السبت، 21 فبراير 2026

وممن ج11. الي اخر 15. كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ

 

  كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ

  

  ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ لِمُسْلِمٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَهُوَ وَاضِحٌ فَإِنَّ الْكَافِرَ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ الْأُجُورِ لَكِنْ لَوْ مَاتَ لَهُ الْأَوْلَادُ فِي حَالِ الْكُفْرِ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ هَلْ يَنْفَعُهُ مَا مَضَى مِنْ مَوْتِهِمْ فِي زَمَنِ كُفْرِهِ أَوْ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مَوْتُهُمْ فِي حَالَةِ إسْلَامِهِ ؟ قَدْ يَدُلُّ لِلْأَوَّلِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ { أَسْلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَفْتَ مِنْ خَيْرٍ } لَمَّا قَالَ لَهُ أَرَأَيْتَ أُمُورًا كُنْت أَتَحْنَثُ بِهَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ هَلْ لِي فِيهَا مِنْ شَيْءٍ ؟ لَكِنْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ فِيهَا تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ فِي الْإِسْلَامِ فَالرُّجُوعُ إلَيْهَا أَوْلَى فَتَقَدَّمَ فِي الْفَائِدَةِ الْعَاشِرَةِ حَدِيثُ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِي ، وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ ، وَمُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْأَشْجَعِيِّ قَالَ { قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ مَاتَ لِي وَلَدَانِ فِي الْإِسْلَامِ فَقَالَ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدَانِ فِي الْإِسْلَامِ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ } ، وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ أَيْضًا عَنْ امْرَأَةٍ يُقَالُ لَهَا رَجَاءُ قَالَتْ : { كُنْت عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ جَاءَتْهُ امْرَأَةٌ بِابْنٍ لَهَا فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ لِي فِيهِ بِالْبَرَكَةِ فَإِنَّهُ قَدْ تُوُفِّيَ لِي ثَلَاثَةٌ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمُنْذُ أَسْلَمْتِ ؟ قَالَتْ نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جُنَّةٌ حَصِينَةٌ فَقَالَ لِي رَجُلٌ اسْمَعِي يَا رَجَاءُ مَا يَقُولُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } ، وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ ، وَغَيْرِهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { مَنْ وُلِدَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ فِي الْإِسْلَامِ فَمَاتُوا قَبْلَ أَنْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ إيَّاهُمْ } ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَهِيَ أَنْ تَكُونَ وِلَادَتُهُمْ فِي الْإِسْلَامِ ، وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُمْ لَوْ وُلِدُوا لَهُ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ ، وَمَاتُوا بَعْدَ إسْلَامِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذَا الثَّوَابُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) هَذَا الْحَدِيثُ لَا يَتَنَاوَلُ السِّقْطَ لِأَنَّهُ لَيْسَ وَلَدًا لَكِنْ وَرَدَ ذِكْرُ السِّقْطِ فِي أَحَادِيثَ ، وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عَابِسِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ أَبِيهَا عَنْ عَلِيٍّ عَلَيْهِ السَّلَامُ مَرْفُوعًا { إنَّ السِّقْطَ لَيُرَاغِمُ رَبَّهُ إذَا أَدْخَلَ أَبَوَيْهِ النَّارَ فَيُقَالُ أَيُّهَا السِّقْطُ الْمَرَاغِمُ رَبَّهُ أَدْخِلْ أَبَوَيْك الْجَنَّةَ فَيَجُرُّهُمَا بِسُرَرِهِ حَتَّى يُدْخِلَهُمَا الْجَنَّةَ } ، وَأَسْمَاءُ هَذِهِ لَا تُعْرَفُ قَالَهُ صَاحِبُ الْمِيزَانِ ، وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا عَنْ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا { ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنَّ السِّقْط لَيَجُرُّ أُمَّهُ بِسُرَرِهِ إلَى الْجَنَّةِ إذَا احْتَسَبَتْهُ } ، وَفِيهِ يَحْيَى بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ لَا يُعْرَفُ قَالَهُ الذَّهَبِيُّ أَيْضًا ، وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ مَرْفُوعًا { تَزَوَّجُوا فَإِنَّى مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ ، وَإِنَّ السِّقْطَ يَظَلُّ مُحْبَنْطِئًا بِبَابِ الْجَنَّةِ يُقَالُ لَهُ اُدْخُلْ يَقُولُ حَتَّى يُدْخَلَ أَبَوَايَ } كَذَا ، وَفِيهِ مُوسَى بْنُ عُبَيْدَةَ الرَّبَذِيُّ ضَعِيفٌ ، وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي الضُّعَفَاءِ نَحْوَهُ مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ ، وَفِيهِ فَيُقَالُ ، وَأَنْتَ ، وَأَبَوَيْك قَالَ ابْنُ حِبَّانَ مُنْكَرٌ لَا أَصْلَ لَهُ مِنْ حَدِيثِ بَهْزٍ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ إلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ الْمُرَادُ قَسَمُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى وُرُودِ جَمِيعِ الْخَلْقِ النَّارَ فَيَرِدُهَا بِقَدْرِ مَا يَبَرُّ اللَّهُ تَعَالَى قَسَمَهُ ثُمَّ يَنْجُو ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي هَذَا الْقَسَمِ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَالْجُمْهُورُ هُوَ فِي قَوْله تَعَالَى { وَإِنْ مِنْكُمْ إلَّا وَارِدُهَا } ، وَالْقَسَمُ مُقَدَّرٌ أَيْ ، وَاَللَّهِ إنْ مِنْكُمْ إلَّا وَارِدُهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ رَوَاهُ زَبَّانُ بْنُ فَايِدٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ الْجُهَنِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ حَرَسَ لَيْلَةً وَرَاءَ عَوْرَةِ الْمُسْلِمِينَ تَطَوُّعًا لَمْ يَرَ النَّارَ تَمَسُّهُ إلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ } قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى { وَإِنْ مِنْكُمْ إلَّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبِّك حَتْمًا مَقْضِيًّا } قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَفِي هَذَا مَا يَقْطَعُ بِصِحَّةِ قَوْلِ أَبِي عُبَيْدٍ انْتَهَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْقَسَمُ فِي قَوْله تَعَالَى { فَوَرَبِّكَ لَنَحْشُرَنَّهُمْ وَالشَّيَاطِينَ ثُمَّ لَنُحْضِرَنَّهُمْ حَوْلَ جَهَنَّمَ جِثِيًّا } . وَقَالَ الْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ حَتْمًا مَقْضِيًّا قَسَمًا ، وَاجِبًا ، وَحَكَى ابْنُ مَسْعُودٍ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَوْضِعِ الْقَسَمِ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ لَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ قَسَمًا حَقِيقِيًّا ، وَلَكِنَّ هَذَا اللَّفْظُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ تَقْلِيلِ الْمُدَّةِ فَتَقُولُ الْعَرَبُ مَا يُقِيمُ فُلَانٌ عَنْهُ إلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ أَيْ مُدَّةً يَسِيرَةً ، وَمَا يَنَامُ الْعَلِيلُ إلَّا كَتَحْلِيلِ الْأَلْيَةِ شَبَّهُوا تِلْكَ الْمُدَّةَ الْيَسِيرَةَ بِمُدَّةِ قَوْلِ الْقَائِلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ لِأَنَّهُ يُحَلِّلُ بِهَا الْقَسَمَ فَيَقُولُ الْقَائِلُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَا أُكَلِّمُ زَيْدًا إنْ شَاءَ اللَّهُ فَلَا يَنْعَقِدُ يَمِينُهُ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ إنْ دَخَلَ النَّارَ يَكُونُ مُكْثُهُ فِيهَا قَلِيلًا كَمُدَّةِ تَحْلِيلِ الْيَمِينِ ثُمَّ يُنْجِيهِ اللَّهُ تَعَالَى . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ دَلَالَةٌ عَلَى الْعُمُومِ فِي قَوْله تَعَالَى { وَإِنْ مِنْكُمْ إلَّا وَارِدُهَا } ، وَأَنَّ الْآيَةَ تَتَنَاوَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْخِطَابُ فِي قَوْله تَعَالَى ، { وَإِنْ مِنْكُمْ إلَّا وَارِدُهَا } رَاجِعٌ إلَى الْكُفَّارِ فَقَطْ ، وَيَكُونُ فِيهِ الِانْتِقَالُ مِنْ الْغَيْبَةِ إلَى الْحُضُورِ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّهُ ، وَبَقِيَّةُ الْآيَةِ صَرِيحٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا } { السَّادِسَةَ عَشْرَةَ } اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْوُرُودِ الْمَذْكُورِ فِي الْآيَةِ عَلَى أَقْوَالٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّ الْمُرُورَ عَلَى الصِّرَاطِ ، وَهُوَ جِسْرٌ مَنْصُوبٌ عَلَى جَهَنَّمَ حَكَى ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَكَعْبُ الْأَحْبَارِ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ بَشِيرٍ الْأَنْصَارِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ لَمْ يَرِدْ عَلَى النَّارِ إلَّا عَابِرَ سَبِيلٍ } يَعْنِي الْجِوَازَ عَلَى الصِّرَاطِ . ( الثَّانِي ) أَنَّهُ الْوُقُوفُ عِنْدَهَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ . ( الثَّالِثُ ) أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَهَا حَقِيقَةً ، وَلَكِنْ تَكُونُ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا كَمَا كَانَتْ عَلَى إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أُدْخِلَ نَارَ النُّمْرُودِ حُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . ( الرَّابِعُ ) أَنَّ الْمُرَادَ بِوُرُودِهَا مَا يُصِيبُهُمْ فِي الدُّنْيَا مِنْ الْحُمَّى لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ } حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ مُجَاهِدٍ ، وَاسْتَشْهَدَ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { عَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَا مَعَهُ مَرِيضًا كَانَ يَتَوَعَّكُ فَقَالَ أَبْشِرْ فَإِنَّ اللَّهَ يَقُولُ هِيَ نَارِي أُسَلِّطُهَا عَلَى عَبْدِي الْمُؤْمِنِ لِتَكُونَ حَظَّهُ مِنْ نَارِ الْآخِرَةِ } . { السَّابِعَةَ عَشْرَ } الْجُمْهُورُ عَلَى حَمْلِ الِاسْتِثْنَاءِ فِي قَوْلِهِ إلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ قَوْلُهُ إلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ أَيْ لَا تَمَسُّهُ قَلِيلًا ، وَلَا مِثْلَ تَحِلَّةَ الْقَسَمِ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ إلَّا الْفَرْقَدَانِ أَيْ ، وَلَا الْفَرْقَدَانِ انْتَهَى . وَالْبَيْتُ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ هُوَ : وَكُلُّ أَخٍ مُفَارِقُهُ أَخُوهُ لَعَمْرُ أَبِيك إلَّا الْفَرْقَدَانِ ، وَهَذَا الْمَعْنَى لِإِلَّا ، وَهُوَ كَوْنُهَا عَاطِفَةً بِمَنْزِلِهِ الْوَاوِ فِي التَّشْرِيكِ فِي اللَّفْظِ ، وَالْمَعْنَى ذَكَرَهُ الْأَخْفَشُ ، وَالْفَرَّاءُ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ وَجَعَلُوا مِنْهُ قَوْله تَعَالَى { لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ } وقَوْله تَعَالَى { لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إلَّا مَنْ ظَلَمَ } أَيْ ، وَلَا الَّذِينَ ظَلَمُوا ، وَلَا مَنْ ظَلَمَ ، وَتَأَوَّلَهُمَا الْجُمْهُورُ عَلَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ وَهَذَا الْمَعْنَى إنْ صَحَّ فَهُوَ مَرْجُوحٌ فَالْحَمْلُ عَلَى الْمَعْنَى الرَّاجِحِ الْمَعْرُوفِ مُتَعَيِّنٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ } اُسْتُدِلَّ بِتَعْلِيلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ دُخُولَ الْآبَاءِ الْجَنَّةَ بِرَحْمَةِ الْأَوْلَادِ ، وَشَفَاعَتِهِمْ فِي آبَائِهِمْ عَلَى أَنَّ أَوْلَادَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ ، وَشَذَّتْ الْجَبْرِيَّةُ فَجَعَلُوهُمْ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ ، وَهَذِهِ السُّنَّةُ تَرُدُّ عَلَيْهِمْ ، وَأَجْمَعَ عَلَى ذَلِكَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ ، وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْله تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ } الْآيَةَ ، وَيَسْتَحِيلُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى يَغْفِرُ لِآبَائِهِمْ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إيَّاهُمْ ، وَهُمْ غَيْرُ مَرْحُومِينَ . وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { تُوُفِّيَ صَبِيٌّ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقُلْت لَهُ طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلْ السُّوءَ ، وَلَمْ يُدْرِكْهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَ غَيْرَ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا ، وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا ، وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ } . وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) لَعَلَّهُ نَهَاهَا عَنْ الْمُسَارَعَةِ إلَى الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى ذَلِكَ كَمَا أَنْكَرَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فِي قَوْلِهِ إنِّي لِأُرَاهُ مُؤْمِنًا فَقَالَ أَوْ مُسْلِمًا الْحَدِيثُ . ( الْجَوَابُ الثَّانِي ) أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ اطَّلَعَ عَلَى أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ ثُمَّ أُعْلِمَ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَمَحَلُّ الْخِلَافِ فِي غَيْرِ أَوْلَادِ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ الْمَازِرِيُّ : أَمَّا أَوْلَادُ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ ، وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ فَالْإِجْمَاعُ مُتَحَقِّقٌ عَلَى أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ . { التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ } اسْتَدَلَّ أَبُو عُبَيْدٍ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَنَّهُ تَبِرُّ يَمِينُهُ بِفِعْلِ الْقَلِيلِ مِنْهُ ، وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَقَالَ وَهُوَ خِلَافُ مَذْهَبِ مَالِكٍ . بَابُ النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ } عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَتَمَنَّيْنَ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ ، إنَّهُ إذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ انْقَطَعَ عَمَلُهُ ، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمُرُهُ إلَّا خَيْرًا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ ، فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنَّيَا ، فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا دَامَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي ، وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي } . ( بَابُ النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ ) عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَتَمَنَّيْنَ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ ، وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ ، إنَّهُ إذَا مَاتَ أَحَدُكُمْ انْقَطَعَ عَمَلُهُ ، وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمُرُهُ إلَّا خَيْرًا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ { فِيهِ } فَوَائِدُ { الْأُولَى } رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { لَا يَتَمَنَّيَنَّ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ إمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَزْدَادَ ، وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ أَنْ يَسْتَعْتِبَ } وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَالَ أَنَّ حَدِيثَ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ أَوْلَى بِالصَّوَابِ . { الثَّانِيَةُ } فِيهِ النَّهْيُ عَنْ تَمَّنِي الْمَوْتِ وَعَنْ الدُّعَاءِ بِهِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْكَرَاهَةِ كَمَا حَكَى وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ ، وَقَالَ إنَّ هَذَا هُوَ الصَّارِفُ عَنْ حَمْلِ النَّهْيِ عَلَى التَّحْرِيمِ قُلْت لَكِنْ صَرَّحَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِالتَّحْرِيمِ فَقَالَ الْمُتَمَنِّي لِلْمَوْتِ لَيْسَ بِمُحِبٍّ لِلِقَاءِ اللَّهِ بَلْ هُوَ عَاصٍ لِلَّهِ تَعَالَى فِي تَمَنِّيه لِلْمَوْتِ إذَا كَانَ بِالنَّهْيِ عَالِمًا ثُمَّ قَالَ وَالِدِي : وَقَدْ صَحَّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الدُّعَاءَ بِالْمَوْتِ فِيمَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّهُ قَالَ : اللَّهُمَّ قَدْ ضَعُفَتْ قُوَّتِي ، وَكَبُرَتْ سِنِّي ، وَانْتَشَرَتْ رَعِيَّتِي فَاقْبِضْنِي إلَيْك غَيْرَ مُضَيِّعٍ ، وَلَا مُقَصِّرٍ فَمَا جَاوَزَ ذَلِكَ الشَّهْرَ حَتَّى قُبِضَ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَالَ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ لِخَوْفِ فِتْنَةٍ قُلْت بَلْ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لِخَوْفِ فِتْنَةِ فِي الدِّينِ فَإِنَّهُ خَائِفٌ لِضَعْفِ قُوَّتِهِ ، وَانْتِشَارِ رَعِيَّتِهِ ، وَكَثْرَتِهِمْ أَنْ يَقَعَ تَضْيِيعٌ مِنْهُ لِأُمُورِهِمْ ، وَتَقْصِيرٌ فِي الْقِيَامِ بِحُقُوقِهِمْ فَلَمَّا خَشَى هَذِهِ الْفِتْنَةَ دَعَا بِالْمَوْتِ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ . وَقَدْ جَاءَ تَمَنِّي الْمَوْتِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ خَوْفًا مِنْ إظْهَارِ أَحْوَالِهِمْ الَّتِي بَيْنَهُمْ ، وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى لَا يُحِبُّونَ اطِّلَاعَ الْخَلْقِ عَلَيْهَا قُلْت الظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ لِخَوْفِ الْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ أَيْضًا خَشُوا مِنْ ظُهُورِ أَعْمَالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ وَخُرُوجِهَا مِنْ السِّرِّ إلَى الْعَلَانِيَةِ تَطَرُّقُ الْمُفْسِدَاتِ إلَيْهَا مِنْ الرِّيَاءِ وَالْإِعْجَابِ ، وَكَانُوا فِي رَاحَةٍ بِالِاخْتِفَاءِ فَطَلَبُوا الْمَوْتَ خَوْفًا مِنْ مَفْسَدَةِ الظُّهُورِ فَإِنْ قُلْت دَعَا السَّيِّدُ يُوسُفُ الصِّدِّيقُ بِالْمَوْتِ فِي قَوْلِهِ { تَوَفَّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ } قَالَ قَتَادَةُ لَمْ يَتَمَنَّ الْمَوْتَ أَحَدٌ إلَّا يُوسُفَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ تَكَامَلَتْ عَلَيْهِ النِّعَمُ ، وَجُمِعَ لَهُ الشَّمْلُ اشْتَاقَ إلَى لِقَاءِ رَبِّهِ قُلْت الْمُخْتَارُ فِي تَفْسِيرِ تِلْكَ الْآيَةِ أَنَّ مُرَادَهُ تَوَفَّنِي عِنْدَ حُضُورِ أَجَلِي مُسْلِمًا ، وَلَيْسَ مُرَادُهُ اسْتِعْجَالَ الْمَوْتِ ، وَبِتَقْدِيرِ حَمْلِهَا عَلَى الدُّعَاءِ بِالْمَوْتِ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْأُصُولِ فِي أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا هَلْ هُوَ شَرْعٌ لَنَا أَمْ لَا ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ شَرْعًا لَنَا فَشَرْطُهُ أَنْ لَا يَرِدَ فِي شَرْعِنَا مَا يَنْسَخُهُ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي شَرْعنَا نَسْخُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنْ قُلْت فَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَوْتِ حَيْثُ قَالَ فِي آخَرِ مَرَضِ مَوْتِهِ { اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي ، وَارْحَمْنِي ، وَأَلْحِقْنِي بِالرَّفِيقِ الْأَعْلَى } ، وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي بَابِ تَمَنِّي الْمَرِيضِ الْمَوْتَ قُلْت لَيْسَ هَذَا دُعَاءً بِالْمَوْتِ ، وَإِنَّمَا هُوَ رِضًى بِهِ عِنْدَ مَجِيئِهِ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَا يُقْبَضُونَ عِنْدَ انْتِهَاءِ آجَالِهِمْ حَتَّى يُخَيَّرُوا إكْرَامًا لَهُمْ ، وَتَعْظِيمًا لِشَأْنِهِمْ ، وَلَنْ يَخْتَارُوا لِأَنْفُسِهِمْ إلَّا مَا يَخْتَارُهُ اللَّهُ لَهُمْ فَلَمَّا خُيِّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ انْتِهَاءِ أَجَلِهِ اخْتَارَ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ لَهُ وَرَضِيَ بِالْمَوْتِ وَأَحَبَّهُ وَطَلَبَهُ بَعْدَ التَّخْيِيرِ لَا ابْتِدَاءً ، وَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ ، { وَلَا يَدْعُ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ } ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي طَلَبِهِ عِنْدَ تَحَقُّقِ مَجِيئِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إظْهَارِ الرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ وَالِاسْتِبْشَارِ بِمَا يَرِدُ مِنْ عِنْدِهِ ، وَلَكِنَّ الْآحَادَ لَا سَبِيلَ إلَى تَحْقِيقِ هَذَا ، وَأَنْ يُخَيَّرُوا عَلَى لِسَانِ مَلَكٍ مُشَافَهَةً صَرِيحَةً ، وَغَايَةُ مَا يَقَعُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ مَنَامٌ أَوْ خَاطِرٌ صَحِيحٌ لَا يَصِلُ بِهِ إلَى الْقَطْعِ بِهِ ، وَلَوْ اسْتَبْشَرَ عِنْدَ ذَلِكَ بِقَلْبِهْ لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ لَكَانَ حَسَنًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . فَإِنْ قُلْت إذَا مَنَعْتُمْ لَأَنْ يَكُونَ لِلْآحَادِ طَرِيقٌ إلَى تَحْقِيقِ هَذَا ، وَحَسَمْتُمْ الْبَابَ فِيهِ فَمَا مَعْنَى هَذَا التَّقْيِيدِ فِي قَوْلِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ قُلْت فِيهِ ، وَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى حَالَةِ نُزُولِ الْمَوْتِ يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ تَكُونَ حَالُهُ فِيهَا حَالَ الْمُتَمَنِّي لِلْمَوْتِ الدَّاعِي بِهِ رَاضِيًا بِهِ مُطْمَئِنَّ الْقَلْبِ إلَى مَا وَرَدَ عَلَيْهِ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى غَيْرَ جَازِعٍ ، وَلَا قَلِقٍ ( ثَانِيهِمَا ) أَنَّهُ أَشَارَ بِقَوْلِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَأْتِيَهُ ؟ إلَى أَنَّ فِي الدُّعَاءِ بِالْمَوْتِ قَبْلَ حُلُولِهِ نَوْعَ اعْتِرَاضٍ وَمُرَاغَمَةٍ لِلْمَقْدُورِ الْمَحْتُومِ فَإِنْ قُلْت ، وَسَائِرُ الْأَدْعِيَةِ كَذَلِكَ لِأَنَّهَا إمَّا مُقَدَّرَةٌ فَلَا فَائِدَةَ فِي سُؤَالِهَا لِوُقُوعِهَا لَا مَحَالَةَ أَوْ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ فَفِي سُؤَالِهَا اعْتِرَاضٌ ، وَمُرَاغَمَةٌ لِلْقَدَرِ ، وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى سَدِّ بَابِ الدُّعَاءِ ، وَهُوَ بَاطِلٌ ، قُلْت : إمَّا الدُّعَاءُ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ ، وَالْأُمُور الْأُخْرَوِيَّة فَفِيهِ إظْهَارُ الِافْتِقَارِ وَالْمَسْكَنَةِ وَالْخُضُوعِ وَالتَّذَلُّلِ وَالِاحْتِيَاجِ . وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالْأُمُورِ الدُّنْيَوِيَّةِ فَلَا احْتِيَاجَ لِلْعَبْدِ إلَيْهَا ، وَظُهُورِ الْمَصْلَحَةِ فِيهَا ، وَقَدْ تَكُونُ قُدِّرَتْ لَهُ إنْ دَعَا بِهَا دُونَ مَا إذَا لَمْ يَدْعُ بِهَا فَالْأَسْبَابُ مُقَدَّرَةٌ كَمَا أَنَّ الْمُسَبِّبَاتِ مُقَدَّرَةٌ ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ بِالْمَوْتِ فَلَمْ يَظْهَرْ فِيهِ مَصْلَحَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ طَلَبِ إزَالَةِ نِعْمَةِ الْحَيَاةِ ، وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا مِنْ الْفَوَائِدِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ . ( الثَّالِثَةُ ) أَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَعْنَى فِي النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ ، وَالدُّعَاءِ بِهِ ، وَهُوَ انْقِطَاعُ الْأَعْمَالِ بِالْمَوْتِ فَفِي الْحَيَاةِ زِيَادَةُ الْأُجُورِ بِزِيَادَةِ الْأَعْمَال ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا اسْتِمْرَارُ الْإِيمَانِ فَأَيُّ عَمَلٍ أَعْظَمُ مِنْهُ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الْأَعْمَالِ إيمَانٌ بِاَللَّهِ فَبَدَأَ بِهِ فَإِنْ قُلْت قَدْ يُسْلَبُ الْإِيمَانُ بِاَللَّهِ ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ قُلْت إنْ سَبَقَ لَهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ خَاتِمَةُ السُّوءِ فَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ ذَلِكَ طَالَ عُمُرُهُ أَوْ قَصُرَ ، وَإِنْ سَبَقَتْ لَهُ السَّعَادَةُ فَزِيَادَةُ عُمُرِهِ زِيَادَةٌ فِي حَسَنَاتِهِ ، وَرَفْعٌ فِي دَرَجَاتِهِ كَثُرَتْ أَوْ قَلَّتْ . وَقَدْ رَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ { : جَلَسْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَّرَنَا ، وَرَقَّقَنَا فَبَكَى سَعْدٌ فَأَكْثَرَ الْبُكَاءَ فَقَالَ يَا لَيْتَنِي مِتُّ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا سَعْدُ أَعْنَدِي تَتَمَنَّى الْمَوْتَ ؟ فَرَدَّدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ يَا سَعْدُ إنْ كُنْت خُلِقْت لِلْجَنَّةِ فَمَا طَالَ مِنْ عُمْرِك أَوْ حَسُنَ مِنْ عَمَلِك فَهُوَ خَيْرٌ لَك } . فَإِنْ قُلْت فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ ، وَأَنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنَ عُمُرُهُ إلَّا خَيْرًا فَقَدْ يَزِيدُهُ شَرًّا بِالْأَعْمَالِ السَّيِّئَةِ قُلْت إنْ حُمِلَ عَلَى الْمُؤْمِنِ الْكَامِلِ الْإِيمَانِ فَوَاضِحٌ فَإِنَّ ذَاكَ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ إلَّا خَيْرٌ ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى مُطْلَقِ الْمُؤْمِنِ بِحَيْثُ يَتَنَاوَلُ الْمُخَلِّطَ فَهُوَ أَيْضًا لَا يَزِيدُهُ عُمُرُهُ إلَّا خَيْرًا لِكَثْرَةِ الْمُكَفِّرَاتِ ، وَالْمُضَاعَفَةِ لِلْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَمَا دَامَ مَعَهُ أَصْلُ الْأَعْمَالِ فَحَسَنَاتُهُ مَقْبُولَةٌ مُضَاعَفَةٌ ، وَسَيِّئَاتُهُ مَحْفُوفَةٌ بِالْمُكَفِّرَاتِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مِنْهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ إلَّا الْيَسِيرُ يَمْحُوهُ الْكَرْمُ الْمَحْضُ ، وَالْعَفْوُ الْعَظِيمُ فَإِنْ قُلْت قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى إمَّا مُحْسِنًا فَلَعَلَّهُ يَزْدَادُ وَإِمَّا مُسِيئًا فَلَعَلَّهُ يَسْتَعْتِبُ يَسْأَلُ عَنْهُ فَيُقَالُ لَمْ تَنْحَصِرْ الْقِسْمَةُ فِي هَذَيْنِ الْوَصْفَيْنِ فَلَعَلَّهُ بِكَوْنِهِ مُسِيئًا يَزْدَادُ إسَاءَةً فَيَكُونُ زِيَادَةُ الْعُمُرِ زِيَادَةً لَهُ فِي السَّيِّئَاتِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { شَرُّ النَّاسِ مَنْ طَالَ عُمُرُهُ ، وَسَاءَ عَمَلُهُ } . أَوْ لَعَلَّهُ يَكُونُ مُحْسِنًا فَتَنْقَلِبُ حَالُهُ إلَى الْإِسَاءَةِ ، وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى قُلْت تَرَجَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ زِيَادَةَ الْإِحْسَانِ أَوْ الِانْكِفَافِ عَنْ السُّوءِ فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَدُومَ عَلَى حَالِهِ فَإِذَا كَانَ مَعَهُ أَصْلُ الْإِيمَانِ فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ بِكُلِّ حَالٍ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَخِفَّ إحْسَانُهُ فَذَاكَ الْإِحْسَانُ الْخَفِيفُ الَّذِي دَامَ عَلَيْهِ مُضَاعَفٌ لَهُ مَعَ أَصْلِ الْإِيمَانِ ، وَإِنْ زَادَتْ إسَاءَتُهُ فَالْإِسَاءَةُ كَثِيرٌ مِنْهَا يُكَفَّرُ ، وَمَا لَا يُكَفَّرُ يُرْجَى الْعَفْوُ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ فَمَا دَامَ مَعَهُ الْإِيمَانُ فَالْحَيَاةُ خَيْرٌ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ . وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الرَّجَاءِ ، وَحُسْنِ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَأَنَّ الْمُحْسِنَ يَرْجُو مِنْ اللَّهِ تَعَالَى الزِّيَادَةَ فِي تَوْفِيقِهِ لِلزِّيَادَةِ فِيهِ ، وَأَنَّ الْمُسِيءَ لَا يَنْبَغِي لَهُ الْقُنُوطُ بَلْ لَا يُقْطَعُ رَجَاؤُهُ مِنْ اللَّهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى { قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ } انْتَهَى . { الرَّابِعَةُ } أُطْلِقَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ النَّهْيُ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ ، وَقَيَّدَهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ تَمَنِّيه لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فَقَالَ لَا يَتَمَنَّيْنَ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرِّ نَزَلَ بِهِ ، وَمُطْلَقُ الضُّرِّ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ لَكِنَّ الْمُرَادَ إنَّمَا هُوَ الضُّرُّ الدُّنْيَوِيُّ مِنْ مَرَضٍ أَوْ فَاقَةٍ أَوْ مِحْنَةٍ مِنْ عَدُوٍّ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ مِنْ مَشَاقِّ الدُّنْيَا كَمَا هُوَ مُبَيَّنُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ ، وَابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ فَقَالَ { لَا يَتَمَنَّيْنَ أَحَدُكُمْ الْمَوْتَ لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِ فِي الدُّنْيَا } ، وَهُوَ الَّذِي أَرَادَهُ أَيُّوبُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي قَوْلِهِ { مَسَّنِيَ الضُّرُّ } ، وَإِخْوَةُ يُوسُفَ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ فِي قَوْلِهِمْ { مَسَّنَا وَأَهْلَنَا الضُّرُّ } فَأَمَّا الضُّرُّ فِي الدِّينِ فَهُوَ خَوْفُ الْفِتْنَةِ فِي دِينِهِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ مَعَهُ بِالدُّعَاءِ بِالْمَوْتِ ، وَتَمَنِّيه ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْبَابِ الَّذِي بَعْدَهُ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إلَّا الْبَلَاءُ } ، وَسَيَأْتِي إيضَاحُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ فَإِنْ قُلْت قَدْ عُرِفَ أَنَّ تَمَنِّيَ الْمَوْتِ لِلضُّرِّ الدُّنْيَوِيِّ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَالضُّرُّ الْأُخْرَوِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ فَإِذَا كَانَ تَمَنِّيه لِغَيْرِ ضُرٍّ دُنْيَوِيٍّ ، وَلَا أُخْرَوِيٍّ كَيْفَ حُكْمُهُ ؟ قُلْت مُقْتَضَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ النَّهْيُ عَنْهُ ، وَمَفْهُومُ التَّقْيِيدِ بِالضُّرِّ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ غَيْرُ مَنْهِيٍّ عَنْهُ ، وَقَدْ يُقَالُ هَذَا الْمَفْهُومُ غَيْرُ الْمَعْمُولِ بِهِ لِأَنَّ التَّقْيِيدَ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فِي أَنَّ النَّاسَ لَا يَتَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ إلَّا لِضُرٍّ نَزَلَ بِهِمْ فَيَفْعَلُونَ ذَلِكَ ضِيقًا وَضَجَرًا ، وَسُخْطًا لِلْمَقْدُورِ ، وَلَمْ تَجْرِ عَادَةُ النَّاسِ بِتَمَنِّي الْمَوْتِ بِغَيْرِ سَبَبٍ ، وَمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا مَفْهُومَ لَهُ ، وَلَعَلَّ هَذَا أَرْجَحُ فَيَكُونُ تَمَنِّي الْمَوْتِ فِي صُورَةِ انْتِفَاءِ الضَّرَرِ الدُّنْيَوِيِّ وَالْأُخْرَوِيِّ مَنْهِيًّا عَنْهُ أَيْضًا ، وَقَدْ يُسْتَثْنَى مِنْ النَّهْيِ صُورَةٌ أُخْرَى ، وَهِيَ مَا إذَا فَعَلَ ذَلِكَ شَوْقًا إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَدْ فَعَلَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ ، وَرَوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : " لَيَأْتِيَنَّ عَلَيْكُمْ زَمَانٌ يَأْتِي الرَّجُلُ إلَى الْقَبْرِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مَكَانَ هَذَا لَيْسَ بِهِ حُبُّ اللَّهِ ، وَلَكِنَّ مِنْ شِدَّةِ مَا يَرَى مِنْ الْبَلَاءِ " ، وَهَذَا فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ مِثْلُهُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ وَالدُّعَاءَ بِهِ جَائِزٌ إنْ كَانَ لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ ، وَهُوَ خَوْفُ الْفِتْنَةِ فِي دِينِهِ أَوْ الشَّوْقُ إلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ إنْ كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ ، وَمَكْرُوهٌ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ ، وَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ مَرْفُوعًا { ، وَإِذَا أَرَدْت بِالنَّاسِ فِتْنَةً فَتَوَفَّنِي إلَيْك غَيْرَ مَفْتُونٍ } ، وَقَالَ تَعَالَى حِكَايَةً عَنْ مَرْيَمَ عَلَيْهَا السَّلَامُ { يَا لَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا } . { الْخَامِسَةُ } إنْ قُلْت إذَا كَانَتْ الْآجَالُ مَقْدِرَةً لَا يَزْدَادُ فِيهَا ، وَلَا يُنْقَصُ مِنْهَا فَمَا الَّذِي يُؤَثِّرُ تَمَنِّي الْمَوْتِ فِي ذَلِكَ ، وَمَا الْحِكْمَةُ مِنْ النَّهْيِ عَنْهُ قُلْت هَذَا هُوَ الْمَعْنَى الْمُقْتَضِي لِلنَّهْيِ عَنْهُ لِأَنَّهُ عَبَثٌ لَا فَائِدَةَ فِيهِ ، وَفِيهِ مُرَاغَمَةُ الْمَقْدُورِ ، وَعَدَمُ الرِّضَا بِهِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِ الْمُؤْمِنِ لَا يَزِيدُهُ عُمُرُهُ إلَّا خَيْرًا فَإِنْ قُلْت إذَا تَقَرَّرَ أَنَّ التَّمَنِّي لِلْمَوْتِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْأَعْمَالِ لِتَقْدِيرِهَا فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْيَهُودِ أَنَّهُمْ لَوْ تَمَنَّوْا الْمَوْتَ لَمَاتُوا جَمِيعًا قُلْت ذَاكَ قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَحْيٍ خَاصٍّ أُوحِيَ إلَيْهِ فِي حَقِّ أُولَئِكَ الْيَهُودِ أَنَّهُمْ لَوْ تَمَنَّوْا الْمَوْتَ لَمَاتُوا فَرُتِّبَتْ آجَالُهُمْ عَلَى وَصْفٍ إنْ وُجِدَ مِنْهُمْ مَاتُوا ، وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ بَقُوا إلَى وَقْتٍ مُقَدَّرٍ لَهُمْ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَعْلَمُ هَلْ يَتَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ فَتَقْرُبَ آجَالُهُمْ أَوْ لَمْ يَتَمَنَّوْنَهُ فَتَبْعُدَ آجَالُهُمْ ، وَالْأَسْبَابُ مُقَدَّرَةٌ كَمَا أَنَّ الْمُسَبِّبَاتِ مُقَدَّرَةٌ ، وَهَذَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّهُ قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَأَيْت رُقًى نَسْتَرْقِي بِهَا وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ هَلْ يَرُدُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ شَيْئًا ؟ فَقَالَ هِيَ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى } . { السَّادِسَةُ } قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ { فَإِنْ كَانَ لَا بُدَّ مُتَمَنِّيًا فَلْيَقُلْ اللَّهُمَّ أَحْيِنِي مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي ، وَتَوَفَّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي } لَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا الْأَمْرِ اسْتِحْبَابَ الدُّعَاءِ بِهِ لِهَذَا بَلْ تَرْكُهُ أَفْضَلُ مِنْ الدُّعَاءِ بِهِ فَأَنَّهُ رَتَّبَ الْأَمْرَ بِهِ عَلَى كَوْنِ الْمُتَمَنِّي لَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ مِنْهُ صُورَةُ تَمَنٍّ مَعَ نَهْيِهِ أَوَّلًا عَنْ ذَلِكَ ، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الْأَفْضَلُ الصَّبْرُ وَالسُّكُونُ لِلْقَضَاءِ . { السَّابِعَةُ } إنْ قُلْت قَدْ دَلَّ حَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا عَلَى أَنَّ الْوَفَاةَ قَدْ تَكُونُ خَيْرًا لِلْعَبْدِ فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، { وَإِنَّهُ لَا يَزِيدُ الْمُؤْمِنُ مِنْ عُمُرِهِ إلَّا خَيْرًا } ؟ قُلْت إنْ حُمِلَ الْمُؤْمِنُ عَلَى الْكَامِلِ فِي الْإِيمَان فَالْأَمْرُ فِي ذَلِكَ وَاضِحٌ فَإِنَّ ذَلِكَ الَّذِي تَكُونُ الْوَفَاةُ خَيْرًا لَهُ لَيْسَ كَامِلَ الْإِيمَانِ ، وَإِنْ حُمِلَ عَلَى مُطْلَقِ الْإِيمَانِ فَالْغَالِبُ أَنْ تَكُونَ الْحَيَاةُ خَيْرًا لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهَذِهِ الصُّورَةُ الَّتِي تَكُونُ الْوَفَاةُ فِيهَا خَيْرًا لَهُ نَادِرَةٌ فَلَا يَدْعُو بِهَا ، وَلَا يَعْتَمِدُ عَلَيْهَا عَلَى ظَنِّ نَفْسِهِ فِيهَا إلَّا إنْ وَكَلَ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ إلَى عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى . { الثَّامِنَةُ } قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ مَا الْحِكْمَةُ فِي قَوْلِهِ فِي { الْحَيَاةِ مَا كَانَتْ الْحَيَاةُ ، } وَقَالَ فِي { الْوَفَاةِ إذَا كَانَتْ } ، وَلَمْ يَأْتِ بِإِذَا فِيهِمَا ، وَلَا بِمَا فِيهِمَا ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْحَيَاةُ حَاصِلَةً ، وَهُوَ مُتَّصِفٌ بِهَا حَسُنَ الْإِتْيَانُ بِمَا أَيْ مَا دَامَتْ الْحَيَاةُ مُتَّصِفَةً بِهَذَا الْوَصْفِ ، وَلَمَّا كَانَتْ الْوَفَاةُ مَعْدُومَةً فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لَمْ يَحْسُنْ أَنْ يَقُولَ مَا كَانَتْ بَلْ أَتَى بِإِذَا الشَّرْطِيَّةِ فَقَالَ : إذَا كَانَتْ أَيْ إذَا آلَ الْحَالُ إلَى أَنْ تَكُونَ الْوَفَاةُ بِهَذَا الْوَصْفِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بَابُ تَمَنِّيه لِمُصِيبَةِ الدِّينِ } عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى الْقَبْر فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ وَيَقُولَ يَا لَيْتَنِي كُنْتُ مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ ، وَلَيْسَ بِهِ الدَّيْنُ إلَّا الْبَلَاءُ } . { بَابُ تَمَنِّيه لِمُصِيبَةِ الدِّينِ } عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولَ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ فِي الْفِتَنِ مِنْ صَحِيحَيْهِمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ عَلَى قَبْرِ الرَّجُلِ فَيَتَمَرَّغَ عَلَيْهِ وَيَقُولَ يَا لَيْتَنِي كُنْت مَكَانَ صَاحِبِ هَذَا الْقَبْرِ ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إلَّا الْبَلَاءُ } . { الثَّانِيَةُ } فِيهِ أَنَّ { مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا مُرُورُ الرَّجُلِ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ } ، وَهَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ وَقَعَ فَهُوَ وَاقِعٌ لَا مَحَالَةَ ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِي كُلِّ الْبُلْدَانِ ، وَلَا فِي كُلِّ الْأَزْمِنَةِ ، وَلَا لِجَمِيعِ النَّاسِ بَلْ يَصْدُقُ هَذَا بِأَنْ يَتَّفِقَ لِبَعْضِهِمْ فِي بَعْضِ الْأَقْطَارِ ، وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَقَعَ . { الثَّالِثَةُ } يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُ هَذَا التَّمَنِّي مَا يُرَى مِنْ الْبَلَاءِ وَالْمِحَنِ وَالشَّدَائِدِ وَالْفِتَنِ فَيَرَى الْمَوْتَ الَّذِي هُوَ أَعْظَمُ الْمَصَائِبِ أَهْوَنَ مِمَّا هُوَ فِيهِ فَيَتَمَنَّى الْمُصِيبَةَ الْهَيِّنَةَ فِي اعْتِقَادِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ مَا يَرَى مِنْ تَغْيِيرِ الشَّرِيعَةِ وَتَبْدِيلِ الدِّينِ فَيَتَمَنَّى الْمَوْتَ لِسَلَامَةِ دِينِهِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الِاحْتِمَالَيْنِ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَالثَّانِي مِنْهُمَا مَرْدُودٌ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ إلَّا الْبَلَاءُ أَيْ لَا يَحْمِلُهُ عَلَى ذَلِكَ أَمْرُ الدِّينِ ، وَإِنَّمَا يَحْمِلُهُ عَلَيْهِ الْبَلَاءُ ، وَقَدْ جَزَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِهَذَا الِاحْتِمَالِ الْمَرْدُودِ فَقَالَ ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُعَارِضٌ لِلنَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ ، وَقَالَ فِي هَذَا إبَاحَةُ تَمَنِّيه ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ ، وَإِنَّمَا هَذَا خَبَرُ أَنَّ ذَلِكَ سَيَكُونُ لِشِدَّةٍ تَنْزِلُ بِالنَّاسِ مِنْ فَسَادِ الْحَالِ فِي الدِّينِ ، وَضَعْفِهِ ، وَخَوْفِ ذَهَابِهِ لَا لِضَرَرٍ يَنْزِلُ بِالْمُؤْمِنِ فِي جِسْمِهِ ا هـ ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي حَازِمٍ تَرُدُّهُ فَإِنْ قُلْت إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّهْيِ عَنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ ؟ قُلْت لَا مُعَارِضَةَ بَيْنَهُمَا حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى جَمْعٍ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ إخْبَارٌ عَنْ شِدَّةٍ تَحْصُلُ يَنْشَأُ عَنْهَا هَذَا التَّمَنِّي ، وَلَيْسَ فِيهِ الْحُكْمُ عَلَى هَذَا التَّمَنِّي بِشَيْءٍ لَا بِتَحْرِيمٍ وَلَا كَرَاهَةِ ، وَلَا إبَاحَةٍ فَالْحَدِيثُ إنَّمَا سِيقَ لِلْإِخْبَارِ عَمَّا سَيَقَعُ . وَأَمَّا حُكْمُ التَّمَنِّي فَمَأْخُوذٌ مِنْ حَدِيثٍ آخَرَ ، وَجَزَمَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بِالِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ الرَّاجِحِ ثُمَّ قَالَ ، وَكَأَنَّ هَذَا إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَكْثَرَ الْفِتَنِ وَالْمَشَقَّاتِ وَالْأَفْكَارِ قَدْ أَذْهَبَتْ الدِّينَ مِنْ أَكْثَرِ النَّاسِ أَوْ أَقَلَّتْ الِاعْتِنَاءَ بِهِ فَمَنْ يَتَمَسَّكُ بِالدِّينِ عِنْدَ هُجُومِ الْفِتَنِ ؟ وَلِذَلِكَ عَظُمَ قَدْرُ الْعِبَادَةِ فِي حَالَةِ الْفِتَنِ حَتَّى قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْعِبَادَةُ فِي الْهَرْجِ كَهِجْرَةٍ إلَيَّ } ا هـ . { الرَّابِعَةُ } تَبْوِيبُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُوَافَقَةً لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْقَاضِي عِيَاضٍ فِي أَحَدِ احْتِمَالَيْهِ أَنَّ سَبَبَ هَذَا التَّمَنِّي مُصِيبَةُ الدِّينِ ، وَهُوَ حِينَئِذٍ مَرْدُودٌ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْ قَوْلِهِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي مُسْلِمٍ ، وَلَيْسَ بِهِ الدِّينُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ بِهِ الدِّينُ لَمْ يَكُنْ مَذْمُومًا ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَمِّ ذَلِكَ ، وَلَا مَدْحِهِ ، وَإِنَّمَا سَبَقَ لِلْإِخْبَارِ عَنْ الشَّدَائِدِ الَّتِي تَحْصُلُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ بِحَيْثُ يَصِلُ الْحَالُ إلَى تَمَنِّي الْمَوْتِ بِسَبَبِهَا ، وَهَذَا النِّزَاعُ إنَّمَا هُوَ فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِنْبَاطِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَمَّا الْحُكْمُ ، وَهُوَ تَمَنِّي الْمَوْتِ لِمَصْلَحَةِ الدِّينِ فَلَا نِزَاعَ فِيهِ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي عَبْسٍ الْغِفَارِيِّ صَحَابِيٌّ ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ ، وَقَدْ فَعَلَهُ خَلَائِقُ مِنْ السَّلَفِ عِنْدَ خَوْفِ الْفِتْنَةِ فِي دِينِهِمْ . { الْخَامِسَةُ } قَوْلُهُ { حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ } الظَّاهِرُ أَنَّ ذِكْرَ الرَّجُلِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ فَالْمَرْأَةُ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنَّمَا يَحْصُلُ هَذَا التَّمَنِّي لِلرِّجَالِ خَاصَّةً ، فَإِنَّهُمْ الَّذِينَ يُبْتَلَوْنَ بِالشَّدَائِدِ وَالْمِحَنِ ، وَيَظْهَرُ فِيهِمْ ثَمَرَةُ الْفِتَنِ بِخِلَافِ النِّسَاءِ فَإِنَّهُنَّ مَحْجُوبَاتٌ فِي الْأَغْلَبِ لَا يَصْلَيْنَ نَارَ الْفِتَنِ قَالَ الشَّاعِرُ كُتِبَ الْقَتْلُ وَالْقِتَالُ عَلَيْنَا وَعَلَى الْغَانِيَّاتِ جَرُّ الذُّيُولِ . { السَّادِسَةُ } قَدْ يُفْهَمُ مِنْ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا التَّمَنِّي لَا يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ إلَّا عِنْدَ رُؤْيَةِ الْقَبْرِ ، وَذَلِكَ قَدْ يَدُلُّ عَلَى خِفَّةِ هَذَا التَّمَنِّي ، وَعَدَمِ تَأَكُّدِهِ فَلَوْ تَأَكَّدَ لَاسْتَحْضَرَهُ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةِ الْقَبْرِ . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ هَذَا أَبْلَغُ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ قَدْ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْضَارٍ لِهَيْئَتِهِ وَصُورَتِهِ فَإِذَا اسْتَحْضَرَهُ وَتَصَوَّرَهُ ، وَشَاهَدَ الْمَوْتَى ، وَرَأَى الْقُبُورَ نَفَرَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ ، وَأَحَبَّ الْحَيَاةَ ، وَلَمْ يَعُدْ يَتَمَنَّى الْمَوْتَ وَلَمَّا كَانَ الرَّجُلُ مُسْتَمِرًّا عَلَى تَمَنِّي الْمَوْتِ مَعَ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى تَأَكُّدِ هَذَا الْأَمْرِ وَقُوَّتِهِ عِنْدَهُ ، إذْ لَمْ يَصْرِفْهُ عَنْهُ مَا شَاهَدَ مِنْ وَحْشَةِ الْقُبُورِ ، وَفِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ الَّتِي عِنْدَ مُسْلِمٍ مُبَالَغَةٌ فِي ذَلِكَ الْأَمْرِ وَهُوَ أَنَّهُ يَتَمَرَّغُ عَلَى الْقَبْرِ ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِ تَمَنِّيه وَشِدَّةِ تَعَلُّقِهِ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بَابُ لَيْسَ مِنْ التَّمَنِّي مَحَبَّةُ لِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى } عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إذَا أَحَبَّ الْعَبْدُ لِقَائِي أَحْبَبْت لِقَاءَهُ وَإِذَا كَرِهَ عَبْدِي لِقَائِي كَرِهْت لِقَاءَهُ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ ، وَمَنْ لَمْ يُحِبَّ لِقَاءَ اللَّهِ لَمْ يُحِبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ } وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَزَادَتْ { فَقُلْت يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ قَالَ : لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ فَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ ، وَإِنَّ الْكَافِرَ إذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ } وَلِمُسْلِمٍ مِنْ قَوْلِ عَائِشَةَ { وَلَكِنْ إذَا شَخَصَ الْبَصَرُ وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ ، وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ ، وَتَشَنَّجَتْ الْأَصَابِعُ ، فَعِنْدَ ذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ } { بَابُ لَيْسَ مِنْ التَّمَنِّي مَحَبَّةُ لِقَاءِ اللَّهِ } عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إذَا أَحَبَّ الْعَبْدُ لِقَائِي أَحْبَبْت لِقَاءَهُ وَإِذَا كَرِهَ الْعَبْدُ لِقَائِي كَرِهْت لِقَاءَهُ " وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ لَمْ يُحِبَّ لِقَاءَ اللَّهِ لَمْ يُحِبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ { فَأَتَيْت عَائِشَةَ فَقُلْت يَا أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَذْكُرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثًا إنْ كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ هَلَكْنَا ، فَقَالَتْ إنَّ الْهَالِكَ مَنْ هَلَكَ بِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا ذَاكَ قُلْت قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَلَيْسَ مِنَّا أَحَدٌ إلَّا وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ فَقَالَتْ قَدْ قَالَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَيْسَ بِاَلَّذِي تَذْهَبُ إلَيْهِ ، وَلَكِنْ إذَا شَخَصَ الْبَصَرُ وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ وَتَشَنَّجَتْ الْأَصَابِعُ فَعِنْدَ ذَلِكَ مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ كَرِهَ لِقَاءَهُ } لَفْظُ مُسْلِمٍ وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الشَّعْبِيِّ عَنْ شُرَيْحِ بْنِ هَانِئٍ عَنْ عَائِشَةَ وَفِي آخِرِهِ { وَالْمَوْتُ قَبْلَ لِقَاءِ اللَّهِ } وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ { عَنْ عَائِشَةَ وَفِيهِ فَقُلْت يَا نَبِيَّ اللَّهِ أَكَرَاهِيَةَ الْمَوْتِ فَكُلُّنَا نَكْرَهُ الْمَوْتَ قَالَ لَيْسَ كَذَلِكَ ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا بُشِّرَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَرِضْوَانِهِ وَجَنَّتِهِ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَإِنَّ الْكَافِرَ إذَا بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَسَخَطِهِ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ } لَفْظُ مُسْلِمٍ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَلَفْظُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى وَأَخْرَجَاهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ يُوهِمُ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَهُ مِنْ حَدِيثِهَا مُسْنَدًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ ذَكَرَهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ عَلَى الصَّوَابِ وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مُسْنَدُهُ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مِنْ رِوَايَةِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ { قَالَتْ عَائِشَةُ أَوْ بَعْضُ أَزْوَاجِهِ إنَّا لَنَكْرَهُ الْمَوْتَ قَالَ : لَيْسَ ذَاكَ ، وَلَكِنَّ الْمُؤْمِنَ إذَا حَضَرَهُ الْمَوْتُ بُشِّرَ بِرِضْوَانِ اللَّهِ وَكَرَامَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ فَأَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَأَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَإِنَّ الْكَافِرَ إذَا حُضِرَ بُشِّرَ بِعَذَابِ اللَّهِ وَعُقُوبَتِهِ فَلَيْسَ شَيْءٌ أَكْرَهَ إلَيْهِ مِمَّا أَمَامَهُ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ وَكَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ } وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ الْحَدِيثَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ ، وَقَدْ وَرَدَ هَذَا التَّفْسِيرُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ { قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا مِنَّا أَحَدٌ إلَّا وَهُوَ يَكْرَهُ الْمَوْتَ وَيَقْطَعُ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا كَانَ ذَلِكَ كُشِفَ لَهُ } . { الثَّانِيَةُ } قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ وَالْمُعَايَنَةِ فَحِينَئِذٍ يُكْشَفُ الْغِطَاءُ فَأَهْلُ السَّعَادَةِ يُبَشَّرُونَ بِمَا أَعَدَّهُ اللَّهُ لَهُمْ وَأَرَادَهُ فِيهِمْ وَهُوَ مَعْنَى مَحَبَّتِهِ لِقَاءَهُمْ فَيَغْتَبِطُونَ وَيُسَرُّونَ بِذَلِكَ وَيُحِبُّونَ الْمَوْتَ لِتَحْصِيلِ تِلْكَ الْكَرَامَةِ وَأَهْلُ الشَّقَاوَةِ كُشِفَ لَهُمْ عَنْ حَالِهِمْ فَكَرِهُوا الْوُرُودَ عَلَى رَبِّهِمْ لَمَّا تَيَقَّنُوا مِنْ تَعْذِيبِهِ لَهُمْ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ أَبْعَدَهُمْ عَنْهُ وَأَرَادَ بِهِمْ الْعَذَابَ وَهُوَ مَعْنَى كُرْهِهِ لِقَاءَهُمْ فَمَنْ هُنَا خَبَرِيَّةٌ غَيْرُ شَرْطِيَّةٍ ، وَلَيْسَ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ سَبَبَ حُبِّ اللَّهِ لِقَاءَ هَؤُلَاءِ حُبُّهُمْ ذَلِكَ وَلَا أَنَّ سَبَبَ كَرَاهَةِ اللَّهِ لِقَاءَ هَؤُلَاءِ كَرَاهَتُهُمْ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ صِفَةُ حَالِ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ فِي أَنْفُسِهِمْ وَعِنْدَ رَبِّهِمْ كَأَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ فَهُوَ الَّذِي أَحَبَّ اللَّهُ لِقَاءَهُ وَمَنْ كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ فَهُوَ الَّذِي كَرِهَ اللَّهُ لِقَاءَهُ فَيُسْتَدَلُّ بِاسْتِبْشَارِ الْمُحْتَضَرِ بَعْدَ الْمُعَايَنَةِ عَلَى الْخَيْرِ وَبِانْكِمَاشِهِ بَعْدَهَا عَلَى الشَّرِّ ، وَقَدْ فَسَّرَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الْحَدِيثَ بِذَلِكَ وَرَوَتْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بَعْدَ نَقْلِهِ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ لَيْسَ وَجْهُهُ عِنْدِي كَرَاهَةَ الْمَوْتِ وَشِدَّتَهُ ؛ لِأَنَّ هَذَا لَا يَكَادُ يَخْلُو مِنْهُ أَحَدٌ ، وَلَكِنْ الْمَكْرُوهُ مِنْ ذَلِكَ إيثَارُ الدُّنْيَا وَالرُّكُونُ إلَيْهَا وَكَرَاهَتُهُ أَنْ يَصِيرَ إلَى اللَّهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ قَالَ وَمِمَّا يُبَيِّنُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَابَ قَوْمًا فِي كِتَابِهِ بِحُبِّ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَقَالَ : { إنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا } وَقَالَ { وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنْ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ } وَقَالَ { وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ } قَالَ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْكَرَاهِيَةَ لِلِّقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَتْ بِالْكَرَاهِيَةِ لِلْمَوْتِ ، وَإِنَّمَا هُوَ الْكَرَاهِيَةُ لِلنَّقْلَةِ مِنْ الدُّنْيَا إلَى الْآخِرَةِ انْتَهَى . وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : مَنْ قُضِيَ بِمَوْتِهِ لَا بُدَّ أَنْ يَمُوتَ وَإِنْ كَانَ كَارِهًا لِقَاءَ اللَّهِ وَلَوْ كَرِهَ اللَّهُ مَوْتَهُ مَا مَاتَ وَلَا لَقِيَهُ فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى كَرَاهَةِ اللَّهِ تَعَالَى الْغُفْرَانَ لَهُ وَإِرَادَتِهِ لِإِبْعَادِهِ مِنْ رَحْمَتِهِ انْتَهَى . وَظَاهِرُ عِبَارَتِهِ تَقْتَضِي عَدَمَ الْغُفْرَانِ لِمَنْ كَرِهَ الْمَوْتَ مُطْلَقًا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَالصَّوَابُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ مَا فَسَّرَهُ بِهِ قَائِلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . { الثَّالِثَةُ } اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ مَحَبَّةَ لِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَتْ مِنْ تَمَنِّي الْمَوْتِ ، وَكَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَوَجْهُهُ أَنَّ تَمَنِّي الْمَوْتِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَمَحَبَّةَ لِقَاءِ اللَّهِ مَحْمُودَةٌ وَهِيَ عَلَامَةٌ عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْعَبْدِ فَإِنْ قُلْت قَدْ حَمَلْتُمْ هَذِهِ الْمَحَبَّةَ لِلِّقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى حَالَةِ النَّزْعِ وَالِاحْتِضَارِ وَتِلْكَ الْحَالَةُ لَا تَمَنِّي فِيهَا ؟ قُلْت مَا الْمَانِعُ مِنْ التَّمَنِّي فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَلَوْلَا وُرُودُ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي نَشْرَحُهُ لَكَرِهْنَا تَمَنِّي الْمَوْتِ بِكُلِّ حَالٍ فَلَمَّا جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلِمْنَا أَنَّ تَمَنِّي الْمَوْتِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ مَحْمُودٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي زَمَنِ الصِّحَّةِ أَيْضًا أَنْ يُحِبَّ الْعَبْدُ بِقَلْبِهِ لِقَاءَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ غَيْرِ أَنْ يَدْعُوَ بِذَلِكَ وَلَا يَتَمَنَّاهُ بِلِسَانِهِ فَتَكُونُ هَذِهِ بُشْرَى لِلْعَبْدِ يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ لِلِقَائِهِ فَإِنَّ الْعَاقِلَ الْعَارِفَ بِالْأُمُورِ لَا يُحِبُّ الْمَوْتَ إلَّا إذَا أَعَدَّ لَهُ الْأُهْبَةَ وَتَخَلَّصَ مِنْ التَّبَعَاتِ وَقَامَ بِأَمْرِ اللَّهِ كَمَا يَجِبُ وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَاتِ فَاَللَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ لِقَاءَهُ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُرِيدُ لَهُ الْخَيْرَ وَيَعُدُّهُ لَهُ فَإِنْ قُلْت هَذَا يُنَافِي الْمَذْكُورَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ حَمْلِهِ عَلَى حَالَةِ الِاحْتِضَارِ قُلْت تِلْكَ الْحَالَةُ هِيَ الَّتِي لِاخْتِلَالٍ فِيهَا وَلَا شَكَّ مَنْ أَحَبَّ فِيهَا لِقَاءَ اللَّهِ كَانَ عَلَامَةً عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ لِلِقَائِهِ وَمَنْ كَرِهَ فِيهَا لِقَاءَ اللَّهِ كَانَ عَلَامَةً عَلَى كَرَاهَةِ اللَّهِ لِلِقَائِهِ بِخِلَافِ مَا قَبْلَ تِلْكَ الْحَالَةِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَرَاهَةِ الْعَبْدِ لِلْمَوْتِ كَرَاهَةُ اللَّهِ لِلِقَائِهِ وَلَا مِنْ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِلْمَوْتِ إذَا نَشَأَ عَنْ ضَجَرٍ وَاخْتِلَالِ عَقْلٍ وَعَدَمِ إحْكَامٍ لِلْأُمُورِ مَحَبَّةُ اللَّهِ لِلِقَائِهِ ، وَإِنَّمَا ادَّعَيْنَا كَوْنَ مَحَبَّةِ الْعَبْدِ لِلْمَوْتِ فِي غَيْرِ حَالَةِ الِاحْتِضَارِ دَلِيلًا عَلَى مَحَبَّةِ اللَّهِ لِلِقَائِهِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَهِيَ مَا إذَا صَدَرَ ذَلِكَ عَنْ عَارِفٍ بِاَللَّهِ تَعَالَى مُحْكِمٍ لِلْأُمُورِ قَدْ اسْتَعَدَّ لِلْأُمُورِ وَأَخَذَ لَهَا أُهْبَتَهَا وَقَامَ لِلَّهِ بِمَا يَجِبُ مِنْ حَقِّهِ فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَلْبِهِ مَحَبَّةَ الْمَوْتِ كَانَ دَلِيلًا عَلَى خَيْرٍ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا يَظْهَرُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . { الرَّابِعَةُ } قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَحَبَّةُ اللَّهِ تَعَالَى لِعَبْدِهِ هِيَ إرَادَةُ الْخَيْرِ لَهُ وَهِدَايَتُهُ وَإِنْعَامُهُ عَلَيْهِ وَرَحْمَتُهُ ، وَبُغْضُهُ إرَادَتَهُ عِقَابَهُ وَشَقَاوَتَهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ حَكَاهُ عَنْهُمْ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ . { الْخَامِسَةُ } قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ : الْمُرَادُ بِلِقَاءِ اللَّهِ الْمَصِيرُ إلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ وَطَلَبُ مَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَيْسَ الْغَرَضُ بِهِ الْمَوْتُ ؛ لِأَنَّ كُلًّا يَكْرَهُهُ فَمَنْ تَرَكَ الدُّنْيَا أَوْ أَبْغَضَهَا أَحَبَّ لِقَاءَ اللَّهِ وَمَنْ آثَرَهَا وَرَكَنَ إلَيْهَا كَرِهَ لِقَاءَ اللَّهِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِلُ إلَيْهِ بِالْمَوْتِ وَقَوْلُهُ { وَالْمَوْتُ دُونَ لِقَاءِ اللَّهِ } يُبَيِّنُ أَنَّ الْمَوْتَ غَيْرُ اللِّقَاءِ ، وَلَكِنَّهُ مُعْتَرَضٌ دُونَ الْغَرَضِ الْمَطْلُوبِ فَيَجِبُ أَنْ يَصْبِرَ عَلَيْهِ وَيَحْتَمِلَ مَشَاقَّهُ حَتَّى يَصِلَ إلَى الْفَوْزِ بِاللِّقَاءِ انْتَهَى . { السَّادِسَةُ } قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { شَخَصَ الْبَصَرُ } بِفَتْحِ الشِّينِ وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَمَعْنَاهُ ارْتِفَاعُ الْأَجْفَانِ إلَى فَوْقَ وَتَحْدِيدُ النَّظَرِ وَقَوْلُهَا { وَحَشْرَجَ الصَّدْرُ } بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ جِيمٌ وَمَعْنَاهُ تَرَدُّدُ النَّفَسِ فِي الصَّدْرِ وَقَوْلُهَا { وَاقْشَعَرَّ الْجِلْدُ } بِرَاءٍ مُشَدَّدَةٍ فِي آخِرِهِ وَمَعْنَاهُ قِيَامُ شَعْرِهِ وَقَوْلُهَا { وَتَشَنَّجَتْ الْأَصَابِعُ } بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ وَالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ وَتَشْدِيدِهَا وَالْجِيمِ وَالْمُرَادُ تُقَيِّضُهَا وَتَقَلُّصُهَا وَهَذِهِ الْأُمُورُ الْمَذْكُورَةُ هِيَ حَالَةُ الِاحْتِضَارِ بَابُ لَيْسَ خَوْفُ الْعَبْدِ مِنْ ذَنْبِهِ كَرَاهِيَةً لِلِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى . عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ لِأَهْلِهِ إذَا مَاتَ فَأَحْرِقُوهُ ، ثُمَّ أَذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ ، قَالَ فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ، وَالْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ لِمَ فَعَلْت هَذَا ؟ قَالَ مِنْ خَشْيَتِكَ يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ ، قَالَ فَغَفَرَ لَهُ } وَلِأَحْمَدَ { لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ إلَّا التَّوْحِيدَ } . { بَابُ لَيْسَ خَوْفُ الْعَبْدِ مِنْ ذَنْبِهِ كَرَاهِيَةً لِلِّقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى } عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ لِأَهْلِهِ إذَا مَاتَ فَأَحْرِقُوهُ ، ثُمَّ أَذْرُوا نِصْفَهُ فِي الْبَرِّ وَنِصْفَهُ فِي الْبَحْرِ فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا لَا يُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ ، قَالَ فَلَمَّا مَاتَ فَعَلُوا مَا أَمَرَهُمْ فَأَمَرَ اللَّهُ الْبَحْرَ فَجَمَعَ مَا فِيهِ وَالْبَرَّ فَجَمَعَ مَا فِيهِ ، ثُمَّ قَالَ لِمَ فَعَلْت هَذَا ؟ قَالَ مِنْ خَشْيَتِك يَا رَبِّ وَأَنْتَ أَعْلَمُ قَالَ فَغَفَرَ لَهُ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ ابْنِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { لَمْ يَعْمَلْ حَسَنَةً قَطُّ } وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ وَأَخْرَجَهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمِثْلِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ { لَمْ يَعْمَلْ مِنْ الْخَيْرِ شَيْئًا قَطُّ إلَّا التَّوْحِيدَ } وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ عُقْبَةَ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ كَانَ نَبَّاشًا وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ أَكْثَرَ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ رَفَعُوا هَذَا الْحَدِيثَ وَوَقَفَهُ الْقَعْنَبِيُّ وَمُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ قُلْت وَالْمُرَادُ وَقْفُ لَفْظِهِ وَأَمَّا حُكْمُهُ فَهُوَ الرَّفْعُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُقَالُ مِثْلُهُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ فَهُوَ مَرْفُوعٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ . { الثَّانِيَةُ } قَوْلُهُ { قَالَ رَجُلٌ لَمْ يَعْمَلْ خَيْرًا قَطُّ } ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُوَحِّدًا ؛ لِأَنَّ التَّوْحِيدَ أَعْظَمُ الْخَيْرِ لَكِنْ إخْبَارُهُ بِأَنَّهُ فَعَلَ هَذَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى تَوْحِيدِهِ وَكَيْفَ يَخْشَى اللَّهُ مَنْ لَا يَعْرِفُهُ بَلْ يَدُلُّ عَلَى عِلْمِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ } ، وَقَدْ رَفَعَتْ تِلْكَ الرِّوَايَةُ الَّتِي نَقَلْتهَا مِنْ مُسْنَدِ أَحْمَدَ الْإِشْكَالَ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِيهَا { لَمْ يَعْمَلْ مِنْ الْخَيْرِ شَيْئًا قَطُّ إلَّا التَّوْحِيدَ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ إنْ صَحَّتْ رَفَعَتْ الْإِشْكَالَ فِي إيمَانِ هَذَا الرَّجُلِ وَإِنْ لَمْ تَصِحَّ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ فَهِيَ صَحِيحَةٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَالْأُصُولِ تَعْضُدُهَا وَالنَّظَرُ يُوَجِّهُهَا ؛ لِأَنَّهُ مُحَالٌ أَنْ يَغْفِرَ لِلَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْقِبْلَةِ وَهَذَا سَائِغٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ أَنْ يُؤْتَى بِلَفْظِ الْكُلِّ وَالْمُرَادُ الْبَعْضُ . { الثَّالِثَةُ } قَوْلُهُ { إذَا مَاتَ فَأَحْرِقُوهُ } أَتَى بِهِ بِلَفْظِ الْغَيْبَةِ وَلَمْ يَحْكِهِ بِاللَّفْظِ الَّذِي قَالَهُ لَهُمْ وَهُوَ إذَا مِتّ فَاحْرُقُونِي وَهَذَا سَائِغٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِمْ لِعَبْدِ اللَّهِ مَا أَكْرَمَهُ وَلَوْ حَكَى الْقَوْلَ لَقِيلَ قُلْت لِعَبْدِ اللَّهِ مَا أَكْرَمَك وَالْأَمْرَانِ جَائِزَانِ مُسْتَعْمَلَانِ . { الرَّابِعَةُ } قَوْلُهُ { ، ثُمَّ أَذْرُوا } بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَيَجُوزُ فِي هَمْزَةِ الْوَصْلِ وَالْقَطْعِ يُقَالُ ذَرَتْهُ الرِّيحُ وَأَذْرَتْهُ تَذْرُوهُ وَتُذْرِيهِ إذَا أَطَارَتْهُ وَمِنْهُ تَذْرِيَةُ الطَّعَامِ كَذَا ذَكَرَ فِي الْمَشَارِقِ وَالنِّهَايَةِ ذَرَيْتُ وَأَذْرَيْتُ بِمَعْنًى وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ ذَرَوْته طَيَّرْته وَأَذْهَبْته وَذَرَتْ الرِّيحُ التُّرَابَ وَغَيْرَهُ تَذْرُوهُ وَتُذْرِيهِ ذَرْوًا وَذَرْيًا أَيْ سَفَّتْهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ ذَرَّى النَّاسُ الْحِنْطَةَ ، ثُمَّ قَالَ وَأَذْرَيْتُ الشَّيْءَ إذَا أَلْقَيْته كَإِلْقَائِك لِحَبٍّ لِلزَّرْعِ ؛ وَطَعَنَهُ فَأَذْرَاهُ عَنْ ظَهْرِ دَابَّتِهِ أَيْ أَلْقَاهُ انْتَهَى . وَذَكَرَ فِي الْمُحْكَمِ نَحْوَهُ وَهَذَا يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ الثُّلَاثِيِّ وَالرُّبَاعِيِّ وَأَنَّ مَا يُلْقَى فِي غَيْرِ مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الثُّلَاثِيُّ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَا يُلْقَى فِي مَحَلٍّ مُعَيَّنٍ يُسْتَعْمَلُ فِيهِ الرُّبَاعِيُّ . { الْخَامِسَةُ } قَوْلُهُ { فَوَاَللَّهِ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ لَيُعَذِّبَنَّهُ } ظَاهِرُهُ نَفْيُ قُدْرَةِ اللَّهِ عَلَى إحْيَائِهِ وَإِعَادَتِهِ وَفِي الْقَوْلِ بِهِ إشْكَالٌ فَإِنَّ ذَلِكَ كُفْرٌ وَالشَّاكُّ فِي قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى كَافِرٌ مَعَ كَوْنِ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى إسْلَامِهِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا إخْبَارُهُ بِأَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ هَذَا مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْكَافِرُ لَا يَخْشَى اللَّهَ تَعَالَى وَالثَّانِي إخْبَارُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنَّ اللَّهَ غَفَرَ لَهُ وَالْكَافِرُ لَا يُغْفَرُ لَهُ مَعَ مَا انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ مِنْ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ الصَّرِيحَةِ فِي أَنَّهُ كَانَ مُوَحِّدًا فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ فَيَكُونُ لَهُ تَأْوِيلَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّ مَعْنَاهُ لَأَنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَى الْعَذَابِ أَيْ قَضَاهُ يُقَالُ مِنْهُ قَدَرَ بِالتَّخْفِيفِ وَقَدَّرَ بِالتَّشْدِيدِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَالثَّانِي أَنْ قَدَرَ بِمَعْنَى ضَيَّقَ فَقَوْلُهُ لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ أَيْ لَئِنْ ضَيَّقَ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ } وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي قَوْله تَعَالَى { فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ } وَقَالَ آخَرُونَ اللَّفْظُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَذَكَرُوا لَهُ تَأْوِيلَاتٍ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ قَالَ هَذَا الْكَلَامَ وَهُوَ غَيْرُ ضَابِطٍ لِكَلَامِهِ وَلَا قَاصِدٍ لِحَقِيقَةِ مَعْنَاهُ وَمُعْتَقِدٍ لَهَا بَلْ قَالَهُ فِي حَالَةٍ غَلَبَ عَلَيْهِ فِيهَا الدَّهَشُ وَالْخَوْفُ وَالْجَزَعُ الشَّدِيدُ بِحَيْثُ ذَهَبَ تَيَقُّظُهُ وَتَدَبُّرُهُ مَا يَقُولُهُ فَصَارَ فِي مَعْنَى الْغَافِلِ وَالنَّاسِي وَهَذِهِ الْحَالَةُ لَا يُؤَاخَذُ فِيهَا وَهُوَ نَحْوُ قَوْلِ الْقَائِلِ الْآخَرَ الَّذِي غَلَبَ عَلَيْهِ الْفَرَحُ حِينَ وَجَدَ رَاحِلَتَهُ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّك فَلَمْ يَكْفُرْ بِذَلِكَ لِلدَّهَشِ وَالْغَلَبَةِ وَالسَّهْوِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي رِوَايَةٍ فِي غَيْرِ الصَّحِيحَيْنِ فَلَعَلِّي أَضِلُّ اللَّهَ أَيْ أَغِيبُ عَنْهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ { لَئِنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَى } ظَاهِرِهِ كَمَا ذَكَرْنَا . ( الثَّانِي ) أَنَّ هَذَا مِنْ مَجَازِ كَلَامِ الْعَرَبِ وَبَدِيعِ اسْتِعْمَالِهَا يُسَمُّونَهُ مَزْجُ الشَّكِّ بِالْيَقِينِ وَسَمَّاهُ بَعْضُهُمْ تَجَاهُلَ الْعَارِفِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { وَإِنَّا أَوْ إيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } فَصُورَتُهُ شَكٌّ وَالْمُرَادُ بِهِ الْيَقِينُ ( الثَّالِثُ ) أَنَّ غَايَةَ مَا فِيهِ أَنَّ هَذَا رَجُلٌ جَهِلَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَكْفِيرِ جَاهِلِ الصِّفَةِ فَمَنْ كَفَّرَهُ بِذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَقَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ أَوَّلًا وَقَالَ آخَرُونَ لَا يَكْفُرُ بِجَهْلِ الصِّفَةِ وَلَا يَخْرُجُ بِهِ عَنْ اسْمِ الْإِيمَانِ بِخِلَافِ جَحْدِهَا وَإِلَيْهِ رَجَعَ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ وَعَلَيْهِ اسْتَقَرَّ قَوْلُهُ ، قَالَ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَعْتَقِدْ ذَلِكَ اعْتِقَادًا نَقْطَعُ بِصَوَابِهِ وَيَرَاهُ دِينًا وَشَرْعًا ، وَإِنَّمَا يَكْفُرُ مَنْ اعْتَقَدَ أَنَّ مَقَالَتَهُ حَقٌّ ؛ قَالَ هَؤُلَاءِ وَلَوْ سُئِلَ النَّاسُ عَنْ الصِّفَاتِ لَوُجِدَ الْعَالِمُ بِهَا قَلِيلًا وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْمُتَقَدِّمِينَ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَمَنْ سَلَكَ سَبِيلَهُمْ مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِأَنَّ عُمَرَ وَعِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ وَجَمَاعَةً مِنْ { الصَّحَابَةِ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْقَدَرِ } وَمَعْلُومٌ أَنَّهُمْ إنَّمَا يَسْأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ وَهُمْ جَاهِلُونَ بِهِ وَغَيْرُ جَائِزٍ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَكُونُوا بِسُؤَالِهِمْ عَنْ ذَلِكَ كَافِرِينَ انْتَهَى . ( الرَّابِعُ ) أَنَّهُ كَانَ فِي زَمَنِ فَتْرَةٍ حِينَ يَنْفَعُ مُجَرَّدُ التَّوْحِيدِ وَلَا تَكْلِيفَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَا كُنَّا مُعَذَّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } . ( الْخَامِسُ ) أَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّهُ كَانَ مُتَمَسِّكًا بِشَرِيعَةٍ فِيهَا جَوَازُ الْعَفْوِ عَنْ الْكَافِرِ وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ غَيْرُ جَائِزٍ فِي شَرْعِنَا فَإِنَّهُ مِنْ مُجَوِّزَاتِ الْعُقُولِ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَإِنَّمَا مَنَعْنَاهُ فِي شَرْعِنَا بِالشَّرْعِ وَهُوَ قَوْله تَعَالَى { إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ } وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَدِلَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّادِسَةُ } إنْ قُلْت ظَاهِرُ حَالِ هَذَا الرَّجُلِ أَنَّهُ وَقَعَ فِي كَبِيرَةٍ وَهُوَ الْيَأْسُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَكَانَ هَذَا خَاتِمَةُ أَمْرِهِ فَكَيْفَ كَانَتْ هَذِهِ الْكَبِيرَةُ سَبَبَ الْمَغْفِرَةِ لَهُ ؟ قُلْت إنْ صَرَفْنَا اللَّفْظَ عَنْ ظَاهِرِهِ يُحْمَلُ قَدَرَ عَلَى قَضَى أَوْ ضَيَّقَ فَلَيْسَ فِيهِ الْيَأْسِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ فَإِنَّهُ يَرْجُو الرَّحْمَةَ بِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَقْضِيَ عَلَيْهِ بِالْعَذَابِ أَوْ لَا يُضَيِّقَ عَلَيْهِ عَلَى اخْتِلَافِ الْقَوْلَيْنِ وَإِنْ أَخَذْنَاهُ عَلَى ظَاهِرِهِ فَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا أَنَّ شِدَّةَ الْخَوْفِ اصْطَلَمَتْهُ وَأَذْهَلَتْهُ حَتَّى خَرَجَ عَنْ حَدِّ التَّكْلِيفِ فَنَفَعَهُ خَوْفُهُ وَنَجَّاهُ مَعَ التَّوْحِيدِ وَلَمْ يَضُرَّهُ يَأْسُهُ ؛ لِأَنَّهُ حَصَلَ لَهُ حَالَةٌ انْقَطَعَ عَنْهُ فِيهَا التَّكْلِيفُ وَبِتَقْدِيرِ أَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَى حَالَةٍ أَخْرَجَتْهُ عَنْ حَيِّزِ الْمُكَلَّفِينَ فَالْخَوْفُ الْحَاصِلُ لَهُ كَفَّرَ عَنْ سَيِّئَاتِهِ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بَلْ كَفَّرَ عَنْهُ سَيِّئَاتِهِ الَّتِي كَانَ يَرْتَكِبُهَا طُولَ عُمْرِهِ ، وَقَدْ يَشْتَمِلُ الْفِعْلُ الْوَاحِدُ عَلَى طَاعَةٍ مِنْ وَجْهٍ وَمَعْصِيَةٍ مِنْ وَجْهٍ فَرُبَّمَا غَلَبَتْ الطَّاعَةُ فَكَفَّرَتْ الْمَعْصِيَةَ وَرُبَّمَا غَلَبَتْ الْمَعْصِيَةُ فَأَحْبَطَتْ ثَوَابَ الطَّاعَةِ ، وَفِي هَذَا الْمَحِلِّ غَلَبَتْ الطَّاعَةُ فَكَفَّرَتْ الْمَعْصِيَةَ وَعَنْ الشَّيْخِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ أَنَّهُ قَالَ فِيمَنْ سَمِعَ بِآلَةٍ مُحَرَّمَةٍ فَأَحْدَثَتْ لَهُ أَحْوَالًا صَالِحَةً يَحْصُلُ لَهُ اسْمُ السَّمَاعِ الْمُحَرَّمِ وَثَوَابُ الْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَإِنْ غَلَبَ الثَّوَابُ رَبِحَ وَإِنْ غَلَبَ الْإِثْمُ خَسِرَ وَإِنْ اسْتَوَيَا تَكَافَأَ هَذَا مَعْنَاهُ وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ فَعَلْت كَذَا ، وَكَذَا قَالَ وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا فَعَلْت فَقَالَ بَلَى قَدْ فَعَلْت ، وَلَكِنْ غُفِرَ لَك بِالْإِخْلَاصِ } وَرُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَسٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . { السَّابِعَةُ } إنْ قُلْت فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى { أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي } وَهَذَا قَدْ ظَنَّ بِرَبِّهِ تَعْذِيبَهُ وَعَدَمَ الْمَغْفِرَةِ لَهُ فَكَيْفَ غُفِرَ لَهُ ؟ قُلْت قَدْ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الرَّجَاءُ وَتَأْمِيلُ الْعَفْوِ وَقِيلَ مَعْنَاهُ بِالْغُفْرَانِ لَهُ إذَا اسْتَغْفَرَ وَالْقَبُولِ لَهُ إذَا تَابَ وَالْإِجَابَةِ إذَا دَعَا وَالْكَفَّارِيَّةِ إذَا طَلَبَ الْكَفَّارِيَّةَ فَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي فَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَاضِحٌ ؛ لِأَنَّ هَذَا قَدْ نَدِمَ عَلَى مَا فَرَّطَ مِنْهُ وَلَوْلَا نَدَمُهُ لَمَا أَمَرَ أَنْ يُفْعَلَ بِهِ ذَلِكَ فَكَانَ تَائِبًا فَقُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَغُفِرَ لَهُ وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَقَدْ حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قِيلَ إنَّمَا وَصَّى بِذَلِكَ تَحْقِيرًا لِنَفْسِهِ وَعُقُوبَةً لَهَا لِعِصْيَانِهَا وَإِسْرَافِهَا رَجَاءَ أَنْ يَرْحَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فَهُوَ حِينَئِذٍ قَدْ رَجَا الْعَفْوَ وَأَمَلَهُ فَكَانَ اللَّهُ عِنْدَ ظَنِّهِ بِهِ فَعَفَا عَنْهُ وَهَذَا بَعِيدٌ مِنْ قَوْلِهِ { إنْ قَدَرَ اللَّهُ عَلَيَّ } إنْ لَمْ يُؤَوِّلْهُ بِمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّامِنَةُ } اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَنَّ خَوْفَ الْعَبْدِ مِنْ ذَنْبِهِ لَيْسَ كَرَاهِيَةً لِلِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ وَاضِحٌ ؛ لِأَنَّ الْخَائِفَ مِنْ ذَنْبِهِ يَطْلُبُ أَنْ يَكُونَ مَصِيرُهُ إلَى الدَّارِ الْآخِرَةِ عَلَى وَجْهِ مَرْضِيٍّ يُقَرِّبُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَكَرِهَ حَالَةَ نَفْسِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا وَلَمْ يَكْرَهْ لِقَاءَ اللَّهِ مُطْلَقًا بَلْ أَحَبَّ لِقَاءَهُ عَلَى غَيْرِ تِلْكَ الْحَالَةِ { التَّاسِعَةُ } فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضِيلَةُ خَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى وَغَلَبَتُهَا عَلَى الْعَبْدِ وَأَنَّهَا مِنْ مَقَامَاتِ الْإِيمَانِ وَأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ وَبِهَا انْتَفَعَ هَذَا الْمُسْرِفُ وَحَصَلَتْ لَهُ الْمَغْفِرَةُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا ضَرَرَ فِي غَلَبَةِ الْخَوْفِ وَإِنْ كَانَتْ بِقُرْبِ الْوَفَاةِ وَإِنْ كَانَ الْعُلَمَاءُ رَجَّحُوا فِي تِلْكَ الْحَالَةِ تَغْلِيبَ جَانِبِ الرَّجَاءِ عَلَى جَانِبِ الْخَوْفِ { الْعَاشِرَةُ } فِيهِ أَنَّ الْأَعْمَالَ بِالنِّيَّاتِ وَالْمَقَاصِدِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَنْظُرْ إلَى هَذَا الْعَمَلِ بَلْ إلَى الْقَصْدِ فَقَالَ لَهُ لِمَ فَعَلْت هَذَا وَلَمَّا كَانَ الْحَامِلُ عَلَيْهِ الْخَشْيَةَ كَانَ سَبَبَ الْمَغْفِرَةِ وَلَوْ حَمَلَ عَلَيْهِ سَبَبٌ آخَرُ فَاسِدٌ لَكَانَ الْأَمْرُ بِخِلَافِ ذَلِكَ فِيمَا يَظْهَرُ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } وَفِيهِ بَيَانُ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَغْفِرَتِهِ وَأَنَّ الْمُسْرِفَ عَلَى نَفْسِهِ لَا يَيْأَسُ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { قُلْ يَا عِبَادِي الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ } وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ أَرْجَى آيَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بَابُ الْكَفَنِ وَحَمْلِ الْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : كُفِّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ سَحُولِيَّةٍ بِيضٍ ، وَزَادَ الشَّيْخَانِ مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ وَلِأَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ " كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ نَجْرَانِيَّةِ الْحُلَّةِ وَقَمِيصِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ " . بَابُ الْكَفَنِ وَحَمْلِ الْجِنَازَةِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهَا { الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ } عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { كُفِّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ سَحُولِيَّةٍ بِيضٍ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ بِزِيَادَةِ { مِنْ كُرْسُفٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ } وَلَيْسَ قَوْلُهُ { مِنْ كُرْسُفٍ } عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَلَا عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ زَادَ مُسْلِمٌ أَمَّا الْحُلَّةُ فَإِنَّمَا شُبِّهَ عَلَى النَّاسِ فِيهَا أَنَّهَا اُشْتُرِيَتْ لَهُ لِيُكَفَّنَ فِيهَا فَتُرِكَتْ الْحُلَّةُ وَكُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ سَحُولِيَّةٍ فَأَخَذَهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَأَحْبِسَنَّهَا حَتَّى أُكَفِّنَ فِيهَا نَفْسِي ، ثُمَّ قَالَ لَوْ رَضِيَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِنَبِيِّهِ لَكَفَّنَهُ فِيهَا فَبَاعَهَا وَتَصَدَّقَ بِثَمَنِهَا وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { أُدْرِجَ رَسُولُ اللَّهِ . فِي حُلَّةٍ يَمَنِيَّةٍ كَانَتْ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ ، ثُمَّ نُزِعَتْ مِنْهُ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِي رِوَايَةِ أَصْحَابِ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ فَذَكَرَ لِعَائِشَةَ قَوْلَهُمْ فِي ثَوْبَيْنِ وَبُرْدِ حِبَرَةٍ فَقَالَتْ قَدْ أُتِيَ بِالْبُرْدِ ، وَلَكِنَّهُمْ رَدُّوهُ وَلَمْ يُكَفِّنُوهُ فِيهِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ { فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ سَحُولِيَّةٍ جُدُدٍ } . { الثَّانِيَةُ } السَّحُولِيَّةُ بِفَتْحِ السِّينِ وَضَمِّهَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ وَهُوَ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ قَالَ فِي النِّهَايَةِ تَبَعًا لِلْهَرَوِيِّ فَالْفَتْحُ مَنْسُوبٌ إلَى السَّحُولِ وَهُوَ الْقِصَارُ ؛ لِأَنَّهُ يُسْحِلُهَا أَيْ يَغْسِلُهَا أَوْ إلَى سُحُولَ وَهِيَ قَرْيَةٌ بِالْيَمَنِ وَأَمَّا الضَّمُّ فَهُوَ جَمْعٌ سَحْلٍ وَهُوَ الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ النَّقِيُّ وَلَا يَكُونُ إلَّا مِنْ قُطْنٍ وَفِيهِ شُذُوذٌ ؛ لِأَنَّهُ نَسَبٌ إلَى الْجَمْعِ وَقِيلَ إنَّ اسْمَ الْقَرْيَةِ بِالضَّمِّ أَيْضًا ا هـ وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ السَّحْلُ الثَّوْبُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْكُرْسُفِ مِنْ ثِيَابِ الْيَمَنِ وَالْجَمْعُ سُحُولٌ وَسُحُلٍ مِثْلُ سَقْفٍ ، ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ ، ثُمَّ قَالَ وَيُقَالُ سُحُولٌ مَوْضِعٌ بِالْيَمَنِ وَهِيَ تُنْسَبُ إلَيْهِ وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ : السَّحْلُ ثَوْبٌ أَبْيَضُ وَخَصَّ بَعْضُهُمْ بِهِ الثَّوْبَ مِنْ الْقُطْنِ وَقِيلَ السَّحْلُ ثَوْبٌ أَبْيَضُ رَقِيقٌ وَجَمْعُ كُلِّ ذَلِكَ أَسْحَالٌ وَسُحُولٌ وَسُحُلٌ ا هـ وَالْكُرْسُفُ بِضَمِّ الْكَافِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبِالْفَاءِ الْقُطْنُ قَالَ فِي الْمُحْكَمِ وَهُوَ الْكُرْسُفُ . { الثَّالِثَةُ } فِيهِ تَكْفِينُ الْمَيِّتِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُجُوبِهِ وَهُوَ فَرْضُ كِفَايَةٍ إذَا قَامَ بِهِ الْبَعْضُ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ الْبَاقِينَ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَيَجِبُ فِي مَالِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ مِنْ سَيِّدٍ وَقَرِيبٍ وَنَحْوِهِ وَلِلْمَالِكِيَّةِ فِي الْقَرِيبِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْإِلْزَامُ لِابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَنَفْيُهُ لِأَصْبَغَ وَالثَّالِثُ وُجُوبُ تَكْفِينِ الْوَلَدِ دُونَ الْأَبِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي الْمُتَزَوِّجَةِ إذَا كَانَ لَهَا مَالٌ هَلْ تَكْفِينُهَا مِنْ مَالِهَا أَوْ عَلَى زَوْجِهَا فَذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالْمُحَرَّرِ وَالنَّوَوِيُّ فِي الْمِنْهَاجِ وَذَهَبَ إلَى الثَّانِي الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الْكَبِيرِ وَالنَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَقَالَ فِيهِ قَيَّدَ الْغَزَالِيُّ وُجُوبَ الْكَفَنِ عَلَى الزَّوْجِ بِشَرْطِ إعْسَارِ الْمَرْأَةِ وَأَنْكَرُوهُ عَلَيْهِ ا هـ وَمَتَى كَانَتْ مُعْسِرَةً فَتَكْفِينُهَا عَلَى زَوْجِهَا قَطْعًا وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ مَالِكٍ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ كَانَتْ مُوسِرَةً فَفِي مَالِهَا وَإِنْ كَانَتْ مُعَسِّرَة فَعَلَى الزَّوْجِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ لَا شَيْءَ عَلَى الزَّوْجِ بِحَالٍ ا هـ وَقَالَ فِي الْوَاضِحَةِ يُقْضَى عَلَى الزَّوْجِ بِتَكْفِينِهَا وَإِنْ كَانَتْ مُوسِرَةً ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ ، وَلَيْسَ لَهُ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ فَفِي بَيْتِ الْمَالِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَجَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يُوَزِّعُهُ الْإِمَامُ عَلَى أَهْلِ الْيَسَارِ عَلَى مَا يَرَاهُ . { الرَّابِعَةُ } فِيهِ أَنَّ السُّنَّةَ لِلرَّجُلِ فِي الْكَفَنِ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ رُوِيَ فِي كَفَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَصَحُّ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ يَعْنِي الْحَاكِمَ : تَوَاتَرَتْ الْأَخْبَارُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُغَفَّلٍ { فِي تَكْفِينِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ بِيضٍ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ } وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ التَّكْفِينُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ وَعَمْرٍو وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ ثَوْبٌ أَوْ ثَلَاثَةٌ أَوْ خَمْسَةٌ . وَعَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ قَالَ : كَفِّنُونِي فِي ثَوْبَيْ هَذَيْنِ . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَفَّنَ ابْنَهُ وَاقِدًا فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ وَقَمِيصٍ وَعِمَامَةٍ وَثَلَاثِ لَفَائِفَ وَعَنْ ثُوَيْبِ بْنِ عَقْلٍ قَالَ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ يُكَفَّنَانِ فِي ثَوْبَيْنِ وَكُفِّنَ أَبُو بَكْرٍ فِي ثَوْبَيْنِ . وَعَنْ غُنَيْمِ بْنِ قَيْسٍ كُنَّا نُكَفِّنُ فِي الثَّوْبَيْنِ وَالثَّلَاثِ وَالْأَرْبَعَةِ . وَعَنْ هِشَامِ بْنِ عَوْفٍ أَنَّ غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفِّنَ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ . وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِي كُفِّنَ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ عَنْ ابْنِ الْحَنَفِيَّةَ عَنْ عَلِيٍّ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفِّنَ فِي سَبْعَةِ أَثْوَابٍ } ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الْوَهْمُ فِيهِ مِنْ ابْنِ عَقِيلٍ أَوْ مِمَّنْ بَعْدَهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ عَلْقَمَةَ يُكَفَّنُ فِي ثَوْبَيْنِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يَجْزِي ثَوْبَانِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ إذَا لَمْ يُوجَدْ غَيْرُهُمَا وَقَالَ النُّعْمَانُ يُكَفَّنُ الرَّجُلُ فِي ثَوْبَيْنِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُكَفِّنُ أَهْلَهُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ وَعِمَامَةٍ وَقَمِيصٍ وَثَلَاثِ لَفَائِفَ ا هـ . { الْخَامِسَةُ } التَّكْفِينُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ إنَّمَا هُوَ عَلَى طَرِيقِ الِاسْتِحْبَابِ وَالْوَاجِبُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ قَالَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَنْفُذُ وَصِيَّةُ الْمَيِّتِ بِإِسْقَاطِهِ بِخِلَافِ الثَّانِي وَالثَّالِثِ فَإِنَّهُمَا حَقٌّ لِلْمَيِّتِ تَنْفُذُ وَصِيَّتُهُ بِإِسْقَاطِهِمَا فَلَوْ لَمْ يُوصِ فَقَالَ بَعْضُ الْوَرَثَةِ يُكَفَّنُ بِثَوْبٍ وَبَعْضُهُمْ بِثَلَاثَةٍ فَالْمَذْهَبُ التَّكْفِينُ بِثَلَاثَةٍ وَلَوْ اتَّفَقَتْ الْوَرَثَةُ عَلَى ثَوْبٍ قَالَ الْبَغَوِيّ يَجُوزُ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي هُوَ عَلَى الْخِلَافِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ إنَّهُ أَقْيَسُ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ مُسْتَغْرِقٌ فَقَالَ الْغُرَمَاءُ نُكَفِّنُهُ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ أُجِيبُوا عَلَى الْأَصَحِّ خِلَافًا لِلْمَالِكِيَّةِ وَمَنْ هُوَ فِي نَفَقَةِ غَيْرِهِ أَوْ كُفِّنَ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ أَوْ مِنْ عِنْدِ الْمُسْلِمِينَ يُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى ثَوْبٍ وَاحِدٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي قَدْرِ الثَّوْبِ الْوَاجِبِ عَلَى وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا يَسْتُرُ جَمِيعَ بَدَنِهِ وَبِهِ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالثَّانِي مَا يَسْتُرُ الْعَوْرَةَ خَاصَّةً وَيَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ عَوْرَةِ الْمُكَفَّنِ فِي الذُّكُورَةِ وَالْأُنُوثَةِ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِهِ الصَّغِيرِ وَالنَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَقَالَ صَحَّحَهُ الْجُمْهُورُ وَهُوَ ظَاهِرُ النَّصِّ وَقَالَ الْقَاضِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ لَا يَجْزِي أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ لِمَنْ يَقْدِرُ عَلَيْهَا وَحُكِيَ مِثْلُهُ عَنْ عَائِشَةَ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ : يَجُوزُ الِاقْتِصَارُ عَلَى ثَوْبَيْنِ وَيُكْرَهُ ثَوْبٌ وَاحِدٌ إلَّا فِي حَالَةِ الضَّرُورَةِ . { السَّادِسَةُ } مَذْهَبُنَا أَنَّ الصَّبِيَّ الصَّغِيرَ كَالْكَبِيرِ فِي اسْتِحْبَابِ تَكْفِينِهِ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ قَالَ أَحْمَدُ يُكَفَّنُ الصَّبِيُّ فِي خِرْقَةٍ وَإِنْ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةٍ فَلَا بَأْسَ ، وَكَذَلِكَ إِسْحَاقُ وَنَحْوُهُ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالثَّوْرِيُّ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَغَيْرِهِمْ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِي أَنَّ ثَوْبًا يُجْزِئُهُ وَأَنَّهُ إنْ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةٍ فَلَا بَأْسَ ؛ لِأَنَّهُ ذَكَرٌ فَأَشْبَهَ الرَّجُلَ انْتَهَى . { السَّابِعَةُ } قَالَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَغَيْرُهُمْ يُسْتَحَبُّ تَكْفِينُ الْمَرْأَةِ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ فَفَرَّقُوا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الرِّجَالِ ؛ لِأَنَّهَا تَزِيدُ فِي حَيَاتِهَا عَلَى الرَّجُلِ فِي السِّتْرِ لِزِيَادَةِ عَوْرَتِهَا فَكَذَلِكَ بَعْدَ الْمَوْتِ ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ فِي تَكْفِينِ أُمِّ كُلْثُومٍ بِنْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكِنْ قَالَ أَصْحَابُنَا لَيْسَتْ الْخَمْسَةُ فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ كَالثَّلَاثَةِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ حَتَّى نَقُولُ يُخَيَّرُ الْوَرَثَةُ عَلَيْهَا كَمَا يُخَيَّرُونَ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ الزِّيَادَةُ عَلَى الثَّلَاثَةِ إلَى الْخَمْسَةِ مُسْتَحَبَّةٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَهِيَ فِي حَقِّهِنَّ آكَدُ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَكْثَرُ مَنْ نَحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَى أَنْ تُكَفَّنَ الْمَرْأَةُ فِي خَمْسَةِ أَثْوَابٍ مِنْهُمْ الشَّعْبِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ . قَالَ عَطَاءٌ : تُكَفَّنُ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ دِرْعٌ وَثَوْبٌ تَحْتَ الدِّرْعِ تُلَفُّ بِهِ وَثَوْبٌ فَوْقَهُ تُلَفُّ فِيهِ وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى : دِرْعٌ وَخِمَارٌ وَلِفَافَةٌ تُدْرَجُ فِيهَا انْتَهَى . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الْجَارِيَةِ إذَا لَمْ تَبْلُغْ : تُكَفَّنُ فِي لِفَافَتَيْنِ وَقَمِيصٍ لَا خِمَارَ فِيهِ . وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّهَا لَا تَصِيرُ كَالْمَرْأَةِ فِي الْكَفَنِ إلَّا بَعْدَ الْبُلُوغِ وَرَوَى عَنْهُ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ أَنَّهَا إذَا كَانَتْ بِنْتَ تِسْعٍ يُصْنَعُ بِهَا مَا يُصْنَعُ بِالْمَرْأَةِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْأَثْوَابِ الْخَمْسَةِ الَّتِي تُكَفَّنُ بِهَا الْمَرْأَةُ فَحُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ أَنَّهَا إزَارٌ وَخِمَارٌ وَثَلَاثُ لَفَائِفَ وَعَنْ الْقَدِيمِ إزَارٌ وَخِمَارٌ وَقَمِيصٌ وَلِفَافَتَانِ وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مِمَّا يُفْتَى فِيهِ عَلَى الْقَدِيمِ وَأَنَّهُ الْأَظْهَرُ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ . وَحَكَى النَّوَوِيُّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْمَحَامِلِيِّ أَنَّ الْمَعْرُوفَ لِلشَّافِعِيِّ فِي عَامَّةِ كُتُبِهِ أَنْ يَكُونَ فِيهَا قَمِيصٌ وَأَنَّ الْقَوْلَ الْآخَرَ لَا يُعْرَفُ إلَّا عَنْ الْمُزَنِيّ قَالَ فَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ إثْبَاتُ الْقَمِيصِ مُخْتَصًّا بِالْقَدِيمِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ . وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ الْحَنْبَلِيُّ عَلَى أَكْثَرِ أَصْحَابِهِمْ وَغَيْرِهِمْ وَصَحَّحَهُ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَالَ الْخِرَقِيِّ مِنْهُمْ : قَمِيصٌ وَإِزَارٌ وَمُقَنَّعَةٌ وَلِفَافَةٌ وَخَامِسَةٌ يُشَدُّ بِهَا فَخِذَاهَا فَجَعَلَ بَدَلَ اللِّفَافَةِ الْأُخْرَى خِرْقَةً تُشَدُّ عَلَى فَخِذَيْهَا وَأَشَارَ إلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَكَذَا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ : إنَّ الْأَثْوَابَ الْخَمْسَةَ قَمِيصٌ وَإِزَارٌ وَخِمَارٌ وَلِفَافَةٌ لَكِنَّهُمْ قَالُوا فِي الْخَامِسِ خِرْقَةٌ تُرْبَطُ فَوْقَ ثَدْيَيْهَا وَهُوَ غَيْرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ الَّتِي عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْخَامِسَةَ الْخِرْقَةُ تُشَدُّ بِهَا فَخِذَاهَا إلَّا أَنَّهُ قَرِيبٌ مِنْهُ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ تُكَفَّنُ الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ وَلِفَافَةٍ وَمِنْطَقَةٍ وَخِرْقَةٍ تَكُونُ عَلَى بَطْنِهَا وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ مِثْلُهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ وَالْخِرْقَةُ الَّتِي تُشَدُّ عَلَيْهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ بَدَلُ الْمِنْطَقَةِ الْإِزَارُ وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَاهُ وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ فِي الدِّرْعِ وَالْخِمَارِ وَالرِّدَاءِ وَالْإِزَارِ وَالْخِرْقَةِ وَعَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَيْضًا تُوضَعُ الْخِرْقَةُ عَلَى بَطْنِهَا أَوْ يُعَصَّبُ بِهَا فَخِذَاهَا وَعَنْهُ أَيْضًا يُلَفُّ بِهَا الْفَخِذَانِ تَحْتَ الدِّرْعِ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ تُشَدُّ الْخِرْقَةُ فَوْقَ الثِّيَابِ وَذَكَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي تَفْسِيرِ الْأَثْوَابِ الْخَمْسَةِ أَنَّهَا دِرْعٌ وَخِمَارٌ وَلِفَافَتَانِ وَثَوْبٌ لَطِيفٌ يُشَدُّ عَلَى وَسَطِهَا يَجْمَعُ ثِيَابَهَا . { الثَّامِنَةُ } فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ فِي لَوْنِ الْكَفَنِ الْبَيَاضُ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ قَالُوا وَيَجُوزُ التَّكْفِينُ فِي سَائِرِ الْأَلْوَانِ إلَّا أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْكَفَنُ مِمَّا يَجُوزُ لُبْسُهُ فِي حَيَاتِهِ . { التَّاسِعَةُ } فِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ مِنْ كُرْسُفٍ أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ جِنْسُ الْكَفَنِ الْقُطْنَ وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَقَالَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ كَفَنِ الْقُطْنِ انْتَهَى . وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ كَانَ يُعْجِبُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْكَفَنِ كَتَّانًا وَقَالَ أَصْحَابُنَا جِنْسُهُ فِي حَقِّ كُلِّ مَيِّتٍ مَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُهُ فِي الْحَيَاةِ فَيَجُوزُ تَكْفِينُ الْمَرْأَةِ فِي الْحَرِيرِ لَكِنْ يُكْرَهُ وَيَحْرُمُ تَكْفِينُ الرَّجُلِ بِهِ فَأَمَّا الْمُزَعْفَرُ وَالْمُعَصْفَرُ فَلَا يَحْرُمُ تَكْفِينُهَا فِيهِ لَكِنْ يُكْرَهُ عَلَى الْمَذْهَبِ ، وَكَذَا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ مَا جَازَ لِلْإِنْسَانِ لُبْسُهُ فِي حَيَاتِهِ جَازَ تَكْفِينُهُ بِهِ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا يُعْجِبُنِي أَنْ يُكَفَّنَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْحَرِيرِ وَكَرِهَ ذَلِكَ الْحَسَنُ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَإِسْحَاقُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَا أَحْفَظُ عَنْ غَيْرِهِمْ خِلَافَهُ وَذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي جَوَازِ تَكْفِينِ الْمَرْأَةِ بِالْحَرِيرِ احْتِمَالَيْنِ وَقَالَ أَقْيَسُهُمَا الْجَوَازُ لَكِنْ يُكْرَهُ ، وَكَذَلِكَ يُكْرَهُ تَكْفِينُهَا بِالْمُعَصْفَرِ وَنَحْوِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لَا يُكَفَّنُ الْمَيِّتُ فِي الثِّيَابِ الْمُصَبَّغَةِ إلَّا مَا كَانَ مِنْ الْعَصَبِ يَعْنِي مَا صُبِغَ بِالْعَصَبِ وَهُوَ نَبْتٌ يَنْبُتُ بِالْيَمَنِ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي التَّكْفِينِ بِالْحَرِيرِ أَقْوَالٌ ( الْجَوَازُ مُطْلَقًا ) لِسُقُوطِ الْمَنْعِ بِالْمَوْتِ لَكِنْ يُكْرَهُ وَ . ( الْمَنْعُ مُطْلَقًا ) إلَّا لِضَرُورَةٍ وَهُمَا مَحْكِيَّانِ عَنْ مَالِكٍ ( وَالثَّالِثُ ) قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ يَجُوزُ لِلنِّسَاءِ دُونَ الرِّجَالِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ كَرِهَ مَالِكٌ وَعَامَّةُ الْعُلَمَاءِ التَّكْفِينَ فِي الْحَرِيرِ مُطْلَقًا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَا أَحْفَظُ خِلَافَهُ . { الْعَاشِرَةُ } قَوْلُهُ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ فَالصَّحِيحُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَ فِي الْكَفَنِ قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ أَصْلًا وَالثَّانِي أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ خَارِجَةٍ عَنْ الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فِي الْمُرَادِ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْأَوَّلَ تَفْسِيرُ الشَّافِعِيِّ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ قَالَ وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي يَقْتَضِبهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَقَالَ إنَّ الثَّانِيَ ضَعِيفٌ فَلَمْ يَثْبُتْ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفِّنَ فِي قَمِيصٍ وَعِمَامَةٍ انْتَهَى . وَتَرَتَّبَ عَلَى هَذَا اخْتِلَافُهُمْ فِي أَنَّهُ هَلْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِي الْكَفَنِ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ أَمْ لَا فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الثَّلَاثَةُ لَفَائِفَ لَيْسَ فِيهَا قَمِيصٌ وَلَا عِمَامَةٌ وَاخْتَلَفُوا فِي زِيَادَةِ الْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ أَوْ غَيْرِهِمَا عَلَى اللَّفَائِفِ الثَّلَاثَةِ لِتَصِيرَ خَمْسَةً فَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَقَالَتْ الشَّافِعِيَّةُ إنَّهُ جَائِزٌ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ وَقَالَتْ الْمَالِكِيَّةُ إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَهُوَ فِي حَقِّ النِّسَاءِ آكَدُ ، قَالُوا وَالزِّيَادَةُ إلَى السَّبْعَةِ غَيْرُ مَكْرُوهَةٍ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا سَرَفٌ وَقَالَ الْحَنِيفَةُ إنَّ الْأَثْوَابَ الثَّلَاثَةَ إزَارٌ وَقَمِيصٌ وَلِفَافَةٌ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ لَوْ كُفِّنَ فِي إزَارٍ وَقَمِيصٍ وَلِفَافَةٍ لَمْ يُكْرَهْ ، وَلَكِنَّ الْأَفْضَلَ الْأَوَّلُ وَهَذَا جَائِزُ بِلَا كَرَاهَةٍ وَقَالَ بَعْضُ مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّةِ يَجْزِي عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ وَلِفَافَةٌ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنَّ الثَّلَاثَةَ لَفَائِفُ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ إنْ شِئْت فِي قَمِيصٍ وَلِفَافَتَيْنِ وَإِنْ شِئْت فِي ثَلَاثِ لَفَائِفَ ، وَقَدْ ظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَالَ إنَّ مِنْ الثَّلَاثَةِ قَمِيصًا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ مَعًا وَكَأَنَّهُ تَمَسَّكَ فِي اسْتِحْبَابِ الْقَمِيصِ بِإِلْبَاسِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ قَمِيصًا وَسَيَأْتِي ذِكْرُهُ وَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ فِي تَوْجِيهِهِ أَنَّهُ الَّذِي يُعْتَادُ لُبْسُهُ فِي الْحَيَاةِ فَكَذَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَيَقْتَضِي اخْتِلَافَهُ بِاخْتِلَافِ عَادَةِ ذَلِكَ الْمَيِّتِ فِيمَا كَانَ يَلْبَسُهُ فِي حَيَاتِهِ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ حُمِلَ الْأَمْرُ عَلَى الْأَكْثَرِ الْأَغْلَبِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ يُسْتَحَبُّ قَمِيصٌ وَعِمَامَةٌ وَتَأَوَّلُوا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَ الْقَمِيصُ وَالْعِمَامَةُ مِنْ جُمْلَةِ الثَّلَاثَةِ ، وَإِنَّمَا هُمَا زَائِدَانِ عَلَيْهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ يَجْعَلُونَ الْقَمِيصَ مِنْ جُمْلَةِ الثَّلَاثَةِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ كَوْنَ الْمَيِّتِ لَا يُعَمَّمُ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَأَبِي الشَّعْثَاءِ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَحَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَعَطَاءٍ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ يُعَمَّمُ كَمَا يُعَمَّمُ الْحَيُّ وَعَنْ الْحَسَنِ بِوَضْعِ الْعِمَامَةِ وَسَطَ رَأْسِهِ ، ثُمَّ يُخَالِفُ بَيْنَ طَرَفَيْهَا هَكَذَا عَلَى جَسَدِهِ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُدَوَّنَةِ مِنْ شَأْنِ الْمَيِّتِ أَنْ يُعَمَّمَ عِنْدَنَا وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ عَلَى هَذَا الْعَمَلُ عِنْدَنَا يَعْنِي بِقَمِيصِ الْمَيِّتِ . { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْقَمِيصَ الَّذِي غُسِّلَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُزِعَ عَنْهُ عِنْدَ تَكْفِينِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي لَا يُتَّجَهُ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أُبْقِيَ مَعَ رُطُوبَتِهِ لَأَفْسَدَ الْأَكْفَانَ قَالَ وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُفِّنَ فِي ثَلَاثَةِ أَثْوَابٍ الْحُلَّةُ ثَوْبَانَ وَقَمِيصُهُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ فَحَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ ؛ لِأَنَّ يَزِيدَ بْنَ أَبِي زِيَادٍ أَحَدُ رُوَاتِهِ مُجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ لَا سِيَّمَا ، وَقَدْ خَالَفَ بِرِوَايَتِهِ الثِّقَاتِ انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْخُلَاصَةِ : وَلَوْ صَحَّ فَتَأْوِيلُهُ مَا سَبَقَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا اُشْتُرِيَتْ لَهُ فَلَمْ يَكُنْ فِيهَا وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ انْفَرَدَ بِهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَلَا يُحْتَجُّ بِهِ لِضَعْفِهِ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ الَّذِي نَفَتْ عَنْهُ الْقَمِيصَ أَصَحُّ انْتَهَى . وَعَنْ جَابِرٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ فِي حُفْرَتِهِ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتِهِ وَ أَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ ، وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ } زَادَ الشَّيْخَانِ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، زَادَ الْبُخَارِيُّ { وَكَانَ كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا } قَالَ سُفْيَانُ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ { وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَانِ فَقَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلْبِسْ أَبِي قَمِيصَك الَّذِي يَلِي جِلْدَك } . قَالَ سُفْيَانُ فَيَرَوْنَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ } كَذَا فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ أَبُو هَارُونَ وَلِلنَّسَائِيِّ فِي حَدِيثُ جَابِرٍ " وَكَانَ الْعَبَّاسُ بِالْمَدِينَةِ فَطَلَبَتْ الْأَنْصَارُ ثَوْبًا يَكْسُونَهُ فَلَمْ يَجِدُوا قَمِيصًا يَصْلُحُ عَلَيْهِ إلَّا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَكَسَوْهُ إيَّاهُ وَلِلشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي قَمِيصَك أُكَفِّنْهُ فِيهِ وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَهُ } الْحَدِيثَ . . { الْحَدِيثُ الثَّانِي } عَنْ جَابِرٍ { أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ فِي حُفْرَتِهِ فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتِهِ وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ وَنَفَثَ عَلَيْهِ مِنْ رِيقِهِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ وَزَادُوا فِي رِوَايَتِهِمْ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ { وَكَانَ الْعَبَّاسُ بِالْمَدِينَةِ فَطَلَبَتْ الْأَنْصَارُ ثَوْبًا يُلْبِسُونَهُ فَلَمْ يَجِدُوا قَمِيصًا يَصْلُحُ عَلَيْهِ إلَّا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ فَكَسَوْهُ إيَّاهُ } وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ فِي الْجَنَائِزِ وَكَانَ { كَسَا عَبَّاسًا قَمِيصًا قَالَ سُفْيَانُ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَكَانَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَانِ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلْبِسْ أَبِي قَمِيصَك الَّذِي يَلِي جِلْدَك } قَالَ سُفْيَانُ فَيَرَوْنَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْبَسَ عَبْدَ اللَّهِ قَمِيصَهُ مُكَافَأَةً لِمَا صَنَعَ } قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ كَذَا فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ، وَفِي أَكْثَرِ النُّسَخِ أَبُو هَارُونَ وَلَفْظُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي الْجِهَادِ { لَمَّا كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ أُتِيَ بِأَسَارَى وَأُتِيَ بِالْعَبَّاسِ وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ ثَوْبٌ فَنَظَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ قَمِيصًا فَوَجَدُوا قَمِيصَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ يَقْدِرُ عَلَيْهِ فَكَسَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُ فَلِذَلِكَ نَزَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَهُ الَّذِي أَلْبَسَهُ } قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ كَانَتْ لَهُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدٌ فَأَحَبَّ أَنْ يُكَافِئَهُ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ فَذَكَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ سُفْيَانَ . { الثَّانِيَةُ } اسْتَدَلَّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّكْفِينِ فِي قَمِيصٍ وَالْمُخَالِفُونَ لَهُمْ يَقُولُونَ هَذِهِ وَاقِعَةٌ لَمْ نَدْرِ كَيْفَ اتَّفَقَ الْحَالُ فِيهَا يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْقَمِيصُ أَحَدَ الْأَكْفَانِ الثَّلَاثَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ زَائِدٌ عَلَيْهَا فَإِنْ كَانَ أَحَدَهَا فَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِتَحْرِيمِهِ وَلَا كَرَاهَتِهِ وَغَايَتُهُ أَنَّ الْأَفْضَلَ خِلَافُهُ فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا جَوَازَهُ وَلَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَفْضُولًا بَلْ هُوَ فَاضِلٌ ؛ لِأَنَّهُ بَيَّنَ بِهِ الْجَوَازَ وَلِأَمْرٍ يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَهُوَ شَيْئَانِ ( أَحَدُهُمَا ) مُكَافَأَتُهُ إيَّاهُ عَنْ كِسْوَتِهِ لِلْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَمِيصًا فَجَازَاهُ مِنْ جِنْسِ فِعْلِهِ ( وَثَانِيهِمَا ) إكْرَامُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَلَدَهُ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ إلَّا بِسُؤَالِهِ وَاقْتِرَاحِهِ طَلَبَ مِنْهُ أَنْ يُلْبِسَهُ الْقَمِيصَ الَّذِي يَلِي جِلْدَهُ كَمَا تَقَدَّمَ ذَلِكَ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فَفَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُكَافَأَةً لَهُ وَإِكْرَامًا لِأَبِيهِ وَبَيَانًا لِلْجَوَازِ وَكَانَ الْأَفْضَلُ مَا اخْتَارَهُ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَثْوَابٍ خَالِيَةٍ عَنْ قَمِيصٍ وَإِنْ كَانَ هَذَا الْقَمِيصُ زَائِدًا عَلَى الْأَكْفَانِ الثَّلَاثَةِ فَالْحَنَابِلَةُ الْقَائِلُونَ بِكَرَاهَتِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يُجِيبُونَ بِمِثْلِ مَا أَجَبْنَا فِيمَا إذَا كَانَ أَحَدُهَا وَالشَّافِعِيَّةُ لَا يَرَوْنَ كَرَاهِيَتَهُ بَلْ يَقْتَصِرُونَ فِيهِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَالْمَالِكِيَّةُ يَسْتَحِبُّونَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَهِيَ مَا إذَا كَانَ زَائِدًا عَلَى الثَّلَاثَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّالِثَةُ } بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي بَابِ الْكَفَنِ بِالْقَمِيصِ الَّذِي تَكْفِ أَوْ لَا يَكْفِ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ صَوَابُهُ بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ وَمَعْنَاهُ طَوِيلًا كَانَ ذَلِكَ الْقَمِيصُ أَوْ قَصِيرًا فَإِنَّهُ يَجُوزُ الْكَفَنُ فِيهِ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ طَوِيلًا وَلِذَلِكَ كَسَا الْعَبَّاسُ قَمِيصَهُ وَكَانَ الْعَبَّاسُ بَائِنَ الطُّولِ ا هـ وَكَانَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَهِمَ مِنْ كَوْنِهِمْ لَمْ يَجِدُوا لِلْعَبَّاسِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ثَوْبًا يَصْلُحُ لَهُ لِطُولِهِ إلَّا ثَوْبَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ أَنَّ هَذَا الثَّوْبَ الَّذِي كَسَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِابْنِ أُبَيٍّ لَمْ يَكُنْ كَافِيًا لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ مُعْتَدِلَ الْخِلْقَةِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْبَائِنِ فَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ التَّكْفِينِ بِالْقَمِيصِ النَّاقِصِ عَنْ بَدَنِ الْمَيِّتِ الَّذِي هُوَ غَيْرُ كَافٍ لَهُ فِي طُولِهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ كُفِّنَ إلَّا فِي هَذَا الْقَمِيصِ لَكَانَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ الْكَفَنُ مُسْتَوْعِبًا لِبَدَنِ الْمَيِّتِ كَمَا هُوَ الْمُرَجَّحُ عِنْدَنَا لَكِنْ ظَاهِرٌ أَنَّهُ كُفِّنَ فِي غَيْرِهِ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَتَاهُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ حُفْرَتَهُ وَمَا كَانَ لِيَدْخُلَ حُفْرَتَهُ إلَّا بَعْدَ تَكْفِينِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الرَّابِعَةُ } قَوْلُهُ { أَتَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ فِي حُفْرَتِهِ } لَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ قَدْ دُفِنَ فَنُبِشَ الْقَبْرُ وَأَخْرَجَهُ بَلْ كَانَ هَذَا قَبْلَ إهَالَةِ التُّرَابِ عَلَيْهِ وَهَذَا اللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَأَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَزَلَ فِي قَبْرِهِ وَلَأَنْ يَكُونَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ أُخْرِجَ مِنْ الْقَبْرِ وَالْوَاقِعُ هُوَ الِاحْتِمَالُ الثَّانِي فَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ { فَأَخْرَجَهُ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { فَأَمَرَ بِهِ فَأُخْرِجَ } ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { فَأَخْرَجَهُ مِنْ قَبْرِهِ } وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ بَعْدَ مَا دُفِنَ فَلَيْسَ مُتَعَيِّنًا لِإِهَالَةِ التُّرْبِ عَلَيْهِ بَلْ هُوَ صَادِقٌ بِمُجَرَّدِ وَضْعِهِ فِي اللَّحْدِ فَهُوَ بِمَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَبَوَّبَ الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بَابُ هَلْ يَخْرُجُ الْمَيِّتُ مِنْ الْقَبْرِ وَاللَّحْدِ لِعِلَّةٍ وَهَذَا التَّبْوِيبُ أَيْضًا لَا يَقْتَضِي النَّبْشَ وَتَكَلَّمَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْبَابِ عَلَى النَّبْشِ ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ لَيْسَ بِلَازِمٍ مِنْهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ الْحَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيِّ مَعَهُ فِي نَبْشِهِ إيَّاهُ بَعْدَ سِتَّةِ أَشْهُرٍ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةُ } مُقْتَضَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّمَا أَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ بَعْدَ إدْخَالِهِ حُفْرَتَهُ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أُبَيٍّ لَمَّا تُوُفِّيَ جَاءَ ابْنُهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْطِنِي قَمِيصَك أُكَفِّنْهُ فِيهِ وَصَلِّ عَلَيْهِ وَاسْتَغْفِرْ لَهُ فَأَعْطَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَمِيصَهُ } الْحَدِيثَ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ أَعْطَاهُ قَمِيصَهُ أَوَّلَ وَفَاتِهِ قَبْلَ دَفْنِهِ وَإِدْخَالِهِ فِي حُفْرَتِهِ وَيُحْتَمَلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِصَرْفِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ ظَاهِرِهِ إمَّا بِأَنْ يَكُونَ وَلَدُهُ إنَّمَا طَلَبَ الْقَمِيصَ بَعْدَ تَكْفِينِهِ وَإِدْخَالِهِ حُفْرَتَهُ أَوْ طَلَبَهُ مِنْ أَوَّلِ مَوْتِهِ لَكِنْ تَأَخَّرَ إعْطَاؤُهُ لَهُ حَتَّى أُدْخِلَ قَبْرَهُ وَالْفَاءُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ فَأَعْطَاهُ قَمِيصَهُ لَا تُنَافِي هَذَا ؛ لِأَنَّ زَمَنَ تَجْهِيزِهِ زَمَنٌ يَسِيرٌ لَا يُنَافِي التَّعْقِيبَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ { وَأَلْبَسَهُ قَمِيصَهُ } مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ { فَوَضَعَهُ عَلَى رُكْبَتِهِ } فَالْمَفْعُولُ بَعْدَ وَضْعِهِ فِي حُفْرَتِهِ إنَّمَا هُوَ وَضْعُهُ عَلَى الرُّكْبَةِ وَنَفْثِ الرِّيقِ عَلَيْهِ وَأَمَّا إلْبَاسُهُ الْقَمِيصَ فَكَانَ مُتَقَدِّمًا عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ حِكَايَةٌ عَمَّا فَعَلَهُ مَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ تَرْتِيبِ بَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى بَعْضٍ فِي الزَّمَانِ ، وَفِي هَذَا بُعْدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّادِسَةُ } هَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي فَعَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا هِيَ إكْرَامٌ لِوَلَدِهِ وَقَضَاءٌ لِحَقِّهِ وَتَطْيِيبٌ لِقَلْبِهِ فَإِنَّهُ كَانَ صَحِيحَ الْإِسْلَامِ مَعَ الْيَدِ الَّتِي تَقَدَّمَتْ لَهُ فِي كِسْوَةِ الْعَبَّاسِ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَشَدَّ النَّاسِ مُكَافَأَةً وَرَجَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ النَّفْعَ وَتَرْكَ الْعَذَابِ إنْ كَانَ مُسْلِمًا فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَتَحَقَّقْ حِينَئِذٍ كُفْرُهُ حَتَّى نَزَلَ عَلَيْهِ بَعْدَ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُوا وَهُمْ فَاسِقُونَ } وَكَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ قَبْلَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّابِعَةُ } النَّفْثُ بِالنُّونِ وَالْفَاءِ وَالثَّاءِ شَبِيهٌ بِالنَّفْخِ وَهُوَ أَقَلُّ مِنْ التَّفْلِ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ وَالْمُحْكَمِ وَالنِّهَايَةِ زَادَ فِي النِّهَايَةِ ؛ لِأَنَّ التُّفْل لَا يَكُونُ إلَّا وَمَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الرِّيقِ وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ أَوَّلُهُ الْبَزْقُ ، ثُمَّ التَّفْلُ ، ثُمَّ النَّفْثُ ، ثُمَّ النَّفْخُ ، ثُمَّ قَالَ فِي الْمُحْكَمِ وَقِيلَ هُوَ التَّفْلُ بِعَيْنِهِ وَحَكَى فِي الْمَشَارِقِ كَوْنَ التَّفْلِ لَا يَكُونُ إلَّا وَمَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الرِّيقِ عَنْ أَبِي عُبَيْدٍ ، ثُمَّ قَالَ وَقِيلَ هُمَا سَوَاءٌ يَكُونُ مَعَهُمَا رِيقٌ وَقِيلَ بِعَكْسِ الْأَوَّلِ . { الثَّامِنَةُ } قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّ رِيقَ ابْنِ آدَمَ وَنُخَامَتَهُ نَجَسٌ وَهُوَ قَوْلٌ يُرْوَى عَنْ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ وَالْعُلَمَاءُ كُلُّهُمْ عَلَى خِلَافِهِ وَالسُّنَنُ وَرَدَتْ بِرَدِّهِ فَمَعَاذَ اللَّهِ أَنْ يَكُونَ رِيقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَجَسًا وَنَفْثُهُ عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ بِهِ وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَّمَنَا النَّظَافَةَ وَالطَّهَارَةَ وَبِهِ طَهَّرَنَا اللَّهُ مِنْ الْأَدْنَاسِ ا هـ . { التَّاسِعَةُ } فِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ إشَارَةٌ إلَى الشَّكِّ فِي إسْلَامِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَإِنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ الَّتِي فَعَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ لَا تُفْعَلُ إلَّا مَعَ مُسْلِمٍ وَكَانَ يَظْهَرُ مِنْهُ مَا يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ لَكِنْ جَوَابُهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اعْتَمَدَ مَا كَانَ يُظْهِرُهُ مِنْ الْإِسْلَامِ وَأَعْرَضَ عَمَّا كَانَ يَتَعَاطَاهُ مِمَّا يُقْتَضَى خِلَافَ ذَلِكَ حَتَّى نَزَلَ بَعْدَ ذَلِكَ الْقُرْآنُ فِي قَوْله تَعَالَى { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا } الْآيَةَ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْعَاشِرَةُ } فِيهِ لُبْسُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْقَمِيصِ وَإِنْ كَانَ الْأَغْلَبُ مِنْ عَادَتِهِ وَعَادَةِ سَائِرِ الْعَرَبِ لُبْسَ الْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ { رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ } رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ زَادَ النَّسَائِيّ ( وَعُثْمَانُ ) وَصَحَّحَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَالنَّسَائِيُّ أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيُّ مُرْسَلًا ، وَاخْتَارَ الْبَيْهَقِيُّ تَرْجِيحَ الْمَوْصُولِ . . { الْحَدِيثَ الثَّالِثُ } وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ { رَأَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ } رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهِ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ بْنِ يَحْيَى عَنْ مَنْصُورٍ وَبَكْرٍ الْكُوفِيِّ وَزِيَادِ بْنِ سَعْدٍ وَسُفْيَانُ وَهُوَ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِهِ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ عُثْمَانُ ، ثُمَّ قَالَ بَكْرٌ وَحْدَهُ لَمْ يَذْكُرْ عُثْمَانُ ، ثُمَّ قَالَ النَّسَائِيُّ هَذَا خَطَأٌ وَالصَّوَابُ مُرْسَلٌ ، وَإِنَّمَا أُتِيَ هَذَا عِنْدِي ؛ لِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ وَقَالَ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ } وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ : الْحُفَّاظُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ ثَلَاثَةٌ مَالِكٍ وَمَعْمَرٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ فَإِذَا اتَّفَقَ اثْنَانِ عَلَى شَيْءٍ وَخَالَفَهُمَا الْآخَرُ تَرَكْنَا قَوْلَ الْآخَرِ . ا هـ وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا ، ثُمَّ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ } وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ ، ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَزِيَادُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ نَحْوَ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَرَوَى مَعْمَرٌ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَمَالِكٌ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْحُفَّاظِ عَنْ الزُّهْرِيِّ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ } وَأَهْلُ الْحَدِيثِ كُلُّهُمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْحَدِيثَ الْمُرْسَلَ فِي ذَلِكَ أَصَحُّ ، ثُمَّ رُوِيَ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ قَالَ : حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا مُرْسَلًا أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَأَرَى ابْنُ جُرَيْجٍ أَخَذَهُ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا هُوَ عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا وَحَدِيثُ ابْنِ عُيَيْنَةَ كَأَنَّهُ وَهْمٌ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ مُسْنَدًا وَفِيهِ عُثْمَانُ وَفِي رِوَايَةٍ لِابْنِ حِبَّانَ فَقِيلَ لِسُفْيَانَ وَعُثْمَانَ ؟ قَالَ لَا أَحْفَظُهُ قِيلَ لَهُ كَانَ ابْنُ جُرَيْجٍ يَقُولُهُ كَمَا تَقُولُهُ وَيَزِيدُ فِيهِ عُثْمَانُ قَالَ سُفْيَانُ لَمْ أَسْمَعْهُ ذَكَرَ عُثْمَانُ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ فَقُمْت إلَيْهِ يَعْنِي ابْنَ عُيَيْنَةَ فَقُلْت لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إنَّ مَعْمَرًا وَابْنَ جُرَيْجٍ يُخَالِفَانِك فِي هَذَا يَعْنِي أَنَّهُمَا يُرْسِلَانِ الْحَدِيثَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اسْتَقَرَّ الزُّهْرِيُّ حَدَّثَنِيهِ سَمِعْته مِنْ فِيهِ يُعِيدُهُ وَيُبْدِيهِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ فَقُلْت لَهُ يَا أَبَا مُحَمَّدٍ إنَّ مَعْمَرًا وَابْنَ جُرَيْجٍ يَقُولَانِ فِيهِ وَعُثْمَانُ قَالَ فَصَدَقَهُمَا وَقَالَ لَعَلَّهُ قَدْ قَالَهُ هُوَ وَلَمْ أَكْتُبْهُ إنِّي كُنْت أَمِيلُ إذْ ذَاكَ إلَى الشِّيعَةِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ وَمَعْمَرٍ فِي وَصْلِ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَرُوِيَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْصُولًا وَرُوِيَ مُرْسَلًا وَقَدْ قِيلَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ ثُمَّ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ رِوَايَةَ هَمَّامٍ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَقَالَ تَفَرَّدَ بِهِ هَمَّامٌ وَهُوَ ثِقَةٌ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى عُقَيْلٍ وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ فَقِيلَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ مَوْصُولًا وَقِيلَ مُرْسَلًا قَالَ : وَمَنْ وَصَلَهُ وَاسْتَقَرَّ عَلَى وَصْلِهِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ فِيهِ وَهُوَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ حُجَّةٌ ثِقَةٌ ا هـ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ أَرْسَلَهُ جَمَاعَةٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ ثُمَّ أَرْسَلَهُ فَذَكَرُوا فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ مِنْ قَوْلِ سَالِمٍ وَمِنْهُمْ مَنْ وَصَلَهُ بِذِكْرِ أَبِيهِ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ لَمْ يَخْفَ عَلَيْنَا قَوْلُ جُمْهُورِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ أَنَّ خَبَرَ هَمَّامٍ هَذَا خَطَأٌ وَلَكِنْ لَا يُلْتَفَتُ إلَى دَعْوَى الْخَطَإِ فِي رِوَايَةِ الثِّقَاتِ إلَّا بِبَيَانٍ لَا يُشَكْ فِيهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ : لَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي إرْسَالِ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَصْحَابُ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَلَيْهِ فِي تَوْصِيلِهِ مُسْنَدًا ، وَتَابَعَهُ ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ وَغَيْرُهُ وَاخْتَلَفَ فِيهِ سَائِرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ انْتَهَى وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بِأَصْحَابِ مَالِكٍ رُوَاةَ الْمُوَطَّإِ فَقَدْ ذَكَرَ فِي التَّمْهِيدِ أَنَّهُ وَصَلَهُ عَنْ مَالِكٍ قَوْمٌ مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ صَالِحٍ الْوُحَاظِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ الْخَرَّازُ وَحَاتِمُ بْنُ سَالِمٍ الْقَزَّازُ ، ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِهِمْ كَذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَ : الصَّحِيحُ فِيهِ عَنْ مَالِكٍ : الْإِرْسَالُ ، وَلَكِنَّهُ قَدْ وَصَلَهُ جَمَاعَةٌ ثِقَاتٌ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ مِنْهُمْ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَمَعْمَرٌ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَابْنُ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ وَزِيَادُ بْنُ سَعِيدٍ وَعَبَّاسُ بْنُ الْحَسَنِ الْجَزَرِيُّ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْ بَعْضِهِمْ ، ثُمَّ بَسَطَ ذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَ وَاَلَّذِينَ يَرْوُونَهُ عَنْهُ مُرْسَلًا أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ انْتَهَى وَكَذَا ذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ أَنَّ جَمَاعَةً رَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ مُسْنَدًا لَكِنْ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ : إنَّهُمْ وَهَمُوا فِيهِ عَلَى مَالِكٍ وَالصَّحِيحُ عَنْهُ الْإِرْسَالُ ، ثُمَّ قَالَ : وَالصَّحِيحُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَوْلُ مَنْ قَالَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ انْتَهَى . وَقَالَ عَبْدُ الْحَقِّ فِي الْأَحْكَامِ : هَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَزِيَادٌ عَنْ سَعْدٍ وَمَنْصُورٍ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَغَيْرِهِمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا ، وَكَذَا رَوَاهُ يُونُسُ وَمَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا وَهُوَ عِنْدَهُمْ أَصَحُّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : الَّذِي وَصَلَهُ سُفْيَانُ وَهُوَ ثِقَةٌ حَافِظٌ إمَامٌ وَاخْتَارَ الْبَيْهَقِيُّ تَرْجِيحَ الْمَوْصُولِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ انْتَهَى . ثُمَّ رَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بَكْرٍ عَنْ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ } ، ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ سَأَلْت مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ أَخْطَأَ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ، وَإِنَّمَا يَرْوِي هَذَا يُونُسُ عَنْ الزُّهْرِيِّ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ } قَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَخْبَرَنِي سَالِمٌ أَنَّ أَبَاهُ كَانَ يَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَهَذَا أَصَحُّ انْتَهَى . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ الْبُرْسَانِيُّ ثِقَةٌ مِمَّنْ إذَا انْفَرَدَ بِشَيْءٍ قُبِلَ مِنْهُ كَيْفَ ، وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ بَكْرُ بْنُ مُضَرَ وَأَبُو زُرْعَةَ وَهِبَةُ اللَّهِ بْنُ رَاشِدٍ وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ بِزِيَادَةِ وَخَلْفَهَا ، وَقَالَ : وَقَوْلُهُ وَخَلْفَهَا لَا يَصِحُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهِيَ لَفْظَةٌ مُنْكَرَةٌ فِيهِ لَا يَقُولُهَا أَحَدٌ مِنْ رُوَاتِهِ . { الثَّانِيَةُ } فِيهِ أَنَّ الْأَفْضَلَ لِمُشَيِّعِ الْجِنَازَةِ أَنْ يَكُونَ قُدَّامَهَا وَفِيهِ مَذَاهِبُ : ( أَحَدُهَا ) هَذَا وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ كَمَا قَدْ عَرَفْته وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَقَوْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ الْمَشْيَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَبِي قَتَادَةَ وَأَبِي أُسَيْدِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَصْحَابِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ وَسَالِمٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ . وَرَوَاهُ الْأَثْرَمُ عَنْ طَلْحَةَ وَالزُّبَيْرِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالسَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ وَغَيْرِهِمْ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا عَنْ شُرَيْحٍ الْقَاضِي وَالزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ انْتَهَى . وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ وَكَانَ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ يَفْعَلُونَهُ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالْفُقَهَاءِ الْمَدَنِيِّينَ السَّبْعَةِ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ سُوَيْد بْنِ عَلْقَمَةَ قَالَ إنَّ الْمَلَائِكَةَ لَتَمْشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ زِيَادِ بْنِ قَيْسٍ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ : " أَتَيْت الْمَدِينَةَ فَرَأَيْت أَصْحَابَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ " . ( الْقَوْلُ الثَّانِي ) أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يَكُونَ خَلْفَهَا وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَقَوْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ . وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سُوَيْد بْنِ عَلْقَمَةَ قَالَ : الْمَلَائِكَةُ يَمْشُونَ خَلْفَ الْجِنَازَةِ ، وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ مِنْ تَمَامِ أَجْرِ الْجِنَازَةِ أَنْ يُشَيِّعَهَا مَعَ أَهْلِهَا وَالْمَشْيَ خَلْفَهَا . وَعَنْ أَبِي مَعْمَرٍ أَنَّهُ قَالَ فِي جِنَازَةِ أَبِي مَيْسَرَةَ : امْشُوا خَلْفَ جِنَازَةِ أَبِي مَيْسَرَةَ فَإِنَّهُ كَانَ مَشَّاءً خَلْفَ الْجَنَائِزِ وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي أَبْزَى قَالَ : كُنْت فِي جِنَازَةٍ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَمَامَهَا وَعَلِيٌّ يَمْشِي خَلْفَهَا فَجِئْت إلَى عَلِيٍّ فَقُلْت لَهُ الْمَشْيُ خَلْفَهَا أَفْضَلُ أَوْ أَمَامَهَا ؛ فَإِنِّي أَرَاك تَمْشِي خَلْفَهَا وَهَذَانِ يَمْشِيَانِ أَمَامَهَا ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ لَقَدْ عُلِّمْنَا أَنَّ الْمَشْيَ خَلْفَهَا أَفْضَلُ مِنْ أَمَامِهَا مِثْلُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْفَذِّ ، وَلَكِنَّهُمَا مُيَسِّرَانِ يُحِبَّانِ أَنْ يُيَسِّرَا عَلَى النَّاسِ وَحَكَى الْأَثْرَمُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ تَكَلَّمَ فِي إسْنَادِهِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ الْجِنَازَةُ مَتْبُوعَةٌ وَلَا تَتْبَعُ لَيْسَ مَعَهَا مَنْ تَقَدَّمَهَا وَهُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ مَرْفُوعًا وَاتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَعَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِكُلِّ أُمَّةٍ قُرْبَانٌ وَإِنَّ قُرْبَانَ هَذِهِ الْأُمَّةِ مَوْتَاهَا فَاجْعَلُوا مَوْتَاكُمْ بَيْنَ أَيْدِيكُمْ } . وَعَنْ أَبِي أُمَامَةَ لَأَنْ لَا أَخْرُجَ مَعَهَا أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ أَمْشِيَ أَمَامَهَا وَعَنْ عَلْقَمَةَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ أَتَكْرَهُ الْمَشْيَ خَلْفَ الْجِنَازَةِ قَالَ لَا إنَّمَا يُكْرَهُ السَّيْرُ أَمَامَهَا وَعَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا كَانَا لَا يَسِيرَانِ أَمَامَ الْجِنَازَةِ وَاسْتَدَلَّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِحَدِيثِ { الْبَرَاءِ أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَبْعٍ فَذَكَرَ مِنْهَا اتِّبَاعَ الْجَنَائِزِ } . وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً } أُجِيبَ عَنْهُمَا بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ اتِّبَاعِهَا أَنْ يَكُونَ خَلْفَهَا وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ الْآثَارُ فِي الْمَشْيِ أَمَامَهَا أَكْثَرُ وَأَصَحُّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : أَحَادِيثُ الْمَشْيِ خَلْفَهَا كُلُّهَا ضَعِيفَةٌ . ( الْقَوْلُ الثَّالِثُ ) أَنَّ الْمَشْيَ أَمَامَهَا وَخَلْفَهَا كِلَاهُمَا سَوَاءٌ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَتْ طَائِفَةٌ إنَّمَا أَنْتُمْ مُتَّبِعُونَ فَكُونُوا بَيْنَ يَدَيْهَا وَخَلْفَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ شِمَالِهَا هَذَا قَوْلُ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَمُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ انْتَهَى . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَنَسٍ فِي الْجِنَازَةِ أَنْتُمْ مُشَيِّعُونَ لَهَا تَمْشُونَ أَمَامَهَا وَخَلْفَهَا وَعَنْ يَمِينِهَا وَعَنْ شِمَالِهَا وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ خَلْفَهَا قَرِيبٌ وَأَمَامَهَا قَرِيبٌ وَعَنْ يَسَارِهَا قَرِيبٌ وَعَنْ يَمِينِهَا قَرِيبٌ وَعَنْ سُلَيْمَان التَّيْمِيِّ قَالَ رَأَيْت أَبَا قِلَابَةَ غَيْرَ مَرَّةٍ يَجْعَلُ الْجِنَازَةَ عَنْ يَمِينِهِ . الْقَوْلُ الرَّابِعُ : أَنَّ الْأَفْضَلَ لِلْمَاشِي أَنْ يَكُونَ أَمَامَهَا ، وَلِلرَّاكِبِ أَنْ يَكُونَ خَلْفَهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَكَذَا قَالَ الْحَنَابِلَةُ وَيُسْتَحَبُّ الْمَشْيُ وَأَنْ يَكُونَ أَمَامَهَا فَإِنْ رَكِبَ فَالسُّنَّةُ أَنْ يَكُونَ خَلْفَهَا وَكَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ قَالَ كَانُوا يَكْرَهُونَ أَنْ يَسِيرَ الرَّاكِبُ أَمَامَهَا وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَلْقَمَةَ . وَأَخْرَجَ الْخَطَّابِيُّ الرَّاكِبَ عَنْ مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَقَالَ فَأَمَّا الرَّاكِبُ فَلَا أَعْلَمُهُمْ اخْتَلَفُوا فِي أَنْ يَكُونَ خَلْفَ الْجِنَازَةِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ فَحَكَى الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الرَّاكِبَ يَكُونُ خَلْفَهَا وَهُوَ مَرْدُودٌ فَلَا خِلَافَ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَكُونُ قُدَّامَهَا مُطْلَقًا وَقَدْ ذَهَبَ إلَى هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ الرُّكُوبَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَشُرَيْحٍ الْقَاضِي وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ . وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ مَا يَقْتَضِي قَوْلًا خَامِسًا وَهُوَ أَنَّ الرَّاكِب يَتَعَيَّنُ كَوْنُهُ خَلْف الْجِنَازَةِ وَالْمَاشِي مُخَيَّرٌ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ حِبَّانَ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الرَّاكِبُ خَلْفَ الْجِنَازَةِ وَالْمَاشِي حَيْثُ شَاءَ مِنْهَا } الْحَدِيثُ لَفْظُ النَّسَائِيّ . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَقَالَ أَحَبُّ ذَلِكَ إلَيْنَا خَلْفَهَا . { الثَّالِثَةُ } فِيهِ أَنَّ الْأَفْضَلَ لِمُشَيِّعِ الْجِنَازَةِ أَنْ يَكُونَ مَاشِيًا وَهُوَ كَذَلِكَ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ أَعْلَمُهُ إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ وَبَعْضُهُمْ شَدَّدَ فِيهِ وَكَرِهَ الرُّكُوبَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَبَاحٍ قَالَ : " لِلْمَاشِي فِي الْجِنَازَةِ قِيرَاطَانِ وَلِلرَّاكِبِ قِيرَاطٌ " وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا الرُّكُوبَ فِي الْجِنَازَةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي بَكْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَشُرَيْحٍ وَأَبِي وَائِلٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَطَاءٍ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ زِيدَ بْنِ أَرْقَمَ " لَوْ يَعْلَمُ رِجَالٌ يَرْكَبُونَ فِي الْجِنَازَةِ مَا لِرِجَالٍ يَمْشُونَ مَا رَكِبُوا " . وَعَنْ ثَوْبَانَ " أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا رَاكِبًا فِي جِنَازَةٍ فَأَخَذَ بِلِجَامِ دَابَّتِهِ فَجَعَلَ يَكْبَحُهَا فَقَالَ تَرْكَبُ وَعِبَادُ اللَّهِ يَمْشُونَ " . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " الرَّاكِبُ فِي الْجِنَازَةِ كَالْجَالِسِ فِي بَيْتِهِ " قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَالْأَثْرَمِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ ثَوْبَانَ رُوِيَ عَنْهُ مَرْفُوعًا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ قَالَ { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةٍ فَرَأَى نَاسًا رُكْبَانًا فَقَالَ أَلَا تَسْتَحْيُونَ إنَّ مَلَائِكَةَ اللَّهِ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَأَنْتُمْ عَلَى ظُهُورِ الدَّوَابِّ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظِ { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِدَابَّةٍ وَهُوَ مَعَ الْجِنَازَةِ فَأَبَى أَنْ يَرْكَبَهَا فَلَمَّا انْصَرَفَ أُتِيَ بِدَابَّةٍ فَرَكِبَ فَقِيلَ لَهُ ؛ فَقَالَ إنَّ الْمَلَائِكَةَ كَانَتْ تَمْشِي فَلَمْ أَكُنْ لِأَرْكَبَ وَهُمْ يَمْشُونَ فَلَمَّا ذَهَبُوا رَكِبْت } وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ إنَّ الْمَحْفُوظَ وَقْفُهُ وَحُكِيَ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّ الْمَوْقُوفَ أَصَحُّ وَبَوَّبَ التِّرْمِذِيُّ عَلَى الرُّخْصَةِ فِي ذَلِكَ وَرَوَى حَدِيثَ { جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جِنَازَةِ ابْنِ الدَّحْدَاحِ وَهُوَ عَلَى فَرَسٍ لَهُ يَسْعَى وَنَحْنُ حَوْلَهُ نَتَوَقَّصُ بِهِ } لَكِنَّهُ رَوَاهُ عُقْبَةُ بِلَفْظِ { إنَّ النَّبِيَّ اتَّبَعَ جِنَازَةَ ابْنِ الدَّحْدَاحِ مَاشِيًا وَرَجَعَ عَلَى فَرَسٍ } فَتَبَيَّنَ بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ الرُّكُوبَ إنَّمَا كَانَ فِي الرُّجُوعِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَى اللَّفْظِ الْأَخِيرِ وَلَفْظُهُ { أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَرَسٍ مُعْرَوْرًى فَرَكِبَهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ جِنَازَةِ ابْنِ الدَّحْدَاحِ وَنَحْنُ نَمْشِي حَوْلَهُ } وَأَعْلَمُ أَنَّ أَكْثَرَ أَصْحَابِنَا اقْتَصَرُوا عَلَى اسْتِحْبَابِ الْمَشْيِ وَلَمْ يَتَعَرَّضُوا لِكَرَاهَةِ الرُّكُوبِ ، وَكَذَا فَعَلَ الْمَالِكِيَّةُ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ كَرَاهَةَ الرُّكُوبِ ، وَكَذَا ذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ وَيُسْتَثْنَى مِنْ كَرَاهَةِ الرُّكُوبِ حَالَةُ الْعُذْرِ . { الرَّابِعَةُ } فِي هَذَا اللَّفْظِ مَا يُشْعِرُ بِكَوْنِ الْمَاشِي أَمَامَ الْجِنَازَةِ يَكُونُ بِقُرْبِهَا إذَا لَمْ يَكُنْ قَرِيبًا مِنْهَا لَمْ يَصِحَّ نِسْبَتُهُ إلَيْهَا وَلَا صَدَقَ فِي الْعُرْفِ كَوْنُهُ أَمَامَهَا وَبِهَذَا صَرَّحَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ فَقَالُوا الْأَفْضَلُ أَنْ يَكُونَ قَرِيبًا مِنْهَا بِحَيْثُ لَوْ الْتَفَتَ رَآهَا وَلَا يَتَقَدَّمُهَا إلَى الْمَقْبَرَةِ قَالُوا فَلَوْ تَقَدَّمَ لَمْ يُكْرَهْ وَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ قَامَ مُنْتَظِرًا لَهَا وَإِنْ شَاءَ قَعَدَ ، وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ قَالَ كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشُونَ أَمَامَ الْجِنَازَةِ حَتَّى إذَا تَبَاعَدُوا عَنْهَا قَامُوا يَنْتَظِرُونَهَا . { الْخَامِسَةُ } ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي ذِكْرِ فِعْلِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بَعْدَ ذِكْرِ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُعْلَمَ بِذَلِكَ أَنَّ الْحُكْمَ مُسْتَمِرٌّ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَلَا يُرَادُ بِذَلِكَ تَقْوِيَةُ فِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِفِعْلِهِمَا فَإِنَّ الْحُجَّةَ فِي فِعْلِهِ وَلَا حُجَّةَ فِي فِعْلِ أَحَدٍ بَعْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةُ { أَسْرِعُوا بِجَنَائِزِكُمْ فَإِنْ كَانَ صَالِحًا قَدَّمْتُمُوهُ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ } وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنْ يَكُونَ صَالِحًا فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ } الْحَدِيثُ الرَّابِعُ } وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةُ { أَسْرِعُوا بِجَنَائِزِكُمْ فَإِنْ كَانَ صَالِحًا قَدَّمْتُمُوهُ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ } وَقَالَ مَرَّةً أُخْرَى يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنْ يَكُ صَالِحًا خَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِي رِوَايَتِهِمْ التَّصْرِيحُ بِرَفْعِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا هُوَ اللَّفْظُ الْأَخِيرُ هُنَا وَقَوْلُهُ فِي اللَّفْظِ الْأَوَّلِ هُنَا رِوَايَةُ كِنَايَةٍ عَنْ الرَّفْعِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَا خِلَافٍ أَعْلَمُهُ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ { أَسْرِعُوا بِالْجِنَازَةِ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً فَخَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا وَإِنْ تَكُ سِوَى ذَلِكَ فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ } وَلَفْظُ مُسْلِمٍ لَعَلَّهُ قَالَ { تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ } ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَصْحَابِ السُّنَنِ إلَيْهِ وَسَقَطَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ أَبِي حَفْصَةَ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ غَيْرَ أَنَّ فِي حَدِيثِ مَعْمَرٍ قَالَ لَا أَعْلَمُهُ إلَّا رَفَعَ الْحَدِيثَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { قَرَّبْتُمُوهَا إلَى الْخَيْرِ } قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَانَ لِلزُّهْرِيِّ فِيهِ إسْنَادَانِ فَحَدَّثَ بِهِ مَرَّةً هَكَذَا وَمَرَّةً هَكَذَا وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { إذَا وُضِعَ الرَّجُلُ الصَّالِحُ عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ قَدِّمُونِي قَدِّمُونِي وَإِذَا وُضِعَ الرَّجُلُ يَعْنِي السُّوءَ عَلَى سَرِيرِهِ قَالَ يَا وَيْلِي أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي } وَلَفْظُ ابْنِ حِبَّانَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ { إنَّ الْعَبْدَ إذَا وُضِعَ } وَقَالَ فِي آخِرِهِ يُرِيدُ الْمُسْلِمَ وَالْكَافِرَ وَوَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا مِنْ سُنَنِ النَّسَائِيّ الصُّغْرَى رِوَايَةُ ابْنِ السُّنِّيِّ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مِهْرَانَ وَهُوَ وَهْمٌ ، وَهُوَ فِي الْكُبْرَى رِوَايَةُ ابْنِ الْآخَرِ عَلَى الصَّوَابِ وَالْحَدِيثُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَسُنَنِ النَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِلَفْظِ { إذَا وُضِعَتْ الْجِنَازَةُ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ عَلَى أَعْنَاقِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ صَالِحَةً قَالَتْ قَدِّمُونِي وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ صَالِحَةٍ قَالَتْ يَا وَيْلَهَا أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِهَا يَسْمَعُ صَوْتَهَا كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الْإِنْسَانَ وَلَوْ سَمِعَهُ صَعِقَ } . { الثَّانِيَةُ } فِيهِ الْأَمْرُ بِالْإِسْرَاعِ بِالْجِنَازَةِ وَمَعْنَاهُ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ سُرْعَةُ الْمَشْيِ بِهَا ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي آخِرِ حَدِيثِ { فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ } وَنَقَلَ ابْنُ بَطَّالٍ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ الْإِسْرَاعُ بِتَجْهِيزِهَا إذَا تَحَقَّقَ مَوْتُهَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ مَرْدُودٌ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ } وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ ؛ انْتَهَى . { الثَّالِثَةُ } هَذَا الْأَمْرُ بِالْإِسْرَاعِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي : لَا خِلَافَ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ فِي اسْتِحْبَابِهِ انْتَهَى . وَذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ إلَى وُجُوبِهِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ وَهُوَ شَاذٌّ . { الرَّابِعَةُ } حَكَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ الْإِسْرَاعَ بِالْجِنَازَةِ هُوَ فَوْقَ سَجِيَّةِ الْمَشْيِ وَحَكَى عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ بَطَّالٍ أَنَّهُ سَجِيَّةُ الْمَشْيِ وَالْأَوَّلُ أَثْبَتُ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ أَصْحَابِنَا وَهَذِهِ عِبَارَةُ الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ : الْمُرَادُ بِالْإِسْرَاعِ فَوْقَ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ دُونَ الْخَبَبِ ، وَكَذَا قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَهَذِهِ عِبَارَةُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ : وَيَمْشُونَ بِهِ مُسْرِعِينَ دُونَ الْخَبَبِ . وَحَكَى ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ الْقَاضِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ إسْرَاعٌ لَا يَخْرُجُ عَنْ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ قَالَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ قَالَ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : يُخَبُّ وَيُرَمَّلُ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بَعْدَ ذِكْرِهِ هَذَا الْحَدِيثَ : وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ . قَالَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُسْرَعُ بِالْجِنَازَةِ إسْرَاعَ السَّجِيَّةِ مَشْيَ الْمَاشِي ، وَقَدْ حَكَيْتُ ذَلِكَ عَنْهُ بِمَعْنَاهُ قَرِيبًا قَالَ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ : الْعَجَلَةُ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ الْإِبْطَاءِ بِهَا وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْوَصِيَّةَ بِالْإِسْرَاعِ بِهِ عَنْ عُمَرَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَعَلْقَمَةَ وَأَبِي وَائِلٍ وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ، وَعَنْ أَبِي الصِّدِّيقِ النَّاجِي " إنْ كَانَ الرَّجُلُ لَيَتَقَطَّعُ شِسْعُهُ فِي الْجِنَازَةِ فَمَا يُدْرِكُهَا وَمَا يَكَادُ أَنْ يُدْرِكَهَا " وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ " لَتُسْرِعَنَّ بِهَا أَوْ لَأَرْجِعَنَّ " وَعَنْ الْحَسَنِ وَمُحَمَّدٍ ( أَنَّهُمَا كَانَا يُعْجِبُهُمَا أَنْ يُسْرِعَ بِالْجِنَازَةِ ) وَكَانَ الْحَسَنُ إذَا رَأَى مِنْهُمْ إبْطَاءً قَالَ ( امْضُوا لَا تَحْبِسُوا مَيِّتَكُمْ ) . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ أَبَاهُ أَوْصَاهُ فَقَالَ : إذَا أَنْتَ حَمَلْتنِي عَلَى السَّرِيرِ فَامْشِ بِي مَشْيًا بَيْنَ الْمِشْيَتَيْنِ . وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ فِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافًا فَحَكَى عَنْ قَوْمٍ أَنَّ السُّرْعَةَ بِالْجِنَازَةِ أَفْضَلُ قَالَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ قَالَ وَخَالَفَهُمْ آخَرُونَ وَقَالُوا الْمَشْيُ بِهَا مَشْيًا لَيِّنًا أَفْضَلُ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ مَعْنَى هَذَا الْإِسْرَاعِ عِنْدَ بَعْضِهِمْ تَرْكُ التَّرَاخِي فِي الْمَشْيِ بِهَا وَالتَّبَاطُؤِ وَالزَّهْوِ فِي الْمَشْيِ وَيُكْرَهُ الْإِسْرَاعُ الَّذِي يَشُقُّ عَلَى مَنْ تَبِعَهَا وَيُحَرِّكُ الْمَيِّتَ وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبَ خُرُوجِ شَيْءٍ مِنْهُ وَعَلَى هَذَا حَمَلُوا نَهْيَ مَنْ نَهَى عَنْ الدَّبِيبِ بِهَا دَبِيبَ الْيَهُودِ مِنْ السَّلَفِ وَأَمَرَ بِالْإِسْرَاعِ وَجَمَعُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ النَّهْيُ عَنْ الْإِسْرَاعِ وَاسْتَدَلُّوا بِمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مُفَسَّرًا عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ مَا دُونَ الْخَبَبِ . وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي جَنَائِزِكُمْ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَبِيبٍ مِنْ أَصْحَابِنَا وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ مَا جَاءَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْآثَارِ عَنْ السَّلَفِ عَلَى الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَالْجَمْعِ بَيْنَهُمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ انْتَهَى . فَرَجَّحَ الْقَاضِي عِيَاضٌ نَفْيَ الْخِلَافِ فِي الْمَسْأَلَةِ وَأَنَّ مَنْ أَمَرَ بِالْإِسْرَاعِ أَرَادَ بِهِ الْمُتَوَسِّطَ وَمَنْ نَهَى عَنْهُ أَرَادَ الْمُفْرِطَ وَيُوَافِقُ هَذَا كَلَامَ النَّوَوِيِّ فَأَنَّهُ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ عَنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ اسْتِحْبَابَ الْإِسْرَاعِ قَالَ وَجَاءَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ كَرَاهَةُ الْإِسْرَاعِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِسْرَاعِ الْمُفْرِطِ الَّذِي يُخَافُ مَعَهُ انْفِجَارُهَا أَوْ خُرُوجُ شَيْءٍ مِنْهَا انْتَهَى . وَلْنَذْكُرْ الْأَحَادِيثَ فِي ذَلِكَ . فَنَقُولُ : رَوَى أَبُو دَاوُد بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ { عُيَيْنَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ كَانَ فِي جِنَازَةِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِي وَكُنَّا نَمْشِي مَشْيًا خَفِيفًا فَلَحِقَنَا أَبُو بَكْرَةَ فَرَفَعَ سَوْطَهُ وَقَالَ لَقَدْ رَأَيْتنَا وَنَحْنُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَرْمُلُ رَمْلًا } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ فِي جِنَازَةِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ بَدَلَ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِي وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَقَالَ فِي رِوَايَتِهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ سَمُرَةَ وَقَالَ : { وَإِنَّا لَنَكَادُ نَرْمُلُ بِهَا رَمْلًا . } وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مُخْتَصَرًا بِدُونِ الْقِصَّةِ الَّتِي فِي أَوَّلِهِ بِلَفْظِ وَإِنَّا لَنَكَادُ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَاجِدَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ سَأَلْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمَشْيِ مَعَ الْجِنَازَةِ فَقَالَ : { مَا دُونَ الْخَبَبِ } الْحَدِيثَ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَسَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ يُضَعِّفُهُ وَقَالَ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ قِيلَ لِيَحْيَى مَنْ أَبُو مَاجِدَةَ هَذَا ؟ قَالَ طَائِرٌ طَارَ فَحَدَّثَنَا وَقَالَ النَّوَوِيُّ اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ وَأَنَّ أَبَا مَاجِدَةَ مَجْهُولٌ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ حَضَرْنَا مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ جِنَازَةَ مَيْمُونَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِسَرِفٍ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ مَيْمُونَةُ إذَا رَفَعْتُمْ نَعْشَهَا فَلَا تُزَعْزِعُوهُ وَلَا تُزَلْزِلُوهُ وَارْفُقُوا ، وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي مُوسَى قَالَ { مُرَّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجِنَازَةِ وَهِيَ تُمْخَضُ كَمَا يُمْخَضُ الزِّقُّ فَقَالَ عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي جَنَائِزِكُمْ } وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ بِلَفْظِ { عَلَيْكُمْ بِالْقَصْدِ فِي الْمَشْيِ بِجَنَائِزِكُمْ } وَاسْتَدَلَّ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ التَّوَسُّطُ بَيْنَ شِدَّةِ السَّعْيِ وَبَيْنَ الْمَشْيِ الْمُعْتَادِ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ { وَإِنَّا لَنَكَادُ أَنْ نَرْمُلَ } . قَالَ وَمُقَارَبَةُ الرَّمَلِ بِالسَّعْيِ الشَّدِيدِ ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ لَفْظَ أَبِي دَاوُد يَرْمُلُ وَأَجَابَ وَالِدِي عَنْ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَرَادَ الرِّفْقَ فِي كَيْفِيَّةِ الْحَمْلِ لَا فِي كَيْفِيَّةِ الْمَشْيِ بِهَا فَإِنَّهُ خَشِيَ أَنْ تَسْقُطَ أَوْ تُكْشَفَ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ قَالَ وَإِنْ أَرَادَ الرِّفْقَ فِي السَّيْرِ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ حَصَلَ مَا يَخْشَى مَعَهُ انْفِجَارَهَا إنْ أَزْعَجُوهَا فِي السَّيْرِ أَوْ أَنَّ هَذَا رَأْيٌ لِابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ أَوْلَى بِالْإِتْبَاعِ . ا هـ وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ بِذَلِكَ الِاحْتِمَالِ فَبَوَّبَ عَلَى هَذِهِ الْقَضِيَّةِ كَرَاهَةَ شِدَّةِ الْإِسْرَاعِ مَخَافَةَ انْفِجَارِهَا ، وَكَذَا بَوَّبَ عَلَيْهِ قَبْلَهُ الْبَيْهَقِيُّ . { الْخَامِسَةُ } ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ مَحَلَّ الْإِسْرَاعِ الْمُتَوَسِّطُ إذَا لَمْ يُخْشَ عَلَى الْمَيِّتِ مِنْ التَّأْخِيرِ تَغَيُّرٌ أَوْ انْفِجَارٌ أَوْ انْتِفَاخٌ فَإِنْ خُشِيَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ زِيدَ فِي الْإِسْرَاعِ . { السَّادِسَةُ } يُسْتَثْنَى مِنْ الْإِسْرَاعِ بِالْجِنَازَةِ مَا إذَا خِيفَ أَنْ يَحْدُثَ مِنْ الْإِسْرَاعِ لَهُ تَغَيُّرٌ أَوْ انْفِجَارٌ فَلَا يُسْرَعُ بِهِ ، صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنْ كَانَ بِالْمَيِّتِ عِلَّةٌ يُخَافُ أَنْ يَتَنَجَّسَ مِنْهُ شَيْءٌ أَحْبَبْت أَنْ يُرْفَقَ بِالْمَشْيِ انْتَهَى . وَعَلَى هَذَا حَمْلُ مَا يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ الْإِسْرَاعَ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّابِعَةُ } فِيهِ تَعْلِيلُ الْأَمْرِ بِالْإِسْرَاعِ بِتَقْدِيمِ الصَّالِحَةِ إلَى الْخَيْرِ وَالتَّعْجِيلِ بِوَضْعِ غَيْرِ الصَّالِحَةِ عَنْ الرِّقَابِ ، وَقَدْ أُشِيرَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ إلَى تَعْلِيلِهِ بِعِلَّةٍ أُخْرَى وَهِيَ مُخَالَفَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ أَوْ الْيَهُودِ خَاصَّةً فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اتَّبَعَ جِنَازَةً قَالَ انْبَسِطُوا بِهَا وَلَا تَدِبُّوا دَبِيبَ الْيَهُودِ بِجَنَائِزِهَا } كَذَا حَكَاهُ عَنْ الْمُسْنَدِ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي ، وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنَّهُ أَوْصَى إذَا أَنَا مِتَّ فَأَسْرِعُوا وَلَا تُهَوِّدُوا كَمَا تُهَوِّدُ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَجُلًا يَقُولَ اُرْفُقُوا بِهَا رَحِمَكُمْ اللَّهُ فَقَالَ هَوِّدُوا لَتُسْرِعُنَّ بِهَا أَوْ لَأَرْجِعَنَّ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ كَانَ يُقَالُ انْبَسَطُوا بِجَنَائِزِكُمْ وَلَا تَدِبُّوا بِهَا دَبَّ الْيَهُودِ . وَعَنْ عَلْقَمَةَ لَا تَدِبُّوا بِالْجِنَازَةِ دَبِيبَ النَّصَارَى . { الثَّامِنَةُ } قَوْلُهُ { فَإِنْ كَانَ صَالِحًا } يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ اسْمُ كَانَ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلَى الْمَيِّتِ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَصْحَابِ الْكُتُبِ فَإِنْ تَكُ صَالِحَةً وَيَبْقَى الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ إلَيْهِ عَائِدًا عَلَى مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ صَرِيحًا لَكِنَّهُ مَعْلُومٌ وَالْمَعْنَى قَدَّمْتُمُوهُ إلَى جَزَاءِ عَمَلِهِ الصَّالِحِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ اسْمَ كَانَ ضَمِيرٌ عَلَى الْعَمَلِ أَيْ فَإِنْ كَانَ عَمَلُهُ صَالِحًا وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لِلْعَمَلِ ذِكْرٌ لَكِنْ الْمَعْنَى يَدُلُّ عَلَيْهِ وَيَبْقَى الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ إلَيْهِ عَائِدًا عَلَى مَذْكُورٍ وَهُوَ الْعَمَلُ وَقَوْلُهُ وَإِنْ كَانَ سِوَى ذَلِكَ يَحْتَمِلُ تَمَامَ كَانَ وَنُقْصَانَهَا وَبِتَقْدِيرِ نُقْصَانِهَا فَيَجِيءُ فِي اسْمِهَا الِاحْتِمَالَانِ الْمُتَقَدِّمَانِ وَقَوْلُهُ فَشَرٌّ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ فَهُوَ شَرٌّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مُبْتَدَأً صَحَّ الِابْتِدَاءُ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ نَكِرَةً لِاعْتِمَادِهِ عَلَى صِفَةٍ مُقَدَّرَةٍ أَيْ شَرٌّ عَظِيمٌ وَقَوْلُهُ تَضَعُونَهُ عَلَى هَذَا خَبَرٌ وَعَلَى الْأَوَّلِ وَهُوَ صِفَةٌ وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ { فَإِنْ يَكُ صَالِحًا } يَتَرَجَّحُ فِيهِ عَوْدُ الضَّمِيرِ عَلَى الْعَمَلِ ؛ لِأَنَّ الْمُتَقَدِّمَ قَبْلَهُ الْجِنَازَةُ وَهِيَ مُؤَنَّثَةٌ وَيَكُونُ الضَّمِيرُ فَفِي قَوْلِهِ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ عَائِدًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الْعَقْلُ أَوْ أَجْزَاؤُهُ وَيَجُوزُ فِي قَوْلِهِ { خَيْرٌ تُقَدِّمُونَهَا إلَيْهِ } مَا جَوَّزْنَاهُ فِي قَوْلِهِ { فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ } وَحَذْفُ الْفَاءِ مِنْ قَوْلِهِ خَيْرٌ نَادِرٌ ؛ لِأَنَّ جَوَابَ الشَّرْطِ إذَا كَانَ جُمْلَةً اسْمِيَّةً يُوجِبُ اقْتِرَانَهُ بِالْفَاءِ وَنَظِيرُهُ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ قَوْلِهِ { عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَبِي بَكْرِ بْنِ كَعْبٍ فِي اللُّقَطَةِ فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا وَإِلَّا اسْتَمْتِعْ } وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ حَذْفُ هَذِهِ الْفَاءِ إلَّا فِي الضَّرُورَةِ وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ مَنْ يَفْعَلْ الْحَسَنَاتِ اللَّهُ يَشْكُرْهَا وَذَهَبَ الْمُبَرِّدُ إلَى جَوَازِ حَذْفِهَا فِي الِاخْتِيَارِ وَقَالَ بَدْرُ الدِّينِ بْنُ مَالِكٍ : لَا يَجُوزُ إلَّا فِي ضَرُورَةٍ أَوْ نُذُورٍ وَمِثْلُ النُّذُورِ بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَالْجِنَازَةُ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ وَيُقَالُ بِالْفَتْحِ لِلْمَيِّتِ وَبِالْكَسْرِ لِلنَّعْشِ عَلَيْهِ مَيِّتٌ الْأَعْلَى لِلْأَعْلَى وَالْأَسْفَلُ لِلْأَسْفَلِ وَيُقَالُ عَكْسُهُ وَالْجَمْعُ جَنَائِزُ بِالْفَتْحِ لَا غَيْرُ { التَّاسِعَةُ } قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَوْلُهُ { فَشَرٌّ تَضَعُونَهُ عَنْ رِقَابِكُمْ } يَعْنِي ، الْمَيِّتَ قِيلَ لِكَوْنِهَا مَلْعُونَةً مَلْعُونًا مَنْ شَهِدَهَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَقِيلَ لِلتَّعَبِ بِهَا وَمُؤْنَةِ حَمْلِهَا انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهَا بَعِيدَةٌ مِنْ الرَّحْمَةِ فَلَا مَصْلَحَةَ لَكُمْ فِي مُصَاحَبَتِهَا وَيُؤْخَذُ مِنْهُ تَرْكُ صُحْبَةِ أَهْلِ الْبَطَالَةِ وَغَيْرِ الصَّالِحِينَ . { الْعَاشِرَةُ } قَدْ يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ عَنْ رِقَابِكُمْ عَلَى أَنَّ حَمْلَ الْجِنَازَةِ يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ لِكَوْنِهِ أَتَى فِيهِ بِضَمِيرِ الْمُذَكَّرِ ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَاحْتَمَلَهَا الرِّجَالُ ، وَقَدْ يَتَوَقَّفُ فِي الِاسْتِدْلَالِ لِخُرُوجِ ذَلِكَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَكِنَّ الْحُكْمَ مُوَافَقٌ عَلَيْهِ فَقَدْ صَرَّحَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّ حَمْلَ الْجِنَازَةِ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَأَنَّ ذَلِكَ يَخْتَصُّ بِالرِّجَالِ وَلَوْ كَانَ الْمَحْمُولُ امْرَأَةً ؛ لِأَنَّهُمْ أَقْوَى لِذَلِكَ وَالنِّسَاءُ ضَعِيفَاتٌ وَرُبَّمَا انْكَشَفَ مِنْ الْحَامِلِ بَعْضُ بَدَنِهِ . { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ : { إنَّ الصَّالِحَ يَقُولُ قَدِّمُونِي وَغَيْرُهُ يَقُولُ أَيْنَ تَذْهَبُونَ بِي } إنَّمَا يَتَكَلَّمُ رُوحُ الْجِنَازَةِ ؛ لِأَنَّ الْجِنَازَةَ لَا تَتَكَلَّمُ بَعْدَ خُرُوجِ الرُّوحِ مِنْهَا إلَّا أَنْ يَرُدَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا قَالَ ، وَإِنَّمَا يَسْمَعُ الرُّوحُ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ وَيُجَانِسُهُ وَهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَالْجِنُّ وَقَوْلُهُ يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ إلَّا الْإِنْسَانَ لَفْظَةُ الْعُمُومِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ يَسْمَعُهَا كُلُّ شَيْءٍ مُمَيِّزٍ وَهُمْ الْمَلَائِكَةُ وَالْجِنُّ دُونَ الْحَيَوَانِ الصَّامِتِ ا هـ وَفِيهِ نَظَرٌ وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ كَصَلَاتِهِ عَلَى الْمَيِّتِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ إنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وَإِنِّي وَاَللَّهِ لَأَنْظُرُ إلَى حَوْضِي الْآنَ وَإِنَى قَدْ أُعْطِيت مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ وَإِنِّي وَاَللَّهِ مَا أَخَاف عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي ، وَلَكِنِّي أَخَافُ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا } . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ } وَعَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلَّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيِّتِ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى الْمِنْبَرِ فَقَالَ إنِّي فَرَطٌ لَكُمْ وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ وَإِنِّي وَاَللَّهِ لَأَنْظُرُ إلَى حَوْضِي الْآنَ وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ وَإِنِّي وَاَللَّهِ مَا أَخَاف عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي ، وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَرِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مُخْتَصَرَةً وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ حَيْوَةَ بْنِ شُرَيْحٍ بِلَفْظِ { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ } الْحَدِيثَ وَفِيهِ { وَإِنَّ مَوْعِدَكُمْ الْحَوْضُ } ، وَفِي آخِرِهِ فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد مُخْتَصَرٌ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ وَفِيهِ { ، ثُمَّ صَعِدَ الْمِنْبَرَ كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ } وَفِيهِ { وَإِنَّ عَرْضَهُ كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إلَى الْجُحْفَةِ ، وَفِي آخِرِهِ فَتَقْتَتِلُوا كَمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَالَ عُقْبَةُ فَكَانَتْ آخِرَ مَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ } ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ . { الثَّانِيَةُ } فِيهِ الصَّلَاةُ عَلَى الشُّهَدَاءِ فِي حَرْبِ الْكُفَّارِ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَالْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهُ لَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى الصَّلَاةِ عَلَيْهِمْ كَغَيْرِهِمْ وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ اخْتَارَهَا الْخَلَّالُ وَحَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَعِكْرِمَةُ وَمَكْحُولٌ وَحُجَّةُ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُصَلِّ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَأَمَّا هَذِهِ الصَّلَاةُ فَفِيهَا جَوَابَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الدُّعَاءُ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَا صَلَاةَ الْجِنَازَةِ الْمَعْهُودَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ : أَيْ دَعَا لَهُمْ بِدُعَاءِ صَلَاةِ الْمَيِّتِ . ( وَالثَّانِي ) أَنَّهَا مَخْصُوصَةٌ بِشُهَدَاءِ أُحُدٍ فَإِنَّهُ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِمْ قَبْلَ دَفْنِهِمْ كَمَا هُوَ الْمَعْهُودُ فِي صَلَاةِ الْجِنَازَةِ ، وَإِنَّمَا صَلَّى عَلَيْهِمْ فِي الْقُبُورِ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ وَالْحَنَفِيَّةُ يَمْنَعُونَ الصَّلَاةَ عَلَى الْقَبْرِ مُطْلَقًا وَالْقَائِلُونَ بِالصَّلَاةِ عَلَى الْقَبْرِ يُقَيِّدُونَهُ بِمُدَّةٍ مَخْصُوصَةٍ لَعَلَّهَا فَائِتَةٌ هُنَا وَلَوْ كَانَتْ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ وَاجِبَةً لَمَا تَرَكَهَا فِي الْأَوَّلِ . ثُمَّ إنَّ الشَّافِعِيَّةَ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَى قَوْلِهِمْ لَا يُصَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ مَعْنَاهُ تَحْرِيمُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ مَعْنَاهُ لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ عَلَيْهِمْ لَكِنْ تَجُوزُ وَذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّ كَلَامَ أَحْمَدَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ يُشِيرُ إلَى أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ غَيْرُ وَاجِبَةٍ قَالَ ، فِي مَوْضِعٍ إنْ صَلَّى عَلَيْهِ فَلَا بَأْسَ وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ يُصَلِّي عَلَيْهِ وَأَهْلِ الْحِجَازِ لَا يُصَلُّونَ عَلَيْهِ وَمَا تَضُرُّهُ الصَّلَاةُ لَا بَأْسَ بِهِ وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَزِيِّ فَقَالَ الصَّلَاةُ عَلَيْهِ أَجْوَدُ وَإِنْ لَمْ يُصَلُّوا عَلَيْهِ أَجْزَأَ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فَكَأَنَّ الرِّوَايَتَيْنِ فِي اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ لَا فِي وُجُوبِهَا أَحَدُهُمَا تُسْتَحَبُّ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ : إنْ صَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ فَحَسَنٌ وَإِنْ لَمْ يُصَلِّ عَلَيْهِ فَحَسَنٌ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثَيْ جَابِرٍ وَعُقْبَةَ وَقَالَ : لَيْسَ يَجُوزُ أَنْ يَتْرُكَ أَحَدٌ الْأَثَرَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ لِلْآخَرِ بَلْ كِلَاهُمَا حَقٌّ مُبَاحٌ ، وَلَيْسَ هَذَا مَكَانَ نَسْخٍ ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَهُمَا مَعًا مُمْكِنٌ فِي أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ : إنَّمَا لَا يُصَلَّى عَلَى الشَّهِيدِ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُسْلِمُونَ هُمْ الَّذِينَ غَزَوْا الْكُفَّارَ فَإِنْ كَانَ الْكُفَّارُ هُمْ الَّذِينَ غَزَوْا الْمُسْلِمِينَ فِي بِلَادِهِمْ فَيُصَلَّى عَلَى مَنْ قُتِلَ فِي تِلْكَ الْمَعْرَكَةِ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ مَذْهَبَهُ الصَّلَاةُ عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ فَإِنَّ الْكُفَّارَ هُمْ الْغَازُونَ لِلْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ بَدْرٍ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْجُمْهُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْمُرَادُ بِالشَّهِيدِ هُنَا مَنْ مَاتَ بِسَبَبِ قِتَالِ الْكُفَّارِ حَالَ قِيَامِ الْقِتَالِ سَوَاءٌ قَتَلَهُ كَافِرٌ أَوْ أَصَابَهُ سِلَاحُ مُسْلِمٍ خَطَأً أَوْ عَادَ إلَيْهِ سِلَاحُهُ أَوْ سَقَطَ عَنْ فَرَسِهِ أَوْ رَمَحَتْهُ دَابَّتُهُ أَوْ وُجِدَ قَتِيلًا عِنْدَ انْكِشَافِ الْحَرْبِ وَلَمْ يُعْلَمْ سَبَبُ مَوْتِهِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَيْهِ أَثَرُ دَمٍ أَمْ لَا وَلِذَلِكَ تَفَارِيعُ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ لَا نُطَوِّلُ بِهَا . وَأَمَّا تَغْسِيلُ الشَّهِيدِ فَنَفَاهُ الْجُمْهُورُ وَمِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ وَحُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ تَغْسِيلُهُ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِلْآثَارِ فَلَا وَجْهَ لَهُ . { الثَّالِثَةُ } قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الْفَرَطُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالرَّاءِ وَالْفَارِطُ هُوَ الَّذِي يَتَقَدَّمُ رُوَّادَ الْمَاءِ لِيُصْلِحَ لَهُمْ الْحِيَاضَ وَالدِّلَاءَ وَنَحْوَهَا مِنْ أُمُورِ الِاسْتِسْقَاءِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنِّي فَرَطٌ لَكُمْ } أَيْ سَابِقُكُمْ إلَى الْحَوْضِ كَالْمُهَيِّئِ لَهُ وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ { وَإِنَّ مَوْعِدَكُمْ الْحَوْضُ } وَلِهَذَا الْمَعْنَى ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَقَالَ { إنِّي وَاَللَّهِ لَأَنْظُرُ إلَى حَوْضِي الْآنَ } ، وَفِي هَذَا إشَارَةٌ إلَى قُرْبِ وَفَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَتَقَدُّمِ أَصْحَابِهِ وَلِهَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ { كَالْمُوَدِّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ } وَكَانَ هَذَا قَبْلَ وَفَاتِهِ فِي السَّنَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ فَإِنَّهُ بَعْدَ ثَمَانِي سِنِينَ مِنْ وَقْعَةِ أُحُدٍ وَكَانَتْ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَلِهَذَا قَالَ عُقْبَةُ فَكَانَتْ آخِرَ نَظْرَةٍ نَظَرْتهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ قَيْدًا بَلْ حِكَايَةً لِلْوَاقِعِ وَلَعَلَّهُ أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الرَّابِعَةُ } فِيهِ إثْبَاتُ حَوْضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ حَوْضٌ حَقِيقِيٌّ عَلَى ظَاهِرِهِ مَخْلُوقٌ مَوْجُودٌ الْيَوْمَ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةِ لَا يَتَأَوَّلُونَهُ وَيَجْعَلُونَ الْإِيمَانَ بِهِ فَرْضًا وَأَحَادِيثُهُ قَدْ بَلَغَتْ التَّوَاتُرَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بَعْدَ الْإِشَارَةِ إلَى كَثِيرٍ مِنْهَا ، وَفِي بَعْضِ هَذَا مَا يَقْتَضِي كَوْنَ الْحَدِيثِ مُتَوَاتِرًا ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { وَأَنَّ عَرْضَهُ كَمَا بَيْنَ أَيْلَةَ إلَى الْجُحْفَةِ } ، وَفِي رِوَايَةٍ { بَيْنَ نَاحِيَتَيْهِ كَمَا بَيْنَ جَرْبَاءَ وَأَذْرُحَ } ، وَفِي رِوَايَةٍ { عَرْضُهُ مِثْلُ صُوله مَا بَيْنَ عُمَانَ إلَى الْمَدِينَةِ } ، وَفِي رِوَايَةٍ { مِنْ مَقَامِي إلَى عُمَانَ } وَفِي رِوَايَةٍ { قَدْرَ حَوْضِي مَا بَيْنَ أَيْلَةَ وَصَنْعَاءِ الْيَمَنِ } ، وَفِي رِوَايَةٍ { مَا بَيْنَ نَاحِيَتَيْ حَوْضِي كَمَا بَيْنَ صَنْعَاءَ وَالْمَدِينَةِ } ، وَفِي رِوَايَةٍ { حَوْضِي مَسِيرَةُ شَهْرٍ } وَزَوَايَاهُ سَوَاءٌ وَكُلُّ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ فِي الصَّحِيحِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَهَذَا الِاخْتِلَافُ فِي قَدْرِ عَرْضِ الْحَوْضِ لَيْسَ مُوجِبًا لِلِاضْطِرَابِ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْتِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ بَلْ فِي أَحَادِيثَ مُخْتَلِفَةِ الرُّوَاةِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ سَمِعُوهَا فِي مَوَاطِنَ مُخْتَلِفَةٍ ضَرَبَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلٍّ مِنْهَا مَثَلًا لِبُعْدِ أَقْطَارِ الْحَوْضِ وَسَعَتِهِ وَقُرْبِ ذَلِكَ مِنْ الْإِفْهَامِ لِبُعْدٍ مَا بَيْنَ الْبِلَادِ الْمَذْكُورَةِ لَا عَلَى التَّقْدِيرِ الْمَوْضُوعِ لِلتَّحْدِيدِ بَلْ لِلْإِعْلَامِ بِعِظَمِ بُعْدِ الْمَسَافَةِ فَبِهَذَا تَجْتَمِعُ الرِّوَايَاتُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ بَعْدَ حِكَايَتِهِ ، وَلَيْسَ فِي الْقَلِيلِ مِنْ هَذِهِ الْمَسَافَاتِ مَنْعُ الْكَثِيرِ فَالْكَثِيرُ ثَابِتٌ عَلَى ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَلَا مُعَارَضَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةُ } قَوْلُهُ { وَأَنَا شَهِيدٌ عَلَيْكُمْ } مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَجِئْنَا بِك عَلَى هَؤُلَاءِ شَهِيدًا } وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } ، وَقَدْ ذَكَرَ التَّفْسِيرُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَشْهَدُ عَلَى جَمِيعِ الْأُمَمِ مَنْ رَآهُ وَمَنْ لَمْ يَرَهُ ، وَقَدْ أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِأَمْرَيْنِ كَوْنُهُ فَرَطًا لَهُمْ يَتَقَدَّمُهُمْ بِعَمَلِ مَصْلَحَتِهِمْ وَشَهِيدًا عَلَيْهِمْ يَشْهَدُ بِأَعْمَالِهِمْ فَكَأَنَّهُ بَاقٍ مَعَهُمْ لَمْ يَتَقَدَّمْهُمْ بَلْ يَبْقَى بَعْدَهُمْ حَتَّى يَشْهَدَ بِأَعْمَالِ آخِرِهِمْ فَجَمَعَهَا اللَّهُ تَعَالَى لَهُ مَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الصِّفَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تَتَنَافَيَانِ فِي حَقِّ غَيْرِهِ فَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَائِمٌ بِأَمْرِهِمْ فِي الدَّارَيْنِ فِي حَالَتَيْ حَيَاتِهِ وَمَوْتِهِ وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { حَيَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُحْدِثُونَ وَيُحْدَثُ لَكُمْ وَوَفَاتِي خَيْرٌ لَكُمْ تُعْرَضُ عَلَيَّ أَعْمَالُكُمْ فَمَا رَأَيْت مِنْ خَيْرٍ حَمِدْت اللَّهَ عَلَيْهِ وَمَا رَأَيْت مِنْ شَرٍّ اسْتَغْفَرْت اللَّهَ لَكُمْ } { السَّادِسَةُ } فِيهِ الْحَلِفُ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ بَلْ لِتَفْخِيمِ الْأَمْرِ وَتَوْكِيدِهِ . { السَّابِعَةُ } قَوْلُهُ { وَإِنِّي قَدْ أُعْطِيت مَفَاتِيحَ خَزَائِنِ الْأَرْضِ أَوْ مَفَاتِيحَ الْأَرْضِ } هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَغَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ وَكَأَنَّهُ شَكٌّ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ فِي اللَّفْظِ الْمَقُولِ وَأَشَارَ إلَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِذَلِكَ إلَى مَا فُتِحَ عَلَى أُمَّتِهِ مِنْ الْمُلْكِ وَالْخَزَائِنِ وَقَوْلُهُ { وَإِنِّي وَاَللَّهِ مَا أَخَاف عَلَيْكُمْ أَنْ تُشْرِكُوا بَعْدِي } أَيْ مَجْمُوعُكُمْ وَإِنْ كَانَ قَدْ يَقَعُ ذَلِكَ لِبَعْضِهِمْ وَقَوْلُهُ { ، وَلَكِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا أَيْ فِي خَزَائِنِ الْأَرْضِ } الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى الدُّنْيَا وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهَا صَرِيحًا وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { ، وَلَكِنِّي أَخْشَى عَلَيْكُمْ الدُّنْيَا أَنْ تَنَافَسُوا فِيهَا } ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مُعْجِزَاتٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ أُمَّتَهُ تَمْلِكُ خَزَائِنَ الْأَرْضِ ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ وَأَنَّهَا لَا تَرْتَدُّ جُمْلَةً ، وَقَدْ عَصَمَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ وَأَنَّهَا تَتَنَافَسُ فِي الدُّنْيَا وَتَقْتَتِلُ عَلَيْهَا ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ عَصَمَنَا اللَّهُ مِنْهُ آمِينَ بَابُ الدَّفْنِ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إلَى مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ أَجِبْ رَبَّك قَالَ فَلَطَمَ مُوسَى عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا ، قَالَ فَرَجَعَ الْمَلَكُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ إنَّك أَرْسَلْتنِي إلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ ، وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي ، قَالَ فَرَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَيْهِ عَيْنَهُ وَقَالَ ارْجِعْ إلَى عَبْدِي فَقُلْ الْحَيَاةَ تُرِيدُ ؟ فَإِنْ كُنْت تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَك عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَمَا تَوَارَتْ بِيَدِك مِنْ شَعْرَةٍ فَأَنَّك تَعِيشُ بِهَا سَنَةً ؛ قَالَ ، ثُمَّ مَهْ ؟ قَالَ تَمُوتُ ، قَالَ فَالْآنَ مِنْ قَرِيبٍ ، قَالَ رَبِّ اُدْنُنِي مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ } وَعَنْهُ قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَللَّهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إلَى جَنْبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ } جَمَعَ الشَّيْخَانِ الْحَدِيثَيْنِ فِي مَتْنٍ وَاحِدٍ . عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَاءَ مَلَكُ الْمَوْتِ إلَى مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ أَجِبْ رَبَّك قَالَ فَلَطَمَ مُوسَى عَيْنَ مَلَكِ الْمَوْتِ فَفَقَأَهَا قَالَ فَرَجَعَ الْمَلَكُ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فَقَالَ إنَّك أَرْسَلْتنِي إلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ ، وَقَدْ فَقَأَ عَيْنِي قَالَ فَرَدَّ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَيْهِ عَيْنَيْهِ وَقَالَ ارْجِعْ إلَى عَبْدِي فَقُلْ الْحَيَاةَ تُرِيدُ فَإِنْ كُنْت تُرِيدُ الْحَيَاةَ فَضَعْ يَدَك عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَمَا تَوَارَتْ بِيَدِك مِنْ شَعْرَةٍ فَأَنَّك تَعِيشُ بِهَا سَنَةً قَالَ ، ثُمَّ مَهْ ؟ قَالَ تَمُوتُ قَالَ فَالْآنَ مِنْ قَرِيبٍ قَالَ رَبِّ اُدْنُنِي مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ } وَعَنْهُ قَالَ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَللَّهِ لَوْ أَنِّي عِنْدَهُ لَأَرَيْتُكُمْ قَبْرَهُ إلَى جَنْبِ الطَّرِيقِ عِنْدَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ } فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ { تَحْتَ الْكَثِيبِ الْأَحْمَرِ } ، وَقَدْ جَمَعَ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فِي مَتْنٍ وَاحِدٍ وَهُمَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ حَدِيثَيْنِ كَمَا تَرَى ، وَقَدْ ظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ لِمَعْمَرٍ فِيهِ إسْنَادَيْنِ . { الثَّانِيَةُ } قَالَ الْمَازِرِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا تَطْعَنُ بِهِ الْمُلْحِدَةُ وَتَتَلَاعَبُ بِنَقْلِهِ الْآثَارُ لِسَبَبِهِ وَتَقُولُ كَيْفَ يَجُوزُ عَلَى نَبِيٍّ مِثْلِ مُوسَى أَنْ يَفْقَأَ عَيْنَ مَلَكٍ وَكَيْفَ تُفْقَأُ عَيْنُ الْمَلَكِ وَلَعَلَّهُ لَمَّا جَاءَ عِيسَى أَذْهَبَ عَيْنَهُ الْأُخْرَى فَعَمِيَ وَلِأَصْحَابِنَا عَنْ هَذَا ثَلَاثَةُ أَجْوِبَةٍ قَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّ الْمَلَكَ يُتَصَوَّرُ فِي أَيِّ الصُّوَرِ شَاءَ مِمَّا يُقَدِّرُهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْهَا ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى { فَأَرْسَلْنَا إلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا } وَقِيلَ إنَّهُ تَمَثَّلَ لَهَا فِي صُورَةِ رَجُلٍ يُسَمَّى تَقِيًّا وَلِهَذَا { قَالَتْ إنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْك إنْ كُنْت تَقِيًّا } ، وَقَدْ تَمَثَّلَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِصُورَةِ دِحْيَةَ وَقَالَ أَصْحَابُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إنَّ هَذِهِ الصُّورَةَ قَدْ تَكُونُ تَخَيُّلًا فَيَكُونُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَأَ عَيْنًا مُخَيَّلَةً لَا عَيْنًا حَقِيقِيَّةً وَهَذَا الْجَوَابُ عِنْدِي لَا يُقْنِعُهُمْ وَيَقُولُونَ : إنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ مَلَكٌ وَأَنَّ ذَلِكَ تَخَيُّلٌ فَكَيْفَ يَصُكُّهُ وَيُقَابِلُهُ بِهَذِهِ الْمُقَابَلَةِ وَهَذَا لَا يَلِيقُ بِالنَّبِيِّينَ ( وَقَالَ آخَرُونَ مِنْ أَصْحَابِنَا ) الْحَدِيثُ فِيهِ تَجَوُّزٌ إذَا حُمِلَ عَلَيْهِ انْدَفَعَ طَعْنُ الْمُلْحِدَةِ وَمَحْمَلُهُ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَاجَّهُ وَأَوْضَحَ الْحُجَّةَ لَدَيْهِ يُقَالُ فَقَأَ عَيْنَ فُلَانٍ إذَا غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ وَيُقَالُ عَوَّرْت هَذَا الْأَمْرَ إذَا أَدْخَلْت نَقْصًا فِيهِ وَهَذَا قَدْ يُبْعِدُ مِنْ ظَاهِرِ اللَّفْظِ لِقَوْلِهِ فَرَدَّ اللَّهُ إلَيْهِ عَيْنَيْهِ فَإِنْ قَالُوا فَرَدَّ اللَّهُ إلَيْهِ حُجَّتَهُ كَانَ كَذَلِكَ بَعِيدًا عَنْ مُقْتَضَى سِيَاقِ الْكَلَامِ ( وَجَوَابٌ ثَالِثٌ ) مَالَ إلَيْهِ بَعْضُ أَئِمَّتِنَا مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَهُوَ مِثْلُ مَا قَالُوهُ فِيهِ وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَذِنَ اللَّهُ لَهُ فِي هَذِهِ اللَّطْمَةِ مِحْنَةً لِلْمَلْطُومِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يَتَعَبَّدُ خَلْقَهُ بِمَا شَاءَ وَلَا أَحَدَ مِنْ عِبَادِهِ يَمْنَعُهُ فَضِيلَتُهُ مِنْ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِيهِ بِمَا شَاءَ ( وَيَظْهَرُ لِي جَوَابٌ رَابِعٌ ) وَهُوَ أَنْ يَكُونَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهُ مَلَكٌ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَظَنَّ أَنَّهُ رَجُلٌ أَتَاهُ يُرِيدُ نَفْسَهُ فَدَافَعَهُ عَنْهَا مُدَافَعَةً أَدَّتْ إلَى فَقْءِ عَيْنِهِ وَهَذَا سَائِغٌ فِي شَرِيعَتِنَا أَنْ يُدَافِعَ الْإِنْسَانُ عَنْ نَفْسِهِ مَنْ أَرَادَ قَتْلَهُ وَإِنْ أَدَّى إلَى قَتْلِ الطَّالِبِ لَهُ فَضْلًا عَنْ فَقْءِ عَيْنِهِ ، وَفِي الصَّحِيحِ إبَاحَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَقْءَ عَيْنِ مَنْ اطَّلَعَ عَلَى قَوْمٍ بِغَيْرِ ، إذْنِهِمْ ، وَإِنَّمَا يَبْقَى عَلَى هَذَا الْجَوَابِ أَنْ يُقَالَ فَقَدْ رَجَعَ إلَيْهِ ثَانِيَةً وَاسْتَسْلَمَ لَهُ مُوسَى فَدَلَّ عَلَى مَعْرِفَتِهِ بِهِ قُلْنَا قَدْ يَكُونُ أَتَاهُ فِي الثَّانِيَةِ بِعَلَامَةٍ عَلِمَ بِهَا أَنَّهُ مَلَكُ الْمَوْتِ وَأَنَّهُ قَالَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ فَاسْتَسْلَمَ لِأَمْرِ اللَّهِ وَأَحْسَنُ مَا اُعْتُمِدَ عَلَيْهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هَذَا الْجَوَابُ الَّذِي ظَهَرَ لَنَا وَالْجَوَابُ الثَّالِثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ عَنْ بَعْضِ أَئِمَّتِنَا وَعِنْدِي أَنَّ جَوَابَنَا أَرْجَحُ مِنْهُ ا هـ كَلَامُ الْمَازِرِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ لَيْسَ فِي لَطْمِ مُوسَى لِمَلَكِ الْمَوْتِ مَا يُعَظَّمُ وَيُشَنَّعُ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ بِأَعْظَمَ مِنْ أَخْذِهِ بِرَأْسِ أَخِيهِ وَلِحْيَتِهِ وَجَرِّهِ إيَّاهُ وَهُوَ نَبِيٌّ مُكَرَّمٌ كَمَا ذَلِكَ مَلَكٌ مُعَظَّمٌ وَالنَّبِيُّ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ أَفْضَلُ مِنْ الْمَلَكِ وَمُوسَى فَاعِلٌ بِاجْتِهَادِهِ فِي ذَاتِ اللَّهِ مَا رَآهُ مِنْ جَرِّ هَذَا إلَيْهِ وَدَفْعِ ذَلِكَ عَنْهُ وَأَمَّا فَقْؤُهُ عَيْنَهُ فَلَمْ يَتَعَمَّدْ ذَلِكَ لَكِنْ لَمَّا لَطَمَهُ حَدَثَ بِقُدْرَةِ اللَّهِ عِنْدَ ذَلِكَ فَقْءُ عَيْنِهِ فَهُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ قَالَ وَالْوَجْهُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ وَحَسَنُهُ هُوَ حَسَنٌ وَهُوَ تَأْوِيلُ أَبِي بَكْرِ بْنِ خُزَيْمَةَ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ ا هـ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ظَهَرَ لِي وَجْهٌ حَسَنٌ يَحْسِمُ مَادَّةَ الْإِشْكَالِ وَهُوَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَرَفَ مَلَكَ الْمَوْتِ فَلَطَمَهُ فَانْفَقَأَتْ عَيْنُهُ امْتِحَانًا وَأَنَّهُ جَاءَ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ لَكِنَّهُ جَاءَ مَجِيءَ الْجَازِمِ بِأَنَّهُ قَدْ أُمِرَ بِقَبْضِ رُوحِهِ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ وَعِنْدَ مُوسَى مَا قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَقْبِضُ رُوحَ نَبِيٍّ حَتَّى يُخَيِّرَهُ فَلَمَّا جَاءَهُ عَلَى غَيْرِ الْوَجْهِ الَّذِي أُعْلِمَ بِهِ بَادَرَ بِشَهَامَتِهِ وَقُوَّةِ نَفْسِهِ إلَى أَدَبِ مَلَكِ الْمَوْتِ فَلَطَمَهُ فَانْفَقَأَتْ عَيْنُهُ امْتِحَانًا لِمَلَكِ الْمَوْتِ ، إذْ لَمْ يُصَرِّحْ لَهُ بِالتَّخْيِيرِ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا أَنَّهُ لَمَّا رَجَعَ إلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ فَخَيَّرَهُ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ اخْتَارَ الْمَوْتَ وَاسْتَسْلَمَ هَذَا الْوَجْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِيهِ وَأَسْلَمُ ا هـ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا فِي الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ ابْنِ خُزَيْمَةَ وَالْمَازِرِيِّ هُوَ وَجْهٌ حَسَنٌ غَيْرَ أَنَّهُ اعْتَرَضَ بِبَاقِي الْحَدِيثِ وَهُوَ { أَنَّ مَلَكَ الْمَوْتِ لَمَّا رَجَعَ إلَى اللَّهِ قَالَ يَا رَبِّ أَرْسَلْتنِي إلَيَّ عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ } فَلَوْ لَمْ يَعْرِفْهُ مُوسَى ، وَإِنَّمَا دَافَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ لَمَا صَدَقَ هَذَا الْقَوْلُ مِنْ مَلَكِ الْمَوْتِ ا هـ . فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ أَجَلُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ قَدْ حَضَرَ فَكَيْفَ تَأَخَّرَ مُدَّةَ هَذِهِ الْمُرَاجَعَةِ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَحْضُرْ فَكَيْفَ جَاءَ الْمَلَكُ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ قَبْلَ حُضُورِهِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ } قُلْت لَمْ يَكُنْ أَجَلُ مُوسَى قَدْ حَضَرَ وَلَمْ يُبْعَثْ إلَيْهِ مَلَكُ الْمَوْتِ لِيَقْبِضَ رُوحَهُ ، وَإِنَّمَا بُعِثَ إلَيْهِ اخْتِبَارًا وَابْتِلَاءً كَمَا أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى خَلِيلَهُ إبْرَاهِيمَ بِذَبْحِ ابْنِهِ وَلَمْ يُرِدْ عَزَّ وَجَلَّ إمْضَاءَ الْفِعْلِ فَفَدَاهُ بِذِبْحٍ عَظِيمٍ وَلَوْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى قَبْضَ رُوحِ مُوسَى حِينَ لَطَمَ مَلَكَ الْمَوْتِ لَكَانَ مَا أَرَادَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنَّ فَيَكُونُ } ، وَقَدْ أَجَابَ بِمَا ذَكَرْته الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ وَهُوَ حَسَنٌ . { الثَّالِثَةُ } مَتْنُ الثَّوْرِ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ ظَهْرُهُ وَقَوْلُهُ فِيمَا تَوَارَتْ أَيْ تَغَطَّتْ وَقَوْلُهُ ، ثُمَّ مَهْ هِيَ مَا الِاسْتِفْهَامِيَّة دَخَلَتْ عَلَيْهَا هَاءُ السَّكْتِ لِلْوَقْفِ عَلَيْهَا وَهِيَ لُغَةُ الْعَرَبِ إذَا وَقَفُوا عَلَى أَسْمَاءِ الِاسْتِفْهَامِ فَإِذَا وَصَلُوا حَذَفُوهَا وَقَوْلُهُ فَالْآنَ ظَرْفُ زَمَانٍ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ وَهُوَ اسْمٌ لِزَمَانِ الْحَالِ الَّتِي يَكُونُ الْمُتَكَلِّمُ عَلَيْهَا وَهُوَ الزَّمَانُ الْفَاصِلُ بَيْنَ الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ . { الرَّابِعَةُ } فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا خَيَّرَهُ بَيْنَ الْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ اخْتَارَ الْمَوْتَ طَلَبًا لِلِقَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَاسْتِعْجَالًا لِمَا لَهُ عِنْدَهُ مِنْ الثَّوَابِ وَالْخَيْرِ وَاسْتِرَاحَةٍ مِنْ أَكْدَارِ الدُّنْيَا وَهَذَا كَمَا { أَنَّ نَبِيَّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا خُيِّرَ عِنْدَ مَوْتِهِ قَالَ اللَّهُمَّ الرَّفِيقَ الْأَعْلَى } فَكَذَلِكَ سَائِرُ الْأَنْبِيَاءِ . عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ رَبِّ { اُدْنُنِي مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ رَمْيَةً بِحَجَرٍ } أَيْ مِقْدَارَ رَمْيَةٍ فَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ ظَرْفُ مَكَان وَالْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ هِيَ بَيْتُ الْمَقْدِسِ وَقَالَ الْمُهَلَّبُ إنَّمَا سَأَلَ ذَلِكَ لِيَقْرَبَ عَلَيْهِ الْمَشْيُ إلَى الْمَحْشَرِ وَتَسْقُطَ عَنْهُ الْمَشَقَّةُ الْحَاصِلَةُ لِمَنْ بَعُدَ عَنْهُ وَقَالَ غَيْرُهُ إنَّمَا سَأَلَ ذَلِكَ لِفَضْلِ مَنْ دُفِنَ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَالْأَوْلِيَاءِ فَأَحَبَّ مُجَاوَرَتَهُمْ فِي الْمَمَاتِ كَمَا يَسْتَحِبُّ مُجَاوَرَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ وَلِشَرَفِ الْبُقْعَةِ وَفَضْلِهَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَهَذَا أَظْهَرُ قُلْت ، وَقَدْ خَطَرَ لِي فِي ذَلِكَ وَجْهٌ لَمْ أَرَ مَنْ ذَكَرَهُ وَهُوَ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّمَا سَأَلَ الْإِدْنَاءَ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ مُسَارَعَةً لِامْتِثَالٍ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي قِتَالِ الْجَبَّارِينَ الَّذِينَ كَانُوا بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ فَأَمَرَ النَّبِيُّ بَنِي إسْرَائِيلَ بِالدُّخُولِ عَلَيْهِمْ فَعَصَوْا فَعُوقِبُوا بِالتِّيهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً وَهَذَا بِنَاءً عَلَى أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَاتَ فِي التِّيهِ قَبْلَ فَتْحِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ وَكَانَ فَتْحُهَا عَلَى يَدِ يُوشَعَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّهُ كَانَ فَتَحَهَا عَلَى يَدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَعْرُوفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّادِسَةُ } حَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ مَعْنَى بُعْدَهُ مِنْهَا رَمْيَةً بِحَجَرٍ لِيُعْمَى قَبْرُهُ لِئَلَّا يَعْبُدَهُ جُهَّالُ أَهْلِ مِلَّتِهِ وَيَقْصِدُونَهُ بِالتَّعْظِيمِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْبَرَ أَنَّ الْيَهُودَ تَفْعَلُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ لَعَنْ اللَّهُ الْيَهُودَ اتَّخَذُوا قُبُورَ أَنْبِيَائِهِمْ مَسَاجِدَ يُحَذِّرُ مَا صَنَعُوا انْتَهَى : قُلْت هَذَا الْكَلَامُ مُقْتَضَاهُ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ سَأَلَ الْإِدْنَاءَ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا رَمْيَةٌ بِحَجَرٍ وَلَا يَدْخُلُهَا وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ الْحَدِيثُ أَنَّهُ سَأَلَ تَقْرِيبَهُ مِنْ الْمَكَانِ الَّذِي هُوَ فِيهِ إلَى جِهَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِمِقْدَارِ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ وَمَا نَدْرِي مَا يَبْقَى بَعْدَ ذَلِكَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ فَقَدْ تَكُونُ الْمَسَافَةُ بَعِيدَةً ، وَقَدْ تَكُونُ قَرِيبَةً وَإِذَا طَلَبَ التَّقْرِيبَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ بِمِقْدَارِ رَمْيَةٍ بِحَجَرٍ فَتَقْرِيبُهُ إلَيْهَا بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ أَبْلَغُ فِي مَقْصُودِهِ بَلْ اتِّصَالُهُ إلَى نَفْسِ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ أَبْلَغُ وَأَعْظَمُ وَمَا كَانَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ فَطَلَبَ الْبُعْدَ مِنْهَا ، وَإِنَّمَا كَانَ بَعِيدًا مِنْهَا فَطَلَبَ الْقُرْبَ مِنْهَا وَذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ قَبْرَ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَدْيَنَ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَبَيْتِ الْمَقْدِسِ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْحَافِظُ ضِيَاءُ الدِّينِ الْمَقْدِسِيَّ وَقَالَ فِيهِ نَظَرٌ وَاسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ وَمَدْيَنُ لَيْسَتْ قَرِيبَةً مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَلَا مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ، وَقَدْ اُشْتُهِرَ أَنَّ قَبْرًا قَرِيبًا مِنْ أَرِيحَاءَ وَهِيَ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ يُزَارُ وَيُقَالُ إنَّهُ قَبْرُ مُوسَى وَعِنْدَهُ كَثِيبٌ أَحْمَرُ وَطَرِيقٌ ، وَقَدْ حَدَّثَنَا عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِمَّنْ زَارَهُ انْتَهَى . { السَّابِعَةُ } إنَّمَا سَأَلَ مُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ التَّقْرِيبَ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ نَقْلُهُ إلَيْهَا بَعْدَ وَفَاتِهِ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّمَا يُدْفَنُونَ فِي الْبُقْعَةِ الَّتِي مَاتُوا فِيهَا بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ فَإِنَّهُمْ يُنْقَلُونَ مِنْ بُيُوتِهِمْ الَّتِي مَاتُوا فِيهَا إلَى مَدَافِنِهِمْ وَمَقَابِرِهِمْ كَمَا هِيَ عَادَةُ النَّاسِ ، وَإِنَّمَا يَمْتَنِعُ نَقْلُ الْمَيِّتِ إلَى بَلَدٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ فِي حُكْمِهِ فَنَقَلَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ إنِّي لَا أُحِبُّهُ ، وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالْبَغَوِيُّ فِي التَّهْذِيبِ يُكْرَهُ نَقْلُهُ . وَقَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَأَبُو الْفَرَجِ الدَّارِمِيُّ وَالْمُتَوَلِّي فِي وَالتَّتِمَّةِ يَحْرُمُ نَقْلُهُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا أَصَحُّ فَإِنَّ فِي نَقْلِهِ تَأْخِيرَ دَفْنِهِ وَتَعْرِيضَهُ لِهَتْكِ حُرْمَتِهِ مِنْ وُجُوهٍ وَمَحِلُّ هَذَا الْخِلَافِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ بِقُرْبِ مَكَّةَ أَوْ الْمَدِينَةِ أَوْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَيَخْتَارُ أَنْ يُنْقَلَ إلَيْهَا لِفَضْلِ الدَّفْنِ فِيهَا ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ لَهُ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ طَلَبِ الْقُرْبِ مِنْ الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ لِلدَّفْنِ بِهَا لَكِنْ لَمَّا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ لَا يُنْقَلُونَ بَعْدَ وَفَاتِهِمْ طَلَبَ الْقُرْبَ فِي حَيَاتِهِ وَلَمَّا لَمْ يَمْتَنِعْ نَقْلُ غَيْرِهِمْ بَعْدَ الْوَفَاةِ اُسْتُحِبَّ النَّقْلُ مَعَ قُرْبِ الْمَسَافَةِ لِطَلَبِ هَذَا الْفَضْلِ ، وَقَدْ وَرَدَ حَدِيثٌ فِي فَضْلِ الْمَوْتِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ مَنْ مَاتَ فِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ فَكَأَنَّمَا مَاتَ فِي السَّمَاءِ } وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّامِنَةُ } الْكَثِيبُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ قِطْعَةٌ مِنْ الرَّمْلِ مُسْتَطِيلَةٌ مُحْدَوْدِبَةٌ سُمِّيَ بِذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ انْصَبَّ فِي مَكَان فَاجْتَمَعَ فِيهِ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ مَعْرِفَةِ قُبُورِ الصَّالِحِينَ لِزِيَارَتِهَا وَالْقِيَامِ بِحَقِّهَا ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَبْرِ السَّيِّدِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَامَةً مَوْجُودَةً فِي قَبْرٍ مَشْهُورٍ عِنْدَ النَّاسِ الْآنَ بِأَنَّهُ قَبْرُهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَوْضِعَ الْمَذْكُورَ هُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ النَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ حِكَايَاتٌ وَمَنَامَاتٌ وَقَالَ الْحَافِظُ الضِّيَاءُ حَدَّثَنِي الشَّيْخُ سَالِمٌ التَّلُّ قَالَ : مَا رَأَيْت اسْتِحْبَابَهُ الدُّعَاءَ أَسْرَعَ مِنْهَا عِنْدَ هَذَا الْقَبْرِ ، وَحَدَّثَنِي الشَّيْخُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُونُسَ الْمَعْرُوفُ بِالْأَرْمَنِيِّ أَنَّهُ زَارَ هَذَا الْقَبْرَ وَأَنَّهُ نَامَ فَرَأَى فِي مَنَامِهِ قُبَّةً عِنْدَهُ وَفِيهَا شَخْصٌ أَسْمَرُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ لَهُ أَنْتَ مُوسَى كَلِيمُ اللَّهِ أَوْ قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ فَقَالَ نَعَمْ فَقُلْت قُلْ لِي شَيْئًا فَأَوْمَى إلَيَّ بِأَرْبَعِ أَصَابِعَ وَوَصَفَ طُولَهُنَّ فَانْتَبَهْت فَلَمْ أَدْرِ مَا قَالَ ، فَأَخْبَرْت الشَّيْخَ ذَيَّالَ بِذَلِكَ فَقَالَ : يُولَدُ لَك أَرْبَعَةُ أَوْلَادٍ فَقُلْت أَنَا قَدْ تَزَوَّجْت امْرَأَةً فَلَمْ أَقْرَبِهَا فَقَالَ : تَكُونُ غَيْرَ هَذِهِ فَتَزَوَّجْت أُخْرَى فَوَلَدَتْ لِي أَرْبَعَةَ أَوْلَادٍ انْتَهَى . وَلَيْسَ فِي قُبُورِ الْأَنْبِيَاءِ مَا هُوَ مُحَقَّقٌ سِوَى قَبْرِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا قَبْرُ مُوسَى فَمَظْنُونٌ بِالْعَلَامَةِ الَّتِي فِي الْحَدِيثِ وَقَبْرُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَمَنْ مَعَهُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ أَيْضًا مَظْنُونٌ بِمَنَامَاتٍ وَنَحْوِهَا . بَابُ عَرْضِ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ عَلَيْهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ يُقَالُ لَهُ هَذَا مَقْعَدُك حَتَّى يَبْعَثَك اللَّهُ إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } . بَابُ عَرْضِ مَقْعَدِ الْمَيِّتِ عَلَيْهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ عَنْ نَافِعٍ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّ أَحَدَكُمْ إذَا مَاتَ عُرِضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ يُقَالُ لَهُ هَذَا مَقْعَدُك حَتَّى يَبْعَثَك اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } { فِيهِ } فَوَائِدُ : { الْأُولَى } اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَانْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ { إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَالْجَنَّةُ وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَالنَّارُ } . { الثَّانِيَةُ } فِيهِ أَنَّ الْمَيِّتَ يُعْرَضُ عَلَيْهِ فِي قَبْرِهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ مَقْعَدُهُ مِنْ الْجَنَّةِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا أَوْ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِهَا وَيُقَالُ لَهُ هَذَا مَقْعَدُك وَفِي هَذَا تَنْعِيمٌ لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَتَعْذِيبٌ لِمَنْ هُوَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ بِمُعَايَنَةِ مَا أُعِدَّ لَهُ وَانْتِظَارِهِ ذَلِكَ إلَى الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ وَيُوَافِقُ هَذَا فِي أَحَدِ الشِّقَّيْنِ قَوْله تَعَالَى { النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ أَدْخِلُوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ الْعَذَابِ } قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَرْضُ عَلَى الرُّوحِ وَحْدَهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ مَعَ جُزْءٍ مِنْ الْبَدَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحَقِيقَةِ ذَلِكَ ، قُلْت ظَاهِرُ الْحَدِيثِ عَرْضُ هَذَا عَلَى جُمْلَتِهِ وَلَا مَانِعَ مِنْ إعَادَةِ الرُّوحِ إلَى الْجَسَدِ أَوْ إلَى الْبَعْضِ الَّذِي يُدْرَكُ مِنْهُ حَالَةُ الْعَرْضِ ( فَإِنْ قُلْت ) وَهَلْ فِي الْقَبْرِ غَدَاةٌ وَعَشِيٌّ وَلَيْلٌ وَنَهَارٌ : قُلْت الْمُرَادُ فِي وَقْتِ الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ عِنْدَ الْأَحْيَاءِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَمْثُلَ لَهُ وَقْتَ الْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ فِي حَالِ عَرْضِ الْمَقْعَدِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي سُؤَالِ الْمَلَكَيْنِ أَنَّهُ يَمْثُلُ لَهُ وَقْتَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَدُنُوِّ الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ بَلَدِهِمْ أَنَّ مَعْنَى الْعَرْضِ هُنَا الْإِخْبَارُ بِأَنَّ هَذَا مَوْضِعُ أَعْمَالِكُمْ وَالْجَزَاءُ لَهَا عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ وَأُرِيدَ بِالتَّكْرِيرِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ تِذْكَارُهُمْ بِذَلِكَ ، قَالَ وَلَسْنَا نَشُكُّ أَنَّ الْأَجْسَادَ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْمُسَاءَلَةِ هِيَ فِي الذَّهَابِ وَأَكْلِ التُّرَابِ لَهَا وَالْفَنَاءِ وَلَا يُعْرَضُ شَيْءٌ عَلَى فَانٍ ، فَبَانَ أَنَّ الْعَرْضَ الَّذِي يَدُومُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْأَرْوَاحِ خَاصَّةً ، وَذَلِكَ أَنَّ الْأَرْوَاحَ لَا تَفْنَى وَهِيَ بَاقِيَةٌ إلَى أَنْ يَصِيرَ الْعِبَادُ إلَى الْجَنَّةِ أَوْ النَّارِ انْتَهَى . وَمَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ مَعْنَى الْعَرْضِ هُنَا الْإِخْبَارُ قَدْ يَقْتَضِي عَدَمَ مُعَايَنَةِ الْمَقْعَدِ حَقِيقَةً وَهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَلَا مَانِعَ مِنْ حَمْلِ الْحَدِيثِ وَالْآيَةِ عَلَى ظَاهِرِهِمَا وَإِذَا لَمْ يَصْرِفْ عَنْ الظَّاهِرِ صَارِفٌ فَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَذِكْرُهُ مِنْ أَنَّ الْعَرْضَ عَلَى الْأَرْوَاحِ خَاصَّةً هُوَ أَحَدُ احْتِمَالَيْ الْقُرْطُبِيِّ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ خِلَافُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّالِثَةُ } الْأَمْرُ وَاضِحٌ فِي الْكَافِرِ وَالْمُؤْمِنِ الْمُخْلِصِ أَمَّا الْمُخَلِّطُ الَّذِي لَهُ ذُنُوبٌ هُوَ مُؤَاخَذٌ بِهَا غَيْرُ مَعْفُوٍّ عَنْهَا فَمَاذَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ ؟ الَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْمَعْرُوضَ عَلَيْهِ مَقْعَدُهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَأَمَّا النَّارُ فَلَيْسَ لَهُ بِهَا مَقْعَدٌ مُسْتَقِرٌّ ، وَإِنَّمَا يَدْخُلُهَا لِعَارِضٍ لِيُنَقَّى وَيُطَهَّرَ وَيُمَحَّصَ ، ثُمَّ يَدْخُلَ مَقْعَدَهُ مِنْ الْجَنَّةِ نَقِيًّا مُخْلِصًا وَذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فِي ذَلِكَ تَرَدُّدًا فَقَالَ وَأَمَّا الْمُؤْمِنُ الْمُؤَاخَذُ بِذُنُوبِهِ فَلَهُ مَقْعَدَانِ مَقْعَدٌ فِي النَّارِ مِنْ تَعْذِيبِهِ وَمَقْعَدٌ فِي الْجَنَّةِ بَعْدَ إخْرَاجِهِ فَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يُعْرَضَا عَلَيْهِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ إلَّا إنْ قُلْنَا أَنَّهُ أَرَادَ بِأَهْلِ الْجَنَّةِ كُلَّ مَنْ يَدْخُلُهَا كَيْفَمَا كَانَ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ التَّفْسِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمْ . { الرَّابِعَةُ } قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا إخْبَارٌ عَنْ غَيْرِ الشُّهَدَاءِ فَإِنَّ أَرْوَاحَهُمْ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ تَسْرَحُ فِي الْجَنَّةِ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا قُلْت هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ عَرْضَ الْمَقْعَدِ عَلَى الْأَرْوَاحِ خَاصَّةً فَلَا يُحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى عَرْضِهِ عَلَيْهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي الْجَنَّةِ ، وَقَدْ يُقَالُ : فَائِدَةُ ذَلِكَ تَبْشِيرُهَا بِاسْتِقْرَارِهَا فِي الْجَنَّةِ مُقْتَرِنَةً بِجَسَدِهَا فِي ذَلِكَ الْمَحِلِّ الْمَخْصُوصِ عَلَى التَّأْبِيدِ ، وَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مَا هِيَ فِيهِ وَأَمَّا إذَا كَانَ عَرْضُ الْمَقْعَدِ عَلَى الْأَجْسَادِ فَلَا مَانِعَ مِنْ أَنَّ الشُّهَدَاءَ حِينَئِذٍ كَغَيْرِهِمْ ؛ لِأَنَّ الَّذِي فِي الْجَنَّةِ إنَّمَا هُوَ أَرْوَاحُهُمْ أَمَّا أَجْسَادُهُمْ فَهِيَ فِي قُبُورِهِمْ فَتَنْعَمُ بِعَرْضِ الْمَقْعَدِ عَلَيْهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا ، عَلَى أَنَّ ذَلِكَ قَدْ وَرَدَ فِي أَرْوَاحِ الْمُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّمَا نَسَمَةُ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ فِي شَجَرَةِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَبْعَثَهُ اللَّهُ إلَى جَسَدِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ { إنَّ أَرْوَاح الْمُؤْمِنِينَ فِي طَيْرٍ خُضْرٍ يَعْلُقُ بِشَجَرِ الْجَنَّةِ } وَهُوَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ بِلَفْظِ { إنَّ أَرْوَاحَ الشُّهَدَاءِ } { الْخَامِسَةُ } قَوْلُهُ { إنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ } ظَاهِرُهُ اتِّحَادُ الشَّرْطِ وَالْجَزَاءُ لَكِنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ فِي التَّقْدِيرِ وَلَعَلَّ تَقْدِيرُهُ فَمِنْ مَقَاعِدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ أَيْ فَالْمَعْرُوضُ عَلَيْهِ مِنْ مَقَاعِدِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَحَذَفَ الْمُبْتَدَأَ وَالْمُضَافَ وَالْمَجْرُورَ بِمِنْ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مُقَامَهُ وَالرِّوَايَةُ الَّتِي نَقَلْنَاهَا عَنْ مُسْلِمٍ فَالْجَنَّةُ تَقْدِيرُهَا فَالْمَعْرُوضُ الْجَنَّةُ فَاقْتَصَرَ مِنْهَا عَلَى حَذْفِ الْمُبْتَدَأِ فَهِيَ حَذْفًا ، وَكَذَا الْكَلَامُ فِي قَوْلِهِ { وَإِنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَمِنْ أَهْلِ النَّارِ } { السَّادِسَةُ } فِيهِ إثْبَاتُ عَذَابِ الْقَبْرِ ؛ لِأَنَّ عَرْضَ مَقْعَدِهِ مِنْ النَّارِ عَلَيْهِ نَوْعٌ عَظِيمٌ مِنْ الْعَذَابِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلَا يَمْتَنِعُ فِي الْعَقْلِ أَنْ يُعِيدَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَيَاةَ فِي جُزْءٍ مِنْ الْجَسَدِ وَيُعَذِّبَهُ وَإِذَا لَمْ يَمْنَعْهُ الْعَقْلُ وَوَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ وَجَبَ قَبُولُهُ ، وَقَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ الْخَوَارِجُ وَمُعْظَمُ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَعْضُ الْمُرْجِئَةِ وَنَفَوْا ذَلِكَ ، ثُمَّ الْمُعَذَّبُ عِنْدَ أَهْلِ السُّنَّةِ الْجَسَدُ بِعَيْنِهِ أَوْ بَعْضُهُ بَعْدَ إعَادَةِ الرُّوحِ إلَيْهِ أَوْ إلَى جُزْءٍ مِنْهُ وَخَالَفَ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ كِرَامٍ وَطَائِفَةٌ فَقَالُوا لَا يُشْتَرَطُ إعَادَةُ الرُّوحِ قَالَ أَصْحَابُنَا هَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْأَلَمَ وَالْإِحْسَاسَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْحَيِّ ، قَالَ أَصْحَابُنَا : وَلَا يُمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُ الْمَيِّتِ قَدْ تَفَرَّقَتْ أَجْزَاؤُهُ كَمَا نُشَاهِدُ فِي الْعَادَةِ أَوْ أَكَلَتْهُ السِّبَاعُ أَوْ حِيتَانُ الْبَحْرِ أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ فَكَمَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُعِيدُهُ لِلْحَشْرِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ فَكَذَا يُعِيدُ الْحَيَاةَ إلَى جُزْءٍ مِنْهُ أَوْ أَجْزَاءٍ وَإِنْ أَكَلَتْهُ السِّبَاعُ وَالْحِيتَانُ ( فَإِنْ قِيلَ ) فَنَحْنُ نُشَاهِدُ الْمَيِّتَ عَلَى حَالِهِ فِي قَبْرِهِ فَكَيْفَ يُسْأَلُ وَيَقْعُدُ وَيُضْرَبُ بِمَطَارِقَ مِنْ حَدِيدٍ وَيُعَذِّبُهُ وَلَا يَظْهَرُ لَهُ أَثَرٌ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مُمْتَنِعٍ بَلْ لَهُ نَظِيرٌ فِي الْعَادَةِ وَهُوَ النَّائِمُ فَإِنَّهُ يَجِدُ لَذَّةً وَآلَامًا لَا نُحِسُّ نَحْنُ شَيْئًا مِنْهَا ، وَكَذَا يَجِدُ الْيَقْظَانُ لَذَّةً وَأَلَمًا لِمَا يَسَعُهُ أَوْ يُفَكِّرُ فِيهِ وَلَا يُشَاهِدُ ذَلِكَ جَلِيسُهُ مِنْهُ ، وَكَذَا كَانَ جِبْرِيلُ يَأْتِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُخْبِرُهُ بِالْوَحْيِ الْكَرِيمِ وَلَا يُدْرِكُهُ الْحَاضِرُونَ وَكُلُّ هَذَا وَاضِحٌ ظَاهِرٌ جَلِيٌّ { السَّابِعَةُ } قَالَ بَعْضُهُمْ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ أَرْوَاحَ الْمَوْتَى عَلَى أَفْنِيَةِ الْقُبُورِ وَهَذَا أَصَحُّ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ بِذَلِكَ أَثْبَتُ مِنْ غَيْرِهَا قَالَ الدَّرَاوَرْدِيُّ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى حَيَاةِ الرُّوحِ وَالنَّفْسِ أَنَّهُمَا لَا يَفْنَيَانِ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ ( اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَاَلَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا فَيُمْسِكُ الَّتِي قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَى إلَى أَجَلٍ مُسَمًّى ) وَالْإِمْسَاكُ لَا يَقَعُ عَلَى الْفَانِي انْتَهَى . { الثَّامِنَةُ } قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ بِعَدَمٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ انْتِقَالٌ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ وَمُفَارَقَةُ الرُّوحِ الْبَدَنَ { بَابُ بَلَاءِ الْمَيِّتِ إلَّا عَجَبَ الذَّنَبِ } عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إلَّا عَجَبَ الذَّنْبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ فِي الْإِنْسَانِ عَظْمًا لَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ أَبَدًا فِيهِ يُرَكَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالُوا أَيُّ عَظْمٍ هُوَ ؟ قَالَ عَجَبُ الذَّنَبِ } ( بَابُ بَلَاءِ الْمَيِّتِ إلَّا عَجَبَ الذَّنَبِ ) عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { كُلُّ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ إلَّا عَجَبَ الذَّنَبِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ فِي الْإِنْسَانِ عَظْمًا لَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ أَبَدًا فِيهِ يُرَكَّبُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ قَالُوا أَيُّ عَظْمٍ هُوَ ؟ قَالَ عَجَبُ الذَّنَبِ } { فِيهِ } فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُغِيرَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ مُسْلِمٌ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { لَيْسَ مِنْ الْإِنْسَانِ شَيْءٌ يَبْلَى إلَّا عَظْمًا وَاحِدًا وَهُوَ عَجَبُ الذَّنَبِ وَمِنْهُ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } لَفْظُ مُسْلِمٍ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ { يَبْلَى كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْإِنْسَانِ إلَّا عَجَبَ ذَنَبِهِ فِيهِ يُرَكَّبُ الْخَلْقُ } أَوْرَدَهُ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ . { الثَّانِيَةُ } عَجَبُ الذَّنَبِ هُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَحَكَى صَاحِبُ الْمُحْكَمِ ضَمَّهَا أَيْضًا وَإِسْكَانُ الْجِيمِ وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ وَيُقَالُ لَهُ عَجَمُ الذَّنَبِ بِالْمِيمِ أَيْضًا وَفِي عَيْنِهِ الْوَجْهَانِ وَحُكِيَ فِي الْمُحْكَمِ عَنْ اللِّحْيَانِيِّ أَنَّ الْمِيمَ بَدَلٌ مِنْ الْبَاءِ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ : رَوَاهُ بَعْضُ رُوَاةِ الْقَعْنَبِيِّ فِي الْمُوَطَّإِ وَهُوَ الْعَظْمُ اللَّطِيفُ الَّذِي فِي أَسْفَلِ الصُّلْبِ وَأَعْلَى مَا بَيْنَ الْأَلْيَتَيْنِ وَهُوَ رَأْسُ الْعُصْعُصُ وَهُوَ مَكَانُ رَأْسِ الذَّنَبِ مِنْ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَكَأَنَّهُ لِهَذَا أُضِيفَ إلَى الذَّنَبِ وَرَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُد فِي كِتَابِ الْبَعْثِ وَالنُّشُورِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ { قِيلَ وَمَا هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ مِثْلُ حَبَّةِ خَرْدَلٍ مِنْهُ تُنْشَئُونَ } وَعَزَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ لِكِتَابِ الْبَعْثِ لِابْنِ أَبِي الدُّنْيَا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى صِغَرِهِ جِدًّا . { الثَّالِثَةُ } قَوْلُهُ { يَأْكُلُهُ التُّرَابُ } يَحْتَمِلُ أَنْ تُعْدَمَ أَجْزَاؤُهُ بِالْكُلِّيَّةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا بَاقِيَةٌ لَكِنْ زَالَتْ أَعْرَاضُهَا الْمَعْهُودَةُ ، وَقَدْ جَوَّزَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي الْإِرْشَادِ كِلَا الْأَمْرَيْنِ عَقْلًا قَالَ وَلَمْ يَدُلَّ قَاطِعٌ سَمْعِيٌّ عَلَى نَفْيِ أَحَدِهِمَا فَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَصِيرَ أَجْسَامُ الْعِبَادِ عَلَى صِفَةِ أَجْسَامِ التُّرَابِ ، ثُمَّ تُعَادُ بِتَرْكِيبِهَا إلَى مَا عُهِدَ وَلَا يُحِيلُ أَنْ يُعْدَمَ مِنْهَا شَيْءٌ ، ثُمَّ يُعَادَ . { الرَّابِعَةُ } كَوْنُ ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُهُ التُّرَابُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ فَإِنَّ الْأَنْبِيَاءَ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا تَبْلَى أَجْسَامُهُمْ الْكَرِيمَةُ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى الْأَرْضِ أَنْ تَأْكُلَ أَجْسَادَ الْأَنْبِيَاءِ } وَاسْتَثْنَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَعَهُمْ الشُّهَدَاءَ قَالَ وَحَسْبُك مَا جَاءَ فِي شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَغَيْرِهِمْ ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ جَابِرٍ لِمَا نَقَلَ أَبَاهُ فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ حِينَ أَرَادَ إجْرَاءَ الْعَيْنِ الَّتِي فِي أَسْفَلِ أُحُدٍ وَقَوْلُهُ { فَأَخْرَجْنَاهُمْ رِطَابًا يُتَسَنَّوْنَ فَأَصَابَتْ الْمِسْحَاةُ أُصْبُعَ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَتَقَطَّرَ الدَّمُ } وَاقْتَصَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَلَى قَوْلِهِ وَكَثِيرٌ مِنْ الشُّهَدَاءِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَرَى أَنَّ بَعْضَ الشُّهَدَاءِ قَدْ تَأْكُلُ الْأَرْضُ جَسَدَهُ وَلَعَلَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى الْمَبْطُونِ وَنَحْوِهِ مِنْ الْمُلْحَقِينَ بِالشُّهَدَاءِ وَضَمَّ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ إلَى الصِّنْفَيْنِ الْمُؤَذِّنَ الْمُحْتَسِبَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْمُؤَذِّنُ الْمُحْتَسِبُ كَالْمُتَشَحِّطِ فِي دَمِهِ وَإِنْ مَاتَ لَمْ يُدَوَّدْ فِي قَبْرِهِ } قَالَ وَظَاهِرُ هَذَا أَنَّ الْأَرْضَ لَا تَأْكُلُ أَجْسَادَ الْمُؤَذِّنِينَ الْمُحْتَسِبِينَ فَلِلْحَدِيثِ تَأْوِيلَانِ ( أَحَدُهُمَا ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَأَنَّهُ قَالَ كُلُّ مَنْ تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ فَإِنَّهُ لَا تَأْكُلُ مِنْهُ عَجَبَ الذَّنَبِ قَالَ : وَإِذَا جَازَ أَلَّا تَأْكُلَ الْأَرْضُ عَجَبَ الذَّنَبِ جَازَ أَنْ لَا تَأْكُلَ الشُّهَدَاءَ . ( الثَّانِي ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ يُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَ الْإِنْسَانِ مِمَّا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَأْكُلُ أَجْسَامًا كَثِيرَةً كَالْأَنْبِيَاءِ وَكَثِيرٍ مِنْ الشُّهَدَاءِ { الْخَامِسَةُ } وَفِيهِ أَنَّ عَجَبَ الذَّنَبِ لَا يَبْلَى وَلَا تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ بَلْ يَبْقَى عَلَى حَالِهِ وَإِنْ بَلِيَ جَمِيعُ جَسَدِ الْمَيِّتِ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ الْمُزَنِيّ فَقَالَ : إنَّ عَجَبَ الذَّنَبِ يَبْلَى أَيْضًا فَلَمْ يُجْعَلْ إلَّا فِي الْحَدِيثِ لِلِاسْتِثْنَاءِ بَلْ عَاطِفَةٌ كَالْوَاوِ فَكَأَنَّهُ قَالَ وَعَجَبُ الذَّنَبِ ، وَقَدْ حَكَى إثْبَاتَ هَذَا الْمَعْنَى لِأَلَّا عَنْ الْأَخْفَشِ وَالْفَرَّاءِ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَأَنْكَرَهُ الْجُمْهُورُ وَأَوَّلُوا مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ وَيَرُدُّهُ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَوْنُهُ عَقَّبَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ مِنْهُ خُلِقَ وَفِيهِ يُرَكَّبُ أَيْ أَنَّهُ أَوَّلُ مَا يُخْلَقُ مِنْ الْآدَمِيِّ وَهُوَ الَّذِي يَبْقَى مِنْهُ لِيُعَادَ تَرْكِيبُ الْخَلْقِ عَلَيْهِ فَلَوْ سَاوَى عَجَبُ الذَّنَبِ غَيْرَهُ فِي الْبَلَاءِ لَمْ يَبْقَ لِهَذَا الْكَلَامِ مَحَلٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّادِسَةُ } ظَاهِرُهُ أَنَّ عَجَبَ الذَّنَبِ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ مِنْ الْآدَمِيِّ وَرُوِيَ عَنْ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ آدَمَ رَأْسَهُ فَجَعَلَ يَنْظُرُ وَهُوَ يُخْلَقُ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ فَلَمْ يَصِحَّ هَذَا وَلَوْ صَحَّ عَنْهُ فَاتِّبَاعُ الْحَدِيثِ أَوْلَى ، وَقَدْ يُقَالُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ فِي ابْنِ آدَمَ وَالْأَثَرُ عَنْ سَلْمَانَ فِي آدَمَ نَفْسِهِ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ مِنْ آدَمَ رَأْسَهُ وَمِنْ بَنِيهِ عَجَبَ الذَّنَبِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَوَّلُ مَخْلُوقٍ مِنْ آدَمَ عَجَبَ الذَّنَبِ كَبَنِيهِ وَيَكُونُ مَعْنَى كَلَامِ سَلْمَانَ إنْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّ أَوَّلَ مَا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ مِنْ آدَمَ رَأْسُهُ وَيُوَافِقُ ذَلِكَ قَوْلَ ابْنِ جُرَيْجٍ يَقُولُونَ إنَّ أَوَّلَ مَا نُفِخَ فِي يَافُوخِ آدَمَ { السَّابِعَةُ } ، وَفِي قَوْلِهِ { فِيهِ يُرَكَّبُ الْبَعْثُ وَالنَّشْأَةُ الْآخِرَةُ } وَالْإِيمَانِ بِالْمَعَادِ الْجُسْمَانِيِّ وَاجِبٌ ، وَجَحْدُهُ كُفْرٌ ، وَقَدْ اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْمِلَلِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . كِتَابُ الزَّكَاةِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا مَا رَبُّ النَّعَمِ لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا تُسَلَّطُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَخْبِطُ وَجْهَهُ بِأَخْفَافِهَا } . وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ قَالَ يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَيَطْلُبُهُ وَيَقُولُ أَنَا كَنْزُكَ قَالَ وَاَللَّهِ لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ } . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَلِمُسْلِمٍ { مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهُ إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ لَهُ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ . قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْإِبِلُ ؟ قَالَ وَلَا صَاحِبُ إبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ . قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ ؟ قَالَ وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ ، وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْخَيْلُ ؟ قَالَ الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ . فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدُ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٍ وَكُتِبَ لَهُ عَدَدُ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٍ وَلَا يَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْحُمُرُ ؟ قَالَ مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ إلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْفَاذَّةَ الْجَامِعَةَ { مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } } . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ ذِكْرَ الْخَيْلِ وَالْحُمُرِ ، وَأَخْرَجَ ذِكْرَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ مُخْتَصَرًا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ، وَأَخْرَجَا ذِكْرَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ . كِتَابُ الزَّكَاة عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا مَا رَبُّ النَّعَمِ لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا تُسَلَّطُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَخْبِطُ وَجْهَهُ بِأَخْفَافِهَا وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكُونُ كَنْزُ أَحَدِكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ قَالَ يَفِرُّ مِنْهُ صَاحِبُهُ وَيَطْلُبُهُ وَيَقُولُ أَنَا كَنْزُك قَالَ وَاَللَّهِ لَنْ يَزَالَ يَطْلُبُهُ حَتَّى يَبْسُطَ يَدَهُ فَيُلْقِمَهَا فَاهُ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا مِنْ صَاحِبِ ذَهَبٍ وَلَا فِضَّةٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ مِنْ نَارٍ فَأُحْمِيَ عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَيُكْوَى بِهَا جَنْبُهُ وَجَبِينُهُ وَظَهْرُهُ كُلَّمَا بَرَدَتْ أُعِيدَتْ فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ ؛ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْإِبِلُ ؟ قَالَ وَلَا صَاحِبُ إبِلٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَعَضُّهُ بِأَفْوَاهِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ قَالَ وَلَا صَاحِبُ بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي مِنْهَا حَقَّهَا إلَّا إذَا كَانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ بُطِحَ لَهَا بِقَاعٍ قَرْقَرٍ لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ فَيَرَى سَبِيلَهُ إمَّا إلَى الْجَنَّةِ وَإِمَّا إلَى النَّارِ . قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْخَيْلُ ؟ قَالَ الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ ، فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا رِيَاءً وَفَخْرًا وَنِوَاءً عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ فَهِيَ لَهُ وِزْرٌ ، وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ سِتْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا فَهِيَ لَهُ سِتْرٌ . وَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ أَجْرٌ فَرَجُلٌ رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي مَرْجٍ وَرَوْضَةٍ فَمَا أَكَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْمَرْجِ أَوْ الرَّوْضَةِ مِنْ شَيْءٍ إلَّا كُتِبَ لَهُ عَدَدُ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٍ وَكُتِبَ لَهُ عَدَدُ أَرْوَاثِهَا وَأَبْوَالِهَا حَسَنَاتٍ وَلَا يَقْطَعُ طِوَلَهَا فَاسْتَنَّتْ شَرَفًا أَوْ شَرَفَيْنِ إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ آثَارِهَا وَأَرْوَاثِهَا حَسَنَاتٍ وَلَا مَرَّ بِهَا صَاحِبُهَا عَلَى نَهْرٍ فَشَرِبَتْ مِنْهُ وَلَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَالْحُمُرُ ؟ قَالَ مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ إلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْفَاذَّةَ الْجَامِعَةَ { مَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } } . وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا ذَكَرَ الْخَيْلَ وَالْحُمُرَ وَأَخْرَجَ ذِكْرَ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ مُخْتَصَرًا مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { تَأْتِي الْإِبِلُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إذَا هُوَ لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَخْفَافِهَا وَتَأْتِي الْغَنَمُ عَلَى صَاحِبِهَا عَلَى خَيْرِ مَا كَانَتْ إذَا لَمْ يُعْطِ فِيهَا حَقَّهَا تَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا وَتَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا قَالَ وَمِنْ حَقِّهَا أَنْ تُحْلَبَ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ ذَكَرَ جُمْلَةً أُخْرَى } . وَرَوَى الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { مَنْ أَتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَلَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ مُثِّلَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ شُجَاعًا أَقْرَعَ لَهُ زَبِيبَتَانِ يُطَوِّقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمَّ يَأْخُذُ بِلِهْزِمَتَيْهِ - يَعْنِي شِدْقَيْهِ - ثُمَّ يَقُولُ أَنَا مَالُك أَنَا كَنْزُك ثُمَّ تَلَا { لَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِمَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } } الْآيَةَ . وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى تَرَكْت ذِكْرَهَا اخْتِصَارًا وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ ذِكْرَ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ بِلَفْظِ { مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا إلَّا جَاءَتْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْظَمَ مَا كَانَتْ وَأَسْمَنَهُ تَنْطَحُهُ بِقُرُونِهَا وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا كُلَّمَا نَفِدَتْ أُخْرَاهَا عَادَتْ عَلَيْهِ أُولَاهَا حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ النَّاسِ } . لَفْظُ مُسْلِمٍ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ } أَوْ { وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ } أَوْ كَمَا حَلَفَ { مَا مِنْ رَجُلٍ يَكُونُ لَهُ إبِلٌ أَوْ بَقَرٌ أَوْ غَنَمٌ لَا يُؤَدِّي حَقَّهَا } وَالْبَاقِي بِمَعْنَاهُ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { إذَا مَا رَبُّ النَّعَمِ لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا } مَا هُنَا زَائِدَةٌ وَالرَّبُّ هُنَا بِمَعْنَى الْمَالِكِ وَلَهُ مَعَانٍ أُخَرُ وَيُسْتَعْمَلُ فِي حَقِّ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مُضَافًا كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَلَا يُسْتَعْمَلُ مَعَ الْإِطْلَاقِ إلَّا فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى وَالنَّعَمُ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَحَكَى فِي الْمُحْكَمِ أَنَّ إسْكَانَهَا لُغَةٌ وَفِيهِ قَوْلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ وَاحِدُ الْأَنْعَامِ يُسْتَعْمَلُ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَأَكْثَرُ اسْتِعْمَالِهِ فِي الْإِبِلِ وَخَصَّهُ بَعْضُهُمْ بِالْإِبِلِ وَالْغَنَمِ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي الْمُحْكَمِ . ( الثَّانِي ) أَنَّهُ يَخْتَصُّ بِالْإِبِلِ وَلَيْسَتْ الْأَنْعَامُ جَمْعًا لَهُ فَإِنَّهَا تُطْلَقُ عَلَيْهَا وَعَلَى الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ . صَدَّرَ بِهِ فِي الْمَشَارِقِ كَلَامَهُ وَحَكَاهُ فِي الْمُحْكَمِ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ وَيُوَافِقُهُ اقْتِصَارُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى ذِكْرِ الْأَخْفَافِ وَهِيَ الْإِبِلُ دُونَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ، وَقَوْلُهُ لَمْ يُعْطِ حَقَّهَا أَيْ لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ لَا يُؤَدِّي زَكَاتَهَا وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدُ إيضَاحٍ ، فَإِنْ قُلْت كَيْفَ أَطْلَقَ رَبَّ النَّعَمِ هَذَا عَلَى مَالِكِهَا مَعَ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { لَا يَقُلْ الْمَمْلُوكُ لِسَيِّدِهِ رَبِّي } ، وَمِثْلُ هَذَا { قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي ضَالَّةِ الْإِبِلِ حَتَّى يَلْقَاهَا رَبُّهَا } ( قُلْت ) أَجَابَ عَنْهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ بِأَنَّ الْبَهَائِمَ غَيْرُ مُتَعَبِّدَةٍ وَلَا مُخَاطَبَةٍ فَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْأَمْوَالِ الَّتِي يَجُوزُ إضَافَةُ مَالِكِيهَا إلَيْهَا وَجَعْلُهُمْ أَرْبَابًا لَهَا ، قَالَ فَأَمَّا قَوْله تَعَالَى { اُذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّك } فَإِنَّهُ خَاطَبَهُمْ عَلَى الْمُتَعَارَفِ عِنْدَهُمْ عَلَى مَا كَانُوا يُسَمُّونَهُمْ بِهِ وَمِثْلُهُ قَوْلُ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلسَّامِرِيِّ { وَانْظُرْ إلَى إلَهِك } أَيْ الَّذِي اتَّخَذْته إلَهًا ا هـ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ { يُسَلَّطُ عَلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } بِضَمِّ أَوَّلِهِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَفِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُحْيِيهَا بِعَيْنِهَا لِيُعَاقِبَهُ بِهَا وَفِي ذَلِكَ مُعَامَلَةٌ لَهُ بِنَقِيضِ قَصْدِهِ ؛ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِمَنْعِ حَقِّ اللَّهِ فِيهَا الِارْتِفَاقَ وَالِانْتِفَاعَ بِمَا مَنَعَهُ مِنْهَا فَكَانَ ذَلِكَ الَّذِي قَصَدَ الِانْتِفَاعَ بِهِ أَضَرُّ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهِ وَسُلِّطَ عَلَيْهِ حَتَّى بَاشَرَ عُقُوبَتَهُ بِنَفْسِهِ ، وَقَوْلُهُ تَخْبِطُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ أَيْ تَضْرِبُ ، وَهَذَا صَادِقٌ بِأَنْ تَضْرِبَ وَجْهَهُ وَهُوَ قَاعِدٌ لَكِنْ دَلَّتْ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى عَلَى أَنَّهُ يُبْطَحُ لَهَا وَفِيهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا ، فَإِنْ قُلْت حَقُّ الْفُقَرَاءِ إنَّمَا هُوَ فِي الْقَدْرِ الْوَاجِبِ دُونَ جَمِيعِ الْمَالِ فَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ لَا يُعَاقَبُ إلَّا بِخَبْطِ قَدْرِ الْوَاجِبِ خَاصَّةً قُلْت قَدْ أُمِرَ بِتَطْهِيرِ مَالِهِ بِالزَّكَاةِ فَلَمَّا لَمْ يُخْرِجْهَا كَانَ الْمَالُ كُلُّهُ غَيْرَ مُطَهَّرٍ وَلَمْ يُؤَدِّ حَقَّ اللَّهِ فِي جَمِيعِهِ ، وَالْفُقَرَاءُ لَيْسَ لَهُمْ شَيْءٌ مُعَيَّنٌ بَلْ حَقُّهُمْ فِي جَمِيعِ الْمَالِ ، وَلَوْ اعْتَبَرْنَا ذَلِكَ لَزِمَ أَنَّ مَانِعَ زَكَاةِ مَا دُونَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ مِنْ الْإِبِلِ لَا يُعَاقَبُ بِخَبْطِ شَيْءٍ مِنْهَا إذْ الْوَاجِبُ لَيْسَ مِنْهَا وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْغَنَمِ ، وَقَدْ قَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ { لَا يَفْقِدُ مِنْهَا فَصِيلًا وَاحِدًا } . ( الرَّابِعَةُ ) وَفِيهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ إنْ جَعَلْنَا اسْمَ النَّعَمِ شَامِلًا لَهَا وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي زَادَهَا الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى بِذِكْرِ الثَّلَاثَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ أَصَحُّ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي زَكَاةِ الْبَقَرِ ا هـ وَقَدْ وَرَدَ تَفْصِيلُهُ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ وَلَهُ تَفَارِيعُ مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : الْكَنْزُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ هُوَ الْمَالُ الْمُجْتَمَعُ الْمَخْزُونُ فَوْقَ الْأَرْضِ كَانَ أَوْ تَحْتَهَا ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْعَيْنِ وَغَيْرُهُ بِمَعْنَاهُ وَأَمَّا فِي قَوْله تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ } وَمَا فِي مَعْنَاهُ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ مَا لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ثُمَّ ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ثُمَّ اُسْتُشْهِدَ لِذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ عَنْ { أُمِّ سَلَمَةَ : قَالَتْ كُنْت أَلْبَسُ أَوْضَاحًا مِنْ ذَهَبٍ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَكَنْزٌ هُوَ ؟ قَالَ : مَا بَلَغَ أَنْ تُؤَدِّيَ زَكَاتَهُ فَزُكِّيَ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ } قَالَ وَفِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ قُلْت قَدْ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ ، رِجَالُهُ رِجَالُ الْبُخَارِيِّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَيَشْهَدُ بِصِحَّتِهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا أَدَّيْتَ زَكَاةَ مَالِكَ فَقَدْ قَضَيْتَ مَا عَلَيْكَ } قُلْت رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَقَالَ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِ الْمِصْرِيِّينَ ، وَذَكَرَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى شَرْطِ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ، وَفِي مَعْنَاهُ أَيْضًا حَدِيثُ جَابِرٍ مَرْفُوعًا { إذَا أَدَّيْت زَكَاةَ مَالِك فَقَدْ أَذْهَبْت عَنْك شَرَّهُ } رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَصَحَّحَهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَرَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ وَقْفَهُ عَلَى جَابِرٍ وَكَذَلِكَ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَكَذَا صَحَّحَ أَبُو زُرْعَةَ وَقْفَهُ عَلَى جَابِرٍ ، وَذَكَرَهُ بِلَفْظِ { مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ } وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا { كُلُّ مَا أُدِّيَ زَكَاتُهُ فَلَيْسَ بِكَنْزٍ وَإِنْ كَانَ مَدْفُونًا تَحْتَ الْأَرْضِ وَكُلُّ مَا لَا يُؤَدَّى زَكَاتَهُ فَهُوَ كَنْزٌ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرًا } وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ وَالْمَشْهُورُ وَقْفُهُ . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ { وَاَلَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ } قَالَ كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ عُمَرُ أَنَا أُفَرِّجُ عَنْكُمْ فَانْطَلَقَ فَقَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ كَبُرَ عَلَى أَصْحَابِك هَذِهِ الْآيَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ اللَّهَ لَمْ يَفْرِضْ الزَّكَاةَ إلَّا لِتُطَيِّبَ مَا بَقِيَ مِنْ أَمْوَالِكُمْ } الْحَدِيثَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالِاسْمُ الشَّرْعِيُّ قَاضٍ عَلَى الِاسْمِ اللُّغَوِيِّ وَمَا أَعْلَمُ مُخَالِفًا فِي أَنَّ الْكَنْزَ مَا لَمْ تُؤَدَّ زَكَاتُهُ إلَّا شَيْئًا رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَأَبِي ذَرٍّ وَالضَّحَّاكِ ذَهَبَ إلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الزُّهْدِ قَالُوا إنَّ فِي الْمَالِ حُقُوقًا سِوَى الزَّكَاةِ أَمَّا أَبُو ذَرٍّ فَقَدْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ كُلَّ مَالٍ مَجْمُوعٍ يَفْضُلُ عَنْ الْقُوتِ وَسَدَادِ الْعَيْشِ فَهُوَ كَنْزٌ وَأَنَّ آيَةَ الْوَعِيدِ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ . وَأَمَّا عَلِيٌّ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ أَرْبَعَةُ آلَافٍ نَفَقَةً فَمَا كَانَ فَوْقَهَا فَهُوَ كَنْزٌ . وَأَمَّا الضَّحَّاكُ فَقَالَ : مَنْ مَلَكَ عَشْرَةَ آلَافِ دِرْهَمٍ فَهُوَ مِنْ الْأَكْثَرِينَ الْأَخْسَرِينَ إلَّا مَنْ قَالَ بِالْمَالِ هَكَذَا وَهَكَذَا . وَكَانَ مَسْرُوقٌ يَقُولُ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { سَيُطَوَّقُونَ مَا بَخِلُوا بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } هُوَ الرَّجُلُ يَرْزُقُهُ اللَّهُ الْمَالَ فَيَمْنَعُ قَرَابَتَهُ الْحَقَّ الَّذِي فِيهِ فَيُجْعَلُ حَيَّةً يُطَوَّقُهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَهَذَا ظَاهِرٌ أَنَّهُ غَيْرُ الزَّكَاةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ الزَّكَاةُ . قَالَ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي الْكَنْزِ . قَالَ وَمَا اُسْتُدِلَّ بِهِ مِنْ الْأَمْرِ بِإِنْفَاقِ الْفَضْلِ فَمَعْنَاهُ أَنَّهُ عَلَى النَّدْبِ أَوْ يَكُونُ قَبْلَ نُزُولِ فَرْضِ الزَّكَاةِ وَنُسِخَ بِهَا كَمَا نُسِخَ صَوْمُ عَاشُورَاءَ بِرَمَضَانَ وَعَادَ فَضِيلَةً بَعْدَ أَنْ كَانَ فَرِيضَةً قَالَ عَلِيٌّ : إنَّ أَبَا ذَرٍّ أَكْثَرُ مَا تَوَاتَرَ عَنْهُ فِي الْأَخْبَارِ الْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ أَخَذَ الْمَالَ مِنْ السَّلَاطِينِ لِنَفْسِهِ وَمَنَعَ مِنْهُ أَهْلَهُ فَهَذَا مَا لَا خِلَافَ عَنْهُ فِي إنْكَارِهِ . وَأَمَّا إيجَابُ غَيْرِ الزَّكَاةِ فَمُخْتَلَفٌ عَنْهُ فِيهِ وَتَأَوَّلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَيْضًا كَلَامَ أَبِي ذَرٍّ عَلَى نَحْوِ ذَلِكَ فَقَالَ الصَّحِيحُ أَنَّ إنْكَارَهُ إنَّمَا هُوَ عَلَى السَّلَاطِينِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ لِأَنْفُسِهِمْ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يُنْفِقُونَهُ فِي وُجُوهِهِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ السَّلَاطِينَ فِي زَمَنِهِ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ صِفَتَهُمْ وَلَمْ يَخُونُوا فِي بَيْتِ الْمَالِ إنَّمَا كَانَ فِي زَمَنِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَتُوُفِّيَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ سَنَة ثِنْتَيْنِ وَثَلَاثِينَ ا هـ . قُلْت لَعَلَّهُ أَرَادَ بِالسَّلَاطِينِ بَعْضَ نُوَّابِ الْخُلَفَاءِ كَمُعَاوِيَةَ ، وَقَدْ وَقَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَبِي ذَرٍّ بِسَبَبِ هَذِهِ الْآيَةِ تَشَاجُرٌ أَوْجَبَ انْتِقَالَ أَبِي ذَرٍّ إلَى الْمَدِينَةِ ، كَانَ مُعَاوِيَةُ يَقُولُ هِيَ فِي أَصْلِ الْكِتَابِ خَاصَّةً . وَقَالَ أَبُو ذَرٍّ هِيَ فِينَا وَفِيهِمْ عَلَى أَنَّ عِبَارَةَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ لَيْسَتْ صَرِيحَةً فِي أَنَّ الْإِنْكَارَ عَلَى السَّلَاطِينِ كَعِبَارَةِ الْقَاضِي عِيَاضٍ بَلْ هِيَ مُحْتَمِلَةٌ لَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْإِنْكَارَ عَلَى الْآحَادِ الَّذِينَ يَأْخُذُونَ الْأَمْوَالَ مِنْ السَّلَاطِينِ وَهُمْ غَيْرُ مُحْتَاجِينَ إلَيْهَا فَيَجْمَعُونَهَا عِنْدَهُمْ ، وَقَدْ يُؤَدِّي ذَلِكَ إلَى مَنْعِ مَنْ هُوَ أَحَقُّ مِنْهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَلَمَّا حَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَوْلَ الضَّحَّاكِ قَالَ وَإِنَّمَا جَعَلَهُ أَوَّلَ حَدِّ الْكَثْرَةِ ؛ لِأَنَّهُ قِيمَةُ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ وَمَا دُونَهُ فِي حَدِّ الْقِلَّةِ وَهُوَ فِقْهٌ بَالِغٌ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ غَيْرِهِ وَإِنِّي لَأَسْتَحِبُّهُ قَوْلًا وَأُصَوِّبُهُ رَأْيًا ا هـ . وَذَكَرَ فِي الصِّحَاحِ أَنَّ الْكَنْزَ الْمَالُ الْمَدْفُونُ وَفِي الْمُحْكَمِ أَنَّهُ اسْمٌ لِلْمَالِ وَلِمَا يُخَزَّنُ فِيهِ وَفِي الْمَشَارِقِ أَصْلُهُ مَا أُودِعَ الْأَرْضَ مِنْ الْأَمْوَالِ وَفِي الْحَدِيثِ مَا لَمْ يُؤَدِّ زَكَاتَهُ وَغَيَّبَهُ عَنْ ذَلِكَ وَكَذَا فِي النِّهَايَةِ أَنَّهُ فِي الْأَصْلِ الْمَالُ الْمَدْفُونُ تَحْتَ الْأَرْضِ فَإِذَا أَخْرَجَ مِنْهُ الْوَاجِبَ لَمْ يَبْقَ كَنْزًا وَإِنْ كَانَ مَكْنُوزًا قَالَ وَهُوَ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ تَجُوزُ فِيهِ عَنْ الْأَصْلِ . ( السَّادِسَةُ ) الشُّجَاعُ بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا فِي الْمُحْكَمِ وَالْمَشَارِقِ وَغَيْرِهِمَا الْحَيَّةُ الذَّكَرُ وَقِيلَ ضَرْبٌ مِنْ الْحَيَّاتِ صَغِيرٌ حَكَاهُ فِي الْمُحْكَمِ وَقِيلَ الْحَيَّةُ مُطْلَقًا حَكَاهُ فِي الْمَشَارِقِ وَالنِّهَايَةِ وَقِيلَ ضَرْبٌ مِنْ الْحَيَّاتِ تُوَاثِبُ الْفَارِسَ وَالرَّاجِلَ وَيَقُومُ عَلَى ذَنَبِهِ وَرُبَّمَا بَلَغَ وَجْهَ الْفَارِسِ يَكُونُ فِي الصَّحَارَى حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ . وَالْأَقْرَعُ الَّذِي تَمَعَّطَ شَعْرُهُ لِكَثْرَةِ سُمِّهِ وَقِيلَ الَّذِي بِرَأْسِهِ بَيَاضٌ لِكَثْرَةِ سُمِّهِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ { لَهُ زَبِيبَتَانِ } وَهُمَا نُقْطَتَانِ مُنْتَفِخَتَانِ فِي شِدْقَيْهِ يُقَالُ أَنَّهُمَا يَبْدُوَانِ حِينَ يَهِيجُ وَيَغْضَبُ وَقِيلَ نُقْطَتَانِ سَوْدَاوَتَانِ عَلَى عَيْنَيْهِ وَهِيَ عَلَامَةُ الْحَيَّةِ الذَّكَرِ الْمُؤْذِي وَقِيلَ نَابَانِ لَهُ وَقِيلَ نُكْتَتَانِ عَلَى شَفَتَيْهِ حَكَاهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُصَيِّرُ نَفْسَ الْمَالِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَلَا مَانِعَ مِنْهُ وَيَكُونُ عِقَابُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى يَدَيْهِ وَيَقُولُ لَهُ أَنَا كَنْزُك لِزِيَادَةِ حَسْرَتِهِ وَنَدَمِهِ حَيْثُ لَا يَنْفَعُهُ ذَلِكَ . ( السَّابِعَةُ ) فِيهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِي الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلِذَلِكَ تَفَاصِيلُ مَعْرُوفَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي زَادَهَا الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى { صُفِّحَتْ لَهُ صَفَائِحُ } يَجُوزُ فِيهَا الرَّفْعُ عَلَى قِيَامِهِ مَقَامَ الْفَاعِلِ وَالنَّصْبُ عَلَى أَنَّ الْمُقَامَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَيَكُونُ صَفَائِحُ مَفْعُولًا ثَانِيًا . ( التَّاسِعَةُ ) الْجَبِينُ بِفَتْحِ الْجِيمِ فَوْقَ الصُّدْغِ وَهُمَا جَبِينَانِ عَنْ يَمِينِ الْجَبْهَةِ وَشِمَالِهَا ، وَقَدْ ذَكَرَ الْجَبِينَ فِي الْحَدِيثِ فِي مَوْضِعِ الْجَبْهَةِ فِي الْآيَةِ وَهِيَ قَوْله تَعَالَى { فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجَنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ } وَأَهْلُ الْمَغْرِبِ يُطْلِقُونَ الْجَبِينَ عَلَى الْجَبْهَةِ وَلَا أَصْلَ لِذَلِكَ فِي اللُّغَةِ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي حِكْمَةِ كُلِّ هَذِهِ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ أَنَّ مَانِعَ الزَّكَاةِ إذَا جَاءَهُ الْمِسْكِينُ أَعْرَضَ عَنْهُ بِوَجْهِهِ ، فَإِنْ عَادَ لَهُ تَحَوَّلَ عَنْهُ فَصَيَّرَ إلَيْهِ جَنْبَهُ ، فَإِنْ عَادَ وَلَّاهُ ظَهْرَهُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَكَلُوا بِتِلْكَ الْأَمْوَالِ فِي بُطُونِهِمْ فَصَارَ الْمَأْكُولُ فِي جَنُوبِهِمْ وَاكْتَسَوْا بِهَا عَلَى ظُهُورِهِمْ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ حَرَمُوا الْمِسْكِينَ بِمَنْعِهِ حَقَّهُ مِنْهَا أَنْ يَأْكُلَ بِهَا فِي جَنْبِهِ أَوْ يَكْتَسِيَ بِهَا عَلَى ظَهْرِهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْعَذَابُ شَامِلًا لِجَمِيعِ الْبَدَنِ وَإِنَّمَا نَبَّهَ بِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ عَلَى مَا عَدَاهَا . ( الْعَاشِرَةُ ) قَوْلُهُ { كُلَّمَا بَرَدَتْ } كَذَا هُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ بَرَدَتْ بِالْبَاءِ وَفِي بَعْضِهَا رُدَّتْ بِحَذْفِ الْبَاءِ وَبِضَمِّ الرَّاءِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الرِّوَايَتَيْنِ وَقَالَ الْأُولَى هِيَ الصَّوَابُ وَالثَّانِيَةُ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { حَتَّى يُقْضَى بَيْنَ الْعِبَادِ } قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ يُمْكِنُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُ أَنَّ مَانِعَ الزَّكَاةِ آخِرُ مَنْ يُقْضَى فِيهِ وَأَنَّهُ يُعَذَّبُ بِمَا ذُكِرَ حَتَّى يُفْرَغَ مِنْ الْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ فَيُقْضَى فِيهِ بِالنَّارِ أَوْ الْجَنَّةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ حَتَّى يُشْرَعَ فِي الْقَضَاءِ بَيْنَ النَّاسِ وَيَجِيءُ الْقَضَاءُ فِيهِ إمَّا فِي أَوَائِلِهِمْ أَوْ وَسَطِهِمْ أَوْ آخِرِهِمْ عَلَى مَا يُرِيدُ اللَّهُ ، وَهَذَا أَظْهَرُ انْتَهَى . قُلْت قَدْ يُشِيرُ إلَى الْأَوَّلِ قَوْلُهُ { فِي يَوْمٍ كَانَ مِقْدَارُهُ خَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ } وَيُقَالُ إنَّمَا ذَكَرَ فِي مَعْرِضِ اسْتِيعَابِ ذَلِكَ الْيَوْمِ بِتَعْذِيبِهِ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ الْقَضَاءُ فِيهِ آخِرَ النَّاسِ وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ فَصْلُ أَمْرِهِ فِي وَسَطِهِ أَوْ أَوَّلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { فَيَرَى سَبِيلَهُ } قَالَ النَّوَوِيُّ ضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِهَا وَبِرَفْعِ لَامِ سَبِيلِهِ وَنَصْبِهَا قُلْت الْوَجْهَانِ فِي رَفْعِ لَامِ سَبِيلِهِ وَنَصْبِهَا إنَّمَا يَجِيئَانِ مَعَ ضَمِّ الْيَاءِ فَأَمَّا مَعَ فَتْحِ الْيَاءِ فَيَتَعَيَّنُ نَصْبُ اللَّامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ أَنَّ هَذَا الْوَعِيدَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِينَ وَالْكُفَّارِ فَإِنَّ الَّذِي يَرَى سَبِيلَهُ إلَى الْجَنَّةِ هُوَ الْمُسْلِمُ وَأَمَّا الَّذِي يَرَى سَبِيلَهُ إلَى النَّارِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التَّأْبِيدِ فِيهَا فَهُوَ الْكَافِرُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْذِيبِ وَالتَّمْحِيصِ ثُمَّ دُخُولُ الْجَنَّةِ وَهُوَ الْمُسْلِمُ وَفِي دُخُولِ الْمُسْلِمِ فِي هَذَا الْوَعِيدِ الرَّدُّ عَلَى الْمُرْجِئَةِ الَّذِينَ يَقُولُونَ : إنَّهُ لَا يَضُرُّ مَعَ الْإِسْلَامِ مَعْصِيَةٌ كَمَا لَا يَنْفَعُ مَعَ الْكُفْرِ طَاعَةٌ وَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ مَشْحُونَانِ بِمَا يُخَالِفُ قَوْلَهُمْ وَاعْتَذَرُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ التَّخْوِيفُ لِيَنْزَجِرَ النَّاسُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَلَيْسَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَظَاهِرِهِ وَهُوَ بَاطِلٌ ، وَلَوْ صَحَّ قَوْلُهُمْ لَارْتَفَعَ الْوُثُوقُ عَمَّا جَاءَتْ بِهِ الشَّرَائِعُ وَاحْتَمَلَ فِي كُلٍّ مِنْهَا ذَلِكَ ، وَهَذَا يُؤَدِّي إلَى هَدْمِ الشَّرَائِعِ وَسُقُوطِ فَائِدَتِهَا وَفِي دُخُولِ الْكَافِرِ فِي هَذَا الْوَعِيدِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَالْحَنَفِيَّةِ ، وَقَدْ يُجِيبُونَ عَنْ هَذَا بِأَنَّ الْمُرَادَ دُخُولُهُ النَّارَ عَلَى سَبِيلِ التَّعْذِيبِ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّخْلِيدِ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا } . الْحَلَبُ بِفَتْحِ اللَّامِ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ وَحُكِيَ إسْكَانُهَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْقِيَاسُ انْتَهَى وَالْمُرَادُ حَلْبُهَا لِسَقْيِ الْفُقَرَاءِ مِنْهَا وَإِنَّمَا خَصَّ حَالَةَ وِرْدِهَا لِأَنَّهُ حَالَةُ كَثْرَةِ لَبَنِهَا وَلِأَنَّ الْفُقَرَاءَ يَحْضُرُونَ هُنَاكَ طَلَبًا لِذَلِكَ ، وَهَذَا دَلِيلٌ لِمَنْ يَرَى فِي الْمَالِ حُقُوقًا غَيْرَ الزَّكَاةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي ذَرٍّ وَغَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ التَّابِعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ فِي الْمَالِ لَحَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ } وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ بِلَفْظِ { فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ } وَفِي بَعْضِ نُسَخِهِ { لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ } وَاقْتَصَرَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ عَلَى نَقْلِ هَذَا اللَّفْظِ الثَّانِي وَقَالَ : قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ الْكُبْرَى : إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَرْوِيه أَصْحَابُنَا فِي التَّعَالِيقِ وَلَسْت أَحْفَظُ فِيهِ إسْنَادًا ثُمَّ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ بِرِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ لَهُ ، وَقَدْ عَرَفْت مَا فِي ذَلِكَ وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { وَمِنْ حَقِّهَا حَلَبُهَا يَوْمَ وِرْدِهَا } مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ وَكَأَنَّ أَبَا دَاوُد أَشَارَ إلَى ذَلِكَ فِي سُنَنِهِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الزِّيَادَةَ رَوَى بَعْدَهَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُمَرَ الْغُدَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَحْوَ هَذِهِ الْقِصَّةِ فَقَالَ يَعْنِي لِأَبِي هُرَيْرَةَ { فَمَا حَقُّ الْإِبِلِ ؟ قَالَ تُعْطِي الْكَرِيمَةَ وَتَمْنَحُ الْغَزِيرَةَ وَتُفْقِرُ الظَّهْرَ وَتُطْرِقُ الْفَحْلَ وَتَسْقِي اللَّبَنَ } قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ هَذَا مِنْ قَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، فَإِنْ قُلْت فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ { مَا مِنْ صَاحِبِ إبِلٍ وَلَا بَقَرٍ وَلَا غَنَمٍ لَا يُؤَدَّى مِنْهَا حَقَّهَا } الْحَدِيثَ . وَفِيهِ قُلْنَا { يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا حَقُّهَا ؟ قَالَ إطْرَاقُ فَحْلِهَا وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا وَمِنْحَتُهَا وَحَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي رَفْعِ هَذَا الْكَلَامِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَرَاحَةً لَا يُحْتَمَلُ مَعَهَا الْإِدْرَاجُ ( قُلْت ) قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ مُتَّصِلَةً ، وَقَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ أَبُو الزُّبَيْرِ فِي بَعْضِ طُرُقِ مُسْلِمٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ دُونَ الزِّيَادَةِ ثُمَّ قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ سَمِعْت عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ هَذَا الْقَوْلُ ثُمَّ سَأَلْنَا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ فَقَالَ مِثْلَ قَوْلِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ وَسَمِعْت عُبَيْدَ بْنَ عُمَيْرٍ يَقُولُ : { قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا حَقُّ الْإِبِلِ ؟ قَالَ حَلَبُهَا عَلَى الْمَاءِ وَإِعَارَةُ دَلْوِهَا وَإِعَارَةُ فَحْلِهَا وَمِنْحَتُهَا وَحَمْلٌ عَلَيْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } قَالَ وَالِدِي فَقَدْ تَبَيَّنَ بِهَذِهِ الطَّرِيقِ أَنَّ هَذِهِ الزِّيَادَةَ إنَّمَا سَمِعَهَا أَبُو الزُّبَيْرِ مِنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ مُرْسَلَةً لَا ذِكْرَ لِجَابِرٍ فِيهَا انْتَهَى . وَبِتَقْدِيرِ أَنْ تَصِحَّ هَذِهِ الزِّيَادَةُ مَرْفُوعَةً فَجَوَابُ الْجُمْهُورِ عَنْهَا مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ ذَلِكَ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الزَّكَاةِ وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ لَمَّا سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ إنَّمَا كَانَ هَذَا قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الزَّكَاةُ فَلَمَّا أُنْزِلَتْ جَعَلَهَا اللَّهُ طَهُورًا لِلْأَمْوَالِ مَا أُبَالِي لَوْ كَانَ لِي أُحُدٌ ذَهَبًا أَعْلَمُ عَدَدَهُ وَأُزَكِّيهِ وَأَعْمَلُ فِيهِ بِطَاعَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَوْنَ آيَةِ الْكَنْزِ مَنْسُوخَةً بِآيَةِ الزَّكَاةِ عَنْ عُمَرَ وَعِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبِي عُمَرَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الضَّرِيرِ . ( ثَانِيهِمَا ) أَنَّ هَذَا مِنْ الْحَقِّ الزَّائِدِ عَلَى الْوَاجِبِ وَلَا عِقَابَ بِتَرْكِهِ وَإِنَّمَا ذُكِرَ اسْتِطْرَادًا لَمَّا ذَكَرَ حَقَّهَا بَيَّنَ الْكَمَالَ فِيهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ أَقَلُّ يَزُولُ الذَّمُّ بِفِعْلِهِ وَهُوَ الزَّكَاةُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ الْحَقِّ الْوَاجِبِ إذَا كَانَ هُنَاكَ مُضْطَرٌّ إلَى شُرْبِ لَبَنِهَا فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { بُطِحَ لَهَا } بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَوَّلَهُ . قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَعْنَاهُ أُلْقِيَ عَلَى وَجْهِهِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَدْ جَاءَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ { تَخْبِطُ وَجْهَهُ بِأَخْفَافِهَا } قَالَ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِ الْبَطْحِ كَوْنُهُ عَلَى الْوَجْهِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي اللُّغَةِ بِمَعْنَى الْبَسْطِ وَالْمَدِّ فَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى ظَهْرِهِ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ بَطْحَاءُ مَكَّةَ لِانْبِسَاطِهَا وَ ( الْقَاعُ ) الْمُسْتَوَى الْوَاسِعُ فِي سَوَاءٍ مِنْ الْأَرْضِ يَعْلُوهُ مَاءُ السَّمَاءِ فَيُمْسِكُهُ قَالَهُ الْهَرَوِيُّ وَجَمْعُهُ قِيعَةٌ وَقِيعَانٌ مِثْلُ جَارٍ وَجِيرَةٌ وَجِيرَانٌ ( وَالْقَرْقَرُ ) بِقَافٍ وَرَاءٍ مُكَرَّرَتَيْنِ بِفَتْحِ الْقَافَيْنِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ الْأُولَى الْمُسْتَوِي مِنْ الْأَرْضِ الْوَاسِعِ أَيْضًا فَهُوَ بِمَعْنَى الْقَاعِ فَذَكَرَهُ بَعْدَهُ تَأْكِيدًا . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { أَوْفَرَ مَا كَانَتْ } أَيْ عِنْدَ مَانِعِ زَكَاتِهَا ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ عِنْدَهُ عَلَى حَالَاتٍ مَرَّةً هَزِيلَةٌ وَمَرَّةً ثَمِينَةٌ وَمَرَّةً صَغِيرَةٌ وَأُخْرَى كَبِيرَةٌ فَتَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى أَوْفَرِ أَحْوَالِهَا عِنْدَهُ زِيَادَةً فِي عُقُوبَتِهِ بِقُوَّتِهَا وَكَمَالِ خَلْقِهَا فَتَكُونُ أَثْقَلَ فِي وَطْئِهَا وَأَيْضًا فَيَأْتِي جَمِيعُهَا لَا يَفْقِدُ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى الْفَصِيلُ وَهُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ وَلَدُ النَّاقَةِ إذَا فُصِلَ عَنْ أُمِّهِ ، وَقَدْ تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ إمَّا لِبُلُوغِهِ حَوْلًا وَإِمَّا لِبِنَاءِ حَوْلِهِ عَلَى حَوْلِ أُمِّهِ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته هُوَ الظَّاهِرُ ، وَذَكَرَ مَعَهُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ احْتِمَالَيْنِ آخَرَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهَا تَأْتِي أَوْفَرَ مَا كَانَتْ فِي الدُّنْيَا مُطْلَقًا فَقَدْ تَكُونُ عِنْدَ صَاحِبِهَا الَّذِي مَنَعَ زَكَاتَهَا هَزِيلَةً فِي جَمِيعِ مُدَّتِهَا عِنْدَهُ وَتَسْمَنُ بَعْدَ ذَلِكَ عِنْدَ غَيْرِهِ أَوْ تَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَمْلِكَهَا سَمِينَةً فَتُحْشَرُ عَلَى أَتَمِّ حَالَاتِهَا تَغْلِيظًا عَلَيْهِ . ( الِاحْتِمَالُ الثَّانِي ) أَنَّهَا تَجِيءُ عَلَى أَعْظَمِ حَالَاتِ الْإِبِلِ مُطْلَقًا هِيَ وَغَيْرُهَا وَكَذَلِكَ الْبَقَرُ وَالْغَنَمُ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ { لَيْسَ فِيهَا عَقْصَاءُ وَلَا جَلْحَاءُ وَلَا عَضْبَاءُ } وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ أَيْضًا { لَيْسَ فِيهَا جَمَّاءُ وَلَا مُنْكَسِرٌ قَرْنُهَا } وَرُبَّمَا كَانَ فِي بَقَرِهِ وَغَنَمِهِ فِي الدُّنْيَا مَا هُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ النَّقْصِ فَأَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهَا تَأْتِي تَامَّةَ الْخِلْقَةِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ . ( السَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا } كَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ نُسَخِ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهِيَ الرِّوَايَةُ الَّتِي نَقَلَهَا الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ قَالُوا هُوَ تَغْيِيرٌ وَتَصْحِيفٌ وَصَوَابُهُ مَا جَاءَ بَعْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ وَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ الْمَعْرُورِ بْنِ سُوَيْد عَنْ أَبِي ذَرٍّ كُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ أُخْرَاهَا رُدَّ عَلَيْهِ أُولَاهَا وَبِهَذَا يَنْتَظِمُ الْكَلَامُ . ( الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الْعَقْصَاءُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ بَعْدَهَا صَادٌ مُهْمَلَةٌ مُلْتَوِيَةُ الْقَرْنَيْنِ وَالْجَلْحَاءُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ بَعْدَهَا حَاءٌ مُهْمَلَةٌ الَّتِي لَا قَرْنَ لَهَا وَالْعَضْبَاءُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ بَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ الَّتِي انْكَسَرَ قَرْنُهَا الدَّاخِلُ وَالثَّلَاثَةُ مَمْدُودَةٌ ، وَقَوْلُهُ { تَنْطَحُهُ } بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْكَسْرُ أَفْصَحُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الرِّوَايَةِ ، وَقَوْلُهُ { وَتَطَؤُهُ بِأَظْلَافِهَا } الظِّلْفُ بِكَسْرِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ لِلْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَالظِّبَاءِ وَهُوَ الْمُنْشَقُّ مِنْ الْقَوَائِمِ وَالْخُفُّ لِلْبَعِيرِ وَالْحَافِرُ لِلْفَرَسِ وَالْبَغْلِ وَالْحِمَارِ وَالْقَدَمُ لِلْآدَمِيِّ . ( التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ فِي الْخَيْلِ { فَأَمَّا الَّتِي هِيَ لَهُ وِزْرٌ } كَذَا فِي أَكْثَرِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ . ( الَّتِي ) وَوَقَعَ فِي بَعْضِهَا الَّذِي وَهُوَ أَوْضَحُ وَأَظْهَرُ ، ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ ، وَقَوْلُهُ وَنِوَاءً بِكَسْرِ النُّونِ وَبِالْمَدِّ أَيْ مُنَاوَاةً وَمُعَادَاةً ، وَقَوْلُهُ { رَبَطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } أَيْ أَعَدَّهَا لِلْجِهَادِ وَأَصْلُهُ مِنْ الرَّبْطِ وَمِنْهُ الرِّبَاطُ وَهُوَ حَبْسُ الرَّجُلِ نَفْسَهُ فِي الثَّغْرِ وَإِعْدَادُهُ الْأُهْبَةَ لِذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ { ثُمَّ لَمْ يَنْسَ حَقَّ اللَّهِ فِي ظُهُورِهَا وَلَا رِقَابِهَا } اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي الْخَيْلِ وَمَذْهَبُهُ أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الْخَيْلُ كُلُّهَا ذُكُورًا فَلَا زَكَاةَ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ إنَاثًا أَوْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ وَهُوَ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَخْرَجَ عَنْ كُلِّ فَرَسٍ دِينَارًا وَإِنْ شَاءَ قَوَّمَهَا وَأَخْرَجَ رُبْعُ عُشْرِ الْقِيمَةِ كَذَا حَكَاهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَاَلَّذِي فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ إنْ كَانَتْ ذُكُورًا وَإِنَاثًا وَجَبَتْ فِيهَا الزَّكَاةُ وَإِنْ تَمَحَّضَتْ ذُكُورًا أَوْ إنَاثًا فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ لَا زَكَاةَ فِي الْخَيْلِ بِحَالٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ صَدَقَةٌ } وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ وَتَأَوَّلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ يُجَاهِدُ بِهَا إذَا تَعَيَّنَ وَقِيلَ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَقِّ فِي رِقَابِهَا الْإِحْسَانُ إلَيْهَا وَالْقِيَامُ بِعَلَفِهَا وَسَائِرِ مُؤَنِهَا وَالْمُرَادُ بِظُهُورِهَا إطْرَاقُ فَحْلِهَا إذَا طُلِبَ مِنْهُ إعَارَتُهُ ، وَهَذَا عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ وَقِيلَ الْمُرَادُ حَقُّ اللَّهِ مِمَّا يَكْسِبُهُ مِنْ مَالِ الْعَدُوِّ عَلَى ظُهُورِهَا وَهُوَ خُمْسُ الْغَنِيمَةِ . ( الْعِشْرُونَ ) إنْ قُلْت قَالَ فِي كُلٍّ مِنْ السِّتْرِ وَالْأَجْرِ رَبْطَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ؟ قُلْت السِّتْرُ رَبْطُهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ لِنَفْسِهِ وَالْأَجْرُ رَبْطُهَا فِي سَبِيلِ اللَّه لِغَيْرِهِ لَيُعِينَ بِهَا الْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْأَجْرِ لِأَهْلِ الْإِسْلَامِ . ( الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) الْمَرْجُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبِالْجِيمِ الْمَوْضِعُ الْوَاسِعُ الَّذِي فِيهِ نَبَاتٌ تَرْعَاهُ الدَّوَابُّ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّهَا تَمْرُجُ فِيهِ أَيْ تَرُوحُ وَتَجِيءُ وَتَذْهَبُ كَيْفَ شَاءَتْ ، وَالرَّوْضَةُ الْمَوْضِعُ الَّذِي يَكْثُرُ فِيهِ الْمَاءُ فَيَكُونُ فِيهِ صُنُوفُ النَّبَاتِ مِنْ رَيَاحِينِ الْبَادِيَةِ وَغَيْرِهَا فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَرْجِ وَالرَّوْضَةِ أَنَّ الْأَوَّلَ مُعَدٌّ لِرَعْيِ الدَّوَابِّ وَلِذَلِكَ يَكُونُ وَاسِعًا لِيَتَأَتَّى لَهَا فِيهِ ذَلِكَ ، وَالرَّوْضَةُ لَيْسَتْ مُعَدَّةٌ لِرَعْيِ الدَّوَابِّ وَإِنَّمَا هِيَ لِلتَّنَزُّهِ بِهَا لِمَا فِيهَا مِنْ أَصْنَافِ النَّبَاتِ هَذَا هُوَ الَّذِي يَتَحَرَّرُ مِنْ كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ فَصَحَّ عَطْفُ الرَّوْضَةِ عَلَى الْمَرْجِ وَكَذَا وَقَعَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَطْفُ الرَّوْضَةِ أَوَّلًا بِالْوَاوِ وَثَانِيًا بِأَوْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاوَ أَوَّلًا بِمَعْنَى أَوْ . ( الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) قَوْلُهُ { كُتِبَ لَهُ عَدَدُ مَا أَكَلَتْ حَسَنَاتٍ } بِرَفْعِ عَدَدٍ لِنِيَابَتِهِ عَنْ الْفَاعِلِ وَنَصْبِ حَسَنَاتٍ بِالْكَسْرَةِ عَلَى التَّمْيِيزِ وَيُحْتَمَلُ رَفْعُ قَوْلِهِ حَسَنَاتٍ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ عَدَدٍ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هُوَ النَّائِبُ عَنْ الْفَاعِلِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ عَدَدَ مَنْصُوبٌ نَصْبَ الْمَصْدَرِ الْعَدَدِيِّ . ( الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ ) قَوْلُهُ { وَلَا يَقْطَعُ طِوَلَهَا } هُوَ بِكَسْرِ الطَّاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَيُقَالُ طِيَلَهَا بِالْيَاءِ وَكَذَا فِي الْمُوَطَّإِ وَالطِّوَلُ وَالطِّيَلُ الْحَبْلُ الَّذِي تُرْبَطُ بِهِ ، وَقَوْلُهُ فَاسْتَنَّتْ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ وَالنُّونِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ جَرَتْ ، وَقَوْلُهُ شَرَفًا بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ الْعَالِي مِنْ الْأَرْضِ وَقِيلَ الْمُرَادُ هُنَا طَلْقًا أَوْ طَلْقَيْنِ . ( الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ ) قَوْلُهُ { فَشَرِبَتْ مِنْهُ } وَهُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَسْقِيَهَا إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَدَدَ مَا شَرِبَتْ حَسَنَاتٍ . هَذَا مِنْ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الْحَسَنَاتُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ سَقْيَهَا فَإِذَا قَصَدَهُ فَأَوْلَى بِأَضْعَافِ الْحَسَنَاتِ . ( الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ ) قَوْلُهُ { مَا أُنْزِلَ عَلَيَّ فِي الْحُمُرِ شَيْءٌ إلَّا هَذِهِ الْآيَةَ الْفَاذَّةَ الْجَامِعَةَ } مَعْنَى الْفَاذَّةِ الْقَلِيلَةُ النَّظِيرِ وَالْجَامِعَةِ أَيْ التَّامَّةُ الْمُتَنَاوِلَةُ لِكُلِّ خَيْرٍ وَمَعْرُوفٍ أَيْ لَمْ يَنْزِلْ عَلَيَّ فِيهَا نَصٌّ بِعَيْنِهَا لَكِنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ الْعَامَّةُ وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى التَّمَسُّكِ بِالْعُمُومِ قَالَ النَّوَوِيُّ : وَقَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ قَالَ لَا يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا كَانَ يَحْكُمُ بِالْوَحْيِ وَيُجَابُ لِلْجُمْهُورِ الْقَائِلِينَ بِجَوَازِ الِاجْتِهَادِ بِأَنَّهُ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ فِيهَا شَيْءٌ ا هـ وَعَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ ، وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ وَلَمْ يَقُلْ جُرْحَهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { وَالْبِئْرُ جَرْحُهَا جُبَارٌ . وَالْمَعْدِنُ جَرْحُهَا جُبَارٌ } وَلِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ { النَّارُ جُبَارٌ } وَلِأَبِي دَاوُد { الرِّجْلُ جُبَارٌ } . الْحَدِيثُ الثَّانِي عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ وَلَمْ يَقُلْ جَرْحُهَا . ( فِيهِ فَوَائِدُ ) : الْأُولَى أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَالشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ ذِكْرُ أَبِي سَلَمَةَ وَلَيْسَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ قَوْلُهُ { جَرْحُهَا } وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْن حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَحْدَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { الرِّجْلُ جُبَارٌ } مُقْتَصِرِينَ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ رُوِيَتْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ أَيْضًا قَالَ وَلَيْسَ أَبُو سَلَمَةَ بِمَحْفُوظٍ وَقَالَ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ وَأَبِي سَلَمَةَ ، وَحَدِيثُهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ غَيْرُ مَدْفُوعٍ ؛ لِأَنَّهُ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ اثْنَانِ أَيْ رَوَيَاهُ عَنْ يُونُسَ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَمْ يُتَابَعْ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَلَى قَوْلِهِ { الرِّجْلُ جُبَارٌ } وَهُوَ وَهْمٌ ؛ لِأَنَّ الثِّقَاتَ خَالَفُوهُ مِثْلَ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ الْأَعْرَجِ وَمُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَمُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ وَغَيْرِهِمْ وَلَمْ يَذْكُرُوا الرِّجْلَ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ انْتَهَى . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَصِحُّ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الرِّجْلُ جُبَارٌ } لِأَنَّ الْحُفَّاظَ لَمْ يَحْفَظُوهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، لَفْظُ النَّسَائِيّ { النَّارُ جُبَارٌ وَالْبِئْرُ جُبَارٌ } وَاقْتَصَرَ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَلَى ذِكْرِ النَّارِ وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ أَيْضًا عَلَى إخْرَاجِ الْحَدِيثِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { الْبِئْرُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَالْمَعْدِنُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَالْعَجْمَاءُ جَرْحُهَا جُبَارٌ وَفِي الزَّكَاةِ الْخُمُسُ } . ( الثَّانِيَةُ ) الْعَجْمَاءُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ مَمْدُودٌ ، الْبَهِيمَةُ وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ عَجْمَاءَ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ فَكُلُّ مَنْ لَا يَقْدِرُ عَلَى الْكَلَامِ أَصْلًا فَهُوَ أَعْجَمُ قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ ، وَقَوْلُهُ { جَرْحُهَا } قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ هُوَ هُنَا بِفَتْحِ الْجِيمِ عَلَى الْمَصْدَرِ لَا غَيْرُ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ فَأَمَّا الْجُرْحُ بِالضَّمِّ فَهُوَ الِاسْمُ ، وَقَوْلُهُ جُبَارٌ بِضَمِّ الْجِيمِ بَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ مُخَفَّفَةٌ وَآخِرُهُ رَاءٌ وَهُوَ الْهَدَرُ الَّذِي لَا ضَمَانَ فِيهِ ، وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ بِنَاءَ ج ب ر لِلرَّفْعِ وَالْإِهْدَارُ مِنْ بَابِ السَّلْبِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ يَأْتِي اسْمُ الْفِعْلِ وَالْفَاعِلِ لِسَلْبِ مَعْنَاهُ كَمَا يَأْتِي لِإِثْبَاتِ مَعْنَاهُ وَاعْتَرَضَهُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ بِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ لِجَعْلِهِ مِنْ السَّلْبِ بَلْ هُوَ لِلرَّفْعِ عَلَى بَابِهِ ؛ لِأَنَّ إتْلَافَاتِ الْآدَمِيِّينَ مَضْمُونَةٌ مَقْهُورٌ مُتْلِفُهَا عَلَى ضَمَانِهَا ، وَهَذَا إتْلَافٌ قَدْ ارْتَفَعَ عَلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهِ انْتَهَى . وَيَجُوزُ فِي إعْرَابِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ { جَرْحُهَا جُبَارٌ } جُمْلَةً مِنْ مُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ وَهِيَ خَبَرٌ عَنْ الْمُبْتَدَأِ الَّذِي هُوَ الْعَجْمَاءُ وَالثَّانِي أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ جَرْحُهَا بَدَلًا مِنْ الْعَجْمَاءِ وَهُوَ بَدَلُ اشْتِمَالٍ وَالْخَبَرُ قَوْلُهُ { جُبَارٌ } وَالْكَلَامُ جُمْلَةٌ وَاحِدَةٌ وَالْمَصْدَرُ فِي قَوْلِهِ { جَرْحُهَا } مُضَافٌ لِلْفَاعِلِ أَيْ كَوْنُ الْعَجْمَاءِ تَجْرَحُ غَيْرَهَا مَضْمُونٌ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ أَنَّ جَرْحَ الْبَهِيمَةِ هَدَرٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ عَبَّرَ بِالْجَرْحِ عَمَّا عَدَاهُ مِنْ إتْلَافِهَا سَوَاءٌ أَكَانَ لِجَرْحٍ أَوْ غَيْرِهِ سَوَاءٌ أَكَانَ عَلَى نَفْسٍ أَوْ مَالٍ ، فَإِنْ قُلْت وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ { الْعَجْمَاءُ جُبَارٌ } وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِجَرْحِهَا قُلْت تِلْكَ الرِّوَايَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ تَقْدِيرٍ إذْ لَا مَعْنَى لِكَوْنِ الْعَجْمَاءِ نَفْسِهَا هَدَرًا ، وَقَدْ دَلَّتْ رِوَايَةُ غَيْرِهِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ الْمُقَدَّرُ هُوَ الْجَرْحُ فَوَجَبَ الرُّجُوعُ إلَيْهِ لَكِنَّ الْحُكْمَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِهِ بَلْ هُوَ مِثَالٌ مِنْهُ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى مَا عَدَاهُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلَوْ لَمْ تَدُلَّ رِوَايَةٌ أُخْرَى عَلَى تَعْيِينِ ذَلِكَ الْمُقَدَّرِ لَمْ يَكُنْ لِرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عُمُومٌ فِي جَمِيعِ الْمُقَدَّرَاتِ الَّتِي يَسْتَقِيمُ الْكَلَامُ بِتَقْدِيرِ وَاحِدٍ مِنْهَا هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَنْصُورُ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْمُقْتَضَى لَا عُمُومَ لَهُ ثُمَّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْبَهِيمَةُ مُنْفَرِدَةً أَوْ مَعَهَا صَاحِبُهَا وَبِهَذَا قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ فَلَمْ يُضَمِّنُوا صَاحِبَهَا ، وَلَوْ كَانَ مَعَهَا إلَّا إنْ كَانَ الْفِعْلُ مَنْسُوبًا إلَيْهِ بِأَنْ حَمَلَهَا عَلَى ذَلِكَ الْفِعْلِ فِيهِمَا إذَا كَانَ رَاكِبًا أَوْ قَادَهَا حَتَّى أَتْلَفَتْ مَا مَشَتْ عَلَيْهِ فِيمَا إذَا كَانَ قَائِدًا أَوْ حَمَلَهَا عَلَيْهِ بِضَرْبٍ أَوْ نَخْذٍ أَوْ زَجْرٍ فِيمَا إذَا كَانَ سَائِقًا ، فَإِنْ أَتْلَفَتْ شَيْئًا بِرَأْسِهَا أَوْ بَعْضِهَا أَوْ ذَنَبِهَا أَوْ نَفْحَتِهَا بِالرِّجْلِ أَوْ ضَرَبَتْ بِيَدِهَا فِي غَيْرِ الْمَشْيِ فَلَيْسَ مِنْ فِعْلِهِ فَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَقَالَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ مَتَى كَانَ مَعَ الْبَهِيمَةِ شَخْصٌ فَعَلَيْهِ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْهُ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ سَوَاءٌ أَتْلَفَتْ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَسَوَاءٌ كَانَ سَائِقَهَا أَوْ قَائِدَهَا أَوْ رَاكِبَهَا وَسَوَاءٌ كَانَ مَالِكَهَا أَوْ أَجِيرَهُ أَوْ مُسْتَأْجِرًا أَوْ مُسْتَعِيرًا أَوْ غَاصِبًا وَسَوَاءٌ أَتْلَفَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا أَوْ عَضِّهَا أَوْ ذَنَبِهَا وَقَالَ مَالِكٌ الْقَائِدُ وَالسَّائِقُ وَالرَّاكِبُ كُلُّهُمْ ضَامِنُونَ لِمَا أَصَابَتْ الدَّابَّةُ إلَّا أَنْ تَرْمَحَ الدَّابَّةُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَفْعَلَ بِهَا شَيْءٌ تَرْمَحُ لَهُ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ إنَّ الرَّاكِبَ وَالْقَائِدَ لَا يَضْمَنَانِ وَمَا نَفَحَتْ الدَّابَّةُ بِرِجْلِهَا أَوْ ذَنَبِهَا إلَّا إنْ أَوْقَفَهَا فِي الطَّرِيقِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي السَّائِقِ فَقَالَ الْقُدُورِيُّ وَآخَرُونَ إنَّهُ ضَامِنٌ لِمَا أَصَابَتْ بِيَدِهَا أَوْ رِجْلِهَا ؛ لِأَنَّ النَّفْحَةَ بِمَرْأَى عَيْنِهِ فَأَمْكَنَهُ الِاحْتِرَازُ عَنْهَا وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ لَا يَضْمَنُ النَّفْحَةَ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ يَرَاهَا إذْ لَيْسَ عَلَى رِجْلِهَا مَا يَمْنَعُهَا بِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ التَّحَرُّزُ عَنْهُ بِخِلَافِ الْكَدْمِ لِإِمْكَانِهِ كَبْحَهَا بِلِجَامِهَا وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَكَذَا قَالَ الْحَنَابِلَةُ إنَّ الرَّاكِبَ لَا يَضْمَنُ مَا تُتْلِفُهُ الْبَهِيمَةُ بِرِجْلِهَا وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ نَفْيَ الضَّمَانِ مِنْ النَّفْحَةِ عَنْ شُرَيْحٍ الْقَاضِي وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَعَنْ الْحَكَمِ وَالشَّعْبِيِّ : يَضْمَنُ لَا يَبْطُلُ دَمُ الْمُسْلِمِ وَتَمَسَّكَ مَنْ نَفَى الضَّمَانَ مِنْ النَّفْحَةِ بِعُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا { الرِّجْلُ جُبَارٌ } ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى وَذَكَرْنَا تَضْعِيفَ مَنْ ضَعَّفَهَا وَذَكَرُوا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا اطِّلَاعَ لَهُ عَلَى رَمْحِهَا وَلَا قُدْرَةَ لَهُ عَلَى دَفْعِهِ ، وَمَنْ أَوْجَبَ الضَّمَانَ قَالَ بَابُ الْإِتْلَافِ لَا فَرْقَ فِيهِ بَيْنَ الْعَمْدِ وَغَيْرِهِ وَمَنْ هُوَ مَعَ الْبَهِيمَةِ حَاكِمٌ لَهَا فَهِيَ كَالْآلَةِ بِيَدِهِ فَفِعْلُهَا مَنْسُوبٌ إلَيْهِ حَمَلَهَا عَلَيْهِ أَمْ لَا عِلْمَ بِهِ أَمْ لَمْ يَعْلَمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي إتْلَافِ الْبَهِيمَةِ لِلزُّرُوعِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْأَمْوَالِ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ صَاحِبُهَا مَعَهَا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَيْلًا أَوْ نَهَارًا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَدَاوُد وَأَهْلُ الظَّاهِرِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَرُوِيَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ . وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ إنَّمَا لَا يَجِبُ الضَّمَانُ عَلَى أَصْحَابِ الْبَهَائِمِ إذَا كَانَ ذَلِكَ نَهَارًا فَأَمَّا إذَا كَانَ بِاللَّيْلِ فَإِنَّ عَلَيْهِمْ حِفْظَهَا فَإِذَا انْفَلَتَتْ بِتَقْصِيرٍ مِنْهُمْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ ضَمَانُ مَا أَتْلَفَتْهُ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةُ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ : { كَانَتْ لَهُ نَاقَةٌ ضَارِيَةٌ فَدَخَلَتْ حَائِطًا فَأَفْسَدَتْ فِيهِ فَكَلَّمَ رَسُولَ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا فَقَضَى أَنَّ حِفْظَ الْحَوَائِطِ بِالنَّهَارِ عَلَى أَهْلِهَا وَأَنَّ حِفْظَ الْمَاشِيَةِ بِاللَّيْلِ عَلَى أَهْلِهَا وَأَنَّ عَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي مَا أَصَابَتْ مَاشِيَتُهُمْ بِاللَّيْلِ } . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَرَامِ بْنِ مُحَيِّصَةُ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ نَاقَةَ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ دَخَلَتْ حَائِطَ رَجُلٍ فَأَفْسَدَتْهُ فَقَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَهْلِ الْأَمْوَالِ حِفْظَهَا بِالنَّهَارِ وَعَلَى أَهْلِ الْمَوَاشِي حِفْظَهَا بِاللَّيْلِ } . وَلِابْنِ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنْ ابْنَ مُحَيِّصَةُ أَخْبَرَهُ { أَنَّ نَاقَةً لِلْبَرَاءِ كَانَتْ ضَارِيَةً } فَذَكَرَهُ مُرْسَلًا . قَالَ أَصْحَابُنَا جَاءَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى عَادَةِ النَّاسِ فِي أَنَّ أَصْحَابَ الزُّرُوعِ وَالْبَسَاتِينِ يَحْفَظُونَهَا نَهَارًا دُونَ اللَّيْلِ وَلَا بُدَّ مِنْ إرْسَالِ الْمَوَاشِي لِلرَّعْيِ نَهَارًا وَلَمْ تَجْرِ الْعَادَةُ بِتَرْكِهَا بِاللَّيْلِ مُنْتَشِرَةً فَلَوْ جَرَتْ الْعَادَةُ فِي نَاحِيَةٍ بِالْعَكْسِ فَكَانُوا يُرْسِلُونَ الْبَهَائِمَ لَيْلًا لِلرَّعْيِ وَيَحْفَظُونَهَا نَهَارًا وَكَانُوا يَحْفَظُونَ الزَّرْعَ لَيْلًا ، فَوَجْهَانِ : أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَنْعَكِسُ الْحُكْمُ فَيَضْمَنُ مَا أَتْلَفَتْهُ بِالنَّهَارِ دُونَ اللَّيْلِ إتْبَاعًا لِمَعْنَى الْخَبَرِ وَلِلْعَادَةِ ثُمَّ هَذَا كُلُّهُ فِي الْمَزَارِعِ وَنَحْوِهَا فَأَمَّا لَوْ أَرْسَلَ دَابَّةً فِي الْبَلَدِ وَحْدَهَا فَأَتْلَفَتْ شَيْئًا فَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يَضْمَنُهُ مُطْلَقًا . وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الضَّارِبَةِ وَغَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ فِي نَاقَةٍ ضَارِبَةٍ ، وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ كَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ يَضْمَنُ مَالِكُ الضَّارِيَةَ مَا أَتْلَفَتْ قَالَ وَكَذَا قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ يَضْمَنُ إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً بِالْإِفْسَادِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ رَبْطُهَا وَالْحَالَةُ هَذِهِ ، انْتَهَى . وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِإِسْنَادِهِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ ( يُرَدُّ الضَّارِي إلَى أَهْلِهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ يُعْقَرُ ) قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فَلَمْ يَضْمَنْ وَلَمْ يَخُصَّ لَيْلًا وَلَا نَهَارًا وَضَعَّفَ ابْنُ حَزْمٍ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ وَقَالَ هَذَا خَبَرٌ مُرْسَلٌ أَحْسَنُ طُرُقِهِ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَمَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ وَإِنَّمَا أُسْنِدَ مِنْ طَرِيقِ حَرَامِ بْنِ سَعْدِ بْنِ مُحَيِّصَةُ مَرَّةً عَنْ أَبِيهِ وَلَا صُحْبَةَ لِأَبِيهِ وَمَرَّةً عَنْ الْبَرَاءِ ، وَحَرَامٌ هَذَا مَجْهُولٌ لَمْ يَرْوِ عَنْهُ إلَّا الزُّهْرِيُّ وَلَمْ يُوَثِّقْهُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { جَرْحُهَا جُبَارٌ } وَمَعْنَاهُ إذَا حَفَرَ مَعْدِنًا فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَوَاتٍ فَوَقَعَ شَخْصٌ فِيهَا وَمَاتَ لَا يَضْمَنُهُ بَلْ دَمُهُ هَدَرٌ وَكَذَلِكَ لَوْ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ يَعْمَلُونَ فِيهَا فَوَقَعَتْ عَلَيْهِمْ وَمَاتُوا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَيَلْتَحِقُ بِذَلِكَ كُلُّ أَجِيرٍ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى عَمَلٍ كَانَ ذَلِكَ الْعَمَلُ سَبَبَ هَلَاكِهِ كَمَنْ اُسْتُؤْجِرَ عَلَى صُعُودِ نَخْلَةٍ فَسَقَطَ مِنْهَا وَنَحْوِ ذَلِكَ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ { وَالْبِئْرُ جُبَارٌ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { جَرْحُهَا جُبَارٌ } وَالْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ الْبِئْرُ بِكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ سَاكِنَةٌ وَيَجُوزُ تَسْهِيلُهَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَقِيلَ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ النَّارُ جُبَارٌ وَقَالُوا إنَّ أَهْلَ الْيَمَنِ يَكْتُبُونَ النَّارَ بِالْيَاءِ وَمَعْنَاهُ عِنْدَهُمْ أَنَّ مَنْ اسْتَوْقَدَ نَارًا بِمَا يَجُوزُ لَهُ فَتَعَدَّتْ إلَى مَا لَا يَجُوزُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عَلَى تَفْصِيلٍ بَيَانُهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ . قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَالْبَزَّارُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { وَالْجُبُّ جُبَارٌ } ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْبِئْرُ لَا النَّارُ كَمَا هُوَ فِي الْكُتُبِ السِّتَّةِ الْمَشْهُورَةِ قُلْت قَدْ جَمَعَ النَّسَائِيّ بَيْنَ ذِكْرِ النَّارِ وَالْبِئْرِ فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى وُرُودِهِمَا وَأَنَّهُ لَيْسَ أَحَدُهُمَا تَصْحِيفًا مِنْ الْآخَرِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ أَصْلُهُ وَالْبِئْرُ وَلَكِنَّ مَعْمَرًا صَحَّفَهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يَأْتِ ابْنُ مَعِينٍ عَلَى قَوْلِهِ هَذَا بِدَلِيلٍ وَلَيْسَ هَكَذَا تَرِدُ أَحَادِيثُ الثِّقَاتِ ، وَالْكَلَامُ فِي قَوْلِهِ { وَالْبِئْرُ جُبَارٌ } كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ { وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ } أَنَّ مَعْنَاهُ أَنْ يَحْفِرَ بِئْرًا فِي مِلْكِهِ أَوْ فِي مَوَاتٍ فَيَقَعُ فِيهَا إنْسَانٌ أَوْ غَيْرُهُ وَيَتْلَفُ فَلَا ضَمَانَ وَكَذَا لَوْ اسْتَأْجَرَهُ لِحَفْرِهَا فَوَقَعَتْ عَلَيْهِ فَمَاتَ فَلَا ضَمَانَ أَمَّا إذَا حَفَرَ الْبِئْرَ فِي طَرِيقِ الْمُسْلِمِينَ أَوْ فِي مِلْكِ غَيْرِهِ بِغَيْرِ إذْنٍ فَتَلَف فِيهَا إنْسَانٌ وَجَبَ ضَمَانُهُ عَلَى عَاقِلَةِ حَافِرِهَا وَالْكَفَّارَةُ فِي مَالِ الْحَافِرِ وَإِنْ تَلِفَ بِهَا غَيْرُ الْآدَمِيِّ وَجَبَ ضَمَانُهُ فِي مَالِ الْحَافِرِ . ( السَّابِعَةُ ) الرِّكَازُ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِ الْكَافِ وَآخِرِهِ زَايٌ قَالَ فِي الصِّحَاحِ دَفِينُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ كَأَنَّهُ رُكِّزَ فِي الْأَرْضِ أَيْ غُرِزَ وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ قِطَعُ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ تَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ أَوْ الْمَعْدِنِ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الْحِجَازِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَاللُّغَوِيِّينَ الْكُنُوزُ وَعِنْدَ أَهْلِ الْعِرَاقِ الْمَعَادِنُ لِأَنَّهَا رُكِّزَتْ فِي الْأَرْضِ أَيْ ثُبِّتَتْ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَالْقَوْلَانِ تَحْتَمِلُهُمَا اللُّغَةُ ؛ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا مَرْكُوزٌ فِي الْأَرْضِ أَيْ ثَابِتٌ يُقَالُ رَكَّزَهُ يُرَكِّزُهُ رَكْزًا إذَا دَفَنَهُ وَالْحَدِيثُ إنَّمَا جَاءَ فِي التَّفْسِيرِ الْأَوَّلِ وَهُوَ الْكَنْزُ الْجَاهِلِيُّ وَإِنَّمَا كَانَ فِيهِ الْخُمُسُ لِكَثْرَةِ نَفْعِهِ وَسُهُولَةِ أَخْذِهِ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ حَقِيقَةُ رَكْزِ الْإِثْبَاتِ وَالْمَعْدِنِ ثَابِتٌ خِلْقَةً وَمَا يُدْفَنُ ثَابِتٌ بِتَكَلُّفِ مُتَكَلِّفٍ ، قُلْت ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ دَفِينِ الْجَاهِلِيَّةِ أَيْضًا لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَطَفَ الرِّكَازَ عَلَى الْمَعْدِنِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا وَجَعَلَ لِكُلٍّ مِنْهُمَا حُكْمًا ، وَلَوْ كَانَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ لَجَمَعَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ { وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ } وَفِيهِ الْخُمُسُ وَقَالَ { الرِّكَازُ جُبَارٌ وَفِيهِ الْخُمُسُ } فَلَمَّا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا دَلَّ عَلَى تَغَايُرِهِمَا ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْإِشْرَافِ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ الرِّكَازُ الْمَدْفُونُ دَفْنَ الْجَاهِلِيَّةِ دُونَ الْمَعَادِنِ وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَمَالِكٌ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ الرِّكَازُ الْمَالُ الْمَدْفُونُ وَالْمَعْدِنُ جَمِيعًا وَفِيهِمَا جَمِيعًا الْخُمُسُ انْتَهَى وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا الْقَوْلَ الثَّانِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ فَقَالَ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ الرِّكَازُ أَمْوَالُ أَهْلِ الْكِتَابِ الْمَدْفُونَةُ فِي الْأَرْضِ وَالذَّهَبُ بِعَيْنِهِ يُصِيبُهُ الرَّجُلُ فِي الْمَعْدِنِ انْتَهَى . ===================ج12 12 12 ============================ اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ أَخَصُّ مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ لِكَوْنِهِ خَصَّهُ فِي الْمَعْدِنِ بِالذَّهَبِ بِعَيْنِهِ لَكِنْ نُقِلَ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي ذَهَبِ الْمَعْدِنِ وَفِضَّتِهِ الْخُمُسُ وَلَا شَيْءَ فِيمَا يَخْرُجُ مِنْهُ غَيْرُهُمَا . ( الثَّامِنَةُ ) فِيهِ وُجُوبُ الزَّكَاةِ فِيمَا وَجَدَهُ الْمُسْلِمُ مِنْ دَفِينِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ سَوَاءٌ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ أَوْ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا خَالَفَ ذَلِكَ إلَّا الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ فَإِنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ مَا يُوجَدُ مِنْهُ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَأَرْضِ الْعَرَبِ فَأَوْجَبَ الْخُمُسَ فِيهِ إذَا وُجِدَ فِي أَرْضِ الْحَرْبِ وَإِذَا وُجِدَ فِي أَرْضِ الْعَرَبِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ انْتَهَى . وَحَكَى ابْنُ قُدَامَةَ الْإِجْمَاعَ عَلَى الْأَوَّلِ ثُمَّ حَكَى كَلَامَ ابْنِ الْمُنْذِرِ الْمُتَقَدِّمَ قَالَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَيُعْرَفُ كَوْنُهُ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى ضَرْبِهِمْ أَوْ عَلَيْهِ اسْمُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِهِمْ وَاسْتَشْكَلَهُ الرَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ بِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ عَلَى ضَرْبِهِمْ كَوْنُهُ مِنْ دَفْنِهِمْ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ وَجَدَهُ مُسْلِمٌ بِكَنْزِ جَاهِلِيٍّ فَكَنَزَهُ ثَانِيًا وَالْحُكْمُ مَدَارٌ عَلَى كَوْنِهِ مِنْ دَفْنِ الْجَاهِلِيَّةِ لَا عَلَى كَوْنِهِ ضَرْبَهُمْ وَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ مَدْفُوعٌ بِالْأَصْلِ . قَالُوا : فَلَوْ كَانَ الْمَوْجُودُ عَلَى ضَرْبِ الْإِسْلَامِ بِأَنْ كَانَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ اسْمُ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَمْلِكْهُ الْوَاجِدُ بَلْ يَرُدُّهُ إلَى مَالِكِهِ إنْ عَلِمَهُ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْهُ فَوَجْهَانِ ، الصَّحِيحُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ الْجُمْهُورُ أَنَّهُ لُقَطَةٌ يُعَرِّفُهُ الْوَاجِدُ سَنَةً ثُمَّ لَهُ تَمَلُّكُهُ إنْ لَمْ يَظْهَرْ مَالِكُهُ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ هُوَ مَالٌ ضَائِعٌ يُمْسِكُهُ الْآخِذُ لِلْمَالِكِ أَبَدًا وَيَحْفَظُهُ الْإِمَامُ لَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ وَلَا يُمْلَكُ بِحَالٍ فَلَوْ لَمْ يَعْرِفْ أَنَّ الْمَوْجُودَ مِنْ ضَرْبِ الْجَاهِلِيَّةِ أَوْ الْإِسْلَامِ فَفِيهِ لِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ أَظْهَرُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ بِرِكَازٍ بَلْ هُوَ لُقَطَةٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهُ رِكَازٌ فَيُخَمَّسُ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ : وَلَوْ اشْتَبَهَ الضَّرْبُ يُجْعَلُ جَاهِلِيًّا فِي ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ وَقِيلَ إسْلَامِيًّا فِي زَمَانِنَا لِتَقَادُمِ الْعَهْدِ انْتَهَى . ( التَّاسِعَةُ ) خَصَّ أَصْحَابُنَا الرِّكَازَ بِمَا يُوجَدُ فِي الْمَوَاتِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَوَاتُ دَارِ الْإِسْلَامِ وَدَارِ الْحَرْبِ أَمَّا لَوْ وُجِدَ فِي طَرِيقٍ مَسْلُوكٍ أَوْ مَسْجِدٍ فَهُوَ لُقَطَةٌ ، وَلَوْ وُجِدَ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ إنْ وَجَدَهُ الْمَالِكُ فَهُوَ لَهُ وَإِنْ وَجَدَهُ غَيْرُ الْمَالِكِ لَمْ يَمْلِكْهُ ، فَإِنْ ادَّعَاهُ الْمَالِكُ فَهُوَ لَهُ كَأَمْتِعَةِ الدَّارِ وَإِنْ لَمْ يَدَّعِهِ انْتَقَلَ إلَى مَنْ تَلَقَّاهُ الْمَالِكُ عَنْهُ وَهَكَذَا حَتَّى يَصِلَ الْحَالُ إلَى مَنْ أَحْيَا تِلْكَ الْأَرْضِ ، وَمِنْ الْمُصَرِّحِينَ بِمِلْكِ الرِّكَازِ بِإِحْيَاءِ الْأَرْضِ الْقَفَّالُ وَبَنَى الْإِمَامُ ذَلِكَ عَلَى مَسْأَلَةِ الظَّبْيَةِ إذَا دَخَلَتْ دَارًا فَأَغْلَقَ عَلَيْهَا الْبَابَ صَاحِبُ الدَّارِ لَا عَلَى قَصْدِ ضَبْطِهَا ، وَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يَمْلِكُهَا لَكِنَّهُ يَصِيرُ أَوْلَى بِهَا وَإِنْ كَانَ فِي أَرْضٍ مَوْقُوفَةٍ فَهُوَ لِمَنْ فِي يَدِهِ الْأَرْضُ قَالَ الْبَغَوِيّ وَإِنْ وَجَدَهُ فِي أَرْضٍ مَمْلُوكَةٍ فِي دَارِ الْحَرْبِ ، فَإِنْ أُخِذَ بِقَهْرٍ وَغَلَبَةٍ فَهُوَ غَنِيمَةٌ وَإِلَّا فَهُوَ فَيْءٌ قَالَهُ الْإِمَامُ فِي النِّهَايَةِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا دَخَلَ دَارَ الْحَرْبِ بِغَيْرِ أَمَانٍ ؛ لِأَنَّهُ إذَا دَخَلَ بِأَمَانٍ لَا يَجُوزُ لَهُ أَخْذُ كَنْزِهِ لَا بِقِتَالٍ وَلَا غَيْرِهِ قَالَهُ الشَّيْخُ أَبُو عَلِيٍّ ، ثُمَّ فِي الْحُكْمِ بِكَوْنِهِ فَيْئًا إشْكَالٌ فَإِنَّهُ إنْ أَخَذَهُ خُفْيَةً كَانَ سَارِقًا وَإِنْ أَخَذَهُ جِهَارًا كَانَ مُخْتَلِسًا لَا جَرَمَ أَطْلَقَ كَثِيرٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَالصَّيْدَلَانِيِّ وَابْنِ الصَّبَّاغِ الْقَوْلَ بِأَنَّهُ غَنِيمَةٌ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِي الْأَرَاضِيِ الَّتِي يُوجَدُ فِيهَا الرِّكَازُ وَجُعِلَ الْحُكْمُ مُخْتَلِفًا بِاخْتِلَافِهَا وَمَنْ قَالَ مِنْهُمْ بِأَنَّ فِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ فِي أَكْثَرِ الصُّوَرِ فَهُوَ أَقْرَبُ إلَى الْحَدِيثِ ا هـ . ( الْعَاشِرَةُ ) لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ مَنْ يُصْرَفُ لَهُ الْخُمُسُ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكَوَاتِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّهُ يُصْرَفُ مَصْرِفَ خُمُسِ الْفَيْءِ وَبِهِ قَالَ الْمُزَنِيّ وَهُوَ قَوْلٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ، قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ : وَالثَّانِيَةُ أَصَحُّ وَأَقْيَسُ عَلَى مَذْهَبِهِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ الْخُمُسِ فِي الرِّكَازِ بَيْنَ أَنْ يَبْلُغَ نِصَابًا أَمْ لَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ لَمْ يُثْبِتْهُ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ إِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ يُعْتَبَرُ فِيهِ النِّصَابُ فَلَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِيمَا دُونَهُ إلَّا إذَا كَانَ فِي مِلْكِهِ مَا يُكْمِلُهُ مِنْ جِنْسِ النَّقْدِ الْمَوْجُودِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الْقَوْلُ الْأَوَّلُ أَوْلَى بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَبِهِ قَالَ جُلُّ أَهْلِ الْعِلْمِ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) ظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ بَلْ يَجِبُ إخْرَاجُ الْخُمُسِ مِنْهُ فِي الْحَالِ وَلَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَلَا غَيْرِهِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي اعْتِبَارِ الْحَوْلِ فِيهِ فَرَأَى مَالِكٌ أَنَّهُ كَالزَّرْعِ ؛ لِأَنَّهُ مَالٌ زَكَوِيٌّ يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ وَرَأَى الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ ذَهَبٌ وَفِضَّةٌ يَجْرِيَا عَلَى حُكْمِهِمَا ، فَرَاعَى الشَّافِعِيُّ اللَّفْظَ وَرَاعَى مَالِكٌ الْمَعْنَى وَهُوَ أَسْعَدُ بِهِ ا هـ ، وَقَدْ صَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ بِأَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْحَوْلُ بِلَا خِلَافٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إنَّمَا حَكَى هَذَا الْخِلَافَ فِي الْمَعْدِنِ ، وَالْخِلَافُ فِي اشْتِرَاطِ الْحَوْلِ فِي زَكَاةِ الْمَعْدِن عِنْدَنَا مَعْرُوفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) ظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الرِّكَازُ ذَهَبًا وَفِضَّةً أَوْ غَيْرَهُمَا كَالنُّحَاسِ وَالْحَدِيدِ وَالْجَوَاهِرِ وَسَائِرِ الْأَمْوَالِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ وَعَنْ إِسْحَاقَ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ . قَالَ : وَبِهِ أَقُولُ . قَالَ : وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ : مَا أَرَى بِأَخْذِ الْخُمُسِ مِنْ ذَلِكَ كُلِّهِ بَأْسًا وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ كَالْقَوْلَيْنِ وَحَكَى كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَقَالَ بِالتَّعْمِيمِ مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ نَافِعٍ وَبِالتَّخْصِيصِ ابْنُ الْمَوَّازِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصَحُّ قَوْلَيْ مَالِكٍ مَا عَلَيْهِ سَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ ا هـ وَحُكِيَ التَّعْمِيمُ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ لَمْ يُثْبِتْهُ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) ظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ إخْرَاجِ الْخُمُسِ مِنْهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْوَاجِدُ لَهُ مُسْلِمًا أَوْ ذِمِّيًّا وَكَادَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنْ يَدَّعِيَ الْإِجْمَاعَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ إنَّ عَلَى الذِّمِّيِّ فِي الرِّكَازِ يَجِدُهُ الْخُمُسُ ، هَذَا قَوْلُ مَالِكٍ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَغَيْرِهِمْ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَكَذَلِكَ نَقُولُ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خُمُسَ الرِّكَازِ لَيْسَ سَبِيلُهُ سَبِيلَ الصَّدَقَاتِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ إنَّمَا سَبِيلُهُ سَبِيلَ مَالِ الْفَيْءِ ا هـ وَلَمَّا كَانَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَصْرِفَهُ مَصْرِفُ الزَّكَوَاتِ قَالَ لَا يُؤْخَذُ مِنْ الذِّمِّيِّ شَيْءٌ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا قُلْنَا بِذَلِكَ الْقَوْلِ أَنَّ مَصْرِفَهُ مَصْرِفُ الْفَيْءِ أُخِذَ مِنْ الذِّمِّيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ تَعَرُّضٌ لِمَنْ يَتَعَاطَى إخْرَاجَ الْخُمُسِ مِنْ الرِّكَازِ أَهُوَ الْوَاجِدُ أَوْ يَتَعَيَّنُ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ الْإِمَامَ أَوْ نَائِبَهُ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنْ قُلْنَا مَصْرِفُهُ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ فَلَوْ أَخْرَجَهُ الْوَاجِدُ لَهُ وَقَعَ الْمَوْقِعُ وَإِنْ قُلْنَا مَصْرِفُ الْفَيْءِ فَذَلِكَ مِنْ وَظِيفَةِ الْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ الَّذِي أَقَامَهُ لِذَلِكَ ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ أَنَّهُ لَا يَسَعُهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِخُمُسِهِ ، فَإِنْ فَعَلَ ضَمَّنَهُ الْإِمَامُ ، وَعَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ أَنَّهُ يَسَعُهُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَهَذَا أَصَحُّ وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي وَيَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى الْإِنْسَانُ تَفْرِقَةَ الْخُمُسِ بِنَفْسِهِ ؛ لِأَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَمَرَ وَاجِدَ الْكَنْزِ بِتَفْرِقَتِهِ عَلَى الْمَسَاكِينِ قَالَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ثُمَّ قَالَ وَيَتَخَرَّجُ أَنْ لَا يَجُوزَ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الصَّحِيحَ أَنَّهُ فَيْءٌ فَلَمْ يَمْلِكْ تَفْرِقَتَهُ بِنَفْسِهِ كَخُمُسِ الْغَنِيمَةِ . قَالَ الْقَاضِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ : وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ رَدُّهُ عَلَى وَاجِدِهِ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ مَالٍ فَلَمْ يَجُزْ رَدُّهُ عَلَى مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ كَالزَّكَاةِ وَخُمُسِ الْغَنِيمَةِ ، وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ يَجُوزُ ؛ لِأَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ رَدَّ بَعْضَهُ عَلَى وَاجِدِهِ وَلِأَنَّهُ فَيْءٌ فَجَازَ رَدُّهُ عَلَيْهِ كَخَرَاجِ الْأَرْضِ ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى وُجُوبِ الْخُمُسِ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ الْمَعَادِنِ سَوَاءٌ أَكَانَ ذَهَبًا أَوْ فِضَّةً أَوْ غَيْرَهُمَا مِنْ مَعَادِنِ الْأَرْضِ كَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ وَالرَّصَاصِ وَغَيْرِهَا بِنَاءً عَلَى دُخُولِ ذَلِكَ فِي اسْمِ الرِّكَازِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَلَمْ يَعْتَبِرُوا فِي ذَلِكَ نِصَابًا وَلَا حَوْلًا وَجَعَلُوا مَصْرِفَهُ مَصْرِفَ الْفَيْءِ وَذَهَبَ الْأَئِمَّةُ الثَّلَاثَةُ وَالْأَكْثَرُونَ إلَى أَنَّ الْمَعْدِنَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ اسْمِ الرِّكَازِ وَلَا لَهُ حُكْمُهُ وَاتَّفَقُوا عَلَى الْإِخْرَاجِ مِنْهُ فِي الْجُمْلَةِ وَأَنَّ مَصْرِفَ الْمُخْرَجِ مِنْهُ مَصْرِفُ الزَّكَاةِ ، وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ اعْتِبَارُ النِّصَابِ فِيهِ دُونَ الْحَوْلِ ثُمَّ اخْتَلَفَتْ تَفَاصِيلُ مَذَاهِبِهِمْ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ إنْ كَانَ الْمُسْتَخْرَجُ مِنْ الْمَعْدِنِ غَيْرَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَلَا زَكَاةَ فِيهِ إلَّا فِي وَجْهٍ شَاذٍّ وَإِنْ كَانَ أَحَدَ النَّقْدَيْنِ فَفِيهِ الزَّكَاةُ وَفِي قَدْرِ الْوَاجِبِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلشَّافِعِيِّ ( أَصَحُّهَا ) رُبْعُ الْعُشْرِ كَزَكَاةِ النَّقْدَيْنِ ( وَالثَّانِي ) الْخُمُسُ ( وَالثَّالِثُ ) إنْ نَالَهُ بِلَا تَعَبٍ وَمُؤْنَةٍ فَالْخُمُسُ وَإِلَّا فَرُبْعُ الْعُشْرِ وَلَمْ يَخُصَّ الْحَنَابِلَةُ ذَلِكَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بَلْ قَالُوا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي كُلِّ مَا خَرَجَ مِنْ الْأَرْضِ مِمَّا يُخْلَقُ فِيهَا مِنْ غَيْرِهَا مِمَّا لَهُ قِيمَةٌ ، وَوَسَّعُوا ذَلِكَ حَتَّى قَالُوهُ فِي الْمَعَادِنِ الْجَارِيَةِ كَالْقَارِ وَالنِّفْطِ وَالْكِبْرِيتِ ، وَالْحَنَفِيَّةُ خَصُّوا ذَلِكَ بِمَا يَنْطَبِعُ كَالْحَدِيدِ وَالنُّحَاسِ . قَالَ الْحَنَابِلَةُ وَالْوَاجِبُ فِيهِ رُبْعُ الْعُشْرِ وَخَصَّ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ بِالنَّقْدَيْنِ وَقَالُوا إنَّ الْوَاجِبَ رُبْعُ الْعُشْرِ إلَّا مَا لَا يُتَكَلَّفُ فِيهِ إلَى عَمَلٍ فَفِيهِ الْخُمُسُ ، وَاعْتَبَرَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ فِي زَكَاةِ الْمَعْدِنِ الْحَوْلَ وَحَكَى قَوْلًا عَنْ الشَّافِعِيِّ ، وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الْأُمَّةَ مُجْمِعَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا زَكَاةَ فِي الصُّفْرِ وَالْحَدِيدِ وَالرَّصَاصِ وَالْقَصْدِيرِ وَأَنَّ طَائِفَةً قَالُوا بِوُجُوبِ الزَّكَاةِ فِيهَا عِنْدَ امْتِزَاجِهَا فِي الْمَعْدِنِ بِالذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ وَأَسْقَطُوا الزَّكَاةَ عَنْهَا إذَا كَانَتْ صِرْفًا ا هـ ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ أَوْجَبُوا الْإِخْرَاجَ مِنْ سَائِرِ الْمَعَادِنِ ، وَلَوْ كَانَتْ غَيْرَ ذَهَبٍ وَفِضَّةٍ إلَّا أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ أَوْجَبُوا الْخُمُسَ وَجَعَلُوهُ فَيْئًا وَالْحَنَابِلَةَ أَوْجَبُوا رُبْعَ الْعُشْرِ وَجَعَلُوهُ زَكَاةً . بَابُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْبَلْ صَدَقَتَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَتَقَبَّلُ مِنْهُ صَدَقَةَ مَالِهِ . قَالَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَقْتَرِبُ الزَّمَنُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ ، قَالُوا الْهَرْجُ أَيْمَ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ } . ( بَابُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ ) ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ حَتَّى يُهِمَّ رَبَّ الْمَالِ مَنْ يَتَقَبَّلُ مِنْهُ صَدَقَةَ مَالِهِ ، قَالَ يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَقْتَرِبُ الزَّمَنُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ ، قَالُوا الْهَرْجُ أَيْمَ هُوَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ } ( فِيهِ فَوَائِدُ ) : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَ مِنْهُ مُسْلِمٌ الشَّطْرَ الْأَخِيرَ وَهُوَ مِنْ قَوْلِهِ { يُقْبَضُ الْعِلْمُ } مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَأَخْرَجَ الشَّطْرَيْنِ مِنْ طَرِيقِ يَعْقُوبَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . فَرَّقَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ ذَكَرَ الشَّطْرَ الْأَوَّلَ فِي الزَّكَاةِ وَفِيهِ { حَتَّى يَخْرُجَ الرَّجُلُ بِزَكَاةِ مَالِهِ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَقْبَلُهَا مِنْهُ } ، وَذَكَرَ الشَّطْرَ الْأَخِيرَ مِنْ قَوْلِهِ { وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ فِي الْفِتَنِ } وَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَسَطَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ { يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَقْتَرِبُ الزَّمَنُ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ } وَأَخْرَجَهُ بِتَمَامِهِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَرَّقَهُ فِي مَوْضِعَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِتَمَامِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى الشَّطْرِ الْأَخِيرِ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { يُقْبَضُ الْعِلْمُ وَيَظْهَرُ الْجَهْلُ وَالْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ ، قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا الْهَرْجُ ؟ فَقَالَ هَكَذَا بِيَدِهِ فَحَرَّفَهَا كَأَنَّهُ يُرِيدُ الْقَتْلَ } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ وَمِنْ طَرِيقِ حُمَيْدٍ ابْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ وَيُلْقَى الشُّحُّ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ قَالُوا وَمَا الْهَرْجُ قَالَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُ { وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ } وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ لَفْظَانِ ( أَحَدُهُمَا ) { وَيُقْبَضُ الْعِلْمُ } ( وَالْآخَرُ ) { وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ } وَفِي رِوَايَتِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ { وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ } ، وَمِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { يَتَقَارَبُ الزَّمَانُ وَيَنْقُصُ الْعَمَلُ وَيُلْقَى الشُّحُّ وَتَظْهَرُ الْفِتَنُ وَيَكْثُرُ الْهَرْجُ ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّمَا هُوَ قَالَ الْقَتْلُ الْقَتْلُ } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { فَيَفِيضَ } بِفَتْحِ أَوَّلِهِ فَسَّرَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ بِأَنَّ مَعْنَاهُ يَكْثُرُ وَحِينَئِذٍ فَيُشْكِلُ عَطْفُهُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ { حَتَّى يَكْثُرَ فِيكُمْ الْمَالُ فَيَفِيضَ } وَاَلَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ فِي الْفَيْضِ زِيَادَةً عَلَى الْكَثْرَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ فِي قَوْلِهِ { يَفِيضُ الْمَالُ } أَيْ يَكْثُرُ حَتَّى يَفْضُلَ مِنْهُ بِأَيْدِي مُلَّاكِهِ مَا لَا حَاجَةَ لَهُمْ بِهِ . قَالَ وَقِيلَ بَلْ يَنْتَشِرُ فِي النَّاسِ وَيَعُمُّهُمْ وَهُوَ الْأَوَّلُ انْتَهَى . فَيَصْدُقُ كَثْرَةُ الْمَالِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَلَا يَصْدُقُ فَيْضُهُ إلَّا بِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ وَيُوَافِقُ ذَلِكَ قَوْلَ الْجَوْهَرِيِّ فِي الصِّحَاحِ فَاضَ الْمَاءُ أَيْ كَثُرَ حَتَّى سَالَ عَلَى ضِفَّةِ الْوَادِي ، انْتَهَى . فَاعْتُبِرَ فِيهِ مَعَ الْكَثْرَةِ زِيَادَتُهُ عَنْ قَدْرِ الْوَادِي حَتَّى يَسِيلَ عَلَى ضِفَّتِهِ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ { حَتَّى يُهِمَّ } ضَبْطُ وَجْهَيْنِ ( أَجْوَدُهُمَا وَأَشْهَرُهُمَا ) أَنَّهُ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ ، وَقَوْلُهُ { رَبَّ الْمَالِ } أَيْ صَاحِبَهُ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ بِهِ ، وَقَوْلُهُ { مَنْ يَتَقَبَّلُ مِنْهُ صَدَقَةَ مَالِهِ } هُوَ الْفَاعِلُ وَفِيهِ مُضَافٌ مَحْذُوفٌ أَيْ أَمْرٌ وَالْمَعْنَى أَنْ يُقْلِقَ رَبَّ الْمَالِ وَيُحْزِنَهُ أَمْرُ مَنْ يَأْخُذُ مِنْهُ زَكَاةَ مَالِهِ لِفَقْدِ الْمُحْتَاجِ لِأَخْذِ الزَّكَاةِ لِعُمُومِ الْغِنَى لِجَمِيعِ النَّاسِ ( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) أَنَّهُ يَهُمُّ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْهَاءِ وَيَكُونُ رَبُّ الْمَالِ مَرْفُوعًا فَاعِلًا وَتَقْدِيرُهُ يَهُمُّ رَبُّ الْمَالِ بِمَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ أَيْ يَقْصِدُهُ ، حَكَاهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ : قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : يُقَالُ أَهَمَّهُ إذَا أَحْزَنَهُ وَهَمَّهُ إذَا أَذَابَهُ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ : هَمَّك مَا أَهَمَّكَ ، أَيْ أَذَابَك الشَّيْءُ الَّذِي أَحْزَنَك فَأَذْهَبَ شَحْمَك ، قَالَ وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي هُوَ مِنْ هَمَّ بِهِ إذَا قَصَدَهُ انْتَهَى قَالَ فِي الصِّحَاحِ : تَقُولُ أَهَمَّنِي الْأَمْرُ إذَا أَقْلَقَك وَحَزَنَكَ وَالْهَمُّ الْحُزْنُ وَهَمَّنِي الْمَرَضُ أَذَابَنِي . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ الْإِخْبَارُ بِكَثْرَةِ الْمَالِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَأَنَّ الْإِنْسَانَ لَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ حَتَّى يَحْصُلَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ هَمٌّ قَالَ النَّوَوِيُّ وَسَبَبُ عَدَمِ قَبُولِهِمْ الصَّدَقَةَ فِي آخِرِ الزَّمَانِ كَثْرَةُ الْأَمْوَالِ وَظُهُورُ كُنُوزِ الْأَرْضِ وَوَضْعُ الْبَرَكَاتِ فِيهَا كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ بَعْدَ هَلَاكِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ وَقِلَّةُ النَّاسِ وَقِلَّةُ آمَالِهِمْ وَقُرْبُ السَّاعَةِ وَعَدَمُ ادِّخَارِهِمْ الْمَالَ وَكَثْرَةُ الصَّدَقَاتِ . ( الْخَامِسَةُ ) وَفِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْمُبَادَرَةِ بِالصَّدَقَةِ وَاغْتِنَامِ إمْكَانِهَا قَبْلَ تَعَذُّرِهَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { تَصَدَّقُوا فَيُوشِكُ الرَّجُلُ يَمْشِي بِصَدَقَتِهِ فَيَقُولُ الَّذِي أُعْطِيهَا لَوْ جِئْتنَا بِهَا بِالْأَمْسِ قَبِلْتهَا ، فَأَمَّا الْآنَ فَلَا حَاجَةَ لِي بِهَا ، فَلَا يَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهَا } . ( السَّادِسَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَهُوَ وَاضِحُ الْحُكْمِ وَالتَّعْلِيلِ إذْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ تَقْصِيرٌ وَلَا مَنْعٌ ، لَكِنْ فِي اسْتِنْبَاطِ ذَلِكَ مِنْ الْحَدِيثِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ غَايَةَ مَا فِيهِ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ هَذَا سَيَقَعُ ، أَمَّا كَوْنُهُ إذَا وَقَعَ يَكُونُ صَاحِبُ الْمَالِ مَأْثُومًا أَوْ غَيْرَ مَأْثُومٍ فَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لَهُ . ( السَّابِعَةُ ) الْمُرَادُ بِقَبْضِ الْعِلْمِ ذَهَابُهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ انْتِزَاعُهُ مِنْ النَّاسِ بَلْ مَوْتُ الْعُلَمَاءِ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ { إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَقْبِضُ الْعِلْمَ انْتِزَاعًا يَنْتَزِعُهُ مِنْ النَّاسِ ، وَلَكِنْ يَقْبِضُ الْعِلْمَ بِقَبْضِ الْعُلَمَاءِ حَتَّى إذَا لَمْ يَتْرُكْ عَالِمًا اتَّخَذَ النَّاسُ رُؤَسَاءَ جُهَّالًا فَسَأَلُوا فَأَفْتَوْا بِغَيْرِ عِلْمٍ فَضَلُّوا وَأَضَلُّوا } ، وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { وَيَنْقُصُ الْعِلْمُ } فَهَذَا فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ يَنْقُصُ ثُمَّ يُقْبَضُ وَيَذْهَبُ بِالْكُلِّيَّةِ . ( الثَّامِنَةُ ) الْمُرَادُ بِاقْتِرَابِ الزَّمَانِ قُرْبُهُ مِنْ السَّاعَةِ قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ قِصَرُهُ وَعَدَمُ الْبَرَكَةِ فِيهِ وَأَنَّ الْيَوْمَ مَثَلًا يَصِيرُ الِانْتِفَاعُ بِهِ بِقَدْرِ الِانْتِفَاعِ بِالسَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ وَلَعَلَّ هَذَا أَظْهَرُ وَأَوْفَقُ لِلْأَحَادِيثِ وَأَكْثَرُ فَائِدَةً وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَتَقَارَبَ الزَّمَانُ فَتَكُونُ السَّنَةُ كَالشَّهْرِ وَالشَّهْرُ كَالْجُمُعَةِ وَالْجُمُعَةُ كَالْيَوْمِ وَيَكُونُ الْيَوْمُ كَالسَّاعَةِ وَتَكُونُ السَّاعَةِ كَالضَّرَمَةِ بِالنَّارِ } . ( التَّاسِعَةُ ) الْهَرْجُ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَآخِرُهُ جِيمٌ فَسَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ الْقَتْلُ وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِيهِ فَتَعَيَّنَ الْأَخْذُ بِهِ وَلَهُ مَعَانٍ أُخَرُ جَمْعُهَا فِي الْمُحْكَمِ شِدَّةُ الْقَتْلِ وَكَثْرَتُهُ وَالِاخْتِلَاطُ وَالْفِتْنَةُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ وَكَثْرَةُ النِّكَاحِ وَكَثْرَةُ الْكَذِبِ وَكَثْرَةُ النَّوْمِ وَشَيْءٌ تَرَاهُ فِي النَّوْمِ وَلَيْسَ بِصَادِقٍ وَعَدَمُ الْإِيقَانِ بِالْأَمْرِ وَاقْتَصَرَ الْجَوْهَرِيُّ عَلَى أَنَّ الْهَرْجَ الْفِتْنَةُ وَالِاخْتِلَاطُ . قَالَ : وَأَصْلُ الْهَرْجِ الْكَثْرَةُ فِي الشَّيْءِ ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى قَالَ أَبُو مُوسَى وَالْهَرْجُ الْقَتْلُ بِلِسَانِ الْحَبَشَةِ وَقَالَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ قَوْلُهُ بِلُغَةِ الْحَبَشَةِ وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَإِلَّا فَهِيَ عَرَبِيَّةٌ صَحِيحَةٌ وَالْهَرْجُ الِاخْتِلَاطُ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَوْلُهُ أَيْمَ هُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَمَعْنَاهُ مَا هُوَ ، وَأَصْلُهُ أَيُّ مَا هُوَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَبِالْأَلْفِ فِي مَا ؛ أَيْ أَيُّ شَيْءٍ هُوَ فَخُفِّفَتْ الْيَاءُ وَحُذِفَتْ أَلِفُ مَا ، ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ ، وَذَكَرَ فِي الْمَشَارِقِ أَنَّهُ رُوِيَ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَتَخْفِيفِهَا وَأَنَّهُمَا لُغَتَانِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ أَنَّ مِنْ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ كَثْرَةُ الْقَتْلِ بِغَيْرِ حَقٍّ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا تَذْهَبُ الدُّنْيَا حَتَّى يَأْتِيَ عَلَى النَّاسِ يَوْمٌ لَا يَدْرِي الْقَاتِلُ فِيمَ قَتَلَ وَلَا الْمَقْتُولُ فِيمَ قُتِلَ } وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ بَعْدَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ الْهَرْجَ الْقَتْلُ ؛ فَقَالَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَقْتُلُ الْآنَ فِي الْعَامِ الْوَاحِدِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَذَا وَكَذَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِقَتْلِ الْمُشْرِكِينَ وَلَكِنْ بِقَتْلِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا حَتَّى يَقْتُلَ الرَّجُلُ جَارَهُ وَابْنَ عَمِّهِ وَذَا قَرَابَتِهِ ، فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَعَنَا عُقُولُنَا ذَلِكَ الْيَوْمَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا ، تُنْزَعُ عُقُولُ أَكْثَرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَتَخْلُفُ لَهَا هَبَاءٌ مِنْ النَّاسِ لَا عُقُولَ لَهُمْ } وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أُحُدًا عِنْدِي ذَهَبًا لَأَحْبَبْت أَلَّا يَأْتِيَ عَلَيَّ ثَلَاثٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ أَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنِّي لَيْسَ شَيْئًا أَرْصُدُهُ فِي دَيْنٍ عَلَيَّ } لَمْ يَقُلْ مُسْلِمٌ { أَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهُ } . ( الْحَدِيثُ الثَّانِي ) وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أُحُدًا عِنْدِي ذَهَبًا لَأَحْبَبْت أَنْ لَا يَأْتِيَ عَلَيْهِ ثَلَاثٌ وَعِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ أَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنِّي لَيْسَ شَيْءٌ أَرْصُدُهُ فِي دَيْنٍ عَلَيَّ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ . ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّمَنِّي فِي صَحِيحِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَفِي الِاسْتِقْرَاضِ وَالرِّقَاقِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي الزَّكَاةِ مِنْ صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ وَلَيْسَ فِي الرِّوَايَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ قَوْلُهُ { أَجِدُ مَنْ يَقْبَلُهُ مِنِّي } . ( الثَّانِيَةُ ) فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ } جَوَازُ الْحَلِفِ بِغَيْرِ تَحْلِيفٍ قَالَ النَّوَوِيُّ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ إذَا كَانَ مَصْلَحَةً كَتَوْكِيدِ أَمْرٍ مُهِمٍّ وَتَحْقِيقِهِ وَنَفْيِ الْمَجَازِ عَنْهُ ؛ قَالَ ، وَقَدْ كَثُرَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي حَلِفِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا النَّوْعِ لِهَذَا الْمَعْنَى انْتَهَى . ( الثَّالِثَةُ ) فِي قَوْلِهِ ( نَفْسُ مُحَمَّدٍ ) تَعْبِيرُ الْإِنْسَانِ عَنْ نَفْسِهِ بِاسْمِهِ دُونَ ضَمِيرِهِ كَقَوْلِهِ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ نَفْسِي وَفِي الْحَلِفِ بِهَذِهِ الْيَمِينِ زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا اسْتَحْضَرَ أَنَّ نَفْسَهُ الَّتِي هِيَ أَعَزُّ الْأَشْيَاءِ عَلَيْهِ بِيَدِ اللَّهِ تَعَالَى يَتَصَرَّفُ فِيهَا كَيْفَ يَشَاءُ غَلَبَ عَلَيْهِ الْخَوْفُ فَارْتَدَعَ عَنْ الْحَلِفِ عَلَى مَا لَا يَتَحَقَّقُهُ فَكَانَ فِي الْحَلِفِ بِهَذَا زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ عَلَى الْحَلِفِ بِغَيْرِهِ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { بِيَدِهِ } مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ الَّتِي فِيهَا مَذْهَبَانِ مَشْهُورَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) تَأْوِيلُ الْيَدِ بِالْقُدْرَةِ ( ثَانِيهِمَا ) إمْرَارُهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ وَالْكَفُّ عَنْ تَفْسِيرِ الصِّفَةِ الْمَذْكُورَةِ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { لَوْ أَنَّ أُحُدًا عِنْدِي } يَحْتَمِلُ أَنَّ تَقْدِيرَهُ مِثْلُ أُحُدٍ فَفِيهِ مُضَافٌ حُذِفَ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ انْقِلَابَ أُحُدٍ نَفْسِهِ وَصَيْرُورَتُهُ ذَهَبًا وَيَدُلُّ لِلِاحْتِمَالِ الْأَوَّلِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { لَوْ كَانَ لِي مِثْلُ أُحُدٍ } الْحَدِيثَ ، وَيَدُلُّ لِلِاحْتِمَالِ الثَّانِي قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي الصَّحِيحِ { فَلَمَّا أَبْصَرَ يَعْنِي أُحُدًا قَالَ مَا أُحِبُّ أَنْ تُحَوَّلَ لِي ذَهَبًا يَمْكُثَ عِنْدِي مِنْهُ دِينَارٌ } الْحَدِيثَ . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَالْإِنْفَاقِ فِي الْقُرُبَاتِ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي أَعْلَى دَرَجَاتِ الزُّهْدِ يُحِبُّ أَنْ لَا يَبْقَى عِنْدَهُ مِنْ جَبَلِ ذَهَبٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ شَيْءٌ وَإِنَّمَا قَيَّدَ ذَلِكَ بِالثَّلَاثِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى تَفْرِيقُ جَبَلِ الذَّهَبِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ ، وَلَوْ اسْتَغْرَقَ فِي ذَلِكَ أَوْقَاتَهُ وَاسْتَعَانَ عَلَيْهِ بِكُلِّ أُحُدٍ . ( السَّابِعَةُ ) فِيهِ أَنَّ الْإِنْفَاقَ إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ وُجُودِ الْقَابِلِينَ لَهُ فَأَمَّا مَعَ فَقْدِهِمْ فَلَا يَتَأَتَّى الْإِنْفَاقُ ؛ لِأَنَّ الْآخِذَ أَحَدُ رُكْنَيْهِ وَلَا يُمْكِنُ الْإِكْرَاهُ عَلَيْهِ وَاسْتِدْلَالُ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ بِهِ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَنْ يَقْبَلُ صَدَقَتَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ اسْتِدْلَالٌ وَاضِحٌ ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَرَطَ فِي اسْتِحْبَابِهِ إنْفَاقَ جَبَلِ الذَّهَبِ فِي ثَلَاثٍ وُجُودَ الْقَابِلِ لَهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ قَابِلًا أَخَّرَهُ إلَى وُجُودِ الْقَابِلِ لَهُ وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يُفَرِّقْ فِيهِ بَيْنَ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَغَيْرِهَا وَهُوَ وَاضِحٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ مَعَ الْإِمْكَانِ وَهُوَ مَفْقُودٌ مَعَ فَقْدِ الْقَابِلِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهُ { لَيْسَ شَيْءٌ أَرْصُدُهُ فِي دَيْنٍ عَلَيَّ } أَيْ لَيْسَ الْبَاقِي شَيْئًا وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَقْدِيمِ وَفَاءِ الدَّيْنِ عَلَى الصَّدَقَةِ ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إرْصَادَهُ لِصَاحِبِ دَيْنٍ غَائِبٍ حَتَّى يَحْضُرَ فَيَأْخُذَ دَيْنَهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إرْصَادَهُ لِوَفَاءِ دَيْنٍ مُؤَجَّلٍ حَتَّى يَحِلَّ فَيُوَفِّيَهُ . ( التَّاسِعَةُ ) وَفِيهِ جَوَازُ الِاسْتِقْرَاضِ وَالِاسْتِدَانَةِ وَقَيَّدَ ابْنُ بَطَّالٍ ذَلِكَ بِالْيَسِيرِ لِلِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إرْصَادِهِ دِينَارًا لِدَيْنِهِ قَالَ ، وَلَوْ كَانَ عَلَيْهِ مِائَةُ دِينَارٍ أَوْ أَكْثَرُ لَمْ يَرْصُدْ لِأَدَائِهَا دِينَارًا ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ أَحْسَنَ النَّاسِ قَضَاءً ، قَالَ فَبَانَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ لَا يَسْتَغْرِقَ فِي كَثْرَةِ الدَّيْنِ خَشْيَةَ الِاهْتِمَامِ بِهِ وَالْعَجْزِ عَنْ أَدَائِهِ ، وَقَدْ اسْتَعَاذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ضَلَعِ الدَّيْنِ وَاسْتَعَاذَ مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ وَقَالَ إنَّ الرَّجُلَ إذَا غَرِمَ حَدَّثَ فَكَذَبَ وَوَعَدَ فَأَخْلَفَ ، انْتَهَى . وَمَا فَهِمَهُ مِنْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا أَرَادَ إرْصَادَ دِينَارٍ وَاحِدٍ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَلَوْ أُطْلِقَ الدِّينَارُ هُنَا فَلَا يُرَادُ بِهِ التَّوْحِيدُ وَإِنَّمَا يُرَادُ بِهِ الْجِنْسُ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَرْصُدُ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ الدَّيْنِ مَا يَفِي بِهِ قَلِيلًا كَانَ أَوْ كَثِيرًا . ( الْعَاشِرَةُ ) هَذَا الْحَدِيثُ أَصْلٌ فِي أَدَاءِ الْأَمَانَاتِ وَوَفَاءِ الدُّيُونِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ اسْتِعْمَالُ التَّمَنِّي فِي الْخَيْرِ وَأَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَقُولُوا لَوْ فَإِنَّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشَّيْطَانِ } إنَّمَا هُوَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا فَأَمَّا تَمَنِّي الْخَيْرَ فَمَحْبُوبٌ مَأْجُورٌ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . بَابُ بَيَانِ الْمِسْكِينِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ ، قَالُوا فَمَنْ الْمِسْكِينُ ؟ قَالَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ وَلَمْ يَقُلْ قَالُوا فَمَنْ الْمِسْكِينُ قَالَ { : إنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَيَسْتَحْيِي أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { إنَّ الْمِسْكِينَ الْمُتَعَفِّفُ ، اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ { لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا } } . ( بَابُ بَيَانِ الْمِسْكِينِ ) عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِهَذَا الطَّوَّافِ الَّذِي يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ تَرُدُّهُ اللُّقْمَةُ وَاللُّقْمَتَانِ وَالتَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ ، قَالُوا فَمَنْ الْمِسْكِينُ ؟ قَالَ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقَ عَلَيْهِ وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ وَلَمْ يَقُلْ قَالُوا فَمَنْ الْمِسْكِينُ وَقَالَ { إنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي لَا يَجِدُ غِنًى يُغْنِيهِ وَيَسْتَحْيِي أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ وَلَا يُفْطَنُ لَهُ فَيُتَصَدَّقُ عَلَيْهِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ . . ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ التَّمْرَةُ وَالتَّمْرَتَانِ وَلَا اللُّقْمَةُ وَلَا اللُّقْمَتَانِ ، إنَّمَا الْمِسْكِينُ الَّذِي يَتَعَفَّفُ ، وَاقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ يَعْنِي قَوْله تَعَالَى { لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا } } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَقَالَ مُسْلِمٌ { إنَّ الْمِسْكِينَ الْمُتَعَفِّفُ اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ { لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا } } وَانْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { لَيْسَ الْمِسْكِينُ الَّذِي تَرُدُّهُ الْأَكْلَةُ وَالْأَكْلَتَانِ وَلَكِنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ غِنًى وَيَسْتَحْيِي أَوْ لَا يَسْأَلُ النَّاسَ إلْحَافًا } . ( الثَّانِيَةُ ) قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمِسْكِينَ الْكَامِلَ الْمَسْكَنَةِ هُوَ الْمُتَعَفِّفُ الَّذِي لَا يَطُوفُ عَلَى النَّاسِ وَلَا يَسْأَلُهُمْ وَلَا يُفْطَنُ لِحَالِهِ ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ نَفْيَ أَصْلِ الْمَسْكَنَةِ عَنْ الطَّوَّافِ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ نَفْيُ كَمَالِهَا ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَتَدْرُونَ مَنْ الْمُفْلِسُ ؟ } الْحَدِيثَ وَكَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَتَدْرُونَ مَنْ الرَّقُوبُ } وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى { لَيْسَ الْبِرَّ أَنْ تُوَلُّوا وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ } الْآيَةَ اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى إطْلَاقِ اسْمِ الْمَسْكَنَةِ عَلَى الطَّوَّافِ بِحَدِيثِ أُمِّ بُجَيْدٍ مَرْفُوعًا { رُدُّوا الْمِسْكِينَ وَلَوْ بِظِلْفٍ مُحْرَقٍ } وَبِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ( إنَّ الْمِسْكِينَ لَيَقِفُ عَلَى بَابِي ) الْحَدِيثَ . قَالَ : وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى الصَّدَقَاتِ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَأَجْمَعُوا أَنَّ السَّائِلَ الطَّوَّافَ الْمُحْتَاجَ مِسْكِينٌ . ( الثَّالِثَةُ ) الْإِشَارَةُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ بِهَذَا الطَّوَّافِ ، تَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِحُضُورِهِ وَمُشَاهَدَتِهِ وَتَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِحَقَارَتِهِ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { فَمَنْ الْمِسْكِينُ } كَذَا هُوَ فِي رِوَايَتِنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ الْوَجْهُ وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ { فَمَا الْمِسْكِينُ } ، وَتَابَعَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيِّ وَلَهُ ثَلَاثُ تَوْجِيهَاتٍ . ( أَحَدُهَا ) أَنْ يَكُونَ أَرَادَ فَمَا الْحَالُ الَّتِي يَكُونُ بِهَا السَّائِلُ مِسْكِينًا . وَ ( الثَّانِي ) أَنْ تَكُونَ مَا هُنَا بِمَعْنَى مَنْ كَمَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى { وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا } وقَوْله تَعَالَى { وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى } ذَكَرَهُمَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّ مَا تَأَتَّى كَثِيرًا لِصِفَاتِ مَنْ يَعْقِلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنْ النِّسَاءِ } أَيْ الطَّيِّبِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ . ( الْخَامِسَةُ ) الْغِنَى بِكَسْرِ الْغَيْنِ مَقْصُورٌ الْيَسَارُ ، وَقَوْلُهُ { يُغْنِيهِ } صِفَةٌ لَهُ وَهُوَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى الْيَسَارِ إذْ لَا يَلْزَمُ مِنْ حُصُولِ الْيَسَارِ لِلْمَرْءِ أَنْ يَغْنَى بِهِ بِحَيْثُ لَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ آخَرَ وَاللَّفْظُ مُحْتَمِلٌ لَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَفْيَ أَصْلِ الْيَسَارِ وَلَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ نَفْيَ الْيَسَارِ الْمُقَيَّدِ بِأَنَّهُ يُغْنِيهِ مَعَ وُجُودِ أَصْلِ الْيَسَارِ ، وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى { لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا } وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ عَلَى لَا حُبَّ لَا يُهْتَدَى بِمَنَارِهِ وَعَلَى الِاحْتِمَالِ الثَّانِي فَفِيهِ أَنَّ الْمِسْكِينَ هُوَ الَّذِي يَمْلِكُ مَا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ لَا يَكْفِيهِ وَهُوَ حِينَئِذٍ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ الْفَقِيرِ فَإِنَّهُ الَّذِي لَا يَمْلِكُ شَيْئًا أَصْلًا أَوْ يَمْلِكُ مَالًا يَقَعُ مَوْقِعًا مِنْ كِفَايَتِهِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَفُقَهَاءُ الْكُوفَةِ وَقَالَ بِهِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ الْأَصْمَعِيُّ وَأَبُو جَعْفَرٍ أَحْمَدُ بْنُ عُبَيْدٍ وَاسْتَدَلَّ لَهُ أَيْضًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { أَمَّا السَّفِينَةُ فَكَانَتْ لِمَسَاكِينَ يَعْمَلُونَ فِي الْبَحْرِ } فَسَمَّاهُمْ مَسَاكِينَ مَعَ أَنَّ لَهُمْ سَفِينَةً لِكَوْنِهَا لَا تَقُومُ بِجَمِيعِ حَاجَتِهِمْ وَعَكَسَ آخَرُونَ ذَلِكَ فَقَالُوا : الْفَقِيرُ أَحْسَنُ حَالًا مِنْ الْمِسْكِينِ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ يُونُسَ بْنِ حَبِيبٍ وَابْنِ السِّكِّيتِ وَابْنِ قُتَيْبَةَ وَقَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْحَدِيثِ وَقَالَ آخَرُونَ هُمَا سَوَاءٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِي الْمَعْنَى وَإِنْ افْتَرَقَا فِي الِاسْمِ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ وَسَائِرِ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ قَوْلًا رَابِعًا أَنَّ الْمِسْكِينَ الَّذِي يَسْأَلُ وَالْفَقِيرُ الَّذِي لَا يَسْأَلُ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ { فَيَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ } ، وَقَوْلُهُ فَيَسْأَلَ النَّاسَ مَنْصُوبَانِ فِي جَوَابِ النَّفْيِ ، وَهَذَا وَاضِحٌ . ( السَّابِعَةُ ) فِيهِ أَنَّ الصَّدَقَةَ عَلَى الْمُتَعَفِّفِ أَفْضَلُ مِنْهَا عَلَى السَّائِلِ الطَّوَّافِ وَهُوَ كَذَلِكَ . ( الثَّامِنَةُ ) قَدْ يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ وَلَا يَقُومُ فَيَسْأَلُ النَّاسَ عَلَى أَحَدِ مَحْمَلَيْ قَوْله تَعَالَى { لَا يَسْأَلُونَ النَّاسَ إلْحَافًا } أَنَّ مَعْنَاهُ نَفْيُ السُّؤَالِ أَصْلًا ، وَقَدْ يُقَالُ لَفْظَةُ يَقُومُ تَدُلُّ عَلَى التَّأْكِيدِ فِي السُّؤَالِ فَلَيْسَ فِيهِ نَفْيُ أَصْلِ السُّؤَالِ وَالتَّأْكِيدُ فِي السُّؤَالِ هُوَ الْإِلْحَافُ . بَابُ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَاَللَّهِ إنِّي لَأَنْقَلِبُ إلَى أَهْلِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً إلَى فِرَاشِي أَوْ فِي بَيْتِي فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيهَا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . ( بَابُ لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ : عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَاَللَّهِ إنِّي لَأَنْقَلِبُ إلَى أَهْلِي فَأَجِدُ التَّمْرَةَ سَاقِطَةً عَلَى فِرَاشِي أَوْ فِي بَيْتِي فَأَرْفَعُهَا لِآكُلَهَا ثُمَّ أَخْشَى أَنْ تَكُونَ صَدَقَةً فَأُلْقِيهَا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ . ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَمِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ { : مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ فَقَالَ لَوْلَا أَنْ تَكُونَ مِنْ صَدَقَةٍ لَأَكَلْتهَا } وَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { : أَخَذَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ تَمْرَةً مِنْ تَمْرِ الصَّدَقَةِ فَجَعَلَهَا فِي فِيهِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كِخْ كِخْ ارْمِ بِهَا أَمَا عَلِمْت أَنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ؟ } لَفْظُ مُسْلِمٍ ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ أَيْضًا { إنَّا لَا تَحِلُّ لَنَا الصَّدَقَةُ } وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ { أَمَا شَعَرْت أَنَّا لَا نَأْكُلُ صَدَقَةً } وَفِي لَفْظٍ لَهُ { أَمَا عَلِمْت أَنَّ آلَ مُحَمَّدٍ لَا يَأْكُلُونَ الصَّدَقَةَ } . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ تَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الصَّدَقَةِ الْوَاجِبَةِ وَصَدَقَةِ التَّطَوُّعِ فَأَمَّا الْأُولَى فَلَا خِلَافَ فِيهَا . وَأَمَّا الثَّانِيَةُ فَهُوَ الْأَصَحُّ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي : إنَّهُ الظَّاهِرُ ، ثُمَّ قَالَ وَرُوِيَ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ صَدَقَةَ التَّطَوُّعِ لَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ ، ثُمَّ حَكَى لَفْظَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ثُمَّ قَالَ وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى إبَاحَةِ الصَّدَقَةِ لَهُ انْتَهَى . وَإِبَاحَةُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ لَهُ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ كَمَا تَقَدَّمَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ زِيَادَةٌ أُخْرَى وَهِيَ تَحْرِيمُ الصَّدَقَةِ عَلَى آلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمُحَرَّمَ عَلَيْهِمْ الزَّكَاةُ دُونَ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ وَكَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَهُوَ رِوَايَةُ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ وَعَكَسَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ ذَلِكَ فَقَالَ : تَحِلُّ لَهُمْ الصَّدَقَةُ الْوَاجِبَةُ وَلَا يَحِلُّ لَهُمْ التَّطَوُّعُ ؛ لِأَنَّ الْمِنَّةَ قَدْ يَقَعُ فِيهَا وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ بِتَحْرِيمِهَا عَلَيْهِمْ وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْأَبْهَرِيُّ مِنْهُمْ بِعَكْسِهِ : إنَّهُ يَحِلُّ لَهُمْ الزَّكَاةُ وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْآلِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ : بَنُو هَاشِمٍ فَقَطْ ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ كَالْمَذْهَبَيْنِ وَقَالَ أَشْهَبُ هُمْ بَنُو غَالِبٍ وَقَالَ أَصْبَغُ هُمْ بَنُو قَصِيٍّ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هُمْ قُرَيْشٌ كُلُّهَا . ( الثَّالِثَةُ ) وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الْوَرَعِ وَهُوَ تَرْكُ الشُّبُهَاتِ فَإِنَّ هَذِهِ التَّمْرَةَ لَا تَحْرُمُ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ وَلِهَذَا رَفَعَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَأْكُلَهَا وَلَا يَقْدُمُ إلَّا عَلَى مَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ لَكِنْ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ الْوَرَعُ وَهُوَ تَرْكُهَا وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ : { مَرَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتَمْرَةٍ مَسْقُوطَةٍ } الْحَدِيثَ ، وَفِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ تِلْكَ التَّمْرَةَ لَيْسَتْ مِلْكًا لَهُ وَإِنَّمَا يَتَمَلَّكُهَا بِالِالْتِقَاطِ ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِأَنَّهَا فِي الطَّرِيقِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّمْرَةَ وَنَحْوَهَا مِنْ مُحَقَّرَاتِ الْأَمْوَالِ لَا يَجِبُ تَعْرِيفُهَا بَلْ يُبَاحُ أَكْلُهَا وَالتَّصَرُّفُ فِيهَا فِي الْحَالِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّمَا تَرَكَهَا خَشْيَةَ أَنْ تَكُونَ مِنْ الصَّدَقَةِ لَا لِكَوْنِهَا لُقَطَةً قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا الْحُكْمُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَعَلَّلَهُ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ بِأَنَّ صَاحِبَهَا لَا يَطْلُبُهَا وَلَا يَبْقَى لَهُ فِيهَا مَطْمَعٌ وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ : { جَاءَ سَلْمَانُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ بِمَائِدَةٍ عَلَيْهَا رُطَبٌ فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ ؟ قَالَ صَدَقَةٌ عَلَيْك وَعَلَى أَصْحَابِك ، قَالَ ارْفَعْهَا فَإِنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَرَفَعَهَا وَجَاءَ مِنْ الْغَدِ بِمِثْلِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ ؟ قَالَ صَدَقَةٌ عَلَيْك وَعَلَى أَصْحَابِك ، قَالَ ارْفَعْهَا فَإِنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَجَاءَ مِنْ الْغَدِ بِمِثْلِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَحْمِلُهُ فَقَالَ مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ ، فَقَالَ هَدِيَّةٌ لَك ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْشَطُوا قَالَ فَنَظَرَ إلَى الْخَاتَمِ الَّذِي عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ وَكَانَ لِلْيَهُودِ فَاشْتَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا وَعَلَى أَنْ يَغْرِسَ نَخْلًا فَيَعْمَلَ سَلْمَانُ فِيهَا حَتَّى تُطْعِمَ قَالَ فَغَرَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّخْلَ إلَّا نَخْلَةً وَاحِدَةً غَرَسَهَا عُمَرُ فَحَمَلَتْ النَّخْلُ مِنْ عَامِهَا وَلَمْ تَحْمِلْ النَّخْلَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَأْنُ هَذِهِ ؟ قَالَ عُمَرُ أَنَا غَرَسْتهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَنَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ غَرَسَهَا فَحَمَلَتْ مِنْ عَامِهَا } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ . الْحَدِيثُ الثَّانِي : وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ { جَاءَ سَلْمَانُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةِ بِمَائِدَةٍ عَلَيْهَا رُطَبٌ فَوَضَعَهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ ؟ قَالَ صَدَقَةٌ عَلَيْك وَعَلَى أَصْحَابِك ، قَالَ ارْفَعْهَا فَإِنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَرَفَعَهَا وَجَاءَ مِنْ الْغَدِ بِمِثْلِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ ؟ قَالَ صَدَقَةٌ عَلَيْك وَعَلَى أَصْحَابِك قَالَ ارْفَعْهَا فَإِنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ فَجَاءَ مِنْ الْغَدِ بِمِثْلِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ يَحْمِلُهُ فَقَالَ مَا هَذَا يَا سَلْمَانُ ؟ فَقَالَ هَدِيَّةٌ لَك فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْشَطُوا قَالَ فَنَظَرَ إلَى الْخَاتَمِ الَّذِي عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَآمَنَ بِهِ ، وَكَانَ لِلْيَهُودِ فَاشْتَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا وَعَلَى أَنْ يَغْرِسَ نَخْلًا فَيَعْمَلَ سَلْمَانُ فِيهَا حَتَّى تُطْعِمَ قَالَ فَغَرَسَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّخْلَ إلَّا نَخْلَةً وَاحِدَةً غَرَسَهَا عُمَرُ فَحَمَلَتْ النَّخْلُ مِنْ عَامِهَا وَلَمْ تَحْمِلْ النَّخْلَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَأْنُ هَذِهِ ؟ قَالَ عُمَرُ أَنَا غَرَسْتهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ فَنَزَعَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ غَرَسَهَا فَحَمَلَتْ مِنْ عَامِهَا } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ . ( الْأُولَى ) رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِ مَجِيئُهُ بِمِثْلِهِ ثَانِيَ يَوْمٍ ، وَقَوْلُهُ { إنَّهُ صَدَقَةٌ } بَلْ اقْتَصَرَ عَلَى مَرَّتَيْنِ وَقَالَ فِي الثَّانِيَةِ { إنَّهَا هَدِيَّةٌ } وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَزَيْدُ بْنُ الْحُبَابِ ثِقَةٌ حَافِظٌ . ( الثَّانِيَةُ ) قَالَ فِي الصِّحَاحِ : مَادَّهُمْ يُمِيدُهُمْ لُغَةٌ فِي مَارَهُمْ مِنْ الْمِيرَةِ وَمِنْهُ الْمَائِدَةُ وَهِيَ خُوَانٌ عَلَيْهِ طَعَامٌ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ طَعَامٌ فَلَيْسَ بِمَائِدَةٍ وَإِنَّمَا هُوَ خُوَانٌ . قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : مَائِدَةٌ فَاعِلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ مِثْلُ عِيشَةٍ رَاضِيَةٍ بِمَعْنَى مَرْضِيَّةٍ وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ الْمَائِدَةُ الطَّعَامُ نَفْسُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ خُوَانٌ وَقِيلَ هِيَ نَفْسُ الْخُوَانِ قَالَ الْفَارِسِيُّ لَا تُسَمَّى مَائِدَةً حَتَّى يَكُونَ عَلَيْهَا طَعَامٌ وَإِلَّا فَهِيَ خُوَانٌ انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ تَفْسِيرَ الْمَائِدَةِ بِالطَّعَامِ نَفْسِهِ . ( الثَّالِثَةُ ) فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ هَدِيَّةَ سَلْمَانَ كَانَتْ رُطَبًا وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهَا تَمْرٌ رَوَاهَا الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ مِنْ طَرِيقَيْنِ فِي إحْدَاهُمَا ضَعِيفٌ وَفِي الْأُخْرَى مَجْهُولٌ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى عَنْ سَلْمَانَ أَيْضًا { فَاحْتَطَبْت حَطَبًا فَبِعْته فَصَنَعْت طَعَامًا فَأَتَيْت بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ { فَاشْتَرَيْت لَحْمَ جُذُورٍ بِدِرْهَمٍ ثُمَّ طَبَخْته فَجَعَلْت قَصْعَةً مِنْ ثَرِيدٍ فَاحْتَمَلْتهَا حَتَّى أَتَيْتُهُ بِهَا عَلَى عَاتِقِي حَتَّى وَضَعْتُهَا بَيْنَ يَدَيْهِ } رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ وَلَعَلَّ الْهَدِيَّةَ كَانَتْ طَعَامًا وَرُطَبًا فَالْإِسْنَادُ بِهَا صَحِيحٌ وَأَمَّا رِوَايَةُ التَّمْرِ فَضَعِيفَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ . ( الرَّابِعَةُ ) ظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا ذَكَرَ لَهُ سَلْمَانُ أَنَّهَا صَدَقَةٌ لَمْ يَأْكُلْهَا هُوَ وَلَا أَصْحَابُهُ لَكِنْ الْمَعْرُوفُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { قَالَ لِأَصْحَابِهِ كُلُوا وَأَمْسَكَ يَدَهُ فَلَمْ يَأْكُلْ } رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ طُرُقٍ عَدِيدَةٍ وَهُوَ أَصَحُّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ ارْفَعْهَا أَيْ عَنِّي لَا مُطْلَقًا . ( الْخَامِسَةُ ) هَذَا الَّذِي فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مِنْ أَنَّهُ جَاءَهُ بِصَدَقَةٍ مَرَّتَيْنِ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَا رَأَيْته فِي شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ ، فَإِنْ صَحَّ فَكَأَنَّهُ قَصَدَ بِتَكْرِيرِ ذَلِكَ أَنْ يَتَأَكَّدَ عِنْدَهُ الْعِلْمُ بِأَنَّهُ لَا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى تَكْرِيرِ الْهَدِيَّةِ ؛ لِأَنَّ الَّذِي مِنْ خَصَائِصِهِ الِامْتِنَاعَ مِنْ أَكْلِ الصَّدَقَةِ أَمَّا أَكْلُ الْهَدِيَّةِ فَمُشْتَرَكٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ لِعَارِضٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ تَحْرِيمُ صَدَقَةِ التَّطَوُّعِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الْمَنْصُورُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَمَنْ يَقُولُ بِإِبَاحَتِهَا لَهُ يَقُولُ لَا يَلْزَمُ مِنْ امْتِنَاعِهِ مِنْ أَكْلِهَا تَحْرِيمٌ وَكَذَا قَوْلُهُ { إنَّا لَا نَأْكُلُ الصَّدَقَةَ } لَيْسَ فِيهِ مَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ يَتْرُكُ ذَلِكَ تَنَزُّهًا عَنْهُ مَعَ إبَاحَتِهِ لَهُ ، وَهَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَفِيهِ أَنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الِامْتِنَاعَ عَنْ أَكْلِ الصَّدَقَةِ إمَّا وُجُوبًا وَإِمَّا تَنَزُّهًا . ( السَّابِعَةُ ) فِيهِ الْفَرْقُ بَيْنَ الصَّدَقَةِ وَالْهَدِيَّةِ وَأَنَّهُمَا حَقِيقَتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ فِي الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الْهَدِيَّةِ حَمْلُهَا إلَى مَكَانِ الْمُهْدَاةِ لَهُ إعْظَامًا لَهُ وَإِكْرَامًا وَأَنَّهُ يُعْتَبَرُ فِي الصَّدَقَةِ تَمْلِيكُ الْمُحْتَاجِ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَطَلَبًا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ مَعَ اشْتِرَاكِهِمَا فِي أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا تَمْلِيكٌ بِلَا عِوَضٍ ، وَقَدْ اعْتَرَضَ بَعْضُ شُيُوخِنَا تَقْيِيدَ الصَّدَقَةِ بِالِاحْتِيَاجِ وَقَالَ : إنَّ الْإِعْطَاءَ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ صَدَقَةٌ سَوَاءٌ كَانَ لِغَنِيٍّ أَوْ فَقِيرٍ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي مَوْضِعِهِ ؛ وَصَرَّحَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِنَفْيِ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ وَبِحُصُولِ الثَّوَابِ فِي إعْطَاءِ الْغَنِيِّ ، وَلَك أَنْ تَقُولَ كَيْفَ تَتَحَقَّقُ الْمُنَافَاةُ بَيْنَهُمَا مَعَ إمْكَانِ اجْتِمَاعِ الْأَمْرَيْنِ أَعْنِي حَمْلَهَا إلَى مَكَانِ الْمُهْدَاةِ لَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ لَهُ وَالْإِكْرَامِ ، وَكَوْنُ الْإِعْطَاءِ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لَا لِاسْتِمَالَةِ ذَلِكَ الْمُعْطَى بَلْ هَذَا أَبْلُغُ فِي التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَهُوَ تَهْيِئَةُ الْعَطِيَّةِ لِلْفَقِيرِ وَإِرَاحَتُهُ مِنْ التَّعَبِ وَالْحَمْلِ وَأَبْعَدُ عَنْ كَسْرِ نَفْسِهِ بِمَجِيئِهِ إلَى بَابِ الْمُتَصَدِّقِ فَيَتَهَنَّأُ وَيَنْحَفِظُ عَلَيْهِ صَوْتُهُ ، وَقَدْ يُقَالُ هُمَا أَمْرَانِ مُتَنَافِيَانِ فَإِنَّهُ إذَا كَانَ الْقَصْدُ التَّقَرُّبَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَلَا نَظَرَ إلَى خُصُوصِيَّةِ شَخْصٍ بِعَيْنِهِ حَتَّى يُعَظَّمَ وَيُكَرَّمَ بَلْ الْقَصْدُ إرْفَاقُ الْمُتَصَدَّقِ عَلَيْهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ وَفِي تَعْظِيمِ الْمُهْدَى لَهُ مَا يُنَافِي قَصْدَ التَّقَرُّبِ بِإِعْطَائِهِ وَهُوَ النَّظَرُ إلَى خُصُوصِيَّتِهِ فَلَا يَجْتَمِعُ قَصْدُ التَّقَرُّبِ مَعَ النَّظَرِ إلَى شَخْصٍ بِخُصُوصِهِ ، فَإِنْ اجْتَمَعَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّشْرِيكِ فِي الْعِبَادَةِ وَيَبْقَى النَّظَرُ وَالْحُكْمُ لِلدَّاعِيَةِ الْقَوِيَّةِ الَّتِي هِيَ بِحَيْثُ لَوْ فُقِدَتْ لَمْ تُوجَدْ تِلْكَ الْعَطِيَّةُ ، فَإِنْ قُلْت فَفِي الْحَدِيثِ { كُلُّ مَعْرُوفٍ صَدَقَةٌ } رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ مِنْ حَدِيثِ بِلَالٍ ، وَهَذَا يَقْتَضِي صِدْقَ اسْمِ الصَّدَقَةِ عَلَى مُطْلَقِ الْعَطِيَّةِ ، قُلْت لَمْ يُرِدْ بِالصَّدَقَةِ هُنَا مَدْلُولَهَا الْأَصْلِيَّ الَّذِي هُوَ الْإِعْطَاءُ بِقَصْدِ التَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِنَّمَا اسْتَعْمَلَ الصَّدَقَةَ فِي مُطْلَقِ الْعَطِيَّةِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) فِيهِ حُجَّةٌ لِمَا يَقُولُهُ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ أَنَّ الْعِبْرَةَ فِي الْعَطَاءِ بِنِيَّةِ الدَّافِعِ فَمَنْ عَلَيْهِ دَيْنَانِ بِأَحَدِهِمَا رَهْنٌ فَدَفَعَ مَا يُؤَدِّي أَحَدَهُمَا وَقَالَ أَرَدْت الدَّفْعَ عَنْ الدَّيْنِ الَّذِي بِهِ الرَّهْنُ لِيَنْفَكَّ وَقَالَ الْآخِذُ إنَّمَا أَخَذْته عَنْ الَّذِي لَا رَهْنَ بِهِ فَالْقَوْلُ قَوْلُ الدَّافِعِ ، وَكَذَا لَوْ قَالَ أَرَدْت الدَّفْعَ عَنْ دَيْنِك عَلَيَّ وَقَالَ الْآخِذُ إنَّمَا أَخَذْته تَبَرُّعًا وَوَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَأَلَ سَلْمَانَ عَنْ نِيَّتِهِ فِيمَا أَحْضَرَهُ وَرَتَّبَ الْحُكْمَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ نَظَرٍ لِلْآخِذِ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ وَاضِحٌ . ( التَّاسِعَةُ ) فِيهِ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي كُلٍّ مِنْ الْهَدِيَّةِ وَالصَّدَقَةِ الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ بِاللَّفْظِ بَلْ يَكْفِي الْقَبْضُ وَتُمْلَكُ بِهِ فَإِنَّ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اقْتَصَرَ عَلَى مُجَرَّدِ وَضْعِهِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا سَأَلَهُ لِيَتَمَيَّزَ لَهُ الْهَدِيَّةُ الْمُبَاحَةُ عَنْ الصَّدَقَةِ الْمُحَرَّمَةِ عَلَيْهِ وَلَمْ يُوجَدْ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَفْظٌ فِي قَبُولِ الْهَدِيَّةِ ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ قَرَارُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَقَطَعَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَاحْتَجُّوا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا حَمْلُ الْهَدَايَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَقْبَلُهَا وَلَا لَفْظَ هُنَاكَ قَالُوا وَعَلَى هَذَا جَرَى النَّاسُ فِي الْأَعْصَارِ وَلِذَلِكَ كَانُوا يَبْعَثُونَ بِهَا عَلَى أَيْدِي الصِّبْيَانِ الَّذِينَ لَا عِبَارَةَ لَهُمْ وَفِي الْمَسْأَلَةِ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهَا الْإِيجَابُ وَالْقَبُولُ كَالْبَيْعِ وَالْهِبَةِ وَالْوَصِيَّةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْمُتَلَقِّينَ عَنْهُ . ( الْعَاشِرَةُ ) فِيهِ أَنَّهُ لَا يُشْرَطْ فِي صِدْقِ اسْمِ الْهَدِيَّةِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ الْمُهْدِي وَالْمُهْدَى إلَيْهِ رَسُولٌ وَمُتَوَسِّطٌ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَحَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِيمَا إذَا حَلَفَ لَا يُهْدِي إلَيْهِ فَوَهَبَ لَهُ خَاتَمًا أَوْ نَحْوَهُ يَدًا بِيَدٍ هَلْ يَحْنَثُ - وَجْهَيْنِ وَالْمَشْهُورُ مَا تَقَدَّمَ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ قَبُولُ الْهَدِيَّةِ مِمَّنْ يَدَّعِي أَنَّهَا مِلْكُهُ اعْتِمَادًا عَلَى مُجَرَّدِ يَدِهِ مِنْ غَيْرِ تَنْقِيبٍ عَلَى بَاطِنِ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ وَلَا تَحَقُّقِ مِلْكِهِ لَهَا . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ } يَحْمِلُهُ مُشْكِلُ الظَّاهِرِ ؛ لِأَنَّ الْحَمْلَ غَيْرُ الْوَضْعِ فَكَيْفَ يَكُونُ الْحَمْلُ حَالًا مِنْ الْوَضْعِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنَّ فِي الْكَلَامِ تَقْدِيمًا وَتَأْخِيرًا وَأَصْلُهُ فَجَاءَ مِنْ الْغَدِ بِمِثْلِهِ يَحْمِلُهُ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمَّا وَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ لَمْ يَجْعَلْ اسْتِقْرَارَهُ عَلَى الْأَرْضِ بَلْ صَارَ مَعَ ذَلِكَ حَامِلًا لَهُ مُسْتَوْفِزًا بِهِ فَإِنَّهُ مُتَوَقَّعٌ رَدُّهُ كَمَا فَعَلَ فِي الْمَرَّتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا زِيَادَةٌ فِي تَأْكِيدِ كَوْنِهِ هَدِيَّةً لِحُصُولِ الْمُبَالَغَةِ فِي الْإِكْرَامِ بِاسْتِمْرَارِ صُورَةِ الْحَمْلِ لَهُ مَعَ وَضْعِهِ عَلَى الْأَرْضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { انْشَطُوا } بِإِسْكَانِ النُّونِ وَفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ فِعْلُ أَمْرٍ مِنْ النَّشَاطِ وَالْمُرَادُ الْأَمْرُ بِالنَّشَاطِ لِلْأَكْلِ مَعَهُ وَكُلُّ مَا خَفَّ الْمَرْءُ لِفِعْلِهِ وَمَالَ إلَيْهِ وَآثَرَهُ فَقَدْ نَشِطَ لَهُ وَكَانَتْ هَذِهِ الْهَدِيَّةُ خَاصَّةً بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ خَصَّهُ بِهَا وَقَالَ هَدِيَّةٌ لَك بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ الَّتِي أَحْضَرَهَا فِي الْيَوْمَيْنِ الْأُولَيَيْنِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا صَدَقَةٌ عَلَيْك وَعَلَى أَصْحَابِك فَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُهْدَى لَهُ أَنْ يُطْعِمَ الْحَاضِرِينَ مِمَّا أُهْدِيَ لَهُ وَذَلِكَ حَسَنٌ مَعْدُودٌ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) وَفِيهِ قَبُولُ هَدِيَّةِ الْكَافِرِ فَإِنَّ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ إذْ ذَاكَ وَإِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَ اسْتِيعَابِ الْعَلَامَاتِ الثَّلَاثِ الَّتِي كَانَ عَلِمَهَا مِنْ عَلَامَاتِ النُّبُوَّةِ وَهِيَ امْتِنَاعُهُ مِنْ الصَّدَقَةِ ، وَأَكْلُهُ لِلْهَدِيَّةِ وَخَاتَمُ النُّبُوَّةِ وَإِنَّمَا رَأَى خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بَعْدَ قَبُولِ هَدِيَّتِهِ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) الْخَاتَمُ فِيهِ لُغَتَانِ فَتْحُ التَّاءِ وَكَسْرُهَا ، وَقَدْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ عَلَى ظَهْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُبَيِّنْ مَحِلَّهُ مِنْ ظَهْرِهِ وَفِي سَائِرِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ . وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ فِي صِفَتِهِ ، وَقَدْرِهِ فَفِي حَدِيثِ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ { أَنَّهُ مِثْلُ ذَرِّ الْحَجَلَةِ } وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ . وَفِي حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ { كَأَنَّهُ بَيْضَةُ حَمَامٍ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ { كَأَنَّهُ غُدَّةٌ حَمْرَاءُ مِثْلُ بَيْضَةِ الْحَمَامَةِ } . وَفِي حَدِيثِ أَبِي زَيْدِ بْنِ أَخْطَبَ أَنَّهُ { قِيلَ لَهُ وَمَا الْخَاتَمُ ؟ قَالَ شُعَيْرَاتٌ مُجْتَمِعَاتٌ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ بِلَفْظِ { شَعْرٌ مُجْتَمِعٌ } وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ . وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَرْجِسَ { فَنَظَرْت إلَى خَاتَمِ النُّبُوَّةِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ عِنْدَ نَاغِضِ كَتِفِهِ الْيُسْرَى جُمْعًا عَلَيْهِ خِيلَانٌ كَأَمْثَالِ الثَّآلِيلِ } . رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَالْمُرَادُ بِالْجُمْعِ بِضَمِّ الْجِيمِ جُمْعُ الْكَفِّ أَوْ الْأَصَابِعِ وَقَالَ أَبُو الرَّبِيعِ سُلَيْمَانُ بْنُ سَبُعٍ فِي شِفَاءِ الصُّدُورِ هُوَ شَامَةٌ سَوْدَاءُ تَضْرِبُ إلَى الصُّفْرَةِ حَوْلَهَا شَعَرَاتٌ مُتَوَالِيَاتٌ كَأَنَّهَا عُرْفُ فَرَسٍ بِمَنْكِبِهِ الْأَيْمَنِ وَفِي حَدِيثِ أَبِي رِمْثَةَ مِثْلُ الطَّلْعَةِ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ مِثْلُ التُّفَّاحَةِ وَفِي الشَّمَائِلِ لِلتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ بِضْعَةٌ نَاشِزَةٌ . وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مِثْلُ الْبُنْدُقَةِ مِنْ لَحْمٍ عَلَيْهِ مَكْتُوبٌ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ رَوَاهُ ابْنُ عَسَاكِرَ ، وَعَنْ ابْنِ هِشَامٍ تَشْبِيهُهُ بِالْمِحْجَمِ وَشَبَّهَهُ بَعْضُهُمْ بِرُكْبَةِ الْعَنْزِ وَقِيلَ فِي تَشْبِيهِهِ غَيْرُ ذَلِكَ . وَذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بَعْضَ هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَقَالَ وَهَذِهِ كُلُّهَا مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى مُفِيدَةٌ أَنَّ خَاتَمَ النُّبُوَّةِ كَانَ نُتُوءًا قَائِمًا أَحْمَرَ تَحْتَ كَتِفِهِ الْأَيْسَرِ قَدْرُهُ إذَا قُلِّلَ كَبَيَاضَةِ الْحَمَامَةِ وَإِذَا كُبِّرَ جُمْعُ الْيَدِ ، ثُمَّ إنَّ السُّهَيْلِيَّ قَالَ لَمْ نَدْرِ هَلْ خُلِقَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ وُضِعَ فِيهِ بَعْدَ مَا وُلِدَ أَوْ حِينَ نُبِّئَ ؟ فَبَيَّنَ لَنَا مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا بِسَنَدِهِ إلَى أَبِي ذَرٍّ فِي حَدِيثِ الْمَلَكَيْنِ { . قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ اغْسِلْ بَطْنَهُ غَسْلَ الْإِنَاءِ وَاغْسِلْ قَلْبَهُ غَسْلَ الْمُلَاءِ ثُمَّ قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ خِطْ بَطْنَهُ فَخَاطَ بَطْنِي وَجَعَلَ الْخَاتَمَ بَيْنَ كَتِفَيْ كَمَا هُوَ الْآنَ } فَبَيَّنَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَتَى وُضِعَ وَكَيْفَ وُضِعَ وَمَنْ وَضَعَهُ ، وَذَكَرَ عَبْدُ الْكَرِيمِ الْحَلَبِيُّ فِي شَرْحِ السِّيرَةِ رِوَايَةً فِيهَا { وَأَقْبَلَ الثَّالِثُ وَفِي يَدِهِ خَاتَمٌ لَهُ شُعَاعٌ فَوَضَعَهُ بَيْنَ كَتِفَيْهِ وَثَدْيَيْهِ وَوَجَدَ بَرْدَهُ زَمَانًا } . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : " الْخَاتَمُ هَذَا شَقُّ الْمَلَكَيْنِ بَيْنَ كَتِفَيْهِ " قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَهَذِهِ غَفْلَةٌ فَإِنَّ الشَّقَّ إنَّمَا كَانَ فِي الصَّدْرِ وَأَثَرُهُ إنَّمَا كَانَ خَطًّا وَاضِحًا فِي صَدْرِهِ إلَى مَرَاقِّ بَطْنِهِ كَمَا هُوَ مَنْصُوصٌ عَلَيْهِ فِي كِتَابَيْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَلَمْ يَثْبُتْ قَطُّ فِي رِوَايَةٍ صَحِيحَةٍ وَلَا حَسَنَةٍ وَلَا غَرِيبَةٍ أَنَّهُ بَلَغَ بِالشَّقِّ حَتَّى نَفَذَ إلَى ظَهْرِهِ . وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَزِمَ أَنْ يَكُونَ مُسْتَطِيلًا مِنْ بَيْنَ كَتِفَيْهِ إلَى أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يُحَاذِي الصَّدْرَ مِنْ مَسْرُبَتِهِ إلَى مَرَاقِّ بَطْنِهِ وَلَعَلَّ هَذَا وَقَعَ غَلَطًا مِنْ بَعْضِ النَّاسِخِينَ لِكِتَابِهِ انْتَهَى . وَعَنْ جَابِرٍ : قَالَ { أَرْدَفَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَهُ فَالْتَقَمْت خَاتَمَ النُّبُوَّةِ بِفَمِي فَكَانَ يُتِمُّ عَلَيَّ مَسْكًا } . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اشْتَرَى سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِكَذَا وَكَذَا دِرْهَمًا وَعَلَى أَنْ يَغْرِسَ نَخْلًا فَيَعْمَلَ سَلْمَانُ فِيهَا وَفِي ذَلِكَ إشْكَالٌ ؛ لِأَنَّ الْبَائِعَ لِسَلْمَانَ يَكُونُ حِينَئِذٍ قَدْ اسْتَثْنَى جُزْءًا مِنْ مَنْفَعَتِهِ وَأَبْقَاهَا لِنَفْسِهِ وَهُوَ غَرْسُهُ لِتِلْكَ النَّخْلَةِ وَعَمَلُهُ فِيهَا وَذَلِكَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَالْمَعْرُوفُ فِي بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ سَلْمَانَ كَاتَبَ مَوْلَاهُ عَلَى ذَهَبٍ وَعَمَلٍ فِي نَخْلٍ ، فَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَنْ سَلْمَانَ أَنَّهُ قَالَ { قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَاتِبْ يَا سَلْمَانُ فَكَاتَبْت صَاحِبِي عَلَى ثَلَاثِمِائَةِ نَخْلَةٍ أُحْيِيهَا لَهُ بِالْفَقَارِ وَبِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ أَعِينُوا أَخَاكُمْ فَأَعَانُونِي بِالنَّخْلِ الرَّجُلُ بِثَلَاثِينَ وَدِيَّةً وَالرَّجُلُ بِعِشْرِينَ وَدِيَّةً وَالرَّجُلُ بِخَمْسَ عَشْرَةَ وَدِيَّةً وَالرَّجُلُ بِعَشْرٍ يُعِينُ الرَّجُلَ بِقَدْرِ مَا عِنْدَهُ حَتَّى إذَا اجْتَمَعَتْ لِي ثَلَثُمِائَةِ وَدِيَّةٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اذْهَبْ يَا سَلْمَانُ فَفَقِّرْ لَهَا فَإِذَا فَرَغْت فَأْتِنِي فَأَكُونُ أَنَا أَضَعُهَا بِيَدَيَّ قَالَ فَفَقَّرْتُ لَهَا وَأَعَانَنِي أَصْحَابِي حَتَّى إذَا فَرَغْت مِنْهَا جِئْته فَأَخْبَرْته فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعِي إلَيْهَا فَجَعَلْنَا نُقَرِّبُ إلَيْهِ الْوَدِيَّ وَيَضَعُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ فَوَاَلَّذِي نَفْسُ سَلْمَانَ بِيَدِهِ مَا مَاتَ مِنْهَا وَدِيَّةٌ وَاحِدَةٌ فَأَدَّيْت النَّخْلَ وَبَقِيَ عَلَيَّ الْمَالُ فَأَتَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِثْلِ بَيْضَةِ دَجَاجَةٍ مِنْ ذَهَبٍ مِنْ بَعْضِ الْمَعَادِنِ فَقَالَ مَا فَعَلَ الْفَارِسِيُّ الْمُكَاتَبُ قَالَ فَدُعِيت لَهُ ، قَالَ خُذْ هَذِهِ فَأَدِّ بِهَا مَا عَلَيْكَ يَا سَلْمَانُ ، قَالَ قُلْت وَأَيْنَ تَقَعُ هَذِهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّا عَلَيَّ ؟ قَالَ خُذْهَا فَإِنَّ اللَّهَ سَيُؤَدِّي بِهَا عَنْك قَالَ فَأَخَذْتهَا فَوَزَنْت لَهُمْ مِنْهَا وَاَلَّذِي نَفْسُ سُلَيْمَانَ بِيَدِهِ أَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً فَأَوْفَيْتهمْ حَقَّهُمْ وَعَتَقْت فَشَهِدَتْ مَعَ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَنْدَقَ ، ثُمَّ لَمْ يَفُتْنِي مَعَهُ مَشْهَدٌ } إسْنَادُهُ جَيِّدٌ فِيهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِالسَّمَاعِ . وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ سَلْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ اذْهَبْ فَاشْتَرِ نَفْسَك قَالَ فَانْطَلَقْت إلَى صَاحِبِي فَقُلْت بِعْنِي نَفْسِي ، فَقَالَ : نَعَمْ عَلَى أَنْ تُنْبِتَ لِي مِائَةَ نَخْلَةٍ فَإِذَا أَنْبَتَتْ جِئْتنِي بِوَزْنِ نَوَاةٍ مِنْ ذَهَبٍ فَأَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْته فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اشْتَرِ نَفْسَك بِاَلَّذِي سَأَلَك وَأْتِنِي بِدَلْوٍ مِنْ مَاءِ الْبِئْرِ الَّتِي كُنْت تَسْقِي مِنْهَا ذَلِكَ النَّخْلَ ، قَالَ فَدَعَا لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ سَقَيْتهَا فَوَاَللَّهِ لَقَدْ غَرَسْت مِائَةَ نَخْلَةٍ فَمَا مِنْهَا نَخْلَةٌ إلَّا نَبَتَتْ فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْته أَنَّ النَّخْلَ قَدْ نَبَتَتْ فَأَعْطَانِي قِطْعَةً مِنْ ذَهَبٍ فَانْطَلَقْت بِهَا فَوَضَعْتهَا فِي كِفَّةِ الْمِيزَانِ وَوُضِعَ فِي الْجَانِبِ الْآخَرِ نَوَاةٌ قَالَ فَوَاَللَّهِ مَا اسْتَقَلَّتْ الْقِطْعَةُ مِنْ الذَّهَبِ مِنْ الْأَرْضِ قَالَ وَجِئْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْته فَأَعْتَقَنِي } . وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ أَيْضًا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ : { اشْتَرَطْت لَهُمْ أَنَّك عَبْدٌ فَاشْتَرِ نَفْسَك مِنْهُمْ فَاشْتَرَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ لَهُمْ ثَلَثَمِائَةِ نَخْلَةٍ وَأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةَ ذَهَبٍ ثُمَّ هُوَ حُرٌّ } فَيُحْمَلُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ { فَاشْتَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّ مَضَاءَ أَمْرِهِ بِشِرَائِهِ نَفْسَهُ إمَّا بِكِتَابَةٍ أَوْ غَيْرِهَا فَجُعِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْنًى مُشْتَرِيًا لِأَمْرِهِ بِالشِّرَاءِ } وَيَدُلُّ لِذَلِكَ الرِّوَايَةُ الْأَخِيرَةُ الَّتِي سُقْنَاهَا مِنْ مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ فَإِنَّهُ جَمَعَ فِيهَا بَيْنَ قَوْلِهِ { اشْتَرِ نَفْسَك } وَبَيْنَ قَوْلِهِ فَاشْتَرَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( السَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ } وَزَادَ الشَّيْخَانِ فِي رِوَايَةٍ { صَغِيرًا وَكَبِيرًا } وَلَهُمَا فِي رِوَايَةٍ قَالَ ابْنُ عُمَرَ { فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ } . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ { وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَاكِمِ وَصَحَّحَهَا " صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ بُرٍّ " . وَلِأَبِي دَاوُد { كَانَ النَّاسُ يُخْرِجُونَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ سَلْتٍ أَوْ زَبِيبٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ وَكَانَتْ الْحِنْطَةُ جَعَلَ عُمَرُ نِصْفَ صَاعٍ حِنْطَةٍ مَكَانَ صَاعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ } وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ دُونَ فِعْلِ عُمَرَ وَصَحَّحَهُ ، وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَصَحَّحَهُ { أَوْ صَاعًا مِنْ قَمْحٍ } وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ { صَاعٍ مِنْ بُرٍّ } وَإِسْنَادُهُمَا ضَعِيفٌ وَلِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعِ قَمْحٍ } ثُمَّ رَوَاهُ النَّسَائِيّ مَوْقُوفًا ( صَدَقَةُ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ وَقَالَ هَذَا أَثْبَتُ ) وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ " كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتْ السَّمْرَاءُ قَالَ أَرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا { أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ } وَلِأَبِي دَاوُد { أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ } وَقَالَ هَذِهِ وَهَمٌ مِنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ . قَالَ حَامِدُ بْنُ يَحْيَى فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ سُفْيَانُ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ زَادَ مَالِكٌ { مِنْ الْمُسْلِمِينَ } وَرَوَى أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرٍو وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ " مِنْ الْمُسْلِمِينَ " ، وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ نَافِعٍ مِثْلَ رِوَايَةِ مَالِكٍ مِمَّنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى حِفْظِهِ ( قُلْت ) لَمْ يَنْفَرِدْ بِهَا مَالِكٌ بَلْ تَابَعَهُ عَلَيْهَا عَمْرُو بْنُ نَافِعٍ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَالضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ عِنْد مُسْلِمٍ وَيُونُسُ بْنُ زَيْدٍ وَالْمُعَلَّى بْنُ إسْمَاعِيلَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَكَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ وَاخْتُلِفَ فِي زِيَادَتِهِمَا عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَيُّوبَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . . بَابُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ . ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ قَوْلُهُ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ وَفِي رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ { حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى } بِأَوْ بَدَلَ الْوَاوِ ، إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ { حُرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى } بِالْوَاوِ فِي الْأَوَّلِ وَأَوْ فِي الثَّانِي وَفِي رِوَايَةِ لِلنَّسَائِيِّ { فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حُرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى } . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { وَفِيهِ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ } . وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ : { أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ } . وَأَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ خَلَا ابْنَ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الْمُصَلَّى } زَادَ أَبُو دَاوُد وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُؤَدِّيهَا قَبْلَ ذَلِكَ بِالْيَوْمِ وَالْيَوْمَيْنِ . وَأَخْرَجُوهُ أَيْضًا خَلَا ابْنَ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { فَرَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ أَوْ قَالَ رَمَضَانَ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ وَصَاعًا مِنْ شَعِيرٍ فَعَدَلَ النَّاسُ بِهِ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي التَّمْرَ فَأَعْوَزَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ التَّمْرُ فَأَعْطَى شَعِيرًا فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ حَتَّى أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي عَنْ بَنِيهِ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِيهَا الَّذِينَ يَقْبَلُونَهَا وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ } . لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْجَزْمُ بِقَوْلِهِ { صَدَقَةَ رَمَضَانَ } ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُعْطِي التَّمْرَ وَمَا بَعْدَهُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ أَيْضًا وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ } . قَالَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَرَوَاهُ سَعِيدُ الْجُمَحِيُّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ فِيهِ ( مِنْ الْمُسْلِمِينَ ) وَالْمَشْهُورُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ لَيْسَ فِيهِ { مِنْ الْمُسْلِمِينَ } . وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ رِوَايَةَ سَعِيدٍ الْجُمَحِيِّ هَذِهِ وَلَفْظُهَا { فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ بُرٍّ عَلَى كُلِّ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ } . وَصَحَّحَهَا وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَضَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ رَجُلٍ أَوْ امْرَأَةٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ } . وَأَخْرَجَ أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ } وَكَلَامُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى فِي الْأَحْكَامِ يُوهِمُ انْفِرَادَ الْبُخَارِيِّ بِهَذِهِ الْجُمْلَةِ . وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهَا عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَالضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَصَحَّحَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوَّادٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { كَانَ النَّاسُ يُخْرِجُونَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ سَلْتٍ أَوْ زَبِيبٍ فَلَمَّا كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَثُرَتْ الْحِنْطَةُ جَعَلَ عُمَرُ نِصْفَ صَاعِ حِنْطَةٍ مَكَانَ صَاعٍ مِنْ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ } . وَلَمْ يَذْكُرْ النَّسَائِيّ وَالْحَاكِمُ الْمَوْقُوفَ عَلَى عُمَرَ وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { زَكَاةُ الْفِطْرِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حُرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعٌ مِنْ شَعِيرٍ } . وَقَالَ إنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخْرِجَاهُ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إلَّا مِمَّنْ شَذَّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى ذَلِكَ وَقَالَ إِسْحَاقُ يَعْنِي ابْنَ رَاهْوَيْهِ هُوَ كَالْإِجْمَاعِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قَالَ بِهِ عَامَّةُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَعْنَى قَوْلِهِ فَرَضَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْجَبَ وَمَا أَوْجَبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبِأَمْرِ اللَّهِ أَوْجَبَهُ وَمَا كَانَ لِيَنْطِقَ عَنْ الْهَوَى ثُمَّ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَبَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْمَالِكِيَّةِ وَبَعْضِ أَصْحَابِ دَاوُد أَنَّهَا سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ { فَرَضَ قَدَّرَ } كَقَوْلِهِمْ فَرَضَ الْقَاضِي نَفَقَةَ الْيَتِيمِ قَالَ وَهُوَ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ وَادِّعَاءٌ عَلَى النَّصِّ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْمَعْهُودِ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَخْتَلِفُوا فِي قَوْلِهِ فَرِيضَةً مِنْ اللَّهِ أَنَّ مَعْنَاهُ إيجَابٌ مِنْ اللَّهِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُمْ فَرَضَ اللَّهُ طَاعَةَ رَسُولِهِ وَفَرَضَ الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَنَحْوَ هَذَا كُلُّ ذَلِكَ أَوْجَبُ وَأَلْزَمُ قَالَ وَمَرِضَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ فِيهَا فَقَالَ هِيَ سُنَّةٌ فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ نَصْنَعْ شَيْئًا ، قَالَ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا وَاجِبَةٌ ، وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ : أَجْمَعُوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِهَا ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي نَسْخِهَا فَقَالَتْ فِرْقَةٌ هِيَ مَنْسُوخَةٌ بِالزَّكَاةِ وَرَوَوْا عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ أَنَّهُ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا بِهَا قَبْلَ نُزُولِ الزَّكَاةِ فَلَمَّا نَزَلَتْ آيَةُ الزَّكَاةِ لَمْ يَأْمُرْنَا بِهَا وَلَمْ يَنْهَنَا عَنْهَا وَنَحْنُ نَفْعَلُهُ } وَقَالَ الْجُمْهُورُ : لَمْ يَنْسَخْهَا شَيْءٌ ، قُلْت الْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهُوَ لَا يَدُلُّ عَلَى زَوَالِ وُجُوبِهَا وَذَلِكَ أَنَّ الزِّيَادَةَ فِي جِنْسِ الْعِبَادَةِ لَا تُوجِبُ نَسْخَ الْأَصْلِ الْمَزِيدِ عَلَيْهِ غَيْرَ أَنَّ مَحَلَّ سَائِرِ الزَّكَوَاتِ الْأَمْوَالُ ، وَمَحَلَّ زَكَاةِ الْفِطْرِ الرِّقَابُ ا هـ . وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ ابْنُ اللَّبَّانِ مِنْ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ إنَّهُ شَاذٌّ مُنْكَرٌ بَلْ غَلَطٌ صَرِيحٌ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ فِي وُجُوبِهَا رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا مُحْتَمَلَةٌ وَالْأُخْرَى قَالَ زَكَاةُ الْفِطْرِ فَرْضٌ ، وَبِذَلِكَ قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ قَالَ وَتَأَوَّلَ قَوْمٌ قَوْلَهُ فَرَضَ بِمَعْنَى قَدَّرَ وَهُوَ بِمَعْنَى الْوُجُوبِ أَظْهَرُ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ زَكَاةُ الْفِطْرِ فَدَخَلَتْ تَحْتَ قَوْلِهِ { وَآتَوْا الزَّكَاةَ } ، فَإِنْ كَانَ قَوْلُهُ " فَرَضَ " أَوْجَبَ فَبِهَا وَنَعِمَتْ ، وَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى قَدَّرَ فَيَكُونُ الْمَعْنَى قَدَّرَ الزَّكَاةَ الْمَفْرُوضَةَ بِالْقُرْآنِ بِالْفِطْرِ كَمَا قَدَّرَ زَكَاةَ الْمَالِ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ فَرْضٌ وَهُوَ مُقْتَضَى قَاعِدَةِ الْجُمْهُورِ فِي تَرَادُفِ الْفَرْضِ وَالْوَاجِبِ وَاقْتَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ فِي كُتُبِهِمْ عَلَى الْقَوْلِ بِالْوُجُوبِ وَهُوَ مُقْتَضَى قَاعِدَتِهِمْ فِي أَنَّ الْوَاجِبَ مَا ثَبَتَ بِدَلِيلٍ ظَنِّيٍّ وَاخْتَلَفَ الْحَنَابِلَةُ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ : قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَهَلْ تُسَمَّى فَرْضًا مَعَ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا عَلَى رِوَايَتَيْنِ قَالَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا فَرْضٌ لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ { فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ } وَلِاجْتِمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهَا فَرْضٌ وَلِأَنَّ الْفَرْضَ إنْ كَانَ الْوَاجِبَ فَهِيَ وَاجِبَةٌ وَإِنْ كَانَ الْوَاجِبَ الْمُتَأَكَّدَ فَهِيَ مُتَأَكَّدَةٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهَا ا هـ . ( الرَّابِعَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ وَقْتَ وُجُوبِهَا غُرُوبُ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْعِيدِ لِكَوْنِهِ أَضَافَهَا إلَى الْفِطْرِ وَذَلِكَ هُوَ وَقْتُ الْفِطْرِ وَإِضَافَتُهَا إلَى الْفِطْرِ ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْجَدِيدِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَقْتُ وُجُوبِهَا طُلُوعُ الْفَجْرِ يَوْمَ الْعِيدِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ وَبِهِ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا مُطَرِّفٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ الْمَاجِشُونِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ ا هـ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ الْقَدِيمِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَزَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّ طُلُوعَ الْفَجْرِ هُوَ وَقْتُ الْفِطْرِ فَإِنَّهُ الَّذِي تَجَدَّدَ فِيهِ الْفِطْرُ أَمَّا اللَّيْلُ فَلَمْ يَكُنْ قَطُّ مَحِلًّا لِلصَّوْمِ لَا فِي رَمَضَانَ وَلَا فِي غَيْرِهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ : وَكِلَا الِاسْتِدْلَالَيْنِ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ إضَافَتَهَا إلَى الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ لَا يَسْتَلْزِمُ أَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ بَلْ يَقْتَضِي إضَافَةَ هَذِهِ الزَّكَاةِ إلَى الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ فَيُقَالُ حِينَئِذٍ بِالْوُجُوبِ بِظَاهِرِ لَفْظَةِ فَرَضَ وَيُؤْخَذُ وَقْتُ الْوُجُوبِ مِنْ أَمْرٍ آخَرَ ا هـ . قُلْت لَا مَعْنَى لِإِضَافَتِهَا لِلْفِطْرِ إلَّا أَنَّهُ وَقْتُ الْوُجُوبِ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إضَافَتُهَا لِلتَّعْرِيفِ وَقَالَ قَوْمٌ إلَى سَبَبِ وُجُوبِهَا وَأَنَا أَقُولُ إلَى وَقْتِ وُجُوبِهَا ، وَسَبَبُ وُجُوبِهَا مَا يَجْرِي فِي الصَّوْمِ مِنْ اللَّغْوِ ثُمَّ اُسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { : فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ طُهْرَةً لِلصَّائِمِ أَوْ الصِّيَامِ مِنْ اللَّغْوِ وَالرَّفَثِ وَطُعْمَةً لِلْمَسَاكِينِ مَنْ أَدَّاهَا قَبْلَ الصَّلَاةِ فَهِيَ زَكَاةٌ مَقْبُولَةٌ وَمَنْ أَدَّاهَا بَعْدَ الصَّلَاةِ فَهِيَ صَدَقَةٌ مِنْ الصَّدَقَاتِ } وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنَّهَا تَجِبُ بِمَجْمُوعِ الْوَقْتَيْنِ قَالَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ خَرَّجَهُ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَاسْتَنْكَرَهُ الْأَصْحَابُ وَعِبَارَةُ التَّلْخِيصِ تَقْتَضِي أَنَّهُ مَنْصُوصٌ ، وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ : تَجِبُ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ يَوْمَ الْعِيدِ ، وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ : تَجِبُ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْفِطْرِ وُجُوبًا مُوَسَّعًا ، آخِرُهُ غُرُوبُ الشَّمْسِ مِنْ يَوْمِ الْفِطْرِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلٌ ( ثَالِثٌ ) أَنَّهَا تَجِبُ عَلَى مَنْ أَدْرَكَ طُلُوعَ الْفَجْرِ إلَى أَنْ يَعْلُوَ النَّهَارُ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ : وَقْتُهَا إثْرَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى أَنْ تُبَيَّضَ الشَّمْسُ وَتَحِلَّ الصَّلَاةُ ، فَإِنْ كَانَ صَاحِبُ الْقَوْلِ الْمُتَقَدِّمِ أَرَادَ بِعُلُوِّ النَّهَارِ بَيَاضَ الشَّمْسِ اتَّحَدَ مَعَ قَوْلِ ابْنِ حَزْمٍ ، وَإِنْ أَرَادَ شَيْئًا غَيْرَ ذَلِكَ فَهِيَ حِينَئِذٍ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ ، وَتَظْهَرُ ثَمَرَةُ الْخِلَافِ فِي صُوَرٍ كَثِيرَةٍ : ( مِنْهَا ) لَوْ مَاتَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَقَبْلَ الْفَجْرِ وَجَبَتْ الزَّكَاةُ عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ دُونَ الثَّانِي ، ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ عِبَارَةَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيَّ وَالرَّافِعِيُّ تَقْتَضِي عَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنَّ الِاعْتِبَارَ بِإِدْرَاكِ وَقْتِ الْغُرُوبِ خَاصَّةً لَكِنْ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ اعْتِبَارُ إدْرَاكِ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ وَأَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ شَوَّالٍ ، صَرَّحَ بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، وَيَظْهَرُ أَثَرُ ذَلِكَ فِيمَا لَوْ قَالَ لِعَبْدِهِ أَنْتَ حُرٌّ مَعَ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْ شَوَّالٍ فَمُقْتَضَى الْأَوَّلِ أَنَّ الْعَبْدَ الْمَذْكُورَ يَجِبُ عَلَيْهِ إخْرَاجُ الْفِطْرَةِ عَنْ نَفْسِهِ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ عَلَى الثَّانِي الْمُرَجَّحِ ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لَهُ بِإِضَافَةِ الزَّكَاةِ إلَى الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ ، فَإِنَّهُ يَقْتَضِي اعْتِبَارَ جُزْءٍ مِنْ رَمَضَانَ وَجُزْءٍ مِنْ زَمَنِ الْفِطْرِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) فِيهِ التَّخْيِيرُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ بَيْنَ التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ ، فَيُخْرِجُ مِنْ أَيِّهِمَا شَاءَ صَاعًا وَلَا يُجْزِئُ إخْرَاجُ غَيْرِهِمَا وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ : فَهُوَ أَسْعَدُ النَّاسِ بِالْعَمَلِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ لَكِنْ وَرَدَ فِي رِوَايَاتٍ أُخَرَ ذِكْرُ أَجْنَاسٍ أُخَرَ ، فَتَقَدَّمَ مِنْ الْمُسْتَدْرَكِ لِلْحَاكِمِ { صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ بُرٍّ } وَصَحَّحَهُ وَمِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ { كَانَ النَّاسُ يُخْرِجُونَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ سَلْتٍ أَوْ زَبِيبٍ } . وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَضَّ عَلَى صَدَقَةِ رَمَضَانَ عَلَى كُلِّ إنْسَانٍ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ قَمْحٍ } وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَعَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ عَنْ كُلِّ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ صَاعٌ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ } ثُمَّ قَالَ : هَكَذَا أَسْنَدَهُ عَنْ عَلِيٍّ وَوَقَفَهُ غَيْرُهُ ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ : { خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : مَنْ كَانَ عِنْدَهُ طَعَامٌ فَلْيَتَصَدَّقْ بِصَاعٍ مِنْ بُرٍّ أَوْ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ ؛ أَوْ صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ صَاعٍ مِنْ دَقِيقٍ ، أَوْ صَاعٍ مِنْ زَبِيبٍ أَوْ صَاعٍ مِنْ سَلْتٍ } ، وَذَكَرَ الْحَاكِمُ أَنَّ إسْنَادَهُ يَخْرُجُ مِثْلُهُ فِي الشَّوَاهِدِ ، وَذَكَرَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى مِنْ الْأَحْكَامِ أَنَّ إسْنَادَ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ضَعِيفٌ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { إنَّ هَذِهِ الزَّكَاةَ فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى كُلِّ ذَكَرٍ وَأُنْثَى حُرٍّ وَمَمْلُوكٍ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ تَمْرٍ أَوْ نِصْفَ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ } . ثُمَّ رَوَى النَّسَائِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ صَدَقَةُ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ وَقَالَ هَذَا أَثْبَتُ . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتْ السَّمْرَاءُ قَالَ : أَرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا { أَوْ صَاعًا مِنْ أَقِطٍ } وَلِأَبِي دَاوُد { أَوْ صَاعًا مِنْ دَقِيقٍ } وَقَالَ هَذِهِ وَهَمٌ مِنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ حَامِدُ بْنُ يَحْيَى فَأَنْكَرُوا عَلَيْهِ فَتَرَكَهُ سُفْيَانُ وَاعْتَلَّ ابْنُ حَزْمٍ فِي تَرْكِ الْأَخْذِ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِأَنَّهُ مُضْطَرِبُ الْمَتْنِ وَبِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ بِذَلِكَ وَأَقَرَّهُ وَكَلَامُهُ فِي ذَلِكَ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَذَهَبَ الشَّافِعِيَّةُ إلَى أَنَّ جِنْسَ الْفِطْرَةِ كُلُّ مَا يَجِبُ فِيهِ الْعُشْرُ وَعَنْ الشَّافِعِيِّ قَوْلٌ قَدِيمٌ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيهَا الْحِمَّصُ وَالْعَدَسُ وَالْمَذْهَبُ الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ إجْزَاءُ الْأَقِطِ أَيْضًا لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ بِهِ ، فَإِنْ جَوَّزْنَاهُ فَالْأَصَحُّ أَنَّ اللَّبَنَ وَالْجُبْنَ الَّذِي لَيْسَ مَنْزُوعَ الزُّبْدِ فِي مَعْنَاهُ وَالْخِلَافُ فِي إخْرَاجِ مَنْ قُوتُهُ الْأَقِطُ وَاللَّبَنُ وَالْجُبْنُ ، وَلَا يُجْزِئُ الدَّقِيقُ وَلَا السَّوِيقُ وَلَا الْخُبْزُ كَمَا لَا تُجْزِئُ الْقِيمَةُ ، وَقَالَ الْأَنْمَاطِيُّ يُجْزِئُ الدَّقِيقُ قَالَ ابْنُ عَبْدَانَ يَقْتَضِي قَوْلُهُ إجْزَاءَ السَّوِيقِ وَالْخُبْزِ وَصَحَّحَهُ ، وَفِي الْوَاجِبِ مِنْ الْأَجْنَاسِ الْمُجْزِئَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا ( أَصَحُّهَا ) عِنْدَ الْجُمْهُورِ غَالِبُ قُوتِ الْبَلَدِ . ( وَالثَّانِي ) قُوتُ نَفْسِهِ وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدَانَ وَ ( الثَّالِثُ ) يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْأَجْنَاسِ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ ثُمَّ إذَا أَوْجَبْنَا قُوتَ نَفْسِهِ أَوْ الْبَلَدِ فَعَدَلَ إلَى مَا هُوَ دُونَهُ لَمْ يَجُزْ وَإِنْ عَدَلَ إلَى أَعْلَى مِنْهُ جَازَ وَفِيمَا يُعْتَبَرُ بِهِ الْأَعْلَى وَالْأَدْنَى وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الِاعْتِبَارُ بِزِيَادَةِ صَلَاحِيَّةِ الِاقْتِيَاتِ وَالثَّانِي بِالْقِيمَةِ هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا فِي ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاخْتِصَارِ وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ هُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْخَمْسَةِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا وَهِيَ التَّمْرُ وَالشَّعِيرُ وَالْبُرُّ وَالزَّبِيبُ وَالْأَقِطُ . قَالُوا وَالسَّلْتُ نَوْعٌ مِنْ الشَّعِيرِ فَيَجُوزُ إخْرَاجُهُ لِدُخُولِهِ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ وَنَصَّ أَحْمَدَ عَلَى جَوَازِ إخْرَاجِ الدَّقِيقِ ، وَكَذَلِكَ السَّوِيقُ وَلَا يُجْزِئُ عِنْدَهُمْ الْخُبْزُ ، قَالُوا فَيَتَخَيَّرُ بَيْنَ هَذِهِ فَيُخْرِجُ مَا شَاءَ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُوتًا لَهُ ، إلَّا الْأَقِطَ فَإِنَّمَا يُخْرِجُهُ مَنْ هُوَ قُوتُهُ أَوْ لَمْ يَجِدْ مِنْ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ سِوَاهُ ، فَإِنْ وَجَدَ سِوَاهُ فَفِي إجْزَائِهِ عِنْدَهُمْ رِوَايَتَانِ مُنْشَؤُهُمَا وُرُودُ النَّصِّ بِهِ ، وَكَوْنُهُ غَيْرَ زَكَوِيٍّ ، قَالُوا وَأَفْضَلُهَا التَّمْرُ وَبَعْدَهُ الْبُرُّ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ الزَّبِيبُ قَالُوا وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ هَذِهِ الْأَجْنَاسِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى أَحَدِهَا ، وَلَوْ كَانَ الْمَعْدُولُ إلَيْهِ قُوتَ بَلَدِهِ فَإِنْ عَجَزَ عَنْهَا أَجْزَأَهُ كُلُّ مُقْتَاتٍ مِنْ كُلِّ حَبَّةٍ وَثَمَرَةٍ ، قَالَهُ الْخِرَقِيِّ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُهُ الْمُقْتَاتُ مِنْ غَيْرِهَا كَاللَّحْمِ وَاللَّبَنِ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ يُعْطَى مَا قَامَ مَقَامَ الْأَجْنَاسِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا عِنْدَ عَدَمِهَا ، وَقَالَ ابْنُ حَامِدٍ يُجَزِّئهُ عِنْدَ عَدَمِهَا الْإِخْرَاجُ مِمَّا يَقْتَاتُهُ كَالذُّرَةِ وَالدُّخْنِ وَلُحُومِ الْحِيتَانِ وَالْأَنْعَامِ ، وَلَا يُرَدُّونَ إلَى أَقْرَبِ قُوتِ الْأَمْصَارِ . وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ جِنْسِيَّةُ الْمُقْتَاتِ فِي زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ الْقَمْحِ وَالشَّعِيرِ وَالسَّلْتِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالْأَقِطِ وَالذُّرَةِ وَالْأُرْزِ وَالدُّخْنِ وَزَادَ ابْنُ حَبِيبٍ الْعَلَسَ . وَقَالَ أَشْهَبُ : مِنْ السِّتِّ الْأُوَلِ خَاصَّةً فَلَوْ اُقْتِيتَ غَيْرُهُ كَالْقَطَانِيِّ وَالتِّينِ وَالسَّوِيقِ وَاللَّحْمِ وَاللَّبَنِ ، فَالْمَشْهُورُ الْإِجْزَاءُ وَفِي الدَّقِيقِ قَوْلَانِ وَيُخْرَجُ مِنْ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ ، فَإِنْ كَانَ قُوتُهُ دُونَهُ لَا لِشُحٍّ فَقَوْلَانِ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ الْبُرِّ وَالدَّقِيقِ وَالسَّوِيقِ وَالزَّبِيبِ وَالتَّمْرِ وَالشَّعِيرِ وَالدَّقِيقُ أَوْلَى مِنْ الْبُرِّ وَالدَّرَاهِمُ أَوْلَى مِنْ الدَّقِيقِ فِيمَا يُرْوَى عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْفَقِيهِ أَبِي جَعْفَرٍ ؛ لِأَنَّهُ أَدْفَعُ لِلْحَاجَةِ ، وَعَنْ أَبِي بَكْرٍ الْأَعْمَشِ تَفْضِيلُ الْقَمْحِ ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الْخِلَافِ ؛ وَاعْلَمْ أَنَّ مَنْ قَالَ بِالتَّخْيِيرِ فَقَدْ أَخَذَ بِظَاهِرِ الْحَدِيثِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِتَعْيِينِ غَالِبِ قُوتِ الْبَلَدِ أَوْ قُوتِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ حَمَلَ الْحَدِيثَ عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَجْعَلْهُ عَلَى ظَاهِرِهِ مِنْ التَّخْيِيرِ ، وَاقْتَصَرَ فِي الْمَشْهُورِ مِنْ رِوَايَاتِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ ؛ لِأَنَّهُمَا غَالِبُ مَا يُقْتَاتُ بِالْمَدِينَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ . فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى إيجَابِ التَّمْرِ عَلَى مَنْ يَقْتَاتُهُ وَالشَّعِيرِ عَلَى مَنْ يَقْتَاتُهُ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ مُخَيَّرًا بَيْنَهُمَا لِاسْتِوَائِهِمَا فِي الْغَلَبَةِ فَلَا تَرَجُّحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ ، فَالْمُخْرِجُ مُخَيَّرٌ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ أَنَّ الْوَاجِبَ إخْرَاجُهُ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ صَاعٌ مِنْ أَيِّ جِنْسٍ أُخْرِجَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ وَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ا هـ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّمَا يُخْرِجُ صَاعًا إذَا أَخْرَجَ تَمْرًا أَوْ شَعِيرًا ، فَأَمَّا إذَا أَخْرَجَ قَمْحًا أَوْ دَقِيقَهُ أَوْ سَوِيقَهُ فَالْوَاجِبُ نِصْفُ صَاعٍ وَعَنْهُ فِي الزَّبِيبِ رِوَايَتَانِ ( أَشْهَرُهُمَا ) عَنْهُ أَنَّهُ مِثْلُ الْقَمْحِ فَيُخْرِجُ مِنْهُ نِصْفَ صَاعٍ ( وَالثَّانِيَةُ ) أَنَّهُ كَالشَّعِيرِ فَيُخْرِجُ مِنْهُ صَاعًا وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَكْثَرِ أَهْلِ الْكُوفَةِ غَيْرَ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ أَنَّهُ يُجْزِئُ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ الْبُرِّ ، رَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُثْمَانَ وَلَيْسَ يَثْبُتُ ذَلِكَ عَنْهُمَا ، وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَمُعَاوِيَةَ وَأَسْمَاءَ وَبِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي قِلَابَةَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَدَّادٍ وَمُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالشَّعْبِيِّ ، فَرُوِيَ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمْ الْقَوْلَانِ جَمِيعًا ا هـ وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّهُ يُجْزِئُ مِنْ الْقَمْحِ نِصْفُ صَاعٍ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي صَغِيرٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { صَاعٌ مِنْ قَمْحٍ عَلَى كُلِّ اثْنَيْنِ } . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الصَّدَقَةَ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ شَعِيرٍ أَوْ نِصْفِ صَاعِ قَمْحٍ } . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ مُنَادِيًا فِي فِجَاجِ مَكَّةَ : أَلَا إنَّ صَدَقَةَ الْفِطْرِ وَاجِبَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى حُرٍّ أَوْ عَبْدٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ مُدَّانِ مِنْ قَمْحٍ أَوْ سِوَاهُ ، صَاعٌ مِنْ طَعَامٍ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَاحْتَجَّ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { صَاعًا مِنْ بُرٍّ } وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُمَا ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ { كُنَّا نُعْطِيهَا فِي زَمَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاعًا مِنْ طَعَامٍ أَوْ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ زَبِيبٍ ، فَلَمَّا جَاءَ مُعَاوِيَةُ وَجَاءَتْ السَّمْرَاءُ ، قَالَ أَرَى مُدًّا مِنْ هَذَا يَعْدِلُ مُدَّيْنِ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَمْ يَخْتَلِفْ مَنْ ذَكَرَ الطَّعَامَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْحِنْطَةَ وَتَقَدَّمَ مِنْ الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ تَمْرٍ أَوْ صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ فَجَعَلَ النَّاسُ عِدْلَهُ مُدَّيْنِ مِنْ حِنْطَةٍ } ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ إخْرَاجَ نِصْفِ صَاعٍ مِنْ الْقَمْحِ لَمْ يَكُنْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنَّمَا حَدَثَ بَعْدَهُ ، وَأَجَابُوا عَنْ أَحَادِيثِ نِصْفِ الصَّاعِ مِنْ الْقَمْحِ بِأَنَّهَا لَا تَثْبُتُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ وَحَدِيثُ ثَعْلَبَةَ يَنْفَرِدُ بِهِ النُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ . قَالَ الْبُخَارِيُّ : وَهُوَ يَهِمُ كَثِيرًا ، وَهُوَ صَدُوقٌ فِي الْأَصْلِ ، وَقَالَ مُهَنَّا ذَكَرْت لِأَحْمَدَ حَدِيثَ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي صَغِيرٍ فِي صَدَقَةِ الْفِطْرِ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ بُرٍّ فَقَالَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إنَّمَا هُوَ مُرْسَلٌ يَرْوِيه مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا ( قُلْت ) مِنْ قِبَلِ مَنْ هَذَا قَالَ مِنْ قِبَلِ النُّعْمَانِ بْنِ رَاشِدٍ لَيْسَ بِقَوِيٍّ فِي الْحَدِيثِ وَضَعَّفَ حَدِيثَ ابْنِ أَبِي صَغِيرٍ وَسَأَلَتْهُ عَنْ ابْنِ أَبِي صَغِيرٍ أَمَعْرُوفٌ هُوَ ، قَالَ مَنْ يَعْرِفُ ابْنَ أَبِي صَغِيرٍ لَيْسَ هُوَ بِمَعْرُوفٍ ، وَذَكَرَ أَحْمَدُ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ ابْنَ أَبِي صَغِيرٍ فَضَعَّفَاهُ جَمِيعًا وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَيْسَ دُونَ الزُّهْرِيِّ مَنْ تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ، وَرَوَاهُ أَبُو إِسْحَاقَ الْجُوزَجَانِيُّ قَالَ حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ النُّعْمَانِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ثَعْلَبَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَدُّوا صَدَقَةَ الْفِطْرِ صَاعًا مِنْ قَمْحٍ أَوْ قَالَ بُرٍّ عَنْ كُلِّ إنْسَانٍ صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ } ، وَهَذَا حُجَّةٌ لَنَا وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . قَالَ الْجُوزَجَانِيُّ وَالنِّصْفُ صَاعً ذِكْرُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِوَايَتُهُ لَيْسَ يَثْبُتُ ا هـ كَلَامُ ابْنِ قُدَامَةَ . ( السَّابِعَةُ ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مِقْدَارِ الصَّاعِ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَعُلَمَاءُ الْحِجَازِ إلَى أَنَّهُ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ بِالرَّطْلِ الْبَغْدَادِيِّ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبُهُ مُحَمَّدٌ إلَى أَنَّهُ ثَمَانِيَةُ أَرْطَالٍ بِالرِّطْلِ الْمَذْكُورِ ، وَكَانَ أَبُو يُوسُفَ يَقُولُ كَقَوْلِهِمَا ثُمَّ رَجَعَ إلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ لَمَّا تَنَاظَرَ مَعَ مَالِكٍ بِالْمَدِينَةِ فَأَرَاهُ الصِّيعَانَ الَّتِي تَوَارَثَهَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَنْ أَسْلَافِهِمْ إلَى زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِطْلَاقُ الصَّاعِ فِي الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ عِنْدَهُمْ وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا : الْأَصْلُ فِيهِ الْكَيْلُ وَإِنَّمَا قَدَّرَهُ الْعُلَمَاءُ بِالْوَزْنِ اسْتِظْهَارًا وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَدْ يَسْتَشْكِلُ ضَبْطُ الصَّاعِ بِالْأَرْطَالِ فَإِنَّ الصَّاعَ الْمُخْرَجَ بِهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِكْيَالٌ مَعْرُوفٌ وَيَخْتَلِفُ قَدْرُهُ وَزْنًا بِاخْتِلَافِ جِنْسِ مَا يَخْرُجُ كَالذُّرَةِ وَالْحِمَّصِ وَغَيْرِهِمَا وَالصَّوَابُ مَا قَالَهُ أَبُو الْفَرَجِ الدَّارِمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الِاعْتِمَادَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْكَيْلِ دُونَ الْوَزْنِ وَأَنَّ الْوَاجِبَ أَنْ تَخْرُجَ بِصَاعٍ مُعَايَرٍ بِالصَّاعِ الَّذِي كَانَ يُخْرَجُ بِهِ فِي عَصْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ الصَّاعُ مَوْجُودٌ وَمَنْ لَمْ يَجِدْهُ وَجَبَ عَلَيْهِ إخْرَاجُ قَدْرٍ يَتَيَقَّنُ أَنَّهُ لَا يَنْقُصُ عَنْهُ ، وَعَلَى هَذَا فَالتَّقْدِيرُ بِخَمْسَةِ أَرْطَالٍ وَثُلُثٍ تَقْرِيبٌ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ : الصَّاعُ أَرْبَعُ حَفَنَاتٍ بِكَفَّيْ رَجُلٍ مُعْتَدِلِ الْكَفَّيْنِ ا هـ كَلَامُ النَّوَوِيِّ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ قَدَحَانِ بِكَيْلِ الْقَاهِرَةِ وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي تَصْنِيفٍ لَهُ سَمَّاهُ ( الْإِيضَاحُ وَالتِّبْيَانُ فِي مَعْرِفَةِ الْمِكْيَالِ وَالْمِيزَانِ ) أَحْضَرَ إلَيَّ مَنْ يَوْثُقُ بِهِ مِنْ الْفُقَهَاءِ الْوَرِعِينَ مُدًّا مِنْ خَشَبٍ مَخْرُوطٍ لَمْ يَتَشَقَّقْ وَلَمْ يَسْقُطْ مِنْهُ شَيْءٌ وَأَخْبَرَنِي أَنَّهُ عَايَرَهُ عَلَى مُدِّ الشَّيْخِ مُحِبِّ الدِّينِ الطَّبَرِيِّ شَيْخِ الْحَرَمِ الشَّرِيفِ بِمَكَّةَ وَأَنَّ الشَّيْخَ مُحِبَّ الدِّينِ الْمَذْكُورَ ذَكَرَ أَنَّهُ عَايَرَهُ عَلَى مُدٍّ صَحَّ عِنْدَهُ بِالسَّنَدِ أَنَّهُ مُعَايَرٌ عَلَى مَا عُويِرَ عَلَى مُدِّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَامْتَحَنْته بِمَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ الْمِعْيَارُ وَهُوَ الْمَاشُ وَالْعَدَسُ فَوَجَدْت كَيْلَهُ بِهَا يَزِيدُ عَلَى الْمِائَتَيْنِ زِيَادَةً كَثِيرَةً فَاسْتَحْضَرْت أَنَّ الْغَالِبَ عَلَى الظَّنِّ أَنَّ الْمِعْيَارَ إنَّمَا وَقَعَ بِالشَّعِيرِ ؛ لِأَنَّهُ الْغَالِبُ مِنْ أَقْوَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ كَمَا دَلَّتْ عَلَى ذَلِكَ الْأَخْبَارُ فَاعْتُبِرَتْ بِالشَّعِيرِ الصَّعِيدِيِّ الْمُغَرْبَلِ الْمُنَقَّى مِنْ الطِّينِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ حَبَّاتٌ مِنْ الْقَمْحِ يَسِيرَةٌ فَصَحَّ الْوَزْنُ الْمَذْكُورُ بِكَيْلِ الْمُدِّ الْمَذْكُورِ ثُمَّ وُزِنَ فَجَاءَ زِنَتُهُ مِائَةً وَثَلَاثَةَ وَسَبْعِينَ دِرْهَمًا وَثُلُثَ دِرْهَمٍ بِالْمِصْرِيِّ ، ثُمَّ وُزِنَ مِنْ الشَّعِيرِ الْمِقْدَارُ الْمَذْكُورُ وَوُضِعَ فِي الْمُدِّ الْمَذْكُورِ فَكَانَ بِقَدْرِهِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ وَمِنْهُ يَظْهَرُ صِحَّةُ أَنَّ الرَّطْلَ الْبَغْدَادِيَّ مِائَةٌ وَثَلَاثُونَ دِرْهَمًا وَبِهِ يَظْهَرُ أَيْضًا صِحَّةُ صَنْجِ الدَّرَاهِمِ الْمَوْجُودَةِ حِينَئِذٍ بِمِصْرَ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي الْأَصْلُ فِيهِ الْكَيْلُ وَإِنَّمَا قَدَّرَهُ الْعُلَمَاءُ بِالْوَزْنِ لِيُحْفَظَ وَيُنْقَلَ ، وَقَدْ رَوَى جَمَاعَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ الصَّاعُ وَزَنْتُهُ فَوَجَدْته خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا حِنْطَةٍ وَقَالَ حَنْبَلٌ قَالَ أَحْمَدُ أَخَذْت الصَّاعَ مِنْ ابْنِ أَبِي النَّضْرِ وَقَالَ أَبُو النَّضْرِ أَخَذْته مِنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَقَالَ هَذَا صَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي يُعْرَفُ بِالْمَدِينَةِ قَالَ أَحْمَدُ فَأَخَذْنَا الْعَدَسَ فَعَبَّرْنَا بِهِ وَهُوَ أَصْلَحُ مَا يُكَالُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَتَجَافَى عَنْ مَوَاضِعِهِ فَكِلْنَا بِهِ ثُمَّ وَزَنَّاهُ فَإِذَا هُوَ خَمْسَةُ أَرْطَالٍ وَثُلُثٌ وَقَالَ هَذَا أَصْلَحُ مَا وَقَفْنَا عَلَيْهِ وَمَا يَبِينُ لَنَا مِنْ صَاعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِذَا كَانَ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا مِنْ الْحِنْطَةِ وَالْعَدَسِ وَهُمَا مِنْ أَثْقَلِ الْحُبُوبِ فَمَا عَدَاهُمَا مِنْ أَجْنَاسِ الْفِطْرَةِ أَخَفُّ مِنْهُمَا فَإِذَا أَخْرَجَ مِنْهَا خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا فَهِيَ أَكْثَرُ مِنْ صَاعٍ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ إنْ أَخْرَجَ خَمْسَةَ أَرْطَالٍ وَثُلُثًا بُرًّا لَمْ يُجْزِئْهُ ؛ لِأَنَّ الْبُرَّ يَخْتَلِفُ فَيَكُونُ ثَخِينًا وَخَفِيفًا ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ : يُخْرِجُ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ مِمَّا يَسْتَوِي كَيْلُهُ وَوَزْنُهُ وَهُوَ الزَّبِيبُ وَالْمَاشُ ، وَمُقْتَضَى كَلَامِهِ أَنَّهُ إذَا أَخْرَجَ ثَمَانِيَةَ أَرْطَالٍ مِمَّا هُوَ أَثْقَلُ مِنْهُمَا لَمْ يُجْزِئْهُ حَتَّى يَزِيدَ شَيْئًا يُعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ صَاعًا وَالْأَوْلَى لِمَنْ أَخْرَجَ مِنْ الثَّقِيلِ بِالْوَزْنِ أَنْ يَحْتَاطَ فَيَزِيدَ شَيْئًا يُعْلَمُ بِهِ أَنَّهُ قَدْ بَلَغَ صَاعًا ا هـ كَلَامُ ابْنِ قُدَامَةَ . ( الثَّامِنَةُ ) فِيهِ وُجُوبُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْعَبْدِ وَظَاهِرُهُ إخْرَاجُ الْعَبْدِ عَنْ نَفْسِهِ وَبِهِ قَالَ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ : لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ سِوَاهُ وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَيُبْطِلُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَلَا فَرَسِهِ صَدَقَةٌ إلَّا صَدَقَةَ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ } وَالِاسْتِثْنَاءُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ { لَيْسَ فِي الْعَبْدِ صَدَقَةٌ إلَّا صَدَقَةَ الْفِطْرِ } وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ لَيْسَتْ عَلَى الْعَبْدِ نَفْسِهِ وَإِنَّمَا هِيَ عَلَى سَيِّدِهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ عَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ عَلَى الْمَرْءِ أَدَاءُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْ مَمْلُوكِهِ الْحَاضِرِ غَيْرِ الْمُكَاتَبِ وَالْعَبْدِ الْمَغْصُوبِ وَالْآبِقِ وَالْعَبْدِ الْمُشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ ، وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ : لَا نَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا انْتَهَى . وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي مَسَائِلَ أَشَارَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي عِبَارَتِهِ الَّتِي حَكَيْتهَا إلَى بَعْضِهَا فَنَذْكُرُهَا ثُمَّ نَذْكُرُ بَاقِيهَا فَأَمَّا الْغَائِبُ فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وُجُوبُ فِطْرَتِهِ وَإِنْ لَمْ تُعْلَمْ حَيَاتُهُ بَلْ انْقَطَعَ خَبَرُهُ وَلَمْ يَكُنْ فِي طَاعَتِهِ بَلْ كَانَ آبِقًا وَلَمْ يَكُنْ فِي يَدِهِ بَلْ كَانَ مَغْصُوبًا وَلَمْ يُعْرَفْ مَوْضِعُهُ بَلْ كَانَ ضَالًّا وَيَجِبُ إخْرَاجُهَا عَنْ هَؤُلَاءِ فِي الْحَالِ ، وَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ خِلَافٌ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ وَكَذَلِكَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ إلَّا فِي مُنْقَطِعِ الْخَبَرِ فَإِنَّهُ لَمْ يُوجِبْ فِطْرَتَهُ لَكِنَّهُ قَالَ لَوْ عَلِمَ بِذَلِكَ حَيَاتَهُ لَزِمَهُ الْإِخْرَاجُ لِمَا مَضَى وَلَمْ يُوجِبْ أَبُو حَنِيفَةَ زَكَاةَ الْآبِقِ وَالْأَسِيرِ وَالْمَغْصُوبِ الْمَجْحُودِ ، وَعَنْهُ رِوَايَةٌ بِوُجُوبِ زَكَاةِ الْآبِقِ ، وَفَصَّلَ مَالِكٌ فَأَوْجَبَ فِي كُلٍّ مِنْ الْمَغْصُوبِ وَالْآبِقِ الزَّكَاةَ إذَا كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً وَهُوَ يُرْجَى حَيَاتُهُ وَرَجْعَتُهُ ، فَإِنْ بَعُدَتْ غَيْبَتُهُ وَأُيِسَ مِنْهُ سَقَطَتْ الزَّكَاةُ عَنْ سَيِّدِهِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَكْثَرُ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَرَوْنَ أَنْ تُؤَدَّى زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْ الرَّقِيقِ غَائِبِهِمْ وَحَاضِرِهِمْ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُخْرِجُ عَنْ غِلْمَانِهِ الَّذِينَ بِوَادِي الْقُرَى وَخَيْبَرَ ، ثُمَّ حَكَى الْخِلَافَ فِي إخْرَاجِهَا عَنْ الْآبِقِ فَحَكَى عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وُجُوبَهَا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ مَكَانَهُ ، وَعَنْ الزُّهْرِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وُجُوبَهَا إذَا عَلِمَ مَكَانَهُ ، وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وُجُوبَهَا إذَا كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، وَعَنْ عَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ عَدَمَ وُجُوبِهَا ، وَعَنْ مَالِكٍ وُجُوبَهَا إذَا كَانَتْ غَيْبَتُهُ قَرِيبَةً تُرْجَى رَجْعَتُهُ ، فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ قَدَّمْت ذِكْرَ أَرْبَعَةٍ مِنْهَا وَاَلَّذِي اسْتَفَدْنَاهُ مِنْ كَلَامِهِ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ . وَأَمَّا الْمُكَاتَبُ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ( أَصَحُّهَا ) عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّهَا لَا تَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ عَنْهُ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ( وَالثَّانِي ) تَجِبُ عَلَى سَيِّدِهِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَ ( الثَّالِثُ ) تَجِبُ عَلَيْهِ فِي كَسْبِهِ وَكَنَفَقَتِهِ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَفِي الْمَسْأَلَةِ ( قَوْلٌ رَابِعٌ ) أَنَّهُ يُعْطَى عَنْهُ إنْ كَانَ فِي عِيَالِهِ وَإِلَّا فَلَا ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَ ( قَوْلٌ خَامِسٌ ) أَنَّ السَّيِّدَ يُخْرِجُهَا عَنْهُ إنْ لَمْ يُؤَدِّ شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ ، فَإِنْ أَدَّى شَيْئًا مِنْ كِتَابَتِهِ وَإِنْ قَلَّ فَهِيَ عَلَيْهِ ؛ قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ وَأَمَّا الْعَبْدُ الْمُشْتَرَى لِلتِّجَارَةِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى السَّيِّدِ فِطْرَتُهُ كَغَيْرِهِ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا تَجِبُ فِطْرَتُهُ لِوُجُوبِ زَكَاةِ التِّجَارَةِ فِيهِ وَحُكِيَ عَنْ عَطَاءٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ . ( وَمِنْ مَسَائِلِ الْعَبْدِ ) الَّتِي اُخْتُلِفَ فِيهَا أَيْضًا الْعَبْدُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ اثْنَيْنِ ، وَفِطْرَتُهُ وَاجِبَةٌ عَلَى سَيِّدِهِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الْجُمْلَةِ إلَّا أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي تَفْصِيلِ ذَلِكَ فَقَالَ أَصْحَابُنَا إنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ فَالْوُجُوبُ عَلَيْهِمَا بِقَدْرِ مِلْكَيْهِمَا ، وَإِنْ كَانَتْ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ فَالْأَصَحُّ اخْتِصَاصُ الْوُجُوبِ بِمَنْ وَقَعَ زَمَنُ الْوُجُوبِ فِي نَوْبَتِهِ ، وَعَنْ أَحْمَدُ رِوَايَتَانِ الظَّاهِرُ عَنْهُ كَمَا قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ كَمَذْهَبِنَا قَالَ وَهُوَ قَوْلُ سَائِرِ مَنْ أَوْجَبَ فِطْرَتَهُ عَلَى سَادَتِهِ ، وَالرِّوَايَةُ الثَّانِيَةُ عَنْهُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَالِكَيْنِ صَاعٌ ، وَلَا فَرْقَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ أَمْ لَا ، وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ، هَذَانِ . ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّ عَلَى كُلٍّ مِنْ السَّيِّدَيْنِ نِصْفَ صَاعٍ ، وَإِنْ تَفَاوَتَ مِلْكَاهُمَا ، وَالْإِيجَابُ عَلَيْهِمَا بِقِسْطِ مِلْكَيْهِمَا هُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ شَاسٍ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا فِطْرَةَ فِيهِ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعِكْرِمَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ مُوَافَقَةُ الْجُمْهُورِ وَلَيْسَ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ ذِكْرُ الْخِلَافِ عِنْدَهُمْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إنَّمَا حَكَى صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْهُمْ الْخِلَافَ فِي عَبِيدٍ بَيْنَ اثْنَيْنِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِمَا فِيهِمْ أَيْضًا ، وَقَالَ صَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مَا يَخُصُّهُ مِنْ الرُّءُوسِ دُونَ الْأَشْخَاصِ ، وَذَكَرَ أَنَّ مَثَارَ الْخِلَافِ أَنَّهُ لَا يَرَى قِسْمَةَ الرَّقِيقِ ، وَهُمَا يَرَيَانِهَا ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : مَا نَعْلَمُ لِمَنْ أَسْقَطَ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْهُ وَعَنْ سَيِّدِهِ حُجَّةً أَصْلًا إلَّا أَنَّهُمْ قَالُوا لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ سَيِّدَيْهِ يَمْلِكُ عَبْدًا ثُمَّ اسْتَدَلَّ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى الْوُجُوبِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي عَبْدِهِ وَفَرَسِهِ صَدَقَةٌ إلَّا صَدَقَةَ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ } قَالَ وَالْعَبْدُ الْمُشْتَرَكُ رَقِيقٌ . وَأَمَّا الْمُبَعَّضُ ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُخْرِجُ هُوَ مِنْ الصَّاعِ بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهِ ، وَسَيِّدُهُ بِقَدْرِ رِقِّهِ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا صَاعًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُشْتَرَكِ قَالَ أَصْحَابُنَا : فَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا مُهَايَأَةٌ فَالْأَصَحُّ اخْتِصَاصُهَا بِمَنْ وَقَعَتْ فِي نَوْبَتِهِ ، وَلَمْ يُفَرِّقْ أَحْمَدُ بَيْنَ الْمُهَايَأَةِ وَعَدَمِهَا كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْمُشْتَرَكِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ عَلَى الْمَالِكِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ ، وَلَا شَيْءَ عَلَى الْعَبْدِ وَقِيلَ يَجِبُ الْجَمِيعُ عَلَى الْمَالِكِ ، وَقِيلَ عَلَى الْمَالِكِ بِقَدْرِ نَصِيبِهِ ، وَعَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ بِقَدْرِ حُرِّيَّتِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ أَخْرَجَ السَّيِّدُ الْجَمِيعَ ، وَقِيلَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى سَيِّدِهِ شَيْءٌ ، حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَقِيلَ يَجِبُ الْجَمِيعُ عَلَى الْعَبْدِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَقَالَ " بِهِ دَاوُد وَابْنُ حَزْمٍ فَهَذِهِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ . ( وَمِنْ الْمَسَائِلِ أَيْضًا ) الْعَبْدُ الْمَرْهُونُ وَزَكَاتُهُ وَاجِبَةٌ عَلَى مَوْلَاهُ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورِ وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَدَمُ الْوُجُوبِ إلَّا إذَا كَانَ عِنْدَ مَوْلَاهُ مِقْدَارُ مَا يُوَفِّي دَيْنَهُ وَفَضْلُ مِائَتَيْ دِرْهَمٍ ، وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ عَدَمُ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا . ( وَمِنْهَا ) الْعَبْدُ الْمُوصَى بِرَقَبَتِهِ لِشَخْصٍ وَبِمَنْفَعَتِهِ لِآخَرَ فِطْرَتُهُ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ، قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْمُدَوَّنَةِ هِيَ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ ، وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْمَوَّازِ عَنْهُ هِيَ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالْمَنْفَعَةِ وَقِيلَ إنْ قَصُرَ زَمَنُ الْخِدْمَةِ فَهِيَ عَلَى الْمُوصَى لَهُ بِالرَّقَبَةِ ، وَإِنْ طَالَ فَهِيَ عَلَى الْمُوصَى لَهُ . ( وَمِنْهَا ) عَبْدُ بَيْتِ الْمَالِ وَالْمَوْقُوفُ عَلَى مَسْجِدٍ لَا فِطْرَةَ فِيهِمَا عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَكَذَا الْمَوْقُوفُ عَلَى رَجُلٍ بِعَيْنِهِ عَلَى الْأَصَحِّ عِنْدَ النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمِلْكَ فِي رَقَبَتِهِ لِلَّهِ تَعَالَى . ( وَمِنْهَا ) الْعَبْدُ الْعَامِلِ فِي مَاشِيَةٍ أَوْ حَائِطٍ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ لَيْسَ عَلَيْهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَهُوَ قَوْلٌ شَاذٌّ وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْوُجُوبِ كَغَيْرِهِ ، وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ ، وَلْنَقْتَصِرْ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ مَسَائِلَ هَذَا الْفَصْلِ . ( التَّاسِعَةُ ) فِيهِ وُجُوبُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْأُنْثَى وَظَاهِرُهُ إخْرَاجُهَا عَنْ نَفْسِهَا مِنْ غَيْرِ فَرْقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهَا زَوْجٌ أَمْ لَا ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد وَابْنُ حَزْمٍ وَابْنُ أَشْرَسَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ إلَى أَنَّ الْمُتَزَوِّجَةَ تَجِبُ فِطْرَتُهَا عَلَى زَوْجِهَا وَفِي مَعْنَاهَا الرَّجْعِيَّةُ وَالْبَائِنُ إنْ كَانَتْ حَامِلًا دُونَ مَا إذَا كَانَتْ حَائِلًا ، فَلَوْ نَشَزَتْ وَقْتَ الْوُجُوبِ سَقَطَتْ فِطْرَتُهَا عَنْ الزَّوْجِ ، وَقَالَ أَبُو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ : لَا تَسْقُطُ ، فَلَوْ كَانَ الزَّوْجُ مُعْسِرًا فَالْأَصَحُّ فِي مَذْهَبِنَا أَنَّهُ إنْ كَانَتْ الزَّوْجَةُ أَمَةً وَجَبَتْ فِطْرَتُهَا عَلَى سَيِّدِهَا وَإِنْ كَانَتْ حُرَّةً لَمْ يَجِبْ عَلَيْهَا شَيْءٌ وَهُوَ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ ، وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِكَمَالِ تَسْلِيمِ الْحُرَّةِ نَفْسِهَا بِخِلَافِ الْأَمَةِ ، وَأَوْجَبَ الْحَنَابِلَةُ عَلَى الْحُرَّةِ فِطْرَةَ نَفْسِهَا فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَوْجَبُوهَا عَلَى الزَّوْجِ بِالْقِيَاسِ عَلَى النَّفَقَةِ ؛ وَاسْتَأْنَسُوا بِمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِزَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالْحُرِّ وَالْعَبْدِ مِمَّنْ تَمُونُونِ } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ إسْنَادُهُ غَيْرُ قَوِيٍّ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا أَيْضًا ؛ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : الْحَاصِلُ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ { مِمَّنْ تَمُونُونَ } لَيْسَتْ بِثَابِتَةٍ ا هـ ، وَعَبَّرَ ابْنُ حَزْمٍ هُنَا بِعِبَارَةٍ بَشِعَةٍ فَقَالَ : وَفِي هَذَا الْمَكَانِ عَجَبٌ عَجِيبٌ ؛ وَهُوَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَا يَقُولُ بِالْمُرْسَلِ ثُمَّ أَخَذَهَا هُنَا ( بِأَنْتَنِ ) مُرْسَلٍ فِي الْعَالَمِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي يَحْيَى ا هـ ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ ابْنُ أَبِي يَحْيَى فَقَدْ رَوَاهُ غَيْرُهُ ، وَقَدْ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ ؛ ثُمَّ إنَّ الْمُعْتَمَدَ الْقِيَاسُ عَلَى النَّفَقَةِ مَعَ مَا انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ ابْنِ عُمَرَ رَاوِي الْحَدِيثِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُعْطِي عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ . قَالَ نَافِعٌ حَتَّى إنْ كَانَ لَيُعْطِي عَنْ بَنِيهِ . قَالَ أَصْحَابُنَا : فَلَوْ أَخْرَجَتْ الْمَرْأَةُ فِطْرَةَ نَفْسِهَا مَعَ يَسَارِ الزَّوْجِ ، فَإِنْ كَانَ بِإِذْنِهِ أَجْزَأَ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَفِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا الْإِجْزَاءُ أَيْضًا بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْوُجُوبَ يُلَاقِي الْمُؤَدَّى عَنْهُ ثُمَّ يَتَحَمَّلُهُ الْمُؤَدِّي وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ أَيْضًا . ( الْعَاشِرَةُ ) قَدْ عَرَفْت أَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا زِيَادَةٌ وَهِيَ { عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ } وَذَلِكَ يَقْتَضِي إخْرَاجَ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْ الصَّغِيرِ الَّذِي لَمْ يَبْلُغْ أَيْضًا وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ هَلْ هِيَ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ أَوْ عَلَى أَبِيهِ ؟ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَالْجُمْهُورُ هِيَ فِي مَالِهِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ فَعَلَى مَنْ عَلَيْهِ نَفَقَتُهُ مِنْ أَبٍ وَغَيْرِهِ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ هِيَ عَلَى الْأَبِ مُطْلَقًا ، وَلَوْ كَانَ لِلصَّغِيرِ مَالٌ لَمْ يُخْرِجْ مِنْهُ ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ : هِيَ فِي مَالِ الصَّغِيرِ إنْ كَانَ لَهُ مَالٌ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ شَيْءٌ سَقَطَتْ عَنْهُ وَلَا تَجِبُ عَلَى أَبِيهِ ، وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِهِ ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ . لَا خِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ أَنَّ الِابْنَ الصَّغِيرَ إذَا كَانَ لَهُ مَالٌ أَنَّ زَكَاةَ الْفِطْرِ تَخْرُجُ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ ا هـ . قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالصَّغِيرِ بَلْ مَتَى وَجَبَتْ نَفَقَةُ الْكَبِيرِ بِزَمَانَةٍ وَنَحْوِهَا وَجَبَتْ فِطْرَتُهُ ، فَلَوْ كَانَ الِابْنُ الْكَبِيرِ فِي نَفَقَةِ أَبِيهِ فَوَجَدَ قُوتَهُ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمَهُ لَمْ تَجِبْ فِطْرَتُهُ عَلَى الْأَبِ لِسُقُوطِ نَفَقَتِهِ عَنْهُ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ ، وَلَا عَلَى الِابْنِ لِإِعْسَارِهِ ، وَكَذَا الِابْنُ الصَّغِيرُ ، إذَا كَانَ كَذَلِكَ فِي الْأَصَحِّ ، وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ صَلَّى وَصَامَ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهَا لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ أَطَاقَ الصَّوْمَ وَالصَّلَاةَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَبِمَذْهَبِنَا قَالَ سَائِرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَجَمِيعُ الْفُقَهَاءِ ا هـ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَدَلَّ ابْنُ حَزْمٍ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الصَّغِيرِ عَلَى وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فَقَالَ وَالْجَنِينُ يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ صَغِيرٍ ، فَإِذَا أَكْمَلَ مِائَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ قَبْلَ انْصِدَاعِ الْفَجْرِ مِنْ لَيْلَةِ الْفِطْرِ وَجَبَ أَنْ تُؤَدَّى عَنْهُ صَدَقَةُ الْفِطْرِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ { يُجْمَعُ خَلْقُ أَحَدِكُمْ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَبْعَثُ اللَّهُ إلَيْهِ مَلَكًا ، وَفِيهِ ثُمَّ يَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ } ثُمَّ قَالَ : هُوَ قَبْلَ مَا ذَكَرْنَا مَوَاتٌ فَلَا حُكْمَ عَلَى مَيِّتٍ وَأَمَّا إذَا كَانَ حَيًّا فَكُلُّ حُكْمٍ وَجَبَ عَلَى الصَّغِيرِ فَهُوَ وَاجِبٌ عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ مِنْ رِوَايَةِ بَكْرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ وَقَتَادَةَ أَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يُعْطِي صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ حَتَّى عَنْ الْحَمْلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ ، وَعَنْ أَبِي قِلَابَةَ قَالَ كَانَ يُعْجِبُهُمْ أَنْ يُعْطُوا زَكَاةَ الْفِطْرِ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ حَتَّى عَنْ الْحَمْلِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ . قَالَ وَأَبُو قِلَابَةَ أَدْرَكَ الصَّحَابَةَ وَصَحِبَهُمْ وَرَوَى عَنْهُمْ ، وَعَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْحَمْلِ أَيُزَكَّى عَنْهُ ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ وَلَا يُعْرَفُ لِعُثْمَانَ فِي هَذَا مُخَالِفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ ا هـ . قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَاسْتِدْلَالُهُ بِمَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ فِي غَايَةِ الْعَجَبِ أَمَّا قَوْلُهُ { عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ } فَلَا يَفْهَمُ عَاقِلٌ مِنْهُ إلَّا الْمَوْجُودَيْنِ فِي الدُّنْيَا ، أَمَّا الْمَعْدُومُ فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ عَلَيْهِ وَأَمَّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فَلَا يَطَّلِعُ عَلَى مَا فِي الرَّحِمِ إلَّا اللَّهُ كَمَا قَالَ { وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ } وَرُبَّمَا يُظَنُّ حَمْلُهَا وَلَيْسَ بِحَمْلٍ ، وَقَدْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْحَمْلَ لَا يُعْلَمُ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي أَنَّهُ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْمَعْلُومِ بِمَعْنَى أَنَّهُ يُؤَخَّرُ لَهُ مِيرَاثٌ لِاحْتِمَالِ وُجُودِهِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الْحَمْلَ لَا يَمْلِكُ شَيْئًا فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَلَا يُحْكَمُ عَلَى الْمَعْدُومِ حَتَّى يَظْهَرَ وُجُودُهُ ، قَالَ وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ بِمَا ذُكِرَ عَنْ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ أَثَرَ عُثْمَانَ مُنْقَطِعٌ فَإِنَّ بَكْرًا وَقَتَادَةَ رِوَايَتُهُمَا عَنْ عُثْمَانَ مُرْسَلَةٌ وَالْعَجَبُ أَنَّهُ لَا يَحْتَجُّ بِالْمَوْقُوفَاتِ ، وَلَوْ كَانَتْ صَحِيحَةً مُتَّصِلَةً وَأَمَّا أَثَرُ أَبِي قِلَابَةَ فَمِنْ الَّذِينَ كَانَ يُعْجِبُهُمْ ذَلِكَ وَهُوَ لَوْ سَمَّى جَمْعًا مِنْ الصَّحَابَةِ لَمَا كَانَ ذَلِكَ حُجَّةً وَأَمَّا سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ فَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ رَجُلٌ لَمْ يُسَمِّ عَنْهُ فَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ خِلَافٌ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بَلْ قَوْلُ أَبِي قِلَابَةَ : " كَانَ يُعْجِبُهُمْ " ظَاهِرٌ فِي عَدَمِ وُجُوبِهِ ، وَمَنْ تَبَرَّعَ بِصَدَقَةٍ عَنْ حَمْلٍ رَجَاءَ حِفْظِهِ وَسَلَامَتِهِ فَلَيْسَ عَلَيْهِ فِيهِ بَأْسٌ ، وَقَدْ نُقِلَ الِاتِّفَاقُ عَلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ قَبْلَ مُخَالَفَةِ ابْنِ حَزْمٍ فَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ذَكَرَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ الْعِلْمَ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الرَّجُلِ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْفِطْرِ عَنْ الْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ وَمِمَّنْ حُفِظَ ذَلِكَ عَنْهُ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَكَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَسْتَحِبُّ ذَلِكَ وَلَا يُوجِبُهُ وَلَا يَصِحُّ عَنْ عُثْمَانَ خِلَافُ مَا قُلْنَاهُ ا هـ . وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى بِوُجُوبِ إخْرَاجِهَا عَنْ الْجَنِينِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ فِيمَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ بَعْدَ يَوْمِ الْفِطْرِ لَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ فِيهِ شَيْءٌ قَالَ ، وَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْهُ وَمِنْ سَائِرِ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ أَشَارَ إلَى أَنَّ مَا ذُكِرَ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الْإِخْرَاجِ عَمَّنْ وُلِدَ فِي بَقِيَّةِ يَوْمِ الْفِطْرِ مَحْمُولٌ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَكَذَا مَا حَكَاهُ عَنْ اللَّيْثِ فِيمَنْ وُلِدَ لَهُ مَوْلُودٌ بَعْدَ صَلَاةِ الْفِطْرِ أَنَّ عَلَى أَبِيهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهُ قَالَ وَأُحِبُّ ذَلِكَ لِلنَّصْرَانِيِّ يُسْلِمُ ذَلِكَ الْوَقْتَ وَلَا أَرَاهُ وَاجِبًا عَلَيْهِ قَالَ وَالِدِي فَقَدْ صَرَّحَ اللَّيْثُ فِيهِ بِعَدَمِ الْوُجُوبِ ، وَلَوْ قِيلَ بِوُجُوبِهِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا ؛ لِأَنَّهُ يَمْتَدُّ وَقْتُ إخْرَاجِهَا إلَى آخِرِ يَوْمِ الْفِطْرِ قِيَاسًا عَلَى الصَّلَاةِ يُدْرِكُ وَقْتَ أَدَائِهَا ، ثُمَّ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَمَعَ كَوْنِ ابْنِ حَزْمٍ قَدْ خَالَفَ الْإِجْمَاعَ فِي وُجُوبِهَا عَلَى الْجَنِينِ فَقَدْ تَنَاقَضَ كَلَامُهُ فَقَالَ إنَّ الصَّغِيرَ لَا يَجِبُ عَلَى أَبِيهِ زَكَاةُ الْفِطْرِ عَنْهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ فَيُخْرِجُ عَنْهُ مِنْ مَالِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَالٌ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ وَلَا بَعْدَ ذَلِكَ فَكَيْفَ لَا يُوجِبُ زَكَاتَهُ عَلَى أَبِيهِ وَالْوَلَدُ حَيٌّ مَوْجُودٌ وَيُوجِبُهَا وَهُوَ مَعْدُومٌ لَمْ يُوجَدْ ؟ فَإِنْ قُلْت يُحْمَلُ كَلَامُهُ عَلَى مَا إذَا كَانَ لِلْحَمْلِ مَالٌ قُلْتُ كَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مَالٌ وَهُوَ لَا يَصِحُّ تَمْلِيكُهُ ، وَلَوْ مَاتَ مَنْ يَرِثُهُ الْحَمْلُ لَمْ نُمَلِّكْهُ وَهُوَ جَنِينٌ فَلَا يُوصَفُ بِالْمِلْكِ إلَّا بَعْدَ أَنْ يُولَدَ وَكَذَلِكَ النَّفَقَةُ الصَّحِيحُ أَنَّهَا تَجِبُ لِلْأُمِّ الْحَامِلِ لَا لِلْحَمْلِ ، وَلَوْ كَانَتْ لِلْحَمْلِ لَسَقَطَتْ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ كَنَفَقَةِ الْقَرِيبِ وَهِيَ لَا تَسْقُطُ ا هـ كَلَامُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ قَالَ أَصْحَابُنَا فَلَوْ خَرَجَ بَعْضُ الْجَنِينِ قَبْلَ الْغُرُوبِ لَيْلَةَ الْفِطْرِ وَبَعْضُهُ بَعْدَهُ لَمْ تَجِبْ فِطْرَتُهُ ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْجَنِينِ مَا لَمْ يَكْمُلْ خُرُوجُهُ مُنْفَصِلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) هَذِهِ الزِّيَادَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ { مِنْ الْمُسْلِمِينَ } ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّ مَالِكًا تَفَرَّدَ بِهَا مِنْ بَيْنِ الثِّقَاتِ فَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ الَّتِي فِي آخِرِ الْجَامِعِ وَرُبَّ حَدِيثٍ إنَّمَا يُسْتَغْرَبُ لِزِيَادَةٍ تَكُون فِي الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَتْ الزِّيَادَةُ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى حِفْظِهِ مِثْلُ مَا رَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ وَزَادَ مَالِكٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ { مِنْ الْمُسْلِمِينَ } قَالَ وَقَدْ رَوَى أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ هَذَا الْحَدِيثَ . عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ { مِنْ الْمُسْلِمِينَ } ، وَقَدْ رَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ نَافِعٍ مِثْلَ رِوَايَةِ مَالِكٍ مِمَّنْ لَا يُعْتَمَدُ عَلَى حِفْظِهِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَلَمْ يَنْفَرِدْ مَالِكٌ بِقَوْلِهِ { مِنْ الْمُسْلِمِينَ } بَلْ قَدْ رَوَاهَا جَمَاعَةٌ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ عَلَى حِفْظِهِمْ وَاخْتَلَفَ عَلَى بَعْضِهِمْ فِي زِيَادَتِهَا وَهُمْ عَشْرَةٌ أَوْ أَكْثَرُ ، مِنْهُمْ عُمَرُ بْنُ نَافِعٍ وَالضَّحَّاكُ بْنُ عُثْمَانَ وَكَثِيرُ بْنُ فَرْقَدٍ وَالْمُعَلَّى بْنُ إسْمَاعِيلَ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ وَأَخُوهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمَا فِي زِيَادَتِهَا ، فَأَمَّا رِوَايَةُ عُمَرَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ فَأَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَأَمَّا رِوَايَةُ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ فَأَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ كَثِيرِ بْنِ فَرْقَدٍ فَرَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَقَالَ إنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِهِمَا . وَأَمَّا رِوَايَةُ الْمُعَلَّى بْنِ إسْمَاعِيلَ فَرَوَاهَا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ فَرَوَاهَا الطَّحَاوِيُّ فِي بَيَانِ الْمُشْكِلِ وَأَمَّا رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ وَأَخِيهِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الَّتِي أَتَى فِيهَا بِزِيَادَةِ قَوْلِهِ { مِنْ الْمُسْلِمِينَ } فَرَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ وَأَمَّا رِوَايَةُ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ فَذَكَرهَا الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ وَأَنَّهَا رُوِيَتْ عَنْ ابْنِ شَوْذَبَ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ انْتَهَى كَلَامُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ تَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ فِي وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْكَافِرِ إخْرَاجُ زَكَاةِ الْفِطْرِ لَا عَنْ نَفْسِهِ وَلَا عَنْ غَيْرِهِ فَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ نَفْسِهِ فَمُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يُخْرِجُهَا عَنْ غَيْرِهِ مِنْ عَبْدٍ وَمُسْتَوْلَدَةٍ وَقَرِيبٍ مُسْلِمِينَ فَأَمْرٌ مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَفِي ذَلِكَ لِأَصْحَابِنَا وَجْهَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّهَا وَجَبَتْ عَلَى الْمُؤَدِّي ابْتِدَاءً أَمْ عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ ثُمَّ يَتَحَمَّلُ الْمُؤَدِّي وَالْأَصَحُّ الْوُجُوبُ بِنَاءً عَلَى الْأَصَحِّ وَهُوَ وُجُوبُهَا عَلَى الْمُؤَدَّى عَنْهُ ثُمَّ يَتَحَمَّلُهَا الْمُؤَدِّي وَهُوَ الْمَحْكِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْهُمْ يَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَجِبَ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ وَبِهِ قَالَ الْحَنَفِيَّةُ ، وَنَقَلَ ابْنُ الْمُنْذِرِ الِاتِّفَاقَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ : وَكُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُونَ لَا صَدَقَةَ عَلَى الذِّمِّيِّ فِي عَبْدِهِ الْمُسْلِمِ وَاغْتَرَّ بِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ فِي نَقْلِ هَذَا الِاتِّفَاقِ لَمَّا ذَكَرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فَلَا وُجُوبَ بِالِاتِّفَاقِ انْتَهَى . وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ مَوْجُودٌ مَشْهُورٌ أَمَّا عَكْسُهُ وَهُوَ إخْرَاجُ الْمُسْلِمِ عَنْ قَرِيبِهِ وَعَبْدِهِ الْكَافِرَيْنِ فَلَا يَجِبُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِالْوُجُوبِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَمُجَاهِدٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَحُكِيَ قَبْلَ ذَلِكَ الْأَوَّلُ عَنْ عَلِيٍّ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَغَيْرِهِمْ قَالَ وَهُوَ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ { مِنْ الْمُسْلِمِينَ } وَاعْتَرَضَ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ لِهَذَا بِقَوْلِهِ { مِنْ الْمُسْلِمِينَ } بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ إسْقَاطُهَا عَنْ الْمُسْلِمِ فِي الْكُفَّارِ مِنْ رَقِيقِهِ وَلَا إيجَابُهَا قَالَ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا هَذَا الْخَبَرُ لَمَا وَجَبَتْ عَلَيْنَا زَكَاةُ الْفِطْرِ إلَّا عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ رَقِيقِنَا فَقَطْ وَلَكِنْ وَجَدْنَا حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { لَيْسَ عَلَى الْمُسْلِمِ فِي فَرَسِهِ وَعَبْدِهِ صَدَقَةٌ إلَّا صَدَقَةَ الْفِطْرِ فِي الرَّقِيقِ } قَالَ فَأَوْجَبَ عَلَيْهِ السَّلَامُ صَدَقَةَ الْفِطْرِ عَنْ الرَّقِيقِ عُمُومًا فَهِيَ وَاجِبَةٌ عَلَى السَّيِّدِ عَنْ رَقِيقِهِ لَا عَلَى الرَّقِيقِ ( قُلْت ) يُخَصُّ عُمُومُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ بِذِكْرِ الصَّغِيرِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَرَادَ الْمُؤَدَّى عَنْهُ لَا الْمُؤَدِّيَ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) فِي قَوْلِهِ { وَأَمَرَ بِهَا أَنْ تُؤَدَّى قَبْلَ خُرُوجِ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ } أَنَّ الْأَفْضَلَ إخْرَاجُهَا قَبْلَ الْخُرُوجِ إلَى الصَّلَاةِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْفُقَهَاءُ مِنْ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَزَادَ الْحَنَابِلَةُ عَلَى ذَلِكَ فَجَعَلُوا تَأْخِيرَهَا عَنْ الصَّلَاةِ مَكْرُوهًا وَذَلِكَ أَعْلَى دَرَجَاتِ الِاسْتِحْبَابِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ وَقَالَ الْقَاضِي مِنْهُمْ لَيْسَ ذَلِكَ بِمَكْرُوهٍ وَزَادَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ بِالْوُجُوبِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ الصَّلَاةِ وَعِبَارَتُهُ وَوَقْتُ زَكَاةِ الْفِطْرِ إثْرَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الثَّانِي مُمْتَدٌّ إلَى أَنْ تَبْيَضَّ الشَّمْسُ وَتَحِلَّ الصَّلَاةُ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ صِيغَةَ أَمَرَ مُحْتَمِلَةٌ لِلِاسْتِحْبَابِ كَاحْتِمَالِهَا لِلْإِيجَابِ وَلَيْسَتْ ظَاهِرَةً فِي أَحَدِهِمَا بِخِلَافِ صِيغَةِ افْعَلْ فَإِنَّهَا ظَاهِرَةٌ فِي الْوُجُوبِ فَلَمَّا وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ اقْتَصَرْنَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ ؛ لِأَنَّهُ الْأَمْرُ الْمُتَيَقَّنُ وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ مَشْكُوكٌ فِيهَا ثُمَّ قَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ إخْرَاجِهَا عَنْ يَوْمِ الْفِطْرِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَالنَّخَعِيِّ أَنَّهُمَا كَانَا يُرَخِّصَانِ فِي تَأْخِيرِهَا عَنْ يَوْمِ الْفِطْرِ قَالَ وَقَالَ أَحْمَدُ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِذَلِكَ بَأْسٌ ، وَذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى الْكَحَّالَ قَالَ قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللَّهِ : فَإِنْ أَخْرَجَ الزَّكَاةَ وَلَمْ يُعْطِهَا قَالَ نَعَمْ إذَا أَعَدَّهَا لِقَوْمٍ . قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى ا هـ . وَمِمَّا اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُ إخْرَاجِهَا عَنْ يَوْمِ الْعِيد مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { أَغْنُوهُمْ عَنْ الطَّلَبِ فِي هَذَا الْيَوْمِ } ، وَقَدْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ وَأَشَارَ إلَى تَضْعِيفِهِ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) فِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ { وَكَانُوا يُعْطُونَ قَبْلَ الْفِطْرِ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ } حُجَّةٌ لِجَوَازِ تَقْدِيمِ إخْرَاجِهَا قَبْلَ لَيْلَةِ الْفِطْرِ ، وَقَدْ مَنَعَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ ذَلِكَ فَقَالَ لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا قَبْلَ وَقْتِهَا أَصْلًا ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ { أَبِي هُرَيْرَةَ لَمَّا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَبِيتِ عَلَى صَدَقَةِ الْفِطْرِ فَأَتَاهُ الشَّيْطَانُ لَيْلَةً وَثَانِيَةً وَثَالِثَةً } . وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ وَأَجَابَ عَنْهُ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّ تِلْكَ اللَّيَالِيَ لَيْسَتْ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ مَرْدُودٌ فَإِنَّهُ لَا يَجُوزُ تَأْخِيرُهَا عَنْ أَوَّلِ شَوَّالٍ إلَّا عِنْدَ مَنْ شَذَّ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأَجَابَ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ تَأْخِيرَهَا فِي شَوَّالٍ لِكَوْنِ أَهْلِهَا لَمْ يُوجَدُوا ، وَهَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّ أَهْلَ الزَّكَاةِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ بِتِلْكَ الْبِلَادِ كَثِيرُونَ فَقَدْ كَانَ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ ضِيقُ الْعَيْشِ وَالِاحْتِيَاجِ . وَهَذَا الْكَلَامُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ هُنَا ضَعِيفٌ جِدًّا وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ جَوَازُ تَقْدِيمِهَا قَبْلَ الْفِطْرِ لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي مِقْدَارِ التَّقْدِيمِ فَاقْتَصَرَ أَكْثَرُ الْحَنَابِلَةِ عَلَى الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَقَالُوا لَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا بِأَكْثَرَ مِنْ يَوْمَيْنِ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي تَقْدِيمِهَا بِيَوْمٍ إلَى ثَلَاثَةٍ قَوْلَانِ وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا مِنْ بَعْدِ نِصْفِ الشَّهْرِ كَمَا يَجُوزُ تَعْجِيلُ أَذَانِ الْفَجْرِ وَالدَّفْعُ مِنْ مُزْدَلِفَةٍ بَعْدَ نِصْفِ اللَّيْلِ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ يَجُوزُ مِنْ أَوَّلِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَاشْتُهِرَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ جَوَازُ تَعْجِيلِهَا مِنْ أَوَّلِ الْحَوْلِ وَعِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ فَحَكَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ أَصْحَابِهِمْ جَوَازَ تَعْجِيلِهَا مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ ، وَذَكَرَ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ جَوَازَهَا يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ . وَرَوَى الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا سَنَةً وَسَنَتَيْنِ وَرَوَى هِشَامٌ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ زِيَادٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْجِيلُهَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ آخَرَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ يَجُوزُ إخْرَاجُهَا بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ الْأَوَّلِ مِنْ رَمَضَانَ وَبَعْدَهُ إلَى آخِرِ الشَّهْرِ وَلَا يَجُوزُ فِي اللَّيْلَةِ الْأُولَى ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَشْرَعْ بَعْدُ فِي الصَّوْمِ . ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ يَجُوزُ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ حَكَاهُمَا النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَتَمَسَّكَ أَكْثَرُهُمْ فِي جَوَازِ إخْرَاجِهَا فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ بِأَنَّهَا حَقٌّ مَالِيٌّ وَجَبَ بِسَبَبَيْنِ وَهُمَا رَمَضَانُ وَالْفِطْرُ مِنْهُ فَيَجُوزُ تَقْدِيمُهَا عَلَى أَحَدِهِمَا وَهُوَ الْفِطْرُ وَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِمَا مَعًا كَمَا فِي زَكَاةِ الْمَالِ يَجُوزُ تَقْدِيمُهَا بَعْدَ مِلْكِ النِّصَابِ وَقَبْلَ الْحَوْلِ وَإِذَا ثَبَتَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ جَوَازُ تَعْجِيلِهَا لَمْ يَبْقَى لِذَلِكَ ضَابِطٌ شَرْعِيٌّ إلَّا مَا ذَكَرْنَاهُ . ( فَإِنْ قُلْت ) لَا حُجَّةَ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ ؛ لِأَنَّهُ مَوْقُوفٌ ( قُلْت ) بَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ حُكْمًا لِمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمَيْ الْحَدِيثِ وَالْأُصُولِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ كُنَّا نَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا حُكْمُهُ الرَّفِيعُ وَإِنْ لَمْ يُقَيَّدْ ذَلِكَ بِعَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمُرَجَّحِ الْمُخْتَارِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) لَمْ يُقَيَّدْ فِي الْحَدِيثِ افْتِرَاضُ زَكَاةِ الْفِطْرِ بِالْيَسَارِ لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ لِمَا عُلِمَ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ لَا شَيْءَ لَهُ انْتَهَى . وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ضَابِطِ ذَلِكَ فَذَكَرَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنَّ ضَابِطَ ذَلِكَ أَنْ يَمْلِكَ فَاضِلًا عَنْ قُوتِهِ وَقُوتِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ لَيْلَةَ الْعِيدِ وَيَوْمَهُ مِمَّا يُؤَدَّى فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ وَحَكَاهُ الْعَبْدَرِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ وَابْنِ سِيرِينَ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ انْتَهَى وَغَايَرَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فَقَالَ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَرَاهُ عَلَى الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ وَبِهِ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ وَالشَّعْبِيُّ وَعَطَاءٌ وَابْنُ سِيرِينَ وَمَالِكٌ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ إذَا فَضَلَ عَنْ قُوتِ الْمَرْءِ وَقُوتِ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَقُوتَهُ مِقْدَارُ زَكَاةِ الْفِطْرِ فَعَلَيْهِ أَنْ يُؤَدِّيَ انْتَهَى . وَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَقْرَبُ إلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ فَإِنَّ ابْنَ شَاسٍ قَالَ فِي الْجَوَاهِرِ لَا زَكَاةَ عَلَى مُعْسِرٍ وَهُوَ الَّذِي لَا يَفْضُلُ لَهُ عَنْ قُوتِ يَوْمِهِ صَاعٌ وَلَا وَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ إيَّاهُ انْتَهَى . فَقَوْلُهُ وَلَا وَجَدَ مَنْ يُسَلِّفُهُ إيَّاهُ لَا يُوَافِقُ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ شَاسٍ وَقِيلَ هُوَ الَّذِي يُجْحِفُ بِهِ فِي مَعَاشِهِ إخْرَاجُهَا وَقِيلَ مَنْ يَحِلُّ لَهُ أَحَدُهَا ثُمَّ قِيلَ فِيمَنْ يَحِلُّ لَهُ أَخْذُهَا إنَّهُ الَّذِي يَحِلُّ لَهُ أَخْذُ الزَّكَاةِ وَقِيلَ الْفَقِيرُ الَّذِي لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا فِي يَوْمِهِ ذَلِكَ انْتَهَى وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَجِبُ إلَّا عَلَى مَنْ مَلَكَ نِصَابًا مِنْ الذَّهَبِ أَوْ الْفِضَّةِ أَوْ مَا قِيمَتُهُ قِيمَةُ نِصَابٍ فَاضِلًا عَنْ مَسْكَنِهِ وَأَثَاثِهِ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ . قَالَ الْعَبْدَرِيُّ وَلَا يُحْفَظُ هَذَا عَنْ أَحَدٍ غَيْرِ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ كَانَ لَهُ خَمْسُونَ دِرْهَمًا فَهُوَ غَنِيٌّ وَإِلَّا فَهُوَ فَقِيرٌ قَالَ وَقَالَ غَيْرُهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا انْتَهَى . وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي زَكَاةِ الْفِطْرِ عَلَى كُلِّ حُرٍّ وَعَبْدٍ ذَكَرٍ وَأُنْثَى صَغِيرٍ أَوْ كَبِيرٍ فَقِيرٍ أَوْ غَنِيٍّ صَاعٌ مِنْ تَمْرٍ أَوْ نِصْفُ صَاعٍ مِنْ قَمْحٍ قَالَ مَعْمَرٌ وَبَلَغَنِي أَنَّ الزُّهْرِيَّ كَانَ يَرْوِيهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي صَغِيرٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أَدُّوا صَاعًا مِنْ قَمْحٍ أَوْ قَالَ بُرٍّ عَنْ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَالْحُرِّ وَالْمَمْلُوكِ وَالْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ أَمَّا غَنِيُّكُمْ فَيُزَكِّيهِ اللَّهُ وَأَمَّا فَقِيرُكُمْ فَيُرَدُّ عَلَيْهِ أَكْثَرُ مِمَّا أُعْطِيَ } . وَمَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ إلَى مَقَالَةِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ : وَالْمَسْأَلَةُ لَهُ قَوِيَّةٌ فَإِنَّ الْفَقِيرَ لَا زَكَاةَ عَلَيْهِ وَلَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَخْذِهَا مِنْهُ وَإِنَّمَا أَمَرَ بِإِعْطَائِهَا لَهُ وَحَدِيثُ ثَعْلَبَةَ لَا يُعَارِضُ الْأَحَادِيثَ الصِّحَاحَ وَلَا الْأُصُولَ الْقَوِيَّةَ ، وَقَدْ قَالَ { لَا صَدَقَةَ إلَّا عَنْ ظَهْرِ غِنًى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ } وَإِذَا لَمْ يَكُنْ هَذَا غَنِيًّا فَلَا تَلْزَمُهُ الصَّدَقَةُ انْتَهَى وَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَيْسَ التَّمَسُّكُ فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ ثَعْلَبَةَ وَإِنَّمَا التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ { فَرَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ مِنْ رَمَضَانَ عَلَى النَّاسِ } . وَقَدْ ذَكَرَ ذَلِكَ هُوَ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ إلَّا أَنَّا اعْتَبَرْنَا الْقُدْرَةَ عَلَى الصَّاعِ لِمَا عُلِمَ مِنْ الْقَوَاعِدِ الْعَامَّةِ فَأَخْرَجْنَا عَنْ ذَلِكَ الْعَاجِزَ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِلتَّصْرِيحِ بِمَصْرِفِ زَكَاةِ الْفِطْرِ لَكِنْ اُسْتُدِلَّ بِتَسْمِيَتِهَا زَكَاةً عَلَى أَنَّ مَصْرِفَهَا مَصْرِفُ الزَّكَوَاتِ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إنَّمَا يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى الْفَقِيرِ الَّذِي لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ يَجُوزُ دَفْعُهَا إلَى ذِمِّيٍّ ، وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ وَعَمْرِو بْنِ شُرَحْبِيلَ وَمُرَّةَ الْهَمْدَانِيُّ أَنَّهُمْ كَانُوا يُعْطُونَ مِنْهَا الرُّهْبَانَ . اخْتَلَفَ الْأَوَّلُونَ فِي أَنَّهُ هَلْ يَجِبُ اسْتِيعَابُ الْأَصْنَافِ الثَّمَانِيَةِ عِنْدَ الْإِمْكَانِ وَأَنْ يُعْطِيَ مِنْ كُلِّ صِنْفٍ ثَلَاثَةً كَمَا فِي زَكَاةِ الْأَمْوَالِ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ بِالْأَوَّلِ الشَّافِعِيُّ وَدَاوُد وَابْنُ حَزْمٍ قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنَّ شَقَّتْ الْقِسْمَةُ جَمَعَ جَمَاعَةٌ فِطْرَتَهُمْ ثُمَّ قَسَّمُوهَا ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُعْطِيَ فِطْرَتَهُ لِوَاحِدٍ بَلْ يَجُوزُ إعْطَاءُ فِطْرَةِ جَمَاعَةٍ لِوَاحِدٍ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَرْجُو أَنْ يُجْزِئَ . كَذَا اخْتَارَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا جَوَازَ الصَّرْفِ إلَى وَاحِدٍ وَقَالَ الْإِصْطَخْرِيُّ يَجُوزُ صَرْفُهَا إلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ الْمَسَاكِينِ أَوْ الْفُقَرَاءِ قَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَكَذَلِكَ يَجُوزُ عِنْدَهُ الصَّرْفُ إلَى ثَلَاثَةٍ مِنْ أَيِّ صِنْفٍ كَانَ وَصَرَّحَ الْمَحَامِلِيُّ وَالْمُتَوَلِّي بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عِنْدَهُ الصَّرْفُ إلَى غَيْرِ الْمَسَاكِينِ وَالْفُقَرَاءِ . { السَّابِعَةَ عَشْرَةَ } ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي وُجُوبِ زَكَاةِ الْفِطْرِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَاضِرَةِ وَالْبَادِيَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَالْجُمْهُورِ وَذَهَبَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالزُّهْرِيُّ وَرَبِيعَةُ إلَى عَدَمِ وُجُوبِهَا عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ . بَابُ فَضْلِ الصَّدَقَةِ وَالتَّعَفُّفِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ قَالَ لِي أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْك } وَعَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ ؛ قَالَ وَعَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْفَيْضُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ } . ( بَابُ فَضْلِ الصَّدَقَةِ وَالتَّعَفُّفِ ) { الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ } عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ لِي أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْك } { الْحَدِيثُ الثَّانِي } وَعَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلْأَى لَا تَغِيضُهَا نَفَقَةٌ سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ ، أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ ؟ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ ، قَالَ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } جَمَعَ مُسْلِمٌ بَيْنَ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فَأَخْرَجَهُمَا فِي الزَّكَاةِ مِنْ صَحِيحِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الثَّانِيَ مِنْهُمَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ الْفَيْضُ أَوْ الْقَبْضُ وَأَخْرَجَهُمَا الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ { يَدُ اللَّهِ } ، وَقَالَ { بِيَدِهِ الْمِيزَانُ بَدَلَ الْقَبْضِ } وَلَفْظُ مُسْلِمٍ { قَالَ اللَّهُ يَا ابْنَ آدَمَ أَنْفِقْ أُنْفِقْ عَلَيْك } . { الثَّانِيَةُ } قَوْلُهُ { أَنْفِقْ } بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ أَمْرٌ بِالْإِنْفَاقِ ، وَقَوْلُهُ أُنْفِقْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ فِعْلٌ مُضَارِعٌ وَعَدَ بِالْخَلَفِ وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْله تَعَالَى { وَمَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ } فَيَتَضَمَّنُ الْحَثَّ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الْخَيْرِ وَالتَّبْشِيرَ بِالْخَلَفِ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ اللَّهَ قَالَ لِي ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَا ابْنَ آدَمَ ، وَلَا شَكَّ فِي عُمُومِ هَذَا الْأَمْرِ وَتَخْصِيصُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالذِّكْرِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لِكَوْنِهِ رَأْسَ النَّاسِ فَيُوَجَّهُ الْخِطَابُ إلَيْهِ فَيُبَلِّغُهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ } الْآيَةَ ، وَفِي إطْلَاقِ النَّفَقَةِ وَعَدَمِ تَقْيِيدِهَا مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْحَثَّ عَلَى الْإِنْفَاقِ لَا يَخْتَصُّ بِنَوْعٍ مَخْصُوصٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْخَيْرِ . { الثَّالِثَةُ } قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ هَذَا مِمَّا يُتَأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ إذَا كَانَتْ بِمَعْنَى الْمُنَاسَبَةِ لِلشِّمَالِ لَا يُوصَفُ بِهَا الْبَارِئُ عَزَّ وَجَلَّ ؛ لِأَنَّهَا تَتَضَمَّنُ إثْبَاتَ الشِّمَالِ وَهَذَا يَتَضَمَّنُ التَّحْدِيدَ وَيَتَقَدَّسُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ التَّجْسِيمِ وَالْحَدِّ ، وَإِنَّمَا خَاطَبَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يَفْهَمُونَهُ وَأَرَادَ الْإِخْبَارَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَنْقُصُهُ الْإِنْفَاقُ وَلَا يُمْسِكُ خَشْيَةَ الْإِمْلَاقِ جَلَّ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَنْ ذَلِكَ وَعَبَّرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَوَالِي النِّعَمِ يَصِحُّ الْيَمِينُ ؛ لِأَنَّ الْبَاذِلَ مِنَّا يَفْعَلُ ذَلِكَ بِيَمِينِهِ وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ فَأَشَارَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى أَنَّهُمَا لَيْسَتَا بِخَارِجَتَيْنِ إذْ الْيَدَانِ الْخَارِجَتَانِ يَمِينٌ وَشِمَالٌ . قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ أَنَّ قُدْرَةَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى الْأَشْيَاءِ عَلَى وَجْهٍ وَاحِدٍ لَا يَخْتَلِفُ ضَعْفًا وَقُوَّةً وَأَنَّ الْمَقْصُورَاتِ تَقَعُ بِهَا عَلَى جِهَةٍ وَاحِدَةٍ لَا تَخْتَلِفُ قُوَّةً وَضَعْفًا كَمَا يَخْتَلِفُ فِعْلُنَا بِالْيَمِينِ وَالشِّمَالِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ وَمُشَابَهَةِ الْمُحْدَثِينَ ا هـ . وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ مَحَلِّ عَطَائِهِ وَوَصَفَهَا بِالِامْتِلَاءِ لِكَثْرَةِ مَنَافِعِهَا فَجَعَلَهَا كَالْعَيْنِ الثَّرَّةِ الَّتِي لَا يَغِيضُهَا الِاسْتِقَاءُ وَلَا يُنْقِصُهَا الِامْتِيَاحُ وَخَصَّ الْيَمِينَ لِأَنَّهَا فِي الْأَكْثَرِ مَظِنَّةُ الْعَطَاءِ عَلَى طَرِيقِ الْمَجَازِ وَالِاتِّسَاعِ ا هـ . { الرَّابِعَةُ } قَوْلُهُ مَلْأَى بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ تَأْنِيثُ مَلْآنَ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ مُلَاءٌ مِثْلُ دُعَاءٍ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَقَالَ قِيلَ يَصِحُّ هَذَا عَلَى نَقْلِ الْهَمْزَةِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مَلْآنُ بِزِيَادَةِ نُونٍ ، وَقَالُوا إنَّهَا غَلَطٌ مِنْ ابْنِ نُمَيْرٍ رَاوِيهَا وَأَنَّ الصَّوَابَ مَلْأَى كَمَا فِي سَائِرِ الرِّوَايَاتِ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ مُؤَنَّثَةٌ قَالَ النَّوَوِيُّ ثُمَّ ضَبَطُوا رِوَايَةَ ابْنِ نُمَيْرٍ بِوَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) إسْكَانُ اللَّامِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ وَ ( الثَّانِي ) مَلَانُ بِفَتْحِ اللَّامِ بِلَا هَمْزٍ . { الْخَامِسَةُ } قَوْلُهُ لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ بَالِغِينَ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَتَيْنِ أَيْ لَا يُنْقِصُهَا يُقَالُ غَاضَ الْمَاءُ وَغَاضَهُ لَازِمٌ وَمُتَعَدٍّ . { السَّادِسَةُ } قَوْلُهُ سَحَّاءَ بِفَتْحِ السِّينِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْحَاءِ مَمْدُودٌ كَذَا ضَبَطْنَاهُ عَنْ شَيْخِنَا وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ كَذَا ضَبَطْنَاهُ عَنْ الْقَاضِي أَبِي عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ بِالْمَدِّ عَلَى الْوَصْفِ وَكَذَا ضَبَطَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ ، وَقَالَ أَيْ دَائِمَةَ الصَّبِّ وَالْهَطْلِ بِالْعَطَاءِ يُقَالُ سَحَّ يَسِحُّ أَيْ بِكَسْرِ السِّينِ وَضَمِّهَا سَحًّا فَهُوَ سَاحٌّ وَالْمُؤَنَّثَةُ سَحَّاءُ وَهِيَ فَعَلَاءُ لَا أَفْعَلَ لَهَا كَهَطْلَاءَ انْتَهَى . وَضَبَطَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَبِي بَحْرٍ سَحًّا بِالتَّنْوِينِ عَلَى الْمَصْدَرِ وَنَقَلَهُ فِي الْمَشَارِقِ عَنْ جَمِيعِ شُيُوخِهِمْ إلَّا الصَّدَفِيَّ وَابْنَ عِيسَى ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ الْأَصَحُّ الْأَشْهَرُ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَقَوْلُهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ مَنْصُوبَانِ عَلَى الظَّرْفِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَوَقَعَ عِنْدَ الطَّبَرِيِّ فِي حَدِيثِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ لَا يَغِيضُهَا سَحُّ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ بِالْإِضَافَةِ وَرَفْعِهِ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ انْتَهَى . وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَا يَغِيضُهَا سَحَّاءُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ قَالَ النَّوَوِيُّ ضَبَطْنَاهُ بِوَجْهَيْنِ بِنَصَبِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَرَفْعِهِمَا النَّصْبُ عَلَى الظَّرْفِ وَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ . { السَّابِعَةُ } قَوْلُهُ { أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْفَقَ مُنْذُ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغِضْ مَا فِي يَمِينِهِ } كَالدَّلِيلِ وَالشَّاهِدِ لِمَا قَدَّمَهُ مِنْ أَنَّ يَمِينَهُ تَعَالَى لَا يَغِيضُهَا نَفَقَةٌ وَلَمَّا ذَكَرَ خَلْقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ اسْتَشْعَرَ الْخَاطِرُ مَا قَبْلَ ذَلِكَ فَذَكَرَ أَنَّهُ تَعَالَى كَانَ عَرْشُهُ قَبْلَ خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ عَلَى الْمَاءِ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ خَلْقَ الْعَرْشِ وَالْمَاءِ كَانَ قَبْلَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ { جِئْنَا لِنَتَفَقَّهَ فِي الدِّينِ وَلِنَسْأَلَك عَنْ أَوَّلِ هَذَا الْأَمْرِ مَا كَانَ ؟ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَبْلَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ ثُمَّ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَكَتَبَ فِي الذِّكْرِ كُلَّ شَيْءٍ } وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ { خَلَقَ يَاقُوتَةً خَضْرَاءَ فَنَظَرَ إلَيْهَا بِالْهَيْبَةِ فَصَارَتْ مَاءً يَرْتَعِدُ مِنْ مَخَافَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلِذَلِكَ يَرْتَعِدُ الْمَاءُ إلَى الْآنَ وَإِنْ كَانَ سَاكِنًا ؛ ثُمَّ خَلَقَ الرِّيحَ فَجَعَلَ الْمَاءَ عَلَى مَتْنِهَا ثُمَّ وَضَعَ الْعَرْشَ عَلَى الْمَاءِ } وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْله تَعَالَى { وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ } عَلَى أَيِّ شَيْءٍ كَانَ الْمَاءُ ، قَالَ عَلَى مَتْنِ الرِّيحِ . { الثَّامِنَةُ } قَوْلُهُ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضُ هُوَ بِالْقَافِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ كَذَا ضَبَطْنَاهُ عَنْ شَيْخِنَا وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إنَّهُ الْمَوْجُودُ لِأَكْثَرِ الرُّوَاةِ . قَالَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَالْمَعْرُوفُ . قَالَ وَمَعْنَاهُ الْمَوْتُ . ( قُلْت ) لَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِهِ بِالْمَوْتِ بَلْ هُوَ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ لِيَتَنَاوَلَ قَبْضَ الرِّزْقِ وَغَيْرَهُ وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْقَابِضُ وَفُسِّرَ بِأَنَّهُ الَّذِي يُمْسِكُ الرِّزْقَ وَغَيْرَهُ مِنْ الْأَشْيَاءِ عَنْ الْعِبَادِ بِلُطْفِهِ وَحِكْمَتِهِ وَيَقْبِضُ الْأَرْوَاحَ عِنْدَ الْمَمَاتِ ، وَالتَّفْسِيرُ بِالْأَعَمِّ مُنَاسِبٌ لِذِكْرِهِ هَذَا فِي مُقَابَلَةِ قَوْلِهِ أَوَّلًا أَنَّ يَمِينَ اللَّهِ مَلْأَى إلَى آخِرِهِ ، وَرُوِيَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ بِوَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ الْفَيْضُ بِالْفَاءِ وَالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَالضَّادُ الْمُعْجَمَةُ وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ الْقَابِسِيِّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ الْفَيْضُ أَوْ الْقَبْضُ عَلَى الشَّكِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَمَعْنَاهُ إنْ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْإِحْسَانُ وَالْعَطَاءُ وَالرِّزْقُ الْوَاسِعُ . قَالَ وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى الْقَبْضِ الَّذِي فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَيْ الْمَوْتُ . قَالَ الْبَكْرَاوِيُّ الْفَيْضُ الْمَوْتُ قَالَ الْقَاضِي قَيْسٌ يَقُولُونَ فَاضَتْ نَفْسُهُ بِالضَّادِ إذَا مَاتَ ، وَطَيْءٌ تَقُولُ فَاظَتْ نَفْسُهُ بِالظَّاءِ وَقِيلَ مَتَى ذُكِرَتْ النَّفْسُ فَبِالضَّادِ وَإِذَا لَمْ تُذْكَرْ فَبِالظَّاءِ وَفِي حَدِيثِ الدَّجَّالِ ثُمَّ يَكُونُ أَثَرُ ذَلِكَ الْفَيْضِ قَبْلَ الْمَوْتِ انْتَهَى . { التَّاسِعَةُ } قَوْلُهُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ قِيلَ هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَقْدِيرِ الرِّزْقِ يُقَتِّرُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَيُوَسِّعُهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ ، وَقَدْ يَكُونَانِ عِبَارَةً عَنْ تَصَارِيفِ الْمَقَادِيرِ بِالْخَلْقِ بِالْعِزَّةِ وَالذُّلِّ كَمَا قَالَ { تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ } ذَكَرَهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْخَافِضُ وَالرَّافِعُ وَفُسِّرَ الْخَافِضُ بِأَنَّهُ الَّذِي يَخْفِضُ الْجَبَّارِينَ وَالْفَرَاعِنَةَ أَيْ يَضَعُهُمْ وَيُهِينُهُمْ وَيَخْفِضُ كُلَّ شَيْءٍ يُرِيدُ خَفْضَهُ وَفُسِّرَ الرَّافِعُ بِأَنَّهُ الَّذِي يَرْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ بِالْإِسْعَادِ وَأَوْلِيَاءَهُ بِالتَّقْرِيبِ . { الْعَاشِرَةُ } ذَكَرَ الْمَازِرِيُّ لَفْظَ الْحَدِيثِ وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضُ وَالْبَسْطُ ، وَقَالَ فَكَأَنَّهُ أَفْهَمَ تَعَالَى وَإِنْ كَانَتْ قُدْرَتُهُ وَاحِدَةً فَإِنَّهُ يَفْعَلُ بِهَا الْمُخْتَلِفَاتِ وَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ فِينَا لَا يَتَمَكَّنُ إلَّا بِيَدَيْنِ عَبَّرَ عَنْ قُدْرَتِهِ عَلَى التَّصَرُّفِ فِي ذَلِكَ بِذِكْرِ الْيَدَيْنِ لِيُفْهِمَهُمْ الْمَعْنَى الْمُرَادَ بِمَا اعْتَادُوهُ مِنْ الْخِطَابِ عَلَى سَبِيلِ الْمَجَازِ ، وَاعْتَرَضَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَنَّهُ لَمْ يُرْوَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ لَفْظَةُ الْبَسْطِ وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا قَوْلُهُ الْقَبْضُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ ( قُلْت ) وَكَذَا لَيْسَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَلَا غَيْرِهِ ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي فِي آخِرِ كَلَامِهِ وَقَدْ يَكُونُ الْقَبْضُ وَالْبَسْطُ الْمَذْكُورَانِ مِنْ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ تَقْتِيرِ الرِّزْقِ وَسَعَتِهِ أَوْ قَبْضِ الْأَرْوَاحِ بِالْمَوْتِ وَبَسْطِهَا فِي الْأَجْسَادِ بِالْحَيَاةِ أَوْ قَبْضِ الْقُلُوبِ بِتَضْيِيقِهَا وَإِيحَاشِهَا عَنْ الْهِدَايَةِ أَوْ بِالْخَوْفِ وَالْهَيْبَةِ وَبَسْطِهَا بِتَأْنِيسِهَا وَشَرْحِهَا لِلْهِدَايَةِ وَالْإِيمَانِ أَوَبِالرَّجَاءِ وَالْأُنْسِ ، وَقَدْ قِيلَ مَعَانِي هَذَا كُلِّهِ فِي تَفْسِيرِ اسْمَيْهِ تَعَالَى الْقَابِضُ وَالْبَاسِطُ انْتَهَى . { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَبِيَدِهِ الْمِيزَانُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَدْ يَكُونُ عِبَارَةً عَنْ الرِّزْقِ وَمَقَادِيرِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ عِبَارَةً عَنْ جُمْلَةِ الْمَقَادِيرِ انْتَهَى وَالثَّانِي أَظْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ } خَطَرَ لِي فِي قَوْلِهِ " وَبِيَدِهِ الْأُخْرَى الْقَبْضُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ " مَا لَمْ أَرَهُ لِأَحَدٍ وَلَسْت مِنْهُ عَلَى يَقِينٍ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ الْأُخْرَى صِفَةٌ لِمَوْصُوفٍ مَحْذُوفٍ أَيْ وَبِيَدِهِ الصِّفَةُ الْأُخْرَى وَهِيَ الْقَبْضُ ، فَهُوَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ بَعْدَ ذِكْرِهِ كَثْرَةَ الْإِنْفَاقِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا صِفَةَ لَهُ سِوَى الْبَسْطِ فَبَيَّنَ أَنَّ لَهُ الصِّفَةَ الْأُخْرَى وَهِيَ الْقَبْضُ فَهُوَ الْبَاسِطُ الْقَابِضُ وَلَا يَكُونُ قَوْلُهُ الْأُخْرَى صِفَةً لِلْيَدِ ، وَقَوْلُهُ يَرْفَعُ وَيَخْفِضُ مُتَعَلِّقٌ بِالصِّفَتَيْنِ مَعًا لَا بِالثَّانِيَةِ فَقَطْ ، فَقَوْلُهُ يَرْفَعُ بَيَانٌ لِصِفَةِ الْبَسْطِ ، وَقَوْلُهُ وَيَخْفِضُ بَيَانٌ لِصِفَةِ الْقَبْضِ . { الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ } ( إنْ قُلْت ) وَجْهُ دَلَالَةِ الْحَدِيثِ الثَّانِي عَلَى فَضْلِ الصَّدَقَةِ ( قُلْت ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْإِخْبَارِ عَنْ اللَّهِ بِكَثْرَةِ الْإِنْفَاقِ فَإِنَّهُ يَنْبَغِي التَّخَلُّقُ بِمَا أَمْكَنَ مِنْ أَوْصَافِهِ الْحُسْنَى ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى إخْلَافِ اللَّهِ تَعَالَى مَا يُنْفِقُهُ الْعَبْدُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ كَثْرَةِ إنْفَاقِهِ تَعَالَى وَهُوَ أَعْلَمُ وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي الْحَقِّ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } . { الْحَدِيثُ الثَّالِثُ } وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي الْحَقِّ آنَاءَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } . { فِيهِ } فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ خَلَا أَبَا دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ سَمِعْت مِنْ سُفْيَانَ مِرَارًا لَمْ أَسْمَعْهُ يَذْكُرُ الْخَبَرَ ، أَيْ يَذْكُرُ أَخْبَارَ الزُّهْرِيِّ لَهُ إنَّمَا أَتَى بِلَفْظِ قَالَ الزُّهْرِيُّ . قَالَ وَهُوَ صَحِيحٌ مِنْ حَدِيثِهِ . { الثَّانِيَةُ } قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْحَسَدُ قِسْمَانِ حَقِيقِيٌّ وَمَجَازِيٌّ فَالْحَقِيقِيُّ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ عَنْ صَاحِبِهَا وَهَذَا حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ مَعَ النُّصُوصِ الصَّحِيحَةِ ؛ وَأَمَّا الْمُجَازِي فَهُوَ الْغِبْطَةُ وَهُوَ أَنْ يَتَمَنَّى مِثْلَ النِّعْمَةِ الَّتِي عَلَى غَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ زَوَالِهَا عَنْ صَاحِبِهَا فَإِنْ كَانَتْ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا كَانَتْ مُبَاحَةً وَإِنْ كَانَتْ طَاعَةً فَهِيَ مُسْتَحَبَّةٌ وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ لَا غِبْطَةً مَحْمُودَةً إلَّا فِي هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا انْتَهَى وَلِهَذَا بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ بِمَعْنَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا بَابُ الِاغْتِبَاطِ فِي الْعِلْمِ وَالْحِكْمَةِ فَأَشَارَ إلَى أَنَّ إطْلَاقَ الْحَسَدِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَجَازٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ اغْتِبَاطٌ وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَمَنِّي زَوَالِ نِعْمَةِ الْإِنْفَاقِ وَالْقِرَاءَةِ عَنْ صَاحِبِهَا ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُهَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ { لَا تَحَاسُدَ إلَّا فِي اثْنَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَتْلُوهُ مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ وَآنَاءِ النَّهَارِ فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ هَذَا فَعَلْت كَمَا يَفْعَلُ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي حَقِّهِ فَيَقُولُ لَوْ أُوتِيتُ مِثْلَ مَا أُوتَى هَذَا عَمِلْت فِيهِ مِثْلَ مَا يَعْمَلُ } . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي كَبْشَةَ الْأَنْمَارِيِّ مَرْفُوعًا { إنَّمَا الدُّنْيَا لِأَرْبَعَةِ نَفَرٍ ، عَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَعِلْمًا فَهُوَ يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَيَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَيَعْلَمُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَفْضَلِ الْمَنَازِلِ ، وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ عِلْمًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ مَالًا فَهُوَ صَادِقُ النِّيَّةِ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْت بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَأَجْرُهُمَا سَوَاءٌ ، وَعَبْدٌ رَزَقَهُ اللَّهُ مَالًا وَلَمْ يَرْزُقْهُ عِلْمًا فَهُوَ يَخْبِطُ فِي مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ لَا يَتَّقِي فِيهِ رَبَّهُ وَلَا يَصِلُ فِيهِ رَحِمَهُ وَلَا يَعْمَلُ لِلَّهِ فِيهِ حَقًّا فَهَذَا بِأَخْبَثِ الْمَنَازِلِ ، وَعَبْدٌ لَمْ يَرْزُقْهُ اللَّهُ مَالًا وَلَا عِلْمًا فَهُوَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ لِي مَالًا لَعَمِلْت فِيهِ بِعَمَلِ فُلَانٍ فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ } وَذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ الْحَسَدَ الْحَقِيقِيَّ الَّذِي هُوَ تَمَنِّي زَوَالِ نِعْمَةِ الْغَيْرِ قَدْ يَكُونُ غَيْرَ مَذْمُومٍ بَلْ مَحْمُودٌ مِثْلُ أَنْ يَتَمَنَّى زَوَالَ النِّعْمَةِ عَنْ الْكَافِرِ أَوْ عَمَّنْ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى الْمَعْصِيَةِ ثُمَّ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَا غِبْطَةَ أَعْظَمَ أَوْ أَفْضَلَ مِنْ الْغِبْطَةِ فِي هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ ( قُلْت ) فَكَأَنَّ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ لِعِظَمِ الْغِبْطَةِ فِيهِمَا بُولِغَ فِي شَأْنِهِمَا حَتَّى نُفِيَتْ الْغِبْطَةُ عَمَّا سِوَاهُمَا كَأَنَّ الْغِبْطَةَ فِي غَيْرِهِمَا لَيْسَتْ غِبْطَةً بِالنِّسْبَةِ لِعِظَمِ الْغِبْطَةِ فِيهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّالِثَةُ } قَوْلُهُ { رَجُلٌ } مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ بِتَقْدِيرِ مُضَافٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هُمَا خَصْلَةَ { رَجُلٍ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا } ثُمَّ حُذِفَ الْمُضَافُ وَأُقِيمَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ . { الرَّابِعَةُ } قَوْلُهُ { فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَآنَاءَ النَّهَارِ } يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْقِيَامِ بِهِ تِلَاوَتَهُ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { فَهُوَ يَتْلُوهُ مِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ وَآنَاءِ النَّهَارِ } وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْقِيَامِ بِهِ تَفَهُّمُهُ وَالِاسْتِنْبَاطُ مِنْهُ وَالتَّفَقُّهُ فِيهِ وَتَعْلِيمُهُ لِلنَّاسِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ { وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْحِكْمَةَ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا } قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْحِكْمَةُ كُلُّ مَا مَنَعَ مِنْ الْجَهْلِ وَزَجَرَ عَنْ الْقَبِيحِ ا هـ . عَلَى أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { فَهُوَ يَتْلُوهُ } مَعْنَاهُ يَتْبَعُهُ مِنْ التُّلُوِّ لَا مِنْ التِّلَاوَةِ ، وَقَدْ ذُكِرَ الِاحْتِمَالَانِ فِي قَوْله تَعَالَى { وَأَنْ أَتْلُوَ الْقُرْآنَ } وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِيَامِ بِهِ الْأَمْرَانِ تِلَاوَتُهُ وَالتَّفَقُّهُ فِيهِ وَتَعْلِيمُهُ فَكُلُّ ذَلِكَ قِيَامٌ بِهِ ، وَقَدْ قَامَ عَلَى إرَادَةِ كُلٍّ مِنْهُمَا دَلِيلٌ وَهَذَا أَظْهَرُ وَالِاشْتِغَالُ بِالتَّعَلُّمِ وَالتَّعْلِيمِ أَفْضَلُ مِنْ الِاشْتِغَالِ بِالتِّلَاوَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةُ } وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَجْعَلَ تَعْلِيمَهُ لِلنَّاسِ دَاخِلًا فِي الْقِيَامِ بِهِ فَهَلْ يُشْتَرَطُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مُتَبَرِّعًا بِهِ أَمْ يَدْخُلُ فِيهِ تَعْلِيمٌ بِأُجْرَةٍ أَيْضًا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَهُوَ يَقْضِي بِهَا وَيُعَلِّمُهَا مَعْنَاهُ يَعْمَلُ بِهَا وَيُعَلِّمُهَا احْتِسَابًا . { السَّادِسَةُ } وَيَدْخُلُ فِيهِ أَيْضًا الْقَضَاءُ بِالْعِلْمِ وَفَصْلِ الْخُصُومَاتِ بِهِ وَيَأْتِي فِيهِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ النَّوَوِيِّ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ احْتِسَابًا ، وَقَدْ بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ بَابَ أَجْرِ مَنْ قَضَى بِالْحِكْمَةِ . { السَّابِعَةُ } قَوْلُهُ { آنَاءَ اللَّيْلِ } بِالْمَدِّ أَيْ سَاعَاتُهُ وَوَاحِدُ الْآنَاءِ إنَاءٌ وَأنَاءٌ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا وَإِنْوٌ وَإِنْيٌ بِالْوَاوِ وَالْيَاءِ مَعَ كَسْرِ الْهَمْزَةِ فِيهِمَا أَرْبَعُ لُغَاتٍ . { الثَّامِنَةُ } قَوْلُهُ { فَهُوَ يُنْفِقُهُ فِي الْحَقِّ } أَيْ فِي الطَّاعَاتِ وَالْحَقُّ هُنَا وَاحِدُ الْحُقُوقِ وَهُوَ يُسْتَعْمَلُ فِي الْمَنْدُوبِ كَمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاجِبِ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ { إنَّ فِي الْمَالِ حَقًّا سِوَى الزَّكَاةِ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَقَدْ يُرَادُ بِالْحَقِّ هُنَا ضِدُّ الْبَاطِلِ وَلَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ الْمُبَاحُ بَاطِلًا ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ إنْفَاقُ الْمَالِ فِي حَقِّهِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ . ( الْأَوَّلُ ) أَنْ يُنْفِقَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَنْ تَلْزَمُهُ النَّفَقَةُ عَلَيْهِ غَيْرَ مُقَتِّرٍ عَمَّا يَجِبُ لَهُمْ وَلَا مُسْرِفٍ فِي ذَلِكَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ إذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا } وَهَذِهِ النَّفَقَةُ أَفْضَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ وَمِنْ جَمِيعِ النَّفَقَاتِ ( وَالْقِسْمُ الثَّانِي ) أَدَاءُ الزَّكَاةِ وَإِخْرَاجُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِمَنْ وَجَبَ لَهُ ( وَالْقِسْمُ الثَّالِثُ ) صِلَةُ الْأَهْلِ الْبُعَدَاءِ وَمُوَاسَاةُ الصِّدِّيقِ وَإِطْعَامُ الْجَائِعِ وَصَدَقَةُ التَّطَوُّعِ كُلُّهَا ؛ فَهَذِهِ نَفَقَةٌ مَنْدُوبٌ إلَيْهَا مَأْجُورٌ عَلَيْهَا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { السَّاعِي عَلَى الْأَرْمَلَةِ وَالْيَتِيمِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } . { التَّاسِعَةُ } أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الِاعْتِصَامِ ، وَقَالَ فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ قِرَاءَتَهُ الْكِتَابَ هُوَ فِعْلُهُ ، وَقَالَ تَعَالَى { وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ } ، وَقَالَ { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } . { الْعَاشِرَةُ } لَا يَخْفَى أَنَّ ذِكْرَ الرَّجُلِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ فَالْمَرْأَةُ كَذَلِكَ . { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيهِ أَنَّ الْغَنِيَّ إذَا قَامَ بِشُرُوطِ الْمَالِ وَفَعَلَ فِيهِ مَا يُرْضِي رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ الْفَقِيرِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ : الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى ، وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ } . { الْحَدِيثُ الرَّابِعُ } وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ( صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) قَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ { الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَالْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ وَالسُّفْلَى السَّائِلَةُ } . { فِيهِ } فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ اخْتَلَفَ عَلَى أَيُّوبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ عَبْدُ الْوَارِثِ { الْيَدُ الْعُلْيَا الْمُتَعَفِّفَةُ } ، وَقَالَ أَكْثَرُهُمْ عَنْ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ { الْيَدُ الْعُلْيَا الْمُنْفِقَةُ } ، وَقَالَ وَاحِدٌ الْمُتَعَفِّفَةُ ، وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بَلْ قَالَهُ عَنْ حَمَّادٍ اثْنَانِ أَبُو الرَّبِيعِ الزَّهْرَانِيُّ كَمَا فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ لِيُوسُفَ الْقَاضِي وَمُسَدَّدٍ كَمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ . قَالَ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ نَافِعٍ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ فَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْهُ الْمُتَعَفِّفَةُ ، وَقَالَ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ عَنْهُ الْمُنْفِقَةُ رَوَيْنَاهُمَا كَذَلِكَ فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ انْتَهَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ رِوَايَةُ مَنْ قَالَ الْمُتَعَفِّفَةُ أَشْبَهُ وَأَصَحُّ فِي الْمَعْنَى وَذَلِكَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ ذَكَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا الْكَلَامُ وَهُوَ يَذْكُرُ الصَّدَقَةَ وَالتَّعَفُّفَ مِنْهَا فَعَطَفَ الْكَلَامَ عَلَى سَبَبِهِ الَّذِي خَرَجَ عَلَيْهِ وَهُوَ مَا يُطَابِقُهُ فِي مَعْنَاهُ أَوْلَى . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا خِلَافَ عَلِمْته فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَفْظِهِ أَيْ عَلَى مَالِكٍ ، وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى أَيُّوبَ وَرِوَايَةُ مَالِكٍ أَشْبَهُ وَأَوْلَى بِالْأُصُولِ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ الْمُتَعَفِّفَةُ بِدَلِيلِ حَدِيثِ طَارِقٍ الْحَازِمِيِّ قَالَ { قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النَّاسَ وَهُوَ يَقُولُ يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ أُمَّك وَأَبَاك وَأُخْتَك وَأَخَاك ثُمَّ أَدْنَاك أَدْنَاك } ذَكَرَهُ النِّسْوِيُّ . { الثَّانِيَةُ } قَوْلُهُ وَالتَّعَفُّفُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ كَذَا فِي الْمُوَطَّإِ وَصَحِيحِ مُسْلِمٍ وَسُنَنِ النَّسَائِيّ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالْمَسْأَلَةُ بِالْوَاوِ بَدَلٌ عَنْ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَالتَّعَفُّفُ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّعَفُّفُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَكِنْ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالتَّعَفُّفُ مِنْهَا وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الصَّدَقَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا أَيْ وَالتَّعَفُّفُ مِنْ أَخْذِ الصَّدَقَةِ وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ فِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ . { الثَّالِثَةُ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : فِيهِ إبَاحَةُ الْكَلَامِ لِلْخَطِيبِ بِكُلِّ مَا يَصْلُحُ وَمَا يَكُونُ مَوْعِظَةً أَوْ عِلْمًا أَوْ قُرْبَةً إلَى اللَّهِ تَعَالَى ( قُلْت ) لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ ذَلِكَ عَلَى الْمِنْبَرِ أَنْ يَكُونَ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ . فَقَدْ كَانَ يَرْقَى الْمِنْبَرَ فِيمَا يَهُمُّ مِنْ حَادِثَةٍ وَمَوْعِظَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الرَّابِعَةُ } فِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا هِيَ الْمُنْفِقَةُ وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ وَتَقَدَّمَ عَنْ الْخَطَّابِيِّ أَنَّهَا الْمُتَعَفِّفَةُ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ بَعْدَ تَصْحِيحِ رِوَايَةِ الْمُنْفِقَةِ وَيُحْتَمَلُ صِحَّةُ الرِّوَايَتَيْنِ فَالْمُنْفِقَةُ أَعْلَى مِنْ السَّائِلَةِ وَالْمُتَعَفِّفَةُ أَعْلَى مِنْ السَّائِلَةِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ الْخَطَّابِيِّ أَنَّهُ قَالَ وَفِيهِ تَأْوِيلٌ ثَالِثٌ أَنَّ السُّفْلَى الْمَانِعَةُ ، وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَنَّ الْعُلْيَا الْآخِذَةُ ؛ لِأَنَّهَا إذَا أَخَذَتْ كَانَتْ فَوْقَ السُّفْلَى قَالَ الْقَاضِي وَهَذَانِ التَّأْوِيلَانِ يَرُدُّهُمَا مَا نَصَّ فِي الْحَدِيثِ مِنْ التَّفْسِيرِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَقَالَةَ الْخَطَّابِيِّ إنَّهَا الْمُتَعَفِّفَةُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ الْعُلْيَا الْآخِذَةُ وَالسُّفْلَى الْمَانِعَةُ حَكَاهُ الْقَاضِي انْتَهَى وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُمَا مَقَالَةٌ لِقَائِلٍ وَاحِدٍ ، وَقَدْ عَرَفْت مِنْ كَلَامِ الْقَاضِي الْمُتَقَدِّمِ أَنَّهُمَا مَقَالَتَانِ وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْعُلْيَا هِيَ الْآخِذَةُ مَحْكِيٌّ عَنْ الصُّوفِيَّةِ وَوَجَّهُوهُ بِأَنَّهَا نَائِبَةٌ عَنْ يَدِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا مُصَادِمٌ لِنَصِّ الْحَدِيثِ ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ لَيْسَتْ السُّفْلَى وَالْعُلْيَا الْمُعْطَاةُ وَالْمُعْطِيَةُ بِغَيْرِ مَسْأَلَةٍ ، وَإِنَّمَا هِيَ السَّائِلَةُ وَالْمَسْئُولَةُ وَلَيْسَتْ كُلُّ سَائِلَةٍ تَكُونُ خَيْرًا مِنْ الْمَسْئُولَةِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ لِمَنْ سَأَلَ وَأَظْهَرَ مِنْ الْفَقْرِ فَوْقَ مَا بِهِ وَأَمَّا عِنْدَ الضَّرُورَةِ أَوْ لِيُكَافِئَ فَلَيْسَ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ اسْتَطْعَمَ الْخَضِرُ وَمُوسَى أَهْلَ الْقَرْيَةِ . قَالَ الْقَاضِي وَمَا قَالَهُ غَيْرُ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْفَصْلِ الْأَخِيرِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ لِلْمُعْطِيَةِ وَالْأَجْرَ . وَأَمَّا مَنْ سَأَلَ مُظْهِرًا لِلْفَقْرِ فَسُؤَالُهُ حَرَامٌ وَلَيْسَ الْحَدِيثُ فِي مِثْلِهِ بَلْ فِيمَنْ يَجُوزُ سُؤَالُهُ انْتَهَى . وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ الْيَدُ الْعُلْيَا وَالْيَدُ السُّفْلَى الْمَانِعَةُ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ الْخَطَّابِيَّ رَجَّحَ كَوْنَ الْعُلْيَا الْمُتَعَفِّفَةَ بِحَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ لِقَوْلِهِ لَمَّا سَمِعَ هَذَا : وَمِنْك يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : وَمِنِّي ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَرْزَأُ أَحَدًا بَعْدَك شَيْئًا ، قَالَ وَلَا يُتَوَهَّمُ عَلَى حَكِيمٍ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ يَدَهُ خَيْرٌ مِنْ يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنَّمَا فُهِمَ أَنَّهَا الْمُتَعَفِّفَةُ قَالَ الْقَاضِي هَذَا لَا يَظْهَرُ مِنْ الْحَدِيثِ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ حَكِيمًا إنَّمَا رَاعَى ذَلِكَ فِي حَقِّ غَيْرِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَا فِي حَقِّهِ { وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا عَابَ عَلَى حَكِيمٍ كَثْرَةَ السُّؤَالِ } ؛ لِأَنَّ فِيهِ سَأَلْته فَأَعْطَانِي ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ثُمَّ قَالَ إنَّ هَذَا الْمَالَ خَضِرَةٌ حُلْوَةٌ ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ انْتَهَى قُلْت { فَهِمَ حَكِيمٌ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَمَّ الْأَخْذِ فَقَالَ وَمِنْك أَيْ وَلَوْ كَانَ الْأَخْذُ مِنْك فَيَدُ السَّائِلِ سُفْلَى فَلَمَّا قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْتَنَعَ مِنْ الْأَخْذِ بَعْدَ ذَلِكَ مُطْلَقًا } وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةُ } قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ يَتَوَهَّمُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ مَعْنَى الْعُلْيَا هُوَ أَنَّ يَدَ الْمُعْطِي مُسْتَعْلِيَةٌ فَوْقَ يَدِ الْآخِذِ يَجْعَلُونَهُ مِنْ عُلُوِّ الشَّيْءِ إلَى فَوْقَ وَلَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي بِالْوَجْهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ عَلَاءِ الْمَجْدِ وَالْكَرْمِ يُرِيدُ بِهِ التَّرَفُّعَ عَنْ الْمَسْأَلَةِ وَالتَّعَفُّفَ عَنْهَا وَأَنْشَدَنِي أَبُو عُمَرَ قَالَ أَنْشَدَنِي أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ أَنْشَدَنَا ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ فِي مَعْنَاهُ . إذَا كَانَ بَابُ الذُّلِّ مِنْ جَانِبِ الْغِنَى سَمَوْتُ إلَى الْعَلْيَاءِ مِنْ جَانِبِ الْفَقْرِ يُرِيدُ التَّعَزُّزَ بِتَرْكِ الْمَسْأَلَةِ وَالتَّنَزُّهَ عَنْهَا انْتَهَى . فَكَلَامُهُ أَوَّلًا عَلَى أَنَّ الْعُلْيَا هِيَ الْمُعْطِيَةُ وَثَانِيًا عَلَى أَنَّهَا هِيَ الْمُتَعَفِّفَةُ ، وَقَدْ عَرَفْت مَا فِي ذَلِكَ وَكَوْنُ الْعُلْيَا مِنْ الْعَلَاءِ وَهُوَ الْعُلُوُّ الْمَعْنَوِيُّ يَأْتِي عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا ، وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْمُرَادُ بِالْعُلْوِيِّ عُلُوُّ الْفَضْلِ وَالْمَجْدِ وَنَيْلُ الثَّوَابِ . { السَّادِسَةُ } فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي وُجُوهِ الطَّاعَةِ وَذَلِكَ يَتَنَاوَلُ الْوَاجِبَاتِ وَالسُّنَنَ الْمُؤَكَّدَةَ وَالتَّطَوُّعَاتِ الْمُطْلَقَةَ . { السَّابِعَةُ } اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى تَرْجِيحِ الْغِنَى مَعَ الْقِيَامِ بِحُقُوقِهِ عَلَى الْفَقْرِ ؛ لِأَنَّ الْعَطَاءَ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْغِنَى وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ ، وَمَنْ فَضَّلَ الْفَقْرَ أَجَابَ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْخَيْرِيَّةِ الْفَضْلَ مِنْ جِهَةِ الدِّينِ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ خَيْرٌ فِي الْإِفْضَالِ وَالْإِعْطَاءِ وَأَعْلَى هِمَّةً وَأَعْظَمُ مَجْدًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّامِنَةُ } لَمْ يَذْكُرْ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ الْمُتَعَفِّفَةَ عَنْ الْآخِذِ وَلَا الْآخِذُ بِغَيْرِ سُؤَالٍ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ السَّائِلَةَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ إنَّ كُلًّا مِنْ الْمُتَعَفِّفَةِ عَنْ الْأَخْذِ وَالْآخِذَةِ بِغَيْرِ سُؤَالٍ لَيْسَتْ عُلْيَا وَلَا سُفْلَى فَإِنَّهَا لَمْ تَأْخُذْ بِمَعَالِي الْأُمُورِ فِي الِاكْتِسَابِ وَالْإِفْضَالِ وَالْإِنْفَاقِ وَلَا بِتَسَفُّلِ الِاكْتِسَابِ وَدَنَاءَتِهِ ، وَقَدْ يُقَالُ كُلٌّ مِنْهُمَا عُلْيَا أَيْضًا لَكِنَّ عُلُوَّهَا دُونَ عُلُوِّ الْمُنْفِقَةِ ، وَقَدْ يُقَالُ كُلٌّ مِنْهُمَا سُفْلَى لِعَدَمِ أَخْذِهَا بِمَعَالِي الْأُمُورِ فِي الْإِنْفَاقِ وَلَا شَكَّ أَنَّ أَعْلَى الدَّرَجَاتِ الْمُنْفِقَةُ ثُمَّ الْمُتَعَفِّفَةُ عَنْ الْأَخْذِ ثُمَّ الْآخِذَةُ بِغَيْرِ سُؤَالٍ ثُمَّ السَّائِلَةُ وَدَرَجَاتُ الْعُلُوِّ وَالتَّسَفُّلُ مُتَفَاوِتَةٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمُنْفِقُ حَقِيقَةً ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ عَنْ مَالِكِ بْنِ نَضْلَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْأَيْدِي ثَلَاثَةٌ فَيَدُ اللَّهِ الْعُلْيَا وَيَدُ الْمُعْطِي الَّتِي تَلِيهَا وَيَدُ السَّائِلِ السُّفْلَى ، فَأَعْطِ الْفَضْلَ وَلَا تَعْجِزَ عَنْ نَفْسِك } وَكَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى الْمُنْفِقَةِ وَالسَّائِلَةِ لِحَضِّهِ عَلَى اكْتِسَابِ الْمَالِ مِنْ وَجْهِهِ وَذَمِّهِ الِاكْتِسَابَ بِالسُّؤَالِ فَإِنَّهُ أَرْذَلُ الْمَكَاسِبِ وَإِشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكْتَسِبْ احْتَاجَ إلَى السُّؤَالِ وَلِهَذَا قَالَ قَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ : وَإِيَّاكُمْ وَالْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهَا آخِرُ كَسْبِ الرَّجُلِ ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ مِنْهُ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ عَنْ النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ، ذَلِكَ بِأَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ } ، وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ ضَعِيفٍ رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ { يَدُ الْمُعْطِي الْعُلْيَا وَيَدُ الْآخِذِ السُّفْلَى إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } فَلَمْ يُقَيِّدْ الْآخِذَ بِالسُّؤَالِ وَهُوَ يَقْتَضِي كَوْنَ يَدِهِ سُفْلَى وَإِنْ لَمْ يَسْأَلْ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ وَيُقَالُ الْمُرَادُ الْآخِذُ مَعَ السُّؤَالِ بِدَلِيلِ بَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ هَذَا لَوْ صَحَّ هَذَا الْحَدِيثُ وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِلنَّوَوِيِّ فِي التَّبْوِيبِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَالسُّفْلَى الْآخِذَةُ . { التَّاسِعَةُ } فِيهِ كَرَاهَةُ السُّؤَالِ وَالتَّنْفِيرَ عَنْهُ بِتَسْمِيَةِ الْيَدِ السَّائِلَةِ سُفْلَى وَمَحَلُّهُ إذَا لَمْ تَدْعُ إلَيْهِ ضَرُورَةٌ فَإِنْ كَانَتْ بِهِ ضَرُورَةٌ بِأَنْ كَانَ عَاجِزًا غَيْرَ مُكْتَسِبٍ وَخَافَ هَلَاكَهُ فَلَا بَأْسَ بِالسُّؤَالِ حِينَئِذٍ بَلْ قَدْ يَكُونُ مَنْدُوبًا ، وَقَدْ يَكُونُ وَاجِبًا ، وَذَكَرَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ الْمَسْأَلَةَ تَنْقَسِمُ إلَى الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ : التَّحْرِيمُ وَالْكَرَاهَةُ وَالْوُجُوبُ وَالنَّدْبُ وَالْإِبَاحَةُ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ السُّؤَالَ وَاجِبٌ فِي مَوْضِعٍ جَائِزٌ فِي آخَرَ حَرَامٌ فِي آخَرَ مَنْدُوبٌ عَلَى طَرِيقٍ فَأَمَّا وُجُوبُهُ فَلِلْمُرِيدِينَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ وَظَاهِرِ حَالِهِمْ وَلِلْأَوْلِيَاءِ لِلِاقْتِدَاءِ وَجَرْيًا عَلَى عَادَةِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ أَلَا تَرَى إلَى سُؤَالِ مُوسَى وَالْخَضِرِ لِأَهْلِ الْقَرْيَةِ طَعَامًا وَهُمَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَنْزِلَةِ الْمَعْلُومَةِ ؟ . فَالتَّعْرِيفُ بِالْحَاجَةِ فَرْضٌ عَلَى الْمُحْتَاجِ وَإِذَا ارْتَفَعَتْ الضَّرُورَةُ جَازَ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ فِي الزَّائِدِ عَلَيْهَا مِمَّا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ثُمَّ أَنْشَدَ لِبَعْضِهِمْ لَمَالُ الْمَرْءِ يُصْلِحُهُ فَيُغْنِي مَفَاقِرَهُ أَعَفُّ مِنْ الْقَنُوعِ قَالَ وَإِذَا كَمُلَتْ لِلْمَرْءِ مَفَاقِرُهُ وَارْتَفَعَتْ حَاجَاتُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَسْأَلَ تَكَثُّرًا ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ السُّؤَالُ وَاجِبًا أَوْ مَنْدُوبًا أَمَّا وُجُوبُهُ فَلِلْمُحْتَاجِ وَأَمَّا الْمَنْدُوبُ فَلِمَنْ يُعَيِّنُهُ وَيُبَيِّنُ حَاجَتَهُ إنْ اسْتَحْيَا هُوَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ رَجَا أَنْ يَكُونَ بَيَانُهُ أَنْفَعَ وَأَنْجَحَ مِنْ بَيَانِ السَّائِلِ كَمَا { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْأَلُ لِغَيْرِهِ } انْتَهَى . قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فَذَكَرَ أَرْبَعَةَ أَوْجُهٍ مِنْ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ فِي الْمَسْأَلَةِ دُونَ الْخَامِسِ وَهُوَ قِسْمُ الْمَكْرُوهِ ، فَأَمَّا تَمْثِيلُهُ لِلْوَاجِبِ بِسُؤَالِ الْمُحْتَاجِ فَوَاضِحٌ ، وَأَمَّا قِسْمُ الْمَكْرُوهِ فَسُؤَالُهُ لِلسُّلْطَانِ مَعَ إمْكَانِ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ ، وَقَدْ جَمَعَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ سَمُرَةَ بِقَوْلِهِ { إلَّا أَنْ يَسْأَلَ الرَّجُلُ سُلْطَانًا أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ } فَهَذَا الْأَخِيرُ هُوَ السُّؤَالُ الْوَاجِبُ قَالَ : وَأَمَّا تَمْثِيلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ السُّؤَالَ الْوَاجِبَ بِالْمُرِيدِينَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ وَبِسُؤَالِ الْأَوْلِيَاءِ لِلِاقْتِدَاءِ وَتَمْثِيلُهُ بِسُؤَالِ مُوسَى وَالْخَضِرِ طَعَامًا مِنْ أَهْلِ الْقَرْيَةِ فَفِيهِ نَظَرٌ وَلَا يُطْلَقُ عَلَى سُؤَالِ الْمُرِيدِينَ فِي ابْتِدَائِهِمْ اسْمُ الْوُجُوبِ ، وَإِنَّمَا جَرَتْ عَادَةُ الْمَشَايِخِ الَّذِينَ يُهَذِّبُونَ أَخْلَاقَ الْمُرِيدِينَ بِفِعْلِ ذَلِكَ لِكَسْرِ أَنْفُسِهِمْ إذَا كَانَ فِي ذَلِكَ صَلَاحُهُمْ ، فَأَمَّا الْوُجُوبُ الشَّرْعِيُّ فَلَا . وَأَمَّا سُؤَالُ الْخَضِرِ وَمُوسَى فَلَا يَلْزَمُ هَذِهِ الْأُمَّةَ الِاقْتِدَاءُ بِهِمَا فِي ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْ الْخَضِرِ لِحِكْمَةٍ أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهَا لَيُبَيِّنَ لِمُوسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا يَنْتَهِي الْحَالُ إلَيْهِ فِي الْمَرَّاتِ الثَّلَاثِ انْتَهَى . وَمِنْ الصُّوَرِ الَّتِي اُخْتُلِفَ فِيهَا هَلْ السُّؤَالُ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ مَا إذَا قَدَرَ عَلَى الِاكْتِسَابِ وَفِي ذَلِكَ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ ( أَصَحُّهُمَا ) أَنَّهُ حَرَامٌ لِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ وَ ( الثَّانِي ) أَنَّهُ مَكْرُوهٌ وَمِمَّا وَرَدَ فِي سُؤَالِ الْمُحْتَاجِ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا الْمُعْطِي مِنْ سَعَةٍ بِأَفْضَلَ مِنْ الْآخِذِ إذَا كَانَ مُحْتَاجًا } . { الْعَاشِرَةُ } قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي . شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَرَدَ التَّخْصِيصُ فِي السُّؤَالِ فِي أَرْبَعَةِ أَمَاكِنَ وَهِيَ أَنْ يَسْأَلَ سُلْطَانًا أَوْ فِي أَمْرٍ لَا بُدَّ مِنْهُ أَوْ ذَا رَحِمٍ فِي حَاجَةٍ أَوْ الصَّالِحِينَ ، فَأَمَّا السُّلْطَانُ فَهُوَ الَّذِي بِيَدِهِ أَمْوَالُ الْمَصَالِحِ . وَأَمَّا الْأَمْرُ الَّذِي لَا بُدَّ مِنْهُ فَهُوَ الْحَاجَةُ الَّتِي لَا بُدَّ مِنْهَا ، وَأَمَّا ذُو الرَّحِمِ فَلِمَا وَرَدَ فِي الصَّدَقَةِ عَلَى ذِي الرَّحِمِ مِنْ الْفَضْلِ وَلِذَهَابِ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ إلَى وُجُوبِ النَّفَقَةِ عَلَيْهِ مَعَ وَصْفِ الْفَقْرِ وَالْعَجْزِ فَرَخَّصَ فِي سُؤَالِهِ ، وَأَمَّا سُؤَالُ الصَّالِحِينَ فَهُوَ فِي حَدِيثِ { ابْنِ الْفِرَاسِيِّ أَنَّهُ قَالَ : أَسْأَلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ فَقَالَ لَا ، وَإِنْ كُنْت سَائِلًا وَلَا بُدَّ فَسَلْ الصَّالِحِينَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالصَّالِحِينَ الصَّالِحُونَ مِنْ أَرْبَابِ الْأَمْوَالِ الَّذِينَ لَا يَمْنَعُونَ مَا عَلَيْهِمْ مِنْ الْحَقِّ ، وَقَدْ لَا يَعْلَمُونَ الْمُسْتَحَقَّ مِنْ غَيْرِهِ فَإِذَا عَرَفُوا بِالسُّؤَالِ الْمُحْتَاجَ أَعْطَوْهُ مِمَّا عَلَيْهِمْ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِمْ مَنْ يُتَبَرَّكُ بِدُعَائِهِ وَتُرْجَى إجَابَتُهُ إذَا دَعَا اللَّهَ لَهُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ السَّاعُونَ فِي مَصَالِحِ الْخَلْقِ بِسُؤَالِهِمْ لِمَنْ عَلِمُوا اسْتِحْقَاقَهُ مِمَّنْ عَلَيْهِ حَقٌّ فَيُعْطِيهِمْ أَرْبَابَ الْأَمْوَالِ بِوُثُوقِهِمْ بِصَلَاحِهِمْ . قَالَ وَالِدِي وَحَيْثُ جَازَ السُّؤَالُ فَيُجْتَنَبُ فِيهِ الْإِلْحَافُ وَالسُّؤَالُ بِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَرْفُوعًا { لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ إلَّا الْجَنَّةُ } قَالَ وَمَعَ ذَلِكَ فَيَنْبَغِي إعْطَاؤُهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ مُمْتَنِعًا ، لِمَا رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { مَلْعُونٌ مَنْ سَأَلَ بِوَجْهِ اللَّهِ وَمَلْعُونٌ مِنْ سُئِلَ بِوَجْهِ اللَّهِ فَمَنَعَ سَائِلَهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ هَجْرًا } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ } . { الْحَدِيثُ الْخَامِسُ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى النَّفْسِ } . { فِيهِ } فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حُصَيْنٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ . { الثَّانِيَةُ } الْعَرَضُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَبِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مَتَاعُ الدُّنْيَا وَحُطَامُهَا مِنْ أَيِّ نَوْعٍ كَانَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِزَوَالِهِ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا } وَفِي الْحَدِيثِ { الدُّنْيَا عَرَضٌ حَاضِرٌ يَأْكُلُ مِنْهُ الْبَرُّ وَالْفَاجِرُ } أَمَّا الْعَرْضُ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ فَهُوَ مَا عَدَا النَّقْدَ وَالنَّقْدُ هُوَ الدَّرَاهِمُ وَالدَّنَانِيرُ قَالَهُ أَبُو زَيْدٍ وَالْأَصْمَعِيُّ وَغَيْرُهُمَا . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْعَرْضُ الْمَتَاعُ الَّذِي لَا يَدْخُلُهُ كَيْلٌ وَلَا وَزْنٌ وَلَا يَكُونُ حَيَوَانًا وَلَا عَقَارًا . { الثَّالِثَةُ } عَنْ هُنَا يَحْتَمِلُ مَعْنَاهَا أَوْجُهًا : ( أَحَدُهَا ) أَنْ تَكُونَ لِلتَّعْلِيلِ كَمَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى { وَمَا نَحْنُ بِتَارِكِي آلِهَتِنَا عَنْ قَوْلِك } وقَوْله تَعَالَى { وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ إلَّا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إيَّاهُ } أَيْ لَيْسَ عِلِّيَّةُ الْغِنَى وَسَبَبُهُ كَثْرَةَ الْعَرَضِ ( ثَانِيهَا ) أَنْ تَكُونَ لِلظَّرْفِيَّةِ أَيْ لَيْسَ الْغِنَى بِكَثْرَةِ الْعَرَضِ ( ثَالِثُهَا ) أَنَّهَا بِمَعْنَى الْبَاءِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى } أَيْ بِالْهَوَى أَيْ لَيْسَ الْغِنَى بِكَثْرَةِ الْعَرَضِ . { الرَّابِعَةُ } قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَى الْحَدِيثِ الْغِنَى الْمَحْمُودُ غِنَى النَّفْسِ وَشِبَعُهَا وَقِلَّةُ حِرْصِهَا لَا كَثْرَةُ الْمَالِ مَعَ الْحِرْصِ عَلَى الزِّيَادَةِ ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ طَالِبًا لِلزِّيَادَةِ لَمْ يَسْتَغْنِ بِمَا مَعَهُ فَلَيْسَ لَهُ غِنًى وَسَبَقَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ إلَى ذَلِكَ ثُمَّ حَكَى عَنْ الْإِمَامِ الْمَازِرِيِّ أَنَّهُ قَالَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْغِنَى النَّافِعَ وَاَلَّذِي يَكُفُّ عَنْ الْحَاجَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى ظَاهِرِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّ كَثِيرَ الْمَالِ غِنًى انْتَهَى وَحَاصِلُ هَذَا إثْبَاتُ الْغِنَى لِغَنِيِّ النَّفْسِ وَالْمُبَالَغَةُ فِيهِ حَتَّى يَنْفِيَ الْغِنَى عَمَّنْ فَقَدَهُ وَإِنْ كَثُرَ مَالُهُ مَعَ أَنَّهُ غِنًى بِالْحَقِيقَةِ لَكِنَّهُ نُفِيَ لِانْتِفَاءِ ثَمَرَتِهِ فَإِنَّهُ وَإِنْ وُجِدَ الْغِنَى بِالْمَالِ مَعَ الْحِرْصِ فَهُوَ غَيْرُ مَحْمُودٍ وَلَا نَافِعٍ كَمَا يُسَمَّى الْعَالِمُ الَّذِي لَا يَعْمَلُ بِعِلْمِهِ جَاهِلًا لِانْتِفَاءِ ثَمَرَةِ الْعِلْمِ فِي حَقِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةُ } فِيهِ فَضْلُ الْقَنَاعَةِ وَالْحَثُّ عَلَيْهَا وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ وَعَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الشَّيْخُ عَلَى حُبِّهِ اثْنَتَيْنِ طُولُ الْحَيَاةِ وَكَثْرَةُ الْمَالِ } كَذَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ، وَقَالَ الشَّيْخَانِ { قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ } الْحَدِيثَ وَهُوَ الصَّوَابُ . { الْحَدِيثُ السَّادِسُ } وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الشَّيْخُ عَلَى حُبِّهِ اثْنَتَيْنِ طُولُ الْحَيَاةِ وَكَثْرَةُ الْمَالِ } كَذَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ . وَقَالَ الشَّيْخَانِ { قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ } الْحَدِيثَ وَهُوَ الصَّوَابُ . { فِيهِ } فَوَائِدُ . { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ { لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ شَابًّا فِي اثْنَتَيْنِ فِي حُبِّ الدُّنْيَا وَطُولِ الْأَمَلِ } وَلَفْظُ مُسْلِمٍ { قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ طُولُ الْحَيَاةِ وَحُبُّ الْمَالِ } وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { قَلْبُ الشَّيْخِ شَابٌّ عَلَى حُبِّ اثْنَتَيْنِ حُبُّ الْعَيْشِ وَالْمَالِ } ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ { يَكْبُرُ ابْنُ آدَمَ وَيَكْبُرُ مَعَهُ اثْنَتَانِ حُبُّ الْمَالِ وَطُولُ الْعُمْرِ } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عَوَانَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ بِلَفْظِ { يَهْرَمُ ابْنُ آدَمَ وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ الْحِرْصُ عَلَى الْمَالِ وَالْحِرْصُ عَلَى الْعُمْرِ } . { الثَّانِيَةُ } قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ { الشَّيْخُ عَلَى حُبِّهِ اثْنَتَيْنِ } أَيْ كَائِنٌ عَلَى حُبِّهِ اثْنَتَيْنِ وَالْمُرَادُ اسْتِمْرَارُهُ عَلَى ذَلِكَ وَدَوَامُهُ عَلَيْهِ وَأَنَّ حُبَّهُ لِهَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ لَمْ يَنْقَطِعْ عَنْهُ بِشَيْخُوخَتِهِ ، وَقَوْلُهُ { طُولُ الْحَيَاةِ } وَكَثْرَةُ الْمَالِ يَجُوزُ فِيهِمَا الرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُمَا خَبَرَانِ لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ وَيَجُوزُ فِيهِمَا النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُمَا بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ { اثْنَتَيْنِ } ، وَقَدْ ظَهَرَ بِذَلِكَ صِحَّةُ الرِّوَايَةِ فَقَوْلُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّ الصَّوَابَ لَفْظُ الشَّيْخَيْنِ كَأَنَّهُ مِنْ جِهَةِ الرِّوَايَةِ أَوْ لِأَنَّهُ أَظْهَرُ فِي الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى صَحِيحًا ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ { لَا يَزَالُ قَلْبُ الْكَبِيرِ } أَيْ فِي السِّنِّ ، وَقَوْلُهُ { شَابًّا } مُجَازٌ وَاسْتِعَارَةٌ وَمَعْنَاهُ أَنَّ قَلْبَ الشَّيْخِ كَامِلُ الْحُبِّ لِلْمَالِ مُحْتَكِمٌ فِي ذَلِكَ كَاحْتِكَامِ قُوَّةِ الشَّابِّ فِي شَبَابِهِ . قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا صَوَابُهُ انْتَهَى . وَقِيلَ وَصَفَهُ بِكَوْنِهِ شَابًّا لِوُجُودِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فِيهِ اللَّذَيْنِ هُمَا فِي الشَّبَابِ أَكْثَرُ وَبِهِمْ أَلْيَقُ لِلرَّجَاءِ فِي طُولِ أَعْمَارِهِمْ وَدَوَامِ اسْتِمْتَاعِهِمْ وَلَذَّاتِهِمْ فِي الدُّنْيَا وَحُبُّ الدُّنْيَا هُوَ كَثْرَةُ الْمَالِ وَطُولُ الْأَمَلِ هُوَ طُولُ الْحَيَاةِ الْمَذْكُورَانِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَكَذَا حُبُّ الْعَيْشِ الْمَذْكُورِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ هُوَ طُولُ الْحَيَاةِ ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { وَتَكْبُرُ مَعَهُ اثْنَتَانِ } الْمُرَادُ كِبْرُهُمَا فِي الْمَعْنَى وَقُوَّتُهُمَا وَعَدَمُ ضَعْفِهِمَا فَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { وَتَشِبُّ مِنْهُ اثْنَتَانِ } وَبِذَلِكَ يَنْدَفِعُ قَوْلُ الْقَائِلِ كَوْنُهُمَا تَشِبَّانِ مُنَافٍ لِكِبَرِهِمَا ؛ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِكِبَرِهِمَا قُوَّتُهُمَا وَذَلِكَ مُوَافِقٌ لِشَبَابِهِمَا وَلَيْسَ الْمُرَادُ كِبَرًا يُؤَدِّي إلَى الْهَرَمِ وَالضَّعْفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّالِثَةُ } فِيهِ ذَمُّ طُولِ الْأَمَلِ وَالْحِرْصِ عَلَى جَمْعِ الْمَالِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي فَضْلَ الصَّدَقَةِ لِلْغَنِيِّ وَالتَّعَفُّفِ لِلْفَقِيرِ وَهُمَا الْمُبَوَّبُ عَلَيْهِمَا . { الرَّابِعَةُ } قَالَ الْمَازِرِيُّ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْإِرَادَةَ فِي الْقَلْبِ خِلَافًا لِمَنْ رَأَى أَنَّ ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْأَعْضَاءِ وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ } . { الْحَدِيثُ السَّابِعُ } عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَأْتِيَ رَجُلًا أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَيَسْأَلَهُ أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ } . { فِيهِ } فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَفِي رِوَايَتِهِمَا حَبْلَهُ بِالْإِفْرَادِ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ فِي جُلِّ الْمُوَطَّآتِ " لِيَأْخُذَ " وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ نَافِعٍ وَمَعْنِ بْنِ عِيسَى لَأَنْ يَأْخُذَ . قَالَ وَهُوَ الْمُرَادُ وَالْمَقْصِدُ وَالْمَعْنَى مَفْهُومٌ ( قُلْت ) فِي رِوَايَتِنَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُصْعَبٍ { لَأَنْ يَأْخُذَ } وَكَذَا هُوَ فِي مُوَطَّإِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْر وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { لَأَنْ يَحْتَطِبَ أَحَدُكُمْ حُزْمَةً عَلَى ظَهْرِهِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ أَحَدًا فَيُعْطِيَهُ أَوْ يَمْنَعَهُ } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ بِمَعْنَاهُ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { لَأَنْ يَغْدُوَ أَحَدُكُمْ فَيَحْتَطِبَ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَتَصَدَّقَ بِهِ وَيَسْتَغْنِيَ بِهِ مِنْ النَّاسِ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ رَجُلًا أَعْطَاهُ أَوْ مَنَعَهُ ، ذَلِكَ بِأَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ صَحِيحٌ غَرِيبٌ يُسْتَغْرَبُ مِنْ حَدِيثِ بَيَانٍ عَنْ قَيْسٍ . { الثَّانِيَةُ } فِيهِ الْحَلِفُ لِتَقْوِيَةِ الْأَمْرِ وَتَأْكِيدِهِ . { الثَّالِثَةُ } قَوْلُهُ ( أَحْبُلَهُ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ جَمْعُ حَبْلٍ وَهُوَ مَعْرُوفٌ وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى حِبَالٍ ، وَقَوْلُهُ { فَيَحْتَطِبَ } بِتَاءِ الِافْتِعَالِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { فَيَحْطِبَ } بِغَيْرِ تَاءٍ وَهُوَ صَحِيحٌ . { الرَّابِعَةُ } فِيهِ تَرْجِيحُ الِاكْتِسَابِ عَلَى السُّؤَالِ وَلَوْ كَانَ بِعَمَلٍ شَاقٍّ كَالِاحْتِطَابِ وَلَوْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى بَهِيمَةٍ يَحْمِلُ الْحَطَبَ عَلَيْهَا بَلْ حَمَلَهُ عَلَى ظَهْرِهِ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَكْسَبَةٌ فِيهَا بَعْضُ الدَّنَاءَةِ خَيْرٌ مِنْ مَسْأَلَةِ النَّاسِ فَإِنْ قُلْت لَا خَيْرَ فِي السُّؤَالِ فَمَا وَجْهُ هَذَا التَّرْجِيحِ قُلْت ) يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ ذَلِكَ حَيْثُ اُضْطُرَّ إلَى السُّؤَالِ بِحَيْثُ لَا يَصِيرُ فِيهِ دَمٌ أَصْلًا فَتَرْكُهُ مَعَ ذَلِكَ خَيْرٌ مِنْ فِعْلِهِ وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ مَنْ أَمْكَنَهُ الِاحْتِطَابَ لَمْ يَضْطَرَّ إلَى السُّؤَالِ ( ثَانِيهِمَا ) أَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ وَهِيَ خَيْرٌ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِ التَّرْجِيحِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا } . { الْخَامِسَةُ } فِي الِاكْتِسَابِ فَائِدَتَانِ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْ السُّؤَالِ وَالتَّصَدُّقُ ، وَقَدْ ذَكَرَهُمَا فِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { فَيَتَصَدَّقُ بِهِ وَيَسْتَغْنِي مِنْ النَّاسِ } كَذَا هُوَ فِي أَكْثَرِ نُسَخِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِالْمِيمِ وَفِي بَعْضِهَا عَنْ النَّاسِ بِالْعَيْنِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَالْأَوَّلُ مَحْمُولٌ عَلَى الثَّانِي . { السَّادِسَةُ } فِيهِ فَضِيلَةُ الِاكْتِسَابِ بِعَمَلِ الْيَدِ ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْمَكَاسِبِ ، وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ أُصُولُ الْمَكَاسِبِ الزِّرَاعَةُ وَالتِّجَارَةُ وَالصَّنْعَةُ وَأَيُّهَا أَطْيَبُ ؟ فِيهِ مَذَاهِبُ لِلنَّاسِ أَشْبَهُهَا بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ التِّجَارَةَ أَطْيَبُ . قَالَ وَالْأَشْبَهُ عِنْدِي أَنَّ الزِّرَاعَةَ أَطْيَبُ ؛ لِأَنَّهَا أَقْرَبُ إلَى التَّوَكُّلِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ } قَالَ النَّوَوِيُّ فَالصَّوَابُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَمَلُ الْيَدِ فَإِنْ كَانَ زَرَّاعًا فَهُوَ أَطْيَبُ الْمَكَاسِبِ وَأَفْضَلُهَا ؛ لِأَنَّهُ عَمَلُ يَدِهِ وَلِأَنَّ فِيهِ تَوَكُّلًا كَمَا ذَكَرَهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَلِأَنَّ فِيهِ نَفْعًا عَامًّا لِلْمُسْلِمِينَ وَالدَّوَابِّ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْعَادَةِ أَنْ يُؤْكَلَ مِنْهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَيَحْصُلُ لَهُ أَجْرُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَعْمَلُ بِيَدِهِ بَلْ يَعْمَلُ لَهُ غِلْمَانُهُ وَأُجَرَاؤُهُ فَاكْتِسَابُهُ بِالزِّرَاعَةِ أَفْضَلُ لِمَا ذَكَرْنَاهُ ، وَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ فَهَذَا صَرِيحٌ فِي تَرْجِيحِ الزِّرَاعَةِ وَالصِّنَاعَةِ لِكَوْنِهِمَا مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَلَكِنَّ الزِّرَاعَةَ أَفْضَلُهُمَا لِعُمُومِ النَّفْعِ بِهَا لِلْآدَمِيِّ وَغَيْرِهِ وَعُمُومِ الْحَاجَةِ إلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَغَايَةُ مَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ تَفْضِيلُ الِاحْتِطَابِ عَلَى السُّؤَالِ وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْمَكَاسِبِ فَلَعَلَّهُ ذَكَرَهُ لِتَيَسُّرِهِ وَلَا سِيَّمَا فِي بِلَادِ الْحِجَازِ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ فِيهَا . { السَّابِعَةُ } وَفِيهِ الِاكْتِسَابُ بِالْمُبَاحَاتِ كَالْحَطَبِ وَالْحَشِيشِ النَّابِتَيْنِ فِي مَوَاتٍ وَاسْتَدَلَّ بِهِ الْمُهَلَّبُ عَلَى الِاحْتِطَابِ وَالِاحْتِشَاشِ مِنْ الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ حَتَّى يَمْنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكُ الْأَرْضِ فَتُرْفَعُ حِينَئِذٍ الْإِبَاحَةُ وَهُوَ مَرْدُودٌ فَإِنَّ النَّابِتَ فِي الْأَرْضِ الْمَمْلُوكَةِ مِلْكٌ لِمَالِكِهَا فَلَا يَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ثُمَّ حَكَى الْمُهَلَّبُ عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ حَكَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ كَانَتْ لَهُ أَرْضٌ يَمْلِكُهَا لَيْسَتْ بِأَرْضٍ خَرِبَةٍ فَإِنْ أَرَادَ أَنْ يَبِيعَ مَا يَنْبُتُ فِيهَا مِنْ الْمَرْعَى بَعْد طِيبِهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ رِزْقٌ مِنْ رِزْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يَحِلُّ لِرَبِّ الْأَرْضِ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ أَحَدًا لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يُمْنَعُ فَضْلُ الْمَاءِ لِيُمْنَعَ بِهِ الْكَلَأُ } وَلَوْ كَانَ النَّبَاتُ فِي حَائِطِ إنْسَانٍ لَمَا حَلَّ لَهُ أَنْ يَمْنَعَ مِنْهُ أَحَدًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا حِمًى إلَّا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ } ، وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ كَقَوْلِ أَشْهَبَ انْتَهَى . { الثَّامِنَةُ } أَشَارَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ إلَى الْعِلَّةِ فِي تَفْضِيلِ الِاكْتِسَابِ عَلَى السُّؤَالِ وَهِيَ أَنَّ الْيَدَ الْعُلْيَا أَفْضَلُ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَالْمُكْتَسِبُ يَدُهُ عُلْيَا إنْ تَصَدَّقَ ، وَكَذَا إنْ لَمْ يَتَصَدَّقْ وَفَسَّرْنَا الْعُلْيَا هِيَ الْمُتَعَفِّفَةُ عَنْ السُّؤَالِ فَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذَا عَلَى تَرْجِيحِ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا الْيَدُ الْعُلْيَا بِالْمُتَعَفِّفَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاكْتِسَابِ الصَّدَقَةُ لَكِنْ تَبَيَّنَ بِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّ تَفْصِيلَ الِاكْتِسَابِ هُوَ لِلصَّدَقَةِ وَالِاسْتِغْنَاءِ عَنْ النَّاسِ وَكَمَا أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاكْتِسَابِ الصَّدَقَةُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاكْتِسَابِ التَّعَفُّفُ عَنْ السُّؤَالِ فَرُبَّ مُكْتَسِبٍ مُكْتَفٍ يَسْأَلُ تَكَثُّرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لَا تَبْتَعْهُ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك } وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ نَحْوُهُ وَفِيهِ { لَا تَبْتَعْهُ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ وَاحِدٍ ، فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ } . { الْحَدِيثُ الثَّامِنُ } عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَوَجَدَهُ يُبَاعُ فَأَرَادَ أَنْ يَبْتَاعَهُ فَسَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ لَا تَبْتَعْهُ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظٍ { أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ تَصَدَّقَ بِفَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } الْحَدِيثُ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَجَعَلَاهُ مِنْ مُسْنَدِ عُمَرَ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ { سَمِعْت عُمَرَ يَقُولُ حَمَلْت عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ فَأَرَدْت أَنْ أَشْتَرِيَهُ وَظَنَنْت أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ فَسَأَلْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَا تَشْتَرِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَفِي لَفْظٍ لِلشَّيْخَيْنِ { كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ } وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْحَدِيثَ عِنْدَ جُمْهُورِ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ كَمَا رَوَيْنَاهُ إلَّا مَعْنَ بْنَ عِيسَى فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ عُمَرَ وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ عَلَى عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَرَوَاهُ الْقَطَّانُ وَعَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ عَنْهُ فِي مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ ، وَرَوَاهُ ابْنُ نُمَيْرٍ عَنْهُ مِنْ مُسْنَدِ عُمَرَ قَالَ وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَقَالَ فِيهِ { لَا تَشْتَرِهِ وَلَا شَيْئًا مِنْ نِتَاجِهِ } وَكَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالْحُمَيْدِيُّ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ انْتَهَى . وَيُوَافِقُ هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ أَنَّهُ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ يُقَالُ لَهُ غَمْرٌ أَوْ عَمْرَةٌ فَرَأَى مُهْرًا أَوْ مُهْرَةً مِنْ أَفْلَائِهَا يُبَاعُ يُنْسَبُ إلَى فَرَسِهِ فَنَهَى عَنْهَا . { الثَّانِيَةُ } قَوْلُهُ حَمَلَ عَلَى فَرَسٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي مَعْنَى الْحَمْلِ هُنَا تَأْوِيلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) هِبَتُهُ وَتَمْلِيكُهُ لَهُ لِلْجِهَادِ ( وَالثَّانِي ) تَحْبِيسُهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْحَمْلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَنْوَاعٍ ( أَوَّلُهُمَا ) أَنْ يَحْبِسَ عَلَيْهِ فَرَسًا لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ وَلَكِنْ يَغْزُو عَلَيْهِ خَاصَّةً وَيُرْكَبُ فِي الْجِهَادِ لَا غَيْرُ ( وَالثَّانِي ) أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهِ عَلَيْهِ لِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى . ( الثَّالِثُ ) أَنْ يَهَبَهُ لَهُ ( قُلْت ) فَزَادَ احْتِمَالًا ثَالِثًا وَهُوَ الصَّدَقَةُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْهِبَةِ أَنَّهَا التَّمْلِيكُ تَقَرُّبًا إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَطَلَبًا لِثَوَابِ الْآخِرَةِ . وَالْهِبَةُ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَامِّ وَالْخَاصِّ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي الْهِبَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ، فَأَمَّا إنْ حَمَلَهُ عَلَيْهِ عَلَى أَنَّهُ حَبْسٌ لَا يُبَاعُ وَلَا يُوهَبُ فَذَاكَ لَا يُشْتَرَى أَبَدًا وَإِنْ كَانَ صَدَقَةً فَفِي كِتَابِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ لَا يُشْتَرَى أَبَدًا ، وَقَالَ بَعْدَهُ تَرْكُهُ أَفْضَلُ وَهُوَ صَرِيحُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَاللَّيْثِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَفْسَخُوا الْبَيْعَ ، وَقَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ إذَا حَمَلَ عَلَى الْفَرَسِ لَا لِلسَّبِيلِ وَلَا لِلْمَسْكَنَةِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَشْتَرِيَهُ ( قُلْت ) فَأَشَارَ بِمَا نَقَلَهُ عَنْ كِتَابِ مُحَمَّدٍ إلَى الْهِبَةِ الَّتِي لَيْسَتْ صَدَقَةً وَحَاصِلُ كَلَامِهِ الْجَزْمُ بِمَنْعِ الْبَيْعِ بِتَقْدِيرِ الْوَقْفِ وَبِجَوَازِهِ بِتَقْدِيرِ الْهِبَةِ وَالْخِلَافِ بِتَقْدِيرِ الصَّدَقَةِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ ، فَأَمَّا إذَا قَالَ هُوَ لَك فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَقَالَ مَالِكٌ لَهُ بَيْعُهُ وَلَوْ أَسْقَطْت كَلِمَةً لَك لَرَكِبَهُ وَرَدَّهُ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ هُوَ مِلْكٌ لَهُ وَإِذَا قَالَ إذَا بَلَغْت بِهِ رَأْسَ مَغْزَاك فَهُوَ لَك فَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إلَّا اللَّيْثُ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مُخَاطَرَةً فَلَيْسَ فِي بَيْعٍ ، وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إذَا بَلَغْت وَادِيَ الْقُرَى فَشَأْنُك بِهِ وَفِي ذَلِكَ كُلِّهِ خِلَافُ وَلَمْ يَعْلَمْ كَيْفِيَّةَ فِعْلِ عُمَرَ فَلَا يَعْلَمُ إلَى أَيِّ شَيْءٍ يَرْجِعُ جَوَابُهُ ثُمَّ حَكَى عَنْ بَعْضِ النَّاسِ أَنَّهُ قَالَ إذَا حَمَلَهُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَا يُبَاعُ أَبَدًا ، قَالَ وَهَذَا خَطَأٌ مُخَالِفٌ لِلْحَدِيثِ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنَعَ عُمَرَ مِنْهُ خَاصَّةً وَعَلَّلَ بِعِلَّةٍ تَخْتَصُّ بِهِ دُونَ سَائِرِ النَّاسِ وَهُوَ أَنَّهُ عَوْدٌ فِي الصَّدَقَةِ انْتَهَى . وَفِي هَذَا الْإِطْلَاقِ الَّذِي حَكَاهُ عَنْ بَعْضِ النَّاسِ مَنْعُ الْبَيْعِ وَلَوْ كَانَ هِبَةً لَكِنَّهُ خَطَّأَهُ كَمَا عَرَفْت ثُمَّ أَنَّهُ صَرَّحَ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ صَدَقَةٌ فَانْتَفَى احْتِمَالُ الْهِبَةِ الْخَالِيَةِ عَنْ الصَّدَقَةِ وَالرَّاجِحُ مِنْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ أَنَّهُ تَمْلِيكٌ بِقَصْدِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ فَهُوَ هِبَةٌ وَهُوَ صَدَقَةٌ وَبِذَلِكَ جَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، فَقَالَ مَعْنَاهُ تَصَدَّقْت بِهِ وَوَهَبْته لِمَنْ يُقَاتِلُ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : الظَّاهِرُ أَنَّ عُمَرَ لَمْ يَجْعَلْهُ حَبْسًا مُطْلَقًا أَيْ عَلَى جَمِيعِ الْغُزَاةِ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينِ وَاحِدٍ وَلَا حَبَسَهُ عَلَى مَنْ حَمَلَهُ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَامْتَنَعَ بَيْعُهُ ، وَإِنَّمَا مَنَعَهُ مِنْ شِرَائِهِ فَقَطْ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ بَيْعِهِ لِغَيْرِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِلْكًا لِمَنْ حَمَلَهُ عَلَيْهِ انْتَهَى . وَمَنْ جَعَلَهُ وَقْفًا قَالَ إنَّمَا صَحَّ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ ضَاعَ بِحَيْثُ لَا يَصْلُحُ لِسَبِيلِ اللَّهِ وَتَجْوِيزِ الْبَيْعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَوْلُ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَالْجُمْهُورُ لَا يُبَاعُ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَهُوَ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَصْلُحْ لِلْكَرِّ وَالْفَرِّ صَلَحَ لِلْحَمْلِ وَكُلٌّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ انْتَهَى . وَهَذَا الَّذِي نَقَلْته عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَغَيْرِهِ تَبِعْت فِيهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَعَكَسَ ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فَنَقَلَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ مَنْعَ بَيْعِهِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ ، وَعَنْ مَالِكٍ تَجْوِيزُهُ ، وَبَقِيَ مِنْ احْتِمَالَاتِ هَذِهِ الْوَاقِعَةِ أَنْ يَكُونَ إعْطَاؤُهُ لَهُ عَلَى سَبِيلِ الْعَارِيَّةِ وَهَذَا مَدْفُوعٌ بِكَوْنِهِ بَاعَهُ فَإِنَّ الْعَارِيَّةَ مَرْدُودَةٌ غَيْرَ مَمْلُوكَةٍ كَمَا أَنَّ احْتِمَالَ الْوَقْفِ مَدْفُوعٌ بِذَلِكَ وَهَذِهِ الصُّورَةُ هِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي قَوْلِهِ هِيَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَمْ يَقُلْ لَك . { الثَّالِثَةُ } قَوْلُهُ ( لَا تَبْتَعْهُ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك ) نَهْيُ تَنْزِيهٍ لَا تَحْرِيمٍ فَيُكْرَهُ لِمَنْ تَصَدَّقَ بِشَيْءٍ أَوْ أَخْرَجَهُ فِي زَكَاةٍ أَوْ كَفَّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِنْ الْقُرُبَاتِ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِمَّنْ دَفَعَهُ هُوَ إلَيْهِ أَوْ يَتَّهِبَهُ أَوْ يَتَمَلَّكَهُ بِاخْتِيَارِهِ مِنْهُ ، فَأَمَّا إذَا وَرِثَهُ مِنْهُ فَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ ، وَكَذَا لَوْ انْتَقَلَ إلَى ثَالِثٍ ثُمَّ اشْتَرَاهُ مِنْهُ الْمُتَصَدِّقُ فَلَا كَرَاهَةَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ ، وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ النَّهْيُ عَنْ شِرَاءِ صَدَقَتِهِ لِلتَّحْرِيمِ انْتَهَى . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَكُلُّ الْعُلَمَاءِ يَقُولُونَ إذَا رَجَعَتْ إلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ طَابَتْ لَهُ إلَّا ابْنَ عُمَرَ فَإِنَّهُ كَانَ لَا يَحْبِسُهَا إذَا رَجَعَتْ إلَيْهِ بِالْمِيرَاثِ وَتَابَعَهُ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يَحْتَمِلُ فِعْلُ ابْنِ عُمَرَ أَنْ يَكُونَ وَرَعًا لَا أَنَّهُ رَآهُ وَاجِبًا وَحَكَى وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ كَرَاهَةَ شِرَائِهِ مِنْ ثَالِثٍ انْتَقَلَ إلَيْهِ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ بِهِ عَلَيْهِ لِرُجُوعِهِ فِيمَا تَرَكَهُ لِلَّهِ تَعَالَى كَمَا حَرُمَ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ سُكْنَى مَكَّةَ بَعْدَ هِجْرَتِهِمْ مِنْهَا لِلَّهِ تَعَالَى ( فَإِنْ قُلْت ) مَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ حَدِيثِ { لَا تَحِلُّ الصَّدَقَةُ لِغَنِيٍّ إلَّا لِخَمْسَةٍ لِغَازٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَوْ لِعَامِلٍ عَلَيْهَا أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ } الْحَدِيثُ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ مُرْسَلًا وَوَصَلَهُ أَبُو دَاوُد بِذِكْرِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِيهِ ( قُلْت ) فِيهِ وَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ أَخَصُّ مِنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ فَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ أَوْ لِرَجُلٍ اشْتَرَاهَا بِمَالِهِ عَلَى مَا إذَا اشْتَرَاهَا غَيْرُ الْمُتَصَدِّقِ بِهَا أَوْ اشْتَرَاهَا الْمُتَصَدِّقُ بِهَا مِنْ غَيْرِ مَنْ تَصَدَّقَ بِهَا عَلَيْهِ وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُ إذَا اشْتَرَاهَا الْمُتَصَدِّقُ بِهَا مِنْ الْمُتَصَدَّقِ بِهَا عَلَيْهِ رُبَّمَا حَابَاهُ فِي ثَمَنِهَا لِمِنَّتِهِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَيْهِ فَيَكُونُ رُجُوعًا فِي الصَّدَقَةِ بِقَدْرِ الْمُحَابَاةِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي رِوَايَةٍ ( وَظَنَنْت أَنَّهُ يَبِيعُهُ بِرُخْصٍ ) فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بَيْعُهُ بِرُخْصٍ لِعُمَرَ خَاصَّةً لِسَبْقِ مِنَّتِهِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بَيْعُهُ بِرُخْصٍ مُطْلَقًا لِكَوْنِهِ أَضَاعَهُ فَنَقَصَ ثَمَنُهُ لِلنَّقْصِ الَّذِي حَصَلَ فِيهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا فَأَضَاعَهُ الَّذِي كَانَ عِنْدَهُ وَرَجَّحَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الِاحْتِمَالَ الثَّانِيَ فَقَالَ إنَّهُ الظَّاهِرُ ، وَرَجَّحَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ الْمُرَادَ بِإِضَاعَتِهِ أَنَّهُ لَمْ يُحْسِنْ الْقِيَامَ عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ احْتِمَالًا آخَرَ أَنَّ الْمُرَادَ إضَاعَتُهُ فِي اسْتِعْمَالِهِ فِيمَا حُبِسَ لَهُ . ( ثَانِيهمَا ) أَنَّ النَّهْيَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ لِلتَّنْزِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْجُمْهُورِ وَاَلَّذِي فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ حِلُّهُ وَهُوَ صَادِقٌ مَعَ الْكَرَاهَةِ ، وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ حَدِيثَ الْبَابِ نَاسِخٌ لِذَلِكَ الْحَدِيثِ وَهُوَ مِرْوَدٌ فَإِنَّ النَّسْخَ لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ مَنْ ذَهَبَ إلَى التَّحْرِيمِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { فَإِنَّ الْعَائِدَ فِي صَدَقَتِهِ كَالْعَائِدِ فِي قَيْئِهِ } . قَالَ قَتَادَةُ وَلَا نَعْلَمُ الْقَيْءَ إلَّا حَرَامًا وَمَنْ ذَهَبَ إلَى الْكَرَاهَةِ أَخَذَ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا { كَالْكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيْئِهِ } ، وَقَالَ فِعْلُ الْكَلْبِ لَا يُوصَفُ بِتَحْرِيمٍ إذْ لَا تَكْلِيفَ عَلَيْهِ فَالْمُرَادُ التَّنْفِيرُ مِنْ الْعَوْدِ بِتَشْبِيهِهِ بِهَذَا الْمُسْتَقْذَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الرَّابِعَةُ } أَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ وَلَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك إلَى الْعِلَّةِ فِي نَهْيِهِ عَنْ الِابْتِيَاعِ وَهُوَ أَنَّهُ عَوْدٌ فِي الصَّدَقَةِ ( فَإِنْ قُلْت ) فَإِذَا كَانَ الِابْتِيَاعُ عَوْدًا فِي الصَّدَقَةِ فَمَا وَجْهُ عَطْفِهِ عَلَيْهِ ( قُلْت ) هُوَ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ وَالْمَعْنَى لَا تَعُدْ فِي صَدَقَتِك بِطَرِيقِ الِابْتِيَاعِ وَلَا غَيْرِهِ . { الْخَامِسَةُ } اسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ { وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ } عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِصَاحِبِ السِّلْعَةِ أَنْ يَبِيعَهَا بِغَبْنٍ فَاحِشٍ وَلَا رُجُوعَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ الْبَغْدَادِيُّونَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ مَتَى انْتَهَى الْغَبْنُ لِلثُّلُثِ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِي الْبَيْعِ ، وَجَعَلُوا قَوْلَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ ضَرْبَ مَثَلٍ لَا حَقِيقَةً ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ لَا مَانِعَ مِنْ الْحَقِيقَةِ فَلَا يَعْدِلُ عَنْهَا بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّادِسَةُ } اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمَنَافِعَ فِي ذَلِكَ كَالْأَعْيَانِ فَلَوْ تَصَدَّقَ عَلَى شَخْصٍ بِغَلَّةِ سِنِينَ لَمْ يَشْتَرِ الْمُتَصَدِّقُ مِنْهُ تِلْكَ الْغَلَّةَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَوَّازِ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ . { السَّابِعَةُ } اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَنْعِ الرُّجُوعِ فِي الصَّدَقَةِ وَعَلَى مَنْعِ الرُّجُوعِ فِي الْهِبَةِ مُطْلَقًا وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ إلَّا فِي هِبَةِ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ فَلَهُ الرُّجُوعُ فِيهَا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا يَحِلُّ لِرَجُلٍ أَنْ يُعْطِيَ عَطِيَّةً ثُمَّ يَرْجِعَ فِيهَا إلَّا الْوَالِدُ فِيمَا يُعْطِي وَلَدَهُ } رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا جَوَازُ رُجُوعِ الْوَالِدِ فِيمَا تَصَدَّقَ بِهِ عَلَى ابْنِهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَمَنَعَ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ وَعَكَسَ الْحَنَفِيَّةُ هَذَا فَقَالُوا بِجَوَازِ الرُّجُوعِ فِي هِبَةِ الْأَجْنَبِيِّ وَمَنَعُوا الرُّجُوعَ فِي هِبَةِ ذِي الرَّحِمِ الْمَحْرَمِ وَفِي هِبَةِ أَحَدِ الزَّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ ، وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رِوَايَتَانِ فِي رُجُوعِ الْمَرْأَةِ فِيمَا وَهَبَتْهُ لِزَوْجِهَا بِمَسْأَلَتِهِ وَمَنَعَ بَعْضُ السَّلَفِ الرُّجُوعَ فِي الْهِبَةِ مُطْلَقًا وَلَوْ أَنَّهَا مِنْ الْوَالِدِ لِوَلَدِهِ وَاتِّبَاعُ الْحَدِيثِ أَوْلَى . { الثَّامِنَةُ } فِي قَوْلِهِ { فَسَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ } مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ سُؤَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَعْرِضُ لَهُمْ مِنْ الْحَوَادِثِ . { كِتَابُ الصِّيَامِ } عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الصِّيَامُ جُنَّةٌ فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَجْهَلْ وَلَا يَرْفُثْ فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إنِّي صَائِمٌ إنِّي صَائِمٌ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ ، وَقَالَ : { أَحَدُكُمْ يَوْمًا ، وَقَالَ أَوْ شَتَمَهُ } . كِتَابُ الصِّيَامِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الصِّيَامُ جُنَّةٌ ، فَإِذَا كَانَ أَحَدُكُمْ صَائِمًا فَلَا يَجْهَلْ وَلَا يَرْفُثْ فَإِنْ امْرُؤٌ قَاتَلَهُ أَوْ شَاتَمَهُ فَلْيَقُلْ إنِّي صَائِمٌ إنِّي صَائِمٌ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ ، وَقَالَ { أَحَدُكُمْ يَوْمًا ، وَقَالَ أَوْ شَتَمَهُ } . { فِيهِ } فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد قَوْلُهُ { الصِّيَامُ جُنَّةٌ } وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِدُونِ قَوْلِهِ { الصِّيَامُ جُنَّةٌ } وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ الْحِزَامِيِّ مُقْتَصِرًا عَلَى قَوْلِهِ { الصِّيَامُ جُنَّةٌ } ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ الِاخْتِلَافَ عَلَى مَالِكٍ فِي ذِكْرِ قَوْلِهِ { الصِّيَامُ جُنَّةٌ } وَأَنَّهُ رَوَاهَا عَنْهُ الْقَعْنَبِيُّ وَيَحْيَى وَأَبُو الْمُصْعَبِ وَجَمَاعَةٌ وَلَمْ يَذْكُرْهَا ابْنُ بُكَيْر وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ { وَالصَّوْمُ جُنَّةٌ مِنْ النَّارِ وَإِنْ جَهِلَ عَلَى أَحَدِكُمْ جَاهِلٌ وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيَقُلْ إنِّي صَائِمٌ } وَقَالَ : حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . { الثَّانِيَةُ } قَوْلُهُ { الصِّيَامُ جُنَّةٌ } بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ أَيْ وِقَايَةٌ وَسُتْرَةٌ ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ جُنَّةٌ مِنْ النَّارِ ، وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَرَوَى النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِي { الصِّيَامُ جُنَّةٌ مِنْ النَّارِ كَجُنَّةِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْقِتَالِ } وَكَذَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ وَغَيْرِهِمَا أَنَّهُ جُنَّةٌ مِنْ النَّارِ ، وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ أَيْ يَقِي صَاحِبَهُ مَا يُؤْذِيهِ مِنْ الشَّهَوَاتِ وَجَمَعَ النَّوَوِيُّ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَقَالَ وَمَعْنَاهُ سِتْرٌ وَمَانِعٌ مِنْ الرَّفَثِ وَالْآثَامِ وَمَانِعٌ أَيْضًا مِنْ النَّارِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثَةَ فَقَالَ : سِتْرٌ وَمَانِعٌ مِنْ الْآثَامِ أَوْ مِنْ النَّارِ أَوْ مِنْ جَمِيعِ ذَلِكَ ، وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ ، وَإِنَّمَا كَانَ الصَّوْمُ جُنَّةً مِنْ النَّارِ ؛ لِأَنَّهُ إمْسَاكٌ عَنْ الشَّهَوَاتِ وَالنَّارُ مَحْفُوفَةٌ بِالشَّهَوَاتِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { حُفَّتْ الْجَنَّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفَّتْ النَّارُ بِالشَّهَوَاتِ } انْتَهَى وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَفِي هَذَا الْكَلَامِ تَلَازُمُ الْأَمْرَيْنِ وَأَنَّهُ إذَا كَفَّ نَفْسَهُ عَنْ الشَّهَوَاتِ وَالْآثَامِ فِي الدُّنْيَا كَانَ ذَلِكَ سَاتِرًا لَهُ مِنْ النَّارِ غَدًا . { الثَّالِثَةُ } فِي سُنَنِ النَّسَائِيّ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا { الصَّوْمُ جُنَّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا } وَرَوَاهُ الدَّارِمِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَفِيهِ بِالْغِيبَةِ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ بَابَ الصَّائِمِ يَغْتَابُ ، وَكَذَا أُورِدهُ أَبُو دَاوُد فِي بَابِ الْغِيبَةِ لِلصَّائِمِ وَأَشَارَ فِي الْحَدِيثِ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ إذَا أَتَى بِالْغِيبَةِ وَنَحْوِهَا فَقَدْ خَرَقَ ذَلِكَ السَّاتِرَ لَهُ مِنْ النَّارِ بِفِعْلِهِ فَفِيهِ تَحْذِيرُ الصَّائِمِ مِنْ الْغِيبَةِ ، وَقَدْ ذَهَبَ الْأَوْزَاعِيُّ إلَى أَنَّهَا تُفْطِرُ الصَّائِمَ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى خِلَافِهِ لَكِنْ ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ عَنْ عَائِشَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ حَكَاهُ الْمُنْذِرِيُّ . { الرَّابِعَةُ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَسْبُك بِكَوْنِ الصِّيَامِ جُنَّةً مِنْ النَّارِ فَضْلًا لِلصَّائِمِ انْتَهَى . وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ { أَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت مُرْنِي بِأَمْرٍ آخُذُهُ عَنْك ، قَالَ عَلَيْك بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَا مِثْلَ لَهُ } وَمِنْ هُنَا قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إنَّ الصَّوْمَ أَفْضَلُ الْعِبَادَاتِ الْبَدَنِيَّةِ وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ تَفْضِيلُ الصَّلَاةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَاعْلَمُوا أَنَّ خَيْرَ أَعْمَالِكُمْ الصَّلَاةُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ . { الْخَامِسَةُ } قَوْلُهُ وَلَا يَرْفُثُ بِضَمِّ الْفَاءِ وَكَسْرِهَا وَفَتْحِهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ حَكَاهُنَّ فِي الْمَشَارِقِ فَقَالَ يُقَالُ رَفَثَ بِفَتْحِ الْفَاءِ يَرْفُثُ وَيَرْفِثُ بِالضَّمِّ وَالْكَسْرِ رَفْثًا بِالسُّكُونِ فِي الْمَصْدَرِ وَبِالْفَتْحِ فِي الِاسْمِ ، وَقَدْ قِيلَ رَفَث بِكَسْرِ الْفَاءِ يَرْفَثُ بِفَتْحِهَا وَأَرْفَثَ أَيْضًا ا هـ . وَقَدْ تَبَيَّنَ مِنْ كَلَامِهِ أَنَّ فِي الْمَاضِيَ فَتْحُ الْفَاءِ وَكَسْرُهَا وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ وَهُوَ ضَمُّهَا حَكَاهَا فِي الْمُحْكَمِ عَنْ اللِّحْيَانِيِّ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْفُحْشُ مِنْ الْقَوْلِ ، وَيُطْلَقُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ عَلَى الْجِمَاعِ وَعَلَى مُقَدِّمَاتِهِ أَيْضًا وَعَلَى ذِكْرِهِ مَعَ النِّسَاءِ أَوْ مُطْلَقًا ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بَعْدَ ذِكْرِهِ أَنَّ الرَّفَثَ هُنَا السُّخْفُ وَالْفُحْشُ مِنْ الْكَلَامِ : إنَّ الْجَهْلَ مِثْلُهُ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إنَّهُ قَرِيبٌ مِنْهُ وَأَنْشَدَ أَلَا لَا يَجْهَلَنْ أَحَدٌ عَلَيْنَا فَنَجْهَلَ فَوْقَ جَهْلِ الْجَاهِلِينَا فَإِنْ قُلْت فَإِذَا كَانَ بِمَعْنَاهُ فَلِمَ عَطَفَ عَلَيْهِ وَالْعَطْفُ يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ ؟ ( قُلْت ) لَمَّا كَانَ الْجَهْلُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ خِلَافُ الْعِلْمِ ، وَالرَّفَثُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الْجِمَاعُ وَمُقَدِّمَاتِهِ وَذِكْرِهِ أُرِيدَ بِالْجَمْعِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ الدَّلَالَةُ عَلَى مَا اشْتَرَكَا فِي الدَّلَالَةِ عَلَيْهِ وَهُوَ فُحْشُ الْكَلَامِ . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي حَوَاشِي السُّنَنِ لَا يَجْهَلُ أَيْ لَا يَقُلْ قَوْلَ أَهْلِ الْجَهْلِ مِنْ رَفَثِ الْكَلَامِ وَسَفَهِهِ أَوْ لَا يَجْفُو أَحَدًا وَيَشْتُمَهُ يُقَالُ جَهِلَ عَلَيْهِ إذَا جَفَاهُ . { السَّادِسَةُ } أَشَارَ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يَوْمًا صَائِمًا إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ يَوْمٍ وَيَوْمٍ فَالْأَيَّامُ كُلُّهَا فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ فَمَتَى كَانَ صَائِمًا نَفْلًا أَوْ فَرْضًا فِي رَمَضَانَ أَوْ غَيْرِهِ فَلْيَجْتَنِبْ مَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ . { السَّابِعَةُ } قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ مَعْنَى قَاتَلَهُ دَافَعَهُ وَنَازَعَهُ وَيَكُونُ بِمَعْنَى شَاتَمَهُ وَلَاعَنَهُ ، وَقَدْ جَاءَ الْقَتْلُ بِمَعْنَى اللَّعْنِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْمَعْنَى فِي الْمُقَاتَلَةِ مُقَاتَلَتُهُ بِلِسَانِهِ . { الثَّامِنَةُ } الْمُفَاعَلَةُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ قَاتَلَهُ وَشَاتَمَهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهَا فِي وُجُودِ الْمُقَاتَلَةِ وَالْمُشَاتَمَةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَنْ يَكُفَّ نَفْسَهُ عَنْ ذَلِكَ وَيَقُولَ إنِّي صَائِمٌ ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى قَتَلَهُ مُتَعَرِّضًا لِمُقَاتَلَتِهِ وَشَتَمَهُ مُتَعَرِّضًا لِمُشَاتَمَتِهِ فَالْمُفَاعَلَةُ حِينَئِذٍ مَوْجُودَةٌ بِتَأْوِيلٍ وَهُوَ إرَادَةُ الْقَاتِلِ وَالشَّاتِمِ لِذَلِكَ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمُفَاعَلَةَ تَكُونُ لِفِعْلِ الْوَاحِدِ كَمَا يُقَالُ سَافَرَ وَعَالَجَ الْأَمْرَ وَعَافَاهُ اللَّهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَوَّلَ ذَلِكَ أَيْضًا وَقَالَ لَا تَجِيءُ الْمُفَاعَلَةُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ إلَّا بِتَأْوِيلٍ وَلَعَلَّ قَائِلًا يَقُولُ إنَّ الْمُفَاعَلَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ظَاهِرِهَا بِأَنْ يَكُونَ بَدَرَ مِنْهُ مُقَابَلَةُ الشَّتْمِ بِمِثْلِهِ بِمُقْتَضَى الطَّبْعِ بِأَنْ يَنْزَجِرَ عَنْ ذَلِكَ وَيَقُولَ إنِّي صَائِمٌ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْمُفَاعَلَةِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى شَتَمَهُ ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ { وَإِنْ جَهِلَ عَلَى أَحَدِكُمْ جَاهِلٌ } . { التَّاسِعَةُ } قَوْلُهُ { فَلْيَقُلْ إنِّي صَائِمٌ } ذَكَرَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ تَأْوِيلَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) وَبِهِ جَزَمَ الْمُتَوَلِّي وَنَقَلَهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ يَقُولُهُ فِي قَلْبِهِ لَا بِلِسَانِهِ بَلْ يُحَدِّثُ نَفْسَهُ بِذَلِكَ وَيُذَكِّرُهَا أَنَّهُ صَائِمٌ لَا يَلِيقُ بِهِ الْجَهْلُ وَالْمُشَاتَمَةُ لِيَنْزَجِرَ بِذَلِكَ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ يَقُولُ بِلِسَانِهِ وَيُسْمِعَهُ صَاحِبَهُ لِيَزْجُرَهُ عَنْ نَفْسِهِ وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ وَغَيْرِهَا فَقَالَ إنَّهُ أَظْهَرَ الْوَجْهَيْنِ ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ التَّأْوِيلَانِ حَسَنَانِ وَالْقَوْلُ بِاللِّسَانِ أَقْوَى وَلَوْ جَمَعَهُمَا كَانَ حَسَنًا انْتَهَى وَحَكَى الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ وَجْهًا وَاسْتَحْسَنَهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ صَوْمُ رَمَضَانَ فَيَقُولُهُ بِلِسَانِهِ وَإِنْ كَانَ نَفْلًا فَبِقَلْبِهِ ، وَادَّعَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ مَوْضِعَ الْخِلَافِ فِي التَّطَوُّعِ وَأَنَّهُ فِي الْفَرْضِ يَقُولُ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ قَطْعًا فَقَالَ : لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ مُصَرِّحًا بِهِ فِي صَوْمِ الْفَرْضِ كَانَ رَمَضَانَ أَوْ قَضَاءَهُ أَوْ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْفَرْضِ وَاخْتَلَفُوا فِي التَّطَوُّعِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يُصَرِّحُ بِهِ وَلْيَقُلْ لِنَفْسِهِ : إنِّي صَائِمٌ فَكَيْفَ أَقُولُ الرَّفَثَ انْتَهَى . وَيَدُلُّ عَلَى الْقَوْلِ بِاللِّسَانِ قَوْلُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ عِنْدَ النَّسَائِيّ فِيمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ يَنْهَى ذَلِكَ عَنْ مُرَاجَعَةِ الصَّائِمِ . { الْعَاشِرَةُ } فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَكْرِيرِ هَذَا الْقَوْلِ وَهُوَ إنِّي صَائِمٌ سَوَاءٌ قُلْنَا إنَّهُ يَقُولُهُ بِلِسَانِهِ أَمْ بِقَلْبِهِ لِيَتَأَكَّدَ انْزِجَارُهُ أَوْ انْزِجَارُ مَنْ يُخَاطِبُهُ بِذَلِكَ وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ إنَّمَا يَذَرُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي فَالصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ يَذَرُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ جَرَّائِي فَالصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ } . الْحَدِيثُ الثَّانِي } عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، إنَّمَا يَذَرُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ أَجْلِي فَالصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ ، كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ إنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، يَذَرُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ مِنْ جَرَّائِي فَالصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ } . { فِيهِ } فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَفِي أَوَّلِهِ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { قَالَ اللَّهُ تَعَالَى كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَالصِّيَامُ جُنَّةٌ وَإِذَا كَانَ يَوْمُ صَوْمِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَرْفُثُ وَلَا يَصْخَبُ فَإِنْ سَابَّهُ أَحَدٌ أَوْ قَاتَلَهُ فَلْيَقُلْ إنِّي امْرُؤٌ صَائِمٌ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ لِلصَّائِمِ فَرِحَتَانِ يَفْرَحُهُمَا إذَا أَفْطَرَ فَرِحَ ، وَإِذَا لَقِيَ رَبَّهُ فَرِحَ بِصَوْمِهِ } وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ { أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } وَفِي لَفْظٍ لِلنَّسَائِيِّ { إذَا أَفْطَرَ فَرِحَ بِفِطْرِهِ } وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ تُضَاعَفُ الْحَسَنَةُ عَشْرَ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَّا الصَّوْمَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ يَدَعُ شَهْوَتَهُ وَطَعَامَهُ مِنْ أَجْلِي ، لِلصَّائِمِ فَرْحَتَانِ فَرْحَةٌ عِنْدَ فِطْرِهِ وَفَرْحَةٌ عِنْدَ لِقَاءِ رَبِّهِ ، وَلَخُلُوفُ فِيهِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ } وَفِي لَفْظِ ابْنِ مَاجَهْ بَعْدَ قَوْلِهِ { إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلَى مَا شَاءَ اللَّهُ } ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سِنَانٍ ضِرَارِ بْنِ مُرَّةَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا { وَإِذَا لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَجَزَاهُ فَرِحَ } وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِنَحْوِهِ أَخَصْرَ مِنْهُ وَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ طُرُقٌ أُخْرَى . { الثَّانِيَةُ } قَوْلُهُ { لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ } هُوَ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ وَلَمْ يَذْكُرُوا سِوَاهُ ، وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ كَذَا قَيَّدْنَاهُ عَنْ الْمُتْقِنِينَ وَأَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ يَرْوُونَهُ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَهُوَ خَطَأٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَبِالْوَجْهَيْنِ ضَبَطْنَاهُ عَنْ الْقَابِسِيِّ ، وَقَالَ فِي الْإِكْمَالِ هَكَذَا الرِّوَايَةُ الصَّحِيحَةُ بِضَمِّ الْخَاءِ وَكَثِيرٌ مِنْ الشُّيُوخِ يَرْوُونَهُ بِفَتْحِهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهُوَ خَطَأٌ ، وَحَكَى عَنْ الْقَابِسِيِّ فِيهِ الْفَتْحَ وَالضَّمَّ ، وَقَالَ أَهْلُ الْمَشْرِقِ يَقُولُونَهُ بِالْوَجْهَيْنِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إنَّ الضَّمَّ هُوَ الصَّوَابُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْغَرِيبِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ اللُّغَةِ ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَا يَجُوزُ فَتْحُ الْخَاءِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَهُوَ مَا يَخْلُفُ بَعْدَ الطَّعَامِ فِي الْفَمِ مِنْ رِيحٍ كَرِيهَةٍ لِخَلَاءِ الْمَعِدَةِ مِنْ الطَّعَامِ . { الثَّالِثَةُ } فِيهِ رَدٌّ عَلَى أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ فِي قَوْلِهِ إنَّ ثُبُوتَ الْمِيمِ فِي الْفَمِ خَاصٌّ بِضَرُورَةِ الشِّعْرِ فَإِنَّهَا ثَبَتَتْ فِي قَوْلِهِ فَمُ الصَّائِمِ فِي الِاخْتِيَارِ وَمِنْ ثُبُوتِهَا مَعَ الْإِضَافَةِ أَيْضًا قَوْلُ الشَّاعِرِ يُصْبِحُ ظَمْآنَ وَفِي الْبَحْرِ فَمُهُ { الرَّابِعَةُ } اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى كَوْنِ هَذَا الْخُلُوفِ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ اسْتِطَابَةِ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ وَاسْتِقْذَارِ الرَّوَائِحِ الْخَبِيثَةِ فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ صِفَاتِ الْحَيَوَانِ الَّذِي لَهُ طَبَائِعُ تَمِيلُ إلَى شَيْءٍ فَتَسْتَطِيبُهُ وَتَنْفِرُ مِنْ شَيْءٍ فَتَتَقَذَّرُهُ عَلَى أَقْوَالٍ : ( أَحَدُهَا ) قَالَ الْمَازِرِيُّ هُوَ مَجَازٌ وَاسْتِعَارَةٌ ؛ لِأَنَّهُ جَرَتْ عَادَتْنَا بِتَقْرِيبِ الرَّوَائِحِ الطَّيِّبَةِ مِنَّا فَاسْتُعِيرَ ذَلِكَ مِنْ الصَّوْمِ لِتَقْرِيبِهِ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ عِنْدَكُمْ أَيْ إنَّهُ يُقَرِّبُ إلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ تَقْرِيبِ الْمِسْكِ إلَيْكُمْ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ نَحْوَهُ . ( الثَّانِي ) أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُجْزِيهِ فِي الْآخِرَةِ حَتَّى تَكُونَ نَكْهَتُهُ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ كَمَا قَالَ فِي الْمَكْلُومِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ( الرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ ) حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ . ( الثَّالِثُ ) أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ صَاحِبَ الْخُلُوفِ يَنَالُ مِنْ الثَّوَابِ مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ عِنْدَنَا لَا سِيَّمَا بِالْإِضَافَةِ إلَى الْخُلُوفِ وَهُمَا ضِدَّانِ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَيْضًا . ( الرَّابِعُ ) أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّهُ يُعْتَدُّ بِرَائِحَةِ الْخُلُوفِ وَتُدَّخَرُ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ أَكْثَرَ مِمَّا يُعْتَدُّ بِرِيحِ الْمِسْكِ وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَنَا نَحْنُ بِخِلَافِهِ حَكَاهُ الْقَاضِي أَيْضًا . ( الْخَامِسُ ) أَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْخُلُوفَ أَكْثَرُ ثَوَابًا مِنْ الْمِسْكِ حَيْثُ نَدَبَ إلَيْهِ فِي الْجُمَعِ وَالْأَعْيَادِ وَمَجَالِسِ الْحَدِيثِ وَالذِّكْرِ وَسَائِرِ مَجَامِعِ الْخَيْرِ قَالَهُ الدَّاوُدِيُّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ وَصَاحِبَا الْمُفْهِمِ وَبَعْضُ أَصْحَابِنَا ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ إنَّهُ الْأَصَحُّ . ( السَّادِسُ ) قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الْمَلَائِكَةِ يَسْتَطِيبُونَ رِيحَ الْخُلُوفِ أَكْثَرَ مِمَّا يَسْتَطِيبُونَ رِيحَ الْمِسْكِ . { الْخَامِسَةُ } قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ { أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } يَقْتَضِي أَنَّ طِيبَ رَائِحَةِ الْخُلُوفِ إنَّمَا هُوَ فِي الْآخِرَةِ وَيُوَافِقُهُ الْقَوْلُ الَّذِي حَكَيْنَاهُ ثَانِيًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُجْزِيهِ فِي الْآخِرَةِ حَتَّى تَكُونَ نَكْهَتُهُ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَهُ ذَكَرَ الْبَيَانَ بِأَنَّ خُلُوفَ فَمِ الصَّائِمِ قَدْ يَكُونُ أَيْضًا أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ وَلَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ حِينَ يَخْلُفُ مِنْ الطَّعَامِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ . قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَلَيْسَ فِي هَذَا اللَّفْظِ دَلِيلٌ عَلَى مَا ذُكِرَ ، وَقَوْلُهُ حِينَ يَخْلُفُ ظَرْفٌ لِوُجُودِ الْخُلُوفِ الْمَشْهُودِ لَهُ بِالطِّيبِ عِنْدَ اللَّهِ ، أَمَّا كَوْنُهُ مَشْهُودًا لَهُ بِالطِّيبِ فِي الدُّنْيَا فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ ( قُلْت ) هَذِهِ الرِّوَايَةُ ظَاهِرَةٌ فِي أَنَّ طِيبَهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ، وَحَمْلُهُ عَلَى أَنَّهُ سَبَبٌ لِلطِّيبِ فِي حَالَةٍ مُسْتَقْبَلَةٍ تَأْوِيلٌ مُخَالِفٌ لِلظَّاهِرِ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِلْقَوْلِ السَّادِسِ الَّذِي حَكَيْته عَنْ صَاحِبِ الْمُفْهِمِ احْتِمَالًا وَيَدُلُّ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْحَسَنِ بْنِ سُفْيَانَ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا { أُعْطِيت أُمَّتِي فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَمْسًا قَالَ وَأَمَّا الثَّانِي فَإِنَّهُمْ يُمْسُونَ وَخُلُوفُ أَفْوَاهِهِمْ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ } حَسَّنَهُ أَبُو بَكْرٍ السَّمْعَانِيُّ فِي أَمَالِيهِ ، وَقَدْ وَقَعَ خِلَافٌ بَيْنَ الْإِمَامَيْنِ ابْنُ الصَّلَاحِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي أَنَّ طِيبَ رَائِحَةِ الْخُلُوفِ هَلْ هُوَ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَوْ فِي الْآخِرَةِ فَقَطْ ؟ فَذَهَبَ ابْنُ الصَّلَاحِ إلَى الْأَوَّلِ وَابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ إلَى الثَّانِي وَاسْتَدَلَّ ابْنُ الصَّلَاحِ بِمَا تَقَدَّمَ قَالَ : وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى مَا ذَكَرْته فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ طِيبُهُ عِنْدَ اللَّهِ رِضَاهُ بِهِ وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَعْنَاهُ أَزْكَى عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْرَبُ إلَيْهِ وَأَرْفَعُ عِنْدَهُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي شَرْحِ السُّنَّةِ مَعْنَاهُ الثَّنَاءُ عَلَى الصَّائِمِ وَالرِّضَا بِفِعْلِهِ ، وَقَالَ الْقُدُورِيُّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ مَعْنَاهُ أَفْضَلُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ وَمِثْلُهُ قَالَ الدَّاوُدِيُّ مِنْ قُدَمَاءِ الْمَالِكِيَّةِ ، وَكَذَا قَالَ أَبُو عُثْمَانَ الصَّابُونِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ السَّمْعَانِيُّ وَأَبُو حَفْصٍ الصَّفَّارُ الشَّافِعِيُّونَ فِي أَمَالِيهِمْ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ قَالَ فَهَؤُلَاءِ أَئِمَّةُ الْمُسْلِمِينَ شَرْقًا وَغَرْبًا لَمْ يَذْكُرُوا سِوَى مَا ذَكَرْته وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَجْهًا تَخْصِيصًا بِالْآخِرَةِ بَلْ جَزَمُوا بِأَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ الرِّضَا وَالْقَبُولِ وَنَحْوِهِمَا مِمَّا هُوَ ثَابِتٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَأَمَّا ذِكْرُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ فَلِأَنَّهُ يَوْمُ الْجَزَاءِ ، وَفِيهِ يَظْهَرُ رُجْحَانُ الْخُلُوفِ فِي الْمِيزَانِ عَلَى الْمِسْكِ الْمُسْتَعْمَلِ لِدَفْعِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ طَلَبًا لِرِضَا اللَّهِ حَيْثُ يُؤْمَرُ بِاجْتِنَابِهَا وَاجْتِلَابِ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ فَخَصَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالذِّكْرِ فِي رِوَايَةٍ لِذَلِكَ كَمَا خَصَّ فِي قَوْله تَعَالَى { إنَّ رَبَّهُمْ بِهِمْ يَوْمِئِذٍ لَخَبِيرٌ } وَأَطْلَقَ فِي بَاقِي الرِّوَايَاتِ نَظَرًا إلَى أَنَّ الْأَصْلَ أَفْضَلِيَّتُهُ ثَابِتٌ فِي الدَّارَيْنِ انْتَهَى . { السَّادِسَةُ } اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى كَرَاهَةِ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ إزَالَةِ الْخُلُوفِ الْمَشْهُودِ لَهُ بِأَنَّهُ أَطْيَبُ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَبْدَأُ الْخُلُوفِ النَّاشِئِ مِنْ خُلُوِّ الْمَعِدَةِ مِنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَعِبَارَتُهُ فِي ذَلِكَ ( أُحِبُّ السِّوَاكَ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَعِنْدَ تَغَيُّرِ الْفَمِ إلَّا أَنِّي أَكْرَهُهُ لِلصَّائِمِ آخَرَ النَّهَارِ مِنْ أَجْلِ الْحَدِيثِ فِي خُلُوفِ فَمِ الصَّائِمِ ) انْتَهَى . وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْعِبَارَةِ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِالزَّوَالِ فَلِذَلِكَ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَمْ يَحِدَّ الشَّافِعِيُّ الْكَرَاهَةَ بِالزَّوَالِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْعَشِيَّ فَحَدَّدَ الْأَصْحَابُ بِالزَّوَالِ قَالَ الشَّيْخُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ الْمَقْدِسِيَّ وَلَوْ حَدُّوهُ بِالْعَصْرِ لَكَانَ أَوْلَى لِمَا فِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ عَنْ أَبِي عُمَرَ كَيْسَانَ الْقَصَّابِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ بِلَالٍ مَوْلَاهُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ ( إذَا صُمْتُمْ فَاسْتَاكُوا بِالْغَدَاةِ وَلَا تَسْتَاكُوا بِالْعَشِيِّ ) وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { لَك السِّوَاكُ إلَى الْعَصْرِ فَإِذَا صَلَّيْت الْعَصْرَ فَأَلْقِهِ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ خُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ } ( قُلْت ) لَا نُسَلِّمُ لِأَبِي شَامَةَ أَنَّ تَحْدِيدَهُ بِالْعَصْرِ أَوْلَى بَلْ إمَّا أَنْ يَحِدَّ بِالظُّهْرِ وَعَلَيْهِ تَدُلُّ عِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ يَصْدُقُ اسْمُ آخِرِ النَّهَارِ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ لِدُخُولِ النِّصْفِ الْأَخِيرِ مِنْ النَّهَارِ ، وَإِمَّا أَنْ لَا يُؤَقَّتُ بِحَدٍّ مُعَيَّنٍ بَلْ يُقَالُ يَتْرُكُ السِّوَاكَ مَتَى عَرَفَ أَنَّ تَغَيُّرَ فَمِهِ نَاشِئٌ عَنْ الصِّيَامِ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَبِاخْتِلَافِ بُعْدِ عَهْدِهِ بِالطَّعَامِ وَقُرْبِ عَهْدِهِ بِهِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَتَسَحَّرْ أَوْ تَسَحَّرَ فَالتَّحْدِيدُ بِالْعَصْرِ لَا يَشْهَدُ لَهُ مَعْنَى وَلَا فِي عِبَارَةِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ مَا يُسَاعِدُهُ وَالْأَثَرُ الْمَنْقُولُ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقْتَضِي التَّحْدِيدَ بِالزَّوَالِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ مَبْدَأُ الْعَشِيِّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ . قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ كَيْسَانُ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَمَنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَلِيٍّ غَيْرُ مَعْرُوفٍ انْتَهَى . وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَهُوَ مَذْهَبٌ ثَانٍ غَيْرُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ سَنَحْكِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَمِمَّنْ وَافَقَ الشَّافِعِيَّةَ عَلَى التَّحْدِيدِ بِالزَّوَالِ فِي ذَلِكَ الْحَنَابِلَةُ وَعِبَارَةُ الشَّيْخِ مَجْدِ الدِّينِ بْنِ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُحَرَّرِ ، وَلَا يُسَنُّ السِّوَاكُ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَهَلْ يُكْرَهُ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ ا هـ وَإِحْدَى هَاتَيْنِ الرِّوَايَتَيْنِ فِيهَا تَوَسُّطٌ نَفَتْ الِاسْتِحْبَابَ وَلَمْ تُثْبِتْ الْكَرَاهَةَ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كُرِهَ ذَلِكَ آخِرَ النَّهَارِ ، الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ انْتَهَى وَحَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَفَرَّقَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فَكَرِهَهُ فِي الْفَرْضِ بَعْدَ الزَّوَالِ وَلَمْ يَكْرَهْهُ فِي النَّفْلِ ؛ لِأَنَّهُ أَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُعْتَمَدِ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَحَكَاهُ الْمَسْعُودِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَقَدْ حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ مَذَاهِبُ . ( الْأَوَّلُ ) الْكَرَاهَةُ بَعْدَ الزَّوَالِ مُطْلَقًا . ( الثَّانِي ) الْكَرَاهَةُ آخَرَ النَّهَارِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالزَّوَالِ . ( الثَّالِثُ ) تَقْيِيدُ الْكَرَاهَةِ بِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ . ( الرَّابِعُ ) نَفْيُ اسْتِحْبَابِهِ بَعْدَ الزَّوَالِ مِنْ غَيْرِ إثْبَاتِ الْكَرَاهَةِ . الْخَامِسُ ) الْفَرْقُ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ ثُمَّ إنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا زَوَالُ الْكَرَاهَةِ بِغُرُوبِ الشَّمْسِ . وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ لَا تَزُولُ الْكَرَاهَةُ حَتَّى يُفْطِرَ فَهَذَا مَذْهَبٌ ( سَادِسٌ ) . وَذَهَبَ الْأَكْثَرُونَ إلَى اسْتِحْبَابِهِ لِكُلِّ صَائِمٍ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَفِي آخِرِهِ كَغَيْرِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْمُزَنِيِّ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ رِوَايَتِهِ حَدِيثُ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ { رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَا أُحْصِي يَتَسَوَّكُ وَهُوَ صَائِمٌ } وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ بِالسِّوَاكِ لِلصَّائِمِ بَأْسًا ، ثُمَّ قَالَ وَلَمْ يَرَ الشَّافِعِيُّ بِالسِّوَاكِ بَأْسًا أَوَّلَ النَّهَارِ وَآخِرَهُ انْتَهَى . وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ عَنْ الشَّافِعِيِّ لَا يُعْرَفُ نَقْلُهُ إلَّا فِي كَلَامِ التِّرْمِذِيِّ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَأَبُو شَامَةَ الْمَقْدِسِيَّ وَالنَّوَوِيُّ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رَخَّصَ فِيهِ لِلصَّائِمِ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ النَّخَعِيّ وَابْنُ سِيرِينَ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَرَوَيْنَا الرُّخْصَةَ فِيهِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ أَجَازَ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ لِلصَّائِمِ أَنْ يَتَسَوَّكَ بِسِوَاكٍ لَا طَعْمَ لَهُ فِي أَيِّ أَوْقَاتِ النَّهَارِ شَاءَ انْتَهَى . فَكَمُلَتْ الْمَذَاهِبُ فِي ذَلِكَ سَبْعَةٌ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَسْأَلَةٍ أُخْرَى وَهِيَ كَرَاهَةُ اسْتِعْمَالِ السِّوَاكِ الرَّطْبِ لِلصَّائِمِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فَمِمَّنْ قَالَ لَا بَأْسَ بِهِ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ ، وَرَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ وَعُرْوَةَ وَكَرِهَ ذَلِكَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، وَرَوَيْنَاهُ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَعُمَرَ وَابْنِ شُرَحْبِيلَ وَالْحَكَمِ وَقَتَادَةَ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ عُلَيَّةَ السِّوَاكُ سُنَّةٌ لِلصَّائِمِ وَالْمُفْطِرِ وَالرَّطْبُ وَالْيَابِسُ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَأْكُولٍ وَلَا مَشْرُوبٍ وَعِبَارَةُ ابْنِ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ وَالْأَخْضَرُ أَحْسَنُ مَا لَمْ يَكُنْ صَائِمًا انْتَهَى وَهَذَا اللَّفْظُ لَا يَقْتَضِي كَرَاهَةَ الْأَخْضَرِ لِلصَّائِمِ إنَّمَا يَقْتَضِي أَنَّ الْيَابِسَ أَحْسَنُ مِنْهُ لِلصَّائِمِ ، وَإِذَا جُمِعَتْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَعَ الْأُولَى تَكَثَّرَتْ الْمَذَاهِبُ فَإِنَّ مَالِكًا وَأَحْمَدَ مَعَ اتِّفَاقِهِمَا عَلَى أَنَّ الصَّائِمَ لَا يَسْتَاكُ بِالرَّطْبِ يَخْتَلِفَانِ فِي كَرَاهَةِ السِّوَاكِ لِلصَّائِمِ بَعْدَ الزَّوَالِ . فَمَالِكٌ لَا يَكْرَهُهُ وَأَحْمَدُ يَكْرَهُهُ أَوْ يَسْتَحِبُّ تَرْكَهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ وَاَلَّذِينَ لَمْ يَكْرَهُوهُ بَعْدَ الزَّوَالِ تَمَسَّكُوا بِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ مَعَ كُلِّ صَلَاةٍ } . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ يَدْخُلُ فِي هَذَا شَهْرُ رَمَضَانَ وَغَيْرُهُ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ قَالَ عُلَمَاؤُنَا لَمْ يَصِحَّ فِي سِوَاك الصَّائِمِ حَدِيثٌ نَفْيًا وَلَا إثْبَاتًا إلَّا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَضَّ عَلَيْهِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ وَكُلِّ صَلَاةٍ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَفْرِيقٍ بَيْنِ صَائِمٍ وَغَيْرِهِ وَنَدَبَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إلَى السِّوَاكِ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ صَائِمٍ وَغَيْرِهِ . وَقَدْ قَدَّمْنَا فَوَائِدَهُ الْعَشَرَةَ فِي الطَّهَارَةِ وَالصَّوْمُ أَحَقُّ بِهَا قَالَ . ==================ج13 13 13 =================== اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ وَتَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { لَخُلُوفُ فَمِ الصَّائِمِ أَطْيَبُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ } فَصَارَ مُمَدَّحًا شَرْعًا فَلَمْ تَجُزْ إزَالَتُهُ بِالسِّوَاكِ أَصْلُهُ دَمُ الشَّهِيدِ قَالَ فِيهِ { اللَّوْنُ لَوْنُ الدَّمِ وَالرِّيحُ رِيحُ الْمِسْكِ } فَلَا جَرَمَ لَا يَجُوزُ غَسْلُهُ ثُمَّ قَالَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا السِّوَاكُ لَا يُزِيلُ الْخُلُوفَ ثُمَّ حَكَى عَنْ شَيْخِهِ الْقَاضِي بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى أَبِي الْحَرَمِ مَكِّيِّ بْنِ مَرْزُوقٍ قَالَ أَفَادَنَا الْقَاضِي سَيْفُ الدِّينِ بِهَا فَقَالَ السِّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ فَلَا يُكْرَهُ كَالْمَضْمَضَةِ لِلصَّائِمِ لَا سِيَّمَا وَهِيَ رَائِحَةٌ تَتَأَذَّى بِهَا الْمَلَائِكَةُ فَلَا تُتْرَكُ هُنَالِكَ . وَأَمَّا الْخَبَرُ فَفَائِدَتُهُ عَظِيمَةٌ بَدِيعَةٌ وَهِيَ أَنَّ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّمَا مَدَحَ الْخُلُوفَ نَهْيًا لِلنَّاسِ عَنْ تَقَذُّرِ مُكَالَمَةِ الصَّائِمِينَ بِسَبَبِ الْخُلُوفِ لَا نَهْيًا لِلصُّوَّامِ عَنْ السِّوَاكِ وَاَللَّهُ غَنِيٌّ عَنْ وُصُولِ الرَّائِحَةِ الطَّيِّبَةِ إلَيْهِ فَعَلِمْنَا يَقِينًا أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِالنَّهْيِ اسْتِبْقَاءَ الرَّائِحَةِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ نَهْيَ النَّاسِ عَنْ كَرَاهَتِهَا قَالَ وَهَذَا التَّأْوِيلُ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ فِيهِ إكْرَامًا لِلصِّيَامِ وَلَا تَعَرُّضَ فِيهِ لِلسِّوَاكِ فَيَذْكُرُ أَوْ يَتَأَوَّلُ قَالَ وَأَمَّا دَمُ الشَّهِيدِ فَإِنَّمَا أَبْقَى وَأَثْنَى عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ قُتِلَ مَظْلُومًا وَيَأْتِي خَصْمًا وَمِنْ شَأْنِ حُجَّةِ الْخَصْمِ أَنْ تَكُونَ بَادِيَةً وَشَهَادَتُهُ ظَاهِرَةٌ لَا سِيَّمَا وَفِي إزَالَةِ الْخُلُوفِ إخْفَاءُ الصِّيَامِ وَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ الرِّيَاءِ انْتَهَى . وَذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ إنَّهُ يَمْنَعُ كَوْنَ السِّوَاكِ يُزِيلُ الْخُلُوفَ فَإِنَّهُ مِنْ الْمَعِدَةِ وَالْحَلْقِ لَا مِنْ مَحَلِّ السِّوَاكِ ، وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلْحِسِّ ؛ لِأَنَّ الصَّائِمَ إذَا تَغَيَّرَ فَمُهُ وَاسْتَاكَ زَالَتْ الرَّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ ، وَأَمَّا كَوْنُ أَصْلِ التَّغَيُّرِ مِنْ الْمَعِدَةِ فَأَمْرٌ آخَرُ ، ثُمَّ حُكِيَ عَنْ صَاحِبِ الْمُحْكَمِ أَنَّهُ حَكَى عَنْ اللِّحْيَانِيِّ خُلْفُ الطَّعَامِ وَالْفَمِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا يَخْلُفُ خُلُوفًا إذَا تَغَيَّرَ وَأَكَلَ طَعَامًا فَبَقِيَتْ فِي فِيهِ خُلْفَةٌ فَتَغَيَّرَ فُوهُ وَهُوَ الَّذِي يَبْقَى بَيْنَ الْأَسْنَانِ ا هـ . قَالَ وَالِدِي وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ خُلُوفَ الْفَمِ مِنْ بَقَايَا الطَّعَامِ الَّذِي بَيْنَ الْأَسْنَانِ لَا مِنْ الْمَعِدَةِ كَمَا قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ ( قُلْت ) وَيُوَافِقُ ذَلِكَ قَوْلَ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ إنَّ الْبَخَرَ الَّذِي هُوَ عَيْبٌ يُرَدُّ بِهِ مَا كَانَ مِنْ الْمَعِدَةِ دُونَ مَا كَانَ مِنْ قَلَحِ الْأَسْنَانِ ؛ لِأَنَّ هَذَا يُزِيلُهُ السِّوَاكُ بِخِلَافِ الَّذِي مِنْ الْمَعِدَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَقَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ لَك أَنْ تَقُولَ مَا الْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ إزَالَةِ دَمِ الشَّهِيدِ مَعَ أَنَّ رَائِحَتَهُ مُسَاوِيَةٌ لِرَائِحَةِ الْمِسْكِ وَعَدَمُ تَحْرِيمِ إزَالَةِ الْخُلُوفِ مَعَ كَوْنِهِ أَطْيَبَ مِنْ رِيحِ الْمِسْكِ ( قُلْت ) وَجَوَابُهُ مِنْ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ أَنَّ دَمَ الشَّهِيدِ حُجَّةٌ لَهُ عَلَى خَصْمِهِ وَلَيْسَ لِلصَّائِمِ خَصْمٌ يَحْتَجُّ عَلَيْهِ بِالْخُلُوفِ إنَّمَا هُوَ شَاهِدٌ لَهُ بِالصِّيَامِ وَذَلِكَ مَحْفُوظٌ عِنْدَ اللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ . ( ثَانِيهَا ) أَنَّ دَمَ الشَّهِيدِ حَقٌّ لَهُ فَلَا يُزَالُ إلَّا بِإِذْنِهِ ، وَقَدْ انْقَطَعَ ذَلِكَ بِمَوْتِهِ ، وَقَدْ كَانَ لَهُ غُسْلُهُ فِي حَيَاتِهِ وَالْخُلُوفُ حَقٌّ لِلصَّائِمِ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي تَرْكِ حَقِّهِ وَإِزَالَةِ مَا يَشْهَدُ لَهُ بِالْفَضْلِ . ( ثَالِثُهَا ) أَنَّ كَوْنَ رَائِحَةِ دَمِ الشَّهِيدِ كَرَائِحَةِ الْمِسْكِ أَمْرٌ حَقِيقِيٌّ وَكَوْنَ رَائِحَةِ الْخُلُوفِ أَطْيَبَ مِنْ رَائِحَةِ الْمِسْكِ أَمْرٌ حُكْمِيٌّ لَهُ تَأْوِيلٌ يَصْرِفُهُ عَنْ ظَاهِرِهِ فِي أَكْثَرِ الْأَقْوَالِ الْمُتَقَدِّمِ بَيَانُهَا . ( رَابِعُهَا ) أَنَّهُ وَرَدَ النَّهْيُ عَنْ إزَالَةِ دَمِ الشَّهِيدِ مَعَ وُجُوبِ إزَالَةِ الدَّمِ وَمَعَ وُجُوبِ غُسْلِ الْمَيِّتِ فَمَا اُغْتُفِرَ تَرْكُ هَذَيْنِ الْوَاجِبِينَ إلَّا لِتَحْرِيمِ إزَالَتِهِ فَلِذَلِكَ قُلْنَا بِتَحْرِيمِهِ وَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ فِي السِّوَاكِ ، وَإِنَّمَا قِيلَ بِالِاسْتِنْبَاطِ . ( خَامِسُهَا ) أَنَّهُ عَارَضَ ذَلِكَ فِي خُلُوفِ الصَّائِمِ بَقَاءُ الْحَيَاةِ وَهِيَ مَحَلُّ التَّكْلِيفِ وَالْعِبَادَاتِ وَمُلَاقَاةِ الْبَشَرِ فَأَمْكَنَ أَنْ يُزَالَ الْخُلُوفُ لِمَا يُعَارِضُهُ بِخِلَافِ دَمِ الشَّهِيدِ فَإِنَّهُ بِخِلَافِ ذَلِكَ . { السَّابِعَةُ } قَوْلُهُ { إنَّمَا يَذَرُ شَهْوَتَهُ } إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى حَكَاهُ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُصَرِّحْ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ بِنِسْبَتِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى لِلْعِلْمِ بِذَلِكَ وَعَدَمِ الْإِشْكَالِ فِيهِ ، وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ وَغَيْرِهِ بِحِكَايَتِهِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى . { الثَّامِنَةُ } ذِكْرُ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ بَعْدَ ذِكْرِ الشَّهْوَةِ مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ لِدُخُولِهِمَا فِيهَا وَذَلِكَ لِلِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهِمَا فَإِنَّ الِابْتِلَاءَ بِهِمَا أَعَمُّ وَأَكْثَرُ تَكَرُّرًا مِنْ غَيْرِهِمَا مِنْ الشَّهَوَاتِ . { التَّاسِعَةُ } قَدْ يُشِيرُ الْإِتْيَانُ بِصِيغَةِ الْحَصْرِ فِي قَوْلِهِ { إنَّمَا يَذَرُ شَهْوَتَهُ } إلَى أَنَّهُ إذَا أَشْرَكَ مَعَ ذَلِكَ غَيْرَهُ مِنْ مُرَاعَاةِ تَرْكِ الْأَكْلِ لِتُخَمَةٍ وَنَحْوِهَا لَا يَكُونُ الصَّوْمُ صَحِيحًا ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا أُشِيرَ بِذَلِكَ إلَى الصَّوْمِ الْكَامِلِ وَالْمَدَارُ عَلَى الدَّاعِي الْقَوِيِّ الَّذِي يَدُورُ مَعَهُ الْفِعْلُ وُجُودًا وَعَدَمًا ، وَقَدْ بَسَطَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ مَسَائِلَ تَشْرِيكِ النِّيَّةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ . { الْعَاشِرَةُ } ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى { قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى الصِّيَامُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ } مَعَ كَوْنِ الْعِبَادَاتِ كُلِّهَا لَهُ وَهُوَ الَّذِي يَجْزِي بِهَا أَقْوَالًا : أَحَدُهَا ) أَنَّ ذَلِكَ لِأَنَّ الصَّوْمَ لَا يُمْكِنُ فِيهِ الرِّيَاءُ كَمَا يُمْكِنُ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ كَفٌّ وَإِمْسَاكٌ وَحَالُ الْمُمْسِكِ شِبَعًا أَوْ فَاقَةً كَحَالِ الْمُمْسِكِ تَقَرُّبًا وَإِنَّمَا الْقَصْدُ وَمَا يُبْطِنُهُ الْقَلْبُ هُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي ذَلِكَ وَالصَّلَاةُ وَالْحَجُّ وَالزَّكَاةُ أَعْمَالٌ بَدَنِيَّةٌ ظَاهِرَةٌ يُمْكِنُ فِيهَا الرِّيَاءُ وَالسُّمْعَةُ فَلِذَلِكَ خَصَّ الصَّوْمَ بِمَا ذَكَرَهُ دُونَهَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ . ( ثَانِيهَا ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بَعْدَ حِكَايَتِهِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمَازِرِيِّ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَعْنَاهُ أَنَا أَتَوَلَّى جَزَاءَهُ إذْ لَا يَظْهَرُ فَتَكْتُبُهُ الْحَفَظَةُ إذْ لَيْسَ مِنْ أَعْمَالِ الْجَوَارِحِ الظَّاهِرَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ نِيَّةٌ وَإِمْسَاكٌ فَأَنَا أُجَازِي بِهِ مِنْ التَّضْعِيفِ فِي جَزَائِهِ عَلَى مَا أُحِبُّ انْتَهَى وَأَوَّلُ كَلَامِهِ يُشِيرُ إلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْمَازِرِيِّ وَآخِرُهُ يُشِير إلَى جَوَابٍ آخَرَ وَهُوَ أَنَّ التَّضْعِيفَ فِي جَزَائِهِ غَيْرُ مُقَدَّرٍ ، وَقَدْ حَكَاهُ الْقَاضِي بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ وَقِيلَ لِي أَيُّ الْمُنْفَرِدِ يَعْلَمُ مِقْدَارَ ثَوَابِهِ وَتَضْعِيفَ حَسَنَاتِهِ كَمَا قَالَ { وَأَنَا أَجْزِي بِهِ } قَالَ وَغَيْرُهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ اطَّلَعْت عَلَى مَقَادِيرِ أُجُورِهَا كَمَا قَالَ كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا . الْحَدِيثَ ، وَالصَّوْمُ مَوْكُولٌ إلَى سَعَةِ جُودِهِ وَغَيْبِ عِلْمِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى { إنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } ( قُلْت ) وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي نَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا صَرِيحَةٌ فِي مُسَاعَدَةِ هَذَا الْجَوَابِ فَإِنَّهُ اسْتَثْنَى فِيهَا الصِّيَامَ مِنْ التَّضْعِيفِ فَقَالَ كُلُّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ وَاعْتَرَضَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ بِأَنَّ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ صَوْمَ الْيَوْمِ بِعَشْرَةٍ وَأَنَّ صِيَامَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ صِيَامُ الدَّهْرِ قَالَ وَهَذِهِ نُصُوصٌ فِي إظْهَارِ التَّضْعِيفِ فَضَعُفَ هَذَا الْوَجْهُ بَلْ بَطَلَ . ( ثَالِثُهَا ) قَالَ الْقَاضِي أَيْضًا قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ { لِي } أَيْ لَيْسَ لِلصَّائِمِ فِيهِ حَظٌّ ( قُلْت ) وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { كُلُّ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ } ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا فَاسْتَثْنَى الصِّيَامَ مِنْ كَوْنِ عَمَلِ ابْنِ آدَمَ لَهُ . ( رَابِعُهَا ) قَالَ لِلْقَاضِي أَيْضًا وَقِيلَ إنَّ الِاسْتِغْنَاءَ عَنْ الطَّعَامِ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى فَكَأَنَّهُ يَتَقَرَّبُ إلَى اللَّهِ بِمَا يَتَعَلَّقُ بِشِبْهِ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ وَإِنْ كَانَ تَعَالَى لَا شَبَهَ لَهُ فِي صِفَاتِهِ . ( خَامِسُهَا ) ذَكَرَ بَعْضُهُمْ فِي مَعْنَى إضَافَتِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنَّ الصَّائِمَ عَلَى صِفَةِ مَلَائِكَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي تَرْكِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالشَّهَوَاتِ . ( سَادِسُهَا ) أَنَّ فِي إضَافَةِ الصِّيَامِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى تَخْصِيصَهُ وَتَشْرِيفَهُ كَمَا يُقَالُ بَيْتُ اللَّهِ وَنَاقَةُ اللَّهِ وَمَسْجِدُ اللَّهِ وَجَمِيعُ الْمَخْلُوقَاتِ لِلَّهِ تَعَالَى حَكَاهُ الْقَاضِي أَيْضًا . ( سَابِعُهَا ) قِيلَ سَبَبُ إضَافَتِهِ إلَيْهِ أَنَّهُ لَمْ يُعْبَدْ بِهِ أَحَدٌ سِوَاهُ فَلَمْ تُعَظِّمْ الْكُفَّارُ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ مَعْبُودًا لَهُمْ بِالصِّيَامِ وَإِنْ كَانُوا يُعَظِّمُونَهُ بِصُورَةِ الصَّلَاةِ وَالسُّجُودِ وَالصَّدَقَةِ وَالذِّكْرِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَنَقَضَهُ بَعْضُهُمْ بِأَرْبَابِ الِاسْتِخْدَامَاتِ فَإِنَّهُمْ يَصُومُونَ لِلْكَوَاكِبِ قَالَ وَلَيْسَ هَذَا بِنَقْضٍ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ أَرْبَابَ الِاسْتِخْدَامَاتِ لَا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْكَوَاكِبَ آلِهَةٌ ، وَإِنَّمَا يَقُولُونَ إنَّهَا فَعَّالَةٌ بِأَنْفُسِهَا وَإِنْ كَانَتْ عِنْدَهُمْ مَخْلُوقَةً . ( ثَامِنُهَا ) أَنَّ مَعْنَى هَذِهِ الْإِضَافَةِ أَنَّ سَائِرَ الْعَادَاتِ يُوَفَّى مِنْهَا مَا عَلَى الْعَبْدِ مِنْ الْحُقُوقِ إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ يَبْقَى مُوَفَّرًا لِصَاحِبِهِ لَا يُوَفَّى مِنْهُ حَقٌّ ، وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ، وَقَدْ كُنْت أَسْتَحْسِنُهُ إلَى أَنْ فَكَّرْت فِي حَدِيثِ الْمُقَاصَّةِ فَوَجَدْت فِيهِ ذِكْرَ الصَّوْمِ فِي جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ الْمَذْكُورَةِ لِلْأَخْذِ مِنْهَا فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ { الْمُفْلِسُ الَّذِي يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِصَلَاةٍ وَصَدَقَةٍ وَصِيَامٍ وَيَأْتِي وَقَدْ شَتَمَ هَذَا } الْحَدِيثَ قَالَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصِّيَامَ يُؤْخَذُ كَسَائِرِ الْأَعْمَالِ انْتَهَى . ( قُلْت ) إذَا صَحَّ ذَلِكَ الِاسْتِثْنَاءُ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى هَذَا الْعُمُومِ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } ظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّ أَقَلَّ التَّضْعِيفِ عَشْرَةُ أَمْثَالٍ وَغَايَتُهُ سَبْعُمِائَةِ ضِعْفٍ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى { وَاَللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ } فَقِيلَ الْمُرَادُ يُضَاعِفُ هَذَا التَّضْعِيفَ وَهُوَ السَّبْعُمِائَةِ وَقِيلَ الْمُرَادُ يُضَاعِفُ فَوْقَ السَّبْعِمِائَةِ لِمَنْ يَشَاءُ ، وَقَدْ وَرَدَ التَّضْعِيفُ بِأَكْثَرَ مِنْ السَّبْعِمِائَةِ فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { صَلَاةٌ فِي مَسْجِدِي هَذَا خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ صَلَاةٍ فِيمَا سِوَاهُ إلَّا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ { صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بِمِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي } رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَفِي حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ { أَنَّ مَنْ قَالَ فِي سُوقٍ مِنْ الْأَسْوَاقِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كُتِبَتْ لَهُ أَلْفُ أَلْفُ حَسَنَةٍ } الْحَدِيثُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ ، وَقَالَ هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { مَنْ حَجَّ مِنْ مَكَّةَ مَاشِيًا حَتَّى يَرْجِعَ إلَى مَكَّةَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ لِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعُمِائَةِ حَسَنَةٍ كُلُّ حَسَنَةٍ مِثْلُ حَسَنَاتِ الْحَرَمِ ، قِيلَ وَمَا حَسَنَاتُ الْحَرَمِ ؟ قَالَ بِكُلِّ حَسَنَةٍ مِائَةُ أَلْفِ حَسَنَةٍ } أَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فَهَذَا أَكْثَرُ مَا رَأَيْته وَرَدَ فِي التَّضْعِيفِ وَهُوَ أَنَّ بِكُلِّ خُطْوَةٍ سَبْعِينَ أَلْفِ أَلْفِ حَسَنَةٍ . قَالَ وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ انْتِهَاءَ التَّضْعِيفِ بِدَلِيلِ أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ كُلَّ حَسَنَةٍ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ فَقَدْ بَيَّنَ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ أَنَّ التَّضْعِيفَ يُزَادُ عَلَى السَّبْعِمِائَةِ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ عَلَى الصَّحِيحِ انْتَهَى . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ { إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلَى مَا شَاءَ اللَّهُ } . { الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ } قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي قَوْلِهِ { إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ } يَعْنِي بِظَاهِرِهِ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَفِيهِ يَنْتَهِي التَّضْعِيفُ إلَى سَبْعِمِائَةٍ مِنْ الْعَدَدِ بِنَصِّ الْقُرْآنِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ { الْعَمَلَ الصَّالِحَ فِي أَيَّامِ الْعَشْرِ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ مِنْ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا رَجُلٌ خَرَجَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ بِشَيْءٍ } قَالَ فَهَذَانِ عَمَلَانِ انْتَهَى . قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ ( قُلْت ) ( وَعَمَلٌ ثَالِثٌ ) فَفِي الْحَدِيثِ النَّفَقَةُ فِي الْحَجِّ تُضَاعَفُ كَالنَّفَقَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الدِّرْهَمُ بِسَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ( قُلْت ) رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ قَالَ ( وَعَمَلٌ رَابِعٌ ) وَهُوَ كَلِمَةُ حَقٍّ عِنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ فَفِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَفْضَلُ الْجِهَادِ ( قُلْت ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُمْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِلَفْظِ كَلِمَةُ عَدْلٍ قَالَ ( وَعَمَلٌ خَامِسٌ ) وَهُوَ ذِكْرُ اللَّهِ تَعَالَى فَفِي حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِخَيْرِ أَعْمَالِكُمْ وَأَزْكَاهَا عِنْدَ مَلِيكِكُمْ وَأَرْفَعِهَا فِي دَرَجَاتِكُمْ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ إنْفَاقِ الذَّهَبِ وَالْوَرِقِ وَخَيْرٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَلْقَوْا عَدُوَّكُمْ فَتَضْرِبُوا أَعْنَاقَهُمْ وَيَضْرِبُوا أَعْنَاقَكُمْ ؟ قَالُوا بَلَى ، قَالَ ذِكْرُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ ، وَقَالَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ دَرَّاجٍ عَنْ أَبِي الْهَيْثَمِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ أَيُّ الْعِبَادِ أَفْضَلُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ؟ قَالَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ كَثِيرًا . قَالَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمِنْ الْغَازِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالَ لَوْ ضَرَبَ بِسَيْفِهِ فِي الْكُفَّارِ وَالْمُشْرِكِينَ حَتَّى يَنْكَسِرَ وَيَخْتَضِبَ دَمًا لَكَانَ الذَّاكِرِينَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَفْضَلَ مِنْهُ دَرَجَةً } . قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثٍ فِيهِ { وَمَا مِنْ شَيْءٍ أَنْجَى مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ قَالُوا وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالَ وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا أَنْ يَضْرِبَ بِسَيْفِهِ حَتَّى يَنْقَطِعَ } . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا مِنْ عَمَلِ آدَمِيٍّ أَنْجَى لَهُ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ قَالُوا وَلَا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ قَالَ لَا إلَّا أَنْ تَضْرِبَ بِسَيْفِك حَتَّى يَنْقَطِعَ ثَلَاثَ مِرَارٍ } انْتَهَى . وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ : { لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { فَأَقْدِرُوا ثَلَاثِينَ } وَلِلْبُخَارِيِّ { فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ } وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ } وَلِمُسْلِمٍ { فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا } . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ { لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ . ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ : { فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ } وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ حَمَّادِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَضَرَبَ بِيَدَيْهِ فَقَالَ الشَّهْرُ هَكَذَا وَهَكَذَا وَهَكَذَا ثُمَّ عَقَدَ إبْهَامَهُ فِي الثَّالِثَةِ صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا ثَلَاثِينَ } ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَقَالَ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا ثَلَاثِينَ بِنَحْوِ حَدِيثِ أَبِي أُسَامَةَ ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ ، وَقَالَ { فَاقْدِرُوا لَهُ } وَلَمْ يَقُلْ ثَلَاثِينَ ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلِ بْنِ جَعْفَرٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً فَلَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ { وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ إلَّا أَنْ يَغُمَّ عَلَيْكُمْ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ } وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ { إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ } وَلَهُ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ طُرُقٌ أُخْرَى . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَكَذَا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ جَمَاعَةٌ أَصْحَابُ نَافِعٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالُوا فِيهِ { فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ } ، وَكَذَا رَوَاهُ سَالِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ { فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ ثَلَاثِينَ } لَمْ يَقُلْ فَاقْدِرُوا لَهُ وَالْمَحْفُوظُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { فَاقْدِرُوا لَهُ } ، وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِهِلَالِ رَمَضَانَ إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَصُومُوا ثُمَّ إذَا رَأَيْتُمُوهُ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ ثَلَاثِينَ } قَالَ وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي رَوَّادٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ جَعَلَ الْأَهِلَّةَ مَوَاقِيتَ لِلنَّاسِ ، فَصُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ } فَهَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَحُذَيْفَةُ وَأَبُو بَكْرَةَ وَطَلْقٌ الْحَنَفِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ ثَلَاثِينَ } بِمَعْنًى وَاحِدٍ انْتَهَى ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { فَاقْدِرُوا ثَلَاثِينَ } وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ } فَكَيْفَ يَسْتَغْرِبُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا وَيَنْقُلُهُ مِنْ طُرُقٍ غَرِيبَةٍ وَلَمَّا ذَكَرَ هُوَ فِي التَّمْهِيدِ رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ذَكَرَهَا بِلَفْظِ { فَاقْدِرُوا لَهُ } لَيْسَ فِيهَا فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ ، وَقَالَ هَكَذَا هُوَ عِنْدَ جَمَاعَةِ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ فَلَمْ يَسْتَحْضِرْ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا عَلَيْهِ وَهَذَا الْبُخَارِيُّ قَدْ رَوَاهُ فِي صَحِيحه مِنْ طَرِيقِ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ { فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ } ، وَكَذَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ عَنْهُ ، وَقَالَ فِي الْمَعْرِفَةِ هَكَذَا رَوَاهُ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ ، وَقَالَ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى وَإِنْ كَانَتْ رِوَايَةُ الشَّافِعِيِّ وَالْقَعْنَبِيِّ مِنْ جِهَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْهُ مَحْفُوظَةً فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ رَوَاهُ عَلَى اللَّفْظَتَيْنِ جَمِيعًا انْتَهَى . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ جَوَازُ أَنْ يُقَالَ رَمَضَانُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّهْرِ بِلَا كَرَاهَةٍ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَهُوَ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ الَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ الْبُخَارِيُّ وَالْمُحَقِّقُونَ وَهُوَ الصَّوَابُ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يُقَالُ رَمَضَانُ عَلَى انْفِرَادِهِ بِحَالٍ ، وَإِنَّمَا يُقَالُ شَهْرُ رَمَضَانَ وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَزَعَمَ هَؤُلَاءِ أَنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يُقَيَّدَ ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ إنْ كَانَ هُنَاكَ قَرِينَةٌ تَصْرِفُهُ إلَى الشَّهْرِ فَلَا كَرَاهَةَ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ . قَالُوا فَيُقَالُ صُمْنَا رَمَضَانَ وَقُمْنَا رَمَضَانَ وَرَمَضَانُ أَفْضَلُ الْأَشْهُرِ وَيُنْدَبُ طَلَبُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي أَوَاخِرِ رَمَضَانَ وَأَشْبَاهُ ذَلِكَ وَلَا كَرَاهَةَ فِي هَذَا كُلِّهِ ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ جَاءَ رَمَضَانُ وَدَخَلَ رَمَضَانُ وَحَضَرَ رَمَضَانُ وَأُحِبُّ رَمَضَانَ وَنَحْوُ ذَلِكَ . قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ فَاسِدَانِ ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ إنَّمَا تَثْبُتُ بِنَهْيِ الشَّرْعِ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَهْيٌ ، وَقَوْلُهُمْ أَنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَاءَ فِيهِ أَثَرٌ ضَعِيفٌ وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ لَا تُطْلَقُ إلَّا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ اسْمٌ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ كَرَاهَةٌ انْتَهَى . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ النَّهْيُ عَنْ صَوْمِ شَهْرِ رَمَضَانَ قَبْلَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ أَيْ إذَا لَمْ يَكْمُلْ عَدَدُ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا وَلَوْ اقْتَصَرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَهِيَ قَوْلُهُ { لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ } لَحَصَّلَتْ الْغَرَضَ وَدَلَّتْ عَلَى مَنْعِ الصَّوْمِ فِي كُلِّ صُورَةٍ لَمْ يُرَ فِيهَا الْهِلَالُ لَكِنَّهُ زَادَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا بِقَوْلِهِ { فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ } . وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي لِلتَّأْكِيدِ أَوْرَثَتْ عِنْدَ الْمُخَالِفِ شُبْهَةً بِحَسَبِ تَفْسِيرِهِ لِقَوْلِهِ { فَاقْدِرُوا لَهُ } فَالْجُمْهُورُ قَالُوا مَعْنَاهُ قَدَرُوا لَهُ تَمَامَ الْعَدَدِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَيْ اُنْظُرُوا فِي أَوَّلِ الشَّهْرِ وَاحْسُبُوا تَمَامَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ قَدَرْت الشَّيْءَ بِالتَّخْفِيفِ أَقْدُرُهُ بِضَمِّ الدَّالِ وَكَسْرِهَا وَقَدَّرْته بِالتَّشْدِيدِ وَأَقْدَرْته بِهَمْزَةِ أَوَّلِهِ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَهُوَ مِنْ التَّقْدِيرِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ } . وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ { فَاقْدُرُوا ثَلَاثِينَ } وَفِي رِوَايَةٍ { فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ } وَفِي رِوَايَةٍ { فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ } . وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى وَهِيَ كُلُّهَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَالرِّوَايَاتُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَالْحَدِيثُ إذَا جُمِعَتْ طُرُقُهُ تَبَيَّنَ الْمُرَادُ مِنْهُ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا عِدَّةَ شَعْبَانَ ثَلَاثِينَ } . رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { فَصُومُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا } وَلَيْسَ ذَلِكَ اضْطِرَابًا فِي الْخَبَرِ ؛ لِأَنَّا مَأْمُورُونَ بِذَلِكَ فِي الصَّوْمِ وَالْفِطْرِ ، وَقَدْ { ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُورَةَ الْغَمِّ عَلَيْنَا بَعْدَ قَوْلِهِ لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَعَادَ إلَى الصُّورَتَيْنِ مَعًا } أَيْ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فِي صَوْمِكُمْ أَوْ فِطْرِكُمْ فَذَكَرَ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ إحْدَى الصُّورَتَيْنِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الصُّورَةُ الْأُخْرَى وَأَتَى فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ بِعِبَارَةٍ مُتَنَاوِلَةٍ لَهُمَا فَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ } . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { فَأَكْمِلُوا الْعَدَدَ } وَمِنْ الْعَجِيبِ اعْتِرَاضُ بَعْضِ الْحَنَابِلَةِ عَلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بِأَنَّ الْإِسْمَاعِيلِيَّ قَدْ أَخْرَجَهَا فِي مُسْتَخْرَجِهِ مِنْ رِوَايَةِ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ بِلَفْظِ { فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ } ثُمَّ عَدَّ جَمَاعَةٌ رَوَوْهُ عَنْ شُعْبَةَ كَذَلِكَ ثُمَّ قَالَ هَذَا الْحَنْبَلِيُّ وَهَذَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ آدَمَ بْنِ أَبِي إيَاسٍ رَوَاهُ عَلَى التَّفْسِيرِ مِنْ عِنْدِهِ لِلْخَبَرِ انْتَهَى . وَغَايَتُهُ أَنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ خَاصَّةٌ وَالرِّوَايَةُ الَّتِي حَكَاهَا عَنْ غَيْرِهِ عَامَّةٌ تَتَنَاوَلُ شَعْبَانَ وَرَمَضَانَ فَلَا مَعْنَى لِحَمْلِهَا عَلَى رَمَضَانَ لَا سِيَّمَا وَهُمْ يُؤَوِّلُونَ قَوْلَهُ { فَاقْدِرُوا لَهُ } كَمَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَيَحْمِلُونَهُ عَلَى تَقْدِيرِ الْهِلَالِ تَحْتَ السَّحَابِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ شَعْبَانُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مُخَالَفَةِ كَلَامِ هَذَا الْحَنْبَلِيِّ لِكَلَامِ أَئِمَّتِهِ وَلَا جَائِزَ أَنْ يُحْمَلَ الشَّرْطُ فِي قَوْلِهِ { فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ } عَلَى صُورَةٍ وَالْجَزَاءُ وَهُوَ قَوْلُهُ { فَعُدُّوا ثَلَاثِينَ } عَلَى صُورَةٍ غَيْرِهَا . وَلَقَدْ أَنْصَفَ الْإِمَامُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ الْهَادِي وَهُوَ مِنْ أَعْيَانِ مُتَأَخِّرِي الْحَنَابِلَةِ فَقَالَ فِي تَنْقِيحِ التَّحْقِيقِ الَّذِي دَلَّتْ عَلَيْهِ أَحَادِيثُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ مُقْتَضَى الْقَوَاعِدِ أَنَّ أَيَّ شَهْرٍ غُمَّ أُكْمِلَ ثَلَاثِينَ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ شَعْبَانُ وَرَمَضَانُ وَغَيْرُهُمَا وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ يَرْجِعُ إلَى الْجُمْلَتَيْنِ وَهُمَا قَوْلُهُ { صُومُوا لِرُؤْيَتِهِ وَأَفْطِرُوا لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ } أَيْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فِي صَوْمِكُمْ وَفِطْرِكُمْ هَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ اللَّفْظِ وَبَاقِي الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَالَ وَمَا ذَكَرَهُ الْإِسْمَاعِيلِيُّ غَيْرُ قَادِحٍ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إمَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ اللَّفْظَيْنِ وَهَذَا مُقْتَضَى ظَاهِرِ الرِّوَايَةِ وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ قَالَ أَحَدَهُمَا . وَذَكَرَ الرَّاوِي اللَّفْظَ الْآخَرَ بِالْمَعْنَى فَإِنَّ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ { فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ لِلشَّهْرَيْنِ } انْتَهَى . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَإِنَّ أَحْسَنَ مَا يُقَدَّرُ لَهُ إذَا رَأَيْنَا هِلَالَ شَعْبَانَ لِكَذَا وَكَذَا فَالصَّوْمُ إنْ شَاءَ اللَّهُ لِكَذَا وَكَذَا إلَّا أَنْ يَرَوْا الْهِلَالَ قَبْلَ ذَلِكَ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ فِي سُنَنِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ تُغْمَى عَلَيْكُمْ الْعِدَّةُ } . وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَقِبَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثَ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَمَضَانَ فَقَالَ { لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ } . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ جَعَلَهُ بَعْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُ مُفَسِّرٌ لَهُ وَمُبَيِّنٌ لِمَعْنَى قَوْلِهِ { فَأَقْدِرُوا لَهُ } ( قُلْت ) وَكَذَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ بِلَفْظِ { فَأَكْمِلُوا ثَلَاثِينَ يَوْمًا } وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد بِلَفْظِ { فَإِنْ حَالَ دُونَهُ غَمَامَةٍ فَأَتِمُّوا الْعِدَّةَ ثَلَاثِينَ ثُمَّ أَفْطِرُوا } وَعِنْدَ النَّسَائِيّ بِلَفْظِ { فَإِنْ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ سَحَابَةٌ أَوْ ظُلْمَةٌ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ عِدَّةَ شَعْبَانَ } . وَهَذَا عَلَى مَا قَدَّمْته فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ذَكَرَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد صُورَةً وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ أُخْرَى ، وَأَتَى فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَالتِّرْمِذِيِّ بِمَا يَشْمَلُ الصُّورَتَيْنِ وَلَيْسَ ذَلِكَ اضْطِرَابًا وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ { أَهْلَلْنَا رَمَضَانَ وَنَحْنُ بِذَاتِ الْعِرْقِ فَأَرْسَلْنَا رَجُلًا إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فَسَأَلَهُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَمَدَّهُ لِرُؤْيَتِهِ فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ } . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { فَلَقِينَا ابْنُ عَبَّاسٍ فَقُلْنَا ، وَذَكَرَهُ } وَهَذَا شَاهِدٌ لِرِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ حُذَيْفَةَ مَرْفُوعًا { لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ حَتَّى تَرُوا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ ثُمَّ صُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ أَوْ تُكْمِلُوا الْعِدَّةَ } . وَرَوَى أَبُو دَاوُد { عَنْ عَائِشَةَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَحَفَّظُ مِنْ شَعْبَانَ مَا لَا يَتَحَفَّظُ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ يَصُومُ لِرُؤْيَةِ رَمَضَانَ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْهِ عَدَّ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ثُمَّ صَامَ } . وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْمَعْنَى وَهُوَ إكْمَالُ الْعِدَّةِ ثَلَاثِينَ يَوْمًا عِنْدَ الْغَمِّ عَلَيْنَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي بَكْرَةَ وَعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَطَلْقِ بْنِ عَلِيٍّ وَالْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَمْ يَرْوِ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْت { فَاقْدِرُوا لَهُ } إلَّا ابْنَ عُمَرَ وَحْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { فَاقْدِرُوا لَهُ } ضَيِّقُوا لَهُ وَقَدِّرُوهُ تَحْتَ السَّحَابِ وَمَنْ قَالَ بِهَذَا أَوْجَبَ الصِّيَامَ مِنْ الْغَدِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إذَا كَانَ فِي مَحَلِّ الْهِلَالِ مَا يَمْنَعُ رُؤْيَتَهُ مِنْ غَيْمٍ وَغَيْرِهِ . وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ رَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا كَانَ شَعْبَانُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ نَظَرَ لَهُ فَإِنْ رَأَى فَذَاكَ وَإِنْ لَمْ يَرَ وَلَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرَةٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرَةٌ أَصْبَحَ صَائِمًا قَالَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفْطِرُ مَعَ النَّاسِ وَلَا يَأْخُذُ بِهَذَا الْحِسَابِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُرِيدُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ هَذَا الصَّنِيعَ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ وَلَا يَأْخُذُ بِهَذَا الْحِسَابِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَلَا يُفْطِرُ إلَّا مَعَ النَّاسِ ( قُلْت ) وَكَأَنَّ الرَّاوِيَ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى النَّقْضِ عَلَى ابْنِ عُمَرَ فِي كَوْنِهِ قَالَ بِمَا يَقْتَضِي حُمِلَ التَّقْدِيرُ عَلَى التَّضْيِيقِ وَتَقْدِيرُهُ تَحْتَ السَّحَابِ فِي إحْدَى الصُّورَتَيْنِ دُونَ الْأُخْرَى وَلَوْ اخْتَلَفَ حُكْمُهُمَا لَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَصَّلَ بَيْنَهُمَا كَيْفَ { وَقَدْ نَبَّهَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا بِنَهْيِهِ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الشَّكِّ } . وَقَدْ تَبِعَ ابْنُ عُمَرَ عَلَى هَذَا الْمَذْهَبِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ قَالَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي تَصْنِيفٍ لَهُ سَمَّاهُ دَرْءُ اللَّوْمِ وَالضَّيْمِ فِي صَوْمِ يَوْمِ الْغَيْمِ وَهَذَا مَرْوِيٌّ مِنْ الصَّحَابَةِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَمُعَاوِيَةَ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَالْحَكَمِ بْنِ أَيُّوبَ الْغِفَارِيِّ وَعَائِشَةَ وَأَسْمَاءَ ابْنَتَيْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ قَالَ وَقَالَ بِهِ مِنْ كُبَرَاءِ التَّابِعِينَ سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمُجَاهِدٍ وَطَاوُسٌ وَأَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ وَمُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ وَمَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ وَبَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ فِي آخَرِينَ حَكَاهُ عَنْهُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَرَدَّ عَلَيْهِ فِي حِكَايَتِهِ عَنْ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ فَذَكَرَ أَنَّ الرِّوَايَةَ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ مُنْقَطِعَةٌ فَإِنَّهَا مِنْ رِوَايَةِ مَكْحُولٍ عَنْهُ وَلَمْ يُدْرِكْهُ وَأَنَّ ابْنَ الْجَوْزِيِّ إنَّمَا نَقَلَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ أَصُومُ يَوْمًا مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ . قَالَ وَالِدِي وَهُوَ مُنْقَطِعٌ ثُمَّ إنَّهُ إنَّمَا قَالَهُ عِنْدَ شَهَادَةِ وَاحِدٍ عَلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ لَا فِي الْغَيْمِ كَمَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ مُبَيِّنًا ، وَلَا يَحِلُّ الِاخْتِصَارُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ؛ لِأَنَّهُ يُخِلُّ بِالْمَعْنَى قَالَ وَالِدِي وَالْمَعْرُوفُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ خِلَافُ ذَلِكَ فَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ إذَا حَضَرَ رَمَضَانُ فَيَقُولُ { أَلَا لَا تَقَدَّمُوا الشَّهْرَ إذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَصُومُوا وَإِذَا رَأَيْتُمْ الْهِلَالَ فَأَفْطِرُوا فَإِنْ أُغْمِيَ عَلَيْكُمْ فَأَتِمُّوا الْعِدَّةَ . } وَمُسْتَنَدُ ابْنِ الْجَوْزِيِّ فِي نَقْلِ ذَلِكَ عَنْ أَنَسٍ مَا رَوَاهُ عَنْ يَحْيَى بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهُ قَالَ رَأَيْت الْهِلَالَ إمَّا عِنْدَ الظُّهْرِ وَإِمَّا قَرِيبًا مِنْهُ فَأَفْطَرَ نَاسٌ مِنْ النَّاسِ فَأَتَيْنَا أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ فَأَخْبَرْنَاهُ بِرُؤْيَةِ الْهِلَالِ وَبِإِفْطَارِ مَنْ أَفْطَرَ فَقَالَ هَذَا الْيَوْمُ يَكْمُلُ لِي أَحَدٌ وَثَلَاثُونَ يَوْمًا وَذَلِكَ أَنَّ الْحَكَمَ بْنَ أَيُّوبَ أَرْسَلَ إلَيَّ قَبْلَ صِيَامِ النَّاسِ إنِّي صَائِمٌ غَدًا فَكَرِهْت الْخِلَافَ عَلَيْهِ فَصُمْت وَأَنَا مُتِمٌّ صَوْمَ يَوْمِي هَذَا إلَى اللَّيْلِ ، قَالَ وَالِدِيّ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ لِلْغَيْمِ ، وَإِنَّمَا فَعَلَهُ كَرَاهِيَةً لِلِاخْتِلَافِ عَلَى الْأَمِيرِ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ الْحَجَّاجِ بْنِ يُوسُفَ الثَّقَفِيِّ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةٍ عَنْ أَحْمَدَ ( إنَّ الْخِيَرَةَ إلَى الْأَمِيرِ فِي صِيَامِ لَيْلَةِ الْغَيْمِ ) فَلَمْ يَصُمْهُ أَنَسٌ عَنْ رَمَضَانَ ، وَقَدْ أَفْطَرَ النَّاسُ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَأَرَادَ أَنَسٌ تَرْكَ الْخِلَافِ عَلَى أَمْرِهِ . قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْمَعْرُوفُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ خِلَافُ مَا نَقَلَهُ عَنْهُ كَمَا فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ نَهَى أَنْ يَتَعَجَّلَ قَبْلَ رَمَضَانَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ لَكِنْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَرْيَمَ عَنْهُ ( لَأَنْ أَصُومَ الَّذِي يُشَكُّ فِيهِ مِنْ شَعْبَانَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُفْطِرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ ) ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ كَذَا رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذَا الْإِسْنَادِ وَرِوَايَةُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّهْيِ عَنْ التَّقَدُّمِ إلَّا أَنْ يُوَافِقَ صَوْمًا كَانَ يَصُومُهُ أَصَحَّ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى . قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَمَّا أَثَرُ مُعَاوِيَةَ فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ لَا يَصِحُّ ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي الْعِلَلِ الْمُتَنَاهِيَةِ مِنْ رِوَايَةِ مَكْحُولٍ عَنْهُ وَضَعَّفَهُ قَالَ : وَأَمَّا أَثَرُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَلَمْ أَرَ لَهُ إسْنَادًا قَالَ وَأَمَّا الْحَكَمُ بْنُ أَيُّوبَ فَهُوَ الثَّقَفِيُّ وَهُوَ مِنْ التَّابِعِينَ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي ثِقَاتِ التَّابِعِينَ قَالَ فَلَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ ابْنُ الْجَوْزِيِّ إلَّا ابْنَ عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَأَسْمَاءَ وَاخْتُلِفَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَمُتَابَعَةُ السُّنَّةِ الثَّابِتَةِ وَمَا عَلَيْهِ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ وَعَوَامّ أَهْلِ الْعِلْمِ أَوْلَى بِنَا انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يُتَابِعْ ابْنَ عُمَرَ عَلَى تَأْوِيلِهِ ذَلِكَ فِيمَا عَلِمْت إلَّا طَاوُسٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَرُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ مِثْلُهُ وَعَنْ عَائِشَةَ نَحْوُهُ انْتَهَى وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ ثَالِثَةٌ إلَى أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ قَدِّرُوهُ بِحِسَابِ الْمَنَازِلِ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْهُمْ مُطَرِّفُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنُ قُتَيْبَةَ وَآخَرُونَ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رُوِيَ عَنْ مُطَرِّفِ بْنِ الشِّخِّيرِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ عَنْهُ وَلَوْ صَحَّ مَا وَجَبَ اتِّبَاعُهُ عَلَيْهِ لِشُذُوذِهِ فِيهِ وَلِمُخَالَفَةِ الْحُجَّةِ لَهُ ثُمَّ حَكَى عَنْ ابْنِ قُتَيْبَةَ مِثْلَهُ ، وَقَالَ لَيْسَ هَذَا مِنْ شَأْنِ ابْنِ قُتَيْبَةَ وَلَا هُوَ مِمَّنْ يَعْرُجُ عَلَيْهِ فِي هَذَا الْبَابِ ثُمَّ حَكَى عَنْ ابْنِ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ أَنَّهُ حَكَاهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالصَّحِيحُ عَنْهُ فِي كُتُبِهِ وَعِنْدَ أَصْحَابِهِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ خِلَافُهُ ( قُلْت ) لَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَصْلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَبَالَغَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي الْمُعَارَضَةِ فِي إنْكَارِهِ مَقَالَةَ ابْنِ سُرَيْجٍ هَذِهِ قَالَ الْمَازِرِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ حِسَابَ الْمُنَجِّمِينَ ؛ لِأَنَّ النَّاسَ لَوْ كُلِّفُوا بِهِ ضَاقَ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَعْرِفُهُ إلَّا أَفْرَادٌ وَالشَّرْعُ إنَّمَا يُعَرِّفُ النَّاسَ بِمَا يَعْرِفُهُ جَمَاهِيرُهُمْ وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ أَنَّ قَوْلَهُ فَاقْدِرُوا خِطَابٌ لِمَنْ خَصَّهُ اللَّهُ بِهَذَا الْعِلْمِ ، وَقَوْلُهُ { فَأَكْمِلُوا الْعِدَّةَ } خِطَابٌ لِلْعَامَّةِ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَكَأَنَّ وُجُوبَ رَمَضَانَ جَعَلَهُ مُخْتَلِفَ الْحَالِ يَجِبُ عَلَى قَوْمٍ بِحِسَابِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ وَعَلَى آخَرِينَ بِحِسَابِ الْجُمَلِ ، إنَّ هَذَا لَبَعِيدٌ عَنْ النُّبَلَاءِ فَكَيْفَ عَنْ الْعُلَمَاءِ ؟ وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي مُشْكِلِ الْوَسِيطِ مَعْرِفَةُ مَنَازِلِ الْقَمَرِ هُوَ مَعْرِفَةُ سَيْرِ الْأَهِلَّةِ وَهُوَ غَيْرُ الْمَعْرِفَةِ بِالْحِسَابِ عَلَى مَا أَشْعَرَ بِهِ كَلَامُ الْغَزَالِيِّ فِي الدَّرْسِ فَالْحِسَابُ أَمْرٌ دَقِيقٌ يَخْتَصُّ بِمَعْرِفَتِهِ الْآحَادُ ، وَالْمَعْرِفَةُ بِالْمَنَازِلِ كَالْمَحْسُوسِ يَشْتَرِكُ فِي ذِكْرِهِ الْجُمْهُورُ مِمَّنْ يُرَاقِبُ النُّجُومَ ، انْتَهَى . فَمَعْرِفَةُ مَنَازِلِ الْقَمَرِ هِيَ الَّتِي قَالَ بِهَا ابْنُ سُرَيْجٍ ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِهَا فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ ، وَإِنَّمَا قَالَ بِهَا فِي حَقِّ الْعَارِفِ بِهَا خَاصَّةً وَلَمْ يَقُلْ بِوُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى الْعَارِفِ بِهَا ، وَإِنَّمَا قَالَ بِجَوَازِهِ لَهُ كَذَا ذَكَرَ الرُّويَانِيُّ عَنْهُ وَنَقَلَ الْجَوَازَ أَيْضًا عَنْ اخْتِيَارِ الْقَفَّالِ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ الطَّبَرِيِّ ، وَحَكَى الشَّيْخُ فِي الْمَذْهَبِ عَنْ ابْنِ سُرَيْجٍ لُزُومَ الصَّوْمِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَإِذَا جَمَعْت بَيْنَ مَسْأَلَتَيْ الْحَاسِبِ وَالْمُنَجِّمِ وَنَظَرْت فِيهِمَا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَنْفُسِهِمَا وَإِلَى غَيْرِهِمَا وَبِالنِّسْبَةِ إلَى الْجَوَازِ وَالْوُجُوبِ حَصَلَ لَك فِي ذَلِكَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَوْجُهٌ جَمَعَهَا النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُذْهَبِ مُلَخَّصَةً بَعْدَ بَسْطِهَا ( أَصَحُّهَا ) لَا يَلْزَمُ الْحَاسِبُ وَلَا الْمُنَجِّمُ وَلَا غَيْرُهُمَا بِذَلِكَ وَلَكِنْ يَجُوزُ لَهُمَا دُونَ غَيْرِهِمَا وَلَا يُجْزِيهِمَا عَنْ فَرْضِهِمَا . ( وَالثَّانِي ) تَجُوزُ لَهُمَا يُجْزِيهِمَا ( وَالثَّالِثُ ) يَجُوزُ لِلْحَاسِبِ وَيُجْزِيهِ وَلَا يَجُوزُ لِلْمُنَجِّمِ ( وَالرَّابِعُ ) يَجُوزُ لَهُمَا وَيَجُوزُ لِغَيْرِهِمَا تَقْلِيدُهُمَا ( وَالْخَامِسُ ) يَجُوزُ لَهُمَا وَلِغَيْرِهِمَا تَقْلِيدُ الْحَاسِبِ دُونَ الْمُنَجِّمِ وَأَهْمَلَ النَّوَوِيُّ مِنْ الْأَوْجُهِ وُجُوبَ الصَّوْمِ ، وَقَدْ حَكَاهُ حِينَ بَسَطَ الْكَلَامَ قَبْلَ ذَلِكَ فَحَكَى عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ أَنَّهُ قَالَ إذَا غُمَّ الْهِلَالُ وَعُرِفَ رَجُلٌ بِالْحِسَابِ وَمَنَازِلِ الْقَمَرِ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ فَوَجْهَانِ . قَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ ؛ لِأَنَّهُ عَرَفَ الشَّهْرَ بِدَلِيلٍ فَأَشْبَهَ مَنْ عَرَفَهُ بِالْبَيِّنَةِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَا يَصُومُ ؛ لِأَنَّا لَمْ نَتَعَبَّدْ إلَّا بِالرُّؤْيَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَوَافَقَ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ عَلَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ جَمَاعَةٌ ثُمَّ حَكَى عَنْ صَاحِبِ الْبَيَانِ أَنَّهُ قَالَ : قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ أَمَّا بِالْحِسَابِ فَلَا يَلْزَمُهُ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَصْحَابِنَا ، وَذَكَرَ صَاحِبُ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْوَجْهَيْنِ فِي الْوُجُوبِ ثُمَّ حَكَى عَنْ الرَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا يَجِبُ بِمَا يَقْتَضِيهِ حِسَابُ الْمُنَجِّمِ عَلَيْهِ وَلَا عَلَى غَيْرِهِ الصَّوْمُ قَالَ الرُّويَانِيُّ ، وَكَذَا مَنْ عَرَفَ مَنَازِلَ الْقَمَرِ لَا يَلْزَمُهُ الصَّوْمُ بِهِ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ قَالَ وَأَمَّا الْجَوَازُ فَتَكَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ ، وَحَكَى ابْنُ الصَّلَاحِ عَنْ الْجُمْهُورِ مَنْعَ الْحَاسِبِ وَالْمُنَجِّمِ مِنْ الصَّوْمِ فِي حَقِّ أَنْفُسِهِمَا عَلَى خِلَافِ مَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمَذْهَبِ وَلِلْمَسْأَلَةِ نَظِيرٌ مَذْكُورٌ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ مَا لَوْ عَلِمَ الْمُنَجِّمُ دُخُولَ الْوَقْتِ بِالْحِسَابِ . فَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ يَعْمَلُ بِهِ بِنَفْسِهِ وَلَا يَعْمَلُ بِهِ غَيْرُهُ كَمَا فِي التَّحْقِيقِ لِلنَّوَوِيِّ تَبَعًا لِصَاحِبِ الْبَيَانِ وَمَعْنَى الْعَمَلِ بِهِ عَلَى طَرِيقِ الْجَوَازِ كَمَا فِي الصِّيَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَجَّحَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وُجُوبَ الصَّوْمِ عَلَى الْحَاسِبِ فِي الصُّورَةِ الْمَذْكُورَةِ فَقَالَ وَأَمَّا مَا دَلَّ الْحِسَابُ عَلَى أَنَّ الْهِلَالَ قَدْ طَلَعَ مِنْ الْأُفُقِ عَلَى وَجْهٍ يُرَى لَوْلَا وُجُودُ الْمَانِعِ كَالْغَيْمِ فَهَذَا يَقْتَضِي الْوُجُوبَ لِوُجُودِ السَّبَبِ الشَّرْعِيِّ قَالَ وَلَيْسَ حَقِيقَةُ الرُّؤْيَةِ تُشْتَرَطُ فِي اللُّزُومِ ؛ لِأَنَّ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّ الْمَحْبُوسَ فِي الْمَطْمُورَةِ إذَا عَلِمَ بِإِكْمَالِ الْمُدَّةِ أَوْ الِاجْتِهَادِ بِالْأَمَارَاتِ أَنَّ الْيَوْمَ مِنْ رَمَضَانَ وَجَبَ عَلَيْهِ الصَّوْمُ ، وَإِنْ لَمْ يَرَ الْهِلَالَ وَلَا أَخْبَرَهُ مَنْ رَآهُ ، قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : الْمَحْبُوسُ فِي الْمَطْمُورَةِ مَعْذُورٌ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فِي دُخُولِ الْوَقْتِ وَيَجِبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُ فَإِنْ تَبَيَّنَ خَطَؤُهُ بِيَقِينٍ أَعَادَ ، وَحُصُولُ الْغَيْمِ فِي الْمَطَالِعِ أَمْرٌ مُعْتَادٌ وَالسَّبَبُ الشَّرْعِيُّ لِلْوُجُوبِ إنَّمَا هُوَ الرُّؤْيَةُ لَا عِلْمَ ذَلِكَ بِالْحِسَابِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { إنَّا أُمَّةٌ أُمِّيَّةٌ لَا نَحْسِبُ وَلَا نَكْتُبُ } الْحَدِيثَ انْتَهَى . وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا بَسَطَاهُ صِحَّةُ مَذْهَبِ الْجُمْهُورِ فِي تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالرُّؤْيَةِ دُونَ غَيْرِهَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ( الرَّابِعَةُ ) تَكَلَّمْنَا فِي الْمَسْأَلَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ الصَّوْمُ وَلَا يَثْبُتُ كَوْنُ الْيَوْمِ مِنْ رَمَضَانَ بِغَيْرِ رُؤْيَةٍ لَا بِتَقْدِيرٍ تَحْتَ السَّحَابِ فِي الْغَيْمِ وَلَا بِرُجُوعٍ إلَى حِسَابٍ ، بَقِيَ أَمْرٌ آخَرُ وَهُوَ جَوَازُ صَوْمِهِ عَنْ رَمَضَانَ وَمُقْتَضَى الْحَدِيثِ مَنْعُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ صَوْمٌ قَبَلَ الرُّؤْيَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ ، وَقَالُوا لَا يَنْعَقِدُ صَوْمُهُ وَلَا يُجْزِئُهُ إنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ وَاقْتَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَقَالُوا إنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ رَمَضَانَ أَجْزَأَهُ عَنْهُ وَإِنْ ظَهَرَ أَنَّهُ مِنْ شَعْبَانَ كَانَ تَطَوُّعًا . ( الْخَامِسَةُ ) وَمُقْتَضَى الْحَدِيثِ مَنْعُ صَوْمِهِ عَنْ غَيْرِ رَمَضَانَ أَيْضًا ، وَقَدْ جَوَّزَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ صَوْمَهُ عَنْ قَضَاءٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ كَفَّارَةٍ وَتَطَوُّعًا إذَا وَافَقَ وِرْدَهُ وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ التَّطَوُّعِ بِصَوْمِهِ بِلَا سَبَبٍ فَمَنَعَهُ الشَّافِعِيَّةُ وَقَالُوا بِتَحْرِيمِهِ ، فَإِنْ صَامَهُ فَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ بُطْلَانُهُ وَالْمَشْهُورُ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ جَوَازُهُ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةً بِكَرَاهَتِهِ ، وَكَرِهَ الْحَنَفِيَّةُ صَوْمَهُ عَنْ وَاجِبٍ آخَرَ ، وَلَمْ يَكْرَهُوا التَّطَوُّعَ لِصَوْمِهِ ثُمَّ إنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ مَفْرُوضٌ فِي يَوْمِ الشَّكِّ لَا فِي مُطْلَقِ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ ، قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَوْمُ الشَّكِّ يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إذَا تُحُدِّثَ بِرُؤْيَتِهِ أَوْ شَهِدَ بِهَا مَنْ لَا يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَحَدَّثْ بِرُؤْيَتِهِ أَحَدٌ فَلَيْسَ يَوْمَ شَكٍّ وَلَوْ كَانَتْ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ هُوَ يَوْمُ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ إذَا كَانَتْ السَّمَاءُ مُغَيِّمَةً . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ { لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ } لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ رُؤْيَةُ جَمِيعِ النَّاسِ بِحَيْثُ يَحْتَاجُ كُلُّ فَرْدٍ فِي وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَيْهِ إلَى رُؤْيَةِ الْهِلَالِ بَلْ الْمُعْتَبَرُ رُؤْيَةُ بَعْضِهِمْ وَهُوَ الْعَدَدُ الَّذِي تَثْبُتُ بِهِ الْحُقُوقُ وَهُوَ عَدْلَانِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْمُدَّعِي { شَاهِدَاك } إلَّا أَنَّ هِلَالَ رَمَضَانَ يُكْتَفَى فِي ثُبُوتِهِ بِعَدْلٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ لِلْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { جَاءَ أَعْرَابِيٌّ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إنِّي رَأَيْتُ الْهِلَالَ قَالَ أَتَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ أَتَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ يَا بِلَالُ أَذِّنْ فِي النَّاسِ أَنْ يَصُومُوا غَدًا } وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ { عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ تَرَاءَى النَّاسُ الْهِلَالَ فَأَخْبَرْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنِّي رَأَيْته فَصَامَ وَأَمَرَ النَّاسَ بِصِيَامِهِ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا تُقْبَلُ شَهَادَةُ رَجُلٍ وَاحِدٍ فِي الصِّيَامِ وَبِهِ يَقُولُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ انْتَهَى . وَمَا حَكَاهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ هُوَ أَشْهَرُ قَوْلَيْهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَأَصَحُّهُمَا لَكِنْ آخِرُ قَوْلَيْهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ عَدْلَيْنِ فَفِي الْأُمِّ قَالَ الرَّبِيعُ قَالَ الشَّافِعِيِّ بَعْدُ لَا يَجُوزُ عَلَى رَمَضَانَ إلَّا شَاهِدَانِ ، وَإِذَا قُلْنَا يُقْبَلُ فِي ذَلِكَ الْوَاحِدُ فَهَلْ هُوَ رِوَايَةٌ أَوْ شَهَادَةٌ خِلَافٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ شَهَادَةٌ فَلَا يُقْبَلُ قَوْلُ الْعَبْدِ وَالْمَرْأَةِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَهَلْ يُشْتَرَطُ لَفْظُ الشَّهَادَةِ ؟ قَالَ الْجُمْهُورُ هُوَ عَلَى الْوَجْهَيْنِ فِي كَوْنِهِ رِوَايَةً أَوْ شَهَادَةً وَلَا فَرْقَ عَلَى الْقَوْلَيْنِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ السَّمَاءُ مُصْحِيَةً أَوْ مُغَيِّمَةً وَوَافَقَ الْحَنَفِيَّةُ الْجُمْهُورَ عَلَى الِاكْتِفَاءٍ فِي ثُبُوتِ هِلَالِ رَمَضَانَ بِعَدْلٍ وَاحِدٍ لَكِنْ خَصُّوا ذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ بِالسَّمَاءِ عِلَّةٌ مِنْ غَيْمٍ أَوْ غُبَارٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَإِلَّا لَمْ يُقْبَلْ إلَّا مِنْ جَمْعٍ كَثِيرٍ يَقَعُ الْعِلْمُ بِخَبَرِهِمْ وَأَجْرَوْهُ مُجْرَى الرِّوَايَةِ فَقَبِلُوا فِيهِ الرَّجُلَ وَالْمَرْأَةَ وَالْحُرَّ وَالْعَبْدَ وَقَالُوا لَا يَخْتَصُّ بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ وَذَهَبَتْ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ إلَّا بِشَاهِدَيْنِ كَسَائِرِ الشُّهُودِ ، وَقَالَ بِهِ أَيْضًا الْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَعَدِيٌّ أَبُو ثَوْرٍ الثُّبُوتُ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ إلَى شَوَّالٍ أَيْضًا وَعَدَّاهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى ذِي الْحَجَّةِ لِمَا فِيهِ مِنْ عِبَادَةِ الْحَجِّ وَذَلِكَ بِرَدِّ قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ لَمْ يَخْتَلِفْ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْإِفْطَارِ أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِيهِ إلَّا شَهَادَةُ رَجُلَيْنِ . ( السَّابِعَةُ ) قَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ إذَا رُئِيَ الْهِلَالُ بِبَلَدٍ لَمْ يَلْزَمْ أَهْلُ بَلَدٍ أُخْرَى لَمْ يَرِدْ فِيهَا الصَّوْمُ لِقَوْلِهِ { حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ } وَأَهْلُ تِلْكَ الْبَلْدَةِ لَمْ يَرَوْهُ . وَقَدْ يَسْتَدِلُّ بِهِ مَنْ قَالَ بِتَعَدِّيهِ إلَى بَقِيَّةِ الْبِلَادِ فَإِنَّهُ مَصْرُوفٌ عَنْ ظَاهِرِهِ إذْ لَا يَتَوَقَّفُ الْحَالُ عَلَى رُؤْيَةِ كُلِّ وَاحِدٍ عَلَى انْفِرَادِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا مَعْنَى لِتَقْيِيدِهِ بِالْبَلَدِ بَلْ إذَا ثَبَتَ بِقَوْلِ مَنْ يَثْبُتُ بِقَوْلِهِ فِي الشَّرِيعَةِ تَعَدَّى حُكْمُهُ إلَى سَائِرِ الْمُكَلَّفِينَ . وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى مَذَاهِبَ فَبَعْضُهُمْ بَالَغَ فِي ذَلِكَ وَجَعَلَ لِكُلِّ أَهْلِ بَلَدٍ رُؤْيَتَهُمْ لَا يَتَعَدَّاهُمْ ذَلِكَ إلَى غَيْرِهِمْ ، وَأَصْلُ ذَلِكَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ كُرَيْبٌ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ فِي اسْتِهْلَالِهِ رَمَضَانَ بِالشَّامِ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ فَسَأَلَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ لَكِنَّا رَأَيْنَاهُ لَيْلَةَ السَّبْتِ فَلَا نَزَالُ نَصُومُ حَتَّى نُكْمِلَ الْعِدَّةَ أَوْ نَرَاهُ . وَقَالَ هَكَذَا أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَيُمْكِنُ أَنَّهُ أَرَادَ بِذَلِكَ هَذَا الْحَدِيثَ الْعَامَّ يَعْنِي قَوْلَهُ { لَا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوْا الْهِلَالَ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ } لَا حَدِيثًا خَاصًّا بِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ وَهُوَ الْأَقْرَبُ عِنْدِي انْتَهَى . وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ هَذَا الْمَذْهَبَ عَنْ عِكْرِمَةَ وَالْقَاسِمِ وَسَالِمٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَمْ يَحْكِ سِوَاهُ ، وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ وَجْهًا فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ . وَقَالَ آخَرُونَ إذَا رُئِيَ بِبَلْدَةٍ لَزِمَ أَهْلَ جَمِيعِ الْبِلَادِ الصَّوْمُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فَإِنَّهُمْ قَالُوا إنْ تَقَارَبَتْ الْبَلَدَانِ فَحُكْمُهُمَا حُكْمُ الْبَلَدِ الْوَاحِدِ وَإِنْ تَبَاعَدَتَا وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ وَالْغَزَالِيِّ وَالشَّاشِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الصَّوْمُ عَلَى أَهْلِ الْبَلَدِ الْآخَرِ وَالثَّانِي الْوُجُوبُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ . وَقَالَ إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَاخْتَارَهُ جَمِيعُ أَصْحَابِنَا وَحَكَاهُ الْبَغَوِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ نَفْسِهِ وَعَلَى الْأَوَّلِ فَفِي ضَبْطِ الْبُعْدِ أَوْجُهٌ : ( أَحَدُهَا ) وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالصَّيْدَلَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ التَّبَاعُدَ أَنْ تَخْتَلِفَ الْمَطَالِعُ كَالْحِجَازِ وَالْعِرَاقِ وَخُرَاسَانَ ، وَالتَّقَارُبَ أَنْ لَا تَخْتَلِفَ كَبَغْدَادَ وَالْكُوفَةِ وَالرَّيِّ وَقَزْوِينَ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمِنْهَاجِ وَشَرْحِ الْمُهَذَّبِ . ( وَالثَّانِي ) أَنَّ التَّبَاعُدَ مَسَافَةُ الْقَصْرِ وَبِهَذَا قَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَادَّعَى الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِهِ الصَّغِير وَالْمُحَرَّرِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ . ( وَالثَّالِثُ ) اعْتِبَارُهُ بِاتِّحَادِ الْأَقَالِيمِ وَاخْتِلَافِهِ وَحَكَى السَّرَخْسِيُّ وَجْهًا آخَرَ أَنَّ كُلَّ بَلَدٍ لَا يُتَصَوَّرُ خَفَاؤُهُ عَنْهُمْ بِلَا عَارِضٍ يَلْزَمُهُمْ دُونَ غَيْرِهِمْ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إنْ ثَبَتَ بِأَمْرٍ شَائِعٍ لَزِمَ الْبَعِيدَ وَإِنْ ثَبَتَ عِنْدَ الْحَاكِمِ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ كَسَائِرِ الْأَحْكَامِ لَمْ يَلْزَمْ مَنْ خَرَجَ مِنْ وِلَايَتِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ فَيَلْزَمُ الْقَضَاءَ جَمَاعَتُهُمْ إذَا كَتَبَ بِمَا عِنْدَهُ مِنْ شَهَادَةٍ أَوْ رُؤْيَةٍ إلَى مَنْ لَا يَثْبُتُ عِنْدَهُ حَكَاهُ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ . وَقَدْ حَصَلَ فِي الْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ . ( الثَّامِنَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الصَّوْمِ عَلَى الْمُنْفَرِدِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ رَمَضَانَ وَعَلَى وُجُوبِ الْإِفْطَارِ عَلَى الْمُنْفَرِدِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فِي هِلَالِ رَمَضَانَ وَاخْتَلَفُوا فِي الْإِفْطَارِ بِرُؤْيَةِ هِلَالِ شَوَّالٍ وَحْدَهُ فَقَالَ الثَّلَاثَةُ لَا يُفْطِرُ بَلْ يَسْتَمِرُّ صَائِمًا احْتِيَاطًا لِلصَّوْمِ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَلْزَمُهُ الْفِطْرُ وَلَكِنْ يُخْفِيهِ لِئَلَّا يُتَّهَمَ وَهُوَ مُقْتَضَى قَوْلِهِ وَلَا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ وَذَهَبَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ إلَى أَنَّهُ لَا يَصُومُ بِرُؤْيَتِهِ وَحْدَهُ وَعَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَا يَصُومُ إلَّا فِي جَمَاعَةِ النَّاسِ وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ . ( التَّاسِعَةُ ) يَتَنَاوَلُ الْحَدِيثُ رُؤْيَتَهُ لَيْلًا وَنَهَارًا لَكِنَّهُ إذَا رُئِيَ نَهَارًا فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ شَعْبَانَ لَمْ يَصُومُوا وَإِنْ كَانَ يَوْمَ الثَّلَاثِينَ مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يُفْطِرُوا وَسَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ الزَّوَالِ أَوْ بَعْدَهُ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، وَذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ إلَى أَنَّهُ إنْ رُئِيَ قَبْلَ الزَّوَالِ فَهُوَ لِلَّيْلَةِ الْمَاضِيَةِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَوْلُهُ فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ بِضَمِّ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ أَيْ الْهِلَالُ مَعْنَاهُ حَالَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ غَيْمٌ يُقَالُ غُمَّ وَأُغْمِيَ وَغُمِيَ وَغُمِّيَ بِتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِهَا وَالْغَيْنُ مَضْمُومَةٌ فِيهِمَا وَهُوَ مِنْ قَوْلِك غَمَمْت الشَّيْءَ إذَا غَطَّيْته فَهُوَ مَغْمُومٌ وَيُقَالُ أَيْضًا غَبِيَ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ أَيْ خَفِيَ ، وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ غُبِّيَ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَهُمَا مِنْ الْغَبَاءِ بِالْمَدِّ وَهُوَ شِبْهُ الْغُبْرَةِ فِي السَّمَاءِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ رُوِيَ فِيهِ أَيْضًا { فَإِنْ عُمِيَ عَلَيْكُمْ } بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ الْعَمَى قَالَ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ ؛ لِأَنَّهُ ذَهَابُ الْبَصَرِ عَنْ الْمُشَاهَدَاتِ أَوْ ذَهَابُ الْبَصِيرَةِ عَنْ الْمَعْقُولَاتِ . وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ { عَائِشَةَ قَالَتْ فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ : بَدَأَ بِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك أَقْسَمْتَ أَلَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا وَإِنَّك قَدْ دَخَلْت عَنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ ؟ فَقَالَ إنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرِينَ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ . وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ { عَائِشَةَ قَالَتْ فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ بَدَأَ بِي فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك أَقْسَمْتَ أَنْ لَا تَدْخُلَ عَلَيْنَا شَهْرًا وَإِنَّك قَدْ دَخَلْت عَنْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَعُدُّهُنَّ فَقَالَ إنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرِينَ } كَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فِي الصَّوْمِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ وَفِي الطَّلَاقِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَابْنِ أَبِي عُمَرَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّوْمِ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ عَنْ الزُّهْرِيِّ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَى أَزْوَاجِهِ شَهْرًا } قَالَ الزُّهْرِيُّ فَأَخْبَرَنِي عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ فَذَكَرَتْ هَذَا الْحَدِيثَ ، وَذَكَرَهُ فِي الطَّلَاقِ عَقِبَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي ثَوْرٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي سُؤَالِهِ عُمَرَ عَنْ الْمَرْأَتَيْنِ مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّتَيْنِ قَالَ اللَّهُ { إنْ تَتُوبَا إلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } الْحَدِيثُ الطَّوِيلُ وَفِي آخِرِهِ وَكَانَ أَقْسَمَ أَنْ لَا يَدْخُلَ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مِنْ شِدَّةِ مَوْجِدَتِهِ عَلَيْهِنَّ حَتَّى عَاتَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ ذَكَرَ هَذَا الْحَدِيثَ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا فِي التَّفْسِيرِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِنَحْوِهِ ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ مَعْمَرٍ وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آلَى مِنْ نِسَائِهِ شَهْرًا فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ غَدَا أَوْ رَاحَ فَقِيلَ لَهُ إنَّك حَلَفْت أَنْ لَا تَدْخُلَ شَهْرًا فَقَالَ إنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، وَأَخْرَجَهَا الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ { آلَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نِسَائِهِ وَكَانَتْ انْفَكَّتْ رِجْلُهُ فَأَقَامَ فِي مَشْرُبَةٍ تِسْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً ثُمَّ نَزَلَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ آلَيْتَ شَهْرًا فَقَالَ إنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ } وَرُوِيَتْ الْقِصَّةُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَجَابِرٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَغَيْرِهِمَا . ( الثَّانِيَةُ ) اسْتَشْكَلَ قَوْلُهَا { فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً دَخَلَ عَلَيَّ } لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ دَخَلَ فِي الْيَوْمِ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ فَلَمْ يَكُنْ ثَمَّ شَهْرٌ لَا عَلَى الْكَمَالِ وَلَا عَلَى النُّقْصَانِ ، وَجَوَابُهُ أَنَّ الْمُرَادَ فَلَمَّا مَضَتْ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ لَيْلَةً بِأَيَّامِهَا فَإِنَّ الْعَرَبَ تُؤَرِّخُ بِاللَّيَالِيِ وَتَكُونُ الْأَيَّامُ تَابِعَةً لَهَا وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا ( فَإِنْ قُلْت ) فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ فَخَرَجَ إلَيْنَا صَبَاحَ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ كَانَ دُخُولُهُ فِي التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ قُلْت قَدْ أَوَّلُهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ صَبَاحُ اللَّيْلَةِ الَّتِي بَعْدَ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَهِيَ صَبِيحَةُ ثَلَاثِينَ وَدَعَاهُ إلَى ذَلِكَ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ فَإِنَّ قَوْلَهُ فَلَمَّا مَضَى تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا يَقْطَعُ النِّزَاعَ فِي ذَلِكَ ، وَكَذَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بَعْدَ ذِكْرِهِ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ فِي ذَلِكَ : مَعْنَاهُ كُلُّهُ بَعْدَ تَمَامِ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا ، يَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ فَلَمَّا مَضَى تِسْعٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا . ( الثَّالِثَةُ ) صَرَّحَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ حَلِفَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الدُّخُولِ عَلَى أَزْوَاجِهِ شَهْرًا فَتَبَيَّنَ أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَأَنَسٍ وَغَيْرِهِمَا { آلَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نِسَائِهِ } أُرِيدَ بِهِ ذَلِكَ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ الْحَلِفَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الْوَطْءِ وَالرِّوَايَاتُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا فَإِنَّ الْإِيلَاءَ فِي اللُّغَةِ مُطْلَقُ الْحَلِفِ لَكِنَّهُ مُسْتَعْمَلٌ فِي عُرْفِ الْفُقَهَاءِ فِي حَلِفٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ الْحَلِفُ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ وَطْءِ زَوْجَتِهِ مُطْلَقًا أَوْ مُدَّةً تَزِيدُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَلَا يُسْتَعْمَلُ الْإِيلَاءُ عِنْدَهُمْ فِيمَا عَدَا ذَلِكَ وَالْإِيلَاءُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ حَرَامٌ لِمَا فِيهِ مِنْ إيذَاءِ الزَّوْجَةِ وَلَيْسَ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ ، وَلَوْ حَلَفَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ وَطْءِ الزَّوْجَةِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَمَا دُونَهَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا وَتَعْدِيَتُهُ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَغَيْرِهَا بِمَنْ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ رَاعَى الْمَعْنَى وَهُوَ الِامْتِنَاعُ مِنْ الدُّخُولِ وَهُوَ يَتَعَدَّى بِمِنْ . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ جَوَازُ هِجْرَانِ الْمُسْلِمِ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ إذَا تَعَلَّقَتْ بِذَلِكَ مَصْلَحَةٌ دِينِيَّةٌ مِنْ صَلَاحِ حَالِ الْمَهْجُورِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَمِنْ ذَلِكَ مَا إذَا كَانَ الْمَهْجُورُ مُبْتَدِعًا أَوْ مُجَاهِرًا بِالظُّلْمِ وَالْفُسُوقِ فَلَا يَحْرُمُ مُهَاجَرَتُهُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا هِجْرَةَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } فَمَحَلُّهُ مَا إذَا كَانَ الْهِجْرَانُ لِحُظُوظِ النَّفْسِ وَتَعَنُّتَاتِ أَهْلِ الدُّنْيَا . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ هَذَا فِي الْهِجْرَانِ لِغَيْرِ عُذْرٍ شَرْعِيٍّ فَإِنْ كَانَ عُذْرٌ بِأَنْ كَانَ الْمَهْجُورُ مَذْمُومَ الْحَالِ لِبِدْعَةٍ أَوْ فِسْقٍ أَوْ نَحْوِهِمَا أَوْ كَانَ فِيهِ صَلَاحٌ لِدِينِ الْهَاجِرِ أَوْ الْمَهْجُورِ فَلَا يَحْرُمُ وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا ثَبَتَ مِنْ { هَجْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ وَنَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّحَابَةَ عَنْ كَلَامِهِمْ } ، وَكَذَا مَا جَاءَ مِنْ هِجْرَانِ السَّلَفِ بَعْضَهُمْ بَعْضًا انْتَهَى . ( الْخَامِسَةُ ) فِيهِ مَنْقَبَةٌ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِبَدَائِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالدُّخُولِ عَلَيْهَا قَبْلَ بَقِيَّةِ زَوْجَاتِهِ . ( السَّادِسَةُ ) هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَقْسَمَ عَلَى تَرْكِ الدُّخُولِ عَلَى أَزْوَاجِهِ شَهْرًا بِعَيْنِهِ بِالْهِلَالِ وَجَاءَهُ ذَلِكَ الشَّهْرُ نَاقِصًا فَلَوْ تَمَّ ذَلِكَ الشَّهْرُ وَلَمْ يَرَ الْهِلَالَ فِيهِ لَيْلَةَ الثَّلَاثِينَ لَمَكَثَ ثَلَاثِينَ يَوْمًا أَمَّا لَوْ أَقْسَمَ عَلَى تَرْكِ الدُّخُولِ عَلَيْهِنَّ شَهْرًا مُطْلَقًا لَمْ يَنْطَبِقْ الْحَلِفُ فِيهِ عَلَى أَوَّلِ الْهِلَالِ لَمْ يَبَرَّ إلَّا بِشَهْرٍ تَامٍّ بِالْعَدَدِ ، هَذَا هُوَ الَّذِي نَعْرِفُهُ لِأَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فَإِنْ كَانَ أَحَدٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ يَقُولُ بِالِاكْتِفَاءِ بِتِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ شَهْرٍ فَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ لَهُ ( فَإِنْ قُلْت ) إذَا كَانَ الْمَحْلُوفُ عَلَيْهِ شَهْرًا بِعَيْنِهِ بِالْهِلَالِ ، وَقَدْ رُئِيَ لِتَمَامِ تِسْعَةٍ وَعِشْرِينَ يَوْمًا فَمَا وَجْهُ السُّؤَالِ عَنْهُ ، وَقَدْ كَمُلَ الشَّهْرُ بِالرُّؤْيَةِ ؟ ( قُلْت ) يَحْتَمِلُ أَوْجُهًا . ( أَحَدُهَا ) أَنَّ السَّائِلَ لَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّهُ شَهْرٌ يُعَيِّنُهُ بِالْهِلَالِ بَلْ ظَنَّ أَنَّهُ شَهْرٌ عَدَدِيٌّ فَبَنَى عَلَى ذَلِكَ سُؤَالَهُ . ( ثَانِيهَا ) لَعَلَّ السَّائِلَ لَمْ يَعْلَمْ قَبْلَ ذَلِكَ الْحُكْمَ الشَّرْعِيَّ وَهُوَ أَنَّ الشَّهْرَ الْمُعْتَبَرَ بِعَيْنِهِ بِالْهِلَالِ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْعَدَدُ ، وَإِنَّمَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْهِلَالُ حَتَّى بَيَّنَهُ لَهُ الشَّارِعُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . ( ثَالِثُهَا ) يُحْتَمَلُ أَنَّ السَّائِلَ عَرَفَ أَنَّ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ شَهْرٌ بِعَيْنِهِ بِالْهِلَالِ وَعَرَفَ أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِيهِ الْهِلَالُ دُونَ الْعَدَدِ وَلَكِنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا رَأَوْا الْهِلَالَ لِمَانِعٍ مِنْ غَيْمٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ لَمْ يَنْتَصِبُوا لِرُؤْيَتِهِ لِكَوْنِهِ لَيْسَ رَمَضَانَ وَلَا شَعْبَانَ وَعَلِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغَيْبِ انْقِضَاءَ الشَّهْرِ بِوَحْيٍ فَأَخْبَرَ بِهِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عِنْدَ النَّسَائِيّ { أَتَانِي جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَقَالَ : الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ } . ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ ( إنَّ الشَّهْرَ تِسْعٌ وَعِشْرِينَ ) كَذَا فِي أَصْلِنَا وَعِشْرِينَ وَكَأَنَّهُ خَبَرُ كَانَ الْمُقَدَّرَةِ تَقْدِيرُهُ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ وَأَنَسٍ وَغَيْرِهِمَا إنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَحَذْفُ كَانَ وَاسْمِهَا وَإِبْقَاءُ عَمَلِهَا إنَّمَا هُوَ كَثِيرٌ بَعْد إنْ أَوْ لَوْ لَكِنَّهُ قَدْ وَرَدَ بَعْدَ غَيْرِهِمَا كَمَا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ : مِنْ لَدُ شَوْلًا فَإِلَى ائْتِلَافِهَا أَيْ مِنْ لَدُنْ كَانَتْ هِيَ شَوْلًا فَإِلَى أَنْ تَلَاهَا وَلَدُهَا ، وَعَلَى هَذَا فَقَوْلُهُ تِسْعٌ مَنْصُوبٌ وَاسْتَغْنَى عَنْ كِتَابَتِهِ بِالْأَلِفِ بِجَعْلِ فَتْحَتَيْنِ عَلَيْهِ كَمَا هُوَ اصْطِلَاحٌ لِبَعْضِ النَّاسِ وَلَا جَائِزَ أَنْ يَكُونَ مَرْفُوعًا . ( الثَّامِنَةُ ) إنْ قُلْت ظَاهِرُهُ حَصْرُ الشَّهْرِ فِي تِسْعٍ وَعِشْرِينَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَنْحَصِرُ فِيهِ فَقَدْ يَكُونُ ثَلَاثِينَ ( قُلْت ) عَنْهُ أَجْوِبَةٌ . ( أَحَدُهَا ) أَنَّ الْمَعْنَى كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّهْرَ يَكُونُ تِسْعَةً وَعِشْرِينَ يَوْمًا وَحِينَئِذٍ فَلَا إشْكَالَ فِي ذَلِكَ . ( ثَانِيهَا ) أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لِلْعَهْدِ وَالْمُرَادُ أَنَّ هَذَا الشَّهْرَ الَّذِي أَقْسَمَ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ الدُّخُولِ فِيهِ تِسْعَةٌ وَعِشْرُونَ يَوْمًا . ( ثَالِثُهَا ) أَنَّهُ بَنَى ذَلِكَ عَلَى الْغَالِبِ الْأَكْثَرِ ؛ لِأَنَّ مَجِيءَ الشَّهْرِ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ فِي زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِينَ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ مَا صُمْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ أَكْثَرَ مِمَّا صُمْنَا ثَلَاثِينَ ، وَكَذَا فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( رَابِعُهَا ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ مَعْنَاهُ حَصْرُهُ مِنْ أَحَدِ طَرَفَيْهِ وَهُوَ النُّقْصَانُ أَيْ إنَّهُ يَكُونُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَهُوَ أَقَلُّهُ ، وَقَدْ يَكُونُ ثَلَاثِينَ وَهُوَ أَكْثَرُهُ فَلَا تَأْخُذُوا أَنْتُمْ بِصَوْمِ الْأَكْثَرِ أَنْفُسَكُمْ احْتِيَاطًا وَلَا تَقْصُرُوا عَلَى الْأَقَلِّ تَخْفِيفًا وَلَكِنْ اُرْبُطُوا عِبَادَتَكُمْ بِرُؤْيَتِهِ وَاجْعَلُوا عِبَادَتَكُمْ مُرْتَبِطَةً ابْتِدَاءً وَانْتِهَاءً بِاسْتِهْلَالِهِ انْتَهَى . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَأَحَدُكُمْ جُنُبٌ فَلَا يَصُمْ يَوْمَئِذٍ } ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَوَصَلَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعَهُ مِنْ الْفَضْلِ . زَادَ مُسْلِمٌ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا إمَّا مَنْسُوخٌ كَمَا رَجَّحَهُ الْخَطَّابِيُّ أَوْ مَرْجُوحٌ كَمَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَالْبُخَارِيُّ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ { عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ } وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ( التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِهِ ) وَعِنْدَهُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَجَعَ عَنْ ذَلِكَ حِينَ بَلَغَهُ حَدِيثُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَأَحَدُكُمْ جُنُبٌ فَلَا يَصُمْ يَوْمَئِذٍ } ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَوَصَلَهُ ابْنُ مَاجَهْ وَهُوَ مَنْسُوخٌ أَوْ مَرْجُوحٌ ، وَقَدْ رَجَعَ عَنْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا فَقَالَ ، وَقَالَ هَمَّامُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُ بِالْفِطْرِ } وَالْأَوَّلُ أَسْنَدُ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْدَةَ قَالَ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَالْقَارِئُ قَالَ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ ( لَا وَرَبِّ هَذَا الْبَيْتِ مَا أَنَا قُلْت مَنْ أَدْرَكَهُ الصُّبْحُ وَهُوَ جُنُبٌ فَلَا يَصُمْ مُحَمَّدٌ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ قَالَهُ ) لَفْظُ النَّسَائِيّ وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ بِمَعْنَاهُ . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي الْكُبْرَى أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ( أَنَّهُ احْتَلَمَ لَيْلًا فِي رَمَضَانَ فَاسْتَيْقَظَ قَبْلَ أَنْ يَطْلُعَ الْفَجْرُ ثُمَّ نَامَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ حَتَّى أَصْبَحَ قَالَ فَلَقِيت أَبَا هُرَيْرَةَ حِينَ أَصْبَحْت فَاسْتَفْتَيْته فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَفْطِرْ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِالْفِطْرِ إذَا أَصْبَحَ الرَّجُلُ جُنُبًا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ فَجِئْت عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ فَذَكَرْت لَهُ الَّذِي أَفْتَانِي بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ فَقَالَ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَئِنْ أَفْطَرْت لَأُوجِعَنَّ مَتْنَيْك صُمْ فَإِنْ بَدَا لَك أَنْ تَصُومَ يَوْمًا آخَرَ فَافْعَلْ ) . ثُمَّ رَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَذَكَرَ مِثْلَهُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : اخْتَلَفَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ فِي اسْمِ ابْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فَلَمْ يُسَمِّهِ وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ وَالْأَوَّلُ أَسْنَدُ أَشَارَ بِهِ إلَى مَا رَوَاهُ قَبْلَهُ { عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُدْرِكُهُ الْفَجْرُ وَهُوَ جُنُبٌ مِنْ أَهْلِهِ ثُمَّ يَغْتَسِلُ وَيَصُومُ } وَأَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ ذَكَرَ ذَلِكَ لِمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ أُقْسِمُ بِاَللَّهِ لَتُقَرِّعَنَّ بِهَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَذَكَرَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ قَوْلَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ فَقَالَ كَذَلِكَ حَدَّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ أَعْلَمُ " . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَفِي رِوَايَتِهِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَهُمَا قَالَتَاهُ لَك ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ هُمَا أَعْلَمُ ، ثُمَّ رَدَّ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ إلَى الْفَضْلِ بْنِ الْعَبَّاسِ فَقَالَ سَمِعْت ذَلِكَ مِنْ الْفَضْلِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَمَّا كَانَ يَقُولُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ . وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيّ الْكُبْرَى أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ هِيَ يَعْنِي عَائِشَةَ أَعْلَمُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَّا إنَّمَا كَانَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حَدَّثَنِي بِذَلِكَ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي يُونُسَ مَوْلَى عَائِشَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَفْتِيهِ وَهِيَ تَسْمَعُ مِنْ وَرَاءِ الْبَابِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا تُدْرِكُنِي الصَّلَاةُ وَأَنَا جُنُبٌ فَأَصُومُ فَقَالَ لَسْت مِثْلَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِك وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ وَاَللَّهِ إنِّي لَأَرْجُو أَنْ أَكُونَ أَخْشَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمَكُمْ بِمَا أَتْقَاكُمْ } . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ نَهْيُ مَنْ أَجْنَبَ لَيْلًا وَاسْتَمَرَّ جُنُبًا فَلَمْ يَغْتَسِلْ حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ عَنْ الصَّوْمِ وَظَاهِرُهُ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِاخْتِيَارِهِ كَالْجِمَاعِ أَوْ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ لِاحْتِلَامٍ وَلَا بَيْنَ صَوْمِ رَمَضَانَ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ كَانَ يَذْهَبُ إلَى هَذَا الْمَذْهَبِ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيَقُولُ إنَّهُ لَوْ صَامَ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُهُ هَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ عَنْهُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ حَكَاهُ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَاَلَّذِي حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ مَا سَأَحْكِيهِ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ وَفِيهِ ( قَوْلٌ ثَانٍ ) أَنَّهُ إنْ عَلِمَ بِجَنَابَتِهِ ثُمَّ نَامَ حَتَّى أَصْبَحَ مِنْ غَيْرِ اغْتِسَالٍ فَهُوَ مُفْطِرٌ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ حَتَّى أَصْبَحَ فَهُوَ صَائِمٌ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا وَطَاوُسٍ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَحُكِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَفِيهِ قَوْلٌ ( ثَالِثٌ ) أَنَّهُ يُتِمُّ صَوْمَهُ وَيَقْضِيهِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فِي قَوْلٍ ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ حُكِيَ أَيْضًا عَنْ الْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ وَفِيهِ قَوْلٌ ( رَابِعٌ ) أَنَّهُ يُجْزِئُهُ فِي التَّطَوُّعِ وَيَقْضِي فِي الْفَرْضِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَفِيهِ قَوْلٌ ( خَامِسٌ ) وَهُوَ صِحَّةُ صَوْمِهِ مُطْلَقًا وَلَا قَضَاءَ عَلَيْهِ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ رَمَضَانُ وَغَيْرُهُ وَسَوَاءٌ عَلِمَ بِجَنَابَتِهِ أَمْ لَا وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ قَالَ ، وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي ذَرٍّ وَابْنِ عَبَّاسٍ . وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ هُوَ قَوْلُ سَائِرِ الْفُقَهَاءِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بَعْدَ حِكَايَةِ الْأَقْوَالِ الْأَرْبَعَةِ الْأُولَى ثُمَّ ارْتَفَعَ هَذَا الْخِلَافُ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ بَعْدَ هَذَا عَلَى صِحَّتِهِ وَبِهِ قَالَ جَمَاهِيرُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَالصَّحِيحُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَجَعَ عَنْ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَقِيلَ لَمْ يَرْجِعْ عَنْهُ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ قَالَ وَفِي صِحَّةِ الْإِجْمَاعِ بَعْدَ الْخِلَافِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ لِأَهْلِ الْأُصُولِ قَالَ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ حُجَّةٌ عَلَى كُلِّ مُخَالِفٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ صَارَ ذَلِكَ إجْمَاعًا أَوْ كَالْإِجْمَاعِ . ( الثَّالِثَةُ ) أَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَغَيْرِهِمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي تَأْوِيلِ مَا رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى النَّسْخِ وَذَلِكَ أَنَّ الْجِمَاعَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ مُحَرَّمًا عَلَى الصَّائِمِ فِي اللَّيْلِ بَعْدَ النَّوْمِ كَالطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَلَمَّا أَبَاحَ اللَّهُ الْجِمَاعَ إلَى طُلُوعِ الْفَجْرِ جَازَ لِلْجُنُبِ إذَا أَصْبَحَ قَبْلَ أَنْ يَغْتَسِلَ أَنْ يَصُومَ ذَلِكَ الْيَوْمَ لِارْتِفَاعِ الْحَظْرِ الْمُتَقَدِّمِ فَيَكُونَ تَأْوِيلُ قَوْلِهِ مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا فَلَا يَصُمْ أَيْ مَنْ جَامَعَ فِي الصَّوْمِ بَعْدَ النَّوْمِ فَلَا يُجْزِئُهُ صَوْمُ غَدِّهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُصْبِحُ جُنُبًا إلَّا وَلَهُ أَنْ يَطَأَ قَبْلَ الْفَجْرِ بِطَرْفَةِ عَيْنٍ فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يُفْتِي بِمَا سَمِعَهُ مِنْ الْفَضْلِ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ وَلَمْ يَعْلَمْ بِالنَّسْخِ فَلَمَّا سَمِعَ خَبَرَ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ رَجَعَ إلَيْهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ فُتْيَاهُ فِيمَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا أَنَّهُ لَا يَصُومُ انْتَهَى وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْذِرِ فَقَالَ رَوَيْنَا عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّهُ قَالَ أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي هَذَا أَنْ يَكُونَ مَحْمُولًا عَلَى النَّسْخِ ، وَذَكَرَ مِثْلَ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْخَطَّابِيِّ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْوَجْهُ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ . ( ثَانِيهَا ) أَنَّهُ مَرْجُوحٌ قَدْ عَارَضَهُ مَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهُ فَيُقَدَّمُ عَلَيْهِ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْبُخَارِيُّ فَقَالَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْهُ فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى وَالْأَوَّلُ أَسْنَدُ وَذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَقَالَ فَأَخَذْنَا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجَتَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دُونَ مَا رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ رَجُلٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَعَانٍ : ( مِنْهَا ) أَنَّهُمَا زَوْجَتَاهُ وَزَوْجَتَاهُ أَعْلَمُ بِهَذَا مِنْ رَجُلٍ إنَّمَا يَعْرِفُهُ سَمَاعًا أَوْ خَبَرًا . ( وَمِنْهَا ) أَنَّ عَائِشَةَ مُقَدَّمَةٌ فِي الْحِفْظِ وَأَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ حَافِظَةٌ وَرِوَايَةُ اثْنَيْنِ أَكْثَرُ مِنْ رِوَايَةِ وَاحِدٍ . ( وَمِنْهَا ) أَنَّ الَّذِي رَوَتَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَعْرُوفُ فِي الْمَعْقُولِ وَالْأَشْبَهُ بِالسُّنَنِ حَكَاهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ قَالَ وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي شَرْحِ هَذَا ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْغُسْلَ شَيْءٌ وَجَبَ بِالْجِمَاعِ وَلَيْسَ فِي فِعْلِهِ شَيْءٌ مُحَرَّمٌ عَلَى صَائِمٍ ، وَقَدْ يَحْتَلِمُ بِالنَّهَارِ فَيَجِبُ عَلَيْهِ الْغُسْلُ وَيُتِمُّ صَوْمَهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُجَامِعْ فِي نَهَارٍ ، وَجَعْلُهُ شَبِيهًا بِالْمُحْرِمِ يُنْهَى عَنْ الطِّيبِ ثُمَّ يَتَطَيَّبُ حَلَالًا ثُمَّ يُحْرِمُ وَعَلَيْهِ لَوْنُهُ وَرِيحُهُ ؛ لِأَنَّ نَفْسَ التَّطَيُّبِ كَانَ وَهُوَ مُبَاحٌ ، وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَدْ يَسْمَعُ الرَّجُلُ سَائِلًا يَسْأَلُ عَنْ رَجُلٍ جَامَعَ بِلَيْلٍ فَأَقَامَ مُجَامِعًا بَعْدَ الْفَجْرِ شَيْئًا فَأَمَرَ بِأَنْ يَقْضِيَ ( فَإِنْ قَالَ ) فَكَيْفَ إذَا أَمْكَنَ هَذَا عَلَى مُحَدِّثٍ ثِقَةٍ ثَبَتَ حَدِيثُهُ وَلَزِمَتْ بِهِ حُجَّةٌ ، قِيلَ كَمَا يَلْزَمُ بِشَهَادَةِ الشَّاهِدَيْنِ الْحُكْمُ فِي الْمَالِ وَالدَّمِ مَا لَمْ يُخَالِفْهُمَا غَيْرُهُمَا ، وَقَدْ يُمْكِنُ عَلَيْهِمَا الْغَلَطُ وَالْكَذِبُ وَلَوْ شَهِدَ غَيْرُهُمَا بِضِدِّ شَهَادَتِهِمَا لَمْ تُسْمَعْ شَهَادَتُهُمَا كَمَا تُسْمَعُ إذَا انْفَرَدَ ، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِي شَرْحِ هَذَا انْتَهَى . وَمِنْ الْعَجِيبِ إهْمَالُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ هَذَا الْجَوَابَ مَعَ كَوْنِهِ جَوَابَ صَاحِبِ مَذْهَبِهِ الَّذِي هُوَ مُقَلِّدُهُ . ( ثَالِثُهَا ) أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ طَلَعَ عَلَيْهِ الْفَجْرُ وَهُوَ مُجَامِعٌ فَاسْتَدَامَ مَعَ عِلْمِهِ بِالْفَجْرِ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَتَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الْإِشَارَةُ إلَيْهِ ، وَذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ ، وَقَالَ يَكُونُ مَعْنَاهُ مَنْ أَصْبَحَ مُجَامِعًا وَالشَّيْءُ يُسَمَّى بِاسْمِ غَيْرِهِ إذَا كَانَ مَآلُهُ فِي الْعَاقِبَةِ إلَيْهِ . ( رَابِعًا ) إنَّهُ إرْشَادٌ إلَى الْأَفْضَلِ فَالْأَفْضَلِ أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ الْفَجْرِ فَلَوْ خَالَفَ جَازَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وَهَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَجَوَابُهُمْ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، ثُمَّ قَالَ ( فَإِنْ قِيلَ ) كَيْفَ يَقُولُونَ الِاغْتِسَالُ قَبْلَ الْفَجْرِ أَفْضَلُ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافُهُ ( فَالْجَوَابُ ) أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَيَكُونُ فِي حَقِّهِ حِينَئِذٍ أَفْضَلَ ؛ لِأَنَّهُ يَتَضَمَّنُ الْبَيَانَ لِلنَّاسِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِالْبَيَانِ وَهَذَا كَمَا تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ بَيَانًا لِلْجَوَازِ ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ الثَّلَاثَ أَفْضَلُ وَهُوَ الَّذِي وَاظَبَ عَلَيْهِ وَتَظَاهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ وَطَافَ عَلَى الْبَعِيرِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الطَّوَافَ مَاشِيًا أَفْضَلُ وَهُوَ الَّذِي تَكَرَّرَ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ انْتَهَى . ( الرَّابِعَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُ : أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ مَنْ احْتَلَمَ فِي اللَّيْلِ وَأَمْكَنَهُ الِاغْتِسَالُ قَبْلَ الْفَجْرِ وَلَمْ يَغْتَسِلْ وَأَصْبَحَ جُنُبًا بِالِاحْتِلَامِ أَوْ احْتَلَمَ بِالنَّهَارِ فَصَوْمُهُ صَحِيحٌ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي صَوْمِ الْجُنُبِ بِالْإِجْمَاعِ انْتَهَى . وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْفَائِدَةِ قَبْلَهَا قَدْ تُوَافِقُهُ فِي الصُّورَتَيْنِ لِتَصْوِيرِهِ الْمَسْأَلَةَ بِالْجِمَاعِ وَلِقِيَاسِهِ عَلَى الِاحْتِلَامِ بِالنَّهَارِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ إجْمَاعًا قَدِيمًا قَبْلَ إجْمَاعِ الْمُتَأَخِّرِينَ وَأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ وَلَا مِنْ الْمُتَأَخِّرِينَ بِهِ فِي جَمِيعِ صُوَرِهِ لَكِنَّ فَتْوَى أَبِي هُرَيْرَةَ لِوَلَدِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يَخُصَّ فَتْوَاهُ بِالْجِمَاعِ بَلْ طَرَدَهُ فِي الِاحْتِلَامِ أَيْضًا ، وَكَلَامُ ابْنِ الْمُنْذِرِ فِي نَقْلِ الْمَذَاهِبِ يُوَافِقُ ذَلِكَ أَيْضًا فَإِنَّهُ حَكَى قَوْلًا مُفَصَّلًا بَيْنَ أَنْ يَعْلَمَ بِجَنَابَتِهِ ثُمَّ يَنَامَ قَبْلَ الصُّبْحِ أَمْ لَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَتْ حِكَايَتُهُ وَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي إدْخَالِ صُورَةِ الِاحْتِلَامِ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) فِي مَعْنَى مَنْ أَصْبَحَ جُنُبًا الْحَائِضٌ أَوْ النُّفَسَاءُ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا لَيْلًا ثُمَّ طَلَعَ الْفَجْرُ قَبْلَ اغْتِسَالِهَا فَقَالَ الْجُمْهُورُ بِصِحَّةِ صَوْمِهَا وَخَالَفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هَذَا مَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً ، إلَّا مَا حُكِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ مِمَّا لَا نَعْلَمُ أَصَحَّ عَنْهُ أَمْ لَا . قَالَ وَسَوَاءٌ تَرَكَتْ الْغُسْلَ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِ عُذْرٍ كَالْجُنُبِ ( قُلْت ) فِي حِكَايَةِ النَّوَوِيِّ إجْمَاعَ الْكَافَّةِ إلَّا مَا لَا يُعْلَمُ صِحَّتُهُ نَظَرٌ ، فَفِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي وُجُوبِ الْقَضَاءِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَوْمُ مُنْقَطِعَةِ الْحَيْضِ حَتَّى تَغْتَسِلَ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ أَنَّهَا إذَا أَخَّرَتْ غُسْلَهَا حَتَّى طَلَعَ الْفَجْرُ فَيَوْمُهَا يَوْمُ فِطْرٍ ؛ لِأَنَّهَا فِي بَعْضِهِ غَيْرِ طَاهِرٍ وَلَيْسَتْ كَاَلَّذِي يُصْبِحُ جُنُبًا فَيَصُومُ ؛ لِأَنَّ الِاحْتِلَامَ لَا يَنْقُضُ الصَّوْمَ وَالْحَيْضَ يَنْقُضُهُ ، وَقَالَ هَذِهِ غَفْلَةٌ شَدِيدَةٌ وَكَيْفَ تَكُونُ فِي بَعْضِهِ حَائِضًا ، وَقَدْ كَمُلَ طُهْرُهَا قَبْلَ الْفَجْرِ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا عَنْ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ أَنَّهُ رَأَى عَلَيْهَا قَضَاءَ ذَلِكَ الْيَوْمِ ، وَقَدْ ظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي هَذَا أَشْهَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْوِصَالِ ، قَالُوا فَإِنَّك تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ إنِّي لَسْت كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى } وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ { إنِّي أَظَلُّ أُطْعَمُ وَأُسْقَى } وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ ، إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ ، قَالُوا إنَّك تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ إنِّي لَسْت كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ ، إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ ، قَالُوا فَإِنَّك تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إنِّي لَسْت فِي ذَلِكَ مِثْلَكُمْ إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي فَاكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ } زَادَ الشَّيْخَانِ فِي رِوَايَةٍ { فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ فَقَالَ لَوْ تَأَخَّرَ لَزِدْتُكُمْ ، كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِين أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا } . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { لَوْ مُدَّ لَنَا الشَّهْرُ لَوَاصَلْنَا وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ } وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ { لَا تُوَاصِلُوا فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ } وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { نَهَاهُمْ عَنْ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ } . الْحَدِيثُ السَّادِسُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ الْوِصَالِ ، قَالُوا فَإِنَّك تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ إنِّي لَسْت كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى } وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ ، إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ ، إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ ، قَالُوا إنَّك تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ إنِّي لَسْت كَهَيْئَتِكُمْ إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ إيَّاكُمْ وَالْوِصَالَ ، قَالُوا فَإِنَّك تُوَاصِلُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إنِّي لَسْت فِي ذَلِكُمْ مِثْلَكُمْ ، إنِّي أَبِيتُ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي فَاكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا لَكُمْ بِهِ طَاقَةٌ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاصَلَ فِي رَمَضَانَ فَوَاصَلَ النَّاسُ فَنَهَاهُمْ فَقِيلَ لَهُ إنَّك تُوَاصِلُ ، قَالَ إنِّي لَسْت مِثْلَكُمْ إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى } وَمِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِمِثْلِهِ وَلَمْ يَقُلْ فِي رَمَضَانَ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأَوَّلِ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ الْبُخَارِيُّ عَنْ يَحْيَى قِيلَ إنَّهُ ابْنُ مُوسَى عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ زِيَادَةٌ { فَلَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا ثُمَّ رَأَوْا الْهِلَالَ فَقَالَ لَوْ تَأَخَّرَ الْهِلَالُ لَزِدْتُكُمْ } كَالْمُنَكِّلِ لَهُمْ حِينَ أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي زُرْعَةَ وَأَبِي صَالِحٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ { إنَّكُمْ لَسْتُمْ فِي ذَلِكَ مِثْلِي } وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ أَيْضًا عَلَى هَذَا الْمَتْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَعَائِشَةَ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَعَزْوُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ لِمُسْلِمٍ وَهْمٌ . ( الثَّانِيَةُ ) الْوِصَالُ هُنَا أَنْ يَصُومَ يَوْمَيْنِ فَصَاعِدًا ، وَلَا يَتَنَاوَلُ فِي اللَّيْلِ لَا مَاءً وَلَا مَأْكُولًا فَإِنْ أَكَلَ شَيْئًا يَسِيرًا أَوْ شَرِبَ وَلَوْ قَطْرَةً فَلَيْسَ وِصَالًا ، وَكَذَا إنْ أَخَّرَ الْأَكْلَ إلَى السَّحَرِ لِمَقْصُودٍ صَحِيحٍ أَوْ غَيْرِهِ فَلَيْسَ بِوِصَالٍ كَذَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ هُوَ أَنْ يَصِلَ صَوْمَ اللَّيْلِ بِصَوْمِ النَّهَارِ قَصْدًا فَلَوْ جَرَكَ الْأَكْلَ بِاللَّيْلِ لَا عَلَى قَصْدِ الْوِصَالِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى بِهِ لَمْ يَحْرُمْ ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ الْعِصْيَانُ فِي الْوِصَالِ لِقَصْدِهِ إلَيْهِ وَإِلَّا فَالْفِطْرُ حَاصِلٌ بِدُخُولِ اللَّيْلِ كَالْحَائِضِ إذَا صَلَّتْ عَصَتْ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا صَلَاةٌ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَهُوَ خِلَافُ إطْلَاقِ الْجُمْهُورِ وَخِلَافُ مَا صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْوِصَالَ تَرْكُ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ فِي اللَّيْلِ بَيْنَ الصَّوْمَيْنِ عَمْدًا بِلَا عُذْرٍ ، قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ الْإِسْنَوِيُّ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ مَا عَدَا الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ كَالْجِمَاعِ وَالِاسْتِقَاءَةِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمُفْطِرَاتِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْوِصَالِ وَهُوَ ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْوِصَالِ إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ الضَّعْفِ وَهَذِهِ الْأُمُورُ تَزِيدُهُ أَوْ لَا تَمْنَعُ حُصُولَهُ لَكِنْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ خِلَافَ ذَلِكَ مِنْهُمْ الرُّويَانِيُّ فِي الْبَحْرِ قَالَ الْوِصَالُ الْمَكْرُوهُ أَنْ لَا يَطْعَمَ بِاللَّيْلِ بَيْنَ يَوْمَيْ صَوْمٍ وَيَسْتَدِيمَ جَمِيعَ أَوْصَافِ الصَّائِمِينَ وَالْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي قَالَ الْوِصَالُ أَنْ يَتْرُكَ بِاللَّيْلِ مَا أُبِيحَ لَهُ مِنْ غَيْرِ إفْطَارٍ ، وَقَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ يَزُولُ بِمَا يَزُولُ بِهِ صُورَةُ الصَّوْمِ ، قَالَ شَيْخُنَا الْإِسْنَوِيُّ أَيْضًا وَتَعْبِيرُهُمْ بِصَوْمِ يَوْمَيْنِ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَأْمُورَ بِالْإِمْسَاكِ كَتَارِكِ النِّيَّةِ لَا يَكُونُ امْتِنَاعُهُ بِاللَّيْلِ مِنْ تَعَاطِي الْمُفْطِرَاتِ وِصَالًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ صَوْمَيْنِ إلَّا أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ ذَلِكَ جَرَى عَلَى الْغَالِبِ انْتَهَى . وَكَلَامُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْوِصَالَ هُوَ الْإِمْسَاكُ بَعْدَ حَلِّ الْفِطْرِ فَإِنَّهُ حَكَى فِي حُكْمِهِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ : التَّحْرِيمُ ، وَالْجَوَازُ ، وَثَالِثُهَا : أَنْ يُوَاصِلَ إلَى السَّحَرِ قَالَهُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ثُمَّ قَالَ وَالصَّحِيحُ مَنْعُهُ فَيَقْتَضِي أَنَّ الْمُوَاصَلَةَ إلَى السَّحَرِ دَاخِلَةٌ فِي حَدِّ الْوِصَالِ وَأَنَّ جَمِيعَ أَنْوَاعِ الْوِصَالِ حَرَامٌ حَتَّى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَيْهِ أَنْ يُوَاصِلَ بَعْدَ الْغُرُوبِ وَذَلِكَ يَصْدُقُ بِتَأْخِيرِ الْفِطْرِ قَلِيلًا وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ لَا أَهْلُ الظَّاهِرِ وَلَا غَيْرُهُمْ إلَّا أَنَّ الْقَاضِيَ عِيَاضًا حَكَى عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْإِمْسَاكَ بَعْدَ الْغُرُوبِ لَا يَجُوزُ وَهُوَ كَإِمْسَاكِ يَوْمِ الْفِطْرِ وَيَوْمِ النَّحْرِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ جَائِزٌ لَهُ أَجْرُ الصَّائِمِ انْتَهَى وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ مَرْدُودٌ ، أَمَّا تَحْرِيمُ الْإِمْسَاكِ بَعْدَ الْغُرُوبِ فَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { فَأَيُّكُمْ أَرَادَ أَنْ يُوَاصِلَ فَلْيُوَاصِلْ إلَى السَّحَرِ } أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّ صَاحِبَ هَذِهِ الْمَقَالَةِ إنَّمَا أَرَادَ تَحْرِيمَ الْإِمْسَاكِ الْمُسْتَمِرِّ إلَى آخِرِ اللَّيْلِ وَلَمْ يُرِدْ تَحْرِيمَ مُطْلَقِ الْإِمْسَاكِ فَإِنَّ هَذَا لَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِهِ إلَّا أَنْ يَنْضَمَّ إلَى ذَلِكَ نِيَّةُ الصَّوْمِ وَاعْتِقَادُ كَوْنِهِ صَوْمًا شَرْعِيًّا وَالْخَلَلُ فِي ذَلِكَ مِنْ عِبَارَةِ الْقَاضِي وَأَنَّهَا غَيْرُ وَافِيَةٍ بِالْمَقْصُودِ ، وَأَمَّا الْقَوْلُ بِأَنَّ لَهُ أَجْرَ الصَّائِمِ فَكَيْفَ يَصِحُّ وَاللَّيْلُ لَيْسَ مَحَلًّا لِلصَّوْمِ وَلَوْ نَوَاهُ فِيهِ لَمْ يَنْعَقِدْ فَكَيْفَ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ صَوْمِهِ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ النَّهْيُ عَنْ الْوِصَالِ وَذَلِكَ يَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ وَالْكَرَاهَةَ لَكِنَّ قَوْلَهُ إيَّاكَ وَالْوِصَالَ يَقْتَضِي التَّحْرِيمَ ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ لَا تُوَاصِلُوا . وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى النَّهْيِ عَنْهُ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ كَرَاهَتَهُ عَنْ مَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقُ ، وَقَالَ الْعَبْدَرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا هُوَ قَوْلُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا ابْنَ الزُّبَيْرِ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ . وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ أَوْ تَنْزِيهٍ وَفِيهِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِلشَّافِعِيَّةِ ( أَصَحُّهُمَا ) عِنْدَهُمْ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ ، وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ حَكَى أَبُو الْحَسَنِ اللَّخْمِيُّ قَوْلَيْنِ فِي جَوَازِ ذَلِكَ وَنَفْيِهِ ثُمَّ اخْتَارَ جَوَازَهُ إلَى السَّحَرِ وَكَرَاهِيَتَهُ إلَى اللَّيْلَةِ الْقَابِلَةِ . وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي بَعْدَ تَقْرِيرِهِ كَرَاهَتَهُ أَنَّهُ غَيْرُ مُحَرَّمٍ وَاسْتَدَلَّ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْوِصَالِ رَحْمَةً لَهُمْ } . { وَبِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا أَبَوْا أَنْ يَنْتَهُوا عَنْ الْوِصَالِ وَاصَلَ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا } . وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا تَقَدَّمَ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثٍ أَنَسٍ { لَوْ مُدَّ لَنَا الشَّهْرُ لَوَاصَلْنَا وِصَالًا يَدَعُ الْمُتَعَمِّقُونَ تَعَمُّقَهُمْ } . وَأَجَابَ الْقَائِلُونَ بِتَحْرِيمِهِ عَنْ قَوْلِهَا رَحْمَةً لَهُمْ بِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ مَنْهِيًّا عَنْهُ لِلتَّحْرِيمِ وَسَبَبُ تَحْرِيمِهِ الشَّفَقَةُ عَلَيْهِمْ . لِئَلَّا يَتَكَلَّفُوا مَا يَشُقُّ عَلَيْهِمْ وَعَنْ الْوِصَالِ بِهِمْ يَوْمًا ثُمَّ يَوْمًا بِأَنَّهُ احْتَمَلَ لِلْمَصْلَحَةِ فِي تَأْكِيدِ زَجْرِهِمْ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ تَمْكِينُهُمْ مِنْهُ تَنْكِيلٌ لَهُمْ وَمَا كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْعُقُوبَةِ لَا يَكُونُ مِنْ الشَّرِيعَةِ انْتَهَى وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي الْوِصَالِ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ يَفْعَلُهُ ، وَرَوَى ابْنُ شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ أَبِي نَوْفَلِ بْنِ عَقْرَبٍ قَالَ دَخَلْت عَلَى ابْنِ الزُّبَيْرِ صَبِيحَةَ خَمْسَةَ عَشْرَ مِنْ الشَّهْرِ وَهُوَ مُوَاصِلٌ . وَعَنْ ابْنِ أَبِي نُعْمٍ أَنَّهُ كَانَ يُوَاصِلُ خَمْسَةَ عَشْرَ يَوْمًا حَتَّى يُعَادَ وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْوِصَالِ لِلصَّائِمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ } فَإِذَا جَاءَ اللَّيْلُ فَهُوَ مُفْطِرٌ ثُمَّ إنْ شَاءَ صَامَ وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ ، وَذَكَرَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ وَاصَلَ سَبْعَةَ عَشْرَ يَوْمًا ثُمَّ أَفْطَرَ عَلَى سَمْنٍ وَلَبَنٍ وَصَبِرٍ قَالَ وَتَأَوَّلَ فِي السَّمْنِ أَنَّهُ يُلَيِّنُ الْأَمْعَاءَ وَاللَّبَنُ أَلْطَفُ غِذَاءٍ وَالصَّبِرُ يُقَوِّي الْأَعْضَاءَ . وَفِي الِاسْتِذْكَارِ لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ عَامِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ كَانَ يُوَاصِلُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ثَلَاثًا فَقِيلَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَيَّامٍ ؟ قَالَ لَا وَمَنْ يَقْوَى ، يُوَاصِلُ يَوْمَيْنِ وَلَيْلَةً ، وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ عَنْ ابْنِ وَضَّاحٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّهُ كَانَ يُوَاصِلُ أَرْبَعَةَ أَيَّامٍ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمِثْلِ مَا احْتَجَّ بِهِ الذَّاهِبُونَ إلَى الْكَرَاهَةِ وَقَالُوا نَهْيُهُمْ عَنْ الْوِصَالِ رَحْمَةٌ بِهِمْ وَرِفْقٌ لَا إلْزَامٌ وَحَتْمٌ . وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِفِعْلِهِ وَلَمْ يَرَوْا ذَلِكَ مُخْتَصًّا بِهِ وَيَرُدُّهُ تَصْرِيحُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِاخْتِصَاصِهِ بِذَلِكَ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ رَسُولِ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ الْحِجَامَةِ وَالْمُوَاصَلَةِ وَلَمْ يُحَرِّمْهُمَا إبْقَاءً عَلَى أَصْحَابِهِ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك تُوَاصِلُ إلَى السَّحَرِ فَقَالَ إنَّنِي أُوَاصِلُ إلَى السَّحَرِ وَرَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي } . ( الرَّابِعَةُ ) فِي قَوْلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّك تُوَاصِلُ ، دَلِيلٌ عَلَى اسْتِوَاءِ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْأَحْكَامِ وَأَنَّ كُلَّ حُكْمٍ ثَبَتَ فِي حَقِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ثَبَتَ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ فَطَلَبُوا الْجَمْعَ بَيْنَ قَوْلِهِ فِي النَّهْيِ وَفِعْلِهِ الدَّالِ عَلَى إبَاحَةِ ذَلِكَ فَأَجَابَهُمْ بِاخْتِصَاصِ فِعْلِهِ بِهِ وَإِنَّهُ لَا يَتَعَدَّاهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ إلَى غَيْرِهِ . ( الْخَامِسُ ) فِيهِ إنَّ مِنْ خَصَائِصِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إبَاحَةُ الْوِصَالِ لَهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ حَدِيثَ النَّهْيِ عَنْ الْوِصَالِ وَفَرَّقَ اللَّهُ بَيْنَ رَسُولِهِ وَبَيْنَ خَلْقِهِ فِي أُمُورٍ أَبَاحَهَا لَهُ وَحَظَرَهَا عَلَيْهِمْ ، وَذَكَرَ مِنْهَا الْوِصَالَ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْوِصَالُ مِنْ خَصَائِصِ مَا أُبِيحَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَحْظُورٌ عَلَى أُمَّتِهِ وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ اتِّفَاقَ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ الْخَصَائِصِ ثُمَّ ذَكَرَ خِلَافًا فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ فَنُقِلَ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ أَنَّهُ مُبَاحٌ لَهُ وَعَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ قُرْبَةٌ فِي حَقِّهِ وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { إنِّي لَسْت فِي ذَلِكُمْ مِثْلَكُمْ } وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْعَصْرِ وَيَنْهَى عَنْهَا وَيُوَاصِلُ وَيَنْهَى عَنْ الْوِصَالِ } . ( السَّادِسَةُ ) فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ عَنْ { امْرَأَةِ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ قَالَتْ كُنْت أَصُومُ فَأُوَاصِلُ فَنَهَانِي بَشِيرٌ ، وَقَالَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَانِي عَنْ هَذَا قَالَ إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ النَّصَارَى وَلَكِنْ صُومِي كَمَا أَمَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ أَتَمِّي الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ فَإِذَا كَانَ اللَّيْلُ فَأَفْطِرِي } وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْعِلَّةَ فِي النَّهْيِ عَنْ الْوِصَالِ مُخَالَفَةُ النَّصَارَى فِي فِعْلِهِمْ لَهُ فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهُوَ حُجَّةٌ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ بَشِيرِ بْنِ الْخَصَاصِيَةِ أُدْرِجَ فِي الْحَدِيثِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ أَصْحَابُنَا الْحِكْمَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ الْوِصَالِ لِئَلَّا يَضْعُفَ عَنْ الصِّيَامِ وَسَائِرِ الطَّاعَاتِ أَوْ يَمَلَّهَا وَيَسْأَمَ لِضَعْفِهِ بِالْوِصَالِ إذْ يَتَضَرَّرُ بَدَنُهُ أَوْ بَعْضُ حَوَاسِّهِ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الضَّرَرِ انْتَهَى . وَيُشِيرُ إلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي تَتِمَّةِ الْحَدِيثِ { فَاكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ } ، وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ خَوْفَ أَنْ يُفْتَرَضَ عَلَيْهِمْ فَيَعْجِزُوا عَنْهُ كَمَا وَرَدَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ وَعَلَى هَذَا فَقَدْ أُمِنَ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى . ( السَّابِعَةُ ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنِّي أُطْعَمُ وَأُسْقَى } وَقَوْلِهِ { إنِّي أَبَيْت يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي } عَلَى أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّ مَعْنَاهُ أُعْطِيَ قُوَّةَ الطَّاعِمِ الشَّارِبِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْأَكْلِ وَالشُّرْبِ إذْ لَوْ أَكَلَ حَقِيقَةً لَمْ يَبْقَ وِصَالٌ وَلَقَالَ مَا أَنَا بِمُوَاصِلٍ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ { إنِّي أَظَلُّ يُطْعِمُنِي رَبِّي وَيَسْقِينِي } وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ هُنَا وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي التَّمَنِّي وَعَزْوُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي أَحْكَامِهِ الْكُبْرَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِلْبُخَارِيِّ عَقِبَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ يَقْتَضِي أَنَّهَا عِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا هِيَ عِنْدَهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ كَمَا ذَكَرْته ، هَذَا هُوَ الَّذِي وَقَفْت عَلَيْهِ ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَأْكُلْ حَقِيقَةً فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ أَظَلُّ إلَّا فِي النَّهَارِ وَلَوْ أَكَلَ فِي النَّهَارِ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا وَهَذَا أَصَحُّ الْأَجْوِبَةِ كَمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْمَسْعُودِيِّ ، وَقَالَهُ النَّوَوِيُّ وَعَلَيْهِ اقْتَصَرَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَقَالَ فَعَبَّرَ بِالطَّعَامِ وَالسُّقْيَا عَنْ فَائِدَتِهِمَا وَهِيَ الْقُوَّةُ عَلَى الصَّبْرِ عَنْهُمَا . ( الثَّانِي ) أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ يَخْلُقُ فِيهِ مِنْ الشِّبَعِ وَالرِّيِّ مَا يُغْنِيهِ عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُ عَلَى الْأَوَّلِ يُعْطَى قُوَّةَ الطَّاعِمِ الشَّارِبِ مِنْ غَيْرِ شِبَعٍ وَلَا رِيٍّ بَلْ مَعَ الْجُوعِ وَالظَّمَأِ وَهَذَا أَكْمَلُ لِحَالِهِ ، وَعَلَى الثَّانِي يُخْلَقُ فِيهِ الشِّبَعُ بِلَا أَكْلٍ وَالرِّيُّ بِلَا شُرْبٍ وَهَذِهِ كَرَامَةٌ عَظِيمَةٌ لَكِنَّهَا تُنَافِي حَالَةَ الصَّائِمِ وَتُفَوِّتُ الْمَقْصُودَ مِنْ الصِّيَامِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ وَهَذَا الْقَوْلُ يُبْعِدُهُ النَّظَرُ إلَى حَالِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ كَانَ يَجُوعُ أَكْثَرَ مِمَّا يَشْبَعُ وَيَرْبِطُ عَلَى بَطْنِهِ الْحِجَارَةَ مِنْ الْجُوعِ وَيُبْعِدُهُ أَيْضًا النَّظَرُ إلَى الْمَعْنَى وَذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ خُلِقَ فِيهِ الشِّبَعُ وَالرِّيُّ لَمَا وَجَدَ لِعِبَادَةِ الصَّوْمِ رُوحَهَا الَّذِي هُوَ الْجُوعُ وَالْمَشَقَّةُ وَحِينَئِذٍ كَانَ يَكُونُ تَرْكُ الْوِصَالِ أَوْلَى انْتَهَى وَأَمَّا ابْنُ حِبَّانَ فَإِنَّهُ ضَعَّفَ حَدِيثَ وَضْعِ الْحَجَرِ عَلَى بَطْنِهِ مِنْ الْجُوعِ بِهَذَا الْحَدِيثِ إمَّا حَمْلًا لَهُ عَلَى ظَاهِرِهِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْجَوَابِ الَّذِي بَعْدَهُ وَإِمَّا تَمَسُّكًا بِهَذَا الْجَوَابِ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ فَقَالَ هَذَا الْخَبَرُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَخْبَارَ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ وَضْعِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَرَ عَلَى بَطْنِهِ كُلُّهَا أَبَاطِيلُ ، قَالَ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْحُجْزُ لَا الْحَجَرُ وَالْحُجْزُ طَرَفُ الْإِزَارِ إذْ اللَّهُ جَلَّ وَعَلَا كَانَ يُطْعِمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْقِيهِ إذَا وَاصَلَ فَكَيْفَ يَتْرُكُهُ جَائِعًا مَعَ عَدَمِ الْوِصَالِ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى شَدِّ حَجَرٍ عَلَى بَطْنِهِ ؟ وَمَا يُغْنِي الْحَجَرُ عَنْ الْجُوعِ ؟ انْتَهَى وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي ذَلِكَ مَرْدُودٌ وَهُوَ تَصْحِيفٌ وَغَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي الرِّوَايَةِ وَبَعْضُ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ صَرِيحَةٌ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِ ، وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثُ ) أَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُؤْتَى الطَّعَامَ مِنْ الْجَنَّةِ وَشَرِبَ مِنْهَا فَيَأْكُلُ وَيَشْرَبُ كَرَامَةً لَهُ وَرُدَّ هَذَا بِأَنَّهُ لَوْ أَكَلَ حَقِيقَةً لَمْ يَكُنْ مُوَاصِلًا وَبِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ { إنِّي أَظَلُّ عِنْدَ رَبِّي يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِي } وَلَفْظَةُ أَظَلُّ لَا تَكُونُ إلَّا فِي النَّهَارِ وَلَا يَجُوزُ الْأَكْلُ الْحَقِيقِيُّ فِي النَّهَارِ بِلَا شَكٍّ وَمَنْ قَالَ هَذَا الْجَوَابُ لَعَلَّهُ يَخُصُّ مَنْعَ الْأَكْلِ نَهَارًا بِطَعَامِ الدُّنْيَا دُونَ طَعَامِ الْجَنَّةِ أَوْ يُؤَوِّلُ لَفْظَةَ أَظَلُّ عَلَى مُطْلَقِ السُّكُونِ وَيَخْرُجهَا عَنْ حَقِيقَتِهَا وَكُلًّا مِنْهَا بَعِيدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعُ ) أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ مَحَبَّةَ اللَّهِ تَشْغَلُنِي عَنْ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالْحُبُّ الْبَالِغُ يَشْغَلُ عَنْهُمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهُ وَيَسْقِينِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ لُغَتَانِ أَشْهَرُهُمَا الْفَتْحُ ، وَقَوْلُهُ { فَاكْلَفُوا } بِفَتْحِ اللَّامِ مَعْنَاهُ خُذُوا وَتَحَمَّلُوا وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُ أَوْ يُقَبِّلُنِي وَهُوَ صَائِمٌ ، وَأَيُّكُمْ كَانَ أَمْلَكَ لِإِرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } ؟ زَادَ الشَّيْخَانِ فِي رِوَايَةٍ { وَيُبَاشِرُ وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ } وَلِمُسْلِمٍ { فِي رَمَضَانَ } وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصه . الْحَدِيثُ السَّابِعُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُ أَوْ يُقَبِّلُنِي وَهُوَ صَائِمٌ وَأَيُّكُمْ كَانَ أَمْلَكَ لِإِرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ لَفْظُ مُسْلِمٍ { يُقَبِّلُنِي } وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ { يُقَبِّلُ } وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ قُلْت لِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ( أَسَمِعْتَ أَبَاك يُحَدِّثُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُهَا وَهُوَ صَائِمٌ ؟ فَسَكَتَ سَاعَةً ثُمَّ قَالَ نَعَمْ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْحَكَمِ بْنِ عُيَيْنَةَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ كِلَاهُمَا عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَبِّلُ وَيُبَاشِرُ وَهُوَ صَائِمٌ وَكَانَ أَمْلَكَكُمْ لِإِرْبِهِ } وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { إنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيُقَبِّلُ بَعْضَ أَزْوَاجِهِ وَهُوَ صَائِمٌ ثُمَّ ضُحِكَتْ } وَلَهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ طُرُقٌ أُخْرَى ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { وَأَيُّكُمْ كَانَ أَمْلَكَ لِإِرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } ضُبِطَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبِفَتْحِهِمَا وَاخْتُلِفَ فِي الْأَشْهَرِ مِنْهُمَا فَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الْأَوَّلَ هُوَ أَشْهَرُهُمَا وَرِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ ، قَالَ وَكَذَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ وَحَكَى صَاحِبُ النِّهَايَةِ الثَّانِيَ عَنْ رِوَايَةِ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ ثُمَّ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ عَلَى الرِّوَايَتَيْنِ مَعًا فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ وَهُوَ حَاجَةُ النَّفْسِ وَوَطَرُهَا يُقَالُ لِفُلَانٍ عَلَيَّ أَرَبٌّ وَإِرْبٌ وَإِرْبَةٌ وَمَأْرَبَةٌ أَيْ حَاجَةٌ وَالْإِرْبُ أَيْضًا الْعُضْوُ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ وَمَعْنَاهُ بِالْكَسْرِ الْوَطَرُ وَالْحَاجَةُ وَكَذَلِكَ بِالْفَتْحِ وَلَكِنَّهُ يُطْلَقُ الْمَفْتُوحُ أَيْضًا عَلَى الْعُضْوِ ( قُلْت ) صَوَابُهُ الْمَكْسُورُ فَلَا نَعْلَمُ الْمَفْتُوحَ يُطْلَقُ عَلَى الْعُضْوِ ، وَذَكَرَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ أَنَّهُ بِالْفَتْحِ الْحَاجَةُ وَبِالْكَسْرِ فِيهِ وَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ الْحَاجَةُ أَيْضًا ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ الْعُضْوُ وَعَنَتْ بِهِ مِنْ الْأَعْضَاءِ الذَّكَرَ خَاصَّةً ، وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ فِي رِوَايَةِ الْكَسْرِ فَسَّرُوهُ بِحَاجَتِهِ وَقِيلَ لِعَقْلِهِ وَقِيلَ لِعُضْوِهِ ثُمَّ قَالَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْخَطَّابِيُّ : كَذَا يَقُولُهُ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ وَالْأَرَبُ الْعُضْوُ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِأَرَبِهِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَلِأُرْبَتِهِ أَيْ لِحَاجَتِهِ قَالُوا الْأَرَبُ أَيْضًا الْحَاجَةُ . قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْمُوَطَّإِ رِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ { أَيُّكُمْ أَمْلَكُ لِنَفْسِهِ } انْتَهَى . وَبِذَلِكَ فَسَّرَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ فَقَالَ وَمَعْنَى لِأَرَبِهِ تَعْنِي لِنَفْسِهِ ، وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِهِ : وَهُوَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ ؛ لِأَنَّ أَوْلَى مَا فُسِّرَ بِهِ الْغَرِيبُ مَا وَرَدَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ ، وَفِي الْمُوَطَّإِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بَلَاغًا { وَأَيُّكُمْ أُمْلَكُ لِنَفْسِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } انْتَهَى . وَذَكَرَ ابْنُ سِيدَهْ فِي الْمُحْكَمِ أَنَّ الْأَرَبَ الْحَاجَةَ قَالَ وَفِي الْحَدِيثِ { كَانَ أَمْلَكَكُمْ لِأَرْبِهِ } أَيْ أَغْلَبَكُمْ لِهَوَاهُ وَحَاجَتِهِ ، وَقَالَ السُّلَمِيُّ الْأَرْبُ الْفَرْجُ هَهُنَا وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ ا هـ وَتَخْصِيصُهُ فِي أَصْلِ الِاسْتِعْمَالِ بِالْفَرْجِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ كَمَا قَالَهُ وَلَكِنَّهُ لِمُطْلَقِ الْعُضْوِ وَأُرِيدَ بِاللَّفْظِ الْعَامِّ هُنَا عُضْوٌ خَاصٌّ وَهُوَ الْفَرْجُ لِقَرِينَةٍ دَالَّةٍ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ قَالَ فِي الْمُحْكَمِ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَرْبُ الْعُضْوُ الْمُوَفَّرُ الْكَامِلُ الَّذِي لَمْ يَنْقُصْ مِنْهُ شَيْءٌ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّهُ الْعُضْوُ وَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِأَنْ يَكُونَ مُوَفَّرًا كَامِلًا ( الثَّالِثَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إبَاحَةِ الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ وَأَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِيهَا وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذَاهِبُ : ( أَحَدُهَا ) هَذَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رَوَيْنَا الرُّخْصَةَ فِيهَا عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَعَائِشَةَ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ لَا بَأْسَ بِالْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ وَعَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ لَا بَأْسَ بِهَا مَا لَمْ يُعِدْ ذَلِكَ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ لَا بَأْسَ بِهَا وَإِنَّهَا لَبَرِيدُ سُوءٍ وَعَنْ مَسْرُوقٍ مَا أُبَالِي قَبَّلْتُهَا أَوْ قَبَّلْت يَدِي وَاخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَرَجَّحَهُ وَاسْتَدَلَّ بِمَا فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ { أَنَّ رَجُلًا قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ صَائِمٌ فِي رَمَضَانَ فَوَجَدَ مِنْ ذَلِكَ وَجْدًا شَدِيدًا فَأَرْسَلَ امْرَأَتَهُ تَسْأَلُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ فَدَخَلَتْ عَلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لَهَا فَأَخْبَرَتْهَا أُمُّ سَلَمَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُقَبِّلُ وَهُوَ صَائِمٌ فَرَجَعَتْ فَأَخْبَرَتْ زَوْجَهَا بِذَلِكَ فَزَادَهُ ذَلِكَ شَرًّا ، وَقَالَ لَسْنَا مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحِلُّ اللَّهُ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ ثُمَّ رَجَعَتْ امْرَأَتُهُ إلَى أُمِّ سَلَمَةَ فَوَجَدَتْ عِنْدهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَالِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ ؟ فَأَخْبَرَتْهُ أُمُّ سَلَمَةَ فَقَالَ أَلَا أَخْبَرْتِيهَا أَنِّي أَفْعَلُ ذَلِكَ ، فَقَالَتْ قَدْ أَخْبَرْتُهَا فَذَهَبَتْ إلَى زَوْجِهَا فَأَخْبَرَتْهُ فَزَادَهُ ذَلِكَ شَرًّا ، وَقَالَ لَسْنَا مِثْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُ يُحِلُّ لِرَسُولِهِ مَا شَاءَ فَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ وَاَللَّهِ إنِّي لَأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَعْلَمُكُمْ بِحُدُودِهِ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يَقُلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَرْأَةِ هَلْ زَوْجُك شَيْخٌ أَوْ شَابٌّ وَلَوْ وَرَدَ الشَّرْعُ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا لَمَا سَكَتَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ؛ لِأَنَّهُ الْمُبَيِّنُ عَنْ اللَّهِ مُرَادَهُ انْتَهَى . وَالْقِصَّةُ الْمَذْكُورَةُ رَوَاهَا أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنَّ الْأَنْصَارِيَّ أَخْبَرَ عَطَاءً أَنَّهُ قَبَّلَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ صَائِمٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَاتَّصَلَ بِذَلِكَ وَخَرَجَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُرْسَلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَجَّحَهُ أَيْضًا أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ وَاَلَّذِي يُعَوَّلُ عَلَيْهِ جَوَازُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ مِنْ نَفْسِهِ أَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ مُفْسِدٍ فَلَا يَلُمْ الشَّرِيعَةَ وَلَكِنْ لِيَلُمْ نَفْسَهُ الْأَمَّارَةَ بِالسُّوءِ الْمُسْتَرْسِلَةَ عَلَى الْمَخَاوِفِ . ( الثَّانِي ) كَرَاهَتُهَا لِلصَّائِمِ مُطْلَقًا وَبِهِ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عُمَرَ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُطْلَقًا وَأَبِي قِلَابَةَ النَّهْيَ عَنْهَا وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ ( مَا تَصْنَعُ بِخُلُوفِ فِيهَا ) وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَائِمٍ قَبَّلَ فَقَالَ أَفْطَرَ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَفَلَا يُقَبِّلُ جَمْرَةً ؟ وَعَنْ شُرَيْحٍ الْقَاضِي يَتَّقِي اللَّهَ وَلَا يَعُودُ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ تُنْقِصُ صِيَامَهُ وَلَا يُفْطِرُ لَهَا ، وَعَنْ الشَّعْبِيِّ تَجْرَحُ الصَّوْمَ وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ إنَّمَا الصَّوْمُ مِنْ الشَّهْوَةِ وَالْقُبْلَةُ مِنْ الشَّهْوَةِ وَعَنْ مَسْرُوقٍ اللَّيْلُ قَرِيبٌ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَغَيْرِهِمَا كَرَاهَتُهَا لِلصَّائِمِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَرَوَيْنَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ يَقْضِي يَوْمًا مَكَانَهُ ( قُلْت ) وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْمُصَنِّفِ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ أَفْطَرَ وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّ مَنْ قَبَّلَ فِي رَمَضَانَ قَضَى يَوْمًا مَكَانَهُ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ شُبْرُمَةَ قَالَ ، وَقَالَ سَائِرُ الْفُقَهَاءِ الْقُبْلَةَ لَا تُبْطِلُ الصَّوْمَ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا إنْزَالٌ ، وَرَوَى مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ لَمْ أَرَ الْقُبْلَةَ تَدْعُو إلَى خَيْرٍ وَبِالْكَرَاهَةِ يَقُولُ مَالِكٌ مُطْلَقًا فِي حَقِّ الشَّيْخِ وَالشَّابِّ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهُوَ شَأْنُهُ فِي الِاحْتِيَاطِ . ( الْقَوْلُ الثَّالِثُ ) التَّفْرِقَةُ بَيْنَ الشَّيْخِ وَالشَّابِّ فَتُكْرَهُ لِلشَّابِّ دُونَ الشَّيْخِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مَكْحُولٍ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الْمُبَاشَرَةِ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ مَا قَدَّمْته مِنْ الْكَرَاهَةِ مُطْلَقًا . ( الْقَوْلُ الرَّابِعُ ) الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَأْمَنَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْقُبْلَةِ الْجِمَاعَ وَالْإِنْزَالَ فَتُبَاحَ ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يَأْمَنَ فَتُكْرَهَ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ الْقُبْلَةَ مَكْرُوهَةٌ فِي الصَّوْمِ لِمَنْ حَرَّكَتْ شَهْوَتَهُ دُونَ غَيْرِهِ فَلَا تُكْرَهُ لَهُ لَكِنْ الْأَوْلَى تَرْكُهَا لَكِنَّ ظَاهِرَ كَلَامِ الْحَنَفِيَّةِ الِاقْتِصَارُ فِي ذَلِكَ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي هَذِهِ الْكَرَاهَةِ فَاَلَّذِي ذَهَبَ إلَيْهِ جَمَاعَاتٌ مِنْهُمْ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ أَنَّهَا كَرَاهَةُ تَحْرِيمٍ ، وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ هِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ ، وَقَدْ جَعَلَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ الْقَوْلُ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ الشَّيْخِ وَالشَّابِّ وَأَنَّ التَّغَايُرَ بَيْنَهُمَا فِي الْعِبَارَةِ وَالْمَعْنَى هُوَ وَاحِدٌ هُوَ الَّذِي تُفْهِمُهُ عِبَارَةُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَلَهُ وَجْهٌ وَيَكُونُ التَّعْبِيرُ بِالشَّيْخِ وَالشَّابِّ جَرْيٌ عَلَى الْأَغْلَبِ مِنْ أَحْوَالِ الشُّيُوخِ فِي انْكِسَارِ شَهْوَتِهِمْ وَمِنْ أَحْوَالِ الشَّبَابِ فِي قُوَّةِ شَهْوَتِهِمْ فَلَوْ انْعَكَسَ الْأَمْرُ كَشَيْخٍ قَوِيِّ الشَّهْوَةِ وَشَابٍّ ضَعِيفِ الشَّهْوَةِ انْعَكَسَ الْحُكْمُ وَجَعَلْتهمَا مَذْهَبَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْمُنْذِرِ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْقَوْلِ الثَّالِثِ اعْتَبَرَ الْمَظِنَّةَ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى نَفْسِ تَحْرِيكِ الشَّهْوَةِ وَعَدَمِهَا ، وَصَاحِبَ الْقَوْلِ الرَّابِعِ نَظَرَ إلَى وُجُودِ هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى مَظِنَّتِهِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ النَّوَوِيَّ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الشَّيْخِ وَالشَّابِّ فِي ذَلِكَ فَالِاعْتِبَارُ بِتَحْرِيكِ الشَّهْوَةِ وَخَوْفِ الْإِنْزَالِ فَإِنْ حَرَّكَتْ شَهْوَةَ شَابٍّ أَوْ شَيْخٍ قَوِيٍّ كُرِهَتْ وَإِنْ لَمْ تُحَرِّكْهَا كَشَيْخٍ أَوْ شَابٍّ ضَعِيفٍ لَمْ تُكْرَهْ . ( الْقَوْلُ الْخَامِسُ ) مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُقَبِّلُ ذَا شَهْوَةٍ مُفْرِطَةٍ بِحَيْثُ يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ إذَا قَبَّلَ أَنْزَلَ ، لَمْ تَحِلَّ لَهُ الْقُبْلَةُ وَإِنْ كَانَ ذَا شَهْوَةٍ لَكِنَّهُ لَا يَغْلِبُ عَلَى ظَنِّهِ ذَلِكَ كُرِهَ لَهُ التَّقْبِيلُ وَلَا يَحْرُمُ وَإِنْ كَانَ مِمَّنْ لَا تُحَرِّكُ الْقُبْلَةُ شَهْوَتَهُ كَالشَّيْخِ الْهَرِمِ فَفِي الْكَرَاهَةِ رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ . ( الْقَوْلُ السَّادِسُ ) التَّفْرِقَةُ بَيْنَ صِيَامِ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فَيُكْرَهُ فِي الْفَرْضِ دُونَ النَّفْلِ وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَيَرُدُّهُ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يُقَبِّلُ فِي شَهْرِ الصَّوْمِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { كَانَ يُقَبِّلُ فِي رَمَضَانَ وَهُوَ صَائِمٌ } فَاحْتَجَّ مَنْ أَبَاحَ مُطْلَقًا بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَالَ الْأَصْلُ اسْتِوَاءُ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْأَحْكَامِ وَأَنَّ أَفْعَالَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَرْعٌ يُقْتَدَى بِهِ فِيهَا وَاحْتَجَّ مَنْ كَرِهَ مُطْلَقًا بِأَنَّ غَيْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يُسَاوِيهِ فِي حِفْظِ نَفْسِهِ عَنْ الْمُوَاقَعَةِ بَعْدَ مَيْلِهِ إلَيْهَا فَكَانَ ذَلِكَ أَمْرًا خَاصًّا بِهِ ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهَا وَأَيُّكُمْ كَانَ أَمْلَكَ لِإِرْبِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَرُدُّهُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّهُ { سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُقَبِّلُ الصَّائِمُ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلْ هَذِهِ لِأُمِّ سَلَمَةَ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ ذَلِكَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ غَفَرَ اللَّهُ لَك مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا وَاَللَّهِ إنِّي لِأَتْقَاكُمْ لِلَّهِ وَأَخْشَاكُمْ لَهُ } وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ خَصَائِصِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَعُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ هَذَا هُوَ الْحِمْيَرِيُّ . كَذَا جَاءَ مُبَيَّنًا فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ وَلَيْسَ هُوَ ابْنُ أُمِّ سَلِمَةَ وَاحْتَجَّ مَنْ فَرَّقَ بَيْنَ الشَّيْخِ وَالشَّابِّ أَوْ بَيْنَ مَنْ يَأْمَنُ عَلَى نَفْسِهِ الْمُوَاقَعَةَ وَبَيْنَ مَنْ لَا يَأْمَنُهَا بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ آمِنًا مِنْ ذَلِكَ لِشِدَّةِ تَقْوَاهُ وَوَرَعِهِ فَكُلُّ مَنْ أَمِنَ ذَلِكَ كَانَ فِي مَعْنَاهُ فَالْتَحَقَ بِهِ فِي حُكْمِهِ وَمَنْ لَيْسَ فِي مَعْنَاهُ فِي ذَلِكَ فَهُوَ مُغَايِرٌ لَهُ فِي هَذَا الْحُكْمِ وَهَذَا أَرْجَحُ الْأَقْوَالِ ، وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِالْفَرْقِ بَيْنَهُمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ { كُنَّا عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ شَابٌّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ ؟ قَالَ لَا ، فَجَاءَ شَيْخٌ فَقَالَ أُقَبِّلُ وَأَنَا صَائِمٌ قَالَ نَعَمْ . قَالَ فَنَظَرَ بَعْضُنَا إلَى بَعْضٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ عَلِمْتُ لِمَ نَظَرَ بَعْضُكُمْ إلَى بَعْضٍ ، إنَّ الشَّيْخَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ } فِي إسْنَادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَهُوَ مُخْتَلَفُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ نَحْوَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَلَكِنْ بَدَلُ الْقُبْلَةِ الْمُبَاشَرَةُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ مَنْ كَرِهَ الْقُبْلَةَ لَمْ يَكْرَهَا لِنَفْسِهَا وَإِنَّمَا كَرِهَهَا خَشْيَةَ مَا تَؤُولُ إلَيْهِ مِنْ الْإِنْزَالِ وَأَقَلُّ ذَلِكَ الْمَذْيُ وَلَمْ يَخْتَلِفُوا فِي أَنَّ مَنْ قَبَّلَ وَسَلَّمَ مِنْ قَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرِهِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ، ثُمَّ قَالَ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَرْخَصَ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ إلَّا وَهُوَ يَشْتَرِطُ السَّلَامَةَ مِمَّا يَتَوَلَّدُ مِنْهَا مِمَّا يُفْسِدُ صَوْمَهُ وَلَوْ قَبَّلَ فَأَمْذَى لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَابْنُ عُلَيَّةَ ، وَقَالَ مَالِكٌ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ وَلَا كَفَّارَةَ ، وَالْمُتَأَخِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ الْبَغْدَادِيُّونَ يَقُولُونَ إنَّ الْقَضَاءَ هُنَا اسْتِحْبَابٌ انْتَهَى وَحَكَى ابْنُ قُدَامَةَ الْفِطْرُ فِي صُورَةِ مَا إذَا قَبَّلَ فَأَمْذَى عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ . ( الرَّابِعَةُ ) الْمُتَبَادَرُ إلَى الْفَهْمِ مِنْ الْقُبْلَةِ تَقْبِيلُ الْفَمِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ سَوَاءٌ قَبَّلَ الْفَمَ أَوْ الْخَدَّ أَوْ غَيْرَهُمَا . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهَا { يُقَبِّلُ أَوْ يُقَبِّلُنِي } الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي فِي اللَّفْظِ الَّذِي قَالَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ غَيْرِهِ الْجَزْمُ بِأَحَدِ الْأَمْرَيْنِ وَرِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْجَزْمُ بِقَوْلِهَا { يُقَبِّلُنِي } أَصَحُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَلَهَا شَوَاهِدُ وَهِيَ أَخَصُّ وَمَعَهَا زِيَادَةُ عِلْمٍ وَفِيهَا جَوَازُ الْإِخْبَارِ بِمِثْلِ هَذَا مِمَّا يَجْرِي بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ عَلَى الْجُمْلَةِ لِلضَّرُورَةِ ، وَأَمَّا فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ فَمَنْهِيٌّ عَنْهُ وَتَصْرِيحُهَا بِذِكْرِ نَفْسِهَا تَأْكِيدٌ لِمَا تُخْبِرُ بِهِ وَإِنَّهَا ضَابِطَةٌ لِذَلِكَ لِكَوْنِهَا صَاحِبَةَ الْوَاقِعَةِ لَمْ تُخْبِرْ بِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهَا وَهُوَ أَدْعَى لِقَبُولِ ذَلِكَ وَالْأَخْذِ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ . وَلَا تَأْذَنُ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ } لَمْ يَقُلْ الْبُخَارِيُّ فِي الْإِذْنِ وَهُوَ شَاهِدٌ ، وَقَالَ { لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ } الْحَدِيثُ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { إذَا أَطْعَمَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا ، وَلَهُ مِثْلُهُ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ } . الْحَدِيثُ الثَّامِنُ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ وَبَعْلُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنُ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ } { مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ وَأَبُو دَاوُد عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ { لَا تَصُمْ } بِلَفْظِ النَّهْيِ وَزَادَ فِيهِ أَبُو دَاوُد { غَيْرَ رَمَضَانَ } وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الْجُمْلَةَ الثَّالِثَةَ فَقَطْ عَنْ يَحْيَى بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَأَخْرَجَ الْحَدِيثَ بِتَمَامِهِ فِي النِّكَاحِ مِنْ صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ وَزَوْجُهَا شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ وَلَا تَأْذَنُ فِي بَيْتِهِ إلَّا بِإِذْنِهِ ، وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ نَفَقَةٍ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّهُ يُؤَدَّى إلَيْهِ شَطْرُهُ } ، وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى مِنْ الْأَحْكَامِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَيْ لِلْبُخَارِيِّ { إذَا أَطْعَمَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ كَانَ لَهَا أَجْرُهَا وَلَهُ مِثْلُهُ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ } وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَإِنَّمَا وَقَفْت عَلَيْهِ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فَلْيُحَرَّرْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { لَا تَصُومُ الْمَرْأَةُ } كَذَا هُوَ فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ النَّهْيِ { لَا تَصُمْ } كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ { لَا يَحِلُّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَصُومَ } وَهُوَ صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَبِهِ صَرَّحَ الشَّافِعِيَّةُ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَشَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَصْحَابِنَا وَحَكَاهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، قَالَ فَلَوْ صَامَتْ بِغَيْرِ إذْنِ زَوْجِهَا صَحَّ بِاتِّفَاقِ أَصْحَابِنَا وَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ حَرَامًا ؛ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ لِمَعْنًى آخَرَ لَا لِمَعْنًى يَعُودُ إلَى نَفْسِ الصَّوْمِ فَهُوَ كَالصَّلَاةِ فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ ، وَقَالَ صَاحِبُ الْبَيَانِ قَبُولُهُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى قَالَ النَّوَوِيُّ وَمُقْتَضَى الْمَذْهَبِ فِي نَظَائِرِهَا الْجَزْمُ بِعَدَمِ الثَّوَابِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ فِي دَارٍ مَغْصُوبَةٍ انْتَهَى . وَمَنْ قَالَ بِالْكَرَاهَةِ احْتَاجَ إلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ { لَا يَحِلُّ } عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ لَيْسَ حَلَالًا مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ بَلْ هُوَ رَاجِحُ التَّرْكِ مَكْرُوهٌ وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ مُسْتَنْكَرٌ وَلَوْ لَمْ يَرِدْ هَذَا اللَّفْظُ فَلَفْظُ النَّهْيِ الَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ظَاهِرٌ فِي التَّحْرِيمِ ، وَكَذَا لَفْظُ الْمُصَنِّفِ ؛ لِأَنَّ اسْتِعْمَالَ لَفْظِ الْخَبَرِ يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِ النَّهْيِ وَتَأَكُّدِهِ يَكُونُ بِحَمْلِهِ عَلَى التَّحْرِيمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَسَبَبُهُ أَنَّ الزَّوْجَ لَهُ حَقُّ الِاسْتِمْتَاعِ بِهَا فِي كُلِّ الْأَيَّامِ وَحَقُّهُ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ فَلَا يَفُوتُهُ بِتَطَوُّعٍ وَلَا بِوَاجِبٍ عَلَى التَّرَاخِي فَإِنْ قِيلَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَجُوزَ لَهَا الصَّوْمُ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَإِنْ أَرَادَ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَيَفْسُدُ صَوْمُهَا فَالْجَوَابُ أَنَّ صَوْمَهَا يَمْنَعُهُ مِنْ الِاسْتِمْتَاعِ فِي الْعَادَةِ ؛ لِأَنَّهُ يَهَابُ انْتِهَاكَ الصَّوْمِ بِالْإِفْسَادِ انْتَهَى . ( الثَّالِثَةُ ) قَيَّدَ النَّهْيَ عَنْ الصَّوْمِ بِأَنْ يَكُونَ بَعْلُهَا أَيْ زَوْجُهَا شَاهِدًا أَيْ حَاضِرًا مُقِيمًا فِي الْبَلَدِ وَمَفْهُومُهُ أَنَّ لَهَا صَوْمَ التَّطَوُّعِ فِي غَيْبَتِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَهُوَ وَاضِحٌ لِزَوَالِ مَعْنَى النَّهْيِ ، وَمَا الْمُرَادُ بِغَيْبَتِهِ هُنَا ؟ هَلْ الْمُرَادُ الْغَيْبَةُ الْمُعْتَبَرَةُ فِي أَكْثَرِ الْمَسَائِلِ الشَّرْعِيَّةِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ عَلَى مَسَافَةِ الْقَصْرِ أَوْ الْمُرَادُ أَنْ يَكُونَ فَوْقَ مَسَافَةِ الْعَدْوَى أَوْ الْمُرَادُ مُطْلَقُ الْغَيْبَةِ عَنْ الْبَلَدِ وَلَوْ قَلَّتْ الْمَسَافَةُ وَقَصُرَتْ مُدَّتُهَا ؟ مُقْتَضَى إطْلَاقِ الْحَدِيثِ تَرْجِيحُ هَذَا الِاحْتِمَالِ الثَّالِثِ لَكِنْ لَوْ ظَنَّتْ قُدُومَهُ فِي بَقِيَّةِ الْيَوْمِ بِسَبَبٍ مِنْ الْأَسْبَابِ فَيَنْبَغِي تَحْرِيمُ صَوْمِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَهَذَا لَا يَخْتَصُّ بِهَذَا الِاحْتِمَالِ بَلْ يَجْرِي عَلَى الِاحْتِمَالَاتِ كُلِّهَا فَمَتَى ظَنَّتْ قُدُومَهُ فِي يَوْمٍ حَرُمَ عَلَيْهَا صَوْمُهُ وَلَوْ بَعُدَتْ بَلَدُ الْغَيْبَةِ وَطَالَتْ مُدَّتُهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَحْرُمَ اسْتِصْحَابًا لِلْغَيْبَةِ وَالْأَصْلُ اسْتِمْرَارُهَا . ( الرَّابِعَةُ ) فِي مَعْنَى غَيْبَتِهِ أَنْ يَكُونَ مَرِيضًا لَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِمْتَاعُ بِزَوْجَتِهِ فَلَهَا حِينَئِذٍ الصَّوْمُ مِنْ غَيْرِ إذْنِهِ فِيمَا يَظْهَرُ . ( الْخَامِسَةُ ) هَلْ الْمُرَادُ إذْنُهُ صَرِيحًا أَوْ يَكْفِي مَا يَقُومُ مَقَامَهُ مِنْ احْتِفَافِ قَرَائِنَ تَدُلُّ عَلَى رِضَاهُ بِذَلِكَ ؟ الظَّاهِرُ أَنَّ احْتِفَافَ الْقَرَائِنِ وَاطِّرَادَ الْعَادَةِ يَقُومُ مَقَامَ الْإِذْنِ الصَّرِيحِ . ( السَّادِسَةُ ) تَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد { غَيْرَ رَمَضَانَ } وَهَذَا لَا بُدَّ مِنْ اسْتِثْنَائِهِ فَلَا يُحْتَاجُ فِي صَوْمِ رَمَضَانَ إلَى إذْنِهِ وَلَا يُمْتَنَعُ بِمَنْعِهِ وَفِي مَعْنَى صَوْمِ رَمَضَانَ كُلُّ صَوْمٍ وَاجِبٍ مُضَيَّقٍ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ إذَا تَعَدَّتْ بِالْإِفْطَارِ أَوْ كَانَ الْفِطْرُ بِعُذْرٍ وَلَكِنْ ضَاقَ وَقْتُ الْقَضَاءِ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْ شَعْبَانَ إلَّا قَدْرُ الْقَضَاءِ أَوْ نَذَرَتْ قَبْلَ النِّكَاحِ أَوْ بَعْدَهُ بِإِذْنِهِ صِيَامَ أَيَّامٍ بِعَيْنِهَا ، وَالْمُوَسَّعُ كَقَضَاءِ رَمَضَانَ إذَا كَانَ الْفِطْرُ بِعُذْرٍ وَلَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ وَالْكَفَّارَةُ وَالنَّذْرُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ وَقْتٌ مُعَيَّنٌ فَهُوَ كَالتَّطَوُّعِ فِي أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنْهُ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ كُلِّهِ أَصْحَابُنَا ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى صَوْمِ التَّطَوُّعِ وَالْمَنْذُورَ الَّذِي لَيْسَ لَهُ زَمَنٌ مُعَيَّنٌ ( قُلْت ) وَكَذَا صَوْمُ الْكَفَّارَةِ وَقَضَاءُ رَمَضَانَ إذَا فَاتَ بِعُذْرٍ وَلَمْ يَضِقْ الْوَقْتُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ تَصُومُ الْفُرُوضَ كُلَّهَا أَحَبَّ أَمْ كَرِهَ . قَالَ وَصِيَامُ قَضَاءِ رَمَضَانَ وَالْكَفَّارَاتِ وَكُلُّ نَذْرٍ تَقَدَّمَ لَهَا قَبْلَ نِكَاحِهَا إيَّاهُ مَضْمُومٌ إلَى رَمَضَانَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى افْتَرَضَ كُلَّ ذَلِكَ كَمَا افْتَرَضَ رَمَضَانَ ، وَقَالَ تَعَالَى { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ } فَأَسْقَطَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ الِاخْتِيَارَ فِيمَا قَضَى بِهِ ، وَإِنَّمَا جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الِاسْتِئْذَانَ فِيمَا فِيهِ الْخِيَارُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) هَذَا الْحَدِيثُ وَرَدَ فِي ابْتِدَاءِ الصَّوْمِ أَمَّا دَوَامُهُ كَمَا لَوْ نَكَحَهَا وَهِيَ صَائِمَةٌ فَهَلْ لَهُ حَقٌّ فِي تَفْطِيرِهَا ؟ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ قَلَّ مَنْ تَعَرَّضَ لَهَا ، وَقَدْ ذَكَرَهَا إبْرَاهِيمُ الْمَرْوَزِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَقَالَ إنَّهُ لَيْسَ لَهُ إجْبَارُهَا عَلَى الْإِفْطَارِ قَالَ وَفِي نَفَقَتِهَا وَجْهَانِ . ( الثَّامِنَةُ ) فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بَيَانُ سَبَبِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ الْأُولَى مِنْ الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ عِنْدَهُ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ زَوْجِي صَفْوَانَ بْنَ الْمُعَطَّلِ يَضْرِبُنِي إذَا صَلَّيْتُ وَيُفْطِرُنِي إذَا صُمْت وَلَا يُصَلِّي صَلَاةَ الْفَجْرِ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ قَالَ : وَصَفْوَانُ عِنْدَهُ . فَسَأَلَهُ عَمَّا قَالَتْ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهَا يُفْطِرُنِي فَإِنَّهَا تَنْطَلِقُ فَتَصُومُ وَأَنَا رَجُلٌ شَابٌّ فَلَا أَصْبِرُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ لَا تَصُومُ امْرَأَةٌ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا } فَيَنْبَغِي ذِكْرُ ذَلِكَ فِي أَسْبَابِ الْحَدِيثِ فَقَدْ ذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ أَنَّ بَعْضَ الْمُتَأَخِّرِينَ شَرَعَ فِي تَصْنِيفِ أَسْبَابِ الْحَدِيثِ كَأَسْبَابِ نُزُولِ الْقُرْآنِ . ( التَّاسِعَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الْأَمَةُ الْمُسْتَبَاحَةُ لِسَيِّدِهَا فِي صَوْمِ التَّطَوُّعِ كَالزَّوْجَةِ ، وَأَمَّا الْأَمَةُ الَّتِي لَا تَحِلُّ لِسَيِّدِهَا بِأَنْ كَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ كَأُخْتِهِ أَوْ كَانَتْ مَجُوسِيَّةً أَوْ غَيْرَهُمَا وَالْعَبْدُ فَإِنْ تَضَرَّرَا بِصَوْمِ التَّطَوُّعِ بِضَعْفٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ بِنَقْصٍ لَمْ يَجُزْ بِغَيْرِ إذْنِ السَّيِّدِ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ لَمْ يَتَضَرَّرَا وَلَمْ يَنْقُصَا جَازَ وَأَطْلَقَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِذَاتِ السَّيِّدِ أَنْ تَصُومَ تَطَوُّعًا إلَّا بِإِذْنِهِ ، وَقَالَ الْبَعْلُ اسْمٌ لِلسَّيِّدِ وَلِلزَّوْجِ فِي اللُّغَةِ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَوْلُهُ { وَلَا تَأْذَنُ فِي بَيْتِهِ وَهُوَ شَاهِدٌ إلَّا بِإِذْنِهِ } هُوَ فِي رِوَايَتِنَا بِالرَّفْعِ كَقَوْلِهِ { لَا تَصُومُ } لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِالْجَزْمِ عَلَى النَّهْيِ الصَّرِيحِ كَقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ { لَا تَصُمْ } قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يُفْتَاتُ عَلَى الزَّوْجِ وَغَيْرِهِ مِنْ مَالِكِي الْبُيُوتِ وَغَيْرِهَا بِالْإِذْنِ فِي أَمْلَاكِهِمْ إلَّا بِإِذْنِهِمْ وَهَذَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا لَا يُعْلَمُ رِضَا الزَّوْجِ وَنَحْوُهُ ، فَإِنْ عَلِمَتْ الْمَرْأَةُ وَنَحْوُهَا رِضَاهُ بِهِ جَازَ كَمَا سَبَقَ فِي النَّفَقَةِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الْإِذْنَ فِي الدُّخُولِ عَلَيْهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ مُطْلَقُ دُخُولِ الْبَيْتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ دُخُولٌ عَلَيْهَا بِأَنْ أَذِنَتْ فِي دُخُولِ شَخْصٍ فِي مَكَان لَيْسَتْ فِيهِ إمَّا مِنْ حُقُوقِ الدَّارِ الَّتِي هِيَ فِيهَا وَإِمَّا فِي دَارٍ أُخْرَى مُنْفَرِدَةٍ عَنْ سَكَنِهَا وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي هُوَ مُقْتَضَى اللَّفْظِ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِكَوْنِ الدُّخُولِ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ وَمُسْلِمٍ تَقْيِيدُ الْمَنْعِ بِكَوْنِ الزَّوْجِ شَاهِدًا أَيْ حَاضِرًا وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ لَهَا الْإِذْنَ فِي غَيْبَتِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِئْذَانِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ هَذَا الْقَيْدَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَالْأَخْذُ بِالْإِطْلَاقِ هُنَا أَوْلَى فَإِنَّ غَيْبَتَهُ فِي ذَلِكَ كَحُضُورِهِ بَلْ أَوْلَى بِالْمَنْعِ ، فَقَدْ يَسْمَحُ الْإِنْسَانُ بِدُخُولِ النَّاسِ مَنْزِلَهُ فِي حُضُورِهِ وَلَا يَسْمَحُ بِذَلِكَ فِي غَيْبَتِهِ وَحِينَئِذٍ فَذِكْرُ الْقَيْدِ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ وَمُسْلِمٍ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فِي أَنَّ الْإِذْنَ لِلضِّيفَانِ وَنَحْوِهِمْ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ حُضُورِ صَاحِبِ الْمَنْزِلِ أَمَّا إذَا كَانَ مُسَافِرًا فَالْغَالِبُ أَنْ لَا يُطْرَقَ مَنْزِلُهُ أَصْلًا وَلَوْ طُرِقَ لَمْ تَأْذَنْ الْمَرْأَةُ فِي دُخُولِهِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إيَّاكُمْ وَالدُّخُولَ عَلَى الْمُغَيَّبَاتِ } وَهُنَّ اللَّاتِي غَابَ عَنْهُنَّ أَزْوَاجُهُنَّ وَمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا مَفْهُومَ لَهُ كَمَا تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ الْأُصُولِ ، وَقَدْ يُقَالُ هَذَا الْقَيْدُ مَعْمُولٌ بِهِ فَإِنَّهُ إذَا حَضَرَ يَعْسُرُ اسْتِئْذَانُهُ وَإِذَا غَابَ تَعَذَّرَ ، وَقَدْ تَدْعُو الضَّرُورَةُ إلَى الدُّخُولِ عَلَيْهَا فَيُبَاحُ لَهَا حِينَئِذٍ ذَلِكَ لِلِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ مَعَ عَدَمِ الِاسْتِئْذَانِ لِتَعَذُّرِهِ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { وَمَا أَنْفَقَتْ مِنْ كَسْبِهِ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ } قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مَعْنَاهُ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ الصَّرِيحِ فِي ذَلِكَ الْقَدْرِ الْمُعَيَّنِ وَيَكُونُ مَعَهَا إذْنٌ عَامٌّ سَابِقٌ مُتَبَادَلٌ لِهَذَا الْقَدْرِ وَغَيْرِهِ إمَّا بِالصَّرِيحِ وَإِمَّا بِالْعُرْفِ . قَالَ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَعَلَ الْأَجْرَ مُنَاصَفَةً وَمَعْلُومٌ أَنَّهَا إذَا أَنْفَقَتْ مِنْ غَيْرِ إذْنٍ صَرِيحٍ وَلَا مَعْرُوفٍ مِنْ الْعُرْفِ فَلَا أَجْرَ لَهَا بَلْ عَلَيْهَا وِزْرٌ فَيَتَعَيَّنُ تَأْوِيلُهُ . قَالَ وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا كُلَّهُ مَفْرُوضٌ فِي قَدْرٍ يَسِيرٍ يُعْلَمُ رِضَى الْمَالِكِ بِهِ فِي الْعَادَةِ فَإِنْ زَادَ عَلَى الْمُتَعَارَفِ لَمْ يَجُزْ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ طَعَامِ بَيْتِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ } فَأَشَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى أَنَّهُ قَدْرٌ يُعْلَمُ رِضَا الزَّوْجِ بِهِ فِي الْعَادَةِ وَنَبَّهَ بِالطَّعَامِ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ يُسْمَحُ بِهِ فِي الْعَادَةِ بِخِلَافِ الدَّرَاهِمِ وَالدَّنَانِيرِ فِي حَقِّ أَكْثَرِ النَّاسِ وَفِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْوَالِ انْتَهَى . وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى مَا إذَا أَنْفَقَتْ مِنْ مَالِهَا الَّذِي اكْتَسَبَهُ وَأَعْطَاهُ لَهَا فِي نَفَقَتِهَا فَلَهَا الْأَجْرُ وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ لَهَا فِي إنْفَاقِهِ ؛ لِأَنَّهُ خَالِصُ مِلْكِهَا وَلَهُ الْأَجْرُ بِاكْتِسَابِهِ وَدَفْعِهِ لَهَا كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { حَتَّى مَا تَجْعَلُهُ فِي فِي امْرَأَتِك } فَجَعَلَ لَهُ الْأَجْرَ فِيمَا أَعْطَاهُ لَهَا فَكَيْفَ مَا انْضَمَّ إلَى ذَلِكَ أَنَّهَا تَصَدَّقَتْ بِهِ فَكَانَ بِاكْتِسَابِهِ سَبَبًا لِتِلْكَ الصَّدَقَةِ وَيَدُلُّ لِهَذَا مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَقِبَ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الْمَرْأَةِ تَصَدَّقُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا ؟ قَالَ لَا إلَّا مِنْ قُوتِهَا وَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَصَدَّقَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا إلَّا بِإِذْنِهِ وَهَذَا إمَّا مَرْفُوعٌ إنْ كَانَ لَا يُقَالُ مِثْلُهُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ وَإِمَّا مَوْقُوفٌ لَكِنَّهُ مِنْ كَلَامِ رَاوِي الْحَدِيثِ فَهُوَ أَعْلَمُ بِتَفْسِيرِهِ وَالْمُرَادُ بِهِ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد عَقِبَ رِوَايَتِهِ هَذَا يُضَعِّفُ حَدِيثَ هَمَّامٍ كَذَا حَكَى الْمُزَنِيّ فِي الْأَطْرَافِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي أَصْلِنَا مِنْ السُّنَنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { فَإِنَّ نِصْفَ أَجْرِهِ لَهُ } أَيْ وَالنِّصْفُ الْآخَرُ لَهَا ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد { فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ } فَحَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهُ بَيْنَهُمَا نِصْفَيْنِ وَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ { عُمَيْرٍ مَوْلَى آبِي اللَّحْمِ قَالَ : كُنْت مَمْلُوكًا فَسَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَصَدَّقُ مِنْ مَالِ مَوَالِيَّ بِشَيْءٍ ؟ قَالَ نَعَمْ وَالْأَجْرُ بَيْنَكُمَا نِصْفَانِ } وَفِي لَفْظٍ لَهُ { أَمَرَنِي مَوْلَايَ أَنْ أُقَدِّدَ لَحْمًا فَجَاءَنِي مِسْكِينٌ فَأَطْعَمْته مِنْهُ فَعَلِمَ بِذَلِكَ مَوْلَايَ فَضَرَبَنِي فَأَتَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرْت ذَلِكَ لَهُ فَدَعَاهُ فَقَالَ لِمَ ضَرَبْته ؟ قَالَ يُعْطِي طَعَامِي بِغَيْرِ أَنْ آمُرَهُ ، قَالَ الْأَجْرُ بَيْنَكُمَا } وَهَذِهِ الْمُنَاصَفَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ لَيْسَتْ عَلَى حَقِيقَتِهَا وَظَاهِرِهَا بَلْ الْمُرَادُ أَنَّ لِهَذَا ثَوَابًا وَلِهَذَا ثَوَابًا وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ مِقْدَارُ ثَوَابِهِمَا سَوَاءً بَلْ قَدْ يَكُونُ ثَوَابُ هَذَا أَكْثَرَ ، وَقَدْ يَكُونُ عَكْسَهُ ، وَقَوْلُهُ هُنَا نِصْفَانِ مَعْنَاهُ قِسْمَانِ وَإِنْ كَانَ أَحَدُهُمَا أَكْثَرَ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ إذَا مِتُّ كَانَ النَّاسُ نِصْفَانِ شَامِتٌ وَآخَرُ مُثْنٍ بِاَلَّذِي كُنْتُ أَصْنَعُ فَإِذَا أَعْطَى الْمَالِكُ لِخَازِنِهِ أَوْ امْرَأَتِهِ أَوْ غَيْرِهِمَا مِائَةَ دِرْهَمٍ أَوْ نَحْوَهَا لِيُوَصِّلَهَا إلَى مُسْتَحِقِّ الصَّدَقَةِ عَلَى بَابِ دَارِهِ أَوْ نَحْوِهِ فَأَجْرُ الْمَالِكِ أَكْثَرُ وَإِنْ أَعْطَاهُ رُمَّانَةً أَوْ رَغِيفًا وَنَحْوَهُمَا حَيْثُ لَيْسَ لَهُ كَبِيرُ قِيمَةٍ لِيَذْهَبَ بِهِ إلَى مُحْتَاجٍ فِي مَسَافَةٍ بَعِيدَةٍ بِحَيْثُ يُقَابَلُ مَشْيُ الذَّاهِبِ إلَيْهِ بِأُجْرَةٍ تَزِيدُ عَلَى الرُّمَّانَةِ وَالرَّغِيفِ فَأَجْرُ الْوَكِيلِ أَكْثَرُ ، وَقَدْ يَكُونُ عَمَلُهُ قَدْرَ الرَّغِيفِ مَثَلًا فَيَكُونُ مِقْدَارُ الْأَجْرِ سَوَاءً ، ذَكَرَ ذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ثُمَّ قَالَ وَأَشَارَ الْقَاضِي إلَى أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَا سَوَاءً لِأَنَّ الْأَجْرَ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا يُدْرَكُ بِقِيَاسٍ وَلَا هُوَ بِحَسْبِ الْأَعْمَالِ وَذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مِنْ يَشَاءُ . قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَعْنَى بِالْمُنَاصَفَةِ هَهُنَا أَنَّهُمَا سَوَاءٌ فِي الْمَثُوبَةِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لَهُ أَجْرٌ كَامِلٌ وَهُمَا اثْنَانِ فَكَأَنَّهُمَا نِصْفَانِ انْتَهَى . وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ حَدِيثِ عَائِشَةَ لَا يَنْقُصُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَجْرِ صَاحِبِهِ شَيْئًا . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) ذَكَرَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ حَدِيثَ أَبِي أُمَامَةَ الْبَاهِلِيِّ قَالَ : { سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي خُطْبَتِهِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ لَا تُنْفِقُ امْرَأَةٌ شَيْئًا مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا الطَّعَامَ ؟ قَالَ ذَلِكَ أَفْضَلُ أَمْوَالِنَا } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( فِي الْمَرْأَةِ تَصَدَّقُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا قَالَ لَا إلَّا مِنْ قُوتِهَا وَالْأَجْرُ بَيْنَهُمَا وَلَا يَحِلُّ لَهَا أَنْ تَصَدَّقَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا إلَّا بِإِذْنِهِ ) وَمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ { لَمَّا فَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ فِي خُطْبَتِهِ لَا يَجُوزُ لِامْرَأَةٍ عَطِيَّةٌ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا } وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { إذَا تَصَدَّقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا كَانَ لَهَا أَجْرٌ وَلِزَوْجِهَا مِثْلُ ذَلِكَ وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ وَلَا يُنْقِصُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مِنْ أَجْرِ صَاحِبِهِ شَيْئًا ، لَهُ بِمَا كَسَبَ وَلَهَا بِمَا أَنْفَقَتْ } وَمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ الْخَمْسَةُ عَنْ أَسْمَاءَ { أَنَّهَا جَاءَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ لَيْسَ لِي شَيْءٌ إلَّا مَا أَدْخَلَ عَلَيَّ الزُّبَيْرُ فَهَلْ عَلَيَّ جُنَاحٌ أَنْ أَرْضَخَ مِمَّا يُدْخِلُ عَلَيَّ فَقَالَ ارْضَخِي مَا اسْتَطَعْت وَلَا تُوعِي فَيُوعِيَ اللَّهُ عَلَيْك } لَفْظُ مُسْلِمٍ وَهُوَ أَتَمُّ وَمَا رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَعْطَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا بِطِيبِ نَفْسٍ غَيْرَ مُفْسِدَةٍ فَإِنَّ لَهَا مِثْلَ أَجْرِهِ لَهَا مَا نَوَتْ حَسَنًا ، وَلِلْخَازِنِ مِثْلُ ذَلِكَ } لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( إذَا أَنْفَقَتْ الْمَرْأَةُ مِنْ كَسْبِ زَوْجِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ عَنْ غَيْرِ أَمْرِهِ فَلَهَا نِصْفُ أَجْرِهِ ) وَهُوَ حَدِيثُ الْبَابِ وَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ { لَمَّا بَايَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النِّسَاءَ قَامَتْ امْرَأَةٌ جَلِيلَةٌ كَأَنَّهَا مِنْ نِسَاءِ مُضَرَ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّا كَلٌّ عَلَى آبَائِنَا وَأَبْنَائِنَا } قَالَ أَبُو دَاوُد وَأَرَى فِيهِ { وَأَزْوَاجِنَا فَمَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ ؟ قَالَ الرُّطَبُ تَأْكُلْنَهُ وَتُهْدِينَهُ } ثُمَّ قَالَ : أَحَادِيثُ الْبَابِ ( مِنْهَا ) مَا يَدُلُّ عَلَى مَنْعِ الْمَرْأَةِ أَنْ تُنْفِقَ مِنْ بَيْتِ زَوْجِهَا إلَّا بِإِذْنِهِ وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الْأَوَّلُ وَحَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو . ( وَمِنْهَا ) مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَهُوَ حَدِيثُ عَائِشَةَ الْأَوَّلُ وَحَدِيثُ أَسْمَاءَ . ( وَمِنْهَا ) مَا قُيِّدَ فِيهِ التَّرْغِيبُ فِي الْإِنْفَاقِ بِكَوْنِهِ بِطِيبِ نَفْسٍ مِنْهُ وَبِكَوْنِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ وَهُوَ أَصَحُّهَا . ( وَمِنْهَا ) مَا هُوَ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهَا غَيْرَ مُفْسِدَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ أَمْرِهِ وَهُوَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ الثَّانِي . ( وَمِنْهَا ) مَا قُيِّدَ الْحِلُّ فِيهِ بِكَوْنِهِ رُطَبًا وَهُوَ حَدِيثُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ . قَالَ وَكَيْفِيَّةُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ عَادَاتِ الْبِلَادِ وَبِاخْتِلَافِ حَالِ الزَّوْجِ فِي مُسَامَحَتِهِ بِذَلِكَ وَكَرَاهَتِهِ لَهُ وَبِاخْتِلَافِ الْحَالِ فِي الشَّيْءِ الْمُنْفَقِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ شَيْئًا يَسِيرًا يُتَسَامَحُ بِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ لَهُ خَطَرٌ فِي النَّفْسِ يُبْخَلُ بِمِثْلِهِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ رُطَبًا يُخْشَى فَسَادُهُ إنْ تَأَخَّرَ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ يُدَّخَرُ وَلَا يُخْشَى عَلَيْهِ الْفَسَادُ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْمَعَالِمِ عَقِبَ حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا الْكَلَامُ خَارِجٌ عَلَى مَذْهَبِ النَّاسِ بِالْحِجَازِ وَبِغَيْرِهَا مِنْ الْبُلْدَانِ فِي أَنَّ رَبَّ الْبَيْتِ قَدْ يَأْذَنُ لِأَهْلِهِ وَعِيَالِهِ وَلِلْخَادِمِ فِي الْإِنْفَاقِ مِمَّا يَكُونُ فِي الْبَيْتِ مِنْ طَعَامٍ وَإِدَامٍ وَنَحْوِهِ وَيُطْلِقُ أَمْرَهُمْ فِي الصَّدَقَةِ مِنْهُ إذَا حَضَرَهُمْ السَّائِلُ وَنَزَلَ بِهِمْ الضَّيْفُ فَحَضَّهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى لُزُومِ هَذِهِ الْعَادَةِ وَاسْتِدَامَةِ ذَلِكَ الصَّنِيعِ وَوَعَدَهُمْ الْأَجْرَ وَالثَّوَابَ عَلَيْهِ وَأَفْرَدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِاسْمِهِ لِيَتَسَارَعُوا إلَيْهِ وَلَا يَتَقَاعَدُوا عَنْهُ . قَالَ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِأَنْ تَفْتَاتَ الْمَرْأَةُ وَالْخَازِنُ عَلَى رَبِّ الْبَيْتِ بِشَيْءٍ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمَا فِيهِ وَلَمْ يُطْلِقْ لَهُمَا الْإِنْفَاقَ مِنْهُ بَلْ يُخَافُ أَنْ يَكُونَا آثِمَيْنِ إذَا فَعَلَا ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى قَوْلَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُ فِي الْيَسِيرِ الَّذِي لَا يُؤَثِّرُ نُقْصَانُهُ وَلَا يَظْهَرُ ، وَقِيلَ فِي الثَّانِي : ذَلِكَ إذَا أَذِنَ الزَّوْجُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عِنْدِي مَحْمُولًا عَلَى الْعَادَةِ وَأَنَّهَا إذَا عَلِمَتْ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَكْرَهُ الْعَطَاءَ وَالصَّدَقَةَ وَفَعَلَتْ مِنْ ذَلِكَ الْقَلِيلَ وَلَمْ تُجْحِفْ وَعَلَى ذَلِكَ عَادَةُ النَّاسِ فِي غَيْرِ بِلَادِنَا ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ بِطِيبِ نَفْسٍ وَمَعْنَى غَيْرِ مُفْسِدَةٍ فَطِيبُ النَّفْسِ يَقْتَضِي إذْنَهُ صَرِيحًا أَوْ عَادَةً ، وَقَوْلُهُ { غَيْرَ مُفْسِدَةٍ } يَقْتَضِي الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يُجْحِفُ بِهِ انْتَهَى . وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ فِي حَوَاشِيهِ فَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الزَّوْجَةِ وَالْخَادِمِ بِأَنَّ الزَّوْجَةَ لَهَا حَقٌّ فِي مَالِ الزَّوْجِ وَلَهَا النَّظَرُ فِي بَيْتِهَا فَجَازَ لَهَا أَنْ تَتَصَدَّقَ بِمَا لَا يَكُونُ إسْرَافًا لَكِنْ بِمِقْدَارِ الْعَادَةِ وَمَا تَعْلَمُ أَنَّهُ لَا يُؤْلِمُ زَوْجَهَا ، فَأَمَّا الْخَادِمُ فَلَيْسَ لَهُ تَصَرُّفٌ فِي مَتَاعِ مَوْلَاهُ بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ { رَأَى رَجُلٌ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ أَوْ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْبَوَاقِي فِي الْوِتْرِ مِنْهَا } وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ } . بَابُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ { رَأَى رَجُلٌ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ أَوْ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْبَوَاقِي فِي الْوِتْرِ مِنْهَا } الْحَدِيثُ الثَّانِي وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رِجَالًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْمَنَامِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي أَرَى رُؤْيَاكُمْ قَدْ تَوَاطَأَتْ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ فَمَنْ كَانَ مُتَحَرِّيهَا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ عُمَرَ وَالنَّاقِدِ وَزُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ { رَأَى رَجُلٌ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ رُؤْيَاكُمْ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَاطْلُبُوهَا فِي الْوِتْرِ مِنْهَا } ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ { سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِلَيْلَةِ الْقَدْر إنَّ نَاسًا مِنْكُمْ قَدْ أُرُوا أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْأُوَلِ وَأُرِيَ نَاسٌ مِنْكُمْ أَنَّهَا فِي السَّبْعِ الْغَوَابِرِ فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْغَوَابِرِ } لَفْظُ مُسْلِمٍ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { لِأَنَّ نَاسًا أُرُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ وَأَنَّ نَاسًا أُرُوا أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ } وَيُوَافِقُ الْأَوَّلَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا { مَنْ كَانَ مُلْتَمِسَهَا فَلْيَلْتَمِسْهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ } وَفِيهِ أَيْضًا عَنْ جَبَلَةَ وَمُحَارِبٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا { تَحَيَّنُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ أَوْ قَالَ فِي التِّسْعِ الْأَوَاخِرِ } وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الثَّانِي اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَوْجُودُ عِنْدَ أَكْثَرِ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيُّ عَنْ مَالِكٍ بَلَاغًا مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ نَافِعٍ وَلَا ابْنِ عُمَرَ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَتَابَعَهُ قَوْمٌ قَالَ وَهُوَ مَحْفُوظٌ مَعْلُومٌ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ لِمَالِكٍ وَغَيْرِهِ انْتَهَى . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا { تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ } ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ أَخْبَرَنِي قَالَ سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يُحَدِّثُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ { مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيًا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ . قَالَ شُعْبَةُ فَذَكَرَ لِي رَجُلٌ ثِقَةٌ عَنْ سُفْيَانَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إنَّمَا قَالَ مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيًا فَلْيَتَحَرَّهَا فِي السَّبْعِ الْبَوَاقِي فَلَا أَدْرِي ذَا أَمْ ذَا } . شَكَّ شُعْبَةُ ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ الصَّحِيحُ رِوَايَةُ الْجَمَاعَةِ دُونَ رِوَايَةِ شُعْبَةَ ، وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا { الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ } يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ { فَإِنْ ضَعُفَ أَحَدُكُمْ أَوْ عَجَزَ فَلَا يُغْلَبَنَّ عَلَى السَّبْعِ الْبَوَاقِي } . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { أَرَى } بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ بِمَعْنَى أَعْلَمُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مِنْ الرُّؤْيَةِ الْبَصَرِيَّةِ مَجَازًا ، وَقَوْلُهُ رُؤْيَاكُمْ أَيْ فِي الْمَنَامِ وَالْمَشْهُورُ اخْتِصَاصُ الرُّؤْيَا بِالْمَنَامِ فَلَا تُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ ، وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا تُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا لِرَأَى مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَتْ فِي الْيَقِظَةِ وَهِيَ هُنَا لِلْمَنَامِ قَطْعًا ، وَقَوْلُهُ { قَدْ تَوَاطَأَتْ } أَيْ تَوَافَقَتْ وَالْمُوطَأَةُ الْمُوَافَقَةُ كَأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا وَطِئَ مَا وَطِئَهُ الْآخَرُ ، وَرُوِيَ تَوَاطَتْ بِتَرْكِ الْهَمْزِ ، وَقَوْلُهُ { فَالْتَمِسُوهَا } أَيْ اُطْلُبُوهَا اسْتَعَارَ لَهُ اللَّمْسَ ، وَقَوْلُهُ فِي الْعَشْرِ الْبَوَاقِي أَيْ فِي اللَّيَالِيِ الْعَشْرِ الْبَوَاقِي مِنْ الشَّهْرِ وَهِيَ الْعَشْرُ الْأَخِيرَةُ مِنْ الشَّهْرِ ، وَقَوْلُهُ { فِي الْوِتْرِ } بَدَلٌ مِنْ الْعَشْرِ بِإِعَادَةِ الْعَامِلِ وَهُوَ بَدَلُ بَعْضٍ مِنْ كُلٍّ ، وَالْوِتْرُ الْفَرْدُ وَفِي وَاوِهِ لُغَتَانِ الْكَسْرُ وَالْفَتْحُ ، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ { رَأَوْا كَذَا } فِي رِوَايَتِنَا بِتَقْدِيمِ الرَّاءِ وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ أُرُوا بِتَقْدِيمِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّهَا وَضَمِّ الرَّاءِ ، وَقَوْلُهُ { فَلْيَتَحَرَّهَا } أَيْ فَلْيَتَعَمَّدْ طَلَبَهَا وَالتَّحَرِّي الْقَصْدُ وَالِاجْتِهَادُ فِي الطَّلَبِ وَالْعَزْمُ عَلَى تَخْصِيصِ الشَّيْءِ بِالْفِعْلِ وَالْقَوْلِ . ( الثَّالِثَةُ ) لَيْلَةُ الْقَدْرِ بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ وَيَجُوزُ فَتْحُهَا كَمَا سَأُبَيِّنُهُ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعِظَمِ قَدْرِهَا لِمَا لَهَا مِنْ الْفَضَائِلِ أَيْ ذَاتُ الْقَدْرِ الْعَظِيمِ أَوْ لِمَا يَحْصُلُ لِمُحْيِيهَا بِالْعِبَادَةِ مِنْ الْقَدْرِ الْعَظِيمِ ، أَوْ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ تُقَدَّرُ فِيهَا وَتُقْضَى أَقْوَالٌ وَيُؤَيِّدُ الْأَوَّلَيْنِ قَوْله تَعَالَى { لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } وَيُؤَيِّدُ الْأَخِيرَ قَوْلُهُ { تَنَزَّلُ الْمَلَائِكَةُ وَالرُّوحُ فِيهَا بِإِذْنِ رَبِّهِمْ مِنْ كُلِّ أَمْرٍ } وَقَوْلُهُ { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } وَإِنَّمَا جَوَّزْتُ فَتْحَ الدَّالِ لِأَنَّهَا إنْ كَانَتْ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعِظَمِ قَدْرِهَا فَقَدْ قَالَ فِي الصِّحَاحِ قَدْرُ الشَّيْءِ مَبْلَغُهُ وَقَدْرُ اللَّهِ وَقَدَرُهُ بِمَعْنًى وَهُوَ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ وَقَالَ تَعَالَى { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } أَيْ مَا عَظَّمُوا اللَّهَ حَقَّ تَعْظِيمِهِ وَإِنْ كَانَ مِنْ التَّقْدِيرِ فَقَدْ قَالَ فِي الصِّحَاحِ عَقِبَهُ وَالْقَدْرُ ، وَالْقَدَرُ أَيْضًا مَا يُقَدِّرُهُ اللَّهُ مِنْ الْقَضَاءِ وَأَنْشَدَ الْأَخْفَشُ أَلَا يَا لَقَوْمٍ لِلنَّوَائِبِ وَالْقَدْرِ وَلِلْأَمْرِ يَأْتِي الْمَرْءَ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي وَكَذَا قَالَ فِي الْمُحْكَمِ الْقَدْرُ وَالْقَدَرُ الْقَضَاءُ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ وَالْقَدَرِ فَأَمَّا . ( الْأَوَّلُ ) فَالْمُرَادُ بِهِ الشَّرَفُ كَقَوْلِهِمْ لِفُلَانٍ قَدْرٌ فِي النَّاسِ يَعْنُونَ بِذَلِكَ مَزِيَّةً وَشَرَفًا ( وَالثَّانِي ) الْقَدْرُ بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا يُلْقِي اللَّهُ فِيهَا لِمَلَائِكَتِهِ دِيوَانَ الْعَامِ انْتَهَى . وَهُوَ يُوهِمُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ مَعَ تَسْكِينِ الدَّالِ إرَادَةُ التَّقْدِيرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَمَا عَلِمْت وَقَدْ جَوَّزَ الْمُفَسِّرُونَ فِي الْآيَةِ إرَادَةَ الشَّرَفِ وَالتَّقْدِيرِ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يُقْرَأْ إلَّا بِالْإِسْكَانِ وَجَزَمَ الْهَرَوِيُّ وَابْنُ الْأَثِيرِ فِي تَفْسِيرِهَا بِالتَّقْدِيرِ فَقَالَا وَهِيَ اللَّيْلَةُ الَّتِي تُقَدَّرُ فِيهَا الْأَرْزَاقُ وَتُقْضَى وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ سُمِّيَتْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ أَيْ لَيْلَةَ الْحُكْمِ وَالْفَصْلِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَحَكَاهُ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْعُلَمَاءِ . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ فَضْلُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَذَلِكَ مِنْ اسْمِهَا وَمِنْ الْأَمْرِ بِتَحَرِّيهَا وَطَلَبِهَا وَقَدْ أَفْصَحَ بِهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ فِي قَوْله تَعَالَى { إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ } الْآيَةَ ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَقَدْ خَصَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهَا هَذِهِ الْأُمَّةَ فَلَمْ تَكُنْ لِمَنْ قَبْلَهُمْ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ ذَلِكَ فَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ بَنِي أُمَيَّةَ عَلَى مِنْبَرِهِ فَسَاءَهُ ذَلِكَ فَنَزَلَتْ { إنَّا أَعْطَيْنَاك الْكَوْثَرَ } يَا مُحَمَّدُ يَعْنِي نَهْرًا فِي الْجَنَّةِ وَنَزَلَتْ { إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاك مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } } يَمْلِكُهَا بَعْدَك بَنُو أُمَيَّةَ يَا مُحَمَّدُ قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ الْحَرَّانِيِّ أَحَدُ رُوَاتِهِ فَعَدَدْنَا فَإِذَا هِيَ أَلْفُ شَهْرٍ لَا تَنْقُصُ يَوْمًا وَلَا تَزِيدُ يَوْمًا ، وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ أَنَّهُ سَمِعَ مَنْ يَثِقُ بِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُرِيَ أَعْمَارَ النَّاسِ قَبْلَهُ أَوْ مَا شَاءَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فَكَأَنَّهُ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ أَنْ لَا يَبْلُغُوا مِنْ الْعَمَلِ مِثْلَ الَّذِي بَلَغَ غَيْرُهُمْ فِي طُولِ الْعُمْرِ فَأَعْطَاهُ اللَّهُ لَيْلَةَ الْقَدْرِ خَيْرًا مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } ، وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ مُرْسَلًا { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ رَجُلًا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ لَبِسَ السِّلَاحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَلْفَ شَهْرٍ فَعَجِبَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ { إنَّا أَنْزَلْنَاهُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَا أَدْرَاك مَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ } الَّتِي لَبِسَ فِيهَا ذَلِكَ الرَّجُلُ السِّلَاحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَلْفَ شَهْرٍ } وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ بَعْدَ ذِكْرِهِ حَدِيثَ التِّرْمِذِيِّ الَّذِي بَدَأْنَا بِهِ وَهَذَا لَا يَصِحُّ وَاَلَّذِي رَوَى مَالِكٌ مِنْ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَقَاصَرَ أَعْمَارَ أُمَّتِهِ } أَصَحُّ مِنْهُ وَأَوْلَى ، وَلِذَلِكَ أَدْخَلَهُ لِيُبَيِّنَ بِذَلِكَ الْفَائِدَةَ فِيهِ وَيَدُلُّ عَلَى بُطْلَانِ هَذَا الْحَدِيثِ انْتَهَى . وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْبَلَاغَ الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ لَا يُعْرَفُ لَهُ إسْنَادٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا أَعْلَمُ هَذَا الْحَدِيثَ يُرْوَى مُسْنَدًا وَلَا مُرْسَلًا مِنْ وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ إلَّا مَا فِي الْمُوَطَّإِ وَهُوَ أَحَدُ الْأَرْبَعَةِ الْأَحَادِيثِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِ الْمُوَطَّإِ قَالَ وَلَيْسَ مِنْهَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَلَا مَا يَدْفَعُهُ أَصْلٌ ( قُلْت ) حَتَّى يَثْبُتَ لَهُ أَصْلٌ نَعَمْ الْمُرْسَلُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ عِنْدِ الْبَيْهَقِيّ يَشْهَدُ لَهُ . ( الْخَامِسَةُ ) فِيهِ بَقَاءُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَاسْتِمْرَارُهَا وَأَنَّهَا لَمْ تُرْفَعْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَأَجْمَعَ مَنْ يُعْتَدُّ بِهِ عَلَى وُجُودِهَا وَدَوَامِهَا إلَى آخِرِ الدَّهْرِ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَشَذَّ قَوْمٌ فَقَالُوا رُفِعَتْ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { حِينَ تَلَاحَى الرَّجُلَانِ فَرُفِعَتْ } وَهَذَا غَلَطٌ مِنْ هَؤُلَاءِ الشَّاذِّينَ ؛ لِأَنَّ آخِرَ الْحَدِيثِ يَرُدُّ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ الْتَمِسُوهَا فِي السَّبْعِ وَالتِّسْعِ } هَكَذَا هُوَ فِي أَوَّلِ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَفِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِرَفْعِهَا رَفْعُ بَيَانِ عِلْمِ عَيْنِهَا وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ رَفْعَ وُجُودِهَا لَمْ يَأْمُرْ بِالْتِمَاسِهَا انْتَهَى وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَكَذَا حَكَى أَصْحَابُنَا هَذَا الْقَوْلَ عَنْ قَوْمٍ لَمْ يُسَمِّهِمْ الْجُمْهُورُ وَسَمَّاهُمْ صَاحِبُ التَّتِمَّةِ فَقَالَ هُوَ قَوْلُ الرَّوَافِضِ . ( السَّادِسَةُ ) فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى الْأَمْرُ بِطَلَبِهَا فِي أَوْتَارِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَفِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ الْأَمْرُ بِطَلَبِهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ وَبَيْنَهُمَا تَنَافٍ وَإِنْ اتَّفَقَتَا عَلَى أَنَّ مَحَلَّهَا مُنْحَصِرٌ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَالْأَوَّلُ وَهُوَ انْحِصَارُهَا فِي أَوْتَارِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ قَوْلٌ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ وَنَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، فَقَالَ هِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ مِنْ اللَّيَالِيِ لَا يُخْطِئُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَمَّا انْحِصَارُهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ فَلَا نَعْلَمُ الْآنَ قَائِلًا بِهِ وَلْنَحْكِ الْمَذَاهِبَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : ( فَأَحَدُهَا ) أَنَّهَا فِي السَّنَةِ كُلِّهَا وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَتَابَعَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ لَكِنْ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٌ وَغَيْرِهِ عَنْ زِرِّ بْنِ حُبَيْشٍ قَالَ ( سَأَلْت أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ فَقُلْت إنَّ أَخَاك ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ مَنْ يَقُمْ الْحَوْلَ يُصِبْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ ، فَقَالَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَرَادَ أَنْ لَا يَتَّكِلَ النَّاسُ أَمَّا إنَّهُ عَلِمَ أَنَّهَا فِي رَمَضَانَ وَأَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَأَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ثُمَّ حَلَفَ لَا يَسْتَثْنِي أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ فَقُلْت بِأَيِّ شَيْءٍ تَقُولُ ذَلِكَ يَا أَبَا الْمُنْذِرِ ؟ قَالَ بِالْعَلَامَةِ أَوْ بِالْآيَةِ الَّتِي أَخْبَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا تَطْلُعُ يَوْمئِذٍ لَا شُعَاعَ لَهَا ) وَيَشْهَدُ لِمَا فَهِمَهُ أُبَيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ كَلَامِ عَبْدِ اللَّهِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي عَقْرَبَ قَالَ غَدَوْتُ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ ذَاتَ غَدَاةٍ فِي رَمَضَانَ فَوَجَدْتُهُ فَوْقَ بَيْتٍ جَالِسًا فَسَمِعْنَا صَوْتَهُ وَهُوَ يَقُولُ صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ فَقُلْنَا سَمِعْنَاكَ تَقَوُّلُ صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَّغَ رَسُولُهُ فَقَالَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي النِّصْفِ مِنْ السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ غَدَاتَئِذٍ صَافِيَةً لَيْسَ لَهَا شُعَاعٌ فَنَظَرْتُ إلَيْهَا فَوَجَدْتُهَا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِنَحْوِهِ . وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَالَ أَيُّكُمْ يَذْكُرُ لَيْلَةَ الصَّهْبَاوَاتِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ أَنَا بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي يَا رَسُولَ اللَّهِ حِينَ طَلَعَ الْفَجْرُ وَذَلِكَ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ } وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ لَكِنْ لَمْ أَرَ التَّصْرِيحَ بِلَيْلَةِ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ إلَّا فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ فَلِذَلِكَ اقْتَصَرْتُ عَلَى عَزْوِهِ إلَيْهِ . الْقَوْلُ الثَّانِي أَنَّهَا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كُلِّهِ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَطَائِفَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَأَنَا أَسْمَعُ قَالَ هِيَ فِي رَمَضَانَ } وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ ( قُلْتُ ) وَالْحَدِيثُ مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَتَكَرَّرُ وَتُوجَدُ فِي كُلِّ سَنَةٍ فِي رَمَضَانَ لَا أَنَّهَا وُجِدَتْ مَرَّةً فِي الدَّهْرِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ دَلِيلٌ لِهَذَا الْقَوْلِ وَكَذَلِكَ مَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ الْحَسَنِ وَهُوَ الْبَصْرِيُّ قَالَ ( لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي كُلِّ رَمَضَانَ ) مُحْتَمِلٌ لِهَذَا التَّأْوِيلِ وَقَالَ الْمَحَامِلِيُّ فِي التَّجْرِيدِ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ لَيْلَةَ الْقَدْرِ تُلْتَمَسُ فِي جَمِيعِ شَهْرِ رَمَضَانَ وَآكَدُهُ الْعَشْرُ الْأُخَرُ وَآكَدُهُ لَيَالِيِ الْوِتْرِ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ انْتَهَى . وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ اخْتِصَاصُهَا بِالْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ كَمَا سَيَأْتِي . ( الثَّالِثُ ) ( أَنَّهَا أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ ) وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ أَحَدِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . ( الرَّابِعُ ) أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوْسَطِ وَالْأَوَاخِرِ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ وَيَرُدُّهُ مَا فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ { مِنْ قَوْلِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أَنْ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ إنَّ الَّذِي تَطْلُبُ أَمَامَك } . ( الْخَامِسُ ) أَنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَقَطْ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ } ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنِّي أَعْتَكَفْت الْعَشْرَ الْأُوَلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ إنِّي أَعْتَكَفْت الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ } ثُمَّ أَتَيْت فَقِيلَ لِي إنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَكِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحِ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ . ( السَّادِسُ ) أَنَّهَا تَخْتَصُّ بِأَوْتَارِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْأَوَّلُ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَمُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ { سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَقَالَ : فِي رَمَضَانَ فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَإِنَّهَا فِي وِتْرٍ فِي إحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ أَوْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ أَوْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ أَوْ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ فَمَنْ قَامَهَا ابْتِغَاءَهَا ثُمَّ وُفِّقَتْ لَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ } فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ وَهُوَ حَسَنُ الْحَدِيثِ وَفِي قَوْلِهِ أَوْ فِي آخِر لَيْلَةٍ سُؤَالٌ ؛ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ وِتْرًا إنْ كَانَ الشَّهْرُ كَامِلًا ، وَقَدْ قَالَ أَوَّلًا فَإِنَّهَا فِي وَتْرٍ وَإِنْ كَانَ نَاقِصًا فَهِيَ لَيْلَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ فَلَا مَعْنَى لِعَطْفِهَا عَلَيْهَا وَجَوَابُهُ أَنَّ قَوْلَهُ أَوْ فِي آخِرِ لَيْلَةٍ مَعْطُوفٌ عَلَى قَوْلِهِ فَإِنَّهَا فِي وِتْرٍ لَا عَلَى قَوْلِهِ أَوْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ فَلَيْسَ تَفْسِيرًا لِلْوِتْرِ بَلْ مَعْطُوفًا عَلَيْهِ . ( السَّابِعُ ) إنَّهَا تَخْتَصُّ بِإشْفَاعِهِ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فِي الصَّحِيحِ { الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ } فَقِيلَ لَهُ يَا أَبَا سَعِيدٍ إنَّكُمْ أَعْلَمُ بِالْعَدَدِ مِنَّا قَالَ أَجَلْ نَحْنُ أَحَقُّ بِذَلِكَ مِنْكُمْ قَالَ قُلْت مَا التَّاسِعَةُ وَالسَّابِعَةُ وَالْخَامِسَةُ ؟ قَالَ إذَا مَضَتْ وَاحِدَةٌ وَعِشْرُونَ فَاَلَّتِي تَلِيهَا ثِنْتَانِ وَعِشْرُونَ وَهِيَ التَّاسِعَةُ فَإِذَا مَضَتْ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ فَاَلَّتِي تَلِيهَا السَّابِعَةُ فَإِذَا مَضَى خَمْسٌ وَعِشْرُونَ فَاَلَّتِي تَلِيهَا الْخَامِسَةُ . ( الثَّامِنُ ) أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ فَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ مَا أَشُكُّ وَمَا أَمْتَرِي أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةَ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ وَيَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنَّهُ كَانَ يُحْيِي لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ فَقِيلَ لَهُ : تُحْيِي لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ ؟ قَالَ : إنَّ فِيهَا نَزَلَ الْقُرْآنُ ، وَفِي صَبِيحَتِهَا فُرِّقَ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَكَانَ يُصْبِحُ فِيهَا بَهِيجَ الْوَجْهِ . ( التَّاسِعُ ) : أَنَّهَا لَيْلَةُ تِسْعَ عَشْرَةَ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا . ( الْعَاشِرُ ) أَنَّهَا تُطْلَبُ فِي لَيْلَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ إحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ حُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا وَيَدُلُّ لَهُ مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : { قَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ اُطْلُبُوهَا لَيْلَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ مِنْ رَمَضَانَ وَلَيْلَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَلَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ ثُمَّ سَكَتَ } . ( الْحَادِيَ عَشَرَ ) أَنَّهَا لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الثَّابِتُ فِي الصَّحِيحِ الَّذِي فِيهِ { وَإِنِّي أُرِيتُهَا لَيْلَةَ وِتْرٍ وَإِنِّي أَسْجُدُ فِي صَبِيحَتِهَا فِي مَاءٍ وَطِينٍ فَأُصْبِحُ مِنْ لَيْلَةِ إحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَقَدْ قَامَ إلَى الصُّبْحِ فَمَطَرَتْ السَّمَاءُ فَوَكَفَ الْمَسْجِدُ فَأَبْصَرْت الطِّينَ وَالْمَاءَ فَخَرَجَ حِينَ فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ وَجَبِينُهُ وَأَرْنَبَةُ أَنْفِهِ فِيهَا الطِّينُ وَالْمَاءُ وَإِذَا هِيَ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ مِنْ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ } . ( الثَّانِي عَشَرَ ) أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَهُوَ قَوْلُ جَمْعٍ كَثِيرِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٌ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أُرِيت لَيْلَةَ الْقَدْرِ ثُمَّ أُنْسِيتُهَا وَأَرَانِي صَبِيحَتَهَا أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ قَالَ فَمُطِرْنَا لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَانْصَرَفَ وَإِنَّ أَثَرَ الْمَاءِ وَالطِّينِ عَلَى جَبْهَتِهِ وَأَنْفِهِ } وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْهُ أَيْضًا قَالَ { قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ لِي بَادِيَةً أَكُونُ فِيهَا وَأَنَا أُصَلِّي فِيهَا بِحَمْدِ اللَّهِ فَمُرْنِي بِلَيْلَةٍ أَنْزِلُهَا إلَى هَذَا الْمَسْجِدِ ، فَقَالَ أَنْزِلْ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ } . ( الثَّالِثَ عَشَرَ ) أَنَّهَا لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ بِلَالٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَالْحَسَنُ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ ( الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ ) ذَكَرَهُ عَقِبَ حَدِيثِهِ { هِيَ فِي الْعَشْرِ فِي سَبْعٍ تَمْضِينَ أَوْ سَبْعٍ تَبْقَيْنَ } وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ تَفْسِيرٌ لِلْحَدِيثِ فَيَكُونُ عُمْدَةً ، وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ بِلَالٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ } . ( الرَّابِعَ عَشَرَ ) إنَّهَا لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ ، وَفِي ذَلِكَ أَثَرٌ . ( الْخَامِسَ عَشَرَ ) أَنَّهَا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيَدُلُّ لَهُ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { هِيَ فِي الْعَشْرِ فِي سَبْعٍ تَمْضِينَ أَوْ سَبْعٍ يَبْقَيْنَ } يَعْنِي لَيْلَةَ الْقَدْرِ . ( السَّادِسَ عَشَرَ ) أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَبِهِ قَالَ جَمْعٌ كَثِيرُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَغَيْرِهِمْ وَكَانَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ يَحْلِفُ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ زَرِّ بْنِ حُبَيْشٍ كَانَ عُمَرُ وَحُذَيْفَةُ وَأُنَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَشُكُّونَ فِيهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ ، وَحَكَاهُ الشَّاشِيُّ فِي الْحِلْيَةِ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إنَّهُ مُخَالِفٌ لِنَقْلِ الْجُمْهُورِ ، وَقَدْ وَرَدَتْ أَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّهَا لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا { لَيْلَةُ الْقَدْرِ لَيْلَةُ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ } ، وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا { مَنْ كَانَ مُتَحَرِّيَهَا فَلْيَتَحَرَّهَا لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ } ، وَفِي الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ لِلطَّبَرَانِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا { الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ } وَاسْتَدَلَّ ابْنُ عَبَّاسٍ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ السَّمَوَاتِ سَبْعًا وَالْأَرَضِينَ سَبْعًا وَالْأَيَّامَ سَبْعًا وَأَنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ مِنْ سَبْعٍ وَجُعِلَ رِزْقُهُ فِي سَبْعٍ وَيَسْجُدُ عَلَى سَبْعَةِ أَعْضَاءٍ وَالطَّوَافُ سَبْعٌ وَالْجِمَارُ سَبْعٌ وَاسْتَحْسَنَ ذَلِكَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ عَدَدَ كَلِمَاتِ السُّورَةِ إلَى قَوْلِهِ { هِيَ } سَبْعٌ وَعِشْرُونَ ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ ، وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَفْسِهِ حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَابْنُ قُدَامَةَ ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ بَعْدَ نَقْلِ ذَلِكَ وَنَظِيرَيْنِ لَهُ وَهَذَا مِنْ مُلَحِ التَّفْسِيرِ وَلَيْسَ مِنْ مُتَعَيِّنِ الْعِلْمِ ، وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ ابْنِ بُكَيْر الْمَالِكِيِّ وَبَالَغَ فِي إنْكَارِهِ ، وَقَالَ إنَّهُ مِنْ طَوَائِفِ الْوَسْوَاسِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ دَعْوَاهُ أَنَّهُ وَقَفَ عَلَى مَا غَابَ مِنْ ذَلِكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى . ( السَّابِعَ عَشَرَ ) : أَنَّهَا لَيْلَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ . ( الثَّامِنَ عَشَرَ ) أَنَّهَا آخِرُ لَيْلَةٍ حَكَاهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ وَيَتَدَاخَلُ هَذَا الْقَوْلُ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ إذَا كَانَ الشَّهْرُ نَاقِصًا ، وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ فِي الصَّلَاةِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ مَرْفُوعًا { الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ آخِرَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ } ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الثَّانِي الْأَمْرُ { بِتَحَرِّيهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ } وَلَمْ أَرَ قَائِلًا بِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِذَا عَدَدْنَاهُ قَوْلًا كَانَ . ( تَاسِعَ عَشَرَ ) وَإِنْ نَظَرْنَا لِمَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ وَإِنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ اجْتَمَعَتْ مِنْ ذَلِكَ أَقْوَالٌ أُخَرُ فَنَذْكُرُهَا مَعَ ذِكْرِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا وَإِنْ لَمْ نَقِفْ عَلَى الْقَوْلِ بِهَا . ( الْعِشْرُونَ ) إنَّهَا لَيْلَةُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٌ قَالَ { كُنْت فِي مَجْلِسِ بَنِي سَلِمَةَ وَأَنَا أَصْغَرُهُمْ ، فَقَالُوا مَنْ يَسْأَلُ لَنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَذَلِكَ صَبِيحَةَ إحْدَى وَعِشْرِينَ فَخَرَجْت فَوَافَيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ { أَرْسَلَنِي إلَيْك رَهْطٌ مِنْ بَنِي سَلِمَةَ يَسْأَلُونَك عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَقَالَ كَمْ اللَّيْلَةَ قُلْت اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ قَالَ هِيَ اللَّيْلَةُ ، ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ أَوْ الْقَابِلَةُ يُرِيدُ لَيْلَةَ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ } . ( الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ ) لَيْلَةُ إحْدَى أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ خَمْسٍ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ ، فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ : مَا أَنَا بِمُلْتَمِسِهَا لِشَيْءٍ سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَإِنِّي سَمِعْته يَقُولُ { الْتَمِسُوهَا لِتِسْعٍ يَبْقَيْنَ أَوْ سَبْعٍ يَبْقَيْنَ أَوْ خَمْسٍ يَبْقَيْنَ أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ آخِرِ لَيْلَةٍ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ ) لَيْلَةُ إحْدَى أَوْ ثَلَاثٍ أَوْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : { خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُخْبِرَ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي خَرَجْت لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ الْقَدْرِ فَتَلَاحَى رَجُلَانِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ فَرُفِعَتْ وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا فَالْتَمِسُوهَا فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ } فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ فِي التَّاسِعَةِ تَبْقَى لِتَقْدِيمِ التَّاسِعَةِ عَلَى السَّابِعَةِ وَهِيَ عَلَى الْخَامِسَةِ وَيَدُلُّ لَهُ مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي تَاسِعَةٍ تَبْقَى فِي سَابِعَةٍ تَبْقَى فِي خَامِسَةٍ تَبْقَى } ، وَفِي الْمُدَوَّنَةِ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي { قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي التَّاسِعَةِ وَالسَّابِعَةِ وَالْخَامِسَةِ } فَأَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ التَّاسِعَةَ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَالسَّابِعَةَ لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَالْخَامِسَةَ لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ يُرِيدُ فِي هَذَا عَلَى نُقْصَانِ الشَّهْرِ وَكَذَلِكَ ذَكَرَ ابْنُ حَبِيبٍ . ( الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ ) لَيْلَةُ ثَلَاثٍ أَوْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَقَالَ هِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ قُمَّ فِي الثَّالِثَةِ أَوْ الْخَامِسَةِ } ، فَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ قُمْ فِي الثَّالِثَةِ تَمْضِي لِتَقْدِيمِهِ لَهَا عَلَى الْخَامِسَةِ . ( الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ ) لَيْلَةُ السَّابِعِ أَوْ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ : إنَّهَا لَيْلَةٌ سَابِعَةٌ أَوْ تَاسِعَةٌ وَعِشْرِينَ إنَّ الْمَلَائِكَةَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ فِي الْأَرْضِ أَكْثَرُ مِنْ عَدَدِ الْحَصَى } ، وَفِي رِوَايَةِ الطَّبَرَانِيِّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ { مِنْ عَدَدِ النُّجُومِ } . ( الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ ) أَنَّهَا فِي أَوْتَارِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ أَوْ فِي لَيْلَةِ سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ تِسْعَ عَشْرَةَ ، فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ تِسْعَ عَشْرَةَ أَوْ إحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ أَوْ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ أَوْ سَبْعٍ وَعِشْرِينَ أَوْ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ } . ( السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ ) أَوَّلُ لَيْلَةٍ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ لَيْلَةُ التَّاسِعِ أَوْ الرَّابِعَ عَشَرَ أَوْ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ أَوْ آخِرُ لَيْلَةٍ ، رَوَى ابْنُ مَرْدُوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الْتَمِسُوا لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي أَوَّلِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ ، وَفِي تِسْعَةٍ ، وَفِي أَرْبَعَ عَشْرَةَ ، وَفِي إحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَفِي آخِرِ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ } وَهَذَا كُلُّهُ تَفْرِيعٌ عَلَى أَنَّهَا تَلْزَمُ لَيْلَةً بِعَيْنِهَا كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَالصَّحِيحُ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْعَشْرِ الْأَخِيرِ وَأَنَّهَا فِي الْأَوْتَارِ أَرْجَى مِنْهَا فِي الْأَشْفَاعِ وَأَرْجَاهَا لَيْلَةُ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ وَالثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ ، وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ فِي اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ كَانَ هَذَا عِنْدِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُجِيبُ عَلَى نَحْوِ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ يُقَالُ لَهُ نَلْتَمِسُهَا فِي لَيْلَةِ كَذَا فَيَقُولُ الْتَمِسُوهَا فِي لَيْلَةِ كَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَقْوَى الرِّوَايَاتِ عِنْدِي فِيهَا لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ الشَّافِعِيِّ فِي الْقَدِيمِ أَنَّهُ قَالَ وَكَأَنِّي رَأَيْت وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَقْوَى الْأَحَادِيثِ فِيهِ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَلَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ انْتَهَى . وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهَا تَنْتَقِلُ فَتَكُونُ سَنَةً فِي لَيْلَةٍ وَسَنَةً فِي لَيْلَةٍ أُخْرَى وَهَكَذَا وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَغَيْرِهِمْ وَعَزَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ لِلشَّافِعِيِّ وَلَا نَعْرِفُهُ عَنْهُ وَلَكِنْ قَالَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ الْمُزَنِيّ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَهُوَ الْمُخْتَارُ عِنْدَ النَّوَوِيِّ وَغَيْرِهِ وَاسْتَحْسَنَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهَا اخْتَلَفَتْ اخْتِلَافًا لَا يُمْكِنُ مَعَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا إلَّا بِذَلِكَ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْأَغْلَبُ مِنْ قَوْلِهِ فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ أَنَّهُ فِي ذَلِكَ الْعَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِئَلَّا يَتَضَادَّ مَعَ قَوْلِهِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ وَيَكُونُ قَالَهُ ، وَقَدْ مَضَى مِنْ الشَّهْرِ مَا يُوجِبُ قَوْلَ ذَلِكَ انْتَهَى وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى انْتِقَالِهَا فَعَلَيْهِ أَقْوَالٌ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ تَنْتَقِلُ فَتَكُونُ إمَّا فِي لَيْلَةِ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ أَوْ الثَّالِثِ وَالْعِشْرِينَ أَوْ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ . ( الثَّانِي ) أَنَّهَا فِي لَيْلَةِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ أَوْ السَّابِعِ وَالْعِشْرِينَ أَوْ التَّاسِعِ وَالْعِشْرِينَ وَكِلَاهُمَا فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ ، وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهَا فِي جَمِيعِ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ أَوْ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ ضَعِيفٌ . ( الثَّالِثُ ) أَنَّهَا تَنْتَقِلُ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ وَهَذَا قَوْلُ مَنْ قَالَ بِانْتِقَالِهَا مِنْ الشَّافِعِيَّةِ . ( الرَّابِعُ ) أَنَّهَا تَنْتَقِلُ فِي جَمِيعِ الشَّهْرِ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ الْحَنَابِلَةِ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي يُسْتَحَبُّ طَلَبُهَا فِي جَمِيعِ لَيَالِيِ رَمَضَانَ ، وَفِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ آكَدُ ، وَفِي لَيَالِيِ الْوِتْرِ مِنْهُ آكَدُ ثُمَّ حَكَى قَوْلَ أَحْمَدَ هِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ مِنْ اللَّيَالِيِ لَا تُخْطِئُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَقَدْ قَدَّمْت ذَلِكَ عَنْهُ وَمُقْتَضَاهُ اخْتِصَاصُهَا بِأَوْتَارِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ فَإِذَا انْضَمَّ إلَيْهِ الْقَوْلُ بِانْتِقَالِهَا صَارَ هَذَا قَوْلًا خَامِسًا عَلَى الِانْتِقَالِ فَتَنْضَمُّ هَذِهِ الْأَقْوَالُ الْخَمْسَةُ لِمَا تَقَدَّمَ فَتَكُونُ أَحَدًا وَثَلَاثِينَ قَوْلًا ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بَعْدَ حِكَايَتِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ قَوْلًا مِمَّا حَكَيْنَاهُ وَالصَّحِيحُ مِنْهَا أَنَّهَا لَا تُعْلَمُ انْتَهَى . وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَخْفَى اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ اللَّيْلَةَ عَنْ عِبَادِهِ لِئَلَّا يَتَّكِلُوا عَلَى فَضْلِهَا وَيُقَصِّرُوا فِي غَيْرِهَا فَأَرَادَ مِنْهُمْ الْجِدَّ فِي الْعَمَلِ أَبَدًا وَهَذَا يُحْسِنُ أَنْ يَكُونَ قَوْلًا ثَانِيًا وَثَلَاثِينَ وَهُوَ الْكَفُّ عَنْ الْخَوْضِ فِيهَا وَأَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى مَعْرِفَتِهَا ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ : هِيَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ بِعَيْنِهَا لَا تَنْتَقِلُ أَبَدًا إلَّا أَنَّهُ لَا يُدْرَى أَيُّ لَيْلَةٍ هِيَ مِنْهُ إلَّا أَنَّهَا فِي وِتْرٍ مِنْهُ وَلَا بُدَّ فَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ تِسْعًا وَعِشْرِينَ فَأَوَّلُ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ لَيْلَةُ عِشْرِينَ مِنْهُ فَهِيَ إمَّا لَيْلَةُ عِشْرِينَ وَإِمَّا لَيْلَةُ اثْنَيْنِ وَعِشْرِينَ وَإِمَّا لَيْلَةُ أَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ وَإِمَّا لَيْلَةُ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَإِمَّا لَيْلَةُ ثَمَانٍ وَعِشْرِينَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْأَوْتَارَ مِنْ الْعَشْرِ وَإِنْ كَانَ الشَّهْرُ ثَلَاثِينَ فَأَوَّلُ الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ فَهِيَ أَمَّا لَيْلَةُ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَإِمَّا لَيْلَةُ ثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ وَإِمَّا لَيْلَةُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَإِمَّا لَيْلَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ وَإِمَّا لَيْلَةُ تِسْعٍ وَعِشْرِينَ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ أَوْتَارُ الْعَشْرِ بِلَا شَكٍّ ثُمَّ ذَكَرَ كَلَامَ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمِ وَحَمَلَهُ عَلَى أَنَّ رَمَضَانَ كَانَ تِسْعًا وَعِشْرِينَ وَهُوَ مَسْلَكٌ غَرِيبٌ بَعِيدٌ وَبِهِ كَمُلَتْ الْأَقْوَالُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثِينَ قَوْلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى عِظَمِ الرُّؤْيَا وَالِاسْتِنَادِ إلَيْهَا فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّاتِ وَعَلَى مَا لَا يُخَالِفُ الْقَوَاعِدَ الْكُلِّيَّةَ مِنْ غَيْرِهَا ، وَقَدْ تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا لَوْ رَأَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَنَامِ وَأَمَرَهُ بِأَمْرٍ هَلْ يَلْزَمُ ذَلِكَ ؟ وَقِيلَ فِيهِ إنَّ ذَلِكَ إمَّا أَنْ يَكُونَ مُخَالِفًا لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَحْكَامِ فِي الْيَقِظَةِ أَوَّلًا ، فَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا عُمِلَ بِمَا ثَبَتَ فِي الْيَقِظَةِ ؛ لِأَنَّا وَإِنْ قُلْنَا إنَّ مَنْ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَنْقُولِ مِنْ صِفَتِهِ فَرُؤْيَاهُ حَقٌّ فَهَذَا مِنْ قَبِيلِ تَعَارُضِ الدَّلِيلَيْنِ وَالْعَمَلِ بِأَرْجَحِهِمَا وَمَا ثَبَتَ فِي الْيَقِظَةِ فَهُوَ أَرْجَحُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُخَالِفٍ لِمَا ثَبَتَ فِي الْيَقِظَةِ فَفِيهِ خِلَافٌ وَالِاسْتِنَادُ إلَى الرُّؤْيَا هُنَا فِي أَمْرٍ ثَبَتَ اسْتِحْبَابُهُ مُطْلَقًا وَهُوَ طَلَبُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَإِنَّمَا تُرَجَّحُ السَّبْعُ الْأَوَاخِرُ بِسَبَبِ الْمَرَائِي الدَّالَّةِ عَلَى كَوْنِهَا فِي السَّبْعِ الْأَوَاخِرِ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ عَلَى أَمْرٍ وُجُودِيٍّ لَزِمَهُ اسْتِحْبَابٌ شَرْعِيٌّ مَخْصُوصٌ بِالتَّأْكِيدِ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذِهِ اللَّيَالِيِ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ مُنَافٍ لِلْقَاعِدَةِ الْكُلِّيَّةِ الثَّابِتَةِ مِنْ اسْتِحْبَابِ طَلَبِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ انْتَهَى . وَنَقَلَ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي فَوَائِدِ الرِّحْلَةِ عَنْ كِتَابِ آدَابِ الْجَدَلِ لِأَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ وَجْهَيْنِ فِيمَا إذَا رَأَى شَخْصٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ ، وَقَالَ لَهُ غَدًا مِنْ رَمَضَانَ هَلْ يُعْمَلُ بِهِ أَمْ لَا ؟ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْمَلُ بِهِ . وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ : { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ } وَزَادَ أَحْمَدُ فِي ذِكْرِ الصِّيَامِ { وَمَا تَأَخَّرَ } وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ أَخْبَرَهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ ، وَمَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِي رِوَايَتِهِمَا مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ } وَإِنْ كَانَ الْمِزِّيُّ ذَكَرَ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ { مَنْ قَامَ رَمَضَانَ } فَهُوَ وَهْمٌ ، وَقَدْ تَبِعَهُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ ، فَقَالَ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى مِنْ الْأَحْكَامِ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ } انْتَهَى . فَاقْتَضَى أَنَّ مُسْلِمًا قَالَ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ كَرِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ قَالَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى ، وَقَدْ قَالَ ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى كَمَا سَأَذْكُرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَمُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ الْجُمْلَتَيْنِ إلَّا أَنَّ لَفْظَهُ { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ } وَاقْتَصَرَ مُسْلِمٌ عَلَى الْأُولَى وَلَفْظُهُ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرَغِّبُ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ فِيهِ بِعَزِيمَةٍ فَيَقُولُ مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ } ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِرَمَضَانَ { مَنْ قَامَهُ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } ، وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ } ، وَقَدْ وَرَدَ غُفْرَانُ مَا تَأَخَّرَ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ أَيْضًا لَكِنَّهُ مِنْ حَدِيثِ صَحَابِيٍّ آخَرَ وَسَأَذْكُرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ قَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { مَنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَيُوَافِقُهَا أَرَاهُ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ } . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { إيمَانًا } أَيْ تَصْدِيقًا بِأَنَّهُ حَقٌّ وَطَاعَةٌ ، وَقَوْلُهُ وَاحْتِسَابًا أَيْ طَلَبًا لِمَرْضَاةِ اللَّهِ تَعَالَى وَثَوَابِهِ لَا بِقَصْدِ رُؤْيَةِ النَّاسِ وَلَا غَيْرَ ذَلِكَ مِمَّا يُخَالِفُ الْإِخْلَاصَ وَالِاحْتِسَابُ مِنْ الْحَسَبِ وَهُوَ الْعَدُّ كَالِاعْتِدَادِ مِنْ الْعَدِّ وَإِنَّمَا قِيلَ لِمَنْ يَنْوِي بِعَمَلِهِ وَجْهَ اللَّهِ احْتَسَبَهُ ؛ لِأَنَّ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَعْتَدَّ عَمَلَهُ فَجُعِلَ فِي حَالِ مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ كَأَنَّهُ مُعْتَدٌّ بِهِ . ( الثَّالِثَةُ ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِقِيَامِ رَمَضَانَ قِيَامُ جَمِيعِ لَيْلِهِ بَلْ يَحْصُلُ ذَلِكَ بِقِيَامٍ يَسِيرٍ مِنْ اللَّيْلِ كَمَا فِي مُطْلَقِ التَّهَجُّدِ وَبِصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ وَرَاءَ الْإِمَامِ كَالْمُعْتَادِ فِي ذَلِكَ وَبِصَلَاةِ الْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ فِي جَمَاعَةٍ لِحَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا صَلَّى اللَّيْلَ كُلَّهُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ بِهَذَا اللَّفْظِ . وَأَبُو دَاوُد بِلَفْظِ { مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ نِصْفِ لَيْلَةٍ وَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ كَانَ كَقِيَامِ لَيْلَةٍ } . وَكَذَا لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ { وَمَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ فِي جَمَاعَةٍ } . ، وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ فِي ذَلِكَ مَحْمُولَةٌ عَلَى رِوَايَتِهِمَا فَمَعْنَى قَوْلِهِ { وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ } أَيْ مَعَ كَوْنِهِ كَانَ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ مَا ذَكَرْنَاهُ يَأْتِي فِي تَحْصِيلِ قِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، وَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ } لَكِنْ فِي إسْنَادِهِ مَسْلَمَةُ بْنُ عَلِيٍّ وَهُوَ ضَعِيفٌ . ، وَذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ بَلَاغًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : مِثْلُ هَذَا لَا يَكُونُ رَأْيًا وَلَا يُؤْخَذُ إلَّا تَوْقِيفًا ، وَمَرَاسِيلُ سَعِيدٍ أَصَحُّ الْمَرَاسِيلِ انْتَهَى . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الْقَدِيمِ مَنْ شَهِدَ الْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَقَدْ أَخَذَ بِحَظِّهِ مِنْهَا وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي الْجَدِيدِ مَا يُخَالِفُهُ ، وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ مَا نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِي الْجَدِيدِ بِمُوَافَقَةٍ وَلَا بِمُخَالَفَةٍ فَهُوَ مَذْهَبُهُ بِلَا خِلَافٍ وَإِنَّمَا رَجَعَ مِنْ الْقَدِيمِ عَنْ قَدِيمِ نَصٍّ فِي الْجَدِيدِ عَلَى خِلَافِهِ ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ وَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ مِنْ الْمَسْجِدِ كَانَ كَعَدْلِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ } وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ ؛ لِأَنَّ مُقْتَضَاهُ تَحْصِيلُ فَضِيلَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَمَا الظَّنُّ بِمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ فِيهَا . ( الرَّابِعَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الْمُرَادُ بِقِيَامِ رَمَضَانَ صَلَاةُ التَّرَاوِيحِ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْأَفْضَلَ صَلَاتُهَا مُنْفَرِدًا فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي جَمَاعَةٍ فِي الْمَسْجِدِ ؟ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ الْأَفْضَلُ صَلَاتُهَا جَمَاعَةً كَمَا فَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَاسْتَمَرَّ عَمَلُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ فَأَشْبَهَ صَلَاةَ الْعِيدِ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ الْأَفْضَلُ فُرَادَى فِي الْبَيْتِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَفْضَلُ الصَّلَاةِ صَلَاةُ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ } انْتَهَى كَلَامُ النَّوَوِيِّ ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ لَا يَخْتَصُّ بِصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ كَمَا ذَكَرَتْهُ ثُمَّ قَالَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالصَّيْدَلَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ : هَذَا الْخِلَافُ فِيمَنْ يَحْفَظُ الْقُرْآنَ وَلَا يُخَالِفُ الْكَسَلَ عَنْهَا وَلَا يَخْتَلُّ الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ بِتَخَلُّفِهِ فَإِنْ فُقِدَ بَعْضُ هَذَا فَالْجَمَاعَةُ أَفْضَلُ قَطْعًا وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ ثَالِثُهَا هَذَا الْفَرْقُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } ظَاهِرُهُ تَنَاوُلُهُ الصَّغَائِرَ وَالْكَبَائِرَ وَإِلَى ذَلِكَ جَنَحَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، فَقَالَ هُوَ قَوْلٌ عَامٌّ يُرْجَى لِمَنْ قَامَهَا إيمَانًا وَاحْتِسَابًا أَنْ يُغْفَرَ لَهُ جَمِيعُ ذُنُوبِهِ صَغِيرُهَا وَكَبِيرُهَا ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ أَنَّ هَذَا مُخْتَصٌّ بِغُفْرَانِ الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ قَالَ بَعْضُهُمْ وَيَجُوزُ أَنْ يُخَفِّفَ مِنْ الْكَبَائِرِ إذَا لَمْ يُصَادِفْ صَغِيرَةً ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ كُلُّ مَا يَرِدُ فِي الْأَخْبَارِ مِنْ تَكْفِيرِ الذُّنُوبِ فَهُوَ عِنْدِي مَحْمُولٌ عَلَى الصَّغَائِرِ دُونَ الْمُوبِقَاتِ قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ مَا يُؤَيِّدُهُ فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ تَحْضُرُهُ صَلَاةٌ مَكْتُوبَةٌ فَيُحْسِنُ وُضُوءَهَا وَخُشُوعَهَا وَرُكُوعَهَا إلَّا كَانَتْ لَهُ كَفَّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مَا لَمْ تُؤْتَ كَبِيرَةٌ وَذَلِكَ الدَّهْرَ كُلَّهُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ كَفَّارَةٌ لِمَا بَيْنَهَا مِنْ الذُّنُوبِ إذَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ } قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَفِي مَعْنَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ تَأْوِيلَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) تُكَفَّرُ الصَّغَائِرُ بِشَرْطِ أَلَا يَكُونَ هُنَاكَ كَبَائِرُ فَإِنْ كَانَتْ كَبَائِرُ لَمْ يُكَفَّرْ شَيْءٌ لَا الْكَبَائِرُ وَلَا الصَّغَائِرُ وَ ( الثَّانِي ) وَهُوَ الْأَصَحُّ الْمُخْتَارُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ كُلَّ الذُّنُوبِ الصَّغَائِرِ وَتَقْدِيرُهُ تُغْفَرُ ذُنُوبُهُ كُلُّهَا إلَّا الْكَبَائِرَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْمَذْكُورُ فِي الْأَحَادِيثِ مِنْ غُفْرَانِ الصَّغَائِرِ دُونَ الْكَبَائِرِ هُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَأَنَّ الْكَبَائِرَ إنَّمَا تُكَفِّرُهَا التَّوْبَةُ أَوْ رَحْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى . ( السَّادِسَةُ ) فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَمُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ { سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ { فَمَنْ قَامَهَا ابْتِغَاءَهَا إيمَانًا وَاحْتِسَابًا ثُمَّ وُفِّقَتْ لَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ } . فِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَقِيلٍ وَحَدِيثُهُ حَسَنٌ ، وَفِيهِ زِيَادَةُ { وَمَا تَأَخَّرَ } وَقَدْ يَسْتَشْكِلُ مَعْنَى مَغْفِرَةِ مَا تَأَخَّرَ مِنْ الذُّنُوبِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ { صِيَامُ عَرَفَةَ أَحْتَسِبُ عَلَى اللَّهِ أَنْ يُكَفِّرَ السَّنَةَ الَّتِي قَبْلَهُ وَالسَّنَةَ الَّتِي بَعْدَهُ } فَتَكْفِيرُ السَّنَةِ الَّتِي بَعْدَهُ كَمَغْفِرَةِ الْمُتَأَخِّرِ مِنْ الذُّنُوبِ ، وَقَدْ قَالَ السَّرَخْسِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى تَكْفِيرِ السَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ إذَا ارْتَكَبَ فِيهَا مَعْصِيَةً جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى صَوْمَ عَرَفَةَ الْمَاضِي كَفَّارَةً لَهَا كَمَا جَعَلَهُ مُكَفِّرًا لِمَا قَبْلَهُ فِي السَّنَةِ الْمَاضِيَةِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَعْصِمُهُ فِي السَّنَةِ الْمُسْتَقْبَلَةِ عَنْ ارْتِكَابِ مَا يُحْوِجُهُ إلَى كَفَّارَةٍ وَأَطْلَقَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي فِي السَّنَتَيْنِ مَعًا تَأْوِيلَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَغْفِرُ لَهُ ذُنُوبَ سَنَتَيْنِ . ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ يَعْصِمُهُ فِي هَاتَيْنِ السَّنَتَيْنِ فَلَا يَعْصِي فِيهِمَا ، وَقَالَ صَاحِبُ الْعِدَّةِ فِي تَكْفِيرِ السَّنَةِ الْأُخْرَى يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ . ( أَحَدُهُمَا ) الْمُرَادُ السَّنَةُ الَّتِي قَبْلَ هَذِهِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُكَفِّرُ سَنَتَيْنِ مَاضِيَتَيْنِ وَ ( الثَّانِي ) أَنَّهُ أَرَادَ سَنَةً مَاضِيَةً وَسَنَةً مُسْتَقْبَلَةً قَالَ وَهَذَا لَا يُوجَدُ مِثْلُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْعِبَادَاتِ أَنَّهُ يُكَفِّرُ الزَّمَانَ الْمُسْتَقْبَلَ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ خَاصٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَفَرَ اللَّهُ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ بِنَصِّ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ ذَكَرَ ذَلِكَ كُلَّهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَهَذَا يَأْتِي مِثْلُهُ هُنَا فَيَكُونُ مَغْفِرَةُ مَا تَأَخَّرَ مِنْ الذُّنُوبِ إمَّا أَنْ يُرَادَ بِهَا الْعِصْمَةُ مِنْ الذُّنُوبِ حَتَّى لَا يَقَعُ فِيهَا وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ تَكْفِيرُهَا وَلَوْ وَقَعَ فِيهَا وَيَكُونُ الْمُكَفِّرُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْمُكَفَّرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { مَنْ قَامَ لَيْلَةَ الْقَدْرِ } مَعَ قَوْلِهِ { مَنْ قَامَ رَمَضَانَ } قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَدْ يُقَالُ إنَّ أَحَدَهُمَا يُغْنِي عَنْ الْآخَرِ ( وَجَوَابُهُ ) أَنْ يُقَالَ قِيَامُ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ مُوَافَقَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ وَمَعْرِفَتِهَا سَبَبٌ لِغُفْرَانِ الذُّنُوبِ وَقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ لِمَنْ وَافَقَهَا وَعَرَفَهَا سَبَبٌ لِلْغُفْرَانِ وَإِنْ لَمْ يَقُمْ غَيْرَهَا ( قُلْت ) الْأَحْسَنُ عِنْدِي الْجَوَابُ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَكَرَ لِلْغُفْرَانِ طَرِيقِينَ . ( أَحَدُهُمَا ) يُمْكِنُ تَحْصِيلُهَا يَقِينًا إلَّا أَنَّهَا طَوِيلَةٌ شَاقَّةٌ وَهِيَ قِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِكَمَالِهِ . وَ ( الثَّانِي ) لَا سَبِيلَ إلَى الْيَقِينِ فِيهَا إنَّمَا هُوَ الظَّنُّ وَالتَّخْمِينُ إلَّا أَنَّهَا مُخْتَصَرَةٌ قَصِيرَة وَهِيَ قِيَامُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ خَاصَّةً وَلَا يَتَوَقَّفُ حُصُولُ الْمَغْفِرَةِ بِقِيَامِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ عَلَى مَعْرِفَتِهَا بَلْ لَوْ قَامَهَا غَيْرَ عَارِفٍ بِهَا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا قَامَ بِقَصْدِ ابْتِغَائِهَا ، وَقَدْ وَرَدَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ عِنْدَ أَحْمَدَ وَالطَّبَرَانِيُّ مَرْفُوعًا { فَمَنْ قَامَهَا ابْتِغَاءَهَا إيمَانًا وَاحْتِسَابًا ثُمَّ وُفِّقَتْ لَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخَّرَ } ( فَإِنْ قُلْت ) قَدْ اُعْتُبِرَ شَرْطًا آخَرَ وَهُوَ أَنْ تُوَفَّقَ لَهُ وَكَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي رِوَايَةِ { مِنْ يَقُمْ لَيْلَةَ الْقَدْرِ فَيُوَافِقُهَا } قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ مَعْنَى يُوَافِقُهَا يَعْلَمُ أَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ ( قُلْت ) إنَّمَا مَعْنَى تَوْفِيقُهَا لَهُ أَوْ مُوَافَقَتُهُ لَهَا أَنْ يَكُونَ الْوَاقِعُ أَنَّ تِلْكَ اللَّيْلَةَ الَّتِي قَامَهَا بِقَصْدِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ هِيَ لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ هُوَ ذَلِكَ وَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّ مَعْنَى الْمُوَافَقَةُ الْعِلْمُ بِأَنَّهَا لَيْلَةُ الْقَدْرِ مَرْدُودٌ وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ مَا يَقْتَضِي هَذَا وَلَا الْمَعْنَى يُسَاعِدُهُ . بَابُ الِاعْتِكَافِ وَالْمُجَاوَرَةِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ تَعَالَى } . زَادَ الشَّيْخَانِ { ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ } . بَابُ الِاعْتِكَافِ وَالْمُجَاوَرَةِ . عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ كَمَا أَخْرَجَهُ الْمُصَنِّفُ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِزِيَادَةِ { ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ } وَلَهُ عَنْ عَائِشَةَ طُرُقٌ أُخْرَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ { ثُمَّ اعْتَكَفَهُنَّ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ وَأَنَّ السُّنَّةَ لِلْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَخْرُجَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَلَا يَتْبَعُ جِنَازَةً وَلَا يَعُودُ مَرِيضًا وَلَا يَلْمِسُ امْرَأَةً وَلَا يُبَاشِرُهَا ، وَلَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ وَيُؤْمَرُ مَنْ اعْتَكَفَ أَنْ يَصُومَ } قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ وَأَنَّ السُّنَّةَ لِلْمُعْتَكِفِ إلَى آخِرِهِ لَيْسَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ وَمَنْ أَدْرَجَهُ فِي الْحَدِيثِ فَقَدْ وَهَمَ ، وَهِشَامُ بْنُ سُلَيْمَانَ لَمْ يَذْكُرْهُ انْتَهَى ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ { السُّنَّةُ عَلَى الْمُعْتَكِفِ أَنْ لَا يَعُودَ مَرِيضًا } ، وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ . قَالَ أَبُو دَاوُد : غَيْرُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ لَا يَقُولُ فِيهِ قَالَتْ السُّنَّةُ ، جَعَلَهُ قَوْلَ عَائِشَةَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا إلَّا عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ إِسْحَاقَ وَلَا يَصِحُّ الْكَلَامُ عِنْدَهُمْ إلَّا مِنْ قَوْلِ الزُّهْرِيِّ وَبَعْضُهُ مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ انْتَهَى . ( الثَّانِيَةُ ) الِاعْتِكَافُ فِي اللُّغَةِ الْحَبْسُ وَالْمُكْثُ وَاللُّزُومُ ، وَفِي الشَّرْعِ الْمُكْثُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ شَخْصٍ مَخْصُوصٍ بِصِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُلَازِمَةِ الْمَسْجِدِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } وَقَالَ { مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ } وَقَالَ { فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ } قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي سُنَنِ حَرْمَلَةَ : الِاعْتِكَافُ لُزُومُ الْمَرْءِ شَيْئًا وَحَبْسُ نَفْسِهِ عَلَيْهِ بِرًّا كَانَ أَوْ إثْمًا وَأَمَّا الْمُجَاوَرَةُ فَهِيَ بِمَعْنَاهُ صَرَّحَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ بِأَنَّهَا الِاعْتِكَافُ فِي الْمَسْجِدِ مِنْهُمْ الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ وَابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ وَحِينَئِذٍ فَلَا مَعْنَى لِعَطْفِهَا عَلَيْهِ فِي تَبْوِيبِ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَكَأَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَهَا لِذِكْرِهَا فِي حَدِيثِ حِرَاءَ فِي قَوْله عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { جَاوَرْت بِحِرَاءَ شَهْرًا } وَلَيْسَ حِرَاءُ مَسْجِدًا فَلَا يَكُونُ فِيهِ اعْتِكَافٌ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُجَاوَرَةَ فِيهِ لَيْسَتْ بِمَعْنَى الِاعْتِكَافِ ، وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ إنَّهَا بِمَعْنَى الْمُلَازَمَةِ وَالِاعْتِكَافِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَالْخَيْرِ وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِمَسْجِدٍ لَكِنْ قَالَ بَعْدَهُ وَالْجِوَارُ الِاعْتِكَافُ هُنَا انْتَهَى . وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَازِمُهُ مِنْ حِرَاءَ مَسْجِدٌ أَوْ يَكُونُ الْحَدِيثُ حُجَّةً لِمَنْ جَوَّزَ اعْتِكَافَ الرَّجُلِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِ وَهُوَ الْمَكَانُ أَعَدَّهُ فِيهِ لِلصَّلَاةِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ فَلَا تَكُونُ الْمُجَاوَرَةُ فِيهِ إلَّا فِي مَسْجِدٍ كَالِاعْتِكَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَحَكَى وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ خِلَافًا فِي أَنَّ الْمُجَاوَرَةَ الِاعْتِكَافُ أَوْ غَيْرُهُ ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَالْجِوَارُ وَالِاعْتِكَافُ وَاحِدٌ وَسُئِلَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ أَرَأَيْت الْجِوَارَ وَالِاعْتِكَافَ أَمُخْتَلِفَانِ هُمَا أَمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ ؟ قَالَ بَلْ هُمَا مُخْتَلِفَانِ كَانَتْ بُيُوتُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ فَلَمَّا اعْتَكَفَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَرَجَ مِنْ بُيُوتِهِ إلَى بَطْنِ الْمَسْجِدِ فَاعْتَكَفَ فِيهِ ، قِيلَ لَهُ فَإِنْ قَالَ إنْسَانٌ عَلَيَّ اعْتِكَافُ أَيَّامٍ فَفِي جَوْفِهِ لَا بُدَّ ؟ قَالَ نَعَمْ وَإِنْ قَالَ عَلَيَّ جِوَارُ أَيَّامٍ فَبَابُهُ أَوْ فِي جَوْفِهِ إنْ شَاءَ ؛ كَذَا رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي الْمُصَنَّفِ عَنْهُمَا . قَالَ وَالِدِي وَقَوْلُ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ هُوَ الْمُوَافِقُ لِلْأَحَادِيثِ انْتَهَى وَذَهَبَ أَبُو الْقَاسِمِ السُّهَيْلِيُّ إلَى الثَّانِي ، فَقَالَ فِي الرَّوْضِ إنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا وَهُوَ أَنَّ الِاعْتِكَافَ لَا يَكُونُ إلَّا دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَالْجِوَارُ قَدْ يَكُونُ خَارِجَهُ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ انْتَهَى . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الِاعْتِكَافِ فِي الْجُمْلَةِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ كَمَا حَكَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ ، وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ أَصْحَابِهِمْ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ فِي كُتُبِهِمْ : الِاعْتِكَافُ جَائِزٌ قَالَ وَهُوَ جَهْلٌ انْتَهَى . وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ لَمْ يَبْلُغْنِي أَنَّ أَحَدًا مِنْ السَّلَفِ وَلَا مِمَّنْ أَدْرَكْته اعْتَكَفَ إلَّا أَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَلَيْسَ بِحَرَامٍ وَلَكِنْ لِشِدَّتِهِ وَأَنَّ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ سَوَاءٌ فَلَا يَنْبَغِي لِمَنْ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَفِيَ بِشُرُوطِهِ أَنْ يَعْتَكِفَ ، وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْمُعْتَكِفِ ، هُوَ يَعْكُفُ الذُّنُوبَ وَيُجْرَى لَهُ مِنْ الْحَسَنَاتِ كَعَامِلِ الْحَسَنَاتِ كُلِّهَا } ، فِيهِ فَرْقَدٌ السِّنْجِيُّ ضَعِيفٌ ، وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حِبَّانَ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ قَالَ خَبَّرَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { مَنْ اعْتَكَفَ يَوْمًا وَلَيْلَةً يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ أَيْضًا } وَهُوَ ضَعِيفٌ . ( الرَّابِعَةُ ) وَفِي تَأَكُّدِهِ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ وَسَبَبُهُ طَلَبُ لَيْلَةِ الْقَدْرِ فَإِنَّهَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَآخَرِينَ مُنْحَصِرَةٌ فِي الْعَشْرِ الْأَخِيرِ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { اعْتَكَفْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ مِنْ رَمَضَانَ فَخَرَجْنَا صَبِيحَةَ عِشْرِينَ فَخَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَبِيحَةَ عِشْرِينَ ، فَقَالَ إنِّي أُرِيت لَيْلَةَ الْقَدْرِ وَإِنِّي نَسِيتهَا فَالْتَمِسُوهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فِي وِتْرٍ فَإِنِّي أُرِيت أَنِّي أَسْجُدُ فِي مَاءٍ وَطِينٍ وَمَنْ كَانَ اعْتَكَفَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلْيَرْجِعْ فَرَجَعَ النَّاسُ إلَى الْمَسْجِدِ وَمَا نَرَى فِي السَّمَاءِ قَزَعَةً فَجَاءَتْ سَحَابَةٌ فَمَطَرَتْ وَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ وَسَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الطِّينِ وَالْمَاءِ حَتَّى رَأَيْت الطِّينَ فِي أَرْنَبَتِهِ وَجَبْهَتِهِ } ، وَفِي رِوَايَةٍ { مِنْ صُبْحِ إحْدَى وَعِشْرِينَ } ، وَفِي لَفْظِ لِمُسْلِمٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْ رَمَضَانَ ثُمَّ اعْتَكَفَ الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ } الْحَدِيثُ ، وَفِيهِ ، فَقَالَ { إنِّي اعْتَكَفْت الْعَشْرَ الْأُوَلَ أَلْتَمِسُ هَذِهِ اللَّيْلَةَ ثُمَّ اعْتَكَفْت الْعَشْرَ الْأَوْسَطَ ثُمَّ أَتَيْت فَقِيلَ لِي إنَّهَا فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَعْتَكِفَ فَلْيَعْتَكِفْ فَاعْتَكَفَ النَّاسُ مَعَهُ } الْحَدِيثَ ، وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ مَرْفُوعًا { اعْتِكَافُ عَشْرٍ فِي رَمَضَانَ بِحَجَّتَيْنِ وَعُمْرَتَيْنِ } وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا بِدُونِ لَفْظَةِ { عَشْرٍ } . ( الْخَامِسَةُ ) الْعَشْرُ الْأَوَاخِرُ هِيَ اللَّيَالِيُ وَكَانَ يَعْتَكِفُ الْأَيَّامَ مَعَهَا أَيْضًا فَلَمْ يَكُنْ يَقْتَصِرُ عَلَى اعْتِكَافِ اللَّيَالِيِ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِهَا عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي التَّأْرِيخِ بِهَا ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى دُخُولِهِ مَحَلَّ الِاعْتِكَافِ قَبْلَ غُرُوبِ الشَّمْسِ لَيْلَةَ الْحَادِي وَالْعِشْرِينَ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ اعْتَكَفَ عَشْرًا أَوْ شَهْرًا وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ ، وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الثَّوْرِيِّ ، وَقَالَ آخَرُونَ بَلْ يَبْدَأُ الْعَشْرَ بِكَمَالِهَا وَهَذَا هُوَ الْمُعْتَبَرُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ لِمَنْ أَرَادَ الِاعْتِكَافَ مِنْ أَوَّلِ النَّهَارِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الثَّوْرِيِّ وَصَحَّحَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِهِ إلَّا الْأَوْزَاعِيَّ وَاللَّيْثَ ، وَقَالَ بِهِ طَائِفَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ انْتَهَى وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الصُّبْحَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ } وَتَأَوَّلَهُ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ دَخَلَ الْمُعْتَكَفَ وَانْقَطَعَ فِيهِ وَتَخَلَّى بِنَفْسِهِ بَعْدَ صَلَاتِهِ الصُّبْحَ لَا أَنَّ ذَلِكَ وَقْتُ ابْتِدَاءِ الِاعْتِكَافِ بَلْ كَانَ مِنْ قَبْلِ الْمَغْرِبِ مُعْتَكِفًا لَابِثًا فِي الْمَسْجِدِ فَلَمَّا صَلَّى الصُّبْحَ انْفَرَدَ . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ جَوَازُ أَنْ يُقَالَ رَمَضَانُ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الشَّهْرِ وَبِهِ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ قَالُوا وَلَا كَرَاهَةَ فِي ذَلِكَ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يُقَالُ رَمَضَانُ عَلَى انْفِرَادِهِ وَإِنَّمَا يُقَالُ شَهْرُ رَمَضَانَ وَهُوَ قَوْلُ الْمَالِكِيَّةِ وَتَعَلَّقُوا فِي ذَلِكَ بِأَنَّ رَمَضَانَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَلَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا بِقَيْدٍ ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا وَابْنُ الْبَاقِلَّانِيِّ إنْ كَانَ مِثَالُ قَرِينَةٍ تَصْرِفُهُ إلَى الشَّهْرِ فَلَا كَرَاهَةَ وَإِلَّا فَيُكْرَهُ ، فَيُقَالُ صُمْنَا رَمَضَانَ وَنَحْوَهُ وَيُكْرَهُ جَاءَ رَمَضَانُ وَنَحْوُهُ ، فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْأَوَّلُ هُوَ الصَّوَابُ وَالْمَذْهَبَانِ الْأَخِيرَانِ فَاسِدَانِ ؛ لِأَنَّ الْكَرَاهَةَ إنَّمَا تَثْبُت بِنَهْيٍ شَرْعِيٍّ وَلَمْ يَثْبُتْ فِيهِ نَهْيٌ ، وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ شَيْءٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ جَاءَ فِيهِ أَثَرٌ ضَعِيفٌ وَأَسْمَاءُ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ لَا تُطْلَقُ إلَّا بِدَلِيلٍ صَحِيحٍ وَلَوْ ثَبَتَ أَنَّهُ اسْمٌ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ كَرَاهَةٌ انْتَهَى . ( السَّابِعَةُ ) فِي { قَوْلِهَا حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ } اسْتِمْرَارُ هَذَا الْحُكْمِ وَعَدَمُ نَسْخِهِ وَأَكَّدَتْ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا ثُمَّ اعْتَكَفَ أَزْوَاجُهُ مِنْ بَعْدِهِ فَأَشَارَتْ إلَى اسْتِمْرَارِ حُكْمِهِ حَتَّى فِي حَقِّ النِّسَاءِ فَكُنَّ أُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ يَعْتَكِفْنَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ نَكِيرٍ وَإِنْ كَانَ هُوَ فِي حَيَاتِهِ قَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِنَّ الِاعْتِكَافَ بَعْدَ إذْنِهِ لِبَعْضِهِنَّ كَمَا هُوَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فَذَاكَ لِمَعْنًى آخَرَ وَهُوَ كَمَا قِيلَ خَوْفُ أَنْ يَكُنَّ غَيْرَ مُخْلِصَاتٍ فِي الِاعْتِكَافِ بَلْ أَرَدْنَ الْقُرْبَ مِنْهُ لِغَيْرَتِهِنَّ عَلَيْهِ أَوْ لِغَيْرَتِهِ عَلَيْهِنَّ أَوْ ذَهَابِ الْمَقْصُودِ مِنْ الِاعْتِكَافِ بِكَوْنِهِنَّ مَعَهُ فِي الْمُعْتَكَفِ أَوْ لِتَضْيِيقِهِنَّ الْمَسْجِدَ بِأَبْنِيَتِهِنَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الِاسْتِمْرَارِ عَلَى مَا اعْتَادَهُ مِنْ فِعْلِ الْخَيْرِ وَأَنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ ، وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ { يَا عَبْدَ اللَّهِ لَا تَكُنْ مِثْلَ فُلَانٍ كَانَ يَقُومُ اللَّيْلَ فَتَرَكَهُ } . ( التَّاسِعَةُ ) يُسْتَثْنَى بِمَا ذَكَرْته مِنْ اسْتِمْرَارِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى ذَلِكَ إلَى وَفَاتِهِ سَنَةَ تَرَكَ ذَلِكَ لِمَعْنًى وَعُوِّضَ عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَعْتَكِفَ صَلَّى الْفَجْرَ ثُمَّ دَخَلَ مُعْتَكَفَهُ وَإِنَّهُ أَمَرَ بِخِبَائِهِ فَضُرِبَ لَمَّا أَرَادَ الِاعْتِكَافَ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ مِنْ رَمَضَانَ فَأَمَرَتْ زَيْنَبَ بِخِبَائِهَا فَضَرَبَ وَأَمَرَ غَيْرُهَا مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِبَائِهَا فَضُرِبَ فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْفَجْرَ نَظَرَ فَإِذَا الْأَخْبِئَةَ ، فَقَالَ آلْبِرَّ تُرِدْنَ ؟ فَأَمَرَ بِخِبَائِهِ فَقُوِّضَ وَتَرَكَ الِاعْتِكَافَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ حَتَّى اعْتَكَفَ فِي الْعَشْرِ الْأُوَلِ مِنْ شَوَّالٍ } لَفْظُ مُسْلِمٍ ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ . { اعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ } ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ { اعْتَكَفَ فِي آخِرِ الْعَشْرِ مِنْ شَوَّالٍ } . ( الْعَاشِرَةُ ) فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْتَكِفُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ عَشْرَةَ أَيَّامٍ فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ } وَهَذَا لَا يُنَافِي الْحَدِيثَ الَّذِي نَحْنُ فِي شَرْحِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحْصُرْ اعْتِكَافَهُ فِي الْعَشْرِ الْأَوَاخِرِ بِحَيْثُ إنَّهُ لَا يَعْتَكِفُ غَيْرَهَا وَإِنَّمَا أَخْبَرَ بِمُوَاظَبَتِهِ عَلَيْهَا وَذَلِكَ لَا يُنَافِي فِعْلَهَا مَعَ زِيَادَةٍ أُخْرَى ، وَقَدْ تَبَيَّنَ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ التَّعْوِيضُ عَنْ عَامٍّ قَبْلَهُ لَمْ يَعْتَكِفْ فِيهِ ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ فَلَمْ يَعْتَكِفْ عَامًا فَلَمَّا كَانَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ اعْتَكَفَ عِشْرِينَ لَيْلَةً } قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْعَشْرُ الَّتِي تَرَكَ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِ فَاعْتَكَفَ عَشْرًا مِنْ شَوَّالٍ وَاعْتَكَفَ عِشْرِينَ مِنْ الْعَامِ الثَّانِي لِيَقْضِيَ الْعَشْرَ فِي الشَّهْرِ كَمَا كَانَ بَدَأَهَا فِيهِ ( قُلْت ) يَرُدُّ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أُبَيٍّ الْمَذْكُورِ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ { فَسَافَرَ عَامًا فَلَمْ يَعْتَكِفْ } وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ مَانِعَهُ مِنْ الِاعْتِكَافِ ذَلِكَ الْعَامِ السَّفَرُ ، وَفِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا كَانَ مُقِيمًا يَعْتَكِفُ الْعَشْرَ الْأَوَاخِرَ مِنْ رَمَضَانَ فَإِذَا سَافَرَ اعْتَكَفَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ عِشْرِينَ } وَيُحْتَمَلُ أَنَّ سَبَبَ اعْتِكَافِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْعَامِ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ عِشْرِينَ الْمُبَالَغَةُ فِي التَّقَرُّبِ لِاسْتِشْعَارِهِ قُرْبَ وَفَاتِهِ كَمَا { كَانَ يَعْرِضُ الْقُرْآنَ عَلَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي كُلِّ رَمَضَانَ مَرَّةً وَاحِدَةً فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ عَرَضَهُ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ } وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ أَنَّ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ الْجُمْلَةِ الَّتِي نَقَلْنَاهَا مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ { وَكَانَ يَعْرِضُ عَلَيْهِ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ عَامٍ مَرَّةً فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الَّذِي قُبِضَ فِيهِ عَرَضَ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ } . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) ( فِيهِ ) رَدٌّ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْ سَحْنُونٍ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ إمَامَةُ الْمُعْتَكِفِ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا كَانَ يَعْتَكِفُ كَانَ مُسْتَمِرًّا عَلَى إمَامَتِهِ بِالنَّاسِ بِلَا شَكٍّ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى خِلَافِ هَذِهِ الْمَقَالَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) فِي تِلْكَ الزِّيَادَةِ جَوَازُ اعْتِكَافِ النِّسَاءِ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَوْ ذَهَبَ ذَاهِبٌ إلَى أَنَّ الِاعْتِكَافَ لِلنِّسَاءِ مَكْرُوهٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ يَعْنِي الْحَدِيثَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ فِي الْفَائِدَةِ التَّاسِعَةِ لَكَانَ مَذْهَبًا وَلَوْلَا أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ وَهُوَ حَافِظٌ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُنَّ اسْتَأْذَنَّهُ فِي الِاعْتِكَافِ لَقَطَعْت بِأَنَّ الِاعْتِكَافَ لِلنِّسَاءِ فِي الْمَسَاجِدِ غَيْرُ جَائِزٍ وَمَا أَظُنُّ اسْتِئْذَانَهُنَّ مَحْفُوظًا وَلَكِنَّ ابْنُ عُيَيْنَةَ حَافِظٌ ، وَقَدْ تَابَعَهُ الْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ فُضَيْلٍ عَلَى أَنَّ اسْتِئْذَانَهُنَّ لَا يَرْفَعُ مَا ظَنَّهُ بِهِنَّ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِنَّ انْتَهَى . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ فَبِهَذَا كَرِهْت اعْتِكَافَ الْمَرْأَةِ إلَّا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا وَذَلِكَ بِأَنَّهَا إذَا صَارَتْ إلَى مُلَازَمَةِ الْمَسْجِدِ الْمَأْهُولِ لَيْلًا وَنَهَارًا كَثُرَ مَنْ يَرَاهَا وَمَنْ تَرَاهُ انْتَهَى . وَبَوَّبَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ . ( بَابُ مَنْ كَرِهَ اعْتِكَافَ الْمَرْأَةِ ) . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) لَا شَكَّ فِي أَنَّ اعْتِكَافَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ فِي مَسْجِدِهِ وَكَذَا اعْتِكَافُ أَزْوَاجِهِ فَأُخِذَ مِنْهُ اخْتِصَاصُ الِاعْتِكَافِ بِالْمَسَاجِدِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِي مَسْجِدِ الْبَيْتِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ الْمُهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ لَا فِي حَقِّ الرَّجُلِ وَلَا فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ إذْ لَوْ جَازَ فِي الْبَيْتِ لَفَعَلُوهُ وَلَوْ مَرَّةً لِمَا فِي مُلَازَمَةِ الْمَسْجِدِ مِنْ الْمَشَقَّةِ لَا سِيَّمَا فِي حَقِّ النِّسَاءِ ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ نَافِعٍ ، وَقَدْ أَرَانِي عَبْدُ اللَّهِ الْمَكَانَ الَّذِي كَانَ يَعْتَكِفُ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَسْجِدِ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَدَاوُد وَالْجُمْهُورُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَصِحُّ اعْتِكَافُ الْمَرْأَةِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا لَا يَصِحُّ اعْتِكَافُهَا فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْكُوفِيِّينَ مُطْلَقًا أَنَّهُمْ قَالُوا لَا تَعْتَكِفُ إلَّا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهَا وَلَا تَعْتَكِفُ فِي مَسْجِدِ جَمَاعَةٍ ثُمَّ حَكَى عَنْ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ لَهَا الِاعْتِكَافَ فِي الْمَسْجِدِ مَعَ زَوْجِهَا وَجَوَّزَهُ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَالشَّافِعِيَّةِ لِلرَّجُلِ أَيْضًا فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِ وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى الْخَطَّابِيِّ فِي قَوْلِهِ لَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّ اعْتِكَافَهُ فِي بَيْتِهِ غَيْرُ جَائِزٍ ثُمَّ اخْتَلَفَ الْجُمْهُورُ الْمُشْتَرِطُونَ لِلْمَسْجِدِ الْعَامِّ ، فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُهُمْ يَصِحُّ الِاعْتِكَافُ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَصِحُّ فِي سَطْحِ الْمَسْجِدِ وَرَحْبَتِهِ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَخْتَصُّ بِمَسْجِدٍ تُقَامُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ الرَّاتِبَةُ إلَّا فِي حَقِّ الْمَرْأَةِ فَيَصِحُّ فِي جَمِيعِ الْمَسَاجِدِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَسْجِدٍ تُصَلَّى فِيهِ الصَّلَاةُ كُلُّهَا أَيْ فِي حَقِّ الرَّجُلِ ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ وَآخَرُونَ يَخْتَصُّ بِالْجَامِعِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَخْتَصُّ بِالْمَسَاجِدِ الثَّلَاثَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ حُذَيْفَةَ بْنِ الْيَمَانِ ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ : لَا اعْتِكَافَ إلَّا فِي مَسْجِدِ نَبِيٍّ وَهُوَ بِمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ وَلِهَذَا جَعَلَهُمَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلًا وَاحِدًا ، وَقَالَ عَطَاءٌ لَا يَعْتَكِفُ إلَّا فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ الصَّوْمُ وَذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ اعْتَكَفَ لَيْلًا أَيْضًا مَعَ كَوْنِهِ فِيهِ غَيْرَ صَائِمٍ ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ( ثَانِيهِمَا ) أَنَّ صَوْمَهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ إنَّمَا كَانَ لِلشَّهْرِ ؛ لِأَنَّ الْوَقْتَ مُسْتَحَقٌّ لَهُ وَلَمْ يَكُنْ لِلِاعْتِكَافِ ذَكَرَهُ الْمُزَنِيّ وَالْخَطَّابِيُّ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي أَصَحِّ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ ، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ يُشْتَرَطُ لِصِحَّةِ الِاعْتِكَافِ الصَّوْمُ وَالْمَسْأَلَةُ مُقَرَّرَةٌ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { وَعَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ } ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا { وَهُوَ مُجَاوِرٌ } . الْحَدِيثُ الثَّانِي وَعَنْهَا { أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ يُنَاوِلُهَا رَأْسَهُ وَهِيَ فِي حُجْرَتِهَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْجِدِ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ وَهُوَ ابْنُ يُوسُفَ الصَّنْعَانِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ ، وَأَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ . وَرَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَيْضًا غَيْرُ وَاحِدٍ وَلَهُ عَنْ عَائِشَةَ طُرُقٌ أُخْرَى فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا ، وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ . وَكَذَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرِهِ رِوَايَةَ مَالِكٍ ، وَفِيهَا عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ مِنْ الِاخْتِلَافِ فِيهِ عَلَى مَالِكٍ هَلْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ أَوْ عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ أَوْ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَكَذَا رَوَى غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ مَالِكٍ يَعْنِي عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ ، وَرَوَى بَعْضُهُمْ عَنْ مَالِكٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ . وَالصَّحِيحُ عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَهَكَذَا رَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ . انْتَهَى . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ هُوَ صَحِيحٌ عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ غَيْرَ مَالِكٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ؛ وَقَالَ أَبُو دَاوُد لَمْ يُتَابِعْ أَحَدٌ مَالِكًا عَلَى عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ ، وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَبُو أُوَيْسٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ رَوَاهُ عَنْهُ الْقَعْنَبِيُّ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى يَعْنِي النَّيْسَابُورِيَّ وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى وَأَبُو مُصْعَبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَرَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ وَخَالِدُ بْنُ مَخْلَدٍ وَمَنْصُورُ بْنُ سَلَمَةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ الطَّبَّاعِ وَخَالَفَهُمْ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ وَعِيسَى بْنُ خَالِدٍ وَالْحَجَبِيُّ فَرَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ لَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ عَمْرَةَ ( قُلْت ) . رَوَاهُ هَكَذَا النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَقُتَيْبَةَ وَمَعْنٍ ثَلَاثَتِهِمْ عَنْ مَالِكٍ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَقِيلَ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَلَمْ يُذْكَرْ فِيهِ عُرْوَةُ ، وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمَاجِشُونِ فَوَهَمَ فِيهِ وَهْمًا قَبِيحَا ، فَقَالَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ . وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ كِلَاهُمَا عَنْ عَائِشَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أُدْخِلَ حَدِيثُ بَعْضِهِمْ فِي بَعْضٍ ، وَإِنَّمَا يُعْرَفُ جَمْعُ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ لِيُونُسَ وَاللَّيْثِ لَا لِمَالِكٍ وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ كَأَنَّهُ حَمَلَ رِوَايَةَ مَالِكٍ عَلَى رِوَايَةِ اللَّيْثِ وَيُونُسَ ثُمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَكَذَلِكَ قَالَ شَبِيبُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ يُونُسَ وَكَذَا قَالَ الْقَعْنَبِيُّ وَابْنُ رُمْحٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ الزُّهْرِيِّ . وَكَذَا قَالَ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ الزُّهْرِيِّ كُلُّهُمْ قَالُوا عَنْ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَرَوَاهُ زِيَادُ بْنُ سَعْدٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَمُحَمَّدُ بْنُ مَيْسَرَةَ وَهُوَ ابْنُ أَبِي حَفْصَةَ وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ بُدَيْلُ بْنِ وَرْقَاءَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَذَا رَوَاهُ جُمْهُورُ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ وَهُوَ الْمَحْفُوظُ لِمَالِكٍ عِنْدَ أَكْثَرِ رُوَاتِهِ ، وَقَالَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ثُمَّ حَكَى عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ أَنَّهُ قَالَ . قُلْت لِمَالِكٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ وَأَعَدْت عَلَيْهِ . فَقَالَ الزُّهْرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَمْرَةَ أَوْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمْرَةَ ثُمَّ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَهُ فِي عِلَلِ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مِنْهُمْ يُونُسُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَمَعْمَرٌ وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ وَالزُّبَيْدِيُّ . ثُمَّ قَالَ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ كُلُّهُمْ عَلَى خِلَافِ مَالِكٍ فَجَمَعَ يُونُسُ وَاللَّيْثُ عُرْوَةَ وَعَمْرَةَ وَاجْتَمَعَ مَعْمَرٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَسُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ وَالْمَحْفُوظُ عِنْدَنَا حَدِيثُ هَؤُلَاءِ قَالَ وَاَلَّذِي أُنْكِرُ عَلَى مَالِكٍ ذِكْرُ عَمْرَةَ لَا غَيْرُ ؛ لِأَنَّ تَرْجِيلَ عَائِشَةَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُعْتَكِفٌ لَا يُوجَدُ إلَّا فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ وَحْدَهُ ( قُلْت ) وُجِدَ مِنْ حَدِيثِ عَمْرَةَ أَيْضًا . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ جَمَاعَةً رَوَوْهُ عَنْهُمَا وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُهُ هِشَامٌ وَتَمَّامُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَفِي حَدِيثِهِمَا { وَأَنَا حَائِضٌ } . وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ مِنْ وَجْهٍ يَثْبُتُ ( قُلْت ) الرِّوَايَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِيهَا وَهِيَ حَائِضٌ ، وَقَدْ رَوَاهَا غَيْرُ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا بِهَذَا اللَّفْظِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَدْ رَوَاهُ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ عَائِشَةَ مِثْلَ رِوَايَةِ عُرْوَةَ سَوَاءً ، إلَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ الْأَسْوَدِ { يُخْرِجُ إلَيَّ رَأْسَهُ } ، وَفِي حَدِيثِ عُرْوَةَ { يُدْنِي } ( قُلْت ) رِوَايَةُ الْأَسْوَدِ وَهِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ كِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ عُرْوَةَ أَيْضًا ، وَفِيهِ { وَأَنَا حَائِضٌ } مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ نَوْفَلٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرِهِ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهَا { تُرَجِّلُ } بِفَتْحِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِهَا أَيْ تُسَرِّحُ وَهُوَ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ أَيْ شَعْرَ رَأْسِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفِيهِ مَحْذُوفَانِ كَمَا قَالَ فِي قَوْله تَعَالَى { فَقَبَضْت قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ } أَيْ مِنْ أَثَرِ حَافِرِ فَرَسِ الرَّسُولِ ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ تَبَعًا لِلْهَرَوِيِّ : التَّرْجِيلُ تَسْرِيحُ الشَّعْرِ وَتَنْظِيفُهُ وَتَحْسِينُهُ ، وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ رَجَّلَ شَعْرَهُ أَيْ مَشَطَهُ وَأَرْسَلَهُ وَيُقَالُ شَعْرٌ رَجِلٌ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِهَا وَضَمِّهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ إذَا كَانَ بَيْنَ السُّبُوطَةِ وَالْجُعُودَةِ ( قُلْت ) وَفِيهِ لُغَةٌ رَابِعَةٌ وَهِيَ إسْكَانُ الْجِيمِ حَكَاهَا فِي الْمُحْكَمِ ثُمَّ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ التَّرْجِيلُ بَلْ الشَّعْرُ ثُمَّ يُمَشِّطُ ( قُلْت ) لَمْ أَرَ ذَلِكَ فِي الصِّحَاحِ وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَسْرِيحِ الشَّعْرِ وَإِذَا لَمْ يَتْرُكْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ الِاعْتِكَافِ مَعَ قِصَرِهِ وَاشْتِغَالِهِ بِالْعِبَادَةِ فَفِي غَيْرِهِ أَوْلَى ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ كَانَ لَهُ شَعْرٌ فَلْيُكْرِمْهُ } ، وَفِيهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ النَّهْيُ عَنْ التَّرْجِيلِ إلَّا غِبًّا ، وَرَوَى ابْنُ طَاهِرٍ فِي كِتَابِ صِفَةِ التَّصَوُّفِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يُفَارِقُ مُصَلَّاهُ سِوَاكُهُ وَمِشْطُهُ } ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَإِسْنَادُهُمَا ضَعِيفٌ . ( الرَّابِعَةُ ) لَفْظُ رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ مُحْتَمِلٌ لِتَسْرِيحِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَلِتَسْرِيحِ شَعْرِ اللِّحْيَةِ وَكَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ { أَنَّهَا كَانَتْ تُرَجِّلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } لَكِنْ بَقِيَّةُ أَلْفَاظِ الصَّحِيحَيْنِ مُتَعَيِّنَةٌ فِي شَعْرِ الرَّأْسِ كَقَوْلِهَا { يُدْنِي إلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ } فَإِنْ حَمَلْت الْأُولَى عَلَى بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ وَفَسَّرْت بِهَا فَتَسْرِيحُ شَعْرِ اللِّحْيَةِ بِالْقِيَاسِ ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُكْثِرُ دَهْنَ رَأْسِهِ وَتَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ ، لَكِنْ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَكِلُ تَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ إلَى أَحَدٍ وَإِنَّمَا كَانَ يَتَعَاطَى ذَلِكَ بِنَفْسِهِ بِخِلَافِ شَعْرِ الرَّأْسِ فَإِنَّهُ يَعْسُرُ مُبَاشَرَةُ تَسْرِيحِهِ وَلَا سِيَّمَا فِي مُؤَخَّرِهِ فَلِهَذَا كَانَ يَسْتَعِينُ عَلَيْهِ بِزَوْجَاتِهِ } . ( الْخَامِسَةُ ) وَفِيهِ أَنَّ الِاشْتِغَالَ بِتَسْرِيحِ الشَّعْرِ لَا يُنَافِي الِاعْتِكَافَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ ، وَفِي مَعْنَاهُ حَلْقُ الرَّأْسِ وَتَقْلِيمُ الْأَظْفَارِ وَتَنْظِيفُ الْبَدَنِ مِنْ الشَّعَثِ وَالدَّرَنِ انْتَهَى وَيُؤْخَذُ مِنْ ذَلِكَ جَوَازُ فِعْلِ سَائِرِ الْأُمُورِ الْمُبَاحَةِ كَالْأَكْلِ وَالشُّرْبِ وَكَلَامِ الدُّنْيَا وَعَمَلِ الصَّنْعَةِ مِنْ خِيَاطَةٍ وَغَيْرِهَا وَبِهَذَا صَرَّحَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ ، وَعَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَا يَشْتَغِلُ فِي مَجَالِسِ الْعِلْمِ وَلَا يَكْتُبُهُ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْمَسْجِدِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِ فَإِنَّ الِاشْتِغَالَ بِالْعِلْمِ وَكِتَابَتِهِ أَهَمُّ مِنْ تَسْرِيحِ الشَّعْرِ . ( السَّادِسَةُ ) وَفِيهِ أَنَّ مُمَاسَّةَ الْمُعْتَكِفِ لِلنِّسَاءٍ وَمُمَاسَّتَهُنَّ لَهُ إذَا كَانَ ذَلِكَ بِغَيْرِ شَهْوَةٍ لَا يُنَافِي اعْتِكَافَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ بِلَا خِلَافٍ فَإِنْ كَانَ بِشَهْوَةٍ فَهُوَ حَرَامٌ وَهَلْ يَبْطُلُ بِهِ الِاعْتِكَافُ ؟ يُنْظَرُ فَإِنْ اقْتَرَنَ بِهِ إنْزَالٌ أَبْطَلَ الِاعْتِكَافَ وَإِلَّا فَلَا ، هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَغَيْرِهِمْ ، وَقَالَ مَالِكٌ يَبْطُلُ بِهِ الِاعْتِكَافُ وَإِنْ لَمْ يُنْزِلْ وَأَمَّا الْجِمَاعُ فِي الِاعْتِكَافِ فَهُوَ حَرَامٌ مُفْسِدٌ لَهُ بِالْإِجْمَاعِ مَعَ التَّعَمُّدِ فَإِنْ كَانَ نَاسِيًا ، فَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُفْسِدُ الِاعْتِكَافَ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ يُفْسِدُ . ( السَّابِعَةُ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ أَنَّ الْيَدَيْنِ مِنْ الْمَرْأَةِ لَيْسَتَا بِعَوْرَةٍ وَلَوْ كَانَتَا عَوْرَةً مَا بَاشَرَتْهُ بِهِمَا فِي اعْتِكَافِهِ ؛ لِأَنَّ الْمُعْتَكِفَ مَنْهِيٌّ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ } وَاعْتَرَضَهُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ ، فَقَالَ : إنْ كَانَتْ الْمُبَاشَرَةُ الْمَنْهِيُّ عَنْهَا تَخْتَصُّ بِالْعَوْرَةِ ؛ فَلَوْ قَبَّلَ الْمُعْتَكِفُ لَمْ يَكُنْ بِذَلِكَ آتِيًا لِمَا نُهِيَ عَنْهُ ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ وَهُوَ لَا يَقُولُ بِهِ فَإِنَّ مَذْهَبَ إمَامِهِ أَنَّ الْقُبْلَةَ مُبْطِلَةٌ لِلِاعْتِكَافِ أَمَّا مَنْ يَحْمِلُ الْمُبَاشَرَةَ عَلَى الْجِمَاعِ فَلَا إشْكَالَ فِي أَنَّهُ غَيْرُ مُبْطِلٍ إلَّا أَنْ يَتَّصِلَ بِهِ الْإِنْزَالُ فَالْمُرَجَّحُ حِينَئِذٍ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْبُطْلَانُ ، وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْمُبَاشَرَةِ هُوَ عَلَى الْخُصُوصِ فِي الْوَطْءِ ، ثُمَّ قَالَ وَعَجِبْنَا لَهُ كَيْفَ يُحْمَلُ اللَّمْسُ هُنَاكَ عَلَى اللَّمْسِ بِقَصْدٍ وَبِغَيْرِ قَصْدٍ وَيَقُولُ الْمُبَاشَرَةُ هُنَا عَلَى الْجِمَاعِ قَالَ وَهَذِهِ الْمُنَاقَضَةُ لَيْسَ لَهُ عَنْهَا مَرَامٌ ، هَذَا كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَهُوَ مَرْدُودٌ وَأَيُّ مُنَاقَضَةٍ فِي هَذَا وَالْمُبَاشَرَةُ وَاللَّمْسُ أَمْرَانِ مُخْتَلِفَانِ فِي اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى فَحَمَلَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى اللَّائِقِ بِهِ ، أَمَّا حَمْلُ الْمُبَاشَرَةِ عَلَى الْجِمَاعِ فَهُوَ قَوْلُ تُرْجَمَانِ الْقُرْآنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَالَ بِهِ أَيْضًا عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالضَّحَّاكُ وَالرَّبِيعُ بْنُ أَنَسٍ وَآخَرُونَ وَكَفَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي ذَلِكَ الْخِلَافِ ، فَقَالَ فِي الْإِشْرَافِ : الْمُبَاشَرَةُ الَّتِي نَهَى اللَّهُ عَنْهَا الْمُعْتَكِفَ الْجِمَاعُ لَا اخْتِلَافَ فِيهِ أَعْلَمُهُ انْتَهَى . وَأَمَّا كَوْنُهُ يَرَى النَّقْضَ بِاللَّمْسِ وَإِنْ كَانَ بِغَيْرِ قَصْدٍ فَالْأَحْدَاثُ كُلُّهَا كَذَلِكَ لَوْ خَرَجَ حَدَثُهُ بِلَا قَصْدٍ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ بِالْإِجْمَاعِ وَغَايَةُ مَا يَتَعَلَّقُ بِهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ صِيغَةُ الْمُفَاعَلَةِ فِي قَوْله تَعَالَى { أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ } وَقَدْ عَرَفَ أَنَّ الْمُفَاعَلَةَ قَدْ تَخْرُجُ عَنْ بَابِهَا كَقَوْلِهِ عَاقَبْت اللِّصَّ وَطَارَقْتُ النَّعْلَ وَهِيَ هُنَا كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ لَمَسَ امْرَأَتَهُ بِلَا حَائِلٍ مُتَلَذِّذًا بِهَا وَهِيَ نَائِمَةٌ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ وَلَوْ جَامَعَهَا وَهِيَ كَذَلِكَ بَطَلَ اعْتِكَافُهُ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قِرَاءَةُ حَمْزَةَ وَالْكِسَائِيِّ { أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ } وَهِيَ مُفَسِّرَةٌ لِلْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى ثُمَّ إنَّ الشَّافِعِيَّ لَا يَخُصُّ الْمُبَاشَرَةَ الْمُحَرَّمَةَ فِي الِاعْتِكَافِ بِالْجِمَاعِ بَلْ يُعَدِّيهِ إلَى الْمُبَاشَرَةِ بِشَهْوَةٍ أَيْضًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ جِمَاعٌ كَالْقُبْلَةِ وَاللَّمْسِ بِشَهْوَةٍ فَيَحْرُمُ ذَلِكَ وَهَلْ يَفْسُدُ بِهِ الِاعْتِكَافُ إنْ فَعَلَهُ ؟ الْمُرَجَّحُ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ إنْ اقْتَرَنَ بِهِ إنْزَالٌ أَفْسَدَ الِاعْتِكَافَ وَإِلَّا فَلَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ . ( الثَّامِنَةُ ) وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِاسْتِخْدَامِ الزَّوْجَةِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ وَأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ نَقْصٌ وَلَا هَتْكُ حُرْمَةٍ وَلَا إضْرَارٌ بِهَا ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِيهِ جَوَازُ اسْتِخْدَامِ الزَّوْجَةِ فِي الْغُسْلِ وَالطَّبْخِ وَالْخَبْزِ وَغَيْرِهَا بِرِضَاهَا وَعَلَى هَذَا تَظَاهَرَتْ دَلَائِلُ السُّنَّةِ وَعَمَلُ السَّلَفِ وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ وَأَمَّا بِغَيْرِ رِضَاهَا فَلَا يَجُوزُ ؛ لِأَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهَا تَمْكِينُ الزَّوْجِ مِنْ نَفْسِهَا وَمُلَازَمَةُ بَيْتِهِ فَقَطْ انْتَهَى وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ إنَّمَا هُوَ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ فَإِنَّهُ لَيْسَ مَنْصُوصًا وَشَرْطُ الْقِيَاسِ مُسَاوَاةُ الْفَرْعِ لِلْأَصْلِ ، وَفِي الْفَرْعِ هُنَا زِيَادَةٌ مَانِعَةٌ مِنْ الْإِلْحَاقِ وَهِيَ الْمَشَقَّةُ الْحَاصِلَةُ مِنْ الْغُسْلِ وَالطَّبْخِ وَنَحْوِهِمَا فَلَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِخْدَامِهَا فِي الْأَمْرِ الْخَفِيفِ احْتِمَالُ ذَلِكَ فِي الثَّقِيلِ الشَّدِيدِ وَلَسْنَا نُنْكِرُ هَذَا الْحُكْمَ فَإِنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا الْكَلَامُ فِي الِاسْتِدْلَالِ مِنْ الْحَدِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( التَّاسِعَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَكِفَ مَمْنُوعٌ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ إلَّا لِغَائِطٍ أَوْ بَوْلٍ ، وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَوْ جَازَ لَهُ الْخُرُوجُ لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمَا احْتَاجَ إلَى إخْرَاجِ رَأْسِهِ مِنْ الْمَسْجِدِ خَاصَّةً وَلَكَانَ يَخْرُجُ بِجُمْلَتِهِ لِيَفْعَلَ حَاجَتَهُ مِنْ تَسْرِيحِ رَأْسِهِ فِي بَيْتِهِ ، وَقَدْ أَكَّدَتْ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ وَكَانَ لَا يَدْخُلُ الْبَيْتَ إلَّا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ وَهِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَقَدْ يُقَالُ هَذَا فِعْلٌ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ بَيَّنَ بِهِ الِاعْتِكَافَ الْمَذْكُورَ فِي الْقُرْآنِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ طَرِيقَةُ الِاعْتِكَافِ وَهَيْئَتُهُ الْمَشْرُوعَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) وَفِيهِ أَنَّ إخْرَاجَ الرَّأْسِ مِنْ الْمَسْجِدِ لَا يَبْطُلُ بِهِ الِاعْتِكَافُ وَتُقَاسُ بِهِ بَقِيَّةُ الْأَعْضَاءِ وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ فِي الْأَيْمَانِ لَوْ حَلَفَ لَا يَدْخُلُ بَيْتًا فَأَدْخَلَ فِيهِ بَعْضَ أَعْضَائِهِ كَرَأْسِهِ لَمْ يَحْنَثْ وَبِهَذَا صَرَّحَ أَصْحَابُنَا ، فَقَالُوا لَوْ أَدْخَلَ فِي الدَّارِ يَدَهُ أَوْ رَأْسَهُ أَوْ إحْدَى رِجْلَيْهِ لَمْ يَحْنَثْ وَكَذَا لَوْ مَدَّ رِجْلَيْهِ وَأَدْخَلَهُمَا الدَّارَ وَهُوَ خَارِجُهَا لَمْ يَحْنَثْ وَإِنَّمَا يَحْنَثُ إذَا وَضَعَهُمَا فِي الدَّارِ وَاعْتَمَدَ عَلَيْهِمَا أَوْ حَصَلَ فِي الدَّارِ مُتَعَلِّقًا بِشَيْءٍ وَكَذَا فِي الْحَلِفِ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْهَا ، وَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي فَتَاوِيهِ فِيمَا لَوْ أَدْخَلَ رِجْلًا وَاحِدَةً إنْ اعْتَمَدَ عَلَى الْخَارِجَةِ أَيْ كَانَ قَوَّاهُ عَلَيْهَا بِحَيْثُ لَوْ رَفَعَ الدَّاخِلَةَ لَمْ يَسْقُطْ فَلَمْ يَدْخُلْ وَإِنْ اعْتَمَدَ عَلَى الدَّاخِلَةِ فَقَدْ دَخَلَ وَهُوَ حَسَنٌ ، وَقَالَ شَيْخُنَا الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ . لَوْ اضْطَجَعَ وَأَخْرَجَ بَعْضَ بَدَنِهِ فَيُحْتَمَلُ اعْتِبَارُ الْأَكْثَرِ بِالْمِسَاحَةِ وَيُتَّجَهُ اعْتِبَارُهُ بِالْفِعْلِ لِاسْتِقْرَارِهِ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَيْهِ فَأَشْبَهَ الِاعْتِمَادَ عَلَى الرِّجْلِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمْ تَكُنْ تَعْتَكِفُ مَعَهُ كُلَّمَا كَانَ يَعْتَكِفُ وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ بِالرِّوَايَاتِ الْأُخَرِ أَنَّهَا كَانَتْ حِينَئِذٍ حَائِضًا وَلَعَلَّ ذَلِكَ هُوَ الْمَانِعُ مِنْ اعْتِكَافِهَا ، وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِمُمَاسَّةِ الْحَائِضِ فِي تَرْجِيلِ شَعْرِ الرَّأْسِ وَغَسْلِهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَهُوَ أَمْرٌ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) الْحُجْرَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ الْبَيْتُ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِبِنَائِهَا بِالْحِجَارَةِ أَوْ لِمَنْعِهَا الْمَالَ ، قَوْلَانِ لِأَهْلِ اللُّغَةِ وَأَضَافَ الْحُجْرَةَ إلَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِاعْتِبَارِ سَكَنِهَا بِهَا وَإِلَّا فَهِيَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِنْ هَذَا قَوْله تَعَالَى { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ } . ==================ج14 14 14 =================== اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ وَعَنْهَا قَالَتْ { أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ، ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الْخَلَاءُ فَكَانَ يَأْتِي حِرَاءَ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءَ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فِيهِ ، فَقَالَ اقْرَأْ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ، ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ اقْرَأْ ، فَقُلْت مَا أَنَا بِقَارِئٍ ، فَغَطَّنِي الثَّانِيَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْت مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ حَتَّى بَلَغَ مَا لَمْ يَعْلَمْ قَالَ فَرَجَعَ بِهَا تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ ، فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ ، فَقَالَ يَا خَدِيجَةُ مَالِي فَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ ، قَالَ وَقَدْ خَشِيتُ عَلَيَّ ، فَقَالَتْ كَلًّا أَبْشِرْ فَوَاَللَّهِ لَا يُخْزِيك اللَّهُ أَبَدًا ، إنَّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ وَتَقْرِي الضَّيْفَ وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ، ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَصِيٍّ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ ؛ فَكَتَبَ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنْ الْإِنْجِيلِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ ، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ أَيْ ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيك ، فَقَالَ وَرَقَةُ : ابْنَ أَخِي مَا تَرَى ؟ فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَى ، فَقَالَ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُك قَوْمُك ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ ؟ فَقَالَ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُك أَنْصُرْك نَصْرًا مُؤَزَّرًا } وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ جَاوَرْت بِحِرَاءَ شَهْرًا فَلَمَّا قَضَيْت جِوَارِي نَزَلْت } ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَلِابْنِ إِسْحَاقَ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ مُرْسَلًا { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْلُو فِي حِرَاءَ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ شَهْرًا } . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَعَنْهَا قَالَتْ { أَوَّلُ مَا بُدِئَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْوَحْيِ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ فِي النَّوْمِ فَكَانَ لَا يَرَى رُؤْيَا إلَّا جَاءَتْ مِثْلَ فَلَقِ الصُّبْحِ ثُمَّ حُبِّبَ إلَيْهِ الْخَلَاءُ فَكَانَ يَأْتِي حِرَاءَ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ وَهُوَ التَّعَبُّدُ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ وَيَتَزَوَّدُ لِذَلِكَ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى خَدِيجَةَ فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا حَتَّى فَجِئَهُ الْحَقُّ وَهُوَ فِي غَارِ حِرَاءَ فَجَاءَهُ الْمَلَكُ فِيهِ ، فَقَالَ اقْرَأْ ، فَقَالَ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت مَا أَنَا بِقَارِئٍ قَالَ فَأَخَذَنِي فَغَطَّنِي حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْت مَا أَنَا بِقَارِئٍ فَغَطَّنِي الثَّالِثَةَ حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ ثُمَّ أَرْسَلَنِي ، فَقَالَ اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك الَّذِي خَلَقَ حَتَّى بَلَغَ مَا لَمْ يَعْلَمْ ، قَالَ فَرَجَعَ بِهَا تَرْتَجِفُ بَوَادِرُهُ حَتَّى دَخَلَ عَلَى خَدِيجَةَ ، فَقَالَ زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ ، فَقَالَ يَا خَدِيجَةُ مَالِي ، وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ قَالَ وَقَدْ خَشِيتُ عَلَيَّ ، فَقَالَتْ لَهُ كَلًّا أَبْشِرْ فَوَاَللَّهِ لَا يُخْزِيك اللَّهُ أَبَدًا إنَّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ؛ وَتَقْرِي الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ ثُمَّ انْطَلَقَتْ بِهِ خَدِيجَةُ حَتَّى أَتَتْ بِهِ وَرَقَةَ بْنَ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قَصِيٍّ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ أَخِي أَبِيهَا وَكَانَ امْرَأً تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ فَكَتَبَ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنْ الْإِنْجِيلِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا قَدْ عَمِيَ ، فَقَالَتْ خَدِيجَةُ أَيْ ابْنَ عَمِّ اسْمَعْ مِنْ ابْنِ أَخِيك ، فَقَالَ وَرَقَةُ : ابْنَ أَخِي مَا تَرَى ، فَأَخْبَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا رَأَى ، فَقَالَ وَرَقَةُ هَذَا النَّامُوسُ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعًا أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُك قَوْمُك ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ ؟ فَقَالَ وَرَقَةُ نَعَمْ لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْت بِهِ إلَّا عُودِيَ وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُك أَنْصُرْك نَصْرًا مُؤَزَّرًا } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ وَمِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَمِنْ طَرِيقِ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ . ( الثَّانِيَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ مَرَاسِيلِ الصَّحَابَةِ فَإِنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمْ تُدْرِكْ هَذِهِ الْقِصَّةَ فَتَكُونُ سَمِعَتْهَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِنْ صَحَابِيٍّ وَمُرْسَلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُلَمَاءِ إلَّا مَا انْفَرَدَ بِهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ ( قُلْت ) إنَّمَا أَرْسَلَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا صَدْرَ الْحَدِيثِ ثُمَّ صَرَّحَتْ بِرِوَايَةِ بَاقِيهِ وَهُوَ أَكْثَرُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهَا ، { فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت مَا أَنَا بِقَارِئٍ } ( فَإِنْ قُلْت ) قَدْ عَادَتْ إلَى الْإِرْسَالِ مِنْ قَوْلِهَا فَرَجَعَ بِهَا تَرْجُفُ بَوَادِرُهُ ؟ ( قُلْت ) بَلْ هِيَ مُسْتَمِرَّةٌ عَلَى الرَّفْعِ فَإِنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ قَالَ { فَرَجَعَ بِهَا } ، فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فَاعِلُ قَالَ ضَمِيرًا يَعُودُ عَلَى عَائِشَةَ إذْ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَأَنَّثَهُ وَإِنَّمَا هُوَ عَائِدٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتَى بِهِ بِلَفْظِ الْغَائِبِ كَقَوْلِ الْقَائِلِ قَالَ زَيْدٌ إنَّهُ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ أَنَّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ثُمَّ تَلَا قَوْله تَعَالَى { إنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُك } وَالْوَحْيُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَنْطَلِقُ عَلَى الْكِتَابِ وَالْإِشَارَةِ وَالْكِتَابَةِ وَالرِّسَالَةِ وَالْإِلْهَامِ وَالْكَلَامِ الْخَفِيِّ وَكُلِّ مَا أَلْقَيْته إلَى غَيْرِك ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ أَصْلُهُ الْإِعْلَامُ فِي خَفَاءٍ وَسُرْعَةٍ ثُمَّ هُوَ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى ضُرُوبٍ فَمِنْهُ سَمَاعُ الْكَلَامِ الْقَدِيمِ ، وَوَحْيُ رِسَالَةٍ بِوَاسِطَةِ مَلَكٍ ، وَوَحْيٌ يُلْقَى بِالْقَلْبِ ، وَالْوَحْيُ إلَى غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ بِمَعْنَى الْإِلْهَامِ كَالْوَحْيِ إلَى النَّحْلِ ، وَبِمَعْنَى الْإِشَارَةِ { فَأَوْحَى إلَيْهِمْ أَنْ سَبِّحُوا بُكْرَةً وَعَشِيًّا } وَقِيلَ فِي هَذَا إنَّهُ كَتَبَ وَبِمَعْنَى الْأَمْرِ كَقَوْلِهِ { وَإِذْ أَوْحَيْت إلَى الْحَوَارِيِّينَ } قِيلَ أَمَرْتهمْ وَقِيلَ أَلْهَمْتهمْ انْتَهَى . وَقَدْ جَمَعَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْهُ مَرَاتِبَ عَدِيدَةً جَمَعَهَا السُّهَيْلِيُّ فِي ( الرَّوْضِ الْأُنُفِ ) سَبْعَةً : ( أَحَدُهَا ) الرُّؤْيَا كَمَا ذَكَرْته . ( الثَّانِي ) أَنْ يَنْفُثَ فِي رَوْعِهِ الْكَلَامَ نَفْثًا كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ رَوْحَ الْقُدُسِ نَفَثَ فِي رُوعِي أَنَّ نَفْسًا لَنْ تَمُوتَ حَتَّى تَسْتَكْمِلَ رِزْقَهَا فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَجْمِلُوا فِي الطَّلَبِ } . وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَأَكْثَرُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إلَّا وَحْيًا } هُوَ أَنْ يَنْفُثَ فِي رُوعِهِ بِالْوَحْيِ . ( الثَّالِثُ ) أَنْ يَأْتِيَهُ الْوَحْيُ فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَهُوَ أَشَدُّهُ عَلَيْهِ وَقِيلَ إنَّ ذَلِكَ لِمُتَجَمَّعِ قَلْبِهِ عِنْدَ تِلْكَ الصَّلْصَلَةِ فَيَكُونُ أَوْعَى لِمَا يَسْمَعُ . ( الرَّابِعُ ) أَنْ يَتَمَثَّلَ لَهُ الْمَلَكُ رَجُلًا فَقَدْ كَانَ يَأْتِيهِ فِي صُورَةِ دِحْيَةَ بْنِ خَلِيفَةَ . ( الْخَامِسُ ) أَنْ يَتَرَاءَى لَهُ جِبْرِيلُ فِي صُورَتِهِ الَّتِي خَلَقَهُ اللَّهُ فِيهَا لَهُ سِتُّمِائَةِ جَنَاحٍ . ( السَّادِسُ ) أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ إمَّا فِي الْيَقِظَةِ كَمَا فِي لَيْلَةِ الْإِسْرَاءِ وَإِمَّا فِي النَّوْمِ كَمَا قَالَ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ الَّذِي رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ { أَتَانِي رَبِّي فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ ، فَقَالَ فِيمَ يَخْتَصِمُ الْمَلَأُ الْأَعْلَى } الْحَدِيثَ . ( السَّابِعُ ) نُزُولُ إسْرَافِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِكَلِمَاتٍ مِنْ الْوَحْيِ قَبْلَ جِبْرِيلَ فَقَدْ ثَبَتَ بِالطُّرُقِ الصِّحَاحِ عَنْ عَامِرٍ الشَّعْبِيِّ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُكِّلَ بِهِ إسْرَافِيلُ فَكَانَ يَتَرَاءَى لَهُ ثَلَاثَ سِنِينَ وَيَأْتِيهِ بِالْكَلِمَةِ مِنْ الْوَحْيِ وَالشَّيْءِ ثُمَّ وُكِّلَ بِهِ جِبْرِيلُ فَجَاءَهُ بِالْقُرْآنِ وَالْوَحْيِ } قَالَ السُّهَيْلِيُّ فَهَذِهِ سَبْعُ صُوَرٍ فِي كَيْفِيَّةِ نُزُولِ الْوَحْيِ عَلَى مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ أَرَ أَحَدًا جَمَعَهَا كَهَذَا الْجَمْعِ انْتَهَى . وَقَدْ جَمَعَهَا الْإِمَامُ شَمْسُ الدِّينِ بْنُ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ فِي الْهَدْيِ النَّبَوِيِّ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهَا مِنْ السُّهَيْلِيِّ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ هَذَا السَّابِعَ وَغَايَرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ مِمَّا تَقَدَّمَ هُمَا وَاحِدٌ فَجَاءَتْ سَبْعَةٌ مَعَ إسْقَاطِهِ ، فَقَالَ السَّادِسَةُ مَا أَوْحَاهُ إلَيْهِ وَهُوَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ مِنْ فَرْضِ الصَّلَاةِ وَغَيْرِهَا ، السَّابِعَةُ كَلَامُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَهُ مِنْهُ بِلَا وَاسِطَةِ مَلَكٍ كَمَا كَلَّمَ مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ ثَابِتَةٌ لِمُوسَى قَطْعًا بِنَصِّ الْقُرْآنِ وَثُبُوتُهَا لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ انْتَهَى . فَإِنْ أَرَادَ مَا أَوْحَاهُ إلَيْهِ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا تَقَدَّمَ ؛ لِأَنَّهُ إمَّا أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ عَلَى صُورَتِهِ الْأَصْلِيَّةِ أَوْ عَلَى صُورَةِ الْآدَمِيِّ وَكِلَاهُمَا قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَإِنْ أَرَادَ وَحْيَ اللَّهِ بِلَا وَاسِطَةٍ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَهِيَ الصُّورَةُ الَّتِي بَعْدَهَا كَمَا قَدَّمْته ثُمَّ قَالَ وَزَادَ بَعْضُهُمْ مَرْتَبَةً . ( ثَامِنَةً ) وَهِيَ تَكْلِيمُ اللَّهِ لَهُ كِفَاحًا بِغَيْرِ حِجَابٍ وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ رَأَى رَبَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافِ بَيْنَ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَإِنْ كَانَ جُمْهُورُ الصَّحَابَةِ بَلْ كُلُّهُمْ مَعَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَمَا حَكَاهُ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ إجْمَاعًا لِلصَّحَابَةِ انْتَهَى . وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ابْنَ قَيِّمِ الْجَوْزِيَّةِ أَرَادَ بِالْمَرْتَبَةِ السَّادِسَةِ وَحْيَ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَغَايَرَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ بِاعْتِبَارِ مَحَلِّ الْإِيحَاءِ أَيْ كَوْنِهِ كَانَ فَوْقَ السَّمَوَاتِ بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ فَإِنَّهُ كَانَ فِي الْأَرْضِ ، وَلَا يُقَالُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ تَتَعَدَّدَ أَقْسَامُ الْوَحْيِ بِاعْتِبَارِ الْبُقْعَةِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا جِبْرِيلُ إلَى النَّبِيِّ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ غَيْرُ مُمْكِنٍ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ غَايَرَ الْوَحْيُ الْحَاصِلُ فِي السَّمَاءِ غَيْرَهُ بِاعْتِبَارِ مَا فِي رُؤْيَةِ تِلْكَ الْمَشَاهِدِ مِنْ الْغَيْبِ فَهُوَ نَوْعٌ غَيْرُ الْأَرْضِ عَلَى اخْتِلَافِ بِقَاعِهَا ، وَفِيهِ نَظَرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّ الرُّؤْيَا إنْ كَانَتْ لِنَبِيٍّ فَهِيَ وَحْيٌ وَإِنْ كَانَتْ لِغَيْرِهِ فَلَيْسَتْ وَحَيًّا وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ } فَإِنَّهُ سَمَّى مَا يَقَعُ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ الرُّؤْيَا مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ فَإِنَّهَا لَيْسَتْ مِنْ النُّبُوَّةِ لَكِنَّهَا تُشْبِهُهَا فِي صُورَتِهَا وَصِحَّتِهَا ( فَإِنْ قُلْت ) قَدْ بَقِيَ مَا يُشْبِهُ وَحْيَ النُّبُوَّةِ وَلَيْسَ مِنْهَا الْإِلْقَاءُ فِي الرَّوْعِ ، فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { كَانَ فِيمَا مَضَى مِنْ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ فَإِنْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ أَحَدٌ فَعُمَرُ } فَكَيْفَ حَصَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فِي الرُّؤْيَا ( قُلْت ) الرُّؤْيَا عَامَّةٌ فِي حَقِّ كُلِّ مُسْلِمٍ لَا تَخْتَصُّ بِأَهْلِ الْوِلَايَةِ ثُمَّ إنَّ لَهَا تَأْوِيلَيْنِ وَحُكْمًا يُرْجَعُ فِيهِ إلَى أَهْلِ الْعِلْمِ بِهِ وَيُوقَفُ عِنْدَمَا يَقُولُونَ فِيهِ ، بِخِلَافِ الْإِلْقَاءِ فِي الرَّوْعِ فَإِنَّهُ مَخْصُوصٌ بِخَوَاصِّ أَهْلِ الْوِلَايَةِ ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ عَلَى صِحَّتِهِ دَلِيلٌ وَلَا يَرْجِعُ إلَى قَاعِدَةٍ وَلَيْسَ لَهُ أَهْلُ عِلْمٍ يُرْجَعُ فِي تَفْسِيرِهِ إلَيْهِمْ فَاسْتِفَادَةُ الْمُغَيَّبَاتِ عَزِيزَةٌ بِخِلَافِ الرُّؤْيَا كَمَا قَدَّمْته وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهَا { مِنْ الْوَحْيِ } ذَكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقَزَّازُ أَنَّ مِنْ هُنَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ كَأَنَّهُ قَالَ مِنْ جِنْسِ الْوَحْيِ وَلَيْسَتْ مِنْ الْوَحْيِ فَتَكُونُ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ { فِي النَّوْمِ } وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ فِي الصِّحَّةِ كَالْوَحْيِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَدْ جَاءَ الْحَدِيثُ أَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فَلَا يَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ ( قُلْت ) وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ لِبَيَانِ الْجِنْسِ مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّ الرُّؤْيَا وَحْيٌ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { الصَّادِقَةُ } كَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ هُنَا وَالْبُخَارِيِّ فِي التَّفْسِيرِ وَالتَّعْبِيرِ ، وَفِي رِوَايَتِهِ هُنَا الصَّالِحَةُ وَهُمَا بِمَعْنًى قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ رَأَى فِي مَنَامِهِ رُؤْيَا بِلَا تَنْوِينٍ عَلَى وَزْنِ فُعْلَى كَحُبْلَى وَجَمْعُهَا رُؤًى بِالتَّنْوِينِ عَلَى وَزْنِ رُغًى . ( السَّادِسَةُ ) الْمَشْهُورُ اسْتِعْمَالُ الرُّؤْيَا فِي الْحُلْمِيَّةِ خَاصَّةً فَقَوْلُهُ فِي النَّوْمِ تَأْكِيدٌ لَكِنَّهَا قَدْ تُسْتَعْمَلُ مَصْدَرًا لِرَأَى مُطْلَقًا وَلَوْ كَانَتْ فِي الْيَقِظَةِ فَالتَّقْيِيدُ حِينَئِذٍ بِقَوْلِهِ فِي النَّوْمِ لَا بُدَّ مِنْهُ . ( السَّابِعَةُ ) { فَلَقُ الصُّبْحِ } بِفَتْحِ الْفَاءِ وَاللَّامِ وَآخِرُهُ قَافٌ ضِيَاؤُهُ وَيُقَالُ فَرَقُ الصُّبْحِ أَيْضًا وَإِنَّمَا يُقَالُ هَذَا فِي الشَّيْءِ الْوَاضِحِ الْبَيِّنِ . ( الثَّامِنَةُ ) ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ مُدَّةَ الْوَحْيِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرُّؤْيَا قَبْلَ الْوَحْيِ إلَيْهِ لِمَجِيءِ الْمَلَكِ إلَيْهِ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَجَعَلَ هَذَا تَوْجِيهًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ } لِأَنَّ مُدَّةَ حَيَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَعْدَ النُّبُوَّةِ ثَلَاثٌ وَعِشْرُونَ سَنَةً فَنِصْفُ سَنَةٍ هِيَ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا وَهَذَا مُحْتَمَلٌ . ( التَّاسِعَةُ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ إنَّمَا اُبْتُدِئَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالرُّؤْيَا لِئَلَّا يَفْجَأَهُ الْمَلَكُ وَيَأْتِيَهُ صَرِيحُ النُّبُوَّةِ بَغْتَةً فَلَا تَحْتَمِلُهَا قُوَى الْبَشَرِيَّةِ فَبُدِئَ بِأَوَائِلِ خِصَالِ النُّبُوَّةِ وَتَبَاشِيرِ الْكَرَامَةِ مِنْ صِدْقِ الرُّؤْيَا وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ مِنْ رُؤْيَةِ الضَّوْءِ وَسَمَاعِ الصَّوْتِ وَسَلَامِ الْحَجَرِ وَالشَّجَرِ عَلَيْهِ بِالنُّبُوَّةِ . ( الْعَاشِرَةُ ) جَاءَ فِي حَدِيثٍ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أُنْزِلَ عَلَيْهِ صَدْرُ سُورَةِ اقْرَأْ فِي النَّوْمِ } رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ الْعَلَاءِ بْنِ جَارِيَةَ الثَّقَفِيِّ وَكَانَ وَاعِيَهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ إلَى حِرَاءَ فِي كُلِّ عَامٍ مِنْ السَّنَةِ شَهْرًا يَنْسُكُ فِيهِ } الْحَدِيثُ ، وَفِيهِ حَتَّى { إذَا كَانَ الشَّهْرُ الَّذِي أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ مَا أَرَادَ مِنْ كَرَامَتِهِ مِنْ السَّنَةِ الَّتِي بُعِثَ فِيهَا وَذَلِكَ الشَّهْرُ رَمَضَانُ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا كَانَ يَخْرُجُ لِجِوَارِهِ وَخَرَجَ مَعَهُ بِأَهْلِهِ حَتَّى إذَا كَانَتْ اللَّيْلَةُ الَّتِي أَكْرَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا بِرِسَالَتِهِ وَرَحِمَ الْعِبَادَ بِهِ جَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِأَمْرِ اللَّهِ ، قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَنِي وَأَنَا نَائِمٌ ، فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْت وَمَا أَقْرَأُ فَغَتَّنِي حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ الْمَوْتُ ثُمَّ كَشَفَهُ عَنِّي ، فَقَالَ اقْرَأْ فَقُلْت وَمَا أَقْرَأُ فَعَادَ لِي بِمِثْلِ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ اقْرَأْ فَقُلْت وَمَا أَقْرَأُ ؟ وَمَا أَقُولُهَا إلَّا تَنَحِّيًا أَنْ يَعُودَ لِي بِمِثْلِ الَّذِي صَنَعَ ، فَقَالَ { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ الَّذِي خَلَقَ خَلَقَ الْإِنْسَانَ مِنْ عَلَقٍ اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } ثُمَّ انْتَهَى فَانْصَرَفَ عَنِّي وَهَبَبْتُ مِنْ نَوْمِي كَأَنَّمَا صُوِّرَ فِي قَلْبِي كِتَابًا } الْحَدِيثَ . فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ الْإِنْزَالُ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَتَكُونَ هَذِهِ الرِّوَايَةُ شَاذَّةً لِمُخَالَفَتِهَا لِلرِّوَايَةِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي فِيهَا أَنَّ إنْزَالَ ذَلِكَ فِي الْيَقِظَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا إنْزَالٌ مُتَقَدِّمٌ عَلَى نُزُولِهَا عَلَيْهِ فِي الْيَقِظَةِ فَتَكُونُ نَزَلَتْ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ الْوَاحِدَةُ فِي النَّوْمِ ثُمَّ الْأُخْرَى فِي الْيَقِظَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) ( الْخَلَاءُ ) بِفَتْحِ الْخَاءِ وَالْمَدِّ الْخَلْوَةُ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمَكَانُ الْخَالِي الَّذِي لَيْسَ فِيهِ أَحَدٌ وَالْمَعْنَيَانِ مُتَقَارِبَانِ لَكِنَّهُمَا مُتَغَايِرَانِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ حُبِّبَتْ الْعُزْلَةُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ مَعَهَا فَرَاغَ الْقَلْبِ وَهِيَ مُعِينَةٌ عَلَى التَّفَكُّرِ وَبِهَا يَنْقَطِعُ عَنْ مَأْلُوفَاتِ الْبَشَرِ ، وَيَتَخَشَّعُ قَلْبُهُ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمَوَاهِبُ الرَّبَّانِيَّةُ تَكُونُ مَعَ الْعُزْلَةِ ثُمَّ تَلَا قَوْله تَعَالَى { فَلَمَّا اعْتَزَلَهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ } الْآيَةَ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ شَأْنُ الصَّالِحِينَ وَعِبَادُ اللَّهِ الْعَارِفِينَ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) حِرَاءُ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ وَبِالْمَدِّ وَهُوَ مَصْرُوفٌ مُذَكَّرٌ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِيهِ لُغَتَانِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ وَالتَّذْكِيرُ أَكْثَرُ فَمَنْ ذَكَّرَهُ صَرَفَهُ وَمَنْ أَنَّثَهُ لَمْ يَصْرِفْهُ ، أَرَادَ الْبُقْعَةَ أَوْ الْجِهَةَ الَّتِي فِيهَا الْجَبَلُ . قَالَ الْقَاضِي ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ فِيهِ حَرًى بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْقَصْرِ وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ، قَالَ أَبُو عُمَرَ الزَّاهِدُ وَالْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُمَا أَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَالْعَوَامِّ يُخْطِئُونَ فِي حِرَاءَ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ يَفْتَحُونَ الْحَاءَ وَهِيَ مَكْسُورَةٌ وَيَكْسِرُونَ الرَّاءَ وَهِيَ مَفْتُوحَةٌ وَيَقْصُرُونَ الْأَلِفَ وَهِيَ مَمْدُودَةٌ ، وَحِرَاءُ جَبَلٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ ثَلَاثَةُ أَمْيَالٍ عَنْ يَسَارِ الذَّاهِبِ مِنْ مَكَّةَ إلَى مِنًى ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لَهُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) التَّحَنُّثُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ التَّعَبُّدُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَأَصْلُ الْحِنْثِ الْإِثْمُ فَمَعْنَى يَتَحَنَّثُ يَتَجَنَّبُ الْحِنْثَ فَكَأَنَّهُ بِعِبَادَتِهِ يَمْنَعُ نَفْسَهُ مِنْ الْإِثْمِ وَمِثْلُهُ يَتَحَرَّجُ يَتَجَنَّبُ الْحَرَجَ وَيَتَأَثَّمُ يَتَجَنَّبُ الْإِثْمَ ، وَقَوْلُهُ { اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ } يَتَعَلَّقُ بِقَوْلِهِ يَتَحَنَّثُ ظَرْفٌ لَهُ أَيْ يَتَحَنَّثُ اللَّيَالِيَ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالتَّعَبُّدِ فَإِنَّهُ يَلْزَمُ عَلَيْهِ تَقْيِيدُ التَّحَنُّثِ بِكَوْنِهِ تَعَبُّدًا لَيَالِيَ ذَوَاتِ عَدَدٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ التَّعَبُّدُ وَإِنْ قَلَّ ، وَهَذَا التَّفْسِيرُ اعْتَرَضَ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِ عَائِشَةَ وَأَصْلُهُ فَيَتَحَنَّثُ فِيهِ اللَّيَالِيَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ وَتَقَدَّمَ مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْرُجُ إلَى حِرَاءَ فِي كُلِّ عَامٍ شَهْرًا مِنْ السَّنَةِ يَنْسُكُ فِيهِ } . وَكَذَا رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ مُرْسَلًا { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَاوِرُ فِي حِرَاءَ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ شَهْرًا } ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { جَاوَرْت بِحِرَاءَ شَهْرًا فَلَمَّا قَضَيْت جِوَارِي نَزَلْت } ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَتَبَيَّنَ بِهَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ تِلْكَ اللَّيَالِيَ كَانَتْ شَهْرًا . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَتَعَبَّدُ قَبْلَ النُّبُوَّةِ وَلَّيْت شِعْرِي كَيْفَ تِلْكَ الْعِبَادَةُ وَأَيُّ أَنْوَاعِهَا هِيَ ؟ وَعَلَى أَيِّ وَجْهٍ فَعَلَهَا ؟ يَحْتَاجُ ذَلِكَ لِنَقْلٍ وَلَا أَسْتَحْضِرُهُ الْآنَ ، وَهَلْ كَانَ مُكَلَّفًا قَبْلَ النُّبُوَّةِ بِشَرِيعَةِ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ الْمُتَقَدِّمِينَ أَمْ لَا وَإِنَّمَا كَانَ يَتَعَبَّدُ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّعِ ؟ هَذِهِ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ فِي الْأُصُولِ ، رَجَّحَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ وَعَزَاهُ لِجُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ وَرَجَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ تَكْلِيفَهُ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ وَتَوَقَّفَ فِي ذَلِكَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ وَحَيْثُ قُلْنَا بِتَكْلِيفِهِ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُ فَقِيلَ هُوَ آدَم وَقِيلَ نُوحٌ وَقِيلَ إبْرَاهِيمُ وَقِيلَ مُوسَى وَقِيلَ عِيسَى وَقِيلَ جَمِيعُ الشَّرَائِعِ شَرْعٌ لَهُ وَغَلِطَ هَذَا الْقَوْلُ فَإِنَّ شَرَائِعَهُمْ تَخْتَلِفُ فِي الْفُرُوعِ فَلَوْ كُلِّفَ بِجَمِيعِهَا لَزِمَ أَنْ يُخَاطَبَ فِي الْفِعْلِ الْوَاحِدِ بِأَمْرَيْنِ مُتَنَافِيَيْنِ وَهُوَ بَاطِلٌ ، فَلَعَلَّ مُرَادَ هَذَا الْقَائِلِ أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ جَمِيعِ الشَّرَائِعِ فَيَعْمَلُ بِأَيِّهَا شَاءَ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ أَنَّهُ قَبْلَ نُبُوَّتِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَسَائِرِ الْأَنْبِيَاءِ مُنْشَرِحُ الصَّدْرِ بِالتَّوْحِيدِ وَالْإِيمَانِ بِاَللَّهِ لَا يَلِيقُ بِهِ الْكُفْرُ وَلَا الشَّكُّ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا الْجَهْلُ بِهِ وَلَا خِلَافَ فِي عِصْمَتِهِمْ مِنْ ذَلِكَ خِلَافًا لِمَنْ جَوَّزَهُ انْتَهَى . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ بَعْضُهُمْ تَزَوُّدُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي تَحَنُّثِهِ يَرُدُّ قَوْلَ الصُّوفِيَّةِ أَنَّ مَنْ أَخْلَصَ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ طَعَامًا وَالنَّبِيُّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ أَوْلَى بِهَذِهِ الْمَنْزِلَةِ ؛ لِأَنَّهُ أَفْضَلُ الْبَشَرِ وَكَانَ يَتَزَوَّدُ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهَا ( ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى خَدِيجَةَ ) هِيَ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدِ بْنِ عَبْدِ الْعُزَّى بْنِ قُصَيِّ بْنِ كِلَابٍ زَوْجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَزَوَّجَهَا وَهُوَ ابْنُ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً وَهِيَ أُمُّ أَوْلَادِهِ كُلِّهِمْ إلَّا إبْرَاهِيمَ فَإِنَّهُ مِنْ مَارِيَةَ وَهِيَ أَوَّلُ أَزْوَاجِهِ وَلَمْ يَتَزَوَّجْ غَيْرَهَا فِي حَيَاتِهَا وَأَقَامَتْ مَعَهُ أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَأَشْهُرًا ثُمَّ تُوُفِّيَتْ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ بَعْدَ وَفَاةِ أَبِي طَالِبٍ بِثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَهِيَ أَفْضَلُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ ، وَقِيلَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَجْمَعِينَ ، وَالْمُرَادُ بِرُجُوعِهِ إلَى خَدِيجَةَ الرُّجُوعُ إلَى مَنْزِلِهِ . ( السَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهَا { فَيَتَزَوَّدُ لِمِثْلِهَا } يَعُودُ إلَى اللَّيَالِيِ وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَكُنْ يَقْتَصِرُ فِي الْمُجَاوَرَةِ عَلَى شَهْرٍ فِي السَّنَةِ بَلْ كَانَ يَتَكَرَّرُ ذَلِكَ مِنْهُ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا فِي ذَلِكَ ، وَالزَّادُ كَمَا قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ الطَّعَامُ الَّذِي يَسْتَصْحِبُهُ الْمُسَافِرُ . ( الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهَا { حَتَّى فَجِئَهُ } بِكَسْرِ الْجِيمِ وَبَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ ، وَفِيهِ لُغَةٌ ثَانِيَةٌ فَجَأَهُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَالْهَمْزَةِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَمَعْنَاهُ جَاءَهُ بَغْتَةً وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَكُنْ مُتَوَقِّعًا لِلْوَحْيِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ { حَتَّى جَاءَهُ الْحَقُّ } وَالْمُرَادُ الْأَمْرُ الْحَقُّ وَهُوَ الْوَحْيُ الْكَرِيمُ وَكَانَ ذَلِكَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا مِنْ دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ لِلْبَيْهَقِيِّ وَكَانَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { سُئِلَ عَنْ صَوْمِ يَوْمِ الِاثْنَيْنِ فَقِيلَ فِيهِ وُلِدْتُ وَفِيهِ أُنْزِلَ عَلَيَّ } . ( التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ ) الْغَارُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالْمَغَارُ بِزِيَادَةِ مِيمٍ أَوَّلَهُ وَالْمَغَارَةُ بِزِيَادَةِ مِيمٍ أَوَّلَهُ وَهَاءٍ آخِرَهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ هُوَ كَالْكَهْفِ فِي الْجَبَلِ قَالَ وَالْكَهْفُ كَالْبَيْتِ الْمَنْقُورِ فِي الْجَبَلِ ، وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ الْغَارُ كَالْكَهْفِ فِي الْجَبَلِ . وَقَالَ اللِّحْيَانِيُّ هُوَ شِبْهُ الْبَيْتِ فِيهِ ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ هُوَ الْمُنْخَفَضُ فِي الْجَبَلِ وَكُلُّ مُطْمَئِنٍّ مِنْ الْأَرْضِ غَارٌ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ هُوَ الْكَهْفُ زَادَ النَّوَوِيُّ وَالنَّقْبُ فِي الْجَبَلِ ، كَذَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، وَقَالَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ هُوَ النَّقْبُ فِي الْجَبَلِ وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْكَهْفِ . ( الْعِشْرُونَ ) { فَجَاءَهُ الْمَلَكُ } هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَهُوَ جِبْرِيلُ هُنَا بِلَا خِلَافٍ . ( الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) قَوْلُهُ { فَقُلْت مَا أَنَا بِقَارِئٍ } قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ لَا أُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ فَمَا نَافِيَةٌ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ فِيهَا خِلَافًا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا نَافِيَةً وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا اسْتِفْهَامِيَّةً وَضَعَّفُوهُ بِإِدْخَالِ الْبَاءِ فِي الْخَبَرِ قَالَ الْقَاضِي وَيُصَحِّحُ قَوْلَ مَنْ قَالَ اسْتِفْهَامِيَّةٌ رِوَايَةُ مَنْ رَوَى مَا أَقْرَأُ ، وَيَصِحُّ أَنْ تَكُونَ " مَا " فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَيْضًا نَافِيَةً انْتَهَى وَكَذَا فَسَّرَ السُّهَيْلِيُّ وَغَيْرُهُ قَوْلَهُ { مَا أَنَا بِقَارِئٍ } ، بِأَنَّ مَعْنَاهُ مَا أُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ عِنْدِي مَعَ النَّفْيِ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَعْنَاهُ فَيُحْتَمَلُ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَهُ بِقِرَاءَةِ مَا يُلْقِيهِ إلَيْهِ فَامْتَنَعَ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَالَ مَا أَنَا بِقَارِئٍ أَيْ لَا أُطِيعُك فِي قِرَاءَةِ مَا تُلْقِيهِ إلَيَّ وَتُقْرِئُنِي إيَّاهُ ، وَلِهَذَا رَتَّبَ عَلَيْهِ الْغَطَّ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَحِينَئِذٍ وَافَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُتَابَعَتِهِ فِي الْقِرَاءَةِ فَقَرَأَ جِبْرِيلُ وَتَبِعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ الْمَقْرُوءِ وَيُؤَيِّدُ هَذَا أَنَّ الْأَوَّلَ إنَّمَا يَسْتَمِرُّ عَلَى أَنْ يَكُونَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَأْمُرُهُ بِقِرَاءَةِ شَيْءٍ مِنْ عِنْدِهِ غَيْرَ الَّذِي يُلْقِيهِ إلَيْهِ فَحِينَئِذٍ يَحْسُنُ جَوَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِأَنِّي لَا أُحْسِنُ الْقِرَاءَةَ وَهُوَ بَعِيدٌ فَكَيْفَ يُكَلِّفُهُ قِرَاءَةً وَلَا قُرْآنَ عِنْدَهُ إنَّمَا يُكَلِّفُهُ قِرَاءَةَ مَا يُلْقِيهِ إلَيْهِ فَامْتَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ ثُمَّ أَجَابَ إلَيْهِ ( فَإِنْ قُلْتَ ) يَلْزَمُ عَلَى مَا ذَكَرْتَهُ مِنْ الِاحْتِمَالِ مَحْذُورٌ وَهُوَ مُخَالَفَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمَلَكِ فِيمَا يَأْتِيهِ بِهِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى ( قُلْت ) لَمْ يَتَحَقَّقْ أَوَّلًا أَنَّهُ مَلَكٌ وَلَا أَنَّهُ الْمَأْمُورُ بِهِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى وَتَمَامُ الْقِصَّةِ مَعَ خَدِيجَةَ وَوَرَقَةَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ . ( الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) قَوْلُهُ { فَغَطَّنِي } بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ مَعْنَاهُ ضَمَّنِي وَعَصَرَنِي يُقَالُ غَطَّهُ وَغَتَّهُ وَضَغَطَهُ وَعَصَرَهُ وَخَنَقَهُ وَغَمَزَهُ كُلُّهُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَقَوْلُهُ { حَتَّى بَلَغَ مِنِّي الْجَهْدَ } يَجُوزُ فِي الْجِيمِ الْفَتْحُ وَالضَّمُّ لُغَتَانِ وَهُوَ الْغَايَةُ وَالْمَشَقَّةُ وَيَجُوزُ فِي الدَّالِ النَّصْبُ وَالرَّفْعُ ( فَالْأَوَّلُ ) عَلَى أَنَّ فَاعِلَ بَلَغَ ضَمِيرٌ يَعُودُ عَلَى جِبْرِيلَ أَيْ بَلَغَ جِبْرِيلُ مِنِّي الْجَهْدَ . ( وَالثَّانِي ) عَلَى أَنَّ الْجَهْدَ فَاعِلٌ أَيْ بَلَغَ الْجَهْدُ مِنِّي مَبْلَغَهُ وَغَايَتَهُ . قَالَ النَّوَوِيُّ وَمِمَّنْ ذَكَرَ الْوَجْهَيْنِ فِي نَصْبِ الدَّالِ وَرَفْعِهَا صَاحِبُ التَّحْرِيرِ وَغَيْرُهُ ، وَقَوْلُهُ { ثُمَّ أَرْسَلَنِي } أَيْ أَطْلَقَنِي قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَالْحِكْمَةُ فِي الْغَطِّ شَغْلُهُ عَنْ الِالْتِفَاتِ ، وَالْمُبَالَغَةُ فِي أَمْرِهِ بِإِحْضَارِ قَلْبِهِ لِمَا يَقُولُهُ لَهُ وَكَرَّرَهُ ثَلَاثًا مُبَالَغَةً فِي التَّنْبِيهِ فَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْمُعَلِّمِ أَنْ يَحْتَاطَ فِي تَنْبِيه الْمُتَعَلِّمِ وَأَمْرِهِ بِإِحْضَارِ قَلْبِهِ ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ كَأَنَّ فِي ذَلِكَ إظْهَارًا لِلشِّدَّةِ وَالْجَدِّ فِي الْأَمْرِ وَأَنْ يَأْخُذَ الْكِتَابَ بِقُوَّةٍ وَيَتْرُكَ الْأَنَاةَ فَإِنَّهُ أَمْرٌ لَيْسَ بِالْهُوَيْنَى . قَالَ وَعَلَى رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي نَوْمِهِ يَكُونُ فِي تِلْكَ الْغَطَّاتِ الثَّلَاثِ مِنْ التَّأْوِيلِ ثَلَاثُ شَدَائِدَ يُبْتَلَى بِهَا أَوَّلًا ثُمَّ يَأْتِي الْفَرْجُ وَالرَّوَحُ ، وَكَذَلِكَ كَانَ لَقِيَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ شِدَّةً مِنْ الْجُوعِ فِي شِعْبِ الْخَيْفِ حِينَ تَعَاقَدَتْ قُرَيْشٌ أَنْ لَا يَبِيعُوا مِنْهُمْ وَلَا يَتْرُكُوا مِيرَةً تَصِلُ إلَيْهِمْ وَشِدَّةً أُخْرَى مِنْ الْخَوْفِ وَالْإِيعَادِ بِالْقَتْلِ ، وَشِدَّةً أُخْرَى مِنْ الْإِجْلَاءِ عَنْ أَحَبِّ الْأَوْطَانِ إلَيْهِ ثُمَّ كَانَتْ الْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ انْتَهَى . وَعَلَى مَا قَدَّمْته فِي الْفَائِدَةِ قَبْلَهَا مِنْ الِاحْتِمَالِ تَكُونُ حِكْمَةُ الْغَطِّ إلْزَامُهُ بِالتَّلَقِّي عَنْهُ وَالْمُتَابَعَةِ لَهُ فِي الْقِرَاءَةِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ ) قَالَ السُّهَيْلِيُّ : انْتَزَعَ بَعْضُ التَّابِعِينَ وَهُوَ شُرَيْحٌ الْقَاضِي مِنْ هَذَا أَنْ لَا يُضْرَبَ الصَّبِيُّ عَلَى الْقُرْآنِ إلَّا ثَلَاثًا كَمَا غَطَّ جِبْرِيلُ مُحَمَّدًا عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ثَلَاثًا . ( الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ ) قَالَ الْمُهَلَّبُ فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَنَّ الْإِنْسَانَ يُذَكَّرُ وَيُنَبَّهُ إلَى فِعْلِ الْخَيْرِ بِمَا عَلَيْهِ فِيهِ مَشَقَّةٌ . ( الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ ) فِيهِ دَلَالَةٌ وَاضِحَةٌ عَلَى . أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ اقْرَأْ ، وَقَدْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَعُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ الصَّوَابُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَفِيهِ قَوْلَانِ آخَرَانِ . ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ بَلْ بَاطِلٌ وَإِنَّمَا نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْرَةِ الْوَحْيِ . ( ثَانِيهِمَا ) أَنَّ أَوَّلَ مَا نَزَلَ سُورَةُ الْفَاتِحَةِ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ ، وَقَالَ هَذَا مُنْقَطِعٌ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ خَبَرًا عَنْ نُزُولِهَا بَعْدَ مَا نَزَلَتْ عَلَيْهِ { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك } وَ { يَا أَيُّهَا الْمُدَّثِّرُ } وَقَالَ النَّوَوِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ هَذَا الْقَوْلَ : بُطْلَانُهُ أَظْهَرُ مِنْ أَنْ يُذْكَرَ . ( السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ ) وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ : فِيهِ رَدٌّ عَلَى الشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِ إنَّ ( بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ) آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ وَهَذِهِ أَوَّلُ سُورَةٍ نَزَلَتْ عَلَيْهِ لَمْ يُذْكَرْ فِيهَا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَجَوَابُ الْمُثْبِتِينَ لَهَا أَنَّهَا لَمْ تَنْزِلْ أَوَّلًا بَلْ نَزَلَتْ الْبَسْمَلَةُ فِي وَقْتٍ آخَرَ كَمَا نَزَلَ بَاقِي السُّورَةِ فِي وَقْتٍ آخَرَ ، وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي قَوْلِهِ { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّكَ } وُجُوبُ اسْتِفْتَاحِ الْقِرَاءَةِ بِبَسْمِ اللَّهِ غَيْرَ أَنَّهُ أَمْرٌ مُبْهَمٌ لَمْ يُبَيَّنْ لَهُ بِأَيِّ اسْمٍ مِنْ أَسْمَاءِ رَبِّهِ يُفْتَتَحُ ؟ حَتَّى جَاءَ الْبَيَانُ بَعْدُ فِي قَوْلِهِ { بِاسْمِ اللَّهِ مَجْرَاهَا وَمُرْسَاهَا } ثُمَّ قَوْلُهُ { وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ثُمَّ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ يَنْزِلُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِبَسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ مَعَ كُلِّ سُورَةٍ ، وَقَدْ ثَبَتَتْ فِي سَوَادِ الْمُصْحَفِ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ فَهِيَ مِنْ الْقُرْآنِ ، قَالَ وَلَا نَلْتَزِمُ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا آيَةٌ مِنْ كُلِّ سُورَةٍ وَلَا مِنْ الْفَاتِحَةِ بَلْ هِيَ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ مُقْتَرِنَةٌ مَعَ السُّورَةِ وَهُوَ قَوْلُ دَاوُد وَأَبِي حَنِيفَةَ وَهُوَ قَوْلٌ بَيِّنُ الْقُوَّةِ لِمَنْ أَنْصَفَ ، ( قُلْت ) إذَا كَانَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ نَزَلَ بِهَا مَعَ كُلِّ سُورَةٍ فَهِيَ مِنْ السُّورَةِ إذْ لَيْسَتْ سُورَةً مُنْفَرِدَةً بِالْإِجْمَاعِ وَإِلَّا يَزِيدُ عَدَدُ السُّوَرِ عَمَّا ذَكَرُوهُ زِيَادَةً كَثِيرَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ ) قَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي قَوْلِهِ { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك } أَيْ إنَّك لَا تَقْرَأْهُ بِحَوْلِك وَلَا بِصِفَةِ نَفْسِك وَلَا بِمَعْرِفَتِك وَلَكِنْ اقْرَأْ مُفْتَتِحًا بِاسْمِ رَبِّك مُسْتَعِينًا بِهِ فَهُوَ يُعَلِّمُك كَمَا خَلَقَك وَكَمَا نَزَعَ عَنْك عَلَقَ الدَّمِ وَمَغْمَزَ الشَّيْطَانِ بَعْدَ مَا خَلَقَهُ فِيك كَمَا خَلَقَهُ فِي كُلِّ إنْسَانٍ فَالْآيَتَانِ الْمُتَقَدِّمَتَانِ لِمُحَمَّدٍ وَالْآخِرَتَانِ لِأُمَّتِهِ وَهُمَا قَوْلُهُ { الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ } ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ أُمَّةً أُمِّيَّةً لَا تَكْتُبُ فَصَارُوا أَهْلَ كِتَابٍ وَأَصْحَابَ قَلَمٍ ، فَتَعَلَّمُوا الْقُرْآنَ بِالْقَلَمِ وَتَعَلَّمَهُ نَبِيُّهُمْ تَلَقِّيًا مِنْ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَى قَلْبِهِ بِإِذْنِ اللَّهِ لِيَكُونَ مِنْ الْمُرْسَلِينَ انْتَهَى . ( الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ ) قَوْلُهُ { فَرَجَعَ بِهَا } أَيْ بِالْآيَاتِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ قَوْلِهِ اقْرَأْ إلَى قَوْلِهِ يَعْلَمْ ، وَالرَّجَفَانُ الِاضْطِرَابُ وَشِدَّةُ الْحَرَكَةِ . ( التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ ) قَوْلُهُ { بَوَادِرُهُ } كَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ وَمُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ وَهُوَ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ بَعْدَهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ جَمْعُ بَادِرَةٍ وَهِيَ اللَّحْمَةُ الَّتِي بَيْنَ الْمَنْكِبِ وَالْعُنُقِ تَضْطَرِبُ عِنْدَ فَزَعِ الْإِنْسَانِ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَسَائِرُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ ، ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ أَيْضًا يَرْجُفُ فُؤَادُهُ وَهُوَ الْقَلْبُ عَلَى الْمَشْهُورِ وَقِيلَ بَاطِنُهُ وَقِيلَ غِشَاؤُهُ وَقِيلَ عَيْنُهُ وَقِيلَ الْقَلْبُ مُضْغَةٌ مِنْ الْفُؤَادِ مُعَلَّقَةٌ بِالنِّيَاطِ وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَكَأَنَّ الرَّجَفَانَ فِي الْبَوَادِرِ وَالْفُؤَادِ وَلَعَلَّ رَجَفَانَ الْفُؤَادِ مُلَازِمٌ لِرَجَفَانِ الْبَوَادِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ النَّوَوِيُّ وَعِلْمُ خَدِيجَةَ بِرَجَفَانِ فُؤَادِهِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا رَأَتْهُ حَقِيقَةٌ ، وَيَجُوزُ أَنَّهَا لَمْ تَرَهُ وَعَلِمَتْهُ بِقَرَائِنِ وَصُورَةِ الْحَالِ . ( الثَّلَاثُونَ ) قَوْلُهُ { زَمِّلُونِي زَمِّلُونِي } كَذَا هُوَ فِي الرِّوَايَاتِ مُكَرَّرًا مَرَّتَيْنِ وَمَعْنَاهُ غَطَّوْنِي بِالثِّيَابِ وَلُفُّونِي بِهَا وَالرَّوْعُ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الْفَزَعُ . ( الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) قَالَ بَعْضُهُمْ فِي كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُخْبِرْ بِشَيْءٍ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْأَلَ الْفَازِعُ عَنْ شَيْءٍ مِنْ أَمْرِهِ مَا دَامَ فِي حَالِ فَزَعِهِ ، وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ أَنَّ الْمَذْعُورَ لَا يَلْزَمُهُ بَيْعٌ وَلَا إقْرَارٌ وَلَا غَيْرُهُ فِي حَالِ فَزَعِهِ . ( الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) قَوْلُهُ { قَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي } قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ لَيْسَ هُوَ بِمَعْنَى الشَّكِّ فِيمَا أَتَاهُ مِنْ اللَّهِ لَكِنَّهُ رُبَّمَا خَشِيَ أَنَّهُ لَا يَقْوَى عَلَى مُقَاوَمَةِ هَذَا الْأَمْرِ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى حَمْلِ أَعْبَاءِ الْوَحْيِ فَتَزْهَقُ نَفْسُهُ أَوْ يَكُونُ هَذَا لِأَوَّلِ مَا رَأَى التَّبَاشِيرَ فِي النَّوْمِ وَالْيَقِظَةِ وَسَمِعَ الصَّوْتَ قَبْلَ لِقَاءِ الْمَلَكِ وَتَحَقُّقِهِ رِسَالَةَ رَبِّهِ فَيَكُونُ خَافَ أَنْ يَكُونَ مِنْ الشَّيْطَانِ فَأَمَّا مُنْذُ جَاءَهُ الْمَلَكُ بِرِسَالَةِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَلَا يَجُوزُ عَلَيْهِ الشَّكُّ فِيهِ وَلَا يَخْشَى مِنْ تَسَلُّطِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا الطَّرِيقِ يُحْمَلُ جَمِيعُ مَا وَرَدَ مِنْ مِثْلِ هَذَا فِي حَدِيثِ الْمَبْعَثِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّهُ خِلَافُ تَصْرِيحِ الْحَدِيثِ بِأَنَّ هَذَا كَانَ بَعْدَ غَطِّ الْمَلَكِ وَإِتْيَانِهِ بِاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك انْتَهَى . قَالَ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْقَاضِي وَيَكُونُ مَعْنَى خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي أَنَّهُ يُخْبِرُهَا بِمَا حَصَلَ لَهُ أَوَّلًا مِنْ الْخَوْفِ لَا أَنَّهُ فِي الْحَالِ خَائِفٌ . وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ تَكَلَّمَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى هَذِهِ الْخَشْيَةِ بِأَقْوَالٍ كَثِيرَةٍ فَذَهَبَ أَبُو بَكْرٍ الْإِسْمَاعِيلِيُّ إلَى أَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ أَنْ يَحْصُلَ لَهُ الْعِلْمُ بِأَنَّ الَّذِي جَاءَهُ مَلَكٌ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ وَكَانَ أَشَقُّ شَيْءٍ عَلَيْهِ أَنْ يُقَالَ عَنْهُ مَجْنُونٌ ، قَالَ وَلَمْ يَرَ الْإِسْمَاعِيلِيُّ أَنَّ هَذَا مُحَالٌ فِي مَبْدَأِ الْأَمْرِ ؛ لِأَنَّ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ قَدْ لَا يَحْصُلُ دَفْعَةً وَاحِدَةً وَضَرَبَ مَثَلًا بِالْبَيْتِ مِنْ الشِّعْرِ تَسْمَعُ أَوَّلَهُ فَلَا تَدْرِي أَنَظْمٌ هُوَ أَمْ نَثْرٌ ، فَإِذَا اسْتَمَرَّ الْإِنْشَادُ عَلِمْتَ قَطْعًا أَنَّهُ قَصَدَ بِهِ قَصْدَ الشِّعْرِ كَذَلِكَ لَمَّا اسْتَمَرَّ الْوَحْيُ وَاقْتَرَنَتْ بِهِ الْقَرَائِنُ الْمُقْتَضِيَةُ لِلْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ حَصَلَ الْعِلْمُ الْقَطْعِيُّ ، وَقَدْ أَثْنَى اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَذَا الْعِلْمِ ، فَقَالَ { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ } إلَى قَوْلِهِ { وَمَلَائِكَتِهِ } فَإِيمَانُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِاَللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ إيمَانٌ كَسْبِيٌّ مَوْعُودٌ عَلَيْهِ بِالثَّوَابِ الْجَزِيلِ كَمَا وَعَدَ عَلَى سَائِرِ أَفْعَالِهِ الْمُكْتَسَبَةِ كَانَتْ مِنْ أَفْعَالِ الْقَلْبِ أَوْ الْجَوَارِحِ ، قَالَ وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ { لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي } أَيْ خَشِيتُ أَنْ لَا أَنْتَهِضَ بِأَعْبَاءِ النُّبُوَّةِ وَأَنْ أَضْعُفَ عَنْهَا ثُمَّ أَزَالَ اللَّهُ خَشْيَتَهُ وَرَزَقَهُ الْأَيْدَ وَالْقُوَّةَ وَالثَّبَاتَ وَالْعِصْمَةَ ، وَقَدْ قِيلَ إنَّ خَشْيَتَهُ كَانَتْ مِنْ قَوْمِهِ أَنْ يَقْتُلُوهُ وَلَا غَرْوَ فَإِنَّهُ بَشَرٌ يَخْشَى مِنْ الْقَتْلِ وَالْإِذَايَةِ الشَّدِيدَةِ مَا يَخْشَاهُ الْبَشَرُ ثُمَّ يُهَوِّنُ عَلَيْهِ الصَّبْرُ فِي ذَاتِ اللَّهِ كُلَّ خَشْيَةٍ وَيَجْلِبُ إلَى قَلْبِهِ كُلَّ شُجَاعَةٍ وَقُوَّةٍ انْتَهَى . ( الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) فِيهِ أَنَّهُ مَنْ نَزَلَتْ بِهِ مُلِمَّةٌ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُشَارِكَ فِيهَا مَنْ يَثِقُ بِنُصْحِهِ وَرَأْيِهِ وَمَعْرِفَتِهِ . ( الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) قَوْلُهَا { كَلًّا } بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مَقْصُورٌ وَهِيَ هُنَا كَلِمَةُ نَفْيٍ وَإِبْعَادٍ وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِيهَا ، وَقَدْ تَكُونُ بِمَعْنَى حَقًّا وَبِمَعْنَى الاستفتاحية ، وَقَوْلُهَا { أَبْشِرْ } يَجُوزُ فِيهِ قَطْعُ الْهَمْزَةِ وَوَصْلُهَا يُقَالُ بَشَّرْته وَأَبْشَرْتُهُ وَبَشَّرْته بِمَعْنًى ثَلَاثُ لُغَاتٍ . ( الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) قَوْلُهَا { لَا يُخْزِيك اللَّهُ } ضَبَطْنَاهُ فِي رِوَايَتِنَا بِضَمِّ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبَعْدَ الزَّايِ يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتُ أَيْضًا مِنْ الْخِزْيِ وَهُوَ الْفَضِيحَةُ وَالْهَوَانُ ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ رِوَايَتَنَا هِيَ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ لَكِنْ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ رَوَاهُ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ وَعُقَيْلٍ ، وَرَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ بِلَفْظِ { يُحْزِنُك } بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالنُّونِ وَيَجُوزُ حِينَئِذٍ فَتْحُ أَوَّلِهِ وَضَمُّ ثَالِثِهِ ، وَضَمُّ أَوَّلِهِ وَكَسْرُ ثَالِثِهِ فَإِنَّهُ يُقَالُ مِنْ الْحُزْنِ حَزَنَهُ وَأَحْزَنَهُ ثُلَاثِيٌّ وَرُبَاعِيٌّ هَكَذَا ضَبَطَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ عَنْ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ وَقَعَ لَهُمَا فِي ذَلِكَ الْخَلَلُ أَوْ فِي ضَبْطِنَا أَوْ عَنْ مَعْمَرٍ رِوَايَتَانِ . ( السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) قَوْلُهَا { إنَّك لَتَصِلُ الرَّحِمَ } بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ قَالَ النَّوَوِيُّ كَذَا الرِّوَايَةُ وَهُوَ الصَّوَابُ انْتَهَى . وَصِلَةُ الرَّحِمِ الْإِحْسَانُ إلَى الْأَقَارِبِ عَلَى حَسَبِ حَالِ الْوَاصِلِ وَالْمَوْصُولِ فَتَارَةً يَكُونُ بِالْمَالِ وَتَارَةً يَكُونُ بِالْخِدْمَةِ وَتَارَةً بِالزِّيَارَةِ وَالسَّلَامِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . ( السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) قَوْلُهَا { وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ } بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ ثَانِيهِ وَضَمِّ ثَالِثِهِ يُقَالُ صَدَقَ الْحَدِيثَ وَصَدَقَ فِي الْحَدِيثِ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ وَبِحَرْفِ الْجَرِّ . ( الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) الْكَلُّ بِفَتْحِ الْكَافِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ وَأَصْلُهُ النَّقْلُ وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { وَهُوَ كَلٌّ عَلَى مَوْلَاهُ } وَهُوَ مِنْ الْكَلَالِ وَهُوَ الْإِعْيَاءُ وَيَدْخُلُ فِي حَمْلِ الْكَلِّ الْإِنْفَاقُ عَلَى الضَّعِيفِ وَالْيَتِيمِ وَالْعِيَالِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . ( التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) قَوْلُهَا { وَتَقْرِي الضَّيْفَ } بِفَتْحِ أَوَّلِهِ يُقَالُ قَرَيْتُ الضَّيْفَ أَقْرِيهِ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ قِرًى بِكَسْرِ الْقَافِ مَقْصُورٌ وَبِفَتْحِهَا مَمْدُودٌ وَيُقَالُ لِلطَّعَامِ الَّذِي يُضَيَّفُ بِهِ قِرًى بِالْكَسْرِ وَالْقَصْرِ وَيُقَالُ لِفَاعِلِهِ قَارٍ كَقَاضٍ . ( الْأَرْبَعُونَ ) النَّوَائِبُ جَمْعُ نَائِبَةٍ وَهِيَ الْحَادِثَةُ وَإِنَّمَا قَالَتْ نَوَائِبُ الْحَقِّ ؛ لِأَنَّ النَّائِبَةَ قَدْ تَكُونُ فِي الْخَيْرِ ، وَقَدْ تَكُونُ فِي الشَّرِّ قَالَ لَبِيدٌ نَوَائِبُ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ كِلَاهُمَا فَلَا الْخَيْرُ مَمْدُودٌ وَلَا الشَّرُّ لَازِبُ . ( الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَى كَلَامِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { إنَّك لَا يُصِيبُك مَكْرُوهٌ } لَمَّا جَعَلَ اللَّهُ فِيهِمْ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَكَرَمِ الشَّمَائِلِ وَذَكَرْت ضُرُوبًا مِنْ ذَلِكَ ، وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَخِصَالَ الْخَيْرِ سَبَبٌ لِلسَّلَامَةِ مِنْ مَصَارِعِ السُّوءِ . ( الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) فِيهِ مَدْحُ الْإِنْسَانِ فِي وَجْهِهِ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ لِمَصْلَحَةٍ تَقْتَضِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَلَيْسَ بِمُعَارِضٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اُحْثُوَا التُّرَابَ فِي وُجُوهِ الْمَدَّاحِينَ } وَإِنَّمَا أَرَادَ بِذَلِكَ إذَا مَدَحُوا بِالْبَاطِلِ وَبِمَا لَيْسَ فِي الْمَمْدُوحِ . ( الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) وَفِيهِ تَأْنِيسُ مَنْ حَصَلَتْ لَهُ مَخَافَةٌ مِنْ أَمْرٍ وَتَبْشِيرُهُ وَذِكْرُ أَسْبَابِ السَّلَامَةِ . ( الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَمَالِ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَجَزَالَةِ رَأْيِهَا وَقُوَّةِ نَفْسِهَا وَثَبَاتِ قَلْبِهَا وَعِظَمِ فِقْهِهَا . ( الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) قَوْلُهُ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ خَدِيجَةَ يُكْتَبُ بِالْأَلِفِ فَإِنَّهُ لَيْسَ بَيْنَ عَلَمَيْنِ . ( السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) قَوْلُهَا { وَكَانَ امْرَءًا تَنَصَّرَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ } أَيْ صَارَ نَصْرَانِيًّا وَتَرَكَ عِبَادَةَ الْأَوْثَانِ وَفَارَقَ طَرِيقَ الْجَاهِلِيَّةِ . وَالْجَاهِلِيَّةُ مَا كَانَ قَبْلَ نُبُوَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ فَاحِشِ الْجَهَالَاتِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ ( قُلْت ) ظَاهِرُ كَلَامِهِمْ فِيمَنْ عَاشَ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ سِتِّينَ سَنَةً فِي الْإِسْلَامِ وَسِتِّينَ سَنَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ وَغَيْرِهِ أَمْ مُرَادُهُمْ بِالْجَاهِلِيَّةِ مَا قَبْلَ فُشُوِّ الْإِسْلَامِ فَإِنَّ هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ مَاتُوا سَنَةَ أَرْبَعٍ وَخَمْسِينَ مِنْ الْهِجْرَةِ فَسَمَّوْا الزَّائِدَ عَلَى سِتِّ سِنِينَ مِمَّا قَبْلَ الْهِجْرَةِ جَاهِلِيَّةً لِانْتِشَارِ الْجَاهِلِيَّةِ وَفُشُوِّ أَمْرِهَا قَبْلَ فُشُوِّ الْإِسْلَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) قَوْلُهَا { وَكَانَ يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعَرَبِيَّ } فَكَتَبَ بِالْعَرَبِيَّةِ مِنْ الْإِنْجِيلِ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ يَكْتُبَ هَكَذَا هُوَ فِي رِوَايَتِنَا وَرِوَايَةِ مُسْلِمٍ . ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي أَوَّلِ صَحِيحِهِ { يَكْتُبُ الْكِتَابَ الْعِبْرَانِيَّ فَيَكْتُبُ مِنْ الْإِنْجِيلِ بِالْعِبْرَانِيَّةِ } . قَالَ النَّوَوِيُّ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَحَاصِلُهُمَا أَنَّهُ تَمَكَّنَ مِنْ مَعْرِفَةِ دَيْنِ النَّصَارَى بِحَيْثُ صَارَ يَتَصَرَّفُ فِي الْإِنْجِيلِ فَيَكْتُبُ أَيَّ مَوْضِعٍ شَاءَ مِنْهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ إنْ شَاءَ وَبِالْعَرَبِيَّةِ إنْ شَاءَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) قَوْلُهَا { أَيْ } بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ حَرْفُ نِدَاءٍ لِلْبَعِيدِ مَسَافَةً أَوْ حُكْمًا فَنَادَتْهُ نِدَاءَ الْبَعِيدِ مَعَ قُرْبِهِ ؛ لِأَنَّهُ فِي حُكْمِ الْبَعِيدِ لِضَرُورَةٍ فَإِنَّهُ كَانَ أَعْمَى كَمَا فِي الْحَدِيثِ ، وَقَوْلُهَا { ابْنَ عَمِّ } مَنْصُوبٌ عَلَى النِّدَاءِ وَهَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ { أَيْ عَمِّ } قَالَ النَّوَوِيُّ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُ ابْنُ عَمِّهَا حَقِيقَةً فَإِنَّهُ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلِ بْنِ أَسَدٍ وَهِيَ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدِ بْنِ أَسَدٍ وَسَمَّتْهُ عَمًّا مَجَازًا لِلِاحْتِرَامِ وَهَذِهِ عَادَةُ الْعَرَبِ فِي آدَابِ خِطَابِهِمْ يُخَاطِبُ الصَّغِيرُ الْكَبِيرَ بِيَا عَمِّ احْتِرَامًا لَهُ وَرَفْعًا لِمَرْتَبَتِهِ وَلَا يَحْصُلُ هَذَا الْغَرَضُ بِقَوْلِهَا يَا ابْنَ عَمِّ فَعَلَى هَذَا تَكُونُ تَكَلَّمْت بِاللَّفْظَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) قَوْلُ وَرَقَةَ { ابْنَ أَخِي } مَنْصُوبٌ عَلَى النِّدَاءِ وَحَرْفُ النِّدَاءِ مَحْذُوفٌ أَيْ يَا ابْنَ أَخِي وَالصَّحِيحُ عِنْدَ ابْنِ مَالِكٍ جَوَازُ حَذْفِ حَرْفِ النِّدَاءِ مَعَ اسْمِ الْجِنْسِ عَلَى قِلَّةٍ وِفَاقًا لِلْكُوفِيِّينَ . وَقَالَ الْبَصْرِيُّونَ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلَّا فِي شُذُوذٍ أَوْ ضَرُورَةٍ . ( الْخَمْسُونَ ) النَّامُوسُ بِالنُّونِ وَالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُرَادُ بِهِ هُنَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا نَقَلَ النَّوَوِيُّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ قَالَ الْهَرَوِيُّ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَصَّهُ بِالْغَيْبِ وَالْوَحْيِ ، قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ : النَّامُوسُ فِي اللُّغَةِ صَاحِبُ سِرِّ الْخَيْرِ وَالْجَاسُوسُ صَاحِبُ سِرِّ الشَّرِّ وَيُقَالُ نَمَسَتْ السِّرَّ بِفَتْحِ النُّونِ وَالْمِيمِ أَنَمِسُهُ بِكَسْرِ الْمِيمِ نَمْسًا أَيْ كَتَمْته وَنَمَسْت الرَّجُلَ وَنَامَسْتُهُ سَارَرْته . ( الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ ) قَوْلُهُ { الَّذِي أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى } كَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَرَوَيْنَاهُ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ نَزَلَ عَلَى عِيسَى وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ انْتَهَى . وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ إنَّمَا ذَكَرَ مُوسَى وَلَمْ يَذْكُرْ عِيسَى وَهُوَ أَقْرَبُ ؛ لِأَنَّ وَرَقَةَ كَانَ قَدْ تَنَصَّرَ وَالنَّصَارَى لَا يَقُولُونَ فِي عِيسَى إنَّهُ نَبِيٌّ يَأْتِيهِ جِبْرِيلُ إنَّمَا يَقُولُونَ فِيهِ أُقْنُومًا مِنْ الْأَقَانِيمِ الثَّلَاثَةِ اللَّاهُوتِيَّةِ حَلَّ بِنَاسُوتِ الْمَسِيحِ وَاتَّحَدَ بِهِ عَلَى اخْتِلَافٍ بَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ الْحُلُولِ ؛ وَهُوَ أُقْنُومُ الْكَلِمَةِ وَالْكَلِمَةُ عِنْدَهُمْ عِبَارَةٌ عَنْ الْعِلْمِ فَلِذَلِكَ كَانَ الْمَسِيحُ فِي عِلْمِهِمْ يَعْلَمُ الْغَيْبَ وَيُخْبِرُ بِمَا فِي غَدٍ ، فَلَمَّا كَانَ هَذَا مِنْ مَذْهَبِ النَّصَارَى الْكَذَبَةِ عَلَى اللَّهِ الْمُدَّعِينَ الْمُحَالَ عَدَلَ عَنْ عِيسَى إلَى مُوسَى لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ جِبْرِيلَ كَانَ يَنْزِلُ عَلَى مُوسَى لَكِنْ وَرَقَةُ قَدْ ثَبَتَ إيمَانُهُ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { رَآهُ فِي الْمَنَامِ وَعَلَيْهِ ثِيَابٌ بِيضٌ } ( قُلْت ) ، وَرَوَى أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ مُجَالِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سُئِلَ عَنْ وَرَقَةَ بْنِ نَوْفَلٍ ، فَقَالَ أَبْصَرْتُهُ فِي بُطْنَانِ الْجَنَّةِ عَلَيْهِ سُنْدُسٌ } ، وَرَوَى الْبَزَّارُ أَيْضًا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَسُبُّوا وَرَقَةَ فَإِنِّي رَأَيْت لَهُ جَنَّةً أَوْ جَنَّتَيْنِ } وَالظَّاهِرُ أَنَّ وَرَقَةَ لَمْ يَكُنْ مُتَمَسِّكًا بِالْمُبْدَلِ مِنْ النَّصْرَانِيَّةِ وَإِنَّمَا كَانَ مُتَمَسِّكًا بِالصَّحِيحِ مِنْهَا الَّذِي هُوَ عَلَى الْحَقِّ فَلَمْ يَكُنْ يَعْتَقِدُ هَذَا الِاعْتِقَادَ فَيُحْتَمَلُ عِنْدِي أَنْ يُجَابَ عَنْ ذِكْرِ مُوسَى دُونَ عِيسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ بِأَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ جَاءَ لِمُوسَى بِشَرِيعَةٍ مُبْتَدَأَةٍ غَيْرِ مَبْنِيَّةٍ عَلَى شَرِيعَةٍ قَبْلَهَا وَكَذَا كَانَ مَجِيئُهُ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخِلَافِ عِيسَى فَإِنَّهُ إنَّمَا جَاءَهُ بِشَرِيعَةٍ مُقَرِّرَةٍ لِلشَّرِيعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَهِيَ شَرِيعَةُ مُوسَى لَا تُخَالِفُهَا إلَّا فِي يَسِيرٍ مِنْ الْأَحْكَامِ وَلَعَلَّ هَذَا هُوَ السَّبَبُ فِي قَوْلِ الْجِنِّ الْمُسْتَمِعِينَ لِلْقُرْآنِ { إنَّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى } فَذَكَرُوا مُوسَى وَلَمْ يَذْكُرُوا عِيسَى وَهُوَ أَقْرَبُ وَهُوَ نَظِيرُ هَذَا الْحَدِيثِ سَوَاءً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ ) قَوْلُهُ { يَا لَيْتَنِي فِيهَا } أَيْ فِي أَيَّامِ النُّبُوَّةِ وَمُدَّتِهَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ أَيَّامَ الْمُحَارَبَةِ وَالدَّعْوَةِ فَإِنَّهُ قَدْ أَدْرَكَ مَبْدَأَ النُّبُوَّةِ ، وَقَوْلُهُ جَذَعًا بِالْجِيمِ وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ يَعْنِي شَابًّا قَوِيًّا حَتَّى أُبَالِغَ فِي نُصْرَتِك ، وَالْأَصْلُ فِي الْجَذَعِ لِلدَّوَابِّ وَهُوَ هُنَا اسْتِعَارَةٌ وَالرِّوَايَةُ عِنْدَ الْمُصَنِّفِ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا { جَذَعًا } بِالنَّصْبِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ فِي مُسْلِمٍ { جَذَعٌ } بِالرَّفْعِ . وَكَذَلِكَ هُوَ فِي رِوَايَةِ الْأَصِيلِيِّ فِي الْبُخَارِيِّ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ ظَاهِرَةُ التَّوْجِيهِ وَأَمَّا النَّصْبُ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَوْجِيهِهِ ، فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْمَازِرِيُّ وَغَيْرُهُمَا نُصِبَ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ الْمَحْذُوفَةِ تَقْدِيرُهُ لَيْتَنِي أَكُونُ فِيهَا جَذَعًا وَهَذَا يَجِيءُ عَلَى مَذْهَبِ الْكُوفِيِّينَ ( قُلْت ) وَاخْتَارَ ابْنُ مَالِكٍ جَوَازَهُ عَلَى قِلَّةٍ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بَعْدَ أَنْ وَلَوْ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ مِنْ لَدُ شَوْلًا فَإِلَى ائْتِلَافِهَا أَيْ مِنْ لَدُنْ كَانَتْ شَوْلًا إلَى أَنْ تَلَاهَا وَلَدُهَا . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : الظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ وَخَبَرُ لَيْتَ قَوْلُهُ : فِيهَا . قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا الَّذِي اخْتَارَهُ الْقَاضِي هُوَ الصَّحِيحُ الَّذِي اخْتَارَهُ أَهْلُ التَّحْقِيقِ وَالْمَعْرِفَةِ مِنْ شُيُوخِنَا وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ يُعْتَمَدُ . ( الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ ) قَوْلُهُ { أَكُونُ حَيًّا حِينَ يُخْرِجُك قَوْمُك } أَيْ يَضْطَرُّونَك لِلْخُرُوجِ كَمَا وَقَعَ فِي الْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِينَةِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُبَاشِرُوا إخْرَاجَهُ بَلْ حَرَصُوا عَلَى عَدَمِ خُرُوجِهِ وَلَكِنَّهُمْ اضْطَرُّوهُ إلَى ذَلِكَ بِمَا فَعَلُوهُ مَعَهُ مِنْ الْأَذَى وَمَنْعِهِ إقَامَةَ الدِّينِ وَعِبَادَةِ رَبِّهِ ، وَفِي التَّنْزِيلِ { وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ } { أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِك الَّتِي أَخْرَجَتْك } . ( الرَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ ) قَوْلُهُ { أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ } بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْوَاوِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْيَاءِ وَتَشْدِيدِهَا وَهُوَ جَمْعُ مُخْرِجٍ وَأَصْلُهُ مُخْرِجُويَ فَأُدْغِمَتْ الْوَاوُ فِي الْيَاءِ فَالْيَاءُ الْأُولَى يَاءُ الْجَمْعِ وَالثَّانِيَةُ ضَمِيرُ الْمُتَكَلِّمِ وَفُتِحَتْ لِلتَّخَفُّفِ لِئَلَّا تَجْتَمِعَ الْكَسْرَةُ وَالْيَاءَانِ بَعْدَ كَسْرَتَيْنِ قَالَ النَّوَوِيُّ هَكَذَا الرِّوَايَةُ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ الْيَاءِ عَلَى وَجْهٍ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ تَشْدِيدُهَا وَهُوَ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى { بِمُصْرِخِيَّ } . ( الْخَامِسَةُ وَالْخَمْسُونَ ) قَوْلُ وَرَقَةَ { نَعَمْ } يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلِمَهُ مِنْ كُتُبِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَعُلَمَائِهِمْ فَقَالَهُ بِنَقْلٍ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ قَالَهُ بِاسْتِقْرَاءٍ وَتَجْرِبَةٍ فَعَلَى الْأَوَّلِ قَوْلُهُ { لَمْ يَأْتِ رَجُلٌ قَطُّ بِمَا جِئْتَ بِهِ إلَّا عُودِيَ } خَرَجَ مَخْرَجَ التَّسْلِيَةِ لَهُ وَأَنَّ هَذَا شَأْنُ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَك أَذَى قَوْمِهِمْ لَهُمْ وَصَبْرُهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ هَذَا الْكَلَامُ خَرَجَ مَخْرَجَ الدَّلِيلِ وَالِاسْتِشْهَادِ بِصِحَّةِ مَا قَالَهُ . ( السَّادِسَةُ وَالْخَمْسُونَ ) فِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ وَرَقَةَ قَالَ { لَتُكَذِّبَنَّهُ وَلَتُؤْذِيَنَّهُ وَلَتُخْرِجَنَّهُ } ، فَقَالَ أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ ، فَقَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى حُبِّ الْوَطَنِ وَشِدَّةِ مُفَارَقَتِهِ عَلَى النَّفْسِ فَإِنَّهُ قَالَ لَهُ { لَتُكَذِّبَنَّهُ } فَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ { وَلَتُؤْذِيَنَّهُ } فَلَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا ثُمَّ قَالَ { وَلَتُخْرِجَنَّهُ } ، فَقَالَ أَوَ مُخْرِجِيَّ هُمْ قَالَ وَأَيْضًا فَإِنَّهُ حَرَمُ اللَّهِ وَجِوَارُ بَيْتِهِ وَبَلْدَةُ أَبِيهِ إسْمَاعِيلَ ؛ فَلِذَلِكَ تَحَرَّكَتْ نَفْسُهُ عِنْدَ ذِكْرِ الْخُرُوجِ مِنْهُ مَا لَمْ تَتَحَرَّكْ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ وَالْمَوْضِعُ الدَّالُ عَلَى تَحَرُّكِ النَّفْسِ وَتَحَرُّقِهَا إدْخَالُ الْوَاوِ بَعْدَ أَلْفِ الِاسْتِفْهَامِ مَعَ اخْتِصَاصِ الْإِخْرَاجِ بِالسُّؤَالِ عَنْهُ وَذَلِكَ أَنَّ الْوَاوَ تُرَدُّ إلَى الْكَلَامِ الْمُتَقَدِّمِ وَتُشْعِرُ الْمُخَاطَبَ بِأَنَّ الِاسْتِفْهَامَ عَلَى جِهَةِ الْإِنْكَارِ أَوْ التَّكَلُّفِ لِكَلَامِهِ وَالتَّأَلُّمِ مِنْهُ انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ اسْتَبْعَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُخْرِجُوهُ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ فِيمَا مَضَى وَلَا فِيمَا بَعْدَهُ سَبَبٌ يَقْتَضِي إخْرَاجًا بَلْ كَانَتْ مِنْهُ الْأَسْبَابُ الْمُتَكَاثِرَاتُ وَالْمَحَاسِنُ الْمُتَظَاهِرَاتُ الْمُوجِبَاتُ إكْرَامَهُ وَإِنْزَالَهُ بِأَعْلَى الدَّرَجَاتِ انْتَهَى . ( السَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ ) قَوْلُهُ { وَإِنْ يُدْرِكْنِي يَوْمُك } كَذَا فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ وَالصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا . ، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ { إنْ أُدْرِكْ ذَلِكَ الْيَوْمَ } قَالَ السُّهَيْلِيُّ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْقِيَاسُ ؛ لِأَنَّ وَرَقَةَ سَابِقٌ بِالْوُجُودِ وَالسَّابِقُ هُوَ الَّذِي يُدْرِكُهُ مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ كَمَا جَاءَ { أَشْقَى النَّاسِ مَنْ أَدْرَكَتْهُ السَّاعَةُ وَهُوَ حَيٌّ } قَالَ وَرِوَايَةُ ابْنِ إِسْحَاقَ لَهَا أَيْضًا وَجْهٌ ؛ لِأَنَّ الْمَعْنَى إنْ أَرَ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَسَمَّى رُؤْيَتَهُ إدْرَاكًا ، وَفِي التَّنْزِيلِ { لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ } أَيْ لَا تَرَاهُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ انْتَهَى . وَقَوْلُهُ { يَوْمُك } أَيْ وَقْتُ إخْرَاجِك أَوْ وَقْتُ انْتِشَارِ نُبُوَّتِك . ( الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ ) قَوْلُهُ { مُؤَزَّرًا } بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالزَّايِ وَتَشْدِيدِهَا وَبَعْدِهَا رَاءٌ مُهْمَلَةٌ أَيْ قَوِيًّا بَالِغًا مِنْ الْأَزْرِ وَهُوَ الْقُوَّةُ وَالْعَوْنُ ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ كَذَا جَاءَتْ الرِّوَايَةُ مُؤَزَّرًا قَالَ بَعْضُهُمْ أَصْلُهُ مُوزَرًا ؛ لِأَنَّهُ مِنْ وَازَرْتُ أَيْ عَاوَنْت وَيُقَالُ فِيهِ آزَرْت قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْأَلِفَ سَقَطَتْ إذْ لَا أَصْلَ لِمُؤَزَّرٍ فِي الْكَلَامِ ، وَرَجَّحَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْأَوَّلَ قَالَ وَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ هَذَا الْقَائِلُ لَكَانَ صَوَابُ الْكَلَامِ مُؤَزِّرًا بِكَسْرِ الزَّايِ ، وَذَكَرَ فِي الْمَشَارِقِ أَنَّ قَوْلَهُ مُؤَزَّرًا يُهْمَزُ وَيُسَهَّلُ . ( التَّاسِعَةُ وَالْخَمْسُونَ ) قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي نُكَتِ ابْنِ الصَّلَاحِ يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّ أَوَّلَ مَنْ آمَنَ مِنْ الرِّجَالِ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّ فِيهِ أَنَّ الْوَحْيَ نَزَلَ فِي حَيَاةِ وَرَقَةَ وَأَنَّهُ آمَنَ بِهِ وَصَدَّقَهُ ، وَذَكَرَهُ فِي الصَّحَابَةِ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ مَنْدَهْ ، وَقَالَ اُخْتُلِفَ فِي إسْلَامِهِ قَالَ وَالِدِي وَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى إسْلَامِهِ . وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ أَوَّلُ مَنْ آمَنَ خَدِيجَةُ ثُمَّ عَلِيٌّ وَهُوَ ابْنُ عَشْرِ سِنِينَ ثُمَّ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ثُمَّ أَبُو بَكْرٍ فَأَظْهَرَ إسْلَامَهُ ، وَحَكَى وَالِدِي كَوْنَ عَلِيٍّ أَوَّلَ ذَكَرٍ أَسْلَمَ عَنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ . وَقَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا بَيْنَ أَصْحَابِ التَّوَارِيخِ أَنَّ عَلِيًّا أَوَّلُهُمْ إسْلَامًا وَأَنْكَرَ هَذَا الْإِجْمَاعَ عَلَى الْحَاكِمِ ، وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ أَوَّلُ الصَّحَابَةِ إسْلَامًا وَقِيلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَادَّعَى الثَّعْلَبِيُّ اتِّفَاقَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ خَدِيجَةُ وَأَنَّ اخْتِلَافَهُمْ إنَّمَا هُوَ فِي أَوَّلِ مَنْ أَسْلَمَ بَعْدَهَا قَالَ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ وَالْأَوْرَعُ أَنْ يُقَالَ أَوَّلُ مَنْ أَسْلَمَ مِنْ الرِّجَالِ الْأَحْرَارِ أَبُو بَكْرٍ وَمِنْ الصِّبْيَانِ الْأَحْدَاثِ عَلِيٌّ وَمِنْ النِّسَاءِ خَدِيجَةُ وَمِنْ الْمَوَالِي زَيْدٌ وَمِنْ الْعَبِيدِ بِلَالٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السِّتُّونَ ) ( إنْ قُلْت ) مَا وَجْهُ إيرَادِ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ اعْتِكَافٍ وَلَا مُجَاوَرَةٍ وَإِنَّمَا فِيهِ التَّعَبُّدُ بِحِرَاءَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ التَّعَبُّدِ الِاعْتِكَافُ فَالْأَعَمُّ لَا يَدُلُّ عَلَى الْأَخَصِّ ( قُلْت ) قَدْ تَبَيَّنَ بِغَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ كَانَ يُجَاوِرُ بِهِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ حَدَّثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { جَاوَرْت بِحِرَاءَ شَهْرًا فَلَمَّا قَضَيْت جِوَارِي نَزَلْت } ، وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَرَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ مُرْسَلًا { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُجَاوِرُ فِي حِرَاءَ مِنْ كُلِّ سَنَةٍ شَهْرًا } ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْمُجَاوَرَةَ بِمَعْنَى الِاعْتِكَافِ أَمْ لَا ، فَإِنْ كَانَتْ بِمَعْنَى الِاعْتِكَافِ فَالْحَدِيثُ حِينَئِذٍ مُطَابِقٌ لِلتَّبْوِيبِ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الْمَكَانُ مِنْ حِرَاءَ مَسْجِدًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَحْتَجَّ بِهِ مِنْ يُجَوِّزُ اعْتِكَافَ الرَّجُلِ فِي مَسْجِدِ بَيْتِهِ وَهُوَ الْمَكَانُ الْمُهَيَّأُ لِلصَّلَاةِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الْمُجَاوَرَةِ غَيْرَ مَعْنَى الِاعْتِكَافِ فَالْمُجَاوَرَةُ مَذْكُورَةٌ فِي تَبْوِيبِ الْمُصَنِّفِ أَيْضًا ، وَلِذَلِكَ صَرَّحَ بِذِكْرِهَا فِي التَّبْوِيبِ وَعَطَفَهَا عَلَى الِاعْتِكَافِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . كِتَابُ الْحَجِّ - مَوَاقِيتُ الْإِحْرَامِ - عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ } وَقَالَ مَرَّةً { مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَأَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ قَالَ وَذَكَرَ لِي وَلَمْ أَسْمَعْهُ ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمُ } وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ } فَذَكَرَهُ وَقَالَ بَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمُ } وَوَصَلَ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ هُنَّ لَهُمْ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ } وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَحْسِبُهُ رَفَعَهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَيُهِلُّ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمُ } وَصَرَّحَ ابْنُ مَاجَهْ بِرَفْعِهِ بِلَفْظٍ { وَمُهَلُّ أَهْلِ الْمَشْرِقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ } وَفِيهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ يَزِيدَ الْخُوزِيُّ مَتْرُوكٌ وَلِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ } وَزَادَ النَّسَائِيّ فِيهِ { وَلِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ الْجُحْفَةُ وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ } وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ عُمَرَ السَّهْمِيِّ { وَقَّتَ ذَاتَ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ } وَلِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ } وَلِلْبُخَارِيِّ ( أَنَّ أَهْلَ الْعِرَاقِ حَدَّ لَهُمْ عُمَرُ ذَاتَ عِرْقٍ ) وَلِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدَائِنِ الْعَقِيقَ وَلِأَهْلِ الْبَصْرَةِ ذَاتَ عِرْقٍ } ( كِتَابُ الْحَجِّ مَوَاقِيتُ الْإِحْرَامِ ) عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ وَقَالَ مَرَّةً مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَأَهْلِ الشَّامِ مِنْ الْجُحْفَةِ وَأَهْلِ نَجْدٍ مِنْ قَرْنٍ قَالَ وَذَكَرَ لِي وَلَمْ أَسْمَعْهُ وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمُ } وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَذَكَرَهُ قَالَ وَبَلَغَنِي أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمُ } فِيهِ ( فَوَائِدُ ) " الْأُولَى " أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَقَّتَ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ ( يُهِلُّ ) بِلَفْظِ الْفِعْلِ مِنْ الْإِهْلَالِ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِلَفْظِ { مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ ، وَمُهَلُّ أَهْلِ الشَّامِ مَهْيَعَةَ وَهِيَ الْجُحْفَةُ وَمُهَلُّ أَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ } . { قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَزَعَمُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَلَمْ أَسْمَعْهُ وَمُهَلُّ أَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ } وَأَخْرُجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ خَلَا التِّرْمِذِيَّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ كَلَفْظِ الْمُصَنِّفِ إلَّا أَبَا دَاوُد فَإِنَّ لَفْظَهُ ( وَقَّتَ ) وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ { إنَّ رَجُلًا قَامَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ } فَذَكَرَهُ وَفِي آخِرِهِ { وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ لَمْ أَفْقَهْ هَذِهِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } لَفْظُ اللَّيْثِ وَالْآخَرُ قَرِيبٌ مِنْهُ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ طَرِيقٍ آخَرَ فَجَعَلَهُ مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَرِوَايَةُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ انْفَرَدَ بِهَا مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْهُ بِلَفْظِ { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ } إلَى آخِرِهِ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ { أَنَّهُ أَتَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ فِي مَنْزِلِهِ وَلَهُ فُسْطَاطٌ وَسُرَادِقٌ فَسَأَلْته مِنْ أَيْنَ يَجُوزُ أَنْ أَعْتَمِرَ ؟ قَالَ فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنًا وَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَاتَّفَقُوا كُلُّهُمْ عَلَى أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلَهُ وَيُهِلُّ أَهْلُ الْيَمَنِ مِنْ يَلَمْلَمُ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ مُرْسَلَ الصَّحَابَةِ صَحِيحٌ حُجَّةٌ ( قُلْت ) قَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ فَذَهَبَ إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَقَدْ وَرَدَ مِيقَاتُ الْيَمَنِ مَرْفُوعًا مِنْ غَيْرِ إرْسَالٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا وَمِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ أَحْسِبُهُ رَفَعَهُ وَمِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ عِنْدَ النَّسَائِيّ وَمِنْ حَدِيثِ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو عِنْدَ أَبِي دَاوُد { الثَّانِيَةُ } فِيهِ أَنَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ الْأَرْبَعَةَ هِيَ مَوَاقِيتُ الْإِحْرَامِ لِأَهْلِ الْبِلَادِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ فَلِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذُو الْحُلَيْفَةِ وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةُ وَلِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ وَلِأَهْلِ الْيَمَنِ يَلَمْلَمُ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ حَكَى الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا وَمَعْنَى التَّوْقِيتِ بِهَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِمَرِيدِ النُّسُكِ أَنْ يُجَاوِزَهَا غَيْرَ مُحْرِمٍ وَالدَّلِيلُ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ مِنْ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَعَلَهَا مِيقَاتًا لِلْإِحْرَامِ وَقَالَ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ فَلَزِمَنَا الْوُقُوفُ عِنْدَ ذَلِكَ ( ثَانِيهَا ) أَنَّهُ قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { يُهِلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ } إلَى آخِرِ الْحَدِيثِ فَأَتَى بِهِ بِلَفْظِ الْخَبَرِ وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى الْأَمْرِ وَإِنَّمَا يُسْتَعْمَلُ الْأَمْرُ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ لِتَأَكُّدِهِ وَالْأَمْرُ الْمُتَأَكِّدُ لِلْوُجُوبِ ( ثَالِثُهَا ) أَنَّهُ قَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ صَرِيحًا فِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ أَيْنَ تَأْمُرُنَا أَنْ نُهِلَّ وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ وَبَيَّنَ لَهُ مَوَاضِعَ الْإِهْلَالِ الْمَأْمُورَ بِهَا وَفِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَنْ يُهِلُّوا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ } الْحَدِيثَ ( رَابِعُهَا ) أَنَّ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { فَرَضَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَافْتِرَاضُ الْمَوَاقِيتِ صَرِيحٌ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ وَلِذَلِكَ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ ( فَرْضُ مَوَاقِيتِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ ) وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ وَقَالُوا لَوْ تَرَكَهَا لَزِمَهُ دَمٌ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَإِيجَابُ الدَّمِ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَكَأَنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى مُقَدِّمَةٍ أُخْرَى ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَآخَرُونَ مَتَى عَادَ إلَى الْمِيقَاتِ قَبْلَ التَّلَبُّسِ بِنُسُكٍ سَقَطَ عَنْهُ الدَّمُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّمَا يَسْقُطُ عَنْهُ الدَّمُ إذَا عَادَ إلَيْهِ مُلَبِّيًا فَإِنْ عَادَ غَيْرَ مُلَبٍّ اسْتَمَرَّ لُزُومُ الدَّمِ وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَزُفَرُ : لَا يَسْقُطُ الدَّمُ بِعَوْدِهِ إلَيْهِ مُطْلَقًا وَقَالَ مَالِكٌ إنْ عَادَ إلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَبْعُدَ عَنْهُ وَهُوَ حَلَالٌ سَقَطَ وَإِنْ عَادَ بَعْدَ الْبُعْدِ وَالْإِحْرَامِ لَمْ يَسْقُطْ وَحَكَى صَاحِبُ الْبَيَانِ عَنْ الشَّرِيفِ الْعُثْمَانِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمَدَنِيَّ إذَا جَاوَزَ ذَا الْحُلَيْفَةٍ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَهُوَ مَرِيدٌ لِلنُّسُكِ فَبَلَغَ مَكَّةَ غَيْرَ مُحْرِمٍ ثُمَّ خَرَجَ مِنْهَا إلَى مِيقَاتِ بَلَدٍ آخَرَ كَيَلَمْلَمُ وَأَحْرَمَ مِنْهُ فَلَا دَمَ عَلَيْهِ بِسَبَبِ مُجَاوَزَةِ ذِي الْحُلَيْفَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ وَفِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى وَوَرَاءَ ذَلِكَ أَقْوَالٌ شَاذَّةٌ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ إنْ لَمْ يَعُدْ لِلْمِيقَاتِ حَتَّى تَمَّ حَجَّةً رَجَعَ لِلْمِيقَاتِ وَأَهَلَّ مِنْهُ بِعُمْرَةٍ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ ( ثَانِيهَا ) أَنَّهُ مَتَى تَرَكَ الْمِيقَاتَ لَمْ يَصِحَّ حَجُّهُ أَصْلًا قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ( ثَالِثُهَا ) أَنَّهُ إذَا تَرَكَ الْمِيقَاتَ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ هَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ عَطَاءٍ وَرَوَيْنَاهُ عَنْ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهَذِهِ الْأَقَاوِيلُ الثَّلَاثَةُ شَاذَّةٌ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ لِأَنَّهَا لَا أَصْلَ لَهَا فِي الْآثَارِ وَلَا تَصِحُّ فِي النَّظَرِ . ( الثَّالِثَةُ ) قَدْ بَيَّنَّا أَنْ مَعْنَى التَّوْقِيتِ بِهَذِهِ الْمَوَاقِيتِ مَنْعَ مُجَاوَزَتِهَا بِلَا إحْرَامٍ إذَا كَانَ مُرِيدًا لِلنُّسُكِ أَمَّا الْإِحْرَامُ قَبْلَ الْوُصُولِ إلَيْهَا فَلَا مَانِعَ مِنْهُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَنَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ بَلْ ذَهَبَ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إلَى تَرْجِيحِ الْإِحْرَامِ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ عَلَى التَّأْخِيرِ إلَى الْمِيقَاتِ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَرَجَّحَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَالرُّويَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ وَالرَّافِعِيُّ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَرَوَى عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنَّهُمَا قَالَا فِي قَوْله تَعَالَى { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } إتْمَامُهُمَا أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِك وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَهَلَّ مِنْ إيلِيَاءَ يَعْنِي بَيْتَ الْمَقْدِسِ وَكَانَ الْأَسْوَدُ وَعَلْقَمَةُ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ وَأَبُو إِسْحَاقَ يُحْرِمُونَ مِنْ بُيُوتِهِمْ ، انْتَهَى لَكِنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ النَّوَوِيِّ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ ، وَنُقِلَ تَصْحِيحُهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَالْمُحَقِّقِينَ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ فِعْلَهُ عَنْ عَوَامِّ أَهْلِ الْعِلْمِ بَلْ زَادَ مَالِكٌ عَنْ ذَلِكَ فِكْرَةَ تَقَدُّمِ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمِيقَاتِ . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرَوَيْنَا عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَى عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ إحْرَامَهُ مِنْ الْبَصْرَةِ وَكَرِهَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَمَالِكٌ الْإِحْرَامَ مِنْ الْمَكَانِ الْبَعِيدِ انْتَهَى وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَمْلِكُ نَفْسَهُ عَنْ الْوُقُوعِ فِي مَحْظُورٍ فَالْإِحْرَامُ مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ أَفْضَلُ ، وَإِلَّا فَمِنْ الْمِيقَاتِ ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَشَذَّ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فَقَالَ إنْ أَحْرَمَ قَبْلَ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ وَهُوَ يَمُرُّ عَلَيْهَا فَلَا إحْرَامَ لَهُ إلَّا أَنْ يَنْوِيَ إذَا صَارَ إلَى الْمِيقَاتِ تَجْدِيدَ إحْرَامٍ وَحَكَاهُ عَنْ دَاوُد وَأَصْحَابِهِمْ وَهُوَ قَوْلٌ مَرْدُودٌ بِالْإِجْمَاعِ قَبِلَهُ عَلَى خِلَافِهِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَحْرَمَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ الْمِيقَاتَ فَهُوَ مُحْرِمٌ وَكَذَا نَقَلَ الْإِجْمَاعَ فِي ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ { الرَّابِعَةُ } قَوْلُهُ ( وَقَّتَ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَيْ حَدَّدَ وَجَعَلَ لَهُمْ مِيقَاتًا وَحَدَّ الْحَدَّ الَّذِي يُحْرِمُونَ مِنْهُ وَمِنْهُ الْوَقْتُ وَالْمَوَاقِيتُ كُلُّهَا حُدُودٌ لِلْعِبَادَاتِ وَيَكُونُ وَقَّتَ بِمَعْنَى أَوْجَبَ عَلَيْهِمْ الْإِحْرَامَ مِنْهُ وَمِنْهُ { إنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ : التَّوْقِيتُ وَالتَّأْقِيتُ أَنْ يُجْعَلَ لِلشَّيْءِ وَقْتٌ يُخْتَصُّ بِهِ وَهُوَ بَيَانُ مِقْدَارِ الْمُدَّةِ يُقَالُ وَقَّتَ الشَّيْءَ يُوَقِّتُهُ وَوَقَّتَهُ يَقِتُهُ إذَا بَيَّنَ مُدَّتَهُ ثُمَّ اتَّسَعَ فِيهِ فَأَطْلَقَ عَلَى الْمَكَانِ فَقِيلَ لِلْمَوْضِعِ مِيقَاتٌ وَهُوَ مِفْعَالٌ مِنْهُ وَأَصْلُهُ مِوْقَاتٌ فَقُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً لِكَسْرِ مَا قَبْلَهَا وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ قِيلَ إنَّ التَّوْقِيتَ فِي اللُّغَةِ التَّحْدِيدُ لِلشَّيْءِ مُطْلَقًا لِأَنَّ التَّوْقِيتَ تَحْدِيدٌ بِالْوَقْتِ فَيَصِيرُ التَّحْدِيدُ مِنْ لَوَازِمِ التَّوْقِيتِ فَيُطْلَقُ عَلَيْهِ تَوْقِيتٌ وَقَوْلُهُ هُنَا وَقَّتَ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّحْدِيدُ أَيْ حَدَّ هَذِهِ الْمَوَاضِعَ لِلْإِحْرَامِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ تَعْلِيقُ الْإِحْرَامِ بِوَقْتِ الْوُصُولِ إلَى هَذِهِ الْأَمَاكِنِ بِشَرْطِ إرَادَةِ الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ { الْخَامِسَةُ } قَوْلُهُ ( مُهَلُّ أَهْلُ الْمَدِينَةِ ) بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ مَوْضِعُ إهْلَالِهِمْ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مُطْلَقُ الْإِحْرَامِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِمُلَازِمَتِهِ لَهُ فِي عَادَتِهِمْ غَالِبًا وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ يُهِلُّ بِيَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتٍ أَوَّلُهُ مَضْمُومَةٌ وَهَاءٌ مَكْسُورَةٌ فِعْلٌ مُضَارِعٌ مِنْ أَهَلَّ . { السَّادِسَةُ } الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْمَدِينَةٍ وَأَهْلِ الشَّامِ وَأَهْلِ نَجْدٍ كُلُّ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ سَفَرِهِمْ بِحَيْثُ إنَّهُ مَرَّ عَلَى هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ بِلَادِهِمْ فَلَوْ مَرَّ الشَّامِيُّ عَلَى ذِي الْحُلَيْفَةِ كَمَا يَفْعَلُ الْآنَ لَزِمَهُ الْإِحْرَامُ مِنْهَا وَلَيْسَ لَهُ مُجَاوَزَتُهَا إلَى الْجُحْفَةِ الَّتِي هِيَ مِيقَاتُهُ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا فَقَالَ { هُنَّ لَهُنَّ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مِمَّنْ أَرَادَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ } وَقَوْلُهُ ( لَهُنَّ ) كَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا أَيْ لِلْأَقْطَارِ الْمَذْكُورَةِ وَهِيَ الْمَدِينَةُ وَمَا مَعَهَا وَالْمُرَادُ لِأَهْلِهِنَّ فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد فِي سُنَنِهِ لَهُمْ وَكَذَا فِي مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَيْ أَهْلِ هَذِهِ الْمَوَاضِع وَهُوَ أَظْهَرُ تَوْجِيهًا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : إنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ الْخِلَافِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فَهُوَ صَحِيحٌ وَإِنْ أَرَادَ نَفْيَ الْخِلَافِ مُطْلَقًا فَمَرْدُودٌ ، فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّ لَهُ أَنْ يُجَاوِزَ ذَا الْحُلَيْفَةِ إلَى الْجُحْفَةِ إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ أَوْ مِصْرَ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ كَمَا نَقَلَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ وَلَا أَعْلَمُ عِنْدَهُمْ خِلَافًا فِي ذَلِكَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ قَالَ وَبِهَذَا نَقُولُ وَصَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ فِي كُتُبِهِمْ وَقَدْ نَكَّتَ الشَّيْخُ تَقِيِّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ بِذَلِكَ ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَتْ عَائِشَةُ إذَا أَرَدْت الْحَجَّ أَحْرَمْت مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَإِذَا أَرَدْت الْعُمْرَةَ أَحْرَمَتْ مِنْ الْجُحْفَةِ ( قُلْت ) لَعَلَّهَا لَمَّا كَانَتْ تَعْتَمِرُ لَا تَسْلُكُ طَرِيقَ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَلَا تَمُرُّ بِهَا عَلَيْهَا بَلْ تَسْلُكُ طَرِيقًا أُخْرَى تَمُرُّ عَلَى الْجُحْفَةِ خَاصَّةً وَقَدْ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْعِمْرَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي الْبَيَانِ وَيَدُلُّ لَهُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ أَحْسَبُهُ رَفَعَ الْحَدِيثَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : { مُهَلُّ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ } وَالطَّرِيقُ الْآخَرُ الْجُحْفَةِ الْحَدِيثُ وَأَمَّا الْفَرْقُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فَلَا يَظْهَرُ لَهُ مَعْنًى وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ : هَذَا مَحَلُّ نَظَرٍ فَإِنَّ قَوْلَهُ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ عَامٌّ فِيمَنْ أَتَى ، يَدْخُلُ تَحْتَهُ مِنْ مِيقَاتِهِ بَيْنَ يَدَيْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ الَّتِي مَرَّ بِهَا وَمَنْ لَيْسَ مِيقَاتُهُ بَيْنَ يَدَيْهَا ، وَقَوْلُهُ وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ عَامٌّ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنْ يَمُرُّ بِمِيقَاتٍ آخَرَ أَوَّلًا فَإِذَا قُلْنَا بِالْعُمُومِ الْأَوَّلِ دَخَلَ تَحْتَهُ هَذَا الشَّامِيُّ الَّذِي مَرَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْهَا وَإِذَا عَمِلْنَا بِالْعُمُومِ الثَّانِي وَهُوَ أَنَّ لِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ دَخَلَ تَحْتَهُ هَذَا الْمَارُّ أَيْضًا بِذِي الْحُلَيْفَةِ فَيَكُونُ لَهُ التَّجَاوُزُ إلَيْهَا وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا عُمُومٌ مِنْ وَجْهٍ فَكَمَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ وَلِمَنْ أَتَى عَلَيْهِنَّ مِنْ غَيْرِ أَهْلِهِنَّ مَخْصُوصٌ بِمَنْ لَيْسَ مِيقَاتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ وَلِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةُ مَخْصُوصٌ بِمَنْ لَمْ يَمُرَّ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ ا هـ وَلَوْ سَلَكَ مَا ذَكَرْته أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَ سَفَرِهِمْ وَمَرَّ عَلَى مِيقَاتِهِمْ لَمْ يَرِدْ هَذَا الْإِشْكَالُ وَلَمْ يَتَعَارَضْ هُنَا دَلِيلَانِ ، وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِيقَاتٌ لِأَهْلِ بَلَدِهِ الَّتِي هِيَ مَحَلُّ سَكَنِهِ كَالْيَمَنِيِّ يَحُجُّ مِنْ الْمَدِينَةِ لَيْسَ لَهُ مُجَاوَزَةُ مِيقَاتِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ غَيْرَ مُحْرِمٍ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ سُكَّانَهَا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِأَهْلِهَا مَنْ حَجَّ مِنْهَا وَسَلَكَ طَرِيقَ أَهْلِهَا وَلَوْ حَمَلْنَاهُ عَلَى سُكَّانِهَا لَوَرَدَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ وَحَصَلَ الِاضْطِرَابُ فِي هَذَا فَنُفَرِّقُ فِي الْغَرِيبِ الطَّارِئِ عَلَى الْمَدِينَةِ مَثَلًا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِيقَاتٌ لِأَهْلِ بَلَدِهِ أَمْ لَا فَنَحْمِلُ أَهْلَ الْمَدِينَةِ تَارَةً عَلَى سُكَّانِهَا وَتَارَةً عَلَى سُكَّانِهَا وَالْوَارِدِينَ عَلَيْهَا وَيَصِيرُ هَذَا تَفْرِيقًا بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَإِذَا حَمَلْنَا أَهْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ لَمْ يَحْصُلْ فِي ذَلِكَ اضْطِرَابٌ وَمَشَى اللَّفْظُ عَلَى مَدْلُولٍ وَاحِدٍ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَلَامُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ابْنُ شَاسٍ وَابْنُ الْحَاجِبِ الْمَالِكِيَّانِ وَابْنُ قُدَامَةَ الْحَنْبَلِيِّ يَقْتَضِي مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ لَهُ مِيقَاتٌ بَيْنَ يَدَيْهِ كَالشَّامِّي يَمُرُّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ هَلْ لَهُ مُجَاوَزَتُهَا إلَى الْجُحْفَةِ : أَمَّا الْمَدَنِيُّ فَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ قَطْعًا وَكَذَلِكَ الْيَمَنِيُّ وَنَحْوُهُ وَجَعَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْخِلَافَ فِي الْجَمِيعِ وَمَثَّلَ لِمَوْضِعِ الْخِلَافِ بِمُجَاوَزَةِ الْمَدَنِيِّ ذَا الْحُلَيْفَةِ وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْمُنْذِرِ أَيْضًا وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ شَارِحُ الْقُدُورِيِّ مَحْمُودُ بْنُ رَمَضَانَ فَيَنْبَغِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ { السَّابِعَةُ } ذُو الْحُلَيْفَةِ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ تَصْغِيرُ الْحَلَفَةِ بِفَتْحِ اللَّامِ وَكَسْرِهَا وَهِيَ وَاحِدُ الْحَلْفَاءِ وَهُوَ النَّبْتُ الْمَعْرُوفُ وَالْمُرَادُ بِهَا مَوْضِعٌ بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا نَحْوُ سِتَّةِ أَمْيَالٍ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَقَبْلَهُ الْغَزَالِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ ثُمَّ قَالَ وَقِيلَ سَبْعَةُ أَمْيَالٍ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ أَرْبَعَةُ أَمْيَالٍ وَذَكَرَ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَتَبِعَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ بَيْنَهُمَا مِيلًا قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ : وَهُوَ وَهُمْ وَالْحِسُّ يَرُدُّ ذَلِكَ وَقَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ : الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ الْمُشَاهَدُ أَنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَمْيَالٍ أَوْ تَزِيدُ قَلِيلًا وَالْقَائِلُونَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا أَتْقَنُ فِي ذَلِكَ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ عَالِمُ الْحِجَازِ وَصَوَّبَهُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَهُوَ مَأْمَنُ مِيَاهِ بَنِي جَثْمٍ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ خَفَاجَةَ الْعُقَيْلِيِّينَ وَهُوَ أَبْعَدُ الْمَوَاقِيتِ مِنْ مَكَّةَ بَيْنَهُمَا نَحْوُ عَشَرَةِ مَرَاحِلَ أَوْ تِسْعٍ أَمَّا ذُو الْحُلَيْفَةِ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ { كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ مِنْ تِهَامَةَ } فَهُوَ مَوْضِعٌ آخَرُ قَالَ الدَّاوُدِيُّ لَيْسَ هُوَ الْمُهَلُّ الَّذِي بِقُرْبِ الْمَدِينَةِ . { الثَّامِنَةُ } الْجُحْفَةُ بِضَمِّ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ قَرْيَةٌ عَلَى سِتَّةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْبَحْرِ وَثَمَانِي مَرَاحِلَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَنَحْوُ ثَلَاثِ مَرَاحِلَ مِنْ مَكَّةَ وَسُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ السَّيْلَ اجْتَحَفَهَا وَحَمَلَ أَهْلَهَا وَهِيَ مَهْيَعَةٌ كَمَا فِي رِوَايَةٍ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا مِنْ الصَّحِيحَيْنِ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ وَفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ كَسْرَ الْهَاءِ مَعَ إسْكَانِ الْيَاءِ وَالصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ وَهُوَ الْآنَ خَرِبَةٌ لَا يَصِلُ إلَيْهَا أَحَدٌ لِوَخَمِهَا وَإِنَّمَا يُحْرِمُ النَّاسُ مِنْ رَابِغٍ وَهِيَ عَلَى مُحَاذَاتِهَا وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنْ مَهْيَعَةَ قَرِيبٌ مِنْ الْجُحْفَةِ وَالْمُعْتَمَدُ مَا قَدَّمْنَاهُ إنَّهَا هِيَ الْجُحْفَةُ نَفْسُهَا . ( التَّاسِعَةُ ) الشَّامُ بِلَادٌ مَعْرُوفَةٌ وَهِيَ مِنْ الْعَرِيشِ إلَى بَالِسَ وَقِيلَ إلَى الْفُرَاتِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ أَبِي دَاوُد وَقَالَ ابْنُ السَّمْعَانِيِّ هِيَ بِلَادٌ بَيْنَ الْجَزِيرَةِ وَالْغَوْرِ إلَى السَّاحِلِ وَيَجُوزُ فِيهَا التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ وَالْهَمْزُ وَتَرْكُهُ وَأَمَّا شَآمٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَالْمَدِّ فَأَبَاهُ أَكْثَرُهُمْ إلَّا فِي النَّسَبِ وَفِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهَا بِهَذَا الِاسْمِ خِلَافٌ لَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهِ . ( الْعَاشِرَةُ ) رَوَى النَّسَائِيّ فِي سُنَنِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ مَرْفُوعًا { وَلِأَهْلِ الشَّامِ وَمِصْرَ الْجُحْفَةُ } وَهَذِهِ زِيَادَةٌ يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا وَعَلَيْهَا الْعَمَلُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) نَجْدٌ بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ وَآخِرُهُ دَالٌ مُهْمَلَةٌ قَالَ فِي الصِّحَاحِ وَهُوَ مَا ارْتَفَعَ مِنْ تِهَامَةَ إلَى أَرْضِ الْعِرَاقِ ، وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ ، مَا بَيْنَ جَرَشَ إلَى سَوَادِ الْكُوفَةِ وَحَدُّهُ مِمَّا يَلِي الْمَغْرِبَ الْحِجَازُ وَعَنْ يَسَارِ الْكَعْبَةِ الْيَمَنُ قَالَ وَنَجْدٌ كُلُّهَا مِنْ عَمَلِ الْيَمَامَةِ ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ النَّجْدُ مَا ارْتَفَعَ مِنْ الْأَرْض وَهُوَ اسْمٌ خَاصٌّ لِمَا دُونَ الْحِجَازُ مِمَّا يَلِي الْعِرَاقَ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) قَرْنٌ بِفَتْحِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ بِلَا خِلَافٍ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَاللُّغَةِ وَالتَّارِيخِ وَالْأَسْمَاءِ وَغَيْرِهِمْ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ قَالَ وَغَلِطَ الْجَوْهَرِيُّ فِي صِحَاحِهِ فِي غَلْطَتَيْنِ فَاحِشَتَيْنِ فَقَالَ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَزَعَمَ أَنَّ أُوَيْسًا الْقَرَنِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ وَالصَّوَابُ إسْكَانُ الرَّاءِ وَأَنَّ أُوَيْسًا مَنْسُوبٌ إلَى قَبِيلَةٍ مَعْرُوفَةٍ يُقَالُ لَهُمْ بَنُو قَرْنٍ وَهُمْ بَطْنٌ مِنْ مُرَادٍ الْقَبِيلَةُ الْمَعْرُوفَةُ يُنْسَبُ إلَيْهَا الْمُرَادِيُّ ( قُلْت ) حَكَى الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ عَنْ تَعْلِيقِ عَنْ الْقَابِسِيِّ أَنَّ مَنْ قَالَ قَرْنٌ بِالْإِسْكَانِ أَرَادَ الْجَبَلَ الْمُشْرِفَ عَلَى الْمَوْضِعِ وَمَنْ قَالَ قَرَنٌ بِالْفَتْحِ أَرَادَ الطَّرِيقَ الَّذِي يَفْتَرِقُ مِنْهُ فَإِنَّهُ مَوْضِعٌ فِيهِ طُرُقٌ مُفْتَرِقَةٌ انْتَهَى وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِيهِ خِلَافًا وَيُقَالُ لَهُ قَرْنُ الْمَنَازِلِ وَقَرْنُ الثَّعَالِبِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ عَلَى نَحْوِ مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ قَالُوا وَهُوَ أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ إلَى مَكَّةَ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ هُوَ عَلَى يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ مِنْ مَكَّةَ وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا قَدَّمْته عَنْ النَّوَوِيِّ وَفِيمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّ قَرْنًا أَقْرَبُ الْمَوَاقِيتِ إلَى مَكَّةَ نَظَرَ فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ اثْنَيْنِ وَأَرْبَعِينَ مِيلًا وَأَنَّ بَيْنَ يَلَمْلَمُ وَمَكَّةَ ثَلَاثِينَ مِيلًا فَتَكُونُ يَلَمْلَمُ حِينَئِذٍ أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إلَى مَكَّةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) يَلَمْلَمُ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَاللَّامَيْنِ وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا أَلَمْلَمُ بِهَمْزَةٍ أَوَّلَهُ وَهِيَ الْأَصْلُ وَالْيَاءُ بَدَلٌ مِنْهَا كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمَشَارِقِ وَهُوَ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ تِهَامَةَ عَلَى مَرْحَلَتَيْنِ مِنْ مَكَّةَ وَقَالَ ابْنُ السَّيِّدِ : يَلَمْلَمُ وَيَرَمْرَمُ بِاللَّامِ وَالرَّاءِ . { الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ } قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ الْمُرَادُ بِكَوْنِ يَلَمْلَم مِيقَاتَ أَهْلِ الْيَمَنِ بَعْضُ الْيَمَنِ وَهُوَ تِهَامَةُ فَأَمَّا نَجْدٌ فَإِنَّ مِيقَاتَهُ قَرْنٌ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَمَنَ يَشْمَلُ نَجْدًا وَتِهَامَةَ فَأَطْلَقَ الْيَمَنَ وَأُرِيدَ بَعْضُهُ وَهُوَ تِهَامَةُ مِنْهُ خَاصَّةً وَقَوْلُهُ فِيمَا تَقَدَّمَ نَجْدٌ تَنَاوَلَ نَجْدِ الْحِجَازِ وَنَجْدُ الْيَمَنِ فَكِلَاهُمَا مِيقَاتُ أَهْلِهِ قَرْنٌ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) بَقِيَ مِيقَاتٌ خَامِسٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لَهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ ذَاتُ عِرْقٍ مِيقَاتُ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ سُمِّيَ بِذَلِكَ لَانَ فِيهِ عِرْقًا وَهُوَ الْجَبَلُ الصَّغِيرُ وَقِيلَ الْعِرْقُ مِنْ الْأَرْضِ سَبْخَةٌ تَنْبُتُ الطُّرَفَاءُ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ مَكَّةَ اثْنَانِ وَأَرْبَعُونَ مِيلًا قَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ قَالَ الْمُنْذِرِيُّ وَهِيَ الْحَدُّ بَيْنَ نَجْدٍ وَتِهَامَةَ وَمَا ذَكَرَتْهُ مِنْ الْإِجْمَاعِ عَلَى تَوْقِيتِ ذَاتِ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ تَبِعْتُ فِيهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالنَّوَوِيُّ فَقَالَا : إنَّهُ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَكِنَّ الْخِلَافَ فِيهِ مَوْجُودٌ فَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ عَنْ قَوْمٍ أَنَّهُمْ قَالُوا : إنَّ مِيقَاتَ أَهْلِ الْعِرَاقِ الْعَقِيقُ قَالَ وَاحْتَجُّوا بِخَبَرٍ لَا يَصِحُّ : لِأَنَّ رِوَايَةَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ( قُلْت ) الْخَبَرُ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ بِالْإِسْنَادِ الْمَذْكُورِ بِلَفْظِ { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ الْعَقِيقَ } سَكَتَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ فَإِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ بِاتِّفَاقِ الْمُحَدِّثِينَ وَكَذَلِكَ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ الْمُنْذِرِيُّ فِي مُخْتَصَرِ السُّنَنِ بِأَنَّ فِيهِ يَزِيدَ بْنَ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْمِيقَاتَ ذَاتُ عِرْقٍ وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ لَكِنْ اخْتَلَفُوا هَلْ صَارَتْ مِيقَاتُهُمْ بِتَوْقِيتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ بِاجْتِهَادِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ لِأَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَجْهَيْنِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ قَوْلَيْنِ الْمَشْهُورُ مِنْهُمَا عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ بِاجْتِهَادِ عُمَرَ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ الْمَالِكِيَّةُ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ : أَنَّهُ مَنْصُوصٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ يَدُلُّ لِلْأَوَّلِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ لَمَّا فُتِحَ هَذَانِ الْمِصْرَانِ أَتَوْا عُمَرَ فَقَالُوا يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّ لِأَهْلِ نَجْدٍ قَرْنٌ وَهُوَ جَوْرٌ عَنْ طَرِيقِنَا وَإِنَّا إنْ أَرَدْنَا قَرْنًا شُقَّ عَلَيْنَا قَالَ فَانْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ فَحَدَّ لَهُمْ ذَاتَ عِرْقٍ وَيَدُلُّ لِلثَّانِي عِدَّةُ أَحَادِيثَ وَهِيَ مُتَكَلَّمٌ فِيهَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا يَثْبُتُ فِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدِيثٌ ( قُلْت ) رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَسْأَلُ عَنْ الْمُهَلِّ فَقَالَ سَمِعْت أَحْسَبُهُ رَفَعَ الْحَدِيثَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ { وَمُهَلُّ أَهْلِ الْعِرَاقِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ } وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هُوَ غَيْرُ ثَابِتٍ لِعَدَمِ جَزْمِهِ بِرَفْعِهِ وَأَمَّا قَوْلُ الدَّارَقُطْنِيِّ إنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْعِرَاقَ لَمْ تَكُنْ فُتِحَتْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَامُهُ فِي تَضْعِيفِهِ صَحِيحٌ وَدَلِيلُهُ مَا ذَكَرْته وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ لِضَعْفِهِ بِعَدَمِ فَتْحِ الْعِرَاقِ فَفَاسِدٌ لِأَنَّهُ لَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِلْمِهِ بَانَهُ سَيُفْتَحُ وَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاتِ النُّبُوَّةِ وَالْإِخْبَارِ بِالْمُغْيِبَاتِ الْمُسْتَقْبِلَاتِ كَمَا أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الشَّامِ الْجُحْفَةَ فِي جَمِيعِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ الشَّامَ لَمْ يَكُنْ فُتِحَ يَوْمئِذٍ وَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { أَخْبَرَ بِفَتْحِ الشَّامِ وَالْيَمَنِ وَالْعِرَاقِ وَأَنَّهُمْ يَأْتُونَ إلَيْهِنَّ يَبِسُّونَ وَالْمَدِينَةِ خَيْرٌ لَهُمْ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ ، وَأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ زُوِيَتْ لَهُ مَشَارِقُ الْأَرْضِ وَمَغَارِبُهَا وَقَالَ سَيَبْلُغُ مِلْكُ أُمَّتِي مَا زُوِيَ لِي مِنْهَا وَإِنَّهُمْ سَيَفْتَحُونَ مِصْرَ وَهِيَ أَرْضٌ يُذْكَرُ فِيهَا الْقِيرَاطُ وَإِنَّ عِيسَى يَنْزِلُ عَلَى الْمَنَارَةِ الْبَيْضَاءِ شَرْقِي دِمَشْقَ } وَكُلُّ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ فِي الصَّحِيحِ انْتَهَى وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ لَكِنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِرَفْعِهِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا يَثْبُتُ رَفْعُهُ لِمُجَرَّدِ هَذَا وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَة إبْرَاهِيمَ بْنِ يَزِيدَ الْخُوزِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا بِغَيْرِ شَكٍّ بِلَفْظِ أَهْلِ الْمَشْرِقِ لَكِنَّ الْخُوزِيَّ ضَعِيفٌ لَا يُحْتَجُّ بِرِوَايَتِهِ وَرَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِلَا شَكٍّ أَيْضًا لَكِنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ ( قُلْت ) فِي قَوْلِ النَّوَوِيِّ إنَّ حَدِيثَ جَابِرٍ غَيْرُ ثَابِتٍ لِأَنَّهُ لَمْ يَجْزِمْ بِرَفْعِهِ نَظَرٌ فَإِنَّ قَوْلَهُ أَحْسَبُهُ مَعْنَاهُ أَظُنُّهُ وَالظَّنُّ فِي بَابِ الرِّوَايَةِ يَتَنَزَّلُ مَنْزِلَةَ الْيَقِينِ فَلَيْسَ ذَلِكَ قَادِحًا فِي رَفْعِهِ : وَأَيْضًا فَلَوْ لَمْ يُصَرِّحْ بِرَفْعِهِ لَا يَقِينًا وَلَا ظَنًّا فَهُوَ مُنَزَّلٌ مَنْزِلَةَ الْمَرْفُوعِ لِأَنَّ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ تَوْقِيفًا مِنْ الشَّارِعِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ ضَمَّنَهُ جَابِرٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَى الْمَوَاقِيتِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا يَقِينًا بِاتِّفَاقٍ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ } وَذَكَرَ ابْنُ عَدِيٍّ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ صَاعِدٍ أَنَّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ كَانَ يُنْكِرُ عَلَى أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ قَدْ حَدَّثَ عَنْهُ ثِقَاتُ النَّاسِ وَهُوَ عِنْدِي صَالِحٌ وَأَحَادِيثُهُ أَرْجُو أَنْ تَكُونَ مُسْتَقِيمَةً كُلَّهَا وَهَذَا الْحَدِيثُ يَنْفَرِدُ بِهِ مُعَافَى بْنُ عِمْرَانَ عَنْهُ وَإِنْكَارُ أَحْمَدَ قَوْلُهُ { وَلِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتُ عِرْقٍ } وَلَمْ يُنْكِرْ الْبَاقِيَ مِنْ إسْنَادِهِ وَمَتْنِهِ انْتَهَى وَصَحَّحَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَقَالَ الذَّهَبِيُّ هُوَ صَحِيحٌ غَرِيبٌ وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ إنَّ إسْنَادَهُ جَيِّدٌ وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَيْضًا عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَمْرٍو السَّهْمِيِّ حَدِيثًا وَفِيهِ { وَوَقَّتَ يَعْنِي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ عِرْقٍ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ } قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي إسْنَادِهِ مَنْ هُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ ( قُلْت ) زُرَارَةُ بْنُ كَرِيمٍ بِفَتْحِ الْكَافِ رَوَى عَنْهُ جَمَاعَةٌ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَالرَّاوِي عَنْهُ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عُتْبَةُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ كَذَلِكَ وَبَاقِي رِجَالِهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى الْفَحْصِ عَنْهُمْ فَلَيْسَ فِي إسْنَادِهِ مَنْ هُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فَإِنْ كَانَ فِيهِمْ مَنْ لَيْسَ مَعْرُوفًا عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ فَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ غَيْرِهِ وَرَوَى أَحْمَدُ وَالدَّارَقُطْنِيّ مِنْ رِوَايَةِ الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ قَالَ { وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ { وَقَالَ لِأَهْلِ الْعِرَاقِ ذَاتَ عِرْقٍ } وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْسَلًا { أَنَّهُ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ ذَاتَ عِرْقٍ } فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ الَّتِي ذَكَرْتهَا وَإِنْ كَانَ فِي كُلٍّ مِنْهَا ضَعِيفٌ فَمَجْمُوعُهَا لَا يَقْصُرُ عَنْ بُلُوغِ دَرَجَةِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَكَذَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَالْأَرْجَحُ عِنْدِي أَنَّهُ مَنْصُوصٌ أَيْضًا قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ وَمَنْ سَأَلَهُ لَمْ يَعْلَمُوا تَوْقِيتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَاتَ عِرْقٍ فَقَالَ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ فَأَصَابَ وَوَافَقَ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ كَانَ كَثِيرَ الْإِصَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ا هـ . فَإِنْ قُلْت مَا الْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي التَّوْقِيتِ مِنْ الْعَقِيقِ وَبَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ فِي التَّوْقِيتِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ ؟ ( قُلْت ) فِي ذَلِكَ أَوْجُهٌ : ( أَحَدُهَا ) ضَعْفُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَبِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ فَأَحَادِيثُ التَّوْقِيتِ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ أَصَحُّ وَأَكْثَرُ وَأَرْجَحُ ، وَعَكَسَ ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ الْحَدِيثُ فِي الْعَقِيقِ أَثْبَتُ مِنْهُ فِي ذَاتِ عِرْقٍ . ( الثَّانِي ) أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ مِيقَاتُ الْإِيجَابِ وَالْعَقِيقُ مِيقَاتُ الِاسْتِحْبَابِ فَالْإِحْرَامُ مِنْ الْعَقِيقِ أَفْضَلُ فَإِنْ جَاوَزَهُ وَأَحْرَمَ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ جَازَ وَبِهَذَا صَرَّحَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ وَاقْتَضَى كَلَامُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . ( الثَّالِثُ ) أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ مِيقَاتٌ لِبَعْضِ أَهْلِ الْعِرَاقِ وَالْعَقِيقُ مِيقَاتٌ لِبَعْضِهِمْ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَّتَ لِأَهْلِ الْمَدَائِنِ الْعَقِيقَ وَلِأَهْلِ الْبَصْرَةِ ذَاتَ عِرْقٍ } الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَبُو ظِلَالٍ هِلَالُ بْنُ يَزِيدَ وَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ . ( الرَّابِعُ ) ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ ذَاتَ عِرْقٍ كَانَتْ أَوَّلًا فِي مَوْضِعِ الْعَقِيقِ ثُمَّ حُوِّلَتْ وَقُرِّبَتْ إلَى مَكَّةَ وَعَلَى هَذَا فَذَاتُ عِرْقٍ هُوَ الْعَقِيقُ وَاللَّفْظَانِ مُتَوَارِدَانِ عَلَى شَيْءٍ وَاحِدٍ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ الشَّافِعِيِّ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ قَالَ رَأَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ رَجُلًا يُرِيدُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ ذَاتِ عِرْقٍ فَأَخَذَ بِيَدِهِ حَتَّى خَرَجَ بِهِ مِنْ الْبُيُوتِ وَقَطَعَ الْوَادِيَ فَأَتَى بِهِ الْمَقَابِرَ فَقَالَ هَذِهِ ذَاتُ عِرْقٍ الْأُولَى ا هـ . وَمُقْتَضَى هَذَا الْجَوَابِ وُجُوبُ الْإِحْرَامِ مِنْ الْعَقِيقِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَإِنَّمَا قَالَ بِهِ الشَّافِعِيَّةُ اسْتِحْبَابًا كَمَا تَقَدَّمَ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمَالِكِيَّةِ كَرَاهَتُهُ لِأَنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَى كَرَاهَةِ تَقَدَّمْ الْإِحْرَامِ عَلَى الْمِيقَاتِ بِمَكَانٍ قَرِيبٍ لِمَا فِيهِ مِنْ الْتِبَاسِ الْمِيقَاتِ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُدَوَّنَةِ كَرَاهَتُهُ عِنْدَ التَّقْدِيمِ بِمَكَانٍ بَعِيدٍ أَيْضًا ، قَالَ وَهَذَا مِنْ هَؤُلَاءِ كَرَاهَةَ أَنْ يُضَيِّقَ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ مَا قَدْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَأَنْ يَتَعَرَّضَ لِمَا لَا يُؤْمَرُ أَنْ يُحْدِثَ فِي إحْرَامِهِ قَالَ وَكُلُّهُمْ أَلْزَمَهُ الْإِحْرَامَ إذَا فَعَلَ لِأَنَّهُ زَادَ وَلَمْ يُنْقِصْ ا هـ . وَلَمْ يُفَرِّقْ هَؤُلَاءِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ بَعْضِ الْمَوَاقِيتِ وَبَعْضِهَا فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ ذَاتُ عِرْقٍ أَيْضًا ، وَمَا حَكَاهُ عَنْ الْكُلِّ مِنْ صِحَّةِ الْإِحْرَامِ قَبْلَ الْمِيقَاتِ يُخَالِفُهُ كَلَامُ ابْنُ حَزْمٍ الْمُتَقَدِّمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْعَقِيقُ كُلُّ مَسِيلٍ شَقَّهُ مَاءُ السَّيْلِ فَوَسَّعَهُ وَفِي بِلَادِ الْعَرَبِ أَرْبَعَةُ أَعِقَّةٍ وَهِيَ أَوْدِيَةٌ عَادِيَةٌ مِنْهَا عَقِيقٌ يَتَدَفَّقُ مَاؤُهُ فِي غَوْرِي تِهَامَةَ وَهُوَ الْمَذْكُورُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّهَا عَشَرَةٌ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِيهِ رِفْقُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَمَتِهِ فِي تَوْقِيتِهِ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ لَهُمْ فَجَعَلَ الْأَمْرَ لِأَهْلِ الْآفَاقِ بِالْقُرْبِ وَلَمَّا كَانَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ أَقْرَبَ مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ الْمَذْكُورَةِ وَقَّتَ لَهُمْ ذَا الْحُلَيْفَةِ خَارِجَ الْمَدِينَةِ بِسِتَّةِ أَمْيَالٍ وَجَعَلَ لِمَنْ مَرَّ بِهَا مِنْ أَهْلِ الْآفَاقِ الْمَصِيرَ إلَى مِيقَاتِهِمْ الْجُحْفَةِ عَلَى ثَمَانِيَةِ مَرَاحِلَ مِنْ الْمَدِينَةِ ا هـ . وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْأَفَّاقِيَّ الْمَارَّ بِذِي الْحُلَيْفَةِ لَهُ مُجَاوَزَتُهَا غَيْرَ مُحْرِمٍ إلَى الْجُحْفَةِ الَّتِي هِيَ مِيقَاتُهُ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ وَالْأَكْثَرِينَ خِلَافُهُ . ( السَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) وَقَّتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْمَوَاقِيتَ لِأَهْلِ هَذِهِ الْأَمْصَارِ وَبَيَّنَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَنْ مَرَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَهْلِهَا فَحُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِهَا وَفُهِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ حُكْمَ الْمُقِيمِينَ بِهَذِهِ الْمَوَاقِيتِ كَحُكْمِ الْمَارِّينَ بِهَا ، وَفُهِمَ مِنْ سُكُوتِهِ عَمَّنْ سَكَنُهُ بَيْنَ الْمَوَاقِيتِ وَمَكَّةَ أَنَّهُ لَا يُكَلَّفُ الرُّجُوعُ إلَى هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ بَلْ يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ إذْ لَوْ كُلِّفَ الرُّجُوعَ إلَيْهَا لَمْ يَخْتَصَّ تَأْقِيتُهَا بِالْمَارِّينَ بِهَا ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِقَوْلِهِ { وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ حَتَّى أَهْلِ مَكَّةَ مِنْ مَكَّةَ } أَيْ فَمَنْ حَيْثُ أَنْشَأَ السَّفَرَ مِنْهُ وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَبِهِ قَالَ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ إلَّا مُجَاهِدًا فَقَالَ مِيقَاتُهُ مَكَّةُ نَفْسُهَا وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ يُحْرِمُ مِنْ مَوْضِعِهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ فَلَا يَدْخُلُ الْحَرَمَ إلَّا حَرَامًا فَإِنْ دَخَلَهُ غَيْرَ حَرَامٍ فَلْيَخْرُجْ مِنْهُ وَلِيُهِلَّ حَيْثُ شَاءَ مِنْ الْحِلِّ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّهُ وَقَوْلَ مُجَاهِدٍ شَاذَّانِ . وَأَمَّا مَنْ هُوَ بِمَكَّةَ فَمِيقَاتُهُ نَفْسُ مَكَّةَ فَلَا يَجُوزُ لَهُ تَرْكُهَا وَالْإِحْرَامُ خَارِجَهَا وَلَوْ كَانَ فِي الْحَرَمِ ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الْإِحْرَامُ مِنْ الْحَرَمِ كُلِّهِ جَائِزٌ ، وَالْحَدِيثُ بِخِلَافِهِ وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ : لَوْ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ جَازَ عَلَى الْأَشْهَرِ ، وَلَا دَمَ لِأَنَّهُ زَادَ وَمَا نَقَصَ ، وَقَالَ أَصْحَابُنَا وَيَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ مِنْ جَمِيعِ نَوَاحِي مَكَّةَ بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ عَنْ نَفْسِ الْبَلَدِ وَفِي الْأَفْضَلِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا مِنْ بَابِ دَارِهِ وَالثَّانِي مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ تَحْتَ الْمِيزَابِ ثُمَّ إنَّ هَذَا فِي الْحَجِّ أَمَّا الْعُمْرَةُ فَإِنَّ مِيقَاتَ الْمَكِّيِّ إذَا أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِهَا أَدْنَى الْحِلِّ مِنْ أَيْ الْجِهَاتِ كَانَ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَرَهَا فِي الْعُمْرَةِ أَنْ تَخْرُجَ إلَى التَّنْعِيمِ وَتُحْرِمُ بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ } وَالتَّنْعِيمُ فِي طَرَفِ الْحِلِّ وَهُوَ أَقْرَبُ نَوَاحِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ ) سَكَتَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ قَاصِدِ مَكَّةَ لِلنُّسُكِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمُرَّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتِ وَقَدْ قَالَ الْجُمْهُورُ : يَلْزَمُهُ الْإِحْرَامُ إذَا حَاذَى أَقْرَبَ الْمَوَاقِيتِ إلَيْهِ وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ ، قَالَ أَصْحَابُنَا فَإِنْ لَمْ يُحَاذِ مِيقَاتًا لَزِمَ أَنْ يُحْرِمَ إذَا لَمْ يَبْقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكَّةَ إلَّا مَرْحَلَتَانِ ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ : يُحْرِمُ مِنْ حَيْثُ شَاءَ فَإِنْ مَرَّ بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مِيقَاتٍ مِنْهَا لَزِمَهُ تَجْدِيدُ الْإِحْرَامِ مِنْهُ وَادَّعَى دُخُولَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : { وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَمِنْ حَيْثُ أَنْشَأَ } وَهُوَ مَرْدُودٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ دُونَ الْمَوَاقِيتِ الْمَذْكُورَةِ فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ الْحَدِيثُ وَتَمَسَّك الْجُمْهُورُ فِي ذَلِكَ بِقَوْلِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا شَكَا إلَيْهِ أَهْلُ الْعِرَاقِ جَوْزَ قَرْنٍ عَنْ طَرِيقِهِمْ : اُنْظُرُوا حَذْوَهَا مِنْ طَرِيقِكُمْ ، وَالْإِحْرَامُ مِنْ مُحَاذَاتِ الْمِيقَاتِ أَقْرَبُ الْأُمُورِ إلَى النَّصِّ لِأَنَّ الْقَصْدَ الْبَعْدُ عَنْ مَكَّةَ بِهَذِهِ الْمَسَافَةِ فَلَزِمَ اتِّبَاعُهُ . بَابُ إفْرَادِ الْحَجِّ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدَ الْحَجَّ } لَفْظُ مُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا { أَهَلَّ بِالْحَجِّ } وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ { قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ مُهِلِّينَ بِالْحَجِّ لَا يَخْلِطُهُ شَيْءٌ فَلَمَّا قَدِمْنَا أَمَرَنَا فَجَعَلْنَاهَا عُمْرَةً } وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيث جَابِرٍ { أَقْبَلْنَا مُهَلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ } وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ بِإِسْنَادِ الصَّحِيحِ { أَفْرَدَ الْحَجَّ } وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرِدًا } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ } وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا } وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ { تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ { تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { جَمَعَ بَيْنَ حَجٍّ وَعُمْرَةٍ } وَفِي رِوَايَةٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ { قَرَنَ } وَلِمُسْلِمٍ مِنْ { جَمَعَ بَيْنَهُمَا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ } وَلِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ { إنِّي سُقْتُ الْهَدْيَ وَقَرَنْت } وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مِثْلُهُ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ سُرَاقَةَ { قَرَنَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ } وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ { جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ } وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي قَتَادَةَ مِثْلُهُ وَلِلْبَرَاءِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى مِثْلُهُ وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْت بِعُمْرَةٍ وَلَمْ أَكُنْ سُقْت الْهَدْيَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلِيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهِ ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعِهَا قَالَتْ فَحِضْت فَلَمَّا دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَّى كُنْت أَهْلَلْت بِعُمْرَةٍ فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِحَجَّتِي قَالَ اُنْقُضِي رَأْسَك وَامْتَشِطِي وَامْسِكِي عَنْ الْعُمْرَةِ وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ فَلَمَّا قَضَيْت حَجَّتِي أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَعْمَرَنِي مِنْ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي سَكَتَ عَنْهَا } لَفْظُ مُسْلِمٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ : { أَمْسَكْت عَنْهَا } وَزَادَ الشَّيْخَانِ فِي رِوَايَةٍ قَالَ { فَطَافَ الَّذِينَ كَانُوا أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى وَأَمَّا الَّذِينَ كَانُوا جَمَعُوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنَّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا } وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِك ؟ فَقَالَ إنِّي لَبَّدْت رَأْسِي وَقَلَّدْت هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ } فَجَعَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ( بَابُ إفْرَادِ الْحَجِّ وَالتَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ ) . ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدَ الْحَجَّ } . لَفْظُ مُسْلِمٍ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ بِهَذَا اللَّفْظِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ بِلَفْظِ { خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَذْكُرُ إلَّا الْحَجَّ } الْحَدِيثَ . وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ أَيْضًا وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الْأَسْوَدِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يَتِيمُ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ وَمِنَّا مَنْ أَهَلَّ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَمِنَّا مِنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَأَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجِّ فَأَمَّا مَنْ أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ جَمَعَ الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ وَلَمْ يُحِلُّوا حَتَّى كَانَ يَوْمَ النَّحْرِ } . لَفْظُ الشَّيْخَيْنِ وَأَبِي دَاوُد وَاقْتَصَرَ النَّسَائِيّ مِنْهُ عَلَى { أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجِّ } وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ { أَفْرَدَ الْحَجَّ } . ( الثَّانِيَةَ ) إفْرَادُ الْحَجِّ هُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِالْحَجِّ فِي أَشْهُرِهِ وَيَفْرُغُ مِنْهُ ثُمَّ يَعْتَمِرُ مِنْ عَامِهِ وَالتَّمَتُّعُ أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَيَفْرُغُ مِنْهَا ثُمَّ يَحُجُّ مِنْ عَامِهِ وَالْقِرَانُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا فَيُحْرِمُ بِهِمَا دَفْعَةً وَاحِدَةً وَكَذَا لَوْ أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ قَبْلَ الطَّوَافِ يَصِحُّ وَيَصِيرُ قَارِنًا فَلَوْ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحُّهُمَا لَا يَصِحُّ إحْرَامُهُ بِالْعُمْرَةِ وَالثَّانِي يَصِحُّ وَيَصِيرُ قَارِنًا بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ مِنْ الْحَجِّ . وَقِيلَ قَبْلَ الْوُقُوفِ بِعَرَفَاتٍ ، وَقِيلَ قَبْلَ فِعْلِ فَرْضٍ ، وَقِيلَ قَبْلَ فِعْلِ طَوَافِ الْقُدُومِ أَوْ غَيْرِهِ ، وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى جَوَازِ تَأْدِيَةِ نُسُكِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِكُلِّ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ الْإِفْرَادُ وَالتَّمَتُّعُ وَالْقِرَانُ ، وَذَكَرَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ نَوْعَيْنِ آخَرَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) الْإِطْلَاقُ وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِنُسُكٍ مُطْلَقًا ثُمَّ يَصْرِفُهُ إلَى مَا شَاءَ مِنْ حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ كِلَيْهِمَا ( وَالثَّانِي ) التَّعْلِيقُ وَهُوَ أَنْ يُحْرِمَ بِإِحْرَامٍ كَإِحْرَامِ زَيْدٍ وَلَا يَرُدُّ عَلَى مَا حَكَيْته مِنْ الْإِجْمَاعِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا نَهَيَا عَنْ التَّمَتُّعِ فَلِأَصْحَابِنَا عَنْ ذَلِكَ جَوَابَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُمَا نَهَيَا عَنْهَا تَنْزِيهًا وَحَمَلَا النَّاسَ عَلَى مَا هُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَهُمَا وَهُوَ الْإِفْرَادُ لَا أَنَّهُمَا يَعْتَقِدَانِ بُطْلَانَ التَّمَتُّعِ ، وَكَيْفَ يَظُنُّ بِهِمَا هَذَا مَعَ عِلْمِهِمَا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } . ( ثَانِيهُمَا ) أَنَّهُمَا نَهَيَا عَنْ التَّمَتُّعِ الَّذِي فَعَلَتْهُ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي حَجَّةِ الْوَادِعِ وَهُوَ فَسْخُ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ كَانَ خَاصًّا لَهُمْ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ مَنْ يَقْتَضِي كَلَامُهُ أَنَّ مَذْهَبَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بُطْلَانُ التَّمَتُّعِ وَهَذَا ضَعِيفٌ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَيْهِ بَلْ الْمُخْتَارُ فِي مَذْهَبِهِ مَا قَدَّمْته وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَشَذَّ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فَقَالَ إنَّهُ يَتَعَيَّنُ التَّمَتُّعُ عَلَى مَنْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ وَالْقِرَانُ عَلَى مَنْ مَعَهُ هَدْيٌ ، وَلَا يَجُوزُ لِكُلٍّ مِنْهُمَا غَيْرُ ذَلِكَ . ( الثَّالِثَةُ ) فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَامَ حَجَّتِهِ أَفْرَدَ الْحَجَّ وَكَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَتَى بِالْحَجِّ وَحْدَهُ } . وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ { أَهَلَّ بِالْحَجِّ مُفْرَدًا } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ : { أَهَلَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ بِالْحَجِّ } . وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ { أَقْبَلْنَا مُهَلِّينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَجٍّ مُفْرَدٍ } وَفِي لَفْظٍ لَهُ { بِالْحَجِّ خَالِصًا وَحْدَهُ } . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { لَسْنَا نَنْوِي إلَّا الْحَجَّ } وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادِ الصَّحِيحِ { أَفْرَدَ الْحَجَّ } وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَجِّ } . وَوَرَدَ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ { أَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا } فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَادِعِ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ } الْحَدِيثَ . وَفِيهِ { وَبَدَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَهَلَّ بِالْحَجِّ } الْحَدِيثَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { تَمَتَّعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْعُمْرَةِ إلَى الْحَجِّ وَتَمَتَّعَ النَّاسُ مَعَهُ } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ { أَنَّهُ أَهَلَّ كَإِهْلَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَأَمَرَنِي فَطُفْت بِالْبَيْتِ وَالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ أَمَرَنِي فَأَحْلَلْت } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { هَذِهِ عُمْرَةٌ اسْتَمْتَعْنَا بِهَا } وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ { تَمَتَّعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَمَتَّعْنَا مَعَهُ } . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ عَلِيٍّ { تَمَتَّعْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَوَرَدَتْ أَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ قَارِنًا فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ : { اخْتَلَفَ عَلِيٌّ وَعُثْمَانُ وَهُمَا بِعُسْفَانَ فِي الْمُتْعَةِ فَقَالَ مَا تُرِيدُ إلَّا أَنْ تَنْهَى عَنْ أَمْرٍ فَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ أَهَلَّ بِهِمَا جَمِيعًا } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : { سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُلَبِّي بِالْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا } وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَعَ بَيْنَ حَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ ثُمَّ لَمْ يَنْهَ عَنْهُ حَتَّى مَاتَ وَلَمْ يَنْزِلْ فِيهِ قُرْآنٌ يُحَرِّمُهُ } . وَفِي رِوَايَةٍ لِلدَّارَقُطْنِيِّ { قَرَنَ } وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عُمَرَ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ بِوَادِي الْعَقِيقِ { أَتَانِي اللَّيْلَةَ آتٍ مِنْ رَبِّي فَقَالَ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي الْمُبَارَكِ وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ { عَنْ حَفْصَةَ قَالَتْ قُلْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِك قَالَ إنِّي قَلَّدْت هَدْيِي وَلَبَّدْت رَأْسِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنْ الْحَجِّ } . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَمِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { أَنِّي سُقْت الْهَدْيَ وَقَرَنْت } . وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ مِثْلِهِ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ سُرَاقَةَ { قَرَنَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ } . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي طَلْحَةَ { جَمَعَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ } وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي قَتَادَةَ مِثْلُهُ وَلِلْبَزَّارِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ أَبِي أَوْفَى مِثْلُهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ طَعَنَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْجُهَّالِ وَنَفَرٌ مِنْ الْمُلْحِدِينَ فِي الْأَحَادِيثِ وَالرُّوَاةِ حَيْثُ اخْتَلَفُوا فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَلْ كَانَ مُفْرِدًا أَمْ مُتَمَتِّعًا أَمْ قَارِنًا وَهِيَ حَجَّةٌ وَاحِدَةٌ وَأَفْعَالُهَا مُخْتَلِفَةٌ وَلَوْ يُسِّرُوا لِلتَّوْفِيقِ وَأُعِينُوا بِحُسْنِ الْمَعْرِفَةِ لَمْ يُنْكِرُوا ذَلِكَ وَلَمْ يَدْفَعُوهُ . وَقَدْ أَنْعَمَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيَانَ هَذَا فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ وُجُودُ الْكَلَامِ فِيهِ وَفِي اقْتِصَاصِ كُلِّ مَا قَبْلَهُ تَطْوِيلٌ وَلَكِنَّ الْوَجِيزَ الْمُخْتَصَرَ مِنْ جَوَامِعِ مَا قَالَ : أَنَّ مَعْلُومًا فِي لُغَةِ الْعَرَبِ جَوَازُ إضَافَةِ الْفِعْلِ إلَى الْأَمْرِ بِهِ كَجَوَازِ إضَافَتِهِ إلَى الْفَاعِلِ كَقَوْلِك بَنَى فُلَانٌ دَارًا إذَا أَمَرَ بِبِنَائِهَا وَضَرَبَ الْأَمِيرُ فُلَانًا إذَا أَمَرَ بِضَرْبِهِ { وَرَجَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَاعِزًا وَقَطَعَ سَارِقَ رِدَاءِ صَفْوَانَ } . وَإِنَّمَا أَمَرَ بِذَلِكَ وَمِثْلُهُ كَثِيرٌ فِي الْكَلَامِ وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ الْقَارِنُ وَالْمُفْرِدُ وَالْمُتَمَتِّعُ وَكُلٌّ مِنْهُمْ يَأْخُذُ عَنْهُ أَمْرَ نُسُكِهِ وَيَصْدُرُ عَنْ تَعْلِيمِهِ فَجَازَ أَنْ تُضَافَ كُلُّهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ أَمَرَ بِهَا وَأَذِنَ فِيهَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَيُحْتَمَلُ : أَنَّ بَعْضَهُمْ سَمِعَهُ يَقُولُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ فَحَكَى أَنَّهُ أَفْرَدَ وَخَفِيَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ وَعُمْرَةٍ فَلَمْ يَحْكِ إلَّا مَا سَمِعَ وَسَمِعَ أَنَسٌ وَغَيْرَهُ الزِّيَادَةَ وَهِيَ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ وَلَا يُنْكَرُ قَبُولُ الزِّيَادَةِ وَإِنَّمَا يَحْصُلُ التَّنَاقُضُ لَوْ كَانَ الزَّائِدُ نَافِيًا لِقَوْلِ صَاحِبِهِ فَأَمَّا إذَا كَانَ مُثْبَتًا لَهُ وَزَائِدًا عَلَيْهِ فَلَيْسَ فِيهِ تَنَاقُضٌ . قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الرَّاوِي سَمِعَهُ يَقُولُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ عَلَى وَجْهِ التَّعْلِيمِ فَيَقُولُ لَهُ لَبَّيْكَ بِحَجَّةٍ وَعُمْرَةٍ عَلَى سَبِيلِ التَّلْقِينِ فَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ الْمُخْتَلِفَةُ فِي الظَّاهِرِ لَيْسَ فِيهَا تَكَاذُبٌ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا سَهْلٌ كَمَا ذَكَرْنَا . وَقَدْ رَوَى جَابِرٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْرَمَ مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ إحْرَامًا مَوْقُوفًا وَخَرَجَ يَنْتَظِرُ الْقَضَاءَ فَنَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ وَهُوَ عَلَى الصَّفَا فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَجْعَلَهُ عُمْرَةً وَأَمَرَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَحُجَّ } انْتَهَى كَلَامُ الْخَطَّابِيِّ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قَدْ أَكْثَرَ النَّاسُ الْكَلَامَ عَلَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَأَوْسَعُهُمْ نَفْسًا فِي ذَلِكَ الطَّحَاوِيُّ فَإِنَّهُ تَكَلَّمَ عَلَى ذَلِكَ فِي زِيَادَةٍ عَلَى أَلْفِ وَرَقَةٍ وَتَكَلَّمَ مَعَهُ فِي ذَلِكَ أَيْضًا أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ ثُمَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ ثُمَّ الْمُهَلَّبُ وَالْقَاضِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ بْنُ الْمُرَابِطِ وَالْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ بْنُ الْقَصَّارِ وَأَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمْ . وَأَوْلَى مَا يُقَالُ فِي هَذَا عَلَى مَا فَحَصْنَاهُ مِنْ كَلَامِهِمْ وَاخْتَرْنَاهُ مِنْ اخْتِيَارَاتِهِمْ مِمَّا هُوَ أَجْمَعُ لِلرِّوَايَاتِ وَأَشْبَهُ بِمَسَاقِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَبَاحَ لِلنَّاسِ فِعْلَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ الثَّلَاثَةِ لِيَدُلَّ عَلَى جَوَازِ جَمِيعِهَا إذْ لَوْ أَمَرَ بِوَاحِدٍ لَكَانَ غَيْرُهُ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ فَأُضِيفَ الْجَمِيعُ إلَيْهِ وَأَخْبَرَ كُلُّ وَاحِدٍ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ وَأَبَاحَهُ لَهُ وَنَسَبَهُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إمَّا لِأَمْرِهِ بِهِ وَإِمَّا لِتَأْوِيلِهِ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا إحْرَامُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَفْسِهِ فَأَخَذَ بِالْأَفْضَلِ فَأَحْرَمَ مُفْرِدًا لِلْحَجِّ تَظَاهَرَتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ الصَّحِيحَةُ وَأَمَّا الرِّوَايَاتُ بِأَنَّهُ كَانَ مُتَمَتِّعًا فَمَعْنَاهَا أَمَرَ بِهِ . وَأَمَّا الرِّوَايَاتُ بِأَنَّهُ كَانَ قَارِنًا فَإِخْبَارٌ عَنْ حَالَتِهِ الثَّانِيَةِ لَا عَنْ ابْتِدَاءِ إحْرَامِهِ بَلْ إخْبَارٌ عَنْ حَالِهِ حِينَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ بِالتَّحَلُّلِ مِنْ حَجِّهِمْ وَقَلْبِهِ إلَى عُمْرَةٍ لِمُخَالِفَةِ الْجَاهِلِيَّةِ إلَّا مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَكَانَ هُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ مَعَهُ الْهَدْيُ فِي آخِرِ إحْرَامِهِمْ قَارِنِينَ بِمَعْنَى أَنَّهُمْ أَرْدَفُوا الْحَجَّ بِالْعُمْرَةِ وَفَعَلَ ذَلِكَ مُوَاسَاةً لِأَصْحَابِهِ وَتَأْنِيسًا لَهُمْ فِي فِعْلِهَا فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ لِكَوْنِهَا كَانَتْ مُنْكَرَةً عِنْدَهُمْ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَلَمْ يُمْكِنْهُ التَّحَلُّلُ مَعَهُمْ بِسَبَبِ الْهَدْيِ وَاعْتَذَرَ إلَيْهِمْ بِذَلِكَ فِي تَرْكِ مُوَاسَاتِهِمْ فَصَارَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَارِنًا فِي آخِرِ أَمْرِهِ وَقَدْ اتَّفَقَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَشَذَّ بَعْضُ النَّاسِ فَمَنَعَهُ وَقَالَ لَا يَدْخُلُ إحْرَامٌ عَلَى إحْرَامٍ كَمَا لَا يَدْخُلُ صَلَاةٌ عَلَى صَلَاةٍ وَاخْتَلَفُوا فِي إدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ فَجَوَّزَهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ لِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ وَجَعَلُوا هَذَا خَاصًّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِضَرُورَةِ الِاعْتِمَارِ حِينَئِذٍ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ . قَالَ وَكَذَلِكَ يُتَأَوَّلُ قَوْلُ مَنْ قَالَ كَانَ مُتَمَتِّعًا أَيْ تَمَتَّعَ بِفِعْلِهِ الْعُمْرَةَ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَفَعَلَهَا مَعَ الْحَجِّ لِأَنَّ لَفْظَ الْمُتْعَةِ يُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ فَانْتَظَمَتْ الْأَحَادِيثُ وَاتَّفَقَتْ قَالَ وَلَا يَبْعُدُ رَدُّ مَا وَرَدَ عَنْ الصَّحَابَةِ مِنْ فِعْلٍ مِثْلِ ذَلِكَ إلَى مِثْلِ هَذَا مَعَ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ أَنَّهُمْ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ مُفْرِدًا فَيَكُونُ الْإِفْرَادُ إخْبَارًا عَنْ فِعْلِهِمْ أَوَّلًا وَالْقِرَانُ إخْبَارًا عَنْ إحْرَامِ الَّذِينَ مَعَهُمْ هَدْيٌ بِالْعُمْرَةِ ثَانِيًا وَالتَّمَتُّعُ لِفَسْخِهِمْ الْحَجَّ إلَى الْعُمْرَةِ ثُمَّ إهْلَالِهِمْ بِالْحَجِّ بَعْدَ التَّحَلُّلِ مِنْهَا كَمَا فَعَلَهُ كُلُّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ ( قُلْت ) نَقْلُهُ عَنْ الشَّافِعِيُّ جَوَازَ إدْخَالِ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ هُوَ قَوْلُهُ الْقَدِيمُ لَكِنَّ الْجَدِيدَ الْمَعْمُولَ بِهِ عِنْدَ أَصْحَابِهِ مَنْعَ ذَلِكَ الْآنَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : إنَّهُ أَحْرَمَ إحْرَامًا مُطْلَقًا مُنْتَظِرًا مَا يُؤْمَرُ بِهِ مِنْ إفْرَادٍ أَوْ تَمَتُّعٍ أَوْ قِرَانٍ ثُمَّ أُمِرَ بِالْحَجِّ ثُمَّ أُمِرَ بِالْعُمْرَةِ فِي وَادِي الْعَقِيقِ بِقَوْلِهِ صَلِّ فِي هَذَا الْوَادِي وَقُلْ عُمْرَةً فِي حَجَّةٍ قَالَ الْقَاضِي وَاَلَّذِي سَبَقَ أَبْيَنُ وَأَحْسَنُ فِي التَّأْوِيلِ ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي فِي مَوْضِعٍ آخَرَ بَعْدَ ذَلِكَ لَا يَصِحُّ قَوْلُ مَنْ قَالَ : أَحْرَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إحْرَامًا مُطْلَقًا مُبْهَمًا لِأَنَّ رِوَايَةَ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ تَرُدُّهُ وَهِيَ مُصَرِّحَةٌ بِخِلَافِهِ ا هـ . وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فِي كِتَابٍ لَهُ صَنَّفَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَنَّ الرِّوَايَةَ مُخْتَلِفَةٌ عَنْ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ فَرُوِيَ عَنْهُمْ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِفْرَادِ لِلْحَجِّ وَمَا يَدُلُّ عَلَى التَّمَتُّعِ وَمَا يَدُلُّ عَلَى الْقِرَانِ حَاشَا جَابِرٌ فَإِنَّهُ إنَّمَا رَوَى عَنْهُ الْإِفْرَادَ وَالْقِرَانَ فَقَطْ ثُمَّ قَالَ فَأَمَّا عِنْدَ صِحَّةِ الْبَحْثِ وَتَحْقِيقِ النَّظَرِ فَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِمُضْطَرِبٍ بَلْ كُلُّهُ مُتَّفَقٌ ثُمَّ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ مَنْ رَوَى الْقِرَانَ عِنْدَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ لِأَنَّ مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ قَالَ أَحْرَمَ بِحَجٍّ وَمَنْ رَوَى التَّمَتُّعَ قَالَ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ . وَمَنْ رَوَى الْقِرَانَ زَادَ عَلَى الْأَوَّلِ عُمْرَةً وَعَلَى الثَّانِي حَجَّةً وَزِيَادَةُ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَأَيْضًا فَمَنْ رَوَى الْقِرَانَ مَنْ الصَّحَابَةِ لَمْ تَخْتَلِفْ الرِّوَايَةُ عَنْهُمْ وَمَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ وَالتَّمَتُّعَ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُمْ وَأَيْضًا فَلَيْسَ فِي الْأَحَادِيثِ شَيْءٌ مَرْفُوعٌ إلَّا الْقِرَانُ وَهُوَ فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ مَرْفُوعًا { إنِّي سُقْت الْهَدْيَ وَقَرَنْت } . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَلَمْ يَرْوِ لَفْظَ الْإِفْرَادِ عَنْ عَائِشَةَ إلَّا عُرْوَةَ وَالْقَاسِمُ وَرَوَى عَنْهَا الْقِرَانَ عُرْوَةُ أَيْضًا وَمُجَاهِدٌ وَلَيْسَ مُجَاهِدٌ دُونَ الْقَاسِمِ فَنَظَرْنَا فَوَجَدْنَا مَنْ رَوَى الْقِرَانَ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا أَصْلًا وَرِوَايَةُ مَنْ رَوَى الْإِفْرَادَ يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهَا أَفْرَدَ الْحَجَّ أَيْ لَمْ يَحُجَّ بَعْدَ فَرْضِ الْحَجِّ إلَّا حَجَّةً فَرْدَةً لَمْ يُثَنِّهَا بِأُخْرَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ سَمِعْته يُلَبِّي بِالْحَجِّ فَرَوَتْهُ وَلَمْ تَسْمَعْ ذِكْرَ الْعُمْرَةِ فَلَمْ تَرْوِ مَا لَمْ تَسْمَعْ ثُمَّ صَحَّ عِنْدَهَا بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّهُ قَرَنَ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ كَمَا رَوَى عَنْهَا عُرْوَةُ وَمُجَاهِدٌ . وَأَمَّا عَمْرَةُ وَالْأَسْوَدُ فَلَمْ يَرْوِيَا عَنْهَا لَفْظَةَ الْإِفْرَادِ وَإِنَّمَا رَوَيَا عَنْهَا { أَهَلَّ بِالْحَجِّ } . وَلَا يَمْنَعُ مِنْ أَنْ يَكُونَ أَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ أَيْضًا فَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِمَا مَا يُوجِبُ الْإِفْرَادَ وَلَا مَا يُخَالِفُ مَنْ رَوَى عَنْهَا الْقِرَانَ وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَا رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ { قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ مُهَلِّينَ بِالْحَجِّ } . فَإِنَّمَا عَنَتْ أَصْحَابَهُ لَا إهْلَالَهُ وَلَمْ تَنْفِ أَيْضًا أَنَّهُ قَرَنَ إلَى الْحَجِّ عُمْرَةً فَقَوْلُ مَنْ زَادَ أَوْلَى وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِي الرِّوَايَةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ سَوَاءٌ بَلْ فِي الرِّوَايَةِ عَنْهُ بَيَانُ مَا يَدُلُّ عَلَى رُجُوعِهِ عَنْ الْإِفْرَادِ ثُمَّ رَوَى مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ نَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّهُ تَمَتَّعَ وَقَرَنَ بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ فِي آخِرِ زَمَانِهِ } . وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ يُفْرِدُ الْحَجَّ وَاتَّفَقَ سَالِمٌ وَنَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَلَى الْقِرَانِ وَهُمَا أَوْثَقُ النَّاسِ فِيهِ . وَأَمَّا الرِّوَايَةُ عَنْ جَابِرٍ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ عَنْهُ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدَ الْحَجَّ إلَّا الدَّرَاوَرْدِيُّ وَحْدَهُ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ وَهَذَا يَقِينًا مُخْتَصَرٌ مِنْ الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ وَسَائِرُ النَّاسِ عَنْ جَابِرٍ إنَّمَا قَالُوا أَهَلَّ بِالْحَجِّ أَوْ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ حَاشَا مِنْ طَرِيقَيْنِ لَا يُعْتَدُّ بِهِمَا . ( إحْدَاهُمَا ) مِنْ رِوَايَةِ مُطَرِّفِ بْنِ مُصْعَبٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَابِرٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدَ الْحَجَّ } . ( وَالْأُخْرَى ) مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ وَهُوَ مَجْهُولٌ أَيْضًا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ كَذَلِكَ وَمُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ إنْ كَانَ الطَّائِفِيُّ فَهُوَ سَاقِطٌ أَلْبَتَّةَ وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ فَلَا أَدْرِي مَنْ هُوَ وَأَمَّا سَائِرُ الرُّوَاةِ الثِّقَاتِ فَقَالُوا كَمَا قَدَّمْنَا وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ مَا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ أَهَلَّ مَعَهُ بِعُمْرَةٍ أَيْضًا وَلَكِنَّهُ سَكَتَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ ذِكْرِهَا وَلَيْسَ عَلَى الْمَرْءِ أَنْ يُحَدِّثَ فِي كُلِّ وَقْتٍ بِكُلِّ مَا سَمِعَ . وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { دَخَلَتْ الْعُمْرَةُ فِي الْحَجِّ } فَقَوْلُ الْقَائِلِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ يَقْتَضِي الْعُمْرَةَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ مَا لَمْ يُقَلْ الرَّاوِي أَفْرَدَ الْحَجَّ وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ وَحْدَهُ وَيَشُدُّ هَذَا مَا أَوْرَدْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَنَ مَعَ حَجَّتِهِ عُمْرَةً } . وَالْأَظْهَرُ فِيمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ { أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَهَلَّ بِالتَّوْحِيدِ } إنَّمَا أَرَادَ إهْلَالَهُ بِقَوْلِهِ { لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ } فَصَحَّ أَنَّهُ عَنَى بِالتَّوْحِيدِ هَذِهِ التَّلْبِيَةَ إلَّا إفْرَادَ الْحَجِّ وَصَحَّ أَنَّ قَوْلَ الدَّرَاوَرْدِيِّ أَفْرَدَ الْحَجَّ إنَّمَا هُوَ اخْتِصَارٌ مِنْهُ وَظَنٌّ لَا مِنْ قَوْلِ جَابِرٍ وَهَكَذَا الْقَوْلُ فِيمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا فَرْقَ . وَيُوَضِّحُ هَذَا أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ ذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ { أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ } . ثُمَّ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُحِلَّ مِنْهَا وَهَذِهِ صِفَةُ الْقِرَانِ وَهَكَذَا مَعْنَى حَدِيثِهِ أَهَلَّ بِالْحَجِّ وَأَنْتَ إذَا أَضَفْت قَوْلَ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رِوَايَةِ أَبِي الْعَالِيَةِ وَأَبِي حَسَّانَ عَنْهُ { أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَهَلَّ بِالْحَجِّ } إلَى قَوْلِ مُسْلِمٍ الْقَوِيِّ عَنْهُ { أَنَّهُ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ } صَحَّ الْقِرَانُ يَقِينًا وَصَدَقَتْ كِلْتَا الرِّوَايَتَيْنِ وَلَا يَصِحُّ غَيْرُ هَذَا إلَّا بِتَكْذِيبِ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ وَبِهَذَا يَتَآلَفُ جَمِيعُ الرِّوَايَاتِ وَيَصِحُّ تَصْدِيقُ جَمِيعِهَا وَإِضَافَةُ بَعْضِهَا إلَى بَعْضٍ قَالَ فَوَهَتْ رِوَايَاتُ الْإِفْرَادِ وَسَقَطَتْ كُلُّهَا ثُمَّ عُدْنَا إلَى الرِّوَايَاتِ فَوَجَدْنَا عَائِشَةَ وَعُمَرَ وَعَلِيًّا وَابْنَ عُمَرَ وَعِمْرَانَ وَابْنَ عَبَّاسٍ ذَكَرُوا { أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ تَمَتَّعَ } . وَقَالَ بَعْضُهُمْ { وَأَهَلَّ بِالْعُمْرَةِ } ثُمَّ لَمَّا فَسَّرُوا أَقْوَالَهُمْ فِي ذَلِكَ أَتَوْا بِصِفَةِ الْقِرَانِ وَذَكَرُوا أَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ مِنْ عُمْرَتِهِ حَتَّى أَتَمَّ جَمِيعَ عَمَلِ الْحَجِّ وَصَدَرَ مِنْ الْمُزْدَلِفَةِ إلَى مِنًى فَلَمَّا كَانَ ذَلِكَ كَمَا ذَكَرْنَا احْتَمَلَتْ الرِّوَايَةُ عَنْ عُثْمَانَ وَسَعْدٍ فِي التَّمَتُّعِ أَنَّهُمَا عَنَيَا بِذَلِكَ الْقِرَانَ مَعَ شُهْرَةِ قَوْلِهِ { لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت مَا سُقْت الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتهَا عُمْرَةً } . وَهَذَا يُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إنَّهُ أَهَلَّ بِعُمْرَةٍ مُفْرَدَةٍ ثُمَّ أَحَلَّ مِنْهَا وَأَهَلَّ بِالْحَجِّ فَصَارَ مُتَمَتِّعًا فَلَمَّا وَهَتْ رِوَايَاتُ التَّمَتُّعِ أَيْضًا وَبَطَلَ الْإِفْرَادُ وَالتَّمَتُّعُ لَمْ يَبْقَ إلَّا رِوَايَاتُ الْقِرَانِ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهَا وَثَبَتَتْ صِحَّتُهَا إذْ مَنْ وَصَفَ الْقِرَانِ لَا يَحْتَمِلُ تَأْوِيلًا أَلْبَتَّةَ وَكَانَ الرُّوَاةُ لِلْقِرَانِ اثْنَيْ عَشَرَ مِنْ الصَّحَابَةِ سِتَّةٌ مَدَنِيُّونَ وَوَاحِدٌ مَكِّيٌّ وَاثْنَانِ بَصْرِيَّانِ وَثَلَاثَةٌ كُوفِيُّونَ وَبِدُونِ هَذَا النَّقْلِ تَصِحُّ الْأَخْبَارُ صِحَّةً تَرْفَعُ الشَّكَّ وَتُوجِبُ الْعِلْمَ الضَّرُورِيَّ فَصَحَّ بِذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا بِيَقِينٍ لَا شَكَّ فِيهِ وَكَانَتْ سَائِرُ الرِّوَايَاتِ الَّتِي تَعَلَّقَ بِهَا مَنْ ادَّعَى الْإِفْرَادَ وَالتَّمَتُّعَ غَيْرَ مُخَالِفَةٍ لِرِوَايَةِ الَّذِينَ رَوَوْا الْقِرَانَ وَلَا دَافِعَةً لَهُ عَلَى مَا بَيَّنَّا انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ حَزْمٍ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَعَلَيْهِ مُؤَاخَذَاتٌ : ( مِنْهَا ) قَوْلُهُ أَنَّ الدَّرَاوَرْدِيَّ انْفَرَدَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ بِقَوْلِهِ أَفْرَدَ الْحَجَّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ كَمَا هُوَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ وَهُوَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَعْفٌ وَرَوَى أَبُو الشَّيْخِ ابْنُ حِبَّانَ فِي فَوَائِدِ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ { خَرَجْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَفْرَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَجَّ } . ثُمَّ قَالَ وَالِدِي وَهَذَا الَّذِي جَمَعَ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ فِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ { أَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ أَحْرَمَ بِالْحَجِّ } . وَهَذَا مُنَافٍ لِإِحْرَامِهِ بِهِمَا مَعًا فِي أَوَّلِ دُفْعَةٍ انْتَهَى وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بَعْدَ ذِكْرِهِ أَنَّ ابْنَ حَزْمٍ اخْتَارَ الْقِرَانَ وَتَأَوَّلَ بَاقِيَ الْأَحَادِيثِ ، وَتَأْوِيلُ بَعْضِهَا لَيْسَ بِظَاهِرٍ فِيمَا قَالَهُ وَالصَّوَابُ الَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَحْرَمَ أَوَّلًا بِالْحَجِّ مُفْرِدًا ثُمَّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ فَصَارَ قَارِنًا فَمَنْ رَوَى أَنَّهُ كَانَ مُفْرِدًا وَهُمْ الْأَكْثَرُونَ اعْتَمَدَ أَوَّلَ الْإِحْرَامِ وَمَنْ رَوَى قَارِنًا اعْتَمَدَ آخِرَهُ . وَمَنْ رَوَى مُتَمَتِّعًا أَرَادَ التَّمَتُّعَ اللُّغَوِيَّ وَهُوَ الِانْتِفَاعُ وَالِالْتِذَاذُ وَقَدْ انْتَفَعَ بِأَنْ كَفَاهُ عَنْ النُّسُكَيْنِ فِعْلٌ وَاحِدٌ وَلَمْ يَحْتَجْ إلَى إفْرَادِ كُلِّ وَاحِدٍ بِعَمَلٍ قَالَ وَيُؤَيِّدُ هَذَا الَّذِي ذَكَرْته أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَعْتَمِرْ تِلْكَ السَّنَةَ عُمْرَةً مُفْرَدَةً لَا قَبْلَ الْحَجِّ وَلَا بَعْدَهُ . وَقَدَّمْنَا أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ مِنْ إفْرَادِ الْحَجِّ مِنْ غَيْرِ عُمْرَةٍ بِلَا خِلَافٍ ، وَلَوْ جَعَلْت حَجَّتَهُ مُفْرَدَةً لَزِمَ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ اعْتَمَرَ تِلْكَ السَّنَةَ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ إنَّ الْحَجَّ وَحْدَهُ أَفْضَلُ مِنْ الْقِرَانِ ، قُلْت سَيَأْتِي عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَالْمُتَوَلِّي تَرْجِيحُ الْإِفْرَادِ وَلَوْ لَمْ يَعْتَمِرْ تِلْكَ السَّنَةَ . وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اعْتَمَرَ فِي سَنَةٍ أُخْرَى فَهَذَا قَادِحٌ فِيمَا نَفَاهُ مِنْ الْخِلَافِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ : قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَحَاصِلُهُ تَرْجِيحُ الْإِفْرَادِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اخْتَارَهُ أَوَّلًا وَإِنَّمَا أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ لِمَصْلَحَةٍ وَهِيَ بَيَانُ جَوَازِ الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَعْتَقِدُهُ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ انْتَهَى وَأَنْكَرَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ هَذَا الْكَلَامَ . وَقَالَ { قَدْ اعْتَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ عَامًا بَعْدَ عَامٍ قَبْلَ الْفَتْحِ ثُمَّ اعْتَمَرَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ عَامَ الْفَتْحِ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فِي ذِي الْحُلَيْفَةِ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يُهِلَّ بِعُمْرَةٍ فَلْيَفْعَلْ } وَهَذَا كَافٍ فِي الْبَيَانِ . " الرَّابِعَةُ " اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَفْضَلِ وُجُوهِ الْإِحْرَامِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِيمَا فَعَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ عَلَى أَقْوَالٍ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الْأَفْضَلَ الْإِفْرَادُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْهُمْ وَعَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَدَاوُد قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ ثُمَّ الْأَفْضَلُ بَعْدَ الْإِفْرَادِ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْقِرَانُ . ( الثَّانِي ) أَنَّ التَّمَتُّعَ أَفْضَلُ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي وَمِمَّنْ رُوِيَ عَنْهُ اخْتِيَارُ التَّمَتُّعِ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَعَائِشَةَ وَالْحَسَنُ وَعَطَاءٌ وَطَاوُسٌ وَمُجَاهِدٌ وَجَابِرُ بْنُ زَيْدٍ وَسَالِمٌ وَالْقَاسِمُ وَعِكْرِمَةُ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ . وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْهُ وَعَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ قَالَ الْحَنَابِلَةُ ثُمَّ الْأَفْضَلُ بَعْدَ التَّمَتُّعِ الْإِفْرَادُ ثُمَّ الْقِرَانُ . ( الثَّالِثُ ) أَنَّ الْقِرَانَ أَفْضَلُ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ثُمَّ قَالَ لَا شَكَّ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ قَارِنًا انْتَهَى وَهُوَ قَوْلٌ لِلشَّافِعِيِّ وَقَالَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُزَنِيّ وَأَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ كَمَا تَقَدَّمَ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْأَفْضَلَ بَعْدَ الْقِرَانِ التَّمَتُّعُ ثُمَّ الْأَفْرَادُ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ الْإِفْرَادَ أَفْضَلُ مِنْ التَّمَتُّعِ . ( الرَّابِعُ ) أَنَّهُ إنْ سَاقَ الْهَدْيَ فَالْقِرَانُ أَفْضَلُ وَإِنْ لَمْ يَسُقْهُ فَالتَّمَتُّعُ أَفْضَلُ . حَكَاهُ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . ( الْخَامِسُ ) أَنَّ الْأَنْوَاعَ الثَّلَاثَةَ سَوَاءٌ فِي الْفَضِيلَةِ لَا فَضِيلَةَ لِبَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ ، حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ . ( السَّادِسُ ) أَنَّ التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ سَوَاءٌ وَهُمَا أَفْضَلُ مِنْ الْإِفْرَادِ ، حُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَرَجَّحَ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ الْإِفْرَادَ أَنَّهُ الْأَكْثَرُ فِي الرِّوَايَاتِ فِي حَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِأَنَّ رُوَاتَهُ أَخُصُّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْحَجَّةِ فَإِنَّ مِنْهُمْ جَابِرًا وَهُوَ أَحْسَنُهُمْ سِيَاقَةً لِحَجَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ ذَكَرَهَا مِنْ أَوَّلِ خُرُوجِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى فَرَاغِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى ضَبْطِهِ لَهَا وَاعْتِنَائِهِ بِهَا ، وَمِنْهُمْ { ابْنُ عُمَرَ . وَقَدْ قَالَ كُنْت تَحْتَ نَاقَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمَسُّنِي لُعَابُهَا أَسْمَعُهُ يُلَبِّي بِالْحَجِّ } . وَمِنْهُمْ عَائِشَةُ وَقُرْبُهَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاطِّلَاعُهَا عَلَى بَاطِنِ أَمْرِهِ وَفِعْلِهِ فِي خَلْوَتِهِ وَعَلَانِيَتِهِ كُلُّهُ مَعْرُوفٌ مَعَ فِقْهِهَا وَعَظِيمِ فِطْنَتِهَا وَمِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَهُوَ بِالْمَحَلِّ الْمَعْرُوفِ مِنْ الْفِقْهِ وَالْفَهْمِ الثَّاقِبِ مَعَ كَثْرَةِ بَحْثِهِ وَحِفْظِهِ أَحْوَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّتِي لَمْ يَحْفَظْهَا غَيْرُهُ ، وَبِأَنَّ الْخُلَفَاءَ الرَّاشِدِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْرَدُوا الْحَجَّ وَوَاظَبُوا عَلَيْهِ فَلَوْ لَمْ يَكُنْ هُوَ الْأَفْضَلُ عِنْدَهُمْ وَعَلِمُوا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ لَمْ يُوَاظِبُوا عَلَيْهِ وَكَيْفَ يُظَنُّ بِهِمْ الْمُوَاظَبَةُ عَلَى خِلَافِ فِعْلِهِ أَوْ أَنَّهُمْ خَفِيَ عَلَيْهِمْ جَمِيعِهِمْ فِعْلُهُ . وَأَمَّا الْخِلَافُ عَنْ عَلِيٍّ وَغَيْرِهِ فَإِنَّمَا فَعَلُوهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ ، وَبِأَنَّ الْإِفْرَادَ لَا يَجِبُ فِيهِ دَمٌ بِالْإِجْمَاعِ لِكَمَالِهِ بِخِلَافِ التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ فَمَا لَا يَحْتَاجُ إلَى جَبْرٍ أَفْضَلُ وَبِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ عَلَى جَوَازِ الْإِفْرَادِ بِلَا كَرَاهَةٍ ، وَكَرِهَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ وَغَيْرُهُمَا التَّمَتُّعَ وَبَعْضُهُمْ الْقِرَانَ أَيْضًا وَإِنْ جَوَّزُوهُ وَاحْتَجَّ مَنْ رَجَّحَ التَّمَتُّعَ بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَمَنَّاهُ بِقَوْلِهِ { لَوْ اسْتَقْبَلْت مِنْ أَمْرِي مَا اسْتَدْبَرْت لَمْ أَسُقْ الْهَدْيَ وَلَجَعَلْتهَا عُمْرَةً } . وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ سَبَبَهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ أُمِرُوا بِجَعْلِهَا عُمْرَةً فَحَصَلَ لَهُمْ حُزْنٌ حَيْثُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ هَدْيٌ فَيُوَافِقُونَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَقَاءَ عَلَى الْإِحْرَامِ فَتَأَسَّفَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَئِذٍ عَلَى فَوَاتِ مُوَافَقَتِهِمْ تَطْيِيبًا لِنُفُوسِهِمْ وَرَغْبَةً فِيمَا فِيهِ مُوَافَقَتُهُمْ لَا أَنَّ التَّمَتُّعَ دَائِمًا أَفْضَلُ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنْ أَصْحَابِنَا وَلِأَنَّ ظَاهِرَ هَذَا الْحَدِيثِ غَيْرُ مُرَادٍ بِالْإِجْمَاعِ لِأَنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ سَوْقَ الْهَدْيِ يَمْنَعُ انْعِقَادَ الْعُمْرَةِ . وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِهِ وَاحْتَجَّ مَنْ رَجَّحَ الْقِرَانَ بِالْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأَتَمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } وَاشْتُهِرَ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ أَنَّ إتْمَامَهُمَا أَنْ تُحْرِمَ بِهِمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِك وَقَالُوا إنَّ الدَّمَ الَّذِي عَلَى الْقَارِنِ لَيْسَ دَمُ جُبْرَانُ بَلْ دَمُ عِبَادَةٍ وَالْعِبَادَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِالْبَدَنِ وَالْمَالِ أَفْضَلُ مِنْ الْمُخْتَصَّةِ بِالْبَدَنِ وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا عَنْ أَحَادِيثِ الْقِرَانِ بِأَنَّهَا مُؤَوَّلَةٌ وَبِأَنَّ أَحَادِيثَ الْإِفْرَادِ أَكْثَرُ وَأَرْجَحُ وَعَنْ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا إلَّا الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ قَرْنُهُمَا فِي الْفِعْلِ . فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ } وَأَمَّا الْمَرْوِيُّ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ فَمَعْنَاهُ الْإِحْرَامُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ دُوَيْرَةِ أَهْلِهِ يَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَحَّ عَنْ عُمَرَ كَرَاهَتُهُ لِلتَّمَتُّعِ وَأَمْرِهِ بِالْأَفْرَادِ وَاسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا عَنْ أَنَّ الدَّمَ الَّذِي عَلَى الْقَارِنِ دَمُ جُبْرَانَ لَا نُسُكَ بِأَنَّ الصِّيَامَ يَقُومُ مَقَامَهُ عِنْدَ الْعَجْزِ وَلَوْ كَانَ دَمُ نُسُكٍ لَمْ يَقُمْ مَقَامَهُ كَالْأُضْحِيَّةِ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ : وَقِيلَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الشَّافِعِيِّ بِنَاءً عَلَى الْقَارِنِ عِنْدَنَا يَطُوفُ طَوَافَيْنِ وَيَسْعَى سَعْيَيْنِ وَعِنْدَهُ طَوَافًا وَاحِدًا وَسَعْيًا وَاحِدًا . ( الْخَامِسَةُ ) قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَرْجِيحِ الْإِفْرَادِ عَلَى التَّمَتُّعِ وَالْقِرَانِ وَلَوْ لَمْ يَعْتَمِرْ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَبِهِ قَالَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْمُتَوَلِّي مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَلَكِنْ الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنَّ شَرْطَ تَفْضِيلِهِ عَلَيْهِمَا أَنْ يَعْتَمِرَ مِنْ سَنَتِهِ فَلَوْ أَخَّرَ الْعُمْرَةَ عَنْ تِلْكَ السَّنَةِ فَكُلٌّ مِنْهُمَا أَفْضَلُ مِنْهُ لِلْإِتْيَانِ فِيهِمَا بِالنُّسُكَيْنِ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ مَا قَالَاهُ شَاذٌّ ضَعِيفٌ وَبَحَثَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ أَنَّهُ إذَا قَرَنَ أَوْ تَمَتَّعَ ثُمَّ اعْتَمَرَ بَعْدَهُ كَانَ أَفْضَلَ مِنْ الْإِفْرَادِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْكَلَامَ فِي أَدَاءِ النُّسُكَيْنِ وَهَذَا قَدْ أَدَّى ثَلَاثَةً فَهِيَ غَيْرُ الصُّورَةِ الْمُتَكَلَّمِ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي فِي تَرْجِيحِ مَذْهَبِهِ فِي التَّمَتُّعِ : الْمُفْرِدُ إنَّمَا يَأْتِي بِالْحَجِّ وَحْدَهُ وَإِنْ اعْتَمَرَ بَعْدَهُ مِنْ التَّنْعِيمِ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِي إجْزَائِهَا عَنْ عُمْرَةِ الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ اُخْتُلِفَ فِي إجْزَاءِ عُمْرَةِ الْقِرَانِ وَلَا خِلَافَ فِي إجْزَاءِ التَّمَتُّعِ عَنْ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ جَمِيعًا ا هـ . ( الْحَدِيثُ الثَّانِي ) عَنْ عُرْوَةَ { عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَأَهْلَلْت بِعُمْرَةٍ وَلَمْ أَكُنْ سُقْت الْهَدْيَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلِيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا قَالَتْ فَحِضْت فَلَمَّا دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي كُنْت أَهْلَلْت بِعُمْرَةٍ فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِحَجَّتِي ؟ قَالَ اُنْقُضِي رَأْسَك وَامْتَشِطِي وَأَمْسِكِي عَنْ الْعُمْرَةِ وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ فَلَمَّا قَضَيْت حَجَّتِي أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَعْمَرَنِي مِنْ التَّنْعِيمِ مَكَانَ عُمْرَتِي سَكَتَ عَنْهَا } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ عَبْدِ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ أَمْسَكْت عَنْهَا مَكَانَ سَكَتَ عَنْهَا وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَعُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ { فَطَافَ الَّذِينَ أَهَلُّوا بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ حَلُّوا ثُمَّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا } . ( الثَّانِيَةُ ) حَجَّةُ الْوَدَاعِ كَانَتْ سَنَةَ عَشْرٍ مِنْ الْهِجْرَةِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَدَّعَ النَّاسَ فِيهَا وَلَمْ يَحُجَّ بَعْدَ الْهِجْرَةِ غَيْرَهَا . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَتْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ مُحْرِمَةً بِعُمْرَةٍ وَرَوَى الْقَاسِمُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا نَرَى إلَّا الْحَجَّ } . وَفِي رِوَايَةٍ { لَا نَذْكُرُ إلَّا الْحَجَّ } وَفِي رِوَايَةٍ { لَبَّيْنَا بِالْحَجِّ } وَفِي رِوَايَةٍ { مُهَلِّينَ بِالْحَجِّ } . وَرَوَى الْأَسْوَدُ وَعَمْرَةُ عَنْهَا { وَلَا نَرَى إلَّا أَنَّهُ الْحَجُّ } وَقَدْ جَمَعَ ذَلِكَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ عَائِشَةَ فِيمَا أَحْرَمَتْ بِهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ عِنْدَنَا قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِتَرْجِيحِ أَنَّهَا كَانَتْ مُحْرِمَةً بِحَجٍّ لِأَنَّهَا رِوَايَةُ عَمْرَةَ وَالْأَسْوَدِ وَالْقَاسِمِ ، وَغَلَّطُوا عُرْوَةَ فِي الْعُمْرَةِ ، مِمَّنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ وَرَجَّحُوا الرِّوَايَةَ غَيْرَ عُرْوَةَ عَلَى رِوَايَتِهِ لِأَنَّ عُرْوَةَ قَالَ فِي رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْهُ حَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا دَعِي عُمْرَتَك } . فَقَدْ بَانَ أَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ الْحَدِيثَ مِنْهَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَلَيْسَ هَذَا بِوَاضِحٍ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهَا مِمَّنْ حَدَّثَهُ ذَلِكَ قَالُوا أَيْضًا وَلِأَنَّ رِوَايَةَ عَمْرَةَ وَالْقَاسِمِ نَسَّقَتْ عَمَلَ عَائِشَةَ فِي الْحَجِّ مِنْ أَوَّلِهِ إلَى آخِرِهِ وَلِهَذَا قَالَ الْقَاسِمُ عَنْ رِوَايَةِ عَمْرَةَ نَبَّأَتْك بِالْحَدِيثِ عَلَى وَجْهِهِ وَقَالُوا وَلِأَنَّ رِوَايَةَ عُرْوَةَ إنَّمَا أَخْبَرَ فِيهَا عَنْ آخِرِ أَمْرِ عَائِشَةَ وَالْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ مُمْكِنٌ فَأَحْرَمْت أَوَّلًا بِالْحَجِّ كَمَا صَحَّ عَنْهَا فِي رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ وَكَمَا هُوَ الْأَصَحُّ مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَكْثَرِ أَصْحَابِهِ ثُمَّ أَحْرَمْت بِالْعُمْرَةِ حِينَ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ بِفَسْخِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ وَهَكَذَا فَسَّرَهُ الْقَاسِمُ فِي حَدِيثِهِ فَأَخْبَرَ عُرْوَةُ بِاعْتِمَارِهَا فِي آخِرِ الْأَمْرِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَوَّلَ أَمْرِهَا . قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ يُعَارَضُ هَذَا بِمَا صَحَّ عَنْهَا فِي إخْبَارِهَا عَنْ فِعْلِ الصَّحَابَةِ وَاخْتِلَافِهِمْ فِي الْإِحْرَامِ وَإِنَّمَا أَحْرَمَتْ هِيَ بِعُمْرَةٍ فَالْحَاصِلُ أَنَّهَا أَحْرَمَتْ بِحَجٍّ ثُمَّ فَسَخَتْهُ إلَى عُمْرَةٍ حِينَ أَمَرَ النَّاسَ بِذَلِكَ فَلَمَّا حَاضَتْ وَتَعَذَّرَ عَلَيْهَا إتْمَامُ الْعُمْرَةِ وَالتَّحَلُّلُ مِنْهَا وَإِدْرَاكُ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ ، أَمَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ فَأَحْرَمَتْ بِهِ فَصَارَتْ مُدْخِلَةً لِلْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَقَارِنَةً وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَمَّنْ رَجَّحَ رِوَايَةَ عُرْوَةَ فِي إحْرَامِهَا بِعُمْرَةٍ أَنَّ جَابِرًا رَوَى ذَلِكَ أَيْضًا قَالُوا وَلَيْسَ فِي قَوْلِهَا { كُنَّا مُهَلِّينَ بِالْحَجِّ وَخَرَجْنَا لَا نَرَى إلَّا الْحَجَّ } . بَيَانُ أَنَّهَا كَانَتْ هِيَ مُهِلَّةٌ بِالْحَجِّ وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِدْلَالٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ تُرِيدَ خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ وَتُرِيدُ بَعْضَهُمْ أَوْ أَكْثَرَهُمْ وَلَيْسَ الِاسْتِدْلَال الْمُحْتَمَلُ لِلتَّأْوِيلِ كَالتَّصْرِيحِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الِاضْطِرَابُ عَنْ عَائِشَةَ فِي حَدِيثِهَا هَذَا فِي الْحَجِّ عَظِيمٌ . وَقَدْ أَكْثَرَ الْعُلَمَاءُ فِي تَوْجِيهِ الرِّوَايَاتِ فِيهِ وَدَفَعَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا بِبَعْضٍ وَلَمْ يَسْتَطِيعُوا الْجَمْعَ بَيْنَهَا وَرَامَ قَوْمٌ الْجَمْعَ فِي بَعْضِ مَعَالِيهَا ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي قَوْلِ مَالِكٍ : لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ قَدِيمًا وَلَا حَدِيثًا يُرِيدُ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي رَفْضِ الْعُمْرَةِ لِأَنَّ الْعَمَلَ عَلَيْهِ عِنْدَهُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ . ( الرَّابِعَةُ ) أَصْلُ الْإِهْلَالِ رَفْعُ الصَّوْتِ بِالتَّلْبِيَةِ ثُمَّ تُوُسِّعَ فِيهِ بِإِطْلَاقِهِ عَلَى مُطْلَقِ الْإِحْرَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ رَفْعُ صَوْتٍ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهَا { وَلَمْ أَكُنْ سُقْت الْهَدْيَ } تَوْطِئَةً لِمَا تُرِيدُ الْأَخْبَارُ بِهِ مِنْ اسْتِمْرَارِهَا عَلَى تَمْحِيضِ الْعُمْرَةِ وَأَنَّهَا لَمْ تُدْخِلْ عَلَيْهَا الْحَجُّ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّمَا أَمَرَ بِضَمِّ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ وَالْهَدْيُ بِإِسْكَانِ الدَّالِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَبِكَسْرِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ الْأُولَى أَفْصَحُ وَأَشْهُرُ وَهُوَ اسْمٌ لِمَا يُهْدَى إلَى الْحَرَمِ مِنْ الْأَنْعَامِ . وَسَوْقُ الْهَدْيِ سُنَّةٌ لِمَنْ أَرَادَ الْإِحْرَامَ بِحَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلْيُهْلِلْ بِالْحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهِ ثُمَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا } . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الَّذِي تَدُلُّ عَلَيْهِ نُصُوصُ الْأَحَادِيثِ فِي صَحِيحَيْ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرِهِمَا مِنْ رِوَايَةِ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ وَغَيْرِهِمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا قَالَ لَهُمْ هَذَا الْقَوْلَ بَعْدَ إحْرَامِهِمْ بِالْحَجِّ وَفِي مُنْتَهَى سَفَرِهِمْ وَدُنُوِّهِمْ مِنْ مَكَّةَ بِسَرِفٍ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ عَائِشَةَ أَوْ بَعْدَ طَوَافِهِمْ بِالْبَيْتِ وَسَعْيِهِمْ كَمَا جَاءَ فِي رِوَايَةِ جَابِرٍ وَيُحْتَمَلُ تَكْرِيرُهُ الْأَمْرَ بِذَلِكَ مَرَّتَيْنِ فِي مَوْضِعَيْنِ وَأَنَّ الْعَزِيمَةَ كَانَتْ آخِرًا حِينَ أَمَرَهُمْ بِفَسْخِ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ . ( السَّابِعَةُ ) قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْجُمْهُورُ هَذِهِ الرِّوَايَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ السَّبَبَ فِي بَقَاءِ مَنْ سَاقَ الْهَدْيَ عَلَى إحْرَامِهِ حَتَّى يَحِلَّ مِنْ الْحَجِّ كَوْنُهُ أَدْخَلَ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَأَنَّهُ لَيْسَ السَّبَبُ فِي ذَلِكَ مُجَرَّدِ سَوْقِ الْهَدْيِ فَمَا يَقُولُهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَمَنْ وَافَقَهُمَا : أَنَّ الْمُعْتَمِرَ الْمُتَمَتِّعَ إذَا كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ لَا يَتَحَلَّلُ مِنْ عُمْرَتِهِ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُمْ تَمَسَّكُوا بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَهِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَلَمْ يُهْدِ فَلْيَحْلِلْ ، وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يَحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ وَمَنْ أَهَلَّ بِحَجٍّ فَلْيُتِمَّ حَجَّهُ } . وَهِيَ ظَاهِرَةٌ فِي الدَّلَالَةِ لِمَذْهَبِهِمْ ، لَكِنْ تَأَوَّلَهَا أَصْحَابُنَا عَلَى أَنَّ مَعْنَاهَا وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ وَلَا يَحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ وَاسْتَدَلُّوا عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي تَكَلَّمَ عَلَيْهَا وَقَالُوا هَذَا التَّأْوِيلُ مُتَعَيَّنٌ لِأَنَّ الْقَضِيَّةَ وَاحِدَةٌ وَالرَّاوِيَ وَاحِدٌ فَيَتَعَيَّنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهَا { فَلَمَّا دَخَلَتْ لَيْلَةُ عَرَفَةَ } يُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَاهُ قَرُبَتْ وَشَارَفَتْ فَإِنَّ مَحْمَلَ اسْتِحْبَابِ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي التَّوَجُّهِ إلَى مِنًى وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ إنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَكْوَاهَا { وَالنَّاسُ يَذْهَبُونَ إلَى الْحَجِّ الْآنَ } . وَقَوْلُهَا { إنِّي كُنْت أَهْلَلْت بِعُمْرَةٍ أَيْ مُفْرِدَةً وَلَمْ أُدْخِلْ عَلَيْهَا الْحَجَّ } وَقَوْلُهَا { فَكَيْفَ أَصْنَعُ بِحَجَّتِي } أَيْ بِالْحَجَّةِ الَّتِي قَصَدْت تَحْصِيلَهَا وَالْإِتْيَانَ بِهَا إذْ الْفَرْضُ أَنَّهَا لَمْ تَكُنْ مُحْرِمَةً بِحَجٍّ فَأَضَافَتْ الْحَجَّةَ إلَيْهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ " التَّاسِعَةُ " قَوْلُهُ { اُنْقُضِي رَأْسَك } بِالْقَافِ وَالضَّادِ وَالْمُعْجَمَةِ أَيْ حِلِّي ضَفْرَهُ . وَقَوْلُهُ وَامْتَشِطِي أَيْ سَرِّحِي بِالْمُشْطِ ( الْعَاشِرَةُ ) قَوْلُهُ { وَامْسِكِي عَنْ الْعُمْرَةِ } أَيْ عَنْ إتْمَامِ أَفْعَالِهَا وَهِيَ الطَّوَافُ وَالسَّعْيُ وَتَقْصِيرُ الشَّعْرِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُبَيِّنَةٌ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرَّاوِيَةِ الْأُخْرَى { اُرْفُضِي عُمْرَتَك } . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى { دَعِي عُمْرَتَك } وَدَالَّةٌ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ بِرَفْضِهَا إبْطَالَهَا بِالْكُلِّيَّةِ وَالْخُرُوجِ مِنْهَا وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ رَفْضُ الْعَمَلِ فِيهَا وَإِتْمَامُ أَفْعَالِهَا وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَيْضًا مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّهَا أَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ فَقَدِمَتْ وَلَمْ تَطُفْ بِالْبَيْتِ حَتَّى حَاضَتْ فَنَسَكَتْ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا وَقَدْ أَهَلَّتْ بِالْحَجِّ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ النَّفْرِ يَسَعُك طَوَافُك لِحَجِّك وَعُمْرَتِك فَأَبَتْ فَبَعَثَ بِهَا مَعَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ إلَى التَّنْعِيمِ وَاعْتَمَرَتْ بَعْدَ الْحَجِّ } . فَهَذِهِ رِوَايَةٌ صَرِيحَةٌ فِي أَنَّ عُمْرَتَهَا بَاقِيَةٌ صَحِيحَةٌ مُجْزِئَةٌ لِقَوْلِهِ يَسَعُك طَوَافُك لِحَجِّك وَعُمْرَتِك وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ الْأَعْمَالَ الشَّرْعِيَّةَ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهَا إمَّا مُطْلَقًا أَوْ الْوَاجِبَاتُ مِنْهَا وَيَزِيدُ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ عَلَى غَيْرِهِمَا بِأَنَّهُمَا لِشِدَّةِ تَشَبُّثِهِمَا وَلُزُومِهِمَا لَا يَصِحُّ الْخُرُوجُ مِنْهُمَا بِنِيَّةِ الْخُرُوجِ وَإِنَّمَا يُخْرَجُ مِنْهُمَا بِالتَّحَلُّلِ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَأْوِيلِ هَذَا اللَّفْظِ أَوْلَى مِنْ إبْطَالِهِ وَرَدِّهِ وَنَسَبَهُ عُرْوَةُ لِلْوَهْمِ فِيهِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ بَعْضِهِمْ ثُمَّ أَيَّدَهُ بِأَنَّ حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَفِيهِ قَالَ عُرْوَةُ فَحَدَّثَنِي غَيْرُ وَاحِدٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا دَعِي عُمْرَتَك وَانْقُضِي رَأْسَك وَامْتَشِطِي وَافْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ الْمُسْلِمُونَ فِي حَجِّهِمْ قَالَتْ فَأَطَعْت اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَلَمَّا كَانَ لَيْلَةَ الصَّدْرِ أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَأَخْرَجَهَا إلَى التَّنْعِيمِ فَأَهَلَّتْ بِعُمْرَةٍ } . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عِلَّةُ اللَّفْظِ الدَّالِ عَلَى رَفْضِ الْعُمْرَةِ لِأَنَّهُ كَلَامٌ لَمْ يَسْمَعْهُ عُرْوَةُ مِنْ عَائِشَةَ وَإِنْ كَانَ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ قَدْ انْفَرَدَ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ ثِقَةٌ فِيمَا نَقَلَ انْتَهَى فَالتَّأْوِيلُ أَوْلَى مِنْ الرَّدِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) أَنْ قُلْت أَمَرَهَا بِنَقْضِ رَأْسِهَا وَالِامْتِشَاطِ ظَاهِرٌ فِي إبْطَالِ الْعُمْرَةِ إذَا الْبَاقِي فِي الْإِحْرَامِ لَا يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ خَشْيَةَ انْتِشَافِ الشَّعْرِ ( قُلْت ) لَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ إبْطَالُ الْعُمْرَةِ ، فَإِنَّ نَقْضَ الرَّأْسِ وَالِامْتِشَاطَ جَائِزَانِ فِي الْإِحْرَامِ إذَا لَمْ يُؤَدِّ إلَى انْتِتَافِ شَعْرٍ لَكِنْ يُكْرَهُ الِامْتِشَاطُ لِغَيْرِ عُذْرٍ وَقِيلَ إنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَانَ بِهَا عُذْرٌ مِنْ أَذًى بِرَأْسِهَا فَأُبِيحَ لَهَا الِامْتِشَاطُ كَمَا أُبِيحَ لِكَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ الْحَلْقُ لِلْأَذَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالِامْتِشَاطِ هُنَا حَقِيقَةَ الِامْتِشَاطِ بِالْمِشْطِ بَلْ تَسْرِيحُ الشَّعْرِ بِالْأَصَابِعِ لِلْغُسْلِ لِإِحْرَامِهَا بِالْحَجِّ لَا سِيَّمَا أَنْ كَانَتْ لَبَّدَتْ رَأْسَهَا كَمَا هُوَ السُّنَّةُ { لِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ } . فَلَا يَصِحُّ غُسْلُهَا إلَّا بِإِيصَالِ الْمَاءِ إلَى جَمِيعِ شَعْرِهَا وَيَلْزَمُ مِنْ هَذَا نَقْضُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ وَأَهِلِّي بِالْحَجِّ أَيْ مُدْخِلَةً لَهُ عَلَى الْعُمْرَةِ وَحِينَئِذٍ فَتَصِيرُ قَارِنَةً بَعْدَ أَنْ كَانَتْ مُتَمَتِّعَةً وَهُوَ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ إذَا كَانَ قَبْلَ الطَّوَافِ وَإِنَّمَا فَعَلَتْ ذَلِكَ لِأَنَّهُ تَعَذَّرَ عَلَيْهَا إتْمَامُ الْعُمْرَةِ وَالتَّحَلُّلِ مِنْهَا لِلْحَيْضِ الطَّارِئِ الْمَانِعِ لَهَا مِنْ الطَّوَافِ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهَا { فَلَمَّا قَضَيْت حَجَّتِي أَمَرَ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَاعْمُرْنِي } . قَدْ تَبَيَّنَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ سَبَبُ ذَلِكَ وَهُوَ { أَنَّهَا قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجٍّ وَعُمْرَةٍ وَأَرْجَعَ بِحَجٍّ } ؟ وَهُوَ مُشْكِلٌ إذْ قَدْ حَصَلَتْ لَهَا الْعُمْرَةُ الَّتِي أَدْخَلَتْ عَلَيْهَا الْحَجَّ فَإِنَّهَا لَمْ تُبْطِلْهَا كَمَا تَقَدَّمَ ، وَأُجِيبَ عَنْهُ بِأَنَّ مَعْنَاهُ يَرْجِعُ النَّاسُ بِحَجٍّ مُفْرِدٍ عَنْ عُمْرَةٍ وَعُمْرَةٍ مُفْرِدَةٍ عَنْ حَجٍّ وَأَرْجِعُ وَلَيْسَتْ لِي عُمْرَةٌ مُنْفَرِدَةٌ : حَرَصَتْ بِذَلِكَ عَلَى تَكْثِيرِ الْأَفْعَالِ كَمَا حَصَلَ لِسَائِرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ وَغَيْرِهِنَّ مِنْ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ فَسَخُوا الْحَجَّ إلَى الْعُمْرَةِ وَأَتَمُّوا الْعُمْرَةَ وَتَحَلَّلُوا مِنْهَا قَبْلَ يَوْمِ التَّرْوِيَةِ ثُمَّ أَحْرَمُوا بِالْحَجِّ مِنْ مَكَّةَ يَوْمَ التَّرْوِيَةِ فَحَصَلَتْ لَهُمْ حَجَّةٌ مُنْفَرِدَةٌ وَعُمْرَةٌ مُنْفَرِدَةٌ وَأَمَّا عَائِشَةُ فَإِنَّمَا حَصَلَ لَهَا عُمْرَةٌ مُنْدَرِجَةٌ فِي حَجَّةٍ بِالْقِرَانِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ لَهَا يَوْمَ النَّفْرِ { يَسَعُك طَوَافُك لِحَجِّك وَعُمْرَتِك } . أَيْ وَقَدْ تَمَّا وَحُسِبَا لَك فَأَبَتْ وَأَرَادَتْ عُمْرَةً مُنْفَرِدَةً كَمَا حَصَلَ لِبَقِيَّةِ النَّاسِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهَا مَكَانَ عُمْرَتِي الَّتِي سَكَتَ عَنْهَا أَيْ الَّتِي سَكَتَ عَنْ أَعْمَالِهَا فَلَمْ أُتِمَّهَا مُنْفَرِدَةً بَلْ مَضْمُومَةً لِلْحَجِّ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى هَذِهِ مَكَانَ عُمْرَتِك وَفِي هَذَا تَصْرِيحٌ بِالرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ الْقِرَانُ أَفْضَلُ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ الْخَلْوَةُ بِالْمَحَارِمِ وَالرُّكُوبُ مَعَهُمْ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ أَرْدَفَهَا وَرَاءَهُ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) إنَّمَا أَمَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِإِخْرَاجِهَا فِي الْعُمْرَةِ إلَى التَّنْعِيمِ لِأَنَّهُ أَدْنَى الْحِلِّ وَمَنْ كَانَ بِمَكَّةَ وَأَرَادَ الْإِحْرَامَ بِعُمْرَةٍ فَمِيقَاتُهُ لَهَا أَدْنَى الْحِلِّ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْرِمَ بِهَا فِي الْحَرَمِ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ الْجَمْعُ فِي نُسُكِ الْعُمْرَةِ بَيْنَ الْحِلِّ وَالْحَرَمِ كَمَا أَنَّ الْحَاجَّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ يَقِفُ بِعَرَفَاتٍ وَهِيَ مِنْ الْحِلِّ ثُمَّ يَدْخُلُ مَكَّةَ لِلطَّوَافِ وَغَيْرِهِ فَلَوْ خَالَفَ وَأَحْرَمَ بِهَا فِي الْحَرَمِ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْحِلِّ قَبْلَ الطَّوَافِ أَجْزَأَهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَخْرُجْ وَطَافَ وَسَعَى وَحَلَقَ فَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ : ( أَحَدُهُمَا ) لَا تَصِحُّ عُمْرَتُهُ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الْحِلّ ثُمَّ يَطُوفُ وَيَسْعَى وَيَحْلِقُ . وَ ( الثَّانِي ) تَصِحُّ وَعَلَيْهِ دَمٌ لِتَرْكِهِ الْمِيقَاتَ وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُجْزِئُهُ حَتَّى يَخْرُجَ إلَى الْحِلِّ وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَفْضَلَ جِهَاتِ الْحِلِّ لِلْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ مِنْهَا التَّنْعِيمُ وَبِهِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ أَنَّ الْأَفْضَلَ { الْإِحْرَامُ بِهَا مِنْ الْجِعْرَانَةِ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَعَلَهُ } ثُمَّ مِنْ التَّنْعِيمِ لِكَوْنِهِ أَمَرَ بِهِ ثُمَّ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ لِكَوْنِهِ هَمَّ بِهِ وَقَالُوا إنَّمَا أَمَرَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بِالتَّنْعِيمِ لِتَيَسُّرِهِ فَإِنَّهُ أَقْرَبُ الْجِهَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ . ( السَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى هَذَا فَقَالَ إنَّهُ يَتَعَيَّنُ التَّنْعِيمُ لِلْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ مِنْهُ وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ مَالِكٍ وَإِنَّهُ مِيقَاتُ الْمُعْتَمِرِينَ مِنْ مَكَّةَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَهَذَا شَاذٌّ مَرْدُودٌ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ الْجَمَاهِيرُ أَنَّ جَمِيعَ جِهَاتِ الْحِلِّ سَوَاءٌ وَلَا يَخْتَصُّ بِالتَّنْعِيمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ ) فِي قَوْلِهَا فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ { وَأَمَّا الَّذِينَ جَمَعُوا بَيْنَ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَارِنَ يَكْفِيهِ طَوَافٌ وَاحِدٌ عَنْ طَوَافِ الرُّكْنِ وَأَنَّهُ يَقْتَصِرُ عَلَى أَفْعَالِ الْحَجِّ وَتَنْدَرِجُ أَفْعَالُ الْعُمْرَةِ كُلُّهَا فِي أَفْعَالِ الْحَجِّ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَجَابِرٍ وَعَائِشَةَ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَالزُّهْرِيُّ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَعَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَكَانَ يَحْلِفُ بِاَللَّهِ أَنَّهُ لَمْ يَطُفْ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ لِلْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ إلَّا طَوَافًا وَاحِدًا ، رَوَاهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَدَاوُد وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَلْزَمُهُ طَوَافَانِ وَسَعْيَانِ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ وَالشَّعْبِيُّ وَالْأَسْوَدُ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَأَبِي جَعْفَرٍ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ رَوَاهُ عَنْهُمْ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ . ( الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ) عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { عَنْ حَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا قَالَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِك ؟ فَقَالَ إنِّي لَبَّدْت رَأْسِي وَقَلَّدْت هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَهِيَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَرِوَايَةِ النَّسَائِيّ وَهِيَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ { مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ } . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّهُ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ وَأَنَّهُ رَوَاهُ بِدُونِهَا الْقَعْنَبِيُّ وَيَحْيَى بْنُ بُكَيْر وَأَبُو مُصْعَبٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يُوسُفَ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَغَيْرِهِمْ قَالَ وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالَ وَلَمْ يَخْتَلِفْ الرُّوَاةُ عَنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِهِ { وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِك } . قَالَ وَزَعَمَ بَعْضُ النَّاسِ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ نَافِعٍ { وَلَمْ تَحِلَّ أَنْتَ مِنْ عُمْرَتِك } إلَّا مَالِكٌ وَحْدَهُ قَالَ وَقَدْ رَوَاهَا غَيْرُ مَالِكٍ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَهَؤُلَاءِ هُمْ حُفَّاظُ أَصْحَابِ نَافِعٍ وَالْحُجَّةُ فِيهِ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ وَرَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ نَافِعٍ فَلَمْ يَقُلْ مِنْ عُمْرَتِك وَزِيَادَةُ مَالِكٍ مَقْبُولَةٌ لِحِفْظِهِ وَإِتْقَانِهِ لَوْ انْفَرَدَ بِهَا فَكَيْفَ وَقَدْ تَابَعَهُ مَنْ ذَكَرْنَا قَالَ وَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا فِي قَدِيمِ الدَّهْرِ وَلَا حَدِيثِهِ رَدَّ حَدِيثَ حَفْصَةَ هَذَا بِأَنَّ مَالِكًا انْفَرَدَ بِقَوْلِهِ مِنْ عُمْرَتِك إلَّا هَذَا الرَّجُلُ . ا هـ بِمَعْنَاهُ . وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ هَذَا الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ الْأَصِيلِيُّ وَرِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ هَذِهِ رَوَاهَا مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ وَفِيهَا { مِنْ عُمْرَتِك } . وَرَوَاهَا الْبُخَارِيُّ بِدُونِ قَوْلِهَا مِنْ عُمْرَتِك وَلَفْظُ الشَّيْخَيْنِ فِيهَا { فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَحِلَّ مِنْ الْحَجِّ } . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ { حَتَّى أَنْحَرَ } كَرِوَايَةِ مَالِكٍ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ وَرِوَايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِثْلَهَا مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ رِوَايَةَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ثُمَّ قَالَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ نَافِعٍ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْعُمْرَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى الِاخْتِلَافِ فِي ذِكْرِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فَفِيهِ مَيْلٌ لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ الْأَصِيلِيِّ . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّ حَفْصَةَ قَالَتْ ، فَجَعَلَهُ مِنْ مُسْنَدِ ابْنِ عُمَرَ وَكَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَفِي حَدِيثِ الْبَاقِينَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ وَفِي رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَابْنِ جُرَيْجٍ حَدَّثَتْنِي حَفْصَةُ ( الثَّانِيَةُ ) تَمَسَّك بِهِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَادِعِ مُتَمَتِّعًا لِكَوْنِهِ أَقَرَّ عَلَى أَنَّهُ مُحْرِمٌ بِعُمْرَةٍ وَالتَّمَتُّعُ هُوَ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَطَعَنَ مَنْ طَعَنَ فِي قَوْلِهِ مِنْ عُمْرَتِك غَيْرُ مُلْتَفِتٍ إلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنَّ هَذَا التَّمَسُّكَ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا هَذَا اللَّفْظُ لَاحْتَمَلَ التَّمَتُّعَ وَالْقِرَانَ فَتَعَيَّنَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ { حَتَّى أَحَلَّ مِنْ الْحَجِّ } أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ . ( الثَّالِثَة ) وَرَتَّبُوا عَلَى هَذَا أَنَّ الْمُتَمَتِّعَ لَا يَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ إذَا كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ حَتَّى يَنْحَرَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْعِلَّةَ فِي بَقَائِهِ عَلَى إحْرَامِهِ الْهَدْيَ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَهُ وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَيْسَ الْعِلَّةُ فِي ذَلِكَ سَوْقَ الْهَدْيِ وَإِنَّمَا السَّبَبُ فِيهِ إدْخَالُهُ الْحَجَّ عَلَى الْعُمْرَةِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ { حَتَّى أَحِلَّ مِنْ الْحَجِّ } وَعَبَّرَ عَنْ الْإِحْرَامِ بِالْحَجِّ بِسَوْقِ الْهَدْيِ لِأَنَّهُ كَانَ مُلَازِمًا لَهُ فِي تِلْكَ الْحَجَّةِ فَإِنَّهُ قَالَ لَهُمْ { مَنْ كَانَ مَعَهُ الْهَدْيُ فَلْيُهِلَّ بِالْحَجِّ مَعَ عُمْرَتِهِ ثُمَّ لَا يَحِلَّ حَتَّى يَحِلَّ مِنْهُمَا جَمِيعًا } كَمَا تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ . ( الرَّابِعَةُ ) وَتَمَسَّك بِهِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ قَارِنًا وَهُوَ تَمَسُّكٌ قَوِيٌّ وَمَا أَدْرِي مَا يَقُولُ مَنْ ذَهَبَ إلَى التَّمَتُّعِ هَلْ يَقُولُ اسْتَمَرَّ عَلَى الْعُمْرَةِ خَاصَّةً وَلَمْ يُحْرِمْ بِالْحَجِّ أَصْلًا فَيَكُونُ لَمْ يَحُجَّ فِي تِلْكَ السَّنَةِ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ أَحَدٌ وَأَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ فَصَارَ قَارِنًا وَصَحَّ مَا قَالَهُ هَؤُلَاءِ فَإِنَّ لِلْقِرَانِ حَالَتَيْنِ ( إحْدَاهُمَا ) أَنْ يُحْرِمَ بِالنُّسُكَيْنِ ابْتِدَاءً . ( الثَّانِي ) أَنْ يُحْرِمَ بِالْعُمْرَةِ ثُمَّ يُدْخِلُ عَلَيْهَا الْحَجَّ وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ { حَتَّى أَحَلَّ مِنْ الْحَجِّ } صَرِيحٌ فِي أَنَّهُ كَانَ قَارِنًا وَقَوْلُهَا مِنْ عُمْرَتِك أَيْ الْعُمْرَةِ الْمَضْمُومَةِ إلَى الْحَجِّ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هَذَا دَلِيلٌ لِلْمَذْهَبِ الصَّحِيحِ الْمُخْتَارِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ قَارِنًا فِي حَجَّةِ الْوَادِعِ . ( الْخَامِسَةُ ) إنْ قُلْت مَا مَعْنَى قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ بِعُمْرَةٍ وَكَيْفَ يَلْتَئِمُ هَذَا مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ مِنْ عُمْرَتِك كَيْفَ يُهِلُّ بِعُمْرَةٍ وَيَحِلُّ مِنْهَا ؟ ( قُلْت ) الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حَلُّوا بِعُمْرَةٍ فَإِنَّهُمْ فَسَخُوا الْحَجَّ إلَيْهَا فَأَتَوْا بِأَعْمَالِهَا وَتَحَلَّلُوا مِنْهَا وَلَوْلَا ذَلِكَ لَاسْتَمَرُّوا عَلَى الْإِحْرَامِ حَتَّى يَأْتُوا بِأَعْمَالِ الْحَجِّ فَكَانَ إحْرَامُهُمْ بِعُمْرَةٍ سَبَبًا لِسُرْعَةِ حِلِّهِمْ وَأَمَّا هُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَإِنَّهُ أَدْخَلَ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ فَلَمْ يَفِدْهُ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ سُرْعَةَ الْإِخْلَالِ لِبَقَائِهِ عَلَى الْحَجِّ فَشَارَكَ الصَّحَابَةَ فِي الْإِحْرَامِ بِالْعُمْرَةِ وَفَارَقَهُمْ بِبَقَائِهِ عَلَى الْحَجِّ وَفَسْخِهِمْ لَهُ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته مِنْ إدْخَالِهِ الْعُمْرَةَ عَلَى الْحَجِّ هُوَ الْمُعْتَمَدُ وَعَكَسَ الْخَطَّابِيُّ ذَلِكَ فَقَالَ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ : هَذَا يُبَيِّنُ لَك أَنَّهُ كَانَتْ هُنَاكَ عُمْرَةٌ وَلَكِنَّهُ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجَّ فَصَارَ قَارِنًا ثُمَّ حَكَى الِاتِّفَاقَ عَلَى جَوَازِ إدْخَالِ الْحَجِّ عَلَى الْعُمْرَةِ قَبْلَ الطَّوَافِ وَالْخِلَافُ فِي إدْخَالِهَا عَلَى الْحَجِّ مَنَعَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَجَازَهُ أَصْحَابُ الرَّأْيِ هَذَا كَلَامُهُ ، وَمَنْ يَمْنَعُ إدْخَالَ الْعُمْرَةِ عَلَى الْحَجِّ يُجِيبُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا قَرَّرْتُهُ أَوَّلًا بِأَنَّ هَذَا مِنْ خُصُوصِيَّاتِ هَذِهِ الْحَجَّةِ فَقَدْ وَقَعَتْ فِيهَا أُمُورٌ غَرِيبَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) الذَّاهِبُونَ إلَى الْإِفْرَادِ أَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهَا أَرَادَتْ بِالْعُمْرَةِ مُطْلَقَ الْإِحْرَامِ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ فَإِنْ قِيلَ فَمَا قَوْلُ حَفْصَةَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا شَأْنُ النَّاسِ حَلُّوا وَلَمْ تَحْلِلْ مِنْ عُمْرَتِك } ؟ قِيلَ أَكْثَرُ النَّاسِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ هَدْيٌ وَكَانَتْ حَفْصَةُ مَعَهُمْ فَأُمِرُوا أَنْ يَجْعَلُوا إحْرَامَهُمْ عُمْرَةً وَيَحِلُّوا فَقَالَتْ لِمَ تَحَلَّلَ النَّاسُ وَلَمْ تَحْلِلْ مِنْ عُمْرَتِك يَعْنِي إحْرَامَك الَّذِي ابْتَدَأْته وَهُمْ بِنِيَّةٍ وَاحِدَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ { فَقَالَ لَبَّدْت رَأْسِي وَقَلَّدْت هَدْيِي فَلَا أَحِلُّ حَتَّى أَنْحَرَ بُدْنِي يُعْنَى } وَاَللَّهُ أَعْلَمُ حَتَّى يَحِلَّ الْحَاجُّ لِأَنَّ الْقَضَاءَ نَزَلَ عَلَيْهِ أَنْ يَجْعَلَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ إحْرَامَهُ حَجًّا وَهَذَا مِنْ سَعَةِ لِسَانِ الْعَرَبِ الَّذِي يَكَادُ يُعْرَفُ بِالْجَوَابِ فِيهِ انْتَهَى كَلَامُهُ . ( ثَانِيهَا ) أَنَّهَا أَرَادَتْ بِالْعُمْرَةِ الْحَجَّ لِأَنَّهُمَا يَشْتَرِكَانِ فِي كَوْنِهِمَا قَصْدًا ( ثَالِثُهَا ) أَنَّهَا ظَنَّتْ أَنَّهُ مُعْتَمِرٌ ( رَابِعُهَا ) أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهَا مِنْ عُمْرَتِك أَيْ لِعُمْرَتِك بِأَنْ تَفْسَخَ حَجَّك إلَى عُمْرَةٍ كَمَا فَعَلَ غَيْرُك قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ هَذِهِ الْأَجْوِبَةَ وَكُلُّ هَذَا ضَعِيفٌ وَالصَّحِيحُ مَا سَبَقَ يَعْنِي الْقِرَانَ . ( السَّابِعَةُ ) إنْ قُلْت إذَا كَانَ الرَّاجِحُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ قَارِنًا فَلِمَ رَجَّحَ الْمَالِكِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ الْإِفْرَادَ عَلَى الْقِرَانِ وَغَيْرِهِ ( قُلْت ) أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بِأَنَّ تَرْجِيحَ الْإِفْرَادِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اخْتَارَهُ أَوَّلًا وَإِنَّمَا أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ لِمَصْلَحَةٍ وَهِيَ بَيَانُ جَوَازِ الِاعْتِمَارِ فِي أَشْهُرِ الْحَجِّ وَكَانَتْ الْعَرَبُ تَعْتَقِدُهُ مِنْ أَفْجَرِ الْفُجُورِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهُ إنِّي لَبَّدْت رَأْسِي بِتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ شَعْرَ رَأْسِي وَتَلْبِيدُ الشَّعْرِ أَنْ يُجْعَلَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ صَمْغٍ أَوْ نَحْوِهِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ لِيَنْضَمَّ الشَّعْرُ وَيَلْتَصِقُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ احْتِرَازًا عَنْ تَعَطُّنِهِ وَتَقَمُّلِهِ ، وَإِنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنْ يَطُولُ مُكْثُهُ فِي الْإِحْرَامِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ اسْتِحْبَابُهُ وَالْمَعْنَى فِيهِ الْإِبْقَاءُ عَلَى الشَّعْرِ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ . ( التَّاسِعَةُ ) الْهَدْيُ بِإِسْكَانِ الدَّالِ وَتَخْفِيفِ الْيَاءِ وَبِكَسْرِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ لُغَتَانِ وَتَقْلِيدُهُ أَنْ يُعَلِّقَ عَلَيْهِ شَيْئًا يُعْرَفُ بِهِ كَوْنُهُ هَدْيًا فَإِنْ كَانَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ اُسْتُحِبَّ تَقْلِيدُهُ بِنَعْلَيْنِ مِنْ النِّعَالِ الَّتِي تُلْبَسُ فِي الرِّجْلَيْنِ فِي الْإِحْرَامِ وَيُسْتَحَبُّ التَّصَدُّقُ بِهِمَا عِنْدَ ذَبْحِ الْهَدْيِ وَإِنْ كَانَ مِنْ الْغَنَمِ اُسْتُحِبَّ تَقْلِيدُهُ بِخَرِبِ الْقُرَبِ بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَهِيَ عُرَاهَا وَآذَانُهَا وَبِالْخُيُوطِ الْمَفْتُولَةِ وَنَحْوِهَا وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى اسْتِحْبَابِ سَوْقِ الْهَدْيِ وَعَلَى اسْتِحْبَابِ تَقْلِيدِ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَاخْتَلَفُوا فِي اسْتِحْبَابِ تَقْلِيدِ الْغَنَمِ فَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُسْتَحَبُّ . ( الْعَاشِرَةُ ) يَجُوزُ فِي قَوْلِهَا وَلَمْ تَحِلَّ وَفِي قَوْلِهِ فَلَا أَحِلُّ فَتَحَ أَوَّلَهُ وَضَمَّهُ عَلَى أَنَّهُ ثُلَاثِيٌّ وَرُبَاعِيٌّ وَهُمَا لُغَتَانِ فِيهِ وَالْفَتْحُ أَوْفَقُ لِقَوْلِهَا حَلُّوا بَابُ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَيُبَاحُ لَهُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : { سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً مَا يَتْرُكُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ ؟ فَقَالَ لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ وَلَا الزَّعْفَرَانُ وَالْخُفَّيْنِ إلَّا لِمَنْ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلِيَقْطَعَهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ } لَمْ يَقُلْ الشَّيْخَانِ { مَا يَتْرُكُ } وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا الْخِفَافَ إلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَلَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ } زَادَ الْبُخَارِيُّ : { وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ } ( بَابُ مَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ وَيُبَاحُ لَهُ ) . ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : { سَأَلَ رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ وَقَالَ سُفْيَانُ مَرَّةً مَا يَتْرُكُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ ؟ فَقَالَ لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْبُرْنُسَ وَلَا السَّرَاوِيلَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا ثَوْبًا مَسَّهُ الْوَرْسُ وَلَا الزَّعْفَرَانُ وَلَا الْخُفَّيْنِ إلَّا لِمَنْ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ } لَمْ يَقُلْ الشَّيْخَانِ { مَا يَتْرُكُ } وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَلْبَسُ الْقُمُصَ وَلَا الْعَمَائِمَ وَلَا السَّرَاوِيلَاتِ وَلَا الْبَرَانِسَ وَلَا الْخِفَافَ إلَّا أَحَدٌ لَا يَجِدُ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَلَا تَلْبَسُوا مِنْ الثِّيَابِ شَيْئًا مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ وَلَا وَرْسٌ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ . وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد { مَا يَتْرُكُ الْمُحْرِمُ مِنْ الثِّيَابِ } وَلَفْظُ الْبَاقِينَ { مَا يَلْبَسُ } وَأَبُو دَاوُد قَدْ رَوَاهُ عَنْ أَحْمَدَ وَمُسَدَّدٍ كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَقَدْ بَيَّنَ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ أَنَّ الِاخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ مِنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ نَفْسِهِ كَمَا فِي الْأَصْلِ وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْهُ قَوْلَهُ { مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ } مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَجُوَيْرِيَةَ ابْنِ أَسْمَاءَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ وَعُمَرَ بْنِ نَافِعٍ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ وَفِيهِ { وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ } وَقَالَ الْبُخَارِيُّ تَابَعَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُقْبَةَ وَجُوَيْرِيَةُ وَأَبُو إِسْحَاقَ فِي النِّقَابِ وَالْقُفَّازَيْنِ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ { وَلَا وَرْسَ } وَكَانَ يَقُولُ { لَا تَنْتَقِبُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ } وَقَالَ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { لَا تَنْتَقِبُ الْمُحْرِمَةُ } وَتَابَعَهُ لَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ انْتَهَى وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ وَيَحْيَى بْنُ أَيُّوبَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَلَى مَا قَالَ اللَّيْثُ وَرَوَاهُ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَمَالِكٌ وَأَيُّوبُ مَوْقُوفًا وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَدَنِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُحْرِمَةُ لَا تَنْتَقِبُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ } قَالَ أَبُو دَاوُد إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَدَنِيُّ شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ لَيْسَ لَهُ كَثِيرُ حَدِيثٍ ثُمَّ رَوَى أَبُو دَاوُد رِوَايَةَ إبْرَاهِيمَ هَذِهِ ثُمَّ رَوَى أَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ : فَإِنَّ نَافِعًا مَوْلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، حَدَّثَنِي عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى النِّسَاءَ فِي إحْرَامِهِنَّ عَنْ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ وَمَا مَسَّ الْوَرْسَ وَالزَّعْفَرَانَ مِنْ الثِّيَابِ وَلْتَلْبَسْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا أَحَبَّتْ مِنْ أَلْوَانِ الثِّيَابِ مُعَصْفَرًا أَوْ خَزًّا أَوْ حُلِيًّا أَوْ سَرَاوِيلَ أَوْ قَمِيصًا } وَفِي بَعْضِ نُسَخِهِ { أَوْ خُفًّا ذَهَبًا } وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ بِلَفْظِ { أَوْ خُفٍّ } وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إخْرَاجِ رِوَايَةِ اللَّيْثِ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَ النَّسَائِيّ رِوَايَةَ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ الْمَرْفُوعَةَ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْهُ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ اخْتَلَفُوا فِي ثُبُوتِ ذَلِكَ فَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مِنْ كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رَفَعَهُ صَحِيحٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَحَكَى أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ عَنْ شَيْخِهِ الْحَافِظِ أَبِي عَلِيٍّ النَّيْسَابُورِيِّ أَنَّ قَوْلَهُ لَا تَنْتَقِبُ إلَى آخِره مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ أُدْرِجَ فِي الْحَدِيثِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ عَلَّلُوهُ بِأَنَّ ذِكْرَ الْقُفَّازَيْنِ إنَّمَا هُوَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ لَيْسَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِلْمَامِ هَذَا يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ وَكَأَنَّ الْحَافِظَ أَبَا عَلِيٍّ نَظَرَ إلَى الِاخْتِلَافِ فِي رَفْعِهِ وَوَقْفِهِ فَإِنْ كَانَ لَيْسَ إلَّا ذَلِكَ فَالْمَسْأَلَةُ مَعْلُومَةُ الْحُكْمِ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ وَإِنْ كَانَ حَصَلَ فِيهِ الطَّرِيقُ الَّتِي جَرَتْ الْعَادَةُ بِأَنْ يُسْتَدَلَّ بِهَا عَلَى فَصْلِ كَلَامِ الرَّاوِي مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ فَهِيَ طَرِيقٌ مُعْتَدَّةٌ بَيْنَ الْمُحَدِّثِينَ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ بِالْقَرِينَةِ وَإِلَّا فَيُمْكِنُ أَنْ يَرْوِيَ الرَّاوِي مَا يُفْتِي بِهِ وَبِالْعَكْسِ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ قَدْ نَقَلَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْإِدْرَاج فَحَكَى قَوْلَهُ الْمُتَقَدِّمَ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ { وَلَا وَرْسَ } وَكَانَ يَقُولُ { لَا تَنْتَقِبُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ } قَالَ وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي السُّنَنِ أَنَّ عُبَيْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ سَاقَ الْحَدِيثَ إلَى قَوْلِهِ { وَلَا وَرْسَ } ثُمَّ قَالَ وَكَانَ يَقُولُ { لَا تَنْتَقِبُ الْمُحْرِمَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ } ثُمَّ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ لَكِنْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَرِينَةٌ مُخَالِفَةٌ لِهَذَا دَالَّةٌ عَلَى عَكْسِهِ وَهِيَ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ وَرَدَ إفْرَادُ النَّهْيِ عَنْ الْقُفَّازَيْنِ فَذَكَرَ رِوَايَةَ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمَةَ . ( الثَّانِي ) أَنَّهُ جَاءَ النَّهْيُ عَنْ الْقُفَّازَيْنِ مَبْدُوءًا بِهِ مُسْنَدًا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا يَمْنَعُ الْإِدْرَاجَ فَذَكَرَ رِوَايَةَ أَبِي إِسْحَاقَ الْمُتَقَدِّمَةَ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ضَعِيفٌ لِجَهَالَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ الْمَدَنِيِّ وَقَدْ ذَكَرَهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَقَالَ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ ثُمَّ رَوَى لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ لَا يُتَابِعُ عَلَى رَفْعِهِ رَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ نَافِعٍ مِنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ الذَّهَبِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ غَيْرُ مَعْرُوفٍ لَهُ حَدِيثٌ وَاحِدٌ فِي الْإِحْرَامِ أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَسَكَتَ عَنْهُ فَهُوَ مُقَارِبُ الْحَالِ قَالَ وَالِدِي قَدْ تَعَقَّبَ أَبُو دَاوُد الْحَدِيث بِمَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ شُهْرَةِ رِوَايَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ لَكِنْ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ فُضَيْلٍ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ وَمِنْ رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ عَنْ نَافِعٍ وَإِسْنَادُهُمَا صَحِيحٌ فَفِيهِ تَرْجِيحٌ لِرِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ وَرَدٌّ لِقَوْلِ ابْنِ عَدِيٍّ إنَّهُ تَفَرَّدَ بِرَفْعِهِ ( قُلْت ) وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ رَوَاهُ حَفْصُ بْنُ مَيْسَرَةَ الصَّنْعَانِيُّ وَفُضَيْلُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فَرَفَعَاهُ قَالَ وَكُلُّ مَنْ رَفَعَهُ ثِقَةٌ ثَبْتٌ مُحْتَجٌّ بِهِ ثُمَّ قَالَ وَالِدِي وَأَمَّا الْوَجْهُ الثَّانِي الَّذِي ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فَإِنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ لَا شَكَّ أَنَّهُ دُونَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ فِي الْحِفْظِ وَالْإِتْقَانِ وَقَدْ فَصَلَ الْمَوْقُوفَ مِنْ الْمَرْفُوعِ وَقَوْلُهُ إنَّ هَذَا يَمْنَعُ الْإِدْرَاجَ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ فِي الِاقْتِرَاحِ أَنَّهُ يُضَعِّفُهُ لَا يَمْنَعُهُ وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطِيبُ فِي الْمَدْرَجِ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { أَسْبِغُوا الْوُضُوءَ وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ } فَجَعَلَ قَوْلَهُ أَسْبِغُوا مُدْرَجًا وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ ذَلِكَ كَوْنُهُ مُتَقَدِّمًا عَلَى الْمَرْفُوعِ فَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ ظَنَّهُ مَرْفُوعًا قَدَّمَهُ وَالتَّقْدِيمُ وَالتَّأْخِيرُ فِي الْحَدِيثِ سَائِغٌ بِنَاءً عَلَى جَوَازِ الرِّوَايَةِ بِالْمَعْنَى ا هـ كَلَامُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ { أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَيُّوبَ { وَلَا الْقَبَاءَ } وَقَالَ هُوَ صَحِيحٌ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَيُّوبَ ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيق عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَفِيهِ { وَالْأَقْبِيَةَ } . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا وَقَالَ وَالِدِي إسْنَادُهُ صَحِيحٌ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { لَا يَلْبَسُ } الْأَشْهَرُ فِيهِ الرَّفْعَ عَلَى الْخَبَرِ وَيَجُوزُ فِيهِ الْجَزْمُ عَلَى النَّهْيِ وَهَذَا الْجَوَابُ مُطَابِقٌ لِلسُّؤَالِ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ الَّتِي نَقَلَهَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَهِيَ قَوْلُ السَّائِلِ مَا يَتْرُكُ الْمُحْرِمُ وَكَذَا هِيَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد كَمَا تَقَدَّمَ وَبِمَعْنَاهَا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ { مَا لَا يَلْبَسُ الْمُحْرِمُ } وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ فَإِنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ مَا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ فَأُجِيبُ بِذِكْرِ مَا لَا يَلْبَسُهُ وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنْ مَا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ وَيَمْتَنِعُ عَلَيْهِ لُبْسُهُ مَحْصُورٌ فَذِكْرُهُ أَوْلَى وَيَبْقَى مَا عَدَاهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ بِخِلَافِ مَا يُبَاحُ لَهُ لُبْسُهُ فَإِنَّهُ كَثِيرٌ غَيْرُ مَحْصُورٍ فَذِكْرُهُ تَطْوِيلٌ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ السَّائِلَ لَمْ يُحْسِنْ السُّؤَالَ وَأَنَّهُ كَانَ الْأَلْيَقُ السُّؤَالَ عَمَّا يَتْرُكُهُ فَعَدَلَ عَنْ مُطَابِقَتِهِ إلَى مَا هُوَ أَوْلَى ، وَبَعْضُ عُلَمَاءِ الْمَعَانِي يُسَمِّي هَذَا أُسْلُوبُ الْحَكِيمِ وَقَرِيبٌ مِنْهُ قَوْله تَعَالَى { يَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ } الْآيَةَ فَالسُّؤَالُ عَنْ جِنْسِ الْمُنْفَقِ فَعَدَلَ عَنْهُ فِي الْجَوَابِ إلَى ذِكْرِ الْمُنْفَقِ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ أَهَمُّ وَكَانَ اعْتِنَاءُ السَّائِلِ بِالسُّؤَالِ عَنْهُ أَوْلَى وَمِثْلُهُ قَوْله تَعَالَى { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الْأَهِلَّةِ قُلْ هِيَ مَوَاقِيتُ لِلنَّاسِ وَالْحَجِّ } قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا مِنْ بَدِيعِ الْكَلَامِ وَجَزْلِهِ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سُئِلَ عَمَّا يَلْبَسُهُ الْمُحْرِمُ فَقَالَ لَا تَلْبَسُوا كَذَا وَكَذَا فَحَصَلَ فِي الْجَوَابِ أَنَّهُ لَا يَلْبَسُ الْمَذْكُورَاتِ وَيَلْبَسُ مَا عَدَاهَا فَكَانَ التَّصْرِيحُ بِمَا لَا يَلْبَسُ أَوْلَى لِأَنَّهُ مُنْحَصِرٌ فَأَمَّا الْمَلْبُوسُ الْجَائِزُ لِلْمُحْرِمِ فَغَيْرُ مُنْحَصِرٍ فَضَبَطَ الْجَمِيعَ بِقَوْلِهِ لَا يَلْبَسُ كَذَا وَكَذَا يَعْنِي وَيَلْبَسُ مَا سِوَاهُ ا هـ ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُعْتَبَرَ فِي الْجَوَابِ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصُودُ كَيْفَ كَانَ لَوْ بِتَغْيِيرٍ أَوْ زِيَادَةٍ وَلَا يُشْتَرَطُ الْمُطَابَقَةُ . ( الثَّالِثَةُ ) الْقَمِيصُ مَعْرُوفٌ وَجَمْعُهُ قُمُصٌ بِضَمِّ الْقَافِ وَالْمِيمِ وَيَجُوزُ تَخْفِيفُ مِيمِهِ وَهُوَ قِيَاسٌ مُطَّرِدٌ فِي الْجَمْعِ الَّذِي عَلَى وَزْنِ فُعُلٍ وَجَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى بِالْإِفْرَادِ وَفِي الثَّانِيَةِ بِالْجَمْعِ وَكَذَا بَقِيَّةُ الْمَذْكُورَاتِ مَعَهُ وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْجِلْدَةِ الَّتِي هِيَ غِلَافُ الْقَلْبِ اسْمُهَا الْقَمِيصُ . ( الرَّابِعَةُ ) الْبُرْنُسُ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَضَمِّ النُّونِ كُلُّ ثَوْبٍ رَأْسُهُ مِنْهُ مُلْتَزِقٌ بِهِ مِنْ ذِرَاعِهِ أَوْ جُبَّةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ذَكَرَهُ صَاحِبَا الْمَشَارِقِ وَالنِّهَايَةِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَهُوَ مِنْ الْبِرْسِ بِكَسْرِ الْبَاءِ الْقُطْنُ وَالنُّونُ زَائِدَةٌ وَقِيلَ إنَّهُ غَيْرُ عَرَبِيٍّ ا هـ ، وَحُكِيَ فِي الْمُحْكَمِ فِي الْبُرْسِ ضَمُّ الْبَاءِ أَيْضًا وَقَالَ إنَّهُ الْقُطْنُ أَوْ شَبِيهٌ بِهِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ الْبُرْنُسُ قَلَنْسُوَةٌ طَوِيلَةٌ وَكَانَ النُّسَّاكُ يَلْبَسُونَهَا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ . ( الْخَامِسَةُ ) نَبَّهَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْبُرْنُسِ وَالْعِمَامَةِ عَلَى تَحْرِيمِ كُلِّ سَاتِرٍ لِلرَّأْسِ مِخْيَطًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ حَتَّى الْعِصَابَةُ فَإِنَّهَا حَرَامٌ فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهَا لِشَجَّةٍ أَوْ صُدَاعٍ أَوْ غَيْرِهِ شَدَّهَا وَلَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ ذَكَرَهُمَا مَعًا لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ لَا بِالْمُعْتَادِ فِي سَتْرِهِ وَلَا بِالنَّادِرِ وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ وَذَكَرَ مِنْ النَّادِرِ الْمِكْتَلِ يَحْمِلُهُ عَلَى رَأْسِهِ وَقَالَ إنَّ فِيهِ الْفِدْيَةَ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا تَحْرِيمَ فِي حَمْلِ الْمِكْتَلِ وَلَا فِدْيَةَ فِيهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ لَا بَأْسَ أَنْ يَحْمِلَ عَلَى رَأْسِهِ مَا لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ كَخُرْجِهِ وَجِرَابِهِ وَلَا يَحْمِلُ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ تَطَوُّعًا وَلَا بِإِجَارَةٍ فَإِنْ فَعَلَ افْتَدَى وَلَا يَحْمِلُ لِنَفْسِهِ تِجَارَةً قَالَ أَشْهَبُ إلَّا أَنْ يَكُونَ عَيْشُهُ ذَلِكَ . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ تَحْرِيمُ لُبْسِ هَذِهِ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا عَلَى الْمُحْرِمِ وَهُوَ مُجْمَع عَلَيْهِ فَنَبَّهَ بِالْقَمِيصِ عَلَى كُلِّ مَخِيطٍ أَوْ مُحِيطٍ مَعْمُولٍ عَلَى قَدْرِ الْبَدَنِ وَبِالسَّرَاوِيلِ عَلَى مَا هُوَ مَعْمُولٌ عَلَى قَدْرِ عُضْوٍ مِنْهُ وَبِالْعِمَامَةِ عَلَى السَّاتِرِ لِلرَّأْسِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَخِيطًا وَبِالْبُرْنُسِ عَلَى السَّاتِرِ لَهُ وَإِنْ كَانَ لُبْسُهُ نَادِرًا وَمِنْ ذَلِكَ يُفْهَمُ تَحْرِيمُ سَتْرِ الرَّأْسِ مُطْلَقًا وَكَذَلِكَ يَحْرُمُ سَتْرُ بَعْضِهِ إذَا كَانَ قَدْرًا يَقْصِدُ سَتْرَهُ لِغَرَضٍ بِخِلَافِ الْخَيْطِ وَنَحْوِهِ وَلَا يَضُرُّ الِانْغِمَاسُ فِي الْمَاءِ وَالسَّتْرُ بِكَفِّهِ وَكَذَا بِيَدِ غَيْرِهِ فِي الْأَصَحِّ وَلَوْ طَلًا رَأْسَهُ بِحِنَّاءٍ وَنَحْوِهِ فَإِنْ كَانَ رَقِيقًا لَا يَسْتُرُ فَلَا فِدْيَةَ وَإِلَّا وَجَبَتْ عَلَى الْمَذْهَبِ وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ الرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّهُ تَجِبُ الْفِدْيَةُ بِتَغْطِيَةِ الْبَيَاضِ الَّذِي وَرَاءَ الْأُذُنِ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْخُفِّ عَلَى كُلِّ سَاتِرٍ لِلرِّجْلِ مِنْ مَدَاسٍ وَجُمْجُمٍ وَجَوْرَبٍ وَغَيْرِهَا وَيَقْدَحُ فِي دَعْوَى الْإِجْمَاعِ مَا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ رَخَّصَ لِلْمُحْرِمِ فِي لُبْسِ الْخُفِّ فِي الدُّلْجَةِ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ لِغَيْرِ عَطَاءٍ إلَّا أَنَّ الطَّحَاوِيَّ رَوَى فِي بَيَانِ الْمُشْكِلِ { أَنَّ عُمَرَ رَأَى عَلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ خُفَّيْنِ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَقَالَ وَخُفٌّ أَيْضًا وَأَنْتَ مُحْرِمٌ ؟ فَقَالَ فَعَلْته مَعَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنْك } قَالَ وَالِدِي فَلَعَلَّ هَذَا مُسْتَنَدُ عَطَاءٍ وَيُحْتَمَلُ عَدَمُ وِجْدَانِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ لِلنَّعْلَيْنِ . ( السَّابِعَةُ ) تَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ زِيَادَةَ ذِكْرِ الْقَبَاءِ وَعَدَّهُ مِمَّا يُنْهَى عَنْهُ الْمُحْرِمُ وَظَاهِرُهَا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يُدْخِلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ أَمْ لَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَزُفَرُ ، وَرَخَّصَ أَبُو حَنِيفَةَ ذَلِكَ بِمَا إذَا أَدْخَلَ يَدَيْهِ فِي كُمَّيْهِ فَإِنْ اقْتَصَرَ عَلَى لُبْسِهِ عَلَى كَتِفَيْهِ لَمْ يَحْرُمْ وَبِهِ قَالَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي ثَوْرٍ وَبِهِ قَالَ الْخِرَقِيِّ مِنْ الْحَنَابِلَةِ . ( الثَّامِنَةُ ) جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَهَا لُبْسُ الْمَخِيطِ وَسَتْرُ الرَّأْسِ وَلَفْظُ الْحَدِيثِ غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ لَهَا فَإِنَّ لَفْظَ الْمُحْرِمِ مَوْضُوعٌ لِلرَّجُلِ وَإِنَّمَا يُقَالُ لِلْمَرْأَةِ مُحْرِمَةً وَهَذَا عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ لَفْظَ الذُّكُورِ لَا يَتَنَاوَلُ الْإِنَاثَ خِلَافًا لِلْحَنَابِلَةِ وَلَمْ يُخَالِفْ الْحَنَابِلَةُ فِي هَذَا الْفَرْعُ لِوُرُودِ مَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِصَاصِ هَذَا الْحُكْمِ بِالرِّجَالِ وَهُوَ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ { وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ } وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ دَالٌّ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ إنَّمَا هُوَ لِلرِّجَالِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ لُبْسُ الْقَمِيصِ وَالدِّرْعِ وَالسَّرَاوِيلَاتِ وَالْخَمْرِ وَالْخِفَافِ انْتَهَى فَدَلَّ النَّهْيُ عَنْ الِانْتِقَابِ عَلَى تَحْرِيمِ سَتْرِ الْوَجْهِ بِمَا يُلَاقِيهِ وَيَمَسُّهُ دُونَ مَا إذَا كَانَ مُتَجَافِيًا عَنْهُ وَهَذَا قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ فِيهِ يَعْنِي النِّقَابَ ثُمَّ قَالَ وَكَانَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ تَغَطِّي وَجْهَهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ وَرَوَيْنَا عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ الْمُحْرِمَةُ تُغَطِّي وَجْهَهَا إنْ شَاءَتْ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَعَلَى كَرَاهَةِ النِّقَابِ لِلْمَرْأَةِ جُمْهُورُ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ أَجْمَعِينَ إلَّا شَيْءٌ رُوِيَ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ أَبِي بَكْرٍ أَنَّهَا كَانَتْ تَغَطِّي وَجْهَهَا وَهِيَ مُحْرِمَةٌ . وَعَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ تَغَطِّي الْمَرْأَةُ وَجْهَهَا إنْ شَاءَتْ وَرُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا لَا تَفْعَلُ وَعَلَيْهِ النَّاسُ انْتَهَى وَأَمَّا لُبْسُ الْمَرْأَةِ الْقُفَّازَيْنِ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ ذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ إلَى مَنْعِهِ وَهُوَ أَصَحُّ الْقَوْلَيْنِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَنَافِعٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ اتِّقَاؤُهُ أَحَبُّ إلَيَّ لِلْحَدِيثِ الَّذِي جَاءَ فِيهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الصَّوَابُ عِنْدِي نَهْيُ الْمَرْأَةِ عَنْهُ وَوُجُوبُ الْفِدْيَةِ عَلَيْهَا بِهِ لِثُبُوتِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى جَوَازِهِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَعَائِشَةَ وَعَطَاءٌ وَالثَّوْرِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ لِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ إحْرَامُ الْمَرْأَةِ فِي وَجْهِهَا انْتَهَى وَهُوَ رِوَايَةُ الْمُزَنِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَصَحَّحَهُ مِنْ أَصْحَابِنَا الْغَزَالِيُّ وَالْبَغَوِيُّ قَالَ الرَّافِعِيُّ لَكِنَّ أَكْثَرَ النَّقَلَةِ عَلَى تَرْجِيحِ الْأَوَّلِ وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهَا إذَا لَبِسَتْ الْقُفَّازَيْنِ وَهُوَ قَوْلٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَأَمَّا سَتْرُ الْمَرْأَةِ يَدَيْهَا بِغَيْرِ مَخِيطٍ كَمَا لَوْ أَخْتَضَبَتْ فَأَلْقَتْ عَلَى يَدِهَا خِرْقَةً فَوْقَ الْخِضَابِ أَوْ أَلْقَتْهَا بِلَا خِضَابٍ فَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ جَوَازُهُ وَبَعْضُهُمْ أَجْرَى فِيهِ الْقَوْلَيْنِ فِي الْقُفَّازَيْنِ وَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ إنْ لَمْ تَشُدَّ الْخِرْقَةَ جَازَ وَإِلَّا فَالْقَوْلَانِ ، فَعَلَى الْمَشْهُورِ يَكُونُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَبَّهَ بِالْقُفَّازَيْنِ عَلَى مَا فِي مَعْنَاهُمَا مِنْ الْمَخِيطِ أَوْ الْمُحِيطِ وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ نَبَّهَ بِهِمَا عَلَى مُطْلَقِ السَّاتِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( التَّاسِعَةُ ) ظَاهِرُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ وَلَا تَلْبَسُ الْقُفَّازَيْنِ } اسْتِوَاءَ الْحُرَّةِ وَالْأَمَةِ فِي ذَلِكَ وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ نُصُوصِ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ . ( الْعَاشِرَةُ ) ظَاهِرُ قَوْلِهِ وَلَا تَنْتَقِبُ الْمَرْأَةُ اخْتِصَاصُهَا بِذَلِكَ وَأَنَّ الرَّجُلَ لَيْسَ كَذَلِكَ وَهُوَ مُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ أَوَّلَ الْحَدِيثِ فِيمَا يَتْرُكُهُ الْمُحْرِمُ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ مِنْهُ سَاتِرَ الْوَجْهِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ سَتْرُ وَجْهِهِ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَفِيهِ آثَارٌ عَنْ الصَّحَابَةِ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ إلَى مَنْعِهِ كَالرَّأْسِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالُوا إذَا حَرُمَ عَلَى الْمَرْأَةِ سَتْرُ وَجْهِهَا مَعَ احْتِيَاجِهَا إلَى ذَلِكَ فَالرَّجُلُ أَوْلَى بِتَحْرِيمِهِ وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْمُحْرِمِ الَّذِي وَقَصَتْهُ نَاقَتُهُ { وَلَا تُخَمِّرُوا رَأْسَهُ وَلَا وَجْهَهُ } وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْهُ بِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ تَغْطِيَةِ وَجْهِهِ إنَّمَا كَانَ لِصِيَانَةِ رَأْسِهِ لَا لِقَصْدِ كَشْفِ وَجْهِهِ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ لِأَنَّ الْمُتَمَسِّكِينَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَهُمْ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ لَا يَقُولُونَ بِبَقَاءِ أَثَرِ الْإِحْرَامِ بَعْدَ الْمَوْتِ لَا فِي الرَّأْسِ وَلَا فِي الْوَجْهِ وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ لَا إحْرَامَ فِي الْوَجْهِ فِي حَقِّ الرَّجُلِ فَحِينَئِذٍ لَمْ يَقْبَلْ بِظَاهِرِهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ عَلَى أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا إنَّهُ لَا فِدْيَةَ فِي تَغْطِيَةِ الْمُحْرِمِ وَجْهَهُ إلَّا فِي رِوَايَةٍ ضَعِيفَةٍ جَزَمَ بِهَا ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ وَبَنَى بَعْضُهُمْ هَذَا الْخِلَافَ عَلَى أَنَّ التَّغْطِيَةَ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهَةٌ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ إنْ غَطَّى ثُلُثَهُ أَوْ رُبْعَهُ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَإِنْ كَانَ أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ فَعَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَفِي سُنَنِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ يُغَطِّي الْمُحْرِمُ وَجْهَهُ مَا دُونَ الْحَاجِبَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مَا دُونَ عَيْنَيْهِ وَهَذِهِ تَفْرِقَةٌ غَرِيبَةٌ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَرَادَ الِاحْتِيَاطَ لِكَشْفِ الرَّأْسِ وَلَكِنَّ هَذَا أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى الِاحْتِيَاطِ لِذَلِكَ وَهُوَ حَاصِلٌ بِدُونِهِ انْتَهَى . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) وَأَمَّا لُبْسُ الْقُفَّازَيْنِ فَإِنَّ تَحْرِيمَهُ ثَابِتٌ فِي حَقِّ الرَّجُلِ أَيْضًا لِكَوْنِهِ فِي مَعْنَى الْمَنْصُوصِ عَلَى تَحْرِيمِهِ عَلَيْهِ وَهُوَ السَّرَاوِيلُ فَإِنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يُحِيطُ بِجُزْءٍ مِنْ الْبَدَنِ بَلْ التَّحْرِيمُ فِي حَقِّ الرَّجُلِ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَفِي حَقِّ الْمَرْأَةِ مُخْتَلَفٌ فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) الْمُرَادُ بِاللُّبْسِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ اللُّبْسُ الْمُعْتَادُ فَلَوْ ارْتَدَى الْقَمِيصَ وَنَحْوَهُ لَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ فَإِنَّهُ لَا يُعَدُّ لَابِسًا لَهُ فِي الْعُرْفِ فَإِنْ قُلْت فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ { أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَجَدَ الْقُرَّ فَقَالَ أَلْقِ عَلَيَّ ثَوْبًا يَا نَافِعُ فَأَلْقَيْت عَلَيْهِ بُرْنُسًا فَقَالَ تُلْقِي عَلَى هَذَا وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَلْبَسَهُ الْمُحْرِمُ } ؟ ( قُلْت ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا مِنْ وَرَعِهِ وَتَوَقُّفِهِ كَرِهَ أَنْ يُلْقِيَ عَلَيْهِ الْبُرْنُسَ وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ إنَّمَا يَكْرَهُونَ الدُّخُولَ فِيهِ وَلَكِنَّهُ رَحِمَهُ اللَّهُ اسْتَعْمَلَ الْعُمُومَ فِي اللِّبَاسِ لِأَنَّ التَّغْطِيَةَ وَالِامْتِهَانَ قَدْ يُسْمَى لِبَاسًا أَلَمْ تَسْمَعْ إلَى { قَوْلِ أَنَسٍ فَقُمْت إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ } انْتَهَى وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ ابْنَ عُمَرَ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ احْتِيَاطًا لَا لِاعْتِقَادِهِ الْوُجُوبَ وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْبُرْنُسَ كَانَ مُفَرَّجًا كَالْقَبَاءِ بِحَيْثُ لَوْ قَامَ عُدَّ لَابِسًا لَهُ فَإِنَّ بَعْضَ الْبَرَانِسِ كَذَلِكَ وَقَدْ حَكَى الرَّافِعِيُّ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ فِيمَا لَوْ أَلْقَى عَلَى نَفْسِهِ قَبَاءً أَوْ فَرَجِيَّةً وَهُوَ مُضْطَجَعُ أَنَّهُ إنْ أَخَذَ مِنْ بَدَنِهِ مَا إذَا قَامَ عُدَّ لَابِسَهُ ، فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ ، وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ قَامَ أَوْ قَعَدَ لَمْ يَسْتَمْسِكْ عَلَيْهِ إلَّا بِمَزِيدِ أَمْرٍ فَلَا ، انْتَهَى . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) الْوَرْسُ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ نَبْتٌ أَصْفَرُ يَكُونُ بِالْيَمَنِ يُتَّخَذُ مِنْهُ الْغَمْرَةُ لِلْوَجْهِ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ نَبْتٌ أَصْفَرُ يُصْبَغُ بِهِ ، زَادَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ لَوْنُ صَبْغِهِ بَيْنَ الْحُمْرَةِ وَالصُّفْرَةِ وَرَائِحَتُهُ طَيِّبَةٌ وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ شَيْءٌ أَصْفَرُ مِثْلُ الْمُلَآءِ يَخْرُجُ عَلَى الرَّمْثِ بَيْنَ آخَرِ الصَّيْفِ وَأَوَّلِ الشِّتَاءِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَ بِبَرِّيٍّ يُزْرَعُ سَنَةً فَيَجْلِسُ عَشْرَ سِنِينَ أَيْ يُقِيمُ فِي الْأَرْضِ لَا يَتَعَطَّلُ قَالَ وَنَبَاتُهُ مِثْلُ نَبَاتِ السِّمْسِمِ فَإِذَا جَفَّ عِنْدَ إدْرَاكِهِ تَفَتَّقَتْ خَرَائِطُهُ فَيَنْتَفِضُ مِنْهُ الْوَرْسُ انْتَهَى وَلَا تَنَافِي بَيْنَ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ لَكِنَّ فِي بَعْضِهَا زِيَادَةٌ عَلَى بَعْضٍ فَلِذَلِكَ حَكَيْتهَا ، وَالرَّمْثُ مِنْ مَرَاعِي الْإِبِلِ وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الْوَرْسَ طِيبٌ وَقَالَ الرَّافِعِيُّ هُوَ فِيمَا يُقَالُ أَشْهُرُ طِيبٍ فِي بِلَادِ الْيَمَنِ وَذَكَرَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِطِيبٍ فَقَالَ وَالْوَرْسُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ طِيبًا فَلَهُ رَائِحَةٌ طَيِّبَةٌ فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَيِّنَ تَجَنُّبَ الطِّيبِ الْمَحْضِ وَمَا يُشْبِهُ الطِّيبَ فِي مُلَائِمَةِ الشَّمِّ وَاسْتِحْسَانِهِ انْتَهَى . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ تَحْرِيمُ التَّطَيُّبِ عَلَى الْمُحْرِمِ لِأَنَّهُ إذَا حُرِّمَ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ فَمَا فَوْقَهُمَا كَالْمِسْكِ وَنَحْوِهِ أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ وَإِذَا حَرُمَ لُبْسُ الثَّوْبِ الَّذِي مَسَّهُ أَحَدُهُمَا فَالتَّضَمُّخُ بِأَحَدِهِمَا أَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ وَهَذَا مَجْمَعٌ عَلَيْهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْمُرَادُ بِالطِّيبِ مَا يُقْصَدُ بِهِ الطِّيبُ فَأَمَّا الْفَوَاكِهُ كَالْأُتْرُجِّ وَالتُّفَّاحِ وَأَزْهَارِ الْبَرَارِيِّ كَالشِّيحِ وَالْقَيْصُومِ وَنَحْوِهِمَا فَلَيْسَ بِحَرَامٍ لِأَنَّهُ لَا يُقْصَدُ لِلطِّيبِ . ( الْخَامِسَةُ عَشْرَةُ ) ظَاهِرُهُ تَحْرِيمِ لُبْسِ مَا مَسَّهُ الْوَرْسُ أَوْ الزَّعْفَرَانُ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُمَا وَلَوْ خَفِيَتْ رَائِحَتُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لِمُرُورِ الزَّمَانِ أَوْ غَيْرِهِ وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ أَصَابَهُ الْمَاءُ فَاحَتْ رَائِحَتُهُ حُرِّمَ اسْتِعْمَالُهُ وَإِنْ بَقِيَ اللَّوْنُ لَمْ يَحْرُمْ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ مَتَى كَانَ غَسِيلًا لَا يُنْفَضُ لَمْ يَحْرُمْ لِأَنَّ الْمَنْعَ لِلطِّيبِ لَا لِلَّوْنِ وَفِي الْمُوَطَّإِ أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ ثَوْبٍ مَسَّهُ طِيبٌ ثُمَّ ذَهَبَ رِيحُ الطِّيبِ مِنْهُ هَلْ يُحْرِمُ فِيهِ ؟ فَقَالَ نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ طِيبُ زَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ وَفِي رِوَايَةٍ مَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ صِبَاغُ زَعْفَرَانٍ أَوْ وَرْسٍ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ لُبْسُ الْمُسْبِغَاتِ لِأَنَّ الْمُسْبِغَاتِ تُنْفَضُ وَفِي الْجَوَاهِرِ لِابْنِ شَاسٍ لَوْ بَطَلَتْ رَائِحَةُ الطِّيبِ لَمْ يُبَحْ اسْتِعْمَالُهُ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { انْطَلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَدِينَةِ بَعْدَ مَا تَرَجَّلَ وَادَّهَنَ وَلَبِسَ إزَارَهُ وَرِدَاءَهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ مِنْ الْأَرْدِيَةِ وَالْأُزُرِ تُلْبَسُ إلَّا الْمُزَعْفَرَةَ الَّتِي تَرْدَعُ عَلَى الْجِلْدِ } . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رَوَى يَحْيَى بْنُ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْحِمَّانِيُّ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا تَلْبَسُوا ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ وَزَعْفَرَانٌ إلَّا أَنْ يَكُونَ غَسِيلًا } . وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي عِمْرَانَ ( رَأَيْت يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ وَهُوَ يَتَعَجَّبُ مِنْ الْحِمَّانِيُّ كَيْفَ يُحَدِّثُ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ هَذَا عِنْدِي ثُمَّ وَثَبَ مِنْ فَوْرِهِ فَجَاءَ بِأَصْلِهِ فَأَخْرَجَ مِنْهُ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي مُعَاوِيَةَ كَمَا قَالَ الْحِمَّانِيُّ ) ا هـ ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ رَوَى بَعْضُ النَّاسِ فِي هَذَا أَثَرًا فَإِنْ صَحَّ وَجَبَ الْوُقُوفُ عِنْدَهُ وَلَا نَعْلَمُهُ صَحِيحًا وَإِلَّا فَلَا يَجُوزُ لِبَاسُهُ أَصْلًا لِأَنَّهُ قَدْ مَسَّهُ الزَّعْفَرَانُ أَوْ الْوَرْسُ ا هـ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ إلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : اخْتَلَفُوا فِي لُبْسِ الثَّوْبِ الَّذِي مَسَّهُ زَعْفَرَانٌ أَوْ وَرْسٌ فَغُسِلَ وَذَهَبَ رِيحُهُ وَنَفْضُهُ فَمِمَّنْ رَخَّصَ فِيهِ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَرَوَى عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَكَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ غُسِلَ وَذَهَبَ لَوْنُهُ ا هـ ، . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) مَوْرِدُ النَّصِّ فِي اللُّبْسِ فَلَوْ أَكَلَ مَا فِيهِ زَعْفَرَانٌ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ أَنْوَاعِ الطِّيبِ قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ اسْتَهْلَكَ الطِّيبَ فَلَمْ يَبْقَ لَهُ طَعْمٌ وَلَا لَوْنٌ وَلَا رِيحٌ لَمْ يَحْرُمْ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ ظَهَرَتْ هَذِهِ الْأَوْصَافُ حَرُمَ بِلَا خِلَافٍ وَإِنْ بَقِيَتْ الرَّائِحَةُ وَحْدَهَا حَرُمَ أَيْضًا لِأَنَّهُ يُعَدُّ طِيبًا وَإِنْ بَقِيَ الطَّعْمُ وَحْدَهُ فَالْأَظْهَرُ التَّحْرِيمُ وَإِنْ بَقِيَ اللَّوْنُ وَحْدَهُ فَالْأَظْهَرُ عَدَمُ التَّحْرِيمِ وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِي أَكْلِ الْخَبِيصِ بِالزَّعْفَرَانِ وَقِيلَ إنْ صَبَغَ الْفَمَ فَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَمَا خُلِطَ بِالطِّيبِ مِنْ غَيْرِ طَبْخٍ فَفِي إيجَابِ الْفِدْيَةِ بِهِ رِوَايَتَانِ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ إنْ أَكَلَ الطِّيبَ فِي طَعَامٍ قَدْ طُبِخَ وَتَغَيَّرَ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يُطْبَخْ وَرِيحُهُ مَوْجُودٌ كُرِهَ لَهُ ذَلِكَ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ تَحْرِيمَ الْأَكْلِ حَيْثُ حَرُمَ مَأْخُوذٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّ الْأَكْلَ أَبْلَغُ فِي مُخَالَطَةِ الْجَسَدِ مِنْ اللُّبْسِ . { السَّابِعَةَ عَشْرَةَ } ظَاهِرُهُ اخْتِصَاصُ تَحْرِيمِ الطِّيبِ بِالرَّجُلِ كَالْمَذْكُورَاتِ قَبْلَهُ لَكِنَّ جَمِيعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ فِي ذَلِكَ كَالرَّجُلِ وَهِيَ مُسَاوِيَةٌ لَهُ فِي سَائِرِ مُحَرَّمَاتِ الْإِحْرَامِ إلَّا فِي لُبْسِ الْمَخِيطِ وَتَقَدَّمَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَمُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى النِّسَاءَ فِي إحْرَامِهِنَّ عَنْ الْقُفَّازَيْنِ وَالنِّقَابِ وَمَا مَسَّ الْوَرْسَ وَالزَّعْفَرَانَ } وَهَذَا صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِ الطِّيبِ عَلَى النِّسَاءِ وَهُوَ وَاضِحٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَإِنَّ الْحِكْمَةَ فِي تَحْرِيمِ الطِّيبِ أَنَّهُ دَاعِيَةٌ إلَى الْجِمَاعِ وَلِأَنَّهُ يُنَافِي تَذَلُّلَ الْحَاجِّ فَإِنَّ الْحَاجَّ أَشْعَثُ أَغْبَرُ وَهَذَا مُشْتَرَكٌ بَيْنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ( الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ ) ظَاهِرُهُ إبَاحَةُ لُبْسِ الْمُوَرَّسِ وَالْمُزَعْفَرِ لِغَيْرِ الْمُحْرِمِ وَهُوَ كَذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ وَيُعَارِضُهُ فِي الْمُزَعْفَرِ لِلرَّجُلِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَتَزَعْفَرَ الرَّجُلُ } قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَنْهَى الرَّجُلَ الْحَلَالَ بِكُلِّ حَالٍ أَنْ يَتَزَعْفَرَ وَآمُرُهُ إذَا تَزَعْفَرَ أَنْ يَغْسِلَهُ ، وَحَمَلَ الْخَطَّابِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ النَّهْيَ عَلَى مَا صُبِغَ مِنْ الثِّيَابِ بَعْدَ نَسْجِهِ فَأَمَّا مَا صُبِغَ ثُمَّ نُسِجَ فَلَا يَدْخُلُ فِي النَّهْيِ ، وَحَكَى وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ حَمَلَ النَّهْيَ عَنْ التَّزَعْفُرِ عَلَى الْمُحْرِمِ قَالَ وَفِيهِ بُعْدٌ وَجَوَّزَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ أَمْرَيْنِ آخَرِينَ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ النَّهْيَ عَنْ لُبْسِ مَا مَسَّهُ الْوَرْسُ وَالزَّعْفَرَانُ لَيْسَ دَاخِلًا فِي جَوَابِ السُّؤَالِ عَمَّا يَجْتَنِبُهُ الْمُحْرِمُ بَلْ هُوَ كَلَامٌ مُنْفَصِلٌ مُسْتَقِلٌّ ثُمَّ اسْتَبْعَدَهُ وَهُوَ حَقِيقٌ بِالِاسْتِبْعَادِ وَمِمَّا رَدَّهُ بِهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ ثَوْبًا مَصْبُوغًا بِوَرْسٍ أَوْ زَعْفَرَانٍ } قَالَ فَقَيَّدَ ذَلِكَ بِالْمُحْرِمِ ( ثَانِيهِمَا ) حَمَلَ النَّهْيَ عَلَى لَطْخِ الْبَدَنِ بِالزَّعْفَرَانِ دُونَ لُبْسِ الثَّوْبِ الْمَصْبُوغِ بِهِ وَأَيَّدَهُ بِمَا فِي سُنَنِ النَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُزَعْفِرَ الرَّجُلُ جِلْدَهُ } . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ وَغَيْرِهِمَا عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ { أَتَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَضَعْنَا لَهُ مَاءً يَتَبَرَّدُ فَاغْتَسَلَ ثُمَّ أَتَيْته بِمِلْحَفَةٍ صَفْرَاءَ فَرَأَيْت أَثَرَ الْوَرْسِ عَلَى عُكَنِهِ } . لَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا { كَانَ يَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ ثِيَابَهُ كُلَّهَا حَتَّى عِمَامَتَهُ } . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَفِي لَفْظٍ لَهُ ( إنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَصْبُغُ ثِيَابَهُ بِالزَّعْفَرَانِ ) وَأَصْلُهُ فِي الصَّحِيحِ وَلَفْظُهُ { وَأَمَّا الصُّفْرَةُ فَإِنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْبُغُ بِهَا } . { التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ } فِيهِ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمُحْرِمِ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ إلَّا إذَا لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَيَجُوزُ لَهُ حِينَئِذٍ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ بِشَرْطِ أَنْ يَقْطَعَهُمَا حَتَّى يَكُونَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ جَوَازُ لُبْسُهُمَا بِحَالِهِمَا عِنْدَ فَقْدِ النَّعْلَيْنِ وَلَا يَجِبُ قَطْعُهُمَا وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ { مَنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ خُفَّيْنِ } وَهُمَا فِي الصَّحِيحِ وَلَيْسَ فِيهِمَا ذِكْرُ الْقَطْعِ وَزَعَمَ أَصْحَابُهُ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ الْمُصَرِّحَ بِقَطْعِهِمَا مَنْسُوخٌ وَقَالُوا قَطْعُهُمَا إضَاعَةُ مَالٍ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : وَلَا أَدْرِي أَيُّ الْحَدِيثَيْنِ نَسَخَ الْآخَرَ اُنْظُرُوا أَيُّهُمَا قَبْلُ . وَقَالَ الْجُمْهُورُ يَجِبُ حَمْلُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِأَنَّهُمَا مُطْلَقَانِ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ زِيَادَةٌ لَمْ يَذْكُرَاهَا يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ : ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ كِلَاهُمَا صَادِقٌ حَافِظٌ وَلَيْسَ زِيَادَةُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ شَيْئًا لَمْ يُؤَدِّهِ الْآخَرُ إمَّا عَزَبَ عَنْهُ وَإِمَّا شَكَّ فِيهِ فَلَمْ يُؤَدَّ وَإِمَّا سَكَتَ عَنْهُ وَإِمَّا أَدَّاهُ فَلَمْ يُؤَدِّ عَنْهُ لِبَعْضِ هَذِهِ الْمَعَانِي اخْتَلَفَا ا هـ ، وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ إضَاعَةُ مَالٍ مَرْدُودٌ فَإِنَّ الْإِضَاعَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَأَمَّا مَا وَرَدَ بِهِ الشَّرْعُ فَهُوَ حَقٌّ يَجِبُ الْإِذْعَانُ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهُمَا لِأَنَّ فِي قَطْعِهِمَا إفْسَادًا ثُمَّ قَالَ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ لَمْ يَبْلُغْهُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ قَالَ وَالْعَجَبُ مِنْ أَحْمَدَ فِي هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَكَادُ يُخَالِفُ سُنَّةً تَبْلُغُهُ وَقَلَّتْ سُنَّةً لَمْ تَبْلُغْهُ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : أَمَّا عَطَاءٌ فَيَهِمُ فِي الْفَتْوَى وَأَمَّا أَحْمَدُ فَعَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ قَالَ وَهَذِهِ الْقَوْلَةُ لَا أَرَاهَا صَحِيحَةً فَإِنَّ حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ أَصْلُ أَحْمَدَ ا هـ ، وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِي حَدِيثِ ابْن عَبَّاسٍ { وَإِذَا لَمْ يَجِدْ النَّعْلَيْنِ فَلْيَلْبَسْ الْخُفَّيْنِ وَلْيَقْطَعْهُمَا أَسْفَلَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ } وَلِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ هُنَا بَحْثٌ رَدَّهُ الْوَالِدُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَبَسَطَ فِيهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ . { الْفَائِدَةُ الْعِشْرُونَ } : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إذَا فَعَلَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ لُبْسِ الْخُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ لِعَدَمِ النَّعْلَيْنِ لَمْ تَكُنْ عَلَيْهِ فِدْيَةٌ فَإِنَّهَا لَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا مَوْضِعُ بَيَانِهَا وَهُوَ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَاضِحٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَرْتَكِبْ مَحْظُورًا وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ عَلَيْهِ الْفِدْيَةُ كَمَا إذَا احْتَاجَ إلَى حَلْقِ الرَّأْسِ يَحْلِقُهُ وَيَفْدِي . { الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ } قَالَ الْجُمْهُورُ الْمُرَادُ بِالْكَعْبَيْنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَغَيْرِهِ الْعَظْمَانِ النَّاتِئَانِ عِنْدَ مِفْصَلِ السَّاقِ وَالْقَدَمِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ الْمُرَادُ بِالْكَعْبِ هُنَا الْمِفْصَلُ الَّذِي فِي وَسَطِ الْقَدَمِ عِنْدَ مَعْقِدِ الشِّرَاكِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْحَنَفِيَّةُ وَلَا يُعْرَفُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ اسْتِعْمَالُ الْكَعْبِ فِي هَذَا . " الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ " فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لُبْسُ الْخُفَّيْنِ مَقْطُوعَيْنِ إلَّا عِنْدَ فَقْدِ النَّعْلَيْنِ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَكَذَا قَالَ الْحَنَابِلَةُ لَوْ لَبِسَ وَاجِدُ النَّعْلِ خُفًّا مَقْطُوعًا تَحْتَ الْكَعْبِ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ ، وَذَهَبَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ إلَى جَوَازِ لُبْسِهِ مَعَ وُجُودِهِمَا لِأَنَّهُ صَارَ فِي مَعْنَاهُمَا وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ أَوْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَحَكَاهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَفْسِهِ مُوَافَقَةَ مَالِكٍ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَاَلَّذِي أَقُولُ إنَّهُ إنْ كَشَفَ الْكَعْبَ لَبِسَهُمَا إنْ لَمْ يَجِدْ نَعْلَيْنِ وَإِنْ وَجَدَ النَّعْلَيْنِ لَمْ يَجُزْ لَهُ لُبْسُهُمَا حَتَّى يَكُونَا كَهَيْئَةِ النَّعْلَيْنِ لَا يَسْتُرَانِ مِنْ ظَاهِرِ الرِّجْلِ شَيْئًا . ( الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) هَذَا الْحُكْمُ خَاصٌّ بِالرَّجُلِ أَمَّا الْمَرْأَةُ فَلَهَا لُبْسُ الْخُفَّيْنِ مُطْلَقًا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ قَالَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ انْتَهَى لَكِنْ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد { أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَصْنَعُ ذَلِكَ يَعْنِي يَقْطَعُ الْخُفَّيْنِ لِلْمَرْأَةِ الْمُحْرِمَةِ ثُمَّ حَدَّثَتْهُ صَفِيَّةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَدَّثَتْهَا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَانَ رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ فِي الْخُفَّيْنِ فَتَرَكَ ذَلِكَ } وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا عَلِمْت وَهَذَا إنَّمَا كَانَ مِنْ وَرَعِ ابْنِ عُمَرَ وَكَثْرَةِ اتِّبَاعِهِ فَاسْتَعْمَلَ مَا حَفِظَ عَلَى عُمُومِهِ حَتَّى بَلَغَهُ فِيهِ الْخُصُوصُ . { الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ } فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَجَابِرٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ زِيَادَةٌ لَيْسَتْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَهِيَ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ لِمَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا وَلَمْ يَبْلُغْ ذَلِكَ مَالِكًا فَأَنْكَرَهُ فَفِي الْمُوَطَّإِ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّا ذُكِرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { مَنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا فَلْيَلْبَسْ سَرَاوِيلَ } فَقَالَ مَالِكٌ لَمْ أَسْمَعْ بِهَذَا وَلَا أَرَى أَنْ يَلْبَسَ الْمُحْرِمُ سَرَاوِيلَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ لُبْسِ السَّرَاوِيلَاتِ } فِيمَا نَهَى عَنْهُ مِنْ لُبْسِ الثِّيَابِ الَّتِي لَا يَنْبَغِي لِلْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَهَا وَلَمْ يَسْتَثْنِ فِيهَا كَمَا اسْتَثْنَى فِي الْخُفَّيْنِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْخَطَّابِيُّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَصْحَابُهُ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد إذَا لَمْ يَجِدْ الْمُحْرِمُ إزَارًا لَبِسَ السَّرَاوِيلَ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ قَالَ وَلَا حُجَّةَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ لِأَنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ حَالَةَ وُجُودِ الْإِزَارِ وَذَكَرَ فِي حَدِيثَيْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَجَابِرٍ حَالَةَ الْعَدَمِ فَلَا مُنَافَاةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الرَّازِيّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ يَجُوزُ لُبْسُهُ وَعَلَيْهِ الْفِدْيَةُ وَأَجَابَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ ثُمَّ حَكَى عَنْ الْقُدُورِيِّ أَنَّهُ قَالَ فِي التَّجْرِيدِ وَافَقُونَا عَلَى أَنَّ السَّرَاوِيلَ لَوْ كَانَ كَبِيرًا يُمْكِنُ أَنْ يَتَّزِرَ بِهِ مِنْ غَيْرِ فَتْقٍ لَمْ يَجُزْ لُبْسُهُ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْإِزَارِ وَكَذَا لَوْ خَاطَ إزَارَهُ سَرَاوِيلَ قِطْعَةً وَاحِدَةً لَا يَجُوزُ لُبْسُهُ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ إزَارًا غَيْرَهُ لِأَنَّهُ إزَارٌ فِي نَفْسِهِ إذَا فَتَقَهُ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ لَا يَحْسُنُ الِاعْتِرَاضُ بِهَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ لِأَنَّهُ وَاجِدٌ لِلْإِزَارِ فِيهِمَا وَقَدْ عَلَّلَهُ الْقُدُورِيُّ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا يَجُوزُ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ عِنْدَ عَدَمِ وِجْدَانِ الْإِزَارِ ، فَلَيْسَ الْحَدِيثُ إذًا مَتْرُوكَ الظَّاهِرِ . ( الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ ) إنْ قُلْت مَا الْمُرَادُ بِعَدَمِ وِجْدَانِ الْإِزَارِ وَالنَّعْلَيْنِ ؟ ( قُلْت ) قَالَ الرَّافِعِيُّ الْمُرَادُ مِنْهُ أَنَّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى تَحْصِيلِهِ إمَّا لِفَقْدِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ أَوْ لِعَدَمِ بَذْلِ الْمَالِكِ إيَّاهُ أَوْ لِعَجْزِهِ عَنْ الثَّمَنِ إنْ بَاعَهُ أَوْ الْأُجْرَةِ إنْ آجَرَهُ قَالَ وَلَوْ بِيعَ بِغَبْنٍ أَوْ نَسِيئَةٍ لَمْ يَلْزَمْهُ شِرَاؤُهُ وَلَوْ أُعِيرَ مِنْهُ وَجَبَ قَبُولُهُ ، وَلَوْ وُهِبَ لَمْ يَجِبْ ثُمَّ قَالَ : ذَكَرَ هَذِهِ الصُّوَرَ الْقَاضِي ابْنُ كَجٍّ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ أَصْحَابِنَا . ( السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ ) لَمْ يَأْمُرْ بِقَطْعِ السَّرَاوِيلِ عِنْدَ عَدَمِ الْإِزَارِ كَمَا فِي الْخُفِّ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَكْثَرِ الشَّافِعِيَّةِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَالْغَزَالِيُّ لَا يَجُوزُ لُبْسُ السَّرَاوِيلِ عَلَى حَالَةٍ إلَّا إذَا لَمْ يَتَأَتَّ فَتْقُهُ وَجَعْلُهُ إزَارًا فَإِنْ تَأَتَّى ذَلِكَ لَمْ يَجُزْ لُبْسُهُ وَإِنْ لَبِسَهُ لَزِمَتْهُ الْفِدْيَةُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ يُحْكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ قَالَ يَشُقُّ السَّرَاوِيلَ وَيَتَّزِرُ بِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْأَصْلُ فِي الْمَالِ أَنَّ تَضْيِيعَهُ مُحَرَّمٌ وَالرُّخْصَةُ إذَا جَاءَتْ فِي لُبْسِ السَّرَاوِيلِ فَظَاهِرُهَا اللُّبْسُ الْمُعْتَادُ وَسَتْرُ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ فَإِذَا فَتَقَ السَّرَاوِيلَ وَاِتَّزَرَ بِهِ لَمْ تَسْتَتِرْ الْعَوْرَةُ فَأَمَّا الْخُفُّ فَإِنَّهُ لَا يُغَطِّي عَوْرَةً وَإِنَّمَا هُوَ لِبَاسُ رِفْقٍ وَزِينَةٍ فَلَا يَشْتَبِهَانِ قَالَ وَمُرْسَلُ الْإِذْنِ فِي لِبَاسِ السَّرَاوِيل إبَاحَةٌ لَا تَقْتَضِي غَرَامَةً انْتَهَى وَحَكَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ أَنَّ غَيْرَ أَحْمَدَ مِنْ الْفُقَهَاءِ لَا يُبِيحُ السَّرَاوِيلَ عَلَى هَيْئَتِهِ إذَا لَمْ يَجِدْ الْإِزَارَ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَكَأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى مَا حُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْإِمَامِ وَالْغَزَالِيِّ وَإِلَّا فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْجَوَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْحِكْمَةُ فِي تَحْرِيمِ اللِّبَاسِ الْمَذْكُورِ عَلَى الْمُحْرِمِ وَلِبَاسِهِ الْإِزَارَ وَالرِّدَاءَ أَنْ يَبْعُدَ عَنْ التَّرَفُّهِ وَيَتَّصِفَ بِصِفَةِ الْخَاشِعِ الذَّلِيلِ ، وَلْيَتَذَكَّرْ أَنَّهُ مُحْرِمٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ فَيَكُونُ أَقْرَبَ إلَى كَثْرَةِ أَذْكَارِهِ ، وَأَبْلَغَ فِي مُرَاقَبَتِهِ وَصِيَانَتِهِ لِعِبَادَتِهِ . وَامْتِنَاعِهِ مِنْ ارْتِكَابِ الْمَحْظُورَاتِ وَلْيَتَذَكَّرْ بِهِ الْمَوْتَ وَلِبَاسَ الْأَكْفَانِ وَلْيَتَذَكَّرْ الْبَعْثَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً مُهْطِعِينَ إلَى الدَّاعِي وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ ، الْغُرَابُ وَالْحَدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ } . وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ { سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنْ الدَّوَابِّ فَقَالَ خَمْسٌ لَا جُنَاحَ فِي قَتْلِهِنَّ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ وَالْمُحْرِمِ الْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ } . وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ حَفْصَةَ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا حَدَّثَتْنِي إحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَزَادَ مُسْلِمٌ فِيهَا { وَالْحَيَّةُ } وَقَالَ وَفِي الصَّلَاةِ أَيْضًا وَلَمْ يَقُلْ فِي أَوَّلِهِ { خَمْسٌ } . وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ خَمْسِ فَوَاسِقَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ الْحَدَأَةُ وَالْغُرَابُ وَالْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ } . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ الْحَيَّةُ بَدَلُ الْعَقْرَبِ وَقَالَ فِيهَا { وَالْغُرَابُ الْأَبْقَعُ } . وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيث ابْنِ مَسْعُودٍ { بِقَتْلِ الْمُحْرِمِ الْحَيَّةَ } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِهِ { الْأَمْرُ بِقَتْلِ الْحَيَّةِ فِي غَارِ الْمُرْسَلَاتِ } . وَفِي النَّسَائِيّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ وَلِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ { يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ السَّبُعَ الْعَادِيَ } قَالَ أَبُو دَاوُد { وَيَرْمِي الْغُرَابَ وَلَا يَقْتُلُهُ } وَلِلشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { قَالَ لِلْوَزَغِ فُوَيْسِقٌ } وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أُمِّ شَرِيكٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا بِقَتْلِ الْأَوْزَاغِ } . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ { أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا } وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ { كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ } . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ { حِينَ أَحْرَمَ } . وَكَذَا لِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ وَلِلنَّسَائِيِّ حِينَ { أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ } . وَلِلشَّيْخَيْنِ حِينَ { أَحَلَّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ } . وَلِلنَّسَائِيِّ { عِنْدَ إحْلَالِهِ قَبْلَ أَنْ يُحِلَّ } وَلَهُ { وَلِحِلِّهِ بَعْدَ مَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ } وَلَهُمَا { بِذَرِيرَةٍ } . لِلْبُخَارِيِّ { بِأَطْيَبَ مَا أَجِدُ } . وَقَالَ مُسْلِمٌ { مَا وَجَدْت } وَلَهُ { بِأَطْيَبِ الطِّيبِ } وَلَهُ { بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ } وَلِلْبُخَارِيِّ { فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَته } . ( الْحَدِيثُ الثَّانِي ) وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ ، الْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ } وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ { سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ مِنْ الدَّوَابِّ فَقَالَ خَمْسٌ لَا جُنَاحَ فِي قَتْلِهِنَّ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ وَالْمُحْرِمِ الْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ } . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ) وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ خَمْسِ فَوَاسِقَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ ، الْحِدَأَةُ وَالْغُرَابُ وَالْفَأْرَةُ وَالْعَقْرَبُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ } . ( فِيهِمَا ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ضَمَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ إلَى نَافِعٍ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلَفْظِهِ انْتَهَى . ( فَإِنْ قُلْت ) قَدْ ذَكَرَ مَالِكٌ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ دِينَارٍ تَارَةً وَلَمْ يَذْكُرْهُ أُخْرَى ( قُلْت ) لَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا فَلَهُ فِيهِ شَيْخَانِ حَدَّثَ بِهِ فِي الْأَكْثَرِ عَنْ نَافِعٍ وَتَارَةً عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ وَتَارَةً عَنْهُمَا وَقَدْ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ فَهُوَ مَعْرُوفٌ عَنْهُ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ مَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَحْدَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ قَالَ مُسْلِمٌ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ سَمِعْت ( النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ) إلَّا ابْنَ جُرَيْجٍ وَحْدَهُ وَقَدْ تَابَعَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ إِسْحَاقَ ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِهِ عَنْ نَافِعٍ وَفِيهِ سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ حَفْصَةَ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ حَدَّثَتْنِي إحْدَى نِسْوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ ( وَالْحَيَّةُ ) قَالَ وَفِي الصَّلَاةِ أَيْضًا وَلَا يَضُرُّ هَذَا الِاخْتِلَافُ فَالْحَدِيثُ مَقْبُولٌ سَوَاءٌ كَانَ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بِوَاسِطَةِ حَفْصَةَ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ . وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ التَّصْرِيحُ بِسَمَاعِ ابْنِ عُمَرَ لَهُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَائِشَةَ وَهَذَا وَجْهٌ آخَرُ مِنْ الِاخْتِلَافِ عَلَى الزُّهْرِيِّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ إسْنَادًا آخَرَ ثُمَّ رَوَى عَنْ الْحُمَيْدِيِّ أَنَّهُ قِيلَ لِسُفْيَانَ يَعْنِي ابْنَ عُيَيْنَةَ إنَّ مَعْمَرًا يَرْوِيهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ فَقَالَ حَدَّثَنَا وَاَللَّهِ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ مَا ذَكَرَ عُرْوَةُ عَنْ عَائِشَةَ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ مِقْسَمٍ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ { أَرْبَعٌ كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ وَأَسْقَطَ الْعَقْرَبَ وَفِيهِ قُلْت لِلْقَاسِمِ أَفَرَأَيْت الْحَيَّةَ ؟ قَالَ تُقْتَلُ بِصِغَرٍ لَهَا } . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ عَائِشَةَ وَذَكَرَ الْحَيَّةَ بَدَلَ الْعَقْرَبِ وَقَيَّدَ فِيهَا الْغُرَابَ بِالْأَبْقَعِ وَذَكَرَ عَبْدُ الْحَقِّ أَنَّ الصَّحِيحَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا رِوَايَةُ خَمْسٌ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ذِكْرُ الْحَيَّةِ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِلَفْظِ الْحَيَّةِ أَوْ الْعَقْرَبِ عَلَى الشَّكِّ وَقَالَ كَأَنَّ رِوَايَةَ أَبِي دَاوُد الطَّيَالِسِيِّ أَيْ فِي ذِكْرِ الْعَقْرَبِ أَصَحُّ لِمُوَافَقَتِهَا سَائِرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ إنَّمَا رَوَى الْحَدِيثَ فِي الْحَيَّةِ وَالذِّئْبِ مُرْسَلًا . ( الثَّانِيَةُ ) اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ هَذِهِ الْخَمْسِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ لِلْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِ إلَّا مَا شَذَّ مِمَّا سَنَحْكِيهِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ : الْمَعْنَى فِيهِ كَوْنُهُنَّ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ وَلَا يُنْتَفَعُ بِهِ فَكُلُّ مَا لَا يُؤْكَلُ وَلَا هُوَ مُتَوَلِّدٌ مِنْ مَأْكُولٍ وَغَيْرِهِ وَلَا مَنْفَعَةَ فِيهِ فَقَتْلُهُ جَائِزٌ لِلْمُحْرِمِ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ ، وَعِبَارَةُ الشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ كَمَا حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ فَكُلُّ مَا جَمَعَ مِنْ الْوَحْشِ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ مُبَاحِ اللَّحْمِ فِي الْإِحْلَالِ وَأَنْ يَكُونَ يَضُرُّ قَتَلَهُ الْمُحْرِمُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَمَرَ أَنْ تُقْتَلَ الْفَأْرَةُ وَالْغُرَابُ وَالْحِدَأَةُ مَعَ ضَعْفِ ضُرِّهِمَا إذَا كَانَتْ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ كَانَ مَا جَمَعَ أَنْ لَا يُؤْكَلَ لَحْمُهُ وَضُرُّهُ أَكْثَرُ مِنْ ضُرِّهَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ قَتْلُهُ مُبَاحًا انْتَهَى وَقَالَ أَصْحَابُهُ هَذَا الضَّرْبُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ : ( أَحَدُهَا ) مَا يُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ لِلْمُحْرِمِ وَغَيْرِهِ وَهِيَ الْمُؤْذِيَاتُ كَالْحَيَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَالْعَقْرَبِ وَالْخِنْزِيرِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ وَالذِّئْبِ وَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالدُّبِّ وَالنَّسْرِ وَالْعُقَابِ وَالْبُرْغُوثِ وَالْبَقِّ وَالزُّنْبُورِ وَالْقُرَادِ وَالْحَلَمَةِ وَالْقِرْقِسِ وَأَشْبَاهِهَا . ( الْقِسْمُ الثَّانِي ) مَا فِيهِ نَفْعٌ وَمَضَرَّةٌ كَالْفَهْدِ وَالْعُقَابِ وَالْبَازِي وَالصَّقْرِ وَنَحْوِهَا فَلَا يُسْتَحَبُّ قَتْلُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَنْفَعَةِ وَهُوَ أَنَّهُ يُعَلِّمُ الِاصْطِيَادَ وَلَا يُكْرَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَضَرَّةِ وَهُوَ أَنَّهُ يَعْدُو عَلَى النَّاسِ وَالْبَهَائِمِ . ( الْقِسْمُ الثَّالِثُ ) مَا لَا يَظْهَرُ فِيهِ نَفْعٌ وَلَا ضَرَرٌ كَالْخَنَافِسِ وَالْجُعْلَانِ وَالدُّودِ وَالسَّرَطَانِ وَالْبُغَاثَةِ وَالرَّخَمَةِ وَالذُّبَابِ وَأَشْبَاهِهَا فَيُكْرَهُ قَتْلُهَا وَلَا يَحْرُمُ كَمَا قَالَهُ جُمْهُورُهُمْ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَجْهًا أَنَّهُ يَحْرُمُ قَتْلُ الطُّيُورِ دُونَ الْحَشَرَاتِ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا التَّقْسِيمَ عَنْ الشَّافِعِيِّ نَفْسِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنْهُ وَكَلَامُ الْحَنَابِلَةِ فِي ذَلِكَ مِثْلُ كَلَامِ أَصْحَابِنَا قَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُحَرَّرِ وَلَا يُضْمَنُ بِالْإِحْرَامِ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَكِنْ يُكْرَهُ لَهُ قَتْلُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ مُؤْذِيًا وَجَوَّزَ الشَّيْخُ مُوَفَّقُ الدِّينِ بْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي فِي قَوْلِ الْخِرَقِيِّ فِي مُخْتَصَرِهِ وَكُلَّمَا عَدَا عَلَيْهِ أَوْ آذَاهُ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ أَرَادَ مَا بَدَأَ الْمُحْرِمُ فَعَدَا عَلَيْهِ فِي نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ . ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ أَرَادَ مَا طَبْعُهُ الْأَذَى وَالْعُدْوَانُ وَإِنْ لَمْ يُوجَدْ مِنْهُ أَذًى فِي الْحَالِ وَكَلَامُ ابْنِ حَزْمٍ الظَّاهِرِيِّ يُوَافِقُ ذَلِكَ أَيْضًا وَإِنْ كَانَ لَا يَنْظُرُ إلَى الْمَعْنَى وَلَا يُعَدِّي بِالْقِيَاسِ لَكِنَّهُ اعْتَمَدَ أَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا وَرَدَ فِي الصَّيْدِ فَلَا يَتَعَدَّى وَلَا ذَلِكَ لِغَيْرِهِ وَأَجَابَ عَنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى هَذِهِ الْخَمْسِ بِمَا سَنَذْكُرُهُ بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى وَنَقَلَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ كَوْنَ الْمَعْنَى عِنْدَ الشَّافِعِيِّ مَنَعَ الْأَكْلَ بِوَاسِطَةِ بَعْضِ الشَّارِحِينَ وَأَرَادَ بِهِ النَّوَوِيَّ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا عِنْدِي فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ جَوَازَ الْقَتْلِ غَيْرُ جَوَازِ الِاصْطِيَادِ وَإِنَّمَا يَرَى الشَّافِعِيُّ جَوَازَ الِاصْطِيَادِ وَعَدَمَ وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِالْقَتْلِ لِغَيْرِ الْمَأْكُولِ . وَأَمَّا جَوَازُ الْإِقْدَامِ عَلَى قَتْلِ مَا لَا يُؤْكَلُ فَمَا لَيْسَ فِيهِ ضَرَرٌ فَغَيْرُ هَذَا انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ حَكَى الرَّبِيعُ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : لَا شَيْءَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِ مِنْ الطَّيْرِ كُلِّ مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ قَالَ وَلَهُ أَنْ يَقْتُلَ مِنْ دَوَابِّ الْأَرْضِ وَهَوَامِّهَا كُلَّ مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ انْتَهَى فَصَرَّحَ بِأَنَّ لَهُ قَتْلَ مَا لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ مِنْ الطَّيْرِ وَالْهَوَامِّ وَقَالَ آخَرُونَ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ كَوْنُهُنَّ مُؤْذِيَاتٍ فَيَلْتَحِقُ بِالْمَذْكُورَاتِ كُلُّ مُؤْذٍ وَعَزَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لِمَالِكٍ وَلْنَذْكُرْ تَفْصِيلَ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ تَحْرِيمَ صَيْدِ الْمَأْكُولِ وَغَيْرِهِ وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَا تَنَاوَلَهُ الْحَدِيثُ وَهُوَ هَذِهِ الْخَمْسُ قَالَ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ الْغُرَابَ وَالْحِدَأَةَ يُقْتَلَانِ وَإِنْ لَمْ يَبْتَدِئَا بِالْأَذَى وَرَوَى أَشْهَبُ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ ، قَالَ إلَّا أَنْ يُؤْذِيَ فَيُقْتَلَ إلَّا أَنَّهُ إنْ قَتَلَهُمَا مِنْ غَيْرِ أَذًى فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . وَقَالَ أَشْهَبُ : إنْ قَتَلَهُمَا مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ وَدَاهَمَا وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي قَتْلِ صِغَارِهِمَا ابْتِدَاءً وَفِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ بِقَتْلِهِمَا وَأَمَّا غَيْرُهُمَا مِنْ الطَّيْرِ فَإِنْ لَمْ يُؤْذِ فَلَا يُقْتَلُ فَإِنْ قَتَلَ فَفِيهِ الْجَزَاءُ وَإِنْ أَذَى فَهَلْ يُقْتَلُ أَمْ لَا ؟ قَوْلَانِ وَإِذَا قُلْنَا لَا يَقْتُلُ فَقَتَلَ ، فَقَوْلَانِ أَيْضًا الْمَشْهُورُ نَفْيُ وُجُوبِ الْجَزَاءِ وَقَالَ أَشْهَبُ عَلَيْهِ فِي الطَّيْرِ الْفِدْيَةُ وَإِنْ ابْتَدَأَتْ بِالضَّرَرِ وَقَالَ أَصْبَغُ مَنْ عَدَا عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ فَقَتَلَهُ وَدَاهُ بِشَاةٍ ، قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : وَهَذَا مِنْ أَصْبَغَ غَلَطٌ وَحَمَلَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ قَوْلَ أَصْبَغَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى الدَّفْعِ بِغَيْرِ الْقَتْلِ ، فَأَمَّا لَوْ تَعَيَّنَ الْقَتْلُ فِي الدَّفْعِ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ . وَأَمَّا الْعَقْرَبُ وَالْحَيَّةُ وَالْفَأْرَةُ فَيُقْتَلْنَ حَتَّى الصَّغِيرُ وَمَا لَمْ يُؤْذِ مِنْهَا لِأَنَّهُ لَا يُؤْمَنُ مِنْهَا الْأَذَى إلَّا أَنْ تَكُونَ مِنْ الصِّغَرِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُ مِنْهَا الْأَذَى فَيُخْتَلَفُ فِي حُكْمِهَا وَهَلْ يَلْحَقُ صَغِيرُ غَيْرِهَا مِنْ الْحَيَوَانِ الْمُبَاحِ الْقَتْلُ لِأَذِيَّةٍ بِصِغَارِهَا فِي جَوَازِ الْقَتْلِ ابْتِدَاءً فِيهِ خِلَافٌ ؛ وَالْمَشْهُورُ مِنْ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الْكَلْبِ الْعَقُورِ الْكَلْبُ الْوَحْشِيُّ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْأَسَدُ وَالنَّمِرُ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا وَقِيلَ الْمُرَادُ الْكَلْبُ الْإِنْسِيُّ الْمُتَّخَذُ وَعَلَى الْمَشْهُورِ يُقْتَلُ صَغِيرُ هَذِهِ وَمَا لَمْ يُؤْذِ مِنْ كَبِيرِهَا انْتَهَى كَلَامُهُ . وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ أَنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَتْلُ صِغَارِ الْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ وَشَنَّعَ عَلَيْهِمْ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فِي تَفْرِقَتِهِمْ بَيْنَ صِغَارِ الْغِرْبَانِ وَالْحُدَيَّا وَبَيْنَ صِغَارِ السِّبَاعِ وَالْحَيَّاتِ وَبَيْنَ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَبَيْنَ سِبَاعِ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ وَقَالَ هَلَّا قَاسُوا سِبَاعَ الطَّيْرِ عَلَى الْحِدَأَةِ كَمَا قَاسُوا سِبَاعَ ذَوَاتِ الْأَرْبَعِ عَلَى الْكَلْبِ الْعَقُورِ ؟ ، وَقَوَّى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ التَّعْلِيلَ بِالْأَذَى عَلَى التَّعْلِيلِ بِحُرْمَةِ الْأَكْلِ فَقَالَ : وَاعْلَمْ أَنَّ التَّعْدِيَةَ بِمَعْنَى الْأَذَى إلَى كُلِّ مُؤْذٍ قَوِيٌّ بِالْإِضَافَةِ إلَى تَصَرُّفِ الْقِيَاسَيْنِ فَإِنَّهُ ظَاهِرٌ مِنْ جِهَةِ الْإِيمَاءِ بِالتَّعْلِيلِ بِالْفِسْقِ وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ الْحَدِّ . وَأَمَّا التَّعْلِيلُ بِحُرْمَةِ الْأَكْلِ فَفِيهِ إبْطَالُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ إيمَاءُ النَّصِّ مِنْ التَّعْلِيلِ بِالْفِسْقِ لِأَنَّ مُقْتَضَى الْعِلَّةِ أَنْ يَتَقَيَّدَ الْحُكْمُ بِهَا وُجُودًا وَعَدَمًا فَإِنْ لَمْ يَتَقَيَّدْ وَثَبَتَ الْحُكْمُ عِنْدَ عَدَمِهَا بَطَلَ تَأْثِيرُهَا بِخُصُوصِهَا وَهُوَ خِلَافُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ النَّصِّ مِنْ التَّعْلِيلِ بِهَذَا وَاقْتَصَرَ الْحَنَفِيَّةُ عَلَى الْخَمْسِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ إلَّا أَنَّهُمْ ضَمُّوا إلَيْهَا الْحَيَّةَ أَيْضًا وَهِيَ مَنْصُوصَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَضَمُّوا إلَيْهَا الذِّئْبَ أَيْضًا قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْهُمْ وَقَدْ ذُكِرَ الذِّئْبُ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ . وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ الذِّئْبُ وَيُقَالُ إنَّ الذِّئْبَ فِي مَعْنَاهُ ا هـ وَعَلَى هَذَا الْأَخِيرِ فَيُقَالُ لِمَ اقْتَصَرَ فِي الْإِلْحَاقِ عَلَى الذِّئْبِ وَلِمَ لَا يُلْحِقُ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ كُلَّ مَا هُوَ فِي مَعْنَاهُ مِنْ نَمِرٍ وَخِنْزِيرٍ وَدُبٍّ وَقِرْدٍ وَغَيْرِهَا وَذَكَرَ الذِّئْبَ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ الْقَاضِي ، حَدَّثَنَا نَصْرُ بْنُ عَلِيٍّ أَخْبَرَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ أَخْبَرَنَا الْحَجَّاجُ عَنْ وَبَرَةَ قَالَ : سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الذِّئْبِ } الْحَدِيثَ . قَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ فَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ جَعَلَ الذِّئْبَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ كَلْبًا عَقُورًا أَيْ لِذِكْرِهِ بَدَلَهُ قَالَ وَهَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ فِي اللُّغَةِ وَالْمَعْنَى وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكِ بْنِ يَحْيَى عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ وَفِيهِ قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ( يَعْنِي الْمُحْرِمَ ) ثُمَّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : الْحَجَّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ لَا يُحْتَجُّ بِهِ . وَقَدْ رَوَيْنَاهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ الْمُسَيِّبِ مُرْسَلًا جَيِّدًا ثُمَّ رَوَاهُ كَذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالثَّوْرِيِّ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ نَحْوُ قَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ انْتَهَى . وَمَحَلُّ الْمَنْعِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِيمَا عَدَا الْخَمْسَ وَالذِّئْبَ إذَا لَمْ تَبْدَأْهُ السِّبَاعُ فَإِنْ بَدَأَتْهُ فَقَتَلَهَا دَفْعًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ إلَّا زُفَرُ فَإِنَّهُ قَالَ يَلْزَمُهُ دَمٌ وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ الِاقْتِصَارُ عَلَى الْخَمْسِ . وَنَقَلَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُصَنِّفِينَ الْمُخَالِفِينَ لِأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَلْحَقَ الذِّئْبَ بِهَا وَعَدُّوا ذَلِكَ مِنْ مُنَاقَضَاتِهِ ثُمَّ قَالَ وَمُقْتَضَى مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي حَكَيْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اصْطِيَادُ الْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا مِنْ بَقِيَّةِ السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ ، وَالشَّافِعِيَّةُ يَرُدُّونَ هَذَا بِظُهُورِ الْمَعْنَى فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ مِنْ الْخَمْسِ وَهُوَ الْأَذَى الطَّبِيعِيُّ وَالْعُدْوَانُ الْمُرَكَّبُ فِي هَذِهِ الْحَيَوَانَاتِ وَالْمَعْنَى إذَا ظَهَرَ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ عَدَّى الْقَائِسُونَ ذَلِكَ الْحُكْمَ إلَى كُلِّ مَا وُجِدَ فِيهِ الْمَعْنَى كَالسِّتَّةِ الَّتِي فِي الرِّبَا . وَقَدْ وَافَقَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى التَّعْدِيَةِ فِيهَا وَإِنْ اخْتَلَفَ هُوَ وَالشَّافِعِيُّ فِي الْمَعْنَى الَّذِي يُعْدَى بِهِ قَالَ وَأَقُولُ الْمَذْكُورُ ثُمَّ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِالْأَلْقَابِ وَهُوَ لَا يَقْتَضِي مَفْهُومًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ ، فَالتَّعْدِيَةُ لَا تُنَافِي مُقْتَضَى اللَّفْظِ وَهُنَا لَوْ عَدَّيْنَا لَبَطَلَتْ فَائِدَةُ التَّخْصِيصِ بِالْعَدَدِ وَعَلَى هَذَا الْمَعْنَى عَوَّلَ بَعْضُ مُصَنِّفِي الْحَنَفِيَّةِ فِي التَّخْصِيصِ بِالْخَمْسِ الْمَذْكُورَاتِ أَعْنِي مَفْهُومَ الْعَدَدِ انْتَهَى . وَفِي نَقْلِهِ الذِّئْبَ مِنْ غَيْرِ كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ نَظَرَ فَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي الْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ كُتُبِهِمْ وَمَا نَقَلَهُ عَنْ مُقْتَضَى مَذْهَبِهِمْ مِنْ مَنْعِ اصْطِيَادِ الْأَسَدِ وَنَحْوِهِ قَدْ صَرَّحُوا بِهِ فِي كُتُبِهِمْ وَقَالُوا إنَّ عَلَى قَاتِلِهِ الْجَزَاءَ وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ إلَّا أَنْ يَقْتُلَهُ لِصِيَالِهِ عَلَيْهِ فَلَا شَيْءَ إلَّا عِنْدَ زُفَرَ فَإِنَّهُ أَوْجَبَ الْجَزَاءَ بِقَتْلِهِ لِلدَّفْعِ عِنْدَ الصِّيَالِ لَكِنَّ صَاحِبَ الْهِدَايَةِ قَالَ بَعْدَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ أَوَّلًا وَالضَّبُّ وَالْيَرْبُوعُ لَيْسَا مِنْ الْخَمْسَةِ الْمُسْتَثْنَاةِ لِأَنَّهُمَا لَا يَبْتَدِئَانِ بِالْأَذَى وَلَيْسَ فِي قَتْلِ الْبَعُوضِ وَالنَّمْلِ وَالْبَرَاغِيثِ وَالْقُرَادِ شَيْءٌ لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِصَيُودٍ وَلَيْسَتْ بِمُتَوَلِّدَةٍ مِنْ الْبَدَنِ بَلْ هِيَ مُؤْذِيَةٌ بِطِبَاعِهَا انْتَهَى وَمُقْتَضَاهُ مُوَافَقَةُ مَنْ قَالَ إنَّهُ يُلْحَقُ بِالْمَذْكُورَاتِ كُلُّ مُؤْذٍ بِالطَّبْعِ فَإِنَّ كَوْنَ الضَّبِّ وَالْيَرْبُوعِ لَيْسَا مِنْ الْخَمْسَةِ أَمْرٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّمَا أَرَادَ لَيْسَ لَهُمَا حُكْمُهُمَا . وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُمَا لَا يَبْتَدِئَانِ بِالْأَذَى وَمُقْتَضَى ذَلِكَ ثُبُوتُ الْحُكْمِ لِكُلِّ مَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى ثُمَّ قَوَّى ذَلِكَ بِمَا ذَكَرَهُ فِي الْبَعُوضِ وَنَحْوِهِ وَلَا سِيَّمَا تَعْلِيلُهُ بِأَنَّهَا مُؤْذِيَةٌ بِطِبَاعِهَا ثُمَّ إنَّ الشَّيْخَ تَقِيَّ الدِّينِ رَحِمَهُ اللَّهُ اقْتَصَرَ فِي رَدِّ ذَلِكَ عَلَى الْقِيَاسِ مَعَ وُرُودِ النَّصِّ فِيهِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ السَّبُعَ الْعَادِيَ وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ وَالْفَأْرَةَ وَالْعَقْرَبَ وَالْحِدَأَةَ وَالْغُرَابَ } . لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ قَالُوا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ السَّبُعَ الْعَادِيَ وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَمَّا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ ؟ قَالَ الْحَيَّةَ وَالْعَقْرَبَ وَالْفُوَيْسِقَةَ وَيَرْمِي الْغُرَابَ وَلَا يَقْتُلُهُ وَالْكَلْبَ الْعَقُورَ وَالْحِدَأَةَ وَالسَّبُعَ الْعَادِيَ } . وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ مَاجَهْ الْحِدَأَةَ وَلَا الْغُرَابَ وَزَادَ فَقِيلَ لَهُ لِمَ قِيلَ لَهَا الْفُوَيْسِقَةُ ؟ قَالَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَيْقَظَ لَهَا وَقَدْ أَخَذَتْ الْفَتِيلَةَ لِتُحْرِقَ ==============ج15 15 15 ======= اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ بِهَا الْبَيْتَ فَتَنَاوَلَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ السَّبُعَ الْعَادِيَ الْأَسَدَ وَالنَّمِرَ وَغَيْرَهُمَا مِنْ السِّبَاعِ بَلْ قَوْلُهُ الْكَلْبُ الْعَقُورُ يَتَنَاوَلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءَ كَمَا سَنَحْكِيهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ حُجَّةٌ مَحْكِيٌّ عَنْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لَكِنْ ذَهَبَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَغَيْرُهُمَا إلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ وَجَزَمَ بِهِ الْبَيْضَاوِيُّ فِي مُخْتَصَرِهِ . وَكَذَا قَالَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ إنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ يَدُلُّ عَلَيْهِ لِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ ، ثُمَّ إنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّهُمْ لَا يَقُولُونَ بِالْمَفَاهِيمِ مُطْلَقًا لَا هَذَا الْمَفْهُومُ وَلَا غَيْرُهُ وَبِتَقْدِيرِ قَوْلِهِمْ بِالْمَفْهُومِ فَهُمْ لَمْ يَقِفُوا عِنْدَ هَذَا الْمَفْهُومِ بَلْ ضَمُّوا إلَيْهَا الْحَيَّةَ وَالذِّئْبَ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ وَالنَّصُّ عَلَى الْحَيَّةِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ذَكَرَ السَّبُعَ الْعَادِيَ وَهُوَ يُنَافِي الْوُقُوفَ عِنْدَ هَذَا الْمَفْهُومِ فَإِنَّهَا مَعَ الْحَيَّةِ وَالسَّبُعِ الْعَادِي لَيْسَتْ خَمْسًا بَلْ سَبْعًا كَيْفَ . وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ خَمْسٌ وَفِي بَعْضِهَا أَرْبَعٌ فَلَوْ كَانَ هَذَا الْمَفْهُومُ حُجَّةً لَتَدَافَعَ هَذَانِ الْمَفْهُومَانِ وَسَقَطَا . ( الثَّالِثَةُ ) إنْ قُلْت فَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ حُجَّةٌ مَا جَوَابُكُمْ عَنْ تَخْصِيصِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ بِالذِّكْرِ ؟ قُلْت ، قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ قَالَ مَنْ عَلَّلَ بِالْأَذَى إنَّمَا اُخْتُصَّتْ بِالذِّكْرِ لِيُنَبِّهَ بِهَا عَلَى مَا فِي مَعْنَاهَا وَأَنْوَاع الْأَذَى مُخْتَلِفَةٌ فَيَكُونُ ذِكْرُ كُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا مُنَبِّهًا عَلَى جَوَازِ قَتْلِ مَا فِيهِ ذَلِكَ النَّوْعِ فَنَبَّهَ بِالْحَيَّةِ وَالْعَقْرَبِ عَلَى مَا يُشَارِكُهُمَا فِي الْأَذَى بِاللَّسْعِ كَالْبُرْغُوثِ مَثَلًا عَنْ بَعْضِهِمْ وَنَبَّهَ بِالْفَأْرَةِ عَلَى مَا أَذَاهُ بِالنَّقْبِ وَالتَّقْرِيضِ كَابْنِ عُرْسٍ وَنَبَّهَ بِالْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ عَلَى مَا أَذَاهُ بِالِاخْتِطَافِ كَالصَّقْرِ وَالْبَازِي وَنَبَّهَ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ عَلَى كُلِّ عَادٍ بِالْعُقْرِ وَالِافْتِرَاسِ بِطَبْعِهِ كَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالتَّعْدِيَةِ إلَى كُلِّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَقَدْ أَحَالُوا التَّخْصِيصَ فِي الذِّكْرِ بِهَذِهِ الْخَمْسِ عَلَى الْغَالِبِ فَإِنَّهَا الْمُلَابِسَاتُ لِلنَّاسِ الْمُخَالِطَاتُ فِي الدُّورِ بِحَيْثُ يَعُمُّ أَذَاهَا فَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِلتَّخْصِيصِ وَالتَّخْصِيصُ لِأَجْلِ الْغَلَبَةِ إذَا وَقَعَ لَمْ يَكُنْ لَهُ مَفْهُومٌ عَلَى مَا عُرِفَ فِي الْأُصُولِ إلَّا أَنَّ خُصُومَهُمْ جَعَلُوا هَذَا الْمَعْنَى مُعْتَرِضًا عَلَيْهِ فِي تَعْدِيَةِ الْحُكْمِ إلَى بَقِيَّةِ السِّبَاعِ الْمُؤْذِيَةِ وَتَقْرِيرُهُ أَنَّ اللِّحَاقَ الْمَسْكُوتَ بِالْمَنْطُوقِ قِيَاسًا شَرْطُهُ مُسَاوَاةُ الْفَرْعِ لِلْأَصْلِ أَوْ رُجْحَانُهُ أَمَّا إذَا انْفَرَدَ الْأَصْلُ بِزِيَادَةٍ يُمْكِنُ أَنْ تُعْتَبَرَ فَلَا إلْحَاقَ وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأَشْيَاءُ عَامَّةَ الْأَذَى كَمَا ذَكَرَ ثُمَّ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِبَاحَةِ قَتْلِهَا لِعُمُومِ ضَرَرِهَا فَهَذَا الْمَعْنَى مَعْدُومٌ فِيمَا لَا يَعُمُّ ضَرَرُهُ مِمَّا لَا يُخَالِطُ فِي الْمَنَازِلِ وَلَا تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى إبَاحَةِ قَتْلِهِ كَمَا دَعَتْ إلَى إبَاحَةِ قَتْلِ مَا يُخَالِطُ مِنْ الْمُؤْذِيَاتِ فَلَا يَلْحَقُ بِهِ . وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ عَنْ هَذَا بِوَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الْكَلْبَ الْعَقُورَ نَادِرٌ وَقَدْ أُبِيحَ قَتْلُهُ . ( وَالثَّانِي ) مُعَارَضَةُ النُّدْرَةِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ بِزِيَادَةِ قُوَّةِ الضَّرَرِ أَلَا تَرَى أَنَّ تَأْثِيرَ الْفَأْرَةِ بِالنَّقْبِ مَثَلًا أَوْ الْحِدَأَةِ تَخْتَطِفُ شَيْئًا لَا يُسَاوِي مَا فِي الْأَسَدِ وَالْفَهْدِ مِنْ إتْلَافِ النَّفْسِ فَكَانَ بِإِبَاحَةِ الْقَتْلِ أَوْلَى انْتَهَى وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى ذِكْرِ الْحَدِيثِ الشَّامِلِ لِسَائِرِ السِّبَاعِ وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ السَّبُعَ الْعَادِيَ } . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فَإِنْ قِيلَ فَمَا وَجْهُ اقْتِصَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْخَمْسِ ؟ قُلْنَا ظَاهِرُ الْخَبَرِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا مَحْضُوضٌ عَلَى قَتْلِهِنَّ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ وَيَكُونُ غَيْرُهُنَّ مُبَاحًا قَتْلُهُ أَيْضًا وَلَيْسَ هَذَا الْخَبَرُ مِمَّا يَمْنَعُ أَنْ يَكُونَ غَيْرَ تِلْكَ الْخَمْسِ مَأْمُورًا بِقَتْلِهِ أَيْضًا كَالْوَزَغِ وَالْأَفَاعِي وَالْحَيَّاتِ وَالرُّتَيْلَاءِ وَالثَّعَابِينِ وَقَدْ يَكُونُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي هَذِهِ فَاغْتَنَى عَنْ إعَادَتِهَا عِنْدَ ذِكْرِهِ هَذِهِ الْخَمْسَ . ( الرَّابِعَةُ ) اقْتَصَرَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى نَفْيِ الْجُنَاحِ وَهُوَ الْإِثْمُ عَنْ قَتْلِ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَرْجِيحُ فِعْلِ قَتْلِهَا عَلَى تَرْكِهِ وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْأَمْرُ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى تَرْجِيحِ قَتْلِهَا عَلَى تَرْكِهِ وَهُوَ مُحْتَمِلٌ لِلْوُجُوبِ وَالنَّدْبِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمَنْدُوبَ مَأْمُورٌ بِهِ وَهُوَ الْمُرَجَّحُ فِي الْأُصُولِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ اسْتِحْبَابُ قَتْلِ الْمُؤْذِيَاتِ وَهِيَ الْخَمْسُ الْمَذْكُورَةُ وَمَا فِي مَعْنَاهَا وَتَمَسَّكُوا بِالْأَمْرِ بِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَفِيهِ زِيَادَةٌ عَلَى نَفْيِ الْجُنَاحِ الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ . ( الْخَامِسَةُ ) نَصٌّ فِي الْحَدِيثِ عَلَى الْمُحْرِمِ لِكَوْنِهِ جَوَابًا لِلسُّؤَالِ عَنْهُ وَيُعْلَمُ حُكْمُ الْحَلَالِ مِنْ طَرِيقِ الْأُولَى فَإِنَّهُ لَمْ يَقُمْ بِهِ مَانِعٌ مِنْ ذَلِكَ فَإِذَا أُبِيحَ مَعَ قِيَامِ الْمَانِعِ فَمَعَ فَقْدِهِ أَوْلَى . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ التَّنْصِيصُ عَلَى قَتْلِ الْغُرَابِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَبَاحَ كُلُّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَتْلَ الْغُرَابِ فِي الْإِحْرَامِ وَرَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْمِي غُرَابًا وَهُوَ مُحْرِمٌ وَكَانَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ يُبِيحُونَ قَتْلَهُ لِلْمُحْرِمِ . وَرَوَيْنَا عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ قَالَ فِي مُحْرِمٍ كَسَرَ قَرْنَ غُرَابٍ إنْ أَدْمَاهُ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ وَإِنْ لَمْ يُدْمِهِ أَطْعَمَ شَيْئًا انْتَهَى وَحَكَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَمُجَاهِدٍ أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ الْغُرَابَ وَلَكِنْ يَرْمِي وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْمٍ ثُمَّ قَالَ فِيهِ عَنْ عَلِيٍّ ضَعْفٌ وَلَا يَثْبُتُ وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ لَيْسَ بِصَحِيحٍ عَنْ عَلِيٍّ انْتَهَى . وَاسْتَدَلَّ قَائِلُهُ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْغُرَابَ الصَّغِيرَ الَّذِي يَأْكُلُ الْحَبَّ وَهُوَ الَّذِي اسْتَثْنَاهُ مَالِكٌ مِنْ جُمْلَةِ الْغِرْبَانِ وَكَانَ عَطَاءٌ يَرَى فِيهِ الْفِدْيَةَ وَلَمْ يُتَابِعْهُ عَلَى قَوْلِهِ أَحَدٌ انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِيهِ يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا فَإِنْ صَحَّ حُمِلَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَأَكَّدُ نَدْبًا قَتْلُهُ كَتَأَكُّدِهِ فِي الْحَيَّةِ وَالْفَأْرَةِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ . ( السَّابِعَةُ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَبْتَدِئَهُ الْغُرَابُ بِالْأَذَى أَمْ لَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ وَرَوَى عَنْهُ أَشْهَبُ خِلَافَهُ . ( الثَّامِنَةُ ) وَظَاهِرُهُ أَيْضًا أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ كِبَارِ الْغِرْبَانِ وَصِغَارِهَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ تَقَدَّمَ وَمَا ذَكَرْته فِي هَذِهِ الْفَائِدَةِ وَاَلَّتِي قَبْلَهَا يَأْتِي فِي الْحِدَأَةِ أَيْضًا . ( التَّاسِعَةُ ) أَطْلَقَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ذِكْرَ الْغُرَابِ وَقَيَّدَهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِالْأَبْقَعِ وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ . وَالْمُرَادُ بِهِ الَّذِي فِي ظَهْرِهِ وَبَطْنِهِ بَيَاضٌ ، فَمُقْتَضَى قَاعِدَةِ مَنْ يَحْمِلُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالْأَبْقَعِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي عَنْ قَوْمٍ ثُمَّ رَدَّهُ بِأَنَّ لَفْظَ الرِّوَايَاتِ الْأُخْرَى عَامٌّ فِي الْغُرَابِ وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ الْحَدِيثِ الْآخَرِ وَبِأَنَّ غُرَابَ الْبَيْنِ مُحَرَّمُ الْأَكْلِ يَعْدُو عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ فَلَا وَجْهَ لِإِخْرَاجِهِ مِنْ الْعُمُومِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ أَبَاحَ لِلْمُحْرِمِ قَتْلَ الْغُرَابِ } وَلَمْ يَخُصَّ أَبْقَعَ مِنْ غَيْرِهِ . فَلَا وَجْهَ لِمَا خَالَفَهُ لِأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ انْتَهَى وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْغُرَابَ الصَّغِيرَ الَّذِي يَأْكُلُ الْحَبَّ وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي : الْمُرَادُ الْغُرَابُ الْأَبْقَعُ وَغُرَابُ الْبَيْنِ انْتَهَى فَلَمْ تَأْخُذْ الْحَنَابِلَةُ الْحَدِيثَ عَلَى عُمُومِهِ وَلَا خَصُّوهُ بِالْأَبْقَعِ كَمَا فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ بَلْ ضَمُّوا إلَيْهِ غُرَابَ الْبَيْنِ . وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ الْغُرَابَ أَرْبَعَةُ أَنْوَاعٍ : ( أَحَدُهُمَا ) الْأَبْقَعُ وَهُوَ فَاسِقٌ مُحَرَّمٌ بِلَا خِلَافٍ . ( وَالثَّانِي ) الْأَسْوَدُ الْكَبِيرُ وَيُقَالُ لَهُ الْغُدَافُ الْكَبِيرُ وَيُقَالُ لَهُ الْغُرَابُ الْجَبَلِيُّ لِأَنَّهُ يَسْكُنُ الْجِبَالَ وَ ( الثَّالِثُ ) غُرَابٌ صَغِيرٌ أَسْوَدُ أَوْ رَمَادِيُّ اللَّوْنِ وَقَدْ يُقَالُ لَهُ الْغُدَافُ الصَّغِيرُ وَالْأَصَحُّ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا التَّحْرِيمُ . وَ ( الرَّابِعُ ) غُرَابُ الزَّرْعِ وَهُوَ أَسْوَدُ صَغِيرٌ يُقَالُ لَهُ الزَّاغُ وَقَدْ يَكُونُ مُحْمَرَّ الْمِنْقَارِ وَالرِّجْلَيْنِ وَهُوَ حَلَالٌ عَلَى الْأَصَحِّ وَمُقْتَضَى ذَلِكَ شُمُولُ الْحَدِيثِ لِلْكُلِّ إلَّا غُرَابَ الزَّرْعِ لِأَنَّهُ مَأْكُولٌ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْحَنَابِلَةِ فِي عَدَمِ الِاقْتِصَارِ عَلَى الْأَبْقَعِ وَيُوَافِقُ أَيْضًا مَذْهَبَ مَالِكٍ الَّذِي حَكَاهُ عَنْهُ الْخَطَّابِيُّ فِي اسْتِثْنَاءِ الْغُرَابِ الصَّغِيرِ الَّذِي يَأْكُلُ الْحَبَّ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَهَذِهِ عِبَارَةُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ مِنْهُمْ . وَالْمُرَادُ بِالْغُرَابِ الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ وَيَخْلِطُ لِأَنَّهُ يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى أَمَّا الْعَقْعَقُ غَيْرُ مُسْتَثْنًى لِأَنَّهُ لَا يُسَمَّى غُرَابًا وَلَا يَبْتَدِئُ بِالْأَذَى وَقَالَ فِيمَا يَحِلُّ أَكْلُهُ وَمَا لَا يَحِلُّ وَلَا بَأْسَ بِغُرَابِ الزَّرْعِ لِأَنَّهُ يَأْكُلُ الْحَبَّ وَلَيْسَ مِنْ سِبَاعِ الطَّيْرِ وَلَا يُؤْكَلُ الْأَبْقَعُ الَّذِي يَأْكُلُ الْجِيَفَ وَكَذَا الْغُدَافُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ بِأَكْلِ الْعَقْعَقِ لِأَنَّهُ يَخْلِطُ فَأَشْبَهَ الدَّجَاجَةَ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ يُكْرَهُ لِأَنَّ غَالِبُ أَكْلِهِ الْجِيَفُ انْتَهَى . فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ مَذَاهِبَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ الْأَمْرِ بِقَتْلِ الْغُرَابِ غُرَابُ الزَّرْعِ خَاصَّةً فَأَمَّا أَنْ يَكُونُوا اعْتَمَدُوا التَّقْيِيدَ الَّذِي فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ بِالْأَبْقَعِ وَأَلْحَقُوا بِهِ مَا فِي مَعْنَاهُ فِي الْأَذَى وَأَكْلِ الْجِيَفِ وَهُوَ الْغُدَافُ وَإِمَّا أَنْ يَكُونُوا أَخَذُوا بِالرِّوَايَاتِ الْمُطْلَقَةِ وَجَعَلُوا التَّقْيِيدَ بِالْأَبْقَعِ لِغَلَبَتِهِ لَا لِاخْتِصَاصِ الْحُكْمِ بِهِ وَأَخْرَجُوا عَنْ ذَلِكَ غُرَابَ الزَّرْعِ وَهُوَ الزَّاغُ لِحِلِّ أَكْلِهِ فَهُوَ مُسْتَثْنًى بِدَلِيلٍ مُنْفَصِلٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) الْحِدَأَةُ مَعْرُوفَةٌ وَهِيَ بِكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْهَمْزِ وَجَمْعُهَا حِدَاءٌ بِكَسْرِ الْحَاءِ مَقْصُورٌ مَهْمُوزٌ كَعِنَبَةٍ وَعِنَبٍ وَفِي بَعْضِ رِوَايَاتِ الصَّحِيحِ الْحُدَيَّا وَهُوَ بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ مَقْصُورٌ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ ثَابِتٌ ، الْوَجْهُ فِيهِ الْهَمْزُ عَلَى مَعْنَى التَّذْكِيرِ وَإِلَّا فَحَقِيقَتُهُ حَدِيثُهُ وَكَذَا قَيَّدَهُ الْأَصِيلِيُّ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي مَوْضِعٍ الْحِدَيَةِ عَلَى التَّسْهِيلِ وَالْإِدْغَامِ انْتَهَى وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ الَّذِي عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي اخْتِصَاصِ قَتْلِهَا بِمَا إذَا ابْتَدَأَتْ بِالْأَذَى وَفِي اخْتِصَاصِ الْقَتْلِ بِكِبَارِهَا وَالْمَشْهُورُ خِلَافُهُ وَهُوَ الْعُمُومُ كَمَا تَقَدَّمَ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ذِكْرُ الْعَقْرَبِ وَفِي بَعْضِهَا وَهُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ ذِكْرُ الْحَيَّةِ بَدَلَهَا وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ { الْأَمْرُ بِقَتْلِ الْحَيَّةِ فِي غَارِ الْمُرْسَلَاتِ وَذَلِكَ فِي مِنًى وَهِيَ مِنْ الْحَرَمِ وَكَانُوا مُحْرِمِينَ } فَفِي سُنَنِ النَّسَائِيّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ لَيْلَةَ عَرَفَةَ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَمَرَ مُحْرِمًا بِقَتْلِ حَيَّةٍ بِمِنًى } . وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ أَيْضًا عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْحَيَّةَ } وَهِيَ أَوْلَى بِالْأَمْرِ بِالْقَتْلِ مِنْ الْعَقْرَبِ فَكَأَنَّهُ نَبَّهَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ بِالْعَقْرَبِ عَلَى الْحَيَّةِ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا نَعْلَمُهُمْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ انْتَهَى وَتَقَدَّمَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ خِلَافٌ فِي قَتْلِ مَا صَغُرَ مِنْ الْحَيَّاتِ وَالْعَقَارِبِ بِحَيْثُ إنَّهُ لَا يُمْكِنُ مِنْهُ الْأَذَى وَلَمْ يَذْكُرْ غَيْرُهُمْ هَذَا الْخِلَافَ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَيُّوبَ قُلْت لِنَافِعٍ الْحَيَّةُ ؟ قَالَ الْحَيَّةُ لَا يُخْتَلَفُ فِيهَا وَأَصْلُهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِلَفْظٍ قَالَ الْحَيَّةُ لَا يُخْتَلَفُ فِي قَتْلِهَا ، ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَيْسَ كَمَا قَالَ نَافِعٌ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِ قَتْلِ الْحَيَّةِ لِلْمُحْرِمِ لَكِنَّهُ شُذُوذٌ ثُمَّ حَكَى عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُمَا قَالَا لَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْحَيَّةَ وَلَا الْعَقْرَبَ رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْهُمَا قَالَ وَمِنْ حُجَّتِهِمَا أَنَّ هَذَيْنِ مِنْ هَوَامِّ الْأَرْضِ فَمَنْ قَالَ بِقَتْلِهِمَا لَزِمَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ هَوَامِّ الْأَرْضِ ، قَالَ وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ وَلَا مَعْنَى لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَبَاحَ لِلْمُحْرِمِ قَتْلَهُمَا انْتَهَى وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ عَنْ الطَّحَاوِيِّ أَنَّهُ قَالَ لَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْحَيَّةَ وَلَا الْوَزَغَ وَلَا شَيْئًا غَيْرَ الْخَمْسِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) الْفَأْرَةُ مَهْمُوزَةٌ وَجَمْعُهَا فَارٌ وَبِالْأَمْرِ بِقَتْلِهَا مَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَّا إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ فَإِنَّهُ مَنَعَ الْمُحْرِمَ مِنْ قَتْلِهَا حَكَاهُ عَنْهُ السَّاجِيُّ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُمَا وَزَادَ السَّاجِيُّ وَأَرَاهُ قَالَ فَإِنْ قَتَلَهَا فَفِيهَا فِدْيَةٌ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَهَذَا لَا مَعْنَى لَهُ لِأَنَّهُ خِلَافُ السُّنَّةِ وَقَوْلُ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا مُخَالِفٌ لِلنَّصِّ خَارِجٌ عَنْ أَقَاوِيلِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي قَتْلِ مَا انْتَهَى صِغَرُهُ مِنْهَا إلَى حَدٍّ لَا يُمْكِنُ مِنْهُ الْأَذَى وَلَيْسَ هَذَا الْخِلَافُ عِنْدَ غَيْرِهِمْ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِالْكَلْبِ الْعَقُورِ هُنَا فَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ هُوَ كُلُّ مَا عَقَرَ النَّاسَ وَعَدَا عَلَيْهِمْ وَأَخَافَهُمْ مِثْلُ الْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالْفَهْدِ وَالذِّئْبِ قَالَ : فَأَمَّا مَا كَانَ مِنْ السِّبَاعِ لَا يَعْدُو مِثْلَ الضَّبُعِ وَالثَّعْلَبِ وَمَا أَشْبَهَهُمَا مِنْ السِّبَاعِ فَلَا يَقْتُلُهُ الْمُحْرِمُ وَإِنْ قَتَلَهُ فَدَاهُ . وَكَذَا قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ هُوَ كُلُّ سَبُعٍ يَعْقِرُ وَلَمْ يَخُصَّ بِهِ الْكَلْبَ قَالَ وَفَسَّرَهُ لَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ الْحُمَيْدِيِّ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ ( سَمِعْت زَيْدَ بْنَ أَسْلَمَ يَقُولُ وَأَيُّ كَلْبٍ أَعْقَرُ مِنْ الْحَيَّةِ ؟ ) قَالَ الْحُمَيْدِيُّ كُلُّ شَيْءٍ يَعْقِرُك فَهُوَ الْعَقُورُ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ قَدْ يَجُوزُ فِي الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ لِلسَّبُعِ كَلْبٌ . أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يَرْوُونَ فِي الْمَغَازِي { أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي لَهَبٍ كَانَ شَدِيدَ الْأَذَى لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ اللَّهُمَّ سَلِّطْ عَلَيْهِمْ كَلْبًا مِنْ كِلَابِك فَخَرَجَ عُتْبَةُ إلَى الشَّامِ مَعَ أَصْحَابِهِ فَنَزَلَ مَنْزِلًا فَطَرَقَهُمْ الْأَسَدُ فَتَخَطَّى إلَيْهِ مِنْ بَيْنِ أَصْحَابِهِ فَقَتَلَهُ } . فَصَارَ الْأَسَدُ هَاهُنَا قَدْ لَزِمَهُ اسْمُ الْكَلْبِ قَالَ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } فَهَذَا اسْمٌ مُشْتَقٌّ مِنْ الْكَلْبِ ثُمَّ دَخَلَ فِيهِ صَيْدُ الْفَهْدِ وَالصَّقْرِ وَالْبَازِي فَلِهَذَا قِيلَ لِكُلِّ جَارِحٍ أَوْ عَاقِرٍ مِنْ السِّبَاعِ كَلْبٌ عَقُورٌ ا هـ . وَقَدْ اعْتَرَضَ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ عُتْبَةُ . وَإِنَّمَا هُوَ عُتَيْبَةُ أَخُوهُ وَأَمَّا عُتْبَةُ فَإِنَّهُ بَقِيَ حَتَّى أَسْلَمَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَهُوَ مَعْدُودٌ فِي الصَّحَابَةِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ حَمْلَ الْكَلْبِ الْعَقُورِ هُنَا عَلَى كُلِّ سَبُعٍ مُفْتَرِسٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ . وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ الْكَلْبُ الْعَقُورُ الْأَسَدُ فَإِنْ أَرَادَ التَّخْصِيصَ دُونَ التَّمْثِيلِ فَهُوَ قَوْلٌ ثَانٍ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحٍ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْكَلْبُ الْمَعْرُوفُ خَاصَّةً إلَّا أَنَّهُمْ أَلْحَقُوا بِهِ فِي حُكْمِهِ الذِّئْبَ وَذَهَبَ زُفَرُ إلَى أَنَّ الْكَلْبَ الْعَقُورَ هُوَ الذِّئْبُ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ وَحَكَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَمَّنْ فَسَّرَهُ بِالْكَلْبِ الْمَعْرُوفِ بِأَنَّهُ الْمَعْنَى الْعُرْفِيُّ وَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى اللُّغَوِيِّ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) سَوَاءٌ حَمَلَ الْكَلْبَ عَلَى مَدْلُولِهِ الْمَعْرُوفِ أَوْ عَلَى كُلِّ سَبُعٍ مُفْتَرِسٍ فَتَقْيِيدُهُ بِالْعَقُورِ يُخْرِجُ غَيْرَهُ وَيَقْتَضِي أَنَّ غَيْرَ الْعَقُورِ مِنْ الْكِلَابِ مُحْتَرَمٌ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُ وَبِهِ صَرَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ الْأَطْعِمَةِ وَالنَّوَوِيُّ فِي الْبَيْعِ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَزَادَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَصْحَابِنَا وَقَالَ الرَّافِعِيُّ فِي الْحَجِّ إنَّ قَتْلَهُ مَكْرُوهٌ وَقَالَ النَّوَوِيُّ هُنَاكَ مُرَادُهُ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ . وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي الْغَصْبِ أَنَّهُ غَيْرُ مُحْتَرَمٍ وَكَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي التَّيَمُّمِ وَهَذِهِ مَوَاضِعُ مُخْتَلِفَةٌ وَقَالَ شَيْخُنَا الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ جَزَمَ بِالتَّحْرِيمِ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَالْمَاوَرْدِيُّ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ قَتْلِهِ صَرَّحَ بِهِ فِي الْأُمِّ فِي بَابِ الْخِلَافِ فِي ثَمَنِ الْكَلْبِ انْتَهَى وَمَنْ يَقُولُ بِجَوَازِ قَتْلِ غَيْرِ الْعَقُورِ يُجِيبُ عَنْ هَذَا التَّقْيِيدِ بِأَنَّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ وَغَيْرُ الْعَقُورِ يَجُوزُ قَتْلُهُ وَلَا يُسْتَحَبُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) أَخْرَجَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِمَّنْ لَمْ يُقْصِرْ الْحُكْمَ عَلَى الْخَمْسِ مِنْ السِّبَاعِ الضَّبُعَ وَالثَّعْلَبَ وَمُدْرَكُهُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ كَوْنُهُمَا مَأْكُولَيْنِ لِوُرُودِ النَّصِّ فِيهِمَا وَعِنْدَ مَالِكٍ كَوْنُهُمَا لَا يَعْدُوَانِ وَالْقَتْلُ خَاصٌّ بِاَلَّذِي يَعْدُو مِنْ السِّبَاعِ لَا بِجَمِيعِهَا وَقَالَ أَحْمَدُ بِإِبَاحَةِ الضَّبُعِ وَعَنْهُ فِي إبَاحَةِ الثَّعْلَبِ رِوَايَتَانِ وَأَنْكَرَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ إبَاحَةَ الثَّعْلَبِ وَقَالَ لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) لَمْ يُذْكَرْ فِي ذَلِكَ الْوَزَغُ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَ أَيْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِلْوَزَغِ فُوَيْسِقٌ وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ { أُمِّ شَرِيكٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهَا بِقَتْلِ الْأَوْزُغِ } . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَمَرَ بِقَتْلِ الْوَزَغِ وَسَمَّاهُ فُوَيْسِقًا } . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْآثَارُ بِذَلِكَ مُتَوَاتِرَةٌ وَقَدْ أَلْحَقَهُ أَصْحَابُنَا بِالْفَوَاسِقِ الْخَمْسِ فِي نَدْبِ قَتْلِهِ وَوَرَدَ التَّرْغِيبُ فِي قَتْلِهِ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ قَالَ لَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْوَزَغَ وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ الْقَاسِمِ وَابْنِ وَهْبٍ وَأَشْهَبَ عَنْهُ لَا أَرَى أَنْ يَقْتُلَ الْمُحْرِمُ الْوَزَغَ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْخَمْسِ الَّتِي أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِهِنَّ وَقِيلَ لِمَالِكٍ فَأَنْ قَتَلَ الْمُحْرِمُ الْوَزَغَ فَقَالَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ وَأَرَى أَنْ يَتَصَدَّقَ إنْ قَتَلَهُ وَهُوَ مِثْلُ شَحْمَةِ الْأَرْضِ . وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَجْعَلَهَا سِتًّا وَلَا سَبْعًا انْتَهَى قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَمْ أَسْمَعْهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ بِشَهَادَةٍ وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ شَهِدَ أَنَّهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ ( قُلْت ) . وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ { أَنَّ امْرَأَةً دَخَلَتْ عَلَى عَائِشَةَ وَبِيَدِهَا عُكَّازٌ فَقَالَتْ مَا هَذَا ؟ فَقَالَتْ : لِهَذِهِ الْوَزَغِ لِأَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَدَّثَنَا أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ لَا يُطْفِئُ عَلَى إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَّا هَذِهِ الدَّابَّةُ فَأَمَرَنَا بِقَتْلِهَا } الْحَدِيثَ . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ الْوَزَغِ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ وَتَقَدَّمَ قَوْلُ الطَّحَاوِيِّ لَا يَقْتُلُ الْمُحْرِمُ الْوَزَغَ . ( السَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ { خَمْسٌ لَا جُنَاحَ فِي قَتْلِهِنَّ عَلَى مَنْ قَتَلَهُنَّ فِي الْحَرَمِ وَالْمُحْرِمُ } . كَذَا فِي رِوَايَتِنَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ فَالْحَرَمُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَهُوَ الْحَرَمُ الْمَشْهُورُ وَالْمُحْرِمُ اسْمُ فَاعِلٍ مِنْ أَحْرَمَ وَلَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حَذْفٍ يَصِحُّ بِهِ الْمَعْنَى وَلَعَلَّ تَقْدِيرَهُ وَإِحْرَامُ الْمُحْرِمِ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامُ وَهُوَ يَدُلُّ لِلْمُضَافِ الْمَحْذُوفِ الَّذِي قَدَّرْنَاهُ ، وَبَيْنَ مُسْلِمٍ أَنَّ لَفْظَ شَيْخَيْهِ الرَّاوِيَيْنِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ اُخْتُلِفَ عَلَيْهِ . فَقَالَ أَحَدُهُمَا وَهُوَ ابْنُ أَبِي عُمَرَ الْحَرَمِ أَيْ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ كَمَا فِي رِوَايَتِنَا وَقَالَ الْآخَرُ وَهُوَ زُهَيْرُ بْنُ حَرْبٍ الْحُرُمِ بِضَمِّ الْحَاءِ وَالرَّاءِ أَيْ فِي الْمَوَاضِعِ الْحُرُمِ جَمْعُ حَرَامٍ كَمَا قَالَ { وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } . كَذَا بَيَّنَ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ الضَّبْطَيْنِ فَقَالَ وَفِي رِوَايَةٍ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامُ أَيْ فِي حَرَمِ مَكَّةَ وَجَاءَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ فِي الْحُرُمِ وَالْإِحْرَامِ أَيْ فِي الْمَوَاضِعِ الْحُرُمِ جَمْعُ حَرَامٍ كَمَا قَالَ { وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } انْتَهَى . وَلَمْ يَفْهَمْ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ فَقَالَ اخْتَلَفُوا فِي ضَبْطِ الْحَرَمِ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ فَضَبَطَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ أَيْ الْحَرَمِ الْمَشْهُورِ وَهُوَ حَرَمُ مَكَّةَ وَالثَّانِي بِضَمِّ الْحَاءِ وَالرَّاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ غَيْرَهُ قَالَ وَهُوَ جَمْعُ حَرَامٍ كَمَا قَالَ تَعَالَى { وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } . قَالَ وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَوَاضِعُ الْمُحَرَّمَةُ وَالْفَتْحُ أَظْهَرُ انْتَهَى وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ زُهَيْرٍ اخْتِلَافٌ وَاَلَّذِي ضَبَطَهَا بِهِ الْقَاضِي مُتَعَيَّنٌ وَلَوْ كَانَتْ بِالْفَتْحِ لَاتَّحَدَتْ مَعَ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ وَقَدْ بَيَّنَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ الْمُغَايِرَةَ بَيْنَهُمَا وَكَأَنَّ الشَّيْخَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَتَأَمَّلْ لَفْظَ مُسْلِمٍ وَلَا أَوَّلَ كَلَامَ الْقَاضِي وَإِنْ كَانَ أَحَدٌ ضَبَطَ رِوَايَةَ زُهَيْرٍ الْحَرَمِ بِفَتْحِهِمَا فَيَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي عُمَرَ الْحُرُمِ بِضَمِّهِمَا فَإِنَّ مُسْلِمًا رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ صَرَّحَ بِالْمُغَايَرَةِ بَيْنَ لَفْظَيْ شَيْخَيْهِ وَأَنَّ أَحَدَهُمَا قَالَ بِفَتْحِهِمَا وَالْآخَرُ بِضَمِّهِمَا فَرِوَايَةُ ضَمِّهِمَا وَاقِعَةٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِلَا شَكٍّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ { فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ } فَهُوَ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالرَّاءِ بِلَا شَكٍّ . ( الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { خَمْسُ فَوَاسِقَ } . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هُوَ بِإِضَافَةِ خَمْسٍ لَا بِتَنْوِينِهِ وَذَكَرَ فِيهِ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ الْوَجْهَيْنِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى التَّنْوِينِ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ { خَمْسٌ مِنْ الدَّوَابِّ كُلِّهِنَّ فَوَاسِقُ } . وَقَالَ إنَّ رِوَايَةَ الْإِضَافَةِ رُبَّمَا تُشْعِرُ بِالتَّخْصِيصِ وَمُخَالَفَةَ حُكْمِ غَيْرِهَا لَهَا بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ وَرِوَايَةُ التَّنْوِينِ تَقْتَضِي وَصْفَ الْخَمْسِ بِالْفِسْقِ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى وَقَدْ تُشْعِرُ بِأَنَّ الْحُكْمَ الْمُرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ الْقَتْلُ مُعَلَّلٌ بِمَا جُعِلَ وَصْفًا وَهُوَ الْفِسْقُ فَيَقْتَضِي ذَلِكَ التَّيَمُّمُ لِكُلِّ فَاسِقٍ مِنْ الدَّوَابِّ وَهُوَ ضِدُّ مَا اقْتَضَاهُ الْأَوَّلُ مِنْ الْمَفْهُومِ وَهُوَ التَّخْصِيصُ انْتَهَى . ( التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ وَأَمَّا تَسْمِيَتُهُ هَذِهِ الْمَذْكُورَاتُ فَوَاسِقُ فَصَحِيحَةٌ جَارِيَةٌ عَلَى وَفْقِ اللُّغَةِ وَأَصْلُ الْفِسْقِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الْخُرُوجُ وَسُمِّيَ الرَّجُلُ الْفَاسِقُ لِخُرُوجِهِ عَنْ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَطَاعَتِهِ فَسُمِّيَتْ هَذِهِ فَوَاسِقُ لِخُرُوجِهَا بِالْإِيذَاءِ وَالْإِفْسَادِ عَنْ طَرِيقِ مُعْظَمِ الدَّوَابِّ وَقِيلَ لِخُرُوجِهَا عَنْ حُكْمِ الْحَيَوَانِ فِي تَحْرِيمِ قَتْلِهِ فِي الْحَرَمِ وَالْإِحْرَامِ وَقِيلَ فِيهَا أَقْوَالٌ أُخَرُ ضَعِيفَةٌ لَا نَرْتَضِيهَا انْتَهَى وَتَقَدَّمَ مِنْ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ أَنَّهُ قِيلَ لِلرَّاوِي لِمَ قِيلَ لَهَا أَيْ الْفَأْرَةِ الْفُوَيْسِقَةُ ؟ فَقَالَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَيْقَظَ لَهَا وَقَدْ أَخَذَتْ الْفَتِيلَةَ لِتُحْرِقَ بِهَا الْبَيْتَ . ( الْعِشْرُونَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَفِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ دَلَالَةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ فِي أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقْتَلَ فِي الْحَرَمِ كُلُّ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ قَتْلٌ بِقِصَاصِ أَوْ رَجْمٌ بِالزِّنَا أَوْ قَتْلٌ فِي الْمُحَارَبَةِ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَأَنَّهُ يَجُوزُ إقَامَةُ كُلِّ الْحُدُودِ فِيهِ سَوَاءٌ كَانَ مُوجِبُ الْقَتْلِ وَالْحَدِّ جَرَى فِي الْحَرَمِ أَوْ خَارِجَهُ ثُمَّ لَجَأَ صَاحِبُهُ إلَى الْحَرَمِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَآخَرِينَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٌ مَا ارْتَكَبَهُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ يُقَامُ عَلَيْهِ فِيهِ وَمَا فَعَلَهُ خَارِجَهُ ثُمَّ لَجَأَ إلَيْهِ إنْ كَانَ إتْلَافَ نَفْسِ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ بَلْ يُضَيَّقُ عَلَيْهِ وَلَا يُكَلَّمُ وَلَا يُجَالَسُ وَلَا يُبَايَعُ حَتَّى يَضْطَرَّ إلَى الْخُرُوجِ مِنْهُ فَيُقَامَ عَلَيْهِ خَارِجَهُ وَمَا كَانَ دُونَ النَّفْسِ يُقَامُ فِيهِ قَالَ الْقَاضِي رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءٍ وَالشَّعْبِيِّ وَالْحَكَمُ نَحْوُهُ لَكِنَّهُمْ لَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ النَّفْسِ وَدُونِهَا وَحُجَّتُهُمْ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } وَحُجَّتُنَا عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ لِمُشَارَكَةِ فَاعِلِ الْجِنَايَةِ لِهَذِهِ الدَّوَابِّ فِي اسْمِ الْفِسْقِ بَلْ فِسْقُهُ أَفْحَشُ لِكَوْنِهِ مُكَلَّفًا وَلِأَنَّ التَّضْيِيقَ الَّذِي ذَكَرُوهُ لَا يَبْقَى لِصَاحِبِهِ أَمَانٌ فَقَدْ خَالَفُوا ظَاهِرَ مَا فَسَّرُوا بِهِ الْآيَةَ قَالَ الْقَاضِي وَمَعْنَى الْآيَةِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرِينَ أَنَّهُ إخْبَارٌ عَمَّا كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَعَطْفٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ الْآيَاتِ وَقِيلَ : آمَنَ مِنْ النَّارِ ، وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُخَرَّجُ وَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدُّ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَالْحَسَنِ وَمُجَاهِدٍ وَحَمَّادٌ انْتَهَى وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ بَعْدَ ذِكْرِهِ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ وَهَذَا عِنْدِي لَيْسَ بِالْهَيِّنِ وَفِيهِ غَوْرٌ فَلْيُتَنَبَّهْ لَهُ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ) وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ { كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ فَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ { حِينَ يُحْرِمُ } . وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد { وَلِإِحْلَالِهِ } وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ { طَيَّبْت } . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مَنْصُورٍ وَهُوَ ابْنُ زَاذَانَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { كُنْت أُطَيِّبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَيَوْمَ النَّحْرِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ بِطِيبٍ فِيهِ مِسْكٌ } . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { طَيَّبْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيَّ لِحَرَمِهِ وَطَيَّبْته بِمِنًى قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ } . لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُ النَّسَائِيّ { كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ لِحَرَمِهِ وَلِحِلِّهِ وَحِينَ يُرِيدُ أَنْ يَزُورَ الْبَيْتَ } . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيَّ لِحَرَمِهِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ حِينَ حَلَّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ } . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ عُرْوَةَ وَالْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدَيَّ بِذَرِيرَةٍ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ لِلْحِلِّ وَالْإِحْرَامِ } . وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { كُنْت أُطَيِّبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ إحْرَامِهِ بِأَطْيَبِ مَا أَجِدُ } . لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ { بِأَطْيَبِ مَا أَقْدِرُ عَلَيْهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ ثُمَّ يُحْرِمُ } . وَفِي لَفْظٍ لَهُ { سَأَلْت عَائِشَةَ بِأَيِّ شَيْءٍ طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ حَرَمِهِ ؟ قَالَتْ بِأَطْيَبِ الطِّيبِ } . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الرِّجَالِ عَنْ أُمِّهِ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ { طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَرَمِهِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يُفِيضَ بِأَطْيَبِ مَا وَجَدْت } . وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ سَالِمٍ وَهُوَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ إحْرَامِهِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ وَعِنْدَ إحْلَالِهِ قَبْلَ أَنْ يُحِلَّ بِيَدَيَّ } . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَرَمِهِ حِينَ أَحْرَمَ وَلِحِلِّهِ حِينَ أَحَلَّ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ } . لَفْظُ مُسْلِمٍ وَلَفْظُ النَّسَائِيّ { وَلِحِلِّهِ بَعْدَ مَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ } . وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { كُنْت أُطَيِّبُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ حَتَّى أَجِدَ وَبِيصَ الطِّيبِ فِي رَأْسِهِ وَلِحَيَّتِهِ } . لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ يَتَطَيَّبُ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ ثُمَّ أَرَى وَبِيصَ الدُّهْنِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ } . وَلَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا طُرُقٌ أُخْرَى كَثِيرَةٌ وَاقْتَصَرْت عَلَى إيرَادِ هَذِهِ تَحَرِّيًا لِمُتَابَعَةِ الْأَصْلِ فِيمَا أَوْرَدَهُ مِنْ الرِّوَايَاتِ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يُخْتَلَفْ فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَالْأَسَانِيدُ مُتَوَاتِرَةٌ بِهِ وَهِيَ صِحَاحٌ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِر بَعْدَ ذِكْرِهِ جُمْلَةً مِنْ طُرُقِهِ عَنْ عَائِشَةَ فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَوَاتِرَةٌ مُتَظَاهِرَةٌ رَوَاهُ عَنْهَا عُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَعَمْرَةُ وَمَسْرُوقٌ وَعَلْقَمَةُ وَالْأَسْوَدُ وَرَوَاهُ عَنْ هَؤُلَاءِ النَّاسِ الْأَعْلَامُ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّطَيُّبُ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِاسْتِدَامَتِهِ بَعْدَ الْإِحْرَامِ وَلَا يَضُرُّ بَقَاءُ لَوْنِهِ وَرَائِحَتِهِ وَإِنَّمَا يَحْرُمُ فِي الْإِحْرَامِ ابْتِدَاؤُهُ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الصَّحَابَةِ . وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَعَائِشَةَ وَأُمُّ حَبِيبَةَ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَالشَّعْبِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَقَالَ بِهِ النَّوَوِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَدَاوُد وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَعَدَّ مِنْهُمْ غَيْرَ مَنْ قَدَّمْنَا مُعَاوِيَةَ وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ أَقْوَالٌ . وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى مَنْعِ أَنْ يَتَطَيَّبَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِمَا تَبْقَى رَائِحَتُهُ بَعْدَهُ لَكِنَّهُ قَالَ إنْ فَعَلَ فَقَدْ أَسَاءَ وَلَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو الطَّاهِرِ قَوْلًا بِوُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَعَلَّلَهُ بِأَنَّ بَقَاءَ الطِّيبِ كَاسْتِعْمَالِهِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يُكْرَهُ أَنْ يَتَطَيَّبَ قَبْلَ الْإِحْرَامِ بِمَا تَبْقَى عَيْنُهُ بَعْدَهُ وَحَكَاهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَلَا يُعْرَفُ ذَلِكَ فِي مَذْهَبِهِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ كَرَاهَةَ الطِّيبِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَحَكَى أَيْضًا عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَمِمَّنْ كَرِهَ الطِّيبَ لِلْمُحْرِمِ قَبْلَ الْإِحْرَامِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَعُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَعَطَاءٌ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُ وَالزُّهْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ عَلَى اخْتِلَافٍ عَنْهُمْ وَهُوَ اخْتِيَارُ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ إلَّا أَنَّ مَالِكًا كَانَ أَخَفَّهُمْ فِي ذَلِكَ قَوْلًا . ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْهُ قَالَ : وَتَرْكُ الطِّيبِ عِنْدَ الْإِحْرَامِ أَحَبُّ إلَيْنَا انْتَهَى قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ مَا أُحِبُّ أَنْ أُصْبِحَ مُحْرِمًا أَنْضَخُ طِيبًا وَلَيْسَ فِي هَذَا التَّصْرِيحُ بِالْمَنْعِ مِنْهُ انْتَهَى وَتَأَوَّلَ هَؤُلَاءِ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا عَلَى أَنَّهُ تَطَيَّبَ ثُمَّ اغْتَسَلَ بَعْدَهُ فَذَهَبَ الطِّيبُ قَبْلَ الْإِحْرَامِ قَالُوا وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُهَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ { طَيَّبْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ إحْرَامِهِ ثُمَّ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا } . فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنَّمَا تَطَيَّبَ لِمُبَاشَرَةِ نِسَائِهِ ثُمَّ زَالَ بِالْغُسْلِ بَعْدَهُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ نُقِلَ أَنَّهُ كَانَ يَتَطَهَّرُ مِنْ كُلِّ وَاحِدَةٍ قَبْلَ الْأُخْرَى فَلَا يَبْقَى مَعَ ذَلِكَ طِيبٌ وَيَكُونُ قَوْلُهَا ثُمَّ أَصْبَحَ يَنْضَخُ طِيبًا أَيْ قَبْلَ غُسْلِهِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّ ذَلِكَ الطِّيبَ كَانَ ذَرِيرَةً وَهِيَ قَنَاةُ قَصَبِ طِيبٍ يُجَاءُ بِهِ مِنْ الْهِنْدِ وَهِيَ مِمَّا يُذْهِبُهُ الْغُسْلُ ، قَالُوا وَقَوْلُهَا { كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطِّيبِ فِي مُفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ } . الْمُرَادُ بِهِ أَثَرُهُ لَا جُرْمُهُ هَذَا كَلَامُ الْمَالِكِيَّةِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَلَا يُوَافَقُ عَلَيْهِ بَلْ الصَّوَابُ مَا قَالَهُ الْجُمْهُورُ : إنَّ الطِّيبَ مُسْتَحَبٌّ لِلْإِحْرَامِ لِقَوْلِهَا طَيَّبْته لِحَرَمِهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الطِّيبَ لِلْإِحْرَامِ لَا لِلنِّسَاءِ وَيُعَضِّدُهُ قَوْلُهَا { كَأَنَّى أَنْظُرُ إلَى وَبِيضِ الطِّيبِ } وَالتَّأْوِيلُ الَّذِي قَالُوهُ غَيْرُ مَقْبُولٍ لِمُخَالَفَتِهِ الظَّاهِرَ بِلَا دَلِيلٍ يَحْمِلُنَا عَلَيْهِ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى لِسَانِ الذَّاهِبِينَ إلَى اسْتِحْبَابِ الطِّيبِ لِلْإِحْرَامِ لَا مَعْنَى لِحَدِيثِ ابْنِ الْمُنْتَشِرِ يَعْنِي الَّذِي فِيهِ ثُمَّ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِمَّنْ يُعَارَضُ بِهِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ لَوْ كَانَ مَا كَانَ فِي لَفْظِهِ حُجَّةٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ طَوَافُهُ لِغَيْرِ جِمَاعٍ لِيُعْلَمَهُنَّ كَيْفَ يُحْرِمْنَ وَكَيْفَ يَعْمَلْنَ فِي حَجِّهِنَّ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا رَوَاهُ مَنْصُورٌ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { كَانَ يُرَى وَبِيصُ الطِّيبِ فِي مُفَارِقِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَهُوَ مُحْرِمٌ } . قَالُوا وَالصَّحِيحُ فِي حَدِيثِ ابْنِ الْمُنْتَشِرِ مَا رَوَاهُ شُعْبَةُ عَنْهُ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فَقَالَ فِيهِ { فَيَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ ثُمَّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا يَنْضَخُ طِيبًا } . قَالُوا وَالنَّضْخُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ اللَّطْخُ وَالظُّهُورُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ { فِيهِمَا عَيْنَانِ نَضَّاخَتَانِ } . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ فِي رِوَايَتِنَا قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ هُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ وَحِينَ يُحْرِمُ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُرَادَ بِالْإِحْرَامِ هُنَا فِعْلُ الْإِحْرَامِ فَإِنَّ التَّطَيُّبَ فِي الْإِحْرَامِ مُمْتَنِعٌ بِلَا شَكٍّ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَرَادَ الْإِحْرَامَ وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ حِينَ { أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ } . ( الرَّابِعَةُ ) حَقِيقَةُ قَوْلِهَا { كُنْت أُطَيِّبُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } تُطَيِّبُ بَدَنَهُ وَلَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ تَطْيِيبَ ثِيَابِهِ وَقَدْ دَلَّ عَلَى اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِبَدَنِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا { حَتَّى أَجِدَ وَبِيصَ الطِّيبَ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ } . وَقَدْ اتَّفَقَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ عَلَى أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ تَطَيُّبُ الثِّيَابِ عِنْدَ إرَادَةِ الْإِحْرَامِ وَشَذَّ الْمُتَوَلِّي فَحَكَى قَوْلًا بِاسْتِحْبَابِهِ وَصَحَّحَهُ فِي الْمُحَرَّرِ وَالْمِنْهَاجِ وَفِي جَوَازِهِ عِنْدَهُمْ وَالْأَصَحُّ الْجَوَازُ فَإِذَا قُلْنَا بِجَوَازِهِ فَنَزَعَهُ ثُمَّ لَبِسَهُ فَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ وَجْهَانِ صَحَّحَ الْبَغَوِيّ وَغَيْرُهُ الْوُجُوبَ . ( الْخَامِسَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ كَانَ لَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ لِأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَمْ تَكُنْ مَعَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي إحْرَامِهِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً وَهِيَ حَجَّةُ الْوَدَاعِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْمُدَّعَى تَكْرَارُهُ إنَّمَا هِيَ التَّطَيُّبُ لَا الْإِحْرَامُ وَيُمْكِنُ تَكْرِيرُ التَّطَيُّبِ لِأَجْلِ الْإِحْرَامِ مَعَ الْإِحْرَامِ مَرَّةً وَاحِدَةً وَقَدْ صَحَّحَ صَاحِبُ الْمَحْصُولِ أَنَّهَا لَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ عُرْفًا وَلَا لُغَةً وَقَالَ النَّوَوِيُّ إنَّهُ الْمُخْتَارُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَصَحَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّهَا تَقْتَضِيهِ قَالَ ، وَلِهَذَا اسْتَفَدْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِمْ كَانَ حَاتِمٌ يُقْرِي الضَّيْفَ وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَيْهِ عُرْفَا لَا لُغَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى إبَاحَةِ التَّطَيُّبِ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْحَلْقِ وَقَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالطَّوَافِ هُنَا وَإِنَّمَا قُلْنَا بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْحَلْقِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { رَتَّبَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ يَوْمَ النَّحْرِ هَكَذَا فَرَمَى ثُمَّ حَلَقَ ثُمَّ طَافَ } فَلَوْلَا أَنَّ التَّطَيُّبَ كَانَ بَعْدَ الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ لَمَا اقْتَصَرَتْ عَلَى الطَّوَافِ فِي قَوْلِهَا قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَالْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا مَالِكًا فَكَرِهَهُ قَبْلَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إلَى هَذَا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْكُوفَةِ ، انْتَهَى وَهَذَا الَّذِي حَكَاهُ عَنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ لَيْسَ بِمَعْرُوفٍ عَنْهُمْ وَفِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ كَالْهِدَايَةِ وَغَيْرِهَا الْجَزْمُ بِحِلِّ الطِّيبِ قَبْلَ الطَّوَافِ ثُمَّ إنَّ مَالِكًا مَعَ قَوْلِهِ بِاسْتِمْرَارِ تَحْرِيمِ الطِّيبِ يَقُولُ إنَّهُ لَا فِدْيَةَ عَلَيْهِ لَوْ تَطَيَّبَ بِخِلَافِ الصَّيْدِ فَإِنَّهُ مَمْنُوعٌ مِنْهُ عِنْدَهُ قَبْلَ الطَّوَافِ كَالطِّيبِ عِنْدَهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَيَقُولُ بِلُزُومِ الْفِدْيَةِ لَوْ اصْطَادَ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْكُوفَةِ الْقَوْلُ بِتَحْرِيمِ الطِّيبِ قَبْلَ الطَّوَافِ وَبِلُزُومِ الْفِدْيَةِ لَوْ تَطَيَّبَ وَهُوَ الْقِيَاسُ أَعْنِي لُزُومَ الْفِدْيَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّحْرِيمِ وَبِالْفِدْيَةِ يَقُولُ الشَّافِعِيَّةُ تَفْرِيعًا عَلَى قَوْلٍ شَاذٍّ حَكَاهُ بَعْضُهُمْ أَنَّ الطِّيبَ يَسْتَمِرُّ تَحْرِيمُهُ إلَى أَنْ يَطُوفَ وَأَنْكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ هَذَا الْقَوْلَ وَقَطَعُوا بِجَوَازِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَوَقُّفِ حِلِّ الطِّيبِ قَبْلَ الطَّوَافِ عَلَى الرَّمْيِ وَالْحَلْقِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ وَهُوَ أَشْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَأَصَحُّهُمَا فَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى قَوْلِهِ لِلْآخَرِ أَنَّهُ لَيْسَ بِنُسُكٍ حَلَّ الطِّيبُ بِمُجَرَّدِ الرَّمْيِ وَإِنْ لَمْ يَحْلِقْ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِنُسُكِ غَيْرُ الشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَلَكِنْ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ عَطَاءٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي يُوسُفَ أَيْضًا انْتَهَى وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ مَذْكُورَةٌ فِي مُخْتَصَرَاتِ كُتُبِ الْحَنَابِلَةِ . ( الثَّامِنَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِقَوْلِهَا لِحِلِّهِ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ عَلَى أَنَّهُ حَصَلَ لَهُ تَحَلُّلٌ قَبْلَ الطَّوَافِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَيُوَافِقُهُ كَلَامُهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَإِنَّهُ أَوْرَدَ فِيهِ مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُد حَدِيثَ أُمِّ سَلَمَةَ مَرْفُوعًا { فَإِذَا أَمْسَيْتُمْ قَبْلَ أَنْ تَطُوفُوا هَذَا الْبَيْتَ صِرْتُمْ حُرُمًا كَهَيْئَتِكُمْ قَبْلَ أَنْ تَرْمُوا الْجَمْرَةَ حَتَّى تَطُوفُوا بِهِ } . وَقَالَ إنَّهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثُمَّ حَكَى عَنْ الْبَيْهَقِيّ أَنَّهُ قَالَ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِهِ ، ثُمَّ قَالَ النَّوَوِيُّ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مَنْسُوخًا دَلَّ الْإِجْمَاعُ عَلَى نَسْخِهِ فَإِنَّ الْإِجْمَاعَ لَا يَنْسَخُ وَلَا يُنْسَخُ لَكِنْ يَدُلُّ عَلَى نَاسِخٍ ( قُلْت ) وَكَذَا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ يُشْبِهُ إنْ كَانَ قَدْ حَفِظَهُ ابْنُ يَسَارٍ صَارَ مَنْسُوخًا وَيُسْتَدَلُّ بِالْإِجْمَاعِ فِي جَوَازِ لُبْسِ الْمَخِيطِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ عَلَى نَسْخِهِ انْتَهَى لَكِنَّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ مَوْجُودٌ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْإِشْرَافِ لَمَّا حَكَى الْخِلَافَ فِيمَا أُبِيحَ لِلْحَاجِّ بَعْدَ الرَّمْيِ وَقَبْلَ الطَّوَافِ وَفِيهِ قَوْلٌ خَامِسٌ وَهُوَ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا رَمَى الْجَمْرَةَ يَكُونُ فِي ثَوْبَيْهِ حَتَّى يَطُوفَ بِالْبَيْتِ . كَذَلِكَ قَالَ أَبُو قِلَابَةَ وَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ مَنْ أَخَّرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ يَوْمَ النَّحْرِ إلَى يَوْمِ النَّفْرِ فَإِنَّهُ لَا يَلْبَسُ الْقَمِيصَ وَلَا الْعِمَامَةَ وَلَا يَتَطَيَّبُ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَطَاءٍ وَالثَّوْرِيُّ انْتَهَى . وَإِذَا قُلْنَا بِقَوْلِ الْجُمْهُورِ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي كَيْفِيَّةِ ذَلِكَ التَّحَلُّلِ فَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ حَلَّ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ وَلَيْسَ لِلْحَجِّ إلَّا تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ ، فَيُبَاحُ لَهُ سَائِرُ الْمُحَرَّمَاتُ عَلَى الْمُحْرِمِ إلَّا الْجِمَاعَ فَإِنَّهُ مُسْتَمِرُّ التَّحْرِيمِ إلَى أَنْ يَطُوفَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ إحْرَامِهِ بَلْ انْقَضَى إحْرَامُهُ كُلُّهُ وَلَكِنَّ الْجِمَاعَ مُحَرَّمٌ عَلَى مَنْ هُوَ فِي الْحَجِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا وَمَا دَامَ يَبْقَى مِنْ فَرَائِضِ الْحَجِّ شَيْءٌ فَهُوَ يُعَدُّ فِي الْحَجِّ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ شَيْخُ الْعِرَاقِيِّينَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ لَيْسَ لِلْحَجِّ إلَّا تَحَلُّلٌ وَاحِدٌ فَإِذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ زَالَ إحْرَامُهُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ حَتَّى يَحْلِقَ وَيَطُوفَ كَمَا أَنَّ الْحَائِضَ إذَا انْقَطَعَ دَمُهَا زَالَ الْحَيْضُ وَبَقِيَ حُكْمُهُ وَهُوَ تَحْرِيمُ وَطِئَهَا حَتَّى تَغْتَسِلَ . حَكَاهُ عَنْهُ صَاحِبُهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَقَالَ هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الطَّوَافَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْحَجِّ فَكَيْفَ يَزُولُ الْإِحْرَامُ وَبَعْضُ الْأَرْكَانِ بَاقٍ وَهَذَانِ الْقَائِلَانِ وَإِنْ اتَّفَقَا عَلَى تَحَلُّلٍ وَاحِدٍ فَقَدْ اخْتَلَفَا فِي ذَلِكَ التَّحَلُّلِ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ هُوَ بِمَا سَنَحْكِيهِ بَعْدَ هَذَا عَنْ الشَّافِعِيَّةِ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ هُوَ دُخُولُ وَقْتِ الرَّمْي بِطُلُوعِ الشَّمْسِ يَوْمَ النَّحْرِ فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الرَّمْيِ حَلَّ الْمُحْرِمُ سَوَاءٌ رَمَى أَوْ لَمْ يَرْمِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صَحَّ عَنْهُ جَوَازُ تَقْدِيمِ الطَّوَافِ وَالذَّبْحِ وَالرَّمْيِ وَالْحَلْقِ بَعْضُهَا عَلَى بَعْضٍ فَإِذَا دَخَلَ وَقْتُهَا بَطَلَ الْإِحْرَامُ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ شَيْئًا مِنْهَا وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ أَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ . فَقَالَ إذَا دَخَلَ وَقْتُ الرَّمْيِ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ وَإِنْ لَمْ يَرْمِ وَحَكَى صَاحِبُ التَّقْرِيبِ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّا إذَا لَمْ نَجْعَلْ الْحَلْقَ نُسُكًا حَصَلَ لَهُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِمُجَرَّدِ طُلُوعِ الْفَجْرِ يَوْمَ النَّحْرِ وَقَائِلَا هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ لَا يُوَافِقَانِ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى أَنَّ لِلْحَجِّ تَحَلُّلًا وَاحِدًا فَمَقَالَتُهُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ أَمْرَيْنِ قَالَ بِكُلٍّ مِنْهُمَا بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَلَا نَعْلَمُ لَهُ سَلَفًا فِي مَجْمُوعِ مَقَالَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ مِنْ أَصْحَابِ الْمَذَاهِبِ الْأَرْبَعَةِ لِلْحَجِّ تَحَلُّلَانِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا فِيمَا يَحْصُلُ بِهِ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ إنْ قُلْنَا إنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِفِعْلِ أَمْرَيْنِ مِنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ وَهِيَ رَمْيُ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْحَلْقُ وَطَوَافُ الْإِفَاضَةِ مَعَ سَعْيِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ سَعَى عَقِبَ طَوَافِ الْقُدُومِ فَإِذَا فَعَلَ اثْنَيْنِ مِنْهَا أَيُّ اثْنَيْنِ كَانَا حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ الْحَلْقَ لَيْسَ نُسُكًا حَصَلَ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِوَاحِدٍ مِنْ الرَّمْيِ وَالطَّوَافِ فَأَيُّهُمَا فَعَلَهُ أَوَّلًا حَلَّ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ وَعِنْدَ أَصْحَابِنَا يَجُوزُ تَقْدِيمُ بَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ عَلَى بَعْضٍ وَتَرْتِيبُهَا بِتَقْدِيمِ الرَّمْيِ ثُمَّ الْحَلْقِ ثُمَّ الطَّوَافِ مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ . قَالُوا وَلَوْ لَمْ يَرْمِ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ حَتَّى خَرَجَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ فَاتَ الرَّمْيُ وَلَزِمَهُ دَمٌ وَيَصِيرُ كَأَنَّهُ رَمَى بِالنِّسْبَةِ لِحُصُولِ التَّحَلُّلِ بِهِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ الرَّافِعِيِّ وَالنَّوَوِيِّ أَنَّهُ يَتَوَقَّفُ تَحَلُّلُهُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِبَدَلِهِ لَكِنْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى خِلَافِهِ وَحَكَى الرَّافِعِيُّ وَجْهًا شَاذًّا أَنَّهُ يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِالرَّمْيِ وَحْدَهُ أَوْ الطَّوَافِ وَحْدَهُ وَلَوْ قُلْنَا الْحَلْقُ نُسُكٌ وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ يَحْصُلُ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ بِالرَّمْيِ وَالْحَلْقِ . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ لِلْحَجِّ تَحَلُّلَانِ يَحْصُلُ أَحَدُهُمَا بِرَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَالْآخَرُ بِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَلَوْ قَدَّمَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ عَلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ : يُجْزِئُهُ وَعَلَيْهِ هَدْيٌ وَعَنْ مَالِكٍ أَيْضًا لَا يُجْزِئُهُ وَهُوَ كَمَنْ لَمْ يُفِضْ وَقَالَ أَصْبَغُ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِيدَ الْإِفَاضَةَ وَهُوَ فِي يَوْمِ النَّحْرِ آكَدُ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ إنَّ التَّحَلُّلَ الْأَوَّلَ بِالْحَلْقِ خَاصَّةً دُونَ الرَّمْيِ وَالطَّوَافِ فَلَيْسَا مِنْ أَسْبَابِ التَّحَلُّلِ وَفَرَّقُوا بِأَنَّ التَّحَلُّلَ هُوَ الْجِنَايَةُ فِي غَيْرِ أَوَانِهَا وَذَلِكَ مُخْتَصٌّ بِالْحَلْقِ وَأَمَّا ذَبْحُ الْهَدْيِ فَلَيْسَ مِمَّا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ التَّحَلُّلُ إلَّا أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ وَالْحَنَابِلَةَ قَالُوا إنَّ الْمُتَمَتِّعَ إذَا كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ لَا يَحِلُّ مِنْ عُمْرَتِهِ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ يَوْمَ النَّحْرِ وَقَدْ قَدَّمْت بَيَانَ ذَلِكَ وَمُخَالَفَةَ الْجُمْهُورِ لَهُمْ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ فِي الْكَلَامِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ وَالْعَمَلِ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِمْ يَرَوْنَ أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ يَوْمَ النَّحْرِ وَذَبَحَ وَحَلَقَ أَوْ قَصَّرَ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ حُرِّمَ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءَ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : فِيهِ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ الْمَذْكُورِينَ لَا يَتَوَقَّفُ عِنْدَهُمْ التَّحَلُّلُ الْأَوَّلُ عَلَى الذَّبْحِ ثُمَّ حَكَى مَقَالَةَ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي الْمُتَمَتِّعِ الَّذِي سَاقَ الْهَدْيَ وَقَدْ تَقَدَّمَتْ ا هـ . وَقَالَ شَيْخُنَا الْإِمَام جَمَالُ الدِّينِ الْإِسْنَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْمُهِمَّاتِ : اتَّفَقَ الْأَصْحَابُ عَلَى أَنَّهُ لَا مَدْخَلَ لِلذَّبْحِ فِي التَّحَلُّلِ ( قُلْت ) يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ مَا أَجَابَ بِهِ أَصْحَابُنَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحِ { مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ } فَقَالُوا تَقْدِيرُهُ وَمَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ وَأَهْدَى فَلِيُهْلِلْ بِالْحَجِّ وَلَا يَحِلَّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ وَقَدْ قَدَّمْته فِي الْبَابِ قَبْلَهُ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ حَفْصَةَ وَمِمَّنْ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ انْتَهَى وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ الْحَاجَّ لَا يَحِلُّ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ وَفِي سُنَنِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا رَمَيْتُمْ وَحَلَقْتُمْ وَذَبَحْتُمْ فَقَدْ حَلَّ لَكُمْ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ } . لَكِنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ مَدَارُهُ عَلَى الْحَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَمَعَ ذَلِكَ فَاضْطَرَبَ فِي إسْنَادِهِ وَلَفْظِهِ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظِ { إذَا رَمَى أَحَدُكُمْ جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ فَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ } وَمُقْتَضَى كَلَامِ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ذِكْرَ الْحَلْقِ أَيْضًا وَلَيْسَ كَذَلِكَ . ( الْأَمْرُ الثَّانِيَ ) فِيمَا يَحِلُّ بِالتَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ وَقَدْ اتَّفَقَ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّهُ يَحِلُّ بِهِ مَا عَدَا الْجِمَاعَ وَمُقَدِّمَاتِهِ وَعَقْدَ النِّكَاحِ وَالصَّيْدَ وَالطِّيبَ وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَحِلُّ الْجِمَاعُ وَاخْتَلَفُوا فِي بَقِيَّةِ هَذِهِ الْأُمُورِ فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ يَحِلُّ الصَّيْدُ وَالطِّيبُ وَاخْتَلَفُوا فِي عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْمُبَاشَرَةِ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ وَفِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحُّهُمَا التَّحْرِيمُ كَذَا صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَنَقَلَهُ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ أَنَّ الْقَائِلِينَ بِهِ أَكْثَرُ عَدَدًا وَقَوْلُهُمْ أَوْفَقُ لِظَاهِرِ النَّصِّ فِي الْمُخْتَصَرِ لَكِنَّهُ صَحَّحَ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ الْحِلَّ وَاقْتَضَى كَلَامُهُ فِي الْمُحَرَّرِ التَّفْصِيلَ بَيْنَ الْمَسْأَلَتَيْنِ فَصَرَّحَ بِإِبَاحَةِ عَقْدِ النِّكَاحِ بِالْأَوَّلِ وَجَعَلَ الْمُبَاشَرَةَ دَاخِلَةً فِيمَا يَحِلُّ بِالثَّانِي وَكَلَامُ الْحَنَابِلَةِ مُوَافِقٌ لِلْمُرَجَّحِ عِنْدَنَا وَعِبَارَةُ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُحَرَّرِ ثُمَّ قَدْ حَلَّ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ وَعَنْهُ يَحِلُّ إلَّا مِنْ الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ وَكَذَا مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَقَدْ حَلَّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ ثُمَّ قَالَ وَلَا يَحِلُّ الْجِمَاعُ فِيمَا دُونَ الْفَرْجِ عِنْدَنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ فَنَصَبَ الْخِلَافَ مَعَهُ عَلَى أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَأَمَّا عَقْدُ النِّكَاحِ فَهُوَ جَائِزٌ عِنْدَهُمْ فِي الْإِحْرَامِ وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ يَسْتَمِرُّ تَحْرِيمُ النِّسَاءِ وَالصَّيْدِ وَالطِّيبِ إلَّا أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا فِي الصَّيْدِ الْجَزَاءَ وَلَمْ يُوجِبُوا فِي الطِّيبِ الْفِدْيَةَ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ وَهَذَا عَجَبٌ فَإِنْ احْتَجُّوا بِالْأَثَرِ الْوَارِدِ فِي تَطْيِيبِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ ( قُلْنَا ) لَا يَخْلُو هَذَا الْآثَرُ مِنْ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا فَفَرَضَ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُخَالِفُوهُ وَقَدْ خَالَفْتُمُوهُ أَوْ غَيْرُ صَحِيحٍ فَلَا تُرَاعُوهُ وَأَوْجِبُوا الْفِدْيَةَ عَلَى مَنْ تَطَيَّبَ كَمَا أَوْجَبْتُمُوهَا عَلَى مَنْ تَصَيَّدَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رَاعَى مَالِكٌ الِاخْتِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَمْ يَرَ الْفِدْيَةَ عَلَى مَنْ تَطَيَّبَ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ وَقَبْلَ الْإِفَاضَةِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ اعْتَذَرَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِادِّعَاءِ خُصُوصِيَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ ( قُلْنَا ) الْأَصْلُ التَّشْرِيعُ وَعَدَمُ التَّخْصِيصِ وَالْقَوْلُ بِالتَّخْصِيصِ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَلَيْسَ ثَمَّ دَلِيلٌ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ قَالُوا الطِّيبُ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الْجِمَاعِ وَالدَّوَاعِي إلَيْهِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْلِكُ إرْبَهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ { وَأَيُّكُمْ يَمْلِكُ إرْبَهُ كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْلِكُ إرْبَهُ } وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِيمَا أُبِيحَ لِلْحَاجِّ بَعْدَ رَمْيِ جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ قَبْلَ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَعَائِشَةُ وَعَلْقَمَةُ وَسَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَطَاوُسٌ وَالنَّخَعِيُّ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَسَنٍ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ وَرَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَابْنُ عُمَرَ يَحِلُّ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَقَالَ مَالِكٌ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ وَالطِّيبَ وَالصَّيْدَ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَنْ إِسْحَاقَ فَذَكَرَ إِسْحَاقُ بْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ مَا ذَكَرْنَاهُ وَذَكَرَ أَبُو دَاوُد الْخَفَّافُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ يَحِلُّ لَهُ كُلُّ شَيْءٍ إلَّا النِّسَاءَ وَالصَّيْدَ ثُمَّ قَالَ وَفِيهِ قَوْلٌ خَامِسٌ فَذَكَرَ كَلَامَهُ الَّذِي قَدَّمْته فِي صَدْرِ هَذِهِ الْفَائِدَةِ التَّاسِعَةُ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الطِّيبِ بَعْدَ التَّحَلُّلِ الْأَوَّلِ قَبْلَ الطَّوَافِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ لَفْظُ كَانَ مِنْ تَكْرِيرِ ذَلِكَ وَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَتَابَعَهُ أَصْحَابُهُ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الطِّيبِ مُطْلَقًا لِأَنَّهُ إذَا فَعَلَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا الشُّعْثُ فَغَيْرُهَا أَوْلَى . ( الْعَاشِرَةُ ) وَفِيهِ طَهَارَةُ الْمِسْكِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ إلَّا فِي قَوْلٍ شَاذٍّ لَا يُعْتَدُّ بِهِ . بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُقْتُلُوهُ . قَالَ مَالِكٌ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ : وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا } وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ } ( بَابُ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ) عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ فَلَمَّا نَزَعَهُ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ابْنُ خَطَلٍ مُتَعَلِّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اُقْتُلُوهُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحْرِمًا } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ . ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ مِنْ طَرِيقِ جَمَاعَةٍ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ لَا نَعْرِفُ كَبِيرًا قَدْ رَوَاهُ غَيْرُ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا يَثْبُتُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إسْنَادٌ غَيْرُ حَدِيثِ مَالِكٍ وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ وَاحْتَاجَ إلَيْهِ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ وَمِنْ أَجْلِ مَا رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ انْتَهَى وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَرَدَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ غَيْرِ طَرِيقِ مَالِكٍ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ وَأَبِي أُوَيْسٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَامِرٍ وَمَعْمَرٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ كُلِّهِمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَرِوَايَةُ ابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ رَوَاهَا أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ وَرِوَايَةُ أَبِي أُوَيْسٍ رَوَاهَا ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ وَابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ فِي تَرْجَمَةِ أَبِي أُوَيْسٍ وَرِوَايَةُ مَعْمَرٍ ذَكَرَهَا ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ وَرِوَايَةُ الْأَوْزَاعِيِّ ذَكَرَهَا الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ قَالَ وَقَدْ يَثْبُتُ ذَلِكَ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ وَرَوَى ابْنُ مُسْدِي فِي مُعْجَمِ شُيُوخِهِ أَنَّ أَبَا بَكْرِ بْنَ الْعَرَبِيِّ قَالَ لِأَبِي جَعْفَرِ بْنِ الْمُرَخِّي حِينَ ذَكَرَ أَنَّهُ لَا يُعْرَفُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَدْ رَوَيْتُهُ مِنْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ طَرِيقًا غَيْرِ طَرِيقِ مَالِكٍ فَقَالُوا لَهُ أَفِدْنَا هَذِهِ الْفَوَائِدَ فَوَعَدَهُمْ وَلَمْ يُخْرِجْ لَهُمْ شَيْئًا ، ثُمَّ تَعَقَّبَ ابْنُ مُسْدِي هَذِهِ الْحِكَايَةَ بِأَنَّ شَيْخَهُ فِيهَا وَهُوَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْعَشَّابُ كَانَ مُتَعَصِّبًا عَلَى ابْنِ الْعَرَبِيِّ لِكَوْنِهِ كَانَ مُتَعَصِّبًا عَلَى ابْنِ حَزْمٍ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى . وَقَالَ الْحَافِظُ أَبُو دُرٍّ عَبْدُ بْنُ أَحْمَدَ الْهَرَوِيُّ لَمْ يَرْوِ حَدِيثَ الْمِغْفَرِ عَنْ الزُّهْرِيِّ إلَّا مَالِكٌ وَحْدَهُ قَالَ وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ صَالِحُ بْنُ أَبِي الْأَخْضَرِ وَلَيْسَ صَالِحٌ بِذَاكَ ، وَزَادَ فِيهِ { وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ } ا هـ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رَوَاهُ رَوْحُ بْنُ عُبَادَةَ عَنْ مَالِكٍ وَزَادَ فِيهِ { وَطَافَ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ } وَلَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ قَالَ وَرَوَاهُ عَنْهُ جَعْفَرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمَدَنِيُّ وَزَادَ فِيهِ { وَاسْتَلَمَ الْحَجَرَ بِمِحْجَنٍ } وَهَذَا أَيْضًا لَمْ يَقُلْهُ عَنْ مَالِكٍ غَيْرُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ { فِيهِ مِغْفَرٌ مِنْ حَدِيدٍ } رَوَاهُ بُسْرُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَالِكٍ انْتَهَى . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ { وَلَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا } كَذَا فِي الْمُوَطَّإِ وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي الْمَغَازِي عَقِبَ هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ مَالِكٌ وَلَمْ يَكُنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا نَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ يَوْمَئِذٍ مُحْرِمًا وَهُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ ثَمَّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ قَزَعَةَ عَنْهُ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { دَخَلَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ } . ( الثَّالِثَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَذَلِكَ مِنْ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ مَسْتُورَ الرَّأْسِ بِالْمِغْفَرِ وَالْمُحْرِمُ يَجِبُ عَلَيْهِ كَشْفُ رَأْسِهِ وَمِنْ تَصْرِيحِ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالزُّهْرِيِّ وَمَالِكٍ بِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا وَأَبْدَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ فِي سَتْرِ الرَّأْسِ احْتِمَالًا فَقَالَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِعُذْرٍ انْتَهَى وَيَرُدُّهُ تَصْرِيحُ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ وَهَذَا الِاسْتِدْلَال فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْخِلَافِ الْمَشْهُورِ مِنْ وَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ خَائِفًا مِنْ الْقَتْلِ مُتَأَهِّبًا لَهُ وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَلَهُ الدُّخُولُ بِلَا إحْرَامٍ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَنَا وَلَا عِنْدَ أَحَدٍ نَعْلَمُهُ وَقَدْ اسْتَشْكَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ذَلِكَ بِأَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ أَنَّ مَكَّةَ فُتِحَتْ صُلْحًا خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ إنَّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَحِينَئِذٍ فَلَا خَوْفَ ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ { بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صَالَحَ أَبَا سُفْيَانَ وَكَانَ لَا يَأْمَنُ غَدْرَ أَهْلِ مَكَّةَ فَدَخَلَهَا صُلْحًا وَهُوَ مُتَأَهِّبٌ لِلْقِتَالِ إنْ غَدَرُوا } ( ثَانِيهِمَا ) أَنَّ أَصْحَابَنَا عَدُّوا مِنْ خَصَائِصِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَوَازُ دُخُولِ مَكَّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ مُطْلَقًا ذَكَرَهُ ابْنُ الْقَاصِّ وَغَيْرُهُ فَأَمَّا غَيْرُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ خَائِفًا فَقَالَ أَصْحَابُنَا إنْ لَمْ يَكُنْ يَتَكَرَّرُ دُخُولُهُ فَفِي وُجُوبِ الْإِحْرَامِ عَلَيْهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ أَنَّهُ لَا يَجِبُ وَقَطَعَ بِهِ بَعْضُهُمْ فَإِنْ تَكَرَّرَ دُخُولُهُ كَالْحَطَّابِينَ وَنَحْوِهِمْ فَفِيهِ خِلَافٌ مُرَتَّبٌ وَأَوْلَى بِعَدَمِ الْوُجُوبِ وَهُوَ الْمَذْهَبُ وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ بِوُجُوبِ الْإِحْرَامِ إلَّا عَلَى الْخَائِفِ وَأَصْحَابِ الْحَاجَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ وَلَمْ يُوجِبْهُ بَعْضُهُمْ وَعَنْ أَحْمَدَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَأَوْجَبَهُ الْمَالِكِيَّةُ فِي الْمَشْهُورِ عِنْدَهُمْ عَلَى غَيْرِ ذَوِي الْحَاجَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ وَلَمْ أَرَهُمْ اسْتَثْنَوْا الْخَائِفَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ لَا يُنَازِعُونَ فِي اسْتِثْنَائِهِ فَهُوَ أَوْلَى بِعَدَمِ الْوُجُوبِ مِنْ ذَوِي الْحَاجَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ وَذَهَبَ أَبُو مُصْعَبٍ إلَى عَدَمِ وُجُوبِهِ وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا مِثْلُ رِوَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ حَكَاهُمَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَأَوْجَبَهُ الْحَنَفِيَّةُ مُطْلَقًا وَلَمْ أَرَهُمْ اسْتَثْنَوْا مِنْ ذَلِكَ إلَّا مَنْ كَانَ دَاخِلَ الْمِيقَاتِ فَلَمْ يُوجِبُوا عَلَيْهِ الْإِحْرَامَ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمْ أَيْضًا لَا يُنَازِعُونَ فِي الْخَائِفِ بَلْ وَلَا فِي ذَوِي الْحَاجَاتِ الْمُتَكَرِّرَةِ وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحُوا بِاسْتِثْنَائِهِمْ فَإِنَّهُمْ عَلَّلُوا مَنْعَ الْوُجُوبِ فِيمَنْ هُوَ دَاخِلُ الْمِيقَاتِ بِأَنَّهُ يَكْثُرُ دُخُولُهُمْ مَكَّةَ وَفِي إيجَابِ الْإِحْرَامِ كُلَّ مَرَّةٍ حَرَجٌ بَيِّنٌ فَصَارُوا كَأَهْلِ مَكَّةَ حَيْثُ يُبَاحُ لَهُمْ الْخُرُوجُ مِنْهَا ثُمَّ دُخُولُهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ لَكِنْ مُقْتَضَى كَلَامِ ابْنِ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي مُنَازَعَتُهُمْ فِي هَاتَيْنِ الصُّورَتَيْنِ أَيْضًا وَقَدْ تَحَرَّرَ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ عَدَمُ الْوُجُوبِ مُطْلَقًا وَمِنْ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ الْوُجُوبُ إلَّا فِيمَا يُسْتَثْنَى وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَعَدَمُ الْوُجُوبِ مَحْكِيٌّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَبِهِ قَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَزَعَمَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ انْفِرَادَهُمَا بِذَلِكَ مِنْ بَيْنِ السَّلَفِ وَأَنَّ الْمَشْهُورَ عَنْ الشَّافِعِيِّ الْوُجُوبُ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ وَذَهَبَ إلَى عَدَمِ الْوُجُوبِ أَيْضًا دَاوُد وَابْنُ حَزْمٍ وَسَائِرُ أَهْلِ الظَّاهِرِ . ( الرَّابِعَةُ ) الْمِغْفَرُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ وَيُقَالُ لَهُ مِغْفَرَةٌ بِزِيَادَةِ هَاءِ التَّأْنِيثِ آخِرَهُ وَهُوَ زَرَدٌ يُنْسَجُ مِنْ الدُّرُوعِ عَلَى قَدْرِ الرَّأْسِ يُلْبَسُ تَحْتَ الْقَلَنْسُوَةِ حَكَاهُ فِي الصِّحَاحِ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ وَصَدَّرَ بِهِ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ كَلَامَهُ ثُمَّ قَالَ وَقِيلَ هُوَ رَفْرَفُ الْبَيْضَةِ وَقِيلَ هُوَ حَلَقٌ يَتَقَنَّعُ بِهِ الْمُتَسَلِّحُ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ هُوَ مَا يُجْعَلُ مِنْ فَضْلِ دِرْعِ الْحَدِيدِ عَلَى الرَّأْسِ مِثْلُ الْقَلَنْسُوَةِ وَالْخِمَارِ . ( الْخَامِسَةُ ) يُسْأَلُ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ { وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ } وَقَدْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَنَّ أَوَّلَ دُخُولِهِ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ الْمِغْفَرُ ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ عَلَى رَأْسِهِ الْعِمَامَةُ بَعْدَ إزَالَةِ الْمِغْفَرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ { خَطَبَ النَّاسَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ } لِأَنَّ الْخُطْبَةَ إنَّمَا كَانَتْ عِنْدَ بَابِ الْكَعْبَةِ بَعْدَ تَمَامِ فَتْحِ مَكَّةَ ( قُلْت ) وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْعِمَامَةَ السَّوْدَاءَ كَانَتْ فَوْقَ الْمِغْفَرِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ فِي الْجَمْعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) فِي دُخُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَكَّةَ بِآلَةِ الْحَرْبِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْقِتَالِ بِهَا وَذَلِكَ فِيمَا إذَا الْتَجَأَ إلَيْهَا طَائِفَةٌ مِنْ الْكُفَّارِ الْحَرْبِيِّينَ أَوْ الْبُغَاةِ أَوْ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الْجَزْمُ بِجَوَازِهِ وَحَكَى الْقَفَّالُ وَالْمَاوَرْدِيُّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا . ( السَّابِعَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِقَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ عَلَى جَوَازِ إقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فِي حَرَمِ مَكَّةَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى مَنْعِهِ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَحَكَى عَنْهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ تَفْصِيلًا وَهُوَ أَنَّهُ إنْ وَجَبَ عَلَيْهِ خَارِجَ الْحَرَمِ فَدَخَلَهُ لَمْ يُقْتَلْ فِيهِ وَيُقَامُ عَلَيْهِ مَا دُونَ الْقَتْلِ ، وَإِنْ وَجَبَ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ بِأَنْ قَتَلَ فِيهِ أَوْ زَنَى فِيهِ أُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَتَأَوَّلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ قَتَلَهُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي أُبِيحَتْ لَهُ وَأَجَابَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهَا إنَّمَا أُبِيحَتْ لَهُ سَاعَةَ الدُّخُولِ حَتَّى اسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَأَذْعَنَ أَهْلُهَا وَإِنَّمَا قَتَلَ ابْنَ خَطَلٍ بَعْدَ ذَلِكَ . ( الثَّامِنَةُ ) ابْنُ خَطَلٍ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ لَامٌ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْعُزَّى وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ اسْمُهُ عَبْدُ اللَّهِ وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ اسْمُهُ غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ مَنَافِ بْنِ أَسْعَدَ بْنِ جَابِرِ بْنِ كَثِيرِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ تَيْمِ ابْنِ غَالِبٍ انْتَهَى وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ تَسْمِيَتَهُ هِلَالًا وَقَالَ السُّهَيْلِيُّ وَقَدْ قِيلَ هِلَالٌ كَانَ أَخَاهُ وَكَانَ يُقَالُ لَهُمَا الْخَطَلَانِ انْتَهَى قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ أَهْلُ السِّيَرِ وَقَتَلَهُ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ وَجَزَمَ ابْنُ طَاهِرٍ فِي مُبْهَمَاتِهِ بِأَنَّ الَّذِي قَتَلَهُ أَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ قَتَلَهُ سَعِيدُ بْنُ حُرَيْثٍ وَأَبُو بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيُّ اشْتِرَاكًا فِي دَمِهِ ( التَّاسِعَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ إنَّمَا قَتَلَهُ لِأَنَّهُ كَانَ قَدْ ارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ وَقَتَلَ مُسْلِمًا كَانَ يَخْدُمُهُ وَكَانَ يَهْجُو النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسُبُّهُ وَكَانَتْ لَهُ قَيْنَتَانِ تُغَنِّيَانِ بِهِجَاءِ الْمُسْلِمِينَ انْتَهَى قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَهَذَا الْقَتْلُ قَوَدٌ مِنْ دَمِ مُسْلِمٍ وَكَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَمْ يُنَفِّذْ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَمَانَ وَقَتَلَهُ بِحَقِّ مَا جَنَاهُ فِي الْإِسْلَامِ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فَإِنْ قِيلَ فَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ { مَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ } فَكَيْفَ قَتَلَهُ وَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِالْأَسْتَارِ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْأَمَانِ بَلْ اسْتَثْنَاهُ هُوَ وَابْنُ أَبِي سَرْحٍ وَالْقَيْنَتَيْنِ وَأَمَرَ بِقَتْلِهِ وَإِنْ وُجِدَ مُعَلَّقًا بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ كَمَا جَاءَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ وَقِيلَ لِأَنَّهُ مِمَّنْ لَمْ يَفِ بِالشَّرْطِ بَلْ قَاتَلَ بَعْدَ ذَلِكَ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ زَعَمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ هَذَا أَصْلٌ فِي قَتْلِ الذِّمِّيِّ إذَا سَبَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ ابْنَ خَطَلٍ كَانَ حَرْبِيًّا فِي دَارِ الْحَرْبِ لَمْ يُدْخِلْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمَانِهِ لِأَهْلِ مَكَّةَ بَلْ اسْتَثْنَاهُ وَقَوْمًا مَعَهُ مِنْ ذَلِكَ الْأَمَانِ ، وَخَرَجَ أَمْرُهُ بِقَتْلِهِ مَعَ الْأَمَانِ لِأَهْلِ مَكَّةَ مَخْرَجًا وَاحِدًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ بِذَلِكَ وَرَدَتْ الْآثَارُ وَهُوَ مَعْرُوفٌ عِنْدَ أَهْلِ السِّيَرِ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَلَى قَتْلِ الْأَسِيرِ صَبْرًا وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ وَاضِحٌ فَالْقُدْرَةُ عَلَى ابْنِ خَطَلٍ صَيَّرَتْهُ كَالْأَسِيرِ فِي يَدِ الْإِمَامِ وَهُوَ مُخَيَّرٌ فِيهِ بَيْنَ أُمُورٍ مِنْهَا الْقَتْلُ وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو دَاوُد عَلَى قَتْلِ الْأَسِيرِ وَلَا يُعْرَضُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامُ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَرْضُ الْإِسْلَامِ عَلَى ابْنِ خَطَلٍ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ السُّهَيْلِيُّ فِي الرَّوْضِ { عِنْدَمَا قَتَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْنَ خَطَلٍ قَالَ لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ هَذَا } كَذَلِكَ قَالَ يُونُسُ فِي رِوَايَتِهِ انْتَهَى وَذَكَرَ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ فِي مُبْهَمَاتِهِ مِنْ حَدِيثِ النَّهْيِ عَنْ الزُّبَيْرِ قَالَ { قَتَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ بَدْرٍ رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ ثُمَّ قَالَ لَا يُقْتَلُ بَعْدَ الْيَوْمِ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ صَبْرًا } ثُمَّ قَالَ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الزُّبَيْرِيُّ هَذَا هُوَ ابْنُ أَبِي هَالَةَ انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ رَوَى الْحَافِظُ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْحِلْيَةِ وَصَرَّحَ فِي نَفْسِ الْإِسْنَادِ بِأَنَّهُ الزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَلَمْ يَقُلْ فِيهِ يَوْمَ بَدْرٍ وَلَا يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ فَقَدْ وَقَعَ بَعْدَ بَدْرٍ قَتْلُ بَعْضِ قُرَيْشٍ صَبْرًا وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّمَا قَالَ ذَلِكَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ مُطِيعِ بْنِ الْأَسْوَدِ قَالَ { سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكَّةَ يَقُولُ : لَا يُقْتَلُ قُرَشِيٌّ صَبْرًا بَعْدَ هَذَا الْيَوْمِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } وَأَمَّا كَوْنُهُ قَالَ ذَلِكَ عِنْدَ قَتْلِ ابْنِ خَطَلٍ فَغَرِيبٌ وَالْمُرَادُ الْقَتْلُ عَلَى الرِّدَّةِ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . بَابُ التَّلْبِيَةِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ ، إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ لَا شَرِيكَ لَك قَالَ نَافِعٌ : فَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك وَالْعَمَلُ } لَمْ يَذْكُرْ الْبُخَارِيُّ زِيَادَةَ ابْنِ عُمَرَ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ ( أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَكَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُهَا بَعْدَ التَّلْبِيَةِ ) . وَلِلنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ وَالْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَّيْكَ إلَهَ الْحَقِّ لَبَّيْكَ } وَلِلْحَاكِمِ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بَعْدَ التَّلْبِيَةِ قَالَ { إنَّمَا الْخَيْرُ خَيْرُ الْآخِرَةِ } وَفِي الْعِلَلِ لِلدَّارَقُطْنِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { لَبَّيْكَ حَجًّا حَقًّا ، تَعَبُّدًا وَرِقًّا } ( بَابُ التَّلْبِيَةِ ) عَنْ نَافِعٍ عَنْ عُمَرَ { أَنَّ تَلْبِيَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ لَا شَرِيكَ لَك لَبَّيْكَ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك وَالْمُلْكَ ، لَا شَرِيكَ لَك قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَزِيدُ فِيهَا لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ بَيْنَ يَدَيْك ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك وَالْعَمَلُ } . لَمْ يَذْكُرْ الْبُخَارِيُّ زِيَادَةَ ابْنِ عُمَرَ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ وَمِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ . وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ كُلِّهِمْ عَنْ نَافِعٍ وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ زِيَادَةُ ابْنِ عُمَرَ وَلَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ سَالِمٍ وَنَافِعٍ وَحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا اسْتَوَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ قَائِمًا عِنْدَ مَسْجِدِ ذِي الْحُلَيْفَةِ أَهَلَّ فَقَالَ لَبَّيْكَ } . فَذَكَرَهُ وَفِي آخِرِهِ قَالَ نَافِعٌ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَزِيدُ مَعَ هَذَا لَبَّيْكَ فَذَكَرَهُ وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ التَّلْبِيَةَ الْمَرْفُوعَةَ وَفِي آخِرِهِ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ يَقُولُ كَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُهِلُّ بِإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ وَيَقُولُ { لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، لَبَّيْكَ وَسَعْدَيْكَ وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْك ، لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك وَالْعَمَلُ } . وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِدُونِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي اللِّبَاسِ ( الثَّانِيَةُ ) التَّلْبِيَةُ مَصْدَرُ لَبَّى أَيْ قَالَ لَبَّيْكَ وَهُوَ مُثَنَّى عِنْدَ سِيبَوَيْهِ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ يُونُسُ بْنُ حَبِيبٍ هُوَ اسْمٌ مُفْرَدٌ وَأَلِفُهُ إنَّمَا انْقَلَبَتْ بَاءً لِاتِّصَالِهَا بِالضَّمِيرِ كَلَدَيَّ وَعَلَيَّ . وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ بِدَلِيلِ قَلْبِهَا يَاءً مَعَ الْمُظْهَرِ وَهَذِهِ التَّثْنِيَةُ لَيْسَتْ حَقِيقِيَّةً بَلْ هِيَ لِلتَّكْثِيرِ وَالْمُبَالَغَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ } أَيْ نِعْمَتَاهُ عِنْدَ مَنْ أَوَّلَ الْيَدَ بِالنِّعْمَةِ وَنِعَمُهُ تَعَالَى لَا تُحْصَى وَمَعْنَاهُ إجَابَةً بَعْدَ إجَابَةٍ وَلُزُومًا لِطَاعَتِك قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ ثَنَّوْا لَبَّيْكَ كَمَا ثَنَّوْا حَنَانَيْكَ أَيْ تَحَنُّنًا بَعْدَ تَحَنُّنٍ وَأَصْلُ لَبَّيْكَ لَبَبَّيْك فَاسْتَثْقَلُوا الْجَمْعَ بَيْنَ ثَلَاثِ بَاءَاتٍ فَأَبْدَلُوا مِنْ الثَّالِثَةِ يَاءً كَمَا قَالُوا مِنْ الظَّنِّ تَظَنَّيْتُ وَأَصْلُهُ تَظَنَّنْت وَاخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهَا وَمَعْنَاهَا فَقِيلَ مَعْنَاهَا اتِّجَاهِي وَقَصْدِي إلَيْك ، مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ دَارِي تَلُبُّ دَارَك أَيْ تُوَاجِهُهَا وَقِيلَ مَعْنَاهَا مَحَبَّتِي لَك مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ امْرَأَةٌ لَبَّةٌ إذَا كَانَتْ مُحِبَّةً وَلَدَهَا عَاطِفَةً عَلَيْهِ . وَقِيلَ مَعْنَاهَا إخْلَاصِي لَك مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ حَسَبٌ لُبَابٌ ، إذَا كَانَ خَالِصًا مَحْضًا وَمِنْ ذَلِكَ لُبُّ الطَّعَامِ وَلُبَابُهُ وَقِيلَ مَعْنَاهَا أَنَا مُقِيمٌ عَلَى طَاعَتِك وَإِجَابَتِك مَأْخُوذٌ مِنْ قَوْلِهِمْ لَبَّ الرَّجُلُ بِالْمَكَانِ وَأَلَبَّ إذَا أَقَامَ فِيهِ وَلَزِمَهُ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَبِهَذَا قَالَ الْخَلِيلُ وَالْأَحْمَرُ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَرْبِيِّ مَعْنَى لَبَّيْكَ قُرْبًا مِنْك وَطَاعَةً ، وَالْأَلْبَابُ الْقُرَبُ ، وَقَالَ أَبُو نَصْرٍ : مَعْنَاهُ أَنَا مُلَبٍّ بَيْنَ يَدَيْك أَيْ خَاضِعٌ حَكَى هَذِهِ الْأَقْوَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي الْفَائِقِ وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَصْدَرِ لِلتَّكْثِيرِ وَلَا يَكُونُ عَامِلُهُ إلَّا مُضْمِرًا كَأَنَّهُ قَالَ أَلَبَّ إلْبَابًا بَعْدَ إلْبَابٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَمَعْنَى التَّلْبِيَةِ إجَابَةُ اللَّهِ فِيمَا فَرَضَ عَلَيْهِمْ مِنْ حَجِّ بَيْتِهِ وَالْإِقَامَةِ عَلَى طَاعَتِهِ فَالْمُحْرِمُ بِتَلْبِيَتِهِ مُسْتَجِيبٌ لِدُعَاءِ اللَّهِ إيَّاهُ فِي إيجَابِ الْحَجِّ عَلَيْهِ وَمِنْ أَجْلِ الِاسْتِجَابَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَبَّى لِأَنَّ مَنْ دُعِيَ فَقَالَ لَبَّيْكَ فَقَدْ اسْتَجَابَ ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ إنَّ مَعْنَى التَّلْبِيَةِ إجَابَةُ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ حِينَ أَذَّنَ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ . قِيلَ وَهَذِهِ الْإِجَابَةُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى لِإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ } انْتَهَى وَرَوَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ ( مُثِيرُ الْغَرَامِ السَّاكِنِ ) عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ : لَمَّا قِيلَ لِإِبْرَاهِيمَ { وَأَذِّنْ فِي النَّاسِ بِالْحَجِّ يَأْتُوك رِجَالًا } قَالَ يَا رَبِّ كَيْفَ أَقُولُ ؟ قَالَ قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا رَبَّكُمْ فَصَعِدَ الْجَبَلَ فَنَادَى يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَجِيبُوا رَبَّكُمْ فَأَجَابُوهُ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ فَكَانَ هُوَ أَوَّلَ التَّلْبِيَةِ . وَعَنْ عُبَيْدِ بْنِ عُمَيْرٍ أَنَّهُ اسْتَقْبَلَ الْمَشْرِقَ ثُمَّ الْمَغْرِبَ ثُمَّ الْيَمَنِ ثُمَّ الشَّامِ فَدَعَا فَأُجِيبَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ ، وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مَرْوَانَ بَلَغَنِي عَنْ بَدْءِ التَّلْبِيَةِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَوْحَى إلَى إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي شَأْنِ حَجِّ الْبَيْتِ وَكَانَ غَرِقَ زَمَنَ الطُّوفَانِ وَبَقِيَ أَسَاسُهُ فَأُمِرَ أَنْ يَتْبَعَ سَحَابَةً وَكَانَ كُلَّمَا نُودِيَ مِنْهَا يَا إبْرَاهِيمُ بَيْتِي بَيْتِي قَالَ لَبَّيْكَ لَبَّيْكَ . ( الثَّالِثَةُ ) فِي الْمَرْفُوعِ تَكْرِيرُ لَفْظِهِ لَبَّيْكَ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ وَكَذَا فِي الْمَوْقُوفِ إلَّا أَنَّ فِي الْمَرْفُوعِ الْفَصْلَ بَيْنَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ بِقَوْلِهِ اللَّهُمَّ وَقَدْ نُقِلَ اتِّفَاقُ الْأُدَبَاءِ عَلَى أَنَّ التَّكْرِيرَ اللَّفْظِيَّ أَلَّا يُزَادَ عَلَى ثَلَاثِ مَرَّاتٍ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ إنَّ الْحَمْدَ رُوِيَ بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ وَفَتْحِهَا عَلَى التَّعْلِيلِ وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ لِأَهْلِ الْحَدِيثِ وَاللُّغَةِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَالْكَسْرُ أَجْوَدُ وَحَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ قُدَامَةَ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ اخْتِيَارِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْفَتْحُ رِوَايَةُ الْعَامَّةِ وَحَكَاهُ الزَّمَخْشَرِيّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ ثَعْلَبٌ الِاخْتِيَارُ الْكَسْرُ وَهُوَ أَجْوَدُ فِي الْمَعْنَى مِنْ الْفَتْحِ لِأَنَّ مَنْ كَسَرَ جَعَلَ مَعْنَاهُ إنَّ الْحَمْدَ وَالنِّعْمَةَ لَك عَلَى كُلِّ حَالٍ وَمَنْ فَتَحَ قَالَ مَعْنَاهُ لَبَّيْكَ لِهَذَا السَّبَبِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْمَعْنَى عِنْدِي وَاحِدٌ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَنْ فَتَحَ الْهَمْزَةَ ، أَرَادَ لَبَّيْكَ لِأَنَّ الْحَمْدَ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالْمُلْكَ لَك وَالنِّعْمَةَ وَحْدَك دُونَ غَيْرِك حَقِيقَةً لَا شَرِيكَ لَك ( قُلْت ) التَّقْيِيدُ لَيْسَ فِي الْحَمْدِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي التَّلْبِيَةِ فَمَعْنَى الْفَتْحِ تَلْبِيَتُهُ بِسَبَبِ أَنَّ لَهُ الْحَمْدَ وَمَعْنَى الْكَسْرِ تَلْبِيَتُهُ مُطْلَقًا غَيْرُ مُعَلَّلٍ وَلَا مُقَيَّدٍ فَهُوَ أَبْلَغُ فِي الِاسْتِجَابَةِ لِلَّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ وَالنِّعْمَةُ لَك الْمَشْهُورُ فِيهِ نَصْبُ النِّعْمَةِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَيَجُوزُ رَفْعُهَا عَلَى الِابْتِدَاءِ وَيَكُونُ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ وَإِنْ شِئْتَ جَعَلْتَ خَبَرَ إنَّ مَحْذُوفًا تَقْدِيرُهُ إنَّ الْحَمْدَ لَك وَالنِّعْمَةَ مُسْتَقِرَّةٌ لَك . ( السَّادِسَةُ ) وَقَوْلُهُ وَالْمُلْكَ ، فِيهِ وَجْهَانِ أَيْضًا : ( أَشْهَرُهُمَا ) النَّصْبُ عَطْفًا عَلَى اسْمِ إنَّ . ( وَالثَّانِي ) الرَّفْعُ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ لِدَلَالَةِ الْخَبَرِ الْمُتَقَدِّمِ عَلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ تَقْدِيرَهُ وَالْمُلْكُ كَذَلِكَ . ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ وَسَعْدَيْكَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إعْرَابُهَا وَتَثْنِيَتُهَا كَمَا سَبَقَ فِي لَبَّيْكَ وَمَعْنَاهُ مُسَاعِدَةً لِطَاعَتِك بَعْدَ مُسَاعِدَةٍ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ وَقِيلَ مَعْنَاهُ اسْعَدْنَا سَعَادَةً بَعْدَ سَعَادَةٍ وَإِسْعَادًا بَعْدَ إسْعَادٍ وَكَذَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إنَّهُ سُؤَالٌ مِنْ اللَّهِ السَّعْدَ وَتَأْكِيدٌ فِيهِ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ لَمْ يُسْمَعْ سَعْدَيْكَ مُفْرَدًا وَهُوَ مِنْ الْمَصَادِرِ الْمَنْصُوبَةِ بِفِعْلٍ مُضْمَرٍ . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهُ وَالْخَيْرُ بِيَدَيْك أَيْ فِي قَبْضَتِك وَمُلْكِك وَهُوَ مِنْ بَابِ إصْلَاحِ الْمُخَاطَبَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } . ( التَّاسِعَةُ ) الرَّغْبَاءُ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ فَتْحُ الرَّاءِ وَالْمَدُّ وَهُوَ أَشْهَرُهَا وَضَمُّ الرَّاءِ مَعَ الْقَصْرِ وَهُوَ مَشْهُورٌ أَيْضًا وَفَتْحُ الرَّاءِ مَعَ الْقَصْرِ وَهُوَ غَرِيبٌ حَكَاهُ أَبُو عَلِيٍّ الْجُبَّائِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَظِيرُ الْوَجْهَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ الْعَلْيَاءُ وَالْعُلْيَا وَالنَّعْمَاءُ وَالنُّعْمَى وَمَعْنَى اللَّفْظَةِ الطَّلَبُ وَالْمَسْأَلَةُ أَيْ إنَّهُ تَعَالَى هُوَ الْمَطْلُوبُ الْمَسْئُولُ مِنْهُ فَبِيَدِهِ جَمِيعُ الْأُمُورِ قَالَ شِمْرٌ رُغُبُ النَّفْسِ سَعَةُ الْأَمَلِ وَطَلَبُ الْكَثِيرِ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَوْلُهُ وَالْعَمَلُ أَيْ إنَّ الْعَمَلَ كُلَّهُ لِلَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ الْمُسْتَحِقُّ لِلْعِبَادَةِ وَحْدَهُ وَفِيهِ حَذْفٌ يَحْتَمِلُ أَنَّ تَقْرِيرَهُ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ أَيْ وَالْعَمَلُ إلَيْك أَيْ إلَيْك الْقَصْدُ بِهِ وَالِانْتِهَاءُ بِهِ إلَيْك لِتُجَازِي عَلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ تَقْرِيرَهُ وَالْعَمَلُ لَك ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بَيَانُ حُكْمِ التَّلْبِيَةِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهَا سُنَّةٌ مِنْ سُنَنِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ يَصِحَّانِ بِدُونِهَا وَلَا إثْمَ عَلَى تَارِكِهَا وَلَا دَمَ نَاسِيًا كَانَ أَوْ مُتَعَمِّدًا وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ أَجِدْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ نَصًّا عَنْ الشَّافِعِيِّ وَأُصُولُهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّلْبِيَةَ لَيْسَتْ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ عِنْدَهُ ثُمَّ قَالَ وَذَكَرَ ابْنُ خواز بنداد عَنْ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ التَّلْبِيَةَ إنْ فَعَلَهَا فَحَسَنٌ وَإِنْ تَرَكَهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ . ( الثَّانِي ) أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَيَجِبُ بِتَرْكِهَا الدَّمُ وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ ابْنِ خَيْرَانَ وَابْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنَّهُمَا زَعَمَا أَنَّهُمَا وَجَدَا لِلشَّافِعِيِّ نَصًّا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَقَالَ الْمَاوَرْدِيُّ لَيْسَ يُعْرَفُ لَهُ نَصٌّ يَدُلُّ عَلَيْهِ وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَذْكُرْ التَّلْبِيَةَ حَتَّى خَرَجَ مِنْ حَجِّهِ رَأَيْتُ أَنْ يُهْرِقَ دَمًا قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ وَهَذَا بَدَلٌ مِنْ قَوْلِهِ عَلَى أَنَّ الْإِهْلَالَ لِلْإِحْرَامِ لَيْسَ عِنْدَهُ بِمَنْزِلَةِ التَّكْبِيرِ لِلدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ . وَاسْتَدَلَّ صَاحِبُ الْإِمَامِ لِمَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ بِمَا رَوَى أَبُو سَعِيدِ بْنُ الْأَعْرَابِيِّ مِنْ { حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتَ جَابِرٍ الْأَحْمَسِيَّةِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا فِي امْرَأَةٍ حَجَّتْ مَعَهَا مُصْمَتَةً قُولِي لَهَا تَتَكَلَّمُ فَإِنَّهُ لَا حَجَّ لِمَنْ لَا يَتَكَلَّمُ } . وَفِي الِاسْتِدْلَالِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ أَنْ يَكُونَ الْكَلَامُ بِالتَّلْبِيَةِ لَا سِيَّمَا وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ أَنَّمَا صَمَتَتْ عَنْ كَلَامِ الْآدَمِيِّينَ وَخِطَابِهِمْ لَا عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَالتَّلْبِيَةُ مِنْ الذِّكْرِ . ( الثَّالِثُ ) أَنَّهَا سُنَّةٌ وَيَجِبُ بِتَرْكِهَا الدَّمُ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَفِيهِ نَظَرٌ وَلَمْ أَرَهُ فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ وَالسُّنَّةُ لَا يَجِبُ بِتَرْكِهَا دَمٌ . ( الرَّابِعُ ) أَنَّهَا رُكْنٌ فِي الْإِحْرَامِ لَا يَنْعَقِدُ بِدُونِهَا وَلَا يَصِحُّ الْإِحْرَامُ وَلَا الْحَجُّ إلَّا بِهَا وَهَذَا قَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الزُّبَيْرِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ التَّلْبِيَةُ فَرْضُ الْحَجِّ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ الْفَرْضُ التَّلْبِيَةُ وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَعِكْرِمَةُ وَطَاوُسٌ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ الْفَرْضُ الْإِهْلَالُ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ الْفَرْضُ الْإِحْرَامُ وَبِهِ قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ التَّلْبِيَةُ كَتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ التَّلْبِيَةُ عِنْدَ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَالْحَجُّ إلَيْهَا مُفْتَقِرٌ . وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي وَعَنْ الثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهَا مِنْ شَرْطِ الْإِحْرَامِ لَا يَصِحُّ إلَّا بِهَا كَالتَّكْبِيرِ لِلصَّلَاةِ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ هِيَ فَرْضٌ وَلَوْ مَرَّةً . وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ دَاوُد الظَّاهِرِيِّ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ رَفْعِ الصَّوْتِ بِهَا . ( الْخَامِسُ ) وُجُوبُهَا عَلَى التَّخْيِيرِ فَلَا يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ حَتَّى يَقْتَرِنَ بِالنِّيَّةِ قَوْلٌ أَوْ فِعْلٌ مِمَّا يَتَعَلَّقُ بِالْحَجِّ كَالتَّلْبِيَةِ وَالتَّوَجُّهِ عَلَى الطَّرِيقِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ بِمُقْتَضَى نَقْلِ ابْنِ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ فَإِنَّهُ صَدَّرَ بِهِ كَلَامَهُ ثُمَّ حَكَى مَقَالَةَ ابْنِ حَبِيبٍ الْمُتَقَدِّمَ ذِكْرُهَا . ( السَّادِسُ ) وُجُوبُهَا عَلَى التَّخْيِيرِ أَيْضًا لَكِنْ بِتَفْصِيلٍ آخَرَ فَلَا يَنْعَقِدُ الْإِحْرَامُ حَتَّى تَنْضَمَّ إلَيْهِ التَّلْبِيَةُ أَوْ سَوْقُ الْهَدْيِ أَوْ تَقْلِيدُ الْبُدْنِ وَيَقُومُ مَقَامَ التَّلْبِيَةِ مَا فِي مَعْنَاهَا مِنْ التَّسْبِيحِ وَالتَّهْلِيلِ وَسَائِرِ الْأَذْكَارِ وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ كَمَا يَقُولُ فِي إحْرَامِ الصَّلَاةِ إنَّهُ لَا يَخْتَصُّ بِالتَّكْبِيرِ بَلْ يَقُومُ مَقَامَهُ مَا دَلَّ عَلَى التَّعْظِيمِ وَيَرَى الْحَجَّ أَوْسَعَ مِنْ الصَّلَاةِ وَفِي ذَلِكَ لِقِيَامِ سَوْقِ الْهَدْيِ وَنَحْوِهِ مَقَامَ التَّلْبِيَةِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ بَيْنَ أَصْحَابِنَا . ( السَّابِعُ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيِ إنْ كَبَّرَ وَهَلَّلَ أَوْ سَبَّحَ يَنْوِي بِذَلِكَ الْإِحْرَامَ فَهُوَ مُحْرِمٌ انْتَهَى . وَفِيهِ وُجُوبُ التَّلْبِيَةِ عَلَى التَّخْيِيرِ بِتَفْصِيلٍ آخَرَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ التَّخْيِيرُ بَيْنَ ذَلِكَ وَبَيْنَ سَوْقِ الْهَدْيِ وَنَحْوِهِ . ( الثَّامِنُ ) قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ أَيْضًا وَقَالَتْ عَائِشَةُ لَا إحْرَامَ إلَّا لِمَنْ أَهَلَّ أَوْ لَبَّى انْتَهَى وَفِيهِ وُجُوبُ التَّلْبِيَةِ عَلَى التَّخْيِيرِ بِتَفْصِيلٍ غَيْرِ مَا تَقَدَّمَ فَهَذِهِ الْمَذَاهِبُ الْأَرْبَعَةُ الْأَخِيرَةُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى إيجَابِ التَّلْبِيَةِ عَلَى التَّخْيِيرِ لَكِنْ بِتَفَاصِيلَ مُخْتَلِفَةٍ . ( التَّاسِعُ ) أَنَّهُ يَجِبُ بِتَرْكِ تَكْرَارِهَا دَمٌ وَهُوَ أَشْهَرُ قَوْلَيْ الْمَالِكِيَّةِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى أَصْلِ وُجُوبِ التَّلْبِيَةِ ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ هَذِهِ تَلْبِيَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْإِحْرَامِ وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ عِنْدَ الْإِحْرَامِ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي وَلَا بَأْسَ أَنْ يُلَبِّيَ الْحَلَالُ وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ وَعَطَاءُ بْنُ السَّائِبِ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَكَرِهَهُ مَالِكٌ انْتَهَى . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) لَمْ يَقْتَصِرْ رَاوِي الْحَدِيثِ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ زَادَ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ جَائِزٌ بِلَا اسْتِحْبَابٍ وَلَا كَرَاهَةٍ كَمَا هُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ مَالِكٌ أَكْرَهُ أَنْ يَزِيدَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُزَادَ فِيهَا مَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَزِيدُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ انْتَهَى وَفِي الْجَوَاهِرِ لِابْنِ شَاسٍ قَالَ أَشْهَبُ وَمَنْ اقْتَصَرَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَعْرُوفَةِ اقْتَصَرَ عَلَى حَظٍّ وَافِرٍ وَلَا بَأْسَ عَلَيْهِ إنْ زَادَ عَلَى ذَلِكَ انْتَهَى وَلَمْ يُنْقَلْ مَا يُخَالِفُ قَوْلَ أَشْهَبَ وَحَكَى الْحَنَفِيَّةُ عَنْ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ كَرِهَ الزِّيَادَةَ عَلَى تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ أَصْحَابُنَا بَلْ أَنْكَرُوهُ فَقَالَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ذَكَرَ أَهْلَ الْعِرَاقِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ كَرِهَ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ قَالَ وَغَلِطُوا بَلْ لَا تُكْرَهُ الزِّيَادَةُ وَلَا تُسْتَحَبُّ انْتَهَى . نَعَمْ نَقَلَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْأَحَبَّ الِاقْتِصَارُ عَلَيْهَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الزِّيَادَةِ عَلَيْهَا خِلَافَ الْأَحَبِّ وَالْأَوْلَى وَأَنْ تَكُونَ مَكْرُوهَةً وَعِبَارَتُهُ قَالَ الشَّافِعِيُّ فَإِنْ زَادَ فِي التَّلْبِيَةِ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ فَلَا بَأْسَ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَأَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ الشَّافِعِيُّ وَإِنَّمَا قُلْنَا لَا بَأْسَ بِزِيَادَةِ تَعْظِيمِ اللَّهِ فِيهَا لِمَا جَاءَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ حَافِظُ التَّلْبِيَةِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ زَادَ ابْنُ عُمَرَ فِي تَلْبِيَتِهِ مِنْ قِبَلِهِ ( لَبَّيْكَ وَالرَّغْبَاءُ إلَيْك وَالْعَمَلُ ) انْتَهَى . وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ وَلَا أُضَيِّقُ عَلَى أَحَدٍ فِي مِثْلِ مَا قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَلَا غَيْرُهُ مِنْ تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَدُعَائِهِ مَعَ التَّلْبِيَةِ غَيْرَ أَنَّ الِاخْتِيَارَ عِنْدِي أَنْ يُفْرِدَ مَا رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّلْبِيَةِ . وَمَشَى عَلَى ذَلِكَ فِي الْخِلَافِيَّاتِ وَنُصِبَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فَقَالَ الِاقْتِصَارُ عَلَى تَلْبِيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبُّ وَلَا يُضَيِّقُ أَنْ يَزِيدَ عَلَيْهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ زَادَ فَحَسَنٌ انْتَهَى . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ جَابِرٍ قَالَ { أَهَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ التَّلْبِيَةَ قَالَ وَالنَّاسُ يَزِيدُونَ ذَا الْمَعَارِجِ وَنَحْوَهُ مِنْ الْكَلَامِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْمَعُ فَلَا يَقُولُ لَهُمْ شَيْئًا } . وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ قَالَ : كَانَتْ تَلْبِيَةُ عُمَرَ وَذَكَرَ الْمَرْفُوعَ وَزَادَ بَعْدَهُ ( لَبَّيْكَ مَرْهُوبًا وَمَرْغُوبًا إلَيْك لَبَّيْكَ ذَا النَّعْمَاءِ وَالْفَضْلِ ) وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ يُبْدِي ذَلِكَ وَيُعِيدُهُ وَفِي سُنَنِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ ( لَبَّيْكَ غَفَّارَ الذُّنُوبِ لَبَّيْكَ ) . وَفِي تَارِيخِ مَكَّةَ لِلْأَزْرَقِيِّ بِإِسْنَادٍ مُفَصَّلٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَقَدْ مَرَّ بِفَجِّ الرَّوْحَاءِ سَبْعُونَ نَبِيًّا تَلْبِيَتُهُمْ شَتَّى مِنْهُمْ يُونُسُ بْنُ مَتَّى . وَكَانَ يُونُسُ يَقُولُ لَبَّيْكَ فَرَّاجَ الْكَرْبِ لَبَّيْكَ وَكَانَ مُوسَى يَقُولُ لَبَّيْكَ أَنَا عَبْدُك لَدَيْك لَبَّيْكَ قَالَ وَتَلْبِيَةُ عِيسَى أَنَا عَبْدُك وَابْنُ أَمَتِك بِنْتِ عَبْدِك لَبَّيْكَ } . وَرَوَى الشَّافِعِيُّ وَمِنْ طَرِيقِهِ الْبَيْهَقِيّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ ( سَمِعَ سَعْدٌ رَجُلًا يَقُولُ لَبَّيْكَ ذَا الْمَعَارِجِ ، فَقَالَ إنَّهُ لَذُو الْمَعَارِجِ وَلَكِنَّا كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا نَقُولُ ذَلِكَ ) . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) وَرَدَ فِي تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَلْفَاظٌ زَائِدَةٌ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ( مِنْهَا ) مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : كَانَ مِنْ تَلْبِيَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَبَّيْكَ إلَهَ الْحَقِّ لَبَّيْكَ } . قَالَ الْحَاكِمُ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَقَالَ النَّسَائِيّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَسْنَدَ هَذَا الْحَدِيثَ إلَّا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْفَضْلِ وَهُوَ ثِقَةٌ وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ رِوَايَةِ دَاوُد بْنِ أَبِي هِنْدَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ بِعَرَفَاتٍ فَلَمَّا قَالَ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ ، قَالَ إنَّمَا الْخَيْرُ خَيْرُ الْآخِرَةِ } . قَالَ وَقَدْ احْتَجَّ الْبُخَارِيُّ بِعِكْرِمَةَ وَاحْتَجَّ مُسْلِمٌ بِدَاوُد وَهَذَا الْحَدِيثُ صَحِيحٌ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ يَحْيَى بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَبَّيْكَ حَجًّا حَقًّا تَعَبُّدًا وَرِقًّا } . وَفِيهِ لَطِيفَةٌ وَهِيَ اجْتِمَاعُ ثَلَاثَةِ إخْوَةٍ يَرْوِي بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ حُمَيْدٍ الْأَعْرَجِ عَنْ مُجَاهِدٍ : أَنَّهُ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُظْهِرُ مِنْ التَّلْبِيَةِ لَبَّيْكَ اللَّهُمَّ لَبَّيْكَ } . فَذَكَرَهَا إلَى آخِرِهَا قَالَ حَتَّى إذَا كَانَ يَوْمٌ وَالنَّاسُ يُصْرَفُونَ عَنْهُ كَأَنَّهُ أَعْجَبَهُ مَا هُوَ فِيهِ فَزَادَ فِيهَا { لَبَّيْكَ إنَّ الْعَيْشَ عَيْشُ الْآخِرَةِ } قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ وَحَسِبْتُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ عَرَفَةَ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَحَبَّ أَصْحَابُنَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّلْبِيَةِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى رِضَاهُ وَالْجَنَّةَ وَيَتَعَوَّذَ بِهِ مِنْ النَّارِ وَاسْتَأْنَسُوا فِي ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَائِدَةَ عَنْ عُمَارَةَ بْنِ حَرِيمٍ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَةٍ سَأَلَ اللَّهَ تَعَالَى رِضْوَانَهُ وَالْجَنَّةَ وَاسْتَعَاذَ بِرَحْمَتِهِ مِنْ النَّارِ } قَالَ صَالِحٌ سَمِعْت الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ يَقُولُ وَكَانَ يَسْتَحِبُّ لِلرَّجُلِ إذَا فَرَغَ مِنْ تَلْبِيَتِهِ أَنْ يُصَلِّيَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَالِحٌ هَذَا ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ وَقَالَ أَحْمَدُ لَا أَرَى بِهِ بَأْسًا . بَابُ طَوَافِ الْمُتَّكِئِ عَلَى غَيْرِهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ اللِّمَمِ قَدْ رَجَّلَهَا فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَسَأَلْت مَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ثُمَّ إذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ فَسَأَلْت مَنْ هَذَا ؟ فَقِيلَ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ } ( بَابُ طَوَافِ الْمُتَّكِئِ عَلَى غَيْرِهِ ) عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَأَيْتُنِي اللَّيْلَةَ عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَرَأَيْتُ رَجُلًا آدَمَ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ أُدْمِ الرِّجَالِ لَهُ لِمَّةٌ كَأَحْسَنِ مَا أَنْتَ رَاءٍ مِنْ اللِّمَمِ قَدْ رَجَّلَهَا فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَسَأَلْت مَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا هَذَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ، ثُمَّ إذَا أَنَا بِرَجُلٍ جَعْدٍ قَطَطٍ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ فَسَأَلْت مَنْ هَذَا ؟ فَقِيلَ الْمَسِيحُ الدَّجَّالُ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ هَكَذَا وَمِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ فِي الْمَنَامِ وَفِيهِ فِي ذِكْرِ الدَّجَّالِ زِيَادَةٌ { كَأَشْبَهَ مَنْ رَأَيْت مِنْ النَّاسِ بِابْنِ قُطْنٍ وَاضِعًا يَدَيْهِ عَلَى مَنْكِبَيْ رَجُلَيْنِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ } وَمِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ وَمُسْلِمٍ وَحْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ كِلَاهُمَا عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَفِيهِ فِي وَصْفِ ابْنِ مَرْيَمَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ { سَبْطَ الشَّعْرِ } . وَعِنْدَ مُسْلِمٍ { سَبْطَ الرَّأْسِ } وَفِي وَصْفِ الدَّجَّالِ { أَحْمَرَ } وَفِي رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ فِي الدَّجَّالِ { جَسِيمٌ } . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ رَأَيْتُنِي بِضَمِّ التَّاءِ وَفِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ ( أَرَانِي ) وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهِيَ رُؤْيَا مَنَامٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَرُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ وَحْيٌ وَحَقٌّ ( الثَّالِثَةُ ) الْكَعْبَةِ مَعْرُوفَةٌ ، سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِارْتِفَاعِهَا وَتَرْبِيعِهَا وَكُلُّ بَيْتٍ مُرَبَّعٌ فَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ كَعْبَةٌ وَقِيلَ سُمِّيَتْ كَعْبَةً لِاسْتِدَارَتِهَا وَعُلُوِّهَا وَمِنْهُ كَعْبُ الرَّجُلِ وَمِنْهُ كَعْبُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ إذَا عَلَا وَاسْتَدَارَ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ آدَمَ أَيْ أَسْمَرَ ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَجَمْعُهُ أُدْمٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ الْأُدْمَةُ فِي النَّاسِ السُّمْرَةُ الشَّدِيدَةُ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ الْآدَمُ الْأَسْمَرُ إذَا عَلَاهُ شَيْءٌ مِنْ سَوَادٍ قَلِيلًا وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَفِي وَصْفِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ { أَحْمَرُ } . وَهَذَا يُخَالِفُ وَصْفَهُ هُنَا بِالْأُدْمَةِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ أَنْكَرَ رِوَايَةَ أَحْمَرَ وَحَلَفَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْهُ يَعْنِي وَأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَى الرَّاوِي وَقَالَ النَّوَوِيُّ يَجُوزُ أَنْ يَتَأَوَّلَ الْأَحْمَرَ عَلَى الْآدَمِ وَلَا يَكُونُ الْمُرَادُ حَقِيقَةَ الْحُمْرَةِ وَالْأُدْمَةِ بَلْ مَا قَارَبَهَا انْتَهَى وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ تَفْسِيرِ الْأُدْمَةِ بِالسُّمْرَةِ هُوَ فِي بَنِي آدَمَ أَمَّا فِي الْإِبِلِ فَالْآدَمُ هُوَ الْأَبْيَضُ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ مَعَ سَوَادِ الْمُقْلَتَيْنِ . ( الْخَامِسَةُ ) اللِّمَّةُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْمِيمِ وَجَمْعُهَا لِمَمٌ كَقِرْبَةٍ وَقِرَبٍ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ وَتُجْمَعُ عَلَى لِمَامٍ أَيْضًا أَيْ بِزِيَادَةِ أَلِفٍ بَيْنَ الْمِيمَيْنِ وَهِيَ الشَّعْرُ الْمُتَدَلِّي الَّذِي يُجَاوِزُ شَحْمَةَ الْأُذُنَيْنِ فَإِذَا بَلَغَ الْمَنْكِبَيْنِ فَهُوَ جُمَّةٌ كَذَا ذَكَرَهُ وَالنَّوَوِيُّ وَقَبِلَهُ الْجَوْهَرِيُّ هُنَا وَابْنُ الْأَثِيرِ ، وَعَكَسَ الْجَوْهَرِيُّ فِي مَادَّةِ وَفَرَ فَقَالَ الْوَفْرَةُ الشَّعْرَةُ إلَى شَحْمَةِ الْأُذُنِ ثُمَّ الْجُمَّةُ ثُمَّ اللِّمَّةُ وَهِيَ الَّتِي أَلَمَّتْ بِالْمَنْكِبَيْنِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اللِّمَّةُ الْجَمَّةُ وَهِيَ أَكْمَلُ مِنْ الْوَفْرَةِ السَّادِسَةُ قَوْلُهُ رَجَّلَهَا بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ أَيْ سَرَّحَهَا بِمُشْطٍ مَعَ مَاءٍ أَوْ غَيْرِهِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ يُرِيدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِالْمَاءِ أَوْ بِالْمُشْطِ يُقَالُ شَعْرٌ مُرَجَّلٌ إذَا مُشِّطَ وَشَعْرٌ رَجِلٌ إذَا كَانَ فِي خِلْقَتِهِ وَتَكْسِيرِهِ عَلَى هَيْئَةِ الْمَمْشُوطِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يَعْنِي مَشَطَهَا بَعْدَ أَنْ بَلَّهَا السَّابِعَةُ قَوْلُهُ فَهِيَ تَقْطُرُ مَاءً قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ أَيْ تَقْطُرُ بِالْمَاءِ الَّذِي رَجَّلَهَا بِهِ لِقُرْبِ تَرْجِيلِهِ وَإِلَى هَذَا نَحَا الْقَاضِي الْبَاجِيَّ وَقَالَ لَعَلَّهُ نَبَّهَ بِذَلِكَ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مَشْرُوعٌ بِطَوَافِ الْوُرُودِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَمَعْنَاهُ عِنْدِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عِبَارَةً عَنْ نَضَارَتِهِ وَحُسْنِهِ وَاسْتِعَارَةً لِجَمَالِهِ وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ مِنْ الِاسْتِعَارَةِ الْعَجِيبَةِ وَالْكَلَامِ الْبَدِيعِ وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أُوتِيَ جَوَامِعَ الْكَلِمِ ( قُلْت ) وَيُؤَيِّدُهُ مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { فِي وَصْفِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ رَجُلٌ مَرْبُوعٌ إلَى الْحُمْرَةِ وَالْبَيَاضِ كَانَ رَأْسُهُ يَقْطُرُ مَاءً وَإِنْ لَمْ يُصِبْهُ بَلَلٌ } . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهُ { مُتَّكِئًا عَلَى رَجُلَيْنِ أَوْ عَلَى عَوَاتِقِ رَجُلَيْنِ } شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي فِي لَفْظِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ شَكًّا مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ مُتَّكِئًا عَلَى عَوَاتِقِهِمَا فَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَيْهِمَا فَلَا يَصِحُّ تَرْدِيدُ الْمُتَكَلِّمِ بَيْنَهُمَا وَأَمَّا النَّاقِلُ فَقَدْ يَشُكُّ فِي اللَّفْظِ فَيَتَحَرَّى وَلَوْ رُوِيَ بِالْمَعْنَى لَمْ يَحْتَجْ لِذَلِكَ . ( التَّاسِعَةُ ) الْعَوَاتِقُ جَمْعُ عَاتِقٍ وَهُوَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ وَالْعُنُقِ قَالَهُ فِي الْمُحْكَمِ وَقَالَهُ النَّوَوِيُّ هُنَا وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ هُوَ الْمَنْكِبُ وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ مَوْضِعُ الرِّدَاءِ مِنْ الْمَنْكِبِ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ إلَى أَصْلِ الْعُنُقِ هَذَا قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ هُوَ مَوْضِعُ الرِّدَاءِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَفِيهِ لُغَتَانِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ وَالتَّذْكِيرُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ التَّأْنِيثُ أَنْكَرُ لَيْسَ يَثْبُتُ وَزَعَمُوا أَنَّ هَذَا الْبَيْتَ مَصْنُوعٌ وَهُوَ لَا صُلْحَ بَيْنِي فَاعْلَمُوهُ وَلَا بَيْنَكُمْ مَا حَمَلَتْ عَاتِقِي قَالَ اللِّحْيَانِيُّ هُوَ مُذَكَّرٌ لَا غَيْرَ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَأَمَّا طَوَافُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بِالْبَيْتِ فَإِنْ كَانَتْ رُؤْيَا عَيْنٍ فَعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ حَيٌّ لَمْ يَمُتْ قَالَ النَّوَوِيُّ يَعْنِي فَلَا امْتِنَاعَ فِي طَوَافِهِ حَقِيقَةً قَالَ الْقَاضِي وَإِنْ كَانَتْ رُؤْيَا مَنَامٍ كَمَا بَيَّنَهُ ابْنُ عُمَرَ فِي حَدِيثِهِ فَهَذَا مُحْتَمِلٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَلِتَأْوِيلِ الرُّؤْيَا وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا ذُكِرَ مِنْ طَوَافِ الدَّجَّالِ بِالْبَيْتِ وَأَنَّ ذَلِكَ رُؤْيَا إذْ قَدْ وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ مَعَ أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ لَمْ يَذْكُرْ طَوَافَ الدَّجَّالِ وَهُوَ أَثْبَتُ مِمَّنْ رَوَى طَوَافَهُ لِمَا قُلْنَا ( قُلْت ) سَوَاءٌ أَكَانَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ طَافَ أَمْ لَا فَفِيهِ أَنَّهُ رَآهُ بِمَكَّةَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَظَاهِرُهُ الْمُنَافَاةُ لِنَفْيِ دُخُولِهِ مَكَّةَ إلَّا أَنْ يُؤَوَّلَ . فَلَا تَتَوَقَّفُ الْمُنَافَاةُ عَلَى طَوَافِهِ ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ يُقَالُ إنَّ تَحْرِيمَ دُخُولِهَا عَلَيْهِ إنَّمَا هُوَ فِي زَمَنِ فِتْنَتِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى جَوَازِ طَوَافِ الْمُتَّكِئِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا إنَّمَا الْخِلَافُ فِي طَوَافِ الْمَحْمُولِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يُجِيزُ الطَّوَافَ عَلَى الدَّابَّةِ وَلِلْمَحْمُولِ بِغَيْرِ عُذْرٍ بِمَا ذُكِرَ مِنْ طَوَافِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى مَنَاكِبِ رَجُلَيْنِ وَمَالِكٌ لَا يُجِيزُهُ إلَّا لِعُذْرٍ وَيُجَابُ عَنْهُ فِي قِصَّةِ عِيسَى بِأَنَّهَا مَنَامٌ كَمَا رُوِيَ أَوْ مُحْتَمِلَةٌ لِلْمَنَامِ أَوْ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْوَاجِبِ أَوْ لَعَلَّهُ لِعُذْرٍ أَوْ لِأَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا غَيْرُ لَازِمٍ لَنَا ( قُلْت ) وَلَا يَلْزَمُ مِنْ صِحَّةِ طَوَافِ الْمُتَّكِئِ صِحَّةُ طَوَافِ الْمَحْمُولِ ، وَالنِّزَاعُ إنَّمَا هُوَ فِي الثَّانِي وَالْأَوَّلُ لَيْسَ هُوَ مَوْضِعَ خِلَافٍ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى تَكَلُّفِ الْجَوَابِ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِي صَلَاةِ الْمُتَّكِئِ عَلَى غَيْرِهِ وَالْمُسْتَنِدِ إلَى شَيْءٍ أَنَّهُ إنَّ سُلِبَ اسْمُ الْقِيَامِ بِحَيْثُ إنَّهُ لَوْ رَفَعَ قَدَمَيْهِ عَنْ الْأَرْضِ لَأَمْكَنَهُ الْبَقَاءُ فَهُوَ مُعَلِّقٌ نَفْسَهُ وَلَيْسَ بِقَائِمٍ فَلَا تَصِحُّ صَلَاتُهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فَفِيهِ أَوْجُهٌ ( أَصَحُّهَا ) صِحَّةُ صَلَاتِهِ وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ رَفَعَ السِّنَادَ لَسَقَطَ . ( وَالثَّانِي ) عَدَمُ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا . وَ ( الثَّالِثُ ) التَّفْصِيلُ فَيَصِحُّ إنْ كَانَ بِحَيْثُ لَوْ رَفَعَ السِّنَادَ لَمْ يَسْقُطْ وَإِلَّا فَلَا وَلَا يُتَّجَهُ مِثْلُ ذَلِكَ فِي الطَّوَافِ فَإِنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ الْقِيَامُ حَتَّى لَوْ طَافَ زَخْفًا صَحَّ مَعَ الْقُدْرَةِ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ وَحَكَاهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَكِنْ قَالَ إنَّهُ مَكْرُوهٌ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ لَا خِلَافَ فِي أَنَّهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ السِّينِ مُخَفَّفَةً وَاخْتُلِفَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهِ بِذَلِكَ . قَالَ الْوَاحِدِيُّ ذَهَبَ أَبُو عُبَيْدٍ وَاللَّيْثُ إلَى أَنَّ أَصْلَهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مُشِيحًا فَعَرَّبَتْهُ الْعَرَبُ وَغَيَّرَتْ لَفْظَهُ كَمَا قَالُوا مُوسَى وَأَصْلُهُ مُوَشَّى أَوْ مِيسَا بِالْعِبْرَانِيَّةِ فَلَمَّا عَرَّبُوهُ غَيَّرُوهُ فَعَلَى هَذَا لَا اشْتِقَاقَ لَهُ قَالَ وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّهُ مُشْتَقٌّ وَكَذَا قَالَ غَيْرُهُ إنَّهُ مُشْتَقٌّ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ ثُمَّ اخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَمْسَحْ ذَا عَاهَةٍ إلَّا بَرَأَ قَالَ إبْرَاهِيمُ وَابْنُ الْأَعْرَابِيِّ الْمَسِيحُ الصِّدِّيقُ وَقِيلَ لِكَوْنِهِ مَسِيحَ أَسْفَلِ الْقَدَمَيْنِ لَا أَخْمَصَ لَهُ وَقِيلَ لِمَسْحِ زَكَرِيَّا إيَّاهُ وَقِيلَ لِمَسْحِهِ الْأَرْضَ أَيْ قَطْعِهَا . وَقِيلَ لِأَنَّهُ خَرَجَ مِنْ بَطْنِ أُمِّهِ مَمْسُوحًا بِالدُّهْنِ وَقِيلَ لِأَنَّهُ مُسِحَ بِالْبَرَكَةِ حِينَ وُلِدَ وَقِيلَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَسَحَهُ أَيْ خَلَقَهُ خَلْقًا حَسَنًا وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ جَعْدٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَقَوْلُهُ قَطَطٍ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالطَّاءِ الْأُولَى هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ كَسْرَهَا أَيْضًا وَالشَّعْرُ الْجَعْدُ هُوَ الَّذِي فِيهِ تَقَبُّضٌ وَالْتِوَاءٌ ضِدُّ الْبَسْطِ وَهُوَ الْمُسْتَرْسِلُ وَالْقَطَطُ هُوَ شَدِيدُ الْجُعُودَةِ قَالَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُمَا وَكَذَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ ثُمَّ قَالَ وَقِيلَ الْحَسَنُ الْجُعُودَةِ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَكْثَرُ وَقَالَ الْهَرَوِيُّ وَالْجَعْدُ فِي صِفَاتِ الرِّجَالِ يَكُونُ مَدْحًا وَيَكُونُ ذَمًّا فَإِذَا كَانَ ذَمًّا فَلَهُ مَعْنَيَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) الْقَصِيرُ الْمُتَرَدِّدُ الْحَلْقِ . ( وَالْآخَرُ ) الْبَخِيلُ يُقَالُ رَجُلٌ جَعْدُ الْيَدَيْنِ وَجَعْدُ الْأَصَابِعِ أَيْ بَخِيلٌ وَإِذَا كَانَ مَدْحًا فَلَهُ أَيْضًا مَعْنَيَانِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ سَدِيدَ الْحَلْقِ وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ شَعْرُهُ جَعْدًا غَيْرَ سَبْطٍ فَيَكُونُ مَدْحًا لِأَنَّ السُّبُوطَةَ أَكْثَرُهَا فِي شُعُورِ الْعَجَمِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ غَيْرُ الْهَرَوِيِّ الْجَعْدُ فِي صِفَةِ الرِّجَالِ ذَمٌّ وَفِي صِفَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مَدْحٌ ( قُلْت ) تَقَدَّمَ فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى أَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَصَفَ عِيسَى بِالسُّبُوطَةِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا { فَأَمَّا عِيسَى فَأَحْمَرُ جَعْدٌ عَرِيضُ الصَّدْرِ } فَتَبَيَّنَ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ وُصِفَ بِالْجُعُودَةِ . { الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ } قَوْلُهُ { كَأَنَّهَا عِنَبَةٌ طَافِيَةٌ } رُوِيَ بِالْهَمْزِ وَبِغَيْرِ هَمْزٍ فَمَنْ هَمَزَ فَمَعْنَاهُ ذَهَبَ ضَوْءُهَا وَمَنْ لَمْ يَهْمِزْ فَمَعْنَاهُ نَاتِئَةٌ بَارِزَةٌ ثُمَّ إنَّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّهُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُمْنَى وَهُوَ الْمَشْهُورُ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُ أَعْوَرُ الْعَيْنِ الْيُسْرَى وَقَدْ ذَكَرَهُمَا جَمِيعًا مُسْلِمٌ فِي آخِرِ صَحِيحِهِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَوَيْنَا هَذَا الْحَرْفَ وَهُوَ طَافِيَةٌ عَنْ أَكْثَرِ شُيُوخِنَا بِغَيْرِ هَمْزٍ وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ أَكْثَرُهُمْ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الْأَخْفَشُ وَمَعْنَاهُ نَاتِئَةٌ كَنُتُوءِ حَبَّةِ الْعِنَبِ مِنْ بَيْنِ صَوَاحِبِهَا وَضَبَطَهُ بَعْضُ شُيُوخِنَا بِالْهَمْزَةِ وَأَنْكَرَهُ بَعْضُهُمْ وَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِهِ وَقَدْ وُصِفَ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَمْسُوحُ الْعَيْنِ وَأَنَّهَا لَيْسَتْ حَجَرًا وَلَا نَاتِئَةً وَأَنَّهَا مَطْمُوسَةٌ وَهَذِهِ صِفَةُ حَبَّةِ الْعِنَبِ إذَا سَالَ مَاؤُهَا وَهَذَا يُصَحِّحُ رِوَايَةَ الْهَمْزِ . وَأَمَّا مَا جَاءَ فِي الْأَحَادِيثِ الْأُخَرِ جَاحِظُ الْعَيْنِ وَكَأَنَّهَا كَوْكَبٌ وَفِي رِوَايَةٍ { لَهَا حَدَقَةٌ جَاحِظَةٌ كَأَنَّهَا نُخَاعَةٌ فِي حَائِطٍ } فَيُصَحِّحُ رِوَايَةَ تَرْكِ الْهَمْزِ لَكِنْ يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَتُصَحَّحُ الرِّوَايَاتُ جَمِيعًا بِأَنْ تَكُونَ الْمَطْمُوسَةَ وَالْمَمْسُوحَةَ وَاَلَّتِي لَيْسَتْ حَجَرًا وَلَا نَاتِئَةً هِيَ الْعَوْرَاءُ الطَّائِفَةُ بِالْهَمْزِ وَهِيَ الْعَيْنُ الْيُمْنَى كَمَا جَاءَ هُنَا وَتَكُونُ الْجَاحِظَةُ وَاَلَّتِي كَأَنَّهَا كَوْكَبٌ وَكَأَنَّهَا نُخَاعَةٌ هِيَ الطَّافِيَةُ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَهِيَ الْعَيْنُ الْيُسْرَى كَمَا جَاءَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَهَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَالرِّوَايَاتِ فِي الطَّافِئَةِ بِالْهَمْزِ وَبِتَرْكِهِ وَأَعْوَرُ الْيُمْنَى وَالْيُسْرَى لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَوْرَاءُ فَإِنَّ الْأَعْوَرَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ الْمَعِيبُ لَا سِيَّمَا مَا يَخْتَصُّ بِالْعَيْنِ وَكِلَا عَيْنَيْ الدَّجَّالِ مَعِيبَةٌ عَوْرَاءُ فَإِحْدَاهُمَا بِذَهَابِهَا ، وَالْأُخْرَى بِعَيْبِهَا انْتَهَى كَلَامُ الْقَاضِي . وَحَكَاهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ ثُمَّ قَالَ وَهُوَ فِي نِهَايَةٍ مِنْ الْحُسْنِ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ حَدِيثَ أَعْوَرِ الْعَيْنِ الْيُمْنَى أَثْبَتُ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ فَأَشَارَ إلَى التَّرْجِيحِ وَالْجَمْعِ إنْ أَمْكَنَ مُقَدَّمٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ } الْمَشْهُورُ فِي لَفْظِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ السِّينِ مُخَفَّفَةً وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ كَالْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَّا أَنَّ هَذَا مَسِيحُ الْهُدَى وَذَاكَ مَسِيحُ الضَّلَالَةِ وَضَبْطُ الدَّجَّالِ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أُخْرَى ( أَحَدُهَا ) كَسْرُ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْضًا . وَ ( الثَّانِي ) فَتْحُ الْمِيمِ وَتَخْفِيفُ السِّينِ وَبِالْحَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَ ( الثَّالِثُ ) كَسْرُ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَسْطُ ذَلِكَ فِي بَابِ الدُّعَاءِ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ بَابُ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ { { أَنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } ، قَالَتْ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَنَاةُ صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّا كُنَّا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ ، فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطُوفَ بِهِمَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } } ذَكَرَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ أَنَّ الْبُخَارِيَّ ذَكَرَهُ تَعْلِيقًا وَلَمْ أَرَهُ فِيهِ . وَقَدْ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ { عَنْ عُرْوَةَ سَأَلْت عَائِشَةَ فَقُلْت لَهَا : أَرَأَيْت قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى { إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } فَوَاَللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَلَّا يَطَّوَّفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، قَالَتْ بِئْسَ مَا قُلْت يَا ابْنَ أُخْتِي إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتُهَا عَلَيْهِ كَانَتْ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَلَّا يَطُوفَ بِهِمَا وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ الْمُشَلَّلِ فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } قَالَتْ عَائِشَةُ وَقَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ { بَابُ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ } عَنْ عُرْوَةَ { عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } قَالَتْ كَانَ رِجَالٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَمَنَاةُ صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّا كُنَّا نَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطُوفَ بِهِمَا ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ تَعْلِيقًا مَجْزُومًا بِهِ فَقَالَ وَقَالَ مَعْمَرٌ بِهِ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ { قَالَ عُرْوَةُ سَأَلْت عَائِشَةَ فَقُلْت لَهَا أَرَأَيْتِ قَوْلَ اللَّهِ تَعَالَى { إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوْ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا } فَوَاَللَّهِ مَا عَلَى أَحَدٍ جُنَاحٌ أَنْ لَا يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ . قَالَتْ بِئْسَ مَا قُلْتَ يَا ابْنَ أُخْتِي إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ لَوْ كَانَتْ كَمَا أَوَّلْتهَا عَلَيْهِ لَكَانَتْ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطُوفَ بِهِمَا وَلَكِنَّهَا أُنْزِلَتْ فِي الْأَنْصَارِ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا عِنْدَ الْمُشَلَّلِ فَكَانَ مَنْ أَهَلَّ يَتَحَرَّجُ أَنْ يَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَمَّا أَسْلَمُوا سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا كُنَّا نَتَحَرَّجُ أَنْ نَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ { إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } الْآيَةَ . قَالَتْ عَائِشَةُ وَقَدْ بَيَّنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا } . اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ . وَمِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ كُلِّهِمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَلَفْظُ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَعُقَيْلٍ بِنَحْوِ لَفْظِ شُعَيْبٍ وَلَفْظُ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ { عَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ أَخْبَرَتْهُ أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا هُمْ وَغَسَّانُ يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ فَتَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةً فِي آبَائِهِمْ مَنْ أَحْرَمَ لِمَنَاةَ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَنَّهُمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ حِينَ أَسْلَمُوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ فِي ذَلِكَ { إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } الْآيَةَ } . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ حَمَّادِ بْنِ أُسَامَةَ وَمُسْلِمٌ وَحْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مُعَاوِيَةَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ . { الثَّانِيَةُ } الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ جَبَلَا السَّعْيِ اللَّذَانِ يُسْعَى مِنْ أَحَدِهِمَا إلَى الْآخَرِ وَالصَّفَا فِي الْأَصْلِ جَمْعُ صَفَاةٍ وَهِيَ الصَّخْرَةُ وَالْحَجَرُ الْأَمْلَسُ وَالْمَرْوَةُ فِي الْأَصْلِ حَجَرٌ أَبْيَضُ بَرَّاقٌ وَقِيلَ هِيَ الْحِجَارَةُ الَّتِي تُقْدَحُ مِنْهَا النَّارُ { الثَّالِثَةُ } قَالَ الْأَزْهَرِيُّ الشَّعَائِرُ الْمَعَالِمُ الَّتِي نَدَبَ اللَّهُ إلَيْهَا وَأَمَرَ بِالْقِيَامِ عَلَيْهَا وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ شَعَائِرُ الْحَجِّ آثَارُهُ وَعَلَامَاتُهُ جَمْعُ شَعِيرَةٍ وَقِيلَ هُوَ كُلُّ مَا كَانَ مِنْ أَعْمَالِهِ كَالْوُقُوفِ وَالطَّوَافِ وَالسَّعْيِ وَالرَّمْيِ وَالذَّبْحِ وَغَيْرِ ذَلِكَ وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ الشَّعَائِرُ أَعْمَالُ الْحَجِّ وَكُلُّ مَا جُعِلَ عَلَمًا لِطَاعَةِ اللَّهِ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ الْوَاحِدُ شَعِيرَةٌ قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ شَعَارَةٌ وَالْمَشَاعِرُ مَوَاضِعُ الْمَنَاسِكِ . { الرَّابِعَةُ } اسْتَدَلَّ عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ بِهَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ لَيْسَ بِوَاجِبٍ لِأَنَّهَا دَلَّتْ عَلَى رَفْعِ الْجُنَاحِ وَهُوَ الْإِثْمُ عَنْ فَاعِلِهِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى إبَاحَتِهِ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لِمَا قِيلَ فِيهِ مِثْلُ هَذَا وَرَدَّتْ عَلَيْهِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِأَنَّهَا إنَّمَا كَانَتْ تَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ لَوْ كَانَ لَفْظُهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطُوفَ بِهِمَا فَإِنَّهَا حِينَئِذٍ كَانَتْ تَدُلُّ عَلَى رَفْعِ الْإِثْمِ عَنْ تَارِكِهِ وَذَلِكَ حَقِيقَةُ الْمُبَاحِ بَلْ هِيَ سَاكِتَةٌ عَنْ الْوُجُوبِ وَعَدَمِهِ وَيُسْتَفَادُ الْوُجُوبُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ وَالْحِكْمَةُ فِي التَّعْبِيرِ بِنَفْيِ الْإِثْمِ الْمُطَابَقَةُ لِجَوَابِ سُؤَالِ الْأَنْصَارِ عَنْ ذَلِكَ هَلْ فِيهِ إثْمٌ فَأُجِيبُوا بِأَنَّهُ لَا إثْمَ فِيهِ : قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا مِنْ دَقِيقِ عِلْمِهَا وَفَهْمِهَا الثَّاقِبِ ، وَكَبِيرِ مَعْرِفَتِهَا بِدَقَائِقِ الْأَلْفَاظِ ، . قَالَ وَقَدْ يَكُونُ الْفِعْلُ وَاجِبًا وَيَعْتَقِدُ إنْسَانٌ إنَّهُ يَمْتَنِعُ إيقَاعُهُ عَلَى صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ وَذَلِكَ كَمَنْ عَلَيْهِ صَلَاةُ الظُّهْرِ وَظَنَّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ فِعْلُهَا عِنْدَ غُرُوبِ الشَّمْسِ فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فَيُقَالُ فِي جَوَابِهِ لَا جُنَاحَ عَلَيْك إنْ صَلَّيْتهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ فَيَكُونُ جَوَابًا صَحِيحًا وَلَا يَقْتَضِي نَفْيَ وُجُوبِ صَلَاةِ الظُّهْرِ انْتَهَى . وَقَدْ اُسْتُدِلَّ عَلَى الْوُجُوبِ بِأُمُورٍ : ( أَحَدُهَا ) مَا رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رِوَايَةِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ قَالَتْ أَخْبَرَتْنِي ابْنَةُ أَبِي تَجْرَاةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { اسْعَوْا فَإِنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَيْكُمْ السَّعْيَ } . وَرَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ عَنْ نِسْوَةٍ مِنْ بَنِي عَبْدِ الدَّارِ أَنَّهُنَّ سَمِعْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ اسْتَقْبَلَ النَّاسَ فِي الْمَسْعَى وَقَالَ { يَا أَيُّهَا النَّاسُ اسْعَوْا فَإِنَّ السَّعْيَ قَدْ كُتِبَ عَلَيْكُمْ } . وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ الطَّرِيقَ الْأَوَّلَ وَقَالَ لَيْسَ بِقَوِيٍّ وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ فِيهِ اضْطِرَابٌ ثُمَّ ذَكَرَ الطَّرِيقَ الثَّانِيَ فِي آخِرِ كَلَامِهِ وَقَالَ إسْنَادُهُ حَسَنٌ فَعَدَّ ذَلِكَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ تَنَاقُضًا وَقَالَ اخْتَلَفَ فِيهِ النَّوَوِيُّ وَجَوَابُهُ أَنَّ ذَلِكَ بِاعْتِبَارِ طَرِيقَيْنِ فَإِنَّ فِي الْأَوَّلِ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُؤَمَّلِ وَلَيْسَ فِي الثَّانِي فَلِذَلِكَ ضَعُفَ الْأَوَّلُ وَحَسُنَ الثَّانِي قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي الْإِشْرَافِ إنْ ثَبَتَ حَدِيثُ بِنْتِ أَبِي تَجْرَاةَ وَجَبَ فَرْضُ السَّعْيِ ، وَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ فَلَا أَعْلَمُ دَلَالَةً تُوجِبُهُ . وَاَلَّذِي رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ وَقَدْ تَكَلَّمُوا فِي حَدِيثِهِ ا هـ وَقَدْ أَشَارَ الْإِسْنَوِيُّ فِي بَقِيَّةِ كَلَامِهِ لِذَلِكَ فَقَالَ وَحَسَّنَهُ أَيْضًا الشَّيْخُ زَكِيُّ الدِّينِ فِي كَلَامِهِ عَلَى أَحَادِيثِ الْمُهَذَّبِ إلَّا أَنَّ الْحَدِيثَ الْمَذْكُورَ رُوِيَ بِإِسْنَادَيْنِ انْتَهَى وَمَعَ ذَلِكَ فَفِي جَعْلِهِمَا طَرِيقَيْنِ وَتَضْعِيفِ الْأَوَّلِ وَتَحْسِينِ الثَّانِي نَظَرٌ فَهُوَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ مَدَارُهُ عَلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ شَيْبَةَ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ وَقَدْ سَلَكَ ذَلِكَ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَتَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّ فِيهِ اضْطِرَابًا لَكِنَّهُ قَالَ فِي الِاسْتِذْكَارِ اضْطَرَبَ فِيهِ غَيْرُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي نُعَيْمٍ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ عَلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُؤَمَّلِ وَجَوَّدُوا إسْنَادَهُ وَمَعْنَاهُ وَقَدْ رَوَاهُ مَعَهُ ابْنُ الْمُؤَمَّلِ غَيْرُهُ وَابْنُ الْمُؤَمَّلِ لَمْ يَطْعَنْ عَلَيْهِ أَحَدٌ إلَّا مِنْ سُوءِ حِفْظِهِ وَلَمْ يُخَالِفْهُ فِيهِ غَيْرُهُ فَيَتَبَيَّنُ فِيهِ سُوءُ حِفْظِهِ . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهَذَا عِنْدَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى إيجَابِ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ مِنْ قِبَلِ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَحْتَمِلُ إلَّا السَّعْيَ بَيْنَهُمَا أَوْ السَّعْيَ فِي بَطْنِ الْوَادِي فَإِذَا وَجَبَ السَّعْيُ فِي بَطْنِ الْوَادِي وَهُوَ بَعْضُ الْعَمَلِ وَجَبَ فِي كُلِّهِ انْتَهَى . ( الثَّانِي ) اسْتَدَلَّ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا وَقَوْلِهَا فِيهِ ثُمَّ { قَدْ سَنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا } وَبِقَوْلِهَا فِيهِ أَيْضًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ { وَلَعَمْرِي مَا أَتَمَّ اللَّهُ حَجَّ مَنْ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ } . ( الثَّالِثُ ) اسْتَدَلَّ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا { بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَسْعَى بَيْنَهُمَا فِي حَجِّهِ وَعُمْرَتِهِ وَقَالَ خُذُوا عَنَى مَنَاسِكَكُمْ } . ( الرَّابِعُ ) وَاسْتَدَلَّ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا بِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ : سَأَلْنَا ابْنَ عُمَرَ عَنْ رَجُلٍ قَدِمَ بِعُمْرَةٍ فَطَافَ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ أَيَأْتِي امْرَأَتَهُ : فَقَالَ { قَدِمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَافَ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَصَلَّى خَلْفَ الْمَقَامِ رَكْعَتَيْنِ وَطَافَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا وَقَالَ { لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ } } . وَقَالَ عَمْرٌو ( سَأَلْنَا جَابِرًا فَقَالَ لَا يُقَرُّ بِهَا حَتَّى يَطُوفَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ) . ( الْخَامِسُ ) اسْتَدَلَّ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى ذَلِكَ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ { قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُنِيخٌ بِالْبَطْحَاءِ فَقَالَ : حَجَجْتَ ؟ فَقُلْتُ نَعَمْ ، فَقَالَ بِمَ أَهْلَلْتَ ، فَقُلْتُ لَبَّيْكَ بِإِهْلَالٍ كَإِهْلَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ قَدْ أَحْسَنْتَ ، طُفْ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَأَحِلَّ } . قَالَ ابْنُ حَزْمٍ بِهَذَا صَارَ السَّعْيُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فِي الْعُمْرَةِ فَرْضًا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَقْوَالٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ لَا يَصِحُّ إلَّا بِهِ وَكَذَلِكَ فِي الْعُمْرَةِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، وَعَنْ مُجَاهِدٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّهُمَا قَالَا : إذَا أُنْسِيَ الطَّوَافَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهُوَ حَاجٌّ فَعَلَيْهِ الْحَجُّ فَإِنْ كَانَ مُعْتَمِرًا فَعَلَيْهِ الْعُمْرَةُ وَلَا يُجْزِيهِ إلَّا الطَّوَافُ بَيْنَهُمَا وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَقَالَ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ . ( الثَّانِي ) أَنَّهُ وَاجِبٌ وَيُجْبَرُ تَرْكُهُ بِالدَّمِ وَيَصِحُّ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ بِدُونِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَرِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ الْأَصَحُّ عَنْهُ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ قَتَادَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الثَّوْرِيِّ أَنَّهُ إنْ نَسِيَهُ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ أَجْزَأَهُ دَمٌ وَعَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ إنْ تَرَكَهُ عَمْدًا أَوْ نِسْيَانًا فَعَلَيْهِ دَمٌ وَذَكَرَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنْ ( لَا جُنَاحَ ) يُسْتَعْمَلُ مِثْلُهُ لِلْإِبَاحَةِ فَيَنْفِي الرُّكْنِيَّةَ وَالْإِيجَابَ إلَّا أَنَّا عَدَلْنَا عَنْهُ فِي الْإِيجَابِ وَلِأَنَّ الرُّكْنِيَّةَ لَا تَثْبُتُ إلَّا بِدَلِيلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ وَلَمْ يُوجَدْ . ثُمَّ مَعْنَى مَا رُوِيَ كُتِبَ اسْتِحْبَابًا كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ } الْآيَةَ انْتَهَى . ( فَإِنْ قُلْت ) قَدْ قَالَ أَوَّلًا بِالْوُجُوبِ فَكَيْفَ قَالَ آخِرًا بِالِاسْتِحْبَابِ ؟ ( قُلْت ) لَمْ يَقُلْ آخِرًا بِالِاسْتِحْبَابِ وَإِنَّمَا قَالَ إنَّ مِثْلَ هَذِهِ الصِّيغَةِ وَهِيَ كُتِبَ تُسْتَعْمَلُ فِي الِاسْتِحْبَابِ كَمَا فِي الْآيَةِ الَّتِي اسْتَشْهَدَ بِهَا ثُمَّ هُوَ مُنَازَعٌ فِيمَا ذَكَرَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بَلْ هِيَ عَلَى بَابِهَا مِنْ الْوُجُوبِ وَكَانَتْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْمَوَارِيثِ ثُمَّ نُسِخَتْ بِهَا كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي التَّفْسِيرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثُ ) أَنَّهُ سُنَّةٌ لَيْسَ بِرُكْنٍ وَلَا وَاجِبٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ إنْ شَاءَ سَعَى وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَسْعَ وَعَنْ عَطَاءٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى عَلَى مَنْ لَمْ يَسْعَ شَيْئًا ، قِيلَ لَهُ قَدْ تَرَكَ شَيْئًا مِنْ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ . وَكَانَ يُفْتِي فِي الْعَلَانِيَةِ بِدَمٍ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَانَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ وَابْنُ سِيرِينَ يَقُولُونَ هُوَ تَطَوُّعٌ ، وَقَدْ رَوَيْنَا أَنَّ فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطُوفَ بِهِمَا وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ كَانَ يَقْرَأُ ( فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَطُوفَ بِهِمَا ) ثُمَّ قَالَ هَذَا قَوْلٌ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَا إدْخَالٌ مِنْهُ فِي الْقُرْآنِ ثُمَّ حَكَى ابْنُ حَزْمٍ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَمَيْمُونِ بْنِ مِهْرَانَ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ هَذِهِ الْقِرَاءَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَنَّهُ قَالَ فَنَسَخَتْهَا هَذِهِ الْآيَةُ { وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إبْرَاهِيمَ إلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ } فَلَمَّا نَزَلَتْ طَافُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ، قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ إنْ صَحَّتْ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ فِيهِ صَارَ إلَى الْوُجُوبِ . ( الرَّابِعُ ) أَنَّ عَلَى مَنْ تَرَكَ السَّعْيَ أَنْ يَأْتِيَ بِعُمْرَةٍ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ طَاوُسٍ وَحَكَاهُ عَنْهُ أَيْضًا ابْنُ الْمُنْذِرِ . ( الْخَامِسُ ) أَنَّهُ إنْ تَرَكَ مِنْ السَّعْيِ أَرْبَعَةَ أَشْوَاطٍ فَعَلَيْهِ دَمٌ وَإِنْ تَرَكَ دُونَهَا لَزِمَ لِكُلِّ شَوْطٍ نِصْفُ صَاعٍ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَحَكَاهُ الدَّارِمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ وَحَكَى ابْنُ الْقَطَّانِ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ قَوْلًا كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَهَذَا الْقَوْلُ شَاذٌّ غَلَطٌ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا أَنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ حَكَى هَذَا عَنْ طَاوُسٍ وَإِنَّمَا رَأَيْته حَكَى عَنْ طَاوُسٍ الْقَوْلَ الَّذِي قَبْلَهُ وَحَكَى هَذَا عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَأَنَّهُ سَقَطَ مِنْ نُسْخَةِ النَّوَوِيِّ هُنَا شَيْءٌ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَاخْتُلِفَ عَنْ عَطَاءٍ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا شَيْءَ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ عَلَيْهِ دَمٌ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ يُطْعِمُ مَسَاكِينَ أَوْ يَذْبَحُ شَاةً يُطْعِمُهَا الْمَسَاكِينَ انْتَهَى وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الْأَخِيرَةُ عَنْ عَطَاءٍ قَوْلٌ سَادِسٌ وَاعْلَمْ أَنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ حَكَى إجْمَاعَ الْأُمَّةِ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ رُكْنٌ فِي الْعُمْرَةِ وَجَعَلَ الْخِلَافَ فِي الْحَجِّ فَقَطْ وَلَمْ أَرَ لِغَيْرِهِ تَعَرُّضًا لِذَلِكَ وَيُخَالِفُهُ صَرِيحًا كَلَامُ ابْنِ حَزْمٍ فَإِنَّهُ حَكَى الْخِلَافَ فِي الْعُمْرَةِ وَحَكَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ الْعُمْرَةُ الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ وَكَذَلِكَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ حَكَى الْخِلَافَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَصَاحِبَيْهِ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ . { الْخَامِسَةُ } مَنَاةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالنُّونِ فَسَّرَهُ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ صَنَمٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ { لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ } وَهُوَ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِهَا وَآخِرُهُ لَامٌ أَيْضًا وَهُوَ صَنَمٌ كَانَ نَصَبَهُ عَمْرُو بْنُ لُحَيٍّ بِجِهَةِ الْبَحْرِ بِالْمُشَلَّلِ مِمَّا يَلِي قَدِيدًا وَقَالَ ابْنُ الْكَلْبِيِّ مَنَاةُ صَخْرَةٌ لِهُذَيْلٍ بِقَدِيدٍ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ طَرِيقِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ يُقَالُ لَهُمَا إسَافُ وَنَائِلَةُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ كَذَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَهُوَ غَلَطٌ وَالصَّوَابُ مَا تَقَدَّمَ وَإِسَافُ وَنَائِلَةُ لَمْ يَكُونَا قَطُّ فِي نَاحِيَةِ الْبَحْرِ وَإِنَّمَا كَانَا فِيمَا يُقَالُ رَجُلًا وَامْرَأَةً قِيلَ كَانَا مِنْ خَيْرِهِمْ فَزَنَيَا دَاخِلَ الْكَعْبَةِ فَمَسَخَهُمَا اللَّهُ حَجَرَيْنِ فَنُصِبَا عِنْدَ الْكَعْبَةِ وَقِيلَ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِتَعْتَبِرَ النَّاسُ بِهِمَا وَيَتَّعِظُوا ثُمَّ حَوَّلَهُمَا قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ فَجَعَلَ أَحَدَهُمَا مُلَاصِقَ الْكَعْبَةِ وَالْآخَرَ بِزَمْزَمَ وَقِيلَ جَعَلَهُمَا بِزَمْزَمَ وَنَحَرَ عِنْدَهُمَا وَأَمَرَ بِعِبَادَتِهِمَا { فَلَمَّا فَتَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ كَسَرَهُمَا } . { السَّادِسَةُ } فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْأَنْصَارَ إنَّمَا تَوَقَّفُوا فِي الطَّوَافِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ بَيْنَهُمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ تَعْظِيمًا لِمَنَاةَ فَخَشُوا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِ الْجَاهِلِيَّةِ الَّذِي أَبْطَلَهُ الشَّرْعُ وَيُخَالِفُهُ بَقِيَّةُ الرِّوَايَاتِ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَإِنَّهَا مُتَّفِقَةٌ عَلَى أَنَّ الْمُهَلِّينَ لِمَنَاةَ لَمْ يَكُونُوا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَاسْتَمَرُّوا فِي الْإِسْلَامِ عَلَى مَا اعْتَادُوهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ حَتَّى سَأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ وَمِنْ أَصْرَحِهَا فِي ذَلِكَ رِوَايَةُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فَإِنَّ لَفْظَهَا { وَإِنَّمَا كَانَ مَنْ أَهَلَّ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ الَّتِي بِالْمُشَلَّلِ لَا يَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَمَّا كَانَ الْإِسْلَامُ سَأَلْنَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ } . وَرِوَايَةُ يُونُسَ فَإِنَّ لَفْظَهَا { إنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا قَبْلَ أَنْ يُسْلِمُوا هُمْ وَغَسَّانُ يُهِلُّونَ لِمَنَاةَ الطَّاغِيَةِ فَتَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَكَانَ ذَلِكَ سُنَّةً فِي آبَائِهِمْ مَنْ أَحْرَمَ لِمَنَاةَ لَمْ يَطُفْ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ } . وَالرِّوَايَاتُ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ أَيْضًا فَرِوَايَةُ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْهُ وَافَقَ رِوَايَةَ الْمُصَنِّفِ وَلَفْظُهَا { إنَّمَا كَانَ ذَاكَ أَنَّ الْأَنْصَارَ كَانُوا يُهِلُّونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ لِصَنَمَيْنِ عَلَى شَطِّ الْبَحْرِ يُقَالُ لَهُمَا إسَافُ وَنَائِلَةُ ثُمَّ يَجِيئُونَ فَيَطُوفُونَ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ثُمَّ يَحْلِقُونَ فَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ كَرِهُوا أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَهُمَا لِلَّذِي كَانُوا يَصْنَعُونَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ } . وَرِوَايَةُ أَبِي أُسَامَةَ تُخَالِفُهَا وَلَفْظُهَا { إنَّمَا أَنْزَلَ اللَّهُ هَذَا فِي أُنَاسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانُوا إذَا أَهَلُّوا أَهَلُّوا لِمَنَاةَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ فَلَا يَحِلُّ لَهُمْ أَنْ يَطُوفُوا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ } . وَمِثْلُهَا فِي ذَلِكَ لَفْظُ رِوَايَةِ مَالِكٍ فَهِيَ كَرِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ الَّتِي سُقْتُهَا فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى وَهَذَا تَنَافٍ يَبْعُدُ الْجَمْعُ مَعَهُ وَلَعَلَّ الرِّوَايَاتِ بِتَرْكِهِمْ الطَّوَافَ بَيْنَهُمَا فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَرْجَحُ وَلَعَلَّهُمْ فَرِيقَانِ كَانَ بَعْضُهُمْ يَطُوفُ بَيْنَهُمَا وَبَعْضُهُمْ لَا يَفْعَلُهُ فَخَرَجَ الْفَرِيقَانِ مِنْ ذَلِكَ الطَّائِفُونَ لِكَوْنِهِ كَانَ مِنْ أَمْرِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . وَالتَّارِكُونَ تَمَسُّكًا بِعَادَتِهِمْ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَخْبَرْتُ أَبَا بَكْرِ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقَالَ إنَّ هَذَا الْعِلْمَ مَا كُنْتُ سَمِعْتُهُ وَلَقَدْ سَمِعْتُ رِجَالًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُونَ أَنَّ النَّاسَ إلَّا مَنْ ذَكَرَتْ عَائِشَةُ مِمَّنْ كَانَ يُهِلُّ لِمَنَاةَ كَانُوا يَطُوفُونَ كُلُّهُمْ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَلَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَذْكُرْ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ فِي الْقُرْآنِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نَطُوفُ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ فَلَمْ يَذْكُرْ الصَّفَا فَهَلْ عَلَيْنَا مِنْ حَرَجٍ أَنْ نَطُوفَ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { إنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ } الْآيَةَ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ فَاسْمَعْ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي الْفَرِيقَيْنِ كِلَاهُمَا فِي الَّذِينَ كَانُوا يَتَحَرَّجُونَ أَنْ يَطُوفُوا بِالْجَاهِلِيَّةِ بِالصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَاَلَّذِينَ كَانُوا يَطُوفُونَ ثُمَّ تَحَرَّجُوا أَنْ يَطُوفُوا بِهِمَا فِي الْإِسْلَامِ مِنْ أَجْلِ أَنَّ اللَّهَ أَمَرَ بِالطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلَمْ يَذْكُرْ الصَّفَا حَتَّى ذَكَرَ ذَلِكَ بَعْدَ مَا ذَكَرَ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَرِيبٌ مِنْهُ بَابُ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ ؛ قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ تَكْرَارُ التَّرَحُّمِ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا فَلَمَّا كَانَتْ الرَّابِعَةُ قَالَ { وَالْمُقَصِّرِينَ } وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ الْحُصَيْنِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ { قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ ظَاهَرْتَ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ وَاحِدَةً ؟ قَالَ إنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا زَادَ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ } { بَابُ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ } عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ ، قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ ، قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ ، قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ ، قَالُوا وَالْمُقَصِّرِينَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ } . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَحْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الثَّقَفِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَقَالَ فِيهِ فَلَمَّا كَانَتْ الرَّابِعَةُ قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ وَذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا فَقَالَ وَقَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ حَدَّثَنِي نَافِعٌ وَقَالَ فِي الرَّابِعَةِ وَالْمُقَصِّرِينَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ قَالَ { حَلَقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَلَقَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَصَّرَ بَعْضُهُمْ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ رَحِمَ اللَّهُ الْمُحَلِّقِينَ مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ قَالَ وَالْمُقَصِّرِينَ } . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ مِنْهُ تَعْلِيقًا { الثَّانِيَةُ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَهُمْ جَمِيعًا عَنْ مَالِكٍ وَكَذَا رَوَاهُ سَائِرُ أَصْحَابِ نَافِعٍ لَمْ يَذْكُرْ وَاحِدٌ مِنْهُمْ أَنَّهُ كَانَ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَهُوَ تَقْصِيرٌ وَحَذْفٌ وَالْمَحْفُوظُ أَنَّ دُعَاءَهُ لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً إنَّمَا جَرَى يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ حِينَ صُدَّ عَنْ الْبَيْتِ فَنَحَرَ وَحَلَقَ وَدَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ وَهَذَا مَعْرُوفٌ مَشْهُورٌ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَحَبَشِيِّ بْنِ جُنَادَةَ وَغَيْرِهِمْ ثُمَّ بَسَطَ ذَلِكَ . وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ وَقَالَ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي الْبَابِ خِلَافَ مَا قَالُوهُ فَذَكَرَ مَنْ عِنْدَ مُسْلِمٍ حَدِيثَ يَحْيَى بْنِ الْحُسَيْنِ عَنْ جَدَّتِهِ أَنَّهَا { سَمِعَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ دَعَا لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ مَرَّةً وَاحِدَةً } . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ كَانَ أَكْثَرُ مَنْ أَحْرَمَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّحَابَةِ لَيْسَ مَعَهُمْ هَدْيٌ وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ سَاقَ الْهَدْيَ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ فَإِنَّهُ لَا يَحْلِقُ حَتَّى يَنْحَرَ هَدْيَهُ فَلَمَّا أَمَرَ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَحِلَّ وَجَدُوا مِنْ ذَلِكَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَحَبُّوا أَنْ يَأْذَنَ لَهُمْ فِي الْمُقَامِ عَلَى إحْرَامِهِمْ حَتَّى يُكْمِلُوا الْحَجَّ وَكَانَتْ طَاعَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى بِهِمْ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بُدٌّ مِنْ الْإِحْلَالِ كَانَ الْقَصْرُ فِي نُفُوسِهِمْ أَخَفَّ مِنْ الْحَلْقِ فَمَالُوا إلَى الْقَصْرِ فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ أَخَّرَهُمْ فِي الدُّعَاءِ وَقَدَّمَ عَلَيْهِمْ مَنْ حَلَقَ وَبَادَرَ إلَى الطَّاعَةِ وَقَصَّرَ بِمَنْ تَهَيَّبَهُ وَحَادَ عَنْهُ ثُمَّ جَمَعَهُمْ فِي الدَّعْوَةِ وَعَمَّهُمْ بِالرَّحْمَةِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ثُمَّ قَالَ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ لَعَلَّهُ وَقَعَ فِيهِمَا مَعًا وَهُوَ الْأَقْرَبُ وَقَدْ كَانَ فِي كِلَا الْوَقْتَيْنِ تَوَقُّفٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي الْحَلْقِ أَمَّا الْحُدَيْبِيَةُ فَلِأَنَّهُ عَظُمَ عَلَيْهِمْ الرُّجُوعُ قَبْلَ تَمَامِ مَقْصُودِهِمْ مِنْ الدُّخُولِ إلَى مَكَّةَ وَكَمَالِ نُسُكِهِمْ وَأَمَّا فِي الْحَجِّ فَلِأَنَّهُ شَقَّ عَلَيْهِمْ فَسْخُ الْحَجِّ إلَى الْعُمْرَةِ وَمَنْ قَصَّرَ شَعْرَهُ اعْتَقَدَ أَنَّهُ أَخَفُّ مِنْ الْحَلْقِ إذْ هُوَ يَدُلُّ عَلَى الْكَرَاهَةِ لِلشَّيْءِ وَكَرَّرَ الدُّعَاءَ ، لِلْمُحَلِّقِينَ لِأَنَّهُمْ بَادَرُوا إلَى امْتِثَالِ الْأَمْرِ وَأَتَمُّوا فِعْلَ مَا أُمِرُوا بِهِ مِنْ الْحَلْقِ وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ فَقَالَ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا ( قُلْت ) رَوَى ذَلِكَ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَ ظَاهَرْت لِلْمُحَلِّقِينَ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصِّرِينَ وَاحِدَةً ؟ قَالَ إنَّهُمْ لَمْ يَشُكُّوا } . وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ إسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَفِيهِ زِيَادَةٌ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْحُدَيْبِيَةِ وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ { حَلَقَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّهُمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ إلَّا رَجُلَيْنِ قَصَّرَا وَلَمْ يَحْلِقَا } . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهُمَا عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَأَبُو قَتَادَةَ { الثَّالِثَةُ } التَّحْلِيقُ صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ مِنْ حَلْقِ الشَّعْرِ وَالْمُرَادُ حَلْقَهُ فِي الْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ وَالتَّقْصِيرُ الْأَخْذُ مِنْ أَطْرَافِ الشَّعْرِ بِدُونِ اسْتِئْصَالٍ . { الرَّابِعَةُ } فِيهِ الِاكْتِفَاءٌ فِي الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ بِالْحَلْقِ عَلَى انْفِرَادِهِ وَالتَّقْصِيرُ عَلَى انْفِرَادِهِ وَأَنَّ الْأَفْضَلَ الْحَلْقُ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ كَمَا نَقَلَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ إلَّا أَنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ حَكَى عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ يَلْزَمُهُ الْحَلْقُ فِي أَوَّلِ حَجَّةٍ وَلَا يُجْزِئُهُ لِلتَّقْصِيرِ ، فَقَالَ أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى أَنَّ التَّقْصِيرَ يُجْزِئُ إلَّا شَيْءٌ ذُكِرَ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يُوجِبُ الْحَلْقَ فِي أَوَّلِ حَجَّةٍ يَحُجُّهَا الْإِنْسَانُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا إنْ صَحَّ عَنْهُ مَرْدُودٌ بِالنُّصُوصِ وَإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ ( قُلْتُ ) رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ هِشَامٍ عَنْ الْحَسَنِ فِي الَّذِي لَمْ يَحُجَّ قَطُّ إنْ شَاءَ حَلَقَ وَإِنْ شَاءَ قَصَّرَ وَهَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ قَالَ إذَا حَجَّ الرَّجُلُ أَوَّلَ حُجَّةٍ ، حَلَقَ وَإِنْ حَجَّ مَرَّةً أُخْرَى إنْ شَاءَ حَلَقَ وَإِنْ شَاءَ قَصَّرَ ، وَالْحَلْقُ أَفْضَلُ وَإِذَا اعْتَمَرَ الرَّجُلُ وَلَمْ يَحُجَّ قَطُّ فَإِنْ شَاءَ حَلَقَ وَإِنْ شَاءَ قَصَّرَ ، وَإِنْ كَانَ مُتَمَتِّعًا قَصَّرَ ثُمَّ حَلَقَ ثُمَّ رَوَى عَنْهُ أَيْضًا كَانُوا يُحِبُّونَ أَنْ يَحْلِقُوا فِي أَوَّلِ حَجَّةٍ وَأَوَّلِ عُمْرَةٍ وَهَذَا الِاخْتِلَافُ يَقْتَضِي أَنَّ الْمَحْكِيَّ عَنْهُمَا اسْتِحْبَابٌ ، وَيُسْتَثْنَى مِنْ تَفْضِيلِ الْحَلْقِ الْمُعْتَمِرُ إذَا ضَاقَ عَلَيْهِ الْوَقْتُ وَعَلِمَ أَنَّهُ إنْ حَلَقَ رَأْسَهُ لَمْ يَنْبُتْ شَعْرُهُ قَبْلَ يَوْمِ النَّحْرِ فَالْأَفْضَلُ فِي حَقِّهِ التَّقْصِيرُ لِيَحْلِقَ فِي الْحَجِّ ، نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْإِمْلَاءِ . { الْخَامِسَةُ } الْمَعْنَى فِي تَفْضِيلِ الْحَلْقِ عَلَى التَّقْصِيرِ بِالنَّظَرِ إلَى سَبَبِهِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ إمَّا فِي الْحُدَيْبِيَةِ أَوْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ قَدْ سَبَقَ ، وَإِمَّا مَعَ قَطْعِ النَّظَرِ عَنْ هَذَا السَّبَبِ فَكَوْنُهُ أَبْلَغَ فِي الْعِبَادَةِ وَأَدَلَّ عَلَى صِدْقِ النِّيَّةِ فِي التَّذَلُّلِ لِلَّهِ تَعَالَى وَلِأَنَّ الْمُقَصِّرَ مُبْقٍ عَلَى نَفْسِهِ الشَّعْرَ الَّذِي هُوَ زِينَةٌ وَالْحَاجُّ مَأْمُورٌ بِتَرْكِ الزِّينَةِ بَلْ هُوَ أَشْعَثُ أَغْبَرُ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَفِي الْمَعْنَى الْآخَرِ نَظَرٌ : فَإِنَّ الْحَلْقَ إنْ كَانَ فِي عُمْرَةٍ فَلَمْ يَبْقَ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِ النُّسُكِ ، وَإِنْ كَانَ فِي حَجٍّ فَقَدْ انْقَضَى زَمَنُ الشُّعْثِ وَحَلَّ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ كُلُّ شَيْءٍ حَرُمَ عَلَيْهِ إلَّا النِّسَاءُ ، فَإِذَا طَافَ حَلَّ جَمِيعُ الْمُحَرَّمَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّادِسَةُ } اُسْتُدِلَّ بِتَرْجِيحِ الْحَلْقِ عَلَى التَّقْصِيرِ عَلَى أَنَّهُمَا عِبَادَتَانِ وَنُسُكَانِ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَلَيْسَا مُجَرَّدَ اسْتِبَاحَةِ مَحْظُورٍ كَالطِّيبِ وَاللِّبَاسِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمَحْظُورَاتِ فَإِنَّ الْمُبَاحَ لَا تَفْضِيلَ لِبَعْضِهِ عَلَى بَعْضٍ وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ اسْتِبَاحَةُ مَحْظُورٍ وَلَيْسَ بِنُسُكٍ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ . وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ وَبِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً وَقَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ الْمُنْذِرِ وَالْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِنُسُكٍ أَحَدٌ غَيْرُ الشَّافِعِيِّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ، وَلَكِنْ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ عَطَاءٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَبِي يُوسُفَ أَيْضًا ( قُلْت ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ حَكَاهَا ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُحَرَّرِ . { السَّابِعَةُ } الْقَائِلُونَ بِأَنَّهُ نُسُكٌ اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهُ رُكْنٌ فِي الْحَجِّ لَا يَتِمُّ إلَّا بِفِعْلِهِ وَلَا يُجْبَرُ بِدَمٍ أَوْ وَاجِبٌ فَذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّهُ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ إنَّهُ الصَّوَابُ وَذَهَبَ الدَّارَكِيُّ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ إلَى أَنَّهُ وَاجِبٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الثَّلَاثَةِ . وَذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْإسْفَرايِينِيّ وَجَمَاعَةٌ إلَى أَنَّهُ رُكْنٌ فِي الْعُمْرَةِ وَاجِبٌ فِي الْحَجِّ وَاسْتَدَلَّ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ عَلَى أَنَّهُ رُكْنٌ مُطْلَقًا بِأَنَّهُ لَا تَقُومُ الْفِدْيَةُ مَقَامَهُ حَتَّى لَوْ عَرَضَ فِي الرَّأْسِ عِلَّةٌ تَمْنَعُ الْحَلْقَ وَجَبَ الصَّبْرُ إلَى إمْكَانِهِ وَلَا يَفْدِي . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ إنْ تَرَكَ الْحِلَاقَ حَتَّى رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ حَلَقَ وَعَلَيْهِ دَمٌ وَكَأَنَّهُمْ جَعَلُوا ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِهِ وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ الدَّمَ لَمْ يَقُمْ مَقَامَ الْحَلْقِ بَلْ يُقَامُ مَكَانَهُ وَأَصْحَابُنَا لَا يُوجِبُونَ فِي ذَلِكَ دَمًا وَلَا يَجْعَلُونَ لِلْحَلْقِ مَكَانًا وَزَادَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ لَوْ أَخَّرَهُ حَتَّى مَضَتْ أَيَّامُ التَّشْرِيقِ لَزِمَهُ دَمٌ وَخَالَفَهُ صَاحِبَاهُ وَالْجُمْهُورُ وَدَلَالَةُ هَذَا الْحَدِيثِ قَاصِرَةٌ عَلَى الرُّكْنِيَّةِ وَالْوُجُوبِ . { الثَّامِنَةُ } قَدْ يُفْهَمُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْحَلْقِ بِلَفْظِ الْمُبَالَغَةِ تَرْجِيحُ حَلْقِ جَمِيعِهِ عَلَى الِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِهِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَقَلَّ الْمُجْزِئِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَقَلُّ مَا يُجْزِئُ ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ وَلِبَعْضِ أَصْحَابِهِ وَجْهٌ شَاذٌّ أَنَّهُ يَكْفِي شَعْرَةٌ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَقَلُّ الْمُجَزِّئِ رُبْعُ الرَّأْسِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ نِصْفُ الرَّأْسِ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ أَكْثَرُ الرَّأْسِ ، وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَةٌ أَنَّهُ كُلُّ الرَّأْسِ كَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لَكِنْ فِي كُتُبِ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وُجُوبُ الْكُلِّ فَقَالَ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ : وَلَا يَتِمُّ هَذَا النُّسُكُ بِدُونِ حَلْقِ جَمِيعِ الرَّأْسِ وَقَالَ الشَّيْخُ مَجْدُ الدِّينِ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُحَرَّرِ فِي عَدِّ الْوَاجِبَاتِ حَلْقُ شَعْرِ الرَّأْسِ كُلِّهِ أَوْ تَقْصِيرُهُ وَعَنْ أَحْمَدَ يُجْزِئُ بَعْضُهُ كَالْمَسْحِ { التَّاسِعَةُ } التَّقْصِيرُ كَالْحَلْقِ فِي أَنَّ الْأَفْضَلَ أَنْ يُقَصِّرَ مِنْ جَمِيعِ شَعْرِ الرَّأْسِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْوَاجِبُ تَقْصِيرُ ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ قَالُوا وَيُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُنْقِصَ فِي التَّقْصِيرِ عَنْ قَدْرِ الْأُنْمُلَةِ مِنْ أَطْرَافِ الشَّعْرِ فَإِنْ قَصَّرَ . دُونَهَا جَازَ لِحُصُولِ اسْمِ التَّقْصِيرِ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ التَّقْصِيرُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ رُءُوسِ شَعْرِهِ مِقْدَارَ الْأُنْمُلَةِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ أَنَّهُ يُجْزِئُهُ أَنْ يُقَصِّرَ مِنْ رَأْسِهِ النِّصْفَ فَإِنْ قَصَّرَ أَقَلَّ مِنْ النِّصْفِ يُجْزِئُهُ وَلَا يَجِبُ أَنْ يَفْعَلَ . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ يُفْتَقَرُ فِي التَّقْصِيرِ إلَى الْأَخْذِ مِنْ جَمِيعِ الشَّعْرِ كَمَا يَأْخُذُ فِي الْحِلَاقِ جَمِيعَهُ قَالَ مَالِكٌ وَلَا يَكْفِيهِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ أَطْرَافِ شَعْرِهِ وَلَكِنْ يَجُزُّ ذَلِكَ جَزًّا فَإِنْ لَمْ يَجُزَّهُ وَأَخَذَ مِنْهُ فَقَدْ أَخْطَأَ وَيُجْزِئُهُ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو الْوَلِيدِ يَبْلُغُ بِهِ الْحَدَّ الَّذِي يَقْرَبُ مِنْ أُصُولِ الشَّعْرِ . وَتَقَدَّمَ كَلَامُ الْحَنَابِلَةِ فِي أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْصِيرِ جَمِيعِ شَعْرِ الرَّأْسِ . { الْعَاشِرَةُ } هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ وَتَرْجِيحِ الْحَلْقِ إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الرِّجَالِ ، فَأَمَّا النِّسَاءٌ فَإِنَّ الْمَشْرُوعَ فِي حَقِّهِنَّ التَّقْصِيرُ بِالْإِجْمَاعِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ حَلْقٌ إنَّمَا عَلَى النِّسَاءِ التَّقْصِيرُ } . وَقَالَ أَصْحَابُنَا فَلَوْ حَلَقَتْ الْمَرْأَةُ أَجْزَأَهَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَتَكُونُ مُسِيئَةً وَقَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ لَهَا الْحَلْقُ وَقَالَ الْقَاضِيَانِ أَبُو الطَّيِّبِ وَحُسَيْنٌ لَا يَجُوزُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَلَعَلَّهُمَا أَرَادَا أَنَّهُ مَكْرُوهٌ قَالَ وَقَدْ يُسْتَدَلُّ لِلْكَرَاهَةِ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى أَنْ تَحْلِقَ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا } . رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ فِيهِ اضْطِرَابٌ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِضَعْفِهِ وَلَكِنْ يُسْتَدَلُّ بِعُمُومِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ } وَبِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي نَهْيِ النِّسَاءِ عَنْ التَّشَبُّهِ بِالرِّجَالِ هَذَا كَلَامُ النَّوَوِيِّ ثُمَّ حَكَى عَنْ الْقَاضِي أَبِي الْفُتُوحِ بْنُ أَبِي عُقَامَةَ أَنَّهُ قَالَ وَظِيفَةُ الْخُنْثَى التَّقْصِيرُ دُونَ الْحَلْقِ كَالْمَرْأَةِ وَقَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ عَبْدِ الرَّحِيمِ الْإِسْنَوِيُّ يُتَّجَهُ تَقْيِيدُ الْكَرَاهَةِ بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ أَنْ تَكُونَ كَبِيرَةً حُرَّةً خَلِيَّةً عَنْ الْأَزْوَاجِ فَإِنْ كَانَتْ صَغِيرَةً لَمْ تَنْتَهِ إلَى سِنٍّ يُتْرَكُ فِيهِ شَعْرُهَا . فَالْمُتَّجَهُ أَنَّهَا كَالرَّجُلِ فِي اسْتِحْبَابِ الْحَلْقِ وَإِنْ كَانَتْ أَمَةً فَإِنْ مَنَعَهَا السَّيِّدُ مِنْ الْحَلْقِ حَرُمَ بِلَا نِزَاعٍ وَتَعْدِلُ إلَى التَّقْصِيرِ لِأَنَّ الشَّعْرَ مِلْكُهُ وَلِأَنَّهُ قَدْ يَقْصِدُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهَا أَوْ بَيْعَهَا وَالْحَلْقُ يُنْقِصُ الْقِيمَةَ وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ وَلَمْ يَأْذَنْ ، فَالْمُتَّجَهُ التَّحْرِيمُ أَيْضًا لِمَا ذَكَرْنَاهُ ثُمَّ الْمُتَّجَهُ فِيمَا إذَا قَصَّرَتْ ، امْتِنَاعُ الزِّيَادَةِ عَلَى ثَلَاثِ شَعَرَاتٍ إلَّا بِإِذْنٍ إنْ كَانَتْ حُرَّةً إلَّا أَنَّهَا مُتَزَوِّجَةٌ جَازَ لَهَا تَقْصِيرُ الْجَمِيعِ وَإِنْ مَنَعَ الزَّوْجُ ، لِأَنَّ لَهَا غَرَضًا فِي حُصُولِ هَذِهِ السُّنَّةِ وَلَا ضَرَرَ عَلَى الزَّوْجِ فِيهِ وَأَمَّا الْحَلْقُ فَيَحْتَمِلُ الْجَزْمُ بِامْتِنَاعِهِ لِأَنَّ فِيهِ تَشْوِيهًا وَيُحْتَمَلُ تَخْرِيجُهُ عَلَى الْخِلَافِ فِي إجْبَارِهَا عَلَى مَا يَتَوَقَّفُ عَلَيْهِ كَمَالُ الِاسْتِمْتَاعِ كَإِزَالَةِ الْأَوْسَاخِ وَنَحْوِهِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ لَهُ إجْبَارَهَا عَلَيْهِ وَفِي التَّحْرِيمِ عَلَيْهَا عِنْدَ مَنْعِ الْوَالِدِ نَظَرٌ ، . وَالْأَوْجَهُ إثْبَاتُهُ ، وَحُكْمُ التَّقْصِيرِ فِيمَا زَادَ عَلَى الْأُنْمُلَةِ كَحُكْمِ الْحَلْقِ لِأَنَّهُ لَا يَنْضَبِطُ فَلَوْ جَوَّزْنَا زِيَادَةً عَلَيْهِ لَكَانَ يُؤَدِّي إلَى مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّشْوِيهِ انْتَهَى ؛ وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَرْأَةِ إذَا قَصَّرَتْ تَأْخُذُ قَدْرَ الْأُنْمُلَةِ أَوْ فَوْقَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ دُونَهُ بِقَلِيلٍ وَلَيْسَتْ كَالرَّجُلِ فِي أَنَّهُ يَجُزُّهُ جَزًّا ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّهَا تَأْخُذُ قَدْرَ ثَلَاثِ أَصَابِعَ أَوْ أَرْبَعٍ مَقْبُوضَةً وَعَنْ النَّخَعِيّ قَدْرَ مِفْصَلَيْنِ وَعَنْ قَتَادَةَ تُقَصِّرُ الثُّلُثَ أَوْ الرُّبْعَ ، وَعَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ فِي الْعَجُوزِ نَحْوَ الرُّبْعِ وَفِي الشَّابَّةِ أَشَارَتْ بِأُنْمُلَتِهَا تَأْخُذُ وَتُقَلِّلُ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ تَأْخُذُ ثُلُثَهُ . { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } وَمَحَلُّ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُمَا أَيْضًا عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مَا إذَا لَمْ يُلَبِّدْ شَعْرَ رَأْسِهِ فَإِنْ لَبَّدَهُ أَيْ سَكَّنَهُ بِمَا يَمْنَعُ الِانْتِفَاشَ كَالصَّمْغِ وَنَحْوِهِ تَعَيَّنَ عِنْدَهُمْ الْحَلْقُ وَلَمْ يَجُزْ التَّقْصِيرُ ، وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقُ وَأَبِي ثَوْرٍ . وَقَالَ بِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَذَهَبَ ابْنُ عَبَّاسٍ إلَى أَنَّهُ عَلَى مَا نَوَى مِنْ ذَلِكَ ، إنْ نَوَى الْحَلْقَ تَعَيَّنَ وَإِلَّا فَهُوَ عَلَى التَّخْيِيرِ ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى بَقَاءِ التَّخْيِيرِ فِي حَقِّهِ أَيْضًا وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُلَبِّدِ وَغَيْرِهِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ وَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ هُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ وَتَمَسَّكَ الْأَوَّلُونَ بِمَا رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { مَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ فَلْيَحْلِقْ } . وَجَعَلَ أَصْحَابُنَا الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّ التَّلْبِيدَ لَا يَفْعَلُهُ إلَّا مَنْ يُرِيدُ الْحَلْقَ يَوْمَ النَّحْرِ لِلنُّسُكِ : فَيُنَزَّلُ هَذَا مَنْزِلَةَ نَذْرِ الْحَلْقِ وَجَعَلَ الْمَالِكِيَّةُ سَبَبَ ذَلِكَ تَعَذُّرَ التَّقْصِيرِ وَقَالُوا لَا يُمْكِنُ التَّقْصِيرُ مَعَ التَّلْبِيدِ قَالَ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ : وَيَقُومُ التَّقْصِيرُ مَقَامَ الْحَلْقِ حَيْثُ يَتَمَكَّنُ مِنْ الْإِتْيَانِ بِهِ عَلَى وَجْهِهِ وَقَدْ يَتَعَذَّرُ عَجْزٌ عَنْ ذَلِكَ فَيَتَعَيَّنُ الْحَلْقُ كَمَنْ لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ أَوْ شَعْرُهُ لَطِيفٌ لَا يُمْكِنُ تَقْصِيرُهُ أَوْ لَبَّدَ شَعْرَهُ مِثْلَ أَنْ يَجْعَلَ الصَّمْغَ فِي الْغَسُولِ ثُمَّ يُلَطِّخُ بِهِ رَأْسَهُ عِنْدَ الْإِحْرَامِ أَوْ عَقَصَهُ أَوْ ضَفَّرَهُ فَإِنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الْحَلْقِ فِي جَمِيعِ هَذِهِ انْتَهَى . وَفِي ذِكْرِهِ مَعَ ذَلِكَ مَنْ لَا شَعْرَ عَلَى رَأْسِهِ نَظَرٌ فَإِنَّ هَذَا لَا يَتَأَتَّى فِي حَقِّهِ حَلْقٌ وَلَا تَقْصِيرٌ وَمَسْأَلَةُ الْعَقْصِ وَالضَّفْرِ شَكْلٌ مِنْ التَّلْبِيدِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَذَّرُ مَعَ ذَلِكَ التَّقْصِيرُ بِلَا شَكٍّ بَلْ وَلَا يَتَعَذَّرُ مَعَ التَّلْبِيدِ وَالْعِيَانُ يَدْفَعُهُ ، وَهَذَا خِلَافٌ فِي شَهَادَةٍ وَالْمُدْرَكُ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا أَقْرَبُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَشَارَ الْخَطَّابِيُّ إلَى الِاسْتِدْلَالِ لِتَعَيُّنِ الْحَلْقِ فِي صُورَةِ التَّلْبِيدِ بِهَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ بَعْدَ كَلَامِهِ الَّذِي نَقَلْته عَنْهُ فِي الْفَائِدَةِ الثَّانِيَةِ : وَفِي قَوْلِهِ { اللَّهُمَّ ارْحَمْ الْمُحَلِّقِينَ } . وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّ السُّنَّةَ فِيمَنْ لَبَّدَ رَأْسَهُ الْحِلَاقِ وَإِنَّمَا يُجْزِئُ التَّقْصِيرُ فِيمَنْ لَمْ يُلَبِّدْ { وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ لَبَّدَ رَأْسَهُ } . وَفِيمَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الْحَدِيثَ دَلَّ عَلَى جَوَازِ التَّقْصِيرِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَيْضًا بِدُعَائِهِ لِلْمُقَصِّرِينَ وَهُوَ خِلَافُ مُدَّعَاهُ . { الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ } وَمَحَلُّ التَّخْيِيرِ بَيْنَهُمَا أَيْضًا عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ مَا إذَا لَمْ يَنْذِرْ الْحَلْقَ فَإِنْ نَذَرَهُ تَعَيَّنَ وَلَا يُجْزِئُهُ التَّقْصِيرُ وَهَذَا التَّعْيِينُ لَيْسَ بِأَصْلِ النُّسُكِ بَلْ لِعَارِضِ النَّذْرِ . { الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ } قَالَ أَصْحَابُنَا : الْمَقْصُودُ مِنْ الْحَلْقِ أَوْ التَّقْصِيرِ إزَالَةُ الشَّعْرِ فَيَقُومُ مَقَامَهُ النَّتْفُ وَالْإِحْرَاقُ وَالْأَخْذُ بِالنُّورَةِ وَالْمِقَصَّيْنِ وَالْقَطْعِ بِالْأَسْنَانِ وَغَيْرِهَا وَيَحْصُلُ الْحَلْقُ بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ قَالُوا وَمَحَلُّهُ مَا إذَا لَمْ يَنْذِرْ الْحَلْقَ فَإِنْ نَذَرَهُ تَعَيَّنَ وَلَمْ تَقُمْ هَذِهِ الْأُمُورُ مَقَامَهُ : وَقَدْ يُقَالُ إنَّ فِي ذَلِكَ اسْتِنْبَاطَ مَعْنًى مِنْ النَّصِّ يَعُودُ عَلَيْهِ بِالْإِبْطَالِ . كَمَا قَالُوا فِي قَوْلِ الْحَنَفِيَّةِ يَجُوزُ إخْرَاجُ الْقِيمَةِ فِي الزَّكَاةِ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ أَبْلَغَ فِي سَدِّ خُلَّةِ الْفَقِيرِ فَيَحْتَاجُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الْبَابَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا إجْزَاءُ الْأَخْذِ بِالنُّورَةِ وَقَالَ أَشْهَبُ لَا يُجْزِئُ . { الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ } رَتَّبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ مِنْ وُرُودِ هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ أَنَّ الْمُحْصَرَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْحَلْقُ أَوْ التَّقْصِيرُ كَغَيْرِهِ فَإِنَّ سُقُوطَ بَقِيَّةِ الْأَرْكَانِ عَنْهُ إنَّمَا هُوَ لِعَجْزِهِ عَنْهَا وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى الْحَلْقِ فَيَبْقَى وُجُوبُهُ وَقَدْ حَضَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْحَابَهُ عَلَى ذَلِكَ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَكَذَا الشَّافِعِيُّ بِنَاءً عَلَى أَصَحِّ قَوْلَيْهِ وَأَشْهَرِهِمَا أَنَّ الْحَلْقَ نُسُكٌ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لَيْسَ عَلَيْهِ حَلْقٌ وَلَا تَقْصِيرٌ . { الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ } مَحَلُّ الْحَلْقِ وَالتَّقْصِيرِ شَعْرُ الرَّأْسِ دُونَ بَقِيَّةِ شُعُورِ الْبَدَنِ وَاسْتَحَبَّ مَالِكٌ مَعَ الْحَلْقِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ لِحْيَتِهِ وَشَارِبِهِ وَأَظَافِرِهِ وَصَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِعْلُ ذَلِكَ ، رَوَاهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ { السَّادِسَةَ عَشْرَةَ } يَسْقُطُ الْحَلْقُ ، وَالتَّقْصِيرُ بِفَقْدِ شَعْرِ الرَّأْسِ فَإِذَا كَانَ أَصْلَعَ أَوْ مَحْلُوقًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَلَا فِدْيَةَ وَلَكِنْ يُسْتَحَبُّ إمْرَارُ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ عِنْدَ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ ، وَأَوْجَبَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَنْكَرَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ دَاوُد وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِالْإِجْمَاعِ قَبْلَهُ فَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ الْأَصْلَعَ يُمِرُّ الْمُوسَى عَلَى رَأْسِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَلَوْ أَخَذَ مِنْ شَارِبِهِ أَوْ شَعْرِ لِحْيَتِهِ شَيْئًا كَانَ أَحَبَّ إلَيَّ لِيَكُونَ قَدْ وَضَعَ مِنْ شَعْرِهِ شَيْئًا لِلَّهِ تَعَالَى ، قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلَسْت أَرَى لِذَلِكَ وَجْهًا إلَّا أَنْ يَكُونَ أَسْنَدَهُ إلَى أَثَرٍ ، وَقَالَ الْمُتَوَلِّي يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الشُّعُورِ الَّتِي يُؤْمَرُ بِإِزَالَتِهَا لِلْفِطْرَةِ كَالشَّارِبِ وَالْإِبِطِ وَالْعَانَةِ لِئَلَّا يَخْلُوَ نُسُكُهُ عَنْ حَلْقٍ ، قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ نَبَتَ شَعْرُهُ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَلْزَمْهُ حَلْقٌ وَلَا تَقْصِيرٌ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ كَانَ بِرَأْسِهِ شَعْرٌ وَبِهِ عِلَّةٌ تَمْنَعُ الْحَلْقَ فَيَصْبِرُ لِلْإِمْكَانِ وَلَا يَفْتَدِي وَلَا يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَلْقُ بَابُ طَوَافِ الْحَائِضِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ { عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطَّهَّرِي } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { حَتَّى تَغْتَسِلِي } وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ { غَيْرَ أَلَّا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ } وَلَمْ يَقُلْهُ رُوَاةُ الْمُوَطَّإِ وَلَا غَيْرُهُمْ إلَّا يَحْيَى قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَعَنْهَا { أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاضَتْ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحَابِسَتُنَا هِيَ فَقِيلَ لَهُ إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ ، قَالَ فَلَا إذًا } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { فَلْتَنْفِرْ } وَلِلْبُخَارِيِّ { فَلَا بَأْسَ انْفِرِي } وَلِمُسْلِمٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ مِنْ صَفِيَّةَ بَعْضَ مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالُوا إنَّهَا حَائِضٌ } الْحَدِيثَ ، وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ أُخْبِرَ أَنَّ صَفِيَّةَ حَائِضٌ فَقَالَ أَحَابِسَتُنَا هِيَ ؟ فَأُخْبِرَ أَنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ فَأَمَرَهَا بِالْخُرُوجِ } . { بَابُ طَوَافِ الْحَائِضِ } { الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ } عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ { عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ قَدِمْتُ مَكَّةَ وَأَنَا حَائِضٌ لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَشَكَوْتُ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ افْعَلِي مَا يَفْعَلُ الْحَاجُّ غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرِي } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ بِمَعْنَاهُ هُوَ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { حَتَّى تَغْتَسِلِي } وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ الْمَاجِشُونِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ كُلِّهِمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى التَّمِيمِيِّ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ { غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ حَتَّى تَطَّهَّرِي } وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يَقُلْهُ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ وَلَا غَيْرِهِمْ إلَّا يَحْيَى ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ حَتَّى تَطَّهَّرِي بِفَتْحِ الطَّاءِ وَتَشْدِيدِهَا وَفَتْحِ الْهَاءِ أَيْضًا وَهُوَ عَلَى حَذْفِ إحْدَى التَّاءَيْنِ وَأَصْلُهُ تَتَطَهَّرِي كَذَا ضَبَطْنَاهُ وَحَفِظْنَاهُ ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { حَتَّى تَغْتَسِلِي } وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ رِوَايَةَ { حَتَّى تَغْتَسِلِي } رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَلَمْ أَرَهَا فِيهِ . وَذَكَرَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا { إنَّ النُّفَسَاءَ وَالْحَائِضَ تَغْتَسِلُ وَتُحْرِمُ . وَتَقْضِي الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا غَيْرَ أَنْ لَا تَطُوفَ بِالْبَيْتِ حَتَّى تَطْهُرَ } إنَّ الْمَشْهُورَ فِي الرِّوَايَةِ التَّخْفِيفُ وَضَمُّ الْهَاءِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ حَتَّى تَطَّهَّرَ بِتَشْدِيدِ الطَّاءِ وَالْهَاءِ ا هـ وَمُقْتَضَى مَا ذُكِرَ أَنَّ الْمَشْهُورَ أَنْ يَكُونَ لَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا كَذَلِكَ . وَالْمَعْرُوفُ مَا قَدَّمْته وَقَدْ يَكُونُ الْمَشْهُورُ فِي كُلٍّ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ عَنْهُ الْمَشْهُورُ فِي الْآخَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّالِثَةُ } فِيهِ نَهْيُ الْحَائِضِ عَنْ الطَّوَافِ حَتَّى يَنْقَطِعَ دَمُهَا وَتَغْتَسِلَ ، وَالنَّهْيُ فِي الْعِبَادَاتِ يَقْتَضِي الْفَسَادَ وَذَلِكَ يَقْتَضِي بُطْلَانَ الطَّوَافِ لَوْ فَعَلَتْهُ وَفِي مَعْنَاهُ الْجَنَابَةُ وَكَذَا سَائِرُ الْأَحْدَاثِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِي صِحَّةِ الطَّوَافِ وَقَدْ ذَكَرَ هَذَا الِاسْتِدْلَال ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ إلَّا أَنَّ اللَّهَ أَبَاحَ فِيهِ الْكَلَامَ } لَكِنَّ الصَّحِيحَ وَقْفُهُ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ مَرْفُوعٌ حُكْمًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَرْفُوعًا لَفْظًا لِأَنَّ مِثْلَهُ لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ عَائِشَةَ { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلُ شَيْءٍ بَدَأَ بِهِ حِينَ قَدِمَ مَكَّةَ أَنْ تَوَضَّأَ ثُمَّ طَافَ بِالْبَيْتِ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذُوا عَنَى مَنَاسِكَكُمْ } وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقُ وَأَبِي ثَوْرٍ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ : وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ . قَالَ وَانْفَرَدَ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ : الطَّهَارَةُ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ لِلطَّوَافِ فَلَوْ طَافَ وَعَلَيْهِ نَجَاسَةٌ أَوْ مُحْدِثًا أَوْ جُنُبًا صَحَّ طَوَافُهُ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي كَوْنِ الطَّهَارَةِ وَاجِبَةً مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهَا لَيْسَتْ شَرْطًا فَمَنْ أَوْجَبَهَا مِنْهُمْ قَالَ إنْ طَافَ مُحْدِثًا لَزِمَهُ شَاةٌ وَإِنْ طَافَ جُنُبًا لَزِمَهُ بَدَنَةٌ قَالُوا وَيُعِيدُهُ مَا دَامَ بِمَكَّةَ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ ( إحْدَاهُمَا ) كَمَذْهَبِنَا . ( الثَّانِيَةُ ) إنْ أَقَامَ بِمَكَّةَ أَعَادَهُ وَإِنْ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ جَبَرَهُ بِدَمٍ . وَقَالَ دَاوُد : الطَّهَارَةُ لِلطَّوَافِ وَاجِبَةٌ فَإِنْ طَافَ مُحْدِثًا أَجْزَأَهُ إلَّا الْحَائِضُ ، وَقَالَ الْمَنْصُورِيُّ مِنْ أَصْحَابِ دَاوُد : الطَّهَارَةُ شَرْطٌ كَمَذْهَبِنَا انْتَهَى وَفِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ انْفِرَادِ أَبِي حَنِيفَةَ بِذَلِكَ نَظَرٌ : فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ غُنْدَرٍ عَنْ شُعْبَةَ قَالَ : سَأَلْتُ الْحَكَمَ وَحَمَّادًا وَمَنْصُورًا وَسُلَيْمَانَ عَنْ الرَّجُلِ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : إذَا طَافَتْ الْمَرْأَةُ ثَلَاثَ أَطْوَافٍ فَصَاعِدًا ثُمَّ حَاضَتْ أَجْزَأَ عَنْهَا وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى عَنْ عَطَاءٍ قَالَ : حَاضَتْ امْرَأَةٌ وَهِيَ تَطُوفُ مَعَ عَائِشَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ فَأَتَمَّتْ بِهَا عَائِشَةُ بَقِيَّةَ طَوَافِهَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فَهَذِهِ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ تَرَ الطَّهَارَةَ مِنْ شُرُوطِ الطَّوَافِ انْتَهَى وَفِي تَقْيِيدِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ أَحْمَدَ بِالْعَوْدِ إلَى بَلَدِهِ نَظَرٌ فَقَدْ حَكَى الْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُحَرَّرِ رِوَايَةً عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الطَّهَارَةَ وَاجِبَةٌ تُجْبَرُ بِالدَّمِ ، وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِشَيْءٍ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ قَوْلٌ يُوَافِقُ هَذَا فَحَكَى ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ عَنْ الْمُغِيرَةِ أَنَّهُ إنْ طَافَ غَيْرَ مُتَطَهِّرٍ أَعَادَ مَا دَامَ بِمَكَّةَ فَإِنْ أَصَابَ النِّسَاءَ وَخَرَجَ إلَى بَلَدِهِ أَجْزَأَهُ ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ : الطَّوَافُ بِالْبَيْتِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ جَائِزٌ وَلِلنُّفَسَاءِ وَلَا يَحْرُمُ إلَّا عَلَى الْحَائِضِ فَقَطْ لِلنَّهْيِ فِيهِ ، وَهَذَا جُمُودٌ عَجِيبٌ . وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ذِكْرُ النُّفَسَاءِ مَعَ الْحَائِضِ وَسَكَتَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الطَّوَافَ لَا يَصِحُّ مِنْ الْحَائِضِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِي عِلَّتِهِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِهِمْ فِي اشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ لِلطَّوَافِ . فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ هِيَ شَرْطٌ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ وَبِهِ قَالَ دَاوُد فَمَنْ شَرَطَ الطَّهَارَةَ قَالَ الْعِلَّةُ فِي بُطْلَانِ طَوَافِ الْحَائِضِ عَدَمُ الطَّهَارَةِ وَمَنْ لَمْ يَشْتَرِطْهَا قَالَ الْعِلَّةُ فِيهِ كَوْنُهَا مَمْنُوعَةً مِنْ اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يُصَحِّحُ الطَّوَافَ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ عَنْهُ وَكَمَا حَكَاهُ هُوَ عَنْهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ارْتِكَابِ الْمُحْرِمِ فِي اللُّبْثِ فِي الْمَسْجِدِ بُطْلَانُ الطَّوَافِ وَفِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَجْهٌ ضَعِيفٌ غَرِيبٌ مَرْدُودٌ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي يَعْقُوبَ الْأَبِيوَرْدِيِّ أَنَّهُ يَصِحُّ طَوَافُ الْوَدَاعِ بِلَا طَهَارَةٍ وَتُجْبَرُ الطَّهَارَةُ بِالدَّمِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا غَلَطٌ لِأَنَّ الدَّمَ إنَّمَا وَجَبَ جَبْرًا لِلطَّوَافِ لَا لِلطَّهَارَةِ { الرَّابِعَةُ } إنْ قُلْت فِي مَعْنَى الطَّوَافِ رَكْعَتَا الْإِحْرَامِ فَلَا يَجُوزُ لِلْحَائِضِ فِعْلُهُمَا فَلِمَ لَا اسْتَثْنَاهُمَا بَلْ هُمَا أَوْلَى بِالْمَنْعِ لِلْإِجْمَاعِ عَلَيْهِمَا ( قُلْت ) يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُمَا تَبَعٌ لِلطَّوَافِ فَاكْتَفَى بِذِكْرِ الْمَتْبُوعِ عَنْ التَّابِعِ ( ثَانِيهمَا ) أَنَّ تَحْرِيمَ الصَّلَاةِ عَلَى الْحَائِضِ مَعْرُوفٌ مُقَرَّرٌ لَا يَحْتَاجُ لِذِكْرِهِ بِخِلَافِ الطَّوَافِ فَإِنَّهُ قَدْ يَخْفَى حُكْمُهُ { الْخَامِسَةُ } اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ فِي صِحَّةِ الطَّوَافِ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِيهِ أَيْضًا الطَّهَارَةُ عَنْ النَّجَسِ فِي الْبَدَنِ وَالثَّوْبِ وَالْمَكَانِ الَّذِي يَطَؤُهُ فِي الطَّوَافِ وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَغَيْرُهُمْ لَكِنْ اغْتَفَرَ الْمَالِكِيَّةُ ذَلِكَ مَعَ النِّسْيَانِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَمْ أَرَ لِلْأَئِمَّةِ تَشْبِيهَ مَكَانِ الطَّوَافِ بِالطَّرِيقِ فِي حَقِّ الْمُتَنَفِّلِ وَهُوَ تَشْبِيهٌ لَا بَأْسَ بِهِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَاَلَّذِي أَطْلَقَهُ الْأَصْحَابُ أَنَّهُ لَوْ لَاقَى النَّجَاسَةَ بِبَدَنِهِ أَوْ ثَوْبِهِ أَوْ مَشَى عَلَيْهَا عَمْدًا أَوْ سَهْوًا لَمْ يَصِحَّ طَوَافُهُ ، قَالَ وَمِمَّا عَمَّتْ بِهِ الْبَلْوَى غَلَبَةُ النَّجَاسَةِ فِي مَوْضِعِ الطَّوَافِ مِنْ جِهَةِ الطَّيْرِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ اخْتَارَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا الْمُتَأَخِّرِينَ الْمُحَقِّقِينَ الْعَفْوَ عَنْهَا وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ يُعْفَى عَمَّا يَشُقُّ الِاحْتِرَازُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ كَنَظَائِرِهِ . { السَّادِسَةُ } لَوْ عَجَزَ عَنْ الْغُسْلِ أَوْ الْوُضُوءِ تَيَمَّمَ كَنَظَائِرِهِ فَلَوْ عَجَزَ عَنْ الطَّهُورَيْنِ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يَطُوفُ وَهُوَ كَذَلِكَ لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِهِ مَعَ الطَّهَارَةِ لَا بُدَّ مِنْهُ وَلَيْسَ الْوَقْتُ مُضَيَّقًا حَتَّى يَفْعَلَهُ { السَّابِعَةُ } فِيهِ جَوَازُ السَّعْيِ عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ وَأَمَّا رِوَايَةُ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ فِي ذِكْرِ السَّعْيِ فَإِنَّهَا شَاذَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ قَالَ وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ إنْ ذَكَرَهُ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ فَلْيُعِدْ الطَّوَافَ وَإِنْ ذَكَرَهُ بَعْدَ مَا حَلَّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا اشْتَرَطَ فِيهِ الطَّهَارَةَ إلَّا الْحَسَنُ فَإِنَّهُ قَالَ إنْ سَعَى عَلَى غَيْرِ طَهَارَةٍ فَإِنْ ذَكَرَ قَبْلَ أَنْ يَحِلَّ فَلْيُعِدْ وَإِنْ ذَكَرَ بَعْدَ مَا حَلَّ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ انْتَهَى . وَفِيهِ نَظَرٌ ، مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ كَلَامٌ مُتَهَافِتٌ فَإِنَّ اشْتِرَاطَ الطَّهَارَةِ يُنَافِي الْإِجْزَاءَ مَعَ فَقْدِهَا وَمَا عَلِمْتُ أَحَدًا نُقِلَ عَنْهُ الِاشْتِرَاطُ وَلَعَلَّهُ يَقُولُ بِالْوُجُوبِ فَقَطْ بَلْ فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا لَمْ يَرَيَا بَأْسًا أَنْ يَطُوفَ الرَّجُلُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَلَى غَيْرِ وُضُوءٍ وَكَانَ الْوُضُوءُ أَحَبَّ إلَيْهِمَا وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْحَسَنَ إنَّمَا يَقُولُ بِاسْتِحْبَابِ الطَّهَارَةِ لَهُ كَمَا يَقُولُهُ غَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ ( ثَانِيهمَا ) أَنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَنْفَرِدْ بِذَلِكَ فَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ أَنَّهُ قَالَ لَا تَقْرَأُ الْحَائِضُ الْقُرْآنَ وَلَا تُصَلِّي وَلَا تَطُوفُ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَقَالَ الطَّوَافُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ عَدْلُ الطَّوَافِ بِالْبَيْتِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا تَقْضِي الْحَائِضُ الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا إلَّا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَهُوَ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا ( لَا تَطُوفُ الْبَيْتَ وَلَا تَسْعَى بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَلَا تَقْرَبُ الْمَسْجِدَ حَتَّى تَطْهُرَ ) وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ تَجِبُ لَهُ الطَّهَارَةُ كَالطَّوَافِ حَكَاهَا عَنْهُ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُحَرَّرِ { الثَّامِنَةُ } فَإِنْ قُلْت فَإِذَا كَانَ السَّعْيُ لَا يُشْتَرَطُ لَهُ الطَّهَارَةُ فَلِمَ لَمْ تَفْعَلْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بَلْ قَالَتْ لَمْ أَطُفْ بِالْبَيْتِ وَلَا بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ فَكَفَتْ عَنْ فِعْلِهِ كَمَا كَفَتْ عَنْ الطَّوَافِ ( قُلْت ) لِأَنَّ السَّعْيَ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ طَوَافٍ فَتَرْكُ السَّعْيِ لَيْسَ لِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِيهِ بَلْ لِاشْتِرَاطِ الطَّهَارَةِ فِيمَا يَجِبُ تَقْدِيمُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ الطَّوَافُ وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّ السَّعْيَ مَوْصُولٌ بِالطَّوَافِ لَا فَصْلَ بَيْنَهُمَا فَلَيْسَ كَذَلِكَ فَالْمُوَالَاةُ بَيْنَهُمَا غَيْرُ مُعْتَبَرَةٍ وَرَوَى أَبُو ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ فِي مَنَاسِكِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ الْحَائِضُ تُنْسِك الْمَنَاسِكَ كُلَّهَا مَا خَلَا الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ إلَّا أَنْ تَكُونَ حَاضَتْ بَعْدَ مَا طَافَتْ بِالْبَيْتِ فَإِنَّهَا تَطُوفُ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِيمَنْ طَافَتْ ثُمَّ حَاضَتْ أَنَّهَا تَسْعَى وَهِيَ حَائِضٌ عَنْ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ وَابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمَ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ { التَّاسِعَةُ } وَفِيهِ أَنَّهُ لَا تُشْتَرَطُ الطَّهَارَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَرْكَانِ الْحَجِّ وَأَفْعَالِهِ سِوَى مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ { الْعَاشِرَةُ } قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوْلِهِ { لَا تَطُوفِي بِالْبَيْتِ حَتَّى تَغْتَسِلِي } دَلِيلٌ عَلَى مَنْعِ الْحَائِضِ وَإِنْ انْقَطَعَ عَنْهَا دَمُهَا عَنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ قَالَ وَفِيهِ تَنْزِيهُ الْمَسَاجِدِ عَنْ الْأَقْذَارِ وَالْحَائِضِ وَالْجُنُبِ ( قُلْت ) الْمَنْهِيُّ عَنْهُ الطَّوَافُ وَهُوَ أَخَصُّ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْأَخَصِّ النَّهْيُ عَنْ الْأَعَمِّ { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْحَائِضِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ لِأَنَّهُ مِمَّا يَفْعَلُهُ الْحَاجُّ وَأَشَارَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ إلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى مَنْعِهِ وَالْمُرَادُ مَا يَفْعَلُهُ الْحَاجُّ مِمَّا هُوَ مِنْ مَنَاسِكِ الْحَجِّ وَأَفْعَالِهِ الْمَعْدُودَةِ مِنْهُ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ لَيْسَتْ مِنْ ذَلِكَ وَالْمَسْأَلَةُ مُقَرَّرَةٌ فِي مَوْضِعِهَا . الْحَدِيثُ الثَّانِي } وَعَنْهَا { أَنَّ صَفِيَّةَ بِنْتَ حُيَيِّ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاضَتْ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحَابِسَتُنَا هِيَ ؟ فَقِيلَ لَهُ إنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ ، قَالَ فَلَا إذَنْ } وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ أُخْبِرَ أَنَّ صَفِيَّةَ حَائِضٌ فَقَالَ أَحَابِسَتُنَا هِيَ ؟ فَأُخْبِرَ أَنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ فَأَمَرَهَا بِالْخُرُوجِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ فَقَطْ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كُلِّهِمْ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَفْلَحَ بْنِ حُمَيْدٍ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { كُنَّا نَتَخَوَّفُ أَنْ تَحِيضَ صَفِيَّةَ قَبْلَ أَنْ تُفِيضَ قَالَتْ فَجَاءَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَحَابِسَتُنَا صَفِيَّةُ ؟ قُلْنَا قَدْ أَفَاضَتْ قَالَ فَلَا إذًا } وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا مَجْزُومًا بِهِ فَقَالَ وَقَالَ أَفْلَحُ فَذَكَرَهُ ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كُلِّهِمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَلَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا طُرُقٌ أُخْرَى { الثَّانِيَةُ } أُبْهِمَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الذَّاكِرُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ صَفِيَّةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَاضَتْ وَالْمُخْبِرُ لَهُ أَنَّهَا قَدْ أَفَاضَتْ وَهِيَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الصَّحِيحِ { الثَّالِثَةُ } فِيهِ أَنَّ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ رُكْنٌ لَا بُدَّ مِنْهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا لَمْ يَعْلَمْ أَنَّهَا طَافَتْ لِلْإِفَاضَةِ { أَحَابِسَتُنَا هِيَ } وَهُوَ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ { الرَّابِعَةُ } وَفِيهِ اشْتِرَاطُ الطَّهَارَةِ فِي صِحَّةِ الطَّوَافِ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ كَمَا تَقَدَّمَ { الْخَامِسَةُ } مُقْتَضَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَحَابِسَتُنَا هِيَ } ، أَنَّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ طَافَتْ لِلْإِفَاضَةِ لَمْ يَرْحَلْ حَتَّى تَطْهُرَ مِنْ الْحَيْضِ وَتَغْتَسِلَ وَتَطُوفَ ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ اللُّزُومِ وَهُوَ ظَاهِرُ التَّعْبِيرِ بِلَفْظِ الْحَبْسِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ غَيْرُ لَازِمٍ وَإِنَّمَا كَانَ يَفْعَلُهُ لِكَوْنِهَا لَزِمَهُ وَزَوْجَهُ وَلِهَذَا احْتَبَسَ عَلَى طَلَبِ عَقْدِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، فَعَلَى الْأَوَّلِ يَطَّرِدُ ذَلِكَ فِي حَقِّ كُلِّ امْرَأَةٍ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَيُسْتَنْبَطُ مِنْهُ أَنَّ عَلَى أَمِيرِ الْحَجِّ أَنْ يَكُفَّ عَنْ الرَّحِيلِ مِنْ مَكَّةَ لِأَجْلِ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ إذَا لَمْ تَطُفْ لِلْإِفَاضَةِ وَلَمْ تُرِدْ الْإِقَامَةَ بِمَكَّةَ وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَيْنَاهُ فِي الْجُزْءِ الثَّامِنِ مِنْ فَوَائِدِ الثَّقَفِيِّ شَيْخِ السَّلَفِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَمِيرَانِ وَلَيْسَا بِأَمِيرَيْنِ مَنْ تَبِعَ جِنَازَةً فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَنْصَرِفَ حَتَّى تُدْفَنَ أَوْ يَأْذَنَ صَاحِبُهَا ، وَالْمَرْأَةُ حَجَّتْ أَوْ اعْتَمَرَتْ فَكَانَتْ مَعَ قَوْمٍ فَحَاضَتْ وَلَمْ تَقْضِ الطَّوَافَ الْوَاجِبَ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَنْصَرِفُوا حَتَّى تَطْهُرَ أَوْ تَأْذَنَ لَهُمْ } ، قَالَ الشَّيْخُ مُحِبُّ الدِّينِ الطَّبَرِيُّ وَلَمْ أَعْثُرْ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا لَكِنْ هَذَانِ الْحَدِيثَانِ يَدُلَّانِ عَلَيْهِ قَالَ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فَإِنَّهُ قَالَ يَلْزَمُ الْجَمَّالَ حَبْسُ الْجِمَالِ لَهَا أَكْثَرَ مُدَّةِ الْحَيْضِ وَزِيَادَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ( قُلْت ) كَذَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ وَكَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَنَّ أَصْحَابَنَا حَكَوْا عَنْهُ لَكِنْ لَمْ أَرَ فِي كَلَامِهِ زِيَادَةَ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ وَلَفْظُهُ فِي الْمُوَطَّإِ { وَإِنْ حَاضَتْ الْمَرْأَةُ بِمِنًى قَبْلَ أَنْ تُفِيضَ فَإِنَّ كَرِيِّهَا يُحْبَسُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مَا يَحْبِسُ النِّسَاءُ الدَّمَ } ، وَكَذَا ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْحَكَمِ حَكَى عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يُحْبَسُ الْكَرِيُّ عَلَيْهَا إلَى انْقِضَاءِ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا مِنْ حِينِ رَأَتْ الدَّمَ قَالَ وَيُحْبَسُ عَلَى النُّفَسَاءِ أَقْصَى مَا تَحْبِسُ النُّفَسَاءُ الدَّمَ فِي النِّفَاسِ قَالَ وَلَا حُجَّةَ لِلْكَرِيِّ أَنْ يَقُولَ لَمْ أَعْلَمْ أَنَّهَا حَامِلٌ وَلَيْسَ عَلَيْهَا أَنْ تُعِينَهُ فِي الْعَلَفِ قَالَ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الطُّهْرِ يَوْمٌ أَوْ يَوْمَانِ حُبِسَ عَلَيْهَا الْكَرِيُّ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ بَقِيَ لَهَا أَيَّامٌ لَمْ يُحْبَسْ إلَّا وَحْدَهُ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ لَسْت أَعْرِفُ حَبْسَ الْكَرِيِّ كَيْفَ يُحْبَسُ وَحْدَهُ يُعَرَّضُ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ عَلَيْهِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : مَوْضِعُ الْخِلَافِ إذَا كَانَ الطَّرِيقُ آمِنًا وَمَعَهَا مَحْرَمٌ لَهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ آمِنًا أَوْ لَمْ يَكُنْ مَحْرَمٌ لَمْ يَنْتَظِرْهَا بِالِاتِّفَاقِ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ السَّيْرُ بِهَا وَحْدَهُ وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي مُدَّةِ الْحَبْسِ فَرَوَى أَشْهَبُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَرَوَى غَيْرُهُ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَتَسْتَطْهِرُ بَعْدَ ذَلِكَ بِيَوْمٍ أَوْ يَوْمَيْنِ أَحَبُّ إلَيَّ ، وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ قَدْرَ مَا تُقِيمُ فِي حَيْضَتِهَا وَالِاسْتِطْهَارُ ، وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ تُحْبَسُ أَكْثَرَ مَا تُقِيمُ الْحَائِضُ فِي الْحَيْضِ وَالنُّفَسَاءُ فِي النِّفَاسِ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ أَمَّا فِي زَمَانِنَا فَإِنَّهُ يُفْسَخُ لِلْخَوْفِ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ اللَّبَّادِ قِيلَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْأَمْنِ فَأَمَّا فِي هَذَا الْوَقْتِ حَيْثُ لَا يَأْمَنُ فِي الطَّرِيقِ فَهِيَ ضَرُورَةٌ وَيُفْسَخُ الْكِرَاءُ بَيْنَهُمَا . قَالَ ابْنُ شَاسٍ وَإِذَا قُلْنَا بِرِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فَجَاوَزَ الدَّمُ مُدَّةَ الْحَبْسِ فَهَلْ تَطُوفُ أَوْ تَفْسَخُ الْكِرَاءَ ؟ قَوْلَانِ . { السَّادِسَةُ } فِيهِ أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ غَيْرُ وَاجِبٍ عَلَى الْحَائِضِ فَلَهَا النَّفْرُ مِنْ غَيْرِ أَنْ تَفْعَلَهُ وَلَا دَمَ عَلَيْهَا وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هُوَ مُجْمَعٌ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ عَلَيْهِ لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ فِيهِ انْتَهَى وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ عَنْ طَائِفَةٍ وُجُوبَهُ عَلَيْهَا كَغَيْرِهَا وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَوْسٍ قَالَ { أَتَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ فَسَأَلْته عَنْ الْمَرْأَةِ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ يَوْمَ التَّحْرِيمِ تَحِيضُ قَالَ لِيَكُنْ آخِرَ عَهْدِهَا فِي الْبَيْتِ قَالَ فَقَالَ الْحَارِثُ كَذَلِكَ أَفْتَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَقَالَ عُمَرُ أَرَأَيْت عَنْ يَدَيْك سَأَلْتنِي عَنْ شَيْءٍ سَأَلْت عَنْهُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَيْمَا أُخَالِفُ } وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ سَأَلُوا ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ امْرَأَةٍ طَافَتْ ثُمَّ حَاضَتْ قَالَ لَهُمْ تَنْفِرُ قَالُوا لَا نَأْخُذُ بِقَوْلِكَ وَنَدَعُ قَوْلَ زَيْدٍ قَالَ إذَا قَدِمْتُمْ الْمَدِينَةَ فَسَلُوا فَقَدِمُوا الْمَدِينَةَ فَسَأَلُوا فَكَانَ فِيمَنْ سَأَلُوا أُمَّ سُلَيْمٍ فَذَكَرَتْ حَدِيثَ صَفِيَّةَ لَكِنْ قَدْ رَجَعَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ عَنْ ذَلِكَ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ كُنْتُ مَعَ ابْنِ عَبَّاسٍ ( إذْ قَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ تُفْتِي أَنْ تَصْدُرَ الْحَائِضُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ ؟ فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ أَمَّا لَا فَسَلْ فُلَانَةَ الْأَنْصَارِيَّةَ هَلْ أَمَرَهَا بِذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ فَرَجَعَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ يَضْحَكُ وَهُوَ يَقُولُ مَا أَرَاك إلَّا قَدْ صَدَقَتْ ) . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ { كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ إنَّهَا لَا تَنْفِرُ ثُمَّ سَمِعْته يَقُولُ تَنْفِرُ : أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَخَّصَ لَهُنَّ } . وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُقِيمُ عَلَى الْحَائِضِ سَبْعَةَ أَيَّامٍ حَتَّى تَطُوفَ طَوَافَ يَوْمِ النَّحْرِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رَوَيْنَا عَنْ زَيْدٍ وَابْنِ عُمَرَ الرُّجُوعَ وَتَرَكَا قَوْلَ عُمَرَ لِلثَّابِتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ( كَأَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ سَمِعَ الْأَمْرَ بِالْوَدَاعِ وَلَمْ يَسْمَعْ الرُّخْصَةَ لِلْحَائِضِ فَقَالَ بِهِ عَلَى الْعَامِّ فَلَمَّا بَلَغَتْهُ الرُّخْصَةُ ذَكَرَهَا ) حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ : أَيَرْحَمُ اللَّهُ عُمَرَ " كَانَ أَصْحَابُ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ قَدْ فَرَغَتْ الْأَعْمُرُ فَإِنَّهُ كَانَ يَقُولُ يَكُونُ آخِرَ عَهْدِهَا بِالْبَيْتِ " { السَّابِعَةُ } قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ طَوَافَ الْوَدَاعِ غَيْرُ وَاجِبٍ مُطْلَقًا إذْ لَوْ وَجَبَ لَمْ يَسْقُطْ عَنْ الْحَائِضِ كَطَوَافِ الرُّكْنِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا سَقَطَ عَنْ الْحَائِضِ لِلْعُذْرِ مَعَ وُجُوبِهِ عَلَى غَيْرِهَا وَيُوَافِقُ الثَّانِيَ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ ( أَمَرَ النَّاسَ أَنْ يَكُونَ آخِرَ عَهْدِهِمْ بِالْبَيْتِ إلَّا الْحَائِضَ ) . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ { مَنْ حَجَّ الْبَيْتِ فَلْيَكُنْ آخِرُ عَهْدِهِ بِالْبَيْتِ إلَّا الْحَيْضَ وَرَخَّصَ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَقَالَ الْحَاكِمُ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ انْتَهَى وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى وُجُوبِ طَوَافِ الْوَدَاعِ عَلَى غَيْرِ الْحَائِضِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَهُوَ أَصَحُّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالْحَكَمِ وَحَمَّادٌ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَحَكَى عَنْ مُجَاهِدٍ رِوَايَةً مُوَافِقَةً لَهُ وَأُخْرَى مُوَافِقَةً لِلْجُمْهُورِ وَمِمَّنْ حَكَى عَنْهُ عَدَمَ وُجُوبِهِ أَيْضًا عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَدَاوُد الظَّاهِرِيِّ { الثَّامِنَةُ } قَوْلُهُ أَفَاضَتْ أَيْ طَافَتْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَهُوَ الَّذِي يُسَمَّى طَوَافَ الزِّيَادَةِ وَهُوَ طَوَافُ الرُّكْنِ وَسُمِّيَ بِذَلِكَ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ يَفْعَلُ يَوْمَ النَّحْرِ يُفِيضُ الْحَاجُّ مِنْ مِنًى إلَى مَكَّةَ فَيَطُوفُ ثُمَّ يَرْجِعُ وَالْإِفَاضَةُ الزَّحْفُ وَالدَّفْعُ فِي السَّيْرِ بِكَثْرَةٍ وَمِنْهُ الْإِفَاضَةُ مِنْ عَرَفَةَ وَلَا تَكُونُ إلَّا عَنْ تَفَرُّقٍ وَجَمْعٍ ، وَأَصْلُ الْإِفَاضَةِ الصَّبُّ فَاسْتُعِيرَتْ لِلدَّفْعِ فِي السَّيْرِ وَأَصْلُهُ أَفَاضَ نَفْسَهُ أَوْ رَاحِلَتَهُ فَرَفَضُوا ذِكْرَ الْمَفْعُولِ حَتَّى أَشْبَهَ غَيْرَ الْمُتَعَدِّي { التَّاسِعَةُ } قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ نَفَرَتْ الْمُسْتَحَاضَةُ فِي يَوْمِ حَيْضِهَا فَلَا وَدَاعَ عَلَيْهَا ؛ وَإِنْ نَفَرَتْ فِي يَوْمِ طُهْرِهَا لَزِمَهَا طَوَافُ الْوَدَاعِ ، وَكَانَ يَنْبَغِي فِيمَا إذَا نَفَرَتْ فِي يَوْمِ طُهْرِهَا وَكَانَتْ تَخْشَى تَلْوِيثَ الْمَسْجِدِ لَوْ دَخَلَتْهُ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا فِي سُقُوطِ طَوَافِ الْوَدَاعِ عَنْهَا حُكْمَ الْحَائِضِ وَإِنْ صَحَّ هَذَا الْتَحَقَ بِهِ كُلُّ مَنْ بِهِ جِرَاحَةٌ نَضَّاحَةٌ يُخْشَى مِنْ دُخُولِهِ الْمَسْجِدَ تَلْوِيثُهُ بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْعَاشِرَةُ } فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ التَّيْمِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ مِنْ صَفِيَّةَ بَعْضَ مَا يُرِيدُ الرَّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ فَقَالُوا إنَّهَا حَائِضٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِنَّهَا لَحَابِسَتُنَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا قَدْ زَارَتْ يَوْمَ النَّحْرِ قَالَ فَلْتَنْفِرْ مَعَكُمْ } وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُشْكِلَةٌ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِأَنَّهَا طَافَتْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ كَمَا اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ سَائِرُ الرِّوَايَاتِ فَكَيْفَ يُرِيدُ وِقَاعَهَا وَحُكْمُ الْإِحْرَامِ فِي حَقِّهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوِقَاعِ بَاقٍ قَبْلَ الطَّوَافِ ( وَجَوَابُهُ ) أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ظَنَّ أَنَّهَا طَاهِرَةٌ وَأَنَّهَا طَافَتْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهَا حَائِضٌ تَوَهَّمَ حِينَئِذٍ أَنَّهَا لَمْ تَطُفْ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ فَمَا حَدَثَ لَهُ هَذَا التَّوَهُّمُ إلَّا بَعْدَ عِلْمِهِ بِأَنَّهَا حَائِضٌ فَلَمْ يَجْتَمِعْ إرَادَةُ الْوِقَاعِ وَتَوَهُّمُ عَدَمِ الطَّوَافِ فِي زَمَنٍ وَاحِدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ تُنَافِي بِظَاهِرِهَا إرَادَةَ وِقَاعِهَا فَإِنَّ تِلْكَ الْحَالَةَ وَهِيَ وَقْتُ النَّفْرِ لَا يَتَهَيَّأُ فِيهَا هَذَا وَيُوَافِقُ ذَلِكَ رِوَايَةَ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { لَمَّا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَنْفِرَ إذَا صَفِيَّةُ عَلَى بَابِ خِبَائِهَا كَئِيبَةً حَزِينَةً فَقَالَ عَقْرَى حَلْقَى إنَّك لَحَابِسَتُنَا } الْحَدِيثَ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ فَلَعَلَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا إرَادَةُ الْوِقَاعِ وَهْمٌ وَلَمْ أَقِفْ عَلَيْهَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فَفِي ذِكْرِ عَبْدُ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيَّ لَهَا فِي الْعُمْدَةِ نَظَرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } قَوْلُهُ فَأَمَرَهَا بِالْخُرُوجِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَمْرُ إبَاحَةٍ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَمْرُ إيجَابٍ لَا لِأَجْلِ النُّسُكِ بَلْ لَحِقَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي كَوْنِهَا زَوْجَتَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . بَابُ دُخُولِ الْكَعْبَةِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ فَأَغْلَقَاهَا عَلَيْهِ وَمَكَثَ فِيهَا . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَسَأَلْتُ بِلَالًا حِينَ خَرَجَ مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ ، وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ ثُمَّ صَلَّى } وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ { وَجَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ } وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ { عَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { عَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ } وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ { بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ } وَلَهُمَا { وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى } وَلِلْبُخَارِيِّ { صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ إذَا دَخَلْت } وَلَهُ { وَعِنْدَ الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَرْمَرَةٌ حَمْرَاءُ } وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ { اسْتَقْبَلَ الْجَزْعَةَ } وَلِلشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { فَدَعَا فِيهِ وَلَمْ يُصَلِّ } وَابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَشْهَدْ الْقِصَّةَ وَإِنَّمَا حَدَّثَهُ بِذَلِكَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ( بَابُ دُخُولِ الْكَعْبَةِ وَالصَّلَاةِ فِيهَا ) عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْكَعْبَةَ هُوَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ وَبِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ فَأَغْلَقَاهَا عَلَيْهِ وَمَكَثَا فِيهَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَسَأَلْت بِلَالًا حِينَ خَرَجَ مَاذَا صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ وَكَانَ الْبَيْتُ يَوْمَئِذٍ عَلَى سِتَّةِ أَعْمِدَةٍ ثُمَّ صَلَّى } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَالْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَجُوَيْرَةَ بْنِ أَسْمَاءَ وَفُلَيْحِ بْنُ سُلَيْمَانَ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَمُسْلِمٍ وَأَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَوْنٍ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ كُلِّهِمْ عَنْ نَافِعٍ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَالْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُجَاهِدٍ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ كُلِّهِمْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ بِلَالٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ } وَقَالَ حَدِيثُ بِلَالٍ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ { الثَّانِيَةُ } فِيهِ اسْتِحْبَابُ دُخُولِ الْكَعْبَةِ اقْتِدَاءً بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَقَدْ وَرَدَ التَّرْغِيبُ فِيهِ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ دَخَلَ الْبَيْتَ دَخَلَ فِي حَسَنَةٍ وَخَرَجَ مِنْ سَيِّئَةٍ مَغْفُورًا لَهُ } قَالَ الْبَيْهَقِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُؤَمَّلِ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ هُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَمَحَلُّ اسْتِحْبَابِهِ إذَا لَمْ يُؤْذِ بِدُخُولِهِ أَحَدًا لِزَحْمَةٍ وَنَحْوِهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَاسْتُحِبَّ دُخُولُ الْبَيْتِ إنْ كَانَ لَا يُؤْذِي أَحَدًا بِدُخُولِهِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ عِنْدِي وَهُوَ قَرِيرُ الْعَيْنِ طَيِّبُ النَّفْسِ فَرَجَعَ إلَيَّ وَهُوَ حَزِينٌ فَقُلْتُ لَهُ فَقَالَ إنِّي دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ وَوَدِدْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ فَعَلْت ، إنِّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ أَتْعَبْت أُمَّتِي مِنْ بَعْدِي } لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَصَحَّحَهُ وَلَعَلَّ مَعْنَاهُ إتْعَابُهُمْ بِتَجَشُّمِ الْمَشَقَّةِ فِي الدُّخُولِ مَعَ تَعَسُّرِ ذَلِكَ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ ( يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّ دُخُولَكُمْ الْبَيْتَ لَيْسَ مِنْ حَجِّكُمْ فِي شَيْءٍ ) وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ فِي الْحَاجِّ إنْ شَاءَ دَخَلَ الْكَعْبَةَ وَإِنْ شَاءَ لَمْ يَدْخُلْهَا وَعَنْ خَيْثَمَةَ لَا يَضُرُّك وَاَللَّهِ أَنْ لَا تَدْخُلَهُ وَعَنْ عَطَاءٍ إنْ شِئْت فَلَا تَدْخُلُهُ ، وَمَا ذَكَرَهُ هَؤُلَاءِ لَا يُنَافِي اسْتِحْبَابَ دُخُولِهِ وَإِنَّمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ وُجُوبُهُ أَيْضًا فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ جُمْلَةِ الْمَنَاسِكِ بَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ مُسْتَقِلٌّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّالِثَةُ } دُخُولُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْكَعْبَةَ كَانَ فِي الْفَتْحِ كَمَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَلَمْ يَدْخُلْ الْكَعْبَةَ فِي عُمْرَتِهِ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَلَمْ يُنْقَلْ فِيمَا أَعْلَمُ دُخُولُهُ فِي حَجِّهِ ، وَلَعَلَّ تَرْكَهُ الدُّخُولَ فِي عُمْرَتِهِ وَحَجَّتِهِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ كَوْنُهُ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَلَيْسَ مِنْهَا وَإِنَّمَا هُوَ سُنَّةٌ مُسْتَقِلَّةٌ كَمَا قَدَّمْته وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ دُخُولُهُ كَانَ فِي حَجَّتِهِ وَحَدِيثُ ابْنِ أَبِي أَوْفَى فِي عُمْرَتِهِ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُمَا ، وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ دُخُولَهُ فِي حَجَّتِهِ مَرْدُودٌ وَإِنَّمَا كَانَ فِي الْفَتْحِ كَمَا قَدَّمْته وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ دُخُولَهُ كَانَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَلَمْ يَكُنْ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَسَبَبُ عَدَمِ دُخُولِهِ أَيْ فِي عُمْرَتِهِ مَا كَانَ فِي الْبَيْتِ مِنْ الْأَصْنَامِ وَالصُّوَرِ وَلَمْ يَكُنْ الْمُشْرِكُونَ يَتْرُكُونَهُ لِيُغَيِّرَهَا { فَلَمَّا فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ مَكَّةَ دَخَلَ الْبَيْتَ وَصَلَّى فِيهِ وَأَزَالَ الصُّوَرَ قَبْلَ دُخُولِهِ } ( قُلْت ) لَوْ كَانَ الْمَعْنَى مَا ذَكَرَهُ لَدَخَلَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَلَعَلَّ الْمَعْنَى الَّذِي أَبْدَيْته أَوْجَهَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْأَزْرَقِيُّ فِي تَارِيخِ مَكَّةَ حَدَّثَنِي جَدِّي قَالَ سَمِعْت سُفْيَانَ يَقُولُ سَمِعْت غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يَذْكُرُونَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ مَرَّةً وَاحِدَةً عَامَ الْفَتْحِ ثُمَّ حَجَّ فَلَمْ يَدْخُلْهَا } قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ ( فِي إحْيَاءِ الْقَلْبِ الْمَيِّتِ بِدُخُولِ الْبَيْتِ ) وَإِنَّمَا أُرِيدَ بِذَلِكَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَأَمَّا قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَهُوَ بِمَكَّةَ فَفِي طَبَقَاتِ ابْنِ سَعْدٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ فِي أَثْنَاءِ قِصَّةٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ دَخَلَهَا عَلَى أَنَّ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ { أَنَّهُ دَخَلَهَا يَوْمَ الْفَتْحِ مَرَّتَيْنِ } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { دَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْتَ ثُمَّ خَرَجَ وَبِلَالٌ خَلْفَهُ فَقُلْت لِبِلَالٍ هَلْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ لَا ، فَلَمَّا كَانَ مِنْ الْغَدِ دَخَلَ فَسَأَلْت بِلَالًا هَلْ صَلَّى ؟ قَالَ نَعَمْ } ، قَالَ وَقَدْ وَرَدَ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ دَخَلَهَا فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ الَّذِي ذَكَرْته فِي الْفَائِدَةِ قَبْلَهَا وَفِيهِ { أَنِّي دَخَلْت الْكَعْبَةَ } وَكَأَنَّ وَجْهَ ذَلِكَ أَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا إنَّمَا كَانَتْ مَعَهُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الرَّابِعَةُ } قَالَ الْمُهَلَّبُ شَارِحُ الْبُخَارِيِّ إدْخَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ لَمَعَانٍ تَخُصُّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَأَمَّا دُخُولُ عُثْمَانَ فَلِخِدْمَتِهِ الْبَيْتَ فِي الْغَلْقِ وَالْفَتْحِ وَالْكَنْسِ وَلَوْ لَمْ يَدْخُلْهُ لِغَلْقِ بَابِهَا لَتَوَهَّمَ النَّاسُ أَنَّهُ عَزَلَهُ ، وَأَمَّا بِلَالٌ فَمُؤَذِّنُهُ وَخَادِمُ أَمْرِ صَلَاتِهِ . وَأَمَّا أُسَامَةُ فَمُتَوَلِّي خِدْمَةِ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ وَهُمْ خَاصَّتُهُ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَخِصَّ خَاصَّتَهُ بِبَعْضِ مَا يَسْتَتِرُ بِهِ عَنْ النَّاسِ ا هـ وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْتَ وَمَعَهُ الْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ وَبِلَالٌ } الْحَدِيثَ فَزَادَ مَعَهُمْ الْفَضْلَ وَهُوَ غَرِيبٌ وَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَيْضًا وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْفَضْلِ ، وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ حَدَّثَنِي أَخِي الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ وَكَانَ مَعَهُ حِينَ دَخَلَهَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ فِي الْكَعْبَةِ وَلَكِنَّهُ لَمَّا دَخَلَهَا وَقَعَ سَاجِدًا بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ يَدْعُو } وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ شَاذَّةٌ مِنْ وَجْهَيْنِ دُخُولُ الْفَضْلِ مَعَهُمْ وَالِاقْتِصَارُ عَلَى السُّجُودِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَلَمْ يَدْخُلْهَا مَعَهُمْ أَحَدٌ { الْخَامِسَةُ } قَوْلُهُ فَأَغْلَقَاهَا عَلَيْهِ كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِالتَّثْنِيَةِ وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ عَلَى الْمَذْكُورَيْنِ آخِرًا وَهُمَا عُثْمَانُ وَبِلَالٌ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ { فَأَغْلَقُوا عَلَيْهِمْ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { فَأَغْلَقَهَا } وَالضَّمِيرُ عَائِدٌ لِعُثْمَانَ فَإِنَّهُ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ أَقْرَبُ مَذْكُورٍ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ قَالَ فِيهَا وَأَجَافَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ الْبَابَ وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ عُثْمَانَ هُوَ الْمُبَاشِرُ لِلْإِغْلَاقِ لِأَنَّهَا وَظِيفَتُهُ وَلِهَذَا انْفَرَدَ بِالْفَتْحِ وَأَمَّا ضَمُّ بِلَالٍ إلَيْهِ فِي رِوَايَةٍ فَلَعَلَّهُ سَاعَدَهُ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي نُسِبَ فِيهَا ذَلِكَ إلَى الْجَمِيعِ فَوَجْهُ نِسْبَتِهِ إلَى غَيْرِ عُثْمَانَ لِلْأَمْرِ بِذَلِكَ فَالْفِعْلُ يُنْسَبُ تَارَةً إلَى فَاعِلِهِ وَتَارَةً إلَى الْآمِرِ بِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّادِسَةُ } قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَأَمَّا غَلْقُ الْبَابِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ حِينَ صَلَّى فِي الْبَيْتِ لِئَلَّا يَظُنَّ النَّاسُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِيهِ سُنَّةٌ فَيُلْزَمُونَ ذَلِكَ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إنَّمَا أَغْلَقَهَا عَلَيْهِ السَّلَامُ لِيَكُونَ أَسْكَنَ لِقَلْبِهِ وَأَجْمَعَ لِخُشُوعِهِ وَلِئَلَّا يَجْتَمِعَ النَّاسُ وَيَدْخُلُوهُ أَوْ يَزْدَحِمُوا فَيَنَالَهُمْ ضَرَرٌ وَيَتَهَوَّشَ عَلَيْهِ الْحَالُ بِسَبَبِ لَغَطِهِمْ انْتَهَى وَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ أَظْهَرُ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يَخْفَى صَلَاتُهُ فِي الْبَيْتِ وَقَدْ شَاهَدَهَا جَمَاعَةٌ وَنَقَلُوهَا وَقِيلَ إنَّمَا أَغْلَقَهَا لِيُصَلِّيَ إلَى جَمِيعِ جِهَاتِهَا فَإِنَّ الْبَابَ إذَا كَانَ مَفْتُوحًا وَلَيْسَ أَمَامَهُ قَدْرُ مُؤَخِّرَةِ الرَّجُلِ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ حَكَاهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ { السَّابِعَةُ } فِيهِ اخْتِصَاصُ جَمَاعَةٍ بِدُخُولِهِمْ الْكَعْبَةَ وَإِغْلَاقِهَا عَلَيْهِمْ وَفِي تَارِيخِ الْأَزْرَقِيِّ { أَنَّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ كَانَ يَوْمَئِذٍ بِالْبَابِ يَذُبُّ النَّاسَ } . { الثَّامِنَةُ } وَفِيهِ إغْلَاقُ الْكَعْبَةِ وَيُقَاسُ بِهَا غَيْرُهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ } أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ إغْلَاقُهَا فِي غَيْرِ وَقْتِ الصَّلَاةِ وَبَوَّبَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ ( بَابُ الْأَبْوَابِ وَالْغَلْقِ لِلْكَعْبَةِ وَالْمَسَاجِدِ ) وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ اتِّخَاذُ الْأَبْوَابِ لِلْمَسَاجِدِ وَاجِبٌ لِتُصَانَ عَنْ مَكَانِ الرِّيَبِ وَتُنَزَّهَ عَمَّا لَا يَصْلُحُ فِيهَا مِنْ غَيْرِ الطَّاعَاتِ { التَّاسِعَةُ } لَمْ يُبَيِّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُدَّةَ مُكْثِهِ فِيهَا وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ { فَمَكَثَ فِيهَا نَهَارًا طَوِيلًا } . { الْعَاشِرَةُ } فِيهِ رِوَايَةُ الصَّاحِبِ عَنْ الصَّاحِبِ وَفِيهِ قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَا يُقَالُ كَيْفَ يُثْبِتُونَ خَبَرَ الْوَاحِدِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ لِأَنَّ هَذَا فَرْدٌ مِنْ أَفْرَادٍ يَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِهَا التَّوَاتُرُ فَيُنَبَّهُ عَلَيْهِ لِيُحْفَظَ وَيُضَمَّ إلَيْهِ غَيْرُهُ { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إثْبَاتُ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْكَعْبَةِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْبَيْتَ فَكَبَّرَ فِي نَوَاحِيهِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ } وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ بِلَفْظِ { وَدَعَا وَلَمْ يُصَلِّ } وَإِنَّمَا تَلَقَّى ابْنُ عَبَّاسٍ ذَلِكَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا دَخَلَ الْبَيْتَ دَعَا فِي نَوَاحِيهِ كُلِّهَا وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ حَتَّى خَرَجَ فَلَمَّا خَرَجَ رَكَعَ فِي قِبَلِ الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ وَقَالَ هَذِهِ الْقِبْلَةُ } وَالْعَمَلُ عَلَى الْإِثْبَاتِ فَإِنَّهُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّفْيِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ الْآثَارُ أَنَّهُ صَلَّى أَكْثَرَ وَلَوْ تَسَاوَتْ فِي الْكَثْرَةِ لَكَانَ الْأَخْذُ بِالْمُثْبِتِ أَوْلَى مِنْ النَّافِي فَقَدْ رَوَى { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صَلَّى فِي الْبَيْتِ غَيْرُ بِلَالٍ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَجَابِرٌ وَشَيْبَةُ بْنُ عُثْمَانَ وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ } مِنْ طُرُقٍ حِسَانٍ ذَكَرَهَا الطَّحَاوِيُّ كُلَّهَا وَفِي شَرْحِ مَعَانِي الْآثَارِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رِوَايَةُ أَنَّهُ صَلَّى أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ مَقْبُولَةٌ وَلَيْسَ قَوْلُ مَنْ قَالَ لَمْ يَفْعَلْ بِشَهَادَةٍ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَدِيثِ عَلَى الْأَخْذِ بِرِوَايَةِ بِلَالٍ لِأَنَّهُ مُثْبِتٌ فَمَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ فَوَجَبَ تَرْجِيحُهُ وَكَذَا حَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ قَالَ وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ لَوْ كَانَ الْخَبَرُ عَنْ اثْنَيْنِ فَأَمَّا وَقَدْ اخْتَلَفَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فَأَثْبَتَ مَرَّةً وَنَفَى أُخْرَى . وَقَوْلُ النَّفْيِ رِوَايَةُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَا أَدْرِي مَا هَذَا انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ عَنْ وَاحِدٍ أَوْ اثْنَيْنِ فَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ وَلَوْ كَانَ الِاخْتِلَافُ عَلَى وَاحِدٍ . ( الثَّانِي ) أَنَّ ذِكْرَ ابْنِ عُمَرَ سَهْوٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْهُ النَّفْيَ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أُسَامَةَ فَسَبَقَ قَلَمُهُ إلَى ابْنِ عُمَرَ فَأَمَّا نَفْيُ أُسَامَةَ فَقَدْ سَبَقَ وَأَمَّا إثْبَاتُهُ فَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ قَالَ : { خَرَجْت حَاجًّا فَجِئْت حَتَّى دَخَلْت الْبَيْتَ فَلَمَّا كُنْت بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ مَضَيْت حَتَّى لَزِمْت الْحَائِطَ فَجَاءَ ابْنُ عُمَرَ فَصَلَّى إلَى جَنْبِي فَصَلَّى أَرْبَعًا فَلَمَّا صَلَّى قُلْت لَهُ أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْبَيْتِ فَقَالَ أَخْبَرَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنَّهُ صَلَّى هَهُنَا فَقُلْت كَمْ صَلَّى ؟ فَقَالَ عَلَى هَذَا أَجِدُنِي أَلُومُ نَفْسِي . إنِّي مَكَثْت مَعَهُ عُمْرًا فَلَمْ أَسْأَلْهُ كَمْ صَلَّى } وَيُوَافِقُ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَإِنَّ فِيهَا بَعْدَ ذِكْرِ أُسَامَةَ وَبِلَالٍ وَعُثْمَانُ { فَقُلْت أَيْنَ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا هَاهُنَا ، قَالَ وَنَسِيت أَنْ أَسْأَلَهُمْ كَمْ صَلَّى } ، وَمُقْتَضَاهَا نِسْبَةُ ذَلِكَ إلَى جَمِيعِهِمْ وَالْمَشْهُورُ عَنْ أُسَامَةَ النَّفْيُ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : إنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ وَهَنُوا هَذِهِ الرِّوَايَةَ فَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَهَمَ ابْنُ عَوْنٍ هُنَا وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَأَسْنَدُوهُ عَنْ بِلَالٍ وَحْدَهُ قَالَ الْقَاضِي وَهَذَا هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي بَاقِي الطُّرُقِ إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ فَأَخْبَرَنِي بِلَالٌ أَوْ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ هَكَذَا هُوَ عِنْدَ عَامَّةِ شُيُوخِنَا وَفِي بَعْضِ النُّسَخِ وَعُثْمَانُ قَالَ وَهَذَا يَعْضُدُ رِوَايَةَ ابْنِ عَوْنٍ وَالْمَشْهُورُ انْفِرَادُ بِلَالٍ بِرِوَايَةِ ذَلِكَ { الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ } إنْ قُلْت كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ إثْبَاتِ بِلَالٍ وَنَفْيِ أُسَامَةُ مَعَ دُخُولِهِمَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ ؟ ( قُلْت ) أُجِيبَ عَنْهُ بِأَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَأَمَّا نَفْيُ أُسَامَةَ فَسَبَبُهُ أَنَّهُمْ لَمَّا دَخَلُوا الْكَعْبَةَ أَغْلَقُوا الْبَابَ وَاشْتَغَلُوا بِالدُّعَاءِ فَرَأَى أُسَامَةُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو ثُمَّ اشْتَغَلَ أُسَامَةُ بِالدُّعَاءِ فِي نَاحِيَةٍ مِنْ نَوَاحِي الْبَيْتِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى وَبِلَالٌ قَرِيبٌ مِنْهُ ثُمَّ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَآهُ بِلَالٌ لِقُرْبِهِ وَلَمْ يَرَهُ أُسَامَةُ لِبُعْدِهِ وَاشْتِغَالِهِ وَكَانَتْ صَلَاتُهُ خَفِيفَةً فَلَمْ يَرَهَا أُسَامَةُ لِإِغْلَاقِ الْبَابِ مَعَ بُعْدِهِ وَاشْتِغَالِهِ بِالدُّعَاءِ وَجَازَ لَهُ نَفْيُهَا عَمَلًا بِظَنِّهِ وَأَمَّا بِلَالٌ فَتَحَقَّقَهَا فَأَخْبَرَ بِهَا . ( الثَّانِي ) أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أُسَامَةُ غَابَ عَنْهُ بَعْدَ دُخُولِهِ لِحَاجَةٍ فَلَمْ يَشْهَدْ صَلَاتَهُ أَجَابَ بِهِ الشَّيْخُ مُحِبُّ الدِّينِ الطَّبَرِيُّ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَيَدُلُّ مَا رَوَاهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْمُنْذِرِ مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى صُوَرًا فِي الْكَعْبَةِ فَكُنْت آتِيهِ بِمَاءٍ فِي الدَّلْوِ يَضْرِبُ بِهِ الصُّوَرَ } قَالَ فَقَدْ أَخْبَرَ أُسَامَةُ أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ لِنَقْلِ الْمَاءِ وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ يَوْمَ الْفَتْحِ . ( الثَّالِثُ ) قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ الْأَشْبَهُ عِنْدِي أَنْ يُحْمَلَ الْخَبَرَانِ عَلَى دُخُولَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) يَوْمَ الْفَتْحِ وَصَلَّى فِيهِ وَالْآخَرُ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَلَمْ يُصَلِّ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُمَا تَضَادٌّ وَكَذَا قَالَ الْمُهَلَّبُ شَارِحُ الْبُخَارِيِّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَخَلَ مَرَّتَيْنِ صَلَّى فِي إحْدَاهُمَا وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْأُخْرَى قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَيَتَأَيَّدُ ذَلِكَ بِمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ عَنْ { إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ قَالَ قُلْت لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى أَدَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْتَ فِي عُمْرَتِهِ ؟ قَالَ لَا } ، قَالَ فَتَعَيَّنَ الدُّخُولُ فِي الْحَجِّ وَالْفَتْحِ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ مَا جَمَعَ بِهِ ابْنُ حِبَّانَ مُخَالِفٌ لِمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ كَوْنِ اخْتِلَافِ بِلَالٍ وَأُسَامَةَ إنَّمَا هُوَ فِي دُخُولٍ وَاحِدٍ وَهُوَ يَوْمُ الْفَتْحِ نَعَمْ الِاخْتِلَافُ الَّذِي عَنْ أُسَامَةَ فِي صَلَاتِهِ يَجُوزُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ فِي دُخُولَيْنِ إمَّا فِي سُفْرَةٍ أَوْ فِي سُفْرَتَيْنِ ( قُلْتُ ) وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَائِدَةِ الثَّالِثَةِ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ مَرَّةً وَاحِدَةً عَامَ الْفَتْحِ ثُمَّ حَجَّ فَلَمْ يَدْخُلْهَا } الرَّابِعُ أَنَّ الْمُرَادَ بِإِثْبَاتِ بِلَالٍ الصَّلَاةَ اللُّغَوِيَّةَ وَهِيَ الدُّعَاءُ لَا الصَّلَاةَ الشَّرْعِيَّةَ حَكَاهُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ بَعْضِ مَنْ مَنَعَ الصَّلَاةَ فِي الْكَعْبَةِ قَالَ وَهُوَ جَوَابٌ فَاسِدٌ يَرُدُّهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فِي الصَّحِيحِ وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى وَقَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ { أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ } وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ ذَلِكَ { الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ } قَوْلُهُ { جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَثَلَاثَةَ أَعْمِدَةٍ وَرَاءَهُ } كَذَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي أُوَيْسٍ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد عَنْ الْقَعْنَبِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ { جَعَلَ عَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ } وَفِي رِوَايَةٍ مُسْلِمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ { عَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ } وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ اللَّفْظُ الْأَوَّلُ عَنْ الْأَكْثَرِ مِنْ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ مِنْهُمْ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيُّ وَالْقَعْنَبِيُّ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبُو مُصْعَبٍ وَابْنُ بُكَيْر وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَإِسْحَاقُ بْنُ سُلَيْمَانَ وَأَحْمَدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ وَابْنُ مَهْدِيٍّ مِنْ رِوَايَةِ أَحْمَدَ بْنِ سِنَانٍ الْقَطَّانِ عَنْهُ وَالشَّافِعِيِّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي يَحْيَى مُحَمَّدِ بْنِ سَعِيدٍ الْعَطَّارِ عَنْهُ وَنَقَلَ اللَّفْظَ الثَّانِي عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ الطَّبَّاعِ وَمَكِّيِّ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَأَبِي قِلَابَةَ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ وَبُنْدَارٍ عَنْ ابْنِ مَهْدِيٍّ كُلُّهُمْ عَنْ مَالِكٍ وَنَقَلَ اللَّفْظَ الثَّالِثَ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ وَبُنْدَارٍ عَنْ بِشْرِ بْنِ عُمَرَ وَالرَّبِيعِ عَنْ الشَّافِعِيِّ كُلِّهِمْ عَنْ مَالِكٍ قَالَ وَرَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ فِيهِ { جَعَلَ عَمُودَيْنِ عَنْ يَمِينِهِ وَعَمُودَيْنِ عَنْ يَسَارِهِ } وَقَالَ وَلَمْ يُتَابِعْ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَالَ وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَوْلَى بِالصَّوَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَصَحَّحَ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا هَذِهِ الرِّوَايَةَ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَهِيَ مُوَافِقَةٌ لِكَوْنِهِ مُقَابِلَ الْبَابِ وَفِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا { صَلَّى بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ } وَإِذَا تَقَرَّرَ تَرْجِيحُ الرِّوَايَةِ الْأُولَى فَلَا يُنَافِيهَا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَمُودًا عَنْ يَمِينِهِ وَعَمُودًا عَنْ يَسَارِهِ لِأَنَّ مَعْنَاهَا صَلَّى بَيْنَ عَمُودَيْنِ وَإِنْ كَانَ بِجَانِبِ أَحَدِ الْعَمُودَيْنِ عَمُودٌ آخَرُ وَلَا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْيَمَانِيَيْنِ فَإِنَّ الْعُمُدَ الثَّلَاثَةَ أَحَدُهَا يَمَانِيٌّ وَهُوَ الْأَقْرَبُ إلَى الرُّكْنِ الْيَمَانِيِّ وَالْآخَرُ وَهُوَ الْأَقْرَبُ إلَى الْحَجَرِ شَامِيٌّ وَالْأَوْسَطُ بَيْنَهُمَا إنْ قُرِنَ بِالْأَوَّلِ قِيلَ الْيَمَانِيَّانِ وَإِنْ قُرِنَ بِالثَّانِي قِيلَ الشَّامِيَّانِ ذَكَرَهُ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ وَهُوَ وَاضِحٌ وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الثَّالِثَةُ فَإِنَّهُ يَتَعَذَّرُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْأُولَى فَهِيَ ضَعِيفَةٌ لِشُذُوذِهَا وَمُخَالَفَتِهَا رِوَايَةَ الْأَكْثَرِينَ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الرَّابِعَةُ فَهِيَ مَقْطُوعٌ بِوَهْمِهَا إذْ لَيْسَ هُنَاكَ أَرْبَعَةُ أَعْمِدَةٍ حَتَّى يَكُونَ عَنْ يَمِينِهِ اثْنَانِ وَعَنْ يَسَارِهِ اثْنَانِ { الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ } لَمْ يُفْصِحْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ الْقَدْرِ الَّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ لَكِنَّهُ مَعْلُومٌ مِنْ كَوْنِهِ كَانَ بَيْنَ الْعَوَامِيدِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَإِنَّ مِقْدَارَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْجِدَارِ مَعْرُوفٌ وَقَدْ أَفْصَحَ عَنْ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ الْأَزْرَمِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ مَالِكٍ قَالَ فِيهَا { ثُمَّ صَلَّى وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ } وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ ابْنَ عُفَيْرٍ وَابْنَ وَهْبٍ وَشَبَّابَةَ بْنَ سَوَّارٍ رَوَوْهَا عَنْ مَالِكٍ كَذَلِكَ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَفِيهِ { وَجَعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ نَحْوًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ } وَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا دَخَلَ الْكَعْبَةَ مَشَى قِبَلَ وَجْهِهِ حِينَ يَدْخُلُ وَجَعَلَ الْبَابَ قِبَلَ ظَهْرِهِ فَمَشَى حَتَّى يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ الَّذِي قِبَلَ وَجْهِهِ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ صَلَّى يَتَوَخَّى الْمَكَانَ الَّذِي أَخْبَرَهُ بِهِ بِلَالٌ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِيهِ ، قَالَ وَلَيْسَ عَلَى أَحَدٍ بَأْسٌ إنْ صَلَّى فِي أَيِّ نَوَاحِي الْبَيْتِ شَاءَ وَفِي تَارِيخِ مَكَّةَ لِلْأَزْرَقِيِّ أَنَّ مُعَاوِيَةَ { سَأَلَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَيْنَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَامَ دَخَلَهَا ؟ قَالَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدَّمَيْنِ اجْعَلْ بَيْنَك وَبَيْنَ الْجِدَارِ ذِرَاعَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً } وَهَذِهِ الرِّوَايَاتُ مُوَافِقَةٌ فِي الْمَعْنَى لِلرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ فَإِنَّ بَيْنَ الْعَوَامِيدِ الْمُقَدَّمَةِ وَبَيْنَ الْجِدَارِ هَذَا الْقَدْرُ وَيَنْبَغِي تَحَرِّي هَذِهِ الْبُقْعَةُ لِلصَّلَاةِ فِيهَا ، وَقَدْ يُقَالُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْ غَيْرِهَا مِنْ بِقَاعِ الْكَعْبَةِ لِلِاتِّبَاعِ ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا فَعَلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَلِكَ اتِّفَاقًا لَا أَنَّهُ مَقْصُودٌ ، فَيَكُونُ كَالْأُمُورِ الْجِبِلِّيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي إحْيَاءِ الْقَلْبِ الْمَيِّتِ يَنْبَغِي أَنْ لَا يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ فَإِمَّا أَنْ يُصَادِفَ مُصَلَّاهُ أَوْ يَقَعَ وَجْهُهُ وَذِرَاعَاهُ فِي مَكَانِ قَدَمَيْهِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ التَّقَدُّمِ عَنْهُ { الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ } إنْ قُلْت لِمَ لَمْ يَقْرَبْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ السُّتْرَةِ مَعَ أَمْرِهِ بِذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ؟ ( قُلْت ) جَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ مَحَلَّ ذَلِكَ مَا إذَا خَشِيَ الْمُرُورَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ وَهَذَا هُنَا مَأْمُونٌ لِإِغْلَاقِ الْبَابِ وَانْحِصَارِ الْكَائِنِينَ فِي الْبَيْتِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ ( ثَانِيهمَا ) أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقُرْبِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ السُّتْرَةِ ثَلَاثَةُ أَذْرُعٍ فَمَا دُونَهَا وَقَدْ دَلَّتْ الرِّوَايَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِدَارِ هَذَا الْمِقْدَارُ وَقَدْ اسْتَدَلَّ النَّسَائِيّ فِي سُنَنِهِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ هُوَ حَدُّ الدُّنُوِّ مِنْ السُّتْرَةِ { السَّادِسَةَ عَشْرَةَ } لَمْ يُبَيِّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَلَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ عَدَدَ رَكَعَاتِ صَلَاتِهِ بَلْ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّهُ قَالَ وَنَسِيت أَنْ أَسْأَلَهُ يَعْنِي بِلَالًا كَمْ صَلَّى } لَكِنْ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ حَدَّثَنَا يَحْيَى عَنْ سَيْفٍ قَالَ سَمِعْت مُجَاهِدًا قَالَ { أُتِيَ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَقِيلَ لَهُ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَخَلَ الْكَعْبَةَ قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَأَقْبَلْت وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ خَرَجَ وَأَجِدُ بِلَالًا قَائِمًا بَيْنَ الْبَابَيْنِ فَسَأَلْت بِلَالًا فَقُلْتُ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكَعْبَةِ ؟ قَالَ نَعَمْ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ اللَّتَيْنِ عَلَى يَسَارِهِ إذَا دَخَلْت ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى فِي وَجْهِ الْكَعْبَةِ رَكْعَتَيْنِ } وَمَا أَدْرِي مَا أَقُولُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَقَدْ أَعَادَهَا الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ مَا جَاءَ فِي التَّطَوُّعِ مَثْنَى مَثْنَى رَوَاهَا عَنْ أَبِي نُعَيْمٍ عَنْ سَيْفٍ وَلَيْسَ فِيهَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ وَهِيَ أَنَّ صَلَاتَهُ فِي الْكَعْبَةِ كَانَتْ رَكْعَتَيْنِ نَعَمْ رَوَاهَا النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي نُعَيْمٍ وَفِيهَا ذِكْرُ الرَّكْعَتَيْنِ وَرَوَى النَّسَائِيّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ { دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْكَعْبَةَ } الْحَدِيثَ وَفِيهِ { فَسَأَلْت بِلَالًا هَلْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكَعْبَةِ ، قَالَ نَعَمْ رَكْعَتَيْنِ بَيْنَ السَّارِيَتَيْنِ } وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ فَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ فِيهِ ضَعْفٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ صَفْوَانَ قَالَ { قُلْت لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَيْفَ صَنَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَخَلَ الْكَعْبَةَ ، قَالَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ } وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ صَفْوَانَ أَوْ ابْنِ صَفْوَانَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي الْبَيْتِ رَكْعَتَيْنِ حِينَ دَخَلَهُ } وَلَمْ أَتَوَقَّفْ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ لِاسْتِغْرَابِ كَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَإِنَّ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ عَادَتِهِ إنَّمَا تَوَقَّفْت فِيهَا لِقَوْلِ ابْنِ عُمَرَ { وَنَسِيت أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلَّى } وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَالَ وَالِدِي فِي إحْيَاءِ الْقَلْبِ الْمَيِّتِ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا أَخْبَرَهُ بِهِ بِلَالٌ بِغَيْرِ سُؤَالٍ ، وَفِيهِ بُعْدٌ . لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ يَلُومُ نَفْسَهُ عَلَى تَرْكِ السُّؤَالِ لِحُصُولِ مَقْصُودِهِ بِدُونِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ حَدَّثَ بِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَسْأَلَ بِلَالًا ثُمَّ سَأَلَ بِلَالًا بَعْدَ ذَلِكَ أَوْ حَدَّثَ بِهِ بِلَالٌ بَعْدَ ذَلِكَ فَذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَفِيهِ بُعْدٌ أَيْضًا لِأَنَّ بَعْضَ مَنْ حَدَّثَهُ عَنْهُ بِكَوْنِهِ لَمْ يَسْأَلْ بِلَالًا عَنْ ذَلِكَ إنَّمَا سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ وَفَاةِ بِلَالٍ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَإِنْ سَمِعَ مِنْ بِلَالٍ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ فِي أَنَّهُ لَمْ يُصَلِّ غَيْرَهُمَا لِأَنَّ مَنْ صَلَّى أَرْبَعًا أَوْ أَكْثَرَ يُصَدَّقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ كَمَا هُوَ الْمُرَجَّحُ فِي الْأُصُولِ فَيَكُونُ الَّذِي نَسِيَ أَنْ يَسْأَلَهُ عَنْهُ هَلْ زَادَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ شَيْئًا أَمْ لَا ، انْتَهَى { السَّابِعَةَ عَشْرَةَ } يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصَّلَاةُ تَحِيَّةَ الْكَعْبَةِ وَلَا يُقَالُ قَدْ حَصَلَتْ التَّحِيَّةُ بِالطَّوَافِ الَّذِي أَتَى بِهِ قَبْلَ دُخُولِهَا فَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّ الطَّوَافَ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ يَقُومُ مَقَامَ التَّحِيَّةِ لِأَنَّ الْكَعْبَةَ فِي حُكْمِ مَسْجِدٍ مُنْفَرِدٍ عَمَّا حَوْلَهَا وَقَدْ يُقَالُ مَا كَانَ فِي تِلْكَ الْمَرَّةِ طَافَ قَبْلَ الدُّخُولِ وَلَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ فَكَانَتْ تِلْكَ الرَّكْعَتَانِ هِيَ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ الْعَامِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ } فِيهِ جَوَازُ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ وَهَذِهِ الصَّلَاةُ وَإِنْ كَانَتْ نَافِلَةً فَالْفَرِيضَةُ فِي مَعْنَاهَا لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِوَاءُ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي الْأَرْكَانِ وَالشَّرَائِطِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ بِدَلِيلٍ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ كَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ لَا يَرَوْنَ بِالصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ بَأْسًا وَقَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ النَّافِلَةِ فِي الْكَعْبَةِ وَكَرِهَ أَنْ تُصَلَّى الْمَكْتُوبَةُ فِي الْكَعْبَةِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا بَأْسَ أَنْ تُصَلَّى الْمَكْتُوبَةُ وَالتَّطَوُّعُ فِي الْكَعْبَةِ لِأَنَّ حُكْمَ الْمَكْتُوبَةِ وَالنَّافِلَةِ فِي الطَّهَارَةِ وَالْقِبْلَةِ سَوَاءٌ انْتَهَى . وَقَالَ بِجَوَازِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا فِي الْكَعْبَةِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ أَشْهَبُ وَصَحَّحَهُ مِنْهُمْ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ جَوَازُ صَلَاةِ النَّافِلَةِ فِيهَا وَالْمَنْعُ مِنْ الْفَرْضِ وَالسُّنَنِ كَالْوِتْرِ وَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَيْ الطَّوَافِ وَقَيَّدَ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْهُ ذَلِكَ بِالطَّوَافِ الْوَاجِبِ وَإِطْلَاقُ التِّرْمِذِيِّ عَنْ مَالِكٍ تَجْوِيزَ النَّافِلَةِ تَبِعَهُ عَلَيْهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مُقَيَّدٌ بِمَا حَكَيْتُهُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الرِّوَايَةَ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ مُخْتَلِفَةٌ وَقَدْ حَكَى عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ تَجْوِيزَ النَّفْلِ فِيهَا دُونَ الْفَرْضِ فَإِنْ كَانَ يَقُولُ بِهِ عَلَى إطْلَاقِهِ فَهُوَ مَذْهَبٌ ( ثَالِثٌ ) فِي الْمَسْأَلَةِ وَفِيهَا مَذْهَبٌ ( رَابِعٌ ) وَهُوَ مَنْعُ الصَّلَاةِ فِيهَا مُطْلَقًا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عَنْ مَالِكٍ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَقَالَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِهِ أَصْبَغُ وَحَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَقَالَ بِهِ بَعْضُ الظَّاهِرِيَّةِ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ بِاسْتِقْبَالِهِ وَالْمُصَلِّي فِيهِ مُسْتَدْبِرٌ لِبَعْضِهِ وَرَوَى الْأَزْرَقِيُّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِسِمَاكٍ الْحَنَفِيِّ ائْتَمَّ بِهِ كُلِّهِ وَلَا تَجْعَلَنَّ شَيْئًا مِنْهُ خَلْفَك قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا يَصِحُّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَّا أَحَدُ قَوْلَيْنِ إمَّا الصِّحَّةُ مُطْلَقًا أَوْ الْفَسَادُ مُطْلَقًا ، وَالصَّوَابُ عِنْدِي قَوْلُ الصِّحَّةِ مُطْلَقًا ثُمَّ بَسَطَ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ وَإِذَا فَرَّعْنَا عَلَى الْمَشْهُورِ أَيْ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي التَّفْرِيقِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فَصَلَّى الْفَرْضَ فِيهَا فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ يُعِيدُ أَبَدًا فِي الْعَمْدِ وَالْجَهْلِ وَقَالَ فِي الْكِتَابِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَقَالَ أَصْبَغُ تَبْطُلُ وَتَجِبُ الْإِعَادَةُ وَإِنْ ذَهَبَ الْوَقْتُ لَكِنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ فِي مُتَعَمِّدِ الصَّلَاةِ فِيهَا فَقَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ أَنَّهُ لَوْ كَانَ نَاسِيًا لَأَعَادَ فِي الْوَقْتِ لِأَنَّ النَّاسِيَ لِلْقِبْلَةِ إنَّمَا يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ وَاسْتُشْهِدَ بِقَوْلِهِ فِي الْكِتَابِ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ كَمَنْ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ قَالَ وَإِنَّمَا يَصِحُّ هَذَا التَّشْبِيهُ فِيمَنْ صَلَّى إلَى غَيْرِ الْقِبْلَةِ نَاسِيًا ، انْتَهَى وَيَحْصُلُ مِنْهُ ( مَذْهَبٌ خَامِسٌ ) وَهُوَ أَنَّ التَّفْرِيقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ إنَّمَا هُوَ فِي الِاسْتِحْبَابِ فَلَوْ صَلَّى الْفَرْضَ فِيهَا صَحَّ وَارْتَكَبَ خِلَافَ الْأَوْلَى وَهُوَ الْقَائِلُ بِالْإِعَادَةِ فِي الْوَقْتِ لِأَنَّ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ لَازِمٌ لِلِاسْتِحْبَابِ ( وَمَذْهَبٌ سَادِسٌ ) وَهُوَ التَّفْرِيقُ فِي الْفَرْضِ بَيْنَ التَّعَمُّدِ وَالنِّسْيَانِ فَيَصِحُّ مَعَ النِّسْيَانِ دُونَ التَّعَمُّدِ وَتَرَدَّدَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ كَرِهَ الْفَرْضَ أَوْ مَنَعَهُ وَعَلَّلَ تَجْوِيزَ النَّفْلِ بِأَنَّهُ مَظِنَّةُ التَّخْوِيفِ فِي الشُّرُوطِ { التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ } شَرَطَ أَصْحَابُنَا فِي صِحَّةِ الصَّلَاةِ فِي الْكَعْبَةِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ جِدَارَهَا أَوْ بَابَهَا وَهُوَ مَرْدُودٌ أَوْ مَفْتُوحٌ بِشَرْطِ كَوْنِ عَتَبَتِهِ قَدْرَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ تَقْرِيبًا هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَلَنَا ( وَجْهٌ ) أَنَّهُ يُشْتَرَطُ فِي الْعَتَبَةِ أَنْ تَكُونَ بِقَدْرِ قَامَةِ الْمُصَلِّي طُولًا وَعَرْضًا ( وَوَجْهٌ ) أَنَّهُ يَكْفِي شُخُوصُهَا بِأَيِّ قَدْرٍ كَانَ وَهَذَا الشَّرْطُ مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ صَلَّى فِيهَا اسْتَقْبَلَ أَحَدَ جُدْرَانِهَا وَمَنْ لَمْ يَسْتَقْبِلْ الْجِدَارَ أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ لَمْ يَسْتَقْبِلْ الْقِبْلَةَ وَظَاهِرُ مَا سَنَحْكِيهِ فِي الْفَائِدَةِ بَعْدَهَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ يَقْتَضِي الصِّحَّةَ مُطْلَقًا . { الْفَائِدَةُ الْعِشْرُونَ } قَالَ أَصْحَابُنَا الصَّلَاةُ فَوْقَ ظَهْرِ الْكَعْبَةِ كَالصَّلَاةِ فِي نَفْسِ الْكَعْبَةِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ شَاخِصٌ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ عَلَى الصَّحِيحِ وَإِنْ كَانَ شَاخِصٌ مِنْ نَفْسِ الْكَعْبَةِ فَلَهُ حُكْمُ الْعَتَبَةِ إنْ كَانَ ثُلُثَيْ ذِرَاعٍ جَازَ وَإِلَّا فَلَا عَلَى الصَّحِيحِ ، وَفِيهِ الْوَجْهَانِ الْآخَرَانِ وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَقَالَ ابْنُ شَاسٍ الصَّلَاةُ فَوْقَ ظَهْرِهَا مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَحَمَلَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ النَّهْيَ عَلَى مَا إذَا لَمْ يَقُمْ بِمَا يَقْصِدُهُ وَحَمْلُ النَّهْيِ عَلَى الْإِطْلَاقِ رَأْيُ الْجَمَاعَةِ ، وَقَدْ حَكَى الْإِمَامُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ الْمَشْهُورَ مَنْعُ الصَّلَاةِ عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ وَأَنَّ ذَلِكَ أَشَدُّ مِنْ مَنْعِ الصَّلَاةِ دَاخِلَهَا وَأَنَّ الْإِعَادَةَ تَجِبُ فِيهِ أَبَدًا ، وَحَكَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ الْإِجْزَاءَ ، وَحَكَى عَنْ أَشْهَبَ الْإِجْزَاءَ إنْ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ قِطْعَةٌ مِنْ سَطْحِهَا وَبَنَى الْخِلَافَ عَلَى أَنَّ الْمَشْرُوعَ اسْتِقْبَالُ بِنَائِهَا أَوْ هَوَائِهَا انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ الشَّافِعِيُّ مَنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِهَا فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ لِأَنَّهُ لَمْ يَسْتَقْبِلْ مِنْهَا شَيْئًا وَقَالَ مَالِكٌ مَنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِهَا مَكْتُوبَةً أَعَادَ فِي الْوَقْتِ وَرَوَى عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ يُعِيدُ أَبَدًا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ مَنْ صَلَّى عَلَى ظَهْرِهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ انْتَهَى وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَقُولُ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ وَلَوْ لَمْ يَسْتَقْبِلْ شَيْئًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ } ذَكَرَ الْمَالِكِيَّةُ أَنَّ الصَّلَاةَ فِي الْحِجْرِ كَالصَّلَاةِ فِي الْبَيْتِ وَحِينَئِذٍ فَيُفَرَّقُ فِيهِ عِنْدَهُمْ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَرَ عَائِشَةَ بِالصَّلَاةِ فِي الْحِجْرِ وَقَالَ إنَّهُ مِنْ الْبَيْتِ } { الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ } الذَّاهِبُونَ إلَى التَّسْوِيَةِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي جَوَازِ فِعْلِهِ فِي الْكَعْبَةِ إنَّمَا يُسَوُّونَ بَيْنَهُمَا فِي مُطْلَقِ الْإِبَاحَةِ لَا فِي الْمَرْتَبَةِ وَالْفَضِيلَةِ فَأَشْهَبُ مَعَ تَجْوِيزِهِ الْفَرْضَ يَقُولُ إنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ لَا يَفْعَلَهُ فِيهَا وَأَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ يَقُولُونَ إنَّ النَّفَلَ فِيهَا أَفْضَلُ مِنْهُ خَارِجَهَا ، وَكَذَا الْفَرْضُ إنْ لَمْ يَرْجُ جَمَاعَةً فَإِنْ رَجَا فَخَارِجُهَا أَفْضَلُ وَحَاصِلُ كَلَامِهِمْ تَرْجِيحُ الصَّلَاةِ دَاخِلَهَا مُطْلَقًا إلَّا إنْ عَارَضَهُ الْجَمَاعَةُ فَهِيَ عِنْدَهُمْ مُرَجَّحَةٌ فِي الْفَرْضِ وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِفِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ النَّافِلَةَ فِيهَا عَلَى اسْتِحْبَابِهِ وَيُقَاسُ بِهِ الْفَرْضُ وَأَمَّا كَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَفْعَلْ الْفَرْضَ فِيهَا فَلِمُعَارَضَةِ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الصَّلَاةُ بِالنَّاسِ جَمِيعِهِمْ فِيهَا وَتَخْصِيصُ بَعْضِهِمْ بِذَلِكَ فِيهِ إيحَاشٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ } قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الصَّلَاةِ بَيْنَ الْأَسَاطِينِ وَالْأَعْمِدَةِ وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صَلَّى فِي الْجِهَةِ الَّتِي بَيْنَهُمَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي مُسَامَتَتِهَا حَقِيقَةً وَقَدْ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ كَرَاهَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَصِحَّ سَنَدُهَا قُدِّمَ هَذَا الْحَدِيثُ وَعُمِلَ بِحَقِيقَةِ قَوْلِهِ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ وَإِنْ صَحَّ سَنَدُهَا أُوِّلَ بِمَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّهُ صَلَّى فِي سَمْتِ مَا بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَتْ آثَارٌ ، قُدِّمَ الْمُسْنَدُ عَلَيْهَا انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ مَنْ كَرِهَ الصَّلَاةَ بَيْنَ الْأَسَاطِينِ إنَّمَا هُوَ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّ الْأَسَاطِينَ تَقْطَعُ الصُّفُوفَ فَأَمَّا مَنْ صَلَّى بَيْنَهَا مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ وَكَانَ الْإِمَامُ هُوَ الْوَاقِفُ بَيْنَهَا أَوْ الْمَأْمُومِينَ وَلَمْ يَكْثُرُوا بِحَيْثُ تَحُولُ الْأُسْطُوَانَةُ بَيْنَهُمْ فَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا كَرِهَهُ فَلَمْ تَتَوَارَدْ صُورَةُ الْحَدِيثِ مَعَ صُورَةِ الْكَرَاهَةِ عَلَى مَحَلٍّ وَاحِدٍ وَقَدْ أَشَارَ لِذَلِكَ الْبُخَارِيُّ بِتَبْوِيبِهِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ ( بَابُ الصَّلَاةِ بَيْنَ السَّوَارِي فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ ) { الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ } الْمَرْمَرَةُ بِرَاءٍ وَمِيمٍ مُكَرَّرَتَيْنِ وَاحِدَةُ الْمَرْمَرِ وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الرُّخَامِ صُلْبٌ قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ وَأَطْلَقَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَّهُ الرُّخَامُ وَحَكَاهُ فِي الْمَشَارِقِ عَنْ الْكِسَائِيّ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ { اسْتَقْبَلَ الْجَزْعَةَ } فَهِيَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ وَاحِدَةُ الْجَزْعِ وَهُوَ الْخَرَزُ الْيَمَانِيُّ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ يُسَمَّى الْمَرْمَرَةُ جَزْعَةً عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَانَ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ مَرْمَرَةٌ وَجَزْعَةٌ فَذَكَرَ الرَّاوِي كُلًّا مِنْهُمَا فِي مَرَّةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . بَابُ الْهَدْيِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : { بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَدَنَةً مُقَلَّدَةً قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيْلَك ارْكَبْهَا . قَالَ بَدَنَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ ، وَيْلَك ارْكَبْهَا وَيْلَك ارْكَبْهَا } وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ لَهُ ارْكَبْهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا بَدَنَةٌ ، فَقَالَ ارْكَبْهَا وَيْلَك فِي الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ } وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { رَأَى رَجُلًا يَسُوقَ بَدَنَةً وَقَدْ جَهِدَهُ الْمَشْيُ } وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { ارْكَبْهَا بِالْمَعْرُوفِ إذَا أُلْجِئْت إلَيْهَا حَتَّى تَجِدَ ظَهْرًا } وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : { إنْ كُنْت لَأَفْتِلُ قَلَائِدَ هَدْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَبْعَثُ بِهَا فَمَا يَجْتَنِبُ شَيْئًا مِمَّا يَجْتَنِبُ الْمُحْرِمُ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا { قَلَائِدَ الْغَنَمِ } وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ { كُلَّهَا غَنَمًا } وَلِمُسْلِمٍ { قَلَائِدَ بُدْنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَلِلْبُخَارِيِّ { فَتَلْتُ لِهَدْيِهِ تَعْنِي الْقَلَائِدَ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ } وَلَهُمَا { فَتَلْتُ قَلَائِدَهَا مِنْ عِهْنٍ كَانَ عِنْدِي } وَلَهُمَا { ثُمَّ بَعَثَ بِهَا مَعَ أَبِي } . وَلِلنَّسَائِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { كَانُوا إذَا كَانُوا حَاضِرِينَ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ بَعَثَ بِالْهَدْيِ فَمَنْ شَاءَ أَحْرَمَ وَمَنْ شَاءَ تَرَكَ } { بَابُ الْهَدْيِ } { الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ } عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { بَيْنَمَا رَجُلٌ يَسُوقُ بَدَنَةً مُقَلَّدَةً قَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيْلَك ارْكَبْهَا قَالَ بَدَنَةٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ وَيْلَك ارْكَبْهَا وَيْلَك ارْكَبْهَا } وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا يَسُوقُ بَدَنَةً فَقَالَ لَهُ ارْكَبْهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّهَا بَدَنَةٌ ، فَقَالَ ارْكَبْهَا وَيْلَك فِي الثَّانِيَةِ أَوْ الثَّالِثَةِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٍ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيِّ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كُثَيِّرٌ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ أَبُو الشَّيْخِ بْنُ حَيَّانَ فِي الضَّحَايَا مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ مُوسَى عَنْ أَبِي عُثْمَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَذَا ذَكَرَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ فَصَرَّحَ فِيهَا بِأَنَّهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ مِنْ رِوَايَةِ عَجْلَانَ مَوْلَى الْمُشْمَعِلِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الثَّانِيَةُ } الْمُرَادُ بِالْبُدْنِ هُنَا الْوَاحِدَةُ مِنْ الْإِبِلِ الْمُهْدَاةِ إلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ وَيَقَعُ هَذَا اللَّفْظُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِالِاتِّفَاقِ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلًا إنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْأُنْثَى وَرَدَّهُ ؛ وَهَلْ تَخْتَصُّ فِي أَصْلِ وَضْعِهَا بِالْإِبِلِ أَمْ تُسْتَعْمَلُ فِيهَا وَفِي الْبَقَرِ أَمْ فِيهَا وَفِي الْغَنَمِ ؟ فِيهِ خِلَافٌ تَقَدَّمَ فِي الْجُمُعَةِ فِي الْحَدِيثِ الرَّابِعِ ، وَلَوْ اُسْتُعْمِلَتْ الْبَدَنَةُ هُنَا فِي أَصْلِ مَدْلُولِهَا لَمْ يَحْصُلْ الْجَوَابُ بِقَوْلِهِ إنَّهَا بَدَنَةٌ لِأَنَّ كَوْنَهَا مِنْ الْإِبِلِ مُشَاهَدٌ مَعْلُومٌ وَاَلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ خَفِيَ مِنْ أَمْرِهَا كَوْنُهَا هَدْيًا فَدَلَّ بِقَوْلِهِ إنَّهَا بَدَنَةٌ عَلَى أَنَّهَا مُهْدَاةٌ وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى بَدَنَةٌ بِالرَّفْعِ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ أَيْ هِيَ بَدَنَةٌ { الثَّالِثَةُ } وَالْمُرَادُ بِالتَّقْلِيدِ أَنْ يُعَلَّقَ فِي أَعْنَاقِهَا مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى إهْدَائِهَا وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَقْلِيدِ الْهَدْيِ وَسَيَأْتِي إيضَاحُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ . { الرَّابِعَةُ } فِيهِ جَوَازُ رُكُوبِ الْهَدْيِ وَقَدْ قَسَّمَ أَصْحَابُنَا الْهَدْيَ إلَى مُتَطَوَّعٍ بِهِ وَمَنْذُورٍ ( فَالْأَوَّلُ ) بَاقٍ عَلَى مِلْكِ الْمُهْدَى لَهُ فَلَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِمَا يَشَاءُ ( وَالثَّانِي ) خَارِجٌ عَنْ مِلْكِهِ بِالنَّذْرِ وَفِيهِ خِلَافٌ لِلْعُلَمَاءِ وَلَمَّا لَمْ يَسْتَفْصِلْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَاحِبُ هَذَا الْهَدْيِ عَنْ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَلِفُ وَأَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ رُكُوبُهُ فِي الْحَالَتَيْنِ وَالْخِلَافُ الَّذِي فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ مَذَاهِبُ : ( أَحَدُهَا ) الْجَوَازُ مُطْلَقًا وَهَذَا هُوَ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ فِي كِتَابِ الضَّحَايَا وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْمَاوَرْدِيِّ وَالْقَفَّالِ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَكَذَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحَيْ مُسْلِمٍ وَالْمُهَذَّبِ عَنْهُمْ وَعَنْ مَالِكٍ فِي رِوَايَةٍ وَعَنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَصَرَّحَ عَنْهُمَا بِأَنَّهُمَا لَمْ يَشْتَرِطَا مِنْهُ حَاجَةً إلَيْهِمَا . ( الثَّانِي ) الْجَوَازُ بِشَرْطِ الِاحْتِيَاجِ لِذَلِكَ وَلَا يَرْكَبُهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إنَّهُ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَنَقَلَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ تَصْرِيحِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالْمُتَوَلِّي وَصَاحِبِ الْبَيَانِ وَآخَرِينَ قَالَ وَهُوَ ظَاهِرُ نَصِّ الشَّافِعِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ يَرْكَبُ الْهَدْيَ إذَا اُضْطُرَّ إلَيْهِ وَقَالَ الرُّويَانِيُّ أَنَّ تَجْوِيزَ الرُّكُوبِ مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ خِلَافُ النَّصِّ قَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الْإِسْنَوِيُّ فَعَلَى هَذَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْقَادِرِ عَلَى الْمَشْيِ إذَا رَكِبَ مُتَرَفَّهًا كَكَثِيرٍ مِنْ النَّاسِ وَلَا لِلْقَادِرِ عَلَى غَيْرِهَا بِمِلْكٍ أَوْ إجَارَةٍ وَفِي الْإِعَارَةِ نَظَرٌ ا هـ . وَتَقْيِيدُ الْجَوَازِ بِشَرْطِ الْحَاجَةِ هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ ، قَالَ ابْنُ شَاسٍ فِي...

  جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين ====

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ج1.الي اخر/ح4.كتاب : حاشية ابن القيم على سنن أبي داود المؤلف : محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية

أقسام الكتاب/// 1 2 3 4 ////. | جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين     ج1.الي اخر / ح4.كتاب : حاشية ابن القيم على سنن أبي داود المؤلف : مح...