السبت، 21 فبراير 2026

كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ {من ج1 الي اخر ج5.}

كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ   من ج1 الي اخر ج5.
 
  بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَهُوَ حَسْبِي وَنِعْمَ الْوَكِيلُ قَالَ الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَالِمُ زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَنَفَعَنَا بِعِلْمِهِ وَتَأْلِيفِهِ وَجَمِيعَ الْمُسْلِمِينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْأَحْكَامَ لِإِمْضَاءِ عِلْمِهِ الْقَدِيمِ ، وَأَجْزَلَ الْإِنْعَامَ لِشَاكِرِ فَضْلِهِ الْعَمِيمِ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْبَرُّ الرَّحِيمُ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الْمَبْعُوثُ بِالدَّيْنِ الْقَوِيمِ ، الْمَنْعُوتُ بِالْخُلُقِ الْعَظِيمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَصَحْبِهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلَ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ ( وَبَعْدُ ) : فَقَدْ أَرَدْت أَنْ أَجْمَعَ لِابْنِي أَبِي زُرْعَةَ مُخْتَصَرًا فِي أَحَادِيثِ الْأَحْكَامِ ، يَكُونُ مُتَّصِلَ الْأَسَانِيدِ بِالْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ فَإِنَّهُ يَقْبُحُ بِطَالِبِ الْحَدِيثِ بَلْ بِطَالِبِ الْعِلْمِ أَنْ لَا يَحْفَظَ بِإِسْنَادِهِ عِدَّةً مِنْ الْأَخْبَارِ ، وَيَسْتَغْنِيَ بِهَا عَنْ حَمْلِ الْأَسْفَارِ فِي الْأَسْفَارِ ، وَعَنْ مُرَاجَعَةِ الْأُصُولِ عِنْدَ الْمُذَاكَرَةِ وَالِاسْتِحْضَارِ ، وَيَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ الْحَرَجِ بِنَقْلِ مَا لَيْسَتْ لَهُ بِهِ رِوَايَةٌ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ سَائِغٍ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ ، وَلَمَّا رَأَيْت صُعُوبَةَ حِفْظِ الْأَسَانِيدِ فِي هَذِهِ الْأَعْصَارِ لِطُولِهَا ، وَكَانَ قَصْرُ أَسَانِيدِ الْمُتَقَدِّمِينَ وَسِيلَةً لِتَسْهِيلِهَا ، رَأَيْت أَنْ أَجْمَعَ أَحَادِيثَ عَدِيدَةً فِي تَرَاجِمَ مَحْصُورَةٍ . وَتَكُونَ تِلْكَ التَّرَاجِمُ فِيمَا عُدَّ مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ مَذْكُورَةً ، إمَّا مُطْلَقًا عَلَى قَوْلِ مَنْ عَمَّمَهُ ، أَوْ مُقَيَّدًا بِصَحَابِيِّ تِلْكَ التَّرْجَمَةِ ، وَلَفْظُ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدَهُ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ هُوَ لِمَنْ ذُكِرَ الْإِسْنَادُ إلَيْهِ مِنْ الْمُوَطَّإِ وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ لَمْ أَعْزُهُ لِأَحَدٍ ، وَكَانَ ذَلِكَ عَلَامَةَ كَوْنِهِ مُتَّفَقًا عَلَيْهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا اقْتَصَرْت عَلَى عَزْوِهِ إلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ فِي وَاحِدٍ مِنْ الصَّحِيحَيْنِ عَزَوْته إلَى مَنْ خَرَّجَهُ مِنْ أَصْحَابِ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ الْتَزَمَ الصِّحَّةَ كَابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ ، فَإِنْ كَانَ عِنْدَ مَنْ عَزَوْت الْحَدِيثَ إلَيْهِ زِيَادَةٌ تَدُلُّ عَلَى حُكْمٍ ذَكَرْتهَا ، وَكَذَلِكَ أَذْكُرُ زِيَادَاتٍ أُخَرَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِهِ ، فَإِنْ كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِنْ حَدِيثِ ذَلِكَ الصَّحَابِيِّ لَمْ أَذْكُرْهُ ، بَلْ أَقُولُ : وَلِأَبِي دَاوُد أَوْ غَيْرِهِ كَذَا . وَإِنْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِهِ قُلْت : وَلِفُلَانٍ مِنْ حَدِيثِ فُلَانٍ كَذَا ، وَإِذَا اجْتَمَعَ حَدِيثَانِ فَأَكْثَرُ فِي تَرْجَمَةٍ وَاحِدَةٍ كَقَوْلِي عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ لَمْ أَذْكُرْهَا فِي الثَّانِي وَمَا بَعْدَهُ ، بَلْ أَكْتَفِي بِقَوْلِي : وَعَنْهُ مَا لَمْ يَحْصُلْ اشْتِبَاهٌ ، وَحَيْثُ عَزَوْت الْحَدِيثَ لِمَنْ خَرَّجَهُ ، فَإِنَّمَا أُرِيدُ أَصْلَ الْحَدِيثِ لَا ذَلِكَ اللَّفْظَ ، عَلَى قَاعِدَةِ الْمُسْتَخْرَجَاتِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْحَدِيثُ إلَّا فِي الْكِتَابِ الَّذِي رَوَيْته مِنْهُ عَزَوْته إلَيْهِ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ وَإِنْ كَانَ قَدْ عُلِمَ أَنَّهُ فِيهِ ، لِئَلَّا يَلْبَسَ ذَلِكَ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، فَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمِنْ حَدِيثِ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ : فَأَخْبَرَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْفَارِقِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَلَانِسِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِمَا قَالَا : أَخْبَرَنَا يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْمَشْهَدِيُّ وَسِيدَةُ بِنْتُ مُوسَى الْمَارَانِيَّةُ . قَالَ يُوسُفُ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَكْرِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الْمُؤَيَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ وَقَالَتْ سِيدَةُ أَنْبَأَنَا الْمُؤَيَّدُ قَالَ أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ سَهْلٍ قَالَ أَخْبَرَنَا سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ . قَالَ أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ أَخْبَرَنَا إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُصْعَبٍ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ قَالَ حَدَّثَنَا مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٌ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ وَمَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ هَذِهِ التَّرَاجِمِ الْأَرْبَعَةِ فَأَخْبَرَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْخَبَّازِ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ بِدِمَشْقَ فِي الرِّحْلَةِ الْأُولَى قَالَ أَخْبَرَنَا الْمُسْلِمُ بْنُ مَكِّيٍّ قَالَ أَخْبَرَنَا حَنْبَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ الشَّيْبَانِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ التَّمِيمِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرٍ الْقَطِيعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ حَدَّثَنِي أَبُو أَحْمَدَ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ ، فَمَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ ، وَمَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، فَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَمَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا يَزِيدُ هُوَ ابْنُ هَارُونَ قَالَ أَخْبَرْنَا هِشَامٌ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَمَا كَانَ مِنْ حَدِيث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا أَبُو مُعَاوِيَةَ قَالَ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ ، وَمَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ قَالَ : حَدَّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ وَحْدَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا حَسَنُ بْنُ مُوسَى قَالَ حَدَّثَنَا شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ عُمَرَ وَعَنْ جَابِرٍ ، وَمَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ فَقَالَ أَحْمَدُ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ قَالَ حَدَّثَنِي حُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ، وَمَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ حَدَّثَنَا لَيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ ، وَمَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَمَا كَانَ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ فَقَالَ أَحْمَدُ حَدَّثَنَا يَحْيَى هُوَ ابْنُ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ قَالَ سَمِعْت الْقَاسِمَ يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ وَلَمْ أُرَتِّبْهُ عَلَى التَّرَاجِمِ بَلْ عَلَى أَبْوَابِ الْفِقْهِ لِقُرْبِ تَنَاوُلِهِ ، وَأَتَيْت فِي آخِرِهِ بِجُمْلَةٍ مِنْ الْأَدَبِ وَالِاسْتِئْذَانِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَسَمَّيْتُهُ ( تَقْرِيبَ الْأَسَانِيدِ وَتَرْتِيبَ الْمَسَانِيدِ ) وَاَللَّهُ أَسْأَلُ أَنْ يَنْفَعَ بِهِ مَنْ حَفِظَهُ أَوْ سَمِعَهُ أَوْ نَظَرَ فِيهِ ، وَأَنْ يُبَلِّغَنَا مِنْ مَزِيدِ فَضْلِهِ مَا نُؤَمِّلُهُ وَنَرْتَجِيهِ . إنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ، وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ وَرَأَيْت الِابْتِدَاءَ بِحَدِيثِ النِّيَّةِ مُسْنَدًا بِسَنَدٍ آخَرَ ، لِكَوْنِهِ لَا يَشْتَرِكُ مَعَ تَرْجَمَةِ أَحَادِيثِ عُمَرَ فَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُصَنِّفَ كِتَابًا فَلْيَبْدَأْ بِحَدِيثِ { الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } . بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي بَيَّنَ أَحْكَامَ الْمِلَّةِ السُّنِّيَّةِ ، وَزَيَّنَ أَعْلَامَ الْجُلَّةِ السُّنِّيَّةِ ، وَبَصَّرَهُمْ بِمَا آتَاهُمْ مِنْ الْآثَارِ النَّبَوِيَّةِ ، وَنَصَرَهُمْ عَلَى مَنْ نَاوَأَهُمْ مِنْ الْأَشْرَارِ الْحَشْوِيَّةِ ، أَشْكُرُهُ عَلَى أَيَادٍ حَارِيَةٍ وَحَفِيَّةٍ ، وَأَسْتَغْفِرُهُ لِمَسَاوِئَ بَادِيَةٍ وَخَفِيَّةٍ ، وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ الْمُتَوَحِّدُ بِالْبَقَاءِ فِي الْأَزَلِيَّةِ ، الْمُنْفَرِدُ بِالْكِبْرِيَاءِ وَالْجَبْرِيَّةِ ، وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ الَّذِي دَعَانَا إلَى الْمِلَّةِ الزَّهْرَاءِ الْحَنِيفِيَّةِ ، وَتَرَكَنَا عَلَى مَحَجَّةٍ بَيْضَاءَ نَقِيَّةٍ ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى آلِهِ وَأَصْحَابِهِ ذَوِي الْمَقَادِرِ الْعَلِيَّةِ ، وَالْمَآثِرِ الْجَلِيَّةِ . ( وَبَعْدُ ) فَلَمَّا أَكْمَلْت كِتَابِي الْمُسَمَّى بِتَقْرِيبِ الْأَسَانِيدِ وَتَرْتِيبِ الْمَسَانِيدِ وَحَفِظَهُ ابْنِي أَبُو زُرْعَةَ الْمُؤَلَّفُ لَهُ وَطَلَبَ حَمْلَهُ عَنِّي جَمَاعَةٌ مِنْ الطَّلَبَةِ الْحَمَلَةِ ، سَأَلَنِي جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابَةِ شَرْحٍ لَهُ يُسَهِّلُ مَا عَسَاهُ يَصْعُبُ عَلَى مَوْضُوعِ الْكِتَابِ ، وَيَكُونُ مُتَوَسِّطًا بَيْنَ الْإِيجَازِ وَالْإِسْهَابِ ، فَتَعَلَّلْتُ بِقُصُورٍ مِنْ الْمُجَاوَرَةِ بِمَكَّةَ عَنْ ذَلِكَ ، وَبِقِلَّةِ الْكُتُبِ الْمُعِينَةِ عَلَى مَا هُنَالِكَ ، ثُمَّ رَأَيْت أَنَّ الْمُسَارَعَةَ إلَى الْخَيْرِ أَوْلَى وَأَجَلُّ ، وَتَلَوْت { فَإِنْ لَمْ يُصِبْهَا وَابِلٌ فَطَلٌّ } ، وَلِمَا ذَكَرْته مِنْ قِصَرِ الزَّمَانِ وَقِلَّةِ الْأَعْوَانِ ، سَمَّيْته طَرْحَ التَّثْرِيبِ فِي شَرْحِ التَّقْرِيبِ ، فَلْيَبْسُطْ النَّاظِرُ فِيهِ عُذْرًا وَلِيَقْتَنِصْ عَرُوسَ فَوَائِدِهِ عُذْرًا ، وَاَللَّهُ الْمَسْئُولُ فِي إكْمَالِهِ وَإِتْمَامِهِ وَحُصُولِ النَّفْعِ بِهِ وَدَوَامِهِ ، إنَّهُ عَلَى مَا يَشَاءُ قَدِيرٌ وَبِالْإِجَابَةِ جَدِيرٌ . وَرَأَيْت أَنْ أُقَدِّمَ قَبْلَ شَرْحِ مَقْصُودِ الْكِتَابِ مُقَدِّمَةً فِي تَرَاجِمِ رِجَالِ إسْنَادِهِ ، وَرَأَيْت أَنْ أَضُمَّ إلَيْهِمْ مَنْ ذُكِرَ اسْمُهُ فِي بَقِيَّةِ الْكِتَابِ لِرِوَايَةِ حَدِيثٍ أَوْ كَلَامٍ عَلَيْهِ ، أَوْ لِذِكْرِهِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ لِعُمُومِ الْفَائِدَةِ بِذَلِكَ ، وَهَذَا حِينَ أَشْرَعُ فِي الْكَلَامِ عَلَى خُطْبَةِ الْأَحْكَامِ ( وَقَوْلُهُ الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ الْأَحْكَامَ لِإِمْضَاءِ عِلْمِهِ الْقَدِيمِ ) الْمُرَادُ بِالْأَحْكَامِ هُنَا أَعَمُّ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، إذْ السُّنَّةُ فِي هَذَا التَّأْلِيفِ هِيَ الْمَقْصُودَةُ وَوَصْفُ السُّنَّةِ بِالْإِنْزَالِ صَحِيحٌ ، فَقَدْ كَانَ الْوَحْيُ يَنْزِلُ بِهَا كَمَا يَنْزِلُ بِالْقُرْآنِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي الرَّجُلِ الَّذِي أَحْرَمَ لِعُمْرَةٍ ، وَهُوَ مُتَضَمِّخٌ بِخَلُوقٍ فَنَزَلَ الْوَحْيُ فِي ذَلِكَ بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ مِنْ قَوْلِهِ : { مَا كُنْتَ صَانِعًا فِي حَجِّكَ فَاصْنَعْهُ فِي عُمْرَتِكَ } الْحَدِيثَ الْمَشْهُورَ ، وَرَوَيْنَا فِي كِتَابِ السُّنَنِ لِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَلَا إنِّي أُوتِيتُ الْكِتَابَ وَمِثْلَهُ مَعَهُ ، أَلَا يُوشِكُ رَجُلٌ شَبْعَانُ عَلَى أَرِيكَتِهِ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْقُرْآنِ ، فَمَا وَجَدْتُمْ فِيهِ مِنْ حَلَالٍ فَأَحِلُّوهُ } الْحَدِيثَ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : السُّنَّةُ وَحْيٌ يُتْلَى . ( وَاللَّامُ ) فِي قَوْلِهِ لِإِمْضَاءٍ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ ، وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ لِلْعَاقِبَةِ وَلَا مَانِعَ مِنْ التَّعْلِيلِ ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ لَوْ لَمْ تَنْزِلْ لَمَا عُذِّبَ الْكَافِرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } فَكَانَ نُزُولُ الْأَحْكَامِ سَبَبًا لِبَيَانِ الطَّائِعِ وَالْعَاصِي ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا تُعَلَّلُ أَفْعَالُهُ ، فَالْمُرَادُ أَنَّهَا لَا تُعَلَّلُ بِالْغَرَضِ لِغِنَاهُ عَنْ جَلْبِ النَّفْعِ وَدَفْعِ الضُّرِّ . وَأَمَّا التَّعْلِيلُ بِمَعْنَى إبْدَاءِ الْحِكْمَةِ فَلَا مَانِعَ مِنْهُ ، وَقَدْ عَلَّلَ هُوَ سُبْحَانَهُ أَفْعَالَهُ لِقَوْلِهِ { الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا } وَقَوْلُهُ { وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إيمَانًا } الْآيَةَ وَنَحْوُ ذَلِكَ . ( قَوْلُهُ : وَبَعْدُ فَقَدْ أَرَدْت أَنْ أَجْمَعَ لِابْنِي أَبِي زُرْعَةَ مُخْتَصَرًا ) إلَى آخِرِهِ تَقَدَّمَ فِي خُطْبَةِ هَذَا الشَّرْحِ أَنِّي أُتَرْجِمُ كُلَّ مَنْ ذُكِرَ فِيهِ فَلَمْ أَرَ أَنْ أُخِلَّ بِذِكْرِ مَنْ أُلِّفَ لَهُ الْكِتَابُ ، وَلَمْ أَرَ إدْخَالَهُ فِي رِجَالِ الْكِتَابِ لِصِغَرِ سِنِّهِ عَنْ الشُّيُوخِ فَرَأَيْت أَنْ أَذْكُرَهُ هُنَا ، وَأُبَيِّنَ وُقُوعَ أَحَادِيثِ الْكِتَابِ لَهُ عَالِيَةً لِاحْتِمَالِ أَنْ يَطُولَ عُمْرُهُ فَيُحَدِّثَ بِهِ ، وَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ إبْرَاهِيمَ أَبُو زُرْعَةَ مَوْلِدُهُ بِظَاهِرِ الْقَاهِرَةِ فِي ثَالِثِ ذِي الْحِجَّةِ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مِنْ سَنَةِ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ حَضَرَ بِالْقَاهِرَةِ عَلَى الْقَاضِي نَاصِرُ الدِّينِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ الرَّبَعِيِّ التُّونُسِيُّ وَفَتْحِ الدِّينِ أَبِي الْحَرَمِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْحَرَمِ الْقَلَانِسِيِّ وَأَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْعَطَّارِ الْعَسْقَلَانِيِّ فِي آخَرِينَ ، وَحَضَرَ بِدِمَشْقَ عَلَى يَعْقُوبَ بْنِ يَعْقُوبَ الْحَرِيرِيِّ وَالْقَاضِي عِمَادِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ السَّيْرَجِيِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمُؤَذِّنِ وَعُمَرَ بْنِ أَمِيلَةَ فِي آخَرِينَ ، وَحَضَرَ بِصَالِحِيَّةِ دِمَشْقَ عَلَى أَحْمَدَ بْنِ النَّجْمِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ أَبِي عُمَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ هِلَالِ بْنِ الْهُبَلِ وَصَلَاحِ الدِّينِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عُمَرَ وَعُمَرَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الشَّحْطَبِيِّ فِي آخَرِينَ ثُمَّ سَمِعَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ خَلَائِقَ وَمِنْ مَسْمُوعَاتِهِ الْكُتُبُ السِّتَّةُ وَالْمُوَطَّأُ وَمُسْنَدُ الشَّافِعِيِّ وَمُسْنَدُ الدَّارِمِيِّ وَمُسْنَدُ الطَّيَالِسِيِّ وَمُسْنَدُ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وَكِتَابُ الْأَدَبُ لِلْبُخَارِيِّ وَكِتَابُ الْأَدَبُ لِلْبَيْهَقِيِّ وَصَحِيحُ ابْنِ حِبَّانَ وَالْمُعْجَمُ الصَّغِيرُ لِلطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَقَدْ وَقَعَتْ لَهُ أَحَادِيثُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ عَالِيَةً فَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ الْمُوَطَّإِ فَخَصُّوهُ بِقِرَاءَتِي عَلَى أَبِي الْحَرَمِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَلَانِسِيِّ بِإِسْنَادِهِ فِيهِ وَأَجَازَ لَهُ وَمَا كَانَ فِيهِ مِنْ مُسْنَدِ أَحْمَدَ فَكَتَبَ إلَيْهِ بِهِ مِنْ الْإِسْكَنْدَرِيَّة عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَالِحٍ الْعَرَضِيُّ قَالَ أَخْبَرْتنَا بِجَمِيعِ الْمُسْنَدِ زَيْنَبُ بِنْتُ مَكِّيِّ بْنِ كَامِلٍ قَالَتْ أَنْبَأَنَا حَنْبَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بِسَنَدِهِ فِيهِ جَعَلَهُ اللَّهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْعَامِلِينَ . ( قَوْلُهُ وَيَتَخَلَّصُ بِهِ مِنْ الْحَرَجِ فِي الْجَزْمِ بِنَقْلِ مَا لَيْسَتْ لَهُ بِهِ رِوَايَةٌ ، فَإِنَّهُ غَيْرُ سَائِغٍ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ الدِّرَايَةِ ) ا هـ . حَكَى هَذَا الْإِجْمَاعَ الَّذِي ذَكَرْته الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ خَيْرِ بْنِ عُمَرَ الْأُمَوِيُّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ الْإِشْبِيلِيُّ وَهُوَ خَالُ أَبِي الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيِّ فَقَالَ فِي بَرْنَامَجِهِ الْمَشْهُورِ حِينَ ذَكَرَ مِنْ فَائِدَةِ كَثْرَةِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الشَّخْصَ يَتَخَلَّصُ بِذَلِكَ مِنْ الْحَرَجِ فِي نَقْلِ مَا لَيْسَتْ لَهُ بِهِ رِوَايَةٌ ، ثُمَّ قَالَ وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ رَحِمَهُمْ اللَّهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَقُولَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَذَا حَتَّى يَكُونَ عِنْدَهُ ذَلِكَ الْقَوْلُ مَرْوِيًّا ، وَلَوْ عَلَى أَقَلِّ وُجُوهِ الرِّوَايَاتِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ } وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ { مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ } مُطْلَقًا دُونَ تَقْيِيدٍ . انْتَهَى كَلَامُ ابْنُ خَيْرٍ . قَوْلُهُ ( رَأَيْت أَنْ أَجْمَعَ أَحَادِيثَ عَدِيدَةً فِي تَرَاجِمَ مَحْصُورَةٍ ، وَتَكُونُ تِلْكَ التَّرَاجِمُ فِيمَا عُدَّ مِنْ أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ مَذْكُورَةً إمَّا مُطْلَقًا عَلَى قَوْلِ مَنْ عَمَّمَهُ أَوْ مُقَيَّدًا بِصَحَابِيٍّ تِلْكَ التَّرْجَمَةُ ) ا هـ . التَّرَاجِمُ الَّتِي جَمَعَهَا فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ سِتَّةَ عَشَرَ تَرْجَمَةً بَعْضُهَا قِيلَ فِيهَا : إنَّهَا أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ مُطْلَقًا ، وَبَعْضُهَا قُيِّدَتْ إمَّا بِالصَّحَابِيِّ الَّذِي رَوَاهَا ، أَوْ بِأَهْلِ بَلَدٍ مَثَلًا كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ هُنَا فِي حِكَايَةِ كَلَامِ مَنْ رَآهَا أَصَحَّ وَقَدْ أَطْلَقَ الْأَئِمَّةُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ مَعِينٍ وَالْبُخَارِيُّ وَآخَرُونَ عَلَى تَرَاجِمَ أَنَّهَا أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ كَمَا سَتَقِفُ عَلَيْهِ وَاسْتَشْكَلَهُ الْحَاكِمُ وَابْنُ الصَّلَاحِ فَقَالَ الْحَاكِمُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُقْطَعَ الْحُكْمُ فِي أَصَحِّ الْأَسَانِيدِ لِصَحَابِيٍّ وَاحِدٍ فَيَقُولُ : إنَّ أَصَحَّ أَسَانِيدِ أَهْلِ الْبَيْتِ ، فَذَكَرَ كَلَامَهُ إلَى آخِرِهِ وَسَتَقِفُ عَلَى بَعْضِهِ فِي بَعْضِ التَّرَاجِمِ الَّتِي نَذْكُرُهَا . وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي عُلُومِهِ أَنَّ دَرَجَاتِ الصَّحِيحِ تَتَفَاوَتُ قَالَ وَلِهَذَا نَرَى الْإِمْسَاكَ عَنْ الْحُكْمِ لِإِسْنَادٍ أَوْ حَدِيثٍ بِأَنَّهُ الْأَصَحُّ عَلَى الْإِطْلَاقِ عَلَى أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْأَئِمَّةِ خَاضُوا غَمْرَةَ ذَلِكَ فَاضْطَرَبَتْ أَقْوَالُهُمْ . ثُمَّ ذَكَرَ الْخِلَافَ فِي أَصَحِّ التَّرَاجِمِ ، وَهَذِهِ التَّرَاجِمُ السِّتَّةَ عَشَرَ مَرْتَبَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْت فِي الْخُطْبَةِ الْأُولَى قَالَ الْبُخَارِيُّ أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ كُلِّهَا مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ هَكَذَا أَطْلَقَ الْبُخَارِيُّ ، وَقَيَّدَهُ الْحَاكِمُ فَقَالَ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ : أَصَحُّ أَسَانِيدِ ابْنِ عُمَرَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ . ( الثَّانِيَةُ ) قَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا : أَصَحُّ أَسَانِيدِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَبُو الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّالِثَةُ ) قَالَ الْحَاكِمُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ : أَصَحُّ أَسَانِيدِ أَنَسٍ مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ . ( الرَّابِعَةُ ) عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ . ( الْخَامِسَةُ ) قَالَ الْحَاكِمُ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ أَصَحُّ أَسَانِيدِ عُمَرَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ . ( السَّادِسَةُ ) قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ : أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ كُلِّهَا الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ أَحْمَدُ أَيْضًا . ( السَّابِعَةُ ) قَالَ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ : أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَلِيٍّ . ( الثَّامِنَةُ ) قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَجْوَدُ الْأَسَانِيدِ الْأَعْمَشُ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ . ( التَّاسِعَةُ ) قَالَ الْحَاكِمُ فِي عُلُومِهِ : أَصَحُّ أَسَانِيدِ الْيَمَانِيَيْنِ مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَالَ الْحَاكِمُ أَيْضًا أَصَحُّ أَسَانِيدِ أَبِي هُرَيْرَةَ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الْحَادِيَ عَشَرَ ) يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةَ عَشَرَ ) قَالَ الْحَاكِمُ أَصَحُّ أَسَانِيدِ الْمَكِّيِّينَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ . ( الثَّالِثَ عَشَرَ ) قَالَ الْحَاكِمُ أَثْبَتُ أَسَانِيدِ الْخُرَاسَانِيِّينَ الْحَسَنُ بْنُ وَاقِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ . ( الرَّابِعَةَ عَشَرَ ) قَالَ الْحَاكِمُ أَثْبَتُ أَسَانِيدِ الْمِصْرِيِّينَ اللَّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ . ( الْخَامِسَةَ عَشَرَ ) الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ . ( السَّادِسَةَ عَشَرَ ) قَالَ الْحَاكِمُ أَصَحُّ أَسَانِيدِ عَائِشَةَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ هَذِهِ تَرْجَمَةٌ مُشَبَّكَةٌ بِالذَّهَبِ . ( قَوْلُهُ وَسَمَّيْته تَقْرِيبَ الْأَسَانِيدِ وَتَرْتِيبَ الْمَسَانِيدِ ) الْمُنَاسَبَةُ بَيْنَ الْكِتَابِ وَبَيْنَ هَذِهِ التَّسْمِيَةِ أَنَّ الْأَسَانِيدَ الطِّوَالَ قَرُبَتْ بِكَوْنِهَا جُمِعَتْ فِي تَرَاجِمَ مَحْصُورَةٍ فَصَارَتْ قَرِيبَةَ التَّنَاوُلِ ، وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ الْمُرَتَّبَةَ عَلَى التَّرَاجِمِ جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنْ تُوضَعَ عَلَى الْحُرُوفِ فِي تَرَاجِمِ الرِّجَالِ فَرَتَّبْت هَذِهِ عَلَى أَبْوَابِ الْفِقْهِ مَعَ كَوْنِهَا عَلَى التَّرَاجِمِ . وَالْمَسَانِيدُ جَمْعُ مُسْنَدٍ وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ إثْبَاتَ الْيَاءِ ، وَقَالَ إنَّمَا يُقَالُ فِيهِ مَسَانِدُ ؛ لِأَنَّ قِيَاسَ مُفْعَلٍ مُفَاعِلُ ، وَأَجَابَ بَعْضُ النُّحَاةِ بِأَنَّهُ يَجُوزُ إثْبَاتُ الْيَاءِ وَخَذْفُهَا فِي نَظَائِرِهِ ، وَصَرَّحَ صَاحِبُ الْعُبَابِ بِأَنَّهُ يُجْمَعُ عَلَى مَسَانِيدَ . وَالْجَوَابُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ جَوَازِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ هُنَا لِمُنَاسَبَةِ الْأَسَانِيدِ فَهُوَ سَائِغٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ . ( قَوْلُهُ رَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ قَالَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُصَنِّفَ كِتَابًا فَلْيَبْدَأْ بِحَدِيثِ { الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } ) أَخْبَرَنِي بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمَيْدُومِيُّ بِقِرَاءَتِي عَلَيْهِ . قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ الْحَرَّانِيِّ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو الْمُطَهِّرِ سَعِيدُ بْنُ رَوْحِ بْنِ أَرْوَيْهِ الْأَصْبَهَانِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ الْفَرَاوِيِّ قَالَ سَمِعْت أَبَا بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنَ الْحُسَيْنِ الْحَافِظَ يَقُولُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظَ يَقُولُ : سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ يَعْقُوبَ الْحَافِظَ يَقُولُ سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ سُلَيْمَانَ بْنِ فَارِسٍ يَقُولُ : سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ يَقُولُ قَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ : ذَلِكَ وَرَوَيْنَا عَنْ ابْنِ مَهْدِيٍّ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : لَوْ صَنَّفْت الْأَبْوَابَ لَجَعَلْت حَدِيثَ عُمَرَ فِي أَوَّلِ كُلِّ بَابٍ وَهُنَا حِينَ الشُّرُوعِ فِي تَرَاجِمِ الْكِتَابِ . أَحْمَدُ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ وَيُدْعَى شَيْبَةَ الْحَمْدِ بْنَ هَاشِمِ بْنِ هَاشِمٍ وَاسْمُهُ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ مَنَافٍ وَاسْمُهُ الْمُغِيرَةُ بْنُ قُصَيٍّ وَاسْمُهُ زَيْدٌ وَيُدْعَى مُجَمِّعَ بْنَ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبِ بْنِ فِهْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مُدْرَكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ إلَى هُنَا أَجْمَعَ النَّسَّابُونَ عَلَى صِحَّتِهِ ، وَاخْتَلَفُوا فِيمَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنَّ عَدْنَانَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا كَمْ بَيْنَهُمَا مِنْ الْآبَاءِ فَقِيلَ سَبْعَةٌ ، وَقِيلَ تِسْعَةٌ وَقِيلَ خَمْسَةَ عَشَرَ وَقِيلَ أَرْبَعُونَ وَفِهْرٌ هُوَ جِمَاعُ قُرَيْشٍ كُلِّهَا قَالَهُ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَكُنْيَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبُو الْقَاسِمِ كُنِيَ بِابْنِهِ الْقَاسِمِ وَهُوَ أَكْبَرُ وَلَدِهِ . وُلِدَ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَأُمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمِنَةُ بِنْتُ وَهْبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابٍ فَزَهْرَةُ أَخُو قُصَيٍّ وَغَلِطَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي قَوْلِهِ إنَّ زُهْرَةَ امْرَأَةٌ . فَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشْرَفَ الْعَرَبِ نَسَبًا مِنْ قِبَلِ أَبِيهِ وَأُمِّهِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { إنَّ اللَّهَ اصْطَفَى كِنَانَةَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ وَاصْطَفَى قُرَيْشًا مِنْ كِنَانَةَ وَاصْطَفَى مِنْ قُرَيْشٍ بَنِي هَاشِمٍ وَاصْطَفَانِي مِنْ بَنِي هَاشِمٍ } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ لِي خَمْسَةَ أَسْمَاءٍ أَنَا مُحَمَّدٌ وَأَنَا أَحْمَدُ } الْحَدِيثَ وَلَمْ يَتَسَمَّ بِأَحْمَدَ قَبْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ وَلَا فِي زَمَنِهِ وَلَا فِي زَمَنِ أَصْحَابِهِ حِمَايَةً لِهَذَا الِاسْم الَّذِي بَشَّرَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ . وَأَوَّلُ مَنْ سُمِّيَ أَحْمَدَ فِي الْإِسْلَامِ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ تَمِيمٍ وَالِدُ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ الْعَرُوضِيِّ قَالَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْمُبَرِّدُ ، وَأَمَّا مَنْ تَسَمَّى بِمُحَمَّدٍ فَذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيُّ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي الْعَرَبِ مَنْ تَسَمَّى بِهِ قَبْلَهُ إلَّا ثَلَاثَةٌ طَمِعَ آبَاؤُهُمْ حِينَ سَمِعُوا بِهِ وَبِقُرْبِ زَمَانِهِ أَنْ يَكُونَ وَلَدًا لَهُمْ فَذَكَرَهُمْ وَبَلَّغَ بِهِمْ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَدَّ سِتَّةً لَا سَابِعَ لَهُمْ ، وَعَدَّ فِيهِمْ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةً وَلَهُ صُحْبَةٌ وُلِدَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعَشْرِ سِنِينَ ، وَكُلُّ مَنْ تَسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ لَمْ يَدَّعِ النُّبُوَّةَ ، وَلَمْ يَدَّعِهَا لَهُ أَحَدٌ { وَ اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } . وَوُلِدَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْفِيلِ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّهُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ لَكِنْ اخْتَلَفُوا هَلْ كَانَ يَوْمَ الثَّانِي عَشَرَ ، وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِ وَاحِدٍ وَقِيلَ ثَانِيهِ ، وَقِيلَ أَوَّلُ اثْنَيْنِ فِيهِ وَشَذَّ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ فَقَالَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ ثَانِيَ عَشَرَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَمْ يُتَابِعْ عَلَيْهِ ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي عَامِ الْفِيلِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قِيلَ إنَّهُ وُلِدَ بَعْدَ عَامِ الْفِيلِ بِثَلَاثِينَ سَنَةً . حَكَاهُ الْمَزِيُّ فِي التَّهْذِيبِ وَمَاتَ أَبُوهُ وَهُوَ حَمْلٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ إِسْحَاقَ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ حَدِيثُ حَلِيمَةَ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ وَقِيلَ مَاتَ وَلَهُ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ شَهْرًا وَقِيلَ ثَمَانِيَةٌ وَعِشْرُونَ شَهْرًا ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَوَرَدَ فِي غَيْرِ مَا حَدِيثٍ أَنَّهُ وُلِدَ مَخْتُونًا مَسْرُورًا ، وَقِيلَ خَتَنَهُ جَدُّهُ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ وَقِيلَ خَتَنَهُ جِبْرِيلُ حَكَاهُمَا ابْنُ الْعَدِيمِ فِي الْمُلْحَةِ وَأَرْضَعَتْهُ ثُوَيْبَةُ ثُمَّ حَلِيمَةُ السَّعْدِيَّةُ ، وَأَقَامَ عِنْدَهَا فِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ أَرْبَعَ سِنِينَ وَقِيلَ خَمْسٌ ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَقِيلَ أَرْضَعَتْهُ أَيْضًا خَوْلَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ ذَكَرَهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْأَمِينُ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِيمَنْ أَرْضَعَهُ أَيْضًا أُمُّ أَيْمَنَ وَهِيَ حَاضِنَتُهُ . وَفِي بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ شُقَّ صَدْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُقْتَضَى حَدِيثِ حَلِيمَةَ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّهُ كَانَ فِي السَّنَةِ الثَّالِثَةِ وَقِيلَ كَانَ ابْنَ خَمْسٍ وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ زِيَادَاتِ ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قِصَّةِ شَقِّ الصَّدْرِ أَنَّهُ كَانَ ابْنَ عَشْرِ سِنِينَ وَأَشْهُرَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ شَقُّ صَدْرِهِ فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ ، وَأَنْكَرَ صِحَّتَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَادَّعَيَا أَنَّهُ مِنْ تَخْلِيطِ شَرِيكٍ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ شَرِيكٍ وَرَجَّحَ السُّهَيْلِيُّ وَصَاحِبُ الْمُفْهِمِ ، وَغَيْرُهُمْ أَنَّ شَقَّ صَدْرِهِ كَانَ مَرَّتَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَتُوُفِّيَتْ أُمُّهُ آمِنَةُ وَلَهُ سِتُّ سِنِينَ ، وَقِيلَ أَرْبَعٌ ، وَمَاتَ جَدُّهُ وَلَهُ ثَمَانِ سِنِينَ وَتَزَوَّجَ خَدِيجَةَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَابْتَعَثَهُ اللَّهُ بِالرِّسَالَةِ عَلَى رَأْسِ الْأَرْبَعِينَ فَأَقَامَ بَعْدَ النُّبُوَّةِ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ وَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ ثَالِثَ عَشَرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إحْدَى عَشْرَةَ مِنْ الْهِجْرَةِ ، هَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَقَدْ اسْتَشْكَلَ السُّهَيْلِيُّ قَوْلَهُمْ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَانِيَ عَشْرَةَ لِعَدَمِ إمْكَانِ كَوْنِ الثَّانِي عَشَرَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَكُونَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّ حَجَّةَ الْوَدَاعِ كَانَتْ الْوَقْفَةُ فِيهَا بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَعَلَى هَذَا فَلَوْ فُرِضَتْ الشُّهُورُ نَوَاقِصَ أَوْ كَوَامِلَ أَوْ مُخْتَلِفَةً لَمْ يُتَصَوَّرْ ذَلِكَ . وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ مَنْ قَالَ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ هُوَ الصَّوَابُ وَتَكُونُ وَفَاتُهُ فِي لَيْلَةِ الثَّالِثَ عَشَرَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَبِهَذَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { فَأَلْقَى السَّجَفَ } وَتُوُفِّيَ مِنْ آخِرِ ذَلِكَ الْيَوْمِ . فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ آخِرَ النَّهَارِ وَأَوَّلَ اللَّيْلِ ، وَلَكِنْ يُشْكِلُ عَلَيَّ هَذَا أَنَّ كَلَامَ أَهْلِ السِّيَرِ يَقْتَضِي نُقْصَانَ الشُّهُورِ لَا كَمَالَهَا ، وَأَيْضًا فَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي ارْتِفَاعِ الضُّحَى وَانْتِصَافِ النَّهَارِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ } رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ مِنْ حَيْثُ التَّارِيخِ قَوْلُ مَنْ قَالَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ثَانِيَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوَّلَ ، وَهُوَ قَوْلُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَكَانَ عُمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَمُعَاوِيَةَ وَجَرِيرٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْجُمْهُورُ وَقِيلَ سِتُّونَ ، وَقِيلَ اثْنَانِ وَسِتُّونَ وَقِيلَ خَمْسٌ وَسِتُّونَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْلِيمًا كَثِيرًا . ( أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنُ إسْمَاعِيلَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ الْجُرْجَانِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ ) رُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ وَيُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ الْقَاضِي وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ زُهَيْرٍ الْحَلْوَانِيِّ وَخَلَائِقَ يَجْمَعُهُمْ مُعْجَمُهُ الْمَشْهُورُ . رَوَى عَنْهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ غَالِبٍ الْبَرْقَانِيُّ وَالْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَاسَاتِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْجَوَيْهِ الْأَصْبَهَانِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ وَأَبُو الْفَضْلِ عُمَرُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْهَرَوِيُّ وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ ، وَكَانَ أَوَّلُ سَمَاعِهِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ قَالَ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِ نَيْسَابُورَ كَانَ وَاحِدَ عَصْرِهِ وَشَيْخَ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَأَجَلَّهُمْ فِي الرِّيَاسَةِ وَالْمُرُوءَةِ وَالسَّخَاءِ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ فِي الطَّبَقَاتِ جَمَعَ بَيْنَ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَرِيَاسَةِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا وَصَنَّفَ الصَّحِيحَ . وَقَالَ الذَّهَبِيُّ : كَانَ ثِقَةً حُجَّةً كَثِيرَ الْعِلْمِ قَالَ حَمْزَةُ السَّهْمِيُّ فِي تَارِيخِ جُرْجَانَ : تُوُفِّيَ فِي غُرَّةِ رَجَبٍ سَنَةَ إحْدَى وَسَبْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَلَهُ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً . أَحْمَدُ بْنُ أَبِي بَكْرٍ وَاسْمُ أَبِي بَكْرٍ الْقَاسِمُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَبُو مُصْعَبٍ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ أَحَدُ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ عَنْ مَالِكٍ رَوَى عَنْ مَالِكٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ وَيُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ الْمَاجِشُونِ فِي آخَرِينَ رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيُّ وَخَلَائِقُ . قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ : مَاتَ وَهُوَ فَقِيهُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ غَيْرَ مُدَافَعٍ ، وَلَّاهُ الْقَضَاءَ بِالْمَدِينَةِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بَعْدَ أَنْ كَانَ عَلَى شُرْطَتِهِ . وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ : صَدُوقٌ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : ثِقَةٌ فِي الْمُوَطَّإِ ، وَقَدَّمَهُ عَلَى يَحْيَى بْنِ بُكَيْر ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ إنَّ رِوَايَتَهُ لِلْمُوَطَّأِ وَرِوَايَةَ أَبِي حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ آخِرُ مَا رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ ، وَفِيهِمَا نَحْوُ مِائَةِ حَدِيثٍ زَائِدَةً عَلَى سَائِرِ الْمُوَطَّآتِ . قَالَ السَّرَّاجُ : مَاتَ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ زَادَ غَيْرُهُ وَلَهُ اثْنَتَانِ وَتِسْعُونَ سَنَةً . ( أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ مَالِكٍ أَبُو بَكْرٍ الْبَغْدَادِيُّ الْقَطِيعِيُّ ) كَانَ يَسْكُنُ قَطِيعَةَ الدَّقِيقِ بِبَغْدَادَ فَنُسِبَ إلَيْهَا رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي إبْرَاهِيمَ إِسْحَاقَ بْنِ الْحَسَنِ الْجَوْنِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ يُونُسَ الْكُدَيْمِيِّ وَبِشْرِ بْنِ مُوسَى الْأَسَدِيِّ وَأَبِي مُسْلِمٍ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكَجِّيِّ وَإِدْرِيسَ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْمُقْرِي وَالْحُسَيْنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ إبْرَاهِيمَ فِي آخَرِينَ رَوَى عَنْهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْبَيْعِ الْحَاكِمُ وَالْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الطَّيِّبِ بْنِ الْبَاقِلَّانِيِّ وَأَبُو الْعَلَاءِ صَاعِدُ بْنُ الْحَسَنِ اللُّغَوِيُّ وَمَكِّيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِيُّ وَأَبُو سَعِيدٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ حَمْدَانَ الْبَصْرَوِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْأَزْهَرِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ . وَأَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْعَلَّافِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَاكَوَيْهِ الشِّيرَازِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ شَاهِينَ وَأَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ السَّوَّاقُ وَأَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّمِيمِي الْوَاعِظُ رَاوِي الْمُسْنَدِ عَنْهُ وَأَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرَ الْبَرْمَكِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عِيسَى الْبَاقِلَّانِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيُّ وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ قَالَ الْحَاكِمُ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ . وَقَالَ الْبَرْقَانِيُّ غَرِقَتْ قِطْعَةٌ مِنْ كُتُبِهِ فَنَسَخَهَا مِنْ كِتَابٍ ذَكَرُوا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ سَمَاعُهُ فِيهِ فَغَمَزُوهُ لِأَجْلِ ذَلِكَ ، وَإِلَّا فَهُوَ ثِقَةٌ ، قَالَ وَكُنْت شَدِيدَ التَّنْفِيرِ عَنْهُ حَتَّى تَبَيَّنَ عِنْدِي أَنَّهُ صَدُوقٌ وَلَا شَكَّ فِي سَمَاعِهِ ، قَالَ : وَسَمِعْت أَنَّهُ مُجَابُ الدَّعْوَةِ . وَقَالَ الْخَطِيبُ لَمْ نَرَ أَحَدًا تَرَكَ الِاحْتِجَاجَ بِهِ وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْفُرَاتِ وَتَبِعَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ اخْتَلَّ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَخَرِفَ حَتَّى كَانَ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِمَّا قُرِئَ عَلَيْهِ . قَالَ الذَّهَبِيُّ فَهَذَا غُلُوٌّ وَإِسْرَافٌ . وَتُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَلَهُ خَمْسٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً . أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُوسَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ الْخُسْرَوْ جِرْدِيُّ الْإِمَامُ الْحَافِظُ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْمَشْهُورَةِ سَمِعَ بِنَيْسَابُورَ وَخُرَاسَانَ وَبَغْدَادَ وَمَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَالْكُوفَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ وَرَوَى عَنْ أَبِي الْحَسَنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ دَاوُد الْعَلَوِيِّ وَابْنِ عَلِيٍّ الْحُسَيْنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الرُّوذَبَارِيّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمِ بْنِ الْبَيْعِ وَأَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُزَكِّي بْنِ مَنْدَهْ وَأَبِي سَعِيدٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى بْنِ الْفَضْلِ وَأَبِي طَاهِرٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزِّيَادِيِّ وَعَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بَشْرَانَ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ السُّلَمِيُّ . فِي آخَرِينَ رَوَى عَنْهُ حَفِيدُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مَنْدَهْ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْقَرَاوِيُّ وَأَبُو الْمُظَفَّرِ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ زَاهِرُ بْنُ طَاهِرٍ الشَّحَّامِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخُوَارِيُّ وَأَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْفَارِسِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الدَّهَّانُ وَغَيْرُهُمْ . وَصَنَّفَ كُتُبًا كَثِيرَةً مِنْهَا السُّنَنُ الْكُبْرَى لَهُ وَكِتَابُ مَعْرِفَةِ السُّنَنِ وَالْآثَارِ وَكِتَابُ شُعَبِ الْإِيمَانِ وَكِتَابُ الْمَدْخَلِ وَكِتَابُ الْأَدَبِ وَكِتَابُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ وَكِتَابُ الْأَدْعِيَةِ الْكَبِيرِ وَكِتَابُ الْأَدْعِيَةِ الصَّغِيرِ وَكِتَابُ الِاعْتِقَادِ الْكَبِيرِ وَكِتَابُ الِاعْتِقَادِ الصَّغِيرِ وَفَصَائِلِ الْأَوْقَاتِ وَكِتَابُ الْمَبْسُوطِ فِي نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَكِتَابُ أَحْكَامِ الْقُرْآنِ وَدَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَكِتَابُ الزُّهْدِ الْكَبِيرِ وَكِتَابُ الزُّهْدِ الصَّغِيرِ وَمَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرُ ذَلِكَ . قَالَ الذَّهَبِيُّ وَبَلَغَتْ تَصَانِيفُهُ أَلْفَ جُزْءٍ وَنَفَعَ اللَّهُ الْمُسْلِمِينَ بِهَا شَرْقًا وَغَرْبًا لِإِمَامَةِ الرَّجُلِ وَدِينِهِ وَفَضْلِهِ وَإِتْقَانِهِ فَاَللَّهُ يَرْحَمُهُ انْتَهَى . تَفَقَّهَ أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى أَبِي الْفَتْحِ نَاصِرِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْمَرْوَزِيِّ وَاعْتَنَى بِكُتُبِ الشَّافِعِيِّ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِهَا وَجَمْعِ نُصُوصِهِ وَانْتِزَاعَاتِهِ حَتَّى قِيلَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ إلَّا وَلِلشَّافِعِيِّ فِي عُنُقِهِ مِنَّةٌ إلَّا الْبَيْهَقِيَّ فَإِنَّ لَهُ عَلَيْهِ مِنَّةً ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ فِي عَاشِرِ جُمَادَى الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ بِنَيْسَابُورَ وَحُمِلَ تَابُوتُهُ إلَى بَيْهَقَ فَدُفِنَ بِهَا رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ . أَحْمَدُ بْنُ سِنَانِ بْنِ أَسَدِ بْنِ حَيَّانَ أَبُو جَعْفَرٍ الْوَاسِطِيُّ الْقَطَّانُ الْحَافِظُ رَوَى عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَوَكِيعٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَطَبَقَتِهِمْ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ جَعْفَرٌ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَالنَّسَائِيُّ فِي جَمْعِهِ لِحَدِيثِ مَالِكٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُد وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَخَلْقٌ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : ثِقَةٌ صَدُوقٌ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي حَاتِمٍ : إمَامُ أَهْلِ زَمَانِهِ ، وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ عَسَاكِرَ كَلَامَهُ وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ ، وَبِهِ جَزَمَ الذَّهَبِيُّ فِي الْعِبَرِ وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ . أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَحْرِ بْنِ سِنَانِ بْنِ دِينَارٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيّ الْحَافِظُ مُصَنِّفُ السُّنَنِ وَأَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْمُبَرَّزِينَ رَوَى عَنْ قُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَهِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ وَعِيسَى بْنِ حَمَّادٍ زَغَبَةَ فِي خَلْقٍ كَثِيرِينَ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الْكَرِيمِ وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَأَبُو عَوَانَةَ الْإسْفَرايِينِيّ وَأَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو بِشْرٍ الدُّولَابِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ السُّنِّيِّ وَخَلَائِقُ آخِرُهُمْ أَبْيَضُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِهْرِيُّ حَدَّثَ عَنْهُ بَحْرٌ سَمِعْنَاهُ مُتَّصِلًا عَالِيًا . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ : النَّسَائِيّ إمَامٌ فِي الْحَدِيثِ بِلَا مُدَافَعَةٍ ، وَقَالَ الطَّحْطَاوِيُّ : إمَامٌ مِنْ أَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : مُقَدَّمٌ عَلَى كُلِّ مَنْ يُذْكَرُ بِهَذَا الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ عَصْرِهِ ، وَسُئِلَ الدَّارَقُطْنِيُّ : إذَا حَدَّثَ النَّسَائِيّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ أَيُّمَا يُقَدَّمُ ؟ فَقَالَ : النَّسَائِيُّ : فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِثْلَهُ وَلَا أُقَدِّمُ عَلَيْهِ أَحَدًا ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْوَرَعِ مِثْلَهُ . وَقَالَ الْحَاكِمُ : سَمِعْت الدَّارَقُطْنِيّ يَقُولُ : كَانَ النَّسَائِيّ أَفْقَهَ مَشَايِخِ مِصْرَ فِي عَصْرِهِ وَأَعْرَفَهُمْ بِالصَّحِيحِ وَالسَّقِيمِ وَأَعْلَمَهُمْ ، بِالرِّجَالِ . وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ : كَانَ إمَامًا فِي الْحَدِيثِ ثِقَةً ثَبْتًا حَافِظًا كَانَ خُرُوجُهُ مِنْ مِصْرَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ بِفِلَسْطِينَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِثَلَاثِ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ صَفَرٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ ، وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْغَسَّانِيُّ لَيْلَةَ الِاثْنَيْنِ . وَكَذَا قَالَ الطَّحْطَاوِيُّ : مَاتَ فِي صَفَرٍ بِفِلَسْطِينَ . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَامِرٍ الْعَبْدَرِيُّ : إنَّهُ تُوُفِّيَ بِالرَّمْلَةِ مَدِينَةِ فِلَسْطِينَ وَحُمِلَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَدُفِنَ بِهِ وَحَكَى ابْنُ مَنْدَهْ عَنْ مَشَايِخِهِ بِمِصْرَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مِصْرَ إلَى دِمَشْقَ فَوَقَعَتْ لَهُ بِهَا كَائِنَةٌ ، ثُمَّ حُمِلَ إلَى مَكَّةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِمِائَةٍ وَهُوَ مَدْفُونٌ بِهَا وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ حُمِلَ إلَى مَكَّةَ فَتُوُفِّيَ بِهَا فِي شَعْبَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ . أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ سِبْطُ الزَّاهِدِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ الْبَنَّاءِ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْمُكْثِرِينَ وَصَاحِبُ التَّصَانِيفِ كَالْحِلْيَةِ وَتَارِيخِ أَصْبَهَانَ وَعَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ وَفَضَائِلِ الْقُرْآنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . رَوَى عَنْ أَبِيهِ أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرٍ السِّمْسَارِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ وَأَبِي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ الصَّوَّافِ وَأَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ خَلَّادٍ وَالْقَاضِي أَبِي أَحْمَدَ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْعَسَّالِ وَأَبِي الْقَاسِمِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيِّ وَأَبِي الشَّيْخِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ إِسْحَاقَ الْجَابِرِيِّ فِي آخَرِينَ كَثِيرِينَ . وَأَجَازَ لَهُ خَيْثَمَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ الأطرابلسي وَأَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ الْأَصَمُّ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرِ بْنِ دَلَّهْ وَآخَرُونَ رَوَى عَنْهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَلِيٍّ الْعَطَّارُ وَهُوَ كَانَ الْمُسْتَمْلِي عَنْهُ وَأَبُو الْفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ الْحَدَّادُ وَأَبُو سَعْدٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُطَرِّزِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ غَانِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْبُرْجِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَدَّادِ وَأَبُو طَاهِرٍ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ مُحَمَّدٍ الدَّشْتَجُ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ وَآخَرُونَ وَهُوَ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْمُكْثِرِينَ ، وَوَثَّقَهُ الْخَطِيبُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت لَهُ أَشْيَاءَ يَتَسَاهَلُ فِيهَا : مِنْهَا أَنَّهُ يُطْلِقُ فِي الْإِجَازَةِ . أَخْبَرَنَا وَلَا يُبَيِّنُ ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ : صَدُوقٌ تُكُلِّمَ فِيهِ بِلَا حُجَّةٍ وَتُوُفِّيَ بِأَصْبَهَانَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَلَهُ يَوْمئِذٍ أَرْبَعٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً . أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ الْبَصْرِيُّ أَحَدُ الْحُفَّاظِ وَمُصَنِّفُ الْمُسْنَدِ رَوَى عَنْ هَدِيَّةَ بْنِ خَالِدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ الْجُمَحِيِّ وَزَيْدِ بْنِ أَخْزَمَ الطَّائِيِّ وَالْفَلَّاسِ وَبُنْدَارٍ وَخَلْقٍ رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبُّوبَةَ النَّيْسَابُورِيُّ وَأَبُو الشَّيْخِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَيَّانَ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ حَبِيبِ بْنِ الصَّمُوتِ وَأَبُو الْقَاسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ بْنِ أَحْمَدَ الطَّبَرَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ تَكَلَّمَ فِيهِ النَّسَائِيّ . وَقَالَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ يُخْطِئُ فِي الْمَتْنِ وَالْإِسْنَادِ ، وَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَكَانَ يُحَدِّثُ مِنْ حِفْظِهِ وَيَتَّكِلُ عَلَيْهِ فَيَغْلَطُ ، تُوُفِّيَ بِالرَّمْلَةِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ اثْنَيْنِ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ . أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ الْأَزْدِيُّ الْحَافِظُ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيُّ إمَامُ الْحَنَفِيَّةِ رَوَى عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى وَهَارُونَ بْنِ سَعِيدٍ الْأَيْلِيِّ وَالرَّبِيعِ الْجِيزِيِّ وَالرَّبِيعِ الْمُرَادِيِّ وَعَلِيِّ بْنِ مَعْبَدِ بْنِ نُوحٍ وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَهْبٍ وَخَلَائِقَ رَوَى عَنْهُ أَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُقْرِي وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ يُونُسَ ، وَقَالَ كَانَ ثِقَةً ثَبْتًا لَمْ يُخْلَفْ مِثْلُهُ . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ انْتَهَتْ إلَيْهِ رِئَاسَةُ الْحَنَفِيَّةِ بِمِصْرَ ، أَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ أَبِي جَعْفَرِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ وَأَبِي حَازِمٍ الْقَاضِي وَتُوُفِّيَ سَنَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةِ وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ . أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ هِلَالِ بْنِ أَسَدِ بْنِ إدْرِيسَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَيَّانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَنَسِ بْنِ عَوْفِ بْنِ قَاسِطِ بْنِ مَازِنِ بْنِ شَيْبَانُ بْنِ ذُهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُكَابَةَ بْنِ صَعْبِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ بَكْرِ بْنِ وَائِلِ بْنِ قَاسِطِ بْنِ هِنْبِ بْنِ أَفْصَى بْنِ دَعْمِيِّ بْنِ جَدِيلَةَ بْنِ أَسَدِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ نِزَارِ بْنِ مَعَدِّ بْنِ عَدْنَانَ الْإِمَامُ الْعَلَمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذُّهْلِيُّ ثُمَّ الشَّيْبَانِيُّ الْمَرْوَزِيِّ ثُمَّ الْبَغْدَادِيُّ خَرَجَ بِهِ مِنْ مَرْوَ وَهُوَ حَمْلٌ فَوُلِدَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ . وَتُوُفِّيَ أَبُوهُ شَابًّا وَطَلَبَ أَحْمَدُ الْعِلْمَ سَنَةَ وَفَاةِ مَالِكٍ وَهِيَ سَنَةُ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ فَسَمِعَ مِنْ هُشَيْمِ وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْقَطَّانِ وَمُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ وَعَبْدِ الرَّزَّاقِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَخَلَائِقَ بِمَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ وَبَغْدَادَ وَالْيَمَنِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ . رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ صَالِحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ وَالْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَإِبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ الرَّازِيّ وَأَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَأَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ وَعُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ الْبَغَوِيّ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ وَخَلَائِقُ وَرَوَى عَنْهُ مِنْ شُيُوخِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَالْأَسْوَدُ بْنُ عَامِرٍ ، وَمِنْ أَقْرَانِهِ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَقَالَ مَا رَأَيْت خَيْرًا مِنْهُ وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ إنَّهُ أَعْلَمُ النَّاسِ بِحَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ . وَقَالَ وَكِيعٌ مَا قَدِمَ الْكُوفَةَ مِثْلُهُ وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ : مَا قَدِمَ عَلَيَّ مِثْلُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ خَرَجْت مِنْ بَغْدَادَ وَمَا خَلَّفْت بِهَا أَفْقَهَ وَلَا أَزْهَدَ وَلَا أَوْرَعَ مِنْهُ وَقَالَ قُتَيْبَةُ : أَحْمَدُ إمَامُ الدُّنْيَا وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ لَيْسَ فِي أَصْحَابِنَا أَحْفَظُ مِنْهُ ، وَقَالَ أَيْضًا مَا قَامَ أَحَدٌ فِي الْإِسْلَامِ مَا قَامَ بِهِ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : لَسْت أَعْلَمُ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلَهُ ، وَقَالَ أَيْضًا : انْتَهَى عِلْمُ الْحَدِيثِ إلَى أَرْبَعَةٍ فَكَانَ أَحْمَدُ أَفْقَهَهُمْ فِيهِ . وَقَالَ حَجَّاجُ بْنُ الشَّاعِرِ : مَا رَأَتْ عَيْنَايَ أَفْضَلَ مِنْهُ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ مَا رَأَيْت أَسْوَدَ الرَّأْسِ أَحْفَظَ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَعْلَمَ بِفِقْهِهِ وَمَعَانِيهِ مِنْهُ . وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ كَانَ يَحْفَظُ أَلْفَ أَلْفِ حَدِيثٍ وَقَالَ بِشْرٌ الْحَافِي : إنَّ ابْنَ حَنْبَلٍ أَدْخَلَ الْكِيرَ فَخَرَجَ ذَهَبًا أَحْمَرَ وَقَالَ نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ الْجَهْضَمِيُّ أَحْمَدُ أَفْضَلُ أَهْلِ زَمَانِهِ وَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ كَانَ أَبِي يُصَلِّي كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثَلَثَمِائَةِ رَكْعَةٍ فَلَمَّا مَرِضَ مِنْ تِلْكَ الْأَسْوَاطِ يَعْنِي الَّتِي ضَرَبَهَا فِي الْمِحْنَةِ ضَعُفَ فَكَانَ يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِائَةً وَخَمْسِينَ رَكْعَةً ، وَقَدْ قَارَبَ الثَّمَانِينَ وَكَانَ يَخْتِمُ فِي كُلِّ أُسْبُوعٍ مَرَّةً بِاللَّيْلِ وَمَرَّةً بِالنَّهَارِ وَكَانَ يُصَلِّي الْعِشَاءَ ، وَيَنَامُ نَوْمَةً خَفِيفَةً ثُمَّ يَقُومُ إلَى الصَّبَاحِ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : مَرِضَ أَحْمَدُ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ ، وَمَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِاثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْهُ . وَقَالَ حَنْبَلٌ : مَاتَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَلَهُ سَبْعٌ وَسَبْعُونَ سَنَةً وَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَالْفَضْلُ بْنُ زِيَادٍ مَاتَ فِي ثَانِي عَشَرَ رَبِيعٍ الْآخَرِ . أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالُ الْبَغْدَادِيُّ الْحَنْبَلِيُّ صَاحِبُ ( كِتَابِ الْعِلَلِ ) رَوَى عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَرَفَةَ وَغَيْرِهِ ، وَتَفَقَّهَ عَلَى أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَجَّاجِ الْمَرْوَزِيِّ وَأَنْفَقَ عُمْرَهُ فِي جَمْعِ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَتَصْنِيفِهِ ، رَوَى عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَنْبَلِيُّ وَآخَرُونَ وَكَانَ ثِقَةً صَالِحًا تُوُفِّيَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلَ سَنَةَ إحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ لَهُ ذِكْرٌ فِي الصَّلَاةِ . إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ أَبُو إِسْحَاقَ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ نَزِيلُ بَغْدَادَ أَحَدُ الْأَعْلَامِ رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ الزُّهْرِيِّ وَابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ رَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَابْنُ وَهْبٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَخَلْقٌ كَثِيرُونَ . قَالَ أَبُو دَاوُد وَلِيَ بَيْتَ الْمَالِ بِبَغْدَادَ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ كَانَ عِنْدَهُ عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ نَحْوٌ مِنْ سَبْعَةَ عَشَرَ أَلْفَ حَدِيثٍ فِي الْأَحْكَامِ سِوَى الْمَغَازِي وَقَدْ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُمَا ، تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ قَالَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَجَمَاعَةٌ وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانٍ وَمِائَةٍ . إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ بْنِ مُوسَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْهَاشِمِيِّ الْعَلَوِيُّ أَبُو إِسْحَاقَ الْأَمِيرُ ، رَوَى عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ أَحْمَدَ بْنِ بَكْرٍ الزُّهْرِيِّ وَالزُّبَيْرِ بْنِ بَكَّارَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْأَشَجِّ وَعُبَيْدِ بْنِ أَسْبَاطَ وَأَبِي الْوَلِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَزْرَقِيِّ فِي آخَرِينَ وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَوَى الْمُوَطَّأَ عَنْ أَبِي مُصْعَبٍ رَوَى عَنْهُ الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَأَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْكَتَّانِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ صَالِحٍ السَّامِرِيُّ الرَّفَّاءُ وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْرُوفٍ الْبَزَّازُ وَالْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ السَّرْمَدِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي مُوسَى الْهَاشِمِيُّ وَآخَرُونَ ، آخِرُهُمْ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُوسَى الْمُجْبِرُ تَكَلَّمَ فِيهِ عَلِيُّ بْنُ لُؤْلُؤٍ الْوَرَّاقُ بِلَا حُجَّةٍ فَقَالَ دَخَلْت إلَيْهِ إلَى سَامِرَا لِأَسْمَعَ مِنْهُ الْمُوَطَّأَ فَلَمْ أَرَ لَهُ أَصْلًا صَحِيحًا فَتَرَكْته وَخَرَجْت وَقَدْ قَالَ ابْنُ أُمِّ شَيْبَانُ الْقَاضِي رَأَيْت سَمَاعَهُ بِالْمُوَطَّأِ سَمَاعًا قَدِيمًا صَحِيحًا وَقَالَ الذَّهَبِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى تُوُفِّيَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ . إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو مُسْلِمٍ الْكَشِّيِّ يَأْتِي فِي الْكُنَى إبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ قَيْسِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ النَّخَعِيّ الْكُوفِيُّ يُكَنَّى أَبَا عِمْرَانَ كَانَ أَحَدَ الْفُقَهَاءِ الْأَعْلَامِ دَخَلَ عَلَى عَائِشَةَ وَهُوَ صَغِيرٌ وَرَوَى عَنْهَا فَقِيلَ إنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهَا وَرَوَى عَنْ خَالِهِ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ وَعَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ وَمَسْرُوقِ بْنِ الْأَجْدَعِ وَغَيْرِهِمْ رَوَى عَنْهُ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَالْأَعْمَشُ وَمَنْصُورٌ وَزُبَيْدٌ الْيَامِيُّ وَخَلَائِقُ . قَالَ الْأَعْمَشُ كَانَ إبْرَاهِيمُ صَيْرَفِيَّ الْحَدِيثِ وَقَالَ الْعِجْلِيّ : كَانَ مُفْتِيَ الْكُوفَةِ هُوَ وَالشَّعْبِيُّ ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَتِسْعِينَ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَاخْتُلِفَ فِي مَبْلَغِ سِنِّهِ فَقِيلَ تِسْعٌ وَأَرْبَعُونَ وَقِيلَ ثَمَانٍ وَخَمْسُونَ . إبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْخُوزِيُّ نَزَلَ شُعَبَ الْخُوزِ بِمَكَّةَ رَوَى عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَغَيْرِهِمَا رَوَى عَنْهُ وَكِيعٌ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي جَمَاعَةٍ آخَرِينَ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : لَيْسَ بِثِقَةٍ ، وَقَالَ أَحْمَدُ مَتْرُوكٌ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : سَكَتُوا عَنْهُ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ مَاتَ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ . أُسَامَةُ بْنُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ شَرَاحِيلَ الْكَلْبِيُّ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَوْلَاهُ وَابْنُ مَوْلَاهُ وَابْنُ مَوْلَاتِهِ أُمِّ أَيْمَنَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَبِيهِ وَبِلَالٍ وَأُمِّ سَلَمَةَ . رَوَى عَنْهُ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو وَائِلٍ وَغَيْرُهُمْ { . أَمَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى جَيْشٍ فِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَقَالَ فِيهِ : وَأَيْمُ اللَّهِ إنْ كَانَ لَخَلِيقًا لِلْإِمَارَةِ . } وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ { قَالَ لَهُ وَلِلْحَسَنِ : اللَّهُمَّ إنِّي أُحِبُّهُمَا فَأَحِبَّهُمَا } ، وَزَوَّجَهُ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ وَكَانَ يَوْمئِذٍ ابْنَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَوُلِدَ لَهُ فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ تِسْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَفَضَّلَهُ عُمَرُ عَلَى ابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ فِي الْفَرْضِ ، وَقَالَ هُوَ أَحَبُّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْك ، وَسَكَنَ أُسَامَةُ الْمِزَّةَ مُدَّةً ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إلَى الْمَدِينَةِ وَمَاتَ بِوَادِي الْقُرَى سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ ، وَقِيلَ فِي وَفَاتِهِ غَيْرُ ذَلِكَ . إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي الْأُمَوِيُّ الْمَكِّيُّ رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَنَافِعٍ وَعِكْرِمَةَ وَغَيْرِهِمْ رَوَى عَنْهُ مَعْمَرٌ وَالسُّفْيَانَانِ وَآخَرُونَ وَكَانَ مِنْ الْأَشْرَافِ وَالْعُلَمَاءِ وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، قَالَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ . إسْمَاعِيلُ بْنُ مَرْزُوقِ بْنِ يَزِيدَ أَبُو يَزِيدَ الْمُرَادِيُّ الْكَعْبِيُّ أَحَدُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَوْفِ بْنِ أَنْعَمَ بْنِ مُرَادٍ الْمِصْرِيُّ رَوَى عَنْ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ الْغَافِقِيِّ وَنَافِعِ بْنِ يَزِيدَ . رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَتَكَلَّمَ فِيهِ الطَّحْطَاوِيُّ بِغَيْرِ حُجَّةٍ لِكَوْنِهِ . رَوَى فِي حَدِيثِ { السِّرَايَةِ فِي الْعِتْقِ } وَرَقَّ مِنْهُ مَا رَقَّ فَقَالَ إسْمَاعِيلُ لَيْسَ مِمَّنْ يُقْطَعُ بِرِوَايَتِهِ ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ لَا يَضُرُّهُ ؛ لِأَنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ لَا يُفِيدُ الْقَطْعَ . نَعَمْ أَفْحَشَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى عِنْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فَقَالَ : إنَّهَا مَوْضُوعَةٌ مَكْذُوبَةٌ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهَا لَا ثِقَةً وَلَا ضَعِيفًا ، وَهَذِهِ مُجَازَفَةٌ مِنْهُ فَقَدْ رَوَاهَا ابْنُ يُونُسَ فِي تَارِيخِ مِصْرَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِمَا وَلَا يُظَنُّ بِإِسْمَاعِيلَ هَذَا وَضَعَهَا ، فَإِنَّهَا مَعْرُوفَةٌ قَبْلَ إسْمَاعِيلَ فَقَدْ ذَكَرَهَا الشَّافِعِيُّ ، وَقَدْ عَاشَ إسْمَاعِيلُ هَذَا بَعْدَ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثِينَ سَنَةً فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ يُونُسَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ بِمِصْرَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ . الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ قَيْسٍ النَّخَعِيّ الْكُوفِيُّ يُكَنَّى أَبَا عَمْرٍو وَقِيلَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَوَى عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ فِي آخَرِينَ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَخُوهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ وَابْنُ أَخِيهِ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ ، وَأَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ وَآخَرُونَ قَرَأَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : كَانَ صَوَّامًا قَوَّامًا حَجَّاجًا . وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ : كَانَ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ لَيْلَتَيْنِ ، وَوَرَدَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ سَبْعَمِائَةِ رَكْعَةٍ ، وَوَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ . أُسَيْدِ بْنُ الْحُضَيْرِ بْنِ سِمَاكِ بْنِ عَتِيكٍ الْأَنْصَارِيُّ الْأَشْهَلِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو عَتِيكٍ وَبِهِ كَنَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ أَبُو يَحْيَى وَقِيلَ أَبُو حُضَيْرٍ ، وَقِيلَ أَبُو عِيسَى ، وَقِيلَ أَبُو عَتِيقٍ ، وَقِيلَ أَبُو عُمَرَ وَأَسْلَمَ عَلَى يَدِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وَكَانَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ ، وَاخْتُلِفَ فِي شُهُودِهِ بَدْرًا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نِعْمَ الرَّجُلُ أُسَيْدِ بْنُ حُضَيْرٍ } . وَقَالَ لَهُ : تِلْكَ الْمَلَائِكَةُ تَنَزَّلَتْ لِقِرَاءَتِك ، وَلَوْ مَضَيْت لَرَأَيْت الْعَجَائِبَ ، وَهُوَ الَّذِي أَضَاءَتْ عَصَاهُ فِي لَيْلَةٍ ظَلْمَاءَ هُوَ وَعَبَّادُ بْنُ بِشْرٍ كَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَقَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ مِنْ أَفَاضِلِ النَّاسِ رَوَى عَنْهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَغَيْرُهُمْ ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَصَلَّى عَلَيْهِ عُمَرُ قَالَهُ ابْنُ نُمَيْرٍ وَجَمَاعَةٌ مَذْكُورٌ فِي التَّيَمُّمِ وَالْحُدُودِ . أَنَسُ بْنُ مَالِكِ بْنِ النَّضْرِ بْنِ ضَمْضَمِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ الْأَنْصَارِيُّ الْبُخَارِيُّ يُكَنَّى أَبَا حَمْزَةَ خَادِمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ فِي آخَرِينَ ، رَوَى عَنْهُ أَوْلَادُهُ مُوسَى وَالنَّضْرُ وَأَبُو بَكْرٍ وَحَفِيدَاهُ ثُمَامَةُ وَحَفْصُ وَسُلَيْمَانُ التَّيْمِيُّ وَحُمَيْدَ الطَّوِيلُ وَعَاصِمٌ الْأَحْوَلُ وَخَلَائِقُ لَا يُحْصَوْنَ ، خَدَمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَ سِنِينَ أَوْ عَشْرَ سِنِينَ ، وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { اللَّهُمَّ أَكْثِرْ مَالَهُ وَوَلَدَهُ وَأَدْخِلْهُ الْجَنَّةَ } . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَمَا رَأَيْت أَحَدًا أَشْبَهَ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ ، وَقَالَ ثُمَامَةُ كَانَ يُصَلِّي فَيُطِيلُ الْقِيَامَ حَتَّى تَقْطُرُ قَدَمَاهُ دَمًا ، وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ قَالَهُ حُمَيْدٍ الطَّوِيلُ وَابْنُ عُلَيَّةَ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَخَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى عَنْ رَجُلٍ وَقِيلَ سَنَةَ إحْدَى قَالَهُ قَتَادَةُ وَالْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعِينَ قَالَهُ جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ وَشُعَيْبُ بْنُ الْحَبْحَابِ . أَيُّوبُ بْنُ أَبِي تَمِيمَةَ وَاسْمُ أَبِي تَمِيمَةَ كَيْسَانُ السِّخْتِيَانِيُّ يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ رَأَى أَنَسًا وَرَوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ وَالْحَسَنِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَخَلْقٍ رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ وَالسُّفْيَانَانِ وَالْحَمَّادَانِ ، وَخَلَائِقُ وَرَوَى عَنْهُ مِنْ شُيُوخِهِ ابْنُ سِيرِينَ قَالَ الْحَسَنُ : أَيُّوبُ سَيِّدُ شَبَابِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ . وَقَالَ شُعْبَةُ كَانَ سَيِّدَ الْفُقَهَاءِ ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : مَا لَقِيت مِثْلَهُ فِي التَّابِعِينَ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : أَيُّوبُ أَثْبَتُ مِنْ ابْنِ عَوْنٍ وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ كَانَ أَيُّوبُ ثِقَةً حُجَّةً ثَبْتًا فِي الْحَدِيثِ جَامِعًا كَثِيرَ الْعِلْمِ وَقَالَ أَشْعَثُ كَانَ جَهْبَذَ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ : لَمْ أَرَ فِي الْبَصْرَةِ مِثْلَهُ قَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ وُلِدَ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : تُوُفِّيَ سَنَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ . الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَدِيٍّ الْأَوْسِيُّ الْحَارِثِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو عُمَارَةَ وَقِيلَ أَبُو عَمْرٍو ، وَقِيلَ أَبُو الطُّفَيْلِ نَزَلَ الْكُوفَةَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ عَلِيٍّ وَبِلَالٍ وَأَبِي أَيُّوبَ وَآخَرِينَ ، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَسَعْدُ بْنُ عُبَيْدَةَ وَأَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ شَهِدَ أُحُدًا وَالْحُدَيْبِيَةَ وَمَا بَعْدَهُمَا قَالَ الْبَرَاءُ غَزَوْت مَعَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ غَزْوَةً وَمَا قَدِمَ عَلَيْنَا الْمَدِينَةَ حَتَّى حَفِظْت سُوَرًا مِنْ الْمُفَصَّلِ ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَقِيلَ سَنَةَ إحْدَى وَكَانَ فِي سِنِّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . بُرَيْدَةَ بْنُ الْحُصَيْبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَسْلَمِيُّ أَسْلَمَ قَبْلَ بَدْرٍ وَلَمْ يَشْهَدْهَا رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَسُلَيْمَانُ وَالشَّعْبِيُّ وَجَمَاعَةٌ ، وَكَانَ فَارِسًا شُجَاعًا نَزَلَ الْبَصْرَةَ ثُمَّ مَرَّ وَبِهَا تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ ، قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ وَبِهِ جَزَمَ الْمِزِّيُّ فِي التَّهْذِيبِ وَتَبِعَهُ الذَّهَبِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَخَالَفَ ذَلِكَ فِي الْعِبَرِ فَقَالَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ . بَشِيرُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَبُو لُبَابَةَ يَأْتِي فِي الْكُنَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ( بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ الْحَبَشِيُّ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَوْلَى أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ) يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَقِيلَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ أَبُو عَبْدِ الْكَرِيمِ وَقِيلَ أَبُو عَمْرٍو وَهُوَ أَحَدُ السَّابِقِينَ إلَى الْإِسْلَامِ الَّذِينَ عُذِّبُوا فِي اللَّهِ بِمَكَّةَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَلَمْ يُؤَذِّنْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَحَدٍ مِنْ الْخُلَفَاءِ إلَّا أَنَّ عُمَرَ لَمَّا قَدِمَ الشَّامَ حِينَ فَتَحَهَا أَذَّنَ بِلَالٌ فَتَذَكَّرَ النَّاسُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَسْلَمُ مَوْلَى عُمَرَ فَلَمْ أَرَ بَاكِيًا أَكْثَرَ مِنْ يَوْمِئِذٍ { وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلَالٍ مَا دَخَلْتُ الْجَنَّةَ قَطُّ إلَّا سَمِعْتُ خَشْخَشَتَك أَمَامِي } ، وَقَالَ عُمَرُ : أَبُو بَكْرٍ سَيِّدُنَا وَأَعْتَقَ سَيِّدَنَا وَقَالَ أَنَسٌ : بِلَالٌ سَابِقُ الْحَبَشَةِ . وَرُوِيَ مَرْفُوعًا وَسَكَنَ بِلَالٌ ( دَارَيَّا ) مِنْ عَمَلِ دِمَشْقَ وَبِهَا تُوُفِّيَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَدُفِنَ بِبَابِ كَيْسَانَ وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ بِبَابِ الصَّغِيرِ وَلَهُ بِضْعٌ وَسِتُّونَ سَنَةً وَقِيلَ دُفِنَ بِحَلَبٍ . ( جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامِ بْنِ سَلَمَةَ الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ الْمَدَنِيُّ ) وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقِيلَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ أَبُو مُحَمَّدٍ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَآخَرِينَ رَوَى عَنْهُ أَوْلَادُهُ مُحَمَّدٌ وَعَقِيلٌ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَخَلَائِقُ . غَزَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعَ عَشْرَةَ غَزْوَةً ، وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا وَلَا أُحُدًا مَنَعَهُ أَبُوهُ { . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ وَهُوَ مِنْهُمْ أَنْتُمْ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ } وَاسْتَغْفَرَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ الْبَعِيرِ خَمْسًا وَعِشْرِينَ مَرَّةً قَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ : رَأَيْت لَهُ حَلْقَةً فِي الْمَسْجِدِ تَأْخُذُ عَنْهُ ، وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ ، وَقِيلَ مَاتَ بِمَكَّةَ قَالَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُد وَقِيلَ بِقُبَاءَ وَالْمَشْهُورُ فِي وَفَاتِهِ أَنَّهَا فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ قَالَهُ عَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ وَجَمَاعَةٌ . وَقَالَ أَبُو نُعَيْمٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَقِيلَ : أَرْبَعٌ وَقِيلَ : ثَلَاثٍ وَقِيلَ : اثْنَتَيْنِ وَرَوَى أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ قَتَادَةَ أَنَّهُ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَكَذَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ فَقَدْ تَأَخَّرَ بَعْدَهُ بِهَا السَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ وَغَيْرُهُ . جَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ أَبُو النَّضْرِ الْأَزْدِيُّ الْبَصْرِيُّ أَحَدُ الْأَعْلَامِ رَوَى عَنْ أَبِي الطُّفَيْلِ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ فَقِيلَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، وَقَدْ شَهِدَ جِنَازَتَهُ وَعَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَعَطَاءٍ وَخَلْقٍ ، وَقَرَأَ عَلَى أَبِي عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ فَقَالَ لَهُ أَبُو عَمْرٍو وَأَنْتَ أَفْصَحُ مِنْ مَعَدٍّ . رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ وَهْبُ بْنُ جَرِيرٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ وَهُدْبَةُ بْنُ خَالِدٍ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ وَقَالَ : تَغَيَّرَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِسَنَةٍ ، قُلْت : وَلَمْ يُحَدِّثْ بَعْدَ اخْتِلَاطِهِ . مَنَعَهُ أَوْلَادُهُ وَحَجَبُوهُ فَجَزَاهُمْ اللَّهُ خَيْرًا ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعِينَ وَمِائَةٍ . جَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ بْنِ شُرَحْبِيلَ بْنِ حَسَنَةَ الْكِنْدِيُّ الْمِصْرِيُّ يُكَنَّى أَبَا شُرَحْبِيلَ رَأَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ جُزْءٍ الصَّحَابِيَّ ، وَرَوَى عَنْ الْأَعْرَجِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرِهِمَا ، رَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَبَكْرُ بْنُ مُضَرَ وَآخَرُونَ وَوَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو زُرْعَةَ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ قَالَهُ ابْنُ يُونُسَ . جُمَيْعُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ عَفَافٍ التَّيْمِيُّ الْكُوفِيُّ يُكَنَّى أَبَا الْأَسْوَدِ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ . رَوَى عَنْهُ الْأَعْمَشُ وَأَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : مِنْ عَتْقِ الشِّيعَةِ صَالِحُ الْحَدِيثَ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ نَظَرٌ وَقَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ : هُوَ مِنْ أَكْذَبِ النَّاسِ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : عَامَّةُ مَا يَرْوِيهِ لَا يُتَابِعُهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ كَانَ يَضَعُ الْحَدِيثَ . ( جُنْدَبُ بْنُ جُنَادَةَ أَبُو ذَرٍّ الْغِفَارِيُّ ) يَأْتِي فِي الْكُنَى إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ( جَهْجَاهُ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَيُقَالُ ابْنُ سَعِيدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ غِفَارٍ الْغِفَارِيُّ الْمَدَنِيُّ ) رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا يَسِيرًا رَوَى عَنْهُ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَنَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ يُقَالُ إنَّهُ شَهِدَ بَيْعَةَ الشَّجَرَةِ وَكَانَ قَدْ شَهِدَ غَزْوَةَ الْمُرَيْسِيعِ وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سِنَانِ بْنِ وَبْرَةَ الْجُهَنِيِّ فِيهَا شَرٌّ فَنَادَى يَا لِلْمُهَاجِرِينَ وَنَادَى سِنَانٌ يَا لِلْأَنْصَارِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ : لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ ، مَاتَ جَهْجَاهٌ بَعْدَ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . ( الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو السَّهْمِيُّ الْبَاهِلِيُّ ) يُكْنَى أَبَا سَفِينَةَ لَهُ صُحْبَةٌ نَزَلَ الْبَصْرَةَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا فِي الْمَوَاقِيتِ وَالْعَتِيرَةِ ، رَوَى عَنْهُ حَفِيدُهُ زُرَارَةُ بْنُ كَرِيمِ بْنِ الْحَارِثِ وَابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ . ( الْحَارِثُ بْنُ رِبْعِيٍّ أَبُو قَتَادَةَ ) يَأْتِي فِي الْكُنَى ( حَامِدُ بْنُ يَحْيَى الْبَلْخِيّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ) نَزَلَ طَرَسُوسَ رَوَى عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَأَبِي النَّضْرِ وَجَمَاعَةٍ . رَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُد وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي عَاصِمٍ وَجَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ وَآخَرُونَ ، وَسَأَلَ الْفِرْيَابِيُّ عَنْهُ عَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ فَقَالَ : يَا سُبْحَانَ اللَّهِ أَبَقِيَ حَامِدٌ إلَى أَنْ يُحْتَاجَ أَنْ يُسْأَلَ عَنْهُ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ صَدُوقٌ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَانَ مِنْ أَعْلَمْ أَهْلِ زَمَانِهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَفْنَى عُمْرَهُ فِي مُجَالَسَتِهِ قَالَ مُطَيِّنٌ مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ . ( حَجَّاجُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْأَعْوَرُ الْمِصِّيصِيِّ ) أَحَدُ الْحُفَّاظِ أَصْلُهُ مِنْ تِرْمِذَ وَسَكَنَ بَغْدَادَ ثُمَّ الْمِصِّيصَةَ رَوَى عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ وَشُعْبَةَ وَطَائِفَةٍ رَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَالْحَسَنُ الزَّعْفَرَانِيُّ وَخَلْقٌ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ وَغَيْرُهُمَا . قَالَ أَحْمَدُ مَا كَانَ أَضْبَطَهُ وَأَصَحَّ حَدِيثَهُ وَأَشَدَّ تَعَاهُدَهُ لِلْحُرُوفِ ، وَرَفَعَ مِنْ أَمْرِهِ جِدًّا قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : مَاتَ فِي رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ . ( حَسَّانُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ الْأَنْصَارِيُّ الْبُخَارِيُّ ) شَاعِرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ أَبُو الْوَلِيدِ وَقِيلَ أَبُو الْحُسَامِ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَآخَرُونَ دَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ { اللَّهُمَّ أَيِّدْهُ بِرُوحِ الْقُدُسِ } فَيُقَالُ : أَعَانَهُ جِبْرِيلُ بِسَبْعِينَ بَيْتًا وَعَاشَ حَسَّانُ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً ، سِتِّينَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، وَسِتِّينَ فِي الْإِسْلَامِ وَكَذَا عَاشَ أَبُوهُ ثَابِتٌ وَجَدُّهُ الْمُنْذِرُ وَجَدُّ أَبِيهِ حَرَامٌ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِائَةً وَعِشْرِينَ سَنَةً قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ . ( الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْهَاشِمِيُّ الْمَدَنِيُّ ) سِبْطُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَيْحَانَتُهُ رَوَى عَنْ جَدِّهِ وَأَبِيهِ وَخَالِهِ هِنْدِ بْنِ أَبِي هَالَةَ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ الْحَسَنُ وَأَبُو وَائِلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَطَائِفَةٌ وُلِدَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ ، وَكَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ أَنَسٌ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو جُحَيْفَةَ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْحَسَنِ اللَّهُمَّ إنِّي أُحِبُّهُ فَأَحِبَّهُ وَأَحِبَّ مَنْ يُحِبُّهُ } . وَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ { إنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ } وَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ { الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ سَيِّدَا شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ } وَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { هُمَا رَيْحَانَتَايَ مِنْ الدُّنْيَا } وَقَدْ بُويِعَ الْحَسَنُ بِالْخِلَافَةِ قَالَ هِشَامُ بْنُ الْكَلْبِيِّ فَوَلِيَهَا سَبْعَةَ أَشْهُرٍ وَأَحَدَ عَشَرَ يَوْمًا ، ثُمَّ صَالَحَ مُعَاوِيَةَ وَسَلَّمَهَا إلَيْهِ خَوْفًا مِنْ الْقِتَالِ عَلَى الْمُلْكِ . وَكَانَ الْحَسَنُ يَحُجُّ مَاشِيًا وَنَجَائِبُهُ تُقَادُ إلَى جَنْبِهِ ، وَكَانَ كَثِيرَ التَّزَوُّجِ حَتَّى أَنَّهُ أَحْصَنَ سَبْعِينَ امْرَأَةً فِيمَا قَالَهُ الْمَدَائِنِيُّ ، وَقَدْ أُصِيبَ مِنْ قِبَلِهِنَّ فَقُتِلَ شَهِيدًا مَسْمُومًا سَمَّتْهُ جَعْدَةُ بِنْتُ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ فَاشْتَكَى مِنْهُ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ، ثُمَّ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ وَدُفِنَ بِالْبَقِيعِ وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ ، فَالْأَكْثَرُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسِينَ قَالَهُ الْمَدَائِنِيُّ وَجَمَاعَةٌ . وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ وَجَمَاعَةٌ : سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ غَلِطَ قَائِلُهَا فَقِيلَ : سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ ، وَقِيلَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ . الْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ وَهْبِ بْنِ شُبَيْلِ بْنِ فَرْوَةَ بْنِ وَاقِدٍ التَّمِيمِيُّ الْبَغْدَادِيُّ الْوَاعِظُ يُعْرَفُ بِابْنِ الْمَذْهَبِ رَوَى عَنْ الدَّارَقُطْنِيِّ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ الْقَطِيعِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ مَاسِيٍّ وَأَبِي سَعِيدٍ الْحَسَنِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ الْوَضَّاحِ الْحُرْفِيِّ وَأَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ لُؤْلُؤٍ الْوَرَّاقِ فِي آخَرِينَ . رَوَى عَنْهُ الْحَافِظَانِ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ وَأَبُو نَصْرٍ عَلِيُّ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مَاكُولَا وَهِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْمُبَخِّرُ وَأَبُو طَالِبٍ عَبْدُ الْقَادِرِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْيُوسُفِيُّ وَهِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُصَيْنِ وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ وَآخَرُونَ قَالَ الْخَطِيبُ : كَانَ سَمَاعُهُ لِلْمُسْنَدِ مِنْ الْقَطِيعِيِّ صَحِيحًا إلَّا فِي أَجْزَاءَ ، فَإِنَّهُ أَلْحَقَ اسْمَهُ فِيهَا قَالَ وَلَيْسَ لِمَحِلِّ الْحُجَّةِ . قَالَ ابْنِ نُقْطَةَ : لَوْ بَيَّنَ الْخَطِيبُ فِي أَيِّ مُسْنَدٍ هِيَ ؟ لَأَتَى بِالْفَائِدَةِ . قَالَ وَقَدْ ذَكَرْنَا أَنَّ مُسْنَدَيْ فَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَعَوْفِ بْنِ مَالِكٍ لَمْ يَكُونَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْمَذْهَبِ ، وَكَذَلِكَ أَحَادِيثُ مِنْ مُسْنَدِ جَابِرٍ لَمْ تُوجَدْ فِي نُسْخَتِهِ فَرَوَاهَا عَنْ الْحُرْفِيِّ عَنْ الْقَطِيعِيِّ قَالَ : وَلَوْ كَانَ الرَّجُلُ يُلْحِقُ اسْمَهُ كَمَا زَعَمَ الْخَطِيبُ لَأَلْحَقَ مَا ذَكَرْنَاهُ أَيْضًا . وَقَالَ شُجَاعٌ الذُّهْلِيُّ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي الرِّوَايَةِ ، وَتُوُفِّيَ فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ . ( الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ التَّيْمِيُّ الْبَكْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ الْحَافِظُ ) يُكَنَّى أَبَا عَلِيٍّ وَيُلَقَّبُ بِصَدْرِ الدِّينِ سَمِعَ بِمَكَّةَ مِنْ عُمَرَ الْمَيَانَجِيِّ وَبِدِمَشْقَ مِنْ ابْنِ طَبَرْزَدَ وَطَبَقَتِهِ وَبِأَصْبَهَانَ مِنْ أَبِي الْفُتُوحِ بْنِ الْجُنَيْدِ وَبِنَيْسَابُورَ مِنْ الْمُؤَيَّدِ الطُّوسِيِّ وَطَبَقَتِهِ وَبِخُرَاسَانَ مِنْ ابْنِ رَوْحٍ وَطَبَقَتِهِ . رَوَى عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْبُخَارِيِّ وَالْحَافِظُ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ الدِّمْيَاطِيُّ وَالشَّرِيفُ عَطُوفٌ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ الْحُسَيْنِيُّ وَأَخُوهُ مُوسَى بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبُو مُحَمَّدٍ صَالِحُ بْنُ تَامِرٍ الْجَعْبَرِيُّ وَيُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ الْمَشْهَدِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَيْحَانَ التَّقَوِّي وَآخَرُونَ آخِرُهُمْ مَوْتًا إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْخَيْمِيِّ وَكَانَ أَحَدَ مَنْ عُنِيَ بِهَذَا الشَّأْنِ ، وَكَتَبَ الْكَثِيرَ وَرَحَلَ وَقَرَأَ وَأَفَادَ وَصَنَّفَ وَجَمَعَ ، تَكَلَّمَ فِيهِ بَعْضُهُمْ . وَقَالَ الزَّكِيُّ الْبِرْزَالِيُّ : كَانَ كَثِيرَ التَّخْلِيطِ ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْحَاجِبِ : كَانَ إمَامًا عَالِمًا فَصِيحًا إلَّا أَنَّهُ كَثِيرُ الْبَهْت كَثِيرُ الدَّعَاوَى وَوَلِيَ بِدِمَشْقَ مَشْيَخَةَ الشُّيُوخِ وَالْحِسْبَةِ ، ثُمَّ تَحَوَّلَ إلَى الْقَاهِرَةِ وَمَاتَ بِهَا فِي حَادِي عَشَرَ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ . ( الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى الْأَشْيَبُ أَبُو عَلِيٍّ الْبَغْدَادِيُّ ) وَلِيَ قَضَاءَ حِمْصَ وَقَضَاءَ طَبَرِسْتَانَ وَقَضَاءَ الْمَوْصِلِ رَوَى عَنْ شُعْبَةَ وَالْحَمَّادَيْنِ وَخَلْقٍ . رَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ وَآخَرُونَ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ وَابْنُ خِرَاشٍ وَغَيْرُهُمْ تُوُفِّيَ بِالرَّيِّ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ تِسْعٍ وَمِائَتَيْنِ . الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْهَاشِمِيُّ سِبْطُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَيْحَانَتُهُ رَوَى عَنْ جَدِّهِ وَأَبِيهِ وَأُمِّهِ فَاطِمَةَ وَخَالِهِ هِنْدِ بْنِ أَبِي هَالَةَ رَوَى عَنْهُ أَوْلَادُهُ زَيْنُ الْعَابِدِينَ عَلِيٌّ وَزَيْدٌ وَسُكَيْنَةُ وَفَاطِمَةُ وَعِكْرِمَةُ وَالْفَرَزْدَقُ وَجَمَاعَةٌ قَالَ قَتَادَةُ وُلِدَ بَعْدَ الْحَسَنِ بِعَامٍ وَعَشَرَةِ أَشْهُرٍ . وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ وُلِدَ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَقَالَ أَنَسٌ { كَانَ أَشْبَهَهُمْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَتَقَدَّمَ فِي الْحَسَنِ أَيْضًا أَنَّهُ كَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا ، وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ { : الْحَسَنُ أَشْبَهُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَيْنَ الصَّدْرِ وَالرَّأْسِ وَالْحُسَيْنُ أَشْبَهَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ } . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ مُرَّةَ { حُسَيْنٌ مِنِّي وَأَنَا مِنْ حُسَيْنٍ أَحَبَّ اللَّهُ مَنْ أَحَبَّ حُسَيْنًا وَحُسَيْنٌ سِبْطٌ مِنْ الْأَسْبَاطِ } وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ . قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَرَأَى الْحُسَيْنَ هَذَا أَحَبُّ أَهْلِ الْأَرْضِ إلَى أَهْلِ السَّمَاءِ الْيَوْمَ وَقَدْ أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِهِ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَوْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَقَدْ : دَخَلَ عَلَيَّ الْبَيْتَ مَلَكٌ لَمْ يَدْخُلْ عَلَيَّ قَبْلَهَا فَقَالَ لِي إنَّ ابْنَك هَذَا حُسَيْنًا مَقْتُولٌ ، وَإِنْ شِئْت أَرَيْتُك مِنْ تُرْبَةِ الْأَرْضِ الَّتِي يُقْتَلُ بِهَا قَالَ فَأَخْرَجَ تُرْبَةً حَمْرَاءَ } وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فَجَعَلَهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ . وَرَوَى أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { أَنَّ مَلَكَ الْقُطْرِ اسْتَأْذَنَ أَنْ يَأْتِيَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذِنَ لَهُ فَقَالَ لِأُمِّ سَلَمَةَ أَمْسِكِي عَلَيْنَا الْبَابَ لَا يَدْخُلْ عَلَيْنَا أَحَدٌ ، قَالَ : وَجَاءَ الْحُسَيْنُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيَدْخُلَ فَمَنَعَتْهُ فَوَثَبَ فَدَخَلَ فَجَعَلَ يَقْعُدُ عَلَى ظَهْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَى مَنْكِبِهِ وَعَلَى عَاتِقِهِ ، قَالَ فَقَالَ الْمَلَكُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتُحِبُّهُ ؟ فَقَالَ : نَعَمْ فَقَالَ : فَإِنَّ أُمَّتَكَ سَتَقْتُلُهُ وَإِنْ شِئْت أَرَيْتُك الْمَكَانَ الَّذِي يُقْتَلُ بِهِ فَضَرَبَ بِيَدِهِ فَجَاءَ بِطِينَةٍ حَمْرَاءَ فَأَخَذَتْهَا أُمُّ سَلَمَةَ فَصَرَّتْهَا فِي خِمَارِهَا } . قَالَ ثَابِتٌ بَلَغَنَا أَنَّهَا كَرْبَلَاءُ وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي زِيَادَاتِهِ عَلَى الْمُسْنَدَ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ نَحْوَ هَذَا إلَّا أَنَّ فِيهِ { أَنَّ الْمَلَكَ جِبْرِيلُ وَزَادَ فِي آخِرِهِ فَشَمَّهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ رِيحُ كَرْبٍ وَبَلَاءٍ وَقَالَ يَا أُمَّ سَلَمَةَ إذَا تَحَوَّلَتْ هَذِهِ التُّرْبَةُ دَمًا فَاعْلَمِي أَنَّ ابْنِي قَدْ قُتِلَ فَجَعَلْتهَا أُمُّ سَلَمَةَ فِي قَارُورَةٍ ، ثُمَّ جَعَلَتْ تَنْظُرُ إلَيْهَا كُلَّ يَوْمٍ وَتَقُولُ إنَّ يَوْمًا تُحَوَّلِينَ دَمًا لَيَوْمٌ عَظِيمٌ } . وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ رِوَايَةِ عَمَّارِ بْنِ أَبِي عَمَّارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ بِنِصْفِ النَّهَارِ أَشْعَثَ أَغْبَرَ مَعَهُ قَارُورَةٌ فِيهَا دَمٌ يَلْتَقِطُهُ أَوْ تَتَبَّعَ فِيهَا شَيْئًا فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذَا ؟ قَالَ دَمُ الْحُسَيْنِ وَأَصْحَابِهِ لَمْ أَزَلْ أَتَتَبَّعُهُ مُنْذُ الْيَوْمِ . قَالَ عَمَّارٌ فَحَفِظْنَا ذَلِكَ فَوَجَدْنَاهُ قُتِلَ ذَلِكَ الْيَوْمَ } . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي قَاتِلِهِ فَقِيلَ رَمَاهُ عَمْرُو بْنُ خَالِدٍ الطُّهْوِيُّ بِسَهْمٍ فِي جَنْبِهِ ، وَقِيلَ طَعَنَهُ سِنَانٌ النَّخَعِيّ فَصَرَعَهُ ، وَاحْتَزَّ رَأْسَهُ خَوْلِيٌّ الْأَصْبَحِيُّ وَقِيلَ إنَّ الَّذِي احْتَزَّ رَأْسَهُ الشَّمِرُ بْنُ ذِي الْجَوْشَنِ لَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْأَرْبَعَةِ ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي يَوْمِ وَفَاتِهِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ عَاشُورَاءَ مِنْ سَنَةِ إحْدَى وَسِتِّينَ قَالَهُ قَتَادَةُ وَاللَّيْثُ وَالْوَاقِدِيُّ وَأَبُو مَعْشَرٍ وَجَمَاعَةٌ غَيْرُهُمْ وَقِيلَ يَوْمَ السَّبْتِ ، وَقِيلَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَقِيلَ كَانَ قَبْلَهُ فِي آخِرِ سَنَةٍ سِتِّينَ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ أَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ ) أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْأَعْلَامِ رَوَى عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَبِي خَلِيفَةَ الْفَضْلِ بْنِ الْحُبَابِ الْجُمَحِيِّ وَأَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّسَائِيّ وَغَيْرِهِمْ رَوَى عَنْهُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ وَآخَرُونَ قَالَ الْحَاكِمُ : هُوَ وَاحِدُ عَصْرِهِ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ وَالْوَرَعِ وَالْمُذَاكَرَةِ وَالتَّصْنِيفِ ، وَكَانَ آيَةً فِي الْحِفْظِ كَانَ ابْنُ عُقْدَةَ يَخْضَعُ لِحِفْظِهِ تُوُفِّيَ بِنَيْسَابُورَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَلَهُ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ سَنَةً . ( الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَرْوَزِيِّ ) قَاضِي مَرْوَ وَهُوَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كُرَيْزٍ وَلَمْ يَحْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَلَكِنْ اسْتَشْهَدَ بِهِ رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ وَعِكْرِمَةَ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَخَلْقٍ وَرَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ عَلِيٌّ وَالْعَلَاءُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَزَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ وَعَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ شَقِيقٍ وَجَمَاعَةٌ آخَرُونَ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا . وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : مَنْ مِثْلُ الْحُسَيْنِ ؟ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ قَالَهُ الْبُخَارِيُّ قَبْلُ ، وَيُقَالُ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ قُلْت : وَبِهِ جَزَمَ الذَّهَبِيُّ فِي الْعِبَرِ وَهُوَ خِلَافُ مَا اقْتَضَى كَلَامُهُ فِي مُخْتَصَرِ التَّهْذِيبِ تَرْجِيحَهُ . ( حَفْصُ بْنُ غَيْلَانَ أَبُو مُعَيْدٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مُصَغَّرًا وَآخِرُهُ دَالٌ مُهْمَلَةٌ الْهَمْدَانِيُّ ، وَقِيلَ الرُّعَيْنِيُّ الدِّمَشْقِيُّ رَوَى عَنْ طَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَجَمَاعَةٍ رَوَى عَنْهُ الْهَيْثَمُ بْنُ حُمَيْدٍ وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَغَيْرُهُمَا وَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَدُحَيْمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ عَدِيٍّ وَقَالَ أَبُو دَاوُد قَدَرِيٌّ لَيْسَ بِذَاكَ ، وَقَالَ ابْنُهُ : أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُد ضَعِيفٌ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ . ( حَكِيمُ بْنُ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ أَبُو خَالِدٍ الْأَسَدِيُّ ) الْمَكِّيُّ وَهُوَ ابْنُ أَخِي خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ حِزَامٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ نَوْفَلٍ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ وَجَمَاعَةٌ ، وَكَانَ مِنْ سَادَاتِ قُرَيْشٍ وَوُجُوهِهَا وُلِدَ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ قَبْلَ الْفِيلِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَأَسْلَمَ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ لِلْفَتْحِ لَقِيَهُ فِي الطَّرِيقِ وَرَوَى عُرْوَةُ مُرْسَلًا { مَنْ دَخَلَ دَارَ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ فَهُوَ آمِنٌ } . وَكَانَ حَكِيمٌ كَثِيرَ الصَّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ ، فَكَانَ تَأْتِيهِ الْعِيرُ تَحْمِلُ الْحِنْطَةَ وَبَنُو هَاشِمٍ مَحْصُورُونَ فِي الشِّعْبِ فَيُقْبِلُ بِهَا الشِّعْبَ ، ثُمَّ يَضْرِبُ أَعْجَازَهَا فَتَدْخُلَ عَلَيْهِمْ فَيَأْخُذُونَ مَا عَلَيْهَا وَجَاءَ الْإِسْلَامُ وَفِي يَدِ حَكِيمٍ الرِّفَادَةُ وَالنَّدْوَةُ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ { أَنَّ حَكِيمًا قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَرَأَيْت أَشْيَاءَ كُنْت أَتَحَنَّثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ صَدَقَةٍ وَعَتَاقَةٍ وَصِلَةٍ فَهَلْ فِيهَا مِنْ أَجْرٍ ؟ فَقَالَ أَسْلَمْتَ عَلَى مَا سَلَفَ لَك مِنْ خَيْرٍ فَقُلْت لَا أَدْعُ شَيْئًا صَنَعْته لِلَّهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إلَّا صَنَعْت فِي الْإِسْلَامِ مِثْلَهُ وَكَانَ أَعْتَقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ رَقَبَةٍ فَأَعْتَقَ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلَهَا ، وَسَاقَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِائَةَ بَدَنَةٍ فَسَاقَ فِي الْإِسْلَامِ مِثْلَهَا } وَلَمْ يَقْبَلْ حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَحَدٍ عَطَاءً وَلَا سَأَلَ أَحَدًا شَيْئًا وَكَانَ تَاجِرًا وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ يَشْتَرِي لَهُ أُضْحِيَّةً فَاشْتَرَاهَا بِدِينَارٍ وَبَاعَهَا بِدِينَارَيْنِ } الْحَدِيثَ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ عَاشَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ سِتِّينَ سَنَةً وَفِي الْإِسْلَامِ سِتِّينَ سَنَةَ قَالَهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَمَاتَ سَنَةَ سِتِّينَ كَذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ قَالَهُ مُصْعَبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَجَمَاعَةٌ . وَرَوَى إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ قَالَ كَبُرَ حَكِيمٌ حَتَّى ذَهَبَ بَصَرُهُ ، ثُمَّ اشْتَدَّ وَجَعُهُ فَقُلْت : وَاَللَّهِ لَأَحْضُرَنَّهُ فَلَأَنْظُرَنَّ مَا يَتَكَلَّمُ بِهِ عِنْدَ الْمَوْتِ ، فَإِذَا هُوَ يُهَمْهِمُ فَأَصْغَيْت إلَيْهِ فَإِذَا هُوَ يَقُولُ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَدْ كُنْت أَخْشَاك فَأَنَا الْيَوْمَ أَرْجُوكَ . حَكِيمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ النُّمَيْرِيُّ ، وَقِيلَ اسْمُهُ مِخْمَرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ اُخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهِ ، لَهُ فِي الْكِتَابَيْنِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثُ { لَا شُؤْمَ } رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَخِيهِ مُعَاوِيَةُ بْنُ حَكِيمٍ وَلَا أَعْرِفُ رَوَى عَنْهُ غَيْرُهُ . أَحْمَدَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ خَطَّابٍ أَبُو سُلَيْمَانَ الْخَطَّابِيُّ الْبُسْتِيُّ قِيلَ إنَّهُ مَنْسُوبٌ إلَى جَدِّهِ خَطَّابٍ ، وَقِيلَ إلَى خَطَّابٍ أَبِي عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَإِنَّهُ قِيلَ إنَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ زَيْدِ بْنِ الْخَطَّابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . رَوَى عَنْ أَبِي سَعِيدٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّفَّارُ وَمُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْأَصَمِّ وَغَيْرِهِمْ رَوَى عَنْهُ أَبُو نَصْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْبَلْخِيّ وَعَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ وَآخَرُونَ وَتَفَقَّهَ عَلَى الْقَفَّالِ الشَّاشِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمَا ، وَصَنَّفَ التَّصَانِيفَ الْمُفِيدَةَ مَعَالِمَ السُّنَنِ وَغَرِيبَ الْحَدِيثِ وَشَرْحَ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى ، وَالْغُنْيَةَ عَنْ الْكَلَامِ وَكِتَابَ الْعُزْلَةِ وَغَيْرَ ذَلِكَ ، وَكَانَ رَأْسًا فِي الْعَرَبِيَّةِ وَالْأَدَبِ وَالْغَرِيبِ وَالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَلَهُ شِعْرٌ جَيِّدٌ فَمِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ وَمَا غُرْبَةُ الْإِنْسَانِ فِي شُقَّةِ النَّوَى وَلَكِنَّهَا وَاَللَّهِ فِي عَدَمِ الشَّكْلِ وَإِنِّي غَرِيبٌ بَيْنَ بُسْتَ وَأَهْلِهَا وَإِنْ كَانَ فِيهَا أُسْرَتِي وَبِهَا أَهْلِي وَسَكَنَ نَيْسَابُورَ مُدَّةً ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى بُسْتَ فَتُوُفِّيَ بِهَا فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ . ( حَنْبَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْفَرَجِ بْنِ سَعَادَةَ أَبُو عَلِيٍّ الْمُكَبِّرُ الْبَغْدَادِيُّ الرُّصَافِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى رَصَافَةِ بَغْدَادَ ) رَوَى عَنْ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُصَيْنِ جَمِيعَ الْمُسْنَدِ ، سَمِعَهُ بِقِرَاءَةِ ابْنِ الْخَشَّابِ النَّحْوِيِّ فِي نَيِّفٍ وَعِشْرِينَ مَجْلِسًا . رَوَى عَنْهُ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْعَظِيمِ بْنُ عَبْدِ الْقَوِيِّ الْمُنْذِرِيُّ وَالشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَالضِّيَاءُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَقْدِسِيَّ وَقَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي عُمَرَ وَأَبُو الْغَنَائِمِ الْمُسْلِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْلِمِ بْنِ مَكِّيِّ بْنِ عَلَّانَ وَأَحْمَدُ بْنُ شَيْبَانُ بْنِ ثَعْلَبٍ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ خَطِيبِ الْمِزَّةِ وَغَازِي بْنُ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْخَلَاوِي وَعَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْبُخَارِيِّ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ وَآخَرُونَ ، وَكَانَ ثِقَةً صَحِيحَ السَّمَاعِ أُحْضِرَ مِنْ بَغْدَادَ إلَى دِمَشْقَ فَقُرِئَ عَلَيْهِ مُسْنَدُ أَحْمَدَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَسِتِّمِائَةٍ ، ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَغْدَادَ فَتُوُفِّيَ بِهَا فِي رَابِعِ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّمِائَةٍ كَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِ مِائَةٍ . ( خَالِدُ بْنُ الْحَارِثِ الْهَجِيرُ الْبَصْرِيُّ يُكَنَّى أَبَا عُثْمَانَ ) رَوَى عَنْ أَبِي عَوْنٍ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ وَطَبَقَتِهِمْ ، رَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ قَالَ أَحْمَدُ : إلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي التَّثَبُّتِ بِالْبَصْرَةِ وَقَالَ النَّسَائِيّ ثِقَةٌ ثَبْتٌ . قَالَ الْفَلَّاسُ : وُلِدَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَمَاتَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ لَهُ ذِكْرٌ فِي نُزُولِ الْمُحَصَّبِ . ( خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ الْقُرَشِيُّ الْأُمَوِيُّ ) يُكَنَّى أَبَا سَعِيدٍ أَسْلَمَ قَدِيمًا قَالَ ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ كَانَ إسْلَامُهُ مَعَ إسْلَامِ أَبِي بَكْرٍ وَقِيلَ كَانَ ثَالِثَ مَنْ أَسْلَمَ وَقِيلَ رَابِعًا وَقِيلَ خَامِسًا ، أَسْلَمَ قَبْلَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعَلِيٌّ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ وَهَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ فَوُلِدَ لَهُ بِهَا سَعِيدٌ وَأُمُّ خَالِدٍ وَقَدِمَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَرَ ، وَشَهِدَ مَعَهُ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةَ وَالْفَتْحَ وَحُنَيْنًا وَالطَّائِفَ وَتَبُوكَ وَاسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صَدَقَاتِ مَذْحِجٍ وَعَلَى صَنْعَاءِ الْيَمَنِ وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِهَا فَتَرَكَ الْعَمَلَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَهَبَ إلَى الشَّامِ فَقُتِلَ بِأَجْنَادِينَ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَقِيلَ : إنَّهُ قُتِلَ فِي مَرْجِ الصُّفَّرِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فِي إمَارَةِ عُمَرَ قَالَتْ ابْنَتُهُ أُمُّ خَالِدٍ : أَبِي أَوَّلُ مَنْ كُتِبَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ لَهُ ذِكْرٌ فِي الطَّلَاقِ فِي قِصَّةِ امْرَأَةِ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيِّ . ( الْخِرْبَاقُ هُوَ ذُو الْيَدَيْنِ ) نَأْتِي بَعْدَهُ بِتَرْجَمَتِهِ ( خُنَيْسُ بْنُ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمِ الْقُرَشِيُّ السَّهْمِيُّ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ ) . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : عُدَيُّ بْنُ سَعِيدٍ بِالتَّصْغِيرِ وَوَهَمَهُ أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمُرِيُّ وَكَانَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ هَاجَرَ الْهِجْرَةَ الْأُولَى إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، ثُمَّ رَجَعَ وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَحَصَلَتْ لَهُ بِهَا جِرَاحَةٌ مَاتَ مِنْهَا بِالْمَدِينَةِ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَضَعَّفَهُ أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمُرِيُّ وَقَالَ : إنَّ قَوْلَهُ إنَّهُ شَهِدَ أُحُدًا لَيْسَ بِشَيْءٍ وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى رَأْسِ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ بَدْرٍ ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمَاتَ عَنْهَا فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . لَهُ ذِكْرٌ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ . ( ذُو الْيَدَيْنِ السُّلَمِيُّ اسْمُهُ الْخِرْبَاقُ ) وَكَانَ يَنْزِلُ بِذِي خَشَبٍ مِنْ نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ ، وَلَهُ ذِكْرٌ فِي حَدِيثِ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ رَوَى عَنْهُ خَالِدُ بْنُ مَعْدَانُ وَجُبَيْرُ بْنُ نُفَيْرٍ وَأَبُو الزَّاهِرِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ ، وَقَدْ زَعَمَ ابْنُ شِهَابٍ أَنَّهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ وَهُوَ غَلَطٌ ، فَإِنَّ ذَا الشِّمَالَيْنِ قُتِلَ بِبَدْرٍ وَاسْمُهُ عُبَيْدُ بْنُ عَبْدِ عَمْرِو بْنِ نَضْلَةَ الْخُزَاعِيُّ ، وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ أَنَّهُ بَقِيَ إلَى زَمَنِ مُعَاوِيَةَ وَتُوُفِّيَ بِذِي خَشَبٍ . ( رِفَاعَةُ بْنُ سَمَوْأَلٍ الْقُرَظِيّ ) وَقِيلَ اسْمُ أَبِيهِ أَيْضًا رِفَاعَةُ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ } الْآيَةَ فِي عَشَرَةٍ أَنَا أَحَدُهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَلَهُ ذِكْرٌ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ . ( زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّرَخْسِيُّ الْفَقِيهُ الشَّافِعِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ يُكَنَّى أَبَا عَلِيٍّ ) رَوَى عَنْ أَبِي الْوَلِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ إدْرِيسَ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ الْقَاسِمِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَغَوِيّ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ الصَّمَدِ الْهَاشِمِيِّ فِي آخَرِينَ رَوَى عَنْهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو الْعَبَّاسِ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُسْتَغْفِرِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو يَعْقُوبَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْقَرَّابُ وَأَبُو عُثْمَانَ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّابُونِيُّ وَأَبُو عُثْمَانَ سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبُحَيْرِيُّ وَأَبُو نَصْرٍ زُهَيْرُ بْنُ الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ وَكَرِيمَةُ بِنْتُ أَحْمَدَ الْمَرْوَزِيَّةُ وَبِالْإِجَازَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْدَهْ ذَكَرَهُ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِ نَيْسَابُورَ فَقَالَ الْمُقْرِئُ الْفَقِيهُ الْمُحَدِّثُ شَيْخُ عَصْرِهِ بِخُرَاسَانَ : أَخَذَ الْفِقْهَ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَأَخَذَ الْقِرَاءَاتِ عَنْ ابْنِ مُجَاهِدٍ وَأَخَذَ الْأَدَبَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْأَنْبَارِيِّ وَقَالَ غَيْرُهُ : أَخَذَ الْكَلَامَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ تُوُفِّيَ فِي سَلْخِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَتِسْعِينَ سَنَةٍ . ( زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ الْمَدَنِيُّ الْفَقِيهُ أَحَدُ الْأَعْلَامِ مَوْلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ) يُكْنَى أَبَا أُسَامَةَ وَقِيلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَخَلْقٍ . رَوَى عَنْهُ بَنُوهُ أُسَامَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ الْمَلِكِ وَمَالِكُ بْنُ أَنَسٍ وَالسُّفْيَانَانِ وَخَلَائِقُ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَجَمَاعَةٌ ، قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ : ثِقَةٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْعِلْمِ ، وَكَانَ عَالِمًا بِالتَّفْسِيرِ لَهُ فِيهِ كِتَابٌ تُوُفِّيَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ . لَهُ ذِكْرٌ فِي الْأَدَبِ مَقْرُونٌ بِنَافِعٍ . ( زَيْدُ بْنُ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ بْنِ لَوْذَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ غَنْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ الْمَدَنِيُّ ) يُكْنَى أَبَا سَعِيدٍ وَقِيلَ أَبَا خَارِجَةَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ سُلَيْمَانُ وَخَارِجَةُ وَابْنُ عُمَرَ وَأَنَسٌ وَعُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ ، وَكَانَ كَاتِبَ الْوَحْيِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَعُمَرُ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً ، وَكَانَ أَبُوهُ ثَابِتٌ قُتِلَ يَوْمَ بُعَاثٍ فَقَرَأَ زَيْدٌ سَبْعَ عَشْرَةَ سُورَةً قَبْلَ الْهِجْرَةِ فَأَعْجَبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ : يَا زَيْدُ تَعَلَّمْ لِي كِتَابَ الْيَهُودِ قَالَ فَمَا مَضَى لِي نِصْفُ شَهْرٍ حَتَّى حَذَقْتُهُ وَتَعَلَّمَ كِتَابَ الْعِبْرَانِيَّةِ أَوْ السُّرْيَانِيَّةِ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ : أَفْرَضُكُمْ زَيْدٌ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَصَحَّحَهُ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ : { جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةٌ كُلُّهُمْ مِنْ الْأَنْصَارِ أُبَيِّ بْنُ كَعْبٍ وَمُعَاذُ بْنُ جَبْلٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَبُو زَيْدٍ وَشَهِدَ زَيْدٌ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ وَنَدَبَهُ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لِجَمْعِ الْقُرْآنِ . وَكَانَ عُمَرُ إذَا حَجَّ اسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ وَأَخَذَ ابْنُ عَبَّاسٍ بِرِكَابِ زَيْدٍ وَقَالَ هَكَذَا أُمِرْنَا أَنْ نَفْعَلَ بِعُلَمَائِنَا وَكُبَرَائِنَا } رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَعَدَّهُ مَسْرُوقٌ فِي السِّتَّةِ الَّذِينَ هُمْ أَصْحَابُ الْفَتْوَى مِنْ الصَّحَابَةِ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ قَالَهُ يَحْيَى بْنُ بُكَيْر وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَقِيلَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَلَمَّا مَاتَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَاتَ حَبْرُ الْأُمَّةِ . ( زَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ أَبُو الْحُسَيْنِ الْعُكْلِيُّ الْخُرَاسَانِيُّ ثُمَّ الْكُوفِيُّ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْجَوَّالِينَ ) رَوَى عَنْ مَالِكِ بْنِ مِغْوَلٍ وَالضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ وَالْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَخَلَائِقَ رَوَى عَنْهُ أَحْمَدُ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ وَآخَرُونَ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَالْمَدِينِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ . وَقَالَ أَحْمَدُ كَانَ صَدُوقًا يَضْبِطُ الْأَلْفَاظَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ وَلَكِنْ كَانَ كَثِيرَ الْخَطَأِ ، وَقَالَ أَيْضًا كَانَ صَاحِبَ حَدِيثٍ كَيِّسًا رَحَلَ إلَى مِصْرَ وَإِلَى خُرَاسَانَ فِي الْحَدِيثِ ، وَمَا كَانَ أَصْبَرَهُ عَلَى الْفَقْرِ ، وَقَدْ ضَرَبَ فِي الْحَدِيثِ إلَى الْأَنْدَلُسِ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَتَيْنِ قَالَهُ أَبُو هَاشِمٍ الرِّفَاعِيُّ وَغَيْرُهُ . ( زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ الْجُهَنِيِّ الْمَدَنِيُّ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ أَبَا طَلْحَةَ وَقِيلَ أَبَا زُرْعَةَ ) رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ عُثْمَانَ وَأَبِي طَلْحَةَ وَغَيْرِهِمَا ، رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ خَالِدٌ وَأَبُو حَرْبٍ وَعَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَغَيْرُهُمْ ، وَكَانَ صَاحِبَ لِوَاءِ جُهَيْنَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، اُخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ بِالْمَدِينَةِ وَلَهُ خَمْسٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ ، وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَلَامَهُ ، وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسِينَ بِمِصْرَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً ، وَقِيلَ إنَّهُ مَاتَ بِالْكُوفَةِ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ . ( زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ أَخُو عُمَرَ ) كَانَ أَسَنَّ مِنْ عُمَرَ وَأَسْلَمَ قَبْلَهُ لَهُ حَدِيثٌ فِي الصَّحِيحِ فِي النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ ، قَالَ لَهُ عُمَرُ يَوْمَ أُحُدٍ : خُذْ دِرْعِي قَالَ إنِّي أُرِيدُ مِنْ الشَّهَادَةِ مَا تُرِيدُ فَتَرَكَاهَا جَمِيعًا ، وَكَانَتْ مَعَ زَيْدٍ رَايَةُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فَلَمْ يَزَلْ يَتَقَدَّمُ بِهَا ، ثُمَّ قَاتَلَ بِسَيْفِهِ حَتَّى اُسْتُشْهِدَ فَحَزِنَ عَلَيْهِ عُمَرُ حُزْنًا شَدِيدًا . ( زَيْدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ حَرَامِ بْنِ عَمْرِو بْنِ زَيْدِ مَنَاةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ مَالِكِ بْنِ النَّجَّارِ أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ ) شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ وَهُوَ أَحَدُ الرُّمَاةِ الْمُجِيدِينَ قَتَلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ عِشْرِينَ رَجُلًا ، وَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَوْتُ أَبِي طَلْحَةَ فِي الْجَيْشِ خَيْرٌ مِنْ فِئَةٍ ، وَأَبْلَى يَوْمَ أُحُدٍ بَلَاءً شَدِيدًا وَوَقَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ يَوْمَئِذٍ فَشُلَّتْ وَقَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا مِمَّنْ قَضَى نَحْبَهُ ، وَأَعْطَاهُ شَعْرَ شِقِّ رَأْسِهِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَكَانَ أَكْثَرَ الْأَنْصَارِ مَالًا { فَتَصَدَّقَ بِبَيْرُحَاء فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَخٍ بَخٍ ذَلِكَ مَالٌ رَابِحٌ } وَغَزَا الْبَحْرَ فَمَاتَ فِيهِ فَلَمْ يَجِدُوا جَزِيرَةً إلَّا بَعْدَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ وَلَمْ يَتَغَيَّرْ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ . سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيِّ يُكَنَّى أَبَا عُمَرَ وَقِيلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ بِالْمَدِينَةِ ) رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي أَيُّوبَ وَغَيْرِهِمْ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ وَابْنُ شِهَابٍ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ ، قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : كَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَشْبَهَ وَلَدِ عُمَرَ بِهِ ، وَكَانَ سَالِمٌ أَشْبَهَ وَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ بِهِ . وَقَالَ مَالِكٌ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ فِي زَمَانِ سَالِمٍ أَشْبَهَ بِمَنْ مَضَى مِنْ الصَّالِحِينَ فِي الزُّهْدِ وَالْفَضْلِ وَالْعَيْشِ مِنْهُ ، كَانَ يَلْبَسُ الثَّوْبَ بِدِرْهَمَيْنِ وَيَشْتَرِي السِّمَاكَ فَيَحْمِلَهَا وَعَنْ خَالِدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ بَلَغَنِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُلَامُ فِي حُبِّ سَالِمٍ فَكَانَ يَقُولُ : يَلُومُونَنِي فِي سَالِمٍ وَأَلُومُهُمْ وَجِلْدَةٌ بَيْنَ الْأَنْفِ وَالْعَيْنِ سَالِمٌ وَذَكَرَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَنَّ هِشَامَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ دَخَلَ الْكَعْبَةَ فَإِذَا هُوَ بِسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ : سَلْنِي حَاجَةً قَالَ إنَّنِي أَسْتَحْيِي مِنْ اللَّهِ أَنْ أَسْأَلَ فِي بَيْتِهِ غَيْرَهُ ، فَلَمَّا خَرَجَ قَالَ لَهُ سَلْنِي الْآنَ فَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا سَأَلْت الدُّنْيَا مَنْ يَمْلِكَهَا فَكَيْفَ أَسْأَلُ مَنْ لَا يَمْلِكُهَا ؟ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ فَقِيلَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ وَقِيلَ فِي ذِي الْحِجَّةِ وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ . ( سَالِمُ بْنُ مَعْقِلٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ) يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَانَ مِنْ أَهْلِ فَارِسَ مِنْ إصْطَخْرِي وَقِيلَ : إنَّهُ مِنْ عَجَمِ الْفُرْسِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَكَانَ يُعَدُّ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَقِيلَ : إنَّهُ هَاجَرَ مَعَ عُمَرَ فِي نَفَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَكَانَ يَؤُمُّهُمْ فِي السَّفَرِ لِكَوْنِهِ أَقْرَأَهُمْ وَقِيلَ بَلْ لِأَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ تَبَنَّاهُ فَنُسِبَ إلَيْهِ ، وَكَانَ يَؤُمُّ الْمُهَاجِرِينَ بِقُبَاءَ فِيهِمْ عُمَرُ قَبْلَ مَقْدِمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ { وَاسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ } وَيُقَالُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ آخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَكْرٍ ، وَلَا يَصِحُّ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ آخَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُعَاذِ بْنِ مَاعِصٍ فَكَانَ عُمَرُ يُفْرِطُ فِي الثَّنَاءِ عَلَيْهِ حَتَّى رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ أَنْ طُعِنَ لَوْ كَانَ سَالِمٌ حَيًّا مَا جَعَلْتهَا شُورَى . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهَذَا عِنْدِي عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَصْدُرُ فِيهَا عَنْ رَأْيِهِ . قُتِلَ سَالِمٌ هُوَ وَمَوْلَاهُ أَبُو حُذَيْفَةَ فِي الْيَمَامَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فَوُجِدَ رَأْسُ أَحَدِهِمَا عِنْدَ رِجْلَيْ الْآخَرِ ( سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكِ بْنِ جَعْشَمٍ الْمُدْلِجِيُّ ) يُكَنَّى أَبَا سُفْيَانَ كَانَ يَنْزِلُ قَدِيدًا وَهُوَ الَّذِي سَاخَتْ قَوَائِمُ فَرَسِهِ فِي الْأَرْضِ فِي قِصَّةِ الْهِجْرَةِ الْمَشْهُورَةِ ، ثُمَّ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ وَرَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَآخَرُونَ وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ، وَقِيلَ إنَّهُ مَاتَ بَعْدَ عُثْمَانَ . ( سَعْدُ بْنُ طَارِقِ بْنِ أَشْيَمَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ الْكُوفِيُّ ) رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَأَنَسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَجَمَاعَةٍ رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو عَوَانَةَ وَخَلْقٌ آخِرُهُمْ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ وَبَقِيَ إلَى حُدُودِ الْأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ . ( سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ أَبِي خُزَيْمَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ ظَرِيفِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ الْأَنْصَارِيُّ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ ) يُكَنَّى أَبَا ثَابِتٍ وَقِيلَ أَبَا قَيْسٍ كَانَ مِنْ نُقَبَاءِ الْعَقَبَةِ وَاخْتُلِفَ فِي شُهُودِهِ بَدْرًا رَوَى عَنْهُ بَنُوهُ قَيْسٌ وَسَعِيدٍ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَآخَرُونَ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ هُوَ عَقَبِيٌّ بَدْرِيٌّ نَقِيبٌ . وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : تَهَيَّأَ لِلْخُرُوجِ إلَى بَدْرٍ فَنَهَسَ فَأَقَامَ ، وَكَانَ يُسَمَّى الْكَامِلَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يُحْسِنُ الْكِتَابَةَ وَالْعَوْمَ وَالرَّمْيَ ، وَكَانَ مِنْ الْأَجْوَادِ ، وَكَانَتْ جَفْنَتُهُ تَدُورُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ أَزْوَاجِهِ ، وَكَانَ يَذْهَبُ كُلَّ لَيْلَةٍ بِثَمَانِينَ مِنْ أَهْلِ الصِّفَةِ يُعَشِّيهِمْ وَكَانَ مُنَادِيهِ يُنَادِي عَلَى أُطُمَةَ مَنْ كَانَ يُرِيدُ شَحْمًا أَوْ لَحْمًا فَلِيَأْتِ سَعْدًا وَكَانَ يَقُولُ اللَّهُمَّ هَبْ لِي حَمْدًا وَهَبَ لِي مَجْدًا لَا مَجْدَ إلَّا بِفِعَالٍ وَلَا فِعَالَ إلَّا بِمَالٍ اللَّهُمَّ إنَّهُ لَا يُصْلِحُنِي الْقَلِيلُ وَلَا أَصْلُحُ عَلَيْهِ . وَقِيلَ كَانَ عُبَادَةَ يُنَادِي عَلَى أُطُمَةٍ بِذَلِكَ وَأَنَّهُ كَانَ يُنَادِي عَلَى أُطُمِ دُلَيْمٍ بِذَلِكَ ثُمَّ كَانَ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ يُنَادِي عَلَى أُطُمَةٍ بِذَلِكَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يُقَالُ إنَّهُ لَمْ يَكُنْ فِي الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ أَرْبَعَةٌ مُطْعِمُونَ يَتَوَالَوْنَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ إلَّا قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ دُلَيْمٍ قَالَ وَلَا كَانَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْعَرَبِ أَيْضًا إلَّا مَا ذَكَرْنَا عَنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيَّةَ ، قَالَ : وَفِي سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ جَاءَ الْخَبَرُ الْمَأْثُورُ أَنَّ قُرَيْشًا سَمِعُوا صَائِحًا يَصِيحُ لَيْلًا عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ فَإِنْ يُسْلِمْ السَّعْدَانِ يُصْبِحْ مُحَمَّدٌ بِمَكَّةَ لَا يَخْشَى خِلَافَ الْمُخَالِفِ قَالَ فَظَنَّتْ قُرَيْشٌ أَنَّهُمَا سَعْدُ بْنُ زَيْدِ مَنَاةَ وَسَعْدُ بْنُ هُذَيْمٍ فَلَمَّا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الثَّانِيَةُ سَمِعُوا صَوْتًا عَلَى أَبِي قُبَيْسٍ أَيَا سَعْدَ سَعْدَ الْأَوْسِ كُنْ أَنْتَ نَاصِرًا وَيَا سَعْدَ سَعْدَ الْخَزْرَجِيِّينَ الْغَطَارِفِ أَجِيبَا إلَى دَاعِي الْهُدَى وَتَمَنَّيَا عَلَى اللَّهِ فِي الْفِرْدَوْسِ مُنْيَةَ عَارِفِ فَإِنَّ ثَوَابَ اللَّهِ لِلطَّالِبِ الْهُدَى جِنَانٌ مِنْ الْفِرْدَوْسِ ذَاتُ رَفَارِفِ وَوُجِدَ سَعْدٌ مَيِّتًا فِي مُغْتَسَلِهِ وَقَدْ أُحْضِرَ جَسَدُهُ ، وَلَمْ يَشْعُرُوا بِمَوْتِهِ حَتَّى سَمِعُوا قَائِلًا يَقُولُ وَلَا يَرَوْنَهُ : قَدْ قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ وَرَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ فَلَمْ نُخْطِ فُؤَادَهُ فَيُقَالُ إنَّ الْجِنَّ قَتَلَتْهُ ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : إنَّهُ بَالَ قَائِمًا فَلَمَّا رَجَعَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ إنِّي لَأَجِدُ دَبِيبًا فَمَاتَ ، وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ : مَاتَ بِحُورَانَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَقِيلَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، وَقِيلَ إحْدَى عَشْرَةَ وَقِيلَ : إنَّهُ مَاتَ بِبُصْرَى وَهِيَ أَوَّلُ مَدِينَةٍ فُتِحَتْ بِالشَّامِ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْحُدُودِ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ . ( سَعْدُ بْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ الْأَبْجَرِ وَهُوَ خَدْرَةُ بْنُ عَوْفِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ الْأَنْصَارِيُّ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ) بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَغَزَا غَزَوَاتٍ وَكَانَ أَبُوهُ قُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ وَكَانَ أَبُو سَعِيدٍ مِنْ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ وَمُكْثِرِيهِمْ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكْثَرَ ، وَعَنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ . رَوَى عَنْهُ جَابِرٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطِيَّةُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَابْنُ يَزِيدَ وَابْنُ يَسَارٍ وَخَلَائِقُ رَوَى حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ أَشْيَاخِهِ قَالُوا لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَحْدَاثِ الصَّحَابَةِ أَفْقَهَ مِنْ أَبِي سَعِيدٍ وَتُوُفِّيَ أَبُو سَعِيدٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ . ( سَعْدُ بْنُ مُعَاذِ بْنِ النُّعْمَانِ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ الْأَشْهَلِ بْنِ جُشْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ الْبَيْتِ وَهُوَ عَمْرُو بْنُ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ الْأَنْصَارِيُّ الْأَشْهَلِيُّ سَيِّدُ الْأَوْسِ ) يُكَنَّى أَبَا عَمْرٍو وَأَسْلَمَ بِالْمَدِينَةِ بَيْنَ الْعَقَبَتَيْنِ عَلَى يَدِ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ فَرُمِيَ فِيهِ بِسَهْمٍ عَاشَ شَهْرًا ، ثُمَّ انْتَقَضَ جُرْحُهُ فَمَاتَ رَمَاهُ حِبَّانُ بْنُ الْعَرَقَةِ فَقَالَ خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْعَرَقَةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَّقَ اللَّهُ وَجْهَهُ فِي النَّارِ ، وَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْمَةً فِي الْمَسْجِدِ فَكَانَ يَعُودُهُ كُلَّ يَوْمٍ . رَوَى التِّرْمِذِيُّ ، وَصَحَّحَهُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ { رُمِيَ يَوْمَ الْأَحْزَابِ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَطَعُوا أَكْحَلَهُ أَوْ أَبْجَلَهُ فَحَسَمَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّارِ فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ فَتَرَكَهُ فَنَزَفَهُ الدَّمُ فَحَسَمَهُ أُخْرَى فَانْتَفَخَتْ يَدُهُ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ اللَّهُمَّ لَا تُخْرِجْ نَفْسِي حَتَّى تُقِرَّ عَيْنِي مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ فَاسْتَمْسَكَ عِرْقُهُ فَمَا قَطَرَ قَطْرَةً حَتَّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ فَحَكَمَ أَنْ تُقْتَلَ رِجَالُهُمْ وَتُسْبَى نِسَاؤُهُمْ يَسْتَعِينُ بِهِنَّ الْمُسْلِمُونَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَصَبْت حُكْمَ اللَّهِ فِيهِمْ ، وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ قَتْلِهِمْ انْفَتَقَ عِرْقُهُ فَمَاتَ } . وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { قَالَ سَمِعْت رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ وَجِنَازَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ اهْتَزَّ لَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ } . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِثَوْبٍ مِنْ حَرِيرٍ فَجَعَلُوا يَعْجَبُونَ مِنْ لِينِهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَنَادِيلُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي الْجَنَّةِ أَحْسَنُ مِنْ هَذَا } . وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ : ( ثَلَاثٌ أَنَا فِيهِنَّ رَجُلٌ ، يَعْنِي كَمَا يَنْبَغِي وَمَا سِوَى ذَاكَ فَأَنَا رَجُلٌ مِنْ النَّاسِ مَا سَمِعَتْ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا قَطُّ إلَّا عَلِمْت أَنَّهُ حَقٌّ مِنْ اللَّهِ ، وَلَا كُنْت فِي صَلَاةٍ قَطُّ فَشَغَلْت نَفْسِي بِغَيْرِهَا حَتَّى أَقْضِيَهَا ، وَلَا كُنْت فِي جِنَازَةٍ قَطُّ فَحَدَّثْت نَفْسِي بِغَيْرِ مَا تَقُولُ ، وَمَا يُقَالُ لَهَا حَتَّى أَنْصَرِفَ عَنْهَا ) قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : هَذِهِ الْخِصَالُ مَا كُنْت أَحْسِبُهَا إلَّا فِي نَبِيٍّ . ( سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ) وَاسْمُ أَبِي وَقَّاصٍ مَالِكُ بْنُ أُهَيْبَ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ الزُّهْرِيُّ يُكَنَّى أَبَا إِسْحَاقَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ وَأَوَّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفَارِسُ الْإِسْلَامِ وَحَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ قَالَ لَيْتَ رَجُلًا صَالِحًا يَحْرُسُنِي اللَّيْلَةَ ، وَسَابِعُ سَبْعَةٍ فِي الْإِسْلَامِ وَأَحَدُ السِّتَّةِ أَهْلِ الشُّورَى ، وَأَحَدُ السِّتَّةِ الَّذِينَ تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَنْهُمْ رَاضٍ ، وَأَحَدُ مَنْ فَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِيهِ وَأُمِّهِ وَأَحَدُ مُجَابِي الدَّعْوَةِ وَأَحَدُ الرُّمَاةِ الَّذِينَ لَا يُخْطِئُونَ ، دَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اللَّهُمَّ سَدِّدْ رَمْيَتَهُ وَأَجِبْ دَعْوَتَهُ } وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى قِتَالَ فَارِسَ وَكَوَّفَ الْكُوفَةَ رَوَى عَنْهُ بَنُوهُ إبْرَاهِيمُ وَعُمَرُ وَمُحَمَّدٌ وَعَامِرٌ وَمُصْعَبٌ وَعَائِشَةُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ ، وَكَانَ سَعْدٌ مِمَّنْ قَعَدَ فِي الْفِتْنَةِ ، وَلَزِمَ بَيْتَهُ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ لَا يُخْبِرُوهُ مِنْ أَخْبَارِ النَّاسِ بِشَيْءٍ حَتَّى تَجْتَمِعَ الْأُمَّةُ عَلَى إمَامٍ وَتُوُفِّيَ سَعْدٌ فِي قَصْرِهِ بِالْعَقِيقِ عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَحُمِلَ عَلَى الرِّقَابِ إلَى الْبَقِيعِ فَدُفِنَ بِهِ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ ، وَقِيلَ : سَنَةَ سِتٍّ وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ . وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي مَبْلَغِ سِنِّهِ فَقَالَ أَحْمَدُ : ثَلَاثٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً ، وَقِيلَ اثْنَتَانِ وَثَمَانُونَ ، وَقَالَ الْفَلَّاسُ : أَرْبَعٌ وَسَبْعُونَ وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ وَالْوَاقِدِيُّ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ . ( سَعِيدُ بْنُ أَبِي سَعِيدٍ وَاسْمُ أَبِي سَعِيدٍ كَيْسَانُ أَبُو سَعِيدٍ الْمَدَنِيُّ الْمَقْبُرِيُّ ) كَانَ جَارًا لِلْمَقْبُرَةِ فَنُسِبَ إلَيْهَا رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَخَلْقٍ . رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ وَأَبُو زُرْعَةَ وَابْنُ خِرَاشٍ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ اخْتَلَطَ قَبْلَ مَوْتِهِ بِأَرْبَعِ سِنِينَ ، وَلَمْ يُتَابَعْ الْوَاقِدِيُّ عَلَى ذَلِكَ نَعَمْ . قَالَ شُعْبَةُ حَدَّثَنَا سَعِيدٌ بَعْدَ مَا كَبُرَ وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ قَالَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ حِبَّانَ وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَالطَّحَاوِيُّ وَقِيلَ : سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ حَكَاهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَوَهِمَ ابْنُ الْقَطَّانِ فَقَالَ إنَّ الْمَعْرُوفَ فِي وَفَاتِهِ سَنَةَ مِائَةٍ أَوْ قَبْلَهَا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ اُشْتُبِهَتْ عَلَيْهِ وَفَاتُهُ بِوَفَاةِ أَبِيهِ أَبِي سَعِيدٍ . ( سَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ حَسَّانَ أَبُو عُبَيْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ الْمَكِّيُّ ) رَوَى عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَحُسَيْنِ بْنِ زَيْدٍ الْعَلَوِيِّ فِي آخَرِينَ رَوَى عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ صَاعِدٍ وَآخَرُونَ ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَتَيْنِ . ( سَعِيدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبُحَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ ) يُكَنَّى أَبَا عُثْمَانَ رَوَى عَنْ جَدِّهِ أَبِي الْحُسَيْنِ وَأَبِي عَمْرِو بْنِ حَمْدَانَ وَأَبِي عَلِيٍّ زَاهِرِ بْنِ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيِّ وَغَيْرِهِمْ رَوَى عَنْهُ الْمُظَفَّرُ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنُ هَوَازِنَ الْقُشَيْرِيُّ وَهِبَةُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ عُمَرَ السِّيدِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَكَانَ مُحَدِّثَ خُرَاسَانَ وَمُسْنِدَهَا رَحَلَ إلَى مَرْوَ وَإِسْفَرَايِينَ وَجُرْجَانَ وَبَغْدَادَ كَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَتُوُفِّيَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ . ( سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ بْنِ حَزْنِ بْنِ أَبِي وَهْبِ بْنِ عِمْرَانَ بْنِ عَابِدِ بْنِ عَمْرو بْنِ مَخْزُومٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَخْزُومِيُّ الْمَدَنِيُّ ) سَيِّدُ فُقَهَاءِ التَّابِعِينَ رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ عُمَرَ وَاخْتُلِفَ فِي سَمَاعِهِ مِنْهُ ، وَعَنْ عُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَأَبِي مُوسَى فِي آخَرِينَ رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ . قَالَ قَتَادَةُ : مَا رَأَيْت أَحَدًا قَطُّ أَعْلَمَ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مِنْهُ . وَكَذَلِكَ قَالَ مَكْحُولٌ مَا لَقِيتُ أَعْلَمَ مِنْهُ ، وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى : إنَّهُ أَفْقَهُ التَّابِعِينَ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : إنَّهُ أَفْضَلُ التَّابِعِينَ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا فِي التَّابِعِينَ أَوْسَعَ عِلْمًا مِنْهُ ، وَهُوَ عِنْدِي أَجَلُّ التَّابِعِينَ وَقَالَ ابْنُ حَاتِمٍ : لَيْسَ فِي التَّابِعِينَ أَنْبَلُ مِنْهُ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : هُوَ سَيِّدُ التَّابِعِينَ ، قُلْت وَأَظُنُّ مَنْ فَضَّلَهُ عَلَى بَقِيَّةِ التَّابِعِينَ إنَّمَا أَرَادُوا فِي الْعِلْمِ ، وَإِلَّا فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ ( إنَّ خَيْرَ التَّابِعِينَ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ أُوَيْسٌ ) الْحَدِيثَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مَرَاسِيلُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ صِحَاحٌ . قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي مَوْلِدِهِ فَقِيلَ : سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَقِيلَ سَنَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ . ( سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْهَالِيُّ الْمَكِّيُّ مَوْلَى مُحَمَّدِ بْنِ مُزَاحِمَ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْإِسْلَامِ ) رَوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَالزُّهْرِيِّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ وَابْنُ الْمُنْكَدِرِ فِي خَلَائِقَ مِنْ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ رَوَى عَنْهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَالْحُمَيْدِيُّ وَأُمَمٌ سِوَاهُمْ قَالَ الشَّافِعِيُّ مَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ الْقَرِينَانِ لَوْلَاهُمَا لَذَهَبَ عِلْمُ الْحِجَازِ . وَقَالَ أَيْضًا : مَا رَأَيْت مَنْ فِيهِ مِنْ آلَةِ الْعِلْمِ مَا فِي سُفْيَانَ وَمَا رَأَيْت أَحَدًا أَكَفَّ عَنْ الْفُتْيَا مِنْهُ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ مَا فِي أَصْحَابِ الزُّهْرِيِّ أَتْقَنُ مِنْهُ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : مَا رَأَيْت أَحَدًا أَعْلَمَ بِكِتَابِ اللَّهِ مِنْهُ رَوَى سُلَيْمَانُ بْنُ أَيُّوبَ عَنْهُ قَالَ : شَهِدْت ثَمَانِينَ مَوْقِفًا ، وَقَالَ ابْنُ أَخِيهِ الْحَسَنُ بْنُ عُمَرَ : إنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ قَالَ قَالَ لِي سُفْيَانُ بِجَمْعٍ : قَدْ أَتَيْت هَذَا الْمَوْضِعَ سَبْعِينَ مَرَّةً أَقُولُ فِي كُلِّ سَنَةٍ : اللَّهُمَّ لَا تَجْعَلْهُ آخِرَ الْعَهْدِ مِنْ هَذَا الْمَكَانِ وَإِنِّي قَدْ اسْتَحْيَيْت مِنْ كَثْرَةِ مَا أَسْأَلُهُ ذَلِكَ فَرَجَعَ فَتُوُفِّيَ فِي السَّنَةِ الدَّاخِلَةِ وَتُوُفِّيَ فِي أَوَّلِ رَجَبٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ بِمَكَّةَ قَالَهُ ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ زَيْدٍ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ آخِرَ يَوْمٍ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ . وَقَوْلُ ابْنِ الصَّلَاحِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ غَلَطٌ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَمِائَةٍ ، وَقَدْ ذُكِرَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّ سُفْيَانَ اخْتَلَطَ سَنَةَ سَبْعٍ وَتِسْعِينَ وَاسْتَبْعَدَهُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ فَإِنَّ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ مَاتَ قَبْلَهُ فِي أَوَائِلِ السَّنَةِ . ( سَلْمَانُ الْفَارِسِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قِيلَ إنَّهُ مِنْ أَصْبَهَانَ وَقِيلَ مِنْ رَامَهُرْمُزَ وَهُوَ الصَّحِيحُ فَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَلْمَانَ قَالَ : إنَّ اسْمَ أَبِيهِ حَسَّانُ وَكَانَ إذَا قِيلَ لَهُ ابْنُ مَنْ أَنْتَ ؟ يَقُولُ أَنَا سَلْمَانُ ابْنُ الْإِسْلَامِ أَوَّلُ مُشَاهَدِهِ الْخَنْدَقُ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ ، وَقِيلَ : إنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ رَوَى عَنْهُ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَشُرَحْبِيلُ بْنُ السِّمْطِ وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ وَآخَرُونَ ، وَقِصَّةُ مَجِيئِهِ إلَى الْمَدِينَةِ وَإِسْلَامِهِ مَشْهُورَةٌ ذَكَرَهَا ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ . وَقَدْ قِيلَ : إنَّهُ لَقِيَ بَعْضَ أَوْصِيَاءِ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَقِيلَ لَقِيَ عِيسَى نَفْسَهُ قَالَ الْعَبَّاسُ بْنُ يَزِيدَ يَقُولُ أَهْلُ الْعِلْمِ : عَاشَ سَلْمَانُ ثَلَثَمِائَةٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً فَأَمَّا مِائَتَيْنِ وَخَمْسِينَ سَنَةً فَلَا يَشُكُّونَ فِيهَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي بِحُبِّ أَرْبَعَةٍ وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ يُحِبُّهُمْ قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ سَمِّهِمْ لَنَا ، قَالَ عَلِيٌّ مِنْهُمْ ، يَقُولُ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَأَبُو ذَرٍّ وَالْمِقْدَادُ وَسَلْمَانُ } . قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الْجَنَّةَ تَشْتَاقُ إلَى ثَلَاثَةٍ عَلِيٌّ وَعَمَّارٌ وَسَلْمَانُ } قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَقَالَ فِيهِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ذَاكَ امْرُؤٌ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ أَدْرَكَ الْعِلْمَ الْأَوَّلَ وَالْعِلْمَ الْآخِرَ بَحْرٌ لَا يُنْزَفُ ، وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا { سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ } فَرُوِيَ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ { أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارَ احْتَجُّوا فِيهِ عِنْدَ حَفْرِ الْخَنْدَقِ وَكَانَ رَجُلًا قَوِيًّا ، فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ : سَلْمَانُ مِنَّا ، وَقَالَتْ الْأَنْصَارُ : سَلْمَانُ مِنَّا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : سَلْمَانُ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ } ، وَكَانَ سَلْمَانُ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ يَعْمَلُ الْخُوصَ فَكَانَ إذَا خَرَجَ عَطَاؤُهُ ، وَهُوَ خَمْسَةُ آلَافٍ أَمْضَاهُ وَيَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ { اشْتَكَى سَلْمَانُ فَعَادَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ فَرَآهُ يَبْكِي فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ مَا يُبْكِيك يَا أَخِي ؟ أَلَيْسَ قَدْ صَحِبْتَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلَيْسَ أَلَيْسَ ؟ فَقَالَ سَلْمَانُ : مَا أَبْكِي وَاحِدَةً مِنْ اثْنَتَيْنِ مَا أَبْكِي صَبَابَةً لِلدُّنْيَا وَلَا كَرَاهِيَةً لِلْآخِرَةِ ، وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَهِدَ إلَيَّ عَهْدًا مَا أَرَانِي إلَّا قَدْ تَعَدَّيْت ، قَالَ وَمَا عَهِدَ إلَيْك ؟ قَالَ عَهِدَ إلَيَّ أَنَّهُ يَكْفِي أَحَدَكُمْ مِثْلُ زَادِ الرَّاكِبِ ، وَلَا أَرَانِي إلَّا قَدْ تَعَدَّيْت } . قَالَ ثَابِتٌ فَبَلَغَنِي أَنَّهُ مَا تَرَكَ إلَّا بِضْعَةً وَعِشْرِينَ دِرْهَمًا نَفِيقَةً كَانَتْ عِنْدَهُ ، وَمَاتَ سَلْمَانُ بِالْمَدَائِنِ سَنَة سِتٍّ وَثَلَاثِينَ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَخَلِيفَةُ وَغَيْرُهُمَا . وَقَالَ خَلِيفَةُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَلَامَهُ ، وَصَحَّحَهُ قِيلَ : إنَّهُ تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الزَّكَاةِ فِي إهْدَائِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ ) وَالْأَكْوَعُ جَدُّهُ وَاسْمُهُ سِنَانٌ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ أَبِيهِ فَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عُمَرُ وَقِيلَ وَهْبٌ وَسِنَانٌ هُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُشَيْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَلَامَانِ بْنِ أَسْلَمَ بْنِ أَفْضِي وَكُنْيَةُ سَلَمَةَ أَبُو مُسْلِمٍ وَقِيلَ أَبُو أُنَاسٍ وَقِيلَ أَبُو عَامِرٍ الْأَسْلَمِيُّ الْمَدَنِيُّ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ وَغَزَا عِدَّةَ غَزَوَاتٍ وَرَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ إيَاسٌ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي عُبَيْدٍ ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ وَآخَرُونَ . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ سَلَمَةَ كَلَّمَهُ الذِّئْبُ فِي قِصَّةِ إسْلَامِهِ فَقَالَ سَلَمَةُ : يَا عِبَادَ اللَّهِ إنَّ هَذَا لَعَجَبٌ ذِئْبٌ يَتَكَلَّمُ ، فَقَالَ الذِّئْبُ : أَعْجَبُ مِنْ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أُصُولِ النَّخْلِ يَدْعُوكُمْ إلَى عِبَادَةِ اللَّهِ ، فَلَحِقَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَسْلَمَ . وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الَّذِي كَلَّمَهُ الذِّئْبُ رَافِعُ بْنُ عُمَيْرَةَ ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ أَيْضًا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ سَلَمَةَ قَالَ غَزَوْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبْعَ غَزَوَاتٍ ، وَخَرَجْت فِيمَا يَبْعَثُ مِنْ الْبُعُوثِ تِسْعَ غَزَوَاتٍ . وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خَيْرُ رَجَّالَتِنَا سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ وَكَانَ سَلَمَةُ يَسْبِقُ الْفَرَسَ شَدًّا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَانَ شُجَاعًا رَامِيًا مُحْسِنًا خَيِّرًا فَاضِلًا سَكَنَ بِالرَّبَذَةِ وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَة أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةٍ . ( سَلَمَةُ بْنُ هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَخْزُومٍ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ ) كَانَ مِنْ خِيَارِ الصَّحَابَةِ وَفُضَلَائِهِمْ ، وَمِنْ مُهَاجِرَةِ الْحَبَشَةِ أَسْلَمَ قَدِيمًا وَاحْتُبِسَ بِمَكَّةَ وَعُذِّبَ فِي اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو لَهُ فِي قُنُوتِهِ مَعَ الْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ ، وَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا لِذَلِكَ وَلَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْخَنْدَقِ فَلَمْ يَزَلْ مَعَهُ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَرَجَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الشَّامِ لِجِهَادِ الرُّومِ ، فَقُتِلَ شَهِيدًا بِمَرْجِ الصُّفَّرِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ عُمَرَ وَقِيلَ : إنَّهُ قُتِلَ بِأَجْنَادِينَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْقُنُوتِ فِي الصَّلَاةِ . ( سُلَيْكُ بْنُ هُدْبَةَ الْغَطَفَانِيُّ ) مَذْكُورٌ فِي الْجُمُعَةِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي { جُلُوسِ سُلَيْكٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ } ، وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ السُّلَيْكِ مُخْتَصَرًا وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَلَمْ يُسَمِّ الدَّاخِلَ . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ هُوَ ( سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ مُطَيْرٍ اللَّخْمِيُّ الطَّبَرَانِيُّ ) أَبُو الْقَاسِمِ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْمُكْثِرِينَ صَاحِبُ الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ وَالصَّغِيرِ وَالْأَوْسَطِ وَمُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ وَكِتَابِ الدُّعَاءِ وَكِتَابِ السُّنَّةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ رَوَى عَنْ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ وَبِشْرِ بْنِ مُوسَى الْأَسَدِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْبَرِّيِّ وَأَبِي زُرْعَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَمْرٍو الدِّمَشْقِيِّ وَيَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ الْعَلَّافِ الْمِصْرِيِّ وَأَبِي يَزِيدَ بْنِ يُوسُفَ بْنِ كَامِلٍ الْقَرَاطِيسِيِّ وَأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ التَّمَّارِ الْبَصْرِيِّ وَأَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ هِشَامِ بْنِ أَبِي الدُّمَيْكِ وَخَلَائِقَ رَوَى عَنْهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشِّيرَازِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو عُمَرَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبِسْطَامِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ مَرْدُوَيْهِ وَالْحَافِظُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ الْجَارُودِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ فَاذِشَاهَ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَرِيدَةَ وَآخَرُونَ رَحَلَ إلَى الشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَأَصْبَهَانَ وَفَارِسَ وَالْيَمَنِ وَغَيْرِهَا . وَأَوَّلُ مَا رَحَلَ إلَى الْقُدْسِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ، ثُمَّ إلَى قَيْسَارِيَّةَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ قَالَ الذَّهَبِيُّ وَكَانَ ثِقَةً صَدُوقًا وَاسِعَ الْحِفْظِ بَصِيرًا بِالْعِلَلِ وَالرِّجَالِ وَالْأَمْوَاتِ كَثِيرَ التَّصَانِيفِ . وَأَوَّلُ سَمَاعِهِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ بِطَبَرِيَّةَ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ لِكَوْنِهِ حَدَّثَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْبَرْقِيِّ بِالْمَغَازِي ، وَإِنَّمَا سَمِعَهَا عَلَى أَخِيهِ عَبْدِ الرَّحِيمِ قَالَ الذَّهَبِيُّ وَإِنَّمَا أَرَادَ الطَّبَرَانِيُّ عَبْدَ الرَّحِيمَ أَخَاهُ فَتَوَهَّمَ أَنَّ اسْمَ شَيْخِهِ أَحْمَدَ وَقَالَ فِيهِ الْحَافِظُ الثَّبْتُ . تُوُفِّيَ بِأَصْبَهَانَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَلَهُ مِائَةُ سَنَةٍ وَعَشْرَةُ أَشْهُرٍ . ( سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ بَشِيرِ بْنِ شَدَّادِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِمْرَانَ ) وَقِيلَ فِي نَسَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ أَبُو دَاوُد الْأَزْدِيُّ السِّجِسْتَانِيُّ الْحَافِظُ صَاحِبُ السُّنَنِ رَوَى عَنْ الْقَعْنَبِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ وَعَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى بْنِ الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَخَلَائِقَ بِالْحِجَازِ وَالشَّامِ فِي مِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَالْجَزِيرَةِ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو عَوَانَةَ وَأَبُو بَكْرٍ النَّجَّادُ وَأَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَأَبُو عَلِيٍّ اللُّؤْلُؤِيُّ وَغَيْرُهُمْ . قَالَ ابْنُ حِبَّانَ : أَبُو دَاوُد أَحَدُ أَئِمَّةِ الدُّنْيَا فِقْهًا وَعِلْمًا وَحِفْظًا وَنُسُكًا وَوَرَعًا وَإِتْقَانًا جَمَعَ وَصَنَّفَ وَذَبَّ عَنْ السُّنَنِ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْخَلَّالِ : هُوَ الْإِمَامُ الْمُقَدَّمُ فِي زَمَانِهِ لَمْ يَسْبِقْهُ أَحَدٌ إلَى مَعْرِفَتِهِ بِتَخْرِيجِ الْعُلُومِ وَبَصَرِهِ بِمَوَاضِعِهِ فِي زَمَانِهِ رَجُلٌ وَرِعٌ مُقَدَّمٌ سَمِعَ مِنْهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ حَدِيثًا . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَخْلَدٍ : كَانَ أَبُو دَاوُد يَفِي بِمُذَاكَرَةِ مِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ وَقَالَ ابْنُ دَاسَةَ : سَمِعْت أَبَا دَاوُد يَقُولُ كَتَبْت عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسَ مِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ انْتَخَبْت مِنْهَا مَا ضَمَّنْته هَذَا الْكِتَابَ يَعْنِي السُّنَنَ جَمَعْت فِيهِ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَثَمَانِ مِائَةِ حَدِيثٍ ذَكَرْت الصَّحِيحَ وَمَا يُشْبِهُهُ وَيُقَارِبُهُ . وَيَكْفِي الْإِنْسَانَ مِنْ ذَلِكَ لِدِينِهِ أَرْبَعَةُ أَحَادِيثَ { الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ } . { وَمِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ } . { وَلَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَرْضَى لِأَخِيهِ مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ } . { وَالْحَلَالُ بَيِّنٌ وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ } . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْآجُرِّيُّ سَمِعْت أَبَا دَاوُد يَقُولُ : وُلِدْت سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَمِائَتَيْنِ قَالَ الْآجُرِّيُّ وَمَاتَ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ بَقِيَتْ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ بِالْبَصْرَةِ . ( سُلَيْمَانُ بْنُ مِهْرَانَ الْأَعْمَشُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَسَدِيُّ الْكَاهِلِيُّ مَوْلَاهُمْ الْكُوفِيُّ أَحَدُ الْأَعْلَامِ ) رَأَى أَنَسًا وَرَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى وَأَبِي وَائِلٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَزِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ وَخَلْقٍ . رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ وَوَكِيعٌ وَأَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَخَلَائِقُ . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : سَبَقَ الْأَعْمَشُ أَصْحَابَهُ بِأَرْبَعٍ كَانَ أَقْرَأَهُمْ لِلْقُرْآنِ وَأَحْفَظَهُمْ لِلْحَدِيثِ وَأَعْلَمَهُمْ بِالْفَرَائِضِ ، وَذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى . وَقَالَ عِيسَى بْنُ يُونُسَ لَمْ نَرَ نَحْنُ وَلَا الْقَرْنُ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَنَا مِثْلَ الْأَعْمَشِ وَقَالَ وَكِيعٌ : أَقَامَ قَرِيبًا مِنْ سَبْعِينَ سَنَةً لَمْ تَفُتْهُ التَّكْبِيرَةُ الْأُولَى . وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ : كَانَ مِنْ النُّسَّاكِ وَكَانَ عَلَّامَةَ الْإِسْلَامِ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ عَيَّاشٍ كُنَّا نُسَمِّيهِ سَيِّدَ الْمُحَدِّثِينَ ، وَقَالَ الْعِجْلِيّ كَانَ ثِقَةً ثَبْتًا مُحَدِّثَ أَهْلِ الْكُوفَةِ فِي زَمَانِهِ . وَكَذَا قَالَ النَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُ : ثِقَةٌ ثَبْتٌ وَكَانَتْ لَهُ نَوَادِرُ أُفْرِدَتْ بِالتَّصْنِيفِ ، قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ مَاتَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ سَنَةً . ( سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى الْأَشْدَقُ الْقُرَشِيُّ مَوْلَى آلِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ ) يُكْنَى أَبَا أَيُّوبَ ، وَقِيلَ أَبَا الرَّبِيعِ ، وَقِيلَ أَبَا هِشَامٍ كَانَ فَقِيهَ أَهْلِ الشَّامِ فِي زَمَانِهِ رَوَى عَنْ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ وَطَاوُسٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فِي طَائِفَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ رَوَى عَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَثَوْرُ بْنُ يَزِيدَ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ قَالَ سَعِيدٌ كَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ الشَّامِ بَعْدَ مَكْحُولٍ ، وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ : سَيِّدُ شَبَابِ أَهْلِ الشَّامِ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى . وَقَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ مَا لَقِيت مِثْلَهُ قِيلَ : وَلَا الْأَعْرَجُ ؟ قَالَ : وَلَا الْأَعْرَجُ ، وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَدُحَيْمٌ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ مُخَلَّدُ الصِّدْقِ وَفِي حَدِيثِهِ بَعْضُ الِاضْطِرَابِ ، وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ مَكْحُولٍ أَفْقَهَ وَلَا أَثْبَتَ مِنْهُ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ عِنْدَهُ مَنَاكِيرُ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ هُوَ عِنْدِي ثَبْتٌ صَدُوقٌ ، وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقَالَ دُحَيْمٌ : سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ سَعْدٍ وَآخَرُونَ : سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْعِتْقِ . ( سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبِ بْنِ هِلَالِ بْنِ خَدِيجِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ حَزْنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَابِرِ بْنِ ذِي الرَّأْسَيْنِ وَاسْمُهُ حُشَيْرٍ بْنُ لُؤَيِّ بْنِ عَاصِمِ بْنِ شَمْخِ بْنِ فَزَارَةَ الْفَزَارِيّ ) كَذَا فِي كِتَابِ ابْنِ الْكَلْبِيِّ ، وَوَقَعَ فِي الِاسْتِيعَابِ ذِي الرِّئَاسَتَيْنِ وَاقْتَصَرَ عَلَى بُلُوغِ نَسَبِهِ إلَيْهِ وَكُنْيَةُ سَمُرَةَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقِيلَ أَبُو سُلَيْمَانَ وَقِيلَ أَبُو سَعِيدٍ وَكَانَ يَنْزِلُ الْبَصْرَةَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ سَعِيدٌ وَسُلَيْمَانُ وَأَبُو رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَآخَرُونَ . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ كَانَ سَمُرَةُ فِيمَا عَلِمْت عَظِيمَ الْأَمَانَةِ صَدُوقَ الْحَدِيثِ يُحِبُّ الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَانَ مِنْ الْحُفَّاظِ الْمُكْثِرِينَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ ثَمَان وَخَمْسِينَ سَقَطَ فِي قِدْرٍ مَمْلُوءَةٍ مَاءً حَارًّا فَمَاتَ ، فَكَانَ ذَلِكَ تَصْدِيقًا { لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ وَلِأَبِي هُرَيْرَةَ وَثَالِثٍ مَعَهُمَا : آخِرُكُمْ مَوْتًا فِي النَّارِ } ، انْتَهَى . وَقِيلَ مَاتَ فِي آخِرِ سَنَةِ تِسْعِ وَخَمْسِينَ وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْعِبَرِ فِي أَوَّلِ سَنَةِ سِتِّينَ . ( سَهْلُ بْنُ أَبِي حَثْمَةَ وَاسْمُ أَبِي حَثْمَةَ عَبْدُ اللَّهِ وَقِيلَ عَامِرُ وَقِيلَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ سَاعِدَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ مَجْدَعَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو وَهُوَ النَّبِيتُ بْنُ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ ) يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ أَبَا يَحْيَى وَقِيلَ أَبَا مُحَمَّدٍ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَوَى عَنْهُ صَالِحُ بْنُ خَوَّاتُ وَنَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ وَبَشِيرُ بْنُ يَسَارٍ وَآخَرُونَ . قَالَ الْوَاقِدِيُّ : تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِ سِنِينَ ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا مِنْ وَلَدِهِ يَقُولُ : إنَّهُ بَايَعَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، وَكَانَ دَلِيلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةَ أُحُدٍ وَشَهِدَ الْمُشَاهَدَ كُلَّهَا إلَّا بَدْرًا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَاَلَّذِي قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ أَظْهَرُ قَالَ الذَّهَبِيُّ : أَظُنُّهُ تُوُفِّيَ فِي زَمَنِ مُعَاوِيَةَ . ( سَهْلُ بْنُ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خَالِدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَج السَّاعِدِيُّ الْمَدَنِيُّ ) يُكَنَّى أَبَا الْعَبَّاسِ وَقِيلَ أَبَا يَحْيَى ، لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ ، رَوَى سَهْلٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ وَغَيْرِهِمَا رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ الْعَبَّاسُ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبُو حَازِمٍ وَآخَرُونَ وَعَمَّرَ حَتَّى بَلَغَ مِائَةً فِيمَا قِيلَ وَتُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ . وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ : سَنَةَ إحْدَى وَتِسْعِينَ قَالَهُ يَحْيَى بْنُ بُكَيْر وَابْنُ نُمَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ وَالْوَاقِدِيُّ وَالْمَدَائِنِيُّ وَرَجَّحَهُ ابْنُ زَيْدٍ وَابْنُ حِبَّانَ وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ قَالَهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَالْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ . وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي مَحَلِّ وَفَاتِهِ فَالْجُمْهُورُ أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ ، وَأَنَّهُ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِهَا مِنْ الصَّحَابَةِ قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَالْوَاقِدِيُّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ قَانِعٍ وَغَيْرُهُمْ وَقِيلَ : مَاتَ بِمِصْرَ قَالَهُ قَتَادَةُ وَقِيلَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ قَالَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُد . ( شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ وَاسْمُ أَبِي حَمْزَةَ دِينَارٌ أَبُو بِشْرٍ الْأُمَوِيُّ ) مَوْلَاهُمْ الْحِمْصِيُّ رَوَى عَنْ نَافِعٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَالزُّهْرِيِّ فِي آخَرِينَ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ بِشْرٌ وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَأَبُو الْيَمَانِ وَآخَرُونَ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ قَالَهُ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ رَبِّهِ وَقِيلَ : سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ قَالَهُ يَحْيَى الْوُحَاظِيُّ . ( شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ السَّهْمِيُّ ) رَوَى عَنْ جَدِّهِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ عَمْرٌو وَعُمَرُ وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ وَعَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ وَغَيْرُهُمْ ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَقَالَ لَا يَصِحُّ لَهُ سَمَاعٌ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ : إنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ وَهُوَ الصَّوَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( شَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّمِيمِيُّ ) مَوْلَاهُمْ الْبَصْرِيُّ النَّحْوِيُّ مُؤَدِّبُ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد الْهَاشِمِيِّ وَإِخْوَانِهِ سَكَنَ الْكُوفَةَ ثُمَّ بَغْدَادَ رَوَى عَنْ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَجَمَاعَةٍ ، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي بُكَيْر وَعَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ وَخَلْقٌ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمْ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ . ( شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ الْأَشْعَرِيُّ الشَّامِيُّ مَوْلَى أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ ) يُكَنَّى أَبَا سَعِيدٍ وَقِيلَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ فِي آخَرِينَ . رَوَى عَنْهُ قَتَادَةُ وَثَابِتٌ الْبُنَانِيُّ وَمَطَرٌ الْوَرَّاقُ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ وَيَعْقُوبُ الْفَسَوِيُّ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ لَيْسَ بِدُونِ أَبِي الزُّبَيْرِ وَلَا يُرَى يُحْتَجُّ بِهِ ، وَكَانَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ يُحَدِّثُ عَنْهُ قَالَ : وَكَانَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ يُحَدِّثُ عَنْهُ وَقَالَ : أَنَا لَا أَدَعُ حَدِيثَ الرَّجُلِ إلَّا أَنْ يَجْتَمِعَ يَحْيَى وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ عَلَى تَرْكِهِ وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ تَرَكُوهُ قَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ أَيْ طَعَنُوا فِيهِ ، وَقَالَ شُعْبَةُ : لَقِيته فَلَمْ أَعْتَدَّ بِهِ ، وَقَالَ النَّسَائِيّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَالَ مُوسَى بْنُ هَارُونَ ضَعِيفٌ . وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ سَنَةَ مِائَةٍ قَالَهُ الْهَيْثَمُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَخَلِيفَةُ وَالْبُخَارِيُّ وَالْمَدَائِنِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، وَقِيلَ إحْدَى عَشْرَةَ قَالَهُ يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ وَقِيلَ : سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ وَابْنُ سَعْدٍ . ( صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ خُزَاعِيِّ بْنِ مُحَارِبِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ فَالِجِ بْنِ ذَكْوَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ بَهْتَةَ بْنِ سُلَيْمٍ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ كُنْيَتُهُ أَبُو عَمْرٍو ) ذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَنْدَقَ وَمَا بَعْدَهَا رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا فِي النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ رَوَاهُ عَنْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَقِيلَ رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَنْكَرَهُ أَبُو حَاتِمٍ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَانَ خَيِّرًا فَاضِلًا شُجَاعًا بَطَلًا ، قَالَ : وَكَانَ يَكُونُ عَلَى سَاقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا { ، وَقَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ : مَا عَلِمْت عَلَيْهِ إلَّا خَيْرًا } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { : وَاَللَّهِ مَا عَلِمْت عَلَيْهِ مِنْ سُوءٍ قَطُّ } ، وَثَبَتَ فِيهِ أَنَّهُ قُتِلَ بَعْدَ ذَلِكَ شَهِيدًا . وَاخْتَلَفُوا فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ غَزَا الرُّومَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ فَانْدَقَّتْ سَاقَهُ ، وَلَمْ يَزَلْ يُطَاعِنُ حَتَّى مَاتَ ، وَذَلِكَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ ، وَهُوَ ابْنُ بِضْعٍ وَسِتِّينَ سَنَةً ، وَقِيلَ مَاتَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ، وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : قُتِلَ فِي غُزَاةِ أَرْمِينِيَةَ وَكَانَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَيُقَالُ مَاتَ بِالْجَزِيرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ حِزَامٍ الْأَسَدِيُّ الْحِزَامِيُّ الْمَدَنِيُّ أَبُو عُثْمَانَ ) رَوَى عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَنَافِعٍ وَخَلْقٍ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ وَهْبٍ وَيَحْيَى الْقَطَّانُ وَآخَرُونَ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَابْنُ سَعْدٍ وَأَبُو دَاوُد ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : صَدُوقٌ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ ، وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : لَيْسَ بِقَوِيٍّ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ . ( ضَمْضَمُ بْنُ جَوْسٍ وَقِيلَ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ جَوْسٍ الْهِفَّانِيُّ الْيَمَانِيُّ ) رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ الْغَسِيلِ رَوَى عَنْهُ عِكْرِمَةُ بْنُ عَمَّارٍ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ . ( عُبَادَةَ بْنُ الصَّامِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ أَصْرَمَ بْنِ فِهْرِ بْنِ قَيْسِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ غَنْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ أَبُو الْوَلِيدِ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ ) شَهِدَ الْعَقَبَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ وَبَدْرًا ، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ الْوَلِيدُ وَحَفِيدُهُ عُبَادَةَ بْنُ الْوَلِيدِ وَأَنَسٌ وَأَبُو أُمَامَةَ وَمَحْمُودُ بْنُ الرَّبِيعِ وَأَبُو إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ . رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي تَارِيخِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ قَالَ جَمَعَ الْقُرْآنَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَذَكَرَ مِنْهُمْ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ ، وَأَرْسَلَهُ عُمَرُ إلَى حِمْصَ يُعَلِّمُهُمْ الْقُرْآنَ ، وَيُفَقِّهُهُمْ فَأَقَامَ بِهَا ثُمَّ خَرَجَ بَعْدَ مَوْتِ مُعَاذٍ إلَى فِلَسْطِينَ فَمَاتَ بِهَا . قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَجَمَاعَةٌ : مَاتَ بِالرَّمْلَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَهُوَ ابْنُ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً ، وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ تُوُفِّيَ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ . الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ أَبُو الْفَضْلِ الْهَاشِمِيُّ ) عَمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَسَنَّ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ أَسْلَمَ بَعْدَ بَدْرٍ ، وَقِيلَ : أَسْلَمَ قَبْلَهَا ، وَكَانَ يَكْتُمُ إسْلَامَهُ وَحَضَرَ بَدْرًا مُكْرَهًا فَأُسِرَ يَوْمَئِذٍ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَوَى عَنْهُ بَنُوهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَكَثِيرٌ وَمَالِكُ بْنُ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ وَنَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ وَجَمَاعَةٌ { ، قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْعَبَّاسُ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُ } . { ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْعَبَّاسِ وَوَلَدِهِ ، مَغْفِرَةً ظَاهِرَةً بَاطِنَةً لَا تُغَادِرُ ذَنْبًا اللَّهُمَّ احْفَظْهُ فِي وَلَدِهِ } . وَقَالَ : { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَدْخُلُ قَلْبَ رَجُلٍ الْإِيمَانُ حَتَّى يُحِبَّكُمْ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ } . { ، ثُمَّ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ مَنْ آذَى عَمِّي فَقَدْ آذَانِي فَإِنَّمَا عَمُّ الرَّجُلِ صِنْوُ أَبِيهِ } رَوَاهَا التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهَا . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ عُمَرَ اسْتَسْقَى بِالْعَبَّاسِ وَقَالَ : اللَّهُمَّ إنَّا كُنَّا إذَا قُحِطْنَا عَلَى عَهْدِ نَبِيِّنَا تَوَسَّلْنَا إلَيْك بِهِ ، وَإِنَّا نَتَوَسَّلُ إلَيْك بِعَمِّ نَبِيِّنَا قَالَ فَسُقُوا وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ : سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَقِيلَ : سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْجَنَائِزِ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْأَصْلِيُّ ) كُنْيَتُهُ أَبُو مُحَمَّدٍ أَحَدُ الْعُلَمَاءِ الْأَعْلَامِ رَوَى عَنْ وَهْبِ بْنِ أَبِي مَيْسَرَةَ وَأَبِي الطَّاهِرِ بْنِ الذُّهْلِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيِّ وَأَبِي زَيْدٍ الْمَرْوَزِيِّ وَأَبِي عَلِيِّ بْنِ الصَّوَّافِ فِي آخَرِينَ . رَوَى عَنْهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ الْمُهَلَّبِ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ وَسِرَاجُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْقَاضِي وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الْحَذَّاءُ وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْعَجُوزِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ غَالِبِ بْنِ تَمَّامٍ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَائِدٍ الْمَعَافِرِيُّ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ وَغَيْرُهُمْ ، وَرَحَلَ إلَى بَغْدَادَ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ : كَانَ نَظِيرَ أَبِي مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي زَيْدٍ فِي الْقَيْرَوَانِ وَكَانَ عَلَى الشُّورَى بِقُرْطُبَةَ وَكَانَ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ رَأْسًا فِي الْفِقْهِ . تُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ، وَسَلُولُ أُمُّهُ ) رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ وَأَظْهَرَ إسْلَامَهُ بَعْدَ وَقْعَةِ بَدْرٍ وَمَاتَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ مَذْكُورٌ فِي الْجَنَائِزِ وَالْحُدُودِ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْته ؛ لِأَنِّي ذَكَرْت مَنْ سُمِّيَ فِيهَا . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَنْبَلٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الشَّيْبَانِيُّ الْبَغْدَادِيُّ الْحَافِظُ ) رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَشَيْبَانَ بْنِ فَرُّوخَ وَخَلَائِقَ رَوَى عَنْهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ صَاعِدٍ وَأَبُو عَوَانَةَ وَأَبُو الْقَاسِمِ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْقَطِيعِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ وَخَلْقٌ . قَالَ فِيهِ أَبُوهُ : إنَّ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَدْ وَعَى عِلْمًا كَثِيرًا . وَقَالَ أَيْضًا : ابْنِي عَبْدُ اللَّهِ مَحْظُوظٌ مِنْ عِلْمِ الْحَدِيثِ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : نَبُلَ بَابَيْهِ وَلَهُ فِي نَفْسِهِ مَحَلٌّ فِي الْعِلْمِ وَقَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ بْنِ الْمُنَادِي : مَا زِلْنَا نَرَى أَكَابِرَ شُيُوخِنَا يَشْهَدُونَ لَهُ بِمَعْرِفَةِ الرِّجَالِ وَعِلَلِ الْحَدِيثِ وَالْأَسْمَاءِ وَالْكُنَى وَالْمُوَاظَبَةِ عَلَى طَلَبِ الْحَدِيثِ ، وَيَذْكُرُونَ عَنْ أَسْلَافِهِمْ الْإِقْرَارَ لَهُ بِذَلِكَ حَتَّى إنَّ بَعْضَهُمْ أَسْرَفَ فِي تَقْرِيظِهِ إيَّاهُ بِالْمَعْرِفَةِ وَزِيَادَةِ السَّمَاعِ عَلَى أَبِيهِ . وَقَالَ الْخَطِيبُ كَانَ ثِقَةً ثَبْتًا فَهِمًا ، تُوُفِّيَ لِتِسْعٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ تِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي أَوْفَى وَاسْمُ أَبِي أَوْفَى عَلْقَمَةُ بْنُ خَالِدٍ الْأَسْلَمِيُّ ) يُكَنَّى أَبَا إبْرَاهِيمَ وَقِيلَ أَبَا مُحَمَّدٍ وَقِيلَ أَبَا مُعَاوِيَةَ ، لَهُ وَلِأَبِيهِ صُحْبَةٌ وَشَهِدَ عَبْدُ اللَّهِ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ . وَرَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِدَّةَ أَحَادِيثَ رَوَى عَنْهُ طَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي خَالِدٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ الشَّيْبَانِيُّ وَخَلْقٌ ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ مِمَّنْ شَهِدَ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْكُوفَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا قَالَ قَتَادَةُ وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ زَبْرٍ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمْ ، وَقِيلَ : آخِرُهُمْ مَوْتًا بِهَا أَبُو جُحَيْفَةَ وَقِيلَ عَمْرَو بْنَ حُرَيْثٍ ، وَتُوُفِّيَ ابْنُ أَبِي أَوْفَى سَنَةَ سِتٍّ وَثَمَانِينَ وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَمَانِينَ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُرَيْدَةَ بْنِ الْخَصِيبِ أَبُو سَهْلٍ الْأَسْلَمِيُّ قَاضِي مَرْوَ وَعَالِمُهَا ) رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِمْ ، رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ سَهْلٌ وَصَخْرٌ وَقَتَادَةُ وَمُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ وَالْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ : وُلِدَ سَنَة خَمْسَ عَشْرَةَ وَمَاتَ أَخُوهُ سُلَيْمَانُ بِمَرْوَ وَهُوَ عَلَى الْقَضَاءِ سَنَةَ خَمْسٍ وَمِائَةٍ وَوَلِيَ هُوَ بَعْدَهُ الْقَضَاءَ بِمَرْوَ إلَى أَنْ مَاتَ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ، وَلَهُ مِائَةُ سَنَةٍ قَالَ وَكِيعٌ كَانُوا لِسُلَيْمَانَ أَحْمَدَ مِنْهُمْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ وَقِيلَ أَبُو بَكْرٍ ) رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَأَنَسٍ وَعُرْوَةَ وَعَمْرَةَ فِي آخَرِينَ رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَهُوَ مِنْ أَقْرَانِهِ وَشُيُوخِهِ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالسُّفْيَانَانِ وَآخَرُونَ . قَالَ مَالِكٌ : كَانَ رَجُلٌ صِدْقٌ وَقَالَ أَحْمَدُ : حَدِيثُهُ عَنْ أَبِيهِ شِفَاءٌ وَقَالَ النَّسَائِيّ : ثِقَةٌ ثَبْتٌ وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : كَانَ ثِقَةً كَثِيرَ الْحَدِيثِ عَالِمًا ، تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ ، وَهُوَ ابْنُ سَبْعِينَ سَنَةٍ ، لَهُ ذِكْرٌ فِي النِّكَاحِ فِي بَابِ الْإِحْسَانِ إلَى الْبَنَاتِ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي دَاوُد سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ السِّجِسْتَانِيُّ أَبُو بَكْرٍ الْحَافِظُ بْنُ الْحَافِظِ ) رَوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ عَلِيٍّ الْفَلَّاسِ وَأَبِي سَعِيدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعِيدٍ الْأَشَجِّ وَعِيسَى بْنِ حَمَّادٍ زُغْبَةُ وَمُحَمَّدِ بْنِ أَسْلَمَ الطُّوسِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ وَأَبِي عَلِيٍّ أَحْمَدَ بْنِ حَفْصٍ النَّيْسَابُورِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَرْبٍ الطَّائِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ الْمِصْرِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ الْوَاسِطِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ سِيَارٍ الْمَرْوَزِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِيِّ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ . وَخَلَائِقُ رَوَى عَنْهُ الْحَافِظُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ شَاهِينَ وَأَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ شَمْعُونَ وَأَبُو الْقَسَمِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ حُبَابَةَ وَأَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْعَبَّاس الْمُخْلِصُ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ خَلَفِ بْنِ زُنْبُورٍ وَأَبُو مُسْلِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيٍّ الْكَاتِبُ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ وَآخَرُونَ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ بِسِجِسْتَانَ وَنَشَأَ بِنَيْسَابُورَ وَسَمِعَ بِخُرَاسَانَ وَالشَّامِ وَالْحِجَازِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَأَصْبَهَانَ وَغَيْرِهَا ، وَكَانَ عِنْدَهُ عَنْ شَيْخٍ وَاحِدٍ ثَلَاثُونَ أَلْفَ حَدِيثٍ ، وَهُوَ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ وَجَمَعَ وَصَنَّفَ وَحَدَّثَ فِي أَصْبَهَانَ مِنْ حِفْظِهِ بِثَلَاثِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ قُوَّةُ نَفْسٍ فَوَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ وَيَحْيَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ فَتَكَلَّمَ فِيهِمَا وَتَكَلَّمَا فِيهِ عَلَى عَادَةِ الْأَقْرَانِ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : ثِقَةٌ إلَّا أَنَّهُ كَثِيرُ الْخَطَأِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ ، وَقَالَ صَالِحُ بْنُ أَحْمَدَ جَزَرَةَ : أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُد إمَامُ الْعِرَاقِ كَانَ فِي وَقْتِهِ بِبَغْدَادَ مَشَايِخُ أَسْنَدُ مِنْهُ وَلَمْ يَبْلُغُوا فِي الْآلَةِ وَالْإِتْقَانِ مَا بَلَغَ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : هُوَ مَقْبُولٌ عِنْدَ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ . وَأَمَّا كَلَامُ أَبِيهِ فِيهِ فَمَا أَدْرِي أَيْشٍ تَبَيَّنَ لَهُ مِنْهُ ، ثُمَّ رَوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ الْجُنَيْدِ سَمِعْت أَبَا دَاوُد يَقُولُ ابْنِي عَبْدُ اللَّهِ كَذَّابٌ . قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ وَعَامَّةُ مَا كَتَبَ مَعَ أَبِيهِ ، وَقَالَ عَبْدَانُ : سَمِعْت أَبَا دَاوُد يَقُولُ : وَمِنْ الْبَلَاءِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ يُطْلَبُ لِلْقَضَاءِ ، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْخَلَّالُ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ أَحْفَظَ مِنْ أَبِيهِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرُ كَانَ زَاهِدًا نَاسِكًا ، وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ الْأَئِمَّةُ وَأَخْرَجُوهُ فِي الصَّحِيحِ ، وَلَمْ يَرْجِعُوا إلَى كَلَامِ أَبِيهِ فِيهِ ، تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ سِتَّ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَصَلِّي عَلَيْهِ ثَلَثُمِائَةِ أَلْفِ إنْسَانٍ ، لَهُ ذِكْرٌ فِي الْجَنَائِزِ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ الْمَدَنِيُّ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ) رَوَى عَنْهُ وَعَنْ أَنَسٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَنَافِعٍ وَجَمَاعَةٍ رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ وَشُعْبَةُ وَالسُّفْيَانَانِ وَخَلْقٌ ، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، وَذُكِرَ فِي صَلَاةِ الْوِتْرِ مَقْرُونًا بِنَافِعٍ وَكَذَلِكَ فِي الْأَدَبِ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ الْمَدَنِيُّ أَبُو الزِّنَادِ ) وَهُوَ لَقَبٌ لَهُ وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ مَوْلَى بَنِي أُمَيَّةَ رَوَى عَنْ أَنَسٍ وَعَنْ الْأَعْرَجِ فَأَكْثَرَ عَنْهُ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةَ فِي آخَرِينَ رَوَى عَنْهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَمَالِكٌ وَالسُّفْيَانَانِ وَخَلْقٌ ، كَانَ أَبُو الزِّنَادِ فَقِيهَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ قَالَ أَحْمَدُ هُوَ أَعْلَمُ مِنْ رَبِيعَةَ قَالَ عَبْدُ رَبِّهِ بْنُ سَعِيدٍ رَأَيْته دَخَلَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ مِنْ الْأَتْبَاعِ مِثْلُ مَا مَعَ السُّلْطَانِ فَمِنْ سَائِلٍ عَنْ الْحِسَابِ وَمِنْ سَائِلٍ عَنْ فَرِيضَةٍ وَمِنْ سَائِلٍ عَنْ الشِّعْرِ وَمِنْ سَائِلٍ عَنْ الْحَدِيثِ وَمِنْ سَائِلٍ عَنْ مُعْضِلَةٍ . وَقَالَ اللَّيْثُ : رَأَيْته وَخَلْفَهُ ثَلَاثِمِائَةِ طَالِبٍ ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَقِيَ وَحْدَهُ وَأَقْبَلُوا عَلَى رَبِيعَةَ فَكَانَ رَبِيعَةُ يَقُولُ : شِبْرٌ مِنْ حُظْوَةٍ خَيْرٌ مِنْ بَاعٍ مِنْ عِلْمٍ . وَقَالَ مُصْعَبٌ كَانَ فَقِيهَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَكَانَ صَاحِبَ كِتَابٍ وَحِسَابٍ ، وَكَانَ مُعَادِيًا لِرَبِيعَةَ وَكَانَا فَقِيهَيْ الْمَدِينَةِ فِي زَمَانِهِمَا وَوَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمَا ، وَتَكَلَّمَ فِيهِ رَبِيعَةُ فَلَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ : مَاتَ سَنَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، وَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : مَاتَ فَجْأَةً فِي مُغْتَسَلِهِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ لِسَبْعَ عَشْرَةَ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ ، وَهُوَ ابْنُ سِتٍّ وَسِتِّينَ سَنَةً . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ وَقِيلَ رَوْحُ بْنُ هَارُونَ وَيُعْرَفُ بِعَبْدُوسٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَائِنِيُّ ) رَوَى عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَشَبَّابَةَ بْنِ سَوَّارٍ وَغَيْرِهِمَا رَوَى عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ وَحَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْعَبَّاسِ الدِّهْقَانُ وَالْقَاضِي الْمَحَامِلِيُّ وَأَبُو عَمْرِو بْنِ السِّمَاكِ وَآخَرُونَ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . وَقَالَ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ الطَّبَرِيُّ : ثِقَةٌ صَدُوقٌ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ وَعَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ وَابْنُ الْمُنَادِي تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ زَادَ ابْنُ الْمُنَادِي سَلْخَ جُمَادَى الْآخِرَةِ . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ كَامِلٍ الْقَاضِي : مَاتَ بِبَغْدَادَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ قَالَ الْخَطِيبُ هَذَا خَطَأٌ ، وَقَالَ ابْنُ قَانِعٍ : كَانَتْ وَفَاتُهُ بِالْمَدَائِنِ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى الْأَسَدِيُّ أَبُو بَكْرٍ وَأَبُو خُبَيْبِ أَوَّلُ مَوْلُودٍ وُلِدَ فِي الْإِسْلَامِ بَعْدَ الْهِجْرَةِ مِنْ قُرَيْشٍ وُلِدَ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ ، وَحَفِظَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى عَنْهُ وَعَنْ أَبِيهِ وَعَنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ ) رَوَى عَنْهُ بَنُوهُ عَبَّادٌ وَعَامِرٌ وَثَابِتٌ وَأُمُّ عَمْرٍو وَحَفِيدَاهُ يَحْيَى بْنُ عَبَّادٍ وَمُصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَخُوهُ عُرْوَةُ وَابْنُ أَخِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُرْوَةَ ، وَرَآهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ ، وَحَفِظَ عَنْهُ وَخَلْقٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَبَايَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ صَغِيرٌ ، وَشَهِدَ الْيَرْمُوكَ مَعَ أَبِيهِ وَبُويِعَ لَهُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ يَزِيدَ وَلَمْ يَسْتَكْمِلْ الْخِلَافَةَ بَلْ غَلَبَ عَلَى الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ وَبَعْضِ الشَّامِ ، وَكَانَتْ دَوْلَتُهُ تِسْعَ سِنِينَ وَكَانَ رَأْسًا فِي الْعِبَادَةِ رَأْسًا فِي الشَّجَاعَةِ فَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ { أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ شَرِبَ دَمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ وَيْلٌ لَكَ مِنْ النَّاسِ ، وَوَيْلٌ لِلنَّاسِ مِنْك } وَحَاصَرَهُ الْحَجَّاجُ بِمَكَّةَ مُدَّةً إلَى أَنْ أُخِذَ فَقُتِلَ وَصُلِبَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَمْرٍو وَقِيلَ عَامِرُ بْنُ نَائِلٍ بْنِ مَالِكِ بْنِ عُبَيْدٍ أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيِّ الْبَصْرِيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ ) رَوَى عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ وَمَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ وَأَنَسٍ فِي آخَرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، رَوَى عَنْهُ مَوْلَاهُ أَبُو رَجَاءٍ وَقَتَادَةُ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَآخَرُونَ . قَالَ أَيُّوبُ كَانَ مِنْ الْفُقَهَاءِ ذَوِي الْأَلْبَابِ ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : يَا أَهْلَ الشَّامِ لَنْ تَزَالُوا بِخَيْرٍ مَا دَامَ فِيكُمْ مِثْلُ هَذَا . قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ : ثِقَةٌ كَثِيرُ الْحَدِيثِ دِيوَانُهُ بِالشَّامِ مَاتَ بِالشَّامِ فَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَقِيلَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حُصَيْنٍ أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ الْكِنْدِيُّ الْكُوفِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ ) رَوَى عَنْ أَبِي خَالِدٍ الْأَحْمَرِ وَعُمَرَ بْنِ عُبَيْدٍ وَهُشَيْمٍ وَطَبَقَتِهِمْ رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ وَأَبُو زُرْعَةَ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَخَلَائِقُ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ : ثِقَةٌ صَدُوقٌ إمَامُ أَهْلِ زَمَانِهِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بِلَالٍ الشَّطَوِيُّ : مَا رَأَيْت أَحْفَظَ مِنْهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ، لَهُ ذِكْرٌ فِي آخِرِ إحْيَاءِ الْمَوَاتِ ذُكِرَ بِكُنْيَتِهِ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامِ بْنِ الْحَارِثِ الْإِسْرَائِيلِيُّ مِنْ ذُرِّيَّةِ يُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ وَكَانَ حَلِيفًا لِبَنِي عَوْفٍ ، كَانَ اسْمُهُ الْحُصَيْنَ فَسَمَّاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ ) رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ يُوسُفُ وَلَهُ صُحْبَةٌ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَأَنَسٌ وَأَبُو سَلَمَةَ وَآخَرُونَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ { : مَا سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِأَحَدٍ يَمْشِي عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ إنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ إلَّا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ } . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ أَنَّهُ قَالَ : { الْتَمِسُوا الْعِلْمَ عِنْدَ أَرْبَعَةِ رَهْطٍ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَسَلْمَانَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ الَّذِي كَانَ يَهُودِيًّا فَأَسْلَمَ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : إنَّهُ عَاشِرُ عَشْرَةٍ فِي الْجَنَّةِ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : حَسَنُ الْإِسْنَادِ صَحِيحٌ . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ قَالَ : نَزَلَتْ فِي { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ } وَنَزَلَتْ فِي { قُلْ كَفَى بِاَللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } وَقَالَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا عَنْ بَعْضِ الْمُفَسِّرِينَ ، وَاسْتَبْعَدَهُ لِكَوْنِ السُّورَتَيْنِ مَكِّيَّتَيْنِ ، قَالَ : وَقَدْ تَكُونُ السُّورَةُ مَكِّيَّةً وَفِيهَا آيَاتٌ مَدِينَةٌ كَالْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا ، وَتُوُفِّيَ ابْنُ سَلَامٍ بِالْمَدِينَةِ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ لَهُ ذِكْرٌ فِي كِتَابِ الْحُدُودِ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيُّ بْنُ عَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَاحِبُهُ وَحَبْرُ الْأُمَّةِ وَالْبَحْرُ وَتُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ ) رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَبَوَيْهِ وَالْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَخَلْقٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، رَوَى عَنْهُ أَنَسٌ وَأَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فِي خَلَائِقَ مِنْ التَّابِعِينَ ، تُوُفِّيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَقِيلَ : ثَلَاثَ عَشْرَةَ قَالَ أَحْمَدُ : وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ { وَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ فَقِّهْهُ فِي الدِّينِ } . زَادَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ { وَعَلِّمْهُ التَّأْوِيلَ } وَقَالَ الزُّهْرِيُّ قَالَ الْمُهَاجِرُونَ لِعُمَرَ : أَلَا تَدْعُو أَبْنَاءَنَا كَمَا تَدْعُو ابْنَ عَبَّاسٍ ؟ قَالَ ذَاكُمْ فَتَى الْكُهُولِ إنَّ لَهُ لِسَانًا سَئُولًا وَقَلْبًا عُقُولًا . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : لَوْ أَدْرَكَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَسْنَانَنَا مَا عَشَرَهُ مِنَّا أَحَدٌ وَقَالَ مُعَاوِيَةُ : ابْنُ عَبَّاسٍ أَفْقَهُ مَنْ مَاتَ وَمَنْ عَاشَ ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ مَا رَأَيْت أَحَدًا أَعْلَمَ بِمَا سَبَقَهُ مِنْ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا بِقَضَاءِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مِنْهُ ، وَلَا أَعْلَمَ بِشَعْرٍ مِنْهُ ، وَلَا أَفْقَهَ وَلَا أَعْلَمَ بِعَرَبِيَّةٍ وَلَا بِتَفْسِيرٍ وَلَا بِحِسَابٍ وَلَا بِفَرِيضَةٍ مِنْهُ ، وَلَا أَعْلَمَ بِمَا مَضَى وَلَا أَثْبَتَ رَأْيًا مِنْهُ ، وَاسْتَخْلَفَهُ عَلِيٌّ عَلَى الْبَصْرَةِ وَمِمَّا رُوِيَ لِحَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ فِيهِ : إذَا مَا ابْنُ عَبَّاسٍ بَدَا لَك وَجْهُهُ رَأَيْت لَهُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ فَضْلًا إذَا قَالَ لَمْ يَتْرُكْ مَقَالًا لِقَائِلٍ بِمُنْتَظِمَاتٍ لَا تَرَى بَيْنَهَا فَصْلًا كَفَى وَشَفَى مَا فِي النُّفُوسِ فَلَمْ يَدَعْ لِذِي أَرَبٍ فِي الْقَوْلِ جِدًّا وَلَا هَزْلًا سَمَوْت إلَى الْعُلْيَا بِغَيْرِ مَشَقَّةٍ فَنِلْت ذُرَاهَا لَا دَنِيًّا وَلَا وَعْلًا خُلِقْت حَلِيفًا لِلْمُرُوءَةِ وَالنَّدَى بَلِيجًا وَلَمْ تُخْلَقْ كَهَامًا وَلَا جَبْلَا قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْر مَاتَ سَنَة ثَمَانٍ وَسِتِّينَ زَادَ ابْنُ بُكَيْر وَصَلَّى عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَقَالَ الْيَوْمَ مَاتَ رَبَّانِيُّ هَذِهِ الْأُمَّةِ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بْنِ مَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ سَالِمِ بْنِ غَنْمِ بْنِ عَوْفِ بْنِ الْخَزْرَجِ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ ) كَانَ اسْمُهُ الْحُبَابُ ، وَبِهِ كَانَ يُكَنَّى أَبُوهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ فَسَمَّاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ وَفُضَلَائِهِمْ شَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْمُشَاهَدَ كُلَّهَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ { وَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَتْلِ أَبِيهِ ، وَقَالَ إنْ أَذِنْت لِي قَتَلْته فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ أَنَّ مُحَمَّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ ، وَلَكِنْ بِرَّ أَبَاك وَأَحْسِنْ صُحْبَتَهُ } . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُثْنِي عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ بَهْرَامُ أَبُو مُحَمَّدٍ الدَّارِمِيُّ التَّمِيمِيُّ السَّمَرْقَنْدِيُّ الْحَافِظُ صَاحِبُ الْمُسْنَدِ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ ) رَوَى عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَمَرْوَانَ بْنِ مُحَمَّدٍ وَالنَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ وَحِبَّانَ بْنِ هِلَالٍ وَخَلْقٍ ، رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ وَجَعْفَرٌ الْفِرْيَابِيُّ وَخَلْقٌ ، قَالَ فِيهِ أَحْمَدُ : السَّيِّدُ الْإِمَامُ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : إمَامُ أَهْلِ زَمَانِهِ وَقَالَ بُنْدَارٌ : حُفَّاظُ الدُّنْيَا أَبُو زُرْعَةَ وَالْبُخَارِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَمُسْلِمٌ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَانَ مِنْ الْحُفَّاظِ الْمُتْقِنِينَ وَأَهْلِ الْوَرَعِ وَالدِّينِ مِمَّنْ حَفِظَ وَجَمَعَ وَتَفَقَّهَ وَصَنَّفَ وَحَدَّثَ وَأَظْهَرَ السُّنَّةَ فِي بَلَدِهِ ، وَقَالَ الْخَطِيبُ : كَانَ يُضْرَبُ بِهِ الْمِثْلُ ، أَلَحَّ عَلَيْهِ السُّلْطَانُ فَاسْتَقْضَاهُ عَلَى سَمَرْقَنْدَ فَقَضَى قَضِيَّةً وَاحِدَةً ، ثُمَّ اسْتَعْفَى فَأُعْفِيَ . وُلِدَ سَنَةَ إحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بْنُ أَبِي قُحَافَةَ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ ) وَقِيلَ اسْمُهُ عَتِيقٌ كَانَ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ مِنْ الرِّجَالِ ، وَقَدْ نَظَمَهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فَقَالَ : إذَا تَذَكَّرْت شَجْوًا مِنْ أَخِي ثِقَةٍ فَاذْكُرْ أَخَاك أَبَا بَكْرٍ بِمَا فَعَلَا خَيْرَ الْبَرِّيَّةِ أَتْقَاهَا وَأَعْدَلَهَا بَعْدَ النَّبِيِّ وَأَوْفَاهَا بِمَا حَمَلَا وَالثَّانِيَ التَّالِيَ الْمَحْمُودَ مَشْهَدُهُ وَأَوَّلَ النَّاسِ قِدَمًا صَدَّقَ الرُّسُلَا رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ { إذْ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ مَعَك عَلَى هَذَا ؟ قَالَ حُرٌّ وَعَبْدٌ قَالَ وَمَعَهُ يَوْمَئِذٍ أَبُو بَكْرٍ وَبِلَالٌ مِمَّنْ آمَنَ بِهِ } رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ ، وَلَمْ يَكْثُرْ حَدِيثُهُ عَنْهُ لِقُرْبِ وَفَاتِهِ وَاشْتِغَالِهِ بِقِتَالِ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَقُرْبِ الْعَهْدِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمْ يَكُنْ فَشَا الْحَدِيثُ عَنْهُ ، رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَائِشَةُ وَعُمَرُ وَعَلِيٌّ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَآخَرُونَ هَاجَرَ أَبُو بَكْرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ نَزَلَتْ { ثَانِيَ اثْنَيْنِ إذْ هُمَا فِي الْغَارِ إذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إنَّ اللَّهَ مَعَنَا } قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا ظَنُّك بِاثْنَيْنِ اللَّهُ ثَالِثُهُمَا ؟ } . { وَقَالَ : إنَّ مِنْ أَمَنِّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي صُحْبَتِهِ وَمَالِهِ أَبَا بَكْرٍ وَلَوْ كُنْت مُتَّخِذًا خَلِيلًا غَيْرَ رَبِّي لَاِتَّخَذْت أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَكِنْ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ وَمَوَدَّتُهُ لَا يَبْقَيَنَّ فِي الْمَسْجِدِ بَابٌ إلَّا سُدَّ إلَّا بَابَ أَبِي بَكْرٍ } ، { وَسُئِلَ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إلَيْك ، قَالَ عَائِشَةُ قِيلَ مِنْ الرِّجَالِ ؟ قَالَ أَبُوهَا } وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ { كُنَّا نُخَيِّرُ بَيْنَ النَّاسِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنُخَيِّرُ أَبَا بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ } وَهَذِهِ كُلُّهَا مُخَرَّجَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ ، وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ أَصْغَرَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ ، وَبُويِعَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْخِلَافَةِ ، وَأَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى ذَلِكَ بِأُمُورٍ مِنْهَا { قَوْلُهُ لِلْمَرْأَةِ فَإِنْ لَمْ تَجِدِينِي فَأْتِي أَبَا بَكْرٍ } وَمِنْهَا قَوْلُهُ : { يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُؤْمِنُونَ إلَّا أَبَا بَكْرٍ } وَمِنْهَا قَوْلُهُ : { مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلِّ بِالنَّاسِ } وَمِنْهَا { رُؤْيَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ مَرَّ عَلَى قَلِيبٍ يَنْزِعُ فَأَخَذَهُ مِنْهُ أَبُو بَكْرٍ ثُمَّ عُمَرُ } وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ فَأَقَامَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي الْخِلَافَةِ سَنَتَيْنِ وَأَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، ثُمَّ تُوُفِّيَ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ . هَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ السِّيَرِ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ زَبْرٍ وَابْنُ قَانِعٍ وَابْنُ الْجَوْزِيِّ وَالذَّهَبِيُّ فِي الْعِبَرِ وَذَهَبَ الْوَاقِدِيُّ وَالْفَلَّاسُ إلَى أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ وَالْمُزَنِيِّ فِي التَّهْذِيبِ ، وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ . وَاخْتُلِفَ فِي مَبْلَغِ سِنِّهِ فَالْأَصَحُّ أَنَّهُ عَاشَ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ سَنَةً ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ قَانِعٍ وَالْمِزِّيُّ وَالذَّهَبِيُّ وَقِيلَ خَمْسٌ وَسِتُّونَ وَحَرَّرَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، فَقَالَ فِي كِتَابِ الْخُلَفَاءِ اثْنَانِ وَسِتُّونَ سَنَةً وَثَلَاثَةُ أَشْهُرٍ وَاثْنَانِ وَعِشْرُونَ يَوْمًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْقَطَّانِ أَبُو أَحْمَدَ الْجُرْجَانِيُّ الْحَافِظُ مُصَنِّفُ الْكَامِلِ فِي الْجَرْحِ ) رَوَى عَنْ أَبِي خَلِيفَةَ الْفَضْلِ بْنِ الْحُبَابِ الْجُمَحِيِّ وَبُهْلُولِ بْنِ إِسْحَاقَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الرَّوَّاسِ وَخَلَائِقَ ، رَوَى عَنْهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْإسْفَرايِينِيّ وَأَبُو الْحُسَيْنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ الْعَالِي وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مَاكَوَيْهِ الشِّيرَازِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ حَمْزَةُ بْنُ يُوسُفَ السَّهْمِيُّ وَأَبُو سَعْدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَلَايِنِيُّ وَأَبُو عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبِسْطَامِيُّ . وَقَالَ حَمْزَةُ : كَانَ حَافِظًا مُتْقِنًا لَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ مِثْلُهُ ، وَقَالَ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ : كَانَ ثِقَةً عَلَى مِحَنٍ فِيهِ تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَلَهُ ثَمَانٍ وَثَمَانُونَ سَنَةً . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَدَوِيِّ الْعُمَرِيُّ الْمَدَنِيُّ ) رَوَى عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ وَنَافِعٍ وَالزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَوَكِيعٌ وَابْنُ وَهْبٍ وَالْقَعْنَبِيُّ وَأَبُو مُصْعَبٍ وَخَلْقٌ قَالَ أَحْمَدُ : لَا بَأْسَ بِهِ وَلَكِنْ لَيْسَ مِثْلَ أَخِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ . وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ صُوَيْلِحٌ وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ صَدُوقٌ ثِقَةٌ فِي حَدِيثِهِ اضْطِرَابٌ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : لَا بَأْسَ بِهِ صَدُوقٌ ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : ضَعِيفٌ تُوُفِّيَ سَنَةَ إحْدَى وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعَدَوِيِّ ) هَاجَرَ بِهِ أَبُوهُ وَاسْتُصْغِرَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَشَهِدَ الْخَنْدَقَ وَبَيْعَةَ الرِّضْوَانِ وَالْمَشَاهِدَ ، رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكْثَرَ وَعَنْ أَبِيهِ وَأَبِي بَكْرٍ وَبِلَالٍ وَآخَرِينَ ، رَوَى عَنْهُ أَوْلَادُهُ سَالِمٌ وَحَمْزَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَبِلَالٌ وَزَيْدٌ وَعَمْرٌو وَأَحْفَادُهُ مُحَمَّدُ بْنُ زَيْدٍ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَاقِدٍ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَنَافِعٌ وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ ، وَكَانَ إمَامًا وَاسِعَ الْعِلْمِ مَتِينَ الدِّينِ وَافِرَ الصَّلَاحِ . قَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ { إنَّ عَبْدَ اللَّهِ رَجُلٌ صَالِحٌ } وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إنَّ مِنْ أَمْلَكِ شَبَابِ قُرَيْشٍ لِنَفْسِهِ عَنْ الدُّنْيَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ . وَقَالَ جَابِرٌ مَا مِنَّا أَحَدٌ إلَّا مَالَتْ بِهِ الدُّنْيَا ، وَمَال بِهَا إلَّا ابْنَ عُمَرَ وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ مَاتَ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَحَدٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْهُ ، وَذُكِرَ يَوْمَ التَّحْكِيمِ لِلْخِلَافَةِ ، فَقَالَ بِشَرْطِ أَنْ لَا تُجْرَى فِيهَا مِحْجَمَةُ دَمٍ ، مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ انْتَهَى . وَقَدْ قَالَ خَلِيفَةُ وَالْوَاقِدِيُّ وَآخَرُونَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلِ بْنِ هَاشِمِ بْنِ سَعِيدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ سَهْمٍ أَبُو مُحَمَّدٍ وَقِيلَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَقِيلَ أَبُو نُصَيْرٍ السَّهْمِيُّ ) أَسْلَمَ عَبْدُ اللَّهِ قَبْلَ أَبِيهِ ، وَكَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِيهِ فِي السِّنِّ إحْدَى عَشْرَةَ سَنَةً فِيمَا جَزَمَ بِهِ الْمِزِّيُّ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اثْنَتَا عَشْرَةَ ، رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَبِيهِ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَغَيْرِهِمْ ، رَوَى عَنْهُ حَفِيدُهُ شُعَيْبُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَأَبُو أُمَامَةَ بْنُ سَهْلٍ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ وَخَلَائِقُ . رَوَى عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْوَرْدِ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ قَالَ قَالَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { نِعْمَ أَهْلُ الْبَيْتِ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَأُمُّ عَبْدِ اللَّهِ } ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَكَانَ فَاضِلًا حَافِظًا عَالِمًا قَرَأَ الْكُتُبَ وَاسْتَأْذَنَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَنْ يَكْتُبَ حَدِيثَهُ فَأَذِنَ لَهُ . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : مَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدٌ أَكْثَرُ حَدِيثًا عَنْهُ مِنِّي إلَّا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرٍو فَإِنَّهُ كَانَ يَكْتُبُ وَلَا أَكْتُبُ . وَرَوَى النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ { عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ جَمَعْت الْقُرْآنَ فَقَرَأْتُ بِهِ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ ، فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . { وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَسْرُدُ الصَّوْمَ وَيَقُومُ اللَّيْلَ كُلَّهُ حَتَّى أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّخْفِيفِ } كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ . وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقَالَ أَحْمَدُ : تُوُفِّيَ لَيَالِيَ الْحَرَّةِ ، وَكَانَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ ، وَقِيلَ : ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَقِيلَ خَمْسٍ وَسِتِّينَ ، وَقِيلَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَقِيلَ : سَنَةَ خَمْسٍ وَخَمْسِينَ وَهُوَ بَعِيدٌ . وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي مَحَلِّ وَفَاتِهِ فَقِيلَ مَاتَ بِمِصْرَ ، وَقِيلَ مَاتَ بِفِلَسْطِينَ ، وَقِيلَ بِمَكَّةَ وَقِيلَ بِالْمَدِينَةِ وَقِيلَ بِالطَّائِفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنِ بْنِ أَرْطَبَانَ أَبُو عَوْنٍ الْبَصْرِيُّ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيّ وَقِيلَ مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دُرَّةَ ) رَوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالشَّعْبِيِّ وَنَافِعٍ وَخَلْقٍ ، رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ وَالثَّوْرِيُّ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَخَلْقٌ . قَالَ شُعْبَةُ : مَا رَأَيْت مِثْلَ أَيُّوبَ وَيُونُسَ وَابْنِ عَوْنٍ وَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ : مَا رَأَتْ عَيْنَايَ مِثْلَ ابْنِ عَوْنٍ . وَكَذَا قَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ وَقَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ : مَا كَانَ أَحَدٌ بِالْعِرَاقِ أَعْلَمَ بِالسُّنَّةِ مِنْهُ ، وَقَالَ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ مَا رَأَيْت أَعْبَدَ مِنْهُ ، وَقَالَ خَارِجَةُ بْنُ مُصْعَبٍ جَالَسْته ثِنْتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً فَمَا أَظُنُّ أَنَّ الْمَلَكَيْنِ كَتَبَا عَلَيْهِ سُوءًا تُوُفِّيَ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ خَمْسِينَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، لَهُ ذِكْرٌ فِي الْوَصِيَّةِ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسِ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ حِضَارِ بْنِ حَرْبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عِتْرِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عُذْرِ بْنِ وَائِلِ بْنِ نَاجِيَةَ بْنِ الْجُمَاهِرِ بْنِ الْأَشْعَرِ الْأَشْعَرِيُّ أَبُو مُوسَى ) رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعَلِيٍّ وَغَيْرِهِمْ رَوَى عَنْهُ بَنُوهُ أَبُو بُرْدَةَ وَأَبُو بَكْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ وَخَلْقٌ ، ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِيمَنْ هَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ ثُمَّ قَدِمَ مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ بِخَيْبَرَ . وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يُهَاجِرْ إلَيْهَا ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مَعَ قَوْمِهِ الْأَشْعَرِيِّينَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفِينَةٍ فَأَلْقَتْهُمْ إلَى الْحَبَشَةِ إلَى النَّجَاشِيِّ فَقَدِمُوا إلَى جَعْفَرٍ فَلِهَذَا قِيلَ هَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ ، صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ . وَكَانَ أَبُو مُوسَى حَسَنَ الصَّوْتِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَقَدْ أُوتِيَ أَبُو مُوسَى مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد } ، وَسُئِلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَنْ مَحَلِّ أَبِي مُوسَى مِنْ الْعِلْمِ ؟ فَقَالَ صُبِغَ فِي الْعِلْمِ صِبْغَةً . وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : كَانَ الْعِلْمُ يُؤْخَذُ عَنْ سِتَّةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ مِنْهُمْ أَبَا مُوسَى وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ مَسْرُوقٍ نَحْوُهُ . وَعَمِلَ أَبُو مُوسَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى زُبَيْدٍ وَعَدَنَ وَوَلَّاهُ عُمَرُ الْبَصْرَةَ ثُمَّ الْكُوفَةَ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهَا عُثْمَانُ ، وَعَزَلَهُ عَلِيٌّ عَنْهَا ، وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ : سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَقِيلَ : سَنَةَ أَرْبَعٍ وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَقِيلَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ ، وَقِيلَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي مَحَلِّ وَفَاتِهِ فَقِيلَ : بِمَكَّةَ وَقِيلَ بِالْكُوفَةِ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ وَاضِحٍ الْحَنْظَلِيُّ التَّمِيمِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَرْوَزِيِّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ ) رَوَى عَنْ حُمَيْدٍ الطَّوِيلِ وَسُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَخَلْقٍ ، ثُمَّ عَنْ شُعْبَةَ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَطَبَقَتِهِمْ فَأَكْثَرَ عَنْهُمْ ، ثُمَّ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَابْنِ إِسْحَاقَ الْفَزَارِيِّ وَغَيْرِهِمَا ، رَوَى عَنْهُ مَعْمَرٌ وَالسُّفْيَانَانِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَخَلَائِقُ . قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : حَمَلْت عَنْ أَرْبَعَةِ آلَافِ شَيْخٍ فَرَوَيْت عَنْ أَلْفٍ ، وَقِيلَ لَهُ : إلَى مَتَى تَكْتُبُ الْعِلْمَ ؟ قَالَ : لَعَلَّ الْكَلِمَةَ الَّتِي أَنْتَفِعُ بِهَا مَا كَتَبْتهَا بَعْدُ . قَالَ أَحْمَدُ : لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِهِ أَطْلَبُ لِلْعِلْمِ مِنْهُ ، رَحَلَ إلَى الْيَمَنِ وَمِصْرَ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ كَتَبَ عَنْ الصِّغَارِ وَالْكِبَارِ ، وَجَمَعَ أَمْرًا عَظِيمًا ، وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَقَلَّ سَقَطًا مِنْهُ ، كَانَ يُحَدِّثُ مِنْ كِتَابٍ ، وَكَانَ صَاحِبَ حَدِيثٍ حَافِظًا . وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : ثِقَةٌ مُسْتَثْبِتٌ كَانَ عَالِمًا صَحِيحَ الْحَدِيثِ ، وَكَانَ كُتُبُهُ الَّتِي حَدَّثَ بِهَا عِشْرِينَ أَلْفًا أَوْ وَاحِدًا وَعِشْرِينَ أَلْفًا ، وَقَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ : كَانَ نَسِيجَ وَحْدِهِ ، وَكَانَ يُفَضِّلُهُ عَلَى الثَّوْرِيِّ وَقَالَ : مَا رَأَيْت أَنْصَحَ لِلْأُمَّةِ مِنْهُ ، وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : مَا رَأَيْت لِلصَّحَابَةِ عَلَيْهِ فَضْلًا إلَّا بِصُحْبَتِهِمْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَزْوِهِمْ مَعَهُ ، وَقَالَ كَانَ فَقِيهًا عَالِمًا عَابِدًا زَاهِدًا سَخِيًّا شُجَاعًا شَاعِرًا وَقَالَ الْفُضَيْلُ مَا خَلَّفَ بَعْدَهُ مِثْلُهُ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ عِيسَى اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ الْمُبَارَكِ فَقَالُوا : تَعَالَوْا حَتَّى نَعُدَّ خِصَالَ ابْنِ الْمُبَارَكِ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ فَقَالُوا : جَمَعَ الْعِلْمَ وَالْفِقْهَ وَالْأَدَبَ وَالنَّحْوَ وَاللُّغَةَ وَالشِّعْرَ وَالْفَصَاحَةَ وَالزُّهْدَ وَالْوَرَعَ وَالْإِنْصَافَ وَقِيَامَ اللَّيْلِ وَالْعِبَادَةَ وَالْحَجَّ وَالْغَزْوَ وَالشُّجَاعَةَ وَالْفُرُوسِيَّةَ وَالشِّدَّةَ فِي بَدَنِهِ وَتَرْكَ الْكَلَامِ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَقِلَّةَ الْخِلَافِ عَلَى أَصْحَابِهِ ، وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَتَمَثَّلُ : وَإِذَا صَاحَبْت فَاصْحَبْ صَاحِبًا ذَا حَيَاءٍ وَعَفَافٍ وَكَرَمْ قَوْلُهُ لِلشَّيْءِ لَا إنْ قُلْت لَا وَإِذَا قُلْت نَعَمْ قَالَ نَعَمْ وَلَهُ شِعْرٌ رَائِقٌ فِي الزُّهْدِ وَالْمَوَاعِظِ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا إمَامًا حُجَّةً ، وُلِدَ سَنَةَ ثَمَانِ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ، وَمَاتَ مُنْصَرِفًا مِنْ الْغَزْوِ بِهيْت سَنَةَ إحْدَى وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ زَادَ غَيْرُهُ فِي رَمَضَانَ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ غَافِلِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ شَمْخِ بْنِ مَخْزُومِ بْنِ صَاهِلَةَ بْنِ كَاهِلِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ تَمِيمِ بْنِ سَعْدِ بْنِ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرَكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ بْنِ نِزَارٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْهُذَلِيُّ أَحَدُ السَّابِقِينَ الْأَوَّلِينَ شَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ ) رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكْثَرَ ، وَعَنْ عُمَرَ وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي آخَرِينَ ، رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَبُو عُبَيْدَةَ فَقِيلَ : لَمْ يَسْمَعَا مِنْهُ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ وَأَبُو وَائِلٍ وَشُرَيْحٌ الْقَاضِي وَخَلْقٌ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : أَسْلَمَ بَعْدَ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ نَفْسًا وَكَانَ صَاحِبَ السَّوَادِ وَالْوِسَادِ وَالسِّوَاكِ وَالنَّعْلَيْنِ وَالطَّهُورِ ، كَانَ يَلِي ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ { وَاسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ مِنْ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ } ، فَبَدَأَ بِهِ وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا { مَنْ أَرَادَ أَنْ يَقْرَأَ الْقُرْآنَ غَضًّا كَمَا أُنْزِلَ فَلْيَقْرَأْهُ عَلَى قِرَاءَةِ ابْنِ أُمِّ عَبْدِ اللَّهِ } . وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا { لَوْ كُنْت مُؤَمِّرًا أَحَدًا مِنْ غَيْرِ مَشُورَةٍ لَأَمَّرْت عَلَيْهِمْ ابْنَ أُمِّ عَبْدٍ ، وَفِيهِ أَيْضًا مَا حَدَّثَكُمْ ابْنُ مَسْعُودٍ فَصَدِّقُوهُ } ، وَقَالَ عُمَرُ : كَنِيفٌ مُلِئَ عِلْمًا وَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : مَا تَرَكَ بَعْدَهُ مِثْلَهُ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَقِيلَ مَاتَ بِالْكُوفَةِ . ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلِ بْنِ عَبْدِ نَهْمٍ وَقِيلَ ابْنُ عَبْدِ غَنْمٍ وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَلَامَهُ ابْنُ عَفِيفِ بْنِ أُسَيْحِمِ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَدِيِّ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ دُوَيْدِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَدَاءِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَدْبَنَ طَابِخَةَ الْمُزَنِيّ ) وَوَلَدُ عُثْمَانَ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورِ هُمْ مُزَيْنَةُ نُسِبُوا إلَى أُمِّهِمْ مُزَيْنَةُ بِنْتِ كَلْبِ بْنِ وَبْرَةَ يُكَنَّى أَبَا سَعِيدٍ وَقِيلَ : أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ أَبَا زِيَادٍ ، كَانَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّجَرَةِ وَهُوَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ نَزَلَ الْبَصْرَةَ بَعَثَهُ إلَيْهَا عُمَرُ مَعَ عَشَرَةٍ يُفَقِّهُونَ النَّاسَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُثْمَانَ ، رَوَى عَنْهُ الْحَسَنُ وَمُعَاوِيَةُ بْنُ قُرَّةَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَجَمَاعَةٌ ، وَمَاتَ بِالْبَصْرَةِ سَنَةَ سِتِّينَ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ مُسَدَّدٌ : سَنَةَ سَبْعٍ وَخَمْسِينَ . ( عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوِقَايَاتِيِّ الْعُمَرِيُّ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ أَبِي غَالِبٍ الْبَغْدَادِيِّ ) رَوَى عَنْ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُصَيْنِ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْبَاقِي الْأَنْصَارِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَأَجَازَ لَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِعُ ، رَوَى عَنْهُ أَبُو الْمَجْدِ إسْمَاعِيلُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ بَاطِيشٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الدَّائِمِ وَعَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ الْحَرَّانِيِّ وَغَيْرُهُمْ ، وَكَانَ ثِقَةً صَحِيحَ السَّمَاعِ ، وَوَلِيَ نِيَابَةَ الْحُكْمِ بِبَغْدَادَ ، سُئِلَ عَنْ مَوْلِدِهِ فَقَالَ فِي سَنَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ وَتُوُفِّيَ بِهَا فِي ثَانِي عَشَرَ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ . ( عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي قُحَافَةَ بْنِ الصِّدِّيقِ ) يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَقِيلَ أَبَا مُحَمَّدٍ أَسْلَمَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَهَاجَرَ مَعَ مُعَاوِيَةَ فِيمَا قِيلَ ، وَقَالَ أَهْلُ السِّيَرِ أَسْلَمَ فِي هُدْنَةِ الْحُدَيْبِيَةِ ، رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَبِيهِ ، رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ وَحَفْصَةُ وَابْنُ أَخِيهِ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَآخَرُونَ وَكَانَ مِنْ أَشْجَعِ قُرَيْشٍ وَأَرْمَاهُمْ بِسَهْمٍ ، قَتَلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ سَبْعَةً قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ : كَانَ امْرَأً صَالِحًا فِيهِ دُعَابَةٌ . وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : لَمْ تُجَرَّبْ عَلَيْهِ كَذْبَةٌ قَطُّ ، تُوُفِّيَ فَجْأَةً فِي مَقِيلٍ قَالَهُ ، سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسٍ وَقِيلَ إنَّهُ مَاتَ بِالْحَبَشَى وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ عَشَرَةُ أَمْيَالٍ ، ثُمَّ حُمِلَ إلَى مَكَّةَ فَدُفِنَ بِهَا فَأَعْتَقَتْ عَائِشَةُ رَقِيقًا مِنْ رَقِيقِهِ رَجَاءَ أَنْ يَنْفَعَهُ اللَّهُ بِهِ . لَهُ ذِكْرٌ فِي الْحَجِّ فِي أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعَمِّرَ عَائِشَةَ مِنْ التَّنْعِيمِ . ( عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزَّبِيرِ ) بِفَتْحِ الزَّايِ وَكَسْرِ الْمُوَحَّدَةِ ابْنِ بَاطَيَا الْقُرَظِيّ الْمَدَنِيُّ لَهُ صُحْبَةٌ ، وَهُوَ الَّذِي تَزَوَّجَ امْرَأَةَ رِفَاعَةَ بْنِ سَمَوْأَلٍ الْقُرَظِيِّ حِينَ طَلَّقَهَا ، وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ هَذِهِ الْقِصَّةَ فِي الْمُوَطَّإِ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ ، رَوَاهَا عَنْهُ ابْنُهُ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَبَقِيَّةُ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ جَعَلُوهُ مِنْ رِوَايَةِ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مُرْسَلًا ، وَاخْتُلِفَ فِي الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ هَلْ هُوَ كَأَبِيهِ بِالْفَتْحِ أَوْ بِالضَّمِّ ؟ كَالْجَادَّةِ وَهُوَ الصَّحِيحُ . عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جُنَادَةَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْعُتَقِيُّ الْمِصْرِيُّ الْفَقِيهُ ) صَاحِبُ مَالِكٍ وَأَحَدُ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ ، وَمَنْ عَلَيْهِ الْعُمْدَةُ فِي قَوْلِ مَالِكٍ عِنْدَ أَصْحَابِهِ ، رَوَى عَنْ مَالِكٍ وَنَافِعٍ الْقَارِئِ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَجَمَاعَةٍ رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَسَحْنُونٌ وَابْنُ السَّرْحِ وَآخَرُونَ . قَالَ أَبُو زُرْعَةَ : ثِقَةٌ رَجُلٌ صَالِحٌ عِنْدَهُ ثَلَثُمِائَةِ جِلْدٍ أَوْ نَحْوِهِ عَنْ مَالِكٍ مَسَائِلُ ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : ثِقَةٌ مَأْمُونٌ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ ، وَرَوَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ خَرَجْت إلَى مَالِكٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ خَرْجَةً أَنْفَقْت فِي كُلِّ خَرْجَةٍ أَلْفَ دِينَارِ قَالَ فِيهِ مَالِكٌ : مَثَلُهُ كَمَثَلِ جِرَابٍ مَمْلُوءٍ مِسْكًا . وَقَالَ أَسَدُ بْنُ الْفُرَاتِ كَانَ يَخْتِمُ كُلَّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَتْمَتَيْنِ مَاتَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ إحْدَى وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ ، وَاخْتُلِفَ فِي مَوْلِدِهِ فَقِيلَ سَنَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ ، وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ . ( عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ التَّيْمِيُّ الْفَقِيهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْمَدَنِيُّ الْإِمَامُ ابْنُ الْإِمَامِ وُلِدَ فِي حَيَاةِ عَائِشَةَ ) رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَأَسْلَمَ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَجَمَاعَةٍ ، رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالسُّفْيَانَانِ وَخَلْقٌ . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : كَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ وَقَالَ مَالِكٌ : لَمْ يَخْلُفْ أَحَدٌ أَبَاهُ فِي مَجْلِسِهِ إلَّا عَبْدَ الرَّحْمَنِ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : كَانَ ثِقَةً وَرِعًا كَثِيرَ الْحَدِيثِ وَكَذَلِكَ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَأَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُمْ ، تُوُفِّيَ بِالشَّامِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ . ( عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيِّ بْنِ حَسَّانَ أَبُو سَعِيدٍ الْأَزْدِيُّ الْعَنْبَرِيُّ مَوْلَاهُمْ الْبَصْرِيُّ اللُّؤْلُؤِيُّ يُكَنَّى أَبَا سَعِيدٍ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ الْحُفَّاظِ ) رَوَى عَنْ عُمَرَ بْنِ ذَرٍّ وَشُعْبَةَ وَسُفْيَانَ وَمَالِكٍ وَالْحَمَّادَيْنِ فِي آخَرِينَ ، رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ وَابْنُ مَعِينٍ وَالْفَلَّاسُ وَخَلَائِقُ ، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، وَطَلَبَ الْحَدِيثَ سَنَةَ نَيِّفٍ وَخَمْسِينَ . قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : هُوَ أَعْلَمُ النَّاسِ وَقَالَ أَيْضًا : لَمْ أَرَ قَطُّ أَعْلَمَ بِالْحَدِيثِ مِنْهُ ، وَقَالَ : كَانَ أَعْلَمَ بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ بَعْدَ مَالِكٍ وَقَالَ : وَكَانَ يَخْتِمُ فِي كُلِّ لَيْلَتَيْنِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ : إذَا حَدَّثَ ابْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ رَجُلٍ فَهُوَ حُجَّةٌ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : إمَامٌ ثِقَةٌ أَثْبَتُ مِنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَأَتْقَنُ مِنْ وَكِيعٍ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : تُوُفِّيَ بِالْبَصْرَةِ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً . ( عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ أَبُو دَاوُد الْمَدَنِيُّ الْقَارِئُ ) رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ وَمُعَاوِيَةَ فِي آخَرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ الرَّأْيِ وَأَبُو الزِّنَادِ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَخَلْقٌ ، كَانَ يَكْتُبُ الْمَصَاحِفَ وَكَانَ أَحَدُ الثِّقَاتِ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ تُوُفِّيَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ . ( عَبْدُ الرَّزَّاقِ بْنُ هَمَّامِ بْنِ نَافِعٍ الْحِمْيَرِيُّ الصَّنْعَانِيُّ يُكْنَى أَبَا بَكْرٍ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ ) رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَمَعْمَرٍ وَسُفْيَانَ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَخَلَائِقَ رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ مَعِينٍ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ وَخَلَائِقُ ، آخِرُهُمْ مَوْتًا إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الدَّبَرِيُّ ، قِيلَ لِأَحْمَدَ : رَأَيْتَ أَحْسَنَ حَدِيثًا مِنْهُ ؟ قَالَ لَا وَقَالَ : مَنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَمَا ذَهَبَ بَصَرُهُ فَهُوَ ضَعِيفُ السَّمَاعِ ، كَانَ يُلَقَّنُ بَعْدَمَا عَمِيَ . قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : رَحَلَ إلَيْهِ ثِقَاتُ الْمُسْلِمِينَ وَأَئِمَّتُهُمْ وَلَمْ يَرَوْا لِحَدِيثِهِ بَأْسًا إلَّا أَنَّهُمْ نَسَبُوهُ إلَى التَّشَيُّعِ ، وَقَدْ رَوَى فِي الْفَضَائِلِ أَحَادِيثَ لَمْ يُوَافَقْ عَلَيْهَا ، وَأَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَسُئِلَ عَنْهُ أَحْمَدُ أَكَانَ يُفْرِطُ فِي التَّشَيُّعِ ؟ فَقَالَ : أَمَّا أَنَا فَلَمْ أَسْمَعْ مِنْهُ فِي هَذَا شَيْئًا ، وَلَكِنْ كَانَ رَجُلًا تُعْجِبُهُ أَخْبَارُ النَّاسِ . وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : وَاَللَّهِ مَا انْشَرَحَ صَدْرِي قَطُّ أَنْ أُفَضِّلَ عَلِيًّا عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَقَالَ : أُفَضِّلُهُمَا بِتَفْضِيلِ عَلِيٍّ إيَّاهُمَا عَلَى نَفْسِهِ وَلَوْ لَمْ يُفَضِّلْهُمَا لَمْ أُفَضِّلْهُمَا ، كَفَى بِي إزْرَاءً أَنْ أُحِبَّ عَلِيًّا ثُمَّ أُخَالِفَ قَوْلَهُ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ قَالَهُ أَحْمَدُ ، وَتُوُفِّيَ فِي نِصْفِ شَوَّالٍ سَنَةَ إحْدَى عَشْرَةَ وَمِائَتَيْنِ . ( عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الصَّيْقَلِ الْحَرَّانِيِّ الْحَنْبَلِيُّ يُكَنَّى أَبَا الْفَرَحِ ) وُلِدَ بِحَرَّانَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ، وَرَحَلَ بِهِ أَبُوهُ إلَى بَغْدَادَ فَأَسْمَعَهُ مِنْ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ كُلَيْبٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مَلَّاحِ الشَّطِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ بْنِ الطَّوِيلَةِ وَالْحَافِظِ أَبِي الْفَرَجِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْجَوْزِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْمَجْدِ الْحَرْبِيِّ وَهِبَةُ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ السِّبْطِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَزْرُوعٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوِقَايَاتِيِّ فِي آخَرِينَ وَسَمِعَ بِحَرَّانَ مِنْ حَمَّادِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ الْحَرَّانِيِّ وَغَيْرِهِ . وَأَجَازَ لَهُ ذَاكِرُ بْنُ كَامِلٍ الْخَفَّافُ وَأَبُو جَعْفَرٍ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الطَّرَسُوسِيُّ وَمَسْعُودُ بْنُ أَبِي مَنْصُورٍ الْجَمَّالُ وَآخَرُونَ ، رَوَى عَنْهُ الْحَافِظُ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ الدِّمْيَاطِيُّ وَأَبُو عُمَرَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَيِّدِ النَّاسِ الْيَعْمُرِيُّ وَأَبُو عُمَرَ وَعُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ النَّوْرَزِيُّ وَالشَّيْخُ نَصْرُ بْنُ سُلَيْمَانَ بْنِ عُمَرَ الْمَنْبِجِيُّ وَالْقَاضِي سَعْدُ الدِّينِ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ أَحْمَدَ الْحَارِثِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْهَمْدَانِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عُمَرَ بْنِ شِبْلٍ الصَّنْهَاجِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَنْصُورِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْجَوْهَرِيِّ وَأَخُوهُ أَحْمَدُ وَعَبْدُ الْمُحْسِنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّابُونِيُّ وَأَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبَّاسٍ الْأَسْعَرْدِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَيُّوبَ الْمَشْتُولِيُّ وَأَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمَيْدُومِيُّ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ بِالسَّمَاعِ وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ ، وَكَانَ ثِقَةً صَحِيحَ السَّمَاعِ وَوَلِيَ مَشْيَخَةَ دَارِ الْحَدِيثِ الْكَامِلِيَّةِ ، وَتُوُفِّيَ فِي أَوَّلِ صَفَرٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِالْقَاهِرَةِ . ( عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ سُكَيْنَةَ أَبُو أَحْمَدَ الْبَغْدَادِيُّ الشَّافِعِيُّ وَسُكَيْنَةُ جَدَّتُهُ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْأَعْلَامِ ) رَوَى عَنْ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُصَيْنِ وَزَاهِرِ بْنِ طَاهِرٍ الثَّحَامِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْبَاقِي الْأَنْصَارِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ خَيْرُونَ وَأَحْمَدَ بْنِ طَاهِرِ بْنِ سَعِيدٍ الْمِيهَنِيِّ وَأَبِي الْفَضْلِ مُحَمَّدِ بْنِ نَاصِرٍ فِي آخَرِينَ . رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ شَيْخُ الشُّيُوخِ صَدْرُ الدِّينِ عَبْدُ السَّلَامِ وَالْحُفَّاظُ الضِّيَاءُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَقْدِسِيَّ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْغَنِيِّ بْنِ نُقْطَةَ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ النَّجَّارِ وَالْمَجْدُ عَبْدُ السَّلَامِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ تَيْمِيَّةَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ بَاطِيشٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ بْنِ اللَّمْطِ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الدَّائِمِ وَعَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ الْحَرَّانِيِّ وَأَخُوهُ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ بِالسَّمَاعِ وَالْكَمَالُ بْنُ الْفُوَيْرَةَ آخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ بِالْإِجَازَةِ وَكَانَ مُسْنَدُ الْعِرَاقِ وَشَيْخُ الشُّيُوخِ بِهَا قَرَأَ الْمُذْهَبَ وَالْخِلَافَ عَلَى أَبِي مَنْصُورٍ وَابْنِ الرَّزَّازِ وَقَرَأَ الْقِرَاءَاتِ عَلَى سِبْطٍ الْخَيَّاطِ وَمَهَرَ فِيهَا وَقَرَأَ النَّحْوَ عَلَى ابْنِ الْخَشَّابِ وَأَخَذَ عِلْمَ الْحَدِيثِ عَنْ ابْنِ نَاصِرٍ وَابْنِ السَّمْعَانِيِّ . قَالَ ابْنُ النَّجَّارِ فِي الذَّيْلِ : هُوَ شَيْخُ الْعِرَاقِ فِي الْحَدِيثِ وَالزُّهْدِ وَالسَّمْتِ وَمُوَافَقَةِ السُّنَّةِ ، كَانَتْ أَوْقَاتُهُ مَحْفُوظَةً لَا تَمْضِي لَهُ سَاعَةٌ إلَّا فِي تِلَاوَةٍ أَوْ ذِكْرٍ أَوْ تَهَجُّدٍ أَوْ تَسْمِيعٍ ، وَكَانَ يُدِيمُ الصِّيَامَ غَالِبًا ، وَيَسْتَعْمِلُ السُّنَّةَ فِي أُمُورِهِ إلَى أَنْ قَالَ : وَمَا رَأَيْت أَكْمَلَ مِنْهُ وَلَا أَكْثَرَ عِبَادَةً وَلَا أَحْسَنَ سَمْتًا صَحِبْته وَقَرَأْت عَلَيْهِ الْقِرَاءَاتِ ، وَكَانَ ثِقَةً نَبِيلًا مِنْ أَعْلَامِ الدِّينِ تُوُفِّيَ فِي تَاسِعَ عَشَرَ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّمِائَةٍ بِبَغْدَادَ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ رَابِعِ شَعْبَانَ سَنَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِمِائَةٍ . ( عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ وُدِّ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ ) أَخُو سَوْدَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، كَانَ شَرِيفًا سَيِّدًا مِنْ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ لَهُ ذِكْرٌ فِي النِّكَاحِ فِي بَابِ لَحَاقِ النَّسَبِ فِي اخْتِصَامِهِ هُوَ وَسَعْدٌ فِي ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ وَاسْمُ ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَمْعَةَ . ( عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْهُذَلِيُّ الْمَدَنِيُّ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَهُوَ ابْنُ أَخِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ) رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ فِي آخَرِينَ ، رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَأَبُو الزِّنَادِ وَصَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ وَخَلْقٌ قَالَ مَالِكٌ : كَانَ كَثِيرَ الْعِلْمِ وَقَالَ الْعِجْلِيّ كَانَ جَامِعًا لِلْعِلْمِ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ : ثِقَةٌ مَأْمُونٌ إمَامٌ ، وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَقِيلَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ . ( عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بْنِ حَفْصِ بْنِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَبُو عُثْمَانَ الْعُمَرِيُّ الْمَدَنِيُّ أَحَدُ الْأَعْلَامِ أَخُو عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ ) رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَالْقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَنَافِعٍ وَالزُّهْرِيِّ وَخَلْقٍ ، رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ وَاللَّيْثُ وَالسُّفْيَانَانِ وَخَلْقٌ فَضَّلَهُ أَحْمَدُ عَلَى مَالِكٍ وَأَيُّوبَ عَلَى نَافِعٍ فَقَالَ : هُوَ أَثْبَتُهُمْ وَأَحْفَظُهُمْ وَأَكْثَرُهُمْ رِوَايَةً . وَقَالَ النَّسَائِيّ : ثِقَةٌ ثَبْتٌ وَقَالَ ابْنُ مَنْجَوَيْهِ : كَانَ مِنْ سَادَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَشْرَافِ قُرَيْشٍ فَضْلًا وَعِلْمًا وَعِبَادَةً وَحِفْظًا وَإِتْقَانًا ، وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ . ( عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ سَعْدٍ أَبُو عَاصِمٍ اللَّيْثِيُّ ثُمَّ الْجُنْدَعِيُّ الْمَكِّيُّ قَاضِي أَهْلِ مَكَّةَ وُلِدَ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) وَرَوَى عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ فِي آخَرِينَ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ فَقِيلَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمُجَاهِدٌ وَآخَرُونَ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ قَصَّ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ وَثَّقَهُ أَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُهُ قِيلَ : إنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ ، وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : مَاتَ قَبْلَ ابْنِ عُمَرَ . ( عُبَيْدَةُ بْنُ عَمْرٍو وَقِيلَ بْنُ قَيْسِ بْنِ غَنْمٍ الْمُرَادِيُّ السَّلْمَانِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى سَلْمَانَ ابْنِ نَاجِيَةَ بْنِ مُرَادٍ أَبُو مُسْلِمٍ وَقِيلَ أَبُو عَمْرٍو الْكُوفِيُّ أَسْلَمَ قَبْلَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَنَتَيْنِ ) وَرَوَى عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَغَيْرِهِمَا رَوَى عَنْهُ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَالشَّعْبِيُّ وَآخَرُونَ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : كَانَ يُوَازِي شُرَيْحًا فِي الْعِلْمِ وَالْقَضَاءِ وَقَالَ الْعِجْلِيّ : كَانَ أَحَدَ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِينَ يُفْتُونَ وَيُقْرِئُونَ ، وَكَانَ شُرَيْحٌ إذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ الشَّيْءُ يُرْسِلُهُمْ إلَيْهِ ، وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ ، وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَقِيلَ أَرْبَعٍ وَسَبْعِينَ . ( عُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقَّاصٍ ) أَخُو سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَمَاتَ عَلَى شِرْكِهِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَعَهِدَ إلَى أَخِيهِ سَعْدٍ أَنَّ ابْنَ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ مِنِّي ، وَاسْمُ ابْنِ وَلِيدَةِ زَمْعَةَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ، فَاخْتَصَمَ سَعْدٌ وَعَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فِي الْغُلَامِ فَقَضَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ ، وَهُوَ زَمْعَةُ وَأَبْطَلَ الِاسْتِلْحَاقَ بِالزِّنَا ، وَعُتْبَةُ هَذَا هُوَ الَّذِي كَسَرَ ثَنِيَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ فَقَالَ فِيهِ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ : إذَا اللَّهُ جَازَى مَعْشَرًا بِفِعَالِهِمْ وَنَصَرَهُمْ الرَّحْمَنُ رَبُّ الْمَشَارِقِ فَأَخْزَاك رَبِّي يَا عُتَيْبُ بْنُ مَالِكٍ وَلَقَّاك قَبْلَ الْمَوْتِ إحْدَى الصَّوَاعِقِ بَسَطْتَ يَمِينًا لِلنَّبِيِّ تَعَمُّدًا فَأَدْمَيْتَ فَاهُ قُطِّعْت بِالْبَوَارِقِ فَهَلَّا ذَكَرْتَ اللَّهَ وَالْمَوْقِفَ الَّذِي تَصِيرُ إلَيْهِ عِنْدَ إحْدَى الْبَوَائِقِ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي أُسْدِ الْغَابَةِ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ أَسْلَمَ وَاَللَّه أَعْلَمُ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتُ عُتْبَةَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ لِكَوْنِهِ مَذْكُورًا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ لَحَاقِ النَّسَبِ . ( عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الدَّارِ بْنِ قُصَيٍّ الْعَبْدَرِيُّ الْحَجَبِيُّ حَاجِبُ الْكَعْبَةِ لَهُ صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ ) رَوَى عَنْهُ ابْنُ عَمِّهِ شَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ الْحَجَبِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُهُمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ مُسْلِمًا مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَمَاتَ بِمَكَّةَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْحَجِّ . ( عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ الْأُمَوِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ يُكَنَّى أَبَا عَمْرٍو وَأَبَا عَبْدِ اللَّهِ هَاجَرَ الْهِجْرَتَيْنِ ، وَزَوَّجَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَتَهُ رُقَيَّةَ ثُمَّ ابْنَتَهُ أُمَّ كُلْثُومٍ فَلِذَلِكَ كَانَ يُلَقَّبُ بِذِي النُّورَيْنِ وَلَا يُعْلَمُ أَحَدٌ أَرْخَى سِتْرًا عَلَى ابْنَتَيْ نَبِيٍّ غَيْرُهُ ) . رَوَى عَنْهُ أَوْلَادُهُ أَبَانُ وَسَعِيدٌ وَعَمْرٌو وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَخَلْقٌ ، وُلِدَ قَبْلَ الْفِيلِ بِسِتَّةِ أَعْوَامٍ ، وَهَاجَرَ مَعَ زَوْجَتِهِ رُقَيَّةَ إلَى الْحَبَشَةِ ، وَاشْتَغَلَ بِتَمْرِيضِهِ لَهَا عَنْ شُهُودِ بَدْرٍ فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ ، وَلَمْ يَشْهَدْ بَيْعَةَ الرِّضْوَانِ لِكَوْنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَهُ إلَى مَكَّةَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ الْيُمْنَى هَذِهِ يَدُ عُثْمَانَ ، فَضَرَبَ بِهَا عَلَى يَدِهِ فَقَالَ : هَذِهِ لِعُثْمَانَ وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ ، وَأَحَدُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَأَحَدُ مَنْ أَحْيَا اللَّيْلَ بِرَكْعَةٍ ، قَرَأَ فِيهَا الْقُرْآنَ كُلَّهُ ، وَأَحَدُ مَنْ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ ، وَجَهَّزَ الْعُسْرَةَ بِأَلْفِ بَعِيرٍ وَسَبْعِينَ فَرَسًا ، وَاشْتَرَى بِئْرَ رُومَةَ بِعِشْرِينَ أَلْفًا فَسَبَّلَهَا لِلْمُسْلِمِينَ . وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أَلَا أَسْتَحْيِي مِمَّنْ تَسْتَحِي مِنْهُ الْمَلَائِكَةُ } ؟ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { كُنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَعْدِلُ بِأَبِي بَكْرٍ أَحَدًا ، ثُمَّ عُمَرَ ثُمَّ عُثْمَانَ ثُمَّ نَتْرُكُ أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نُفَاضِلُ بَيْنَهُمْ ، زَادَ الطَّبَرَانِيُّ فِيهِ فَيَسْمَعُ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُنْكِرُهُ } ، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ قَالَ عَلِيٌّ : كَانَ أَوْصَلَنَا لِلرَّحِمِ . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ بَايَعْنَا خَيْرَنَا وَلَمْ نَأْلُ وَقَالَتْ عَائِشَةُ : لَقَدْ قَتَلُوهُ وَإِنَّهُ لَمِنْ أَوْصَلِهِمْ لِلرَّحِمِ وَأَتْقَاهُمْ لِرَبِّهِ بُويِعَ عُثْمَانُ بِالْخِلَافَةِ بَعْدَ قَتْلِ عُمَرَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ أَرْبَعٍ أَوَاخِرِ سَنَةِ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، فَأَقَامَ فِيهَا اثْنَتَيْ عَشْرَةَ ثُمَّ سَنَةً قُتِلَ فِي أَوَاخِرِ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ ، قَتَلَهُ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ مِصْرَ فَلَمَّا بَلَغَ عَلِيًّا قَتْلُهُ قَالَ : تَبًّا لَكُمْ آخِرَ الدَّهْرِ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ : أَحَدُ الْعَشَرَةِ لَوْ أَنَّ أُحُدًا انْقَضَّ لِمَا فَعَلُوهُ بِعُثْمَانَ لَكَانَ حَقِيقًا أَنْ يَنْقَضَّ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَوْ اجْتَمَعَ النَّاسُ عَلَى قَتْلِهِ لَرُمُوا بِالْحِجَارَةِ كَمَا رُمِيَ قَوْمُ لُوطٍ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : لَقَدْ فَتَحَ النَّاسُ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِقَتْلِهِ بَابَ فِتْنَةٍ لَا يُغْلَقُ عَنْهُمْ إلَى قِيَامِ السَّاعَةِ . وَقَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي ذَلِكَ مَنْ سَرَّهُ الْمَوْتُ صِرْفًا لَا مِزَاجَ لَهُ فَلْيَأْتِ مَأْدُبَةً فِي دَارِ عُثْمَانَا ضَحَّوْا بِأَشْمَطَ عُنْوَانُ السُّجُودِ بِهِ يُقَطِّعُ اللَّيْلَ تَسْبِيحًا وَقُرْآنًا صَبْرًا فِدًا لَكُمْ أُمِّي وَمَا وَلَدَتْ قَدْ يَنْفَعُ الصَّبْرُ فِي الْمَكْرُوهِ أَحْيَانًا لَتَسْمَعُنَّ وَشِيكًا فِي دِيَارِهِمْ اللَّهُ أَكْبَرُ يَا ثَارَاتِ عُثْمَانَا وَقَالَ أَيْضًا فِيمَا نَسَبَهُ مُصْعَبٌ لِحَسَّانَ وَقَالَ ابْنُ شَيْبَةَ : إنَّهَا لِلْوَلِيدِ بْنِ عُقْبَةَ وَقِيلَ هِيَ لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فَكَفَّ يَدَيْهِ ثُمَّ أَغْلَقَ بَابَهُ وَأَيْقَنَ أَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِغَافِلِ وَقَالَ لِأَهْلِ الدَّارِ لَا تَقْتُلُوهُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْ ذَنْبِ امْرِئٍ لَمْ يُقَاتِلْ فَكَيْفَ رَأَيْت اللَّهَ أَلْقَى عَلَيْهِمْ الـ عَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ بَعْدَ التَّوَاصُلِ وَكَيْفَ رَأَيْت الْخَيْرَ أَدْبَرَ بَعْدَهُ عَنْ النَّاسِ إدْبَارَ السَّحَابِ الْجَوافِلِ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْجُمُعَةِ . ( عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَسَدِيُّ الْمَدَنِيُّ ) رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَأُمِّهِ أَسْمَاءَ وَخَالَتِهِ عَائِشَةَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَخَلْقٍ ، رَوَى عَنْهُ أَوْلَادُهُ عُثْمَانُ وَعَبْدُ اللَّهِ وَهِشَامٌ وَيَحْيَى وَمُحَمَّدٌ وَحَفِيدُهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبُو الزِّنَادِ وَخَلَائِقُ قَالَ الزُّهْرِيُّ : وَجَدْته بَحْرًا لَا يُنْزَفُ . وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ مَا أَحَدٌ أَعْلَمَ مِنْهُ وَقَالَ أَبُو الزِّنَادِ : فُقَهَاءُ الْمَدِينَةِ أَرْبَعَةٌ فَذَكَرَ مِنْهُمْ عُرْوَةَ وَقَالَ ابْنُ شَوْذَبٍ : كَانَ يَقْرَأُ كُلَّ يَوْمٍ رُبْعَ الْقُرْآنِ نَظَرًا فِي الْمُصْحَفِ ، وَيَقُومُ بِهِ فِي اللَّيْلِ فَمَا تَرَكَهُ إلَّا لَيْلَةَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ ، وَكَانَ وَقَعَ فِي رِجْلِهِ الْأَكَلَةُ فَنَشَرَهَا ، وَكَانَ يُقَلِّمُ حَائِطَهُ أَيَّامَ الرُّطَبِ فَيَأْكُلُ النَّاسُ وَيَحْمِلُونَ . وَقَالَ هِشَامٌ : إنَّ أَبَاهُ كَانَ يَصُومُ الدَّهْرَ إلَّا يَوْمَيْ الْفِطْرِ وَالنَّحْرِ ، وَمَاتَ وَهُوَ صَائِمٌ وَقَالَ الْعِجْلِيّ : كَانَ ثِقَةً رَجُلًا صَالِحًا لَمْ يَدْخُلْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْفِتَنِ وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ كَانَ ثِقَةً كَثِيرَ الْحَدِيثِ فَقِيهًا عَالِمًا ثَبْتًا مَأْمُونًا ، وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ ، وَقِيلَ ثَلَاثٍ وَقِيلَ أَرْبَعٍ وَقِيلَ خَمْسٍ ، وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي مَوْلِدِهِ فَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ . ( عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عَدْسٍ التَّمِيمِيُّ ) وَهُوَ الَّذِي أَهْدَى الْحُلَّةَ الْحَرِيرَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي طَائِفَةٍ مِنْ وُجُوهِ قَوْمِهِ فِيهِمْ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَالزِّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ وَالْحُتَاتُ بْنُ زَيْدٍ وَغَيْرُهُمْ فَأَسْلَمُوا ذَلِكَ سَنَةَ تِسْعٍ ، وَكَانَ سَيِّدًا فِي قَوْمِهِ ، وَزَعِيمَهُمْ ، وَقِيلَ : بَلْ قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَةَ عَشْرٍ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لَهُ ذِكْرٌ فِي الصَّلَاةِ . عُقْبَةُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَبْسِ بْنِ عَمْرٍو الْجُهَنِيِّ ) رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ عُمَرَ ، رَوَى عَنْهُ جَابِرٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَجُبَيْرُ بْنُ نُقَيْرٍ وَأَبُو إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيُّ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَكَانَ عُقْبَةُ عَالِمًا بِكِتَابِ اللَّهِ وَبِالْفَرَائِضِ فَصِيحًا شَاعِرًا مُفَوَّهًا وَلِيَ مِصْرَ لِمُعَاوِيَةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ ، ثُمَّ صَرَفَهُ بِمَسْلَمَةَ بْنِ مَخْلَدٍ ، وَتُوُفِّيَ بِهَا سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ ، وَذَكَرَ خَلِيفَةُ أَنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ النَّهْرَوَانِ شَهِيدًا سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ ، وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُ فَقَدْ ذَكَرَ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَهُوَ الصَّوَابُ وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ يُونُسَ ، وَقَالَ : كَانَ كَاتِبًا قَارِئًا لَهُ هِجْرَةٌ وَسَابِقَةٌ . ( عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ سَلَامَانِ بْنِ كُهَيْلِ بْنِ بَكْرِ بْنِ عَوْفِ بْنِ النَّخْعِ أَبُو شِبْلٍ النَّخَعِيّ الْكُوفِيُّ ) أَحَدُ الْأَعْلَامِ ، وُلِدَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى عَنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَخِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ وَابْنُ أُخْتِهِ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سُوَيْد النَّخَعِيُّونَ وَأَبُو وَائِلٍ وَخَلْقٌ . قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : مَا أَقْرَأُ شَيْئًا وَلَا أَعْلَمُهُ إلَّا عَلْقَمَةَ يَقْرَؤُهُ وَيَعْلَمُهُ ، كَانَ أَشْبَهَ النَّاسِ بِابْنِ مَسْعُودٍ سَمْتًا وَهَدْيًا ، قَالَهُ أَبُو مَعْمَرٍ وَغَيْرُهُ وَقَالَ مُرَّةُ الْهَمَذَانِيُّ : كَانَ مِنْ الرَّبَّانِيِّينَ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ : كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فِي خَمْسٍ وَقَالَ أَبُو ظَبْيَانِ : أَدْرَكْتُ نَاسًا مِنْ الصَّحَابَةِ يَسْأَلُونَ عَلْقَمَةَ وَيَسْتَفْتُونَهُ ، وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ وَقِيلَ : سَنَةَ إحْدَى وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَعَاشَ تِسْعِينَ سَنَةً فِيمَا قِيلَ . ( عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنُ سَعِيدِ بْنِ حَزْمِ بْنِ غَالِبِ بْنِ صَالِحٍ الْأُمَوِيُّ مَوْلَاهُمْ ) الْفَارِسِيُّ الْأَصْلِ الْأَنْدَلُسِيُّ الْقُرْطُبِيُّ الظَّاهِرِيُّ صَاحِبُ التَّصَانِيفِ الْمَشْهُورَةِ الْمُحَلَّى وَالْإِعْرَابِ وَالْمِلَلِ وَالنِّحَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُهُ الْفَضْلُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ عِنْدَهُ بِخَطِّ أَبِيهِ مِنْ تَأْلِيفِهِ أَرْبَعُمِائَةِ مُجَلَّدٍ ، ذَكَرَ صَاعِدٌ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ ، رَوَى عَنْ ابْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَسُورِ وَيَحْيَى بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَسْعُودِ بْنِ وَجْهِ الْحَيَّةِ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ حَامِ بْنِ أَحْمَدَ الْقُرْطُبِيِّ وَخَلْقٍ . رَوَى عَنْهُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْحُمَيْدِيُّ وَآخَرُونَ آخِرُهُمْ شُرَيْحُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ شُرَيْحٍ الْإِشْبِيلِيُّ ، رَوَى عَنْهُ بِالْإِجَازَةِ وَكَانَ أَوَّلُ سَمَاعِهِ سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ قَالَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ : وَجَدْت فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ كِتَابًا لِأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ يَدُلُّ عَلَى عِظَمِ حِفْظِهِ وَسَيَلَانِ ذِهْنِهِ . وَقَالَ صَاعِدٌ فِي تَارِيخِهِ كَانَ ابْنُ حَزْمٍ أَجْمَعَ أَهْلِ الْأَنْدَلُسِ قَاطِبَةً لِعُلُومِ الْإِسْلَامِ وَأَوْسَعَهُمْ مَعْرِفَةً مَعَ تَوَسُّعِهِ فِي عِلْمِ الْبَيَانِ وَالْبَلَاغَةِ وَالشِّعْرِ وَالسِّيَرِ وَالْأَخْبَارِ ، وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْعِبَرِ : كَانَ إلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي الذَّكَاءِ وَحِدَّةِ الذِّهْنِ وَسَعَةِ الْعِلْمِ بِالْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْمَذَاهِبِ وَالْمِلَلِ وَالنِّحَلِ وَالْعَرَبِيَّةِ وَالْآدَابِ وَالْمَنْطِقِ وَالشِّعْرِ مَعَ الصِّدْقِ وَالدِّيَانَةِ وَالْحِشْمَةِ وَالسُّؤْدُدِ وَالرِّيَاسَةِ وَالثَّرْوَةِ وَكَثْرَةِ الْكُتُبِ ، مَاتَ مُشَرَّدًا عَنْ بَلَدِهِ مِنْ قِبَلِ الدَّوْلَةِ بِبَادِيَةٍ لَيْلَةً بِقَرْيَةٍ لَهُ لِيَوْمَيْنِ بَقِيَا مِنْ شَعْبَانَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ عَنْ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً ، لَهُ ذِكْرٌ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الْعِتْقِ . ( عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَاسْمُ أَبِي طَالِبٍ عَبْدُ مَنَافِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ هَاشِمٍ ) أَبُو الْحَسَنِ وَأَبُو تُرَابٍ الْهَاشِمِيُّ ابْنُ عَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ، رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ، رَوَى عَنْهُ أَوْلَادُهُ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ وَعُمَرُ وَفَاطِمَةُ وَابْنُ أَخِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَابْنُ عَمِّهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَأُمَمٌ لَا يُحْصَوْنَ ، وَكَانَ لَهُ مِنْ الْوَلَدِ أَرْبَعُونَ إلَّا وَلَدًا ، وَكَانَ عَلِيٌّ أَصْغَرَ وَلَدِ أَبِي طَالِبٍ كَانَ أَصْغَرَ مِنْ جَعْفَرٍ بِعَشْرِ سِنِينَ وَجَعْفَرٌ أَصْغَرُ مِنْ عَقِيلٍ بِعَشْرِ سِنِينَ وَعَقِيلٌ أَصْغَرُ مِنْ طَالِبٍ بِعَشْرِ سِنِينَ ، وَقِيلَ إنَّ عَلِيًّا أَوَّلُ مَنْ آمَنَ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَأَبُو ذَرٍّ وَالْمِقْدَادُ وَأَبُو أَيُّوبَ وَأَنَسٌ وَسَلْمَانُ وَجَابِرٌ وَأَبُو سَعِيدٍ وَخُزَيْمَةُ بْنُ ثَابِتٍ ، وَأَنْشَدَ لَهُ الْمَرْزُبَانِيُ فِي ذَلِكَ : أَلَيْسَ أَوَّلَ مَنْ صَلَّى لِقِبْلَتِهِمْ وَأَعْلَمَ النَّاسِ بِالْفُرْقَانِ وَالسُّنَنِ وَادَّعَى الْحَاكِمُ نَفْيَ الْخِلَافِ فِيهِ فَقَالَ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَصْحَابِ التَّوَارِيخِ أَنَّ عَلِيًّا أَوَّلُهُمْ إسْلَامًا قَالَ : وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي بُلُوغِهِ ، ثُمَّ نَاقَضَ الْحَاكِمُ ذَلِكَ فَقَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْجَمَاعَةِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الرِّجَالِ الْبَالِغِينَ . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي سِنِّهِ حِينَ أَسْلَمَ فَقِيلَ : سِنُّهُ ثَمَانٍ ، وَقِيلَ سِنُّهُ عَشْرٌ وَقِيلَ : ثَلَاثَ عَشْرَةَ ، وَذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَلَهُ خَمْسٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً وَقِيلَ : كَانَ يَوْمَئِذٍ ابْنَ عِشْرِينَ سَنَةً ، وَلَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْمَشَاهِدِ إلَّا تَبُوكَ { فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلَّفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ وَعَلَى عِيَالِهِ وَقَالَ لَهُ يَوْمَئِذٍ : أَنْتَ مِنِّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى إلَّا أَنَّهُ لَا نَبِيَّ بَعْدِي } ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ . { وَقَالَ فِي خَيْبَرَ : لَأُعْطِيَنَّ الرَّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَوْ قَالَ : يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } أَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ قَالَ : { وَاَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ وَبَرَأَ النَّسَمَةَ إنَّهُ لَعَهْدُ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ إلَيَّ : إنَّهُ لَا يُحِبُّنِي إلَّا مُؤْمِنٌ وَلَا يُبْغِضُنِي إلَّا مُنَافِقٌ } ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ . وَقَالَ عُمَرُ : أَقْضَانَا عَلِيٌّ وَكَانَ يَتَعَوَّذُ مِنْ مُعْضِلَةٍ لَيْسَ لَهَا أَبُو حَسَنٍ ، بُويِعَ عَلِيٌّ بَعْدَ مَقْتَلِ عُثْمَانَ ، وَتَخَلَّفَ عَنْ بَيْعَتِهِ مُعَاوِيَةُ وَأَهْلُ الشَّامِ ، فَكَانَ بَيْنَهُمْ مَا كَانَ بِصِفِّينَ ثُمَّ انْتَدَبَ لَهُ قَوْمٌ مِنْ الْخَوَارِجِ فَقَاتَلَهُمْ فَظَفِرَ بِهِمْ ، ثُمَّ انْتَدَبَ لَهُ مِنْ بَقَايَاهُمْ أَشْقَى الْآخَرِينَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُلْجَمٍ الْمُرَادِيُّ ، وَكَانَ فَاتِكًا مَلْعُونًا فَطَعَنَهُ فِي رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعِينَ ، وَقُبِضَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ . وَاخْتُلِفَ فِي مَوْضِعِ دَفْنِهِ وَفِي مَبْلَغِ سِنِّهِ فَقِيلَ ثَلَاثٌ وَسِتُّونَ قَالَهُ أَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ ، وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقِيلَ سَبْعٌ وَخَمْسُونَ ، وَقِيلَ ثَمَانٍ وَخَمْسُونَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ وَقِيلَ أَرْبَعٌ وَسِتُّونَ ، وَقِيلَ خَمْسٌ وَسِتُّونَ وَقِيلَ اثْنَانِ وَسِتُّونَ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حِبَّانَ . ( عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مَهْدِيٍّ أَبُو الْحَسَنِ الدَّارَقُطْنِيُّ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْأَعْلَامِ ) رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْبَغَوِيّ وَيَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ وَالْحُسَيْنِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْمَحَامِلِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ نَيْرُوزِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي دَاوُد رَوَى عَنْهُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ الْأَصْبَهَانِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ شُجَاعٍ الْمَعْقِلِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ طَاهِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ بَشْرَانَ وَأَبُو عُثْمَانَ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّابُونِيُّ وَأَبُو مَنْصُورٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْبَرْقَانِيُّ وَأَبُو طَالِبٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْفَتْحِ الْعُشَارِيُّ وَأَبُو الْغَنَائِمِ عَبْدُ الصَّمَدِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْمَأْمُونِ وَأَبُو الْحُسَيْنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُهْتَدِي بِاَللَّهِ ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ ، وَكَانَ أَحْفَظَ أَهْلِ زَمَانِهِ صَنَّفَ السُّنَنَ وَالْعِلَلَ وَالْمُؤْتَلِفَ وَالْمُخْتَلِفَ وَغَيْرَ ذَلِكَ . قَالَ الْحَاكِمُ كَانَ أَوْحَدَ عَصْرِهِ فِي الْحِفْظِ وَالْفَهْمِ وَالْوَرَعِ ، وَإِمَامًا فِي الْقُرَّاءِ وَالنُّحَاةِ صَادَفْتُهُ فَوْقَ مَا وُصِفَ لِي ، وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ يَطُولُ ذِكْرُهَا وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ قُلْت لِلْحَاكِمِ هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ الدَّارَقُطْنِيِّ ؟ فَقَالَ هُوَ لَمْ يَرَ مِثْلَ نَفْسِهِ ، فَكَيْفَ أَنَا وَقَالَ الْبَرْقَانِيُّ كَانَ الدَّارَقُطْنِيُّ يُمْلِي عَلَيَّ الْعِلَلَ مِنْ حِفْظِهِ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ : الدَّارَقُطْنِيُّ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ ، وَقَالَ الْخَطِيبُ كَانَ فَرِيدَ عَصْرِهِ وَقَرِيعَ دَهْرِهِ وَنَسِيجَ وَحْدِهِ وَإِمَامَ وَقْتِهِ ، انْتَهَى إلَيْهِ عِلْمُ الْأَثَرِ وَالْمَعْرِفَةِ بِالْعِلَلِ وَأَسْمَاءِ الرِّجَالِ مَعَ الصِّدْقِ وَصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَالِاعْتِقَادِ وَالِاطِّلَاعِ مِنْ عُلُومٍ سِوَى الْحَدِيثِ ، مِنْهَا الْقِرَاءَاتُ وَقَدْ صَنَّفَ فِيهَا مُصَنَّفَهُ ، وَمِنْهَا الْمَعْرِفَةُ بِمَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ . وَبَلَغَنِي أَنَّهُ دَرَسَ فِقْهَ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَبِي سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيِّ وَمِنْهَا الْمَعْرِفَةُ بِالْأَدَبِ وَالشِّعْرِ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَتُوُفِّيَ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ عَنْ ثَمَانِينَ سَنَةً . ( عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يَحْيَى بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ يَحْيَى الْقُرْطُبِيُّ الْأَصْلِ الْفَارِسِيُّ بْنُ الْقَطَّانِ ) أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْأَعْلَامِ صَاحِبُ كِتَابِ بَيَانِ الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ وَكِتَابِ أَحْكَامِ النَّظَرِ وَكِتَابِ الْإِجْمَاعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، رَوَى عَنْهُ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الْأَبَّارِ وَآخَرُونَ وَلِيَ قَضَاءَ سِجِلْمَاسَا مِنْ الْمَغْرِبِ ، وَتُوُفِّيَ بِهَا فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَسِتِّمِائَةٍ ، لَهُ ذِكْرٌ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ . ( عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ أَبُو الْحَسَنِ الْقُرَشِيُّ الْكُوفِيُّ رَوَى عَنْ الْأَعْمَشِ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ وَغَيْرِهِمَا ) رَوَى عَنْهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَهَنَّادُ بْنُ السُّرِّيِّ وَعَلِيُّ بْنُ حُجْرٌ وَخَلْقٌ ، وَثَّقَهُ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَالْعِجْلِيُّ وَقَالَ كَانَ مِمَّنْ جَمَعَ بَيْنَ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ ، وَوَلِيَ قَضَاءَ أَرْمِينِيَةَ وَمَاتَ سَنَةَ تِسْعٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَةٍ ، وَلَهُ ذِكْرٌ فِي الطَّهَارَةِ . ( عَمَّارُ بْنُ يَاسِرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ مَالِكِ بْنِ كِنَانَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ حُصَيْنٍ ) الْعَنْسِيُّ ثُمَّ الْمُذْحِجِيُّ وَقِيلَ إنَّهُ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ كَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَيُكَنَّى أَبَا الْيَقْظَانِ أَسْلَمَ هُوَ وَأَبُوهُ وَأُمُّهُ سُمَيَّةُ ، وَكَانُوا مِنْ السَّابِقِينَ الْمُعَذَّبِينَ فِي اللَّهِ { مَرَّ بِهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ يُعَذَّبُونَ فَقَالَ صَبْرًا آلَ يَاسِرٍ مَوْعِدُكُمْ الْجَنَّةُ } ، وَكَانَتْ أُمُّهُ أَوَّلَ شَهِيدٍ فِي الْإِسْلَامِ ، وَهَاجَرَ عَمَّارٌ الْهِجْرَتَيْنِ ، وَشَهِدَ بَدْرًا رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُحَمَّدٌ وَأَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو وَائِلٍ وَزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وَآخَرُونَ { قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْحَبًا بِالطَّيِّبِ الْمُطَيَّبِ } ، رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِهِ { إنَّ عَمَّارًا مُلِئَ إيمَانًا إلَى مُشَاشِهِ } . وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ { مَنْ أَبْغَضَ عَمَّارًا أَبْغَضَهُ اللَّهُ ، وَمَنْ عَادَى عَمَّارًا عَادَاهُ اللَّهُ } وَقَالَ لَهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { تَقْتُلُك الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ } فَقُتِلَ مَعَ عَلِيٍّ بِصِفِّينَ قَتَلَهُ أَبُو غَادِيَةَ الْجُهَنِيِّ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ ، وَقَدْ جَاوَزَ التِّسْعِينَ . ( عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ بْنِ نُفَيْلِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ رِيَاحِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قُرْطِ بْنِ رَزَاحِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ ) أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ أَبُو حَفْصٍ الْعَدَوِيِّ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ ، وَأَحَدُ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ ، وُلِدَ بَعْدَ الْفِيلِ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَأَسْلَمَ بَعْدَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا وَإِحْدَى عَشْرَةَ امْرَأَةً ، رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ ، رَوَى عَنْهُ أَوْلَادُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَحَفْصَةُ وَعَاصِمٌ وَمَوْلَاهُ أَسْلَمُ وَعَلِيٌّ وَعُثْمَانُ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَنَسٌ وَخَلْقٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَانَ إسْلَامُهُ عِزًّا ظَهَرَ بِهِ الْإِسْلَامُ بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { اللَّهُمَّ أَعِزَّ الْإِسْلَامَ بِأَحَبِّ هَذَيْنِ الرَّجُلَيْنِ إلَيْك بِأَبِي جَهْلٍ أَوْ بِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ } قَالَ : وَكَانَ أَحَبَّهُمَا إلَيْهِ عُمَرُ قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ مَازِلْنَا أَعِزَّةً مُنْذُ أَسْلَمَ عُمَرُ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إيهًا يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا لَقِيَك الشَّيْطَانُ سَالِكًا فَجًّا إلَّا سَلَكَ فَجًّا غَيْرَ فَجِّك } ، وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَقَدْ { كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ رِجَالٌ مُكَلَّمُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ فَإِنْ يَكُنْ فِي أُمَّتِي أَحَدٌ فَعُمَرُ } . { وَرَأَى لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَصْرًا فِي الْجَنَّةِ } وَرَأَى { أَنَّهُ سَقَاهُ فَضْلَهُ قَالُوا : فَمَا أَوَّلْتَهُ ؟ قَالَ الْعِلْمُ } وَرَأَى { عَلَيْهِ قَمِيصًا يَجُرُّهُ قَالُوا فَمَا أَوَّلْته ؟ قَالَ الدِّينُ } وَرَأَى { أَنَّهُ يَنْزِعُ عَلَى قَلِيبٍ ، ثُمَّ نَزَعَ أَبُو بَكْرٍ ذَنُوبًا أَوْ ذَنُوبَيْنِ ، ثُمَّ نَزَعَ حَتَّى رَوِيَ النَّاسُ } فَكَانَ ذَلِكَ إشَارَةً لِلْخِلَافَةِ وَكُلُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ . وَلِلتِّرْمِذِيِّ ، وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا { إنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْحَقَّ عَلَى لِسَانِ عُمَرَ وَقَلْبِهِ } ، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ وَأَوْصَى إلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ بِالْخِلَافَةِ فَأَقَامَ فِيهَا عَشْرَ سِنِينَ وَنِصْفًا وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ لِأَرْبَعٍ أَوْ ثَلَاثٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ، وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ سَنَةً عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي جَزَمَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَالْجُمْهُورُ ، وَصَحَّ ذَلِكَ عَنْ مُعَاوِيَةَ وَأَنَسٍ وَقِيلَ خَمْسٌ وَسِتُّونَ . وَقِيلَ سِتٌّ وَسِتُّونَ ، وَقِيلَ وَاحِدٌ وَسِتُّونَ وَقِيلَ سِتُّونَ ، وَقِيلَ تِسْعٌ وَخَمْسُونَ وَقِيلَ سَبْعٌ وَخَمْسُونَ وَقِيلَ سِتٌّ وَخَمْسُونَ وَقِيلَ خَمْسٌ وَخَمْسُونَ ، وَاَلَّذِي طَعَنَهُ أَبُو لُؤْلُؤَةَ فَيْرُوزُ غُلَامُ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَاسْتَجَابَ اللَّهُ دُعَاءَهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَدْعُو اللَّهُمَّ اُرْزُقْنِي شَهَادَةً فِي سَبِيلِك وَمَوْتًا فِي بَلَدِ نَبِيِّك كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَصَلَّى عَلَيْهِ صُهَيْبٌ وَدُفِنَ فِي الْحُجْرَةِ الشَّرِيفَةِ مَعَ صَاحِبَيْهِ فَكَانَ كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِيمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ { : وَأَيْمُ اللَّهِ إنْ كُنْت لَأَظُنُّ أَنْ يَجْعَلَك اللَّهُ مَعَ صَاحِبَيْك إنِّي كُنْت كَثِيرًا أَسْمَعُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : ذَهَبْت أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَدَخَلْت أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَخَرَجْت أَنَا وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، وَقَالَ : مَا خَلَّفْت أَحَدًا أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى بِمِثْلِ عَمَلِهِ مِنْك } . ( عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ الْمَدَنِيُّ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ) رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، رَوَى عَنْهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ وَمَالِكٌ والدراوردي وَآخَرُونَ قَالَ أَحْمَدُ : هُوَ أَوْثَقُ وَلَدِ نَافِعٍ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ وَغَيْرُهُ : لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ قَالَ الْوَاقِدِيُّ مَاتَ فِي خِلَافَةِ الْمَنْصُورِ . ( عُمَرُ بْنُ دِينَارٍ الْمَكِّيُّ ) مَوْلَى بَنِي جُمَحٍ وَقِيلَ مَوْلَى بَنِي مَخْزُومٍ أَبُو مُحَمَّدٍ الْأَثْرَمُ أَحَدُ أَعْلَامِ التَّابِعِينَ ، رَوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ وَخَلْقٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، رَوَى عَنْهُ أَيُّوبُ وَشُعْبَةُ وَالْحَمَّادَانِ وَالسُّفْيَانَانِ وَمَالِكٌ وَخَلْقٌ قَالَ شُعْبَةُ : لَمْ أَرَ مِثْلَهُ يَعْنِي فِي الثَّبَتِ ، وَقَالَ مِسْعَرٌ مَا رَأَيْت أَثْبَتَ مِنْهُ وَمِنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقَالَ ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ : مَا كَانَ عِنْدَنَا أَحَدٌ أَعْلَمَ وَلَا أَفْقَهَ مِنْهُ . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : ثِقَةٌ ثِقَةٌ ثِقَةٌ كَانَ أَعْلَمَ أَهْلِ مَكَّةَ ، كَانَ قَدْ جَزَّأَ اللَّيْلَ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ ثُلُثًا يَنَامُ وَثُلُثًا يَدْرُسُ حَدِيثَهُ وَثُلُثًا يُصَلِّي ، وَقَالَ النَّسَائِيّ : ثِقَةٌ ثَبْتٌ مَاتَ أَوَّلَ سَنَةِ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً ، وَقِيلَ مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ . ( عَمْرُو بْنُ شُعَيْبِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ السَّهْمِيُّ الْمَدَنِيُّ ) يُكَنَّى أَبَا إبْرَاهِيمَ ، وَقِيلَ : أَبَا عَبْدِ اللَّهِ نَزَلَ الطَّائِفَ وَمَكَّةَ ، وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ فَأَكْثَرَ وَعَنْ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَوِّذٍ وَزَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ وَطَاوُسٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَآخَرِينَ ، رَوَى عَنْهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَعَطَاءٌ وَدَاوُد بْنُ أَبِي هِنْدَ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَخَلْقٌ كَثِيرٌ . قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : مَا رَأَيْت قُرَشِيًّا أَفْضَلَ أَوْ قَالَ أَكْمَلَ مِنْهُ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ رَأَيْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَعَلِيَّ بْنَ الْمَدِينِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ وَأَبَا عُبَيْدٍ ، وَعَامَّةُ أَصْحَابِنَا يَحْتَجُّونَ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ فَمَنْ النَّاسُ بَعْدَهُمْ ، وَوَثَّقَهُ أَيْضًا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . وَكَذَا عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد : لَيْسَ بِحُجَّةٍ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : رَوَى عَنْهُ أَئِمَّةُ النَّاسِ إلَّا أَنَّ أَحَادِيثَهُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ مَعَ احْتِمَالِهِمْ إيَّاهُ لَمْ يُدْخِلُوهَا فِي صِحَاحِ مَا خَرَّجُوا ، وَقَالُوا هِيَ صَحِيفَةٌ ، وَمَاتَ بِالطَّائِفِ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ . ( عَمْرُو بْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى ) وَقِيلَ : اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ أَبِيهِ فَقِيلَ زَائِدَةُ وَقِيلَ قَيْسُ بْنُ زَائِدَةَ ، وَقِيلَ زِيَادَةُ وَاسْمُ الَّتِي اُشْتُهِرَ بِهَا عَاتِكَةُ مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ ، وَهُوَ قُرَشِيٌّ عَامِرِيٌّ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ قَبْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَخْلَفَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَرَّةً ، رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَوَى عَنْهُ أَنَسٌ وَأَبُو رَزِينٍ وَزِرُّ بْنُ حُبَيْشٍ وَآخَرُونَ ، وَكَانَ مَعَهُ اللِّوَاءُ يَوْمَ الْقَادِسِيَّةِ فَقِيلَ : اُسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ وَقِيلَ : رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ فَمَاتَ بِهَا وَكَانَ أَحَدَ مُؤَذِّنِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْأَذَانِ . ( عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ خَلَفِ بْنِ عَبْدِ نَهْمِ بْنِ سَالِمِ بْنِ غَاضِرَةَ بْنِ حُبَيْشَةَ ابْنِ سَلُولَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو الْخُزَاعِيُّ الْكَعْبِيُّ ) يُكَنَّى أَبَا نُجَيْدٍ أَسْلَمَ عَامَ خَيْبَرَ ، رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ نُجَيْدٌ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَآخَرُونَ . قَالَ عِمْرَانُ : مَا مَسِسْتُ ذَكَرِي بِيَمِينِي مُنْذُ بَايَعْت بِهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ عُمَرُ بَعَثَهُ إلَى أَهْل الْبَصْرَةِ لِيُفَقِّهَهُمْ ، ثُمَّ اسْتَقْضَاهُ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرٍ فَقَضَى أَيَّامًا ، ثُمَّ اسْتَعْفَى ، وَكَانَتْ الْمَلَائِكَةُ تُسَلِّمُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَكْتَوِيَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ وَفُقَهَائِهِمْ وَسَكَنَ الْبَصْرَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ . ( عُمَيْرُ بْنُ حَبِيبٍ ) رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ ، كَذَا وَقَعَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، وَالصَّوَابُ عُمَيْرُ بْنُ قَتَادَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَامِرٍ اللَّيْثِيُّ . ( عُوَيْمِرٌ الْعَجْلَانِيُّ صَاحِبُ قِصَّةِ اللِّعَانِ ) اُخْتُلِفَ فِي اسْمِ أَبِيهِ ، فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عُوَيْمِرُ بْنُ أَبْيَضَ . وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : عُوَيْمِرُ بْنُ الْجَدِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ الْجَدِّ بْنِ الْعَجْلَانِ وَهُوَ الَّذِي رَمَى زَوْجَتَهُ بِشَرِيكِ بْنِ السَّحْمَاءِ وَكَانَ قَدْ قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ فَوَجَدَهَا حُبْلَى ، وَقَدْ قِيلَ إنَّهُ عُوَيْمِرُ بْنُ أَشْقَرَ أَحَدُ مَنْ شَهِدَ بَدْرًا فَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَهُ ذِكْرٌ فِي اللِّعَانِ . ( عَيَّاشُ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ ) وَاسْمُ أَبِي رَبِيعَةَ عَمْرُو بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ الْمَخْزُومِيُّ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ أَخُو أَبِي جَهْلٍ لِأُمِّهِ ، أُمُّهُمَا أُمُّ الْجُلَاسِ أَسْمَاءُ بِنْتُ مَخْرَمَةَ أَسْلَمَ قَدِيمًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَارَ الْأَرْقَمِ ، وَذَكَرَ الزُّبَيْرُ أَنَّهُ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ حِينَ هَاجَرَ عُمَرُ فَقَدِمَ عَلَيْهِ أَخُوهُ لِأُمِّهِ أَبُو جَهْلٍ وَالْحَارِثُ ابْنَا هِشَامٍ فَذَكَرَ لَهُ أَنَّ أُمَّهُ حَلَفَتْ أَنْ لَا يَدْخُلَ رَأْسَهَا دُهْنٌ وَلَا تَسْتَظِلَّ حَتَّى تَرَاهُ ، فَرَجَعَ مَعَهُمَا فَأَوْثَقَاهُ رِبَاطًا وَحَبَسَاهُ بِمَكَّةَ ، فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو لَهُ فِي الْقُنُوتِ . وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ عَيَّاشًا هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مَعَ امْرَأَتِهِ أَسْمَاءَ فَوَلَدَتْ لَهُ هُنَاكَ ابْنَهُ عَبْدَ اللَّهِ ، ثُمَّ هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ فَجَمَعَ الْهِجْرَتَيْنِ ، وَلَمْ يَذْكُرْهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَلَا أَبُو مَعْشَرٍ فِي مُهَاجِرِي الْحَبَشَةِ رَوَى عَيَّاشٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَزَالُ هَذِهِ الْأَمَةُ بِخَيْرٍ مَا عَظَّمُوا هَذِهِ الْحُرْمَةَ حَقَّ تَعْظِيمِهَا . رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَابِطٍ فَقِيلَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ ، وَمَاتَ عَيَّاشٌ بِمَكَّةَ فِيمَا ذَكَرَهُ الطَّبَرِيُّ ، وَرَوَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ أَنَّهُ قُتِلَ بِالْيَرْمُوكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، لَهُ ذِكْرٌ فِي الصَّلَاةِ فِي الْقُنُوتِ . ( الْفَضْلُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلَبِ الْهَاشِمِيِّ بْنِ عَمِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَسَنُّ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ ) رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ رَوَى عَنْهُ أَبُوهُ وَأَخُوهُ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَمِّهِ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ وَغَيْرُهُمْ ، وَكَانَ وَسِيمًا جَمِيلًا أَرْدَفَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ ، وَغَزَا مَعَهُ مَكَّةَ وَحُنَيْنًا ، وَثَبَتَ يَوْمَئِذٍ ، وَكَانَ فِيمَنْ غَسَّلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَلِيَ دَفْنَهُ ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الشَّامِ مُجَاهِدًا فَمَاتَ بِالْأُرْدُنِّ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ ، قَالَهُ ابْنُ سَعْدٍ ، وَكَذَا قَالَ الْوَاقِدِيُّ وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : قُتِلَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ وَقَالَ أَبُو دَاوُد قُتِلَ بِدِمَشْقَ ، لَهُ ذِكْرٌ فِي الصِّيَامِ وَالْحَجِّ . ( الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أَبُو مُحَمَّدٍ وَقِيلَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّيْمِيُّ الْمَدَنِيُّ أَحَدُ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ بِالْمَدِينَةِ ) رَوَى عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي آخَرِينَ كَثِيرِينَ ، رَوَى عَنْهُ الشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبُو الزِّنَادِ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَخَلْقٌ . قَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ : مَا أَدْرَكْنَا بِالْمَدِينَةِ أَحَدًا نُفَضِّلُهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ مَالِكٌ : الْقَاسِمُ مِنْ فُقَهَاءِ الْأُمَّةِ . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ : حَدَّثَنَا عَلِيٌّ حَدَّثَنَا سُفْيَانُ حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَاهُ ، وَكَانَ أَفْضَلَ أَهْلِ زَمَانِهِ . وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : كَانَ ثِقَةً رَفِيعًا عَالِمًا فَقِيهًا إمَامًا وَرِعًا كَثِيرَ الْحَدِيثِ مَاتَ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ ، كَذَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَهُوَ بَعِيدٌ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ وَفَاتَهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَقِيلَ ثَمَانٍ وَقِيلَ سِتٍّ . ( قَتَادَةُ بْنُ دِعَامَةَ بْنِ قَتَادَةَ بْنِ عَزِيزِ بْنِ عَمْرِو بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ سَدُوسٍ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ السَّدُوسِيُّ الْبَصْرِيُّ ) يُكَنَّى أَبَا الْخَطَّابِ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ ، وَكَانَ أَكْمَهَ رَوَى عَنْ أَنَسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ وَأَبِي الطُّفَيْلِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ سِيرِينَ فِي آخَرِينَ ، رَوَى عَنْهُ أَيُّوبُ وَحُمَيْدَ وَشُعْبَةُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَعْمَرٌ وَأُمَمٌ . قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : مَا أَتَانِي عِرَاقِيٌّ أَفْضَلُ مِنْهُ ، وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ قَتَادَةُ أَحْفَظُ النَّاسِ وَقَالَ بَكْرٌ الْمُزَنِيّ : مَا رَأَيْت أَحْفَظَ مِنْهُ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ وَذَكَرَ قَتَادَةَ فَأَطْنَبَ فِي ذِكْرِهِ ، وَجَعَلَ يَقُولُ : عَالِمٌ بِتَفْسِيرِ الْقُرْآنِ وَبِاخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ ، وَوَصَفَهُ بِالْحِفْظِ وَالْفِقْهِ فَقَالَ : قَلَّ مَا تَجِدُ مَنْ تُقَدِّمُهُ أَمَّا الْمِثْلُ فَلَعَلَّ . وَقَالَ الْأَثْرَمُ عَنْهُ : كَانَ أَحْفَظَ أَهْلِ الْبَصْرَةِ وَكَانَ قَتَادَةُ يُدَلِّسُ وَيُومِئُ أَيْضًا بِالْقَدْرِ ، وُلِدَ سَنَةَ سِتِّينَ ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَمِائَةٍ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْعِتْقِ . ( قَيْسُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَتَقَدَّمَ نَسَبُهُ فِي تَرْجَمَةِ أَبِيهِ ) يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ، وَقِيلَ أَبَا الْفَضْلِ وَقِيلَ أَبَا عَبْدِ الْمَلِكِ كَانَ صَاحِبَ شُرْطَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَوَى عَنْهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى وَالشَّعْبِيُّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ قَيْسٌ : صَحِبْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ سِنِينَ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : كَانَ حَامِلَ رَايَةِ الْأَنْصَارِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ مِنْ ذَوِي الرَّأْيِ مِنْ النَّاسِ ، وَكَانَ بَعْدُ مِنْ دُهَاةِ الْعَرَبِ . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَوْلَا أَنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { الْمَكْرُ وَالْخَدِيعَةُ فِي النَّارِ } لَكُنْت مِنْ أَمْكَرِ هَذِهِ الْأَمَةِ ، وَكَانَ قَيْسٌ مِنْ الْأَجْوَادِ وَهُوَ الَّذِي نَحَرَ لِجَيْشِ الْحَبَطِ تِسْعَ جَزَائِرَ حَتَّى نَهَاهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَزَادَ ابْنُ وَهْبٍ فِي الْقِصَّةِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ { لَمَّا ذَكَرَ فِعْلَ قَيْسٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إنَّ الْجُودَ مِنْ شِيمَةِ أَهْلِ ذَلِكَ الْبَيْتِ } ، وَبَاعَ مِنْ مُعَاوِيَةَ مَالًا بِتِسْعِينَ أَلْفًا فَأَجَازَ بِشَطْرِهَا وَأَقْرَضَ شَطْرَهَا بِصِكَاكٍ ، ثُمَّ أَرْسَلَ الصِّكَاكَ لِمَنْ هِيَ عَلَيْهِ فِي مِرْضَةٍ مَرِضَهَا ، وَكَانَ قَيْسٌ وَأَبُوهُ وَجَدُّهُ وَجَدُّ أَبِيهِ مِنْ الْأَجْوَادِ الْمُطْعِمِينَ ، تُوُفِّيَ قَيْسٌ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ سِتِّينَ ، وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ كَذَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَذَكَرَ أَبُو الشَّيْخِ فِي تَارِيخِهِ أَنَّهُ تُوُفِّيَ بِفِلَسْطِينَ سَنَةَ خَمْسٍ وَثَمَانِينَ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ فَهُوَ قَوْلُ الْهَيْثَمِ وَخَلِيفَةَ وَالْوَاقِدِيِّ وَغَيْرِهِمْ ، لَهُ ذِكْرٌ فِي الْأَطْعِمَةِ . ( كَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ الْمَدَنِيُّ نَزِيلُ مِصْرَ ) رَوَى عَنْ نَافِعٍ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِمَا ، رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَغَيْرُهُمْ ، وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ . ( اللَّيْثُ بْنُ سَعْدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْفَهْمِيُّ مَوْلَاهُمْ الْمِصْرِيُّ الْإِمَامُ ) عَالِمُ أَهْلِ مِصْرَ ، يُكَنَّى أَبَا الْحَارِثِ ، رَوَى عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ وَنَافِعٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَخَلَائِقَ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ شُعَيْبٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَابْنُ وَهْبٍ وَالْقَعْنَبِيُّ وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْر وَقُتَيْبَةُ وَأُمَمٌ لَا يُحْصَوْنَ ، وُلِدَ بِقَلْقَشَنْدَةَ مِنْ قُرَى مِصْرَ ، قَالَ أَحْمَدُ : ثِقَةٌ ثَبْتٌ أَصَحُّ النَّاسِ حَدِيثًا ، عَنْ الْمَقْبُرِيِّ مَا فِي الْمِصْرِيِّينَ أَثْبَتُ مِنْهُ . وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ ثَبْتٌ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْر : مَا رَأَيْت أَكْمَلَ مِنْهُ كَانَ فَقِيهَ الْبَدَنِ عَرَبِيَّ اللِّسَانِ يُحْسِنُ الْقُرْآنَ وَالنَّحْوَ ، وَيَحْفَظُ الشِّعْرَ وَالْحَدِيثَ حَسَنَ الْمُذَاكَرَةِ لَمْ أَرَ مِثْلَهُ ، وَقَالَ أَيْضًا : هُوَ أَفْقَهُ مِنْ مَالِكٍ لَكِنْ الْحُظْوَةُ لِمَالِكٍ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : لَوْلَا مَالِكٌ وَاللَّيْثُ لَهَلَكْت ، وَقَالَ ابْنُهُ شُعَيْبٌ حَجَجْت مَعَ أَبِي فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ فَبَعَثَ إلَيْهِ مَالِكٌ بِطَبَقِ رُطَبٍ ، فَجَعَلَ عَلَى الطَّبَقِ أَلْفَ دِينَارٍ وَرَدَّهُ إلَيْهِ وَكَانَ أَبِي يَشْتَغِلُ فِي السَّنَةِ مَا بَيْنَ عِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ إلَى خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ أَلْفَ دِينَارٍ تَأْتِي عَلَيْهِ السَّنَةُ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ رُمْحٍ : كَانَ دَخْلُهُ ثَمَانِينَ أَلْفَ دِينَارٍ مَا وَجَبْت زَكَاةٌ ، وَسَأَلَهُ أَبُو جَعْفَرٍ أَنْ يَلِيَ لَهُ مِصْرَ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنِّي أَضْعَفُ عَنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنِّي مِنْ الْمَوَالِي قَالَ : مَا بِك ضَعْفٌ مَعِي وَلَكِنْ ضَعُفَتْ نِيَّتُك عَنْ ذَلِكَ قَالَ : فَدُلَّنِي عَلَى مَنْ أُقَلِّدُهُ مِصْرَ قُلْت عُثْمَانُ بْنُ الْحَكَمِ الْجُذَامِيُّ رَجُلٌ صَالِحٌ وَلَهُ عَشِيرَةٌ ، قَالَ فَبَلَغَهُ ذَلِكَ فَعَاهَدَ اللَّهَ أَنْ لَا يُكَلِّمَ اللَّيْثَ قَالَ يَحْيَى بْنُ بُكَيْر وُلِدَ اللَّيْثُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ ، وَتُوُفِّيَ نِصْفَ شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ . مَالِكُ بْنُ أَنَسِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَبِي عَامِرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ جَثِيلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ ذِي أَصْبَحَ الْأَصْبَحِيُّ الْحِمْيَرِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ ) حَلِيفُ عُثْمَانَ أَخِي طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ التَّيْمِيِّ إمَامُ دَارِ الْهِجْرَةِ وَأَحَدُ أَعْلَامِ الْإِسْلَامِ ، رَوَى عَنْ نَافِعٍ وَسَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَخَلْقٍ كَثِيرٍ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالسُّفْيَانَانِ وَشُعْبَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَالْقَعْنَبِيُّ وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْر وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَخَلَائِقُ آخِرُهُمْ مَوْتًا أَبُو حُذَافَةَ السَّهْمِيُّ ، وَقِيلَ آخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ زَكَرِيَّا بْنُ دُوَيْدٍ ، وَلَكِنَّهُ ضَعِيفٌ ، كَانَ ابْنُ مَهْدِيٍّ لَا يُقَدِّمُ عَلَى مَالِكٍ أَحَدًا . وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ : مَا فِي الْقَوْمِ أَصَحُّ حَدِيثًا مِنْ مَالِكٍ ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : كُلُّ مَنْ رَوَى عَنْهُ مَالِكٌ فَهُوَ ثِقَةٌ إلَّا عَبْدَ الْكَرِيمِ أَبَا أُمَيَّةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا جَاءَ الْأَثَرُ فَمَالِكٌ النَّجْمُ ، وَقَالَ أَيْضًا : مَالِكٌ حُجَّةُ اللَّهِ عَلَى خَلْقِهِ وَقَالَ أَيْضًا : لَوْلَا مَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ لَذَهَبَ عِلْمُ الْحِجَازِ . وَقَالَ أَحْمَدُ : مَالِكٌ أَثْبَتُ فِي كُلِّ شَيْءٍ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ قَالَ { يُوشِكُ أَنْ يَضْرِبَ النَّاسُ أَكْبَادَ الْإِبِلِ يَطْلُبُونَ الْعِلْمَ فَلَا يَجِدُونَ أَحَدًا أَعْلَمَ مِنْ عَالِمِ الْمَدِينَةِ } حَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ وَهُوَ مَالِكٌ ، وُلِدَ مَالِكٌ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَتِسْعِينَ وَحَمَلَتْ بِهِ أُمُّهُ ثَلَاثَ سِنِينَ ، قَالَهُ مَعْنُ بْنُ عِيسَى وَالْوَاقِدِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَتُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَةٍ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ فَقِيلَ فِي رَابِعَ عَشَرَهُ وَقِيلَ ثَالِثَ عَشَرَهُ وَقِيلَ حَادِيَ عَشَرَهُ وَقِيلَ عَاشِرَهُ ، وَقَالَ مُصْعَبٌ مَاتَ فِي صَفَرٍ . --------------222222222222222222------------------------ اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ ( مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ بْنِ أَشْيَمَ اللَّيْثِيُّ ) قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقِيلَ مَالِكُ بْنُ الْحُوَيْرِثِ بْنِ حُشَيْشٍ وَبِهِ صَدَّرَ الْمِزِّيُّ كَلَامَهُ ، يُكَنَّى أَبَا سُلَيْمَانَ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى عَنْهُ أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيِّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَمَةَ الْجَرْمِيِّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ سَكَنَ الْبَصْرَةَ وَمَاتَ بِهَا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ كَذَا رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ الِاسْتِيعَابِ وَتِسْعِينَ بِتَقْدِيمِ التَّاءِ ، وَهُوَ بَعِيدٌ ؛ لِأَنَّ أَنَسًا مَاتَ قَبْلَ هَذَا ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ مَاتَ بِالْبَصْرَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ كَمَا قَالَهُ عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَعَمْرُو بْنُ عَلِيٍّ الْفَلَّاسُ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمْ . ( الْمُبَارَكُ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمَعْطُوشِ أَبُو طَاهِرٍ الْبَغْدَادِيُّ الْحَرِيمِيُّ الْعَطَّارُ ) رَوَى عَنْ أَبِي عَلِيٍّ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُهْتَدِي بِاَللَّهِ وَأَبِي الْغَنَائِمِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْمُهْتَدِي بِاَللَّهِ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُمَا وَعَنْ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُصَيْنِ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ الْمُبَارَكِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَنْمَاطِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ الْجَوْهَرِيِّ فِي آخَرِينَ . رَوَى عَنْهُ الضِّيَاءُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَقْدِسِيَّ وَالشَّرِيفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عُمَرَ بْنِ قُدَامَةَ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مَحْمُودِ بْنِ النَّجَّارِ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الدَّائِمِ بْنِ نِعْمَةَ وَعَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ الْحَرَّانِيِّ وَآخَرُونَ ، وَكَانَ ثِقَةً صَحِيحَ السَّمَاعِ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ سَبْعٍ وَخَمْسِمِائَةٍ ، وَتُوُفِّيَ فِي عَاشِرِ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ تِسْعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ بِبَغْدَادَ . ( مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ خَالِدِ بْنِ صَخْرٍ التَّيْمِيُّ الْمَدَنِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ ) رَوَى عَنْ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَنَسٍ وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ وَأَبِي سَلَمَةَ فِي آخَرِينَ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُوسَى وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَآخَرُونَ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : كَانَ فَقِيهًا مُحَدِّثًا ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَجَمَاعَةٌ وَقَالَ أَحْمَدُ : فِي حَدِيثِهِ شَيْءٌ ، يَرْوِي أَحَادِيثَ مُنْكَرَةً تُوُفِّيَ سَنَةَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَقِيلَ تِسْعَ عَشْرَةَ . ( مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ شَافِعِ بْنِ السَّائِبِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ هَاشِمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ) الْإِمَامُ الْعَالِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمُطَّلِبِيُّ الشَّافِعِيُّ رَوَى عَنْ مَالِكٍ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ الزُّهْرِيِّ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ الدَّرَاوَرْدِيِّ وَخَلْقٍ . رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ أَبُو بَكْرٍ الْحُمَيْدِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو يَعْقُوبَ الْبُوَيْطِيُّ وَأَبُو إبْرَاهِيمَ الْمُزَنِيّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ ، وُلِدَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَمِائَةٍ قِيلَ بِغَزَّةَ وَقِيلَ بِعَسْقَلَانَ وَقِيلَ بِالْيَمَنِ وَقِيلَ بِمِنًى ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَحُمِلَ إلَى مَكَّةَ وَلَهُ سَنَتَانِ وَقِيلَ : عَشْرُ سِنِينَ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَطَلَبَ الْعِلْمَ بِالْحَرَمَيْنِ وَالْعِرَاقِ . وَرَوَيْنَا عَنْ الشَّافِعِيِّ قَالَ : حَفِظْت الْقُرْآنَ وَأَنَا ابْنُ سَبْعِ سِنِينَ ، وَحَفِظْت الْمُوَطَّأَ وَأَنَا ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ ، وَأَفْتَى وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً . قَالَ أَبُو ثَوْرٍ كَتَبَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ إلَى الشَّافِعِيِّ أَنْ يَضَعَ لَهُ كِتَابًا فِيهِ مَعَانِي الْقُرْآنِ ، وَيَجْمَعَ فُنُونَ الْقُرْآنِ فِيهِ وَحُجَّةَ الْإِجْمَاعِ وَبَيَانَ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ فَعَمِلَ لَهُ كِتَابَ الرِّسَالَةِ ، قَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ : مَا أُصَلِّي صَلَاةً إلَّا وَأَنَا أَدْعُو فِيهَا لِلشَّافِعِيِّ . وَقَالَ أَحْمَدُ : مَا بِتُّ مُنْذُ ثَلَاثِينَ سَنَةً إلَّا وَأَنَا أَدْعُو لِلشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ ابْنُهُ صَالِحٌ : مَشَى أَبِي مَعَ بَغْلَةِ الشَّافِعِيِّ فَبَعَثَ إلَيْهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مَا رَضِيت إلَّا أَنْ تَمْشِيَ مَعَ بَغْلَةِ الشَّافِعِيِّ ؟ فَقَالَ : يَا أَبَا زَكَرِيَّا لَوْ مَشَيْت مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ كَانَ أَنْفَعَ لَك ، وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ : حَدَّثَنَا سَيِّدُ الْفُقَهَاءِ الشَّافِعِيُّ . وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ رَأَى مِثْلَ الشَّافِعِيِّ فِي عِلْمِهِ وَفَصَاحَتِهِ وَمَعْرِفَتِهِ وَثَبَاتِهِ وَتَمَكُّنِهِ فَقَدْ كَذَبَ ، كَانَ مُنْقَطِعَ الْقَرِينِ فِي حَيَاتِهِ ، وَرَوَيْنَا فِي مُسْنَدِ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَسُبُّوا قُرَيْشًا فَإِنَّ عَالِمَهَا يَمْلَأُ الْأَرْضَ عِلْمًا } . وَرَوَيْنَا فِي تَارِيخِ الْخَطِيبِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ ، ثُمَّ قَالَ أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ وَهُوَ أَبُو نُعَيْمٍ الإستراباذي : فِي هَذِهِ عَلَامَةٌ لِلْمِيزَانِ ، الْمُرَادُ بِذَلِكَ رَجُلٌ مِنْ عُلَمَاءِ هَذِهِ الْأَمَةِ مِنْ قُرَيْشٍ ، قَدْ ظَهَرَ عِلْمُهُ وَانْتَشَرَ فِي الْبِلَادِ قَالَ : وَهَذِهِ صِفَةٌ لَا نَعْلَمُهَا قَدْ أَحَاطَتْ إلَّا بِالشَّافِعِيِّ . وَرَوَيْنَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إنَّ اللَّهَ يَبْعَثُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ مَنْ يُجَدِّدُ لَهَا دِينَهَا } . وَرَوَيْنَا فِي كِتَابِ الْمَدْخَلِ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ إذَا سُئِلْتُ عَنْ مَسْأَلَةٍ لَا أَعْرِفُ فِيهَا خَبَرًا قُلْت فِيهَا يَقُولُ الشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ إمَامٌ عَالِمٌ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { عَالَمُ قُرَيْشٍ يَمْلَأُ الْأَرْضَ عِلْمًا } قَالَ : وَذُكِرَ فِي الْخَبَرِ { أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقَيِّضُ فِي رَأْسِ كُلِّ مِائَةِ سَنَةٍ رَجُلًا يُعَلِّمُ النَّاسَ دِينَهُمْ } ، وَرَوَى أَحْمَدُ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ : فَكَانَ فِي الْمِائَةِ الْأُولَى عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَفِي الْمِائَةِ الثَّانِيَةِ الشَّافِعِيُّ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ : مَاتَ الشَّافِعِيُّ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى . ( مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ أَبُو بَكْرٍ السُّلَمِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ الْحَافِظُ الْمُلَقَّبُ بِإِمَامِ الْأَئِمَّةِ مُصَنَّفُ الصَّحِيحِ ) رَوَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ وَعَلِيِّ بْنِ حُجْرٌ وَمُحَمَّدِ بْنِ بَشَّارٍ بُنْدَارٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُثَنَّى الزَّمِنِ وَمُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ سِيَارٍ الْمَرْوَزِيِّ وَخَلَائِقَ ، رَوَى عَنْهُ أَبُو حَاتِمٍ مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ الْبُسْتِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ الطَّبَرَانِيُّ وَأَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَدِيٍّ الْجُرْجَانِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَاسَرْجِسِيُّ وَالْفَقِيهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ إسْمَاعِيلَ الشَّاشِيُّ الْقَفَّالُ الْكَبِيرُ ، وَالزَّاهِدُ أَبُو الْقَاسِمِ إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ النَّصْرَآبَاذِيُّ وَأَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ عَمْرَوَيْهِ الْجُلُودِيُّ وَأَبُو سَهْلٍ مُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الصُّعْلُوكِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ جَعْفَرٌ الْبُحَيْرِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُلَقَّبُ حُسَيْنُكَ وَأَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحُسَيْنِ الْغِطْرِيفِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ بِشْرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَاسِينَ الْبَاهِلِيُّ وَأَبُو سَعِيدٍ مُحَمَّدُ بْنُ بِشْرٍ الْكَرَابِيسِيُّ ، وَالْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَاكِمُ وَأَبُو نَصْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مَرْوَانَ الضَّبِّيُّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الصُّنْدُوقِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ مِهْرَانَ الْأَصْبَهَانِيُّ الْمُقْرِئُ وَحَفِيدُهُ أَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ، وَهُوَ مِنْ آخِرِ مَنْ عَلِمْته حَدَّثَ عَنْهُ وَتَفَقَّهَ عَلَى الرَّبِيعِ وَالْمُزَنِيِّ وَصَارَ إمَامَ أَهْلِ زَمَانِهِ بِخُرَاسَانَ . قَالَ الرَّبِيعُ : اسْتَفَدْنَا مِنْ ابْنِ خُزَيْمَةَ أَكْثَرَ مِمَّا اسْتَفَادَ مِنَّا ، وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ : لَمْ أَرَ مِثْلَهُ وَقَالَ أَيْضًا كَانَ ابْنُ خُزَيْمَةَ يَحْفَظُ الْفِقْهِيَّاتِ مِنْ حَدِيثِهِ كَمَا يَحْفَظُ الْقَارِئُ السُّورَةَ . وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ لَمْ نَرَ مِثْلَهُ فِي حِفْظِ الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنِ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : كَانَ إمَامًا مَعْدُومَ النَّظِيرِ وَقَالَ أَبُو زَكَرِيَّا الْعَنْبَرِيُّ : سَمِعْت ابْنَ خُزَيْمَةَ يَقُولُ لَيْسَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلٌ إذَا صَحَّ الْخَبَرُ عَنْهُ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَتُوُفِّيَ فِي ثَانِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ إحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ لَهُ ذِكْرٌ فِي الصَّلَاةِ . ( مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَنْدَهْ الْعَبْدِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْأَصْبَهَانِيُّ ) أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ رَوَى عَنْ أَبِي عَلِيٍّ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْبَصْرِيِّ وَأَبِي سَعِيدٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَأَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْأَصَمِّ وَالْهَيْثَمِ بْنِ كُلَيْبٍ الشَّاشِيِّ وَأَبِي حَامِدٍ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ بِلَابٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانِ وَخَيْثَمَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَعْقُوبَ وَعُمَرَ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ التُّونِيُّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الرَّازِيّ وَخَلَائِقَ . وَعِدَّةُ شُيُوخِهِ أَلْفٌ وَسَبْعُمِائَةِ شَيْخٍ رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ وَأَبُو مُظَفَّرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَبِيبٍ خَطِيبُ أَصْبَهَانَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ بُنْدَارٍ الْعِجْلِىُّ وَالْمُطَهَّرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمِيزَانِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْفَضْلِ الْبَاطِرْقَانِيُّ وَعَائِشَةُ بِنْتُ الْحَسَنِ الْوَرْكَانِيَّةُ وَآخَرُونَ طَوَّفَ ابْنُ مَنْدَهْ الدُّنْيَا وَبَقِيَ فِي الرِّحْلَةِ بِضْعًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً ، وَجَمَعَ وَكَتَبَ مَا لَا يَنْحَصِرُ ، وَأَوَّلُ سَمَاعِهِ بِبَلَدِهِ فِي سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ بْنُ حَمْزَةَ الْحَافِظُ : مَا رَأَيْت مِثْلَهُ . وَقَالَ الْبَاطِرْقَانِيُّ : ابْنُ مَنْدَهْ إمَامُ الْأَئِمَّةِ فِي الْحَدِيثِ ، وَكَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي نُعَيْمٍ وَحْشَةٌ ، فَتَكَلَّمَ كُلٌّ مِنْهُمَا فِي الْآخَرِ فَلَمْ يُلْتَفَتْ إلَى كَلَامِهِمَا لِمَا يَكُونُ بَيْنَ الْأَقْرَانِ ، وَلَمَّا ذَكَرَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي التَّارِيخِ قَالَ : هُوَ حَافِظٌ مِنْ أَوْلَادِ الْمُحَدِّثِينَ اخْتَلَطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ فَحَدَّثَ عَنْ أَبِي أُسَيْدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَخِي أَبِي زُرْعَةَ وَابْنُ الْجَارُودِ بَعْدَ أَنْ سَمِعَ مِنْهُ أَنَّ لَهُ عَنْهُمْ إجَازَةً ، وَتَخَبَّطَ فِي أَمَالِيِّهِ وَنَسَبَ إلَى جَمَاعَةٍ أَقْوَالًا فِي الْمُعْتَقَدَاتِ لَمْ يُعْرَفُوا بِهَا . قَالَ الذَّهَبِيُّ الْبَلَاءُ الَّذِي بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ هُوَ الِاعْتِقَادُ ، وَقَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ الْأَنْصَارِيُّ ابْنُ مَنْدَهْ سَيِّدُ أَهْلِ زَمَانِهِ ، وَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ ابْنُ مَنْدَهْ : كَتَبْت عَنْ أَبِي عَنْ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَلْفَ جُزْءٍ وَعَنْ خَيْثَمَةَ أَلْفَ جُزْءٍ ، وَعَنْ الْأَصَمِّ أَلْفَ جُزْءٍ وَعَنْ الْهَيْثَمِ الشَّاشِيِّ أَلْفَ جُزْءٍ ، وَمَوْلِدُهُ سَنَةَ عَشْرٍ أَوْ إحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ . ( مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ الْقُرَشِيُّ الْمُطَّلِبِيُّ مَوْلَاهُمْ الْمَدَنِيُّ يُكَنَّى أَبَا بَكْرٍ وَقِيلَ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ صَاحِبُ السِّيرَةِ وَصَاحِبُ الْمَغَازِي ، وَقَدْ رَأَى أَنَسًا وَرَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَسَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ وَنَافِعٍ وَخَلْقٍ ، رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ وَالْحَمَّادَانِ وَالسُّفْيَانَانِ وَزِيَادٌ الْبُكَائِيُّ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَخَلَائِقُ ، سُئِلَ الزُّهْرِيُّ عَنْ مَغَازِيهِ فَقَالَ هَذَا أَعْلَمُ النَّاسِ بِهَا ، وَأَشَارَ إلَى ابْنِ إِسْحَاقَ . وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ مَدَارُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سِتَّةٍ ، ثُمَّ صَارَ عِلْمُ السِّتَّةِ عِنْدَ اثْنَيْ عَشَرَ أَحَدُهُمْ ابْنُ إِسْحَاقَ وَسُئِلَ عَنْهُ أَحْمَدُ فَقَالَ حَسَنُ الْحَدِيثِ ، ثُمَّ قَالَ قَالَ مَالِكٌ : هُوَ دَجَّالٌ مِنْ الدَّجَاجِلَةِ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الدِّمَشْقِيُّ : ذَاكَرْت دُحَيْمًا مَوْلَى مَالِكٍ فَرَأَى أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ لِلْحَدِيثِ ، إنَّمَا هُوَ ؛ لِأَنَّهُ اتَّهَمَهُ بِالْقَدَرِ . وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ سَأَلْت ابْنَ الْمَدِينِيِّ عَنْ كَلَامِ مَالِكٍ فِيهِ فَقَالَ مَالِكٌ : لَمْ يُجَالِسْهُ وَلَمْ يَعْرِفْهُ وَأَيُّ شَيْءٍ حَدَّثَ ابْنُ إِسْحَاقَ بِالْمَدِينَةِ ، قُلْت لَهُ كَيْفَ حَدِيثُهُ عِنْدَك قَالَ صَحِيحٌ . وَكَذَا قَالَ الْبُخَارِيُّ : رَأَيْت ابْنَ الْمَدِينِيِّ يَحْتَجُّ بِهِ . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ جَالَسْته مُنْذُ بِضْعٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً ، وَمَا يَتَّهِمُهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَا يَقُولُ فِيهِ شَيْئًا . وَقَالَ شُعْبَةُ بْنُ إِسْحَاقَ أَمِيرُ الْمُحَدِّثِينَ لِحِفْظِهِ ، وَوَثَّقَهُ أَيْضًا الْعِجْلِيّ وَمُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ وَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ لِتَدْلِيسِهِ ، وَلِكَوْنِهِ اُتُّهِمَ بِالْقَدَرِ قَالَ ابْنُ نُمَيْرٍ كَانَ يُرْمَى بِالْقَدَرِ ، وَكَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ ، وَإِذَا حَدَّثَ عَمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ مِنْ الْمَعْرُوفِينَ فَهُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ صَدُوقٌ ، وَإِنَّمَا أُتِيَ مِنْ أَنَّهُ يُحَدِّثُ عَنْ الْمَجْهُولِينَ أَحَادِيثَ بَاطِلَةً . وَقَالَ النَّسَائِيّ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : لَا بَأْسَ بِهِ تُوُفِّيَ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَقِيلَ اثْنَتَيْنِ وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ ، لَهُ ذِكْرٌ فِي الِاعْتِكَافِ . ( مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَالِمِ بْنِ رِكَابٍ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْفِدَاءِ بْنِ الْخَبَّازِ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ الْعَبَّادِيُّ الدِّمَشْقِيُّ مِنْ وَلَدِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ) رَوَى عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الدَّائِمِ بْنِ نِعْمَةَ حُضُورًا وَعَنْ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَعَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ الْخَضِرِ بْنِ شِبْلٍ الْحَارِثِيِّ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الْيُسْرِ التَّنُوخِيِّ وَيَحْيَى بْنِ النَّاصِحِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَجْمٍ الْحَنْبَلِيِّ وَالْعَلَّامَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ الطَّائِيِّ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُمْ بِالسَّمَاعِ وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ أَبِي عَصْرُونٍ وَمُؤَمَّلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَالِسِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْخَيْرِ الْحَدَّادِ وَأَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنِ أَبِي مَنْصُورِ بْنِ الصَّيْرَفِيِّ وَالْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْقَاسِمِ الْإِرْبِلِيِّ وَالْكَمَالِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَقْدِسِيَّ وَالْحَافِظِ أَبِي حَامِدٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ الصَّابُونِيِّ وَالْمُسْلِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْلِمِ بْنِ مَكِّيٍّ الْقَيْسِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ يُونُسَ الْمِزِّيِّ وَإِبْرَاهِيمَ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ الدَّرَجِيِّ وَالْمِقْدَادِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ الْقَيْسِيِّ وَأَبِي الْفَرَجِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُمَرَ الْمَقْدِسِيَّ وَعُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي سَعْدِ بْنِ أَبِي عَصْرُونٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْقَوَّاسِ وَالرَّشِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَامِرِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ الْأَنْمَاطِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ شَيْبَانُ بْنِ تَغْلِبَ الشَّيْبَانِيِّ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَارِسٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْكَمَالِ وَالْفَخْرِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ النَّجَّارِيِّ فِي خَلَائِقَ تَجْمَعُهُمْ مَشْيَخَتُهُ الَّتِي ، أَخْرَجَهَا لَهُ الْبِرْزَالِيُّ ، رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ وَالْحُفَّاظُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْزَالِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الذَّهَبِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْكَافِي السُّبْكِيُّ وَأَبُو سَعِيدٍ خَلِيلُ بْنُ كيكلدي الْعَلَائِيُّ وَأَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ السَّلَامِيُّ وَالشَّرِيفُ أَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ الْحُسَيْنِيُّ وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ . وَكَانَ رَحِمَهُ اللَّهُ ثِقَةً صَحِيحَ السَّمَاعِ سَهْلًا فِي التَّسْمِيعِ رَاغِبًا فِي الْخَيْرِ قَرَأْت عَلَيْهِ صَحِيحَ مُسْلِمٍ فِي سِتَّةِ مَجَالِسَ مُتَوَالِيَةٍ ، وَقَرَأْت عَلَيْهِ مُسْنَدَ أَحْمَدَ مُتَوَالِيًا فِي مُدَّةٍ يَسِيرَةٍ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ ، وَتُوُفِّيَ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ عَنْ تِسْعِينَ سَنَةً ، وَكَانَ قَدْ انْفَرَدَ بِكَثِيرٍ مِنْ الشُّيُوخِ وَالْأَجْزَاءِ وَانْقَطَعَتْ بِمَوْتِهِ كُتُبٌ وَأَجْزَاءُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى . ( مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ بردزبه وَقِيلَ بذدذبه وَقِيلَ ابْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْأَحْنَفِ الْجُعْفِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبُخَارِيُّ ) الْحَافِظُ الْعَلَمُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ مُؤَلِّفُ الصَّحِيحِ وَالتَّارِيخِ وَغَيْرِ ذَلِكَ ، كَتَبَ بِخُرَاسَانَ وَالْجِبَالِ وَالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ فَرَوَى عَنْ مَكِّيِّ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَأَبِي عَاصِمٍ الضَّحَّاكِ بْنِ مَخْلَدٍ النَّبِيلِ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ وَخَلَائِقَ مِنْ هَذِهِ الطَّبَقَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ حَتَّى كَتَبَ عَنْ أَقْرَانِهِ وَعَنْ أَصْغَرَ مِنْهُ حَتَّى زَادَ عَدَدُ شُيُوخِهِ عَلَى الْأَلْفِ . وَرَوَى عَنْهُ مُسْلِمٌ خَارِجَ الصَّحِيحِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ صَاعِدٍ وَأَبُو حَامِدِ بْنِ الشَّرْقِيِّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ الْفَرَبْرِيُّ وَمَنْصُورُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَزْدَوِيُّ وَهُوَ آخِرُ مَنْ رَوَى الصَّحِيحَ عَنْهُ وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ وَآخِرُ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُ سَمِعَ مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ فَارِسٍ الْبَلْخِيّ ، وُلِدَ الْبُخَارِيُّ فِي ثَالِثَ عَشَرَ شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ ، وَأُلْهِمَ حِفْظَ الْحَدِيثِ فِي الْكُتَّابِ ، وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ وَحَضَرَ عِنْدَ الدَّاخِلِيِّ وَهُوَ ابْنُ إحْدَى عَشْرَةَ فَقَالَ سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ فَقَالَ لَهُ الْبُخَارِيُّ إنَّ أَبَا الزُّبَيْرِ لَمْ يَرْوِ عَنْ إبْرَاهِيمَ فَقَالَ : كَيْفَ هُوَ يَا غُلَامُ ؟ قَالَ هُوَ الزُّبَيْرُ بْنُ عَدِيٍّ فَأَخَذَ الْقَلَمَ ، وَأَصْلَحَ كِتَابَهُ وَحَفِظَ كُتُبَ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَوَكِيعٍ وَهُوَ ابْنُ سِتَّ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَخَرَجَ مَعَ أُمِّهِ وَأَخِيهِ أَحْمَدَ إلَى مَكَّةَ وَتَخَلَّفَ بِهَا يَطْلُبُ ، وَصَنَّفَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَ عَشَرَةَ سَنَةً التَّارِيخَ عِنْدَ قَبْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ ابْنُ عُقْدَةَ : لَوْ كَتَبَ الرَّجُلُ ثَلَاثِينَ أَلْفًا مَا اسْتَغْنَى عَنْ تَارِيخِ الْبُخَارِيِّ وَشَرَعَ فِي جَمْعِ الصَّحِيحِ فِي أَيَّامِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَقَالَ أَخْرَجْته مِنْ زُهَاءِ سِتِّمِائَةِ أَلْفِ حَدِيثٍ ، وَمَا أَدْخَلْت فِيهِ إلَّا مَا صَحَّ وَتَرَكْت مِنْ الصِّحَاحِ لِحَالِ الطُّولِ ، وَرَوَى الْفَرَبْرِيُّ عَنْهُ مَا وَضَعْت فِي الصَّحِيحِ حَدِيثًا إلَّا اغْتَسَلْت قَبْلَ ذَلِكَ وَصَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ . وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي لِكُلِّ تَرْجَمَةٍ مِنْ تَرَاجِمِ التَّارِيخِ رَكْعَتَيْنِ ، قَالَ أَحْمَدُ : مَا أَخْرَجَتْ خُرَاسَانُ مِثْلَهُ وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : مَا رَأَى مِثْلَ نَفْسِهِ وَقَالَ يَعْقُوبُ الدَّوْرَقِيُّ وَنُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ : هُوَ فَقِيهُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَلَمَّا دَخَلَ الْبُخَارِيُّ الْبَصْرَةَ قَالَ بُنْدَارٌ دَخَلَ الْيَوْمَ سَيِّدُ الْفُقَهَاءِ . وَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ : لَوْ أَدْرَكْت مَالِكًا وَنَظَرْت إلَيْهِ وَإِلَى مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ لَقُلْت كِلَاهُمَا وَاحِدٌ فِي الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : هُوَ أَعْلَمُ مَنْ دَخَلَ الْعِرَاقَ وَقِصَّتُهُ مَعَ أَهْلِ بَغْدَادَ مَشْهُورَةٌ فِي أَنَّهُمْ قَلَبُوا عَلَيْهِ مِائَةَ حَدِيثٍ حِينَ قَدِمَ عَلَيْهِمْ فَرَدَّ كُلَّ إسْنَادٍ إلَى مَتْنِهِ ذَكَرَهَا ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ عِدَّةٍ مِنْ الْمَشَايِخِ ، وَكَانَ لَهُ بِبَغْدَادَ ثَلَاثَةُ مُسْتَمْلِينَ وَاجْتَمَعَ فِي مَجْلِسِهِ أَكْثَرُ مِنْ عِشْرِينَ أَلْفًا ، وَحَدَثَتْ لَهُ مِحْنَةٌ مَعَ خَالِدِ بْنِ أَحْمَدَ الذُّهْلِيِّ وَالِي بُخَارَى فَنَفَاهُ مِنْ الْبَلَدِ ، فَجَاءَ إلَى خرتنك قَرْيَةٍ مِنْ قُرَى سَمَرْقَنْدَ فَنَزَلَ عَلَى أَقَارِبَ لَهُ بِهَا فَقَالَ عَبْدُ الْقُدُّوسِ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ السَّمَرْقَنْدِيُّ : سَمِعْته لَيْلَةً وَقَدْ فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ يَدْعُو يَقُولُ اللَّهُمَّ إنَّهُ قَدْ ضَاقَتْ عَلَيَّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ فَاقْبِضْنِي إلَيْك فَمَا تَمَّ الشَّهْرُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَتُوُفِّيَ لَيْلَةَ عِيدِ الْفِطْرِ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ . . ( مُحَمَّدُ بْنُ بَشَّارِ بْنِ عُثْمَانَ بْنِ دَاوُد بْنِ كَيْسَانَ الْعَبْدِيُّ مَوْلَاهُمْ الْبَصْرِيُّ أَبُو بَكْرٍ بُنْدَارٌ ) أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْأَعْلَامِ ، رَوَى عَنْ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَعْفَرٍ غُنْدَرٍ وَمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ وَطَبَقَتِهِمْ فَأَكْثَرَ ، رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ وَابْنُ أَبِي الدُّنْيَا وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ صَاعِدٍ وَخَلْقٌ . قَالَ أَبُو دَاوُد كَتَبْت عَنْهُ نَحْوًا مِنْ خَمْسِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ ، وَقَالَ الْعِجْلِيّ ثِقَةٌ كَثِيرُ الْحَدِيثِ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ صَدُوقٌ ، وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيَارٍ ثِقَةٌ لَكِنَّهُ يَقْرَأُ مِنْ كُلِّ كِتَابٍ قَالَ الْخَطِيبُ وَإِنْ كَانَ يَقْرَأُ مِنْ كُلِّ كِتَابٍ فَإِنَّهُ كَانَ يَحْفَظُ حَدِيثَهُ ، وَقَدْ ضَعَّفَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ الْقَوَارِيرِيُّ قَالَ الذَّهَبِيُّ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ بَعْدُ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِهِ مَاتَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ سَبْعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ . ( مُحَمَّدُ بْنُ حِبَّانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حِبَّانَ بْنِ مُعَاذٍ أَبُو حَاتِمٍ التَّمِيمِيُّ الْبُسْتِيُّ ) أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْأَعْلَامِ ، رَوَى عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحْمَدَ بْنِ شُعَيْبٍ النَّسَائِيّ وَأَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصُّوفِيِّ وَأَبِي يَعْلَى أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْمُثَنَّى الْمَوْصِلِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ النَّسَوِيُّ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ وَأَبِي خَلِيفَةَ الْفَضْلِ بْنِ الْحُبَابِ الْجُمَحِيِّ وَعُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ بُجَيْرٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلْمٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ قُتَيْبَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجُنَيْدِ وَجَعْفَرِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ الْقَطَّانِ وَخَلَائِقَ . رَوَى عَنْهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ هَارُونَ الزَّوْزَنِيُّ رَاوِي صَحِيحِهِ عَنْهُ وَآخَرُونَ وَصَنَّفَ كُتُبًا حَسَنَةً ( مِنْهَا ) صَحِيحُهُ الْمُسَمَّى بِالتَّقَاسِيمِ وَالْأَنْوَاعِ وَتَارِيخِ الثِّقَاتِ وَتَارِيخِ الضُّعَفَاءِ وَكِتَابِ وَصْفِ الصَّلَاةِ بِالسُّنَّةِ ، فَهَذَا مَا وَصَلَ إلَيْنَا مِنْ تَصَانِيفِهِ ، وَقَدْ عَقَدَ الْخَطِيبُ فَصْلًا فِي كِتَابِ الْجَامِعِ سَمَّى فِيهِ تَصَانِيفَهُ ، وَهِيَ كَثِيرَةٌ نَفِيسَةٌ وَسَمِعَ بِالْحِجَازِ وَالشَّامِ وَمِصْرَ وَالْعِرَاقِ وَالْجَزِيرَةِ وَخُرَاسَانَ وَغَيْرِهَا ، خَرَّجْت لَهُ مِنْ صَحِيحِهِ أَرْبَعِينَ حَدِيثًا بُلْدَانِيَّةً وَقَدْ وَلِيَ قَضَاءَ سَمَرْقَنْدَ مُدَّةً ، وَأَقَامَ بِنَيْسَابُورَ قَبْلَ الْأَرْبَعِينَ ، وَحَدَّثَ بِمُصَنَّفَاتِهِ وَكَانَ رَأْسًا فِي عِلْمِ الْحَدِيثِ عَالِمًا بِالْفِقْهِ وَالْكَلَامِ وَالطِّبِّ وَالنُّجُومِ . وَقَدْ اُمْتُحِنَ بِسَبَبِ الْكَلَامِ وَتَكَلَّمُوا فِيهِ وَأُمِرَ بِقَتْلِهِ ، ثُمَّ أُخْرِجَ إلَى سَمَرْقَنْدَ ذَكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي طَبَقَاتِ الْفُقَهَاءِ فَقَالَ غَلِطَ الْغَلَطَ الْفَاحِشَ فِي تَصَرُّفِهِ ، وَرَأَيْت لِلضِّيَاءِ الْمَقْدِسِيَّ جُزْءًا ذَكَرَ فِيهِ أَوْهَامَهُ فِي التَّقَاسِيمِ وَالْأَنْوَاعِ ، فَمِنْهَا قَوْلُهُ : إنَّ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ الَّذِي بَيْنَ كَتِفَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكْتُوبٌ عَلَيْهِ ( مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ ) وَغَيْرُ ذَلِكَ ، وَتُوُفِّيَ بِبُسْتَ فِي شَوَّالٍ مِنْ سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَهُوَ فِي عَشْرِ الثَّمَانِينَ . ( مُحَمَّدُ بْنُ حَازِمٍ أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ التَّمِيمِيُّ مَوْلَاهُمْ الْكُوفِيُّ ) أَحَدُ الْأَعْلَامِ قَالَ أَبُو دَاوُد عَمِيَ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعِ سِنِينَ وَقِيلَ ابْنُ ثَمَانٍ رَوَى عَنْ الْأَعْمَشِ وَعَاصِمٍ الْأَحْوَلِ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَخَلْقٍ ، رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ وَابْنُ مَعِينٍ وَخَلْقٌ . قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : أَثْبَتُهُمْ فِي الْأَعْمَشِ بَعْدَ سُفْيَانَ وَشُعْبَةَ أَبُو مُعَاوِيَةَ وَقَالَ أَحْمَدُ : وَكَانَ فِي غَيْرِ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ مُضْطَرِبًا لَا يَحْفَظُهَا جَيِّدًا . وَقَالَ الْعِجْلِيّ : ثِقَةٌ يَرَى الْأَرْجَاءَ وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ : كَانَ مِنْ الثِّقَاتِ وَرُبَّمَا دَلَّسَ وَكَانَ يَرَى الْأَرْجَاءَ ، مَاتَ سَنَةَ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ . ( مُحَمَّدُ بْنُ رِبْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ ) رَوَى عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَيَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ الْحَضْرَمِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ ، رَوَى عَنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ ثَابِتٍ الصَّيْدَلَانِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو سَهْلِ بْنُ زِيَادٍ الْقَطَّانُ وَدَعْلَجُ بْنُ أَحْمَدَ ، قَالَ الْخَطِيبُ : وَكَانَ ثِقَةً ، قَالَ عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ : مَاتَ فِي سَنَةِ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَمِائَتَيْنِ . ( مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ أَبُو بَكْرٍ الْبَصْرِيُّ مَوْلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ كَانَ أَبُوهُ مِنْ سَبْيِ عَيْنِ التَّمْرِ ) رَوَى عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَمَوْلَاهُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي آخَرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ . قَالَ هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ أَدْرَكَ ابْنُ سِيرِينَ ثَلَاثِينَ صَحَابِيًّا . رَوَى عَنْهُ ثَابِتٌ وَقَتَادَةُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَخَلَائِقُ قَالَ هِشَامٌ : هُوَ أَصْدَقُ مَنْ رَأَيْت مِنْ الْبَشَرِ . وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : كَانَ ثِقَةً مَأْمُونًا عَالِيًا رَفِيعًا فَقِيهًا إمَامًا كَثِيرَ الْعِلْمِ وَرِعًا ، وَقَالَ مُوَرَّقٌ الْعِجْلِيّ : مَا رَأَيْت رَجُلًا أَفْقَهَ فِي وَرِعِهِ وَلَا أَوْرَعَ فِي فِقْهِهِ مِنْهُ ، وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ : لَمْ أَرَ فِي الدُّنْيَا مِثْلَهُ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْمُزَنِيّ : مَا رَأَيْنَا مَنْ هُوَ أَوْرَعُ مِنْهُ وَقَالَ أَبُو عَوَانَةَ : رَأَيْته فِي السُّوقِ فَمَا رَآهُ أَحَدٌ فِي السُّوقِ إلَّا ذَكَرَ اللَّهَ ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ وَكَانَ آيَةً فِي التَّعْبِيرِ . وَرَأَى ابْنُ سِيرِينَ كَأَنَّ الْجَوْزَاءَ تَقَدَّمَتْ الثُّرَيَّا فَأَخَذَ فِي وَصِيَّتِهِ ، وَقَالَ يَمُوتُ الْحَسَنُ وَأَمُوتُ بَعْدَهُ هُوَ أَشْرَفُ مِنِّي فَكَانَ كَذَلِكَ مَاتَا فِي سَنَةِ عَشْرَةٍ وَمِائَةٍ ، مَاتَ الْحَسَنُ فِي أَوَّلِ رَجَبٍ وَمَاتَ ابْنُ سِيرِينَ فِي تَاسِعِ شَوَّالٍ . مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إبْرَاهِيمَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ الشَّافِعِيُّ صَاحِبُ الْفَوَائِدِ الْمَشْهُورَةِ ) رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ الْحَسَنِ الْحَرْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةً الْوَاسِطِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوْحٍ الْمَدَائِنِيِّ وَإِبْرَاهِيمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْكَعْنَبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ رِبْح الْبَزَّارِ وَبِشْرِ بْنِ مُوسَى الْأَسَدِيِّ وَمُوسَى بْنِ سَهْلٍ الْوَشَّاءِ وَجَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاكِرٍ الصَّائِغِ وَعَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدَوَيْهِ الْحَرَّازُ وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّرْسُ وَمُحَمَّدِ بْنِ شَدَّادٍ الْمِسْمَعِيِّ وَالْحَارِثِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ وَخَلْقٍ . رَوَى عَنْهُ الْحَاكِمُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ وَأَبُو طَاهِرٍ عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْمُؤَدِّبُ وَأَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ مُحَمَّدٍ الطَّحَّانُ قَالَ الْخَطِيبُ : كَانَ ثِقَةً ثَبْتًا حَسَنَ التَّصْنِيفِ جَمَعَ أَبْوَابًا وَشُيُوخًا قَالَ : وَلَمَّا مَنَعَتْ الدَّيْلَمُ النَّاسَ مِنْ ذِكْرِ فَضَائِلِ الصَّحَابَةِ ، وَكَتَبُوا السَّبَّ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسَاجِدِ كَانَ يَتَعَمَّدُ إمْلَاءَ أَحَادِيثِ الْفَضَائِلِ فِي الْجَامِعِ ، تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَلَهُ خَمْسٌ وَتِسْعُونَ سَنَةً . ( مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْدَوَيْهِ بْنِ الْبَيْعِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الضَّبِّيُّ النَّيْسَابُورِيُّ ) صَاحِبُ الْمُسْتَدْرَكِ عَلَى الصَّحِيحَيْنِ وَتَارِيخِ نَيْسَابُورَ وَكِتَابِ الْإِكْلِيلِ وَعُلُومِ الْحَدِيثِ وَالْمَدْخَلِ وَغَيْرِ ذَلِكَ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْأَعْلَامِ ، رَوَى عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ الْأَصَمِّ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ الْأَخْرَمِ وَأَبِي عَمْرٍو عُثْمَانَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ السَّمَّاكِ وَأَبِي الْوَلِيدِ حَسَّانَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَقِيهِ وَأَبِي عَلِيٍّ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ النَّيْسَابُورِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ أَحْمَدَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ أَيُّوبَ الضُّبَعِيِّ الْفَقِيهِ وَأَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ الْفَقِيهِ النَّيْسَابُورِيِّ وَخَلَائِقَ . رَوَى عَنْهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْبَيْهَقِيُّ وَأَبُو عُثْمَانَ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّابُونِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَحْمَدَ الْجِيرِيُّ وَأَبُو صَالِحٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمُؤَذِّنُ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمُزَكَّى وَمُحَمَّدُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ الصَّوَّامُ وَعُثْمَانُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ الْمَحْمِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّبَسِيُّ وَأَبُو الْمُظَفَّرِ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ النَّيْسَابُورِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ خَلَفٍ الشِّيرَازِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَكَانَ أَحَدَ الْحُفَّاظِ الْمُكْثِرِينَ لَمْ يَكُنْ فِي عَصْرِهِ أَحْسَنُ تَصْنِيفًا مِنْهُ ، وَلَكِنَّهُ نُسِبَ إلَى التَّشَيُّعِ وَإِلَى التَّسَاهُلِ فِي التَّصْحِيحِ . قَالَ الذَّهَبِيُّ : بَرَعَ فِي مَعْرِفَةِ الْحَدِيثِ وَفُنُونِهِ ، وَصَنَّفَ التَّصَانِيفَ الْكَثِيرَةَ ، وَانْتَهَتْ إلَيْهِ رِيَاسَةُ الْفَنِّ بِخُرَاسَانَ لَا ، بَلْ بِالدُّنْيَا وَكَانَ فِيهِ تَشَيُّعٌ وَحَطَّ عَلَى مُعَاوِيَةَ ، وَهُوَ ثِقَةٌ حُجَّةٌ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ سَأَلْت أَبَا إسْمَاعِيلَ عَبْدَ اللَّهِ الْأَنْصَارِيَّ عَنْهُ فَقَالَ : إمَامٌ فِي الْحَدِيثِ ، رَافِضِيٌّ خَبِيثٌ . قَالَ الذَّهَبِيُّ : اللَّهُ يُحِبُّ الْإِنْصَافَ مَا هُوَ بِرَافِضِيٍّ بَلْ شِيعِيٍّ فَقَطْ ، تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِمِائَةٍ وَلَهُ أَرْبَعٌ وَثَمَانُونَ سَنَةً بِنَيْسَابُورَ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ بِهَا فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ . ( مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ الْمَخْزُومِيُّ ) وَهُوَ أَخُو أَبِي بَكْرٍ ، رَوَى عَنْ عَائِشَةَ ، رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ ، لَهُ ذِكْرٌ فِي النِّكَاحِ . ( مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَاسْمُ أَبِي ذِئْبٍ ، هِشَامُ بْنُ شُعْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَيْسِ بْنِ عَبْدُودٍ الْقُرَشِيُّ الْعَامِرِيُّ الْمَدَنِيُّ يُكَنَّى أَبَا الْحَارِثِ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ ) رَوَى عَنْ خَالِهِ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْقُرَشِيِّ وَنَافِعٍ وَعِكْرِمَةَ وَابْنِ الْمُنْكَدِرِ فِي آخَرِينَ كَثِيرِينَ ، رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ وَمَعْمَرٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالْقَعْنَبِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ وَخَلْقٌ . قَالَ أَحْمَدُ : كَانَ أَشْبَهَ بِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قِيلَ لَهُ : خَلَّفَ مِثْلَهُ بِبِلَادِهِ ؟ قَالَ لَا وَلَا بِغَيْرِهَا ، كَانَ ثِقَةً صَدُوقًا أَفْضَلَ مِنْ مَالِكٍ إلَّا أَنَّ مَالِكًا أَشَدُّ تَنْقِيَةً لِلرِّجَالِ مِنْهُ ، وَسُئِلَ أَيْضًا مَنْ أَعْلَمُ ، مَالِكٌ أَوْ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ ، فَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ أَكْبَرُ مِنْ مَالِكٍ وَأَصْلَحُ وَأَوْرَعُ وَأَقْوَمُ بِالْحَقِّ مِنْ مَالِكٍ عِنْدَ السَّلَاطِينِ ، وَقَدْ دَخَلَ عَلَى أَبِي جَعْفَرٍ وَقَالَ لَهُ : الظُّلْمُ فَاشٍ بِبَابِكَ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ : شُيُوخُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ إلَّا أَبُو جَابِرٍ الْبَيَاضِيُّ . وَقَالَ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ ثِقَةٌ ، وَلَمَّا حَجَّ أَبُو جَعْفَرٍ دَعَا ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ بِدَارِ النَّدْوَةِ فَقَالَ لَهُ : مَا تَقُولُ فِي مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ، فَقَالَ : وَرَبِّ هَذِهِ الْبَنِيَّةِ إنَّكَ لَجَائِرٌ ، وَلَمَّا حَجَّ الْمَهْدِيُّ دَخَلَ مَسْجِدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ النَّاسُ إلَّا ابْنَ أَبِي ذِئْبٍ فَقَالَ لَهُ الْمُسَيِّبُ بْنُ زُهَيْرٍ : قُمْ هَذَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ : إنَّمَا يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ فَقَالَ الْمَهْدِيُّ : دَعْهُ فَلَقَدْ قَامَتْ كُلُّ شَعْرَةٍ فِي رَأْسِي ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَمَانِينَ . ( مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ اللَّيْثِيُّ الْمَدَنِيُّ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَقِيلَ أَبَا الْحَسَنِ ) رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ مَوْلَى الْحُرْقَةِ ، رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ وَمَالِكٌ وَالسُّفْيَانَانِ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَخَلْقٌ ، وَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ الْجُوزَجَانِيُّ : لَيْسَ بِقَوِيٍّ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ أَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، قِيلَ مَاتَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَقِيلَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ لَهُ ذِكْرٌ فِي الصَّلَاةِ . ( مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ بْنِ مُوسَى بْنِ الضَّحَّاكِ ) ، وَقِيلَ فِي نَسَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ أَبُو عِيسَى السُّلَمِيُّ التِّرْمِذِيُّ الْحَافِظُ الضَّرِيرُ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ ، وَقِيلَ إنَّهُ كَانَ أَكْمَهَ طَافَ الْبِلَادَ فَسَمِعَ مِنْ قُتَيْبَةَ وَعَلِيِّ بْنِ حُجْرٌ وَأَبِي كُرَيْبٌ وَخَلَائِقَ ، وَأَخَذَ عِلْمَ الرِّجَالِ وَالْعِلَلِ عَنْ الْبُخَارِيِّ ، رَوَى عَنْهُ حَمَّادُ بْنُ شَاكِرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَسْنَوَيْهِ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مَحْبُوبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الْقَرَّابُ وَالْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ الشَّاشِيُّ وَآخَرُونَ ، وَقَدْ سَمِعَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ أَيْضًا . قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ : كَانَ مِمَّنْ جَمَعَ وَصَنَّفَ وَحَفِظَ وَذَاكَرَ قَالَ الْمُسْتَغْفِرِيُّ : مَاتَ فِي شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ وَقَوْلُ الْخَلِيلِيِّ فِي الْإِرْشَادِ : مَاتَ بَعْدَ الثَّمَانِينَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، قَالَهُ الْمُسْتَغْفِرِيُّ وَغُنْجَارُ وَابْنُ مَاكُولَا وَغَيْرُهُمْ . ( مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُظَفَّرٍ الْفَارِقِيُّ ) آخِرُ مَنْ طَلَبَ الْحَدِيثَ وَعَنَى بِهِ ، رَوَى لَنَا عَنْ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَطِيبِ الْمِزَّةِ وَالنَّجْمِ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ شَبِيبٍ الْحَرَّانِيِّ وَأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ غُلَامِ اللَّهِ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ الشَّمْعَةِ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُحَمَّدٍ الرَّسْعَنِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى بْنِ الصَّيْرَفِيِّ اللَّخْمِيِّ وَسَيِّدَةُ بِنْتُ مُوسَى الْمَارَانِيَّةُ فِي آخَرِينَ ، وَرَحَلَ إلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّة فَسَمِعَ بِهَا مِنْ الشَّرِيفِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْمُحْسِنِ الْعِرَاقِيِّ وَطَبَقَتِهِ . رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ أَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ اللَّهِ بْنِ جَمَاعَةَ وَأَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعِ بْنِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَأَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ الْحُسَيْنِيُّ وَآخَرُونَ ، وَكَانَ قَدْ اعْتَنَى بِطَلَبِ الْحَدِيثِ فَقَرَأَ بِنَفْسِهِ وَكَتَبَ وَرَحَلَ وَأَفَادَ ، وَكَانَ أَحَدَ الشُّهُودِ الْمُعَدَّلِينَ بِالْقَاهِرَةِ إلَّا أَنِّي سَمِعْت مَنْ يَتَكَلَّمُ فِيهِ فِي الشَّهَادَةِ ، فَلِذَلِكَ قَرَنْته فِي الرِّوَايَةِ بِأَبِي الْحَرَمِ الْقَلَانِسِيِّ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ ، وَتُوُفِّيَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ رَابِعَ عَشَرَ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ . ( مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ غَيْلَانَ أَبُو طَالِبٍ الْبَزَّارُ الْهَمَذَانِيُّ الْبَغْدَادِيُّ ) رَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيِّ وَتَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ ، رَوَى عَنْهُ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْخَطِيبُ وَأَبُو نَصْرٍ عَلِيُّ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ مَاكُولَا وَأَبُو عَلِيٍّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْبَرَدَانِيُّ وَأَبُو غَالِبٍ شُجَاعُ بْنُ فَارِسٍ الذُّهْلِيُّ وَمُقْرِئُ الْعِرَاقِ أَبُو طَاهِرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ سَوَّارٍ وَأَبُو مَنْصُورٍ عَبْدُ الْمُحْسِنِ بْنُ مُحَمَّدٍ الشِّيمِيُّ وَنُورُ الْهُدَى أَبُو طَالِبٍ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّيْنَبِيُّ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ الْمَهْدِيِّ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْخَطِيبُ وَأَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ الطُّيُورِيِّ وَأَبُو الْبَرَكَاتِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ عَلِيٍّ الْمُبْخِرُ وَهِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُصَيْنِ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ وَآخَرُونَ ، وَثَّقَهُ الْخَطِيبُ وَغَيْرُهُ قَالَ الْخَطِيبُ : كَانَ صَدُوقًا صَالِحًا دَيِّنًا وَمَاتَ فِي شَوَّالٍ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ ، وَقَدْ اسْتَكْمَلَ أَرْبَعًا وَتِسْعِينَ سَنَةً . ( مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ أَبُو الْفَتْحِ الْبَكْرِيُّ الْمَيْدُومِيُّ مُسْنَدِ الدِّيَارِ الْمِصْرِيَّةِ ) رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعَنْ أَبِي الْفَرَجِ عَبْدِ اللَّطِيفِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ عَلِيٍّ الْحَرَّانِيِّ وَأَبِي عِيسَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عِلَاقٍ ، وَتَفَرَّدَ بِالسَّمَاعِ مِنْهُمْ وَأَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ اللَّه بْنِ الْأَنْمَاطِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ فَارِسٍ التَّمِيمِيِّ وَأَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْقَسْطَلَّانِيِّ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَطِيبِ الْمِزَّةْ وَشَامِيَّةَ بِنْتِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَكْرِيِّ فِي آخَرِينَ . وَأَجَازَ لَهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الدَّائِمِ وَمَجْدُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ وَهْبِ بْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ وَالشَّيْخُ مُحْيِي الدِّينِ النَّوَوِيُّ فِي آخَرِينَ رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ مُنِيرٍ الْحَلَبِيُّ وَأَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ اللَّهِ بْنِ جَمَاعَةَ وَأَبُو سَعِيدٍ خَلِيلُ بْنُ كيكلدي الْعَلَائِيُّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ لُؤْلُؤِ بْنِ النَّقِيبِ وَأَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَأَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ الْحُسَيْنِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ الْبَنَّاءِ وَآخَرُونَ ، وَكَانَ رَجُلًا جَيِّدًا ثِقَةً صَحِيحَ السَّمَاعِ مَوْلِدُهُ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَسِتِّمِائَةٍ ، وَتُوُفِّيَ فِي الْعُشْرِ الْأَخِيرِ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ ، وَقَدْ جَاوَزَ التِّسْعِينَ وَلَمْ يُحْضِرْهُ وَالِدُهُ مَجَالِسَ السَّمَاعِ إلَّا بَعْدَ اسْتِكْمَالِ الْخَامِسَةِ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ حُضُورٌ أَصْلًا ، وَكَانَ وَالِدُهُ مِنْ أَهْلِ هَذَا الشَّأْنِ وَلِيَ مَشْيَخَةَ دَارِ الْحَدِيثِ الْكَامِلِيَّةِ . ( مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْحَرَامِ أَبُو الْحَرَمِ الْقَلَانِسِيِّ الْحَنْبَلِيُّ ) شَيْخٌ مُكْثِرٌ ثِقَةٌ صَحِيحُ السَّمَاعِ ، رَوَى عَنْ الشِّهَابِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ الْخَيْمِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَطِيبِ الْمِزَّةِ حَضَرَ عِنْدَهُمَا وَعِنْدَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي الْفُتُوحِ بْنِ الْحُصَرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ غُلَامِ اللَّهِ بْنِ السُّمْعَةِ وَغَازِي بْنِ أَبِي الْفَضْلِ الْحَلَاوِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ تَرْجَمَ وَالنَّجْمِ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ بْنِ شَبِيبٍ الْحَرَّانِيِّ الْحَنْبَلِيِّ وَالتَّاجِ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ قُرَيْشٍ وَيُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمُحْسِنِ الْحَمْزِيّ وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ غَازِي بْنِ الْأَغْلَاقِيِّ وَالضِّيَاءِ عِيسَى بْنِ يَحْيَى بْنِ أَحْمَدَ السَّبْتِيِّ وَالرَّضِيِّ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ القسطنطيني النَّحْوِيِّ وَالْحَافِظِ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الظَّاهِرِيِّ وَيَعْقُوبَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ فَضَائِلَ الْحَلَبِيِّ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ خَلَفٍ الدَّمِيرِيِّ وَسَيِّدَةَ بِنْتِ مُوسَى الْمَارَانِيَّةِ وَمُؤْنِسَةَ ابْنَةِ الْمَلِكِ الْعَادِلِ فِي آخَرِينَ كَثِيرِينَ ، رَوَى عَنْهُ أَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَأَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ حَمْزَةَ الْحُسَيْنِيُّ وَآخَرُونَ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَسَبْعِمِائَةٍ . ( مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ تَدْرُسَ الْأَسَدِيُّ مَوْلَى حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ أَبُو الزُّبَيْرِ الْمَكِّيُّ أَحَدُ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ ) رَوَى عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ فِي آخَرِينَ مِنْ الصَّحَابَة وَالتَّابِعِينَ ، رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ شُعْبَةُ وَمَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالسُّفْيَانَانِ وَخَلَائِقُ قِيلَ لِشُعْبَةَ لِمَ تَرَكْت حَدِيثَهُ ؟ قَالَ : رَأَيْته يَزِنُ وَيَسْتَرْجِحُ فِي الْمِيزَانِ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَبُو الزُّبَيْرِ يَحْتَاجُ إلَى دِعَامَةٍ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَقَدْ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَالنَّسَائِيُّ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الثِّقَاتِ تَخَلَّفَ عَنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ ، وَلَمْ يَحْتَجَّ ابْنُ حَزْمٍ بِحَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ إلَّا إذَا قَالَ : حَدَّثَنَا جَابِرٌ أَوْ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْهُ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ إلَّا مَا سَمِعَهُ مِنْ جَابِرٍ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، لَهُ ذِكْرٌ فِي الصَّلَاةِ . مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شِهَابِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ زُهْرَةَ بْنِ كِلَابِ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ أَبُو بَكْرٍ الْقُرَشِيُّ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ ) أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ ، رَوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَسَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَرَبِيعَةَ بْنِ عَبَّادٍ وَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ فِي آخَرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَخَلَائِقُ . وَقَدْ أَفْرَدَ النَّسَائِيّ بِالتَّصْنِيفِ مَنْ رَوَى عَنْهُ الزُّهْرِيُّ وَرَوَى عَنْ الزُّهْرِيِّ . قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : مَا اسْتَوْدَعْت قَلْبِي شَيْئًا قَطُّ فَنَسِيتُهُ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ مَا رَأَيْت أَحَدًا أَقَصَّ لِلْحَدِيثِ مِنْهُ ، وَمَا رَأَيْت أَحَدًا الدِّينَارُ وَالدِّرْهَمُ أَهْوَنُ عَلَيْهِ مِنْهُ كَأَنَّهَا عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ الْبَعْرِ ، وَقَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمَكْحُولٌ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ أَعْلَمُ بِسُنَّةٍ مَاضِيَةٍ مِنْهُ ، وَقَالَ أَيُّوبُ مَا رَأَيْت أَعْلَمَ مِنْهُ . وَقَالَ اللَّيْثُ مَا رَأَيْت عَالِمًا قَطُّ أَجْمَعَ وَلَا أَكْثَرَ عِلْمًا مِنْهُ ، وَمَا رَأَيْت أَكْرَمَ مِنْهُ ، وَقَالَ مَالِكٌ : بَقِيَ وَمَا لَهُ فِي النَّاسِ نَظِيرٌ ، تُوُفِّيَ بِآدَامَ آخِرَ حَدِّ الْحِجَازِ وَأَوَّلَ عَمَلِ فِلَسْطِينَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ ، وَقِيلَ سَنَةَ خَمْسٍ وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي مَوْلِدِهِ فَقِيلَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَقِيلَ إحْدَى ، وَقِيلَ سِتٍّ وَقِيلَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ . ( مُحَمَّدُ بْنُ الْمُنْكَدِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَدِيرِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ عَامِرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ سَعِيدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرَشِيُّ التَّيْمِيُّ الْمَدَنِيُّ أَحَدُ الْأَعْلَامِ ) رَوَى عَنْ جَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَأَنَسٍ فِي آخَرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ شُعْبَةُ وَمَالِكٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالسُّفْيَانَانِ وَخَلْقٌ . قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ كَانَ مِنْ مَعَادِنِ الصِّدْقِ يَجْتَمِعُ إلَيْهِ الصَّالِحُونَ ، وَقَالَ مَالِكٌ كَانَ سَيِّدَ الْقُرَّاءِ لَا يَكَادُ أَحَدٌ يَسْأَلُهُ عَنْ حَدِيثٍ إلَّا كَانَ يَبْكِي ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ : ثِقَةٌ وَقَالَ الْحُمَيْدِيُّ ابْنُ الْمُنْكَدِرِ حَافِظٌ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ سَنَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ لَهُ ذِكْرٌ فِي النِّكَاحِ . ( مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ مُوسَى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ حَازِمٍ أَبُو بَكْرٍ الْحَازِمِيُّ الْهَمَذَانِيُّ الشَّافِعِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ ) عَلَى حَدَاثَةِ سِنِّهِ . رَوَى عَنْ أَبِي الْوَقْتِ عَبْدِ الْأَوَّلِ بْنِ عِيسَى السِّجْزِيِّ حُضُورًا ، وَعَنْ أَبِي زُرْعَةَ طَاهِرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيَّ وَمُعَمِّرِ بْنِ الْفَاخِرِ وَغَيْرِهِمْ وَرَحَلَ سَنَةَ نَيِّفٍ وَسَبْعِينَ إلَى الْعِرَاقِ وَأَصْبَهَانَ وَالْجَزِيرَةِ وَالنَّوَاحِي ، ثُمَّ اسْتَوْطَنَ بَغْدَادَ وَتَفَقَّهَ بِهَا عَلَى ابْنِ فَضْلَانِ وَغَيْرِهِ وَصَنَّفَ التَّصَانِيفَ الْمُفِيدَةَ كَالْأَنْسَابِ وَالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ قَالَ الذَّهَبِيُّ كَانَ إمَامًا ذَكِيًّا ثَاقِبَ الذِّهْنِ فَقِيهًا بَارِعًا وَمُحَدِّثًا بَارِعًا بَصِيرًا بِالرِّجَالِ وَالْعِلَلِ مُتَبَحِّرًا فِي عِلْمِ السُّنَنِ ذَا زُهْدٍ وَتَعَبُّدٍ وَتَأَلُّهٍ وَانْقِبَاضٍ عَنْ النَّاسِ ، تُوُفِّيَ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَمَانِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ شَابًّا عَنْ خَمْسٍ وَثَلَاثِينَ سَنَةً . ( مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ فَارِسِ بْنِ ذُؤَيْبٍ الذُّهْلِيُّ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيُّ أَحَدُ الْأَعْلَامِ الْحُفَّاظِ ) رَوَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَأَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ وَخَلَائِقَ ، وَلَهُ رِحْلَةٌ وَاسِعَةٌ ، رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَأَبُو حَاتِمٍ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَأَبُو عَوَانَةَ الْإسْفَرايِينِيّ وَخَلَائِقُ قَالَ أَحْمَدُ : مَا رَأَيْت خُرَاسَانِيًّا أَعْلَمَ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ مِنْهُ وَلَا أَصَحَّ كِتَابًا مِنْهُ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى إمَامُ أَهْلِ زَمَانِهِ ثِقَةٌ ، وَقَالَ النَّسَائِيّ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُد : هُوَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ فِي الْحَدِيثِ ، وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى إمَامُ أَهْلِ عَصْرِهِ ، تُوُفِّيَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَتَيْنِ عَنْ سِتٍّ وَثَمَانِينَ سَنَةً لَهُ ذِكْرٌ فِي النِّكَاحِ . ( مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ الرَّبَعِيُّ مَوْلَاهُمْ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَاجَهْ ) وَمَاجَهْ لَقَبٌ لِأَبِيهِ يَزِيدَ أَحَدِ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ السِّتَّةِ صَاحِبِ السُّنَنِ وَالتَّفْسِيرِ وَالتَّارِيخِ ، سَمِعَ بِخُرَاسَانَ وَالْعِرَاقِ وَالْحِجَازِ وَمِصْرَ وَالشَّامِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ ، رَوَى عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيِّ وَمُصْعَبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ وَدَاوُد بْنِ رَشِيدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ رُمْحٍ وَخَلَائِقَ . رَوَى عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَلَمَةَ الْقَطَّانُ وَعَلِيُّ بْنُ سَعِيدٍ الْعَسْكَرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى الْأَبْهَرِيُّ وَالصَّفَّارُ وَآخَرُونَ . قَالَ أَبُو يَعْلَى الْخَلِيلِيُّ : ثِقَةٌ كَبِيرٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مُحْتَجٌّ بِهِ لَهُ مَعْرِفَةٌ وَحِفْظٌ وَلَهُ مُصَنَّفَاتٌ فِي السُّنَنِ وَالتَّفْسِيرِ وَالتَّارِيخِ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ، وَكَذَا أَرَّخَهُ جَعْفَرُ بْنُ إدْرِيسَ وَزَادَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ، وَدُفِنَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِثَمَانٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ . ( مِخْمَرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ) كَذَا عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَكِيمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ تَقَدَّمَ فِي بَابِ الْحَاءِ ( مِخْنَفُ بْنُ سُلَيْمِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ عَوْفِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ ذُهْلِ بْنِ مَازِنِ بْنِ ذُبْيَانَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ الدُّؤْلِ بْنِ سَعْدِ مَنَاةَ بْنِ غَامِدٍ الْأَزْدِيُّ الْغَامِدِيُّ ) لَهُ صُحْبَةٌ ، رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي أَيُّوبَ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ حَبِيبٌ وَعَوْنُ بْنُ أَبِي جُحَيْفَةَ وَغَيْرُهُمَا ، نَزَلَ الْكُوفَةَ وَعَدَّهُ بَعْضُهُمْ فِي الْبَصْرِيِّينَ ، وَوَلِيَ أَصْبَهَانَ لِعَلِيٍّ وَشَهِدَ مَعَهُ صِفِّينَ وَكَانَ عَلَى رَايَةِ الْأَزْدِ يَوْمَئِذٍ ، وَقُتِلَ يَوْمَ الْجَمَلِ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، لَهُ ذِكْرٌ فِي الْأُضْحِيَّةِ . ( مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَبُو الْخَيْرِ الْيَزَنِيُّ ) وَيَزَنْ مِنْ حِمْيَرَ الْمِصْرِيُّ . رَوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فِي آخَرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، رَوَى عَنْهُ يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ وَجَعْفَرُ بْنُ رَبِيعَةَ وَكَعْبُ بْنُ عَلْقَمَةَ وَآخَرُونَ ، قَالَ ابْنُ يُونُسَ كَانَ مُفْتِي أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعِينَ . ( مَسْرُوقُ بْنُ الْأَجْدَعِ الْهَمْدَانِيُّ أَبُو عَائِشَةَ ) نَزَلَ الْكُوفَةَ أَحَدُ أَئِمَّةِ التَّابِعِينَ وَأَحَدُ الثَّمَانِيَةِ الَّذِينَ انْتَهَى إلَيْهِمْ الزُّهْدُ مِنْ التَّابِعِينَ ، صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ وَرَوَى عَنْهُ وَعَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَمُعَاذٍ فِي آخَرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ ، رَوَى عَنْهُ أَبُو وَائِلٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ وَخَلْقٌ . قَالَ مُرَّةُ مَا وَلَدَتْ هَمْدَانِيَّةٌ مِثْلَهُ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ مَا عَلِمْت أَنَّ أَحَدًا كَانَ أَطْلَبَ لِلْعِلْمِ مِنْهُ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ مَا أُقَدِّمُ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ . وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ ثِقَةٌ لَا يُسْأَلُ عَنْ مِثْلِهِ ، وَقَالَتْ امْرَأَتُهُ قُمَيْرُ كَانَ يُصَلِّي حَتَّى تَوَرَّمَ قَدَمَاهُ ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ . ( مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ الْقُرَشِيُّ الْمُطَّلِبِيُّ ) وَقِيلَ إنَّ مِسْطَحًا لَقَبٌ ، وَاسْمُهُ عَوْفٌ يُكَنَّى أَبَا عَبَّادٍ وَقِيلَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ شَهِدَ بَدْرًا ، ثُمَّ خَاضَ فِي الْإِفْكِ فَجَلَدَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَنْ جَلَدَهُ ، وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ ، وَقِيلَ إنَّهُ شَهِدَ صِفِّينَ ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ ، لَهُ ذِكْرٌ فِي الْحُدُودِ وَفِي قِصَّةِ الْإِفْكِ . ( مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ وَرْدِ بْنِ كوشاد أَبُو الْحُسَيْنِ الْقُشَيْرِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ ) أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْأَعْلَامِ وَمُصَنِّفُ الصَّحِيحِ وَالْمُسْنَدِ الْكَبِيرِ عَلَى أَسْمَاءِ الرِّجَالِ وَالْجَامِعِ الْكَبِيرِ عَلَى الْأَبْوَابِ وَكِتَابِ الْعِلَلِ وَكِتَابِ أَوْهَامِ الْمُحَدِّثِينَ وَكِتَابِ التَّمْيِيزِ وَكِتَابِ الطَّبَقَاتِ وَكِتَابِ الْوَاحِدَانِ وَكِتَابِ الْمُخَضْرَمِينَ ، رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْلَمَةً الْقَعْنَبِيِّ وَعَلِيِّ بْنِ الْجَعْدِ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَخَلَائِقَ ، رَوَى عَنْهُ أَبُو عِيسَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ السَّرَّاجُ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ وَأَبُو عَوَانَةَ الْإسْفَرايِينِيّ وَخَلْقٌ . قَالَ أَحْمَدُ بْنُ مَسْلَمَةً النَّيْسَابُورِيُّ رَأَيْت أَبَا زُرْعَةَ وَأَبَا حَاتِمٍ يُقَدِّمَانِ مُسْلِمًا فِي مَعْرِفَةِ الصَّحِيحِ عَلَى مَشَايِخِ عَصْرِهِمَا ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَتَيْنِ ، وَتُوُفِّيَ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ وَمِائَتَيْنِ بِنَيْسَابُورَ ، وَقِيلَ إنَّهُ بَلَغَ سِتِّينَ سَنَةً ، وَبِهِ جَزَمَ الذَّهَبِيُّ فِي الْعِبَرِ وَقِيلَ بَلَغَ خَمْسًا وَخَمْسِينَ سَنَةً ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ وَكِلَاهُمَا مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَارِيخِ مَوْلِدِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْمُسْلِمُ بْنُ مَكِّيٍّ وَيُعْرَفُ أَيْضًا بِالْمُسْلِمِ بْنِ عَلَّانَ ) فَيُنْسَبُ إلَى أَجْدَادِهِ وَهُوَ الْمُسْلِمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْلِمِ بْنِ مَكِّيِّ بْنِ خَلَفِ بْنِ عَلَّانَ أَبُو الْقَاسِمِ الْقَيْسِيُّ الدِّمَشْقِيُّ الْكَاتِبُ وُلِدَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ، وَرَوَى عَنْ حَنْبَلِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الرُّصَافِيِّ وَعُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ طَبَرْزَدَ وَعَبْدِ الْجَلِيلِ بْنِ أَبِي غَالِبِ بْنِ مَنْدَوَيْهِ وَأَبِي الْيُمْنِ زَيْدِ بْنِ الْحَسَنِ الْكِنْدِيِّ فِي آخَرِينَ ، وَعَنْ أَبِي طَاهِرٍ بَرَكَاتِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْخُشُوعِيِّ بِالْإِجَازَةِ . رَوَى عَنْهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ دَاوُد بْنِ الْعَطَّارِ وَأَخُوهُ دَاوُد بْنُ إبْرَاهِيمَ وَقَاضِي الْقُضَاةِ بَدْرُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ اللَّهِ بْنِ جَمَاعَةَ وَالْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْزَالِيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمِزِّيُّ وَأَخُوهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ هِلَالٍ الْأَزْدِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْإِسْكَنْدَرِيِّ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ الْكَحَّالِ وَمُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْخَبَّازِ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ بِالسَّمَاعِ وَآخَرُونَ ، وَكَانَ ثِقَةً صَحِيحَ السَّمَاعِ مِنْ بَيْتِ حَدِيثٍ وَرِيَاسَةٍ ، تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانِينَ وَسِتِّمِائَةٍ . ( مُصْعَبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ الزُّهْرِيُّ أَبُو زُرَارَةَ الْمَدَنِيُّ ) رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَعَلِيٍّ وَطَلْحَةَ فِي آخَرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ أَخِيهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَطَلْحَةُ بْنُ مُصَرِّفٍ وَأَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ وَخَلْقٌ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : ثِقَةٌ كَثِيرُ الْحَدِيثِ مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ مُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ الْحَجَبِيُّ ) رَوَى عَنْ عَمَّةِ أَبِيهِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ وَأَخِيهَا مُسَافِعٍ وَطَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ وَجَمَاعَةٍ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ زُرَارَةُ وَحَفِيدُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زُرَارَةَ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَآخَرُونَ قَالَ ابْنُ مَعِينٍ : ثِقَةٌ ، وَقَالَ أَحْمَدُ رَوَى مَنَاكِيرُ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ : لَيْسَ بِالْقَوِيِّ قَالَ النَّسَائِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ ، لَهُ ذِكْرٌ فِي الطَّهَارَةِ فِي السِّوَاكِ . ( مُعَاذُ بْنُ جَبَلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ بْنِ عَائِدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أَدَّى بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَسَدِ بْنِ سَارِدَةَ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَشْمِ بْنِ الْخَزْرَجِ الْأَنْصَارِيُّ الْخَزْرَجِيُّ ثُمَّ الْجُشَمِيُّ ، وَقَدْ نَسَبَهُ بَعْضُهُمْ فِي سَلَمَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ عَلِيٍّ ؛ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَإِنَّمَا ادَّعَتْهُ بَنُو سَلَمَةَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ أَخَا سَهْلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ لِأُمِّهِ ، كُنْيَةُ مُعَاذٍ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَحَدُ عُلَمَاءِ الصَّحَابَةِ ) . رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ رَوَى عَنْهُ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ فِي آخَرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ . قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَسْلَمَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ سَنَةً وَشَهِدَ بَدْرًا وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَانَ أَحَدَ مَنْ شَهِدَ الْعَقَبَةَ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ { وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو { اسْتَقْرِئُوا الْقُرْآنَ مِنْ أَرْبَعَةٍ فَذَكَرَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ } وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { ، جَمَعَ الْقُرْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةً فَذَكَرَ مِنْهُمْ مُعَاذًا } . { وَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِأَسْنَادٍ صَحِيحٍ : وَاَللَّهِ يَا مُعَاذُ إنِّي لَأُحِبُّك } . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إنَّ مُعَاذًا كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُنْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ إنَّا كُنَّا لَنُشَبِّهُ مُعَاذًا بِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَمَنَاقِبُهُ كَثِيرَةٌ تُوُفِّيَ بِطَاعُونِ عَمَوَاسَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَقِيلَ سَبْعَ عَشْرَةَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِ سِنِّهِ فَقِيلَ ثَمَانٍ وَثَلَاثُونَ ، وَقِيلَ أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ وَقِيلَ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ وَقِيلَ ثَمَانٌ وَعِشْرُونَ وَهُوَ وَهْمٌ ، فَإِنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا وَهُوَ رَجُلٌ . ( مُعَاذُ بْنُ هِشَامِ بْنِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الدَّسْتُوَائِيُّ الْبَصْرِيُّ ) رَوَى عَنْ أَبِيهِ وَابْنِ عَوْنٍ وَشُعْبَةَ وَغَيْرِهِمْ ، رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ وَالْفَلَّاسُ وَخَلْقٌ ، قَالَ ابْنُ مَعِينٍ صَدُوقٌ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ وَقِيلَ لِأَبِي دَاوُد هُوَ عِنْدَك حُجَّةٌ ؟ قَالَ أَكْرَهُ أَنْ أَقُولَ شَيْئًا كَانَ يَحْيَى لَا يَرْضَاهُ ، وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ رُبَّمَا يَغْلَطُ ، وَأَرْجُو أَنَّهُ صَدُوقٌ ، مَاتَ سَنَةَ مِائَتَيْنِ . ( مُعَاوِيَةُ بْنُ خَدِيجِ بْنِ جَفْنَةَ بْنِ قَنْبَرِ بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ أُسَامَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَشْرَسَ بْنِ شَبِيبِ بْنِ السُّكُونِ السَّكُونِيُّ وَقِيلَ الْكِنْدِيُّ وَقِيلَ التُّجِيبِيُّ ، وَقِيلَ الْخَوْلَانِيُّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَالصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ السَّكُونِيُّ ؛ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَقِيلَ أَبَا نُعَيْمٍ يُعَدُّ فِي أَهْلِ مِصْرَ ) . رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ عَمْرٍو وَأَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِهِمْ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ شِمَاسَةَ وَعَلِيُّ بْنُ رَبَاحٍ فِي آخَرِينَ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَهْرَيْنِ . وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ : وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهِدَ فَتْحَ مِصْرَ وَقَدِمَ عَلَى عُمَرَ بَشِيرًا بِفَتْحِ الْإِسْكَنْدَرِيَّة وَوَلِيَ غَزْوَ إفْرِيقِيَّةَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ذَهَبَتْ عَيْنُهُ فِي إحْدَاهَا وَقِيلَ : بَلْ ذَهَبَتْ يَوْمَ دُنْقُلَةَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ وَتُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ . ( مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَاسْمُ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرُ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْأُمَوِيُّ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ وَأَبُوهُ مِنْ مُسْلِمَةِ الْفَتْحِ ، وَقِيلَ أَسْلَمَ هُوَ فِي عُمْرَةِ الْقَضَاءِ وَكَتَمَ إسْلَامَهُ ) رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فِي آخَرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ . رَوَى عَنْهُ أَبُو ذَرٍّ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو سَعِيدٍ وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَهَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهٍ فِي آخَرِينَ كَثِيرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَلِيَ لِعُمَرَ الشَّامَ وَأَقَرَّهُ عُثْمَانُ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ كَانَ أَمِيرًا عِشْرِينَ سَنَةً وَخَلِيفَةً عِشْرِينَ سَنَةً . رَوَيْنَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ الْعِرْبَاضِ ، قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { اللَّهُمَّ عَلِّمْ مُعَاوِيَةَ الْكِتَابَ وَالْحِسَابَ وَقِه الْعَذَابَ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إلَّا أَنَّ الْحَارِثَ بْنَ زِيَادٍ فِي إسْنَادِهِ مَجْهُولٌ لَا يُعْرَفُ بِغَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمِيرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ لِمُعَاوِيَةَ : { اللَّهُمَّ اجْعَلْهُ هَادِيًا مَهْدِيًّا وَاهْدِ بِهِ } ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ عُمَيْرٍ { : لَا تَذْكُرُوا مُعَاوِيَةَ إلَّا بِخَيْرٍ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ اللَّهُمَّ اهْدِ بِهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ إنَّهُ فَقِيهٌ ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ مَا رَأَيْت أَحَدًا بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَسْوَدَ مِنْ مُعَاوِيَةَ فَقِيلَ لَهُ فَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ فَقَالَ كَانُوا وَاَللَّهِ خَيْرًا مِنْهُ وَأَفْضَلَ ، وَكَانَ مُعَاوِيَةُ أَسْوَدَ مِنْهُمْ } قَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ : هُوَ أَوَّلُ مَنْ اتَّخَذَ دِيوَانَ الْخَاتَمِ ، وَأَمَرَ بِهَدَايَا النَّيْرُوزِ وَالْمِهْرَجَانِ ، وَاِتَّخَذَ الْمَعَاصِرَ فِي الْجَوَامِعِ ؛ وَأَوَّلُ مَنْ أَقَامَ عَلَى رَأْسِهِ حَرَسًا ، وَأَوَّلُ مَنْ قُيِّدَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ الْجَنَائِبُ ، وَأَوَّلُ مَنْ اتَّخَذَ الْخُصْيَانِ فِي الْإِسْلَامِ ، وَأَوَّلُ مَنْ بَلَّغَ دَرَجَاتِ الْمِنْبَرِ خَمْسَ عَشْرَةَ دَرَجَةً ، وَكَانَ يَقُولُ : أَنَا أَوَّلُ الْمُلُوكِ وَصَدَقَ فِي ذَلِكَ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَفِينَةَ قَالَ { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخِلَافَةُ النُّبُوَّةِ ثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمَّ يُؤْتِي اللَّهُ الْمُلْكَ مَنْ يَشَاءُ } ، تُوُفِّيَ لِأَرْبَعٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ سِتِّينَ عَنْ ثَمَانٍ وَسَبْعِينَ سَنَةً وَقِيلَ عَاشَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ . ( الْمُعَلَّى بْنُ إسْمَاعِيلَ ) رَوَى عَنْ نَافِعٍ رَوَى عَنْهُ أَرْطَاةُ بْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ : لَيْسَ بِحَدِيثِهِ بَأْسٌ ، صَالِحُ الْحَدِيثِ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ غَيْرُ أَرْطَاةَ ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، لَهُ ذِكْرٌ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ . ( مَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ أَبُو عُرْوَةَ الْأَزْدِيُّ مَوْلَاهُمْ الْبَصْرِيُّ سَكَنَ الْيَمَنَ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ ) رَوَى عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَالزُّهْرِيِّ وَطَبَقَتِهِمْ ، رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ شُعْبَةُ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَابْنُ عُلَيَّةَ وَالسُّفْيَانَانِ وَعَبْدُ الرَّزَّاقِ وَخَلْقٌ آخِرُهُمْ مَوْتًا مُحَمَّدُ بْنُ كَثِيرٍ الصَّنْعَانِيُّ قَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ : سَمِعْت مِنْهُ عَشْرَةَ آلَافٍ . قَالَ أَحْمَدُ : لَا تَضُمُّ أَحَدًا إلَى مَعْمَرٍ إلَّا وَجَدْته يَتَقَدَّمُهُ ، وَكَانَ مِنْ أَطْلَبْ أَهْلِ زَمَانِهِ لِلْعِلْمِ ، وَهُوَ أَوَّلُ مَنْ رَحَلَ إلَى الْيَمَنِ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ لَمْ يَبْقَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ زَمَانِهِ أَعْلَمُ مِنْهُ . وَقَالَ الْعِجْلِيّ : ثِقَةٌ رَجُلٌ صَالِحٌ لَمَّا دَخَلَ صَنْعَاءَ كَرِهُوا أَنْ يَخْرُجَ مِنْ بَيْنِ أَظْهُرِهِمْ فَقَالَ رَجُلٌ قَيِّدُوهُ ، فَزَوَّجُوهُ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ صَالِحُ الْحَدِيثِ وَقَالَ النَّسَائِيّ : ثِقَةٌ مَأْمُونٌ مَاتَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَقَالَ الطَّبَرَانِيُّ : فُقِدَ فَلَمْ يُرَ لَهُ أَثَرٌ . ( مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَالِدِ بْنِ حِزَامِ بْنِ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ الْأَسَدِيُّ الْحِزَامِيُّ ) رَوَى عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فِي آخَرِينَ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَالْقَعْنَبِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْر وَقُتَيْبَةُ وَآخَرُونَ قَالَ أَبُو دَاوُد : رَجُلٌ صَالِحٌ نَزَلَ عَسْقَلَانَ . وَقَالَ النَّسَائِيّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ ، وَقَالَ الْخَطِيبُ كَانَ عَلَّامَةَ النَّسَبِ ، قَالَ الذَّهَبِيُّ : وَمَوْتُهُ قَرِيبٌ مِنْ مَوْتِ مَالِكٍ لَهُ ذِكْرٌ فِي النَّجَاسَةِ . ( مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ بْنِ نَشِيطٍ الرَّبَذِيُّ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ الْعَزِيزِ ) رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ وَنَافِعٍ وَعَلْقَمَةَ بْنِ مَرْثَدٍ فِي آخَرِينَ ، رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ شُعْبَةُ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَخَلْقٌ . قَالَ أَحْمَدُ : لَا تَحِلُّ الرِّوَايَةُ عِنْدِي عَنْهُ وَضَعَّفَهُ أَيْضًا عَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو زُرْعَةَ وَأَبُو حَاتِمٍ . وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : ثِقَةٌ كَثِيرُ الْحَدِيثِ ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ : صَدُوقٌ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ جِدًّا ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ : رَجُلٌ مُتَعَبِّدٌ حَسَنُ الْعِبَادَةِ لَيْسَ بِالْحَافِظِ ، وَأَحْسِبُ إنَّمَا قَصُرَ بِهِ عَنْ الْحَدِيثِ فَضْلُ الْعِبَادَةِ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَقِيلَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ . ( مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ الْأَسَدِيُّ أَبُو مُحَمَّدٍ مَوْلَى آلِ الزُّبَيْرِ وَقِيلَ مَوْلَى أُمِّ خَالِدٍ زَوْجِ الزُّبَيْرِ أَحَدِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ ) رَوَى عَنْ أُمِّ خَالِدٍ وَلَهَا صُحْبَةٌ وَعَنْ عُرْوَةَ وَسَالِمٍ وَأَبِي سَلَمَةَ وَخَلْقٍ ، رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَمَالِكٌ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَالسُّفْيَانَانِ وَخَلْقٌ . قَالَ مَالِكٌ عَلَيْكُمْ بِمَغَازِي مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فَإِنَّهُ ثِقَةٌ ، وَقَالَ أَيْضًا : فَإِنَّهَا أَصَحُّ الْمَغَازِي ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : كِتَابُ مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ مِنْ أَصَحِّ هَذِهِ الْكُتُبِ ، وَرِوَايَتُهُ عَنْ نَافِعٍ فِيهَا شَيْءٌ وَقَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ ثِقَةٌ تُوُفِّيَ سَنَةَ إحْدَى وَقِيلَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ . ( مُوسَى بْنُ أَبِي عِيسَى الْحَنَّاطُ أَبُو هَارُونَ الْمَدَنِيُّ وَاسْمُ أَبِي عِيسَى مَيْسَرَةُ وَهُوَ أَخُو عِيسَى الْحَنَّاطِ ) رَوَى عَنْ عَوْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَنَافِعٍ فِي آخَرِينَ ، رَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَغَيْرُهُمَا وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْجَنَائِزِ فِي بَابِ الْكَفَنِ . ( الْمُؤَيَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ حَسَنٍ أَبُو الْحَسَنِ الطُّوسِيُّ الْمُقْرِي مُسْنَدُ خُرَاسَانَ ) رَوَى عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ بْنِ أَحْمَدَ الْقَرَوِيِّ وَهِبَةِ اللَّهِ بْنِ سَهْلِ بْنِ عُمَرَ السِّيدِيِّ وَعَبْدِ الْجَبَّارِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْخُوَارِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيِّ ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُمْ وَأَبِي الْعَبَّاسِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَصَّارِيِّ الطُّوسِيِّ فِي آخَرِينَ ، رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ وَالْحُفَّاظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبِرْزَالِيُّ وَأَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْأَزْهَرِ الصَّيْرَفِينِيُّ وَأَبُو عُمَرَ وَعُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُوسَى بْنِ الصَّلَاحِ وَالضِّيَاءُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَحْمَدَ الْمَقْدِسِيَّ وَالْمَجْدُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْإسْفَرايِينِيّ وَالشَّمْسُ عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عِيسَى الْخُسْرُ وَشَاهِي الْمُتَكَلِّمُ وَالنَّظَّامُ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَلْخِيّ الْحَنَفِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ الصَّدْرِيُّ وَالسَّرِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُرْسِيُّ وَالصَّدْرُ أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَكْرِيُّ وَالزَّكِيُّ بْنُ الْحَسَنِ الْبَيْلَقَانِيُّ الْمُتَكَلِّمُ وَالْقَاسِمُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْقَاسِمِ الْإِرْبِلِيُّ ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ بِالسَّمَاعِ وَرَوَى عَنْهُ بِالْإِجَازَةِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي الْفُتُوحِ بْنِ الْحُصَرِيُّ وَالْفَخْرُ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْبُخَارِيِّ وَمَحْمُودُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَصْرُونٍ وَأَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ بْنِ أَبِي عَصْرُونٍ وَالشَّرِيفُ أَحْمَدُ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَسَاكِرَ وَسَيِّدَةُ بِنْتُ مُوسَى الْمَارَانِيَّةُ وَزَيْنَبُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ كِنْدِيّ وَهِيَ آخِرُ مَنْ رَوَى عَنْهُ بِالْإِجَازَةِ الْخَاصَّةِ ، وَرَوَى عَنْهُ بِالْإِجَازَةِ الْعَامَّةِ الْحَافِظُ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ ، وَكَانَ ثِقَةً مُكْثِرًا صَحِيحَ السَّمَاعِ ، وَكَانَ الرِّحْلَةُ إلَيْهِ مِنْ الْأَقْطَارِ ، مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ، وَتُوُفِّيَ فِي لَيْلَةِ الْجُمُعَةِ الْعِشْرِينَ مِنْ شَوَّالٍ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَسِتِّمِائَةٍ . ( نَافِعٌ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ الْعَدَوِيِّ الْمَدَنِيُّ ) قِيلَ اسْمُ أَبِيهِ هُرْمُزُ أَحَدُ الْأَعْلَامِ مِنْ الْمَغْرِبِ ، وَقِيلَ مِنْ نَيْسَابُورَ وَقِيلَ مِنْ سَبْيِ كَابُلَ ، رَوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي لُبَابَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَائِشَةَ فِي آخَرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَالْأَئِمَّةُ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ جُرَيْجٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ وَخَلَائِقُ . قَالَ مَالِكٌ كُنْت إذَا سَمِعْت مِنْهُ لَا أُبَالِي أَنْ لَا أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِهِ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : لَقَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا بِنَافِعٍ قَالَ : وَبَعَثَهُ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى مِصْرَ يُعَلِّمُهُمْ السُّنَنَ وَأَعْطَى فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَعْفَرٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ اثْنَيْ عَشْرَ أَلْفًا فَأَبَى وَأَعْتَقَهُ قَالَ النَّسَائِيُّ : اخْتَلَفَ نَافِعٌ وَسَالِمٌ فِي ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ ، وَقَوْلُ نَافِعٍ فِيهَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، وَلَمْ يُفَضِّلْ بَيْنَهُمَا أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ إذَا اخْتَلَفَا ، تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَقِيلَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَقِيلَ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ . ( نُبَيْشَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَتَّابِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حُصَيْنِ بْنِ دَابِغَةَ بْنِ لِحْيَانَ بْنِ هُذَيْلِ بْنِ مُدْرِكَةَ بْنِ إلْيَاسَ بْنِ مُضَرَ الْهُذَلِيُّ وَقِيلَ فِي نَسَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ وَيُقَالُ لَهُ : نُبَيْشَةُ الْخَيْرِ ) رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ ، رَوَى عَنْهُ أَبُو الْمَلِيحِ الْهُذَلِيُّ وَأُمُّ عَاصِمٍ جَدَّةُ الْمُعَلَّى بْنِ رَاشِدٍ أُمُّ وَلَدٍ لِسِنَانِ بْنِ سَلَمَةَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الذَّبَائِحِ . نُعَيْمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ عَبْدِ عَوْفِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عُوَيْجِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبِ بْنِ لُؤَيٍّ الْقُرَشِيُّ الْعَبْدَرِيُّ ) وَيُقَالُ لَهُ النَّحَّامُ { لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلْت الْجَنَّةَ فَسَمِعْت نَحْمَةَ نُعَيْمٍ فِيهَا } ، وَالنَّحْمَةُ السَّعْلَةُ ، وَقِيلَ النَّحْنَحَةُ الْمَمْدُودُ آخِرُهَا أَسْلَمَ قَدِيمًا قَبْلَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَيُقَالُ بَعْدَ عَشْرَةِ أَنْفُسٍ وَكَانَ يَكْتُمُ إسْلَامَهُ ، وَمَنَعَهُ قَوْمُهُ مِنْ الْهِجْرَةِ لِشَرَفِهِ فِيهِمْ ؛ وَلِأَنَّهُ كَانَ يُنْفِقُ عَلَى أَرَامِلِ بَنِي عَدِيٍّ وَأَيْتَامِهِمْ وَيَمُونَهُمْ ، وَهَاجَرَ عَامَ خَيْبَرَ وَقُتِلَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ وَقِيلَ بَلْ أَقَامَ فِي مَكَّةَ حَتَّى كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ رَوَى عَنْهُ نَافِعٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيُّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَا أَظُنُّهُمَا سَمِعَا مِنْهُ ، وَهُوَ كَمَا ذَكَرَ فَقَدْ قَالَ الْوَاقِدِيُّ إنَّهُ قُتِلَ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ فِي رَجَبٍ سَنَةَ خَمْسَ عَشْرَةَ وَقَالَ غَيْرُهُ : قُتِلَ قَبْلَ ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ شَهِيدًا بِأَجْنَادِينَ سَنَة ثَلَاثَ عَشْرَةَ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْعِتْقِ . ( نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ كِلْدَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عِلَاجٍ الثَّقَفِيُّ أَبُو بَكْرَةَ ؛ قِيلَ كَانَ ابْنُ عُبَيْدِ الْحَارِثِ بْنِ كِلْدَةَ فَاسْتَلْحَقَهُ ، وَقِيلَ نُفَيْعُ بْنُ مَسْرُوحٍ وَقِيلَ : اسْمُ أَبِي بَكْرَةَ مَسْرُوحٌ ) وَقِيلَ : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَنَّاهُ أَبَا بَكْرَةَ ؛ لِأَنَّهُ تَدَلَّى إلَيْهِ مِنْ حِصْنِ الطَّائِفِ بِبَكْرَةٍ فَأَسْلَمَ وَأَعْتَقَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ الْبَصْرَةَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَوَى عَنْهُ أَوْلَادُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَمُسْلِمٌ وَدَاوُد وَعَبْدُ الْعَزِيزِ وَكَيِّسَةُ وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَآخَرُونَ قَالَ الْحَسَنُ لَمْ يَنْزِلْ الْبَصْرَةَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ مِنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَأَبِي بَكْرَةَ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ : كَانَ رَجُلًا صَالِحًا وَرِعًا آخَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي بَرْزَةَ ، كَانَ مِمَّنْ اعْتَزَلَ يَوْمَ الْجَمَلِ وَلَمْ يُقَاتِلْ مَعَ أَحَدٍ ، تُوُفِّيَ سَنَةَ خَمْسِينَ وَقِيلَ إحْدَى وَقِيلَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ . ( هِبَةُ اللَّهِ بْنُ سَهْلِ بْنِ عَمْرٍو أَبُو مُحَمَّدٍ السَّيِّدُ الْبِسْطَامِيُّ ثُمَّ النَّيْسَابُورِيُّ ) رَوَى عَنْ أَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَسْرُورٍ الزَّاهِدِ وَأَبِي عُثْمَانَ سَعِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْبُحَيْرِيِّ وَأَبِي يَعْلَى إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الصَّابُونِيِّ النَّيْسَابُورِيِّ فِي آخَرِينَ ، رَوَى عَنْهُ الْحَافِظُ أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ عَسَاكِرَ وَالْعَلَّامَةُ أَبُو الْمَعَالِي مَسْعُودُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْعُودٍ الطُّرَيْثِيثِيُّ النَّيْسَابُورِيُّ وَعَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ الشِّعْرِيُّ وَمَنْصُورُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ الْفَرَاوِيُّ وَالْمُؤَيَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ ، وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ وَآخَرُونَ قَالَ الذَّهَبِيُّ : فَقِيهٌ صَالِحٌ مُتَعَبِّدٌ عَالِي الْإِسْنَادِ تُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ عَنْ تِسْعِينَ سَنَةً كَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ . ( هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ الْعَبَّاسِ بْنِ الْحُصَيْنِ أَبُو الْقَاسِمِ الشَّيْبَانِيُّ الْبَغْدَادِيُّ الْكَاتِبُ الْمَعْرُوفُ بِالْأَزْرَقِ ) رَوَى عَنْ أَبِي طَالِبٍ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ غَيْلَانَ وَأَبِي عَلِيٍّ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمَذْهَبِ وَالْحَسَنِ بْنِ عِيسَى بْنِ الْمُقْتَدِرِ وَأَبِي الْقَاسِمِ عَلِيِّ بْنِ الْمُحْسِنِ بْنِ عَلِيٍّ التَّنُوخِيِّ ، وَتَفَرَّدَ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُمْ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ طَاهِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الطَّبَرِيِّ وَأَبِي مُحَمَّدٍ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَوْهَرِيِّ . رَوَى عَنْهُ أَبُو أَحْمَدَ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْفَاخِرِ وَأَبُو مَسْعُودٍ عَبْدُ الرَّحِيمِ بْنُ أَبِي الْوَفَا الْحَاجِيُّ وَالْعَلَّامَةُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْخَشَّابِ وَالْإِمَامُ أَبُو بَكْرٍ يَحْيَى بْنُ سَعْدُونٍ الْقُرْطُبِيُّ نَزِيلُ الْمَوْصِلِ وَعَبْدُ الْمُغِيثِ بْنُ زُهَيْرٍ الْحَرْبِيُّ وَقَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الدَّامَغَانِيُّ وَقَاضِي الْقُضَاةِ أَبُو سَعْدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَصْرُونٍ وَأَبُو طَالِبٍ الْمُبَارَكُ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ الْمُبَارَكِ الْكَرْخِيُّ وَعَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ أَبِي حَبَّةَ الْبَغْدَادِيُّ وَعَبْدُ الْخَالِقِ بْنُ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْبُنْدَارِ وَأَبُو الْفَرَجِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْجَوَّازِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ الطَّوِيلَةِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَلَّاحِ الشَّطِّ وَعُمَرُ بْنُ عَلِيٍّ الْحَرْبِيُّ الْوَاعِظُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْمَجْدِ الْحَرْبِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَصْرِ بْنِ أَحْمَدَ الثَّلَّاجِيُّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ الْوِقَايَاتِيُّ الْعُمَرِيِّ وَعَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ يَعِيشَ سِبْطُ بْنُ الدَّامَغَانِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ السِّبْطِ وَالْحَسَنُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ أُشْنَانَةَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْقَادِرِ بْنِ عَلْيَانَ وَعَلِيُّ بْنُ حَمْزَةَ الْكَاتِبُ وَالْمُبَارَكُ بْنُ الْمُبَارَكِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ بْنِ الْمَعْطُوسِ وَأَبُو الْعُمْرِ بَقَاءُ بْنُ عُمَرَ الْأَزَجِيُّ وَأَبُو الْمَعَالِي بْنُ مَعَالِي بْنِ شِدْقِينِيِّ وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْأَزَجِيُّ وَالْمُبَارَكُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُخْتَارٍ الْأَزَجِيُّ وَلَاحِقُ بْنُ أَبِي الْفَضْلِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَيُّوبَ الْحَرْبِيُّ وَحَنْبَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الرُّصَافِيُّ وَالْحُسَيْنُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْحَرِيمِيُّ وَأَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ بُخْتِيَارَ الْمنْدَائِيُّ وَأَبُو أَحْمَدَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيِّ ابْنِ سُكَيْنَةَ وَعُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْمَرِ بْنِ طَبَرْزَدَ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ بِالسَّمَاعِ قَالَ الذَّهَبِيُّ وَكَانَ دَيِّنًا صَحِيحَ السَّمَاعِ ، تُوُفِّيَ فِي رَابِعَ عَشَرَ شَوَّالٍ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِمِائَةٍ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةٍ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ . ( هِشَامُ بْنُ حَسَّانَ الْفِرْدَوْسِيُّ الْأَزْدِيُّ مَوْلَاهُمْ الْبَصْرِيُّ ) يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحَدُ الْأَعْلَامِ رَوَى عَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَعَطَاءٍ وَعِكْرِمَةَ فِي آخَرِينَ رَوَى عَنْهُ شُعْبَةُ وَالسُّفْيَانَانِ وَالْحَمَّادَانِ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَيَزِيدُ بْنُ زُرَيْعٍ وَخَلَائِقُ آخِرُهُمْ عُثْمَانُ بْنُ الْهَيْثَمِ الْمُؤَذِّنُ قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : حَدِيثُهُ عَنْ مُحَمَّدٍ صِحَاحٌ وَحَدِيثُهُ عَنْ الْحَسَنِ عَامَّتُهَا تَدُورُ عَلَى حَوْشَبٍ . وَقَالَ أَحْمَدُ صَالِحٌ وَقَالَ ابْنُ الْمُعِينِ : لَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ صَدُوقٌ وَقَالَ الْعِجْلِيّ : ثِقَةٌ حَسَنُ الْحَدِيثِ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَنَّهُ كَانَ يُضَعِّفُ حَدِيثَهُ عَنْ عَطَاءٍ ، وَقَالَ يَحْيَى هُوَ فِي مُحَمَّدٍ ثِقَةٌ ، وَتُوُفِّيَ فِي أَوَّلِ صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ ، قَالَهُ مَكِّيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ . ( هَمَّامُ بْنُ مُنَبِّهِ بْنِ كَامِلِ بْنِ سِيَجٍ الْأَنْبَارِيُّ الْيَمَانِيُّ الصَّنْعَانِيُّ يُكَنَّى أَبَا عُقْبَةَ وَهُوَ أَخُو وَهْبِ بْنِ مُنَبِّهٍ ) رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ صَحِيفَةً صَحِيحَةً وَعَنْ مُعَاوِيَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ رَوَى عَنْهُ أَخُوهُ وَهْبٌ وَابْنُ أَخِيهِ عَقِيلُ بْنُ مَعْقِلٍ وَعَلِيُّ بْنُ أَنَسٍ وَمَعْمَرُ بْنُ رَاشِدٍ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَغَيْرُهُ ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ إحْدَى وَقِيلَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ وَمِائَةٍ . ( هَمَّامُ بْنُ يَحْيَى بْنِ دِينَارٍ الْعَوْذِيُّ الْمَحْمِلِيُّ مِنْ الْأَزْدِ بَصْرِيٌّ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَقِيلَ أَبَا بَكْرٍ أَحَدُ أَئِمَّةِ الْحَدِيثِ ) رَوَى عَنْ الْحَسَنِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَيَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ وَخَلْقٍ ، رَوَى عَنْهُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَابْنُ مَهْدِيٍّ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَخَلْقٌ قَالَ أَحْمَدُ : ثَبْتٌ فِي كُلِّ الْمَشَايِخِ وَوَثَّقَهُ أَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو زُرْعَةَ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَمَّارٍ الْمَوْصِلِيُّ أَنَّ يَحْيَى الْقَطَّانَ كَانَ لَا يَعْبَأُ بِهِ مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ ، وَقِيلَ أَرْبَعٍ وَسِتِّينَ وَمِائَةٍ . ( وَائِلُ بْنُ حُجْرٌ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ وَائِلِ بْنِ يَعْمُرَ الْحَضْرَمِيُّ يُكَنَّى أَبَا هُنَيْدَةَ وَقِيلَ أَبَا هُنَيْدٍ ) كَانَ قِيلًا مِنْ أَقْيَالِ حَضْرَمَوْتَ ، وَكَانَ أَبُوهُ مِنْ مُلُوكِهِمْ { فَوَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكْرَمَهُ وَرَحَّبَ بِهِ وَبَسَطَ لَهُ رِدَاءَهُ فَأَجْلَسَهُ مَعَهُ عَلَيْهِ ، وَقِيلَ أَطْلَعَهُ مَعَهُ الْمِنْبَرَ فَأَثْنَى عَلَيْهِ ، وَقَالَ هَذَا وَائِلُ بْنُ حُجْرٌ بَقِيَّةُ الْأَقْيَالِ } وَقِيلَ إنَّهُ بَشَّرَهُمْ بِقُدُومِهِ قَبْلَ أَنْ يَقْدُمَ ، وَقَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ فِي وَائِلٍ وَوَلَدِهِ وَوَلَدِ وَلَدِهِ ، وَاسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْأَقْيَالِ مِنْ حَضْرَمَوْتَ ، وَكَتَبَ مَعَهُ ثَلَاثَةَ كُتُبٍ وَأَقْطَعَهُ أَرْضًا وَأَرْسَلَ مَعَهُ مُعَاوِيَةَ وَقِصَّتُهُ مَعَهُ مَعْرُوفَةٌ ، وَنَزَلَ الْكُوفَةَ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ ، رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ عَبْدُ الْجَبَّارِ وَعَلْقَمَةُ وَكُلَيْبُ بْنُ شِهَابٍ وَآخَرُونَ وَبَقِيَ إلَى زَمَنِ مُعَاوِيَةَ وَقَدِمَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَقْبَلْ جَائِزَتَهُ لَهُ ذِكْرٌ فِي الْأَدَبِ . ( وَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كُلَيْبٍ الْيَشْكُرِيُّ الْكُوفِيُّ ) يُكَنَّى أَبَا بِشْرٍ نَزَلَ الْمَدَائِنَ رَوَى عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَأَبِي الزِّنَادِ فِي آخَرِينَ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَشُعْبَةُ وَيَزِيدُ بْنُ هَارُونَ وَأَبُو نُعَيْمٍ وَآخَرُونَ ، قَالَ شُعْبَةُ لِأَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ عَلَيْك بِهِ فَإِنَّك لَا تَلْقَى بَعْدَهُ مِثْلَهُ حَتَّى تَرْجِعَ ، وَقَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ ثِقَةٌ وَقَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد صَاحِبُ سُنَّةٍ زَادَ أَبُو دَاوُد فِيهِ إرْجَاءٌ . ( وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ الْقُرَشِيُّ الْأَسَدِيُّ ) أَدْرَكَ ابْتِدَاءَ الْوَحْيِ وَاسْتَخْبَرَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ وَرَقَةُ : هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى ، ثُمَّ تُوُفِّيَ وَرَقَةُ قَبْلَ اشْتِهَارِ النُّبُوَّةِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ اخْتَلَفُوا فِي إسْلَامِ وَرَقَةَ وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ : هُوَ أَحَدُ مَنْ آمَنَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الْمَبْعَثِ وَمَا ذَكَرَهُ السُّهَيْلِيُّ هُوَ الصَّوَابُ فَقَدْ رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَسُبُّ وَرَقَةَ فَقَالَ : أَمَا عَلِمْت أَنِّي رَأَيْت لِوَرَقَةِ جَنَّةً أَوْ جَنَّتَيْنِ ؟ } قَالَ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْوَقَّاصِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ وَرَقَةَ فَقَالَتْ لَهُ خَدِيجَةُ : كَانَ صَدَّقَك وَلَكِنَّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : رَأَيْت وَرَقَةَ فِي الْمَنَامِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بَيَاضٌ ، وَلَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ لَكَانَ عَلَيْهِ لِبَاسٌ غَيْرُ ذَلِكَ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَعُثْمَانُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ . ( قُلْت ) وَقَدْ رَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ مُرْسَلًا لَيْسَ فِيهِ عَائِشَةُ وَهُوَ مُرْسَلٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ هَكَذَا . وَرَوَى ابْنُ عَسَاكِرَ فِي تَارِيخِ دِمَشْقَ بِإِسْنَادِهِ إلَى الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ { سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ وَرَقَةَ فَقَالَ أَبْصَرْته فِي بُطْنَانِ الْجَنَّةِ عَلَيْهِ السُّنْدُسُ } ، فَهَذَا مَعَ حَدِيثِ عَائِشَةَ مَعَ مُرْسَلِ عُرْوَةَ يُقَوِّي بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَهِيَ تَدُلُّ عَلَى إسْلَامِ وَرَقَةَ وَهُوَ الصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( الْوَلِيدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ مَخْزُومٍ الْقُرَشِيُّ الْمَخْزُومِيُّ ) أَخُو خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَسَرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ جَحْشٍ يَوْمَ بَدْرٍ كَافِرًا فَقَدِمَ أَخَوَاهُ خَالِدٌ وَهِشَامٌ فَافْتَكَّاهُ بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ ، وَقِيلَ افْتَكَّاهُ بِدِرْعٍ لِأَبِيهِمَا أُقِيمَتْ بِمِائَةِ دِينَارٍ ، فَلَمَّا فُدِيَ أَسْلَمَ فَقِيلَ لَهُ هَلَّا أَسْلَمْت وَأَنْتَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ كَرِهْت أَنْ تَظُنُّوا بِي أَنِّي جَزِعْت مِنْ الْإِسَارِ فَأَخَذُوهُ فَحَبَسُوهُ بِمَكَّةَ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو لَهُ فِي قُنُوتِهِ مَعَ الْمُسْتَضْعَفِينَ ، ثُمَّ أَفْلَتَ وَلَحِقَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَشَهِدَ مَعَهُ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ وَكَتَبَ إلَى أَخِيهِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَكَانَ هُوَ السَّبَبَ فِي هِجْرَةِ أَخِيهِ خَالِدٍ ، وَقِيلَ : إنَّهُ لَمَّا أَفْلَتَ مِنْ قُرَيْشٍ خَرَجَ عَلَى رِجْلَيْهِ وَطَلَبُوهُ فَلَمْ يُدْرِكُوهُ شَدًّا ، وَنُكِبَتْ أُصْبُعُهُ فَجَعَلَ يَقُولُ : هَلْ أَنْتِ إلَّا أُصْبُعٌ دَمِيَتْ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ مَا لَقِيت فَمَاتَ بِبِئْرِ أَبِي عُتْبَةَ عَلَى مِيلٍ مِنْ الْمَدِينَةِ قَالَ مُصْعَبٌ : وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ شَهِدَ عُمْرَةَ الْقَضِيَّةِ وَكَتَبَ إلَى أَخِيهِ خَالِدٍ فَكَانَ سَبَبَ هِجْرَتِهِ ، وَرَثَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا عَيْنُ فَابْكِي لِلْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَهْ قَدْ كَانَ عَيْنًا فِي السِّنِّ ينَ وَرَحْمَةً فِينَا وَمِيرَهْ ضَخْمَ الدَّسِيعَةِ مَاجِدٌ يَسْمُو إلَى طَلَبِ الْوَثِيرَهْ مِثْلَ الْوَلِيدِ بْنِ الْوَلِيدِ أَبِي الْوَلِيدِ كَفَى الْعَشِيرَهْ . ( يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ فَرُّوخَ أَبُو سَعِيدٍ التَّمِيمِيُّ الْبَصْرِيُّ الْقَطَّانُ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْأَعْلَامِ ) رَوَى عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ وَخَلْقٍ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى وَالْأَئِمَّةُ شُعْبَةُ وَالسُّفْيَانَانِ وَابْنُ مَهْدِيٍّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ وَابْنُ مَعِينٍ وَخَلْقٌ آخِرُهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ شَدَّادٍ الْمِسْمَعِيُّ قَالَ أَحْمَدُ مَا رَأَتْ عَيْنَايَ مِثْلَهُ فِي كُلِّ أَحْوَالِهِ هُوَ أَثْبَتُ مِنْ وَكِيعٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ وَيَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَأَبِي نُعَيْمٍ . وَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ : مَا كَانَ أَضْبَطَهُ وَأَشَدَّ تَفَقُّدَهُ وَقَالَ : مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَقَلَّ خَطَأً مِنْهُ وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : مَا رَأَيْت أَحَدًا أَعْلَمَ بِالرِّجَالِ مِنْهُ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا أَثْبَتَ مِنْهُ وَقَالَ ابْنُ مَهْدِيٍّ : لَا تَرَى بِعَيْنِك مِثْلَهُ أَبَدًا وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الشَّهِيدِيُّ كُنْت أَرَاهُ يُصَلِّي الْعَصْرَ ثُمَّ يَسْتَنِدُ إلَى أَصْلِ مَنَارَةِ الْمَسْجِدِ فَيَقِفُ بَيْنَ يَدَيْهِ أَحْمَدُ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ وَابْنُ مَعِينٍ وَالْفَلَّاسُ وَالشَّاذَكُونِيُّ وَغَيْرُهُمْ يَسَالُونَهُ عَنْ الْحَدِيثِ وَهُمْ قِيَامٌ عَلَى أَرْجُلِهِمْ إلَى قُرْبِ الْمَغْرِبِ لَا يَقُولُ لِوَاحِدٍ مِنْهُمْ اجْلِسْ وَلَا يَجْلِسُونَ هَيْبَةً لَهُ وَإِعْظَامًا . وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : أَقَامَ عِشْرِينَ سَنَةً يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ وَلَمْ يَفُتْهُ الزَّوَالُ فِي الْمَسْجِدِ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَقَالَ الْعِجْلِيّ : كَانَ لَا يُحَدِّثُ إلَّا عَنْ ثِقَةٍ وَقَالَ بُنْدَارٌ يَحْيَى : إمَامُ أَهْلِ زَمَانِهِ اخْتَلَفْتُ إلَيْهِ عِشْرِينَ سَنَةً فَمَا أَظُنُّ أَنَّهُ عَصَى اللَّهَ قَطُّ . وَقَالَ النَّسَائِيّ : أُمَنَاءُ اللَّهِ عَلَى حَدِيثِ رَسُولِهِ شُعْبَةُ وَمَالِكٌ وَيَحْيَى الْقَطَّانُ ، وُلِدَ فِي سَنَةِ عِشْرِينَ وَمِائَةٍ ، وَتُوُفِّيَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ وَمِائَةٍ . ( قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ وَلِيُّ الدِّينِ أَبْقَاهُ اللَّهُ تَعَالَى ) " فَاتَ الشَّيْخَ هَذِهِ التَّرْجَمَةُ فَكَتَبْتُهَا مِنْ عِنْدِي مُخْتَصَرَةً " ( يَحْيَى بْنُ سَعِيدِ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَمْرٍو وَقِيلَ ابْنُ فَهْدِ بْنِ سَهْلِ بْنِ ثَعْلَبَةَ الْأَنْصَارِيُّ النَّجَّارِيُّ أَبُو سَعِيدٍ الْمَدَنِيُّ أَحَدُ الْأَعْلَامِ ) وَلِيَ قَضَاءَ الْمَدِينَةِ ثُمَّ أَقْدَمَهُ الْمَنْصُورُ الْعِرَاقَ وَوَلَّاهُ الْقَضَاءَ بِالْهَاشِمِيَّةِ ، وَبِهَا مَاتَ وَقِيلَ إنَّهُ وَلِيَ الْقَضَاءَ بِبَغْدَادَ قَالَ الْخَطِيبُ وَلَيْسَ بِثَابِتٍ رَوَى عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ وَأَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَآخَرِينَ كَثِيرِينَ . رَوَى عَنْهُ الْحَمَّادَانِ وَالسُّفْيَانَانِ وَشُعْبَةُ وَمَالِكٌ وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ قَالَ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ : لَمْ أَرَ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ أَنْبَلَ عِنْدِي مِنْهُ وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ مَا تَرَكْت بِالْمَدِينَةِ أَحَدًا أَفْقَهَ مِنْهُ ، وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ كَانَ أَجَلَّ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ هُوَ أَثْبَتُ النَّاسِ . وَقَالَ مَالِكٌ : مَا خَرَجَ مِنَّا أَحَدٌ إلَى الْعِرَاقِ إلَّا تَغَيَّرَ غَيْرَ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ مَاتَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ أَرْبَعٍ وَأَرْبَعِينَ ، وَقِيلَ سِتٍّ وَأَرْبَعِينَ . ( يَحْيَى بْنُ سِيرِينَ الْبَصْرِيُّ مَوْلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ) رَوَى عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَخِيهِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ وَعُبَيْدَةَ ، رَوَى عَنْهُ أَخُوهُ مُحَمَّدٌ ، ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ثُمَّ قَالَ قِيلَ إنَّهُ كَانَ يَفْضُلُ عَلَى أَخِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ . ( يَحْيَى بْنُ شَرَفِ بْنِ مَرِيِّ بْنِ حَسَنِ بْنِ حِزَامٍ الْحِزَامِيُّ ) الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْعَلَّامَةُ شَيْخُ الْإِسْلَامِ مُحْيِي الدِّينِ أَبُو زَكَرِيَّا النَّوَوِيُّ وُلِدَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ الْمُحَرَّمِ سَنَةَ إحْدَى وَثَلَاثِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِنَوًى مِنْ عَمَلِ دِمَشْقَ ، وَقَدِمَ دِمَشْقَ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَأَرْبَعِينَ وَحَفِظَ التَّنْبِيهَ فِي سَنَةِ خَمْسِينَ فِي أَرْبَعَةٍ أَشْهُرٍ وَنِصْفٍ ، وَحَفِظَ رُبْعَ الْمُهَذَّبِ وَلَزِمَ الِاشْتِغَالَ لَيْلًا وَنَهَارًا نَحْوَ عَشْرِ سِنِينَ حَتَّى فَاقَ الْأَقْرَانَ ، ثُمَّ شَرَعَ فِي التَّصْنِيفِ مِنْ حُدُودِ السِّتِّينَ إلَى أَنْ مَاتَ ، وَسَمِعَ مِنْ شَيْخِ الشُّيُوخِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْمُحْسِنِ الْأَنْصَارِيِّ وَأَبِي إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُمَرَ بْنِ مُضَرَ وَالزَّيْنِ خَالِدِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ سَعْدٍ الْحَافِظِ وَأَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الدَّائِمِ وَالْكَمَالِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ عَبْدٍ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي الْيُسْرِ فِي آخَرِينَ كَثِيرِينَ ، وَتَفَقَّهَ عَلَى الْكَمَالِ إِسْحَاقُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُثْمَانَ الْمَعَرِّيُّ وَالْكَمَالُ سلار بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عُمَرَ الْإِرْبِلِيِّ وَغَيْرِهِمَا وَأَخَذَ النَّحْوَ عَنْ الْعَلَّامَةِ جَمَالِ الدِّينِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ وَأَخَذَ عِلْمَ الْحَدِيثِ عَنْ الزَّبْنِ خَالِدٍ الْمَذْكُورِ ، قَرَأَ عَلَيْهِ الْكَمَالُ لِعَبْدِ الْغَنِيِّ وَحَدَّثَ . رَوَى عَنْهُ تِلْمِيذُهُ الشَّيْخُ عَلَاءُ الدِّينِ عَلِيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ دَاوُد بْنِ الْعَطَّارِ وَالْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُوسُفَ الْمِزِّيُّ وَالشَّيْخُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ النَّقِيبِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْهَادِي وَآخَرُونَ وَبِالْإِجَازَةِ دَاوُد بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ دَاوُد بْنِ الْعَطَّارِ وَأَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمَيْدُومِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْبَرَكَاتِ الْمِصْرِيُّ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَنَا عَنْهُ بِالْإِجَازَةِ وَصَنَّفَ تَصَانِيفَ مُفِيدَةً مِنْهَا شَرْحُ مُسْلِمٍ وَالْأَذْكَارُ وَرِيَاضُ الصَّالِحِينَ وَالْبُسْتَانُ وَالرَّوْضَةُ وَالْمِنْهَاجُ وَدَقَائِقُهُ وَلُغَاتُ التَّنْبِيهِ وَتَصْحِيحُهُ وَنُكَتٌ عَلَيْهِ وَرُءُوسُ الْمَسَائِلِ وَكِتَابٌ فِي قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ وَمُخْتَصَرُ التَّذْنِيبِ وَالْمَنَاسِكُ الْكُبْرَى وَالصُّغْرَى وَالتِّبْيَانُ وَتَصْنِيفٌ فِي الِاسْتِسْقَاءِ وَتَصْنِيفٌ آخَرُ فِي جَوَازِ الْقِيَامِ وَالْأَرْبَعُونَ وَتَهْذِيبُ الْأَسْمَاءِ وَاللُّغَاتِ وَطَبَقَاتُ الْفُقَهَاءِ وَمَاتَ عَنْ هَذَيْنِ الْأَخِيرَيْنِ وَهُمَا مُسَوَّدَتَانِ فَبَيَّضَهُمَا أَبُو الْحَجَّاجِ الْحَافِظُ الْمِزِّيُّ وَالْفَتَاوَى الَّتِي سَمَّاهَا الْمَسَائِلَ الْمَنْثُورَةَ فَرَتَّبَهَا ابْنُ الْعَطَّارِ فَهَذَا مَا بَلَغَنَا أَنَّهُ أَكْمَلَهُ . وَأَمَّا مَا لَمْ يُكْمِلْ تَصْنِيفَهُ فَشَرْحُ الْبُخَارِيُّ وَالْخُلَاصَةُ فِي الْأَحْكَامِ وَشَرْحُ الْمُهَذَّبِ وَالتَّحْقِيقُ وَشَرْحُ التَّنْبِيهِ وَشَرْحُ الْوَسِيطِ الْمُسَمَّى بِالتَّنْقِيحِ وَنُكَتٌ عَلَيْهِ أَيْضًا وَمُهِمَّاتُ الْأَحْكَامِ وَالْإِشَارَاتُ عَلَى الرَّوْضَةِ وَالْأُصُولُ وَالضَّوَابِطُ قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الذَّهَبِيُّ : كَانَ مَعَ تَبَحُّرِهِ فِي الْعِلْمِ وَسَعَةِ مَعْرِفَتِهِ بِالْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ وَاللُّغَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا قَدْ سَارَتْ بِهِ الرُّكْبَانُ رَأْسًا فِي الزُّهْدِ قُدْوَةً فِي الْوَرَعِ . عَدِيمَ الْمِثْلِ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، قَانِعًا بِالْيَسِيرِ ، رَاضِيًا عَنْ اللَّهِ ، وَاَللَّهُ عَنْهُ رَاضٍ . مُقْتَصِدًا إلَى الْغَايَةِ فِي مَلْبَسِهِ وَمَطْعَمِهِ وَأَثَاثِهِ تَعْلُوهُ سَكِينَةٌ وَهَيْبَةٌ فَاَللَّهُ يَرْحَمُهُ وَيُسْكِنُهُ الْجَنَّةَ بِمَنِّهِ ، وَلِيَ مَشْيَخَةَ دَارِ الْحَدِيثِ بَعْدَ الشَّيْخِ شِهَابِ الدِّينِ بْنِ أَبِي شَامَةَ وَكَانَ لَا يَتَنَاوَلُ مِنْ مَعْلُومِهَا شَيْئًا بَلْ يَتَقَنَّعُ بِالْقَلِيلِ مِمَّا يَبْعَثُ بِهِ إلَيْهِ أَبُوهُ ، تُوُفِّيَ فِي الرَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ مِنْ رَجَبٍ سَنَةَ سِتٍّ وَسَبْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِقَرْيَةِ نَوًى عِنْدَ أَهْلِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَرَحِمَهُ . ( يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ الطَّائِيُّ الْيَمَامِيُّ ) وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ أَبِيهِ فَقِيلَ : صَالِحٌ وَقِيلَ يَسَارٌ وَقِيلَ دِينَارٌ ، وَكُنْيَةُ يَحْيَى أَبُو نَصْرٍ أَحَدُ الْأَعْلَامِ أَرْسَلَ عَنْ بَعْضِ الصَّحَابَةِ ، وَرَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ وَعَطَاءٍ وَأَبِي سَلَمَةَ وَخَلْقٍ رَوَى عَنْهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَمَعْمَرٌ وَشَيْبَانُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ النَّحْوِيُّ وَخَلْقٌ آخِرُهُمْ مَوْتًا أَبُو إسْمَاعِيلَ الْقَنَّادُ قَالَ أَيُّوبُ مَا بَقِيَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِثْلُهُ وَقَالَ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا بَعْدَ الزُّهْرِيِّ أَعْلَمَ بِحَدِيثِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْهُ . وَقَالَ شُعْبَةُ : هُوَ أَحْسَنُ حَدِيثًا مِنْ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ أَحْمَدُ : إذَا خَالَفَهُ الزُّهْرِيُّ فَالْقَوْلُ قَوْلُ يَحْيَى وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ إمَامٌ لَا يُحَدِّثُ إلَّا عَنْ ثِقَةٍ ، وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ كَانَ مِنْ الْعُبَّادِ إذَا حَضَرَ جِنَازَةً لَمْ يَتَعَشَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ وَلَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ يُكَلِّمُهُ ، وَكَانَ يُدَلِّسُ تُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَثَلَاثِينَ . ( يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ بْنِ عَوْنٍ وَقِيلَ غِيَاثُ بْنُ زِيَادٍ أَبُو زَكَرِيَّا الْغَطَفَانِيُّ الْبَغْدَادِيُّ الْحَافِظُ الْعَلَمُ ) رَوَى عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَيَحْيَى الْقَطَّانِ وَخَلَائِقَ ، رَوَى عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَعَبَّاسٌ الدَّوْرِيُّ وَجَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفِرْيَابِيُّ وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ وَأَحْمَدُ بْنِ الْحَسَنِ الصُّوفِيُّ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ وَخَلْقٌ كَثِيرُونَ قَالَ الْعِجْلِيّ : هُوَ مِنْ أَهْلِ الْأَنْبَارِ وَكَانَ أَبُوهُ كَاتِبًا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الطَّبَرِيُّ سَمِعْت ابْنَ مَعِينٍ يَقُولُ كَتَبْت بِيَدِي أَلْفَ أَلْفِ حَدِيثٍ . وَقَالَ عَبَّاسٌ الدَّوْرِيُّ عَنْهُ لَوْ لَمْ يَكْتُبْ الْحَدِيثَ مِنْ ثَلَاثِينَ وَجْهًا مَا عَقَلْنَاهُ ، قَالَ ابْنُ سَعِيدٍ : كَثَّرَ مِنْ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ وَكَانَ لَا يَكَادُ يُحَدِّثُ قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَتَبَ عَلَى كُتُبٍ وَقَالَ انْتَهَى الْعِلْمُ إلَى يَحْيَى بْنِ آدَمَ وَبَعْدَهُ إلَى ابْنِ مَعِينٍ . وَقَالَ أَيْضًا انْتَهَى الْعِلْمُ إلَى ابْنِ الْمُبَارَكِ وَبَعْدَهُ إلَى ابْنِ مَعِينٍ ، وَقَالَ أَيْضًا : دَارَ حَدِيثُ الثِّقَاتِ إلَى جَمَاعَةٍ إلَى أَنْ قَالَ وَصَارَ حَدِيثُ هَؤُلَاءِ كُلِّهِمْ إلَى يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ وَلَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ فِي النَّاسِ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَعْلَمُهُمْ بِصَحِيحِ الْحَدِيثِ وَسَقِيمِهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَقَالَ أَحْمَدُ أَعْلَمُنَا بِالرِّجَالِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَقَالَ أَيْضًا كُلُّ حَدِيثٍ لَا يَعْرِفُهُ يَحْيَى فَلَيْسَ بِحَدِيثٍ . وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ مَا قَدِمَ عَلَيْنَا مِثْلُ أَحْمَدَ وَيَحْيَى وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْبَرْدَعِيُّ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ كَانَ أَحْمَدُ لَا يَرَى الْكِتَابَةَ عَنْ أَبِي نَصْرٍ التَّمَّارِ وَلَا عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَلَا عَمَّنْ اُمْتُحِنَ فَأَجَابَ ، وُلِدَ يَحْيَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ وَمِائَةٍ ، وَتُوُفِّيَ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ بِمَدِينَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَهَا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فَمَاتَ فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ ، وَأُخْرِجَتْ لَهُ الْأَعْوَادُ الَّتِي غُسِّلَ عَلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَغُسِّلَ عَلَيْهَا ، وَقَالَ عَبَّاسُ حُمِلَ عَلَى أَعْوَادِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنُودِيَ بَيْنَ يَدَيْهِ هَذَا الَّذِي كَانَ يَنْفِي الْكَذِبَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( يَحْيَى بْنُ يَحْيَى بْنِ كَثِيرِ بْنِ وسلاس بْنِ شِمْلَالِ بْنِ منعايا اللَّيْثِيُّ مَوْلَاهُمْ الْبَرْبَرِيُّ الْمَصْمُودِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ الْقُرْطُبِيُّ ) يُكَنَّى أَبَا مُحَمَّدٍ أَحَدُ الْأَعْلَامِ وَعَالِمُ الْأَنْدَلُسِ سَكَنَ جَدُّهُ كَثِيرٌ الْأَنْدَلُسَ ، وَرَحَلَ يَحْيَى وَحَجَّ فَسَمِعَ الْمُوَطَّأَ عَنْ مَالِكٍ غَيْرَ أَبْوَابٍ مِنْ الِاعْتِكَافِ شَكَّ فِي سَمَاعِهَا فَرَوَاهَا عَنْ زِيَادِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ مَالِكٍ ، وَسَمِعَ أَيْضًا مِنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَابْنِ وَهْبٍ وَابْنِ الْقَاسِمِ وَآخَرِينَ . رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عُبَيْدُ اللَّهِ وَبَقِيُّ بْنُ مَخْلَدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ وَضَّاحٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ بْنِ الْوَلِيدِ وَآخَرُونَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : عَادَتْ فُتْيَا الْأَنْدَلُسِ بَعْدَ عِيسَى بْنِ دِينَارٍ عَلَيْهِ ، وَانْتَهَى السُّلْطَانُ وَالْعَامَّةُ إلَى رَأْيِهِ وَكَانَ فَقِيهًا حَسَنَ الرَّأْيِ إلَى أَنْ قَالَ : وَكَانَ إمَامَ أَهْلِ بَلَدِهِ وَالْمُقْتَدَى بِهِ مِنْهُمْ وَالْمَنْظُورَ إلَيْهِ وَالْمُعَوَّلَ عَلَيْهِ ، وَكَانَ ثِقَةً عَاقِلًا حَسَنَ الْهَدْيِ وَالسَّمْتِ يُشَبَّهُ بِمَالِكٍ فِي سَمْتِهِ قَالَ : وَلَمْ يَكُنْ لَهُ بَصَرٌ بِالْحَدِيثِ وَقَالَ ابْنُ الْفَرْضِيِّ كَانَ إمَامَ وَقْتِهِ وَوَاحِدَ بَلَدِهِ وَقَالَ ابْنُ بَشْكُوَالَ : كَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ مَاتَ فِي رَجَبٍ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَمِائَتَيْنِ وَقِيلَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَثَلَاثِينَ . ( يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمِّ أَبُو عَوْفٍ الْعَامِرِيُّ الْبُكَائِيُّ ) وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ الْأَصَمِّ وَقِيلَ الْأَصَمُّ مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ وَيَزِيدُ هَذَا كُوفِيٌّ نَزَلَ الْكُوفَةَ ، وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ مَيْمُونَةَ رَوَى عَنْهَا وَعَنْ ابْنِ خَالَتِهِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِمْ رَوَى عَنْهُ ابْنَا أَخِيهِ عَبْدُ اللَّهِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ ابْنَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْأَصَمِّ وَالزُّهْرِيُّ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَآخَرُونَ ، وَثَّقَهُ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَمِائَةٍ . ( يَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ) وَأَبُو حَبِيبٍ اسْمُهُ سُوَيْد أَبُو رَجَاءٍ الْأَزْدِيُّ مَوْلَاهُمْ الْمِصْرِيُّ عَالِمُ أَهْلِ مِصْرَ ، رَوَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جُزْءٍ وَلَهُ صُحْبَةٌ وَعَنْ أَبِي الْخَيْرِ مَرْثَدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ شِمَاسَةَ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَخَلْقٍ كَثِيرٍ حَتَّى كَتَبَ عَنْ أَصْحَابِهِ ، رَوَى عَنْهُ حَيْوَةُ بْنُ شُرَيْحٍ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَاللَّيْثُ وَآخَرُونَ قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ سَمِعْته يَقُولُ كَانَ أَبِي مِنْ دُنْقُلَةَ وَنَشَأْتُ بِمِصْرَ . قَالَ ابْنُ يُونُسَ كَانَ مُفْتِي أَهْلِ مِصْرَ فِي زَمَانِهِ ، وَكَانَ حَلِيمًا عَاقِلًا ، وَكَانَ أَوَّلَ مَنْ أَظْهَرَ الْعِلْمَ بِمِصْرَ وَالْكَلَامَ فِي الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ كَانَ ثِقَةً كَثِيرَ الْحَدِيثِ مَاتَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ وَمِائَةٍ قَالَ ابْنُ لَهِيعَةَ وُلِدَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَخَمْسِينَ . ( يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ بْنِ زَاذَى وَيُقَالُ زَاذَانَ أَبُو خَالِدٍ السُّلَمِيُّ الْوَاسِطِيُّ أَحَدُ الْأَئِمَّةِ الْأَعْلَامِ ) رَوَى عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَحُمَيْدَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانَ فِي خَلَائِقَ مِنْ التَّابِعِينَ وَأَتْبَاعِهِمْ ، رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمَدِينِيِّ وَالذُّهْلِيُّ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَآخَرُونَ وَمِنْ آخِرِ مَنْ رَوَى عَنْهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَرْوَحَ وَمُحَمَّدُ بْنُ رِبْح . قَالَ أَحْمَدُ كَانَ حَافِظًا مُتْقِنًا وَقَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : مَا رَأَيْت أَحْفَظَ مِنْهُ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ : مَا رَأَيْت أَتْقَنَ حِفْظًا مِنْهُ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ ثِقَةٌ إمَامٌ صَدُوقٌ لَا يُسْأَلُ عَنْ مِثْلِهِ وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ ثِقَةٌ كَثِيرُ الْحَدِيثِ ، وَقَالَ الْعِجْلِيّ : ثِقَةٌ ثَبْتٌ وَكَانَ مُتَعَبِّدًا حَسَنَ الصَّلَاةِ جِدًّا وَكَانَ قَدْ عَمَّرَ كَانَ يُصَلِّي الضُّحَى سِتَّ عَشْرَةَ رَكْعَةً . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ سِنَانٍ : مَا رَأَيْت عَالِمًا قَطُّ أَحْسَنَ صَلَاةً مِنْهُ يَقُومُ كَأَنَّهُ أُسْطُوَانَةٌ يُصَلِّي بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ لَمْ يَكُنْ يَفْتُرُ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ . وَقَالَ عَاصِمُ بْنُ عَلِيٍّ كَانَ إذَا صَلَّى الْعَتَمَةَ لَا يَزَالُ قَائِمًا حَتَّى يُصَلِّيَ الْغَدَاةَ بِذَلِكَ الْوُضُوء نَيِّفًا وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَقَالَ يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ كَانَ مِنْ الْآمِرِينَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّاهِينَ عَنْ الْمُنْكَرِ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ قُدَامَةَ الْجَوْهَرِيُّ عَنْهُ أَحْفَظُ خَمْسَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ إسْنَادٍ ، وَأَنَا سَيِّدُ مَنْ رَوَى عَنْ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ وَلَا فَخْرَ ، وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ شُعَيْبٍ السِّمْسَارِ سَمِعْتُهُ يَقُولُ : أَحْفَظُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ بِالْإِسْنَادِ وَلَا فَخْرَ وَأَحْفَظُ لِلشَّامِيِّينَ عِشْرِينَ أَلْفَ حَدِيثٍ لَا أُسْأَلُ عَنْهَا مَاتَ فِي أَوَّلِ سَنَةِ سِتٍّ وَمِائَتَيْنِ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِي سَنَةِ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَقِيلَ سَبْعَ عَشْرَةَ . ( يَعْقُوبُ الْقِبْطِيُّ ) الَّذِي دَبَّرَهُ أَبُو مَدْكُورٍ فَبَاعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نُعَيْمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ النَّحَّامِ لَا يُعْرَفُ لَهُ ذِكْرٌ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَتُوُفِّيَ يَعْقُوبُ هَذَا فِي إمَارَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ذُكِرَ فِي الْعِتْقِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . ( يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ بْنِ عَاصِمِ الْحَافِظُ أَبُو عُمَرَ النَّمَرِيُّ الْقُرْطُبِيُّ ) أَحَدُ الْأَعْلَامِ صَاحِبُ التَّمْهِيدِ وَالِاسْتِذْكَارِ وَالِاسْتِيعَابِ وَالتَّقَصِّي وَالْكُنَى وَغَيْرِ ذَلِكَ ، رَوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ نَصْرٍ وَأَبِي الْفَضْلِ أَحْمَدَ بْنِ الْقَاسِمِ الْقَامِرِيِّ وَعَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَسَدٍ وَخَلَفِ بْنِ قَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التَّمِيمِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَيِّدِ بْنِ أَبِي الْفَرَاهِيدِ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَكَمٍ الْقُرْطُبِيِّ فِي خَلَائِقَ . رَوَى عَنْهُ الْحُفَّاظُ أَبُو الْحَسَنِ طَاهِرُ بْنُ مُفَوِّزٍ الشَّاطِبِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي نَصْرٍ الْحُمَيْدِيُّ وَأَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْغَسَّانِيُّ الْجَيَّانِيُّ وَالْمُقْرِي أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الرَّوْشَنِ الشَّاطِبِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ شَفِيعٍ الْأَنْدَلُسِيُّ وَأَبُو بَحْرٍ سُفْيَانُ بْنُ الْعَاصِ الْأَسَدِيُّ الْأَنْدَلُسِيُّ وَالْعَلَّامَةُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي جَعْفَرٍ الْمُرْسِيُّ وَآخَرُونَ كَثِيرُونَ . وَرَوَى عَنْهُ بِالْإِجَازَةِ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَوْهَبٍ الْجُذَامِيُّ قَالَ الذَّهَبِيُّ وَلَيْسَ لِأَهْلِ الْمَغْرِبِ أَحْفَظُ مِنْهُ مَعَ الثِّقَةِ وَالدِّينِ وَالنَّزَاهَةِ وَالتَّبَحُّرِ فِي الْفِقْهِ وَالْعَرَبِيَّةِ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ طَاهِرُ بْنُ مُفَوِّزٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ لِخَمْسٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةٍ ، وَتُوُفِّيَ فِي سَلْخِ شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخِرِ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسِتِّينَ وَأَرْبَعِمِائَةٍ بِشَاطِبَةَ مِنْ الْأَنْدَلُسِ . ( يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي الزَّهْرَاءِ أَبُو الْحَجَّاجِ الْقُضَاعِيُّ الْكَلْبِيُّ الْمِزِّيُّ ) أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْأَعْلَامِ مَوْلِدُهُ بِظَاهِرِ حَلَبَ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ وَسِتِّمِائَةٍ ، وَنَشَأَ بِالْمِزَّةِ وَحَفِظَ الْقُرْآنَ فِي صِغَرِهِ ، وَقَرَأَ شَيْئًا مِنْ الْفِقْهِ وَالْعَرَبِيَّةِ ثُمَّ دَخَلَ دِمَشْقَ وَشَرَعَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ بِنَفْسِهِ ، وَلَهُ عِشْرُونَ سَنَةً فَسَمِعَ الْكَثِيرَ مِنْ أَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْخَيْرِ الْحَدَّادِ وَأَبِي الرَّجَاءِ مُؤَمَّلِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْبَالِسِيِّ وَأَبِي زَكَرِيَّا يَحْيَى بْنِ أَبِي مَنْصُورٍ الْحَرَّانِيِّ وَالْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْقَاسِمِ الْإِرْبِلِيِّ وَالْكَمَالِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَقْدِسِيَّ وَالْحَافِظِ أَبِي حَامِدٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ مَحْمُودِ بْنِ الصَّابُونِيِّ وَأَبِي الْغَنَائِمِ الْمُسْلِمِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْلِمِ الْقَيْسِيِّ وَأَبِي بَكْرِ بْنِ عُمَرَ بْنِ يُونُسَ الْحَنَفِيِّ وَأَبِي إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمَ بْنِ إسْمَاعِيلَ بْنِ الدَّرَجِيِّ وَالْمِقْدَادِ بْنِ هِبَةِ اللَّهِ الْقَيْسِيِّ وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عُمَرَ بْنِ قُدَامَةَ وَالرَّشِيدِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعَامِرِيِّ وَأَبِي الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنِ شَيْبَانُ بْنِ ثَعْلَبٍ الشَّيْبَانِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ أَبِي بَكْرِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْحَمَوِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْكَمَالِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزَّيْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ الْمَقْدِسِيَّ وَالْفَخْرِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ الْبُخَارِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ الصُّورِيِّ وَيُوسُفَ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ الْمُجَاوِرِ وَخَلَائِقَ لَا يُحْصَوْنَ ، ثُمَّ رَحَلَ إلَى الْقَاهِرَةِ فِي سَنَةَ ثَمَانِينَ فَسَمِعَ بِهَا مِنْ الْعِزِّ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ الْحَرَّانِيِّ وَعَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَحْيَى بْنِ خَطِيبِ الْمِزَّةِ وَغَازِي بْنِ أَبِي الْفَضْلِ الْحَلَاوِيِّ وَالنَّجِيبِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُؤَيَّدِ الْهَمْدَانِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ تَرْجَمَ وَالنَّجْمِ أَحْمَدَ بْنِ حَمْدَانَ وَخَلَائِقَ ، وَسَمِعَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ مِنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ طَرْخَانَ وَعَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّطِيفِ الْحَرَّانِيِّ وَالشَّرِيفِ تَاجِ الدِّينِ عَلِيِّ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْمُحْسِنِ الْغَرَّافِيِّ فِي آخَرِينَ ، وَسَمِعَ بِحَلَبِ مِنْ الْكَمَالِ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْقَاهِرِ بْنِ النَّصِيبِيِّ وَسُنْقُرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الزَّيْنِيِّ فِي آخَرِينَ ، وَسَمِعَ بِحَمَاةِ مِنْ التَّقِيِّ إدْرِيسَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَزِيزٍ وَالشَّرِيفِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمُغَيْزِلِ فِي آخَرِينَ ، وَسَمِعَ بَشِيرٌ مِنْ شَامِيَّةَ بِنْتِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَكْرِيِّ وَسَمِعَ بِنَابُلُسَ مِنْ عَبْدِ الْحَافِظِ بْنِ بَدْرَانَ وَغَيْرِهِ وَبِبَعْلَبَكَّ مِنْ التَّاجِ عَبْدِ الْخَالِقِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ وَزَيْنَبَ بِنْتِ عُمَرَ بْنِ كِنْدِيّ فِي آخَرِينَ ، وَسَمِعَ أَيْضًا بِالْحَرَمَيْنِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَحِمْصَ وَغَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ ، رَوَى عَنْهُ الْحُفَّاظُ وَالْأَئِمَّةُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ عُثْمَانُ الذَّهَبِيُّ وَأَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْكَافِي بْنِ عَلِيٍّ السُّبْكِيُّ وَأَبُو سَعِيدٍ خَلِيلُ بْنُ كيكلدي الْعَلَائِيُّ وَالْعِمَادُ إسْمَاعِيلُ بْنُ عُمَرَ بْنِ كَثِيرٍ وَأَبُو عُمَرَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدِ اللَّهِ بْنِ جَمَاعَةَ وَأَبُو الْمَعَالِي مُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَالصَّلَاحُ خَلِيلُ بْنُ أَيْبَكَ الصَّفَدِيُّ وَأَبُو الْمَحَاسِنِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَمْزَةَ الْحُسَيْنِيُّ وَخَلَائِقُ وَصَنَّفَ تَهْذِيبَ الْكَمَالِ وَالْأَطْرَافَ وَدَرَّسَ بِدَارِ الْحَدِيثِ الْأَشْرَفِيَّةِ ، وَانْتَفَعَ بِهِ النَّاسُ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ أَحْفَظُ مِنْهُ . قَالَ الذَّهَبِيُّ هُوَ الْإِمَامُ الْأَوْحَدُ الْعَالِمُ الْحُجَّةُ الْحَافِظُ الْمَأْمُونُ شَرَفُ الْمُحَدِّثِينَ عُمْدَةُ النُّقَّادِ شَيْخُنَا وَصَاحِبُ مُعْضِلَاتِنَا إلَى أَنْ قَالَ : بَرَعَ فِي فُنُونِ الْحَدِيثِ مَعَانِيهِ وَلُغَاتِهِ وَفِقْهِهِ وَعِلَلِهِ وَصَحِيحِهِ وَسَقِيمِهِ وَرِجَالِهِ ، فَلَمْ نَرَ مِثْلَهُ فِي مَعْنَاهُ وَلَا رَأَى هُوَ مِثْلَ نَفْسِهِ مَعَ الْإِتْقَانِ وَالصِّدْقِ وَحُسْنِ الْخَطِّ وَالدِّيَانَةِ وَحُسْنِ الْأَخْلَاقِ وَالسَّمْتِ الْحَسَنِ وَالْهَدْيِ الصَّالِحِ وَالتَّصَوُّفِ وَالْخَيْرِ وَالِاقْتِصَادِ فِي الْمَعِيشَةِ وَاللِّبَاسِ وَالْمُلَازَمَةِ لِلِاشْتِعَالِ وَالسَّمَاعِ مَعَ الْعَقْلِ التَّامِّ وَالرَّزَانَةِ وَالْفَهْمِ وَصِحَّةِ الْإِدْرَاكِ ، انْتَهَى كَلَامُهُ ، وَتُوُفِّيَ الْمِزِّيُّ فِي يَوْمِ السَّبْتِ ثَانِي عَشْرَ صَفَرٍ سَنَةَ ثِنْتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ وَسَبْعِمِائَةٍ . لَهُ ذِكْرٌ فِي الْحَجِّ . ( يُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عِيسَى الْمَشْهَدِيُّ ) رَوَى عَنْ الْحَافِظِ أَبِي عَلِيٍّ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْبَكْرِيِّ فِي آخَرِينَ ، رَوَى عَنْهُ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ عَبْدِ الْكَافِي السُّبْكِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْفَارِقِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْقَلَانِسِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَافِعٍ وَآخَرُونَ ، كَانَ أَحَدَ الْعُدُولِ بِالْقَاهِرَةِ ، تُوُفِّيَ فِي ذِي الْحِجَّةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَسَبْعِمِائَةٍ . ( يُونُسُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ أَبِي النَّجَّادِ الْأَيْلِيُّ أَبُو يَزِيدَ الْقُرَشِيُّ مَوْلَاهُمْ ) رَوَى عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْقَاسِمِ وَنَافِعٍ وَالزُّهْرِيِّ وَجَمَاعَةٍ ، رَوَى عَنْهُ الْأَئِمَّةُ الْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَابْنُ وَهْبٍ وَآخَرُونَ ، قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَابْنُ مَهْدِيٍّ : كِتَابُهُ صَحِيحٌ وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ : أَثْبَتُ النَّاسِ فِي الزُّهْرِيِّ مَالِكٌ وَمَعْمَرٌ وَيُونُسُ وَذَكَرَ جَمَاعَةً ، وَاخْتَلَفَ كَلَامُ أَحْمَدَ فَقَالَ مُرَّةُ : مَا أَحَدٌ أَعْلَمَ بِحَدِيثِ الزُّهْرِيِّ مِنْ مَعْمَرٍ إلَّا مَا كَانَ مِنْ يُونُسَ فَإِنَّهُ كَتَبَ كُلَّ شَيْءٍ هُنَاكَ . وَرَوَى الْأَثْرَمُ عَنْهُ أَنَّهُ ضَعَّفَ أَمْرَ يُونُسَ وَقَالَ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ الْحَدِيثَ وَعَقِيلٌ أَقَلُّ خَطَأً مِنْهُ وَنَحْوُهُ مَا رَوَاهُ الْمَيْمُونِيُّ عَنْهُ أَنَّهُ رَوَى أَحَادِيثَ مُنْكَرَةً وَكَذَا قَالَ ابْنُ سَعْدٍ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَرُبَّمَا جَاءَ بِالشَّيْءِ الْمُنْكَرِ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ نَحْنُ لَا نُقَدِّمُ فِي الزُّهْرِيِّ عَلَى يُونُسَ أَحَدًا وَقَالَ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ ثِقَةٌ ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ سَنَةَ سِتِّينَ وَمِائَةٍ . ( بَابُ الْكُنَى ) ( أَبُو بُرْدَةَ بْنُ نِيَارٍ ) وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ ، فَقَالَ الْأَكْثَرُونَ : هَانِئُ بْنُ نِيَارِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ كِلَابِ بْنِ غَانِمِ بْنِ هُبَيْرَةَ بْنِ ذُهْلِ بْنِ هَانِئِ بْنِ بَلِيِّ بْنِ عَمْرِو بْنِ حُلْوَانَ بْنِ إلْحَاقَ بْنِ قُضَاعَةَ الْبَلَوِيُّ الْحَارِثِيُّ حَلِيفٌ لِبَنِي حَارِثَةَ مِنْ الْأَنْصَارِ وَقِيلَ هَانِئُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نِيَارٍ ، وَقِيلَ اسْمُهُ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرٍو قَالَهُ ابْنُ أُخْتِهِ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ ، وَقِيلَ اسْمُهُ مَالِكُ بْنُ هُبَيْرَةَ قَالَهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْمُنْذِرِ الْحِزَامِيُّ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ أُخْتِهِ الْبَرَاءُ وَابْنُ أُخْتِهِ سَعِيدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَبَشِيرُ بْنُ بَشَّارٍ وَآخَرُونَ ، وَكَانَ عَقَبِيًّا بَدْرِيًّا شَهِدَ الْعَقَبَةَ الثَّانِيَةَ مَعَ السَّبْعِينَ فِي قَوْلِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَابْنِ إِسْحَاقَ وَالْوَاقِدِيِّ وَأَبِي مَعْشَرٍ وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَسَائِرَ الْمَشَاهِدِ ، وَحَمَلَ رَايَةَ بَنِي حَارِثَةَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ . وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَوْمَ أُحُدٍ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا فَرَسَانِ فَرَسٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَرَسٌ لِأَبِي بُرْدَةَ بْنِ نِيَارٍ ، وَتُوُفِّيَ فِي أَوَّلِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ قِيلَ سَنَةَ إحْدَى ، وَقِيلَ اثْنَتَيْنِ وَأَرْبَعِينَ ، لَهُ ذِكْرٌ فِي الْأُضْحِيَّةِ . ( أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُثْمَانَ ) تَقَدَّمَ فِي الْأَسْمَاءِ ( أَبُو بَكْرٍ الثَّقَفِيُّ ) اسْمُهُ نُفَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ ، تَقَدَّمَ أَبُو جَهْمِ بْنُ حُذَيْفَةَ بْنِ غَانِمِ بْنِ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عويج بْنِ عَدِيِّ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَشِيُّ الْعَدَوِيِّ ) وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِ أَبِي جَهْمٍ ، فَقِيلَ عَامِرٌ وَقِيلَ عُبَيْدٌ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ وَصَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ مُقَدَّمًا مُعَظَّمًا فِي قُرَيْشٍ ، قَالَ الزُّبَيْرُ : كَانَ مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ عَالِمًا بِالنَّسَبِ ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ كَانَتْ قُرَيْشٌ تَأْخُذُ عَنْهُمْ عِلْمَ النَّسَبِ ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ الَّذِينَ دَفَنُوا عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي أَهْدَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمِيصَةً لَهَا عَلَمٌ فَقَالَ : اذْهَبُوا بِهَا إلَيْهِ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّتِهِ وَاسْتَعْمَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّدَقَةِ ، وَانْفَرَدَ عَنْ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ بِأَنَّهُ شَهِدَ بِنَاءَ الْكَعْبَةِ مَرَّتَيْنِ مَرَّةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ حِينَ بَنَتْهَا قُرَيْشٌ ، وَمَرَّةً فِي الْإِسْلَامِ حِينَ بَنَاهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ هَكَذَا ذَكَرَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ وَقِيلَ إنَّهُ مَاتَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ قَبْلَ بِنَاءِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . لَهُ ذِكْرٌ فِي الصَّلَاةِ وَفِي الدِّيَاتِ أَيْضًا . ( أَبُو حُذَيْفَةَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْقُرَشِيُّ ) وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ مُهَشِّمٌ وَقِيلَ هُشَيْمِ وَقِيلَ هَاشِمٍ أَسْلَمَ قَبْلَ دُخُولِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَارَ الْأَرْقَمِ ، وَهَاجَرَ مَعَ امْرَأَتِهِ سَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ إلَى الْحَبَشَةِ فَوَلَدَتْ لَهُ هُنَاكَ مُحَمَّدًا ، ثُمَّ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ بِمَكَّةَ فَأَقَامَ بِهَا حَتَّى هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ ، وَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا وَالْخَنْدَقَ وَالْحُدَيْبِيَةَ وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا ، وَصَلَّى إلَى الْقِبْلَتَيْنِ ، وَكَانَ مِنْ فُضَلَاءِ الصَّحَابَةِ ، وَقُتِلَ يَوْمَ الْيَمَامَةِ شَهِيدًا وَهُوَ ابْنُ ثَلَاثٍ أَوْ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً ، لَهُ ذِكْرٌ فِي الرَّضَاعِ . ( أَبُو حُمَيْدٍ السَّاعِدِيُّ الْأَنْصَارِيُّ ) وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعِيدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ خَالِدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ سَاعِدَةَ وَقِيلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرِو بْنِ سَعْدِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَقِيلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدِ بْن الْمُنْذِرِ وَقِيلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَعْدِ بْنِ مَالِكِ وَقِيلَ اسْمُهُ الْمُنْذِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ الْمُنْذِرِ يَعُدْ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، رَوَى عَنْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ ، رَوَى عَنْهُ حَفِيدُهُ سَعْدُ بْنُ الْمُنْذِرِ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَعَمْرُو بْنُ سُلَيْمٍ الزُّرَقِيُّ وَآخَرُونَ ، وَتُوُفِّيَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ أَوْ أَوَّلِ خِلَافَةِ يَزِيدَ قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ . ( أَبُو الْخَيْرِ مَرْثَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْيَزَنِيُّ ) تَقَدَّمَ ( أَبُو دَاوُد سُلَيْمَانُ بْنُ الْأَشْعَثِ ) تَقَدَّمَ أَبُو رَافِعٍ مَوْلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) اُخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ إبْرَاهِيمُ وَقِيلَ قِيلَ ثَابِتٌ ، وَقِيلَ هُرْمُزُ كَانَ لِلْعَبَّاسِ فَوَهَبَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَلَمَّا بَشَّرَهُ بِإِسْلَامِ الْعَبَّاسِ أَعْتَقَهُ ، وَقِيلَ كَانَ لِسَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، وَشَهِدَ أَبُو رَافِعٍ أُحُدًا وَالْخَنْدَقَ ، وَرَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ ، رَوَى عَنْهُ أَوْلَادُهُ حَسَنٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ وَرَافِعٌ وَأَحْفَادُهُ صَالِحٌ وَالْفَضْلُ ابْنَا عُبَيْدِ اللَّهِ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي رَافِعٍ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَأَبُو سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ وَآخَرُونَ ، وَمَاتَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ وَقِيلَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ . ( أَبُو رَافِعٍ الصَّائِغُ ) اسْمُهُ نُفَيْعٌ وَهُوَ مَوْلَى ابْنَةِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَقِيلَ مَوْلَى لَيْلَى بِنْتِ الْعَجْمَاءِ وَهُوَ مَدَنِيٌّ نَزَلَ الْبَصْرَةَ وَعَدَّهُ مُسْلِمٌ فِي الْمُخَضْرَمِينَ ، أَدْرَكَ الْجَاهِلِيَّةَ ، وَرَوَى عَنْ الْخُلَفَاءِ الْأَرْبَعَةِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي آخَرِينَ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ وَابْنُ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو وَثَابِتٌ الْبُنَانِيَّ وَقَتَادَةُ وَآخَرُونَ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ أَهْلُ الْمَدِينَةِ شَيْئًا ؛ لِأَنَّهُ تَحَوَّلَ قَدِيمًا ، وَكَانَ ثِقَةً وَقَالَ الْعِجْلِيّ بَصْرِيٌّ ثِقَةٌ مِنْ كِبَارِ التَّابِعِينَ ، وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ . لَهُ ذِكْرٌ فِي آخِرِ كِتَابِ الطَّهَارَةِ . ( أَبُو الزُّبَيْرِ مُحَمَّدُ بْنُ مُسْلِمِ بْنِ تَدْرُسَ ) تَقَدَّمَ فِي الْأَسْمَاءِ ( أَبُو الزِّنَادِ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ ذَكْوَانَ ) تَقَدَّمَ ، وَأَبُو الزِّنَادِ لَقَبٌ لَهُ ( أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ) اسْمُهُ سَعْدُ بْنُ مَالِكٍ تَقَدَّمَ ، ( أَبُو سَعِيدٍ الْأَشَجُّ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَعِيدٍ ) تَقَدَّمَ ( أَبُو سُفْيَانَ الْأُمَوِيُّ اسْمُهُ صَخْرُ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ) أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ { وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ : مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ } وَشَهِدَ حُنَيْنًا وَأُعْطِيَ مِنْ غَنَائِمِهَا مِائَةَ بَعِيرٍ وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً ، وَشَهِدَ الطَّائِفَ وَفُقِئَتْ عَيْنُهُ يَوْمَئِذٍ . فَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ وَهِيَ فِي يَدِهِ أَيُّمَا أَحَبُّ إلَيْك عَيْنٌ فِي الْجَنَّةِ أَوْ أَدْعُو اللَّهَ أَنْ يَرُدَّهَا عَلَيْك ؟ قَالَ : بَلْ عَيْنٌ فِي الْجَنَّةِ ، وَرَمَى بِهَا } وَشَهِدَ الْيَرْمُوكَ فَقِيلَ فُقِئَتْ عَيْنُهُ الْأُخْرَى يَوْمَئِذٍ . رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَقَيْسُ بْنُ أَبِي حَازِمٍ وَالْمُسَيِّبُ بْنُ حَزْنٍ ، وَقَالَ خَمَدَتْ الْأَصْوَاتُ يَوْمَ الْيَرْمُوكِ إلَّا صَوْتَ رَجُلٍ يَقُولُ : يَا نَصْرَ اللَّهِ اقْتَرِبْ يَا نَصْرَ اللَّهِ اقْتَرِبْ فَرَفَعْت رَأْسِي فَإِذَا أَبُو سُفْيَانَ تَحْتَ رَايَةٍ ابْنِهِ يَزِيدَ ، وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ سَنَةَ إحْدَى وَقِيلَ اثْنَتَيْنِ وَقِيلَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ . ( أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ الزُّهْرِيُّ الْمَدَنِيُّ أَحَدُ الْأَعْلَامِ ) اُخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ ، وَقِيلَ إسْمَاعِيلُ وَقَالَ مَالِكٌ : اسْمُهُ كُنْيَتُهُ ، رَوَى عَنْ أَبِيهِ فَقِيلَ مُرْسَلًا وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي أُسَيْدٍ السَّاعِدِيِّ وَأَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي خَلْقٍ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عُمَرُ وَابْنُ أَخِيهِ سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ وَالْأَعْرَجُ وَالشَّعْبِيُّ وَالزُّهْرِيُّ وَيَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَخَلَائِقُ . قَالَ الزُّهْرِيُّ أَرْبَعَةٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَجَدْتُهُمْ بُحُورًا فَذَكَرَ مِنْهُمْ أَبَا سَلَمَةَ وَقَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ : فُقَهَاءُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَشَرَةٌ فَذَكَرَ مِنْهُمْ أَبَا سَلَمَةَ . وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ كَانَ ثِقَةً كَثِيرَ الْحَدِيثِ وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ ثِقَةٌ إمَامٌ ، وَقَالَ خَلِيفَةُ اسْتَقْضَاهُ سَعِيدُ بْنُ الْعَاصِ عَلَى الْمَدِينَةِ قِيلَ تُوُفِّيَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَمِائَةٍ ، وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَتِسْعِينَ عَنْ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ سَنَةً قَالَ ابْنُ سَعْدٍ وَهَذَا أَثْبَتُ . ( أَبُو طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيُّ زَيْدُ بْنُ سَهْلٍ ) تَقَدَّمَ ( أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ ) اسْمُهُ عَامِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْجَرَّاحِ بْنِ هِلَالِ بْنِ وُهَيْبٍ بْنِ ضَبَّةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ فِهْرٍ الْقُرَشِيُّ الْفِهْرِيُّ أَمِينُ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَحَدُ الْعَشَرَةِ الْمَشْهُودِ لَهُمْ بِالْجَنَّةِ ، شَهِدَ بَدْرًا وَقَتَلَ أَبَاهُ يَوْمَئِذٍ كَافِرًا ، رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ ، رَوَى عَنْهُ الْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ وَجَابِرٌ وَآخَرُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لِكُلِّ أُمَّةٍ أَمِينٌ وَأَمِينُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ } . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ { قُلْت لِعَائِشَةَ أَيُّ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَحَبَّ إلَيْهِ ؟ قَالَتْ أَبُو بَكْرٍ قُلْت فَمَنْ بَعْدَهُ ؟ قَالَتْ عُمَرُ قُلْت فَمَنْ بَعْدَهُ ؟ قَالَتْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ } . وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ يَوْمَ السَّقِيفَةِ دَعَا إلَى الْبَيْعَةِ إلَى عُمَرَ أَوْ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ وَوَلَّاهُ عُمَرُ الشَّامَ ، وَفَتَحَ اللَّهُ عَلَى يَدِهِ الْيَرْمُوكَ وَالْجَنِيَّةَ وَسَرْغَ وَالرَّمَادَةَ ، وَتُوُفِّيَ فِي طَاعُونِ عَمَوَاسَ سَنَةَ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ وَهُوَ ابْنُ ثَمَانٍ وَخَمْسِينَ سَنَةً . . ( أَبُو عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيُّ اسْمُهُ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيٍّ ) تَقَدَّمَ ( أَبُو قَتَادَةَ الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ ) اُخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ الْحَارِثُ رِبْعِيٍّ بْنُ بَلْدَمَةَ بْنِ خُنَاسِ بْنِ سِنَانِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ عَدِيِّ بْنِ غَنْمِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَلَمَةَ وَقِيلَ النُّعْمَانُ بْنُ رِبْعِيٍّ وَقِيلَ النُّعْمَانُ بْنُ عَمْرِو بْنِ بَلْدَمَةَ وَقِيلَ عَمْرُو بْنُ رِبْعِيٍّ بْنِ بَلْدَمَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي قَالَ فِيهِ { يَوْمَ ذِي قَرَدٍ : خَيْرُ فُرْسَانِنَا أَبُو قَتَادَةَ ، } وَشَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا . وَاخْتُلِفَ فِي شُهُودِهِ بَدْرًا فَقَالَ الشَّعْبِيُّ : كَانَ بَدْرِيًّا وَلَمْ يَذْكُرْهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَلَا ابْنُ إِسْحَاقَ فِي أَصْحَابِ بَدْرٍ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ عُمَرَ وَمُعَاذٍ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو سَعِيدٍ وَجَابِرٌ وَأَنَسٌ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَخَلْقٌ ، فَقِيلَ تُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ ، وَلَهُ سَبْعُونَ سَنَةً وَقِيلَ تُوُفِّيَ بِالْكُوفَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ وَثَلَاثِينَ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . ( أَبُو قِلَابَةَ الْجَرْمِيِّ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ) تَقَدَّمَ ( أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيُّ الْمَدَنِيُّ ) ، وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ بَشِيرٌ قَالَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَخَلِيفَةُ وَغَيْرُ وَاحِدٍ وَقَالَ أَحْمَدُ وَابْنُ مَعِينٍ اسْمُهُ رِفَاعَةُ ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ رِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ بْنِ زُبَيْرِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ أَحَدُ النُّقَبَاءِ بِالْعَقَبَةِ شَهِدَ بَدْرًا أَوْ قِيلَ رَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَّرَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ ، وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ ، وَشَهِدَ أُحُدًا وَمَا بَعْدَهَا وَكَانَتْ مَعَهُ رَايَةُ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ ، رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رَوَى عَنْهُ ابْنَاهُ السَّائِبُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَابْنُ عُمَرَ وَابْنُهُ سَالِمٌ وَآخَرُونَ ، وَهُوَ الَّذِي رَبَطَ نَفْسَهُ بِسَارِيَةٍ مِنْ سِوَارِي الْمَسْجِدِ بِضْعَةَ عَشَرَ يَوْمًا حَتَّى تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ ذَلِكَ فَقِيلَ إنَّهُ لَمَّا أَرَادَتْ قُرَيْظَةُ أَنْ تَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ أَشَارَ إلَيْهِمْ أَنَّهُ الذَّبْحُ فَنَدِمَ عَلَى ذَلِكَ ، وَقِيلَ أَنَّهُ { تَخَلَّفَ عَنْ تَبُوكَ فَرَبَطَ نَفْسَهُ ، وَحَلَفَ لَا يَحِلُّ نَفْسَهُ وَلَا يَذُوقُ طَعَامًا وَلَا شَرَابًا حَتَّى يَتُوبَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَوْ يَمُوتَ فَمَكَثَ سَبْعَةَ أَيَّامٍ حَتَّى خَرَّ مَغْشِيًّا عَلَيْهِ ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَحِلُّ نَفْسِي حَتَّى يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ يُحِلُّنِي فَجَاءَ فَحَلَّهُ بِيَدِهِ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهَذَا أَحْسَنُ وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهِ فَقِيلَ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقِيلَ بَقِيَ إلَى بَعْدِ الْخَمْسِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( أَبُو مَذْكُورٍ ) رَجُلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ كَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ مِنْ الْأَنْصَارِ لَهُ صُحْبَةٌ ، { دَبَّرَ عَبْدًا لَهُ يُقَالُ لَهُ يَعْقُوبُ ، فَبَاعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نُعَيْمٍ النَّحَّامِ } ، وَتُوُفِّيَ أَبُو مَذْكُورٍ هَذَا فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَلَا يُعْرَفُ أَبُو مَذْكُورٍ إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ( أَبُو مُسْلِمٍ الْكَشِّيُّ ) اسْمُهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُسْلِمٍ الْبَصْرِيُّ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الْأَعْلَامِ مُؤَلِّفُ كِتَابِ السُّنَنِ ، رَوَى عَنْ أَبِي عَاصِمٍ الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ النَّبِيلِ وَمُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُثَنَّى الْأَنْصَارِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْلَمَةً الْقَعْنَبِيّ وَمُسْلِمُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْفَرَاهِيدِيُّ وَحَامِدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الرَّفَّاءُ ، رَوَى عَنْهُ الْعَلَّامَةُ أَبُو الْفَضْلِ بَكْرُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبَصْرِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ مِقْسَمٍ وَأَبُو الْقَاسِمِ حَبِيبُ بْنُ الْحَسَنِ الْقَزَّازُ وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْآجُرِّيُّ وَالْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدُ بْنُ طَاهِرِ بْنِ النَّجْمِ الْمَيَانَجِيُّ وَيُوسُفُ بْنُ يَعْقُوبَ النَّجِيرَمِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ حَمْدَانَ الْقَطِيعِيُّ وَالْفَارُوقُ بْنُ عَبْدِ الْكَبِيرِ الْخَطَّابِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَيُّوبَ بْنِ مَاسِي وَأَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَمٍ الْحَنْبَلِيُّ وَأَبُو عَمْرٍو إسْمَاعِيلُ بْنُ نُجَيْدٍ السُّلَمِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّاهِرِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عَبْد اللَّهِ الذُّهْلِيُّ وَآخَرُونَ . وَثَّقَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَلَمَّا قَدِمَ بَغْدَادَ ازْدَحَمُوا عَلَيْهِ حَتَّى حُزِرَ مَجْلِسُهُ بِأَرْبَعِينَ أَلْفَ إنْسَانٍ وَزِيَادَةٍ ، وَكَانَ فِي الْمَجْلِسِ سَبْعَةُ مُسْتَمْلِينَ كُلُّ وَاحِدٍ يُبَلِّغُ الْآخَرَ قَالَ الذَّهَبِيُّ كَانَ مُحَدِّثًا حَافِظًا مُحْتَشِمًا كَبِيرَ الشَّأْنِ ، وَكَانَ مَوْلِدُهُ سَنَةَ مِائَتَيْنِ ، وَتُوُفِّيَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَتِسْعِينَ وَمِائَتَيْنِ ( أَبُو مُعَاوِيَةَ الضَّرِيرُ ) اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ حَازِمٍ تَقَدَّمَ ( أَبُو مُعَيْدٍ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَآخِرُهُ دَالٌ مُهْمَلَةٌ اسْمُهُ حَفْصُ بْنُ غَيْلَانَ تَقَدَّمَ . ( أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ) اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ قَيْسٍ تَقَدَّمَ ( أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ اسْمُهُ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) تَقَدَّمَ ( أَبُو هَارُونَ اسْمُهُ مُوسَى بْنُ أَبِي عِيسَى الْخَيَّاطُ ) تَقَدَّمَ ( أَبُو هُرَيْرَةَ الدَّوْسِيُّ ) صَاحِبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا عَلَى نَحْوِ ثَلَاثِينَ قَوْلًا ، أَصَحُّهَا عِنْدَ الْجُمْهُورِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ صَخْرٍ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ ، وَرَجَّحَهُ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَعَلَى هَذَا اعْتَمَدَتْ طَائِفَةٌ أَلَّفَتْ فِي الْأَسْمَاءِ وَالْكُنَى وَصَحَّحَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ الرَّافِعِيُّ ثُمَّ النَّوَوِيُّ ، وَبِهِ صَدَّرَ الْمِزِّيُّ كَلَامَهُ ، وَقِيلَ اسْمُهُ عُمَيْرُ بْنُ عَامِرٍ . وَهُوَ قَوْلُ خَلِيفَةَ بْنِ خَيَّاطٍ ، وَرَجَّحَهُ الْحَافِظُ شَرَفُ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيُّ قَالَ خَلِيفَةُ : هُوَ عُمَيْرُ بْنُ عَامِرِ بْنِ عَبْدِ ذِي الشِّرَاءِ بْنِ طَرِيفِ بْنِ عَتَّابِ بْنِ أَبِي صَعْبِ بْنِ هُنَيَّةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ سَلَمِ بْنِ بَهْمِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دَوْسِ وَقِيلَ اسْمُهُ عَبْدُ شَمْسٍ قَالَهُ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَحَكَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنِ مَعِينٍ وَأَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلِ بْنِ دُكَيْنٍ ، وَقِيلَ اسْمُهُ عَبْدُ عَمْرِو بْنُ عَبْدِ غَنْمٍ قَالَهُ ابْنُهُ الْمُحَرَّرُ بْنُ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَصَحَّحَهُ الْفَلَّاسُ وَقِيلَ اسْمُهُ عَبْدُ نَهْمِ بْنُ عَامِرٍ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ لَهِيعَةَ ، وَقِيلَ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ غَنْمٍ وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَامِرِ وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ شَمْسٍ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي خَيْثَمَةَ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ، وَقِيلَ سَكِينُ بْنُ دَرْمَةَ وَقِيلَ سَكِينُ بْنُ عَمْرٍو ، وَقِيلَ بَرِيرَةُ بْنُ عَسْرَقَةَ وَقِيلَ بَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَقِيلَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى ، وَقِيلَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْعُزَّى وَقِيلَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَمْرٍو . وَقِيلَ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ غَنْمٍ وَقِيلَ اسْمُهُ عَامِرٌ وَقِيلَ كُرْدُوسٍ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ فِي الْإِسْلَامِ عَبْدَ شَمْسٍ أَوْ عَبْدَ عَمْرٍو أَوْ عَبْدَ غَنْمٍ قَالَ : وَهَذَا إنْ كَانَ شَيْءٌ مِنْهُ إنَّمَا كَانَ شَيْءٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . وَأَمَّا فِي الْإِسْلَامِ فَاسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ أَوْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ . وَقَالَ الْهَيْثَمُ بْنُ عَدِيٍّ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أَبِي أُوَيْسٍ كَانَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدَ شَمْسٍ وَفِي الْإِسْلَامِ عَبْدُ اللَّهِ ، وَرَوَى يُونُسُ بْنُ بُكَيْر عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : حَدَّثَنِي بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ اسْمِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبْدَ شَمْسٍ فَسُمِّيت فِي الْإِسْلَامِ عَبْدَ الرَّحْمَنِ ، وَإِنَّمَا كُنِّيت بِأَبِي هُرَيْرَةَ ؛ لِأَنِّي وَجَدْت هِرَّةً فَحَمَلْتهَا فِي كُمِّي فَقِيلَ لِي مَا هَذَا ؟ فَقُلْت هِرَّةٌ قِيلَ لِي فَأَنْتَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَقِيلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الَّذِي كَنَّاهُ بِذَلِكَ ؛ لِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهَذَا أَشْبَهُ عِنْدِي ، أَسْلَمَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَامَ خَيْبَرَ وَشَهِدَهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ لَزِمَهُ وَوَاظَبَهُ حَتَّى كَانَ أَحْفَظَ أَصْحَابِهِ . وَرَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكْثَرَ ذَكَرَ بَقِيٍّ بْنُ مَخْلَدٍ أَنَّهُ رَوَى خَمْسَةَ آلَافِ حَدِيثٍ . وَثَلَثَمِائَةٍ وَأَرْبَعَةً وَسَبْعِينَ حَدِيثًا ، وَرَوَى عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ وَآخَرِينَ ، رَوَى عَنْهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ عُمَرَ وَجَابِرٌ وَأَنَسٌ وَوَاثِلَةُ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ هُرْمُزَ الْأَعْرَجُ وَخَلَائِقُ قَالَ الْبُخَارِيُّ : رَوَى عَنْهُ أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ بَيْنِ صَاحِبٍ وَتَابِعٍ وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { : إنَّ إخْوَانَنَا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ ، وَإِنَّ إخْوَانَنَا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ يَشْغَلُهُمْ الْعَمَلُ فِي أَمْوَالِهِمْ ، وَإِنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يَلْزَمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِشِبَعِ بَطْنِهِ وَيَحْضُرُ مَا لَا يَحْضُرُونَ وَيَحْفَظُ مَا لَا يَحْفَظُونَ } . . وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِهِ { قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَسْمَعُ مِنْك حَدِيثًا كَثِيرًا أَنْسَاهُ قَالَ اُبْسُطْ رِدَاءَك فَبَسَطْته فَغَرَفَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ ضُمَّهُ فَضَمَمْته فَمَا نَسِيت شَيْئًا بَعْدُ } . وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا عَنْهُ قَالَ : " حَفِظْت مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُعَاءَيْنِ فَأَمَّا أَحَدُهُمَا فَبَثَثْته وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَوْ بَثَثْته قُطِعَ مِنِّي هَذَا الْبُلْعُومُ " قَالَ عِكْرِمَةُ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُسَبِّحُ كُلَّ يَوْمٍ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَلْفَ تَسْبِيحَةٍ . وَقَالَ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ كَانَ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَخَادِمُهُ يَتَعَاقَبُونَ اللَّيْلَ أَثْلَاثًا بِالصَّلَاةِ وَاسْتَعْمَلَهُ عُمَرُ عَلَى الْبَحْرَيْنِ ثُمَّ عَزَلَهُ ، ثُمَّ أَرَادَهُ عَلَى الْعَمَلِ فَأَبَى ، وَاسْتَعْمَلَهُ مُعَاوِيَةُ عَلَى الْمَدِينَةِ ثُمَّ عَزَلَهُ بِمَرْوَانَ وَلَمْ يَزَلْ يَسْكُنُ الْمَدِينَةَ إلَى أَنْ مَاتَ بِهَا فَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ وَقِيلَ سَنَةَ ثَمَانٍ وَقِيلَ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ مَاتَ بِالْعَقِيقِ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ الْوَلِيدَ بْنُ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ كَانَ يَوْمَئِذٍ أَمِيرًا بِالْمَدِينَةِ . وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ اللَّهُمَّ لَا تُدْرِكُنِي سَنَةَ سِتِّينَ ، فَتُوُفِّيَ قَبْلَهَا أَوْ فِيهَا . ( ابْنُ حِبَّانَ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ ) تَقَدَّمَ ( ابْنُ حَزْمٍ اسْمُهُ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ ) تَقَدَّمَ ( ابْنُ خُزَيْمَةَ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ) تَقَدَّمَ ( ابْنُ خَطَلٍ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ ) كَمَا قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ ، وَقِيلَ اسْمُهُ هِلَالُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَهُ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ وَقِيلَ اسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى ، حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، كَانَ أَسْلَمَ وَكَتَبَ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ارْتَدَّ فَكَانَتْ لَهُ قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ قَالُوا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ اُقْتُلُوهُ } ، فَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ نَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ خَاتِمَةِ السُّوءِ ، لَهُ ذِكْرٌ فِي الْحَجِّ بِهَذَا . ( ابْنُ أَبِي دَاوُد اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سُلَيْمَانَ ) تَقَدَّمَ ( ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) تَقَدَّمَ ( ابْنُ سِنَانٍ اسْمُهُ أَحْمَدُ ) تَقَدَّمَ ( ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اسْمُهُ يُوسُفُ ) تَقَدَّمَ ( ابْنُ عَدِيٍّ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ ) تَقَدَّمَ ( ابْنُ الْقَطَّانِ اسْمُهُ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ ) تَقَدَّمَ ( ابْنُ مَاجَهْ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ ) تَقَدَّمَ ( ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ اسْمُهُ عَمْرٌو ) تَقَدَّمَ ( ابْنُ مَنْدَهْ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ) تَقَدَّمَ ( ابْنُ الْمُنْذِرِ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ) تَقَدَّمَ ( ابْنُ نُمَيْرٍ اسْمُهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ ) تَقَدَّمَ ( فَصْلٌ فِيمَنْ اُشْتُهِرَ بِنِسْبَةٍ ) ( الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ ) تَقَدَّمَ ( الْأَصِيلِيُّ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ إبْرَاهِيمَ ) تَقَدَّمَ ( الْبُخَارِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ ) تَقَدَّمَ ( الْبَزَّارُ أَحْمَدُ بْنُ عُمَرَ ) تَقَدَّمَ ( الْبَيْهَقِيُّ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ ) تَقَدَّمَ ( التِّرْمِذِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى ) تَقَدَّمَ ( الْحَازِمِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ مُوسَى ) تَقَدَّمَ ( الْحَاكِمُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) تَقَدَّمَ ( الْخَطَّابِيُّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ ) تَقَدَّمَ ( الْخَلَّالُ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ ) تَقَدَّمَ ( الدَّارَقُطْنِيُّ عَلِيُّ بْنُ عُمَرَ ) تَقَدَّمَ ( الدَّارِمِيُّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) تَقَدَّمَ ( الشَّافِعِيُّ مُحَمَّدُ بْنُ إدْرِيسَ ) تَقَدَّمَ ( الطَّحَاوِيُّ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَلَامَةَ ) تَقَدَّمَ ( الْكَشِّيُّ أَبُو مُسْلِمٍ إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ ) تَقَدَّمَ فِي الْكُنَى ( الْمِزِّيُّ يُوسُفُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ) تَقَدَّمَ ( النَّسَائِيّ أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ) تَقَدَّمَ ( بَابٌ فِي النِّسَاءِ ) ( أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ) أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ رَوَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَوَى عَنْهَا ابْنَاهَا عَبْدُ اللَّهِ وَعُرْوَةُ وَأَحْفَادُهَا عَبَّادُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَبَّادُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَصَفِيَّةُ بِنْتُ شَيْبَةَ وَآخَرُونَ ، وَكَانَتْ تُسَمَّى ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ لِمَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ الْهِجْرَةِ وَقِيلَ فِي سَبَبِهِ غَيْرُ ذَلِكَ أَسْلَمَتْ بَعْدَ سَبْعَةَ عَشَرَ إنْسَانًا ، قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَهَاجَرَتْ وَهِيَ حَامِلٌ بِابْنِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَكَانَتْ عَارِفَةً بِتَعْبِيرِ الرُّؤْيَا حَتَّى قِيلَ أَخَذَ ابْنُ سِيرِينَ التَّعْبِيرَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَأَخَذَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَسْمَاءَ وَأَخَذَتْهُ أَسْمَاءُ عَنْ أَبِيهَا . وَقَالَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْمُنْذِرِ كَانَتْ جَدَّتِي أَسْمَاءُ تَمْرَضُ الْمَرْضَةَ فَتُعْتِقُ كُلَّ مَمْلُوكٍ لَهَا ، وَقَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ مَا رَأَيْت امْرَأَتَيْنِ قَطُّ أَجْوَدَ مِنْ عَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ وَجُودُهُمَا مُخْتَلِفٌ أَمَّا عَائِشَةُ فَكَانَتْ تَجْمَعُ الشَّيْءَ إلَى الشَّيْءِ حَتَّى إذَا اجْتَمَعَ عِنْدَهَا وَضَعَتْهُ مَوَاضِعَهُ . وَأَمَّا أَسْمَاءُ فَكَانَتْ لَا تَدَّخِرُ شَيْئًا لِغَدٍ وَهِيَ آخِرُ الْمُهَاجِرَاتِ وَفَاةً ، تُوُفِّيَتْ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَلَاثٍ وَسَبْعِينَ بِمَكَّةَ بَعْدَ ابْنِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِأَيَّامٍ ، قِيلَ لَمْ تَمْكُثْ بَعْدَهُ إلَّا بِمِقْدَارِ مَا جَاءَ كِتَابُ عَبْدِ الْمَلِكِ بِإِنْزَالِ ابْنِهَا عَبْدِ اللَّهِ مِنْ الصَّلْبِ فَقِيلَ عَشَرَةُ أَيَّامٍ وَقِيلَ عِشْرُونَ وَقِيلَ بِضْعٌ وَعِشْرُونَ ، وَبَلَغَتْ مِائَةَ سَنَةٍ لَمْ تَسْقُطْ لَهَا سِنٌّ وَلَمْ يُنْكَرْ لَهَا عَقْلٌ ، لَهَا ذِكْرٌ فِي آخِرِ الْجِهَادِ فِي الْهِجْرَةِ ( أُنَيْسَةُ بِنْتُ خُبَيْبِ ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مُصَغَّرًا ابْنِ يَسَافَ وَقِيلَ إسَافَ الْأَنْصَارِيَّةُ رَوَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا فِي أَذَانِ بِلَالٍ وَابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ رَوَاهُ عَنْهَا ابْنُ أَخِيهَا خُبَيْبِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ اُخْتُلِفَ فِي صُحْبَتِهَا ، لَهَا ذِكْرٌ فِي الْأَذَانِ ( بَرِيرَةُ مَوْلَاةُ عَائِشَةَ بِنْتِ الصِّدِّيقِ ) رُوِيَ لَهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَانِ وَلَيْسَا بِمَحْفُوظَيْنِ ، رَوَى عَنْهَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ إنْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُمَا . لَهَا ذِكْرٌ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ فِي الْحُدُودِ . ( حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ) أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ الْعَدَوِيَّةُ شَقِيقَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أُمُّهَا زَيْنَبُ بِنْتُ مَظْعُونٍ ، مَوْلِدُهَا قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِخَمْسِ سِنِينَ وَكَانَتْ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ ، وَكَانَتْ تَحْتَ خُنَيْسِ بْنِ حُذَافَةَ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْتَلَفُوا مَتَى تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَرَوَيْنَا عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَعْمَرِ بْنِ الْمُثَنَّى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْأَكْثَرُونَ ذَهَبُوا إلَى أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا سَنَةَ ثَلَاثٍ ، وَاسْتَشْكَلَهُ الذَّهَبِيُّ فِي مُخْتَصَرِ التَّهْذِيبِ فَقَالَ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَيْفَ يَصِحُّ أَنَّ خُنَيْسًا اُسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ ، وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَ بِهَا عَامَ أُحُدٍ أَوْ قَبْلَ أُحُدٍ ، اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يَكُونَ خُنَيْسٌ طَلَّقَهَا فَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ إنَّمَا جَاءَ الْإِشْكَالُ مِنْ حَيْثُ إنَّ الذَّهَبِيَّ جَزَمَ أَوَّلًا مِنْ زَوَائِدِهِ أَنَّ خُنَيْسًا اُسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَإِنَّهُ جَزَمَ بِهِ فِي تَرْجَمَةِ خُنَيْسٍ ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَكَانَ الْإِشْكَالُ صَحِيحًا ؛ لِأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا أَنَّ وَقْعَةَ أُحُدٍ فِي شَوَّالٍ إمَّا فِي سَابِعِهِ أَوْ فِي حَادِي عَشَرَهُ أَوْ نِصْفِهِ أَقْوَالٌ ، وَلَكِنْ قَدْ وَهَّمَ الْحُفَّاظُ وَالْمُتَأَخِّرُونَ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ فِي قَوْلِهِ : إنَّهُ اُسْتُشْهِدَ بِأُحُدٍ ، وَإِنَّمَا تُوُفِّيَ قَبْلَهَا بِالْمَدِينَةِ . وَاَلَّذِي ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ أَنَّهُ شَهِدَ بَدْرًا ، وَتُوُفِّيَ بِالْمَدِينَةِ قَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمُرِيُّ وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ مَاتَ بِالْمَدِينَةِ عَلَى رَأْسِ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ شَهْرًا بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ بَدْرٍ وَتَأَيَّمَتْ مِنْهُ حَفْصَةُ بِنْتُ عُمَرَ فَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَعْبَانَ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثِينَ شَهْرًا . وَقَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْعِبَرِ : إنَّهُ دَخَلَ بِهَا فِي رَمَضَانَ وَقَدْ قِيلَ إنَّمَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ أُحُدٍ ، وَمِمَّا وَهَمَ فِيهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا قَوْلُهُ { إنَّ عُمَرَ عَرَضَهَا عَلَى أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَرْجِعْ إلَيْهِ ، ثُمَّ عَرَضَهَا عَلَى عُثْمَانَ حِينَ مَاتَتْ رُقَيَّةُ فَقَالَ مَا أُرِيدُ أَنْ أَتَزَوَّجَ الْيَوْمَ فَانْطَلَقَ عُمَرُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَكَا إلَيْهِ عُثْمَانَ } إلَى آخِرِ الْقِصَّةِ . وَقَدْ تَبِعَ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ فِي ذَلِكَ أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمُرِيُّ فِي عُيُونِ الْأَثَرِ وَالذَّهَبِيُّ فِي مُخْتَصَرِ التَّهْذِيبِ ، وَاَلَّذِي ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِالْإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ إلَى عُمَرَ أَنَّهُ عَرَضَهَا عَلَى عُثْمَانَ أَوَّلًا ، ثُمَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، رَوَتْ حَفْصَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَوَى عَنْهَا أَخُوهَا ابْنُ عُمَرَ وَابْنُهُ حَمْزَةُ وَالْمُطَّلِبُ بْنُ أَبِي وَدَاعَةَ وَصَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ وَآخَرُونَ . وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَّقَ حَفْصَةَ ثُمَّ ارْتَجَعَهَا } وَهَذَا مُرْسَلٌ ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ الرَّبِيعِ الْجِيزِيُّ فِي كِتَابِ مَنْ دَخَلَ مِصْرَ مِنْ الصَّحَابَةِ بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ { طَلَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَفْصَةَ فَبَلَغَ ذَلِكَ عُمَرَ فَحَثَا عَلَى رَأْسِهِ التُّرَابَ ، وَقَالَ مَا يَعْبَأُ اللَّهُ بِعُمَرَ وَابْنَتِهِ بَعْدَ هَذَا ، فَنَزَلَ جِبْرِيلُ مِنْ الْغَدِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُك أَنْ تُرَاجِعَ حَفْصَةَ رَحْمَةً لِعُمَرَ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَطَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً ، ثُمَّ ارْتَجَعَهَا وَذَلِكَ { أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لَهُ رَاجِعْ حَفْصَةَ فَإِنَّهَا صَوَّامَةٌ قَوَّامَةٌ ، وَإِنَّهَا زَوْجَتُك فِي الْجَنَّةِ } . وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهَا فَقَالَ الْوَاقِدِيُّ : تُوُفِّيَتْ سَنَةَ خَمْسٍ وَأَرْبَعِينَ . وَقَالَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَأَبُو مَعْشَرٍ سَنَةَ إحْدَى وَأَرْبَعِينَ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيُّوبَ : سَنَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَهَذَا قَوْلُ مَالِكٍ فَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ عَامَ اُفْتُتِحَتْ إفْرِيقِيَّةُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَعَ لَهَا حَدِيثٌ مُتَّصِلٌ فِي صَلَاةِ التَّطَوُّعِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ تَرَاجِمِ الْكِتَابِ . ( حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشِ بْنِ رَبَابِ بْنِ يَعْمُرَ بْنِ صَبِرَةَ بْنِ مُرَّةَ بْنِ كَبِيرِ بْنِ غَنْمِ بْنِ دُودَانَ بْنِ أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ الْأَسَدِيَّةِ ) كُنْيَتُهَا أُمُّ حَبِيبَةَ فِيمَا ذَكَرَ الزُّهْرِيُّ كَانَتْ تَحْتَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ فَقُتِلَ عَنْهَا يَوْمَ أُحُدٍ فَتَزَوَّجَهَا طَلْحَةُ وَكَانَتْ مُسْتَحَاضَةً رَوَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَهَا فِي ذَلِكَ ، رَوَى عَنْهَا ابْنُهَا عِمْرَانُ بْنُ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ وَعَمْرَةُ فِيمَا قِيلَ ، وَزَعَمَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْمُسْتَحَاضَةَ أُخْتُهَا أُمُّ حَبِيبٍ حَبِيبَةُ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، لَهَا ذِكْرٌ فِي الْحُدُودِ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ وَكَذَلِكَ أُخْتُهَا ( خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيٍّ الْقُرَشِيَّةُ الْأَسَدِيَّةِ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) كَانَ مَوْلِدُهَا قَبْلَ الْفِيلِ بِخَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ، وَتَزَوَّجَتْ أَوَّلًا بِعَائِدٍ وَقِيلَ عَتِيقُ بْنُ عَائِدٍ ، ثُمَّ تَزَوَّجَتْ بِأَبِي هَالَةَ هِنْدَ بْنِ زُرَارَةَ ثُمَّ تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَقِيلَ ابْنُ إحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَقِيلَ ابْنُ ثَلَاثِينَ فَأَقَامَتْ مَعَهُ خَمْسًا أَوْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَلَدَتْ لَهُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ الْقَاسِمَ ثُمَّ زَيْنَبَ ثُمَّ رُقَيَّةَ ثُمَّ فَاطِمَةَ ثُمَّ أُمَّ كُلْثُومٍ وَوَلَدَتْ لَهُ فِي الْإِسْلَامِ عَبْدَ اللَّهِ وَسُمِّيَ الطَّيِّبَ وَالطَّاهِرَ . وَقِيلَ إنَّ الطَّيِّبَ وَالطَّاهِرَ اثْنَانِ غَيْرُهُ ، وَقِيلَ فِي تَرْتِيبِ مَوَالِيدِهِمْ غَيْرُ ذَلِكَ فَقِيلَ : إنَّ فَاطِمَةَ أَصْغَرُ مِنْ أُمِّ كُلْثُومٍ وَرَجَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ ادَّعَى الثَّعْلَبِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ { خَيْرُ نِسَائِهَا مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ } ، وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { أَتَى جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْ مَعَهَا إنَاءٌ فِيهِ طَعَامٌ وَشَرَابٌ فَإِذَا هِيَ أَتَتْك فَاقْرَأْ عَلَيْهَا السَّلَامَ مِنْ رَبِّهَا وَبَشِّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنَّةِ مِنْ قَصَبٍ لَا صَخَبَ فِيهِ وَلَا نَصَبَ } . وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { اسْتَأْذَنَتْ هَالَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ أُخْتُ خَدِيجَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعْرِفُ اسْتِئْذَانَ خَدِيجَةَ وَارْتَاعَ لِذَلِكَ فَقَالَ : اللَّهُمَّ هَالَةَ قَالَتْ فَغِرْت فَقُلْت : مَا تَذْكُرُ مِنْ عَجُوزٍ مِنْ عَجَائِزِ قُرَيْشٍ حَمْرَاءَ الشِّدْقَيْنِ هَلَكَتْ فِي الدَّهْرِ قَدْ أَبْدَلَك اللَّهُ خَيْرًا مِنْهَا } . وَزَادَ أَحْمَدُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ { قَالَ : مَا أَبْدَلَنِي اللَّهُ بِهَا خَيْرًا مِنْهَا لَقَدْ آمَنَتْ بِي حِينَ كَفَرَ النَّاسُ ، وَصَدَقَتْنِي حِينَ كَذَّبَنِي النَّاسُ ، وَأَشْرَكَتْنِي فِي مَالِهَا حِينَ حَرَمَنِي النَّاسُ وَرَزَقَنِي اللَّهُ وَلَدَهَا وَحَرَمَنِي وَلَدَ غَيْرِهَا فَقُلْت : وَاَللَّهِ لَا أُعَاتِبُك فِيهَا بَعْدَ الْيَوْمِ } وَفِي إسْنَادِهِ مُجَالِدٌ ، وَتُوُفِّيَتْ خَدِيجَةُ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ قَالَهُ عُرْوَةُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : مَاتَتْ بَعْدَ الْمَبْعَثِ بِسَبْعَةِ أَعْوَامٍ ، وَبَلَغَتْ مِنْ الْعُمْرِ خَمْسًا وَسِتِّينَ سَنَةً ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَدُفِنَتْ بِالْحَجُونِ لَهَا ذِكْرٌ فِي الِاعْتِكَافِ . ( زَيْنَبُ بِنْتُ جَحْشِ بْنِ رِئَابٍ ) أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ بِنْتُ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمَيْمَةَ بِنْتِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، وَكَانَ اسْمُهَا بُرَّةَ فَسَمَّاهَا زَيْنَبَ كَانَتْ تَحْتَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا طَلَّقَهَا تَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا } فَلِذَلِكَ كَانَتْ تَفْخَرُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَقُولُ زَوَّجَكُنَّ أَهَالِيكُنَّ وَزَوَّجَنِي اللَّهُ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ ، وَاخْتَلَفُوا مَتَى تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَكَذَا قَالَ خَلِيفَةُ وَقَالَ قَتَادَةُ وَالْوَاقِدِيُّ : سَنَةَ خَمْسٍ وَقِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ ، وَرَجَّحَهُ أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمُرِيُّ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ : { لَمَّا انْقَضَتْ عِدَّةُ زَيْنَبَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِزَيْدٍ اذْهَبْ فَاذْكُرْهَا عَلَيَّ فَانْطَلَقَ زَيْدٌ حَتَّى أَتَاهَا وَهِيَ تُخَمِّرُ عَجِينَهَا قَالَ : فَلَمَّا رَأَيْتهَا عَظُمَتْ فِي صَدْرِي حَتَّى مَا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَنْظُرَ إلَيْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَهَا فَوَلَّيْتهَا ظَهْرِي وَنَكَصْت عَلَى عَقِبِي فَقُلْت : يَا زَيْنَبُ أَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَذْكُرُك قَالَتْ : مَا أَنَا بِصَانِعَةٍ شَيْئًا حَتَّى أَوَامِرَ رَبِّي فَقَامَتْ إلَى مَسْجِدِهَا وَنَزَلَ الْقُرْآنُ وَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَخَلَ عَلَيْهَا بِغَيْرِ إذْنٍ } الْحَدِيثَ رَوَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . رَوَى عَنْهَا ابْنُ أَخِيهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ وَأُمُّ حَبِيبَةَ وَزَيْنَبُ بِنْتُ أَبِي سَلَمَةَ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَمْ أَرَ امْرَأَةً قَطُّ خَيْرًا فِي الدِّينِ مِنْ زَيْنَبَ وَأَتْقَى لِلَّهِ وَأَصْدَقَ حَدِيثًا وَأَوْصَلَ لِلرَّحِمِ وَأَعْظَمَ صَدَقَةً وَأَشَدَّ ابْتِذَالًا لِنَفْسِهَا فِي الْعَمَلِ الَّذِي تَصَدَّقُ بِهِ وَتَقَرَّبُ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مَا عَدَا سَوْرَةً مِنْ حِدَةٍ كَانَتْ فِيهَا تُسْرِعُ مِنْهَا الْفَيْنَةُ ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { أَسْرَعُكُنَّ لَحَاقًا بِي أَطْوَلُكُنَّ يَدًا قَالَتْ : فَكُنَّ يَتَطَاوَلْنَ أَيَّتُهُنَّ أَطْوَلُ يَدًا قَالَتْ فَكَانَتْ أَطْوَلَنَا يَدًا زَيْنَبُ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ تَعْمَلُ بِيَدِهَا وَتَصَّدَّقُ } انْتَهَى . فَكَانَ كَمَا قَالَ ، كَانَتْ أَوَّلَ نِسَائِهِ بَعْدَهُ مَوْتًا فَقِيلَ تُوُفِّيَتْ سَنَةَ عِشْرِينَ ، وَقِيلَ إحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ أَرْسَلَ إلَيْهَا بِعَطَائِهَا فَفَرَّقَتْهُ ، وَكَانَ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، ثُمَّ رَفَعَتْ يَدَهَا إلَى السَّمَاءِ فَقَالَتْ : اللَّهُمَّ لَا يُدْرِكُنِي عَطَاءُ عُمَرَ بَعْدَ عَامِي هَذَا ، فَمَاتَتْ وَهِيَ أَوَّلُ امْرَأَةٍ جُعِلَ عَلَى سَرِيرِهَا نَعْشٌ وَغُشِّيَ بِثَوْبٍ بَعْدَ فَاطِمَةَ ، وَلَمْ يَشْتَهِرْ أَمْرُ فَاطِمَةَ فِي ذَلِكَ لِكَوْنِهَا دُفِنَتْ لَيْلًا ، وَهِيَ أَوَّلُ مَنْ ضُرِبَ عَلَى قَبْرِهَا فُسْطَاطٌ فِي الْإِسْلَامِ ضَرَبَهُ عُمَرُ ؛ لِأَنَّهُ رَآهُمْ يَحْفِرُونَ لَهَا فِي يَوْمٍ حَارٍّ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ . ( زَيْنَبُ بِنْتُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ عَتَّابِ بْنِ الْأَسْعَدِ بْنِ غَاضِرَةَ بْنِ حَطِيط بْنِ قَسِيِّ وَهُوَ ثَقِيفٌ الثَّقَفِيَّةُ ) كَمَا نَسَبَهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ : وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي مُعَاوِيَةَ الثَّقَفِيِّ وَقَالَ الْمِزِّيُّ زَيْنَبُ بِنْتُ مُعَاوِيَةَ أَوْ أَبِي مُعَاوِيَةَ ، وَهِيَ امْرَأَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ لَهَا صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَتْ عَنْ زَوْجِهَا وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، رَوَى عَنْهَا ابْنُهَا أَبُو عُبَيْدَةَ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ الْمُصْطَلِقِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَقِيلَ إنَّمَا حَدَّثَ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ ابْنِ أَخِيهَا عَنْهَا ( سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدُودِ بْنِ نَضْرَةَ بْنِ مَالِكِ بْنِ حَنْبَلِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ الْقُرَشِيَّةُ الْعَامِرِيَّةُ وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ بْنِ عُتْبَةَ وَخَلَّفَ عَلَيْهَا بَعْدَهُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ ) رَوَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَضَاعَةِ الْكَبِيرِ ، رَوَى عَنْهَا الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ ( سَوْدَةُ بِنْتُ زَمْعَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدُودٍ الْمَذْكُورُ فِي تَرْجَمَةِ " سَهْلَةَ ) وَهِيَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ تُكْنَى أُمُّ الْأَسْوَدِ تَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِ خَدِيجَةَ قَبْلَ عَائِشَةَ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَأَصْدَقَهَا أَرْبَعَمِائَةٍ وَقِيلَ تَزَوَّجَ عَائِشَةَ قَبْلَهَا فَقِيلَ تَزَوَّجَ سَوْدَةَ فِي السَّنَةِ الْعَاشِرَةِ مِنْ النُّبُوَّةِ ، وَقِيلَ فِي الثَّامِنَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَمْ يَتَزَوَّجْهَا إلَّا بَعْدَ مَوْتِ خَدِيجَةَ ، وَكَانَتْ قَبْلَهُ عِنْدَ السَّكْرَانِ بْنِ عَمْرٍو أَخِي سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الْمَذْكُورِ ، وَهَاجَرَ بِهَا الْهِجْرَةَ الثَّانِيَةَ إلَى الْحَبَشَةِ ثُمَّ رَجَعَ بِهَا إلَى مَكَّةَ فَمَاتَ عَنْهَا ، رَوَتْ عَنْ النَّبِيِّ " صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . " وَرَوَى عَنْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَيَحْيَى بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَنْصَارِيُّ ، وَكَانَتْ ضَخْمَةً سَمِينَةً وَكَبِرَتْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ اخْتَلَفُوا هَلْ طَلَّقَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ ارْتَجَعَهَا أَمْ هَمَّ بِطَلَاقِهَا فَقَطْ ؟ فَرَوَى هِشَامٌ الدَّسْتُوَائِيُّ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ أَبِي بَزَّةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ إلَى سَوْدَةَ بِطَلَاقِهَا فَجَلَسَتْ عَلَى طَرِيقِهِ فَقَالَتْ : أَنْشُدُك اللَّهَ لِمَ طَلَّقْتَنِي أَلِمَوْجِدَةٍ ؟ قَالَ لَا ، قَالَتْ فَأَنْشُدُك اللَّهَ لَمَا رَاجَعْتنِي ، وَقَدْ كَبِرْت وَلَا حَاجَةَ لِي فِي الرِّجَالِ ، وَلَكِنِّي أُحِبُّ أَنْ أُبْعَث فِي نِسَائِك فَرَاجَعَهَا قَالَتْ : وَإِنِّي قَدْ جَعَلْت يَوْمِي لِعَائِشَةَ } . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : { أَسَنَّتْ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهَمَّ بِطَلَاقِهَا فَقَالَتْ لَا تُطَلِّقْنِي ، وَأَنْتَ فِي حِلٍّ مِنْ شَأْنِي فَإِنَّمَا أُرِيدُ أَنْ أُحْشَرَ فِي أَزْوَاجِك ، وَإِنِّي قَدْ وَهَبْت يَوْمِي لِعَائِشَةَ ، وَإِنِّي لَا أُرِيدُ مَا تُرِيدُ النِّسَاءُ فَأَمْسَكَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى تُوُفِّيَ عَنْهَا } وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ أَنَّهُ لَمْ يُطَلِّقْهَا كَمَا صَحَّحَهُ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ الدِّمْيَاطِيُّ . رَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَى عَائِشَةَ قَالَتْ مَا مِنْ النَّاسِ أَحَدٌ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ أَكُونَ فِي مِلَاخِهِ مِنْ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ إلَّا أَنَّ بِهَا حِدَةً ، وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهَا فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ فِي آخَرِ خِلَافَةِ عُمَرَ ، قَالَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَغَيْرُهُ ، وَحَكَى ابْنُ سَعْدٍ عَنْ الْوَاقِدِيِّ أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ . ( سَيِّدَةُ بِنْتُ مُوسَى بْنِ عُثْمَانَ بْنِ دِرْبَاسٍ الْمَازِنِيُّ ) تُكْنَى أُمُّ مُحَمَّدٍ سَمِعَتْ بِالْمَوْصِلِ مِنْ مِسْمَارِ بْنِ الْعُوَيْسِ وَتَفَرَّدَتْ بِالرِّوَايَةِ عَنْهُ ، وَأَجَازَ لَهَا الْمُؤَيَّدُ بْنُ مُحَمَّدٍ الطُّوسِيُّ وَآخَرُونَ . رَوَى عَنْهَا الْحُفَّاظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ عَبْدِ النُّورِ بْنِ مُنِيرٍ الْحَلَبِيُّ وَأَبُو الْفَتْحِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ سَيِّدِ النَّاسِ الْيَعْمُرِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عُمَرَ بْنِ حَبِيبٍ الْحَلَبِيُّ وَأَبُو مُحَمَّدٍ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْبِرْزَالِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ إسْمَاعِيلَ الْفَارِقِيُّ وَأَبُو الْحَرَمِ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْحَرَمِ الْقَلَانِسِيُّ وَهُوَ آخِرُ مَنْ حَدَّثَ عَنْهَا بِالسَّمَاعِ وَآخَرُونَ ، وَكَانَ سَمَاعُهَا وَإِجَازَتُهَا صَحِيحَيْنِ ، وَتُوُفِّيَتْ فِي سَنَةِ خَمْسٍ وَتِسْعِينَ وَسِتِّمِائَةٍ بِالْقَاهِرَةِ ( صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ بْنِ أَخْطَبَ بْنِ سَعْنَةَ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ كَعْبِ بْنِ الْخَزْرَجِ بْنِ أَبِي حَبِيبِ بْنِ النَّضِيرِ بْنِ النَّحَّامِ بْنِ ينحوم مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ هَارُونَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) كَانَتْ عِنْدَ سَلَامِ بْنِ مُشْكِمٍ الشَّاعِرِ الْيَهُودِيِّ ، ثُمَّ خَلَّفَ عَلَيْهَا كِنَانَةَ بْنَ أَبِي الْحَقِيقِ فَقُتِلَ يَوْمَ خَيْبَرَ فَصَارَتْ لِدِحْيَةَ ثُمَّ أَخَذَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صَهْبٍ عَنْ أَنَسٍ { فِي غُزَاةِ خَيْبَرَ وَجَمَعَ السَّبْيَ فَجَاءَهُ دِحْيَةُ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَعْطِنِي جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ ، فَقَالَ اذْهَبْ فَخُذْ جَارِيَةً فَأَخَذَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ فَجَاءَ رَجُلٌ إلَى نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَعْطَيْت دِحْيَةَ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ سَيِّدَةَ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ ؟ مَا تَصْلُحُ إلَّا لَك ، قَالَ اُدْعُوهُ بِهَا فَجَاءَ بِهَا فَلَمَّا نَظَرَ إلَيْهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ خُذْ جَارِيَةً مِنْ السَّبْيِ غَيْرَهَا قَالَ وَأَعْتَقَهَا وَتَزَوَّجَهَا } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ { وَوَقَعَتْ فِي سَهْمِ دِحْيَةَ جَارِيَةٌ جَمِيلَةٌ فَاشْتَرَاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعَةِ أَرْؤُسٍ وَهِيَ صَفِيَّةُ بِنْتُ حُيَيِّ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { صَارَتْ صَفِيَّةُ لِدِحْيَةَ فِي مَقْسَمِهِ ، وَجَعَلُوا يَمْدَحُونَهَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَيَقُولُونَ مَا رَأَيْنَا فِي السَّبْيِ مِثْلَهَا ، قَالَ فَبَعَثَ إلَى دِحْيَةَ فَأَعْطَاهُ بِهَا مَا أَرَادَ } ، الْحَدِيثَ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ : كَانَتْ مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ فَحَجَبَهَا ، وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا بِتَمْرٍ وَسَوِيقٍ وَقَسَمَ لَهَا وَتَزَوَّجَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ ، وَيُقَالُ كَانَ عُمْرُهَا يَوْمَئِذٍ سَبْعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَتُوُفِّيَتْ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ خَمْسِينَ قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالذَّهَبِيُّ فِي الْعِبَرِ ، وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَثَلَاثِينَ ( ضُبَاعَةُ بِنْتُ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ الْهَاشِمِيَّةُ بِنْتُ عَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُهَاجِرَاتِ الْأُوَلِ ) كَانَتْ عِنْدَ الْمِقْدَادِ وَخَلَّفَ عَلَيْهَا بَعْدَهُ ، عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ يَغُوثَ الزُّهْرِيُّ وَرَوَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ زَوْجِهَا الْمِقْدَادِ ، رَوَتْ عَنْهَا ابْنَتُهَا كَرِيمَةُ بِنْتُ الْمِقْدَادِ وَعَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْأَعْرَجُ وَغَيْرُهُمْ لَهَا ذِكْرٌ فِي الْحَجِّ ( عَائِشَةُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ) الصِّدِّيقَةُ الْمُبَرَّأَةُ مِنْ كُلِّ عَيْبٍ حَبِيبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَقِيهَةُ الرَّبَّانِيَّةُ وَكُنْيَتُهَا أُمُّ عَبْدِ اللَّهِ كَنَّاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِابْنِ أُخْتِهَا عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ . وَقِيلَ إنَّهَا أَسْقَطَتْ مِنْهُ سِقْطًا سُمِّيَ عَبْدَ اللَّهِ فَكُنِّيَتْ بِهِ رَوَاهُ ابْنُ السُّنِّيِّ وَلَمْ يَصِحَّ ، رَوَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكْثَرَتْ ، رَوَى عَنْهَا خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ مِنْهُمْ مَسْرُوقٌ وَالْأَسْوَدُ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ وَأَبُو سَلَمَةَ وَعُمَرُ وَوُلِدَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنْ النُّبُوَّةِ وَتَزَوَّجَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ مَوْتِ خَدِيجَةَ بِثَلَاثِ سِنِينَ وَهِيَ بِنْتُ سَبْعٍ أَوْ سِتٍّ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِهَا { تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سِتٍّ ، وَبَنَى بِهَا وَهِيَ بِنْتُ تِسْعٍ ، وَمَاتَ عَنْهَا وَهِيَ بِنْتُ ثَمَانِيَ عَشْرَةَ } . وَلَهُ أَيْضًا { تَزَوَّجَهَا وَهِيَ بِنْتُ سَبْعِ سِنِينَ } ، وَلَهُ { تَزَوَّجَنِي فِي شَوَّالٍ ، وَبَنَى بِي فِي شَوَّالٍ } وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ دَخَلَ بِهَا فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ فِي شَوَّالٍ ، وَمَنَاقِبُهَا جَمَّةٌ مِنْهَا نُزُولُ الْقُرْآنِ بِبَرَاءَتِهَا . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَأَبِي مُوسَى أَيْضًا { فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِهَا قَالَتْ { : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا عَائِشُ هَذَا جِبْرِيلُ يُقْرِئُك السَّلَامَ } وَلَهُمَا عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أُرِيتُك فِي الْمَنَامِ ثَلَاثَ لَيَالٍ جَاءَنِي بِك الْمَلَكُ فِي سَرَقَةٍ مِنْ حَرِيرٍ فَيَقُولُ هَذِهِ امْرَأَتُك فَأَكْشِفُ عَنْ وَجْهِك فَإِذَا أَنْتِ هِيَ } الْحَدِيثَ . . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ { إنَّ جِبْرِيلَ جَاءَ بِصُورَتِهَا فِي سَرَقَةِ حَرِيرٍ خَضْرَاءَ فَقَالَ هَذِهِ زَوْجَتُك فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } قَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَلِلْبُخَارِيِّ . مِنْ حَدِيثِهَا { كَانَ النَّاسُ يَتَحَرَّوْنَ بِهَدَايَاهُمْ يَوْمَ عَائِشَةَ } الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ { يَا أُمَّ سَلَمَةَ لَا تُؤْذِينِي فِي عَائِشَةَ فَإِنَّهُ وَاَللَّهِ مَا نَزَلَ عَلَيَّ الْوَحْيُ وَأَنَا فِي لِحَافِ امْرَأَةٍ مِنْكُنَّ غَيْرَهَا } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ { أَنَّهُ قَالَ لَهَا إنِّي لَأَعْلَمُ إذَا كُنْت عَنِّي رَاضِيَةً وَإِذَا كُنْت عَلَيَّ غَضْبَى } الْحَدِيثَ . . وَلِلتِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ { قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ النَّاسِ أَحَبُّ إلَيْك قَالَ عَائِشَةُ قُلْت مِنْ الرِّجَالِ قَالَ أَبُوهَا } وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ . وَلَهُ عَنْ أَبِي مُوسَى { قَالَ مَا أَشْكَلَ عَلَيْنَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ قَطُّ فَسَأَلْنَا عَائِشَةَ إلَّا وَجَدْنَا عِنْدَهَا مِنْهُ عِلْمًا } قَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ . وَلَهُ { أَنَّ رَجُلًا نَالَ مِنْ عَائِشَةَ عِنْدَ عَمَّارٍ فَقَالَ اُغْرُبْ مَقْبُوحًا مَنْبُوحًا أَتُؤْذِي حَبِيبَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . } قَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَلَهُ عَنْ مُوسَى بْنِ طَلْحَةَ قَالَ : مَا رَأَيْت أَحَدًا أَفْصَحَ مِنْ عَائِشَةَ وَقَالَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . ، وَقَالَ مُعَاوِيَةُ وَاَللَّهِ مَا سَمِعْت خَطِيبًا لَيْسَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْلَغَ مِنْ عَائِشَةَ وَقَالَ مَسْرُوقٌ رَأَيْت مَشْيَخَةَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُونَهَا عَنْ الْفَرَائِضِ . وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ كَانَتْ أَفْقَهَ النَّاسِ وَأَحْسَنَ النَّاسِ رَأْيًا فِي الْعَامَّةِ . وَقَالَ عُرْوَةُ : مَا رَأَيْت أَحَدًا أَعْلَمَ بِفِقْهٍ وَلَا بِخُطَبٍ وَلَا بِشِعْرٍ مِنْهَا ، وَبَعَثَ إلَيْهَا مُعَاوِيَةُ بِمِائَةِ أَلْفٍ فَمَا أَمْسَتْ حَتَّى فَرَّقَتْهَا . وَقِيلَ إنَّهُ قَضَى عَنْهَا ثَمَانِيَةَ عَشَرَ أَلْفَ دِينَارٍ وَرَآهَا عُرْوَةُ تَصَدَّقَتْ بِسَبْعِينَ أَلْفًا ، وَإِنَّهَا لَتَرْفَعُ جَانِبَ دِرْعِهَا . وَبَعَثَ إلَيْهَا ابْنُ الزُّبَيْرِ بِمِائَةِ أَلْفٍ فَمَا أَمْسَتْ حَتَّى قَسَمَتْهُ ، وَفِيهَا يَقُولُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ يَمْدَحُهَا وَيَعْتَذِرُ إلَيْهَا حَصَانٌ رَزَانٌ مَا تَزِنُّ بِرِيبَةٍ وَتُصْبِحُ غَرْثَى مِنْ لُحُومِ الْغَوَافِلِ عَقِيلَةُ أَصْلٍ مِنْ لُؤَيِّ بْنِ غَالِبٍ كِرَامُ الْمَسَاعِي مَجْدُهُمْ غَيْرُ زَائِلِ مُهَذَّبَةٌ قَدْ طَيَّبَ اللَّهُ خَيْمَهَا وَطَهَّرَهَا مِنْ كُلِّ بَغْيٍ وَبَاطِلٍ فَإِنْ كَانَ مَا قَدْ قِيلَ عَنِّي قُلْته فَلَا رُفِعَتْ سَوْطِي إلَى أَنَامِلِي وَإِنَّ الَّذِي قَدْ قِيلَ لَيْسَ بِلَائِطٍ بِهَا الدَّهْرَ بَلْ قَوْلُ امْرِئٍ بِي مَاحِلٍ وَكَيْفَ وَوُدِّي مَا حَيِيت وَنُصْرَتِي لِآلِ رَسُولِ اللَّهِ زَيْنِ الْمَحَافِلِ وَزَادَ بَعْضُهُمْ فِيهَا أَبْيَاتًا أُخَرَ ، وَدَخَلَ عَلَيْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَهِيَ تَمُوتُ فَأَثْنَى عَلَيْهَا فَقَالَتْ : دَعْنِي مِنْك فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَنِّي كُنْت نَسْيًا مَنْسِيًّا ، وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهَا فَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَخَمْسِينَ وَقِيلَ سَنَةَ سَبْعٍ قَالَهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ وَخَلِيفَةُ . وَقَالَ جَمَاعَةٌ سَنَةَ ثَمَانٍ زَادَ الْوَاقِدِيُّ فِي لَيْلَةِ سَابِعَ عَشَرَ شَهْرِ رَمَضَانَ وَصَلَّى عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ بِالْبَقِيعِ ، وَدُفِنَتْ بِهِ مَعَ صَوَاحِبِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَجْمَعِينَ عَمْرَةُ بِنْتُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ سَعْدِ بْنِ زُرَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةُ الْمَدَنِيَّةُ الْفَقِيهَةُ كَانَتْ فِي حِجْرِ عَائِشَةَ فَحَفِظَتْ عَنْهَا الْكَثِيرَ ، وَرَوَتْ عَنْهَا وَعَنْ أُمِّ سَلَمَةَ وَحَمْنَةَ بِنْتِ جَحْشٍ وَغَيْرِهِنَّ ، رَوَى عَنْهَا ابْنُهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي الرِّجَالِ وَابْنَاهُ حَارِثَةُ وَمَالِكٌ وَعُرْوَةُ وَالزُّهْرِيُّ وَخَلْقٌ قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ : هِيَ أَحَدُ الثِّقَاتِ الْعُلَمَاءِ بِعَائِشَةَ الْأَثْبَاتِ فِيهَا ، وَقَالَ ابْنُ مَعِينٍ ثِقَةٌ قِيلَ تُوُفِّيَتْ سَنَةَ ثَمَانٍ وَتِسْعِينَ ، وَقِيلَ سَنَةَ سِتٍّ وَمِائَةٍ ، لَهَا ذِكْرٌ فِي الطِّبِّ ( فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَيِّدَةُ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ) كَنَّاهَا بَعْضُهُمْ أُمَّ أَبِيهَا حَكَاهُ الْوَاقِدِيُّ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ كَانَتْ أَصْغَرَ بَنَاتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا رَجَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ وَاخْتُلِفَ فِي مَوْلِدِهَا فَقِيلَ : وُلِدَتْ قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِخَمْسِ سِنِينَ وَقِيلَ : وُلِدَتْ لَهُ وَعُمْرُهُ إحْدَى وَأَرْبَعُونَ سَنَةً . وَقِيلَ : وُلِدَتْ عَامَ بَنَتْ قُرَيْشٌ الْكَعْبَةَ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَقِيلَ دَخَلَ بِهَا عَلِيٌّ وَعُمْرُهَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً ، رَوَتْ فَاطِمَةُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، رَوَى عَنْهَا زَوْجُهَا عَلِيٌّ وَابْنُهَا الْحُسَيْنُ وَأَنَسٌ وَعَائِشَةُ وَأُمُّ سَلَمَةَ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ الْحُسَيْنِ وَلَمْ تُدْرِكْهَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { أَقْبَلَتْ فَاطِمَةُ تَمْشِي كَأَنَّ مِشْيَتَهَا مِشْيَةُ أَبِيهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرْحَبًا بِابْنَتِي ، ثُمَّ سَارَّهَا فَبَكَتْ ثُمَّ سَارَّهَا فَضَحِكَتْ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ حَتَّى إذَا قُبِضَ سَأَلْتهَا فَقَالَتْ : إنَّهُ كَانَ حَدَّثَنِي أَنَّ جِبْرِيلَ - كَانَ يُعَارِضُهُ بِالْقُرْآنِ كُلَّ عَامٍ مَرَّةً ، وَأَنَّهُ عَارَضَهُ بِهِ الْعَامَ مَرَّتَيْنِ وَلَا أُرَانِي إلَّا قَدْ حَضَرَ أَجَلِي وَإِنَّك أَوَّلُ أَهْلِي لُحُوقًا بِي وَنِعْمَ السَّلَفُ أَنَالَك ، فَبَكَيْت لِذَلِكَ ثُمَّ إنَّهُ سَارَّنِي فَقَالَ أَلَا تَرْضَيْنَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ أَوْ سَيِّدَةَ نِسَاءِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَضَحِكْت لِذَلِكَ } . وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ { فَاطِمَةُ سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إلَّا مَا كَانَ مِنْ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ } ، وَفِيهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ صَدُوقٌ تُكُلِّمَ فِي حِفْظِهِ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ رِوَايَةِ كَثِيرٍ النَّوَّاءِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ مَرْفُوعًا { أَمَا تَرْضِينَ أَنْ تَكُونِي سَيِّدَةَ نِسَائِهَا فَقُلْت : يَا أَبَتِ فَأَيْنَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ . قَالَ تِلْكَ نِسَاءُ عَالَمِهَا وَأَنْتِ سَيِّدَةُ نِسَاءِ عَالَمِك } وَكَثِيرٌ النَّوَّاءُ شِيعِيٌّ جَلْدٌ ضَعِيفٌ . وَرَوَى الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ مِنْ رِوَايَةِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ مَرْيَمُ ثُمَّ فَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ ثُمَّ خَدِيجَةُ ثُمَّ آسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَكَذَا رَوَاهُ الزُّبَيْرُ وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ النُّفَيْلِيُّ حَدَّثَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ مُحَمَّدٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ عَنْ كُرَيْبٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { سَيِّدَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ بَعْدَ مَرْيَمَ بِنْتِ عِمْرَانَ فَاطِمَةُ وَخَدِيجَةُ وَآسِيَةُ } . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي إسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ قُلْت لَمْ يُخْرِجْهُ أَبُو دَاوُد فِي السُّنَنِ فَلَعَلَّهُ فِي غَيْرِهِ . وَلِلنَّسَائِيِّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَمَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمَ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ } . . وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { حَسْبُك مِنْ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مَرْيَمُ بِنْتُ عِمْرَانَ وَخَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ وَآسِيَةُ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ } ، وَقَالَتْ عَائِشَةُ فِيمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ { مَا رَأَيْت أَحَدًا أَشْبَهَ سَمْتًا وَلَا هَدْيًا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِيَامِهَا وَقُعُودِهَا مِنْ فَاطِمَةَ } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ { فَاطِمَةُ بِضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا } . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ { فَمَنْ أَغْضَبَهَا فَقَدْ أَغْضَبَنِي } . وَرَوَى السَّرَّاجُ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ مَا رَأَيْت أَحَدًا كَانَ أَصْدَقَ لَهْجَةً مِنْ فَاطِمَةَ إلَّا أَنْ يَكُونَ الَّذِي وَلَدَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَنَاقِبُهَا جَمَّةٌ تَزَوَّجَهَا عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ بَعْدَ رُجُوعِهِمْ مِنْ بَدْرٍ ، وَكَانَتْ يَوْمَئِذٍ عَلَى مَا قِيلَ بِنْتَ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَخَمْسَةِ أَشْهُرٍ وَنِصْفٍ فَوَلَدَتْ خَمْسَةَ أَوْلَادٍ حَسَنًا وَحُسَيْنًا وَمُحْسِنًا وَأُمَّ كُلْثُومٍ وَزَيْنَبَ وَمَاتَ مُحْسِنٌ صَغِيرًا ، وَتُوُفِّيَتْ فَاطِمَةُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ وَقِيلَ بِثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ وَقِيلَ بِسَبْعِينَ يَوْمًا ، وَقِيلَ بِخَمْسَةٍ وَسَبْعِينَ يَوْمًا وَقِيلَ بِمِائَةِ يَوْمٍ ، وَقِيلَ بِثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ . وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا ، وَهُوَ الَّذِي رَجَّحَهُ الْوَاقِدِيُّ وَحَرَّرَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : تُوُفِّيَتْ بَعْدَهُ بِسِتَّةِ أَشْهُرٍ إلَّا لَيْلَتَيْنِ ، وَذَلِكَ يَوْمَ الثُّلَاثَاءِ لِثَلَاثٍ خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ وَغَسَّلَهَا عَلِيٌّ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَدَفَنَهَا لَيْلًا بِوَصِيَّتِهَا لَهُ فِي ذَلِكَ وَقِيلَ صَلَّى عَلَيْهَا الْعَبَّاسُ وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَى امْرَأَةِ أَبِي رَافِعٍ أَنَّ فَاطِمَةَ اغْتَسَلَتْ بِنَفْسِهَا وَلَبِسَتْ ثِيَابًا جُدُدًا . وَقَالَتْ إنِّي مَقْبُوضَةٌ السَّاعَةَ قَدْ اغْتَسَلْت فَلَا يَكْشِفْنَ أَحَدٌ لِي كَنَفًا فَمَاتَتْ وَجَاءَ عَلِيٌّ فَأَخْبَرَتْهُ فَقَالَ : لَا وَاَللَّهِ مَا نَكْشِفُ لَهَا كَنَفًا فَاحْتَمَلَهَا وَدَفَنَهَا بِغُسْلِهَا ذَلِكَ ، وَالْأَصَحُّ كَمَا قَالَ الذَّهَبِيُّ أَنَّ عَلِيًّا غَسَّلَهَا وَرَوَى السَّرَّاجُ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ أَنَّهُ غَسَّلَهَا عَلِيٌّ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ وَزَادَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَعَهُمَا سَلْمَى امْرَأَةَ أَبِي رَافِعٍ وَاخْتَلَفُوا فِي مَبْلَغِ عُمْرِهَا فَقِيلَ عَاشَتْ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً ، وَبِهِ جَزَمَ الذَّهَبِيُّ فِي الْعِبَرِ وَقِيلَ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَقِيلَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ، وَهُوَ قَوْلُ الْمَدَائِنِيِّ . وَقِيلَ ثَلَاثِينَ ، وَمِمَّا يُسْتَحْسَنُ مَا ذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حَسَنِ بْنِ حَسَنٍ دَخَلَ عَلَى هِشَامِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ وَعِنْدَهُ الْكَلْبِيُّ فَقَالَ هِشَامٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ كَمْ بَلَغَتْ فَاطِمَةُ مِنْ السِّنِّ ؟ فَقَالَ ثَلَاثِينَ ، فَقَالَ هِشَامٌ لِلْكَلْبِيِّ كَمْ بَلَغَتْ ؟ قَالَ خَمْسًا وَثَلَاثِينَ سَنَةً ، فَقَالَ هِشَامٌ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَسَنٍ اسْمَعْ الْكَلْبِيُّ يَقُولُ مَا تَسْمَعُ ، وَقَدْ عُنِيَ بِهَذَا الشَّأْنِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ سَلْنِي عَنْ أُمِّي ، وَسَلْ الْكَلْبِيَّ عَنْ أُمِّهِ ( مَيْمُونَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنِ بْنِ بُجَيْرِ بْنِ الْهَزْمِ بْنِ رُوَيْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ هِلَالِ بْنِ عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَةَ بْنِ بَكْرِ بْنِ هَوَازِنَ بْنِ مَنْصُورِ بْنِ عِكْرِمَةَ بْنِ خَصْفَةَ الْهِلَالِيَّةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ) رَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ بِإِسْنَادِهِ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ مَيْمُونَةَ كَانَ اسْمُهَا بُرَّةَ فَسَمَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَيْمُونَةَ ، وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي رُهْمِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى } . وَقِيلَ بَلْ عِنْدَ أَبِي سَبْرَةَ بْنِ أَبِي رُهْمٍ حَكَاهُمَا أَبُو عُبَيْدَةَ وَقِيلَ كَانَتْ تَحْتَ حُوَيْطِبِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى ، وَقِيلَ كَانَتْ عِنْدَ فَرْوَةَ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَتَادَةَ وَهُوَ خَطَأٌ وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَكَانَتْ قَبْلَ أَبِي رُهْمٍ تَحْتَ مَسْعُودِ بْنِ عَمْرٍو الثَّقَفِيِّ فَفَارَقَهَا فَلَمَّا تَزَوَّجَتْ مِنْ أَبِي رُهْمٍ بَعَثَ إلَيْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فَخَطَبَهَا وَتَزَوَّجَهَا فِي سَنَةِ سَبْعٍ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيَّةِ ، وَبَنَى بِهَا بِسَرَفٍ . وَقِيلَ : بَعَثَ أَبَا رَافِعٍ قِيلَ وَأَوْسَ بْنَ خَوْلِيٍّ وَالْخِلَافُ مَعْرُوفٌ هَلْ كَانَ مُحْرِمًا حِينَ تَزَوَّجَهَا فَيَكُونَ مِنْ خَصَائِصِهِ ، أَوْ كَانَ حَلَالًا ؟ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ تَزَوَّجَهَا فِي شَوَّالٍ قَبْلَ الْإِحْرَامِ ، ثُمَّ بَنَى بِهَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ عُمْرَتِهِ فِي ذِي الْحِجَّةِ ، وَزَوَّجَهُ إيَّاهَا الْعَبَّاسُ وَقَالَ الزُّهْرِيُّ إنَّهَا الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ بِسَرَفٍ بِالْمَكَانِ الَّذِي بَنَى بِهَا فِيهِ ، وَصَلَّى عَلَيْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَمَّا الْوَاقِدِيُّ فَقَالَ إنَّهَا آخِرُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَفَاةً ، وَأَنَّهَا تُوُفِّيَتْ سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ وَقِيلَ تُوُفِّيَتْ سَنَةَ سِتٍّ وَسِتِّينَ . هِنْدُ أُمُّ سَلَمَةَ بِنْتِ أَبِي أُمَيَّةَ وَاسْمُ أَبِي أُمَيَّةَ حُذَيْفَةُ وَقِيلَ اسْمُهُ سُهَيْلُ بْنُ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَخْزُومٍ الْمَخْزُومِيَّةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ وَقِيلَ اسْمُهَا رَمْلَةُ وَغَلِطَ قَائِلُ ذَلِكَ وَكَانَ أَبُوهَا أَبُو أُمَيَّةَ أَحَدَ الْأَجْوَادِ يُلَقَّبُ بِزَادِ الرَّاكِبِ ، وَهَاجَرَتْ أُمُّ سَلَمَةَ إلَى الْمَدِينَةِ وَحْدَهَا كَانَ مَعَهَا رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ . قِيلَ : هُوَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ فَكَانَ يُرَحِّلُ لَهَا بَعِيرَهَا وَيَنْتَحِي عَنْهَا فَلَمَّا رَأَى نَخْلَ الْمَدِينَةِ قَالَ لَهَا هَذَا الَّذِي تُرِيدِينَ ، وَانْصَرَفَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يُقَالُ إنَّهَا أَوَّلُ ظَعِينَةٍ دَخَلَتْ الْمَدِينَةَ مُهَاجِرَةً وَقِيلَ بَلْ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي خَثْمَةَ وَشَهِدَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَتْحَ خَيْبَرَ ، وَكَانَتْ تَحْتَ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ وَهَاجَرَتْ مَعَهُ الْهِجْرَةَ الْأُولَى إلَى الْحَبَشَةِ ، فَلَمَّا تُوُفِّيَ خَلَّفَ عَلَيْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَزَوَّجَهَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ لِلَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَوَّالٍ ، فَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ . وَقَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّهُ تَزَوَّجَهَا فِي سَنَةِ اثْنَتَيْنِ غَلَطٌ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ الْمِزِّيُّ فِي التَّهْذِيبِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا تَزَوَّجَهَا بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي سَلَمَةَ بِالِاتِّفَاقِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَدْ ذَكَرَ فِي وَفَاةِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهَا جُمَادَى الْآخِرَةُ سَنَةَ ثَلَاثٍ ، فَكَيْفَ يَتَّفِقُ تَزَوُّجُهَا سَنَةَ اثْنَتَيْنِ ؟ عَلَى أَنَّ الصَّحِيحَ فِي وَفَاةِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهَا فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ لِثَمَانٍ خَلَوْنَ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ رَوَتْ أُمُّ سَلَمَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِلْمًا كَثِيرًا ، رَوَى عَنْهَا وَلَدُهَا عُمَرُ وَزَيْنَبُ ابْنَا أَبِي سَلَمَةَ وَمَوْلَاهَا سَفِينَةُ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ وَعَطَاءٌ وَخَلْقٌ وَاخْتُلِفَ فِي وَفَاتِهَا فَقَالَ الْوَاقِدِيُّ سَنَةَ تِسْعٍ وَخَمْسِينَ ، وَصَلَّى عَلَيْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ لِمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ صَفْوَانَ دَخَلَ عَلَيْهَا فِي خِلَافَةِ يَزِيدَ . وَإِنَّمَا وَلِيَ يَزِيدُ فِي سَنَةِ سِتِّينَ ، وَقِيلَ سَنَةَ سِتِّينَ فِي خِلَافَةِ يَزِيدَ بْنِ مُعَاوِيَةَ قَالَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ ، وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَلَامَهُ ، وَصَحَّحَهُ أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمُرِيُّ وَضَعُفَ أَيْضًا لِمَا رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ عَمَّارٍ سَمِعَ أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ سَمِعْت الْجِنُّ تَبْكِي عَلَى حُسَيْنٍ وَتَنُوحُ عَلَيْهِ . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَى قَالَتْ دَخَلْتُ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ وَهِيَ تَبْكِي ، وَقَالَتْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ وَعَلَى رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ التُّرَابُ فَقُلْت : مَالَكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : شَهِدْت قَتْلَ الْحُسَيْنِ آنِفًا . وَرَوَيْنَا عَنْهَا مِنْ طُرُقٍ أَنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ قَتْلِ الْحُسَيْنِ بَاقِيَةً ، وَسَمِعَتْ نَوْحَ الْجِنِّ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا قُتِلَ الْحُسَيْنُ سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ وَقِيلَ : إنَّهَا تُوُفِّيَتْ سَنَةَ إحْدَى وَسِتِّينَ وَرَجَّحَهُ الذَّهَبِيُّ فِي الْعِبَرِ وَقِيلَ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسِتِّينَ ، وَأَبْعَدَ مَنْ قَالَ صَلَّى عَلَيْهَا سَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ فَإِنَّ سَعِيدَ بْنَ زَيْدٍ تُوُفِّيَ سَنَةَ إحْدَى وَخَمْسِينَ وَسَبَبُ الْوَهْمِ فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّهَا أَوْصَتْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إيصَائِهَا بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ وَقَعَ ذَلِكَ بَلْ تَكُونُ الْوَصِيَّةُ بِذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ حَيَاتِهِ ، وَكَانَ قَدْ مَاتَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ الْقُرَشِيَّةُ زَوْجَةُ أَبِي سُفْيَانَ وَأُمُّ مُعَاوِيَةَ ) أَسْلَمَتْ عَامِ الْفَتْحِ بَعْدَ إسْلَامِ زَوْجِهَا فَأَقَرَّهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نِكَاحِهِمَا ، وَكَانَتْ امْرَأَةٌ لَهَا نَفْسٌ وَأَنَفَةٌ { فَلِمَا بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّسَاءَ وَأَخَذَ عَلَيْهِنَّ أَنْ لَا يَسْرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ قَالَتْ هِنْدُ : وَهَلْ تَزْنِي الْحُرَّةُ أَوْ تَسْرِقُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ } وَتُوُفِّيَتْ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ فِي الْيَوْمِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ أَبُو قُحَافَةَ وَالِدُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَكَانَ ذَلِكَ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ . ( أُمُّ الْحُصَيْنِ ) بِنْتُ إِسْحَاقَ الْأَحْمَسِيَّةُ شَهِدَتْ حَجَّةَ الْوَدَاعِ وَرَوَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثَيْنِ رَوَى عَنْهَا حَفِيدُهَا يَحْيَى بْنُ الْحُصَيْنِ والعيزار بْنُ حُرَيْثٍ . لَهَا ذِكْرٌ فِي الْحَجِّ . ( أُمُّ شَرِيكٍ ) الْقُرَشِيَّةُ الْعَامِرِيَّةُ اُخْتُلِفَ فِي اسْمِهَا فَقِيلَ غَزِيَّةُ بِنْتُ دُودَانَ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ رَوَاحَةَ بْنِ حُجْرٌ وَقِيلَ حُجَيْرُ بْنُ عَبْدِ بْنِ مَعِيصٍ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ قِيلَ أُمُّ شَرِيكٍ بِنْتُ عَوْفِ بْنِ جَابِرِ بْنِ ضَبَابِ بْنِ حُجْرٌ بْنِ عَبْدِ بْنِ مَعِيصِ بْنِ عَامِرِ بْنِ لُؤَيٍّ وَقِيلَ اسْمُهَا غُزَيْلَةُ وَقِيلَ إنَّ أُمَّ شَرِيكٍ أَنْصَارِيَّةٌ رَوَتْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَادِيثَ ، رَوَى عَنْهَا جَابِرٌ وَابْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةُ وَشَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ ، وَيُقَالُ : إنَّهَا الَّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَدَّهَا بَعْضُهُمْ فِي نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَصِحُّ ، وَقِيلَ إنَّهُ تَزَوَّجَهَا بِمَكَّةَ ، لَهَا ذِكْرٌ فِي الْحَجِّ . ( أُمُّ كُرْزٍ الْكَعْبِيَّةُ الْخُزَاعِيَّةُ ) مَكِّيَّةٌ لَهَا صُحْبَةٌ وَرِوَايَةٌ ، رَوَى عَنْهَا ابْنُ عَبَّاسٍ وَسِبَاعُ بْنُ ثَابِتٍ وَعُرْوَةُ وَآخَرُونَ لَهَا ذِكْرٌ فِي الْعَقِيقَةِ . ( أُمُّ مِسْطَحِ ) بِنْتُ أَبِي دِرْهَمِ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ قُصَيٍّ الْقُرَشِيَّةُ الْمُطَّلِبِيَّةُ وَأُمُّهَا سَلْمَى بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَقِيلَ إنَّ أُمَّ مِسْطَحٍ اسْمُهَا سَلْمَى بِنْتُ صَخْرِ بْنِ عَامِرِ بْنِ كَعْبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ تَيْمِ بْنِ مُرَّةَ وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَلَامَهُ فِي نَسَبِهَا ، وَقَالَ هِيَ ابْنَةُ خَالَةِ أَبِي بَكْرٍ كَانَتْ تَحْتَ أُثَاثَةَ بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَوَلَدَتْ لَهُ مِسْطَحًا ، لَهَا ذِكْرٌ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ فِي الْحُدُودِ ، فَهَذَا آخِرُ مَا ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ الْمَذْكُورِينَ بِأَسْمَائِهِمْ أَوْ كُنَاهُمْ دُونَ مَنْ أُبْهِمَ مِنْهُ فَلَمْ أَذْكُرْهُ هُنَا بَلْ مَنْ عُرِفَ مِنْهُمْ ذَكَرْته فِي مَوْضِعِ الْحَدِيثِ الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . كِتَابُ الطَّهَارَةِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْمَيْدُومِيُّ وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيٍّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الْعُمَرِيُّ ، وَالْمُبَارَكُ بْنُ الْمَعْطُوشِ قَالُوا أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ الْمَدَائِنِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رِبْح الْبَزَّازُ قَالَا : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ هَارُونَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ يَقُولُ : سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ } كِتَابُ الطَّهَارَةِ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْمَيْدُومِيُّ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّطِيفِ بْنُ عَبْدِ الْمُنْعِمِ قَالَ أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَلِيٍّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَحْمَدَ الْعُمَرِيُّ ، وَالْمُبَارَكُ بْنُ الْمَعْطُوشِ قَالُوا أَخْبَرَنَا هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْبَزَّازُ قَالَ أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الشَّافِعِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوْحٍ الْمَدَائِنِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ رِبْح الْبَزَّازُ قَالَا حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ قَالَ حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ أَنَّهُ سَمِعَ عَلْقَمَةَ بْنَ وَقَّاصٍ يَقُولُ سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { : إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ } فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) حَدِيثُ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ شَيْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ فَوَقَعَ بَدَلًا لَهُمَا عَالِيًا بِدَرَجَتَيْنِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَعَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ الثَّوْرِيِّ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَبِي خَلَدٍ الْأَحْمَرِ وَحَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَحَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَبِي خَلَدٍ الْأَحْمَرِ . وَابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَشَرَتُهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِهِ فِي بَدْءِ الْوَحْيِ ، وَالْإِيمَانِ ، وَالنِّكَاحِ ، وَالْهِجْرَةِ وَتَرْكِ الْحِيَلِ ، وَالْعِتْقِ ، وَالنُّذُورِ ، وَمُسْلِمٌ فِي الْجِهَادِ . وَأَبُو دَاوُد فِي الطَّلَاقِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الْجِهَادِ ، وَالنَّسَائِيُّ فِي الْإِيمَانِ . وَابْنُ مَاجَهْ فِي الزُّهْدِ . ( الثَّانِيَةُ ) هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ أَفْرَادِ الصَّحِيحِ لَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ وَلَا عَنْ عُمَرَ إلَّا مِنْ رِوَايَةِ عَلْقَمَةَ وَلَا عَنْ عَلْقَمَةَ إلَّا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ وَلَا عَنْ التَّيْمِيِّ إلَّا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ : لَا نَعْلَمُ يُرْوَى هَذَا الْكَلَامُ إلَّا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مُسْنَدًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . وَقَالَ حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيُّ : لَا أَعْلَمُ رَوَاهُ غَيْرُ عُمَرَ وَلَا عَنْ عُمَرَ غَيْرُ عَلْقَمَةَ وَلَا عَنْ عَلْقَمَةَ غَيْرُ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَلَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ غَيْرُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَتَّابٍ : لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ عُمَرَ وَلَا عَنْ عُمَرَ غَيْرُ عَلْقَمَةَ إلَى آخِرِهِ . ( الثَّالِثَةُ ) مَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ مِنْ كَوْنِ حَدِيثِ عُمَرَ فَرْدًا هُوَ الْمَشْهُورُ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ طُرُقٍ أُخْرَى رَأَيْت ذِكْرَهَا لِلْفَائِدَةِ فَوَقَفْت عَلَيْهِ مُسْنَدًا مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ عُمَرَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَنَسٍ وَعَلِيٍّ . فَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ رَوَاهُ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ وَابْنُ عَسَاكِرَ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَجِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي دَاوُد عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَهُوَ غَلَطٌ مِنْ ابْنِ أَبِي دَاوُد . وَقَوْلُ الْخَطَّابِيِّ : إنَّهُ يُقَالُ : إنَّ الْغَلَطَ إنَّمَا جَاءَ مِنْ قِبَلِ نُوحِ بْنِ حَبِيبٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْ ابْنِ أَبِي دَاوُد فَلَيْسَ بِجَيِّدٍ مِنْ قَائِلِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ نُوحٌ عَنْهُ بَلْ رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا الَّذِي تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ أَبِي دَاوُد كَمَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ ( وَحَدِيثُ ) أَبِي هُرَيْرَةَ رَوَاهُ الرَّشِيدُ الْعَطَّارُ فِي بَعْضِ تَخَارِيجِهِ ، وَهُوَ وَهْمٌ أَيْضًا . ( وَحَدِيثُ ) أَنَسٍ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ جِدًّا ، وَالْمَحْفُوظُ حَدِيثُ عُمَرَ انْتَهَى . وَالْمَعْرُوفُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُثَنَّى الْأَنْصَارِيِّ قَالَ حَدَّثَنِي بَعْضُ أَهْلِ بَيْتِي عَنْ أَنَسٍ فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ أَنَّهُ { لَا عَمَلَ لِمَنْ لَا نِيَّةَ لَهُ } الْحَدِيثَ . ( وَحَدِيثُ ) عَلِيٍّ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ يَاسِرٍ الْجَيَّانِيُّ فِي نُسْخَةٍ مِنْ طَرِيقِ أَهْلِ الْبَيْتِ إسْنَادُهَا ضَعِيفٌ . وَأَمَّا مَنْ تَابَعَ عَلْقَمَةَ عَلَيْهِ فَذَكَرَ أَبُو أَحْمَدَ الْحَاكِمُ أَنَّ مُوسَى بْنَ عُقْبَةَ رَوَاهُ عَنْ نَافِعٍ وَعَلْقَمَةَ . وَأَمَّا مَنْ تَابَعَ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ عَلَيْهِ فَقَدْ رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي تَارِيخِ نَيْسَابُورَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ أَوْرَدَهُ فِي تَرْجَمَةِ أَحْمَدَ بْنِ نَصْرِ بْنِ زِيَادٍ وَقَالَ : إنَّهُ غَلِطَ فِيهِ قَالَ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ لَا عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ سَعِيدٍ . وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَنَّهُ رَوَاهُ الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ ، وَأَنَّهُ رَوَاهُ سَهْلُ بْنُ صُقَيْرٍ عَنْ الدَّرَاوَرْدِيِّ وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَأَنَسِ بْنِ عِيَاضٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَلْقَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَوَهِمَ سَهْلٌ عَلَى هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ وَغَيْرُهُمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . وَرَأَيْت فِي كِتَابِ الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ أَحَادِيثِ النَّاسِ لِلْفَائِدَةِ لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَنْدَهْ أَنَّهُ رَوَاهُ سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ غَيْرَ عُمَرَ ، وَأَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ عُمَرَ غَيْرُ عَلْقَمَةَ وَعَنْ عَلْقَمَةَ غَيْرُ التَّيْمِيِّ وَعَنْ التَّمِيمِيِّ غَيْرُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . وَبَلَغَنِي أَنَّ الْحَافِظَ أَبَا الْحَجَّاجِ الْمِزِّيَّ سُئِلَ عَنْ كَلَامِ ابْنِ مَنْدَهْ هَذَا فَاسْتَبْعَدَهُ ، وَقَدْ تَتَبَّعْت كَلَامَ ابْنِ مَنْدَهْ فَوَجَدْت أَكْثَرَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ ذَكَرَ حَدِيثَهُمْ فِي الْبَابِ إنَّمَا لَهُمْ أَحَادِيثُ أُخْرَى فِي مُطْلَقِ النِّيَّةِ لَا هَذَا الْحَدِيثُ بِعَيْنِهِ . كَحَدِيثِ يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ وَحَدِيثِ لَيْسَ لَهُ مِنْ غُزَاتِهِ إلَّا مَا نَوَى وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَهَكَذَا يَفْعَلُ التِّرْمِذِيُّ حَيْثُ يَقُولُ : وَفِي الْبَابِ عَنْ فُلَانٍ وَفُلَانٍ فَكَثِيرًا مَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَحَادِيثَ غَيْرَ الْحَدِيثِ الَّذِي يُسْنِدُهُ فِي أَوَّلِ الْبَابِ وَلَكِنْ بِشَرْطِ كَوْنِهَا تَصْلُحُ أَنْ تُورَدَ فِي ذَلِكَ الْبَابِ ، وَهُوَ عَمَلٌ صَحِيحٌ إلَّا أَنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ إنَّمَا يَفْهَمُونَ إرَادَةَ ذَلِكَ الْحَدِيثِ الْمُعَيَّنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) أَطْلَقَ بَعْضُهُمْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ اسْمَ التَّوَاتُرِ وَبَعْضُهُمْ اسْمَ الشُّهْرَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا هُوَ فَرْدٌ وَمَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ الِاشْتِهَارَ أَوْ التَّوَاتُرَ فِي آخِرِ السَّنَدِ مِنْ عِنْدِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ . قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى آخِرِهِ غَرِيبٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى أَوَّلِهِ قَالَ : وَلَيْسَ مُتَوَاتِرًا لِفَقْدِ شَرْطِ التَّوَاتُرِ فِي أَوَّلِهِ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ أَكْثَرُ مِنْ مِائَتِي إنْسَانٍ أَكْثَرُهُمْ أَئِمَّةٌ قُلْت رَوَيْنَا عَنْ الْحَافِظِ أَبِي مُوسَى مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ الْمَدِينِيِّ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ سَبْعُمِائَةِ رَجُلٍ . ( الْخَامِسَةُ ) فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ لَطِيفَةٌ حَدِيثِيَّةٌ ، وَهُوَ أَنَّهُ اجْتَمَعَ فِيهِ ثَلَاثَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ عَلْقَمَةُ ، وَالتَّيْمِيُّ وَيَحْيَى ، وَهُوَ كَثِيرٌ وَأَكْثَرُ مَا اجْتَمَعَ التَّابِعُونَ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ سِتَّةُ أَنْفُسٍ أَفْرَدَهُ الْخَطِيبُ بِالتَّصْنِيفِ فِي جُزْءٍ لَهُ ، وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ فِي فَضْلِ قِرَاءَةِ قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . ( السَّادِسَةُ ) هَذَا الْحَدِيثُ قَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ حَتَّى قِيلَ فِيهِ : إنَّهُ ثُلُثُ الْعِلْمِ وَقِيلَ رُبْعُهُ وَقِيلَ خُمْسُهُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ إنَّهُ ثُلُثُ الْعِلْمِ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : لِأَنَّ كَسْبَ الْعَبْدِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَجَوَارِحِهِ فَالنِّيَّةُ أَحَدُ الْأَقْسَامِ ، وَهِيَ أَرْجَحُهَا ؛ لِأَنَّهَا تَكُونُ عِبَادَةً بِانْفِرَادِهَا وَلِذَلِكَ كَانَتْ نِيَّةُ الْمُؤْمِنِ خَيْرًا مِنْ عَمَلِهِ وَهَكَذَا أَوَّلَهُ الْبَيْهَقِيُّ . وَكَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ أَرَادَ بِكَوْنِهِ ثُلُثَ الْعِلْمِ مَعْنًى آخَرَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : أُصُولُ الْإِسْلَامِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحَادِيثَ : حَدِيثُ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ { مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدٌّ } وَحَدِيثُ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ { الْحَلَالُ بَيِّنٌ ، وَالْحَرَامُ بَيِّنٌ } . وَقَالَ أَبُو دَاوُد اجْتَهَدْت فِي الْمُسْنَدِ ، فَإِذَا هُوَ أَرْبَعَةُ آلَافِ حَدِيثٍ ، ثُمَّ نَظَرْت ، فَإِذَا مَدَارُهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَحَادِيثَ : الْحَلَالُ بَيِّنٌ ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّةِ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ { إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ لَا يَقْبَلُ إلَّا طَيِّبًا } ، وَحَدِيثُهُ { مِنْ حُسْنِ إسْلَامِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لَا يَعْنِيهِ } . هَكَذَا رَوَى ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ عَنْهُ وَرَوَى ابْنُ دَاسَةَ عَنْهُ نَحْوَهُ إلَّا أَنَّهُ أَبْدَلَ حَدِيثَ إنَّ اللَّهَ طَيِّبٌ بِحَدِيثِ { لَا يَكُونُ الْمَرْءُ مُؤْمِنًا حَتَّى لَا يَرْضَى لِأَخِيهِ إلَّا مَا يَرْضَى لِنَفْسِهِ } . وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ مَكَانَ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي تَرَدَّدَ كَلَامُ أَبِي دَاوُد فِيهِ حَدِيثَ { ازْهَدْ فِي الدُّنْيَا يُحِبّكَ اللَّهُ وَازْهَدْ فِيمَا فِي أَيْدِي النَّاسِ يُحِبّكَ النَّاسُ } وَرُوِيَ عَنْ أَبِي دَاوُد أَيْضًا الْفِقْهُ يَدُورُ عَلَى خَمْسَةِ أَحَادِيثَ الْحَلَالُ بَيِّنٌ ، وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، وَمَا نَهَيْتُكُمْ عَنْهُ فَاجْتَنِبُوهُ ، وَمَا أَمَرْتُكُمْ بِهِ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وَلَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ . ( السَّابِعَةُ ) كَلِمَةُ " إنَّمَا " لِلْحَصْرِ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ وَمَعْنَى الْحَصْرِ فِيهَا إثْبَاتُ الْحُكْمِ فِي الْمَذْكُورِ وَنَفْيُهُ عَمَّا عَدَاهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّمَا إلَهُكُمْ اللَّهُ } وَلَكِنْ دَلَالَتُهَا عَلَى النَّفْيِ فِيمَا عَدَاهُ هَلْ هُوَ بِمُقْتَضَى مَوْضُوعِ اللَّفْظِ أَوْ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ ؟ فِيهِ كَلَامٌ لِبَعْضِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَاسْتَدَلَّ عَلَى وِفَاقِهِمْ أَنَّهَا لِلْحَصْرِ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ فَهِمَهُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الرِّبَا فِي النَّسِيئَةِ } فَاعْتَرَضَهُ الْمُخَالِفُونَ لَهُ بِدَلِيلٍ آخَرَ يَقْتَضِي تَحْرِيمَ رِبَا الْفَضْلِ وَلَمْ يُعَارِضُوهُ فِيمَا فَهِمَهُ مِنْ الْحَصْرِ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَيْهِ . وَاتَّفَقَ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ عَلَى إثْبَاتِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي الْحَدِيثِ ، وَقَدْ رَوَاهُ الْقُضَاعِيُّ فِي مُسْنَدِ الشِّهَابِ دُونَ لَفْظِ إنَّمَا ، وَهِيَ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ أَيْضًا ، وَإِسْنَادُهَا جَيِّدٌ إلَّا أَنَّ أَبَا مُوسَى الْمَدِينِيَّ قَالَ : لَا يَصِحُّ إسْنَادُهُ يَعْنِي بِدُونِ إنَّمَا . ( الثَّامِنَةُ ) إذَا تَقَرَّرَ أَنَّهَا لِلْحَصْرِ فَتَارَةً تَقْتَضِي الْحَصْرَ الْمُطْلَقَ ، وَهُوَ الْأَغْلَبُ الْأَكْثَرُ وَتَارَةً تَقْتَضِي حَصْرًا مَخْصُوصًا كَقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرٌ } وَقَوْلِهِ { إنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ } فَالْمُرَادُ حَصْرُهُ فِي النِّذَارَةِ لِمَنْ لَا يُؤْمِنُ وَنَفْيُ قُدْرَتِهِ عَلَى مَا طَلَبُوا مِنْ الْآيَاتِ وَأَرَادَ بِالْآيَةِ الثَّانِيَةِ الْحَصْرَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ آثَرَهَا أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ تَغْلِيبِ الْغَالِبِ عَلَى النَّادِرِ . وَكَذَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ { إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ } أَرَادَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الِاطِّلَاعِ عَلَى بَوَاطِنِ الْخُصُومِ وَبِالنِّسْبَةِ إلَى جَوَازِ النِّسْيَانِ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَيُفْهَمُ ذَلِكَ بِالْقَرَائِنِ ، وَالسِّيَاقِ . ( التَّاسِعَةُ ) الْمُرَادُ بِالْأَعْمَالِ هُنَا أَعْمَالُ الْجَوَارِحِ كُلِّهَا حَتَّى تَدْخُلَ فِي ذَلِكَ الْأَقْوَالُ ، فَإِنَّهَا عَمَلُ اللِّسَانِ ، وَهُوَ مِنْ الْجَوَارِحِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَرَأَيْت بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْخِلَافِ خَصَّصَ الْأَعْمَالَ بِمَا لَا يَكُونُ قَوْلًا وَأَخْرَجَ الْأَقْوَالَ مِنْ ذَلِكَ . قَالَ : وَفِي هَذَا عِنْدِي بُعْدٌ وَلَا تَرَدُّدَ عِنْدِي فِي أَنَّ الْحَدِيثَ يَتَنَاوَلُ الْأَقْوَالَ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) النِّيَّاتُ جَمْعُ نِيَّةٍ ، وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ تَشْدِيدُ الْيَاءِ فِي الْجَمْعِ وَحَكَى فِيهِ النَّوَوِيُّ التَّخْفِيفَ ، وَقَدْ وَرَدَ الْحَدِيثُ بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ أَيْضًا فِي النِّيَّةِ وَفِي الْعَمَلِ أَيْضًا وَكُلُّهُ فِي الصَّحِيحِ وَاخْتُلِفَ فِي حَقِيقَةِ النِّيَّةِ فَقِيلَ هِيَ الطَّلَبُ وَقِيلَ الْجِدُّ فِي الطَّلَبِ وَمِنْهُ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ : مِنْ يَنْوِ الدُّنْيَا تُعْجِزُهُ أَيْ مَنْ يَجِدُّ فِي طَلَبِهَا وَقِيلَ الْقَصْدُ لِلشَّيْءِ بِالْقَلْبِ وَقِيلَ عَزِيمَةُ الْقَلْبِ ، وَقِيلَ هِيَ مِنْ النَّوَى بِمَعْنَى الْبُعْدِ فَكَأَنَّ النَّاوِيَ لِلشَّيْءِ يَطْلُبُ بِقَصْدِهِ وَعَزْمِهِ مَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ بِجَوَارِحِهِ وَحَرَكَاتِهِ الظَّاهِرَةِ لِبُعْدِهِ عَنْهُ فَجُعِلَتْ النِّيَّةُ وَسِيلَةً إلَى بُلُوغِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حَذْفِ الْمُضَافِ وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي تَقْدِيرِهِ فَاَلَّذِينَ اشْتَرَطُوا النِّيَّةَ قَدَّرُوا صِحَّةَ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ أَوْ مَا يُقَارِبُهُ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَشْتَرِطُوهَا قَدَّرُوا كَمَالَ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ أَوْ مَا يُقَارِبُهُ ، وَقَدْ رُجِّحَ الْأَوَّلُ بِأَنَّ الصِّحَّةَ أَكْثَرُ لُزُومًا لِلْحَقِيقَةِ مِنْ الْكَمَالِ فَالْحَمْلُ عَلَيْهَا أَوْلَى ، قَالَ : وَقَدْ يُقَدِّرُونَهُ إنَّمَا اعْتِبَارُ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ وَذَكَرَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ ، وَهُوَ قَاضِي الْقُضَاةِ شَمْسُ الدِّينِ السُّرُوجِيُّ أَنَّ التَّقْدِيرَ ثَوَابُهَا لَا صِحَّتُهَا ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَطَّرِدُ ، فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ الْأَعْمَالِ يُوجَدُ وَيُعْتَبَرُ شَرْعًا بِدُونِهَا ، وَلِأَنَّ إضْمَارَ الثَّوَابِ مُنْفَقٌ عَلَى إرَادَتِهِ وَلِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ انْتِفَاءُ الثَّوَابِ دُونَ الْعَكْسِ فَكَانَ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ أَقَلَّ إضْمَارًا فَهُوَ أَوْلَى وَلِأَنَّ إضْمَارَ الْجَوَازِ ، وَالصِّحَّةِ يُؤَدِّي إلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وَلِأَنَّ الْعَامِلَ فِي قَوْلِهِ بِالنِّيَّةِ مُقَدَّرٌ بِإِجْمَاعِ النُّحَاةِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالْأَعْمَالِ ؛ لِأَنَّهَا رَفْعٌ بِالِابْتِدَاءِ فَيَبْقَى بِلَا خَبَرٍ فَلَا يَجُوزُ فَالْمُقَدَّرُ إمَّا مُجْزِئَةٌ أَوْ صَحِيحَةٌ أَوْ مُثِيبَةٌ ( فَمُثِيبَةٌ ) أَوْلَى بِالتَّقْدِيرِ لِوَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ لَا يَبْطُلُ أَصْلُ الْعَمَلِ وَعَلَى إضْمَارِ الصِّحَّةِ ، وَالْإِجْزَاءِ يَبْطُلُ فَلَا يَبْطُلُ بِالشَّكِّ . ( الثَّانِي ) أَنَّ قَوْلَهُ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى يَدُلُّ عَلَى الثَّوَابِ ، وَالْأَجْرِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَهُ إنَّمَا هُوَ الثَّوَابُ ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَعَلَيْهِ انْتَهَى . وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وُجُوهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَى إضْمَارِ مَحْذُوفٍ مِنْ الصِّحَّةِ أَوْ الْكَمَالِ أَوْ الثَّوَابِ إذْ الْإِضْمَارُ خِلَافُ الْأَصْلِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ حَقِيقَةُ الْعَمَلِ الشَّرْعِيِّ فَلَا يَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى إضْمَارٍ وَأَيْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ إضْمَارِ شَيْءٍ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَارُّ ، وَالْمَجْرُورُ فَلَا حَاجَةَ لِإِضْمَارِ مُضَافٍ ؛ لِأَنَّ تَقْلِيلَ الْإِضْمَارِ أَوْلَى فَيَكُونُ التَّقْدِيرُ إنَّمَا الْأَعْمَالُ وُجُودُهَا بِالنِّيَّةِ وَيَكُونُ الْمُرَادُ الْأَعْمَالَ الشَّرْعِيَّةَ . ( وَالثَّانِي ) أَنَّ قَوْلَهُ : إنَّ تَقْدِيرَ الثَّوَابِ أَقَلُّ إضْمَارًا لِكَوْنِهِ يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ انْتِفَاءُ الثَّوَابِ دُونَ الْعَكْسِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ فِيهِ تَقْلِيلَ الْإِضْمَارِ ؛ لِأَنَّ الْمَحْذُوفَ وَاحِدٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَقْدِيرِ الصِّحَّةِ تَقْدِيرُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى نَفْيِهَا مِنْ نَفْيِ الثَّوَابِ وَوُجُوبِ الْإِعَادَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَلَا نَحْتَاجُ إلَى أَنْ نُقَدِّرَ إنَّمَا صِحَّةُ الْأَعْمَالِ ، وَالثَّوَابِ وَسُقُوطِ الْقَضَاءِ مَثَلًا بِالنِّيَّةِ بَلْ الْمُقَدَّرُ وَاحِدٌ ، وَإِنْ تَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ الْوَاحِدِ شَيْءٌ آخَرُ فَلَا يَلْزَمُ تَقْدِيرُهُ . ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّ قَوْلَهُ : إنَّ تَقْدِيرَ الصِّحَّةِ يُؤَدِّي إلَى نَسْخِ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ أَنَّ الْكِتَابَ دَالٌّ عَلَى صِحَّةِ الْعَمَلِ بِغَيْرِ نِيَّةٍ لِكَوْنِ النِّيَّةِ لَمْ تُذْكَرْ فِي الْكِتَابِ فَهَذَا لَيْسَ بِنَسْخٍ وَأَيْضًا فَالثَّوَابُ مَذْكُورٌ فِي الْكِتَابِ عَلَى الْعَمَلِ وَلَمْ تُذْكَرْ النِّيَّةُ عَلَى أَنَّ الْكِتَابَ ذُكِرَتْ فِيهِ نِيَّةُ الْعَمَلِ فِي قَوْله تَعَالَى { وَمَا أُمِرُوا إلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدَّيْنَ } فَهَذَا هُوَ الْقَصْدُ ، وَالنِّيَّةُ ، وَلَوْ سَلِمَ لَهُ أَنَّ فِيهِ نَسْخَ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ فَلَا مَانِعَ مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأُصُولِ . ( وَالرَّابِعُ ) أَنَّ قَوْلَهُ : إنَّ تَقْدِيرَ الصِّحَّةِ يُبْطِلُ الْعَمَلَ وَلَا يَبْطُلُ بِالشَّكِّ لَيْسَ بِجَيِّدٍ بَلْ إذَا تَيَقَّنَّا شَغْلَ الذِّمَّةِ بِوُجُوبِ الْعَمَلِ لَمْ نُسْقِطْهُ بِالشَّكِّ وَلَا تَبْرَأُ الذِّمَّةُ إلَّا بِيَقِينٍ فَحَمْلُهُ عَلَى الصِّحَّةِ أَوْلَى لِتَيَقُّنِ الْبَرَاءَةِ بِهِ . ( وَالْخَامِسُ ) أَنَّ قَوْلَهُ : إنَّ الَّذِي لَهُ إنَّمَا هُوَ الثَّوَابُ ، وَأَمَّا الْعَمَلُ فَعَلَيْهِ ، وَالْأَحْسَنُ فِي التَّقْدِيرِ أَنْ لَا يُقَدَّرَ حَذْفُ مُضَافٍ ، فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَلَكِنْ يُقَدَّرُ شَيْءٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ الْجَارُّ ، وَالْمَجْرُورُ ، فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ إنَّمَا الْأَعْمَالُ وُجُودُهَا بِالنِّيَّةِ ، وَنَفْيُ الْحَقِيقَةِ أَوْلَى ، وَالْمُرَادُ نَفْيُ الْعَمَلِ الشَّرْعِيِّ ، وَإِنْ وَجَدَ صُورَةَ الْفِعْلِ فِي الظَّاهِرِ فَلَيْسَ بِشَرْعِيٍّ عِنْدَ عَدَمِ النِّيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةَ عَشَرَ ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ ، أَنَّ مَنْ لَمْ يَنْوِ الشَّيْءَ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مَنْ نَوَى شَيْئًا لَمْ يَحْصُلْ لَهُ غَيْرُهُ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ وَإِلَى هَذَا يُشِيرُ قَوْلُهُ : وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوَّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ انْتَهَى . وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى أَنَّ التَّشْرِيكَ فِي النِّيَّةِ مُفْسِدٌ لَهَا ، وَقَدْ وَرَدَ لِكُلٍّ مِنْ الِاحْتِمَالَيْنِ مَا يُؤَكِّدُهُ فَمِمَّا يُؤَكِّدُ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ { : جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : رَأَيْت رَجُلًا غَزَا يَلْتَمِسُ الْأَجْرَ ، وَالذِّكْرَ مَا لَهُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَا شَيْءَ لَهُ } الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ إنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ مِنْ الْعَمَلِ إلَّا مَا كَانَ لَهُ خَالِصًا وَابْتَغَى بِهِ وَجْهَهُ . وَيَدُلُّ لِلِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ غَزَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَنْوِ إلَّا عِقَالًا فَلَهُ مَا نَوَاهُ } . فَإِتْيَانُهُ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ يَقْتَضِي أَنَّهُ إذَا نَوَى مَعَ الْعِقَالِ شَيْئًا آخَرَ كَانَ لَهُ مَا نَوَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ كَلَامُ أَصْحَابِنَا فِي مَوَاضِعَ وَحَاصِلُ مَا ذَكَرُوهُ أَنَّ مَنْ نَوَى مَعَ الْفَرْضِ مَا هُوَ حَاصِلٌ ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِهِ ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ . ( فَمِنْهَا ) لَوْ نَوَى الْإِمَامُ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ وَإِعْلَامَ الْقَوْمِ لَمْ يَضُرَّهُ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ . ( وَمِنْهَا ) إذَا قَصَدَ الْمَسْبُوقُ بِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ التَّحَرُّمَ ، وَالْهَوَى لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ تَكْبِيرَةَ الْإِحْرَامِ لَا يَحْصُلُ بِهَا تَكْبِيرَةُ الْهَوَى . ( وَمِنْهَا ) لَوْ نَوَى الْوُضُوءَ ، وَالتَّبَرُّدَ لَمْ يَضُرَّهُ عَلَى الْأَصَحِّ لِحُصُولِ التَّبَرُّدِ بِدُونِ النِّيَّةِ ، وَهَذَا إذَا نَوَاهُمَا مَعًا ، فَإِنْ طَرَأَتْ نِيَّةُ التَّبَرُّدِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ مَعَ ذِكْرِ النِّيَّةِ لَمْ يَضُرَّهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَاكِرًا لَهَا لَمْ يَصِحَّ مَا بَعْدَ نِيَّةِ التَّبَرُّدِ . ( وَمِنْهَا ) لَوْ نَوَى الْجُنُبُ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ، وَالْجُمُعَةِ مَعًا فَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ عَلَى حُصُولِهِمَا ، وَهَذَا يَقْتَضِي حُصُولَ غُسْلِ الْجُمُعَةِ ، وَلَوْ لَمْ يَنْوِهِ ، وَهُوَ مَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحَيْنِ وَخَالَفَهُ فِي الْمُحَرَّرِ فَقَالَ يَحْصُلُ الْمَنْوِيُّ فَقَطْ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ عَلَى هَذَا فِي سَائِرِ كُتُبِهِ وَنَقَلَهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : إنَّهُ إذَا نَوَاهُمَا وَقُلْنَا : إنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الْجَنَابَةِ لَمْ تَحْصُلْ الْجُمُعَةُ فَقَضَيْته أَنْ لَا يَصِحَّ الْغُسْلُ أَصْلًا وَرُدَّ كَلَامُهُ لِمُخَالَفَتِهِ لِلنَّصِّ . وَمِنْهَا لَوْ نَوَى بِفَرْضِهِ الْفَرْضَ ، وَالرَّاتِبَةَ ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِعَدَمِ دُخُولِ الرَّاتِبَةِ مَعَ الْفَرْضِ لَوْ لَمْ يَنْوِ . ( وَمِنْهَا ) لَوْ نَوَى الْفَرْضَ ، وَالتَّحِيَّةَ حَصَلَا لِحُصُولِ التَّحِيَّةِ بِدُونِهَا . ( وَمِنْهَا ) لَوْ نَوَى بِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ الْجُمُعَةَ ، وَالْكُسُوفَ لَمْ يَصِحَّ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ . ( وَمِنْهَا ) مَا إذَا نَوَى بِقَضَاءِ الْفَائِتَةِ صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ فَالْقِيَاسُ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَفِي فَتَاوَى ابْنِ الصَّلَاحِ حُصُولُ الْفَائِتَةِ ، وَهُوَ مُشْكِلٌ . ( وَمِنْهَا ) أَنْ يَنْوِيَ صَوْمَ عَاشُورَاءَ مَعَ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ فَالْقِيَاسُ عَدَمُ الصِّحَّةِ وَأَفْتَى شَرَفُ الدِّينِ الْبَارِزِيُّ بِحُصُولِهِ عَنْهُمَا ، وَهُوَ مُشْكِلٌ أَمَّا إذَا نَوَى فِي يَوْمِ عَاشُورَاءَ الصِّيَامَ عَنْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ قَضَاءٍ وَأَطْلَقَ فَالْقِيَاسُ حُصُولُ الْفَرْضِ فَقَطْ وَأَفْتَى الْبَارِزِيُّ بِحُصُولِهِمَا ، وَهُوَ بَعِيدٌ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُهِمَّاتِ الْقِيَاسُ أَنْ لَا يَصِحَّ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا ، وَهُوَ مَرْدُودٌ أَيْضًا بَلْ الصَّوَابُ حُصُولُ الْفَرْضِ فَقَطْ . ( الثَّالِثَةَ عَشَرَ ) إنْ قِيلَ مَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ : وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى بَعْدَ قَوْلِهِ : إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ هَلْ أَتَى بِهِ لِلتَّأْكِيدِ أَوْ لِلتَّأْسِيسِ ؟ قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ : فِيهِ تَحْقِيقٌ لِاشْتِرَاطِ النِّيَّةِ ، وَالْإِخْلَاصِ فِي الْأَعْمَالِ انْتَهَى فَجَعَلَهُ لِلتَّأْكِيدِ وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّأْسِيسَ أَوْلَى مِنْ التَّأْكِيدِ ، وَذُكِرَ فِي فَائِدَةِ ذَلِكَ وُجُوهٌ : ( أَحَدُهَا ) مَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ : إنَّ فَائِدَتَهُ اشْتِرَاطُ تَعْيِينِ الْمَنْوِيِّ ، فَإِذَا كَانَ عَلَى الْإِنْسَانِ صَلَاةٌ مَقْضِيَّةٌ لَا يَكْفِيهِ أَنْ يَنْوِيَ الصَّلَاةَ الْفَائِتَةَ بَلْ يُشْتَرَطُ أَنْ يَنْوِيَ كَوْنَهَا ظُهْرًا أَوْ عَصْرًا أَوْ غَيْرَهُمَا ، وَلَوْلَا اللَّفْظُ الثَّانِي لَاقْتَضَى الْأَوَّلُ صِحَّةَ النِّيَّةِ بِلَا تَعْيِينٍ . ( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) مَا ذَكَرَهُ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ فِي أَمَالِيهِ أَنَّ فِيهِ دَلَالَةً عَلَى أَنَّ الْأَعْمَالَ الْخَارِجَةَ عَنْ الْعِبَادَةِ قَدْ تُقَيِّدُ الثَّوَابَ إذَا نَوَى بِهَا فَاعِلُهَا الْقُرْبَةَ كَالْأَكْلِ ، وَالشُّرْبِ إذَا نَوَى بِهِمَا الْقُوَّةَ عَلَى الطَّاعَةِ ، وَالنَّوْمِ إذَا قَصَدَ بِهِ تَرْوِيحَ الْبَدَنِ لِلْعِبَادَةِ ، وَالْوَطْءِ إذَا أَرَادَ بِهِ التَّعَفُّفَ عَنْ الْفَاحِشَةِ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ } الْحَدِيثَ . ( وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ ) أَنَّ الْأَفْعَالَ الَّتِي ظَاهِرُهَا الْقُرْبَةُ ، وَإِنْ كَانَ مَوْضُوعُ فِعْلِهَا لِلْعِبَادَةِ إذَا فَعَلَهَا الْمُكَلَّفُ عَادَةً لَمْ يَتَرَتَّبْ الثَّوَابُ عَلَى مُجَرَّدِ الْفِعْلِ ، وَإِنْ كَانَ الْفِعْلُ صَحِيحًا حَتَّى يَقْصِدَ بِهِ الْعِبَادَةَ . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الِاقْتِرَاحِ أَنَّ مِنْ أَحْسَنِ مَا يُقْصَدُ بِسَمَاعِ الْحَدِيثِ كَثْرَةُ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَصْدِ الْقُرْبَةِ لَا عَلَى سَبِيلِ الْعَادَةِ فَجَعَلَ الصَّلَاةَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ كَانَتْ قُرْبَةً أَنَّ فَائِدَتَهَا فِيمَا إذَا قَصَدَ بِهَا الْقُرْبَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةَ عَشَرَ ) الْمَعْرُوفُ فِي الرِّوَايَةِ كَسْرُ الرَّاءِ مِنْ قَوْلِهِ لِامْرِئٍ وَعَلَى هَذَا فَإِعْرَابُهُ فِي حَرْفَيْنِ مِنْ آخِرِهِ الرَّاءُ ، وَالْهَمْزَةُ تَقُولُ هُوَ امْرُؤٌ جَيِّدٌ بِرَفْعِ الرَّاءِ وَرَأَيْت امْرَأً بِنَصْبِهَا ، وَهَذِهِ هِيَ اللُّغَةُ الْفُصْحَى ، وَفِيهِ لُغَتَانِ أُخْرَيَانِ فَتْحُ الرَّاءِ مُطْلَقًا حَكَاهَا الْفَرَّاءُ وَضَمُّهَا مُطْلَقًا وَتَكُونُ حَرَكَاتُ الْإِعْرَابِ فِي الْهَمْزَةِ فَقَطْ ، وَهُوَ مُفْرَدٌ لَا جَمْعَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ . ( الْخَامِسَةَ عَشَرَ ) فِيهِ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ لِصِحَّةِ الْعِبَادَةِ ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْعِبَادَةِ الْمَقْصُودَةِ لِعَيْنِهَا الَّتِي لَيْسَتْ وَسِيلَةً إلَى غَيْرِهَا ، وَحَكَى أَبُو الْوَلِيدِ مُحَمَّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ رُشْدٍ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابِهِ بِدَايَةِ الْمُجْتَهِدِ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ وَحَكَى الِاخْتِلَافَ فِي الْوُضُوءِ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي أَنَّهُ وَسِيلَةٌ أَوْ مَقْصِدٌ وَحَكَى ابْنُ التِّينِ السَّفَاقِسِيُّ أَنَّهُمْ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّ الْعِبَادَةَ الْمَحْضَةَ مُفْتَقِرَةٌ إلَى النِّيَّةِ ، وَالْعِبَادَةَ الْمَفْهُومَةَ الْمَعْنَى غَيْرُ مُفْتَقِرَةٍ إلَى النِّيَّةِ . وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْأَعْمَالَ ضَرْبَانِ : ضَرْبٌ تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِصِحَّتِهِ وَحُصُولِ الثَّوَابِ فِيهِ كَالْأَرْكَانِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ إلَّا بِنِيَّةٍ وَكَالْوُضُوءِ ، وَالْغُسْلِ ، وَالتَّيَمُّمِ وَطَوَافِ الْحَجِّ ، وَالْعُمْرَةِ ، وَالْوُقُوفِ مِمَّا اشْتَرَطَ النِّيَّةَ فِيهِ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ ، وَضَرْبٌ لَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِصِحَّتِهِ لَكِنْ تُشْتَرَطُ لِحُصُولِ الثَّوَابِ كَسَتْرِ الْعَوْرَةِ ، وَالْأَذَانِ ، وَالْإِقَامَةِ وَابْتِدَاءِ السَّلَامِ وَرَدِّهِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَرَدِّهِ وَعِيَادَةِ الْمَرِيضِ وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ وَإِمَاطَةِ الْأَذَى وَبِنَاءِ الْمَدَارِسِ ، وَالرَّبْطِ ، وَالْأَوْقَافِ ، وَالْهِبَاتِ ، وَالْوَصَايَا ، وَالصَّدَقَاتِ وَرَدِّ الْأَمَانَاتِ وَنَحْوِهَا . ( السَّادِسَةَ عَشَرَ ) احْتَجَّ بِهِ مَنْ أَوْجَبَ النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ ، وَالْغُسْلِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَدَاوُد وَغَيْرِهِمْ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ عَنْ مَالِكٍ وَاحْتَجَّ الْمُخَالِفُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَقْصُودًا ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ بِهِ النَّظَافَةُ فَأَشْبَهَ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ وَاعْتُرِضَ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ بِأَنَّهُمْ أَوْجَبُوهَا فِي التَّيَمُّمِ ، وَلَيْسَ مَقْصُودًا وَأَجَابُوا بِأَنَّهُ طَهَارَةٌ ضَعِيفَةٌ فَافْتَقَرَ إلَى النِّيَّةِ تَقْوِيَةً لَهُ وَبِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ النِّيَّةَ فِي التَّيَمُّمِ { فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا } أَيْ اقْصِدُوا ، وَهُوَ النِّيَّةُ وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي الْوُضُوءِ ، وَالْغُسْلِ وَاحْتَجَّ أَيْضًا الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ النِّيَّةُ فِي الْوُضُوءِ بِتَعْلِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوُضُوءَ لِلْأَعْرَابِيِّ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ النِّيَّةَ مَعَ جَهْلِ الْأَعْرَابِيِّ بِأَحْكَامِ الْوُضُوءِ ، وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ وَنَقَضَ عَلَيْهِمْ بِتَعْلِيمِهِ الصَّلَاةَ لِلْأَعْرَابِيِّ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ النِّيَّةَ ، وَقَدْ قُلْتُمْ بِوُجُوبِهَا فِي الصَّلَاةِ فَمَا الْفَرْقُ ؟ وَإِنَّمَا بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَنْ عَلَّمَهُ الْأَفْعَالَ الظَّاهِرَةَ الَّتِي يَقِفُ النَّاظِرُ عَلَى تَرْكِهَا لَوْ تَرَكُوهَا فَأَمَّا الْقَصْدُ لِلْعِبَادَةِ فَكَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةَ عَشَرَ ) فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ فِي ذَهَابِهِ إلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا تَجِبُ لَهُ النِّيَّةُ أَيْضًا كَبَقِيَّةِ الطُّهَارَاتِ وَاحْتَجَّ لَهُ بِأَنَّهَا وَسَائِلُ وَلَيْسَتْ بِمَقَاصِدَ وَرُدَّ عَلَيْهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ لَوْ سَقَطَ فِي الْمَاءِ غَافِلًا عَنْ كَوْنِهِ جُنُبًا أَنَّهُ لَا تَرْتَفِعُ جَنَابَتُهُ قَطْعًا فَلَوْلَا وُجُوبُ النِّيَّةِ لَمَا تَوَقَّفَ صِحَّةُ غُسْلِهِ عَلَيْهَا ، وَهُوَ وَاضِحٌ . ( الثَّامِنَةَ عَشَرَ ) احْتَجَّ بِهِ لِمَنْ أَوْجَبَ النِّيَّةَ فِي غُسْلِ النَّجَاسَةِ ؛ لِأَنَّهُ عَمَلٌ وَاجِبٌ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَيُحْكَى عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَبِهِ قَالَ أَبُو سَهْلٍ الصُّعْلُوكِيُّ فِيمَا حَكَاهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ انْتَهَى . وَحَكَى ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَوَائِدِ الرِّحْلَةِ وَجْهًا ثَالِثًا أَنَّهَا تَجِبُ لِإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ الَّتِي عَلَى الْبَدَنِ دُونَ الثَّوْبِ لِإِمْكَانِ صَلَاتِهِ فِي غَيْرِهِ ، وَقَدْ رُدَّ ذَلِكَ بِحِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ فَقَدْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي وَالْبَغَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ أَنَّ النِّيَّةَ لَا تُشْتَرَطُ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ قَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ عِنْدِي لَا يَصِحُّ النَّقْلُ عَنْهُمَا أَيْ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَالصُّعْلُوكِيِّ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَشْتَرِطُوا النِّيَّةَ فِي إزَالَةِ النَّجَاسَةِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ التُّرُوكِ فَصَارَ كَتَرْكِ الْمَعَاصِي ، وَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا التَّعْلِيلِ بِأَنَّ الصَّوْمَ مِنْ بَابِ التُّرُوكِ أَيْضًا ؛ وَلِهَذَا لَا يَبْطُلُ بِالْعَزْمِ عَلَى قَطْعِهِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِيهِ . ( التَّاسِعَةَ عَشَرَ ) اُحْتُجَّ بِهِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَهَابِهِ إلَى أَنَّ الْكَافِرَ إذَا أَجْنَبَ أَوْ أَحْدَثَ فَاغْتَسَلَ أَوْ تَوَضَّأَ ، ثُمَّ أَسْلَمَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ إعَادَةُ الْغُسْلِ ، وَالْوُضُوءِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَخَالَفَ الْجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ فَقَالُوا : تَجِبُ إعَادَةُ الْغُسْلِ ، وَالْوُضُوءِ ؛ لِأَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْعِبَادَةِ وَبَعْضُهُمْ يُعَلِّلُهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النِّيَّةِ . ( الْفَائِدَةُ الْعِشْرُونَ ) اُحْتُجَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الزَّوْجِ النِّيَّةُ إذَا غَسَّلَ زَوْجَتَهُ الْمَجْنُونَةَ مِنْ حَيْضٍ أَوْ نِفَاسٍ أَوْ الذِّمِّيَّةَ إذَا امْتَنَعَتْ فَغَسَّلَهَا الزَّوْجُ ، وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي التَّحْقِيقِ فِي مَسْأَلَةِ الْمَجْنُونَةِ . وَأَمَّا الذِّمِّيَّةُ الْمُمْتَنِعَةُ فَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي الْمَجْنُونَةِ بَلْ قَدْ جَزَمَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ فِي غُسْلِ الذِّمِّيَّةِ لِزَوْجِهَا الْمُسْلِمِ أَنَّ الْمُسْلِمَ هُوَ الَّذِي يَنْوِي وَلَكِنَّ الَّذِي صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي التَّحْقِيقِ فِي الذِّمِّيَّةِ غَيْرِ الْمُمْتَنِعَةِ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ عَلَيْهَا نَفْسِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ وُضُوءُ الْمُرْتَدِّ وَلَا غُسْلُهُ وَلَا تَيَمُّمُهُ ، وَهُوَ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ أَهْلًا لِلْعِبَادَةِ ، وَالنِّيَّةِ ، وَقَدْ ادَّعَى النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ نَفْيَ الْخِلَافِ فِيهِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي وَجْهًا فِي صِحَّةِ غُسْلِهِ وَفِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ حِكَايَةُ وَجْهٍ عَنْ النِّهَايَةِ فِي صِحَّةِ غُسْلِهِ وَوُضُوئِهِ أَيْضًا وَفِي الْجَوَاهِرِ لِلْقَمُولِيِّ حِكَايَةُ وَجْهٍ فِي صِحَّتِهِمَا وَصِحَّةِ تَيَمُّمِهِ أَيْضًا . ( الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) فِيهِ اشْتِرَاطُ النِّيَّةِ لِسُجُودِ التِّلَاوَةِ ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَخَالَفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ فَلَمْ يُوجِبْ النِّيَّةَ فِيهِ . ( الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ عَلَى الْغَاسِلِ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ ؛ لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ وَغُسْلٌ وَاجِبٌ ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ نَصُّ الشَّافِعِيِّ عَلَى وُجُوبِ غُسْلِ الْغَرِيقِ ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي إصَابَةُ الْمَاءِ لَهُ وَلَكِنَّ أَصَحَّ الْوَجْهَيْنِ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ أَنَّهُ لَا تَجِبُ النِّيَّةُ عَلَى الْغَاسِلِ وَنَسَبَ فِي الشَّرْحِ تَصْحِيحَهُ لِلْقَاضِي الرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ النِّيَّةَ إنَّمَا هِيَ عَلَى الْمُغْتَسِلِ ، وَالْمَيِّتِ لَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُ وَلِأَنَّ مَقْصُودَهُ النَّظَافَةُ وَيُشْكِلُ بِوُجُوبِ غُسْلِ الْغَرِيقِ وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِغُسْلِهِ فَلَا يَسْقُطُ الْفَرْضُ إلَّا بِغُسْلِنَا . ( الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُتَوَضِّئَ إذَا لَمْ يَنْوِ الْوُضُوءَ إلَّا عِنْدَ غَسْلِ الْوَجْهِ لَمْ يَحْصُلْ لَهُ ثَوَابُ مَا فَعَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ مِنْ الْمَضْمَضَةِ ، وَالِاسْتِنْشَاقِ وَغَسْلِ الْكَفَّيْنِ ، وَالتَّسْمِيَةِ ، وَالسِّوَاكِ لِخُلُوِّ ذَلِكَ عَنْ النِّيَّةِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَبِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ . وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى حُصُولِ ثَوَابِ السُّنَنِ لِانْعِطَافِ النِّيَّةِ عَلَى بَقِيَّةِ الْعِبَادَةِ كَصِيَامِ التَّطَوُّعِ عَلَى مَا سَيَأْتِي وَاسْتَثْنَى الْقَمُولِيُّ فِي الْجَوَاهِرِ مِمَّا يَحْصُلُ ثَوَابُهُ مِنْ السُّنَنِ التَّسْمِيَةَ وَلَك أَنْ تَقُولَ إنْ أَرَادَ حُصُولَ ثَوَابِ الذِّكْرِ لَا بِقَيْدِ ثَوَابِهِ عَلَى فَعَلِهَا فِي الْوُضُوءِ فَهُوَ كَذَلِكَ وَلَا يُرَدُّ ذَلِكَ عَلَى الرَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نَفَى حُصُولَ ثَوَابِ سُنَنِ الْوُضُوءِ ، وَعَلَى هَذَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَثْنَى السِّوَاكُ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ سُنَّةٌ مُطْلَقًا لَكِنْ لَا يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ السِّوَاكِ فِي الْوُضُوءِ ، وَإِنْ أَرَادَ الْقَمُولِيُّ حُصُولَ ثَوَابِ التَّسْمِيَةِ بِقَيْدِ كَوْنِهَا مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ فَمَمْنُوعٌ لِقَوْلِهِ ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى ، وَهُوَ لَمْ يَنْوِ الْوُضُوءَ قَبْلَ مَا فَعَلَهُ مِنْ السُّنَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ نَوَى صَلَاةَ فَرْضٍ ، ثُمَّ بَطَلَ فَرْضُهُ لِإِتْيَانِهِ بِمَا يُنَافِي الْفَرْضِيَّةَ دُونَ النَّفْلِيَّةِ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ نَفْلًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ بِصَلَاتِهِ النَّافِلَةَ فَلَا يَحْصُلُ لَهُ مَا لَمْ يَنْوِهِ ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَمَّا إذَا نَوَى فِي أَثْنَاءِ صَلَاتِهِ انْقِلَابَهَا نَفْلًا فَلَا يَخْلُو إمَّا أَنْ تَكُونَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ أَوْ لِغَيْرِ عُذْرٍ ، فَإِنْ كَانَ لِغَرَضٍ صَحِيحٍ كَأَنْ أَحْرَمَ بِالْفَرْضِ مُنْفَرِدًا فَجَاءَ الْإِمَامُ وَتَقَدَّمَ لِيُصَلِّيَ فَنَوَى قَلْبَهَا نَفْلًا وَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ صَحَّتْ الْأُولَى نَفْلًا كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ أَنَّهَا لَا تَصِحُّ نَفْلًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ وَوَقْتُ النِّيَّةِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ لَا فِي أَثْنَائِهَا . وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ وَلَكِنْ اُغْتُفِرَ لِخُرُوجِهِ لِعُذْرٍ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ النَّفَلَ بَعْدَ الْإِعْرَاضِ عَنْ الْفَرْضِ ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَمْرٍ مَحْبُوبٍ ، وَهُوَ اسْتِئْنَافُ الصَّلَاةِ بِالْجَمَاعَةِ ، وَإِنْ قَلَبَهَا نَفْلًا لِغَيْرِ سَبَبٍ فَالْأَظْهَرُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ الْبُطْلَانُ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا وَمِثْلُهُ مَا لَوْ أَحْرَمَ بِالظُّهْرِ قَبْلَ الزَّوَالِ ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا لَمْ يَصِحَّ فَرْضًا وَلَا نَفْلًا لِتَلَاعُبِهِ ، وَإِنْ فَعَلَهُ لَظَنَّ دُخُولَ الْوَقْتِ بِالِاجْتِهَادِ فَالْأَصَحُّ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهَا تَكُونُ نَفْلًا وَمِثْلُهُ مَا لَوْ كَبَّرَ الْمَسْبُوقُ لِلْإِحْرَامِ فِي حَالَةِ هَوِيِّهِ إلَى الرُّكُوعِ ، فَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِامْتِنَاعِ إيقَاعِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ حَدِّ الْقِيَامِ فَالْأَظْهَرُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ الْبُطْلَانُ ، وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا فَالْأَظْهَرُ انْعِقَادُهَا نَفْلًا كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَمِثْلُهُ مَا لَوْ وَجَدَ الْعَاجِزُ عَنْ الْقِيَامِ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ خِفَّةً فَلَمْ يَقُمْ وَالْأَظْهَرُ فِيهِ الْبُطْلَانُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ . وَمِثْلُهُ مَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْفَرْضِ قَاعِدًا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى الْقِيَامِ ، وَالْأَظْهَرُ الْبُطْلَانُ أَيْضًا لِتَلَاعُبِهِ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالْبُطْلَانِ مِنْ الَّتِي قَبْلَهَا . وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ لَا يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُ النَّفْلِ مُطْلَقًا سَوَاءٌ فِيهِ الْمَعْذُورُ وَغَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ وَنِيَّتُهُ الْحَادِثَةُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَاقِعَةٌ فِي غَيْرِ مَوْضُوعِ النِّيَّةِ إلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا جَعَلُوا لِلْمُتَطَوِّعِ بِالنَّفْلِ الْمُطْلَقِ الزِّيَادَةَ ، وَالنُّقْصَانَ بِالنِّيَّةِ عَلَى مَا نَوَاهُ أَوَّلًا ، وَإِنْ كَانَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ ) فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ إذَا نَوَى الْجَمَاعَةُ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ فَخَرَجَ وَقْتُهَا أَنَّهُمْ لَا يُكْمِلُونَهَا ظُهْرًا ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَنْوُوا الظُّهْرَ ، وَإِنَّمَا نَوَوْا الْجُمُعَةَ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ ابْتِدَاءُ الظُّهْرِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَهُوَ أَحَدُ الطَّرِيقَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَبَنَوْهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي أَنَّ الْجُمُعَةَ صَلَاةٌ عَلَى حِيَالِهَا أَوْ هِيَ ظُهْرٌ مَقْصُورٌ ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ اقْتَضَاهُمَا كَلَامُ الشَّافِعِيِّ قَالَ النَّوَوِيُّ أَظْهَرُهُمَا أَنَّهَا صَلَاةٌ بِحِيَالِهَا وَالْمَذْهَبُ كَمَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ جَوَازُ إتْمَامِهَا ظُهْرًا ، وَهُوَ مُخَالِفٌ لِقَضِيَّةِ بِنَائِهِمْ لَهُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَمُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ أَيْضًا لَكِنَّهُمْ شَبَّهُوهُ بِالْمُسَافِرِ يَنْوِي الْقَصْرَ فَيَفُوتُ شَرْطُهُ فَيُتِمُّ وَلَيْسَ كَالْقَصْرِ مِنْ حَيْثُ إنَّ الصَّلَاةَ وَاحِدَةٌ ، وَقَدْ نَوَاهَا وَنِيَّةُ الْقَصْرِ أَوْ الْإِتْمَامِ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ كَوْنِهَا ظُهْرًا مَثَلًا بِخِلَافِ الْجُمُعَةِ ، فَإِنَّهَا صَلَاةٌ عَلَى حِيَالِهَا كَمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ لَكِنَّ الرَّافِعِيَّ لَمْ يُصَحِّحْ مِنْ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ شَيْئًا . وَأَشْكَلُ مِنْ ذَلِكَ تَرْجِيحُهُمْ انْقِلَابَهَا بِنَفْسِهَا ظُهْرًا مِنْ غَيْرِ تَجْدِيدِ نِيَّةِ الظُّهْرِ كَمَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ نَقْلًا عَنْ صَاحِبِ الْعُدَّةِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ أَيْضًا ، وَقَالَ : إنَّهُ مُقْتَضَى كَلَامِ الْجُمْهُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ ) فِيهِ حُجَّةٌ لِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا أَنَّ الْمَسْبُوقَ فِي الْجُمُعَةِ إذَا أَدْرَكَ الْإِمَامَ بَعْدَ رَفْعِهِ مِنْ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّهُ يَنْوِي الظُّهْرَ لَا الْجُمُعَةَ لِفَوَاتِهَا وَلِأَنَّهُ إنَّمَا يُصَلِّي الظُّهْرَ وَلَيْسَ لَهُ إلَّا مَا نَوَى . وَلَكِنَّ الَّذِي ذَكَرَهُ الرُّويَانِيُّ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ أَنَّهُ يَنْوِي الْجُمُعَةَ مُوَافَقَةً لِلْإِمَامِ ، وَهُوَ مُشْكِلٌ إذْ كَيْفَ يَنْوِي مَا لَا يَفْعَلُهُ لَا جَرْمَ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : لَا وَجْهَ لِإِيجَابِ نِيَّةِ الْجُمُعَةِ انْتَهَى وَكَتَبَ النَّوَوِيُّ عَلَى حَاشِيَةِ الرَّوْضَةِ هُنَا " إنَّمَا يَنْوِي الْجُمُعَةَ ؛ لِأَنَّا لَمْ نَتَيَقَّنْ فَوَاتَهَا لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ قَدْ نَسِيَ الْقِرَاءَةَ مِنْ إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ فَيَتَذَكَّرُ أَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ رَكْعَةٌ فَيَقُومُ إلَيْهَا " انْتَهَى . وَتَعَقَّبَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا بِأَنَّ هَذَا غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ فَقَدْ ذَكَرَ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ زِيَادَاتِهِ أَنَّ الْمَسْبُوقَ إذَا بَقِيَتْ عَلَيْهِ رَكْعَةٌ فَقَامَ الْإِمَامُ إلَى خَامِسَةٍ فَلَا تَجُوزُ مُتَابَعَتُهُ فِيهَا حَمْلًا عَلَى أَنَّهُ تَذَكَّرَ تَرْكَ رُكْنٍ انْتَهَى . وَإِذَا قُلْنَا يَنْوِي الْجُمُعَةَ كَمَا هُوَ الْمُرَجَّحُ فَهَلْ يَصْرِفُ نِيَّتَهُ إلَى الظُّهْرِ عِنْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ أَمْ لَا يَحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ وَتَنْقَلِبُ بِنَفْسِهَا ظُهْرًا ؟ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ الْأَوَّلُ وَمُقْتَضَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْفَائِدَةِ قَبْلَهَا مِنْ انْقِلَابِهَا بِنَفْسِهَا ظُهْرًا فِي مَسْأَلَةِ فَوَاتِ شَرْطِ الْجُمُعَةِ أَنْ يَجِيءَ مِثْلُهُ هُنَا ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ : إنَّمَا يُدْرِكُ الْمَأْمُومُ الْجُمُعَةَ بِرَكْعَةٍ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُدْرِكُ بِإِدْرَاكِهِ قَبْلَ السَّلَامِ بَلْ لَوْ أَدْرَكَ مَعَهُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ بَعْدَ السَّلَامِ كَانَ مُدْرِكًا لِلْجُمُعَةِ ، وَهُوَ بَعِيدٌ . ( الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ ) فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمُقِيمَ إذَا نَوَى فِي رَمَضَانَ صَوْمَ قَضَاءٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ تَطَوُّعٍ وَقَعَ عَنْ رَمَضَانَ إذْ لَيْسَ لَهُ إلَّا مَا نَوَاهُ وَلَمْ يَنْوِ صَوْمَ رَمَضَانَ ، وَتَعْيِينُهُ شَرْعًا لَا يُغْنِي عَنْ نِيَّةِ الْمُكَلَّفِ لِأَدَاءِ مَا كُلِّفَ بِهِ وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَعْيِينِ رَمَضَانَ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ بِخِلَافِ الْحَجِّ عَلَى مَا سَيَأْتِي وَذَهَبَ زُفَرُ إلَى أَنَّ صِيَامَ رَمَضَانَ لَا تُشْتَرَطُ فِيهِ النِّيَّةُ لِتَصْحِيحِ الْمُقِيمِ لِتَعَيُّنِ الزَّمَانِ لَهُ . التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ ) فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمُتَطَوِّعَ بِالصِّيَامِ إذَا نَوَى فِي أَثْنَاءِ النَّهَارِ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ وَقُلْنَا بِصِحَّتِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يُحْسَبُ لَهُ الصِّيَامُ مِنْ حِينِ النِّيَّةِ لِخُلُوِّ أَوَّلِ النَّهَارِ عَنْ النِّيَّةِ ، وَالنِّيَّةُ لَا تَنْعَطِفُ عَلَى مَا قَبْلَهَا ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : إنَّهُ اخْتِيَارُ الْقَفَّالِ لَكِنَّ الْأَظْهَرَ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ إنَّهُ صَائِمٌ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ ؛ لِأَنَّ صَوْمَ الْيَوْمِ الْوَاحِدِ لَا يَتَبَعَّضُ وَشَبَّهُوهُ بِالْمَسْبُوقِ يُدْرِكُ ثَوَابَ جَمِيعِ الرَّكْعَةِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ . ( الْفَائِدَةُ الثَّلَاثُونَ ) فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَالِكٍ فِي اكْتِفَائِهٍ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ فِي أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ لِجَمِيعِ الشَّهْرِ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ عَمَلٌ بِنَفْسِهِ وَعِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ بِدَلِيلِ مَا يَتَخَلَّلُ بَيْنَ الْأَيَّامِ فِي لَيَالِيِهَا مِمَّا يُنَافِي الصَّوْمَ مِنْ الْمُفْطِرَاتِ . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى إلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ لِكُلِّ يَوْمٍ إذْ هُوَ عَمَلٌ وَلَا عَمَلَ إلَّا بِنِيَّةٍ . ( الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) احْتَجَّ بِهِ لِمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ إذَا أَحْرَمَ بِالْحَجِّ فِي غَيْرِ أَشْهُرِ الْحَجِّ أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ عُمْرَةً ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ الْعُمْرَةَ ، وَإِنَّمَا لَهُ مَا نَوَاهُ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ ، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ إلَّا أَنَّ الْأَئِمَّةَ الثَّلَاثَةَ قَالُوا : يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ بِالْحَجِّ وَلَكِنْ يُكْرَهُ عِنْدَهُمْ الْإِحْرَامُ بِهِ قَبْلَ أَشْهُرِهِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ إنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ بِالْحَجِّ . وَإِنَّمَا اخْتَلَفَ قَوْلُهُ هَلْ يَتَحَلَّلُ بِأَفْعَالِ الْعُمْرَةِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ الْمُتَقَدِّمُ نَقْلُهُ عَنْهُ أَوْ يَنْعَقِدُ إحْرَامُهُ عُمْرَةً ، وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْمُخْتَصَرِ ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ عُمْرَةُ الْإِسْلَامِ وَعَلَى الْقَوْلِ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْمُخْتَصَرِ تَسْقُطُ عَنْهُ عُمْرَةُ الْإِسْلَامِ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَشَبَّهُوا الْقَوْلَيْنِ بِالْقَوْلَيْنِ فِي التَّحَرُّمِ بِالصَّلَاةِ قَبْلَ وَقْتِهَا هَلْ تَنْعَقِدُ نَافِلَةً ؟ وَهَا هُنَا الْأَظْهَرُ انْعِقَادُهُ عُمْرَةً بِكُلِّ حَالٍ لِقُوَّةِ الْإِحْرَامِ وَلِهَذَا يَنْعَقِدُ مَعَ السَّبَبِ الْمُفْسِدِ لَهُ بِأَنْ أَحْرَمَ مُجَامِعًا ( قُلْت ) أَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْعُمْرَةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ فَلَا يَبْعُدُ الْقَوْلُ بِانْعِقَادِهِ عُمْرَةً ، وَإِنْ كَانُوا فِي الصَّلَاةِ قَدْ جَزَمُوا بِعَدَمِ انْعِقَادِهَا نَفْلًا فِيمَا إذَا عُرِفَ أَنَّ الْوَقْتَ لَمْ يَدْخُلْ لِتَلَاعُبِهِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الرَّاجِحِ أَنَّ الْعُمْرَةَ وَاجِبَةٌ فَلَيْسَ يُشْبِهُ ذَلِكَ الْقَوْلَيْنِ فِي الصَّلَاةِ ، وَإِنَّمَا يُشْبِهُهُ أَنْ لَوْ كَانَتْ عَلَيْهِ فَائِتَةٌ فَأَحْرَمَ بِالْحَاضِرَةِ بِالِاجْتِهَادِ فَبَانَ أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ دُخُولِ الْوَقْتِ ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِيهِ عَنْ الْفَائِتَةِ قَطْعًا ، وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ الْحَاضِرَةِ بِكَوْنِهَا ظُهْرًا مَثَلًا لِكَوْنِهِ لَمْ يَنْوِ الْفَائِتَةَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَنْعَقِدَ أَيْضًا عُمْرَةً وَلَكِنَّ الْحَجَّ خَرَجَ عَنْ قِيَاسِ بَقِيَّةِ الْعِبَادَاتِ بِدَلِيلِ قِصَّةِ الَّذِي أَحْرَمَ عَنْ شُبْرُمَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَائِدَةِ الَّتِي تَلِيهَا . ( الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) احْتَجَّ بِهِ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَمَالِكٍ أَنَّ الصَّرُورَةَ يَصِحُّ حَجُّهُ عَنْ غَيْرِهِ وَلَا يَصِحُّ عَنْ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا لَهُ مَا نَوَاهُ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالْأَوْزَاعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْعَقِدُ عَنْ غَيْرِهِ وَيَقَعُ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لَبَّيْكَ عَنْ شُبْرُمَةَ ، فَقَالَ أَحَجَجْت قَطُّ ؟ قَالَ لَا قَالَ فَاجْعَلْ هَذِهِ عَنْ نَفْسِك ، ثُمَّ حَجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ } وَهَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد { حُجَّ عَنْ نَفْسِك ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ } وَلَك أَنْ تَقُولَ لَيْسَ فِيهِ تَصْحِيحُ الْإِحْرَامِ عَنْ نَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا أَمَرَهُ أَنْ يُنْشِئَ الْإِحْرَامَ عَنْ نَفْسِهِ . وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا كَانَ بَعْدَ مُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ فَلَوْ لَمْ يَقَعْ الْإِحْرَامُ الْمُتَقَدِّمُ عَنْ فَرْضِ نَفْسِهِ لَأَمَرَهُ بِالرُّجُوعِ إلَى الْمِيقَاتِ أَوْ بِإِخْرَاجِ دَمٍ لِمُجَاوَزَةِ الْمِيقَاتِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ صَحِيحٍ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى تَقْدِيرِ مُجَاوَزَتِهِ لِلْمِيقَاتِ . وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا أَصْحَابُنَا الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ هَذِهِ عَنْ نَفْسِك ، ثُمَّ حُجَّ عَنْ شُبْرُمَةَ فَقَدْ رَوَاهَا الْبَيْهَقِيُّ وَلَكِنَّهَا ضَعِيفَةٌ فِيهَا الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَاسْتَدَلَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ بِمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ ، ثُمَّ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا قَالَ : { سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يُلَبِّي عَنْ نُبَيْشَةَ فَقَالَ : أَيُّهَا الْمُلَبِّي عَنْ نُبَيْشَةَ ، اُحْجُجْ عَنْ نَفْسِك } ، وَهَذَا ضَعِيفٌ فِيهِ الْحَسَنُ بْنُ عُمَارَةَ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : يُقَالُ إنَّ الْحَسَنَ بْنَ عُمَارَةَ كَانَ يَرْوِيهِ ، ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ إلَى الصَّوَابِ ، وَقَدْ ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إلَى أَنَّ الصَّرُورَةَ إذَا نَوَى الْحَجَّ عَنْ غَيْرِهِ لَمْ يَقَعْ عَنْ نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهِ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا لَهُ مَا نَوَاهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ عَنْ نَفْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَمَا يُشْتَرَطُ وُجُودُ النِّيَّةِ أَوَّلَ الْعِبَادَةِ يُشْتَرَطُ اسْتِمْرَارُهَا حُكْمًا إلَى آخِرِ الْعِبَادَةِ حَتَّى لَوْ رَفَضَ النِّيَّةَ وَنَوَى قَطْعَ الْعِبَادَةِ بَطَلَتْ الْعِبَادَةُ ، وَقَدْ فَرَّقَ فِيهِ أَصْحَابُنَا بَيْنَ الْعِبَادَاتِ فَجَزَمُوا فِيمَا إذَا نَوَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّلَاةِ بِالْبُطْلَانِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَرَدَّدَ هَلْ يَخْرُجُ أَوْ يَسْتَمِرُّ فِيهَا ؟ وَكَذَا لَوْ نَوَى الْخُرُوجَ إذَا دَخَلَتْ الرَّكْعَةُ الثَّانِيَةُ مَثَلًا بَطَلَتْ فِي الْحَالِ وَقِيلَ لَا تَبْطُلُ فِي الْحَالِ حَتَّى لَوْ رَفَضَ هَذَا الْعَزْمَ قَبْلَ دُخُولِ الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ صَحَّتْ ، وَكَذَا لَوْ عَلَّقَ الْخُرُوجَ بِدُخُولِ شَخْصٍ عَلَى الْأَصَحِّ وَقِيلَ : لَا تَبْطُلُ فِي الْحَالِ ، فَإِنْ دَخَلَ ، وَهُوَ ذَاكِرٌ لِلتَّعْلِيقِ بَطَلَتْ ، وَكَذَا إنْ كَانَ ذَاهِلًا عَنْهُ عَلَى مَا قَطَعَ بِهِ الْأَكْثَرُونَ . وَلَوْ نَوَى الْخُرُوجَ مِنْ الصَّوْمِ فَالْأَظْهَرُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ ؛ لِأَنَّهُ تَرْكٌ وَإِمْسَاكٌ ، وَلَوْ تَرَدَّدَ فِي الْخُرُوجِ مِنْهُ أَوْ عَلَّقَهُ بِدُخُولِ شَخْصٍ فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْمُعْظَمُ وَأَشْعَرَ كَلَامُهُمْ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ وَطَرَدَ بَعْضُهُمْ الْخِلَافَ فِيهِ وَالْأَظْهَرُ فِي الِاعْتِكَافِ أَنَّهُ لَا يَفْسُدُ بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهُ كَالصَّوْمِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ قَالَ : وَأَفْتَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ بِبُطْلَانِهِ كَالصَّلَاةِ وَجَزَمُوا فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ أَنَّهُ لَا تُفْسِدُهُمَا نِيَّةُ الْخُرُوجِ مِنْهُ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ فِي أَثْنَاءِ تَعْلِيلِ ذِكْرِهِ وَهَكَذَا الْوُضُوءُ ، وَالْغُسْلُ لَا يُفْسِدُهُمَا نِيَّةُ قَطْعِهِ مَا لَمْ يَطُلْ الْفَصْلُ بِحَيْثُ يَعْلَمُ الْإِعْرَاضَ عَنْهُ وَسَوَّى أَبُو حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَجِّ ، وَالْعُمْرَةِ ، وَالصَّوْمِ ، وَالِاعْتِكَافِ ، وَالصَّلَاةِ فَلَمْ يَرَ قَطْعَ النِّيَّةِ مُفْسِدًا لِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . ( الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ اشْتَرَطَ النِّيَّةَ فِي أَرْكَانِ الْحَجِّ مِنْ الطَّوَافِ ، وَالسَّعْيِ ، وَالْوُقُوفِ ، وَالْحَلْقِ ، وَهُوَ وَجْهٌ حَكَاهُ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فِي جَمِيعِ الْأَرْكَانِ الْمَذْكُورَةِ ، وَالْخِلَافُ فِي الطَّوَافِ أَشْهَرُ مِنْهُ فِي بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ لِكَوْنِهِ صَلَاةً ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْجُمْهُورُ النِّيَّةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ مُجِيبِينَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ نِيَّةَ الْإِحْرَامِ شَامِلَةٌ لِهَذِهِ الْأَرْكَانِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى نِيَّةٍ أُخْرَى كَأَرْكَانِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا يُشْتَرَطُ أَنْ لَا تَعْرِضَ فِي الطَّوَافِ نِيَّةٌ أُخْرَى صَارِفَةٌ كَطَلَبِ غَرِيمٍ مَثَلًا ، فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ كَنِيَّةِ التَّبْرِيدِ الْعَارِضَةِ بَعْدَ نِيَّةِ الطَّهَارَةِ وَلَمْ يَشْتَرِطُوا فِي الْوُقُوفِ عَدَمَ النِّيَّةِ الصَّارِفَةِ كَطَلَبِ الْغَرِيمِ مَثَلًا بَلْ جَزَمُوا فِيهِ بِالْإِجْزَاءِ إلَّا مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ صَاحِبِ التَّتِمَّةِ مِنْ جَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيهِ بَلْ قَالُوا : لَوْ مَرَّتْ بِهِ الدَّابَّةُ بِعَرَفَةَ ، وَهُوَ نَائِمٌ وَلَمْ يَشْعُرْ صَحَّ وُقُوفُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) كَمَا اشْتَرَطُوا النِّيَّةَ فِي الْعِبَادَةِ اشْتَرَطُوا فِي تَعَاطِي مَا هُوَ مُبَاحٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ نِيَّةٌ تَقْتَضِي تَحْرِيمَهُ كَمَنْ جَامَعَ امْرَأَتَهُ أَوْ أَمَتَهُ ظَانًّا أَنَّهَا أَجْنَبِيَّةٌ أَوْ شَرِبَ شَرَابًا مُبَاحًا ، وَهُوَ ظَانٌّ أَنَّهُ خَمْرٌ أَوْ أَقْدَمَ عَلَى اسْتِعْمَالِ مِلْكِهِ ظَانًّا أَنَّهُ لِأَجْنَبِيٍّ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ تَعَاطِي ذَلِكَ اعْتِبَارًا بِنِيَّتِهِ ، وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لَهُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُوجِبُ حَدًّا وَلَا ضَمَانًا لِعَدَمِ التَّعَدِّي فِي نَفْسِ الْأَمْرِ بَلْ زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى هَذَا بِأَنَّهُ لَوْ تَعَاطَى شُرْبَ الْمَاءِ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهُ مَاءٌ وَلَكِنْ عَلَى صُورَةِ اسْتِعْمَالِ الْحَرَامِ كَشُرْبِهِ فِي آنِيَةِ الْخَمْرِ فِي صُورَةِ مَجْلِسِ الشَّرَابِ صَارَ حَرَامًا لِتَشَبُّهِهِ بِالشَّرْبَةِ ، وَإِنْ كَانَتْ النِّيَّةُ لَا يُتَصَوَّرُ وُقُوعُهَا عَلَى الْحَرَامِ مَعَ الْعِلْمِ بِحِلِّهِ وَنَحْوِهِ لَوْ جَامَعَ أَهْلَهُ ، وَهُوَ فِي ذِهْنِهِ مُجَامَعَةُ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ وَصُوِّرَ فِي ذِهْنِهِ أَنَّهُ يُجَامِعُ تِلْكَ الصُّورَةَ الْمُحَرَّمَةَ ، فَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَكُلُّ ذَلِكَ لِتَشَبُّهِهِ بِصُورَةِ الْحَرَامِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ( السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ أَصْحَابُنَا عَلَى تَخْصِيصِ الْأَلْفَاظِ بِالنِّيَّةِ فِي الزَّمَانِ ، وَالْمَكَانِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ كَمَنْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ دَارَ فُلَانٍ مَثَلًا وَأَرَادَ فِي شَهْرِ كَذَا أَوْ سَنَةَ كَذَا أَوْ حَلَفَ لَا يُكَلِّمُ فُلَانًا مَثَلًا وَأَرَادَ كَلَامَهُ بِالْقَاهِرَةِ مَثَلًا دُونَ غَيْرِهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ ، فَإِنَّ لَهُ مَا نَوَاهُ وَلَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ لَوْ خَالَفَ ظَاهِرَ اللَّفْظِ مَعَ مُوَافَقَةِ النِّيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ أَصْحَابُنَا عَلَى اشْتِرَاطِ النِّيَّةِ فِي الْكِنَايَاتِ الَّتِي يَنْعَقِدُ بِهَا الْبَيْعُ ، وَالْكِنَايَةِ فِي الطَّلَاقِ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ لَيْسَ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ فَتُشْتَرَطُ النِّيَّةُ لِإِرَادَةِ ذَلِكَ الْمَعْنَى إذْ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ فَلَوْ أَرَادَ غَيْرَ ذَلِكَ الْمَعْنَى أَوْ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا لَمْ يَصِحَّ الْبَيْعُ وَلَمْ يَقَعْ الطَّلَاقُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُطَلِّقَ إذَا طَلَّقَ بِصَرِيحِ لَفْظِ الطَّلَاقِ وَنَوَى عَدَدًا مِنْ أَعْدَادِ الطَّلَاقِ كَمَنْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ : أَنْتِ طَالِقٌ وَنَوَى ثَلَاثًا كَانَ مَا نَوَاهُ مِنْ الْعَدَدِ وَاقِعًا وَاحِدَةً أَوْ اثْنَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : هِيَ وَاحِدَةٌ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ، وَكَذَلِكَ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ . ( التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَهْلِ الرَّأْيِ فِي قَوْلِهِمْ فِي الْكِنَايَةِ فِي الطَّلَاقِ كَقَوْلِهِ أَنْتِ بَائِنٌ أَنَّهُ إنْ نَوَى اثْنَتَيْنِ فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ لِكَوْنِهَا كَلِمَةً وَاحِدَةً ، وَإِنْ نَوَى الطَّلَاقَ وَلَمْ يَنْوِ عَدَدًا فَهِيَ وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ أَيْضًا ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ إنْ نَوَى اثْنَتَيْنِ فَهُوَ كَذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَنْوِ عَدَدًا فَهِيَ وَاحِدَةٌ رَجْعِيَّةٌ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ وَأَوْلَى بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْفَائِدَةُ الْأَرْبَعُونَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّهُ لَوْ أَقَرَّ لِزَيْدٍ بِشَيْءٍ مُجْمَلٍ كَقَوْلِهِ لَهُ عَلَى شَيْءٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى نِيَّتِهِ مَا أَرَادَ بِذَلِكَ ، وَأَنَّهُ يَقْبَلُ مِنْهُ تَفْسِيرَهُ بِأَقَلَّ مَا يَتَمَوَّلُ ؛ لِأَنَّ اللَّفْظَ مُحْتَمِلٌ ، وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَا نَوَاهُ ، وَكَذَا لَوْ فَسَّرَهُ بِمَا لَيْسَ بِمَالٍ مِمَّا يَجُوزُ اقْتِنَاؤُهُ كَالْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَكَذَا حَقُّ الشُّفْعَةِ وَحْدُ الْقَذْفِ عَلَى الصَّحِيحِ أَيْضًا بِخِلَافِ رَدِّ السَّلَامِ ، وَالْعِيَادَةِ . وَأَمَّا إذَا قَالَ لَهُ عَلَى مَالٍ ، فَإِنَّهُ يُقْبَلُ مِنْهُ تَفْسِيرُهُ بِأَقَلِّ مُتَمَوَّلٍ دُونَ الْكَلْبِ الْمُعَلَّمِ وَنَحْوِهِ ، وَيُقْبَلُ مِنْهُ تَفْسِيرُهُ بِالْمُسْتَوْلَدَةِ عَلَى الْأَصَحِّ عَلَى مَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ لَهُ مَا نَوَاهُ مِمَّا يَحْتَمِلُهُ اللَّفْظُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ فِي قَوْلِهِمْ : الْإِيمَانُ إقْرَارٌ بِاللِّسَانِ دُونَ الِاعْتِقَادِ بِالْقَلْبِ ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي آخِرِ الْإِيمَانِ مُحْتَجًّا عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ ، وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْمُرْجِئَةُ مَرْدُودٌ بِالنُّصُوصِ الْقَاطِعَةِ ، وَالْإِجْمَاعِ عَلَى أَنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنْ النَّارِ . ( الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَاخَذُ النَّاسِي ، وَالْمُخْطِئُ فِي الطَّلَاقِ ، وَالْعَتَاقِ وَنَحْوِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ لَا نِيَّةَ لِنَاسٍ وَلَا مُخْطِئٍ ، وَهُوَ كَذَلِكَ . ( الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى بَعْضِ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يَدِينُونَ مَنْ سَبَقَ لِسَانُهُ إلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ إذَا ادَّعَى ذَلِكَ وَخَالَفَهُمْ الْجُمْهُورُ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصَّةِ { الرَّجُلِ الَّذِي ضَلَّتْ رَاحِلَتُهُ ، ثُمَّ وَجَدَهَا فَقَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ : اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي ، وَأَنَا رَبُّك قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ } . وَاَلَّذِي جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْحُكَّامِ الْحُذَّاقِ مِنْهُمْ اعْتِبَارُ حَالِ الْوَاقِعِ مِنْهُ ذَلِكَ ، فَإِنْ تَكَرَّرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَعُرِفَ مِنْهُ وُقُوعُهُ فِي الْمُخَالَفَاتِ وَقِلَّةِ الْمُبَالَاتِ بِأَمْرِ الدِّينِ لَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى دَعْوَاهُ وَمَنْ وَقَعَ مِنْهُ ذَلِكَ فَلْتَةً وَعُرِفَ بِالصِّيَانَةِ ، وَالتَّحَفُّظِ قَبِلُوا قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ تَوَسُّطٌ حَسَنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . --------------333333333333333333------------------------- اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ ( الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) فِيهِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي إسْقَاطِ الْحِيَلِ كَمَنْ مَلَّكَ وَلَدَهُ أَوْ غَيْرَهُ مَالًا لَهُ قَبْلَ الْحَوْلِ أَوْ بَاعَهُ أَوْ أَتْلَفَهُ أَوْ بَادَلَ بِهِ فِرَارًا مِنْ الزَّكَاةِ أَوْ بَاعَ بِالْعَيِّنَةِ الْمَشْهُورَةِ أَوْ تَزَوَّجَ الْمَرْأَةَ لِيُحِلَّهَا لِزَوْجِهَا ، وَإِنْ لَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فِي نَفْسِ الْعَقْدِ أَوْ مَلَّكَ الدَّارَ لِغَيْرِ الشَّرِيكِ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ أَوْ أَوْقَعَ عَقْدَ الدَّارِ الَّتِي فِيهَا الشُّفْعَةُ بِثَمَنٍ فِيهِ مَا تُجْهَلُ قِيمَتُهُ كَفَصٍّ وَنَحْوِهِ أَوْ زَادَ فِي ثَمَنِهَا وَعَوَّضَهُ عَنْ عَشَرَةِ آلَافٍ دِينَارًا مَثَلًا وَنَحْوُ ذَلِكَ مِنْ الْحِيَلِ الْمُسْقِطَةِ لِلْحُقُوقِ أَوْ الْمُوقِعَةِ فِي الْمَنَاهِي . وَإِنَّمَا يُخَادِعُ بِالنِّيَّاتِ مَنْ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الَّذِي أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَتَبَ لَهُ فَرِيضَةَ الصَّدَقَةِ الَّتِي فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَجْمَعُ بَيْنَ مُتَفَرِّقٍ وَلَا يُفَرِّقُ بَيْنَ مُجْتَمِعٍ خَشْيَةَ الصَّدَقَةِ } . وَقَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { يُبْعَثُونَ عَلَى نِيَّاتِهِمْ } وَاَلَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ كَرَاهَةُ إزَالَةِ مِلْكِهِ لِلْفِرَارِ مِنْ الزَّكَاةِ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ وَجَعَلَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الْكَرَاهَةَ لِلتَّحْرِيمِ كَقَوْلِ مَالِكٍ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ فِي قَوْلِهِ إثْمٌ ، وَكَذَلِكَ عِنْدَهُمْ الْبَيْعُ بِالْعَيِّنَةِ ، وَالِاسْتِحْلَالِ إذَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِي الْعَقْدِ ، وَالتَّحَيُّلُ لِإِسْقَاطِ الشُّفْعَةِ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ ، وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ بِالتَّحْرِيمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَأَيْت فِي كَلَامِ بَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي الْأَلْغَازِ أَنَّ الْحِيَلَ لَيْسَ فِيهَا مُنَافَاةٌ لِلشَّرِيعَةِ بَلْ قَدْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِتَعَاطِي الْحِيَلِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ } فَمَا كَانَ مِنْ الْحِيَلِ هَكَذَا لَيْسَ فِيهِ إسْقَاطُ حَقٍّ لِمُسْتَحِقٍّ لَهُ فَهُوَ حَسَنٌ مَشْرُوعٌ ، وَمَا أَدَّى مِنْ الْحِيَلِ إلَى إسْقَاطِ حَقِّ الْغَيْرِ فَهُوَ مَذْمُومٌ مَنْهِيٌّ عَنْهُ . ( الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) فِيهِ أَنَّهُ لَا تَصِحُّ الْعِبَادَةُ مِنْ الْمَجْنُونِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ النِّيَّةِ كَالصَّلَاةِ ، وَالصَّوْمِ ، وَالِاعْتِكَافِ ، وَالْحَجِّ ، وَالنَّذْرِ وَغَيْرِهَا وَلَا عُقُودُهُ كَالْبَيْعِ ، وَالْهِبَةِ ، وَالنِّكَاحِ ، وَكَذَلِكَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الطَّلَاقُ ، وَالظِّهَارُ ، وَاللِّعَانُ ، وَالْإِيلَاءُ . وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَوَدُ وَلَا الْحُدُودُ ، وَهُوَ كَذَلِكَ نَعَمْ إنْ كَانَ زَوَالُ عَقْلِهِ بِمُحَرَّمٍ كَالسَّكْرَانِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَوَدُ ، وَالْحَدُّ وَوَقَعَ خِلَافُهُ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي مَوَاضِعِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ . ( السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَوَدُ فِي شِبْهِ الْعَمْدِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِ قَتْلَهُ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ إلَّا أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي الدِّيَةِ فَجَعَلَهَا الشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ أَثْلَاثًا وَجَعَلَهَا الْبَاقُونَ أَرْبَاعًا وَجَعَلَهَا أَبُو ثَوْرٍ أَخْمَاسًا ، وَأَنْكَرَ مَالِكٌ شِبْهَ الْعَمْدِ وَقَالَ : لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ إلَّا الْخَطَأُ ، وَالْعَمْدُ . وَأَمَّا شِبْهُ الْعَمْدِ فَلَا نَعْرِفُهُ ، وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ ، وَالْجُمْهُورُ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا { أَلَا إنَّ دِيَةَ الْخَطَأِ شِبْهِ الْعَمْدِ مَا كَانَ بِالسَّوْطِ ، وَالْعَصَا مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ } الْحَدِيثَ . ( السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) قَوْلُهُ ( فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى آخِرِهِ ) الْهِجْرَةُ بِكَسْرِ الْهَاءِ فِعْلُهُ مِنْ الْهَجْرِ ، وَهُوَ ضِدُّ الْوَصْلِ ، ثُمَّ غَلَبَ ذَلِكَ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ أَرْضٍ إلَى أَرْضٍ وَتَرْكِ الْأُولَى لِلثَّانِيَةِ قَالَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : الْهِجْرَةُ تَقَعُ عَلَى أُمُورٍ : ( الْهِجْرَةُ الْأُولَى ) إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ( الثَّانِيَةُ ) مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ . ( الثَّالِثَةُ ) هِجْرَةُ الْقَبَائِلِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الرَّابِعَةُ ) هِجْرَةُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ . ( الْخَامِسَةُ ) هِجْرَةُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ وَحُكْمُهُ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ غَيْرَ أَنَّ السَّبَبَ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الْهِجْرَةُ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ نَقَلُوا أَنَّ رَجُلًا هَاجَرَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ لِيَتَزَوَّجَ امْرَأَةً تُسَمَّى أُمِّ قَيْسٍ فَسُمِّيَ مُهَاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ . ( قُلْت ) : بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ أَقْسَامِ الْهِجْرَةِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ ، وَهِيَ ( الْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ ) إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ ، فَإِنَّهُمْ هَاجَرُوا إلَى الْحَبَشَةِ مَرَّتَيْنِ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي السِّيَرِ وَلَا يُقَالُ : كِلَاهُمَا هِجْرَةٌ إلَى الْحَبَشَةِ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْهِجْرَةِ إلَيْهَا مَرَّةً ، فَإِنَّهُ قَدْ عَدَّدَ الْهِجْرَةَ إلَى الْمَدِينَةِ فِي الْأَقْسَامِ لِتَعَدُّدِهَا . ( وَالْهِجْرَةُ الثَّانِيَةُ ) هِجْرَةُ مَنْ كَانَ مُقِيمًا بِبِلَادِ الْكُفْرِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إظْهَارِ الدِّينِ ، فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُهَاجِرَ إلَى بِلَادِ الْإِسْلَامِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا . ( وَالْهِجْرَةُ الثَّالِثَةُ ) الْهِجْرَةُ إلَى الشَّامِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ عِنْدَ ظُهُورِ الْفِتَنِ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ فَخِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إبْرَاهِيمَ وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا } الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ فَجَعَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ : يُرِيدُ بِهِ الشَّامَ ؛ لِأَنَّ إبْرَاهِيمَ لَمَّا خَرَجَ مِنْ الْعِرَاقِ مَضَى إلَى الشَّامِ وَأَقَامَ بِهِ انْتَهَى وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ فُسْطَاطَ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ الْمَلْحَمَةِ بِالْغُوطَةِ إلَى جَانِبِ مَدِينَةٍ يُقَالُ لَهَا دِمَشْقُ مِنْ خَيْرِ مَدَائِنِ الشَّامِ } فَهَذِهِ ثَمَانِيَةُ أَقْسَامٍ لِلْهِجْرَةِ . ( الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي الْهِجْرَةِ هَلْ انْقَطَعَتْ بِفَتْحِ مَكَّةَ أَمْ هِيَ بَاقِيَةٌ ؟ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ ، وَإِذَا اُسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا } . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَوْلَهُ { لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { لَا هِجْرَةَ الْيَوْمَ أَوْ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَيْضًا أَنَّ عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ سَأَلَ عَائِشَةَ عَنْ الْهِجْرَةِ ؟ فَقَالَتْ : " لَا هِجْرَةَ الْيَوْمَ ، كَانَ الْمُؤْمِنُونَ يَفِرُّ أَحَدُهُمْ بِدِينِهِ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ مَخَافَةَ أَنْ يُفْتَنَ عَلَيْهِ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَقَدْ أَظْهَرَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ ، وَالْمُؤْمِنُ يَعْبُدُ رَبَّهُ حَيْثُ شَاءَ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ " . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا عَنْ مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : { انْطَلَقْت بِأَبِي مَعْبَدٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُبَايِعَهُ عَلَى الْهِجْرَةِ فَقَالَ : مَضَتْ الْهِجْرَةُ لِأَهْلِهَا ، أُبَايِعُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ ، وَالْجِهَادِ } وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ جَاءَ بِأَخِيهِ مُجَالِدٍ . وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَيْضًا { لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ } فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ عَلَى انْقِطَاعِ الْهِجْرَةِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ وَلَا تَنْقَطِعُ التَّوْبَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا } . ، وَرَوَى أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ السَّعْدِيِّ مَرْفُوعًا { لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا دَامَ الْعَدُوُّ يُقَاتِلُ } . وَرَوَى أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جُنَادَةَ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ مَرْفُوعًا أَنَّ الْهِجْرَةَ لَا تَنْقَطِعُ مَا كَانَ الْجِهَادُ وَجَمَعَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ بِأَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فَرْضًا ، ثُمَّ صَارَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكَّةَ مَنْدُوبًا إلَيْهَا غَيْرَ مَفْرُوضَةٍ قَالَ فَالْمُنْقَطِعَةُ مِنْهُمَا هِيَ الْفَرْضُ ، وَالْبَاقِيَةُ مِنْهُمَا هِيَ النَّدْبُ قَالَ : فَهَذَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى أَنَّ بَيْنَ الْإِسْنَادَيْنِ مَا بَيْنَهُمَا ، حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ وَحَدِيثُ مُعَاوِيَةَ فِيهِ مَقَالٌ انْتَهَى وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ : إنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْهِجْرَةَ هِجْرَتَانِ : إحْدَاهُمَا الَّتِي وَعَدَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِالْجَنَّةِ كَانَ الرَّجُلُ يَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدَعُ أَهْلَهُ ، وَمَالَهُ لَا يَرْجِعُ فِي شَيْءٍ مِنْهُ فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ انْقَطَعَتْ هَذِهِ الْهِجْرَةُ . ( وَالثَّانِيَةُ ) مَنْ هَاجَرَ مِنْ الْأَعْرَابِ وَغَزَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَفْعَلْ كَمَا فَعَلَ أَصْحَابُ الْهِجْرَةِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتَّى تَنْقَطِعَ التَّوْبَةُ انْتَهَى وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَاقِيَةِ هَجْرُ السَّيِّئَاتِ كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْهِجْرَةُ خَصْلَتَانِ : إحْدَاهُمَا تَهْجُرُ السَّيِّئَاتِ ، وَالْأُخْرَى تُهَاجِرُ إلَى اللَّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ وَلَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ مَا تُقُبِّلَتْ التَّوْبَةُ وَلَا تَزَالُ التَّوْبَةُ مَقْبُولَةً حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ الْمَغْرِبِ ، فَإِذَا طَلَعَتْ طُبِعَ عَلَى كُلِّ قَلْبٍ بِمَا فِيهِ وَكَفَى النَّاسَ الْعَمَلُ } . وَرَوَى أَحْمَدُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ { : جَاءَ رَجُلٌ أَعْرَابِيٌّ جَافِي جَرِيءٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيْنَ الْهِجْرَةُ إلَيْك حَيْثُ كُنْتَ أَمْ إلَى أَرْضٍ مَعْلُومَةٍ أَوْ لِقَوْمٍ خَاصَّةً أَمْ إذَا مِتَّ انْقَطَعَتْ ؟ قَالَ فَسَكَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَاعَةً ، ثُمَّ قَالَ : أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ الْهِجْرَةِ ؟ قَالَ : هَا أَنَا ذَا يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَقَمْت الصَّلَاةَ وَآتَيْت الزَّكَاةَ فَأَنْتَ مُهَاجِرٌ ، وَإِنْ مِتَّ بِالْحَضَرِ } قَالَ يَعْنِي أَرْضًا بِالْيَمَامَةِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { الْهِجْرَةُ أَنْ تَهْجُرَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ، وَمَا بَطَنَ وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ثُمَّ أَنْتَ مُهَاجِرٌ ، وَإِنْ مِتَّ بِالْحَضَرِ } . ( التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) وَقَعَ هُنَا الشَّرْطُ ، وَالْجَزَاءُ مُتَّحِدَيْنِ فِي الْجُمْلَتَيْنِ فِي قَوْلِهِ : فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَكَذَا فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ ، وَالْقَاعِدَةُ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ أَنَّ الشَّرْطَ ، وَالْجَزَاءَ ، وَالْمُبْتَدَأَ ، وَالْخَبَرَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَا مُتَغَايِرَيْنِ . وَالْجَوَابُ أَنَّ التَّغَايُرَ فِي الْحَدِيثِ مُقَدَّرٌ وَتَقْدِيرُهُ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ نِيَّةً وَقَصْدًا فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثَوَابًا وَأَجْرًا أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ مِنْ التَّقْدِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْفَائِدَةُ الْخَمْسُونَ ) لَمْ يَقُلْ فِي الْجَزَاءِ فَهِجْرَتُهُ إلَيْهِمَا ، وَإِنْ كَانَ أَخْصَرَ بَلْ أَتَى بِالظَّاهِرِ فَقَالَ : فَهِجْرَتُهُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ، وَذَلِكَ مِنْ آدَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ أَنْ يُجْمَعَ مَعَ ضَمِيرٍ غَيْرِهِ كَمَا قَالَ لِلْخَطِيبِ { بِئْسَ خَطِيبُ الْقَوْمِ أَنْتَ ، حِينَ قَالَ مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى } وَبَيَّنَ لَهُ وَجْهَ الْإِنْكَارِ فَقَالَ لَهُ : ( قُلْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ) . وَهَذَا يَدْفَعُ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِ وُقُوفَهُ عَلَى قَوْلِهِ : وَمَنْ يَعْصِهِمَا ، وَقَدْ جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الضَّمِيرَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ فَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا تَشَهَّدَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ { مَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّ إلَّا نَفْسَهُ وَلَا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا } . وَظَهَرَ بِهَذَا أَنَّ تَرْكَ جَمْعِهِمَا فِي ضَمِيرٍ وَاحِدٍ عَلَى وَجْهِ الْأَدَبِ ، وَأَنَّهُ إنَّمَا أَنْكَرَ عَلَى الْخَطِيبِ ذَلِكَ تَنْبِيهًا عَلَى دَقَائِقِ الْكَلَامِ وَلِأَنَّهُ قَدْ لَا يَكُونُ عِنْدَهُ مِنْ الْمَعْرِفَةِ بِتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يَعْلَمُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ ) الدُّنْيَا فَعَلَى مِنْ الدُّنُوِّ ، وَهُوَ الْقُرْبُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِسَبْقِهَا لِلْآخِرَةِ ، وَفِي الدَّالِ لُغَتَانِ ، الضَّمُّ ، وَهُوَ الْأَشْهَرُ ، وَالْكَسْرُ حَكَاهُ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ ، وَهِيَ مَقْصُورَةٌ لَيْسَ فِيهَا تَنْوِينٌ بِلَا خِلَافٍ نَعْلَمُهُ بَيْنَ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَالْعَرَبِيَّةِ ، وَحَكَى بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ شُرَّاحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ فِيهَا لُغَةً غَرِيبَةً بِالتَّنْوِينِ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ، فَإِنَّهُ لَا يُعْرَفُ فِي اللُّغَةِ . وَسَبَبُ الْغَلَطِ أَنَّ بَعْضَ رُوَاةِ الْبُخَارِيِّ رَوَاهُ بِالتَّنْوِينِ ، وَهُوَ أَبُو الْهَيْثَمِ الْكُشْمِيهَنِيُّ ، وَأَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يُرْجَعُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ يَحْكِي ذَلِكَ لُغَةً كَمَا وَقَعَ لَهُمْ نَحْوُ ذَلِكَ فِي خُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ فَحَكَوْا فِيهِ لُغَتَيْنِ ، وَإِنَّمَا يَعْرِفُ أَهْلُ اللُّغَةِ الضَّمَّ ، وَأَمَّا الْفَتْحُ فَرِوَايَةٌ مَرْدُودَةٌ لَا لُغَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ ) اخْتَلَفَ الْمُتَكَلِّمُونَ فِي حَقِيقَةِ الدُّنْيَا عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهَا مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْهَوَاءِ ، وَالْجَوِّ ، وَالثَّانِي أَنَّهَا كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ الْجَوَاهِرِ ، وَالْأَعْرَاضِ . ( الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ ) مَا فَائِدَةُ التَّنْصِيصِ عَلَى الْمَرْأَةِ مَعَ كَوْنِهَا دَاخِلَةً فِي مُسَمَّى الدُّنْيَا ؟ وَأَجَابَ النَّوَوِيُّ بِأَجْوِبَةٍ : أَحَدُهَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ دُخُولُهَا فِي هَذِهِ الصِّيغَةِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَةَ دُنْيَا نَكِرَةٌ ، وَهِيَ لَا تَعُمُّ فِي الْإِثْبَاتِ فَلَا يَلْزَمُ دُخُولُ الْمَرْأَةِ فِيهَا . وَالثَّانِي أَنَّهُ لِلتَّنْبِيهِ عَلَى زِيَادَةِ التَّحْذِيرِ . وَالثَّالِثُ أَنَّهُ جَاءَ أَنَّ سَبَبَ هَذَا الْحَدِيثِ مُهَاجِرُ أُمِّ قَيْسٍ وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ أَيْضًا عَنْ ابْنِ سِرَاجٍ أَنَّهُ إنَّمَا خَصَّ الْمَرْأَةَ بِالذِّكْرِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الْأَشْيَاءِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا يَتَزَوَّجُ الْمَوْلَى الْعَرَبِيَّةَ وَلَا يُزَوِّجُونَ بَنَاتَهمْ إلَّا مِنْ الْأَكْفَاءِ فِي النَّسَبِ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ سَوَّى بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فِي مَنَاكِحِهِمْ وَصَارَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ كُفُؤًا لِصَاحِبِهِ فَهَاجَرَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ إلَى الْمَدِينَةِ لِيَتَزَوَّجَ بِهَا حَتَّى سُمِّيَ بَعْضُهُمْ مُهَاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ . ( الرَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : شَرَعَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي تَصْنِيفٍ فِي أَسْبَابِ الْحَدِيثِ كَمَا صُنِّفَ فِي أَسْبَابِ النُّزُولِ لِلْكِتَابِ الْعَزِيزِ فَوَقَفْتُ مِنْ ذَلِكَ عَلَى يَسِيرٍ لَهُ قَالَ : فَهَذَا الْحَدِيثُ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْحِكَايَةِ عَنْ مُهَاجِرِ أُمِّ قَيْسٍ يَدْخُلُ فِي هَذَا الْقَبِيلِ . ( الْخَامِسَةُ وَالْخَمْسُونَ ) مَا اُشْتُهِرَ بَيْنَ الشُّرَّاحِ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ سَبَبَ قِصَّةِ مُهَاجِرِ أُمِّ قَيْسٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ بِإِسْنَادِ رِجَالٍ ثِقَاتٍ . مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ كَانَ فِينَا رَجُلٌ خَطَبَ امْرَأَةً يُقَالُ لَهَا أُمُّ قَيْسٍ فَأَبَتْ أَنْ تَتَزَوَّجَهُ حَتَّى يُهَاجِرَ فَهَاجَرَ فَتَزَوَّجَهَا فَكُنَّا نُسَمِّيهِ مُهَاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ . ( السَّادِسَةُ وَالْخَمْسُونَ ) لَمْ يُسَمِّ أَحَدٌ مِمَّنْ صَنَّفَ فِي الصَّحَابَةِ هَذَا الرَّجُلَ الَّذِي ذَكَرُوا أَنَّهُ كَانَ يُسَمَّى مُهَاجِرَ أُمِّ قَيْسٍ فِيمَا رَأَيْته مِنْ التَّصَانِيفِ . وَأَمَّا أُمُّ قَيْسٍ الْمَذْكُورَةُ فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْخَطَّابِ بْنُ دِحْيَةَ أَنَّ اسْمَهَا قَيْلَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ ) إنْ قِيلَ مَا وَجْهُ مَا ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ فِي تَرْجَمَةِ أُمِّ سُلَيْمٍ أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ خَطَبَهَا مُشْرِكًا فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهَا إلَّا بِالْإِسْلَامِ أَسْلَمَ وَتَزَوَّجَهَا وَحَسُنَ إسْلَامُهُ . وَهَكَذَا رَوَى النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ : تَزَوَّجَ أَبُو طَلْحَةَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَكَانَ صَدَاقُ مَا بَيْنَهُمَا الْإِسْلَامَ أَسْلَمَتْ أُمُّ سُلَيْمٍ قَبْلَ أَبِي طَلْحَةَ فَخَطَبَهَا فَقَالَتْ : إنِّي قَدْ أَسْلَمْت ، فَإِنْ أَسْلَمْتَ نَكَحْتُك فَأَسْلَمَ فَكَانَ صَدَاقَ مَا بَيْنَهُمَا ، بَوَّبَ عَلَيْهِ النَّسَائِيّ ( التَّزَوُّجُ عَلَى الْإِسْلَامِ ) وَرَوَى النَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا قَالَ خَطَبَ أَوْ طَلْحَةُ أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ : وَاَللَّهِ مَا مِثْلُك يَا أَبَا طَلْحَةَ يُرَدُّ وَلَكِنَّك رَجُلٌ كَافِرٌ ، وَأَنَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ وَلَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَك ، فَإِنْ أَسْلَمْت فَذَاكَ مَهْرِي فَلَا أَسْأَلُك غَيْرَهُ فَأَسْلَمَ فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا قَالَ ثَابِتٌ : فَمَا سَمِعْت بِامْرَأَةٍ قَطُّ كَانَتْ أَكْرَمَ مَهْرًا مِنْ أُمِّ سُلَيْمٍ ( الْإِسْلَام ) . فَدَخَلَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ إسْلَامَهُ كَانَ لِيَتَزَوَّجَ بِهَا فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ الْهِجْرَةِ الْمَذْكُورَةِ مَعَ كَوْنِ الْإِسْلَامِ أَشْرَفَ الْأَعْمَالِ ؟ وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَسْلَمَ لِيَتَزَوَّجَهَا حَتَّى يَكُونَ مُعَارِضًا لِحَدِيثِ الْهِجْرَةِ ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَتْ مِنْ تَزَوُّجِهِ حَتَّى هَدَاهُ اللَّهُ لِلْإِسْلَامِ رَغْبَةً فِي الْإِسْلَامِ لَا لِيَتَزَوَّجَهَا وَلَا يُظَنُّ ذَلِكَ بِأَبِي طَلْحَةَ أَنَّهُ إنَّمَا أَسْلَمَ لِيَتَزَوَّجَ أُمَّ سُلَيْمٍ فَقَدْ كَانَ مِنْ أَجَلِّ الصَّحَابَةِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الرَّغْبَةِ فِي نِكَاحِهَا أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مِنْهُ الْإِسْلَامُ رَغْبَةً فِيهِ فَمَتَى كَانَ الدَّاعِي إلَى الْإِسْلَامِ الرَّغْبَةَ فِي الدِّينِ لَمْ يَضُرَّ مَعَهُ كَوْنُهُ يَعْلَمُ أَنَّهُ يَحِلُّ لَهُ بِذَلِكَ نِكَاحُ الْمُسْلِمَاتِ وَلَا مِيرَاثُ مُوَرِّثِهِ الْمُسْلِمِ وَلَا اسْتِحْقَاقُ الْغَنِيمَةِ وَنَحْوُ ذَلِكَ إذَا كَانَ الْبَاعِثُ عَلَى الْإِسْلَامِ الرَّغْبَةَ فِي الدِّينِ . وَذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ عِنْدَ حَدِيثِ الرَّجُلِ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ مَنْ كَانَ ابْتِدَاؤُهُ نِيَّةَ الْأَعْمَالِ لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يَضُرَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ مَا عَرَضَ فِي نَفْسِهِ وَخَطَرَ بِقَلْبِهِ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ وَوَسْوَاسِ الشَّيْطَانِ وَلَا يُزِيلُهُ عَنْ حُكْمِهِ إعْجَابُ اطِّلَاعِ الْعِبَادِ عَلَيْهِ بَعْدَ مُضِيِّهِ إلَى مَا نَدَبَهُ اللَّهُ إلَيْهِ وَلَا سُرُورُهُ بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا الْمَكْرُوهُ أَنْ يَبْدَأَ بِنِيَّةٍ غَيْرِ مُخْلِصَةٍ وَحَكَاهُ أَيْضًا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ الطَّبَرِيِّ ، وَأَنَّهُ حَكَاهُ عَنْ قَوْلِ عَامَّةِ السَّلَفِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . وَالْحَقُّ فِي اجْتِمَاعِ الْبَاعِثَيْنِ أَوْ الْبَوَاعِثِ عَلَى الْفِعْلِ الْوَاحِدِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو إمَّا أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أَوْ مِنْهَا لَوْ انْفَرَدَ لَكَانَ كَافِيًا فِي الْإِتْيَانِ بِالْفِعْلِ أَوْ يَكُونَ الْكَافِي لِذَلِكَ أَحَدَهُمَا أَوْ لِعِلَّةِ أَحَدِهِمَا ، فَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ كَافِيًا بِالْإِتْيَانِ بِهِ فَهَذَا يَضُرُّ فِيهِ التَّشْرِيكُ لِقُوَّةِ الدَّاعِي ، وَإِنْ غَلَبَ أَحَدُهُمَا بِأَنْ يَكُونَ حُصُولُهُ أَسْرَعَ إلَى وُقُوعِ الْمَنْوِيِّ ، وَإِنْ كَانَ الْبَاعِثُ عَلَى الْفِعْلِ أَحَدَهُمَا بِحَيْثُ لَوْ عُدِمَ الْآخَرُ لَمْ يَتَخَلَّفْ عَنْ الْمَنْوِيِّ فَالْحُكْمُ لِلْقَوِيِّ كَمَنْ يَقُومُ لِلْعِبَادَةِ ، وَهُوَ يَسْتَحْسِنُ إطْلَاعَ النَّاسِ عَلَيْهِ مَعَ أَنَّهُ لَوْ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدٌ لَمَا صَرَفَهُ ذَلِكَ عَنْهَا وَلَا عَنْ الرَّغْبَةِ فِيهَا فَهَذَا لَا يُؤَثِّرُ فِي صِحَّةِ عِبَادَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْمَلُ فِي حَقِّهِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ اطِّلَاعِ النَّاسِ وَعَدَمِ اطِّلَاعِهِمْ ، وَالْأَسْلَمُ لَهُ عَدَمُ مَحَبَّةِ اطِّلَاعِهِمْ . ( وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ ) أَنَّهُ لَا يَصِحُّ هَذَا عَنْ أَبِي طَلْحَةَ ، وَالْحَدِيثُ ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحَ الْإِسْنَادِ ، فَإِنَّهُ مُعَلَّلٌ بِكَوْنِ الْمَعْرُوفِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ نَزَلَ تَحْرِيمُ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْكُفَّارِ إنَّمَا نَزَلَ بَيْنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَبَيْنَ الْفَتْحِ حِينَ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى { لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلُّونَ لَهُنَّ } كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فَقَوْلُ أُمِّ سُلَيْمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : وَلَا يَحِلُّ لِي أَنْ أَتَزَوَّجَك شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، وَمَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ السُّنَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ ) فِي قَوْلِ عَلْقَمَةَ : سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ يَقُولُ رَدًّا عَلَى مَنْ يَقُولُ إنَّ الْوَاحِدَ إذَا ادَّعَى شَيْئًا كَانَ فِي مَجْلِسِ جَمَاعَةٍ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعِلْمِهِ دُونَ أَهْلِ الْمَجْلِسِ لَمْ يُقْبَلْ حَتَّى يُبَايِعَهُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ مُسْتَدِلِّينَ بِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ مِنْ رِوَايَةِ أَحَدٍ عَنْ عُمَرَ إلَّا عَلْقَمَةَ مَعَ كَوْنِهِ حَدَّثَ بِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ بِمَحْضَرٍ مِنْ النَّاسِ وَانْفَرَدَ عَلْقَمَةُ بِنَقْلِهِ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ بَلْ قَدْ ذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ بِهِ حِينَ وَصَلَ إلَى دَارِ الْهِجْرَةِ وَشَهَرَ الْإِسْلَامَ ، فَإِنْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَقَدْ سَمِعَهُ جَمْعٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يَرْوِهِ عَنْهُ غَيْرُ عُمَرَ مِنْ وَجْهٍ يَصِحُّ كَمَا تَقَدَّمَ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى صِحَّتِهِ فَلَوْ اشْتَرَطَ مُتَابَعَةَ الرَّاوِي لَمَّا حَضَرَهُ غَيْرُهُ وَلَمْ يُقْبَلْ انْفِرَادُهُ بِهِ لِمَا قَبِلُوهُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ ، وَإِنَّمَا اسْتَفْهَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِخِلَافِ مَا كَانَ فِي ظَنِّهِ فَاحْتَاجَ إلَى أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عُمَرَ هَذَا مُخَالَفَةٌ لِمَا رَوَاهُ غَيْرُهُ مِنْ الصَّحَابَةِ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ . ( التَّاسِعَةُ وَالْخَمْسُونَ ) فِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ لِلْخَطِيبِ أَنْ يُورِدَ أَحَادِيثَ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَقَدْ فَعَلَهُ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ أَبُو بَكْرٍ وَعُثْمَانُ وَعَلِيٌّ أَيْضًا ، وَهُوَ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ . ( الْفَائِدَةُ السِّتُّونَ ) ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ حِكَايَةً عَنْ عُلَمَائِهِمْ أَنَّ النِّيَّةَ هِيَ الْمُرَادَةُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ } قَالَ : لِأَنَّ الذِّكْرَ مُضَادٌّ لِلنِّسْيَانِ ، وَالنِّسْيَانُ ، وَالذِّكْرُ إنَّمَا يَتَضَادَّانِ بِالْمَحَلِّ الْوَاحِدِ وَمَحَلُّ النِّسْيَانِ الْقَلْبُ فَمَحَلُّ الذِّكْرِ إذًا الْقَلْبُ وَذِكْرُ الْقَلْبِ هُوَ النِّيَّةُ ، وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ وَحَكَى قَوْلَ أَحْمَدَ لَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا صَحِيحًا انْتَهَى . وَمَا حَكَاهُ عَنْ عُلَمَائِهِمْ قَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ رَبِيعَةَ شَيْخِ مَالِكٍ أَنَّهُ الَّذِي يَتَوَضَّأُ وَيَغْتَسِلُ وَلَا يَنْوِي وُضُوءًا لِلصَّلَاةِ وَلَا غُسْلًا لِلْجَنَابَةِ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ أَيْضًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { مَنْ تَوَضَّأَ وَذَكَرَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ تَطَهَّرَ جَسَدُهُ كُلُّهُ وَمَنْ تَوَضَّأَ وَلَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ لَمْ يَتَطَهَّرْ إلَّا مَوْضِعَ الْوُضُوءِ } فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ النِّيَّةَ لَمْ يَتَطَهَّرْ مَعَ عَدَمِهَا شَيْءٌ لَا مَوَاضِعُ الْوُضُوءِ وَلَا غَيْرُهَا . وَقَدْ يُقَالُ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْحَدَثَ يَحِلُّ جَمِيعَ الْجَسَدِ أَوْ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ فَقَطْ ، فَإِنْ قُلْنَا : يَحِلُّ جَمِيعَ الْجَسَدِ لَمْ تَحْصُلْ الطَّهَارَةُ حَيْثُ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ ، وَإِنْ قُلْنَا : تَحِلُّ أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ فَقَطْ حَصَلَ ذَلِكَ لِتَطَهُّرِ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، وَقَوْلُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ : إنَّ الذِّكْرَ مُضَادُّ النِّسْيَانِ إلَى آخِرِهِ إنَّمَا ذَلِكَ فِي ذِكْرِ الْقَلْبِ ، فَأَمَّا ذِكْرُ اللِّسَانِ فَلَا يُضَادُّهُ النِّسْيَانُ بَلْ يُضَادُّهُ تَرْكُ الذِّكْرِ ، وَإِنْ كَانَ ذَاكِرًا بِقَلْبِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ وَقَوْلُهُ : إنَّ الْحَدِيثَ ضَعِيفٌ قَدْ صَحَّحَهُ الْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ نَظَرٌ . ( الْحَادِيَةُ وَالسِّتُّونَ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَمِمَّا يَجْرِي بِغَيْرِ نِيَّةٍ مَا قَالَهُ مَالِكٌ : إنَّ الْخَوَارِجَ أَخَذُوا الزَّكَاةَ مِنْ النَّاسِ بِالْقَهْرِ ، وَالْغَلَبَةِ وَأَجْزَأَتْ عَمَّنْ أُخِذَتْ مِنْهُ وَمِنْهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ وَجَمَاعَةَ الصَّحَابَةِ أَخَذُوا الزَّكَاةَ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ بِالْقَهْرِ ، وَالْغَلَبَةِ ، وَلَوْ لَمْ تُجْزِئْ عَنْهُمْ مَا أُخِذَتْ مِنْهُمْ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَاحْتَجَّ مَنْ خَالَفَهُمْ وَجَعَلَ حَدِيثَ النِّيَّةِ عَلَى الْعُمُومِ أَنَّ أَخْذَ الْخَوَارِجِ لِلزَّكَاةِ غَلَبَةً لَا يَنْفَكُّ الْمَأْخُوذُ مِنْهُ مِنْ النِّيَّةِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى النِّيَّةِ ذِكْرُهَا وَقْتَ أَخْذِهَا مِنْهُ أَنَّهُ عَنْ الزَّكَاةِ أَخَذَهَا الْمُتَغَلِّبُ عَلَيْهِ . وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ أَخْذَ الْإِمَامِ الظَّالِمِ لَهَا يُجْزِئُهُ فَالْخَارِجِيُّ فِي مَعْنَى الظَّالِمِ ؛ لِأَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَشَاهِدَةِ التَّوْحِيدِ . وَأَمَّا أَبُو بَكْرٍ فَلَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى أَخْذِ الزَّكَاةِ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ بَلْ قَصَدَ حَرْبَهُمْ وَغَنِيمَةَ أَمْوَالِهِمْ وَسَبْيَهُمْ لِكُفْرِهِمْ ، وَلَوْ قَصَدَ أَخْذَ الزَّكَاةِ فَقَطْ لَرَدَّ عَلَيْهِمْ مَا فَضَلَ عَنْهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ . ( الثَّانِيَةُ وَالسِّتُّونَ ) فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى ابْنِ الْقَاسِمِ فِي قَوْلِهِ : إنَّ الرَّجُلَ إذَا أَعْتَقَ عَبْدَهُ عَنْ غَيْرِهِ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ عَنْ كَفَّارَتِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ الْكَفَّارَةُ فَرْضًا عَلَيْهِ فَأَسْقَطَ كَفَّارَةَ الظِّهَارِ بِغَيْرِ نِيَّةِ مَنْ هِيَ عَلَيْهِ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ خَالَفَهُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَشْهَبُ وَابْنُ الْمَوَّازِ وَالْأَبْهَرِيُّ وَقَالَ : الْقِيَاسُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَقَ عَنْهُ بِغَيْرِ أَمْرِهِ لَمْ يَنْوِ عِتْقَهُ ، وَالْعِتْقُ فِي الْكَفَّارَاتِ لَا يُجْزِئُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ وَلَيْسَ كَالْمَيِّتِ يُعْتَقُ عَنْهُ فِي الْكَفَّارَةِ ، فَإِنَّ نِيَّتَهُ مَعْدُومَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ وَالسِّتُّونَ ) اسْتَثْنَى بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ مِمَّا لَا تَجِبُ فِيهِ النِّيَّةُ مِنْ الْوَاجِبَاتِ مَا إذَا غَابَ عَنْ الْمَرْأَةِ زَوْجُهَا مُدَّةً طَوِيلَةً ، وَمَاتَ وَلَمْ تَعْلَمْ بِمَوْتِهِ أَنَّ عِدَّتَهَا مِنْ يَوْمِ مَوْتِهِ لَا مِنْ يَوْمِ بَلَغَتْهَا وَفَاتُهُ فَالْعِدَّةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْهَا ، وَقَدْ سَقَطَتْ عَنْهَا بِغَيْرِ نِيَّةٍ كَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الْحَنَفِيَّةُ ، وَالْمَالِكِيَّةُ ، وَالشَّافِعِيَّةُ فِيمَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْعِدَّةَ جُعِلَتْ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ ، وَقَدْ حَصَلَتْ ، وَإِنْ لَمْ تَعْلَمْ الْمَرْأَةُ بِذَلِكَ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا أَنَّ الْحَامِلَ الَّتِي لَمْ تَعْلَمْ بِوَفَاةِ الزَّوْجِ أَوْ طَلَاقِهِ تَنْقَضِي عِدَّتُهَا بِالْوَضْعِ لِبَرَاءَةِ الرَّحِمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَبُلْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ مِنْهُ } . ( بَابُ مَا يُفْسِدُ الْمَاءَ ، وَمَا لَا يُفْسِدُهُ ) ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَبُلْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَجْرِي ، ثُمَّ تَغْتَسِلُ مِنْهُ } فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ مِنْ طُرُقِ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ وَعَجْلَانُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَابْنِ سِيرِينَ وَأَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامٍ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَجْلَانَ خَمْسَتُهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) فِي اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ فَفِي بَعْضِهَا ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ أَوْ يَغْتَسِلُ مِنْهُ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ { لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ } ، وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ وَفِي رِوَايَةٍ { وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ مِنْهُ أَوْ يَشْرَبُ مِنْهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ : الدَّائِمُ أَوْ الرَّاكِدُ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ الرَّاكِدُ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ النَّاقِعُ وَلَا تَعَارُضَ فِي هَذَا الِاخْتِلَافِ ، وَإِنْ اخْتَلَفَ مَعْنَى الْوُضُوءِ ، وَالْغُسْلِ ، وَالشُّرْبِ فَقَدْ صَحَّ الْكُلُّ وَمَحْمَلُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ الثَّلَاثَةَ فَأَدَّى بَعْضُهُمْ وَاحِدًا وَأَدَّى بَعْضُهُمْ اثْنَيْنِ عَلَى مَا حَفِظَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الرُّوَاةِ . وَقَالَ الْحَافِظُ عَبْدُ الْكَرِيمِ : هَذَا الِاخْتِلَافُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أَحَادِيثُ مُتَعَدِّدَةٌ ؛ لِأَنَّ الِاغْتِسَالَ ، وَالْوُضُوءَ مِمَّا يُمْكِنُ السُّؤَالُ عَنْهُ ، وَهِيَ مُخْتَلِفَةُ الْمَعْنَى ، وَأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ حَدِيثًا وَاحِدًا لَكَانَ مُخْتَلِفَ اللَّفْظِ ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ انْتَهَى ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْجَمْعِ مُمْكِنٌ مِنْ غَيْرِ تَعَارُضٍ . ( الثَّالِثَةُ ) الدَّائِمُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ قَوْلِهِمْ دَامَ بِالْمَكَانِ أَيْ أَقَامَ بِهِ ، وَهُوَ الرَّاكِدُ ، وَالنَّاقِعُ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ بَعْدَهُ ( الَّذِي لَا يَجْرِي ) هَلْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْإِيضَاحِ ، وَالْبَيَانِ أَمْ لَهُ مَعْنًى آخَرُ ؟ وَبِالْأَوَّلِ جَزَمَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَبِهِ صَدَّرَ النَّوَوِيُّ كَلَامَهُ ، ثُمَّ قَالَ : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ اُحْتُرِزَ بِهِ عَنْ رَاكِدٍ لَا يَجْرِي بَعْضُهُ كَالْبِرَكِ وَنَحْوِهَا هَكَذَا فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ مِنْ شَرْحِ مُسْلِمٍ وَلَعَلَّهُ عَنْ رَاكِدٍ يَجْرِي بَعْضُهُ أَيْ فَلَيْسَ بِمَحَلِّ النَّهْيِ ، فَأَمَّا الرَّاكِدُ الَّذِي لَا يَجْرِي بَعْضُهُ ، فَإِنَّهُ لَا يُحْتَرَزُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الرَّاكِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) وَقَوْلُهُ : ( ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ ) الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ فِيهِ ضَمُّ اللَّامِ أَيْ ، ثُمَّ هُوَ يَغْتَسِلُ مِنْهُ كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لَا يَضْرِبُ أَحَدُكُمْ امْرَأَتَهُ ضَرْبَ الْأَمَةِ ، ثُمَّ يُضَاجِعُهَا ، فَإِنَّهُ يَرْفَعُ الْعَيْنَ } . قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ : وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ بِالْجَزْمِ وَلَا تَخَيَّلَهُ فِيهِ أَيْ قَوْلِهِ ، ثُمَّ يُضَاجِعُهَا . وَأَمَّا يَغْتَسِلُ فَحَكَى النَّوَوِيُّ عَنْ الْعَلَّامَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ يَجُوزُ أَيْضًا جَزْمُهُ عَطْفًا عَلَى مَوْضِعِ يَبُولَنَّ وَنَصْبُهُ بِإِضْمَارِ " أَنْ " وَإِعْطَاءِ " ثُمَّ " حُكْمَ وَاوِ الْجَمْعِ قَالَ النَّوَوِيُّ : فَأَمَّا الْجَزْمُ فَظَاهِرٌ ، وَأَمَّا النَّصْبُ فَلَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا دُونَ إفْرَادِ أَحَدِهِمَا . قَالَ : وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ بَلْ الْبَوْلُ فِيهِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ : إنَّ هَذَا التَّعْلِيلَ الَّذِي عَلَّلَ بِهِ امْتِنَاعَ النَّصْبِ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَتَنَاوَلُ النَّهْيَ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ بِمُفْرَدِهِ وَلَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ يَدُلَّ عَلَى الْأَحْكَامِ الْمُتَعَدِّدَةِ بِلَفْظٍ وَاحِدٍ فَيُؤْخَذُ النَّهْيُ عَنْ الْجَمْعِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَيُؤْخَذُ النَّهْيُ عَنْ الْإِفْرَادِ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ انْتَهَى وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ : لَا يَجُوزُ النَّصْبُ إذْ لَا يُنْصَبُ بِإِضْمَارِ أَنْ بَعْدَ ثُمَّ ، وَقَالَ أَيْضًا : إنَّ الْجَزْمَ لَيْسَ بِشَيْءٍ إذْ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ : ثُمَّ لَا يَغْتَسِلْنَ ؛ لِأَنَّهُ إذْ ذَاكَ يَكُونُ عَطْفَ فِعْلٍ عَلَى فِعْلٍ لَا عَطْفَ جُمْلَةٍ عَلَى جُمْلَةٍ . وَحِينَئِذٍ يَكُونُ الْأَصْلُ مُسَاوَاةَ الْفِعْلَيْنِ فِي النَّهْيِ عَنْهُمَا وَتَأْكِيدُهُمَا بِالنُّونِ الشَّدِيدَةِ ، فَإِنَّ الْمَحَلَّ الَّذِي تَوَارَدَ عَلَيْهِ هُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ ، وَهُوَ الْمَاءُ فَعُدُولُهُ عَنْ ، ثُمَّ لَا يَغْتَسِلْنَ إلَى ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَرِدْ لِلْعَطْفِ ، وَإِنَّمَا جَاءَ ثُمَّ يَغْتَسِلُ عَلَى التَّنْبِيهِ عَلَى مَآلِ الْحَالِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ إذَا بَال فِيهِ قَدْ يَحْتَاجُ إلَيْهِ فَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُهُ لِمَا أَوْقَعَ فِيهِ مِنْ الْبَوْلِ . وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ نَحْوَ ذَلِكَ فِي تَضْعِيفِ الْجَزْمِ أَيْضًا ( قُلْت ) لَا يَلْزَمُ فِي عَطْفِ النَّهْيِ عَلَى النَّهْيِ وُرُودُ التَّأْكِيدِ فِيهِمَا مَعًا كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ فَأَتَى بِأَدَاةِ النَّهْيِ وَلَمْ يُؤَكِّدْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) وَقَعَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ بِالْمِيمِ ، وَالنُّونِ وَهَكَذَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ فِيهِ بِالْفَاءِ ، وَالْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَمَعْنَاهُمَا مُخْتَلِفٌ يُفِيدُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حُكْمًا بِطَرِيقِ النَّصِّ وَآخَرُ بِطَرِيقِ الِاسْتِنْبَاطِ ، وَلَوْ لَمْ يَرِدْ لَاسْتَوَيَا لِمَا ذَكَرْنَاهُ . ( السَّادِسَةُ ) إذَا جَعَلْنَا قَوْلَهُ : ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ نَهْيًا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَيَكُونُ فِيهِ النَّهْيُ عَنْ شَيْئَيْنِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّيْئَيْنِ قَدْ يَكُونُ نَهْيًا عَنْ الْجَمْعِ ، وَقَدْ يَكُونُ نَهْيًا عَنْ الْجَمِيعِ فَالْأَوَّلُ لَا يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ وَحْدَهُ ، وَالثَّانِي يَقْتَضِي النَّهْيَ عَنْ كُلِّ فَرْدٍ وَيَدُلُّ عَلَى الثَّانِي رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد { لَا يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ وَلَا يَغْتَسِلُ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ } . وَيَدُلُّ أَيْضًا عَلَى النَّهْيِ عَنْ الِاغْتِسَالِ فِيهِ بِمُفْرَدِهِ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي السَّائِبِ مَوْلَى هِشَامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { لَا يَغْتَسِلْ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ، وَهُوَ جُنُبٌ فَقَالَ كَيْفَ يَفْعَلُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ يَتَنَاوَلُهُ تَنَاوُلًا } . ( السَّابِعَةُ ) احْتَجَّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ فِي تَنْجِيسِ الْمَاءِ الرَّاكِدِ بِحُلُولِ النَّجَاسَةِ فِيهِ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ ، فَإِنَّ الصِّيغَةَ صِيغَةُ عُمُومٍ وَأَجَابَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَتَعَذَّرُ الْعَمَلُ بِعُمُومِهِ إجْمَاعًا ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ الدَّائِمَ الْكَثِيرَ الْمُسْتَبْحِرَ لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ النَّجَاسَةُ اتِّفَاقًا مِنَّا وَمِنْكُمْ ، وَإِذَا بَطَلَ عُمُومُهُ وَتَطَرَّقَ إلَيْهِ التَّخْصِيصُ خَصَّصْنَاهُ بِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ فَيُحْمَلُ عُمُومُهُ عَلَى مَا دُونَ الْقُلَّتَيْنِ جَمْعًا بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ ، فَإِنَّ حَدِيثَ الْقُلَّتَيْنِ يَقْتَضِي عَدَمَ تَنْجِيسِ الْقُلَّتَيْنِ فَمَا فَوْقَهُمَا ، وَذَلِكَ أَخَصُّ مِنْ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ الْعَامِّ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ ، وَالْخَاصُّ مُقَدَّمٌ عَلَى الْعَامِّ . ( الثَّامِنَةُ ) فِيهِ حُجَّةٌ لِلْقَوْلِ الْقَدِيمِ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمَاءَ الْجَارِيَ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ النَّجَاسَةُ إلَّا إذَا غَيَّرَتْهُ ، فَإِنَّهُ يَنْجُسُ إجْمَاعًا ، فَأَمَّا إذَا لَمْ يَتَغَيَّرْ فَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ إخْرَاجُهُ عَنْ الْمَاءِ الدَّائِمِ فِي أَنَّهُ لَيْسَ مَنْهِيًّا عَنْ الْبَوْلِ فِيهِ وَلَا عَنْ الِاغْتِسَالِ مِنْهُ ، وَهُوَ مَفْهُومُ صِفَةٍ ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الصَّحِيحِ فِي الْأُصُولِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْأَصْحَابِ اخْتِيَارَ الْقَوْلِ الْقَدِيمِ وَأَشَارَ إلَى أَنَّهُ اخْتِيَارُ الْغَزَالِيِّ وَخَصَّصَ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ مَفْهُومَ هَذَا الْحَدِيثِ بِمَفْهُومِ حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ ، فَإِنَّ مَفْهُومَهُ تَأْثِيرُ النَّجَاسَةِ فِيمَا دُونَهَا جَارِيًا كَانَ أَوْ رَاكِدًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( التَّاسِعَةُ ) احْتَجَّ بِهِ أَحْمَدُ عَلَى أَنَّ بَوْلَ الْآدَمِيِّ ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ الْعَذِرَةِ يُنَجِّسُ الْمَاءَ الرَّاكِدَ ، وَإِنْ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ قُلَّتَيْنِ ، وَإِنَّ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ النَّجَاسَاتِ يَعْتَبِرُ فِيهِ الْقُلَّتَيْنِ فَلَمْ نُعِدْ حُكْمَ الْبَوْلِ ، وَالْعَذِرَةِ إلَى غَيْرِهِمَا مِنْ النَّجَاسَاتِ ، وَفِي كَلَامِ بَعْضِ الشُّرَّاحِ عَنْ أَحْمَدَ تَقْيِيدُ الْعَذِرَةِ بِالْمَائِعَةِ ، وَكَأَنَّهَا هِيَ الَّتِي عِنْدَهُ فِي مَعْنَى الْبَوْلِ دُونَ الْجَامِدَةِ إذْ لَا امْتِنَاعَ فِي الْمَاءِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَكَأَنَّهُ رَأَى الْخُبْثَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ عَامًّا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَنْجَاسِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ خَاصٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى بَوْلِ الْآدَمِيِّ فَقَدَّمَ الْخَاصَّ عَلَى الْعَامِّ بِالنِّسْبَةِ إلَى النَّجَاسَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ وَأَخْرَجَ بَوْلَ الْآدَمِيِّ ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ جُمْلَةِ النَّجَاسَاتِ الْوَاقِعَةِ فِي الْقُلَّتَيْنِ بِخُصُوصِهِ فَتُنَجِّسُ الْمَاءَ دُونَ غَيْرِهِ مِنْ النَّجَاسَاتِ ، ثُمَّ قَالَ : وَلِمُخَالِفِهِمْ أَنْ يَقُولَ قَدْ عَلِمْنَا جَزْمًا أَنَّ هَذَا النَّهْيَ جَزْمًا إنَّمَا هُوَ لِمَعْنَى النَّجَاسَةِ وَعَدَمِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِمَا خَالَطَهَا . وَهَذَا الْمَعْنَى يَسْتَوِي فِيهِ سَائِرُ الْأَنْجَاسِ فَلَا يُتَّجَهُ تَخْصِيصُ بَوْلِ الْآدَمِيِّ مِنْهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذَا الْمَعْنَى إلَى أَنْ قَالَ : فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْبَوْلِ وَرَدَ تَنْبِيهًا عَلَى غَيْرِهِ مِمَّا يُشَارِكُهُ فِي مَعْنَاهُ مِنْ الِاسْتِقْذَارِ ، وَالْوُقُوفِ عَلَى مُجَرَّدِ الظَّاهِرِ هَهُنَا مَعَ وُضُوحِ الْمَعْنَى وَشُمُولِهِ لِسَائِرِ الْأَنْجَاسِ ظَاهِرِيَّةٌ مَحْضَةٌ . ( الْعَاشِرَةُ ) حَمَلَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى النَّهْيَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ لَا عَلَى التَّحْرِيمِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ لَا يَتَنَجَّسُ عِنْدَهُ بِوُصُولِ النَّجَاسَةِ إلَيْهِ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ كَثِيرًا كَانَ أَوْ قَلِيلًا جَارِيًا كَانَ أَوْ رَاكِدًا وَحُجَّتُهُ قَوْلُهُ : { خَلَقَ اللَّهُ الْمَاءَ طَهُورًا لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ } الْحَدِيثَ . وَلَكِنْ رُبَّمَا تَغَيَّرَ الرَّاكِدُ بِالْبَوْلِ فِيهِ فَيَكُونُ الِاغْتِسَالُ بِهِ مُحَرَّمًا بِالْإِجْمَاعِ . قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَهَذَا يَلْتَفِتُ عَلَى حَمْلِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ عَلَى مَعْنَيَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ قَالَ ، وَقَدْ يُقَالُ عَلَى هَذَا : إنَّ حَالَةَ التَّغَيُّرِ مَأْخُوذَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا اللَّفْظِ فَلَا يَلْزَمُ اسْتِعْمَالُ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ فِي مَعْنَيَيْنِ قَالَ ، وَهَذَا مُتَّجَهٌ إلَّا أَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ التَّخْصِيصُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِنْ جَعَلْنَا النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ كَانَ اسْتِعْمَالُهُ فِي الْكَرَاهَةِ ، وَالتَّحْرِيمِ اسْتِعْمَالَ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى مَنْعِهِ انْتَهَى وَأَجَابَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ عَنْ مَالِكٍ بِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَشْهُورُ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ طَهُورٌ ، فَإِنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُحْمَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى سَدِّ الذَّرِيعَةِ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى إلَى تَغَيُّرِهِ فَنَهَى عَنْ ذَلِكَ . ( الْحَادِيَةَ عَشَرَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ نَجِسٌ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ رِوَايَةٌ عَنْهُ ، فَإِنَّهُ قَرَنَ فِيهِ بَيْنَ الْبَوْلِ فِيهِ ، وَالِاغْتِسَالِ مِنْهُ ، وَالْبَوْلُ يُنَجِّسُهُ فَكَذَلِكَ الِاغْتِسَالُ ، وَرَدَّهُ الْجُمْهُورُ بِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ دَلَالَةَ الِاقْتِرَانِ ضَعِيفَةٌ قَالَ بِهَا أَبُو يُوسُفَ وَالْمُزَنِيِّ وَخَالَفَهُمَا غَيْرُهُمَا مِنْ الْفُقَهَاءِ ، وَالْأُصُولِيِّينَ وَمِمَّا يَرُدُّ عَلَيْهِمَا قَوْله تَعَالَى { كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } فَلَا يَلْزَمُ مِنْ اقْتِرَانِ الْأَكْلِ بِإِيتَاءِ الزَّكَاةِ وُجُوبُ الْأَكْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّا وَلَوْ سَلَّمْنَا دَلَالَةَ الِاقْتِرَانِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلُ بِنَجَاسَتِهِ بَلْ يَحْصُلُ ذَلِكَ بِاشْتِرَاكِهِمَا فِي كَوْنِ كُلٍّ مِنْهُمَا لَا يَتَطَهَّرُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ أَمَّا كَوْنُ الِامْتِنَاعِ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا لِلنَّجَاسَةِ فَغَيْرُ لَازِمٍ بَلْ الْأَوَّلُ لِتَنَجُّسِهِ بِهِ ، وَالثَّانِي لِاسْتِعْمَالِهِ وَهَكَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ إنَّ نَهْيَهُ عَنْ الِاغْتِسَالِ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَسْلُبُهُ حُكْمَهُ كَالْبَوْلِ فِيهِ يَسْلُبُهُ حُكْمَهُ إلَّا أَنَّ الِاغْتِسَالَ فِيهِ لَا يُنَجِّسُهُ ، وَالْبَوْلَ يُنَجِّسُهُ لِنَجَاسَتِهِ فِي نَفْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةَ عَشَرَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ مَسْلُوبُ الطَّهُورِيَّةِ فَلَا يَتَطَهَّرُ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى ، وَلَوْلَا أَنَّ الِاغْتِسَالَ فِيهِ يُخْرِجُهُ عَنْ كَوْنِهِ يَغْتَسِلُ بِهِ مَرَّةً أُخْرَى لَمَا نَهَى عَنْهُ ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَال إنَّمَا يُجْعَلُ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ قَوْلَهُ ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ مَجْزُومٌ عَلَى النَّهْيِ ، فَإِنْ قِيلَ : وَلَوْ جَعَلْنَاهُ نَهْيًا ، فَإِنَّمَا النَّهْيُ بَعْدَ تَقَدُّمِ الْبَوْلِ فِيهِ فَلَا يَلْزَمُ النَّهْيُ عَنْ الِاغْتِسَالِ فِيهِ مِنْ غَيْرِ تَقَدُّمِ بَوْلٍ قُلْنَا أَمَّا عَلَى رِوَايَةِ الْأَصْلِ فَنَعَمْ . وَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد { وَلَا يَغْتَسِلْ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ } فَهُوَ نَهْيٌ عَنْ الِاغْتِسَالِ فِيهِ عَلَى الِانْفِرَادِ وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ رِوَايَةُ مُسْلِمٍ الْمُتَقَدِّمَةُ { لَا يَغْتَسِلُ أَحَدُكُمْ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ ، وَهُوَ جُنُبٌ } وَلَمْ يَذْكُرْهُ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشَرَ ) النَّهْيُ عَنْ الِاغْتِسَالِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ لَيْسَ عَلَى إطْلَاقِهِ اتِّفَاقًا ، فَإِنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَبْحِرَ الْكَثِيرَ كَالْبَحْرِ الْمِلْحِ لَا يَتَنَاوَلُهُ النَّهْيُ اتِّفَاقًا ، وَكَذَلِكَ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْ الْقُلَّتَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ وَافَقَهُ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِحَدِيثِ الْقُلَّتَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَا فِي النَّجَاسَةِ لَكِنَّهُ يُكْرَهُ الِاغْتِسَالُ فِيهِ . وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْبُوَيْطِيِّ فَقَالَ فِيهِ وَسَوَاءٌ قَلِيلُ الرَّاكِدِ وَكَثِيرُهُ أَكْرَهُ الِاغْتِسَالَ فِيهِ قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَكَذَا صَرَّحَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ بِمَعْنَاهُ قَالَ ، وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ لَا التَّحْرِيمِ . ( الرَّابِعَةَ عَشَرَ ) إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ الْبَوْلَ أَوْ الِاغْتِسَالَ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ فَيَفْتَرِقُ الْحُكْمُ فِيهِ بِسَبَبِ قِلَّتِهِ وَكَثْرَتِهِ قَالَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ : النَّهْيُ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ مَرْدُودٌ إلَى الْأُصُولِ ، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا فَالنَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ التَّنَزُّهِ ، وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا فَالنَّهْيُ عَلَى الْوُجُوبِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ ، وَهَذَا النَّهْيُ فِي بَعْضِ الْمِيَاهِ لِلتَّحْرِيمِ وَفِي بَعْضِهَا لِلْكَرَاهَةِ وَيُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِ الْمَسْأَلَةِ ، فَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا جَارِيًا لَمْ يَحْرُمْ الْبَوْلُ فِيهِ لِمَفْهُومِ الْحَدِيثِ وَلَكِنَّ الْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ . وَإِنْ كَانَ قَلِيلًا جَارِيًا فَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ ، وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَحْرُمُ ؛ لِأَنَّهُ يُقَدِّرُهُ وَتَنَجُّسُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَيَغُرُّ غَيْرَهُ فَيَسْتَعْمِلُهُ مَعَ أَنَّهُ نَجِسٌ ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ كَثِيرًا رَاكِدًا فَقَالَ أَصْحَابُنَا يُكْرَهُ وَلَا يُحَرَّمُ ، وَلَوْ قِيلَ يُحَرَّمُ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا ، فَإِنَّ النَّهْيَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ ، وَالْأَكْثَرِينَ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ . وَفِيهِ مِنْ الْمَعْنَى أَنَّهُ يُقَدِّرُهُ وَرُبَّمَا أَدَّى إلَى تَنْجِيسِهِ بِالْإِجْمَاعِ لِتَغَيُّرِهِ أَوْ إلَى تَنْجِيسِهِ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي أَنَّ الْغَدِيرَ الَّذِي يَتَحَرَّكُ طَرَفُهُ بِتَحْرِيكِ الطَّرَفِ الْآخَرِ يَنْجُسُ بِوُقُوعِ نَجَاسَةٍ فِيهِ . وَأَمَّا الرَّاكِدُ الْقَلِيلُ فَقَدْ أَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ ، وَالصَّوَابُ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يَحْرُمُ الْبَوْلُ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ يُنَجِّسُهُ وَيُتْلِفُ مَائِيَّتَهُ وَيَغُرُّ غَيْرَهُ بِاسْتِعْمَالِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ : وَإِذَا اغْتَسَلَ فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ فَهَلْ يَصِيرُ مُسْتَعْمَلًا ؟ فِيهِ تَفْصِيلٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَاءُ قُلَّتَيْنِ فَصَاعِدًا لَمْ يَصِرْ مُسْتَعْمَلًا ، وَأَمَّا إذَا كَانَ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ ، فَإِنْ انْغَمَسَ فِيهِ الْجُنُبُ بِغَيْرِ نِيَّةٍ ، ثُمَّ لَمَّا صَارَ تَحْتَ الْمَاءِ نَوَى ارْتَفَعَتْ جَنَابَتُهُ وَصَارَ الْمَاءُ مُسْتَعْمَلًا ، وَإِنْ نَزَلَ فِيهِ إلَى رُكْبَتَيْهِ مَثَلًا ، ثُمَّ نَوَى قَبْلَ انْغِمَاسِ بَاقِيهِ صَارَ الْمَاءُ فِي الْحَالِ مُسْتَعْمَلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى غَيْرِهِ وَارْتَفَعَتْ الْجَنَابَةُ عَنْ ذَلِكَ الْقَدْرِ الْمُنْغَمِسِ بِلَا خِلَافٍ وَارْتَفَعَتْ أَيْضًا عَنْ الْبَاقِي إذَا تَمَّمَ انْغِمَاسَهُ مِنْ غَيْرِ انْفِصَالٍ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ الْمَنْصُوصِ الْمَشْهُورِ فَلَوْ انْفَصَلَ ، ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ لَمْ يُجْزِهِ مَا يَغْسِلُهُ بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ انْتَهَى كَلَامُهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ . وَقَوْلُهُ فِي الْجَارِي الْقَلِيلِ : إنَّ الْبَوْلَ يُنَجِّسُهُ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ فَمَا نَقَلَهُ عَنْ غَيْرِ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ بِجَيِّدٍ بَلْ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ بَلْ الْقَلِيلُ الرَّاكِدُ كَذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا حَكَاهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي بَعْضِ مَسَائِلِهِ الَّتِي سُئِلَ عَنْهَا . ( الْخَامِسَةَ عَشَرَ ) فَرَّقَ قَوْمٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي الْبَوْلِ ، وَالِاغْتِسَالِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ بَيْنَ اللَّيْلِ ، وَالنَّهَارِ وَجَعَلُوا الْكَرَاهَةَ فِي اللَّيْلِ أَشَدَّ ، وَذَلِكَ لِمَا قِيلَ أَنَّ الْمَاءَ بِاللَّيْلِ لِلْجِنِّ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُبَالَ فِيهِ وَلَا يُغْتَسَلَ خَوْفًا مِنْ آفَةٍ تُصِيبُهُ مِنْ جِهَتِهِمْ هَكَذَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَجَزَمَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ بِكَرَاهَةِ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الْكَثِيرِ الْجَارِي فِي اللَّيْلِ لِمَا قِيلَ : إنَّ الْمَاءَ بِاللَّيْلِ لِلْجِنِّ ، وَهُوَ يُخَالِفُ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ إطْلَاقِ كَوْنِهِ خِلَافَ الْأَوْلَى فَقَطْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةَ عَشَرَ ) مَفْهُومُ الْحَدِيثِ أَنَّ الِاغْتِسَالَ بِالْمَاءِ الْجَارِي لَيْسَ دَاخِلًا فِي النَّهْيِ سَوَاءٌ حَمَلْنَاهُ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوْ الْكَرَاهَةِ وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بِالْكَرَاهَةِ فَقَالَ قَالَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ يُكْرَهُ الِاغْتِسَالُ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا ، وَكَذَا يُكْرَهُ الِاغْتِسَالُ فِي الْعَيْنِ الْجَارِيَةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْبُوَيْطِيِّ : أَكْرَهُ لِلْجُنُبِ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي الْبِئْرِ مَعِينَةً كَانَتْ أَوْ دَائِمَةً وَفِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ الَّذِي لَا يَجْرِي انْتَهَى . وَكَأَنَّ النَّوَوِيَّ أَخَذَ كَرَاهَةَ الِاغْتِسَالِ فِي الْعَيْنِ الْجَارِيَةِ مِنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَلَيْسَ فِي نَصِّهِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَالشَّافِعِيُّ لَمْ يَذْكُرْ الْجَارِيَ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْبِئْرَ الْمُعِينَةَ ، وَالدَّائِمَةَ فَالْمُعِينَةُ هِيَ الَّتِي تَمُدُّهَا عَيْنٌ فِيهَا ، وَالدَّائِمَةُ هِيَ الَّتِي لَا تَمُدُّهَا عَيْنٌ وَلَيْسَ فِي كَلَامِهِ تَعَرُّضٌ لِلْجَارِيَةِ وَمُقْتَضَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْجَارِيَ لَا بَأْسَ بِالِاغْتِسَالِ فِيهِ خُصُوصًا إنْ كَانَتْ عَيْنًا كَبِيرَةً فَلَا وَجْهَ لِلْكَرَاهَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةَ عَشَرَ ) هَلْ يَلْحَقُ بِالنَّهْيِ عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ الِاسْتِنْجَاءُ فِيهِ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْدِيرِهِ أَوْ لَيْسَ الِاسْتِنْجَاءُ فِي حُكْمِ الْبَوْلِ قَالَ النَّوَوِيُّ : إنْ كَانَ قَلِيلًا فَهُوَ حَرَامٌ ، وَإِنْ كَانَ كَثِيرًا فَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَا تَظْهَرُ كَرَاهَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي مَعْنَى الْبَوْلِ وَلَا يُقَارِبُهُ قَالَ : وَلَوْ اجْتَنَبَ الْإِنْسَانُ هَذَا كَانَ أَحْسَنَ انْتَهَى . فَإِنْ كَانَ أَرَادَ الِاسْتِنْجَاءَ مِنْ الْبَوْلِ فَوَاضِحٌ ، وَإِنْ أَرَادَ الِاسْتِنْجَاءَ مِنْ الْغَائِطِ فَفِي عَدَمِ الْكَرَاهَةِ نَظَرٌ خُصُوصًا لِمَنْ لَمْ يُخَفِّفْهُ بِالْحَجَرِ وَمَعَ الِانْتِشَارِ ، وَالْكَثْرَةِ فَرُبَّمَا كَانَ أَفْحَشَ مِنْ الْبَوْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةَ عَشَرَ ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : اعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا بُدَّ مِنْ إخْرَاجِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِالتَّخْصِيصِ أَوْ التَّقْيِيدِ ؛ لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ وَاقِعٌ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَبْحِرَ الْكَثِيرَ جِدًّا لَا تُؤَثِّرُ فِيهِ النَّجَاسَةُ ، وَالِاتِّفَاقُ وَاقِعٌ عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إذَا غَيَّرَتْهُ النَّجَاسَةُ امْتَنَعَ اسْتِعْمَالُهُ فَمَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَنْجُسُ إلَّا بِالتَّغَيُّرِ لَا بُدَّ أَنْ يُخْرِجَ صُورَةَ التَّغَيُّرِ بِالنَّجَاسَةِ أَعْنِي عَنْ الْحُكْمِ بِالْكَرَاهَةِ ، فَإِنَّ الْحُكْمَ ثُمَّ التَّحْرِيمَ . فَإِذًا لَا بُدَّ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ الظَّاهِرِ عِنْدَ الْكُلِّ . ( التَّاسِعَةَ عَشَرَ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَلَمْ يَأْخُذْ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ إلَّا رَجُلٌ يُنْسَبُ إلَى الْعِلْمِ وَلَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ يُقَالُ لَهُ دَاوُد بْنُ عَلِيٍّ فَقَالَ : مَنْ بَالَ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ فَقَدْ حَرُمَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ بِهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا قَالَ : فَإِنْ بَالَ فِي إنَاءٍ وَصَبَّهُ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ كَانَ لَهُ الْوُضُوءُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا نُهِيَ عَنْ الْبَوْلِ فِيهِ فَقَطْ بِزَعْمِهِ ، وَصَبُّهُ لِلْبَوْلِ مِنْ الْإِنَاءِ لَيْسَ بِبَوْلٍ فِيهِ فَلَمْ يُنْهَ عَنْهُ . فَلَوْ بَالَ خَارِجًا عَنْ الْمَاءِ الدَّائِمِ فَسَالَ فِيهِ جَازَ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ قَالَ : وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِ أَيْ لِغَيْرِ الْبَائِلِ أَنْ يَتَوَضَّأَ فِيمَا بَالَ فِيهِ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا نَهَى الْبَائِلَ وَلَمْ يَنْهَ غَيْرَهُ وَقَالَ مَا هُوَ أَشْنَعَ مِنْ هَذَا إنَّهُ إذَا تَغَوَّطَ فِي الْمَاءِ الدَّائِمِ كَانَ لَهُ وَلِغَيْرِهِ أَنْ يَتَوَضَّأَ بِهِ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا جَاءَ فِي الْبَوْلِ فَقَطْ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ الْغَائِطِ قَالَ : وَهَذَا غَايَةٌ فِي السُّقُوطِ وَإِبْطَالِ الْمَعْقُولِ إلَى أَنْ قَالَ وَيُقَالُ لَهُ خَبِّرْنَا عَنْ الْبَائِلِ فِي الْبَحْرِ أَوْ الْحَوْضِ الْكَبِيرِ أَوْ الْغَدِيرِ الْوَاسِعِ هَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ ؟ فَإِنْ قَالَ لَا قَالَ مَا نَعْرِفُ أَنَّ الْحَقَّ فِي خِلَافِهِ ، وَإِنْ أَجَازَ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ قَدْ تَرَكْت ظَاهِرَ الْحَدِيثِ وَفِي ضَرُورَتِك إلَى تَرْكِ ظَاهِرِهِ مَا يُوجِبُ عَلَيْك أَنْ تَقُولَ : إنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَحْرِيمِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ النَّجِسِ وَتَأْدِيبِهِمْ بِأَنْ يَتَنَزَّهُوا عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الَّذِي لَا يَجْرِي فَيَحْتَاجُونَ عَلَى الْوُضُوءِ مِنْهُ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ . وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ دَاوُد قَالَهُ أَيْضًا ابْنُ حَزْمٍ وَصَرَّحَ بِأَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَقِلَّ الْمَاءُ أَوْ يَكْثُرَ قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ : وَمَنْ الْتَزَمَ هَذِهِ الْفَضَائِحَ وَجَمَدَ هَذَا الْجُمُودَ فَحَقِيقٌ أَنْ لَا يُعَدَّ مِنْ الْعُلَمَاءِ بَلْ وَلَا فِي الْوُجُودِ قَالَ : وَقَدْ أَحْسَنَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ حَيْثُ قَالَ : إنَّ أَهْلَ الظَّاهِرِ لَيْسُوا مِنْ الْعُلَمَاءِ وَلَا مِنْ الْفُقَهَاءِ فَلَا يُعْتَدُّ بِخِلَافِهِمْ بَلْ هُمْ مِنْ جُمْلَةِ الْعَوَامّ وَعَلَى هَذَا جُلُّ الْفُقَهَاءِ ، وَالْأُصُولِيِّينَ وَمَنْ اعْتَدَّ بِخِلَافِهِمْ إنَّمَا ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ يَعْتَبِرُ خِلَافَ الْعَوَامّ فَلَا يَنْعَقِدُ الْإِجْمَاعُ مَعَ وُجُودِ خِلَافِهِمْ . وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ إلَّا خِلَافُ مَنْ لَهُ أَهْلِيَّةُ النَّظَرِ ، وَالِاجْتِهَادِ عَلَى مَا يُذْكَرُ فِي الْأُصُولِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إنَّ هَذَا مِنْ أَقْبَحِ مَا نُقِلَ عَنْ دَاوُد فِي الْجُمُودِ عَلَى الظَّاهِرِ وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : إنَّهُ يَعْلَمُ بُطْلَانَهُ قَطْعًا ، وَالْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ حَاصِلٌ بِبُطْلَانِ قَوْلِهِمْ لِاسْتِوَاءِ الْأَمْرَيْنِ فِي الْحُصُولِ فِي الْمَاءِ ، وَأَنَّ الْمَقْصُودَ اجْتِنَابُ مَا وَقَعَتْ فِيهِ النَّجَاسَةُ مِنْ الْمَاءِ . قَالَ : وَلَيْسَ هَذَا مِنْ مَحَالِّ الظُّنُونِ بَلْ هُوَ مَقْطُوعٌ بِهِ . وَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ : { إنَّ الرِّجَالَ ، وَالنِّسَاءَ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيعًا } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . ( الْحَدِيثُ الثَّانِي ) وَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ كَانَ يَقُولُ { : إنَّ الرِّجَالَ ، وَالنِّسَاءَ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمِيعًا } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ( فِيهِ فَوَائِدُ ) ( الْأُولَى ) أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ وَعُبَيْدِ اللَّهِ مُفْتَرِقِينَ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ . ( الثَّانِيَةُ ) إضَافَةُ الصَّحَابِيِّ الْفِعْلَ إلَى زَمَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدُلُّ عَلَى رَفْعِهِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ اطِّلَاعُهُ خِلَافًا لِأَبِي بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيِّ وَطَائِفَةٍ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ عَنْهُمْ . وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْرِيَ خِلَافُ الْإِسْمَاعِيلِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ بَعْضَ النِّسَاءِ نِسَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ كَعَائِشَةَ وَمَيْمُونَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فَهَذَا مُصَرَّحٌ بِاطِّلَاعِهِ فَلَا يَجْرِي فِيهِ الْخِلَافُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) حَمَلُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ قَوْلَهُ جَمِيعًا عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يَتَوَضَّئُونَ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ وُضُوءَ أَحَدِهِمَا بِفَضْلِ الْآخَرِ حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ . وَهَذَا يَرُدُّهُ رِوَايَةُ هِشَامِ ابْنِ عَمَّارٍ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ فِيهَا { مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ . وَكَذَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ { كُنَّا نَتَوَضَّأُ نَحْنُ ، وَالنِّسَاءُ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُدْلِي فِيهِ أَيْدِيَنَا } . ( الرَّابِعَةُ ) حَمَلَ سَحْنُونٌ أَيْضًا مِنْ الْمَالِكِيَّةِ مَعْنَى الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ يَتَوَضَّأُ الرِّجَالُ وَيَذْهَبُونَ ، ثُمَّ تَأْتِي النِّسَاءُ فَيَتَوَضَّئُونَ حَكَاهُ ابْنُ التِّينِ أَيْضًا ، وَهُوَ خِلَافُ الظَّاهِرِ مِنْ قَوْلِهِ جَمِيعًا فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي اجْتِمَاعِهِمَا فِي حَالَةِ الِاغْتِسَالِ ، وَكَذَا رِوَايَةُ نُدْلِي أَيْدِيَنَا فِيهِ ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ { كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ } . وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَسَيَأْتِي فِي بَابِ الْغُسْلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ هُوَ ، وَالْمَرْأَةُ مِنْ نِسَائِهِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ } . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ { أَنَّهَا كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ } وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِلُ بِفَضْلِ مَيْمُونَةَ } . وَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ مَا خَصَّصَهُ بِهِ سَحْنُونٌ مِنْ تَأْخِيرِ غَسْلِ النِّسَاءِ عَنْ الرِّجَالِ وَأَصْرَحُ مِنْهُ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { اغْتَسَلَ بَعْضُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَفْنَةٍ فَأَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَوَضَّأَ مِنْهُ قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْت جُنُبًا قَالَ : إنَّ الْمَاءَ لَا يَجْنُبُ } . لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( الْخَامِسَةُ ) أَطْلَقَ ابْنُ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ وُضُوءَ النِّسَاءِ ، وَالرِّجَالِ جَمِيعًا وَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ الرِّجَالَ مِنْ النِّسَاءِ الْأَجَانِبِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ الزَّوْجَاتِ أَوْ مَنْ يَحِلُّ لَهُ أَنْ يَرَى مِنْهَا مَوَاضِعَ الْوُضُوءِ وَلِذَلِكَ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ بَابَ وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ . ( السَّادِسَةُ ) فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ صَبِيَّةَ الْجُهَنِيَّةِ قَالَتْ { : اخْتَلَفَتْ يَدِي وَيَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْوُضُوءِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ } . وَلَيْسَتْ أُمُّ صَبِيَّةَ هَذِهِ زَوْجَةً وَلَا مَحْرَمًا نَعَمْ قِيلَ : إنَّهَا خَوْلَةُ بِنْتُ قِيسٍ ، وَإِنَّهَا كَانَتْ زَوْجَةَ حَمْزَةَ وَقِيلَ : إنَّ زَوْجَةَ حَمْزَةَ غَيْرُهَا ، وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ فَزَوْجَةُ الْعَمِّ لَيْسَتْ مَحْرَمًا . وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ عَدُّ ذَلِكَ مِنْ الْخَصَائِصِ فَقَدْ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقِيلُ عِنْدَ أُمِّ حَرَامٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ وَقَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَمَنْ تَبِعَهُ : إنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مَحْرَمِيَّةٌ مِنْ الرَّضَاعَةِ رَدَّهُ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ الدِّمْيَاطِيُّ فِي جُزْءٍ لَهُ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ رَأَيْت فِي كَلَامِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مِنْ غَيْرِ الشَّافِعِيَّةِ الْإِشَارَةَ إلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْخَصَائِصِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُنَا . ( السَّابِعَةُ ) فِيهِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ وُضُوءِ الْمَرْأَةِ كَعَكْسِهِ ، وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِوُضُوئِهِمَا وَاغْتِسَالِهِمَا جَمِيعًا . قَالَ النَّوَوِيُّ : فَأَمَّا تَطْهِيرُهُمَا مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ فَهُوَ جَائِزٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، وَكَذَلِكَ طُهْرُ الْمَرْأَةِ بِفَضْلِ الرَّجُلِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ أَيْضًا . وَأَمَّا طُهْرُ الرَّجُلِ بِفَضْلِهَا فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَنَا وَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ سَوَاءٌ خَلَتْ بِهِ أَمْ لَمْ تَخْلُ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا : وَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَدَاوُد إلَى أَنَّهَا إذَا خَلَتْ بِالْمَاءِ وَاسْتَعْمَلَتْهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ اسْتِعْمَالُ فَضْلِهَا مُطْلَقًا وَرُوِيَ هَذَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ كَرَاهِيَةُ فَضْلِهَا مُطْلَقًا وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ كَمَذْهَبِنَا انْتَهَى . وَمَا حَكَاهُ مِنْ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى جَوَازِ تَطْهِيرِهِمَا مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ ، وَكَذَلِكَ حِكَايَةُ صَاحِبِ الْمُفْهِمِ أَيْضًا الِاتِّفَاقُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ . فَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ طَائِفَةٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَغْتَرِفَ الرَّجُلُ مَعَ الْمَرْأَةِ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَتَوَضَّأُ حِينَئِذٍ بِفَضْلِ صَاحِبِهِ انْتَهَى . وَكَذَلِكَ نَقْلُ النَّوَوِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ تَطَهُّرِهَا بِفَضْلِ الرَّجُلِ فِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ حَكَى الطَّحْطَاوِيُّ فِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ كَرِهُوا أَنْ يَتَوَضَّأَ كُلٌّ مِنْهُمَا بِفَضْلِ الْآخَرِ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ أَنَّهُمَا كَرِهَا فَضْلَ طَهُورِهَا وَلَمْ يَرَيَا بِفَضْلِ سُؤْرِهَا بَأْسًا . ( الثَّامِنَةُ ) احْتَجَّ أَحْمَدُ لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ بِحَدِيثِ الْحَكَمِ بْنِ عَمْرٍو الْغِفَارِيِّ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَتَوَضَّأَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ طَهُورِ الْمَرْأَةِ أَوْ قَالَ بِسُؤْرِهَا } . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَهَذَا لَفْظُهُ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ فِي تَحْسِينِهِ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ فَقَالَ الْبُخَارِيُّ : حَدِيثُ الْحَكَمِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ النَّهْيُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا عَنْ فَضْلِ الْآخَرِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ قَالَ { : نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ وُضُوءِ الْمَرْأَةِ ، وَالْمَرْأَةُ بِفَضْلِ وُضُوءِ الرَّجُلِ وَلَكِنْ يَشْرَعَانِ جَمِيعًا } . قَالَ الْبُخَارِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ وَمَنْ رَفَعَهُ فَقَدْ أَخْطَأَ وَهَكَذَا قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ الْحِمْيَرِيِّ قَالَ : لَقِيت رَجُلًا صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَ سِنِينَ كَمَا صَحِبَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تَغْتَسِلَ الْمَرْأَةُ بِفَضْلِ الرَّجُلِ أَوْ يَغْتَسِلَ الرَّجُلُ بِفَضْلِ الْمَرْأَةِ } . وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ { لِيَغْتَرِفَا جَمِيعًا } وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ النَّهْيَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا سَالَ مِنْ الْأَعْضَاءِ عِنْدَ التَّطَهُّرِ بِهِ دُونَ مَا بَقِيَ فِي الْإِنَاءِ قَالَ : وَمِنْ النَّاسِ مَنْ حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْإِيجَابِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَإِسْنَادُ حَدِيثِ الْإِبَاحَةِ أَجْوَدُ مِنْ إسْنَادِ خَبَرِ النَّهْيِ . ( التَّاسِعَةُ ) حَكَى الْخَطَّابِيُّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ النَّهْيَ عَنْ فَضْلِ وُضُوءِ الْمَرْأَةِ إنَّمَا هُوَ إذَا كَانَتْ جُنُبًا أَوْ حَائِضًا ، فَإِذَا كَانَتْ طَاهِرًا فَلَا بَأْسَ بِهِ . وَهَذَا يَرُدُّهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمُ الَّذِي أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ ، وَفِيهِ { فَقَالَتْ إنِّي كُنْت جُنُبًا فَقَالَ : إنَّ الْمَاءَ لَا يَجْنُبُ } . صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَيَرُدُّهُ مَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ وَنَحْنُ جُنُبَانِ } . وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ صَرِيحًا فِي وُضُوئِهِ بِفَضْلِهَا ، فَإِنَّ تَقَدُّمَ اغْتِرَافِ عَائِشَةَ مُوجِبٌ لِاسْتِعْمَالِهِ لِفَضْلِهَا ، وَقَدْ رَوَى الطَّحَاوِيُّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ يَغْتَرِفُ قَبْلَهَا وَتَغْتَرِفُ قَبْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) فِيهِ حُجَّةٌ لِطَهَارَةِ الذِّمِّيَّةِ وَجَوَازِ اسْتِعْمَالِ فَضْلِ طَهُورِهَا وَسُؤْرِهَا لِجَوَازِ تَزَوُّجِهِنَّ وَعَدَمِ التَّفْرِقَةِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمُسْلِمَةِ وَغَيْرِهَا ، وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إلَى اسْتِدْلَالِهِ بِهِ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : بَابُ وُضُوءِ الرَّجُلِ مَعَ امْرَأَتِهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَتَوَضَّأَ عُمَرُ بِالْحَمِيمِ وَمِنْ بَيْتِ نَصْرَانِيَّةٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ الْبَابِ ، وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ مِنْ طَهَارَةِ سُؤْرِ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ الْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَهُ يَعْنِي سُؤْرَ النَّصْرَانِيَّةِ غَيْرُ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ انْتَهَى . وَفِي رِوَايَةٍ الشَّافِعِيِّ فِي الْأُمِّ فِي أَثَرِ عُمَرَ مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : وَحُكْمُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّهُ يُكْرَهُ اسْتِعْمَالُ أَوَانِي الْكُفَّارِ وَثِيَابِهِمْ سَوَاءٌ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ وَغَيْرُهُمْ ، وَالْمُتَدَيِّنُ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ وَغَيْرُهُ قَالَ : وَإِذَا تَطَهَّرَ مِنْ إنَاءِ كَافِرٍ وَلَمْ يَتَيَقَّنْ طَهَارَتَهُ وَلَا نَجَاسَتَهُ ، فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ لَا يَتَدَيَّنُونَ بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ صَحَّتْ طَهَارَتُهُ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ يَتَدَيَّنُونَ بِهَا فَوَجْهَانِ الصَّحِيحُ مِنْهُمَا أَنَّهُ تَصِحُّ طَهَارَتُهُ . ( الْحَادِيَةَ عَشَرَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى أَنَّهُ لَا تَحْدِيدَ فِي مَاءِ الْوُضُوءِ ، وَالْغُسْلِ فَقَالَ فِي التَّمْهِيدِ : وَإِذَا جَازَ وُضُوءُ الْجَمَاعَةِ مَعًا رِجَالًا وَنِسَاءً فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا تَحْدِيدَ وَلَا تَوْقِيتَ فِيمَا يَقْتَصِرُ عَلَيْهِ الْمُتَوَضِّئُ ، وَالْمُغْتَسِلُ مِنْ الْمَاءِ إلَّا الْإِتْيَانَ مِنْهُ بِمَا أَمَرَ اللَّهُ مِنْ غُسْلٍ وَمَسْحٍ انْتَهَى ، وَفِي وَجْهِ الدَّلَالَةِ مِنْهُ نَظَرٌ . ( بَابُ الْوُضُوءِ ) عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَضَعْ يَدَهُ فِي الْوُضُوءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا إنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { ثَلَاثًا } وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ { مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا } ( بَابُ الْوُضُوءِ ، وَفِيهِ أَحَادِيثُ ) . ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا فِي وَضُوئِهِ ، فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَضَعْ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا إنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ } فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ وَأَبِي رَزِينٍ وَأَبِي صَالِحٍ وَأَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ وَثَابِتٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ أَبِي رَزِينٍ وَأَبِي صَالِحٍ وَأَبِي مَرْيَمَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُمْ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا . ( الثَّانِيَةُ ) فِي اخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ فَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد { إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ } ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ مَاجَهْ { إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ } وَلِمُسْلِمٍ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ فِي الْإِنَاءِ مَوْضِعُ قَوْلِهِ فِي وَضُوئِهِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي إنَائِهِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { ثَلَاثَ مَرَّاتٍ } ، وَكَذَا قَالَ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ قَالَ مُسْلِمٌ : وَلَمْ يَقُلْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ ثَلَاثًا إلَّا مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ وَأَبِي صَالِحٍ وَأَبِي رَزِينٍ . قُلْت : وَكَذَا قَالَ أَبُو مَرْيَمَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَةٍ لَهُ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ { مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا } وَلِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ لَهُ وَابْنُ مَاجَهْ فِيمَا بَاتَتْ لَهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد { أَيْنَ بَاتَتْ أَوْ أَيْنَ كَانَتْ تَطُوفُ يَدُهُ } وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ { أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ مِنْهُ } وَقَالَ تَفَرَّدَ بِقَوْلِهِ مِنْهُ مُحَمَّدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْبُسْرِيُّ ، وَهُوَ ثِقَةٌ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ وَلَا عَلَى مَا وَضَعَهَا } وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ أَوْ أَيْنَ طَافَتْ يَدُهُ } وَقَالَ إسْنَادُهُ حَسَنٌ . ( الثَّالِثَةُ ) احْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِعُمُومِ قَوْلِهِ مِنْ نَوْمِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ نَوْمِ اللَّيْلِ ، وَالنَّهَارِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَحْمَدُ وَدَاوُد فَخَصَّصَا هَذَا الْحُكْمَ بِنَوْمِ اللَّيْلِ لِقَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ : أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ وَلِرِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ إذَا قَامَ أَوْ اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ بِاللَّيْلِ وَهَكَذَا يَقُولُ الْحَسَنُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ لَا يَجْعَلُ نَوْمَ النَّهَارِ مِثْلَ نَوْمِ اللَّيْلِ وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ أَيْضًا مُوَافَقَةُ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ أَحْمَدُ فِيمَا رَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْهُ ، فَالْمَبِيتُ إنَّمَا يَكُونُ بِاللَّيْلِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : أَمَّا الْمَبِيتُ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَا قَالَهُ أَحْمَدُ صَحِيحًا فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْخَلِيلَ قَالَ فِي كِتَابِ الْعَيْنِ الْبَيْتُوتَةُ دُخُولُك فِي اللَّيْلِ وَكَوْنُك فِيهِ بِنَوْمٍ وَغَيْرِ نَوْمٍ قَالَ : وَمَنْ قَالَ بِتُّ بِمَعْنَى نِمْت وَفَسَّرَهُ عَلَى النَّوْمِ فَقَدْ أَخْطَأَ قَالَ أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُولُ : بِتُّ أُرَاعِي النَّجْمَ قَالَ فَلَوْ كَانَ نَوْمًا كَيْفَ كَانَ يَنَامُ وَيَنْظُرُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِقَوْلِ الْحَسَنِ وَأَحْمَدَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ غَيْرَهُمَا انْتَهَى . وَقَدْ خَالَفَ أَحْمَدُ فِي ذَلِكَ صَاحِبَهُ إِسْحَاق بْنُ رَاهْوَيْهِ فَقَالَ : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ اسْتَيْقَظَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا إلَّا أَنْ يَغْسِلَ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا الْوُضُوءَ قَالَ : وَالْقِيَاسُ فِي نَوْمِ اللَّيْلِ أَنَّهُ مِثْلُ نَوْمِ النَّهَارِ . وَمَا قَالَهُ إِسْحَاقُ هُوَ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ ذَلِكَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد { وَأَيْنَ كَانَتْ تَطُوفُ يَدُهُ } وَرِوَايَةُ الدَّارَقُطْنِيِّ { وَأَيْنَ طَافَتْ يَدُهُ } وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِيغَةٍ أَوْ فِي الرِّوَايَتَيْنِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ شَكًّا بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْأَمْرَيْنِ مَعًا يُرِيدُ أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ فِي الْمَبِيتِ أَوْ أَيْنَ كَانَتْ تَطُوفُ يَدُهُ فِي نَوْمِهِ مَسَاءً كَانَ أَوْ نَهَارًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) مَفْهُومُ الشَّرْطِ حُجَّةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْأُصُولِيِّينَ فَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ لَمْ يُؤْمَنْ بِذَلِكَ غَيْرُ الْمُسْتَيْقِظِ مِمَّنْ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ كَالشَّاكِّ عَلَى مَا سَيَأْتِي ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَكْثَرِينَ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الشَّعْبِيُّ فَقَالَ فِيمَا رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ عَنْهُ النَّائِمُ ، وَالْمُسْتَيْقِظُ سَوَاءٌ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ لَمْ يُدْخِلْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا وَرَوَى ابْنُ نَصْرٍ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ وَطَاوُسٍ إطْلَاقَ غَسْلِ الْيَدِ قَبْلَ إدْخَالِهَا لِلْإِنَاءِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِاسْتِيقَاظٍ مِنْ نَوْمٍ وَلَعَلَّ مَنْ أَطْلَقَ ذَلِكَ أَرَادَ الِاغْتِرَافَ لِلِاسْتِعْمَالِ احْتِرَازًا عَنْ الْوُضُوءِ فِي الْأَوَانِي الصِّغَارِ ، وَقَدْ يَقُولُ الشَّعْبِيُّ وَمَنْ وَافَقَهُ : لَعَلَّ النَّهْيَ عَنْ إدْخَالِ يَدِ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ النَّوْمِ فِي الْإِنَاءِ خَرَجَ عَلَى جَوَابِ سُؤَالٍ عَنْهُ فَلَا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ وَذَكَرَ بَعْضُ أَفْرَادِ الْعُمُومِ لَا يُخَصَّصُ ، وَقَدْ يُجِيبُ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ فِي طُرُقِ الْحَدِيثِ خُرُوجُ ذَلِكَ عَلَى الْجَوَابِ سُؤَالٌ فَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ بِالِاحْتِمَالِ فَيُفَرَّقُ حِينَئِذٍ بَيْنَ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ النَّوْمِ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) اخْتَلَفُوا فِي الْأَمْرِ فِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ هَلْ هُوَ عَلَى النَّدْبِ أَوْ الْوُجُوبِ ، وَكَذَا النَّهْيُ فِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ : فَلَا يَضَعْ يَدَهُ فِي الْوُضُوءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا هَلْ هُوَ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ التَّنْزِيهِ فَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى النَّدْبِ ، وَالتَّنْزِيهِ لَا عَلَى الْوُجُوبِ ، وَالتَّحْرِيمِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ وَغَيْرِهِمْ وَذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَالتَّحْرِيمِ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ ، وَالنَّهْيِ . وَقَالُوا يُهْرَاقُ الْمَاءُ وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ دَاوُد وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ وُجُوبَ ذَلِكَ ، وَأَنَّهُمَا رَأَيَا أَنَّ الْمَاءَ يَنْجُسُ بِهِ إذَا لَمْ تَكُنْ الْيَدُ مَغْسُولَةً وَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ يُوجِبُ غَسْلَهُمَا عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ مِنْ نَوْمِ اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْهُ مِنْ التَّفْرِقَةِ ، ثُمَّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ دَاوُد الظَّاهِرِيِّ عَنْهُ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ : إنَّهُ إنْ فَعَلَهُ كَانَ عَاصِيًا وَلَا يَفْسُدُ الْمَاءُ بِذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ عَنْهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ وَقَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ : الْمُسْتَيْقِظُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ طَاهِرٌ وَنَجِسٌ وَجُنُبٌ فَالطَّاهِرُ لَا يُفْسِدُ الْمَاءَ . وَحَكَى ابْنُ حَارِثٍ عَنْ ابْنِ غَافِقٍ التُّونُسِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُفْسِدُهُ ، وَأَمَّا الْمُوقِنُ بِالنَّجَاسَةِ فَيَجْرِي عَلَى اخْتِلَافِهِمْ فِي النَّجَاسَةِ تَحِلُّ فِي قَلِيلِ الْمَاءِ ، وَأَمَّا الْجُنُبُ ، وَالْمُحْتَلِمُ الَّذِي لَا يَدْرِي مَا أَصَابَ يَدَهُ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : إنَّهُ يُفْسِدُ الْمَاءَ قَالَ : وَهُوَ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَلِمَالِكٍ فِي الْمَجْمُوعَةِ نَحْوُهُ انْتَهَى . وَالصَّوَابُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيَّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اقْتَرَنَ بِالْأَمْرِ مَا دَلَّ عَلَى النَّدْبِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّلَ بِالشَّكِّ ، وَلَوْ شَكَّ هَلْ مَسَّتْ يَدُهُ نَجَاسَةً لَمَا وَجَبَ عَلَيْهِ غَسْلُ يَدِهِ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ فِي وَضُوئِهِ هُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ عَلَى الْمَشْهُورِ الْمَعْرُوفِ فِي الرِّوَايَةِ ، وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يُتَوَضَّأُ بِهِ ، وَأَمَّا الْوُضُوءُ بِضَمِّهَا فَهُوَ الْفِعْلُ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ : وَقَدْ أَثْبَتَ سِيبَوَيْهِ الْوَضُوءَ ، وَالطَّهُورَ ، وَالْوَقُودَ بِالْفَتْحِ فِي الْمَصَادِرِ فَهِيَ تَقَعُ عَلَى الِاسْمِ ، وَالْمَصْدَرِ قَالَ : وَأَصْلُ الْكَلِمَةِ مِنْ الْوَضَاءَةِ ، وَهِيَ الْحُسْنُ ، وَالْبَهْجَةُ وَمِنْهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ { لَقَلَّمَا كَانَتْ امْرَأَةٌ وَضِيئَةٌ } الْحَدِيثَ . ( السَّابِعَةُ ) تَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بَدَلُ قَوْلِهِ فِي وَضُوئِهِ فِي إنَائِهِ وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْإِنَاءِ ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ مَخْصُوصٌ بِالْأَوَانِي دُونَ الْبِرَكِ ، وَالْحِيَاضٍ الَّتِي لَا يُخَافُ فَسَادُ مَائِهَا بِغَمْسِ الْيَدِ فِيهَا عَلَى تَقْدِيرِ نَجَاسَتِهَا وَلِذَلِكَ قَالَ قَيْسٌ الْأَشْجَعِيُّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ حِينَ حَدَّثَ بِهَذَا : فَكَيْفَ إذَا جِئْنَا مِهْرَاسَكُمْ هَذَا فَكَيْفَ نَصْنَعُ بِهِ ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّك رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فَكَرِهَ أَبُو هُرَيْرَةَ ضَرْبَ الْأَمْثَالِ لِلْحَدِيثِ ، وَكَذَلِكَ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : أَرَأَيْت إنْ كَانَ حَوْضًا فَحَصَبَهُ ابْنُ عُمَرَ وَقَالَ أُخْبِرُك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقُولُ أَرَأَيْت إنْ كَانَ حَوْضًا فَكَرِهَ ابْنُ عُمَرَ ضَرْبَ الْأَمْثَالِ بِحَدِيثِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ شَدِيدَ الِاتِّبَاعِ لِلْأَثَرِ وَلِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا : إنَّهُ إذَا كَانَ الْإِنَاءُ كَبِيرًا لَا يُمْكِنُهُ تَحْرِيكُهُ وَلَمْ يَجِدْ إنَاءً يَغْتَرِفُ بِهِ أَخَذَ الْمَاءَ مِنْهُ بِفَمِهِ أَوْ بِطَرَفِ ثَوْبِهِ النَّظِيفِ وَغَسَلَ بِهِ يَدَهُ أَوْ يَسْتَعِينُ بِمَنْ يَصُبُّ عَلَيْهِ ، وَهَذَا كُلُّهُ عِنْدَ الشَّكِّ فِي النَّجَاسَةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي ( الثَّامِنَةُ ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَمْرِ بِذَلِكَ هَلْ هُوَ تَعَبُّدٌ أَوْ مَعْقُولُ الْمَعْنَى فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ تَعَبُّدٌ حَتَّى إنَّ مَنْ تَحَقَّقَ طَهَارَةَ يَدِهِ فِي نَوْمِهِ بِأَنْ لَفَّ عَلَيْهَا ثَوْبًا أَوْ خِرْقَةً طَاهِرَةً وَاسْتَيْقَظَ ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَانَ مَأْمُورًا بِغَسْلِهَا لِعُمُومِ أَمْرِ الْمُسْتَيْقِظِ بِذَلِكَ ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا ، وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ ، وَإِنْ تَيَقَّنَ طَهَارَةَ يَدِهِ ، وَأَظْهَرُ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ غَمْسُ الْيَدِ لِلْمُسْتَيْقِظِ مَعَ تَيَقُّنِ طَهَارَةِ يَدِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ فَعَلَّلَ الْأَمْرَ بِاحْتِمَالِ طُرُوُّ نَجَاسَةٍ عَلَى يَدِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( التَّاسِعَةُ ) إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ ذَلِكَ مَعْقُولُ الْمَعْنَى ، وَأَنَّ الشَّارِعَ أَشَارَ إلَى الْعِلَّةِ بِقَوْلِهِ : فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي سَبَبِ ذَلِكَ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَعْنَاهُ أَنَّ أَهْلَ الْحِجَازِ كَانُوا يَسْتَنْجُونَ بِالْأَحْجَارِ وَبِلَادُهُمْ حَارَّةٌ ، فَإِذَا نَامَ أَحَدُهُمْ عَرِقَ فَلَا يَأْمَنُ النَّائِمُ أَنْ تَطُوفَ يَدُهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ النَّجِسِ أَوْ عَلَى بَثْرَةٍ أَوْ قَمْلَةٍ أَوْ قَذِرٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ . وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيَّ : اُخْتُلِفَ فِي سَبَبِ غَسْلِ الْيَدِ لِلْمُسْتَيْقِظِ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ أَمَّا لَعَلَّهُ قَدْ مَسَّ مِنْ نَجَاسَةٍ خَرَجَتْ مِنْهُ لَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَوْ غَيْرِ نَجَاسَةٍ مِمَّا يَقْذُرُ وَقِيلَ : لِأَنَّ أَكْثَرَهُمْ كَانُوا يَسْتَجْمِرُونَ ، وَقَدْ يَمَسُّ بِيَدِهِ أَثَرَ النَّجْوِ قَالَ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَيِّنٍ ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَاتِ لَا تَخْرُجُ فِي الْغَالِبِ إلَّا بِعِلْمٍ مِنْهُ ، وَمَا لَمْ يَعْلَمْ بِهِ فَلَا حُكْمَ لَهُ وَمَوْضِعُ الِاسْتِجْمَارِ لَا تَنَالُهُ يَدُ النَّائِمِ إلَّا مَعَ الْقَصْدِ لِذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَ غَسْلُ الْيَدَيْنِ لِتَجْوِيزِ ذَلِكَ لَأُمِرَ بِغَسْلِ الثِّيَابِ لِجَوَازِ ذَلِكَ عَلَيْهَا قَالَ : وَالْأَظْهَرُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ النَّائِمَ لَا يَكَادُ تَسْلَمُ يَدُهُ مِنْ حَكِّ مَغَابِنِهِ أَوْ بَثْرِهِ فِي بَدَنِهِ وَمَوْضِعِ عَرَقِهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَاسْتُحِبَّ لَهُ غَسْلُ يَدِهِ مُطْلَقًا انْتَهَى . حَاصِلُ كَلَامِهِ وَقَوْلُهُ : إنَّ مَوْضِعَ الِاسْتِجْمَارِ لَا تَنَالُهُ يَدُ النَّائِمِ إلَّا مَعَ الْقَصْدِ لِذَلِكَ لَيْسَ كَذَلِكَ وَاعْتِرَاضُهُ بِالثِّيَابِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِمَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ الْعَرَقُ فِي يَدِهِ دُونَ مَحَلِّ الِاسْتِنْجَاءِ فَتَتَأَثَّرُ الْيَدُ دُونَ الثَّوْبِ ، وَالثَّانِي أَنَّهُ لَا يُرِيدُ غَمْسَ ثَوْبِهِ فِي الْمَاءِ حَتَّى يُؤْمَرَ بِغَسْلِ ثَوْبِهِ . وَأَمَّا الْيَدُ فَأُمِرَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّ أَثَرَ الِاسْتِنْجَاءِ لَا يُعْفَى عَنْهُ فِي الْمَاءِ بِدَلِيلِ أَنَّهُ لَوْ نَزَلَ مُسْتَجْمِرٌ فِي مَاءٍ قَلِيلٍ تَنَجَّسَ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ عُفِيَ عَنْ أَثَرِ الِاسْتِنْجَاءِ فَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَحَلِّ الْمَعْفُوِّ عَنْهُ ، وَمَا رَجَّحَهُ مِنْ أَنَّ الْعِلَّةَ حَكُّ بَثْرِهِ أَوْ مَا يَقْذُرُ فَهُوَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَذْكُورٌ . ( الْعَاشِرَةُ ) فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ اسْتِحْبَابُ التَّثْلِيثِ فِي غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْإِنَاءِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَلَكِنَّ التَّثْلِيثَ الْمَأْمُورَ هَلْ هُوَ لِاحْتِمَالِ النَّجَاسَةِ أَوْ هُوَ التَّثْلِيثُ الْمَشْرُوعُ فِي الْوُضُوءِ ؟ مَحَلُّ النَّظَرِ . ( الْحَادِيَةَ عَشَرَ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّثْلِيثِ فِي غَسْلِ النَّجَاسَاتِ مُطْلَقًا غَيْرِ الْمُغَلَّظَةِ الَّتِي أَمَرَ بِالسَّبْعِ فِيهَا ، فَإِنَّ فِي اسْتِحْبَابِ التَّثْلِيثِ فِيهَا خِلَافًا عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَإِذَا أَمَرَ بِالتَّثْلِيثِ فِي مَوْضِعِ احْتِمَالِ النَّجَاسَةِ فَالْإِتْيَانُ بِهِ مَعَ تَحَقُّقِ النَّجَاسَةِ مِنْ بَابِ أَوْلَى . ( الثَّانِيَةَ عَشَرَ ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ تَزُولُ الْكَرَاهَةُ بِغَسْلِ الْيَدِ مَرَّةً قَبْلَ غَمْسِهَا أَوْ يَتَوَقَّفُ زَوَالُهَا عَلَى غَسْلِهَا ثَلَاثًا عَلَى مَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ : فَإِنْ لَمْ يَغْسِلْهُمَا إلَّا مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ أَوْ لَمْ يَغْسِلْهُمَا أَصْلًا حِينَ أَدْخَلَهُمَا فِي وَضُوئِهِ فَقَدْ أَسَاءَ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إنَّ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ صَرَّحَ بِهِ الْأَصْحَابُ ، وَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ مِنْ تَوَقُّفِ زَوَالِ الْكَرَاهَةِ عَلَى الثَّلَاثِ يُشْكِلُ عَلَيْهِ مَا تَقَدَّمَ تَصْحِيحُهُ مِنْ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ غَمْسُ الْيَدِ إذَا تَحَقَّقَ طَهَارَتَهَا وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْمَرَّةَ الْوَاحِدَةَ مُطَهِّرَةٌ لِلْيَدِ إنْ لَمْ يَكُنْ ، ثُمَّ نَجَاسَةٌ عَيْنِيَّةٌ لَمْ يَزُلْ حُكْمُهَا فَكَيْفَ يُقَالُ بِبَقَاءِ الْكَرَاهَةِ مَعَ تَحَقُّقِ الطَّهَارَةِ لَا جَرَمَ كَانَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ تَيَقُّنَ طَهَارَةِ الْيَدِ لِلْمُسْتَيْقِظِ مِنْ النَّوْمِ لَا يَرْفَعُ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ بَلْ هُوَ مَأْمُورٌ بِهِ بِإِجْمَاعِ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ أَمْرَ نَدْبٍ وَعِنْدَ بَعْضِهِمْ أَمْرُ إيجَابٍ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ بَلْ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي عَنْ جُمْهُورِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَصَحَّحَهُ ، وَهُوَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْغَسْلُ عِنْدَ تَيَقُّنِ الطَّهَارَةِ وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ نَحْوَهُ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُكْرَهُ غَمْسُ يَدِهِ مَعَ تَحَقُّقِ طَهَارَتِهِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . ( الثَّالِثَةَ عَشَرَ ) فِي قَوْلِهِ فَلْيَغْسِلْ يَدَهُ قَبْلَ أَنْ يُدْخِلَهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ إذَا غَسَلَ وَاحِدَةً مِنْ يَدَيْهِ أَدْخَلَهَا الْإِنَاءَ ، وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ حَكَى أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيَّ خِلَافًا فِي صِفَةِ غَسْلِ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا فِي الْوَضُوءِ فَحُكِيَ عَنْ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُفْرِغَ عَلَى يَدِهِ الْيُمْنَى فَيَغْسِلَهَا ، ثُمَّ يُدْخِلَهَا فِي إنَائِهِ ، ثُمَّ يَصُبَّ عَلَى الْيُسْرَى ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلْحَدِيثِ قَالَ وَرَوَى عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُفْرِغَ عَلَى يَدَيْهِ فَيَغْسِلَهُمَا قَالَ : وَوَجْهُ رِوَايَةِ أَشْهَبَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ فَغَسَلَهُمَا مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي إفْرَادَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا وَوَجْهُ قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّ الْقَصْدَ التَّنْظِيفُ ، وَغَسْلُ بَعْضِهِمَا بِبَعْضٍ أَنْظَفُ لَهُمَا . ( الرَّابِعَةَ عَشَرَ ) لَيْسَتْ كَرَاهَةُ غَمْسِ الْمُتَوَضِّئِ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ قَبْلَ غَسْلِهَا خَاصَّةً بِحَالِ الِاسْتِيقَاظِ مِنْ النَّوْمِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَعْنَى فِيهِ احْتِمَالُ النَّجَاسَةِ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ وَعَلَى هَذَا فَمَنْ شَكَّ فِي نَجَاسَةِ يَدِهِ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَامَ ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ . ( الْخَامِسَةَ عَشَرَ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ إذَا وَرَدَتْ عَلَى الْمَاءِ الْقَلِيلِ نَجَّسَتْهُ ، وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي الْبَابِ قَبْلَهُ . ( السَّادِسَةَ عَشَرَ ) فِيهِ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَوُرُودِ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ نَهَاهُ عَنْ إيرَادِ يَدِهِ عَلَى الْمَاءِ وَأَمَرَهُ بِإِيرَادِ الْمَاءِ عَلَى يَدِهِ كُلُّ ذَلِكَ لِاحْتِمَالِ طُرُوءِ نَجَاسَةٍ عَلَى يَدِهِ فَلَوْ اسْتَوَى الْأَمْرَانِ كَمَا يَقُولُ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ لَمَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ لَوْ لَمْ يَأْتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَاءِ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ لَسَاغَ فِي الْمَاءِ غَيْرُ هَذَا التَّأْوِيلِ وَلَكِنْ قَدْ جَاءَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَاءِ أَنَّهُ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ يُرِيدُ إلَّا مَا غَلَبَ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ عَلَى ذَلِكَ ، ثُمَّ أَجَابَ عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى النَّدْبِ ، وَالْأَدَبِ ، ثُمَّ نَقَلَ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُمْ نَقَضُوا أَقْوَالَهُمْ فِي وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَقُولُونَ إذَا وَرَدَ الْمَاءُ عَلَى النَّجَاسَةِ فِي إنَاءٍ أَوْ مَوْضِعٍ وَكَانَ الْمَاءُ دُونَ الْقُلَّتَيْنِ أَنَّ النَّجَاسَةَ تُفْسِدُهُ ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُطَهِّرٍ لَهَا فَلَمْ يُفَرِّقُوا هَهُنَا بَيْنَ وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَبَيْنَ وُرُودِهَا عَلَيْهِ وَشَرْطُهُمْ أَنْ يَكُونَ وُرُودُ الْمَاءِ صَبًّا مِهْرَاقًا تَحَكُّمٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قُلْت : وَمَا حَكَاهُ عَنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُمْ وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُمْ فِي وُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَبًّا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ فِي إنَاءٍ بِحَيْثُ يَغْمُرُ الْمَاءُ النَّجَاسَةَ وَيُزِيلُهَا نَعَمْ إنْ كَانَتْ النَّجَاسَةُ عَيْنِيَّةً وَوُضِعَتْ فِي إنَاءٍ وَصُبَّ الْمَاءُ عَلَيْهَا وَاجْتَمَعَ الْمَاءُ الْقَلِيلُ وَعَيْنُ النَّجَاسَةِ فِي إنَاءٍ تَنَجَّسَ الْمَاءُ وَلَمْ يَطْهُرْ الثَّوْبُ . وَكَذَلِكَ لَوْ لَمْ يَسْكُبْ فِي إنَاءٍ وَصَبَّ الْمَاءَ صَبًّا عَلَى نَجَاسَةٍ عَيْنِيَّةٍ وَانْفَصَلَ عَنْهَا وَلَمْ يُزِلْ الْعَيْنَ ، فَإِنَّ الْمَاءَ يَتَنَجَّسُ ، وَالثَّوْبَ لَا يَطْهُرُ فَلَيْسَ حُكْمُهُمْ هُنَا بِعَدَمِ الطَّهَارَةِ بِكَوْنِ الْمَاءِ وَارِدًا فِي إنَاءٍ بَلْ لِكَوْنِ الْمَاءِ لَمْ يُزِلْ عَيْنَ النَّجَاسَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةَ عَشَرَ ) فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَحْمَدَ فِي قَوْلِهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ : إنَّهُ يَجِبُ غَسْلُ سَائِرِ النَّجَاسَاتِ سَبْعًا حَمْلًا لِلْجَمْعِ عَلَى وُلُوغِ الْكَلْبِ وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ فَلَمْ يُوجِبُوا فِي غَيْرِ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ ، وَمَا فِي مَعْنَاهَا إلَّا الْغَسْلَ مَرَّةً ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { : كَانَتْ الصَّلَاةُ خَمْسِينَ ، وَالْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَغَسْلُ الْبَوْلِ مِنْ الثَّوْبِ سَبْعَ مَرَّاتٍ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ حَتَّى جُعِلَتْ الصَّلَاةُ خَمْسًا ، وَالْغُسْلُ مِنْ الْجَنَابَةِ مَرَّةً وَغَسْلُ الْبَوْلِ مِنْ الثَّوْبِ مَرَّةً } وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ . ( الثَّامِنَةَ عَشَرَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ مَوْضِعَ الِاسْتِنْجَاءِ مَخْصُوصٌ بِالرُّخْصَةِ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ مَعَ بَقَاءِ أَثَرِ النَّجَاسَةِ عَلَيْهِ ، وَأَنَّ مَا عَدَاهُ غَيْرُ مَقِيسٍ عَلَيْهِ انْتَهَى وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيّ { أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ مِنْهُ } أَيْ مِنْ مَظَانِّ النَّجَاسَةِ مِنْ جَسَدِهِ . ( التَّاسِعَةَ عَشَرَ ) وَفِيهِ أَنَّ النَّجَاسَةَ الْمُتَوَهَّمَةَ لَا يُكْتَفَى فِيهَا بِالرَّشِّ لِحُصُولِ الِاحْتِيَاطِ بَلْ إنَّمَا يَحْصُلُ الِاحْتِيَاطُ بِغَسْلِهَا لِأَمْرِهِ بِغَسْلِ الْيَدِ ، وَأَمَّا مَا وَرَدَ مِنْ نَضْحِ الثَّوْبِ بَعْدَ الِاسْتِنْجَاءِ فَلَيْسَ ذَلِكَ لِلتَّطْهِيرِ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِدَفْعِ الْوَسْوَاسِ حَتَّى إذَا وَجَدَ بَلَلًا أَحَالَهُ عَلَى الرَّشِّ لِتَذْهَبَ عَنْهُ الْوَسْوَسَةُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( الْفَائِدَةُ الْعِشْرُونَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَفِيهِ أَنَّ الْأَخْذَ بِالْوَثِيقَةِ ، وَالْعَمَلَ بِالِاحْتِيَاطِ فِي بَابِ الْعِبَادَاتِ أَوْلَى قَالَ النَّوَوِيُّ مَا لَمْ يَخْرُجُ عَنْ حَدِّ الِاحْتِيَاطِ إلَى حَدِّ الْوَسْوَسَةِ قَالَ وَفِي الْفَرْقِ بَيْنَ الِاحْتِيَاطِ ، وَالْوَسْوَسَةِ كَلَامٌ طَوِيلٌ أَوْضَحْته فِي بَابِ الْآنِيَةِ مِنْ شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ( الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ النَّسَائِيّ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْ النَّوْمِ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ بِهِ فِي سُنَنِهِ ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ إيجَابُ الْوُضُوءِ مِنْ النَّوْمِ قَالَ : وَهُوَ أَمْرٌ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي النَّائِمِ الْمُضْطَجِعِ الَّذِي قَدْ اسْتَثْقَلَ نَوْمًا وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَالسُّدِّيُّ : فِي قَوْله تَعَالَى { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ } أَيْ مِنْ النَّوْمِ ، ثُمَّ حَكَى بَعْدَ ذَلِكَ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي نَقْضِ الْوُضُوءِ بِالنَّوْمِ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ أَيْضًا ، وَفِيهِ ثَمَانِيَةُ مَذَاهِبَ : ( أَحَدُهَا ) لَا يُنْقَضُ مُطْلَقًا ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَعُبَيْدَةَ السَّلْمَانِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَحُمَيْدَ الْأَعْرَجِ ، وَالشِّيعَةِ ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ يَرُدُّ مَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ الْإِجْمَاعِ الْمُتَقَدِّمِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ : إنَّهُ قَوْلٌ شَاذٌّ ، وَالنَّاسُ عَلَى خِلَافِهِ وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ : وَهُوَ قَوْلٌ صَحِيحٌ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَنْ مَكْحُولٍ قَالَ وَادَّعَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِهِ جَهْلًا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْتَجَّ لِهَذَا الْمَذْهَبِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ { الْعَيْنَانِ وِكَاءُ السَّهِ } الْحَدِيثَ قَالَ وَلَيْسَا بِالْقَوِيَّيْنِ . ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ يُنْقَضُ مُطْلَقًا ، وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالْمُزَنِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ قَالَ ابْنُ زَرْقُونٍ وَحَكَاهُ أَبُو الْفَرَجِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ غَرِيبٌ ( قُلْت ) : وَهُوَ قَوْلٌ لِلْأَوْزَاعِيِّ أَيْضًا وَكَوْنُهُ قَوْلَ أَبِي عُبَيْدٍ قَدْ جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا رَجَعَ عَنْ كَوْنِ نَوْمِ الْجَالِسِ لَا يُنْقَضُ إلَى غَلَبَةِ النَّوْمِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُ ، وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوْلِ مَالِكٍ إلَّا أَنَّهُ يَقُولُ لَا يُنْقَضُ مُطْلَقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ غَيْرُ مُسْتَحْسَنٍ قَالَ وَحُجَّةُ مَنْ ذَهَبَ إلَيْهِ حَدِيثُ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ { كُنَّا إذَا كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ أَمَرَنَا أَنْ لَا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ وَلَكِنْ مِنْ غَائِطٍ وَبَوْلٍ وَنَوْمٍ } قَالَ : وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى النَّوْمِ الثَّقِيلِ الْغَالِبِ . ( وَالثَّالِثُ ) يُنْقَضُ كَثِيرُهُ عَلَى كُلِّ حَالٍ دُونَ قَلِيلِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ رَبِيعَةَ وَمَالِكٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ( وَالرَّابِعُ ) لَا يُنْقَضُ عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي صَلَاةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَدَاوُد فِيمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْهُ ، وَهُوَ قَوْلٌ غَرِيبٌ لِلشَّافِعِيِّ أَيْضًا ( وَالْخَامِسُ ) لَا يَنْقُضُ إلَّا نَوْمُ الرَّاكِعِ ، وَالسَّاجِدِ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ . ( السَّادِسُ ) أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ إلَّا نَوْمُ السَّاجِدِ فَقَطْ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا . ( السَّابِعُ ) أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ فِي الصَّلَاةِ مُطْلَقًا وَيُنْقَضُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ . ( الثَّامِنُ ) أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ نَوْمُ الْجَالِسِ الْمُمَكَّنِ الْمَقْعَدَةِ مِنْ الْأَرْضِ وَيَنْقُضُ غَيْرُهُ سَوَاءٌ قَلَّ أَوْ كَثُرَ كَانَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ فِي غَيْرِهَا ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ دَاوُد وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ ، وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فَهَذَا مَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ مِنْ الْمَذَاهِبِ فِي النَّوْمِ ، وَفِيهِ قَوْلٌ ( تَاسِعٌ ) وَهُوَ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ تَعَمُّدِ النَّوْمِ جَالِسًا وَبَيْنَ غَلَبَتِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ فَقَالَ : إنْ تَعَمَّدَ النَّوْمَ جَالِسًا فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَإِنْ نَامَ سَاجِدًا فِي صَلَاتِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَنَحْوُهُ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ إنْ تَعَمَّدَ النَّوْمَ فِي السُّجُودِ تَوَضَّأَ وَقَوْلُ اللَّيْثِ إذَا تَصَنَّعَ لِلنَّوْمِ جَالِسًا فَعَلَيْهِ الْوُضُوءُ ، وَإِنْ غَلَبَهُ النَّوْمُ لَمْ يَتَوَضَّأْ ، وَفِيهِ قَوْلٌ عَاشِرٌ أَنَّهُ لَا يَنْقُضُ إلَّا نَوْمُ الْمُضْطَجِعِ ، وَهُوَ قَوْلُ إبْرَاهِيمَ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٍ وَالنَّوَوِيِّ ، وَالْحَسَنِ بْنِ رُوحِيٍّ وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ ، وَالْأَكْثَرِينَ ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ دَاوُد قَالَ : وَهُوَ قَوْلٌ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَصِحَّ عَنْهُمَا انْتَهَى وَحُجَّتُهُمْ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا { إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا } ، وَهُوَ ضَعِيفٌ تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ أَبُو خَالِدٍ الدَّالَانِيُّ ، وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَأَبِي دَاوُد وَقَالَ : إنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ عُلَمَائِهِمْ أَنَّ لِلنَّائِمِ أَحَدَ عَشَرَ حَالًا الْمَاشِي ، وَالْقَائِمُ ، وَالْمُسْتَنِدُ ، وَالرَّاكِعُ ، وَالسَّاجِدُ ، وَالْقَاعِدُ ، وَالْمُتَرَبِّعُ ، وَالْمُنْحَنِي ، وَالْمُتَّكِئُ ، وَالرَّاكِبُ ، وَالْمُضْطَجِعُ ، وَالْمُسْتَنْفِرُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ حُكْمِ بَعْضِهَا . فَأَمَّا الْمَاشِي فَذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْبَصْرِيُّ الْمَالِكِيُّ أَنَّهُ لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ لِبَقَاءِ شُعُورِهِ ، وَكَذَلِكَ الْقَائِمُ ، وَأَمَّا الْمُسْتَنِدُ ، فَإِنْ كَانَ قَائِمًا فَقِيلَ هُوَ كَالْمَاشِي ، وَالْقَائِمِ ، وَإِنْ كَانَ جَالِسًا مُمَكَّنًا لَمْ يُنْتَقَضْ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ زَالَ مَسْنَدُهُ لَسَقَطَ انْتَقَضَ ، وَأَمَّا الْمُنْحَنِي فَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ أَخَفُّ حَالًا مِنْ الْجَالِسِ . وَلِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا الْفَرْقُ بَيْنَ النَّحِيفِ وَغَيْرِهِ . وَأَمَّا الْمُتَّكِئُ فَأَجْرَاهُ مَالِكٌ مَجْرَى الْجَالِسِ وَأَجْرَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ حَبِيبٍ مَجْرَى الْمُضْطَجِعِ ، وَأَمَّا الرَّاكِبُ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْجَالِسِ الْمُسْتَنِدِ اللَّاصِقِ بِالْأَرْضِ . وَأَمَّا الْمُسْتَقِرُّ فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : لَا وُضُوءَ عَلَيْهِ " الثَّانِيَةُ ، وَالْعِشْرُونَ " مَا ذُكِرَ مِنْ كَوْنِ النَّوْمِ يَنْقُضُ الْوُضُوءَ هُوَ فِي حَقِّ غَيْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَكُنْ النَّوْمُ يَنْقُضُ وُضُوءَهُ فَقَدْ كَانَ تَنَامُ عَيْنَاهُ وَلَا يَنَامُ قَلْبُهُ ، وَكَذَلِكَ الْأَنْبِيَاءُ تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ وَلِهَذَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنَامُ مُضْطَجِعًا ، ثُمَّ يُصَلِّي وَلَا يَتَوَضَّأُ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْكِنَايَةِ عَمَّا يُسْتَحْيَا مِنْهُ إذَا حَصَلَ الْإِفْهَامُ بِالْكِنَايَةِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ ، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي لَعَلَّ يَدَهُ تَمُرُّ عَلَى فَرْجِهِ أَوْ دُبُرِهِ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ بَلْ كَنَّى عَنْ ذَلِكَ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ الْإِفْهَامُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ ) يَنْبَغِي لِلسَّامِعِ لِأَقْوَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَلَقَّاهَا بِالْقَبُولِ وَدَفْعِ الْخَوَاطِرِ الرَّادَّةِ لَهَا ، وَأَنَّهُ لَا يَضْرِبُ بِهَا الْأَمْثَالَ فَقَدْ بَلَغَنَا أَنَّ شَخْصًا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ وَأَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ مِنْهُ فَاسْتَيْقَظَ مِنْ النَّوْمِ وَيَدُهُ فِي دَاخِلِ دُبُرِهِ مَحْشُوَّةً فَلَمْ تَخْرُجْ حَتَّى تَابَ عَنْ ذَلِكَ وَأَقْلَعَ ، وَالْأَدَبُ مَعَ أَقْوَالِهِ بَعْدَهُ كَالْأَدَبِ مَعَهُ فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ سَمِعَهُ يَتَكَلَّمُ فَنَسْأَلُ اللَّهَ أَنْ يَحْفَظَ قُلُوبَنَا مِنْ الْخَوَاطِرِ الرَّدِيئَةِ وَيَرْزُقَنَا الْأَدَبَ مَعَ الشَّرِيعَةِ الْمُطَهَّرَةِ بَاطِنًا وَظَاهِرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ ) أَمْرُ الْمُسْتَيْقِظِ مِنْ النَّوْمِ بِغَسْلِ الْيَدِ ثَلَاثًا قَبْلَ إدْخَالِهَا الْإِنَاءَ هَلْ الْمُرَادُ بِهِمَا غَسْلُ الْكَفَّيْنِ الَّذِي هُوَ سُنَّةٌ فِي أَوَّلِ الْوُضُوءِ أَوْ هَذَا أَمْرٌ آخَرُ بِحَيْثُ أَنَّهُ إذَا غَسَلَ يَدَهُ لِلْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ ثَلَاثًا وَأَرَادَ الْوُضُوءَ غَسَلَ كَفَّيْهِ لَهُ ثَلَاثَةً ؟ الَّذِي صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا الْأَوَّلَ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَابْنُ الصَّبَّاغِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ فِي وَضُوئِهِ فَهُوَ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ غَسْلُهُمَا عِنْدَ الْوُضُوءِ ، وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ النَّوْمِ فَأَرَادَ أَنْ يَتَوَضَّأَ فَلَا يُدْخِلُ يَدَهُ فِي وَضُوئِهِ حَتَّى يَغْسِلَهَا } الْحَدِيثَ . وَكَذَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي الْمُصَنَّفِ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ نَائِمًا ، ثُمَّ اسْتَيْقَظَ فَأَرَادَ الْوُضُوءَ فَلَا يَضَعْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ } الْحَدِيثَ . وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَلَكِنَّهُ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَهَبَ أَشْهَبُ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّ الْغَسْلَ إنَّمَا هُوَ لِخَشْيَةِ النَّجَاسَةِ ، فَإِنْ تَحَقَّقَ طَهَارَةَ يَدِهِ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُ غَسْلُ كَفَّيْهِ فِي الْوُضُوءِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْأَعْرَابِيِّ : تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَك اللَّهُ وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ غَسْلُ الْيَدَيْنِ قَبْلَ إدْخَالِهِمَا الْإِنَاءَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنْ الْمَاءِ ، ثُمَّ لِيَسْتَنْثِرْ } وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ، ثُمَّ لِيَنْثُرْ ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ } ( الْحَدِيثُ الثَّانِي ) وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَنْشِقْ بِمَنْخِرَيْهِ مِنْ الْمَاءِ ، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ } وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ } . فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فَأَخْرَجُوهُ خَلَا ابْنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ ، وَالشَّيْخَانِ ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ } . وَالشَّيْخَانِ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا } الْحَدِيثَ . ( الثَّانِيَةُ ) الِاسْتِنْشَاقُ هُوَ أَنْ يَبْلُغَ الْمَاءُ خَيَاشِيمَهُ ، وَهُوَ مِنْ اسْتِنْشَاقِ الرِّيحِ إذَا شَمَّهَا مَعَ قُوَّةٍ قَالَهَا الْجَوْهَرِيُّ ، وَالْمَنْخِرُ بِكَسْرِ الْمُعْجَمَةِ وَفِي مِيمِهِ لُغَتَانِ الْفَتْحُ ، وَالْكَسْرُ ، وَالِانْتِثَارُ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّثْرَةِ ، وَهِيَ طَرَفُ الْأَنْفِ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هِيَ الْأَنْفُ وَاخْتُلِفَ فِي حَقِيقَةِ الِانْتِثَارِ . فَقَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ هُوَ إخْرَاجُ الْمَاءِ مِنْ الْأَنْفِ بَعْدَ الِاسْتِنْشَاقِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْفُقَهَاءِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ وَابْنُ قُتَيْبَةَ إنَّ الِاسْتِنْثَارَ هُوَ الِاسْتِنْشَاقُ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ بِقَوْلِهِ ، ثُمَّ لِيَنْتَثِرْ بَعْدَ قَوْلِهِ فَلْيَسْتَنْشِقْ . وَأَمَّا الِاسْتِجْمَارُ فَهُوَ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْأَحْجَارِ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجِمَارِ ، وَهِيَ الْأَحْجَارُ الصِّغَارُ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ جُمْهُورُ اللُّغَوِيِّينَ ، وَالْفُقَهَاءِ ، وَالْمُحَدِّثِينَ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ مَالِكٍ فِي مَعْنَاهُ قَوْلًا آخَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالِاسْتِجْمَارِ هُنَا الْبَخُورُ مِنْ قَوْلِهِ وَمَجَامِرُهُمْ الْأَلْوَةُ ، وَهُوَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُ ثَلَاثَ قِطَعٍ أَوْ يَأْخُذَ مِنْهُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَيَسْتَعْمِلَ وَاحِدَةً بَعْدَ أُخْرَى قَالَ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَالْإِيتَارُ الْمَأْمُورُ بِهِ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الِاسْتِجْمَارِ وِتْرًا ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ فَوْقَ ذَلِكَ . ( الثَّالِثَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ أَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ عَلَى وُجُوبِ الِاسْتِنْشَاقِ لِظَاهِرِ الْأَمْرِ ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَإِسْحَاقَ أَيْضًا حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْهُمَا وَجُمْلَةُ الْجُمْهُورِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَهْلُ الْكُوفَةِ عَلَى النَّدْبِ { لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ : تَوَضَّأْ كَمَا أَمَرَك اللَّهُ } . وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ ذِكْرُ الِاسْتِنْشَاقِ وَأَيْضًا ، فَإِنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الِانْتِثَارِ مَعَ كَوْنِهِ مَأْمُورًا بِهِ مَعَ عَطْفِهِ عَلَى أَمْرِهِ بِالِاسْتِنْشَاقِ وَلِأَنَّهُ أَمَرَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِالتَّثْلِيثِ فِيهِ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ اتِّفَاقًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ أَصْلَ الْأَمْرِ لِلنَّدَبِ وَأَجَابَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ عَنْهُ بِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَمْرُهُ بِالِاسْتِنْثَارِ أَمْرًا بِالْوُضُوءِ كَمَا قَدْ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي غَيْرِ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَلْيَتَوَضَّأْ وَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثًا انْتَهَى . ( الرَّابِعَةُ ) لَيْسَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَهَمَّامٍ تَعَرُّضٌ لِعَدَدِ الِاسْتِنْشَاقِ . وَفِي رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَيَانُ كَوْنِهِ ثَلَاثًا ، وَهِيَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا كَمَا تَقَدَّمَ ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّثْلِيثِ فِي الِاسْتِنْشَاقِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَكِنْ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَسْتَنْشِقُ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ أَوْ مِنْ ثَلَاثَةِ أَكُفَّ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا أَيْضًا هَلْ يَفْصِلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَضْمَضَةِ مِنْ مَاءٍ وَاحِدٍ أَوْ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا . وَالْأَصَحُّ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ إنَّهُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ وَصَحَّحَ الرَّافِعِيُّ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( الْخَامِسَةُ ) فِي بَيَانِ حِكْمَةِ الِاسْتِنْشَاقِ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ فَلْيَسْتَنْثِرْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَبِيتُ عَلَى خَيَاشِيمِهِ } فَبَيَّنَ سَبَبَ الْأَمْرِ ، وَهُوَ تَطْهِيرُ آثَارِ الشَّيْطَانِ ، وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ احْتِمَالَيْنِ فِي أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَنَّهُ يَبِيتُ عَلَى الْخَيَاشِيمِ جَمْعُ خَيْشُومٍ ، وَهُوَ أَعْلَى الْأَنْفِ أَوْ هُوَ عَلَى الِاسْتِعَارَةِ ؛ لِأَنَّ مَا يَنْعَقِدُ مِنْ الْغُبَارِ وَرُطُوبَةِ الْخَيَاشِيمِ قَذَارَةٌ تُوَافِقُ الشَّيْطَانَ . قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ : وَهَذَا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي نِسْبَتِهِمْ الْمُسْتَخْبَثَ ، وَالْمُسْتَبْشَعَ إلَى الشَّيْطَانِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { كَأَنَّهُ رُءُوسُ الشَّيَاطِينِ } وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِبَارَةً عَنْ تَكْسِيلِهِ عَنْ الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ كَمَا قَالَ { يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ } الْحَدِيثَ وَلَا مَانِعَ مِنْ الْحَقِيقَةِ ، وَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَيْهَا فَقَدْ يُقَالُ هَذَا مَخْصُوصٌ بِالْوُضُوءِ الَّذِي يَعْقُبُ النَّوْمَ ، وَقَدْ حَكَى بَعْضُ مَشَايِخِنَا أَنَّ الْعُلَمَاءَ ذَكَرُوا لِلِاسْتِنْشَاقِ مَعْنًى آخَرَ فَذَكَرُوا أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَقْدِيمِهِ وَتَقْدِيمِ الْمَضْمَضَةِ وَغَسْلِ الْكَفَّيْنِ عَلَى غَسْلِ الْأَعْضَاءِ الْوَاجِبَةِ حَتَّى يَعْرِفَ الْمُتَوَضِّئُ بِذَلِكَ أَوْصَافَ الْمَاءِ الثَّلَاثَةِ ، وَهِيَ الرَّائِحَةُ ، وَالطَّعْمُ ، وَاللَّوْنُ هَلْ هِيَ مُتَغَيِّرَةٌ أَمْ لَا ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا فَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ ، وَالْعِلَّةُ الْمَنْصُوصَةُ فِي الِاسْتِنْشَاقِ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَكَرَ لَهُ الْخَطَّابِيُّ مَعْنًى آخَرَ فَقَالَ وَتَرَى أَنَّ مُعْظَمَ مَا جَاءَ مِنْ الْحَثِّ ، وَالتَّحْرِيضِ عَلَى الِاسْتِنْشَاقِ فِي الْوُضُوءِ إنَّمَا جَاءَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَعُونَةِ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَتَنْقِيَةِ مَجْرَى النَّفْسِ الَّتِي تَكُونُ بِهِ التِّلَاوَةُ وَبِإِزَالَةِ مَا فِيهِ مِنْ التَّفْلِ تَصِحُّ مَخَارِجُ الْحُرُوفِ . ( السَّادِسَةُ ) مَبِيتُ الشَّيْطَانِ عَلَى الْخَيْشُومِ هَلْ هُوَ لِعُمُومِ النَّائِمِينَ أَوْ مَخْصُوصٌ بِمَنْ لَمْ يَفْعَلْ مَا يَحْتَرِسُ بِهِ مِنْ الشَّيْطَانِ فِي مَنَامِهِ كَقِرَاءَةِ آيَةِ الْكُرْسِيِّ ، فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ مَنْ قَرَأَهَا عِنْدَ النَّوْمِ لَا يَقْرَبُهُ شَيْطَانٌ ، وَأَيُّ قُرْبٍ أَقْرَبُ مِنْ مَبِيتِهِ عَلَى خَيَاشِيمِهِ ؟ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ لَمْ يَقْرَبْهُ أَيْ لَمْ يَقْرَبْ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي يُوَسْوِسُ فِيهِ ، وَهُوَ الْقَلْبُ ، وَإِنْ بَاتَ عَلَى الْخَيْشُومِ فَيَكُونُ مَحْفُوظًا مِنْهُ مَعَ الْقُرْبِ مِنْ الْبَدَنِ لَهُ دُونَ الْقَلْبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) قَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ مَشْرُوعِيَّةَ الِاسْتِنْشَاقِ لَا تَحْصُلُ بِإِيصَالٍ الْمَاءِ إلَى الْخَيْشُومِ بَلْ بِالِانْتِثَارِ عَقِبَهُ ؛ لِأَنَّهُ فَائِدَةُ الِاسْتِنْشَاقِ وَبِهِ يُشْعِرُ بَعْضُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا كَاشْتِرَاطِ بَعْضِهِمْ مَجَّ الْمَاءِ مِنْ الْفَمِ فِي حُصُولِ الْمَضْمَضَةِ ، وَإِنْ كَانَ الرَّافِعِيُّ قَدْ جَزَمَ بِالِاكْتِفَاءِ فِيهَا بِإِيصَالِ الْمَاءِ إلَى الْأَنْفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) لَمْ يُفَرِّقْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الِاسْتِنْشَاقِ بَيْنَ الصَّائِمِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فِي حَدِيثِ لَقِيطِ بْنِ صَبِرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ { : وَبَالِغْ فِي الِاسْتِنْشَاقِ إلَّا أَنْ تَكُونَ صَائِمًا } رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ ، وَكَذَلِكَ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يُكْرَهُ لِلصَّائِمِ الْمُبَالَغَةُ فِيهِ ، وَأَنَّهُ لَوْ بَالَغَ فَوَصَلَ الْمَاءُ إلَى جَوْفِهِ بَطَلَ صَوْمُهُ عَلَى الْأَصَحِّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تُشْرَعْ لَهُ الْمُبَالَغَةُ بِخِلَافِ مَا وَصَلَ مَعَ عَدَمِ الْمُبَالَغَةِ ، فَإِنَّهُ لَا يَضُرُّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( التَّاسِعَةُ ) هَلْ الْمُرَادُ مِنْ الِانْتِثَارِ نَثْرُ الْمَاءِ بِالْيَدِ أَوْ نَثْرُهُ بِرِيحِ الْأَنْفِ ؟ فَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ أَنَّ الِانْتِثَارَ دَفْعُ الْمَاءِ بِرِيحِ الْأَنْفِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : الِاسْتِنْثَارُ أَنْ يَجْعَلَ يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ وَيَسْتَنْثِرَ قِيلَ لِمَالِكٍ أَيَسْتَنْثِرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضَعَ يَدَهُ عَلَى أَنْفِهِ ؟ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ وَقَالَ إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الْحِمَارُ . ( الْعَاشِرَةُ ) إذَا قُلْنَا يَسْتَنْثِرُ بِيَدِهِ فَهَلْ يُبَاشِرُ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ الِاسْتِنْشَاقُ قَبْلَهُ بِيَمِينِهِ أَوْ بِشِمَالِهِ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الِاسْتِنْثَارَ يَكُونُ بِشِمَالِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ الْوَسَخِ الَّذِي فِي الْأَنْفِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ النَّسَائِيّ فِي سُنَنِهِ فَقَالَ بِأَيِّ الْيَدَيْنِ يَسْتَنْثِرُ ؟ ثُمَّ رُوِيَ حَدِيثٌ عَلَى أَنَّهُ دَعَا بِوَضُوءٍ فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَنَثَرَ بِيَدِهِ الْيُسْرَى فَفَعَلَ هَذَا ثَلَاثًا قَالَ هَذَا طُهْرُ نَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا الِاسْتِنْشَاقُ فَظَاهِرُ حَدِيثِ عُثْمَانَ أَنَّهُ يَكُونُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَمِينَهُ فِي الْوُضُوءِ فَتَمَضْمَضَ وَاسْتَنْشَقَ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ النَّسَائِيّ بِأَيِّ الْيَدَيْنِ يَتَمَضْمَضُ ؟ وَلَكِنْ ذَكَرَ الْقَمُولِيُّ فِي الْجَوَاهِرِ أَنَّهُ يَأْخُذُ الْمَاءَ لِلْمَضْمَضَةِ بِيَمِينِهِ وَلِلِاسْتِنْشَاقِ بِشِمَالِهِ . وَبَنَى بَعْضُهُمْ هَذَا عَلَى قَوْلِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَضْمَضَةِ ، وَالِاسْتِنْشَاقِ وَكَأَنَّهُ فَهِمَ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا الْإِتْيَانَ بِهِمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مَعًا فَاحْتَاجَ لِمَا ذَكَرْت أَنْ يَأْتِيَ بِأَحَدِهِمَا بِيَمِينِهِ ، وَالْآخَرِ بِشِمَالِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْإِتْيَانُ بِهِمَا مَعًا مِنْ كَفٍّ وَاحِدٍ ، وَلَيْسَ مُرَادُ أَصْحَابِنَا بِالْجَمْعِ الْإِتْيَانَ بِهِمَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بَلْ مِنْ كَفٍّ وَاحِدَةٍ سَوَاءٌ قَدَّمَ الْمَرَّاتِ الثَّلَاثَ لِلْمَضْمَضَةِ أَوْ قَدَّمَ مَرَّةً مِنْ الْمَضْمَضَةِ وَعَقَّبَهَا بِمَرَّةٍ مِنْ الِاسْتِنْشَاقِ وَهَكَذَا هَذَا الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ كَلَامُ الْإِمَامِ الْغَزَالِيِّ وَالرَّافِعِيِّ نَعَمْ كَلَامُ الرُّويَانِيِّ فِي الْبَحْرِ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا هُوَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَلَا يُقَدِّمُ الْمَضْمَضَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشَرَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنَّ الْإِيتَارَ وَاجِبٌ فِي الِاسْتِجْمَارِ ، وَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ ، وَأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَحْصُلْ الِانْتِقَاءُ إلَّا بِأَرْبَعِ مَسَحَاتٍ وَجَبَتْ الْخَامِسَةُ أَوْ بِسِتَّةٍ وَجَبَتْ السَّابِعَةُ لِمُطْلَقِ الْأَمْرِ وَحَمَلَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ الْإِيتَارَ بَعْدَ الثَّلَاثِ ، وَالْإِنْقَاءَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ فِي الْأَمْرِ بِالْإِيتَارِ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ فَهُوَ دَالٌّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْإِيتَارِ ، وَسَيَأْتِي الْحَدِيثُ فِي بَابِ الِاسْتِجْمَارِ فَحَمْلُ الْجُمْهُورِ الْحَدِيثَ إمَّا عَلَى وُجُوبِ الثَّلَاثِ أَوْ عَلَى النَّدْبِ فِيمَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ بَعْدَ الْإِنْقَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةَ عَشَرَ ) اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِقَوْلِهِ { : مَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ } أَنَّهُ لَا يَجِبُ الِاسْتِنْجَاءُ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ التَّخْيِيرُ بَيْنَ الِاسْتِجْمَارِ وَتَرْكِهِ . وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّخْيِيرِ فَقَدْ قَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي إدْرِيسَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا { مَنْ تَوَضَّأَ فَلْيَسْتَنْثِرْ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ } وَلَيْسَ هُوَ مُخَيَّرًا فِي الْوُضُوءِ فَكَذَلِكَ فِي الِاسْتِجْمَارِ عَلَى أَنَّا لَا نَقُولُ يَتَعَيَّنُ الِاسْتِجْمَارُ بَلْ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِنْجَاءِ بِالْمَاءِ ، فَإِنْ اخْتَارَ الِاسْتِجْمَارَ بِالْأَحْجَارِ فَهُوَ حِينَئِذٍ مَأْمُورٌ بِالْإِيتَارِ وَلَيْسَ فِيهِ عَدَمُ وُجُوبِ الْأَمْرَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشَرَ ) إذَا حَمَلْنَا الِاسْتِجْمَارَ عَلَى أَحَدِ التَّفْسِيرَيْنِ عَنْ مَالِكٍ فِي أَنَّ الْمُرَادَ التَّبْخِيرُ فَمَحْمَلُ الْأَمْرِ بِالْإِيتَارِ حِينَئِذٍ عَلَى النَّدْبِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَعَلَى هَذَا فَيُسْتَحَبُّ التَّطَيُّبُ ، وَالتَّبَخُّرُ ثَلَاثًا وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَسْتَحِبُّ الْوِتْرَ فِي تَجْمِيرِ ثِيَابِهِ وَكَانَ يَسْتَعْمِلُ الْعُمُومَ فِي قَوْلِهِ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ فَكَانَ يَسْتَجْمِرُ بِالْأَحْجَارِ وِتْرًا وَكَانَ يُجَمِّرُ ثِيَابَهُ وِتْرًا تَأَسِّيًا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُسْتَعْمِلًا عُمُومَ الْخِطَابِ . وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ : { أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا بِلَالًا فَقَالَ : يَا بِلَالُ بِمَ سَبَقْتَنِي إلَى الْجَنَّةِ ؟ مَا دَخَلْت الْجَنَّةَ قَطُّ إلَّا سَمِعْت خَشْخَشَتَك أَمَامِي إنِّي دَخَلْت الْبَارِحَةَ الْجَنَّةَ فَسَمِعْت خَشْخَشَتَك فَأَتَيْت عَلَى قَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُرْتَفِعٍ مُشَرَّفٍ فَقُلْت : لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ ؟ قَالُوا لِرَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ ؛ قُلْت أَنَا عَرَبِيٌّ لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ ؟ قَالُوا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ ، قُلْت فَأَنَا مُحَمَّدٌ لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ قَالُوا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْلَا غَيْرَتُك يَا عُمَرُ لَدَخَلْت الْقَصْرَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، مَا كُنْت لِأَغَارَ عَلَيْك قَالَ وَقَالَ لِبِلَالٍ : بِمَ سَبَقْتَنِي إلَى الْجَنَّة ؟ قَالَ : مَا أَحْدَثْتُ إلَّا تَوَضَّأَتْ وَصَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ : فَقَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ صَحِيح عَلَى شَرْط الشَّيْخَيْنِ . ( الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ) وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ { : أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا بِلَالًا يَا بِلَالُ بِمَ سَبَقْتنِي إلَى الْجَنَّةِ مَا دَخَلْت الْجَنَّةَ قَطُّ إلَّا سَمِعْت خَشْخَشَتَك أَمَامِي إنِّي دَخَلْت الْبَارِحَةَ الْجَنَّةَ فَسَمِعْت خَشْخَشَتَك فَأَتَيْت عَلَى قَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُرْتَفِعٍ مُشَرَّفٍ فَقُلْت لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ ؟ قَالُوا لِرَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ قُلْت أَنَا عَرَبِيٌّ لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ ؟ قَالُوا لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ قُلْت فَأَنَا مُحَمَّدٌ لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ ؟ قَالُوا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَوْلَا غَيْرَتُك يَا عُمَرُ لَدَخَلْت الْقَصْرَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كُنْت لِأَغَارَ عَلَيْك قَالَ وَقَالَ لِبِلَالٍ بِمَ سَبَقْتنِي إلَى الْجَنَّةِ ؟ فَقَالَ مَا أَحْدَثْت إلَّا تَوَضَّأْت وَصَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ الْحَدِيثُ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ . فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) حَدِيثُ بُرَيْدَةَ هَذَا ، وَإِنْ كَانَ مِنْ إفْرَادِ التِّرْمِذِيِّ فَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ غَيْرِ حَدِيثِهِ أَخْرَجَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبِلَالٍ عِنْدَ صَلَاةِ الْفَجْرِ : يَا بِلَالُ أَخْبِرْنِي بِأَرْجَى عَمَلٍ عَمِلْته فِي الْإِسْلَامِ ، فَإِنِّي سَمِعْت دَفَّ نَعْلَيْك بَيْنَ يَدَيْ فِي الْجَنَّةِ قَالَ مَا عَمِلْت عَمَلًا أَرْجَى عِنْدِي مِنْ أَنِّي لَمْ أَتَطَهَّرْ طَهُورًا فِي سَاعَةِ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ إلَّا صَلَّيْت بِذَلِكَ الطَّهُورِ مَا كَتَبْت لِي أَنْ أُصَلِّيَ } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ . وَقَالَ مُسْلِمٌ { : فَإِنِّي سَمِعْت اللَّيْلَةَ خَشْفَ نَعْلَيْك } الْحَدِيثَ وَقَالَ { مِنْ أَنِّي لَا أَتَطَهَّرُ طَهُورًا تَامًّا } الْحَدِيثَ وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { دَخَلْت الْجَنَّةَ ، فَإِذَا أَنَا بِالرُّمَيْصَاءِ امْرَأَةِ أَبِي طَلْحَةَ وَسَمِعْت خَشْفَةً فَقُلْت مَنْ هَذَا فَقَالَ هَذَا بِلَالٌ وَرَأَيْت قَصْرًا بِفِنَائِهِ جَارِيَةٌ فَقُلْت لِمَنْ هَذَا ؟ فَقَالَ لِعُمَرَ فَأَرَدْت أَنْ أَدْخُلَهُ فَأَنْظُرَ إلَيْهِ فَذَكَرْت غَيْرَتَك فَقَالَ عُمَرُ بِأَبِي وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعَلَيْكَ أَغَارُ } ؟ لَفْظُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قِصَّةُ عُمَرَ دُونَ ذِكْرِ بِلَالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ قَصِّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةِ عَلَى أَصْحَابِهِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قَصُّهَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَالِانْصِرَافِ مِنْ الصَّلَاةِ وَلِذَلِكَ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صَلَّى الْغَدَاةَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ مَنْ رَأَى مِنْكُمْ رُؤْيَا } الْحَدِيثَ ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ . ( الرَّابِعَةُ ) وَفِيهِ أَنَّهُ إذَا رَأَى لِصَاحِبِهِ خَيْرًا يُبَشِّرُهُ بِهِ ، فَإِنَّ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ . ( الْخَامِسَةُ ) فِيهِ أَنَّ مَنْ رَأَى لِصَاحِبِهِ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَبَبَ فِعْلِهِ لِشَيْءٍ مِنْ أَبْوَابِ الْخَيْرِ أَنْ يَسْأَلَهُ عَمَّا اسْتَحَقَّ بِهِ ذَلِكَ لِيَحُضَّهُ عَلَيْهِ وَيُرَغِّبَهُ فِيهِ لِيَدُومَ عَلَيْهِ . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقٌّ وَوَحْيٌ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِبِلَالٍ : بِمَ سَبَقْتنِي إلَى الْجَنَّةِ فَجَزَمَ بِسَبَقِهِ اعْتِمَادًا عَلَى رُؤْيَاهُ لِذَلِكَ ، وَلَوْ كَانَتْ رُؤْيَاهُ يَجُوزُ وُقُوعُهَا ، وَالْخُلْفُ فِيهَا كَغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ لَمْ يَجْزِمْ بِسَبَقِهِ بِجَوَازِ الْخُلْفِ فِي مَنَامِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) فِيهِ مَنْقَبَةٌ عَظِيمَةٌ لِبِلَالٍ بِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ قَطُّ إلَّا سَمِعَ خَشْخَشَتَهُ أَمَامَهُ ، وَهَذَا شَرَفٌ عَرِيضٌ . ( الثَّامِنَةُ ) الْخَشْخَشَةُ بِتَكْرَارِ الْخَاءِ ، وَالشَّيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ مَفْتُوحَ الْأَوَّلِ وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي ذَيْلِهِ عَلَى الْغَرِيبَيْنِ أَنَّ الْخَشْخَشَةَ حَرَكَةٌ لَهَا صَوْتٌ كَصَوْتِ السِّلَاحِ ، وَهِيَ أَيْضًا بِمَعْنَى الرِّوَايَةِ الثَّابِتَةِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ خَشْفَ نَعْلَيْك ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَسُكُونِ الشِّينِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَفِي آخِرِهِ فَاءٌ فَقِيلَ هُوَ الْحَرَكَةُ وَقِيلَ الصَّوْتُ قَالَهُ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ . وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ بِزِيَادَةِ الْهَاءِ فِي آخِرِهِ فَفِي الشِّينِ فِيهَا وَجْهَانِ الْحَرَكَةُ ، وَالْإِسْكَانُ فَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَقِيلَ الْمُحَرَّكُ بِمَعْنَى الْحَرَكَةِ ، وَالسَّاكِنُ بِمَعْنَى الْحِسِّ . وَأَمَّا رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ دَفَّ نَعْلَيْك فَاخْتُلِفَ فِي ضَبْطِهِ فَقِيلَ هُوَ بِالدَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَقِيلَ بِالْمُهْمَلَةِ ، وَهِيَ مَفْتُوحَةٌ وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ ، وَالْمُرَادُ صَوْتُهُمَا عِنْدَ الْوَطْءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( التَّاسِعَةُ ) إنْ قِيلَ مَا مَعْنَى رُؤْيَاهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلَالٍ أَمَامَهُ فِي الْجَنَّةِ كُلَّمَا دَخَلَ مَعَ كَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ فَكَيْفَ مَعْنَى تَقَدُّمِ بِلَالٍ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الرُّؤْيَا ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِي هَذِهِ الرُّؤْيَا أَنَّهُ يَدْخُلُهَا قَبْلَهُ فِي الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّمَا رَآهُ أَمَامَهُ فِي مَنَامِهِ ، وَأَمَّا الدُّخُولُ حَقِيقَةً فَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُهَا مُطْلَقًا ، وَأَمَّا هَذَا الدُّخُولُ فَالْمُرَادُ بِهِ سَرَيَانُ الرُّوحِ فِي حَالَةِ النَّوْمِ فَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَدْ حَكَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ سَبْقَ بِلَالٍ إلَى الْجَنَّةِ بِمَا ذَكَرَ مِنْ الْوُضُوءِ عِنْدَ الْحَدَثِ ، وَالصَّلَاةِ بَعْدَهُ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ خَصْلَةً أُخْرَى { فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا أَذَّنْتُ قَطُّ إلَّا صَلَّيْتُ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَا أَصَابَنِي حَدَثٌ قَطُّ إلَّا تَوَضَّأْتُ عِنْدَهَا وَرَأَيْت أَنَّ لِلَّهِ عَلَيَّ رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمَا } فَزَادَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْأَذَانِ وَكَوْنُهُ يَرَى أَنَّ عَلَيْهِ بَعْدَ الْوُضُوءِ لِلَّهِ رَكْعَتَيْنِ فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ رِوَايَةِ أَحْمَدَ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا هَذَا ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ بِهِمَا يَحْتَمِلُ عَوْدَهُ إلَى الْخَصْلَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ وَهُمَا الْوُضُوءُ عِنْدَ الْحَدَثِ ، وَالصَّلَاةُ بَعْدَهُ فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ وَتَكُونُ الصَّلَاةُ عِنْدَ الْأَذَانِ لَهَا ثَوَابٌ آخَرُ . وَأَمَّا زِيَادَتُهُ كَوْنُهُ يَرَى أَنَّ لِلَّهِ رَكْعَتَيْنِ فَلَيْسَ فِيهِ مُنَافَاةٌ لِرِوَايَةِ أَحْمَدَ ، وَقَدْ اشْتَرَكَا فِي ذِكْرِ الصَّلَاةِ عَقِبَ الْوُضُوءِ وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مَا يَنْفِي كَوْنَهُ يَرَى ذَلِكَ وَرُبَّمَا كَانَ الثَّوَابُ مُتَرَتِّبًا عَلَى الْفِعْلِ ، وَإِنْ لَمْ يَرَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشَرَ ) هَلْ يَظْهَرُ لِمُجَازَاتِهِ بِهَذَا عَلَى هَذَا الْفِعْلِ مُنَاسَبَةٌ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ لِذَلِكَ مُنَاسَبَةً ، وَهُوَ أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُدِيمُ الطَّهَارَةَ فَمَنْ لَازَمَهُ أَنَّهُ كَانَ يَبِيتُ عَلَى طَهَارَةٍ ، وَقَدْ جَاءَ فِي النَّوْمِ عَلَى طَهَارَةٍ مَا يَقْتَضِي عُرُوجَ الرُّوحِ وَسُجُودَهَا تَحْتَ الْعَرْشِ وَأَعْلَى الْجَنَّةِ تَحْتَ الْعَرْشِ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الْفِرْدَوْسَ أَعْلَى الْجَنَّةِ وَسَقْفَهُ عَرْشُ الرَّحْمَنِ كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ بِإِسْنَادِهِ إلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ الْأَرْوَاحَ يُعْرَجُ بِهَا فِي مَنَامِهَا إلَى السَّمَاءِ فَتُؤْمَرُ بِالسُّجُودِ عِنْدَ الْعَرْشِ فَمَنْ بَاتَ طَاهِرًا سَجَدَ عِنْدَ الْعَرْشِ وَمَنْ كَانَ لَيْسَ بِطَاهِرٍ سَجَدَ بَعِيدًا مِنْ الْعَرْشِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : هَكَذَا جَاءَ مَوْقُوفًا انْتَهَى . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مَوْقُوفًا فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ مَنْ نَامَ طَاهِرًا نَامَ فِي شِعَارِ مَلَكٍ وَصِفَةُ الْمَلَائِكَةِ الْعُلُوُّ فَكَانَ فِيهِ مُنَاسَبَةٌ لِعُلُوِّ رُوحِهِ وَصُعُودِهَا إلَى الْجِنَانِ ، وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ بَاتَ طَاهِرًا بَاتَ فِي شِعَارِ مَلَكٍ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ إلَّا قَالَ الْمَلَكُ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِعَبْدِك فُلَانٍ ، فَإِنَّهُ نَامَ طَاهِرًا } أَوْرَدَهُ فِي النَّوْعِ الثَّانِي مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ ، وَقَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ فَجَعَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ فَجَعَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةَ عَشَرَ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ دَوَامِ الطَّهَارَةِ ، وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ الْوُضُوءُ عَقِبَ الْحَدَثِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَقْتُ صَلَاةٍ وَلَمْ يُرِدْ الصَّلَاةَ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَلَا يُحَافِظُ عَلَى الْوُضُوءِ إلَّا مُؤْمِنٌ } فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ دَوَامُ الْوُضُوءِ لَا الْوُضُوءُ الْوَاجِبُ فَقَطْ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشَرَ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ صَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ عَقِبَ الْوُضُوءِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ . ( الرَّابِعَةَ عَشَرَ ) فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ اسْتِحْبَابُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْأَذَانِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَهِيَ الْمُرَادَةُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ { بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ } ، فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ بَيْنَ الْأَذَانِ ، وَالْإِقَامَةِ وَرُبَّمَا قَرُبَتْ الْإِقَامَةُ فَكَانَ فِعْلُهَا عَقِبَ الْأَذَانِ أَوْلَى . ( الْخَامِسَةَ عَشَرَ ) وَفِيهِ أَيْضًا اسْتِحْبَابُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ وَقَبْلَ الصَّلَاةِ أَيْضًا ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ } وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ { كُنَّا نَفْعَلُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَلَهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ { رَأَيْت كِبَارَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْتَدِرُونَ السَّوَارِيَ عِنْدَ الْمَغْرِبِ } . وَقَالَ مُسْلِمٌ { : فَإِذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْمَغْرِبِ ابْتَدَرُوا السَّوَارِيَ فَرَكَعُوا رَكْعَتَيْنِ حَتَّى إنَّ الرَّجُلَ الْغَرِيبَ لَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ فَيَحْسِبُ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ صُلِّيَتْ مِنْ كَثْرَةِ مَنْ يُصَلِّيهِمَا } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { كُنَّا نُصَلِّي عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ فَقِيلَ لَهُ أَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّاهَا ؟ قَالَ كَانَ يَرَانَا نُصَلِّيهَا فَلَمْ يَأْمُرْنَا وَلَمْ يَنْهَنَا } . ( السَّادِسَةَ عَشَرَ ) فِيهِ حُجَّةٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ مَوْجُودَةٌ خِلَافًا لِمَنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الَّتِي تَبْلُغُ حَدَّ التَّوَاتُرِ مُتَظَاهِرَةٌ مُتَضَافِرَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَعَلَى إبْطَالِ مَا زَعَمُوهُ . ( السَّابِعَةَ عَشَرَ ) قَوْلُهُ بِمَ سَبَقْتنِي إلَى الْجَنَّةِ هَكَذَا فِي الْأُصُولِ الصَّحِيحَةِ مِنْ الْمُسْنَدِ عَلَى الصَّوَابِ بِمَ بِغَيْرِ أَلِفٍ بَعْدَ الْمِيمِ وَوَقَعَ فِي سَمَاعِنَا مِنْ التِّرْمِذِيِّ بِمَا بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ ، وَهِيَ لُغَةُ الْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى { لِمَ أَذِنْت لَهُمْ } { وَعَمَّ يَتَسَاءَلُونَ } . ( الثَّامِنَةَ عَشَرَ ) وَقَعَ فِي الْأُصُولِ الصَّحِيحَةِ مِنْ الْمُسْنَدِ فَأَتَيْت عَلَى قَصْرٍ مِنْ ذَهَبٍ مُرْتَفِعٍ مُشَرَّفٍ فَمُرْتَفِعٌ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ ، وَالْفَاءُ مِنْ الِارْتِفَاعِ وَمُشَرَّفٌ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِهَا وَآخِرُهُ فَاءٌ ، وَمَعْنَاهُ لَهُ شُرُفَاتٌ كَعَادَةِ الْقُصُورِ وَبَعْضُهُمْ يَرْوِيهِ مُشْرِفٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَسُكُونِ الشِّينِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ بِمَعْنَى مُرْتَفِعٍ فَيَكُونُ تَكْرَارًا وَحَمْلُهُ عَلَى زِيَادَةِ مَعْنًى آخَرَ أَوْلَى مَعَ مُوَافَقَةِ الرِّوَايَةِ وَوَقَعَ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ مُرَبَّعٌ مُشَرَّفٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ ، وَالْيَاءِ الْمُشَدَّدَةِ مِنْ التَّرْبِيعِ ، وَهُوَ كَوْنُهُ ذَا أَرْبَاعٍ لَا مُدَوَّرًا كَالدَّائِرَةِ وَإِلَّا كَثُرَ فِي الرِّوَايَةِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ مُشَرَّفٌ بِالتَّخْفِيفِ أَيْ مُرْتَفِعٌ وَلَا مُنَافَاةَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التَّرْبِيعِ الْمُتَقَدِّمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( التَّاسِعَةَ عَشَرَ ) مَا الْحِكْمَةُ فِي أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَرِّحْ لَهُ بِالْجَوَابِ عَمَّا سَأَلَ عَنْهُ بِاسْمِ مَنْ لَهُ الْقَصْرُ بَلْ قِيلَ لِرَجُلٍ مِنْ الْعَرَبِ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ بَعْدَهُ لِمَنْ هَذَا الْقَصْرُ قَالُوا لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ قُلْت أَنَا قُرَشِيٌّ ، ثُمَّ اتَّفَقَا عَلَى قَوْلِهِ لِرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْحَدِيثَ فَلَمْ يُسَمِّ عُمَرَ إلَّا فِي الرَّابِعَةِ عَلَى رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَفِي الثَّالِثَةِ عَلَى رِوَايَةِ الْمُسْنَدِ ، وَكَذَلِكَ رَدَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا عَرَبِيٌّ أَنَا قُرَشِيٌّ أَنَا مُحَمَّدٌ فَهَلْ كَانَ ذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْقَصْرُ لَهُ أَوْ لِمَعْنًى آخَرَ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ أُرِيدَ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . بَيَانُ فَضِيلَةِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ فَكَوْنُهُ مِنْ الْعَرَبِ أَفْضَلَ وَأَرْفَعَ مِنْ كَوْنِهِ أَعْجَمِيًّا وَكَوْنُهُ مِنْ قُرَيْشٍ أَفْضَلَ مِنْ كَوْنِهِ مِنْ عَرَبِ غَيْرِ قُرَيْشٍ وَكَوْنُهُ مِمَّنْ أَسْلَمَ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ أُمَّةِ مُحَمَّدٍ أَفْضَلَ مِنْ كَوْنِهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي الْأُمَّةِ لِمَوْتِهِ قَبْلَ الْبَعْثَةِ كَزَيْدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَأُرِيدَ بِتَكْرَارِ الْجَوَابِ ، وَالسُّؤَالِ مَا ذَكَرْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا عَرَبِيٌّ أَنَا قُرَشِيٌّ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَالَهُ تَجْوِيزًا لِكَوْنِهِ لَهُ إذْ فِيهِ ذَلِكَ الْوَصْفُ الَّذِي ذَكَرَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَا مُحَمَّدٌ فَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ عَرَفَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ وَلَكِنَّهُ عَرَفَ عُلُوَّ مَنْزِلَتِهِ عَلَى مَنْ لَهُ الْقَصْرُ ، وَأَنَّهُ بَلَغَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ مِنْ أُمَّتِهِ وَأَرَادَ مَعْرِفَةَ مَنْ لَهُ لِيُبَشِّرَ صَاحِبَهُ كَمَا وَقَعَ أَوْ لِيَعْرِفَ مَنْزِلَةَ صَاحِبِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْفَائِدَةُ الْعِشْرُونَ ) فِيهِ مُعَامَلَةُ النَّاسِ عَلَى قَدْرِ أَخْلَاقِهِمْ ، وَمَا فُطِرُوا عَلَيْهِ ، فَإِنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَرَفَ غَيْرَةَ عُمَرَ لَمْ يَدْخُلْ مَنْزِلَهُ فِي غَيْبَتِهِ ، وَإِنْ عَلِمَ مِنْهُ أَنَّهُ يَأْمَنُهُ عَلَى الدِّينِ ، وَالدُّنْيَا ، وَالْآخِرَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ لَهُ عُمَرُ مَا كُنْت لِأَغَارَ عَلَيْك ، وَإِنْ حَصَلَتْ الْغَيْرَةُ فَعَلَى غَيْرِهِ وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوَ يُغَارُ عَلَيْك أَنْكَرَ عُمَرُ وُجُودَ الْغَيْرَةِ مِنْ أَحَدٍ مُطْلَقًا عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِظَمِ حَقِّهِ وَأَمَانَتِهِ عَلَى حُقُوقِ أَصْحَابِهِ وَغَيْرِهِمْ . ( الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) فِيهِ ذَمُّ الْغَيْرَةِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الرِّيبَةِ ؛ لِأَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ وُجُودَ الْغَيْرَةِ عَلَيْهِ وَأَقَرَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَتِيكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ { مِنْ الْغَيْرَةِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُ اللَّهُ فَأَمَّا الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَالْغَيْرَةُ فِي الرِّيبَةِ ، وَأَمَّا الَّتِي يُبْغِضُهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَالْغَيْرَةُ فِي غَيْرِ رِيبَةٍ } الْحَدِيثَ . بَابُ السِّوَاكِ وَخِصَالِ الْفِطْرَةِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ } زَادَ الْبُخَارِيُّ { مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ } وَقَالَ مُسْلِمٌ { عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ } وَفِي رِوَايَةِ لِلْبُخَارِيِّ عَلَّقَهَا { مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ } وَأَسْنَدَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهَا بَابُ السِّوَاكِ وَخِصَالِ الْفِطْرَةِ " الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ " عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي أَوْ عَلَى النَّاسِ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ } فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) اخْتَلَفَتْ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي لَفْظِهِ فَقَالَ أَبُو مُصْعَبٍ وَجَمَاعَةٌ مَا تَقَدَّمَ وَكَذَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَزَادَ { مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَآخَرُونَ { عَلَى أُمَّتِي } فَقَطْ وَلَمْ يَقُولُوا أَوْ عَلَى النَّاسِ وَقَالَ الْقَعْنَبِيُّ وَأَيُّوبُ بْنُ صَالِحٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَوْ عَلَى النَّاسِ وَكَذَا قَالَ مَعْنُ بْنُ عِيسَى وَزَادَ فِي رِوَايَتِهِ أَيْضًا عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَزَادَ أَيْضًا قُتَيْبَةُ عَنْ مَالِكٍ فِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَقَدْ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فَزَادُوا فِيهِ { مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ } كَذَا رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ وَرَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ وَبِشْرِ بْنِ عُمَرَ الزَّهْرَانِيِّ وَإِسْمَاعِيلِ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ رَوْحٍ وَإِسْمَاعِيلَ . وَقَدْ ذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا مَجْزُومًا فَقَالَ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَوَصَلَهَا ابْنُ خُزَيْمَةَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهَا وَهِيَ فِي الْمُوَطَّإِ مَوْقُوفَةٌ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ ذِكْرُ الْوُضُوءِ وَفِي بَعْضِهَا ذِكْرُهُ عَلَى الشَّكِّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ . ( الثَّالِثَةُ ) السِّوَاكُ بِكَسْرِ السِّينِ يُطْلَقُ عَلَى الْفِعْلِ وَعَلَى الْعُودِ الَّذِي يُسْتَاكُ بِهِ وَهُوَ مُذَكَّرٌ عَلَى الصَّحِيحِ وَحَكَى صَاحِبُ الْمُحْكَمِ فِيهِ التَّأْنِيثَ أَيْضًا وَغَلَّطَ الْأَزْهَرِيُّ الْقَوْلَ بِالتَّأْنِيثِ وَاخْتَلَفَ فِي مَأْخَذِهِ فَقِيلَ مِنْ سَاكَ إذَا دَلَّكَ يُقَالُ سَاكَ فَمَه يَسُوكُهُ سَوْكًا وَقِيلَ هُوَ مِنْ جَاءَتْ الْإِبِلُ تُسَاوِكُ هِزَالًا . ( الرَّابِعَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ قَالَ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا أَمَرَهُمْ بِهِ شَقَّ عَلَيْهِمْ أَوْ لَمْ يَشُقَّ انْتَهَى . وَقَدْ حَكَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ دَاوُد أَوْجَبَهُ لِلصَّلَاةِ وَكَذَا حَكَى أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ دَاوُد وُجُوبَهُ وَحَكَى أَيْضًا عَنْ إِسْحَاقَ وُجُوبَهُ وَأَنَّهُ إنْ تَرَكَهُ عَامِدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَالَ النَّوَوِيُّ . وَقَدْ أَنْكَرَ أَصْحَابُنَا الْمُتَأَخِّرُونَ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَغَيْرِهِ نَقْلَ الْوُجُوبِ عَنْ دَاوُد وَقَالُوا مَذْهَبُهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ كَالْجَمَاعَةِ قَالَ : وَلَوْ صَحَّ إيجَابُهُ عَنْ دَاوُد لَمْ تَضُرَّ مُخَالَفَتُهُ فِي انْعِقَادِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الْمُخْتَارِ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ وَالْأَكْثَرُونَ قَالَ : وَأَمَّا إِسْحَاقُ فَلَمْ يَصِحَّ هَذَا الْمَحْكِيُّ عَنْهُ . ( الْخَامِسَةُ ) كَلِمَةُ لَوْلَا حَرْفٌ يَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ الشَّيْءِ لِوُجُودِ غَيْرِهِ ، وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُ أَهْلِ الْأُصُولِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ انْتِفَاءُ الْأَمْرِ لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ ، وَالْمَنْفِيُّ إنَّمَا هُوَ الْوُجُوبُ دُونَ الِاسْتِحْبَابِ اتِّفَاقًا فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَجَمَاعَاتٍ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَأَصْحَابِ الْأُصُولِ قَالَ : وَهَذَا الِاسْتِدْلَال يَحْتَاجُ فِي تَمَامِهِ إلَى دَلِيلٍ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ كَانَ مَسْنُونًا حَالَتَئِذْ . ( السَّادِسَةُ ) فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ : إنَّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { تَسَوَّكُوا فَإِنَّ السِّوَاكَ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ } الْحَدِيثَ ، وَرَوَى الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : تَدْخُلُونَ عَلَيَّ قُلْحًا اسْتَاكُوا } . وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ تَمَّامِ بْنِ الْعَبَّاسِ بِلَفْظِ { مَا لِي أَرَاكُمْ تَأْتُونِي قُلْحًا اسْتَاكُوا } رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِلَفْظِ { تَدْخُلُونَ عَلَيَّ قُلْحًا اسْتَاكُوا } . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا { عَلَيْك بِالسِّوَاكِ فَإِنَّهُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ } الْحَدِيثَ . وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا الْأَمْرُ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ ، أَمَّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ فَفِيهِ عَلِيُّ بْنُ يَزِيدَ الْأَلْهَانِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا . وَأَمَّا حَدِيثُ الْعَبَّاسِ وَحَدِيثُ تَمَّامٍ وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأَوَّلُ أَيْضًا فَفِيهَا أَبُو عَلِيٍّ الصَّيْقَلِيُّ وَهُوَ مَجْهُولٌ قَالَهُ ابْنُ السَّكَنِ وَغَيْرُهُ . ، وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْأَخِيرُ فَتَفَرَّدَ بِهِ الْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ كَمَا قَالَ الْبُخَارِيُّ . وَالْوَجْهُ ( الثَّانِي ) أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ لَيْسَ الْمَنْفِيُّ فِيهِ مُطْلَقَ الْأَمْرِ بَلْ الْأَمْرُ الَّذِي هُوَ لِلْوُجُوبِ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَفَرَضْت عَلَيْهِمْ السِّوَاكَ مَعَ الْوُضُوءِ } الْحَدِيثَ وَأَيْضًا فَحَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ الَّذِي فِيهِ الْأَمْرُ قَالَ فِي تَتِمَّةِ الْحَدِيثِ { وَلَوْلَا أَنِّي أَخَافُ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَفَرَضْته عَلَيْهِمْ } وَكَذَا قَالَ أَحْمَدُ فِي حَدِيثِ تَمَّامٍ { لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَفَرَضْت عَلَيْهِمْ السِّوَاكَ كَمَا فَرَضْت عَلَيْهِمْ الْوُضُوءَ } . وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : { مَا لِي أَرَاكُمْ تَأْتُونِي قُلْحًا لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَفَرَضْت عَلَيْهِمْ السِّوَاكَ } الْحَدِيثَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا عَلَى أَنَّ الْمَنْفِيَّ أَمْرُ الْإِيجَابِ لَا الْأَمْرُ الَّذِي مَحْمَله النَّدْبُ . وَالْوَجْهُ ( الثَّالِثُ ) أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ وَإِنْ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَنْفِيَّ الْأَمْرُ بِهِ مُطْلَقُ السِّوَاكِ فَقَدْ دَلَّتْ رِوَايَةُ الصَّحِيحَيْنِ عَلَى تَقْيِيدِ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ ، وَالْمَنْفِيُّ مَعَ الْقَيْدِ غَيْرُ الْمَنْفِيِّ مُطْلَقًا وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ أَوْ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِهِ وَلَوْ فِي الْيَوْمِ مَرَّةً أَوْ فِي الشَّهْرِ أَوْ فِي السَّنَةِ أَوْ فِي الْعُمْرِ فَلَا تَعَارُضَ حِينَئِذٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ لَيْسَ مَأْمُورًا بِهِ وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ الْأُصُولِيِّينَ قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ : وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اُتُّفِقَ عَلَى أَنَّهُ مَطْلُوبٌ وَمُقْتَضَاهُ كَمَا قَدْ حَكَاهُ أَبُو الْمَعَالِي قَالَ النَّوَوِيُّ وَيُقَالُ فِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ مَا قَدَّمْنَاهُ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْوُجُوبِ . ( الثَّامِنَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَوَجْهُهُ أَنَّهُ جَعَلَ الْمَشَقَّةَ سَبَبًا لِعَدَمِ أَمْرِهِ فَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ مُتَوَقِّفًا لَكَانَ سَبَبُ انْتِفَاءِ أَمْرِهِ عَدَمَ وُرُودِ النَّصِّ لَا وُرُودَ الْمَشَقَّةِ قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَأَصْحَابِ الْأُصُولِ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : إنَّ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى ذَلِكَ احْتِمَالًا لِلْبَحْثِ ، وَالتَّأْوِيلِ . ( التَّاسِعَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِعُمُومِ رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ . وَرِوَايَةِ النَّسَائِيّ وَابْنِ خُزَيْمَةَ ، وَالْحَاكِمِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ عَلَى اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ عِنْدَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ وَعِنْدَ الْوُضُوءِ فِي ذَلِكَ الزَّمَنِ ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَالْمُزَنِيِّ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : إنَّهُ الْمُخْتَارُ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ { : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَسَوَّكُ مَا لَا أُحْصِي وَهُوَ صَائِمٌ } وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُكْرَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ لِلصَّائِمِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَيَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ بِهَذَا الْوَقْتِ يَخُصُّ بِهِ ذَلِكَ الْعُمُومَ وَهُوَ حَدِيثُ الْخَلُوفِ وَفِيهِ بَحْثٌ انْتَهَى ، وَسَيَأْتِي تَمَامُ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي الصِّيَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( الْعَاشِرَةُ ) اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ مَعَ كُلِّ وُضُوءٍ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ السِّوَاكَ مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ الْوَجْهُ قَالَ وَلَمْ يَعُدَّهُ كَثِيرُونَ مِنْ سُنَنِهِ وَإِنْ كَانَ مَنْدُوبًا فِي ابْتِدَائِهِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَ ) فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ اسْتِحْبَابُ السِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ وَهُوَ كَذَلِكَ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَمَّنْ أَدْرَكَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ تَأَكُّدَهُ عِنْدَ صَلَاتَيْ الصُّبْحِ ، وَالظُّهْرِ ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا { صَلَاةٌ بِسِوَاكٍ خَيْرٌ مِنْ سَبْعِينَ صَلَاةً بِغَيْرِ سِوَاكٍ } . قَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَتَعَقَّبَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي مُشْكِلِ الْوَسِيطِ ، وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ بِالْعَنْعَنَةِ وَهُوَ مُدَلِّسٌ فَلَا يَصِحُّ زَادَ النَّوَوِيُّ وَالْمُدَلَّسُ إذَا لَمْ يَذْكُرْ سَمَاعَهُ لَمْ يُحْتَجَّ بِهِ بِلَا خِلَافٍ . قُلْت وَقَوْلُهُ بِلَا خِلَافٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ بَلْ فِيهِ الْخِلَافُ فِي الِاحْتِجَاجِ بِالْمُرْسَلِ وَأَوْلَى بِالصِّحَّةِ لِاحْتِمَالِ عَدَمِ سُقُوطِ أَحَدٍ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِجَرَيَانِ الْخِلَافِ فِيهِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَغَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَضَعَّفَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَيْضًا الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ وَقَالَ إنَّهُ بَاطِلٌ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَ ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : السِّرُّ فِي اسْتِحْبَابِ السِّوَاكِ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ أَنَّا مَأْمُورُونَ فِي كُلِّ حَالَةٍ مِنْ أَحْوَالِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ نَكُونَ فِي حَالَةِ كَمَالٍ وَنَظَافَةٍ إظْهَارًا لِشَرَفِ الْعِبَادَةِ قَالَ : وَقَدْ قِيلَ : إنَّ ذَلِكَ لِأَمْرٍ مُتَعَلِّقٍ بِالْمَلَكِ وَهُوَ أَنْ يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِي الْقَارِئِ وَيَتَأَذَّى بِالرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ فَسُنَّ السِّوَاكُ لِأَجْلِ ذَلِكَ انْتَهَى قُلْت قَدْ وَرَدَ هَذَا مَرْفُوعًا رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الْعَبْدَ إذَا تَسَوَّكَ ثُمَّ قَامَ يُصَلِّي قَامَ الْمَلَكُ خَلْفَهُ فَيَسْمَعُ لِقِرَاءَتِهِ فَيَدْنُو مِنْهُ أَوْ كَلِمَةً نَحْوَهَا حَتَّى يَضَعَ فَاهُ عَلَى فِيهِ فَمَا يَخْرُجُ مِنْ فِيهِ شَيْءٌ إلَّا صَارَ فِي جَوْفِ الْمَلَكِ فَطَهِّرُوا أَفْوَاهَكُمْ لِلْقُرْآنِ } وَرِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ إلَّا أَنَّ فِيهِ فُضَيْلٍ بْنَ سُلَيْمَانَ النُّمَيْرِيَّ وَهُوَ وَإِنْ أَخْرَجَ لَهُ الْبُخَارِيُّ وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ فَقَدْ ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ وَآخِرُ الْحَدِيثِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ قَوْلِ عَلِيٍّ إنَّ أَفْوَاهَكُمْ طُرُقٌ لِلْقُرْآنِ فَطَيِّبُوهَا بِالسِّوَاكِ وَفِيهِ بَحْرُ بْنُ كَثِيرٍ السَّقَّا ضَعِيفٌ جِدًّا . وَقَدْ رَفَعَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْحِلْيَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ( قُلْت ) : وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ حِكْمَتُهُ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ مَا وَرَدَ أَنَّهُ يَقْطَعُ الْبَلْغَمَ ، وَيَزِيدُ فِي الْفَصَاحَةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَائِدَةِ الرَّابِعَةَ عَشْرَ ، وَتَقْطِيعُ الْبَلْغَمِ مُنَاسِبٌ لِلْقِرَاءَةِ لِئَلَّا يَطْرَأَ عَلَيْهِ فَيَمْنَعَهُ الْقِرَاءَةَ وَكَذَلِكَ الْفَصَاحَةُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَ ) أُطْلِقَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ ذِكْرُ السِّوَاكِ مُطْلَقًا وَهُوَ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَهُ مُطْلَقًا ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا يَتَأَكَّدُ فِي أَحْوَالٍ مِنْهَا عِنْدَ الْوُضُوءِ وَإِرَادَةِ الصَّلَاةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَمِنْهَا عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ النَّوْمِ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ } ، وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ قَامَ مِنْ اللَّيْلِ لِلصَّلَاةِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ السِّوَاكَ لِلصَّلَاةِ أَوْ عِنْدَ الْوُضُوءِ وَمِنْهَا قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَائِدَةِ قَبْلَهَا حَدِيثُ عَلِيٍّ فِي ذَلِكَ وَمِنْهَا تَغَيُّرُ الْفَمِ سَوَاءٌ فِيهِ تَغَيُّرُ الرَّائِحَةِ أَوْ تَغَيُّرُ اللَّوْنِ كَصُفْرَةِ الْأَسْنَانِ كَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ وَمِنْهَا دُخُولُ الْمَنْزِلِ جَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ مِنْ زَوَائِدِهِ فِي الرَّوْضَةِ لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ يَبْدَأُ بِالسِّوَاكِ } . وَمِنْهَا إرَادَةُ النَّوْمِ كَمَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ فِي الرَّوْنَقِ وَوَرَدَ فِيهِ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَاكُ إذَا أَخَذَ مَضْجَعَهُ } وَفِيهِ حَرَامُ بْنُ عُثْمَانَ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ قُلْت وَمِنْهَا الِانْصِرَافُ مِنْ صَلَاةُ اللَّيْلِ لِمَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يَنْصَرِفُ فَيَسْتَاكُ } . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَ ) فِي فَوَائِدِ السِّوَاكِ مُطْلَقًا رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { عَلَيْك بِالسِّوَاكِ فَإِنَّهُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ مَفْرَحَةٌ لِلْمَلَائِكَةِ يَزِيدُ فِي الْحَسَنَاتِ ، وَهُوَ مِنْ السُّنَّةِ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُذْهِبُ الْخُضْرَةَ وَيَشُدُّ اللِّثَةَ وَيُذْهِبُ الْبَلْغَمَ وَيُطَيِّبُ الْفَمَ } وَزَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَيُصِحُّ الْمَعِدَةَ وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ غَيْرِ الْبَيْهَقِيّ ، وَيَزِيدُ فِي الْفَصَاحَةِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ الْخَلِيلُ بْنُ مُرَّةَ وَلَيْسَ بِالْقَوِيِّ انْتَهَى . وَقَدْ قَالَ فِيهِ أَبُو زُرْعَةَ : شَيْخٌ صَالِحٌ وَقَالَ ابْنُ عَدِيٍّ يَكْتُبُ حَدِيثَهُ وَضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ وَصَدْرُ الْحَدِيثِ صَحِيحُ رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرَّبِّ } وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ تَعْلِيقًا مَجْزُومًا بِهِ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَ ) فِيمَا يُسْتَحَبُّ السِّوَاكُ بِهِ وَيَصِحُّ ، ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ أَنَّ السِّوَاكَ يَكُونُ بِقُضْبَانِ الْأَشْجَارِ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاشْتِرَاطِ لَكِنَّهَا أَوْلَى مِنْ غَيْرِهَا قَالَ : وَالْأَوْلَى مِنْهَا الْأَرَاكُ قَالَ ، وَالْأَحَبُّ أَنْ يَكُونَ يَابِسًا لُيِّنَ بِالْمَاءِ قَالَ : وَأَصْلُ السُّنَّةِ تَتَأَدَّى بِكُلِّ خَشِنٍ يَصْلُحُ لِإِزَالَةِ الْقُلْحِ كَالْخِرْقَةِ ، وَالْخَشَبَةِ وَنَحْوِهَا نَعَمْ لَوْ كَانَ جُزْءًا مِنْهُ كَأُصْبُعِهِ الْخَشِنَةِ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَظْهَرُهَا لَا يُجْزِئُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى اسْتِيَاكًا . وَالثَّانِي يُجْزِئُ لِحُصُولِ مَقْصُودِ الِاسْتِيَاكِ بِهِ ، وَالثَّالِثُ إنْ قَدَرَ عَلَى الْعُودِ وَنَحْوِهِ فَلَا يُجْزِئُ وَإِلَّا فَيُجْزِئُ لِمَكَانِ الْعُذْرِ انْتَهَى . وَقَوْلُهُ بِأُصْبُعِهِ الْخَشِنَةِ احْتِرَازًا مِمَّا إذَا كَانَتْ نَاعِمَةً فَإِنَّهُ لَا يُجْزِئُ الِاسْتِيَاكُ بِهَا قَطْعًا لِعَدَمِ إزَالَةِ الْقُلْحِ وَقَوْلُهُ بِأُصْبُعِهِ لِيُخْرِجَ بِهِ أُصْبُعَ غَيْرِهِ ، وَقَدْ جَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَدَقَائِقِ الْمِنْهَاجِ أَنَّهُ يُجْزِئُ بِهَا قَطْعًا ، وَمَا أَدْرِي مَا وَجْهُ التَّفْرِقَةِ بَيْنَ أُصْبُعِهِ وَأُصْبُعِ غَيْرِهِ وَكَوْنُهُ جُزْءًا مِنْهُ لَا يَظْهَرُ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي مَنْعَهُ بَلْ كَوْنُهَا أُصْبُعَهُ أَبْلَغَ فِي الْإِزَالَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَمَكَّنُ بِهَا أَكْثَرَ مِنْ تَمَكُّنِ غَيْرِهِ أَنْ يَسُوكَهُ بِأُصْبُعِهِ لَا جَرَمَ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْمُخْتَارُ أُخْرَاهُ مُطْلَقًا قَالَ وَبِهِ قَطَعَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمَحَامِلِيُّ فِي اللُّبَابِ وَالْبَغَوِيُّ وَاخْتَارَهُ فِي الْبَحْرِ انْتَهَى . وَهَكَذَا قَطَعَ بِهِ أَيْضًا أَبُو حَامِدٍ فِي الرَّوْنَقِ ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي وَرَدَ فِي السِّوَاكِ بِالْأُصْبُعِ أَعَمُّ مِنْ أُصْبُعِهِ وَأُصْبُعِ غَيْرِهِ بَلْ فِي بَعْضِهَا التَّصْرِيحُ بِأُصْبُعِ الْمُسْتَاكِ كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك رَغَّبْتنَا فِي السِّوَاكِ فَهَلْ دُونَ ذَلِكَ مِنْ شَيْءٍ ؟ قَالَ إصْبَعَاك سِوَاكٌ عِنْدَ وُضُوئِك تُمِرُّهُمَا عَلَى أَسْنَانِك } . الْحَدِيثَ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّ الرَّاوِيَ لَهُ عَنْ أَنَسٍ بَعْضُ أَهْلِهِ غَيْرُ مُسَمًّى ، وَقَدْ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ بِأَنَّهُ النَّضْرُ بْنُ أَنَسٍ ، وَهُوَ ثِقَةٌ وَلَفْظُهُ { يُجْزِئُ مِنْ السِّوَاكِ الْأَصَابِعُ } . وَفِيهِ عِيسَى بْنُ شُعَيْبٍ الْبَصْرِيُّ قَالَ فِيهِ عَمْرُو بْنُ عَلِيِّ الْفَلَّاسُ أَنَّهُ صَدُوقٌ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ : كَانَ مِمَّنْ يُخْطِئُ حَتَّى فَحُشَ خَطَؤُهُ فَاسْتَحَقَّ التَّرْكَ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَظْهَرُ مَعْنًى فِي التَّفْرِقَةِ بَيْنَ أُصْبُعِهِ وَأُصْبُعِ غَيْرِهِ فَالْمُخْتَارُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ تَأَدِّي السُّنَّةُ بِهِ مُطْلَقًا مَا لَمْ تَكُنْ نَاعِمَةً لَا تُزِيلُ الْقُلْحَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ وَتَأَوَّلَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ : أَنَّهُ كَانَ يُدَلِّكُ أَسْنَانَهُ بِأُصْبُعِهِ وَيَسْتَجْزِئُ بِذَلِكَ مِنْ السِّوَاكِ . وَقَدْ أَطْلَقَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْأَرَاكِ وَذَكَرَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أَوْ لَمْ يَرِدْ فِي الِاسْتِيَاكِ بِهِ حَدِيثٌ ، وَهُوَ عَجِيبٌ ، وَقَدْ تَتَبَّعْت ذَلِكَ فَوَجَدْت الطَّبَرَانِيَّ قَدْ رَوَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي خَبْرَةَ الصَّحَابِيِّ وَلَهُ صُحْبَةٌ فَذَكَرَ حَدِيثًا قَالَ فِيهِ : ثُمَّ { أَمَرَ لَنَا يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَرَاكٍ فَقَالَ : اسْتَاكُوا بِهَذَا } . وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ { عَائِشَةَ فِي دُخُولِ أَخِيهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ فِي مَرَضِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ سِوَاكٌ مِنْ أَرَاكٍ فَأَخَذَتْهُ عَائِشَةُ فَطَيَّبَتْهُ ثُمَّ أَعْطَتْهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَنَّ بِهِ } . وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْأَرَاكِ وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَمَعَهُ سِوَاكٌ مِنْ جَرِيدِ النَّخْلِ وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ { ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَحْتَبِي سِوَاكًا مِنْ الْأَرَاكِ فَكَانَ دَقِيقَ السَّاقَيْنِ فَجَعَلَتْ الرِّيحُ تَكْفَؤُهُ فَضَحِكَ الْقَوْمُ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مِمَّا تُضْحَكُونَ قَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ مِنْ دِقَّةِ سَاقَيْهِ فَقَالَ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَهُمَا أَثْقَلُ فِي الْمِيزَانِ مِنْ أُحُدٍ } . فَهَذَا قَدْ وَرَدَ أَنَّهُ اسْتَاكَ بِهِ وَأَمَرَ بِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ : وَالسِّوَاكُ الْمَنْدُوبُ إلَيْهِ هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْعَرَبِ وَفِي عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ الْأَرَاكُ ، وَالْبَشَامُ قَالَ الشَّاعِرُ : إذَا هِيَ لَمْ تَسْتَكْ بِعُودِ أَرَاكِ وَقَالَ جَرِيرٌ : أَتَذْكُرُ يَوْمَ تَصْقُلُ عَارِضَيْهَا بِفَرْعِ بَشَامَةٍ سُقِيَ الْبَشَامُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَكُلُّ مَا يَجْلُو الْأَسْنَانَ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ صِبْغٌ وَلَوْنٌ فَهُوَ مِثْلُ ذَلِكَ مَا خَلَا الرَّيْحَانَ ، وَالْقَصَبَ فَإِنَّهُمَا يُكْرَهَانِ قَالَ : وَقَدْ كَرِهَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ السِّوَاكَ الَّذِي يُغَيِّرُ الْفَمَ وَيَصْبُغُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِزِينَةِ النِّسَاءِ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ كُلُّ مَا جَلَا الْأَسْنَانَ وَلَمْ يُؤْذِهَا وَلَا كَانَ مِنْ زِينَةِ النِّسَاءِ فَجَائِزٌ الِاسْتِنَانُ بِهِ انْتَهَى وَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي ذَيْلِ الْغَرْبِيِّينَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ لَا بَأْسَ بِفَرْعِ السِّوَاكِ مِنْ الْبَشَامَةِ قَالَ : وَالْبَشَامُ شَجَرٌ طَيِّبُ الرِّيحِ يُسْتَاكُ بِهِ وَاحِدَتُهَا بَشَامَةٌ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَ ) فِي صِفَةِ الِاسْتِيَاكِ الْمَأْمُورِ بِهِ رَوَى أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابٍ لَهُ فِي السِّوَاكِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَاكُ عَرْضًا وَلَا يَسْتَاكُ طُولًا } وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي الْمَرَاسِيلِ مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا شَرِبْتُمْ فَاشْرَبُوا مَصًّا ، وَإِذَا اسْتَكْتُمْ فَاسْتَاكُوا عَرْضًا } . وَرَوَى ابْنُ مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَةِ مِنْ حَدِيث بَهْزٍ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَاكُ عَرْضًا } وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ إنَّمَا يُعْرَفُ بَهْزٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ رَبِيعَةَ بْنِ أَكْتَمَ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَاكُ عَرْضًا } الْحَدِيثَ . وَقَالَ ابْنُ رَبِيعَةَ بْنِ أَكْتَمَ اُسْتُشْهِدَ بِخَيْبَرَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مُنْقَطِعًا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْهُ قَالَ أَصْحَابُنَا : وَالْمُرَادُ بِقَوْلِهِ عَرْضًا عَرْضُ الْأَسْنَانِ فِي طُولِ الْفَمِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَحْصُلُ سُنَّةُ السِّوَاكِ بِالِاسْتِيَاكِ طُولًا أَمْ لَا ؟ فَحَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ يُمِرُّ السِّوَاكَ عَلَى طُولِ الْأَسْنَانِ وَعَرْضِهَا فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى إحْدَى الْجِهَتَيْنِ فَالْعَرْضُ أَوْلَى لِحَدِيثِ { اسْتَاكُوا عَرْضًا } قَالَ وَهَكَذَا أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ فِي الْوَسِيطِ قَالَ وَذَكَرَ آخَرُونَ مِنْهُمْ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ أَنَّهُ يَسْتَاكُ فِي عَرْضِ الْأَسْنَانِ لَا فِي طُولِهَا قَالَ فَعَلَى الْأَوَّلِ قَوْلُهُ عَرْضًا لَيْسَ ؛ لِأَنَّهُ مُتَعَيِّنٌ فِي إقَامَةِ هَذِهِ السُّنَّةِ بَلْ خَصَّهُ بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى وَعَلَى الثَّانِي هُوَ تَعْيِينٌ وَرَوَوْا فِي الْخَبَرِ أَنَّهُ قَالَ : اسْتَاكُوا عَرْضًا لَا طُولًا وَرَوَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ مَا قَالَهُ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ شَاذٌّ مَرْدُودٌ مُخَالِفٌ لِلنَّقْلِ ، وَالدَّلِيلِ . وَكَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ الْمُسَمَّى بِالتَّنْقِيحِ هَذَا بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ فِي الْحَدِيثِ وَلَا فِي الْمَذْهَبِ بَلْ الصَّوَابُ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْعَرْضِ بَلْ نَصَّ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا عَلَى كَرَاهَةِ الطُّولِ وَسَبَقَهُ إلَى إنْكَارِ ذَلِكَ عَلَى الْغَزَالِيِّ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي مُشْكِلِ الْوَسِيطِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَلَوْ خَالَفَ وَاسْتَاكَ طُولًا حَصَلَ السِّوَاكُ وَإِنْ خَالَفَ الْمُخْتَارَ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا ، وَكَذَا قَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَإِنْ اسْتَاك طُولًا حَصَلَ السِّوَاكُ مَعَ الْكَرَاهَةِ قَالَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ فِي سِوَاكِهِ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ مِنْ فَمِهِ . ( السَّابِعَةَ عَشْرَ ) ذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّ السِّوَاكَ كَانَ وَاجِبًا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَدَلَّ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي عَامِرٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُمِرَ بِالْوُضُوءِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ طَاهِرًا أَوْ غَيْرَ طَاهِرٍ فَلَمَّا شَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أُمِرَ بِالسِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ } وَفِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَقَدْ رَوَاهُ بِالْعَنْعَنَةِ ، وَهُوَ مُدَلِّسٌ . وَحُجَّةُ مَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ وَاجِبًا عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : مَا جَاءَنِي جِبْرِيلُ إلَّا أَوْصَانِي بِالسِّوَاكِ حَتَّى لَقَدْ خَشِيت أَنْ يُفْرَضَ عَلَيَّ وَعَلَى أُمَّتِي } الْحَدِيثَ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أُمِرْت بِالسِّوَاكِ حَتَّى خَشِيت أَنْ يُكْتَبَ عَلَيَّ } وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ ، وَالْخَصَائِصُ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةَ عَشْرَ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى فَضْلِ التَّيْسِيرِ فِي أُمُورِ الدِّيَانَةِ وَأَنَّ مَا يَشُقُّ مِنْهَا مَكْرُوهٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمْ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمْ الْعُسْرَ } أَلَا تَرَى أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ إثْمًا } . ( التَّاسِعَةَ عَشْرَ ) إنْ قِيلَ قَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادِ الصَّحِيحِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ { لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتهمْ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ وَبِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ } وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ { وَلَأَخَّرْت الْعِشَاءَ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ إلَى ثُلُثِ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفِهِ فَلِمَ ذَهَبْتُمْ إلَى تَأَكُّدِ السِّوَاكِ عِنْدَ الصَّلَاةِ وَلَمْ تَذْهَبُوا إلَى اسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ ؟ بَلْ قُلْتُمْ تَقْدِيمُهَا أَفْضَلُ عَلَى الْأَظْهَرِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ مَعَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَلَّلَ فِيهِ تَرْكَ الْأَمْرِ بِالْمَشَقَّةِ . وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاظَبَ عَلَى السِّوَاكِ فَأَجْمَعُوا لِذَلِكَ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَلَمْ يُوَاظِبْ عَلَى تَأْخِيرِ الْعِشَاءِ بَلْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِ تَقْدِيمُهَا وَأَخَّرَهَا مَرَّةً قَبْلَ أَنْ يَفْشُوَ الْإِسْلَامُ وَكَانَ يُؤَخِّرُهَا أَحْيَانَا دُونَ ذَلِكَ فَكَانَ الْأَفْضَلُ تَقْدِيمَهَا لِغَلَبَةِ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي تَرَكَهُ لِخَشْيَةِ الْمَشَقَّةِ لَيْسَ مُسْتَوِيًا فِي الصُّورَتَيْنِ بَلْ الْأَمْرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِالسِّوَاكِ أَمْرُ إيجَابٍ وَفَرْضٍ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ لَفَرَضْتُ عَلَيْكُمْ السِّوَاكَ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّمَا تَرَكَ الْأَمْرَ الدَّالَّ عَلَى الْفَرْضِ وَأَتَى بِهِ وَأَمَرَ بِهِ إنْ ثَبَتَ الْأَمْرُ بِهِ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ . وَأَمَّا الْأَمْرُ الَّذِي يَتَعَلَّقُ بِتَأْخِيرِ الْعِشَاءِ فَإِنَّهُ أَمْرُ نَدْبٍ قَطْعًا لِمَا ثَبَتَ وَأَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ جَوَازِ فِعْلِهَا مِنْ أَوَّلِ دُخُولِ وَقْتِهَا فَلَوْ أَمَرَهُمْ بِتَأْخِيرِهَا إنَّمَا كَانَ يَأْمُرُهُمْ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِذَلِكَ الْأَمْرِ الَّذِي لَوْ وَقَعَ لَكَانَ نَدْبًا وَلَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ بَلْ كَانَ الْغَالِبُ مِنْ فِعْلِهِ تَقْدِيمَهَا فَكَانَ تَقْدِيمُهَا أَفْضَلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْفَائِدَةُ الْعِشْرُونَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ بَيَانُ مَا كَانَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الرِّفْقِ بِأَمَتِهِ . ( الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) السِّوَاكُ الْمَأْمُورُ بِهِ هَلْ الْأَوْلَى أَنَّهُ يُبَاشِرُهُ الْمُسْتَاكُ بِيَمِينِهِ أَوْ بِشِمَالِهِ ؟ ذَكَرَ بَعْضُ مُتَأَخِّرَيْ الْحَنَابِلَةِ مِمَّنْ رَأَيْته أَنَّهُ يَسْتَاكُ بِيَمِينِهِ ؛ لِأَنَّهُ وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَشْهُورِ { كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنُ فِي تَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَتَطَهُّرِهِ وَسِوَاكِهِ } وَسَمِعْت بَعْضَ مَشَايِخِنَا الشَّافِعِيَّةِ يَبْنِي ذَلِكَ عَلَى أَنَّ السِّوَاكَ هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ التَّطْهِيرِ ، وَالتَّطَيُّبِ أَوْ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْقَاذُورَاتِ ؟ . فَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ بَابِ التَّطَيُّبِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَكُونَ بِيَمِينِهِ وَإِنْ جَعَلْنَاهُ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْقَاذُورَاتِ اُسْتُحِبَّ أَنْ يَلِيَهُ بِشِمَالِهِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ { كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيُمْنَى لِطَهُورِهِ وَطَعَامِهِ وَكَانَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِخَلَائِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَذًى } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ حَفْصَةَ { كَانَ يَجْعَلُ يَمِينَهُ لِطَعَامِهِ وَشَرَابِهِ وَثِيَابِهِ وَيَجْعَلُ شِمَالَهُ لِمَا سِوَى ذَلِكَ } وَمَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ بِالْيَمِينِ لَيْسَ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ فَإِنَّ الْمُرَادَ مِنْهُ الْبُدَاءَةُ بِالشِّقِّ الْأَيْمَنِ فِي التَّرَجُّلِ ، وَالْبُدَاءَةُ بِلُبْسِ النَّعْلِ ، وَالْبُدَاءَةُ بِالْأَعْضَاءِ الْيُمْنَى فِي التَّطَهُّرِ ، وَالْبُدَاءَةُ بِالْجَانِبِ الْأَيْمَنِ مِنْ الْفَمِ فِي الِاسْتِيَاكِ كَمَا تَقَدَّمَ . وَأَمَّا كَوْنُهُ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ فَيَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْأَذَى كَالِامْتِخَاطِ وَنَحْوِهِ فَيَكُونُ بِالْيُسْرَى ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ فَقَالَ فِي الْمُفْهِمِ حِكَايَةً عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَتَسَوَّكُ فِي الْمَسَاجِدِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْقَذِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ سُفْيَانُ ( مَرَّةً ) رِوَايَةَ { خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ ، الْخِتَانُ ، وَالِاسْتِحْدَادُ ، وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظَافِرِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ } وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ يُزَادُ فِيهَا السِّوَاكُ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ ، وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ } وَلَمْ يَذْكُرْ الْخِتَانَ ، وَنَسِيَ مُصْعَبٌ الْعَاشِرَةَ ، إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةُ ، وَقَدْ صَنَّفَهُ النَّسَائِيّ . وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ { إنَّ مِنْ الْفِطْرَةِ الْمَضْمَضَةَ ، وَالِاسْتِنْشَاقَ } قَالَ فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَلَمْ يَذْكُرْ إعْفَاءَ اللِّحْيَةِ زَادَ ( وَالْخِتَانُ ) قَالَ ( وَالِانْتِضَاحُ ) وَلَمْ يَذْكُرْ انْتِقَاصَ الْمَاءِ يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ ، وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِتَمَامِهِ وَتَكَلَّمَ الْبُخَارِيُّ فِي اتِّصَالِهِ . ( الْحَدِيثُ الثَّانِي ) : وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً رِوَايَةَ { خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ : الْخِتَانُ ، وَالِاسْتِحْدَادُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ } فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فَرَوَوْهُ خَلَا التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَالتِّرْمِذِيِّ ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ . عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ أَنَّ قَوْلَ الرَّاوِي عَنْ الصَّحَابِيِّ رِوَايَةً مَحْمُولٌ عَلَى رَفْعِ الْحَدِيثِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ أَحْمَدَ قَدْ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ مَعًا صَرَّحَ مَرَّةً بِالرَّفْعِ وَأَشَارَ إلَيْهِ أُخْرَى بِقَوْلِهِ رِوَايَةً ، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ مُسَدَّدٍ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ فَقَالَ فِيهِ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( الثَّالِثَةُ ) اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْفِطْرَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقِيلَ الْمُرَادُ بِهَا السُّنَّةُ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ أَبِي عَوَانَةَ فِي الْمُسْتَخْرَجِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْآتِي ذِكْرُهُ عَشْرٌ مِنْ السُّنَّةِ وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ الطَّرِيقَةُ أَيْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ سُنَنِ الْأَنْبِيَاءِ وَطَرِيقَتِهِمْ ؛ لِأَنَّ بَعْضَهَا وَاجِبٌ كَمَا سَيَأْتِي عَلَى الْخِلَافِ وَمَنْ لَا يَرَى وُجُوبَ شَيْءٍ مِنْهَا يَحْمِلُهَا عَلَى السُّنَّةِ الَّتِي تُقَابِلُ الْوَاجِبَ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْفِطْرَةِ هُنَا الدَّيْنُ . وَأَمَّا أَصْلُ الْفِطْرَةِ فَابْتِدَاءُ الْخَلْقِ وَاخْتِرَاعُهُ مِنْ قَوْله تَعَالَى { فَاطِرِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ } وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : مَا كُنْت أَدْرِي مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ حَتَّى احْتَكَمَ إلَيَّ أَعْرَابِيَّانِ فِي بِئْرٍ فَقَالَ أَحَدُهُمَا : أَنَا فَطَرْتُهَا أَيْ ابْتَدَأْتُ حَفْرَهَا وَمِنْهُ بَعِيرٌ فَاطِرٌ إذَا ابْتَدَأَ خُرُوجَ نَابِهِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْجِبِلَّةُ الَّتِي جُبِلَ عَلَيْهَا ابْنُ آدَمَ وَمِنْهُ قَوْلُ عَلِيٍّ فِي خُطْبَتِهِ جُبَارُ الْقُلُوبِ عَلَى فِطْرَتِهَا أَيْ عَلَى خَلْقِهَا وَجِبِلَّتِهَا ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي قَوْلِهِ : { كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ } وَقِيلَ الْفِطْرَةُ الْإِسْلَامُ وَمِنْهُ قَوْلُ حُذَيْفَةَ لَوْ مِتَّ عَلَى هَذَا مِتَّ عَلَى غَيْرِ فِطْرَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ { كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ } وَعَلَيْهِ حُمِلَ قَوْلُ جِبْرِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَخَذَ اللَّبَنَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أَصَبْت الْفِطْرَةَ . ( الرَّابِعَةُ ) فِي مُنَاسَبَةِ تَسْمِيَةِ هَذِهِ الْخِصَالِ فِطْرَةً قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ مِمَّا فَطَرَهُ عَلَى حُسْنِ الْهَيْئَةِ ، وَالنَّظَافَةِ وَكِلَاهُمَا يَحْصُلُ بِهِ الْبَقَاءُ عَلَى أَصْلِ كَمَالِ الْخِلْقَةِ الَّتِي خُلِقَ الْإِنْسَانُ عَلَيْهَا ، وَبَقَاءُ هَذِهِ الْأُمُورِ وَتَرْكُ إزَالَتِهَا يُشَوِّهُ الْإِنْسَانَ وَيُقَبِّحُهُ بِحَيْثُ يُسْتَقْذَرُ وَيُجْتَنَبُ فَيَخْرُجُ عَمَّا تَقْتَضِيه الْفِطْرَةُ الْأُولَى فَسُمِّيَتْ هَذِهِ الْخِصَالُ فِطْرَةً لِهَذَا الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ هِيَ الَّتِي ابْتَلَى اللَّهُ بِهَا إبْرَاهِيمَ فَأَتَمَّهُنَّ فَجَعَلَهُ اللَّهُ إمَامًا . ( السَّادِسَةُ ) فِي قَوْلِهِ مِنْ الْفِطْرَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْخِصَالَ بَعْضُ خِصَالِ الْفِطْرَةِ لَا كُلُّهَا ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِدَلِيلِ حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَأَصْحَابِ السُّنَنِ { عَشْرٌ مِنْ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ وَإِعْفَاءُ اللِّحْيَةِ ، وَالسِّوَاكُ وَاسْتِنْشَاقُ الْمَاءِ وَقَصُّ الْأَظْفَارِ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ وَانْتِقَاصُ الْمَاءِ قَالَ زَكَرِيَّا قَالَ مُصْعَبٌ وَنَسِيتُ الْعَاشِرَةَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةَ } وَزَادَ قُتَيْبَةُ قَالَ وَكِيعٌ انْتِقَاصُ الْمَاءِ يَعْنِي الِاسْتِنْجَاءَ ، وَقَدْ ضَعَّفَ النَّسَائِيّ رَفْعَهُ فَإِنَّهُ رَوَاهُ مَوْقُوفًا عَلَى طَلْقِ ابْنِ حَبِيبٍ ثُمَّ قَالَ : إنَّهُ أَوْلَى بِالصَّوَابِ مِنْ حَدِيثِ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ قَالَ وَمُصْعَبُ بْنُ شَيْبَةَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ إنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا يَدُلُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ خِصَالَ الْفِطْرَةِ أَكْثَرُ مِنْ الْعَشَرَةِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ أَسْقَطَ مِنْهَا الْخِتَانَ الْمَذْكُورَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَذَكَرَ مِنْهَا الِانْتِضَاحَ فِي حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مِنْ الْفِطْرَةِ الْمَضْمَضَةُ وَالِاسْتِنْشَاقُ ، وَالسِّوَاكُ وَقَصُّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَنَتْفُ الْإِبِطِ ، وَالِاسْتِحْدَادُ وَغَسْلُ الْبَرَاجِمِ ، وَالِانْتِضَاحُ ، وَالِاخْتِتَانُ } لَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ وَسَاقَ أَبُو دَاوُد بَعْضَهُ وَأَحَالَ بِبَقِيَّتِهِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : إنَّهُ لَا يُعْرَفُ لِسَلَمَةَ سَمَاعٌ مِنْ عَمَّارٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد عَنْ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُرْسَلَةٌ ، وَقَدْ ذَكَرَ مِنْ الْفِطْرَةِ الْفَرْقَ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد بَعْدَ حَدِيثِ عَمَّارٍ فَقَالَ رُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ خَمْسٌ كُلُّهَا فِي الرَّأْسِ ذَكَرَ فِيهَا الْفَرْقَ لَمْ يَذْكُرْ إعْفَاءَ اللِّحْيَةِ فَقَدْ تَحَصَّلَ مِنْ مَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ثَلَاثَةَ عَشْرَ خَصْلَةً . وَأَمَّا قَوْلُ مُسْلِمٍ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ الْفِطْرَةُ خَمْسٌ وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الْفِطْرَةُ خَمْسٌ فَإِنَّ سُفْيَانَ قَدْ رَوَاهُ عَلَى الشَّكِّ كَمَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْفِطْرَةِ خَمْسٌ أَوْ خَمْسٌ مِنْ الْفِطْرَةِ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّكُّ مِنْهُ أَوْ مِمَّنْ فَوْقَهُ أَوْ مِنْ الرُّوَاةِ عَنْهُ وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَعَمَّارٍ بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ ذَكَرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ التَّأَكُّدَ مِنْ خِصَالِ الْفِطْرَةِ وَأَفْرَدَهَا بِالذِّكْرِ لِتَأَكُّدِهَا . ( وَالثَّانِي ) أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ بِزِيَادَةِ الْخِصَالِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَحَدِيثِ عَمَّارٍ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِمَا وَكَذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عِنْدَ النَّسَائِيّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الْفِطْرَةُ قَصُّ الْأَظْفَارِ وَأَخْذُ الشَّارِبِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ } فَاقْتَصَرَ فِيهِ عَلَى ثَلَاثِ خِصَالٍ ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ { مِنْ الْفِطْرَةِ حَلْقُ الْعَانَةِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَقَصُّ الشَّارِبِ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ الْفِطْرَةِ قَصُّ الشَّارِبِ هَكَذَا أَوْرَدَهُ مِنْ الطَّرِيقَيْنِ فِي اللِّبَاسِ مِنْ رِوَايَةِ حَنْظَلَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَسْقَطَهُ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ فَاقْتَصَرَ عَلَى عَزْوِهِ لِلنَّسَائِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) فِيهِ أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ ؛ لِأَنَّهُ اقْتَصَرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى خَمْسٍ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى ثَلَاثٍ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عَلَى عَشْرٍ مَعَ وُرُودِ غَيْرِهَا فَأَفَادَنَا ذَلِكَ أَنَّ ذِكْرَ الْعَدَدِ لَا يَقْتَضِي نَفْيَ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْأُصُولِ وَلِمَنْ قَالَ بِهِ أَنْ يُجِيبَ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ أَعْلَمَهُ بِالزِّيَادَةِ فِي خِصَالِ الْفِطْرَةِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ عَلِمَهُ لَمَّا حَدَّثَ بِبَعْضِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) الْخِتَانُ هُوَ قَطْعُ الْغُلْفَةِ الَّتِي تُغَطِّي الْحَشَفَةَ مِنْ الرَّجُلِ وَقَطْعُ بَعْضِ الْجِلْدَةِ الَّتِي فِي أَعْلَى فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَيُسَمَّى خِتَانُ الرَّجُلِ إعْذَارًا بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالرَّاءِ وَخِتَانُ الْمَرْأَةِ خَفْضًا بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالْفَاءِ ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ أَيْضًا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ وَاجِبٌ ؟ . فَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى وُجُوبِهِ ، وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِ سَحْنُونٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي حَقِّ الرِّجَالِ سُنَّةٌ فِي حَقِّ النِّسَاءِ وَاحْتَجَّ مَنْ قَالَ إنَّهُ سُنَّةٌ بِحَدِيثِ أَبِي الْمَلِيحِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : الْخِتَانُ سُنَّةٌ لِلرِّجَالِ مَكْرُمَةٌ لِلنِّسَاءِ } رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أَيُّوبَ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّهُ يَدُورُ عَلَى الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَلَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ . ( قُلْت ) : قَدْ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُسْنَدِ الشَّامِيِّينَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الْحَجَّاجِ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ بِشْرِ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَجَابَ مَنْ أَوْجَبَهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالسُّنَّةِ هُنَا خِلَافَ الْوَاجِبِ بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الطَّرِيقَةُ وَاحْتَجُّوا عَلَى وُجُوبِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { أَنْ اتَّبِعْ مِلَّةَ إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا } وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اُخْتُتِنَ إبْرَاهِيمُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ ابْنُ ثَمَانِينَ سَنَةً بِالْقَدُومِ } وَبِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرَّجُلِ الَّذِي أَسْلَمَ { أَلْقِ عَنْك شَعْرَ الْكُفْرِ وَاخْتَتِنْ } وَاسْتَدَلَّ ابْنُ شُرَيْحٍ عَلَى وُجُوبِهِ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى تَحْرِيمِ النَّظَرِ إلَى الْعَوْرَةِ فَلَوْلَا أَنَّ الْخِتَانَ فَرْضٌ لَمَا أُبِيحَ النَّظَرُ إلَيْهَا مِنْ الْمَخْتُونِ وَنَقَضَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِجَوَازِ نَظَرِ الطَّبِيبِ وَلَيْسَ الطِّبُّ وَاجِبًا إجْمَاعًا وَاحْتَجَّ الْقَفَّالُ لِوُجُوبِهِ بِأَنَّ بَقَاءَ الْغُلْفَةِ تَحْبِسُ النَّجَاسَةَ وَتَمْنَعُ صِحَّةَ الصَّلَاةِ فَتَجِبُ إزَالَتُهَا وَشَبَّهَهُ بِالنَّجَاسَةِ فِي بَاطِنِ الْفَمِ وَقَاسَهُ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى وُجُوبِ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ فَقَالَ هُوَ قَطْعُ جُزْءٍ مِنْ الْبَدَنِ لَا يُسْتَخْلَفُ تَعَبُّدًا فَوَجَبَ كَالْقَطْعِ وَاحْتُرِزَ بِعَدَمِ الِاسْتِخْلَافِ عَنْ الشَّعْرِ ، وَالظُّفْرِ وَبِالتَّعَبُّدِ عَلَى الْقَطْعِ لِلْآكِلَةِ فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ . ( التَّاسِعَةُ ) إذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْخِتَانِ فَمَحَلُّ الْوُجُوبِ بَعْدَ الْبُلُوغِ عَلَى الصَّحِيحِ مِنْ مَذْهَبِنَا لِمَا رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّهُ سُئِلَ مِثْلُ مَنْ أَنْتَ حِينَ قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ أَنَا يَوْمئِذٍ مَخْتُونٌ وَكَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الرَّجُلَ حَتَّى يُدْرِكَ } وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَجِبُ عَلَى الْوَلِيِّ أَنْ يَخْتِنَ الصَّغِيرَ قَبْلَ الْبُلُوغِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَحْرُمُ الْخِتَانُ قَبْلَ اسْتِكْمَالِ عَشْرِ سِنِينَ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا رَوَاهُ . ( الْعَاشِرَةُ ) الِاسْتِحْدَادُ اسْتِفْعَالٌ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْحَدِيدِ فِي حَلْقِ الْعَانَةِ ، وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ إجْمَاعًا وَاخْتُلِفَ فِي الْعَانَةِ الَّتِي يُسْتَحَبُّ حَلْقُهَا فَالْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ مَا حَوْلَ ذَكَرِ الرَّجُلِ وَفَرْجِ الْمَرْأَةِ مِنْ الشَّعْرِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ شُرَيْحٍ إنَّهُ الشَّعْرُ الَّذِي حَوْلَ حَلْقَةِ الدُّبُرِ قَالَ النَّوَوِيُّ فَيَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِ هَذَا اسْتِحْبَابُ حَلْقِ جَمِيعِ مَا عَلَى الْقُبُلِ ، وَالدُّبُرِ وَحَوْلَهُمَا ، وَالْأَحْسَنُ فِي هَذِهِ السُّنَّةِ الْحَلْقُ بِالْمُوسَى ؛ لِأَنَّهُ أَنْظَفُ وَيَحْصُلُ بِالْقَصِّ بِالْمِقَصَّيْنِ وَكَذَلِكَ يَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ بِالنَّتْفِ وَاسْتِعْمَالِ النُّورَةِ وَنَحْوِهَا إذْ الْمَقْصُودُ حُصُولُ النَّظَافَةِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ اسْتِعْمَالِ الْكِنَايَاتِ عَنْ التَّصْرِيحِ بِمَا يُسْتَحْيَا مِنْهُ إذَا حَصَلَ الْإِفْهَامُ بِغَيْرِ التَّصْرِيحِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ قَصِّ الشَّارِبِ ، وَهُوَ مَجْمَعٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَذَهَبَ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ إلَى وُجُوبِهِ لِقَوْلِهِ { قُصُّوا الشَّوَارِبَ } رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ جُزُّوا وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ أَحْفُوا وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ { أَنْهِكُوا الشَّوَارِبَ } . وَالْمُخْتَارُ فِي صِفَةِ قَصِّهِ أَنْ يَقُصَّ مِنْهُ حَتَّى يَبْدُوَ طَرَفُ الشَّفَةِ ، وَهُوَ حُمْرَتُهَا وَلَا يُحْفِيه مِنْ أَصْلِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَكَانَ مَالِكٌ يَرَى حَلْقَهُ مُثْلَةً وَيَأْمُرُ بِأَدَبِ فَاعِلِهِ وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَعْلَاهُ وَذَهَبَ ابْنُ عُمَرَ وَبَعْضُ التَّابِعِينَ إلَى اسْتِحْبَابِ إحْفَائِهِ وَاسْتِئْصَالِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ أَحْفُوا وَجُزُّوا وَفِي بَعْضِهَا أَنْهِكُوا وَبِرِوَايَةِ النَّسَائِيّ فِي حَدِيثِ الْبَابِ وَحَلْقُ الشَّارِبِ وَحَمَلَ الْأَوَّلُونَ الْجَزَّ ، وَالْإِحْفَاءَ عَلَى الْقَصِّ وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى إحْفَاءِ مَا طَالَ عَلَى الشَّفَتَيْنِ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّقْصِيرُ لَا اسْتِئْصَالُهُ رِوَايَةُ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَتَقْصِيرُ الشَّارِبِ . وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا { قَصُّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَارِبَ الْمُغِيرَةِ بْنِ الْمُغِيرَةِ عَلَى سِوَاكٍ } كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ فَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ اسْتِئْصَالَهُ لَمَا وَضَعَ السِّوَاكَ حَتَّى يَقْطَعَ مَا زَادَ عَلَيْهِ وَذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَ ) يُسْتَحَبُّ الِابْتِدَاءٌ بِقَصِّ الْجِهَةِ الْيُمْنَى مِنْ الشَّارِبِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ { كَانَ يُعْجِبُهُ التَّيَمُّنَ فِي تَطَهُّرِهِ وَتَرَجُّلِهِ وَتَنَعُّلِهِ وَفِي شَأْنِهِ كُلِّهِ } ( الرَّابِعَةَ عَشْرَ ) يَجُوزُ فِي قَصّ الشَّارِبِ أَنْ يُبَاشِرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَأَنْ يَقُصَّهُ لَهُ غَيْرُهُ لِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ الْمُتَقَدِّمِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد إذْ لَا هَتْكَ حُرْمَةٍ فِي ذَلِكَ وَلَا نَقْصَ مُرُوءَةٍ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَ ) اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ قَصِّ الشَّارِبِ هَلْ يُقَصُّ طَرَفَاهُ أَيْضًا وَهُمَا الْمُسَمَّيَانِ بِالسِّبَالَيْنِ أَمْ يُتْرَكُ السِّبَالَانِ كَمَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ ؟ فَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ لَا بَأْسَ بِتَرْكِ سِبَالَيْهِ وَهُمَا طَرَفَا الشَّارِبِ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتُرُ الْفَمَ وَلَا يُبْقِي فِيهِ غَمْرَةَ الطَّعَامِ إذْ لَا يَصِلُ إلَيْهِ انْتَهَى . وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ كُنَّا نُعْفِي السِّبَالَ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ وَكَرِهَ بَعْضُهُمْ بَقَاءَ السِّبَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشَبُّهِ بِالْأَعَاجِمِ بَلْ بِالْمَجُوسِ وَأَهْلِ الْكِتَابِ وَهَذَا أَوْلَى بِالصَّوَابِ لِمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { ذُكِرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَجُوسُ فَقَالَ إنَّهُمْ يُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ وَيَحْلِقُونَ لِحَاهُمْ فَخَالِفُوهُمْ } فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَجُزُّ سِبَالَهُ كَمَا تُجَزُّ الشَّاةُ أَوْ الْبَعِيرُ وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ لِأَبِي أُمَامَةَ { فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ فَإِنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ يَقُصُّونَ عَثَانِينَهُمْ وَيُوَفِّرُونَ سِبَالَهُمْ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُصُّوا سِبَالَكُمْ وَوَفِّرُوا عَثَانِينَكُمْ وَخَالِفُوا أَهْلَ الْكِتَابِ } ، وَالْعَثَانِينُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَتَكْرَارِ النُّونِ جَمْعُ عُثْنُونٍ : اللِّحْيَةُ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَالتَّقْلِيمُ تَفْعِيلٌ مِنْ الْقَلْمِ ، وَهُوَ الْقَطْعُ وَمِنْهُ تَقْلِيمُ الْأَشْجَارِ ، وَهُوَ قَطْعُ أَطْرَافِهَا . ( السَّابِعَةَ عَشْرَ ) لَمْ يَثْبُتْ فِي كَيْفِيَّةِ تَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ حَدِيثٌ يُعْمَلُ بِهِ قَالَ الْغَزَالِيُّ فِي إحْيَاءِ عُلُومِ الدِّينِ لَمْ أَرَ فِي الْكُتُبِ خَبَرًا مَرْوِيًّا فِي تَرْتِيبِ قَلْمِ الْأَظْفَارِ وَلَكِنْ سَمِعْت أَنَّهُ رَوَى { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِمُسَبِّحَةِ الْيُمْنَى وَخَتَمَ بِإِبْهَامِ الْيُمْنَى وَابْتَدَأَ فِي الْيُسْرَى بِالْخِنْصَرِ إلَى الْإِبْهَامِ وَفِي الْيُمْنَى مِنْ الْمُسَبِّحَةِ إلَى الْخِنْصَرِ وَيَخْتِمُ بِإِبْهَامِ الْيُمْنَى } . قَالَ الْغَزَالِيُّ : وَلَمَّا تَأَمَّلْت هَذَا خَطَرَ لِي مِنْ الْمَعْنَى مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الرِّوَايَةَ فِيهِ صَحِيحَةٌ ثُمَّ ذَكَرَ لِذَلِكَ حِكْمَةً ، وَقَدْ تَعَقَّبَهُ الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ الْمَالِكِيُّ فِي كِتَابٍ وَقَفْت عَلَيْهِ لَهُ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ وَبَالَغَ فِي هَذَا الْمَكَانِ فِي إنْكَارِ هَذَا عَلَيْهِ وَقَالَ : إنَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَخْلِطَ الشَّرِيعَةَ بِالْفَلْسَفَةِ هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ وَبَالَغَ فِي تَقْبِيحِ ذَلِكَ ، وَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ سَهْلٌ . وَقَدْ وَافَقَهُ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إلَّا أَنَّهُ خَالَفَهُ فِي تَأْخِيرِ إبْهَامِ الْيُمْنَى إلَى بَعْدِ الْفَرَاغِ مِنْ الْيُسْرَى وَقَالَ يَنْبَغِي أَنْ يَخْتِمَ الْيُمْنَى بِإِبْهَامِهَا وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ حِكْمَةٌ ظَاهِرَةٌ فَإِنَّهُ لَا شَكَّ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْيُمْنَى أَوْلَى ثُمَّ إنَّ أَشْرَفَ أَصَابِعِ الْيَدِ الْيُمْنَى الْمُسَبِّحَةُ فَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُشِيرُ بِهَا عِنْدَ الدُّعَاءِ وَفِي التَّشَهُّدِ فَكَانَ الِابْتِدَاءُ بِالْمُسَبِّحَةِ أَوْلَى ثُمَّ يَنْبَغِي أَنْ يَعْقُبَهَا بِمَا عَلَى جِهَةِ يَمِينِ الرَّجُلِ . وَالْغَالِبُ أَنَّ الَّذِي يَقُصُّ تَكُونُ يَدُهُ ظَهْرُهَا إلَى فَوْقٍ فَكَانَ الَّذِي إلَى جِهَةِ يَمِينِهِ الْوُسْطَى ثُمَّ مَا بَعْدَهَا إلَى الْخِنْصَرِ وَلَمْ يَبْقَ مِنْهَا حِينَئِذٍ إلَّا الْإِبْهَامُ فَيَخْتِمُ بِهِ . وَأَمَّا الْيُسْرَى فَلَا فَضِيلَةَ فِيهَا لِلْمُسَبِّحَةِ عَلَى غَيْرِهَا ، وَقَدْ { رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا يَدْعُو ، وَهُوَ يُشِيرُ بِأُصْبُعَيْهِ الْمُسَبِّحَةِ مِنْ الْيُمْنَى وَنَظِيرِهَا مِنْ الْيُسْرَى فَقَالَ لَهُ أَحَدٌ أَحَدٌ } أَيْ أُشِرْ بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ وَلَا تُشِرْ بِنَظِيرِهَا مِنْ الْيُسْرَى ، وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا وَجْهَ لِتَقْدِيمِ الْمُسَبِّحَةِ مِنْهَا فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الْبُدَاءَةُ بِأَحَدِ طَرَفَيْهَا وَيَقُصُّ عَلَى الْوَلَاءِ . وَأَمَّا مَيْلُهُ إلَى تَقْدِيمِ الْخِنْصَرِ فَلِأَنَّ الْيَدَ غَالِبًا تُقَصُّ وَظُهْرُهَا إلَى فَوْقٍ ، فَإِذَا بَدَأَ بِخِنْصَرِهَا أَتَى بَعْدَهَا بِمَا يَلِي جِهَةَ يَمِينِهِ وَلَوْ بَدَأَ بِالْإِبْهَامِ أَوَّلًا لَأَتَى بَعْدَهَا بِمَا يَلِي جِهَةَ شِمَالِهِ فَكَانَ الِاعْتِنَاءُ لِجِهَةِ الْيَمِينِ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَزَادَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي تَقْلِيمِ أَظْفَارِ الرِّجْلَيْنِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَبْدَأَ بِخِنْصَرِ الْيُمْنَى وَيَخْتِمَ بِخِنْصَرِ الْيُسْرَى ، وَهُوَ يُعَكِّرُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْقَصِّ إلَى جِهَةِ الْيَمِينِ وَرَأَيْت بَعْضَ شُيُوخِنَا يَخْتَارُ فِي قَصِّ الْأَظْفَارِ كَيْفِيَّةً أُخْرَى بِحَيْثُ يَكُونُ الْقَصُّ مُخَالِفًا لَا عَلَى الْوَلَاءِ وَأَنَّهُ يَبْدَأُ بِمُسَبِّحَةِ الْيَدِ الْيُمْنَى ثُمَّ بِالْبِنْصِرِ ثُمَّ بِالْإِبْهَامِ ثُمَّ بِالْوُسْطَى ثُمَّ بِالْخِنْصَرِ ثُمَّ بِمُسَبِّحَةِ الْيُسْرَى كَذَلِكَ عَلَى الْمُخَالِفَةِ ثُمَّ بِخِنْصَرِ الرِّجْلِ الْيُمْنَى ثُمَّ بِالْوُسْطَى ثُمَّ بِالْإِبْهَامِ ثُمَّ الْإِصْبَعِ الْمُجَاوِرَةِ لِلْخِنْصَرِ ثُمَّ بِالْمُجَاوِرَةِ لِلْإِبْهَامِ ثُمَّ بِإِبْهَامِ الْيُسْرَى ثُمَّ بِالْوُسْطَى ثُمَّ الْخِنْصَرِ الَّتِي تُجَاوِرُ الْإِبْهَامَ ثُمَّ الَّتِي تُجَاوِرُ الْخِنْصَرِ وَقَالَ : إنَّهُ جَرَّبَ هَذَا لِلسَّلَامَةِ مِنْ الرَّمَدِ وَأَنَّهُ كَانَ كَثِيرًا مَا يَرْمَدُ فَمِنْ حِينَ صَارَ يَقُصُّ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ لَمْ يَرْمِدْ بَعْدَ ذَلِكَ وَرَأَيْت مَنْ يَذْكُرُهُ حَدَّثَنَا مَنْ قَصَّ أَظْفَارَهُ مُخَالِفًا عُوفِيَ الرَّمَدَ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا أَصْلَ لَهُ أَلْبَتَّةَ ، وَالْكَيْفِيَّةُ الْأُولَى أَوْلَى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ التَّقْيِيدُ بِهَا سُنَّةً لِعَدَمِ ثُبُوتِهَا أَيْضًا وَكَيْفَمَا قَصَّ حَصَلَ أَصْلُ السُّنَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةَ عَشْرَ ) يُخَيَّرُ الَّذِي يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ بَيْنَ أَنْ يُبَاشِرَ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَقُصَّ لَهُ غَيْرُهُ لِقَصِّ الشَّارِبِ سَوَاءٌ إذْ لَا هَتْكَ حُرْمَةٍ فِي ذَلِكَ وَلَا تَرْكَ مُرُوءَةٍ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَا سِيَّمَا مَنْ لَا يُحْسِنُ قَصَّ أَظَافِرَ يَدِهِ الْيُمْنَى فَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَا يَسْتَمْكِنُ مِنْ قَصِّهَا لِعُسْرِ اسْتِعْمَالِ الْيَسَارِ ، فَإِنَّ الْأَوْلَى فِي حَقِّهِ أَنْ يَتَوَلَّى ذَلِكَ غَيْرُهُ لِئَلَّا يَجْرَحَ يَدَهُ أَوْ يُؤْذِيَهَا . ( التَّاسِعَةَ عَشْرَ ) اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِي أَوَّلِ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ بِقَصِّ الْأَظْفَارِ فَوَرَدَ فِي بَعْضِهَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَفِي بَعْضِهَا يَوْمُ الْخَمِيسِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى رَوَيْنَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُرْسَلًا قَالَ { : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَحِبُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ شَارِبِهِ وَأَظَافِرِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ } انْتَهَى . وَأَمَّا قَصُّهَا يَوْمَ الْخَمِيسِ فَرَوَيْنَاهُ فِي حَدِيثٍ مُسَلْسَلٍ بِذَلِكَ أَخْبَرَنِي بِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الْأَحَدِ الْحَرَّانِيِّ وَرَأَيْته يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ . قَالَ أَخْبَرَنَا الْحَافِظُ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ الدِّمْيَاطِيُّ وَرَأَيْته يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ قَالَ أَخْبَرَنَا الْمَشَايِخُ السِّتَّةُ صَقْرُ بْنُ يَحْيَى بْنِ صَقْرٍ وَأَبُو طَالِبٍ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ الرَّحِيمِ بْنِ الْعَجَمِيُّ وَأَبُو الْقَاسِمِ عُمَرُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْحَلَبِيُّونَ ، وَالْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ يُوسُفُ بْنُ خَلِيلٍ وَمُحَمَّدٌ وَعَبْدُ الْحَمِيدِ أَبْنَاءُ عَبْدِ الْهَادِي بْنِ قُدَامَةَ الدِّمَشْقِيُّونَ وَرَأَيْت كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ قَالُوا أَخْبَرَنَا يَحْيَى بْنُ مَحْمُودٍ الثَّقَفِيُّ وَرَأَيْنَاهُ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ . قَالَ أَخْبَرَنِي جَدِّي لِأُمِّي أَبُو الْقَاسِمِ إسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ الْفَضْلِ التَّمِيمِيُّ وَرَأَيْته يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ قَالَ رَأَيْت الْإِمَامَ أَبَا مُحَمَّدٍ الْحَسَنَ بْنَ أَحْمَدَ السَّمَرْقَنْدِيَّ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ قَالَ رَأَيْت الْحَافِظَ أَبَا الْعَبَّاسِ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الْمُسْتَغْفِرِيَّ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ قَالَ رَأَيْت الْإِمَامَ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الْمَكِّيَّ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ قَالَ رَأَيْت الْإِمَامَ إسْمَاعِيلَ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ شَاهْ الْمَرْوَرُذِيَّ بِهَا يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ قَالَ رَأَيْت أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ النَّيْسَابُورِيَّ ، وَهُوَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ قَالَ رَأَيْت الْفَضْلَ بْنَ الْعَبَّاسِ الْكُوفِيَّ ، وَهُوَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ قَالَ رَأَيْت الْحُسَيْنَ بْنَ هَارُونَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الضَّبِّيَّ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ قَالَ رَأَيْت عُمَرَ بْنَ حَفْصٍ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ قَالَ رَأَيْت أَبِي حَفْصَ بْنَ غِيَاثٍ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَقَالَ رَأَيْت جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَقَالَ رَأَيْت مُحَمَّدَ بْنَ عَلِيٍّ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَقَالَ رَأَيْت عَلِيَّ بْنَ الْحُسَيْنِ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَقَالَ رَأَيْت الْحُسَيْنَ بْنَ عَلِيٍّ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَقَالَ رَأَيْت عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ وَقَالَ { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّمُ أَظْفَارَهُ يَوْمَ الْخَمِيسِ ثُمَّ قَالَ : يَا عَلِيُّ قَصُّ الظُّفْرِ وَنَتْفُ الْأَنْفِ وَحَلْقُ الْعَانَةِ يَوْمَ الْخَمِيسِ ، وَالْغُسْلُ ، وَالطِّيبُ ، وَاللِّبَاسُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ } . وَفِي إسْنَادِهِ مَنْ يَحْتَاجُ إلَى الْكَشْفِ عَنْهُ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ فَأَمَّا الْحُسَيْنُ بْنُ هَارُونَ الضَّبِّيُّ وَمَنْ بَعْدَهُ فَثِقَاتٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْفَائِدَةُ الْعِشْرُونَ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ نَتْفِ شَعْرِ الْإِبِطِ ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَسُنِّيَّتِهِ وَتَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ بِإِزَالَتِهِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ الْحَلْقِ ، وَالْقَصِّ ، وَالنُّورَةِ وَحُكِيَ عَنْ يُونُسَ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى قَالَ دَخَلْت عَلَى الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَعِنْدَهُ الْمُزَيِّنُ يَحْلِقُ إبِطَهُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ عَلِمْت أَنَّ السُّنَّةَ النَّتْفُ وَلَكِنْ لَا أَقْوَى عَلَى الْوَجَعِ وَيُسْتَحَبُّ الِابْتِدَاءُ بِالْإِبِطِ الْأَيْمَنِ . ( الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) سَوَّى النَّوَوِيُّ بَيْنَ الْإِبِطِ ، وَالْعَانَةِ فِي أَنَّهُ يَتَوَلَّى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ وَلَا يُخَيَّرُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ مُبَاشَرَةِ غَيْرِهِ لِذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ هَتْكِ الْمُرُوءَةِ ، وَالْحُرْمَةِ بِخِلَافِ قَصِّ الشَّارِبِ ، وَهُوَ مُسَلَّمٌ فِيمَا إذَا أَتَى بِالْأَفْضَلِ مِنْ النَّتْفِ فِي الْإِبِطِ أَمَّا إذَا أَتَى بِالْحَلْقِ فَلَا بَأْسَ حِينَئِذٍ لِمُبَاشَرَةِ غَيْرِهِ لِإِزَالَتِهِ لِعُسْرِ تَمَكُّنِهِ مِنْ الْحَلْقِ كَمَا تَقَدَّمَ نَقْلُهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ حَلَقَهُ لَهُ الْمُزَيِّنُ . ( الثَّانِيَةُ ، وَالْعِشْرُونَ ) الْحِكْمَةُ فِي اخْتِصَاصِ الْإِبِطِ بِالنَّتْفِ ، وَالْعَانَةِ بِالْحَلْقِ عَلَى وَجْهِ الْأَفْضَلِيَّةِ أَنَّ الْإِبِطَ مَحَلُّ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ ، وَالنَّتْفُ يُضْعِفُ الشَّعْرَ فَتَخِفُّ الرَّائِحَةُ ، وَالْحَلْقُ يُكَثِّفُ الشَّعْرَ فَتَكْثُرُ فِيهِ الرَّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ ) ذَكَرَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَعْرٌ تَحْتَ إبِطِهِ لِحَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الِاسْتِسْقَاءِ حَتَّى يُرَى بَيَاضُ إبِطَيْهِ } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا صَلَّى فَرَّجَ بَيْنَ يَدَيْهِ حَتَّى يَبْدُوَ بَيَاضُ إبِطَيْهِ } وَقَالَ الشَّيْخُ جَمَالُ الدِّينِ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ : إنَّ بَيَاضَ الْإِبِطِ كَانَ مِنْ خَوَاصِّهِ فَوَرَدَ التَّعْبِيرُ بِذَلِكَ فِي حَقِّهِ فَأُطْلِقَ عَلَى غَيْرِهِ ذُهُولًا قَالَ : وَأَمَّا إبِطُ غَيْرِهِ فَأَسْوَدُ لِمَا فِيهِ مِنْ الشَّعْرِ انْتَهَى وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ كَوْنِ هَذَا مِنْ الْخَصَائِصِ فِيهِ نَظَرٌ إذْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ بَلْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمُعْتَمَدَةِ . وَالْخَصَائِصُ لَا تَثْبُتُ بِالِاحْتِمَالِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ أَنَسٍ وَغَيْرِهِ بَيَاضَ إبِطَيْهِ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ شَعْرٌ فَإِنَّ الشَّعْرَ إذَا نُتِفَ بَقِيَ الْمَكَانُ أَبْيَضَ وَإِنْ بَقِيَ فِيهِ آثَارُ الشَّعْرِ ؛ وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَقْوَمَ الْخُزَاعِيِّ أَنَّهُ { صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَاعِ مِنْ نَمِرَةَ فَقَالَ كُنْت أَنْظُرُ إلَى عُفْرَةِ إبِطَيْهِ إذَا سَجَدَ } . أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فَذَكَرَ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ وَابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ أَنَّ الْعُفْرَةَ بَيَاضٌ لَيْسَ بِالنَّاصِعِ وَلَكِنْ كَلَوْنِ عَفْرِ الْأَرْضِ ، وَهُوَ وَجْهُهَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ آثَارَ الشَّعْرِ هُوَ الَّذِي جَعَلَ الْمَكَانَ أَعْفَرَ وَإِلَّا فَلَوْ كَانَ خَالِيًا مِنْ بَنَاتِ الشَّعْرِ جُمْلَةً لَمْ يَكُنْ أَعْفَرَ وَإِطْلَاقُ بَيَاضِ الْإِبِطَيْنِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَوْجُودٌ فِي كَلَامِ جَمْعٍ كَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَلَا إنْكَارَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْإِبِطَ لَا تَنَالُهُ الشَّمْسُ فِي السَّفَرِ ، وَالْحَرِّ فَيُغَيَّرُ لَوْنُهُ كَسَائِرِ الْجَسَدِ الَّذِي يَبْدُو لِلشَّمْسِ نَعَمْ الَّذِي نَعْتَقِدُ فِيهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِإِبْطِهِ رَائِحَةٌ كَرِيهَةٌ بَلْ كَانَ نَظِيفًا طَيِّبَ الرَّائِحَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { مَا شَمَمْت عَنْبَرًا قَطُّ وَلَا مِسْكًا وَلَا شَيْئًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا { أَنَّ أُمَّ أَنَسٍ كَانَتْ تَجْمَعُ عَرَقَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَارُورَةٍ فَتَجْعَلُهُ فِي طِيبِهَا } قَالَتْ ، وَهُوَ مِنْ أَطْيَبِ الطِّيبِ وَأَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَانَ يُوجَدُ مِنْ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ عِنْدَ قَضَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاجَتَهُ كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْمُعْتَنِينَ بِأَخْبَارِهِ أَنَّهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يَتَغَوَّطُ انْشَقَّتْ الْأَرْضُ فَابْتَلَعَتْ غَائِطَهُ وَبَوْلَهُ . وَفَاحَتْ لِذَلِكَ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ بِإِسْنَادِهِ إلَى عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّك تَأْتِي الْخَلَاءَ فَلَا نَرَى مِنْك شَيْئًا مِنْ الْأَذَى فَقَالَ : يَا عَائِشَةُ أَوَ مَا عَلِمْت أَنَّ الْأَرْضَ تَبْلَعُ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ } . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِطَهَارَةِ الْحَدَثَيْنِ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَادَهُ تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا . ( الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ ) فَإِنْ قِيلَ قَدْ قَدَّمْتُمْ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ حَلْقَ الْعَانَةِ وَتَقْلِيمَ الْأَظْفَارِ سُنَّةٌ وَلَيْسَ بِوَاجِبٍ فَمَا وَجْهُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ رَجُلٍ مِنْ بَنِي غِفَارٍ { مَنْ لَمْ يَحْلِقْ عَانَتَهُ وَيُقَلِّمْ أَظْفَارَهُ وَيَجُزَّ شَارِبَهُ فَلَيْسَ مِنَّا } وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ ذَلِكَ . وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا إنَّ هَذَا لَا يَثْبُتُ ؛ لِأَنَّ فِي إسْنَادِهِ ابْنَ لَهِيعَةَ ، وَالْكَلَامُ فِيهِ مَعْرُوفٌ وَإِنَّمَا يَثْبُتُ مِنْهُ الْأَخْذُ مِنْ الشَّارِبِ فَقَطْ كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { مَنْ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ شَارِبِهِ فَلَيْسَ مِنَّا } ، وَالثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ لَيْسَ عَلَى سُنَّتِنَا وَطَرِيقَتِنَا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالْقُرْآنِ } فَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ قَطْعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ ) فِي التَّوْقِيتِ فِي حَلْقِ الْعَانَةِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَقَصِّ الْأَظْفَارِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ وَفِيهِ حَدِيثُ أَنَسٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ { وُقِّتَ لَنَا فِي قَصِّ الشَّارِبِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ وَحَلْقِ الْعَانَةِ أَنْ لَا نَتْرُكَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } وَهَكَذَا أَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ وُقِّتَ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَحُكْمُهُ الرَّفْعُ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَالْأُصُولِ وَقَالَ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَقَّتَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَرَّحَ بِالْفَاعِلِ . وَقَدْ تَكَلَّمَ الْعُقَيْلِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ هَذَا فَقَالَ الْعُقَيْلِيُّ فِي الضُّعَفَاءِ فِي تَرْجَمَةِ جَعْفَرِ بْنِ سُلَيْمَانَ الضُّبَيْعِيِّ فِي حَدِيثِ هَذَا نَظَرٌ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يَرْوِهِ إلَّا جَعْفَرُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَلَيْسَ بِحُجَّةِ لِسُوءِ حِفْظِهِ وَكَثْرَةِ غَلَطِهِ قُلْت قَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ صَدَقَةُ بْنُ مُوسَى الدَّقِيقِيُّ فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ أَنَسٍ أَخْرَجَهُ كَذَلِكَ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَلَكِنْ صَدَقَةُ ضَعِيفٌ . وَرَوَى أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عِمْرَانَ شَيْخٌ مِصْرِيٌّ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ كَمَا سَيَأْتِي وَلَهُ طَرِيقٌ آخَرُ رَوَاهُ أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَلَمَةَ الْقَطَّانُ فِي زِيَادَاتِهِ عَلَى سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ عَنْ أَنَسٍ وَابْنِ جُدْعَانَ أَيْضًا ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا مِنْ وَجْهٍ لَا يَثْبُتُ وَفَرَّقَ بَيْنَ هَذِهِ الْخِصَالِ فِي التَّوْقِيتِ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَلِيٍّ فِي الْكَامِلِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي خَالِدٍ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَالِمٍ النَّيْسَابُورِيِّ قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عِمْرَانَ مِصْرِيٌّ عَنْ أَبِي عِمْرَانَ الْجَوْنِيِّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ { وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْلِقَ الرَّجُلُ عَانَتَهُ كُلَّ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَنْ يَنْتِفَ إبِطَهُ كُلَّمَا طَلَعَ وَلَا يَدْعُ شَارِبَيْهِ يَطُولَانِ وَأَنْ يُقَلِّمَ أَظْفَارَهُ مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ وَأَنْ يَتَعَهَّدَ الْبَرَاجِمَ إذَا تَوَضَّأَ } الْحَدِيثَ قَالَ صَاحِبُ الْمِيزَانِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَأَصَحُّ طُرُقِهِ طَرِيقُ مُسْلِمٍ عَلَى مَا فِيهَا مِنْ الْكَلَامِ وَلَيْسَ فِيهَا تَأْقِيتٌ لِمَا هُوَ أَوْلَى بَلْ ذَكَرَ فِيهَا أَنَّهُ لَا يَزِيدُ عَلَى أَرْبَعِينَ قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ هَذَا تَحْدِيدُ أَكْثَرِ الْمُدَّةِ قَالَ : وَالْمُسْتَحَبُّ تَفَقُّدُ ذَلِكَ مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الْجُمُعَةِ وَإِلَّا فَلَا تَحْدِيدَ فِيهِ لِلْعُلَمَاءِ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَثُرَ ذَلِكَ أُزِيلَ ، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُضْبَطُ بِالْحَاجَةِ وَطُولِهِ . ( السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ ) تَقَدَّمَ أَنَّهُ زَادَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ خِصَالِ الْفِطْرَةِ إعْفَاءُ اللِّحْيَةِ ، وَهُوَ تَوْفِيرُ شَعْرِهَا وَتَكْثِيرُهُ وَأَنَّهُ لَا يَأْخُذُ مِنْهُ كَالشَّارِبِ مِنْ عَفَا الشَّيْءَ إذَا كَثُرَ وَزَادَ ، وَهُوَ مِنْ الْأَضْدَادِ وَفِي الْفِعْلِ الْمُتَعَدِّي لُغَتَانِ أَعْفَاهُ وَعَفَاهُ وَجَاءَ الْمَصْدَرُ هُنَا عَلَى الرُّبَاعِيِّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ { أَعْفُوا اللِّحَى } وَفِي رِوَايَةٍ أَوْفُوا وَفِي رِوَايَةٍ وَفِّرُوا . وَفِي رِوَايَةٍ أَرْخُوا وَهِيَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ بِالْجِيمِ مِنْ التَّرْكِ ، وَالتَّأْخِيرِ وَأَصْلُهُ الْهَمْزَةُ فَحُذِفَ تَخْفِيفًا كَقَوْلِهِ : { تُرْجِي مَنْ تَشَاءُ مِنْهُنَّ } وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُ اللِّحْيَةِ عَلَى حَالِهَا وَأَنْ لَا يُقْطَعَ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : يُكْرَهُ حَلْقُهَا وَقَصُّهَا وَتَحْرِيقُهَا . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ لَا يَجُوزُ حَلْقُهَا وَلَا نَتْفُهَا وَلَا قَصُّ الْكَثِيرِ مِنْهَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَأَمَّا الْأَخْذُ مِنْ طُولِهَا فَحَسَنٌ قَالَ وَتَكْرَهُ الشُّهْرَةُ فِي تَعْظِيمِهَا كَمَا يُكْرَهُ فِي قَصِّهَا وَجَزِّهَا قَالَ . وَقَدْ اخْتَلَفَ السَّلَفُ هَلْ لِذَلِكَ حَدٌّ ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ يُحَدِّدْ شَيْئًا فِي ذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَا يَتْرُكُهَا لِحَدِّ الشُّهْرَةِ وَيَأْخُذُ مِنْهَا وَكَرِهَ مَالِكٌ طُولَهَا جِدًّا وَمِنْهُمْ مَنْ حَدَّدَ بِمَا زَادَ عَلَى الْقَبْضَةِ فَيُزَالُ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ الْأَخْذَ مِنْهَا إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ انْتَهَى وَقَالَ النَّوَوِيُّ : ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي اللِّحْيَةِ عَشْرَ خِصَالٍ مَكْرُوهَةً بَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ . ( إحْدَاهَا ) خِضَابُهَا بِالسَّوَادِ لَا لِغَرَضِ الْجِهَادِ ( الثَّانِيَةُ ) خِضَابُهَا بِالصُّفْرَةِ تَشَبُّهًا بِالصَّالِحِينَ لَا لِاتِّبَاعِ السُّنَّةِ . ( الثَّالِثَةُ ) تَبْيِيضُهَا بِالْكِبْرِيتِ اسْتِعْجَالًا لِلشَّيْخُوخَةِ لِأَجْلِ الرِّيَاسَةِ ، وَالتَّعْظِيمِ وَإِيهَامِ لُقِيِّ الْمَشَايِخِ . ( الرَّابِعَةُ ) نَتْفُهَا أَوَّلَ طُلُوعِهَا إيثَارًا لِلْمُرُودَةِ وَحُسْنِ الصُّورَةِ . ( الْخَامِسَةُ ) نَتْفُ الشَّيْبِ . ( السَّادِسَةُ ) تَصْفِيفُهَا طَاقَةً فَوْقَ طَاقَةٍ تَصَنُّعًا لِيَسْتَحْسِنَهُ النِّسَاءُ وَغَيْرُهُنَّ . ( السَّابِعَةُ ) الزِّيَادَةُ فِيهَا ، وَالنَّقْصُ فِيهَا بِالزِّيَادَةِ فِي شَعْرِ الْعِذَارَيْنِ مِنْ الصُّدْغَيْنِ أَوْ أَخْذُ بَعْضِ الْعِذَارِ فِي حَلْقِ الرَّأْسِ وَنَتْفِ جَانِبَيْ الْعَنْفَقَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . ( الثَّامِنَةُ ) تَسْرِيحُهَا تَصَنُّعًا لِأَجْلِ النَّاسِ . ( التَّاسِعَةُ ) تَرْكُهَا شَعِثَةً مُنْتَفِشَةً إظْهَارًا لِلزَّهَادَةِ وَقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ بِنَفْسِهِ . ( الْعَاشِرَةُ ) النَّظَرُ إلَى سَوَادِهَا أَوْ بَيَاضِهَا إعْجَابًا وَخُيَلَاءَ وَغُرَّةً بِالشَّبَابِ وَفَخْرًا بِالْمَشِيبِ وَتَطَاوُلًا عَلَى الشَّبَابِ ثُمَّ قَالَ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَ ) عَقْدُهَا وَطَفْرُهَا . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَ ) حَلْقُهَا إلَّا إذَا نَبَتَتْ لِلْمَرْأَةِ لِحْيَةٌ فَيُسْتَحَبُّ حَلْقُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ ) وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ السِّوَاكِ وَتَأَكُّدُهُ وَتَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ . ( التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ ) وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ غَسْلِ الْبَرَاجِمِ بِالْمُوَحَّدَةِ ، وَالْجِيمِ جَمْعُ بُرْجُمَةٍ بِضَمِّهَا وَهِيَ عُقَدُ الْأَصَابِعِ الَّتِي فِي ظَاهِرِ الْكَفِّ قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهِيَ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ لَيْسَتْ مُخْتَصَّةً بِالْوُضُوءِ قُلْت : وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ تَنْظِيفُهَا فِي الْوُضُوءِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ : { وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَحْلِقَ الرَّجُلُ عَانَتَهُ } الْحَدِيثَ وَفِيهِ { أَنْ يَتَعَاهَدَ الْبَرَاجِمَ إذَا تَوَضَّأَ فَإِنَّ الْوَسَخَ إلَيْهَا سَرِيعٌ } الْحَدِيثَ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ . وَوَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ الْحَكِيمُ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ بِلَالٍ قَالَ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ بُسْرٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { قُصُّوا أَظْفَارَكُمْ وَادْفِنُوا قَلَائِمَكُمْ وَنَقُّوا بَرَاجِمَكُمْ } الْحَدِيثَ وَعُمَرُ بْنُ بِلَالٍ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ قَالَهُ ابْنُ عَدِيٍّ وَمِمَّا يُسْتَحَبُّ تَعَاهُدُهُ أَيْضًا مَا بَيْنَ عُقَدِ الْأَصَابِعِ مِنْ بَاطِنِ الْكَفِّ وَتُسَمَّى الرَّوَاجِبَ بِالْجِيمِ ، وَالْمُوَحَّدَةِ أَيْضًا وَاحِدَاتُهَا رَاجِبَةٌ قَالَهُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي ذَيْلِ الْغَرِيبَيْنِ ، وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قِيلَ : لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَقَدْ أَبْطَأَ عَنْك جِبْرِيلُ فَقَالَ وَلِمَ لَا يُبْطِئُ عَنِّي وَأَنْتُمْ لَا تَسْتَنُّونَ وَلَا تُقَلِّمُونَ أَظْفَارَكُمْ وَلَا تَقُصُّونَ شَوَارِبَكُمْ وَلَا تُنَقُّونَ رَوَاجِبَكُمْ } . ( الْفَائِدَةُ الثَّلَاثُونَ ) وَفِيهِ انْتِقَاصُ الْمَاءِ ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ضَبْطِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا بِالْقَافِ ، وَالصَّادِ الْمُهْمَلَة ، وَهَكَذَا ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي الْغَرِيبِ ، وَالْهَرَوِيُّ فِي الْعُرَنِيِّينَ وَغَيْرُهُمَا وَقِيلَ بِالْفَاءِ حَكَاهُ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ وَحَكَى بَعْضُهُمْ تَصْوِيبَهُ مِنْ قَوْلِهِمْ لِنُضْحِ الدَّمِ الْقَلِيلِ نَفْصُهُ وَجَمْعُهَا نُفَصٌ قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا شَاذٌّ ، وَالصَّوَابُ مَا سَبَقَ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي مَعْنَاهُ فَفَسَّرَهُ وَكِيعٌ كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ بِالِاسْتِنْجَاءِ وَمُرَادُهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ لَا مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْحَدِيثِ . وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ أَنَّهُ الِاسْتِنْجَاءُ بِالْمَاءِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ فِي الْغَرِيبِ انْتِقَاصُ الْبَوْلِ بِالْمَاءِ إذَا غَسَلَ مَذَاكِيرَهُ ، وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ قَوْلِ طَلْقِ بْنِ حَبِيبٍ وَقَالَ فِيهِ وَغَسْلُ الدُّبُرِ وَقَالَ النَّسَائِيّ : إنَّهُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ وَقِيلَ : إنَّ انْتِقَاصَ الْمَاءِ الِانْتِضَاحُ وَسَيَأْتِي فِي آخِرِ الْفَوَائِدِ لِهَذَا الْحَدِيثِ . ( الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) ذَكَرَ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنُ أَنَّ مُصْعَبًا هُوَ الَّذِي نَسِيَ الْعَاشِرَةَ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةُ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّ الَّذِي نَسِيَهَا زَكَرِيَّا بْنُ أَبِي زَائِدَةَ ، وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيّ عَنْ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَأَنَا شَكَكْت فِي الْمَضْمَضَةِ إلَّا أَنَّ سُلَيْمَانَ جَعَلَ الْحَدِيثَ مِنْ قَوْلِ طَلْقٍ وَقَالَ النَّسَائِيُّ إنَّهُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ ، وَالْقَائِلُ إلَّا أَنْ تَكُونَ الْمَضْمَضَةُ تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بَقِيَّةَ قَوْلِ مُصْعَبٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي عَنْهُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهَا . وَقَدْ جَزَمَ بَعْدَ الْمَضْمَضَةِ فِيهَا أَبُو بِشْرٍ جَعْفَرُ بْنُ إيَاسٍ الرَّاوِي لَهُ عَنْ طَلْقٍ قَوْلَهُ فَقَالَ فِيهِ ، وَالْمَضْمَضَةُ ، وَالِاسْتِنْشَاقُ قَالَ النَّسَائِيُّ وَحَدِيثُ سُلَيْمَانَ التَّيْمِيِّ وَجَعْفَرِ بْنِ إيَاسٍ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ مِنْ حَدِيثِ مُصْعَبِ بْنِ شَيْبَةَ انْتَهَى وَكَذَلِكَ هُوَ ثَابِتٌ فِي حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ { وَإِنَّ مِنْ الْفِطْرَةِ الْمَضْمَضَةُ ، وَالِاسْتِنْشَاقُ } وَقَدْ تَقَدَّمَ وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ الْمَضْمَضَةَ سُنَّةٌ فِي الْوُضُوءِ ، وَالْغُسْلِ وَقِيلَ وَاجِبَةٌ فِيهِمَا وَقِيلَ وَاجِبَةٌ فِي الْغُسْلِ سُنَّةٌ فِي الْوُضُوءِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ . ( الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) ذَكَرَ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارٍ فِي خِصَالِ الْفِطْرَةِ الِانْتِضَاحُ فَقِيلَ : إنَّهُ انْتِقَاصُ الْمَاءِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ انْتِقَاصَ الْمَاءِ هُوَ الِاسْتِنْجَاءُ . وَأَمَّا الِانْتِضَاحُ فَهُوَ رَشُّ الْمَاءِ وَاخْتُلِفَ فِي مَوْضِعِ اسْتِحْبَابِهِ فَحَكَى النَّوَوِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ نَضْحُ الْفَرْجِ بِمَاءٍ قَلِيلٍ بَعْدَ الْوُضُوءِ لِدَفْعِ الْوَسْوَاسِ . وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ ، وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ حَدِيثِ الْحَكَمِ بْنِ سُفْيَانَ الثَّقَفِيِّ أَنَّهُ { رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ثُمَّ أَخَذَ كَفًّا مِنْ مَاءٍ فَنَضَحَ بِهِ فَرْجَهُ } . وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { عَلَّمَنِي جِبْرِيلُ الْوُضُوءَ وَأَمَرَنِي أَنْ أَنْضَحَ تَحْتَ ثَوْبِي مِمَّا يَخْرُجُ مِنْ الْبَوْلِ بَعْدَ الْوُضُوءِ } فَقَوْلُهُ بَعْدَ الْوُضُوءِ مُتَعَلِّقٌ بِأَنْضَحَ لَا بِقَوْلِهِ يَخْرُجُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ خَرَجَ الْبَوْلُ بَعْدَ الْوُضُوءِ لَوَجَبَتْ إعَادَةُ الْوُضُوءِ وَلِابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { إذَا تَوَضَّأْت فَانْتَضِحْ } وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { تَوَضَّأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَضَحَ فَرْجَهُ } وَقِيلَ : إنَّ الِانْتِضَاحَ الْمَذْكُورَ هُوَ أَنْ يَنْضَحَ ثَوْبَهُ بِالْمَاءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الِاسْتِنْجَاءِ لِدَفْعِ الْوَسْوَاسِ أَيْضًا حَتَّى إذَا تَوَهَّمَ نَجَاسَةَ بَلَلٍ فِي ثَوْبِهِ أَوْ بَدَنِهِ أَحَالَ بِهِ عَلَى الْمَاءِ الَّذِي نَضَحَ بِهِ وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَالَ ثُمَّ نَضَحَ فَرْجَهُ } ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالنَّضْحِ هُنَا غَسْلُ الْبَوْلِ فَيَكُونُ الْمُرَادُ الِاسْتِنْجَاءَ فَإِنَّ النَّضْحَ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ الْغُسْلُ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَقَدْ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَوْلَانِ بَابُ الِاسْتِجْمَارِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُوتِرْ } زَادَ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ { مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ } وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ . بَابُ الِاسْتِجْمَارِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا اسْتَجْمَرَ أَحَدُكُمْ فَلْيُوتِرْ } الْكَلَامُ عَلَيْهِ : الِاسْتِجْمَارُ اسْتِفْعَالٌ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْجِمَارِ وَهِيَ الْأَحْجَارُ عِنْدَ قَضَاءِ الْحَاجَةِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ مِنْ الْحَدِيثِ وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ اسْتِعْمَالُ الْمِجْمَرَةِ ، وَهُوَ التَّبَخُّرُ ، وَالْأَمْرُ بِالْإِيتَارِ فِي الِاسْتِجْمَارِ مُسْتَحَبٌّ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعْدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ وَمَنْ أَكَلَ فَمَا تَخَلَّلَ فَلْيَلْفِظْ وَمَا لَاكَ بِلِسَانِهِ فَلْيَبْتَلِعْ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ ؛ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ وَمَنْ أَتَى الْغَائِطَ فَلْيَسْتَتِرْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا أَنْ يَجْمَعَ كَثِيبًا مِنْ رَمْلٍ فَلْيَسْتَدْبِرْهُ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَلْعَبُ بِمَقَاعِدِ بَنِي آدَمَ مَنْ فَعَلَ فَقَدْ أَحْسَنَ وَمَنْ لَا فَلَا حَرَجَ } وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ إنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي مِنْ بَابِ الْوُضُوءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . بَابُ الْغُسْلِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ : { كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ فِيهِ قَدْرُ الْفَرَقِ } لَمْ يَقُلْ الشَّيْخَانِ { فِيهِ قَدْرُ الْفَرَقِ } زَادَ الشَّيْخَانِ { تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ مِنْ الْجَنَابَةِ } . بَابُ الْغُسْلِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { : كُنْتُ أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ فِيهِ قَدْرُ الْفَرَقِ } فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) حَدِيثُ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ خَلَا التِّرْمِذِيِّ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ هَكَذَا ، وَالْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِلَفْظِ مِنْ قَدَحٍ يُقَالُ لَهُ الْفَرَقُ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ بِلَفْظِ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْ إنَاءٍ هُوَ الْفَرَقُ مِنْ الْجَنَابَةِ وَمِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ وَابْنِ عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ كَانَ يَغْتَسِلُ فِي قَدَحٍ هُوَ الْفَرَقُ وَكُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا ، وَهُوَ فِي الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ . وَقَالَ سُفْيَانُ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ وَأَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ وَابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ خَمْسَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ عُرْوَةَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ دُون ذِكْرِ الْفَرَقِ وَزَادَ الشَّيْخَانِ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ . زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ الْجَنَابَةِ وَهِيَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي رِوَايَةٍ دُونَ قَوْلِهِ تَخْتَلِفُ أَيْدِينَا فِيهِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَقَالَ وَنَحْنُ جُنُبَانِ وَلَهُ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصَةَ بِنْتِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ عَائِشَةَ { كَانَتْ تَغْتَسِلُ هِيَ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إنَاء وَاحِدٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ } وَلَهُ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذَةَ عَنْهَا { كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إنَاءٍ بَيْنِي وَبَيْنَهُ وَاحِدٍ فَيُبَادِرُنِي حَتَّى أَقُولَ دَعْ لِي دَعْ لِي قَالَتْ وَهُمَا جُنُبَانِ } . وَقَالَ النَّسَائِيّ : يُبَادِرُنِي وَأُبَادِرُهُ حَتَّى يَقُولَ دَعِي لِي وَأَقُولُ دَعْ لِي وَلِلشَّيْخَيْنِ وَأَبِي دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ { كُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ } . ( الثَّانِيَةُ ) الْفَرَقُ بِفَتْحِ الْفَاءِ ، وَالرَّاءِ مَعًا وَآخِرُهُ قَافٌ هَذِهِ هِيَ اللُّغَةُ الْفُصْحَى الشَّهِيرَةُ وَفِيهِ لُغَةٌ أُخْرَى بِإِسْكَانِ الرَّاءِ حَكَاهَا ابْنُ دُرَيْدٍ وَغَيْرُهُ . وَاخْتُلِفَ فِي مِقْدَارِ الْفَرَقِ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّهُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ فَيَكُونُ سِتَّةَ عَشَرَ رِطْلًا عَلَى قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَأَهْلِ الْحِجَازِ وَأَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ عَلَى قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَهَابِهِ إلَى أَنَّ الصَّاعَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ صَاعِ الزَّكَاةِ وَصَاعِ الْغُسْلِ مِنْ الْجَنَابَةِ فَجَعَلَ صَاعَ الْجَنَابَةِ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ حَكَاهُ الرُّويَانِيُّ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ بِإِنَاءٍ يَسَعُ رِطْلَيْنِ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ } فَاسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ مَعَ حَدِيثِهِ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ كَانَ يَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ وَيَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ أَنَّ الصَّاعَ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ لِاتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ أَرْبَعَةُ أَمْدَادٍ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى الْجُهَنِيِّ قَالَ : { أَتَى مُجَاهِدٌ بِقَدَحٍ حَزَرْتُهُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ فَقَالَ حَدَّثَتْنِي عَائِشَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْتَسِلُ بِمِثْلِ هَذَا } وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثَيْنِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الصَّاعُ بَلْ هُوَ مِثْلُ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي اغْتِسَالِهِمَا بِالْفَرَقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ سُفْيَانُ مِنْ كَوْنِ الْفَرَقِ ثَلَاثَةَ آصُعٍ هُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ الْفَرَقُ صَاعَانِ وَنِصْفٌ حَكَاهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَلَكِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْمَفْتُوحِ الرَّاءِ ، وَالسَّاكِنِ الرَّاءِ فِي الْمِقْدَارِ فَقَالَ فِي الْمَفْتُوحِ الرَّاءِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِهِ ثَلَاثَةَ آصُعٍ عَلَى الصَّحِيحِ أَوْ صَاعَيْنِ وَنِصْفًا وَقَالَ فِي السَّاكِنِ الرَّاءِ إنَّهُ مِائَةٌ وَعِشْرُونَ رِطْلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقِيلَ الْفَرَقُ إنَاءٌ ضَخْمٌ مِنْ مَكَايِيلِ الْعِرَاقِ حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ وَقِيلَ هُوَ مِكْيَالُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ حَكَاهُ أَيْضًا وَلَمْ يَذْكُرْ تَحْدِيدَهُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ لِزَيْنَبِ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ { أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ بِالْفَرَقِ } ، وَهُوَ الصَّاعُ فَفَسَّرَ الْفَرَقَ بِالصَّاعِ ، وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ رَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ . ( وَالثَّالِثَةُ ) فِيهِ جَوَازُ اغْتِسَالِ الرَّجُلِ وَامْرَأَتِهِ مَعًا وَاسْتِعْمَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِفَضْلِ الْآخَرِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ { يُبَادِرُنِي وَأُبَادَرُهُ } فَكُلٌّ مِنْهُمَا مُسْتَعْمِلٌ لِفَضْلِ الْآخَرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي الْحَدِيثِ الثَّانِي مِنْ بَابِ مَا يُفْسِدُ الْمَاءَ وَمَا لَا يُفْسِدُهُ . ( الرَّابِعَةُ ) فِي الْجَمْعِ بَيْنَ مَا ظَاهِرُهُ الِاخْتِلَافُ مِنْ الرِّوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَحَدِيثُ الْبَابِ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ هُوَ وَعَائِشَةُ مِنْ الْإِنَاءِ الْمَذْكُورِ وَرِوَايَةُ مَالِكٍ عِنْد مُسْلِمٍ أَنَّهُ كَانَ يَغْتَسِلُ مِنْهُ وَلَمْ يَذْكُرْ عَائِشَةَ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ إسْقَاطَ ذِكْرِ عَائِشَةَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ عَدَمُ اغْتِسَالِهَا مَعَهُ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ اغْتَسَلَ مِنْهُ وَحْدَهُ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ اسْتَوْعَبَ الْإِنَاءَ فِي غُسْلِهِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ مِنْهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّبْعِيضِ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَدْ وَقَعَ ذَلِكَ مَرَّتَيْنِ أَوْ أَكْثَرَ مَرَّةً مَعَهَا وَمَرَّةً وَحْدَهُ . وَأَمَّا رِوَايَةُ اللَّيْثِ وَابْنِ عُيَيْنَةَ فَإِنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا اغْتِسَالَ عَائِشَةَ مَعَهُ فَإِنَّهُ قَالَ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ : وَكُنْت أَغْتَسِلُ أَنَا ، وَهُوَ فِي الْإِنَاءِ الْوَاحِدِ أَوْ مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُهَا هُوَ الْإِنَاءُ الْمَذْكُورُ الَّذِي هُوَ الْفَرَقُ فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِحَدِيثِ مَعْمَرٍ وَإِنْ كَانَتْ أَرَادَتْ بَيَانَ اغْتِسَالِهَا مَعَهُ بِغَيْرِ قَيْدِ كَوْنِهِ مِنْ الْإِنَاءِ الَّذِي هُوَ الْفَرَقُ فَيَكُونُ الْجَوَابُ عَنْهُ كَالْجَوَابِ عَنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ . وَأَمَّا رِوَايَةُ حَفْصَةَ عَنْ عَائِشَةَ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْ إنَاءٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ أَوْ قَرِيبَهَا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ الْفَرَقِ ، وَقَدْ جَمَعَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بَيْنَهُمَا بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَنْفَرِدُ بِاغْتِسَالِهِ بِثَلَاثَةِ أَمْدَادٍ ، وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْمُدِّ هُنَا الصَّاعَ فَيَكُونُ مُوَافِقًا لِحَدِيثِ الْفَرَقِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا وَقَعَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ وَاغْتَسَلَا مِنْ إنَاءٍ يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ وَزَادَهُ لَمَّا فَرَغَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قُلْت وَلَعَلَّهُمَا أَيْضًا لَمْ يَزِيدَاهُ بَلْ كَفَاهُمَا لِلِاغْتِسَالِ إذْ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمَا زَادَاهُ فَلَا مَانِعَ مِنْ اكْتِفَائِهِمَا بِهِ . وَقَدْ وَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَهُ فِيهِ فَبُورِكَ كَمَا وَقَعَ فِي الْقَدَحِ الَّذِي تَوَضَّأَ مِنْهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ وَكَانَ لَا يَسَعُ يَدَهُ أَنْ يَبْسُطَهَا فِيهِ فَلَا يُقَاسُ غَيْرُهُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) إنْ قَالَ قَائِلٌ حَدِيثُ عَائِشَةَ فِي اغْتِسَالِهِمَا بِالْفَرَقِ يَدُلُّ عَلَى اسْتِعْمَالِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي اغْتِسَالِهِ صَاعًا وَنِصْفَ صَاعٍ إنْ اسْتَعْمَلَاهُ بِالسَّوِيَّةِ أَوْ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ مِنْ صَاعٍ وَنِصْفٍ إنْ تَفَاضَلَا فَكَيْفَ يَتَّفِقُ هَذَا مَعَ حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُخَرَّجُ فِي الصَّحِيحَيْنِ { أَنَّهُ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ إلَى خَمْسَةِ أَمْدَادٍ وَيَتَوَضَّأُ بِالْمُدِّ } فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ غَايَةَ مَا اغْتَسَلَ بِهِ صَاعٌ وَرُبُعٌ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سَفِينَةَ { كَانَ يَغْتَسِلُ بِالصَّاعِ وَيَتَطَهَّرُ بِالْمُدِّ } ، وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ الْفَرَقِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنْ يَكُونَا اسْتَعْمَلَاهُ بِجُمْلَتِهِ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُمَا كَانَا يَغْتَسِلَانِ مِنْهُ . وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي قَالَتْ فِيهَا { حَتَّى يَقُولَ دَعِي لِي وَأَقُولُ دَعْ لِي } فَإِنَّهُمَا وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهَا أَنَّهُمَا اسْتَكْمَلَا مَاءَ ذَلِكَ الْإِنَاءِ فَلَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذِكْرٌ لِلْفَرَقِ أَصْلًا وَإِنَّمَا قَالَتْ فِيهِ { مِنْ إنَاءٍ وَاحِدٍ } فَلَعَلَّ هَذِهِ الْمَرَّةَ كَانَ اسْتِعْمَالُهُمَا لِلْإِنَاءِ الَّذِي يَسَعُ ثَلَاثَةَ أَمْدَادٍ عَلَى تَقْدِيرِ إرَادَةِ الْمُدِّ حَقِيقَةً وَأَنَّهُمَا اغْتَسَلَا مِنْهُ جَمِيعًا وَلَمْ يَزِيدَاهُ عِنْدَ فَرَاغِهِ . وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّا وَإِنْ جَوَّزْنَا اسْتِكْمَالَ الْفَرَقِ فِي اغْتِسَالِهِمَا فَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ الزِّيَادَةُ عَلَى الْخَمْسَةِ الْأَمْدَادِ ؛ لِأَنَّ كَانَ لَا تَدُلُّ عَلَى الدَّوَامِ وَلَا عَلَى التَّكْرَارِ عِنْدَ كَثِيرٍ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَنَسٌ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَى أَنَّهُ زَادَ عَلَى الْخَمْسَةِ وَاطَّلَعَتْ عَائِشَةُ عَلَى ذَلِكَ لِكَثْرَةِ اطِّلَاعِهَا عَلَى اغْتِسَالِهِ فَهِيَ أَعْرَفُ مِنْ أَنَسٍ بِذَلِكَ . وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرُهُ : إنَّ الْجَمْعَ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ أَنَّهَا اغْتِسَالَاتٌ فِي أَحْوَالٍ حَدَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ كَثِيرَهَا وَفِي بَعْضِهَا قَلِيلَهَا وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي قِلَّةِ مَاءِ الطَّهَارَةِ بَلْ الْوَاجِبُ الِاسْتِيعَابُ قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَقَدْ يُدَقِّقُ الْفَقِيهُ بِالْقَلِيلِ فَيَكْفِي وَيَخْرِقُ الْأَخْرَقُ بِالْكَثِيرِ فَلَا يَكْفِي انْتَهَى إلَّا أَنَّ مِمَّا يَسْتَشْكِلُ مِنْ ذَلِكَ الرِّوَايَةُ الَّتِي عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ بِخَمْسِ مَكَاكِيكَ وَيَتَوَضَّأُ بِمَكُّوكٍ } فَإِنَّ فِي كَلَامِ صَاحِبِ الصِّحَاحِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَمْسَةَ الْمَكَاكِيكَ سِتَّةٌ وَخَمْسُونَ رِطْلًا وَرُبُعُ رِطْلٍ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ الْمَكُّوكَ ثَلَاثُ كِيلَجَاتٍ وَالْكِيلَجَةُ مَنٌّ وَسَبْعَةُ أَثْمَانِ مَنٍّ ، وَالْمَنُّ رِطْلَانِ وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ غَيْرِ صَاحِبِ الصِّحَاحِ أَنَّ الْمَكُّوكَ مِكْيَالٌ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ يَسَعُ صَاعًا وَنِصْفَ صَاعٍ بِالْمَدَنِيِّ انْتَهَى . فَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْمَكَاكِيكُ الْخَمْسَةُ أَرْبَعِينَ رِطْلًا لَا جَرَمَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ الصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَكُّوكِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُدُّ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَلَمْ يَذْكُرْ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِهِ مِقْدَارَ الْمَكُّوكِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ بَلْ قَالَ لَعَلَّ الْمُرَادَ بِالْمَكُّوكِ هُنَا الْمُدُّ انْتَهَى وَيَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّحْدِيدِ فِي مَاءِ الطَّهَارَةِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ بِإِنَاءٍ فِيهِ قَدْرُ ثُلُثَيْ مُدٍّ } وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَدِيٍّ وَضَعَّفَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ بِنِصْفِ مُدٍّ } وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا بِلَفْظِ بِقِسْطٍ مِنْ مَاءٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا ، وَالْقِسْطُ نِصْفُ مُدٍّ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى ابْنِ شَعْبَانَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ قَالَ لَا يُجْزِئُ أَقَلُّ مِنْ مُدٍّ فِي الْوُضُوءِ وَصَاعٍ فِي الْغُسْلِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَحَدِيثُ الثَّلَاثَةِ أَمْدَادٍ يَرُدُّ عَلَيْهِ انْتَهَى . وَهَكَذَا حَكَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي كُتُبِ الْفِقْهِ حَدِيثًا آخَرَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِثُلُثِ مُدِّ وَحَدِيثٌ آخَرُ أَنَّهُ تَوَضَّأَ بِمَا لَا يَلُتُّ الثَّرَى وَلَا أَصْلَ لَهُمَا وَبَلَغَنِي عَنْ شَيْخِنَا الْعَلَّامَةِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيّ أَنَّهُ تَوَضَّأَ مَرَّةً بِثَمَانِيَةَ عَشَرَ دِرْهَمًا أُوقِيَّةٍ وَنِصْفٍ وَمَا أَدْرِي كَيْفَ يُمْكِنُ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَى أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِهَذَا الْمِقْدَارِ أَوْ أَضْعَافِهِ فَإِنَّهُ يُشْتَرَطُ جَرَيَانُ الْمَاءِ عَلَى الْعُضْوِ الْمَغْسُولِ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا ، وَقَدْ أَوَّلَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وُضُوءَهُ بِثُلُثَيْ مُدٍّ وَحَمَلَهُ عَلَى رِوَايَةِ وُضُوئِهِ بِمُدٍّ فَقَالَ : إنَّ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ فِيهِ ثُلُثَا مُدٍّ هُوَ فِي حَدِيثِ الرُّبَيِّعِ بِنْتِ مُعَاذٍ . وَالْمُدُّ مُدَّانِ مُدُّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُدُّ هِشَامِ بْنِ إسْمَاعِيلَ ، وَهُوَ أَزْيَدُ مِنْ الْمُدِّ الْأَوَّلِ قِيلَ بِثُلُثٍ وَقِيلَ بِنِصْفٍ لَكِنَّ ذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَارِيخِ مَوْتِ الرُّبَيِّعِ وَمُدَّةِ وِلَايَةِ هِشَامِ بْنِ إسْمَاعِيلَ وَهَلْ أَدْرَكَتْ زَمَن هِشَامِ بْنِ إسْمَاعِيلَ أَوْ لَا ؟ فَإِنْ كَانَ يُمْكِنُ اجْتِمَاعُهُمَا فَلَا دَلَالَةَ لِجَوَازِ أَنْ تَكُونَ أَرَادَتْ مُدَّ هِشَامٍ قَالَ وَلَا يُتَوَهَّمَنَّ أَنَّ قَوْلَهَا فَأَتَى بِمَا قَدْرَ ثُلُثَيْ مُدٍّ يَتَعَيَّنُ لَأَنْ يَكُونَ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهَا إذَا أَدْرَكَتْ مُدَّ هِشَامٍ جَازَ أَنْ تُعَيِّنَ مَا كَانَ أَوَّلًا عِنْدَ الْمِقْدَارِ بِثُلُثَيْ الْمِقْدَارِ الْحَاضِرِ عِنْدَ إخْبَارِهَا انْتَهَى وَفِي كَلَامِهِ نَظَرٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ حَدِيثَ ثُلُثَيْ الْمُدِّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ عُمَارَةَ الْأَنْصَارِيَّةِ وَاسْمُهَا نُسَيْبَةُ وَمِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَكِلَاهُمَا لَمْ تَتَأَخَّرْ وَفَاتُهُ إلَى مُدِّ هِشَامٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ أَصْحَابِنَا فِي الْقَدْرِ الَّذِي يُسْتَحَبُّ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ لِلْغُسْلِ ، وَالْوُضُوءِ هَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَنْقُصَ فِي الْغُسْلِ عَنْ صَاعٍ وَلَا فِي الْوُضُوءِ عَنْ مُدٍّ أَوْ الْمُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ ؟ فَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ الَّذِي اقْتَصَرَ عَلَيْهِ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : إنَّ كَلَامَ الْأَصْحَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ الِاقْتِصَارُ عَلَى الصَّاعِ ، وَالْمُدِّ ؛ لِأَنَّ الرِّفْقَ مَحْبُوبٌ قَالَ : وَعَلَيْهِ يَدُلُّ مَا رُوِيَ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ سَتَأْتِي أَقْوَامٌ يَسْتَقِلُّونَ هَذَا فَمَنْ رَغِبَ فِي سُنَّتِي وَتَمَسَّكَ بِهَا بُعِثَ مَعِي فِي حَضِيرَةِ الْقُدْسِ } انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ لَا أَصْلَ لَهُ ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ فِيمَا نَقَلَهُ عَنْ كَلَامِ الْأَصْحَابِ . ( السَّابِعَةُ ) ذَكَرَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْقَوَاعِدِ أَنَّ اسْتِحْبَابَ الصَّاعِ فِي الْغُسْلِ ، وَالْمُدِّ فِي الْوُضُوءِ هُوَ فِي حَقِّ مَنْ هُوَ مُعْتَدِلُ الْخَلْقِ كَاعْتِدَالِ خَلْقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَوْ كَانَ ضَئِيلَ الْخَلْقِ أَوْ مُتَفَاحِشَهُ طُولًا أَوْ ضَخْمًا فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَسْتَعْمِلَ فِي وُضُوئِهِ مَاءً نِسْبَتُهُ إلَى جَسَدِهِ كَنِسْبَةِ الْمُدِّ إلَى جَسَدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ حَسَنٌ مُتَّجَهٌ . بَابُ التَّيَمُّمِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ { عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَتَى النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ فَقَالُوا : أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ حَبَسْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ ؟ قَالَتْ فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعَنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إلَّا مَكَانُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا فَقَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ ، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْت عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ } . بَابُ التَّيَمُّمِ . هُوَ فِي اللُّغَةِ الْقَصْدُ قَالَ الْأَزْهَرِيُّ يُقَالُ تَيَمَّمْت فُلَانًا وَيَمَّمْتُهُ وَأَمَمْتُهُ أَيْ قَصَدْتُهُ ، وَأَمَّا فِي الشَّرْعِ فَهُوَ الْقَصْدُ إلَى الصَّعِيدِ لِلطَّهَارَةِ بِهِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ أَوْ الْعَجْزِ الشَّرْعِيِّ عَنْ اسْتِعْمَالِهِ فَيَضْرِبُ عَلَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِ وَجْهَهُ ثُمَّ يَدَيْهِ كَذَلِكَ . ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ { عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي فَأَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْتِمَاسِهِ وَأَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَتَى النَّاسُ أَبَا بَكْرٍ فَقَالُوا أَلَا تَرَى مَا صَنَعَتْ عَائِشَةُ ؟ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالنَّاسِ وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَجَاءَ أَبُو بَكْرٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاضِعٌ رَأْسَهُ عَلَى فَخِذِي قَدْ نَامَ فَقَالَ : حَبَسْتِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالنَّاسُ لَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ قَالَتْ : فَعَاتَبَنِي أَبُو بَكْرٍ وَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَقُولَ وَجَعَلَ يَطْعَنُ بِيَدِهِ فِي خَاصِرَتِي فَلَا يَمْنَعُنِي مِنْ التَّحَرُّكِ إلَّا مَكَانُ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى فَخِذِي فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا قَالَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ ، وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ : مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ عَائِشَةُ : فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْت عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ } . فِيهِ فَوَائِدُ ( الْأُولَى ) هَذَا الْحَدِيثُ أَخْرَجَهُ السِّتَّةُ خَلَا التِّرْمِذِيِّ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَالْبُخَارِيِّ وَحْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَسَمِ وَرَوَاهُ السِّتَّةُ خَلَا التِّرْمِذِيِّ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ جَوَازُ مُسَافَرَةِ الرَّجُلِ بِزَوْجَتِهِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ خُرُوجُ النِّسَاءِ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْأَسْفَارِ قَالَ وَخُرُوجُهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْغَزَوَاتِ وَغَيْرِ الْغَزَوَاتِ مُبَاحٌ إذَا كَانَ الْعَسْكَرُ كَثِيرًا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْغَلَبَةُ وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يَسْقِينَ الْمَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى } . ( الثَّالِثَةُ ) يُشْتَرَطُ لِجَوَازِ خُرُوجِ الرَّجُلِ بِزَوْجَتِهِ فِي سَفَرٍ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ زَوْجَةٌ حُرَّةٌ غَيْرُهَا فَإِنْ كَانَتْ لَهُ زَوْجَةٌ أُخْرَى فَأَكْثَرُ فَإِنَّمَا يَجُوز تَخْصِيصُ بَعْضِهِنَّ بِالْخُرُوجِ بِالْقُرْعَةِ لِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا } . الْحَدِيثَ فَقَوْلُ عَائِشَةَ خَرَجْنَا هَلْ أَرَادَتْ نَفْسَهَا فَقَطْ مَعَ جُمْلَةِ النَّاسِ أَوْ أَرَادَتْ نَفْسَهَا وَبَعْضَ زَوْجَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحْتَمَلُ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ فَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ السَّفْرَةُ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهِيَ الْمُرَيْسِيعُ كَمَا قِيلَ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْفَائِدَةِ الَّتِي تَلِيهَا فَقَدْ خَرَجَ مَعَهُ فِيهَا بِعَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي السِّيَرِ . ( الرَّابِعَةُ ) وَقَوْلُ عَائِشَةَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ لَمْ يَقَعْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ تَعْيِينُ هَذَا السَّفَرِ الَّذِي أَبْهَمَتْهُ ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غُزَاةِ الْمُرَيْسِيعِ فَإِنَّ مَشْرُوعِيَّةَ التَّيَمُّمِ كَانَتْ فِيهَا وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَإِنَّ غَزَاةَ الْمُرَيْسِيعِ كَانَتْ مِنْ نَاحِيَةِ مَكَّةَ بَيْنَ قُدَيْدٍ وَسَاحِلِ الْبَحْرِ ، وَهَذِهِ السَّفْرَةُ كَانَتْ مِنْ نَاحِيَةِ خَيْبَرَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ وَهُمَا بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَخَيْبَرَ كَمَا سَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي تَعْيِينِ الْمَكَانِ الَّذِي ضَاعَ فِيهِ الْعِقْدُ كَمَا سَيَأْتِي . وَكَانَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ قَلَّدَ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سَعْدٍ فَإِنَّهُ كَذَلِكَ قَالَ فِي الطَّبَقَاتِ جَازِمًا بِهِ وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ أَيْضًا لَا عَلَى طَرِيقِ الْجَزْمِ بَلْ قَالَ يُقَالُ إنَّهُ كَانَ فِي غُزَاةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَكَأَنَّهُ أَيْضًا عَنَى عَنْ ابْنِ سَعْدٍ . وَلَقَدْ أَحْسَنَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِهِ كَمَا جَزَمَ ابْنُ سَعْدٍ ، وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي غَزَاةٍ أُخْرَى بَعْدَ الْمُرَيْسِيعِ كَمَا رَوَيْنَاهُ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبَّادِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { لَمَّا كَانَ مِنْ أَمْرِ عِقْدِي مَا كَانَ قَالَ أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا فَخَرَجْتُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى فَسَقَطَ أَيْضًا عِقْدِي حَتَّى حَبَسَ الْتِمَاسُهُ النَّاسَ وَطَلَعَ الْفَجْرُ فَلَقِيتُ مَا شَاءَ اللَّهُ . وَقَالَ لِي أَبُو بَكْرٍ يَا بُنَيَّةُ فِي كُلِّ سَفْرَةٍ تَكُونِينَ عَنَاءً وَبَلَاءً وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ الرُّخْصَةَ بِالتَّيَمُّمِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَاَللَّهِ يَا بُنَيَّةُ إنَّكِ كَمَا عَلِمْتُ مُبَارَكَةٌ } . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ نُزُولَ التَّيَمُّمِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ الْمُرَيْسِيعِ وَكَانَ مِنْ ذِكْرِهِ فِيهَا وَهَلْ مِنْ عِقْدِهَا الَّذِي سَقَطَ مِنْهَا فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ فَإِنَّهُ كَانَ فِي الْمُرَيْسِيعِ إلَى سُقُوطِ عِقْدِهَا فِي قِصَّةِ التَّيَمُّمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهَا حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْبَيْدَاءِ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ هَكَذَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ رُوَاةُ الْمُوَطَّإِ عَنْ مَالِكٍ أَوْ بِذَاتِ الْجَيْشِ عَلَى الشَّكِّ وَكَأَنَّهُ مِنْ أَحَدِ الرُّوَاةِ عَنْ عَائِشَةَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ عَائِشَةَ تَرَدَّدَتْ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ سَقَطَ عِقْدُهَا وَفِيهِ بُعْدٌ ، وَالْبَيْدَاءُ مَمْدُودٌ . وَهُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَذَاتُ الْجَيْشِ بِالْجِيمِ ، وَالْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ وَآخِرُهُ شِينٌ مُعْجَمَةٌ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : هُمَا مَوْضِعَانِ قَرِيبَانِ مِنْ الْمَدِينَةِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ هُمَا مَوْضِعَانِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَخَيْبَرَ قُلْت : وَالْبَيْدَاءُ عِدَّةُ مَوَاضِعَ مِنْهَا بَيْدَاءُ ذِي الْحُلَيْفَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا ابْنُ عُمَرَ بَيْدَاؤُكُمْ الَّتِي تَكْذِبُونَ فِيهَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَلَّذِي يَتَرَجَّحُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ بِذَاتِ الْجَيْشِ فَإِنَّ عَمَّارَ بْنَ يَاسِرٍ قَدْ رَوَاهُ فَقَالَ فِيهِ بِأُولَاتِ الْجَيْشِ لَمْ يَشُكَّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْبَيْدَاءِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَائِدَةِ بَعْدَهَا فَهُوَ أَوْلَى ، وَقَدْ رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ فَذَكَرَ أَنَّهُ بِالْبَيْدَاءِ لَمْ يَشُكَّ ، وَهُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) اخْتَلَفَتْ طُرُقُ الْحَدِيثِ فِي تَعْيِينِ الْمَكَانِ الَّذِي ضَاعَ فِيهِ الْعِقْدُ فَقَالَ مَالِكٌ مَا تَقَدَّمَ وَرَوَاهُ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ فَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ فِيهِ فَأَكْثَرُ الرُّوَاةُ عَنْهُ لَمْ يَذْكُرُوا الْمَكَانَ ، وَهُوَ الْمَوْجُودُ فِي الْكُتُبِ الْخَمْسَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْهُ فَقَالَ فِيهِ : إنَّهَا سَقَطَتْ قِلَادَتُهَا لَيْلَةَ الْأَبْوَاءِ كَذَا رَوَاهُ الْحُمَيْدِيُّ فِي مُسْنَدِ سُفْيَانَ وَرَوَاهُ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ عَنْ هِشَامٍ فَقَالَ : وَكَانَ هَذَا الْمَكَانُ يُقَالُ لَهُ الصَّلْصَلُ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ . وَرَوَاهُ حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامٍ فَقَالَ فِيهِ فَأَرْسَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَيْنِ إلَى الْمُعَرَّسِ يَلْتَمِسَانِ الْقِلَادَةَ فَأَمَّا حَدِيثُ سُفْيَانَ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ الْأَبْوَاءَ جَبَلٌ بَيْنَ مَكَّةَ ، وَالْمَدِينَةِ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَلْصَلٌ فِي جِهَةِ ذَاتِ الْجَيْشِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ فَلَيْسَ فِيهَا مُخَالَفَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُرَدْ بِالْمُعَرَّسِ مَكَانٌ مَعْرُوفٌ ، وَإِنَّمَا أُرِيدَ الْمَكَانُ الَّذِي عَرَّسُوا فِيهِ فَإِنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِ حَدِيثِهِ فَعَرَّسُوا ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ الْآتِي وَرِوَايَةُ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَصَحُّ وَأَثْبَتُ وَيَشْهَدُ لَهَا حَدِيثُ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ { عَرَّسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُولَاتِ الْجَيْشِ وَمَعَهُ عَائِشَةُ زَوْجَتُهُ فَانْقَطَعَ عِقْدُهَا مِنْ جَزْعِ ظَفَارَ فَحُبِسَ النَّاسُ فِي ابْتِغَاءِ عِقْدِهَا ذَلِكَ حَتَّى أَضَاءَ الْفَجْرُ } الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَيْسَ اخْتِلَافُ النَّقَلَةِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي سَقَطَ ذَلِكَ فِيهِ مَا يُوهِنُ شَيْئًا مِنْ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُرَادَ مِنْ الْحَدِيثِ هُوَ نُزُولُ آيَةِ التَّيَمُّمِ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي ذَلِكَ . ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُهَا انْقَطَعَ عِقْدٌ لِي الْعِقْدُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ هُوَ كُلُّ مَا يُعْقَدُ وَيُعَلَّقُ فِي الْعُنُقِ وَهَكَذَا عِنْدَ مَالِكٍ أَنَّ الْعِقْدَ لِعَائِشَةَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا أَنَّهَا اسْتَعَارَتْ مِنْ أَسْمَاءَ قِلَادَةً فَهَلَكَتْ ، وَقَدْ جَعَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ذَلِكَ اخْتِلَافًا فِي الْحَدِيثِ وَقَالَ لَيْسَ اخْتِلَافُ النَّقَلَةِ فِي الْعِقْدِ ، وَالْقِلَادَةِ وَلَا فِي قَوْلِ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ عِقْدٌ لِي وَقَوْلِ هِشَامٍ إنَّ الْقِلَادَةَ اسْتَعَارَتْهَا مِنْ أَسْمَاءَ مَا يُوهِنُ شَيْئًا مِنْ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى الْمُرَادَ مِنْ الْحَدِيثِ نُزُولُ آيَةِ التَّيَمُّمِ وَلَمْ يُخْتَلَفْ فِي ذَلِكَ انْتَهَى وَلَمْ يَجْعَلْهُ النَّوَوِيُّ اخْتِلَافًا بَلْ قَالَ إنَّهُ يُسَمَّى عِقْدًا وَيُسَمَّى قِلَادَةً وَفِي رِوَايَةٍ لِلْقَاسِمِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ تَسْمِيَتُهَا قِلَادَةً أَيْضًا . وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَأَنَّهُ لَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ نِسْبَتِهِ لِعَائِشَةَ وَكَوْنِهَا اسْتَعَارَتْهُ مِنْ أَسْمَاءَ فَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مِلْكٌ لِأَسْمَاءِ وَأَضَافَتْهُ إلَى نَفْسِهَا لِكَوْنِهِ فِي يَدِهَا وَكَذَلِكَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَضَافَتْهُ لِنَفْسِهَا ؛ لِأَنَّهُ فِي حَوْزِهَا . ( الثَّامِنَةُ ) فِيهِ جَوَازُ اتِّخَاذِ النِّسَاءِ الْقَلَائِدَ وَفِي حَدِيثِ عَمَّارٍ أَنَّهُ كَانَ مِنْ جَزْعِ ظَفَارَ ، وَالْجَزْعُ خَرَزُ يَمَانٍ وَظَفَارُ مَدِينَةٌ لِحِمْيَرَ بِالْيَمَنِ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْكَسْرِ كَعِظَامِ وَذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّهُ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ أَنَّهُ كَانَ قِيمَتُهُ اثْنَا عَشَرَ دِرْهَمًا . ( التَّاسِعَةُ ) فِيهِ اعْتِنَاءُ الْإِمَامِ ، وَالْأَمِيرِ بِحِفْظِ حُقُوقِ الْمُسْلِمِينَ وَإِنْ قَلَّتْ وَإِقَامَتُهُ بِالرَّكْبِ لِتَحْصِيلِ ضَائِعٍ وَلِحَاقِ مُنْقَطِعٍ وَدَفْنِ مَيِّتٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَصَالِحِ الرَّعِيَّةِ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَالَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ : فِيهِ النَّهْيُ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَ ) فِيهِ جَوَازُ سُلُوكِ الطَّرِيقِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا مَاءٌ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَهُوَ مُسَلَّمٌ فِيمَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَاءٌ لِلطَّهَارَةِ لِجَوَازِ رُجُوعِهِ إلَى بَدَلِهِ ، وَهُوَ التَّيَمُّمُ أَمَّا إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا مَاءٌ مُطْلَقًا لَا لِشُرْبٍ وَلَا لِغَيْرِهِ وَلَمْ يَحْمِلْ مَعَهُ مَاءً لِذَلِكَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ أَلْقَى بِنَفْسِهِ إلَى التَّهْلُكَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ بِالْجَوَازِ لِجَوَازِ إرْسَالِ الْمَطَرِ وَغَيْرِهِ مَاءً يَكْفِيه لِشُرْبِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَ ) فِيهِ جَوَازُ الْإِقَامَةِ فِي مَوْضِعٍ لَا مَاءَ فِيهِ وَإِنْ احْتَاجَ إلَى التَّيَمُّمِ . ( الثَّالِثَةَ عَشَرَ ) فِيهِ شَكْوَى الْمَرْأَةِ إلَى ابْنِهَا وَإِنْ كَانَ لَهَا زَوْجٌ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَ ) فِيهِ نِسْبَةُ الْفِعْلِ إلَى مَنْ كَانَ سَبَبًا فِيهِ مِنْ قَوْلِهِمْ أَقَامَتْ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِالنَّاسِ أَيْ إنَّ إضَاعَتَهَا لِلْعِقْدِ كَانَ سَبَبًا لِذَلِكَ فَذَهَبَ إلَيْهَا كَقَوْلِهِ لَعَنَ اللَّهُ الرَّجُلَ يَسُبُّ وَالِدِيهِ وَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُ يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ . --------------444444444444444444444444------------------------------- اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ ( الْخَامِسَةَ عَشَرَ ) فِيهِ جَوَازُ دُخُولِ الرَّجُلِ عَلَى ابْنَتِهِ الْمُتَزَوِّجَةِ وَإِنْ كَانَ زَوْجُهَا عِنْدَهَا إذَا لَمْ يَكُنْ مُخْتَلِيًا بِهَا لِحَاجَتِهِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ . ( السَّادِسَةَ عَشَرَ ) فِيهِ تَأْدِيبُ الرَّجُلِ وَلَدَهُ بِالْقَوْلِ ، وَالْفِعْلِ ، وَالضَّرْبِ وَإِنْ كَانَ بَالِغًا أَوْ امْرَأَةً كَبِيرَةً مُتَزَوِّجَةً ، وَهُوَ كَذَلِكَ . ( السَّابِعَةَ عَشَرَ ) قَوْلُهَا وَجَعَلَ يَطْعُنُ هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا هُوَ طَعْنٌ حِسِّيٌّ كَالطَّعْنِ بِالرُّمْحِ ، وَأَمَّا الطَّعْنُ الْمَعْنَوِيُّ كَالطَّعْنِ فِي النَّسَبِ وَنَحْوِهِ فَهُوَ يَطْعَنُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِيهِمَا وَقِيلَ هِيَ لُغَتَانِ فِي كُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ ، وَالْخَاصِرَةُ فِي الْجَنْبِ ، وَهُوَ الْمَكَانُ الدَّاخِلُ الْخَالِي مِنْ الْعِظَامِ بَيْنَ الْأَضْلَاعِ وَبَيْنَ عَظْمِ الْوَسْطِ . ( الثَّامِنَةَ عَشَرَ ) فِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَنَامَ الرَّجُلُ عَلَى فَخِذِ امْرَأَتِهِ وَلَكِنْ ، هَلْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاسْتِمْتَاعِ فَيَكُونُ حَقًّا لِلرَّجُلِ تُجْبَرُ عَلَيْهِ امْرَأَةٌ كَسَائِرِ وُجُوهِ الِاسْتِمْتَاعَاتِ أَوْ هُوَ مِنْ بَابِ الِاسْتِخْدَامِ فَلَا تُجْبَرُ عَلَيْهِ الْمَرْأَةُ بَلْ هِيَ مُخَيَّرَةٌ فِي ذَلِكَ ؟ الظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ الِاسْتِخْدَامِ . ( التَّاسِعَةَ عَشَرَ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الصَّبْرِ ، وَالثَّبَاتِ عَنْ الْحَرَكَةِ لِمَنْ نَالَهُ مَا يَقْتَضِي حَرَكَتَهُ إذَا كَانَ تَحْرِيكُهُ يَحْصُلُ بِهِ التَّشْوِيشُ لِغَيْرِهِ مِنْ نَائِمٍ أَوْ مُصَلٍّ أَوْ مُشْتَغِلٍ بِعِلْمٍ ؛ لِأَنَّ عَائِشَةَ مَنَعَهَا مِنْ التَّحَرُّكِ خَشْيَةَ اسْتِيقَاظِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( الْفَائِدَةُ الْعِشْرُونَ ) فِيهِ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي إيقَاظُ النَّائِمِ مِنْ نَوْمِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّشْوِيشِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا احْتَمَلَ الْأَذَى فَامْتَنَعَ عَنْ التَّحَرُّكِ خَوْفَ اسْتِيقَاظِهِ فَأَوْلَى أَنْ يُبَاشِرَ اسْتِيقَاظَهُ ، وَهُوَ كَذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ قَدْ ضَاقَ وَقْتُ الصَّلَاةِ فِي حَقِّ آحَادِ الْأُمَّةِ فَإِنَّهُ يُنَبِّهُهُ مَنْ حَضَرَ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَمَّا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يُوقَظُ بِحَالٍ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الصَّحِيحِ عِنْدَ مُسْلِمٍ { فَإِذَا كُنْت نَائِمًا فَلَا تُوقِظُونِي } الْحَدِيثَ وَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ؛ لِأَنَّهُ رُبَّمَا كَانَ يُوحَى إلَيْهِ فِي نَوْمِهِ فَيَقْطَعُ الْإِيقَاظُ ذَلِكَ بِخِلَافِ غَيْرِهِ . ( الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) فِي قَوْلِهَا فَنَامَ حَتَّى أَصْبَحَ أَنَّهُ لَا ضَيْرَ وَلَا مُبَالَاةَ فِي النَّوْمِ إلَى وَقْتِ الصُّبْحِ وَتَرْكِ التَّهَجُّدِ مِنْ اللَّيْلِ إذَا كَانَ ذَلِكَ عَنْ غَلَبَةِ نَوْمٍ خُصُوصًا فِي السَّفَرِ الَّذِي خُفِّفَتْ فِيهِ الْفَرَائِضُ بِالْقَصْرِ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : لَوْ كُنْت مُسَبِّحًا أَيْ مُتَطَوِّعًا لَأَتْمَمْت صَلَاتِي فَأَمَّا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { فِي رَجُلٍ نَامَ حَتَّى أَصْبَحَ : ذَلِكَ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ } فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ قَصَدَ ذَلِكَ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يَقُومَ مِنْ اللَّيْلِ فَتَرَكَ ذَلِكَ تَكَاسُلًا . كَمَا قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ فَتَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ } وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حَتَّى أَصْبَحَ لَيْسَ لِبَيَانِ غَايَةِ النَّوْمِ إلَى الصَّبَاحِ بَلْ لِبَيَانِ غَايَةِ فَقْدِ الْمَاءِ إلَى الصَّبَاحِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُطْلِقْ قَوْلَهُ حَتَّى أَصْبَحَ بَلْ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ حَتَّى أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ أَيْ حَتَّى آلَ أَمْرُهُ أَنْ أَصْبَحَ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ ؛ لِأَنَّ إثْبَاتَ الْفِعْلِ عَلَى وَصْفٍ أَوْ حَالٍ دُونَ الْإِثْبَاتِ الْمُطْلَقِ . ( الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) قَوْلُ عَائِشَةَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ هَلْ الْمُرَادُ آيَةُ الْمَائِدَةِ أَوْ آيَةُ النِّسَاءٍ ؟ جَوَّزَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ فَقَالَ وَهِيَ آيَةُ الْوُضُوءِ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ أَوْ الْآيَةُ الَّتِي فِي سُورَةِ النِّسَاءِ قَالَ لَيْسَ التَّيَمُّمُ مَذْكُورًا فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ وَإِنَّمَا تَرَدَّدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الْمُرَادِ مِنْ الِاثْنَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ تَعْيِينُ إحْدَاهُمَا . وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ آيَةُ الْمَائِدَةِ مَا ثَبَتَ ذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ فِيهَا فَنَزَلَتْ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ } الْآيَةَ فَتَعَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ آيَةُ الْمَائِدَةِ . ( الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ ) فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُ الْوُضُوءِ ، وَالطَّهُورِ إلَّا فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ ذُكِرَ فِيهِمَا التَّيَمُّمُ فَفِي أَيِّ مَوْضِعٍ ذُكِرَ الْوُضُوءُ قَبْلَ التَّيَمُّمِ حَتَّى إنَّهُمْ أُمِرُوا بِالْوُضُوءِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ . وَأَجَابَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ فَرْضَ الْوُضُوءِ ، وَالْغُسْلِ كَانَ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ قَالَ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ لِيَكُونَ فَرْضُهَا الْمُتَقَدِّمُ مَتْلُوًّا فِي التَّنْزِيلِ قَالَ وَفِي قَوْلِهِ { لَيْسُوا عَلَى مَاءٍ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ } . دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ قَدْ كَانَ لَازِمًا لَهُمْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْوُضُوءِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَ إلَّا بِوُضُوءٍ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ وَهِيَ آيَةُ الْوُضُوءِ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ أَوْ الْآيَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ لَيْسَ التَّيَمُّمُ مَذْكُورًا فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَهُمَا مَدَنِيَّتَانِ ، وَالْآيَةُ لَيْسَتْ بِالْكَلِمَةِ وَلَا الْكَلِمَتَيْنِ وَإِنَّمَا هِيَ الْكَلَامُ الْمُجْتَمِعُ الدَّالُ عَلَى الْإِعْجَازِ الْجَامِعِ لِمَعْنًى مُسْتَفَادٍ قَائِمٍ بِنَفْسِهِ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ غُسْلَ الْجَنَابَةِ لَمْ يُفْتَرَضْ قَبْلَ الْوُضُوءِ كَمَا هُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ جَمِيعِ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنْذُ أَنْ اُفْتُرِضَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ بِمَكَّةَ لَمْ يُصَلِّ إلَّا بِوُضُوءٍ مِثْلَ وُضُوئِنَا الْيَوْمَ ، وَهَذَا مَا لَا يَجْهَلُهُ عَالِمٌ وَلَا يَدْفَعُهُ إلَّا مُعَانِدٌ قَالَ وَفِي قَوْلِهِ فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ وَلَمْ يَقُلْ آيَةَ الْوُضُوءِ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ الَّذِي طَرَأَ لَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حُكْمُ التَّيَمُّمِ لَا حُكْمُ الْوُضُوءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى مَا ذَكَرَهُ عَنْ أَهْلِ السِّيَرِ ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ بِغَيْرِ إسْنَادٍ . وَقَدْ وَصَلَهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إلَيْهِ أَتَاهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَعَلَّمَهُ الْوُضُوءَ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ الْوُضُوءِ أَخَذَ غُرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَنَضَحَ بِهَا فَرْجَهُ } . وَالْحَدِيثُ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ لَكِنْ دُونَ قَوْلِهِ : إنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ مَا أُوحِيَ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ، وَالْعِشْرُونَ ) وَقَوْلُهَا فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ فَتَيَمَّمُوا فَهَلْ قَوْلُهَا فَتَيَمَّمُوا خَبَرٌ عَنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ لَمَّا نَزَلَتْ الْآيَةُ تَيَمَّمُوا أَوْ هُوَ بَيَانٌ لِآيَةِ التَّيَمُّمِ وَحِكَايَةٌ لِبَعْضِهَا أَرَادَتْ قَوْله تَعَالَى { فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا } ؟ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ . ( الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ ) الْآيَةُ دَالَّةٌ عَلَى وُجُوبِ النِّيَّةِ فِي التَّيَمُّمِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُهُمْ إنَّ التَّيَمُّمَ الْقَصْدُ وَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى الْأَوْزَاعِيِّ حَيْثُ لَمْ يُوجِبْ النِّيَّةَ فِي التَّيَمُّمِ وَأَوْجَبَهَا الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ . ( السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ ) اُسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ نَقْلُ التُّرَابِ إلَى الْوَجْهِ ، وَالْيَدَيْنِ وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي أَنْ يَقِفَ فِي مَهَبِّ الرِّيحِ وَيَنْوِي فَيُسْفِي الرِّيحُ التُّرَابَ عَلَى وَجْهِهِ وَيَدَيْهِ بِخِلَافِ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ فَإِنَّهُ لَوْ وَقَفَ فِي الْمَطَرِ أَوْ تَحْتَ مِيزَابٍ وَنَحْوِهِ وَنَوَى حَصَلَ الْوُضُوءُ وَالْغُسْلُ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِالْآيَةِ نَظَرٌ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ مَنْ تَعَرَّضَ لِهُبُوبِ التُّرَابِ عَلَى أَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ مَعَ الْقَصْدِ فَقَدْ قَصَدَ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى وُجُوبِ نَقْلِ الْمَاءِ إلَى الْوَجْهِ فِي الْوُضُوءِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَعْضَاءِ ، وَهُوَ تَحَكُّمٌ . ( السَّابِعَةُ ، وَالْعِشْرُونَ ) دَلَّتْ الْآيَةُ عَلَى تَعَيُّنِ الصَّعِيدِ الطَّيِّبِ لِلتَّيَمُّمِ ، وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِالصَّعِيدِ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : الصَّعِيدُ وَجْهُ الْأَرْضِ وَقَالُوا الصَّعِيدُ كُلُّ مَا صَعِدَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ تُرَابٍ وَحَجَرٍ وَرَمْلٍ وَحْصًا وَنَوْرَةٍ وَزِرْنِيخٍ وَجِصٍّ وَرُخَامٍ وَاحْتَجُّوا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَتُصْبِحَ صَعِيدًا زَلَقًا } لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيدًا جُرُزًا } قَالُوا وَهِيَ الْأَرْضُ الْغَلِيظَةُ الَّتِي لَا تُنْبِتُ شَيْئًا . وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَمِنْهُمْ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد الظَّاهِرِيُّ إلَى أَنَّ الصَّعِيدَ هُوَ التُّرَابُ فَقَطْ دُونَ سَائِرِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : الصَّعِيدُ الْحَرْثُ حَرْثُ الْأَرْضِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ { وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا } وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ تُرَابُهَا وَسَيَأْتِي بَعْدَ هَذَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيه إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . ( الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ ) لَمْ يَقَعْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا كَيْفِيَّةُ التَّيَمُّمِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ عَمَّارُ بْنُ يَاسِرٍ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذِهِ الْقِصَّةِ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَّسَ بِأُولَاتِ الْجَيْشِ وَمَعَهُ عَائِشَةُ فَانْقَطَعَ عِقْدٌ لَهَا مِنْ جَزْعِ ظَفَارَ فَحُبِسَ النَّاسُ ابْتِغَاءَ عِقْدِهَا ذَلِكَ حَتَّى أَضَاءَ الْفَجْرُ وَلَيْسَ مَعَ النَّاسِ مَاءٌ فَتَغَيَّظَ عَلَيْهَا أَبُو بَكْرٍ . وَقَالَ حَبَسْت النَّاسَ وَلَيْسَ مَعَهُمْ مَاءٌ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذِكْرُهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُخْصَةَ التَّطَهُّرِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ فَقَامَ الْمُسْلِمُونَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبُوا بِأَيْدِيهِمْ إلَى الْأَرْضِ ثُمَّ رَفَعُوا أَيْدِيَهُمْ وَلَمْ يَقْبِضُوا مِنْ التُّرَابِ شَيْئًا فَمَسَحُوا بِهَا وُجُوهَهُمْ وَأَيْدِيَهُمْ إلَى الْمَنَاكِبِ وَمِنْ بُطُونِ أَيْدِيهِمْ إلَى الْآبَاطِ } . قَالَ أَبُو دَاوُد وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَذَكَرَ ضَرْبَتَيْنِ كَمَا ذَكَرَ يُونُسُ وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ ضَرْبَتَيْنِ قَالَ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ ضَرْبَتَيْنِ إلَى مَنْ سَمَّيْت ( قُلْت ) وَهَكَذَا ذَكَرَ فِيهِ أَيْضًا ضَرْبَتَيْنِ ابْنُ أَبِي ذُؤَيْبٍ إلَّا أَنَّ ابْنَ أَبِي ذُؤَيْبٍ وَيُونُسَ وَمَعْمَرًا لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ ابْنَ عَبَّاسٍ كَمَا ذَكَرَهُ صَالِحٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَلَمْ يَقُولُوا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِيهِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا جَعَلُوهُ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَمَّارٍ . ا هـ . فَاحْتَجَّ الْأَكْثَرُونَ بِهَذَا عَلَى وُجُوبِ ضَرْبَتَيْنِ ضَرْبَةٍ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٍ لِلْيَدَيْنِ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عُمَرَ وَمِنْ التَّابِعِينَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَقَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ : الْوَاجِبُ ضَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ لَهُمَا ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَتَفَرَّدَ ابْنُ سِيرِينَ بِاشْتِرَاطِ ثَلَاثِ ضَرَبَاتٍ ضَرْبَةٍ لِلْوَجْهِ وَضَرْبَةٍ لِلْكَفَّيْنِ وَضَرْبَةٍ لِلذِّرَاعِ . وَتَفَرَّدَ الزُّهْرِيُّ أَيْضًا بِاشْتِرَاطِ بُلُوغِ الْمَنْكِبَيْنِ بِالْمَسْحِ لِظَاهِرِ حَدِيثِ عَمَّارٍ وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مَسْحُ مَا وَرَاءَ الْمِرْفَقَيْنِ وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّ الْوَاجِبَ مَسْحُ الْكَفَّيْنِ فَقَطْ وَأَنَّ مَا زَادَ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ سُنَّةٌ ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْفَرْضَ فِي الْيَدَيْنِ مَسْحُ الْكَفَّيْنِ فَقَطْ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ جَرِيرٍ وَدَاوُد وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . وَهُوَ أَثْبَتُ مَا رُوِيَ مِنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَمَّارٍ وَحَدِيثِ عَمَّارٍ فِي الضَّرْبَتَيْنِ كَانَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ حِينَ نُزُولِ آيَةِ التَّيَمُّمِ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبْزَى عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمَّارٍ قَالَ { سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّيَمُّمِ فَأَمَرَنِي ضَرْبَةً وَاحِدَةً فِي الْوَجْهِ وَالْكَفَّيْنِ } . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَسُؤَالُهُ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقِصَّةِ عَمَّارٍ فِي تَمَعُّكِهِ فِي التُّرَابِ حِينَ أَجْنَبَ وَقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَكْفِيك التَّيَمُّمُ ضَرْبَةً لِلْوَجْهِ ، وَالْيَدَيْنِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَكُلُّ مَا يُرْوَى فِي هَذَا عَنْ عَمَّارٍ فَمُضْطَرِبٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَلَكِنَّ الْأَكْثَرِينَ عَلَى وُجُوبِ دُخُولِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ وَابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ وَإِسْمَاعِيلِ الْقَاضِي وَشَذَّ ابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنُ بْنُ حُيَيِّ فِي اشْتِرَاطِهِمَا أَنْ يَمْسَحَ بِكُلٍّ مِنْ الضَّرْبَتَيْنِ وَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ ، وَمِمَّا احْتَجَّ بِهِ الْجُمْهُورُ عَلَى بُلُوغِ الْمِرْفَقَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّهُ تَيَمَّمَ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ } . وَرَفَعَهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَمَّا اخْتَلَفَتْ الْآثَارُ فِي كَيْفِيَّةِ التَّيَمُّمِ وَتَعَارَضَتْ كَانَ الْوَاجِبُ فِي ذَلِكَ الرُّجُوعَ إلَى ظَاهِرِ الْكِتَابِ ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى ضَرْبَتَيْنِ ؛ لِلْوَجْهِ ضَرْبَةٌ وَلِلْيَدَيْنِ أُخْرَى إلَى الْمِرْفَقَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ وَاتِّبَاعًا لِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّهُ لَا يُدْفَعُ عِلْمُهُ بِكِتَابِ اللَّهِ وَلَوْ ثَبَتَ شَيْءٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ لَوَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ . وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ : وَمِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ أَنْ نَصَّ عَلَى حُكْمِ الْوُضُوءِ وَهَيْئَتِهِ بِالْمَاءِ ثُمَّ أَخْبَرَ بِحُكْمِ التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ وَقَالَ أَيْضًا بَعْدَ ذَلِكَ لَمَّا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ : { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ } . وَأَجْمَعُوا أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ فِي غَسْلَةٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَّ غَسْلَ الْوَجْهِ غَيْرُ غَسْلِ الْيَدَيْنِ فَلِذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ الضَّرْبَةُ فِي التَّيَمُّمِ لِلْوَجْهِ غَيْرُ الضَّرْبَةِ لِلْيَدَيْنِ قِيَاسًا إلَّا أَنْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافُ ذَلِكَ فَيَسْلَمُ لَهُ قَالَ : وَكَذَلِكَ الْبُلُوغُ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ قِيَاسًا عَلَى الْوُضُوءِ إنْ لَمْ يَثْبُتْ خِلَافُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ ) اسْتَدَلَّ بِآيَةِ التَّيَمُّمِ الَّتِي فِي الْمَائِدَةِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَأَنَّهُ لَا يُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ عَلَى الْمُكَلَّفِ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ أَنْ يَتَوَضَّأَ وَأَوْجَبَ التَّيَمُّمَ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَعِنْدَ عَدَمِهِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي وُجُوبَ الْوُضُوءِ أَوْ التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْوُضُوءِ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَخَرَجَ الْوُضُوءُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي يَوْمِ الْفَتْحِ صَلَوَاتٍ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ } وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُ صَلَّى صَلَاتَيْنِ بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ فَبَقِيَ التَّيَمُّمُ عَلَى الْأَصْلِ حَتَّى يَدُلَّ دَلِيلٌ وَاضِحٌ عَلَى ذَلِكَ . وَهُوَ قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ بَلْ زَادَ مَالِكٌ عَلَى هَذَا فَقَالَ : إنَّهُ لَا يُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ فَرِيضَةً وَنَافِلَةً إلَّا نَافِلَةً تَكُونُ بَعْدَهَا فَلَوْ صَلَّى بِتَيَمُّمِهِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ أَعَادَ التَّيَمُّمَ لِلصُّبْحِ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَاللَّيْثُ وَدَاوُد إلَى أَنَّهُ يُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ وَاحِدٍ مَا شَاءَ مِنْ الْفَرَائِضِ ، وَالنَّوَافِلِ مَا لَمْ يُحْدِثْ أَوْ يَجِدْ فَاقِدُ الْمَاءِ الْمَاءَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْفَائِدَةُ الثَّلَاثُونَ ) اُسْتُدِلَّ بِالْآيَةِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ لِفَرْضٍ إلَّا بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِهِ لِقَوْلِهِ { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ } وَاغْتُفِرَ تَجْوِيزُ تَقْدِيمِ الْوُضُوءِ عَلَى الْوَقْتِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُبْطِلُهُ رُؤْيَةُ مَاءٍ يَتَوَضَّأُ بِهِ ، بِخِلَافِ التَّيَمُّمِ فَإِنَّ رُؤْيَةَ الْمَاءِ تُبْطِلُهُ اتِّفَاقًا ، وَإِنَّمَا هُوَ رُخْصَةٌ عِنْدَ إرَادَةِ الصَّلَاةِ فَلَا يَتَقَدَّمُ عَنْ وَقْتِهِ وَمَا ذُكِرَ مِنْ هَذَا الْحُكْمِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ . كَمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ لَا يَتَيَمَّمُ لِفَرِيضَةٍ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا وَهَذَا مِمَّا اُحْتُجَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بِتَيَمُّمٍ أَكْثَرَ مِنْ فَرِيضَةٍ ؛ لِأَنَّهُ إذَا صَلَّى بِهِ فَرِيضَةً ثُمَّ دَخَلَ وَقْتُ فَرِيضَةٍ فَإِنَّ تَيَمُّمَهُ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهَا وَلَا يَرِدُ جَمْعُ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ كَوْنُ الْفَرِيضَتَيْنِ تُصَلَّيَانِ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فَهَذَا وَقْتُ الضَّرُورَةِ وَلَيْسَ بِوَقْتٍ أَصْلِيٍّ لِإِحْدَى الصَّلَاتَيْنِ نَعَمْ التَّيَمُّمُ لِلْحَاضِرَةِ وَلِلْفَائِتَةِ لَا يَصِحُّ مَعَ كَوْنِ الْوَقْتِ لِكُلٍّ مِنْهُمَا إلَّا أَنْ يُقَالَ لَيْسَ هُوَ وَقْتًا أَصْلِيًّا لِلْفَائِتَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ وَالتُّرَابَ حَتَّى خَرَجَ الْوَقْتُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي وَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ : إنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَا أَعْرِفُ كَيْفَ أَقْدَمَ عَلَى أَنْ جَعَلَ هَذَا هُوَ الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ مَعَ خِلَافِهِ جُمْهُورَ السَّلَفِ وَعَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةِ الْمَالِكِيَّةِ . قَالَ : وَأَظُنُّهُ ذَهَبَ إلَى ظَاهِرِ قَوْلِهِ : وَلَيْسُوا عَلَى مَاءٍ فَنَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَصْبَحَ وَهُمْ عَلَى غَيْرِ مَاءٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ التَّيَمُّمِ وَلَمْ يَذْكُرُوا أَنَّهُمْ صَلَّوْا قَالَ وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرُوا أَنَّهُمْ لَمْ يُصَلُّوا قَالَ : وَقَدْ ذَكَرَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ صَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ وَلَمْ يَذْكُرُوا إعَادَةً . وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ أُخَرُ وَهِيَ أَقْوَالٌ لِلشَّافِعِيِّ أَيْضًا أَصَحُّهَا عِنْدَ أَصْحَابِهِ وُجُوبُ الصَّلَاةِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَوُجُوبُ الْإِعَادَةِ إذَا قَدَرَ عَلَى أَحَدِهِمَا مِمَّا يُسْقِطُ عَنْهُ الْقَضَاءَ ، وَالثَّانِي أَنَّهَا لَا تَجِبُ فِي الْوَقْتِ وَلَكِنْ تُسْتَحَبُّ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ سَوَاءٌ صَلَّى أَوْ لَمْ يُصَلِّ ، وَالثَّالِثُ تَحْرُمُ الصَّلَاةُ لِقَوْلِهِ { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طَهُورٍ } وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ ، وَالرَّابِعُ تَجِبُ الصَّلَاةُ وَلَا تَجِبُ الْإِعَادَةُ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ : وَهُوَ الْقِيَاسُ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إنَّهُ أَقْوَى الْأَقْوَالِ دَلِيلًا قَالَ وَيُعَضِّدُهُ هَذَا الْحَدِيثُ أَيْ الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُمْ صَلَّوْا بِغَيْرِ وُضُوءٍ قَبْلَ نُزُولِ التَّيَمُّمِ ، وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ أَمَرَهُمْ بِالْإِعَادَةِ ، وَإِنَّمَا يَجِبُ الْقَضَاءُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ قَالَ وَلِلْقَائِلِينَ بِوُجُوبِ الْإِعَادَةِ أَنْ يُجِيبُوا بِأَنَّ الْإِعَادَةَ لَيْسَتْ عَلَى الْفَوْرِ وَيَجُوزُ التَّأْخِيرُ إلَى وَقْتِ الْحَاجَةِ . ( الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) اُسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ فِي الْآيَةِ { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } عَلَى أَنَّ الْجُنُبَ لَا يَسْتَبِيحُ الصَّلَاةَ بِالتَّيَمُّمِ وَكَذَلِكَ فِي آيَةِ النِّسَاءِ { وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا } وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ وَحُكِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ فَلَمْ يَرَوْا الْجُنُبَ دَاخِلًا فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَذَلِكَ جَائِزٌ مِنْ التَّأْوِيلِ فِي الْآيَةِ لَوْلَا مَا بَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَيَمُّمِ الْجُنُبِ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَأَبِي ذَرٍّ قَالَ : وَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِقَوْلِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَحَدٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ مِنْ أَهْلِ الرَّأْيِ ، وَحَمَلَةُ الْآثَارِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ذَلِكَ قَالَ النَّوَوِيُّ : وَقِيلَ إنَّ عُمَرَ وَعَبْدَ اللَّهِ رَجَعَا عَنْ ذَلِكَ قَالَ : وَأَجْمَعَ أَهْلُ هَذِهِ الْأَعْصَارِ وَمَنْ قَبْلَهُمْ عَلَى جَوَازِهِ لِلْجُنُبِ ، وَالْحَائِضِ ، وَالنُّفَسَاءِ وَلَمْ يُخَالِفْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ الْخَلَفِ . ( قُلْت ) : وَتَأْوِيلُ الْآيَةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ عُمَرُ وَعَبْدُ اللَّهِ لَيْسَ بِلَازِمٍ وَلَا وَاضِحٍ ؛ لِأَنَّ اللَّه تَعَالَى ذَكَرَ غَسْلَ أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ أَيْضًا ثُمَّ ذَكَرَ طَهَارَةَ الْجُنُبِ ثُمَّ قَالَ { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ } فَسَوَاءٌ فِيهِ مَنْ عَلَيْهِ الْوُضُوءُ وَمَنْ عَلَيْهِ الْغُسْلُ . { الثَّالِثَةُ ، وَالثَّلَاثُونَ } دَلَّتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ عَلَى أَنَّهُ يَكُونُ عَنْ الْوُضُوءِ وَعَنْ الْجَنَابَةِ أَيْضًا كَمَا ذُكِرَ فَمَنْ أَبَاحَ التَّيَمُّمَ عَنْ النَّجَاسَةِ عَلَى الْبَدَنِ ، وَهُوَ أَحْمَدُ لَيْسَ لَهُ حُجَّةٌ مِنْ الْآيَةِ وَلَمْ يَرِدْ أَيْضًا فِي السُّنَّةِ مَا يَدُلُّ عَلَى التَّيَمُّمِ عَنْ النَّجَاسَةِ وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ وَهُمْ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَغَيْرُهُمْ فِي ذَلِكَ . وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُ يَمْسَحُ مَوْضِعَ النَّجَاسَةِ بِالتُّرَابِ وَيُصَلِّي ، وَهَذَا لَيْسَ بِتَيَمُّمٍ ، وَكَأَنَّهُمْ أَخَذُوا ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ مَسْحِ النَّعْلِ مِنْ الْأَذَى وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْأَذَى النَّجَاسَةَ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَا يُسْتَقْذَرُ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ تُرَادَ النَّجَاسَةُ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْعَفْوِ فِي النَّعْلِ وَالْخُفِّ الْعَفْوُ فِي مَحَلٍّ آخَرَ مِنْ الْبَدَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) فِيهِ فَضِيلَةُ عَائِشَةَ وَبَرَكَتُهَا وَتَكْرَارُ ذَلِكَ كَمَا شَهِدَ بِهِ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ الَّذِي شَهِدَ الْوَحْيَ ، وَالتَّنْزِيلَ بِسَبَبِهَا وَأَنَّهَا لَيْسَتْ بِأَوَّلِ بَرَكَةٍ لِآلِ أَبِي بَكْرٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَقَالَ أُسَيْدُ : لَقَدْ بَارَكَ اللَّهُ لِلنَّاسِ فِيكُمْ مَا أَنْتُمْ إلَّا بَرَكَةٌ لَهُمْ . وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ : إنَّ أُسَيْدًا قَالَ فَوَاَللَّهِ مَا نَزَلَ بِكِ أَمْرٌ تَكْرَهِينَهُ إلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَكِ وَلِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ خَيْرًا وَعِنْدَ مُسْلِمٍ إلَّا جَعَلَ اللَّهُ لَك مِنْهُ مَخْرَجًا وَجَعَلَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ بَرَكَةً وَالطَّبَرَانِيُّ إنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ لَهَا : وَاَللَّهِ يَا بُنَيَّةُ إنَّك لَمَا عَلِمْتُ مُبَارَكَةٌ . ( الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) قَوْلُ عَائِشَةَ : فَبَعَثْنَا الْبَعِيرَ الَّذِي كُنْت عَلَيْهِ فَوَجَدْنَا الْعِقْدَ تَحْتَهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فَبَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا فَوَجَدَهَا وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَبَعَثَ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ فِي طَلَبِهَا وَلِأَبِي دَاوُد بَعَثَ أُسَيْدَ بْنَ حُضَيْرٍ وَأَنَسًا مَعَهُ فَمَا وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ ، وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ ؟ قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمَبْعُوثُ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَأَتْبَاعٌ لَهُ فَذَهَبُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا ثُمَّ وَجَدَهَا أُسَيْدُ بَعْدَ رُجُوعِهِ تَحْتَ الْبَعِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا يُرَاهُ سُفْيَانُ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِزِيَادَةٍ فِي أَوَّلِهِ { فُضِّلْت عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ : أُعْطِيت جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْت بِالرُّعْبِ وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ } وَلِلشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { أُعْطِيت خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْت بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا } وَقَالَ مُسْلِمٌ { وَجُعِلْت لِي الْأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا } وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ { فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ } . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ { وَجُعِلَ تُرَابُهَا لَنَا طَهُورًا } تَفَرَّدَ أَبُو مَالِكٍ الْأَشْجَعِيُّ بِذِكْرِ التُّرَابِ فِيهِ ، وَلِأَحْمَدَ ، وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ { وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا } وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . { الْحَدِيثُ الثَّانِي } عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيمَا يُرَاهُ سُفْيَانُ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ بِزِيَادَةِ فِي أَوَّلِهِ فِيهِ فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ ، وَاللَّفْظُ لَهُ هَكَذَا مُخْتَصَرًا كُلُّهُمْ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَزَادَ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ فِي أَوَّلِهِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فُضِّلْتُ عَلَى النَّاسِ بِسِتٍّ أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنُصِرْتُ بِالرُّعْبِ وَأُحِلَّتْ لِي الْمَغَانِمُ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ طَهُورًا وَمَسْجِدًا وَأُرْسِلْتُ إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ } . { الثَّانِيَةُ } قَوْلُ أَحْمَدَ فِي رِوَايَتِهِ فِيمَا يُرَاهُ سُفْيَانُ هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ يَظُنُّهُ وَلَيْسَ ذَلِكَ قَادِحًا فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ فَإِنَّ بَابَ الرِّوَايَةِ مَبْنِيٌّ عَلَى غَلَبَةِ الظَّنِّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سُفْيَانُ هُوَ الْقَائِلُ فِيمَا يُرَاهُ سُفْيَانُ يُرِيدُ فِيمَا رَأَيْت فَأَوْقَعَ الظَّاهِرَ مَوْقِعَ الْمُضْمِرِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَوْضِعَ الظَّنِّ مِنْ الْإِسْنَادِ كَوْنُهُ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّ الزُّهْرِيَّ شَيْخَ سُفْيَانَ قَدْ حَدَّثَ بِبَعْضِ الْحَدِيثِ عَنْ رَجُلَيْنِ عَنْ سَعِيدٍ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَكَأَنَّ سُفْيَانَ بْنَ عُيَيْنَةَ تَرَدَّدَ فِي شَيْخِ الزُّهْرِيِّ مَنْ هُوَ ؟ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ لَا أَبُو سَلَمَةَ ، وَقَدْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الزَّبِيدِيِّ وَمَعْمَرٍ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ وَسَاقَهُ النَّسَائِيّ بِلَفْظِ { بُعِثْت بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ وَنُصِرْت بِالرُّعْبِ وَبَيْنَا أَنَّا نَائِمٌ أُتِيت بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعْت فِي يَدِي } وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِيمَا يُرَاهُ سُفْيَانُ أَيْ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِرَفْعِ الْحَدِيثِ وَمَعْمُولِ قَوْلِهِ يَبْلُغُ بِهِ فَكَأَنَّهُ يَكُونُ قَوْلُهُ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يُرَاهُ سُفْيَانُ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِتَقَدُّمِ قَوْلِهِ فِيمَا يُرَاهُ فَعَوْدُهُ إلَى الْمَاضِي أَقْرَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّالِثَةُ } قَوْلُهُ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا اُخْتُلِفَ فِي بَيَانِ مَا خُصِّصَ بِهِ عَلَى الْأُمَمِ قَبْلَهُ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ : إنَّ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةَ لَمْ تَكُنْ الصَّلَاةُ تُبَاحُ لَهُمْ إلَّا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ كَالْبِيَعِ ، وَالْكَنَائِسِ وَقِيلَ كَانُوا لَا يُصَلُّونَ إلَّا فِيمَا تَيَقَّنُوا طَهَارَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَخُصِّصَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ بِجَوَازِ الصَّلَاةِ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ إلَّا مَا تُيُقِّنَتْ نَجَاسَتُهُ حَكَاهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ . { الرَّابِعَةُ } عُمُومُ ذِكْرِ الْأَرْضِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَخْصُوصٌ بِمَا نَهَى الشَّارِعُ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ فَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدٌ إلَّا الْمَقْبَرَةَ ، وَالْحَمَّامَ } وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ أَسَانِيدُهُ صَحِيحَةٌ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ ، وَكَذَا ضَعَّفَهُ غَيْرُهُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَاَلَّذِينَ ضَعَّفُوهُ أَتْقَنُ مِنْ الْحَاكِمُ . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى أَنْ يُصَلَّى فِي سَبْعَةِ مَوَاطِنَ فِي الْمَزْبَلَةِ ، وَالْمَجْزَرَةِ ، وَالْمَقْبَرَةِ وَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَفِي الْحَمَّامِ وَفِي مَعَاطِنِ الْإِبِلِ وَفَوْقَ ظَهْرِ بَيْتِ اللَّه } قَالَ التِّرْمِذِيُّ إسْنَادُهُ لَيْسَ بِذَاكَ الْقَوِيِّ . وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي زَيْدِ بْنِ جَبِيرَةَ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ { النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي مَبَارِكِ الْإِبِلِ } . وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ { لَا تُصَلُّوا فِي مَبَارِكِ الْإِبِل فَإِنَّهَا مِنْ الشَّيَاطِينِ } . وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ { لَا تُصَلُّوا فِي أَعْطَانِ الْإِبِلِ فَإِنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الشَّيْطَانِ } . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جُنْدَبٍ { لَا تَتَّخِذُوا الْقُبُورَ مَسَاجِدَ } . وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ { إنَّ حَبِّي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي الْمَقْبَرَةِ وَنَهَانِي أَنْ أُصَلِّيَ فِي أَرْضِ بَابِلَ فَإِنَّهَا مَلْعُونَةٌ } وَبَعْضُ هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الْمَنْهِيِّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ سَبَبُ النَّهْيِ غَلَبَةُ النَّجَاسَةِ كَالْمَزْبَلَةِ ، وَالْمَجْزَرَةِ ، وَالْمَقْبَرَةِ ، وَالْحَمَّامِ وَمَعَاطِنِ الْإِبِلِ عَلَى أَحَدِ الْأَقْوَالِ أَوْ خَوْفُ التَّشْوِيشِ وَتَرْكُ اجْتِمَاعِ الْخَاطِرِ كَقَارِعَةِ الطَّرِيقِ وَأَعْطَانِ الْإِبِلِ عَلَى قَوْلٍ آخَرَ أَوْ حُضُورُ الشَّيَاطِينِ كَالْحَمَّامِ وَأَعْطَانِ الْإِبِلِ عَلَى قَوْلٍ . وَكَذَا الصَّلَاةُ فِي بَطْنِ الْوَادِي كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ وَعَدَمُ الْقِبْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ كَظَهْرِ بَيْتِ اللَّهِ حَيْثُ لَا شَاخِصَ هُنَاكَ ثَابِتٌ يُسْتَقْبَلُ وَبَعْضُهَا مَحْمُولٌ عَلَى التَّحْرِيمِ وَبَعْضُهَا عَلَى الْكَرَاهَةِ عَلَى مَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَوَاضِعِهِ مِنْ الْفِقْهِ وَالْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ . { الْخَامِسَةُ } اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ فِي الْمَسَاجِدِ وَإِنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَشُقَّ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ جَارَ الْمَسْجِدِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { لَا صَلَاةَ لِجَارِ الْمَسْجِدِ إلَّا فِي الْمَسْجِدِ } فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَكَذَلِكَ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَلِيٍّ وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ وَلَوْ ثَبَتَ كَانَ الْمُرَادُ لَا صَلَاةَ كَامِلَةٌ . { السَّادِسَةُ } اُسْتُدِلَّ بِهِ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِجَمِيعِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ مِنْ التُّرَابِ ، وَالرَّمْلِ ، وَالْحِجَارَةِ ، وَالْحَصْبَاءِ قَالُوا وَكَمَا تَجُوزُ الصَّلَاةُ عَلَيْهَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ فِي الصَّلَاةِ عَلَيْهَا بَيْنَ التُّرَابِ وَغَيْرِهِ فَكَذَلِكَ حُكْمُ التَّيَمُّمِ . وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ إلَى تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِالتُّرَابِ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ جُعِلَتْ صُفُوفُنَا كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ } . وَذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى فَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ رِوَايَةَ الْإِطْلَاقِ عَلَى رِوَايَةِ التَّقْيِيدِ وَاعْتَرَضَ الْقُرْطُبِيِّ فِي الْمُفْهِمِ بِأَنَّ ذَلِكَ ذُهُولٌ مِنْ قَائِلِهِ فَإِنَّ التَّخْصِيصَ إخْرَاجُ مَا تَنَاوَلَهُ الْعُمُومُ عَنْ الْحُكْمِ وَلَمْ يُخْرِجْ هَذَا الْخَبَرُ شَيْئًا وَإِنَّمَا عَيَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ وَاحِدًا مِمَّا تَنَاوَلَهُ الِاسْمُ الْأَوَّلُ مَعَ مُوَافَقَتِهِ فِي الْحُكْمِ وَصَارَ بِمَثَابَةِ قَوْله تَعَالَى { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } وَقَوْلِهِ { مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ } فَعَيَّنَ بَعْضَ مَا تَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ مَعَ الْمُوَافَقَةِ فِي الْمَعْنَى وَكَذَلِكَ ذِكْرُ التُّرَابِ وَإِنَّمَا عَيَّنَّهُ لِكَوْنِهِ أَمْكَنَ وَأَغْلَبَ قَالَ وَأَيْضًا فَإِنَّا نَقُولُ بِمُوجِبِهِ فَإِنَّ تُرَابَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ فَيُقَالُ تُرَابُ الزِّرْنِيخِ وَتُرَابُ النُّورَةِ انْتَهَى وَذَكَرَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَيْضًا أَنَّهُ اُعْتُرِضَ عَلَى الَّذِينَ خَصَّصُوا عُمُومَ الْأَرْضِ بِتُرْبَةِ الْأَرْضِ بِوُجُوهٍ مِنْهَا مَنْعُ كَوْنِ التُّرْبَةِ مُرَادِفَةً لِلتُّرَابِ وَادَّعَى أَنَّ تُرْبَةَ كُلِّ مَكَان مَا فِيهِ مِنْ تُرَابٍ أَوْ غَيْرِهِ مِمَّا يُقَارِبُهُ . وَمِنْهَا أَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ أَعْنِي تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِالتُّرْبَةِ وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَرْبَابِ الْأُصُولِ وَقَالُوا لَمْ يَقُلْ بِهِ إلَّا الدَّقَّاقُ وَمِنْهَا أَنَّ الْحَدِيثَ الَّذِي خُصَّتْ بِهِ التُّرْبَةُ بِالطَّهُورِيَّةِ لَوْ سُلِّمَ أَنَّ مَفْهُومَهُ مَعْمُولٌ بِهِ لَكَانَ الْحَدِيثُ الْآخَرُ بِمَنْطُوقِهِ يَدُلُّ عَلَى طَهُورِيَّةِ بَقِيَّةِ أَجْزَاءِ الْأَرْضِ أَعْنِي قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَإِذَا تَعَارَضَ فِي غَيْرِ التُّرَابِ دَلَالَةُ الْمَفْهُومِ الَّذِي يَقْتَضِي عَدَمَ طَهُورِيَّتِهِ وَدَلَالَةُ الْمَنْطُوقِ الَّذِي يَقْتَضِي طَهُورِيَّتَهُ فَالْمَنْطُوقُ مُقَدَّمٌ عَلَى الْمَفْهُومِ انْتَهَى . وَالْجَوَابُ عَنْ اعْتِرَاضِ الْقُرْطُبِيِّ الْأَوَّلِ مِنْ جَعْلِهِ ذَلِكَ ذِكْرًا لِبَعْضِ أَفْرَادِ الْعُمُومِ وَأَنَّهُ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا . فَهَذَا هُوَ عَيْنُ الْمَسْأَلَةِ الْمُتَنَازِعِ فِيهَا وَقَوْلُهُ لَمْ يُخْرِجْ شَيْئًا دَعْوَى وَإِنَّمَا هَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } فَهَلَّا جَعَلَ هَذِهِ الْآيَةَ ذِكْرًا لِبَعْضِ أَفْرَادِ الْآيَةِ الَّتِي أُطْلِقَ فِيهَا ذِكْرُ الرَّقَبَةِ بَلْ اشْتَرَطَ فِي الْكَفَّارَةِ إيمَانَ الرَّقَبَةِ حَمْلًا لِإِحْدَى الْآيَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى . وَأَمَّا تَمْثِيلُهُ بِذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ فَهُوَ ذُهُولٌ مِنْهُ وَإِنَّمَا صُورَةُ هَذَا أَنْ يَذْكُرَ مَعًا الْعَامَّ قَبْلَ الْخَاصِّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ هَذَا الْحَدِيثُ بَلْ أَطْلَقَ فِي أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ الْأَرْضَ وَقَيَّدَ فِي الْآخَرِ ذَلِكَ بِتُرْبَةِ الْأَرْضِ وَبِتُرَابِ الْأَرْضِ . وَأَمَّا جَعْلُهُ ذَلِكَ مِمَّا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَهُوَ أَيْضًا خِلَافُ الْأَصْلِ خُصُوصًا مَا إذَا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي مَعْرِضِ إظْهَارِ التَّشْرِيفِ ، وَالتَّخْصِيصِ بِذَلِكَ ، فَلَوْ خُصِّصَ بِأَمْرٍ زَائِدٍ عَلَى تُرَابِ الْأَرْضِ لَمَّا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ تُرَابَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ كَتُرَابِ الزِّرْنِيخِ فَلَيْسَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ إلَّا ذِكْرُ التُّرَابِ الْمُطْلَقِ ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ مُقَيَّدٌ كَالْمَاءِ الْمُطَهِّرِ سَوَاءٌ فَهَلَّا قَالَ يَصِحُّ التَّطَهُّرُ بِمَاءِ الْوَرْدِ وَمَاءِ الْبَاقِلَّا ؛ لِأَنَّهُ مَاءٌ بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى الْمَاءِ الْمُطْلَقِ فَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي التَّيَمُّمِ يَجِبُ تَخْصِيصُهُ بِالتُّرَابِ الْمُطْلَقِ ، وَهُوَ تُرَابُ الْأَرْضِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ . وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ مِنْ أَنَّهُ اُعْتُرِضَ بِكَوْنِ التُّرْبَةِ لَيْسَتْ مُرَادِفَةً لِلتُّرَابِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ فَقَدْ ذَكَرَ الْهَرَوِيُّ فِي الْعُرَنِيِّينَ وَابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ التُّرَابَ وَالتُّرْبَةَ وَاحِدٌ وَأَيْضًا فَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ وَجَعَلَ تُرَابَهَا لَنَا طَهُورًا وَهِيَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ رِبْعِيٍّ عَنْ حُذَيْفَةَ كَمَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَذَكَرَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ تَفَرَّدَ بِهَا أَبُو مَالِكٍ سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ الْأَشْجَعِيُّ وَسَائِرُ الرِّوَايَاتِ لَفْظُهَا وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا قُلْت وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا أَبُو مَالِكٍ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا تَفَرَّدَ بِهَا فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ . وَقَدْ رَوَاهَا غَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أُعْطِيت مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَقُلْت : مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ { وَجُعِلَ لِي التُّرَابُ طَهُورًا } رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا فِي سُنَنِهِ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ فَتَبَيَّنَ أَنَّ الْمُرَادَ التُّرَابُ وَأَنَّهُ مُرَادِفٌ لِلتُّرْبَةِ . وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ اعْتَرَضَ بِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ فَإِنَّ الْقَرِينَةَ ، وَالسِّيَاقَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ حُكْمَ التَّيَمُّمِ بِهَا مُخَالِفٌ لِلصَّلَاةِ عَلَيْهَا فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَقَالَ وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ كُلُّهَا مَسْجِدًا وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا فَلَوْ اشْتَرَكَ الْأَمْرَانِ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ لَمَا فَرَّقَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ وَأَكَّدَ الصَّلَاةَ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ كُلُّهَا وَأَوْرَدَ الْفِعْلَ عَلَى التُّرْبَةِ كَمَا عِنْدَ مُسْلِمٍ وَعَلَى التُّرَابِ كَمَا عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ وَلَوْ اسْتَوَيَا لَقَالَ مَسْجِدًا وَطَهُورًا كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ أَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إلَى هَذَا الْجَوَابِ . وَأَمَّا الِاعْتِرَاضُ بِكَوْنِ دَلَالَةِ الْمَنْطُوقِ مُقَدَّمَةٌ عَلَى الْمَفْهُومِ فَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِأَنَّهُ يَمْنَعُ هَذِهِ الْأَوْلَوِيَّةَ مَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ الْمَفْهُومَ يُخَصِّصُ الْعُمُومَ قَالَ ، وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُهُمْ إلَى خِلَافٍ فِي هَذِهِ الْقَاعِدَةِ أَعْنِي تَخْصِيصَ الْمَفْهُومِ لِلْعُمُومِ . ( السَّابِعَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ يَرْفَعُ الْحَدَثَ ؛ لِأَنَّهُ سَوَّى بَيْنَ الْأَرْضِ ، وَالْمَاءِ فِي قَوْلِهِ طَهُورًا وَهِيَ مِنْ بِنْيَةِ الْمُبَالَغَةِ كَقَتُولٍ وَضَرُوبٍ ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ أَيْضًا ، وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْجَدِيدُ الصَّحِيحُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ { الثَّامِنَةُ } قَدْ يَحْتَجُّ أَيْضًا بِصِيغَةِ طَهُورٍ مَنْ يَرَى التَّيَمُّمَ ثَانِيًا بِالتُّرَابِ الْمُسْتَعْمَلِ فِيهِ ، وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ فَعُولٍ دَالَّةٌ عَلَى التَّكْرَارِ كَمَا قَالُوا فِي الْمَاءِ وَالْأَصَحُّ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِهِ ثَانِيًا ، وَالْمُسْتَعْمَلُ هُوَ مَا لَصِقَ مِنْ التُّرَابِ بِالْوَجْهِ ، وَالْيَدَيْنِ فِي حَالِ التَّيَمُّمِ . وَأَمَّا مَا تَنَاثَرَ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ كَالْمُتَقَاطِرِ مِنْ الْمَاءِ { التَّاسِعَةُ } قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَخَذَ مِنْهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ لَفْظَةَ طَهُورٍ تُسْتَعْمَلُ لَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَدَثِ وَلَا الْخَبَثِ ، وَقَالَ : إنَّ الصَّعِيدَ قَدْ سُمِّيَ طَهُورًا وَلَيْسَ عَنْ حَدَثٍ وَلَا عَنْ خَبَثٍ ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ هَذَا . وَمَعْنَاهُ جَعَلَ ذَلِكَ جَوَابًا عَنْ اسْتِدْلَالِ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى نَجَاسَةِ فَمِ الْكَلْبِ بِقَوْلَةِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ أَنْ يُغْسَلَ سَبْعًا } فَقَالُوا : طَهُورٌ يُسْتَعْمَلُ إمَّا عَنْ حَدَثٍ أَوْ خَبَثٍ وَلَا حَدَثَ عَلَى الْإِنَاءِ بِالضَّرُورَةِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ عَنْ خَبَثٍ فَمَنَعَ هَذَا الْمَالِكِيُّ الْمُجِيبُ الْحَصْرَ وَقَالَ : إنَّ لَفْظَةَ طَهُورٍ تُسْتَعْمَلُ فِي إبَاحَةِ الِاسْتِعْمَالِ كَمَا فِي التُّرَابِ إذْ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ كَمَا قُلْنَا فَيَكُونُ قَوْلَةُ : طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ مُسْتَعْمَلًا فِي إبَاحَةِ اسْتِعْمَالِهِ أَعْنِي الْإِنَاءَ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي هَذَا : عِنْدِي نَظَرٌ فَإِنَّ التَّيَمُّمَ وَإِنْ قُلْنَا لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ لَكِنَّهُ عَنْ حَدَثٍ أَيْ الْمُوجِبِ لِفِعْلِهِ الْحَدَثُ وَفَرْقٌ بَيْنَ قَوْلِنَا : إنَّهُ عَنْ حَدَثٍ وَبَيْنَ قَوْلِنَا : إنَّهُ يَرْفَعُ الْحَدَثَ . { الْعَاشِرَةُ } فِيهِ أَنَّ التَّيَمُّمَ لَمْ يُرَخَّصْ فِيهِ لِأَحَدٍ مِنْ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ فِي جَمِيعِ الْأَرْضِ وَإِنَّمَا هُوَ خُصُوصِيَّةٌ خَصَّ اللَّهُ بِهِ هَذِهِ الْأَمَةَ تَخْفِيفًا عَنْهَا وَرَحْمَةً بِهَا ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَلَهُ الْفَضْلُ ، وَالْمَنُّ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ وَجْهُ التَّخْصِيصِ فِي الْفَائِدَةِ الثَّالِثَةِ الْحَادِيَةَ عَشَرَ } فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فُضِّلْت عَلَى النَّاسِ بِسِتٍّ . الْحَدِيثَ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ { أُعْطِيت خَمْسًا لَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي نُصِرْت بِالرُّعْبِ مَسِيرَةَ شَهْرٍ وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا فَأَيُّمَا رَجُلٍ مِنْ أُمَّتِي أَدْرَكَتْهُ الصَّلَاةُ فَلْيُصَلِّ وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ وَلَمْ تَحِلَّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَأُعْطِيت الشَّفَاعَةَ وَكَانَ النَّبِيُّ يُبْعَثُ إلَى قَوْمِهِ خَاصَّةً وَبُعِثْت إلَى النَّاسِ عَامَّةً } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ . وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ { وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا } وَقَدَّمَ بَعْضُ الْخَصَائِصِ عَلَى بَعْضٍ . وَفِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ { فُضِّلْنَا عَلَى النَّاسِ بِثَلَاثٍ } الْحَدِيثَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَائِدَةِ السَّادِسَةِ وَلِأَحْمَدَ ، وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ { أُعْطِيت مَا لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَقُلْنَا مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ : نُصِرْت بِالرُّعْبِ وَأُعْطِيت مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ وَسُمِّيت أَحْمَدَ وَجُعِلَ لِي التُّرَابُ طَهُورًا وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الْأُمَمِ } فَجَعَلَهَا فِي حَدِيثٍ سِتًّا وَفِي آخَرَ خَمْسًا وَفِي آخَرَ ثَلَاثًا وَأَطْلَقَ فِي آخَرَ وَسَمَّى فِيهِ مَا لَيْسَ مُسَمًّى فِيمَا ذَكَرَ أَعْدَادَهُ . وَأَجَابَ عَنْ ذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ ذِكْرَ الْأَعْدَادِ لَا يَدُلُّ عَلَى الْحَصْرِ قَالَ : وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ أَعْلَمَ فِي وَقْتٍ بِالثَّلَاثِ وَفِي وَقْتٍ بِالْخَمْسِ وَفِي وَقْتٍ بِالسِّتِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى . فَحَصَلَ مَنْ مَجْمُوعِ الْأَحَادِيثِ إحْدَى عَشْرَةَ خَصْلَةً تَقَدَّمَ مِنْهَا عَشَرَةٌ وَهِيَ إعْطَاؤُهُ جَوَامِعَ الْكَلِمِ وَنَصْرُهُ بِالرُّعْبِ وَإِحْلَالُ الْغَنَائِمِ وَجَعْلُ الْأَرْضِ مَسْجِدًا وَطَهُورًا وَإِرْسَالُهُ إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً وَخَتْمُ الْأَنْبِيَاءِ بِهِ وَجَعْلُ صُفُوفِ أُمَّتِهِ كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ وَإِعْطَاؤُهُ الشَّفَاعَةَ وَتَسْمِيَتُهُ بِأَحْمَدَ وَجَعْلُ أُمَّتِهِ خَيْرَ الْأُمَمِ ، وَالْحَادِيَةَ عَشَرَ إيتَاؤُهُ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَسِيَاتِي فِي الْفَائِدَةِ الَّتِي تَلِيهَا . { الثَّانِيَةَ عَشَرَ } دَلَّ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ جَعْلَ الْأَرْضِ لَهُ مَسْجِدًا وَجَعْلَهَا طَهُورًا خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَدَلَّ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ الْمُتَقَدِّمُ أَنَّهُمَا خَصْلَتَانِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُمَا خَصْلَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَأَمَّا حَدِيثُ حُذَيْفَةَ فَإِنَّهُ وَإِنْ فَضَّلَهَا وَسَمَّاهَا وَاقْتَضَى كَوْنَ هَاتَيْنِ خَصْلَتَيْنِ فَإِنَّ مُسْلِمًا قَالَ فِي حَدِيثٍ آخِرَ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَذَكَرَ خَصْلَةً أُخْرَى فَاقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ إلَّا خَصْلَتَيْنِ وَلَمْ يُسَمِّ الثَّالِثَةَ . وَقَدْ سَمَّاهَا النَّسَائِيّ فِي رِوَايَتِهِ لِحَدِيثِ حُذَيْفَةَ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى فَقَالَ وَأُوتِيت هَذِهِ الْآيَاتِ مِنْ خَوَاتِمِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ وَلَمْ يُعْطَهُنَّ أَحَدٌ قَبْلِي وَلَا يُعْطَاهُنَّ أَحَدٌ بَعْدِي ، وَكَذَا سَمَّاهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ فَقَالَ : وَأُعْطِيت هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ لَمْ يُعْطَ أَحَدٌ مِنْهُ قَبْلِي وَلَا يُعْطَى مِنْهُ أَحَدٌ بَعْدِي . { الثَّالِثَةَ عَشَرَ } فِي بَيَانِ الْخَصَائِصِ الْمَذْكُورَةِ فِي مَجْمُوعِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَمَّا جَوَامِعُ الْكَلِمِ فَهُوَ جَمْعُ الْمَعَانِي الْكَثِيرَةِ فِي الْأَلْفَاظِ الْيَسِيرَةِ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهِ فَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الْقُرْآنُ قَالَهُ الْهَرَوِيُّ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ كَلَامُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ كَذَلِكَ كَانَ . وَأَمَّا النَّصْرُ بِالرُّعْبِ فَهُوَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى كَانَ يَقْذِفُ الرُّعْبَ فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِ لِتَخْذِيلِهِمْ وَوَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّهُ كَانَ يَسِيرُ الرُّعْبُ بَيْنَ يَدَيْهِ شَهْرًا مَعْنَاهُ أَنَّهُ كَانَ إذَا تَوَجَّهَ إلَى وَجْهٍ مِنْ الْأَرْضِ أَلْقَى اللَّهُ الرُّعْبَ عَلَى مَنْ أَمَامَهُ إلَى مَسِيرَةِ شَهْرٍ . وَأَمَّا إحْلَالُ الْغَنَائِمِ فَسَيَأْتِي فِي الْجِهَادِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَتَقَدَّمَ جَعْلُ الْأَرْضِ طَهُورًا وَمَسْجِدًا وَأَمَّا إرْسَالُهُ إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً فَيَشْهَدُ لَهُ قَوْله تَعَالَى { وَمَا أَرْسَلْنَاك إلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ } قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِأَنَّ نُوحًا عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ الْفُلْكِ كَانَ مَبْعُوثًا إلَى كُلِّ أَهْلِ الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ إلَّا مَنْ كَانَ مُؤْمِنًا مَعَهُ ، وَقَدْ كَانَ مُرْسَلًا إلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْعُمُومَ فِي الرِّسَالَةِ لَمْ يَكُنْ فِي أَصْلِ الْبَعْثَةِ وَإِنَّمَا وَقَعَ لِأَجْلِ الْحَادِثِ الَّذِي حَدَثَ ، وَهُوَ انْحِصَارُ الْخَلْقِ فِي الْمَوْجُودِينَ بِهَلَاكِ سَائِرِ النَّاسِ . وَأَمَّا نَبِيُّنَا صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ فَعُمُومُ رِسَالَتِهِ فِي أَصْلِ الْبَعْثَةِ ثُمَّ ذَكَرَ احْتِمَالَيْنِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْبَعْثَةُ فِي حَقِّ بَعْضِ الْأَنْبِيَاءِ عَامَّةً بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّوْحِيدِ لَا إلَى الْفُرُوعِ . وَأَمَّا كَوْنُهُ خُتِمَ بِهِ النَّبِيُّونَ فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَبْعَثُ بَعْدَهُ نَبِيًّا . وَأَمَّا نُزُولُ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ فَإِنَّهُ يَنْزِلُ بِتَقْرِيرِ شَرِيعَتِهِ مُلْتَزِمًا لِأَحْكَامِهَا ، وَكَذَلِكَ مَنْ يَقُولُ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِنُبُوَّةِ الْخَضِرِ وَأَنَّهُ بَاقٍ إلَى الْيَوْمِ فَهُوَ تَابِعٌ لِأَحْكَامِ هَذِهِ الْمِلَّةِ وَكَذَلِكَ إلْيَاسُ أَيْضًا عَلَى مَا صَحَّحَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ حَيٌّ أَيْضًا وَلَمْ يَصِحَّ فِي حَيَاتِهِمَا وَلَا فِي التَّنْصِيصِ عَلَى وَفَاتِهِمَا حَدِيثٌ إلَّا قَوْلُهُ أَرَأَيْتَكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ لَا يَبْقَى أَحَدٌ مِمَّنْ هُوَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ فَاسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ عَلَى مَوْتِ الْخَضِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا مَا ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الصُّوفِيَّةِ مِنْ أَنَّ النُّبُوَّةَ مُكْتَسَبَةٌ وَأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَّخِذَ اللَّهُ بَعْدَ نَبِيِّنَا نَبِيًّا آخَرَ فَهَذَا قَوْلٌ مُنَابِذٌ لِلشَّرِيعَةِ وَمُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ ، وَالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمُشْتَهِرَةِ ، وَقَائِلُ هَذَا يَبْعُدُ أَنْ يُعَدَّ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ وَإِنَّمَا هُمْ زَنَادِقَةٌ يَتَسَتَّرْنَ بِزِيِّ بَعْضِ أَهْلِ الطَّوَائِفِ . وَأَمَّا جَعْلُ صُفُوفِ أُمَّتِهِ كَصُفُوفِ الْمَلَائِكَةِ فَالْمُرَادُ بِهِ إتْمَامُ الصُّفُوفِ الْأُوَلِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ { أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا ؟ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ تُصَفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا قَالَ يُتِمُّونَ الصَّفَّ الْأَوَّلَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ } وَهَذَا أَيْضًا مِنْ خَصَائِصِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَكَانَتْ الْأُمَمُ الْمُتَقَدِّمَةُ يُصَلُّونَ مُنْفَرِدِينَ كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى حِدَةٍ وَلَمَّا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى حُصُولَ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ لِلْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ جَمَعَهُمْ { فَتَقَدَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَلَّى بِهِمْ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ } كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فِي قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ وَفِيهِ { ثُمَّ دَخَلْتُ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَجُمِعَ لِي الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ فَقَدَّمَنِي جِبْرِيلُ حَتَّى أَمَمْتهمْ } الْحَدِيثَ وَرَوَيْنَاهُ فِي مُعْجَمِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ هَانِئٍ فِي قِصَّةِ الْإِسْرَاءِ وَفِيهِ { فَيَسَّرَ لِي رَهْطٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فِيهِمْ إبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى عَلَيْهِمْ السَّلَامُ فَصَلَّيْتُ بِهِمْ وَكَلَّمْتُهُمْ } الْحَدِيثَ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ ، { وَقَدْ رَأَيْتُنِي فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَحَانَتْ الصَّلَاةُ فَأَمَمْتهمْ } الْحَدِيثَ . وَأَمَّا تَخْصِيصُهُ بِالشَّفَاعَةِ فَالْمُرَادُ الشَّفَاعَةُ الْعَامَّةُ الَّتِي تَكُونُ فِي الْحَشْرِ عِنْدَمَا يَفْزَعُ النَّاسُ لِلْأَنْبِيَاءِ فَكُلُّهُمْ يَقُولُ لَسْتُ لَهَا حَتَّى يَأْتُوا نَبِيَّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقُولَ : أَنَا لَهَا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَأَمَّا الشَّفَاعَةُ الْخَاصَّةُ فَقَدْ ثَبَتَتْ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ، وَالْمَلَائِكَةِ ، وَالْمُؤْمِنِينَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَقِيلَ الْمُرَادُ بِتَخْصِيصِهِ بِالشَّفَاعَةِ الشَّفَاعَةُ الَّتِي لَا تُرَدُّ ، وَقَدْ تَكُونُ شَفَاعَتُهُ بِإِخْرَاجِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ إيمَانٍ مِنْ النَّارِ ؛ لِأَنَّ الشَّفَاعَةَ لِغَيْرِهِ إنَّمَا جَاءَتْ قَبْلَ هَذَا وَهَذِهِ مُخْتَصَّةٌ بِهِ كَشَفَاعَةِ الْمَحْشَرِ وَذُكِرَ قَبْلَ هَذَا أَنَّ الشَّفَاعَةَ خَمْسَةُ أَقْسَامٍ : شَفَاعَةُ الْحَشْرِ وَهِيَ الْأُولَى لِتَعْجِيلِ الْحِسَابِ وَهِيَ مُخْتَصَّةٌ بِنَبِيِّنَا ، وَالثَّانِيَةُ الشَّفَاعَةُ لِإِدْخَالِ قَوْمٍ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَهِيَ أَيْضًا مُخْتَصَّةٌ بِهِ ، وَالثَّالِثَةُ الشَّفَاعَةُ لِقَوْمٍ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ فَيُشَفَّعُ فِيهَا هُوَ وَمَنْ شَاءَ اللَّهُ . وَالرَّابِعَةُ الشَّفَاعَةُ فِيمَنْ دَخَلَ النَّارَ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ الْمُذْنِبِينَ فَيَشْفَعُ لَهُمْ هُوَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ، وَالْمُؤْمِنِينَ . وَالْخَامِسَةُ الشَّفَاعَةُ لِزِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ فِي الْجَنَّةِ لِأَهْلِهَا ، وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُ الْخَوَارِجِ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ الشَّفَاعَةَ لِرَأْيِهِمْ فِي خُلُودِ الْمُوَحِّدِينَ فِي النَّارِ وَلَكِنَّهُمْ لَا يُنْكِرُونَ الشَّفَاعَةَ الْأُولَى وَلَا الْخَامِسَةَ أَيْضًا وَهُمْ مَحْجُوجُونَ بِكِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ الَّتِي يَبْلُغُ مَجْمُوعُهَا مَبْلَغَ التَّوَاتُرِ ، وَإِجْمَاعِ مَنْ يُعْتَدُّ بِإِجْمَاعِهِ مَنْ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَالْجَمَاعَةِ ، وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ بِأَحْمَدَ فَلَمْ يُسَمَّ بِهِ أَحَدٌ قَبْلَهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الشِّفَا : فَمَنَعَ اللَّهُ بِحِكْمَتِهِ أَنْ يُسَمَّى بِهِ أَحَدٌ غَيْرُهُ وَلَا يُدْعَى بِهِ مَدْعُوٌّ قَبْلَهُ لِئَلَّا يَدْخُلَ لَبْسٌ عَلَى ضَعِيفِ الْقَلْبِ أَوْ شَكٌّ ، وَهُوَ اسْمُهُ الَّذِي بَشَّرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَأَتَى فِي الْكُتُبِ قَالَ وَكَذَلِكَ مُحَمَّدٌ أَيْضًا لَمْ يُسَمَّ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ إلَى أَنْ شَاعَ قُبَيْلَ وُجُودِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمِيلَادِهِ أَنَّ نَبِيًّا يُبْعَثُ اسْمُهُ مُحَمَّدٌ فَسَمَّى قَوْمٌ مِنْ الْعَرَبِ قَلِيلٌ أَبْنَاءَهُمْ بِذَلِكَ رَجَاءَ أَنْ يَكُونَ أَحَدَهُمْ هُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ وَهُمْ مُحَمَّدُ بْنُ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحُ الْأَوْسِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةً الْأَنْصَارِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ بَرَاءٍ الْبَكْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ مُجَاشِعٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ حُمْرَانَ الْجُعْفِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ خُزَاعِيٍّ السُّلَمِيُّ لَا سَابِعَ لَهُمْ قَالَ ثُمَّ حَمَى اللَّهُ كُلَّ مَنْ تَسَمَّى بِهِ أَنْ يَدَّعِيَ النُّبُوَّةَ أَوْ يَدَّعِيَهَا لَهُ أَحَدٌ حَتَّى حُقِّقَتْ السِّمَتَانِ لَهُ وَلَمْ يُنَازَعْ فِيهِمَا . قُلْت : وَتَسْمِيَتُهُ مُحَمَّدَ بْنَ مَسْلَمَةً الْأَنْصَارِيَّ فِيهِمْ لَيْسَ بِجَيِّدٍ فَإِنَّهُ وُلِدَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً . وَأَمَّا جَعْلُ أُمَّتِهِ خَيْرَ الْأُمَمِ هُوَ كَمَا قَالَهُ اللَّهُ تَعَالَى { كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } وَمِنْ فَضْلِهَا أَنَّهَا أَوَّلُ الْأُمَمِ دُخُولًا الْجَنَّةَ وَأَوَّلُ مَنْ يُقْضَى لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكُلُّ مَا ذُكِرَ مِنْ شَرَفِ أُمَّتِهِ فَهُوَ مِنْ شَرَفِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَأَمَّا إعْطَاؤُهُ خَوَاتِيمَ سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ كَنْزٍ تَحْتَ الْعَرْشِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهَا ذُخِرَتْ لَهُ وَكُنِزَتْ لَهُ فَلَمْ يُؤْتَهَا أَحَدٌ قَبْلَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّ كَثِيرًا مِنْ آيِ الْقُرْآنِ مُنَزَّلٌ فِي الْكُتُبِ السَّابِقَةِ مَا هُوَ بِاللَّفْظِ وَمَا هُوَ بِالْمَعْنَى وَهَذِهِ الْآيَاتُ لَمْ يُؤْتَهَا أَحَدٌ وَإِنْ كَانَ فِيهِ أَيْضًا مَا لَمْ يُؤْتَهُ غَيْرُهُ إلَّا أَنَّ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ خُصُوصِيَّةً لِهَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَهُوَ وَضْعُ الْإِصْرِ الَّذِي كَانَ عَلَى الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إصْرًا كَمَا حَمَلْته عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا } فَنَاسَبَ ذِكْرَهَا مِنْ الْخَصَائِصِ . وَلِهَذِهِ الْأُمَّةِ خَصَائِصُ أُخْرَى مُتَفَرِّقَةٌ فِي الْأَحَادِيثِ لَمْ تُجْمَعْ ، مِنْهَا الْغُرَّةُ ، وَالتَّحْجِيلُ مِنْ أَثَرِ الْوُضُوءِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ بِقَوْلِهِ لَكُمْ سِيمَا لَيْسَتْ لِأَحَدٍ غَيْرِكُمْ وَمِنْهَا طِيبُ رَائِحَةِ خُلُوفِ فَم الصَّائِمِ كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَطُولُ بِهِ هَذَا الْمَوْضِعُ وَهَذِهِ مِنْ خَصَائِصِهِ وَخَصَائِصِ أُمَّتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأُمَمِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَأَمَّا خَصَائِصُهُ بِالنِّسْبَةِ إلَى أُمَّتِهِ فَكَثِيرَةٌ أَفْرَدَهَا الْعُلَمَاءُ بِالتَّأْلِيفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الرَّابِعَةَ عَشَرَ } وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْد مُسْلِمٍ { وَجُعِلَتْ لَنَا الْأَرْضُ طَيِّبَةً طَهُورًا وَمَسْجِدًا } الْمُرَادُ بِالطَّيِّبَةِ الطَّاهِرَةُ وَبِهِ فُسِّرَ قَوْله تَعَالَى { صَعِيدًا طَيِّبًا } أَيْ طَاهِرًا وَفِي الْحَدِيثِ : إنَّ الْأَصْلَ فِي الْأَشْيَاءِ الطَّهَارَةُ حَتَّى تَتَحَقَّقَ النَّجَاسَةُ ، وَإِنْ غَلَبَتْ النَّجَاسَةُ كَالشَّوَارِعِ وَنَحْوِهَا ، وَهُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ فِيمَا تَعَارَضَ فِيهِ الْأَصْلُ ، وَالظَّاهِرُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأُمَمَ الْمُتَقَدِّمَةَ كَانُوا لَا يُصَلُّونَ إلَّا عَلَى أَرْضٍ يَتَحَقَّقُونَ طَهَارَتَهَا وَخُفِّفَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَأُبِيحَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا عَلَى مَا لَا يَتَحَقَّقُونَ نَجَاسَتَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةَ عَشَرَ } ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَجُعِلَتْ تُرْبَتُهَا لَنَا طَهُورًا إذَا لَمْ نَجِدْ الْمَاءَ مَنْ لَا يَرَى التَّيَمُّمَ عِنْدَ شِدَّةِ الْبَرْدِ وَإِنْ خَافَ التَّلَفَ ، وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ فَقَالَ : يَغْتَسِلُ وَإِنْ مَاتَ وَلِذَا قَالَ الْحَسَنُ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ عَطَاءٍ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْهُمَا وَخَالَفَهُمَا فِي ذَلِكَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فِي خَوْفِهِ مِنْ الْبَرْدِ وَتَيَمُّمِهِ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ وَاسْتِدْلَالِهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ } وَلَمْ يَقُلْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ إلَّا أَبَا يُوسُفَ وَمُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ لَمْ يُجِيزَا ذَلِكَ فِي الْحَضَرِ وَأَوْجَبَ الشَّافِعِيُّ الْقَضَاءَ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ لِخَوْفِ الْبَرْدِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ عُذْرًا عَامًّا سَوَاءٌ كَانَ فِي الْحَضَرِ أَوْ السَّفَرِ وَقِيلَ لَا يُقْضَى فِي السَّفَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِسُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِالْأَمْرِ فَائْتَمِرُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ } وَقَالَ الشَّيْخَانِ : { فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ } ، اُسْتُدِلَّ بِهَذَا اللَّفْظِ عَلَى أَنَّ مَنْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ مِنْ الْمَاءِ لِلطَّهَارَةِ فَيَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْحَدِيثُ الثَّالِثُ } عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَائْتَمِرُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ } . وَقَالَ الشَّيْخَانِ { فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ } فِيهِ فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ الشَّيْخَانِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ فَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ وَأَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْهُ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْهُ . { الثَّانِيَةُ } قَوْلُهُ : ذَرُونِي أَيْ اُتْرُكُونِي ، وَقَدْ أُمِيتَ مِنْ هَذَا الْفِعْلُ الْمَاضِي ، وَالْمَصْدَرُ فَلَا يُقَالُ وَذَرَهُ وَلَا وَذَرَا ؛ وَلِهَذَا قَالَ مَا تَرَكْتُكُمْ وَلَمْ يَقُلْ مَا وَذَرْتُكُمْ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ : دَعَوْنِي إلَّا أَنَّ دَعْ قَدْ اُسْتُعْمِلَ فِيهِ الْمَاضِي عَلَى قِلَّةٍ وَقُرِئَ بِهِ فِي الشَّاذِّ قَوْله تَعَالَى { مَا وَدَعَكَ رَبُّك } بِالتَّخْفِيفِ { الثَّالِثَةُ } فِيهِ نَهْيُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ عَنْ سُؤَالِهِ عَمَّا سَكَتَ عَنْهُ . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَسَكَتَ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً لَكُمْ فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهَا الْحَدِيثَ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ السُّؤَالَ رُبَّمَا كَانَ سَبَبَ التَّحْرِيمِ أَوْ الْوُجُوبِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَعْظَمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْمُسْلِمِينَ جُرْمًا مَنْ سَأَلَ عَنْ أَمْرٍ لَمْ يُحَرَّمْ فَحُرِّمَ عَلَى النَّاسِ مِنْ أَجْلِ مَسْأَلَتِهِ } . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ عَنْ شَيْءٍ وَنَفَرَ عَنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَثَبَتَ فِي التَّنْزِيلِ قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } وَلَيْسَ فِيهِ نَهْيٌ مُطْلَقٌ عَنْ السُّؤَالِ وَإِنَّمَا فِيهِ النَّهْيُ عَمَّا هُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَكِنْ قَدْ أَطْلَقَ أَنَسٌ النَّهْيَ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ قَالَ : نُهِينَا فِي الْقُرْآنِ أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ . الْحَدِيثَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا { أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ أَبِي قَالَ : أَبُوك حُذَافَةُ فَنَزَلَتْ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } } . وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى قَالَ { سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَشْيَاءَ كَرِهَهَا فَلَمَّا أَكْثَرَ عَلَيْهِ غَضِبَ ثُمَّ قَالَ لِلنَّاسِ : سَلُونِي عَمَّ شِئْتُمْ فَقَالَ رَجُلٌ مَنْ أَبِي ؟ قَالَ أَبُوك حُذَافَةُ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ : مَنْ أَبِي ؟ فَقَالَ : أَبُوك سَالِمٌ مَوْلَى شَيْبَةَ فَلَمَّا رَأَى عُمَرُ مَا فِي وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْغَضَبِ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَتُوبُ إلَى اللَّهِ } . وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ سَبَبَ نُزُولِ الْآيَةِ فَقَيَّدَهُ وَلَمْ يَعُمَّ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بِسَنَدِهِ إلَيْهِ قَالَ { : كَانَ قَوْمٌ يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِهْزَاءً فَيَقُولُ الرَّجُلُ مَنْ أَبِي وَيَقُولُ الرَّجُلُ تَضِلُّ نَاقَتُهُ أَيْنَ نَاقَتِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ } . وَقِيلَ : إنَّ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ سُؤَالُهُمْ عَنْ الْحَجِّ أَيَجِبُ فِي كُلِّ عَامٍ كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ { قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي كُلِّ عَامٍ فَسَكَتَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي كُلِّ عَامٍ ؟ قَالَ : لَا وَلَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } } . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي التَّفْسِيرِ : إنَّهُ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ فِي كِتَابِ الْحَجِّ نَقْلًا عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ حَدِيثُ حَسَنٌ إلَّا أَنَّهُ مُرْسَلٌ وَأَبُو الْبَخْتَرِيِّ لَمْ يُدْرِكْ عَلِيًّا { الرَّابِعَةُ } السَّبَبُ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْحَدِيثَ سُؤَالُهُمْ عَنْ الْحَجِّ أَيْضًا هَلْ يَجِبُ كُلَّ سَنَةٍ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الْحَجَّ فَحُجُّوا فَقَالَ رَجُلٌ أَكُلَّ عَامٍ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَسَكَتَ حَتَّى قَالَهَا ثَلَاثًا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ قُلْت نَعَمْ لَوَجَبَتْ وَلَمَا اسْتَطَعْتُمْ ثُمَّ قَالَ : ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ فَإِنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَاخْتِلَافِهِمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ، فَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَدَعُوهُ } . وَلِأَبِي دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ أَنَّ الَّذِي سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ وَلَمْ يَذْكُرْ نُزُولَ الْآيَةِ وَلَا حَدِيثَ الْبَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةُ } الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ : ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ النَّهْيُ عَنْ السُّؤَالِ أَوْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ : فَإِنَّمَا هَلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِكَذَا ، وَكَذَا فَذَكَرَ فِي التَّعْلِيلِ الْأَمْرَيْنِ مَعًا وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِكَثْرَةِ سُؤَالِهِمْ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ كَثْرَةُ سُؤَالِهِمْ ، وَقَدْ يَدُلُّ هَذَا عَلَى أَنَّ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ كَثْرَةُ السُّؤَالِ لَا مُطْلَقُهُ ، وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَالِ الْحَدِيثَ . { السَّادِسَةُ } فِي قَوْلِهِ : فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ حُجَّةٌ لِمَنْ قَالَ : لَا يَجُوزُ التَّدَاوِي بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَلَا بِشَيْءٍ مُحَرَّمٍ ، وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَكَذَلِكَ شُرْبُهُ لِدَفْعِ الْعَطَشِ لَا يَجُوزُ أَيْضًا عَلَى الصَّحِيحِ ، وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ { أَنَّ طَارِقَ بْنَ سُوَيْد سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخَمْرِ فَنَهَى وَكَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا فَقَالَ : إنَّمَا أَصْنَعُهَا لِلدَّوَاءِ فَقَالَ : إنَّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنَّهُ دَاءٌ } وَقَالَ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ طَارِقُ بْنُ سُوَيْد أَوْ سُوَيْد بْنُ طَارِقٍ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فَجَعَلَهُ مِنْ حَدِيثِ طَارِقِ بْنِ سُوَيْد وَلَمْ يَشُكَّ فِيهِ . وَلِأَبِي دَاوُد أَيْضًا فِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ { فَتَدَاوَوْا وَلَا تَتَدَاوَوْا بِحَرَامٍ } . { السَّابِعَةُ } قَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ أَيْضًا مَنْ قَالَ : إنَّهُ لَا تَجُوزُ إسَاغَةُ اللُّقْمَةِ بِالْخَمْرِ لِمَنْ غَصَّ وَلَمْ يَجِدْ مَاءً وَلَا شَرَابًا حَلَالًا يَسِيغُهَا بِهِ ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا وَلَكِنَّ الْمَذْهَبَ جَوَازُهُ حِفْظًا لِلنَّفْسِ كَمَا يَجُوزُ أَكْلُ الْمَيْتَةِ لِلْمُضْطَرِّ لِحِفْظِ النَّفْسِ بِخِلَافِ التَّدَاوِي بِهَا لِنَفْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّوَاءَ عَنْهَا كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّامِنَةُ } اسْتَدَلَّ أَيْضًا مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى ارْتِكَابِ الْمَعْصِيَةِ لَا يُبِيحُهَا وَأَحَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْإِكْرَاهَ عَلَى الزِّنَا ؛ لِأَنَّ الشَّهْوَةَ إلَيْهِ هِيَ الدَّاعِيَةُ لَا الْإِكْرَاهُ فَلَوْ لَمْ تَحْضُرْ الشَّهْوَةُ الدَّاعِيَةُ لَمَا تَصَوَّرَ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ مُسْقِطٌ لِلْإِثْمِ عَنْ الْمُكْرَهِ وَمُسْقِطٌ لِلْحَدِّ أَيْضًا ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي نَصِّ الْقُرْآنِ أَنَّ الْإِكْرَاهَ عَلَى كَلِمَةِ الْكُفْرِ لَا يَضُرُّ فِي قَوْله تَعَالَى { إلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ } فَإِذَا لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ فِي الْكُفْرِ فَأَوْلَى أَنْ لَا يَضُرَّ فِي الْمَعَاصِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { التَّاسِعَةُ } فِيهِ أَنَّ الْعَجْزَ عَنْ الْوَاجِبِ أَوْ عَنْ بَعْضِهِ مُسْقِطٌ لِلْمَعْجُوزِ عَنْهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يُكَلِّفْ إلَّا مَا دَخَلَ تَحْتَ الطَّاقَةِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا } إلَّا أَنَّ الْمَعْجُوزَ عَنْهُ إنْ كَانَ لَهُ بَدَلٌ فَأَتَى بِهِ كَالْعَجْزِ عَنْ الْقِيَامِ فِي الصَّلَاةِ مَثَلًا إذَا انْتَقَلَ الْمُكَلَّفُ إلَى الصَّلَاةِ قَاعِدًا أَوْ عَلَى جُنُبٍ فَقَدْ أَتَى بِمَا عَلَيْهِ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ أَصْلِ الْعِبَادَةِ فَلَمْ يَأْتِ بِهَا كَالْمَرِيضِ يَعْجِزُ عَنْ الصِّيَامِ فَإِنَّهُ يَجِبُ الْقَضَاءُ ، وَإِنَّمَا سَقَطَ عَنْهُ الْمُبَاشَرَةُ حَالَةَ الْعَجْزِ ، وَقَدْ يَكُونُ الْوَاجِبُ مَنُوطًا بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِ حَالَةَ الْوُجُوبِ فَقَطْ ، فَإِذَا عَجَزَ عَنْهُ سَقَطَ رَأْسًا كَزَكَاةِ الْفِطْرِ لِمَنْ عَجَزَ عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ عِيَالِهِ يَوْمئِذٍ بِخِلَافِ الْكَفَّارَاتِ ، وَالدُّيُونِ فَإِنَّهَا تَثْبُتُ فِي الذِّمَّةِ إلَى وَقْتِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْعَاشِرَةُ } اُسْتُدِلَّ بِرِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهِيَ قَوْلُهُ : فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ أَنَّ الْمُحْدِثَ إذَا وَجَدَ بَعْضَ مَا يَكْفِيه مِنْ الْمَاءِ لِطَهَارَتِهِ أَنَّهُ يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ سَوَاءٌ الْحَدَثُ الْأَكْبَرُ ، وَالْأَصْغَرُ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى بَعْضِ الْمَأْمُورِ بِهِ ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْجَدِيدُ لِلشَّافِعِيِّ ، وَالْأَصَحُّ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ كَمَا لَوْ قَدَرَ عَلَى سَتْرِ بَعْضِ الْعَوْرَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ قَطْعًا وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ عَاجِزٌ عَنْ كَمَالِ الطَّهَارَةِ بِالْمَاءِ فَانْتَقَلَ إلَى بَدَلِهِ ، وَهُوَ التُّرَابُ ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ . وَأَمَّا إذَا وَجَدَ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ مِنْ الْمَاءِ وَلَمْ يَجِدْ التُّرَابَ فَأَظْهُرُ الطَّرِيقَيْنِ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ : إنَّهُ يَجِبُ اسْتِعْمَالُ الْبَعْضِ لَا مَحَالَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَا بَدَلَ يَنْتَقِلُ إلَيْهِ فَصَارَ كَالْعُرْيَانِ يَجِدُ بَعْضَ السُّتْرَةِ ، وَالطَّرِيقُ الثَّانِي طَرْدُ الْقَوْلَيْنِ . { الْحَادِيَةَ عَشَرَ } مَحَلُّ الْخِلَافِ فِي وُجُودِ بَعْضِ مَا يَكْفِيه مِنْ الْمَاءِ لِلطَّهَارَةِ هُوَ مَا إذَا كَانَ الْمَوْجُودُ يَصْلُحُ لِلْغُسْلِ فَأَمَّا إذَا كَانَ يَصْلُحُ لِلْمَسْحِ فَقَطْ بِأَنْ كَانَ ثَلْجًا أَوْ بَرْدًا لَا يَذُوبُ فَالْأَظْهَرُ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ : إنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْدِثِ اسْتِعْمَالُهُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ بَلْ يَكْفِيهِ التَّيَمُّمُ ؛ لِأَنَّا حَيْثُ أَوْجَبْنَا اسْتِعْمَالَ الْبَعْضِ أَوْجَبْنَا تَقْدِيمَهُ عَلَى التَّيَمُّمِ لِئَلَّا يَتَيَمَّمَ مَعَ وُجُودِ الْمَاءِ وَهُنَا لَا يُمْكِنُ الِابْتِدَاءُ بِمَسْحِ الرَّأْسِ مَعَ بَقَاءِ فَرْضِ الْوَجْهِ ، وَالْيَدَيْنِ وَفِيهِ طَرِيقٌ آخَرُ لِأَصْحَابِنَا أَنَّهُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فِي وُجُوبِ اسْتِعْمَالِهِ فَعَلَى هَذَا يَبْدَأُ بِمَاذَا ؟ حَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيِّ أَنَّهُ يَتَيَمَّمُ عَلَى الْوَجْهِ ، وَالْيَدَيْنِ ثُمَّ يَمْسَحُ رَأْسَهُ بِبَلَلِ الثَّلْجِ ثُمَّ يَتَيَمَّمُ لِلرِّجْلَيْنِ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ الْأَقْوَى دَلِيلًا التَّسْوِيَةُ بَيْنَ أَنْ يُقَدِّمَ التَّيَمُّمَ أَوْ الْمَسْحَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . { الثَّانِيَةَ عَشَرَ } مَحَلُّ وُجُوبِ الْإِتْيَانِ بِالْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنْ الْوَاجِبِ هُوَ مَا إذَا كَانَ الْمَأْتِيُّ بِهِ مِنْ الْقُرَبِ يَتَجَزَّأُ ، فَأَمَّا إذَا كَانَ لَا يَتَجَزَّأُ كَالْيَوْمِ الْوَاحِدِ فِي الصَّوْمِ ، فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ الْإِتْيَانُ بِالْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَزَّأُ ، وَإِذَا فَسَدَ بَعْضُهُ فَسَدَ كُلُّهُ بِخِلَافِ الِاعْتِكَافِ وَنَحْوِهِ . وَأَمَّا الْقُدْرَةُ عَلَى عِتْقِ بَعْضِ الرَّقَبَةِ فِي الْكَفَّارَةِ فَصَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ لَا تَجِبُ ، وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الصَّوْمِ ، وَالْإِطْعَامِ ، وَإِنْ كَانَ عِتْقُ بَعْضِ الرَّقَبَةِ قُرْبَةً وَعَلَّلَهُ الرَّافِعِيُّ بِأَنَّ الْكَفَّارَةَ عَلَى التَّرَاخِي ، وَقَدْ تَطْرَأُ الْقُدْرَةُ بَعْدَ ذَلِكَ . بَابُ غَسْلِ النَّجَاسَةِ } عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ } وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ لَهُ فَلْيَرْقِهِ وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ : تَفَرَّدَ عَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ وَذَكَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَابْنُ مَنْدَهْ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، أَنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِقَوْلِهِ : شَرِبَ ، وَأَنَّ غَيْرَهُ كُلَّهُمْ يَقُولُ وَلَغَ ، وَلَيْسَ كَمَا ذَكَرُوا فَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى لَفْظِهِ وَرْقَاءُ وَمُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ . { بَابُ غَسْلِ النَّجَاسَةِ } عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ } فِيهِ فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فَأَخْرَجُوهُ خَلَا التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ هَكَذَا إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَابْنِ دَاسَةَ وَابْنِ الْأَعْرَابِيِّ عَنْ أَبِي دَاوُد ، وَإِنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْنِ الْعَبْدِ عَنْهُ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ وَأَبِي رَزِينٍ وَهَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ بَعْدَهُ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ ثَابِتِ بْنِ عِيَاضٍ الْأَحْنَفِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي رَزِينٍ عَنْهُ . { الثَّانِيَةُ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ : هَكَذَا يَقُولُ مَالِكٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ إذَا شَرِبَ الْكَلْبُ وَغَيْرُهُ مِنْ رِوَايَةِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا ، بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَبِغَيْرِهِ عَلَى تَوَاتُرِ طُرُقِهِ وَكَثْرَتِهَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ كُلُّهُمْ يَقُولُ : إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ وَلَا يَقُولُونَ شَرِبَ الْكَلْبُ ، وَهُوَ الَّذِي يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ انْتَهَى . وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْحَافِظَانِ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْدَهْ فَقَالَا : إنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِقَوْلِهِ شَرِبَ وَلَيْسَ كَمَا ذَكَرُوا فَقَدْ تَابَعَ مَالِكًا عَلَى قَوْلِهِ شَرِبَ مُغِيرَةُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيُّ وَوَرْقَاءُ بْنُ عُمَرَ كَمَا بَيَّنَهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي الْإِمَامِ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ رَوَاهُ عَنْهُ بِلَفْظِ وَلَغَ كَمَا رَوَاهُ غَيْرُهُ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ عُبَادَةَ عَنْ مَالِكٍ هَكَذَا فِي بَعْضِ نُسَخِ ابْنِ مَاجَهْ وَفِي بَعْضِهَا شَرِبَ . وَذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ أَحْمَدُ بْنُ طَاهِرٍ الدَّانِيُّ فِي أَطْرَافِ الْمُوَطَّإِ أَنَّ أَبَا عَلِيٍّ الْحَنَفِيَّ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ وَلَغَ ، وَالْمَعْرُوفُ عَنْ مَالِكٍ شَرِبَ كَمَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ رُوَاةُ الْمُوَطَّإِ . { الثَّالِثَةُ } فِيهِ حُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ فِي أَنَّ حُكْمَ سَائِرِ الْكِلَابِ فِي الْغُسْلِ مِنْ وُلُوغِهَا سَوَاءٌ ، وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْكَلْبِ الْمَأْذُونِ فِي اتِّخَاذِهِ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَلَا بَيْنَ الْكَلْبِ وَغَيْرِ الْكَلْبِ وَفِي قَوْلٍ لِمَالِكٍ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الْمَأْذُونِ فِيهِ فَسُؤْرُهُ طَاهِرٌ وَبَيْنَ مَا لَمْ يُؤْذَنْ فِي اتِّخَاذِهِ فَسُؤْرُهُ نَجِسٌ وَذَهَبَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى التَّفْرِقَةِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْبَدَوِيِّ ، وَالْحَضَرِيِّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ عَلَى أَنَّ الْكَلْبَ الَّذِي أُبِيحَ اتِّخَاذُهُ هُوَ الْمَأْمُورُ فِيهِ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا قَالَ : وَهَذَا يَشْهَدُ لَهُ الْمَعْقُولُ وَالنَّظَرُ ؛ لِأَنَّ مَا لَمْ يُبَحْ اتِّخَاذُهُ وَأُمِرَ بِقَتْلِهِ مُحَالٌ أَنْ يُتَعَبَّدَ فِيهِ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِقَتْلِهِ فَهُوَ مَعْدُومٌ لَا مَوْجُودٌ ، وَمَا أُبِيحَ لَنَا اتِّخَاذُهُ لِلصَّيْدِ ، وَالْمَاشِيَةِ أُمِرْنَا بِغَسْلِ الْإِنَاءِ مِنْ وُلُوغِهِ . { الرَّابِعَةُ } اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَغْسِلُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ إذَا كَانَ وُلُوغُهُ فِي إنَاءٍ أَمَّا إذَا وَلَغَ فِي مَاءٍ مُسْتَنْقَعٍ ، فَإِنَّهُ لَا يُغْسَلُ مِنْهُ وَلَا يُنَجِّسُهُ ، وَإِنْ كَانَ الْمَاءُ قَلِيلًا حَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ ، فَإِنَّ ذَلِكَ لَمْ يَخْرُجْ مَخْرَجَ الْقَيْدِ ، وَإِنَّمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ كَوْنُ الْغَالِبِ وَضْعَ مِيَاهِهِمْ وَأَطْعِمَتِهِمْ فِي الْآنِيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةُ } اسْتَدَلَّ بِالْأَمْرِ بِالْغَسْلِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ عَلَى نَجَاسَةِ سُؤْرِهِ وَلُعَابِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَذَهَبَ مَالِكٌ وَدَاوُد إلَى طَهَارَتِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : جُمْلَةُ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَاسْتَقَرَّ عَلَيْهِ مَذْهَبُهُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّ سُؤْرَ الْكَلْبِ طَاهِرٌ وَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِهِ سَبْعًا تَعَبُّدًا وَاسْتِحْبَابًا أَيْضًا لَا إيجَابًا قَالَ : وَلَا بَأْسَ عِنْدَهُ بِأَكْلِ مَا وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ مِنْ اللَّبَنِ ، وَالسَّمْنِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُهْرِيقَ مَا وَلَغَ فِيهِ مِنْ الْمَاءِ . وَقَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ : مَا أَدْرِي مَا حَقِيقَتُهُ ؟ وَضَعَّفَهُ مِرَارًا فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ إلَّا فِي الْمَاءِ وَحْدَهُ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ يُغْسَلُ مِنْ الْمَاءِ وَغَيْرِهِ وَيُؤْكَلُ الطَّعَامُ وَيُغْسَلُ الْإِنَاءُ بَعْدَ تَعَبُّدٍ أَوْ لَا يُرَاقُ شَيْءٌ مِنْ الطَّعَامِ وَإِنَّمَا لِيُهْرَاقَ الْمَاءُ عِنْدَ وُجُودِهِ لِيَسَارَةِ مُؤْنَتِهِ . وَقَالَ دَاوُد : سُؤْرُهُ طَاهِرٌ وَغَسْلُ الْإِنَاءِ مِنْهُ سَبْعًا فَرْضٌ وَيُتَوَضَّأُ بِالْمَاءِ وَيُؤْكَلُ الطَّعَامُ ، وَالشَّرَابُ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ ، وَيَرُدُّ قَوْلَ مَالِكٍ وَدَاوُد مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ الْأَمْرِ بِإِرَاقَتِهِ رَوَاهُ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ أَخْبَرَنَا الْأَعْمَشُ عَنْ أَبِي رَزِينٍ وَأَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَرْقِهِ ، ثُمَّ لِيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ } قَالَ النَّسَائِيُّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا تَابَعَ عَلِيَّ بْنَ مُسْهِرٍ عَلَى قَوْلِهِ فَلْيَرْقِهِ . وَكَذَا قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ مُسْهِرٍ تَفَرَّدَ بِالْأَمْرِ بِالْإِرَاقَةِ فِيهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يَذْكُرْهُ أَصْحَابُ الْأَعْمَشِ الثِّقَاتُ الْحُفَّاظُ مِثْلُ شُعْبَةَ وَغَيْرِهِ . وَكَذَا قَالَ حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْكِنَانِيُّ لَمْ يَرْوِهَا غَيْرُ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ قَالَ : وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي قَوْلِهِ : فَلْيَرْقِهِ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ قُلْت : وَهَذَا غَيْرُ قَادِحٍ فِيهِ ، فَإِنَّ زِيَادَةَ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، وَالْأُصُولِيِّينَ وَالْمُحَدِّثِينَ ، وَعَلِيُّ بْنُ مُسْهِرٍ قَدْ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ ، وَالْعِجْلِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، وَهُوَ أَحَدُ الْحُفَّاظِ الَّذِينَ احْتَجَّ بِهِمْ الشَّيْخَانِ ، وَمَا عَلِمْت أَحَدًا تَكَلَّمَ فِيهِ فَلَا يَضُرُّهُ تَفَرُّدُهُ بِهِ ، وَكَذَلِكَ مَا حَكَاهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ مِنْ كَوْنِهِ ضَعَّفَ أَصْلَ الْحَدِيثِ فَمَا أَدْرِي مَا وَجْهُ ضَعْفِهِ ، وَقَدْ أَنْكَرَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَهْلِ الْعِرَاقِ رَدَّهُمْ لِحَدِيثِ الْمُصَرَّاةِ ، وَهُوَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ وَهَلْ فِي هَذَا الْإِسْنَادِ لِأَحَدٍ مَقَالٌ ؟ وَصَدَقَ رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقَدْ قَالَ الْبُخَارِيُّ إنَّ هَذَا الْإِسْنَادَ أَصَحُّ أَسَانِيدِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي شَرْحِ خُطْبَةِ الْكِتَابِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَالْحَمْلُ عَلَى التَّنْجِيسِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ مَتَى دَارَ الْحُكْمُ بَيْنَ كَوْنِهِ تَعَبُّدًا وَبَيْنَ كَوْنِهِ مَعْقُولَ الْمَعْنَى فَالْمَعْقُولُ الْمَعْنَى أَوْلَى لِنُدْرَةِ التَّعَبُّدِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَحْكَامِ الْمَعْقُولَةِ الْمَعْنَى . { السَّادِسَةُ } اسْتَدَلَّ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ بِقَوْلِهِ : إذَا وَلَغَ أَوْ إذَا شَرِبَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَا يَتَعَدَّى الْوُلُوغَ ، وَالشُّرْبَ ؛ لِأَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ حُجَّةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَمَفْهُومُهُ أَنَّ الْحُكْمَ لَيْسَ كَذَلِكَ عِنْدَ عَدَمِ الشَّرْطِ ، وَهُوَ الْوُلُوغُ فَذَهَبَ قَائِلُ هَذَا إلَى أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ لُعَابُهُ فِي الْإِنَاءِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَلَغَ فِيهِ أَنَّهُ لَا يُغْسَلُ الْإِنَاءُ مِنْهُ وَلَا يَنْجُسُ مَا فِيهِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ وَقَعَ فِي الْمَاءِ غَيْرُ فَمِهِ مِنْ أَعْضَائِهِ كَيَدِهِ أَوْ رِجْلِهِ لَا يَنْجُسُ ، وَكَذَا لَوْ بَالَ فِي الْإِنَاءِ أَوْ تَغَوَّطَ فِيهِ لَا يَجِبُ غَسْلُهُ سَبْعًا . وَإِنَّمَا يُغْسَلُ مَرَّةً كَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ لِتَقْيِيدِ الْأَمْرِ بِالْوُلُوغِ أَوْ الشُّرْبِ ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي غَيْرِ لُعَابِهِ أَنَّهُ إنَّمَا يُغْسَلُ مِنْهُ مَرَّةً ، وَإِنْ كَانَ بَوْلًا أَوْ عَذِرَةً أَوْ دَمًا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ : إنَّهُ شَاذٌّ وَلَكِنَّهُ عَبَّرَ عَنْ اللُّعَابِ بِالْوُلُوغِ فَاقْتَضَى أَنَّ تَنَاثُرَ لُعَابِهِ يَكْفِي فِيهِ الْغُسْلُ مَرَّةً عِنْدَ صَاحِبِ هَذَا الْوَجْهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ رَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِقَوْلِهِ : إنَّهُ مُتَّجَهٌ قَوِيٌّ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْغَسْلِ سَبْعًا مِنْ الْوُلُوغِ إنَّمَا كَانَ لِتَنْفِيرِهِمْ عَنْ مُؤَاكَلَةِ الْكِلَابِ انْتَهَى . وَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَجَزَمَ بِهِ عَامَّةُ أَصْحَابِهِ وُجُوبُ التَّسْبِيعِ فِي سَائِرِ أَجْزَاءِ الْكَلْبِ ، وَأَنَّهُ إنَّمَا نَصَّ عَلَى الْوُلُوغِ لِكَوْنِهِ الْغَالِبَ فِيمَا تُصِيبُهُ الْكِلَابُ مِنْ الْأَوَانِي ، فَإِنَّهَا إنَّمَا تَقْصِدُ الْأَكْلَ ، وَالشُّرْبَ مِنْ الْأَوَانِي فَخَرَجَ بِذَلِكَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا مَخْرَجَ الشَّرْطِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَجَمِيعُ أَعْضَاءِ الْكَلْبِ يَدُهُ أَوْ ذَنَبُهُ أَوْ رِجْلُهُ أَوْ عُضْوٌ مِنْ أَعْضَائِهِ إذَا وَقَعَ فِي الْإِنَاءِ غُسِلَ سَبْعَ مَرَّاتٍ بَعْدَ هِرَاقَةِ مَا فِيهِ قَالَ وَفِي قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْهِرَّةِ لَيْسَتْ تُنَجِّسُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِي الْحَيَوَانِ مِنْ الْبَهَائِمِ مَا هُوَ نَجِسٌ ، وَهُوَ حَيٌّ ، وَمَا يُنَجِّسُ بِوُلُوغِهِ قَالَ وَلَا أَعْلَمُهُ إلَّا الْكَلْبَ الْمَنْصُوصَ عَلَيْهِ . ثُمَّ ذَكَرَ الْخِنْزِيرَ هَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى نَجَاسَةِ الْكَلْبِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْجُمْهُورِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْهِرَّةِ لَيْسَتْ بِنَجِسَةٍ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهَا نَجِسًا وَقَوْلُ الرَّافِعِيِّ : إنَّ وَجْهَ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى نَجَاسَةِ الْكَلْبِ مَشْهُورٌ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى زِيَادَةٍ ذَكَرَهَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْفُقَهَاءِ فِي تَصَانِيفِهِمْ ، وَهِيَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْتِي دَارَ قَوْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَدُونَهُمْ دَارٌ فَشَقَّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ تَأْتِي دَارَ فُلَانٍ وَلَا تَأْتِي دَارَنَا ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ فِي دَارِكُمْ كَلْبًا قَالُوا ، فَإِنَّ فِي دَارِهِمْ سِنَّوْرًا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ } . فَلَوْ ثَبَتَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ هَكَذَا كَانَ وَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ مِنْهُ مَشْهُورًا إلَّا أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ أَصْلًا فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ هَكَذَا ، وَقَدْ رَوَاهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ ، وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ رِوَايَةِ عِيسَى بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ إلَّا أَنَّهُمَا لَمْ يَقُولَا فِيهِ : إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجَسٍ ، وَإِنَّمَا قَالَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّنَّوْرُ سَبُعٌ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ : عِيسَى بْنُ الْمُسَيِّبِ صَالِحُ الْحَدِيثِ وَقَالَ الْحَاكِمُ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ وَعِيسَى بْنُ الْمُسَيِّبِ يَنْفَرِدُ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ إلَّا أَنَّهُ صَدُوقٌ وَلَمْ يُجَرَّحْ قَطُّ ( قُلْت ) : بَلَى جَرَّحَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي نَجَاسَةَ الْكَلْبِ ، وَإِنَّمَا فِيهِ اجْتِنَابُ دُخُولِ الدَّارِ الَّتِي فِيهَا كَلْبٌ ، وَفِيهِ أَنَّ الْكَلْبَ لَيْسَ بِسَبُعٍ ، وَكَأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِكَوْنِهِمْ كَانُوا قَدْ عَلِمُوا طَهَارَةَ سُؤْرِ السِّبَاعِ فَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّ الْهِرَّةَ سَبُعٌ لِيَعْلَمُوا طَهَارَةَ فَمِهَا بِخِلَافِ الْكَلْبِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ بِسَبُعٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّابِعَةُ } فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي اكْتِفَائِهِ فِي الْغَسْلِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ وَاعْتَذَرَ أَصْحَابُهُ عَنْ الْحَدِيثِ بِمَا رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ يُغْسَلُ مِنْ وُلُوغِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ هُوَ الرَّاوِي لِلْغَسْلِ مِنْ الْوُلُوغِ سَبْعًا فَالْعِبْرَةُ عِنْدَهُمْ بِمَا رَأَى لَا بِمَا رَوَى تَحْسِينًا لِلظَّنِّ بِهِ عَنْ مُخَالَفَةِ النَّصِّ فَعَمَلُهُ بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ دَالٌّ عِنْدَهُمْ عَلَى النَّسْخِ وَخَالَفَهُمْ الْجُمْهُورُ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، وَالْأُصُولِيِّينَ فَقَالُوا : الْعِبْرَةُ بِمَا رُوِيَ إذْ لَا حُجَّةَ فِي الْمَوْقُوفِ مَعَ صِحَّةِ الْمَرْفُوعِ وَلَا يَقْدَحُ ذَلِكَ فِيهِ ، لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ نَسِيَ مَا رَوَى فَأَفْتَى بِخِلَافِهِ وَلَا يَثْبُتُ النَّسْخُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ . وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا وَالثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ يُغْسَلُ بِلَا حَدٍّ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُق حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا فِي الْكَلْبِ يَلَغُ فِي الْإِنَاءِ يَغْسِلُهُ ثَلَاثًا أَوْ خَمْسًا أَوْ سَبْعًا قَالُوا : فَلَوْ كَانَ التَّسْبِيعُ وَاجِبًا لَمْ يُخَيَّرْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْخَمْسِ ، وَالثَّلَاثِ ، وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ بْنِ الضَّحَّاكِ أَحَدِ الضُّعَفَاءِ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَرِوَايَةُ إسْمَاعِيلَ عَنْ الْحِجَازِيِّينَ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ . وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْكِلَابِ فَلَمَّا نَهَى عَنْ قَتْلِهَا نُسِخَ ذَلِكَ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ ، فَإِنَّ النَّسْخَ لَا يَثْبُتُ بِالْحَدْسِ ، وَالرَّأْيِ بَلْ ظَاهِرُ سِيَاقِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَمْرُهُ بِالتَّسْبِيعِ مِنْ وُلُوغِهَا بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِهَا ، فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ : { أَمْرُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ ، ثُمَّ قَالَ مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ ؟ ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ ، وَالْغَنَمِ وَقَالَ : إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ } وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الْأَمْرَ بِالتَّسْبِيعِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَهُوَ ضَعِيفٌ أَيْضًا إذْ الْأَمْرُ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ حَتَّى يَصْرِفَ عَنْ الْوُجُوبِ صَارِفٌ وَذَهَبَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إلَى وُجُوبِ التَّسْبِيعِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ قَالَ : وَمِمَّنْ رَوَى ذَلِكَ عَنْهُ بِالطُّرُقِ الصِّحَاحِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَطَاوُسٌ وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَدَاوُد ، وَالطَّبَرِيُّ . { الثَّامِنَةُ } احْتَجَّ بِهِ لِأَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّتْرِيبُ فِي الْغَسْلِ مِنْ الْوُلُوغِ إذْ لَمْ يَذْكُرْهُ مَالِكٌ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ فَقَدْ حَفِظَهُ غَيْرُهُ مِنْ الثِّقَاتِ وَلَيْسَ مَنْ لَمْ يَحْفَظْ حُجَّةً عَلَى مَنْ حَفِظَ وَسَتَأْتِي الْمَسْأَلَةُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . { التَّاسِعَةُ } اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَسْبِيعِ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ هَلْ هُوَ تَعَبُّدٌ أَوْ مَعْقُولُ الْمَعْنَى ؟ فَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَمَّنْ ذَهَبَ إلَى نَجَاسَةِ الْكَلْبِ أَنَّ الْعَدَدَ فِي الْغَسَلَاتِ تَعَبُّدٌ وَفِي كَلَامِ ابْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ تَعَبُّدٌ وَأَنَّ أَصْلَ الْغَسْلِ مَعْقُولُ الْمَعْنَى ، وَهُوَ النَّجَاسَةُ قَالَ : وَإِذَا كَانَ أَصْلُ الْمَعْنَى مَعْقُولًا قُلْنَا بِهِ ، وَإِذَا وَقَعَ فِي التَّفَاصِيلِ مَا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ فِي التَّفْصِيلِ لَمْ يُنْقَضْ لِأَجَلِهِ التَّأْصِيلُ وَلِذَلِكَ نَظَائِرُ فِي الشَّرِيعَةِ قَالَ : وَلَوْ لَمْ تَظْهَرْ زِيَادَةُ التَّغْلِيظِ فِي النَّجَاسَةِ لَكِنَّا نَقْتَصِرُ فِي التَّعَبُّدِ عَلَى الْعَدَدِ وَنَكْتَفِي فِي أَصْلِ الْمَعْنَى عَلَى مَعْقُولِيَّةِ الْمَعْنَى انْتَهَى . وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إنَّهُ تَعَبُّدٌ كَمَا سَيَأْتِي نَقْلُ كَلَامِهِ بَعْدَ هَذَا فِي الْفَائِدَةِ الثَّانِيَةَ عَشَرَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ . وَأَمَّا مَنْ لَمْ يَرَ نَجَاسَةَ الْكَلْبِ ، فَإِنَّ بَعْضَهُمْ تَكَلَّفَ وَحَمَلَ هَذَا الْعَدَدَ عَلَى الْمَعْنَى الطِّبِّيِّ ، وَأَنَّ الْعِلَّةَ فِيهِ مَا يُخَافُ مِنْ كَوْنِ الْكَلْبِ كَلْبًا وَذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْعَدَدَ ، وَهُوَ السَّبْعُ قَدْ جَاءَ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الشَّرْعِ عَلَى جِهَةِ الطِّبِّ ، وَالتَّدَاوِي كَمَا قَالَ مَنْ تَصَبَّحَ كُلَّ يَوْمٍ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَكَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ { هَرِيقُوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحْلَلْ أَوْكِيَتُهُنَّ } وَنَحْوِ هَذَا . وَقَدْ عَزَاهُ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ وَغَيْرُهُ إلَى أَبِي الْوَلِيدِ بْنِ رُشْدٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ ، وَفِي هَذَا مِنْ التَّعَسُّفِ ، وَالرَّجْمِ بِالظَّنِّ مَا لَا يَخْفَى ، وَقَدْ رُدَّ هَذَا عَلَى قَائِلِهِ بِجَوَابٍ طِبِّيٍّ أَيْضًا ، وَهُوَ أَنَّ الْكَلْبَ الْكَلِبَ لَا يَقْرَبُ الْمَاءَ كَمَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كُتُبِ الطِّبِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَجَابَ حَفِيدُهُ عَنْ هَذَا أَنَّ امْتِنَاعَهُ مِنْ الْمَاءِ إنَّمَا هُوَ فِي حَالَةِ تَمَكُّنِ الدَّاءِ مِنْهُ فَأَمَّا فِي مَبَادِئِهِ فَيَقْرَبُ الْمَاءَ وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ الْعِلَّةَ فِي التَّسْبِيعِ كَوْنَهُ نَهْيًا عَنْ اتِّخَاذِهِ وَلَا مَعْنَى لَهُ وَأَيُّ مَعْنًى مُنَاسِبٌ بَيْنَ كَوْنِهِ سَبْعًا أَوْ ثَلَاثًا ؟ نَعَمْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ اقْتِنَائِهِ مُقْتَضِيًا لِزِيَادَةِ الْعَدَدِ لِلتَّنْفِيرِ عَنْهُ أَمَّا كَوْنُهُ سَبْعًا فَلَا يَظْهَرُ لَهُ وَجْهُ مُنَاسَبَةٍ . { الْعَاشِرَةُ } اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ الْغَسْلُ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ عَلَى الْفَوْرِ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ يَقْتَضِي الْفَوْرِيَّةَ عِنْدَ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي وُجُوبِ إرَاقَةِ الْإِنَاءِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ الْكَلْبُ عَلَى الْفَوْرِ ، وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ الْفَوْرِيَّةَ مُسْتَحَبَّةٌ ، فَإِنْ أَرَادَ اسْتِعْمَالَ الْإِنَاءِ وَجَبَتْ الْإِرَاقَةُ . { الْحَادِيَةَ عَشَرَ } هَلْ تَتَعَدَّدُ الْغَسَلَاتُ الْوَاجِبَةُ فِي وُلُوغِ الْكَلْبِ بِتَعَدُّدِ الْوَلَغَاتِ مِنْ كَلْبٍ وَاحِدٍ أَوْ كَلْبَيْنِ فَأَكْثَرَ ؟ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ أَصْحَابِنَا ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَكْفِي لِلْجَمِيعِ سَبْعٌ وَقِيلَ يَجِبُ لِكُلِّ وَلْغَةٍ سَبْعٌ وَقِيلَ يَكْفِي السَّبْعُ فِي وَلَغَاتِ الْكَلْبِ الْوَاحِدِ وَتَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ الْكِلَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ تَنَجَّسَ بِنَجَاسَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ غَيْرِ الْكَلْبِ لَمْ تَجِبْ الزِّيَادَةُ عَلَى السَّبْعِ بَلْ يَنْدَرِجُ الْأَصْغَرُ فِي الْأَكْبَرِ كَالْحَدَثِ عَلَى الصَّحِيحِ وَادَّعَى النَّوَوِيُّ وَابْنُ الرِّفْعَةِ نَفْيَ الْخِلَافِ فِيهِ وَلَيْسَ بِجَيِّدٍ فَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ يَجِبُ غَسْلُهُ لِلنَّجَاسَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّانِيَةَ عَشَرَ } مَنْ جَعَلَ الْعِلَّةَ فِي التَّسْبِيعِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ كَوْنُهُ مَنْهِيًّا عَنْ اتِّخَاذِهِ وَاقْتِنَائِهِ كَمَا تَقَدَّمَ حِكَايَتُهُ عَنْ بَعْضِهِمْ عَدَّى حُكْمَ الْكَلْبِ إلَى الْخِنْزِيرِ ؛ لِأَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ اقْتِنَائِهِ مُطْلَقًا بِخِلَافِ بَعْضِ الْكِلَابِ الْمُتَّخَذَةِ لِلصَّيْدِ ، وَالزَّرْعِ فَهُوَ إذًا أَسْوَأُ حَالًا مِنْ الْكَلْبِ فِي ذَلِكَ ، وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ الْجَدِيدُ أَنَّهُ يَجِبُ الْغَسْلُ مِنْهُ سَبْعًا كَالْكَلْبِ وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّسْبِيعُ مِنْ نَجَاسَةِ الْخِنْزِيرِ وَيَقْتَصِرُ فِي التَّسْبِيعِ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ ، وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، وَهُوَ قَوِيٌّ فِي الدَّلِيلِ . وَكَذَا قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : إنَّهُ الرَّاجِحُ مِنْ حَيْثُ الدَّلِيلُ قَالَ : وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ ؛ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْوُجُوبِ حَتَّى يَرُدَّ الشَّرْعُ لَا سِيَّمَا فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الْمَبْنِيَّةِ عَلَى التَّعَبُّدِ وَذَكَرَ نَحْوَهُ فِي شَرَحَ الْوَسِيطِ بَلْ ذَهَبَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى طَهَارَةِ الْخِنْزِيرِ وَمَنْ ادَّعَى مِنْ أَصْحَابِنَا الْإِجْمَاعَ عَلَى نَجَاسَتِهِ فَقَدْ أَخْطَأَ لِوُجُودِ الْخِلَافِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّالِثَةَ عَشَرَ } مَحَلُّ الْأَمْرِ بِغَسْلِ الْإِنَاءِ سَبْعًا مِنْ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ ، وَكَذَلِكَ مَحَلُّ الْأَمْرِ بِالْإِرَاقَةِ هُوَ مَا إذَا كَانَ مَا فِي الْإِنَاءِ مَائِعًا أَمَّا إذَا كَانَ جَامِدًا ، فَإِنَّ الْوَاجِبَ حِينَئِذٍ إلْقَاءُ مَا أَصَابَ الْكَلْبُ بِفَمِهِ وَلَا يَجِبُ غَسْلُ الْإِنَاءِ حِينَئِذٍ إلَّا إذَا أَصَابَهُ فَمُ الْكَلْبِ مَعَ وُجُودِ الرُّطُوبَةِ فَيَجِبُ غَسْلُ مَا أَصَابَهُ فَقَطْ سَبْعًا كَالْفَأْرَةِ تَقَعُ فِي السَّمْنِ سَوَاءٌ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ : لَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ دَاخِلَةً فِي الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ مَا فِيهِ جَامِدًا لَا يُسَمَّى أَخْذُ الْكَلْبِ مِنْهُ شُرْبًا وَلَا وُلُوغًا بَلْ هُوَ أَكْمَلُ ، وَإِنَّمَا الْوُلُوغُ الْأَخْذُ بِطَرَفِ اللِّسَانِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { طُهْرُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ ( طَهُورُ ) وَزَادَ { أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ } قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ يَنْفَرِدُ بِذِكْرِ التُّرَابِ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ فِي السُّنَنِ بَعْدَ أَنْ رَوَاهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، إنْ كَانَ حَفِظَهُ مُعَاذٌ فَهُوَ حَسَنٌ ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَرْوِهِ ثِقَةٌ غَيْرُ ابْنِ سِيرِينَ ( قُلْت ) : تَابَعَهُ عَلَيْهِ أَخُوهُ يَحْيَى بْنُ سِيرِينَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَقَالَ : { أُولَهُنَّ أَوْ آخِرُهُنَّ بِالتُّرَابِ } وَلِلْبَيْهَقِيِّ ( أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ ) وَلِأَبِي دَاوُد ( السَّابِعَةُ بِالتُّرَابِ ) وَلِلْبَزَّارِ ( إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ ) وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ إحْدَاهُنَّ بِالْبَطْحَاءِ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ { وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ } . { الْحَدِيثُ الثَّانِي } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { طُهْرُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِيهِ أَنْ يَغْسِلَهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ ( طَهُورُ ) وَزَادَ { أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ } فِيهِ فَوَائِدُ : { الْأُولَى } انْفَرَدَ مُسْلِمٌ بِإِخْرَاجِهِ هَكَذَا مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَأَخْرَجَهُ هُوَ وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ طَهُورٍ وَزَادَ فِي آخِره أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَتِهِ أُولَهُنَّ أَوْ قَالَ آخِرُهُنَّ بِالتُّرَابِ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . { الثَّانِيَةُ } فِي قَوْلِهِ طُهْرُ وَطَهُورُ مَا يَدُلُّ عَلَى نَجَاسَةِ سُؤْرِ الْكَلْبِ وَنَجَاسَتِهِ فِي نَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ الطَّهَارَةَ إنَّمَا تَكُونُ عَنْ حَدَثٍ أَوْ نَجَسٍ وَلَا حَدَثَ عَلَى الْإِنَاءِ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلنَّجَاسَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ . { الثَّالِثَةُ } اعْتَرَضَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى هَذَا الْحَصْرِ بِأَنَّ الطَّهَارَةَ قَدْ تَكُونُ لَا عَنْ حَدَثٍ وَلَا عَنْ خُبْثٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ طَهُورًا } قَالَ وَالتَّيَمُّمُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ وَلَيْسَ عَلَى الْمُتَيَمِّمِ نَجَاسَةٌ وَالطَّهُورُ يُطْلَقُ عَلَى إبَاحَةِ الِاسْتِعْمَالِ كَالتَّيَمُّمِ ، وَهَذَا الَّذِي اعْتَرَضَ بِهِ مَرْدُودٌ ؛ لِأَنَّ التَّيَمُّمَ ، وَإِنْ كَانَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ ، فَإِنَّ مُوجِبَهُ الْحَدَثُ فَلَا يُقَالُ إنَّهَا طَهَارَةٌ لَا عَنْ حَدَثٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الرَّابِعَةُ } اعْتَرَضَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَلَى الْمُحْتَجِّينَ بِالْحَدِيثِ عَلَى نَجَاسَةِ الْكَلْبِ بِبَحْثٍ آخَرَ ذَكَرَهُ ، وَهُوَ أَنْ يُقَالَ : إنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا دَلَّ عَلَى نَجَاسَةِ الْإِنَاءِ بِسَبَبِ الْوُلُوغِ ، وَذَلِكَ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ بَيْنَ نَجَاسَةِ عَيْنِ اللُّعَابِ وَعَيْنِ الْفَمِ أَوْ تَنَجُّسِهِمَا بِاسْتِعْمَالِ النَّجَاسَةِ غَالِبًا ، وَالدَّالُّ عَلَى الْمُشْتَرَكِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ الْخَاصَّيْنِ فَلَا يَدُلُّ الْحَدِيثُ عَلَى نَجَاسَةِ عَيْنِ الْفَمِ أَوْ عَيْنِ اللُّعَابِ فَلَا تَسْتَمِرُّ الدَّلَالَةُ عَلَى نَجَاسَةِ عَيْنِ الْكَلْبِ كُلِّهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِأَنْ يُقَالَ لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ تَنَجُّسَ اللُّعَابِ أَوْ الْفَمِ كَمَا أَشَرْتُمْ إلَيْهِ لَزِمَ أَحَدُ أَمْرَيْنِ ، وَهُوَ إمَّا وُقُوعُ التَّخْصِيصِ فِي الْعُمُومِ أَوْ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِدُونِ عِلَّتِهِ ؛ لِأَنَّا إذَا فَرَضْنَا تَطْهِيرَ فَمِ الْكَلْبِ مِنْ النَّجَاسَةِ بِمَاءٍ كَثِيرٍ أَوْ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ فَوَلَغَ فِي الْإِنَاءِ فَإِمَّا أَنْ يَثْبُتَ وُجُوبُ غَسْلِهِ أَوْ لَا ، فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ وَجَبَ تَخْصِيصُ الْعُمُومِ ، وَإِنْ ثَبَتَ لَزِمَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ بِدُونِ عِلَّتِهِ وَكِلَاهُمَا عَلَى خِلَافِ الْأَصْلِ ، ثُمَّ قَالَ : وَاَلَّذِي يُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِهِ عَنْ هَذَا السُّؤَالِ أَنْ يُقَالَ : الْحُكْمُ مَنُوطٌ بِالْغَالِبِ ، وَمَا ذَكَرْتُمُوهُ مِنْ الصُّورَةِ نَادِرٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ : وَهَذَا الْبَحْثُ إذَا انْتَهَى إلَى هَهُنَا يُقَوِّي قَوْلَ مَنْ يَقُولُ : إنَّ الْغَسْلَ لِأَجْلِ قَذَارَةِ الْكَلْبِ انْتَهَى . ( قُلْت ) : لَيْسَ الْغَسْلُ مِنْ الْقَذَارَةِ طَهَارَةً شَرْعِيَّةً ، وَإِنَّمَا هِيَ لُغَوِيَّةٌ وَقَوْلُهُ طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ فَإِثْبَاتُ نَجَاسَةِ فَمِ الْكَلْبِ بِاحْتِمَالِ تَنْجِيسِهِ يُعَارِضُ خِلَافَ الْأَصْلِ ، وَلَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي الْكَلْبِ ثَبَتَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْقَذِرَةِ الَّتِي تَأْكُلُ الْجِيَفَ كَالسِّبَاعِ ، وَالطُّيُورِ وَلَثَبَتَ ذَلِكَ أَيْضًا فِي الْهِرِّ فَكَثِيرًا مَا يَأْكُلُ النَّجَاسَاتِ كَالْفَأْرَةِ ، وَالْحَشَرَاتِ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْهِرَّةِ : إنَّهَا لَيْسَتْ بِنَجِسٍ وَتَوَضَّأَ بِسُؤْرِهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ نَجَاسَةَ الْكَلْبِ أَصْلِيَّةٌ لَا عَارِضَةٌ بِاحْتِمَالِ نَجَاسَةٍ أُخْرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةُ } وَلَغَ يَلَغُ بِفَتْحِ اللَّامِ فِيهِمَا وَحُكِيَ فِي الْمُضَارِعِ كَسْرُ اللَّامِ أَيْضًا ، وَالْمَصْدَرُ وُلُوغٌ بِضَمِّ الْوَاوِ وَوَلْغٌ بِفَتْحِهَا وَسُكُونِ اللَّامِ ، وَالْوُلُوغُ هُوَ الشُّرْبُ بِطَرَفِ اللِّسَانِ قَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ : وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ الْوُلُوغُ فِي السِّبَاعِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْوُلُوغُ لِلسِّبَاعِ وَالْكِلَابِ كَالشُّرْبِ لِبَنِي آدَمَ قَالَ ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ الشُّرْبُ لِلسِّبَاعِ وَلَا يُسْتَعْمَلُ الْوُلُوغُ فِي الْآدَمِيِّ وَيُقَالُ لَيْسَ شَيْءٌ مِنْ الطُّيُورِ يَلَغُ غَيْرُ الذُّبَابِ . ( قُلْت ) وَقَدْ اُسْتُعْمِلَ الْوُلُوغُ فِي الْآدَمِيِّ مَجَازًا فَقَالُوا فِيمَنْ قَتَلَ رَجُلًا وَشَرِبَ دَمَهُ وَلَغَ فِي دَمِهِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالسِّبَاعِ ، وَأَمَّا الْوُلُوغُ بِفَتْحِ الْوَاوِ فَهُوَ مَنْ كَثُرَ مِنْهُ ، الْوُلُوغُ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَيُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الْإِنَاءِ الَّذِي وَلَغَ فِيهِ كَالسَّعُوطِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّادِسَةُ } اسْتَدَلَّ بِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ عَلَى اشْتِرَاطِ التَّتْرِيبِ فِي نَجَاسَةِ الْكَلْبِ ، وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَأَكْثَرِ الظَّاهِرِيَّةِ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ التَّتْرِيبُ ، وَإِنَّمَا الْوَاجِبُ الْمَاءُ فَقَطْ وَأَوْجَبَ بَعْضُهُمْ التَّتْرِيبَ فِيمَا لَا يَفْسُدُ بِهِ كَالْإِنَاءِ دُونَ مَا يَفْسُدُ بِهِ كَالثِّيَابِ وَنَحْوِهَا . { السَّابِعَةُ } اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِي الْمَرَّةِ الَّتِي تُجْعَلُ فِيهَا التُّرَابُ فَعِنْدَ مُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ أُولَاهُنَّ أَوْ قَالَ أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي بَكْرٍ الْبَزَّارِ فِي مُسْنَدِهِ إحْدَاهُنَّ بِالْحَاءِ ، وَالدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَمَنْ ذَكَرَ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ أَنَّهَا لَمْ تَرِدْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَمَرْدُودٌ عَلَيْهِ بِذِكْرِ الْبَزَّارِ لَهَا فِي مُسْنَدِهِ . وَقَدْ رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيُّ هَكَذَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ فَقَالَ فِيهِ إحْدَاهُنَّ بِالْبَطْحَاءِ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي الْفَتَاوَى أَنَّهَا رِوَايَةٌ ثَابِتَةٌ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ { إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ } . وَقَدْ اخْتَلَفَ كَلَامُ الشَّارِحِينَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهَا فَجَمَعَ النَّوَوِيُّ بَيْنَهَا بِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِالْأُولَى وَبِغَيْرِهَا لَيْسَ عَلَى الِاشْتِرَاطِ بَلْ الْمُرَادُ إحْدَاهُنَّ قَالَ . وَأَمَّا رِوَايَةُ وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجَمَاهِيرِ أَنَّ الْمُرَادَ اغْسِلُوهُ سَبْعًا وَاحِدَةٌ مِنْهُنَّ بِتُرَابٍ مَعَ الْمَاءِ فَكَأَنَّ التُّرَابَ قَائِمٌ مَقَامَ غَسْلَةٍ فَسُمِّيَتْ ثَامِنَةً لِهَذَا وَأَشَارَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إلَى تَضْعِيفِ هَذَا الْجَوَابِ بِأَنَّهُ تَأْوِيلٌ فِيهِ اسْتِكْرَاهٌ . وَهَكَذَا يَدُلُّ كَلَامُ الْبَيْهَقِيّ فِي السُّنَنِ عَلَى تَعَذُّرِ الْجَمْعِ بَيْنَ رِوَايَةِ الثَّامِنَةِ بِالتُّرَابِ وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَ ، فَإِنَّهُ صَارَ إلَى التَّرْجِيحِ دُونَ الْجَمْعِ فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ ابْنِ مُغَفَّلٍ فِي الثَّامِنَةِ مَا صُورَتُهُ وَأَبُو هُرَيْرَةَ أَحْفَظُ مَنْ رَوَى الْحَدِيثَ فِي دَهْرِهِ فَرِوَايَتُهُ أَوْلَى فَرَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ رِوَايَتَهُ بِكَوْنِهِ أَحْفَظَ وَهُوَ أَحَدُ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ عِنْدَ الْمُعَارَضَةِ . وَقَدْ اسْتَشْكَلَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إجْزَاءَ التَّرْتِيبِ فِي أَيِّ غَسْلَةٍ شَاءَ مِنْ الْغَسَلَاتِ السَّبْعِ بِأَنَّ رِوَايَةَ إحْدَاهُنَّ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا مُطْلَقَةً ، وَقَدْ قُيِّدَتْ فِي بَعْضِهَا بِأُولَاهُنَّ وَفِي بَعْضِهَا بِالسَّابِعَةِ فَلَا يُجْزِئُ التَّتْرِيبُ فِي غَيْرِهِمَا لِاتِّفَاقِ الْقَيْدَيْنِ عَلَى نَفْيِهِ ، وَمَا ذَكَرَهُ اسْتِشْكَالًا وَبَحْثًا قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْبُوَيْطِيِّ . فَقَالَ : وَإِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ غُسِلَ سَبْعًا أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ وَلَا يُطَهِّرُهُ غَيْرُ ذَلِكَ ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا لَفْظُهُ بِحُرُوفِهِ ، وَعِبَارَتُهُ فِي الْأُمِّ قَرِيبَةٌ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَبِعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى تَقْيِيدِ ذَلِكَ بِالْأُولَى أَوْ الْأُخْرَى الزُّبَيْرِيُّ فِي الْكَافِي وَالْمَرْعَشِيُّ فِي كِتَابِ تَرْتِيبِ الْأَقْسَامِ وَنَقَلَهُ الدَّارِمِيُّ أَيْضًا فِي الِاسْتِذْكَارِ عَنْ ابْنِ جَابِرٍ ، وَقَدْ ضَعَّفَ بَعْضُ مُصَنِّفِي الْحَنَفِيَّةِ الرِّوَايَةَ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا التُّرَابَ بِهَذَا الِاضْطِرَابِ مِنْ كَوْنِهَا أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ أَوْ إحْدَاهُنَّ أَوْ السَّابِعَةَ أَوْ الثَّامِنَةَ فَقَالَ : إنَّ هَذَا الِاضْطِرَابَ يَقْتَضِي طَرْحَ ذِكْرِ التُّرَابِ رَأْسًا ، وَكَذَا قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ إنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ مُضْطَرِبَةٌ وَفِيمَا قَالَاهُ نَظَرٌ ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْمُضْطَرِبَ إنَّمَا تَتَسَاقَطُ الرِّوَايَاتُ إذَا تَسَاوَتْ وُجُوهُ الِاضْطِرَابِ أَمَّا إذَا تَرَجَّحَ بَعْضُ الْوُجُوهِ فَالْحُكْمُ لِلرِّوَايَةِ الرَّاجِحَةِ فَلَا يَقْدَحُ فِيهَا رِوَايَةُ مَنْ خَالَفَهَا كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ . وَإِذَا تَقَرَّرَ ذَلِكَ فَلَا شَكَّ أَنَّ رِوَايَةَ أُولَاهُنَّ أَرْجَحُ مِنْ سَائِرِ الرِّوَايَاتِ ، فَإِنَّهُ رَوَاهَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ثَلَاثَةٌ ، هِشَامُ بْنُ حَسَّانٍ وَحَبِيبُ بْنُ الشَّهِيدِ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَأَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ فَتَتَرَجَّحَ بِأَمْرَيْنِ : كَثْرَةُ الرُّوَاةِ وَتَخْرِيجُ أَحَدِ الشَّيْخَيْنِ لَهَا وَهُمَا مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحِ عِنْدَ التَّعَارُضِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ أُخْرَاهُنَّ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالرَّاءِ فَلَا تُوجَدُ مُنْفَرِدَةً مُسْنَدَةً فِي شَيْءٍ مِنْ كُتُبِ الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ ذَكَرَ فِي التَّمْهِيدِ أَنَّهُ رَوَاهَا خِلَاسٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْوَجْهِ الَّذِي يَلِيهِ إلَّا أَنَّهَا رُوِيَتْ مَضْمُومَةً مَعَ أُولَاهُنَّ كَمَا سَيَأْتِي . وَأَمَّا رِوَايَةُ السَّابِعَةِ بِالتُّرَابِ فَهِيَ ، وَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَاهَا ، فَإِنَّهُ تَفَرَّدَ بِهَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَتَادَةُ وَانْفَرَدَ بِهَا أَبُو دَاوُد ، وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا عَلَى قَتَادَةَ فَقَالَ إبَّانُ عَنْهُ هَكَذَا ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ بَشِيرٍ عَنْهُ الْأُولَى بِالتُّرَابِ فَوَافَقَ الْجَمَاعَةَ رَوَاهُ كَذَلِكَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ رِوَايَةِ أُولَاهُنَّ لِمُوَافَقَتِهِ لِلْجَمَاعَةِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ إحْدَاهُنَّ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَالدَّالِ فَلَيْسَتْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ السِّتَّةِ ، وَإِنَّمَا رَوَاهَا الْبَزَّارُ كَمَا تَقَدَّمَ . وَأَمَّا رِوَايَةُ أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ فَقَدْ رَوَاهَا الشَّافِعِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَفِيهِ بَحْثٌ أَذْكُرُهُ ، وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ أُولَاهُنَّ أَوْ أُخْرَاهُنَّ لَا تَخْلُوَ إمَّا أَنْ تَكُونَ مَجْمُوعَةً مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ أَوْ هُوَ شَكٌّ مِنْ بَعْضِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ ، فَإِنْ كَانَتْ مَجْمُوعَةً مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ دَالٌّ عَلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَهُمَا وَيَتَرَجَّحُ حِينَئِذٍ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ التَّقْيِيدِ بِهِمَا ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا مَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ عَلَى مَنْ اقْتَصَرَ عَلَى الْأُولَى أَوْ السَّابِعَةِ ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُنَّ حُفِظَ مَرَّةً فَاقْتُصِرَ عَلَيْهَا وَحُفِظَ هَذَا الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُولَى ، وَالْأُخْرَى فَكَانَ أَوْلَى . وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ شَكًّا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ فَالتَّعَارُضُ قَائِمٌ وَيَرْجِعُ إلَى التَّرْجِيحِ فَتُرَجَّحُ الْأُولَى كَمَا تَقَدَّمَ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ شَكٌّ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ لَا مِنْ كَلَامِ الشَّارِعِ قَوْلُ التِّرْمِذِيِّ فِي رِوَايَتِهِ أُولَاهُنَّ أَوْ قَالَ أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ بَعْضَ الرُّوَاةِ شَكَّ فِيهِ فَيَتَرَجَّحُ حِينَئِذٍ تَعْيِينُ الْأُولَى وَلَهَا شَاهِدٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ خِلَاسٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْوَجْهِ الَّذِي يَلِيهِ . وَإِذَا كَانَ ذِكْرُ الْأُولَى أَرْجَحَ فَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَا ذَكَرَ أَصْحَابُنَا مِنْ كَوْنِ التَّتْرِيبِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى أَوْلَى وَذَكَرُوا لَهُ مَعْنًى آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّهُ إذَا قُدِّمَ التَّتْرِيبُ فِي الْأُولَى فَتَنَاثَرَ مِنْ بَعْضِ الْغَسَلَاتِ رَشَاشٌ إلَى غَيْرِ الْمَوْضِعِ الْمُتَلَوِّثِ بِالنَّجَاسَةِ الْكَلْبِيَّةِ لَمْ يَجِبْ تَتْرِيبُهُ بِخِلَافِ مَا إذَا أُخِّرَ فَكَانَ هَذَا أَرْفَقَ لَكِنْ حَمْلُهُ عَلَى الْأَوْلَوِيَّةِ مُتَقَاصِرٌ عَمَّا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ فَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى تَعْيِينِ الْمَرَّةِ الْأُولَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّامِنَةُ } ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ سِيرِينَ يَنْفَرِدُ بِذِكْرِ التُّرَابِ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ كَمَا ذَكَرَهُ فَقَدْ رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ يَحْيَى الْهِلَالِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي عُرْوَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَيُونُسُ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ فِيهِ الْأُولَى بِالتُّرَابِ وَخَالِدُ بْنُ يَحْيَى قَالَ فِيهِ ابْنُ عَدِيٍّ أَرْجُو أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ لِأَنِّي لَمْ أَرَ فِي حَدِيثِهِ شَيْئًا مُنْكَرًا وَقَالَ الذَّهَبِيُّ صُوَيْلِحٌ لَا بَأْسَ بِهِ وَوَرَدَ ذِكْرُ التُّرَابِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ مُحَمَّدٍ ، وَالْحَسَنِ رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذِ بْنِ هِشَامٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَلْيَغْسِلْهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ } وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى مِنْ طَرِيقِ الدَّارَقُطْنِيِّ ، ثُمَّ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ إنْ حَفِظَهُ مُعَاذٌ فَهُوَ حَسَنٌ ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَمْ يَرْوِهِ ثِقَةٌ غَيْرُ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : وَإِنَّمَا رَوَاهُ غَيْرُ هِشَامٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ كَمَا تَقَدَّمَ انْتَهَى وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ أَنَّهُ رَوَاهُ خِلَاسٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ { أُخْرَاهُنَّ بِالتُّرَابِ } قَالَ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ فِي حَدِيثِ خِلَاسٍ إحْدَاهُنَّ بِالتُّرَابِ هَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ خِلَاسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ سَمِعَ خِلَاسٌ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرِوَايَتُهُ عَنْهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْهُ ذِكْرُ أَبِي رَافِعٍ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ رِوَايَةُ النَّسَائِيّ الْمُتَقَدِّمَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { التَّاسِعَةُ } فِي قَوْلِهِ : طَهُورُ إنَاءِ أَحَدِكُمْ مَعَ ذِكْرِ التُّرَابِ فِي آخِرِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي التَّتْرِيبُ بِتُرَابٍ نَجِسٍ ؛ لِأَنَّ النَّجِسَ لَا يَكُونُ مُطَهِّرًا ، وَهُوَ أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ كَمَا لَا يَصِحُّ التَّيَمُّمُ بِتُرَابٍ نَجِسٍ ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ يَصِحُّ كَالدِّبَاغِ بِشَيْءٍ نَجِسٍ وَبَنَى الرَّافِعِيُّ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَا إذَا تَنَجَّسَتْ الْأَرْضُ التُّرَابِيَّةُ بِالْكَلْبِ ، فَإِنْ قُلْنَا لَا يَكْفِي التُّرَابُ النَّجِسُ فَلَا بُدَّ مِنْ تُرَابٍ آخَرَ وَلَكِنَّ الْأَظْهَرَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ : إنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تُرَابٍ آخَرَ إذْ لَا مَعْنَى لِتَتْرِيبِ التُّرَابِ . { الْعَاشِرَةُ } فِي قَوْلِهِ : فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا أُولَاهُنَّ بِالتُّرَابِ مَا قَدْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْتَفِي بِذَرِّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحَلِّ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَجْعَلَهُ فِي الْمَاءِ وَيُوَصِّلَهُ إلَى الْمَحَلِّ ، وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ أَنَّهُ جَعَلَ مَرَّةَ التَّتْرِيبِ دَاخِلَةً فِي مُسَمَّى الْغَسَلَاتِ ، وَذَرُّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحَلِّ لَا يُسَمَّى غَسْلًا وَهَذَا مُمْكِنٌ ، وَفِيهِ احْتِمَالٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا ذَرَّ التُّرَابَ عَلَى الْمَحَلِّ وَأَتْبَعَهُ الْمَاءَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ غَسَلَ بِالتُّرَابِ . وَأَيْضًا فَقَوْلُهُ : وَعَفِّرُوهُ قَدْ يُشْعِرُ بِالِاكْتِفَاءِ بِالتَّتْرِيبِ بِطَرِيقِ ذَرِّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحَلِّ ، فَإِنْ كَانَ خَلْطُهُ بِالْمَاءِ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ تَعْفِيرًا لُغَةً فَقَدْ ثَبَتَ مَا قَالُوهُ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ التَّعْفِيرِ حِينَئِذٍ يَنْطَلِقُ عَلَى ذَرِّ التُّرَابِ عَلَى الْمَحَلِّ وَعَلَى إيصَالِهِ بِالْمَاءِ إلَيْهِ ، وَالْحَدِيثُ الَّذِي دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ مُسَمَّى الْغَسْلَةِ يَدُلُّ عَلَى خَلْطِهِ بِالْمَاءِ وَإِيصَالِهِ إلَى الْمَحَلِّ بِهِ ، وَذَلِكَ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُقْتَضَى مُطْلَقِ التَّعْفِيرِ عَلَى التَّقْدِيرِ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ شُمُولِ اسْمِ التَّعْفِيرِ لِلصُّورَتَيْنِ مَعًا أَعْنِي ذَرَّ التُّرَابِ وَإِيصَالَهُ بِالْمَاءِ انْتَهَى . وَمَا أَبْدَاهُ الشَّيْخُ مِنْ الِاحْتِمَالِ فِي إجْزَاءِ ذَرِّ التُّرَابِ وَإِتْبَاعِهِ بِالْمَاءِ قَدْ صَرَّحَ بِالِاكْتِفَاءِ بِهِ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَرُدَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ الشَّيْخَ أَبَا مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيَّ صَرَّحَ فِي التَّبْصِرَةِ أَنَّهُ لَا يَكْفِي ، وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ غَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ . { الْحَادِيَةَ عَشَرَ } اسْتَدَلَّ بِهِ الرَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَكْفِي مَزْجُ التُّرَابِ بِمَائِعٍ غَيْرِ الْمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى فَلْيَغْسِلْهُ بِالْمَاءِ سَبْعًا وَإِلَّا لَجَازَ الْغَسْلُ سَبْعًا بِغَيْرِ الْمَاءِ وَهُوَ وَاضِحٌ ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُ يَكْفِي ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْغَسْلَةِ السَّابِعَةِ التُّرَابُ ، وَهُوَ بَعِيدٌ . { الثَّانِيَةَ عَشَرَ } فِيهِ أَنَّهُ لَوْ غَسَلَهُ بِالْمَاءِ سَبْعًا ، ثُمَّ مَزَجَ التُّرَابَ بِمَائِعٍ فَغَسَلَهُ بِهِ ثَامِنَةً أَنَّهُ لَا يَكْفِي ؛ لِأَنَّ التُّرَابَ لَيْسَ فِي أُولَى الْغَسَلَاتِ وَلَا فِي إحْدَاهُنَّ ، وَالْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ جَمْعِ التُّرَابِ مَعَ الْمَاءِ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ الْمُسَمَّى بِالتَّنْقِيحِ وَكَلَامُهُ فِي بَقِيَّةِ كُتُبِهِ مُحْتَمَلٌ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ أَمَّا إذَا غَسَلَهُ بِالْمَاءِ سَبْعًا وَمَزَجَ التُّرَابَ بِالْمَائِعِ وَغَسَلَهُ بِهِ مَعَ الْمَاءِ غَسْلَةً ثَامِنَةً فَفِي الْمُهِمَّاتِ أَنَّهُ يَجُوزُ قَطْعًا كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي مُشْكِلِ الْوَسِيطِ قَالَ : وَلَا يُتَّجَهُ فِيهِ خِلَافُ الْأَوْجُهِ بَعِيدٌ فِي أَنَّ التُّرَابَ تَزُولُ طَهُورِيَّتُهُ بِالْخَلِّ وَنَحْوِهِ . { الثَّالِثَةَ عَشَرَ } اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فِي الْأَمْرِ بِالتَّتْرِيبِ فِي نَجَاسَةِ الْكَلْبِ هَلْ هُوَ تَعَبُّدٌ أَوْ مَعْقُولُ الْمَعْنَى فَمَنْ قَالَ : إنَّهُ تَعَبُّدٌ جَعَلَهُ مُتَعَيِّنًا ، وَأَنَّهُ لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ ، وَإِنْ كَانَ أَبْلَغَ فِي الْإِزَالَةِ كَالصَّابُونِ ، وَالْأُشْنَانِ وَنَحْوِهِمَا وَمَنْ جَعَلَهُ مَعْقُولُ الْمَعْنَى اخْتَلَفُوا فِي الْعِلَّةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْعِلَّةُ فِيهِ الْجَمْعُ بَيْنَ نَوْعَيْ الطَّهُورِ تَغْلِيظًا لِلنَّجَاسَةِ وَجَعَلَهَا بَعْضُهُمْ الِاسْتِظْهَارَ مَعَ الْمَاءِ بِغَيْرِهِ فَمَنْ عَلَّلَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ نَوْعَيْ الطَّهُورِ لَمْ يَكْتَفِ بِغَيْرِ التُّرَابِ وَمَنْ جَعَلَهُ لِلِاسْتِظْهَارِ اكْتَفَى بِأَمْرٍ آخَرَ مَعَ الْمَاءِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِالْغَسْلَةِ الثَّامِنَةِ إذْ لَا زِيَادَةَ عَلَى الْمَاءِ وَالْأَصَحُّ كَمَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ تَعَيُّنُ التُّرَابِ ، وَأَنَّهُ لَا يَكْفِي الصَّابُونُ وَالْأُشْنَانُ وَنَحْوُهُمَا ، وَفِيهِ وَجْهٌ أَنَّهُ يَكْفِي فِيمَا يَفْسُدُ بِالتُّرَابِ كَالثِّيَابِ خُصُوصًا النَّفِيسَةَ ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ عِنْدَ عَدَمِهِ لَا عِنْدَ وُجُودِهِ ، وَهَذَا الْأَخِيرُ قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ مَعَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ لِأَحَدِهِمَا ، وَفِيهِ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ يَكْفِي مُطْلَقًا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ ، وَإِنَّمَا فَرَضَهُ فِي الْأُمِّ عِنْدَ عَدَمِ التُّرَابِ كَمَا تَقَدَّمَ . { الرَّابِعَةَ عَشَرَ } فِيهِ أَنَّهُ لَوْ غَسَلَهُ مَرَّةً ثَامِنَةً بِالْمَاءِ بَدَلًا عَنْ التُّرَابِ لَا يَكْفِي ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ . وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا يَكْفِي ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ أَبْلَغُ فِي التَّطْهِيرِ مِنْ التُّرَابِ فَمَرْدُودٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنْبِطَ مِنْ النَّصِّ مَعْنًى يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ ، وَلَوْ كَانَ الْمَاءُ أَبْلَغَ مِنْ التُّرَابِ مُطْلَقًا لَجَازَ لِمَنْ وَجَدَ بَعْضَ مَا يَكْفِيهِ مِنْ الْمَاءِ لِأَعْضَاءِ التَّيَمُّمِ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى غَسْلِ الْوَجْهِ ، وَالْيَدَيْنِ دُونَ التَّيَمُّمِ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ أَبْلَغُ فِي التَّطْهِيرِ وَلَا قَائِلَ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةَ عَشَرَ } ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى بِالرَّمْلِ عَنْ التُّرَابِ فِي نَجَاسَةِ الْكَلْبِ ؛ لِأَنَّ لَهُ اسْمًا يَخُصُّهُ دُونَ التُّرَابِ إلَّا أَنَّ أَصْحَابَنَا صَحَّحُوا جَوَازَ التَّيَمُّمِ بِهِ إذَا كَانَ نَاعِمًا لَهُ غُبَارٌ بَلْ زَادَ النَّوَوِيُّ عَلَى هَذَا فَقَالَ فِي الْفَتَاوَى أَنَّهُ لَوْ سَحَقَ الرَّمْلَ حَتَّى صَارَ لَهُ غُبَارٌ جَازَ التَّيَمُّمُ بِهِ ، وَمُقْتَضَى هَذَا الِاكْتِفَاءُ بِهِ فِي التَّتْرِيبِ مِنْ الْكَلْبِ ، وَذَلِكَ يَتَوَقَّفُ عَلَى جَوَازِ كَوْنِهِ يُسَمَّى تُرَابًا . وَفِي الْحَدِيثِ مَا قَدْ يَدُلُّ عَلَيْهِ فَذَكَرَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي ذَيْلِهِ عَلَى الْعُرَنِيِّينَ لِلْهَرَوِيِّ أَنَّ فِي حَدِيثِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ أَمْرَانِ تُكْفَأُ الْقُدُورُ ، وَأَنْ يُرَمَّلَ اللَّحْمُ بِالتُّرَابِ وَفَسَّرَهُ بِأَنَّهُ يُلَتُّ بِالتُّرَابِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُ يُتَرَّبُ بِالتُّرَابِ فَأَتَى بِقَوْلِهِ يُرَمَّلُ ؛ لِأَنَّ الرَّمْلَ مِنْ جِنْسِ التُّرَابِ فَجَمَعَ بَيْنَ ذِكْرِ الرَّمْلِ ، وَالتُّرَابِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ حَتَّى يَصِيرَ التُّرَابُ لَهُ رِمَالًا كَمَا يُرَمَّلُ السَّرِيرُ فَيَلْتَصِقُ عَلَيْهِ التُّرَابُ فَشُبِّهَ ذَلِكَ مِنْ كَثْرَتِهِ بِالنَّسْجِ عَلَى السَّرِيرِ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّادِسَةَ عَشَرَ } فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ ذَهَبَ إلَى اشْتِرَاطِ الْغَسْلِ مِنْ نَجَاسَةِ الْكَلْبِ ثَمَانِيًا وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يُفْتِي بِأَنَّهُ يُغْسَلُ سَبْعًا بِالْمَاءِ وَمَرَّةً ثَامِنَةً بِالتُّرَابِ قَالَ : وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَانَ يُفْتِي بِذَلِكَ غَيْرُهُ . ( قُلْت ) : قَدْ ذَهَبَ إلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَيْضًا كَمَا حَكَاهُ عَنْهُ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَحَكَاهُ عَنْهُ أَيْضًا الرَّافِعِيُّ وَحُجَّتُهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَاغْسِلُوهُ سَبْعًا وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ بِالتُّرَابِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَالْحَدِيثُ قَوِيٌّ فِيهِ فَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ احْتَاجَ إلَى تَأْوِيلِهِ بِوَجْهٍ فِيهِ اسْتِكْرَاهٌ . وَقَالَ الطَّحْطَاوِيُّ : يَنْبَغِي لِهَذَا الْمُخَالِفِ لَنَا أَنْ يَقُولَ : لَا يَطْهُرُ الْإِنَاءُ حَتَّى يُغْسَلَ ثَمَانِيَ مَرَّاتٍ الثَّامِنَةُ بِالتُّرَابِ لِيَأْخُذَ بِالْحَدِيثَيْنِ جَمِيعًا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ هَذَا فِي الْفَائِدَةِ السَّابِعَةِ وَفِي الْعَاشِرَةِ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ . وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَقَدْ تَحَجَّرْت وَاسِعًا ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَسْرَعَ النَّاسُ إلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ هَرِيقُوا عَلَيْهِ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ } ، رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ : فَرَّقَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى قِصَّةِ الْبَوْلِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ . { الْحَدِيثُ الثَّالِثُ } عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَالَ : اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا فَالْتَفَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَقَدْ تَحَجَّرْت وَاسِعًا ، ثُمَّ لَمْ يَلْبَثْ أَنْ بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَأَسْرَعَ النَّاسُ إلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ هَرِيقُوا عَلَيْهِ دَلْوًا مِنْ مَاءٍ أَوْ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فَرَّقَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ فِيهِ فَوَائِدُ : { الْأُولَى } حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ سَعِيدِ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَأَمَّا رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ فَأَخْرَجَهَا بِكَمَالِهَا أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهَا وَأَخْرَجَهَا النَّسَائِيّ مُقْتَصِرًا عَلَى أَوَّلِ الْحَدِيثِ دُونَ قِصَّةِ الْبَوْلِ . ( وَأَمَّا ) رِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ فَأَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ مُفَرَّقَةً فِي مَوْضِعَيْنِ فَذَكَرَ قِصَّةَ الْبَوْلِ فِي الطَّهَارَةِ وَفِي الْأَدَبِ أَيْضًا وَذَكَرَ أَوَّلَ الْحَدِيثِ فِي الْأَدَبِ أَيْضًا . وَأَمَّا رِوَايَةُ أَبِي سَلَمَةَ فَأَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ مُقْتَصِرِينَ عَلَى أَوَّلِ الْحَدِيثِ دُونَ قِصَّةِ الْبَوْلِ وَأَخْرَجَهَا ابْنُ مَاجَهْ وَذَكَرَ قِصَّةَ الْبَوْلِ أَيْضًا وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ قِصَّةَ الْبَوْلِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِتَمَامِهِ مِنْ حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ . { الثَّانِيَةُ } الْأَعْرَابِيُّ هُوَ سَاكِنُ الْبَادِيَةِ وَقِيلَ مَنْ سَكَنَهَا مِنْ الْعَرَبِ وَجَمْعُ الْأَعْرَابِيِّ أَعْرَابٌ وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ أَنَّ الْأَعْرَابِيَّ مَنْسُوبٌ إلَى الْأَعْرَابِ وَهُمْ سُكَّانُ الْبَوَادِي قَالَ : وَقَعَتْ النِّسْبَةُ إلَى الْجَمْعِ دُونَ الْوَاحِدِ فَقِيلَ : لِأَنَّهُ جَرَى مَجْرَى الْقَبِيلَةِ كَأَثْمَارٍ وَقِيلَ : لِأَنَّهُ لَوْ نَسَبَ إلَى الْوَاحِدِ ، وَهُوَ عَرَبٌ لَقِيلَ عَرَبِيٌّ فَيَشْتَبِهُ الْمَعْنَى ، فَإِنَّ الْعَرَبِيَّ كُلُّ مَنْ هُوَ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ سَوَاءٌ كَانَ سَاكِنًا بِالْبَادِيَةِ أَوْ بِالْقُرَى ، وَهَذَا غَيْرُ الْمَعْنَى الْأَوَّلِ انْتَهَى . وَقَوْلُهُ إنَّ الْأَعْرَابَ جَمْعُ عَرَبٍ لَيْسَ بِجَيِّدٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ جَمْعُ أَعْرَابِيٍّ كَمَا ذَكَرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَلَمْ أَرَ مَنْ صَنَّفَ فِي الْمُبْهَمَاتِ سَمَّى هَذَا الْأَعْرَابِيَّ . { الثَّالِثَةُ } فِيهِ اسْتِحْبَابُ رَكْعَتَيْنِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ تَحِيَّةً لَهُ ، وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ حَتَّى عِنْدَ الْأَعْرَابِيِّ الْغَرِيبِ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ الْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَإِنَّمَا يَتْرُكُهَا الدَّاخِلُ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ ، وَقَدْ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ أَوْ دَخَلَ وَعَلَيْهِ صَلَاةٌ يَخَافُ فَوْتَهَا ، فَإِنَّهُ يُقَدِّمُ الْفَرْضَ أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، فَإِنَّ الْمَشْرُوعَ فِي حَقِّهِ الطَّوَافُ وَتَتَأَدَّى التَّحِيَّةُ بِالْفَرْضِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ ، فَإِنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ ، وَقَدْ مَنَعَ النَّاسَ مِنْ الطَّوَافِ لِقُرْبِ الصَّلَاةِ أَوْ خُرُوجِ الْخَطِيبِ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ حِينَئِذٍ رَكْعَتَا التَّحِيَّةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ لَيْسَتَا لِلتَّحِيَّةِ ، وَإِنَّمَا هُمَا فَرْضُ صَلَاتِهِ فَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةٍ وَقُمْنَا مَعَهُ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ : اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي وَمُحَمَّدًا وَلَا تَرْحَمْ مَعَنَا أَحَدًا فَلَمَّا سَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَقَدْ حَجَّرْت وَاسِعًا } يُرِيدُ رَحْمَةَ اللَّهِ وَلَمْ يَذْكُرْ قِصَّةَ الْبَوْلِ فَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهُ كَانَ مَعَهُمْ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الرَّابِعَةُ } كَيْفَ وَجَّهَ الْجَمْعَ بَيْنَ الِاخْتِلَافِ ، فَإِنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ الْبَابِ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاتِهِ لِلرَّكْعَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَتَى بِقَوْلِهِ ، ثُمَّ قَالَ الدَّالَّةُ عَلَى التَّرْتِيبِ ، وَالتَّرَاخِي وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ { دَخَلَ أَعْرَابِيٌّ الْمَسْجِدَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فَقَالَ : اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ وَلِمُحَمَّدٍ وَلَا تَغْفِرْ لِأَحَدٍ مَعَنَا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } الْحَدِيثَ ، وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ دَخَلَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ لِلتَّحِيَّةِ ، ثُمَّ أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَصَلَّى مَعَهُمْ وَقَالَ ذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ إلَّا أَنَّ هَذَا قَدْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ دَخَلَ ، وَهُوَ جَالِسٌ فَقَالَ فَأَتَى بِالْفَاءِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّعْقِيبِ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ دَخَلَ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ فَصَلَّى وَفِي رِوَايَةٍ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ قَالَ فَقَدْ زَادَا ذِكْرَ الصَّلَاةِ كَحَدِيثِ الْبَابِ ، وَالْحُكْمُ لِمَنْ حَفِظَ وَزَادَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ ذَلِكَ بِمَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَتَى بِالْفَاءِ . { الْخَامِسَةُ } فِيهِ أَنَّ مِنْ أَدَبِ الدُّعَاءِ أَنَّ مَنْ دَعَا بِمَجْلِسِ جَمَاعَةٍ لَا يَخُصُّ نَفْسَهُ بِالدُّعَاءِ مِنْ بَيْنِهِمْ أَوْ لَا يَخُصُّ نَفْسَهُ وَبَعْضَهُمْ دُونَ جَمِيعِهِمْ ، فَأَمَّا الدُّعَاءُ بِأَنَّهُ لَا يَرْحَمُ الْبَاقِينَ أَوْ لَا يَغْفِرُ لَهُمْ فَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِغَيْرِ سَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ ، وَهَذَا وَقَعَ مِنْ هَذَا الْأَعْرَابِيِّ جَهْلًا بِآدَابِ الدُّعَاءِ ، وَلِذَلِكَ أَنْكَرَهُ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَتَأَكَّدُ اسْتِيعَابُ الْحَاضِرِينَ عَلَى إمَامِ الْجَمَاعَةِ فَلَا يَخُصُّ نَفْسَهُ دُونَ الْمَأْمُومِينَ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَؤُمُّ رَجُلٌ قَوْمًا فَيَخُصَّ نَفْسَهُ بِدَعْوَةٍ دُونَهُمْ ، فَإِنْ فَعَلَ فَقَدْ خَانَهُمْ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا يُشَارِكُهُ فِيهِ الْمَأْمُومُونَ كَدُعَاءِ الْقُنُوتِ وَنَحْوِهِ فَأَمَّا مَا يَدْعُو كُلُّ أَحَدٍ بِهِ كَقَوْلِهِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي وَارْحَمْنِي وَاهْدِنِي ، فَإِنَّ كُلًّا مِنْ الْمَأْمُومِينَ يَدْعُو بِذَلِكَ فَلَا حَرَجَ حِينَئِذٍ فِي الْإِفْرَادِ إلَّا أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ بَعْضَ الْمَأْمُومِينَ يَتْرُكُ ذَلِكَ نِسْيَانًا أَوْ لِعَدَمِ الْعِلْمِ بِاسْتِحْبَابِهِ فَيَنْبَغِي حِينَئِذٍ أَنْ يَجْمَعَ الضَّمِيرَ لِذَلِكَ فَأَمَّا دُعَاءُ الدَّاعِي لِجَمِيعِ الْمُسْلِمِينَ بِالْمَغْفِرَةِ ، وَالرَّحْمَةِ فَقَدْ مَنَعَ مِنْ جَوَازِ ذَلِكَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ الْقَرَافِيُّ ؛ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ أَنْ لَا بُدَّ مِنْ عَذَابِ بَعْضِ الْعُصَاةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَهَذَا مَرْدُودٌ عَلَيْهِ لِوُرُودِ ذَلِكَ عَنْ السَّلَفِ ، وَالْخَلَفِ وَخُرُوجُهُمْ مِنْ النَّارِ بَعْدَ الْعَذَابِ إنَّمَا هُوَ بِالْمَغْفِرَةِ ، وَالرَّحْمَةِ فَلَا مَانِعَ مِنْ تَعْمِيمِ الدُّعَاءِ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّادِسَةُ } فِيهِ الْمُبَادَرَةُ إلَى إنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَتَعْلِيمِ الْجَاهِلِ ، وَأَنَّهُ لَا يُؤَخِّرُ ذَلِكَ عِنْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَيْهِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ ، وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ كَمَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ، فَإِنَّهُ يُؤَخِّرُ الْإِنْكَارَ إلَى مَا بَعْدَ الصَّلَاةِ كَمَا فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَمَّا سَلَّمَ أَنْكَرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَهَذَا إذَا كَانَ الْمُنْكِرُ لَا يَتَعَدَّى ضَرَرُهُ نَحْوُ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ أَمَّا لَوْ تَعَدَّى ضَرَرُهُ كَأَنْ رَآهُ يَقْتُلُ نَفْسًا بِغَيْرِ حَقٍّ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَيَجِبُ قَطْعُ الصَّلَاةِ وَإِزَالَةُ مَا قَدَرَ عَلَى إزَالَتِهِ مِنْ ذَلِكَ الْمُنْكِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّابِعَةُ } قَوْلُهُ لَقَدْ تَحَجَّرْت وَاسِعًا قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ أَيْ ضَيَّقْت مَا وَسَّعَهُ اللَّهُ وَخَصَصْت بِهِ نَفْسَك دُونَ غَيْرِك انْتَهَى وَالْمَعْنَى أَرَدْت ذَلِكَ وَإِلَّا فَلَا يُمْكِنُ تَحْجِيرُ مَا أَرَادَ تَحَجُّرَهُ وَالتَّفَعُّلُ قَدْ يُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهِ تَكَلُّفُ الشَّيْءِ وَبُلُوغُهُ بِمَشَقَّةٍ ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى تَكَلُّفِ مَا لَا يَنَالُهُ وَلَا يُطِيقُهُ نَحْوُ مَا نَحْنُ فِيهِ وَكَقَوْلِهِ مَنْ تَحَلَّمَ كُلِّفَ أَنْ يَعْقِدَ بَيْنَ شَعِيرَتَيْنِ فَالْمُرَادُ أَنْ يَقُولَ حَلَمْت بِكَذَا ، وَكَذَا وَلَمْ يَكُنْ حَلَمَ وَلَا رَأَى شَيْئًا فَهُوَ تَفَعَّلَ الشَّيْءَ مِنْ غَيْرِ دُخُولٍ فِيهِ وَلَا بُلُوغٍ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ وَرَدَ هَذَا أَيْضًا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْبُخَارِيِّ بِغَيْرِ تَاءِ التَّفَعُّلِ لَقَدْ حَجَرْت أَوْ حَجَّرْت وَاسِعًا رُوِيَ بِالتَّشْدِيدِ وَالتَّخْفِيفِ ، وَالْمَعْنَى أَرَدْت ذَلِكَ وَدَعَوْت بِهِ وَلَنْ تَبْلُغَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّامِنَةُ } وَفِيهِ أَنَّ جَاهِلَ الْحُكْمِ بِالتَّحْرِيمِ إذَا خَفِيَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِكَوْنِهِ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْإِسْلَامِ أَوْ نَشَأَ فِي بَادِيَةٍ بَعِيدَةٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ لَا يُعَزَّرُ عَلَى ذَلِكَ الْمُحَرَّمِ وَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ إنْ كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ فِيهَا حَدٌّ ، وَهِيَ حَقٌّ لِلَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّ هَذَا أَعْرَابِيٌّ نَشَأَ بِالْبَادِيَةِ فَلَمْ يَكُنْ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَسَاجِدَ لَا يَجُوزُ الْبَوْلُ فِيهَا فَلَمْ يُعَاقِبْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُؤَنِّبْهُ ، ثُمَّ عَلَّمَهُ الْحُكْمَ وَنَهَاهُمْ عَنْ الْوُقُوعِ بِهِ وَعَنْ الصِّيَاحِ عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي وَفِي حَدِيثِ وَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ أَنَّهُ قَالَ لَهُ : وَيْحُك أَوْ وَيْلُك ، وَالْعَرَبُ تُطْلِقُ ذَلِكَ وَلَا تُرِيدُ بِهِ الدُّعَاءَ بَلْ قَدْ وَرَدَ أَنَّ وَيْحَ كَلِمَةُ رَحْمَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { التَّاسِعَةُ } وَقَوْلُهُ : فَأَسْرَعَ النَّاسُ إلَيْهِ أَيْ بَادَرُوا إلَيْهِ وَمُبَادَرَتُهُمْ إلَيْهِ إمَّا لِلْوُقُوعِ بِهِ كَمَا فِي بَعْضِ طُرُقِ الْبُخَارِيِّ فَثَارَ النَّاسُ لِيَقَعُوا بِهِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعُوهُ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ فَتَنَاوَلَهُ النَّاسُ ، وَإِمَّا أَسْرَعُوا إلَيْهِ لِزَجْرِهِ ، وَالصِّيَاحِ عَلَيْهِ فَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ فَزَجَرَهُ النَّاسُ وَلِمُسْلِمٍ فَصَاحَ بِهِ النَّاسُ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { فَقَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْ مَهْ فَقَالَ رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهِ : لَا تَزْرِمُوهُ دَعُوهُ فَتَرَكُوهُ حَتَّى بَالَ } الْحَدِيثَ . { الْعَاشِرَةُ } فِيهِ الرِّفْقُ فِي إنْكَارِ الْمُنْكَرِ وَتَعْلِيمِ الْجَاهِلِ بِاسْتِعْمَالِ التَّيْسِيرِ وَتَرْكِ التَّعْسِيرِ وَلِذَلِكَ قَالَ لِأَصْحَابِهِ { إنَّمَا بُعِثْتُمْ مُيَسِّرِينَ وَلَمْ تُبْعَثُوا مُعَسِّرِينَ } وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ فَقَالَ الْأَعْرَابِيُّ بَعْدَ أَنْ فَقِهَ فَقَامَ إلَيَّ بِأَبِي وَأُمِّي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يُؤَنِّبْ وَلَمْ يَسُبَّ فَقَالَ : إنَّ هَذَا الْمَسْجِدَ لَا يُبَالُ فِيهِ ، وَإِنَّمَا بُنِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ ، وَالصَّلَاةِ ، وَقَوْلُهُ هُنَا هَذَا الْمَسْجِدُ أَرَادَ بِهِ جِنْسَ الْمَسَاجِدِ لَا خُصُوصِيَّةَ مَسْجِدِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، ثُمَّ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَاهُ فَقَالَ لَهُ : إنَّ هَذِهِ الْمَسَاجِدَ لَا تَصْلُحُ لِشَيْءٍ مِنْ هَذَا الْبَوْلِ وَلَا الْقَذَرِ ، وَإِنَّمَا هِيَ لِذِكْرِ اللَّهِ ، وَالصَّلَاةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ أَوْ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْحَادِيَةَ عَشَرَ } فِيهِ احْتِمَالُ أَخَفِّ الْمَفْسَدَتَيْنِ خَوْفًا مِنْ الْوُقُوعِ فِي أَشَدِّهِمَا ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوهُ حَتَّى يُتِمَّ بَوْلَهُ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ لَا كَثِيرُهُ وَلَا قَلِيلُهُ وَأَمْرُهُمْ بِتَرْكِهِ فِيهِ فَائِدَتَانِ ( إحْدَاهُمَا ) أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ أَصْلُ التَّنْجِيسِ قَبْلَ قِيَامِهِمْ إلَيْهِ فَلَوْ قَطَعُوا عَلَيْهِ بَوْلَهُ وَأَخْرَجُوهُ لَأَدَّى إلَى تَنْجِيسِ مَوَاضِعَ مِنْ الْمَسْجِدِ غَيْرِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ وَإِلَى تَنْجِيسِ ثِيَابِهِ وَبَدَنِهِ فَكَانَ إكْمَالُهُ لِلْبَوْلِ فِي الْمَكَانِ الَّذِي تَنَجَّسَ أَخَفَّ ضَرَرًا . ( وَالْفَائِدَةُ الثَّانِيَةُ ) أَنَّ حَبْسَ الْبَوْلِ يُحَصِّلُ لِصَاحِبِهِ ضَرَرًا فَكَانَ فِيهِ زِيَادَةُ ضَرَرٍ عَلَى تَنْجِيسِ الْمَسْجِدِ بَعْدَ وُقُوعِهِ فَهَذَا مِنْ رِفْقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمَّتِهِ وَحُسْنِ نَظَرِهِ لَهُمْ وَرُبَّمَا اُبْتُلِيَ مَنْ تَجَاوَزَ أَمْرَهُ وَتَأْدِيبَهُ بِأَشَدَّ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ الْجَاهِلُ كَمَا حَكَى لِي صَاحِبُنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ الْقُدْوَةُ شَمْسُ الدِّينِ مُحَمَّدُ بْنُ صِدِّيقٍ الْجَنَانِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَضِيَ عَنْهُ قَالَ : كُنْت فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَرَأَيْت رَجُلًا بَالَ فِي الْمَسْجِدِ فَتَغَيَّظْتُ عَلَيْهِ وَزِدْت فِي تَعْنِيفِهِ ، ثُمَّ أَلْزَمْتُهُ أَنْ حَمَلَ ذَلِكَ الْحَصْبَاءَ الَّذِي تَنَجَّسَ بِبَوْلِهِ فِي ثَوْبِهِ حَتَّى أَخْرَجَهُ مِنْ الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ فِي زَحْمَةِ الْمَوْسِمِ فَخَشِيت أَنْ يَطَأَهُ النَّاسُ وَيَتَنَجَّسُوا بِهِ قَبْلَ تَطْهِيرِهِ قَالَ : ثُمَّ تَذَكَّرْت قَوْلَهُ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا تَزْرِمُوهُ فَنَدِمْت عَلَى إفْحَاشِي عَلَيْهِ وَرُبَّمَا كَانَ جَاهِلًا أَوْ سَبَقَهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ قَالَ : فَابْتُلِيت فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ بِأَنْ سَبَقَنِي الْبَوْلُ فِي إزَارِي وَرِدَائِي وَأَنَا مُحْرِمٌ وَكَانَ عِنْدَهُ تَحَرُّزٌ فِي الطَّهَارَةِ ، وَرُبَّمَا جَاوَزَهَا إلَى الْوَسْوَسَةِ قَالَ فَخَرَجْت مِنْ الْمَسْجِدِ وَبَقِيت حَائِرًا أَيْنَ أَتَطَهَّرُ وَأُطَهِّرُ إحْرَامِي مَعَ اجْتِمَاعِ النَّاسِ وَكَثْرَتِهِمْ عَلَى الْمِيَاهِ بِمَكَّةَ فَذَهَبْت إلَى فَسَاقِي بَابِ الْمُعَلَّى ، وَالزِّحَامُ عَلَيْهَا فَاسْتَقْبَلَنِي رَجُلٌ مِنْ السَّقَّايِينَ الَّذِينَ فِي الرَّكْبِ لَا أَعْرِفُهُ وَلَا أَذْكُرُ أَنِّي رَأَيْته قَبْلَ ذَلِكَ فَقَالَ لِي أَهْلًا وَسَهْلًا بِحُبِّنَا الْمُوَسْوِسِ كَأَنَّك تُرِيدُ تَتَطَهَّرُ ؟ فَقُلْت لَهُ : نَعَمْ فَأَعْطَانِي شَيْئًا اسْتَتَرْت بِهِ ، ثُمَّ نَزَعَ إزَارِي وَرِدَائِي وَدَعَا صِبْيَانَهُ فَأَمْسَكَ بَعْضَهُمْ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ وَأَمَرَ بَعْضَهُمْ فَطَهَّرَ بَدَنَهُ وَأَفْرَغَ بِالدَّلْوِ مِنْ مَاءٍ كَثِيرٍ عَلَيْهِمَا حَتَّى طَابَتْ نَفْسِي بِتَطْهِيرِهِمَا وَوَقَفَ الصِّبْيَانُ بِهِمَا فِي الْهَوَاءِ حَتَّى جَفَّا وَأَمَرَهُمْ فَصَبُّوا عَلَيَّ حَتَّى طَابَتْ نَفْسِي بِحُصُولِ الطَّهَارَةِ ، ثُمَّ أَلْبَسُونِي إحْرَامِي وَقَالَ لِي آنَسْتنَا الْيَوْمَ وَرَحَّبَ بِي فَصِرْت مُتَعَجِّبًا مِنْ وُقُوعِ مِثْلِ هَذَا مِنْ هَذِهِ الطَّائِفَةِ وَعَلِمْت أَنَّ ذَلِكَ بِنَدَمِي عَلَى إفْحَاشِي عَلَى الَّذِي سَبَقَهُ الْبَوْلُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ . { الثَّانِيَةَ عَشَرَ } قَوْلُهُ هَرِيقُوا عَلَيْهِ هُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الرَّاءِ وَإِثْبَاتِ الْيَاءِ بَعْدَ الرَّاءِ وَهَكَذَا هُوَ فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ مِنْ الْبُخَارِيِّ وَفِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ أُهْرِيقُوا بِإِثْبَاتِ الْهَمْزَةِ فِي أَوَّلِهِ وَهَكَذَا هُوَ مِنْ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ بِزِيَادَةِ الْهَمْزِ ، وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ أَنَّهُ يُحْذَفُ الْهَمْزُ مِنْهُ فِي حَالَةِ الْأَمْرِ كَمَا قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ وَفِي الْمَاضِي مِنْهُ لُغَاتٌ أَفْصَحُهَا أَهَرَاقَ الْمَاءَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَالْهَاءِ مَعًا يُهْرِيقُهُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ ، وَاللُّغَةُ الثَّانِيَةُ هَرَاقَ بِغَيْرِ هَمْزَةٍ وَالثَّالِثَةُ هَرَقَ بِغَيْرِهَا أَيْضًا وَبِغَيْرِ أَلِفٍ بَيْنَ الرَّاءِ وَالْقَافِ ، وَالرَّابِعَةُ أَهْرَاقَ بِإِثْبَاتِ الْهَمْزِ وَسُكُونِ الْهَاءِ وَمَعْنَاهُ الْإِرَاقَةُ ، وَالصَّبُّ . ( الثَّالِثَةَ عَشَرَ ) فِيهِ نَجَاسَةُ بَوْلِ الْآدَمِيِّ ، وَهُوَ إجْمَاعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ دَاوُد فِي بَوْلِ الصَّبِيِّ الَّذِي لَمْ يَطْعَمْ أَنَّهُ لَيْسَ بِنَجِسٍ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَنَضَحَهُ وَلَمْ يَغْسِلْهُ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ بِالْإِجْمَاعِ فَقَدْ حَكَى بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْإِجْمَاعَ أَيْضًا فِي نَجَاسَةِ بَوْلِ الصَّبِيِّ . وَأَمَّا مَا حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَالْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَالْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ عَنْ الشَّافِعِيِّ مِنْ طَهَارَةِ بَوْلِ الصَّبِيِّ فَهُوَ بَاطِلٌ عَنْهُ لَا أَصْلَ لَهُ فِي كُتُبِ أَصْحَابِهِ وَحَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَابْنِ وَهْبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ قَالَ : وَرَوَاهَا الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ وَحَكَى ذَلِكَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَقَتَادَةَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ الْقَوْلُ بِطَهَارَةِ الذَّكَرِ ، وَالْأُنْثَى قَالَ : وَهُوَ شَاذٌّ فِي النَّقْلِ . ( الرَّابِعَةَ عَشَرَ ) فِيهِ أَنَّهُ يَجِبُ تَنْزِيهُ الْمَسَاجِدِ عَنْ الْبَوْلِ وَسَائِرِ النَّجَاسَاتِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ إذَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى تَلْوِيثِهَا بِالنَّجَاسَةِ ، فَإِنْ لَمْ تَتَلَوَّثْ كَأَنْ بَالَ فِي إنَاءٍ أَوْ افْتَصَدَ فِي إنَاءٍ فِي الْمَسْجِدِ فَالْأَصَحُّ تَحْرِيمُ الْبَوْلِ وَكَرَاهَةُ الِافْتِصَادِ دُونَ تَحْرِيمِهِ ، وَقَدْ جَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بِكَرَاهَةِ الْفَصْدِ فِي الْإِنَاءِ وَلَمْ يَحْكِ فِيهِ خِلَافًا وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ فِي الِاعْتِكَافِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ أَنَّ الْأَوْلَى اجْتِنَابُهُ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْكَرَاهَةِ وَجَزَمَ الْبَنْدَنِيجِيُّ بِعَدَمِ جَوَازِ الْفَصْدِ ، وَالْحِجَامَةِ كَالْبَوْلِ فِي الطَّسْتِ انْتَهَى . وَكَذَلِكَ مَنْ عَلَى بَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ نَجَاسَةٌ إذَا أَمِنَ تَلَوُّثَ الْمَسْجِدِ بِهَا جَازَ دُخُولُهُ ، وَإِنْ خَافَ ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ . وَأَمَّا الْوُضُوءُ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَبَاحَهُ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ الْعِلْمُ إلَّا أَنْ يَتَوَضَّأَ فِي مَكَان يَبُلُّهُ وَيَتَأَذَّى النَّاسُ بِهِ ، فَإِنَّهُ مَكْرُوهٌ وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ جَوَازَهُ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَحَكَى عَنْ مَالِكٍ وَسَحْنُونٍ كَرَاهَتَهُ تَنْزِيهًا لِلْمَسْجِدِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ فِي الِاعْتِكَافِ عَنْ صَاحِبِ التَّمْهِيدِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ نَضْحُ الْمَسْجِدِ بِالْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ ؛ لِأَنَّ النَّفْسَ قَدْ تَعَافُهُ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ هُنَا وَقَالَ فِي الصَّلَاةِ فِي الرَّوْضَةِ فِي زَوَائِدِهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْأَكْلِ ، وَالشُّرْبِ ، وَالْوُضُوءِ فِيهِ إذَا لَمْ يَتَأَذَّى بِهِ النَّاسُ ، وَأَنَّهُ يُكْرَهُ حَمْلُ الصَّنَائِعِ فِيهِ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ : إنَّ الْجُلُوسَ فِي الْمَسْجِدِ لِلْبَيْعِ ، وَالشِّرَاءِ وَالْحِرْفَةِ مَمْنُوعٌ مِنْهُ إذْ حُرْمَةُ الْمَسْجِدِ تَأْبَى اتِّخَاذَهُ حَانُوتًا . وَفَرَّقَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْفَتَاوَى الْمَوْصِلِيَّةِ بَيْنَ الْحِرَفِ فَقَالَ : لَا يَجُوزُ أَنْ تُعْمَلَ فِيهِ صَنْعَةٌ خَسِيسَةٌ تُزْرِي بِهِ قَالَ : وَأَمَّا الْكِتَابَةُ وَغَيْرُهَا مِمَّا لَا يُزْرِي ، فَإِنَّهُ إنَّمَا يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَتَبَذَّلَ ابْتِذَالَ الْحَوَانِيتِ ، وَهَذِهِ التَّفْرِقَةُ حَسَنَةٌ وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْمَسَاجِدَ لَا يُفْعَلُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا إلَّا أَنْ تَدْعُوا ضَرُورَةٌ أَوْ حَاجَةٌ إلَى ذَلِكَ فَيَتَقَدَّرُ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ فَقَطْ كَنَوْمِ الْغَرِيبِ فِيهِ وَأَكْلِهِ . ( الْخَامِسَةَ عَشَرَ ) قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ : فِيهِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ فِي مَنْعِ إدْخَالِ الْمَيِّتِ الْمَسَاجِدَ وَتَنْزِيهِهَا عَنْ الْأَقْذَارِ جُمْلَةً فَلَا يُقَصُّ فِيهَا شَعْرٌ وَلَا ظُفْرٌ وَلَا يُتَسَوَّكُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْقَذَرِ وَلَا يُتَوَضَّأُ فِيهَا وَلَا يُؤْكَلُ فِيهَا طَعَامٌ مُنْتِنُ الرَّائِحَةِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا فِي هَذَا الْمَعْنَى انْتَهَى . ( قُلْت ) : وَمَا أَدْرِي مَا وَجْهُ الدَّلَالَةِ ، وَمَا وَجْهُ جَعْلِ الْمَيِّتِ قَذِرًا إذَا لَمْ يُخْشَ تَلْوِيثُهُ لِلْمَسْجِدِ ، وَقَدْ { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ابْنَيْ بَيْضَاءَ فِي الْمَسْجِدِ } كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحِ وَأَيْضًا ، فَإِنَّمَا يَحْرُمُ رَمْيُ الشَّعْرِ وَالْقُلَامَةِ فِيهِ ، فَأَمَّا قَصُّهُ وَعَدَمُ إلْقَائِهِ فِي الْمَسْجِدِ وَإِخْرَاجُهُ فَلَا قَذَارَةَ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ السِّوَاكُ ، وَلَوْ سَلِمَ مِنْ بَابِ إزَالَةِ الْقَاذُورَاتِ فَهُوَ لَا يُلْقِيهِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَإِنَّمَا يُزِيلُهُ فِي السِّوَاكِ ، فَإِذَا كَانَ السِّوَاكُ مَحْفُوظًا مَعَهُ فَلَا بَأْسَ ، وَقَدْ نُدِبَ إلَى السِّوَاكِ لِكُلِّ صَلَاةٍ فَيُؤْمَرُ حَاضِرُ الْمَسْجِدِ أَنْ يَخْرُجَ حَتَّى يَسْتَاكَ خَارِجَ الْمَسْجِدِ ؟ هَذَا مِمَّا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةَ عَشَرَ ) فِيهِ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيَّةِ فِي تَفْرِيقِهِمْ بَيْنَ الْمَاءِ الْوَارِدِ عَلَى النَّجَاسَةِ فَيُطَهِّرُهَا وَبَيْنَ الْمَاءِ الْوَارِدَةِ عَلَيْهِ النَّجَاسَةُ فَتُنَجِّسُهُ إذَا كَانَ قَلِيلًا أَوْ كَثِيرًا وَتَغَيَّرَ بِهَا وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ أَمَرَ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَى الْبَوْلِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّهُ قَدْ خَالَطَ الْبَوْلَ وَنَهَى عَنْ الْبَوْلِ فِي الْمَاءِ الرَّاكِدِ فَلَوْ اسْتَوَى الْوَارِدُ ، وَالْمَوْرُودُ لَمَا أَمَرَ بِإِيرَادِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَنَهَى عَنْ إيرَادِ النَّجَاسَةِ عَلَى الْمَاءِ . قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ : وَهَذِهِ مُنَاقَضَةٌ إذْ الْمُخَالَطَةُ قَدْ حَصَلَتْ فِي الصُّورَتَيْنِ وَتَفْرِيقُهُمْ بِوُرُودِ الْمَاءِ عَلَى النَّجَاسَةِ وَوُرُودِهَا عَلَيْهِ فَرْقٌ صُورِيٌّ لَيْسَ فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ شَيْءٌ قَالَ : وَلَيْسَ الْبَابُ بَابَ التَّعَبُّدِ بَلْ مِنْ بَابِ عَقْلِيَّةِ الْمَعَانِي ، فَإِنَّهُ مِنْ بَابِ إزَالَةِ النَّجَاسَةِ وَأَحْكَامِهَا قَالَ : ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ مِنْهُمْ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : الْمَاءُ طَهُورٌ لَا يُنَجِّسُهُ شَيْءٌ إلَّا مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ انْتَهَى . وَفِي كَلَامِهِ هَذَا تَعَصُّبٌ وَمُجَازَفَةٌ وَتَسْوِيَتُهُ بَيْنَ الْوَارِدِ وَالْمَوْرُودِ هُوَ الَّذِي لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ . وَقَدْ فَرَّقَ الشَّارِعُ بَيْنَهُمَا فَأَمَرَ بِهَذَا وَنَهَى عَنْ هَذَا فَكَيْفَ يَسْتَوِيَانِ ؟ هَذَا مَا لَا يُعْقَلُ وَلَيْسَ دَفْعُ الْمَاءِ لِلنَّجَاسَةِ بِوُرُودِهِ عَلَيْهَا فِي حُكْمِ صَبِّ النَّجَاسَةِ وَوُرُودِهَا عَلَيْهِ عِنْدَ مَنْ يَعْقِلُ ، وَمَا ذَكَرَ أَنَّهُ يَرُدُّ عَلَيْنَا فَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ بِالِاتِّفَاقِ ؛ لِأَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِيهِ غَيْرُ صَحِيحٍ ، وَمَا اسْتَدْلَلْنَا بِهِ مُتَّفَقٌ عَلَى صِحَّتِهِ فَلَا سَوَاءَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةَ عَشَرَ ) فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي اشْتِرَاطِهِ فِي تَطْهِيرِ الْأَرْضِ حَفْرَ مَا أَصَابَتْهُ النَّجَاسَةُ وَأَنَّهَا لَا تَطْهُرُ بِصَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا وَخَالَفَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَالْجُمْهُورُ فَاكْتَفَوْا بِأَنْ يُصَبَّ عَلَى النَّجَاسَةِ مَا يَغْمُرُهَا مِنْ الْمَاءِ عَمَلًا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَاسْتَدَلَّ لِأَبِي حَنِيفَةَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَعْقِلِ بْنِ مُقْرِنٍ قَالَ صَلَّى أَعْرَابِيٌّ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ فِيهِ وَقَالَ يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذُوا مَا بَالَ عَلَيْهِ مِنْ التُّرَابِ فَأَلْقُوهُ وَهَرِيقُوا عَلَى مَكَانِهِ مَاءً . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَهَذَا مُرْسَلُ ابْنِ مَعْقِلٍ لَمْ يُدْرِكْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ نَقْلُ التُّرَابِ وَاجِبًا فِي التَّطْهِيرِ لَاكْتَفَى بِهِ ، فَإِنَّ الْأَمْرَ بِصَبِّ الْمَاءِ حِينَئِذٍ يَكُونُ زِيَادَةَ تَكْلِيفٍ وَتَعَبٍ مِنْ غَيْرِ مَنْفَعَةٍ تَعُودُ إلَى الْمَقْصُودِ ، وَهُوَ تَطْهِيرُ الْأَرْضِ . ( الثَّامِنَةَ عَشَرَ ) فِيهِ حُجَّةٌ لِأَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي طَهَارَةِ الْأَرْضِ بَعْدَ صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا نُضُوبُ الْمَاءِ وَلَا جَفَافُ الْأَرْضِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مُجَرَّدُ صَبِّ الْمَاءِ عَلَيْهَا لَا يُطَهِّرُهَا إلَّا بِشَرْطِ نُضُوبِ الْمَاءِ لِأَمْرِهِمْ أَنْ لَا يَجْلِسُوا عَلَيْهَا وَلَا يَمْشُوا عَلَيْهَا حَتَّى يَحْصُلَ الشَّرْطُ الَّذِي تَحْصُلُ بِهِ الطَّهَارَةُ وَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إنَّ مَسَاجِدَهُمْ كَانَتْ مَبْطُوحَةً بِالْحَصْبَاءِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الدَّلْوَ إذَا صُبَّ عَلَى الْحَصْبَاءِ لَا يَمْكُثُ عَلَى الْأَرْضِ خُصُوصًا مَعَ حَرَارَةِ أَرْضِهِمْ فَلَمْ يَحْتَجْ أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ ذَلِكَ لِحُصُولِ النُّضُوبِ عَقِبَ الصَّبِّ . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الِاحْتِمَالِ أَنَّ أَمْرَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَطْهِيرِ الْأَرْضِ إذَا أَصَابَتْهَا النَّجَاسَةُ أَمْرُ تَشْرِيعٍ يَعْلَمُونَ مِنْهُ عُمُومَ الْحُكْمِ فِي الْأَرَاضِيِ كُلِّهَا فَلَوْ كَانَ حُكْمُ بَعْضِ الْأَرْضِ مُخَالِفًا لِبَعْضِهَا لَبَيَّنَ ذَلِكَ لَهُمْ لِئَلَّا يَظُنُّوا أَنَّ الْحُكْمَ مُسْتَوٍ فِي الْأَرْضِ الْمَبْطُوحَةِ بِالْحَصْبَاءِ وَغَيْرِهَا مِمَّا يَتَأَخَّرُ نُضُوبُ الْمَاءِ فَلَمَّا لَمْ يُبَيِّنْ لَهُمْ ذَلِكَ كَانَ الْحُكْمُ فِي سَائِرِ الْأَرَاضِيِ عَلَى الْعُمُومِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( التَّاسِعَةَ عَشَرَ ) فِيهِ أَنَّ غُسَالَةَ النَّجَاسَةِ طَاهِرَةٌ ؛ لِأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ نَجِسَةً لَمَا جَازَ إبْقَاؤُهَا فِي الْمَسْجِدِ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْبَوْلَ قَدْ اخْتَلَطَ بِإِجْزَاءِ الْمَاءِ وَلَكِنْ لَمَّا حَصَلَتْ الْغَلَبَةُ لِلْمَاءِ بِكَثْرَتِهِ وَوُرُودِهِ بَطَلَ حُكْمُ النَّجَاسَةِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا بِشَرْطِ عَدَمِ تَغَيُّرِهَا وَبِشَرْطِ طَهَارَةِ الْمَحَلِّ ، فَإِنْ تَغَيَّرَتْ كَانَتْ نَجِسَةً إجْمَاعًا ، وَإِنْ لَمْ يَطْهُرْ الْمَحَلُّ بِأَنْ كَانَ فِي الْمَحَلِّ نَجَاسَةٌ عَيْنِيَّةٌ كَالدَّمِ وَنَحْوِهِ فَلَمْ يُزِلْهَا الْمَاءُ وَانْفَصَلَ عَنْهَا ، وَهِيَ بَاقِيَةٌ ، فَإِنَّهُ نَجِسٌ أَيْضًا وَزَادَ الرَّافِعِيُّ شَرْطًا آخَرَ ، وَهُوَ أَلَّا يَزْدَادَ وَزْنُ الْغُسَالَةِ بَعْدَ انْفِصَالِهِ عَلَى قَدْرِهِ قَبْلَ غَسْلِ النَّجَاسَةِ بِهِ . وَأَشَارَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ إلَى اعْتِبَارِ إسْقَاطِ مَا يَشْرَبُهُ الْمَغْسُولُ مِنْ الْمَاءِ ، وَهُوَ وَاضِحٌ ، وَفِيهِ قَوْلٌ مُخَرَّجٌ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّ الْغُسَالَةَ نَجِسَةٌ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يَكُونَ قُلَّتَيْنِ وَفِي قَوْلٍ قَدِيمٍ لَهُ : إنَّ الْغُسَالَةَ طَاهِرَةٌ مُطَهِّرَةٌ أَيْضًا مَا لَمْ تَتَغَيَّرْ وَحَكَى النَّوَوِيُّ هَذَا الْخِلَافَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وُجُوهًا ، وَإِنَّمَا هُوَ أَقْوَالٌ كَمَا صَدَّرَ بِهِ الرَّافِعِيُّ كَلَامَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْفَائِدَةُ الْعِشْرُونَ ) أَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنْ يُصَبَّ عَلَى الْبَوْلِ ذَنُوبٌ أَوْ سَجْلٌ هَلْ هُوَ بَيَانٌ لِلْمِقْدَارِ الَّذِي لَا يَكْفِي فِي بَوْلِ الْوَاحِدِ غَيْرُهُ أَوْ الْمُعْتَبَرُ غَلَبَةُ الْمَاءِ عَلَى الْبَوْلِ ، وَأَنْ يَصِيرَ الْبَوْلُ مَغْمُورًا مُسْتَهْلَكًا فِيهِ ؟ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَالْمُعْتَبَرُ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ الْمَصْبُوبُ عَلَى الْمَوْضِعِ غَالِبًا عَلَى النَّجَاسَةِ غَامِرًا لَهَا وَلَا تَقْدِيرَ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ، وَفِيهِ وَجْهَانِ آخَرَانِ رُوِيَا عَلَى غَيْرِ ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ سَبْعَةَ أَضْعَافِ الْبَوْلِ ، وَالثَّانِي : يَجِبُ أَنْ يُصَبَّ عَلَى بَوْلِ الْوَاحِدِ ذَنُوبٌ وَعَلَى بَوْلِ الِاثْنَيْنِ ذَنُوبَانِ ، وَعَلَى هَذَا أَبَدًا وَتَعَقَّبَهُ صَاحِبُ الْمُهِمَّاتِ بِأَنَّ التَّقْدِيرَ بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ فِيهِ بُعْدٌ لَا سِيَّمَا الثَّانِي فَتَأَمَّلْهُ انْتَهَى . ( قُلْت ) : وَمَا اسْتَبْعَدَهُ شَيْخُنَا قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ فَقَالَ مَا نَصُّهُ : فَإِذَا بِيلَ عَلَى الْأَرْضِ وَكَانَ الْبَوْلُ رَطْبًا مَكَانَهُ أَوْ نَشَّفَتْهُ الْأَرْضُ وَكَانَ مَوْضِعُهُ يَابِسًا فَصُبَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ مَا يَغْمُرُهُ حَتَّى يَصِيرَ مُسْتَهْلَكًا فِي التُّرَابِ ، وَالْمَاءُ جَارِيًا عَلَى مَوَاضِعِهِ كُلِّهَا مُزِيلًا لِرِيحِهِ وَلَا يَكُونُ لَهُ جَسَدٌ قَائِمٌ وَلَا شَيْءٌ فِي مَعْنَى جَسَدٍ مِنْ رِيحٍ أَوْ لَوْنٍ فَقَدْ طَهُرَ وَأَقَلُّ قَدْرِ ذَلِكَ مَا يُحِيطُ الْعِلْمَ أَنَّهُ كَالدَّلْوِ الْكَبِيرِ عَلَى بَوْلِ الرَّجُلِ ، وَإِنْ كَثُرَ ، وَذَلِكَ أَكْثَرُ مِنْهُ أَضْعَافًا لَا شَكَّ فِي أَنَّ ذَلِكَ سَبْعُ مَرَّاتٍ أَوْ أَكْثَرُ لَا يُطَهِّرُهُ شَيْءٌ غَيْرُهُ . قَالَ : فَإِنْ بَالَ عَلَى بَوْلِ الْوَاحِدِ آخَرُ لَمْ يُطَهِّرْهُ إلَّا دَلْوَانِ ، فَإِنْ بَالَ اثْنَانِ مَعَهُ لَمْ يُطَهِّرْهُ إلَّا ثَلَاثَةٌ ، فَإِنْ كَثُرُوا لَمْ يَطْهُرْ الْمَوْضِعُ حَتَّى يُفْرَغَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ مَا يُعْلَمُ أَنْ قَدْ صُبَّ مَكَانَ كُلِّ رَجُلٍ دَلْوٌ عَظِيمٌ أَوْ كَبِيرٌ هَذِهِ عِبَارَتُهُ فِي الْأُمِّ وَمِنْهَا نَقَلْت فَقَدْ نَصَّ عَلَى أَنَّ أَقَلَّ مَا يُطَهِّرُ بَوْلَ الرَّجُلِ دَلْوٌ كَبِيرٌ ، وَبَوْلَ الرَّجُلَيْنِ دَلْوَانِ وَهَكَذَا وَلَيْسَ ذَلِكَ بِبَعِيدٍ ؛ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْمُكَاثَرَةِ ، وَالْغَلَبَةِ ، وَمَا تَحْصُلُ بِهِ الْمُكَاثَرَةُ ، وَالْغَلَبَةُ عَلَى بَوْلِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ لَا تَحْصُلُ بِهِ الْغَلَبَةُ ، وَالْمُكَاثَرَةُ عَلَى بَوْلِ الِاثْنَيْنِ ، وَالْجَمَاعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ أَنَّ فِيهِ حُجَّةً لِلْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ النَّجَاسَةَ لَا يُطَهِّرُهَا الْجَفَافُ بَلْ الْمَاءُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ، وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ أَيْضًا ، وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى ذَلِكَ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ لَوْ أُخِّرَ فَجَفَّ بِالشَّمْسِ وَالرِّيحِ وَقُلْنَا بِطَهَارَتِهِ بِذَلِكَ جَوَازُ تَأْخِيرِ النَّجَاسَةِ فِي الْمَسْجِدِ ، وَلَوْ لَمْ تَجِبْ الْإِزَالَةُ عَلَى الْفَوْرِ فَقَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ : إنَّمَا بَادَرَ إلَى إزَالَتِهِ خَشْيَةَ تَنَجُّسِ أَحَدٍ بِهِ أَوْ أَنْ يَتَنَقَّلَ بِالْمَشْيِ عَلَيْهِ إلَى مَكَان آخَرَ مِنْ الْمَسْجِدِ . وَقَدْ خَالَفَ زُفَرُ فِي ذَلِكَ أَبَا حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ فَقَالَ لَا تَطْهُرُ بِجَفَافِهَا بِالشَّمْسِ وَالرِّيحِ وَنَاقَضَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ مَا أَصَّلَاهُ فِي طَهَارَتِهِمَا فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ عَنْهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ التَّيَمُّمُ بِذَلِكَ التُّرَابِ مَعَ حُكْمِهِمْ بِطَهَارَتِهِ وَمِمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَائِلُونَ بِطَهَارَةِ النَّجَاسَةِ بِزَوَالِ أَثَرِهَا بِالشَّمْسِ ، وَالرِّيحِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ { كَانَتْ الْكِلَابُ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَكُونُوا يَرُشُّونَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ } . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ زَادَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ تَبُولُ وَتُقْبِلُ وَتُدْبِرُ وَرَوَاهَا أَبُو دَاوُد وَأَجَابَ الْخَطَّابِيُّ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمَسْجِدِ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ تُقْبِلُ وَتُدْبِرُ لَا بِقَوْلِهِ تَبُولُ يُرِيدُ أَنَّهَا كَانَتْ تَبُولُ وَرُبَّمَا تَرَشَّشَتْ بِالْبَوْلِ وَتُقْبِلُ مَعَ ذَلِكَ وَتُدْبِرُ فِي الْمَسْجِدِ ، وَإِنَّمَا لَمْ يَكُونُوا يَغْسِلُونَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ لَا نَجَاسَةَ بَيْنَ جَافَّيْنِ وَلَمْ يُنْقَلْ لَنَا أَنَّهَا مَرَّتْ فِي حَالِ الْبَلَلِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي أَجْسَادِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الْمُنْذِرِيُّ : وَإِنَّمَا إقْبَالُهَا وَإِدْبَارُهَا فِي أَوْقَاتٍ نَادِرَةٍ وَلَمْ يَكُنْ عَلَى الْمَسْجِدِ أَبْوَابٌ تَمْنَعُ مِنْ عُبُورِهَا فِيهِ ( الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) قَوْلُهُ : دَلْوًا مِنْ مَاءٍ أَوْ سَجْلًا وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ ذَنُوبًا مِنْ مَاءٍ فَأَتَى بِالذَّنُوبِ مَوْضِعَ الدَّلْوِ وَهَلْ الْمَجْمُوعُ مِنْ لَفْظِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَّهُ خَيْرُ الْمَأْمُورِ بَيْنَ السَّجْلِ ، وَالذَّنُوبِ أَوْ أَنَّ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ أَحَدُهُمَا فَقَطْ تَشُكُّ بَعْضُ الرُّوَاةِ ؟ . وَالظَّاهِرُ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي بِدَلِيلِ رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد صُبُّوا عَلَيْهِ سَجْلًا مِنْ مَاءٍ أَوْ قَالَ ذُنُوبًا مِنْ مَاءٍ ، وَإِذَا كَانَ ذَلِكَ شَكًّا مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ فَالرَّاجِحُ فِيهِ ذِكْرُ الذَّنُوبِ ؛ لِأَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ، وَكَذَلِكَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ذِكْرُ الدَّلْوِ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِسَجْلٍ مِنْ مَاءٍ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ . وَكَذَلِكَ فِي حَدِيثِ وَاثِلَةَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ ، وَالذَّنُوبُ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ النُّونِ ، وَهِيَ الدَّلْوُ الْمَمْلُوءَةُ مَاءً وَقِيلَ هُوَ الدَّلْوُ الْعَظِيمُ وَقِيلَ لَا يُسَمَّى ذَنُوبًا حَتَّى يَكُونَ فِيهَا مَاءٌ ، وَالسَّجْلُ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ الدَّلْوُ الْمَلْأَى مَاءً أَيْضًا وَفِي الدَّلْوِ لُغَتَانِ التَّذْكِيرُ ، وَالتَّأْنِيثُ . كِتَابُ الصَّلَاةِ عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ تَرْكُ الصَّلَاةِ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ { الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ } وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ ، وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ } كِتَابُ الصَّلَاةِ عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ تَرْكُ الصَّلَاةِ فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ بِلَفْظِ { الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ } ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ وَبَيْنَهُمْ يَعُودُ عَلَى الْكُفَّارِ أَوْ الْمُنَافِقِينَ مَعْنَاهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْكَافِرِينَ ، وَالْمُنَافِقِينَ تَرْكُ الصَّلَاةِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ أَصْحَابِ السُّنَنِ { الْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ الصَّلَاةُ } فَالْمُرَادُ أَنَّهُمْ مَا دَامُوا يُصَلُّونَ فَالْعَهْدُ الَّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ حَقْنِ الدَّمِ بَاقٍ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي حَدِيثِ أُمِّ أَيْمَنَ { : مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ وَلَمْ يَقُلْ وَرَسُولُهُ ، وَهُوَ كَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { نُهِيتُ عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ { رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ فِي مَجْلِسٍ فَسَارَّهُ يَسْتَأْذِنُهُ فِي قَتْلِ رَجُلٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَجَهَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَالَ الْأَنْصَارِيُّ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا شَهَادَةَ لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَلَيْسَ يَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا شَهَادَةَ لَهُ قَالَ : أَلَيْسَ يُصَلِّي ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا صَلَاةَ لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُولَئِكَ الَّذِينَ نَهَانِي اللَّهُ عَنْ قَتْلِهِمْ } رَوَى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَرَوْنَ شَيْئًا مِنْ الْأَعْمَالِ تَرْكُهُ كُفْرٌ غَيْرَ الصَّلَاةِ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ حُجَّةٌ لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَابْنُ حَبِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ يَكْفُرُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جَاحِدًا لَهَا ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، وَمِنْ حُجَّتِهِمْ أَيْضًا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { بَيْنَ الرَّجُلِ وَبَيْنَ الشِّرْكِ ، وَالْكُفْرِ تَرْكُ الصَّلَاةِ } . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ الرَّقَاشِيِّ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَيْسَ بَيْنَ الْعَبْدِ ، وَالْكُفْرِ أَوْ الشِّرْكِ إلَّا تَرْكُ الصَّلَاةِ } . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ بِلَفْظِ { مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ } . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : { أَوْصَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعِ خِلَالٍ فَقَالَ لَا تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ شَيْئًا ، وَإِنْ قُطِّعْتُمْ أَوْ حُرِّقْتُمْ أَوْ صُلِبْتُمْ وَلَا تَتْرُكُوا الصَّلَاةَ مُتَعَمِّدِينَ فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْمِلَّةِ } الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ . وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : { أَوْصَانِي خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا أُشْرِكَ بِاَللَّهِ شَيْئًا ، وَإِنْ حُرِّقْت ، وَأَنْ لَا أَتْرُكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً مُتَعَمِّدًا فَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ } وَفِي إسْنَادِهِ شَهْرُ بْنُ حَوْشَبٍ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : إنَّهُ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ أُمَيْمَةَ بِنْتِ رَقِيقَةَ . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي أَكْبَرِ مَعَاجِمِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا أَعْلَمُهُ إلَّا رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { بُنِيَ الْإِسْلَامُ عَلَى خَمْسٍ الْحَدِيثَ فَذَكَرَ مِنْهَا الصَّلَاةَ ، ثُمَّ قَالَ : فَمَنْ تَرَكَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ كَانَ كَافِرًا حَلَالَ الدَّمِ } وَرَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ ذَكَرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا فَقَالَ : مَنْ حَافَظَ عَلَيْهَا كَانَتْ لَهُ نُورًا وَبُرْهَانًا وَنَجَاةً إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ لَمْ يُحَافِظْ عَلَيْهَا لَمْ يَكُنْ لَهُ نُورٌ وَلَا بُرْهَانٌ وَلَا نَجَاةٌ وَكَانَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيُّ بْنِ خَلَفٍ } . وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِتَرْكِ الصَّلَاةِ إذَا كَانَ غَيْرَ جَاحِدٍ لِوُجُوبِهَا ، وَهُوَ قَوْلُ بَقِيَّةِ الْأَئِمَّةِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَيْضًا وَأَجَابُوا عَمَّا صَحَّ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ بِأَجْوِبَةٍ مِنْهَا : أَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ يَسْتَحِقُّ عُقُوبَةَ الْكَافِرِ وَهِيَ الْقَتْلُ . ( وَالثَّانِي ) أَنَّهَا مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ اسْتَحَلَّ تَرْكَهَا مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ ، . ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّ ذَلِكَ قَدْ يَئُولَ بِفَاعِلِهِ إلَى الْكُفْرِ كَمَا قِيلَ : الْمَعَاصِي بَرِيدُ الْكُفْرِ . ( وَالرَّابِعُ ) أَنَّ فِعْلَهُ فِعْلُ الْكُفَّارِ وَلَمْ يَصِحَّ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ غَيْرُ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَحَدِيثِ جَابِرٍ . وَأَمَّا حَدِيثُ أَنَسٍ فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ الْأَشْبَهِ بِالصَّوَابِ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ مُرْسَلًا ، وَحَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ تَقَدَّمَ تَضْعِيفُهُ ، وَحَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الَّذِي قَالَ فِيهِ : فَقَدْ خَرَجَ مِنْ الْمِلَّةِ فَالرَّاوِي لَهُ عَنْ عُبَادَةَ سَلَمَةُ بْنُ شُرَيْحٍ ، وَهُوَ مَجْهُولٌ قَالَهُ صَاحِبُ الْمِيزَانِ . وَقَالَ ابْنُ يُونُسَ فِي تَارِيخِ مِصْرَ : وَلَا يُحَدِّثُ عَنْ سَلَمَةَ غَيْرُ يَزِيدَ بْنِ قُوذٍ ، وَفِيهِ أَيْضًا مَنْ يَحْتَاجُ إلَى الْكَشْفِ عَنْ حَالِهِ ، وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ شَكَّ الرَّاوِي لَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَفْعِهِ ، وَهُوَ أَبُو الْجَوْزَاءِ الرَّبَعِيُّ ، وَحَدِيثُ أُمِّ أَيْمَنَ تَقَدَّمَ أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ وَحَدِيثُ مُعَاذٍ فِي إسْنَادِهِ عَمْرُو بْنُ وَاقِدٍ ، وَهُوَ الدِّمَشْقِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ قَالَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَهُوَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ مُعَاذٍ ، وَقَدْ قَالَ أَبُو زُرْعَةَ إنَّهُ لَمْ يَصِحَّ سَمَاعُهُ مِنْهُ . وَكَذَا قَالَ الزُّهْرِيُّ إنَّهُ فَاتَهُ مُعَاذٌ وَأَثْبَتَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ سَمَاعَهُ مِنْهُ ، وَكَذَا قَالَ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ أَدْرَكَهُ ، وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَهُوَ ، وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَعَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَأُبَيُّ بْنِ خَلَفٍ أَنْ يَكُونَ مُخَلَّدًا فِي النَّارِ مَعَهُمْ بَلْ قَدْ يُعَذَّبُ مَعَهُمْ فِي النَّارِ وَيَخْرُجُ بِالشَّفَاعَةِ أَوْ يُغْفَرُ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) احْتَجَّ الْجُمْهُورُ عَلَى عَدَمِ تَكْفِيرِ تَارِكِ الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ جُحُودٍ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } وَبِأَحَادِيثَ صَحِيحَةٍ مِنْهَا حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : سَمِعْت رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { خَمْسُ صَلَوَاتٍ فَرَضَهُنَّ اللَّهُ مَنْ أَحْسَنَ وُضُوءَهُنَّ وَصَلَّاهُنَّ لِوَقْتِهِنَّ وَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَخُشُوعَهُنَّ كَانَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَيْسَ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ عَهْدٌ إنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ . وَمِنْهَا حَدِيثُ عُبَادَةَ أَيْضًا فِي الصَّحِيحَيْنِ { مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ، وَأَنَّ عِيسَى عَبْدُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ ، وَالْجَنَّةَ ، وَالنَّارَ حَقٌّ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ عَلَى مَا كَانَ مِنْ عَمَلٍ } ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { مَنْ شَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ حَرَّمَ عَلَيْهِ النَّارَ } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ مَالِكٍ { لَا يَشْهَدُ أَحَدٌ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنِّي رَسُولُ اللَّهِ فَيَدْخُلَ النَّارَ أَوْ تَطْعَمَهُ النَّارُ } وَفِي الصَّحِيحِ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ( الرَّابِعَةُ ) الْأَلِفُ ، وَاللَّامُ فِي الصَّلَاةِ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا لِلْجِنْسِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لِلْعَهْدِ ، وَهُوَ أَظْهَرُ ، وَإِذَا كَانَتْ لِلْعَهْدِ فَالْمُرَادُ الصَّلَاةُ الْمَعْهُودَةُ ، وَهِيَ الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ، ثُمَّ هَلْ يُصَدَّقُ التَّرْكُ لَهَا بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ يَتَوَقَّفُ عَلَى تَرْكِ الْخَمْسِ وَيَنْبَنِي عَلَى ذَلِكَ مَا وَقَعَ مِنْ الْخِلَافِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّهُ هَلْ يُقْتَلُ بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ أَكْثَرَ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ يُقْتَلُ بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ إذَا أَخْرَجَهَا عَنْ آخِرِ وَقْتِهَا ، وَمِمَّنْ حَكَاهُ عَنْ الْجُمْهُورِ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ وَيَدُلُّ لَهُمْ حَدِيثُ { مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا فَقَدْ كَفَرَ } . وَقَدْ تَقَدَّمَ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِيهِ اخْتِلَافٌ كَثِيرٌ وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ خَمْسَةَ أَوْجُهٍ قَالَ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ اسْتِحْقَاقُ الْقَتْلِ بِتَرْكِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ ، فَإِذَا تَضَيَّقَ وَقْتَهَا طَالَبْنَاهُ بِفِعْلِهَا وَقُلْنَا لَهُ : إنْ أَخْرَجْتهَا عَنْ وَقْتِهَا قَتَلْنَاك ، فَإِذَا أَخْرَجَهَا عَنْ وَقْتِهَا فَقَدْ اسْتَوْجَبَ الْقَتْلَ وَلَا يُعْتَبَرُ بِضِيقِ وَقْتِ الثَّانِيَةِ ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ إنَّهُ إنَّمَا يَسْتَوْجِبُ الْقَتْلَ إذَا ضَاقَ وَقْتُ الثَّانِيَةِ ، وَعَنْ الْإِصْطَخْرِيِّ لَا يُقْتَلُ حَتَّى يَتْرُكَ ثَلَاثَ صَلَوَاتٍ وَيَضِيقَ وَقْتُ الرَّابِعَةِ وَعَنْهُ أَنَّهُ إنَّمَا يَسْتَوْجِبُ الْقَتْلَ إذَا تَرَكَ أَرْبَعَ صَلَوَاتٍ وَامْتَنَعَ عَنْ الْقَضَاءِ ، وَعَنْهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِعَدَدٍ وَلَكِنْ إذَا تَرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ قَدْرَ مَا يَظْهَرُ لَنَا اعْتِيَادُهُ لِلتَّرْكِ . قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَالْمَذْهَبُ الْأَوَّلُ . قَالَ : وَالِاعْتِبَارُ بِإِخْرَاجِ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِ الْعُذْرِ ، وَالضَّرُورَةِ ، فَإِذَا تَرَكَ الظُّهْرَ لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، وَإِذَا تَرَكَ الْمَغْرِبَ لَمْ يُقْتَلْ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ حَكَاهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَتَابَعَهُ الْأَئِمَّةُ عَلَيْهِ . ( الْخَامِسَةُ ) فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيِّ حَيْثُ ذَهَبَا إلَى أَنَّهُ لَا يُقْتَلُ تَارِكُ الصَّلَاةِ بَلْ يُحْبَسُ وَيُعَزَّرُ إلَى أَنْ يُصَلِّيَ ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ مُقْتَضٍ لِلْقَتْلِ ، وَإِنَّمَا لَمْ نَقُلْ بِالتَّكْفِيرِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَدِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِعَدَمِ تَكْفِيرِهِ فَحَمَلْنَا الْكُفْرَ عَلَى أَنَّ عُقُوبَتَهُ عُقُوبَةُ الْكَافِرِ ، وَهُوَ الْقَتْلُ وَيَدُلُّ لِلْقَائِلِينَ بِقَتْلِهِ حَدِيثُ { نُهِيت عَنْ قَتْلِ الْمُصَلِّينَ } ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ : فَمَنْ تَرَكَهَا فَقَدْ كَفَرَ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالتَّرْكِ هُنَا عُمُومُ التَّرْكِ بَلْ الْمُرَادُ التَّرْكُ عَمْدًا قَطْعًا عَلَى قَوْلِ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَقَوْلِ مَنْ تَأَوَّلَهُ أَيْضًا ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَائِدَةِ الثَّانِيَةِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { لَيْسَ فِي النَّوْمِ تَفْرِيطٌ إنَّمَا التَّفْرِيطُ عَلَى مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصَّلَاةَ حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى } وَقَوْلُهُ { رُفِعَ عَنْ أُمَّتِي الْخَطَأُ ، وَالنِّسْيَانُ } ، وَقَوْلُهُ { : مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا لَا وَقْتَ لَهَا إلَّا ذَلِكَ } . ( السَّابِعَةُ ) اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِقَتْلِ تَارِكِ الصَّلَاةِ هَلْ يُسْتَتَابُ أَمْ لَا ؟ وَفِيهِ قَوْلَانِ لِلْمَالِكِيَّةِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ الْمُفْهِمِ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ : إنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِتَابَةِ قَبْلَ الْقَتْلِ وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي التَّحْقِيقِ أَنَّهُ تُنْدَبُ الِاسْتِتَابَةُ وَلَا تَجِبُ وَقِيلَ تَجِبُ ، وَهَذَا لَيْسَ بِجَيِّدٍ ، فَإِنَّ هَذَا الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِي الِاسْتِتَابَةِ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ أَوْ فِي الْحَالِ ، فِيهِ قَوْلَانِ . وَهَذَا الْخِلَافُ فِي الِاسْتِحْبَابِ كَمَا صَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ أَمَّا وُجُوبُ الِاسْتِتَابَةِ فَلَمْ يَحْكِ فِيهِ الرَّافِعِيُّ خِلَافًا فِي الصَّلَاةِ ، وَإِنْ كَانَ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْوُجُوبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ اسْتَشْكَلَ بَعْضُ مَشَايِخِنَا سُقُوطَ الْقَتْلِ بِالتَّوْبَةِ فِي حَقِّ تَارِكِ الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُقْتَلُ حَدًّا لَا كُفْرًا ، وَالتَّوْبَةُ لَا تُسْقِطُ الْحُدُودَ كَمَنْ سَرَقَ نِصَابًا ، ثُمَّ رَدَّهُ إلَى صَاحِبِهِ ، فَإِنَّ الْحَدَّ لَا يَسْقُطُ . ( الثَّامِنَةُ ) الصَّلَاةُ الْمَتْرُوكَةُ عَمْدًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا اخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ قَضَائِهَا فَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ إلَى وُجُوبِ قَضَائِهَا وَذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا ؛ لِأَنَّ الْقَضَاءَ إنَّمَا يَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ ، وَقَدْ قَيَّدَ الشَّارِعُ الْمَأْمُورَ بِالْقَضَاءِ بِالنَّائِمِ ، وَالنَّاسِي فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا } ، وَهَذَا مَفْهُومُ شَرْطٍ ، وَهُوَ حُجَّةٌ عَلَى الرَّاجِحِ عِنْدَ الْأُصُولِيِّينَ . وَاخْتَارَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ كَقَوْلِ ابْنِ حَزْمٍ وَبَالَغَ ابْنُ حَزْمٍ فِي كِتَابٍ لَهُ سَمَّاهُ الْأَعْرَابُ فَادَّعَى فِيهِ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهَا لَا تُقْضَى وَنَاقَضَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ فَادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى الْقَضَاءِ خِلَافًا لِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ هَذَا الظَّاهِرِيُّ وَاسْتَدَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْقَضَاءِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { : سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ، ثُمَّ اجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ نَافِلَةً } فَأَمَرَ بِالصَّلَاةِ مَعَهُمْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ صَحِيحَةٍ لَمَا أَمَرَ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ وَحَمَلَ الْعُلَمَاءُ حَدِيثَ مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا عَلَى أَنَّهُ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ حَتَّى لَقَدْ بَلَغَنِي عَنْ بَعْضِ عُلَمَاءِ الْمَغْرِبِ فِيمَا حَكَاهُ لِي صَاحِبُنَا الشَّيْخُ الْإِمَامُ أَبُو الطَّيِّبِ الْمَغْرِبِيُّ أَنَّهُ تَكَلَّمَ يَوْمًا فِي تَرْكِ الصَّلَاةِ عَمْدًا ، ثُمَّ قَالَ : وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا فَرَضَهَا الْعُلَمَاءُ وَلَمْ تَقَعْ ؛ لِأَنَّ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ لَا يَتَعَمَّدُ تَرْكَ الصَّلَاةِ وَكَانَ ذَلِكَ الْعَالَمُ غَيْرَ مُخَالِطٍ لِلنَّاسِ وَنَشَأَ عِنْدَ أَبِيهِ مُشْتَغِلًا بِالْعِلْمِ مِنْ صِغَرِهِ حَتَّى كَبِرَ وَدَرَسَ فَقَالَ ذَلِكَ فِي دَرْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِي الْحَدِيثِ إنَّهُ نَبَّهَ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى كَقَوْلِهِ { وَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ } فَإِذَا أُمِرَ الْمَعْذُورُ بِالْقَضَاءِ فَأَوْلَى أَنْ يُؤْمَرَ بِهِ مَنْ تَعَدَّى بِالتَّأْخِيرِ كَمَنْ أَخَّرَ حَقًّا عَلَيْهِ عَنْ وَقْتِهِ وَدِينُ اللَّهِ أَحَقُّ بِالْقَضَاءِ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ . وَقَدْ يُقَالُ : إنَّمَا قُيِّدَ الْقَضَاءُ بِالنَّائِمِ ، وَالنَّاسِي فِي الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ وَاجِبَهُ الْإِتْيَانَ بِهِ إذَا ذَكَرَ مَا نَسِيَهُ أَوْ نَامَ وَلَا كَذَلِكَ التَّارِكُ عَمْدًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَدَّدُ لَهُ ذِكْرٌ بَعْدَ النِّسْيَانِ فَصَارَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إنْ أَرَدْنَ تَحَصُّنًا } فَإِنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ لَيْسَ مَعْمُولًا بِهِ لَا نَهْيَ إذَا لَمْ يُرِدْنَ التَّحَصُّنَ فَلَا إكْرَاهَ حِينَئِذٍ بَلْ زِنَاهُنَّ اخْتِيَارِيٌّ فَلَا يَصِحُّ أَنْ تُؤْمَرَ السَّادَاتُ بِصِيغَةِ الْإِكْرَاهِ إذْ لَا إكْرَاهَ حِينَئِذٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . بَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ } وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَبْرِدُوا عَنْ الْحَرِّ فِي الصَّلَاةِ } فَذَكَرَهُ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ذِكْرٌ لِلظُّهْرِ فَيَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ الْإِبْرَادُ بِالْجُمُعَةِ وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ } يَعْنِي الْجُمُعَةَ وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ { أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ } ؛ وَفِي عِلَلِ الْخَلَّالُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ " مِنْ فَوْحِ جَهَنَّمَ " قَالَ أَحْمَدُ : لَا أَعْرِفُ أَحَدًا قَالَ فَوْحُ غَيْرَ الْأَعْمَشِ وَلِلشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ { أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبْرِدْ أَبْرِدْ ، وَقَالَ : انْتَظِرْ انْتَظِرْ ، وَقَالَ : شِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ ، حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ } ، وَفِي طَرِيقٍ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي سَفَرٍ وَفِيهِ حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ . ( بَابُ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ ) عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ } . وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَبْرِدُوا عَنْ الْحَرِّ فِي الصَّلَاةِ } فَذِكْرُهُ ، فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْإِبْرَادِ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ وَهُوَ تَأْخِيرُهَا إلَى أَنْ يَبْرُدَ الْوَقْتُ وَيَنْكَسِرَ وَهَجُ الْحَرِّ ، وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ ، وَالْخَلَفِ لَكِنَّ أَكْثَرَ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى اخْتِصَاصِ الْإِبْرَادِ بِالْجَمَاعَةِ . فَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَتَقْدِيمُ الصَّلَاةِ فِي حَقِّهِ أَفْضَلُ ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ : إنَّهُ يَخْتَصُّ الْإِبْرَادُ بِالْجَمَاعَةِ وَحَكَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الظُّهْرَ تُصَلَّى إذَا فَاءَ الْفَيْءُ ذِرَاعًا فِي الشِّتَاءِ ، وَالصَّيْفِ لِلْجَمَاعَةِ ، وَالْمُنْفَرِدِ عَلَى مَا كَتَبَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إلَى عُمَّالِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَغَيْرُهُ مَعْنَى كِتَابِ عُمَرَ مَسَاجِدُ الْجَمَاعَةِ فَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَأَوَّلُ الْوَقْتِ أَوْلَى بِهِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَإِلَى هَذَا مَالَ الْفُقَهَاءُ الْمَالِكِيُّونَ مِنْ الْبَغْدَادِيِّينَ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ انْتَهَى . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْإِبْرَادُ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ بِشُرُوطٍ : ( الْأَوَّلُ ) أَنْ يَكُونَ فِي بَلَدٍ حَارٍّ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَغَيْرُهُ يُسْتَحَبُّ فِي الْبِلَادِ الْمُعْتَدِلَةِ ، وَالْبَارِدَةِ أَيْضًا إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ . ( الثَّانِي ) أَنْ تُصَلَّى فِي جَمَاعَةٍ فَلَوْ صَلَّى مُنْفَرِدًا فَتَقْدِيمُ الصَّلَاةِ لَهُ أَفْضَلُ . ( الثَّالِثُ ) أَنْ يَقْصِدَ النَّاسُ الْجَمَاعَةَ مِنْ بُعْدٍ فَلَوْ كَانُوا مُجْتَمَعِينَ فِي مَوْضِعٍ صَلَّوْا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ . ( الرَّابِعُ ) أَنْ لَا يَجِدُوا كِنًّا يَمْشُونَ تَحْتَهُ يَقِيهِمْ الْحَرَّ ، فَإِنْ اخْتَلَّ شَرْطٌ مِنْ هَذِهِ الشُّرُوطِ فَالتَّقْدِيمُ أَفْضَلُ وَقَالَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ بْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي : ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ اسْتِحْبَابُ الْإِبْرَادِ بِهَا عَلَى كُلِّ حَالٍ قَالَ الْأَثْرَمُ : وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ سَوَاءٌ يُسْتَحَبُّ تَعْجِيلُهَا فِي الشِّتَاءِ ، وَالْإِبْرَادُ بِهَا فِي الْحَرِّ ، وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ لِظَاهِرِ قَوْلِهِ : إذَا اشْتَدَّ الْحَرَّ فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ ، وَهَذَا عَامٌّ . وَقَالَ الْقَاضِي : إنَّمَا يُسْتَحَبُّ الْإِبْرَادُ بِثَلَاثِ شَرَائِطَ شِدَّةُ الْحَرِّ ، وَأَنْ يَكُونَ فِي الْبُلْدَانِ الْحَارَّةِ وَمَسَاجِدِ الْجَمَاعَاتِ فَأَمَّا مَنْ صَلَّاهَا فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي مَسْجِدٍ بِفِنَاءِ بَيْتِهِ فَالْأَفْضَلُ تَعْجِيلُهَا وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْجَامِعِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبُلْدَانِ الْحَارَّةِ وَغَيْرِهَا وَلَا بَيْنَ كَوْنِ الْمَسْجِدِ يَنْتَابُهُ النَّاسُ أَوْ لَا ، فَإِنَّ أَحْمَدَ كَانَ يُؤَخِّرُهَا فِي مَسْجِدِهِ وَلَمْ يَكُنْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، وَالْأَخْذُ بِظَاهِرِ الْخَبَرِ أَوْلَى انْتَهَى . وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى عَدَمِ اسْتِحْبَابِ الْإِبْرَادِ مُطْلَقًا وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرٍ وَحَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْهُمْ وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعَلِيٍّ . وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ مُوَافَقَةُ الْجُمْهُورِ . ( الثَّانِيَةُ ) فَاحْتَجَّ مَنْ لَمْ يُعْتَبَرْ فِي اسْتِحْبَابِ الْإِبْرَادِ سِوَى شِدَّةِ الْحَرِّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهَا سِوَى ذَلِكَ وَاسْتَنْبَطَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذِهِ الشُّرُوطَ الَّتِي اعْتَبَرَهَا مِنْ الْحَدِيثِ وَجَعَلَهُ تَخْصِيصًا لِلنَّصِّ بِالْمَعْنَى فَحَكَى عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِبْرَادِ كَانَ بِالْمَدِينَةِ لِشِدَّةِ حَرِّ الْحِجَازِ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْمَدِينَةِ مَسْجِدٌ غَيْرُ مَسْجِدِهِ يَوْمَئِذٍ وَكَانَ يَنْتَابُ مِنْ الْبُعْدِ فَيَتَأَذَّوْنَ بِشِدَّةِ الْحَرِّ فَأَمَرَهُمْ بِالْإِبْرَادِ لِمَا فِي الْوَقْتِ مِنْ السَّعَةِ . حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَاسْتَدَلَّ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ { أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبْرِدْ أَبْرِدْ أَوْ قَالَ : انْتَظِرْ انْتَظِرْ وَقَالَ : شِدَّةُ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ، فَإِذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي صَفَرٍ عَلَى خِلَافِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَقَالَ : لَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ لَمْ يَكُنْ لِلْإِبْرَادِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مَعْنًى لِاجْتِمَاعِهِمْ فِي السَّفَرِ وَكَانُوا لَا يَحْتَاجُونَ إلَى أَنْ يَنْتَابُوا مِنْ الْبُعْدِ انْتَهَى . وَالْجَوَابُ عَمَّا قَالَهُ التِّرْمِذِيُّ أَنَّ اجْتِمَاعَهُمْ فِي السَّفَرِ قَدْ يَكُونُ أَكْثَرَ مَشَقَّةً مِنْهُ فِي الْحَضَرِ ، فَإِنَّهُ يَكُونُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي خِبَائِهِ أَوْ مُسْتَقِرًّا فِي ظِلِّ شَجَرَةٍ أَوْ صَخْرَةٍ وَيُؤْذِيهِ حَرُّ الرَّمْضَاءِ إذَا خَرَجَ مِنْ مَوْضِعِهِ وَلَيْسَ هُنَاكَ ظِلٌّ يَمْشُونَ فِيهِ وَأَيْضًا فَلَيْسَ هُنَاكَ خِبَاءٌ كَبِيرٌ يَجْمَعُهُمْ فَيَحْتَاجُونَ إلَى أَنْ يُصَلُّوا فِي الشَّمْسِ . وَالظَّاهِرُ أَيْضًا أَنَّ أَخْبِيَتَهُمْ كَانَتْ قَصِيرَةً لَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ الْقِيَامِ فِيهَا ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَأْمُرُ مُنَادِيَهُ فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوْ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ أَنْ يَقُولَ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ } فَلَمَّا كَانَ وُجُودُ الْبَرْدِ الشَّدِيدِ أَوْ الْمَطَرِ فِي السَّفَرِ مُرَخِّصًا فِي تَرْكِ الْجَمَاعَةِ كَذَلِكَ وُجُودُ الْحَرِّ الشَّدِيدِ فِي السَّفَرِ مُقْتَضٍ لِلْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ فَأَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ } . وَبِخَبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقُولُ ، وَهُوَ عَلَى الْعُمُومِ لَا سَبِيلَ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْبَعْضِ انْتَهَى . وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ التَّخْصِيصَ إنَّمَا هُوَ بِالْمَعْنَى ، وَالصَّحِيحُ فِي الْأُصُولِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَسْتَنْبِطَ مِنْ النَّصِّ مَعْنًى يُخَصِّصُهُ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ : لَا يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ مَا أَشَارَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ مِنْ تَأَذِّيهِمْ بِالْحَرِّ فِي طَرِيقِهِمْ فَقَدْ تَكُونُ الْعِلَّةُ مَا يَجِدُونَهُ مِنْ حَرِّ الرَّمْضَاءِ فِي جِبَاهِهِمْ فِي حَالَةِ السُّجُودِ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ { : كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالظَّهَائِرِ جَلَسْنَا عَلَى ثِيَابِنَا اتِّقَاءَ الْحَرِّ } وَرَوَاهُ أَبُو عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ بِلَفْظِ سَجَدْنَا بَدَلَ جَلَسْنَا ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ { كُنْت أُصَلِّي الظُّهْرَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآخُذُ قَبْضَةً مِنْ الْحَصَى لِتَبْرُدَ فِي كَفِّي أَضَعُهَا لِجَبْهَتِي أَسْجُدُ عَلَيْهَا لِشِدَّةِ الْحَرِّ } وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحِ { ، فَإِذَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدُنَا أَنْ يُمَكِّنَ جَبْهَتَهُ مِنْ الْأَرْضِ بَسَطَ ثَوْبَهُ فَسَجَدَ عَلَيْهِ } . فَهَذَا هُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَلَمْ نَجِدْ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ شَكَوْا مَشَقَّةَ الْمَسَافَةِ وَلَا بُعْدَ الطَّرِيقِ وَيُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ وَقْتٌ يَفُوحُ فِيهِ حَرُّ جَهَنَّمَ وَلَهِيبُهَا ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ { : فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ } . وَكَوْنُهَا سَاعَةً يَفُوحُ فِيهَا لَهَبُ جَهَنَّمَ وَحَرُّهَا يَقْتَضِي الْكَفَّ عَنْ الصَّلَاةِ كَمَا فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ، فَإِذَا اعْتَدَلَ النَّهَارُ فَأَقْصِرْ يَعْنِي عَنْ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّهَا سَاعَةٌ تُسْجَرُ فِيهَا جَهَنَّمُ . ( الثَّالِثَةُ ) وَاَلَّذِينَ لَمْ يَسْتَحِبُّوا الْإِبْرَادَ مُطْلَقًا أَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ صَلُّوهَا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَخْذًا مِنْ بَرْدِ النَّهَارِ وَهُوَ أَوَّلُهُ . وَيُبْطِلُ هَذَا قَوْلُهُ { : فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ } ؛ لِأَنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الظُّهْرِ أَشَدُّ حَرًّا مِنْ آخِرِهِ ، وَحَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْفَائِدَةِ قَبْلَهَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْإِبْرَادِ التَّأْخِيرُ إلَى وَقْتِ الْبَرْدِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَمَنْ تَأَوَّلَ الْحَدِيثَ عَلَى بَرْدِ النَّهَارِ فَقَدْ خَرَجَ مِنْ جُمْلَةِ قَوْلِ الْأَئِمَّةِ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَسْتَحِبُّوا الْإِبْرَادَ مُطْلَقًا بِالْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى فَضِيلَةِ أَوَّلِ الْوَقْتِ وَبِحَدِيثِ خَبَّابُ { شَكَوْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرَّ الرَّمْضَاءِ فَلَمْ يَشْكُنَا } . وَالْجَوَابُ عَنْ أَحَادِيثِ أَوَّلِ الْوَقْتِ أَنَّهَا عَامَّةٌ فَنُقَدِّمُ عَلَيْهَا هَذَا الْحَدِيثَ لِخُصُوصِهِ ، وَعَنْ حَدِيثِ خَبَّابُ مِنْ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُجِبْهُمْ لِمَا سَأَلُوا وَتَرَكَ شَكْوَاهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يُؤَخِّرُوا الصَّلَاةَ بَعْدَ الْوَقْتِ الَّذِي حَدَّهُ لَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِالْإِبْرَادِ إلَيْهِ وَيَزِيدُوا عَلَى الْوَقْتِ الْمُرَخَّصِ لَهُمْ فِيهِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ حَرَّ الرَّمْضَاءِ الَّذِي يَسْجُدُ لَا يَزُولُ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ كُلِّهِ ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ هَذَا الْجَوَابَ وَقَالَ : إنَّهُ الْأَشْبَهُ يَعْنِي أَشْبَهَ الْأَجْوِبَةَ . ( ثَانِيهَا ) أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَنَحْوَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى التَّقْدِيمِ مَنْسُوخَةٌ بِأَحَادِيثِ الْإِبْرَادِ ؛ لِأَنَّهَا رُوِيَتْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَنَحْوِهِمَا مِمَّنْ تَأَخَّرَ إسْلَامُهُ بِخِلَافِ أَحَادِيثِ التَّعْجِيلِ كَحَدِيثِ خَبَّابُ وَحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { : كُنَّا نُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الظُّهْرِ بِالْهَاجِرَةِ فَقَالَ لَنَا : أَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ } وَرَوَاهُ الطَّحْطَاوِيُّ بِلَفْظِ ، ثُمَّ قَالَ : أَبْرِدُوا وَأَعَلَّهُ أَبُو حَاتِمٍ بِأَنَّهُ رَوَى عَنْ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ قَوْلِهِ وَذَكَرَ الْخَلَّالُ عَنْ الْمَيْمُونِيِّ أَنَّهُمْ ذَاكَرُوا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ حَدِيثَ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ فَقَالَ أَسَانِيدُ جِيَادٌ ، ثُمَّ قَالَ خَبَّابُ يَقُولُ { : شَكَوْنَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَشْكُنَا } ، وَالْمُغِيرَةُ كَمَا تَرَى رَوَى الْقِصَّتَيْنِ جَمِيعًا قَالَ : وَفِي رِوَايَةِ غَيْرِ الْمَيْمُونِيِّ وَكَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْإِبْرَادَ وَقَالَ الْأَثْرَمُ بَعْدَ ذِكْرِ أَحَادِيثِ التَّعْجِيلِ ، وَالْإِبْرَادِ : فَأَمَّا الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا التَّعْجِيلَ فِي غَيْرِ الْحَرِّ ، فَإِنَّ الْأَمْرَ عَلَيْهَا . وَأَمَّا حَدِيثُ خَبَّابُ وَجَابِرٍ ، وَمَا كَانَ فِيهَا مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ ، فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدَنَا قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَ بِالْإِبْرَادِ ، وَقَدْ جَاءَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي حَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا حَدِيثُ بَيَانٍ عَنْ قَيْسٍ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ { : كُنَّا نُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْهَاجِرَةِ فَقَالَ لَنَا : أَبْرِدُوا } فَتَبَيَّنَ لَنَا أَنَّ الْإِبْرَادَ كَانَ بَعْدَ التَّهْجِيرِ ، وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ أَبْيَنُ مِنْ هَذَا خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ أَبُو خَلْدَةَ قَالَ سَمِعْت أَنَسًا يَقُولُ { كَانَ : النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا كَانَ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ ، وَإِذَا كَانَ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ } ( ثَالِثُهَا ) أَنَّ الْإِبْرَادَ رُخْصَةٌ وَتَقْدِيمُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ كَانَ أَخْذًا بِالْأَشَقِّ وَالْأَوْلَى . وَبِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَصَحَّحَهُ أَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ لَكِنَّ الصَّحِيحَ مِنْ مَذْهَبِنَا أَنَّ الْإِبْرَادَ هُوَ الْأَفْضَلُ فَلَا يَمْشِي عَلَيْهِ هَذَا الْجَوَابُ ( رَابِعُهَا ) أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ : فَلَمْ يَشْكُنَا لَمْ يُحْوِجْنَا إلَى شَكْوَى بَلْ رَخَّصَ لَنَا فِي الْإِبْرَادِ حَكَاهُ لِلْقَاضِي أَبُو الْفَرَجِ الْمَالِكِيُّ عَنْ ثَعْلَبٍ وَيَرُدُّهُ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فَمَا أَشْكَانَا ، وَقَالَ : إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ فَصَلُّوا رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَطَّانِ . ( خَامِسُهَا ) أَنَّ الْإِبْرَادَ أَفْضَلُ وَحَدِيثُ خَبَّابُ فِيهِ بَيَانُ جَوَازِ التَّعْجِيلِ دَلَّ عَلَيْهِ كَلَامُ ابْنِ حَزْمٍ ، فَإِنَّهُ ذَكَرَ اسْتِحْبَابَ الْإِبْرَادِ ، ثُمَّ قَالَ : وَإِنَّمَا لَمْ نَحْمِلْ هَذَا الْأَمْرَ عَلَى الْوُجُوبِ لِحَدِيثِ خَبَّابُ لَكِنْ فِي هَذَا نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ ظَاهِرَ حَدِيثِ خَبَّابُ الْمَنْعُ مِنْ التَّأْخِيرِ أَوْ أَنَّهُ مَرْجُوحٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّقْدِيمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) لَفْظُ الصَّلَاةِ عَامٌّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُفْرَدَ الْمُعَرَّفَ بِالْأَلِفِ ، وَاللَّامِ لِلْعُمُومِ فَيَتَنَاوَلُ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي تَأْخِيرَ كُلٍّ مِنْهَا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ فِي الظُّهْرِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ بِهِ أَشْهَبُ وَحْدَهُ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالَ تُؤَخَّرُ رُبْعُ الْقَامَةِ وَقَالَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ فَرَأَى تَأْخِيرَهَا فِي الصَّيْفِ وَتَعْجِيلَهَا فِي الشِّتَاءِ وَعَكَسَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ فَرَأَى تَأْخِيرَهَا فِي الشِّتَاءِ لِطُولِ اللَّيْلِ وَتَعْجِيلَهَا فِي الصَّيْفِ لِقِصَرِهِ ، وَهُوَ أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِالْإِبْرَادِ فِي الْمَغْرِبِ وَكَأَنَّ ذَلِكَ لِضِيقِ وَقْتِهَا وَلَا فِي الصُّبْحِ وَكَأَنَّ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ وَقْتَهَا أَبْرَدُ الْأَوْقَاتِ مُطْلَقًا . فَلَا مَعْنَى لِلْإِبْرَادِ بِهَا وَجَوَابُ الْجُمْهُورِ عَنْ تَرْكِ الْقَوْلِ بِالْإِبْرَادِ فِي الْعَصْرِ ، وَالْعِشَاءِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّلَاةِ هُنَا صَلَاةُ الظُّهْرِ كَمَا وَرَدَ بَيَانُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فَقَالَ : { أَبْرِدُوا بِالظُّهْرِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَتَكُونُ الْأَلِفُ ، وَاللَّامُ فِي الصَّلَاةِ لِلْعَهْدِ وَأَيْضًا فَإِنَّ أَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ وَأَوَّلَ وَقْتِ الْعِشَاءِ لَا يَكُونُ فِي الْغَالِبِ أَشَدَّ حَرًّا مِنْ آخِرِ وَقْتِ الظُّهْرِ ، فَإِذَا فُعِلَتْ الظُّهْرُ فِي آخِرِ وَقْتِهَا فَفِعْلُ الْعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا ، وَالْعِشَاءِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَهُمَا أَقَلُّ حَرًّا أَوْلَى بِذَلِكَ وَأَيْضًا ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ فِي خَبَرِ الْإِبْرَادِ لَا بِالْعَصْرِ وَلَا بِالْعِشَاءِ بَلْ كَانَ يَأْتِي بِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا صَيْفًا وَشِتَاءً ، وَأَمَّا تَأْخِيرُهُ الْعِشَاءَ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَهُوَ إمَّا لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ كَمَا وَرَدَ بَيَانُهُ أَوْ لِمَا فِي تَأْخِيرِهَا مِنْ الْفَضْلِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَجْلِ الْإِبْرَادِ وَلَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الصَّيْفِ ، وَالشِّتَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْإِبْرَادِ بِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِدُخُولِهَا فِي مُسَمَّى الصَّلَاةِ وَأَيْضًا ، فَإِنَّهَا فِي وَقْتِ الظُّهْرِ وَقَائِمَةٌ مَقَامَهَا ، وَالْعِلَّةُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْإِبْرَادِ بِالظُّهْرِ ، وَهِيَ شِدَّةُ الْحَرِّ مَوْجُودَةٌ فِي وَقْتِهَا ، وَأَيْضًا فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي خَلْدَةَ ، وَهُوَ خَالِدُ بْنُ دِينَارٍ قَالَ سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اشْتَدَّ الْحَرُّ أَبْرَدَ بِالصَّلَاةِ ، وَإِذَا اشْتَدَّ الْبَرْدُ بَكَّرَ بِالصَّلَاةِ } يَعْنِي الْجُمُعَةَ ، وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِنَا . وَالْوَجْهُ الثَّانِي ، وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُبَرِّدُ بِهَا وَبِهِ قَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ . وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ : فَأَبْرِدُوا بِالصَّلَاةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الظُّهْرُ كَمَا تَقَدَّمَ وَعَنْ وُجُودِ الْعِلَّةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلْإِبْرَادِ ، وَهِيَ شِدَّةُ الْحَرِّ أَنَّهُ لَيْسَ النَّظَرُ لِمُجَرَّدِ شِدَّةِ الْحَرِّ بَلْ لِوُجُودِ الْمَشَقَّةِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، وَالْمَشَقَّةُ فِي الْجُمُعَةِ لَيْسَتْ فِي التَّعْجِيلِ بَلْ فِي التَّأْخِيرِ ، فَإِنَّ النَّاسَ نُدِبُوا لِلتَّبْكِيرِ لَهَا ، وَإِذَا حَضَرُوا كَانَتْ رَاحَتُهُمْ فِي إيقَاعِ الصَّلَاةِ لِيَنْصَرِفَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ إلَى مَنْزِلِهِ فَيَسْتَرِيحَ مِنْ شِدَّةِ الْحَرِّ لَا فِي التَّأْخِيرِ ، فَإِنَّهُمْ يَتَضَرَّرُونَ بِطُولِ الِاجْتِمَاعِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ فَانْعَكَسَ الْحُكْمُ ، وَعَنْ الْحَدِيثِ الَّذِي أَوْرَدْنَاهُ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ نَقْلِ الصَّحَابِيِّ عَنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ فَهْمِ الرَّاوِي ؛ وَلِهَذَا قَالَ يَعْنِي الْجُمُعَةَ ، وَلَوْ كَانَ مِنْ تَتِمَّةِ كَلَامِ أَنَسٍ لَمْ يَحْتَجْ لِقَوْلِهِ يَعْنِي وَإِذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ نَصٌّ وَجَبَ مُرَاعَاةُ الْمَعْنَى وَمُلَاحَظَتُهُ ، وَالْمَعْنَى مُقْتَضٍ لِلتَّعْجِيلِ كَمَا تَقَدَّمَ . فَهَذَا هُوَ الْجَارِي عَلَى قَوَاعِدِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كَوْنِهِ لَيْسَتْ الْعِلَّةُ عِنْدَهُ فِي الْإِبْرَادِ شِدَّةَ الْحَرِّ بَلْ الْمَشَقَّةُ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ؛ وَلِهَذَا شُرِطَ فِي الْإِبْرَادِ أَوْ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ كَوْنُ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ وَكَوْنُ الْمُصَلِّينَ يَقْصِدُونَهَا مِنْ بُعْدٍ وَلَا يَجِدُونَ كِنًّا يَمْشُونَ تَحْتَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ : فَأَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ يَحْتَمِلُ عَنْ هُنَا أَوْجُهًا : أَحَدُهَا أَنْ يَكُونَ بِمَعْنَى الْبَاءِ كَمَا أَنَّ الْبَاءَ تَكُونُ بِمَعْنَى عَنْ فَمِنْ الْأَوَّلِ فِيمَا قِيلَ قَوْله تَعَالَى { وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى } أَيْ بِالْهَوَى وَمِنْ الثَّانِي قَوْله تَعَالَى { فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } وَتُسَمَّى هَذِهِ بَاءَ الْمُجَاوَزَةِ . ثَانِيهَا أَنْ تَكُونَ زَائِدَةً أَيْ أَبْرِدُوا الصَّلَاةَ يُقَالُ : أَبْرَدَ الرَّجُلُ كَذَا إذَا فَعَلَهُ فِي بَرْدِ النَّهَارِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ مَنْ جَعَلَ عَنْ تَأْتِي زَائِدَةً قَيَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ تُزَادَ لِلتَّعْوِيضِ مِنْ أُخْرَى مَحْذُوفَةٍ وَمَثَّلُوهُ بِقَوْلِ الشَّاعِرِ : أَتَجْزَعُ إنْ نَفْسٌ أَتَاهَا حِمَامُهَا فَهَلَّا الَّتِي عَنْ بَيْنِ جَنْبَيْك تَدْفَعُ قَالَ أَبُو الْفَتْحِ أَرَادَ تَدْفَعُ عَنْ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْك فَحُذِفَتْ عَنْ مِنْ أَوَّلِ الْمَوْصُولِ وَزِيدَتْ بَعْدَهُ . ( ثَالِثُهَا ) تَضْمِينُ أَبْرِدُوا مَعْنَى أَخِّرُوا وَحَذْفُ مَفْعُولِهِ تَقْدِيرُهُ أَخِّرُوا أَنْفُسَكُمْ عَنْ الصَّلَاةِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : مَعْنَى قَوْلِهِ أَبْرِدُوا أَخِّرُوا إلَى زَمَانِ الْبَرْدِ وَلَا يَنْتَظِمُ ذَلِكَ مَعَ قَوْلِهِ عَنْ ، فَإِنَّ صُورَتَهُ أَخِّرُوا عَنْ الصَّلَاةِ إلَّا بِإِضْمَارٍ وَتَقْدِيرُهُ أَخِّرُوا أَنْفُسَكُمْ عَنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ قَوْلِ الْخَطَّابِيِّ : مَعْنَى قَوْلِهِ أَبْرِدُوا عَنْ الصَّلَاةِ تَأَخَّرُوا عَنْهَا مُبَرِّدِينَ ( قُلْت ) أَيْ دَاخِلِينَ فِي وَقْتِ الْبَرْدِ انْتَهَى . وَهُوَ مِثْلُ كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَلَا إنَّهُ ضَمَّنَ أَبْرِدُوا مَعْنَى فِعْلٍ قَاصِرٍ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَقْدِيرِ مَفْعُولٍ وَهُوَ تَأَخَّرُوا . ( السَّابِعَةُ ) وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَبْرِدُوا عَنْ الْحَرِّ أَيْ أَخِّرُوا الصَّلَاةَ عَنْ الْحَرِّ إلَى الْبَرْدِ وَقَوْلُهُ فِي الصَّلَاةِ يَحْتَمِلُ أَنَّ تَقْدِيرَهُ ذَلِكَ فِي شَأْنِ الصَّلَاةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَفْعُولُ الْمَحْذُوفُ فِعْلُكُمْ أَيْ أَخِّرُوا عَنْ الْحَرِّ فِعْلَكُمْ فِي الصَّلَاةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِي بِمَعْنَى الْبَاءِ كَمَا فِي قَوْلِهِ : بَصِيرُونَ فِي طَعْنِ الْأَبَاهِرِ ، وَالْكُلَى . ( الثَّامِنَةُ ) فَيْحُ جَهَنَّمَ وَفَوْحُهَا بِالْيَاءِ ، وَالْوَاوِ مَعَ فَتْحِ الْأَوَّلِ فِيهِمَا وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ سُطُوعُ حَرِّهَا وَانْتِشَارُهُ يُقَالُ فَاحَتْ الْقِدْرُ تَفِيحُ وَتَفُوحُ إذَا غَلَتْ ، وَجَهَنَّمُ مِنْ أَسْمَاءِ النَّارِ ، وَهُوَ غَيْرُ مَصْرُوفٍ لِلْعَلَمِيَّةِ ، وَالتَّأْنِيثِ ، وَاخْتُلِفَ فِي هَذِهِ اللَّفْظَةِ هَلْ هِيَ عَرَبِيَّةٌ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِبُعْدِ قَعْرِهَا وَمِنْهُ رَكِيَّةُ جِهْنَامٍ أَيْ بَعِيدَةُ الْقَعْرِ أَوْ فَارِسِيَّةٌ مُعَرَّبَةٌ ، وَقِيلَ : هِيَ تَعْرِيبُ كَهِنَامٍ بِالْعِبْرَانِيِّ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِهِ : فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ هَلْ هُوَ حَقِيقَةٌ أَوْ مَجَازٌ فَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى الْحَقِيقَةِ وَقَالُوا : إنَّ وَهَجَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْآتِي { اشْتَكَتْ النَّارُ إلَى رَبِّهَا عَزَّ وَجَلَّ } . وَقِيلَ : إنَّهُ كَلَامٌ خَرَجَ مَخْرَجَ التَّشْبِيهِ أَيْ كَأَنَّهُ نَارُ جَهَنَّمَ فِي الْحَرِّ فَاجْتَنِبُوا ضَرَرَهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَكِلَا الْوَجْهَيْنِ ظَاهِرٌ وَحَمْلُهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ أَوْلَى ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْقَوْلُ الْأَوَّلُ يَعْضُدُهُ عُمُومُ الْخِطَابِ وَظَاهِرُ الْكِتَابِ ، وَهُوَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ انْتَهَى . وَعَلَى تَقْدِيرِ حَمْلِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ فَفِيهِ أَنَّ النَّارَ مَخْلُوقَةٌ الْآنَ مَوْجُودَةٌ ، وَهَذَا إجْمَاعٌ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ إلَّا أَنَّ الْمُعْتَزِلَةَ قَالُوا : إنَّهَا إنَّمَا تُخْلَقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَالْأَدِلَّةُ السَّمْعِيَّةُ مُتَوَافِرَةٌ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ ( التَّاسِعَةُ ) هَذَا الْمُؤَذِّنُ الْمُبْهَمُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ هُوَ بِلَالٌ كَمَا وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فِي جَامِعِهِ وَأَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ ( الْعَاشِرَةُ ) الْفَيْءُ بِفَتْحِ الْفَاءِ مَهْمُوزٌ الظِّلُّ الَّذِي يَكُونُ بِعِلْمِ الزَّوَالِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِرُجُوعِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَشْرِقِ إلَى الْمَغْرِبِ وَأَصْلُ الْفَيْءِ الرُّجُوعُ ، وَالتُّلُولُ بِضَمِّ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ جَمْعُ تَلٍّ بِفَتْحِهَا ، وَهِيَ الرَّوَابِي الْمُرْتَفِعَةُ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : كُلُّ شَيْءٍ بَارِزٌ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ حَجَرٍ أَوْ نَبَاتٍ أَوْ غَيْرِهِ انْتَهَى . وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ . ( الْحَادِيَةَ عَشَرَ ) ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ الشَّيْخَيْنِ أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَبْرِدْ . أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِبْرَادِ رَاجِعٌ إلَى الصَّلَاةِ فَقَطْ ؛ لِأَنَّ الْأَذَانَ قَدْ وَقَعَ وَانْقَضَى وَفِي رِوَايَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ لِلْبُخَارِيِّ فَأَرَادَ الْمُؤَذِّنُ أَنْ يُؤَذِّنَ الظُّهْرَ فَقَالَ أَبْرِدْ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِبْرَادِ رَاجِعٌ إلَى الْأَذَانِ أَيْضًا ، وَأَنَّهُ مَنَعَهُ مِنْ الْأَذَانِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى : وَفِي هَذَا كَالدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِبْرَادِ كَانَ بَعْدَ التَّأْذِينِ ، وَأَنَّ الْأَذَانَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ . وَقَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ يُفْهِمُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الْإِبْرَادُ بِالْأَذَانِ ، وَقَدْ نَقَلَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ عَنْ بَعْضِهِمْ ( قُلْت ) : وَيَنْبَغِي بِنَاءُ هَذَا عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ مَشْرُوعٌ لِلْوَقْتِ أَوْ لِلصَّلَاةِ ، فَإِنْ قُلْنَا لِلْوَقْتِ أَذَّنَ ، وَإِنْ قُلْنَا لِلصَّلَاةِ فَلَا ، وَقَدْ بَنَى أَصْحَابُنَا عَلَى هَذَا الْخِلَافَ فِي الْأَذَانِ لِلْفَائِتَةِ فَالْجَدِيدُ وَرَجَّحَهُ الرَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ لَهَا ، وَالْقَدِيمُ وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يُؤَذَّنُ لَهَا ، وَنَصُّ الْإِمْلَاءِ إنْ رَجَا اجْتِمَاعَ طَائِفَةٍ يُصَلُّونَ مَعَهُ أَذَّنَ وَإِلَّا فَلَا قَالَ أَصْحَابُنَا : الْأَذَانُ فِي الْجَدِيدِ حَقُّ الْوَقْتِ وَفِي الْقَدِيمِ حَقُّ الْفَرِيضَةِ ، وَفِي الْإِمْلَاءِ حَقُّ الْجَمَاعَةِ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ إمَّا بِحَمْلِ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَذَّنَ عَلَى مَعْنَى أَرَادَ الْأَذَانَ كَمَا فَسَّرَتْهُ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، وَإِمَّا بِحَمْلِ الْأَذَانِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَلَى الْإِقَامَةِ فَقَوْلُهُ : فَأَرَادَ أَنْ يُؤَذِّنَ أَيْ يُقِيمَ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : فَأَرَادَ أَنْ يُقِيمَ فَقَالَ : أَبْرِدْ وَقَالَ بَعْدَ قَوْلِهِ حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ ، ثُمَّ أَقَامَ فَصَلَّى . وَكَذَا حَكَى ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ حَمَلَ تَأْخِيرَ الْأَذَانِ هُنَا عَلَى الْإِقَامَةِ لَكِنْ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ بَعْدَ قَوْلِهِ : حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ ، ثُمَّ أَمَرَهُ فَأَذَّنَ وَأَقَامَ ، وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَذَّنَ أَوَّلًا أَوْ لَمْ يُعْتَدَّ بِأَذَانِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةَ عَشَرَ ) اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَتِهِ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْأَذَانِ لِلْمُسَافِرِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَالْجُمْهُورِ ، وَهُوَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ : لَا أَذَانَ عَلَى مُسَافِرٍ إنَّمَا الْأَذَانُ عَلَى مَنْ يَجْتَمِعُ إلَيْهِ لِتَأْذِينِهِ وَرُوِيَ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ أَنَّهُ يُقِيمُ الْمُسَافِرُ وَلَا يُؤَذِّنُ مِنْهُمْ مَكْحُولٌ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَعُرْوَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ إنْ شَاءَ أَذَّنَ ، وَإِنْ شَاءَ أَقَامَ وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَزِيدُ عَلَى الْإِقَامَةِ فِي السَّفَرِ إلَّا فِي الصُّبْحِ ، فَإِنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ لَهَا وَيُقِيمُ . وَقَالَ عَطَاءٌ : إذَا كُنْت فِي سَفَرٍ فَلَمْ تُؤَذِّنْ وَلَمْ تُقِمْ فَأَعِدْ الصَّلَاةَ وَقَالَ مُجَاهِدٌ إذَا نَسِيَ الْإِقَامَةَ فِي السَّفَرِ أَعَادَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَالْحُجَّةُ لَهُمَا { قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلرَّجُلَيْنِ : أَذِّنَا وَأَقِيمَا } قَالَا : وَأَمْرُهُ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَالْعُلَمَاءُ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ ؛ لِأَنَّ الْإِيجَابَ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ لَا مُنَازِعَ فِيهِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الْحَضَرِ فَالسَّفَرُ الَّذِي قُصِرَتْ فِيهِ الصَّلَاةُ عَنْ هَيْئَتِهَا أَوْلَى بِذَلِكَ انْتَهَى . ( الثَّالِثَةَ عَشَرَ ) قَوْلُهُ : حَتَّى رَأَيْنَا فَيْءَ التُّلُولِ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَةِ التَّأْخِيرِ بِالْإِبْرَادِ إذْ التُّلُولُ لَا يَظْهَرُ ظِلُّهَا إلَّا بَعْدَ تَمَكُّنِ الْفَيْءِ وَطُولِهِ بِخِلَافِ الْأَشْيَاءِ الْمُنْبَسِطَةِ ، فَإِنَّ ظُهُورَ ظِلِّهَا سَرِيعٌ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْإِبْرَادَ بِالظُّهْرِ يَكُونُ بِقَدْرِ مَا يَبْقَى لِلْحِيطَانِ ظِلٌّ يَمْشِي فِيهِ السَّاعِي لِلْجَمَاعَةِ قَالُوا : وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤَخِّرَ عَنْ النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ الْوَقْتِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ : وَلَا يَبْلُغُ بِتَأْخِيرِهَا آخِرَ وَقْتِهَا فَيُصَلِّيَهُمَا جَمِيعًا مَعًا وَلَكِنْ بِقَدْرِ مَا يَعْلَمُ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا مُتَمَهِّلًا فَيَنْصَرِفُ مِنْهَا قَبْلَ آخِرِ وَقْتِهَا لِيَكُونَ بَيْنَ انْصِرَافِهِ مِنْهَا وَبَيْنَ آخِرِ وَقْتِهَا فَصْلٌ . وَكَذَا قَالَ الْحَنَابِلَةُ وَقَدَّرَ الْمَالِكِيَّةُ التَّأْخِيرَ بِزِيَادَةٍ عَلَى رُبْعِ الْقَامَةِ إلَى نِصْفِ الْوَقْتِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَنْتَهِي بِالْإِبْرَادِ إلَى آخِرِ الْوَقْتِ أَمْ لَا فَمَنَعَهُ أَشْهَبُ وَأَجَازَهُ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ حَتَّى سَاوَى الظِّلُّ التُّلُولَ وَذَكَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ حُجَّةٌ لِأَشْهَبَ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّمَا أَخَّرَ إلَى أَنْ كَانَ لِلتُّلُولِ ، وَالْجُدْرَانِ فَيْءٌ يُسْتَظَلُّ بِهِ ، وَذَلِكَ فِي وَسَطِ الْوَقْتِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ فِي التُّلُولِ لَا يُسْتَظَلُّ بِهِ إلَّا فِي آخِرِ الْوَقْتِ وَخَلْطُهُ الْجُدْرَانَ مَعَ هَذَا لَا مَعْنَى لَهُ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا فِي السَّفَرِ وَلَا جُدْرَانَ هُنَاكَ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عُمَارَةَ قَالَ : كَانُوا يُصَلُّونَ الظُّهْرَ وَالظِّلُّ قَامَةٌ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إذَا زَالَ الْفَيْءُ عَنْ طُولِ الشَّيْءِ فَذَاكَ حِينَ تُصَلَّى الظُّهْرُ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ تُصَلَّى الظُّهْرُ إذَا كَانَ الظِّلُّ ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ صَلَّيْتُ مَعَ ابْنِ عُمَرَ الظُّهْرَ فَقِسْت ظِلِّي فَوَجَدْته ثَلَاثَةَ أَذْرُعٍ . وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَاشْتَكَتْ النَّارُ إلَى رَبِّهَا عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَتْ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفَسَيْنِ نَفَسٌ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٌ فِي الصَّيْفِ فَأَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنْ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ } . ( الْحَدِيثُ الثَّانِي ) وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اشْتَكَتْ النَّارُ إلَى رَبِّهَا عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَتْ أَكَلَ بَعْضِي بَعْضًا فَأَذِنَ لَهَا بِنَفْسَيْنِ نَفَسٌ فِي الشِّتَاءِ وَنَفَسٌ فِي الصَّيْفِ فَأَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنْ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ } فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ ، فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ عَلَى حَقِيقَتِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ لِكَوْنِهِ صَرَّحَ فِيهِ بِشَكْوَى النَّارِ إلَى رَبِّهَا مِنْ أَكْلِ بَعْضِهَا بَعْضًا وَإِذْنِهِ لَهَا بِنَفْسَيْنِ ، وَأَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ ذَلِكَ النَّفَسِ ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْحَمْلُ عَلَى الْمَجَازِ ، وَلَوْ حَمَلْنَا شَكْوَى النَّارِ عَلَى الْمَجَازِ ؛ لِأَنَّ الْإِذْنَ لَهَا فِي التَّنَفُّسِ وَنَشْأَةِ شِدَّةِ الْحَرِّ عَنْهُ لَا يُمْكِنُ فِيهِ التَّجَوُّزُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةُ ) إنْ قُلْت : قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَشَدُّ مَا يَكُونُ مِنْ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ أَخَصُّ مِنْ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ : فَإِنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ ؛ لِأَنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ بَعْضُهَا أَشَدُّ مِنْ بَعْضٍ فَمُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ إلَّا مَا هُوَ أَشَدُّ . ( قُلْت ) لَا يُرَادُ بِأَشَدِّ مَا يَكُونُ مِنْ الْحَرِّ التَّحْقِيقُ ، فَإِنَّهُ لَا يَصْدُقُ ذَلِكَ إلَّا عَلَى شَيْءٍ يَسِيرٍ لَا يُوجَدُ إلَّا فِي بَعْضِ أَيَّامِ السَّنَةِ وَفِي بَعْضِ الْبِلَادِ فَلَا يُؤْمَرُ حِينَئِذٍ بِالْإِبْرَادِ بِصَلَاةِ الظُّهْرِ إلَّا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَلَا قَائِلَ بِهِ ، وَإِنَّمَا يُرَادُ بِذَلِكَ التَّقْرِيبُ فَمَا قَارَبَ مَا هُوَ أَشَدُّ جُعِلَ مِنْ الْأَشَدِّ أَوْ يُرَادُ الْأَشَدُّ الَّذِي يَكُونُ غَالِبًا دُونَ الْأَشَدِّ الَّذِي لَا يُوجَدُ إلَّا نَادِرًا فَيَسْتَوِي حِينَئِذٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ شِدَّةُ الْحَرِّ وَأَشَدُّ الْحَرِّ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : فَمَا كَانَ مِنْ بَرْدٍ يُهْلِكُ شَيْئًا فَهُوَ مِنْ زَمْهَرِيرِهَا ، وَمَا كَانَ مِنْ سَمُومٍ يُهْلِكُ شَيْئًا فَهُوَ مِنْ حَرِّهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالشِّدَّةُ أَيْ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ مَعْنَى قَوْلِ الْحَسَنِ انْتَهَى فَبَيَّنَ هَذَا الْكَلَامُ أَنَّ ضَابِطَ شِدَّةِ الْبَرْدِ ، وَالْحَرِّ مَا يُهْلِكُ شَيْئًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . " الثَّالِثَةُ " كَوْنُ شِدَّةِ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ هَلْ اقْتَضَى تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ لِمَا فِي إيقَاعِهَا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ الْمَشَقَّةِ أَوْ أَنَّ الْحَالَةَ الَّتِي يَنْتَشِرُ فِيهَا أَثَرُ الْعَذَابِ لَا يَنْبَغِي التَّعَبُّدُ بِالصَّلَاةِ فِيهَا ؟ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الْأَوَّلُ قَوْلَ مَنْ يَرَى أَنَّ الْإِبْرَادَ رُخْصَةٌ فَلَوْ تَكَلَّفَ الْمَشَقَّةَ وَصَلَّى فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ لَكَانَ أَفْضَلَ ، وَأَنْ يَكُونَ الثَّانِي قَوْلَ مَنْ يَرَى أَنَّهُ الْأَفْضَلُ ، وَقَدْ يَكُونُ الْقَائِلُ بِأَنَّهُ الْأَفْضَلُ يَعْتَبِرُ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ أَيْضًا وَيَقُولُ تِلْكَ الْمَشَقَّةُ تَقْتَضِي مَرْجُوحِيَّةَ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِمَا يَحْصُلُ مِنْ الِاضْطِرَابِ السَّالِبِ لِلْخُشُوعِ . وَقَدْ اسْتَشْكَلَ كَوْنُ الْحَالَةِ الَّتِي يَنْتَشِرُ فِيهَا أَثَرُ الْعَذَابِ لَا يَنْبَغِي الصَّلَاةُ وَيُقَالُ الصَّلَاةُ سَبَبُ الرَّحْمَةِ فَيَنْبَغِي فِعْلُهَا لِطَرْدِ الْعَذَابِ وَلَكِنَّ التَّعْلِيلَ إذَا جَاءَ مِنْ الشَّارِعِ يَجِبُ تَلَقِّيه بِالْقَبُولِ ، وَإِنْ لَمْ يُفْهَمْ مَعْنَاهُ لَكِنَّا نُرَجِّحُ بِهَذَا الْإِشْكَالِ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ وَهُوَ أَنَّ تَرْكَ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ إنَّمَا هُوَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَشَقَّةِ وَيَتَرَجَّحُ مَعَ ذَلِكَ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ لِسَلْبِ الْخُشُوعِ . ( الرَّابِعَةُ ) حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ خِلَافًا فِي قَوْلِهِ : اشْتَكَتْ النَّارُ إلَى رَبِّهَا فَقَالَ جَمَاعَةٌ هُوَ عَلَى الْحَقِيقَةِ ، وَأَنَّهَا تَنْطِقُ يُنْطِقُهَا الَّذِي يُنْطِقُ الْجُلُودَ وَيُنْطِقُ كُلَّ شَيْءٍ وَلَهَا لِسَانٌ كَمَا شَاءَ اللَّهُ وَاسْتَشْهَدُوا لِقَوْلِهِ تَعَالَى { يَوْمَ نَقُولُ لِجَهَنَّمَ هَلْ امْتَلَأْت وَتَقُولُ هَلْ مِنْ مَزِيدٍ } وَبِقَوْلِهِ { سَمِعُوا لَهَا تَغَيُّظًا وَزَفِيرًا } وَهَذَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ كَثِيرٌ وَقَالَ آخَرُونَ هُوَ عَلَى الْمَجَازِ كَقَوْلِهِ : شَكَا إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى فِي أَمْثِلَةٍ لِذَلِكَ كَثِيرَةٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَلِكِلَا الْقَوْلَيْنِ وَجْهٌ وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ الْأَوَّلَ فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : إنَّهُ الْأَظْهَرُ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إنَّهُ الْأَوْلَى وَقَالَ النَّوَوِيُّ إنَّهُ الصَّوَابُ ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى حَقِيقَتِهِ فَوَجَبَ الْحُكْمُ بِأَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ . ( الْخَامِسَةُ ) وَفِيهِ أَنَّ النَّارَ مَخْلُوقَةٌ مَوْجُودَةٌ الْآنَ ، وَهُوَ أَمْرٌ قَطْعِيٌّ لِلتَّوَاتُرِ الْمَعْنَوِيِّ وَبِهِ قَالَ أَهْلُ السُّنَّةِ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ : إنَّهَا إنَّمَا تُخْلَقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ( السَّادِسَةُ ) النَّفَسُ بِفَتْحِ الْفَاءِ أَصْلُهُ لِلْإِنْسَانِ وَذَوَاتِ الرُّوحِ ، وَهُوَ خَارِجٌ مِنْ الْجَوْفِ وَدَاخِلٌ إلَيْهِ مِنْ الْهَوَاءِ فَشَبَّهَ الْخَارِجَ مِنْ حَرَارَةِ جَهَنَّمَ وَبَرْدِهَا إلَى الدُّنْيَا بِالنَّفَسِ الَّذِي يَخْرُجُ مِنْ جَوْفِ الْإِنْسَانِ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : النَّفَسُ التَّنَفُّسُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ النَّفَسَ اسْمٌ ، وَالتَّنَفُّسَ مَصْدَرٌ ( السَّابِعَةُ ) زَادَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَأَشَدُّ مَا يَجِدُونَ مِنْ الزَّمْهَرِيرِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَمَا وَجَدْتُمْ مِنْ بَرْدٍ أَوْ زَمْهَرِيرٍ فَمِنْ نَفَسِ جَهَنَّمَ . ( فَإِنْ قُلْتَ ) : فَلِمَ لَا أَخَّرْت الصَّلَاةَ فِي وَقْتِ شِدَّةِ الْبَرْدِ كَمَا أُخِّرَتْ فِي وَقْتِ شِدَّةِ الْحَرِّ . ( قُلْت ) : شِدَّةُ الْبَرْدِ تَكُونُ غَالِبًا وَقْتَ الصُّبْحِ وَلَا تَزُولُ إلَّا بِطُلُوعِ الشَّمْسِ وَارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَلَوْ أُخِّرَتْ الصَّلَاةُ لِشِدَّةِ الْبَرْدِ لَخَرَجَتْ عَنْ وَقْتِهَا وَلَا سَبِيلَ إلَى ذَلِكَ . وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ : { كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى قُبَاءَ فَيَأْتِيهِمْ ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ } . ( الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ) وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ { كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى قُبَاءَ فَيَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ } فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) كَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ وَرَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ فَيَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى الْعَوَالِي فَيَأْتِيهِمْ ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ } . وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ أَنَّ الصَّحِيحَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ فِيهِ إلَى قُبَاءَ وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَى ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ وَسَائِرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ يَقُولُونَ فِيهِ ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى الْعَوَالِي ، وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ مُتَقَارِبٌ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ مَالِكٍ : ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى قُبَاءَ كَذَا رَوَاهُ الْمُوَطَّأُ عَنْهُ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : هَذَا مِمَّا اُنْتُقِدَ عَلَى مَالِكٍ وَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْقَعَهُ ، وَقَالَ إلَى قُبَاءَ وَخَالَفَهُ فِيهِ عَدَدٌ كَثِيرٌ فَقَالُوا الْعَوَالِي قَالَ غَيْرُهُ : مَالِكٌ أَعْلَمُ بِبَلَدِهِ وَأَمْكِنَتِهَا مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ أَثْبَتُ فِي ابْنِ شِهَابٍ مِمَّنْ سِوَاهُ . وَقَدْ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكٍ إلَى الْعَوَالِي كَمَا قَالَتْ الْجَمَاعَةُ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ إلَى قُبَاءَ كَمَا قَالَ مَالِكٌ انْتَهَى . وَبَيَّنَ الدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْعِلَلِ أَنَّهُ اُخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فِي ذَلِكَ وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ الْبَزَّارِ أَنَّهُ قَالَ : الصَّوَابُ مَا اجْتَمَعَتْ عَلَيْهِ الْجَمَاعَةُ ، وَهُوَ مِمَّا يُعَدُّ عَلَى مَالِكٍ أَنَّهُ وَهَمَ فِيهِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَقَدْ رَوَى خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ عَنْ مَالِكٍ إلَى الْعَوَالِي كَمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ ابْنِ شِهَابٍ ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فَلَمْ يَهِمْ فِيهِ مَالِكٌ انْتَهَى . وَاَلَّذِي وَقَفْت عَلَيْهِ فِي عِلَلِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَرَوَاهُ خَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا أَيْضًا انْتَهَى فَلَمْ يُحْكَ عَنْ خَالِدِ بْنِ مَخْلَدٍ أَنَّهُ رَوَى عَنْ مَالِكٍ إلَى الْعَوَالِي ، وَإِنَّمَا خَالَفَ الْأَكْثَرِينَ فِي تَصْرِيحِهِ بِالرَّفْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّ مَالِكًا وَقَفَهُ أَيْ مِنْ جِهَةِ اللَّفْظِ . وَأَمَّا فِي الْحُكْمِ فَهُوَ مَرْفُوعٌ بِنَاءً عَلَى الْمُرَجَّحِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا حُكْمُهُ الرَّفْعُ ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُ بِإِضَافَةِ ذَلِكَ إلَى عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ ، وَالْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ وَقَوَّاهُ النَّوَوِيُّ لَكِنْ ذَهَبَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ وَابْنُ الصَّلَاحِ إلَى أَنَّهُ مَوْقُوفٌ كَمَا إذَا لَمْ يُضِفْ إلَى عَهْدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( الثَّانِيَةُ ) قُبَاءَ بِضَمِّ الْقَافِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَوْضِعٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَأَصْلُهُ اسْمُ بِئْرٍ هُنَاكَ ، وَفِيهِ الْمَدُّ ، وَالْقَصْرُ وَالصَّرْفُ وَعَدَمُهُ ، وَالتَّذْكِيرُ ، وَالتَّأْنِيثُ ، وَالْأَفْصَحُ فِيهِ الْمَدُّ وَالصَّرْفُ ، وَالتَّذْكِيرُ . وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْعَوَالِي ، فَإِنَّهَا الْقُرَى الَّتِي حَوْلَ الْمَدِينَةِ مِنْ جِهَةِ أَعْلَاهَا وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ أَدْنَاهَا مِيلَانِ وَأَبْعَدَهَا ثَمَانِيَةٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَبُعْدُ الْعَوَالِي مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ أَوْ نَحْوِهِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ بِلَفْظِ وَبُعْدُ بَدَلُ بَعْضٍ ، وَقَالَ : هَذَا مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ وَفِي رِوَايَةٍ عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ وَأَسْنَدَهَا الْبَيْهَقِيُّ وَبُعْدُ الْعَوَالِي أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ أَوْ ثَلَاثَةٌ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ الزُّهْرِيِّ ، وَالْعَوَالِي مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ الرَّدُّ عَلَى مَنْ قَالَ : إنَّهُ لَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْعَصْرِ إلَّا بِصَيْرُورَةِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا وَصَلَ الْمُصَلِّي بِالْمَدِينَةِ إلَى قُبَاءَ إلَّا بَعْدَ نُزُولِ الشَّمْسِ وَآكَدُ مِنْ ذَلِكَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى الَّتِي قَالَ فِيهَا إلَى الْعَوَالِي وَلَا سِيَّمَا الرِّوَايَةُ الَّتِي قَالَ فِيهَا ، وَالْعَوَالِي مِنْ الْمَدِينَةِ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ ، وَقَدْ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ الْجُمْهُورُ حَتَّى صَاحِبَاهُ فَقَالُوا بِدُخُولِ وَقْتِ الْعَصْرِ بِصَيْرُورَةِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَهُ غَيْرَ ظِلِّ الِاسْتِوَاءِ بَلْ قَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِخُرُوجِ وَقْتِ الْعَصْرِ بِصَيْرُورَةِ ظِلِّ الشَّيْءِ مِثْلَيْهِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَحَمَلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى خُرُوجِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ . ( الرَّابِعَةُ ) وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَقْدِيمِ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ ، وَالْجُمْهُورُ خِلَافًا لِلْحَنِيفَةِ ، فَإِنَّهُمْ قَالُوا بِاسْتِحْبَابِ تَأْخِيرِهَا وَذَهَبَ إلَيْهِ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَحَاوَلَ الطَّحْطَاوِيُّ تَأْوِيلَ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى التَّعْجِيلِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةً قَدْ اصْفَرَّتْ . فَرُوِيَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ قَالَ { مَا كَانَ أَحَدٌ أَشَدَّ تَعْجِيلًا لِصَلَاةِ الْعَصْرِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ كَانَ أَبْعَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ دَارًا مِنْ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَأَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَأَبُو عَبْسِ بْنِ حَبْرٍ أَحَدُ بَنِي حَارِثَةَ دَارُ أَبِي لُبَابَةَ بِقُبَاءَ وَدَارُ أَبِي عَبْسٍ فِي بَنِي حَارِثَةَ ، ثُمَّ إنْ كَانَا لَيُصَلِّيَانِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ ، ثُمَّ يَأْتِيَانِ قَوْمَهُمَا ، وَمَا صَلَّوْهَا لِتَبْكِيرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا } . ثُمَّ رُوِيَ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كُنَّا نُصَلِّي الْعَصْرَ ، ثُمَّ يَخْرُجُ الْإِنْسَانُ إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَيَجِدُهُمْ يُصَلُّونَ الْعَصْرَ ، ثُمَّ رَوَى حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ هَذَا ، ثُمَّ رَوَى عَنْ أَبِي الْأَبْيَضِ قَالَ حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِنَا الْعَصْرَ ، وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ ، ثُمَّ أَرْجِعُ إلَى قَوْمِي فِي نَاحِيَةِ الْمَدِينَةِ فَأَقُولُ لَهُمْ قُومُوا فَصَلُّوا ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَلَّى } . ثُمَّ قَالَ الطَّحْطَاوِيُّ : فَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ أَنَسٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَكَانَ مَا رَوَى عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبُو الْأَبْيَضِ عَنْهُ يَدُلُّ عَلَى التَّعْجِيلِ بِهَا ؛ لِأَنَّ فِي حَدِيثِهِمْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُصَلِّيهَا ، ثُمَّ يَذْهَبُ الذَّاهِبُ إلَى الْمَكَانِ الَّذِي ذَكَرُوا فَيَجِدُهُمْ لَمْ يُصَلُّوا الْعَصْرَ وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنَّ أُولَئِكَ لَمْ يَكُونُوا يُصَلُّونَهَا إلَّا قَبْلَ اصْفِرَارِ الشَّمْسِ فَهَذَا دَلِيلُ التَّعْجِيلِ . وَأَمَّا رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ قَدْ اصْفَرَّتْ فَقَدْ اضْطَرَبَ حَدِيثُ أَنَسٍ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ مِنْهُ بِخِلَافِ مَا رَوَى إِسْحَاقُ وَعَاصِمٌ وَأَبُو الْأَبْيَضِ عَنْهُ هَذَا كَلَامُ الطَّحَاوِيِّ ، وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ كَوْنِهِ يَأْتِيهِمْ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ قَدْ اصْفَرَّتْ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ قُتَيْبَةَ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ كَذَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ دَاسَةَ عَنْ أَبِي دَاوُد وَقَالَ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ فَيَأْتِيهَا ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ حَيَّةٌ انْتَهَى . وَحَيَاتُهَا بَقَاءُ حَرِّهَا وَلَوْنِهَا ، وَهَذَا يُنَافِي أَنْ تَكُونَ قَدْ اصْفَرَّتْ . ثَانِيهِمَا لَوْ لَمْ تَرِدْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ ، وَهِيَ حَيَّةٌ وَكَانَ ارْتِفَاعُهَا لَا يُنَافِي صُفْرَتَهَا عَلَى مَا قَرَّرَهُ الطَّحْطَاوِيُّ فَذَلِكَ لَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُ ؛ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ إذَا وَصَلَ إلَى قُبَاءَ الَّتِي هِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ فَذَلِكَ دَلِيلُ التَّعْجِيلِ ، وَلَوْ كَانَتْ الشَّمْسُ مُصْفَرَّةً وَلَا سِيَّمَا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا الْعَوَالِي وَقْتُهَا أَنَّهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَمْيَالٍ وَفِي رِوَايَةٍ سِتَّةُ أَمْيَالٍ ، وَلَوْ لَمْ يُعَجِّلْ بِالْعَصْرِ أَوَّلَ وَقْتِهَا لَمَا وَصَلَ إلَى هَذِهِ الْمَسَافَةِ إلَّا بَعْدَ الْغُرُوبِ ( ثَالِثُهَا ) كَيْفَ يَجْعَلُ حَدِيثَ أَنَسٍ مُضْطَرِبًا مَعَ أَنَّ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ اخْتِلَافُهَا وَغَايَةُ مَا ذَكَرَهُ أَنَّ رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ تَحْتَمِلُ مُخَالَفَةَ رِوَايَةِ الْبَاقِينَ . وَقَدْ صَرَّحَ هُوَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ قَدْ اصْفَرَّتْ وَمَعَ احْتِمَالِ الْمُخَالَفَةِ ، وَالْمُوَافَقَةِ لَا يَكُونُ اضْطِرَابًا بَلْ الْوَاجِبُ حَمْلُ الرِّوَايَةِ الْمُحْتَمِلَةِ عَلَى الرِّوَايَاتِ الْمُصَرِّحَةِ وَجَعْلُهَا عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهَا وَلَا تَضَادَّ وَكَيْفَ نَجِيءُ إلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي هِيَ صَرِيحَةٌ فِي الْمَقْصُودِ لَا تَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ فَنَرُدُّهَا بِوُرُودِ رِوَايَةٍ أُخْرَى تَحْتَمِلُ أَنْ تُخَالِفَهَا احْتِمَالًا مَرْجُوحًا بَلْ لَوْ كَانَ احْتِمَالُ الْمُخَالَفَةِ رَاجِحًا لَكَانَ الْوَاجِبُ الْحَمْلَ عَلَى الْمَرْجُوحِ لِيُوَافِقَ بَقِيَّةَ الرِّوَايَاتِ فَكَيْفَ وَاحْتِمَالُ الْمُخَالَفَةِ هُوَ الْمَرْجُوحُ أَوْ الِاحْتِمَالَانِ مُسْتَوِيَانِ إنْ تَنَزَّلْنَا . وَالْوَاقِفُ عَلَى كَلَامِ الطَّحَاوِيِّ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ يَفْهَمُ مِنْهُ التَّعَصُّبَ بِبَادِئِ الرَّأْيِ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرَ أَوَّلًا أَنَّ رِوَايَةَ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ مُحْتَمَلَةٌ لَأَنْ تَكُونَ الشَّمْسُ اصْفَرَّتْ ، ثُمَّ إنَّهُ نَزَّلَ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَنْزِلَةَ الْمَجْزُومِ بِهِ ، وَقَالَ فَقَدْ اضْطَرَبَ حَدِيثُ أَنَسٍ ، ثُمَّ جَزَمَ بِأَنَّ مَعْنَى مَا رَوَى الزُّهْرِيُّ بِخِلَافِ مَا رَوَاهُ غَيْرُهُ مَعَ قَوْلِهِ أَوَّلًا إنَّهُ يَحْتَمِلُ الْمُخَالَفَةَ فَقَطْ ، ثُمَّ ذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ حَدِيثَ أَبِي الْأَبْيَضِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي صَلَاةَ الْعَصْرِ ، وَالشَّمْسُ بَيْضَاءُ مُحَلِّقَةٌ ، وَقَالَ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ قَدْ كَانَ يُؤَخِّرُهَا ، ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ بَيْضَاءُ نَقِيَّةٌ قَدْرَ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ فَرْسَخَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً فَذَكَرَ أَنَّهُ دَلِيلٌ عَلَى التَّأْخِيرِ أَيْضًا ، وَهَذَا مِنْ أَعْجَبِ الْعَجَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : { وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْعَصْرَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ الشَّمْسُ مِنْ حُجْرَتِي طَالِعَةً } . ( الْحَدِيثُ الرَّابِعُ ) عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الْعَصْرَ قَبْلَ أَنْ تَخْرُجَ الشَّمْسُ مِنْ حُجْرَتِي طَالِعَةً } فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) الْحُجْرَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ الْبَيْتُ وَكُلُّ مَوْضِعٍ حَجَرَ عَلَيْهِ الْحِجَارَةَ فَهُوَ حُجْرَةٌ قَالَهُ فِي الْمَشَارِقِ وَأَصْلُهُ كَمَا ذَكَرَ فِي الصِّحَاحِ حَظِيرَةٌ لِلْإِبِلِ وَقَوْلُهُ طَالِعَةً مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ ، وَهِيَ حَالٌ مُؤَكِّدَةٌ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَخْرُجُ مِنْ الْحُجْرَةِ إلَّا طَالِعَةً . وَالْمُرَادُ بِالشَّمْسِ شُعَاعُهَا ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ أَيْضًا كَانَ يُصَلِّي الْعَصْرَ وَالشَّمْسُ فِي حُجْرَتِهَا قَبْلَ أَنْ تَظْهَرَ أَيْ تَعْلُوَ عَلَى الْحِيطَانِ وَلِلْحَدِيثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَلْفَاظٌ أُخْرَى مُتَّفِقَةُ الْمَعْنَى وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ ، وَالشَّمْسُ فِي قَعْرِ حُجْرَتِي وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ زِيَادَةٌ ، فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الشَّمْسِ فِي الْحُجْرَةِ أَنْ تَكُونَ فِي قَعْرِهَا . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَعْجِيلِ صَلَاةِ الْعَصْرِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا أَيْضًا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : وَهَذَا مِنْ أَبْيَنِ مَا رُوِيَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ؛ لِأَنَّ حُجَرَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَوْضِعٍ مُنْخَفِضٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَلَيْسَتْ بِالْوَاسِعَةِ ، وَذَلِكَ أَقْرَبُ لَهَا مِنْ أَنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ مِنْهَا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وَكَانَتْ الْحُجْرَةُ ضَيِّقَةَ الْعَرْصَةِ قَصِيرَةَ الْجِدَارِ بِحَيْثُ يَكُونُ طُولُ جِدَارِهَا أَقَلَّ مِنْ مَسَافَةِ الْعَرْصَةِ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ ، فَإِذَا صَارَ ظِلُّ الْجِدَارِ مِثْلَهُ دَخَلَ وَقْتُ الْعَصْرِ وَتَكُونُ الشَّمْسُ بَعْدُ فِي أَوَاخِرِ الْعَرْصَةِ لَمْ يَرْتَفِعْ الْفَيْءُ فِي الْجِدَارِ الشَّرْقِيِّ وَكُلُّ الرِّوَايَاتِ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ انْتَهَى . وَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّ الْعَرْصَةَ كَانَتْ ضَيِّقَةً قَدْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ فِي قَوْلِهِ : وَلَيْسَتْ بِالْوَاسِعَةِ وَصَرَّحَ بِهِ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ : إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَنْصَرِفُ مِنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ ، وَالشَّمْسُ فِي وَسَطِ الْحُجْرَةِ لَمْ يَصْعَدْ فَيْؤُهَا فِي جُدُرِهَا ، وَذَلِكَ لِسَعَةِ سَاحَتِهَا وَقِصَرِ جُدْرَانِهَا انْتَهَى . وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ سِعَةِ سَاحَتِهَا خِلَافُ الْمَعْرُوفِ ، وَلَا يَتَوَقَّفُ بَقَاءُ الشَّمْسِ فِيهَا أَوَّلَ وَقْتِ الْعَصْرِ عَلَى سَعَةِ سَاحَتِهَا بَلْ يَحْصُلُ ذَلِكَ بِأَنْ تَكُونَ الْعَرْصَةُ أَوْسَعَ مِنْ طُولِ الْجِدَارِ بِشَيْءٍ يَسِيرٍ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ النَّوَوِيِّ ، وَذَلِكَ لَا يُصَيِّرُهَا وَاسِعَةً ، وَمَا ذَكَرْتُهُ مِنْ دَلَالَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى التَّعْجِيلِ بِصَلَاةِ الْعَصْرِ قَدْ فَهِمَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَاسْتَدَلَّتْ بِهِ عَلَى ذَلِكَ وَفَهِمَهُ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ رِوَايَةً عَنْهَا ، وَأَنْكَرَ بِهِ عَلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ تَأْخِيرَهُ صَلَاةَ الْعَصْرِ ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ وَشَذَّ الطَّحَاوِيُّ فَنَاضَلَ عَنْ مَذْهَبِهِ فِي تَأْخِيرِ الْعَصْرِ بِأَنْ حَاوَلَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ : قَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ أَخَّرَ الْعَصْرَ لِقِصَرِ حُجْرَتِهَا فَلَمْ تَكُنْ الشَّمْسُ تَنْقَطِعُ عَنْهَا إلَّا بِقُرْبِ غُرُوبِهَا فَلَا دَلَالَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَعْجِيلِ الْعَصْرِ انْتَهَى . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ لَا يُمْكِنُ مَعَ ضِيقِ الْحُجْرَةِ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ صِفَتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قِصَرِ بُنْيَانِهِمْ وَحِيطَانِهِمْ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا قُصِدَ بِهِ تَعْجِيلُ الْعَصْرِ ، وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ قِصَرِ الْحِيطَانِ ، ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : كُنْت أَدْخُلُ بُيُوتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا مُحْتَلِمٌ فَأَنَالُ سَقْفَهَا بِيَدِي ، وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَوْمَ الْخَنْدَقِ : مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا كَمَا حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ } وَفِي طَرِيقِ لِلْبُخَارِيِّ { وَهِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ } وَلِمُسْلِمٍ { شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ } وَفِيهِ ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ الْمَغْرِبِ ، وَالْعِشَاءِ . ( الْحَدِيثُ الْخَامِسُ ) وَعَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ { مَا لَهُمْ مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا كَمَا حَبَسُونَا عَنْ صَلَاةِ الْوُسْطَى حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ } فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) يَوْمَ الْخَنْدَقِ إحْدَى غَزَوَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيُقَالُ لَهُ يَوْمُ الْأَحْزَابِ ، وَقَدْ عَبَّرَ بِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ كَانَ فِي السَّنَةِ الرَّابِعَةِ وَقِيلَ فِي الْخَامِسَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِيَوْمِ الْخَنْدَقِ يَوْمًا بِعَيْنِهِ بَلْ هُوَ إشَارَةٌ إلَى الْغُزَاةِ كَمَا يُقَالُ يَوْمُ بَدْرٍ وَيَوْمُ أُحُدٍ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِلْخَنْدَقِ الَّذِي حُفِرَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ ، وَهُوَ فَارِسِيٌّ مُعَرَّبٌ وَأَصْلُهُ كِنْدَةٌ أَيْ مَحْفُورٌ . ( الثَّانِيَةُ ) الضَّمَائِرُ فِي قَوْلِهِ مَا لَهُمْ مَلَأَ اللَّهُ بُيُوتَهُمْ وَقُبُورَهُمْ يَعُودُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ شَغَلُوهُ عَنْ الصَّلَاةِ بِمُقَاتَلَتِهِمْ ، وَهُوَ دُعَاءٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ : { اللَّهُمَّ امْلَأْ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا } فَفِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ بِمِثْلِ هَذَا ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ فِي صَحِيحِهِ وَبُطُونَهُمْ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ أَوْ أَجْوَافَهُمْ شَكَّ يَحْيَى نَارًا وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ نَارًا أَوْ بُيُوتَهُمْ أَوْ بُطُونَهُمْ شَكَّ شُعْبَةُ فِي الْبُيُوتِ ، وَالْبُطُونِ . ( الثَّالِثَةُ ) مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ اسْتَمَرَّ اشْتِغَالُهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ وَيُعَارِضُهُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ { حَبَسَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى احْمَرَّتْ الشَّمْسُ أَوْ اصْفَرَّتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ مَلَأَ اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا أَوْ حَشَى اللَّهُ أَجْوَافَهُمْ وَقُبُورَهُمْ نَارًا } ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَخْرُجْ الْوَقْتُ بِالْكُلِّيَّةِ . وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ : انْحَبَسَ انْتَهَى إلَى ذَلِكَ الْوَقْتِ أَيْ الْحُمْرَةِ أَوْ الصُّفْرَةِ وَلَمْ تَقَعْ الصَّلَاةُ إلَّا بَعْدَ الْمَغْرِبِ ، وَقَدْ يَكُونُ ذَلِكَ لِلِاشْتِغَالِ بِأَسْبَابِ الصَّلَاةِ أَوْ غَيْرِهَا انْتَهَى وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ : شَغَلُونَا عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ مَلَأَ اللَّهُ قُبُورَهُمْ وَبُيُوتَهُمْ نَارًا أَوْ قُلُوبَهُمْ } قَالَ ، وَلَمْ يُصَلِّهَا يَوْمَئِذٍ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ فَقَدْ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ الْأَخِيرِ أَنَّهُ لَمْ يُؤَخِّرْ بَعْدَ الْمَغِيبِ سِوَى الصَّلَاةِ فَقَطْ مَعَ تَقْدِيمِ الْأَسْبَابِ عَلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ . وَهَذَا يُؤَيِّدُ الْجَوَابَ الْمُتَقَدِّمَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجَابَ بِجَوَابٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ وَقْعَةَ الْخَنْدَقِ بَقِيَتْ أَيَّامًا فَأَخَّرَ فِي بَعْضِهَا الصَّلَاةَ إلَى الْحُمْرَةِ أَوْ الصُّفْرَةِ وَفِي بَعْضِهَا إلَى الْغُرُوبِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ رَاوِيَ التَّأْخِيرِ إلَى الْغُرُوبِ غَيْرُ رَاوِي التَّأْخِيرِ إلَى الْحُمْرَةِ أَوْ الصُّفْرَةِ عَلَى أَنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ . ( الرَّابِعَةُ ) مُقْتَضَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّهُ لَمْ يَفُتْ غَيْرُ الْعَصْرِ وَفِي الْمُوَطَّإِ الظُّهْرُ ، وَالْعَصْرُ وَفِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ شَغَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَرْبَعِ صَلَوَاتٍ يَوْمَ الْخَنْدَقِ الْحَدِيثَ وَقَالَ لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ إلَّا أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ فَمَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إلَى التَّرْجِيحِ ، وَقَالَ : الصَّحِيحُ أَنَّ الَّتِي شُغِلَ عَنْهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ الْعَصْرُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : طَرِيقُ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ وَقْعَةَ الْخَنْدَقِ بَقِيَتْ أَيَّامًا فَكَانَ هَذَا فِي بَعْضِ الْأَيَّامِ ، وَهَذَا فِي بَعْضِهَا . ( الْخَامِسَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : وَأَمَّا تَأْخِيرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَكَانَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ الْعُلَمَاءُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَخَّرَهَا نَسِيَانَا لَا عَمْدًا وَكَانَ السَّبَبُ فِي النِّسْيَانِ الِاشْتِغَالَ بِأَمْرِ الْعَدُوِّ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَخَّرَهَا عَمْدًا لِلِاشْتِغَالِ بِالْعَدُوِّ وَكَانَ هَذَا عُذْرًا فِي تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ . وَأَمَّا الْيَوْمَ فَلَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا بِسَبَبِ الْعَدُوِّ ، وَالْقِتَالِ بَلْ يُصَلِّي صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى حَسَبِ الْحَالِ ، وَلَهَا أَنْوَاعٌ مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ انْتَهَى . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بَعْدَ ذِكْرِهِ الِاحْتِمَالَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ وَذَهَبَ مَكْحُولٌ إلَى تَأْخِيرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ إذَا لَمْ يُمْكِنْ أَدَاؤُهَا مَعَهُ إلَى وَقْتِ الْأَمْنِ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَالصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ صَلَاتُهَا عَلَى سُنَّتِهَا إذَا أَمْكَنَ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَبِحَسَبِ قُدْرَتِهِ وَلَا يُؤَخِّرُهَا ، ثُمَّ قَالَ وَقِيلَ فِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنْ يَكُونُوا عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ فَلَمْ يُمْكِنْهُمْ تَرْكُ مَا هُمْ فِيهِ لِلْوُضُوءِ ، وَالتَّيَمُّمِ وَلَا الصَّلَاةُ دُونَ طَهَارَةٍ وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ التَّأْخِيرَ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مَكْحُولٍ ، وَالشَّامِيِّينَ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى كَذَا الرِّوَايَةُ ، وَهُوَ مِنْ إضَافَةِ الْمَوْصُوفِ إلَى صِفَتِهِ نَحْوُ قَوْله تَعَالَى { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ } وَمَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ جَوَازُهُ وَمَنَعَهُ الْبَصْرِيُّونَ وَأَوَّلُوا مَا كَانَ نَحْوَ هَذَا بِأَنْ قَدَّرُوا فِيهِ مَوْصُوفًا مَحْذُوفًا فَالتَّقْدِيرُ عِنْدَهُمْ فِي الْآيَةِ { وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ } وَفِي الْحَدِيثِ حَبَسُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى أَيْ عَنْ فِعْلِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى . ( السَّابِعَةُ ) الْوُسْطَى فَعَلَى وَاخْتَلَفُوا هَلْ هُوَ فَعَلَى مِنْ الْعَدَدِ الْمُتَوَسِّطِ ، وَهُوَ مُسَاوٍ فِي الْبُعْدِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّرَفَيْنِ أَيْ إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ مُتَوَسِّطَةٌ فِي الْعَدَدِ بَيْنَ شَيْءٍ قَبْلَهَا وَشَيْءٍ بَعْدَهَا أَوْ مِنْ الْوَسَطِ ، وَهُوَ الْفَاضِلُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } فَالْمُرَادُ بِكَوْنِهَا وُسْطَى أَيْ فُضْلَى قَوْلَانِ مَشْهُورَانِ ، وَعَلَى الْأَوَّلِ فَذَكَرَ بَعْضُهُمْ احْتِمَالَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ، وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى } . أَحَدُهُمَا أَنَّ قَوْلَهُ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ يَدُلُّ عَلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ الصَّلَوَاتِ إذْ أَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَقَوْلُهُ ، وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى يَدُلُّ عَلَى صَلَاتَيْنِ إحْدَاهُمَا مِنْ جَوْهَرِ اللَّفْظِ إذْ الْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ ، وَالْأُخْرَى مِنْ لَازِمِهِ إذْ لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِلْمَجْمُوعِ مِنْ هَذِهِ الصَّلَاةِ ، وَمِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَهَا وَسَطٌ فَلَا بُدَّ مِنْ ضَمِّ أُخْرَى إلَيْهَا حَتَّى تَصِيرَ خَمْسَةً فَيَكُونُ لَهَا وَسَطٌ . ( ثَانِيهِمَا ) أَنَّ قَوْلَهُ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ يَتَنَاوَلُ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ وَقَوْلَهُ : وَالصَّلَاةِ الْوُسْطَى مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ ، وَهُوَ دَالٌّ عَلَى شَرَفِهِ ، وَالِاهْتِمَامِ بِهِ ، وَهَذَا الثَّانِي أَرْجَحُ ، وَهَذَا الْخِلَافُ مَبْنِيٌّ عَلَى مَسْأَلَةٍ أُصُولِيَّةٍ ذَكَرَهَا الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ عَنْ وَالِدِهِ ، وَهِيَ أَنَّ اللَّفْظَ الْعَامَّ إذَا عُقِّبَ بِذِكْرِ مَنْ كَانَ مِنْ حَقِّ الْعُمُومِ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ هَلْ يَدُلُّ هَذَا التَّخْصِيصُ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ مُرَادٍ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ إذَا لَوْ كَانَ دَاخِلًا تَحْتَهُ لَمْ يَكُنْ لِلْإِفْرَادِ فَائِدَةٌ أَوْ هُوَ دَاخِلٌ فِي الْعُمُومِ وَفَائِدَتُهُ التَّأْكِيدُ وَمَثَّلَ لَهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ قَالَ قَوْمٌ سُمِّيَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ الْوُسْطَى ؛ لِأَنَّهَا بَيْنَ صَلَاتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَصَلَاتَيْنِ مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ وَقَالَ آخَرُونَ مَا رَوَيْنَاهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَائِشَةَ قَالَ { : إنَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا تُلِيَتْ عَلَيْهِ عِنْدَ الْفَجْرِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَصَارَتْ الصُّبْحَ وَفُدِيَ إِسْحَاقُ عِنْدَ الظُّهْرِ فَصَلَّى إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرْبَعًا فَصَارَتْ الظُّهْرَ وَبُعِثَ عُزَيْرٌ فَقِيلَ كَمْ لَبِثْت فَقَالَ يَوْمًا فَرَأَى الشَّمْسَ فَقَالَ أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَصَلَّى أَرْبَعًا فَصَارَتْ الْعَصْرَ وَغُفِرَ لِدَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ الْمَغْرِبِ فَقَامَ يُصَلِّي أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَجُهِدَ فَجَلَسَ فِي الثَّالِثَةِ فَصَارَتْ الْمَغْرِبُ ثَلَاثًا وَأَوَّلُ مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } فَلِذَلِكَ قَالُوا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ . قَالَ الطَّحَاوِيُّ فَهَذَا عِنْدَنَا مَعْنًى صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ أُولَى الصَّلَوَاتِ إنْ كَانَتْ الصُّبْحُ وَآخِرَهَا الْعِشَاءُ الْآخِرَةُ فَالْوُسْطَى فِيمَا بَيْنَ الْأُولَى ، وَالْأَخِيرَةِ ، وَهِيَ الْعَصْرُ انْتَهَى وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ذِكْرُ الْوُسْطَى إمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّوَسُّطُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ أَوْ فِي الْعَدَدِ أَوْ فِي الزَّمَانِ فَأَمَّا الرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ ، فَإِنَّ حُكْمَ الصَّلَوَاتِ فِيهَا وَاحِدٌ فَهَذَا الْقِسْمُ لَا يُرَاعَى لِلِاتِّفَاقِ عَلَيْهِ . وَأَمَّا الْقِسْمَانِ الْآخَرَانِ ، فَإِنْ رَاعَيْنَا الْعَدَدَ أَدَّى إلَى مَذْهَبِ قَبِيصَةَ بْنِ ذُؤَيْبٍ أَنَّهَا الْمَغْرِبُ ؛ لِأَنَّ أَكْثَرَ أَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَأَقَلَّهَا اثْنَتَانِ ، وَالْوَسَطُ ثَلَاثٌ فَهِيَ الْمَغْرِبُ ، وَإِنْ رَاعَيْنَا الْأَوْسَطَ فِي الزَّمَانِ كَانَ الْأَبْيَنُ أَنَّ الصَّحِيحَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ إمَّا الصُّبْحُ وَإِمَّا الْعَصْرُ فَأَمَّا الصُّبْحُ ، فَإِنَّا إذَا قُلْنَا : إنَّ مَا بَيْنَ الْفَجْرِ وَطُلُوعِ الشَّمْسِ لَيْسَ مِنْ النَّهَارِ وَلَا مِنْ اللَّيْلِ كَانَتْ هِيَ الْوُسْطَى ؛ لِأَنَّ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ مِنْ النَّهَارِ ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ مِنْ اللَّيْلِ وَبَقِيَ وَقْتُ الصُّبْحِ مُشْتَرَكًا فَهُوَ وَسَطٌ بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ الزَّمَانِ مِنْ النَّهَارِ يَكُونُ الْأَظْهَرُ أَنَّ الْوُسْطَى الْعَصْرُ ؛ لِأَنَّ الصُّبْحَ وَالظُّهْرَ سَابِقَتَانِ لِلْعَصْرِ ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ مُتَأَخِّرَانِ عَنْ الْعَصْرِ فَهِيَ إذًا وَسَطٌ بَيْنَهُمَا انْتَهَى . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ لَا يَصْلُحُ هَذَا الَّذِي ذُكِرَ أَنْ يَكُونَ سَبَبًا لِلْخِلَافِ فِيهَا إذْ لَا مُنَاسَبَةَ لِمَا ذُكِرَ لِكَوْنِ هَذِهِ الصَّلَاةِ أَفْضَلَ وَأَوْكَدَ مِنْ غَيْرِهَا أَمَّا أَعْدَادُ الرَّكَعَاتِ فَالْمُنَاسِبُ هُوَ أَنْ يَكُونَ الرَّبَاعِيَةُ أَفْضَلَ ؛ لِأَنَّهَا أَكْثَرُ رَكَعَاتٍ وَأَكْثَرُ عَمَلًا ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ مَا كَثُرَ عَمَلُهُ كَثُرَ ثَوَابُهُ . وَأَمَّا مُرَاعَاةُ أَعْدَادِ الصَّلَوَاتِ فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ صَلَاةٍ هِيَ الْوُسْطَى ، وَهُوَ الَّذِي أَبْطَلْنَاهُ وَأَيْضًا فَلَا مُنَاسَبَةَ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ أَكْثَرِيَّةِ الثَّوَابِ ، وَأَمَّا اعْتِبَارُهَا مِنْ حَيْثُ الْأَزْمَانِ فَغَيْرُ مُنَاسِبٍ أَيْضًا ؛ لِأَنَّ نِسْبَةَ الصَّلَاةِ إلَى الزَّمَانِ كُلِّهَا مِنْ حَيْثُ الزَّمَانِيَّةُ وَاحِدَةٌ ، فَإِنْ فُرِضَ شَيْءٌ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ أَفْضَلَ فَذَلِكَ لِأَمْرٍ خَارِجِ الْأَزْمَانِ قَالَ : وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ السَّبَبَ فِي خِلَافِهِمْ فِيهَا اخْتِلَافُهُمْ فِي مَفْهُومِ الْكِتَابِ ، وَالسُّنَّةِ وَسَاقَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ . وَقَالَ الشَّيْخُ زَكِيُّ الدِّينِ الْمُنْذِرِيُّ فِي الْمُرَادِ بِالْوُسْطَى ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا أَوْسَطُ الصَّلَوَاتِ مِقْدَارًا ، وَالثَّانِي أَنَّهَا أَوْسَطُهَا مَحَلًّا وَالثَّالِثُ أَنَّهَا أَفْضَلُهَا وَأَوْسَطُ كُلِّ شَيْءٍ أَفْضَلُهُ فَمَنْ قَالَ الْوُسْطَى الْفُضْلَى جَازَ لِكُلِّ مَذْهَبٍ أَنْ يَدَّعِيَهُ وَمَنْ قَالَ مِقْدَارًا فَهِيَ الْمَغْرِبُ ؛ لِأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ وَأَكْثَرَهَا أَرْبَعٌ وَمَنْ قَالَ مَحَلًّا ذَكَرَ كُلُّ وَاحِدٍ مُنَاسَبَةً تَوَجَّهَ بِهَا قَوْلُهُ ، ثُمَّ حَكَى مَذَاهِبَ الْعُلَمَاءِ فِيهَا كَمَا سَيَأْتِي . ( الثَّامِنَةُ ) فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، وَهِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ شَغَلُونَا عَنْ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةِ الْعَصْرِ وَهِيَ حُجَّةٌ وَاضِحَةٌ لِمَنْ قَالَ : إنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى هِيَ صَلَاةُ الْعَصْرِ قَالَ التِّرْمِذِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَعَزَاهُ لِلْجُمْهُورِ أَيْضًا الْمَاوَرْدِيُّ ، وَالْبَغَوِيُّ وَابْنُ عَطِيَّةَ وَغَيْرُهُمْ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ حَبِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالْمَاوَرْدِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعُبَيْدَةُ السَّلْمَانِيِّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ عَائِشَةَ وَحَفْصَةَ وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَقَتَادَةَ وَالْكَلْبِيِّ وَمُقَاتِلٍ . وَالْقَوْلُ الثَّانِي إنَّهَا الصُّبْحُ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَعِكْرِمَةَ وَطَاوُسٍ وَعَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، وَالْمَكِّيِّينَ وَحَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ أَنَسٍ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِهِ نَعَمْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا الْعَصْرُ لِصِحَّةِ الْأَحَادِيثِ فِيهِ قَالَ : وَإِنَّمَا نَصَّ عَلَى أَنَّهَا الصُّبْحُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَبْلُغْهُ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي الْعَصْرِ وَمَذْهَبُهُ اتِّبَاعُ الْحَدِيثِ . وَأَمَّا نَقْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْقَاضِي عِيَاضٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَقُولُ : إنَّهَا الْعَصْرُ فَهُوَ وَهْمٌ أَوْ مُؤَوَّلٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَحَكَى الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهَا الصُّبْحُ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْهُ ذَكَرَهَا مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَبَّاسٍ كَانَا يَقُولَانِ : الصَّلَاةُ الْوُسْطَى صَلَاةُ الصُّبْحِ قَالَ مَالِكٌ : وَذَلِكَ رَأْيِي وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا خِلَافَ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وَجْهٍ صَحِيحٍ أَنَّهَا الْعَصْرُ . قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ حُسَيْنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ضُمَيْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةَ الصُّبْحِ قَالَ : وَحُسَيْنٌ هَذَا مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ مَدِينِيٌّ وَلَا يَصِحُّ حَدِيثُهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ : وَقَالَ قَوْمٌ إنَّ مَا أَرْسَلَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عَلِيٍّ أَخَذَهُ مِنْ حَدِيثِ ضُمَيْرَةَ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُوجَدُ عَنْ عَلِيٍّ إلَّا مِنْ حَدِيثِهِ وَالصَّحِيحُ عَنْ عَلِيٍّ مِنْ وُجُوهٍ شَتَّى صِحَاحُ أَنَّهُ قَالَ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى صَلَاةَ الْعَصْرِ . ( الْقَوْلُ الثَّالِثُ ) أَنَّهَا صَلَاةُ الظُّهْرِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرَوَيْنَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ . ( الرَّابِعُ ) أَنَّهَا الْمَغْرِبُ قَالَهُ قَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ قَتَادَةَ . ( الْخَامِسُ ) أَنَّهَا الْعِشَاءُ حَكَاهَا أَبُو الطَّيِّبِ سَهْلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ بَعْضِهِمْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ النَّيْسَابُورِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ . ( السَّادِسُ ) أَنَّهَا إحْدَى الْخَمْسِ مُبْهَمَةٌ وَاسْتَأْثَرَ اللَّهُ بِعِلْمِهَا قَالَهُ الرَّبِيعُ بْنُ خَيْثَمَ وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَنَافِعٍ وَشُرَيْحٍ ، وَمَالَ إلَيْهِ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْمُفَضَّلِ الْمَقْدِسِيَّ وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ عَرَبِيٍّ قَالَ : لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي سَاقَهَا التِّرْمِذِيُّ لَمْ يُصَحِّحْهَا -------------------555555555555555555555555---------- اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ وَيُعَارِضُهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ ( قُلْت ) قَدْ صَحَّحَ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ حَدِيثَ عَلِيٍّ . ( السَّابِعُ ) أَنَّهَا جَمِيعُ الْخَمْسِ حَكَاهُ النَّقَّاشُ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ غَنْمٍ وَحَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ مُعَاذٍ وَقَالَ : لِأَنَّهَا أَوْسَطُ الدِّينِ وَضَعَّفَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ لَا تَذْكُرُ الشَّيْءَ مُفَصَّلًا ، ثُمَّ تَحْمِلُهُ ، وَإِنَّمَا تَذْكُرُهُ مُجْمَلًا ، ثُمَّ تُفَصِّلُهُ أَوْ تُفَصِّلُ بَعْضَهُ تَنْبِيهًا عَنْ فَضِيلَتِهِ ، وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ : إنَّهُ أَضْعَفُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى خِلَافِ عَادَةِ الْفَصَاحَةِ مِنْ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) فَذَكَرَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ النَّوَوِيِّ . ( ثَانِيهَا ) أَنَّ الْفُصَحَاءَ لَا يُطْلِقُونَ لَفْظَ الْجَمْعِ وَيَعْطِفُونَ عَلَيْهِ أَحَدَ مُفْرَدَاتِهِ وَيُرِيدُونَ بِذَلِكَ الْمُفْرَدِ ذَلِكَ الْجَمْعَ ، فَإِنَّ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الْعِيِّ وَالْإِلْبَاسِ . ( ثَالِثُهَا ) أَنَّهُ لَوْ أَرَادَ بِالصَّلَاةِ الْوُسْطَى الصَّلَوَاتِ لَكَانَ كَأَنَّهُ قَالَ حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ ، وَالصَّلَاةِ وَيُرِيدُ بِالثَّانِي الْأَوَّلَ ، وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا كَانَ فَصِيحَا فِي لَفْظِهِ وَلَا صَحِيحًا فِي مَعْنَاهُ إذَا لَا يَحْصُلُ بِاللَّفْظِ الثَّانِي تَأْكِيدُ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَيْهِ وَلَا يُفِيدُ مَعْنًى آخَرَ فَيَكُونُ حَشْوًا وَحَمْلُ كَلَامِ اللَّهِ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ غَيْرُ مَسُوغٍ وَلَا جَائِزٌ انْتَهَى . وَمَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إلَى هَذَا الْقَوْلِ فَقَالَ فِي التَّمْهِيدِ : كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْخَمْسِ وُسْطَى ؛ لِأَنَّ قَبْلَ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ صَلَاتَيْنِ وَبَعْدَهَا صَلَاتَيْنِ ، وَالْمُحَافَظَةُ عَلَى جَمِيعِهِنَّ وَاجِبٌ . ( الثَّامِنُ ) أَنَّهَا صَلَاةُ الْجُمُعَةِ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ وَضَعَّفَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ بِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْإِيصَاءِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا إنَّمَا هُوَ ؛ لِأَنَّهَا مُعَرَّضَةٌ لِلضَّيَاعِ ، وَهَذَا لَا يَلِيقُ بِالْجُمُعَةِ ، فَإِنَّ النَّاسَ يُحَافِظُونَ عَلَيْهَا فِي الْعَادَةِ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهَا تَأْتِي فِي الْأُسْبُوعِ مَرَّةً بِخِلَافِ غَيْرِهَا . ( قُلْت ) وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ الْإِيصَاءِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا كَوْنُهَا أَفْضَلَ مِنْ غَيْرِهَا وَأَشَدَّ تَأَكُّدًا فَيُخْشَى مِنْ عَاقِبَةِ إضَاعَتِهَا ، وَالتَّفْرِيطِ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ غَيْرِهَا ، وَهَذَا مَوْجُودٌ فِي الْجُمُعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( التَّاسِعُ ) أَنَّهَا الْجُمُعَةُ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَفِي سَائِرِ الْأَيَّامِ الظُّهْرُ حَكَاهُ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مِقْسَمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ . ( الْعَاشِرُ ) أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى صَلَاتَانِ الْعِشَاءُ ، وَالصُّبْحُ حَكَاهُ ابْنُ مِقْسَمٍ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ . ( الْحَادِيَ عَشَرَ ) أَنَّهُمَا صَلَاتَانِ إحْدَاهُمَا ثَابِتَةٌ بِالْقُرْآنِ ، وَهِيَ الصُّبْحُ ، وَالْأُخْرَى ثَابِتَةٌ بِالسُّنَّةِ ، وَهِيَ الْعَصْرُ ذَهَبَ إلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ الْمَالِكِيُّ ، وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ . ( الثَّانِي عَشَرَ ) أَنَّهَا الْجَمَاعَةُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ . ( الثَّالِثَ عَشَرَ ) أَنَّهَا صَلَاةُ الْخَوْفِ قَالَ الْحَافِظُ شَرَفُ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيُّ فِي كِتَابِهِ كَشْفِ الْمُغَطَّى فِي تَبْيِينِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى حَكَاهُ لَنَا مَنْ يُوثَقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . ( الرَّابِعَ عَشَرَ ) أَنَّهَا الْوِتْرُ ذَهَبَ إلَيْهِ الْإِمَامُ عَلَمُ الدِّينِ السَّخَاوِيُّ كَمَا نَقَلَهُ الدِّمْيَاطِيُّ ( الْخَامِسَ عَشَرَ ) أَنَّهَا صَلَاةُ عِيدِ الْأَضْحَى ( السَّادِسَ عَشَرَ ) أَنَّهَا صَلَاةُ عِيدِ الْفِطْرِ قَالَ الدِّمْيَاطِيُّ حَكَاهُمَا لَنَا مَنْ وَقَفَ عَلَيْهِمَا فِي بَعْضِ الشُّرُوحِ الْمُطَوَّلَةِ . ( السَّابِعَ عَشَرَ ) أَنَّهَا صَلَاةُ الضُّحَى حَكَى الدِّمْيَاطِيُّ عَنْ بَعْضِ شُيُوخِهِ الْفُضَلَاءِ أَنَّهُ قَالَ أَظُنُّنِي وَقَفْت عَلَيْهِ قَالَ : ثُمَّ تَرَدَّدَ فِيهِ قَالَ النَّوَوِيُّ بَعْدَ حِكَايَتِهِ الْأَقْوَالَ الثَّمَانِيَةَ الْمَبْدُوءَ بِهَا ، وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَوْلَانِ الْعَصْرُ ، وَالصُّبْحُ وَأَصَحُّهُمَا الْعَصْرُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَمَنْ قَالَ هِيَ الصُّبْحُ يَتَأَوَّلُ الْأَحَادِيثَ عَلَى أَنَّ الْعَصْرَ تُسَمَّى وُسْطَى وَيَقُولُ : إنَّهَا غَيْرُ الْوُسْطَى الْمَذْكُورَةِ فِي الْقُرْآنِ ، وَهَذَا تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ وَمَنْ قَالَ : إنَّهَا الصُّبْحُ يَحْتَجُّ بِأَنَّهَا تَأْتِي فِي وَقْتِ مَشَقَّةٍ بِسَبَبِ بَرْدِ الشِّتَاءِ وَطِيبِ النَّوْمِ فِي الصَّيْفِ ، وَالنُّعَاسِ وَفُتُورِ الْأَعْضَاءِ وَغَفْلَةِ النَّاسِ فَخُصَّتْ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا لِكَوْنِهَا مُعَرَّضَةً لِلضَّيَاعِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا ، وَمَنْ قَالَ : إنَّهَا الْعَصْرُ يَقُولُ إنَّهَا تَأْتِي فِي وَقْتِ اشْتِغَالِ النَّاسِ بِمَعَائِشِهِمْ وَأَعْمَالِهِمْ انْتَهَى . ( التَّاسِعَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَكَانَتْ الصَّلَوَاتُ سِتًّا فَلَا تَكُونُ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ وَسَطًا ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْوُسْطَى هُنَا مِنْ الْعَدَدِ ، وَأَنَّهَا صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ ( الْعَاشِرَةُ ) إيرَادُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي بَابِ الْمَوَاقِيتِ اسْتِطْرَادٌ لَمَّا ذَكَرَ وَقْتَ الْعَصْرِ ذَكَرَ فَضْلَهَا ، وَكَذَا فَعَلَ غَيْرُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَدْخَلٌ فِي الْمَوَاقِيتِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا دَلَّ عَلَى فَضْلِهَا دَلَّ عَلَى الْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا فِي وَقْتِهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ تَأْكِيدًا لِأَمْرِ الْوَقْتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشَرَ ) قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ : ثُمَّ صَلَّاهَا بَيْنَ الْعِشَاءَيْنِ الْمَغْرِبِ ، وَالْعِشَاءِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ مُرَاعَاةُ التَّرْتِيبِ فِي قَضَاءِ الْفَائِتَةِ بَلْ لَهُ تَقْدِيمُ الْحَاضِرَةِ ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ الْعَصْرَ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فَلَمْ يُوجِبْ التَّرْتِيبَ لَكِنَّهُ جَعَلَهُ الْأَفْضَلَ وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ إلَى وُجُوبِ التَّرْتِيبِ وَيُعَارِضُ هَذَا الْحَدِيثَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ { فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ بَعْدَ مَا غَرَبَتْ الشَّمْسُ ، ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا الْمَغْرِبَ } . وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مُرَاعَاةِ التَّرْتِيبِ فَلَعَلَّهُمَا قَضِيَّتَانِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ بَيْنَ وَقْتَيْ الْعِشَاءَيْنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ وَقْتَ الْمَغْرِبِ مُضَيَّقٌ فَبَيْنَ وَقْتِهَا وَوَقْتِ الْعِشَاءِ حِينَئِذٍ زَمَنٌ صَلَّى فِيهِ الْعَصْرَ لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ إخْرَاجُ الْمَغْرِبِ عَنْ وَقْتِهَا مَعَ الْقَوْلِ بِتَضْيِيقِهِ . وَالْقَائِلُ بِوُجُوبِ التَّرْتِيبِ قَدْ يُجِيبُ عَنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ بِأَنَّهَا وَاقِعَةُ عَيْنٍ مُحْتَمَلَةٌ فَمِنْ الْجَائِزِ أَنْ يَكُونَ ضَاقَ وَقْتُ الْمَغْرِبِ وَخَشَى فَوَاتَهَا لَوْ اشْتَغَلَ بِالْعَصْرِ فَاحْتَاجَ لِتَرْكِ التَّرْتِيبِ لِضِيقِ الْوَقْتِ وَبَدَأَ بِالْمَغْرِبِ وَهَذِهِ الصُّورَةُ ، وَهِيَ مَا إذَا ضَاقَ وَقْتُ الْحَاضِرَةِ وَافَقَ الْحَنَفِيَّةُ ، وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى سُقُوطِ التَّرْتِيبِ فِيهَا وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ وُجُوبُ التَّرْتِيبِ مَعَ ضِيقِ الْوَقْتِ أَيْضًا وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : يَبْدَأُ بِصَاحِبَةِ الْوَقْتِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَقَالَ أَشْهَبُ : يُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا ، وَالْأَحْسَنُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صَلَّى الْمَغْرِبَ أَوَّلًا نَاسِيًا أَنَّهُ تَرَكَ الْعَصْرَ ، ثُمَّ تَذَكَّرَهَا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْمَغْرِبِ فَصَلَّاهَا ، ثُمَّ أَعَادَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ فَصَدَقَ أَنَّهُ صَلَّى الْعَصْرَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ وَأَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ قَبْلَ الْعَصْرِ ؛ لِأَنَّهُ صَلَّى الْمَغْرِبَ مَرَّتَيْنِ وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي جُمُعَةَ حَبِيبِ بْنِ سِبَاعٍ وَكَانَ قَدْ أَدْرَكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ الْأَحْزَابِ صَلَّى الْمَغْرِبَ فَلَمَّا فَرَغَ قَالَ : هَلْ عَلِمَ أَحَدٌ مِنْكُمْ أَنِّي صَلَّيْت الْعَصْرَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا صَلَّيْتهَا فَأَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى الْعَصْرَ ، ثُمَّ أَعَادَ الْمَغْرِبَ } وَرَوَى أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ نَسِيَ صَلَاةً فَلَمْ يَذْكُرْهَا إلَّا وَهُوَ مَعَ الْإِمَامِ فَلْيُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ ، فَإِذَا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ فَلْيُعِدْ الصَّلَاةَ الَّتِي نَسِيَ ، ثُمَّ لِيُعِدْ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّاهَا مَعَ الْإِمَامِ } وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ . ( الثَّانِيَةَ عَشَرَ ) وَفِيهِ إطْلَاقُ الْعِشَاءَيْنِ عَلَى الْمَغْرِبِ ، وَالْعِشَاءِ ، وَقَدْ أَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ ؛ لِأَنَّ الْمَغْرِبَ لَا تُسَمَّى عِشَاءً قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا غَلَطٌ ؛ لِأَنَّ التَّثْنِيَةَ هُنَا لِلتَّغْلِيبِ كَالْأَبَوَيْنِ ، وَالْقَمَرَيْنِ ، وَالْعُمُرَيْنِ وَنَظَائِرِهَا ا هـ ( فَإِنْ قُلْت ) كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ نَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَسْمِيَةِ الْمَغْرِبِ عِشَاءً ، وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ مَكْرُوهٌ . ( قُلْت ) لَعَلَّ النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ عَنْ إفْرَادِهَا بِهَذَا الِاسْمِ فَأَمَّا إذَا أَطْلَقَهُ عَلَيْهَا مَعَ الْعِشَاءِ عَلَى سَبِيلِ التَّغْلِيبِ فَهَذَا لَا يُنْكَرُ ؛ لِأَنَّهُ مَجَازٌ خَارِجٌ عَنْ أَصْلِ الْوَضْعِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْإِطْلَاقَ هُنَا لَيْسَ مَرْفُوعًا ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الصَّحَابِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ ، وَمَالَهُ } زَادَ أَبُو مُسْلِمٍ الْكَشِّيُّ " وَهُوَ قَاعِدٌ " وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلُ حَدِيثِ نَافِعٍ . ( الْحَدِيثُ السَّادِسُ ) وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ ، وَمَالَهُ } زَادَ أَبُو مُسْلِمٍ الْكَشِّيُّ " وَهُوَ قَاعِدَةٌ " وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ مِثْلُ حَدِيثِ نَافِعٍ . فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) قَوْلُهُ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ ، وَمَالَهُ يُرْوَى بِنَصَبِ اللَّامَيْنِ وَرَفْعِهِمَا ، وَالنَّصْبُ هُوَ الصَّحِيحُ وَالْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَهُوَ الَّذِي ضَبَطْنَاهُ عَنْ جَمَاعَةِ شُيُوخِنَا وَوَجْهُهُ أَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ أَيْ وُتِرَ هُوَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ وَقِيلَ إنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى نَزْعِ الْخَافِضِ أَيْ وُتِرَ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ فَلَمَّا حُذِفَ الْخَافِضُ انْتَصَبَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَمَنْ رَفَعَ فَعَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَفِيمَا قَالَاهُ نَظَرٌ إذْ الْفِعْلُ لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ عَلَى كُلِّ حَالٍ فَرِوَايَةُ النَّصْبِ عَلَى أَنَّ التَّارِكَ هُوَ الْمَنْقُوصُ فَأَقَامَ ضَمِيرَهُ مَقَامَ الْفَاعِلِ فَانْتَصَبَ أَهْلُهُ ، وَمَالُهُ ؛ لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ ثَانٍ وَرِوَايَةُ الرَّفْعِ عَلَى أَنَّ أَهْلَهُ ، وَمَالَهُ هُمْ الْمَنْقُوصُونَ فَأَقَامَهُ مَقَامَ الْفَاعِلِ فَرَفَعَهُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : إنْ رَفَعْت فَعَلَى الْبَدَلِ مِنْ الضَّمِيرِ فِي وُتِرَ أَهْلَهُ . فَأَمَّا عَلَى رِوَايَةِ النَّصْبِ فَاخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهُ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ مَعْنَاهُ نُقِصَ هُوَ أَهْلَهُ ، وَمَالَهُ وَسُلِبَهُمْ فَبَقِيَ وِتْرًا فَرْدًا بِلَا أَهْلٍ وَلَا مَالٍ فَلْيَحْذَرْ مِنْ تَفْوِيتِهَا كَحَذَرِهِ مِنْ ذَهَابِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ جَزَمَ بِهِ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ وَقَالَ فِي أَعْلَامِ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ وُتِرَ أَيْ نُقِصَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } وَقِيلَ سُلِبَ أَهْلَهُ ، وَمَالَهُ فَبَقِيَ وِتْرًا لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا مَالَ ا هـ . فَجَعَلَهُمَا قَوْلَيْنِ وَغَايَرَ بَيْنَ تَفْسِيرِهِ بِنَقْصٍ وَتَفْسِيرِهِ بِسَلْبٍ ، وَهَذَا يُخَالِفُ مَا حَكَيْته عَنْهُ أَوَّلًا ، وَكَذَا غَايَرَ بَيْنَهُمَا غَيْرُهُ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ قَالَ صَاحِبُ الْعَيْنِ الْوِتْرُ ، وَالتِّرَةُ الظُّلْمُ فِي الدَّمِ يُقَالُ مِنْهُ وُتِرَ الرَّجُلُ وِتْرًا وَتِرَةً فَمَعْنَى وُتِرَ أَهْلَهُ ، وَمَالَهُ سُلِبَ ذَلِكَ وَحُرِمَهُ فَهُوَ أَشَدُّ لِغَمِّهِ وَحُزْنِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ مَاتَ أَهْلُهُ وَذَهَبَ مَالُهُ مِنْ غَيْرِ سَلْبٍ لَمْ تَكُنْ مُصِيبَتُهُ فِي ذَلِكَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ السَّلْبِ ؛ لِأَنَّهُ يَجْتَمِعُ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ غَمَّانِ غَمُّ ذَهَابِهِمْ وَغَمُّ الطَّلَبِ بِوَتْرِهِمْ ، وَإِنَّمَا مِثْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَفُوتُهُ مِنْ عَظِيمِ الثَّوَابِ ، ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَنَى بِقَوْلِهِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ ، وَمَالَهُ أَيْ نُقِصَ ذَلِكَ وَأُفْرِدَ مِنْهُ مِنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ } أَيْ لَنْ يُنْقِصَكُمْ ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَشْبَهُ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ ا هـ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مَعْنَاهُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَالْفِقْهِ أَنَّهُ كَاَلَّذِي يُصَابُ بِأَهْلِهِ ، وَمَالِهِ إصَابَةً يَطْلُبُ بِهَا وِتْرًا ، وَالْوِتْرُ الْجِنَايَةُ الَّتِي يَطْلُبُ ثَأْرَهَا فَيَجْتَمِعُ عَلَيْهِ غَمَّانِ غَمُّ الْمُصِيبَةِ وَغَمُّ مُقَاسَاةِ طَلَبِ الثَّأْرِ ، وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ مَعْنَاهُ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الِاسْتِرْجَاعِ مَا يَتَوَجَّهُ عَلَى مَنْ فَقَدَ أَهْلَهُ ، وَمَالَهُ فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ النَّدَمُ ، وَالْأَسَفُ بِتَفْوِيتِهِ الصَّلَاةَ وَقِيلَ مَعْنَاهُ فَاتَهُ مِنْ الثَّوَابِ مَا يَلْحَقُهُ مِنْ الْأَسَفِ عَلَيْهِ كَمَا يَلْحَقُ مَنْ ذَهَبَ أَهْلُهُ ، وَمَالُهُ وَقَالَ الْبَاجِيَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ وُتِرَ دُونَ ثَوَابٍ يُدَّخَرُ لَهُ فَيَكُونُ مَا فَاتَ مِنْ ثَوَابِ الصَّلَاةِ كَمَا فَاتَ هَذَا الْمُوتُورَ ا هـ . وَأَمَّا رِوَايَةُ الرَّفْعِ فَمَعْنَاهُ اُنْتُزِعَ مِنْهُ أَهْلُهُ ، وَمَالُهُ ، وَهَذَا تَفْسِيرُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ( قُلْت ) يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا خُصَّ الْأَهْلُ ، وَالْمَالُ بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّ الِاشْتِغَالَ فِي وَقْتِ الْعَصْرِ إنَّمَا هُوَ بِالسَّعْيِ عَلَى الْأَهْلِ ، وَالشُّغْلِ بِالْمَالِ فَذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ تَفْوِيتَ هَذِهِ الصَّلَاةِ نَازِلٌ مَنْزِلَةَ فَقْدِ الْأَهْلِ ، وَالْمَالِ فَلَا مَعْنَى لِتَفْوِيتِهَا بِالِاشْتِغَالِ بِهِمَا مَعَ كَوْنِ تَفْوِيتِهَا كَفَوَاتِهِمَا أَصْلًا وَرَأْسًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ التَّغْلِيظُ فِي فَوَاتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَهَلْ يُلْحَقُ بِهَا غَيْرُهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ خَرَجَ جَوَابًا لِسُؤَالٍ فَيَلْحَقُ بِالْعَصْرِ بَاقِي الصَّلَوَاتِ وَيَكُونُ نَبَّهَ بِالْعَصْرِ عَلَى غَيْرِهَا قَالَ النَّوَوِيُّ : وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الشَّرْعَ وَرَدَ فِي الْعَصْرِ وَلَمْ تَتَحَقَّقْ الْعِلَّةُ فِي هَذَا الْحُكْمِ فَلَا يَلْحَقُ بِهَا غَيْرُهَا بِالشَّكِّ ، وَالتَّوَهُّمِ وَإِنَّمَا يَلْحَقُ غَيْرُ الْمَنْصُوصِ بِالْمَنْصُوصِ إذَا عَرَفْنَا الْعِلَّةَ وَاشْتَرَكَا فِيهَا انْتَهَى . وَيُؤَيِّدُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ نَوْفَلِ بْنِ مُعَاوِيَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ فَاتَتْهُ الصَّلَاةُ فَكَأَنَّمَا أُتِرَ أَهْلَهُ ، وَمَالَهُ } لَفْظُ ابْنِ حِبَّانَ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ : وُتِرَ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً حَتَّى تَفُوتَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } . وَفِي فَوَائِدِ تَمَّامٍ مِنْ حَدِيثِ مَكْحُولٍ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا { مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ ، وَمَالَهُ } ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالصَّلَاةِ فِي حَدِيثِ نَوْفَلٍ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ رِوَايَةِ حَدِيثِ نَوْفَلٍ أَتَدْرِي أَيَّةَ صَلَاةٍ هِيَ ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ هُنَا هِيَ الْعَصْرُ وَيُوَافِقُهُ مَا ذَكَرَهُ أَهْلُ التَّفْسِيرِ فِي قَوْله تَعَالَى { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ } أَنَّ الْمُرَادَ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ خُصَّتْ الْعَصْرُ بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّهَا تَأْتِي فِي وَقْتِ تَعَبِ النَّاسِ مِنْ مُقَاسَاةِ أَعْمَالِهِمْ وَحِرْصِهِمْ عَلَى قَضَاءِ أَشْغَالِهِمْ وَتَسْوِيفِهِمْ بِهَا إلَى انْقِضَاءِ وَظَائِفِهِمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ خُصَّتْ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا مَشْهُودَةُ الْمَلَائِكَةِ عِنْدَ تَعَاقُبِهِمْ ، وَهَذَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الصُّبْحِ إذْ الْمَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ فِيهَا أَيْضًا قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا خُصَّتْ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهَا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى . ( الثَّالِثَةُ ) اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِفَوَاتِ الْعَصْرِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُ هُوَ فِيمَنْ لَمْ يُصَلِّهَا فِي وَقْتِهَا الْمُخْتَارِ وَقَالَ سَحْنُونٌ ، وَالْأَصِيلِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ أَنْ تَفُوتَهُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ وَقِيلَ هُوَ تَفْوِيتُهَا إلَى أَنْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ ، وَقَدْ وَرَدَ مُفَسَّرًا مِنْ رِوَايَةِ الْأَوْزَاعِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ فِيهِ وَفَوَاتُهَا أَنْ تَدْخُلَ الشَّمْسَ صُفْرَةٌ . ( قُلْت ) كَذَا ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ وَظَاهِرُ إيرَادِ أَبِي دَاوُد فِي سُنَنِهِ أَنَّ هَذَا مِنْ كَلَامِ الْأَوْزَاعِيِّ قَالَهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ لَا أَنَّهُ مِنْ الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهُ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ مُنْفَرِدٍ عَنْ الْحَدِيثِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : وَذَلِكَ أَنْ تَرَى مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الشَّمْسِ صَفْرَاءَ وَفِي الْعِلَلِ لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ سَأَلْت أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ الْوَلِيدُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَفَوَاتُهَا أَنْ تَدْخُلَ الشَّمْسَ صُفْرَةٌ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ ، وَمَالَهُ } قَالَ أَبِي التَّفْسِيرُ مِنْ قَوْلِ نَافِعٍ انْتَهَى . وَكَلَامُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ يَقْتَضِي أَنَّهُ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ ، فَإِنَّهُ قَالَ : وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِيهِ فَرَوَى الْوَلِيدُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَفَوَاتُهَا أَنْ تَدْخُلَ الشَّمْسَ صُفْرَةٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ يَرْوِي عَنْهُ أَنَّ فَوْتَهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ انْتَهَى . وَكَيْفَمَا كَانَ فَلَيْسَ هَذَا الْكَلَامُ مَرْفُوعًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي هَذَا الْقَوْلِ : إنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ إنَّمَا أَرَادَ فَوَاتَهَا فِي الْجَمَاعَةِ لَا فَوَاتَهَا بِاصْفِرَارِ الشَّمْسِ أَوْ مَغِيبِهَا لِمَا يَفُوتُهُ مِنْ صَلَاتِهَا فِي الْجَمَاعَةِ مِنْ حُضُورِ الْمَلَائِكَةِ فِيهَا فَصَارَ مَا يَفُوتُهُ مِنْ هَذَا الْمَشْهَدِ الْعَظِيمِ الَّذِي يَجْتَمِعُ فِيهِ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ أَعْظَمَ مِنْ ذَهَابِ أَهْلِهِ ، وَمَالِهِ فَكَأَنَّهُ قَالَ الَّذِي يَفُوتُهُ هَذَا الْمَشْهَدُ الَّذِي أَوْجَبَ الْبَرَكَةَ لِلْعَصْرِ كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ ، وَمَالَهُ ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ فَوَاتَ وَقْتِهَا كُلِّهِ بِاصْفِرَارٍ أَوْ غَيْبُوبَةٍ لَبَطَلَ الِاخْتِصَاصُ ؛ لِأَنَّ ذَهَابَ الْوَقْتِ كُلِّهِ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ، بِهَذَا الْمَعْنَى فَسَّرَهُ ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ نَافِعٍ . وَذَكَرَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ مَالِكٍ وَابْنُ سَحْنُونٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَهُوَ مِثْلُ حَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ ، وَمَا فَاتَتْهُ وَلِمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا أَكْثَرُ مِنْ أَهْلِهِ ، وَمَالِهِ يُرِيدُ إنَّ الرَّجُلَ لَيُصَلِّي الصَّلَاةَ فِي الْوَقْتِ الْمَفْضُولِ وَلِمَا فَاتَهُ مِنْ وَقْتِهَا الْفَاضِلِ الَّذِي مَضَى عَلَيْهِ اخْتِيَارُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَكَتَبَ بِهِ عُمَرُ إلَى عُمَّالِهِ أَفْضَلُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ وَلَيْسَ فِي الْإِسْلَامِ حَدِيثٌ يَقُومُ مَقَامَ هَذَا الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ { حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ } وَلَا يُوجَدُ حَدِيثٌ فِيهِ تَكْيِيفُ الْمُحَافَظَةِ غَيْرُهُ انْتَهَى . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ هُشَيْمِ عَنْ حَجَّاجٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ ، وَمَالَهُ } ( الرَّابِعَةُ ) حُكِيَ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ هَذَا فِيمَنْ فَاتَتْهُ نَاسِيًا وَيُوَافِقُهُ تَبْوِيبُ التِّرْمِذِيِّ عَلَيْهِ بَابَ مَا جَاءَ فِي السَّهْوِ عَنْ وَقْتِ صَلَاةِ الْعَصْرِ . وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُمْ : هُوَ فِي الْمُتَعَمَّدِ قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ وَيُؤَيِّدُهُ حَدِيثُ الْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ { مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُهُ } ، وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ فِي الْعَامِدِ انْتَهَى . وَيُوَافِقُهُ تَبْوِيبُ الْبُخَارِيِّ عَلَيْهِ بَابَ إثْمِ مَنْ فَاتَهُ الْعَصْرُ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ الْإِثْمَ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْعَمْدِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ فِي الذَّاكِرِ أَنَّ السَّاهِيَ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ وَلَا مُفَوَّتٍ بَلْ يَثْبُتُ لَهُ أَمْرُ الذَّاكِرِ مَتَى فَعَلَ عِنْدَ الذِّكْرِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { لَيْسَ فِي السَّهْوِ تَفْرِيطٌ ، وَإِنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الذِّكْرِ } . ( قُلْت ) : لَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَاَلَّذِي وَقَفْت عَلَيْهِ { لَيْسَ التَّفْرِيطَ فِي النَّوْمِ إنَّمَا التَّفْرِيطُ فِي الْيَقِظَةِ أَنْ يُؤَخِّرَ الرَّجُلُ الصَّلَاةَ إلَى أَنْ يَدْخُلَ وَقْتُ صَلَاةٍ أُخْرَى } وَتَقَدَّمَ مِنْ مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ حَدِيثُ أَبِي الدَّرْدَاءِ { مَنْ تَرَكَ صَلَاةً مَكْتُوبَةً حَتَّى تَفُوتَهُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ { مَنْ تَرَكَ الْعَصْرَ حَتَّى تَغِيبَ الشَّمْسُ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ ، وَمَالَهُ } . ( الْخَامِسَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْوُسْطَى صَلَاةُ الْعَصْرِ وَرَوَى السَّرَّاجُ فِي مُسْنَدِهِ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَفِي آخِرِهِ يَقُولُ سَالِمٌ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَرَى لِصَلَاةِ الْعَصْرِ فَضِيلَةً لِلَّذِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا وَيَرَى أَنَّهَا الْوُسْطَى ، وَقَدْ تَقَدَّمَ إيضَاحُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ . ( السَّادِسَةُ ) وَجْهُ إيرَادِ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي الْمَوَاقِيتِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ تَأْكِيدِ أَمْرِ الْوَقْتِ بِكَوْنِهِ حَضَّ عَلَى إيقَاعِهَا فِي وَقْتِهَا وَتَوَعَّدَ عَلَى تَرْكِ ذَلِكَ . ( السَّابِعَةُ ) هَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي نَقَلَهَا الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ أَبِي مُسْلِمٍ الْكَشِّيِّ رَوَاهَا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ فَاتَتْهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَكَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلَهُ ، وَمَالَهُ ، وَهُوَ قَاعِدٌ } وَكَأَنَّ مَعْنَى هَذِهِ الزِّيَادَةِ أَنَّهُ وُتِرَ هَذَا الْوِتْرَ ، وَهُوَ قَاعِدٌ غَيْرُ مُقَاتِلٍ عَنْهُمْ وَلَا ذَابٍّ ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْغَمِّ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ ذَبَّ عَنْهُمْ وَقَاتَلَ وَمَعَ ذَلِكَ غُلِبَ كَانَ أَسْلَى لَهُ وَأَدْفَعَ لِلْغَمِّ عَنْهُ بِخِلَافِ مَا إذَا تَرَكَ الْمُقَاتَلَةَ عَنْهُمْ إمَّا لِلْعَجْزِ عَنْ ذَلِكَ أَوْ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ أَيْ مُشَاهِدٌ لِتِلْكَ الْمُصِيبَةِ غَيْرُ غَائِبٍ عَنْهَا فَهُوَ أَشَدُّ لِتَحَسُّرِهِ وَأَبْلَغُ فِي غَمِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا } زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ { فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ } وَقَالَ مُسْلِمٌ ( بِقَرْنِ الشَّيْطَانِ ) . ( الْحَدِيثُ السَّابِعُ ) وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ فَيُصَلِّيَ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا } فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) تَحَرِّي الشَّيْءِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَالرَّاءِ الْمُشَدَّدَةِ قَصْدُهُ وَتَوَخِّيهِ وَتَعَمُّدُهُ وَتَخْصِيصُهُ بِأَمْرٍ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { فَأُولَئِكَ تَحَرَّوْا رَشَدًا } أَيْ تَوَخَّوْا وَتَعَمَّدُوا ، وَهُوَ طَلَبُ مَا هُوَ أَحْرَى أَيْ أَجْدَرُ بِالِاسْتِعْمَالِ فِي غَالِبِ الظَّنِّ فَقَوْلُهُ : لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ إلَى آخِرِهِ أَيْ لَا يَقْصِدْ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ لِتَخْصِيصِهِمَا بِإِيقَاعِ الصَّلَاةِ فِيهِمَا . وَكَذَا وَقَعَ فِي الْمُوَطَّإِ ، وَالصَّحِيحَيْنِ لَا يَتَحَرَّى بِإِثْبَاتِ الْأَلِفِ وَكَانَ الْوَجْهُ حَذْفُهَا لِيَكُونَ ذَلِكَ عَلَامَةَ جَزْمِهِ وَلَكِنَّ الْإِثْبَاتَ إشْبَاعٌ فَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى { إنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرُ } فِيمَنْ قَرَّا بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَقَوْلُهُ فَيُصَلِّيَ بِالنَّصْبِ فِي جَوَابِ النَّهْيِ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْجُمْلَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْهُمْ ، وَالْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ صَلَاةَ التَّطَوُّعِ وَالنَّوَافِلِ كُلَّهَا غَيْرُ جَائِزٍ شَيْءٌ مِنْهَا أَنْ يُصَلَّى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلَا عِنْدَ غُرُوبِهَا انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَجْمَعَتْ الْأَمَةُ عَلَى كَرَاهَةِ صَلَاةٍ لَا سَبَبَ لَهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ انْتَهَى . وَضَمَّ إلَى هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ فِي نَقْلِ الْإِجْمَاعِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةَ الَّتِي سَنَذْكُرُهَا بَعْدَ ذَلِكَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَسَتَعْرِفُ أَنَّ تِلْكَ لَيْسَتْ مُجْمَعًا عَلَى كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) اقْتَصَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى حَالَتَيْ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا وَدَلَّ غَيْرُهُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ مُسْتَمِرٌّ بَعْدَ الطُّلُوعِ حَتَّى تَرْتَفِعَ ، وَأَنَّ النَّهْيَ يَتَوَجَّهُ قَبْلَ الْغُرُوبِ مِنْ حِينِ تَضَيُّفِ الشَّمْسِ أَيْ مَيْلِهَا ، وَهِيَ حَالَةُ صُفْرَتِهَا وَتَغَيُّرِهَا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { إذَا طَلَعَ حَاجِبُ الشَّمْسِ فَأَخِّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى تَرْتَفِعَ } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ حَتَّى يَبْرُزَ ، وَهُوَ بِمَعْنَاهُ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : { ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَانَا أَنْ نُصَلِّيَ فِيهِنَّ ، وَأَنْ نَقْبُرَ فِيهِنَّ مَوْتَانَا حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ بَازِغَةً حَتَّى تَرْتَفِعَ وَحِينَ يَقُومُ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ حَتَّى تَزُولَ وَحِينَ تَضَيَّفُ الشَّمْسُ لِلْغُرُوبِ } وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { قُلْت يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَخْبِرْنِي عَنْ الصَّلَاةِ قَالَ صَلِّ صَلَاةَ الصُّبْحِ ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ حَتَّى تَرْتَفِعَ ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ حِينَ تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ ، ثُمَّ صَلِّ ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى يَسْتَقِلَّ الظِّلُّ بِالرُّمْحِ ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ ، فَإِنَّ حِينَئِذٍ تُسْجَرُ جَهَنَّمُ ، فَإِذَا أَقْبَلَ الْفَيْءُ فَصَلِّ ، فَإِنَّ الصَّلَاةَ مَشْهُودَةٌ مَحْضُورَةٌ حَتَّى تُصَلِّيَ الْعَصْرَ ، ثُمَّ أَقْصِرْ عَنْ الصَّلَاةِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ ، فَإِنَّهَا تَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَحِينَئِذٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ } وَلَيْسَ الْمُرَادُ مُطْلَقُ الِارْتِفَاعِ عَنْ الْأُفُقِ بَلْ الِارْتِفَاعُ الَّذِي يَذْهَبُ مَعَهُ صُفْرَةُ الشَّمْسِ أَوْ حُمْرَتُهَا ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ بِقَدْرِ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ لَا تُنَافِي لَفْظَ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى عِنْدَ حَضْرَةُ الشَّيْءِ فَمَا قَارَبَ الطُّلُوعَ ، وَالْغُرُوبَ فَلَهُ حُكْمُهُ لَكِنَّ الْمُعْتَبَرَ مَا يُقَارِبُ الطُّلُوعَ مِمَّا بَعْدَهُ ، وَمَا يُقَارِبُ الْغُرُوبَ مِمَّا قَبْلَهُ وَتَمَسَّكَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ : إنَّ الْكَرَاهَةَ تَزُولُ بِطُلُوعِ قُرْصِ الشَّمْسِ بِتَمَامِهِ وَهُوَ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الِارْتِفَاعِ مَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا ، وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْحَنَفِيَّةِ فِي الْوَقْتِ الثَّانِي فَعَبَّرَ بَعْضُهُمْ بِالْغُرُوبِ وَبَعْضُهُمْ بِالتَّغَيُّرِ وَبَعْضُهُمْ بِالِاحْمِرَارِ وَبَعْضُهُمْ بِالِاصْفِرَارِ . ( الرَّابِعَةُ ) قَدْ عَرَفْت أَنَّ فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي حَالَةٍ ثَالِثَةٍ ، وَهِيَ حَالَةُ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ فِي كَبِدِ السَّمَاءِ حَتَّى تَزُولَ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَالْحَسَنُ بْنُ حُيَيِّ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَالْجُمْهُورُ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ . وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ عَدَمُ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ وَلَا أَكْرَهُ الصَّلَاةَ عِنْدَ اسْتِوَائِهَا فِي كَبِدِ السَّمَاءِ وَكَانَ الْأَفَاضِلُ يُصَلُّونَ حِينَئِذٍ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا أَكْرَهُ ذَلِكَ لَا فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ وَلَا فِي غَيْرِهِ وَلَا أَعْرِفُ هَذَا النَّهْيَ ، وَمَا أَدْرَكْت أَهْلَ الْفَضْلِ إلَّا وَهُمْ يَجْتَهِدُونَ وَيُصَلُّونَ نِصْفَ النَّهَارِ قَالَ فَقَدْ أَبَانَ مَالِكٌ حُجَّتَهُ فِي مَذْهَبِهِ هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَعْرِفْ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ وَسَطَ النَّهَارِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لَا أَكْرَهُهُ وَلَا أُحِبُّهُ قَالَ : وَمَحْمَلُ هَذَا عِنْدِي أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عِنْدَهُ حَدِيثُ الصُّنَابِحِيِّ أَوْ صَحَّ عِنْدَهُ وَاسْتَثْنَى الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ بِالْعَمَلِ الَّذِي لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِثْلُهُ إلَّا تَوْقِيفًا قَالَ وَمِمَّنْ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ أَيْضًا الْحَسَنُ وَطَاوُسٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَكَانَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ يَكْرَهُ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ فِي الصَّيْفِ وَيُبِيحُ ذَلِكَ فِي الشِّتَاءِ . وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ اللَّيْثِ مِثْلَ قَوْلِ مَالِكٍ قَالَ وَأَجَازَ مَكْحُولٌ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ لِلْمُسَافِرِ ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ كُنَّا نَنْهَى عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيُّ أَدْرَكْتُ النَّاسَ وَهُمْ يَتَّقُونَ ذَلِكَ انْتَهَى . ( الْخَامِسَةُ ) اسْتَثْنَى الشَّافِعِيَّةُ مِنْ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ نِصْفَ النَّهَارِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالُوا : لَا تُكْرَهُ فِيهِ الصَّلَاةُ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَهْلِ الشَّامِ وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي عَنْ الْحَسَنِ وَطَاوُسٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ . وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابُهُ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْكَرَاهَةِ بَيْنَ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهِ وَتَمَسَّكُوا بِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ حَكَى أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَحْمَدَ فَقَالَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ وَحَدِيثُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَحَدِيثُ الصُّنَابِحِيِّ انْتَهَى . وَتَمَسَّك الْأَوَّلُونَ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَدَبَ النَّاسَ إلَى التَّكْبِيرِ إلَى الْجُمُعَةِ وَرَغَّبَ فِي الصَّلَاةِ إلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ وَلَا اسْتِثْنَاءٍ وَاسْتَأْنَسُوا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي الْخَلِيلِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ كَرِهَ الصَّلَاةَ نِصْفَ النَّهَارِ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَالَ إنَّ جَهَنَّمَ تُسْجَرُ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ } قَالَ أَبُو دَاوُد هُوَ مُرْسَلُ أَبُو الْخَلِيلِ لَمْ يُسْمَعْ مِنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَلَهُ شَوَاهِدُ ، وَإِنْ كَانَتْ أَسَانِيدُهَا ضَعِيفَةً فَرَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ وَابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا . وَالِاعْتِمَادُ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اسْتَحَبَّ التَّكْبِيرَ إلَى الْجُمُعَةِ ، ثُمَّ رَغَّبَ فِي الصَّلَاةِ إلَى خُرُوجِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ تَخْصِيصٍ وَلَا اسْتِثْنَاءٍ } انْتَهَى . وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يَلْحَقُ بِوَقْتِ الِاسْتِوَاءِ بَاقِي الْأَوْقَاتِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، فَإِنْ أَلْحَقْنَا جَازَ التَّنَفُّلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي سَائِرِ الْأَوْقَاتِ الْمَكْرُوهَةِ لِكُلِّ أَحَدٍ ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَصَحِّ فَهَلْ يَجُوزُ التَّنَفُّلُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ لِكُلِّ أَحَدٍ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا نَعَمْ ، وَالثَّانِي لَا يَجُوزُ لِمَنْ لَيْسَ فِي الْجَامِعِ ، وَأَمَّا مَنْ فِي الْجَامِعِ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا يَجُوزُ مُطْلَقًا ، وَالثَّانِي يَجُوزُ بِشَرْطِ أَنْ يُبَكِّرَ وَيَغْلِبَهُ النُّعَاسُ وَقِيلَ يَكْفِي النُّعَاسُ بِلَا تَبْكِيرٍ . ( السَّادِسَةُ ) صَحَّ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي حَالَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ وَهُمَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيُّونَ وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَشْرُقَ الشَّمْسُ } . وَفِي رِوَايَةٍ حَتَّى تَطْلُعَ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ ، وَالْجُمْهُورُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُمْ رَأَوْا النَّهْيَ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ أَخَفَّ مِنْهُ فِي الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَأَبَاحُوا فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ مَا لَمْ يُبِيحُوهُ فِي الصُّوَرِ الْمُتَقَدِّمَةِ كَمَا سَنَحْكِيهِ عَنْهُمْ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَخَالِدِ بْنَ الْوَلِيدِ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَغَيْرِهِمْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَسَعْدٍ وَمُعَاذِ ابْنِ عَفْرَاءَ وَابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : وَحَسْبُك بِضَرْبِ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ بِالدِّرَّةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَجِيزُ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِهِ إلَّا لِصِحَّةِ ذَلِكَ عِنْدَهُ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ ، وَمَالَ إلَيْهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ بَعْدَ ذِكْرِهِ ثُبُوتَ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ فَدَلَّ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَّا أَنْ تُصَلُّوا ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ } . وَقَوْلُهُ { لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ } مَعَ قَوْلِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ { ثَلَاثُ سَاعَاتٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى أَنْ يُصَلَّى فِيهِنَّ } . الْحَدِيثُ مَعَ سَائِرِ الْأَخْبَارِ الْمَذْكُورَةِ فِي غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ عَلَى أَنَّ الْوَقْتَ الْمَنْهِيَّ عَنْ الصَّلَاةِ فِيهِ هَذِهِ الْأَوْقَاتُ الثَّلَاثَةُ قَالَ وَفِيمَنْ رَوَيْنَا عَنْهُ الرُّخْصَةَ فِي التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَرَوَيْنَا مَعْنَى ذَلِكَ عَنْ الزُّبَيْرِ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَعَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ وَفَعَلَ ذَلِكَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ وَعَمْرُو بْنُ مَيْمُونٍ وَمَسْرُوقٌ وَشُرَيْحٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي الْهُذَيْلِ وَأَبُو بُرْدَةَ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَدِ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْبَيْلَمَانِيُّ وَالْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ . وَقَالَ أَحْمَدُ : لَا نَفْعَلُهُ وَلَا نَعِيبُ فَاعِلَهُ وَبِهِ قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ وَأَبُو أَيُّوبَ وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ إبَاحَةَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ ، وَالْعَصْرِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَصْحَابِهِ وَبِلَالٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ( قُلْت ) : الَّذِي فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَكْثَرِ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ فِعْلُ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ إبَاحَتِهِمْ الرَّكْعَتَيْنِ بِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِمَا إبَاحَةُ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْعَصْرِ مُطْلَقًا فَيَكُونُ هَذَا مَذْهَبًا ثَالِثًا مُفَصَّلًا بَيْنَ الرَّكْعَتَيْنِ ، وَمَا زَادَ عَلَيْهِمَا . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ قَائِلُونَ لَا بَأْسَ بِالتَّطَوُّعِ بَعْدَ الصُّبْحِ ، وَالْعَصْرِ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا قُصِدَ بِهِ تَرْكُ الصَّلَاةِ عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَّا أَنْ تُصَلُّوا ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ } . وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا تَحَرَّوْا بِصَلَاتِكُمْ طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا } وَبِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى الصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ بَعْدَ الصُّبْحِ ، وَالْعَصْرِ إذَا لَمْ يَكُنْ عِنْدَ الطُّلُوعِ ، وَالْغُرُوبِ قَالُوا فَالنَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ ، وَالْعَصْرِ هَذَا مَعْنَاهُ وَحَقِيقَتُهُ ؛ قَالُوا وَمَخْرَجُهُ عَلَى قَطْعِ الذَّرِيعَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُبِيحَتْ الصَّلَاةُ بَعْدَ الصُّبْحِ ، وَالْعَصْرِ لَمْ يُؤْمَنْ التَّمَادِي فِيهَا إلَى الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ، وَهِيَ حِينَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَحِينَ غُرُوبِهَا . هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : أَمَّا أَنَا فَلَا أَنْهَى أَحَدًا يُصَلِّي مِنْ لَيْلٍ أَوْ نَهَارٍ غَيْرَ أَنْ لَا يَتَحَرَّى طُلُوعَ الشَّمْسِ وَلَا غُرُوبَهَا ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ ذَلِكَ ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ . ( قُلْت ) هُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلُهُ . وَهُوَ مَذْهَبُ عَائِشَةَ قَالَتْ أُوهِمَ عُمَرُ إنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الصَّلَاةِ أَنْ يَتَحَرَّى بِهَا طُلُوعَ الشَّمْسِ أَوْ غُرُوبَهَا . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِي ثَلَاثِ سَاعَاتٍ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ وَنِصْفَ النَّهَارِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ ، وَتَحْرُمُ فِي سَاعَتَيْنِ حِينَ يَطْلُعُ قَرْنُ الشَّمْسِ حَتَّى يَسْتَوِيَ طُلُوعُهَا وَحِينَ تَصْفَرُّ حَتَّى يَسْتَوِيَ غُرُوبُهَا انْتَهَى . وَهُوَ مَذْهَبٌ رَابِعٌ ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورِينَ قَبْلَهُ لَمْ يَكْرَهُوا الصَّلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ ، وَالْعَصْرِ وَهَذَا كَرِهَهَا ( فَإِنْ قَلْتَ ) هَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ ؛ لِأَنَّهُمْ اقْتَصَرُوا فِي كُتُبِهِمْ عَلَى الْكَرَاهَةِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ وَعَبَّرُوا فِي الصُّوَرِ الْأُخْرَى بِعَدَمِ الْجَوَازِ ( قُلْتُ ) هُوَ كَذَلِكَ وَمَعَ ذَلِكَ فَيُخَالِفُهُمْ ؛ لِأَنَّهُ ضَمَّ حَالَةَ الِاسْتِوَاءِ إلَى هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ فِي الْكَرَاهَةِ وَهُمْ ضَمُّوهَا إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا فِي عَدَمِ الْجَوَازِ . وَذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إلَى التَّحْرِيمِ فِي حَالَتَيْ الطُّلُوعِ وَالْغُرُوبِ ، وَالْكَرَاهَةِ فِيمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَالصُّبْحِ ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَجُوزُ بَعْدَ الصُّبْحِ أَيْ وَيَجُوزُ بَعْدَ الْعَصْرِ وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ عُمَرَ ، ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ قُدَامَةَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ حَاطِبٍ قَالَ مَاتَتْ عَمَّتِي ، وَقَدْ أَوْصَتْ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَيْهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَجِئْته حِينَ صَلَّيْنَا الصُّبْحَ فَأَعْلَمْته فَقَالَ اجْلِسْ فَجَلَسْت حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ وَصَفَتْ ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى عَلَيْهَا قَالُوا فَهَذَا ابْنُ عُمَرَ ، وَهُوَ يُبِيحُ الصَّلَاةَ بَعْدَ الْعَصْرِ قَدْ كَرِهَهَا بَعْدَ الصُّبْحِ انْتَهَى . فَهَذَا مَذْهَبٌ خَامِسٌ فِي الْمَسْأَلَةِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ مَنَعَ الصَّلَاةَ بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَجَوَّزَهَا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى الِاصْفِرَارِ لِحَدِيثِ الرَّكْعَتَيْنِ وَلِحَدِيثِ عَلِيٍّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إلَّا ، وَالشَّمْسُ مُرْتَفِعَةٌ } وَهُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَزَادَ عَلَيْهِ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ فَجَوَّزَهَا إلَى بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَرَأَى النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ مَنْسُوخًا . السَّابِعَةُ ) الَّذِينَ قَالُوا بِالنَّهْيِ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ النَّهْيَ فِيمَا بَعْدَ الْعَصْرِ مُتَعَلِّقٌ بِفِعْلِ الصَّلَاةِ ، فَإِنْ قَدَّمَهَا اتَّسَعَ وَقْتُ النَّهْيِ ، وَإِنْ أَخَّرَهَا ضَاقَ فَأَمَّا فِيمَا بَعْدَ الصُّبْحِ فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ إنَّمَا تَحْصُلُ الْكَرَاهَةُ بَعْدَ فِعْلِ الصُّبْحِ كَمَا هُوَ مُقْتَضَى الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدِّمَةِ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ ، وَالْحَنَفِيَّةُ إلَى ثُبُوتِ الْكَرَاهَةِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ سِوَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ : إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَقَطَعَ بِهِ الْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ كَانُوا يَكْرَهُونَ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ أَنْ يُصَلُّوا إلَّا رَكْعَتَيْنِ . وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ زِيَادٍ وَحُمَيْدَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ : وَرُوِيَتْ كَرَاهَتُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَلَيْسَ يَثْبُتُ ذَلِكَ عَنْهُمَا وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ يَسَارٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ قَالَ : رَآنِي ابْنُ عُمَرَ وَأَنَا أُصَلِّي بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَالَ : يَا يَسَارُ { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ فَقَالَ لِيُبْلِغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا سَجْدَتَيْنِ } وَفِي لَفْظٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَّا سَجْدَتَانِ وَفِي لَفْظٍ لَهُ إلَّا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَقَالَ غَرِيبٌ . وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ إنَّمَا تَثْبُتُ الْكَرَاهَةُ بَعْدَ صَلَاةِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَلَهُ قَبْلَهُمَا أَنْ يُصَلِّيَ مَا شَاءَ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْمَذْكُورُ أَوَّلًا وَلِهَذَا قَالُوا : إنَّ أَوْقَاتَ الْكَرَاهَةِ خَمْسَةٌ ثَلَاثَةٌ يَتَعَلَّقُ النَّهْيُ فِيهَا بِالزَّمَانِ وَاثْنَانِ يَتَعَلَّقُ النَّهْيُ فِيهِمَا بِالْفِعْلِ . وَعَدَّهَا النَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ ثَلَاثَةً عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ وَبَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ وَبَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ وَنَسَبَ فِي ذَلِكَ إلَى نَوْعِ تَسَاهُلٍ وَقَالَ هُوَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : إنَّ عَدَّهَا خَمْسَةً أَجْوَدُ ؛ لِأَنَّ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ حَتَّى طَلَعَتْ الشَّمْسُ أَوْ الْعَصْرَ حَتَّى غَرَبَتْ يُكْرَهُ لَهُ التَّنَفُّلُ ، وَهَذَا لَا يُفْهَمُ مِنْ عَدِّهَا ثَلَاثًا وَفِي الْمُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ أَنَّ أَحْمَدَ عَدَّهَا ثَلَاثَةً وَعَدَّهَا أَصْحَابُهُ خَمْسَةً . وَكَذَا فَعَلَ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ خَلَطَ وَقْتَيْ الْفِعْلِ بِوَقْتَيْ الزَّمَانِ فَأَفْرَدَ الْكَرَاهَةَ فِيمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ فَجَعَلَهَا وَقْتًا آخَرَ فَقَالَ : إنَّ أَوْقَاتَ الْكَرَاهَةِ أَرْبَعَةٌ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ حَتَّى تُصَلَّى الصُّبْحُ وَبَعْدَ الصَّلَاةِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَتَرْتَفِعَ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ الشَّمْسُ وَسَنَحْكِي الرَّابِعَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ . وَكَذَا فَعَلَ الدَّارِمِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فِي إفْرَادِ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ فَعَدَّهَا سَبْعَةً الْخَمْسَةُ الْمَشْهُورَةُ وَهَذِهِ الصُّورَةُ ، وَالسَّابِعَةُ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ إلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ عَلَى وَجْهٍ عِنْدَنَا وَاسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ مِنْ الْكَرَاهَةِ فِيمَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ اسْتِدْرَاكَ قِيَامِ اللَّيْلِ لِمَنْ نَامَ عَنْ عَادَتِهِ فَقَالُوا يَفْعَلُهُ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ بَقِيَ عَلَيْهِ مِنْ وِرْدِهِ شَيْءٌ ، وَهُوَ يُصَلِّي ، وَقَدْ طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَالَ يَقْرَأُ بَقِيَّةَ وِرْدِهِ وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ إنَّ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ لَجُزْءًا حَسَنًا مِنْ اللَّيْلِ وَكَانَ يَقْرَأُ بَعْدَ الْفَجْرِ بِالْبَقَرَةِ . ( الثَّامِنَةُ ) زَادَ الْمَالِكِيَّةُ فِي أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ وَقْتًا آخَرَ ، وَهُوَ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ النَّاسُ وَهُمْ مُطَالَبُونَ بِالدَّلِيلِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ ، وَهِيَ الصُّورَةُ الرَّابِعَةُ الَّتِي وَعَدْت بِحِكَايَتِهَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ شَاسٍ وَزَادَ الْحَنَفِيَّةُ وَقْتًا آخَرَ ، وَهُوَ بَعْدَ الْغُرُوبِ قَبْلَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَنَا حَكَاهُ الدَّارِمِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ وَيَرُدُّهُ الْأَمْرُ بِصَلَاةِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ وَقَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ الْمُرَادُ بِحَصْرِ الْكَرَاهَةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَوْقَاتِ الْأَصْلِيَّةِ فَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّهُ يُكْرَهُ التَّنَفُّلُ وَقْتَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ وَوَقْتَ صُعُودِ الْإِمَامِ لِخُطْبَةِ الْجُمُعَةِ . ( التَّاسِعَةُ ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ هَلْ هُوَ لِلتَّحْرِيمِ أَوْ لِلتَّنْزِيهِ وَلِأَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ وَجْهَانِ فَاَلَّذِي صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ لِلتَّحْرِيمِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ النَّهْيِ فِي قَوْلِهِ لَا تُصَلُّوا ، وَالنَّفْيِ فِي قَوْلِهِ لَا صَلَاةَ ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ مَعْنَاهُ النَّهْيُ . وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى هَذَا فِي الرِّسَالَةِ وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي التَّحْقِيقِ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَهَلْ تَنْعَقِدُ الصَّلَاةُ لَوْ فَعَلَهَا أَوْ هِيَ بَاطِلَةٌ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ بُطْلَانَهَا وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا بَاطِلَةٌ لَوْ قُلْنَا بِأَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ كَرَاهَةَ تَنْزِيهٍ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ تَبَعًا لِابْنِ الصَّلَاحِ وَاسْتَشْكَلَهُ شَيْخُنَا الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ بِأَنَّهُ كَيْفَ يُبَاحُ الْإِقْدَامُ عَلَى مَا لَا يَنْعَقِدُ وَهُوَ تَلَاعُبٌ وَلَا إشْكَالَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ نَهْيَ التَّنْزِيهِ إذَا رَجَعَ إلَى نَفْسِ الصَّلَاةِ يُضَادُّ الصِّحَّةَ كَنَهْيِ التَّحْرِيمِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ وَحَاصِلُهُ أَنَّ الْمَكْرُوهَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ الْأَمْرِ وَإِلَّا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الشَّيْءُ مَطْلُوبًا مَنْهِيًّا وَلَا يَصِحُّ إلَّا مَا كَانَ مَطْلُوبًا . ( الْعَاشِرَةُ ) حَمَلَ الْحَنَفِيَّةُ هَذَا النَّهْيَ الَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَفِي صُورَةِ الِاسْتِوَاءِ عَلَى عُمُومِهِ فَطُرِدَ النَّهْيُ فِي كُلِّ صَلَاةٍ ، وَلَوْ كَانَتْ فَرِيضَةً فَائِتَةً ، وَلَوْ كَانَتْ ذَاتَ سَبَبٍ كَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ ، وَلَوْ صَبَّحَ يَوْمَهُ فَلَوْ أَخَّرَ صَلَاةَ الصُّبْحِ حَتَّى شَرَعَتْ الشَّمْسُ فِي الطُّلُوعِ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَبْتَدِئَهَا حَتَّى يَتِمَّ طُلُوعُهَا وَتَرْتَفِعَ ، وَلَوْ شَرَعَ فِيهَا قَبْلَ ذَلِكَ فَطَلَعَتْ الشَّمْسُ ، وَهُوَ فِي أَثْنَائِهَا بَطَلَتْ وَوَجَبَ اسْتِئْنَافُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يُسْتَثْنَ مِنْ ذَلِكَ إلَّا عَصْرُ يَوْمِهِ فَقَالُوا لَهُ فِعْلُهُ عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ ، وَلَوْ شَرَعَ فِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ فَغَرَبَتْ الشَّمْسُ ، وَهُوَ فِي أَثْنَائِهَا ، أَتَمَّ وَقَالُوا إنَّ النَّهْيَ عَنْ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصُّبْحِ ، وَالْعَصْرِ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ فَلَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي ذَيْنِك الْوَقْتَيْنِ الْفَوَائِتَ وَسَجْدَةَ التِّلَاوَةِ وَيُصَلِّيَ عَلَى الْجِنَازَةِ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ الْكَرَاهَةَ إنَّمَا هِيَ حَقُّ الْفَرْضِ لِيَصِيرَ الْوَقْتُ كَالْمَشْغُولِ بِهِ لَا لِمَعْنًى فِي الْوَقْتِ بِخِلَافِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الْمُقَدَّمَةِ . وَبِذَلِكَ يَظْهَرُ أَنَّ قَوْلَ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ اتَّفَقُوا عَلَى جَوَازِ الْفَرَائِضِ الْمُؤَدَّاةِ فِيهَا مَرْدُودٌ ، فَإِنَّ الْحَنَفِيَّةَ مَنَعُوا الصُّبْحَ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَزَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَمُنِعَ الْعَصْرُ أَيْضًا ذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ طَرِيقِهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ نَامَ فِي بُسْتَانٍ عَنْ الْعَصْرِ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ حَتَّى اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ فَلَمْ يُصَلِّ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى . وَذَهَبَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ النَّهْيَ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ إنَّمَا هُوَ فِي صَلَاةٍ لَا سَبَبَ لَهَا فَأَمَّا مَا لَهُ سَبَبٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ أَوْ مُقَارِنٌ لَهُ فَيَجُوزُ فِعْلُهُ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ ، وَهَذَا كَالْفَائِتَةِ ، وَلَوْ كَانَتْ مِنْ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ أَوْ مِنْ النَّوَافِلِ الَّتِي اتَّخَذَهَا الْإِنْسَانُ وِرْدًا لَهُ وَكَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ ، وَالشُّكْرِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَسُنَّةِ الْوُضُوءِ ، وَلَوْ تَوَضَّأَ فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ وَصَلَاةِ الِاسْتِسْقَاءِ عَلَى الْأَصَحِّ خِلَافًا لِمَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِيهَا فِي بَابِهَا ، وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ إذَا دَخَلَ لِغَرَضٍ غَيْرِ صَلَاةِ التَّحِيَّةِ فَلَوْ دَخَلَ لَا لِحَاجَةٍ بَلْ لِيُصَلِّيَ التَّحِيَّةَ فَقَطْ فَفِيهِ وَجْهَانِ . ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ أَنَّ أَقْيَسَهُمَا الْكَرَاهَةُ وَشَبَّهَا ذَلِكَ بِمَا لَوْ أَخَّرَ الْفَائِتَةَ لِيُصَلِّيَهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّهُ لَوْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ نَقُلْ بِكَرَاهَةِ فِعْلِهِمَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ ، وَالْمَكْرُوهُ هُوَ التَّأْخِيرُ فَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ الْمَكْرُوهُ هُنَا دُخُولَهُ الْمَسْجِدَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ بِذَلِكَ الْقَصْدِ لَا فِعْلَ التَّحِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ " وَقَوْلِي أَوَّلًا " مَا لَهُ سَبَبٌ مُتَقَدِّمٌ أَوْ مُقَارِنٌ خَرَجَ بِهِ مَا لَهُ سَبَبٌ مُتَأَخِّرٌ عَنْهُ كَصَلَاةِ الِاسْتِخَارَةِ وَرَكْعَتَيْ الْإِحْرَامِ فَيُكْرَهُ فِعْلُهُمَا فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ عَلَى الْأَصَحِّ . وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إنَّ مُقَابِلَهُ قَوِيٌّ فَهَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا وَوَافَقَنَا الْحَنَابِلَةُ عَلَى قَضَاءِ الْفَائِتَةِ إذَا كَانَتْ فَرِيضَةً وَفِي رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَفَصَلُوا فِي قَضَاءِ النَّافِلَةِ فَقَالُوا فِي الْوِتْرِ : إنَّ لَهُ فِعْلَهُ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ مَعَ أَنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَهُمْ ثُبُوتُ الْكَرَاهَةِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَكَذَا حَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى فِي الْإِرْشَادِ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ لَهُ قَضَاءَ صَلَاةِ اللَّيْلِ قَبْلَ فِعْلِ الصُّبْحِ قِيَاسًا عَلَى الْوِتْرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مِثْلُ ذَلِكَ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ وَجَوَّزُوا أَيْضًا قَضَاءَ سُنَّةِ الْفَجْرِ بَعْدَهَا ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ عِنْدَهُمْ تَأْخِيرَ ذَلِكَ إلَى الضُّحَى . وَأَمَّا بَقِيَّةُ الرَّوَاتِبِ فَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ جَوَازُ قَضَائِهَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ خَاصَّةً دُونَ بَقِيَّةِ أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ مُطْلَقًا ، وَأَمَّا كُلُّ صَلَاةٍ لَهَا سَبَبٌ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَصَلَاةِ الْكُسُوفِ وَسُجُودِ التِّلَاوَةِ فَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ مَنْعُهَا فِي كُلِّ أَوْقَاتِ النَّهْيِ وَقِيلَ بِجَوَازِهَا مُطْلَقًا ، وَأَمَّا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ فَجَوَّزُوهَا فِيمَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ ، وَالْعَصْرِ . وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَمَنَعُوهَا فِي الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ عُقْبَةَ فَأَشْبَهُوا فِي ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةَ ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى بِجَوَازِهَا فِي الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا ، وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَاسْتَثْنَوْا مِنْ أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ قَضَاءَ الْفَائِتَةِ عُمُومًا أَيْ الْفَرَائِضُ ، فَإِنَّهُمْ يَمْنَعُونَ قَضَاءَ الْفَوَائِتِ مُطْلَقًا ، وَلَوْ كَانَتْ رَوَاتِبَ وَاسْتَثْنَوْا أَيْضًا رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَاسْتِدْرَاكَ قِيَامِ اللَّيْلِ لِمَنْ نَامَ عَنْ عَادَتِهِ قَبْلَ فِعْلِ الصُّبْحِ فِيهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ . وَأَمَّا صَلَاةُ الْجِنَازَةِ وَسُجُودُ التِّلَاوَةِ فَمَنَعُوهُمَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَغُرُوبِهَا كَمَا فَعَلَ الْحَنَفِيَّةُ ، وَالْحَنَابِلَةُ ، وَضَابِطُ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ مِنْ وَقْتِ الْإِسْفَارِ ، وَالِاصْفِرَارِ . وَأَمَّا فِعْلُهُمَا بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَقَبْلَ الْإِسْفَارِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَقَبْلَ الِاصْفِرَارِ . فَفِيهِ عِنْدَهُمْ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْمَنْعُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُوَطَّإِ ، وَهُوَ قَادِحٌ فِي نَقْلِ ابْنِ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالْجَوَازُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْمُدَوَّنَةِ وَتَخْصِيصُ الْجَوَازِ بِمَا بَعْدَ الصُّبْحِ دُونَ مَا بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَهُوَ رَأْيُ ابْنِ حَبِيبٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ فِي النَّظَرِ إذْ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ خَبَرٍ ثَابِتٍ وَلَا قِيَاسٍ صَحِيحٍ انْتَهَى ، وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يُخْشَ تَغَيُّرُ الْمَيِّتِ ، فَإِنْ خِيفَ ذَلِكَ صُلِّيَ عَلَيْهِ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ ، وَقَدْ ظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ أَرْبَابَ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ جَوَّزُوا فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ مَا لَهُ سَبَبٌ فِي الْجُمْلَةِ ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي تَفَاصِيلِ ذَلِكَ ، وَأَنَّ الْحَنَفِيَّةَ جَوَّزُوا ذَلِكَ فِي وَقْتَيْنِ مِنْ أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ وَهُمَا بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ دُونَ بَقِيَّةِ الْأَوْقَاتِ . وَجَوَّزَ ابْنُ حَزْمٍ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ مَا لَهُ سَبَبٌ إذَا لَمْ يَتَذَكَّرْهُ إلَّا فِيهَا ، فَإِنْ تَذَكَّرَهُ قَبْلَهَا فَتَعَمَّدَ تَأْخِيرَهُ إلَيْهَا لَمْ يَجُزْ فِعْلُهُ فِيهَا ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ { لَا يَتَحَرَّى أَحَدُكُمْ } وَتَمَسَّكَ فِي ذَلِكَ الْجُمْهُورُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ نَسِيَ صَلَاةً أَوْ نَامَ عَنْهَا فَكَفَّارَتُهَا أَنْ يُصَلِّيَهَا إذَا ذَكَرَهَا } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَاللَّفْظُ لَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَبِحَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ لِي سَأَلْتِ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ إنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ فَشَغَلُونِي عَنْ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَهُمَا هَاتَانِ بَعْدَ الْعَصْرِ } . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ ، وَهَذَا مُخْتَصَرٌ وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ { مَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّجْدَتَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ عِنْدِي قَطُّ } . مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَيْضًا وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ ، ثُمَّ إنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا أَوْ نَسِيَهُمَا فَصَلَّاهُمَا بَعْدُ ، ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا وَكَانَ إذَا صَلَّى صَلَاةً أَثْبَتَهَا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ حَدِيثَ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ نُقِلَ نَقْلَ تَوَاتُرٍ يُوجِبُ الْعِلْمَ ، وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ وَفِيمَا ذَكَرْنَاهُ كِفَايَةٌ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَ بَعْضِ ذَوَاتِ السَّبَبِ وَبَعْضِهَا لَا مَعْنَى لَهُ ، وَكَذَلِكَ الْفَرْقُ بَيْنَ بَعْضِ أَوْقَاتِ الْكَرَاهَةِ وَبَعْضِهَا فَالْوَاجِبُ طَرْدُ الْحُكْمِ فِي جَمِيعِ الصُّوَرِ ؛ لِأَنَّا فَهِمْنَا مِنْ نَفْسِ الشَّرْعِ تَخْصِيصَ النَّهْيِ بِغَيْرِ ذَاتِ السَّبَبِ فَطَرَدْنَا الْحُكْمَ فِي سَائِرِ الصُّوَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ : قَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَا يَتَحَرَّى دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَقْصُودَ صَلَاةُ التَّطَوُّعِ دُونَ الْفَرْضِ ، وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَصَدَ بِهِ أَنْ لَا يَتْرُكَ الْمَرْءُ صَلَاةَ الْعَصْرِ إلَى غُرُوبِ الشَّمْسِ وَلَا صَلَاةَ الصُّبْحِ إلَى طُلُوعِهَا ، ثُمَّ يُصَلِّي فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ قَاصِدًا لِذَلِكَ مُفَرِّطًا وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ لِمَنْ نَامَ أَوْ نَسِيَ فَانْتَبَهَ أَوْ ذَكَرَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ؛ لِأَنَّ مَنْ عَرَضَ لَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِمُتَحَرٍّ لِلصَّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي هَذَا الْبَابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ وَمَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ فَقَدْ أَدْرَكَ الْعَصْرَ } وَمَعْلُومٌ أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الصُّبْحِ قَبْلَ الطُّلُوعِ أَوْ رَكْعَةً مِنْ الْعَصْرِ قَبْلَ الْغُرُوبِ فَقَدْ صَلَّى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَعِنْدَ غُرُوبِهَا وَدَلِيلٌ آخَرُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا } وَهَذَا كُلُّهُ يُوَضِّحُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إنَّمَا أُرِيدَ بِهِ التَّطَوُّعُ وَالتَّعَمُّدُ لِتَرْكِ الْفَرَائِضِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ حَدِيثَ النَّهْيِ وَحَدِيثِ مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا إنَّ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ عُمُومًا وَخُصُوصًا مِنْ وَجْهٍ فَحَدِيثُ النَّهْيِ خَاصٌّ فِي الْوَقْتِ عَامٌّ فِي الصَّلَاةِ وَحَدِيثُ النَّوْمِ وَالنِّسْيَانِ خَاصٌّ فِي الصَّلَاةِ الْفَائِتَةِ عَامٌّ فِي الْوَقْتِ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْآخَرِ عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ وَخَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ ، يَعْنِي وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُمْكِنُ الْقَضَاءُ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ لِعَدَمِ الْمُرَجَّحِ لَكِنَّ حَدِيثَ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ لَا يَأْتِي فِيهِ هَذَا الْبَحْثُ فَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْمَقْصُودِ وَحُجَّةٌ لِلْجُمْهُورِ وَقَوْلُ أُمِّ سَلَمَةَ لَهُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ أَسْمَعُك تَنْهَى عَنْ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ وَأَرَاك تُصَلِّيهِمَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَضَاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ بَعْدَ نَهْيِهِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ فَامْتَنَعَ أَنْ يُقَالَ إنَّ فِعْلَهُ لَهُمَا مَنْسُوخٌ بِالنَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَلَا يُقَالُ إنَّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ فَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّخْصِيصِ . وَمَا رُوِيَ مِنْ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ أَقْضِيهِمَا يَا رَسُولَ اللَّهِ إذَا فَاتَتَا قَالَ لَا لَمْ يَصِحَّ كَمَا أَوْضَحَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَاَلَّذِي اخْتَصَّ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ كَانَ يَأْتِي بِالرَّكْعَتَيْنِ دَائِمًا بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَإِنْ لَمْ تَفُوتَاهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ إذَا عَمِلَ عَمَلًا أَثْبَتَهُ وَلِهَذَا كَانَ الْمُرَجَّحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَوْ قَضَى فَائِتَةً فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لَمْ يَكُنْ لَهُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى مِثْلِهَا فِي وَقْتِ الْكَرَاهَةِ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَهُ ذَلِكَ وَلَمْ يُجْعَلْ هَذَا مِنْ الْخَصَائِصِ ، وَهُوَ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هَذَا الْحَدِيثُ هُوَ عُمْدَةُ أَصْحَابِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ وَلَيْسَ لَنَا أَصَحُّ دَلَالَةً مِنْهُ وَدَلَالَتُهُ ظَاهِرَةٌ وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ جَوَازَ قَضَاءِ الْفَرَائِضِ الْفَائِتَةِ فِي جَمِيعِ أَوْقَاتِ النَّهْيِ رُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ الْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ ، ثُمَّ قَالَ وَمِمَّنْ طَافَ بَعْدَ الصُّبْحِ ، وَالْعَصْرِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَفَعَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَالْحُسَيْنُ وَمُجَاهِدٌ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَفَعَلَهُ عُرْوَةُ بَعْدَ الصُّبْحِ وَهَذَا مَذْهَبُ عَطَاءٍ وَمُسْلِمٍ وَأَبِي ثَوْرٍ ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ تَجْوِيزِ الْوِتْرِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَحُذَيْفَةَ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَفَضَالَةَ بْنِ عُبَيْدٍ وَعَائِشَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَحُمَيْدَ الطَّوِيلُ إنَّ أَكْثَرَ وِتْرِنَا لَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ خَرَجَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَقَالَ لَنِعْمَ سَاعَةُ الْوِتْرِ هَذِهِ وَرُوِيَ عَنْ عَاصِمٍ قَالَ : جَاءَ أُنَاسٌ إلَى أَبِي مُوسَى فَسَأَلُوهُ عَنْ رَجُلٍ لَمْ يُوتِرْ حَتَّى أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ فَقَالَ لَا وِتْرَ لَهُ فَأَتَوْا عَلِيًّا فَسَأَلُوهُ فَقَالَ أَغْرَقَ فِي النَّزْعِ الْوِتْرُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الصَّلَاةِ انْتَهَى . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَثْنَى أَصْحَابُنَا مِنْ كَرَاهَةِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ مَنْ هُوَ بِمَكَّةَ شَرَّفَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَقَالُوا لَا تُكْرَهُ الصَّلَاةُ فِيهَا فِي شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لَا رَكْعَتَا الطَّوَافِ وَلَا غَيْرُهُمَا وَقِيلَ إنَّمَا يُبَاحُ رَكْعَتَا الطَّوَافِ وَبِهِ قَالَ الْحَنَابِلَةُ وَسَوَّى الْحَنَفِيَّةُ ، وَالْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَكَّةَ وَغَيْرِهَا وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا لِذَلِكَ بِحَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَا بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ لَا تَمْنَعُوا أَحَدًا طَافَ بِهَذَا الْبَيْتِ وَصَلَّى أَيَّةَ سَاعَةٍ شَاءَ مِنْ اللَّيْلِ ، وَالنَّهَارِ } . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إنَّهُ لَمْ يَصِحَّ ، وَهَذَا مَرْدُودٌ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَإِسْلَامُ جُبَيْرٍ مُتَأَخِّرٌ جِدًّا إنَّمَا أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ ، وَهَذَا بِلَا شَكٍّ بَعْدَ نَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْأَوْقَاتِ فَوَجَبَ اسْتِثْنَاءُ ذَلِكَ مِنْ النَّهْيِ . ( قُلْت ) قَدْ يُقَالُ : إنَّ هَذَا مِمَّا سَمِعَهُ قَبْلَ إسْلَامِهِ كَسَمَاعِهِ قِرَاءَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَغْرِبِ بِالطُّورِ قَبْلَ إسْلَامِهِ لَكِنَّ مُخَاطَبَتَهُ بَنِي عَبْدِ مَنَافٍ بِهَذَا الْكَلَامِ إنَّمَا هُوَ بَعْدَ أَنْ صَارَتْ مَكَّةُ دَارَ إسْلَامٍ وَهُوَ بَعْدَ الْفَتْحِ فَهُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنْ النَّهْيِ قَطْعًا فَلَوْ اسْتَنَدَ ابْنُ حَزْمٍ إلَى هَذَا لَكَانَ أَحْسَنَ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ مَرْفُوعًا { لَا صَلَاةَ بَعْدَ الصُّبْحِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ وَلَا بَعْدَ الْعَصْرِ حَتَّى تَغْرُبَ إلَّا بِمَكَّةَ } لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَفِي حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ مَا يُقَوِّيهِ مَعَ قَوْلِ جُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ بِهِ . ( قُلْت ) وَيُطْرَقُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ مِنْ الْبَحْثِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ مِنْ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عَامٌّ مِنْ وَجْهٍ خَاصٌّ مِنْ وَجْهٍ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِمَكَّةَ بَلْ يَعُمُّ جَمِيعَ الْحَرَمِ ، ثُمَّ الِاسْتِثْنَاءُ فِي حَقِّ مَنْ يَطُوفُ أَمَّا غَيْرُهُ فَفِيهِ وَجْهَانِ حَكَاهُمَا الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَهُمَا عَلَى غَرَابَتِهِمَا كَالْوَجْهَيْنِ فِيمَنْ لَمْ يَحْضُرْ الْجُمُعَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَذَكَرَ الْمَحَامِلِيُّ فِي الْمُقْنِعِ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ بِحَرَمِ مَكَّةَ خِلَافُ الْأَوْلَى حَكَاهُ عَنْهُ شَيْخُنَا فِي الْمُهِمَّاتِ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ زِيَادَةٌ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لَيْسَتْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ فِي صِفَةِ إبْلِيسَ وَجُنُودِهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدَةَ عَنْهُ لَفْظُهَا : فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بَيْنَ قَرْنَيْ شَيْطَانٍ أَوْ الشَّيْطَانِ لَا أَدْرِي أَيَّ ذَلِكَ قَالَ هِشَامٌ . وَالْحَدِيثُ فِي الْبُخَارِيِّ هُنَا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْهُ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ وَرَوَاهَا مُسْلِمٌ هُنَا مِنْ طَرِيقِ جَمَاعَةٍ عَنْهُ لَفْظُهَا ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ بِقَرْنَيْ شَيْطَانٍ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى الْعِلَّةِ فِي النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَاخْتَلَفُوا فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْكَلَامِ فَقِيلَ مَعْنَاهُ مُقَارَنَةُ الشَّيْطَانِ لِلشَّمْسِ عِنْدَ دُنُوِّهَا لِلْغُرُوبِ كَمَا رُوِيَ أَنَّ الشَّيْطَانَ يُقَارِنُهَا إذَا طَلَعَتْ ، فَإِذَا ارْتَفَعَتْ فَارَقَهَا ، فَإِذَا اسْتَوَتْ قَارَنَهَا ، فَإِذَا زَالَتْ فَارَقَهَا ، فَإِذَا دَنَتْ لِلْغُرُوبِ قَارَنَهَا فَإِذَا غَرَبَتْ فَارَقَهَا فَحُرِّمَتْ الصَّلَاةُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ الثَّلَاثَةِ لِذَلِكَ . وَقِيلَ مَعْنَى قَرْنِ الشَّيْطَانِ قُوَّتُهُ مِنْ قَوْلِك أَنَا مُقْرِنٌ لِهَذَا الْأَمْرِ أَيْ مُطِيقٌ لَهُ قَوِيٌّ عَلَيْهِ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ إنَّمَا يَقْوَى أَمْرُهُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ ؛ لِأَنَّهُ يُسَوِّلُ لِعَبَدَةِ الشَّمْسِ أَنْ يَسْجُدُوا لَهَا فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَقِيلَ قَرْنُهُ حِزْبُهُ وَأَصْحَابُهُ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ الشَّمْسَ وَقِيلَ إنَّ هَذَا تَمْثِيلٌ وَتَشْبِيهٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ تَأْخِيرَ الصَّلَاةِ إنَّمَا هُوَ تَسْوِيلُ الشَّيْطَانِ لَهُمْ وَتَزْيِينُهُ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ ، وَذَوَاتُ الْقُرُونِ إنَّمَا تُعَالِجُ الْأَشْيَاءَ وَتَدْفَعُهَا بِقُرُونِهَا فَكَأَنَّهُمْ لَمَّا دَافَعُوا الصَّلَاةَ وَأَخَّرُوهَا عَنْ أَوْقَاتِهَا بِتَسْوِيلِ الشَّيْطَانِ لَهُمْ حَتَّى اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ صَارَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ مَا يُعَالِجُهُ ذَوَاتُ الْقُرُونِ بِقُرُونِهَا وَتَدْفَعُهُ بِأَرْوَاقِهَا . وَقِيلَ إنَّ الشَّيْطَانَ يُقَابِلُ الشَّمْسَ عِنْدَ طُلُوعِهَا وَيَنْتَصِبُ دُونَهَا حَتَّى يَكُونَ طُلُوعُهَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ وَهُمَا جَانِبَا رَأْسِهِ فَيَنْقَلِبُ سُجُودُ الْكُفَّارِ لِلشَّمْسِ عِبَادَةً لَهُ انْتَهَى . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَمَعْنَى قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ هُنَا يَحْتَمِلُ الْحَقِيقَةَ ، وَالْمَجَازَ وَإِلَى الْحَقِيقَةِ ذَهَبَ الدَّاوُدِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَا بُعْدَ فِيهِ ، وَقَدْ جَاءَتْ آثَارٌ مُصَرِّحَةٌ بِغُرُوبِهَا عَلَى قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ ، وَأَنَّهَا تُرِيدُ عِنْدَ الْغُرُوبِ السُّجُودَ لِلَّهِ تَعَالَى فَيَأْتِي شَيْطَانٌ يَصُدُّهَا فَتَغْرُبُ بَيْنَ قَرْنَيْهِ وَيُحْرِقُهُ اللَّهُ . وَقَدْ قِيلَ إنَّ الشَّيْطَانَ حِينَئِذٍ يَجْعَلُهَا بَيْنَ قَرْنَيْهِ لِيُغَالِطَ نَفْسَهُ فِيمَنْ يَعْبُدُهَا وَيَسْجُدُ لَهَا عِنْدَ طُلُوعِهَا وَغُرُوبِهَا ، وَإِنَّهُمْ إنَّمَا يَسْجُدُونَ لَهُ وَقِيلَ قَرْنُهُ عُلُوُّهُ وَارْتِفَاعُهُ بِهَذَا ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ الْمَجَازُ ، وَالِاتِّسَاعُ ، وَإِنَّ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ أَوْ قَرْنَهُ الْأُمَّةُ الَّتِي تَعْبُدُ الشَّمْسَ وَتُطِيعُهُ فِي الْكُفْرِ بِاَللَّهِ ، وَإِنَّهَا لَمَّا كَانَتْ تَسْجُدُ لَهَا وَيُصَلِّي مَنْ يَعْبُدُهَا مِنْ الْكُفَّارِ حِينَئِذٍ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّشَبُّهِ بِهِمْ وَيَعْضُدُ هَذَا التَّأْوِيلَ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ ، فَإِنَّهَا تَطْلُعُ عَلَى قَرْنِ الشَّيْطَانِ وَيُصَلِّي لَهَا الْكُفَّارُ وَفِي رِوَايَةٍ يَسْجُدُ لَهَا الْكُفَّارُ وَقِيلَ قَرْنُهُ قُوَّتُهُ وَسُلْطَانُهُ . وَهُوَ عِبَادَةُ مَنْ عَبَدَهَا حِينَئِذٍ مِمَّنْ أَطَاعَهُ وَقَالَ الْحَرْبِيُّ فِيهِ قَرْنَا الشَّيْطَانِ نَاحِيَتَا رَأْسِهِ وَقَالَ هَذَا مَثَلٌ أَيْ حِينَ يَتَسَلَّطُ الشَّيْطَانُ وَقِيلَ مَعْنَى قَرْنِهِ مُقَارَنَتُهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقِيلَ هُوَ تَمْثِيلٌ أَيْ إنَّ تَأْخِيرَهَا وَدَفْعَهَا عَنْ وَقْتِهَا بِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ كَدَفْعِ ذَوَاتِ الْقُرُونِ لِمَا تَدْفَعُهُ انْتَهَى . وَصَحَّحَ النَّوَوِيُّ الْوَجْهَ الْأَخِيرَ فِي كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ وَعَزَا لِلْخَطَّابِيِّ الْجَزْمَ بِالْوَجْهِ الرَّابِعِ ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ حَكَى هُنَا خَمْسَةَ أَوْجُهٍ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ . بَابُ الْأَذَانِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ حَتَّى إذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ ، حَتَّى إذَا قَضَى التَّثْوِيبَ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ فَيَقُولَ لَهُ : اُذْكُرْ كَذَا وَاذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ } الْحَدِيثَ وَقَالَ { فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِينُ أَقْبَلَ حَتَّى إذَا ثُوِّبَ أَدْبَرَ } وَلَمْ يَقُلْ مِنْ قَبْلُ ، وَالْبَاقِي مِثْلُهُ سَوَاءٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { مَا يَدْرِي } وَقَالَ الْبُخَارِيُّ { لَا يَدْرِي } بَدَلَ { إنْ يَدْرِي } وَإِنْ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ لِلنَّفْيِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْوَجْهُ حَتَّى يَضِلَّ الرَّجُلُ أَنْ يَدْرِيَ بِفَتْحِ أَنْ النَّاصِبَةِ وَبِالضَّادِ الْمَكْسُورَةِ . بَابُ الْأَذَانِ ) ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ وَلَهُ ضُرَاطٌ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ فَإِذَا قُضِيَ النِّدَاءُ أَقْبَلَ حَتَّى إذَا ثُوِّبَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ حَتَّى إذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ حَتَّى يَخْطُرَ بَيْنَ الْمَرْءِ وَنَفْسِهِ وَيَقُولَ لَهُ اُذْكُرْ كَذَا وَاذْكُرْ كَذَا لِمَا لَمْ يَكُنْ يَذْكُرُ مِنْ قَبْلُ حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ } الْحَدِيثَ وَقَالَ { فَإِذَا قُضِيَ التَّأْذِينُ أَقْبَلَ حَتَّى إذَا ثُوِّبَ أَدْبَرَ } وَلَمْ يَقُلْ مِنْ قَبْلُ وَالْبَاقِي مِثْلُهُ سَوَاءٌ فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) النِّدَاءُ بِكَسْرِ النُّونِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ الْأُولَى أَشْهَرُ وَأَفْصَحُ الْأَذَانُ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى { لِلصَّلَاةِ } وَفِي الثَّانِيَةِ { بِالصَّلَاةِ } وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ . يُقَالُ نُودِيَ لِلصَّلَاةِ وَبِالصَّلَاةِ وَإِلَى الصَّلَاةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ } وَقَالَ تَعَالَى { وَإِذَا نَادَيْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ } وَالتَّثْوِيبُ : بِالثَّاءِ الْمُثَنَّاةِ ثُمَّ الْمُثَلَّثَةِ الْمُرَادُ بِهِ هَهُنَا : إقَامَةُ الصَّلَاةِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { فَإِذَا سَمِعَ الْإِقَامَةَ } وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالتَّثْوِيبِ هُنَا قَوْلَ الْمُؤَذِّنِ الصَّلَاةُ خَيْرٌ مِنْ النَّوْمِ مَرَّتَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ يُسَمَّى تَثْوِيبًا لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِأَذَانِ الصُّبْحِ ، وَالْحَدِيثُ عَامٌّ فِي كُلِّ أَذَانٍ وَالثَّانِي : أَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى أَنَّ هَذَا التَّثْوِيبَ يَتَخَلَّلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَذَانِ فَصْلٌ يَحْضُرُ فِيهِ الشَّيْطَانُ ، وَالتَّثْوِيبُ الَّذِي فِي الصُّبْحِ لَا فَصْلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَذَانِ بَلْ هُوَ فِي أَثْنَائِهِ . وَأَصْلُ التَّثْوِيبِ أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ مُسْتَصْرِخًا فَيَلُوحَ بِثَوْبِهِ لِيُرَى وَيُشْتَهَرَ فَسُمِّيَ الدُّعَاءُ تَثْوِيبًا لِذَلِكَ ، وَكُلُّ دَاعٍ مُثَوِّبٌ وَقِيلَ إنَّمَا سُمِّيَ تَثْوِيبًا مِنْ ثَابَ يَثُوبُ إذَا رَجَعَ فَالْمُؤَذِّنُ رَجَعَ بِالْإِقَامَةِ إلَى الدُّعَاءِ لِلصَّلَاةِ قَالَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ : فَحَنَتْ نَاقَتِي فَعَلِمْت أَنِّي غَرِيبٌ حِينَ ثَابَ إلَيَّ عَقْلِي وَقَالَ غَيْرُهُ : لَوْ رَأَيْنَا التَّأْكِيدَ خُطَّةَ عَجْزٍ مَا شَفَعْنَا الْأَذَانَ بِالتَّثْوِيبِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يُقَالُ ثَوَّبَ الدَّاعِي إذَا كَرَّرَ دُعَاءَهُ إلَى الْحَرْبِ قَالَ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ فِي فِتْيَةٍ كَسُيُوفِ الْهِنْدِ أَوْجُهُهُمْ لَا يَنْكُلُونَ إذَا مَا ثَوَّبَ الدَّاعِي وَقَالَ آخَرُ لَخَيْرٌ نَحْنُ عِنْدَ النَّاسِ مِنْكُمْ إذَا الدَّاعِي الْمُثَوِّبُ قَالَ يَا لَا وَقَوْلُهُ قُضِيَ النِّدَاءُ وَقُضِيَ التَّثْوِيبُ أَيْ فُرِغَ مِنْهُ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ يَخْطُرُ بِضَمِّ الطَّاءِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ . قَالَ : ضَبَطْنَاهُ عَنْ الْمُتْقِنِينَ بِالْكَسْرِ وَسَمِعْنَا مِنْ أَكْثَرِ الرُّوَاةِ بِالضَّمِّ قَالَ : وَالْكَسْرُ هُوَ الْوَجْهُ وَمَعْنَاهُ يُوَسْوِسُ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِمْ خَطَرَ الْفَحْلُ بِذَنَبِهِ إذَا حَرَّكَهُ يَضْرِبُ بِهِ فَخْذَيْهِ . وَأَمَّا بِالضَّمِّ فَمِنْ السُّلُوكِ وَالْمُرُورِ أَيْ يَدْنُو مِنْهُ فَيَمُرُّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ فَيَشْغَلُهُ عَمَّا هُوَ فِيهِ وَبِهَذَا فَسَّرَهُ الشَّارِحُونَ لِلْمُوَطَّأِ فَقَالَ الْبَاجِيَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَبَيْنَ مَا يُرِيدُ مِنْ نَفْسِهِ مِنْ إقْبَالِهِ عَلَى صَلَاتِهِ وَإِخْلَاصِهِ وَبِالْأَوَّلِ فَسَّرَهُ الْخَلِيلُ . ( الثَّالِثَةُ ) الْمَرْءُ الْإِنْسَانُ وَفِيهِ سَبْعُ لُغَاتٍ فَتْحُ الْمِيمِ وَضَمُّهَا وَكَسْرُهَا وَتَغَيُّرُهَا بِاعْتِبَارِ إعْرَابِ اللَّفْظَةِ ، فَإِنْ كَانَتْ مَرْفُوعَةً فَالْمِيمُ مَضْمُومَةٌ وَإِنْ كَانَتْ مَنْصُوبَةً فَالْمِيمُ مَفْتُوحَةٌ وَإِنْ كَانَتْ مَجْرُورَةً فَالْمِيمُ مَكْسُورَةٌ وَالْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ وَالسَّابِعَةُ امْرُؤٌ بِزِيَادَةِ هَمْزَةِ الْوَصْلِ مَعَ ضَمِّ الرَّاءِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ وَمَعَ فَتْحِهَا فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ وَمَعَ تَغَيُّرِهَا بِاعْتِبَارِ حَرَكَاتِ الْإِعْرَابِ حَكَاهُنَّ فِي الصِّحَاحِ إلَّا اللُّغَةَ الثَّالِثَةَ وَالرَّابِعَةَ فَحَكَاهُمَا فِي الْمُحْكَمِ وَأَنْشَدَ قَوْلَ أَبِي خِرَاشٍ جَمَعْت أُمُورًا يُنْفِدُ الْمَرْءُ بَعْضَهَا مِنْ الْحِلْمِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْحَسَبِ الضَّخْمِ وَقَالَ هَكَذَا رَوَاهُ السُّكْرِيُّ بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ لُغَةُ هُذَيْلٍ انْتَهَى . وَيُثَنَّى فَيُقَالُ : الْمَرْءَانُ ، وَلَا جَمْعَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ كَمَا ذَكَرَهُ صَاحِبَا الصِّحَاحِ وَالْمُحْكَمِ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ : وَالْجَمْعُ مَرْءُونُ وَمِنْهُ فِي الْحَدِيثِ { أَيُّهَا الْمَرْءُونُ } وَذَكَرَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ تَبَعًا لِلْهَرَوِيِّ حَدِيثَ الْحَسَنِ أَحْسِنُوا مَلَأَكُمْ أَيُّهَا الْمَرْءُونُ وَقَالَ هُوَ جَمْعُ الْمَرْءِ . قَالَ : وَمِنْهُ قَوْلُ رُؤْبَةَ لِطَائِفَةٍ رَآهُمْ أَيْنَ يُرِيدُ الْمَرْءُونُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ هَذِهِ مَرْأَةٌ صَالِحَةٌ وَمَرَّةٌ أَيْضًا بِتَرْكِ الْهَمْزِ وَتَحْرِيكِ الرَّاءِ بِحَرَكَتِهَا وَهَذِهِ امْرَأَةٌ مَفْتُوحَةَ الرَّاءِ عَلَى كُلِّ حَالٍ . ( الرَّابِعَةُ ) : الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ { حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ إنْ يَدْرِي كَمْ صَلَّى } بِفَتْحِ الظَّاءِ مِنْ يَظَلُّ وَكَسْرِ إنْ فَيَظَلُّ إحْدَى نَوَاسِخِ الِابْتِدَاءٍ تَرْفَعُ الِاسْمَ وَتَنْصِبُ الْخَبَرَ . وَمَعْنَاهَا فِي الْأَصْلِ اتِّصَافُ الْمُخْبَرِ عَنْهُ بِالْخَبَرِ نَهَارًا وَهِيَ هُنَا بِمَعْنَى يَصِيرُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { ظَلَّ وَجْهُهُ مُسْوَدًا } وَقِيلَ بِمَعْنَى يَبْقَى وَيَدُومُ وَإِنْ نَافِيَةٌ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ { لَا يَدْرِي } وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { مَا يَدْرِي } وَالثَّلَاثَةُ حُرُوفُ نَفْيٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الرِّوَايَةُ فِي أَنْ هَهُنَا عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ بِالْفَتْحِ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ لَا يَدْرِي ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ مَالِكٍ { حَتَّى يَظَلَّ الرَّجُلُ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى } وَمَنْ رَوَاهَا بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ فَمَعْنَاهُ مَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى ، وَإِنْ بِمَعْنَى مَا كَثِيرٌ انْتَهَى . وَاعْتَرَضَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ : وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ أَنْ لَا تَكُونُ نَفْيًا وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ النَّحْوِيِّينَ حَكَى ذَلِكَ الْوَجْهَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنْ يَدْرِيَ بِفَتْحِ الْيَاءِ مِنْ يَدْرِي وَتَكُونُ أَنْ هِيَ النَّاصِبَةَ لِلْفِعْلِ ، وَيَكُونُ يَضِلُّ بِضَادٍ غَيْرِ مُشَالَةٍ مِنْ الضَّلَالِ الَّذِي هُوَ الْحَيْرَةُ كَمَا يُقَالُ ضَلَّ عَنْ الطَّرِيقِ فَكَأَنَّهُ قَالَ يَحَارُ الرَّجُلُ وَيَذْهَلُ عَنْ أَنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى فَتَكُونُ أَنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ بِسُقُوطِ حَرْفِ الْجَرِّ . وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الضَّلَالِ الَّذِي يُرِيدُ بِهِ الْخَطَأَ فَتَكُونُ الضَّادُ مَكْسُورَةً كَقَوْلِهِ { لَا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنْسَى } وَتَكُونُ أَنْ فِي مَوْضِعِ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِ الصَّحِيحِ لِأَنَّ ضَلَّ الَّتِي بِمَعْنَى أَخْطَأَ لَا يَحْتَاجُ تَعَدِّيهَا إلَى حَرْفِ الْجَرِّ قَالَ طَرَفَةُ وَكَيْفَ يَضِلُّ الْقَصْدُ وَالْحَقُّ وَاضِحٌ وَلِلْحَقِّ بَيْنَ الصَّالِحِينَ سَبِيلُ قَالَ وَلَوْ رُوِيَ حَتَّى يُضِلَّ الرَّجُلَ أَنْ يَدْرِيَ كَمْ صَلَّى لَكَانَ وَجْهًا صَحِيحًا يُرِيدُ بِهِ حَتَّى يُضِلَّ الشَّيْطَانُ الرَّجُلَ عَنْ دِرَايَةِ كَمْ صَلَّى وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا رَوَاهُ كَذَا لَكِنَّهُ لَوْ رُوِيَ لَكَانَ وَجْهًا صَحِيحًا فِي الْمَعْنَى غَيْرَ خَارِجٍ عَنْ مُرَادِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى . وَمَا أَدْرِي مَا وَجْهُ تَفْرِقَةِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ بَيْنَ لَا وَمَا فَجَعَلَ رِوَايَةَ الْفَتْحِ بِمَعْنَى لَا وَرِوَايَةَ الْكَسْرِ بِمَعْنَى مَا مَعَ أَنْ لَا وَمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ثُمَّ إنَّهُ أَعْنِي ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ لَا يُعْرَفُ قَوْلُهُ يَظَلُّ إلَّا بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ وَلَا يُتَّجَهُ مَعَ ذَلِكَ فِي إنْ إلَّا الْكَسْرُ وَلَا يُتَّجَهُ فِيهَا الْفَتْحُ إلَّا مَعَ الضَّادِ السَّاقِطَةِ كَمَا حَكَيْنَاهُ عَنْ بَعْضِهِمْ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ حَكَى الدَّاوُدِيُّ أَنَّهُ رَوَى يَضِلُّ بِالضَّادِ بِمَعْنَى يَنْسَى وَيَذْهَبُ وَهْمُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { أَنْ تَضِلَّ إحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } وَمَا حَكَيْتُهُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ ضَبْطِهِ أَنْ هُنَا بِالْفَتْحِ وَافَقَهُ عَلَيْهِ الْأَصِيلِيُّ فَضَبَطَهَا بِالْفَتْحِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَمَا حَكَيْتُهُ عَنْ الْمُعْتَرَضِ عَلَيْهِ ذَكَرَهُ أَيْضًا الْقَاضِي عِيَاضٌ فَقَالَ : وَلَا يَصِحُّ تَأْوِيلُ النَّفْيِ وَتَقْدِيرُ لَا مَعَ الْفَتْحِ وَإِنَّمَا يَكُونُ بِمَعْنَى مَا ، وَالنَّفْيُ مَعَ الْكَسْرِ . قَالَ : وَفَتْحُهَا لَا يَصِحُّ إلَّا عَلَى رِوَايَةِ مَنْ رَوَى { يَضِلُّ } بِالضَّادِ فَيَكُونُ أَنْ مَعَ الْفِعْلِ بَعْدَهَا بِتَأْوِيلِ الْمَصْدَرِ ، وَمَفْعُولُ ضَلَّ أَيْ يَجْهَلُ دِرَايَتَهُ وَيَنْسَى عَدَدَ رَكَعَاتِهِ انْتَهَى . وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ عَلَى الْفَتْحِ مُعَارَضٌ بِنَقْلِ الْقَاضِي عِيَاضٍ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ عَلَى الْكَسْرِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ ، وَمَا حَكَاهُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ قَالَ الْوَجْهُ حَتَّى يَضِلَّ الرَّجُلُ أَنْ يَدْرِيَ بِفَتْحِ " أَنْ " النَّاصِبَةِ وَبِالضَّادِ الْمَكْسُورَةِ لَمْ أَرَهُ فِي كَلَامِهِ إنَّمَا تَعَرَّضَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ فِي أَنْ ، وَلَمْ يَذْكُرْ كَوْنَ الضَّادِ سَاقِطَةً هَذَا هُوَ الَّذِي وَقَعْت عَلَيْهِ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَالتَّمْهِيدِ . فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ وَقَفَ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ خَرَجَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي فَتْحِ هَمْزَةِ أَنْ يَكُونُ يَضِلُّ بِالضَّادِ السَّاقِطَةِ ، وَأَلْزَمَهُ ذَلِكَ إذْ لَا يُمْكِنُ مَعَ فَتْحِ الْهَمْزَةِ أَنْ يَكُونَ يَظَلُّ بِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ . ( الْخَامِسَةُ ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمَعْنَى فِي إدْبَارِ الشَّيْطَانِ وَهُرُوبِهِ عِنْدَ سَمَاعِ الْأَذَانِ فَقَالَ الْمُهَلَّبُ : إنَّمَا يَهْرُبُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - مِنْ اتِّفَاقِ الْكُلِّ عَلَى الْإِعْلَانِ بِشَهَادَةِ التَّوْحِيدِ وَإِقَامَةِ الشَّرِيعَةِ كَمَا يَفْعَلُ يَوْمَ عَرَفَةَ لِمَا يَرَى مِنْ اتِّفَاقِ الْكُلِّ عَلَى شَهَادَةِ التَّوْحِيدِ لِلَّهِ - تَعَالَى - وَتَنْزِلُ الرَّحْمَةُ فَيَيْأَسُ أَنْ يَرُدَّهُمْ عَمَّا أَعْلَنُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ وَيُوقِنُ بِالْخَيْبَةِ بِمَا تَفَضَّلَ اللَّهُ - تَعَالَى - عَلَيْهِمْ مِنْ ثَوَابِ ذَلِكَ وَيَذْكُرُ مَعْصِيَةَ اللَّهِ وَمُضَادَّتَهُ أَمْرَهُ فَلَا يَمْلِكُ الْحَدَثَ لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ الْخَوْفِ انْتَهَى . وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ نَحْوَهُ ، وَقِيلَ : إنَّمَا أَدْبَرَ عِنْدَ الْأَذَانِ لِئَلَّا يَسْمَعَهُ فَيَضْطَرَّ إلَى أَنْ يَشْهَدَ لَهُ بِذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا يَسْمَعُ صَوْتَ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } وَهَذَا قَدْ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ قَوْلًا أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَدْخُلُ فِي هَذِهِ الشَّهَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا شَهَادَةَ لَهُ . وَقَالَ لَا يُقْبَلُ هَذَا مِنْ قَائِلِهِ لِمَا جَاءَ فِي الْآثَارِ مِنْ خِلَافِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِمَا يَلْحَقُهُ مِنْ الذُّعْرِ وَالْخِزْيِ عِنْدَ ذِكْرِ اللَّهِ وَذِكْرِ اللَّهِ - تَعَالَى - فِي الْأَذَانِ تُفَزَّعُ مِنْهُ الْقُلُوبُ مَا لَا تُفَزَّعُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ الذِّكْرِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَهْرِ بِالذِّكْرِ وَتَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ وَإِقَامَةِ دِينِهِ فَيُدْبِرُ الشَّيْطَانُ لِشِدَّةِ ذَلِكَ عَلَى قَلْبِهِ انْتَهَى . وَقَالَ بَعْضُهُمْ سَبَبُ إدْبَارِهِ عِظَمُ أَمْرِ الْأَذَانِ لِمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ قَوَاعِدِ التَّوْحِيدِ وَإِظْهَارِ شِعَارِ الْإِسْلَامِ وَإِعْلَانِهِ ، وَقِيلَ لِيَأْسِهِ مِنْ الْوَسْوَسَةِ عِنْدَ الْإِعْلَانِ بِالتَّوْحِيدِ ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ دُعَاءٌ إلَى الصَّلَاةِ الَّتِي فِيهَا السُّجُودُ الَّذِي امْتَنَعَ مِنْ فِعْلِهِ لَمَّا أُمِرَ بِهِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَلَيْسَ بِشَيْءٍ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُ إذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ يُذَكِّرُهُ مَا لَمْ يَذْكُرْ يَخْلِطُ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ وَكَانَ فِرَارُهُ مِنْ الصَّلَاةِ الَّتِي فِيهَا السُّجُودُ أَوْلَى لَوْ كَانَ كَمَا زَعَمُوا انْتَهَى . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَلَا يَلْزَمُ هَذَا الِاعْتِرَاضُ إذْ لَعَلَّ نِفَارُهُ إنَّمَا كَانَ مِنْ سَمَاعِ الْأَمْرِ وَالدُّعَاءِ بِذَلِكَ لَا مِنْ رُؤْيَتِهِ لِيُغَالِطَ نَفْسَهُ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ دُعَاءً وَلَا خَالَفَ أَمْرًا ( قُلْت ) : أَحْسَنُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي جَوَابِ اعْتِرَاضِ ابْنِ بَطَّالٍ أَنَّ نَفْرَتَهُ عِنْدَ الْأَذَانِ إنَّمَا هُوَ تَصْمِيمٌ عَلَى مُخَالَفَةِ أَمْرِ اللَّهِ وَاسْتِمْرَارٌ عَلَى مَعْصِيَتِهِ وَعَدَمِ الِانْقِيَادِ إلَيْهِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِأَوَامِرِهِ فَإِذَا دَعَا دَاعِي اللَّهِ فَرَّ مِنْهُ وَأَعْرَضَ عَنْهُ وَاسْتَخَفَّ بِهِ فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ حَضَرَ مَعَ الْمُصَلِّينَ غَيْرَ مُشَارِكٍ لَهُمْ فِي الصَّلَاةِ بَلْ سَاعِيًا فِي إبْطَالِهَا عَلَيْهِمْ ، وَهَذَا أَبْلَغُ فِي الْمَعْصِيَةِ وَالِاسْتِخْفَافِ مِمَّا لَوْ غَابَ عَنْ الصَّلَاةِ بِالْكُلِّيَّةِ فَصَارَ حُضُورُهُ عِنْدَ الصَّلَاةِ مِنْ جِنْسِ نَفْرَتِهِ عِنْدَ الْأَذَانِ وَمِنْ مَهِيعٍ وَاحِدٍ . وَمَقْصُودُهُ بِالْأَمْرَيْنِ الِاسْتِخْفَافُ بِأَوَامِرِ اللَّهِ - تَعَالَى - وَعَدَمُ الِانْقِيَادِ إلَيْهَا كَمَا ذَكَرْتُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) وَأَمَّا الْحِكْمَةُ فِي تَصْوِيتِهِ عِنْدَ إدْبَارِهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الْمُهَلَّبِ أَنَّ ذَلِكَ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ وَإِنَّمَا هُوَ مَغْلُوبٌ عَلَيْهِ فِيهِ لِمَا حَصَلَ لَهُ مِنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِسَمَاعِ مَا يُخْرِجُهُ مِنْ الْحَدَثِ عَنْ سَمَاعِ الْأَذَانِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ الِاسْتِخْفَافُ بِالْمُؤَذِّنِ وَبِمَا يَقُولُهُ كَمَا يُعْهَدُ مِنْ حَالِ الْمُسْتَخِفِّينَ الْمُسْتَهْزِئِينَ . ( السَّابِعَةُ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوْلِهِ { وَلَهُ ضُرَاطٌ } : هَذَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ إذْ هُوَ جِسْمٌ مُتَغَذٍّ يَصِحُّ مِنْهُ خُرُوجُ الرِّيحِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا عِبَارَةٌ وَاسْتِعَارَةٌ عَنْ شِدَّةِ الْخَوْفِ وَالنِّفَارِ كَمَا يَعْتَرِي الْحِمَارَ ( قُلْت ) : وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ الِاسْتِخْفَافِ كَمَا قَدَّمْتُهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) فِيهِ فَضْلُ الْأَذَانِ وَعِظَمُ قَدْرِهِ لِأَنَّ الشَّيْطَانَ يَهْرُبُ مِنْهُ وَلَا يَهْرُبُ عِنْدَ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي هِيَ أَفْضَلُ الْأَحْوَالِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ { فَإِذَا قُضِيَ التَّثْوِيبُ أَقْبَلَ } وَيَكْفِي هَذَا فِي فَضْلِ الْأَذَانِ . ( التَّاسِعَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الصَّوْتِ بِالْأَذَانِ فَإِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ إذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ أَدْبَرَ الشَّيْطَانُ ، وَلَهُ ضُرَاطٌ إلَى غَايَةٍ لَا يَسْمَعُ فِيهَا الْأَذَانَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كُلَّمَا زَادَ فِي رَفْعِ صَوْتِهِ زَادَ الشَّيْطَانُ فِي الْإِبْعَادِ وَلَا شَكَّ فِي اسْتِحْبَابِ فِعْلِ الْأُمُورِ الَّتِي تُبْعِدُ الشَّيْطَانَ وَتَطْرُدُهُ ، وَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ زِيَادَةَ الرَّفْعِ زِيَادَةٌ لَهُ فِي الْإِبْعَادِ إلَّا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ قَوْلُهُ حَتَّى لَا يَسْمَعَ التَّأْذِينَ لَيْسَ غَايَةً لِلْإِبْعَادِ فِي الْإِدْبَارِ بَلْ غَايَةً لِلزِّيَادَةِ فِي الضُّرَاطِ . وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَقْصِدُ بِمَا يَفْعَلُهُ مِنْ ذَلِكَ تَصْمِيمَ أُذُنِهِ عَنْ سَمَاعِ صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ لَكِنْ يَدُلُّ عَلَى زِيَادَتِهِ فِي الْإِبْعَادِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { إنَّ الشَّيْطَانَ إذَا سَمِعَ النِّدَاءَ بِالصَّلَاةِ ذَهَبَ حَتَّى يَكُونَ مَكَانَ الرَّوْحَاءِ قَالَ سُلَيْمَانُ يَعْنِي الْأَعْمَشَ فَسَأَلْتُهُ عَنْ الرَّوْحَاءِ فَقَالَ : هِيَ مِنْ الْمَدِينَةِ سِتَّةٌ وَثَلَاثُونَ مِيلًا } . ( الْعَاشِرَةُ ) قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ أَفْضَلُ مِنْ الْإِمَامَةِ وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ خِلَافًا لِلرَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ صَحَّحَ تَفْضِيلَ الْإِمَامَةِ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ لِأَصْحَابِنَا وَجْهٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنَّهُ إنْ قَامَ بِحُقُوقِ الْإِمَامَةِ كَانَتْ أَفْضَلَ مِنْ الْأَذَانِ وَإِلَّا فَهُوَ أَفْضَلُ قَالَ بِهِ أَصْحَابُنَا أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَالْقَاضِيَانِ ابْنُ كَجٍّ وَالْحُسَيْنُ وَالْمَسْعُودِيُّ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أُحِبُّ الْأَذَانَ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِلْمُؤَذِّنَيْنِ } وَأَكْرَهُ الْإِمَامَةَ لِلضَّمَانِ ، وَمَا عَلَى الْإِمَامِ فِيهَا ، وَإِذَا أَمَّ انْبَغَى أَنْ يَتَّقِيَ وَيُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ فِي الْإِمَامَةِ ، فَإِنْ فَعَلَ رَجَوْت أَنْ يَكُونَ أَحْسَنَ حَالًا مِنْ غَيْرِهِ انْتَهَى . وَحَكَى النَّوَوِيُّ أَوَّلَ هَذَا النَّصِّ مُسْتَدِلًّا بِهِ عَلَى تَرْجِيحِ الْأَذَانِ مُطْلَقًا وَأَغْفَلَ بَقِيَّتَهُ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ دَالٌّ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ الَّذِي ذَكَرْته وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا جِنْسُ الشَّيْطَانٍ فَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِوَاحِدٍ مِنْ الشَّيَاطِينِ دُونَ وَاحِدٍ وَالشَّيْطَانُ كُلُّ عَاتٍ مُتَمَرِّدٍ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ الْجِنِّ أَوْ الْإِنْسِ أَوْ الدَّوَابِّ لَكِنَّ الْمُرَادَ هُنَا شَيَاطِينُ الْجِنِّ خَاصَّةً ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَخْتَصَّ ذَلِكَ بِالشَّيْطَانِ الْأَكْبَرِ وَهُوَ إبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ . فَائِدَةٌ هَلْ يَتَوَقَّفُ هُرُوبُ الشَّيْطَانِ مِنْ الْأَذَانِ عَلَى كَوْنِهِ أَذَانًا شَرْعِيًّا مُسْتَجْمِعًا لِلشُّرُوطِ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) هَلْ يَتَوَقَّفُ هُرُوبُ الشَّيْطَانٍ مِنْ الْأَذَانِ عَلَى كَوْنِهِ أَذَانًا شَرْعِيًّا مُسْتَجْمِعًا لِلشُّرُوطِ وَاقِعًا فِي الْوَقْتِ مَقْصُودًا بِهِ الْإِعْلَامُ بِدُخُولِ وَقْتِ الصَّلَاةِ أَوْ يَهْرُبُ مِنْ الْإِتْيَانِ بِصُورَةِ الْأَذَانِ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ مَا تَقَدَّمَ الْأَقْرَبُ عِنْدِي الْأَوَّلُ . وَكَلَامُ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ رَاوِي الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ الثَّانِيَ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ رَوْحِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ قَالَ { أَرْسَلَنِي أَبِي إلَى بَنِي حَارِثَةَ وَمَعِي غُلَامٌ لَنَا أَوْ صَاحِبٌ لَنَا فَنَادَاهُ مُنَادٍ مِنْ حَائِطٍ بِاسْمِهِ قَالَ وَأَشْرَفَ الَّذِي مَعِي عَلَى الْحَائِطِ فَلَمْ يَرَ شَيْئًا فَذَكَرْت ذَلِكَ لِأَبِي فَقَالَ : لَوْ شَعَرْت أَنَّك تَلْقَى هَذَا لَمْ أُرْسِلْك وَلَكِنْ إذَا سَمِعْت صَوْتًا فَنَادِ بِالصَّلَاةِ فَإِنِّي سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ إنَّ الشَّيْطَانَ إذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ وَلَّى وَلَهُ حِصَاصٌ } وَالْحِصَاصُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالصَّادَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ هُوَ الضُّرَاطُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى . وَقِيلَ شِدَّةُ الْعَدْوِ وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ شَيْئًا مِنْ الْخَلْقِ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَحَوَّلَ فِي غَيْرِ خَلْقِهِ وَلَكِنْ لِلْجِنِّ سَحَرَةٌ كَسَحَرَةِ الْإِنْسِ فَإِذَا خَشِيتُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَأَذِّنُوا بِالصَّلَاةِ وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : اُسْتُعْمِلَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ عَلَى مَعْدِنِ ابْنِ سُلَيْمٍ وَكَانَ مَعْدِنًا لَا يَزَالُ يُصَابُ فِيهِ النَّاسُ مِنْ الْجِنِّ فَلَمَّا وَلِيَهُمْ شَكَوْا ذَلِكَ إلَيْهِ فَأَمَرَهُمْ بِالْأَذَانِ وَأَنْ يَرْفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ بِهِ فَفَعَلُوا فَارْتَفَعَ ذَلِكَ عَنْهُمْ فَهُمْ عَلَيْهِ حَتَّى الْيَوْمِ قَالَ مَالِكٌ وَأَعْجَبَنِي ذَلِكَ مِنْ رَأْيِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ الْمُهَلَّبِ فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَنَّ مَنْ نَسِيَ شَيْئًا ، وَأَرَادَ أَنْ يَتَذَكَّرَهُ فَلْيُصَلِّ وَيُجْهِدْ نَفْسَهُ فِيهَا مِنْ تَخْلِيصِ الْوَسْوَسَةِ وَأُمُورِ الدُّنْيَا فَإِنَّ الشَّيْطَانَ لَا بُدَّ أَنْ يُحَاوِلَ تَسْهِيَتَهُ وَإِذْكَارَهُ أُمُورَ الدُّنْيَا لِيَصُدَّهُ عَنْ إخْلَاصِ نِيَّتِهِ فِي الصَّلَاةِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ رَجُلًا دَفَنَ مَالًا ثُمَّ غَابَ عَنْهُ سِنِينَ كَثِيرَةً ثُمَّ قَدِمَ فَطَلَبَهُ فَلَمْ يَهْتَدِ لِمَكَانِهِ فَقَصَدَ أَبَا حَنِيفَةَ فَأَعْلَمَهُ بِمَا دَارَ لَهُ فَقَالَ لَهُ : صَلِّ فِي جَوْفِ اللَّيْلِ وَاخْلُصْ نِيَّتَك لِلَّهِ تَعَالَى وَلَا تُجْرِ عَلَى قَلْبِك شَيْئًا مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا ثُمَّ عَرِّفْنِي بِأَمْرِك فَفَعَلَ ذَلِكَ فَذَكَرَ فِي الصَّلَاةِ مَكَانَ الْمَالِ فَلَمَّا أَصْبَحَ أَتَى أَبَا حَنِيفَةَ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُ جُلَسَائِهِ : مِنْ أَيْنَ دَلَلْتَهُ عَلَى هَذَا - يَرْحَمُك اللَّهُ - فَقَالَ اسْتَدْلَلْت مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَعَلِمْت أَنَّ الشَّيْطَانَ سَيَرْضَى أَنْ يُصَالِحَهُ بِأَنْ يُذَكِّرَهُ مَوْضِعَ مَالِهِ وَيَمْنَعَهُ الْإِخْلَاصَ فِي صَلَاتِهِ فَعَجِبَ النَّاسُ مِنْ حُسْنِ انْتِزَاعِهِ وَاسْتِدْلَالِهِ انْتَهَى كَلَامُهُ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُفْصَلُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ بِزَمَنٍ وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي تَحْصِيلِ فَضِيلَةِ إيقَاعِ الصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا انْطِبَاقُ أَوَّلِهَا عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا وَاظَبُوا عَلَى تَرْكِ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَعْرُوفُ وَقِيلَ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَنْطَبِقَ أَوَّلُ التَّكْبِيرَةِ عَلَى أَوَّلِ الْوَقْتِ ، وَهُوَ شَاذٌّ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِكْرَ فِي الصَّلَاةِ وَالسَّهْوَ فِيهَا لَا يُبْطِلُهَا وَهُوَ إجْمَاعٌ . وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ } وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ ، وَزَادَ قَالَتْ { وَلَا أَعْلَمُهُ إلَّا كَانَ قَدْرَ مَا يَنْزِلُ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا } وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِهَا { إنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ بِلَالٌ } وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أُنَيْسَةَ بِنْتِ خُبَيْبِ { إذَا أَذَّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَإِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ فَلَا تَأْكُلُوا وَلَا تَشْرَبُوا } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إنَّ الْمَحْفُوظَ وَالصَّوَابَ الْأَوَّلُ ؛ وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ : يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ بَيْنَهُمَا نُوَبٌ ، وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ حِبَّانَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا . الْحَدِيثُ الثَّانِي وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ } وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ وَزَادَ قَالَتْ { وَلَا أَعْلَمُهُ إلَّا كَانَ قَدْرَ مَا يَنْزِلُ هَذَا ، وَيَرْقَى هَذَا } . وَفِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) فِيهِ جَوَازُ الْأَذَانِ لِلصُّبْحِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد وَالْجُمْهُورُ وَرَجَعَ إلَيْهِ أَبُو يُوسُفَ بَعْدَ أَنْ كَانَ يَقُولُ بِالْمَنْعِ وَرَوَى الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ الْقَدِيمِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ عَجِّلُوا الْأَذَانَ بِالصُّبْحِ يُدْلِجُ الْمُدْلِجُ وَتَخْرُجُ الْعَاهِرَةُ وَعَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ بَعْدَ النِّدَاءِ بِالصُّبْحِ لَحِزْبًا حَسَنًا إنَّ الرَّجُلَ لَيَقْرَأُ سُورَةَ الْبَقَرَةِ وَعَنْ حِبَّانَ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ أَتَيْت عَلِيًّا يُدِيرُ أَبِي مُوسَى وَهُوَ يَتَسَحَّرُ فَقَالَ إذَنْ فَاطْعَمْ فَقُلْت : إنِّي أُرِيدُ الصَّوْمَ قَالَ : وَأَنَا أُرِيدُ الصَّوْمَ فَطَعِمَ فَلَمَّا فَرَغَ أَمَرَ ابْنَ النَّبَّاحِ فَأَقَامَ الصَّلَاةَ قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَهُوَ لَا يَأْمُرُ بِالْإِقَامَةِ إلَّا بَعْدَ النِّدَاءِ وَحِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ أَمَرَ بِالْإِقَامَةِ فَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ كَانَ قَبْلَ الْفَجْرِ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى مَنْعِ الْأَذَانِ لَهَا قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا كَسَائِرِ الصَّلَوَاتِ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حُيَيِّ . قَالُوا : فَإِنْ أَذَّنَ لَهَا قَبْلَ الْفَجْرِ أَعَادَ الْأَذَانَ بَعْدَهُ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { : مَا كَانُوا يُؤَذِّنُونَ حَتَّى يَنْفَجِرَ الْفَجْرُ } وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ قَالَ شَيَّعْنَا عَلْقَمَةَ إلَى مَكَّةَ فَخَرَجْنَا بِلَيْلٍ فَسَمِعَ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ فَقَالَ أَمَّا هَذَا فَقَدْ خَالَفَ سُنَّةَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ نَائِمًا لَكَانَ خَيْرًا لَهُ فَإِذَا طَلَعَ الْفَجْرُ أَذَّنَ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّهُ كَرِهَ أَنْ يُؤَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ . وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قُلْت لِنَافِعٍ إنَّهُمْ كَانُوا يُنَادُونَ قَبْلَ الْفَجْرِ قَالَ مَا كَانَ النِّدَاءُ إلَّا مَعَ الْفَجْرِ . وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ الرَّجُلُ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْفَجْرِ يُوقِظُ النَّاسَ فَغَضِبَ وَقَالَ عُلُوجٌ أَفْرَاعٌ لَوْ أَدْرَكَهُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَأَوْجَعَ جَنُوبَهُمْ مَنْ أَذَّنَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَإِنَّمَا صَلَّى أَهْلُ ذَلِكَ الْمَسْجِدِ بِإِقَامَةٍ لَا أَذَانَ فِيهَا وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّهُ قَالَ كَانُوا إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ قَالُوا لَهُ اتَّقِ اللَّهَ وَأَعِدْ أَذَانَك . وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبًا ثَالِثًا عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ إنْ كَانَ لِلْمَسْجِدِ مُؤَذِّنَانِ يُؤَذِّنُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالْآخَرُ بَعْدَ الْفَجْرِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يُؤَذَّنَ لِلصُّبْحِ إذَا كَانَ هَكَذَا ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فَقَالَ يَجُوزُ أَنْ يُؤَذِّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي بِمِقْدَارِ مَا يُتِمُّ الْمُؤَذِّنُ أَذَانَهُ وَيَنْزِلُ مِنْ الْمَنَارَةِ أَوْ الْعُلُوِّ وَيَصْعَدُ مُؤَذِّنٌ آخَرُ وَيَطْلُعُ الْفَجْرُ قَبْلَ ابْتِدَاءِ الثَّانِي فِي الْأَذَانِ ، وَاحْتَجَّ الْمَانِعُونَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ { بِلَالًا أَذَّنَ قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ فَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَرْجِعَ فَيُنَادِيَ أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ فَرَجَعَ فَنَادَى أَلَا إنَّ الْعَبْدَ نَامَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَصَحَّحَ وَقْفَهُ عَلَى عُمَرَ فِي أَذَانِ مُؤَذِّنٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ مَسْعُودٌ ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ : " أَحَدُهَا " ضَعْفُهُ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي دَاوُد وَضَعَّفَهُ أَيْضًا الشَّافِعِيُّ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى الذُّهْلِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ " . ثَانِيهَا " أَنَّهُ عَارَضَهُ عَلَى تَقْدِيرِ صِحَّتِهِ مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ } الْحَدِيثَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَالْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا مَعَ فِعْلِ أَهْلِ الْحَرَمَيْنِ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْهُ ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ حَرْبٍ قَالَ قُلْت لِمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَالًا أَنْ يُعِيدَ الْأَذَانَ فَقَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ } . قُلْت : أَلَيْسَ قَدْ أَمَرَهُ أَنْ يُعِيدَ الْأَذَانَ قَالَ لَا لَمْ يَزَلْ الْأَذَانُ عِنْدَنَا بِلَيْلٍ " ثَالِثُهَا " قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَوَّلِ زَمَانِ الْهِجْرَةِ فَإِنَّ الثَّابِتَ عَنْ بِلَالٍ أَنَّهُ كَانَ فِي آخِرِ أَيَّامِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ ثُمَّ يُؤَذِّنُ بَعْدَهُ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ مَعَ الْفَجْرِ ، وَأَجَابَ الْمَانِعُونَ عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّ هَذَا الْأَذَانَ لَمْ يَكُنْ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ ، وَإِنَّمَا كَانَ لِإِيقَاظِ النَّائِمِينَ لِلسُّحُورِ وَغَيْرِهِ أَجَابَ بِمَعْنَاهُ الطَّحَاوِيُّ وَابْنُ حَزْمٍ وَيَرُدُّهُ حَدِيثُ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصُّدَائِيِّ قَالَ { لَمَّا كَانَ أَوَّلُ أَذَانِ الصُّبْحِ أَمَرَنِي يَعْنِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَذَّنْت ، فَجَعَلْت أَقُولُ أُقِيمُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَى نَاحِيَةِ الْمَشْرِقِ إلَى الْفَجْرِ ، فَيَقُولُ : لَا حَتَّى إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ } الْحَدِيثَ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي الْأَذَانِ لِلصُّبْحِ قَبْلَ الْوَقْتِ مِنْ غَيْرِ إعَادَتِهِ بَعْدَ دُخُولِ الْوَقْتِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَفِي إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ النَّافِلَةَ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَا أَذَانَ لَهَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَذَانَ بِلَالٍ بِاللَّيْلِ إنَّمَا كَانَ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ جَوَّزَ الطَّحَاوِيُّ أَنْ يَكُونَ بِلَالٌ كَانَ يُؤَذِّنُ فِي وَقْتٍ يَرَى أَنَّ الْفَجْرَ قَدْ طَلَعَ فِيهِ وَلَا يَتَحَقَّقُ ذَلِكَ لِضَعْفِ بَصَرِهِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِمَا رَوَاهُ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا { لَا يَغُرَّنَّكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ فَإِنَّ فِي بَصَرِهِ شَيْئًا } قَالَ الطَّحَاوِيُّ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ بِلَالًا كَانَ يُرِيدُ الْفَجْرَ فَيُخْطِئُهُ لِضَعْفِ بَصَرِهِ . ( قُلْت ) : وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ بِلَالًا يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ } يَقْتَضِي أَنَّ هَذِهِ كَانَتْ طَرِيقَتَهُ وَعَادَتَهُ دَائِمًا . وَلَوْ كَانَ لَا يَقَعُ ذَلِكَ مِنْهُ إلَّا لِخَطَأٍ لَمْ يَقَعْ إلَّا نَادِرًا فَإِنَّهُ لَوْلَا أَنَّ الْغَالِبَ إصَابَتُهُ لَمَا رُتِّبَ مُؤَذِّنًا وَاعْتُمِدَ عَلَيْهِ فِي الْأَوْقَاتِ . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدَكُمْ أَوْ أَحَدًا مِنْكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ مِنْ سُحُورِهِ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ أَوْ يُنَادِي بِلَيْلٍ لِيُرْجِعَ قَائِمَكُمْ وَلِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ } الْحَدِيثَ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ كَانَ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْفَجْرِ يَقْصِدُ ذَلِكَ وَيَتَعَمَّدُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةُ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ الذَّاهِبُونَ إلَى الْأَذَانِ لِلصُّبْحِ قَبْلَ دُخُولِ وَقْتِهَا إنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ صَلَاةَ الْفَجْرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ ذَاتُ فَضْلٍ وَهِيَ تَأْتِي فِي حَالِ نَوْمٍ فَلَوْ لَمْ يُؤَذِّنْ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ لَمَا تَمَكَّنُوا بَعْدَ الْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالِاجْتِمَاعِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الصَّلَاةِ إلَّا بَعْدَ الْإِسْفَارِ كَثِيرًا فَشُرِعَ الْأَذَانُ لَيْلًا لِهَذِهِ الْعِلَّةِ كَيْ يَنْتَبِهَ النَّاسُ وَيَتَأَهَّبُوا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ . وَهَذَا أَصْلٌ لِمَا يَفْعَلُهُ النَّاسُ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَسْبِيحِهِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَذَانِ الصُّبْحِ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِكَوْنِهِ شَرَعَ لِلنَّاسِ التَّكْبِيرَ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُؤَذَّنَ لِلْفَجْرِ مَرَّتَانِ مَرَّةً قَبْلَ الْفَجْرِ وَمَرَّةً بَعْدَهُ وَبِهَذَا صَرَّحَ أَصْحَابُنَا . قَالُوا : فَإِنْ اُقْتُصِرَ عَلَى أَذَانٍ وَاحِدِ فَالْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْفَجْرِ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ فَإِنْ اُقْتُصِرَ عَلَى الْأَذَانِ لَهَا قَبْلَهُ أَجْزَأَهُ . ( الرَّابِعَةُ ) اخْتَلَفُوا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ الَّذِي يُؤَذَّنُ لِلصُّبْحِ فِيهِ وَفِي ذَلِكَ لِأَصْحَابِنَا أَوْجُهٌ أَحَدُهَا : يُقَدَّمُ فِي الشِّتَاءِ لِسُبْعٍ يَبْقَى مِنْ اللَّيْلِ وَفِي الصَّيْفِ لِنِصْفِ سُبْعٍ تَقْرِيبًا لَا تَحْدِيدًا وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ مَنْ رَجَّحَهُ اعْتَمَدَ حَدِيثًا بَاطِلًا مُحَرَّفًا . ( قُلْت ) وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِهِ الْقَدِيمِ عَنْ سَعْدِ الْقَرَظِ قَالَ : أَذَّنَّا فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبَاءَ وَفِي زَمَنِ عُمَرَ بِالْمَدِينَةِ فَكَانَ أَذَانُنَا لِلصُّبْحِ لِوَقْتٍ وَاحِدٍ فِي الشِّتَاءِ لِسُبْعٍ وَنِصْفٍ يَبْقَى وَفِي الصَّيْفِ لِسُبْعٍ يَبْقَى مِنْهُ . ( وَالثَّانِي ) : يُقَدَّمُ لِسُبْعٍ يَبْقَى مِنْ اللَّيْلِ مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الشِّتَاءِ وَالصَّيْفِ ذَكَرَهُ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ . ( وَالثَّالِثُ ) يَدْخُلُ بِذَهَابِ وَقْتِ الِاخْتِيَارِ لِلْعِشَاءِ وَهُوَ ثُلُثُ اللَّيْلِ أَوْ نِصْفُهُ وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ صَاحِبُ مَالِكٍ . ( وَالرَّابِعُ ) وَقْتُهُ النِّصْفُ الْأَخِيرُ مِنْ اللَّيْلِ وَلَا يَجُوزُ قَبْلَهُ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِمْ ثُمَّ قَالَ ، وَقَدْ رَوَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَبِي جَابِرٍ قَالَ كَانَ مُؤَذِّنُ مَسْجِدِ دِمَشْقَ يُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فِي السَّحَرِ بِقَدْرِ مَا يَسِيرُ الرَّاكِبُ سِتَّةَ أَمْيَالٍ فَلَا يُنْكِرُ ذَلِكَ مَكْحُولٌ وَلَا يَقُولُ فِيهِ شَيْئًا . ( وَالْخَامِسُ ) جَمِيعُ اللَّيْلِ وَقْتٌ لَهُ وَهَذَا شَاذٌّ . ( وَالسَّادِسُ ) : أَنَّهُ إنَّمَا يَدْخُلُ وَقْتُهُ فِي السَّحَرِ قُبَيْلَ الْفَجْرِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ { وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلَّا قَدْرُ مَا يَنْزِلُ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا } وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ الْإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ وَحَكَاهُ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالْبَغَوِيِّ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ كَمَا تَقَدَّمَ كَلَامُهُ فِي ذَلِكَ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَإِلَيْهِ يَمِيلُ كَلَامُ ابْنِ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي فَهَذِهِ الْأَوْجُهُ السِّتَّةُ فِي مَذْهَبِنَا وَبَعْضُهَا فِي غَيْرِ مَذْهَبِنَا كَمَا حَكَيْته فِيمَا تَقَدَّمَ . ( وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ سَابِعٌ ) أَنَّهُ يَدْخُلُ وَقْتُ الْأَذَانِ لَهَا لِسُدُسٍ يَبْقَى مِنْ اللَّيْلِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّهُ الْوَقْتُ الَّذِي يُمَكِّنُ الْجُنُبَ وَالْمُعْتَصِرَ وَالْمُتَوَضِّئَ وَالْمُتَأَهِّبَ لِذَلِكَ كُلِّهِ مِنْ أَمْرِهِ وَيَخْرُجُ إلَى الْجَمَاعَةِ فَجَعَلُوهُ تَقْدِيرًا لِذَلِكَ كُلِّهِ . ( فَإِنْ قُلْت ) وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ ثَامِنٌ : أَنَّهُ يُؤَذَّنُ لَهَا عِنْدَ انْقِضَاءِ صَلَاةِ الْعَتَمَةِ وَهُوَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ( قُلْت ) قَدْ فَسَّرَهُ الْحَاكِي لَهُ وَهُوَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ الْمُرَادَ الْعَتَمَةُ الَّتِي تُصَلَّى فِي آخِرِ وَقْتِهَا ، وَهُوَ نِصْفُ اللَّيْلِ أَوْ ثُلُثُهُ فَعَادَ هَذَا إلَى الْمَذْهَبِ الثَّالِثِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ حَبِيبٍ كَمَا قَدَّمْته فَلَيْسَ مَذْهَبًا زَائِدًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ . ( الْخَامِسَةُ ) : هَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي رَوَاهَا الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ مُسْنَدِ أَحْمَدَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ الْقَائِلَ وَلَا أَعْلَمُهُ { إلَّا كَانَ قَدْرَ مَا يَنْزِلُ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا } رَاوِيَةُ الْحَدِيثِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَإِنَّ فِيهَا قَالَتْ لَكِنْ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ قَالَ الْقَاسِمُ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَذَانِهِمَا إلَّا أَنْ يَرْقَى ذَا وَيَنْزِلَ ذَا فَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَعْتَمِدُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَيَجْعَلُ هَذَا الْكَلَامَ فِي غَيْرِهَا مُدْرَجًا وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ التَّصْرِيحَ بِأَنَّهُ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ فَفِيهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا . وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَ الْبُخَارِيِّ قَالَ الْقَاسِمُ أَيْ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ عَائِشَةَ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ رَوَى الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمِنْ طَرِيقِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ عَائِشَةَ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ أَيْ عَنْ عَائِشَةَ وَلَيْسَتْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِأَنَّهُ لَوْ أَطْلَقَ ذِكْرَهَا لَتُوُهِّمَ أَنَّهَا فِي الْإِسْنَادَيْنِ مَعًا ، وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّ الْقَاسِمَ قَالَهَا مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ أَحْمَدَ الَّتِي ذَكَرْتُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) اسْتَثْنَى أَحْمَدُ مِنْ الْأَذَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ شَهْرَ رَمَضَانَ فَقَالَ : إنَّهُ يُكْرَهُ فِيهِ الْأَذَانُ قَبْلَ الْفَجْرِ لِئَلَّا يَغْتَرَّ النَّاسُ بِهِ فَيَتْرُكُوا سَحُورَهُمْ وَهَذَا تَخْصِيصٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَإِذَا عُلِمَ مِنْ عَادَةِ الْمُؤَذِّنِ أَنَّهُ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْفَجْرِ لَمْ يَغْتَرَّ النَّاسُ بِأَذَانِهِ فَيَتْرُكُوا سَحُورَهُمْ ، وَالْعَجَبُ أَنَّ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ الْقَطَّانِ قَالَ فِي بَيَانِ الْوَهْمِ وَالْإِيهَامِ : إنَّ بِلَالًا إنَّمَا كَانَ يُؤَذِّنُ لَيْلًا فِي رَمَضَانَ خَاصَّةً فَهَذَا عَكْسُ الْمَحْكِيِّ عَنْ أَحْمَدَ وَلَمْ أَعْلَمْ مُسْتَنَدَ ابْنِ الْقَطَّانِ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ قَالَ فَخْرُ الدِّينِ بْنُ قُدَامَةَ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ أَحْمَدَ : وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُكْرَهَ فِي حَقِّ مَنْ عُرِفَتْ عَادَتُهُ بِالْأَذَانِ فِي اللَّيْلِ لِأَنَّ بِلَالًا كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَمْنَعَنَّكُمْ مِنْ سَحُورِكُمْ أَذَانُ بِلَالٍ فَإِنَّهُ يُؤَذِّنُ بِاللَّيْلِ لِيُنَبِّهَ نَائِمَكُمْ وَيُرْجِعَ قَائِمَكُمْ } . قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ : وَيَنْبَغِي لِمَنْ يُؤَذِّنُ قَبْلَ الْوَقْتِ أَنْ يَجْعَلَ أَذَانَهُ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ فِي اللَّيَالِي كُلِّهَا لِيَعْلَمَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْ عَادَتِهِ وَلَا يُؤَذِّنُ فِي الْوَقْتِ تَارَةً وَقَبْلَهُ أُخْرَى فَيَقَعُ الْإِلْبَاسُ انْتَهَى . ( السَّابِعَةُ ) رَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ يُؤَذِّنُ بِلَيْلٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يُؤَذِّنَ بِلَالٌ } وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أُنَيْسَةَ بِنْتِ خُبَيْبِ { إذَا أَذَّنَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَإِذَا أَذَّنَ بِلَالٌ فَلَا تَأْكُلُوا وَلَا تَشْرَبُوا } وَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ مُعَارِضَتَانِ لِلرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ فَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّ الْمَحْفُوظَ وَالصَّوَابَ الْأَوَّلُ وَقَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا نُوَبٌ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ حِبَّانَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَنَظِيرُ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ فِي الْمُعَارَضَةِ مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ بِلَالٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ { لَا تُؤَذِّنْ حَتَّى يَسْتَبِينَ لَك الْفَجْرُ هَكَذَا وَمَدَّ يَدَيْهِ عَرْضًا } لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ شَدَّادٍ مَوْلَى عِيَاضِ بْنِ عَامِرٍ عَنْهُ وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ : إنَّهُ لَمْ يُدْرِكْ بِلَالًا وَأَيْضًا فَلَمْ يَرْوِ عَنْهُ سِوَى جَعْفَرِ بْنِ بُرْقَانَ وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ هَذَا إسْنَادٌ مَجْهُولٌ مُنْقَطِعٌ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا حَدِيثٌ لَا تَقُومُ بِهِ الْحُجَّةُ وَلَا يُقْبَلُ لِضَعْفِهِ وَانْقِطَاعِهِ انْتَهَى . وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ هَذَا الْكَلَامَ لِبِلَالٍ فِي نَوْبَتِهِ الَّتِي كَانَ يَتَأَخَّرُ فِيهَا أَذَانُهُ وَيَتَقَدَّمُ فِيهَا أَذَانُ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ ، فَإِنَّهُ كَانَتْ بَيْنَهُمَا نُوَبٌ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ لَهُ هَذَا الْكَلَامَ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ قَبْلَ أَنْ يُنَصَّبَ لِلْمَسْجِدِ مُؤَذِّنَانِ ، وَتَقَدَّمَ عَنْ ابْنِ الْقَطَّانِ حَمْلُ أَذَانِ بِلَالٍ بِلَيْلٍ عَلَى رَمَضَانَ خَاصَّةً وَتَقَدَّمَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ عَكْسُ ذَلِكَ فَكَرِهَ الْأَذَانَ قَبْلَ الصُّبْحِ فِي رَمَضَانَ خَاصَّةً فَيُجْعَلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِحَمْلِ أَحَدِهِمَا عَلَى رَمَضَانَ وَالْآخَرِ عَلَى غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) : اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ فِي الرِّوَايَةِ الِاعْتِمَادُ عَلَى الصَّوْتِ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ الْمُخْبِرِ بِأَنْ يَكُونَ وَرَاءَ حِجَابٍ إذَا كَانَ عَارِفًا بِالصَّوْتِ وَاعْتُمِدَ فِي ذَلِكَ عَلَى إخْبَارِ ثِقَةٍ فَإِنَّ { ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ لَمْ يَكُنْ يُشَاهِدُ مَا يَعْرِفُ بِهِ دُخُولَ الْوَقْتِ وَإِنَّمَا كَانَ يَعْتَمِدُ فِي ذَلِكَ عَلَى إخْبَارِ مَنْ يُخْبِرُهُ بِذَلِكَ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ } وَأَيْضًا فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَرَ بِالِاعْتِمَادِ عَلَى صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ مِنْ غَيْرِ مُشَاهَدَتِهِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَكُونُ فِي اللَّيْلِ وَظُلْمَتِهِ وَلَا بُدَّ أَنْ يُمَيِّزَ صَوْتَ بِلَالٍ مِنْ صَوْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ فَإِنَّ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمًا غَيْرَ حُكْمِ الْآخَرِ ، وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلْفِ . وَعَنْ شُعْبَةَ بْنِ الْحَجَّاجِ مَنْعُهُ لِاحْتِمَالِ الِاشْتِبَاهِ . وَأَمَّا فِي بَابِ الشَّهَادَةِ فَالْأَكْثَرُ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ الِاعْتِمَادِ عَلَى الصَّوْتِ فِيهَا ، وَبَابُ الشَّهَادَةِ أَضْيَقُ وَبِالِاحْتِيَاطِ أَجْدَرُ ، وَمَنْ جَوَّزَ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ الْمُهَلَّبُ : فِيهِ جَوَازُ شَهَادَةِ الْأَعْمَى عَلَى الصَّوْتِ لِأَنَّهُ مَيَّزَ صَوْتَ مَنْ عَلَّمَهُ الْوَقْتَ مِمَّنْ يَثِقُ بِهِ فَقَامَ أَذَانُهُ عَلَى قَبُولِهِ مَقَامَ شَهَادَةِ الْمُخْبِرِ لَهُ انْتَهَى . ( التَّاسِعَةُ ) فِيهِ جَوَازُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ أَعْمَى فَإِنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كَانَ أَعْمَى ، وَهُوَ جَائِزٌ بِلَا كَرَاهَةٍ إذَا كَانَ مَعَهُ بَصِيرٌ كَمَا كَانَ بِلَالٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيُكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْأَعْمَى مُؤَذِّنًا وَحْدَهُ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ الْمُؤَذِّنُ أَعْمَى قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَهَذَا وَاَلَّذِي رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ذَلِكَ مَحْمُولٌ عَلَى أَعْمَى مُنْفَرِدٍ لَا يَكُونُ مَعَهُ بَصِيرٌ يُعْلِمُهُ الْوَقْتَ انْتَهَى . وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ أَذَانَ الْأَعْمَى إذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُخْبِرُهُ ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ اخْتَلَفُوا فِي أَذَانِ الْأَعْمَى فَكَرِهَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَكَرِهَ ابْنُ عَبَّاسٍ إقَامَتَهُ وَأَجَازَهُ طَائِفَةٌ وَرُوِيَ أَنَّ مُؤَذِّنَ النَّخَعِيّ كَانَ أَعْمَى وَأَجَازَهُ مَالِكٌ وَالْكُوفِيُّونَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إذَا كَانَ لَهُ مَنْ يُعَرِّفُهُ الْوَقْتَ لِأَنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ إنَّمَا كَانَ يُؤَذِّنُ بَعْدَ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْت أَصْبَحْت انْتَهَى . ( الْعَاشِرَةُ ) فِيهِ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَهُ مُؤَذِّنَانِ بِالْمَدِينَةِ } وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ قَالَا { كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤَذِّنَانِ بِلَالٌ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ الْأَعْمَى } وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَلَاثَةُ مُؤَذِّنِينَ بِلَالٌ وَأَبُو مَحْذُورَةَ وَابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ } قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ إِسْحَاقَ الضُّبَعِيُّ وَالْخَبَرَانِ صَحِيحَانِ فَمَنْ قَالَ كَانَ : لَهُ مُؤَذِّنَانِ أَرَادَ اللَّذَيْنِ كَانَا يُؤَذِّنَانِ بِالْمَدِينَةِ ، وَمَنْ قَالَ : ثَلَاثَةٌ أَرَادَ أَبَا مَحْذُورَةَ الَّذِي كَانَ يُؤَذِّنُ بِمَكَّةَ . ( قُلْت ) وَكَانَ لَهُ مُؤَذِّنٌ رَابِعٌ وَهُوَ سَعْدُ الْقَرَظِ أَذَّنَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقُبَاءَ مِرَارًا ثُمَّ صَارَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُؤَذِّنًا بِالْمَدِينَةِ لَمَّا تَرَكَ بِلَالٌ الْأَذَانَ ، وَأَذَّنَ لَهُ زِيَادُ بْنُ الْحَارِثِ الصُّدَائِيُّ أَيْضًا ، وَقَالَ { إنَّ أَخَا صُدَاءَ أَذَّنَ ، وَمَنْ أَذَّنَ فَهُوَ يُقِيمُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ لَكِنَّهُ لَمْ يَكُنْ رَاتِبًا وَلِهَذَا عُدَّ مُؤَذِّنُو النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةً قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأُحِبُّ أَنْ أَقْتَصِرَ فِي الْمُؤَذِّنِينَ عَلَى اثْنَيْنِ ؛ لِأَنَّا إنَّمَا حَفِظْنَا أَنَّهُ أَذَّنَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اثْنَانِ وَلَا نُضَيِّقُ إنْ أَذَّنَ أَكْثَرُ مِنْ اثْنَيْنِ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ فِي جَوَازِ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَيْنِ بِقِصَّةِ عُثْمَانَ فَقَالَ : وَمَعْرُوفٌ أَنَّهُ زَادَ فِي عَدَدِ الْمُؤَذِّنِينَ فَجَعَلَهُ ثَلَاثَةً وَذَكَرَ أَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ وَالرَّافِعِيُّ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَلَّا يُزَادَ عَلَى أَرْبَعَةِ مُؤَذِّنِينَ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَصْحَابِنَا لَكِنَّهُ قَالَ فِي الرَّوْضَةِ أَنْكَرَهُ كَثِيرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا . وَقَالُوا إنَّمَا الضَّبْطُ بِالْحَاجَةِ وَرُؤْيَةِ الْمَصْلَحَةِ فَإِنْ رَأَى الْإِمَامُ الْمَصْلَحَةَ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعَةِ فَعَلَهُ ، وَإِنْ رَأَى الِاقْتِصَارَ عَلَى اثْنَيْنِ لَمْ يَزِدْ قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ الْمَنْصُوصُ قَالَ أَصْحَابُنَا : وَإِذَا كَانَ لِلْمَسْجِدِ مُؤَذِّنَانِ فَأَكْثَرُ فَإِنْ اتَّسَعَ الْوَقْتُ تَرَتَّبُوا فِي الْأَذَانِ فَإِنْ تَنَازَعُوا فِي الِابْتِدَاءِ أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ فَإِنْ كَانَ الْمَسْجِدُ كَبِيرًا أَذَّنُوا مُتَفَرِّقِينَ فِي أَقْطَارِهِ وَإِنْ كَانَ صَغِيرًا وَقَفُوا مَعًا وَأَذَّنُوا وَهَذَا إذَا لَمْ يُؤَدِّ اخْتِلَافُ الْأَصْوَاتِ إلَى تَشْوِيشٍ فَإِنْ أَدَّى لَمْ يُؤَذِّنْ إلَّا وَاحِدٌ فَإِنْ تَنَازَعُوا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ . وَأَمَّا الْإِقَامَةُ فَإِنْ أَذَّنُوا عَلَى التَّرْتِيبِ فَالْأَوَّلُ أَوْلَى بِهَا إنْ كَانَ هُوَ الْمُؤَذِّنَ الرَّاتِبَ أَوْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مُؤَذِّنٌ رَاتِبٌ فَإِنْ كَانَ الْأَوَّلُ غَيْرَ الرَّاتِبِ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّ الرَّاتِبَ أَوْلَى . وَالثَّانِي : أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى وَلَوْ أَقَامَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ غَيْرُ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْإِقَامَةِ اُعْتُدَّ بِهِ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ ، وَفِي وَجْهٍ ضَعِيفٍ لَا يُعْتَدُّ بِالْإِقَامَةِ مِنْ غَيْرِ السَّابِقِ بِالْأَذَانِ تَخْرِيجًا مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْطُبَ وَاحِدٌ وَيُصَلِّيَ آخَرُ . أَمَّا إذَا أَذَّنُوا مَعًا فَإِنْ اتَّفَقُوا عَلَى إقَامَةِ وَاحِدٍ وَإِلَّا أُقْرِعَ بَيْنَهُمْ وَلَا يُقِيمُ فِي الْمَسْجِدِ الْوَاحِدِ إلَّا وَاحِدٌ إلَّا إذَا لَمْ تَحْصُلْ الْكِفَايَةُ بِوَاحِدٍ وَقِيلَ لَا بَأْسَ أَنْ يُقِيمُوا مَعًا إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى التَّشْوِيشِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَقْلِيدِ الْأَعْمَى لِلْبَصِيرِ فِي مَعْرِفَةِ الْوَقْتِ أَوْ جَوَازِ اجْتِهَادِهِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّ ابْنَ أُمِّ مَكْتُومٍ كَانَ أَعْمَى وَلَمْ يَكُنْ يَعْرِفُ طُلُوعَ الْفَجْرِ إلَّا بِأَحَدِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ وَمِمَّا يُرَجِّحُ أَنَّهُ كَانَ يُقَلِّدُ قَوْلَهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ وَكَانَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ لَا يُؤَذِّنُ حَتَّى يُقَالَ لَهُ أَصْبَحْت أَصْبَحْت قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ : وَلَوْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي اللَّفْظِ جَوَازُ رُجُوعِهِ لِاجْتِهَادٍ بِعَيْنِهِ لِأَنَّ الدَّالَّ عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ مُبْهَمٌ لَا يَدُلُّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِعَيْنِهِ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ نِسْبَةِ الْإِنْسَانِ إلَى أُمِّهِ وَفِي الصَّحَابَةِ جَمَاعَةٌ عُرِفُوا بِذَلِكَ مِنْهُمْ ابْنُ بُحَيْنَةَ وَيَعْلَى بْنُ مُنْيَةَ وَالْحَارِثُ بْنُ الْبَرْصَاءِ وَغَيْرُهُمْ وَحُكِيَ أَنَّ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ كَانَ يَقُولُ حَدَّثَنَا إسْمَاعِيلُ ابْنُ عُلَيَّةَ فَنَهَاهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَقَالَ قُلْ إسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُنْسَبَ إلَى أُمِّهِ فَقَالَ : قَدْ قَبِلْنَا مِنْك يَا مُعَلِّمَ الْخَيْرِ وَلِهَذَا اسْتَثْنَى ابْنُ الصَّلَاحِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ مِنْ الْجَوَازِ مَا يَكْرَهُهُ الْمُلَقَّبُ ، وَهُوَ حَسَنٌ لَكِنْ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ : الظَّاهِرُ أَنَّ مَا قَالَهُ أَحْمَدُ عَلَى طَرِيقِ الْأَدَبِ لَا اللُّزُومِ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ أَنْ يَكُونَ الْأَذَانُ عَلَى مَوْضِعٍ عَالٍ لِقَوْلِهِ { يَنْزِلُ هَذَا وَيَرْقَى هَذَا } ، وَالْحِكْمَةُ فِيهِ : أَنَّهُ أَبْلَغُ فِي الْإِعْلَامِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَلْ يَلْحَقُ بِهِ الْإِقَامَةُ فِي ذَلِكَ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ وَالْبَغَوِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا : لَا . قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ مَسْجِدٌ كَبِيرٌ تَدْعُو الْحَاجَةُ فِيهِ إلَى الْعُلُوِّ لِلْإِعْلَامِ . بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ } . بَابُ شُرُوطِ الصَّلَاةِ ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا أَحْدَثَ حَتَّى يَتَوَضَّأَ } . فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْعُلَمَاءُ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ حَكَى الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَلَا يَتِمُّ ذَلِكَ إلَّا بِأَنْ يَكُونَ انْتِفَاءُ الْقَبُولِ دَلِيلًا عَلَى انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ فَإِنْ فَسَّرْنَاهُ بِأَنَّهُ تَرَتُّبُ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ مِنْ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ فَيُقَالُ : الْغَرَضُ مِنْ الصَّلَاةِ وُقُوعُهَا مُجْزِئَةً بِمُطَابَقَتِهَا لِلْأَمْرِ فَإِذَا حَصَلَ هَذَا الْفَرْضُ ثَبَتَ الْقَبُولُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ . وَإِذَا ثَبَتَ الْقَبُولُ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ ثَبَتَتْ الصِّحَّةُ وَإِذَا انْتَفَى الْقَبُولُ انْتَفَتْ الصِّحَّةُ وَقَدْ حَرَّرَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي هَذَا بَحْثًا ؛ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الْقَبُولِ قَدْ وَرَدَ فِي مَوَاضِعَ مَعَ ثُبُوتِ الصِّحَّةِ كَالْعَبْدِ الْآبِقِ ، وَأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ لَهُ صَلَاةً وَكَمَا وَرَدَ فِيمَنْ أَتَى عَرَّافًا وَفِي شَارِبِ الْخَمْرِ وَإِنْ فَسَّرْنَاهُ بِأَنَّهُ كَوْنُ الْعِبَادَةِ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ الثَّوَابُ عَلَيْهَا فَهُوَ أَخَصُّ مِنْ الصِّحَّةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِهِ نَفْيُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْأَخَصِّ نَفْيُ الْأَعَمِّ قَالَ : وَهَذَا إنْ نَفَعَ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي نُفِيَ فِيهَا الْقَبُولُ مَعَ بَقَاءِ الصِّحَّةِ فَإِنَّهُ يَضُرُّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِنَفْيِ الْقَبُولِ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ يُقَالَ دَلَّ الدَّلِيلُ عَلَى كَوْنِ الْقَبُولِ مِنْ لَوَازِمِ الصِّحَّةِ فَإِذَا انْتَفَى انْتَفَتْ فَيَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِنَفْيِ الْقَبُولِ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ حِينَئِذٍ . وَيُحْتَاجُ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي نُفِيَ عَنْهَا الْقَبُولُ مَعَ بَقَاءِ الصِّحَّةِ إلَى جَوَابٍ عَلَى أَنَّهُ يَرِدُ عَلَى مَنْ فَسَّرَ الْقَبُولَ بِكَوْنِ الْعِبَادَةِ مُثَابًا عَلَيْهَا أَوْ مُرْضِيَةً أَوْ مَا أَشْبَهَ ذَلِكَ إذَا كَانَ مَقْصُودُهُ بِذَلِكَ أَنْ لَا يَلْزَمَ مِنْ نَفْيِ الْقَبُولِ نَفْيُ الصِّحَّةِ أَنْ يُقَالَ الْقَوَاعِدُ الشَّرْعِيَّةُ تَقْتَضِي أَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا أُتِيَ بِهَا مُطَابِقَةً الْأَمْرَ كَانَتْ سَبَبًا لِلثَّوَابِ وَالدَّرَجَاتِ وَالظَّوَاهِرُ فِي ذَلِكَ لَا تُحْصَى انْتَهَى . وَقَدْ تَضَمَّنَ كَلَامُهُ لِلْقَبُولِ تَفْسِيرَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ تَرَتُّبُ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ مِنْ الشَّيْءِ عَلَى الشَّيْءِ وَالثَّانِي : أَنَّهُ كَوْنُ الْعِبَادَةِ بِحَيْثُ يَتَرَتَّبُ الثَّوَابُ عَلَيْهَا وَإِنَّهُ يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْقَبُولِ نَفْيُ الصِّحَّةِ بِالتَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ وَلَا يَلْزَمُ بِالتَّفْسِيرِ الثَّانِي إلَّا عَلَى الْبَحْثِ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي آخِرِ كَلَامِهِ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : الْقَبُولُ فِي أَلْسِنَةِ السَّلَفِ الرِّضَا قَبِلْت الشَّيْءَ رَضِيته وَأَرَدْته وَالْتَزَمْت الْعِوَضَ عَنْهُ فَقَبُولُ اللَّهِ لِلْعَمَلِ هُوَ رِضَاهُ بِهِ وَثَوَابُهُ عَلَيْهِ ، وَكَذَا فَسَّرَ صَاحِبَا الْمَشَارِقِ وَالنِّهَايَةِ الْقَبُولَ بِأَنَّهُ الْمَحَبَّةُ وَالرِّضَا ، وَفِي الصِّحَاحِ يُقَالُ عَلَى فُلَانٍ قَبُولٌ إذَا قَبِلَتْهُ النَّفْسُ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ذَكَرَهَا وَكَوْنِهَا مُسْتَوِيَةً فِي نَفْيِ الْقَبُولِ فَانْتَفَتْ الصِّحَّةُ مَعَهُ فِي بَعْضِهَا دُونَ بَعْضٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْقَبُولِ نَفْيُ الصِّحَّةِ لَكِنَّا نَنْظُرُ فِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي نُفِيَ فِيهَا الْقَبُولُ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الْعَمَلُ قَدْ اقْتَرَنَتْ بِهِ مَعْصِيَةٌ عَلِمْنَا أَنَّ عَدَمَ قَبُولِ ذَلِكَ الْعَمَلِ إنَّمَا هُوَ لِوُجُودِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ فَمِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَانَ ذَلِكَ الْعَمَلُ غَيْرَ مَرْضِيٍّ لَكِنَّهُ صَحِيحٌ فِي نَفْسِهِ لِاجْتِمَاعِ الشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ فِيهِ ، وَهَذَا كَصَلَاةِ الْعَبْدِ الْآبِقِ وَشَارِبِ الْخَمْرِ وَآتِي الْعَرَّافِ فَهَؤُلَاءِ إنَّمَا لَمْ تُقْبَلْ صَلَاتُهُمْ لِلْمَعْصِيَةِ الَّتِي ارْتَكَبُوهَا مَعَ صِحَّةِ صَلَاتِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يَقْتَرِنْ بِذَلِكَ الْعَمَلِ مَعْصِيَةٌ فَعَدَمُ قَبُولِهِ إنَّمَا هُوَ لِفَقْدِ شَرْطٍ مِنْ شُرُوطِهِ فَهُوَ حِينَئِذٍ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الشَّرْطَ مَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِهِ الْعَدَمُ ، وَهَذَا كَصَلَاةِ الْمُحْدِثِ وَالْمَرْأَةِ مَكْشُوفَةَ الرَّأْسِ فَإِنَّ الْحَدَثَ وَكَشْفَ الْمَرْأَةِ رَأْسَهَا حَيْثُ لَا يَرَاهَا الرِّجَالُ الْأَجَانِبُ لَيْسَ مَعْصِيَةً فَعَدَمُ قَبُولِ هَذِهِ الْعِبَادَةِ إنَّمَا هُوَ لِأَنَّ ضِدَّ الْحَدَثِ الَّذِي هُوَ الطَّهَارَةُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ ضِدُّ الْكَشْفِ وَهُوَ السَّتْرُ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فَفُقِدَتْ الصِّحَّةُ لِفَقْدِ شَرْطِهَا فَاعْتَبِرْ مَا ذَكَرْته تَجِدْ جَمِيعَ الْأَحَادِيثِ مَاشِيَةً عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ خَلَلٍ وَلَا اضْطِرَابٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { صَلَاةَ أَحَدِكُمْ } مُفْرَدٌ مُضَافٌ فَيَعُمُّ كُلَّ صَلَاةٍ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْفَرِيضَةُ وَالنَّافِلَةُ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْجِنَازَةِ بِغَيْرِ طَهَارَةٍ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا مَذْهَبٌ بَاطِلٌ وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى خِلَافِهِ . وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ حُكْمَ الْوُضُوءِ حُكْمُ مَا تَوَضَّأَ لَهُ مِنْ نَافِلَةٍ أَوْ سُنَّةٍ وَأَمَّا سُجُودُ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ فَإِنْ أَدْخَلْنَاهُمَا فِي مُسَمَّى الصَّلَاةِ فَقَدْ تَنَاوَلَهَا لَفْظُ الْحَدِيثِ وَإِنْ لَمْ نَدْخُلْهُمَا فِي مُسَمَّى الصَّلَاةِ فَقَدْ جَعَلَ الْعُلَمَاءُ حُكْمَهُمَا كَحُكْمِ الصَّلَاةِ فِي اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ ، وَذَكَرَ الْقَفَّالُ فِي مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ أَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُمَا شُعْبَةٌ مِنْ الصَّلَاةِ وَرُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهَا حَتَّى إنَّ الصَّلَاةَ تُسَمَّى سُجُودًا ، فَقَدْ رُوِيَ فِي الْخَبَرِ { إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلَا يَجْلِسْ حَتَّى يَسْجُدَ سَجْدَتَيْنِ } أَيْ يُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ . وَحَكَى النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِيهِمَا وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ بِإِسْنَادٍ فِيهِ جَهَالَةٌ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا كَانَ يَنْزِلُ عَنْ رَاحِلَتِهِ فَيُهْرِيقُ الْمَاءَ ثُمَّ يَرْكَبُ فَيَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَيَسْجُدُ وَمَا تَوَضَّأَ وَعَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يَقْرَأُ السَّجْدَةَ وَهُوَ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ قَالَ يَسْجُدُ حَيَّتْ كَانَ وَجْهُهُ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرَوَيْنَا عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ فِي الْحَائِضِ تَسْمَعُ السَّجْدَةَ أَنَّهَا تُومِئُ بِرَأْسِهَا وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ قَالَ وَتَقُولُ اللَّهُمَّ لَك سَجَدْت ( الثَّالِثَةُ ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَهِيَ مِنْ شَرَائِطِ الْأَدَاءِ لَا مِنْ شَرْطِ الْوُجُوبِ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَفِيمَا نَقَلَهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ . فَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ سَنُوَضِّحُهُ فِي الْفَائِدَةِ الَّتِي بَعْدَهَا وَاَلَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ كَوْنُهَا مِنْ شَرَائِطِ الْأَدَاءِ بِالتَّقْدِيرِ الْمُتَقَدِّمِ فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى أَمَّا كَوْنُ الْوُجُوبِ مُتَوَقِّفًا عَلَيْهَا فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَعَرُّضٌ لَهُ . ( الرَّابِعَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ عَلَى أَنَّ فَاقِدَ الطَّهُورَيْنِ لَا تَجِبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَزَادَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْقَضَاءُ أَيْضًا قَالَ : لِأَنَّ عَدَمَ قَبُولِهَا لِعَدَمِ شَرْطِهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ مُخَاطَبًا بِهَا حَالَةَ عَدَمِ شَرْطِهَا فَلَا يَتَرَتَّبُ شَيْءٌ فِي الذِّمَّةِ فَلَا تُقْضَى وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ نَافِعٍ قَالَ : وَعَلَى هَذَا فَتَكُونُ الطَّهَارَةُ مِنْ شُرُوطِ الْوُجُوبِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِاخْتِلَافِهِمْ فِي هَذَا الْأَصْلِ انْتَهَى . وَسَبَقَهُ إلَى هَذَا الْبِنَاءِ أَبُو الطَّاهِرِ بْنُ بَشِيرٍ فَقَالَ : سَبَبُ هَذَا الْخِلَافِ يَعْنِي فِي فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ الْخِلَافُ فِي كَوْنِ الطَّهَارَةِ شَرْطًا فِي الْوُجُوبِ فَتَسْقُطُ الصَّلَاةُ عَمَّنْ تَعَذَّرَتْ عَلَيْهِ ، أَوْ شَرْطًا فِي الْأَدَاءِ فَيَقِفُ الْفِعْلُ عَلَى الْوُجُودِ انْتَهَى . وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَعْنِي أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْأَدَاءُ وَلَا الْقَضَاءُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَا أَعْرِفُ كَيْفَ أُقْدِمُ عَلَى أَنْ أَجْعَلَ هَذَا الصَّحِيحَ مِنْ الْمَذْهَبِ مَعَ خِلَافِهِ جُمْهُورَ السَّلَفِ وَعَامَّةَ الْفُقَهَاءِ وَجَمَاعَةَ الْمَالِكِيِّينَ قَالَ : وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ مَهْجُورٌ شَاذٌّ مَرْغُوبٌ عَنْهُ انْتَهَى . وَفِي الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ أُخَرُ لِلشَّافِعِيِّ وَهِيَ مَذَاهِبُ لِعُلَمَاءَ : ( أَحَدُهَا ) : أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى حَالِهِ لِحُرْمَةِ الْوَقْتِ وَيَجِبُ أَنْ يُعِيدَ إذَا تَمَكَّنَ مِنْ أَخْذِ الطَّهُورَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ . ( الثَّانِي ) يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُصَلِّيَ لِفَقْدِ شَرْطِ الصَّلَاةِ وَهُوَ الطَّهَارَةُ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ إذَا تَمَكَّنَ . ( الثَّالِثُ ) يُسْتَحَبُّ أَنْ يُصَلِّيَ وَيَجِبُ الْقَضَاءُ سَوَاءٌ أَصَلَّى أَمْ لَمْ يُصَلِّ . وَقَالَ أَصْبَغُ : يُصَلِّي إذَا قَدَرَ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِإِرَادَةِ هَذَا الْقَوْلِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ أَحَدَهُمَا وَكَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُصَلِّي فَإِذَا وَجَدَ ذَلِكَ صَلَّى ( الرَّابِعُ ) تَجِبُ الصَّلَاةُ فِي الْوَقْتِ وَلَا تَجِبُ إعَادَتُهَا فَإِنَّهَا إنَّمَا تَجِبُ بِأَمْرٍ جَدِيدٍ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَشْهَبُ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْمُزَنِيّ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ : وَهُوَ الْقِيَاسُ وَحُكِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ الْقِيَاسَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي حَتَّى يَجِدَ أَحَدَ الطَّهُورَيْنِ ، وَلِهَذَا نَقَلَ عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَوْلَيْنِ وَهَذَا الْقَوْلُ الرَّابِعُ قَالَ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ وَصَحَّحَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : إنَّهُ أَقْوَى الْأَقْوَالِ دَلِيلًا . قَالَ : وَكَذَا يَقُولُ الْمُزَنِيّ كُلُّ صَلَاةٍ أُمِرَ بِفِعْلِهَا فِي الْوَقْتِ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْخَلَلِ لَا يَجِبُ قَضَاؤُهَا وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَوْلًا سَادِسًا أَنَّهُ يُومِئُ إلَى التَّيَمُّمِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَاَلَّذِي أَقُولُ أَنَّهُ إنَّمَا يُومِئُ إلَى الْمَاءِ لَا إلَى التَّيَمُّمِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ لَا يُمْكِنُ الْخُرُوجُ مِنْ الْخِلَافِ فِيهَا فَإِنَّ أَحَدَ الْأَقْوَالِ وُجُوبُ الصَّلَاةِ فِي الْوَقْتِ ، وَالْآخَرُ تَحْرِيمُهَا ، وَقِيَاسُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ تَرَجُّحُ فِعْلِهَا وَحَمَلَ الْقَائِلُونَ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى الْمُتَمَكِّنِ مِنْ الطَّهَارَةِ وَأَخْرَجُوا الْعَاجِزَ عَنْ دَلَالَةِ الْحَدِيثِ ، وَاسْتَدَلُّوا لِوُجُوبِهَا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ } وَالْمُكَلَّفُ مَأْمُورٌ بِالصَّلَاةِ وَالطَّهَارَةِ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ الطَّهَارَةِ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ الصَّلَاةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِي صِحَّةِ الطَّوَافِ ؛ لِأَنَّهُ صَلَاةٌ فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - أَحَلَّ فِيهِ الْكَلَامَ } وَقَالَ الشَّيْخُ فَتْحُ الدِّينِ الْعُمَرِيُّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ الْمُشَبَّهُ لَا يَقْوَى قُوَّةَ الْمُشَبَّهِ بِهِ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَمَعْلُومٌ أَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ { الطَّوَافُ صَلَاةٌ } أَيْ يُشْبِهُ الصَّلَاةَ ، وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِجَوَازِ الْكَلَامِ فِيهِ ، وَكَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ كُلُّ مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ وَيُرَدُّ عَلَى الْخَطَّابِيِّ إبَاحَةُ الْكَلَامِ فِيهِ وَالْمَشْيِ ، وَلَيْسَا مِمَّا يُبَاحُ فِي الصَّلَاةِ انْتَهَى كَلَامُهُ ، وَفِيهِ نَظَرٌ فِي مَوَاضِعَ : ( أَحَدُهَا ) فِي قَوْلِهِ : إنَّ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الطَّوَافُ صَلَاةٌ } أَيْ يُشْبِهُ الصَّلَاةَ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّهُ صَلَاةٌ حَقِيقَةٌ فَإِنَّ الْأَصْلَ فِي الْإِطْلَاقِ الْحَقِيقَةُ وَهِيَ حَقِيقَةٌ شَرْعِيَّةٌ ، وَيَكُونُ لَفْظُ الصَّلَاةِ مُشْتَرَكًا بَيْنَ الصَّلَاةِ الْمَعْهُودَةِ وَالطَّوَافِ اشْتِرَاكًا لَفْظِيًّا . ( ثَانِيهَا ) فِي قَوْلِهِ : وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا بِجَوَازِ الْكَلَامِ فِيهِ فَيَقُولُ قَدْ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ صَلَاةٌ فَثَبَتَ لَهُ جَمِيعُ أَحْكَامِ الصَّلَاةِ إلَّا مَا اسْتَثْنَى ، وَالِاسْتِثْنَاءُ مِعْيَارُ الْعُمُومِ . ( ثَالِثُهَا ) فِي قَوْلِهِ وَكَمَا أَنَّهُ يَجُوزُ فِيهِ مَا لَا يَجُوزُ فِي الصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ كُلُّ مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ فَنَقُولُ : هَذَا قِيَاسٌ مُعَارِضٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ ، وَأَيْضًا فَلَا مُلَازَمَةَ بَيْنَهُمَا تُصَحِّحُ الْقِيَاسَ ثُمَّ لَوْ سَلَّمْنَا صِحَّتَهُ فَذَلِكَ لَا يَمْنَعُ مِنْ الِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى شَيْءٍ يُخَالِفُ الْقِيَاسَ ( رَابِعُهَا ) فِي قَوْلِهِ وَيُرَدُّ عَلَى الْخَطَّابِيِّ إبَاحَةُ الْكَلَامِ فِيهِ وَالْمَشْيِ وَلَيْسَا مِمَّا يُبَاحُ فِي الصَّلَاةِ فَنَقُولُ هَذَا مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ جَمِيعَ مَا يُشْتَرَطُ فِي الصَّلَاةِ يُشْتَرَطُ فِي الطَّوَافِ إلَّا مَا يُسْتَثْنَى ، وَإِبَاحَةُ الْكَلَامِ مُسْتَثْنَاةٌ بِقَوْلِهِ وَفِعْلِهِ وَالْمَشْيُ مُسْتَثْنًى بِفِعْلِهِ وَلِأَنَّهُ لَا يَصْدُقُ اسْمُ الطَّوَافِ شَرْعًا إلَّا بِالْمَشْيِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ دَلَّ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِي صِحَّةِ الطَّوَافِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي } وَأَنَّهُ { عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ طَافَ مُتَطَهِّرًا ، وَقَالَ : خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ } وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ فِي الْحَجِّ . ( السَّادِسَةُ ) قَدْ تَقَرَّرَ دَلَالَةُ الْحَدِيثِ عَلَى بُطْلَانِ الصَّلَاةِ عِنْدَ فَقْدِ الطَّهَارَةِ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى تَحْرِيمِ الصَّلَاةِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِمَا فِيهِ مِنْ التَّلَاعُبِ بِتَعَاطِي الْعِبَادَةِ الْفَاسِدَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ إذَا فَعَلَهُ مُتَعَمِّدًا بِلَا عُذْرٍ بَلْ حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يُكَفَّرُ . وَقَالَ الْجُمْهُورُ : لَا يُكَفَّرُ لِأَنَّ الْكُفْرَ بِالِاعْتِقَادِ وَهَذَا الْمُصَلِّي اعْتِقَادُهُ صَحِيحٌ . ( السَّابِعَةُ ) الْحَدَثُ يُطْلَقُ بِإِزَاءِ مَعَانٍ : ( أَحَدُهَا ) : الْخَارِجُ الْمَخْصُوصُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِمَّا يَذْكُرُهُ الْفُقَهَاءُ فِي نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ حَيْثُ يَقُولُونَ : الْأَحْدَاثُ كَذَا وَكَذَا . ( الثَّانِي ) : نَفْسُ خُرُوجِ ذَلِكَ الْخَارِجِ . ( الثَّالِثُ ) الْمَنْعُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَى ذَلِكَ الْخُرُوجِ وَبِهَذَا الْمَعْنَى يَصِحُّ قَوْلُنَا رَفَعْت الْحَدَثَ ؛ لِأَنَّ الْأَوَّلَيْنِ يَسْتَحِيلُ رَفْعُهُمَا بِمَعْنَى أَنْ لَا يَكُونَ وَقَعَا إذْ هُمَا وَقَعَا بِخِلَافِ الْمَعْنَى الثَّالِثِ ، وَهُوَ الْمَنْعُ فَإِنَّ الشَّارِعَ جَعَلَ لِلْمَنْعِ غَايَةً وَهُوَ اسْتِعْمَالُ الْمُكَلَّفِ الطَّهُورَ ، فَإِذَا اسْتَعْمَلَهُ صَحَّ قَوْلُهُ نَوَيْت رَفْعَ الْحَدَثِ أَيْ رَفْعَ ذَلِكَ الْمَنْعِ الْمُمْتَدِّ مِنْ الْأُمُورِ الْمَخْصُوصَةِ . ( الرَّابِعُ ) : وَصْفٌ حُكْمِيٌّ يُقْدَرُ قِيَامُهُ بِالْأَعْضَاءِ يَنْزِلُ فِي ذَلِكَ مَنْزِلَةَ الْحِسِّيِّ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ ذَكَرَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، وَهُمْ مُطَالَبُونَ بِدَلِيلٍ شَرْعِيٍّ يَدُلُّ عَلَى إثْبَاتِ هَذَا الْمَعْنَى الرَّابِعِ وَأَقْرَبُ مَا يُذْكَرُ فِيهِ أَنَّ الْمَاءَ الْمُسْتَعْمَلَ قَدْ انْتَقَلَ إلَيْهِ الْمَانِعُ الْقَائِمُ بِالْأَعْضَاءِ . وَالْمَسْأَلَةُ مُتَنَازَعٌ فِيهَا فَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ بِطَهُورِيَّةِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ ، وَلَوْ قِيلَ بِعَدَمِ طَهُورِيَّتِهِ أَوْ بِنَجَاسَتِهِ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ انْتِقَالُ مَانِعٍ فَلَا يَتِمُّ الدَّلِيلُ ( قُلْت ) : الدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَصَحَّحَهُ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ { : احْتَلَمْت فِي لَيْلَةٍ بَارِدَةٍ فِي غَزَاةِ ذَاتِ السَّلَاسِلِ فَأَشْفَقْت أَنْ أَغْتَسِلَ فَأَهْلِكَ فَتَيَمَّمْت ثُمَّ صَلَّيْت بِأَصْحَابِي فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا عَمْرُو وَصَلَّيْت بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ فَأَخْبَرْته بِاَلَّذِي مَنَعَنِي مِنْ الِاغْتِسَالِ وَقُلْت إنِّي سَمِعْت اللَّهَ يَقُولُ { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } فَضَحِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا فَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّلَاةِ } فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَنْعَ الْمُتَرَتِّبَ عَلَى الْخَارِجِ قَدْ زَالَ ثُمَّ أَثْبَتَ لَهُ وَصْفَ الْجَنَابَةِ بِقَوْلِهِ وَأَنْتَ جُنُبٌ وَهَذَا يُقَوِّي الْقَوْلَ بِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ أَيْ الْوَصْفَ الْحُكْمِيَّ الْمُقَدَّرَ وَإِنْ كَانَ الْحَدَثُ بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ وَهُوَ الْمَنْعُ قَدْ زَالَ وَإِنْ اخْتَصَّ زَوَالُهُ بِبَعْضِ الْأَحْوَالِ كَفَقْدِ الْمَاءِ أَوْ وُجُودِهِ مَعَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَبِبَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَإِنَّهُ لَا يُرْفَعُ الْمَنْعُ إلَّا مِنْ فَرِيضَةٍ وَاحِدَةٍ . وَمَنْ يَرَى أَنَّ التَّيَمُّمَ رَافِعٌ لِلْحَدَثِ لَا يُثْبِتُ هَذَا الْمَعْنَى ، وَيَقُولُ : إذَا زَالَ الْمَنْعُ لَمْ يَبْقَ حَدَثٌ . وَالظَّاهِرُ : أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدَثِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَوْ الثَّانِي وَلَا يُمْكِنُ إرَادَةُ الثَّالِثِ ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ هُوَ الدَّالُّ عَلَى الْمَنْعِ فَلَوْ حَمَلْنَا قَوْلَهُ إذَا أَحْدَثَ عَلَى الْمَنْعِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ فَائِدَةٌ . ( فَإِنْ قُلْت ) إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ أَنْ لَوْ قَالَ يَحْرُمُ عَلَى أَحَدِكُمْ الصَّلَاةُ إذَا أَحْدَثَ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى أَحْدَثَ هُنَا : مَنَعَ لِاتِّحَادِ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءِ ، وَاَلَّذِي فِي الْحَدِيثِ إنَّمَا هُوَ نَفْيُ الْقَبُولِ وَلَا امْتِنَاعَ فِي أَنْ يُقَالَ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ أَحَدِكُمْ إذَا مَنَعَ مِنْ الصَّلَاةِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ . ( قُلْت ) قَدْ قُرِّرَتْ دَلَالَةُ نَفْيِ الْقَبُولِ عَلَى نَفْيِ الصِّحَّةِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَدَلَالَةُ نَفْيِ الصِّحَّةِ عَلَى التَّحْرِيمِ فَالتَّحْرِيمُ مَدْلُولٌ عَلَيْهِ بِالْحَدِيثِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُصَرَّحًا بِهِ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدَثِ هُنَا جَمِيعُ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ وَهِيَ مُفَصَّلَةٌ فِي مَوَاضِعِهَا ، وَقَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ : قَوْلُهُ { أَحْدَثَ } كِنَايَةٌ عَمَّا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ مُعْتَادًا فِي جِنْسِهِ وَأَوْقَاتِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَجُلِّ أَصْحَابِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَالشَّافِعِيُّ الْمُعْتَبَرُ الْخَارِجُ النَّجَسُ وَحْدَهُ فَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَرَجَ نَقَضَ وَأَوْجَبَ انْتَهَى . وَفِيهِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهِ بِالْخَارِجِ الْمَخْصُوصِ فَسَائِرُ نَوَاقِضِ الْوُضُوءِ أَحْدَاثٌ وَعَلَى ذَلِكَ مَشَى ابْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ كَمَا سَنَحْكِي كَلَامَهُ ( ثَانِيهِمَا ) فِي نَقْلِهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِي الْخَارِجِ كَوْنُهُ نَجِسًا بَلْ لَوْ كَانَ طَاهِرًا كَالدُّودِ وَالْحَصَى نَقَضَ أَيْضًا . ( الثَّانِي ) أَنَّهُ لَا يَقُولُ بِالنَّقْضِ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَرَجَ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ إلَّا فِيمَا إذَا انْسَدَّ الْمَخْرَجُ الْمُعْتَادُ وَانْفَتَحَ مَخْرَجٌ تَحْتَ الْمَعِدَةِ فَإِنَّهُ يُنْتَقَضُ الْوُضُوءُ بِالْخَارِجِ مِنْهُ فَإِنْ انْفَتَحَ فَوْقَهَا أَوْ انْفَتَحَ تَحْتَهَا مَعَ انْفِتَاحِ الْأَصْلِيِّ أَيْضًا فَفِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا عَدَمُ النَّقْضِ وَهَذَا الَّذِي نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَحْصُلُ النَّقْضُ بِكُلِّ خَارِجٍ نَجَسٍ مِنْ الْبَدَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ قَالَ رَجُلٌ مِنْ حَضْرَمَوْت : مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ فُسَاءٌ أَوْ ضُرَاطٌ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَلَعَلَّهُ قَامَتْ لَهُ قَرَائِنُ حَالِيَّةٌ اقْتَضَتْ هَذَا التَّخْصِيصَ انْتَهَى . وَلِذَلِكَ أَوْرَدَ التِّرْمِذِيُّ فِي بَابِ الْوُضُوءِ مِنْ الرِّيحِ مَعَ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ فِي رِوَايَتِهِ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى بَعْضِ الْأَحْدَاثِ لِأَنَّهُ أَجَابَ سَائِلًا سَأَلَهُ عَنْ الْمُصَلِّي يُحْدِثُ فِي صَلَاتِهِ فَخَرَجَ جَوَابُهُ عَلَى مَا يَسْبِقُ الْمُصَلِّيَ مِنْ الْأَحْدَاثِ فِي صَلَاتِهِ لِأَنَّ الْبَوْلَ وَالْغَائِطَ وَالْمُلَامَسَةَ غَيْرُ مَعْهُودَةٍ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْمُصَلِّي إذْ أَمْرُهُ بِاسْتِصْحَابِ الْيَقِينِ فِي الطَّهَارَةِ لَا يَنْصَرِفُ حَتَّى يَسْمَعَ صَوْتًا أَوْ يَجِدَ رِيحًا ، وَلَمْ يَقْصِدْ بِهِ تَعْيِينَ الْأَحْدَاثِ وَتَعْدَادَهَا قَالَ : وَالْأَحْدَاثُ الَّتِي أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّهَا تَنْقُضُ الْوُضُوءَ سِوَى مَا ذَكَرَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ الْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَالْمَذْيُ وَالْوَدْيُ وَالْمُبَاشَرَةُ وَزَوَالُ الْعَقْلِ بِأَيِّ حَالٍ زَالَ وَالنَّوْمُ الْكَثِيرُ وَالْأَحْدَاثُ الَّتِي اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِ الْوُضُوءِ مِنْهَا الْقُبْلَةُ وَالْجِسَةُ وَمَسُّ الذَّكَرِ وَالرُّعَافُ وَدَمُ الْفَصْدِ وَمَا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ نَادِرًا غَيْرُ مُعْتَادٍ مِثْلَ سَلَسِ الْبَوْلِ وَالْمَذْيِ وَدَمِ الِاسْتِحَاضَةِ وَالدُّودِ يَخْرُجُ مِنْ الدُّبُرِ ، وَلَيْسَ عَلَيْهِ أَذًى ، وَسَاقَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَا يَخْلُو عَنْ نَظَرٍ . وَقَالَ ابْنُ التِّينِ : إنَّمَا اُسْتُعْمِلَ هَذَا اللَّفْظُ حِرْصًا عَلَى الْبَيَانِ ، وَلَيْسَ هَذَا عَادَةَ كَلَامِهِ مِثْلَ { قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْمُقِرِّ عَلَى نَفْسِهِ بِالزِّنَا أَنِكْتَهَا لَا يُكَنِّي } وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُخَاطِبُ رَجُلًا أَعْجَمِيًّا مِنْ حَضْرَمَوْت وَاقْتَصَرَ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ الْحَدَثِ ؛ لِأَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ الْمُصَلِّي يُحْدِثُ فِي صَلَاتِهِ فَأَجَابَ عَلَى مَا يَسْبِقُ الْمُصَلِّيَ مِنْ الْأَحْدَاثِ انْتَهَى . ( التَّاسِعَةُ ) تَكَلَّمَ الْقَفَّالُ فِي مَحَاسِنِ الشَّرِيعَةِ عَلَى حِكْمَةِ رَبْطِ الطَّهَارَةِ بِالْأَحْدَاثِ بِمَا مُلَخَّصُهُ أَنَّ الطَّهَارَةَ بِالْمَاءِ مُسْتَحْسَنَةٌ عَقْلًا وَعَادَةً ، وَلَوْ لَزِمَ فِعْلُهَا كُلَّ وَقْتٍ لَتَعَذَّرَ أَوْ شَقَّ فَعُلِّقَتْ بِحَالٍ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ الصَّلَاةُ لِأَنَّهَا أَوْلَى مَا تَعَلَّقَ بِهِ لِمَا فِيهَا مِنْ مُنَاجَاةِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَوْ وَجَبَتْ لِكُلِّ صَلَاةٍ لَشَقَّ وَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ نِهَايَةٍ يَنْقَضِي حُكْمُهَا بِوُجُودِهَا ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ تَكُونَ تِلْكَ النِّهَايَةُ عَدَدًا مَخْصُوصًا مِنْ الصَّلَوَاتِ فَإِنَّ الطَّهَارَةَ قَدْ تَجِبُ لِغَيْرِ الصَّلَاةِ فَجُعِلَتْ نِهَايَتُهَا خُرُوجَ أَشْيَاءَ مِنْ الْبَدَنِ مُسْتَقْذَرَةٍ جَرَتْ الْعَادَاتُ الْحَسَنَةُ بِاجْتِنَابِهَا وَإِزَالَتِهَا وَسُمِّيَتْ تِلْكَ الْأَشْيَاءُ أَحْدَاثًا ثُمَّ كَانَ زَوَالُ الْعَقْلِ يُزِيلُ التَّكْلِيفَ وَهُوَ مَظِنَّةُ خُرُوجِ الرَّائِحَةِ وَلَا يَخْلُو فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْوَالِ عَنْ اقْتِرَانِ نَدَاوَةٍ بِهَا فَحُسِمَ الْبَابُ وَأُلْحِقَتْ بِالْغَائِطِ وَنَحْوِهِ . وَأَيْضًا فَإِنَّ زَوَالَ الْعَقْلِ بِغَيْرِ النَّوْمِ يُزِيلُ التَّكْلِيفَ وَهُوَ أَشْنَعُ الْأَشْيَاءِ وَأَفْظَعُهَا فَأُلْحِقَ لِذَلِكَ بِالنَّجَاسَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ السَّبِيلَيْنِ ثُمَّ ذَكَرَ مَعْنًى آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّ الطَّهَارَةَ إنَّمَا تَقَعُ بِمَا يُتَنَظَّفُ بِهِ ، وَالْخَارِجُ مِنْ الْبَدَنِ إمَّا مُسْتَخْبَثٌ كَالْبَوْلِ وَنَحْوِهِ أَوْ غَيْرُ مُسْتَخْبَثٍ كَالْعَرَقِ وَالْبُزَاقِ وَنَحْوِهِمَا فَاخْتَصَّتْ بِخُرُوجِ الْمُسْتَخْبَثِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى التَّنْظِيفِ مِنْهُ قَالَ : ثُمَّ إنَّ اللَّهَ - تَعَالَى - نَبَّهَنَا بِمَا أَمَرَنَا بِهِ مِنْ الطَّهَارَةِ مِنْ الْحَدَثِ عَلَى الطَّهَارَةِ مِنْ الْآثَامِ ؛ لِأَنَّ أَفْعَالَ الْبَدَنِ مُسْتَخْبَثٌ كَالْمَعْصِيَةِ وَغَيْرُ مُسْتَخْبَثٍ كَالطَّاعَةِ فَانْقَسَمَ مَا يَخْرُجُ مِنْ الْبَدَنِ قِسْمَيْنِ كَانْقِسَامِ مَا يَخْرُجُ مِنْ أَفْعَالِ الْبَدَنِ قِسْمَيْنِ وَكَانَ التَّطْهِيرُ لَازِمًا لِلْمَذْمُومِ مِنْهُمَا فِي النَّاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ رَبْطَ الطَّهَارَةِ بِالْأَحْدَاثِ عِبَادَةٌ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهَا قَالَ وَقَدْ أَشَارَ بَعْضُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى حُكْمِ الشَّرِيعَةِ إلَى أَنَّ فِي تَعْلِيقِهَا بِالْأَحْدَاثِ مَعْنًى مَعْقُولًا فَلَمْ يَتَّفِقْ لَهُ صَحِيحًا انْتَهَى . وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى الْقَفَّالِ وَذَكَرَ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي عِلَلِهِ أَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ مُسْتَقَرَّ الشَّيْطَانِ تَحْتَ الْمَعِدَةِ فِي مَوْضِعِ الْفُضُولِ فَإِذَا خَرَجَ رِيحُ الْفُضُولِ أَوْ بَلَّتُهُ فَهُوَ مِنْ مُسْتَقَرِّهِ وَلِذَلِكَ نَجَسَ بِنَجَاسَةِ الشَّيْطَانِ وَكُفْرِهِ فَمَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ لَزِمَ مِنْهُ التَّطْهِيرُ وَلِذَلِكَ قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ السَّبِيلَيْنِ وَأَوْجَبَهُ أَهْلُ الْكُوفَةِ لِنَجَاسَتِهِ ، وَإِنَّمَا نَجَسَ لِكَوْنِهِ مِنْ مُسْتَقَرِّ الشَّيْطَانِ أَلَا تَرَى أَنَّ مَا خَرَجَ مِنْ النِّصْفِ الْأَعْلَى مِنْ النُّخَامَةِ وَالْبَلْغَمِ وَالْبُصَاقِ لَيْسَ نَجِسًا وَالدَّمُ وَالْعُذْرَةُ وَالْبَوْلُ مِنْ مُسْتَقَرِّهِ وَمَجْلِسِهِ فَهُوَ نَجِسٌ بِنَجَاسَتِهِ مِنْ أَيِّ مَوْضِعٍ خَرَجَ وَلَا يُنْظَرُ مِنْ أَيِّ حَدٍّ خَرَجَ وَإِنَّمَا يُنْظَرُ مِنْ أَيْنَ خَرَجَ قَالَ : وَقَوْلُ أَهْلِ الْكُوفَةِ أَشْبَهُ بِالْحَقِّ انْتَهَى . ( الْعَاشِرَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَوْلُهُ { حَتَّى يَتَوَضَّأَ } مَعْنَاهُ حَتَّى يَتَطَهَّرَ بِمَاءٍ أَوْ تُرَابٍ ، وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْوُضُوءِ لِكَوْنِهِ الْأَصْلَ أَوْ الْغَالِبَ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ لِكُلِّ صَلَاةٍ وَإِنَّمَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْدِثِ خَاصَّةً قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ : وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَقِيَ عَدَمُ الْقَبُولِ مُمْتَدًّا إلَى غَايَةِ الْوُضُوءِ وَمَا بَعْدَ الْغَايَةِ مُخَالِفٌ لِمَا قَبْلَهَا فَيَقْتَضِي ذَلِكَ قَبُولَ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْوُضُوءِ مُطْلَقًا ، وَيَدْخُلُ تَحْتَهُ الصَّلَاةُ الثَّانِيَةُ قَبْلَ الْوُضُوءِ لَهَا ثَانِيًا . ( قُلْت ) قَدْ يُقَالُ تَحْصُلُ الْمُخَالَفَةُ بَيْنَ مَا قَبْلَ الْوُضُوء وَمَا بَعْدَهُ بِقَبُولِ صَلَاةٍ وَاحِدَةٍ بَعْدَهُ إذْ قَبْلَهُ لَا يُقْبَلُ شَيْءٌ أَصْلًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِي الِاسْتِدْلَالِ وَجْهٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنَّهُ قَيَّدَ عَدَمَ الْقَبُولِ بِشَرْطِ الْحَدَثِ ، وَمَفْهُومُهُ حُجَّةٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَمَفْهُومُهُ هُنَا أَنَّهُ إذَا لَمْ يُحْدِثْ تُقْبَلُ صَلَاتُهُ ، وَإِنْ لَمْ يُجَدِّدْ وُضُوءًا . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) قَدْ يُسْتَأْنَسُ بِهِ لِأَصَحِّ الْأَوْجُهِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الطَّهَارَةَ تَجِبُ بِالْحَدَثِ وَالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ وَالثَّانِي : أَنَّهَا تَجِبُ بِالْحَدَثِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا . وَالثَّالِثُ تَجِبُ بِالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ فَقَطْ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ تَرْكِ الْحِيَلِ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ هُنَاكَ بَابًا فِي الصَّلَاةِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِهِ مَعْنَاهُ الرَّدُّ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ أَنَّ الْمُحْدِثَ فِي صَلَاتِهِ يَتَوَضَّأُ وَيَبْنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَلَاتِهِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ يَسْتَأْنِفُ الصَّلَاةَ وَلَا يَبْنِي وَحُجَّتُهُمَا هَذَا الْحَدِيثُ وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ } . قَالَ ابْنُ الْقَصَّارِ وَلَا يَخْلُو فِي الْحَالِ انْصِرَافُهُ مِنْ الصَّلَاةِ وَقَدْ أَحْدَثَ أَنْ يَكُونَ مُصَلِّيًا أَوْ غَيْرَ مُصَلٍّ فَبَطَلَ أَنْ يَكُونَ مُصَلِّيًا لِقَوْلِهِ { لَا صَلَاةَ إلَّا بِطَهُورٍ } وَهَذَا غَيْرُ مُتَطَهِّرٍ فَلَا يَجُوزُ لَهُ الْبِنَاءُ ، وَكُلُّ حَدَثٍ مَنَعَ ابْتِدَاءَ الصَّلَاةِ مَنَعَ الْبِنَاءَ عَلَيْهَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ سَبَقَهُ الْمَنِيُّ اسْتَأْنَفَ بِالِاتِّفَاقِ مِنَّا وَمِنْهُمْ فَإِنْ احْتَجُّوا بِالرُّعَافِ أَنَّهُ يَبْنِي قِيلَ الرُّعَافُ عِنْدَنَا لَا يُنَافِي حُكْمَ الطَّهَارَةِ وَالْحَدَثُ يُنَافِيهَا . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَهَذَا الْحَدِيثُ أَيْضًا يَرُدُّ قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ : إنَّ مَنْ قَعَدَ فِي الْجَلْسَةِ الْأَخِيرَةِ مِقْدَارَ التَّشَهُّدِ ثُمَّ أَحْدَثَ فَصَلَاتُهُ تَامَّةٌ وَقَالَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ لَا تَتِمُّ الصَّلَاةُ إلَّا بِالسَّلَامِ وَلَا يَجُوزُ التَّحَلُّلُ مِنْهَا بِمَا يُفْسِدُهَا إذَا عَرَضَ فِي خِلَالِهَا كَالْحَجِّ لَا يُتَحَلَّلُ مِنْهُ بِالْجِمَاعِ لِأَنَّهُ لَوْ طَرَأَ فِيهِ أَفْسَدَهُ انْتَهَى . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ وَكَانَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ فَقَالُوا وَاَللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى يَغْتَسِلُ مَعَنَا إلَّا أَنَّهُ آدَرُ قَالَ فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ قَالَ فَجَمَحَ مُوسَى بِإِثْرِهِ يَقُولُ ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ إلَى سَوْأَةِ مُوسَى وَقَالُوا وَاَللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ ، فَقَامَ الْحَجَرُ بَعْدُ حَتَّى نَظَرَ إلَيْهِ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا } فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ " وَاَللَّهِ إنَّ بِالْحَجَرِ نَدَبًا سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً ضَرَبَ مُوسَى بِالْحَجَرِ " وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَجُلًا حَيِيًّا وَكَانَ لَا يُرَى مُتَجَرِّدًا الْحَدِيثَ وَفِيهِ نُزُولُ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ آذَوْا مُوسَى } } . الْحَدِيثُ الثَّانِي وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ يَغْتَسِلُونَ عُرَاةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ وَكَانَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ فَقَالُوا وَاَللَّهِ مَا يَمْنَعُ مُوسَى يَغْتَسِلُ مَعَنَا إلَّا أَنَّهُ آدَرُ قَالَ فَذَهَبَ مَرَّةً يَغْتَسِلُ فَوَضَعَ ثَوْبَهُ عَلَى حَجَرٍ فَفَرَّ الْحَجَرُ بِثَوْبِهِ قَالَ فَجَمَحَ مُوسَى بِإِثْرِهِ يَقُولُ : ثَوْبِي حَجَرُ ثَوْبِي حَجَرُ حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ إلَى سَوْأَةِ مُوسَى وَقَالُوا وَاَللَّهِ مَا بِمُوسَى مِنْ بَأْسٍ فَقَامَ الْحَجَرُ بَعْدُ حَتَّى نَظَرَ إلَيْهِ فَأَخَذَ ثَوْبَهُ وَطَفِقَ بِالْحَجَرِ ضَرْبًا ، فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاَللَّهِ إنَّ بِالْحَجَرِ نَدَبًا سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً ضَرَبَ مُوسَى بِالْحَجَرِ } . فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) إسْرَائِيلُ هُوَ يَعْقُوبُ بْنُ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ يُقَالُ هُوَ مُضَافٌ إلَى إيَّلَ يَعْنِي وَإِيَّلُ اسْمٌ لِلَّهِ تَعَالَى قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ هَذَا خَطَأٌ مِنْ . وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ إيَّلَ لَا تُعْرَفُ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ . ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَتَصَرَّفْ آخِرُ الِاسْمِ فِي وُجُوهِ الْعَرَبِيَّةِ وَلَكَانَ آخِرُهُ مَجْرُورًا أَبَدًا كَعَبْدِ اللَّهِ قَالَ الْوَاحِدِيُّ هَذَا الَّذِي قَالَهُ أَبُو عَلِيٍّ أَرَادَ بِهِ أَنَّهُ لَيْسَ هَذَا فِي الْعَرَبِيَّةِ وَقَدْ قَالَ بِالْأَوَّلِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ الصَّوَابُ قَوْلُ أَبِي عَلِيٍّ فَإِنَّ مَا ادَّعُوهُ لَا أَصْلَ لَهُ انْتَهَى . وَقَالَ الْأَخْفَشُ هُوَ يُهْمَزُ وَلَا يُهْمَزُ قَالَ وَيُقَالُ فِي لُغَةٍ إسْرَايِينُ بِالنُّونِ كَمَا قَالُوا جِبْرِينُ وَإِسْمَاعِينُ انْتَهَى . وَالْمُرَادُ بَنُو إسْرَائِيلَ الَّذِينَ كَانُوا فِي زَمَنِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَاغْتِسَالُهُمْ عُرَاةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلَى سَوْأَةِ بَعْضٍ هَلْ كَانَ فِي شَرْعِهِمْ جَوَازُهُ ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْمَلُ خِلَافَهُ أَوْ كَانَ فِي شَرْعِهِمْ مَنْعُهُ كَمَا فِي شَرْعِنَا وَكَانَ فِعْلُهُمْ ذَلِكَ مِنْ عِصْيَانِهِمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِيهِ أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا فِي شَرْعِ مُوسَى إذْ ذَكَرَ أَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ يَعْنِي الِاغْتِسَالَ وَحْدَهُ حَيَاءً وَأَنَّهُ لَمْ يُنْكِرْ عَلَى قَوْمِهِ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَظْهَرَ ذَلِكَ مِنْهُ لِقَوْمِهِ حَتَّى نَظَرُوا إلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ إنَّمَا كَانَ بَنُو إسْرَائِيلَ تَفْعَلُ هَذَا مُعَانَدَةً لِلشَّرْعِ وَمُخَالَفَةً لِمُوسَى وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ عُتُوِّهِمْ وَقِلَّةِ مُبَالَاتِهِمْ بِاتِّبَاعِ شَرْعِ مُوسَى أَلَا تَرَى أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَسْتَتِرُ عِنْدَ الْغُسْلِ فَلَوْ كَانُوا أَهْلَ تَوْفِيقٍ وَعَقْلٍ اتَّبَعُوهُ ثُمَّ لَمْ تَكْفِهِمْ مُخَالَفَتُهُمْ لَهُ حَتَّى آذَوْهُ بِمَا نَسَبُوا إلَيْهِ مِنْ آفَةِ الْأُدْرَةِ فَأَظْهَرَ اللَّهُ بَرَاءَتَهُ مِمَّا قَالُوا فِيهِ بِطَرِيقٍ خَارِقٍ لِلْعَادَةِ زِيَادَةً فِي أَدِلَّةِ صِدْقِ مُوسَى وَمُبَالَغَةً فِي قِيَامِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ انْتَهَى . وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ وَأَمَّا اغْتِسَالُ بَنِي إسْرَائِيلَ عُرَاةً يَنْظُرُ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ فَيَدُلُّ أَنَّهُمْ كَانُوا عُصَاةً لَهُ فِي ذَلِكَ غَيْرَ مُقْتَدِينَ بِسُنَّتِهِ إذْ كَانَ هُوَ يَغْتَسِلُ حَيْثُ لَا يَرَاهُ أَحَدٌ وَيَطْلُبُ الْخَلْوَةَ فَكَانَ الْوَاجِبُ عَلَيْهِمْ الِاقْتِدَاءَ بِهِ فِي ذَلِكَ وَلَوْ كَانَ اغْتِسَالُهُمْ عُرَاةً فِي غَيْرِ الْخَلْوَةِ عَنْ عِلْمِ مُوسَى وَإِقْرَارِهِ لِذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْنَا فِعْلُهُ لِأَنَّ فِي شَرِيعَتِنَا الْأَمْرَ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ عَنْ أَعْيُنِ الْآدَمِيِّينَ وَذَلِكَ فَرْضٌ عَلَيْنَا انْتَهَى . وَأَشَارَ قَبْلَ ذَلِكَ إلَى الِاعْتِذَارِ عَنْ رُؤْيَتِهِمْ مُوسَى بِقَوْلِهِ فِيهِ إبَاحَةُ النَّظَرِ إلَى الْعَوْرَةِ عِنْدَ الضَّرُورَةِ الدَّاعِيَةِ إلَى ذَلِكَ مِنْ مُدَاوَاةٍ أَوْ بَرَاءَةٍ مِمَّا رُمِيَ بِهِ مِنْ الْعُيُوبِ كَالْبَرَصِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَدْوَاءِ الَّتِي يَتَحَاكَمُ النَّاسُ فِيهَا مِمَّا لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ رُؤْيَةِ أَهْلِ الْبَصَرِ لَهَا فَلَا بَأْسَ بِرُؤْيَةِ الْعَوْرَاتِ لِلْبَرَاءَةِ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِإِثْبَاتِ الْعُيُوبِ فِيهِ وَالْمُعَالَجَةِ انْتَهَى . وَسَبَقَهُ إلَى نَحْوِ هَذَا الْكَلَامِ الْأَخِيرِ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ فِيهِ جَوَازُ الِاطِّلَاعِ عَلَى عَوْرَاتِ الْبَالِغِينَ لِإِقَامَةِ حَقٍّ وَاجِبٍ كَالْخِتَانِ وَنَحْوِهِ انْتَهَى . وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَظْهَرُ وَمُجَرَّدُ تَسَتُّرِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْفِعْلَ لَا يَدُلُّ بِمُجَرَّدِهِ عَلَى الْوُجُوبِ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ مُوسَى أَمَرَهُمْ بِالتَّسَتُّرِ وَلَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ التَّكَشُّفَ وَأَمَّا إبَاحَةُ النَّظَرِ لِلْعَوْرَةِ لِلْبَرَاءَةِ مِمَّا رُمِيَ بِهِ مِنْ الْعُيُوبِ فَذَلِكَ إنَّمَا هُوَ حَيْثُ تَرَتَّبَ عَلَى الْعَيْبِ حُكْمٌ كَفَسْخِ النِّكَاحِ وَنَحْوِهِ . فَإِذَا ادَّعَى أَحَدُ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْآخَرِ عَيْبًا يَفْسَخُ بِهِ فِي الْعَوْرَةِ جَازَ النَّظَرُ إلَيْهِ لِيُرَتَّب عَلَيْهِ الْفَسْخُ أَوْ مَنْعُهُ وَأَمَّا قَضِيَّةُ السَّيِّدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَلَيْسَ هُنَاكَ أَمْرٌ شَرْعِيٌّ مُلْزِمٌ يَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ فَلَوْلَا إبَاحَةُ النَّظَرِ إلَى الْعَوْرَةِ لَمَا مَكَّنَهُمْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا خَرَجَ مَارًّا عَلَى مَجَالِسِهِمْ وَهُوَ كَذَلِكَ . وَأَمَّا اغْتِسَالُهُ خَالِيًا فَكَانَ يَأْخُذُ فِي حَقِّ نَفْسِهِ بِالْأَكْمَلِ وَالْأَفْضَلِ وَخَرَجَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ عُرْيَانًا لِهَذِهِ الْمَصْلَحَةِ وَهِيَ إظْهَارُ الْبَرَاءَةِ مِمَّا اخْتَلَقُوهُ عَلَيْهِ مَعَ إبَاحَةِ ذَلِكَ وَيَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ فِي الشَّرْعِ الْأَوَّلِ مَا وَقَعَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقْتَ بِنَاءِ الْكَعْبَةِ مِنْ جَعْلِ إزَارِهِ عَلَى كَتِفَيْهِ بِإِشَارَةِ الْعَبَّاسِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ لِيَكُونَ أَرْفَقَ بِهِ فِي نَقْلِ الْحِجَارَةِ وَلَوْلَا إبَاحَتُهُ لَمَا فَعَلَهُ لَكِنَّهُ أَلْزَمَ بِالْأَكْمَلِ وَالْأَفْضَلِ لِعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { وَكَانَ مُوسَى يَغْتَسِلُ وَحْدَهُ أَيْ عُرْيَانًا } فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَةِ كَشْفِ الْعَوْرَةِ فِي الْخَلْوَةِ فِي حَالَةِ الِاغْتِسَالِ وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَخَالَفَهُمْ ابْنُ أَبِي لَيْلَى فَذَهَبَ إلَى الْمَنْعِ مِنْهُ وَاحْتَجَّ بِمَا رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { لَا تَدْخُلُوا الْمَاءَ إلَّا بِمِئْزَرٍ فَإِنَّ لِلْمَاءِ عَامِرًا } وَهُوَ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَإِنْ صَحَّ فَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْأَكْمَلِ ، وَذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ بِإِسْنَادٍ فِيهِ جَهَالَةٌ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ يَغْتَسِلُ فِي بَحْرٍ وَلَا نَهْرٍ إلَّا وَعَلَيْهِ إزَارُهُ فَإِذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ إنَّ لَهُ عَامِرًا قَالَ وَرَوَى بُرْدٌ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ عَطِيَّةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ اغْتَسَلَ بِلَيْلٍ فِي فَضَاءٍ فَلْيَتَحَاذَرْ عَلَى عَوْرَتِهِ وَمَنْ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأَصَابَهُ لَمَمٌ فَلَا يَلُومَنَّ إلَّا نَفْسَهُ } وَفِي مُرْسَلَاتِ الزُّهْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا تَغْتَسِلُوا فِي الصَّحْرَاءِ إلَّا أَنْ لَا تَجِدُوا مُتَوَارًى فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا مُتَوَارًى فَلْيَخُطَّ أَحَدُكُمْ كَالدَّائِرَةِ ثُمَّ يُسَمِّي اللَّهَ تَعَالَى وَيَغْتَسِلُ فِيهَا } وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ إنِّي لَأَغْتَسِلُ فِي الْبَيْتِ الْمُظْلِمِ فَأَحْنِي ظَهْرِي إذَا أَخَذْت ثَوْبِي حَيَاءً مِنْ رَبِّي - عَزَّ وَجَلَّ - وَعَنْهُ أَيْضًا مَا أَقَمْت صُلْبِي فِي غُسْلِي مُنْذُ أَسْلَمْت . ( الثَّالِثَةُ ) وَجْهُ إيرَادِ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ لِهَذَا الْحَدِيثِ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ مُوَافَقَةُ ابْنِ بَطَّالٍ وَالْقُرْطُبِيِّ عَلَى أَنَّهُ كَانَتْ شَرِيعَةُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وُجُوبَ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ وَإِنَّ تَكَشُّفَ بَنِي إسْرَائِيلَ حَالَةَ اغْتِسَالِهِمْ مُجْتَمِعِينَ إنَّمَا كَانَ مِنْ عُتُوِّهِمْ وَعِصْيَانِهِمْ لِنَبِيِّهِمْ وَمِنْ الْأَحْوَالِ الَّتِي أُمِرَ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ فِيهَا حَالَةُ الصَّلَاةِ بَلْ هِيَ أَوْلَى الْأَحْوَالِ بِذَلِكَ وَالصَّحِيحُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا مَا لَمْ يَرِدْ نَاسِخٌ . وَهَذِهِ الْقِصَّةُ فِيهَا زِيَادَةٌ عَلَى عَدَمِ وُرُودِ نَاسِخٍ فِيهَا وَهِيَ وُرُودُ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ بِتَقْرِيرِهَا وَمُوَافَقَتِهَا وَإِذَا ثَبَتَ الْأَمْرُ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ كَانَ كَشْفُهَا فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ مَنْهِيًّا عَنْهُ تَفْرِيعًا عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالشَّيْءِ نَهْيٌ عَنْ ضِدِّهِ وَإِذَا كَانَ الْكَشْفُ فِي الصَّلَاةِ مَنْهِيًّا عَنْهُ فَالنَّهْيُ يَدُلُّ عَلَى الْفَسَادِ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ فِي الْعِبَادَاتِ خَاصَّةً كَمَا قُرِّرَ فِي الْأُصُولِ وَهَذَا مِنْ النَّهْيِ فِي الْعِبَادَاتِ فَيَكُونُ دَالًّا عَلَى الْفَسَادِ . وَمَتَى قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ صَلَاةِ مَنْ صَلَّى مَكْشُوفَ الْعَوْرَةِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ وَذَلِكَ هُوَ الْمَقْصُودُ بَعْدَ ثُبُوتِ هَذِهِ الْمُقَدَّمَاتِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةَ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ وَالْمُرَادُ بِالْحَائِضِ مَنْ بَلَغَتْ سِنَّ الْحَيْضِ وَدَلَالَةُ انْتِفَاءِ الْعُقُولِ عَلَى انْتِفَاءِ الصِّحَّةِ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهَا فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ . وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَيْضًا ، وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ هُوَ شَرْطٌ مَعَ الذِّكْرِ دُونَ السَّهْوِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ وَاجِبٌ وَلَيْسَ بِشَرْطٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ سُنَّةٌ قَالَ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ هَلْ يَجِبُ سَتْرُ الْعَوْرَةِ فِي الْخَلَوَاتِ أَوْ يُنْدَبُ إلَيْهِ قَوْلَانِ فَإِذَا قُلْنَا لَا يَجِبُ فِيهَا فَهَلْ يَجِبُ لِلصَّلَاةِ أَوْ يُنْدَبُ إلَيْهِ ذَكَرَ الشَّيْخُ أَبُو الطَّاهِرِ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ اللَّخْمِيِّ أَنَّهُ حَكَى فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو الطَّاهِرِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا ظَنَّهُ وَإِنَّمَا الْمَذْهَبُ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ فِي وُجُوبِ السَّتْرِ لَكِنَّ الْخِلَافَ فِي وُجُوبِ الْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ أَوْ فِيهِ وَبَعْدَهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ هَلْ هُوَ شَرْطُ صِحَّةِ الصَّلَاةِ أَمْ لَا وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ أَنَّ الْقَاضِيَيْنِ أَبَا إِسْحَاقَ وَابْنَ بُكَيْر وَالشَّيْخَ أَبَا بَكْرٍ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ السَّتْرَ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَهَذَا يُعَضِّدُ مَا حَكَاهُ أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ وَيُحَقِّقُهُ انْتَهَى . وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى اشْتِرَاطِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ فَمَتَى انْكَشَفَ مِنْهَا شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ يَسِيرًا بَطَلَتْ الصَّلَاةُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ لَا يَضُرُّ انْكِشَافُ شَيْءٍ يَسِيرٍ مِنْ الْعَوْرَةِ وَقَدَّرَ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ فِيمَا إذَا كَانَ مِنْ السَّوْأَتَيْنِ بِقَدْرِ الدِّرْهَمِ وَفِيمَا إذَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِمَا بِأَقَلَّ مِنْ رُبُعِ الْعَوْرَةِ هَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ لَا إعَادَةَ إنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ وَعَنْهُ فِي النِّصْفِ رِوَايَتَانِ وَلَمْ يُقَدِّرْ الْحَنَابِلَةُ ذَلِكَ بَلْ جَعَلُوا الْيَسِيرَ مَا لَا يَفْحُشُ وَمَرْجِعُ ذَلِكَ لِلْعَادَةِ وَأَمَّا قَدْرُ الْعَوْرَةِ الَّتِي تُسْتَرُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَهِيَ مُقَرَّرَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ . . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { مَا يَمْنَعُ مُوسَى يَغْتَسِلُ } كَذَا رَوَيْنَاهُ هُنَا بِحَذْفِ أَنْ وَرَفْعِ يَغْتَسِلُ وَهُوَ عَلَى حَدِّ قَوْله تَعَالَى { قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ } وَقَدْ أَجَازَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَخْفَشُ حَذْفَ أَنْ وَرَفْعَ الْفِعْلِ دُونَ نَصْبِهِ وَجَعَلَ مِنْهُ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَبِعَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَجَعَلَهُ قِيَاسًا مُطَّرِدًا وَمَثَّلَ لَهُ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمِنْ آيَاتِهِ يُرِيكُمْ الْبَرْقَ } وَقَالَ يُرِيكُمْ صِلَةً لَأَنْ حُذِفَتْ وَبَقِيَ يُرِيكُمْ مَرْفُوعًا . وَهَذَا هُوَ الْقِيَاسُ لِأَنَّ الْحَرْفَ عَامِلٌ ضَعِيفٌ فَإِذَا حُذِفَ بَطَلَ عَمَلُهُ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّ حَذْفَ ( أَنْ ) وَلَوْ مَعَ رَفْعِ الْفِعْلِ بَعْدَهَا مَقْصُورٌ عَلَى السَّمَاعِ فَلَمْ يُجَوِّزُوا مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا سُمِعَ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَيَجُوزُ فِي مِثْلِ ذَلِكَ النَّصْبُ أَيْضًا بِإِضْمَارِ أَنْ وَمِنْهُ قِرَاءَةُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ { قُلْ أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدَ } بِالنَّصْبِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَقْصُورٌ عَلَى السَّمَاعِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ مَالِكٍ . وَذَهَبَ الْكُوفِيُّونَ إلَى جَوَازِهِ قِيَاسًا فَعَلَى هَذَا يَجُوزُ هُنَا النَّصْبُ وَإِنْ لَمْ يُسْمَعْ وَحَاصِلُ هَذَا ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا أَنَّ الرَّفْعَ وَالنَّصْبَ مَعَ حَذْفِ أَنْ قِيَاسَانِ مُطَّرِدَانِ وَالثَّانِي أَنَّهُمَا مَسْمُوعَانِ ، وَالثَّالِثُ أَنَّ الرَّفْعَ قِيَاسٌ ، وَالنَّصْبَ سَمَاعٌ وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ مَالِكٍ وَالْحَدِيثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِإِثْبَاتِ أَنْ بِلَفْظِ { مَا يَمْنَعُ مُوسَى أَنْ يَغْتَسِلَ } وَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ . ( الْخَامِسَةُ ) الْأُدْرَةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ نَفْخَةٌ فِي الْخُصْيَةِ يُقَالُ رَجُلٌ آدَرُ بِمَدِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ مِنْ الْأَدَرِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالدَّالِ ذَكَرَهُ فِي الصِّحَاحِ وَالنِّهَايَةِ وَغَيْرِهِمَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَهِيَ الَّتِي تُسَمِّيهَا النَّاسُ الْقَيْلَةَ وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ الْآدَرُ وَالْمَأْدُورُ الَّذِي يَنْفَتِقُ صِفَاقُهُ فَيَقَعُ قَصَبُهُ وَلَا يَنْفَتِقُ إلَّا مِنْ جَانِبِهِ الْأَيْسَرِ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي يُصِيبُهُ فَتْقٌ فِي إحْدَى الْخُصْيَتَيْنِ وَقِيلَ الْخُصْيَةُ الْأَدْرَاءُ الْعَظِيمَةُ مِنْ غَيْرِ فَتْقٍ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ عَظِيمُ الْخُصْيَتَيْنِ . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ بَيَانُ عُتُوِّ بَنِي إسْرَائِيلَ وَاخْتِلَافِهِمْ فَإِنَّهُمْ أَوَّلًا خَالَفُوا نَبِيَّهُمْ وَلَمْ يَتَّبِعُوهُ فِي طَرِيقَتِهِ إمَّا الَّتِي يَجِبُ اتِّبَاعُهُ فِيهَا أَوْ يُسْتَحَبُّ ثُمَّ لَمْ يَكْتَفُوا بِذَلِكَ حَتَّى لَمْ يَحْمِلُوا فِعْلَهُ الَّذِي هُوَ فِي غَايَةِ الْحُسْنِ عَلَى مَحْمَلٍ حَسَنٍ وَهُوَ التَّمَسُّكُ بِالدِّينِ وَالشَّرْعِ وَمَحَاسِنِ الْأَخْلَاقِ بَلْ جَعَلُوا سَبَبَهُ نَقْصًا فِي بَدَنِهِ ثُمَّ لَمْ يَذْكُرُوا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِمَالِ بَلْ جَزَمُوا بِهِ وَقَطَعُوا وَأَكَّدُوا ذَلِكَ بِأَنْ أَقْسَمُوا عَلَيْهِ وَحَصَرُوا الْأَمْرَ فِيهِ فَلَمْ يَجْعَلُوا الْحَامِلَ لَهُ عَلَيْهِ سِوَاهُ . وَهَذَا غَايَةُ الْعُتُوِّ وَنِهَايَةُ الِاخْتِلَاقِ وَلَيْتَ شِعْرِي لِمَ عَيَّنُوا الْأُدْرَةَ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْعُيُوبِ وَكَيْفَ تَجَرَّءُوا عَلَى الِاخْتِلَاقِ عَلَى ذَلِكَ النَّبِيِّ الْكَرِيمِ بِمَا لَيْسَ لَهُمْ فِيهِ شُبْهَةٌ وَلِهَذَا أَظْهَرَ اللَّهُ بَرَاءَتَهُ بِأَمْرٍ اشْتَمَلَ عَلَى عِدَّةٍ مِنْ خَوَارِقِ الْعَادَاتِ وَقَصَّ قِصَّتَهُ عَلَى نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْزَلَ فِيهَا قَوْلَهُ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ آذَوْا مُوسَى فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا } الْآيَةَ . ( السَّابِعَةُ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْأَنْبِيَاءُ مُنَزَّهُونَ عَنْ النَّقَائِصِ فِي الْخَلْقِ وَالْخُلُقِ سَالِمُونَ مِنْ الْمَعَايِبِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَى مَا قَالَهُ مَنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ أَصْحَابِ التَّارِيخِ فِي صِفَاتِ بَعْضِهِمْ وَإِضَافَتِهِ بَعْضَ الْعَاهَاتِ إلَيْهِمْ فَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ نَزَّهَهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَرَفَعَهُمْ عَنْ كُلِّ مَا هُوَ عَيْبٌ وَنَقْصٌ مِمَّا يَغُضُّ الْعُيُونَ وَيُنَفِّرُ الْقُلُوبَ انْتَهَى . وَكَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ هَذَا فِي فَوَائِدِ هَذَا الْحَدِيثِ . وَقَدْ يُقَالُ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى سَلَامَتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنْ ذَلِكَ وَأَمَّا كَوْنُهُ يَجِبُ تَنْزِيهُهُ وَتَنْزِيهُ غَيْرِهِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عَنْ هَذَا الْعَيْبِ وَغَيْرِهِ فَهُوَ مُقَرَّرٌ مِنْ خَارِجٍ وَفِي أَخْذِهِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ وَلَا يُؤْخَذُ هَذَا مِنْ كَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى سَمَّاهُ أَذًى لِأَنَّ هَذَا الِاخْتِلَاقَ أَذًى وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبَ التَّنْزِيهِ عَمَّا اُخْتُلِقَ عَلَيْهِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا يَتِمُّ هَذَا الِاسْتِدْلَال إذَا كَانَ كَشْفُ الْعَوْرَةِ مُحَرَّمًا فِي شَرِيعَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَمَعَ هَذَا فَأَلْجَأَهُ اللَّهُ تَعَالَى إلَى ظُهُورِهِ بَيْنَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ فَلَوْلَا أَنَّ بَرَاءَتَهُ عَنْهُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ وَقَاعِدَةٌ مِنْ قَوَاعِدِ الشَّرْعِ يَجِبُ الْإِيمَانُ بِهَا لَمَا ارْتَكَبَ كَشْفَ الْعَوْرَةِ لِأَجْلِهِ فَعَارَضَ مَصْلَحَةَ سَتْرِهَا مَصْلَحَةُ إظْهَارِ هَذَا الْأَمْرِ الدِّينِيِّ وَكَانَ هَذَا الثَّانِي أَهَمَّ مُقَدَّمًا وَلَمَّا ذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا الْكَلَامَ قَيَّدَهُ بِقَوْلِهِ فِي أَوَّلِ خَلْقِهِمْ ثُمَّ قَالَ وَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْنَا بِعَمَى يَعْقُوبَ وَبِابْتِلَاءِ أَيُّوبَ فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ طَارِئًا عَلَيْهِمْ مِحْنَةً لَهُمْ وَلِيَقْتَدِيَ بِهِمْ مَنْ اُبْتُلِيَ بِبَلَاءٍ فِي حَالِهِمْ وَصَبْرِهِمْ وَفِي أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَقْطَعْهُمْ عَنْ عِبَادَةِ رَبِّهِمْ ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَظْهَرَ كَرَامَتَهُمْ وَمُعْجِزَتَهُمْ بِأَنْ أَعَادَ يَعْقُوبَ بَصِيرًا عِنْدَ وُصُولِ قَمِيصِ يُوسُفَ لَهُ وَأَزَالَ عَنْ أَيُّوبَ جُذَامَهُ وَبَلَاءَهُ عِنْدَ اغْتِسَالِهِ مِنْ الْعَيْنِ الَّتِي أَنْبَعَ اللَّهُ لَهُ عِنْدَ رَكْضِهِ الْأَرْضَ بِرِجْلِهِ فَكَانَ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي مُعْجِزَاتِهِمْ وَتَمْكِينًا فِي كَمَالِهِمْ وَمَنْزِلَتِهِمْ انْتَهَى . ( الثَّامِنَةُ ) فِيهِ بَيَانُ شِدَّةِ مَا اُبْتُلِيَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَالصَّالِحُونَ مِنْ أَذَى السُّفَهَاءِ وَالْجُهَّالِ وَصَبْرِهِمْ عَلَيْهَا وَفِي الْحَدِيثِ { لَقَدْ أُوذِيَ مُوسَى بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ } . ( التَّاسِعَةُ ) فِيهِ فَضِيلَةُ الصَّبْرِ وَأَنَّ الدَّرَجَاتِ ثَمَرَةٌ لَهُ فَإِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا صَبَرَ عَلَى مَا يُؤْذُونَهُ بِهِ أَعْقَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْبَرَاءَةَ مِنْ ذَلِكَ مَعَ رَفْعِ الدَّرَجَاتِ لِمَا أَظْهَرَهُ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا } وَقَالَ تَعَالَى { وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا } . ( الْعَاشِرَةُ ) فِيهِ فَضِيلَةُ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَحَصَلَ هُنَا إظْهَارُ مُعْجِزَتِهِ بِأُمُورٍ : ( أَحَدُهَا ) مَشْيُ الْحَجَرِ بِثَوْبِهِ إلَى بَنِي إسْرَائِيلَ لِإِظْهَارِ بَرَاءَتِهِ مِمَّا ادَّعُوهُ فِيهِ مِنْ الْأُدْرَةِ عَلَى وَجْهٍ خَارِقٍ لِلْعَادَةِ وَلِهَذَا جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ نِعْمَةً عَلَيْهِ حَيْثُ قَالَ { فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قَالُوا وَكَانَ عِنْدَ اللَّهِ وَجِيهًا } . ( الثَّانِي ) حُصُولُ النَّدْبِ فِي الْحَجَرِ مِنْ ضَرْبِ مُوسَى . ( الثَّالِثُ ) وُجُودُ التَّمْيِيزِ فِي الْجَمَادِ الَّذِي لَا يَعْقِلُ وَلِهَذَا عَامَلَهُ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُعَامَلَةَ مَنْ يَعْقِلُ لِأَنَّهُ صَدَرَتْ مِنْهُ أَفْعَالُ الْعُقَلَاءِ وَهَذَا مِثْلُ { تَسْلِيمِ الْحَجَرِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَكَّةَ وَحُنَيْنِ الْجِذْعِ إلَيْهِ } وَنَحْوِ ذَلِكَ لَكِنْ تَأَمَّلْ مَا بَيْنَ الْمَقَامَيْنِ وَإِنْ كَانَ فِي الْكُلِّ تَعْظِيمٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِظْهَارٌ لِمُعْجِزَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { فَجَمَحَ مُوسَى بِأَثَرِهِ } بِجِيمٍ وَمِيمٍ مَفْتُوحَتَيْنِ ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ أَيْ أَسْرَعَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { لَوَلَّوْا إلَيْهِ وَهُمْ يَجْمَحُونَ } أَيْ يُسْرِعُونَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ نَحْوَ مَا ذَكَرْته ثُمَّ قَالَ وَالْجَمُوحُ مِنْ الْخَيْلِ هُوَ الَّذِي يَرْكَبُ رَأْسَهُ فِي إسْرَاعِهِ وَلَا يُثْنِيهِ شَيْءٌ وَهُوَ عَيْبٌ فِيهَا وَإِنَّمَا أُطْلِقَ عَلَى إسْرَاعِ مُوسَى خَلْفَ الْحَجَرِ جِمَاحًا لِأَنَّهُ اشْتَدَّ خَلْفَهُ اشْتِدَادًا لَا يُثْنِيهِ شَيْءٌ عَنْ أَخْذِ ثَوْبِهِ انْتَهَى . وَلَا حَاجَةَ لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ جِمَاحِ الْخَيْلِ الْمَذْمُومِ فَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّ الْجِمَاحَ بِمَعْنَى الْإِسْرَاعِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ جَمَحَ الْفَرَسَ جُمُوحًا وَجِمَاحًا إذَا اعْتَزَّ فَارِسَهُ وَغَلَبَهُ فَهُوَ فَرَسٌ جَمُوحٌ ثُمَّ قَالَ وَالْجَمُوحُ مِنْ الرِّجَالِ الَّذِي يَرْكَبُ هَوَاهُ فَلَا يُمْكِنُ رَدُّهُ ثُمَّ قَالَ وَجَمَحَ أَيْ أَسْرَعَ . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ أَسْرَعَ إسْرَاعًا لَا يَرُدُّهُ شَيْءٌ وَكُلُّ شَيْءٍ مَضَى لِوَجْهِهِ عَلَى أَمْرٍ فَقَدْ جَمَحَ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ جَمَحَ أَسْرَعَ فَرَسٌ جَمُوحٌ سَرِيعٌ ، وَهُوَ مَدْحٌ وَفَرَسٌ جَمُوحٌ إذَا كَانَ لَا يَثْبُتُ لِلِّجَامِ بَلْ يَرْكَبُ رَأْسَهُ فِي جَرْيِهِ وَهُوَ ذَمٌّ وَدَابَّةٌ جَمُوحٌ إذَا كَانَتْ تَمِيلُ فِي أَحَدِ شِقَّيْهَا وَهُوَ ذَمٌّ وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ جَمَحَ الْفَرَسُ بِصَاحِبِهِ ذَهَبَ يَجْرِي جَرْيًا غَالِبًا وَكُلُّ شَيْءٍ مَضَى لِشَيْءٍ عَلَى وَجْهِهِ فَقَدْ جَمَحَ ثُمَّ قَالَ وَجَمَحَتْ السَّفِينَةُ تَرَكَتْ قَصْدَهَا فَلَمْ يَضْبِطْهَا الْمَلَّاحُونَ انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ جَمَحَ الْحَجَرُ أَيْ ذَهَبَ مُسْرِعًا إسْرَاعًا بَلِيغًا وَقَوْلُهُ { بِأَثَرِهِ } بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَيَجُوزُ فِيهِ أَيْضًا كَسْرُ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانُ الثَّاءِ وَهُمَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ : { ثَوْبِي } مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ دَعْ ثَوْبِي أَوْ أَعْطِنِي ثَوْبِي وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا بِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ هَذَا ثَوْبِي وَعَلَى هَذَا الثَّانِي يَكُونُ الْمَعْنَى اسْتِعْظَامَ كَوْنِهِ يَأْخُذُ ثَوْبَهُ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنَّهُ ثَوْبُهُ فَعَامَلَهُ مُعَامَلَةَ مَنْ لَا يَعْلَمُ كَوْنَهُ ثَوْبَهُ كَيْ يَرْجِعَ عَنْ فِعْلِهِ وَيَرُدَّ لَهُ ثَوْبَهُ ، وَقَوْلُهُ { حَجَرُ } مُنَادَى مُفْرَدٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ وَحُذِفَ حَرْفُ النِّدَاءِ اسْتِعْجَالًا لِلْمُنَادَى وَمَذْهَبُ الْبَصْرِيِّينَ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ حَذْفُ حَرْفِ النِّدَاءِ مِنْ اسْمِ الْجِنْسِ إلَّا شَاذًّا حَيْثُ سُمِعَ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوْ فِي ضَرُورَةِ الشِّعْرِ وَمَذْهَبُ الْكُوفِيِّينَ أَنَّهُ قِيَاسٌ مُطَرَّدٌ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { فَقَامَ الْحَجَرُ } أَيْ وَقَفَ وَثَبَتَ مِنْ قَوْلِهِمْ قَامَتْ الدَّابَّةُ أَيْ وَقَفَتْ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ قَامَ قَائِمُ الظَّهِيرَةِ أَيْ وَقَفَ وَالْمُرَادُ بِهِ وُقُوفُ الشَّمْسِ عِنْدَ الْهَاجِرَةِ عَنْ السَّيْرِ إمَّا مَجَازًا أَوْ أُرِيدَ أَثَرُهَا وَهُوَ الظِّلُّ . وَقَوْلُهُ : { بَعْدُ } مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ لِقَطْعِهِ عَنْ الْإِضَافَةِ أَيْ بَعْدَ أَنْ نَظَرَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ إلَيْهِ ، وَقَوْلُهُ { حَتَّى نُظِرَ إلَيْهِ } بِبِنَاءِ نَظَرَ لِلْمَفْعُولِ وَالضَّمِيرُ فِي إلَيْهِ يَعُودُ عَلَى مُوسَى وَحَتَّى الظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ وَلَيْسَ هَذَا تَعْلِيلًا لِمَا قَبْلَهُ ، وَهُوَ قِيَامُ الْحَجَرِ وَوُقُوفُهُ وَإِنَّمَا هُوَ تَعْلِيلٌ لِمَا قَبْلَ ذَلِكَ وَهُوَ فِرَارُ الْحَجَرِ بِثَوْبِ مُوسَى يَعْنِي أَنَّ السَّبَبَ فِي هَذِهِ الْخَارِقَةِ نَظَرُ بَنِي إسْرَائِيلَ إلَى مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَتَبْرِئَتُهُ مِمَّا اخْتَلَقُوا عَلَيْهِ . ( فَإِنْ قُلْت ) هَذَا مُكَرَّرٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ { حَتَّى نَظَرَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ إلَى سَوْأَة مُوسَى } . ( قُلْت ) حَتَّى هُنَالِكَ غَايَةٌ لِمَا قَبْلَهَا وَهُوَ فِرَارُ الْحَجَرِ بِثَوْبِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَجِمَاحُهُ خَلْفَهُ لِانْتِزَاعِهِ مِنْهُ وَأَمَّا حَتَّى الثَّانِيَةُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهَا لِلتَّعْلِيلِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا مُتَعَلِّقَةٌ بِقِيَامِ الْحَجَرِ إمَّا غَايَةً لَهُ أَوْ تَعْلِيلًا لَهُ وَالْمُرَادُ أَنَّ الْحَجَرَ وَقَفَ حَتَّى نَظَرَتْ إلَيْهِ بَنُو إسْرَائِيلَ وَشَاهَدُوهُ حَجَرًا جَمَادًا وَعَلِمُوا تِلْكَ الْمُعْجِزَةَ الْعَظِيمَةَ وَالْخَارِقَةَ الْعَجِيبَةَ لَيَرْتَدِعُوا عَنْ اخْتِلَاقِهِمْ عَلَى نَبِيِّهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { وَطَفِقَ } بِكَسْرِ الْفَاءِ وَفَتْحِهَا وَيُقَالُ فِيهِ طَبَقَ بِالْبَاءِ أَيْضًا إلَّا أَنَّهُ غَيْرُ مَرْوِيٍّ هُنَا وَهُوَ مِنْ أَفْعَالِ الشُّرُوعِ كَجَعَلَ وَأَخَذَ وَقَوْلُهُ { ضَرْبًا } مَصْدَرٌ بَدَلٌ مِنْ فِعْلِهِ أَيْ جَعَلَ يَضْرِبُ الْحَجَرَ ضَرْبًا وَالنَّدَبُ بِفَتْحِ النُّونِ وَالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ هُنَا الْأَثَرُ وَأَصْلُهُ أَثَرُ الْجُرْحِ إذَا لَمْ يَرْتَفِعْ عَنْ الْجِلْدِ فَشَبَّهَ بِهِ أَثَرَ الضَّرْبِ فِي الْحَجَرِ وَقَوْلُهُ { سِتَّةً أَوْ سَبْعَةً } شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ نَعْتٌ لِقَوْلِهِ { نَدَبًا } وَهُوَ نَعْتٌ مُؤَوَّلٌ بِمَعْدُودٍ . وَقَوْلُهُ { ضَرَبَ مُوسَى بِالْحَجَرِ } هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ { نَدَبًا } وَيَكُونَ بَدَلَ أَعَمَّ مِنْ أَخَصَّ وَيَجُوزُ فِيهِ الرَّفْعُ عَلَى أَنْ يَكُونَ خَبَرَ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ وَهُوَ أَيْ النَّدَبُ ضَرْبُ مُوسَى بِالْحَجَرِ وَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْمُرَادِ مِنْ الْمُعْجِزَةِ الْأُولَى وَهُوَ فِرَارُ الْحَجَرِ بِثَوْبِهِ وَإِلْجَاؤُهُ إلَى الْخُرُوجِ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ وَكَأَنَّ الْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْمُعْجِزَةِ أُمُورٌ : ( أَحَدُهَا ) بَقَاءُ هَذَا الْأَثَرِ فِي الْحَجَرِ عَلَى طُولِ الزَّمَانِ فَيُتَذَكَّرُ بِهِ هَذِهِ الْوَاقِعَةُ وَيُعْلَمُ بِهِ فَضْلُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَبَرَاءَتُهُ مِمَّا اخْتَلَقُوا عَلَيْهِ . ( ثَانِيهَا ) أَنَّهُ حَصَلَ عِنْدَ السَّيِّدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ حِدَّةٌ فَلَوْلَا تَأَثُّرُ الْحَجَرِ بِضَرْبِهِ وَظُهُورِ أَثَرِهِ فِيهِ لَزَادَتْ حِدَّةُ السَّيِّدِ مُوسَى مِنْ عَدَمِ حُصُولِ مَقْصُودِهِ وَهَذَا كَتَشْبِيهِ مَنْ يُحَاوِلُ أَمْرًا وَلَا يَصِلُ إلَيْهِ بِالضَّارِبِ فِي حَدِيدٍ بَارِدٍ فَلَوْلَا تَأَثُّرُ الْحَجَرِ بِالضَّرْبِ لَكَانَ الضَّرْبُ فِيهِ كَالضَّرْبِ فِي حَدِيدٍ بَارِدٍ . ( ثَالِثُهَا ) أَنَّهُ لَوْلَا تَأَثُّرُ الْحَجَرِ بِالضَّرْبِ وَبَقَاءُ النَّدَبِ فِيهِ لَعَدَّ أَهْلُ السَّفَاهَةِ وَالْجَهْلِ وَالْعُتُوِّ وَالِاخْتِلَاقِ هَذَا عَبَثًا فَكَانَ يَحْصُلُ لِمُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِذَلِكَ أَذًى زَايِدٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَالْقَصْدُ رَفْعُ الْأَذَى عَنْهُ لَا جَلْبُهُ إلَيْهِ وَإِقْسَامُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى ذَلِكَ تَأْكِيدٌ لِلْأَمْرِ وَتَقْوِيَةٌ لَهُ وَمُسْتَنَدُهُ فِيهِ خَبَرُ الصَّادِقِ وَإِنْ لَمْ يُعَايِنْهُ فَهُوَ أَقْوَى مِنْ الْمُعَايَنَةِ فَإِنَّهُ لَا يُخْطِئُ وَالْمُعَايَنَةُ قَدْ تُخْطِئُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيهِ إجْرَاءُ خُلْقِ الْإِنْسَانِ عِنْدَ الضَّجِرِ عَلَى مَنْ يَعْقِلُ وَمَنْ لَا يَعْقِلُ كَمَا جَرَى مِنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ضَرْبِهِ الْحَجَرَ وَإِنْ كَانَ الْحَجَرُ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِيهِ قُوَّةَ مَشْيٍ فَلِذَلِكَ ضَرَبَهُ لِأَنَّهُ إذَا أَمْكَنَ أَنْ يَمْشِيَ بِثَوْبِهِ أَمْكَنَ أَنْ يَخْشَى الضَّرْبَ أَلَا تَرَى قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ { وَاَللَّهِ إنَّهُ لَنَدَبٌ بِالْحَجَرِ } يَعْنِي آثَارُ ضَرْبِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بَقِيَتْ فِي الْحَجَرِ آيَةً لَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَيْنَمَا أَيُّوبُ يَغْتَسِلُ عُرْيَانًا خَرَّ عَلَيْهِ جَرَادٌ مِنْ ذَهَبٍ فَجَعَلَ أَيُّوبُ يَحْتَثِي فِي ثَوْبِهِ فَنَادَاهُ رَبُّهُ - عَزَّ وَجَلَّ - يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُك عَمَّا تَرَى ؟ قَالَ بَلَى يَا رَبِّ وَلَكِنْ لَا غِنَى بِي عَنْ بَرَكَتِكَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَيُّوبُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَبِيِّنَا وَعَلَيْهِ يُقَالُ هُوَ ابْنُ أَمْعُوصَ بْنِ رَزَاحِ بْنِ رُومِ بْنِ عِيصَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَأَنَّ أُمَّهُ مِنْ وَلَدِ لُوطِ بْنِ هَارُونَ وَهُوَ الَّذِي اُمْتُحِنَ بِالْبَلَاءِ فَظَهَرَ صَبْرُهُ ثُمَّ عُوفِيَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نَعَمْ الْعَبْدُ إنَّهُ أَوَّابٌ } وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ } . وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { سَأَلْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قِصَّةِ أَيُّوبَ وَقَوْلِهِ { وَوَهَبْنَا لَهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ } يَعْنِي زَوْجَتَهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَدَّ اللَّهُ إلَيْهِ امْرَأَتَهُ وَزَادَ فِي شَبَابِهَا حَتَّى وَلَدَتْ لَهُ سِتَّةً وَعِشْرِينَ ذَكَرًا إلَّا أَنَّ السَّقْفَ خَرَّ عَلَى ثَلَاثَةٍ وَعِشْرِينَ ذَكَرًا فَمَاتُوا فَلَمْ يَبْعَثْهُمْ اللَّهُ وَلَكِنْ يَقُولُ { آتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ } يَعْنِي زَوْجَتَهُ { وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ } يَعْنِي وَلَدَتْ لَهُ سِتَّةً وَعِشْرِينَ ذَكَرًا فَأَهْبَطَ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكًا فَقَالَ يَا أَيُّوبُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقْرِئُكَ السَّلَامَ بِصَبْرِكَ عَلَى الْبَلَاءِ فَاخْرُجْ إلَى أَنْدَرِك فَبَعَثَ اللَّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - حُمُرًا فَهَبَطَتْ عَلَيْهِ بِجَرَادِ الذَّهَبِ وَالْمَلِكُ قَائِمٌ مَعَهُ كَانَتْ الْجَرَادَةُ تَخْرُجُ خَارِجَ الْحِجَارَةِ فَيَتْبَعُهَا حَتَّى يَرُدَّهَا فِي أَنْدَرِهِ فَقَالَ الْمَلِكُ يَا أَيُّوبُ أَمَا تَشْبَعُ مِنْ الدَّاخِلِ حَتَّى تَتْبَعَ الْخَارِجَ قَالَ إنَّ هَذِهِ بَرَكَةٌ مِنْ بَرَكَاتِ رَبِّي وَلَيْسَ أَشْبَعُ مِنْهَا } وَفِي بَعْضِ كُتُبِ التَّفَاسِيرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ { ذَكَرَ لَنَا أَنَّ الْمَاءَ الَّذِي اغْتَسَلَ مِنْهُ تَطَايَرَ عَلَى صَدْرِهِ جَرَادًا مِنْ ذَهَبٍ قَالَ فَجَعَلَ يَضُمُّهُ بِيَدِهِ فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ يَا أَيُّوبُ أَلَمْ أُغْنِك قَالَ بَلَى وَلَكِنَّهَا بَرَكَتُك فَمَنْ يَشْبَعُ مِنْهَا } . وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ وَأَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّ نَبِيَّ اللَّهِ أَيُّوبَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِثَ فِي بَلَائِهِ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَنَةً فَرَفَضَهُ الْقَرِيبُ وَالْبَعِيدُ إلَّا رَجُلَيْنِ مِنْ إخْوَانِهِ } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ قَالَ { وَكَانَ لَهُ أَنْدَرَانِ أَنْدَرُ لِلْقَمْحِ وَأَنْدَرُ لِلشَّعِيرِ فَبَعَثَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى سَحَابَتَيْنِ فَلَمَّا كَانَتْ إحْدَاهُمَا عَلَى أَنْدَرِ الْقَمْحِ أَفْرَغَتْ فِيهِ الذَّهَبَ حَتَّى فَاضَ وَأَفْرَغَتْ الْأُخْرَى فِي أَنْدَرِ الشَّعِيرِ الْوَرِقَ حَتَّى فَاضَ } وَهَذِهِ إنْ صَحَّتْ قَضِيَّةٌ غَيْرُ قَضِيَّةِ الِاغْتِسَالِ . وَاخْتُلِفَ فِي عِدَّةِ أَوْلَادِهِ فَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ لَهُ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ ذَكَرًا وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَوَّضَهُ مِنْهُمْ سِتَّةً وَعِشْرِينَ ذَكَرًا وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ كَانَ لَهُ سَبْعُ بَنَاتٍ وَثَلَاثُ بَنِينَ وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ كَانَ لَهُ سَبْعُ بَنِينَ وَسَبْعُ بَنَاتٍ وَاخْتُلِفَ أَيْضًا هَلْ رَدَّهُمْ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ بَعْدَ الْعَافِيَةِ بِأَعْيَانِهِمْ أَوْ عَوَّضَهُ مِنْهُمْ وَلَمْ يُحْيِهِمْ فَحُكِيَ الْأَوَّلُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ وَذَهَبَ إلَى الثَّانِي جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عِكْرِمَةُ وَهُوَ صَرِيحُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ جَوَازُ الِاغْتِسَالِ عُرَّيَانَا فِي الْخَلْوَةِ مَعَ إمْكَانِ التَّسَتُّرِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي قَبْلَهُ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ { خَرَّ } بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ سَقَطَ وَظَاهِرُ هَذَا سُقُوطُهُ عَلَيْهِ مِنْ عُلُوٍّ فَهُوَ بِظَاهِرِهِ مُخَالِفٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ نَفْسَ الْمَاءِ تَطَايَرَ عَلَيْهِ جَرَادًا لِأَنَّهُ لَيْسَ حِينَئِذٍ سَاقِطًا عَلَيْهِ مِنْ عُلُوٍّ وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهُوَ إكْرَامٌ عَظِيمٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَهُ فَهُوَ مُعْجِزَةٌ فِي حَقِّهِ لَكِنْ هَلْ كَانَ جَرَادًا حَقِيقَةً ذَا رُوحٍ إلَّا أَنَّ جِسْمَهُ ذَهَبٌ أَوْ كَانَ عَلَى شَكْلِ الْجَرَادِ وَلَيْسَ فِيهِ رُوحٌ الْأَظْهَرُ الثَّانِي قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَلَيْسَ الْجَرَادُ بِذَكَرِ الْجَرَادَةِ وَإِنَّمَا هُوَ اسْمُ جِنْسٍ كَالْبَقَرَةِ وَالْبَقَرِ وَالتَّمْرِ وَالتَّمْرَةِ وَالْحَمَامِ وَالْحَمَامَةِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ فَحَقُّ مُذَكَّرِهِ أَنْ لَا يَكُونَ مُؤَنَّثُهُ مِنْ لَفْظِهِ لِئَلَّا يَلْتَبِسَ الْوَاحِدُ الْمُذَكَّرُ بِالْجَمْعِ . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ أَنَّهُ لَا يُحْكَمُ عَلَى الْإِنْسَانِ بِالشَّرَهِ وَحُبِّ الدُّنْيَا بِمُجَرَّدِ أَخْذِهِ لَهَا وَإِقْبَالِهِ عَلَيْهَا بَلْ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمَقَاصِدِ وَإِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ فَمُحَالٌ أَنْ يَكُونَ أَيُّوبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخَذَ هَذَا الْمَالَ حُبًّا لِلدُّنْيَا وَإِنَّمَا أَخَذَهُ كَمَا أَخْبَرَ هُوَ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ بَرَكَةٌ مِنْ رَبِّهِ وَفِي مَعْنَى الْبَرَكَةِ هُنَا أَوْجُهٌ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ وُجِدَ عِنْدَ زِيَادَةِ إقْبَالِ النِّعْمَةِ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَتْ النِّعْمَةُ عَلَيْهِ مُسْتَمِرَّةً فَصَارَ هَذَا الذَّهَبُ مَحْبُوبًا لِأَنَّهُ وُجِدَ عِنْدَ إقْبَالِ الْمَحْبُوبِ أَلَا تَرَى الشُّعَرَاءَ يُكْثِرُونَ التَّشْبِيبَ بِالدِّيَارِ وَإِنَّمَا يَحْمِلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُمْ وَجَدُوا فِيهَا مِنْ إقْبَالِ الْمَحْبُوبِ عَلَيْهِمْ مَا أَوْجَبَ حُبَّ تِلْكَ الدِّيَارِ أَمُرُّ عَلَى الدِّيَارِ دِيَارِ لَيْلَى أُقَبِّلُ ذَا الْجِدَارَ وَذَا الْجِدَارَا وَمَا حُبُّ الدِّيَارِ شَغَفْنَ قَلْبِي وَلَكِنْ حُبُّ مَنْ سَكَنَ الدِّيَارَا ( ثَانِيهَا ) أَنَّهُ قَرِيبُ الْعَهْدِ بِتَكْوِينِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا كَمَا { حَسَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ جِلْدِهِ حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْمَطَرُ وَقَالَ إنَّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبِّهِ } أَيْ بِتَكْوِينِ رَبِّهِ . ( ثَالِثُهَا ) أَنَّ هَذِهِ نِعْمَةٌ جَدِيدَةٌ خَارِقَةٌ لِلْعَادَةِ فَيَنْبَغِي تَلَقِّيهَا بِالْقَبُولِ فَفِي ذَلِكَ شُكْرٌ لَهَا وَتَعْظِيمٌ لِشَأْنِهَا وَفِي الْإِعْرَاضِ عَنْهَا كُفْرٌ بِهَا وَقَرِيبٌ مِنْ هَذَا مَا فِي حَدِيثِ { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى رُخَصُهُ كَمَا يُحِبُّ أَنْ تُؤْتَى عَزَائِمُهُ } رَابِعُهَا أَنَّ هَذِهِ آيَةٌ وَمُعْجِزَةٌ فَكُلُّ مَا نَشَأَ عَنْهَا فَهُوَ بَرَكَةٌ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ بَعْضِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كُنَّا نَعُدُّ الْآيَاتِ بَرَكَةً وَمِنْ هَذَا { قَضِيَّةُ الصِّدِّيقِ مَعَ أَضْيَافِهِ لَمَّا صَارُوا لَا يَأْكُلُونَ لُقْمَةً إلَّا رَبَا مِنْ أَسْفَلِهَا أَكْثَرُ مِنْهَا فَحَمَلَ بَقِيَّتَهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلَ مِنْهُ وَقَالَ هَذَا بَرَكَةٌ فَبَادِرْ إلَى تَحْصِيلِهِ وَالِاحْتِوَاءِ عَلَيْهِ } لِبَرَكَتِهِ لَا لِنَفْسِ الْمَالِ فَإِنَّهُ لَا يُحَبُّ وَلَا يُقْصَدُ لِذَاتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيهِ جَوَازُ الْحِرْصِ عَلَى الْمَالِ الْحَلَالِ وَفَضْلُ الْغِنَى لِأَنَّهُ سَمَّاهُ بَرَكَةً انْتَهَى . وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ أَحَبَّهُ لِمُجَرَّدِ كَوْنِهِ مَالًا حَلَالًا فَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنْ صَرْفِهِ فِي الطَّاعَاتِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ عَلَى الْقُرُبَاتِ وَالتَّقَرُّبِ بِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ الْحَالَاتِ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { أَلَمْ أَكُنْ أَغْنَيْتُك } كَمَا تَرَى يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ غِنَى الْقَلْبِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ غِنَى الْمَالِ أَيْضًا وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي فَفِيهِ أَنَّ أَيُّوبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ غَنِيًّا شَاكِرًا وقَوْله تَعَالَى { إنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا } لَا يُنَافِي ذَلِكَ لِأَنَّ الْمُرَادَ صَبْرُهُ عَلَى الْبَلَاءِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ صَبْرُهُ مَعَ الْبَلَاءِ عَلَى فَقْرِ الْمَالِ أَيْضًا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَمَعَ لِأَيُّوبَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَقَامَيْ الصَّبْرِ عَلَى الْفَقْرِ وَالشُّكْرِ عَلَى الْغِنَى بِاعْتِبَارِ حَالَتَيْنِ فَكَانَ فِي نَفْسِ الْبَلَاءِ فَقِيرًا صَابِرًا وَقَبْلَهُ وَبَعْدَهُ غَنِيًّا شَاكِرًا وَلِهَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّهِ { إنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا } فَأَثْنَى عَلَيْهِ بِالصَّبْرِ ثُمَّ قَالَ { نِعْمَ الْعَبْدُ إنَّهُ أَوَّابٌ } فَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ غَنِيٌّ شَاكِرٌ كَمَا قَالَ فِي حَقِّ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { نِعْمَ الْعَبْدُ إنَّهُ أَوَّابٌ } مَعَ أَنَّهُ كَانَ غَنِيًّا شَاكِرًا . وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا } وَلَمْ يَقُلْ صَبُورًا لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ جَمِيعُ أَحْوَالِهِ الصَّبْرَ بَلْ كَانَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مُسْتَلِذًّا لِلْبَلَاءِ مُسْتَعْذِبًا لَهُ فَكَانَ بَعْضُ أَحْوَالِهِ الصَّبْرَ وَبَعْضُهَا الِاسْتِلْذَاذَ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ { فَنَادَاهُ رَبُّهُ } يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى لِسَانِ مَلَكٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ بِإِلْقَائِهِ فِي قَلْبِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ كِفَاحًا كَمَا وَقَعَ لِلسَّيِّدِ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَفِيهِ بُعْدُ وَيَدُلُّ لِلْأَوَّلِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمُ فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُصَلِّي أَحَدُنَا فِي ثَوْبٍ ؟ قَالَ أَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ ؟ } قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَتَعْرِفُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَثِيَابُهُ عَلَى الْمِشْجَبِ لَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخَانِ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَادَ الْبُخَارِيُّ " ثُمَّ سَأَلَ رَجُلٌ عُمَرَ فَقَالَ إذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا ، جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ صَلَّى رَجُلٌ فِي إزَارٍ وَرِدَاءٍ فِي إزَارٍ وَقَمِيصٍ فِي إزَارٍ وَقَبَاءٍ فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ قَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ . وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُصَلِّي أَحَدُنَا فِي ثَوْبٍ قَالَ أَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ } قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَتَعْرِفُ أَبَا هُرَيْرَةَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَثِيَابُهُ عَلَى الْمِشْجَبِ . لَمْ يَذْكُرْ الشَّيْخَانِ قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) قَوْلُهُ { أَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ } قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِهِ لَفْظُهُ لَفْظُ الِاسْتِفْهَامِ وَمَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ عَمَّا كَانَ يَعْلَمُهُ مِنْ حَالِهِمْ فِي الْعَدَمِ وَضِيقِ الثِّيَابِ يَقُولُ وَإِذَا كُنْتُمْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ ، وَلَيْسَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ ثَوْبَانِ وَالصَّلَاةُ وَاجِبَةٌ عَلَيْكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ جَائِزَةٌ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ وَفِي ضِمْنِهِ الْفَتْوَى مِنْ طَرِيقِ الْفَحْوَى ثُمَّ اسْتِقْصَارُ فَهْمِهِمْ وَاسْتِزَادَةُ عِلْمِهِمْ كَأَنَّهُ قَالَ إذَا كَانَ سَتْرُ الْعَوْرَةِ وَاجِبًا وَالصَّلَاةُ لَازِمَةً وَلَيْسَ لِكُلِّ وَاحِدٍ ثَوْبَانِ فَكَيْفَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ جَائِزَةٌ انْتَهَى . وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ { أَوَ لِكُلِّكُمْ } بِوَاوٍ مُحَرَّكَةٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ وَهِيَ وَاوُ الْعَطْفِ وَأَصْلُ الْكَلَامِ وَأَلِكُلِّكُمْ لَكِنْ قُدِّمَ الِاسْتِفْهَامُ لِأَنَّ لَهُ صَدْرَ الْكَلَامِ وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي مِثْلِ هَذَا أَنَّ الْوَاوَ عَاطِفَةٌ عَلَى مَحْذُوفٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ دَلَّ عَلَيْهِ الْمَعْطُوفُ وَلَا تَقْدِيمَ وَلَا تَأْخِيرَ فَالتَّقْدِيرُ هُنَا أَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ وَلِكُلِّكُمْ ثَوْبَانِ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَوْلَى وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ أَسْهَلُ مِنْ الْحَذْفِ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَهُوَ قَوْلُ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ عَلَى مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ الْإِعَادَةَ إذَا كَانَ سَاتِرًا لِلْعَوْرَةِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا لَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ إلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ النَّوَوِيُّ وَلَا أَعْلَمُ صِحَّتَهُ ( قُلْت ) لَهُ عَنْهُ أَرْبَعُ طُرُقٍ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي نَضْرَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ اخْتَلَفَ أُبَيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ فِي الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ فَقَالَ أُبَيٌّ ثَوْبٌ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ثَوْبَانِ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ الْحَسَنِ قَالَ اخْتَلَفَ أُبَيٌّ وَابْنُ مَسْعُودٍ فَذَكَرَهُ وَهُوَ مُنْقَطِعٌ فَإِنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ ذَرٍّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي ثَوْبَيْنِ . وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي فَزَارَةَ عَنْ أَبِي زَيْدٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ لَا تُصَلِّيَنَّ فِي ثَوْبٍ وَإِنْ كَانَ أَوْسَعَ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَهَذَا إسْنَادٌ ضَعِيفٌ جِدًّا وَذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ مِثْلُ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ . ( قُلْت ) وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ عَنْهُ كَقَوْلِ الْجُمْهُورِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّهُ قَالَ لَا تُصَلِّ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ إلَّا أَنْ لَا تَجِدَ غَيْرَهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بَعْدَ ذِكْرِهِ : إنَّ الْعَمَلَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يُصَلِّي الرَّجُلُ فِي ثَوْبَيْنِ . ( الثَّالِثَةُ ) ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي جَوَازَ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ سَوَاءٌ أَكَانَ سَاتِرًا لِجَمِيعِ الْبَدَنِ أَمْ لِمِقْدَارِ الْعَوْرَةِ فَقَطْ سَوَاءٌ أَوَضَعَ بَعْضَهُ عَلَى عَاتِقِهِ أَمْ لَا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ سَاتِرًا لِجَمِيعِ الْبَدَنِ وَجَبَ جَعْلُ بَعْضِهِ عَلَى عَاتِقِهِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ { مَنْ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ فَلْيُخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ } وَبِهَذَا قَالَ أَحْمَدُ حَمْلًا لِلْمُطْلَقِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ وَجَعَلَ النَّهْيَ هُنَا لِلتَّحْرِيمِ وَالْأَمْرَ لِلْوُجُوبِ ثُمَّ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَوْ صَلَّى مَكْشُوفَ الْعَاتِقِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى السُّتْرَةِ لَمْ تَصِحَّ صَلَاتُهُ فَجَعَلَهُ شَرْطًا وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى إنَّهُ تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَلَكِنْ يَأْثَمُ بِهِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ كَانَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ لَا يُجِيزُ شَهَادَةَ مَنْ صَلَّى بِغَيْرِ رِدَاءٍ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ صَحَابِيٍّ أَنَّهُ كَانَ إذَا لَمْ يَجِدْ رِدَاءً وَضَعَ عَلَى عَاتِقِهِ عِقَالًا ثُمَّ صَلَّى وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ قَالَ كَانُوا يَكْرَهُونَ إعْرَاءَ الْمَنَاكِبِ فِي الصَّلَاةِ . وَاخْتَارَ الْإِمَامُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ مُتَأَخِّرِي الشَّافِعِيَّةِ وُجُوبَ ذَلِكَ وَحَكَاهُ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ لَكِنَّ الْمَعْرُوفَ مِنْ مَذْهَبِهِ وَمَذْهَبِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ لَكِنَّهُ اسْتِحْبَابٌ مُتَأَكِّدٌ بِحَيْثُ يُكْرَهُ تَرْكُهُ وَحَمَلُوا النَّهْيَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَالْأَمْرَ عَلَى النَّدْبِ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ { جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ إذَا كَانَ وَاسِعًا فَخَالِفْ بَيْنَ طَرَفَيْهِ وَإِذَا كَانَ ضَيِّقًا فَاشْدُدْهُ عَلَى حَقْوِكَ } . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَاحْتَمَلَ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يُصَلِّ أَحَدُكُمْ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ } أَنْ يَكُونَ اخْتِيَارًا وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ لَا يُجْزِيهِ غَيْرُهُ فَلَمَّا حَكَى جَابِرٌ مَا وَصَفْت وَحَكَتْ { مَيْمُونَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي ثَوْبٍ بَعْضُهُ عَلَيْهِ وَبَعْضُهُ عَلَيْهَا } دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِيمَا صَلَّى فِيهِ مُؤْتَزِرًا بِهِ لَا يَسْتُرُهُ أَبَدًا إلَّا مُؤْتَزِرًا إذَا كَانَ بَعْضُهُ عَلَى غَيْرِهِ ؟ فَعَلِمْنَا أَنَّ نَهْيَهُ أَنْ يُصَلِّيَ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ لَيْسَ عَلَى عَاتِقِهِ مِنْهُ شَيْءٌ اخْتِيَارٌ انْتَهَى . وَأَخَذَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ بِظَاهِرِ حَدِيثِ جَابِرٍ هَذَا وَقَالَ بِالْوُجُوبِ فِيمَا إذَا كَانَ الثَّوْبُ وَاسِعًا فَحَمَلَ الْأَمْرَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الْوُجُوبِ لَكِنْ حَمَلَهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ وَاسِعًا وَأَجَازَ الصَّلَاةَ فِي الثَّوْبِ الضَّيِّقِ مِنْ غَيْرِ جَعْلِ شَيْءٍ مِنْهُ عَلَى عَاتِقِهِ وَإِنْ كَانَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بَوَّبَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ مَنْ كَانَ يَقُولُ إذَا كَانَ ثَوْبًا وَاحِدًا فَلْيَتَّزِرْ بِهِ وَرُوِيَ فِيهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي مُلْتَحِفًا فَقَالَ لَا تَشَبَّهُوا بِالْيَهُودِ مَنْ لَمْ يَجِدْ مِنْكُمْ إلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا فَلْيَتَّزِرْ بِهِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَوْ لَمْ أَجِدْ إلَّا ثَوْبًا وَاحِدًا كُنْت أَتَّزِرُ بِهِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَتَوَشَّحَ بِهِ تَوَشُّحَ الْيَهُودِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَاقِدٍ قَالَ صَلَّيْت إلَى جَنْبِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَنَا مُتَوَشِّحٌ فَأَمَرَنِي بِالْإِزْرَةِ وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ مُتَّزِرًا بِهِ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ فَقَالَ يَتَّزِرُ بِهِ كَمَا يَتَّزِرُ لِلصِّرَاعِ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا ثَوْبٌ وَاحِدٌ اتَّزَرَ بِهِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّهُ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ قَدْ رَفَعَهُ إلَى صَدْرِهِ وَذَكَرَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِالْعَرْجِ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ رَفَعَهُ إلَى صَدْرِهِ } . وَظَاهِرُ كَلَامِ هَؤُلَاءِ مَنْعُ وَضْعِهِ عَلَى الْعَاتِقِ فَيَكُونُ فِي ذَلِكَ مَذَاهِبُ أَحَدُهَا الِاسْتِحْبَابُ وَالثَّانِي الْإِيجَابُ وَالثَّالِثُ الِاشْتِرَاطُ وَالرَّابِعُ وَالْإِنْكَارُ وَالْخَامِسُ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ وَاسِعًا أَوْ ضَيِّقًا وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ إذَا جَلَسَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَضَعَ رِدَاءَهُ عَنْ عَاتِقِهِ وَهَذَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ حَالَةِ الْجُلُوسِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَحْوَالِ فَهُوَ مَذْهَبٌ سَادِسٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ فِي ثَوْبَيْنِ أَفْضَلُ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَشَارَ إلَى أَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ ضِيقُ الْحَالِ وَعَجْزُ بَعْضِ النَّاسِ عَنْ ثَوْبَيْنِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَكْمَلَ ثَوْبَانِ ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ وَلَكِنَّ عِبَارَةَ ابْنِ الْمُنْذِرِ تَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ مَقَالَةٌ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهَا فَإِنَّهُ بَعْدَ أَنْ حَكَى عَنْ الْأَئِمَّةِ جَوَازَ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ قَالَ وَقَدْ اسْتَحَبَّ بَعْضُهُمْ الصَّلَاةَ فِي ثَوْبَيْنِ . ( الْخَامِسَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الصَّلَاةِ فِي الثِّيَابِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّ جَوَازَ الِاقْتِصَارِ عَلَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ رُخْصَةٌ لِضِيقِ الْحَالِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَرْكُ ذَلِكَ وَالْمُعْتَبَرُ فِي ذَلِكَ الثَّوْبِ أَنْ يَكُونَ سَاتِرًا لِلْعَوْرَةِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي الْعَوْرَةِ وَذَلِكَ أَيْضًا يَخْتَلِفُ بِالذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ وَحُرِّيَّةِ الْمَرْأَةِ وَرِقِّهَا وَإِذَا ثَبَتَ وُجُوبُ السُّتْرَةِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ شَرْطٌ فِيهَا لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّ مَا وَجَبَ فِي الصَّلَاةِ كَانَ شَرْطًا فِيهَا . وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ وَكَذَلِكَ أَوْرَدَهُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شُرُوطِ الصَّلَاةِ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ الِاشْتِرَاطُ مُطْلَقًا وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَالِاشْتِرَاطُ مَعَ الذِّكْرِ دُونَ النِّسْيَانِ وَالْوُجُوبُ خَاصَّةً وَالِاسْتِحْبَابُ وَقَدْ تَقَدَّمَ إيضَاحُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الثَّانِي وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي كَوْنِ سَتْرِ الْعَوْرَةِ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ بَعْدَ أَنْ صَدَّرَ كَلَامَهُ بِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ إسْلَامِيٌّ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ قَالَ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ هُوَ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : ( الْأَوَّلُ ) أَنَّهُ يَجِبُ سَتْرُ جَمِيعِ الْجَسَدِ حَكَاهُ أَبُو الْفَرَجِ . ( الثَّانِي ) يَكُونُ مُتَّزِرَ وَسَطِهِ كَمَا فَعَلَ جَابِرٌ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ كَأَنَّهُ غَطَّى الْعَوْرَةَ وَحَمَاهَا وَسَتَرَ مَا اتَّصَلَ بِهَا . ( الثَّالِثُ ) يُصَلِّي مَسْتُورَ الْعَوْرَةِ خَاصَّةً وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَكْثَرُ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ . ( الرَّابِعُ ) أَنَّهُ لَا يَجِبُ سَتْرَ عَوْرَةٍ وَلَا غَيْرِهَا قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا إذَا كَانَ فِي بَيْتِهِ وَلَا يَرَاهُ أَحَدٌ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ وَغَيْرُهُ عَنْ الْقَاضِي إسْمَاعِيلَ وَالْأَبْهَرِيُّ وَابْنُ بُكَيْر وَجَاءَ نَحْوُهُ عَنْ أَشْهَبَ لِأَنَّهُ قَالَ مَنْ صَلَّى عُرْيَانًا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ قَالَ وَالصَّحِيحُ وُجُوبُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهَا إذَا وَجَبَتْ خَارِجَ الصَّلَاةِ تَأَكَّدَتْ بِالصَّلَاةِ انْتَهَى . قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ ذَكَرَ أَنَّ الْأَقْوَالَ الْأَرْبَعَةَ فِي أَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ مِنْ فُرُوضِ الصَّلَاةِ أَمْ لَا ثُمَّ حَكَى الْقَوْلَ الْأَوَّلَ أَنَّهُ يَجِبُ سَتْرُ جَمِيعِ الْجَسَدِ وَلَا قَائِلَ فِيمَا نَعْلَمُ بِأَنَّ جَمِيعَ جَسَدِ الرَّجُلِ عَوْرَةٌ فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَفْرِضَ الْخِلَافَ فِيمَا يَجِبُ سَتْرُهُ فِي الصَّلَاةِ لَا بِقَيْدِ كَوْنِهِ عَوْرَةً عَلَى أَنَّ الَّذِي حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ عَنْ أَبِي الْفَرَجِ وُجُوبُ سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ لَا سَتْرُ جَمِيعِ الْبَدَنِ انْتَهَى . ( قُلْت ) وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَبِي الْفَرَجِ وُجُوبَ سَتْرِ جَمِيعِ الْجَسَدِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ . ( السَّادِسَة ) الْمِشْجَبُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الشَّيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ عِيدَانٌ تُضَمُّ رُءُوسُهَا وَيُفَرَّجُ بَيْنَ قَوَائِمِهَا وَتُوضَعُ عَلَيْهَا الثِّيَابُ ، وَقَدْ تُعَلَّقُ عَلَيْهَا الْأَسْقِيَةُ لِتَبْرِيدِ الْمَاءِ وَهُوَ مِنْ تَشَاجَبَ الْأَمْرُ إذَا اخْتَلَطَ قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ وَذَكَرَ فِي الْمُحْكَمِ أَنَّهُ خَشَبَاتٌ مُوثَقَةٌ مَنْصُوبَةٌ تُوضَعُ عَلَيْهَا الثِّيَابُ وَأَنَّهُ يُقَالُ لَهُ أَيْضًا شِجَابٌ وَجَمْعُهُ شُجُبٌ ثُمَّ قَالَ وَالشَّجْبُ الْخَشَّابُ الثَّلَاثُ الَّتِي يُعَلِّقُ عَلَيْهَا الرَّاعِي دَلْوَهُ وَسِقَاءَهُ . وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ إنَّ الْمِشْجَبَ الْخَشَبَةُ الَّتِي تُلْقَى عَلَيْهَا الثِّيَابُ وَكَذَا قَالَ فِي الْمَشَارِقِ عُودٌ تُرْفَعُ عَلَيْهِ الثِّيَابُ قَالَ وَهِيَ الشِّجَابُ أَيْضًا فَاكْتَفَيَا فِي صِدْقِ اسْمِهِ بِأَنْ يَكُونَ خَشَبَةً وَاحِدَةً وَأَرَادَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَا أَخْبَرَ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ أَنَّهُ يُصَلِّي فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَثِيَابُهُ عَلَى الْمِشْجَبِ تَأْكِيدُ جَوَازِ الصَّلَاةِ فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ وَالتَّوَسُّعَةُ عَلَى مَنْ عِنْدَهُ تَشَدُّدٌ فِي ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَعَ صُحْبَتِهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَوْنِهِ قُدْوَةً فِي الدِّينِ يَقْتَصِرُ عَلَى الثَّوْبِ الْوَاحِدِ مَعَ تَمَكُّنِهِ مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِ لِكَوْنِ ثِيَابِهِ مُتَيَسِّرَةً قَرِيبَةً غَيْرَ بَعِيدَةٍ مِنْهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُصَلِّي فِيهَا فَغَيْرُهُ أَوْلَى بِذَلِكَ وَكَذَا فَعَلَ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ إنَّمَا صَنَعْت ذَلِكَ لِيَرَانِي أَحْمَقُ مِثْلُك وَأَيُّنَا كَانَ لَهُ ثَوْبَانِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي رِوَايَةٍ أَحْبَبْت أَنْ يَرَانِي الْجُهَّالُ مِثْلُكُمْ . ( السَّابِعَةُ ) هَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا فِي الْأَصْلِ عَنْ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّ عُمَرَ قَالَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ إذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا إلَى آخِرِهَا رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهَا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ ابْنِ عُلَيَّةَ عَنْ أَيُّوبَ فَرَفَعَهَا وَلَفْظُهُ { نَادَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُصَلِّي أَحَدُنَا فِي الثَّوْبِ الْوَاحِدِ قَالَ إذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ } فَذَكَرَهُ إلَى آخِرِهِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ . فَفِيهِ أَنَّ الْأَفْضَلَ الصَّلَاةُ فِي ثَوْبَيْنِ لِمَنْ قَدَرَ عَلَى ذَلِكَ وَوَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ وَفَصَّلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْأَقْسَامَ الدَّاخِلَةَ تَحْتَ الصَّلَاةِ فِي ثَوْبَيْنِ وَهِيَ الصَّلَاةُ فِي إزَارٍ وَسَرَاوِيلَ أَوْ تُبَّانٍ وَذَلِكَ هُوَ الْمُعْتَمَدُ عَلَيْهِ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ وَيُضَمُّ إلَيْهِ إمَّا رِدَاءً أَوْ قَمِيصًا أَوْ قَبَاءً فَهَذِهِ تِسْعَةُ أَقْسَامٍ ، وَهِيَ الْحَاصِلَةُ مِنْ ضَرْبِ ثَلَاثَةٍ فِي ثَلَاثَةٍ . وَالتُّبَّانُ بِضَمِّ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَآخِرُهُ نُونٌ قَالَ فِي الصِّحَاحِ سَرَاوِيلُ صَغِيرَةٌ مِقْدَارُ شِبْرٍ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ فَقَطْ يَكُونُ لِلْمَلَّاحِينَ وَكَذَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ مِقْدَارَ شِبْرٍ . وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ وَالْمَشَارِقِ شَبَهُ السَّرَاوِيلَ زَادَ فِي الْمَشَارِقِ قَصِيرُ السَّاقِ فَإِنْ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الصِّحَاحِ مِنْ أَنَّهُ مِقْدَارُ شِبْرٍ فَهُوَ لَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ بِكَمَالِهَا فَلَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ مَعَ الرِّدَاءِ لِأَنَّ الرِّدَاءَ إنَّمَا يَسْتُرُ أَعَالِيَ الْبَدَنِ ، وَإِنَّمَا يُؤْتَى بِهِ مَعَ قَمِيصٍ أَوْ قَبَاءٍ . وَهَذَا مُقْتَضَى قَوْلِ النِّهَايَةِ إنَّهُ يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ فَقَطْ وَإِنْ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِكَوْنِهِ قَدْرَ شِبْرٍ لِأَنَّ الْعَوْرَةَ الْمُغَلَّظَةَ هِيَ السَّوْأَتَانِ خَاصَّةً وَلَيْسَ فِي كَلَامِ صَاحِبَيْ الْمُحْكَمِ وَالْمَشَارِقِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا لَهُ وَلِهَذَا شَكَّ الرَّاوِي فِي جَمْعِ التُّبَّانِ مَعَ الرِّدَاءِ فَقَالَ وَأَحْسِبُهُ قَالَ فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاقْتِصَارُ عَلَى التُّبَّانِ مَعَ الرِّدَاءِ إنْ كَانَ التُّبَّانُ لَا يَسْتُرُ جَمِيعَ الْعَوْرَةِ وَأَمَّا الْقَبَاءُ فَهُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ مَمْدُودٌ ذَكَرَ فِي الْمَشَارِقِ أَنَّهُ ثَوْبٌ ضَيِّقٌ مِنْ ثِيَابِ الْعَجَمِ قَالَ وَهُوَ مِنْ قَبَوْت إذَا ضَمَمْت وَكَذَا ذَكَرَ فِي الْمُحْكَمِ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنْ الِانْضِمَامِ لِاجْتِمَاعِ أَطْرَافِهِ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ فِي الصَّلَاةِ } لَمْ يَقُلْ الْبُخَارِيُّ { فِي الصَّلَاةِ } وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ { وَقَدْ رَأَيْت رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُسَبِّحُونَ وَيُشِيرُونَ } وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ { مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إذَا سَبَّحَ اُلْتُفِتَ إلَيْهِ وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ } . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ فِي الصَّلَاةِ } ، لَمْ يَقُلْ الْبُخَارِيُّ { فِي الصَّلَاةِ } ، فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) فِيهِ أَنَّهُ إذَا نَابَ الْمُصَلِّي فِي صَلَاتِهِ مَا يَقْتَضِي إعْلَامَ غَيْرِهِ بِشَيْءٍ مِنْ تَنْبِيهِ إمَامِهِ عَلَى خَلَلٍ يُرِيدُ فِعْلَهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ رُؤْيَةِ أَعْمَى يَقَعُ فِي بِئْرٍ أَوْ اسْتِئْذَانِ دَاخِلٍ أَوْ كَوْنِ الْمُصَلِّي يُرِيدُ إعْلَامَ غَيْرِهِ بِأَمْرٍ أَنَّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُسَبِّحَ بِأَنْ يَقُولَ : سُبْحَانَ اللَّهِ لِإِفْهَامِ مَا يُرِيدُ التَّنْبِيهَ عَلَيْهِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ وَمُسْلِمٍ { فِي الصَّلَاةِ } وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ عِنْدَ مُسْلِمٍ عَنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهِيَ عِنْدَ النَّسَائِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { إذَا اُسْتُؤْذِنَ عَلَى الرَّجُلِ وَهُوَ يُصَلِّي فَإِذْنُهُ التَّسْبِيحُ وَإِذَا اُسْتُؤْذِنَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَهِيَ تُصَلِّي فَإِذْنُهَا التَّصْفِيقُ } وَقَالَ فِي الْخِلَافِيَّاتِ رُوَاةُ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ آخِرِهِمْ ثِقَاتٌ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ { مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ فَإِنَّهُ إذَا سَبَّحَ اُلْتُفِتَ إلَيْهِ وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ } . وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو يُوسُفَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ مَنْ أَتَى بِالذِّكْرِ جَوَابًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ قَصَدَ بِهِ الْإِعْلَامَ بِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَبْطُلْ فَحَمَلَا التَّسْبِيحَ الْمَذْكُورَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا إذَا كَانَ الْقَصْدُ بِهِ الْإِعْلَامَ بِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ وَهُمَا مُحْتَاجَانِ لِدَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِكَ حَمَلَا قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ { مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ } عَلَى نَائِبٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ إرَادَةُ الْإِعْلَامِ بِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّخْصِيصِ لِأَنَّهُ عَامٌّ لِكَوْنِهِ نَكِرَةً فِي سِيَاقِ الشَّرْطِ فَيَتَنَاوَلُ النَّائِبَ الَّذِي يُحْتَاجُ مَعَهُ إلَى الْجَوَابِ وَالنَّائِبُ الَّذِي يُحْتَاجُ مَعَهُ إلَى الْإِعْلَامِ بِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ فَالْحَمْلُ عَلَى أَحَدِهِمَا مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ لَا يُمْكِنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ كَيْفَ وَالْوَاقِعَةُ الَّتِي هِيَ سَبَبُ الْحَدِيثِ لَمْ يَكُنْ الْقَصْدُ فِيهَا الْإِعْلَامَ بِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا كَانَ الْقَصْدُ تَنْبِيهَ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى حُضُورِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَرْشَدَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى أَنَّهُ كَانَ حَقُّهُمْ عِنْدَ هَذَا النَّائِبِ التَّسْبِيحَ وَكَذَا عِنْدَ كُلِّ نَائِبٍ وَقَدْ اتَّفَقُوا . عَلَى أَنَّ السَّبَبَ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ وَمِنْ هُنَا رَدَّ أَصْحَابُنَا عَلَى الْحَنَفِيَّةِ فِي قَوْلِهِمْ أَنَّ الْأَمَةَ لَا تَكُونُ فِرَاشًا بِأَنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ } إنَّمَا وَرَدَ فِي أَمَةٍ وَالسَّبَبُ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ بِلَا خِلَافٍ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةُ مِثْلِ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) وَفِيهِ أَنَّهُ إذَا نَابَ الْمَرْأَةَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تُصَفِّقَ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ وَسَوَّى مَالِكٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ ، وَقَالَ : إنَّ الْمَشْرُوعَ فِي حَقِّهَا التَّسْبِيحُ كَالرَّجُلِ وَضَعَّفَ أَمْرَ التَّصْفِيقِ لِلنِّسَاءِ ، وَحَكَى أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ مَشْهُورِ قَوْلَ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَهُ فِي الصَّلَاةِ لَا الرِّجَالُ وَلَا النِّسَاءُ . وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ رَأَى فَسَادَ صَلَاةِ الْمَرْأَةِ إذَا صَفَّقَتْ فِي صَلَاتِهَا قَالَ وَخَطَّأَ أَصْحَابُهُ هَذَا الْقَوْلَ وَقَالَ الْأَبْهَرِيُّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إنْ صَفَّقَتْ الْمَرْأَةُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهَا غَيْرَ أَنَّ الْمُخْتَارَ التَّسْبِيحُ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي تَوْجِيهِ قَوْلِ مَالِكٍ أَنَّهُ أَخَذَ بِظَاهِرِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعِيدٍ { مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ } قَالَ وَهَذَا عَلَى عُمُومِهِ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَتَأَوَّلُوا قَوْلَهُ { وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ } عَلَى أَنَّ التَّصْفِيقَ مِنْ أَفْعَالِ النِّسَاءِ عَلَى جِهَةِ الذَّمِّ لِذَلِكَ انْتَهَى . وَهَذَا التَّأْوِيلُ مَرْدُودٌ وَهُوَ إنْ كَانَ مُحْتَمَلًا فِي لَفْظِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهُ تَعَذَّرَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ لَفْظُهَا { إذَا نَابَكُمْ شَيْءٌ فِي الصَّلَاةِ فَلْيُسَبِّحْ الرِّجَالُ وَلْيُصَفِّحْ النِّسَاءُ } وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ مُوَافِقَةٌ لِلْجُمْهُورِ وَجَزَمَ بِهَا عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ { التَّسْبِيحِ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقِ لِلنِّسَاءِ } قَالَ بِظَاهِرِ هَذَا الْخَبَرِ مَالِكٌ انْتَهَى . وَاخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ مُوَافَقَةَ الْجُمْهُورِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ بَعْدَ نَقْلِهِ مَشْهُورِ مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَذْهَبَ الْجُمْهُورِ فِي ذَلِكَ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصَّحِيحُ خَبَرًا وَنَظَرًا ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ رَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُمَا قَالَا التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمَا مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مُخَالِفٌ . ( قُلْت ) قَدْ رُوِيَ ذَلِكَ أَيْضًا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قِيلَ كَانَ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ يُصَفِّقُونَ فِي الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ عِنْدَ الْبَيْتِ إلَّا مُكَاءً وَتَصْدِيَةً } أَيْ صَفِيرًا وَتَصْفِيقًا فَنُهُوا عَنْ ذَلِكَ رِجَالًا وَنِسَاءً ثُمَّ أَعْلَمَ أَنَّهُ مِنْ عَادَةِ النِّسَاءِ فِي خَاصَّتِهِنَّ وَلَهْوِهِنَّ لَا أَنَّهُ إبَاحَةٌ لَهُنَّ وَسُنَّةٌ فِيمَا يَعْتَرِيهِنَّ فِي صَلَاتِهِنَّ انْتَهَى . وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ فِي سَبَبِ نُزُولِ قَوْله تَعَالَى { وَمَا كَانَ صَلَاتُهُمْ } الْآيَةَ أَنَّهُ نَهَى النِّسَاءَ عَنْ ذَلِكَ لَا فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ وَلَا غَيْرِهَا وَإِنَّمَا ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُمْ كَانُوا يُؤْذُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَالطَّوَافِ لِيُشَوِّشُوا عَلَيْهِ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ بِمَكَّةَ ثُمَّ أَمَرَهُمْ بِالْمَدِينَةِ أَنْ يُصَفِّقَ النِّسَاءُ لِمَا نَابَهُنَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) وَأَمَّا الْخُنْثَى الْمُشْكِلُ إذَا نَابَهُ فِي صَلَاتِهِ مَا يَحُوجهُ إلَى الْإِعْلَامِ فَهَلْ الْمَشْرُوعُ فِي حَقِّهِ التَّسْبِيحُ أَوْ التَّصْفِيقُ مُقْتَضَى الْمَفْهُومِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِيهِ مُتَدَافِعٌ لِأَنَّا إنْ أَخَذْنَا بِقَوْلِهِ التَّسْبِيحُ لِلرِّجَالِ وَقُلْنَا مُقْتَضَاهُ تَصْفِيقُ الْخُنْثَى عَارَضْنَا قَوْلَهُ { التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ } وَقِيلَ مُقْتَضَاهُ تَسْبِيحُ الْخُنْثَى . فَظَاهِرُ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ يُسَبِّحُ لِدُخُولِهِ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ { مَنْ نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ فَلْيُسَبِّحْ } ثُمَّ أَخْرَجَ النِّسَاءَ مِنْ ذَلِكَ خَاصَّةً بِقَوْلِهِ { وَإِنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ } وَقَدْ ذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو الْفُتُوحِ بْنُ أَبِي عَقَامَةَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْقَافِ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِهِ أَحْكَامِ الْخَنَاثَى أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي حَقِّهِ التَّصْفِيقُ وَقَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ إنَّهُ الْقِيَاسُ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ امْرَأَةً فَلَا تَأْتِي بِالتَّسْبِيحِ جَهْرًا . ( الرَّابِعَةُ ) كَوْنُ الْمَشْرُوعِ لِلرِّجَالِ التَّسْبِيحُ وَلِلنِّسَاءِ التَّصْفِيقُ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْإِيجَابِ أَوْ الِاسْتِحْبَابِ أَوْ الْإِبَاحَةِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا وَمِنْهُمْ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ أَنَّهُ سُنَّةٌ وَحَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَصْحَابِ وَحَكَى وَالِدِي فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ شَيْخِهِ الْإِمَامِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيّ أَنَّهُمَا إنَّمَا يَكُونَانِ سُنَّتَيْنِ إذَا كَانَ التَّنْبِيهُ قُرْبَةً فَإِنْ كَانَ مُبَاحًا كَانَا مُبَاحَيْنِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَغَيْرُهُ قَالَ السُّبْكِيُّ وَقِيَاسُ ذَلِكَ إذَا كَانَ التَّنْبِيهُ وَاجِبًا كَإِنْذَارِ الْأَعْمَى مِنْ الْوُقُوعِ فِي بِئْرٍ أَنْ يَكُونَا وَاجِبَيْنِ تَعَيَّنَا طَرِيقًا وَحَصَلَ الْمَقْصُودُ بِهِمَا انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي وَإِذَا سَهَا الْإِمَامُ فَأَتَى بِفِعْلٍ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ لَزِمَ الْمَأْمُومِينَ تَنْبِيهَهُ فَإِنْ كَانُوا رِجَالًا سَبَّحُوا وَإِنْ كَانُوا نِسَاءً صَفَّقْنَ ا هـ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرَهُ السُّبْكِيُّ مِنْ الْوُجُوبِ إلَّا أَنَّهُ فِي صُورَةٍ غَيْرِ الصُّورَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا السُّبْكِيُّ وَيُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ مِنْ الْإِبَاحَةِ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ { رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلنِّسَاءِ فِي التَّصْفِيقِ وَلِلرِّجَالِ فِي التَّسْبِيحِ } وَفِي الْعِلَلِ لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ قَالَ أَبِي هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَالتَّعْبِيرُ بِالرُّخْصَةِ يَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ فِيهِ عَلَى الْإِبَاحَةِ إنْ جَرَيْنَا عَلَى مَدْلُولِ الرُّخْصَةِ اللُّغَوِيِّ فَأَمَّا إذَا فَسَّرْنَا الرُّخْصَةَ بِمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْأُصُولِ أَنَّهَا الْحُكْمُ الثَّابِتُ عَلَى خِلَافِ الدَّلِيلِ لِعُذْرٍ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ بِاصْطِلَاحِهِمْ قَدْ تَكُونُ وَاجِبَةً وَقَدْ تَكُونُ مَنْدُوبَةً وَالْحَقُّ انْقِسَامُ التَّنْبِيهِ فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ إلَى مَا هُوَ وَاجِبٌ وَإِلَى مَا هُوَ مَنْدُوبٌ وَإِلَى مَا هُوَ مُبَاحٌ بِحَسَبِ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ وَأَمَّا تَعْبِيرُ الرَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ بِالتَّنْبِيهِ فَإِنَّمَا عَبَّرُوا بِذَلِكَ لِأَجْلِ التَّفْرِيقِ وَالتَّفْصِيلِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَيَكُونُ تَنْبِيهُ الرَّجُلِ يَكُونُ بِالتَّسْبِيحِ وَتَنْبِيهُ الْمَرْأَةِ يَكُونُ بِالتَّصْفِيقِ هُوَ السُّنَّةُ وَأَمَّا أَصْلُ التَّنْبِيهِ فَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا وَقَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا وَقَدْ يَكُونُ مُبَاحًا بَلْ قَدْ يَكُونُ مَكْرُوهًا أَيْضًا وَقَدْ يَكُونُ حَرَامًا بِحَسَبِ الْمُنَبَّهِ عَلَيْهِ فَهُمَا مَسْأَلَتَانِ إحْدَاهُمَا حُكْمُ التَّنْبِيهِ وَهُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ حُكْمِ الْمُنَبَّهِ عَلَيْهِ وَمُنْقَسِمٌ إلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ . الثَّانِيَةُ الْكَيْفِيَّةُ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا التَّنْبِيهُ وَهَذِهِ الثَّانِيَةُ هِيَ الَّتِي تَكَلَّمَ عَنْهَا الْأَصْحَابُ وَقَالُوا إنَّ السُّنَّةَ فِي حَقِّ الرَّجُلِ التَّسْبِيحُ وَفِي حَقِّ الْمَرْأَةِ التَّصْفِيقَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) لَوْ خَالَفَ الرَّجُلُ الْمَشْرُوعَ فِي حَقِّهِ وَصَفَّقَ فِي صَلَاتِهِ لِأَمْرٍ يَنُوبُهُ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ لِأَنَّ { الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ صَفَّقُوا فِي الصَّلَاةِ فِي قَضِيَّةِ إمَامَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِعَادَةِ } وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فِيهِ خِلَافٌ لِأَصْحَابِنَا وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ قَالَ وَالِدِي هَكَذَا أَطْلَقَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ السُّبْكِيُّ تَصْحِيحَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَيَّدَ ذَلِكَ بِالْقَلِيلِ أَمَّا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مُتَوَالِيَاتٍ فَتَبْطُلُ لِأَنَّهُ لَيْسَ مَأْذُونًا لَهُ فِيهِ . ( فَإِنْ قِيلَ ) فَفِي حَدِيثِ سَهْلٍ { مَا لَكُمْ أَكْثَرْتُمْ التَّصْفِيقَ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ مَعَ كَثْرَةِ التَّصْفِيقِ } . ( فَالْجَوَابُ ) عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ امْتِنَاعَ ذَلِكَ وَقَدْ لَا يَكُونُ كَانَ حِينَئِذٍ مُمْتَنِعًا وَإِنَّمَا عُرِفَ امْتِنَاعُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِإِكْثَارِ التَّصْفِيقِ مِنْ مَجْمُوعِهِمْ لَا مِنْ كُلِّ وَاحِدٍ فَلَا يَضُرُّ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ كُلُّ وَاحِدٍ أَكْثَرَ مِنْهُ وَحَكَى الْفِرْكَاحُ فِي التَّعْلِيقَةِ وَابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ وَجْهًا أَنَّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ فَعَلَهُ سَهْوًا وَطَالَ سَجَدَ لِلسَّهْوِ انْتَهَى . وَمَحَلُّ هَذَا الْخِلَافِ إذَا لَمْ يَكُنْ تَصْفِيقُهُ عَلَى وَجْهِ اللَّهْوِ وَاللَّعِبِ فَإِنْ فَعَلَهُ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ قَطْعًا وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ فَالرَّجُلُ أَوْلَى بِذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ لَا يَحِلُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُصَفِّقَ بِيَدَيْهِ فِي صَلَاتِهِ فَإِنْ فَعَلَ وَهُوَ عَالِمٌ بِالنَّهْيِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ انْتَهَى . وَالْقَوْلُ بِهَذَا عَلَى إطْلَاقِهِ مَرْدُودٌ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ نَهْيُ الرَّجُلِ عَنْ التَّصْفِيقِ فِي الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا فِيهِ اسْتِفْهَامُهُمْ عَنْ إكْثَارِ التَّصْفِيقِ عَلَى جِهَةِ الْإِنْكَارِ لِذَلِكَ لِكَوْنِ الْمَشْرُوعِ لِلرِّجَالِ خِلَافَهُ وَهُوَ التَّسْبِيحُ فَكَيْفَ يَهْجُمُ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى الْقَوْلِ بِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ وَكَيْفَ يَصِحُّ الْقَوْلُ بِبُطْلَانِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا مَعَ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ فَإِنْ كَانَ يَدَّعِي أَنَّهُ كَانَ مُبَاحًا ثُمَّ صَارَ حَرَامًا بِهَذَا الْحَدِيثِ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَحْرِيمُهُ وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِتَغْيِيرِ حُكْمِهِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّسْبِيحِ وَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنْ يَكُونَ أُولَئِكَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَمْ يَكُونُوا فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ يَعْلَمُونَ الْحُكْمَ فِي ذَلِكَ فَبَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُمْ الْحُكْمَ الْمَشْرُوعَ فِيهِ وَلَيْسَ يَلْزَمُ تَحْرِيمُ مَا عَدَاهُ وَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَبَيَّنَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) وَلَوْ خَالَفَتْ الْمَرْأَةُ الْمَشْرُوعَ فِي حَقِّهَا وَسَبَّحَتْ فِي صَلَاتِهَا لِأَمْرٍ يَنُوبُهَا لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهَا أَيْضًا لَكِنْ إنْ أَسَرَّتْ بِهِ بِحَيْثُ لَمْ يَسْمَعْهَا أَحَدٌ فَلَيْسَ هَذَا تَنْبِيهًا يَحْصُلُ بِهِ الْمَقْصُودُ وَإِنْ جَهَرَتْ بِهِ بِحَيْثُ أَسْمَعَتْ مَنْ تُرِيدُ إفْهَامَهُ فَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ كَانَ امْرَأَةً أَوْ مَحْرَمًا فَلَا كَرَاهَةَ وَإِنْ كَانَ رَجُلًا أَجْنَبِيًّا كُرِهَ ذَلِكَ بَلْ يَحْرُمُ إذَا قُلْنَا إنَّ صَوْتَهَا عَوْرَةٌ ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَإِنْ سَبَّحَتْ فَحَسَنٌ قَالَ وَإِنَّمَا جَازَ التَّسْبِيحُ لِلنِّسَاءِ لِأَنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى وَالصَّلَاةُ مَكَانٌ لِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى . وَهُوَ مَرْدُودٌ بِمَا قَدَّمْته وَقَدْ تَوَلَّى وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ رَدَّ ذَلِكَ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فَقَالَ وَمَا قَالَهُ مِنْ أَنَّ تَسْبِيحَهَا حَسَنٌ لَيْسَ بِجَيِّدٍ لِأَنَّ الْمُرَادَ هُنَا تَسْبِيحُهَا جَهْرًا لِلتَّنْبِيهِ لَا تَسْبِيحَهَا فِي نَفْسِهَا سِرًّا فَإِنَّ ذَلِكَ حَسَنٌ فَأَمَّا رَفْعُهَا صَوْتَهَا بِالتَّسْبِيحِ لِتَنْبِيهِ الْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ بِحَسَنٍ ، وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ الرَّجُلَ يُسَبِّحُ جَهْرًا إذَا نَابَهُ شَيْءٌ فِي صَلَاتِهِ إذْ لَا يَحْصُلُ التَّنْبِيهُ بِالتَّسْبِيحِ سِرًّا وَالْمَرْأَةُ لَا تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِمَا يُشْرَعُ لَهَا الْإِتْيَانُ بِهِ مِنْ التَّكْبِيرِ وَنَحْوِهِ فَكَيْفَ تَرْفَعُ صَوْتَهَا بِمَا لَمْ تُؤْذَنْ لَهَا فِيهِ انْتَهَى . وَيَنْبَغِي حَمْلُ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْمُنَبَّهُ مَحْرَمًا أَوْ امْرَأَةً كَمَا قَدَّمْته وَقَدْ سَبَقَنِي إلَى ذِكْرِ ذَلِكَ بَحْثُ شَيْخِنَا الْإِمَامِ جَمَالِ الدِّينِ الْإِسْنَوِيِّ فِي الْمُهِمَّاتِ فَقَالَ : وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ قَدْ سَبَقَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَجْهَرُ خَالِيَةً وَبِحَضْرَةِ النِّسَاءِ وَالْمَحَارِمِ فَلِمَ لَا أُجِيزُهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ التَّسْبِيحَ قَالَ فَإِنْ صَحَّ لَنَا فِي الْمَرْأَةِ ذَلِكَ لَزِمَ مِثْلُهُ فِي الْخُنْثَى انْتَهَى . وَلَسْنَا نُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ يَكُونُ الْمَشْرُوعُ لَهَا التَّسْبِيحَ وَإِنَّمَا نَقُولُ إنَّهَا لَوْ نَبَّهَتْ بِالتَّسْبِيحِ لَمْ يُكْرَهْ وَإِنْ كَانَ الْمَشْرُوعُ فِي حَقِّهَا وَالْأَفْضَلُ لَهَا التَّصْفِيقُ وَقَدْ يُدَّعَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي حَقِّهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ التَّسْبِيحُ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إلَى أَفْعَالِ الصَّلَاةِ وَهَيْئَتِهَا مِنْ التَّصْفِيقِ وَيُحْمَلُ الْأَمْرُ بِالتَّصْفِيقِ عَلَى الْحَالَةِ الْغَالِبَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْ صَلَاتِهِنَّ مَعَ الرِّجَالِ وَهِيَ الْحَالَةُ الْكَائِنَةُ وَقْتَ وُرُودِ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ سَهْلُ بْنُ سَعْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَكِنَّ هَذَا بَعِيدٌ لِأَنَّهُ تَخْصِيصٌ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ وَظَاهِرُ قَوْلِهِ { وَالتَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ } مَشْرُوعِيَّةٌ فِي كُلِّ حَالَةٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) لَوْ أَتَى بِغَيْرِ التَّسْبِيحِ مِنْ الْأَذْكَارِ هَلْ يَقُومُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ أَمْ لَا ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ فِي ذَلِكَ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ { فَإِنَّهُ إذَا سَبَّحَ اُلْتُفِتَ إلَيْهِ } وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ فِي الصَّحِيحِ { فَلْيَقُلْ سُبْحَانَ اللَّهِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُهُ أَحَدٌ حِينَ يَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ إلَّا الْتَفَتَ } فَدَلَّ عَلَى أَنَّ التَّسْبِيحَ قَدْ صَارَ شِعَارًا لِلتَّنْبِيهِ وَعَلَامَةً عَلَيْهِ فَلَا يَعْدِلُ إلَى غَيْرِهِ لِعَدَمِ حُصُولِ الْمَقْصُودِ بِهِ . وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ لَا شَكَّ أَنَّ الِاتِّبَاعَ فِي ذَلِكَ مَقْصُودٌ وَرُبَّمَا يَكُونُ فِي التَّسْبِيحِ مَعْنًى لَا يُوجَدُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَذْكَارِ لِأَنَّهُ يَكُونُ فِي الْغَالِبِ تَنْبِيهًا لِلْإِمَامِ أَوْ غَيْرِهِ عَلَى مَا غَفَلَ عَنْهُ فَنَاسَبَ أَنْ يَأْتِيَ بِلَفْظٍ يَقْتَضِي تَنْزِيهَ اللَّهِ تَعَالَى عَمَّا هُوَ جَائِزٌ عَلَى الْبَشَرِ مِنْ النِّسْيَانِ وَالْغَفْلَةِ وَلِهَذَا الْمَعْنَى اسْتَحَبَّ ابْنُ أَبِي الدَّمِ الْحَمَوِيُّ أَنْ يُسَبِّحَ السَّاهِي فِي سَجْدَتَيْ السَّهْوِ بِلَفْظِ سُبْحَانَ مَنْ لَا يَسْهُو وَلَا يَغْفُلُ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ لِمُنَاسِبَتِهِ فِي الْمَعْنَى . وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِعْمَالِ غَيْرِ التَّسْبِيحِ لِبَعْضِ مَا يَنُوبُ فَقَالَ عَقِبَ حَدِيثِ عَلِيٍّ { كُنْت إذَا اسْتَأْذَنْت عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي يُسَبِّحُ } وَاَلَّذِي أَفْعَلُهُ أَنْ أُعْلِنَ بِالْقِرَاءَةِ وَأَرْفَعَ صَوْتِي بِالتَّكْبِيرِ أَيْ حَالَةَ كُنْت فِيهَا أُظْهِرُهَا لِيَعْلَمَ أَنِّي مُشْتَغِلٌ بِهَا ثُمَّ حَكَى عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ قَالَ يَجُوزُ لِلرَّجُلِ أَنْ يُرَاجِعَ مَنْ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ بِدُعَاءٍ أَوْ قُرْآنٍ يَجُوزُ لَهُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا فَعَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ قَالَ وَالِدِي وَالِاقْتِصَارُ عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ النَّصُّ أَوْلَى حَيْثُ حَصَلَ بِهِ التَّنْبِيهُ فَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ التَّنْبِيهُ اُنْتُقِلَ إلَى مَا هُوَ أَصْرَحُ مِنْهُ بَلْ إنْ احْتَاجَ إلَى النُّطْقِ إذَا لَمْ يَحْصُلْ التَّنْبِيهُ إلَّا بِهِ وَكَانَ فِي أَمْرٍ وَاجِبٍ وَجَبَ ذَلِكَ ، كَمَا بَلَغَنِي أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ قَامَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْجُمُعَةِ وَنَسِيَ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ وَافْتَتَحَ قِرَاءَةَ الْغَاشِيَةِ أَوْ الْمُنَافِقِينَ فَسَبَّحَ بِهِ مَنْ خَلْفَهُ مَرَّاتٍ عَدِيدَةٍ فَمَا تَنَبَّهَ بِذَلِكَ فَخَرَجَ بَعْضُ الْمُؤَذِّنِينَ مِنْ الصَّلَاةِ وَقَالَ لَهُ اقْرَأْ الْفَاتِحَةَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَإِذَا لَمْ يَحْصُلْ التَّنْبِيهُ بِالتَّسْبِيحِ اُنْتُقِلَ إلَى مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّنْبِيهُ ا هـ كَلَامُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى . وَفِي الْعِلَلِ لِابْنِ أَبِي حَاتِمٍ سَأَلْت أَبِي عَنْ حَدِيثٍ رَوَاهُ سُوَيْد بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كُثَيِّرٌ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَمَرَّ أَعْرَابِيٌّ بَيْنَ يَدَيْهِ فَسَبَّحُوا بِهِ فَلَمْ يَأْبَهُ فَقَالَ عُمَرُ يَا أَعْرَابِيُّ تَنَحَّ عَنْ قِبْلَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا فَرَغَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ مَنْ الْقَائِلُ هَذَا قَالُوا عُمَرُ قَالَ يَا لَهُ فَقِهًا } فَقَالَ أَبِي هَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ يَحْيَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا ا هـ . ( الثَّامِنَةُ ) وَلَوْ أَتَتْ الْمَرْأَةُ بِغَيْرِ التَّصْفِيقِ مِمَّا هُوَ فِي مَعْنَاهُ كَالضَّرْبِ بِعَصًا أَوْ نَحْوِهَا أَوْ عَلَى الْحَائِطِ فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُشْرَعُ لَهَا ذَلِكَ وَأَنَّ التَّصْفِيقَ لَهَا مُتَعَيَّنٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا ذَكَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ التَّصْفِيقَ لِكَوْنِهِ هُوَ الْمُتَيَسِّرُ لَهَا فِي كُلِّ وَقْتٍ وَهُوَ الْمُعْتَادُ لِلنِّسَاءِ دُونَ الضَّرْبِ عَلَى الْحَائِطِ وَبِعَصًا فَقَدْ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ ذَلِكَ لِعَدَمِ وُجُودِهِ عِنْدَهَا ذَلِكَ الْوَقْتِ فَيَكُونُ ذِكْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ التَّصْفِيقَ إنَّمَا هُوَ لِلتَّنْبِيهِ بِهِ عَلَى مَا عَدَاهُ . وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالِاتِّبَاعِ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ فِي التَّسْبِيحِ لِلرِّجَالِ ، وَقَالَ تَصْفِيقُ الْمَرْأَةِ بِيَدِهَا مُتَيَسِّرٌ فِي حَقِّهَا لِاعْتِيَادِهَا ذَلِكَ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ بِخِلَافِ الضَّرْبِ بِالْعَصَا وَنَحْوِهِ فَقَدْ يَظُنُّ الْمُنَبَّهُ أَنَّهُ لِضَرْبِ عَقْرَبٍ وَنَحْوِهِ وَالتَّصْفِيقُ بِالْيَدِ يَكُونُ لِعَارِضٍ يَعْرِضُ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِمَا هِيَ فِيهِ أَوْ نَحْوِهِ ا هـ . ( التَّاسِعَةُ ) ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي حُصُولَ الْمَقْصُودِ بِالتَّصْفِيقِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عِيسَى بْنِ أَيُّوبَ وَهُوَ الْقَيْنِيِّ بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ بَعْدَهَا نُونٌ دِمَشْقِيٌّ مِنْ أَصْحَابِ مَكْحُولٍ أَنَّهُ قَالَ قَوْلُهُ : { التَّصْفِيحُ لِلنِّسَاءِ تَضْرِبُ بِأُصْبُعَيْنِ مِنْ يَمِينِهَا عَلَى كَفِّهَا الْيُسْرَى } وَحَكَى الرَّافِعِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ أَوْجُهًا : ( أَحَدُهَا ) وَبِهِ صَدَّرَ كَلَامَهُ أَنْ تَضْرِبَ بَطْنَ كَفِّهَا الْأَيْمَنِ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهَا الْأَيْسَرِ . ( الثَّانِي ) أَنْ تَضْرِبَ أَكْثَرَ أَصَابِعَهَا الْيُمْنَى عَلَى ظَهْرِ أَصَابِعِهَا الْيُسْرَى . ( الثَّالِثُ ) أَنْ تَضْرِبَ أُصْبُعَيْنِ عَلَى ظَهْرِ الْكَفِّ قَالَ وَالْمَعَانِي مُتَقَارِبَةٌ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ قَالَ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ تَضْرِبَ بَطْنَ الْكَفِّ عَلَى بَطْنِ الْكَفِّ فَإِنَّ ذَلِكَ لَعِبٌ فَلَوْ فَعَلْت ذَلِكَ عَلَى وَجْهِ اللَّعِبِ بَطَلَتْ صَلَاتُهَا وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ قَلِيلًا لِأَنَّ اللَّعِبَ يُنَافِي الصَّلَاةَ وَلَمْ يَذْكُرْ الرَّافِعِيُّ التَّصْفِيقَ بِالظَّهْرِ عَلَى الظَّهْرِ وَذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي وَقَالَ إنَّ ظَاهِرَ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ يَجُوزُ تَصْفِيقُهَا كَيْفَ شَاءَتْ بَطْنًا لِبَطْنٍ أَوْ لِظَهْرٍ أَوْ ظَهْرًا لِظَهْرٍ فَالْكَيْفِيَّاتُ أَرْبَعٌ وَاقْتَصَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ وَهُوَ أَنْ تَضْرِبَ بِظُهُورِ أَصَابِعِ الْيُمْنَى صَفْحَ الْكَفِّ مِنْ الْيُسْرَى ، وَجَزَمَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ تَفْرِيعًا عَلَى الرِّوَايَةِ الَّتِي عَنْ مَالِكٍ بِمَشْرُوعِيَّةِ التَّصْفِيقِ لِلْمَرْأَةِ بِأَنَّ التَّصْفِيقَ هُنَا الضَّرْبُ بِأُصْبُعَيْنِ مِنْ الْيَدِ الْيُمْنَى فِي بَاطِنِ الْكَفِّ الْيُسْرَى قَالَا وَهُوَ صَفْحُهَا وَصَفْحُ كُلِّ شَيْءٍ جَانِبُهُ وَصَفْحَا الشَّيْءِ جَانِبَاهُ . ( الْعَاشِرَةُ ) حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَمَنْ قَالَ مِثْلَهُ فِي أَنَّ الْمَشْرُوعَ لِلنِّسَاءِ التَّصْفِيقُ أَنَّهُمْ عَلَّلُوا ذَلِكَ بِأَنَّ أَصْوَاتَهُنَّ عَوْرَةٌ كَمَا مُنِعْنَ مِنْ الْأَذَانِ ، وَمِنْ الْجَهْرِ بِالْإِقَامَةِ وَالْقِرَاءَةِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي قَوْلِهِ { إنَّمَا التَّصْفِيقُ لِلنِّسَاءِ } يَعْنِي أَنَّ أَصْوَاتَهُنَّ عَوْرَةٌ فَلَا يُظْهِرْنَهُ ا هـ . لَكِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ صَوْتَهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ نَعَمْ إنْ خُشِيَ الِافْتِتَانُ بِسَمَاعِهِ حُرِّمَ وَإِلَّا فَلَا فَالتَّعْلِيلُ بِخَوْفِ الِافْتِتَانِ أَوْلَى كَمَا فَعَلَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَقَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّمَا كُرِهَ التَّسْبِيحُ لِلنِّسَاءِ لِأَنَّ صَوْتَ الْمَرْأَةِ فِتْنَةٌ وَلِهَذَا مُنِعَتْ مِنْ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَالْجَهْرِ بِالْقِرَاءَةِ فِي صَلَاتِهَا ا هـ . لَكِنَّ قَوْلَ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَالْقُرْطُبِيِّ وَالْجَهْرُ بِالْإِقَامَةِ أَوْلَى مِنْ قَوْلِهِ : وَالْإِقَامَةِ لِأَنَّهَا لَمْ تُمْنَعْ مِنْ الْإِقَامَةِ وَإِنَّمَا مُنِعَتْ مِنْ الْجَهْرِ بِهَا فَالْمَرْأَةُ تُقِيمُ إلَّا أَنَّهَا لَا تَجْهَرُ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) أَخَذَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ التَّصْفِيقُ بِالْيَدَيْنِ مُطْلَقًا لَا فِي الصَّلَاةِ وَلَا فِي غَيْرِهَا لِكَوْنِهِ جَعَلَ التَّصْفِيقَ لِلنِّسَاءِ لَكِنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى حَالَةِ الصَّلَاةِ بِدَلِيلِ تَقْيِيدِهِ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ وَمُقْتَضَى قَاعِدَةِ مَنْ يَأْخُذُ بِالْمُطْلَقِ وَهُمْ الْحَنَابِلَةُ وَالظَّاهِرِيَّةُ عَدَمُ جَوَازِهِ مُطْلَقًا وَمَتَى كَانَ فِي تَصْفِيقِ الرَّجُلِ تَشَبُّهٌ بِالنِّسَاءِ فَيَدْخُلُ فِي الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَمِّ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنْ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَلَكِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَأْتِي فِي ضَرْبِ بَطْنِ إحْدَى الْيَدَيْنِ عَلَى بَطْنِ الْأُخْرَى وَلَا يَأْتِي فِي مُطْلَقِ التَّصْفِيقِ . ( الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ ) قَوْلُ الزُّهْرِيِّ وَقَدْ رَأَيْت رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُسَبِّحُونَ وَيُشِيرُونَ أَيْ فِي الصَّلَاةِ وَجَمَعَ بَيْنَهَا لِأَنَّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا إفْهَامَ مَا فِي النَّفْسِ وَهَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَهُمَا فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ يَفْعَلُونَهُمَا مُتَفَرِّقِينَ فِيهِ نَظَرٌ . وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى جَوَازِ الْإِشَارَةِ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَّهَا لَا تَبْطُلُ بِهَا وَلَوْ كَانَتْ مُفْهِمَةً وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْإِشَارَةِ فِي الصَّلَاةِ أَحَادِيثُ تَكَادُ أَنْ تَبْلُغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِإِشَارَةِ الْأَخْرَسِ الْمُفْهِمَةِ كَالنَّاطِقِ وَنَقَلَ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِأَسَانِيدِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَأْمُرُ خَادِمَهَا يَقْسِمُ الْمَرَقَةَ فَتَمُرُّ بِهَا وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ فَتُشِيرُ إلَيْهَا أَنْ زِيدِي وَتَأْمُرَ بِالشَّيْءِ لِلْمُسْلِمِينَ تُومِئُ بِهِ وَهِيَ فِي الصَّلَاةِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ أَوْمَأَ إلَى رَجُلٍ فِي الصَّفِّ وَرَأَى خَلَلًا أَنْ تَقَدَّمْ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنِّي لَأَعُدُّهَا لِلرَّجُلِ عِنْدِي يَدًا أَنْ يَعْدِلَنِي فِي الصَّلَاةِ وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ إنْسَانٌ يَمُرُّ بِي فَأَقُولُ سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ سُبْحَانَ اللَّهِ ثَلَاثًا فَيُقْبِلُ فَأَقُولُ لَهُ بِيَدِي أَيْنَ تَذْهَبُ فَيَقُولُ إنِّي كَذَا وَكَذَا وَأَنَا فِي الْمَكْتُوبَةِ هَلْ انْقَطَعَتْ صَلَاتِي فَقَالَ لَا وَلَكِنْ أَكْرَهُ قُلْت فَأَسْجُدُ لِلسَّهْوِ ؟ قَالَ : لَا . وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَامَتْ إلَى الصَّلَاةِ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ فَأَشَارَتْ إلَى الْمِلْحَفَةِ فَنَاوَلَتْهَا وَكَانَ عِنْدَهَا نِسْوَةٌ فَأَوْمَأَتْ إلَيْهِنَّ بِشَيْءٍ مِنْ طَعَامٍ بِيَدِهَا يَعْنِي وَهِيَ تُصَلِّي وَعَنْ أَبِي رَافِعٍ كَانَ يَجِيءُ الرَّجُلَانِ إلَى الرَّجُلِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَيَشْهَدُ أَنَّهُ عَلَى الشَّهَادَةِ فَيُصْغِي لَهَا سَمْعَهُ فَإِذَا فَرَغَ يُومِئُ بِرَأْسِهِ أَيْ نَعَمْ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَسُلِّمَ عَلَيْهِ فَلَا يَتَكَلَّمَنَّ وَلْيُشِرْ إشَارَةً فَإِنَّ ذَلِكَ رَدُّهُ وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى بُطْلَانِ الصَّلَاةِ بِالْإِشَارَةِ الْمُفْهِمَةِ وَنَزَّلُوهَا مَنْزِلَةَ الْكَلَامِ وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { مَنْ أَشَارَ فِي صَلَاتِهِ إشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُعِدْ لَهَا } يَعْنِي الصَّلَاةَ لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ . قَالَ أَبُو دَاوُد هَذَا الْحَدِيثُ وَهْمٌ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُد أَبُو غَطَفَانَ مَجْهُولٌ وَلَعَلَّهُ مِنْ قَوْلِ ابْنِ إِسْحَاقَ الصَّحِيحُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { كَانَ يُشِيرُ فِي الصَّلَاةِ } وَقَالَ أَبُو زُرْعَةَ لَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ هَذَا الْكَلَامُ وَلَيْسَ عِنْدِي بِذَاكَ الصَّحِيحِ إنَّمَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا يَثْبُتُ هَذَا الْحَدِيثُ إسْنَادُهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ . بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ وَبَعْدَ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ } وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً : { وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ ، وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يَقُولُ : وَبَعْدَ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَا يَرْفَعُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ } وَرَوَى ابْنُ خُزَيْمَةَ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ { قَالَ هَذَا مِثْلُ الْأُسْطُوَانَةِ } وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ قَالَ : أَيُّ إسْنَادٍ صَحِيحٍ أَصَحُّ مِنْ هَذَا ؟ وَلَمْ يَقُلْ الْبُخَارِيُّ : { بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ } ، وَقَالَ { فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { حِينَ يَسْجُدُ وَلَا حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { وَلَا يَفْعَلْهُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ } وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ إنَّ قَوْلَ بُنْدَارٍ " بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ " وَهْمٌ وَقَوْلَ ابْنِ سِنَانٍ " فِي السُّجُودِ " أَصَحُّ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ { وَإِذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ } ، وَرَفَعَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِلطَّبَرَانِيِّ { كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا كَبَّرَ وَإِذَا رَفَعَ وَإِذَا سَجَدَ } وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { وَحِينَ يَرْكَعُ وَحِينَ يَسْجُدُ } وَلِأَبِي دَاوُد { وَإِذَا رَفَعَ لِلسُّجُودِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ } وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ { وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ } وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ { وَإِذَا سَجَدَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ } وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ { كُلَّمَا كَبَّرَ وَرَفَعَ وَوَضَعَ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ } وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عُمَيْرِ بْنِ حَبِيبٍ { مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ } وَلِلطَّحَاوِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ } وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ شَاذَّةٌ وَصَحَّحَهَا ابْنُ الْقَطَّانِ وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ فِي الْعِلَلِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ } وَقَالَ : الصَّحِيحُ يُكَبِّرُ وَصَحَّحَ ابْنُ حَزْمٍ وَابْنُ الْقَطَّانِ حَدِيثَ الرَّفْعِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَأَعَلَّهُ الْجُمْهُورُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ رَفْعُ الْيَدَيْنِ مِنْ حَدِيثِ خَمْسِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ الْعَشَرَةُ . بَابُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ وَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَرْكَعَ وَبَعْدَ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ } وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً { وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ وَأَكْثَرُ مَا كَانَ يَقُولُ وَبَعْدَمَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَلَا يَرْفَعُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ . ( الْأُولَى ) فِيهِ رَفْعُ الْيَدَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَعِنْدَ الرُّكُوعِ وَعِنْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ . وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ إذَا كَبَّرُوا وَإِذَا رَكَعُوا وَإِذَا رَفَعُوا رُءُوسَهُمْ مِنْ الرُّكُوعِ كَأَنَّهَا الْمَرَاوِيحُ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَجَمَاعَةٍ مِمَّنْ بَعْدَهُمْ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ مَا اجْتَمَعَ عَلَيْهِ عُلَمَاءُ الْحِجَازِ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ } قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَحَكَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ نَقُولُ . انْتَهَى . وَقَدْ حَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أَبُو مُصْعَبٍ وَأَشْهَبُ وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَسَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ وَجَزَمَ بِهِ التِّرْمِذِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ يُرْوَى عَنْ عِدَّةٍ مِنْ أَهْلِ الْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَالشَّامِ وَالْبَصْرَةِ وَالْيَمَنِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَرَفْعِ الرَّأْسِ مِنْهُ مِنْهُمْ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمُجَاهِدٌ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَسَالِمٌ -----------

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ج1.الي اخر/ح4.كتاب : حاشية ابن القيم على سنن أبي داود المؤلف : محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية

أقسام الكتاب/// 1 2 3 4 ////. | جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين     ج1.الي اخر / ح4.كتاب : حاشية ابن القيم على سنن أبي داود المؤلف : مح...