السبت، 21 فبراير 2026

ومن 21 الي الاخر من كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ

كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ
 
 ===  الْمُتَقَدِّمِ بِأَجْوِبَةٍ ( أَحَدُهَا ) قَالَ ابْنُ حَزْمٍ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ أَبُو الزُّبَيْرِ أَنَّهُ سَمِعَهُ مِنْ جَابِرٍ ، وَلَا هُوَ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ عَنْهُ فَإِنَّهُ أُعْلِمَ لَهُ عَلَى مَا سَمِعَهُ مِنْهُ ، وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ مِمَّا أُعْلِمَ لَهُ عَلَيْهِ فَبَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ . ( ثَانِيهَا ) قَالَ ابْنُ حَزْمٍ أَيْضًا ثُمَّ لَوْ صَحَّ لَكَانَ الْخَبَرُ الَّذِي فِيهِ إيجَابُ الْأَكْلِ زَائِدًا عَلَى هَذَا ، وَزِيَادَةُ الْعَدْلِ لَا يَحِلُّ تَرْكُهَا ( قُلْت ) لَيْسَ هَذَا صَرِيحًا فِي إيجَابِ الْأَكْلِ فَإِنَّ صِيغَةَ الْأَمْرِ تَرِدُ لِلِاسْتِحْبَابِ . وَأَمَّا التَّخْيِيرُ الَّذِي فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي عَدَمِ الْوُجُوبِ فَالْأَخْذُ بِهِ ، وَتَأْوِيلُ الْأَمْرِ مُتَعَيَّنٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( ثَالِثُهَا ) قَالَ النَّوَوِيُّ مَنْ أَوْجَبَ تَأْوِيلَ تِلْكَ الرِّوَايَةِ عَلَى مَنْ كَانَ صَائِمًا ( قُلْت ) وَأَشَارَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الرِّوَايَةِ الْكُبْرَى مِنْ الْأَحْكَامِ إلَى تَأْيِيدِ هَذَا التَّأْوِيلِ بِأَنَّ ابْنَ مَاجَهْ رَوَى حَدِيثَ جَابِرٍ هَذَا فِي الصَّوْمِ مِنْ نُسْخَتِهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ بِلَفْظِ { مَنْ دُعِيَ إلَى طَعَامٍ ، وَهُوَ صَائِمٌ فَلْيُجِبْ فَإِنْ شَاءَ طَعِمَ ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ } . وَالرِّوَايَاتُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَقَدْ أَخْرَجَ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ رِوَايَةَ ابْنِ جُرَيْجٍ هَذِهِ ، وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهَا بَلْ قَالَ إنَّهَا مِثْلُ الْأُولَى ، وَقَدْ عَرَفْت زِيَادَةَ هَذِهِ الْفَائِدَةِ فِيهَا ، وَهَذَا الْجَوَابُ أَقْوَى هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَإِذَا قُلْنَا بِوُجُوبِ الْأَكْلِ فَيَحْصُلُ ذَلِكَ ، وَلَوْ بِلُقْمَةٍ ، وَلَا تَلْزَمُهُ الزِّيَادَةُ لِأَنَّهُ يُسَمَّى أَكْلًا ، وَلِهَذَا لَوْ حَلَفَ لَا يَأْكُلُ حَنِثَ بِلُقْمَةٍ ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَتَخَيَّلُ صَاحِبُ الطَّعَامِ أَنَّ امْتِنَاعَهُ بِشُبْهَةٍ يَعْتَقِدُهَا فِي الطَّعَامِ فَإِذَا أَكَلَ لُقْمَةً زَالَ ذَلِكَ التَّخَيُّلُ ، وَحَكَى الْمَازِرِيُّ ، وَجْهًا أَنَّ الْأَكْلَ فَرْضُ كِفَايَةٍ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى وُجُوبِ الْوَلِيمَةِ ، وَقَالَ لَوْ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً لَمَا كَانَتْ الْإِجَابَةُ إلَيْهَا وَاجِبَةً وَرَدَّ بِأَنَّ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَرَدُّهُ وَاجِبٌ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ كِتَابُ الطَّلَاقِ وَالتَّخْيِيرِ ) عَنْ نَافِعٍ عَنْ { ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُطَلِّقَ لَهَا النَّاسُ } زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ { تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { قَالَ ابْنُ عُمَرَ فَرَاجَعْتهَا ، وَحَسِبْت لَهَا التَّطْلِيقَةَ الَّتِي طَلَّقْتهَا } وَقَالَ الْبُخَارِيُّ { حُسِبَتْ عَلَيَّ بِتَطْلِيقَةٍ } . ( بَابُ الطَّلَاقِ وَالتَّخْيِيرِ ) ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ تَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ بِلَفْظِ { أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً } فَعَزْوُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى هَذِهِ الرِّوَايَةَ لِمُسْلِمٍ وَحْدَهُ فَقَطْ فِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ عَرَفْت أَنَّهَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ . وَقَالَ مُسْلِمٌ جَوَّدَ اللَّيْثُ فِي قَوْلِهِ تَطْلِيقَةً وَاحِدَةً ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ { وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ إذَا سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ قَالَ لِأَحَدِهِمْ أَمَّا أَنْتَ طَلَّقْت امْرَأَتَك مَرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي بِهَذَا ، وَإِنْ كُنْت طَلَّقْتهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْك حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَك ، وَعَصَيْت اللَّهَ فِيمَا أَمَرَك مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِك } . وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا بِمَعْنَاهُ أَخَصْرُ مِنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَفِيهِ قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قُلْت لِنَافِعٍ مَا صَنَعَتْ التَّطْلِيقَةُ ؟ قَالَ وَاحِدَةً اُعْتُدَّ بِهَا ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَفِيهِ كَلَامُ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مَوْلَى آلِ طَلْحَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ { ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ فَذَكَرَ ذَلِكَ عُمَرُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا } . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَفِيهِ { فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } ، وَفِيهِ { ، وَالطَّلَاقُ لِلْعِدَّةِ كَمَا أَمَرَ اللَّهُ } . وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ طَلَّقَهَا تَطْلِيقَةً فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا ، وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي لَفْظٍ { فَيُرَاجِعْهَا وَحَسِبْتُ لَهَا التَّطْلِيقَةَ الَّتِي طَلَّقْتُهَا } . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ حُسِبَتْ عَلَيَّ بِتَطْلِيقَةٍ ، وَذَكَرَ الْمِزِّيُّ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فِي الْبُخَارِيِّ مُعَلَّقَةٌ ، وَكَلَامُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقْتَضِي أَنَّهَا مُسْنَدَةٌ ، وَهُوَ الْحَقُّ فَإِنَّ الْبُخَارِيَّ قَالَ فِيهَا . وَقَالَ أَبُو مَعْمَرٍ ثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ ثَنَا أَيُّوبُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَأَبُو مَعْمَرَ هَذَا مِنْ شُيُوخِهِ فَرِوَايَتُهُ عَنْهُ بِصِيغَةٍ قَالَ مُتَّصِلَةٌ لِثُبُوتِ لُقِيِّهِ لَهُ ، وَانْتِفَاءِ التَّدْلِيسِ فِي حَقِّهِ لَا سِيَّمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيُّ ثَنَا أَبُو مَعْمَرٍ فَثَبَتَ بِذَلِكَ اتِّصَالُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ { سَأَلْت ابْنَ عُمَرَ فَقَالَ طَلَّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ فَسَأَلَ عُمَرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا ثُمَّ يُطَلِّقَ مِنْ قُبُلِ عِدَّتِهَا قُلْت تَحْتَسِبُ ، قَالَ أَرَأَيْت إنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ } . وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَفِيهِ { فَقَالَ لِيُرَاجِعْهَا قُلْت فَتُحْتَسَبُ قَالَ فَمُهُ } . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ ( قُلْت ) { فَاعْتَدَدْت بِتِلْكَ الَّتِي طَلَّقْت ، وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ مَالِي لَا أَعْتَدُّ بِهَا ، وَإِنْ كُنْت عَجَزْت وَاسْتَحْمَقْت } ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَفِيهِ { فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيُرَاجِعْهَا فَرَدَّهَا ، وَقَالَ إذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلِّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ ، وَقَرَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } } . لَفْظُ مُسْلِمٍ وَلَفْظُ النَّسَائِيّ فَرَدَّهَا عَلَيَّ ، لَفْظُ أَبِي دَاوُد فَرَدَّهَا عَلَيَّ ، وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا ، وَقَالَ إذَا طَهُرَتْ فَلْتُطَلِّقْ أَوْ لِتُمْسِكْ ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَأَبُو الزُّبَيْرِ ، وَمَنْصُورٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، وَمَعْنَاهُمْ كُلُّهُمْ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شَاءَ طَلَّقَ ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَ } . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ . وَأَمَّا رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ ، وَنَافِعٍ عَنْ { ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ ، ثُمَّ إنْ شَاءَ طَلَّقَ أَوْ أَمْسَكَ } . وَرُوِيَ عَنْ عَطَاءٍ الْخُرَاسَانِيِّ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوُ رِوَايَةِ نَافِعٍ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَالْأَحَادِيثُ كُلُّهَا عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ انْتَهَى . وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى لَمْ أَذْكُرْهَا اخْتِصَارًا ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا حَدِيثٌ مُجْمَعٌ عَلَى صِحَّتِهِ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ ، وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَيْضًا فِي أَلْفَاظِهِ عَنْ نَافِعٍ . وَرَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ سَوَاءٌ ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَةَ أَبِي الزُّبَيْرِ ، وَقَالَ قَوْلُهُ ، وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا مُنْكَرٌ ، وَلَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ غَيْرُ أَبِي الزُّبَيْرِ ، وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ فِيمَا خَالَفَهُ فِيهِ مِثْلُهُ فَكَيْفَ بِخِلَافِ مَنْ هُوَ أَثْبَتُ مِنْهُ ، وَلَوْ صَحَّ لَكَانَ مَعْنَاهُ عِنْدِي ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَلَمْ يَرَهَا عَلَى اسْتِقَامَةٍ أَيْ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا مُسْتَقِيمًا لِأَنَّهُ لَمْ يُمْكِنُ طَلَاقُهُ لَهَا عَلَى سُنَّةِ اللَّهِ ، وَرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قَالَ أَهْلُ الْحَدِيثِ لَمْ يَرْوِ أَبُو الزُّبَيْرِ حَدِيثًا أَنْكَرَ مِنْ هَذَا ، وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ لَمْ يَرَهُ شَيْئًا تَامًّا تَحْرُمُ مَعَهُ الْمُرَاجَعَةُ ، وَلَا تَحِلُّ لَهُ إلَّا بَعْدَ زَوْجٍ أَوْ لَمْ يَرَهُ شَيْئًا جَائِزًا فِي السُّنَّةِ مَاضِيًا فِي حُكْمِ الِاخْتِيَارِ ، وَإِنْ كَانَ لَازِمًا لَهُ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ . ( الثَّانِيَةُ ) هَذِهِ الْمَرْأَةُ قِيلَ اسْمُهَا أُمَيَّةُ بِنْتُ عَقَّارٍ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي الْمُبْهَمَاتِ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ { فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ } أَيْ لِيَعْرِفَ الْحُكْمَ فِيمَا وَقَعَ ، وَفِيمَا يَسْتَقْبِلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَعْلَمَهُ حُكْمَ مَا وَقَعَ ، وَهُوَ التَّحْرِيمُ بِتَغَيُّظِهِ فِي ذَلِكَ كَمَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَتَغَيَّظَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنَّمَا تَغَيَّظَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ فِعْلٍ مُحَرَّمٍ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ سُؤَالُ عُمَرَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ وُجُوهًا ( مِنْهَا ) أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا قَبْلَ هَذِهِ النَّازِلَةِ مِثْلَهَا فَأَرَادُوا السُّؤَالَ لِيَعْلَمُوا الْجَوَابَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَعْلُومًا عِنْدَهُ بِالْقُرْآنِ ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى { فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } . وَقَوْلُهُ { وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِقُرْءٍ فَافْتَقَرَ إلَى مَعْرِفَةِ الْحُكْمِ فِيهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَمِعَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْيَ ، وَالْأَوْسَطُ أَقْوَاهَا انْتَهَى . وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ : وَتَغَيُّظُهُ إمَّا لِأَنَّ الْمَعْنَى الَّذِي يَقْتَضِي الْمَنْعَ كَانَ ظَاهِرًا ، وَكَانَ مُقْتَضَى الْحَالِ التَّثَبُّتَ فِي الْأَمْرِ أَوْ لِأَنَّهُ كَانَ يَقْتَضِي الْأَمْرُ الْمُشَاوَرَةَ لِلرَّسُولِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ إذَا عَزَمَ عَلَيْهِ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالنَّوَوِيُّ ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ تَعَبُّدٌ غَيْرُ مَعْقُولِ الْمَعْنَى . وَقَالَ الْأَكْثَرُونَ بَلْ مَعْنَاهُ تَضَرُّرُ الْمَرْأَةِ بِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ يَرَى الْعِدَّةَ بِالْأَطْهَارِ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَطْوِيلٌ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ الَّذِينَ يَرَوْنَ الْعِدَّةَ بِالْحَيْضِ فَإِنَّهُمْ يَعْتَبِرُونَ ثَلَاثَ حِيَضٍ كَامِلَةٍ فَالْمَعْنَى عِنْدَهُمْ أَنَّ الْأَصْلَ فِي الطَّلَاقِ الْحَظْرُ لِمَا فِيهِ مِنْ قَطْعِ النِّكَاحِ الَّذِي تَعَلَّقَتْ بِهِ الْمَصَالِحُ الدِّينِيَّةُ وَالدُّنْيَوِيَّةُ ، وَإِنَّمَا يُبَاحُ لِلْحَاجَةِ ، وَالْمُعْتَبَرُ دَلِيلُهَا ، وَهُوَ الْإِقْدَامُ عَلَى الطَّلَاقِ فِي زَمَنِ الرَّغْبَةِ ، وَهُوَ الطُّهْرُ بِخِلَافِ الْحَيْضِ فَإِنَّهُ زَمَنُ النَّفْرَةِ فَلَا يُبَاحُ فِيهِ الطَّلَاقُ ، وَاسْتَثْنَى أَصْحَابُنَا مِنْ تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ صُوَرًا ( إحْدَاهَا ) أَنْ يُطَلِّقَهَا بِعِوَضٍ مِنْهَا فَلَوْ سَأَلَتْهُ الطَّلَاقَ ، وَرَضِيَتْ بِهِ بِلَا عِوَضٍ أَوْ اخْتَلَعَهَا أَجْنَبِيٌّ فَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا خِلَافٌ ، وَالْأَصَحُّ تَحْرِيمُهُ فِيهِمَا ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إبَاحَةُ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ بِسُؤَالِ الْمَرْأَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِعِوَضٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ فَلَوْ عُلِّقَ طَلَاقُهَا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِاخْتِيَارِهَا فَفَعَلَتْهُ مُخْتَارَةً يَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ هُوَ كَمَا لَوْ طَلَّقَهَا بِسُؤَالِهَا . وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ تَحْرِيمُ الْخُلْعِ كَالطَّلَاقِ ( ثَانِيهَا ) إذَا طُولِبَ الْمُولِي بِالطَّلَاقِ فَطَلَّقَ فِي الْحَيْضِ قَالَ الْإِمَامُ وَالْغَزَالِيُّ وَغَيْرُهُمَا لَيْسَ بِحَرَامٍ لِأَنَّهَا طَالَبَتْهُ رَاضِيَةً قَالَ الرَّافِعِيُّ ، وَهَذَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ بِتَحْرِيمِهِ لِأَنَّهُ أَخْرَجَهَا بِالْإِيذَاءِ إلَى الطَّلَبِ ، وَهُوَ غَيْرُ مُلْتَجِئٍ لِلطَّلَاقِ لِتَمَكُّنِهِ مِنْ الْفَيْئَةِ ، وَلَوْ طَلَّقَ الْقَاضِي عَلَيْهِ إذَا قُلْنَا بِهِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ فِي الْحَيْضِ ، وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَشْهَبُ لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ لِتَعَذُّرِ الْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ ، وَيُطَلِّقُ عِنْدَ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ لِإِمْكَانِ الْكَفَّارَةِ لَهُ فَيَسْقُطُ حُكْمُ الْإِيلَاءِ . ( ثَالِثُهَا ) لَوْ رَأَى الْحَكَمَانِ فِي صُورَةِ الشِّقَاقِ الطَّلَاقَ فَطَلَّقَا فِي الْحَيْضِ فَفِي شَرْحِ مُخْتَصَرِ الْجُوَيْنِيِّ أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ لِلْحَاجَةِ إلَى قَطْعِ الشَّرِّ . ( رَابِعُهَا ) لَوْ قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ آخِرِ حَيْضِك أَوْ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ آخِرِ حَيْضِك فَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ سُنِّيٌّ لِاسْتِعْقَابِهِ الشُّرُوعَ فِي الْعِدَّةِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ مَعَ آخِرِ جُزْءٍ مِنْ الطُّهْرِ فَإِنَّهُ بِدْعِيٌّ ، وَإِنْ لَمْ يَطَأْهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ . وَكَذَا قَالَ الْحَنَابِلَةُ فَلَوْ نَجَّزَ الطَّلَاقَ فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْهَا فِيهِ فَصَادَفَ حُدُوثَ الْحَيْضِ عَقِبَ طَلَاقِهِ أَوْ نَجَّزَهُ فِي الْحَيْضِ فَصَادَفَ حُدُوثَ الطُّهْرِ عَقِبَ طَلَاقِهِ لَمْ أَرَ فِيهِ نَقْلًا ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ فِي الْأُولَى سُنِّيٌّ ، وَمَعَ ذَلِكَ تُسْتَحَبُّ الرَّجْعَةُ لِطُولِ الْعِدَّةِ ، وَفِي الثَّانِيَةِ بِدْعِيٌّ لَكِنْ لَا تُسْتَحَبُّ الرَّجْعَةُ لِعَدَمِ التَّطْوِيلِ ، وَحَاصِلُ هَذَا أَنَّ لِلْبِدْعَةِ حُكْمَيْنِ الْإِثْمَ وَاسْتِحْبَابَ الرَّجْعَةِ فَثَبَتَ هُنَا أَحَدُهُمَا دُونَ الْآخَرِ كَمَا قَالَ أَصْحَابُنَا فِي الطَّلَاقِ الْمُعَلَّقِ إذَا وُجِدَتْ الصِّفَةُ فِي الْحَيْضِ فَإِنَّهُ ثَبَتَ فِيهِ أَحَدُ الْحُكْمَيْنِ ، وَهُوَ اسْتِحْبَابُ الرَّجْعَةِ دُونَ الْإِثْمِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( خَامِسُهَا ) لَوْ كَانَتْ الْحَامِلُ تَرَى الدَّمَ ، وَقُلْنَا هُوَ حَيْضٌ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ فَطَلَّقَهَا فِيهِ لَمْ يُجْزَمْ عَلَى الصَّحِيحِ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَكَذَا قَالَ الْحَنَابِلَةُ إنَّهُ لَا بِدْعَةَ فِي طَلَاقِ الْحَامِلِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ طَاوُسٌ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَرَبِيعَةُ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ، وَآخَرُونَ . ( سَادِسُهَا ) غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا لَا يَحْرُمُ طَلَاقُهَا فِي الْحَيْضِ عِنْدَنَا ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ إذْ لَا عِدَّةَ عَلَيْهَا ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ ، وَإِنْ كَانَ الْحَنَفِيَّةُ لَا يُعَلِّلُونَ بِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ ، وَقَالُوا فِي تَوْجِيهِهِ إنَّ الرَّغْبَةَ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا صَادِقَةٌ لَا تَقِلُّ بِالْحَيْضِ مَا لَمْ يَحْصُلْ مَقْصُودُهُ مِنْهَا وَفِي الْمَدْخُولِ بِهَا تَتَجَدَّدُ بِالطُّهْرِ ، وَقَالَ زُفَرُ يَحْرُمُ طَلَاقُ غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا فِي الْحَيْضِ كَالْمَدْخُولِ بِهَا ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الْأَوَّلِ ، وَلَمْ يَحْفَظْ قَوْلَ زُفَرَ ثُمَّ حَكَى عَنْ أَشْهَبَ مِثْلَهُ أَنَّهُ لَا يُطَلِّقُهَا ، وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مَدْخُولٍ بِهَا حَائِضًا . ( سَابِعُهَا ) إذَا طَلَّقَهَا فِي حَيْضٍ طَلْقَةً ثَانِيَةً مَسْبُوقَةً بِأُولَى فِي طُهْرٍ أَوْ حَيْضٍ فَهَذِهِ الثَّانِيَةُ حَرَامٌ إنْ قُلْنَا تَسْتَأْنِفُ الْعِدَّةَ ، وَهُوَ الْجَدِيدُ الْأَظْهَرُ ، وَإِلَّا فَوَجْهَانِ لِعَدَمِ التَّطْوِيلِ فَاسْتِثْنَاءُ هَذِهِ عَلَى ضَعْفٍ ، وَاعْلَمْ أَنَّ النِّفَاسَ كَالْحَيْضِ فِي تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ فِيهِ إلَّا فِيمَا ذَكَرْنَاهُ كَذَا صَرَّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ الْقِيَاسِيُّونَ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ ، وَقَالَهُ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ أَيْضًا لِاعْتِقَادِهِ دُخُولَ النِّفَاسِ فِي مُسَمَّى الْحَيْضِ ، وَوَقَعَ فِي كَلَامِ الرَّافِعِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي الْحَيْضِ مَا يَقْتَضِي عَدَمَ تَحْرِيمِ الطَّلَاقِ فِي النِّفَاسِ ، وَهُوَ ذُهُولٌ فَقَدْ قُرِّرَ فِي كِتَابِ الطَّلَاقِ خِلَافُهُ كَمَا هُوَ الْمَعْرُوفُ ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ الْمَخَابِيلِ مِمَّنْ يَقُولُ بِخَلْقِ الْقُرْآنِ ، وَلَا يُعْتَبَرُ بِقَوْلِهِ إنَّ النُّفَسَاءَ لَا تَدْخُلُ فِي هَذَا الْحُكْمِ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ ( مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ يَتَعَلَّقُ بِهِ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ ، وَهِيَ أَنَّ الْأَمْرَ بِالْأَمْرِ بِالشَّيْءِ هَلْ هُوَ أَمْرٌ بِذَلِكَ الشَّيْءِ أَمْ لَا فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { قَالَ لِعُمَرَ مُرْهُ } فَأَمَرَهُ بِأَمْرِهِ ، وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَتَرَدَّدَ فِي اقْتِضَاءِ ذَلِكَ الطَّلَبِ ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فِي أَنَّ لَوَازِمَ صِيغَةِ الْأَمْرِ هَلْ هِيَ لَوَازِمٌ لِصِيغَةِ الْأَمْرِ بِالْأَمْرِ أَمْ لَا بِمَعْنَى أَنَّهُمَا هَلْ يَسْتَوِيَانِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الطَّلَبِ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ أَمْ لَا قُلْت الَّذِي صَحَّحَهُ ابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُ فِي الْمَسْأَلَةِ الْأُصُولِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ أَمْرًا بِذَلِكَ ، وَلَا يُتَّجَهُ تَخْرِيجُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى تِلْكَ الْقَاعِدَةِ فَإِنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْسَ آمِرًا لِابْنِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُبَلِّغٌ لَهُ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنِي بِهَذَا ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَيْضًا ، وَرَاجَعَهَا عَبْدُ اللَّهِ كَمَا أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا ، وَمِنْ طَرِيقِ أَنَسِ بْنِ سِيرِينَ عَنْهُ لِيُرَاجِعْهَا ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْهُ { لِيُرَاجِعْهَا } ، وَفِي رِوَايَةِ طَاوُسٍ عَنْهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ { فَأَمَرَهُ أَنْ يُرَاجِعَهَا } فَفِي هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَمْرُهُ مِنْ غَيْرِ تَوَسُّطِ أَمْرِ عُمَرَ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِيمَا قُلْنَاهُ ، وَلَا يُتَّجَهُ هُنَا مَا قَالُوهُ فِي تَمَسُّكِ الْآمِرِ بِالْأَمْرِ بِأَنْ يَقُولَ لِزَيْدٍ مُرْ عُمْرًا أَنْ يَبِيعَ هَذِهِ السِّلْعَةَ مِنْ أَنَّهُ لَوْ تَصَرَّفَ الثَّالِثُ قَبْلَ إذْنِ الثَّانِي لَا يَنْفُذُ تَصَرُّفُهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ أَمْرًا فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ لَوْ حَضَرَ ، وَسَمِعَ هَذَا الْكَلَامَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بَلَغَهُ ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ أَبِيهِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِهِ ، وَلَمْ يَتَوَقَّفْ وُجُوبُ الْأَمْرِ بِهِ عَلَى أَمْرِ عُمَرَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَأْمُورٌ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنَّمَا خَرَجَ عَلَى هَذِهِ الْقَاعِدَةِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ } لِأَنَّ الصِّبْيَانَ لَيْسُوا مَحَلًّا لِلتَّكْلِيفِ فَلَا يَأْمُرُهُمْ الشَّارِعُ بِشَيْءٍ ، وَإِنَّمَا يَأْمُرُهُمْ الْأَوْلِيَاءُ بِذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّمْرِينِ كَسَائِرِ مَا يُرَبُّونَهُمْ عَلَيْهِ " وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) فِيهِ الْأَمْرُ بِمُرَاجَعَةِ الْمُطَلَّقَةِ فِي الْحَيْضِ ، وَهُوَ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَأَحْمَدَ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ سَائِرِ الْكُوفِيِّينَ وَفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ ، وَقَالَ مَالِكٌ ، وَأَصْحَابُهُ هِيَ وَاجِبَةٌ يُجْبَرُ عَلَيْهَا مَا بَقِيَ مِنْ الْعِدَّةِ شَيْءٌ ، وَقَالَ أَشْهَبُ مَا لَمْ تَطْهُرْ مِنْ الثَّانِيَةِ فَإِنْ أَبَى أَجْبَرَهُ الْحَاكِمُ بِالْأَدَبِ فَإِنْ أَبَى ارْتَجَعَ الْحَاكِمُ عَلَيْهِ ، وَلَوْ ، وَطِئَهَا بِذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَمَا حَكَيْته أَوَّلًا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ هُوَ الْمَشْهُورُ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ ، وَمِمَّنْ حَكَاهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ لَكِنْ حَكَاهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ ثُمَّ قَالَ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ وَاجِبٌ عَمَلًا بِحَقِيقَةِ الْأَمْرِ ، وَرَفْعًا لِلْمَعْصِيَةِ بِالْقَدْرِ الْمُمْكِنِ بِرَفْعِ أَثَرِهِ ، وَهُوَ الْعِدَّةُ ، وَدَفْعًا لِضَرَرِ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ انْتَهَى . وَقَالَ دَاوُد الظَّاهِرِيُّ يُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ إذَا طَلَّقَهَا حَائِضًا ، وَلَا يُجْبَرُ إذَا طَلَّقَهَا نُفَسَاءَ ، وَذَكَرَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّ الْمُرَاجَعَةَ ، وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَحَبَّةً فَلَا يَنْتَهِي الْأَمْرُ فِيهِ إلَى أَنْ يَقُولَ تَرْكُ الْمُرَاجَعَةِ مَكْرُوهٌ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ بِالْكَرَاهَةِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْوَارِدِ فِيهَا ، وَلِدَفْعِ الْإِيذَاءِ ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ خِلَافًا فِي سَبَبِ الْأَمْرِ بِالرَّجْعَةِ قِيلَ عُقُوبَةً لَهُ ، وَقِيلَ دَفْعُ الضَّرَرِ عَنْهَا بِتَطْوِيلِ الْعِدَّةِ عَلَيْهَا فَلَوْ ادَّعَتْ الْمَرْأَةُ أَنَّهُ طَلَّقَهَا فِي الْحَيْضِ ، وَقَالَ الزَّوْجُ فِي طُهْرٍ فَقَالَ سَحْنُونٌ الْقَوْلُ قَوْلُهَا ، وَيُجْبَرُ عَلَى الرَّجْعَةِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُهُ . ( السَّادِسَةُ ) الْأَمْرُ بِالْمُرَاجَعَةِ صَرِيحٌ فِي وُقُوعِ الطَّلَاقِ فِي الْحَيْضِ ، وَإِنْ كَانَ مَعْصِيَةً ، وَأَصْرَحُ مِنْهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ ، وَحَسِبْت لَهَا التَّطْلِيقَةَ الَّتِي طَلَّقَهَا ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ . وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً ، وَقَالَ شَذَّ بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ فَقَالَ لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ فَأَشْبَهَ طَلَاقَ الْأَجْنَبِيَّةِ انْتَهَى . وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ الْخَوَارِجِ وَالرَّوَافِضِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا مُخَالِفَ فِي ذَلِكَ إلَّا أَهْلَ الْبِدَعِ وَالضَّلَالِ وَالْجَهْلِ ، وَرُوِيَ مِثْلُهُ عَنْ بَعْضِ الرَّافِضِيِّينَ ، وَهُوَ شُذُوذٌ لَمْ يُعَرِّجْ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ انْتَهَى . وَحَكَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الشُّذُوذِ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ ، وَأَجَابَ عَنْ الْأَمْرِ بِالْمُرَاجَعَةِ بِأَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ اجْتَنَبَهَا فَأَمَرَهُ بِرَفْضِ فِرَاقِهَا ، وَأَنْ يُرَاجِعَهَا كَمَا كَانَتْ قَبْلُ ، وَحَاصِلُ كَلَامِهِ حَمْلُ الْمُرَاجَعَةِ عَلَى مَدْلُولِهَا اللُّغَوِيِّ ، وَهُوَ الرَّدُّ إلَى حَالِهَا الْأَوَّلِ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ لِأَنَّ حَمْلَ اللَّفْظِ عَلَى الْحَقِيقَةِ الشَّرْعِيَّةِ مُقَدَّمٌ عَلَى حَمْلِهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ اللُّغَوِيَّةِ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَأَجَابَ عَنْ قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ حُسِبَتْ عَلَيَّ تَطْلِيقَةً بِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ الَّذِي حَسِبَهَا تَطْلِيقَةً ، وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَا حُجَّةَ فِيهِ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ حَسِبْتهَا فَنَسَبَ الْفِعْلَ إلَى نَفْسِهِ . وَإِنَّمَا قَالَ حُسِبَتْ فَأَقَامَ الْمَفْعُولَ مَقَامَ الْفَاعِلِ ، وَلَمْ يُصَرِّحْ بِهِ فَهُوَ مُنْصَرِفٌ إلَى الْمُتَصَرِّفِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ ، وَهُوَ الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِقَوْلِهِ أُمِرْنَا بِكَذَا ، وَنُهِينَا عَنْ كَذَا ثُمَّ تَمَسَّكَ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ لَمْ يَقَعْ بِرِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا ، وَقَالَ هَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصِّحَّةِ لَا يَحْتَمِلُ التَّوْجِيهَاتِ ، وَهُوَ عَجِيبٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ . وَعَنْ الْخَطَّابِيِّ أَنَّهُ نَقَلَ عَنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ قَالُوا لَمْ يَرْوِ أَبُو الزُّبَيْرِ حَدِيثًا أَنْكَرَ مِنْ هَذَا فَكَيْفَ يَتَمَسَّكُ بِرِوَايَةٍ شَاذَّةٍ ، وَيَتْرُكُ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ الَّتِي هِيَ مِثْلُ الشَّمْسِ فِي الْوُضُوحِ ، وَقَوْلُهُ إنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لَا تَحْتَمِلُ التَّوْجِيهَاتِ مَرْدُودٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ ، وَابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ تَأْوِيلُهَا بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهَا ، وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى ضَعْفِهَا ، وَتَأْوِيلِهَا فَقَالَ ، وَنَافِعٌ أَثْبَتُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ . وَالْأَثْبَتُ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ أَوْلَى أَنْ يُقَالَ بِهِ إذَا خَالَفَهُ ، وَقَدْ وَافَقَ نَافِعًا غَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الثَّبْتِ فِي الْحَدِيثِ حَكَاهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ ثُمَّ قَالَ وَاسْتَدَلَّ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { الطَّلَاقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ } لَمْ يُخَصِّصْ طَلَاقًا دُونَ طَلَاقٍ قَالَ : وَلَمْ تَكُنْ الْمَعْصِيَةُ إنْ كَانَ عَالِمًا يُطْرَحُ عَنْهُ التَّحْرِيمُ لِأَنَّ الْمَعْصِيَةَ لَا تَزِيدُ الزَّوْجَ خَيْرًا إنْ لَمْ يُرِدْ شَرًّا ، وَبَسَطَ الْكَلَامَ فِيهِ ، وَحَمَلَ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ لَمْ يُرِدْ شَيْئًا عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَحْسِبْهُ شَيْئًا صَوَابًا غَيْرَ خَطَأٍ يُؤْمَرُ صَاحِبُهُ أَلَّا يُقِيمَ عَلَيْهِ ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ يُؤْمَرُ بِالْمُرَاجَعَةِ ، وَلَا يُؤْمَرُ بِهَا الَّذِي طَلَّقَهَا طَاهِرَةً كَمَا يُقَالُ لِلرَّجُلِ أَخْطَأَ فِي فِعْلِهِ ، وَأَخْطَأَ فِي جَوَابٍ أَجَابَهُ ، لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا يَعْنِي لَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا صَوَابًا انْتَهَى ثُمَّ حَكَى ابْنُ حَزْمٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ نَقَلَ الْإِجْمَاعَ عَلَى وُقُوعِ الطَّلَاقِ وَرَدَّهُ بِأَنَّ الْخِلَافَ فِيهِ مَوْجُودٌ ثُمَّ أَخَذَ يَسْتَدِلُّ عَلَى وُجُودِ الْخِلَافِ بِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ إنَّهُ يَحْرُمُ طَلَاقُهَا حَائِضًا ، وَقَالَ مُحَالٌ أَنْ يُجِيزَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَا يُخْبِرُ بِأَنَّهُ حَرَامٌ ، وَهَذَا عَجِيبٌ فَإِنَّهُ مَوْضِعُ الْخِلَافِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَافَّةِ فَإِنَّهُمْ يَقُولُونَ هُوَ حَرَامٌ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ نَافِذٌ . وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ يُحَرِّمُهُ وَيُوقِعُهُ ثُمَّ حَكَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ مَنْ طَلَّقَ كَمَا أَمَرَهُ تَعَالَى فَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ ، وَمَنْ خَالَفَ فَإِنَّا لَا نُطِيقُ خِلَافَهُ ، وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ لَا يُفْهَمُ مِنْهَا شَيْءٌ مِمَّا قَالَهُ ثُمَّ حَكَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ لَا يُعْتَدُّ بِذَلِكَ ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الَّذِي فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ ثُمَّ حَكَى عَنْ طَاوُوسٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى طَلَاقًا مَا خَالَفَ وَجْهَ الطَّلَاقِ أَنْ يُطَلِّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ ، وَإِذَا اسْتَبَانَ حَمْلُهَا ، وَهُوَ قَابِلٌ لِلتَّأْوِيلِ بِأَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ لَا يَرَاهُ طَلَاقًا مُبَاحًا ثُمَّ حَكَى عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ قَالَ فِي الرَّجُلِ يُطَلِّقُ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ فَقَالَ لَا يُعْتَبَرُ بِهَا ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ، وَالْعَجَبُ مِنْ جَرَاءَةِ مَنْ ادَّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِ هَذَا ، وَهُوَ لَا يَجِدُ فِيمَا يُوَافِقُ قَوْلَهُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ غَيْرَ رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَدْ أَعَاضَهَا مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهَا عَنْهُ وَرِوَايَتَيْنِ سَاقِطَتَيْنِ عَنْ عُثْمَانَ ، وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ . قَالَ بَلْ نَحْنُ أَسْعَدُ بِدَعْوَى الْإِجْمَاعِ هُنَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَاحْتَجَّ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَقَعُ بِمَا رُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ إذَا طَلَّقَ الرَّجُلُ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ حَائِضٌ لَمْ يُعْتَدَّ بِهَا فِي قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ لَمْ يُعْتَدَّ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ فِي الْعِدَّةِ كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ عَنْهُ مَنْصُوصًا أَنَّهُ قَالَ يَقَعُ عَلَيْهَا الطَّلَاقُ ، وَلَا يُعْتَدُّ بِتِلْكَ الْحَيْضَةِ . ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ تَحِيضَ ثُمَّ تَطْهُرَ } يَقْتَضِي مَنْعَ تَطْلِيقِهَا فِي الطُّهْرِ التَّالِي لِتِلْكَ الْحَيْضَةِ ، وَفِي ذَلِكَ لِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَهُمْ الْمَنْعُ ، وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي قَالَ الرَّافِعِيُّ ، وَكَأَنَّ الْوَجْهَيْنِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَتَأَدَّى بِهِ الِاسْتِحْبَابُ بِتَمَامِهِ فَأَمَّا أَصْلُ الْإِبَاحَةِ وَالِاسْتِحْبَابِ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْصُلَ بِلَا خِلَافٍ لِانْدِفَاعِ ضَرَرِ تَطْوِيلِ الْعِدَّةِ ، وَمَا بَحَثَهُ الرَّافِعِيُّ قَدْ صَرَّحَ بِهِ الْإِمَامُ وَغَيْرُهُ قَالَ الْإِمَامُ قَالَ الْجُمْهُورُ يُسْتَحَبُّ أَنْ لَا يُطَلِّقَهَا فِيهِ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ هَلْ يَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَ فِي هَذَا الطُّهْرِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ فَجَعَلَ الْخِلَافَ فِي الْجَوَازِ ، وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ صَاحِبُ الذَّخَائِرِ ، وَمَالَ النَّوَوِيُّ إلَى الْأَوَّلِ ، وَقَالَ إنَّ كَلَامَ الْغَزَالِيِّ شَاذٌّ أَوْ مُؤَوَّلٌ فَلَا يُغْتَرُّ بِظَاهِرِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى أَنَّ تَأْخِيرَ الطَّلَاقِ عَنْ ذَلِكَ الطُّهْرِ التَّالِي لِتِلْكَ الْحَيْضَةِ اسْتِحْبَابٌ ، وَكَلَامُ الْحَنَابِلَةِ يَقْتَضِي أَنَّ الْخِلَافَ فِيهِ فِي الْجَوَازِ ، وَعِبَارَةُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُحَرَّرِ ، وَلَا يُطَلِّقُهَا فِي الطُّهْرِ الْمُتَعَقِّبِ لَهُ فَإِنَّهُ بِدْعَةٌ ، وَعَنْهُ جَوَازُ ذَلِكَ ، وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّهُ يُطَلِّقُهَا فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَةَ ، وَحَكَاهُ أَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيُّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ قَالَ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ لَا يُطَلِّقُهَا فِيهِ بَلْ يُؤَخِّرُ إلَى الطُّهْرِ الَّذِي يَلِيه ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ أَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ قَالَ { مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمَّ لِيُمْسِكْهَا حَتَّى تَطْهُرَ ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ } ، وَهَكَذَا رَوَاهُ يُونُسُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَأَنَسُ بْنُ سِيرِينَ ، وَزَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَأَبُو وَائِلٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْهُ ، وَإِنَّمَا رَوَى هَذِهِ الزِّيَادَةَ نَافِعٌ ، وَقَدْ رُوِيَتْ أَيْضًا عَنْ سَالِمٍ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ . ( الثَّامِنَةُ ) الَّذِي فِي الْحَدِيثِ الْأَمْرُ بِإِمْسَاكِهَا فِي الطُّهْرِ التَّالِي لِتِلْكَ الْحَيْضَةِ ، وَلَيْسَ فِيهِ الْأَمْرُ بِوَطْئِهَا ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُسْتَحَبُّ لَهُ جِمَاعُهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ لِيَظْهَرَ مَقْصُودُ الرَّجْعَةِ ، وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ نَافِعٍ ، وَمُحَمَّدِ بْنِ قَيْسٍ عَنْ { ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ، وَهِيَ فِي دَمِهَا حَائِضٌ فَأَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَإِذَا طَهُرَتْ مَسَّهَا حَتَّى إذَا طَهُرَتْ أُخْرَى فَإِنْ شَاءَ طَلَّقَهَا ، وَإِنْ شَاءَ أَمْسَكَهَا } ، وَلَكِنَّ الْأَصَحَّ عَدَمُ اسْتِحْبَابِهِ اكْتِفَاءً بِإِمْكَانِ الِاسْتِمْتَاعِ . ( التَّاسِعَةُ ) ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي الْحِكْمَةِ فِي تَأْخِيرِ الطَّلَاقِ إلَى طُهْرٍ بَعْدَ طُهْرٍ أَيْ الَّذِي يَلِي ذَلِكَ الْحَيْضِ أُمُورًا : ( أَحَدُهَا ) لِئَلَّا تَصِيرَ الرَّجْعَةُ لِغَرَضِ الطَّلَاقِ فَوَجَبَ أَنْ يُمْسِكَهَا زَمَانًا كَانَ يَحِلُّ لَهُ فِيهِ طَلَاقُهَا ، وَإِنَّمَا أَمْسَكَهَا لِتَظْهَرَ فَائِدَةُ الرَّجْعَةِ ، وَهَذَا جَوَابُ أَصْحَابِنَا ، وَ ( الثَّانِي ) أَنَّهُ عُقُوبَةٌ لَهُ وَتَوْبَةٌ مِنْ مَعْصِيَتِهِ بِاسْتِدْرَاكِ جِنَايَتِهِ ، وَعَبَّرَ عَنْهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهُ مُعَامَلَةٌ بِنَقِيضِ مَقْصُودِهِ فَإِنَّهُ عَجَّلَ مَا حَقُّهُ أَنْ يَتَأَخَّرَ قَبْلَ وَقْتِهِ فَمُنِعَ مِنْهُ فِي وَقْتِهِ ، وَصَارَ كَمُسْتَعْجِلِ الْإِرْثِ يَقْتُلُ مُورِثَهُ ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّ الطُّهْرَ الْأَوَّلَ مَعَ الْحَيْضِ الَّذِي يَلِيهِ ، وَهُوَ الَّذِي طَلَّقَ فِيهِ كَقُرْءٍ وَاحِدٍ فَلَوْ طَلَّقَهَا فِي أَوَّلِ طُهْرٍ لَكَانَ كَمَنْ طَلَّقَ فِي الْحَيْضِ ، وَ ( الرَّابِعُ ) أَنَّهُ نُهِيَ عَنْ طَلَاقِهَا فِي الطُّهْرِ لِيَطُولَ مَقَامُهُ مَعَهَا فَلَعَلَّهُ يُجَامِعُهَا فَيَذْهَبُ مَا فِي نَفْسِهِ مِنْ سَبَبِ طَلَاقِهَا فَيُمْسِكَهَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ، وَهَذَا أَشْبَهُهَا ، وَأَحْسَنُهَا . ( الْعَاشِرَةُ ) قَوْلُهُ { وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسَّ } أَيْ قَبْلَ أَنْ يَطَأَهَا ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى قَبْلَ أَنْ يُجَامِعَهَا فِيهِ تَحْرِيمُ الطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ ، وَفِيهِ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ لَكِنْ لَمْ تَقُلْ الْمَالِكِيَّةُ هُنَا بِإِجْبَارِهِ عَلَى الرَّجْعَةِ كَمَا قَالُوهُ فِي طَلَاقِ الْحَائِضِ ، وَشَذَّ بَعْضُهُمْ فَقَالَ يُجْبَرُ كَالْمَحِيضِ ، وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَجْهًا أَنَّهُ لَا تُسْتَحَبُّ الرَّجْعَةُ هُنَا أَوْ لَا يَتَأَكَّدُ اسْتِحْبَابُهَا تَأَكُّدَهُ فِي طَلَاقِ الْحَائِضِ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ يَجُوزُ أَنْ يُطَلِّقَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ ، وَعَلَّلَ أَصْحَابُنَا تَحْرِيمَ الطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ بِأَنَّهُ قَدْ يَتَبَيَّنُ حَمْلُهَا فَيَنْدَمُ ، وَعَلَّلَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّهُ إذَا جَامَعَهَا فَتَرَتْ رَغْبَتُهُ عَنْهَا فَلَا يَتَحَقَّقُ حَاجَتُهُ إلَى الطَّلَاقِ ، وَرَأَى الظَّاهِرِيَّةُ ، وَمِنْهُمْ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ طَلَاقَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ نَافِذٌ كَمَا قَالُوهُ فِي طَلَاقِ الْحَائِضِ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَوْ وَطِئَهَا فِي الْحَيْضِ فَطَهُرَتْ ثُمَّ طَلَّقَهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ حَرُمَ لِاحْتِمَالِ الْعُلُوقِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) مَحَلُّ تَحْرِيمُ الطَّلَاقِ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ حَمْلُهَا فَإِنْ ظَهَرَ حَمْلُهَا لَمْ يَحْرُمْ طَلَاقُهَا ، وَيَدُلُّ عَلَى قَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا { ثُمَّ لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا } ، وَبِهَذَا صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ ، وَعَلَّلَهُ أَصْحَابُنَا بِأَنَّهُ إذَا طَلَّقَهَا بَعْدَ ظُهُورِ الْحَمْلِ فَقَدْ أَقْدَمَ عَلَى ذَلِكَ عَلَى بَصِيرَةٍ فَلَا يَنْدَمُ ، وَعَلَّلَهُ الْحَنَفِيَّةُ بِأَنَّ زَمَنَ الْحَمْلِ زَمَنُ الرَّغْبَةِ فِي الْوَطْءِ ، وَفِيهَا لِمَكَانِ وَلَدِهِ مِنْهَا فَإِقْدَامُهُ عَلَى الطَّلَاقِ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى احْتِيَاجِهِ لِذَلِكَ ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْيِيدِ كَوْنِهِ لَا يُحَرِّمُ طَلَاقَ الْحَامِلِ بِمَا إذَا كَانَ مِنْهُ لِيُحْتَرَزَ بِهِ عَمَّا إذَا كَانَ الْحَمْلُ مِنْ غَيْرِهِ بِأَنْ نَكَحَ حَامِلًا مِنْ الزِّنَا وَوَطِئَهَا وَطَلَّقَهَا أَوْ وُطِئَتْ مَنْكُوحَةٌ بِشُبْهَةٍ ، وَحَمَلَتْ مِنْهُ ثُمَّ طَلَّقَهَا زَوْجُهَا ، وَهِيَ طَاهِرٌ فَإِنَّهُ يَكُونُ بِدْعِيًّا لِأَنَّ الْعِدَّةَ تَقَعُ بَعْدَ قَطْعِ الْحَمْلِ ، وَالنَّقَاءِ مِنْ النِّفَاسِ فَلَا تَشْرَعُ عَقِبَ الطَّلَاقِ فِي الْعِدَّةِ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) فِي قَوْلِهِ { ثُمَّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدُ ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا إثْمَ فِي الطَّلَاقِ بِغَيْرِ سَبَبٍ ، وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنَّهُ مَكْرُوهٌ كَمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَى اللَّهِ الطَّلَاقُ } ، وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يَحْرُمُ لِغَيْرِ حَاجَةٍ ، وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ الْكَرَاهَةُ ثُمَّ قَدْ يَجِبُ أَوْ يَحْرُمُ لِعَارِضٍ ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا ، وَحَمَلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى الطَّلَاقِ بِلَا سَبَبٍ مَعَ اسْتِقَامَةِ الْحَالِ ، وَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَقَدْ عَرَفْت لَهُ صُورَتَيْنِ ، وَلَهُ صُورَةٌ ثَالِثَةٌ ، وَهِيَ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ زَوْجَتَانِ فَأَكْثَرُ فَيَقْسِمُ ، وَيُطَلِّقُ وَاحِدَةً قَبْلَ الْمَبِيتِ عِنْدَهَا . وَأَمَّا الْوُجُوبُ فَفِي صُورَتَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) فِي الْحَكَمَيْنِ إذَا بَعَثَهُمَا الْقَاضِي عِنْدَ الشِّقَاقِ بَيْنَ الزَّوْجَيْنِ ، وَرَأَيَا الْمَصْلَحَةَ فِي الطَّلَاقِ فَيَجِبُ عَلَيْهِمَا الطَّلَاقُ ، وَ ( الثَّانِيَةُ ) الْمُولِي إذَا مَضَتْ عَلَيْهِ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ ، وَطَالَبَتْ الْمَرْأَةُ بِحَقِّهَا فَامْتَنَعَ مِنْ الْفَيْئَةِ أَوْ الطَّلَاقِ فَالْأَصَحُّ عِنْدَنَا أَنَّهُ يَجِبُ عَلَى الْقَاضِي طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ قَالُوا ، وَيَكُونُ الطَّلَاقُ مَنْدُوبًا ، وَهُوَ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْمَرْأَةُ غَيْرَ عَفِيفَةٍ أَوْ خَافَا أَوْ أَحَدُهُمَا أَنْ لَا يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ ، وَظَهَرَ بِذَلِكَ انْقِسَامُ الطَّلَاقِ إلَى أَرْبَعَةِ أَقْسَامٍ حَرَامٍ ، وَمَكْرُوهٍ ، وَوَاجِبٍ ، وَمَنْدُوبٍ ، وَكَذَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَقَالَ ، وَلَا يَكُونُ مُبَاحًا مُسْتَوِيَ الطَّرَفَيْنِ ، وَحَكَى ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْجِيلِيِّ أَنَّهُ يَكُونُ مُبَاحًا قَالَ وَلَمْ يُصَوِّرْهُ ، وَلَعَلَّهُ فِيمَا إذَا كَانَ الزَّوْجُ لَا يَهْوَاهَا ، وَلَا تَسْمَحُ نَفْسُهُ بِالْتِزَامِ مُؤَنِهَا مِنْ غَيْرِ حُصُولِ غَرَضِ الِاسْتِمْتَاعِ فَإِنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي الطَّلَاقِ ، وَالْحَالَةُ هَذِهِ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْإِمَامُ . وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ يُبَاحُ الطَّلَاقُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) وَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا بِدْعَةَ فِي جَمْعِ الطَّلْقَاتِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُقَيِّدْ الطَّلَاقَ الَّذِي جَعَلَهُ إلَى خِيرَتِهِ بِعَدَدٍ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَابْنُ حَزْمٍ مِنْ أَهْلِ الظَّاهِرِ قَالَ الشَّافِعِيُّ لَوْ كَانَ فِي عَدَدِ الطَّلَاقِ مُبَاحٌ وَمَحْظُورٌ عَلَّمَهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ إيَّاهُ لِأَنَّ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ أَنْ يُطَلِّقَ امْرَأَتَهُ طَاهِرًا كَانَ مَا يَكْرَهُ مِنْ عَدَدِ الطَّلَاقِ ، وَيُحِبُّ لَوْ كَانَ فِيهِ مَكْرُوهٌ أَشْبَهَ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ ا هـ . وَعَكَسَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ قَالَ لِأَنَّهُ لَمَّا أَمَرَهُ أَنْ لَا يُطَلِّقَ فِي الطُّهْرِ الَّذِي يَلِي الْحَيْضَ عَلِمَ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يُطَلِّقَهَا بَعْدَ الطَّلْقَةِ الْأُولَى حَتَّى يَسْتَبْرِئَهَا بِحَيْضَةٍ فَتَخْرُجَ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ إيقَاعُ طَلْقَتَيْنِ فِي فَرْدٍ وَاحِدٍ قَالَ ، وَتَأَوَّلَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ الْخَبَرَ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا مَنَعَهُ مِنْ طَلَاقِهَا فِي ذَلِكَ الطُّهْرِ لِئَلَّا تَطُولَ عَلَيْهَا الْعِدَّةُ لِأَنَّ الْمُرَاجَعَةَ لَمْ تَكُنْ يَنْفَعُهَا حِينَئِذٍ فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُجَامِعَهَا فِي الطُّهْرِ لِيَتَحَقَّقَ مَعْنَى الْمُرَاجَعَةِ ، وَإِذَا جَامَعَهَا لَمْ يَكُنْ أَنْ يُطَلِّقَ لِأَنَّ الطَّلَاقَ السُّنِّيَّ هُوَ الَّذِي يَقَعُ فِي طُهْرٍ لَمْ يُجَامِعْ فِيهِ انْتَهَى . وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ جَمْعَ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ بِدْعَةٌ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَاللَّيْثُ ، وَبِهِ قَالَ دَاوُد ، وَأَكْثَرُ أَهْلِ الظَّاهِرِ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { فَتِلْكَ الْعِدَّةُ الَّتِي أَمَرَ اللَّهُ أَنْ تَطْلُقَ لَهَا النِّسَاءُ } أَيْ فِيهَا اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْأَطْهَارُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَأْمُرْ بِطَلَاقِهِنَّ فِي الْحَيْضِ بَلْ حَرَّمَهُ ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ هِيَ الْحَيْضُ ، وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْإِشَارَةَ فِي قَوْلِهِ فَتِلْكَ الْعِدَّةُ تَعُودُ إلَى الْحَيْضَةِ ، وَهُوَ مَرْدُودٌ لِأَنَّ الطَّلَاقَ فِي الْحَيْضِ غَيْرُ مَأْمُورٍ بِهِ بَلْ هُوَ مُحَرَّمٌ ، وَإِنَّمَا الْإِشَارَةُ إلَى الْحَالَةِ الْمَذْكُورَةِ ، وَهِيَ حَالَةُ الطُّهْرِ أَوْ إلَى الْعِدَّةِ . وَقَالَ الذَّاهِبُونَ إلَى أَنَّهَا الْحَيْضُ مَنْ قَالَ بِالْأَطْهَارِ ، وَجَعَلَهَا قُرْأَيْنِ ، وَبَعْضَ الثَّالِثِ ، وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ أَنَّهَا ثَلَاثَةٌ ، وَنَحْنُ نَشْتَرِطُ ثَلَاثَ حِيَضٍ كَوَامِلَ فَهِيَ أَقْرَبُ إلَى مُوَافَقَةِ الْقُرْآنِ ، وَلِهَذَا صَارَ الزُّهْرِيُّ مَعَ قَوْلِهِ أَنَّ الْأَقْرَاءَ هِيَ الْأَطْهَارُ إلَى أَنَّهُ لَا تَنْقَضِي الْعِدَّةُ إلَّا بِثَلَاثَةِ أَطْهَارٍ كَامِلَةٍ ، وَلَا تَنْقَضِي بِطُهْرَيْنِ ، وَبَعْضِ الثَّالِثِ ، وَهَذَا مَذْهَبٌ انْفَرَدَ بِهِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ لَوْ طَلَّقَهَا ، وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الطُّهْرِ لَحْظَةٌ يَسِيرَةٌ حَسِبَتْ قُرْءًا ، وَيَكْفِيهَا طُهْرَانِ ، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الِاعْتِرَاضِ بِأَنَّ الشَّيْئَيْنِ وَبَعْضَ الثَّالِثِ يُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الْجَمْعِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ } ، وَمُدَّتُهُ شَهْرَانِ وَبَعْضُ الثَّالِثِ ، وَقَالَ تَعَالَى { فَمَنْ تَعَجَّلَ فِي يَوْمَيْنِ } ، وَالْمُرَادُ يَوْمٌ وَبَعْضُ الثَّانِي . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي قَوْلِهِ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجْعَةَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى رِضَى الْمَرْأَةِ ، وَلَا وَلِيِّهَا ، وَلَا تَجْدِيدِ عَقْدٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْضًا زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ مَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ ، وَهِيَ حَائِضٌ إذَا طَهُرْت فَأَنْتِ طَالِقٌ فَإِنَّهُ غَيْرُ مُطَلِّقٍ لِلسُّنَّةِ ، وَاسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ ، وَإِنْ شَاءَ طَلَّقَ قَالَ فَالْمُطَلِّقُ لِلسُّنَّةِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ مُخَيَّرًا وَقْتَ طَلَاقِهِ بَيْنَ إيقَاعِ الطَّلَاقِ ، وَتَرْكِهِ وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَبَتَّ طَلَاقُهَا فَتَزَوَّجَهَا بَعْدَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَجَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَإِنَّهُ وَاَللَّهِ مَا مَعَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إلَّا مِثْلُ هَذِهِ الْهُدْبَةِ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّك تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ ، لَا ، حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك ، قَالَتْ ، وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ جَالِسٌ بِبَابِ الْحُجْرَةِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَطَفِقَ خَالِدٌ يُنَادِي أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَزْجُرُ هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ } . ( الْحَدِيثُ الثَّانِي ) وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ رِفَاعَةَ الْقُرَظِيَّ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ فَبَتَّ طَلَاقَهَا فَتَزَوَّجَهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ فَجَاءَتْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رِفَاعَةَ فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ فَتَزَوَّجَتْ بَعْدَهُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ وَإِنَّهُ وَاَللَّهِ مَا مَعَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إلَّا مِثْلُ هَذِهِ الْهُدْبَةِ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك ، قَالَتْ ، وَأَبُو بَكْرٍ جَالِسٌ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَخَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ جَالِسٌ بِبَابِ الْحُجْرَةِ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُ فَطَفِقَ خَالِدٌ يُنَادِي أَبَا بَكْرٍ يَقُولُ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَزْجُرُ هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ زُرَيْعٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَعْمَرٍ ، وَأَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ خَلَا أَبَا دَاوُد مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى خَمْسَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) رِفَاعَةُ بِكَسْرِ الرَّاءِ الْقُرَظِيّ بِضَمِّ الْقَافِ ، وَبِالظَّاءِ الْمُشَالَةِ مِنْ بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَهُوَ ابْنُ سَمَوْأَلٍ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ ، وَقِيلَ ابْنُ رِفَاعَةَ وَهُوَ أَحَدُ الْعَشَرَةِ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْله تَعَالَى { وَلَقَدْ وَصَّلْنَا لَهُمْ الْقَوْلَ } الْآيَةَ كَمَا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ ، وَابْنُ مَرْدُوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ رِفَاعَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ ، وَامْرَأَتُهُ هَذِهِ اسْمُهَا تَمِيمَةُ بِنْتُ وَهْبٍ كَمَا . رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْهُ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ الزُّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ رِفَاعَةَ طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَزَوَّجَهَا فَنَكَحَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الزُّبَيْرِ فَاعْتَرَضَ عَنْهَا فَلَمْ يَسْتَطِعْ أَنْ يَمَسَّهَا فَطَلَّقَهَا ، وَلَمْ يَمَسَّهَا فَأَرَادَ رِفَاعَةُ أَنْ يَنْكِحَهَا ، وَهُوَ زَوْجُهَا الَّذِي كَانَ طَلَّقَهَا قَبْلَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَهَاهُ عَنْ تَزْوِيجِهَا ، وَقَالَ لَا تَحِلُّ لَك حَتَّى تَذُوقَ الْعُسَيْلَةَ } . هَكَذَا أَسْنَدَهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي رِوَايَتِهِ ، وَمِنْ طَرِيقِهِ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ ، وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَأَكْثَرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ عَنْ مَالِكٍ مُرْسَلًا لَمْ يَقُولُوا عَنْ أَبِيهِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَابْنُ وَهْبٍ مِنْ أَجَلِّ مَنْ رَوَى عَنْ مَالِكٍ هَذَا الشَّأْنَ ، وَأَثْبَتِهِمْ فِيهِ قَالَ فَالْحَدِيثُ مُسْنَدٌ مُتَّصِلٌ صَحِيحٌ ، وَتَابَعَ ابْنُ وَهْبٍ عَلَى رِوَايَتِهِ عَنْ مَالِكٍ مُتَّصِلًا إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي مُسْنَدِ مَالِكٍ ، وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الْحَنَفِيُّ قَالَ ، وَذَكَرَهُ أَيْضًا سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ ، وَابْنِ الْقَاسِمِ ، وَعَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ كُلِّهِمْ عَنْ مَالِكٍ ، وَفِيهِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ ، وَكَذَا رَوَاهُ الْقَعْنَبِيُّ عَنْ مَالِكٍ مُتَّصِلًا رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ الْقَعْنَبِيِّ انْتَهَى . وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته مِنْ أَنَّهَا تَمِيمَةُ بِنْتُ وَهْبٍ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ بَشْكُوَالَ فِي مُبْهَمَاتِهِ ، وَقَالَ ابْنُ طَاهِرٍ فِي مُبْهَمَاتِهِ هِيَ أُمَيْمَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ كَمَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقِيلَ تَمِيمَةُ بِنْتُ أَبِي عُبَيْدٍ الْقُرَظِيَّةُ رُوِيَ عَنْ قَتَادَةَ ، وَفِي حَدِيثِ عَائِشَةَ تَمِيمَةُ بِنْتُ وَهْبٍ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ بِفَتْحِ الزَّايِ ، وَكَسْرِ الْبَاءِ بِلَا خِلَافٍ صَحَابِيٌّ مَعْرُوفٌ ، وَالزُّبَيْرُ هُوَ ابْنُ بَاطَا ، وَقِيلَ بَاطَيَا قُرَظِيٌّ قُتِلَ عَلَى يَهُودِيَّتَه فِي غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ . وَذَكَرَ ابْنُ مَنْدَهْ ، وَأَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابَيْهِمَا ( مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ ) أَنَّهُ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ الْأَوْسِ ، وَأَنَّهُ الزُّبَيْرُ بْنُ زَيْدِ بْنِ أُمَيَّةَ بْنِ زَيْدِ بْنِ مَالِكِ بْنِ عَوْفِ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَوْفِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْأَوْسِ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ ، وَلَيْسَ يُجِيدُ . وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الْأَوَّلَ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ ، وَقَالَ إنَّهُ الصَّوَابُ ، وَأَمَّا ابْنُهُ الزُّبَيْرُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ فَقِيلَ هُوَ كَجَدِّهِ بِالْفَتْحِ ، وَصَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَحَكَاهُ عَنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ، وَابْنِ وَهْبٍ ، وَابْنِ الْقَاسِمِ ، وَالْقَعْنَبِيِّ وَغَيْرِهِمْ ، وَحُكِيَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ بُكَيْر ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ كَلَامُ الْبُخَارِيِّ ، وَالدَّارَقُطْنِيّ ، وَابْنِ مَا كُولَا أَنَّهُ بِالضَّمِّ كَالْجَدِّ ، وَصَحَّحَهُ الذَّهَبِيُّ ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ فَبَتَّ طَلَاقَهَا هُوَ بِتَشْدِيدِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ أَيْ طَلَّقَهَا ثَلَاثًا ، وَأَصْلُ الْبَتِّ الْقَطْعُ ، وَهَكَذَا رَوَاهُ الْجُمْهُورُ ، وَفِي رِوَايَةِ لِلنَّسَائِيِّ ( فَأَبَتَّ ) رُبَاعِيٌّ ، وَهِيَ لُغَةٌ ضَعِيفَةٌ حَكَاهَا الْجَوْهَرِيُّ عَنْ الْفَرَّاءِ ، وَحَكَى عَنْ الْأَصْمَعِيِّ إنْكَارَهَا يُقَالُ بَتَّ يَبُتُّ بِالضَّمِّ فِي الْمُضَارِعِ ، وَحَكَى فِيهِ الْكَسْرَ أَيْضًا قَالَ فِي الصِّحَاحِ ، وَهُوَ شَاذٌّ لِأَنَّ بَابَ الْمُضَاعَفِ إذَا كَانَ يَفْعَلُ مِنْهُ مَكْسُورًا لَا يَجِيءُ مُتَعَدِّيًا إلَّا أَحْرُفٌ مَعْدُودَةٌ ، وَهِيَ بَتَّهُ يَبُتُّهُ وَيَبِتُّهُ ، وَعَلَّهُ فِي الشُّرْبِ يَعُلُّهُ وَيَعِلُّهُ ، وَتَمَّ الْحَدِيثُ يَتُمُّهُ وَيُتِمُّهُ ، وَشَدَّهُ يَشُدُّهُ وَيَشِدُّهُ ، وَحَبَّهُ يُحِبُّهُ قَالَ وَهَذِهِ وَحْدَهَا عَلَى لُغَةٍ وَاحِدَةٍ أَيْ ، وَهِيَ الْكَسْرُ قَالَ : وَإِنَّمَا سَهَّلَ تَعَدِّيَ هَذِهِ الْأَحْرُفِ إلَى الْمَفْعُولِ اشْتِرَاكُ الضَّمِّ وَالْكَسْرِ فِيهِنَّ . ( الرَّابِعَةُ ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ تَطْلِيقُهُ إيَّاهَا بِالْبَتَاتِ مِنْ حَيْثُ اللَّفْظُ يَحْتَمِلُ بِأَنْ يَكُونَ بِإِرْسَالِ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِإِيقَاعِ آخِرِ طَلْقَةٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِإِحْدَى الْكِنَايَاتِ الَّتِي تُحْمَلُ عَلَى الْبَيْنُونَةِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، وَلَيْسَ فِي اللَّفْظِ عُمُومٌ ، وَلَا إشْعَارٌ بِأَحَدِ هَذِهِ الْمَعَانِي ، وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ ذَلِكَ مِنْ أَحَادِيثَ أُخَرَ تُبَيِّنُ الْمُرَادَ ، وَمَنْ احْتَجَّ عَلَى شَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ بِالْحَدِيثِ فَلَمْ يُصِبْ لِأَنَّهُ إنَّمَا دَلَّ عَلَى مُطْلَقِ الْبَتِّ ، وَالدَّالُّ عَلَى الْمُطْلَقِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَحَدِ قَيْدَيْهِ بِعَيْنِهِ قُلْت اعْتَبَرَ الشَّيْخُ لَفْظَ الرِّوَايَةِ الَّتِي شَرَحَهَا ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي هُنَا صَرِيحَةٌ فِي الِاحْتِمَالِ الثَّانِي فَإِنَّ لَفْظَهَا فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجْمَعْهَا لَهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً ، وَاعْتَبَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَفْظَ الرِّوَايَةِ الَّتِي سُقْنَاهَا مِنْ الْمُوَطَّإِ فَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى جَوَازِ جَمْعِ الطَّلْقَاتِ الثَّلَاثِ ثُمَّ قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ طَلَاقُهُ ذَلِكَ آخِرَ ثَلَاثِ طَلْقَاتٍ ، وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ لَا يَخْرُجُ عَنْهُ إلَّا بِبَيَانٍ انْتَهَى . وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ هَذَا الِاحْتِمَالَ هُوَ صَرِيحُ لَفْظِ الرِّوَايَةِ الَّتِي نَحْنُ فِي شَرْحِهَا ، وَاعْتَبَرَ الْقُرْطُبِيُّ لَفْظَةَ فَبَتَّ طَلَاقَهَا ، وَقَالَ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَالَ لَهَا أَنْتِ طَالِقٌ أَلْبَتَّةَ فَيَكُونُ حُجَّةً لِمَالِكٍ عَلَى أَنَّ أَلْبَتَّةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى الثَّلَاثِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا ثُمَّ قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ آخِرَ الثَّلَاثِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا ، وَجَازَ أَنْ يُعَبَّرَ عَنْهَا بِالْبَتَاتِ لِأَنَّ الثَّلَاثَ قَطَعَتْ جَمِيعَ الْعَلَقِ انْتَهَى . وَكُلُّ ذَلِكَ ذُهُولٌ عَنْ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ : فَطَلَّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { فَقَالَتْ يَا نَبِيَّ اللَّهِ إنَّهَا كَانَتْ عِنْدَ رِفَاعَةَ } إلَى آخِرِهِ لَيْسَ فِيهِ حِكَايَةُ لَفْظِهَا ، وَلَوْ حَكَاهُ كَمَا هُوَ لَقَالَ إنِّي كُنْت إلَى آخِرِهِ ، وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ سَائِغٌ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ تَقُولُ قُلْت لِعَبْدِ اللَّهِ مَا أَكْرَمَهُ ، وَقُلْت لِعَبْدِ اللَّهِ مَا أَكْرَمَك . ( السَّادِسَةُ ) ( الْهُدْبَةُ ) بِضَمِّ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الدَّالِ بَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ هِيَ طَرَفُ الثَّوْبِ الَّذِي لَمْ يُنْسَجْ ، وَهُوَ مَا يَبْقَى بَعْدَ قَطْعِ الثَّوْبِ مِنْ السَّدَاءِ شُبِّهَ بِهُدْبِ الْعَيْنِ ، وَهُوَ شَعْرُ جَفْنِهَا ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَشْبِيهُ الذَّكَرِ بِالْهُدْبَةِ لِصِغَرِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِاسْتِرْخَائِهِ ، وَعَدَمِ انْتِشَارِهِ . ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ إنَّ التَّبَسُّمَ لِلتَّعَجُّبِ مِنْ جَهْرِهَا وَتَصْرِيحِهَا بِهَذَا الَّذِي تَسْتَحِي النِّسَاءُ مِنْهُ فِي الْعَادَةِ أَوْ لِرَغْبَتِهَا فِي زَوْجِهَا الْأَوَّلِ ، وَكَرَاهَةِ الثَّانِي قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ، وَفِيهِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا إذَا صَدَرَ مِنْ مُدَّعِيَتِهِ لَا يُنْكَرُ عَلَيْهَا ، وَلَا تُوَبَّخُ بِسَبَبِهِ فَإِنَّهُ فِي مَعْرِضِ الْمُطَالَبَةِ بِالْحُقُوقِ ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّتِهِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ لَمْ يُنْكِرْ ، وَإِنْ كَانَ خَالِدٌ قَدْ حَرَّكَهُ الْإِنْكَارُ وَحَضَّهُ عَلَيْهِ انْتَهَى . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهُ { لَعَلَّكِ تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ } هَكَذَا رُوِّينَاهُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ ، وَسَبَبُهُ أَنَّهُ فَهِمَ عَنْهَا إرَادَةَ فِرَاقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، وَإِرَادَةَ أَنْ يَكُونَ فِرَاقُهُ سَبَبًا لِلرُّجُوعِ إلَى رِفَاعَةَ ، وَكَأَنَّهُ قِيلَ لَهَا إنَّ هَذَا الْمَقْصُودَ لَا يَحْصُلُ عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ عَلَى مَا ذَكَرَتْ . ( التَّاسِعَةُ ) قَوْلُهُ { لَا حَتَّى تَذُوقِي عُسَيْلَتَهُ ، وَيَذُوقَ عُسَيْلَتَك } هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ ، وَفَتْحِ السِّينِ تَصْغِيرُ عَسَلَةٍ ، وَهِيَ كِنَايَةٌ عَنْ الْجِمَاعِ شَبَّهَ لَذَّتَهُ بِلَذَّةِ الْعَسَلِ وَحَلَاوَتِهِ قَالُوا وَأَنَّثَ الْعُسَيْلَةُ لِأَنَّ فِي الْعَسَلِ لُغَتَيْنِ التَّذْكِيرَ وَالتَّأْنِيثَ ، وَقِيلَ أَنَّثَهَا عَلَى إرَادَةِ اللَّذَّةِ ، وَقِيلَ أَنَّثَهَا عَلَى إرَادَةِ النُّطْفَةِ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الْإِنْزَالَ لَا يُشْتَرَطُ ، وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ صُغِّرَتْ الْعَسَلَةُ بِالْهَاءِ لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي الْعَسَلِ التَّأْنِيثُ قَالَ ، وَيُقَالُ إنَّمَا أَنَّثَ لِأَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ الْعَسَلَةُ ، وَهِيَ الْقِطْعَةُ مِنْهُ كَمَا يُقَالُ لِلْقِطْعَةِ مِنْ الذَّهَبِ ذَهَبَةٌ ا هـ . وَجَاءَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ أَنَّ الْعُسَيْلَةَ الْجِمَاعُ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عَبْدِ الْمَلِكِ لِعُمَرَ أَيْ عَنْ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَوَاهُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو يَعْلَى فِي مُسْنَدَيْهِمَا ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ الْإِنْزَالُ . ( الْعَاشِرَةُ ) فِيهِ أَنَّ الْمُطَلَّقَةَ ثَلَاثًا لَا تَحِلُّ لِمُطَلِّقِهَا حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَيَطَأَهَا ثُمَّ يُفَارِقَهَا وَتَنْقَضِيَ عِدَّتُهَا ، وَلَا تَحِلُّ لِلْأَوَّلِ بِمُجَرَّدِ عَقْدِ الثَّانِي عَلَيْهَا ، وَبِهِ قَالَ جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ إذَا عَقَدَ الثَّانِي عَلَيْهَا ثُمَّ فَارَقَهَا حَلَّتْ لِلْأَوَّلِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ وَطْءُ الثَّانِي لِقَوْلِهِ ( حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ ) وَالنِّكَاحُ حَقِيقَةٌ فِي الْعَقْدِ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ بِأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ مُخَصِّصٌ لِعُمُومِ الْآيَةِ ، وَمُبَيِّنٌ لِلْمُرَادِ بِهَا قَالَ الْعُلَمَاءُ ، وَلَعَلَّ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ لَمْ يَبْلُغْهُ هَذَا الْحَدِيثُ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِقَوْلِ سَعِيدٍ فِي هَذَا إلَّا طَائِفَةٌ مِنْ الْخَوَارِجِ ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنْ تَغْيِيبَ الْحَشَفَةِ فِي قُبُلِهَا كَافٍ فِي ذَلِكَ مِنْ غَيْرِ إنْزَالِ الْمَنِيِّ ، وَشَذَّ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ فَشَرَطَ فِي التَّحْلِيلِ إنْزَالَ الْمَنِيِّ ، وَجَعَلَهُ حَقِيقَةَ الْعُسَيْلَةِ . وَقَالَ الْجُمْهُورُ الْإِيلَاجُ مَظِنَّةُ اللَّذَّةِ وَالْعُسَيْلَةِ فَنِيطَ الْحُكْمُ بِهِ وَلَوْ وَطِئَهَا فِي نِكَاحٍ فَاسِدٍ لَمْ تَحِلَّ لِلْأَوَّلِ عَلَى الصَّحِيحِ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِزَوْجٍ ، وَرُوِيَ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ أَنَّهُ يَحِلُّهَا . وَحُكِيَ قَوْلًا عَنْ الشَّافِعِيِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَهُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ طَرَدَهُ فِي وَطْءِ الشُّبْهَةِ قَالَ أَصْحَابُنَا ، وَسَوَاءٌ كَانَ قَوِيَّ الِانْتِشَارِ أَوْ ضَعِيفَهُ فَاسْتَعَانَ بِأُصْبُعِهِ أَوْ أُصْبُعِهَا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ انْتِشَارٌ أَصْلًا لِتَعْنِينٍ أَوْ شَلَلٍ أَوْ غَيْرِهِمَا لَمْ يَحْصُلْ التَّحْلِيلُ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَبِهِ قَطَعَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا فِي كُتُبِهِمْ لِعَدَمِ ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ ، وَحَصَّلَهُ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَالْغَزَالِيُّ لِحُصُولِ الْوَطْءِ وَأَحْكَامِهِ ، وَاعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَيْضًا الِانْتِشَارَ ، وَاكْتَفَى الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ بِالْوَطْءِ ، وَلَوْ مَعَ الْجُنُونِ أَوْ الْإِغْمَاءِ أَوْ النَّوْمِ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ فِيهِ أَوْ فِيهَا ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ ، . وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ اشْتِرَاطُ عِلْمِ الزَّوْجَةِ خَاصَّةً بِالْوَطْءِ ، وَقَالَ أَشْهَبُ الْمُعْتَبَرُ عِلْمُ الزَّوْجِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ كَانَ ابْنُ الْمُنْذِرِ يَقُولُ فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ إنْ وَاقَعَهَا ، وَهِيَ نَائِمَةٌ أَوْ مُغْمًى عَلَيْهَا لَا تَحُسُّ بِاللَّذَّةِ فَإِنَّهَا لَا تَحِلُّ لِلزَّوْجِ الْأَوَّلِ لِأَنَّهَا لَمْ تَذُقْ الْعُسَيْلَةَ ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ لَا يَحْصُلُ التَّحْلِيلُ فِيمَا إذَا كَانَتْ فِي غَيْرِ عَقْلِهَا بِإِغْمَاءٍ أَوْ سُكْرٍ أَوْ جُنُونٍ ، وَلَا ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنْ بَقِيَ مِنْ حِسِّهِ وَمِنْ حِسِّهَا فِي هَذِهِ الْأَحْوَالِ أَوْ فِي النَّوْمِ مَا تُدْرِكُ بِهِ اللَّذَّةَ أَحَلَّهَا ذَلِكَ ، وَاعْتَبَرَ الْمَالِكِيَّةُ بُلُوغَ الزَّوْجِ . وَلَمْ يَعْتَبِرْهُ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فَاكْتَفَى الشَّافِعِيَّةُ بِتَأَتِّي الْجِمَاعِ مِنْهُ ، وَاعْتَبَرَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ أَنْ يَكُونَ مُرَاهِقًا ، وَلَعَلَّ التَّعْبِيرَيْنِ مُسْتَوِيَانِ فِي الْمَعْنَى ، وَاكْتَفَى الشَّافِعِيَّةُ بِوَطْءِ الزَّوْجِ ، وَلَوْ كَانَ مُحَرَّمًا كَالْوَطْءِ فِي الْحَيْضِ وَالْإِحْرَامِ وَالصِّيَامِ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ . وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ عَدَمُ الِاكْتِفَاءِ بِذَلِكَ ، وَأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ الْوَطْءُ حَلَالًا ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَمَسَائِلُ التَّحْلِيلِ كَثِيرَةٌ فَلْنَقْتَصِرْ مِنْهَا عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَلَى جَوَازِ شَهَادَةِ الْمُخْتَبِئِ ، وَوَجْهُهُ أَنَّ خَالِدَ بْنَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ رَتَّبَ عَلَى سَمَاعِ كَلَامِ هَذِهِ الْمَرْأَةِ ، وَهِيَ وَرَاءَ حِجَابٍ قَوْلَهُ يَا أَبَا بَكْرٍ أَلَا تَزْجُرُ هَذِهِ عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَأَجَازَهُ عَمْرُو بْنُ حُرَيْثٍ قَالَ ، وَكَذَلِكَ يُفْعَلُ بِالْكَاذِبِ الْفَاجِرِ ، وَقَالَ الشَّعْبِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَعَطَاءٌ وَقَتَادَةُ السَّمْعُ شَهَادَةٌ ، وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ لِمَ تُشْهِدُونِي عَلَى شَيْءٍ ، وَإِنِّي سَمِعْت كَذَا وَكَذَا ، وَمَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ جَوَازُ شَهَادَةِ الْمُخْتَفِي لَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ مُشَاهَدَةِ الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ حَالَ تَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ ، وَمَنَعَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ شَهَادَةَ الْمُخْتَفِي إذَا كَانَ الْمَشْهُودُ عَلَيْهِ مَخْدُوعًا أَوْ خَائِفًا . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ ( عَمَّا تَجْهَرُ بِهِ ) أَيْ تَرْفَعُ صَوْتَهَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ، وَفِي غَيْرِ كِتَابِ مُسْلِمٍ ( تَهْجُرُ ) مِنْ الْهُجْرِ ، وَهُوَ الْفُحْشُ مِنْ الْقَوْلِ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْعِنِّينَ لَا نَضْرِبُ لَهُ أَجَلًا ، وَلَا نَفْسَخُ عَلَيْهِ نِكَاحَ زَوْجَتِهِ إذَا تَبَيَّنَتْ عُنَّتُهُ بِانْقِضَاءِ الْمُدَّةِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَضْرِبْ لِهَذِهِ الْمَرْأَةِ أَجَلًا عَلَى زَوْجِهَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَبِهَذَا قَالَ الْحَكَمُ وَابْنُ عُلَيَّةَ وَدَاوُد ، وَخَالَفَهُمْ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ ، وَالْخَلَفِ ، وَتَوَهُّمُهُمْ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ لَا أَصْلَ لَهُ لِأَنَّهَا لِمَ تَأْتِ شَاكِيَةً زَوْجَهَا ، وَطَالَبَتْهُ فَسْخَ نِكَاحِهِ بِالْعُنَّةِ فَإِنَّهُ طَلَّقَهَا كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي سُقْنَاهَا مِنْ الْمُوَطَّإِ ، وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ رَجُلًا طَلَّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوَّجَهَا رَجُلٌ فَطَلَّقَهَا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا فَأَرَادَ الْأَوَّلُ أَنْ يَتَزَوَّجَهَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا حَتَّى تَذُوقِي مِنْ عُسَيْلَتِهِ } قَالَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ لَا مَطْعَنَ لِأَحَدٍ فِي نَاقِلِيهِ ( قُلْت ) وَالتَّصْرِيحُ بِذَلِكَ أَيْضًا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي الطَّلَاقِ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { طَلَّقَ رَجُلٌ امْرَأَتَهُ فَتَزَوَّجَتْ زَوْجًا غَيْرَهُ وَكَانَتْ مَعَهُ مِثْلُ الْهُدْبَةِ فَلَمْ تَصِلْ مِنْهُ إلَى شَيْءٍ تُرِيدُهُ فَلَمْ تَلْبَثْ أَنْ طَلَّقَهَا فَأَتَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ لَا حُجَّةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّ الزَّوْجَ لَمْ يُصْدِقْهَا عَلَى ذَلِكَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ كَذَبَتْ وَاَللَّهِ إنِّي لَأَنْفُضُهَا نَفْضَ الْأَدِيمِ وَلَكِنَّهَا نَاشِزٌ تُرِيدُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى رِفَاعَةَ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي قَوْلِهِ { تُرِيدِينَ أَنْ تَرْجِعِي إلَى رِفَاعَةَ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ إرَادَةَ الْمَرْأَةِ الرُّجُوعَ إلَى زَوْجِهَا لَا يَضُرُّ الْعَاقِدَ عَلَيْهَا ، وَأَنَّهَا لَيْسَتْ بِذَلِكَ فِي مَعْنَى التَّحْلِيلِ الْمُسْتَحِقِّ صَاحِبُهُ اللَّعْنَةَ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ اشْتِرَاطَ الْوَطْءِ فِي التَّحْلِيلِ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِالنِّكَاحِ فِي جَمِيعِ الْقُرْآنِ الْعَقْدُ إلَّا فِي قَوْله تَعَالَى { حَتَّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } فَإِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعَقْدُ وَالْوَطْءُ مَعًا ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ فِي أَنَّهُ لَا يَقَعُ التَّحْلِيلُ فِي الْأَيْمَانِ إلَّا بِأَكْمَلِ الْأَشْيَاءِ ، وَأَنَّ التَّحْرِيمَ يَقَعُ بِأَقَلِّ شَيْءٍ أَلَا تَرَى أَنَّ تَحْرِيمَ نِكَاحِ زَوْجَةِ الْأَبِ وَالِابْنِ يَحْصُلُ لِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ ، وَلَوْ طَلَّقَ بَعْضَ امْرَأَتِهِ أَوْ ظَاهَرَ مِنْ بَعْضِهَا لَزِمَهُ حُكْمُ الطَّلَاقِ ، وَلَوْ عَقَدَ عَلَى امْرَأَةٍ بَعْضَ نِكَاحٍ أَوْ عَلَى بَعْضِ امْرَأَةٍ نِكَاحًا لَمْ يَصِحَّ قَالَ ، وَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَحْصُلُ فِي الرَّبِيبَةِ بِالْعَقْدِ عَلَى الْأُمِّ حَتَّى يَنْضَمَّ إلَيْهِ الدُّخُولُ ( قُلْت ) وَأَلْزَمَ ابْنُ حَزْمٍ الْمَالِكِيَّةَ أَنْ يَقُولُوا بِقَوْلِ الْحَسَنِ فِي اعْتِبَارِ الْإِنْزَالِ لِاعْتِبَارِهِمْ فِي التَّحْلِيلِ بِأَكْمَلِ الْأَشْيَاءِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْهَا فَقَالَتْ { لَمَّا نَزَلَتْ { وَإِنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِي فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إنِّي ذَاكِرٌ لَكِ أَمْرًا فَلَا عَلَيْك أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك قَالَتْ قَدْ عَلِمَ أَبَوَيَّ ، وَاَللَّهِ إنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ قَالَتْ فَقَرَأَ عَلَيَّ { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِك إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } فَقُلْت إلَى هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ ؟ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ } ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا ، وَرَوَاهُ هَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَالَ هَذَا خَطَأٌ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الثِّقَةِ تَابَعَ مَعْمَرًا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُرِيدُ أَنَّ الصَّوَابَ رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَلَهُمَا مِنْ رِوَايَةِ مَرْزُوقٍ عَنْهَا { خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفَكَانَ طَلَاقًا ، وَلِلْبُخَارِيِّ فَاخْتَرْنَا اللَّهَ ، وَرَسُولَهُ فَلَمْ يَعُدَّ ذَلِكَ عَلَيْنَا شَيْئًا ، وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ ، وَلَهُ فِي رِوَايَةٍ فَلَمْ يُعَدَّ طَلَاقًا } . ( الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ) وَعَنْهَا قَالَتْ { لَمَّا نَزَلَتْ { إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } دَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدَأَ بِي فَقَالَ يَا عَائِشَةُ إنِّي ذَاكِرٌ لَك أَمْرًا فَلَا عَلَيْك أَنْ لَا تَعْجَلِي فِيهِ حَتَّى تَسْتَأْمِرِي أَبَوَيْك قَالَتْ قَدْ عَلِمَ وَاَللَّهِ إنَّ أَبَوَيَّ لَمْ يَكُونَا لِيَأْمُرَانِي بِفِرَاقِهِ قَالَتْ فَقَرَأَ عَلَيَّ { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِك إنْ كُنْتُنَّ تُرِدْنَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا } قُلْت أَفِي هَذَا أَسْتَأْمِرُ أَبَوَيَّ فَإِنِّي أُرِيدُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ } ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَوَصَلَهُ هَكَذَا ابْنُ مَاجَهْ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَالَ هَذَا خَطَأٌ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الثِّقَاتِ تَابَعَ مَعْمَرًا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ يُرِيدُ أَنَّ الصَّوَابَ رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ تَعْلِيقًا فَقَالَ عَقِبَ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ الَّذِي سَنَذْكُرُهُ . وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَأَبُو سُفْيَانَ الْمَعْمَرِيُّ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَسْنَدَهَا ابْنُ مَاجَهْ فَرَوَاهَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ وَلَفْظُهُ { قَدْ اخْتَرْت اللَّهَ وَرَسُولَهُ } ، وَكَذَا رَوَاهَا النَّسَائِيّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ ، وَقَالَ هَذَا خَطَأٌ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الثِّقَاتِ تَابَعَ مَعْمَرًا عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَقَدْ رَوَاهُ مُوسَى بْنُ أَعْيَنَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ ثَوْرٍ ثِقَةٌ انْتَهَى . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ، وَمُسْلِمٍ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ تَعْلِيقًا وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَعْيَنَ عَنْ مَعْمَرٍ ، وَكَذَا عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عَلِيٍّ أَرْبَعَتِهِمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَقَالَ النَّسَائِيّ ، وَحَدِيثُ يُونُسَ ، وَمُوسَى بْنِ عَلِيٍّ أَوْلَى بِالصَّوَابِ ، وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا أَيْضًا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ . وَقَالَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ رَوَاهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَكَذَلِكَ رَوَاهُ مُعَاوِيَةُ بْنُ يَحْيَى الصَّدَفِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ انْتَهَى . وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ { ثُمَّ فَعَلَ أَزْوَاجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَا فَعَلَتْ } ، وَجَمَعَ الْبُخَارِيُّ فِي الطَّلَاقِ بَيْنَ رِوَايَةِ شُعَيْبٍ ، وَيُونُسَ ، وَذَكَرَ فِيهِ هَذِهِ الزِّيَادَةَ ، وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، وَمُوسَى بْنِ عَلِيٍّ ، وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ حِينَ قَالَهُ لَهُنَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاخْتَرْنَهُ طَلَاقًا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُنَّ اخْتَرْنَهُ . ( الثَّانِيَةُ ) سَبَبُ نُزُولِ آيَةِ التَّخْيِيرِ فِيمَا رَوَى أَبُو بَكْرِ بْنُ مَرْدُوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ مُرْسَلًا فِي عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا طَلَبَتْ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثَوْبًا فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى نَبِيَّهُ أَنْ يُخَيِّرَ نِسَاءَهُ إمَّا عِنْدَ اللَّهِ يُرِدْنَ أَوْ الدُّنْيَا ، وَهَذَا مُرْسَلٌ لَكِنْ يَشْهَدُ لَهُ حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ ، وَفِيهِ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ : وَهُنَّ حَوْلِي كَمَا تَرَى يَسْأَلْنَنِي النَّفَقَةَ فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ إلَى عَائِشَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا ، وَقَامَ عُمَرُ إلَى حَفْصَةَ يَجَأُ عُنُقَهَا كِلَاهُمَا يَقُولُ تَسْأَلْنَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَيْسَ عِنْدَهُ قُلْنَ وَاَللَّهِ مَا نَسْأَلُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا أَبَدًا لَيْسَ عِنْدَهُ ثُمَّ اعْتَزَلَهُنَّ شَهْرًا أَوْ تِسْعًا وَعِشْرِينَ ثُمَّ نَزَلَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةُ { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِك } } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . ( الثَّالِثَةُ ) اخْتَلَفَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي أَنَّ التَّخْيِيرَ فِي الْآيَةِ هَلْ كَانَ بَيْنَ إقَامَتِهِنَّ فِي عِصْمَتِهِ وَفِرَاقِهِنَّ أَوْ بَيْنَ أَنْ يَبْسُطَ لَهُنَّ فِي الدُّنْيَا أَوْ لَا يَبْسُطَ لَهُنَّ فِيهَا فَذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ عَائِشَةُ وَجَابِرٌ ، وَذَهَبَ إلَى الثَّانِي عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ حَكَى ذَلِكَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ ، وَقَالَ : الْأَوَّلُ أَصَحُّ ، وَعَائِشَةُ صَاحِبَةُ الْقَصْدِ ، وَهِيَ أَعْرَفُ بِذَلِكَ مَعَ مُوَافَقَةِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ لِقَوْلِهِ { فَتَعَالَيْنَ أُمَتِّعْكُنَّ وَأُسَرِّحْكُنَّ سَرَاحًا جَمِيلًا } ، وَهُوَ الطَّلَاقُ . ( الثَّالِثَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ إنَّمَا بَدَأَ بِهَا لِفَضِيلَتِهَا ( قُلْت ) وَإِنْ صَحَّ أَنَّهَا السَّبَبُ فِي نُزُولِ الْآيَةِ فَلَعَلَّ الْبُدَاءَةَ بِهَا لِذَلِكَ ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ ( فَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِي ) مَعْنَاهُ مَا يَضُرُّك أَنْ لَا تَعْجَلِي قَالَ النَّوَوِيُّ وَإِنَّمَا قَالَ لَهَا هَذَا شَفَقَةً عَلَيْهَا ، وَعَلَى أَبَوَيْهَا ، وَنَصِيحَةً لَهُنَّ فِي بَقَائِهَا عِنْدَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ يَخَافُ أَنْ يَحْمِلَهَا صِغَرُ سِنِّهَا ، وَقِلَّةُ تَجَارِبِهَا عَلَى اخْتِيَارِ الْفِرَاقِ فَيَجِبَ فِرَاقُهَا فَتَنْضَرَّ هِيَ وَأَبَوَاهَا وَبَاقِي النِّسْوَةِ بِالِاقْتِدَاءِ بِهَا ( قُلْت ) وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ { أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَسْأَلُك أَنْ لَا تُخْبِرَ امْرَأَةً مِنْ نِسَائِك الَّذِي قُلْت فَقَالَ لَا تَسْأَلُنِي امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ إلَّا أَخْبَرْتهَا إنَّ اللَّهَ لَمْ يَبْعَثْنِي مُعْنِتًا وَلَا مُتَعَنِّتًا ، وَلَكِنْ بَعَثَنِي مُعَلِّمًا مُيَسِّرًا } ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْحَامِلَ لَهُ عَلَى قَوْلِهِ لَهَا ذَلِكَ الْكَلَامَ مَحَبَّتُهُ لَهَا ، وَكَرَاهَةُ فِرَاقِهَا ، وَهُوَ مَنْقَبَةٌ لَهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا . ( الْخَامِسَةُ ) فِيهِ مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِعَائِشَةَ ثُمَّ لِسَائِرِ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ بِاخْتِيَارِهِنَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ ، وَفِيهِ الْمُبَادَرَةُ إلَى الْخَيْرِ وَإِيثَارُ أُمُورِ الْآخِرَةِ عَلَى الدُّنْيَا . ( السَّادِسَةُ ) عَدَّ أَصْحَابُنَا مِنْ خَصَائِصِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ تَخْيِيرُ نِسَائِهِ بَيْنَ مُفَارَقَتِهِ وَاخْتِيَارِهِ ، وَحَكَى الْحَنَّاطِيُّ ، وَجْهًا أَنَّ هَذَا التَّخْيِيرَ كَانَ مُسْتَحَبًّا ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ . ( السَّابِعَةُ ) فِيهِ أَنَّ مَنْ خَيَّرَ زَوْجَتَهُ فَاخْتَارَتْهُ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ طَلَاقًا ، وَلَمْ تَقَعْ بِهِ فُرْقَةٌ ، وَقَدْ صَرَّحَتْ بِذَلِكَ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِقَوْلِهَا خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَعُدَّهُ طَلَاقًا ، وَفِي لَفْظٍ فَلَمْ يَكُنْ طَلَاقًا ، وَفِي لَفْظٍ فَلَمْ يَعُدَّهُ عَلَيْنَا شَيْئًا ، وَفِي لَفْظٍ أَفَكَانَ طَلَاقًا ، وَكُلُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ رِوَايَةِ مَسْرُوقٍ عَنْهَا ، وَبِهِ قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ ، وَمِمَّنْ قَالَ بِهِ عُمَرُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو الدَّرْدَاءِ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمْ ، وَوَرَاءَ ذَلِكَ قَوْلَانِ شَاذَّانِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ يَقَعُ بِذَلِكَ طَلْقَةٌ رَجْعِيَّةٌ ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ يَقَعُ بِهِ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ زَاذَانَ قَالَ كُنَّا جُلُوسًا عِنْدَ عَلِيٍّ فَسُئِلَ عَنْ الْخِيَارِ فَقَالَ سَأَلَنِي عَنْهَا أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ فَقُلْت إنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنٌ ، وَإِنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةٌ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا ، فَقَالَ لَيْسَ كَمَا قُلْت إنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَوَاحِدَةٌ ، وَإِنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَلَا شَيْءَ ، وَهُوَ أَحَقُّ بِهَا فَلَمْ أَجِدْ بُدًّا مِنْ مُتَابَعَةِ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ فَلَمَّا وُلِّيتُ وَأَتَيْت فِي الْفُرُوجِ رَجَعْت إلَى مَا كُنْت أَعْرِفُ فَقِيلَ لَهُ رَأْيُك فِي الْجَمَاعَةِ أَحَبُّ إلَيْنَا مِنْ رَأْيِك فِي الْفُرْقَةِ فَضَحِكَ ، وَقَالَ أَمَّا إنَّهُ أَرْسَلَ إلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَسَأَلَهُ فَقَالَ إنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَثَلَاثٌ ، وَإِنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا فَوَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ ، وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ ذَهَبَ إلَى قَوْلِ عَلِيٍّ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ ، وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ كِلَاهُمَا فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ رُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَالْحَسَنِ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّ نَفْسَ التَّخْيِيرِ يَقَعُ بِهِ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ سَوَاءٌ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا أَمْ لَا ، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ وَالنَّقَّاشُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ لَا يَصِحُّ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ثُمَّ هُوَ مَذْهَبٌ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ ، وَلَعَلَّ الْقَائِلِينَ بِهِ لَمْ تَبْلُغْهُمْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ انْتَهَى . وَفِي حِكَايَتِهِمَا عَنْ عَلِيٍّ وُقُوعَ طَلْقَةٍ بَائِنَةٍ نَظَرٌ فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ طَرِيقَيْنِ عَنْهُ أَنَّهَا رَجْعِيَّةٌ ، وَكَذَا حَكَاهُ عَنْهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَاَلَّذِي حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمَالِكٍ أَنَّهَا رَجْعِيَّةٌ يَكُونُ زَوْجُهَا أَحَقَّ بِهَا ، وَعَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ بِهِ شَيْءٌ حَكَاهَا وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ . ( الثَّامِنَةُ ) الَّذِي صَدَرَ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ اخْتِيَارُ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالدَّارِ الْآخِرَةِ ، وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيمَا لَوْ فُرِضَ أَنَّ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ اخْتَارَتْ الدُّنْيَا هَلْ كَانَ يَحْصُلُ الْفِرَاقُ بِنَفْسِ الِاخْتِيَارِ أَوْ لَا بُدَّ مِنْ طَلَاقِهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى ، وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا الثَّانِي ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ كَانَ جَوَابُهُنَّ مَشْرُوطًا بِالْفَوْرِ أَمْ لَا ، وَالْأَصَحُّ لَا ، فَإِنْ قُلْنَا بِالْفَوْرِ فَهَلْ كَانَ يَمْتَدُّ امْتِدَادَ الْمَجْلِسِ أَمْ الْمُعْتَبَرُ مَا يُعَدُّ جَوَابًا فِي الْعُرْفِ ؟ ، وَجْهَانِ ، وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا هَلْ كَانَ قَوْلُهَا اخْتَرْت نَفْسِي صَرِيحًا فِي الْفِرَاقِ أَمْ لَا ؟ وَجْهَانِ ، وَهَلْ كَانَ يَحِلُّ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّزَوُّجُ بِهَا بَعْدَ الْفِرَاقِ ؟ وَجْهَانِ . وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْخِلَافِ فِي أَنَّهُ هَلْ يَحْرُمُ عَلَيْهِ طَلَاقُهُنَّ بَعْدَ مَا اخْتَرْنَهُ ، وَفِيهِ لِأَصْحَابِنَا أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا لَا ، وَالثَّانِي نَعَمْ ، وَالثَّالِثُ يَحْرُمُ عَقِيبَ اخْتِيَارِهِنَّ ، وَلَا يَحْرُمُ إذَا انْفَصَلَ ، وَدَلَالَةُ هَذَا الْحَدِيثِ قَاصِرَةٌ عَنْ هَذِهِ الْمَسَائِلِ ، وَالْخَوْضُ فِيهَا قَلِيلُ الْجَدْوَى مَعَ الِاحْتِيَاجِ فِيهَا إلَى دَلِيلٍ سَمْعِيٍّ ، وَلَا نَعْلَمُهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( التَّاسِعَةُ ) الَّذِي دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَلَا عَلَيْهِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ ، وَلَا نَدْرِي هَلْ تَكَلَّمَ مَعَهَا بِشَيْءٍ أَمْ لَا ، وَقَدْ تَكَلَّمَ الْفُقَهَاءُ فِيمَا لَوْ قَالَ الشَّخْصُ لِزَوْجَتِهِ اخْتَارِي فَعَدَّهُ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ كِنَايَةً فِي تَفْوِيضِ الطَّلَاقِ إلَيْهَا وَلِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي أَنَّ التَّفْوِيضَ تَمْلِيكٌ لِلطَّلَاقِ أَمْ تَوْكِيلٌ فِيهِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا تَمْلِيكٌ ، وَهُوَ الْجَدِيدُ فَعَلَى هَذَا تَطْلِيقُهَا يَتَضَمَّنُ الْقَبُولَ ، وَيُشْتَرَطُ مُبَادَرَتُهَا لَهُ فَلَوْ أَخَّرَتْ بِقَدْرِ مَا يَنْقَطِعُ الْقَبُولُ عَنْ الْإِيجَابِ ثُمَّ طَلُقَتْ لَمْ يَقَعْ ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاصِّ وَغَيْرُهُ لَا يَضُرُّ التَّأْخِيرُ مَا دَامَا فِي الْمَجْلِسِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَهَا أَنْ تَطْلُقَ مَتَى شَاءَتْ ، وَلَا يَخْتَصُّ بِالْمَجْلِسِ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ قَالُوا فَإِذَا قَالَ لَهَا اخْتَارِي نَفْسَك ، وَيَرَى تَفْوِيضَ الطَّلَاقِ إلَيْهَا فَقَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي أَوْ اخْتَرْت ، وَنَوَتْ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ ، وَهِيَ رَجْعِيَّةٌ إنْ كَانَتْ مَدْخُولًا بِهَا ، وَلَوْ قَالَ اخْتَارِي ، وَلَمْ يَقُلْ نَفْسَك ، وَنَوَى تَفْوِيضَ الطَّلَاقِ فَقَالَتْ اخْتَرْت فَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ حَتَّى تَقُولَ اخْتَرْت نَفْسِي ، وَأَشْعَرَ كَلَامُهُ بِأَنَّهُ لَا يَقَعُ ، وَإِنْ نَوَتْ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي كَلَامِهِ وَلَا كَلَامِهَا مَا يُشْعِرُ بِالْفِرَاقِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ اخْتَارِي نَفْسَك فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِهِ فَانْصَرَفَ كَلَامُهَا إلَيْهِ ، وَقَالَ إسْمَاعِيلُ الْبُوشَنْجِيُّ إذَا قَالَتْ اخْتَرْتُ ثُمَّ قَالَتْ بَعْدَ ذَلِكَ أَرَدْتُ اخْتَرْتُ نَفْسِي ، وَكَذَّبَهَا الزَّوْجُ فَالْقَوْلُ قَوْلُهَا وَيَقَعُ الطَّلَاقُ ، وَلَوْ قَالَتْ اخْتَرْتُ نَفْسِي وَنَوَتْ وَقَعَتْ طَلْقَةٌ ، وَتَكُونُ رَجْعِيَّةً إنْ كَانَتْ مَحَلًّا لِلرَّجْعَةِ فَلَوْ قَالَتْ اخْتَرْتُ زَوْجِي أَوْ النِّكَاحَ لَمْ تَطْلُقْ ، وَلَوْ قَالَتْ اخْتَرْت الْأَزْوَاجَ أَوْ اخْتَرْت أَبَوَيَّ أَوْ أَخِي أَوْ عَمِّي طَلُقَتْ عَلَى الْأَصَحِّ سَوَاءٌ قَالَ اخْتَارِي نَفْسَك أَوْ اخْتَارِي فَقَطْ ، هَذَا كَلَامُ أَصْحَابِنَا ، وَقَسَّمَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ لَفْظَ التَّخْيِيرِ إلَى صَرِيحٍ وَكِنَايَةٍ فَالْكِنَايَةُ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالصَّرِيحُ كَقَوْلِهِ خَيَّرْتُك بَيْنَ أَنْ تَبْقَيْ عَلَى الزَّوْجِيَّةِ أَوْ تَطْلُقِي أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ، وَتَقُولُ هِيَ اخْتَرْت الطَّلَاقَ ، وَنَحْوَ ذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَ أَنَّ هَذَا صَرِيحٌ فِي الطَّلَاقِ فَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ يَكُونُ مُرَادُهُ أَنَّهَا إذَا اخْتَارَتْ الطَّلَاقَ يُطَلِّقُهَا لَا أَنَّهُ فَوَّضَ ذَلِكَ إلَيْهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْأَصَحَّ فِيمَا لَوْ اخْتَارَتْ وَاحِدَةٌ مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ الدُّنْيَا لَا يَحْصُلُ الْفِرَاقُ بِنَفْسِ الِاخْتِيَارِ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ طَلَاقِهَا ، وَإِنْ أَرَادَ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي التَّخْيِيرِ فَقَرِيبٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَسَّمَ الْمَالِكِيَّةُ التَّفْوِيضَ إلَى تَوْكِيلٍ وَتَمْلِيكٍ وَتَخْيِيرٍ فَقَالُوا فِي التَّخْيِيرِ ، وَهَذَا عِبَارَةُ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ ، وَالتَّخْيِيرُ مِثْلُ اخْتَارِينِي أَوْ اخْتَارِي نَفْسَك ، وَهُوَ كَالتَّمْلِيكِ إلَّا أَنَّهُ لِلثَّلَاثِ فِي الْمَدْخُولِ بِهَا عَلَى الْمَشْهُورِ نَوَيَا أَوْ لَمْ يَنْوِيَا مَا لَمْ يُقَيِّدْ فَيَتَعَيَّنْ مَا قُيِّدَ ، وَقَالَ اللَّخْمِيُّ يَنْتَزِعُهُ الْحَاكِمُ لَهُ مِنْ يَدِهَا مَا لَمْ تُوقِعْهُ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ مَمْنُوعَةٌ ، وَقِيلَ يَجُوزُ بِآيَةِ التَّخْيِيرِ ، وَأُجِيبَ بِأَنَّ السَّرَاحَ فِيهَا لَا يَقْتَضِي الثَّلَاثَ ، وَإِنَّمَا الرَّسُولُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يَنْدَمُ ، وَلَا يَرْتَجِعُ ، وَقِيلَ طَلْقَةٌ ثَانِيَةٌ ، وَقِيلَ رَجْعِيَّةٌ كَالتَّمْلِيكِ ، وَلَهُ مُنَاكَرَتُهَا فِيمَا زَادَ ، وَعَلَى الْمَشْهُورِ لَوْ أَوْقَعَتْ وَاحِدَةً لَمْ تَقَعْ ، وَفِي بُطْلَانِ اخْتِيَارِهَا قَوْلَانِ أَمَّا غَيْرُ الْمَدْخُولِ بِهَا فَتُوقِعُ الثَّلَاثَ ، وَلَهُ نِيَّتُهُ ، وَيَحْلِفُ ، وَإِلَّا وَقَعَتْ أَيْ الثَّلَاثُ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ نِيَّةٌ وَقَعَتْ الثَّلَاثُ ثُمَّ ذَكَرَ بَقِيَّةَ فُرُوعِ ذَلِكَ ، وَتَرَكْتُهَا لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ مَعْرِفَةِ أَصْلِ مَذْهَبِهِمْ فِي ذَلِكَ بِمَا ذَكَرْته . وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ وَهَذِهِ عِبَارَةُ ابْنِ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُحَرَّرِ ، وَإِذَا قَالَ لَهَا أَمْرُك بِيَدِك يَنْوِي بِهِ الطَّلَاقَ مَلَكَتْهُ عَلَى التَّرَاخِي ، وَلَوْ قَالَ مَكَانَهُ اخْتَارِي اخْتَصَّ بِالْمَجْلِسِ مَا دَامَا فِيهِ ، وَلَمْ يَشْتَغِلَا بِمَا يَقْطَعُهُ نَصَّ عَلَيْهِ أَيْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مُفَرِّقًا بَيْنَهُمَا ، وَلَوْ قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك فَبِأَيِّهِمَا يَلْحَقُ عَلَى وَجْهَيْنِ ثُمَّ قَالَ : وَلَفْظُ الْخِيَارِ تَوْكِيلٌ بِكِنَايَةٍ تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةِ الزَّوْجِ الطَّلَاقَ ، وَيَبْطُلُ بِرُجُوعِهِ ، وَبِرَدِّ مَنْ وَكَّلَهُ ثُمَّ قَالَ وَلَا تَمْلِكُ الْمَرْأَةُ بِقَوْلِهِ اخْتَارِي فَوْقَ طَلْقَةٍ إلَّا بِنِيَّةِ الزَّوْجِ ثُمَّ قَالَ وَإِذَا نَوَى بِقَوْلِهِ اخْتَارِي طَلَاقَهَا فِي الْحَالِ لَزِمَهُ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ ، وَهَذِهِ عِبَارَةُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ : إذَا قَالَ لِامْرَأَتِهِ اخْتَارِي يَنْوِي بِذَلِكَ الطَّلَاقَ فَلَهَا أَنْ تُطَلِّقَ نَفْسَهَا مَا دَامَتْ فِي مَجْلِسِهَا ذَلِكَ ثُمَّ لَا بُدَّ مِنْ النِّيَّةِ فِي قَوْلِهِ اخْتَارِي لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ تَخْيِيرَهَا فِي نَفْسِهَا ، وَيَحْتَمِلُ تَخْيِيرَهَا فِي تَصَرُّفٍ آخَرَ غَيْرِهِ فَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا كَانَتْ وَاحِدَةً بَائِنَةً ، وَلَا يَكُونُ ثَلَاثًا ، وَإِنْ نَوَى الزَّوْجُ ذَلِكَ لِأَنَّ الِاخْتِيَارَ لَا يَتَنَوَّعُ بِخِلَافِ الْإِبَانَةِ لِأَنَّ الْبَيْنُونَةَ تَتَنَوَّعُ ، وَلَا بُدَّ مِنْ ذِكْرِ النَّفْسِ فِي كَلَامِهِ أَوْ كَلَامِهَا حَتَّى لَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي فَقَالَتْ اخْتَرْت فَهُوَ بَاطِلٌ ، وَلَوْ قَالَ اخْتَارِي فَقَالَتْ أَنَا أَخْتَارُ نَفْسِي فَهِيَ طَالِقٌ ، وَالْقِيَاسُ أَنْ لَا تَطْلُقَ لِأَنَّ هَذَا مُجَرَّدُ وَعْدٍ أَوْ يَحْتَمِلُهُ فَصَارَ كَمَا إذَا قَالَ طَلِّقِي نَفْسَك فَقَالَتْ أَنَا أُطَلِّقُ نَفْسِي ، وَجْهُ الِاسْتِحْسَانِ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَإِنَّهَا قَالَتْ لَا بَلْ أَخْتَارُ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ، وَاعْتَبَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَابًا مِنْهَا ، وَلِأَنَّ هَذِهِ الصِّيغَةَ حَقِيقَةٌ فِي الْحَالِ ، وَتَجُوزُ فِي الِاسْتِقْبَالِ كَمَا فِي كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ وَأَدَاءِ الشَّاهِدِ بِخِلَافِ قَوْلِهَا أُطَلِّقُ نَفْسِي لِأَنَّهُ يَتَعَذَّرُ حَمْلُهُ عَلَى الْحَالِ لِأَنَّهُ لَيْسَ حِكَايَةً عَنْ حَالَةٍ قَائِمَةٍ ، وَلَا كَذَلِكَ قَوْلُهَا أَنَا أَخْتَارُ نَفْسِي لِأَنَّهُ حِكَايَةٌ عَنْ حَالَةٍ قَائِمَةٍ ، وَهُوَ اخْتِيَارُهَا نَفْسَهَا ، وَلَوْ قَالَتْ اخْتَرْت نَفْسِي بِتَطْلِيقَةٍ فَهِيَ وَاحِدَةٌ تَمْلِكُ الرَّجْعَةَ لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يُوجِبُ الِانْطِلَاقَ بَعْدَ انْقِضَاءِ الْعِدَّةِ فَكَأَنَّهَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا بَعْدَ الْعِدَّةِ ، وَلَوْ قَالَ لَهَا اخْتَارِي بِتَطْلِيقَةٍ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَهِيَ وَاحِدَةٌ تَمْلِكُ الرَّجْعَةَ لِأَنَّهُ جَعَلَ لَهَا الِاخْتِيَارَ لَكِنْ بِتَطْلِيقَةٍ ، وَهِيَ مُعْقِبَةٌ لِلرَّجْعَةِ انْتَهَى . وَإِنَّمَا حَكَيْتُ مَذْهَبَ الْعُلَمَاءِ فِي التَّخْيِيرِ فِيمَا إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي الْحَدِيثِ تَعَرُّضٌ لَهُ لِئَلَّا يَخْلُوَ الْبَابُ عَنْ فِقْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي التَّبْوِيبِ ، وَإِنَّمَا حَكَيْتُ عِبَارَةَ هَؤُلَاءِ الْمُصَنِّفِينَ لِتَبَايُنِ مَذَاهِبِ هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةِ فِي تَفَارِيعِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَمَا عَرَفْتَهُ ، وَاقْتَصَرْتُ عَلَى الْمُهِمِّ مِنْ فُرُوعِ ذَلِكَ ، وَلَمْ أَذْكُرْ الْخِلَافَ الْعَالِيَ اخْتِصَارًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عَلَى أَنَّ الْخَطَّابِيَّ قَالَ فِي قَوْلِ عَائِشَةَ خَيَّرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاخْتَرْنَاهُ فَلَمْ نَعُدَّ ذَلِكَ شَيْئًا ، فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُنَّ لَوْ كُنَّ اخْتَرْنَ أَنْفُسَهُنَّ كَانَ ذَلِكَ طَلَاقًا فَلِذَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فِيهِ أَنَّ الْمُخَيَّرَةَ إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا أَنَّ نَفْسَ ذَلِكَ الْخِيَارِ يَكُونُ طَلَاقًا مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى النُّطْقِ بِلَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى الطَّلَاقِ سِوَى الْخِيَارِ يُقْتَبَسُ ذَلِكَ مِنْ مَفْهُومِ لَفْظِهَا انْتَهَى قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ إذَا اخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَلَيْسَ فِيهِ نَصٌّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا خَبَرٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا مَا جَرَى فِي قِصَّةِ بَرِيرَةَ حِينَ أُعْتِقَتْ فَخُيِّرَتْ فِي زَوْجِهَا ، وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ ، وَمِنْهُمْ ابْنُ حَزْمٍ إلَى أَنَّهُ لَا يَقَعُ الطَّلَاقُ ، وَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا أَوْ الطَّلَاقَ بَابُ اللِّعَانِ ) عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا أَنَّهُ مِنْ الْأَنْصَارِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا فَرَّقَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي عَجْلَانَ ، وَقَالَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ زَادَ الْبُخَارِيُّ فَأَبَيَا فَقَالَ اللَّهُ يَعْلَمُ فَذَكَرَهَا ثَلَاثًا ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا قَالَ مَالِي قَالَ لَا مَالَ لَكَ إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجِهَا ، وَإِنْ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ لَكَ وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ تَسْمِيَتُهُ بِعُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيُّ } . ( بَابُ اللِّعَانِ ) ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ فِي زَمَانِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ( وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِأُمِّهِ ) وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْأُمِّ ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ مَالِكًا انْفَرَدَ بِقَوْلِهِ فِيهِ أَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ أَوْ بِالْأُمِّ ، وَوَافَقَهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَالَ حَسْبُك بِمَالِكٍ حِفْظًا وَإِتْقَانًا ، وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَئِمَّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ إنَّ مَالِكًا أَثْبَتُ فِي نَافِعٍ ، وَابْنِ شِهَابٍ مِنْ غَيْرِهِ ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهَا مَحْفُوظَةٌ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فَإِنَّ فِيهِ { فَكَانَ الْوَلَدُ يُدْعَى لِأُمِّهِ } وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ انْفِرَادَ مَالِكٍ بِذَلِكَ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ ، وَأَوْرَدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْحَدِيثَ مِنْ الْمُوَطَّإِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْأَنْدَلُسِيِّ بِلَفْظِ وَانْتَقَلَ مِنْ وَلَدِهَا قَالَ : وَأَكْثَرُهُمْ يَقُولُونَ وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا ، وَالْمَعْنَى وَاحِدٌ قَالَ : وَرُبَّمَا لَمْ يَذْكُرْ بَعْضُهُمْ فِيهِ ( انْتَفَى ، وَلَا انْتَقَلَ ) ثُمَّ رَوَاهُ كَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ مَالِكٍ ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ قَوْمٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ مَالِكٍ أَنَّ الرَّجُلَ قَذَفَ امْرَأَتَهُ ، وَلَيْسَ هَذَا فِي الْمُوَطَّإِ ، وَلَا نَعْرِفُهُ مِنْ مَذْهَبِهِ ثُمَّ رَوَاهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ مُهَجِّعٍ خَالِ مُسَدِّدٍ ، وَيَحْيَى بْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، وَالْحَسَنِ بْنِ سَوَّارٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مَالِكٍ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ { لَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَامْرَأَتِهِ وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا } ، وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ { فَرَّقَ بَيْنَ رَجُلٍ وَامْرَأَتِهِ قَذَفَهَا ، وَأَحْلَفَهُمَا } ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ قَذَفَ امْرَأَتَهُ فَأَحْلَفَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا } ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ { فَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي عَجْلَانَ ، وَقَالَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ زَادَ الْبُخَارِيُّ فَأَبَيَا فَقَالَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ فَأَبَيَا فَقَالَ اللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ فَأَبَيَا فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا } ، وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد { يُرَدِّدُهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ } ، وَلَفْظُ النَّسَائِيّ { قَالَهَا ثَلَاثًا } ، وَفِي لَفْظٍ لَهُمْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ { لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا قَالَ مَالِي قَالَ لَا مَالَ لَكَ إنْ كُنْتَ صَدَقْتَ عَلَيْهَا فَهُوَ بِمَا اسْتَحْلَلْت مِنْ فَرْجِهَا ، وَإِنْ كُنْتَ كَذَبْتَ عَلَيْهَا فَذَاكَ أَبْعَدُ لَك } . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ ( إنَّ رَجُلًا لَاعَنَ امْرَأَتَهُ ) قَدْ عَرَفْت أَنَّ . فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا أَنَّهُ مِنْ بَنِي الْعَجْلَانِ ، وَبَنُو الْعَجْلَانِ مِنْ بَلِيٍّ . وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْأَنْصَارِ بِالْحِلْفِ ، وَذَكَرَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ عُوَيْمِرٌ الْعَجْلَانِيُّ فَقَالَ : وَلَهُمَا أَيْ لِلشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ تَسْمِيَتُهُ بِعُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيُّ ، وَلِذَا قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إنَّهُ عُوَيْمِرٌ . وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَوَّلُ مَنْ سَأَلَ عَنْ ذَلِكَ فُلَانُ ابْنُ فُلَانٍ هُوَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عُوَيْمِرٌ الْعَجْلَانِيُّ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ جَزَمَ الشَّيْخُ ، وَقَبْلَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَالْقُرْطُبِيُّ بِذَلِكَ مَعَ أَنَّ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَكَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ( قُلْت ) كَلَامُهُمْ فِي تَفْسِيرِ الْمُبْهَمِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ . وَلَمَّا قَالَ ابْنُ عُمَرَ فِي الرِّوَايَاتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَرَّقَ بَيْنَ أَخَوَيْ بَنِي عَجْلَانَ تَعَيَّنَ بِذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيُّ لَا هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ ، وَإِنْ كَانَ الْآخَرُ قَدْ لَاعَنَ عَلَى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ قَدْ أَنْكَرَ مُلَاعَنَةَ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ بِالْكُلِّيَّةِ فَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ قَالَ النَّاسُ هُوَ وَهْمٌ مِنْ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ ، وَعَلَيْهِ دَارَ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ بِذَلِكَ ، وَحَدِيثُ أَنَسٍ قَالَ : وَقَدْ رَوَاهُ الْقَاسِمُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا رَوَاهُ النَّاسُ فَبَيَّنَ فِيهِ الصَّوَابَ . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ، وَقَدْ أَنْكَرَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ أَخُو الْمُهَلَّبِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ هِلَالَ بْنَ أُمَيَّةَ ، وَقَالَ هُوَ خَطَأٌ ، وَالصَّحِيحُ عُوَيْمِرٌ ، وَنَحْوًا مِنْهُ قَالَ الطَّبَرِيُّ . وَقَالَ إنَّمَا هُوَ عُوَيْمِرٌ ، وَهُوَ الَّذِي قَذَفَهَا بِشَرِيكِ ابْنِ سَحْمَاءَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَكَذَلِكَ حُكِيَ فِي تَهْذِيبِ الْأَسْمَاءِ فِي الْمُلَاعِنِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ عُوَيْمِرٌ ، وَهِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَعَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ . وَحُكِيَ عَنْ الْوَاحِدِيِّ أَنَّهُ قَالَ أَظْهَرُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّهُ عُوَيْمِرٌ لِكَثْرَةِ الْأَحَادِيثِ ، وَكُنْت أَنْكَرْت عَلَى النَّوَوِيِّ حِكَايَةَ الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ لِلْجَزْمِ بِأَنَّ هِلَالًا لَاعَنَ أَيْضًا كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الصَّحِيحَيْنِ ، وَكَتَبْت ذَلِكَ فِي الْمُبْهَمَاتِ قَبْلَ أَنْ أَرَى هَذَا الْإِنْكَارَ لَكِنْ فِي حِكَايَةِ قَوْلٍ بِأَنَّهُ عَاصِمُ بْنُ عَدِيٍّ نَظَرٌ فَلَمْ يَصِحَّ أَنَّ عَاصِمًا لَاعَنَ زَوْجَتَهُ بَلْ لَمْ نَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ . وَقَدْ أَنْكَرَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ عَلَى ابْنِ الْعَرَبِيِّ قَوْلَهُ إنَّ هِشَامَ بْنَ حَسَّانَ دَارَ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَقَالَ قَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ فَرَوَاهُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { جَاءَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ وَهُوَ أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَجَاءَ مِنْ أَرْضِهِ عِشَاءً فَوَجَدَ عِنْدَ أَهْلِهِ رَجُلًا فَرَأَى بِعَيْنِهِ ، وَسَمِعَ بِأُذُنَيْهِ فَلَمْ يَهْجُهُ حَتَّى أَصْبَحَ ثُمَّ عَدَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ نُزُولَ الْآيَةِ وَقِصَّةَ اللِّعَانِ } . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ أَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ فِي مُسْنَدِهِ أَطْوَلَ مِنْهُ قَالَ ثَنَا عَبَّادُ بْنُ مَنْصُورٍ ، وَتَابَعَهُمَا أَيْضًا أَيُّوبُ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ قَالَ : وَقَوْلُهُ ، وَقَدْ رَوَاهُ الْقَاسِمُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ كَمَا رَوَاهُ النَّاسُ يُوهِمُ أَنَّ الْقَاسِمَ سَمَّى الْمُلَاعِنَ عُوَيْمِرًا ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ أَبْهَمَهُ لَمْ يُسَمِّ عُوَيْمِرًا ، وَلَا هِلَالًا ، وَإِنَّمَا قَالَ فَأَتَاهُ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهِ أَيْ مِنْ قَوْمِ عَاصِمِ بْنِ عَدِيٍّ . وَلَيْسَ فِيهِ ذِكْرٌ لِعُوَيْمِرٍ قَالَ النَّسَائِيُّ فِي رِوَايَةِ الْقَاسِمِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ لَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْعَجْلَانِيُّ ، وَامْرَأَتِهِ وَالْعَجْلَانِيُّ هُوَ عُوَيْمِرٌ كَمَا ثَبَتَ مُسَمًّى مَنْسُوبًا مِنْ حَدِيثِ سَهْلٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ ثُمَّ ذَكَرَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ قَالَ : وَقَدْ وَقَعَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ { كُنَّا لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسْجِدِ إذْ قَالَ رَجُلٌ لَوْ أَنَّ رَجُلًا وَجَدَ مَعَ امْرَأَتِهِ رَجُلًا فَإِنْ قَتَلَهُ قَتَلْتُمُوهُ ، وَإِنْ تَكَلَّمَ جَلَدْتُمُوهُ ، وَلَأَذْكُرَنَّ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَهُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ آيَةَ اللِّعَانِ ثُمَّ جَاءَ رَجُلٌ فَقَذَفَ امْرَأَتَهُ فَلَاعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا } الْحَدِيثَ قَالَ وَالِدِي ، وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ رَوَاهُ ابْنُ مَرْدُوَيْهِ فِي تَفْسِيرِهِ قَالَ فَقَدْ بُيِّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الَّذِي سَأَلَ أَوَّلًا غَيْرُ الَّذِي قَذَفَ ثَانِيًا ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ نَزَلَ قَبْلَ أَنْ يُلَاعِنَ الثَّانِي ، وَهَذَا وَاضِحٌ جَلِيٌّ ( قُلْت ) لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وُقُوعُ اللِّعَانِ مَرَّتَيْنِ ، وَهُوَ الَّذِي فِيهِ الْكَلَامُ ، وَإِنْ كَانَ كَلَامُ الْأَكْثَرِينَ يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ مُقْتَضَى صِحَّةِ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْخَطِيبُ فِي مُبْهَمَاتِهِ أَنَّ الْمُلَاعِنَ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ هُوَ عُوَيْمِرُ بْنُ سَهْلٍ الْحَارِثُ الْعَجْلَانِيُّ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ هِلَالُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَلَمْ يُبَيَّنْ الْمُبْهَمُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ عُوَيْمِرٌ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَمَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ مِنْ أَنَّ عُوَيْمِرًا هُوَ ابْنُ الْحَارِثِ يَنْبَغِي النَّظَرُ فِيهِ فَإِنَّ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ تَسْمِيَتَهُ عُوَيْمِرَ بْنَ أَشْقَرَ الْعَجْلَانِيُّ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِيعَابِ عُوَيْمِرُ بْنُ أَبْيَضَ الْعَجْلَانِيُّ الْأَنْصَارِيُّ صَاحِبُ اللِّعَانِ ، وَذَكَرَ قَبْلَ ذَلِكَ عُوَيْمِرَ بْنَ الْأَشْقَرِ بْنَ عَوْفٍ الْأَنْصَارِيَّ قِيلَ إنَّهُ مِنْ بَنِي مَازِنَ شَهِدَ بَدْرًا يُعَدُّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ الْمُلَاعِنُ فَحَصَلَ فِي اسْمِ وَالِدِ عُوَيْمِرٍ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْحَارِثُ أَشْقَرُ أَبْيَضُ ، وَالْأَوْسَطُ هُوَ الْأَوْلَى لِوُرُودِ الرِّوَايَةِ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد كَمَا ذَكَرْته ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ طَاهِرٍ فِي مُبْهَمَاتِهِ اسْمُ امْرَأَةِ هِلَالٍ الْمَقْذُوفَةِ خَوْلَةُ بِنْتُ عَاصِمٍ لَهَا ذِكْرٌ ، وَلَيْسَتْ لَهَا رِوَايَةٌ . ( الرَّابِعَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي نُزُولِ آيَةِ اللِّعَانِ هَلْ هُوَ بِسَبَبِ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيُّ أَمْ بِسَبَبِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ بِسَبَبِ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيُّ وَاسْتَدَلَّ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُوَيْمِرٍ قَدْ أُنْزِلَ فِيكَ ، وَفِي صَاحِبَتِكَ ، وَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ سَبَبُ نُزُولِهَا قِصَّةُ هِلَالٍ ، وَكَانَ أَوَّلَ رَجُلٍ لَاعَنَ فِي الْإِسْلَامِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي قَالَ الْأَكْثَرُونَ قَضِيَّةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ أَسْبَقُ مِنْ قَضِيَّةِ الْعَجْلَانِيُّ قَالَ : وَالنَّقْلُ فِيهِمَا مُشْتَبِهٌ مُخْتَلِفٌ ، وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ قِصَّةُ هِلَالٍ تُبَيِّنُ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِ أَوَّلًا قَالَ . وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِعُوَيْمِرٍ إنَّ اللَّهَ قَدْ أَنْزَلَ فِيك ، وَفِي صَاحِبَتِكَ فَمَعْنَاهُ مَا نَزَلَ فِي قِصَّةِ هِلَالٍ لِأَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ عَامٌّ لِجَمِيعِ النَّاسِ قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِمَا جَمِيعًا فَلَعَلَّهُمَا سَأَلَا فِي وَقْتَيْنِ مُتَقَارِبَيْنِ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ فِيهِمَا ، وَسَبَقَ هِلَالٌ بِاللِّعَانِ فَيَصْدُقُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي ذَا وَذَاكَ ، وَأَنَّ هِلَالًا أَوَّلُ مَنْ لَاعَنَ انْتَهَى . وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْخَطِيبُ الْبَغْدَادِيُّ فَقَالَ لَعَلَّهُمَا اتَّفَقَا كَوْنَهُمَا مَعًا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي مِيقَاتَيْنِ ، وَنَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ فِي تِلْكَ الْحَالِ ، وَرَوَيْنَا عَنْ جَابِرٍ قَالَ مَا نَزَلَتْ آيَةُ اللِّعَانِ إلَّا لِكَثْرَةِ السُّؤَالِ ، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْقَضِيَّتَانِ مُتَقَارِبَتَيْ الزَّمَانِ فَنَزَلَتْ بِسَبَبِهِمَا مَعًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الْآيَةُ أُنْزِلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ أَيْ كُرِّرَ نُزُولُهَا عَلَيْهِ كَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ فِي سُورَةِ الْفَاتِحَةِ إنَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ، وَتَكَرَّرَ نُزُولُهَا بِالْمَدِينَةِ قَالَ : وَهَذِهِ الِاحْتِمَالَاتُ ، وَإِنْ بَعُدَتْ فَهِيَ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَطْرُقَ الْوَهْمُ لِلرُّوَاةِ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ انْتَهَى . وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّ نُزُولَهَا بِسَبَبِ هِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ ( الْخَامِسَةُ ) اللِّعَانُ هُوَ الْكَلِمَاتُ الْمَعْرُوفَةُ الَّتِي يُلَقَّنُهَا الزَّوْجُ وَالزَّوْجَةُ عِنْدَ قَذْفِهِ إيَّاهَا ، وَهِيَ قَوْلُ الزَّوْجِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ أَشْهَدُ بِاَللَّهِ أَنِّي لَمِنْ الصَّادِقِينَ فِيمَا رَمَيْتُهَا بِهِ مِنْ الزِّنَا وَالْخَامِسَةُ أَنَّ لَعْنَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ مِنْ الْكَاذِبِينَ . وَقَوْلُ الزَّوْجَةِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ : أَشْهَدُ بِاَللَّهِ إنَّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ فِيمَا رَمَانِي بِهِ مِنْ الزِّنَا وَالْخَامِسَةُ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إنْ كَانَ مِنْ الصَّادِقِينَ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ التَّنْزِيلُ ، وَسُمِّيَ لِعَانًا لِقَوْلِ الزَّوْجِ ، وَعَلَيَّ لَعْنَةُ اللَّهِ إنْ كُنْتُ مِنْ الْكَاذِبِينَ قَالَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ ، وَاخْتِيرَ لَفْظُ اللَّعْنِ عَلَى لَفْظِ الْغَضَبِ ، وَإِنْ كَانَا مَوْجُودَيْنِ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ، وَفِي صُورَةِ اللِّعَانِ لِأَنَّ لَفْظَ اللَّعْنَةِ مُتَقَدِّمٌ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ ، وَلِأَنَّ جَانِبَ الرَّجُلِ فِيهِ أَقْوَى مِنْ جَانِبِهَا لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ بِاللِّعَانِ دُونَهَا ، وَلِأَنَّهُ قَدْ يَنْفَكُّ لِعَانُهُ عَنْ لِعَانِهَا ، وَلَا يَنْعَكِسُ ، وَقِيلَ سُمِّيَ لِعَانًا مِنْ اللَّعْنِ ، وَهُوَ الطَّرْدُ وَالْإِبْعَادُ لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَبْعُدُ عَنْ صَاحِبِهِ ، وَيَحْرُمُ النِّكَاحُ بَيْنَهُمَا عَلَى التَّأْبِيدِ بِخِلَافِ الْمُطَلِّقِ وَغَيْرِهِ ، وَاللِّعَانُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَصْحَابِنَا يَمِينٌ ، وَقِيلَ شَهَادَةٌ ، وَقِيلَ يَمِينٌ فِيهَا شَوْبُ شَهَادَةٍ ، وَقِيلَ عَكْسُهُ قَالَ الْعُلَمَاءُ ، وَلَيْسَ مِنْ الْأَيْمَانِ شَيْءٌ مُتَعَدِّدٌ إلَّا اللِّعَانَ ، وَالْقَسَامَةَ ، وَلَا يَمِينَ فِي جَانِبِ الْمُدَّعِي إلَّا فِيهِمَا قَالَ الْعُلَمَاءُ ، وَجُوِّزَ اللِّعَانُ لِحِفْظِ الْأَنْسَابِ وَدَفْعِ الْمَعَرَّةِ عَنْ الْأَزْوَاجِ ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى صِحَّةِ اللِّعَانِ فِي الْجُمْلَةِ قَالُوا وَكَانَتْ قِصَّةُ اللِّعَانِ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ تِسْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ ، وَمِمَّنْ نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ ابْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ . ( السَّادِسَةُ ) تَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ ، وَكَانَتْ حَامِلًا أَنَّ قَوْلَهُ هُنَا ( وَانْتَفَى مِنْ وَلَدِهَا ) أَرَادَ بِهِ الْحَمْلَ الَّذِي لَمْ تَضَعْهُ ذَلِكَ الْوَقْتَ ، وَيُوَافِقُهُ أَيْضًا مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرَ { قَالَ حَضَرْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ لَاعَنَ بَيْنَ عُوَيْمِرٍ الْعَجْلَانِيُّ وَامْرَأَتِهِ ، وَأَنْكَرَ حَمْلَهَا الَّذِي فِي بَطْنِهَا ، وَقَالَ هُوَ لِابْنِ سَحْمَاءَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَاتِ امْرَأَتَك فَقَدْ أُنْزِلَ الْقُرْآنُ فِيكُمَا فَلَاعَنَ بَيْنَهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ عَلَى الْمِنْبَرِ } ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى صِحَّةِ لِعَانِ الْحَامِلِ لِنَفْيِ الْحَمْلِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَعَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ إلَى أَنَّهُ لَا يَصِحُّ لِعَانُ الْحَامِلِ لِنَفْيِ الْحَمْلِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ لِدَفْعِ الْعُقُوبَةِ عِنْدَ الْقَذْفِ فَإِنْ كَانَتْ مَعَ ذَلِكَ حَامِلًا لَمْ يَنْتَفِ الْحَمْلُ قَالَ الْحَنَابِلَةُ إلَّا أَنْ يَصِفَ زِنًا يَلْزَمُ مِنْهُ نَفْيُهُ كَمَنْ ادَّعَى زِنَاهَا فِي طُهْرٍ لَمْ يُصِبْهَا فِيهِ ، وَاعْتَزَلَهَا حَتَّى ظَهَرَ حَمْلُهَا ثُمَّ لَاعَنَهَا لِذَلِكَ ثُمَّ وَضَعَتْهُ لِمُدَّةِ الْإِمْكَانِ مِنْ دَعْوَاهُ فَإِنَّهُ يَنْتَفِي عَنْهُ ، وَاعْتَلَّ هَؤُلَاءِ فِي إنْكَارِ نَفْيِ الْحَمْلِ بِأَنَّهُ لَا يَتَحَقَّقُ ، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَرَفَ وُجُودَ الْحَمْلِ بِالْوَحْيِ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّمَا يُرَتِّبُ الْأَحْكَامَ عَلَى الْأُمُورِ الظَّاهِرَةِ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ يُشَارِكَهُ فِيهَا الْحُكَّامُ بَعْدَهُ ، وَقَدْ رُتِّبَ عَلَى الْحَمْلِ أَحْكَامٌ كَثِيرَةٌ كَإِبِلِ الدِّيَةِ إذْ قَالَ فِيهَا { النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا } ، وَطَلَاقِ الْحَامِلِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِيُطَلِّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا } ، وَتَأْخِيرِ رَجْمِ الْحَامِلِ فِي نَظَائِرَ عَدِيدَةٍ كَإِيجَابِ النَّفَقَةِ ، وَالرَّدِّ بِالْعَيْبِ ، وَالنَّهْيِ عَنْ وَطْئِهَا فِي السَّبْيِ . ( السَّابِعَةُ ) فِيهِ أَنَّ نَفْيَ الْوَلَدِ سَبَبٌ لِلِّعَانِ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ أَنْ لِلِّعَانِ سَبَبَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) قَذْفُ الزَّوْجَةِ بِالزِّنَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ وَلَدٌ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى { وَاَلَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ } الْآيَةَ ، وَ ( الثَّانِي ) نَفْيُ الْوَلَدِ ، وَإِنْ لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ قَذْفٌ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ ذِكْرُ قَذْفٍ لَكِنْ قَدْ ذُكِرَ فِي بَعْضِ الرَّوِيَّاتِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ فَفَرَّقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا عَلَى أَنَّهُ لَا تَقَعُ الْفُرْقَةُ بِمُجَرَّدِ اللِّعَانِ بَلْ يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ بَيْنَهُمَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَالَ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي هَذَا التَّفْرِيقِ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ الْحَسَنِ هُوَ طَلْقَةٌ بَائِنَةٌ فَلَوْ كَذَّبَ نَفْسَهُ بَعْدَ ذَلِكَ جَازَ لَهُ نِكَاحُهَا ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ هُوَ تَحْرِيمٌ مُؤَبَّدٌ ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ حُصُولُ الْفُرْقَةِ بِمُجَرَّدِ اللِّعَانِ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ عَلَى تَفْرِيقٍ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَزُفَرُ ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ تَحْصُلُ الْفُرْقَةُ بِتَمَامِ لِعَانِهِ هُوَ وَإِنْ لَمْ تَلْتَعِنْ هِيَ ، وَقَالَ أَحْمَدُ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِتَمَامِ لِعَانِهِمَا مَعًا ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ ، وَبِهِ قَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ قَالُوا : وَهِيَ فُرْقَةُ فَسْخٍ وَحُرْمَةٌ مُؤَبَّدَةٌ ، وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ لَيْسَ مَعْنَاهُ إنْشَاءَ الْفُرْقَةِ بَيْنَهُمَا بَلْ إظْهَارَ ذَلِكَ ، وَبَيَانَ حُكْمِ الشَّرْعِ فِيهِ ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا } ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ( لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا ) رَاجِعًا إلَى الْمَالِ ، وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ذَلِكُمْ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ } قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِقَوْلِهِ ذَلِكُمْ عَنْ قَوْلِهِ لَا سَبِيلَ لَك عَلَيْهَا ، وَقَالَ كَذَا حُكْمُ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْفِرَاقُ لَا يَكُونُ إلَّا بِحُكْمٍ فَقَدْ نُفِّذَ الْحُكْمُ فِيهِ مِنْ الْحَاكِمِ الْأَعْظَمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ ذَلِكُمْ التَّفْرِيقُ بَيْنَ كُلِّ مُتَلَاعِنَيْنِ ، وَلَوْ أَشَارَ إلَى الطَّلَاقِ لَتَزَوَّجَهَا بَعْدَ زَوْجٍ بِحُكْمِ الْقُرْآنِ ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيقِ عَبَّادِ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ ، وَقَضَى أَيْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ لَا بَيْتَ لَهَا عَلَيْهِ ، وَلَا قُوتَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمَا مُتَفَرِّقَانِ مِنْ غَيْرِ طَلَاقٍ ، وَلَا مُتَوَفًّى عَنْهَا ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ فِي حَدِيثِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ قَالَ فَمَضَتْ السُّنَّةُ بَعْدُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ لَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا ، وَعَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ قَالَا مَضَتْ السُّنَّةُ فِي الْمُتَلَاعِنَيْنِ أَنْ لَا يَجْتَمِعَا أَبَدًا ، وَعَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَفُرِّقَ بَيْنَهُمَا ، وَلَا يَجْتَمِعَانِ أَبَدًا ، وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ بَيْنَ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورِ قَرِيبُ الْمُدْرَكِ مِنْ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ فِي اسْتِحْقَاقِ الْقَاتِلِ السَّلْبَ ، وَفِي إحْيَاءِ الْمَوَاتِ هُوَ يَقِفُ كُلًّا مِنْهُمَا عَلَى إذْنِ الْإِمَامِ ، وَيُجْعَلُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ } تَنْفِيلًا ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيِّتَةً فَهِيَ لَهُ } إذْنًا حُكْمِيًّا يُحْتَاجُ مَعَهُ فِي كُلِّ وَقْتٍ إلَى إذْنِ خَلِيفَةِ ذَلِكَ الْوَقْتِ كَمَا أَذِنَ هُوَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ كَمَا جُعِلَ تَفْرِيقُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُنَا بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ بِطَرِيقِ الْحُكْمِ وَالْقَضَاءِ حَتَّى يُحْتَاجَ فِي كُلِّ وَاقِعَةٍ إلَى تَفْرِيقِ الْقَاضِي ، وَالْجُمْهُورُ يَجْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ بَيَانًا لِلشَّرْعِ الْعَامِّ الْمُطَّرِدِ سَوَاءٌ قَالَهُ الْإِمَامُ أَمْ لَمْ يَقُلْهُ ، وَلَقَدْ أَبْعَدَ عُثْمَانُ الْبَتِّيُّ فِي قَوْلِهِ لَا أَثَرَ لِلِّعَانِ فِي الْفُرْقَةِ ، وَلَا يَحْصُلُ بِهِ فِرَاقٌ أَصْلًا ، وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ مُصْعَبُ بْنُ الزُّبَيْرِ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُفَرَّقُ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ ، وَحَكَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَيُقَابِلُهُ فِي الْبُعْدِ قَوْلُ أَبِي عُبَيْدَةَ الْقَاسِمِ بْنِ سَلَّامٍ أَنَّهَا تَحْرُمُ عَلَيْهِ بِنَفْسِ الْقَذْفِ بِغَيْرِ لِعَانٍ . ( التَّاسِعَةُ ) نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي تَارِيخِهِ قَالَ سُئِلَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ أَيْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَهْلٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ أَخْطَأَ لَيْسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ لَمْ يُتَابِعْ ابْنُ عُيَيْنَةَ أَحَدٌ عَلَى أَنَّهُ فَرَّقَ بَيْنَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَإِنْ صَحَّ هَذَا ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ وَهْمٌ فَالْوَجْهُ أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُ ابْنِ مَعِينٍ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَهْلٍ فَإِنَّهُ صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ مَعِينٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَهُمَا أَيْ مُطْلَقًا ، وَهُوَ خَطَأٌ ثُمَّ قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ لَيْسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا أَنَّ اللِّعَانَ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ كَانَ أَرَادَ هَذَا فَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَوْلُهُ ( وَأَلْحَقَ الْوَلَدَ بِالْمَرْأَةِ ) اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهِ فَقِيلَ مَعْنَاهُ نَفَى عَنْهُ نَسَبَ الْأَبِ ، وَأَبْقَى عَلَيْهِ الْأُمَّ الَّتِي لَا بُدَّ لَهُ مِنْهَا لِأَنَّهُ قَدْ يُتَخَيَّلُ مِنْ انْتِفَاءِ نَسَبِ الْأَبِ انْتِفَاءُ نَسَبِ الْأُمِّ أَيْضًا ، وَقِيلَ جَعَلَهَا لَهُ أَبًا وَأُمًّا ، وَبِالْأَوَّلِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ فَلَمْ يُورِثُوا الْأُمَّ مِنْهُ إلَّا مَا كَانَتْ تَرِثُهُ مِنْهُ لَوْ كَانَ لَهُ أَبٌ ، وَهُوَ السُّدُسُ فِي حَالَةٍ ، وَالثُّلُثُ فِي أُخْرَى ، وَوَرَّثُوا إخْوَتَهُ لِأُمِّهِ مِنْهُ لِلْوَاحِدِ مِنْهُمْ السُّدُسُ ، وَلِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ الثُّلُثُ ، وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ ثُمَّ جَرَتْ السُّنَّةُ أَنْ يَرِثَهَا ، وَتَرِثَ مِنْهُ مَا فَرَضَ اللَّهُ لَهَا ، وَالذَّاهِبُونَ إلَى الْقَوْلِ الثَّانِي اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّ أُمَّهُ تَحُوزُ جَمِيعَ مِيرَاثِهِ فَإِنَّهَا عَصَبَةٌ ، وَبِمَنْزِلَةِ أَبِيهِ حُكِيَ ذَلِكَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَوَاثِلَةَ بْنِ الْأَسْقَعِ ، وَطَائِفَةٍ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ . ( الثَّانِي ) أَنَّ عَصَبَتَهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ قَالَ جَمَاعَةٌ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَاخْتَارَهُ الْخِرَقِيِّ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعَطَاءٍ . ( الثَّالِثُ ) أَنَّ مِيرَاثَهُ لِأُمِّهِ ، وَلِإِخْوَتِهِ بِالْفَرْضِ وَالرَّدِّ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا قَالَ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذُو فَرْضٍ بِحَالٍ فَعَصَبَتُهُ عَصَبَةُ أُمِّهِ ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ صَادِرَةٌ عَنْ مَنْ يُوَرِّثُ ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَالْأَوَّلُ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَالْجُمْهُورِ . ( الْحَادِيَةَ عَشَرَ ) قَوْلُهُ { وَقَالَ : وَاَللَّهُ يَعْلَمُ أَنَّ أَحَدَكُمَا كَاذِبٌ فَهَلْ مِنْكُمَا تَائِبٌ } قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ قَالَ هَذَا الْكَلَامُ بَعْدَ فَرَاغِهِمَا مِنْ اللِّعَانِ ، وَالْمُرَادُ بَيَانُ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْكَاذِبَ التَّوْبَةُ قَالَ : وَقَالَ الدَّاوُدِيُّ إنَّمَا قَالَهُ قَبْلَ اللِّعَانِ تَحْذِيرًا لَهُمَا مِنْهُ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَأَوْلَى بِسِيَاقِ الْكَلَامِ ، وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ مِنْ النُّحَاةِ إنَّ لَفْظَةَ أَحَدٍ لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي النَّفْيِ ، وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْهُمْ لَا تُسْتَعْمَلُ إلَّا فِي الْوَصْفِ ، وَلَا تَقَعُ مَوْقِعَ وَاحِدٍ ، وَقَدْ وَقَعَتْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي غَيْرِ وَصْفٍ وَلَا نَفْيٍ ، وَوَقَعَتْ مَوْقِعَ وَاحِدٍ ، وَقَدْ أَجَازَهُ الْمُبَرِّدُ ، وَيُؤَيِّدُهُ قَوْله تَعَالَى { فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ } قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَفِيهِ أَنَّ الْخَصْمَيْنِ الْمُتَكَاذِبَيْنِ لَا يُعَاقَبُ وَاحِدٌ مِنْهُمَا ، وَإِنْ عَلِمْنَا كَذِبَ أَحَدِهِمَا عَلَى الْإِبْهَامِ وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ لِمَذْهَبِهِ أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي الْيَمِينِ الْغَمُوسِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ أَحَدُكُمَا كَاذِبٌ ، وَلَمْ يَذْكُرْ لَهُ كَفَّارَةً ، وَلَوْ وَجَبَتْ لَبَيَّنَهَا لِأَنَّهُ وَقْتُ الْبَيَانِ ( قُلْت ) وَجَوَابُ الْجُمْهُورِ عَنْهُ أَنَّهُ لَمْ يُعَيِّنْ الْحَانِثَ حَتَّى يَأْمُرَهُ بِالْكَفَّارَةِ ، وَأَمَّا فِي الْبَاطِنِ فَقَدْ حَصَلَ الْبَيَانُ بِأَنَّهُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) ( فَأَبَيَا ) أَيْ أَبَى كُلٌّ مِنْهُمَا أَنْ يَعْتَرِفَ بِالْكَذِبِ ، وَظَاهِرُ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ هَذِهِ يُوَافِقُ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الدَّاوُدِيِّ فَإِنَّ فِيهَا بَعْدَ حِكَايَةِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُمَا هَذَا الْكَلَامَ ثَلَاثًا ، وَإِبَائِهِمَا ( فَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ) . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ ( مَالِي ) أَيْ طَلَبَ الْمَهْرَ الَّذِي أَصْدَقَهَا إيَّاهُ فَأَجَابَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنَّهُ لَا رُجُوعَ لَهُ بِالْمَهْرِ سَوَاءٌ صَدَقَ أَمْ كَذَبَ لِأَنَّهُ قَدْ اسْتَقَرَّ بِالدُّخُولِ ، وَاسْتَوْفَى مَا قُوبِلَ بِهِ ، وَهُوَ الْوَطْءُ ، وَلَوْ مَرَّةً ، وَإِنْ كَانَ كَذَبَ عَلَيْهَا فَهُوَ أَبْعَدُ لَهُ لِأَنَّهُ قَدْ ظَلَمَهَا فِي عِرْضِهَا فَكَيْفَ يَجْمَعُ إلَى ذَلِكَ ظُلْمَهَا فِي مَالِهَا ، وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِقْرَارِ ( الْمَهْرِ ) بِالدُّخُولِ ، وَعَلَى ثُبُوتِ مَهْرِ الْمُلَاعَنَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا ، وَالْمَسْأَلَتَانِ مُجْمَعٌ عَلَيْهِمَا ، وَفِيهِ أَنَّهَا لَوْ صَدَّقَتْهُ ، وَأَقَرَّتْ بِالزِّنَا لَمْ يَسْقُطْ بِذَلِكَ مَهْرُهَا ، أَمَّا لَوْ تَلَاعَنَا قَبْلَ الدُّخُولِ بِهَا فَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ أَنَّهَا كَغَيْرِهَا لَهَا نِصْفُ الصَّدَاقِ لِأَنَّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهِ ، وَحَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ ، وَنَصَّ عَلَيْهِ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ ، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَقَالَ الزُّهْرِيُّ لَيْسَ هَذَا شَيْءٌ مِنْهُ لِأَنَّهُ فَسْخٌ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ، وَحَكَاهُ الْبَغْدَادِيُّونَ عَنْ الْمَذْهَبِ ( قُلْت ) وَهُوَ مُقْتَضَى إطْلَاقِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ سُقُوطَ جَمِيعِ الْمَهْرِ بِالْفَسْخِ قَبْلَ الْمَسِيسِ قَالَ ابْنُ يُونُسَ : وَفِي كِتَابِ ابْنِ الْحَاجِبِ أَنَّ الْمُلَاعَنَةَ قَبْلَ الْبِنَاءِ لَا صَدَاقَ لَهَا ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّ عَلَيْهَا النِّصْفَ انْتَهَى . وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رِوَايَتَانِ فِي التَّنْصِيفِ وَالسُّقُوطِ ، وَقَالَ الْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَأَبُو الزِّنَادِ لَهَا الصَّدَاقُ كُلُّهُ إذْ لَيْسَ بِطَلَاقٍ . وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ . قَالَ هَلْ لَك مِنْ إبِلٍ ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ فَمَا أَلْوَانُهَا ؟ قَالَ حُمْرٌ ، قَالَ فِيهَا أَوْرَقُ ؟ قَالَ إنَّ فِيهَا لَوُرْقًا ، قَالَ أَنَّى أَتَاهُ ذَلِكَ ؟ قَالَ عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ ، قَالَ : وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ وَهُوَ حِينَئِذٍ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ قَالَ : وَزَادَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ قَالَ : وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ } الْحَدِيثُ الثَّانِي ) وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ قَالَ هَلْ لَك مِنْ إبِلٍ ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَا أَلْوَانُهَا ؟ قَالَ حُمْرٌ قَالَ هَلْ فِيهَا أَوْرَقُ ؟ قَالَ إنَّ فِيهَا لَوُرْقًا . قَالَ : أَنَّى أَتَاهُ ذَلِكَ ؟ قَالَ عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ قَالَ : وَهَذَا عَسَى أَنْ يَكُونَ نَزَعَهُ عِرْقٌ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، وَفِيهِ وَهُوَ حِينَئِذٍ تَعَرَّضَ بِأَنْ يَنْفِيَهُ ، وَفِيهِ وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ، وَفِي آخِرِهِ { فَمِنْ أَجْلِ قَضَاءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا لَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ أَنْ يَنْتَفِيَ مِنْ وَلَدٍ وُلِدَ عَلَى فِرَاشِهِ إلَّا أَنْ يَزْعُمَ أَنَّهُ رَأَى فَاحِشَةً } خَمْسَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ ، وَهُوَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ ، وَإِنِّي أَنْكَرْته ، وَفِيهِ وَلَمْ يُرَخِّصْ لَهُ فِي الِانْتِفَاءِ مِنْهُ } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مُسْلِمٌ هَذِهِ الزِّيَادَةَ ، وَلَمْ يَسُقْ أَبُو دَاوُد بَقِيَّةَ لَفْظِهِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عُقَيْلٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ بَلَغَنَا أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَحْوِ مَا تَقَدَّمَ ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ أَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ مُرْسَلًا قَالَ : وَقِيلَ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ خَالِدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَكَذَلِكَ قِيلَ عَنْ التابلتي عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا ، وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ أَيْضًا مِمَّنْ رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ غَيْرَ مَنْ قَدَّمْنَا ذِكْرُهُ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ ، وَسُلَيْمَانُ بْنُ كَثِيرٍ ، وَالنُّعْمَانُ بْنُ رَاشِدٍ ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَةَ يُونُسَ ، وَقَالَ لَمْ يُتَابِعْ عَلَيْهِ ، وَالْمَحْفُوظُ حَدِيثُ ابْنِ الْمُسَيِّبِ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { جَاءَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ } هُوَ بِفَتْحِ الْفَاءِ ، وَبِالزَّايِ ، وَبَعْدَ الْأَلْفِ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ ، وَاسْمُ هَذَا الرَّجُلِ ضَمْضَمُ بْنُ قَتَادَةَ كَمَا ذَكَرَ ابْنُ بَشْكُوَالَ ، وَابْنُ طَاهِرٍ قَالَ ابْنُ طَاهِرٍ : وَامْرَأَتُهُ مِنْ بَنْيِ عِجْلٍ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ { إنَّ امْرَأَتِي وَلَدَتْ غُلَامًا أَسْوَدَ } تَعْرِيضٌ بِنَفْيِهِ لِمُخَالَفَةِ لَوْنِهِ لِلَوْنِهِ [ إذْ ] هُوَ كَانَ أَبْيَضَ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ يُعَرِّضُ بِأَنْ يَنْفِيَهُ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَصْرِيحٌ بِنَفْيِهِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَإِنِّي أَنْكَرْته فَمَعْنَاهُ اسْتَنْكَرْت بِقَلْبِي أَنْ يَكُونَ مِنِّي ، وَلَيْسَ مَعْنَاهُ نَفْيَهُ عَنْ نَفْسِهِ بِلَفْظِهِ ، وَفِيهِ أَنَّ التَّعْرِيضَ بِنَفْيِ الْوَلَدِ لَيْسَ نَفْيًا . ( الرَّابِعَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّعْرِيضَ بِالْقَذْفِ لَيْسَ قَذْفًا ، وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ بِهِ الْحَدُّ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ ، وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَى وُجُوبِ الْحَدِّ بِالتَّعْرِيضِ إذَا كَانَ مَفْهُومًا ، وَأَجَابَ عَنْهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يَجِبْ بِهِ الْحَدُّ لِأَنَّهُ تَعْرِيضٌ لَطِيفٌ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الْعَيْبَ ، وَكَانَ عَلَى جِهَةِ الشَّكْوَى أَوْ الِاسْتِفْتَاءِ ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بَعْدَ ذِكْرِهِ إنَّ فِيهِ مَا يُشْعِرُ بِأَنَّ التَّعْرِيضَ بِنَفْيِ الْوَلَدِ لَا يُوجِبُ حَدًّا كَذَا قِيلَ ، وَفِيهِ نَظَرٌ لِانْتِفَاءِ الْحَدِّ أَوْ التَّعْزِيرِ عَنْ الْمُسْتَفْتِينَ . ( الْخَامِسَةُ ) الْأَوْرَقُ هُوَ الَّذِي فِيهِ سَوَادٌ لَيْسَ بِحَالِكٍ بَلْ يَمِيلُ إلَى الْغَبَرَةِ ، وَمِنْهُ قِيلَ لِلرَّمَادِ أَوْرَقُ ، وَلِلْحَمَامَةِ وَرْقَاءُ ، وَالْجَمْعُ وُرْقٌ بِضَمِّ الْوَاوِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ كَأَحْمَرَ وَحُمْرٌ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ ( أَنَّى ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ أَيْ مِمَّنْ أَتَاهُ هَذَا اللَّوْنُ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلَوْنِ أَبَوَيْهِ ، وَالْمُرَادُ بِالْعِرْقِ هُنَا الْأَصْلُ مِنْ النَّسَبِ تَشْبِيهًا بِعِرْقِ الشَّجَرَةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فُلَانٌ مُعَرَّقٌ فِي النَّسَبِ وَالْحَسَبِ ، وَفِي اللُّؤْمِ وَالْكَرَمِ ، وَمَعْنَى نَزَعَهُ أَشْبَهَهُ وَاجْتَذَبَهُ إلَيْهِ وَأَظْهَرَ لَوْنَهُ عَلَيْهِ ، وَأَصْلُ النَّزْعِ الْجَذْبُ فَكَأَنَّهُ جَذَبَهُ إلَيْهِ لِشَبَهِهِ يُقَالُ مِنْهُ نَزَعَ الْوَلَدُ لِأَبِيهِ ، وَإِلَى أَبِيهِ ، وَنَزَعَهُ أَبُوهُ إلَيْهِ . ( السَّابِعَةُ ) وَفِيهِ ضَرْبُ الْأَمْثَالِ ، وَتَشْبِيهُ الْمَجْهُولِ بِالْمَعْلُومِ لِأَنَّ هَذَا السَّائِلَ خَفِيَ عَلَيْهِ هَذَا فِي الْآدَمِيِّينَ فَشَبَّهَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا يَعْرِفُهُ هُوَ ، وَيَأْلَفُهُ ، وَلَا يُنْكِرُهُ ، وَاسْتَدَلَّ بِهِ أَهْلُ الْأُصُولِ عَلَى الْعَمَلِ بِالْقِيَاسٍ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَبَّهَ هَذَا الرَّجُلَ الْمُخَالِفَ لِلَوْنِهِ بِوَلَدِ الْإِبِلِ الْمُخَالِفِ لِأَلْوَانِهَا ، وَذَكَرَ الْعِلَّةَ الْجَامِعَةَ ، وَهِيَ نُزُوعُ الْعِرْقِ ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إلَّا أَنَّهُ تَشْبِيهٌ فِي أَمْرٍ وُجُودِيٍّ ، وَاَلَّذِي حَصَلَتْ الْمُنَازَعَةُ فِيهِ هُوَ التَّشْبِيهُ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ انْتَهَى قَالَ الْخَطَّابِيُّ ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي قِيَاسِ الشَّبَهِ . ( الثَّامِنَةُ ) وَفِيهِ أَنَّ الْوَلَدَ يَلْحَقُ الزَّوْجَ ، وَإِنْ خَالَفَ لَوْنُهُ لَوْنَهُ حَتَّى لَوْ كَانَ الْأَبُ أَبْيَضَ ، وَالْوَلَدُ أَسْوَدَ ، وَعَكْسُهُ لَحِقَهُ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ نَفْيُهُ بِمُجَرَّدِ الْمُخَالَفَةِ فِي اللَّوْنِ ، وَكَذَا لَوْ كَانَ الزَّوْجَانِ أَبْيَضَيْنِ فَجَاءَ الْوَلَدُ أَسْوَدَ أَوْ عَكْسُهُ لِاحْتِمَالِ أَنَّهُ نَزَعَهُ عِرْقٌ مِنْ أَحَدِ أَسْلَافِهِ ، وَقَدْ جَزَمَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ بِأَنَّهُ لَا أَثَرَ لِاخْتِلَافِ الْأَلْوَانِ الْمُتَقَارِبَةِ كَالْأُدْمَةِ وَالسُّمْرَةِ وَالشُّقْرَةِ الْقَرِيبَةِ مِنْ الْبَيَاضِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا عِنْدَ الِاخْتِلَافِ بِالْبَيَاضِ ، وَالسَّوَادِ فَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ لَيْسَ لَهُ نَفْيُهُ بِذَلِكَ ، وَأَطْلَقَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ نَفْيَ الْخِلَافِ فِيهِ ، وَكَأَنَّهُ أَرَادَ فِي مَذْهَبِهِ . وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ إنْ لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ قَرِينَةُ الزِّنَا حَرُمَ النَّفْيُ ، وَإِنْ انْضَمَّتْ أَوْ كَانَ مُتَّهِمَهَا بِرَجُلٍ فَأَتَتْ بِوَلَدٍ عَلَى لَوْنِ ذَلِكَ الرَّجُلِ فَفِيهِ ، وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ وَالْقَاضِي أَبِي الطَّيِّبِ ، وَصَاحِبَيْ الْحَاوِي ، وَالْعُدَّةِ وَالنَّوَوِيِّ تَحْرِيمُ النَّفْيِ أَيْضًا ، وَأَصَحُّهُمَا عِنْدَ الْبَنْدَنِيجِيِّ وَالرُّويَانِيِّ وَغَيْرِهِمَا جَوَازُهُ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، وَفِي هَذِهِ الصُّوَرِ أَيْ وَهِيَ مَا إذَا كَانَ الزَّوْجَانِ أَبْيَضَيْنِ فَجَاءَ الْوَلَدُ أَسْوَدَ أَوْ عَكْسُهُ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ ضَعِيفٌ أَوْ غَلَطٌ ( قُلْت ) إنْ كَانَ هَذَا الْوَجْهُ فِيمَا إذَا لَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ قَرِينَةُ الزِّنَا فَلَمْ يَحْكِهِ هُوَ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ نَعَمْ حَكَاهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ ، وَإِنْ كَانَ مَعَ انْضِمَامِهَا فَلَا يُقَالُ فِيهِ إنَّهُ غَلَطٌ فَقَدْ صَحَّحَهُ الْبَنْدَنِيجِيُّ وَالرُّويَانِيُّ وَغَيْرُهُمَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ يَجُوزُ النَّفْيُ مَعَ الْقَرِينَةِ ، وَالْخِلَافُ عِنْدَ عَدَمِهَا ، وَهُوَ عَكْسُ التَّرْتِيبِ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا . ( التَّاسِعَةُ ) فِيهِ الِاحْتِيَاطُ لِلْأَنْسَابِ ، وَإِثْبَاتُهَا بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ ، وَالْإِمْكَانِ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ الزَّجْرُ عَنْ تَحْقِيقِ ظَنِّ السُّوءِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى اسْتِحَالَةِ التَّسَلْسُلِ الْعَقْلِيِّ ، وَأَنَّ الْحَوَادِثَ لَا بُدَّ لَهَا أَنْ تَسْتَنِدَ إلَى أَوَّلٍ لَيْسَ بِحَادِثٍ كَمَا يُعْرَفُ فِي الْأُصُولِ الْكَلَامِيَّةِ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ إنَّ قَوْلَهُ لَيْسَ مِنِّي لَيْسَ قَذْفًا لِأُمِّهِ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ لِجَوَازِ كَوْنِهِ لِغَيْرِهِ بِوَطْءِ شُبْهَةٍ أَوْ مِنْ زَوْجٍ مُتَقَدِّمٍ ( قُلْت ) لَمْ يَصْدُرْ مِنْ هَذَا الرَّجُلِ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ مِنِّي ، وَإِنَّمَا عَرَّضَ بِذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ . بَابُ لِحَاقِ النَّسَبِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ لِأَخِيهِ سَعْدٍ تَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ جَارِيَةِ زَمْعَةَ ابْنِي ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ رَأَى سَعْدٌ الْغُلَامَ فَعَرَفَهُ بِالشَّبَهِ فَاحْتَضَنَهُ إلَيْهِ ، وَقَالَ ابْنُ أَخِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ فَجَاءَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ بَلْ هُوَ أَخِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ جَارِيَتِهِ فَانْطَلَقَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا ابْنُ أَخِي اُنْظُرْ إلَى شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَهًا لَمْ يَرَ النَّاسُ شَبَهًا أَبْيَنَ مِنْهُ بِعُتْبَةَ ، فَقَالَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ أَخِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ جَارِيَتِهِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَوَاَللَّهِ مَا رَآهَا حَتَّى مَاتَتْ } زَادَ الشَّيْخَانِ فِي رِوَايَةٍ { وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ } وَزَادَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ بَعْدَ قَوْلِهِ ، { وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ فَلَيْسَ لَك بِأَخٍ } ، وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَحَدِهِمَا أَوْ كِلَاهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ } وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ { لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ } . بَابُ لِحَاقِ النَّسَبِ . الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ لِأَخِيهِ سَعْدٍ تَعْلَمُ أَنَّ ابْنَ جَارِيَةِ زَمْعَةَ ابْنِي قَالَتْ عَائِشَةُ فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ رَأْي سَعْدٌ الْغُلَامَ فَعَرَفَهُ بِالشَّبَهِ فَاحْتَضَنَهُ إلَيْهِ ، وَقَالَ يَا ابْنَ أَخِي وَرَبِّ الْكَعْبَةِ فَجَاءَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ فَقَالَ بَلْ هُوَ أَخِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ جَارِيَتِهِ فَانْطَلَقَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سَعْدٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا ابْنُ أَخِي اُنْظُرْ إلَى شَبَهِهِ بِعُتْبَةَ ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَرَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَهًا لَمْ يَرَ النَّاسُ شَبَهًا أَبْيَنَ مِنْهُ بِعَيْنِهِ فَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَلْ هُوَ أَخِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي مِنْ جَارِيَتِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ قَالَتْ عَائِشَةُ فَوَاَللَّهِ مَا رَآهَا حَتَّى مَاتَتْ } . الْحَدِيثُ الثَّانِي ، وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَحَدِهِمَا أَوْ كِلَاهُمَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، وَابْنِ مَاجَهْ هُوَ لَك يَا عَبْدُ بْنَ زَمْعَةَ ، وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد هُوَ أَخُوك يَا عَبْدُ ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَفِيهِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي خَمْسَةِ مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، وَفِيهِ ، وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ عَنْ زُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ ، وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ ، وَعَبْدِ الْأَعْلَى بْنِ حَمَّادٍ ، وَعَمْرٍو النَّاقِدِ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ فَقَالَ زُهَيْرٌ كَمَا هُنَا عَنْ سَعِيدٍ أَوْ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَالَ عَبْدُ الْأَعْلَى عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَوْ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَقَالَ عَمْرٌو ثَنَا سُفْيَانُ مَرَّةً عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، وَمَرَّةً عَنْ سَعِيدٍ أَوْ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ ، وَمَرَّةً عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مَنِيعٍ ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ بِهِ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَاهُ الزُّهْرِيُّ عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَبَيَّنَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ الِاخْتِلَافَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي ذَلِكَ ، وَأَنَّ مِنْ أَوْجُهِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مُحَمَّدٍ الزُّهْرِيَّ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَحْدَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ثُمَّ قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَهُوَ مَحْفُوظٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا يَعْنِي عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي سَلَمَةَ ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { الْوَلَدُ لِصَاحِبِ الْفِرَاشِ } . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ ( تَعَلَّمْ ) بِتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ اعْلَمْ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ تَعَلَّمْ شِفَاءَ النَّفْسِ قَهْرَ عَدُوِّهَا فَبَالِغِ بِلَفْظٍ فِي التَّحَيُّلِ وَالْمَكْرِ وَهَذَا الِابْنُ الْمُتَنَازَعُ فِيهِ اسْمُهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَمْعَةَ بِفَتْحِ الزَّايِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ ، وَرُوِيَ بِفَتْحِهَا أَيْضًا . ( الثَّالِثَةُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَفْتِنُونَ الْوَلَائِدَ ، وَيَضْرِبُونَ عَلَيْهِنَّ الضَّرَائِبَ فَيَكْتَسِبْنَ بِالْفُجُورِ ، وَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِمْ إلْحَاقُ النَّسَبِ بِالزُّنَاةِ إذَا ادَّعَوْا الْوَلَدَ كَهُوَ فِي النِّكَاحِ ، وَكَانَتْ لِزَمْعَةَ أَمَةٌ كَانَ يُلِمُّ بِهَا ، وَكَانَتْ لَهُ عَلَيْهَا ضَرِيبَةٌ فَظَهَرَ بِهَا حَمْلٌ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ عُتْبَةَ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَهَلَكَ عُتْبَةُ كَافِرًا لَمْ يُسْلِمْ فَعَهِدَ إلَى سَعْدٍ أَخِيهِ أَنْ يَسْتَلْحِقَ الْحَمْلَ الَّذِي بِأَمَةِ زَمْعَةَ ، وَكَانَ لِزَمْعَةَ ابْنٌ يُقَالُ لَهُ عَبْدٌ فَخَاصَمَ سَعْدٌ عَبْدَ بْنَ زَمْعَةَ فِي الْغُلَامِ الَّذِي وَلَدَتْهُ الْأَمَةُ فَقَالَ سَعْدٌ هُوَ ابْنُ أَخِي عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الْأَمْرُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ . وَقَالَ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ بَلْ هُوَ أَخِي وُلِدَ عَلَى فِرَاشِ أَبِي عَلَى مَا اسْتَقَرَّ عَلَيْهِ الْحُكْمُ فِي الْإِسْلَامِ ، قَضَى بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ ، وَبَطَلَ دَعْوَى الْجَاهِلِيَّةِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ نَحْوَ هَذَا الْكَلَامِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فَمَنْ اعْتَرَفَتْ الْأُمُّ أَنَّهُ لَهُ أَلْحَقُوهُ بِهِ ، وَقَالَ : وَلَمْ يَكُنْ حَصَلَ إلْحَاقُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ إمَّا لِعَدَمِ الدَّعْوَى ، وَإِمَّا لِكَوْنِ الْأُمِّ لَمْ تَعْتَرِفْ بِهِ لِعُتْبَةَ ، وَذَكَرَ الْقُرْطُبِيُّ الْأَمْرَيْنِ فَقَالَ فَمَنْ أَلْحَقَتْهُ الْمَزْنِيُّ بِهَا الْتَحَقَ بِهِ ، وَمَنْ أَلْحَقَهُ بِنَفْسِهِ مِنْ الزُّنَاةِ بِهَا الْتَحَقَ بِهِ إذَا لَمْ يُنَازِعْهُ غَيْرُهُ ، وَقَالَ : وَكَأَنَّ عَبْدًا قَدْ سَمِعَ أَنَّ الشَّرْعَ يُلْحِقُ بِالْفِرَاشِ ، وَإِلَّا فَلَمْ تَكُنْ عَادَتُهُمْ الْإِلْحَاقَ بِهِ . ( الرَّابِعَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الِاسْتِلْحَاقَ لَا يَخْتَصُّ بِالْأَبِ بَلْ يَجُوزُ مِنْ الْأَخِ لِأَنَّ الْمُسْتَلْحِقَ هُنَا أَخُو الْمُسْتَلْحِقِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَجَمَاعَةٌ لَكِنْ بِشُرُوطٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنْ يَكُونَ حَائِزًا لِلْإِرْثِ أَوْ يَسْتَلْحِقُهُ كُلُّ الْوَرَثَةِ ( ثَانِيهَا ) أَنْ يُمْكِنَ كَوْنُ الْمُسْتَلْحَقِ وَلَدًا لِلْمَيِّتِ ( ثَالِثُهَا ) أَنْ لَا يَكُونَ مَعْرُوفَ النَّسَبِ مِنْ غَيْرِهِ ( رَابِعُهَا ) أَنْ يُصَدِّقَهُ الْمُسْتَلْحَقُ إنْ كَانَ بَالِغًا عَاقِلًا قَالَ الْخَطَّابِيُّ فَإِنْ قِيلَ جَمِيعُ الْوَرَثَةِ لَمْ يُقِرُّوا بِهِ بَلْ عَبْدٌ فَقَطْ قِيلَ قَدْ رُوِيَ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِزَمْعَةَ يَوْمَ مَاتَ ، وَارِثٌ غَيْرُ عَبْدٍ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ جَمِيعِ الْوَرَثَةِ ، وَقَدْ لَا يُنْكَرُ أَيْضًا إنْ ثَبَتَ أَنَّ سَوْدَةَ وَارِثَةٌ أَنْ تَكُونَ وَكَّلَتْ أَخَاهَا فِي الدَّعْوَى أَوْ أَقَرَّتْ بِذَلِكَ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ تَأَوَّلَهُ أَصْحَابُنَا تَأْوِيلَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ سَوْدَةَ اسْتَلْحَقَتْهُ أَيْضًا ، وَ ( الثَّانِي ) أَنَّ زَمْعَةَ مَاتَ كَافِرًا فَلَمْ تَرِثْهُ سَوْدَةُ لِكَوْنِهَا مُسْلِمَةً وَوَرِثَهُ عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ انْتَهَى . وَذَهَبَ مَالِكٌ وَطَائِفَةٌ إلَى اخْتِصَاصِ الِاسْتِلْحَاقِ بِالْأَبِ ، وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِجَوَابَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ لَيْسَ نَصًّا فِي أَنَّهُ أَلْحَقَهُ بِهِ بِمُجَرَّدِ نِسْبَةِ الْأُخُوَّةِ فَلَعَلَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِمَ وَطْءَ زَمْعَةَ تِلْكَ الْأَمَةِ بِطَرِيقٍ اعْتَمَدَهَا مِنْ اعْتِرَافٍ أَوْ غَيْرِهِ فَحَكَمَ بِذَلِكَ لَا بِاسْتِلْحَاقِ الْأَخِ ، وَ ( الثَّانِي ) إنَّ حُكْمَهُ بِهِ لَهُ لَمْ يَكُنْ بِمُجَرَّدِ الِاسْتِلْحَاقِ بَلْ بِالْفِرَاشِ أَلَا تَرَى قَوْلَهُ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ ، وَهَذَا تَقْعِيدُ قَاعِدَةٍ فَإِنَّهُ لَمَّا انْقَطَعَ إلْحَاقُ هَذَا الْوَلَدِ بِالزَّانِي لَمْ يَبْقَ إلَّا أَنْ يُلْحَقَ بِصَاحِبِ الْفِرَاشِ إذْ قَدْ دَارَ الْأَمْرُ بَيْنَهُمَا ذَكَرَهُمَا أَبُو الْعَبَّاسِ ، وَقَالَ إنَّ الثَّانِيَ أَحْسَنُ الْوَجْهَيْنِ ( قُلْت ) هُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ فَإِنَّهَا لَا تَصِيرُ فِرَاشًا إلَّا بِالْوَطْءِ فَجَوَابُ الْمَالِكِيَّةِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ إلْحَاقَ هَذَا الْوَلَدِ بِزَمْعَةَ لِلْفِرَاشِ الَّذِي قَدْ عُلِمَ بِثُبُوتِ الْوَطْءِ لَا بِاسْتِلْحَاقِ الْأَخِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) فِيهِ أَنَّ الْأَمَةَ تَكُونُ فِرَاشًا ، وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهَا لَا تَكُونُ فِرَاشًا بِمُجَرَّدِ مِلْكِهَا فَقَالَ مَالِكٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَإِنَّمَا تَصِيرُ فِرَاشًا بِالْوَطْءِ فَإِذَا اعْتَرَفَ سَيِّدُهَا بِوَطْئِهَا أَوْ ثَبَتَ ذَلِكَ بِأَيِّ طَرِيقٍ كَأَنْ صَارَتْ فِرَاشًا لَهُ فَإِذَا أَتَتْ بَعْدَ الْوَطْءِ بِوَلَدٍ أَوْ أَوْلَادٍ لِمُدَّةِ الْإِمْكَانِ لَحِقُوهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِلْحَاقٍ كَالزَّوْجَةِ إلَّا أَنَّ تِلْكَ فِرَاشٌ بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ عَلَيْهَا ، وَالْأَمَةُ لَا تَصِيرُ فِرَاشًا إلَّا بِالْوَطْءِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الزَّوْجَةَ تُرَادُ لِلْوَطْءِ خَاصَّةً فَجُعِلَ الْعَقْدُ عَلَيْهَا كَالْوَطْءِ . وَأَمَّا الْأَمَةُ فَتُرَادُ لِمِلْكِ الرَّقَبَةِ ، وَأَنْوَاعٍ مِنْ الْمَنَافِعِ غَيْرَ الْوَطْءِ ، وَلِهَذَا يَجُوزُ أَنْ يَمْلِكَ أُخْتَيْنِ ، وَأُمًّا ، وَبِنْتَهَا ، وَلَا يَجُوزُ جَمْعُهُمَا بِعَقْدِ النِّكَاحِ فَلَمْ تَصِرْ بِنَفْسِ الْمِلْكِ فِرَاشًا حَتَّى يَطَأَهَا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا تَصِيرُ فِرَاشًا إلَّا إذَا وَلَدَتْ وَلَدًا ، وَاسْتَلْحَقَهُ فَمَا تَأَتَّى بِهِ بَعْدَ ذَلِكَ يَلْحَقُهُ إلَّا أَنْ يَنْفِيَهُ ، وَاعْتَبَرَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ اعْتِرَافَهُ بِوَطْئِهَا فِي كُلِّ وَلَدٍ تَأْتِي بِهِ لِأَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ الْحَمْلِ فَهَلْ يَلْحَقُهُ عَلَى وَجْهَيْنِ قَالَ : وَإِنْ وَلَدَتْ مِنْهُ أَوَّلًا فَاسْتَلْحَقَهُ لَمْ يَلْحَقْهُ مَا بَعْدَهُ إلَّا بِإِقْرَارٍ مُسْتَأْنَفٍ ، وَقِيلَ يَلْحَقُهُ ا هـ . وَهَذَا غَيْرُ الْمَذْهَبَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ فَإِنَّهُ اكْتَفَى بِالِاعْتِرَافِ بِالْوَطْءِ أَوَّلًا عَنْ الِاسْتِلْحَاقِ بَعْدَ الْوِلَادَةِ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَكْتَفِ بِاسْتِلْحَاقِ وَلَدٍ فِي لِحَاقِ مَا بَعْدَهُ إلَّا بِإِقْرَارٍ مُسْتَأْنَفٍ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ لِلْمَذْهَبِ الْأَوَّلِ عَلَى الثَّانِي فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ لِزَمْعَةَ وَلَدٌ آخَرُ مِنْ هَذِهِ الْأَمَةِ قَبْلَ هَذَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ بِشَرْطٍ فَإِنْ قِيلَ فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنَّ زَمْعَةَ كَانَ قَدْ وَطِئَهَا قُلْنَا لَا بُدَّ مِنْ ذَلِكَ لِلِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَصِيرُ فِرَاشًا إلَّا بِالْوَطْءِ قَالَ النَّوَوِيُّ : وَاعْلَمْ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ ثَبَتَ مَصِيرُ أَمَةِ أَبِيهِ فِرَاشًا لِزَمْعَةَ فَلِهَذَا أَلْحَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ انْتَهَى . وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ أَنَّ بَعْضَ الْمَشْرِقِيِّينَ خَالَفَهُ فِي ذَلِكَ ، وَاحْتَجَّ بِأَنَّ كُلًّا مِنْ عُمَرَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ انْتَفَى مِنْ وَلَدِ جَارِيَةٍ لَهُ ثُمَّ قَالَ أَمَّا عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ أَنْكَرَ حَمْلَ جَارِيَةٍ لَهُ أَقَرَّتْ بِالْمَكْرُوهِ . وَأَمَّا زَيْدٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ فَعَرَفَا أَنْ لَيْسَ مِنْهُمَا فَحَلَالٌ لَهُمَا ، وَكَذَلِكَ لِزَوْجِ الْحُرَّةِ إذَا عَلَّمَ أَنَّهَا حَبِلَتْ مِنْ زِنًا أَنْ يَدْفَعَ وَلَدَهَا ، وَلَا يُلْحِقُ بِنَسَبِهِ مَنْ لَيْسَ مِنْهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ بَعْدَ نَقْلِهِ قَوْلَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّ أَحَدَكُمْ لَا يُقِرُّ بِإِصَابَتِهِ جَارِيَتَهُ إلَّا أَلْحَقَتْ بِهِ الْوَلَدَ مَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا لِصَاحِبٍ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ زَيْدٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ ( قُلْت ) الِانْتِفَاءُ مِنْ الْوَلَدِ يَدُلُّ عَلَى لِحَاقِ نَسَبِهِ بِهِ ، وَإِلَّا لَمْ يَحْتَجْ إلَى النَّفْيِ فَفِعْلُ زَيْدٌ وَابْنِ عَبَّاسٍ مُوَافِقٌ لَنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَكَرَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ فِي مَنَاقِبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ مَنَعَ مِنْ صَيْرُورَةِ الْأَمَةِ فِرَاشًا بِالْوَطْءِ ، وَقَالَ لَا يَلْحَقُهُ إلَّا بِاعْتِرَافِهِ ، وَحَمَلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى الزَّوْجَةِ ، وَأَخْرَجَ الْأَمَةَ عَنْ عُمُومِهِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّ هَذَا وَرَدَ عَلَى سَبَبٍ خَاصٍّ ، وَهِيَ الْأَمَةُ الْمَوْطُوءَةُ . قَالَ الْإِمَامُ فَتَوَهَّمَ الْوَاقِفُ عَلَى هَذَا الْكَلَامِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ يَقُولُ إنَّ الْعِبْرَةَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ ، وَمُرَادُهُ أَنَّ خُصُوصَ السَّبَبِ لَا يَجُوزُ إخْرَاجُهُ عِنْدَ الْعُمُومِ قَطْعًا ، وَالْأَمَةُ هِيَ السَّبَبُ فِي وُرُودِ الْعُمُومِ فَلَا يَجُوزُ إخْرَاجُهَا ا هـ . وَمِمَّنْ تَوَهَّمَ ذَلِكَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ، وَالْغَزَالِيُّ ، وَالْآمِدِيُّ ، وَابْنُ الْحَاجِبِ فَنَقَلُوا عَنْ الشَّافِعِيِّ ( الْعِبْرَةَ بِخُصُوصِ السَّبَبِ ) وَأَنْكَرَهُ الْإِمَامُ ، وَقَالَ مَا تَقَدَّمَ . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ فِي الزَّوْجَةِ أَيْضًا أَخْذًا بِعُمُومِ اللَّفْظِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَكِنْ بِشَرْطِ الْإِمْكَانِ فَلَوْ نَكَحَ مَشْرِقِيٌّ مَغْرِبِيَّةً ، وَلَمْ يُفَارِقْ وَاحِدٌ مِنْهُمَا وَطَنَهُ ثُمَّ أَتَتْ بِوَلَدٍ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ أَوْ أَكْثَرَ لَمْ يَلْحَقْهُ لِعَدَمِ إمْكَانِ كَوْنِهِ مِنْهُ ، وَكَذَا لَوْ اجْتَمَعَا لَكِنْ أَتَتْ بِهِ لِأَقَلَّ مِنْ سِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ حِينِ إمْكَانِ اجْتِمَاعِهِمَا لَمْ يَلْحَقْهُ أَيْضًا . هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْعُلَمَاءِ كَافَّةً إلَّا أَبَا حَنِيفَةَ فَلَمْ يَشْتَرِطْ الْإِمْكَانَ بَلْ اكْتَفَى بِمُجَرَّدِ الْعَقْدِ حَتَّى لَوْ طَلَّقَ عَقِبَ الْعَقْدِ مِنْ غَيْرِ إمْكَانِ وَطْءٍ فَوَلَدَتْ لِسِتَّةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْعَقْدِ لَحِقَهُ الْوَلَدُ قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ظَاهِرُ الْفَسَادِ ، وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي إطْلَاقِ الْحَدِيثِ لِأَنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ ، وَهُوَ حُصُولُ الْإِمْكَانِ عِنْدَ الْعَقْدِ . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ الْفِرَاشُ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ الْمَوْطُوءَةِ لِأَنَّ الْوَاطِئَ يَسْتَفْرِشُهَا أَيْ يُصَيِّرُهَا كَالْفِرَاشِ ، وَيَعْنِي بِهِ أَنَّ الْوَلَدَ لَاحِقٌ بِالْوَاطِئِ قَالَ الْإِمَامُ ، وَأَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ يَحْمِلُونَهُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ صَاحِبُ الْفِرَاشِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يَشْتَرِطُوا إمْكَانَ الْوَطْءِ فِي الْحُرَّةِ ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ جَرِيرٍ بَاتَتْ تُعَانِقُهُ وَبَاتَ فِرَاشُهَا خَلِقَ الْعَبَاءَةِ فِي الدِّمَاءِ قَتِيلًا يَعْنِي زَوْجَهَا ، وَالْأَوَّلُ أَوْلَى لِمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الِاشْتِقَاقِ ، وَلِأَنَّ مَا قَدَّرَهُ مِنْ حَذْفِ الْمُضَافِ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ ، وَلَا مَا يُحْوِجُ إلَيْهِ ، انْتَهَى . وَفِيهِ تَنَاقُضٌ لِأَنَّهُ نَقَلَ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ التَّقْدِيرَ صَاحِبُ الْفِرَاشِ قَالَ ، وَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ ، وَنُقِلَ عَنْهُمْ الِاحْتِجَاجُ بِإِطْلَاقِ جَرِيرٍ الْفِرَاشَ عَلَى الزَّوْجِ وَرَدَّهُ لِمُخَالَفَتِهِ الِاشْتِقَاقَ ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّقْدِيرِ عِنْدَهُمْ لِأَنَّهُ مَعَ التَّقْدِيرِ لَا مُخَالَفَةَ فِي الِاشْتِقَاقِ ، وَالْحَقُّ مَا حُكِيَ عَنْهُمْ مِنْ تَقْدِيرِ صَاحِبِ الْفِرَاشِ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ بُرُوزُ هَذَا الْمُضَافِ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ فِي صَحِيحِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلَكِنْ لَا يَحْصُلُ بِذَلِكَ مَقْصُودُهُمْ مِنْ اللِّحَاقِ بِلَا إمْكَانٍ لِخُرُوجِهِ عَلَى الْغَالِبِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَلَوْلَا قِيَامُ الدَّلِيلِ عَلَى اعْتِبَارِ الْإِمْكَانِ لَحَصَلَ مَقْصُودُهُمْ ، وَإِنْ لَمْ يُقَدَّرْ الْمُضَافُ الْمَذْكُورُ فَفِي كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ نَظَرٌ مِنْ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) مَا ذَكَرْته مِنْ التَّنَاقُضِ . ( ثَانِيهَا ) كَوْنُهُ رُدَّ تَقْدِيرًا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ ، وَقَدْ قَدَّرَهُ كَذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ . ( ثَالِثُهَا ) مَا اقْتَضَاهُ كَلَامُهُ مِنْ حُصُولِ مَقْصُودِهِمْ مَعَ تَقْدِيرِ الْمُضَافِ لَا مَعَ تَقْدِيرِهِ . ( رَابِعُهَا ) كَيْفَ يَحْصُلُ مَقْصُودُ الْجُمْهُورِ بِمُجَرَّدِ كَوْنِ الْفِرَاشِ هُوَ الْمَوْطُوءُ لِأَنَّ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّ الْوَلَدَ لِلْمَوْطُوءَةِ ، وَلَيْسَ هَذَا الْمُرَادَ قَطْعًا فَعُلِمَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرٍ . ( خَامِسُهَا ) الْعَجَبُ أَنَّهُ قَالَ إنَّ الْفِرَاشَ هُوَ الْمَوْطُوءَةُ ثُمَّ قَالَ ، وَيَعْنِي أَنَّ الْوَلَدَ لَاحِقٌ بِالْوَاطِئِ فَكَيْفَ حُمِلَ لَفْظٌ لِلْفِرَاشِ عَلَى الْمَوْطُوءَةِ ثُمَّ جُعِلَ الْحُكْمُ اللِّحَاقَ بِالْوَاطِئِ ، وَهَلْ يَسْتَقِيمُ ذَلِكَ إلَّا مَعَ تَقْدِيرِ الْمُضَافِ الْمَذْكُورِ ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ قَوْلُهُ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ أَيْ تَابِعٌ لِلْفِرَاشِ أَوْ مَحْكُومٌ بِهِ لِلْفِرَاشِ أَوْ مَا يُقَارِبُ هَذَا . ( السَّابِعَةُ ) فِيهِ أَنَّ حُكْمَ الشُّبْهَةِ ، وَحُكْمَ الْقَافَةِ إنَّمَا يُعْتَمَدُ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ أَقْوَى مِنْهُ كَالْفِرَاشِ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَلْحَقَ بِالْفِرَاشِ مَعَ الشَّبَهِ الْبَيِّنِ بِغَيْرِهِ فَلَمْ يَلْتَفِتْ إلَى الشَّبَهِ مَعَ اعْتِمَادِهِ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ ، وَذَلِكَ لِمُعَارَضَةِ مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهُ ، وَهُوَ الْفِرَاشُ كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَحْكُمْ بِالشَّبَهِ فِي قِصَّةِ الْمُتَلَاعِنَيْنِ مَعَ أَنَّهُ جَاءَ عَلَى الشَّبَهِ الْمَكْرُوهِ . ( الثَّامِنَةُ ) حُكِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ تَمَسَّكَ بِعُمُومِ قَوْلِهِ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ لَا يَنْتَفِي عَمَّنْ لَهُ الْفِرَاشُ لَا بِلِعَانٍ ، وَلَا غَيْرِهِ ، وَهُوَ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ ، وَلِكَافَّةِ الْعُلَمَاءِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ الْعُمُومِ لِوَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ خَرَجَ عَلَى سَبَبِ وَلَدِ الْأَمَةِ فَيَقْتَصِرُ عَلَى سَبَبِهِ ( وَثَانِيهِمَا ) أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ قَعَّدَ قَاعِدَةَ اللِّعَانِ فِي حَقِّ الْأَزْوَاجِ ، وَأَنَّ الْوَلَدَ يَنْتَفِي بِالْتِعَانِهِمَا فَيَكُونُ ذَلِكَ الْعُمُومُ الْمَظْنُونُ مُخَصَّصًا بِهَذِهِ الْقَاعِدَةِ الْمَقْطُوعِ بِهَا ، وَلَا يَخْتَلِفُ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَصْلِ انْتَهَى . وَالْجَوَابُ الثَّانِي هُوَ الْمُعْتَمَدُ ، وَلَا يَتَوَقَّفُ انْتِفَاءُ الْوَلَدِ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ عَلَى الْتِعَانِهِمَا بَلْ يَحْصُلُ ذَلِكَ بِلِعَانِ الزَّوْجِ وَحْدَهُ ، وَإِنْ لَمْ تُلَاعِنْ هِيَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ . وَأَمَّا الْجَوَابُ الْأَوَّلُ فَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنَّ الصَّحِيحَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِعُمُومِ اللَّفْظِ لَا بِخُصُوصِ السَّبَبِ ثُمَّ إنَّ مُقْتَضَاهُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَأْتِي فِي الْأَمَةِ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الْأَمَةَ إذَا كَانَتْ فِرَاشًا فَأَتَتْ بِوَلَدٍ فَلَيْسَ لِلسَّيِّدِ نَفْيُهُ إذَا ادَّعَى الِاسْتِبْرَاءَ ، وَحَلَفَ عَلَيْهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ ، وَخَالَفَ فِيهِ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ ، وَقَالَ الشَّافِعِيُّ قَوْلُهُ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ لَهُ مَعْنَيَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) وَهُوَ أَعَمُّهُمَا ، وَأَوْلَاهُمَا أَنَّ الْوَلَدَ لِلْفِرَاشِ مَا لَمْ يَنْفِهِ رَبُّ الْفِرَاشِ بِاللِّعَانِ الَّذِي نَفَاهُ بِهِ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا نَفَاهُ بِاللِّعَانِ فَهُوَ مَنْفِيٌّ عَنْهُ وَغَيْرُ لَاحِقٍ بِمَنْ ادَّعَاهُ بِزِنًا ، وَإِنْ أَشْبَهَهُ ، وَالْمَعْنَى الثَّانِي إذَا تَنَازَعَ الْوَلَدَ رَبُّ الْفِرَاشِ ، وَالْعَاهِرُ فَالْوَلَدُ لِرَبِّ الْفِرَاشِ . ( التَّاسِعَةُ ) قَوْلُهُ ، وَاحْتَجِبِي مِنْهُ يَا سَوْدَةُ قَالَ الْفُقَهَاءُ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ ، وَالْمَالِكِيَّةِ ، وَالْحَنَابِلَةِ أَمَرَهَا بِذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ ، وَالتَّنَزُّهِ عَنْ الشُّبْهَةِ لِأَنَّهُ فِي ظَاهِرِ الشَّرْعِ أَخُوهَا لِأَنَّهُ أُلْحِقَ بِأَبِيهَا لَكِنْ لَمَّا رَأَى الشَّبَهَ الْبَيِّنَ بِعُتْبَةَ خَشِيَ أَنْ يَكُونَ مِنْ مَائِهِ فَيَكُونَ أَجْنَبِيًّا مِنْهَا فَأَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ احْتِيَاطًا قَالَ الْخَطَّابِيُّ . وَقَدْ كَانَ جَائِزًا أَلَّا يَرَاهَا لَوْ كَانَ أَخَاهَا ثَابِتَ النَّسَبِ ، وَلِأَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهِنَّ مِنْ النِّسَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأَحَدٍ مِنْ النِّسَاءِ } ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِالشَّبَهِ فِي بَعْضِ الصُّوَرِ لِنَوْعٍ مِنْ الِاعْتِبَارِ ثُمَّ لَا يُقْطَعُ الْحُكْمُ بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي قِصَّةِ الْمُلَاعَنَةِ إنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَمَا أَرَاهُ إلَّا كَذَبَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ جَاءَتْ بِهِ كَذَا وَكَذَا فَمَا أَرَاهُ إلَّا صَدَقَ عَلَيْهَا فَجَاءَتْ بِهِ عَلَى النَّعْتِ الْمَكْرُوهِ ثُمَّ لَمْ يَحْكُمْ بِهِ ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِالشَّبَهِ فِي مَوْضِعٍ لَمْ يُوجَدْ فِيهِ شَيْءٌ أَقْوَى مِنْهُ كَالْحُكْمِ بِالْقَافَةِ . وَهَذَا كَمَا يُحْكَمُ فِي الْحَادِثَةِ بِالْقِيَاسِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا نَصٌّ فَإِنْ وُجِدَ تُرِكَ لَهُ الْقِيَاسُ ، وَفِي قَوْلِهِ هُوَ أَخُوك يَا عَبْدُ بْنُ زَمْعَةَ مَا قَطَعَ الشَّبَهَ ، وَرَفَعَ الْإِشْكَالَ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ احْتَجِبِي مِنْهُ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَك بِأَخٍ ، وَلَيْسَ بِالثَّابِتِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَوْلُهُ ( لَيْسَ لَك بِأَخٍ ) لَا يُعْرَفُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَلْ هِيَ زِيَادَةٌ بَاطِلَةٌ مَرْدُودَةٌ انْتَهَى . وَقَوْلُهُ إنَّهُ لَا يُعْرَفُ مَرْدُودٌ فَقَدْ رَوَاهُ النَّسَائِيّ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ عَنْ يُوسُفَ بْنِ الزُّبَيْرِ مَوْلًى لَهُمْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ ، وَيُوسُفَ هَذَا ذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ إنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الِاحْتِيَاطِ ، وَتَوَقِّي الشُّبُهَاتِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِتَغْلِيظِ أَمْرِ الْحِجَابِ فِي حَقِّ سَوْدَةَ لِأَنَّهَا مِنْ زَوْجَاتِهِ ، وَقَدْ غَلَّظَ ذَلِكَ فِي حَقِّهِنَّ ، وَلِذَلِكَ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِحَفْصَةَ ، وَعَائِشَةَ فِي حَقِّ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ أَفَعَمْيَاوَانِ أَنْتُمَا أَلَسْتُمَا تُبْصِرَانِهِ } . { وَقَالَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ انْتَقِلِي إلَى بَيْتِ ابْنِ أُمِّ مَكْتُومٍ تَضَعِينَ ثِيَابَك عِنْدَهُ } فَأَبَاحَ لَهَا مَا مَنَعَهُ لِأَزْوَاجِهِ ( قُلْت ) ، وَلِآحَادِ النَّاسِ مَنْعُ زَوْجَتِهِ [ عَنْ ] مَحَارِمِهَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ لَيْسَ فَرْضًا عَلَى الْمَرْأَةِ رُؤْيَةُ أَخِيهَا لَهَا إنَّمَا الْفَرْضُ عَلَيْهَا صِلَةُ رَحِمِهِ فَقَطْ ، وَلَمْ يَأْمُرْهَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنْ لَا تَصِلَهُ ثُمَّ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ " هُوَ لَك أَيْ هُوَ عَبْدُك " ثُمَّ قَالَ الثَّابِتُ أَنَّهُ قَالَ هُوَ أَخُوك ، وَلَوْ قَضَى بِهِ عَبْدًا لَمْ يَلْزَمْهَا أَنْ تَحْتَجِبَ عَنْهُ بِنَصِّ الْقُرْآنِ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ اسْتَدَلَّ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى قَاعِدَةٍ مِنْ قَوَاعِدِهِمْ ، وَهُوَ الْحُكْمُ بَيْنَ حُكْمَيْنِ ، وَذَلِكَ أَنْ يَأْخُذَ الْفَرْعُ شَبَهًا مِنْ أُصُولٍ مُتَعَدِّدَةٍ فَيُعْطِيَ أَحْكَامًا مُتَعَدِّدَةً ، وَلَا تُمْحَضُ لِأَحَدِ الْأُصُولِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْفِرَاشَ مُقْتَضٍ لِإِلْحَاقِهِ بِزَمْعَةَ ، وَالشَّبَهُ الْبَيِّنُ مُقْتَضٍ لِإِلْحَاقِهِ بِعُتْبَةَ فَرُوعِيَ الْفِرَاشُ فِي النَّسَبِ ، وَأُلْحِقَ بِزَمْعَةَ ، وَرُوعِيَ الشَّبَهُ بِأَمْرِ سَوْدَةَ بِالِاحْتِجَابِ مِنْهُ فَأُعْطِيَ الْفَرْعُ حُكْمًا بَيْنَ حُكْمَيْنِ ، وَلَمْ يُمْحَضْ أَمْرُ الْفِرَاشِ فَتَثْبُتْ الْمَحْرَمِيَّةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَوْدَةَ ، وَلَا [ رُوعِيَ ] الشَّبَهُ مُطْلَقًا فَيُلْحَقُ بِعُتْبَةَ ، وَإِلْحَاقُهُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ وَجْهٍ أَوْلَى مِنْ إلْغَاءِ أَحَدِهِمَا مِنْ كُلِّ وَجْهٍ قَالَ ، وَيُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا بِأَنَّ صُورَةَ النِّزَاعِ مَا إذَا دَار الْفَرْعُ بَيْنَ أَصْلَيْنِ شَرْعِيَّيْنِ يَقْتَضِي الشَّرْعُ إلْحَاقَهُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا مِنْ حَيْثُ النَّظَرُ إلَيْهِ ، وَهُنَا لَا يَقْتَضِي الشَّرْعُ إلَّا الْإِلْحَاقَ بِالْفِرَاشِ ، وَالشَّبَهُ هُنَا غَيْرُ مُقْتَضٍ لِلْإِلْحَاقِ شَرْعًا فَيُحْمَلُ الْأَمْرُ بِالِاحْتِجَابِ عَلَى الِاحْتِيَاطِ لَا عَلَى بَيَانِ وُجُوبِ حُكْمٍ شَرْعِيٍّ ، وَلَيْسَ فِيهِ إلَّا تَرْكُ مُبَاحٍ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ الْمَحْرَمِيَّةِ انْتَهَى بِاخْتِصَارٍ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) اُحْتُجَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْوَطْءَ بِالزِّنَا لَهُ حُكْمُ الْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ فِي حُرْمَةِ الْمُصَاهَرَةِ لِأَنَّ سَوْدَةَ أُمِرَتْ بِالِاحْتِجَابِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ وَطْءَ عُتْبَةَ بِالزِّنَا لَهُ حُكْمُ الْوَطْءِ بِالنِّكَاحِ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ ، وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَغَيْرُهُمْ لَا أَثَرَ لِوَطْءِ الزِّنَا لِعَدَمِ احْتِرَامِهِ بَلْ لِلزَّانِي أَنْ يَتَزَوَّجَ أُمَّ الْمَزْنِيِّ بِهَا وَبِنْتَهَا بَلْ زَادَ الشَّافِعِيُّ فَجَوَّزَ الْبِنْتَ الْمُتَوَلِّدَةَ مِنْ مَائِهِ بِالزِّنَا قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَهَذَا احْتِجَاجٌ بَاطِلٌ ، وَعَجِيبٌ مِمَّنْ ذَكَرَهُ لِأَنَّ هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ مِنْ الزِّنَا فَهُوَ أَجْنَبِيٌّ مِنْ سَوْدَةَ لَا يَحِلُّ الظُّهُورُ لَهُ سَوَاءٌ أُلْحِقَ بِالزَّانِي أَمْ لَا فَلَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالْمَسْأَلَةِ الْمَذْكُورَةِ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : وَفِيهِ أَنَّ حُكْمَ الْحَاكِمِ لَا يُحِيلُ الْأَمْرَ فِي الْبَاطِنِ فَإِذَا حَكَمَ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْ زُورٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ لَمْ يُحِلْ الْمَحْكُومَ بِهِ لِلْمَحْكُومِ لَهُ قَالَ وَمَوْضِعُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَمَ بِهِ لِعَبْدِ بْنِ زَمْعَةَ ، وَأَنَّهُ أَخٌ لَهُ ، وَلِسَوْدَةِ ، وَاحْتُمِلَ بِسَبَبِ الشَّبَهِ أَنْ يَكُونَ مِنْ عُتْبَةَ فَلَوْ كَانَ الْحُكْمُ يُحِيلُ الْبَاطِنَ لَمَا أَمَرَهَا بِالِاحْتِجَابِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ ( وَلِلْعَاهِرِ الْحَجَرُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْعَاهِرُ الزَّانِي ، وَعَهَرَ زَنَى ، وَعَهَرَتْ زَنَتْ ، وَالْعَهْرُ الزِّنَا ، وَمَعْنَى لَهُ الْحَجَرُ أَيْ لَهُ الْخَيْبَةُ ، وَلَا حَقَّ لَهُ فِي الْوَلَدِ ، وَعَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ تَقُولَ لَهُ الْحَجَرُ ، وَبِفِيهِ الْأَثْلَبُ أَيْ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَكَسْرِهَا ، وَإِسْكَانِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَفَتْحِ اللَّامِ بَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ ، وَهُوَ التُّرَابُ وَنَحْوُ ذَلِكَ ، وَيُرِيدُونَ لَيْسَ لَهُ إلَّا الْخَيْبَةُ ، وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْحَجَرِ هُنَا أَنَّهُ يُرْجَمُ بِالْحِجَارَةِ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ كُلُّ زَانٍ يُرْجَمُ ، وَإِنَّمَا يُرْجَمُ الْمُحْصَنُ خَاصَّةً ، وَلِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ رَجْمِهِ نَفْيُ الْوَلَدِ عَنْهُ ، وَالْحَدِيثُ إنَّمَا وَرَدَ فِي نَفْيِ الْوَلَدِ عَنْهُ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ ( عَنْ أَحَدِهِمَا أَوْ كِلَاهُمَا ) كَذَا فِي أَصْلِنَا بِالْأَلِفِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى لُغَةِ مَنْ يَجْعَلُ الْمُثَنَّى بِالْأَلِفِ فِي حَالٍ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ لَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ أَحَدُهُمَا بَلْ هُوَ مُسْتَأْنَفٌ أَيْ كِلَاهُمَا يَرْوِيهِ فَحُذِفَ الْخَبَرُ لِلْعِلْمِ بِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . بَابُ الرَّضَاعِ . عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ إنَّ سَالِمًا كَانَ يُدْعَى لِأَبِي حُذَيْفَةَ ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ { اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ } ، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ ، وَأَنَا فُضُلٌ ، وَنَحْنُ فِي مَنْزِلٍ ضَيِّقٍ فَقَالَ : أَرْضِعِي سَالِمًا تَحْرُمِي عَلَيْهِ } ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { قَالَتْ وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ ، وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا } ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { فَقَالَتْ إنَّهُ ذُو لِحَيَّةٍ فَقَالَ أَرْضِعِيهِ يَذْهَبْ مَا فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ } ، وَلَهُ ( أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَقُولُ أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ أَحَدًا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ ، وَاَللَّهِ مَا نَرَى هَذِهِ إلَّا رُخْصَةً أَرْخَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَالِمٍ خَاصَّةً ) ، وَلِلتِّرْمِذِيِّ ، وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ { لَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ مِنْ الثُّدِيِّ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ } ، وَلِلدَّارَقُطْنِيِّ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { لَا رَضَاعَ إلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ } . بَابُ الرَّضَاعِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْت سُهَيْلٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ إنَّ سَالِمًا كَانَ يُدْعَى لِأَبِي حُذَيْفَةَ ، وَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ أَنْزَلَ فِي كِتَابِهِ أَدُعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ ، وَكَانَ يَدْخُلُ عَلَيَّ ، وَأَنَا فُضُلٌ ، وَنَحْنُ فِي مَنْزِلٍ ضَيِّقٍ فَقَالَ أَرْضِعِي سَالِمًا تَحْرُمِي عَلَيْهِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَأُمِّ سَلَمَةَ { أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ بْنَ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسٍ كَانَ تَبَنَّى سَالِمًا ، وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ هِنْدَ بِنْتَ الْوَلِيدِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَهُوَ مَوْلًى لِامْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ } . كَمَا { تَبَنَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَيْدًا } ، وَكَانَ مَنْ تَبَنَّى رَجُلًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ دَعَاهُ النَّاسُ إلَيْهِ ، وَوَرِثَ مِيرَاثَهُ حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي ذَلِكَ { اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ } إلَى قَوْلِهِ { فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ وَمَوَالِيكُمْ } فَرُدُّوا إلَى آبَائِهِمْ فَمَنْ لَمْ يُعْلَمْ لَهُ أَبٌ كَانَ مَوْلًى وَأَخَا فِي الدِّينِ فَجَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الْقُرَشِيُّ ثُمَّ الْعَامِرِيِّ ، وَهِيَ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا كُنَّا نَرَى سَالِمًا وَلَدًا فَكَانَ يَأْوِي مَعِي ، وَمَعَ أَبِي حُذَيْفَةَ فِي بَيْتٍ وَاحِدٍ ، وَيَرَانِي فُضُلًا . وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِمْ مَا قَدْ عَلِمْت فَكَيْفَ تَرَى فِيهِ فَقَالَ لَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْضِعِيهِ فَأَرْضَعَتْهُ خَمْسَ رَضَعَاتٍ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ وَلَدِهَا مِنْ الرَّضَاعَةِ فَبِذَلِكَ كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْمُرُ بَنَاتِ أَخَوَاتِهَا ، وَبَنَاتِ إخْوَتِهَا أَنْ يُرْضِعْنَ مَنْ أَحَبَّتْ عَائِشَةُ أَنْ يَرَاهَا ، وَيَدْخُلَ عَلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا خَمْسَ رَضَعَاتٍ ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَيْهَا ، وَأَبَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ، وَسَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ حَتَّى يَرْضِعَ فِي الْمَهْدِ ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ ، وَاَللَّهِ مَا نَدْرِي لَعَلَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَالِمٍ دُونَ النَّاسِ ، وَقَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَأَنْكَحَهُ ابْنَةَ أَخِيهِ هِنْدَ جَاءَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّهَا فَاطِمَةُ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّهُ الصَّوَابُ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَغَازِي مِنْ صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ أَبَا حُذَيْفَةَ ، وَكَانَ مِمَّنْ شَهِدَ بَدْرًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبَنَّى سَالِمًا فَذَكَرَهُ بِمَعْنَاهُ إلَى قَوْلِهِ فَجَاءَتْ سَهْلَةُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فَذَكَرَ } الْحَدِيثَ : وَلَمْ يَسُقْ الْبُخَارِيُّ بَقِيَّتَهُ ، وَسَاقَهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَرِوَايَةِ أَبِي دَاوُدَ ، وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَسَاقَ مِنْهُ إلَى قَوْلِهِ ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ مَا قَدْ عَلِمْت ، وَقَالَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، وَعَزْوُ الْبَيْهَقِيّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَاَلَّتِي قَبْلَهَا لِلْبُخَارِيِّ يُوهِمُ أَنَّهُ أَخْرَجَ مِنْهُ رَضَاعَ الْكَبِيرِ الَّذِي بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ وَلَيْسَ كَذَلِكَ . وَلِهَذَا اقْتَصَرَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى مِنْ الْأَحْكَام عَلَى عَزْوِ الْحَدِيثِ لِمُسْلِمٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهُ لَمْ يُخْرِجْهُ الْبُخَارِيُّ لَكِنَّهُ سَكَتَ عَلَيْهِ فِي الصُّغْرَى ، وَمُقْتَضَاهُ اتِّفَاقُ الشَّيْخَيْنِ عَلَيْهِ ، وَالْمُرَادُ حِينَئِذٍ أَصْلُ الْحَدِيثِ ، وَأَخْرَجَ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ هَذِهِ إلَى قَوْلِهِ ، وَأَخًا فِي الدِّينِ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ كِتَابَةً عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَفِيهِ فَأَرْضَعْته خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ مُرْسَلًا ، وَفِيهِ ، وَقُلْنَ مَا نَرَى الَّذِي أَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَهْلَةَ بِنْتَ سُهَيْلٍ إلَّا رُخْصَةً فِي سَالِمٍ وَحْدَهُ ، وَكَذَا هُوَ فِي الْمُوَطَّإِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا يَدْخُلُ فِي الْمُسْنَدِ لِلِقَاءِ عُرْوَةَ عَائِشَةَ ، وَسَائِرِ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِلِقَاءِ سَهْلَةَ بِنْتِ سُهَيْلٍ وَقَدْ رَوَاهُ عُثْمَانُ بْنُ عُمَرَ عَنْ مَالِكٍ مُتَّصِلَ الْإِسْنَادِ بِذِكْرِ عَائِشَةَ ثُمَّ رَوَاهُ كَذَلِكَ ثُمَّ حُكِيَ عَنْ الدَّارَقُطْنِيِّ أَنَّهُ قَالَ وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، وَعَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ رَوْحٍ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ عِيسَى ، وَقِيلَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَذَكَرُوا فِي إسْنَادِهِ عَائِشَةَ أَيْضًا . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي أَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ ، وَهُوَ حَلِيفُهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْضِعِيهِ قَالَتْ وَكَيْفَ أُرْضِعُهُ ، وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ فَتَبَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَالَ قَدْ عَلِمْت أَنَّهُ رَجُلٌ كَبِيرٌ } . وَفِي رِوَايَةٍ { ، وَكَانَ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا } لَفْظُ مُسْلِمٍ ، وَزَادَ النَّسَائِيُّ ، وَاللَّفْظُ لَهُ ، وَابْنُ مَاجَهْ { ثُمَّ جَاءَتْ بَعْدُ فَقَالَتْ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ مَا رَأَيْت فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ بَعْدَ شَيْئًا أَكْرَهُهُ } ثُمَّ قَالَ النَّسَائِيُّ خَالَفَهُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ فَأَرْسَلَ الْحَدِيثَ ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ مُرْسَلًا ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ حَرْبٍ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ ، وَفِيهِ قَالَتْ ، وَهُوَ شَيْخٌ كَبِيرٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَ لَسْت أَعْلَمُ أَنَّهُ شَيْخٌ كَبِيرٌ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَفِيهِ أَرْضِعِيهِ تَحْرُمِي عَلَيْهِ ، وَيَذْهَبُ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ فَرَجَعَتْ إلَيْهِ فَقَالَتْ إنِّي قَدْ أَرْضَعْتُهُ فَذَهَبَ الَّذِي فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، وَرَبِيعَةَ الرَّأْيِ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ امْرَأَةَ أَبِي حُذَيْفَةَ أَنْ تُرْضِعَ سَالِمًا مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ حَتَّى تَذْهَبَ غِيرَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ فَأَرْضَعَتْهُ ، وَهُوَ رَجُلٌ } . قَالَ رَبِيعَةُ ، وَكَانَتْ رُخْصَةَ سَالِمٍ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ زَيْنَبَ بِنْتِ أَبِي سَلَمَةَ قَالَتْ { سَمِعْت أُمَّ سَلَمَةَ تَقُولُ لِعَائِشَةَ ، وَاَللَّهِ مَا تَطِيبُ نَفْسِي أَنْ يَرَانِي الْغُلَامُ قَدْ اسْتَغْنَى عَنْ الرَّضَاعَةِ فَقَالَتْ لِمَ ، قَدْ جَاءَتْ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي لَأَرَى فِي وَجْهِ أَبِي حُذَيْفَةَ مِنْ دُخُولِ سَالِمٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْضِعِيهِ فَقَالَتْ إنَّهُ ذُو لِحْيَةٍ فَقَالَ أَرْضِعِيهِ يَذْهَبْ مَا فِي نَفْسِ أَبِي حُذَيْفَةَ فَقَالَتْ ، وَاَللَّهِ مَا عَرَفْته فِي وَجْه أَبِي حُذَيْفَةَ } . وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيق ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { لَقَدْ نَزَلَتْ آيَةُ الرَّجْمِ ، وَرَضَاعَةِ الْكَبِيرِ عَشْرًا ، وَلَقَدْ كَانَتْ فِي صَحِيفَةٍ تَحْتَ سَرِيرِي فَلَمَّا مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَشَاغَلْنَا بِمَوْتِهِ دَخَلَ دَاجِنٌ فَأَكَلَهَا } . ( الثَّانِيَةُ ) سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو الْقُرَشِيَّةُ الْعَامِرِيَّةُ تَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ بَعْدَ اسْتِشْهَادِ زَوْجِهَا بِالْيَمَامَةِ ، وَسَالِمٌ هُوَ ابْنُ مَعْقِلٍ بِفَتْحِ الْمِيمِ ، وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَكَسْرِ الْقَافِ يُكَنَّى أَبَا عَبْدِ اللَّهِ كَانَ مِنْ الْفُرْسِ يُكَنَّى عَبْدًا لِثُبَيْتَةَ بِضَمِّ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَبِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَإِسْكَانِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتِ بَعْدَهَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقُ . وَقِيلَ : بُثَيْنَةُ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَإِسْكَانِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ بَعْدَهَا نُونٌ ، وَقِيلَ عَمْرَةُ ، وَقِيلَ سَلْمَى بِنْتُ يَعَارٍ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ ، وَقِيلَ الْمُثَنَّاةُ مِنْ فَوْقُ الْأَنْصَارِيَّةُ فَأَعْتَقَتْ سَائِبَةً فَانْقَطَعَ إلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ، وَهُوَ ابْنُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ بْنِ عَبْدِ شَمْسِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَاسْمُهُ قَيْسٌ كَمَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ ، وَحَكَاهُ عَنْ ابْنِ الْيَرَقِيِّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ ذَلِكَ فِي الِاسْتِيعَابِ بَلْ قَالَ يُقَالُ اسْمُهُ مِهْشَمٌ ، وَيُقَالُ هُشَيْمِ وَقِيلَ هَاشِمٌ فَتَبَنَّاهُ حَتَّى جَاءَ الشَّرْعُ بِإِبْطَالِ ذَلِكَ ، وَكَانَا مِنْ أَفَاضِلِ الصَّحَابَةِ ، وَاسْتُشْهِدَا بِالْيَمَامَةِ سَنَةَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ فَوُجِدَ رَأْسُ أَحَدِهِمَا عِنْدَ رِجْلَيْ الْآخَرِ ، وَقَوْلُهَا كَانَ يُدْعَى لِأَبِي حُذَيْفَةَ أَيْ يُنْسَبَ إلَيْهِ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهَا ( وَأَنَا فُضُلٌ ) بِضَمِّ الْفَاءِ ، وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْ ، وَأَنَا مُتَبَذِّلَةٌ فِي ثِيَابِ مَهْنَتِي يُقَالُ تَفَضَّلَتْ الْمَرْأَةُ إذَا تَبَدَّلَتْ فِي ثِيَابِ مَهْنَتِهَا ، وَذَكَرَ مِثْلَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ ، وَزَادَ أَوْ كَانَتْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ الْخَلِيلُ : رَجُلٌ مُتَفَضِّلٌ ، وَفُضُلٌ إذَا تَوَشَّحَ بِثَوْبٍ فَخَالَفَ بَيْنَ طَرَفَيْهِ عَلَى عَاتِقِهِ قَالَ ، وَيُقَالُ امْرَأَةٌ فُضُلٌ ، وَثَوْبٌ فُضُلٌ فَمَعْنَى الْحَدِيثِ عِنْدِي أَنَّهُ كَانَ يَدْخُلُ عَلَيْهَا ، وَهِيَ مُنْكَشِفٌ بَعْضُهَا مِثْلَ الشَّعْرِ ، وَالْيَدِ ، وَالْوَجْهِ يَدْخُلُ عَلَيْهَا ، وَهِيَ كَيْفَ أَمْكَنَهَا . وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ فُضُلٌ مَكْشُوفَةُ الرَّأْسِ ، وَالصَّدْرِ ، وَقِيلَ الْفُضُلُ الَّذِي عَلَيْهِ ثَوْبٌ وَاحِدٌ ، وَلَا إزَارَ تَحْتَهُ ، وَهَذَا أَصَحُّ لِأَنَّ انْكِشَافَ الصَّدْرِ مِنْ الْحُرَّةِ لَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَى أَهْلِ الدِّينِ عِنْدَ ذِي مَحْرَمٍ فَضْلًا عَنْ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ لِأَنَّ الْحُرَّةَ عَوْرَةٌ مُجْتَمَعٌ عَلَى ذَلِكَ مِنْهَا إلَّا وَجْهَهَا ، وَكَفَّيْهَا انْتَهَى . وَيُوَافِقُ مَا صَحَّحَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلُ الصَّحَاحِ تَفَضَّلَتْ الْمَرْأَةُ فِي بَيْتِهَا إذَا كَانَتْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ كَالْخَيْعَلِ ، وَنَحْوِهِ أَيْ ، وَهُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ قَمِيصٌ لَيْسَ لَهُ كُمَّانِ ، وَذَلِكَ الثَّوْبُ مِفْضَلٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَالْمَرْأَةُ فُضُلٌ بِالضَّمِّ مِثَالَ جُنُبٍ ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ ، وَإِنَّهُ لَحَسَنُ الْفَضْلَةِ عَنْ أَبِي زَيْدٍ مِثَالَ الْجِلْسَةِ وَالرِّكْبَةِ ، وَيُوَافِقُ الْمَحْكِيَّ عَنْ الْخَلِيلِ كَلَامُ صَاحِبِ الْمُحْكَمِ فَقَالَ التَّفَضُّلُ التَّوَشُّحُ ، وَأَنْ يُخَالِفَ اللَّابِسَ بَيْنَ أَطْرَافِ ثَوْبِهِ عَلَى عَاتِقِهِ يُقَالُ ثَوْبٌ فُضُلٌ ، وَرَجُلٌ مُتَفَضِّلٌ ، وَفُضُلٌ ، وَكَذَلِكَ الْأُنْثَى ، وَالْمُفْضَلُ ، وَالْمُفْضَلَةُ الثَّوْبُ الَّذِي تَتَفَضَّلُ فِيهِ الْمَرْأَةُ انْتَهَى . ( الرَّابِعَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى ثُبُوتِ حُكْمِ الرَّضَاعِ بِإِرْضَاعِ الْبَالِغِ كَمَا يَثْبُتُ بِإِرْضَاعِ الطِّفْلِ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَتْ عَائِشَةُ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ دَاوُد الظَّاهِرِيِّ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ، وَحَكَاهُ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ إنِّي أَرَدْت أَنْ أَتَزَوَّجَ امْرَأَةً قَدْ سَقَتْنِي مِنْ لَبَنِهَا ، وَأَنَا كَبِيرٌ تَدَاوَيْت بِهِ فَقَالَ عَلِيٌّ لَا تَنْكِحْهَا ، وَنَهَاهُ عَنْهَا ، وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ مِثْلُهُ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ فَقُلْت لَهُ ، وَذَلِكَ رَأْيُك قَالَ نَعَمْ كَانَتْ عَائِشَةُ تَأْمُرُ بِذَلِكَ بَنَاتَ أَخِيهَا قَالَ ، وَهُوَ قَوْلُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُ ، وَعَنْ ابْنِ عُلَيَّةَ قَالَ ، وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ ، وَلَا يَصِحُّ عَنْهُ ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يَثْبُتُ حُكْمُ الرَّضَاعِ إلَّا بِالْإِرْضَاعِ فِي الصِّغَرِ ، وَتَقَدَّمَ مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُد { وَأَبَتْ أُمُّ سَلَمَةَ ، وَسَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُدْخِلْنَ عَلَيْهِنَّ بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ أَحَدًا مِنْ النَّاسِ حَتَّى يَرْضِعَ فِي الْمَهْدِ ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ ، وَاَللَّهِ مَا نَدْرِي لَعَلَّهَا كَانَتْ رُخْصَةً مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَالِمٍ دُونَ النَّاسِ } ، وَرَوَى مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ { أَبَى سَائِرُ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُدَخِّلْنَ عَلَيْهِنَّ أَحَدًا بِتِلْكَ الرَّضَاعَةِ ، وَقُلْنَ لِعَائِشَةَ ، وَاَللَّهِ مَا نَدْرِي ، هَذِهِ رُخْصَةٌ أَرْخَصَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِسَالِمٍ خَاصَّةً فَمَا هُوَ بِدَاخِلٍ عَلَيْنَا أَحَدٌ بِهَذِهِ الرَّضَاعَةِ ، وَلَا رَائِينَا } ، وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيَّ قَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى خِلَافِ التَّحْرِيمِ بِرَضَاعَةِ الْكَبِيرِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ لِأَنَّ الْخِلَافَ إنَّمَا كَانَ أَوَّلًا ثُمَّ انْقَطَعَ انْتَهَى . ثُمَّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي السِّنِّ الَّذِي يَخْتَصُّ التَّحْرِيمُ بِالْإِرْضَاعِ فِيهِ عَلَى أَقْوَالٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ حَوْلَانِ عَلَى طَرِيقِ التَّحْدِيدِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ فَمَتَى وَقَعَ الرَّضَاعُ بَعْدَهُمَا ، وَلَوْ بِلَحْظَةٍ لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ حُكْمٌ ، وَهَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَأَبِي عُبَيْدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ ، وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ ابْنِ شُبْرُمَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَدَاوُد ، وَأَصْحَابِهِمْ ، وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ دَاوُد أَيْضًا ، وَهَذَا يُخَالِفُ نَقْلَ النَّوَوِيُّ عَنْ دَاوُد قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ ثُمَّ رَجَعَ عَنْهُ ، قَالَ أَصْحَابُنَا ، وَيُعْتَبَرُ الْحَوْلَانِ بِالْأَهِلَّةِ فَإِنْ انْكَسَرَ الشَّهْرُ الْأَوَّلُ اُعْتُبِرَ ثَلَاثَةٌ وَعِشْرُونَ شَهْرًا بَعْدَهُ بِالْأَهِلَّةِ ، وَيَكْمُلُ الْمُنْكَسِرُ ثَلَاثِينَ مِنْ الشَّهْرِ الْخَامِسِ وَالْعِشْرِينَ قَالَ ، وَيُحْسَبُ ابْتِدَاؤُهُمَا مِنْ وَقْتِ انْفِصَالِ الْوَلَدِ بِتَمَامِهِ ، وَقَالَ الرُّويَانِيُّ لَوْ خَرَجَ نِصْفُ الْوَلَدِ ثُمَّ بَعْدَ مُدَّةٍ خَرَجَ بَاقِيه فَابْتِدَاءُ الْحَوْلَيْنِ فِي الرَّضَاعِ عِنْدَ ابْتِدَاءِ خُرُوجِهِ ، وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ فِيهِ وَجْهَيْنِ ، وَحَكَى وَجْهَيْنِ أَيْضًا فِيمَا لَوْ ارْتَضَعَ قَبْلَ انْفِصَالِ جَمِيعِهِ هَلْ يَتَعَلَّقُ بِهِ تَحْرِيمٌ ، وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلِينَ لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } ، وَبِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّمَا الرَّضَاعَةُ مِنْ الْمَجَاعَةِ } ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَهُوَ خِلَافُ رِوَايَةِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَلَكِنَّ الْعَمَلَ بِالْأَمْصَارِ عَلَى هَذَا انْتَهَى . وَمَعْنَاهُ أَنَّ الرَّضَاعَةَ الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْحُرْمَةُ مَا كَانَ فِي الصِّغَرِ وَالرَّضِيعُ طِفْلٌ يَقُوتُهُ اللَّبَنُ ، وَيَسُدُّ جُوعَهُ بِخِلَافِ مَا بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْحَالِ الَّتِي لَا يُشْبِعُهُ فِيهَا إلَّا الْخُبْزُ وَاللَّحْمُ ، وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَيْضًا مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَحْرُمُ مِنْ الرَّضَاعِ إلَّا مَا فَتَقَ الْأَمْعَاءَ مِنْ الثُّدِيِّ وَكَانَ قَبْلَ الْفِطَامِ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَقَوْلُهُ فَتَقَ الْأَمْعَاءَ بِالْفَاءِ وَالتَّاءِ أَيْ وَسِعَهَا لِاغْتِذَاءِ الصَّبِيِّ بِهِ وَقْتَ احْتِيَاجِهِ إلَيْهِ ، وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْهَيْثَمِ بْنِ جَمِيلٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا رَضَاعَ إلَّا مَا كَانَ فِي الْحَوْلَيْنِ } قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَمْ يُسْنِدْهُ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ غَيْرُ الْهَيْثَمِ بْنِ جَمِيلٍ ، وَهُوَ ثِقَةٌ حَافِظٌ انْتَهَى ، وَهَذَا الْحَدِيثُ نَصَّ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ . ( الْقَوْلُ الثَّانِي ) أَنَّهُ يُعْتَبَرُ حُكْمُهُ ، وَلَوْ كَانَ بَعْدَ الْحَوْلَيْنِ بِمُدَّةٍ قَرِيبَةٍ ، وَهُوَ مُسْتَمِرُّ الرَّضَاعِ أَوْ بَعْدَ يَوْمَيْنِ مِنْ فِصَالِهِ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ، وَفِي الْقَرِيبَةِ عِنْدَهُمْ أَقْوَالٌ قَبْلَ أَيَّامٍ يَسِيرَةٍ ، وَقِيلَ شَهْرٌ ، وَقِيلَ شَهْرَانِ ، وَقِيلَ ثَلَاثَةٌ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ، وَكَأَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ يُشِيرُ إلَى أَنَّهُ لَا يُفْطَمُ الصَّبِيُّ دَفْعَةً وَاحِدَةً فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ بَلْ فِي أَيَّامٍ ، وَعَلَى تَدْرِيجٍ فَتِلْكَ الْأَيَّامُ الَّتِي يُحَاوَلُ فِيهَا فِطَامُهُ حُكْمُهَا حُكْمُ الْحَوْلَيْنِ لِقَضَاءِ الْعَادَةِ بِمُعَاوَدَتِهِ الرَّضَاعَ فِيهَا . ( الْقَوْلُ الثَّالِثُ ) تَقْدِيرُ ذَلِكَ بِسَنَتَيْنِ وَنِصْفٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَجَعَلَ قَوْله تَعَالَى { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا } دَالًّا عَلَى تَقْدِيرِ كُلٍّ مِنْ الْحَمْلِ ، وَالْفِصَالِ بِذَلِكَ كَالْأَجَلِ الْمَضْرُوبِ لِلْمَدِينَيْنِ ، وَقَالَ صَاحِبُهُ وَالشَّافِعِيُّ هَذِهِ الْمُدَّةُ لِلْمَجْمُوعَةِ ، وَقَدْ دَلَّ قَوْله تَعَالَى { يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } عَلَى حِصَّةِ الْفِصَالِ مِنْ ذَلِكَ فَصَارَتْ بَقِيَّةُ الْمُدَّةِ ، وَهِيَ سِتَّةُ أَشْهُرٍ لِلْحَمْلِ ، وَهِيَ أَقَلُّهُ مَعَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يَقُولُ أَكْثَرُ الْحَمْلِ سَنَتَانِ وَنِصْفٌ ، وَإِنَّمَا يَقُولُ إنَّهُ سَنَتَانِ . ( الْقَوْلُ الرَّابِعِ ) تَقْدِيرُهُ بِثَلَاثِ سِنِينَ ، وَهَذَا قَوْلُ زُفَرَ كَذَا أَطْلَقَ النَّقْلَ عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْهُمْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ ، وَقَيَّدَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْهُ بِأَنْ يَجْتَزِئَ بِاللَّبَنِ ، وَلَا يُطْعَمُ . ( الْقَوْلُ الْخَامِسُ ) أَنَّهُ إنْ فُطِمَ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ فَمَا رَضَعَ بَعْدَهُ لَا يَكُونُ رَضَاعًا ، وَلَوْ أُرْضِعَ ثَلَاثَ سِنِينَ لَمْ يُفْطَمْ كَانَ رَضَاعًا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ، وَحَكَى أَيْضًا عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ لَوْ فَطَمَتْهُ أُمُّهُ قَبْلَ الْحَوْلَيْنِ ، وَاسْتَغْنَى عَنْ الرَّضَاعِ فَأَرْضَعَتْهُ أَجْنَبِيَّةٌ قَبْلَ تَمَامِ الْحَوْلَيْنِ لِمَنْ لَمْ يُعَدْ رَضَاعًا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْحُجَّةُ لَهُ قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْحَوْلَيْنِ { لِمَنْ أَرَادَ أَنْ يُتِمَّ الرَّضَاعَةَ } مَعَ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا رَضَاعَ بَعْدَ فِطَامٍ } ( قُلْت ) رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيٍّ ، وَجَابِرٍ ، وَكُلُّهَا ضَعِيفَةٌ ، وَالْقَوْلُ بِأَنَّ الْإِرْضَاعَ بَعْدَ الْفِطَامِ قَبْلَ انْقِضَاءِ مُدَّةِ الرَّضَاعِ إذَا اسْتَغْنَى عَنْ اللَّبَنِ لَا حُكْمَ لَهُ رِوَايَةً عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ حَكَاهَا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ . ( الْخَامِسَةُ ) الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي ثُبُوتِ التَّحْرِيمِ بِرَضَاعِ الْكَبِيرِ ، وَمُقْتَضَى سِيَاقِهِ ، وَالْمَقْصُودُ مِنْهُ ثُبُوتُ الْمَحْرَمِيَّةِ أَيْضًا [ إذْ ] لَوْلَا ثُبُوتُ الْمَحْرَمِيَّةِ لَمَا حَصَلَ مَقْصُودُهَا مِنْ دُخُولِهِ عَلَيْهَا حَالَةَ مَهْنَتِهَا وَانْكِشَافِ بَعْضِ جَسَدِهَا ، وَبِهَذَا قَالَ مَنْ أَثْبَتَ حُكْمَ الرَّضَاعِ لِلْكَبِيرِ إلَّا أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيَّ نَقَلَ عَنْ دَاوُد أَنَّ رَضَاعَةَ الْكَبِيرِ تَرْفَعُ تَحْرِيمَ الْحِجَابِ لَا غَيْرُ ثُمَّ حَكَى عَنْ ابْنِ الْمَوَّازِ أَنَّهُ قَالَ لَوْ أُخِذَ بِهَذَا فِي الْحِجَابَةِ لَمْ أَعِبْهُ ، وَتَرْكُهُ أَحَبُّ إلَيَّ ، وَمَا عَلِمْت مَنْ أَخَذَ بِهِ عَامًّا إلَّا عَائِشَةَ ثُمَّ قَالَ ، وَفِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمَوَّازِ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا تَرَى رَضَاعَةَ الْكَبِيرِ تَحْرِيمًا عَامًا نَظَرٌ فَإِنَّ نَصَّ حَدِيثِ الْمُوَطَّإِ عَنْهَا إنَّمَا كَانَتْ تَأْخُذُ بِذَلِكَ فِي الْحِجَابِ خَاصَّةً ( قُلْت ) لَا يَسْتَقِيمُ لِعَالِمٍ أَنْ يَقُولَ بِجَوَازِ الْخِلْوَةِ مَعَ إبَاحَةِ النِّكَاحِ ، وَهَذَا تَنَاقُضٌ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ ، وَظَاهِرُ كَلَامِ الْقَائِلِينَ بِهَذَا الْمَذْهَبِ أَنَّهُمْ أَثْبَتُوا بِرَضَاعَةِ الْكَبِيرِ كُلَّ مَا ثَبَتَ بِرَضَاعَةِ الصَّغِيرِ مِنْ الْأَحْكَامِ ، وَلِبَسْطِ ذَلِكَ مَوْضِعٌ آخَرُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) أَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ خَاصٌّ بِسَالِمٍ ، وَامْرَأَةِ أَبِي حُذَيْفَةَ كَمَا اقْتَضَاهُ كَلَامُ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ سِوَى عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ ، وَرَوَى الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا قَالَتْ فِي الْحَدِيثِ كَانَ رُخْصَةً لِسَالِمٍ خَاصَّةً قَالَ الشَّافِعِيُّ فَأَخَذْنَا بِهِ يَقِينًا لَا ظَنًّا حَكَاهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ ، وَقَالَ مَا مَعْنَاهُ إنَّمَا قَالَ هَذَا لِأَنَّ الَّذِي فِي غَيْرِ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ قُلْنَ ذَلِكَ بِالظَّنِّ ، وَرَوَاهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ بِالْقَطْعِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَيْسَتْ تَخْلُو قِصَّةُ سَالِمٍ [ مِنْ ] أَنْ تَكُونَ مَنْسُوخَةً أَوْ خَاصَّةً لِسَالِمٍ ، وَكَذَا حَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ عَامَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَحَدِ وَجْهَيْنِ إمَّا عَلَى الْخُصُوصِ ، وَإِمَّا عَلَى النَّسْخِ ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ أَطْلَقَ بَعْضُ الْأَئِمَّةِ عَلَى حَدِيثِ سَالِمٍ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ ، وَأَظُنّهُ سَمَّى التَّخْصِيصَ نَسْخًا ، وَإِلَّا فَحَقِيقَةُ النُّسَخِ لَمْ تَحْصُلْ هُنَا عَلَى مَا يُعْرَفُ فِي الْأُصُولِ ( قُلْت ) كَيْفَ يُرِيدُ بِالنُّسَخِ التَّخْصِيصَ مَنْ يُرَدِّدُ بَيْنَهُمَا ، وَلَمْ يُرِدْ قَائِلُ هَذَا الْكَلَامِ بِالنَّسْخِ مَا فَهِمَهُ عَنْهُ الْقُرْطُبِيُّ حَتَّى يَعْتَرِضَ عَلَيْهِ بِمَا ذَكَرَهُ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ هَذَا الَّذِي أُمِرَتْ بِهِ امْرَأَةُ أَبِي حُذَيْفَةَ كَانَ هُوَ الشَّرْعُ الْعَامُ لِكُلِّ أَحَد ذَلِكَ الْوَقْتِ ثُمَّ نُسِخَ بَعْدَ ذَلِكَ لَكِنَّ هَذَا يَتَوَقَّفُ عَلَى مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ ، وَأَنَّ الْأَدِلَّةَ الدَّالَّةَ عَلَى اعْتِبَارِ الصِّغَرِ فِي وَقْتِ الْإِرْضَاعِ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ ذَلِكَ ، وَرَدَّهُ ابْنُ حَزْمٍ أَيْضًا بِأَنَّ قَوْلهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ أُرْضِعُهُ ، وَهُوَ رَجُلٌ كَبِيرٌ دَالٌّ عَلَى تَأَخُّرِهِ عَمَّا دَلَّ عَلَى اعْتِبَارِ الصِّغَرِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) اسْتَشْكَلَ أَمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إيَّاهَا بِإِرْضَاعِهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْتِقَاءِ الْبَشَرَتَيْنِ ، وَهُوَ مَحْرَمٌ قَبْلَ أَنْ يَسْتَكْمِلَ الرَّضَاعَ الْمُعْتَبَرَ ، وَتَصِيرُ مَحْرَمًا لَهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَلَعَلَّهَا حَلَبَتْهُ ثُمَّ شَرِبَهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَمَسَّ ثَدْيَهَا ، وَلَا الْتَقَتْ بَشَرَتَاهُمَا قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ حَسَنٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ عُفِيَ عَنْ مَسِّهِ لِلْحَاجَةِ كَمَا خَصَّ بِالرَّضَاعَةِ مَعَ الْكِبَرِ انْتَهَى . وَجَعَلَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى الِاخْتِصَاصِ بِهِ لِأَنَّ الْقَاعِدَةَ تَحْرِيمُ الِاطِّلَاعِ عَلَى الْعَوْرَةِ ، وَلَا يُخْتَلَفُ فِي أَنَّ ثَدْيَ الْحُرَّةِ عَوْرَةٌ لَا يَجُوزُ الِاطِّلَاعُ عَلَيْهِ قَالَ ، وَلَا يُقَالُ يُمْكِنُ أَنْ يَرْضِعَ ، وَلَا يَطَّلِعُ لِأَنَّا نَقُولُ نَفْسُ الْتِقَامِ حَلَمَةِ الثَّدْيِ بِالْفَمِ اطِّلَاعٌ فَلَا يَجُوزُ انْتَهَى . وَلَمْ يُعَرِّجْ عَلَى ذِكْرِ مَا تَقَدَّمَ عَنْ الْقَاضِي مِنْ شُرْبِهِ بَعْدَ حَلْبِهِ ، وَلَمْ يَسْتَصْوِبْ ابْنُ حَزْمٍ ذَلِكَ ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ جَوَازَهُ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ حَكَى عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ كَيْفَ يَحِلُّ لِلْكَبِيرِ أَنْ يَرْضَعَ ثَدْيَ امْرَأَةٍ أَجْنَبِيَّةٍ ثُمَّ نَقَضَهُ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ لِلْأَمَةِ الصَّلَاةَ عُرْيَانَةً يَرَى النَّاسُ ثَدْيَهَا ، وَخَاصِرَتَهَا ، وَأَنَّ لِلْحُرَّةِ أَنْ تَتَعَمَّدَ أَنْ يَنْكَشِفَ مِنْ شَفَتَيْ فَرْجِهَا قَدْرَ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ تُصَلِّي كَذَلِكَ ، وَإِنْ تَكَشَّفَ أَقَلُّ مِنْ رُبْعِ بَطْنِهَا كَذَلِكَ انْتَهَى ، وَالْحَقُّ مَا ذَكَرْنَاهُ أَوَّلًا مِنْ شُرْبِهِ مَحْلُوبًا ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بَعْدَ حِكَايَتِهِ قَوْلَ رَجُلٍ لِعَطَاءٍ سَقَتْنِي امْرَأَةٌ مِنْ لَبَنِهَا ، وَأَنَا رَجُلٌ هَكَذَا رَضَاعَ الْكَبِيرِ كَمَا ذَكَرَ عَطَاءٌ يُحْلَبُ لَهُ اللَّبَنُ ، وَيُسْقَاهُ ، وَأَمَّا أَنْ تُلْقِمَهُ الْمَرْأَةُ ثَدْيَهَا كَمَا يُصْنَعُ بِالطِّفْلِ فَلَا ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَحِلُّ عِنْدَ جَمَاعَةِ الْعُلَمَاءِ . وَقَدْ أَجْمَعَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ عَلَى التَّحْرِيمِ بِمَا يَشْرَبُهُ الْغُلَامُ الرَّضِيعُ مِنْ لَبَنِ الْمَرْأَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَمُصَّهُ مِنْ ثَدْيِهَا انْتَهَى . وَاعْتَبَرَ ابْنُ حَزْمٍ فِي التَّحْرِيمِ الِامْتِصَاصَ مِنْ الثَّدْي ، وَحَكَاهُ عَنْ طَائِفَةٍ . ( الثَّامِنَةُ ) أَطْلَقَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَوْلَهُ أَرْضِعِي سَالِمًا ، وَقَيَّدَهُ فِي رِوَايَةِ جَمَاعَةٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِقَوْلِهِ خَمْسَ رَضَعَاتٍ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ ، وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُحَرَّرِ أَنَّهَا الْمَذْهَبُ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ ، وَقِيلَ لَا مِنْ سَبْعِ رَضَعَاتٍ ، وَقِيلَ لَا بُدَّ مِنْ عَشْرٍ ، وَهُمَا مَرْوِيَّانِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْهَا ، وَأَنَّهَا كَانَتْ تُفْتِي بِخَمْسٍ ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْعَشْرَ عَنْ حَفْصَةَ ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّهُ شَاذٌّ ، وَقِيلَ يُكْتَفَى بِثَلَاثِ رَضَعَاتٍ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَأَبِي عُبَيْدَةَ وَدَاوُد ، وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْهُ ، وَبِهَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَاسْتَرْوَحَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ لَمْ يَقُلْ بِهِ أَحَدٌ فِيمَا عَلِمْت إلَّا دَاوُد ، وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إلَى عَدَمِ التَّقْيِيدِ فِي ذَلِكَ ، وَالِاكْتِفَاءِ بِقَلِيلِ الرَّضَاعِ ، وَكَثِيرِهِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَحُكِيَ إجْمَاعُ الْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ صَدَّرَ بِهِ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُحَرَّرِ كَلَامَهُ . كِتَابُ الْأَيْمَانِ . عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ { سَمِعَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَا أَحْلِفُ بِأَبِي فَقَالَ إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ قَالَ عُمَرُ فَوَاَللَّهِ مَا حَلَفْت بَعْدُ ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا } وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ عُمَرَ ، وَهُوَ يَقُولُ : وَأَبِي وَأَبِي فَقَالَ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ } فَذَكَرَهُ ، وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ ، وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ } ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إلَّا بِاَللَّهِ } . كِتَابُ الْأَيْمَانِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ { سَمِعَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَنَا أَحْلِفُ بِأَبِي فَقَالَ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ قَالَ عُمَرُ فَوَاَللَّهِ مَا حَلَفْت بِهَا بَعْدُ ذَاكِرًا ، وَلَا آثِرًا } ، وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ عُمَرَ ، وَهُوَ يَقُولُ ، وَأَبِي وَأَبِي فَقَالَ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ } فَذَكَرَهُ ، وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَدْرَكَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ وَهُوَ يَسِيرُ فِي رَكْبٍ وَهُوَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْحَسَنِ بْن الْعَبْدِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الزُّبَيْرِيِّ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ ، وَفِي رِوَايَةِ عُقَيْلٍ { مَا حَلَفْت بِهَا سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْهَى عَنْهَا وَلَا تَكَلَّمْت بِهَا وَلَمْ يَقُلْ ذَاكِرًا وَلَا آثِرًا } وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ ، وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ الطَّرِيقِ الْأُولَى تَابَعَهُ عُقَيْلٌ وَالزُّبَيْرِيُّ ، وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ ، وَمَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُمَرُ انْتَهَى وَقَدْ ظَهَرَ بِذَلِكَ الِاخْتِلَافِ عَلَى سَالِمٍ أَوْ الزُّهْرِيِّ فِي أَنَّ الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِ عُمَرَ أَوْ ابْنِ عُمَرَ وَالِاخْتِلَافُ عَلَى ابْنِ عُيَيْنَةَ أَيْضًا فَالْجُمْهُورُ جَعَلُوهُ مِنْ طَرِيقِهِ مِنْ مُسْنَدِ ابْن عُمَرَ حَكَاهُ عَنْهُمْ وَالِدِي رَحِمَهُمُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَرَوَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ الْمُقْرِي ، وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيُّ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ أَبِي عُمَرَ عَنْهُ بِإِثْبَاتِ عُمَرَ وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّالِثَةِ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَالشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَمُسْلِمٍ ، وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَالْوَلِيدِ بْنِ كَثِيرٍ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَالضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ ، وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ، وَعَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ تِسْعَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ يُونُسَ عَنْ زُهَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ عُمَرَ ، وَجَعَلَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ رِوَايَةَ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِإِثْبَاتِ عُمَرَ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ ظَهَرَ الِاخْتِلَافُ فِيهِ عَلَى نَافِعٍ كَسَالِمٍ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ النَّهْيُ عَنْ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ ، وَلَا يَخْتَصُّ النَّهْيُ بِذَلِكَ بَلْ يَتَعَدَّى إلَى كُلِّ مَخْلُوقٍ ، وَلِهَذَا قَالَ { عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَمَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ } ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إلَّا بِاَللَّهِ } . { ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا فَقَالَ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ } ، وَرَوَى النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، وَلَا بِأُمَّهَاتِكُمْ ، وَلَا بِالْأَنْدَادِ ، وَلَا تَحْلِفُوا بِاَللَّهِ إلَّا ، وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ } ، وَهُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد أَيْضًا فِي رِوَايَةِ ابْنِ دَاسَّةَ ، وَابْنِ الْعَبْدِ ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ ، وَإِنَّمَا خَصَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْآبَاءَ بِالذِّكْرِ لِأَمْرَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) وُرُودُهُ عَلَى سَبَبٍ ، وَهُوَ سَمَاعُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ ( ثَانِيهمَا ) خُرُوجُهُ مَخْرَجَهُ الْغَالِبَ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَقَعُ مِنْهُمْ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ إلَّا بِالْآبَاءِ ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ قَرِيبًا ، وَكَانَتْ قُرَيْشٌ تَحْلِفُ بِآبَائِهَا فَقَالَ لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ ، وَقَدْ بَيَّنَ حُكْمَ غَيْرِهِ فَقَالَ مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلَا يَحْلِفْ إلَّا بِاَللَّهِ . وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَنَّ الْحَلِفَ بِمَخْلُوقٍ حَرَامٌ أَوْ مَكْرُوهٌ ، وَالْخِلَافُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ لَكِنْ الْمَشْهُورُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ الْكَرَاهَةُ ، وَعِنْدَ الْحَنَابِلَةِ التَّحْرِيمُ ، وَبِهِ قَالَ أَهْلِ الظَّاهِرِ ، وَيُوَافِقُهُ مَا جَاءَ عَنْ ابْنُ عَبَّاسٍ { لَأَنْ أَحْلِفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِائَةَ مَرَّةٍ فَآثَمَ خَيْرٌ مِنْ أَنْ أَحْلِفَ بِغَيْرِهِ فَأَبَرَّ } ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ ، وَهَذَا أَمْرٌ مُجْتَمَعٌ عَلَيْهِ ثُمَّ قَالَ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ بِغَيْرِ اللَّهِ مَكْرُوهَةٌ مَنْهِيٌّ عَنْهَا لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ لِأَحَدٍ بِهَا ، وَاخْتَلَفُوا فِي الْكَفَّارَةِ إذَا أَحْنَثَ فَأَوْجَبَهَا بَعْضُهُمْ ، وَأَبَاهَا بَعْضُهُمْ ، وَهُوَ الصَّوَابُ انْتَهَى . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَخْشَى أَنْ يَكُونَ الْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى مَعْصِيَةً قَالَ أَصْحَابُهُ أَيْ حَرَامًا ، وَإِثْمًا قَالُوا فَأَشَارَ إلَى تَرَدُّدٍ فِيهِ ، وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الْمَذْهَبُ الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ بَلْ مَكْرُوهٌ ، وَلِذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هُوَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مَكْرُوهٌ ، وَلَيْسَ بِحَرَامٍ ، وَيُوَافِقُهُ تَبْوِيبُ التِّرْمِذِيِّ عَلَيْهِ كَرَاهِيَةِ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ ، وَقَيَّدَ ذَلِكَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بِالْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّاتِ وَالْعُزَّى وَمِلَّةٍ غَيْرِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ فَأَمَّا الْحَلِفُ بِنَحْوِ هَذَا فَهُوَ حَرَامٌ ، وَكَأَنَّ ذَلِكَ لِأَنَّهَا قَدْ عُظِّمَتْ بِالْعِبَادَةِ ، وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّهُ لَوْ اعْتَقَدَ الْحَالِفُ بِالْمَخْلُوقِ فِي الْمَحْلُوفِ بِهِ مِنْ التَّعْظِيمِ مَا يَعْتَقِدُهُ فِي اللَّهِ تَعَالَى كَفَرَ ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ } انْتَهَى فَمُعَظِّمُ اللَّاتَ وَالْعُزَّى كَافِرٌ لِأَنَّ تَعْظِيمَهَا لَا يَكُونُ إلَّا لِلْعِبَادَةِ بِخِلَافِ مُعَظِّمِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكَعْبَةِ وَالْآبَاءِ وَالْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ لِمَعْنًى غَيْرِ الْعِبَادَةِ لَا تَحْرِيمَ فِيهِ لَكِنَّ الْحَلِفَ بِهِ مَكْرُوهٌ أَوْ مُحَرَّمٌ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ لِوُرُودِ النَّهْيِ عَنْهُ ، وَحِكْمَتُهُ أَنَّ حَقِيقَةَ الْعَظَمَةِ مُخْتَصَّةٌ بِاَللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ تَعَالَى { الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي وَالْعَظَمَةُ إزَارِي } فَلَا يَنْبَغِي مُضَاهَاةُ غَيْرِهِ بِهِ فِي الْأَلْفَاظِ ، وَإِنْ لَمْ تَرِدْ تِلْكَ الْعَظَمَةُ الْمَخْصُوصَةُ بِالْإِلَهِ الْمَعْبُودِ . وَأَمَّا الْحَلِفُ بِالنَّصْرَانِيَّةِ وَنَحْوِهَا فَلَا أَشُكُّ فِي أَنَّهُ كُفْرٌ ؛ لِأَنَّ تَعْظِيمَهَا بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ يَقْتَضِي حَقِيقَتَهَا ، وَذَلِكَ كُفْرٌ إلَّا أَنْ يَتَأَوَّلَ الْحَالِفُ أَنَّهُ أَرَادَ تَعْظِيمَهَا حِينَ كَانَتْ حَقًّا قَبْلَ نَسْخِهَا فَلَا أُكَفِّرُهُ حِينَئِذٍ ، وَلَكِنْ أَحْكُمُ عَلَيْهِ بِالْعِصْيَانِ لِبَشَاعَةِ هَذَا اللَّفْظِ وَالتَّشَبُّهِ فِيهِ بِأَهْلِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى . وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ { سَمِعَ رَجُلًا يَقُولُ لَا ، وَالْكَعْبَةِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ لَا تَحْلِفْ بِغَيْرِ اللَّهِ فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللَّهِ فَقَدْ كَفَرَ أَوْ أَشْرَكَ } . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ ، وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، وَقَالَ إنَّهُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَهُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْعَبْدِ دُونَ رِوَايَةِ اللُّؤْلُؤِيِّ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ تَفْسِيرُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ قَوْلَهُ كُفْرٌ أَوْ شِرْكٌ عَلَى التَّغْلِيظِ ، وَالْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ { إنَّ اللَّهَ يَنْهَاكُمْ أَنْ تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ } ، وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ { مَنْ حَلَفَ فَقَالَ فِي حَلِفِهِ وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى فَلْيَقُلْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهِ } ، وَهَذَا مِثْلُ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { الرِّيَاءُ شِرْكٌ } فَقَدْ فَسَّرَ أَهْلُ الْعِلْمِ هَذِهِ الْآيَةَ { فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا } الْآيَةَ قَالَ لَا يُرَائِي انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ يُرِيدُ بِهِ شِرْكُ الْأَعْمَالِ ، وَكُفْرِهَا لَيْسَ شِرْكَ الِاعْتِقَادِ ، وَلَا كُفْرِهِ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ أَبِقَ مِنْ مَوَالِيهِ فَقَدْ كَفَرَ } ، وَنِسْبَةُ الْكُفْرِ إلَى النِّسَاءِ ، وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ مَرَّ عُمَرُ بِالزُّبَيْرِ ، وَهُوَ يَقُولُ لَا ، وَالْكَعْبَةِ فَرَفَعَ عَلَيْهِ الدِّرَّةَ ، وَقَالَ الْكَعْبَةُ ، ، لَا أُمَّ لَك تُطْعِمُك وَتَسْقِيك ، وَهَذَا مُنْقَطِعٌ ، وَعَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ { قَالَ عُمَرُ حَدَّثْت قَوْمًا حَدِيثًا فَقُلْت لَا وَأَبِي فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ خَلْفِي لَا تَحْلِفُوا بِآبَائِكُمْ قَالَ فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إنْ أَحَدُكُمْ حَلَفَ بِالْمَسِيحِ لَهَلَكَ ، وَالْمَسِيحُ خَيْرٌ مِنْ آبَائِكُمْ } ، وَهُوَ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا ، وَعَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ أَنَّهُ قَالَ إنَّكُمْ تُشْرِكُونَ قَالُوا وَكَيْفَ يَا أَبَا إِسْحَاقَ قَالَ يَحْلِفُ الرَّجُلُ لَا وَأَبِي لَا وَأَبِيك ، لَا لَعَمْرِي لَا لَحَيَاتِي لَا وَحُرْمَةِ الْمَسْجِدِ ، لَا وَالْإِسْلَامِ ، وَأَشْبَاهَهُ مِنْ الْقَوْلِ ، وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُخَيْمِرَةَ قَالَ ( مَا أُبَالِي حَلَفْت بِحَيَاةِ رَجُلٍ أَوْ بِالصَّلِيبِ ) رَوَاهَا كُلَّهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ . ( الثَّالِثَةُ ) إنْ قُلْت كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا النَّهْيِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي قِصَّةِ الْأَعْرَابِيِّ { أَفْلَحَ وَأَبِيهِ إنْ صَدَقَ } ( قُلْت ) أُجِيبُ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ : ( أَحَدُهَا ) تَضْعِيفُ ذَلِكَ الْحَدِيثِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّحِيحِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذِهِ لَفْظٌ غَيْرُ مَحْفُوظَةٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ حَدِيثِ مَنْ يُحْتَجُّ بِهِ ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ هَذَا الْحَدِيثُ ، وَفِيهِ : أَفْلَحَ وَاَللَّهِ إنْ صَدَقَ ، وَدَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَاَللَّهِ إنْ صَدَقَ ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى ( وَأَبِيهِ ) لِأَنَّهَا لَفْظَةٌ مُنْكَرَةٌ تَرُدُّهَا الْآثَارُ الصِّحَاحُ انْتَهَى . وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ وَأَبِيهِ تَصْحِيفٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ وَاَللَّهِ ( ثَانِيهَا ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ جَوَابُهُ أَنَّ هَذَا كَلِمَةٌ تَجْرِي عَلَى اللِّسَانِ لَا يُقْصَدُ بِهَا الْيَمِينُ ( ثَالِثُهَا ) أَنَّهُ مَنْسُوخٌ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، كَانَ يَحْلِفُ بِأَبِيهِ حَتَّى نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ } ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا هَذِهِ لَفْظَةٌ إنْ صَحَّتْ فَهِيَ مَنْسُوخَةٌ { لِنَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَنْ الْحَلِفِ بِالْآبَاءِ ، وَبِغَيْرِ اللَّهِ } ، وَقَالَ الشَّيْخُ زَكِيُّ الدِّينِ عَبْدُ الْعَظِيمِ الْمُنْذِرِيُّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ لِعَدَمِ تَحَقُّقِ التَّارِيخِ ، وَلِإِمْكَانِ الْجَمْعِ ( قُلْت ) لَوْ صَحَّ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ لَكَانَ دَلِيلًا عَلَى النَّسْخِ ( رَابِعُهَا ) أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَضْمَرَ فِيهِ اسْمَ اللَّهِ كَأَنَّهُ قَالَ : لَا وَرَبِّ أَبِيهِ ، وَالنَّهْيُ إنَّمَا وَرَدَ فِيمَنْ لَمْ يُضْمِرْ ذَلِكَ بَلْ قَصَدَ تَعْظِيمَ أَبِيهِ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ ( خَامِسُهَا ) أَنَّ هَذِهِ كَلِمَةٌ لَهَا اسْتِعْمَالَانِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ تَارَةً يُقْصَدُ بِهَا التَّعْظِيمُ ، وَتَارَةً يُرِيدُونَ بِهَا تَأْكِيدَ الْكَلَامِ وَتَقْوِيَتَهُ دُونَ الْقَسَمِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : أَطِيبُ سَفَاهًا مِنْ سَفَاهَةِ رَأْيِهَا لِأَهْجُوَهَا لَمَّا هَجَتْنِي مُحَارِبُ فَلَا وَأَبِيهَا إنَّنِي بِعَشِيرَتِي وَنَفْسِي عَنْ ذَاكَ الْمُقَامِ لَرَاغِبُ وَمُحَالٌ أَنْ يُقْسِمَ بِأَبِي مَنْ يَهْجُوهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِعْظَامِ لَحِقَهُ فِي أَمْثِلَةٍ عَدِيدَةٍ ذَكَرَ هَذِهِ الْأَجْوِبَةَ مَا عَدَا الْأَوَّلَ الْخَطَّابِيُّ . ( الرَّابِعَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ إنْ قِيلَ فَقَدْ أَقْسَمَ اللَّهُ تَعَالَى بِمَخْلُوقَاتِهِ فَإِنَّهُ قَالَ تَعَالَى { وَالصَّافَّاتِ صَفًّا } . { وَالذَّارِيَاتِ } . { وَالطُّورِ } فَالْجَوَابُ أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى أَنْ يُقْسِمَ بِمَا يَشَاءُ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ تَنْبِيهًا عَلَى شَرَفِهِ انْتَهَى . وَتَعْبِيرُهُ بِقَوْلِهِ ( لِلَّهِ ) مُنْكَرٌ ، وَلَوْ قَالَ إنَّ اللَّهَ يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ لَكَانَ أَحْسَنَ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مَيْمُونَ بْنِ مِهْرَانَ قَالَ { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُقْسِمُ بِمَا شَاءَ مِنْ خَلْقِهِ ، وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُقْسِمَ إلَّا بِاَللَّهِ } . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَا حَلَفْت بِهَا بَعْدُ ذَاكِرًا ، وَلَا آثِرًا هُوَ بِالْمَدِّ ، وَبِكَسْرِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ حَاكِيًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ أَيْ مَا حَلَفْت بِهَا ، وَلَا حَكَيْت عَنْ غَيْرِي أَنَّهُ حَلَفَ بِهَا يُقَالُ آثَرْت الْحَدِيثَ إذَا ذَكَرْته عَنْ غَيْرِك ، وَمِنْهُ كَمَا قِيلَ قَوْله تَعَالَى { أَوْ أَثَارَةٍ مِنْ عِلْمٍ } ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ تَقَدَّمَتْ ، وَلَا تَكَلَّمْت بِهَا ( فَإِنْ قُلْت ) الْحَاكِي لِذَلِكَ عَنْ غَيْرِهِ لَيْسَ حَالِفًا بِهِ ( قُلْت ) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَامِلُ فِيهِ مَحْذُوفًا أَيْ مَا حَلَفَتْ بِهَا ذَاكِرًا ، وَلَا ذَكَرْته آثِرًا ، وَإِنْ تَضَمَّنَ حَلَفْت مَعْنَى نَطَقْت أَوْ قُلْت أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يَصْلُحُ لِلْعَمَلِ فِيهِمَا كَمَا قَدْ ذَكَرَ الْوَجْهَانِ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ : عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا ، إمَّا أَنْ يُقَدِّرَ سَقَيْتهَا ، وَإِمَّا أَنْ يُضَمِّنَ عَلَفْتهَا مَعْنَى أَنَلْتهَا ، وَمَا أَشْبَهَ ، وَقَدْ ذَكَرَ كَهَذَا السُّؤَالِ ، وَجَوَابِهِ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ ( فَإِنْ قُلْت ) إذَا تَوَرَّعَ عَنْ النُّطْقِ بِذَلِكَ حَاكِيًا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ فَكَيْفَ نَطَقَ بِهِ حَاكِيًا لَهُ عَنْ نَفْسِهِ ( قُلْت ) حِكَايَتُهُ لَهُ عَنْ نَفْسِهِ مِنْ ضَرُورَةِ تَبْلِيغِ هَذِهِ الْقِصَّةِ ، وَرِوَايَتِهَا ، وَأَيْضًا فَقَدْ يُرِيدُ نَفْيَ حِكَايَةِ كَلَامِ الْحَالِفِ بِهِ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ . وَأَمَّا هُوَ فَإِنَّمَا حَلَفَ بِهِ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْهُ ، وَجَوَّزَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ ( آثِرًا ) وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ مُخْتَارًا يُقَالُ آثَرَ الشَّيْءَ اخْتَارَهُ ، وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ قَوْلُهُ ذَاكِرًا مِنْ الذُّكْرِ بِالضَّمِّ خِلَافَ النِّسْيَانِ أَيْ مَا حَلَفْت بِهَا ذَاكِرًا الْيَمِين غَيْرَ مُجْبَرٍ ، وَلَا مُخْتَارٍ مَرِيدًا لِذَلِكَ ( ثَانِيهِمَا ) أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ آثِرًا أَيْ عَلَى طَرِيقِ التَّفَاخُرِ بِالْآبَاءِ وَالْإِكْرَامِ لَهُمْ يُقَالُ آثَرَهُ أَيْ أَكْرَمَهُ لَكِنْ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي النُّطْقِ بِذَلِكَ لَا عَلَى سَبِيلِ التَّعْظِيمِ وَالْإِكْرَامِ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ فِيهِ إبَاحَةُ الْحَلِفِ بِاَللَّهِ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهَذَا اللَّفْظِ بِخُصُوصِهِ بَلْ كُلُّ مَا يُطَلَّقُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِالْحَلِفِ بِهِ ، وَهَذَا مَجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَإِنْ وَقَعَ الْكَلَامُ ، وَالتَّفْصِيلُ فِي أَلْفَاظٍ اُسْتُعْمِلَتْ فِي حَقِّ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ . ( السَّابِعَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ لَا يَنْعَقِدُ فِي الْحَلِفِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا تَجِبُ بِهَا كَفَّارَةٌ لِأَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالصَّمْتِ عَنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ ، وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَعَنْهَا رِوَايَةٌ أُخْرَى فِي هَذِهِ الصُّورَةِ الْخَاصَّةِ دُونَ بَقِيَّةِ الْمَخْلُوقَاتِ بِالِانْعِقَادِ ، وَوُجُوبِ الْكَفَّارَةِ ، وَجَزَمَ بِهِ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْهُ ، وَعَلَّلَهُ بِأَنَّهُ حَلَفَ بِمَا لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ [ إلَّا بِهِ ] فَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَالْحَلِفِ بِاَللَّهِ ثُمَّ رَدَّهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بِأَنَّ الْإِيمَانَ عِنْدَ أَحْمَدَ لَا يَتِمُّ إلَّا بِفِعْلِ الصَّلَاةِ ، وَمَنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا كَفَرَ فَيَلْزَمُهُ إذَا حَلَفَ بِهَا أَنْ تَلْزَمُهُ الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ ، وَلَمْ يَقُلْ بِهِ . ( الثَّامِنَةُ ) فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ وَالْحَنَابِلَةِ فِي قَوْلِهِمْ إنَّهُ إذَا قَالَ إنْ فَعَلْت كَذَا فَهُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ كَافِرٌ فَهِيَ يَمِينٌ تَجِبُ بِهَا الْكَفَّارَةُ إذَا فَعَلَ مَا مَنَعَ نَفْسَهُ مِنْهُ ، وَوَجْهُ الِاحْتِجَاجِ بِهِ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ فِي ذَلِكَ بِاَللَّهِ تَعَالَى فَكَيْفَ يَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ فِيهِ مَعَ وُرُودِ النَّهْيِ عَنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ فَلَمْ يَنْعَقِدْ لَهُ يَمِينٌ ، وَلِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ يَمِينًا ، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهِ ، وَسَيَأْتِي لِذَلِكَ مَزِيدُ إيضَاحٍ فِي الْحَدِيثِ الثَّامِنِ . ( التَّاسِعَةُ ) فِيهِ أَنَّهُ [ إذَا ] قَالَ أَقْسَمْت لِأَفْعَلَن كَذَا وَكَذَا لَا تَكُونُ يَمِينًا لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ إنْ نَوَى بِاَللَّهِ أَوْ بِصِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهِ كَانَ يَمِينًا ، وَإِلَّا فَلَا ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ هُوَ يَمِينٌ مُطْلَقًا . ( الْعَاشِرَةُ ) وَفِيهِ أَنَّ الْحَلِفَ بِالْأَمَانَةِ لَيْسَ يَمِينًا لِانْتِفَاءِ الِاسْمِ ، وَالصِّفَةِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ حَكَاهُ عَنْهُ الْخَطَّابِيُّ ، وَاَلَّذِي فِي كُتِبَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ إذَا قَالَ عَلَيَّ أَمَانَةُ اللَّهِ لِأَفْعَلَن كَذَا ، وَأَرَادَ الْيَمِينَ فَهُوَ يَمِينٌ ، وَإِنْ أَرَادَ غَيْرَ الْيَمِينِ كَالْعِبَادَاتِ فَلَيْسَ يَمِينًا ، وَإِنْ أَطْلَقَ فَوَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَيْسَ لِتَرَدُّدِ اللَّفْظِ ، وَقَدْ فُسِّرَتْ الْأَمَانَةُ فِي قَوْله تَعَالَى { إنَّا عَرَضْنَا الْأَمَانَةَ } بِالْعِبَادَاتِ . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ يُكْرَهُ الْحَلِفُ بِأَمَانَةِ اللَّهِ ، وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ إنْ قَصْدَ الصِّفَةَ . وَقَالَ الْحَنَابِلَةُ إنْ قَالَ : وَأَمَانَةِ اللَّهِ فَهُوَ يَمِينٌ ، وَإِنْ قَالَ وَالْأَمَانَةِ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا إلَّا أَنْ يَنْوِي صِفَةَ اللَّهِ ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهُ يَمِينٌ مُطْلَقًا ، وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ أَنَّهُ إذَا قَالَ : وَأَمَانَةِ اللَّهِ كَانَ يَمِينًا ، وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ فِيهَا ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ بُرَيْدَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ حَلَفَ بِالْأَمَانَةِ فَلَيْسَ يَمِينًا } . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، إنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ } . الْحَدِيثُ الثَّانِي ، وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنْ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِائَةً إلَّا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، إنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ، وَلَيْسَ فِيهِ { أَنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ } ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَالْبُخَارِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْرَجِ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ { لَا يَحْفَظْهَا أَحَدٌ إلَّا دَخَلَ الْجَنَّةَ } ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِهِ { وَمَنْ حَفِظَهَا } ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ { أَحْصَاهَا } ، وَسَاقَهَا التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ فَقَالَ { هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ الْغَفَّارُ الْقَهَّارُ الْوَهَّابُ الرَّزَّاق الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الْخَافِضُ الرَّافِعُ الْمُعِزُّ الْمُذِلُّ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ الْحَكَمُ الْعَدْلُ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ الْحَلِيمُ الْعَظِيمُ الْغَفُورُ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ الْحَفِيظُ الْمُقِيتُ الْحَسِيبُ الْجَلِيلُ الْكَرِيمُ الرَّقِيبُ الْمُجِيبُ الْوَاسِعُ الْحَكِيمُ الْوَدُودُ الْمُجِيبُ الْبَاعِثُ الشَّهِيدُ الْحَقُّ الْوَكِيلُ الْقَوِيُّ الْمَتِينُ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ الْمُحْصِي الْمُبْدِئُ الْمُعِيدُ الْمُحْيِي الْمُمِيتُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ الْوَاجِدُ الْمَاجِدُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ الْقَادِرُ الْمُقْتَدِرُ الْمُقَدِّمُ الْمُؤَخِّرُ الْأَوَّلُ الْآخِرُ الظَّاهِرُ الْبَاطِنُ الْوَالِي الْمُتَعَالِي الْبَرُّ التَّوَّابُ الْمُنْتَقِمُ الْعَفُوُّ الرَّءُوفُ مَالِكُ الْمُلْكِ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ الْمُقْسِطُ الْجَامِعُ الْغَنِيُّ الْمُغْنِي الْمَانِعُ الضَّارُّ النَّافِعُ النُّورُ الْهَادِي الْبَدِيعُ الْبَاقِي الْوَارِثُ الرَّشِيدُ الصَّبُورُ } وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ حَدَّثَنَا بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ صَالِحٍ أَيْ عَنْ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ثَنَا شُعَيْبٌ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ قَالَ وَلَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ صَفْوَانَ بْنِ أَبِي صَالِحٍ وَهُوَ ثِقَةٌ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَا نَعْرِفُ فِيهِ كَثِيرَ شَيْءٍ مِنْ الرِّوَايَاتِ ذَكَرَ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى إلَّا فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَقَدْ رَوَى آدَم بْنُ أَبِي إيَاسٍ هَذَا الْحَدِيثَ بِإِسْنَادٍ غَيْرِ هَذَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَذَكَرَ فِيهِ الْأَسْمَاءَ ، وَلَيْسَ لَهُ إسْنَادٌ صَحِيحٌ ثُمَّ قَالَ ، وَرَوَاهُ أَبُو الْيَمَانِ عَنْ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الْأَسْمَاءَ ( قُلْت ) وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، وَكَذَلِكَ لَمْ يَذْكُرْ الْأَسْمَاءَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ عَيَّاشٍ عَنْ شُعَيْبٍ ، وَسَاقَهَا ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ الْأَعْرَجِ ، وَلَفْظُهُ { مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الصَّمَدُ } فَذَكَرَهَا مَعَ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ ، وَذَكَرَ الْبَارَّ بَدَلَ الْبَرِّ ، وَالرَّاشِدَ بَدَلَ الرَّشِيدِ ، وَزَادَ ذِكْرَ الْجَمِيلِ ، وَالرَّبِّ ، وَالْمُبِينِ ، وَالْبُرْهَانِ ، وَالشَّدِيدِ ، وَالْوَاقِي ، وَذِي الْقُوَّةِ ، وَالْقَائِمِ ، وَالدَّائِمِ ، وَالْحَافِظِ ، وَالنَّاظِرِ ، وَالسَّامِعِ ، وَالْأَبَدِ ، وَالْعَالِمِ ، وَالصَّادِقِ ، وَالْمُنِيرِ ، وَالتَّامِّ ، وَالْقَدِيمِ ، وَالْوِتْرِ ، وَالْأَحَدِ ، وَزَادَ عَلَى الْعِدَّةِ أَرْبَعَةَ أَسْمَاءٍ فَإِنَّهَا عِنْدَهُ مِائَةٌ وَثَلَاثَةٌ إلَّا أَنْ يَجْعَلَ قَوْلَهُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينِ اسْمًا وَاحِدًا ، وَيَجْعَلْ قَوْلَهُ الَّذِي لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٍ تَابِعًا لِقَوْلِهِ الصَّمَدُ فَيَكُونُ مِائَةً وَأَحَدًا ، وَأَسْقَطَ بَعْضَ مَا ذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَكَرَّرَ ذِكْرَ الصَّمَدِ ذَكَرَهُ أَوَّلًا وَآخِرًا فَهِيَ حِينَئِذٍ عِنْدَهُ مِائَةٌ وَقَالَ فِي آخِرِهِ قَالَ زُهَيْرٌ أَيْ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ فَبَلَغَنَا عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ أَوَّلَهَا يُفْتَحُ بِقَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ بِيَدِهِ الْخَيْرُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ رِوَايَةَ التِّرْمِذِيِّ وَحَكَمَ عَلَيْهَا بِالْحُسْنِ وَذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ الْمُقِيتُ بِالْقَافِ وَالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ آخِرَ وَالْمُغِيثُ بِالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ آخِرَهُ وَرُوِيَ الْقَرِيبُ بَدَلَ الرَّقِيبِ وَرُوِيَ الْمُبِينُ بِالْمُوَحَّدَةِ بَدَلَ الْمَتِينِ بِالْمُثَنَّاةِ [ مِنْ ] فَوْقُ قَالَ وَالْمَشْهُورُ الْمُثَنَّاةُ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ جَاءَتْ أَحَادِيثُ فِي إحْصَائِهَا مُضْطَرِبَةٌ لَا يَصِحُّ مِنْهَا شَيْءٌ أَصْلًا ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا } قَالَ النَّوَوِيُّ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ فِيهِ حَصْرٌ لِأَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ أَسْمَاءٌ غَيْرَ هَذِهِ التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ وَإِنَّمَا مَقْصُودُ الْحَدِيثِ أَنَّ هَذِهِ التِّسْعَةُ وَالتِّسْعِينَ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ فَالْمُرَادُ الْإِخْبَارُ عَنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ بِإِحْصَائِهَا لَا الْإِخْبَارُ بِحَصْرِ الْأَسْمَاءِ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ { أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ } قَالَ وَقَدْ ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ { قَالَ : لِلَّهِ تَعَالَى أَلْفُ اسْمٍ } قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَهَذَا قَلِيلٌ فِيهَا ( قُلْتُ ) تَتِمَّةُ كَلَامِ ابْنِ الْعَرَبِيِّ وَلَوْ كَانَ الْبَحْرُ مِدَادًا لَنَفِدَ الْبَحْرُ قَبْلَ أَنْ تَنْفَدَ أَسْمَاءُ رَبِّي ، وَلَوْ جِئْنَا بِسَبْعَةِ أَبْحُرٍ مِثْلِهِ مَدَدًا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ، وَهَذَا كَقَوْلِ الْقَائِلِ لِزَيْدٍ مِائَةُ دِينَارٍ أَعَدَّهَا لِلصَّدَقَةِ لَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ مَالٌ غَيْرُ الْمِائَةِ دِينَارٍ ، وَإِنَّمَا يُفْهَمُ أَنَّ هَذِهِ الْمِائَةَ هِيَ الَّتِي أَعَدَّهَا لِلصَّدَقَةِ لَا غَيْرَهَا انْتَهَى . وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فَقَالَ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى لَا تَزِيدُ عَلَى تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ شَيْئًا لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِائَةٌ إلَّا وَاحِدًا فَنَفَى الزِّيَادَةَ وَأَبْطَلَهَا لَكِنْ يُخْبَرُ عَنْهُ بِمَا يَفْعَلُ تَعَالَى ( قُلْت ) قَوْلُهُ مِائَةٌ إلَّا وَاحِدًا مُجَرَّدُ تَأْكِيدٍ لِقَوْلِهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ لِجَوَازِ اشْتِبَاهِهَا فِي الْخَطِّ بِسَبْعَةٍ وَسَبْعِينَ ، وَلَمْ يُفِدْ شَيْئًا زَائِدًا عَلَى مَا تَقَدَّمَ حَتَّى يَقُولَ إنَّ هَذَا اللَّفْظَ فِيهِ نَفْيُ الزِّيَادَةِ وَإِبْطَالُهَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ ، وَمَا قَبْلَهُ مُوَطِّئٌ لَهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ تَعْيِينُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ لَمْ يُخَرَّجْ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَخَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَغَيْرُهُ ، وَفِيهَا اخْتِلَافٌ ، ثَبَتَتْ أَسْمَاءٌ فِي رِوَايَةٍ ، وَفِي أُخْرَى أَسْمَاءٌ أُخَرُ تُخَالِفُهَا ، وَقَدْ اعْتَنَى بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِتَخْرِيجِ مَا مِنْهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ مُفْرَدًا غَيْرَ مُضَافٍ ، وَلَا مُشْتَقٍّ مِنْ غَيْرِهِ كَقَادِرٍ ، وَقَدِيرٍ ، وَمُقْتَدِرٍ ، وَمَلِكِ النَّاسِ ، وَمَالِكٍ ، وَعَلِيمٍ ، وَعَالِمِ الْغَيْبِ فَلَمْ تَبْلُغْ هَذَا الْعَدَدَ ، وَاعْتَنَى آخَرُونَ بِذَلِكَ فَحَذَفُوا التَّكْرَارَ ، وَلَمْ يَحْذِفُوا الْإِضَافَاتِ فَوَجَدُوهَا عَلَى مَا قَالُوا تِسْعَةً وَتِسْعِينَ فِي الْقُرْآنِ كَمَا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ لَكِنَّهُ عَلَى الْجُمْلَةِ لَا عَلَى تَفْسِيرِهَا فِي الْحَدِيثِ ، وَاعْتَنَى آخَرُونَ بِجَمْعِهَا مُضَافَةً ، وَغَيْرَ مُضَافَةٍ ، وَمُشْتَقَّةً ، وَغَيْرَ مُشْتَقَّةٍ ، وَمَا وَقَعَ مِنْهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى اخْتِلَافِهَا ، وَفِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ ، وَمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ عَلَى إطْلَاقِهِ فَبَلَّغَهَا أَضْعَافَ هَذَا الْعَدَدِ الْمَذْكُورِ فِي الْحَدِيثِ ، وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ مَخْفِيَّةٌ فِي جُمْلَةِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى كَالِاسْمِ الْأَعْظَمِ فِيهَا ، وَلَيْلَةِ الْقَدْرِ فِي السَّنَةِ انْتَهَى . وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الْأَحَادِيثَ بِإِحْصَائِهَا مُضْطَرِبَةٌ لَمْ تَصِحْ قَالَ : وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ نَصِّ الْقُرْآنِ ، وَمَا صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَقَدْ بَلَغَ إحْصَاؤُهَا إلَى مَا يَذْكُرُهُ ، وَهِيَ اللَّهُ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ الْكَرِيمُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ الْقَيُّومُ [ ذُو ] الْإِكْرَامِ السَّلَامُ التَّوَّابُ الرَّبُّ الْوَهَّابُ الْإِلَهُ الْقَرِيبُ السَّمِيعُ الْمُجِيبُ الْوَاسِعُ الْعَزِيزُ الشَّاكِرُ الْقَاهِرُ الْآخَرُ الظَّاهِرُ الْكَبِيرُ الْخَبِيرُ الْقَدِيرُ الْبَصِيرُ الْغَفُورُ الشَّكُورُ الْغَفَّارُ الْقَهَّارُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ الْمُصَوِّرُ الْبَرُّ الْمُقْتَدِرُ الْبَارِئُ الْعَلِيُّ الْغَنِيُّ الْوَلِيُّ الْقَوِيُّ الْحَيُّ الْحَمِيدُ الْمَجِيدُ الْوَدُودُ الصَّمَدُ الْأَحَدُ الْوَاحِدُ الْأَوَّلُ الْأَعْلَى الْمُتَعَالِي الْخَالِقُ الْخَلَّاقُ الرَّزَّاقُ الْحَقُّ اللَّطِيفُ رَءُوفٌ عَفُوٌّ الْفَتَّاحُ الْمَتِينُ الْمُبِينُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْبَاطِنُ الْقُدُّوسُ الْمَالِكُ مَلِيكٌ الْأَكْبَرُ الْأَعَزُّ السَّيِّدُ سُبُّوحٌ وِتْرٌ حَنَّانٌ جَمِيلٌ رَفِيقٌ الْمُيَسِّرُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ الشَّافِي الْمُعْطِي الْمُقَدِّمُ الْمُؤَخِّرُ الدَّهْرُ هَذَا آخَرُ مَا ذَكَرَهُ ، وَجُمْلَتُهُ أَرْبَعَةٌ وَثَمَانُونَ . ( الرَّابِعَةُ ) أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ مِنْ الِاشْتِرَاطِ ، وَالثُّنْيَا فِي الْإِقْرَارِ ، وَالشُّرُوطِ الَّتِي يَتَعَارَفُهَا النَّاسُ بَيْنَهُمْ ، وَإِذَا قَالَ مِائَةً إلَّا وَاحِدَةً أَوْ ثِنْتَيْنِ ، قَالَ : وَقَالَ ابْنُ عَوْنٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ رَجُلٌ لِكَرِيِّهِ أَدْخِلْ رِكَابَك فَإِنْ لَمْ أَرْحَلْ مَعَك يَوْمَ كَذَا وَكَذَا فَلَكَ مِائَةُ دِرْهَمٍ فَلَمْ يَخْرُجْ فَقَالَ شُرَيْحٌ مَنْ شَرَطَ عَلَى نَفْسِهِ طَائِعًا غَيْرَ مُكْرَهٍ فَهُوَ عَلَيْهِ . ، وَقَالَ أَيُّوبُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ إنَّ رَجُلًا بَاعَ طَعَامًا ، وَقَالَ إنْ لَمْ آتِك الْأَرْبِعَاءَ فَلَيْسَ بَيْنِي ، وَبَيْنَك بَيْعٌ فَلَمْ يَجِئْ فَقَالَ شُرَيْحٌ لِلْمُشْتَرِي أَنْتَ أَخْلَفْت فَقَضَى عَلَيْهِ ( قُلْت ) وَكَأَنَّ الْبُخَارِيَّ قَصَدَ الِاسْتِدْلَالَ بِهِ عَلَى أَنَّ الْكَلَامَ إنَّمَا يَتِمُّ بِآخِرِهِ فَإِذَا كَانَ فِيهِ اسْتِثْنَاءٌ أَوْ شَرْطٌ عَمِلَ بِهِ ، وَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ مِائَةً إلَّا وَاحِدًا ، وَهُوَ فِي الِاسْتِثْنَاءِ مُسْلِمٌ فَلَوْ قَالَ فِي الْبَيْعِ بِعْت مِنْ هَذِهِ الصُّبْرَةِ مِائَةَ صَاعٍ إلَّا صَاعًا صَحَّ ، وَعُمِلَ بِهِ ، وَكَانَ بَائِعًا بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ ، وَلَا يُؤْخَذُ بِأَوَّلِ كَلَامِهِ ، وَيُلْغِي آخِرَهُ لَكِنْ فِي اسْتِنْبَاطِ ذَلِكَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ لِأَنَّ قَوْلَهُ مِائَةً إلَّا وَاحِدًا إنَّمَا ذُكِرَ تَأْكِيدًا لِمَا تَقَدَّمَ فَلَمْ يُسْتَفَدْ بِهِ فَائِدَةٌ مُسْتَأْنَفَةٌ حَتَّى يَسْتَنْبِطَ مِنْهُ هَذَا الْحُكْمَ لِحُصُولِ هَذَا الْمَقْصُودِ بِقَوْلِهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا ، نَعَمْ كَانَ يَصِحُّ إيرَادُ هَذَا الْكَلَامِ الثَّانِي مُنْقَطِعًا عَنْ الْأَوَّلِ ، وَحِينَئِذٍ فَيَحْصُلُ بِهِ هَذَا الْغَرَضُ . وَأَمَّا الشُّرُوطُ فَلَيْسَتْ صُورَةَ الْحَدِيثِ ، وَلِلنَّاسِ خِلَافٌ كَثِيرٌ فِي تَصْحِيحِ الشُّرُوطِ ، وَإِبْطَالِهَا وَالتَّفْصِيلِ فِيهَا ، وَذَلِكَ مُقَرَّرٌ فِي مَوَاضِعِهِ مِنْ كُتُبِ الْفِقْهِ وَغَيْرِهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسُ الْقُشَيْرِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى إذْ لَوْ كَانَ غَيْرُهُ كَانَتْ الْأَسْمَاءُ لِغَيْرِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى } ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ . الِاسْمُ فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ هُوَ الْكَلِمَةُ الدَّالَّةُ عَلَى أَمْرٍ مُفْرَدٍ . وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ لَا فَرْقَ بَيْنَ الِاسْمِ وَالْفِعْلِ وَالْحَرْفِ إذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَصْدُقُ عَلَيْهِ ذَلِكَ الْحَدُّ فَلَا فِعْلَ وَلَا حَرْفَ فِي الْعُرْفِ الْعَامِّ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ اصْطِلَاحُ النَّحْوِيِّينَ وَالْمَنْطِقِيِّينَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ الْآنَ مِنْ غَرَضِنَا وَإِذَا فَهِمْت هَذَا فَهِمْت غَلَطَ مَنْ قَالَ إنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى حَقِيقَةً كَمَا قَالَتْهُ طَائِفَةٌ مِنْ جُهَّالِ الْحَشَوِيَّةِ فَإِنَّهُمْ صَرَّحُوا بِذَلِكَ ، وَاعْتَقَدُوهُ حَتَّى أَلْزَمُوا عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مَنْ قَالَ ( سُمٌّ ) مَاتَ . وَمَنْ قَالَ ( نَارٌ ) احْتَرَقَ ، وَهَؤُلَاءِ أَخَسُّ مِنْ أَنْ يُشْتَغَلَ بِمُخَاطَبَتِهِمْ ، وَأَمَّا مَنْ قَالَ مِنْ النَّحْوِيِّينَ ، وَمِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى فَلَمْ يُرِيدُوا ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَرَادُوا أَنَّهُ هُوَ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يَدُلُّ إلَّا عَلَيْهِ ، وَلَا يُقَيِّدُ إلَّا هُوَ فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ الِاسْمُ مِنْ الْأَسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى ذَاتِ الْمُسَمَّى دَلَّ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ مَزِيدِ أَمْرٍ آخَرَ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْأَسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ دَلَّ عَلَى تِلْكَ الذَّاتِ مَنْسُوبَةً إلَى ذَلِكَ الزَّائِدِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهِ . وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّك إذَا قُلْت زَيْدٌ مَثَلًا فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى ذَاتٍ مُتَشَخِّصَةٍ فِي الْوُجُودِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ ، وَلَا نُقْصَانٍ فَلَوْ قُلْت مَثَلًا ( الْعَالِمُ ) دَلَّ هَذَا عَلَى تِلْكَ الذَّاتِ مَنْسُوبَةً إلَى الْعِلْمِ ، وَكَذَلِكَ لَوْ قُلْت الْغَنِيُّ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى تِلْكَ الذَّاتِ مَعَ إضَافَةِ مَالٍ إلَيْهَا ، وَمِنْ هُنَا صَحَّ عَقْلًا أَنْ تَكْثُرَ الْأَسْمَاءُ الْمُخْتَلِفَةُ عَلَى ذَاتٍ وَاحِدَةٍ لَا يُوجِبُ تَعَدُّدًا فِيهَا وَلَا تَكْثِيرًا ، وَقَدْ غَمُضَ فَهْمُ هَذَا مَعَ وُضُوحِهِ عَلَى بَعْضِ أَئِمَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَفَرَّ مِنْهُ هَرَبَا مِنْ لُزُومِ تَعَدُّدٍ فِي ذَلِكَ الْإِلَهِ حَتَّى تَأَوَّلَ هَذَا الْحَدِيثَ بِأَنْ قَالَ إنَّ الِاسْمَ فِيهِ يُرَادُ بِهِ التَّسْمِيَةُ ، وَرَأَى أَنَّ هَذَا يُخَلِّصُهُ مِنْ التَّكْثِيرِ . وَهَذَا فِرَارٌ مِنْ غَيْرِ مَفَرٍّ إلَى غَيْرِ مَفَرٍّ ، وَذَلِكَ أَنَّ التَّسْمِيَةَ إنَّمَا هِيَ وَضْعُ الِاسْمِ أَوْ ذِكْرُ الِاسْمِ فَهِيَ نِسْبَةُ الِاسْمِ إلَى مُسَمَّاهُ فَإِذَا قُلْنَا إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ تَسْمِيَةً اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ لَهُ تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا يَنْسُبُهَا كُلَّهَا إلَيْهِ فَبَقِيَ الْإِلْزَامُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّكَلُّفِ وَالتَّعَسُّفِ ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ يُقَالُ الِاسْمُ هُوَ الْمُسَمَّى ، وَيَعْنِي بِهِ أَنَّ هَذِهِ الْكَلِمَةِ الَّتِي هِيَ الِاسْمُ قَدْ تَطْلُقُ ، وَيُرَادُ بِهَا الْمُسَمَّى كَمَا قِيلَ ذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى { سَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى } أَيْ سَبِّحْ رَبَّك فَأُرِيدَ بِالِاسْمِ الْمُسَمَّى انْتَهَى . وَوَجَدْت لِشَيْخِنَا الْإِمَامِ بَهَاءِ الدِّينِ أَحْمَدَ بْنِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيّ فِي شَرْحِهِ عَلَى مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَحْقِيقًا حَسَنًا فَقَالَ وَجْهُ التَّحْقِيقِ فِيهَا عَلَى مَا تَلَقَّيْنَاهُ مِنْ أَفْوَاهِ مَشَايِخِنَا أَنْ يُقَالَ إذَا سَمَّيْت شَيْئًا بِاسْمٍ فَالنَّظَرُ فِي ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ ذَلِكَ الِاسْمُ . وَهُوَ اللَّفْظُ وَمَعْنَاهُ قَبْلَ التَّسْمِيَةِ ، وَمَعْنَاهُ بَعْدَ التَّسْمِيَةِ ، وَهُوَ الذَّاتُ الَّتِي أُطْلِقَ اللَّفْظُ عَلَيْهَا ، وَالذَّاتُ وَاللَّفْظُ مُتَغَايِرَانِ قَطْعًا ، وَالنُّحَاةُ إنَّمَا يُطْلِقُونَ عَلَى اللَّفْظِ لِأَنَّهُمْ إنَّمَا يَتَكَلَّمُونَ فِي الْأَلْفَاظِ ، وَهُوَ غَيْرُ الْمُسَمَّى قَطْعًا عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ ، وَالذَّاتُ هِيَ الْمُسَمَّى عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ ، وَلَيْسَ هُوَ الِاسْمُ قَطْعًا ، وَالْخِلَافُ فِي الْأَمْرِ الثَّالِثُ ، وَهُوَ مَعْنَى اللَّفْظِ قَبْلَ التَّلْقِيبِ فَعَلَى قَوَاعِدِ الْمُتَكَلِّمِينَ يُطْلِقُونَ الِاسْمَ عَلَيْهِ ، وَيَخْتَلِفُونَ فِي أَنَّهُ الثَّالِثُ أَوَّلًا ، وَالْخِلَافُ عِنْدَهُمْ حِينَئِذٍ فِي الِاسْمِ الْمَعْنَوِيِّ هَلْ هُوَ الْمُسَمَّى أَوَّلًا ، لَا فِي الِاسْمِ اللَّفْظِيِّ . وَأَمَّا النُّحَاةُ فَلَا يُطْلِقُونَ الِاسْمَ عَلَى غَيْرِ اللَّفْظِ لِأَنَّ صِنَاعَتَهُمْ إنَّمَا تَنْظُرُ فِي الْأَلْفَاظِ وَالْمُتَكَلِّمُ لَا يُنَازِعُ فِي ذَلِكَ ، وَلَا يَمْنَعُ هَذَا الْإِطْلَاقَ لِأَنَّهُ إطْلَاقُ اسْمِ الْمَدْلُولِ عَلَى الدَّالِّ ، وَيَزِيدُ شَيْئًا آخَرَ دَعَاهُ عِلْمُ الْكَلَامِ إلَى حَقِيقَتِهِ فِي مَسْأَلَةِ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ ، وَإِطْلَاقِهَا عَلَى الْبَارِي تَعَالَى عَلَى مَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ ، وَمِثَالُ ذَلِكَ إذَا قُلْت عَبْدُ اللَّهِ أَنْفُ النَّاقَةِ فَالنُّحَاةُ يُرِيدُونَ بِاللَّقَبِ لَفْظَ أَنْفِ النَّاقَةِ ، وَالْمُتَكَلِّمُونَ يُرِيدُونَ مَعْنَاهُ ، وَهُوَ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ مِنْ مَدْحٍ أَوْ ذَمٍّ . وَقَوْلُ النُّحَاةِ إنَّ اللَّقَبَ ، وَيَعْنُونَ بِهِ اللَّفْظَ مُشْعِرٌ بِضِعَةٍ أَوْ رِفْعَةٍ لَا يُنَافِيه لِأَنَّ اللَّفْظَ يُشْعِرُ بِدَلَالَتِهِ عَلَى الْمَعْنَى ، وَالْمَعْنَى فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْمُقْتَضِي لِلضِّعَةِ أَوْ الرِّفْعَةِ ، وَذَاتُ عَبْدِ اللَّهِ هِيَ الْمُلَقَّبُ عِنْدَ الْفَرِيقَيْنِ فَهَذَا تَنْقِيحُ مَحَلِّ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلْيُتَأَمَّلْ فَإِنَّهُ تَنْقِيحٌ حَسَنٌ ، وَبِهِ يَظْهَرُ أَنَّ الْخِلَافَ فِي أَنَّ الِاسْمَ الْمُسَمَّى أَوْ غَيْرِهِ خَاصٌّ بِأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ الْمُشْتَقَّةِ لَا فِي كُلِّ اسْمٍ ، وَالْمَقْصُودُ بِهِ إنَّمَا هُوَ الْمَسْأَلَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِأُصُولِ الدِّينِ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ انْتَهَى . ( السَّادِسَةُ ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ إذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَافْهَمْ أَنَّ أَسْمَاءَ الْحَقِّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَإِنْ تَعَدَّدَتْ فَلَا تَعَدُّدَ فِي ذَاتِهِ ، وَلَا تَرْكِيبَ لَا عَقْلِيًّا كَتَرْكِيبِ الْمَحْدُودَاتِ ، وَلَا مَحْسُوسًا كَتَرْكِيبِ الْجُسْمَانِيَّاتِ ، وَإِنَّمَا تَعَدَّدَتْ أَسْمَاؤُهُ تَعَالَى بِحَسَبِ الِاعْتِبَارَاتِ الزَّائِدَةِ عَلَى الذَّاتِ ثُمَّ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ مِنْ جِهَةِ دَلَالَتِهَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَضْرُبٍ ( فَمِنْهَا ) مَا يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ مُجَرَّدَةً كَاسْمِهِ ( اللَّهُ ) تَعَالَى عَلَى قَوْلِ مَنْ يَقُولُ أَنَّهُ عَلَمٌ غَيْرُ مُشْتَقٍّ ، وَهُوَ الْخَلِيلُ ، وَغَيْرُهُ لِأَنَّهُ يَدُلُّ عَلَى الْمَوْجُودِ الْحَقِّ الْمَوْصُوفِ بِصِفَاتِ الْجَلَالِ وَالْكَمَالِ دَلَالَةً مُطْلَقَةً غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِقَيْدٍ ، وَلِأَنَّهُ أَشْهَرُ أَسْمَائِهِ حَتَّى يُعْرَفَ كُلُّ أَسْمَائِهِ بِهِ فَيُقَالَ الرَّحْمَنُ اسْمُ اللَّهِ ، وَلَا يُقَالُ اللَّهُ اسْمُ الرَّحْمَنِ لِأَنَّ الْعَرَبَ عَامَلَتْهُ مُعَامَلَةَ الْأَسْمَاءِ الْأَعْلَامِ فِي النِّدَاءِ فَجَمَعُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ يَاءِ النِّدَاءِ ، وَلَوْ كَانَ مُشْتَقًّا لَكَانَتْ لَامُهُ زَائِدَةً ، وَحِينَئِذٍ لَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فِي النِّدَاءِ كَمَا لَا يُقَالُ يَا الْحَارِثُ ، وَلَا يَا الْعَبَّاسُ ( وَمِنْهَا ) مَا يَدُلُّ عَلَى صِفَاتِ الْبَارِئِ تَعَالَى الثَّابِتَةِ لَهُ كَالْعَالِمِ ، وَالْقَادِرِ ، وَالسَّمِيعِ ، وَالْبَصِيرِ ( وَمِنْهَا ) مَا يَدُلُّ عَلَى إضَافَةِ أَمْرٍ مَا لَهُ كَالْخَالِقِ ، وَالرَّازِقِ ( وَمِنْهَا ) مَا يَدُلُّ عَلَى سَلْبِ شَيْءٍ عَنْهُ كَالْقُدُّوسِ وَالسَّلَامِ ، وَهَذِهِ الْأَقْسَامُ الْأَرْبَعَةُ لَازِمَةٌ مُنْحَصِرَةٌ دَائِرَةٌ بَيْنَ النَّفْيِ وَالْإِثْبَاتِ فَاخْتَبِرْهَا تَجِدْهَا كَذَلِكَ انْتَهَى . ( السَّابِعَةُ ) وَفِيهِ أَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى تَوْقِيفِيَّةٌ لَا يَجُوزُ أَنْ يُسَمَّى إلَّا بِمَا سَمَّى بِهِ نَفْسَهُ ، وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشَّيْخُ أَبُو الْحَسَنِ الْأَشْعَرِيُّ ، وَقِيلَ يَجُوزُ تَسْمِيَتُهُ بِمَا يَلِيقُ بِهِ ، وَقِيلَ إنْ وَرَدَ الْفِعْلُ بِذَلِكَ ، وَلَمْ يُوهِمْ نَقْصًا ، وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مُقَرَّرٌ فِي عِلْمِ أُصُولِ الدِّينِ . ( الثَّامِنَةُ ) فِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ بِجَمِيعِ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُتَقَدِّمِ ذَكَرُهَا لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهَا أَسْمَاؤُهُ ، وَانْدِرَاجِهَا فِي قَوْلِهِ فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ هَذَا اللَّفْظَ بِخُصُوصِهِ بَلْ كُلُّ مَا أُطْلِقَ عَلَيْهِ تَعَالَى مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى أَوْرَدَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ الْأَيْمَانِ ، وَكَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ ، وَهُوَ ظَاهِرُ كَلَامِ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ ، وَهُوَ وَجْهٌ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ أَنَّ الْحَلِفَ بِأَيِّ اسْمٍ كَانَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى التِّسْعَةِ وَالتِّسْعِينَ صَرِيحٌ ، وَمُقَابِلُهُ وَجْهٌ غَرِيبٌ حَكَاهُ ابْنُ كَجٍّ أَيْضًا أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْأَسْمَاءِ صَرِيحٌ فِي الْحَلِفِ إلَّا ( اللَّهَ ) ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ انْقِسَامُ الْأَسْمَاءِ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ، وَكَذَا قَالَ الْحَنَابِلَةُ : ( أَحَدُهَا ) مَا يَخْتَصُّ بِهِ تَعَالَى ، وَلَا يُطْلَق فِي حَقِّ غَيْرِهِ كَاَللَّهِ وَالرَّحْمَنِ وَرَبِّ الْعَالَمِينَ ، وَنَحْوِهَا فَتَنْعَقِدُ بِهَا الْيَمِينُ ، وَلَوْ أَطْلَقَ أَوْ نَوَى غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى ( ثَانِيهَا ) مَا يُطْلَق عَلَيْهِ ، وَعَلَى غَيْرِهِ لَكِنَّ الْغَالِبَ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِ ، وَأَنَّهُ بِقَيْدٍ فِي حَقِّ غَيْرِهِ بِضَرْبٍ مِنْ التَّقْيِيدِ كَالْجَبَّارِ ، وَالْحَقِّ ، وَالرَّبِّ ، وَنَحْوِهَا فَالْحَلِفُ بِهِ يَمِينٌ ، وَلَوْ أُطْلِقَ فَإِنْ نَوَى بِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى فَلَيْسَ بِيَمِينٍ ( ثَالِثُهَا ) مَا يُطْلَقُ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى ، وَفِي حَقِّ غَيْرِهِ ، وَلَا يَغْلِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِي أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ كَالْحَيِّ ، وَالْمَوْجُودِ ، وَالْمُؤْمِنِ ، وَنَحْوِهَا فَإِنْ نَوَى بِهِ غَيْرَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ أُطْلِقَ فَلَيْسَ بِيَمِينٍ ، وَإِنْ نَوَى اللَّهَ تَعَالَى فَوَجْهَانِ صَحَّحَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يَمِينٌ ، وَكَذَا فِي الْمُحَرَّرِ لِلرَّافِعِيِّ لَكِنْ صَحَّحَ فِي شَرْحَيْهِ عَلَى الْوَجِيز الْكَبِيرِ ، وَالصَّغِيرِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ يَمِينًا ، وَصَحَّحَ ابْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُحَرَّرِ الْأَوَّلَ ، وَقَالَ الْقَاضِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ بِالثَّانِي . ( التَّاسِعَةُ ) قَوْلُهُ { مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ } قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْإِحْصَاءُ فِي هَذَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا ( أَظْهَرُهَا ) الْعَدُّ لَهَا حَتَّى يَسْتَوْفِيَهَا يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَقْتَصِرُ عَلَى بَعْضُهَا لَكِنْ يَدْعُو اللَّهَ بِهَا كُلِّهَا ، وَيُثْنِي عَلَيْهِ بِجَمِيعِهَا فَيَسْتَوْجِبُ الْمَوْعُودَ عَلَيْهَا مِنْ الثَّوَابِ ( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) أَنَّ مَعْنَى الْإِحْصَاءِ فِيهَا الْإِطَاقَةُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { عَلِمَ أَنْ لَنْ تُحْصُوهُ } ، وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا } أَيْ لَنْ تُطِيقُوا أَنْ تَبْلُغُوا كُنْهَ الِاسْتِقَامَةِ ، وَلَكِنْ اجْتَهَدُوا فِي ذَلِكَ مَبْلَغَ الْوُسْعِ وَالطَّاقَةِ ، وَالْمَعْنَى أَنَّ مَنْ أَطْلَقَ الْقِيَامَ نَحْوَ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَالْعَمَلِ بِمُقْتَضَاهَا ، وَهُوَ أَنْ يَعْتَبِرَ مَعَانِيَهَا فَيُلْزِمَ نَفْسَهُ بِوَاجِبِهَا فَإِذَا قَالَ الرَّزَّاقُ وَثِقَ بِالرِّزْقِ ، وَكَذَا فِي سَائِرِ الْأَسْمَاءِ ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّ مَعْنَاهُ مَنْ عَقَلَهَا ، وَأَحَاطَ عِلْمًا بِمَعَانِيهَا مِنْ قَوْلِ الْعَرَبِ فُلَانٌ ذُو حَصَاةٍ أَيْ ذُو عَقْلٍ وَمَعْرِفَةٍ . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَعْنَى هَذَا الْكَلَامِ ، وَالْمَرْجُوُّ مِنْ كَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى . أَنَّ مَنْ حَصَلَ لَهُ إحْصَاءُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ عَلَى إحْدَى هَذِهِ الْمَرَاتِبِ مَعَ صِحَّةِ النِّيَّةِ أَنْ يُدْخِلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ لَكِنَّ الْمَرْتَبَةَ الْأُولَى رُتْبَةُ أَصْحَابِ الْيَمِينِ ، وَالثَّانِيَةَ وَهِيَ الَّتِي فِي كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ ثَالِثًا لِلسَّابِقِينَ ، وَالثَّالِثَةَ وَهِيَ الَّتِي فِي كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ ( ثَانِيًا ) لِلصِّدِّيقِينَ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْبُخَارِيُّ ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ مَعْنَاهُ حِفْظُهَا ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنَّهُ جَاءَ مُفَسَّرًا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مَنْ حَفِظَهَا ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ حِفْظُ الْقُرْآنِ وَتِلَاوَتِهِ كُلِّهِ لِأَنَّهُ مُسْتَوْفٍ لَهَا قَالَ : وَهَذَا ضَعِيفٌ ، وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ، وَحَكَاهُ فِي الْأَذْكَارِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَوْلُهُ إنَّهُ وِتْرٌ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ قُرِئَ بِهِمَا فِي الْمَشْهُورِ ، وَالْوِتْرُ الْفَرْدُ ، وَمَعْنَاهُ فِي حَقِّ اللَّهِ الْوَاحِدِ الَّذِي لَا شَرِيكَ لَهُ ، وَلَا نَظِيرَ فَهُوَ وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ فَلَا انْقِسَامَ لَهُ ، وَوَاحِدٌ فِي إلَهِيَّتِهِ فَلَا نَظِيرَ لَهُ ، وَوَاحِدٌ فِي مُلْكِهِ وَمِلْكِهِ فَلَا شَرِيكَ لَهُ ، وَقَوْلُهُ { يُحِبُّ الْوِتْرَ } قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قِيلَ مَعْنَاهُ فَضْلُ الْوِتْرِ فِي الْعَدَدِ عَلَى الشَّفْعِ فِي أَسْمَائِهِ لِيَكُونَ أَدَلَّ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ وَالتَّفَرُّدِ [ وَقِيلَ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى صِفَةِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ ] عَلَى سَبِيلِ الْإِخْلَاصِ لَا يُشْرِكُ فِي عِبَادَتِهِ أَحَدًا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَأْمُرُ ، وَيُفَضِّلُ الْوِتْرَ فِي الْأَعْمَالِ ، وَكَثِيرٍ مِنْ الطَّاعَاتِ كَمَا جَعَلَ الصَّلَوَاتِ خَمْسًا وِتْرًا ، وَشُرِعَتْ أَعْدَادُ الطَّهَارَاتِ ، وَالِاسْتِطَابَةُ ، وَأَكْفَانُ الْمَيِّتِ ، وَنُصُبُ الزَّكَاةِ مِنْ الْخَمْسِ أَوَاقٍ ، وَالْخَمْسَةِ أَوْسُقٍ ، وَنِصَابُ الْإِبِلِ ، وَأَكْثَرُ نِصَابِ الْغَنَمِ ، وَأَوَّلُ نِصَابِ الْبَقَرِ وِتْرًا فِي الْعُقُودِ ، وَخَلْقًا كَثِيرًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ عَلَى عَدَدِ الْوِتْرِ مِنْ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالْبُحُورِ ، وَعَدَدِ الْأَيَّامِ فِي الْجُمُعَةِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ انْتَهَى . وَصَدَّرَ النَّوَوِيُّ كَلَامَهُ بِهَذَا الْأَخِيرِ ، وَاقْتَضَى كَلَامُهُ تَرْجِيحَهُ ، وَكَذَا رَجَّحَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْوِتْرَ هُنَا لِلْجِنْسِ إذْ لَا مَعْهُودَ جَرَى ذِكْرُهُ يُحْمَلُ عَلَيْهِ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ يُحِبُّ كُلَّ وِتْرٍ شَرَعَهُ وَأَمَرَ بِهِ ، وَمَعْنَى مَحَبَّتَهُ لَهُ أَنَّهُ أَمَرَ بِهِ ، وَأَثَابَ عَلَيْهِ ، وَيَصْلُحُ ذَلِكَ لِلْعُمُومِ لِمَا خَلَقَهُ وِتْرًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ ، وَمَعْنَى مَحَبَّتِهِ لَهُ أَنَّهُ خَصَّصَهُ بِذَلِكَ لِحِكْمَةٍ عَلِمَهَا ، وَأُمُورٍ قَدَّرَهَا قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ فَقِيلَ هُوَ صَلَاةُ الْوِتْرِ ، وَقِيلَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ ، وَقِيلَ يَوْمُ عَرَفَةَ ، وَقِيلَ آدَم ، وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ قَالَ : وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ مُتَكَافِئَةٌ ، وَأَشْبَهَ مَا تَقَدَّمَ حَمْلُهُ عَلَى الْعُمُومِ ، وَقَدْ ظَهَرَ لِي وَجْهٌ ، وَأَرْجُو أَنْ يَكُونَ أَوْلَى بِالْمَقْصُودِ ، وَهُوَ أَنَّ الْوِتْرَ يُرَادُ بِهِ التَّوْحِيدُ فَيَكُونُ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي ذَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَكَمَالِهِ وَاحِدٌ ، وَيُحِبُّ التَّوْحِيدَ أَيْ أَنْ يُوَحَّدَ ، وَيُعْتَقَدُ انْفِرَادُهُ بِهِ دُونَ خَلْقِهِ فَيَلْتَئِمُ أَوَّلُ الْحَدِيثِ وَآخِرُهُ وَظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ انْتَهَى . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ، وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَيْمَانِ وَالنُّذُورِ مِنْ صَحِيحِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُوسَى عَنْ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) أَوْرَدَهُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ هُنَا تَبَعًا لِلْبُخَارِيِّ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى صِحَّةِ الْحَلِفِ بِهَذَا اللَّفْظِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي يُفْهَمُ مِنْهَا ذَاتَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَا تَحْتَمِلُ غَيْرَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى كَقَوْلِهِ : وَاَلَّذِي أَعْبُدُهُ أَوْ أَسْجُدُ لَهُ أَوْ أُصَلِّي لَهُ أَوْ وَاَلَّذِي فَلَقَ الْحَبَّةَ أَوْ مُقَلِّبُ الْقُلُوبِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ خِلَافٌ فِيمَا إذَا نَوَى اللَّهَ تَعَالَى أَوْ أَطْلَقَ فَإِنْ قَالَ قَصَدْت غَيْرَهُ فَقَالَ أَصْحَابُنَا لَا يُقْبَلُ ظَاهِرًا قَطْعًا ، وَلَا بَاطِنًا فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الصَّحِيحِ الْمَعْرُوفِ فِي الْمَذْهَبِ ، وَحُكِيَ فِيهِ وَجْهٌ ضَعِيفٌ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ تَرْجِيحُ جَانِبِ الْخَوْفِ ، وَشِدَّةِ أَمْرِ الْآخِرَةِ وَعِظَمِهِ ، وَفِيهِ تَمَيُّزُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِمَعَارِفَ قَلْبِيَّةٍ وَبَشَرِيَّةٍ لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ ، وَحَظُّ الْأُمَّةِ مِنْهَا مَعْرِفَتُهَا عَلَى الْجُمْلَةِ فَإِنَّ لَا سَبِيلَ لَهُمْ إلَى تَفَاصِيلِهَا ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْ رَأَيْتُمْ مَا رَأَيْت لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا ، وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا قَالُوا وَمَا رَأَيْت يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ رَأَيْت الْجَنَّةَ وَالنَّارَ } فَجَمَعَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَيْنَ عِلْمِ الْيَقِينِ وَعَيْنِ الْيَقِينِ مَعَ الْخِشْيَةِ الْقَلْبِيَّةِ ، وَاسْتِحْضَارِ الْعَظَمَةِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَى وَجْهٍ لَمْ يُجْمَعْ لِغَيْرِهِ ، وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِأَصْحَابِهِ { إنَّ أَتْقَاكُمْ وَأَعْلَمكُمْ بِاَللَّهِ أَنَا } ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ . ( الرَّابِعَةُ ) وَفِيهِ الْحَلِفُ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ لِتَقْوِيَةِ الْخَبَرِ بِهِ وَتَأْكِيدِهِ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ لَأَنْ يَرَانِي ثُمَّ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ : وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ لَأَنْ يَرَانِي ثُمَّ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظٍ { وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ فِي يَدِهِ لَيَأْتِيَنَّ عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ وَلَا يَرَانِي ثُمَّ لَأَنْ يَرَانِي أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ مَعَهُمْ } ، وَهَذَا اللَّفْظُ مُخَالِفٌ لِلَّفْظِ الَّذِي نَقَلْته وَرَوَيْته عَنْ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ فَإِنَّ حَاصِلَ رِوَايَتِنَا إخْبَارُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهُ يَأْتِي عَلَى الْإِنْسَانِ زَمَانٌ يَكُونُ رُؤْيَتُهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ ، وَهُوَ غَرِيبٌ فَقِيرٌ لَا أَهْلَ لَهُ وَلَا مَالَ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ فَقْدِ رُؤْيَتِهِ مَعَ وُجُودِ الْأَهْلِ وَالْمَالِ ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِتَكْرِيرِ اللَّفْظِ فِي قَوْلِهِ لَأَنْ يَرَانِي ثُمَّ لَأَنْ يَرَانِي مَعَهُمْ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ ، وَهُوَ عِنْدِي مُقَدَّمٌ وَمُؤَخَّرٌ ، وَتَبِعَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَلَى ذَلِكَ ، وَزَادَ أَيْضًا التَّقْدِيمَ وَالتَّأْخِيرَ فِي قَوْلِهِ لَا يَرَانِي أَيْ رُؤْيَتُهُ إيَّايَ أَحْظَى عِنْدَهُ وَأَحَبُّ إلَيْهِ ، وَهُوَ أَفْرَحُ بِهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي تَقْدِيمِ لَأَنْ يَرَانِي ، وَتَأْخِيرِ ثُمَّ لَا يَرَانِي كَمَا قَالَ : وَأَمَّا لَفْظُ مَعَهُمْ فَهِيَ عَلَى ظَاهِرِهَا ، وَفِي مَوْضِعهَا ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ يَأْتِي عَلَى أَحَدِكُمْ يَوْمٌ لَأَنْ يَرَانِي فِيهِ لَحْظَةً ثُمَّ لَا يَرَانِي بَعْدَهَا أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ جَمِيعًا انْتَهَى . وَتَوْجِيهُ مَا قَالَهُ ابْنُ سُفْيَانَ ، وَحَكَاهُ الْقَاضِي مِنْ تَقْدِيرِ تَقْدِيمِ مَعَهُمْ أَنَّ مَعْنَاهُ لَأَنْ يَرَانِي مَوْجُودًا كَائِنًا مَعَهُمْ ، وَجَمَعَ الضَّمِيرَ بِاعْتِبَارِ الرَّأْيِ وَأَصْحَابِهِ ، وَلِهَذَا جَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ مَعَهُ بِالْإِفْرَادِ نَقَلَهَا الْقَاضِي ، وَتَوْجِيهُ بَقَائِهِ عَلَى حَالِهِ مُؤَخَّرًا عَوْدُ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ مَعَهُمْ عَلَى الْأَهْلِ أَيْ إنَّ رُؤْيَتَهُ إيَّايَ أَحَبُّ إلَيْهِ مِنْ أَهْلِهِ وَمِنْ مَالِهِ مَعَ أَهْلِهِ أَيْضًا فَإِنَّهُ قَدْ يَسْمَحُ الْإِنْسَانُ بِفِرَاقِ أَهْلِهِ ، وَلَا يَسْمَحُ بِفِرَاقِ مَالِهِ ، وَيَجُوزُ أَنْ لَا يُقَدِّرَ قَوْلَهُ ، وَلَا يَرَانِي مُؤَخَّرًا بَلْ يَبْقَى بِحَالِهِ مِنْ التَّقْدِيمِ ، وَالْمَعْنَى إنْذَارُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِفِرَاقِهِ ، وَأَنَّهُ يَأْتِي عَلَى أَصْحَابِهِ وَقْتٌ لَا يَرَوْنَهُ فِيهِ ، وَلَا يَتَمَكَّنُونَ مِنْ ذَلِكَ لِوَفَاتِهِ ، وَرُؤْيَتُهُ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَحَبُّ إلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ، وَيُوَافِقُ ذَلِكَ أَنَّ الْقُرْطُبِيَّ لَمَّا ذَكَرَ لَفْظَ مُسْلِمٍ قَالَ كَذَا صَحِيحُ الرِّوَايَةِ ، وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِشَيْءٍ مِمَّا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَالنَّوَوِيُّ . ( الثَّانِيَةُ ) إنْ قُلْت مَا مَعْنَى الْإِخْبَارِ بِوُقُوعِ ذَلِكَ فِي الْمُسْتَقْبِلِ مَعَ أَنَّ الْوَاجِبَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى غَيْرِهِمْ أَنْ يَكُونَ أَحَبَّ إلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ ، وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ أَيْضًا ، وَيَجِبُ فِدَاؤُهُ لَوْ اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ ( قُلْت ) لَيْسَ الْكَلَامُ فِي ذَاتِهِ الْكَرِيمَةِ بَلْ وَفِي رُؤْيَتِهِ لَحْظَةً وَاحِدَةً فَلَوْ خُيِّرَ صَحَابِيٌّ فِي زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَيْنَ رُؤْيَتِهِ فِي لَحْظَةٍ مُعَيَّنَةٍ وَفَقْدِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ ، وَبَيْنَ انْتِفَاءِ رُؤْيَتِهِ فِي تِلْكَ اللَّحْظَةِ مَعَ بَقَاءِ أَهْلِهِ وَمَالِهِ فَاخْتَارَ بَقَاءَ أَهْلِهِ وَمَالِهِ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مَحْذُورٌ لِأَنَّ انْتِفَاءَ الرُّؤْيَةِ تِلْكَ اللَّحْظَةِ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ ، وَفَقْدُ الْأَهْلِ وَالْمَالِ الَّذِي بِهِمَا قِيَامُ النَّاسِ يَحْصُلُ بِهِ الضَّرَرُ الْبَلِيغُ فَأَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِغَلَبَةِ الْمَيْلِ عِنْدَ فَقْدِهِمْ رُؤْيَتِهِ بِحَيْثُ يُؤْثِرُونَ رُؤْيَتَهُ لَحْظَةً وَاحِدَةً ، وَلَوْ حَصَلَ فِرَاقُهُمْ لَهُ عَقِبَهَا عَلَى الْأَهْلِ [ وَالْمَالِ ] ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ مَقْصُودُ الْحَدِيثِ حَثُّهُمْ عَلَى مُلَازَمَةِ مَجْلِسِهِ الْكَرِيمِ ، وَمُشَاهَدَتِهِ حَضَرًا وَسَفَرًا لِلتَّأَدُّبِ بِآدَابِهِ وَتَعَلُّمِ الشَّرَائِعِ وَحِفْظِهَا لِيُبَلِّغُوهَا ، وَإِعْلَامِهِمْ أَنَّهُمْ سَيَنْدَمُونَ عَلَى مَا فَرَّطُوا فِيهِ مِنْ الزِّيَادَةِ مِنْ مُشَاهَدَتِهِ وَمُلَازَمَتِهِ ، وَمِنْهُ قَوْلُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَلْهَانِي عَنْهُ الصَّفْقُ بِالْأَسْوَاقِ ( قُلْت ) وَقَدْ وَجَدْنَا ذَلِكَ فِي حَقِّ أَنْفُسِنَا وَمُعَلِّمِينَا [ فَقَدْ ] نَدِمْنَا غَايَةَ النَّدَمِ عَلَى التَّقْصِيرِ فِي مُلَازَمَتِهِمْ إلَى وَفَاتِهِمْ ، وَتَبَيَّنَ لَنَا سُوءُ الرَّأْيِ فِي ظَنِّنَا أَنَّ الْقَدْرَ الَّذِي حَصَلْنَاهُ عَنْهُمْ كَافٍ ، وَفَاتَنَا بِذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ مَا لَا نُحْصِيه فَكَيْفَ بِسَيِّدِ السَّادَاتِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( الرَّابِعَةُ ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ مَعْنَى الْحَدِيثِ إخْبَارُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنَّهُ إذَا فُقِدَ تَغَيَّرَتْ الْحَالُ عَلَى أَصْحَابِهِ مِنْ عَدَمِ مُشَاهَدَتِهِ وَفَقْدِ عَظِيمِ فَوَائِدِهَا ، وَلِمَا طَرَأَ عَلَيْهِمْ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَالْمِحَنِ وَالْكُرَبِ وَالْفِتَنِ ، وَعَلَى الْجُمْلَةِ فَسَاعَةُ مَوْتِهِ اخْتَلَفَتْ الْآرَاءُ وَنَجَمَتْ الْأَهْوَاءُ ، وَكَادَ النِّظَامُ يَنْحَلُّ لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى تَدَارَكَهُ بِثَانِي اثْنَيْنِ ، وَأَهْلِ الْعَقْدِ وَالْحَلِّ ، وَقَدْ عَبَّرَ الصَّحَابَةُ عَنْ مَبْدَأِ ذَلِكَ التَّغَيُّرِ لَنَا بِقَوْلِهِمْ مَا سَوَّيْنَا التُّرَابَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَنْكَرْنَا قُلُوبَنَا فَكُلَّمَا حَصَلَ وَاحِدٌ مِنْهُمْ فِي كُرْبَةٍ مِنْ تِلْكَ الْكُرَبِ وَدَّ أَنَّهُ يَرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكُلِّ مَا مَعَهُ مِنْ أَهْلٍ وَمَالٍ ، وَذَلِكَ لِتَذَكُّرِهِ مَا فَاتَ مِنْ بَرَكَاتِ مُشَاهَدَتِهِ ، وَلِمَا حَصَلَ بَعْدَهُ مِنْ فَسَادِ الْأَمْرِ وَتَغَيُّرِ حَالَتِهِ انْتَهَى . ( الْخَامِسَةُ ) هَذَا الْحَدِيثُ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَاَلَّذِي بَعْدَهُ فِي أَنَّ إيرَادَهُ فِي هَذَا الْبَابِ ===========================ج22 ===================== اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْحَلِفِ بِمِثْلِ قَوْلِهِ : وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَلَا يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ، وَمَاتَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِاَلَّذِي أُرْسِلْت بِهِ إلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَاَللَّهِ مَا أُوتِيَكُمْ مِنْ شَيْءٍ وَلَا أَمْنَعُكُمُوهُ إنْ أَنَا إلَّا خَازِنٌ أَصْنَعُ حَيْثُ أُمِرْت } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَلَا يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ ، وَمَاتَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِاَلَّذِي أُرْسِلْت بِهِ إلَّا كَانَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي يُونُسَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ مِنْ هَذِهِ الْأَمَةِ يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { لَا يَسْمَعُ بِي أَحَدٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ } يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أُمَّةِ الدَّعْوَةِ مَنْ هُوَ مَوْجُودٌ فِي زَمَنِهِ ، وَمِنْ يَتَجَدَّدُ وُجُودُهُ بَعْدَهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَذِكْرُهُ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَهُمَا تَنْبِيهًا عَلَى مَنْ سِوَاهُمَا ، وَذَلِكَ لِأَنَّ الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى لَهُمْ كِتَابٌ فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنُهُمْ مَعَ أَنَّ لَهُمْ كِتَابًا فَغَيْرُهُمْ مِمَّنْ لَا كِتَابَ لَهُ أَوْلَى قَالَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ الْعَرَبَ الَّذِينَ هُمْ عَبَدَةُ الْأَوْثَانِ ، وَحِينَئِذٍ فَعَطَفَ الْيَهُودِيَّ وَالنَّصْرَانِيَّ عَلَى بَابِهِ لِعَدَمِ دُخُولِهِمَا فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَتِنَا : وَلَا يَهُودِيٌّ وَلَا نَصْرَانِيٌّ يُوَافِقُ ذَلِكَ . ( الثَّالِثَةُ ) وَمَفْهُومُهُ أَنَّ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ تَبْلُغْهُ دَعْوَةُ الْإِسْلَامِ فَهُوَ مَعْذُورٌ عَلَى مَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ أَنَّهُ لَا حُكْمَ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ عَلَى الصَّحِيحِ . ( الرَّابِعَةُ ) وَفِيهِ نَسْخُ الْمِلَلِ كُلِّهَا بِرِسَالَةِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( الْخَامِسَةُ ) وَفِيهِ الِانْتِفَاعُ بِالْإِسْلَامِ قُبَيْلَ الْمَوْتِ ، وَلَوْ فِي الْمَرَضِ الشَّدِيدِ مَا لَمْ يَصِلْ إلَى الْمُعَايَنَةِ . ( السَّادِسَةُ ) وَفِيهِ تَكْفِيرُ مَنْ أَنْكَرَ بَعْضَ مَا جَاءَ بِهِ إذَا ثَبَتَ ذَلِكَ بِنَصٍّ قَطْعِيٍّ ، وَأَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . الْحَدِيثُ السَّادِسُ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَاَللَّهِ مَا أُوتِيَكُمْ مِنْ شَيْءٍ ، وَلَا أَمْنَعُكُمُوهُ إنْ أَنَا إلَّا خَازِنٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْت } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ . ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ شَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِنَانٍ عَنْ فُلَيْحِ عَنْ هِلَالٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظٍ { مَا أُعْطِيكُمْ وَلَا أَمْنَعُكُمْ أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْت } . ( الثَّانِيَةُ ) أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْخُمُسِ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ بَابُ قَوْله تَعَالَى { فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } يَعْنِي لِلرَّسُولِ قَسْمُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ غَرَضُهُ الرَّدُّ عَلَى مَنْ جَعَلَ لِلنَّبِيِّ خُمُسَ الْخَمْسِ مِلْكًا اسْتِدْلَالًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ قَالَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاقَ ، وَقِيلَ فِي الْغَنَائِمِ كُلِّهَا ( لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ) كَمَا قِيلَ فِي الْخُمُسِ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ فَكَانَتْ الْأَنْفَالُ كُلُّهَا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَلْ عَلِمَ الْمُسْلِمُونَ أَنَّ الْأَمْرَ فِيهَا مَرْدُودٌ إلَيْهِ فَقَسَّمَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ فِيهَا كَرَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَلْ لَعَلَّ مَا أَخَذَ مِنْ ذَلِكَ أَقَلَّ مِنْ حَظِّ رَجُلٍ بَلَغَنَا أَنَّهُ تَنَفَّلَ سَيْفَهُ ذَا الْفَقَارِ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَقِيلَ جَمَلًا لِأَبِي جَهْلٍ ، وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ ذِي عَقْلٍ أَنَّهُ لَا شِرْكَ بَيْنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَبَيْنَ أَحَدٍ مِنْ النَّاسِ ، وَإِنَّ مَا كَانَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَالْمَعْنِيُّ بِهِ وَاحِدٌ لِأَنَّ طَاعَةَ اللَّهِ طَاعَةُ رَسُولِهِ ، وَسُئِلَ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } قَالَ هَذَا مِفْتَاحُ كَلَامِ وَلِلَّهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ قَالَ الْمُهَلَّبُ : وَإِنَّمَا خَصَّ بِنِسْبَةِ الْخُمُسِ إلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ لَيْسَ لِلْغَانِمِينَ فِيهِ دَعْوَى ، وَإِنَّمَا هُوَ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ فَإِنْ رَأَى دَفْعَهُ فِي بَيْتِ الْمَالِ لِمَا يَخْشَى أَنْ يَنْزِلَ بِالْمُسْلِمِينَ دَفَعَهُ ، أَوْ يَجْعَلُهُ فِيمَا يَرَاهُ ، وَقَدْ يُقَسِّمُ مِنْهُ لِلْغَانِمِينَ كَمَا أَنَّهُ يُعْطِي مِنْ الْمَغَانِمِ لِغَيْرِ الْغَانِمِينَ كَمَا قَسَّمَ لِجَعْفَرٍ وَغَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَشْهَدْ الْوَقْعَةَ ، فَالْخُمُسُ وَغَيْرُهُ [ يَرْجِعُ ] إلَى قِسْمَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاجْتِهَادِهِ ، وَلَيْسَ لَهُ فِي الْخُمُسِ مِلْكٌ ، وَلَا يَتَمَلَّكُ مِنْ الدُّنْيَا إلَّا قَدْرَ حَاجَتِهِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ كُلِّهِ عَائِدٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، وَهَذَا مَعْنًى لِتَسْمِيَتِهِ الْقَاسِمَ ، وَلَيْسَتْ هَذِهِ التَّسْمِيَةُ بِمُوجِبَةٍ أَنْ لَا يَكُونَ لَهُ أَثَرَةٌ فِي اجْتِهَادِهِ لِقَوْمٍ دُونَ قَوْمٍ انْتَهَى . وَفِيهِ نَظَرٌ فَظَاهِرُ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ خُمُسَ الْخُمُسِ لِلرَّسُولِ مِلْكًا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي اللَّامِ الدَّلَالَةُ عَلَى الْمِلْكِ فَصَرْفُهَا عَنْ مَدْلُولِهَا يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ فِي الْخُمُسِ فَكَيْفَ تَرِدُ دَلَالَةُ الْقُرْآنِ الصَّرِيحَةِ بِمَا لَا دَلِيلَ فِيهِ ، وَهَلْ يَدُلُّ قَوْلَ الْقَائِلِ أَنَا قَاسِمٌ أَوْ أَنَا خَازِنٌ عَلَى أَنَّهُ لَا مِلْكَ لَهُ فِي شَيْءٍ أَصْلًا ، وَهَذَا مِنْ أَيِّ الدَّلَالَاتِ . وَأَمَّا مَا حَكَاهُ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّهُ قَالَ فِي ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُ افْتِتَاحُ كَلَامٍ فَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ فَهُوَ كَلَامٌ صَحِيحٌ فَلَا مَعْنَى لِجَعْلِ سَهْمٍ لِلَّهِ وَلَهُ جَمِيعُ الْأُمُورِ ، وَلَوْ جُعِلَ لِلَّهِ سَهْمٌ لَكَانَتْ قِسْمَةُ الْخُمُسِ عَلَى سِتَّةٍ ، وَلَا قَائِلَ بِهِ ، وَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ فِي ذِكْرِ الرَّسُولِ فَإِنَّهُ بَشَرٌ يَتَأَتَّى لَهُ الْمِلْكُ كَالْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَهُ ، وَبِهَذَا قَالَ الْأَكْثَرُونَ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّ خُمُسَ الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ يُقَسَّمُ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ : سَهْمٍ لِلرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَسَهْمٍ لِذَوِي قَرَّبَاهُ ، وَهُمْ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطَّلِبِ يَشْتَرِكُ غَنِيُّهُمْ وَفَقِيرُهُمْ ، وَسَهْمٍ لِلْيَتَامَى وَهُوَ صَغِيرٌ لَا أَبَ لَهُ بِشَرْطِ الْفَقْرِ ، وَسَهْمٍ لِلْمَسَاكِينِ ، وَسَهْمٍ لِابْنِ السَّبِيلِ . فَسَهْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُنْفِقُ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَمَصَالِحِهِ ، وَمَا فَضَلَ جَعَلَهُ فِي السِّلَاحِ عُدَّةً فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَفِي سَائِرِ الْمَصَالِحِ . وَأَمَّا بَعْدَهُ فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يُصْرَفُ هَذَا السَّهْمُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ لِسَدِّ الثُّغُورِ وَعِمَارَةِ الْحُصُونِ وَالْقَنَاطِرِ وَالْمَسَاجِدِ ، وَأَرْزَاقِ الْقُضَاةِ وَالْأَئِمَّةِ ، وَيُقَدَّمُ الْأَهَمُّ فَالْأَهَمُّ ، وَنَقَلَ الشَّافِعِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ هَذَا السَّهْمَ يُرَدُّ عَلَى أَهْلِ السِّهَامِ الَّذِينَ ذَكَرَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فَذَكَرَ أَبُو الْفَتْحِ الزَّاز أَنَّ بَعْضَ الْأَصْحَابِ جَعَلَ هَذَا قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ لِأَنَّهُ اسْتَحْسَنَ ، وَحَكَى الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ وَجْهًا أَنَّ هَذَا السَّهْمَ يُصْرَفُ إلَى الْإِمَامِ لِأَنَّهُ خَلِيفَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ ، وَهَذَانِ النَّقْلَانِ شَاذَّانِ مَرْدُودَانِ ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أَنَّ هَذَا السَّهْمَ يُصْرَفُ فِي السِّلَاحِ وَالْكُرَاعِ وَالْمُقَاتِلَةِ خَاصَّةً ، وَذَهَبَ الْحَنَفِيَّةُ إلَى سُقُوطِ سَهْمِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمَوْتِهِ ، وَكَذَلِكَ أَسْقَطُوا سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى بِمَوْتِهِ ، وَقَالَ إنَّهُمْ إنَّمَا كَانُوا يَسْتَحِقُّونَهُ فِي زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالنُّصْرَةِ ، وَقَدْ زَالَتْ بِمَوْتِهِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي إعْطَاءِ الْفُقَرَاءِ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَرْخِيُّ وَغَيْرُهُ يُعْطَى الْفَقِيرُ مِنْهُمْ مِنْ السَّهْمَانِ الثَّلَاثَةَ ، وَتَقَدَّمَ ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُهُ : الْفَقِيرُ مِنْهُمْ سَاقِطٌ أَيْضًا فَالْقِسْمَةُ الْآنَ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ فَقَطْ . ( الرَّابِعَةُ ) فِي رِوَايَتِنَا أَنَّهُ خَازِنٌ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ( قَاسِمٌ ) وَالْأَمْرَانِ مَجْمُوعَانِ لَهُ الْيَدُ لَهُ حَيْثُ يَقْتَضِي الْحَالُ الْخَزْنَ ، وَالصَّرْفَ مِنْ يَدِهِ حَيْثُ يَقْتَضِي الْحَالُ الْقَسْمَ ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَنِدُ فِيمَا كَانَ يَفْعَلُهُ مِنْ الْإِعْطَاءِ وَالْمَنْعِ إلَى غَرَضِ نَفْسِهِ بَلْ هُوَ وَاقِفٌ مَعَ أَمْرِ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ فَيُعْطِي لِلَّهِ ، وَيَمْنَعُ لِلَّهِ ، وَلَا يَقْصِدُ بِكُلِّ أَفْعَالِهِ إلَّا وَجْهَ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ { مَنْ أَعْطَى لِلَّهِ وَمَنَعَ لِلَّهِ وَأَحَبَّ لِلَّهِ وَأَبْغَضَ لِلَّهِ فَقَدْ اسْتَكْمَلَ الْإِيمَانَ } . ( الْخَامِسَةُ ) . أَوْرَدَهُ أَبُو دَاوُد فِي بَابِ مَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ مِنْ أَمْرِ الرَّعِيَّةِ ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ يَلْزَمُ الْأَئِمَّةَ الِاقْتِدَاءُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذَلِكَ فَيَكُونُ عَطَاؤُهُمْ وَمَنْعُهُمْ لِلَّهِ تَعَالَى . ( السَّادِسَةُ ) أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ هُنَا لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْحَلِفِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَهُوَ وَاضِحٌ لَا خَفَاءَ بِهِ ، وَعَلَى الْحَلِفِ لِتَأْكِيدِ الْأَمْرِ وَتَقْوِيَتِهِ ، وَلَوْ أَوْرَدَهُ فِي الْإِمَارَةِ كَمَا فَعَلَ أَبُو دَاوُد لَكَانَ أَكْبَرَ فَائِدَةً ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاَللَّهِ { لَأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ } ، وَعَنْهُ قَالَ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا اسْتَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِالْيَمِينِ فِي أَهْلِهِ فَإِنَّهُ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْكَفَّارَةِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا } . الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ } ، وَعَنْهُ قَالَ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا اسْتَلْجَجَ أَحَدُكُمْ بِالْيَمِينِ فِي أَهْلِهِ فَإِنَّهُ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْكَفَّارَةِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ . الْحَدِيثُ السَّابِعُ : وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَأَنْ يَلَجَّ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ } ، وَعَنْهُ قَالَ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا اسْتَلْجَجَ أَحَدُكُمْ بِالْيَمِينِ فِي أَهْلِهِ فَإِنَّهُ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ الْكَفَّارَةِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ بِاللَّفْظِ الْأَوَّلِ الشَّيْخَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ ، وَمُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ بِاللَّفْظِ الثَّانِي إلَّا أَنَّهُ قَالَ فِي الْيَمِينِ وَلَمْ يَقُلْ فِي أَهْلِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ حُمَيْدٍ الْمَعْمَرِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { مَنْ اسْتَلَجَّ فِي أَهْلِهِ بِيَمِينٍ فَهُوَ أَعْظَمُ إثْمًا لِيَبَرَّ يَعْنِي الْكَفَّارَةَ } ، وَلَمْ يَسُقْ ابْنُ مَاجَهْ لَفْظَهُ بَلْ قَالَ إنَّهُ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ ( لَأَنْ ) بِفَتْحِ اللَّامِ ، وَهِيَ لَامُ الْقَسَمِ ، وَقَوْلُهُ ( يَلَجُّ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَاللَّامِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ أَيْ يَتَمَادَى فِي يَمِينِهِ وَيُصِرُّ عَلَيْهَا وَيَمْتَنِعُ مِنْ الْحِنْثِ فِيهَا ، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ( اسْتَلْجَجَ ) هُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْهُ ، وَفِي رِوَايَةٍ ( اسْتَلَجَّ ) بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ وَالْإِدْغَامِ وَهِيَ أَشْهَرُ ، وَرِوَايَتُنَا هَذِهِ جَاءَتْ بِالْفَكِّ وَإِظْهَارِ الْإِدْغَامِ ، وَهِيَ لُغَةُ قُرَيْشٍ يُظْهِرُونَهُ مَعَ الْجَزْمِ قَالَهُ فِي النِّهَايَةِ ، وَهُوَ مِنْ اللَّجَاجِ بِفَتْحِ الْجِيمِ ، وَهُوَ التَّمَادِي عَلَى الشَّيْءِ وَالْإِصْرَارِ عَلَيْهِ يُقَالُ لَجِجْت فِي الْأَمْرِ بِكَسْرِ الْجِيم الْأُولَى أَلَجُّ بِفَتْحِ اللَّامِ ، وَلَجَجْت بِفَتْحِ الْجِيمِ أَلِجُّ بِكَسْرِ اللَّامِ لَجَجًا وَلَجَاجًا وَلَجَاجَةً ذَكَرَهُ فِي الْمُحْكَمِ ، وَقَوْلُهُ فِي أَهْلِهِ يُرِيدُ أَنَّ تِلْكَ الْيَمِينِ تَتَعَلَّقُ بِأَهْلِهِ ، وَيَتَضَرَّرُونَ بِعَدَمِ حِنْثِهِ فِيهَا ، وَقَوْلُهُ ( آثَمُ ) بِالْمَدِّ أَوَّلَهُ أَيْ أَكْثَرَ إثْمًا أَوْ أَقْرَبَ إلَى الْإِثْمِ ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ تَمَادِيَ الْحَالِفِ عَلَى يَمِينِهِ وَامْتِنَاعِهِ مِنْ الْحِنْثِ مَعَ تَضَرُّرِ أَهْلِهِ بِبَقَائِهِ عَلَيْهَا شَرٌّ مِنْ حِنْثِهِ مَعَ قِيَامِهِ بِالْكَفَّارَةِ فَإِنَّ هَذَا فِيهِ ضَرَرٌ ، وَذَلِكَ لَا ضَرَرَ فِيهِ ، وَجَاءَ قَوْلُهُ آثَمُ عَلَى لَفْظِ الْمُفَاعَلَةِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلِاشْتِرَاكِ فِي الْإِثْمِ لِأَنَّهُ قَصَدَ مُقَابَلَةَ اللَّفْظِ عَلَى زَعْمِ الْحَالِفِ وَتَوَهُّمِهِ فَإِنَّهُ يَتَوَهَّمُ أَنَّ عَلَيْهِ إثْمًا فِي الْحِنْثِ مَعَ أَنَّهُ لَا إثْمَ عَلَيْهِ فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْإِثْمُ عَلَيْهِ فِي اللَّجَاجِ أَكْثَرُ لَوْ ثَبَتَ الْإِثْمُ ، وَحَكَى صَاحِبُ النِّهَايَةِ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ قَوْلًا آخَرَ ، وَهُوَ أَنْ يَرَى أَنَّهُ صَادِقٌ فِي يَمِينِهِ مُصِيبٌ فَيَلَجُّ فِيهَا ، وَلَا يُكَفِّرُهَا ، وَالْمَشْهُورُ فِي مَعْنَاهُ الْأَوَّلُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ أَنَّ الْحِنْثَ فِي الْيَمِينِ أَفْضَلُ مِنْ الْإِقَامَةِ عَلَيْهَا إذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّ الْيَمِينَ تَنْعَقِدُ عَلَى الْأَحْكَامِ الْخَمْسَةِ فِعْلًا وَتَرْكًا ؛ وَلَا تُغَيِّرُ حُكْمَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ وَاجِبٍ أَوْ تَرْكِ حَرَامٍ فَيَمِينُهُ طَاعَةٌ وَالْإِقَامَةُ عَلَيْهَا وَاجِبَةٌ ، وَالْحِنْثُ مَعْصِيَةٌ ، وَتَجِبُ بِهِ الْكَفَّارَةُ ، وَإِذَا حَلَفَ عَلَى تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ حَرَامٍ فَيَمِينُهُ مَعْصِيَةٌ ، وَيَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَحْنَثَ وَيُكَفِّرَ ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ نَفْلٍ كَصَلَاةِ تَطَوُّعٍ ، وَصَدَقَةِ تَطَوُّعٍ فَالْإِقَامَةُ عَلَيْهَا طَاعَةٌ ، وَالْمُخَالَفَةُ مَكْرُوهَةٌ ، وَإِنْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ نَفْلٍ فَالْيَمِينُ مَكْرُوهَةٌ ، وَالْإِقَامَةُ عَلَيْهَا مَكْرُوهَةٌ ، وَالسُّنَّةُ أَنْ يَحْنَثَ ، وَعَدَّ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ مَا إذَا حَلَفَ لَا يَأْكُلُ طَيِّبًا ، وَلَا يَلْبَسُ نَاعِمًا ، وَقَالَ الْيَمِينُ عَلَيْهِ مَكْرُوهَةٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ } ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ أَنَّهَا يَمِينُ طَاعَةٍ لِمَا عُرِفَ مِنْ اخْتِيَارِ السَّلَفِ خُشُونَةَ الْعَيْشِ قَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ يَخْتَلِفُ ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ وَقُصُودِهِمْ وَفَرَاغِهِمْ لِلْعِبَادَةِ وَاشْتِغَالِهِمْ بِالضِّيقِ وَالسَّعَةِ ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ ، وَهَذَا أَصْوَبُ . وَإِنْ حَلَفَ عَلَى مُبَاحٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِثْلُ هَذَا الْغَرَضِ كَدُخُولِ دَارٍ وَأَكْلِ طَعَامٍ ، وَلِبْسِ ثَوْبٍ ، وَتَرَكَهَا فَلَهُ أَنْ يُقِيمَ عَلَى الْيَمِينِ ، وَلَهُ أَنْ يَحْنَثَ ، وَهَلْ الْأَفْضَلُ الْوَفَاءُ بِالْيَمِينِ أَمْ الْحِنْثُ أَمْ يَتَخَيَّرُ بَيْنَهُمَا وَلَا تَرْجِيحَ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْيَمِينِ ( فِيهِ أَوْجُهٌ ) أَصَحُّهَا الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا } وَلِمَا فِيهِ مِنْ تَعْظِيمِ اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى إذَا عَلِمْت ذَلِكَ فَإِنْ كَانَ الْحَدِيثُ فِي حَلِفِهِ وَاجِبٌ كَالْإِنْفَاقِ عَلَى الزَّوْجَةِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ فَالْحِنْثُ وَاجِبٌ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى تَرْكُ مَنْدُوبٍ كَالْإِنْفَاقِ عَلَى الْأَقَارِبِ الَّذِينَ لَا تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُمْ فَالْحِنْثُ مُسْتَحَبٌّ وَالْإِقَامَةُ عَلَى الْيَمِينِ مَكْرُوهَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى مُبَاحٍ فَقَدْ عَرَفْت الْخِلَافَ فِيهِ ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ مَنْ يَذْهَبُ إلَى أَنَّ الْحِنْثَ أَفْضَلُ ، وَقَدْ يُقَالُ لَا يُتَصَوَّرُ فِيهِ مَعَ تَعَلُّقِهِ بِالْأَهْلِ اسْتِوَاءُ طَرَفَيْهِ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْحَلِفِ عَلَى تَرْكِ مَنْفَعَةٍ لَهُمْ أَوْ جَلْبِ ضَرَرٍ لَهُمْ ، وَعَلَى التَّقْدِيرَيْنِ فَالْحِنْثُ فِيهِ مَطْلُوبٌ . وَأَمَّا لَوْ حَلَفَ عَلَى تَرْكِ الْمَبِيتِ فِي بَيْتٍ مَخْصُوصٍ ، وَكَانَ لَا يَحْصُلُ لِأَهْلِهِ بِذَلِكَ ضَرَرٌ ، وَلَا نَفْعَ فَلَا يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الْحَدِيثِ حَتَّى يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الْخِلَافِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ الْحَدِيثَ فِيمَا إذَا لَمْ يَكُنْ الْحِنْثُ مَعْصِيَةً ، وَلَوْ تَضَرَّرَ أَهْلُهُ بِبَقَائِهِ عَلَى الْيَمِينِ فَإِنَّ بَقَاءَهُ عَلَيْهَا وَاجِبٌ ، وَلَا يَفْعَلُ مَصْلَحَةَ أَهْلِهِ بِمَعْصِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى . ( الرَّابِعَةُ ) إنْ قُلْت كَيْفَ قَابَلَ فِي الْحَدِيثِ بَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَى مُقْتَضَى الْيَمِينِ وَإِعْطَاءِ الْكَفَّارَةِ ، وَإِنَّمَا الْمُقَابَلَةُ بَيْنَ الْبَقَاءِ عَلَى الْيَمِينِ وَالْحِنْثِ فِيهَا ( قُلْت ) لَمَّا كَانَ وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ لَازِمًا لِلْحِنْثِ عَبَّرَ بِهِ عَنْ الْحِنْثِ مِنْ إطْلَاقِ اللَّازِمِ عَلَى الْمَلْزُومِ ، وَأُشِيرَ بِذِكْرِ الْكَفَّارَةِ إلَى أَنَّهَا جَابِرَةٌ لِلْحِنْثِ رَافِعَةٌ لِمَفْسَدَةِ هَتْكِ حُرْمَةِ الْإِثْمِ فَإِذَا قَابَلْنَا بَيْنَ بَقَائِهِ عَلَى مُقْتَضَى الْيَمِينِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الضَّرَرِ وَبَيْنَ إيجَابِ الْكَفَّارَةِ وَانْتِفَاعِ الْآخِذِينَ بِهَا النَّاشِئِ عَنْ الْحِنْثِ ، وَجَدْنَا إعْطَاءَ الْكَفَّارَةِ أَعْظَمَ مَصْلَحَةً وَأَتَمَّ نَفْعًا ، وَلِهَذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي } . ( الْخَامِسَةُ ) لَا يَخْفَى أَنَّ ذِكْرَ الْأَهْلِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فِي أَنَّ نَفْعَ الْإِنْسَانِ وَضَرَرَهُ إنَّمَا يَعُودُ عَلَى أَهْلِهِ فَلَوْ عَادَ ذَلِكَ عَلَى غَيْرِ أَهْلِهِ كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ مَا لَوْ عَادَ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا } الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ إيجَابُ الْكَفَّارَةِ بِتَقْدِيرِ الْحِنْثِ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ ، وَفِي الثَّانِيَةِ الَّتِي أُمِرَ بِهَا ، وَهُوَ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ، وَقَوْلُهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ كَذَا فِي رِوَايَتِنَا ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظِ فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَلَا يُمْكِنُ تَقْدِيرُ عَلَيْهِ فِي رِوَايَتِنَا لِأَنَّ حَذْفَ الْعَائِدِ الْمَجْرُورِ فِي مِثْلِ هَذَا مُمْتَنِعٌ بَلْ التَّقْدِيرُ فَرَضَهَا اللَّهُ لِأَنَّ حَذْف الْعَائِدِ الْمَنْصُوبِ فِي مِثْلِ هَذَا جَائِزٌ . وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ حَلَفَ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَالْحَاكِمُ ، وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ . الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ حَلَفَ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَنْ يَرْجِعَ إلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ ، وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد فِي رِوَايَةِ ابْنِ دَاسَّةَ عَنْهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظٍ مَنْ قَالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ ، وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ الْإِسْلَامُ سَالِمًا ، وَقَالَ الْحَاكِمُ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { مَنْ حَلَفَ أَنَّهُ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ } أَيْ عَلَّقَ بَرَاءَتَهُ مِنْ الْإِسْلَامِ عَلَى أَمْرٍ كَأَنْ قَالَ إنْ فَعَلَ يَعْنِي نَفْسَهُ كَذَا فَهُوَ بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ أَوْ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ كَافِرٌ ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَصْحَابِ السُّنَنِ مَنْ قَالَ إنِّي بَرِيءٌ مِنْ الْإِسْلَامِ أَيْ عَلَّقَ عَلَى أَمْرٍ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْمُصَنِّفِ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا تَقْسِيمُ حَالِهِ إلَى كَاذِبٍ وَصَادِقٍ ، وَلَا يَتَأَتَّى ذَلِكَ إلَّا مَعَ التَّعْلِيقِ ، وَالْعَجَبُ أَنَّ أَبَا دَاوُد رَوَاهُ عَنْ أَحْمَدَ بِغَيْرِ اللَّفْظِ الَّذِي حَكَيْنَاهُ مِنْ الْمُسْنَدِ . وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعَمْدِ الْحَلِفُ بِالشَّيْءِ حَقِيقَةً هُوَ الْقَسَمُ بِهِ ، وَإِدْخَالُ بَعْضِ حُرُوفِ الْقَسَمِ عَلَيْهِ كَقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ ، وَالرَّحْمَنِ ، وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى التَّعْلِيقِ بِالشَّيْءِ يَمِينٌ كَمَا تَقُولُ الْفُقَهَاءُ إذَا حَلَفَ بِالطَّلَاقِ عَلَى كَذَا ، وَمُرَادُهُمْ تَعْلِيقُ الطَّلَاقِ بِهِ ، وَهَذَا مَجَازٌ ، وَكَأَنَّ سَبَبَهُ مُشَابَهَةُ هَذَا التَّعْلِيقِ بِالْيَمِينِ فِي اقْتِضَاءِ الْحَثِّ أَوْ الْمَنْعِ ثُمَّ جَوَّزَ الْوَجْهَيْنِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ ، وَقَالَ إنَّ الثَّانِي أَقْرَبُ ، وَأَمَّا لَفْظُ الْحَدِيثِ الَّذِي نَحْنُ فِي شَرْحِهِ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ فِيهِ الثَّانِي كَمَا قَرَّرْته ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ أَيْ أَخْبَرَ بِأَمْرٍ مَاضٍ ، وَعَلَّقَ بَرَاءَتَهُ مِنْ الْإِسْلَامِ عَلَى كَذِبِهِ فِي ذَلِكَ الْإِخْبَارِ ، وَكَانَ كَاذِبًا فَهُوَ كَمَا قَالَ أَيْ مِنْ الْبَرَاءَةِ مِنْ الْإِسْلَامِ ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ كُفْرٌ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْمَعْنَى كَمَا لَوْ عَلَّقَ طَلَاقَ زَوْجَتِهِ أَوْ عِتْقَ عَبْدِهِ عَلَى دُخُولِ الدَّارِ فِي الْمَاضِي وَكَانَ قَدْ دَخَلَ ، نَعَمْ لَوْ بَنَى إخْبَارَهُ بِذَلِكَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهُ كَذَلِكَ فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُكَفَّرَ لِأَنَّهُ رَبَطَ الْكُفْرَ بِأَمْرٍ يَظُنُّ أَنَّهُ غَيْرُ حَاصِلٍ فَلَا خَلَلَ فِي اعْتِقَادِهِ ، وَلَا فِي لَفْظِهِ بِاعْتِبَارِ ظَنِّهِ ، وَلَمْ يَتَنَاوَلْ الْحَدِيثَ هَذِهِ الصُّورَةَ عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُ التَّعَمُّدَ فِي حَقِيقَةِ الْكَذِبِ . وَأَمَّا عِنْدَ مَنْ لَا يَشْتَرِطُهُ فَهُوَ عَامٌّ مَخْصُوصٌ ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ثَابِتِ بْنِ الضَّحَّاكِ { مَنْ حَلَفَ بِمِلَّةٍ غَيْرِ الْإِسْلَامِ كَاذِبًا مُتَعَمِّدًا فَهُوَ كَمَا قَالَ } ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ ( وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فَلَا يَرْجِعُ إلَى الْإِسْلَامِ سَالِمًا ) مَعْنَاهُ أَنَّهُ نَقَصَ كَمَالُ إسْلَامِهِ بِمَا صَدَرَ مِنْهُ مِنْ هَذَا اللَّفْظِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ لَفْظَ ابْنِ مَاجَهْ لَمْ يَعُدْ إلَيْهِ الْإِسْلَامُ سَالِمًا ، وَاللَّفْظَانِ صَحِيحَانِ فَنَقَصَ هُوَ يَتَعَاطَى هَذَا اللَّفْظَ ، وَنَقَصَ إسْلَامُهُ بِذَلِكَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ هَذَا اللَّفْظِ ، وَلَوْ كَانَ صَادِقًا فِي كَلَامِهِ ، وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ فَقَالَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ حَلَفَ بِالْبَرَاءَةِ مِنْ الْإِسْلَامِ فَإِنَّهُ يَأْثَمُ ، وَصَرَّحَ أَيْضًا بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ وَوُجُوبِ التَّوْبَةِ مِنْهُ الْمَاوَرْدِيُّ فِي الْحَاوِي وَالنَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ ، وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فِيهِ بَيَانُ غِلَظِ تَحْرِيمِ الْحَلِفِ بِمِلَّةٍ سِوَى الْإِسْلَامِ كَقَوْلِهِ هُوَ يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ إنْ كَانَ كَذَا أَوْ وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى ، وَشِبْهِ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ : وَقَوْلُهُ كَاذِبًا لَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ التَّقْيِيدُ وَالِاحْتِرَازُ مِنْ الْحَلِفِ بِهَا صَادِقًا لِأَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ الْحَالِفُ بِهَا عَنْ كَوْنِهِ كَاذِبًا ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ مُعَظِّمًا لِمَا حَلَفَ بِهِ فَإِنْ كَانَ مُعْتَقِدًا عَظَمَتَهُ بِقَلْبِهِ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مُعْتَقِدٍ ذَلِكَ بِقَلْبِهِ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي الصُّورَةِ لِأَنَّهُ عَظَّمَهُ بِالْحَلِفِ بِهِ ، وَإِذَا عَلِمَ أَنَّهُ لَا يَنْفَكُّ عَنْ كَوْنِهِ كَاذِبًا حَمَلَ التَّقْيِيدَ بِكَوْنِهِ كَاذِبًا عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ لِصُورَةِ الْحَالِ ، وَيَكُونُ التَّقْيِيدُ خَرَجَ عَلَى سَبَبٍ فَلَا يَكُونُ لَهُ مَفْهُومٌ ، وَيَكُونُ مِنْ بَابِ قَوْله تَعَالَى { وَيَقْتُلُونَ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ } وَنَظَائِرِهِ فَإِنْ كَانَ الْحَالِفُ مُعَظِّمًا لِمَا حَلَفَ بِهِ كَانَ كَافِرًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُعَظِّمًا بَلْ كَانَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنًّا بِالْإِيمَانِ فَهُوَ كَاذِبٌ فِي حَلِفِهِ بِمَا لَا يُحْلَفُ بِهِ ، وَمُعَامَلَتُهُ إيَّاهُ مُعَامَلَةَ مَا يَحْلِفُ بِهِ ، وَلَا يَكُونُ كَافِرًا خَارِجًا عَنْ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ ، وَيَجُوزُ أَنْ يُطْلَقَ عَلَيْهِ اسْمُ الْكُفْرِ ، وَيُرَادُ كُفْرُ النِّعْمَةِ انْتَهَى وَالتَّقْسِيمُ الَّذِي فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ يُرَدُّ عَلَيْهِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ كَلَامَهُ هَذَا إنَّمَا هُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ وَاللَّاتِ وَالْعُزَّى ، وَإِنْ كَانَ ذَكَرَ فِي صَدْرِ كَلَامِهِ أَيْضًا قَوْلَهُ هُوَ يَهُودِيٌّ إنْ كَانَ كَذَا . ( الْخَامِسَةُ ) تَقْسِيمُهُ إلَى صَادِقٍ وَكَاذِبٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ فِي ذَلِكَ الْإِخْبَارُ عَنْ مَاضٍ كَمَا تَقَدَّمَ فَإِنَّ الْخَبَرَ هُوَ الْمُحْتَمِلُ لِلصِّدْقِ وَالْكَذِبِ أَمَّا إذَا وَقَعَ مِنْهُ مِثْلُ هَذَا التَّعْلِيقِ عَلَى وُقُوعِ أَمْرٍ فِي الْمُسْتَقْبَلِ فَقَدْ يُقَالُ يَلْحَقُ بِالْمَاضِي ، وَيُقَالُ إنَّ فِعْلَ ذَلِكَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ كُفْرٌ ، وَإِلَّا فَلَا ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّ لَفْظَ الْحَدِيثِ أَوَّلًا مُتَنَاوِلٌ لَهُ إلَّا أَنَّهُ لَمَّا فَصَلَ اقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِ الْقِسْمَيْنِ ، وَيُعْرَفُ مِنْهُ حُكْمُ الْقَسَمِ الْآخَرِ ، وَقَدْ يُقَالُ إذَا كَانَ عَنْ مَاضٍ فَقَدْ حَقَّقَ الْكُفْرَ عَلَى نَفْسِهِ . وَأَمَّا إذَا كَانَ عَلَى مُسْتَقْبَلٍ فَقَدْ يَقَعُ ذَلِكَ الْأَمْرُ ، وَقَدْ لَا يَقَعُ ، وَالْغَالِبُ مِنْ حَالِ الْآتِي بِهَذَا اللَّفْظِ أَنَّهُ إنَّمَا يَقْصِدُ بِهِ إبْعَادَ نَفْسِهِ عَنْ ذَلِكَ الْأَمْرِ بِرَبْطِهِ بِأَمْرٍ لَا يَقَعُ مِنْهُ ، وَهَذَا أَقْرَبُ ، وَيُوَافِقُهُ كَلَامُ الرَّافِعِيِّ حَيْثُ قَالَ إنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَتَضَمَّنُ تَعْظِيمَ الْإِسْلَامِ وَإِبْعَادَ النَّفْسِ عَنْ التَّهَوُّدِ ثُمَّ قَالَ هَذَا إذَا قَصَدَ الْقَائِلُ تَبْعِيدَ النَّفْسِ عَنْ ذَلِكَ فَأَمَّا مَنْ قَالَ ذَلِكَ عَلَى قَصْدِ الرِّضَى بِالتَّهَوُّدِ ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ الْفِعْلَ فَهُوَ كَافِرٌ فِي الْحَالِ ، وَسَكَتَ الرَّافِعِيُّ عَنْ حَالَةِ الْإِطْلَاقِ ، وَهُوَ أَنْ لَا يَقْصِدَ تَبْعِيدَ النَّفْسِ عَنْ التَّهَوُّدِ وَلَا الرِّضَى بِهِ أَوْ لَمْ يَعْلَمْ قَصْدَهُ بِمَوْتِهِ سَرِيعًا أَوْ تَعَذُّرِ مُرَاجَعَتِهِ ، وَقَالَ فِي ذَلِكَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْإِسْنَوِيُّ إنَّ الْقِيَاسَ التَّكْفِيرُ إذَا عَرِيَ عَنْ الْقَرَائِنِ الْحَامِلَةِ عَلَى غَيْرِهِ لِأَنَّ اللَّفْظَ بِوَضْعِهِ يَقْتَضِيه قَالَ : وَكَلَامُ النَّوَوِيِّ فِي الْأَذْكَارِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ ، وَالْقِيَاسُ خِلَافُهُ انْتَهَى . وَمَا ذَكَرَهُ الرَّافِعِيُّ مِنْ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَتَضَمَّنُ تَعْظِيمَ الْإِسْلَامِ وَإِبْعَادَ النَّفْسِ عَنْ التَّهَوُّدِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ الْإِتْيَانُ بِهِ لَكِنْ تَقَدَّمَ عَنْ الْخَطَّابِيِّ إطْلَاقُ الْإِثْمِ ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْحَلِفِ عَلَى الْمَاضِي وَالْمُسْتَقْبَلِ ، وَصَرَّحَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ فَقَالَ يَحْرُمُ أَنْ يَقُولَ إنْ فَعَلَتْ كَذَا فَأَنَا يَهُودِيٌّ أَوْ نَصْرَانِيٌّ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَإِنْ قَالَهُ ، وَأَرَادَ حَقِيقَةَ فِعْلِهِ وَخُرُوجِهِ عَنْ الْإِسْلَامِ بِذَلِكَ صَارَ كَافِرًا فِي الْحَالِ ، وَجَرَتْ عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ ، وَإِنْ لَمْ يُرِدْ ذَلِكَ لَمْ يَكْفُرْ لَكِنَّهُ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا فَيَجِبُ عَلَيْهِ التَّوْبَةُ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْمَطْلَبِ إنَّهُ مَعْصِيَةٌ . ( السَّادِسَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْخَطَّابِيُّ عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَى قَائِلِ هَذَا اللَّفْظِ مُطْلَقًا قَالَ لِأَنَّهُ جَعَلَ عُقُوبَتَهُ فِي دِينِهِ ، وَلَمْ يَجْعَلْ فِي مَالِهِ شَيْئًا ، وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ يَمِينٌ تَجِبُ فِيهِ الْكَفَّارَةُ إذَا حَنِثَ فِيهِ ، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ ، وَأَصْحَابِ الرَّأْيِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ ، وَحَكَى الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ عَنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ إيجَابَهُمْ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا هُوَ إذَا تَعَلَّقَ بِمُسْتَقْبَلٍ فَإِنَّ تَعَلَّقَ بِمَاضٍ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ . بَابُ النَّفَقَاتِ . عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { جَاءَتْ هِنْدٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ خِبَاءٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يُذِلَّهُمْ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِك ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ الْيَوْمَ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِزَّهُمْ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِك ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَيْضًا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا حَرَجَ عَلَيْك أَنْ تُنْفِقِي عَلَيْهِمْ بِالْمَعْرُوفِ } ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي ، وَيَكْفِي بَنِيَّ إلَّا مَا آخُذُهُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيك ، وَيَكْفِي بَنِيك } . بَابُ النَّفَقَاتِ . الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ . عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { جَاءَتْ هِنْدٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ خِبَاءٌ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يُذِلَّهُمْ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِك ، وَمَا عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ الْيَوْمَ أَهْلُ خِبَاءٍ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُعِزَّهُمْ اللَّهُ مِنْ أَهْلِ خِبَائِك ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَيْضًا ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، ثُمَّ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ فَهَلْ عَلَيَّ حَرَجٌ أَنْ أُنْفِقَ عَلَى عِيَالِهِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا حَرَجَ عَلَيْك أَنْ تُنْفِقِي عَلَيْهِمْ بِالْمَعْرُوفِ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ بِلَفْظِ مُمْسِكٌ ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ قِصَّةُ الْخِبَاءِ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ ، وَمِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ ، وَلَفْظُ يُونُسَ ، وَابْنِ أَخِي الزُّهْرِيِّ فَقَالَ لَا إلَّا بِالْمَعْرُوفِ كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ خَلَا التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ ، وَلَفْظُ مُسْلِمٍ { رَجُلٌ شَحِيحٌ لَا يُعْطِينِي مِنْ النَّفَقَةِ مَا يَكْفِينِي وَيَكْفِي بَنِيَّ إلَّا مَا آخُذُهُ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ فَهَلْ عَلَيَّ فِي ذَلِكَ مِنْ جُنَاحٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُذِي مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ مَا يَكْفِيك ، وَيَكْفِي بَنِيك } فَأَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي مَوَاضِعَ أَخَصْرَ مِنْ هَذَا . ( الثَّانِيَةُ ) ( هِنْدٌ ) هِيَ بِنْتُ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ زَوْجُ أَبِي سُفْيَانَ صَخْرِ بْنِ حَرْبٍ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِنَسَبِهَا فِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ ، وَفِي لَفْظِهَا وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ الصَّرْفُ ، وَعَدَمُهُ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهَا مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ خِبَاءٌ بِكَسْرِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ مَمْدُودٌ كَذَا رَوَيْنَاهُ عَنْ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ بِلَفْظِ أَهْلِ خِبَاءٍ ، وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْدِيرِ " أَهْلِ " فِي رِوَايَتِنَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ( يُذِلُّهُمْ ) إنْ صَحَّ حَذْفُهُ فِي رِوَايَتِنَا ، وَهُوَ مَذْكُورٌ فِي الْأَلْفَاظِ الثَّلَاثَةِ الَّتِي بَعْدَهَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إنْ أَرَادَتْ بِهِ نَفْسَهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَكَنَّتْ عَنْهُ بِهَذَا ، وَأَكْبَرَتْهُ عَنْ مُخَاطَبَتِهِ وَتَعْيِينِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِأَهْلِ الْخِبَاءِ أَهْلَ بَيْتِهِ ، وَالْخِبَاءُ يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ مَسْكَنِ الرَّجُلِ ، وَدَارِهِ انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ هُوَ بَيْتٌ مِنْ بُيُوتِ الْعَرَبِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ يَكُونُ مِنْ وَبَرٍ أَوْ صُوفٍ ، وَلَا يَكُونُ مِنْ شَعْرٍ ثُمَّ يُسْتَعْمَلُ فِي غَيْرِهِ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْ أَهْلُ بَيْتٍ كَمَا جَاءَ مُفَسَّرًا فِي بَعْضِ طُرُقِهِ ، وَسُمِّيَ الْبَيْتُ خِبَاءً لِأَنَّهُ يُخَبِّئُ مَا فِيهِ ، وَالْخِبَاءُ فِي الْأَصْلِ مَصْدَرٌ تَقُولُ خَبَأْت الشَّيْءَ خَبْئًا وَخِبَاءً انْتَهَى . وَفِي الْمُحْكَمِ عَنْ ابْنِ دُرَيْدٍ أَصْلُهُ مِنْ خَبَأْت خِبَاءً قَالَ : وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ أَنَّ الْخَبْأَ أَصْلُهُ الْهَمْزُ إلَّا هُوَ بَلْ قَدْ صَرَّحَ بِخِلَافِ ذَلِكَ انْتَهَى قَالَ الْقُرْطُبِيُّ ، وَوَصْفُ هِنْدٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ جَاءَ لَهَا فِي الْكُفْرِ ، وَمَا كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ بُغْضِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَبُغْضِ أَهْلِ بَيْتِهِ ، وَمَا آبَتْ إلَيْهِ حَالُهَا لَمَّا أَسْلَمَتْ ، تَذَكُّرٌ لِنِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهَا بِمَا أَنْقَذَهَا اللَّهُ مِنْهُ ، وَبِمَا أَوْصَلَهَا إلَيْهِ ، وَتَعْظِيمٌ لِحُرْمَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِتَنْبَسِطَ فِيمَا تُرِيدُ أَنْ تَسْأَلَ عَنْهُ ، وَلِتَزُولَ آلَامُ الْقُلُوبِ لِمَا كَانَ مِنْهَا يَوْمَ أُحُدٍ فِي شَأْنِ حَمْزَةَ وَغَيْرِ ذَلِكَ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : وَأَيْضًا وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ أَيْ سَتَزِيدِينَ مِنْ ذَلِكَ وَيَتَمَكَّنُ الْإِيمَانُ مِنْ قَلْبِك ، وَيَزِيدُ حُبُّك لِلَّهِ وَلِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَقْوَى رُجُوعُك عَنْ بُغْضِهِ . وَأَصْلُ هَذِهِ اللَّفْظِ آضَ يَئِيضُ أَيْضًا إذَا رَجَعَ ، وَفِي هَذَا بُشْرَى لَهَا بِقُوَّةِ إيمَانِهَا وَتَمَكُّنِهِ وَمَنْقَبَةٌ لَهَا بِذَلِكَ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهَا ( إنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ مِسِّيكٌ ) أَيْ شَحِيحٌ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَالشُّحُّ عِنْدَهُمْ فِي كُلِّ شَيْءٍ ، وَهُوَ أَعَمُّ مِنْ الْبُخْلِ ، وَقِيلَ الشُّحُّ لَازِمٌ كَالطَّبْعِ ، وَضُبِطَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ بِوَجْهَيْنِ حَكَاهُمَا الْقَاضِي عِيَاضٌ ( أَحَدُهُمَا ) مَسِيكٌ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِ السِّينِ ، وَالثَّانِي بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَكَانُوا يُرَجِّحُونَ فَتْحَ الْمِيمِ ، وَالْآخَرُ جَائِزٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ كَمَا قَالُوا : شِرِّيبٌ وَسِكِّيرٌ ، وَالْأَوَّلُ أَيْضًا مِنْ أَبْنِيَةِ جَمْعِ الْمُبَالَغَةِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : وَهَذَا الثَّانِي هُوَ الْأَشْهَرُ فِي رِوَايَاتِ الْمُحَدِّثِينَ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ عِنْدَ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ : وَلَمْ تُرِدْ أَنَّهُ شَحِيحٌ مُطْلَقًا فَتَذُمُّهُ بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا وَصَفَتْ مَعَهَا فَإِنَّهُ كَانَ يُقَتِّرُ عَلَيْهَا ، وَعَلَى أَوْلَادِهَا كَمَا قَالَتْ لَا يُعْطِينِي وَبَنِي مَا يَكْفِينِي ، وَهَذَا لَا يَدُلُّ عَلَى الْبُخْلِ مُطْلَقًا فَقَدْ يَفْعَلُ الْإِنْسَانُ هَذَا مَعَ أَهْلِ بَيْتِهِ لِأَنَّهُ يَرَى غَيْرَهُمْ أَحْوَجَ مِنْهُمْ ، وَأَوْلَى لِيُعْطِيَ غَيْرَهُمْ ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ بَخِيلًا فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا بِهَذَا . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ جَوَازُ ذِكْرِ الْإِنْسَانِ بِمَا يَكْرَهُهُ إذَا كَانَ لِلِاسْتِفْتَاءِ وَالتَّشَكِّي وَنَحْوِهِمَا ، وَهُوَ أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الَّتِي تُبَاحُ فِيهَا الْغِيبَةُ . ( السَّابِعَةُ ) وَفِيهِ جَوَازُ سَمَاعِ كَلَامِ الْأَجْنَبِيَّةِ عِنْدَ الْإِفْتَاءِ وَالْحُكْمِ ، وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا ، وَهَذَا إمَّا أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ صَوْتَهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ أَوْ عَلَى اسْتِثْنَاءِ مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ مِثْلَ الْمَنْعِ عِنْدَ الْقَائِلِ بِأَنَّهُ عَوْرَةٌ . ( الثَّامِنَةُ ) فِيهِ وُجُوبُ نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ وَأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِالْكِفَايَةِ ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى تَقْدِيرِهَا بِالْإِمْدَادِ فَقَالَ عَلَى الْمُوسِرِ كُلَّ يَوْمٍ مُدَّانِ ، وَعَلَى الْمُعْسِرِ مُدٌّ ، وَعَلَى الْمُتَوَسِّطِ مُدٌّ وَنِصْفٌ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَى أَصْحَابِنَا ، وَفِي مُخْتَصَرِ ابْنِ الْحَاجِبِ ، وَقَدَّرَ مَالِكٌ الْمُدَّ فِي الْيَوْمِ ، وَقَدَّرَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَيْبَتَيْنِ وَنِصْفًا فِي الشَّهْرِ إلَى ثَلَاثٍ لِأَنَّ مَالِكًا بِالْمَدِينَةِ وَابْنَ الْقَاسِمِ بِمِصْرَ ، وَحَكَى الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ قَوْلًا عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّ نَفَقَةَ الزَّوْجَةِ مُقَدَّرَةٌ بِالْكِفَايَةِ . ( التَّاسِعَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ عَلَى اعْتِبَارِ النَّفَقَةِ بِحَالِ الْمَرْأَةِ ، وَأَوْضَحُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( مَا يَكْفِيك ) لَكِنْ عَارَضَ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ } فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ حَالِ الزَّوْجِ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ إلَى اعْتِبَارِ حَالِهِمَا مَعًا ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْخَصَّافِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى اعْتِبَارِ حَالِ الزَّوْجِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْكَرْخِيِّ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ . ( الْعَاشِرَةُ ) وَفِيهِ وُجُوبُ نَفَقَةِ الْأَوْلَادِ وَأَنَّهَا مُقَدَّرَةٌ بِالْكِفَايَةِ ، وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ لَكِنْ لَا بُدَّ أَنْ يَنْضَمَّ إلَى ذَلِكَ الْفَقْرُ فَلَا تَجِبُ نَفَقَةُ الْغَنِيِّ ، وَهَلْ يُعْتَبَرُ الصِّغَرُ ، وَالزَّمَانَةُ أَوْ لَا يُعْتَبَرُ ذَلِكَ فِيهِ خِلَافٌ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ اعْتِبَارُهُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى وُجُوبِ نَفَقَةِ خَادِمِ الْمَرْأَةِ عَلَى الزَّوْجِ قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ رَئِيسٌ فِي قَوْمِهِ وَيَبْعُدُ أَنْ يُتَوَهَّمَ عَلَيْهِ أَنْ يَمْنَعَ زَوْجَتَهُ نَفَقَتَهَا ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي نَفَقَةِ خَادِمِهَا فَأُضِيفَ ذَلِكَ إلَيْهَا إذْ كَانَتْ الْخَادِمُ فِي ضِمْنِهَا وَمَعْدُودَةً فِي جُمْلَتِهَا انْتَهَى . وَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذَاهِبِ الْفُقَهَاءِ إيجَابُ نَفَقَةِ خَادِمِ الزَّوْجَةِ ، وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ ، وَاعْتَبَرَ الشَّافِعِيُّ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ فِي إيجَابِ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مِمَّنْ يُخْدَمُ مِثْلُهَا عَادَةً أَوْ تَحْتَاجُ إلَيْهِ لِمَرَضٍ ، وَاعْتَبَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَنْ يَكُونَ الزَّوْجُ مُوسِرًا رَوَاهُ الْحَسَنُ بْنُ زِيَادٍ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَصَحَّحَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، ثُمَّ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ نَفَقَةُ أَكْثَرَ مِنْ خَادِمٍ وَاحِدٍ ، وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُفْرَضُ لِخَادِمَيْنِ لِأَنَّهَا تَحْتَاجُ إلَى أَحَدِهِمَا لِمَصَالِحِ الدَّاخِلِ وَإِلَى الْآخَرِ لِمَصَالِحِ الْخَارِجِ ، وَاخْتَلَفَ الْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ . ( ثَالِثُهَا ) إنْ طَالَبَهَا بِأَحْوَالِ الْمُلُوكِيَّةِ لَزِمَهُ ، وَخَالَفَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فِي إيجَابِ نَفَقَةِ الْخَادِمِ ، وَقَالَ لَيْسَ عَلَى الزَّوْجِ أَنْ يُنْفِقَ عَلَى خَادِمٍ لِزَوْجَتِهِ ، وَلَوْ أَنَّهُ ابْنُ الْخَلِيفَةِ ، وَهِيَ بِنْتُ خَلِيفَةٍ إنَّمَا عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ لَهَا بِمَنْ يَأْتِيَهَا بِالطَّعَامِ وَالْمَاءِ مُهَيِّئًا مُمْكِنًا لِلْأَكْلِ غُدْوَةً وَعَشِيَّةً ، وَمَنْ يَكْفِيهَا جَمِيعَ الْعَمَلِ مِنْ الْكَنْسِ وَالْفَرْشِ ، وَعَلَيْهِ أَنْ يَأْتِيَهَا بِكِسْوَتِهَا كَذَلِكَ لِأَنَّ هَذِهِ صِفَةُ الرِّزْقِ وَالْكِسْوَةِ قَالَ : وَلَمْ يَأْتِ نَصٌّ قَطُّ بِإِيجَابِ نَفَقَةِ خَادِمِهَا عَلَيْهِ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَقٌّ ، وَهُوَ عَاجِزٌ عَنْ اسْتِيفَائِهِ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ مَالِهِ قَدْرَ حَقِّهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ وَمَنَعَ ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ ، وَحَكَى الدَّاوُدِيُّ الْقَوْلَيْنِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَسَوَاءٌ كَانَ مِنْ جِنْسِ حَقِّهِ أَوْ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ لِأَنَّ مَنْزِلَ الشَّحِيحِ لَا يَجْمَعُ كُلَّ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ النَّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ وَسَائِرِ الْمَرَافِقِ الَّتِي تَلْزَمُهُ لَهُمْ ثُمَّ أُطْلِقَ الْإِذْنُ لَهَا فِي أَخْذِ كِفَايَتِهَا وَكِفَايَةِ أَوْلَادِهَا مِنْ مَالِهِ ، وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ قَوْلُهَا فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ، وَأَنَّهُ لَا يُدْخِلُ عَلَى بَيْتِي مَا يَكْفِينِي وَوَلَدِي . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ جَوَازُ إطْلَاقِ الْفَتْوَى ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ تَعْلِيقُهَا بِثُبُوتِ مَا يَقُولُهُ الْمُسْتَفْتِي ، وَلَا يَحْتَاجُ الْمُفْتِي أَنْ يَقُولَ إنْ ثَبَتَ كَانَ الْحُكْمُ كَذَا ، وَكَذَا بَلْ يَجُوزُ لَهُ الْإِطْلَاقُ كَمَا أَطْلَقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ لَا بَأْسَ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ، وَهَذِهِ الْإِبَاحَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ مُطْلَقَةً لَفْظًا فَهِيَ مُقَيَّدَةٌ مَعْنًى فَكَأَنَّهُ قَالَ إنْ صَحَّ مَا ذَكَرْتِ فَخُذِي . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ أَنَّ لِلْمَرْأَةِ مَدْخَلًا فِي كَفَالَةِ أَوْلَادِهَا وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِمْ مِنْ مَالِ أَبِيهِمْ قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا امْتَنَعَ الْأَبُ مِنْ الْإِنْفَاقِ عَلَى الْوَلَدِ الصَّغِيرِ أَوْ كَانَ غَائِبًا أَذِنَ الْقَاضِي لِأُمِّهِ بِالْأَخْذِ مِنْ مَالِ الْأَبِ أَوْ الِاسْتِقْرَاضِ عَلَيْهِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَى الصَّغِيرِ بِشَرْطِ أَهْلِيَّتِهَا لِذَلِكَ ، وَلَهَا الِاسْتِقْلَالُ بِالْأَخْذِ مِنْ مَالِهِ بِغَيْرِ إذْنِ الْقَاضِي بِنَاءً عَلَى أَنَّ إذْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إفْتَاءً ، وَهُوَ الْأَصَحُّ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ فَإِنْ قُلْنَا كَانَ قَضَاءً فَلَا يَجُوزُ لِغَيْرِهَا إلَّا بِإِذْنِ الْقَاضِي . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ اعْتِمَادُ الْعُرْفِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا تَحْدِيدٌ شَرْعِيٌّ قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْعُرْفِ فِي الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ خِلَافًا لِلشَّافِعِيَّةِ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْمُنْكِرِينَ لَهُ لَفْظًا الْآخِذِينَ لَهُ عَمَلًا انْتَهَى . وَقَوْلُهُ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ لَا إلَّا بِالْمَعْرُوفِ ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ النَّوَوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ أَنَّ تَقْدِيرَهُ لَا حَرَجَ ثُمَّ ابْتَدَأَ فَقَالَ إلَّا بِالْمَعْرُوفِ أَيْ لَا تُنْفِقِي إلَّا بِالْمَعْرُوفِ أَوْ لَا حَرَجَ إذَا لَمْ تُنْفِقِي إلَّا بِالْمَعْرُوفِ ( قُلْت ) وَيَحْتَمِلُ أَنَّ تَقْدِيرَهُ لَا تُنْفِقِي إلَّا بِالْمَعْرُوفِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا عَلَى جَوَازِ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ قَالَ النَّوَوِيُّ بَعْدَ حِكَايَتِهِ هَذَا الِاسْتِدْلَال عَنْ جَمَاعَاتٍ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَغَيْرِهِمْ ، وَلَا يَصِحُّ الِاسْتِدْلَال بِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَنَّ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ كَانَتْ بِمَكَّةَ ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ حَاضِرًا بِهَا ، وَشَرْطُ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ أَنْ يَكُونَ غَائِبًا عَنْ الْبَلَدِ أَوْ مُسْتَتِرًا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ أَوْ مُتَعَزِّزًا ، وَلَمْ يَكُنْ هَذَا الشَّرْطُ فِي أَبِي سُفْيَانَ مَوْجُودًا فَلَا يَكُونُ قَضَاءً عَلَى الْغَائِبِ بَلْ هُوَ إفْتَاءٌ ، وَفِي كَوْنِ إذْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ إفْتَاءً أَوْ قَضَاءً وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ إفْتَاءٌ انْتَهَى . وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ لَكِنَّهُ قَالَ فِي الْقَضَاءِ فِي الْغَائِبِ ، وَاحْتَجَّ الْأَصْحَابُ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَنْعِهِ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ بِقَضِيَّةِ هِنْدٍ ، وَكَانَ ذَلِكَ قَضَاءً مِنْهُ عَلَى زَوْجِهَا أَبِي سُفْيَانَ ، وَهُوَ غَائِبٌ انْتَهَى . وَالْجُمْهُورُ عَلَى الْقَضَاءِ عَلَى الْغَائِبِ ، وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ إلَّا أَنَّ عَنْ مَالِكٍ قَوْلَيْنِ فِي الْحُكْمِ عَلَيْهِ فِي الرِّبَاعِ ثُمَّ إنَّ الْقَضَاءَ عَلَى الْغَائِبِ إنَّمَا يَكُونُ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، وَلَا يُقْضَى عَلَيْهِ فِي حُقُوقِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسَائِرُ الْكُوفِيِّينَ إلَى أَنَّهُ لَا يُقْضَى عَلَيْهِ بِشَيْءٍ . ( السَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ أَيْضًا الْبُخَارِيُّ وَالْخَطَّابِيُّ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْقَاضِي أَنْ يَحْكُمَ بِعِلْمِهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ قَضَاءٌ قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّفْهَا الْبَيِّنَةَ فِيمَا ادَّعَتْهُ مِنْ ذَلِكَ إذْ كَانَ قَدْ عَلِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا بَيْنَهُمَا مِنْ الزَّوْجِيَّةِ ، وَأَنَّهُ كَانَ كَالْمُسْتَفِيضِ عِنْدَهُمْ بُخْلُ أَبِي سُفْيَانَ انْتَهَى ، وَالْأَظْهَرُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ فِي غَيْرِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْأَشْهَرُ عَنْ أَحْمَدَ مَنْعُهُ إلَّا فِي عَدَالَةِ الشُّهُودِ وَجَرْحِهِمْ . وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ مُطْلَقًا إلَّا أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِي الْمُحَاكَمَةِ فَفِيهِ قَوْلَانِ فَلَوْ حَكَمَ بِعِلْمِهِ فِي غَيْرِهِ فَفِي فَسْخِهِ قَوْلَانِ ، وَأَمَّا مَا أَقَرَّ بِهِ فِي مَجْلِسِ الْخُصُومَةِ فَحَكَمَ بِهِ فَلَا يُنْقَضُ فَلَوْ أَنْكَرَ بَعْدَ إقْرَارِهِ فَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ لَا يَحْكُمُ بِعِلْمِهِ ، وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَسَحْنُونٌ يَحْكُمُ فَلَوْ أَنْكَرَ بَعْدَ أَنْ حَكَمَ لَمْ يُفِدْهُ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَمِنْ الْعَجِيبِ جَمْعُ الْبُخَارِيِّ وَالْخَطَّابِيِّ ، وَغَيْرِهِمَا بَيْنَ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ ، وَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَبَيْنَ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى مَسْأَلَةِ الظَّفَرِ لَا يَكُونُ إلَّا عَلَى الْفَتْوَى ، وَهَذَانِ : الِاسْتِدْلَال عَلَى الْقَضَاءِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مُتَعَذَّرٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَأْخُذَ مِنْ مَالِ زَوْجِهَا شَيْئًا بِغَيْرِ إذْنِهِ قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ قَالَ : وَهَذَا لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ ( قُلْت ) لَكِنْ لَا يَتَعَيَّنُ فِي ذَلِكَ الْإِذْنُ الصَّرِيحُ فَيَجُوزُ التَّصَرُّفُ فِيمَا تَقُومُ الْقَرَائِنُ عَلَى الْمُسَامَحَةِ بِهِ . ( التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ جَوَازُ خُرُوجِ الْمَرْأَةِ مِنْ بَيْتِهَا لِحَاجَتِهَا إذَا أَذِنَ لَهَا زَوْجُهَا فِي ذَلِكَ أَوْ عَلِمَتْ رِضَاهُ بِهِ . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ } زَادَ الْبُخَارِيُّ ( تَقُولُ الْمَرْأَةُ إمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي وَإِمَّا أَنْ تُطَلِّقَنِي ، وَيَقُولُ الْعَبْدُ أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي ، وَيَقُولُ الِابْنُ أَطْعِمْنِي إلَى مَنْ تَدَعُنِي ، فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعْت هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ لَا ، هَذَا مِنْ كَيْسِ أَبِي هُرَيْرَةَ ) . الْحَدِيثُ الثَّانِي ، وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ ( أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ مَا تَرَكَ غَنِيٌّ ) الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السُّفْلَى وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ، تَقُولُ الْمَرْأَةُ إمَّا أَنْ تُطْعِمَنِي [ أَوْ تُطَلِّقَنِي ] ، وَيَقُولُ الْعَبْدُ أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي ، وَيَقُولُ الِابْنُ أَطْعِمْنِي إلَى مَنْ تَدَعُنِي فَقَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعْت هَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قَالَ لَا هَذَا مِنْ كَيْسِ أَبِي هُرَيْرَةَ ) ؟ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو دَاوُد الْمَوْقُوفَ ، وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِيهِ فَسُئِلَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَنْ يَعُولُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ امْرَأَتُك تَقُولُ أَنْفِقْ عَلَيَّ أَوْ طَلِّقْنِي ، وَعَبْدُك يَقُولُ أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي ، وَابْنُك يَقُولُ إلَى مِنْ تَذَرُنِي ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ رَفَعَ ذَلِكَ ، وَلَفْظُهُ فَقِيلَ مَنْ أَعُولُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ امْرَأَتُك مِمَّنْ تَعُولُ تَقُولُ أَطْعِمْنِي وَإِلَّا فَارِقْنِي ؛ خَادِمُك يَقُولُ أَطْعِمْنِي وَاسْتَعْمِلْنِي ، وَوَلَدُك يَقُولُ إلَى مَنْ تَتْرُكُنِي ، وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ الْجُمْلَتَيْنِ اللَّتَيْنِ رَوَيْنَاهُمَا خَاصَّةً فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ مِنْ طَرِيقِ قَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ خَيْرُ الصَّدَقَةِ مَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ غِنًى ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ . ( الثَّانِيَةُ ) تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ . وَأَمَّا قَوْلُهُ ( وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ ) فَمَعْنَاهُ ( بِمَنْ تُمَوِّنُ ) وَيَلْزَمُك نَفَقَتُهُ مِنْ عِيَالِك فَإِنْ فَضَلَ شَيْءٌ فَلْيَكُنْ لِلْأَجَانِبِ يُقَالُ عَالَ الرَّجُلُ عِيَالَهُ يَعُولُهُمْ وَأَعَالَهُمْ وَعُيَّلَهُمْ إذَا قَامَ بِمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ قُوتٍ وَكِسْوَةٍ وَغَيْرِهِمَا قَالَ فِي الْمُحْكَمِ : وَعِيَالُ الرَّجُلِ الَّذِينَ يَتَكَفَّلُ بِهِمْ ، وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ : هُمْ مَنْ يُقَوِّتُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ وَلَدٍ وَزَوْجَةٍ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ إيجَابُ النَّفَقَةِ عَلَى الْعِيَالِ ، وَفِيهِ تَقْدِيمُ نَفَقَةِ نَفْسِهِ وَعِيَالِهِ لِأَنَّهَا مُنْحَصِرَةٌ فِيهِ بِخِلَافِ نَفَقَةِ غَيْرِهِمْ ، وَفِيهِ الِابْتِدَاءُ بِالْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ فِي الْأُمُورِ الشَّرْعِيَّةِ . ( الرَّابِعَةُ ) تَرْجَمَ النَّسَائِيّ فِي سُنَنِهِ بَعْدَ رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَفْسِيرِهِ ، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَصَدَّقُوا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ عِنْدِي دِينَارٌ ، قَالَ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى نَفْسِك قَالَ عِنْدِي آخَرُ قَالَ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى زَوْجَتِك قَالَ عِنْدِي آخَرُ قَالَ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى وَلَدِك قَالَ عِنْدِي آخَرُ قَالَ تَصَدَّقْ بِهِ عَلَى خَادِمِك قَالَ عِنْدِي آخَرُ قَالَ أَنْتَ أَبْصَرُ } ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ هَكَذَا ، وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ حِبَّانَ ، وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ ، وَصَحَّحَهُ بِتَقْدِيمِ الْوَلَدِ عَلَى الزَّوْجَةِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي الْكَلَامِ عَلَيْهِ هَذَا التَّرْتِيبُ إذَا تَأَمَّلْته عَلِمْت أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدَّمَ الْأَوْلَى فَالْأَوْلَى ، وَالْأَقْرَبَ فَالْأَقْرَبَ ، وَهُوَ أَنَّهُ أَمَرَهُ أَنْ يَبْدَأَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ بِوَلَدِهِ لِأَنَّ الْوَلَدَ كَبِضْعَتِهِ فَإِذَا ضَيَّعَهُ هَلَكَ وَلَمْ يَجِدْ مِنْ يَنُوبُ عَنْهُ فِي الْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ ثُمَّ ثَلَّثَ بِالزَّوْجَةِ ، وَأَخْرَجَهَا عَنْ دَرَجَةِ الْوَلَدِ لِأَنَّهُ إذَا لَمْ يَجِدْ مَا يُنْفِقْ عَلَيْهَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا ، وَكَانَ لَهَا مَنْ يُمَوِّنُهَا مِنْ زَوْجٍ أَوْ ذِي رَحِمٍ تَجِبُ نَفَقَتُهَا عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ الْخَادِمَ لِأَنَّهُ يُبَاعُ عَلَيْهِ إذَا عَجَزَ عَنْ نَفَقَتِهِ ، وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ ، وَإِذْ قَدْ اخْتَلَفَتْ الرَّوِيَّتَانِ ، وَكِلَاهُمَا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَجْلَانَ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَيُصَارُ إلَى التَّرْجِيحِ ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ عَلَى حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ ، فَقَدَّمَ السُّفْيَانَانِ ، وَأَبُو عَاصِمٍ النَّبِيلُ ، وَرَوْحُ بْنُ الْقَاسِمِ عَنْ حَمَّادٍ ذِكْرَ الْوَلَدِ عَلَى الزَّوْجَةِ ، وَهِيَ رِوَايَةُ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُسْنَدِ ، وَأَبِي دَاوُد وَالْحَاكِمِ فِي الْمُسْتَدْرَكِ وَصَحَّحَهُ ، وَقَدَّمَ اللَّيْثُ وَيَحْيَى الْقَطَّانُ عَنْ حَمَّادٍ الزَّوْجَةَ عَلَى الْوَلَدِ ، وَهِيَ رِوَايَةُ النَّسَائِيّ ، وَعِنْدَ ابْنِ حِبَّانَ وَالْبَيْهَقِيِّ ذَكَرَ الرِّوَايَتَيْنِ مَعًا ، وَهَذَا يَقْتَضِي تَرْجِيحَ رِوَايَةَ تَقْدِيمِ الْوَلَدِ عَلَى الزَّوْجَةِ انْتَهَى . وَاَلَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ كَمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ تَقْدِيمُ الزَّوْجَةِ عَلَى الْوَلَدِ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا آكَدُ فَإِنَّهَا لَا تَسْقُطُ بِمُضِيِّ الزَّمَانِ وَلَا بِالْإِعْسَارِ وَلِأَنَّهَا وَجَبَتْ عِوَضًا لَكِنْ اعْتَرَضَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّ نَفَقَتَهَا إذَا كَانَتْ كَذَلِكَ كَانَتْ كَالدُّيُونِ ، وَنَفَقَةُ الْقَرِيبِ فِي مَالِ الْمُفْلِسِ تُقَدَّمُ عَلَى الدُّيُونِ ، وَخَرَجَ لِذَلِكَ احْتِمَالًا فِي تَقْدِيمِ الْقَرِيبِ ، وَأَيَّدَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ وَجْهٌ حَكَاهُ الْمُتَوَلَّيْ فِي التَّتِمَّةِ أَنَّ نَفَقَةَ الْوَلَدِ الطِّفْلِ تُقَدَّمُ عَلَى نَفَقَةِ الزَّوْجَةِ ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْخَطَّابِيَّ مَشَى عَلَيْهَا فِي شَرْحِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَعَلَّلَهُ بِمَا سَبَقَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَدْ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ ، وَابْدَأْ بِمَنْ تَعُولُ كُلَّ مَنْ يُمَوِّنُهُ الْإِنْسَانُ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ نَفَقَتُهُ وَاجِبَةً عَلَيْهِ ، وَيُوَافِقُهُ تَفْسِيرُ صَاحِبِ الْمُحْكَمِ الْعِيَالَ ، وَيُوَافِقُهُ كَلَامُ الْإِمَامِ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيّ فِي قِسْمِ الصَّدَقَاتِ فَإِنَّهُ قَالَ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعِيَالِ مَنْ تَلْزَمُهُ نَفَقَتُهُ ، وَمَنْ لَا تَلْزَمُهُ مِمَّنْ تَقْضِي الْمُرُوءَةُ وَالْعَادَةُ بِقِيَامِهِ بِنَفَقَتِهِمْ مِمَّنْ يُمْكِنُ صَرْفُ الزَّكَاةِ إلَيْهِ مِنْ قَرِيبٍ حُرٍّ وَغَيْرِهِ ، وَكَذَا الزَّوْجَةُ لِأَنَّ نَفَقَتَهَا آكَدُ ، وَإِنْ كَانَتْ دَيْنًا فَإِنَّهَا تَجِبُ يَوْمًا فَيَوْمًا ، وَلَوْ جُعِلَتْ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ فَفِي تَمْيِيزِ نَصِيبِهَا مِنْهُ وَنَصِيبِهِ مِنْ سَهْمِ الْمَسَاكِينِ عُسْرٌ أَوْ خِلَافٌ فِي الْأَخْذِ بِصِفَتَيْنِ ، وَفِي إفْرَادِ كُلٍّ بِالصَّرْفِ مِنْ غَيْرِ تَبِعَةِ عُسْرٍ حَتَّى لَوْ كَانَتْ مِسْكِينَةً ، وَلَهَا وَلَدٌ لَوْ كَانَتْ مُوسِرَةً لَزِمَهَا نَفَقَتُهُ فَهُوَ مِنْ عِيَالِهَا . ( السَّادِسَةُ ) قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَحْرِيمِ الْإِيثَارِ بِقُوتِهِ أَوْ قُوتِ عِيَالِهٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُخَالَفَةِ أَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْبَدَاءَةِ بِمَنْ يَعُولُ ، وَأَقْوَى مِنْ ذَلِكَ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { كَفَى بِالْمَرْءِ إثْمًا أَنْ يُضَيِّعَ مَنْ يَقُوتُ } ، وَهُوَ الَّذِي صَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَكِنْ صَحَّحَ فِي الرَّوْضَةِ جَوَازَ الْإِيثَارِ بِقُوتِهِ دُونَ قُوتِ عِيَالِهِ قَالَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ ، وَلَا يُشْتَرَطُ فِي جَوَازِ الضِّيَافَةِ الْفَضْلُ عَنْ نَفَقَتِهِ وَنَفَقَةِ عِيَالِهِ لِتَأَكُّدِهَا وَكَثْرَةِ الْحَثِّ عَلَيْهَا قَالَ : وَلَيْسَتْ الضِّيَافَةُ صَدَقَةً ، وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ الضَّيْفُ فَأَطْعَمَهُ قُوتَ صِبْيَانِهِ لَكِنَّهُ خَالَفَ ذَلِكَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَقَالَ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، وَأَجَابَ عَنْ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ بِحَمْلِهِ عَلَى أَنَّ الصِّبْيَانَ لَمْ يَكُونُوا مُحْتَاجِينَ لِلْأَكْلِ ، وَإِنَّمَا طَلَبُوهُ عَلَى عَادَةِ الصِّبْيَانِ فِي الطَّلَبِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . كِتَابُ الْجِنَايَاتِ وَالْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي أَمْوَالَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ } ، وَلَفْظُ الشَّيْخَيْنِ { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ } ، وَزَادَ مُسْلِمٌ بَعْدَ قَوْلِهِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ { وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ } . كِتَابُ الْجِنَايَاتِ وَالْقِصَاصِ وَالدِّيَاتِ . الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ . عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا أَزَالُ أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَإِذَا قَالُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ ، وَأَنْفُسَهُمْ ، وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ . ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيق يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ } ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَعْقُوبَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { أُمِرْت أُقَاتِلُ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَيُؤْمِنُوا بِي ، وَبِمَا جِئْت بِهِ فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا } الْحَدِيثَ ، وَأَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ الْخَمْسَةُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ لَمَّا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاسْتُخْلِفَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ بَعْدَهُ ، وَكَفَرَ مَنْ كَفَرَ مِنْ الْعَرَبِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لِأَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ كَيْفَ نُقَاتِلُ النَّاسَ ، وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَمَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ فَقَدْ عَصَمَ مِنِّي مَالَهُ وَنَفْسَهُ إلَّا بِحَقِّهِ ، وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ } الْحَدِيثُ وَجَعَلَهُ النَّسَائِيّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ عُمَرَ ، وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ فَإِذَا فَعَلُوهُ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ } ، وَزَادَ الْبُخَارِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ . ( الثَّانِيَةُ ) أَمَرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِمُقَاتَلَةِ النَّاسِ حَتَّى يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ فَامْتَثَلَ ذَلِكَ ، وَأَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّهُ لَا يَزَالُ يَفْعَلُهُ ، وَلِهَذَا سُمِّيَ نَبِيَّ الْمَلْحَمَةِ أَيْ الْقِتَالِ ، وَفِيهِ أَنَّ الْجِهَادَ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ الَّتِي يَجِبُ الْقِيَامُ بِهَا فَإِنَّ الْأَمْرَ لَهُ أَمْرٌ لِجَمِيعِ أُمَّتِهِ إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى اخْتِصَاصِهِ بِهِ ، وَفَائِدَةُ تَوْجِيهِ الْخِطَابِ إلَيْهِ أَنَّهُ الدَّاعِي إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَالْمُبَيِّنُ عَنْهُ مَعْنَى مَا أَرَادَ ، وَعَلَى هَذَا جَاءَ قَوْله تَعَالَى { يَأَيُّهَا النَّبِيُّ إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } فَافْتَتَحَ الْخِطَابَ بِاسْمِهِ خُصُوصًا ثُمَّ خَاطَبَهُ وَسَائِرَ أُمَّتِهِ بِالْحُكْمِ عُمُومًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) اقْتَصَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى أَنَّ غَايَةَ الْقِتَالِ قَوْلُ ( لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ) فَظَاهِرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِذَلِكَ فِي حُصُولِ الْإِسْلَامِ ، وَإِنْ لَمْ يَضُمَّ إلَيْهِ شَيْئًا ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا فَقَالَ يَصِيرُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا ، وَيُطَالَبُ بِالشَّهَادَةِ الْأُخْرَى فَإِنْ أَبَى جُعِلَ مُرْتَدًّا ، وَخَصَّ بَعْضُهُمْ ذَلِكَ بِالْوَثَنِيِّ وَالْمُعَطِّلِ لِأَنَّهُ أَقَرَّ بِمَا كَانَ يَجْحَدُهُ ، وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ ذَلِكَ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّ مَنْ أَتَى مِنْ الشَّهَادَتَيْنِ بِكَلِمَةٍ تُخَالِفُ مُعْتَقَدَهُ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ ، وَإِنْ أَتَى مِنْهُمَا بِمَا يُوَافِقُهُ لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ فَقَالَ فِي الْوَثَنِيِّ وَالْمُعَطِّلِ مَا تَقَدَّمَ ، وَقَالَ فِي الْيَهُودِيِّ إذَا قَالَ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ قَالَ ، وَاخْتَلَفُوا فِي أَنَّ الْيَهُودِيَّ أَوْ النَّصْرَانِيَّ إذَا اعْتَرَفَ بِصَلَاةٍ تُوَافِقُ مِلَّتَنَا أَوْ حُكْمٍ يَخْتَصُّ بِشَرِيعَتِنَا هَلْ يَكُونُ بِذَلِكَ مُسْلِمًا قَالَ وَمَيْلُ مُعْظَمِ الْمُحَقِّقِينَ إلَى كَوْنِهِ إسْلَامًا ، وَعَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ فِي ضَبْطِهِ أَنَّهُ قَالَ كُلُّ مَا كَفَرَ الْمُسْلِمُ بِجَحْدِهِ كَانَ الْكَافِرُ الْمُخَالِفُ لَهُ مُسْلِمًا بِعَقْدِهِ ثُمَّ إنْ كَذَّبَ مَا صَدَّقَ بِهِ كَانَ مُرْتَدًّا ، وَقَالَ أَصْحَابُ هَذِهِ الطَّرِيقَةِ إنَّمَا وَرَدَ هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْعَرَبِ ، وَكَانُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ لَا يُوَحِّدُونَ فَاخْتَصَّ هَذَا الْحُكْمُ بِهِمْ ، وَبِمَنْ كَانَ فِي مِثْلِ حَالِهِمْ ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ لَا يَصِيرُ مُسْلِمًا إلَّا بِنُطْقِهِ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ فِيهِ اخْتِصَارًا ، وَحَذْفًا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ ، وَالْحَدِيثُ إذَا جُمِعَتْ طُرُقُهُ تَبَيَّنَ الْمُرَادُ مِنْهُ ، وَلَيْسَ لَنَا أَنْ نَتَمَسَّكَ بِرِوَايَةٍ ، وَنَتْرُكَ بَقِيَّةَ الرِّوَايَاتِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَخُصَّ بِذَلِكَ الْعَرَبَ ، وَمَنْ كَانَ مِثْلَهُمْ بَلْ ذَكَرَهُ شَرْعًا عَامًّا فِي حَقِّ كُلِّ أَحَدٍ ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ حَتَّى يَشْهَدُوا أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَيُقِيمُوا الصَّلَاةَ ، وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَاسْتَغْنَى فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِذِكْرِ إحْدَاهَا عَنْ الْأُخْرَى لِارْتِبَاطِهِمَا ، وَشُهْرَتِهِمَا ، وَفَسَّرَ الشَّافِعِيُّ فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ الْإِسْلَامَ بِالشَّهَادَتَيْنِ ، وَبِالْبَرَاءَةِ مِنْ كُلِّ دِينٍ خَالَفَ الْإِسْلَامَ فَأَخَذَ بَعْضُهُمْ بِظَاهِرِهِ ، وَاشْتَرَطَ ذَلِكَ ، وَحَمَلَهُ أَكْثَرُهُمْ عَلَى كَافِرٍ يَعْتَرِفُ بِأَصْلِ رِسَالَةِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَقَوْمٍ مِنْ الْيَهُودِ يَقُولُونَ إنَّهُ مُرْسَلٌ إلَى الْعَرَبِ خَاصَّةً فَهَؤُلَاءِ لَا بُدَّ فِي حَقِّهِمْ مِنْ الْبَرَاءَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهِمْ ، وَقَدْ نَصَّ الشَّافِعِيُّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَلَى هَذَا التَّفْصِيلِ . ( الرَّابِعَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ الْكَرَّامِيَّةُ ، وَبَعْضُ الْمُرْجِئَةِ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ هُوَ الْإِقْرَارُ بِاللِّسَانِ دُونَ عَقْدِ الْقَلْبِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُعْتَبَرْ سِوَى ذَلِكَ ، وَجَوَابُ الْجَمَاعَةِ عَنْهُ أَنَّهُ إنَّمَا عَلَّقَهُ بِالْقَوْلِ لِأَنَّهُ الَّذِي يَظْهَرُ ، وَتُرَتَّبُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ . وَأَمَّا الِاعْتِقَادُ بِالْقَلْبِ فَلَا سَبِيلَ لَنَا إلَى مَعْرِفَتِهِ لَكِنَّهُ لَا يَصِيرُ فِي الْبَاطِنِ مُسْلِمًا بِدُونِهِ ، وَلَوْ اعْتَرَفَ لَنَا بِاعْتِقَادِهِ حَكَمْنَا بِكُفْرِهِ ، وَمِنْ أَقْوَى مَا يُرَدُّ بِهِ عَلَى هَؤُلَاءِ إجْمَاعُ الْأُمَّةِ عَلَى إكْفَارِ الْمُنَافِقِينَ ، وَإِنْ كَانُوا قَدْ أَظْهَرُوا الشَّهَادَتَيْنِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَلَا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ إنَّهُمْ كَفَرُوا بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ } إلَى قَوْلِهِ { وَتَزْهَقَ أَنْفُسُهُمْ وَهُمْ كَافِرُونَ } ، وَمِمَّا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ ، وَأَيْضًا فَلَفْظُ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فِي الصَّحِيحِ حَتَّى يَشْهَدُوا ، وَالشَّهَادَةُ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ مُوَاطَأَةِ الْقَلْبِ لِلِّسَانِ بِدَلِيلِ تَكْذِيبِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُنَافِقِينَ فِي قَوْلِهِمْ ( نَشْهَدُ إنَّك لِرَسُولِ اللَّهِ ) . ( الْخَامِسَةُ ) فِيهِ حُجَّةُ لِلشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورِ عَلَى أَنَّ مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ وَأَسَرَّ الْكُفْرَ يُقْبَلُ إسْلَامُهُ فِي الظَّاهِرِ ، وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُمَا الْخَطَّابِيُّ إلَى أَنَّ تَوْبَةَ الزِّنْدِيقِ ، وَهُوَ الَّذِي يُنْكِرُ الشَّرْعَ جُمْلَةً لَا تُقْبَلُ ، وَبِهِ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنْ تَابَ مَرَّةً وَاحِدَةً قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ ، وَإِنْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ لَمْ تُقْبَلْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنْ أَسْلَمَ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ طَلَبٍ مِنْهُ ، وَإِلَّا قُبِلَ فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَوْجُهٍ لِأَصْحَابِنَا ، وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ قَبُولُهَا مُطْلَقًا كَمَا تَقَدَّمَ . ( السَّادِسَةُ ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ صَرِيحٌ فِي قَتْلِ تَارِكِ الصَّلَاةِ ، وَمَانِعِ الزَّكَاةِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي الْجَاحِدِ لِأَنَّهُ كَافِرٌ . وَأَمَّا تَارِكُ الصَّلَاةِ كَسَلًا فَتَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِيهِ فِي أَوَّلِ كِتَابِ الصَّلَاةِ ، وَأَمَّا تَارِكُ الزَّكَاةِ بُخْلًا فَإِنَّهَا تُؤْخَذُ مِنْهُ قَهْرًا فَإِنْ امْتَنَعَ بِالْقِتَالِ قُوتِلَ ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوْا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ } وَلِهَذَا بَوَّبَ الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ ، وَأَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ لِمُوَافَقَتِهِ لَهَا ، وَقَالَ فِي آيَةٍ أُخْرَى { فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ } وَحُكِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَامَ الدَّلِيلُ الْوَاضِحُ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ عَلَى أَنَّ مَنْ تَرَكَ الْفَرَائِضَ أَوْ وَاحِدَةً مِنْهَا فَلَا يُخَلَّى سَبِيلُهُ ، وَلَيْسَ بِأَخٍ فِي الدِّينِ ، وَلَا يُعْصَمُ دَمُهُ وَمَالُهُ قَالَ ، وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { فَإِذَا فَعَلُوا ذَلِكَ عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا } . ( السَّابِعَةُ ) فِيهِ أَنَّ الْإِسْلَامَ يَعْصِمُ الدَّمَ وَالْمَالَ ، وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ الْعِرْضُ ، وَبِهَذَا خَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ { إنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ } ، وَقَوْلُهُ ( إلَّا بِحَقِّهَا ) أَيْ بِحَقِّ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ بِأَنْ يَسْتَحِقَّ النَّفْسَ لِكَوْنِهَا قَتَلَتْ مُكَافِئًا لَهَا عَمْدًا عُدْوَانًا أَوْ الْمَالَ بِطَرِيقٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ فَيُؤْخَذُ حِينَئِذٍ مَا اسْتَحَقَّ ، وَيُسْتَثْنَى ذَلِكَ مِنْ عُمُومِ الْعِصْمَةِ ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ إلَّا بِحَقِّ الْإِسْلَامِ لِأَنَّهُ مُقْتَضَاهُ وَمُوجِبُهُ ، وَتَارَةً إلَى الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ لِتَعَلُّقِهِ بِهَا . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهُ ( وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ ) أَيْ فِيمَا يَسْتَتِرُونَ بِهِ ، وَيُخْفُونَهُ دُونَ مَا يُخَلَّوْنَ بِهِ فِي الظَّاهِرِ مِنْ الْأَحْكَامِ الْوَاجِبَةِ فَإِنَّ حُكَّامَ الْمُسْلِمِينَ يُقِيمُونَ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَحْكَامَ تُجْرَى عَلَى الظَّاهِرِ ، وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ ، وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنِّي لَمْ أُؤْمَرْ أَنْ أَشُقَّ عَلَى قُلُوبِ النَّاسِ وَلَا عَنْ بُطُونِهِمْ } لَمَّا قَالَ لَهُ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ كَمْ مِنْ مُصَلٍّ يَقُولُ بِلِسَانِهِ مَا لَيْسَ فِي قَلْبِهِ ، وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ . ( التَّاسِعَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { وَيُؤْمِنُوا بِي وَبِمَا جِئْت بِهِ } فِيهِ دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ لِمَذْهَبِ الْمُحَقِّقِينَ وَالْجَمَاهِيرِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ أَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا اعْتَقَدَ دِينَ الْإِسْلَامِ اعْتِقَادًا جَازِمًا لَا تَرَدُّدَ فِيهِ كَفَاهُ ذَلِكَ ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ مِنْ الْمُوَحِّدِينَ ، وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَعَلُّمُ أَدِلَّةِ الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَمَعْرِفَةُ اللَّهِ تَعَالَى بِهَا خِلَافًا لِمَنْ أَوْجَبَ ذَلِكَ ، وَجَعَلَهُ شَرْطًا فِي كَوْنِهِ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ ، وَزَعَمَ أَنَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ إلَّا بِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ كَثِيرٍ مِنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَبَعْضِ أَصْحَابِنَا الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَهُوَ خَطَأٌ ظَاهِرٌ فَإِنَّ الْمُرَادَ التَّصْدِيقُ الْجَازِمُ ، وَقَدْ حَصَلَ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اكْتَفَى بِالتَّصْدِيقِ بِمَا جَاءَ بِهِ ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْمَعْرِفَةَ بِالدَّلِيلِ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ بِهَذَا أَحَادِيثُ فِي الصَّحِيحِ يُحَصِّلُ مَجْمُوعُهَا التَّوَاتُرَ بِأَصْلِهَا وَالْعِلْمِ الْقَطْعِيِّ انْتَهَى . ( الْعَاشِرَةُ ) أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْجِنَايَاتِ لِأَمْرَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) دَلَالَتُهُ عَلَى أَنَّ نَفْسَ الْمُسْلِمِ مَعْصُومَةٌ فَتَكُونُ مَضْمُونَةً ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ أَحْكَامُ الْجِنَايَاتِ ، وَتَفَاصِيلُهَا مَعْرُوفَةٌ ( الثَّانِي ) دَلَالَتُهُ عَلَى أَنَّ الْعِصْمَةَ تَزُولُ بِارْتِكَابِ الْمُسْلِمِ مَا يَقْتَضِي الشَّرْعُ قَتْلَهُ بِهِ فَلَا يَكُونُ الْجَانِي مَعْصُومًا بِالنِّسْبَةِ إلَى ، وَلِيِّ الدَّمِ ، وَتَفَاصِيلُ ذَلِكَ مَعْرُوفَةٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) الْمُقَاتَلَةُ إلَى غَايَةِ الْإِسْلَامِ يُسْتَثْنَى مِنْهُ أَهْلُ الْكِتَابِ فَإِنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ إلَى إحْدَى غَايَتَيْنِ إمَّا الْإِسْلَامُ أَوْ بَذْلُ الْجِزْيَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } . وَعَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَمْشِيَنَّ أَحَدُكُمْ إلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنْ نَارٍ } . الْحَدِيثُ الثَّانِي . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَمْشِيَنَّ أَحَدُكُمْ إلَى أَخِيهِ بِالسِّلَاحِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ لَعَلَّ الشَّيْطَانَ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ فَيَقَعُ فِي حُفْرَةٍ مِنْ نَارٍ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ بِلَفْظِ ( لَا يُشِيرُ ) وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ ، وَغَيْرُهُ مِنْ طَرِيق مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { مَنْ أَشَارَ إلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ } . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ ( لَا يَمْشِيَنَّ ) كَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي أَصْلِنَا عِنْدَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ الْمَشْيِ ، وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ لَا يُشِيرُ مِنْ الْإِشَارَةِ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ ، وَكَذَا وَقَعَ فِيهِمَا بِإِثْبَاتِ الْيَاءِ مَرْفُوعًا ، وَهُوَ نَهْيٌ بِلَفْظِ الْخَبَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { لَا تُضَارَّ وَالِدَةٌ بِوَلَدِهَا } وقَوْله تَعَالَى { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ } ، وَهُوَ أَبْلَغُ وَآكَدُ مِنْ صِيغَةِ النَّهْيِ ، وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى إنْ ثَبَتَتْ فَهِيَ بِمَعْنَى الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ، وَرَاجِعَةٌ إلَيْهَا لِأَنَّ الْمُرَادَ نَهْيُهُ عَنْ الْمَشْيِ إلَى جِهَتِهِ مُشِيرًا لَهُ بِالسِّلَاحِ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ النَّهْيُ عَنْ الْإِشَارَةِ إلَى الْمُسْلِمِ بِالسِّلَاحِ ، وَهُوَ نَهْيُ تَحْرِيمٍ فَإِنَّ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى مَنْ أَشَارَ إلَى أَخِيهِ بِحَدِيدَةٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تَلْعَنُهُ ، وَلَعْنُ الْمَلَائِكَةِ لَا يَكُونُ إلَّا بِحَقٍّ ، وَلَا يَسْتَحِقُّ اللَّعْنَ إلَّا فَاعِلُ الْمُحَرَّمِ ، وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَلَى سَبِيلِ الْجَدِّ أَوْ الْهَزْلِ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ، وَإِنْ كَانَ أَخَاهُ لِأَبِيهِ وَأُمِّهِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُشِيرُ إلَى شَقِيقِهِ بِالسِّلَاحِ عَلَى سَبِيلِ الْجَدِّ ، وَإِنَّمَا يَقَعُ مِنْهُ مَعَهُ هَزْلًا ، وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْجَدِّ فَتَحْرِيمُ ذَلِكَ أَغْلَظُ مِنْ تَحْرِيمِ غَيْرِهِ فَلَا يَصِحُّ جَعْلُهُ غَايَةً فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْهَزْلُ فَإِنَّ تَحْرِيمَهُ عَلَى طَرِيقِ الْجَدِّ وَاضِحٌ لِأَنَّهُ يُرِيدُ قَتْلَ مُسْلِمٍ أَوْ جَرْحَهُ ، وَكِلَاهُمَا كَبِيرَةٌ ، وَأَمَّا الْهَزْلُ فَلِأَنَّهُ تَرْوِيعُ مُسْلِمٍ ، وَأَذًى لَهُ ، وَذَلِكَ مُحَرَّمٌ أَيْضًا ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ { لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يُرَوِّعَ مُسْلِمًا } . ( الرَّابِعَةُ ) الْمُرَادُ أُخُوَّةُ الْإِسْلَامِ ، وَيَلْتَحِقُ بِهِ الذِّمِّيُّ أَيْضًا لِتَحْرِيمِ أَذَاهُ ، وَخَرَجَ الْحَدِيثُ مَخْرَجَ الْغَالِبِ ، وَدَخَلَ فِي السِّلَاحِ مَا عَظُمَ مِنْهُ وَصَغُرَ ، وَهَلْ تَدْخُلُ الْعَصَا فِي ذَلِكَ فِيهِ احْتِمَالٌ لِأَنَّ التَّرْوِيعَ حَاصِلٌ ، وَكَذَلِكَ احْتِمَالُ سُقُوطِهَا مِنْ يَدِهِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ يُقَالُ لَا يُرَادُ بِذَلِكَ إلَّا مَا لَهُ نَصْلٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بِحَدِيدَةٍ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ يَنْزِعُ فِي يَدِهِ بِكَسْرِ الزَّايِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَمَعْنَاهُ يَرْمِي فِي يَدِهِ ، وَيُحَقِّقُ ضَرْبَتَهُ كَأَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَهُ ، وَيُحَقِّقُ إشَارَتَهُ وَالنَّزْعُ الْعَمَلُ بِالْيَدِ كَالِاسْتِقَاءِ بِالدَّلْوِ وَنَحْوِهِ ، وَأَصْلُهُ الْجَذْبُ وَالْقَلْعُ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ ، وَأَصْلُ فَعَلَ إذَا كَانَ عَيْنُهُ أَوْ لَامُهُ حَرْفَ حَلْقٍ أَنْ يَكُونَ مُسْتَقْبَلُهُ كَذَلِكَ مَفْتُوحًا ، وَلَمْ يَأْتِ فِي الْمُسْتَقْبَلِ مَكْسُورًا إلَّا يَنْزِعُ ، وَيُهَنِّئُ ( قُلْت ) ، وَمِثْلُهُ يَرْجِعُ ، وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ ضَبْطِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ جَمِيعِ رِوَايَاتِ مُسْلِمٍ ، وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ نُسَخِ بِلَادِنَا ، وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، وَرُوِيَ فِيهِ أَيْضًا يَنْزَغُ بِفَتْحِ الزَّايِ وَبَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ فِي رِوَايَةِ أَبِي ذَرٍّ الْهَرَوِيِّ ، وَمَعْنَاهُ يَحْمِلُهُ عَلَى تَحْقِيقِ ضَرْبِهِ ، وَيُزَيِّنُ ذَلِكَ لَهُ ، وَنَزْغُ الشَّيْطَانِ إغْرَاؤُهُ ، وَإِغْوَاؤُهُ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ فَيَقَعُ رَوَيْنَاهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِالنَّصْبِ وَالرَّفْعِ لِكَوْنِهِ فِي جَوَابِ التَّرَجِّي ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا قَوْله تَعَالَى { لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ } قَرَأَ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالنَّصْبِ ، وَالْبَاقُونَ بِالرَّفْعِ . ( السَّابِعَةُ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ فِي أَنَّ الشَّيْطَانَ يَتَعَاطَى بِيَدِهِ جُرْحَ الْمُسْلِمِ أَوْ يُغْرِي الْمُشِيرَ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ عَلَى خِلَافِ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ مَجَازٌ عَلَى طَرِيقِ نِسْبَةِ الْأَشْيَاءِ الْقَبِيحَةِ الْمُسْتَنْكَرَةِ إلَى الشَّيْطَانِ ، وَالْمُرَادُ سَبْقُ السِّلَاحِ بِنَفْسِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ . ( الثَّامِنَةُ ) فِيهِ تَأَكُّدُ حُرْمَةِ الْمُسْلِمِ ، وَالنَّهْيَ الشَّدِيدَ عَنْ تَرْوِيعِهِ ، وَتَخْوِيفِهِ ، وَالتَّعَرُّضِ لَهُ بِمَا قَدْ يُؤْذِيهِ . ( التَّاسِعَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ فِي قَوْلِهِ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَحَدُكُمْ إلَى آخِرِهِ . ( الْعَاشِرَةُ ) وَجْهُ إيرَادِهِ فِي الْجِنَايَاتِ أَنَّهُ إذَا دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِ مَا قَدْ يَنْتَهِي إلَى الْجِنَايَةِ فَتَحْرِيمُ الْجِنَايَةِ مِنْ بَابِ الْأَوْلَى . . وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا جَهْمِ بْنِ حُذَيْفَةَ مُصَدِّقًا فَلَاجَّهُ رَجُلٌ فِي صَدَقَتِهِ فَضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ فَشَجَّهُ فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا الْقَوَدَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا فَلَمْ يَرْضَوْا فَقَالَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا فَلَمْ يَرْضَوْا ، فَقَالَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا : فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ ، قَالُوا نَعَمْ ، فَخَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ هَؤُلَاءِ اللَّيْثِيِّينَ أَتَوْنِي يُرِيدُونَ الْقَوَدَ فَعَرَضْت عَلَيْهِمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا أَفَرَضِيتُمْ ، قَالُوا لَا ، فَهَمَّ الْمُهَاجِرُونَ بِهِمْ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُفُّوا فَكَفُّوا ثُمَّ دَعَاهُمْ فَزَادَهُمْ ، وَقَالَ أَرَضِيتُمْ قَالُوا نَعَمْ ؛ قَالَ فَإِنِّي خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ ، وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ ، قَالُوا نَعَمْ فَخَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ أَرَضِيتُمْ ؟ قَالُوا نَعَمْ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ . وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ أَبَا جَهْمِ بْنَ حُذَيْفَةَ مُصَدِّقًا فَلَاجَّهُ رَجُلٌ فِي صَدَقَتِهِ فَضَرَبَهُ أَبُو جَهْمٍ فَشَجَّهُ فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا الْقَوَدَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا فَلَمْ يَرْضَوْا فَقَالَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا فَلَمْ يَرْضَوْا فَقَالَ لَكُمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي خَاطِبٌ عَلَى النَّاسِ ، وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ قَالُوا نَعَمْ فَخَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ هَؤُلَاءِ اللَّيْثِيِّينَ أَتَوْنِي يُرِيدُونَ الْقَوَدَ فَعَرَضْت عَلَيْهِمْ كَذَا وَكَذَا فَرَضُوا أَفَرَضِيتُمْ قَالُوا لَا فَهَمَّ الْمُهَاجِرُونَ بِهِمْ فَأَمَرَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَكُفُّوا فَكَفُّوا ثُمَّ دَعَاهُمْ فَزَادَهُمْ ، وَقَالَ أَرَضِيتُمْ قَالُوا نَعَمْ قَالَ فَإِنِّي خَاطِبٌ النَّاسَ ، وَمُخْبِرُهُمْ بِرِضَاكُمْ قَالُوا نَعَمْ ؛ فَخَطَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ أَرَضِيتُمْ قَالُوا نَعَمْ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةُ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ . وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ سَمِعْت مُحَمَّدَ بْنَ يَحْيَى يَقُولُ تَفَرَّدَ بِهَذَا مَعْمَرٌ لَا أَعْلَمُ رَوَاهُ غَيْرُهُ . ( الثَّانِيَةُ ) أَبُو جَهْمٍ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ مُكَبَّرٌ قِيلَ اسْمُهُ عَامِرٌ ، وَقِيلَ عُبَيْدُ بْنُ حُذَيْفَةَ قُرَشِيٌّ عَدَوِيٌّ أَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ ، وَكَانَ مُقَدَّمًا فِي قُرَيْشٍ مُعَظَّمًا ، وَكَانَتْ فِيهِ فِي بَيْتِهِ شِدَّةٌ ، وَفِيهِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ يُشِيرُ أَنَّ ضَرْبَهُ لِلنِّسَاءِ ، وَكَانَ عَالِمًا بِالْأَنْسَابِ ، وَهُوَ مِنْ الْمُعَمِّرِينَ شَهِدَ بُنْيَانَ الْكَعْبَةِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَفِي زَمَنِ ابْنِ الزُّبَيْرِ ، وَقِيلَ إنَّهُ مَاتَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ ، وَهُوَ صَاحِبُ الْأَنْبِجَانِيَّةِ . . ( الثَّالِثَةُ ) الْمُصَدِّقُ بِفَتْحِ الصَّادِ وَتَخْفِيفِهَا ، وَكَسْرِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِهَا هُوَ عَامِلُ الصَّدَقَةِ الَّتِي يَأْخُذُهَا ، وَأَمَّا بِتَشْدِيدِ الصَّادِ فَهُوَ الْمُعْطِي ، وَأَصْلُهُ الْمُتَصَدِّقُ أُدْغِمَتْ التَّاءُ فِي الصَّادِ لِتَقَارُبِ مَخْرَجِهِمَا . وَقَالَ ثَابِتٌ إنَّهُ يُقَالُ بِالتَّخْفِيفِ لِلَّذِي يَأْخُذُهَا ، وَاَلَّذِي يُعْطِيهَا ، وَجَاءَ اسْتِعْمَالُ الْمُشَدَّدِ فِي طَالِبِ الصَّدَقَةِ أَيْضًا ، وَأَنْكَرَ ثَعْلَبٌ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ ( فَلَاجَّهُ رَجُلٌ ) هُوَ بِتَشْدِيدِ الْجِيمِ كَذَا ضَبَطْنَاهُ ، وَرَوَيْنَاهُ أَيْ تَمَادَى فِي خُصُومَتِهِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ الْمُلَاجَّةُ التَّمَادِي فِي الْخُصُومَةِ ، وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ لَجَّ فِي الْأَمْرِ تَمَادَى عَلَيْهِ ، وَأَبَى أَنْ يَنْصَرِفَ عَنْهُ ، وَوَقَعَ فِي بَعْضِ نُسَخِ أَبِي دَاوُد فَلَاحَّهُ بِتَشْدِيدِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَإِنْ صَحَّتْ الرِّوَايَةُ بِهِ فَهُوَ مِثْلُ الْأَوَّلِ فِي الْمَعْنَى مِنْ الْإِلْحَاحِ فِي الْمَسْأَلَةِ ، وَهُوَ الْمُدَاوَمَةُ عَلَيْهَا ، وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ أَلَحَّ السَّحَابُ أَيْ قَامَ مَطَرُهُ ، وَأَوْرَدَهُ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ دَاسَّةَ عَنْ أَبِي دَاوُد فَلَاجَّهُ رَجُلٌ أَوْ لَاحَاهُ عَلَى الشَّكِّ ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَى الْأُولَى ، إنَّمَا تَكَلَّمَ عَلَى الثَّانِيَةِ ، وَهِيَ قَوْلُهُ لَاحَاهُ ، وَقَالَ مَعْنَاهُ نَازَعَهُ ، وَخَاصَمَهُ ، وَفِي بَعْضِ الْأَمْثَالِ ( عَادَاك مِنْ لَاحَاك ) . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ ( فَشَجَّهُ ) بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالْجِيمِ أَيْ جَرَحَهُ فِي رَأْسِهِ وَوَجْهِهِ ، وَالشَّجَّةُ الْجِرَاحَةُ فِي الرَّأْسِ أَوْ الْوَجْهِ دُونَ غَيْرِهِمَا مِنْ الْبَدَنِ كَذَا ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ . وَقَالَ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ ، وَخَصَّصَهَا صَاحِبَا الصِّحَاحِ ، وَالْمَشَارِقِ بِجِرَاحَةِ الرَّأْسِ ، وَلَعَلَّهُمَا ذَكَرَا الْغَالِبَ ، وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ الشَّجُّ فِي الرَّأْسِ خَاصَّةً فِي الْأَصْلِ ثُمَّ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَعْضَاءِ ، وَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي غَيْرِهِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَصُّ بِالْوَجْهِ ، وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيْ الْمَشْجُوجُ ، وَمَنْ يُسَاعِدُهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ تَبَيَّنَ بِآخِرِ الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ مِنْ بَنِي لَيْثٍ ، وَالْقَوَدُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالْوَاوِ الْقِصَاصُ ، وَهُوَ سَنُصَوِّبُ بِمَحْذُوفٍ أَيْ فَطَلَبَ الْقَوَدَ . ( السَّابِعَةُ ) تَقْرِيرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا عَلَى طَلَبِ الْقَوَدِ وَمُرَاضَاتُهُ لَهُ بِمَا يَخْتَارُهُ مِنْ الْعِوَضِ يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْقِصَاصِ فِيهِ ، وَذَلِكَ يَرُدُّ عَلَى قَوْلِ أَبِي دَاوُد رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَبْوِيبِهِ فِي سُنَنِهِ ( الْعَامِلُ يُصَابُ عَلَى يَدِهِ الْخَطَأُ ) فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ خَطَأً لَمْ يَكُنْ فِيهِ قَوَدٌ . ( الثَّامِنَةُ ) قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا قِصَاصَ فِي شَيْءٍ مِنْ شِجَاجِ الرَّأْسِ وَالْوَجْهِ إلَّا فِي الْمُوضِحَةِ ، وَهِيَ الْجِرَاحَةُ الَّتِي تُوضِحُ الْعَظْمَ أَيْ تَكْشِفُهُ ، وَقَالَ مَالِكٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيمَا قَبْلَهَا أَيْضًا مِنْ الْجِرَاحَاتِ ، وَهِيَ الْحَارِصَةُ ، وَالدَّامِيَةُ ، وَالْبَاضِعَةُ وَالْمُتَلَاحِمَةُ وَالسِّمْحَاقُ ، وَإِنَّمَا لَا يَجِبُ الْقِصَاصُ فِيمَا بَعْدَهَا مِنْ الْهَاشِمَةِ ، وَغَيْرِهَا ، وَقَالَ أَشْهَبُ يَجِبُ فِي الْهَاشِمَةِ الْقِصَاصُ إلَّا أَنْ تَصِيرَ مُنَقِّلَةً ، وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ أَنْ تَصِيرَ مُنَقِّلَةً ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ يَجِبُ الْقِصَاصُ فِي سَائِرِ الْجُرُوحِ تَمَسُّكًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } فَعَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ يَتَعَيَّنُ فِي هَذِهِ النُّسْخَةِ أَنْ تَكُونَ مُوضِحَةً لِأَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيمَا سِوَاهَا ، وَعَلَى قَوْلِ غَيْرِهِمْ لَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ ، وَلَا يُمْكِنُ الِاسْتِدْلَال بِالْحَدِيثِ لِأَحَدِ الشِّقَّيْنِ لِأَنَّهَا ، وَاقِعَةٌ غَيْرُ مُحْتَمَلَةٍ فَلَا اسْتِدْلَالَ بِهَا . ( التَّاسِعَةُ ) فِيهِ وُجُوبُ الْقِصَاصِ عَلَى الْوَالِي كَغَيْرِهِ مِنْ الْجُنَاةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ ، وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُمَا قَادَا مِنْ الْعُمَّالِ ، وَمِمَّنْ رَأَى عَلَيْهِمْ الْقَوَدَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ ( قُلْت ) لَا أَعْلَمُ فِي ذَلِكَ خِلَافًا عِنْدَ الْعَمْدِ الْعُدْوَانِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي ضَمَانِ الْخَطَأِ الْمَقْصُودِ بِهِ التَّأْدِيبُ وَالتَّعْزِيرُ . ( الْعَاشِرَةُ ) إنْ قُلْت أَرْشُ الْمُوضِحَةِ مُقَدَّرٌ ، وَهُوَ خَمْسٌ مِنْ الْإِبِلِ كَمَا رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ عِدَّةِ طُرُقٍ مِنْهَا حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ ، وَحَسَّنَهُ التِّرْمِذِيُّ ، فَلِمَ وَقَعَتْ الْمُمَاكَسَةُ فِي ذَلِكَ وَالْمُرَاوَضَةُ ، وَلِمَ لَا أُلْزِمُوا بِخَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ ؟ ( قُلْت ) هَذَا مِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْجِنَايَةَ كَانَتْ عَمْدًا فَكَانَتْ الْخِيَرَةُ لِلْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ فِي الْقِصَاصِ فَرُوضِيَ عَنْ ذَلِكَ بِزِيَادَةٍ عَلَى هَذَا لِيَعْفُوَ عَنْ الْقِصَاصِ ، وَلِهَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إرْضَاءِ الْمَشْجُوجِ بِأَكْثَرَ مِنْ دِيَةِ الشَّجَّةِ إذَا طَلَبَ الْمَشْجُوجُ الْقِصَاصَ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ ، وَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ رَأَى وُقُوفَ الْحَاكِمِ عَنْ الْحُكْمِ بِعِلْمِهِ لِأَنَّهُمْ لَمَّا رَضُوا بِمَا أَعْطَاهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ رَجَعُوا عَنْهُ لَمْ يُلْزِمْهُمْ بِرِضَاهُمْ الْأَوَّلِ حَتَّى كَانَ مَا رَضُوا ظَاهِرًا ( قُلْت ) ، وَقَدْ يَقُولُ الْمُجَوِّزُ لِلْحُكْمِ بِالْعِلْمِ لَمْ يَصْدُرْ مِنْهُمْ أَوَّلًا تَصْرِيحٌ بِالْعَفْوِ عَنْ الْقِصَاصِ عَلَى ذَلِكَ الْمِقْدَارِ ، وَإِنَّمَا حَصَلَ مِنْهُمْ رُكُونٌ لِذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُمْ الِاسْتِمْرَارُ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ يُقَالُ كَانَ قَصْدُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطْيِيبَ خَوَاطِرِهِمْ ، وَاسْتِمَالَتَهَا ، وَكَانَ يُعْطِيهِمْ ذَلِكَ الْمَبْلَغَ مِنْ عِنْدِهِ فَقَصَدَ أَنْ يَحْصُلَ مِنْهُمْ الرِّضَى بِذَلِكَ فِي الْبَاطِنِ وَالِاسْتِمْرَارُ عَلَيْهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ عُذِرَ الْجَاهِلُ ، وَأَنَّهُ لَا يَخْرُجُ مِنْ الْإِسْلَامِ بِمَا لَوْ فَعَلَهُ الْعَالِمُ الَّذِي قَامَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ لَكَانَ كَافِرًا لِأَنَّ هَؤُلَاءِ اللَّيْثِيِّينَ كَذَّبُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَكْذِيبُهُ كُفْرٌ مُجَرَّدٌ بِلَا خِلَافٍ لَكِنَّهُمْ عُذِرُوا بِالْجَهَالَةِ فَلَمْ يَكْفُرُوا ( قُلْت ) وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُمْ لَمَّا أَنْكَرُوا الِاسْتِمْرَارَ عَلَى ذَلِكَ الرِّضَى حَيْثُ يَجُوزُ لَهُمْ الرُّجُوعُ عَنْهُ إذَا لَمْ يَقَعْ تَصْرِيحٌ بِالْعَفْوِ أَوْ ظَنُّوا أَنَّ لَهُمْ الرُّجُوعَ بَعْدَ الْعَفْوِ الصَّرِيحِ لَا أَنَّهُمْ أَنْكَرُوا أَنَّ ذَلِكَ وَقَعَ مِنْهُمْ قَبْلَ ذَلِكَ فَإِنَّهُ كُفْرٌ بِلَا شَكٍّ كَمَا قَالَ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَوْلَ فِي الصَّدَقَةِ قَوْلُ رَبِّ الْمَالِ ، وَأَنَّهُ لَيْسَ لِلسَّاعِي ضَرْبُهُ ، وَإِكْرَاهُهُ عَلَى مَا لَمْ يَظْهَرْ لَهُ مِنْ مَالِهِ . بَابُ اشْتِبَاهِ الْجَانِي بِغَيْرِهِ . عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَزَلَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ فَأُخْرِجَ مِنْ تَحْتِهَا وَأَمَرَ بِهَا فَأُحْرِقَتْ فِي النَّارِ ، قَالَ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً } ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ { فِي أَنْ قَرَصَتْك نَمْلَةٌ أَهْلَكْت أُمَّةً مِنْ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ } ؟ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ ( أُحْرِقَتْ ) . ( بَابُ اشْتِبَاهِ الْجَانِي بِغَيْرِهِ ) عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَزَلَ نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَلَدَغَتْهُ نَمْلَةٌ فَأَمَرَ بِجَهَازِهِ فَأُحْرِقَ مِنْ تَحْتِهَا ، وَأَمَرَ بِهَا فَأُحْرِقَتْ فِي النَّارِ قَالَ فَأَوْحَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ إلَيْهِ فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَأَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { قَرَصَتْ نَمْلَةٌ نَبِيًّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ أَلِأَنْ قَرَصَتْك نَمْلَةٌ } . قَالَ الْبُخَارِيُّ أَحْرَقَتْ وَقَالَ الْبَاقُونَ أَهْلَكْت أُمَّةً مِنْ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ ، ، ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ لَدَغَتْهُ بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ بَالِغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ قَرَصَتْهُ ، وَيُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ فِي سَائِرِ ذَوَاتِ السُّمُومِ أَمَّا بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ فَهُوَ الْخَفِيفُ مِنْ إحْرَاقِ النَّارِ كَالْكَيِّ وَنَحْوِهِ ، وَالْجَهَازُ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَكَسْرِهَا الْمَتَاعُ ، وَقَوْلُهُ ( فَأَمَرَ بِهَا فَأُحْرِقَتْ ) قَدْ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ تِلْكَ النَّمْلَةُ لَكِنْ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى الشَّجَرَةِ ، وَهِيَ الَّتِي عَادَ عَلَيْهَا الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ مِنْ تَحْتِهَا ، وَالْمُرَادُ إحْرَاقُهَا لِتَحْرِقَ النَّمْلَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ عَلَى قَرْيَةِ النَّمْلِ ، وَهِيَ مَنْزِلُهُنَّ ، وَإِنْ لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذِكْرٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَأَمَرَ بِقَرْيَةِ النَّمْلِ فَأُحْرِقَتْ ، وَقَوْلُهُ ( فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً ) وَاحِدَةً مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ فَهَلَّا أَحْرَقْت أَوْ عَاقَبْت نَمْلَةً وَاحِدَةً ، وَهِيَ الَّتِي قَرَصَتْك لِأَنَّهَا الْجَانِيَةُ ، وَأَمَّا غَيْرُهَا فَلَيْسَتْ لَهَا جِنَايَةٌ . ( الثَّالِثَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ شَرْعَ ذَلِكَ النَّبِيِّ كَانَ فِيهِ جَوَازُ قَتْلِ النَّمْلِ ، وَجَوَازُ الْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ ، وَلَمْ يُعْتَبْ عَلَيْهِ فِي أَصْلِ الْقَتْلِ وَالْإِحْرَاقِ بَلْ فِي الزِّيَادَةِ عَلَى النَّمْلَةِ الْوَاحِدَةِ ، وَأَمَّا فِي شَرْعِنَا فَلَا يَجُوزُ الْإِحْرَاقُ بِالنَّارِ لِلْحَيَوَانِ إلَّا إذَا أَحْرَقَ إنْسَانًا فَمَاتَ بِالْإِحْرَاقِ فَلِوَلِيِّهِ الِاقْتِصَاصُ بِإِحْرَاقِ الْجَانِي ، وَسَوَاءٌ فِي مَنْعِ الْإِحْرَاقِ بِالنَّارِ الْقُمَّلُ وَغَيْرُهُ لِلْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ { لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا اللَّهُ } . وَأَمَّا قَتْلُ النَّمْلِ فَمَذْهَبُنَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ ، وَاحْتَجَّ أَصْحَابُنَا فِيهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ قَتْلِ أَرْبَعٍ مِنْ الدَّوَابِّ النَّمْلَةُ وَالنَّحْلَةُ وَالْهُدْهُدُ وَالصُّرَدُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَلَى شَرْطِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ انْتَهَى ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قَتْلِ النَّمْلِ وَكُلِّ مُؤْذٍ لَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَتَبَهُ عَلَى التَّشَفِّي لِنَفْسِهِ بِقَتْلِهِ هَذِهِ الْأُمَّةَ الْعَظِيمَةَ الْمُسَبِّحَةَ بِسَبَبِ وَاحِدَةٍ ، وَقِيلَ كَانَ عَتْبُهُ عَلَى ذَلِكَ بِسَبَبِ مَا جَاءَ فِي خَبَرٍ أَنَّهُ مَرَّ بِقَرْيَةٍ أَهْلَكَهَا اللَّهُ تَعَالَى فَقَالَ يَا رَبِّ قَدْ كَانَ فِيهِمْ صِبْيَانٌ وَدَوَابُّ ، وَمَنْ لَمْ يَقْتَرِفْ ذَنْبًا ثُمَّ أَنَّهُ نَزَلَ تَحْتَ شَجَرَةٍ فَجَرَتْ لَهُ هَذِهِ الْقِصَّةُ الَّتِي قَدَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَى يَدِهِ تَنْبِيهًا لَهُ عَلَى مَا سَبَقَ مِنْهُ . وَفِيهِ أَنَّ الْجِنْسَ الْمُؤْذِيَ يُقْتَلُ ، وَإِنْ لَمْ يُؤْذِ ، وَتُقْتَلُ أَوْلَادُهَا ، وَإِنْ لَمْ تَبْلُغْ الْأَذَى عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ثُمَّ حُكِيَ عَنْ الْإِمَامِ الْمَاوَرْدِيِّ أَنَّهُ قَالَ يُكْرَهُ قَتْلُ النَّمْلِ عِنْدَنَا إلَّا أَنْ يُؤْذِيَ وَلَا يُقْدَرُ عَلَى دَفْعِهِمْ إلَّا بِالْقَتْلِ فَيُسْتَخَفَّ ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ هَذَا النَّبِيَّ إنَّمَا عَاتَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى حَيْثُ انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ بِإِهْلَاكِ جَمْعٍ أَذَاهُ مِنْهُ وَاحِدٌ . وَكَانَ الْأَوْلَى بِهِ الصَّبْرَ وَالصَّفْحَ لَكِنْ وَقَعَ لِلنَّبِيِّ أَنَّ هَذَا النَّوْعَ مُؤْذٍ لِبَنِي آدَمَ ، وَحُرْمَةُ بَنِي آدَمَ أَعْظَمُ مِنْ حُرْمَةِ غَيْرِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ غَيْرِ النَّاطِقِ فَلَوْ انْفَرَدَ لَهُ هَذَا النَّظَرُ ، وَلَمْ يَنْضَمَّ إلَيْهِ التَّشَفِّي الطَّبِيعِيُّ لَمْ يُعَاتَبْ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَكِنْ لَمَّا انْضَافَ التَّشَفِّي الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْحَدِيثِ عُوتِبَ عَلَيْهِ ، وَاَلَّذِي يُؤَيِّدُ مَا ذَكَرْنَا التَّمَسُّكُ بِأَصْلِ عِصْمَةِ الْأَنْبِيَاءِ ، وَأَنَّهُمْ أَعْلَمُ النَّاسِ بِاَللَّهِ وَبِأَحْكَامِهِ ، وَأَشَدُّهُمْ لَهُ خَشْيَةً انْتَهَى . وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الَّذِي أَطْلَقَ النَّوَوِيُّ مِنْ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَتْلُ النَّمْلِ عِنْدَنَا مَحَلُّهُ فِي النَّمْلِ الْكَبِيرِ الْمَعْرُوفِ بِالسُّلَيْمَانِيِّ كَذَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ وَالْبَغَوِيُّ فِي أَوَاخِرِ شَرْحِ السُّنَّةِ قَالَ الْبَغَوِيّ . وَأَمَّا الصَّغِيرُ الْمُسَمَّى بِالنَّمْلِ فَاسْمُهُ الذَّرُّ ، وَقَتْلُهُ جَائِزٌ بِغَيْرِ الْإِحْرَاقِ ، وَفِي الِاسْتِقْصَاءِ عَنْ الْإِيضَاحِ لِلصَّيْمَرِيِّ أَنَّ الَّذِي يُؤْذِي مِنْهُ يَجُوزُ قَتْلُهُ بَلْ يُسْتَحَبُّ ، وَنَقَلَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ شَارِحُ التَّنْبِيهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ أَطْلَقَ كَرَاهَةَ قَتْلِ النَّمْلِ ، وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى كُلِّ حَالٍ عَلَى الْجَوَازِ فِي الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ إمَّا عَامٌّ أَوْ خَاصٌّ ، وَقَدْ بَوَّبَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ { قَتْلِ الذَّرِّ } . فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ قِصَّةَ هَذَا النَّبِيِّ كَانَتْ فِي الذَّرِّ فَحِينَئِذٍ يَسْتَوِي حُكْمُهَا عِنْدَنَا ، وَفِي شَرِيعَتِهِ . ( الرَّابِعَةُ ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ فِي قَوْلِهِ { فَهَلَّا نَمْلَةً وَاحِدَةً } تِلْكَ النَّمْلَةُ الَّتِي قَرَصَتْهُ أَيْ هَلَّا اقْتَصَرْت عَلَى مُعَاقَبَتِهَا وَحْدَهَا دُونَ مَنْ لَمْ يَجْنِ عَلَيْك ، وَإِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ سَبِيلٌ إلَى مَعْرِفَتِهَا بِعَيْنِهَا احْتَاجَ إلَى الِانْكِفَافِ عَنْ الْكُلِّ ، وَلِهَذَا بَوَّبَ عَلَيْهِ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ ( اشْتِبَاهُ الْجَانِي بِغَيْرِهِ ) وَيَكُونُ هَذَا وَجْهَ الْعَتْبِ . وَهُوَ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِيمَا تَقَدَّمَ بِقَوْلِهِ بَلْ الزِّيَادَةُ عَلَى النَّمْلَةِ الْوَاحِدَةِ لَكِنْ مَا أَدْرِي كَيْفَ يَجْتَمِعُ هَذَا مَعَ جَوَازِ قَتْلِ النَّمْلِ فِي شَرِيعَةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ وَإِحْرَاقِهِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ يُبَاحُ لَهُ ذَلِكَ ، وَإِنْ لَمْ يَلْدَغْهُ مِنْهَا شَيْءٌ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْقَضِيَّةَ إنَّمَا ذُكِرَتْ ضَرْبَ مَثَلٍ لَهُ فِي سُؤَالِهِ عَنْ إهْلَاكِ الْقَرْيَةِ ، وَفِيهَا مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ إنْ صَحَّ ذَلِكَ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَهُ بِحُكْمِ الْمُلْكِ أَنْ يُهْلِكَ مَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ فَإِذَا اخْتَلَطَ الْمُذْنِبُ بِغَيْرِهِ ، وَأُهْلِكُوا بِعَامٍّ شَمِلَ الْفَرِيقَيْنِ ، وَلِهَذَا النَّبِيِّ عَلَى مَا قَرَّرُوهُ أَنْ يَحْرُقَ مِنْ النَّمْلِ مَا لَمْ يَلْدَغْهُ . فَإِذَا اخْتَلَطَ مَا لَدَغَهُ بِغَيْرِهِ فَلَهُ إهْلَاكُ الْجَمِيعِ فَلَمْ يَنْزِلْ عَلَيْهِ هَذَا الْوَحْيُ إنْكَارًا لِمَا فَعَلَ بَلْ جَوَابًا لَهُ وَإِيضَاحًا لِحِكْمَةِ شُمُولِ الْهَلَاكِ لِجَمِيعِ أَهْلِ تِلْكَ الْقَرْيَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فِي قَوْلِهِ أَهْلَكْت أُمَّةً مِنْ الْأُمَمِ تُسَبِّحُ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ تَسْبِيحُ مَقَالٍ ، وَنُطْقٍ كَمَا قَدْ أَخْبَرَ تَعَالَى عَنْ النَّمْلَةِ الَّتِي سَمِعَ سُلَيْمَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَوْلَهَا { اُدْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ } إلَى آخِرِهِ ، وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ لَهَا نُطْقًا لَكِنْ لَا يُسْمَعُ إلَّا بِخَرْقِ عَادَةٍ لِنَبِيٍّ أَوْ وَلِيٍّ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ إدْرَاكِنَا لَهُ عَدَمُهُ فِي نَفْسِهِ ، وَقَدْ يَجِدُ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ قَوْلًا ، وَلَا يَسْمَعُ مِنْهُ إلَّا بِنُطْقٍ ، وَقَدْ خَرَقَ اللَّهُ الْعَادَةَ لِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَأَسْمَعَهُ كَلَامَ النَّفْسِ مِنْ قَوْمٍ تَحَدَّثُوا مَعَ أَنْفُسِهِمْ فَأَخْبَرَهُمْ بِهِ وَكَذَا وَقَعَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ ، وَإِيَّاهُ عَنَى بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ فِي أُمَّتِي مُحَدِّثِينَ وَإِنْ عُمَرُ مِنْهُمْ } انْتَهَى بِمَعْنَاهُ . ( كِتَابُ الْجِهَادِ ) عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ ، وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ } زَادَ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِهِ { قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالَ لَا تَسْتَطِيعُونَهُ قَالَ فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُول لَا تَسْتَطِيعُونَهُ } . كِتَابُ الْجِهَادِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ . عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ ، وَلَا صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { قِيلَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَعْدِلُ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لَا تَسْتَطِيعُونَهُ قَالَ فَأَعَادُوا عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلُّ ذَلِكَ يَقُولُ لَا تَسْتَطِيعُونَهُ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فَذَكَرَهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ بَدَلَ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللَّهِ } ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَفْصٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ دُلَّنِي عَلَى عَمَلٍ يَعْدِلُ الْجِهَادَ قَالَ لَا أَجِدُهُ قَالَ هَلْ تَسْتَطِيعُ إذَا خَرَجَ الْمُجَاهِدُ أَنْ تَدْخُلَ مَسْجِدَك فَتَقُومَ ، وَلَا تَفْتُرَ ، وَتَصُومَ وَلَا تُفْطِرَ ، قَالَ وَمَنْ يَسْتَطِيعُ ذَلِكَ ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إنَّ فَرَسَ الْمُجَاهِدِ لَتَسْتَنُّ فِي طِوَلِهِ فَتُكْتَبُ لَهُ حَسَنَاتٌ } وَمِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِهِ كَمَثَلِ الصَّائِمِ الْقَائِمِ } . ( الثَّانِيَةُ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا تَعْظِيمٌ لِأَمْرِ الْجِهَادِ جِدًّا لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْقِيَامَ بِآيَاتِ اللَّهِ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ فَقَدْ عَدَلَهَا الْمُجَاهِدُ ، وَصَارَتْ جَمِيعُ حَالَاتِهِ مِنْ تَقَلُّبِهِ فِي تَصَرُّفَاتِهِ مِنْ أَكْلِهِ وَنَوْمِهِ وَبَيْعِهِ وَشِرَائِهِ لِمَا يَحْتَاجُهُ ، وَأَجْرُهُ فِي ذَلِكَ كَأَجْرِ الْمُثَابِرِ عَلَى الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ ، وَتِلَاوَةِ كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي لَا يُفْتَرُ ، وَقَلِيلٌ مَا يَقْدِرُ عَلَيْهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ لَا تَسْتَطِيعُونَهُ ، وَفِيهِ أَنَّ الْفَضَائِلَ لَا تُدْرَكُ بِالْقِيَاسِ ، وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ اللَّهِ عَطَاءٌ وَإِحْسَانٌ قُلْت الْمُجَاهِدُ فِي جَمِيعِ حَالَاتِهِ فِي عِبَادَةٍ مَعَ الْمَشَقَّةِ الْبَدَنِيَّةِ وَالْقَلْبِيَّةِ ، وَمُخَاطَرَتِهِ بِنَفْسِهِ الَّتِي هِيَ أَعَزُّ الْأَشْيَاءِ عِنْدَهُ ، وَبَذْلِهِ لَهَا فِي رِضَى اللَّهِ تَعَالَى . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ ( حَتَّى تَرْجِعَ ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ انْتِهَاءَ رُجُوعِهِ إلَى وَطَنِهِ ، وَأَكَّدَ بِهَذِهِ الْغَايَةِ اسْتِيعَابَ هَذَا الْفَضْلِ جَمِيعَ حَالَاتِهِ بِحَيْثُ لَا يَخْرُجُ فِي حَالَةٍ مِنْ الْأَحْوَالِ عَنْ كَوْنِهِ مَثَلَ الصَّائِمِ الْقَائِمِ الدَّائِمِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ ابْتِدَاءُ رُجُوعِهِ ، وَهُوَ بَعِيدٌ . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ أَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِأَنَّهُ شَبَّهَ الْمُجَاهِدَ فِي حَالَةِ الْجِهَادِ ، وَفِي وَسَائِلِهِ وَمُقَدِّمَاتِهِ بِحَالَةِ مَنْ لَا يَفْتُرُ مِنْ صَلَاةٍ وَصِيَامٍ وَقِرَاءَةٍ فَكَانَ هُوَ بِمُفْرَدِهِ كَهَذِهِ الْأَعْمَالِ بِمَجْمُوعِهَا ، وَهُوَ قِيَاسُ قَوْلِ الْقَاضِي حُسَيْنٍ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْحَجَّ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ لِاشْتِمَالِهِ عَلَى عَمَلِ الْبَدَنِ ، وَالْمَالِ ، وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ الْقِيَاسُ يَقْتَضِي أَنَّ الْجِهَادَ أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ الَّتِي هِيَ وَسَائِلُ فَإِنَّ الْعِبَادَاتِ عَلَى قِسْمَيْنِ مَقْصُودٌ لِنَفْسِهِ ، وَوَسِيلَةٌ إلَى غَيْرِهِ ، وَفَضِيلَةُ الْوَسِيلَةِ بِحَسْبِ فَضِيلَةِ الْمُتَوَسَّلِ إلَيْهِ ، وَالْجِهَادُ وَسِيلَةٌ إلَى إعْلَانِ الدِّينِ وَنَشْرِهِ وَإِخْمَالِ الْكُفْرِ وَدَحْضِهِ فَفَضِيلَتُهُ بِحَسَبِ فَضِيلَةِ ذَلِكَ . وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرْجِعَهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ } . الْحَدِيثُ الثَّانِي ، وَعَنْهُ . أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ أَوْ يَرْجِعَهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَهُ عِنْدَهُمَا غَيْرُ هَذَا الطَّرِيقِ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ ( تَكَفَّلَ اللَّهُ ) وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ تَضَمَّنَ اللَّهُ ، وَمَعْنَاهُمَا أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى لَهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ ، وَهَذَا الضَّمَانُ ، وَالْكَفَالَةُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّ اللَّهَ اشْتَرَى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمْ الْجَنَّةَ } الْآيَةَ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ أَيْ كَلِمَةِ الشَّهَادَتَيْنِ فَيُعَادِي مَنْ أَبَاهُمَا ، وَقِيلَ تَصْدِيقُ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى بِمَا لِلْمُجَاهِدِينَ مِنْ عَظِيمِ الثَّوَابِ . ( الرَّابِعَةُ ) وَفِيهِ اعْتِبَارُ الْإِخْلَاصِ فِي الْأَعْمَالِ ، وَأَنَّهُ لَا يَزْكُو مِنْهَا إلَّا مَا كَانَ خَالِصًا لِلَّهِ تَعَالَى ، وَفِي قَوْلِهِ مِنْ بَيْتِهِ إشَارَةٌ إلَى وُجُودِ هَذَا الْقَصْدِ مِنْ ابْتِدَاءِ ذَلِكَ الْعَمَلِ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ ( أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يُدْخِلَهُ عِنْدَ مَوْتِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي الشُّهَدَاءِ { أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ } ، وَفِي الْحَدِيثِ أَرْوَاحُ الشُّهَدَاءِ فِي الْجَنَّةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ دَخَرَ لَهُ الْجَنَّةَ عِنْدَ دُخُولِ السَّابِقِينَ ، وَالْمُقَرَّبِينَ بِلَا حِسَابٍ ، وَلَا عَذَابٍ ، وَلَا مُؤَاخَذَةٍ بِذَنْبٍ ، وَتَكُونُ الشَّهَادَةُ مُكَفِّرَةً لِذَنْبِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ أَوْ يَرْجِعَهُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ ، وَقَوْلُهُ إلَى مَسْكَنِهِ بِكَسْرِ الْكَافِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ ، وَقَوْلُهُ وَاَلَّذِي خَرَجَ مِنْهُ تَأْكِيدٌ لِمَا جُبِلَ عَلَيْهِ الْإِنْسَانُ مِنْ مَحَبَّةِ الْوَطَنِ . ( السَّابِعَةُ ) ظَاهِرُ قَوْلِهِ { مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ } أَنَّهُمَا لَا يَجْتَمِعَانِ لِأَنَّ أَوْ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ فَمَتَى حَصَلَتْ لِلْمُجَاهِدِ غَنِيمَةٌ لَا أَجْرَ لَهُ ، وَلَا أَعْلَمُ قَائِلًا بِذَلِكَ ، وَإِنَّمَا نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ قَوْمٍ أَنَّ الْغَنِيمَةَ تُنْقِصُ مِنْ أَجْرِ الْغَانِمِ لِحَدِيثٍ رَوَوْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { مَا مِنْ سَرِيَّةٍ أَسَرَتْ فَأَخْفَقَتْ أَيْ لَمْ تَغْنَمْ شَيْئًا إلَّا كُتِبَ لَهَا أَجْرُهَا مَرَّتَيْنِ } قَالُوا وَفِي هَذَا مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْعَسْكَرَ إذَا لَمْ يَغْنَمْ كَانَ أَعْظَمَ لِأَجْرِهِ ، قَالُوا وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَا مِنْ غَازِيَةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتُصِيبُ غَنِيمَةً إلَّا تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ مِنْ الْآخِرَةِ ، وَيَبْقَى لَهُمْ الثُّلُثُ فَإِنْ لَمْ يُصِيبُوا غَنِيمَةً تَمَّ لَهُمْ أَجْرُهُمْ } ، وَالْحَدِيثُ رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَغَيْرُهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَهَذَا إنَّمَا فِيهِ تَعْجِيلُ بَعْضِ الْأَجْرِ مَعَ التَّسْوِيَةِ فِيهِ لِلْغَانِمِ وَغَيْرِ الْغَانِمِ إلَّا أَنَّ الْغَانِمَ عُجِّلَ لَهُ ثُلُثَا أَجْرِهِ ، وَهُمَا مُسْتَوِيَانِ فِي جُمْلَتِهِ ، وَقَدْ عَوَّضَ اللَّهُ مَنْ لَمْ يَغْنَمْ فِي الْآخِرَةِ مَا فَاتَهُ مِنْ الْغَنِيمَةِ ، وَاَللَّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ : الصَّوَابُ الَّذِي لَا يَجُوزُ غَيْرُهُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْغُزَاةَ إذَا سَلِمُوا وَغَنِمُوا يَكُونُ أَجْرُهُمْ أَقَلَّ مِنْ أَجْرِ مَنْ لَمْ يَسْلَمْ ، أَوْ سَلِمَ وَلَمْ يَغْنَمْ ، وَأَنَّ الْغَنِيمَةَ هِيَ فِي مُقَابَلَةِ جُزْءٍ مِنْ أَجْرِ غَزْوِهِمْ فَإِذَا حَصَلَتْ لَهُمْ فَقَدْ تَعَجَّلُوا ثُلُثَيْ أَجْرِهِمْ الْمُتَرَتِّبِ عَلَى الْغَزْوِ ، وَتَكُونُ هَذِهِ الْغَنِيمَةُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَجْرِ ، وَهَذَا يُوَافِقُ لِلْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْ الصَّحَابَةِ كَقَوْلِهِ { مِنَّا مَنْ مَاتَ ، وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْ أَجْرِهِ شَيْئًا ، وَمِنَّا مَنْ أَيْنَعَتْ لَهُ ثَمَرَتُهُ فَهُوَ يَهْدَبُهَا } أَيْ يَجْنِيهَا ، قَالَ : وَلَمْ يَأْتِ حَدِيثٌ صَرِيحٌ صَحِيحٌ يُخَالِفُ هَذَا ، وَاخْتَارَ الْقَاضِي عِيَاضٌ مَعْنَى مَا ذَكَرْته بَعْدَ حِكَايَتِهِ أَقْوَالًا فَاسِدَةً ( مِنْهَا ) قَوْلُ مَنْ زَعَمَ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُنْقَصَ ثَوَابُهُمْ بِالْغَنِيمَةِ كَمَا لَمْ يُنْقَصُ ثَوَابُ أَهْلِ بَدْرٍ ، وَهُمْ أَفْضَلُ الْمُجَاهِدِينَ ، وَهِيَ أَفْضَلُ غَنِيمَةٍ قَالَ : وَزَعَمَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ أَنَّ أَبَا هَانِئٍ حُمَيْدٍ بْنَ هَانِئٍ رَاوِيَهُ مَجْهُولٌ ، وَرَجَّحُوا الْحَدِيثَ السَّابِقَ فِي أَنَّ الْمُجَاهِدَ يَرْجِعُ بِمَا يَنَالُ مِنْ أَجْرٍ ، وَغَنِيمَةٍ فَرَجَّحُوهُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ لِشُهْرَتِهِ وَشُهْرَةِ رِجَالِهِ ، وَلِأَنَّهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَهَذَا فِي مُسْلِمٍ خَاصَّةً ، وَهَذَا الْقَوْلُ بَاطِلٌ مِنْ أَوْجُهٍ فَإِنَّهُ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فَإِنَّ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ رُجُوعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ ، وَلَمْ يَقُلْ إنَّ الْغَنِيمَةَ تُنْقِصُ الْأَجْرَ أَمْ لَا ، وَلَا قَالَ أَجْرُهُ كَأَجْرِ مَنْ لَمْ يَغْنَمْ فَهُوَ مُطْلَقٌ ، وَهَذَا مُقَيَّدٌ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَيْهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ أَبُو هَانِئٍ مَجْهُولٌ فَغَلَطٌ فَاحِشٌ بَلْ هُوَ ثِقَةٌ مَشْهُورٌ رَوَى عَنْهُ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، وَحَيْوَةُ ، وَابْنُ وَهْبٍ ، وَخَلَائِقُ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، وَيَكْفِي فِي تَوْثِيقِهِ احْتِجَاجُ مُسْلِمٍ بِهِ فِي صَحِيحِهِ ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَلَيْسَ بِلَازِمٍ فِي صِحَّةِ الْحَدِيثِ كَوْنُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَلَا فِي أَحَدِهِمَا ، وَأَمَّا قَوْلُهُمْ فِي غَنِيمَةِ بَدْرٍ فَلَيْسَ فِي غَنِيمَةِ بَدْرٍ نَصٌّ أَنَّهُمْ لَوْ لَمْ يَغْنَمُوا لَكَانَ أَجْرُهُمْ عَلَى قَدْرِ أَجْرِهِمْ ، وَقَدْ غَنِمُوا فَقَطْ ، وَكَوْنُهُمْ مَغْفُورًا لَهُمْ مَرْضِيًّا عَنْهُمْ ، وَمِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ لَا يَكُونَ وَرَاءَ هَذَا مَرْتَبَةٌ أُخْرَى هِيَ أَفْضَلُ مِنْهُ مَعَ أَنَّهُ شَدِيدُ الْفَضْلِ عَظِيمُ الْقَدْرِ ، وَمِنْ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ قَالَ لَعَلَّ الَّذِي تَعَجَّلَ ثُلُثَيْ أَجْرِهِ إنَّمَا هُوَ فِي غَنِيمَةٍ أُخِذَتْ عَلَى غَيْرِ وَجْهِهَا ، وَهَذَا غَلَطٌ فَاحِشٌ إذْ لَوْ كَانَتْ عَلَى خِلَافِ وَجْهِهَا لَمْ يَكُنْ ثَابِتَ الْأَجْرِ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الَّتِي أَخْفَقَتْ يَكُونُ لَهَا أَجْرٌ بِالْأَسَفِ عَلَى مَا فَاتَهَا مِنْ الْغَنِيمَةِ فَيُضَاعِفُ ثَوَابَهَا كَمَا يُضَاعِفُ لِمَنْ أُصِيبَ فِي مَالِهِ وَأَهْلِهِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ فَاسِدٌ مُبَايِنٌ لِصَرِيحِ الْحَدِيثِ ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْحَدِيثَ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ مَنْ خَرَجَ بِنِيَّةِ الْغَزْوِ وَالْغَنِيمَةِ مَعًا يَنْقُصُ ثَوَابُهُ ، وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ ، وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ انْتَهَى . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ مَعْنَاهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ بِلَا غَنِيمَةٍ إنْ لَمْ يَغْنَمْ أَوْ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ مَعًا إنْ غَنِمَ فَالْأَجْرُ حَاصِلٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ ، وَهُوَ مُقَدَّرٌ فِي الشِّقِّ الثَّانِي مَعَ الْغَنِيمَةِ ، وَإِنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِذِكْرِهِ ، وَكَيْفَ [ يَكُونُ ] الْمُجَاهِدُ الْمُخْلِصُ بِلَا أَجْرٍ مَعَ كَوْنِهِ كَالصَّائِمِ الْقَائِمِ الدَّائِمِ الَّذِي لَا يَفْتُرُ فَمَنْ هُوَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ بِلَا أَجْرٍ ، وَقَدْ امْتَنَّ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْنَا بِإِبَاحَةِ الْغَنَائِمِ لَنَا ، وَلَوْ كَانَ حُصُولُهَا مَانِعًا مِنْ الْأَجْرِ لَمْ تَحْصُلْ بِهَا الْمِنَّةُ بَلْ هِيَ حِينَئِذٍ نِقْمَةٌ ، وَقَدْ { ضَرَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قِصَّةِ بَدْرٍ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ } ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي اجْتِمَاعِهِمَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ ( أَوْ ) فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِمَعْنَى الْوَاوِ أَيْ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ وَكَذَا وَقَعَ بِالْوَاوِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَكَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ عَنْ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ . وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ ثَلَاثًا أُشْهِدُ اللَّهَ تَعَالَى } . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ . وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَنِّي أُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَأُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا فَأُقْتَلُ ، فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقُولُ ثَلَاثًا أُشْهِدُ اللَّهَ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ بِمَعْنَاهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ مِنْ طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ جَوَازُ الْيَمِينِ وَانْعِقَادِهَا بِقَوْلِهِ ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ ، وَمَا كَانَ مِثْلَ ذَلِكَ مِمَّا يَدُلُّ عَلَى الذَّاتِ ، وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا الْيَمِينُ تَكُونُ بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ صِفَاتِهِ أَوْ مَا دَلَّ عَلَى ذَاتِهِ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ لِتَأْكِيدِ الْأَمْرِ وَتَعْظِيمِهِ مِنْ غَيْرِ احْتِيَاجٍ إلَى ذَلِكَ فِي خُصُومَةٍ وَلَا غَيْرِهَا ، وَإِنَّمَا الْمَكْرُوهُ الِاسْتِخْفَافُ بِالْيَمِينِ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ نَفْسِي بِإِسْكَانِ الْفَاءِ ، وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ ذَلِكَ فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ بِفَتْحِ الْفَاءِ لَكَانَ كَلَامًا صَحِيحًا لَكِنْ لَا يَجُوزُ النُّطْقُ بِالْحَدِيثِ بِالْفَتْحِ لِأَنَّهُ غَيْرُ مَرْوِيٍّ ، وَالْيَدُ هُنَا الْقُدْرَةُ وَالْمِلْكُ قَالَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ . ( الْخَامِسَةُ ) فِيهِ تَمَنٍّ الْإِنْسَانِ الْخَيْرَ ، وَإِنْ كَانَ مُحَالًا فِي الْعَادَةِ وَالْمَكْرُوهُ إنَّمَا هُوَ التَّمَنِّي فِي الشَّهَوَاتِ وَأُمُورِ الدُّنْيَا . ( السَّادِسَةُ ) لَمْ يَتَمَنَّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ إلَّا بَعْدَ الْمُقَاتَلَةِ لِيَكُونَ مِنْهُ عَمَلٌ وَإِقَامَةٌ لِلدِّينِ ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ } . ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ ( أُحْيَا ) بِضَمِّ الْهَمْزَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ، وَيَجُوزُ فِيهِ الْفَتْحُ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ ، وَقَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ ثَلَاثًا أَيْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ ثَلَاثًا ، وَقَوْلُهُ أُشْهِدُ اللَّهَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ تَأْكِيدٌ لِمَا يُخْبِرُ بِهِ مِنْ تَمَنِّيه عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْقَتْلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثَلَاثًا ، وَقَدْ وَرَدَ تَمَنِّيه ذَلِكَ أَرْبَعًا ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوَدِدْت أَنِّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ ثُمَّ أُحْيَا ثُمَّ أُقْتَلُ } . ( الثَّامِنَةُ ) فِيهِ فَضْلُ الْجِهَادِ وَالشَّهَادَةِ . وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ } ، وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ تَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إذَا طُعِنَتْ تَفَجَّرُ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ ، وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْكِ } قَالَ قَالَ أَبِي يَعْنِي ( الْعَرْفَ الرِّيحَ ) . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ إلَّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَجُرْحُهُ يَثْعَبُ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ ، وَالرِّيحُ رِيحُ مِسْكٍ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَهَيْئَتِهَا إذَا طُعِنَتْ تَفَجَّرُ دَمًا اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ ، وَالْعَرْفُ عَرْفُ الْمِسْكِ ، قَالَ أَبِي يَعْنِي الْعَرْفَ الرِّيحَ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ ( لَا يُكْلَمُ ) بِضَمِّ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ وَفَتْحِ اللَّامِ مُخَفَّفَةً أَيْ لَا يُجْرَحُ ، وَالْكَلْمُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ الْجُرْحُ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ ( وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ ) جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ نَبَّهَ بِهَا عَلَى الْإِخْلَاصِ فِي الْغَزْوِ ، وَأَنَّ الثَّوَابَ الْمَذْكُورَ فِيهِ إنَّمَا يَكُونُ لِمَنْ أَخْلَصَ فِيهِ وَقَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ ( يَثْعَبُ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ مَعْنَاهُ يَجْرِي مُنْفَجِرًا كَثِيرًا ، وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى تَفَجَّرُ دَمًا ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِهَا ، وَأَصْلُهُ تَتَفَجَّرُ فَحُذِفَتْ إحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ مُخَصِّصٌ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى أَحَدٌ فَإِنْ أُرِيدَ بِالْمُسْلِمِ الْكَامِلُ الْإِسْلَامِ فَهُوَ لَا يَكُونُ كَلْمُهُ إلَّا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ قَوْلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ ، وَقَوْلُهُ ثُمَّ تَكُونُ هُوَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ ، وَجَاءَ عَلَى التَّأْنِيثِ فِيهِ ، وَفِي قَوْلِهِ ( كَهَيْئَتِهَا ) وَفِي قَوْلِهِ ( إذَا طُعِنَتْ ) وَفِي قَوْلِهِ تَفَجَّرُ مَعَ تَقْدِيمِ التَّذْكِيرِ فِي قَوْلِهِ كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ عَلَى التَّأْوِيلِ بِالْجِرَاحَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَإِذَا طُعِنَتْ بِالْأَلِفِ بَعْدَ الدَّالِ كَذَا هُوَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ ( قُلْت ) وَإِنَّمَا نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ إذْ بِدُونِ أَلِفٍ لِأَنَّهُ إخْبَارٌ عَنْ حَالَةٍ مَاضِيَةٍ ، وَكَانَ التَّعْبِيرُ بِإِذَا لِتَصْوِيرِ تِلْكَ الْحَالَةِ ، وَأَنَّهَا فِي الْقِيَامَةِ كَحَالَةِ الْجِرَاحَةِ . ( السَّادِسَةُ ) إنْ قُلْت أَيْنَ خَبَرُ قَوْلِهِ كُلُّ كَلْمٍ يُكْلَمُهُ الْمُسْلِمُ ( قُلْت ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلَهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ كَامِلُ الْإِسْلَامِ فَأَخْبَرَ بِأَنَّ جَمِيعَ كُلُومِ الْمُسْلِمِ الْكَامِلِ الْإِسْلَامِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلَهُ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى آخِرِهِ ، وَثُمَّ زَائِدَةٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ قَوْلَهُ اللَّوْنُ لَوْنُ دَمٍ ، وَيَكُونُ جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ لَك مِنْ تَتِمَّةِ أَوْصَافِ الْمُبْتَدَأِ فَمَحَطُّ الْفَائِدَةِ الْإِخْبَارُ بِأَنَّ جِرَاحَاتِ سَبِيلِ اللَّهِ تَكُونُ فِي الْقِيَامَةِ رَائِحَتُهَا كَالْمِسْكِ . ( السَّابِعَةُ ) ( الْعَرْفُ ) بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ الرِّيحُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَقَدْ فَسَّرَهُ بِذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَالْقَائِلُ قَالَ أَبِي هُوَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ ، وَلَوْ قَالَ يَعْنِي بِالْعَرْفِ الرِّيحَ لَكَانَ أَوْلَى ، وَكَأَنَّهُ حَذَفَ حَرْفَ الْجَرِّ مِنْ قَوْلِهِ الْعَرْفَ عَلَى طَرِيقِ التَّوَسُّعِ فَانْتَصَبَ . ( الثَّامِنَةُ ) فِيهِ أَنَّ الْمَجْرُوحَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَحْيَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى هَيْئَتِهِ حَالَةَ الْجِرَاحَةِ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَنْ يُسْتَشْهَدَ أَوْ تَبْرَأَ جِرَاحَتُهُ لِقَوْلِهِ كُلُّ كَلْمٍ ، ، وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ شَاهِدُ فَضِيلَتِهِ ، وَبَذْلِهِ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى . ( التَّاسِعَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالُوا وَهَذَا الْفَضْلُ ، وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ أَنَّهُ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ فَيَدْخُلُ فِيهِ مَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي قَتْلِ الْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ ، وَفِي إقَامَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ أَيْضًا وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّ مَخْرَجَ الْحَدِيثِ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ بِالْمَعْنَى هَذِهِ الْأُمُورُ ، وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ قُتِلَ دُونَ مَالِهِ فَهُوَ شَهِيدٌ } ( قُلْت ) وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي دُخُولِ الْمُقَاتِلِ دُونَ مَالِهِ فِي هَذَا الْفَضْلِ لِإِشَارَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى اعْتِبَارِ الْإِخْلَاصِ فِي ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ ، وَالْمُقَاتِلُ دُونَ مَالِهِ لَا يَقْصِدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ إنَّمَا يَقْصِدُ صَوْنَ مَالِهِ ، وَحِفْظَهُ فَهُوَ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِدَاعِيَةِ الطَّبْعِ لَا بِدَاعِيَةِ الشَّرْعِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ شَهِيدًا أَنْ يَكُونَ دَمُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَرِيحِ الْمِسْكِ ، وَأَيُّ بَذْلٍ بَذَلَ نَفْسَهُ فِيهِ لِلَّهِ تَعَالَى حَتَّى يَسْتَحِقَّ هَذَا الْفَضْلَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ كُلَّ مَيِّتٍ يُبْعَثُ عَلَى حَالِهِ الَّتِي مَاتَ عَلَيْهَا إلَّا أَنَّ فَضْلَ الشَّهِيدِ أَنَّ رِيحَ دَمِهِ كَرِيحِ الْمِسْكِ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِغَيْرِهِ قَالَ : وَمَنْ قَالَ إنَّ الْمَوْتَى جُمْلَةً يُبْعَثُونَ عَلَى هَيْئَتِهِمْ احْتَجَّ بِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ الْهَادِي عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ { أَنَّهُ لَمَّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ دَعَا بِثِيَابٍ جُدُدٍ فَلَبِسَهَا ثُمَّ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إنَّ الْمَيِّتَ يُبْعَثُ فِي ثِيَابِهِ الَّتِي يَمُوتُ فِيهَا } قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَبُو سَعِيدٍ سَمِعَ الْحَدِيثَ فِي الشَّهِيدِ فَتَأَوَّلَهُ عَلَى الْعُمُومِ ، وَيَكُونُ الْمَيِّتُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِهِ هُوَ الشَّهِيدَ الَّذِي أَمَرَ أَنْ يُزَمَّلَ بِثِيَابِهِ ، وَيُدْفَنَ فِيهَا ، وَلَا يُغْسَلَ عَنْهُ دَمُهُ ، وَلَا يُغَيَّرَ شَيْءٌ مِنْ حَالِهِ بِدَلِيلِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَغَيْرِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { إنَّكُمْ تُحْشَرُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حُفَاةً عُرَاةً غُرْلًا ثُمَّ قَرَأَ { كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ } ، وَأَوَّلُ مَنْ يُكْسَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ إبْرَاهِيمُ } قَالَ : وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ يُبْعَثُ عَلَى الْعَمَلِ الَّذِي يُخْتَمُ لَهُ بِهِ ، وَظَاهِرُهُ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ انْتَهَى ( قُلْت ) وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إنَّمَا نَزَعَ الثِّيَابَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِ لِنَجَاسَةٍ فِيهَا إمَّا مُحَقَّقَةٌ ، وَإِمَّا مَشْكُوكَةٌ فَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ بِثِيَابٍ مُحَقَّقَةِ الطَّهَارَةِ ، وَهَذَا مِنْ جُمْلَةِ الْأَعْمَالِ الْمَأْمُورِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ انْخِتَامِ الْآجَالِ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَحْثُوثٌ عَلَى أَنْ يَخْتِمَ أَعْمَالَهُ بِالصَّالِحَاتِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ فَإِنَّ الْأَعْمَالَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الشَّهِيدَ لَا يُزَالُ عَنْهُ الدَّمُ بِغُسْلٍ وَلَا غَيْرِهِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا هَذَا لَكَانَ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى ذَلِكَ ضَعِيفًا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ غُسْلِنَا الدَّمَ إقَامَةً لِوَاجِبِ التَّطْهِيرِ وَالْغُسْلِ ذَهَابُ الْفَضْلِ الْحَاصِلِ بِالشَّهَادَةِ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ كَانَ حَيًّا لَا لَزِمَ بِغُسْلِهِ لِبَقَاءِ التَّكْلِيفِ عَلَيْهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ يَجِيءُ دَمُهُ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ الْبَدِيعَةِ كَمَا اقْتَضَاهُ قَوْلُهُ كُلُّ كَلْمٍ عَلَى مَا قَدَّمْنَاهُ ، وَلَكِنْ قَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِتَرْكِ غُسْلِ دَمِ الشَّهِيدِ فَوَجَبَ اتِّبَاعُهُ . { الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ } أَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ فِي بَابِ مَا يَقَعُ مِنْ النَّجَاسَاتِ فِي السَّمْنِ وَالْمَاءِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ حَدِيثًا صَحِيحَ السَّنَدِ فِي الْمَاءِ فَاسْتَدَلَّ عَلَى حُكْمِ الْمَاءِ الْمَائِعِ بِحُكْمِ الدَّمِ الْمَائِعِ ، وَذَلِكَ هُوَ الْمَعْنَى الْجَامِعُ بَيْنَهُمَا ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ مَعْنًى تَسْكُنُ النَّفْسُ إلَيْهِ ، وَلَا فِي الدَّمِ مَعْنَى الْمَاءِ فَيُقَاسُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَشْتَغِلُ الْفُقَهَاءُ بِمِثْلِ هَذَا وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِ أَهْلِ الْعِلْمِ اللُّغْزُ بِهِ ، وَإِشْكَالُهُ ، وَإِنَّمَا شَأْنُهُمْ إيضَاحُهُ وَبَيَانُهُ ، وَبِهَذَا أُخِذَ الْمِيثَاقُ عَلَيْهِمْ لَيُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ ، وَلَا يَكْتُمُونَهُ انْتَهَى ثُمَّ اخْتَلَفَ مَنْ ذَهَبَ إلَى هَذِهِ الطَّرِيقَةِ فِي كَيْفِيَّةِ الِاسْتِدْلَالِ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ طَائِفَةٍ أَنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ الْمَاءَ إذَا تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ بِنَجَاسَةٍ دُونَ لَوْنِهِ أَنَّ الْحُكْمَ لِرَائِحَتِهِ فَيَكُونُ نَجِسًا ، وَلَوْ تَغَيَّرَ لَوْنُهُ وَرَائِحَتُهُ لَمْ يَتَنَجَّسْ لِأَنَّ دَمَ الشَّهِيدِ لَمَّا اخْتَلَفَ لَوْنُهُ وَرَائِحَتُهُ كَانَ الْحُكْمُ لِرَائِحَتِهِ ، وَعَكَسَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ فَقَالَ يُحْتَجُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْمُرَاعَى فِي الْمَاءِ تَغَيُّرُ لَوْنِهِ دُونَ رَائِحَتِهِ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّى هَذَا الْخَارِجَ مِنْ جُرْحِ الشَّهِيدِ دَمًا ، وَإِنْ كَانَ رِيحُهُ رِيحَ الْمِسْكِ ، وَلَمْ يُسَمِّهِ مِسْكًا فَغَلَّبَ الِاسْمَ لِلَوْنِهِ عَلَى رَائِحَتِهِ فَكَذَلِكَ الْمَاءُ مَا لَمْ يَتَغَيَّرْ لَوْنُهُ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى تَغَيُّرِ رَائِحَتِهِ قَالَ : وَهَذَا قَوْلُنَا فِيمَا تَغَيَّرَتْ رَائِحَتُهُ بِالْمُجَاوَرَةِ فَأَمَّا بِمَا خَالَطَهُ فَعَبْدُ الْمَلِكِ يَقُولُ لَا يُعْتَدُّ بِالرَّائِحَةِ ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِاللَّوْنِ وَالطَّعْمِ وَمَالِكٌ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ يَعْتَبِرُونَ الرَّائِحَةَ كَاعْتِبَارِ اللَّوْنِ وَالطَّعْمِ انْتَهَى . وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي أَظْهَرُ ثُمَّ إنَّ فَرْضَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ الْمَسْأَلَةَ فِي التَّغَيُّرِ بِالنَّجَاسَةِ غَيْرُ مُسْتَقِيمٍ لِأَنَّ الْإِجْمَاعَ مُنْعَقِدٌ عَلَى أَنَّ تَغَيُّرَ أَحَدِ الْأَوْصَافِ بِالنَّجَاسَةِ كَافٍ فِي تَنْجِيسِهِ ، وَقَدْ نَقَلَ هُوَ بَعْدَ ذَلِكَ هَذَا الْإِجْمَاعَ ، وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي التَّغَيُّرِ بِالظَّاهِرِ فَقَالَ جُمْهُورُ أَصْحَابِنَا هُوَ كَالتَّغَيُّرِ بِالنَّجَاسَةِ يَكْفِي فِيهِ أَحَدُ الْأَوْصَافِ الثَّلَاثَةِ ، وَفِي قَوْلٍ يُشْتَرَطُ اجْتِمَاعُهُمَا ، وَفِي قَوْلٍ يَكْفِي اللَّوْنُ وَحْدَهُ . وَأَمَّا الطَّعْمُ وَالرَّائِحَةُ فَلَا بُدَّ مِنْ اجْتِمَاعِهِمَا فَكَانَ يَنْبَغِي لِابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنْ يَفْرِضَ ذَلِكَ فِي التَّغَيُّرِ بِالطَّاهِرِ الَّذِي هُوَ مَوْضِعُ الْخِلَافِ ثُمَّ ذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّ إيرَادَ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي هَذَا الْبَابِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلرُّخْصَةِ فِي الرَّائِحَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّغْلِيظِ بِعَكْسِ الِاسْتِدْلَالِ بِأَنَّ الدَّمَ لَمَّا انْتَقَلَ بِطِيبِ رَائِحَتِهِ مِنْ حُكْمِ النَّجَاسَةِ إلَى الطَّهَارَةِ ، وَمِنْ الْقَذَارَةِ إلَى الطِّيبِ بِتَغَيُّرِ رَائِحَتِهِ ، وَحُكِمَ لَهُ بِحُكْمِ الْمِسْكِ فَكَذَلِكَ الْمَاءُ يَنْتَقِلُ عَلَى الْعَكْسِ بِخُبْثِ الرَّائِحَةِ أَوْ تَغَيُّرِ أَحَدِ أَوْصَافِهِ مِنْ الطَّهَارَةِ إلَى النَّجَاسَةِ انْتَهَى . وَجَزَمَ ابْنُ بَطَّالٍ بِالِاحْتِمَالِ الثَّانِي وَاسْتَنْبَطَ هَذَا الْحُكْمَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ لَمَّا حُكِمَ لِلدَّمِ بِالطَّهَارَةِ بِتَغَيُّرِ رِيحِهِ إلَى الطِّيبِ وَبَقِيَ فِيهِ اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَغَيُّرَهُمَا إلَى الطِّيبِ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ إذَا تَغَيَّرَ مِنْهُ وَصْفَانِ بِالنَّجَاسَةِ وَبَقِيَ وَصْفٌ وَاحِدٌ أَنْ يَكُونَ طَاهِرًا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ قِيلَ لَيْسَ كَمَا تَوَهَّمْت لِأَنَّ رِيحَ الْمِسْكِ حُكْمٌ لِلدَّمِ بِالطَّهَارَةِ فَكَانَ اللَّوْنُ وَالطَّعْمُ تَبَعًا لِلظَّاهِرِ ، وَهُوَ الرِّيحُ الَّذِي انْقَلَبَ رِيحَ مِسْكٍ فَكَذَلِكَ الْمَاءُ إذَا تَغَيَّرَ مِنْهُ وَصْفٌ وَاحِدٌ بِنَجَاسَةٍ حَلَّتْ فِيهِ كَانَ الْوَصْفَانِ الْبَاقِيَانِ تَبَعًا لِلنَّجَاسَةِ ، وَكَانَ الْمَاءُ بِذَلِكَ خَارِجًا عَنْ حَدِّ الطَّهَارَةِ لِخُرُوجِهِ عَنْ صِفَةِ الْمَاءِ الَّذِي جَعَلَهُ اللَّهُ طَهُورًا انْتَهَى . { الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ } قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَيَحْتَجُّ بِهِ أَيْضًا أَبُو حَنِيفَةَ فِي جَوَازِ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْمُضَافِ الْمُتَغَيِّرَةِ أَوْصَافُهُ إلَى الطِّيبِ ، وَحُجَّتُهُ بِذَلِكَ تَضْعُفُ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ مَا قَعَدْت خَلْفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً فَأَحْمِلَهُمْ وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً فَيَتَّبِعُونِي ، وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَقْعُدُوا بَعْدِي } . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ ، وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي مَا قَعَدْت خَلْفَ سَرِيَّةٍ تَغْزُو فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَلَكِنْ لَا أَجِدُ سَعَةً ؛ فَأَحْمِلَهُمْ ، وَلَا يَجِدُونَ سَعَةً فَيَتَّبِعُونِي ، وَلَا تَطِيبُ أَنْفُسُهُمْ أَنْ يَقْعُدُوا بَعْدِي } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ، وَمِنْ طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ خَمْسَتِهِمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . { الثَّانِيَةُ } السَّرِيَّةُ قِطْعَةٌ مِنْ الْجَيْشِ تَنْفَرِدُ بِالْغَزْوِ ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ يَبْلُغُ أَقْصَاهَا أَرْبَعَمِائَةٍ ، وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ مَا بَيْنَ خَمْسَةِ أَنْفُسٍ إلَى ثَلَاثِمِائَةٍ ، وَقِيلَ هِيَ مِنْ الْخَيْلِ نَحْوُ أَرْبَعِمِائَةٍ قَالَ فِي النِّهَايَةِ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يَكُونُونَ خُلَاصَةً لِلْعَسْكَرِ ، وَخِيَارَهُمْ مِنْ الشَّيْءِ السِّرِّيِّ النَّفِيسِ ، وَقِيلَ سُمُّوا بِذَلِكَ لِأَنَّهُمْ يُنَفِّذُونَ سِرًّا وَخُفْيَةً ، وَلَيْسَ بِالْوَجْهِ لِأَنَّ لَامَ السِّرِّ رَاءٌ ، وَهَذِهِ يَاءٌ . { الثَّالِثَةُ } قَوْلُهُ خَلْفَ سَرِيَّةٍ أَيْ بَعْدَهَا ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ وَاضِحٌ ، وَفِيهِ تَعْظِيمُ أَمْرِ الْجِهَادِ ، وَقَدْ أَوْضَحَ فِي الْحَدِيثِ صُورَةَ الْمَشَقَّةِ ، وَهِيَ أَنَّهُ لَا تَطِيبُ أَنْفُسُ الصَّحَابَةِ بِالتَّخَلُّفِ عَنْ الْغَزْوِ ، وَلَا يَقْدِرُونَ عَلَى ذَلِكَ لِاحْتِيَاجِهِ إلَى نَفَقَةٍ وَكُلْفَةٍ مَعَ ضِيقِ الْحَالِ ، وَقَوْلُهُ فَأَحْمِلَهُمْ بِالنَّصْبِ فِي جَوَابِ النَّفْيِ وَالسَّعَةُ بِفَتْحِ السِّينِ . { الرَّابِعَةُ } وَفِيهِ رِفْقُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُمَّتِهِ وَرَأْفَتُهُ بِهِمْ ، وَأَنَّهُ يَتْرُكُ بَعْضَ أَعْمَالِ الْبِرِّ خَشْيَةَ أَنْ يَتَكَلَّفُوهُ فَيَشُقَّ عَلَيْهِمْ ، وَهُوَ أَصْلٌ فِي الرِّفْقِ بِالْمُسْلِمِينَ وَالسَّعْيِ فِي زَوَالِ الْمَكْرُوهِ وَالْمَشَقَّةِ عَنْهُمْ وَفِيهِ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَتْ الْمَصَالِحُ بُدِئَ بِأَهَمِّهَا . { الْخَامِسَةُ } وَفِيهِ أَنَّ الْجِهَادَ فَرْضُ كِفَايَةٍ لَا فَرْضَ عَيْنٍ ، وَإِنْ كَانَ فِي زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِذَلِكَ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ ، وَقِيلَ كَانَ فِي زَمَنِهِ فَرْضَ عَيْنٍ ، وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُ فَرْضُ كِفَايَةٍ قَدْ يَتَعَيَّنُ لِعَارِضٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَضْحَكُ اللَّهُ إلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَالُوا كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ يُقْتَلُ هَذَا فَيَلِجُ الْجَنَّةَ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْآخَرِ فَيَهْدِيه إلَى الْإِسْلَامِ ثُمَّ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُسْتَشْهَدُ } وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { يَضْحَكُ اللَّهُ لِرَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُقَاتِلُ فَيُسْتَشْهَدُ } . الْحَدِيثُ السَّادِسُ . وَعَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَضْحَكُ اللَّهُ إلَى رَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ قَالُوا كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ يُقْتَلُ هَذَا فَيَلِجُ الْجَنَّةَ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْآخَرِ فَيَهْدِيه إلَى الْإِسْلَامِ ثُمَّ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُسْتَشْهَدُ } وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { يَضْحَكُ اللَّهُ لِرَجُلَيْنِ يَقْتُلُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ كِلَاهُمَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ يُقَاتِلُ هَذَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلُ ثُمَّ يَتُوبُ اللَّهُ عَلَى الْقَاتِلِ فَيُقَاتِلُ فَيُسْتَشْهَدُ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ بِلَفْظِ { إنَّ اللَّهَ لَيَعْجَبُ } . { الثَّانِيَةُ } قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الضَّحِكُ هُنَا اسْتِعَارَةٌ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الضَّحِكُ الْمَعْرُوفُ فِي صِفَتِنَا لِأَنَّهُ إنَّمَا يَصِحُّ مِنْ الْأَجْسَامِ ، وَمِمَّنْ يَجُوزُ عَلَيْهِ تَغَيُّرُ الْحَالَاتِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ وَالْمُرَادُ بِهِ الرِّضَى بِفِعْلِهِمَا ، وَالثَّوَابُ عَلَيْهِ ، وَحَمْدُ فِعْلِهِمَا ، وَمَحَبَّتُهُ ، وَتَلَقِّي رُسُلِ اللَّهِ لَهُمَا بِذَلِكَ لِأَنَّ الضَّحِكَ مِنْ أَحَدِهِمَا إنَّمَا يَكُونُ عِنْدَ مُوَافَقَةِ مَا يَرْضَاهُ ، وَسُرُورِهِ بِهِ وَبِرِّهِ لِمَنْ يَلْقَاهُ قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ هُنَا ضَحِكَ مَلَائِكَةِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِينَ يُوَجِّهُهُمْ لِقَبْضِ رُوحِهِ وَإِدْخَالِهِ الْجَنَّةَ كَمَا يُقَالُ قَتَلَ السُّلْطَانُ فُلَانًا أَيْ أَمَرَ بِقَتْلِهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَعْنَاهُ يَرْحَمُ اللَّهُ عَبْدَهُ عِنْدَ ذَلِكَ ، وَيَتَلَقَّى بِالرُّوحِ ، وَالرَّاحَةِ وَالرَّحْمَةِ وَالرَّأْفَةِ ، وَهَذَا مَجَازٌ مَفْهُومٌ قَالَ وَأَهْلُ الْعِلْمِ يَكْرَهُونَ الْخَوْضَ فِي مِثْلِ هَذَا . { الثَّالِثَةُ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَعْنَاهُ عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ الْقَاتِلَ الْأَوَّلَ كَانَ كَافِرًا ، وَتَوْبَتُهُ إسْلَامُهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } قَالَ : وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ كُلَّ مَنْ قُتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ . { الرَّابِعَةُ } اُخْتُلِفَ فِي سَبَبِ تَسْمِيَةِ الشَّهِيدِ شَهِيدًا فَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ لِأَنَّهُ حَيٌّ فَإِنَّ أَرْوَاحَهُمْ شَهِدَتْ ، وَحَضَرَتْ دَارَ السَّلَامِ ، وَأَرْوَاحُ غَيْرِهِمْ إنَّمَا تَشْهَدُهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ لِأَنَّ اللَّهَ وَمَلَائِكَتَهُ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ يَشْهَدُونَ لَهُ بِالْجَنَّةِ ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ يَشْهَدُ عِنْدَ خُرُوجِ رُوحِهِ مَا أُعِدَّ لَهُ مِنْ الثَّوَابِ وَالْكَرَامَةِ ، وَقِيلَ لِأَنَّ مَلَائِكَةَ الرَّحْمَةِ يَشْهَدُونَهُ فَيَأْخُذُونَ رُوحَهُ ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ شُهِدَ لَهُ بِالْإِيمَانِ ، وَخَاتِمَةُ الْخَيْرِ ظَاهِرُ حَالِهِ ، وَقِيلَ لِأَنَّ عَلَيْهِ شَاهِدًا بِكَوْنِهِ شَهِيدًا ، وَهُوَ الدَّمُ ، وَقِيلَ لِأَنَّهُ مِمَّنْ يَشْهَدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِإِبْلَاغِ الرُّسُلِ الرِّسَالَةَ إلَيْهِمْ ، وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ يُشَارِكُهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ . وَعَنْ جَابِرٍ { قَالَ رَجُلٌ يَوْمَ أُحُدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ قُتِلْت فَأَيْنَ أَنَا ؟ قَالَ فِي الْجَنَّةِ ، فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو تَخَلَّى مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا } . الْحَدِيثُ السَّابِعُ . وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ { قَالَ رَجُلٌ يَوْمَ أُحُدٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ قُتِلْت فَأَيْنَ أَنَا ؟ قَالَ فِي الْجَنَّةِ فَأَلْقَى تَمَرَاتٍ كُنَّ فِي يَدِهِ فَقَاتَلَ حَتَّى قُتِلَ ، وَقَالَ غَيْرُ عَمْرٍو تَخَلَّى مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِمْ قَوْلُهُ قَالَ ( غَيْرُ عَمْرٍو ) وَمَعْنَاهُ أَنَّ غَيْرَ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ قَالَ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ هَذَا الْكَلَامَ ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ قَالَهُ عَنْ جَابِرٍ ، وَأَنَّهُ قَالَهُ مِنْ عِنْدِ نَفْسِهِ فَيَكُونُ مُرْسَلًا . { الثَّانِيَةُ } ذَكَرَ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ الْخَطِيبُ ، وَأَبُو الْقَاسِمِ بْنِ بَشْكُوَالَ ، وَأَبُو الْفَضْلِ مُحَمَّدُ بْنُ طَاهِرٍ الْمَقْدِسِيَّ فِي مُبْهَمَاتِهِمْ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ هُوَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ ، وَمُسْتَنَدُهُمْ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَغَيْرِهِ فِي قِصَّةِ بَدْرٍ ، وَفِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قُومُوا إلَى جَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ ، فَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْحُمَامِ بَخٍ بَخٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَحْمِلُك عَلَى قَوْلِك بَخٍ بَخٍ قَالَ لَا وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ إلَّا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا قَالَ فَإِنَّك مِنْ أَهْلِهَا قَالَ فَاخْتَرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قِرَانِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنَّ ثُمَّ قَالَ لَئِنْ أَنَا حَيِيت حَتَّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إنَّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ قَالَ فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التَّمْرِ ثُمَّ قَاتَلَهُمْ حَتَّى قُتِلَ } وَفِيمَا ذَكَرُوهُ نَظَرٌ لِأَنَّ قِصَّةَ الْمُبْهَمِ كَانَتْ فِي أُحُدٍ ، وَهَذِهِ فِي بَدْرٍ ، وَلَا يَصِحُّ تَفْسِيرُهَا بِهَا ، وَقَدْ قَالَ الْخَطِيبُ كَانَتْ قِصَّةَ يَوْمِ بَدْرٍ لَا يَوْمَ أُحُدٍ فَأَشَارَ إلَى تَضْعِيفِ رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ الَّتِي فِيهَا أَنَّهُ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَلَا تَوْجِيهَ لِذَلِكَ بَلْ الضَّعِيفُ تَفْسِيرُ هَذِهِ بِهَذِهِ ، وَكُلٌّ مِنْهَا صَحِيحَةٌ ، وَهُمَا قِصَّتَانِ لِشَخْصَيْنِ . وَقَالَ ابْنُ طَاهِرٍ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ إنَّهُ كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَجَعَلَ ذَلِكَ اخْتِلَافًا ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا جَاءَ مِنْ تَفْسِيرِهِمْ إحْدَى الْقِصَّتَيْنِ بِالْأُخْرَى ، وَالصَّوَابُ خِلَافُهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَهُوَ عَمْرُو بْنُ الْحُمَامِ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ ابْنِ الْجَمُوحِ بْنِ زَيْدِ بْنِ حَرَامٍ الْأَنْصَارِيُّ السُّلَمِيُّ ، وَقِيلَ إنَّهُ أَوَّلُ مَنْ قُتِلَ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي الْإِسْلَامِ ، وَالْقَاتِلُ لَهُ خَالِدُ بْنُ الْأَعْلَمِ الْعُقَيْلِيُّ ، وَقَتِيلٌ بَلْ أَوَّلُ قَتِيلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ حَارِثَةُ بْنُ سُرَاقَةَ . { الثَّالِثَةُ } وَفِيهِ ثُبُوتُ الْجَنَّةِ لِلشَّهِيدِ وَفِيهِ الْمُبَادَرَةُ بِالْخَيْرِ ، وَأَنَّهُ لَا يُشْتَغَلُ عَنْهُ بِحُظُوظِ النُّفُوسِ ، وَفِيهِ جَوَازُ الِانْغِمَاسِ فِي الْكُفَّارِ وَالتَّعَرُّضِ لِلشَّهَادَةِ ، وَهُوَ جَائِزٌ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ . { الرَّابِعَةُ } قَوْلُهُ ( تَخَلَّى مِنْ طَعَامِ الدُّنْيَا ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ أَيْ فَرَغَ فُؤَادُهُ مِنْهُ وَالتَّخَلِّي التَّفَرُّغُ ، وَمِنْهُ التَّخَلِّي لِلْعِبَادَةِ . وَعَنْهُ قَالَ { كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعِمِائَةٍ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْتُمْ الْيَوْمَ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ } . الْحَدِيثُ الثَّامِنُ . وَعَنْهُ قَالَ { كُنَّا يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعِمِائَةٍ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْتُمْ الْيَوْمَ خَيْرُ أَهْلِ الْأَرْضِ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ وَلَهُ عَنْهُ طُرُقٌ . { الثَّانِيَةُ } الْحُدَيْبِيَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَتَيْنِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَتَخْفِيفِهَا ، وَكَثِيرٌ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ يُشَدِّدُونَهَا ، وَالصَّوَابُ تَخْفِيفُهَا ، وَهِيَ قَرْيَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ مَكَّةَ سُمِّيَتْ بِبِئْرٍ فِيهَا ، وَالْمُرَادُ بِيَوْمِ الْحُدَيْبِيَةِ عُمْرَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سِتٍّ مِنْ الْهِجْرَةِ فَصُدَّ عَنْ الْبَيْتِ ، وَصَالَحَ قُرَيْشًا عَلَى الِاعْتِمَارِ فَاعْتَمَرَ مِنْ قَابِلٍ ، وَهِيَ الْمُسَمَّاةُ بِعُمْرَةِ الْقَضَّةِ ، وَهِيَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ . { الثَّالِثَةُ } فِيهِ أَنَّ أَهْلَ الْحُدَيْبِيَةِ كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا أَنَّهُمْ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ ، وَفِي أُخْرَى أَنَّهُمْ أَلْفٌ وَثَلَثُمِائَةٍ ، وَالرِّوَايَاتُ الثَّلَاثُ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُمْ كَانُوا أَلْفًا ، وَسِتِّمِائَةٍ ، وَأَكْثَرُ ، وَرِوَايَةُ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُمْ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ وَكَذَا ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ أَكْثَرَ الرِّوَايَاتِ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَهَا بِأَنَّهُمْ كَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ وَكَسْرًا فَمَنْ قَالَ أَرْبَعَمِائَةٍ لَمْ يَعْتَبِرْ الْكَسْرَ وَمَنْ قَالَ وَخَمْسَمِائَةٍ اعْتَبَرَهُ ، وَمَنْ قَالَ : وَثَلَثَمِائَةٍ تَرَكَ بَعْضَهُمْ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَيَقَّنْ الْعَدَّ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ انْتَهَى . وَلَيْسَ فِي هَذَا الْجَمْعِ تَعَرُّضٌ لِرِوَايَةِ وَسِتِّمِائَةٍ ، وَيُنَافِي هَذَا الْجَمْعُ أَيْضًا مَا حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ وَخَمْسَةً وَعِشْرِينَ رَجُلًا ، وَأَحْرَمَ مَعَهُ زَوْجَتُهُ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيرَةِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ ، وَمَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ أَنَّهُمْ كَانُوا سَبْعَمِائَةِ رَجُلٌ فَكَأَنَّهُ كَانَ فِي مَبْدَأِ خُرُوجِهِمْ مِنْ الْمَدِينَةِ قَبْلَ أَنْ يَلْحَقَهُمْ مَنْ لَحِقَهُمْ مِنْ غَيْرِهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الرَّابِعَةُ } ، وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ ، وَهُمْ أَهْلُ بَيْعَةِ الرِّضْوَانِ الَّذِينَ نَزَلَ فِيهِمْ قَوْله تَعَالَى { لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ إذْ يُبَايِعُونَك تَحْتَ الشَّجَرَةِ } الْآيَةَ ، وَفِي الْحَدِيثِ { لَا يَلِجُ النَّارَ أَحَدٌ شَهِدَ بَدْرًا ، وَالْحُدَيْبِيَةَ } ، وَهُمْ الْمُرَادُونَ فِي قَوْله تَعَالَى { وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ } فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ ، وَقَالَ آخَرُونَ هُمْ أَهْلُ بَدْرٍ . { الْخَامِسَةُ } أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِ الْجِهَادِ ، وَإِنْ كَانَ هَذَا السَّفَرُ إنَّمَا كَانَ سَفَرَ اعْتِمَارٍ لَكِنْ وَقَعَتْ فِيهِ الْبَيْعَةُ عَلَى الْجِهَادِ . وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ { مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ خَادِمًا لَهُ قَطُّ وَلَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ ، إلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إلَّا كَانَ أَحَبَّهُمَا إلَيْهِ أَيْسَرُهُمَا حَتَّى يَكُونَ إثْمًا فَإِذَا كَانَ إثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ الْإِثْمِ ، وَلَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ يُؤْتَى إلَيْهِ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ ، فَيَكُونَ هُوَ يَنْتَقِمُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ } . الْحَدِيثُ التَّاسِعُ وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { مَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ خَادِمًا لَهُ قَطُّ ، وَلَا ضَرَبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ إلَّا أَنْ يُجَاهِدَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَلَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ قَطُّ إلَّا كَانَ أَحَبُّهُمَا إلَيْهِ أَيْسَرَهُمَا حَتَّى يَكُونَ إثْمًا فَإِذَا كَانَ إثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْ الْإِثْمِ وَلَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ يُؤْتَى إلَيْهِ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ فَيَكُونَ هُوَ يَنْتَقِمُ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَ أَبُو دَاوُد مِنْهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الْجُمْلَةَ الْأُولَى مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ { مَا ضَرَبَ خَادِمًا وَلَا امْرَأَةً قَطُّ } مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ مِنْ قَوْلِهِ { وَلَا خُيِّرَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ } إلَى آخِرِهِ ، وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ الْجُمْلَةَ الْأَخِيرَةَ سَاقَ الْبُخَارِيُّ لَفْظَهُ ، وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ بَلْ قَالَ إنَّهُ نَحْوَ حَدِيثِ مَالِكٍ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورِ بْنِ الْمُعْتَمِرِ ، وَأَحَالَ بِهِ أَيْضًا عَلَى رِوَايَةِ مَالِكٍ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَغَيْرُهُ بِكَمَالِهِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ . { الثَّانِيَةُ } فِيهِ أَنَّ ضَرْبَ الْخَادِمِ ، وَنَحْوَهُ وَإِنْ كَانَ مُبَاحًا لِلْأَدَبِ فَتَرْكُهُ أَفْضَلُ ، وَقَدْ أَخْبَرَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ هَذَا ، وَهُوَ أَنَّهُ لَمْ يُعَاتِبْهُ قَطُّ . { الثَّالِثَةُ } قَوْلُهَا ( وَلَا ضَرَبَ بِيَدِهِ شَيْئًا قَطُّ ) مِنْ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ ، وَأَفْرَدَ ذَلِكَ لِيُسْتَثْنَى مِنْهُ الضَّرْبُ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَخَصَّ الْخَادِمَ بِالذِّكْرِ أَوَّلًا لِوُجُودِ سَبَبِ ضَرْبِهِ لِلِابْتِلَاءِ بِمُخَالَطَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ غَالِبًا ، وَفِيهِ فَضْلُ الْجِهَادِ ، وَالْمُقَاتَلَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَفِيهِ أَنَّ الْأَوْلَى لِلْإِمَامِ التَّنَزُّهُ عَنْ إقَامَةِ الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ بِنَفْسِهِ بَلْ يُقِيمُ لَهَا مَنْ يَتَعَاطَاهَا ، وَعَلَى ذَلِكَ عَمَلُ الْخُلَفَاءِ رَحِمَهُمُ اللَّهُ . { الرَّابِعَةُ } قَوْلُهُ ( إلَّا كَانَ أَحَبَّهُمَا إلَيْهِ أَيْسَرُهُمَا ) كَذَا رَوَيْنَاهُ بِنَصْبِ الْأَوَّلِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ ، وَرَفْعِ الثَّانِي عَلَى نِيَّةِ التَّقْدِيمِ فِي الِاسْمِيَّةِ ، وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْأَخْذِ بِالْأَيْسَرِ وَالْأَرْفَقِ مَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ مَا لَمْ يَكُنْ حَرَامًا أَوْ مَكْرُوهًا ، وَفِي أَخْذِ الْمَكْرُوهِ مِنْ الْحَدِيثِ نَظَرٌ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَكَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِعْلُ الْمَكْرُوهِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي تَرْكُ مَا عَسِرَ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَتَرْكُ الْإِلْحَاحِ فِيهِ إذَا لَمْ يُضْطَرَّ إلَيْهِ ، وَالْمَيْلُ إلَى الْأَيْسَرِ أَبَدًا ، وَفِي مَعْنَاهُ الْأَخْذُ بِرُخَصِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَرُخَصِ رَسُولِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَرُخَصِ الْعُلَمَاءِ مَا لَمْ يَكُنْ الْقَوْلُ خَطَأً بَيِّنًا قَالَ : وَرَوَيْنَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ سَلَّامٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ يَنْبَغِي لِلْعَالِمِ أَنْ يَحْمِلَ النَّاسَ عَلَى الرُّخْصَةِ وَالسَّعَةِ مَا لَمْ يَخَفْ الْمَأْثَمَ ؛ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا الْعِلْمُ أَنْ تَسْمَعَ بِالرُّخْصَةِ مِنْ ثِقَةٍ فَأَمَّا التَّشْدِيدُ فَيَحُسُّهُ كُلُّ أَحَدٍ انْتَهَى قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَخْيِيرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا فِيهِ عُقُوبَتَانِ أَوْ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكُفَّارِ مِنْ الْقِتَالِ أَوْ أَخْذِ الْجِزْيَةِ أَوْ فِي حَقِّ أُمَّتِهِ فِي الْمُجَاهَدَةِ فِي الْعِبَادَةِ أَوْ الِاقْتِصَادِ فَكَانَ يَخْتَارُ الْأَيْسَرَ فِي كُلِّ هَذَا قَالَ : وَأَمَّا قَوْلُهَا مَا لَمْ يَكُنْ إثْمًا فَيُتَصَوَّرُ إذَا خَيَّرَهُ الْكُفَّارُ وَالْمُنَافِقُونَ فَأَمَّا إنْ كَانَ التَّخْيِيرُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَكُونُ الِاسْتِثْنَاءُ مُنْقَطِعًا . { الْخَامِسَةُ } قَوْلُهُ { وَلَا انْتَقَمَ لِنَفْسِهِ مِنْ شَيْءٍ يُؤْتَى إلَيْهِ } فِيهِ الْحَثُّ عَلَى الْعَفْوِ ، وَالصَّفْحِ ، وَالْحِلْمِ ، وَاحْتِمَالِ الْأَذَى ، وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْأَئِمَّةِ ، وَالْقُضَاةِ ، وَسَائِرِ وُلَاةِ الْأُمُورِ التَّخَلُّقُ بِهَذَا الْخُلُقِ الْكَرِيمِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي لِنَفْسِهِ ، وَلَا لِمَنْ لَا تَجُوزُ شَهَادَتُهُ لَهُ . { السَّادِسَةُ } قَوْلُهُ ( حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ ) أَيْ يُرْتَكَبَ مَا حَرَّمَهُ ، وَلَيْسَ هَذَا دَاخِلًا فِيمَا قَبْلَهُ حَتَّى يَحْتَاجَ إلَى اسْتِدْرَاكِهِ لِأَنَّ انْتِقَامَهُ لِلَّهِ تَعَالَى عِنْدَ انْتِهَاكِ حُرُمَاتِهِ لَيْسَ انْتِقَامًا لِنَفْسِهِ فَهُوَ كَالِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ لِأَنَّ فِيهِ انْتِقَامًا فِي الْجُمْلَةِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَا قَبْلَهُ لَا حَقِيقَةً لَكِنْ بِتَأْوِيلٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ حَتَّى تُنْتَهَكَ حُرُمَاتُ اللَّهِ أَيْ بِإِيذَائِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ بِمَا فِيهِ غَضَاضَةٌ فِي الدِّينِ فَذَلِكَ مِنْ انْتِهَاكِ حُرُمَاتِ اللَّهِ قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا لَا يَجُوزُ أَذَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفِعْلٍ مُبَاحٍ ، وَلَا غَيْرِهِ ، وَيَجُوزُ أَذَى غَيْرِهِ بِمَا يُبَاحُ لِلْإِنْسَانِ فِعْلُهُ ، وَاحْتُجَّ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي إرَادَةِ عَلِيٍّ تَزْوِيجَ بِنْتِ أَبِي جَهْلٍ { إنِّي لَا أُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ ، وَإِنَّ فَاطِمَةَ يُؤْذِينِي مَا أَذَاهَا ، وَلَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللَّهِ وَبِنْتُ عَدُوِّ اللَّهِ أَبَدًا } ، وَبِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّ الَّذِينَ يُؤْذُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَعَنَهُمْ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ } الْآيَةَ فَأَطْلَقَ وَعَمَّمَ ، وَقَالَ { وَاَلَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا } فَقَدْ شَرَطَ ( بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا ) قَالَ مَالِكٌ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْفُو عَنْ شَتْمِهِ ، وَقَدْ عَفَا عَنْ الَّذِي قَالَ لَهُ إنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللَّهِ . وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ غَضَاضَةٌ عَلَى الدِّينِ فَقَدْ يَكُونُ عَفْوُهُ عَنْهُ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْصِدْ الطَّعْنَ عَلَيْهِ فِي الْمَيْلِ عَنْ الْحَقِّ بَلْ اعْتَقَدَ أَنَّهُ مِنْ مَصَالِحِ الدُّنْيَا الَّذِي يَصِحُّ الْخَطَأُ مِنْهُ فِيهَا ، وَالصَّوَابُ ، أَوْ كَانَ هَذَا اسْتِئْلَافًا لِمِثْلِهِ كَمَا اسْتَأْلَفَهُمْ بِمَالِهِ وَمَالِ اللَّهِ رَغْبَةً فِي إسْلَامِ مِثْلِهِ . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ حِينَئِذٍ يُشِيرُ إلَى رَبَاعِيَتِهِ ، وَقَالَ : اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } . الْحَدِيثُ الْعَاشِرُ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى قَوْمٍ فَعَلُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ حِينَئِذٍ يُشِيرُ إلَى رَبَاعِيَتِهِ ، وَقَالَ اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ ، وَالْإِشَارَةُ بِذَلِكَ إلَى مَا اتَّفَقَا عَلَيْهِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ { سُئِلَ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ جُرِحَ وَجْهُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ ، وَهُشِمَتْ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ ، وَكَانَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَغْسِلُ الدَّمَ وَكَانَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالْمِجَنِّ فَلَمَّا رَأَتْ فَاطِمَةَ أَنَّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدَّمَ إلَّا كَثْرَةً أَخَذَتْ قِطْعَةَ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهُ حَتَّى صَارَ رَمَادًا فَأَلْصَقَتْهُ بِالدَّمِ فَاسْتَمْسَكَ } ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَشُجَّ فِي رَأْسِهِ فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدَّمَ عَنْهُ ، وَيَقُولُ كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجُّوا نَبِيَّهُمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ ، وَهُوَ يَدْعُوهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { لَيْسَ لَك مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ } } قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ هِشَامٍ وَذَكَّرَنِي رَبِيحُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ { أَنَّ عُتْبَةَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ رَمَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ فَكَسَرَ رَبَاعِيَتَهُ الْيُمْنَى السُّفْلَى وَجَرَحَ شَفَتَهُ السُّفْلَى وَأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ شِهَابٍ الزُّهْرِيَّ شَجَّهُ فِي وَجْهِهِ وَأَنَّ ابْنَ قَمِئَةَ جَرَحَ وَجْنَتَهُ فَدَخَلَتْ حَلْقَتَانِ مِنْ الْمِغْفَرِ فِي وَجْنَتِهِ وَوَقَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حُفْرَةٍ مِنْ الْحُفَرِ الَّتِي عَمِلَ أَبُو عَامِرٍ لِيَقَعَ فِيهَا الْمُسْلِمُونَ ، وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ فَأَخَذَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ بِيَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَفَعَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ حَتَّى اسْتَوَى قَائِمًا وَمَصَّ مَالِكُ بْنُ سِنَانٍ أَبُو أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ الدَّمَ مِنْ وَجْهِهِ ثُمَّ ازْدَرَدَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ مَصَّ دَمِي لَمْ تَمَسَّهُ النَّارُ } ، وَرَوَى عَنْ عِيسَى بْنِ طَلْحَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ { أَنَّ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرَّاحِ نَزَعَ إحْدَى الْحَلْقَتَيْنِ مِنْ وَجْهِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَقَطَتْ شَفَتُهُ ثُمَّ نَزَعَ الْأُخْرَى فَسَقَطَتْ شَفَتُهُ الْأُخْرَى فَكَانَ سَاقِطَ الشَّفَتَيْنِ } وَعَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ جَابِرٍ { أَنَّ ابْنَ قَمِئَةَ لَمَّا رَمَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأُحُدٍ قَالَ خُذْهَا ، وَأَنَا ابْنُ قَمِئَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْمَأَكَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَانْصَرَفَ ابْنُ قَمِئَةَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ إلَى أَهْلِهِ فَخَرَجَ إلَى غَنَمِهِ فَوَافَاهَا عَلَى ذُرْوَةِ جَبَلٍ فَأَخَذَ يَعْتَرِضُهَا فَشَدَّ عَلَيْهِ تَيْسُهَا فَنَطَحَهُ نَطْحَةً أَرْدَاهُ مِنْ شَاهِقِ الْجَبَلِ فَتَقَطَّعَ } . { الثَّانِيَةُ } ( الرَّبَاعِيَةُ ) بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَخْفِيفِهَا وَكَسْرِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَتَخْفِيفِهَا هِيَ السِّنُّ الَّتِي تَلِي الثَّنِيَّةَ مِنْ كُلِّ جَانِبٍ ، وَلِلْإِنْسَانِ أَرْبَعُ ثَنَايَا ، وَهِيَ الْوَاقِعَةُ فِي مُقَدَّمِ الْفَمِ ثِنْتَانِ مِنْ أَعْلَى ، وَثِنْتَانِ مِنْ أَسْفَلُ وَتَلِيهَا الرَّبَاعِيَاتُ أَرْبَعٌ أَيْضًا ثِنْتَانِ مِنْ أَعْلَى ، وَثِنْتَانِ مِنْ أَسْفَلُ وَقَدْ تَبَيَّنَ مِمَّا تَقَدَّمَ أَنَّ الَّذِي كُسِرَ مِنْ رَبَاعِيَاتِهِ الرَّبَاعِيَةُ الْيُمْنَى السُّفْلَى . { الثَّالِثَةُ } ، وَفِيهِ أَنَّ وُقُوعَ الْأَسْقَامِ ، وَالْآلَامِ لِلْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ لِيَنَالُوا جَزِيلَ الْأَجْرِ ، وَلِتَعْرِفَ أُمَمُهُمْ وَغَيْرُهُمْ مَا أَصَابَهُمْ ، وَيَتَأَسَّوْا بِهِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَلِيُعْلَمَ أَنَّهُمْ مِنْ الْبَشَرِ تُصِيبُهُمْ مِحَنُ الدُّنْيَا ، وَيَطْرَأُ عَلَى أَجْسَامِهِمْ مَا يَطْرَأُ عَلَى أَجْسَامِ الْبَشَرِ فَيَسْتَيْقِنُوا أَنَّهُمْ مَخْلُوقُونَ ، وَلَا يُفْتَتَنُ بِمَا ظَهَرَ عَلَى أَيْدِيهِمْ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ ، وَلَا تَلَبَّسَ الشَّيْطَانُ مِنْ أَمْرِهِمْ مَا لَبَّسَهُ عَلَى النَّصَارَى ، وَغَيْرِهِمْ . { الرَّابِعَةُ } قَوْلُهُ ( عَلَى رَجُلٍ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ) احْتَرَزَ بِقَوْلِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَمَّنْ يَقْتُلُهُ حَدًّا أَوْ قِصَاصًا لِأَنَّ مَنْ يَقْتُلُهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَانَ قَاصِدًا قَتْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَقَدْ اتَّفَقَ ذَلِكَ لِأُبَيِّ بْنِ خَلَفٍ { قَصَدَ يَوْمَ أُحُدٍ قَتْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَرَضَ لَهُ رِجَالٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَأَمَرَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَلَّوْا طَرِيقَهُ وَطَعَنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَرْبَتِهِ فَوَقَعَ عَنْ فَرَسِهِ وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْ طَعْنَتِهِ دَمٌ فَرَجَعَ إلَى قَوْمِهِ ، وَجَعَلَ يَقُولُ قَدْ كَانَ قَالَ لِي بِمَكَّةَ أَنَا أَقْتُلُك فَوَاَللَّهِ لَوْ بَصَقَ عَلَيَّ لَقَتَلَنِي فَمَاتَ بِسَرِفَ ، وَهُمْ قَافِلُونَ بِهِ إلَى مَكَّةَ } ، وَحُكِيَ عَنْهُ أَنَّهُ { قَالَ لَوْ كَانَ هَذَا الَّذِي بِي بِأَهْلِ ذِي الْمَجَازِ لَمَاتُوا أَجْمَعُونَ } . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نُصِرْت بِالرُّعْبِ وَأُوتِيت جَوَامِعَ الْكَلِمِ } زَادَ مُسْلِمٌ بَعْدَ قَوْلِهِ بِالرُّعْبِ { عَلَى الْعَدُوِّ } . الْحَدِيثُ الْحَادِيَ عَشَرَ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نُصِرْت بِالرُّعْبِ وَأُوتِيت جَوَامِعَ الْكَلِمِ } تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ مِنْ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي بَابِ التَّيَمُّمِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ هُنَا ، وَنَذْكُرُ هُنَا أَنَّهُ لَمْ يُفَنِّدْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مُدَّةَ نَصْرِهِ بِالرُّعْبِ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ مَسِيرَةَ شَهْرٍ ، وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { حَتَّى إنَّ الْعَدُوَّ لَيَخَافَنِي مِنْ مَسِيرَةِ شَهْرٍ أَوْ شَهْرَيْنِ } ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا { نُصِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرُّعْبِ عَلَى عَدُوِّهِ مَسِيرَةَ شَهْرَيْنِ } ، وَفِي إسْنَادِهِ ضَعْفٌ . ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ مَرْفُوعًا { وَنُصِرْت بِالرُّعْبِ شَهْرًا أَمَامِي وَشَهْرًا خَلْفِي } ، وَفِيهِ إِسْحَاقُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي فَرْوَةَ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا . وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْحَرْبُ خُدْعَةٌ } . الْحَدِيثُ الثَّانِي عَشَرَ . وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْحَرْبُ خُدْعَةٌ } . فِيهِ فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ الْخَمْسَةُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ فِي تَرْجَمَةِ خَالِدِ بْنِ عُمَرَ الْقُرَشِيِّ عَنْ الثَّوْرِيِّ قَالَ ابْنُ عَدِيٍّ ، وَهَذَا عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ غَيْرُ مَحْفُوظٍ ، وَإِنَّمَا رَوَاهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرٍو ، وَرَوَاهُ مَعَ ابْنِ عُيَيْنَةَ مُحَمَّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الطَّائِفِيِّ ، وَغَيْرُهُ . { الثَّانِيَةُ } قَوْلُهُ ( خُدْعَةٌ ) فِيهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ مَشْهُورَاتٍ ( أَشْهُرُهَا ) فَتْحُ الْخَاءِ وَإِسْكَانُ الدَّالِ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهَا أَفْصَحُهُنَّ قَالَ ثَعْلَبٌ ، وَغَيْرُهُ وَهِيَ لُغَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قُلْت ) الَّذِي رَوَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْغَنَوِيِّ عَنْ ثَعْلَبٍ أَنَّهُ قَالَ : بَلَغَنَا أَنَّهُ لُغَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا مَرَّةً وَاحِدَةً أَيْ إذَا خُدِعَ الْمُقَاتِلُ مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ يَكُنْ لَهَا إقَالَةٌ ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ ( أَحَدُهَا ) هَذَا وَ ( الثَّانِي ) أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا تَخْدَعُ أَهْلَهَا وَصَفَ الْفَاعِلَ بِاسْمِ الْمَصْدَرِ ( ثَالِثُهَا ) أَنْ تَكُونَ وَصْفًا لِلْمَفْعُولِ كَمَا قِيلَ ضَرَبَ الْأَمِيرُ أَيْ مَضْرُوبُهُ ( اللُّغَةُ الثَّانِيَةُ ) ضَمُّ الْخَاءِ ، وَإِسْكَانُ الدَّالِ أَيْ أَنَّهَا تَخْدَعُ لِأَنَّ أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ إذَا خَدَعَ صَاحِبَهُ فِيهَا فَكَأَنَّهَا هِيَ خَدَعَتْ . ( الثَّالِثَةُ ) ضَمُّ الْخَاءِ وَفَتْحُ الدَّالِ أَيْ أَنَّهَا تَخْدَعُ أَهْلَهَا ، وَتُمَنِّيهِمْ الظَّفَرَ أَبَدًا ، وَقَدْ يَنْقَلِبُ بِهِمْ الْحَالُ لِغَيْرِهَا كَمَا يُقَالُ رَجُلٌ لُعْبَةٌ وَضُحَكَةٌ لِلَّذِي يُكْثِرُ اللَّعِبَ وَالضَّحِكَ ، وَحَكَى فِيهِ الْحَافِظُ الْمُنْذِرِيُّ فِي حَوَاشِي السُّنَنِ رَابِعَةً ، وَهِيَ فَتْحُهُمَا فَقَالَ : وَمِنْ فَتْحِهِمَا جَمِيعًا كَانَ جَمْعُ خَادِعٍ يَعْنِي أَنَّ أَهْلَهَا بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَلَا تَطْمَئِنُّ إلَيْهِمْ كَأَنَّهُ قَالَ أَهْلُ الْحَرْبِ خُدْعَةٌ ثُمَّ حَذَفَ الْمُضَافَ قَالَ : وَأَصْلُ الْخَدْعِ إظْهَارُ أَمْرٍ ، وَإِضْمَارُ خِلَافِهِ ، وَيُقَالُ خَدَعَ الرِّيقُ فَسَدَ فَكَأَنَّ الْخَدَّاعَ يُفْسِدُ تَدْبِيرَ الْمَخْدُوعِ ، وَيَفِلُّ رَأْيَهُ ، وَقِيلَ الْخُدْعَةُ مِنْ خَدَعَ الدَّهْرُ إذَا تَلَوَّنَ انْتَهَى . { الثَّالِثَةُ } فِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى الْخِدَاعِ فِي الْحَرْبِ ، وَأَنَّهُ مَتَى لَمْ يَفْعَلْ ذَلِكَ خَدَعَهُ خَصْمُهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِانْتِكَاسِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ فَلَا يُهْمِلُ خَدِيعَةَ غَرِيمِهِ فَإِنَّهُ إنْ لَمْ يَخْدَعْهُ خَدَعَهُ هُوَ قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ خِدَاعِ الْكُفَّارِ فِي الْحَرْبِ كَيْفَ أَمْكَنَ الْخِدَاعُ إلَّا أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَقْضُ عَهْدٍ أَوْ أَمَانٍ فَلَا يَحِلُّ انْتَهَى . وَالْحِكْمَةُ فِي الْإِتْيَانِ بِالتَّاءِ الدَّالَّةِ عَلَى الْوَحْدَةِ ، فَإِنْ كَانَ الْخِدَاعُ مِنْ جِهَةِ الْمُسْلِمِينَ فَكَأَنَّهُ حَضَّهُمْ عَلَى ذَلِكَ ، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً ، وَإِنْ كَانَ مِنْ جِهَةِ الْكُفَّارِ فَمَعْنَاهُ التَّحْذِيرُ مِنْ خِدَاعِهِمْ ، وَلَوْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُمْ مَرَّةً وَاحِدَةً فَإِنَّهُ قَدْ يَنْشَأُ عَنْ تِلْكَ الْمَرَّةِ الْهَزِيمَةُ ، وَلَوْ حَصَلَ الظَّفَرُ قَبْلَهَا أَلْفَ مَرَّةٍ فَلَا يَنْبَغِي التَّهَاوُنُ بِذَلِكَ لِمَا يَنْشَأُ عَنْهُ مِنْ الْمَفْسَدَةِ ، وَلَوْ قَلَّ الْخِدَاعُ مِنْ الْعَدُوِّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الرَّابِعَةُ } بَوَّبَ عَلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ بَابَ مَا جَاءَ فِي الرُّخْصَةِ فِي الْكَذِبِ وَالْخَدِيعَةِ فِي الْحَرْبِ ، وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ذِكْرُ الْكَذِبِ ، فَإِنْ أُرِيدَ الْمَعَارِيضُ وَالتَّوْرِيَةُ فَلَا تَخْلُو الْخَدِيعَةُ مِنْ ذَلِكَ ، وَإِنْ أُرِيدَ الْكَذِبُ الصَّرِيحُ فَقَدْ تَخْلُو الْخَدِيعَةُ عَنْهُ فَمِنْ الْمَعَارِيضِ مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرَّى بِغَيْرِهَا ، وَكَانَ يَقُولُ الْحَرْبُ خُدْعَةٌ } ، وَمَا فِي سُنَنِ النَّسَائِيّ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سَمِعْت عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ يَقُولُ فِي شَيْءٍ صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ ( قُلْت ) هَذَا شَيْءٌ سَمِعْته ، فَقَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْحَرْبُ خُدْعَةٌ } ، وَقَدْ وَرَدَ التَّرْخِيصُ فِي الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ ، رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ الْخَمْسَةُ مِنْ حَدِيثِ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ عَنْ أُمِّهِ أُمِّ كُلْثُومٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ أَنَّهُ ] قَالَ { لَيْسَ بِالْكَاذِبِ مَنْ أَصْلَحَ بَيْنَ النَّاسِ } الْحَدِيثَ وَفِيهِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ يُرَخِّصُ فِي شَيْءٍ مِمَّا يَقُولُ النَّاسُ إنَّهُ كَذِبٌ إلَّا فِي ثَلَاثٍ فِي الْحَرْبِ وَالْإِصْلَاحِ الْحَدِيثُ ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَحِلُّ الْكَذِبُ إلَّا فِي ثَلَاثٍ تَحْدِثَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ لِيُرْضِيَهَا ، وَالْكَذِبُ فِي الْحَرْبِ ، وَالْكَذِبُ لِيُصْلِحَ بَيْنَ النَّاسِ } ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إنَّمَا يَجُوزُ مِنْ الْكَذِبِ فِي الْحَرْبِ الْمَعَارِيضُ دُونَ حَقِيقَةِ الْكَذِبِ فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ الظَّاهِرُ إبَاحَةُ حَقِيقَةُ نَفْسِ الْكَذِبِ لَكِنَّ الِاقْتِصَارَ عَلَى التَّعْرِيضِ أَفْضَلُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةُ } فِيهِ الْإِشَارَةُ إلَى اسْتِعْمَالِ الرَّأْيِ فِي الْحُرُوبِ ، وَلَا شَكَّ فِي احْتِيَاجِ الْمُحَارِبِ إلَى الرَّأْيِ وَالشَّجَاعَةِ ، وَإِنَّ احْتِيَاجَهُ إلَى الرَّأْيِ أَشَدُّ مِنْ احْتِيَاجِهِ إلَى الشَّجَاعَةِ ، وَلِهَذَا اقْتَصَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَا عَلَى مَا يُشِيرُ إلَيْهِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ { الْحَجُّ عَرَفَةَ } . { وَالنَّدَمُ تَوْبَةٌ } ، وَقَالَ الشَّاعِرُ الرَّأْيُ قَبْلَ شَجَاعَةِ الشُّجْعَانِ هُوَ أَوَّلٌ وَهِيَ الْمَحَلُّ الثَّانِي فَإِذَا هُمَا اجْتَمَعَا لِنَفْسٍ مَرَّةً بَلَغَتْ مِنْ الْعَلْيَاءِ كُلَّ مَكَانِ . { السَّادِسَةُ } قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ تَقْرِيرِهِ مَا تَقَدَّمَ إنَّ مَعْنَاهُ الْحَضُّ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْخِدَاعِ فِي الْحَرْبِ ، وَلَوْ مَرَّةً وَاحِدَةً وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أَنَّ الْحَرْبَ تَتَرَاءَى لِأَخَفِّ النَّاسِ بِالصُّورَةِ الْمُسْتَحْسَنَةِ تَمَّ تَتَجَلَّى عَنْ صُورَةٍ مُسْتَقْبَحَةٍ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : الْحَرْبُ أَوَّلُ مَا تَكُونُ فَتِيَّةً تَسْعَى بِبَزَّتِهَا لِكُلِّ جَهُولِ ، وَقَالَ الْحَرْبُ لَا تُبْقِي لِجِمَاحِهَا النَّخِيلَ وَالْمُرَاحَ . وَفَائِدَةُ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا مَا قَالَهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ { لَا تَتَمَنَّوْا لِقَاءَ الْعَدُوِّ ، وَسَلُوا اللَّهَ الْعَافِيَةَ } انْتَهَى . وَهَذَا احْتِمَالٌ بَعِيدٌ لِأَنَّهُ يُفْهَمُ ذَمُّ الْحَرْبِ ، وَالْحَدِيثُ إنَّمَا سَبَقَ فِي مَعْرِضِ مَدْحِهَا وَالتَّحَيُّلِ فِيهَا بِالْمُخَادَعَةِ فَإِنْ صَحَّ هَذَا الِاحْتِمَالُ فِي ذَمِّهَا فَذَاكَ فِي الْفِتَنِ وَالْحُرُوبِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ النَّاشِئَةِ عَنْ التَّنَافُسِ فِي الدُّنْيَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ ( نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ ) زَادَ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ اللَّيْثِ وَغَيْرِهِ ( مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ ) . الْحَدِيثُ الثَّالِثَ عَشَرَ . وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد : قَالَ مَالِكٌ : أَرَاهُ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ بِزِيَادَةِ { مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ } ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ بِلَفْظِ { لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ فَإِنِّي لَا آمَنُ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ } ، وَمِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ بِلَفْظِ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ ، وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ سِتَّتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عَمْرٍو قَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَرْقَانِيُّ لَمْ يَقُلْ كُرِهَ إلَّا مُحَمَّدَ بْنَ بِشْرٍ ، وَرَوَاهُ أَبُو هَمَّامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ كَذَلِكَ ، وَرَوَاهُ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ جَمَاعَةٌ فَاتَّفَقُوا عَلَى لَفْظَةِ النَّهْيِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَكَذَا قَالَ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى ، وَالْقَعْنَبِيُّ ، وَابْنُ بُكَيْر ، وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ يَعْنِي بِلَفْظِ قَالَ مَالِكٌ { أَرَاهُ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ } ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فَقَالَ فِي آخِرِهِ خَشْيَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوُّ ، وَفِي سِيَاقَةِ الْحَدِيثِ لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ ( قُلْت ) وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ عِنْدَهُ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : وَكَذَلِكَ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَأَيُّوبُ ، وَاللَّيْثُ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَلَيْثُ بْنُ أَبِي سُلَيْمٍ ، وَإِنْ اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهُمْ قَالَ : وَهُوَ صَحِيحٌ مَرْفُوعٌ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْ مَالِكٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ شَكَّ هَلْ هِيَ مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ لَا ، وَقَدْ رَوَيْت عَنْ مَالِكٍ مُتَّصِلًا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِوَايَةِ غَيْرِهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ هَذِهِ الْعِلَّةُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ هِيَ مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَغَلِطَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فَزَعَمَ أَنَّهَا مِنْ كَلَامِ مَالِكٍ . { الثَّانِيَةُ } فِيهِ النَّهْيُ عَنْ السَّفَرِ بِالْقُرْآنِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمُصْحَفُ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ ، وَهَذَا مُحْتَمِلٌ لِلتَّحْرِيمِ وَالْكَرَاهَةِ ، وَفِي لَفْظِ مُسْلِمٍ { لَا تُسَافِرُوا بِالْقُرْآنِ } ، وَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ التَّحْرِيمُ ، وَلَفْظُ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ( كُرِهَ أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ ) وَظَاهِرُهُ التَّنْزِيهُ فَقَطْ ، وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ ( بَابُ كَرَاهِيَةِ السَّفَرِ بِالْمَصَاحِفِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ ) وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتَابَعَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ { سَافَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَصْحَابُهُ فِي أَرْضِ الْعَدُوِّ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْقُرْآنَ } انْتَهَى . وَفِي بَعْض نُسَخِهِ بَابُ السَّفَرِ بِدُونِ ذِكْرِ الْكَرَاهَةِ ، وَقَدْ اعْتَمَدَ فِي الْكَرَاهَةِ عَلَى لَفْظِ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَقَدْ عَرَفْت مِنْ كَلَامِ الْبَرْقَانِيِّ أَنَّ الْمَشْهُورَ لَفْظُ النَّهْيِ عَلَى أَنَّ لَفْظَ الْكَرَاهَةِ يَحْتَمِلُ التَّحْرِيمَ أَيْضًا ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَجْمَعَ الْفُقَهَاءُ أَنْ لَا يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى . أَرْضِ الْعَدُوِّ فِي السَّرَايَا وَالْعَسْكَرِ الصَّغِيرِ الْمَخُوفِ عَلَيْهِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ ذَلِكَ فِي الْعَسْكَرِ الْكَبِيرِ الْمَأْمُونِ عَلَيْهِ فَلَمْ يُفَرِّقْ مَالِكٌ بَيْنَ الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا بَأْسَ فِي السَّفَرِ بِالْعَسْكَرِ الْعَظِيمِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إنْ أُمِنَتْ الْعِلَّةُ بِأَنْ يَدْخُلَ فِي جَيْشِ الْمُسْلِمِينَ الظَّاهِرُ عَلَيْهِمْ فَلَا كَرَاهَةَ ، وَلَا مَنْعَ حِينَئِذٍ لِعَدَمِ الْعِلَّةِ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْبُخَارِيُّ ، وَآخَرُونَ ، وَقَالَ مَالِكٌ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا بِالنَّهْيِ مُطْلَقًا ، وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ الْجَوَازَ مُطْلَقًا ، وَالصَّحِيحُ عَنْهُ مَا سَبَقَ انْتَهَى ، وَقَوْلُ الْبُخَارِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَدْ سَافَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ إلَى أَرْضِ الْعَدُوِّ ، وَهُمْ يَعْلَمُونَ الْقُرْآنَ إنْ قَصَدَ بِهِ مُعَارَضَةَ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الْمُصْحَفِ لِئَلَّا يَتَمَكَّنُوا مِنْهُ فَيَنْتَهِكُوا حُرْمَتَهُ ، وَلَيْسَ آدَمِيًّا يُمْكِنُهُ الدَّفْعُ عَنْ نَفْسِهِ بِخِلَافِ مَا فِي صُدُورِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُمْ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْمُدَافَعَةِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ لَا يُعَدُّ الْمُهِينُ لَهُمْ مُهِينًا لِلْمُصْحَفِ لِأَنَّ الَّذِي فِي صُدُورِهِمْ أَمْرٌ مَعْنَوِيٌّ ، وَاَلَّذِي فِي الْمُصْحَفِ مُشَاهَدٌ مَحْسُوسٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّالِثَةُ } يُسْتَنْبَطُ مِنْهُ مَنْعُ بَيْعِ الْمُصْحَفِ مِنْ الْكَافِرِ لِوُجُودِ الْمَعْنَى فِيهِ ، وَهُوَ تَمَكُّنُهُ مِنْ الِاسْتِهَانَةِ بِهِ ، وَلَا خِلَافَ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ هَلْ يَصِحُّ لَوْ وَقَعَ ، اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِيهِ عَلَى طَرِيقَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) الْقَطْعُ بِبُطْلَانِهِ ( وَالثَّانِي ) إجْرَاءُ الْخِلَافِ الَّذِي فِي بَيْعِ الْعَبْدِ الْمُسْلِمِ لِلْكَافِرِ فِيهِ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا عَلَى عِظَمِ حُرْمَةِ الْمُصْحَفِ ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُ الذُّلِّ عَنْ نَفْسِهِ بِالِاسْتِعَانَةِ بِخِلَافِ الْعَبْدِ . { الرَّابِعَةُ } فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ رِوَايَةِ الْحَدِيثِ : فَقَدْ نَالَهُ الْعَدُوُّ خَاصَمُوكُمْ بِهِ يَعْنِي بِهِ أَنَّكُمْ لَمَّا خَالَفْتُمْ مَا قَالَ لَكُمْ نَبِيُّكُمْ فَمَكَّنْتُمْ عَدُوَّكُمْ مِنْ الْمُصْحَفِ نَالُوهُ وَتَوَجَّهَتْ حُجَّتُهُمْ عَلَيْكُمْ مِنْ حَيْثُ مُخَالَفَتِكُمْ نَبِيَّكُمْ ، وَأَيْضًا فَلَمَّا وَقَفُوا عَلَيْهِ وَجَدُوا فِيهِ مَا يَشْهَدُ عَلَيْكُمْ بِالْمُخَالَفَةِ مِثْلُ قَوْلِهِ { إنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ } الْآيَتَيْنِ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْآيَاتِ الَّتِي تُرِكَ الْعَمَلُ بِهَا . { الْخَامِسَةُ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَاخْتَلَفُوا فِي هَذَا الْبَابِ فِي تَعْلِيمِ الْكَافِرِ الْقُرْآنَ فَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِتَعَلُّمِهِ الْقُرْآنَ وَالْفِقْهَ ، وَلَوْ كَانَ حَرْبِيًّا ، وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُعَلَّمُونَ الْقُرْآنَ ، وَعَنْ الشَّافِعِيِّ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا الْكَرَاهَةُ ، وَالثَّانِيَةُ الْجَوَازُ . { السَّادِسَةُ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا كَرِهَ مَالِكٌ ، وَغَيْرُهُ أَنْ يُعْطَى الْكَافِرُ دِرْهَمًا أَوْ دِينَارًا فِيهِ سُورَةٌ أَوْ آيَةٌ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ : وَمَا أَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا إذَا كَانَتْ آيَةً تَامَّةً أَوْ سُورَةً ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الدِّينَارِ وَالدِّرْهَمِ إذَا كَانَ فِي أَحَدِهِمَا اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَمَّا الدَّرَاهِمُ الَّتِي كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهَا قُرْآنٌ ، وَلَا اسْمُ اللَّهِ ، وَلَا ذِكْرٌ لِأَنَّهَا كَانَتْ مِنْ ضَرْبِ الرُّومِ ، وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ ، وَإِنَّمَا ضُرِبَتْ دَرَاهِمُ الْإِسْلَامِ فِي أَيَّامِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مَرْوَانَ قَالَ النَّوَوِيُّ وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكْتُبَ لَهُمْ كِتَابًا فِيهِ آيَةٌ أَوْ آيَاتٌ ، وَالْحُجَّةُ فِيهِ كِتَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى هِرَقْلَ . عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ { حَاصَرْنَا خَيْبَرَ فَأَخَذَ اللِّوَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَانْصَرَفَ ، وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ ، ثُمَّ أَخَذَهَا مِنْ الْغَدِ عُمَرُ فَخَرَجَ فَرَجَعَ ، وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ ، وَأَصَابَ النَّاسَ يَوْمَئِذٍ شِدَّةٌ وَجَهْدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي دَافِعٌ اللِّوَاءَ غَدًا إلَى رَجُلٍ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَيُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَرْجِعُ حَتَّى يُفْتَحَ لَهُ : وَبِتْنَا طَيِّبَةً أَنْفُسُنَا أَنَّ الْفَتْحَ غَدًا فَلَمَّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْغَدَاةَ ثُمَّ قَامَ قَائِمًا فَدَعَا بِاللِّوَاءِ ، وَالنَّاسُ عَلَى مَصَافِّهِمْ فَدَعَا عَلِيًّا ، وَهُوَ أَرْمَدُ فَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ ، وَدَفَعَ إلَيْهِ اللِّوَاءَ ، وَفُتِحَ لَهُ قَالَ بُرَيْدَةَ وَأَنَا فِيمَنْ تَطَاوَلَ لَهَا } رَوَاهُ النَّسَائِيّ بَابُ اللِّوَاءِ . عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ { حَاصَرْنَا خَيْبَرَ فَأَخَذَ اللِّوَاءَ أَبُو بَكْرٍ فَانْصَرَفَ ، وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ ثُمَّ أَخَذَهُ مِنْ الْغَدِ عُمَرُ فَخَرَجَ فَرَجَعَ وَلَمْ يُفْتَحْ لَهُ وَأَصَابَ النَّاسَ شِدَّةٌ ، وَجَهْدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي دَافِعٌ اللِّوَاءَ غَدًا إلَى رَجُلٍ يُحِبُّهُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَيُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا يَرْجِعُ حَتَّى يُفْتَحَ لَهُ وَبِتْنَا طَيِّبَةً أَنْفُسُنَا أَنَّ الْفَتْحَ غَدًا فَلَمَّا أَنْ أَصْبَحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الْغَدَاةَ ثُمَّ قَامَ قَائِمًا فَدَعَا بِاللِّوَاءِ ، وَالنَّاسُ عَلَى مَصَافِّهِمْ فَدَعَا عَلِيًّا ، وَهُوَ أَرْمَدُ فَتَفَلَ فِي عَيْنَيْهِ ، وَدَفَعَ إلَيْهِ اللِّوَاءَ ، وَفُتِحَ لَهُ ، وَقَالَ بُرَيْدَةَ ، وَأَنَا فِيمَنْ تَطَاوَلَ لَهَا } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَفِيهِ { فَمَا مِنَّا إنْسَانٌ لَهُ مَنْزِلَةٌ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا ، وَهُوَ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ صَاحِبَ اللِّوَاءِ } ، وَمِنْ طَرِيق مَيْمُونٍ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ ، وَفِيهِ شِعْرُ مَرْحَبٍ ، وَفِيهِ { فَاخْتَلَفَ هُوَ ، وَعَلِيٌّ ضَرْبَتَيْنِ فَضَرَبَهُ عَلَى هَامَتِهِ حَتَّى عَضَّ السَّيْفُ مِنْهَا أَبْيَضَ رَأْسِهِ ، وَسَمِعَ أَهْلُ الْعَسْكَرِ صَوْتَ ضَرْبَتِهِ فَفَتَحَ اللَّهُ لَهُ وَلَهُمْ } ، وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى إخْرَاجِ هَذِهِ الْقِصَّةِ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ ، وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، وَأَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ ، وَلَهَا طُرُقٌ أُخْرَى تَكَادُ أَنْ تَبْلُغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ . { الثَّانِيَةُ } اللِّوَاءُ بِكَسْرِ اللَّامِ وَبِالْمَدِّ هُوَ بِمَعْنَى الرَّايَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ، وَالْمُرَادُ بِهِمَا الْعَلَمُ الَّذِي يُحْمَلُ فِي الْحُرُوبِ ، وَهُوَ مِنْ الْعَلَامَةِ لِأَنَّهُ يُعْرَفُ بِهِ مَوْضِعُ تَقَدُّمِ الْجَيْشِ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته مِنْ أَنَّ اللِّوَاءَ ، وَالرَّايَةَ مُتَرَادِفَانِ صَرَّحَ بِهِ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ ، وَمِنْهُمْ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ وَالنِّهَايَةِ لَكِنْ بَوَّبَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ عَلَى الْأَلْوِيَةِ ، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { دَخَلَ مَكَّةَ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضُ } ، وَقَدْ رَوَاهُ بَقِيَّةُ أَصْحَابِ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ ثُمَّ بَوَّبَ عَلَى الرِّوَايَاتِ ، وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ { أَنَّ رَايَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ سَوْدَاءَ مُرَبَّعَةً مِنْ نَمِرَةٍ } ، وَقَدْ رَوَاهُ أَيْضًا أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ثُمَّ رَوَى حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ { كَانَتْ رَايَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَوْدَاءَ وَلِوَاؤُهُ أَبْيَضَ } ، وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا ، وَرَوَى ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ مِثْلَ هَذَا التَّفْرِيقِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِزِيَادَةِ مَكْتُوبٌ فِيهِ { لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ } ، وَفِي إسْنَادِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ ضَعِيفٌ ، وَرَوَى هَذَا التَّفْصِيلَ أَيْضًا بِدُونِ الْمَكْتُوبِ فِيهِ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ ، وَأَبُو الشَّيْخِ بْنُ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي الْفَرْقِ بَيْنَ اللِّوَاءِ وَالرَّايَةِ ، وَلَعَلَّ التَّفْرِقَةَ بَيْنَهُمَا عُرْفِيَّةٌ فَكَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئَانِ يُسَمَّى أَحَدُهُمَا لِوَاءً وَالْآخَرُ رَايَةً فَالتَّخْصِيصُ مِنْ حَيْثُ التَّسْمِيَةُ وَإِنْ اسْتَوَى مَدْلُولُهُمَا فِي اللُّغَةِ ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ سِمَاكٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ قَوْمِهِ عَنْ آخَرَ مِنْهُمْ قَالَ { رَأَيْت رَايَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَفْرَاءَ } ، وَفِي كِتَابِ الْجِهَادِ لِابْنِ أَبِي عَاصِمٍ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ الْعَصْرِيِّ قَالَ { كُنْت جَالِسًا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَقَدَ رَايَةَ الْأَنْصَارِ ، وَجَعَلَهَا صَفْرَاءَ } وَمِنْ حَدِيثِ كُرْزِ بْنِ أُسَامَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ عَقَدَ رَايَةَ بَنِي سُلَيْمٍ حَمْرَاءَ } . { الثَّالِثَةُ } فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْأَلْوِيَةِ فِي الْحُرُوبِ ، وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَعَ أَمِيرِ الْجَيْشِ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي قِصَّةِ غَزْوَةِ مُؤْتَةَ : { أَخَذَ الرَّايَةَ زَيْدٌ فَأُصِيبَ ثُمَّ أَخَذَهَا جَعْفَرٌ } الْحَدِيثَ فَجَعَلَ الْآخِذَ لِلرَّايَةِ هُوَ الْأَمِيرَ ، وَقَدْ يُقِيمُ الْأَمِيرُ فِي حَمْلِهَا غَيْرَهُ ، وَدَفْعُ اللِّوَاءِ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ لِأَبِي بَكْرٍ تَأْمِيرٌ لَهُ ، وَكَذَلِكَ لِعُمَرَ ثُمَّ لِعَلِيٍّ ، وَلَيْسَ فِي إعْطَائِهِ لِعَلِيٍّ عَزْلٌ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا فَإِنَّ وِلَايَةَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَلَى اللِّوَاءِ كَانَتْ خَاصَّةً بِذَلِكَ الْيَوْمِ فَانْقَضَتْ بِانْقِضَائِهِ ، وَلَا أَمِيرَ كَامِلَ الْإِمْرَةِ مَعَ حُضُورِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، وَلَكِنَّهُ يُقِيمُ مَنْ يَشَاءُ فِيمَا يَشَاءُ . { الرَّابِعَةُ } . ( الْجَهْدُ ) بِفَتْحِ الْجِيمِ الْمَشَقَّةُ أَمَّا الْجُهْدُ بِالضَّمِّ ، وَالْفَتْحِ فَهُوَ الطَّاقَةُ ( وَالتُّفْلُ ) بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ نَفْخٌ مَعَ شَيْءٍ مِنْ رِيقٍ ، وَهُوَ أَخَفُّ مِنْ الْبَصْقِ ، وَأَكْثَرُ مِنْ النَّفْثِ . { الْخَامِسَةُ } فِيهِ مُعْجِزَاتٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلِيَّةٌ وَفِعْلِيَّةٌ فَالْقَوْلِيَّةُ إعْلَامُهُ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُفْتَحُ عَلَى يَدَيْهِ فَكَانَ كَذَلِكَ ، وَالْفِعْلِيَّةُ بُصَاقُهُ فِي عَيْنَيْهِ ، وَكَانَ أَرْمَدَ فَبَرَأَ مِنْ سَاعَتِهِ ، وَفِيهِ فَضَائِلُ ظَاهِرَةٌ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَبَيَانُ شَجَاعَتِهِ وَحُبِّهِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَحُبُّ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إيَّاهُ . عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزَ وَكَرْمَانَ قَوْمًا مِنْ الْأَعَاجِمِ حُمْرَ الْوُجُوهِ فُطْسَ الْأُنُوفِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ } وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ } ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا { حَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ صِغَارَ الْأَعْيُنِ حُمْرَ الْوُجُوهِ ذُلْفَ الْأُنُوفِ } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ . بَابُ قِتَالِ الْأَعَاجِمِ وَالتُّرْكِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا خُوزَ وَكَرْمَانَ قَوْمًا مِنْ الْأَعَاجِمِ حُمْرَ الْوُجُوهِ فُطْسَ الْأُنُوفِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ، وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ } ، وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الرِّوَايَةَ الْأُولَى ، وَالثَّانِيَةَ وَهِيَ عِنْدَهُ قِطْعَةٌ مِنْ الْأُولَى مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ الرِّوَايَةَ الثَّالِثَةَ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِيهِ { وَلَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ } ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَغَيْرُهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تُقَاتِلُوا قَوْمًا نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ وَحَتَّى تُقَاتِلُوا التُّرْكَ صِغَارَ الْأَعْيُنِ حُمْرَ الْوُجُوهِ ذُلْفَ الْأُنُوفِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، وَلَيْسَ فِي لَفْظُ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ التَّصْرِيحُ بِالتُّرْكِ نَعَمْ أَخْرَجَ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلٍ بْن أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { وَاَللَّهِ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُقَاتِلَ الْمُسْلِمُونَ التُّرْكَ قَوْمًا وُجُوهُهُمْ كَالْمَجَانِّ الْمُطْرَقَةِ يَلْبَسُونَ الشَّعَرَ } ، وَيَمْشُونَ فِي الشَّعَرِ . { الثَّانِيَةُ } ( خُوزُ ) بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ بَعْدَهَا زَايٌ مُعْجَمَةٌ جِيلٌ مِنْ النَّاسِ ، وَرَوَيْنَا هَذَا اللَّفْظَ هُنَا بِتَرْكِ الصَّرْفِ وَرَوَيْنَاهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ خَوْزًا مَصْرُوفًا ، وَسَبَبُ ذَلِكَ خِفَّتُهُ مَعَ عُجْمَتِهِ ، وَرَوَى خُوزَ كَرْمَانَ بِإِضَافَةِ خَوْزٍ إلَى كَرْمَانَ أُضِيفَ الْجِيلُ إلَى سَكَنِهِمْ ، وَيُقَالُ لِكُورِ الْأَهْوَازِ بِلَادَ الْخَوْزِ ، وَيُقَالُ لَهَا خُوزِسْتَانَ ، وَالنِّسْبَةُ إلَيْهَا خُوزِيٌّ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ ، وَيُرْوَى بِالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهُوَ مِنْ أَرْضِ فَارِسٍ ، وَصَوَّبَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ ، وَقِيلَ إذَا أُضِيفَتْ فَبِالرَّاءِ ، وَإِذَا عُطِفَتْ فَبِالزَّايِ انْتَهَى وَكَرْمَانُ بِفَتْحِ الْكَافِ وَكَسْرِهَا وَإِسْكَانِ الرَّاءِ حَكَاهُمَا ابْنُ السَّمْعَانِيِّ ، وَصَحَّحَ الْفَتْحَ مَعَ تَصْدِيرِ كَلَامِهِ بِالْكَسْرِ لِأَنَّهُ أَشْهَرُ ، وَهُوَ اسْمٌ لِصَقْعٍ مَشْهُورٍ يَشْتَمِلُ عَلَى عِدَّةِ بِلَادٍ فَإِنْ كَانَتْ الرِّوَايَةُ بِالْإِضَافَةِ فَالْأَمْرُ فِيهِ وَاضِحٌ ، وَإِنْ كَانَتْ بِالْعَطْفِ فَالْمُرَادُ أَهْلُ كَرْمَانَ فَحَذَفَ الْمُضَافَ ، وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ بَعْدَهُ قَوْمًا مِنْ الْأَعَاجِمِ . { الثَّالِثَةُ } قَوْلُهُ { حُمْرَ الْوُجُوهِ } بِإِسْكَانِ الْمِيمِ أَيْ بِيضَ الْوُجُوهِ مُشْرَبَةً بِحُمْرَةٍ ، وَقَوْلُهُ { فُطْسَ الْأُنُوفِ } بِضَمِّ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الطَّاءِ ، وَبِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُرَادُ بِهِ أَنْ يَكُونَ فِي رَأْسِ الْأَنْفِ انْبِطَاحٌ ، وَهُوَ ضِدُّ الشَّمَمِ فِي الْأَنْفِ ، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { ذُلْفَ الْأُنُوفِ } هُوَ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالْمُهْمَلَةِ لُغَتَانِ الْمَشْهُورَةُ الْمُعْجَمَةُ ، وَمِمَّنْ حَكَى الْوَجْهَيْنِ فِيهِ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ ، وَالْمَطَالِعِ ، قَالَ رِوَايَةُ الْجُمْهُورِ بِالْمُعْجَمَةِ ، وَبَعْضُهُمْ بِالْمُهْمَلَةِ ، وَالصَّوَابُ الْمُعْجَمَةُ ، وَهُوَ بِضَمِّ الذَّالِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ جَمْعُ أَذْلَفَ كَأَحْمَرَ وَحُمْرٍ ، وَمَعْنَاهُ فُطْسُ الْأُنُوفِ قِصَارُهَا مَعَ انْبِطَاحٍ ، وَقِيلَ هُوَ غِلَظٌ فِي أَرْنَبَةِ الْأَنْفِ ، وَقِيلَ تَطَامُنٌ فِيهَا ، وَكُلُّهُ مُتَقَارِبٌ . { الرَّابِعَةُ } قَوْلُهُ { كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ } بِفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ النُّونِ جَمْعُ مِجَنٍّ بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَهُوَ التُّرْسِ ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ أَجَازَ فِيهِ كَسْرَ الْمِيمِ فِي الْجَمْعِ ، وَإِنَّهُ خَطَأٌ ، وَقَوْلُهُ { الْمُطْرَقَةُ } بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الطَّاءِ وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ هُنَا هُوَ الْفَصِيحُ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ وَفِي كُتُبِ اللُّغَةِ وَالْغَرِيبِ ، وَحُكِيَ فَتْحُ الطَّاءِ وَتَشْدِيدُ الرَّاءِ وَالْمَعْرُوفُ الْأَوَّلُ قَالَ الْعُلَمَاءُ هِيَ الَّتِي أُلْبِسَتْ الْعَقِبَ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْقَافِ الْعَصَبُ الَّتِي تُعْمَلُ مِنْهُ الْأَوْتَارُ ، وَأَطْرَقْت بِهِ طَاقَةً فَوْقَ طَاقَةٍ قَالُوا ، وَمَعْنَاهُ تَشْبِيهُ وُجُوهِ التُّرْكِ فِي عُرْضِهَا ، وَتَنِزَّ وَجَنَاتِهَا ، وَغِلَظِهَا بِالتِّرْسَةِ الْمُطْرَقَةِ . { الْخَامِسَةُ } قَوْلُهُ { نِعَالُهُمْ الشَّعَرُ } مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ يَجْعَلُونَ نِعَالَهُمْ مِنْ حِبَالِ صُنِعَتْ مِنْ الشَّعَرِ ، وَكَذَا يَفْعَلُ بَعْضُ الْأَتْرَاكِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا هُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يَمْشُونَ فِي الشَّعْرِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى تِلْكَ الرِّوَايَةِ الْإِشَارَةُ إلَى كَثْرَةِ شُعُورِهِمْ ، وَكَثَافَتِهَا وَطُولِهَا فَهُمْ بِذَلِكَ يَمْشُونَ فِيهَا ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرَدَّ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ إلَيْهَا ، وَيَكُونُ مَعْنَى نِعَالُهُمْ الشَّعْرُ : أَنَّ شُعُورَهُمْ وَنَوَاصِيَهُمْ وَافِيَةٌ عَلَى قَدْرِ قُدُودِهِمْ حَتَّى يَطَئُوا أَطْرَافَ دَوَابِّهِمْ ، وَهَذَا تَكَلُّفٌ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّادِسَةُ } هَذِهِ مُعْجِزَةٌ ظَاهِرَةٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدْ وُجِدَ قِتَالَ هَؤُلَاءِ التُّرْكِ بِجَمِيعِ صِفَاتِهِمْ الَّتِي ذَكَرَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صِغَارُ الْأَعْيُنِ حُمْرُ الْوُجُوهِ ذُلْفُ الْأُنُوفِ عِرَاضُ الْوُجُوهِ كَأَنَّ وُجُوهَهُمْ الْمَجَانُّ الْمُطْرَقَةُ يَنْتَعِلُونَ الشَّعَرَ فَوُجِدُوا بِهَذِهِ الصِّفَاتِ كُلِّهَا ، وَقَاتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ مَرَّاتٍ فَإِلَى اللَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { يُقَاتِلُكُمْ قَوْمٌ صِغَارُ الْأَعْيُنِ قَالَ يَعْنِي التُّرْكَ قَالَ تَسُوقُونَهُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ حَتَّى تُلْحِقُوهُمْ بِجَزِيرَةِ الْعَرَبِ ، فَأَمَّا فِي السِّيَاقَةِ الْأُولَى فَيَنْجُو مَنْ هَرَبَ مِنْهُمْ ، وَأَمَّا فِي الثَّانِيَةِ فَيَنْجُو بَعْضٌ وَيَهْلِكُ بَعْضٌ ، وَأَمَّا فِي الثَّالِثَةِ فَيَصْطَلِمُونَ } عَنْ الْأَعْرَج عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ ، كَمَا تَنَاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ مِنْ جَدْعَاءَ ؟ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْت مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ ؟ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ } فَذَكَرَهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ { كَمَا تُنْتَجُونَ الْإِبِلَ فَهَلْ تَجِدُونَ فِيهَا جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا ؟ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ } ( فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ) وَفِي رِوَايَةِ لِمُسْلِمٍ { عَلَى الْمِلَّةِ } ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ لَهُ { فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَمُسْلِمٌ } . بَابُ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ . عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ كَمَا تَنَاتَجُ الْإِبِلُ مِنْ بَهِيمَةٍ جَمْعَاءَ هَلْ تُحِسُّ مِنْ جَدْعَاءَ ، قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْت مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ ؟ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ } ، وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ فَذَكَرَهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ كَمَا تُنْتَجُونَ الْإِبِلَ فَهَلْ تَجِدُونَ فِيهَا جَدْعَاءَ حَتَّى تَكُونُوا أَنْتُمْ تَجْدَعُونَهَا ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، مُخْتَصَرًا بِلَفْظِ { سُئِلَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ عَمَّنْ يَمُوتُ مِنْهُمْ صَغِيرًا فَقَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ } كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ الْبُخَارِيُّ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيق الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { الْمِلَّةِ } ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ { هَذِهِ الْمِلَّةِ حَتَّى يُبِينَ عَنْهُ لِسَانُهُ } ، وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الدَّرَاوَرْدِيِّ عَنْ الْعَلَاءِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِيهِ { فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَمُسْلِمٌ } . { الثَّانِيَةُ } اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْفِطْرَةِ هُنَا عَلَى أَقْوَالٍ ( أَحَدُهَا ) أَنَّ الْمُرَادَ الْخِلْقَةُ فَإِنَّ الْفَطْرَ بِمَعْنَى الْخَلْقِ ، وَالْمُرَادُ الْخِلْقَةُ الْمَعْرُوفَةُ الْأُولَى الْمُخَالِفَةُ لِخَلْقِ الْبَهَائِمِ أَيْ عَلَى خِلْقَةٍ يَعْرِفُ بِهَا رَبَّهُ إذَا بَلَغَ مَبْلَغَ الْمَعْرِفَةِ ؛ ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالنَّظَرِ قَالَ : وَأَنْكَرُوا أَنْ يُفْطَرَ الْمَوْلُودُ عَلَى كُفْرٍ أَوْ إيمَانٍ ، وَإِنَّمَا يَعْتَقِدُ ذَلِكَ بَعْدَ الْبُلُوغِ إذَا مَيَّزَ . وَلَوْ فُطِرَ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ عَلَى شَيْءٍ مَا انْتَقَلَ عَنْهُ وَقَدْ نَجِدُهُمْ يُؤْمِنُونَ ثُمَّ يَكْفُرُونَ ، وَمُحَالٌ أَنْ يَعْقِلَ الطِّفْلُ حَالَ وِلَادَتِهِ كُفْرًا أَوْ إيمَانًا ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ { وَاَللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا } فَمَنْ لَا يَعْلَمُ شَيْئًا اسْتَحَالَ مِنْهُ الْكُفْرُ وَالْإِيمَانُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . هَذَا الْقَوْلُ أَصَحُّ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ . ( الْقَوْلُ الثَّانِي ) أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْإِسْلَامُ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالزُّهْرِيِّ ، وَغَيْرِهِمَا . وَقَالَ هَؤُلَاءِ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ عَامَّةِ السَّلَفِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالتَّأْوِيلِ فَقَدْ أَجْمَعُوا فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } أَنَّهَا دَيْنُ الْإِسْلَامِ وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا } ، وَاحْتَجُّوا بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عِيَاضِ بْنِ حَمَّادٍ { إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ وَبَنِيهِ حُنَفَاءَ مُسْلِمِينَ } . ثُمَّ رَدَّهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِأَنَّ الْإِسْلَامَ مُسْتَحِيلٌ مِنْ الطِّفْلِ ، وَقَرَّرَ الْمَازِرِيُّ ذَلِكَ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ فِي صُلْبِ آدَمَ يَوْمَ { أَلَسْت بِرَبِّكُمْ } ، وَأَنَّ الْوِلَادَةَ تَقَعُ عَلَيْهَا حَتَّى يَقَعَ التَّعْبِيرُ بِالْأَبَوَيْنِ ، وَقَرَّرَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ قُلُوبَ بَنِي آدَمَ مُؤَهَّلَةً لِقَبُولِ الْحَقِّ كَمَا خَلَقَ أَعْيُنَهُمْ وَأَسْمَاعَهُمْ قَابِلَةً لِلْمَرْئِيَّاتِ وَالْمَسْمُوعَاتِ فَمَا دَامَتْ عَلَى ذَلِكَ الْقَبُولِ ، وَعَلَى تِلْكَ الْأَهْلِيَّةِ أَدْرَكَتْ الْحَقَّ وَدِينَ الْإِسْلَامِ ، وَصَحَّحَ هَذَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَدَّمْنَاهَا مِنْ عِنْدِ مُسْلِمٍ { عَلَى هَذِهِ الْمِلَّةِ } . وَهِيَ إشَارَةٌ إلَى مِلَّةِ الْإِسْلَامِ قَالَ : وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ فِي الصَّحِيحِ { جَبَلَ اللَّهُ الْخَلْقَ عَلَى مَعْرِفَتِهِ فَاجْتَالَتْهُمْ الشَّيَاطِينُ } . وَفِي مَعْنَى ذَلِكَ قَوْلُ النَّوَوِيِّ الْأَصَحُّ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ يُولَدُ مُتَهَيَّأً لِلْإِسْلَامِ فَمَنْ كَانَ أَبَوَاهُ أَوْ أَحَدُهُمَا مُسْلِمًا اسْتَمَرَّ عَلَى الْإِسْلَامِ فِي أَحْكَامِ الْآخِرَةِ وَالدُّنْيَا ، وَإِنْ كَانَ أَبَوَاهُ كَافِرَيْنِ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُهُمَا فَيَتْبَعُهُمَا فِي أَحْكَامِ الدُّنْيَا ، وَهَذَا مَعْنَى يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ أَيْ يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِهِمَا فِي الدُّنْيَا فَإِنْ بَلَغَ اسْتَمَرَّ عَلَيْهِ حُكْمُ الْكُفْرِ فَإِنْ سَبَقَتْ لَهُ سَعَادَةٌ أَسْلَمَ وَإِلَّا مَاتَ عَلَى كُفْرِهِ ، انْتَهَى . ( الْقَوْلُ الثَّالِثُ ) أَنَّ الْمُرَادَ الْبُدَاءَةُ الَّتِي ابْتَدَأَهُمْ عَلَيْهَا أَيْ عَلَى مَا فَطَرَ اللَّهُ عَلَيْهِ خَلْقَهُ مِنْ أَنَّهُ ابْتَدَأَهُمْ لِلْحَيَاةِ ، وَالْمَوْتِ ، وَالشَّقَاءِ ، وَالسَّعَادَةِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ ، وَهَذَا الْمَذْهَبُ سَبَبُهُ مَا حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ } فَقَالَ يُفَسِّرُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ حِينَ سُئِلَ عَنْ أَطْفَالِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ { اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ } . قَالَ : وَقَدْ كَانَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَذْهَبُ إلَى هَذَا الْقَوْلِ ثُمَّ تَرَكَهُ ، وَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ مَا رَسَمَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ ، وَذَكَرَهُ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ فِيهِ مِنْ الْآثَارِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَذْهَبَهُ فِي ذَلِكَ نَحْوُ هَذَا الْقَوْلِ ( الْقَوْلُ الرَّابِعُ ) أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ فَطَرَهُمْ عَلَى الْإِنْكَارِ ، وَالْمَعْرِفَةِ ، وَعَلَى الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ فَأَخَذَ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ الْمِيثَاقَ حِينَ خَلَقَهُمْ فَقَالَ { أَلَسْت بِرَبِّكُمْ } قَالُوا جَمِيعًا ( بَلَى ) فَأَمَّا أَهْلُ السَّعَادَةِ فَقَالُوا بَلَى عَلَى مَعْرِفَةٍ لَهُ طَوْعًا مِنْ قُلُوبِهِمْ ، وَأَمَّا أَهْلُ الشَّقَاوَةِ فَقَالُوا بَلَى كُرْهًا لَا طَوْعًا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ ، وَسَمِعْت إِسْحَاقَ بْنَ رَاهْوَيْهِ يَذْهَبُ إلَى هَذَا الْمَعْنَى ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ أَبِي هُرَيْرَةَ اقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ { فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ } قَالَ إِسْحَاقُ يَقُولُ لَا تَبْدِيلَ لِخِلْقَتِهِ الَّتِي جَبَلَ عَلَيْهَا وَلَدَ آدَمَ كُلَّهُمْ يَعْنِي مِنْ الْكُفْرِ ، وَالْإِيمَانِ ، وَالْمَعْرِفَةِ ، وَالْإِنْكَارِ . قَالَ : وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّك مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } الْآيَةَ قَالَ إِسْحَاقُ : أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ إنَّهَا الْأَرْوَاحُ قَبْلَ الْأَجْسَادِ ، وَاحْتَجَّ لِهَذَا أَيْضًا بِحَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فِي قِصَّةِ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ ، وَأَنَّهُ طُبِعَ كَافِرًا ، وَبِحَدِيثِ عَائِشَةَ ، وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهَا { وَمَا يُدْرِيك أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْجَنَّةَ وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا ، وَخَلَقَ النَّارَ ، وَخَلَقَ لَهَا أَهْلًا } . قَالَ إِسْحَاقُ فَهَذَا الْأَصْلُ الَّذِي يَعْتَمِدُ عَلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنْ أَرَادَ هَؤُلَاءِ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْأَطْفَالَ ، وَأَخْرَجَهُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِهِمْ لِيَعْرِفَ مِنْهُمْ الْعَارِفُ وَيَعْتَرِفَ فَيُؤْمِنُ ، وَيُنْكِرَ مِنْهُمْ الْمُنْكَرُ فَيَكْفُرَ كَمَا سَبَقَ لَهُ الْقَضَاءُ ، وَذَلِكَ فِي حِينٍ يَصِحُّ مِنْهُمْ فِيهِ الْإِيمَانُ ، وَالْكُفْرُ فَذَلِكَ مَا قُلْنَا ، وَإِنْ أَرَادُوا أَنَّ الطِّفْلَ يُولَدُ عَارِفًا مُقِرًّا مُؤْمِنًا وَعَارِفًا جَاحِدًا كَافِرًا فِي حِينِ وِلَادَتِهِ فَهَذَا يُكَذِّبُهُ الْعِيَانُ وَالْعَقْلُ قَالَ ، وَقَوْلُ إِسْحَاقَ فِي هَذَا الْبَابِ لَا يَرْضَاهُ الْحُذَّاقُ الْفُهَمَاءُ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ . وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُ الْمُجْبِرَةِ . ( الْقَوْلُ الْخَامِسُ ) أَنَّ مَعْنَاهُ مَا أَخَذَ اللَّهُ مِنْ ذُرِّيَّةِ آدَمَ مِنْ الْمِيثَاقِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجُوا إلَى الدُّنْيَا يَوْمَ اسْتَخْرَجَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ مِنْ ظَهْرِهِ فَخَاطَبَهُمْ { أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } فَأَقَرُّوا لَهُ جَمِيعًا بِالرُّبُوبِيَّةِ عَنْ مَعْرِفَةٍ مِنْهُمْ بِهِ ثُمَّ أَخْرَجَهُمْ مِنْ أَصْلَابِ آبَائِهِمْ مَخْلُوقِينَ مَطْبُوعِينَ عَلَى تِلْكَ الْمَعْرِفَةِ ، وَذَلِكَ الْإِقْرَارِ قَالُوا ، وَلَيْسَتْ تِلْكَ الْمَعْرِفَةُ بِإِيمَانٍ وَلَا ذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِإِيمَانٍ ، وَلَكِنَّهُ إقْرَارٌ مِنْ الطَّبِيعَةِ لِلرَّبِّ فِطْرَةً أَلْزَمَهَا قُلُوبَهُمْ ثُمَّ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ الرُّسُلَ فَدَعَوْهُمْ إلَى الِاعْتِرَافِ لَهُ بِالرُّبُوبِيَّةِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ بَعْدَ الْمَعْرِفَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ اللَّهُ لِيَدْعُوَ خَلْقَهُ إلَى الْإِيمَانِ بِهِ ، وَهُوَ لَمْ يُعَرِّفْهُمْ نَفْسَهُ ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ حَمَّادِ بْنِ سُلَيْمٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ هَذَا عِنْدَنَا حَيْثُ أَخَذَ الْعَهْدَ عَلَيْهِمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ حِينَ قَالَ { أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى } . ( الْقَوْلُ السَّادِسُ ) أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ مَا يُقَلِّبُ اللَّهُ قُلُوبَ الْخَلْقِ إلَيْهِ بِمَا يُرِيدُ فَقَدْ يَكْفُرُ الْعَبْدُ ثُمَّ يُؤْمِنُ فَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ، وَقَدْ يُؤْمِنُ ثُمَّ يَكْفُرُ فَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَقَدْ يَكْفُرُ ثُمَّ لَا يُزَالُ عَلَى كُفْرِهِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ يَكُونُ مُؤْمِنًا حَتَّى يَمُوتَ عَلَى الْإِيمَانِ فَالْفِطْرَةُ عِنْدَ هَؤُلَاءِ مَا قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَى عِبَادِهِ مِنْ أَوَّلِ أَحْوَالِهِمْ إلَى آخِرِهَا سَوَاءً كَانَتْ حَالَةً وَاحِدَةً لَا تَنْتَقِلُ أَوْ حَالًا بَعْدَ حَالٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ صَحِيحًا فِي الْأَصْلِ فَإِنَّهُ أَضْعَفُ الْأَقَاوِيلِ مِنْ جِهَةِ اللُّغَةِ فِي مَعْنَى الْفِطْرَةِ حَكَاهَا كُلَّهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَغَيْرُهُ . ( الْقَوْلُ السَّابِعُ ) أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ مِلَّةُ أَبِيهِ أَيْ دِينُهُ بِمَعْنَى أَنَّ لَهُ حُكْمَهُ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْقَاسِمُ بْنُ سَلَّامٍ سَأَلْت مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْفَرَائِضُ ، وَقَبْلَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ كَأَنَّهُ يَعْنِي أَنَّهُ لَوْ كَانَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ثُمَّ مَاتَ قَبْلَ أَنْ يُهَوِّدَهُ أَبَوَاهُ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ لَمْ يَرِثْهُمَا ، وَلَمْ يَرِثَاهُ لِأَنَّهُ مُسْلِمٌ وَهُمَا كَافِرَانِ ، وَلَمَا جَازَ أَنْ يُسْبَى فَلَمَّا فُرِضَتْ الْفَرَائِضُ ، وَتَقَرَّرَتْ السُّنَنُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ عُلِمَ أَنَّهُ يُولَدُ عَلَى دِينِهِمَا انْتَهَى . وَهَذَا يُوَافِقُ الْقَوْلَ الثَّانِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِطْرَةِ الْإِسْلَامُ لِلَّهِ وَجَعَلَهُ مَنْسُوخًا لِمَا ذَكَرَهُ ، وَالْحَقُّ أَنَّهُ لَا يُحْتَاجُ فِيهِ إلَى دَعْوَى النَّسْخِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ مَعْنَاهُ الْوِلَادَةُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَقَدْ أَخْبَرَ فِي بَقِيَّتِهِ أَنَّ أَبَوَيْهِ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ أَيْ يَثْبُتُ لَهُ حُكْمُهُمَا بِطَرِيقِ التَّبَعِيَّةِ فَالْحُكْمُ بِإِسْلَامِهِ هُوَ الْبَاطِنُ وَيَهُودِيَّتُهُ أَوْ نَصْرَانِيَّتُهُ هُوَ فِي الظَّاهِرِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَظُنُّ مُحَمَّدَ بْنَ الْحَسَنِ حَادَ عَنْ الْجَوَابِ فِيهِ لِإِشْكَالِهِ عَلَيْهِ أَوْ لِجَهْلِهِ بِهِ أَوْ لِكَرَاهَةِ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ قَالَ ، وَقَوْلُهُ إنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ فَلَيْسَ كَمَا قَالَ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ الْأَسْوَدِ بْنِ سُرَيْعٍ مَا يُبَيِّنُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ سُرَيْعٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا بَالُ قَوْمٍ بَلَغُوا فِي الْقَتْلِ حَتَّى قَتَلُوا الْوِلْدَانَ فَقَالَ رَجُلٌ أَوَ لَيْسَ أَبْنَاؤُهُمْ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَ لَيْسَ خِيَارُكُمْ أَوْلَادَ الْمُشْرِكِينَ إنَّهُ لَيْسَ مِنْ مَوْلُودٍ إلَّا وَهُوَ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ فَيُعَبِّرُ عَنْهُ لِسَانُهُ وَيُهَوِّدُهُ أَبَوَاهُ أَوْ يُنَصِّرَانِهِ } { الثَّالِثَةُ } حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ طَائِفَةٍ أَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي الْعُمُومَ ، وَأَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ وُلِدَ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَكَانَ أَبَوَاهُ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ هَوَّدَاهُ أَوْ نَصَّرَاهُ أَوْ مَجَّسَاهُ قَالُوا : وَلَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ جَمِيعَ الْمَوْلُودِينَ يُولَدُونَ عَلَى الْفِطْرَةِ بَلْ الْمَعْنَى أَنَّ الْمَوْلُودَ عَلَى الْفِطْرَةِ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ الْكَافِرَيْنِ يُكَفِّرَانِهِ ، وَكَذَا مِنْ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، وَكَانَ أَبَوَاهُ كَافِرَيْنِ حُكِمَ لَهُ بِحُكْمِهِمَا فِي صِغَرِهِ حَتَّى يَبْلُغَ فَيَكُونَ لَهُ حُكْمُ نَفْسِهِ حِينَئِذٍ لَا حُكْمُ أَبَوَيْهِ ، وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ الْغُلَامِ الَّذِي قَتَلَهُ الْخَضِرُ فَإِنَّهُ لَمْ يُولَدْ عَلَى الْفِطْرَةِ بَلْ طُبِعَ كَافِرًا . ، وَحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا { أَلَا إنَّ بَنِي آدَمَ خُلِقُوا طَبَقَاتٍ شَتَّى فَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا ، وَيَحْيَى مُؤْمِنًا ، وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا ، وَمِنْهُمْ مَنْ يُولَدُ كَافِرًا ، وَيَحْيَى كَافِرًا ، وَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَمِنْهُمْ مِنْ يُولَدُ مُؤْمِنًا ، وَيَحْيَى مُؤْمِنًا ، وَيَمُوتُ كَافِرًا ، وَمِنْهُمْ مِنْ يُولَدُ كَافِرًا ، وَيَحْيَى كَافِرًا ، وَيَمُوتُ مُؤْمِنًا } . وَيَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ لَفْظُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ { مَا مِنْ مَوْلُودٍ يُولَدُ إلَّا عَلَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ } . { الرَّابِعَةُ } قَوْلُهُ { فَأَبَوَاهُ يُهَوِّدَانِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ } يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِطَرِيقِ الْعَقْلِ ، وَالتَّعْلِيمِ ، وَالتَّسْبِيبِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِالتَّبَعِيَّةِ حُكْمًا ، وَإِنْ لَمْ يَقَعْ ذَلِكَ فِعْلًا ، وَفِيهِ عَلَى الثَّانِي تَبَعِيَّةُ الصَّغِيرِ لِأَبَوَيْهِ الْكَافِرَيْنِ فِي حُكْمِ الْكُفْرِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ ، وَالْوَاوُ فِي قَوْلِهِ وَيُنَصِّرَانِهِ بِمَعْنَى أَوْ لِأَنَّ الْأَبَوَيْنِ لَا يَفْعَلَانِ الْأَمْرَيْنِ مَعًا ، وَإِنَّمَا يَفْعَلَانِ أَحَدَهُمَا . { الْخَامِسَةُ } قَوْلُهُ { كَمَا تَنَاتَجُ الْإِبِلُ } أَيْ تَتَنَاتَجُ فَحَذَفَ إحْدَى التَّاءَيْنِ تَخْفِيفًا وَقَوْلُهُ { جَمْعَاءَ } بِفَتْحِ الْجِيمِ ، وَإِسْكَانِ الْمِيمِ ، وَبِالْمَدِّ أَيْ مُجْتَمَعَةً الْأَعْضَاءِ سَلِيمَةً مِنْ النَّقْصِ ، وَقَوْلُهُ { هَلْ تُحِسُّ } بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ ثَانِيهِ وَتَشْدِيدِ ثَالِثِهِ مِنْ الْإِحْسَاسِ ، وَهُوَ الْإِدْرَاكُ بِأَحَدِ الْحَوَاسِّ ، وَقَوْلُهُ { جَدْعَاءَ } بِفَتْحِ الْجِيمِ ، وَإِسْكَانِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، وَبِالْمَدِّ أَيْ مَقْطُوعَةَ الْأُذُنِ أَوْ غَيْرِهَا مِنْ الْأَعْضَاءِ ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ الْبَهِيمَةَ تَلِدُ الْبَهِيمَةَ كَامِلَةَ الْأَعْضَاءِ لَا نَقْصَ فِيهَا ، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ فِيهَا النَّقْصُ ، وَالْجَدْعُ بَعْدَ وِلَادَتِهَا فَكَذَلِكَ يَخْرُجُ الْمَوْلُودُ سَلِيمًا مِنْ الْكُفْرِ ، وَإِنَّمَا يَطْرَأُ لَهُ ذَلِكَ بَعْدُ ، وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ { تُنْتَجُونَ } بِضَمِّ أَوَّلِهِ ، وَإِسْكَانِ ثَانِيهِ ، وَفَتْحِ ثَالِثِهِ . وَقَوْلُهُ { الْإِبِلَ } مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ، وَهَذَا الْفِعْلُ مَبْنِيٌّ لِلْفَاعِلِ ، وَإِنْ كَانَتْ صِيغَتُهُ صِيغَةَ الْمَبْنِيِّ لِلْمَفْعُولِ ، وَقَوْلُ أَبِي الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيِّ إنَّهُ مَبْنِيٌّ لِمَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ إنْ أَرَادَ فِي الصُّورَةِ ، وَإِلَّا فَهُوَ ، وَهْمٌ فَقَدْ ذُكِرَ فَاعِلُهُ مَعَهُ . { السَّادِسَةُ } قَوْلُهُ { يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفَرَأَيْت مَنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ } هَذَا السُّؤَالُ إنَّمَا هُوَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ ، وَقَدْ صُرِّحَ بِذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَكِلَاهُمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ ، وَقَوْلُهُ { اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ } . اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إلَى التَّوَقُّفِ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ ، وَأَنَّا لَا نَدْرِي هَلْ هُمْ فِي الْجَنَّةِ أَمْ فِي النَّارِ ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ مَنْ عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ إنْ بَلَغَ كَانَ مُسْلِمًا فَهُوَ فِي الْجَنَّةِ ، وَمَنْ عَلِمَ أَنَّهُ إنْ بَلَغَ كَانَ كَافِرًا كَانَ فِي النَّارِ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الْجَزْمِ بِأَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ ، وَقِيلَ فِيهِمْ يُتَوَقَّفُ ، وَاحْتَجَّ قَائِلُهُ بِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { تُوُفِّيَ صَبِيٌّ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقُلْت طُوبَى لَهُ عُصْفُورٌ مِنْ عَصَافِيرِ الْجَنَّةِ لَمْ يَعْمَلْ السُّوءَ وَلَمْ يُدْرِكْهُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ يَا عَائِشَةُ إنَّ اللَّهَ خَلَقَ لِلْجَنَّةِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا ، وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ ، وَخَلَقَ لِلنَّارِ أَهْلًا خَلَقَهُمْ لَهَا ، وَهُمْ فِي أَصْلَابِ آبَائِهِمْ } . وَحَكَى النَّوَوِيُّ الْأَوَّلَ عَنْ إجْمَاعِ مَنْ يَعْتَدُّ بِهِ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ ، وَالتَّوَقُّفِ عَنْ بَعْضِ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِهِ ، وَقَالَ ، وَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ نَهَاهَا عَنْ التَّسَرُّعِ إلَى الْقَطْعِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عِنْدَهَا دَلِيلٌ قَاطِعٌ كَمَا أَنْكَرَ عَلَى سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَوْلَهُ { إنِّي لَا أَرَاهُ مُؤْمِنًا قَالَ أَوْ مُسْلِمًا } الْحَدِيثَ . قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا قَبْلَ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ فَلَمَّا عَلِمَ قَالَ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إيَّاهُمْ } وَغَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ انْتَهَى . وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ أَنَّ بَعْضَهُمْ يُنْكِرُ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ } قَالَ وَبَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ يَقِفُ فِيهِمْ ، وَلَا يَرَى نَصًّا قَاطِعًا بِكَوْنِهِمْ فِي الْجَنَّةِ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُ الْإِجْمَاعُ فَيَقُولُ بِهِ ، وَاسْتَثْنَى قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ الْخِلَافِ أَوْلَادَ الْأَنْبِيَاءٍ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ وَقَالَ قَدْ تَقَرَّرَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ التَّوَقُّفَ فِي أَوْلَادِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ جَمَاعَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ ، وَالْحَدِيثِ مِنْهُمْ حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ، وَحَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، وَابْنُ الْمُبَارَكِ ، وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ، وَغَيْرُهُمْ . قَالَ : وَهُوَ نِسْبَةُ مَا رَسَمَهُ مَالِكٌ فِي أَبْوَابِ الْقَدَرِ مِنْ مُوَطَّآتِهِ ، وَمَا أَوْرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْأَحَادِيثِ ، وَعَلَى ذَلِكَ أَكْثَرُ أَصْحَابِهِ ، وَلَيْسَ عَنْ مَالِكٍ فِيهِ شَيْءٌ مَنْصُوصٌ إلَّا أَنَّ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِهِ ذَهَبُوا إلَى أَنَّ أَطْفَالَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجَنَّةِ انْتَهَى . وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ قَالَ ( سَمِعْت مَالِكًا قِيلَ لَهُ إنَّ أَهْلَ الْأَهْوَاءِ يَحْتَجُّونَ عَلَيْنَا بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ مَالِكٌ احْتَجَّ عَلَيْهِمْ بِآخِرِهِ قَالُوا أَرَأَيْت مِنْ يَمُوتُ وَهُوَ صَغِيرٌ قَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ) وَأَمَّا أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ فَفِيهِمْ مَذَاهِبُ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُمْ فِي النَّارِ تَبَعًا لِآبَائِهِمْ . ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ . ( وَالثَّالِثُ ) التَّوَقُّفُ فِيهِمْ . ( وَالرَّابِعُ ) أَنَّهُمْ يُمْتَحَنُونَ فِي الْآخِرَةِ ، وَقَدْ وَرَدَ هَذَا فِي حَدِيثٍ رُوِيَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فِي الْهَالِكِ فِي الْفَتْرَةِ وَالْمَعْتُوهِ وَالْمَوْلُودِ } الْحَدِيثَ . وَفِيهِ { يَقُولُ الْمَوْلُودِ رَبِّ لَمْ أُدْرِكْ الْعَقْلَ قَالَ فَتَرْتَفِعُ لَهُمْ نَارٌ فَيُقَالُ رِدُوهَا وَادْخُلُوهَا قَالَ فَيَرِدُهَا أَوْ يَدْخُلُهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ سَعِيدًا لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ ، وَيُمْسِكُ عَنْهَا مَنْ كَانَ فِي عِلْمِ اللَّهِ شَقِيًّا لَوْ أَدْرَكَ الْعَمَلَ قَالَ فَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى إيَّايَ عَصَيْتُمْ فَكَيْفَ رُسُلِي لَوْ أَتَتْكُمْ } . وَرُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ ، وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، وَمُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ وَالْأَسْوَدِ بْنِ سَرِيعٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَثَوْبَانَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَالْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ مِنْ أَحَادِيثِ الشُّيُوخِ ، وَفِيهَا عِلَاوَاتٌ لَيْسَتْ مِنْ أَحَادِيثِ الْأَئِمَّةِ الْفُقَهَاءِ ، وَهُوَ أَصْلٌ عَظِيمٌ ، وَالْقَطْعُ فِيهِ بِمِثْلِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ ضَعِيفٌ فِي الْعِلَّةِ وَالنَّظَرِ مَعَ أَنَّهُ قَدْ عَارَضَهَا مَا هُوَ أَقْوَى مِنْهَا انْتَهَى . ( وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ ) أَنَّهُمْ فِي بَرْزَخٍ حَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ قَوْمٍ قَالَ قِيلَ أَحْسَبُهُمْ مِنْ غَيْرِ أَهْلِ النَّارِ حَكَى النَّوَوِيُّ الْأَوَّلَ ، وَهُوَ أَنَّهُمْ فِي النَّارِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَالثَّانِي وَهُوَ أَنَّهُمْ فِي الْجَنَّةِ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ قَالَ : وَهُوَ الصَّحِيحُ ، وَيُسْتَدَلُّ عَلَيْهِ بِأَشْيَاءَ مِنْهَا حَدِيثُ { إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ حِينَ رَآهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَنَّةِ ، وَحَوْلَهُ أَوْلَادٌ النَّاسِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ قَالَ : وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ } . رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى { وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا } ، وَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَى الْمَوْلُودِ التَّكْلِيفُ ، وَيَلْزَمُهُ قَوْلُ الرَّسُولِ حَتَّى يَبْلُغَ ، وَهَذَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَالَ : وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ { وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ } أَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّهُمْ فِي النَّارِ ، وَحَقِيقَةُ لَفْظِهِ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ لَوْ بَلَغُوا ، وَالتَّكْلِيفُ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْبُلُوغِ ، وَأَمَّا غُلَامُ الْخَضِرِ فَيَجِبُ تَأْوِيلُهُ قَطْعًا لِأَنَّ أَبَوَيْهِ كَانَا مُؤْمِنَيْنِ فَيَكُونُ هُوَ مُسْلِمًا فَيُتَأَوَّلُ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ عَلِمَ أَنَّهُ لَوْ بَلَغَ لَكَانَ كَافِرًا لَا أَنَّهُ كَافِرٌ فِي الْحَالِ ، وَلَا تَجْرِي عَلَيْهِ فِي الْحَالِ أَحْكَامُ الْكُفَّارِ انْتَهَى . وَسَفْكُ دَمِهِ فِي الْحَالِ غَيْرُ سَائِغٍ فِي شَرِيعَتِنَا ، وَلَا أَظُنُّهُ كَانَ فِي شَرِيعَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَلِهَذَا أَنْكَرَهُ ، وَإِنَّمَا هُوَ شَرِيعَةُ الْخَضِرِ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَهِيَ شَرِيعَةٌ مَنْسُوخَةٌ لَا يَجُوزُ التَّمَسُّكُ بِهَا عَلَى أَنَّ بَعْضَهُمْ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا الْغُلَامَ كَانَ قَدْ بَلَغَ ، وَكَانَ قَاطِعَ طَرِيقٍ ، وَوَصْفُهُ بِأَنَّهُ غُلَامٌ لَيْسَ صَرِيحًا فِي أَنَّهُ لَمْ يَبْلُغْ فَفِي الْحَدِيثِ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ اجْتَمَعْت أَنَا ، وَالْفَضْلُ بْنُ عَبَّاسٍ ، وَنَحْنُ غُلَامَانِ شَابَّانِ قَدْ بَلَغْنَا ، وَلَكِنَّهُ قَوْلٌ بَعِيدٌ مُنْكَرٌ ، وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { سَأَلَتْ خَدِيجَةُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ هُمْ مَعَ آبَائِهِمْ ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَالَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا كَانُوا عَامِلِينَ ، ثُمَّ سَأَلَتْهُ بَعْدَمَا اسْتَحْكَمَ الْإِسْلَامُ فَنَزَلَتْ { لَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } فَقَالَ هُمْ عَلَى الْفِطْرَةِ أَوْ قَالَ فِي الْجَنَّةِ } . وَعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { سَأَلْت رَبِّي اللَّاهِينَ مِنْ ذُرِّيَّةِ الْبَشَرِ فَأَعْطَانِيهِمْ أَنْ لَا يُعَذِّبَهُمْ } ، وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا أَيْضًا { وَأَوْلَادُ الْمُشْرِكِينَ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ } . وَعَنْ سَلْمَانَ مَوْقُوفًا ( أَطْفَالُ الْمُشْرِكِينَ خَدَمُ أَهْلِ الْجَنَّةِ ) . وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ ( لَا يَزَالُ أَمْرُ هَذِهِ الْأَمَةِ مُوَاتِيًا أَوْ مُتَقَارِبًا أَوْ كَلِمَةً تُشِيرُ إلَى هَذَيْنِ حَتَّى يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَنْظُرُوا فِي الْأَطْفَالِ وَالْقَدَرِ ؛ قَالَ يَحْيَى بْنُ آدَمَ فَذَكَرَتْهُ لِابْنِ الْمُبَارَكِ فَقَالَ أَفَيَسْكُتُ الْإِنْسَانُ عَلَى الْجَهْلِ ؟ قُلْت فَتَأْمُرُ بِالْكَلَامِ فَسَكَتَ ) . وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَوْنٍ قَالَ ( كُنْت عِنْدَ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ إذْ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ مَاذَا كَانَ بَيْنَ فُلَانٍ وَبَيْنَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ فِي أَوْلَادِ الْمُشْرِكِينَ قَالَ : وَتَكَلَّمَ رَبِيعَةُ الرَّأْيَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْقَاسِمُ : إذَا اللَّهُ انْتَهَى عَنْ شَيْءٍ فَانْتَهَوْا وَقِفُوا عِنْدَهُ قَالَ فَكَأَنَّمَا كَانَتْ نَارًا فَانْطَفَأَتْ ) . { السَّابِعَةُ } اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْوَلَدَ الصَّغِيرَ يَتْبَعُ أَبَوَيْهِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْكُفْرِ ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { فَإِنْ كَانَا مُسْلِمَيْنِ فَمُسْلِمٌ } ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى ذَلِكَ إنَّمَا اخْتَلَفُوا فِيمَا إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ أَبَوَيْهِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ ، وَالْجُمْهُورُ يَتْبَعُ أَيَّهمَا أَسْلَمَ سَوَاءً كَانَ هُوَ الْأَبَ أَوْ الْأُمَّ ، وَقَالَ مَالِكٌ يَتْبَعُ أَبَاهُ خَاصَّةً دُونَ أُمِّهِ حَتَّى لَوْ أَسْلَمَتْ أُمُّهُ وَأَبُوهُ كَافِرٌ اسْتَمَرَّ عَلَى الْحُكْمِ لَهُ بِالْكُفْرِ . وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِيمَا إذَا سُبِيَ ، وَلَيْسَ مَعَهُ أَحَدُ أَبَوَيْهِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ أَيْضًا يَتْبَعُ السَّابِيَ فَإِذَا كَانَ مُسْلِمًا فَهُوَ مُسْلِمٌ ، وَلَوْ كَانَ أَبَوَاهُ كَافِرَيْنِ حَيَّيْنِ ، وَقَالَ مَالِكٌ هُوَ عَلَى حَالِهِ مِنْ الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْكُفْرِ ، وَلَوْ انْفَرَدَ عَنْهُمَا حَتَّى يُسْلِمَ اسْتِقْلَالًا بَعْدَ الْبُلُوغِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } ، وَزَادَ الشَّيْخَانِ فِي آخِرِهِ مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ { الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ } ، وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ } . بَابُ اتِّخَاذِ الْخَيْلِ . عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الْخَيْلُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَهُ طُرُقٌ أُخْرَى ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ ، وَفِي آخِرِهِ { الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ } ، وَرَوَاهُ بِهَذِهِ الزِّيَادَةِ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَرِيرٍ الْبَجَلِيِّ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ } . { الثَّانِيَةُ } الْمُرَادُ بِالنَّاصِيَةِ هُنَا الشَّعْرُ الْمُسْتَرْسِلُ عَلَى الْجَبْهَةِ قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ ، وَغَيْرُهُ قَالُوا وَكَنَّى بِالنَّاصِيَةِ عَنْ جَمِيعِ ذَاتِ الْفَرَسِ يُقَالُ فُلَانٌ مُبَارَكُ النَّاصِيَةِ ، وَمُبَارَكُ الْغُرَّةِ أَيْ الذَّاتِ ( قُلْت ) وَيُمْكِنُ أَنَّهُ أُشِيرَ بِذِكْرِ النَّاصِيَةِ إلَى أَنَّ الْخَيْرَ إنَّمَا هُوَ فِي مُقَدَّمِهَا لِلْإِقْدَامِ بِهِ عَلَى الْعَدُوِّ دُونَ مُؤَخِّرِهَا لِلْإِدْبَارِ بِهَا عَنْ الْعَدُوِّ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَلَا يَخْفَى مَا فِي الْخَيْلِ وَالْخَيْرِ مِنْ الْجِنَاسِ ، وَهَذَا مِنْ بَلِيغِ الْكَلَامِ . { الثَّالِثَةُ } فِيهِ اسْتِحْبَابُ اتِّخَاذِ الْخَيْلِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ ارْتِبَاطُهَا لِلْغَزْوِ وَقِتَالِ الْعَدُوِّ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عُرْوَةَ { الْأَجْرُ وَالْمَغْنَمُ } ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحِ { الْخَيْلُ ثَلَاثَةٌ هِيَ لِرَجُلٍ وِزْرٌ ، وَهِيَ لِرَجُلٍ سِتْرٌ ، وَهِيَ لِرَجُلٍ أَجْرٌ } وَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي كِتَابِ الزَّكَاةِ ، وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ { أَنَّ الشُّؤْمَ يَكُونُ فِي الْفَرَسِ } ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ فَالْمُرَادُ بِهِ غَيْرُ الْخَيْلِ الْمُعَدَّةِ لِلْغَزْوِ وَنَحْوِهِ أَوْ أَنَّ الْخَيْرَ وَالشُّؤْمَ يَجْتَمِعَانِ فِيهَا فَإِنَّهُ يَحْصُلُ الْخَيْرُ بِالْأَجْرِ وَالْمَغْنَمِ ، وَلَا يَمْتَنِعُ مَعَ هَذَا أَنْ يَكُونَ الْفَرَسُ مِمَّا يُتَشَاءَمُ بِهِ فَقَدْ يَحْصُلُ فِي الشَّيْءِ النَّفْعُ وَالضَّرَرُ بِاعْتِبَارَيْنِ . وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ أَحْسَنُ ، وَيَرُدُّ الثَّانِيَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ { الْبَرَكَةُ فِي نَوَاصِي الْخَيْلِ } فَإِنَّ الْبَرَكَةَ وَالشُّؤْمَ ضِدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ . { الرَّابِعَةُ } اسْتَدَلَّ بِهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْبُخَارِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا عَلَى أَنَّ الْجِهَادَ وَاجِبٌ مَعَ الْبَرِّ وَالْفَاجِرِ لِأَنَّهُ ذَكَرَ بَقَاءَ الْخَيْرِ فِي نَوَاصِيهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَفَسَّرَهُ بِالْأَجْرِ وَالْمَغْنَمِ ، وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِمَا إذَا كَانَ الْإِمَامُ عَادِلًا فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي حُصُولِ هَذَا الْفَضْلِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْغَزْوُ مَعَ أَئِمَّةِ الْعَدْلِ أَوْ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ ، وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ثَلَاثَةٌ مِنْ أَصْلِ الْإِيمَانِ الْكَفُّ عَمَّنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَلَا تُكَفِّرُهُ بِذَنْبٍ ، وَلَا تُخْرِجُهُ مِنْ الْإِسْلَامِ بِعَمَلٍ ، وَالْجِهَادُ مَاضٍ مُنْذُ بَعَثَنِي اللَّهُ إلَى أَنْ يُقَاتِلَ آخِرُ أُمَّتِي الدَّجَّالَ لَا يُبْطِلُهُ جَوْرُ جَائِرٍ ، وَلَا عَدْلُ عَادِلٍ ، وَالْإِيمَانُ بِالْأَقْدَارِ } ، وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْجِهَادُ وَاجِبٌ عَلَيْكُمْ مَعَ كُلِّ أَمِيرٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا ، وَالصَّلَاةُ عَلَيْكُمْ وَاجِبَةٌ خَلْفَ كُلِّ مُسْلِمٍ بَرًّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا ، وَإِنْ عَمِلَ الْكَبَائِرَ } سَكَتَ أَبُو دَاوُد عَلَيْهَا . { الْخَامِسَةُ } وَفِيهِ بُشْرَى بِبَقَاءِ الْجِهَادِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَالْمُرَادُ قُرْبُهَا ، وَأَشْرَاطُهَا الْقَرِيبَةُ كَيَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ، وَأَنَّهُ لَا يَبْقَى بَعْدَ وَفَاةِ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جِهَادٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّادِسَةُ } قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِيهِ إثْبَاتُ السَّهْمِ لِلْفَرَسِ يَسْتَحِقُّهُ الْفَارِسُ مِنْ أَجْلِهِ . { السَّابِعَةُ } قَالَ الْخَطَّابِيُّ ، وَفِيهِ إعْلَامٌ بِأَنَّ الْمَالَ الَّذِي يُكْتَسَبُ بِاِتِّخَاذِ الْخَيْلِ مِنْ خَيْرِ وُجُوهِ الْأَمْوَالِ وَأَنْفَسِهَا ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْمَالَ خَيْرًا ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { كُتِبَ عَلَيْكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ إنْ تَرَكَ خَيْرًا } أَيْ مَالًا ، وَقَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْلِهِ { إنِّي أَحْبَبْت حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي } أَيْ الْخَيْلِ . { الثَّامِنَةُ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ تَفْضِيلُ الْخَيْلِ عَلَى سَائِرِ الدَّوَابِّ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَأْتِ عَنْهُ فِي غَيْرِهَا مِثْلُ هَذَا الْقَوْلِ ، وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَحَبَّ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْد النِّسَاءِ مِنْ الْخَيْلِ } بَابُ ذَمِّ اتِّخَاذِهَا لِلْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ } . بَابُ ذَمِّ اتِّخَاذِهَا لِلْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ ، وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ الْفَدَّادِينَ أَهْلِ الْوَبَرِ ، وَالسَّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } اتَّفَقَ عَلَى إخْرَاجِهِ الشَّيْخَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَلَهُ عِنْدَهُمَا طُرُقٌ أُخْرَى . { الثَّانِيَةُ } قَوْلُهُ { رَأْسُ الْكُفْرِ نَحْوَ الْمَشْرِقِ } كَانَ ذَلِكَ فِي عَهْدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ ذَلِكَ لِأَنَّهُ كَانَ مَمْلَكَةَ الْفُرْسِ ، وَهُمْ أَهْلُ تَجَبُّرٍ ، وَغَيْرُ مُتَمَسِّكِينَ بِشَرْعٍ وَلَا كِتَابٍ ، وَيَكُونُ حِينَ يَخْرُجُ الدَّجَّالُ مِنْ الْمَشْرِقِ ، وَكَذَلِكَ يَأْجُوجُ وَمَأْجُوجُ ، وَهُوَ كَذَلِكَ مُنْشَأُ الْفِتَنِ الْعَظِيمَةِ فِي الدَّيْنِ بِالْبِدَعِ ، وَفِي الدُّنْيَا بِالْقَتْلِ وَسَفْكِ الدَّمِ ، وَلَوْ لَمْ يَجِئْ مِنْ فِتْنَةِ الْمَشْرِقِ إلَّا خُرُوجُ التُّرْكِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَسَفْكُهُمْ دِمَاءَهُمْ وَإِذْهَابُهُمْ عُلُومَهُمْ ، وَتَخْرِيبُهُمْ مَدَائِنَهُمْ لَكَفَى فِي ذَلِكَ . { الثَّالِثَةُ } الْفَخْرُ هُوَ الِافْتِخَارُ وَعَدُّ الْمَآثِرِ الْقَدِيمَةِ تَعَظُّمًا { وَالْخُيَلَاءُ } بِضَمِّ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الْيَاءِ مَمْدُودًا الْكِبْرُ ، وَاحْتِقَارُ النَّاسِ ، وَقَوْلُهُ { الْفَدَّادِينَ } كَذَا هُوَ فِي رِوَايَتِنَا بِغَيْرِ وَاوٍ ، وَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ هُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ { ، وَالْفَدَّادِينَ } بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عَمْرٍو الشَّيْبَانِيُّ أَنَّ الْفَدَادِين بِتَخْفِيفِ الدَّالِ ، وَهُوَ جَمْعُ فَدَّانٍ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الْبَقَرِ الَّتِي تَخُورُ عَلَيْهَا حَكَاهُ عَنْهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ، وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ ، وَعَلَى هَذَا فَالْمُرَادُ بِذَلِكَ أَصْحَابُهَا فَحَذَفَ الْمُضَافَ ، وَذَهَبَ جُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَمِنْهُمْ الْأَصْمَعِيُّ وَجَمِيعُ الْمُحَدِّثِينَ إلَى أَنَّ الْفَدَّادِينَ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ جَمْعُ فَدَّادٍ بِدَالَيْنِ أُولَاهُمَا مُشَدَّدَةٌ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ إنَّهُ الصَّوَابُ ، وَهُمْ الَّذِينَ تَعْلُوا أَصْوَاتُهُمْ فِي خَيْلِهِمْ وَإِبِلِهِمْ وَحُرُوبِهِمْ ، وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَهُوَ مِنْ الْفَدِيدِ ، وَهُوَ الصَّوْتُ الشَّدِيدُ ، وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلًا أَنَّهُمْ سُمُّوا الْفَدَّادِينَ مِنْ أَجْلِ الْفَدَافِدِ ، وَهِيَ الصَّحَارِي وَالْبَرَارِي الْخَالِيَةِ ، وَأَحَدُهَا فَدْفَدٌ ، وَأَنَّ الْأَخْفَشَ حَكَاهُ مَعَ الَّذِي قَبْلَهُ قَالَ ، وَالْأَوَّلُ أَجْوَدُ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى هُمْ الْمُكْثِرُونَ مِنْ الْإِبِلِ الَّذِينَ يَمْلِكُ أَحَدُهُمْ الْمِائَتَيْنِ مِنْهَا إلَى الْأَلْفِ ، وَيُتَّجَهُ أَنْ يَكُونَ إثْبَاتُ الْوَاوِ فِي قَوْلِهِ ، وَالْفَدَادِينَ مُوَافِقًا لِلتَّخْفِيفِ ، وَحَذْفُهَا مُوَافِقًا لِلتَّشْدِيدِ ، وَقَوْلُهُ { أَهْلِ الْوَبَرِ } بَعْدَ قَوْلِهِ أَهْلِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ قَدْ يُسْتَشْكَلُ لِأَنَّ الْوَبَرَ مِنْ الْإِبِلِ دُونَ الْخَيْلِ ، وَجَوَابُهُ أَنَّهُ وَصَفَهُمْ بِكَوْنِهِمْ جَامِعِينَ بَيْنَ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْوَبَرِ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ مَعَ كَوْنِهِمْ أَهْلَ خَيْلٍ وَإِبِلٍ أَهْلُ وَبَرٍ ، وَلَيْسُوا أَهْلَ مَدَرٍ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُمْ أَهْلُ بَادِيَةٍ فَإِنَّهُ يَعْنِي عَنْ أَهْلِ الْحَضَرِ بِأَهْلِ الْمَدَرِ ، وَعَنْ الْبَدْو بِأَهْلِ الْوَبَرِ وَالْبَادِيَةُ مَوْضِعُ الْجَفَاءِ وَقَسْوَةِ الْقُلُوبِ وَالْبُعْدِ عَنْ الِانْقِيَادِ لِلْحَقِّ ، وَفِي الْحَدِيثِ { مَنْ بَدَا جَفَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ ، وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى ذَمِّ رَفْعِ الصَّوْتِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ " مُنَافٍ لِلتَّوَاضُعِ ، وَذَلِكَ إذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ الْغِلْظَةِ وَالْأَذَى وَإِظْهَارِ التَّرَفُّعِ دُونَ مَا إذَا كَانَ عَلَى سَبِيلِ السَّجِيَّةِ لَكِنْ يَنْبَغِي لِمَنْ سَجِيَّتُهُ ذَلِكَ أَنْ يَحْتَرِزَ عَنْهَا بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ . { الرَّابِعَةُ } هَذَا يُبَيِّنُ أَنَّ الْخَيْلَ إنَّمَا يَكُونُ فِي نَوَاصِيهَا الْخَيْرُ إذَا لَمْ يَكُنْ اتِّخَاذُهَا لِلْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ فَإِذَا كَانَ لِذَلِكَ فَهِيَ مَذْمُومَةٌ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ ، وَقَدْ سَبَقَ إيضَاحُ ذَلِكَ فِي الزَّكَاةِ . { الْخَامِسَةُ } { السَّكِينَةُ } الطُّمَأْنِينَةُ وَالسُّكُونُ خِلَافَ مَا ذُكِرَ مِنْ صِفَةِ الْفَدَّادِينَ بَابُ الْمُسَابِقَةِ بِالْخَيْلِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنْ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا } . بَابُ الْمُسَابَقَةِ بِالْخَيْلِ . عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابَقَ عَلَى الْخَيْلِ الَّتِي قَدْ أُضْمِرَتْ مِنْ الْحَفْيَاءِ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ ؛ وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ ، وَسَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ الَّتِي لَمْ تُضْمَرْ مِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ بِهَا } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَالشَّيْخَانِ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَالشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيق أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ ، وَالشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيق عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ إلَّا أَنَّ لَفْظَ أَبِي دَاوُد مُخْتَصَرٌ { كَانَ يُضْمِرُ الْخَيْلَ لِيُسَابِقَ بِهَا } وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ ثَمَانِيَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ( فَقُلْت لِمُوسَى بَيْنَ ذَلِكَ يَعْنِي الْحَفْيَاءَ وَثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ ؟ قَالَ سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ ) ، وَفِيهِ ( قُلْت فَكَمْ بَيْنَ ذَلِكَ يَعْنِي الثَّنِيَّةَ ، وَمَسْجِدَ بَنِي زُرَيْقٍ قَالَ مِيلٌ أَوْ نَحْوُهُ ) وَفِي التِّرْمِذِيِّ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ ( وَبَيْنَهُمَا سِتَّةُ أَمْيَالٍ ، وَبَيْنَهُمَا مِيلٌ ) ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ كَلَامِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ بِلَفْظِ خَمْسَةُ أَمْيَالٍ أَوْ سِتَّةٌ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ أَنَّ ابْنَ بُكَيْر كَانَ يَقُولُ عَنْ مَالِكٍ إلَى عِنْدِ مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ ، وَخَالَفَهُ جُمْهُورُ الرُّوَاةِ فَقَالُوا إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ ( قُلْت ) وَلَا تَفَاوُتَ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ فَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَلَا يُعَدُّ ذَلِكَ اخْتِلَافًا . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ بِلَفْظِ { كَانَ يُضْمِرُ ثُمَّ يُسْبِقُ } فَاخْتَصَرَهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْأَمَدَ وَالْغَايَةَ ( قُلْت ) هُوَ عِنْدَ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ بِذِكْرِ الْأَمَدِ ، وَالْغَايَةِ فَهُمَا كَرِوَايَةِ غَيْرِهِ ثُمَّ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رِوَايَةَ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ ، وَفِيهِ { فِيمَا لَمْ يُضْمَرْ مِنْ الْحَفْيَاءِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ } . وَقَالَ هَكَذَا قَالَ مِنْ الْحَفْيَاءِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ ، وَمَالِكٌ يَقُولُ مِنْ الثَّنِيَّةِ إلَى مَسْجِدِ بَنِي زُرَيْقٍ ، وَهُوَ الصَّوَابُ إنْ شَاءَ اللَّهُ لِأَنَّهُ تَابَعَهُ عَلَيْهِ اللَّيْثُ ، وَمُوسَى بْنُ عُقْبَةَ ( قُلْت ) ، وَرِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ مِنْ طَرِيقِ الثَّوْرِيِّ عَنْهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، وَسُنَنِ التِّرْمِذِيِّ بِاللَّفْظِ الْمَشْهُورِ . وَالِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ خَاصَّةً ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ خَالِدٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَبَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ ، وَفَضَّلَ الْقُرَّحَ فِي الْغَايَةِ } . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَلَمْ يَقُلْ هَذَا الْحَدِيثَ أَحَدٌ غَيْرُ عُقْبَةَ بْنِ خَالِدٍ هَذَا ، وَقَدْ ، وَجَدْت لَهُ أَصْلًا فِيمَا رَوَاهُ أَبُو سَلَمَةَ التَّبُوذَكِيُّ نَا عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَرْبٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ مُجَاشِعِ بْنِ مَسْعُودٍ السُّلَمِيُّ حَدَّثَنِي أَبِي وَعَمِّي عَنْ جَدِّي ( أَنَّ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الْبَصْرَةِ ضَمَرُوا خُيُولَهُمْ فَنَهَاهُمْ الْأَمِيرُ عُقْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ أَنْ يُجْرُوهَا حَتَّى كَتَبَ إلَى عُمَرَ فَكَتَبَ إلَيْهِ عُمَرُ أَنْ أَرْسِلْ الْقُرَّحَ مِنْ رَأْسِ مِائَةِ عُلْوَةٍ ، وَلَا يَرْكَبْهَا إلَّا أَرْبَابُهَا ) وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ وَرَاهَنَ } . وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ الْخَيْلَ كَانَتْ تَجْرِي مِنْ سِتَّةِ أَمْيَالٍ لِلسَّبْقِ فَأَعْطَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السَّابِقَ } . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ حَمَّادُ بْنُ سُلَيْمَانَ هَذَا مَجْهُولٌ . ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَابَقَ بَيْنَ الْخَيْلِ ، وَجَعَلَ بَيْنَهَا سَبْقًا ، وَجَعَلَ فِيهَا مُحَلَّلًا ، وَقَالَ لَا سَبْقَ إلَّا فِي حَافِرٍ أَوْ نَصْلٍ } . وَأَوْرَدَهُ بْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ فِي تَرْجَمَةِ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ ، وَضَعَّفَهُ . { الثَّانِيَةُ } قَوْلُهُ { أُضْمِرَتْ } بِضَمِّ الْهَمْزَةِ ، وَإِسْكَانِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، وَكَسْرِ الْمِيمِ ، وَتَخْفِيفِهَا ، وَيَجُوزُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ ضُمِّرَتْ بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ بِدُونِ هَمْزَةٍ ، وَالْأَوَّلُ هُوَ الرِّوَايَةُ ، وَيَجُوزُ فِي قَوْلِهِ لَمْ تُضْمَرْ الْوَجْهَانِ إسْكَانُ الضَّادِ ، وَتَخْفِيفُ الْمِيمِ ، وَفَتْحُ الضَّادِ ، وَتَشْدِيدُ الْمِيمِ . وَالْمُوَافِقُ لِقَوْلِهِ أُضْمِرَتْ الْأَوَّلُ ، وَالْمُرَادُ بِهِ أَنْ تُعْلَفَ الْخَيْلُ حَتَّى تَسْمَنَ وَتَقْوَى ثُمَّ يُقَلَّلَ عَلَفُهَا فَلَا تُعْلَفَ إلَّا قُوتًا ، وَتُدْخَلَ بَيْتًا كَنِينًا ، وَتُغْشَى بِالْجِلَالِ حَتَّى تَحْمَى لِتَعْرَقَ وَيَجِفَّ عِرْقُهَا فَيَخِفَّ لَحْمُهَا وَتَقْوَى عَلَى الْجَرْيِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ ، وَمِنْ الْعَرَبِ مَنْ يُطْعِمُهَا اللَّحْمَ وَاللَّبَنَ فِي أَيَّام التَّصَمُّرِ ، وَ { الْحَفْيَاءُ } بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَإِسْكَانِ الْفَاءِ بَعْدَهَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتُ يَجُوزُ فِيهِ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ ، وَجْهَانِ مَشْهُورَانِ أَشْهَرُهُمَا وَأُفْصِحُهُمَا الْمَدُّ ، وَالْحَاءُ مَفْتُوحَةٌ بِلَا خِلَافٍ قَالَهُ النَّوَوِيُّ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ : وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِضَمِّ الْحَاءِ ، وَهُوَ خَطَأٌ ، وَقَالَ الْحَازِمِيُّ فِي الْمُؤْتَلِفِ ، وَيُقَالُ فِيهَا أَيْضًا الْحَيْفَاءُ بِتَقْدِيمِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ عَلَى الْفَاءِ ، وَالْمَشْهُورُ الْمَعْرُوفُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ ، وَغَيْرِهَا الْحَفْيَاءُ وَ { ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ } بِفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَكَسْرِ النُّونِ ، وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَالثَّنِيَّةُ الطَّرِيقُ فِي الْجَبَلِ كَالثُّقْبِ . وَحَكَى صَاحِبُ الْمُحْكَمِ مَعَ ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ أَيْضًا قِيلَ الطَّرِيقُ إلَى الْجَبَلِ ، وَقِيلَ الْعَقَبَةُ ، وَقِيلَ الْجَبَلُ نَفْسُهُ انْتَهَى . وَأُضِيفَتْ هَذِهِ الثَّنِيَّةُ إلَى الْوَدَاعِ لِأَنَّ الْخَارِجِ مِنْ الْمَدِينَةِ يَمْشِي مَعَهُ الْمُوَدِّعُونَ إلَيْهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ اللَّهِ ، وَزَعَمُوا أَنَّهَا إنَّمَا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَدَّعَهُ بِهَا بَعْضُ الْمُقِيمِينَ بِالْمَدِينَةِ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ . وَقِيلَ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ شَيَّعَ إلَيْهَا بَعْضَ سَرَايَاهُ فَوَدَّعَهُ عِنْدَهَا ، وَقِيلَ إنَّ الْمُسَافِرَ مِنْ الْمَدِينَةِ كَانَ يُشَيَّعُ إلَيْهَا ، وَيُوَدَّعُ عِنْدَهَا قَدِيمًا ، وَصَحَّحَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا الْأَخِيرَ ، وَاسْتَدَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِ نِسَاءِ الْأَنْصَارِ حِينَ مَقْدَمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ اسْمٌ قَدِيمٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَأَظُنُّهَا عَلَى طَرِيقِ مَكَّةَ . وَمِنْهَا بَدَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَظَهَرَ إلَى الْمَدِينَةِ فِي حِينِ إقْبَالِهِ مِنْ مَكَّةَ فَقَالَ شَاعِرُهُمْ طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا مِنْ ثَنِيَّاتِ الْوَدَاعِ وَجَبَ الشُّكْرُ عَلَيْنَا مَا دَعَا لِلَّهِ دَاعٍ انْتَهَى . ( وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مِنْ إنْشَادِهِمْ هَذَا الشَّعْرَ عِنْدَ قُدُومِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ . الْمَدِينَةَ ) رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي دَلَائِلِ النُّبُوَّةِ وَأَبُو الْحَسَنِ الْمُقْرِي فِي كِتَابِ الشَّمَائِلِ لَهُ عَنْ ابْنِ عَائِشَةَ . وَقَالَ ابْنُ الْقَطَّانِ إنَّمَا سُمِّيَتْ بِثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُشَيِّعُونَ الْحُجَّاجَ وَالْغُزَاةَ إلَيْهَا وَيُوَدِّعُونَهُمْ عِنْدَهَا ، وَإِلَيْهِمْ كَانُوا يَخْرُجُونَ عِنْدَ التَّلَقِّي انْتَهَى . وَهَذَا كُلُّهُ مَرْدُودٌ فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ { لَمَّا قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ تَبُوكَ خَرَجَ النَّاسُ يَتَلَقَّوْنَهُ إلَى ثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ } . وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّهَا مِنْ جِهَةِ الشَّامِ ، وَلِهَذَا لَمَّا نَقَلَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ كَلَامَ ابْنِ بَطَّالٍ قَالَ إنَّهُ وَهْمٌ قَالَ : وَكَلَامُ ابْنِ عَائِشَةَ مُعْضَلٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ ثُمَّ قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ الثَّنِيَّةُ الَّتِي مِنْ كُلِّ جِهَةٍ يَصِلُ إلَيْهَا الْمُشَيِّعُونَ يُسَمُّونَهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ . وَقَوْلُهُ ، وَكَانَ أَمَدُهَا ثَنِيَّةَ الْوَدَاعِ يَجُوزُ فِيهِ رَفْعُ الْأَوَّلِ وَنَصَبُ الثَّانِي ، وَعَكْسُهُ عَلَى تَقْدِيمِ الْخَبَرِ ، وَقَدْ ضَبَطْنَاهُ بِالْوَجْهَيْنِ ، وَالْأَمَدُ الْغَايَةُ قَالَ النَّابِغَةُ سَبَقَ الْجَوَادُ إذَا اسْتَوْلَى عَلَى الْأَمَدِ ، وَتَقَدَّمَ فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ أَنَّ بَيْنَ الْحَفْيَاءِ وَثَنِيَّةِ الْوَدَاعِ سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ سَبْعَةٌ . ، وَعَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ سِتَّةُ أَمْيَالٍ أَوْ خَمْسَةٌ ، وَأَطْلَقَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا الثَّانِي عَنْ سُفْيَانَ فَظَنَّ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ ابْنُ عُيَيْنَةَ فَصَرَّحَ بِذَلِكَ ، وَهُوَ وَهْمٌ ، وَإِنَّمَا هُوَ الثَّوْرِيُّ كَمَا عَرَفْت ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي التِّرْمِذِيِّ الْجَزْمَ بِسِتَّةِ أَمْيَالٍ . وَقَوْلُهُ مِنْ الثَّنِيَّةِ أَيْ الْمَذْكُورَةُ ، وَهِيَ ثَنِيَّةُ الْوَدَاعِ { وَمَسْجِدُ بَنِي زُرَيْقٍ } بِتَقْدِيمِ الزَّايِ عَلَى الرَّاءِ أُضِيفَ إلَيْهِمْ لِصَلَاتِهِمْ بِهِ ، وَهِيَ إضَافَةُ تَعْرِيفٍ لَا مِلْكٍ . { الثَّالِثَةُ } فِيهِ الْمُسَابِقَةُ بَيْنَ الْخَيْلِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِنْ الْعَبَثِ الْمَذْمُومِ بَلْ مِنْ الرِّيَاضَةِ الْمَحْمُودَةِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى تَحْصِيلِ الْمَقَاصِدِ فِي الْغَزْوِ وَالِانْتِفَاعِ بِهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَى الْقِتَالِ كَرًّا وَفَرًّا ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا مُبَاحَةٌ أَوْ مُسْتَحَبَّةٌ ، وَمَذْهَبُ أَصْحَابِنَا أَنَّهَا مُسْتَحَبَّةٌ . { الرَّابِعَةُ } وَفِيهِ إضْمَارُ الْخَيْلِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ ، وَهِيَ الْقُوَّةُ عَلَى الْجَرْي ، وَيَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ فِي اسْتِحْبَابِهِ الْخِلَافُ الْمُتَقَدِّمُ ، وَلَا يَخْفَى اخْتِصَاصُ اسْتِحْبَابِ الْأَمْرَيْنِ بِالْخَيْلِ الْمُعَدَّةِ لِقِتَالِ الْكُفَّارِ ، وَمَنْ سَاوَاهُمْ فِي جَوَازِ قِتَالِهِ أَمَّا الْمُعَدَّةُ لِقِتَالِ مَنْ لَا يَحِلُّ قِتَالُهُ فَلَا يُسْتَحَبُّ فِيهَا ذَلِكَ بَلْ لَا يَجُوزُ بِهَذَا الْقَصْدِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةُ } وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ فِي الْمُسَابَقَةِ مِنْ إعْلَامِ ابْتِدَاءِ الْغَايَةِ وَانْتِهَائِهَا ، وَهُوَ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ ، وَإِلَّا أَدَّى إلَى النِّزَاعِ الَّذِي لَا يَنْقَطِعُ . { السَّادِسَةُ } وَفِيهِ أَنَّهُ لَا تَسَابُقَ إلَّا بَيْنَ فَرَسَيْنِ يُمْكِنُ أَنْ يَسْبِقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُسَابِقْ بَيْنَ الْمُضْمَرَاتِ وَغَيْرِهَا بَلْ جَعَلَ كُلَّ صِنْفٍ مِنْهَا مَعَ مُلَائِمِهِ لِأَنَّ غَيْرَ الْمُضْمَرَةِ لَا تُسَاوِقُ الْمُضْمَرَةَ كَيْفَ ، وَقَدْ جَعَلَ مَيْدَانَ الْمُضْمَرَاتِ سِتَّةَ أَمْيَالٍ ، وَمَيْدَانَ غَيْرِهَا مِيلًا وَاحِدًا ، وَهَذَا تَفَاوُتٌ كَبِيرٌ ، وَفِيهِ أَنَّهُ لَوْ عُيِّنَتْ غَايَةٌ لَا تَقْدِرُ تِلْكَ الْخَيْلُ عَلَى قَطْعِهَا لَمْ يَصِحَّ ، وَتَقَدَّمَ مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُد { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَضَّلَ الْقُرَّحَ فِي الْغَايَةِ } وَهُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ جَمْعُ قَارِحٍ ، وَهُوَ مِنْ الْخَيْلِ مَا كَانَ ابْنَ خَمْسِ سِنِينَ فَأَكْثَرَ ، وَهُوَ أَشَدُّ قُوَّةً مِمَّنْ هُوَ أَصْغَرُ مِنْهُ سِنًّا ، وَيُقَالُ فِي نَظِيرِهِ مِنْ الْإِبِلِ بَازِلٌ ، وَعَلَى هَذَا جَاءَ قَوْلُ الشَّاعِرِ وَابْنُ اللَّبُونِ إذَا مَا لَذَّ فِي قَرْنٍ وَلَمْ يَنْفَعْ صَوْلَةَ الْبَزْلِ الْقَنَا عَدَسُ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بَعْدَ نَقْلِهِ هَذَا الْحَدِيثَ أَنَّهُ إنْ صَحَّ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الَّتِي كَانَتْ قَدْ أُضْمِرَتْ مِنْ تِلْكَ الْخَيْلِ كَانَتْ قُرَّحًا ، وَذَلِكَ غَيْرُ لَازِمٍ إنَّمَا اللَّازِمُ . بَلْ يُمْكِنُ أَنْ يُسَابِقَ بَيْنَ بَعْضِ الْقُرَّحِ وَغَيْرِهَا ، وَتَفْضِيلُهَا فِي الْغَايَةِ عَلَى غَيْرِهَا لَكِنْ قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَا ضَمْرَ بَيْنَ الْخَيْلِ إلَّا الْقُرَّحَ . الْإِفْتَاءُ وَالْمَهَارَةُ . { السَّابِعَةُ } وَفِيهِ إطْلَاقُ الْفِعْلِ عَلَى الْأَمْرِ بِهِ وَالْمُسَوِّغُ لَهُ أَنَّهُ مُسَبَّبٌ عَنْهُ فَقَوْلُهُ سَابَقَ أَيْ أَمَرَ لِوُجُودِ مُسَوِّغِهِ . ===============================ج23====== اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ { الثَّامِنَةُ } يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْمُسَابِقَةُ بِعِوَضٍ ، وَبِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرُ عِوَضٍ ، وَمَا ذُكِرَ مِنْ التَّرْجَمَةِ لِلتِّرْمِذِيِّ ، وَغَيْرِهِ عَلَيْهِ بِالرِّهَانِ نَظَرٌ نَعَمْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذِكْرَ الرَّهْنِ فِي ذَلِكَ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ ، وَعِنْدَ الْبَيْهَقِيّ ، وَمُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ ، وَغَيْرِهَا ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الْمُسَابِقَةِ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَأَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِهَا أَيْضًا بِعِوَضٍ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْعِوَضُ مِنْ غَيْرِ الْمُتَسَابِقِينَ إمَّا الْإِمَامُ أَوْ أَحَدُ الرَّعِيَّةِ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَبَذْلُ الرِّهَانِ مِنْ أَحَدِهِمَا خَاصَّةً صَحِيحٌ ، وَبَعْضُهُمْ مَنَعَ هَذِهِ الصُّورَةَ ، وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْهُمَا لَكِنْ يَكُونُ مَعَهُمَا مُحَلِّلٌ ، وَهُوَ ثَالِثٌ عَلَى فَرَسٍ مُكَافِئٍ لِفَرَسَيْهِمَا بِشَرْطِ أَنْ لَا يُخْرِجَ الْمُحَلِّلُ مِنْ عِنْدِهِ شَيْئًا لِيَخْرُجَ هَذَا الْعَقْدُ عَنْ صُورَةِ الْقِمَارِ هَذَا مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ ، وَمَنَعَ مَالِكٌ إخْرَاجَ السَّبْقِ مِنْهُمَا ، وَلَوْ بِمُحَلِّلٍ ، وَلَمْ يَعْرِفْ مَالِكٌ الْمُحَلِّلَ ، وَالْأَصْلُ لِلْجُمْهُورِ فِي اعْتِبَارِهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ حُسَيْنٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ يَعْنِي ، وَهُوَ لَا يُؤْمَنُ أَنْ يَسْبِقَ فَلَيْسَ بِقِمَارٍ ، وَمَنْ أَدْخَلَ فَرَسًا بَيْنَ فَرَسَيْنِ ، وَقَدْ أُمِنَ أَنْ يَسْبِقَ فَهُوَ قِمَارٌ } وَلَمْ يَنْفَرِدْ بِهِ سُفْيَانُ بْنُ حُسَيْنٍ كَمَا زَعَمَ بَعْضُهُمْ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ بَشِيرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ . { التَّاسِعَة } وَفِي قَوْلِهِ { ، وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فِيمَنْ سَابَقَ } بِهَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْمُسَابَقَةُ بَيْنَ الْخَيْلِ مَرْكُوبَةً ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ إرْسَالَ الْفَرَسَيْنِ لِيَجْرِيَا بِأَنْفُسِهِمَا ، وَقَدْ صَرَّحَ الْفُقَهَاءُ بِأَنَّهُ لَوْ شَرَطَ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الْمُسَابَقَةِ لَمْ يَصِحَّ لِأَنَّ الدَّوَابَّ لَا تَهْتَدِي لِقَصْدِ الْغَايَةِ بِغَيْرِ رَاكِبٍ ، وَرُبَّمَا نَفَرَتْ بِخِلَافِ الطُّيُورِ إذَا جُوِّزَتْ الْمُسَابَقَةُ عَلَيْهَا فَإِنَّهَا تَهْتَدِي لِلْمَقْصِدِ . { الْعَاشِرَةُ } وَفِيهِ دَلِيلٌ لِجَوَازِ أَنْ يُقَالَ مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ ، وَقَدْ تَرْجَمَ لَهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذِهِ التَّرْجَمَةِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَفِيهِ جَوَازُ إضَافَةِ أَعْمَالِ الْبِرِّ إلَى أَرْبَابِهَا وَنِسْبَتِهَا إلَيْهِمْ ، وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَزْكِيَةٌ لَهُمْ قَالَ : وَرُوِيَ عَنْ النَّخَعِيّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُقَالَ مَسْجِدُ بَنِي فُلَانٍ ، وَلَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يُقَالَ مُصَلَّى بَنِي فُلَانٍ قَالَ : وَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ قَوْلَهُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ قَوْلِنَا مُصَلًّى وَمَسْجِدٌ ، وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ . بَابُ رُكُوبِ اثْنَيْنِ عَلَى الدَّابَّةِ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ { بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي إذْ جَاءَ رَجُلٌ مَعَهُ حِمَارٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ارْكَبْ ، فَتَأَخَّرَ الرَّجُلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا ، أَنْتَ أَحَقُّ بِصَدْرِ دَابَّتِك مِنِّي إلَّا أَنْ تَجْعَلَهُ لِي ، قَالَ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْته لَك . قَالَ فَرَكِبَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ . بَابُ رُكُوبِ اثْنَيْنِ عَلَى الدَّابَّةِ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ { بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي إذْ جَاءَ رَجُلٌ مَعَهُ حِمَارٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ارْكَبْ فَتَأَخَّرَ الرَّجُلُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا ، أَنْتَ أَحَقُّ بِصَدْرِ دَابَّتِك مِنِّي إلَّا أَنْ تَجْعَلَهُ لِي قَالَ فَإِنِّي قَدْ جَعَلْته لَك قَالَ فَرَكِبَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَقَالَ حَسَنٌ غَرِيبٌ . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ كِلَاهُمَا عَنْ حُسَيْنِ بْنِ ، وَاقِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِيهِ . { الثَّانِيَةُ } فِيهِ جَوَازُ رُكُوبِ اثْنَيْنِ عَلَى دَابَّةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهُوَ كَذَلِكَ إذَا أَطَاقَتْهُ ، وَوَرَدَ رُكُوبُ ثَلَاثَةِ أَنْفَارٍ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ { لَقَدْ قُدْت بِنَبِيِّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَالْحَسَنِ ، وَالْحُسَيْنِ بَغْلَتَهُ الشَّهْبَاءَ حَتَّى أَدْخَلْتهمْ حُجْرَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا قُدَّامَهُ ، وَهَذَا خَلْفَهُ } . { الثَّالِثَةُ } قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْحِكْمَةُ فِي أَنْ يَكُونَ الرَّجُلُ أَحَقَّ بِصَدْرِ دَابَّتِهِ ، وَجْهَانِ ( أَنَّهُ شَرَفٌ ) وَالشَّرَفُ حَقُّ الْمَالِكِ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ يَصْرِفُهَا فِي الْمَشْيِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَرَاهُ ، وَيَخْتَارُهُ مِنْ زِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ أَوْ إسْرَاعٍ أَوْ بُطْءٍ بِخِلَافِ الرَّاكِبِ مَعَهُ فَإِنَّهُ لَا يَعْلَمُ مَقْصِدَهُ فِي ذَلِكَ . { الرَّابِعَةُ } فِيهِ تَوَاضُعُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِرُكُوبِهِ الْحِمَارَ وَإِرْدَافِهِ وَرَاءَهُ عَلَى الْحِمَارِ ، وَهَمُّهُ أَنْ يَكُونَ رَدِيفًا لِغَيْرِهِ فَيَنْبَغِي لِلنَّاسِ [ الْأَخْذُ ] بِأَخْلَاقِهِ الْكَرِيمَةِ فِي ذَلِكَ ، وَغَيْرِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةُ } يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إلَّا أَنْ تَجْعَلَهُ لِي } أَيْ التَّصَرُّفَ فِي الْمَشْيِ كَيْفَ أَرَدْت ، وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي لِأَجْلِهِ كَانَ صَاحِبُ الدَّابَّةِ أَحَقَّ بِصَدْرِهَا فَإِنَّهُ يَسْتَشْكِلُ قَوْلُهُ أَنْ تَجْعَلَهُ لِي مَعَ كَوْنِهِ تَأَخَّرَ ، وَأَذِنَ لَهُ فِي الرُّكُوبِ عَلَى مُقَدَّمِهِ ، وَهَذَا هُوَ مَحَلُّهُ لَهُ ، وَيَنْحَلُّ الْأَشْكَالُ بِمَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ أَنْ يَجْعَلَ لَهُ أَمْرَ قِيَادِهَا بِأَنْ يَتَصَرَّفَ فِي سَيْرِهَا كَيْفَ يُرِيدُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . بَابُ الْغَنِيمَةِ وَالنَّفَلِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِمَنْ قَبْلَنَا ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَطَيَّبَهَا لَنَا } وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { غَزَا نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ قَدْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا ، وَلَمَّا يَبْنِ وَلَا آخَرُ قَدْ بَنَى بُنْيَانًا ، وَلَمَّا يَرْفَعْ سَقْفَهَا ، وَلَا آخَرُ قَدْ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ ، وَهُوَ يَنْتَظِرُ أَوْلَادَهَا فَغَزَا فَدَنَا مِنْ الْقَرْيَةِ حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ أَنْتِ مَأْمُورَةٌ ، وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْتَبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئًا فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَجَمَعُوا مَا غَنِمُوا فَأَقْبَلَتْ النَّارُ لِتَأْكُلَهُ فَأَبَتْ أَنْ تَطْعَمَهُ فَقَالَ فِيكُمْ غُلُولٌ فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ فَبَايَعُوهُ فَلَصِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ فَقَالَ فِيكُمْ الْغُلُولُ فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُك فَبَايَعَتْهُ قَبِيلَتُهُ . قَالَ فَلَصِقَ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِيَدِهِ فَقَالَ مِنْكُمْ الْغُلُولُ أَنْتُمْ غَلَلْتُمْ . فَأَخْرَجُوا لَهُ مِثْلَ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ ، قَالَ فَوَضَعُوهُ فِي الْمَالِ ، وَهُوَ بِالصَّعِيدِ فَأَقْبَلَتْ النَّارُ فَأَكَلَتْهُ فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِنَا ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ رَأَى عَجْزَنَا وَضَعْفَنَا فَطَيَّبَهَا لَنَا } بَابُ الْغَنِيمَةِ وَالنَّفَلِ . { الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ } عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِمَنْ قَبْلَنَا ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَطَيَّبَهَا لَنَا } ، وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { غَزَا نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَقَالَ لِقَوْمِهِ لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ قَدْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ ، وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا ، وَلَمَّا يَبْنِ وَلَا آخَرُ قَدْ بَنَى بُنْيَانًا ، وَلَمَّا يَرْفَعْ سَقْفَهَا ، وَلَا آخَرُ قَدْ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ ، وَهُوَ يَنْتَظِرُ أَوْلَادَهَا فَغَزَا فَدَنَا مِنْ الْقَرْيَةِ حِينَ صَلَّى الْعَصْرَ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ لِلشَّمْسِ أَنْتِ مَأْمُورَةٌ ، وَأَنَا مَأْمُورٌ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ شَيْئًا فَحُبِسَتْ عَلَيْهِ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ فَجَمَعُوا وَغَنِمُوا فَأَقْبَلَتْ النَّارُ لِتَأْكُلَهُ فَأَبَتْ أَنْ تَطْعَمَهُ قَالَ فِيكُمْ غُلُولٌ فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ فَبَايَعُوهُ فَلَصِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ فَقَالَ فِيكُمْ الْغُلُولُ فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُك فَبَايَعَتْهُ قَبِيلَتُهُ قَالَ فَلَصِقَ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِيَدِهِ فَقَالَ فِيكُمْ الْغُلُولُ أَنْتُمْ غَلَلْتُمْ فَأَخْرَجُوا لَهُ مِثْلَ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ ذَهَبٍ قَالَ فَوَضَعُوهُ فِي الْمَالِ وَهُوَ بِالصَّعِيدِ فَأَقْبَلَتْ النَّارُ فَأَكَلَتْهُ فَلَمْ تَحِلَّ الْغَنَائِمُ لِأَحَدٍ مِنْ قَبْلِ ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ رَأَى عَجْزَنَا وَضَعْفَنَا فَطَيَّبَهَا لَنَا } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ قِطْعَةٌ مِنْ الثَّانِي ، وَقَدْ أَخْرَجَ الثَّانِيَ بِطُولِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيق عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ ، وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيق ابْنِ الْمُبَارَكِ أَيْضًا كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . { الثَّانِيَةُ } قَوْلُهُ { غَزَا نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ } قِيلَ إنَّهُ يُوشَعُ بْنُ نُونٍ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ . { الثَّالِثَةُ } الْبُضْعُ بِضَمِّ الْبَاءِ ، وَإِسْكَانِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ كِنَايَةٌ عَنْ الْفَرْجِ ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَالنَّوَوِيُّ ، وَيُطْلَقُ عَلَى مَعَانٍ أُخَرَ ( أَحَدُهَا ) الْجِمَاعُ ( الثَّانِي ) مِلْكُ الْوَلِيِّ لِلْمَرْأَةِ . ( الثَّالِثُ ) مَهْرُ الْمَرْأَةِ . ( الرَّابِعُ ) الطَّلَاقُ . ( الْخَامِسُ ) النِّكَاحُ ذَكَرَ الثَّلَاثَةَ الْأُولَى صَاحِبُ الْمَشَارِقِ ، وَذَكَرَهَا مَعَ الرَّابِعِ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ ، وَذَكَرَ الْخَامِسَ صَاحِبَا الصِّحَاحِ ، وَالنِّهَايَةِ ، وَفِي النِّهَايَةِ الْبُضْع يُطْلَقُ عَلَى عَقْدِ النِّكَاحِ وَالْجِمَاعِ مَعًا ، وَعَلَى الْفَرْجِ انْتَهَى . وَلَا يَتَعَيَّنُ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي مِنْ أَنَّ الْمُرَادَ هُنَا الْفَرْجُ فَقَدْ يُرَادُ النِّكَاحُ أَوْ الْجِمَاعُ ، وَكَلَامُ الْجَوْهَرِيِّ يَقْتَضِي إرَادَةَ النِّكَاحِ لِأَنَّهُ بَعْدَ ذِكْرِهِ عَنْ ابْنِ السِّكِّيتِ أَنَّ الْبُضْعَ النِّكَاحُ قَالَ يُقَالُ مَلَكَ فُلَانَةَ بُضْعَ فُلَانَةَ قَالَ الْمُهَلَّبُ شَارِحُ الْبُخَارِيِّ : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ فِتَنَ الدُّنْيَا تَدْعُو النَّفْسَ إلَى الْهَلَعِ وَالْجُبْنِ لِأَنَّ مَنْ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ ، وَلَمْ يَبْنِ بِهَا أَوْ بَنَى بِهَا فَكَانَ عَلَى طَرَاوَةٍ مِنْهَا فَإِنَّ قَلْبَهُ مُتَعَلِّقٌ بِالرُّجُوعِ إلَيْهَا ، وَيَشْغَلُهُ الشَّيْطَانُ عَمَّا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ الطَّاعَةِ فَيَرْمِي فِي قَلْبِهِ الْجَزَعَ ، وَكَذَلِكَ مَا فِي الدُّنْيَا مِنْ مَتَاعِهَا وَفِتَنِهَا انْتَهَى . وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي النِّكَاحِ مِنْ صَحِيحِهِ بَابُ مَنْ أَحَبَّ الْبِنَاءَ قَبْلَ الْغَزْوِ ، انْتَهَى . وَفِي تَعْبِيرِهِ بِلَمَّا فِي قَوْلِهِ ، وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا دُونَ لَمْ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْبِنَاءَ بِهَا مُتَوَقَّعٌ ، وَقَدْ قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ فِي قَوْله تَعَالَى { وَلَمَّا يَدْخُلْ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ } مَا فِي لَمَّا فِي مَعْنَى التَّوَقُّعِ دَالٌّ عَلَى أَنَّ هَؤُلَاءِ قَدْ آمَنُوا فِيمَا بَعْدُ انْتَهَى . { الرَّابِعَةُ } قَوْلُهُ { بَنَى بُنْيَانًا ، وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُفَهَا } كَذَا ضَبْطُنَا فِي هَذَا الْكِتَابِ ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَوْلُهُ سُقُفَهَا ، وَمُسْنَدُ أَحْمَدَ قَوْلُهُ سَقْفَهَا مُؤَنَّثًا مَعَ أَنَّ الْمُتَقَدِّمَ بُنْيَانٌ لَا تَأْنِيثَ فِيهِ ، وَلَا جَمْعَ ، وَذَلِكَ بِتَقْدِيرِ تَأْوِيلِهِ بِجَمْعٍ كَأَبْنِيَةٍ أَوْ دُورٍ وَعَوْدُهُ عَلَيْهَا ، وَهُوَ بِضَمِّ السِّينِ وَالْقَافِ جَمْعُ سَقْفٍ كَذَا رَوَيْنَاهُ ، وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ سَقْفُهَا بِفَتْحِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ لِمَا بَيَّنَّا مِنْ عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى جَمْعٍ بِالتَّقْدِيرِ ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ { بَنَى بُيُوتًا ، وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا } ، وَهُوَ شَاهِدٌ لِمَا قَرَّرَنَا مِنْ تَقْدِيرِ الْبُنْيَانِ بِجَمْعٍ ، وَمِنْ أَنَّ السُّقُفَ بِضَمَّتَيْنِ بِلَفْظِ الْجَمْعِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةُ } { الْخَلِفَاتُ } بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ اللَّامِ جَمْعُ خَلِفَةٍ ، وَهِيَ الْحَامِلُ مِنْ النُّوقِ فَإِطْلَاقُ النَّوَوِيِّ تَبَعًا لِلْإِكْمَالِ أَنَّهَا الْحَوَامِلُ بِغَيْرِ قَيْدٍ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِتَقْيِيدِهَا بِالنُّوقِ أَصْحَابُ الصِّحَاحِ وَالْمُحْكَمِ وَالْمَشَارِقِ وَالنِّهَايَةِ فَقَوْلُهُ اشْتَرَى غَنَمًا أَيْ حَوَامِلَ أَيْضًا بِدَلِيلِ الْوَصْفِ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ فِي قَوْلِهِ أَوْ خَلِفَاتٍ فَحَذَفَ الْوَصْفَ مِنْ الْأَوَّلِ لِدَلَالَةِ الثَّانِي عَلَيْهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أَوْ غَنَمًا عَلَى إطْلَاقِهِ ، وَلَا يَتَقَيَّدُ بِأَنْ تَكُونَ حَوَامِلَ لِأَنَّهَا قَلِيلَةُ الصَّبْرِ فَيُخْشَى ضَيَاعُهَا بِخِلَافِ النُّوقِ تَتَقَيَّدُ بِأَنْ تَكُونَ حَوَامِلَ ، وَقَوْلُهُ { يَنْتَظِرُ أَوْلَادَهَا } كَذَا هُوَ فِي رِوَايَتِنَا ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِلَفْظِ { وِلَادَهَا } بِكَسْرِ الْوَاوِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْمَصْدَرُ يُقَالُ وَلَدَتْ وِلَادًا وَوِلَادَةً ، وَاَلَّذِي فِي رِوَايَتِنَا صَحِيحٌ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى أَيْضًا لِأَنَّ الَّذِي يَنْتَظِرُ الْوِلَادَ يَنْتَظِرُ الْأَوْلَادَ أَيْضًا . { السَّادِسَةُ } فِيهِ أَنَّ الْأُمُورَ الْمُهِمَّةَ يَنْبَغِي أَنْ لَا تُفَوَّضَ إلَّا إلَى أُولِي الْحُزَمِ وَفَرَاغِ الْبَالِ لَهَا ، وَلَا تُفَوَّضُ إلَى مُتَعَلِّقِ الْقَلْبِ بِغَيْرِهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يُضْعِفُ عَزَمَهُ ، وَيُفَوِّتُ كَمَالَ بَذْلِ وُسْعِهِ فِيهِ . { السَّابِعَةُ } قَوْلُهُ { فَدَنَا مِنْ الْقَرْيَةِ } كَذَا فِي رِوَايَتِنَا ، وَرِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { فَأَدْنَى لِلْقَرْيَةِ } بِهَمْزَةِ قَطْعٍ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَالنَّوَوِيُّ عَنْ جَمِيعِ النُّسَخِ قَالَا فَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَعْدِيَةً لِدَنَا أَيْ قَرُبَ فَمَعْنَاهُ أَدْنَى جُيُوشَهُ وَجُمُوعَهُ لِلْقَرْيَةِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ أَدْنَى بِمَعْنَى حَانَ أَيْ قَرُبَ فَتْحُهَا مِنْ قَوْلِهِمْ أَدْنَتْ النَّاقَةُ إذَا حَانَ نِتَاجُهَا ، وَلَمْ يَقُولُوهُ فِي غَيْرِ النَّاقَةِ . { الثَّامِنَةُ } قَوْلُهُ { لِلشَّمْسِ أَنْتِ مَأْمُورَةٌ } يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ خَلَقَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهَا مِنْ التَّمْيِيزِ وَالْإِدْرَاكِ مَا تَصْلُحُ مَعَهُ لِلْمُخَاطَبَةِ بِذَلِكَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا عَلَى سَبِيلِ اسْتِحْضَارِ ذَلِكَ فِي النَّفْسِ لِتَقَرُّرِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَحُولُهَا عَنْ عَادَتِهَا إلَّا بِخَرْقِ عَادَةٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِدَعْوَةِ نَبِيِّهِ لَا أَنَّ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْخِطَابِ لَهَا ، وَلِذَلِكَ قَالَ عَقِبَهُ اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيَّ ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِذَلِكَ حِكَايَةَ مَا يَقْتَضِيهِ الْحَالُ كَمَا فِي قَوْلُهُ شَكَا إلَيَّ جَمَلِي طُولَ السُّرَى صَبْرًا جَمِيلًا فَكِلَانَا مُبْتَلَى وَقَوْلُهُ { شَيْئًا } مَنْصُوبٌ نَصْبَ الْمَصْدَرِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ . اُخْتُلِفَ فِي حَبْسِ الشَّمْسِ الْمَذْكُورِ هُنَا فَقِيلَ رُدَّتْ عَلَى أَدْرَاجِهَا ، وَقِيلَ وَقَفَتْ وَلَمْ تُرَدَّ ، وَقِيلَ بُطِّئَتْ حَرَكَتُهَا قَالَ : وَكُلُّ ذَلِكَ مِنْ مُعْجِزَاتِ النُّبُوَّةِ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ بَعْدَ نَقْلِهِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ : وَالثَّالِثُ أَوْلَى الْأَقْوَالِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ نَبِيَّنَا مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُبِسَتْ لَهُ الشَّمْسُ مَرَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ حِينَ شُغِلُوا عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ فَرَدَّهَا اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ } ذَكَرَ ذَلِكَ الطَّحْطَاوِيُّ وَقَالَ رُوَاتُهُ ثِقَاتٌ ( وَالثَّانِيَةُ ) { صَبِيحَةَ الْإِسْرَاءِ حِينَ انْتَظَرَ الْعِيرَ الَّتِي أُخْبِرَ بِوُصُولِهَا مَعَ شُرُوقِ الشَّمْسِ } ذَكَرَهُ يُونُسُ بْنُ بُكَيْر فِي زِيَادَتِهِ عَلَى سِيرَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ ( قُلْت ) ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ عَنْ جَابِرٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ الشَّمْسَ فَتَأَخَّرَتْ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ } ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَيْضًا عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ بِالصَّهْبَاءِ ثُمَّ أَرْسَلَ عَلِيًّا فِي حَاجَةٍ فَرَجَعَ ، وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ فَوَضَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ فَنَامَ فَلَمْ يُحَرِّكْهُ حَتَّى غَابَتْ الشَّمْسُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ إنَّ عَبْدَك عَلِيًّا احْتَبَسَ بِنَفْسِهِ عَلَى نَبِيِّهِ فَرُدَّ عَلَيْهِ الشَّمْسَ قَالَتْ أَسْمَاءُ فَطَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ حَتَّى وَقَفَتْ عَلَى الْجِبَالِ وَعَلَى الْأَرْضِ ، وَقَامَ عَلِيٌّ فَتَوَضَّأَ ، وَصَلَّى الْعَصْرَ ثُمَّ غَابَتْ ، وَذَلِكَ بِالصَّهْبَاءِ } ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا نَزَلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ يَكَادُ يُغْشَى عَلَيْهِ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ يَوْمًا ، وَهُوَ فِي حِجْرِ عَلِيٍّ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّيْت الْعَصْرَ ؟ فَقَالَ لَا يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَدَعَا اللَّهَ فَرَدَّ عَلَيْهِ الشَّمْسَ حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ قَالَتْ فَرَأَيْت الشَّمْسَ طَلَعَتْ بَعْدَ مَا غَابَتْ حِينَ رَدَّتْ حَتَّى صَلَّى الْعَصْرَ } . { التَّاسِعَةُ } قَوْلُهُ { فَجَمَعُوا مَا غَنِمُوا فَأَقْبَلَتْ النَّارُ لِتَأْكُلَهُ فَأَبَتْ أَنْ تَطْعَمَهُ } بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْعَيْنِ ، وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَةَ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ فِي الْغَنَائِمِ أَنْ يَجْمَعُوهَا فَتَجِيءَ نَارٌ مِنْ السَّمَاءِ فَتَأْكُلَهَا فَيَكُونَ ذَلِكَ عَلَامَةً لِقَبُولِهَا وَعَدَمِ الْغُلُولِ فِيهَا فَلَمَّا أَبَتْ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ أَنْ تَأْكُلَهَا عَرَفَ أَنَّ فِيهِمْ غُلُولًا فَلَمَّا رَدُّوهُ جَاءَتْ فَأَكَلَتْهَا ، وَكَذَلِكَ كَانَ أَمْرُ قُرْبَانِهِمْ إذَا يُقْبَلُ جَاءَتْ نَارٌ مِنْ السَّمَاءِ فَأَكَلَتْهُ . { الْعَاشِرَةُ } ( الْغُلُولُ ) سَرِقَةُ الْمَغْنَمِ خَاصَّةً ، وَأَمْرُهُ بِأَنْ يُبَايِعَهُ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ لِيَظْهَرَ الْغَالُّ بِلُصُوقِ يَدِهِ ، وَهَذِهِ مُعْجِزَةٌ ، وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ إلَّا بِوَحْيٍ ، وَفِيهِ مُعَاقَبَةُ الْجَمَاعَةِ بِفِعْلِ سِفْلَتِهَا لِلُّصُوقِ يَدِ ذَلِكَ الرَّجُلِ الَّذِي كَانَ الْغُلُولُ مِنْ بَعْضِ قَبِيلَتِهِ ، وَلِعَدَمِ قَبُولِ الْغَنِيمَةِ مَعَ أَنَّ الْغُلُولَ إنَّمَا وَقَعَ مِنْ بَعْضِ الْغَانِمِينَ ، وَفِيهِ أَنَّ أَحْكَامَ الْأَنْبِيَاءِ بِوَحْيٍ وَمُعْجِزَةٍ بِحَسَبِ بَاطِنِ الْأَمْرِ كَمَا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ، وَقَدْ يَكُونُ بِحَسَبِ ظَاهِرِ الْأَمْرِ كَغَيْرِهِمْ مِنْ الْحُكَّامِ ، وَعَلَيْهِ جَاءَ الْحَدِيثُ { فَمَنْ قَضَيْت لَهُ مِنْ حَقِّ أَخِيهِ بِشَيْءٍ فَإِنَّمَا أَقْطَعُ لَهُ قِطْعَةً مِنْ النَّارِ } . { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } قَوْلُهُ { وَهُوَ بِالصَّعِيدِ } أَيْ وَجْهِ الْأَرْضِ ، وَقَوْلُهُ { فَأَقْبَلَتْ النَّارُ فَأَكَلَتْهُ } أَيْ جَمِيعَ الْمَوْضُوعِ بِالصَّعِيدِ ذَلِكَ الْمَغْلُولَ ، وَغَيْرَهُ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَفِيهِ جَوَازُ إحْرَاقِ أَمْوَالِ الْمُشْرِكِينَ ، وَمَا غُنِمَ مِنْهَا انْتَهَى . وَهُوَ عَجِيبٌ لِأَنَّ تِلْكَ شَرِيعَةٌ مَنْسُوخَةٌ لَا عَمَلَ عَلَيْهَا عِنْدَنَا ، وَلِأَنَّ ذَلِكَ الْإِحْرَاقُ لَيْسَ بِفِعْلِهِمْ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِفِعْلِ اللَّهِ تَعَالَى الَّذِي لَا سَبَبَ لَهُمْ فِيهِ . { الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ } قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ أَيْضًا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَجْدِيدِ الْبَيْعَةِ إذَا اُحْتِيجَ إلَى ذَلِكَ لِأَمْرٍ يَقَعُ ، وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ( قُلْت ) لَيْسَتْ هَذِهِ مُبَايَعَةٌ حَقِيقَةٌ كَمَا ، وَقَعَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ ، وَإِنَّمَا صُورَتُهَا صُورَةُ الْمُبَايَعَةِ بِوَضْعِ الْكَفِّ فِي الْكَفِّ لِلْمُعْجِزَةِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهِيَ لُصُوقُ كَفِّ الْغَالِّ أَوْ مَنْ كَانَ مِنْ قَبِيلَتِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ } فِيهِ إبَاحَةُ الْغَنَائِمِ لِهَذِهِ الْأَمَةِ ، وَأَنَّهَا مُخْتَصَّةٌ بِذَلِكَ ، وَكَانَ ابْتِدَاءُ تَحْلِيلِ الْغَنَائِمِ لِهَذِهِ الْأَمَةِ فِي وَقْعَةِ بَدْرٍ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي قِصَّةِ أَخْذِهِمْ فِدَاءَ الْأُسَارَى وَفِي آخِرِهِ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ { مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ } إلَى قَوْلِهِ { فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلَالًا طَيِّبًا } فَأَحَلَّ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ لَهُمْ فَهَذَا ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ حِينَئِذٍ أُحِلَّتْ لَهُ الْغَنَائِمُ لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ إِسْحَاقَ { أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ حِينَ بَعَثَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ أَصْحَابِهِ سَرِيَّةً إلَى بَطْنِ نَخْلَةٍ فِي شَهْرِ رَجَبٍ قَبْلَ بَدْرٍ الْكُبْرَى ، وَأَخَذُوا الْعِيرَ وَالْأَسِيرِينَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ لِأَصْحَابِهِ إنَّ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا غَنِمْتُمْ الْخُمُسَ ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَفْرِضَ اللَّهُ الْخُمُسَ مِنْ الْمَغَانِمِ فَعَزَلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُمُسَ الْعِيرِ ، وَقَسَمَ سَائِرَهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي آخَرِ يَوْمٍ مِنْ شَهْرِ رَجَبٍ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَمَرْتُكُمْ بِقِتَالٍ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ فَوَقَفَ الْعِيرَ وَالْأَسِيرِينَ ، وَأَبَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى نَزَلَتْ { يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ } فَحِينَئِذٍ قَبَضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِيرَ وَالْأَسِيرِينَ } ، وَهَذِهِ الْقِصَّةُ لَيْسَ إسْنَادُهَا بِمُتَّصِلٍ وَلَا ثَابِتٍ فَإِنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ قَالَ فِيهَا ، وَذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ قَالَ لِأَصْحَابِهِ يَذْكُرُ ذَلِكَ ، قَالَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطَّبَقَاتِ : وَيُقَالُ { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَفَ غَنَائِمَ نَخْلَةَ حَتَّى رَجَعَ مِنْ بَدْرٍ فَقَسَمَهَا مَعَ غَنَائِمِ أَهْلِ بَدْرٍ ، وَأَعْطَى كُلَّ قَوْمٍ حَقَّهُمْ } قَالَ : وَيُقَالُ إنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَحْشٍ خَمَّسَ مَا غَنِمَ وَقَسَمَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ سَائِرَ الْغَنَائِمِ فَكَانَ أَوَّلَ خُمُسٍ خُمِّسَ فِي الْإِسْلَامِ . { الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ } قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَفِيهِ أَنَّ قِتَالَ آخَرِ النَّهَارِ ، وَإِذَا هَبَّتْ رِيَاحُ النَّصْرِ أَفْضَلُ كَمَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ( قُلْت ) لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَصَدَ الْقِتَالَ ذَلِكَ الْوَقْتَ ، وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّهُ دَنَا مِنْ الْقَرْيَةِ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَلَعَلَّهُ غَيْرُ مَقْصُودٍ ، وَإِنَّمَا اقْتَضَاهُ وُقُوعُ الْحَالِ كَذَلِكَ . . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا فَأَقَمْتُمْ فِيهَا فَسَهْمُكُمْ فِيهَا ، وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ خُمُسَهَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . الْحَدِيثُ الثَّانِي وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَيُّمَا قَرْيَةٍ أَتَيْتُمُوهَا فَأَقَمْتُمْ فِيهَا فَسَهْمُكُمْ فِيهَا وَأَيُّمَا قَرْيَةٍ عَصَتْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ خُمُسَهَا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ . { الثَّانِيَةُ } قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأُولَى الْفَيْءَ الَّذِي لَمْ يُوجِفْ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ بَلْ جَلَا عَنْهُ أَهْلُهُ أَوْ صَالَحُوا عَلَيْهِ فَيَكُونُ غَنِيمَةً يَخْرُجُ مِنْهُ الْخُمُسُ ، وَبَاقِيهِ لِلْغَانِمِينَ ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِ ثُمَّ هِيَ لَكُمْ أَيْ بَاقِيهَا . { الثَّالِثَةُ } اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْخُمُسُ فِي الْفَيْءِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَذْكُرْ الْخُمُسَ إلَّا فِي الْقَرْيَةِ الْعَاصِيَةِ الَّتِي لَمْ تُؤْخَذْ الْغَنِيمَةُ مِنْهَا إلَّا بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالرِّكَابِ ، وَقَالَ فِي الْأُولَى إنَّ سَهْمَ الْمُسْتَوْلَى عَلَيْهَا جَارٍ فِيهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِثْنَاءِ شَيْءٍ ، وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ ، وَالْجُمْهُورُ ، وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى إيجَابِ الْخُمُسِ فِي الْفَيْءِ كَمَا أَجْمَعُوا عَلَى إيجَابِهِ فِي الْغَنِيمَةِ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَبْلَ الشَّافِعِيِّ قَالَ بِالْخُمُسِ فِي الْفَيْءِ ا هـ . وَاَلَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ هُوَ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى { مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ } فَلَفْظُ التَّنْزِيلِ فِي الْقِسْمَيْنِ مُتَّحِدٌ فَمَا وَجْهُ تَفْرِقَةِ الْجُمْهُورِ بَيْنَهُمَا ، ثُمَّ إنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي الْأَخْمَاسِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّهَا كَانَتْ فِي زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُ مَضْمُومَةً لِمَالِهِ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ فَكَانَ لَهُ أَحَدٌ وَعِشْرُونَ سَهْمًا مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ سَهْمًا . وَأَمَّا بَعْدَهُ فَفِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ ( أَظْهَرُهَا ) أَنَّهَا لِلْمُرْتَزِقَةِ الْمُرْصَدِينَ لِلْجِهَادِ ( وَالثَّانِي ) لَلْمَصَالِح كَخُمُسِ الْخُمُسِ ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّهَا تُقْسَمُ كَمَا يُقْسَمُ الْخُمُسُ ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ جَمِيعُ الْفَيْءِ لِلْمَصَالِحِ ، وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا أَنَّهُ يَقْسِمُ جَمِيعَ الْفَيْءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ لِلْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ ، كَمَا يَقُولُهُ فِي خُمُسِ الْغَنِيمَةِ ، وَحُكِيَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّ خُمُسَ الْفَيْءِ وَالْغَنِيمَةِ يُقْسَمُ عَلَى أَرْبَعَةٍ ، ثَلَاثَةٌ لِهَؤُلَاءِ ، وَوَاحِدٌ لِلْفُقَرَاءِ مِنْ ذَوِي الْقُرْبَى . { الرَّابِعَةُ } اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَرْضَ الْعَنْوَةِ حُكْمُهَا حُكْمُ سَائِرِ الْغَنِيمَةِ لِأَنَّ خُمُسَهَا لِأَهْلِ الْخُمُسِ ، وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا لِلْغَانِمِينَ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ ، وَقَيْصَرُ لَيَهْلِكَنَّ فَلَا يَكُونُ قَيْصَرُ بَعْدَهُ ، وَلْتُقَسِّمُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرُ بَعْدَهُ ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا يَكُونُ كِسْرَى بَعْدَهُ ، وَقَيْصَرُ لَيَهْلِكَنَّ فَلَا يَكُونُ قَيْصَرُ بَعْدَهُ ، وَلْتُقَسِّمُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا هَلَكَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ ، وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرُ بَعْدَهُ ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَالشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . { الثَّانِيَةُ } قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ الْمُطَرِّزُ ، وَابْنُ خَالَوَيْهِ ، وَآخَرُونَ مِنْ الْأَئِمَّةِ كَلَامًا مُتَدَاخِلًا حَاصِلُهُ أَنَّ كُلَّ مَنْ مَلَكَ الْمُسْلِمِينَ يُقَالُ لَهُ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ مَلَكَ الرُّومِ قَيْصَرُ وَمَنْ مَلَكَ الْحَبَشَةِ النَّجَاشِيُّ ، وَمَنْ مَلَكَ الْيَمَنَ تُبَّعٌ ، وَمَنْ مَلَكَ حِمْيَرَ الْقَيْلُ بِفَتْحِ الْقَافِ ، وَقِيلَ الْقَيْلُ أَقَلُّ دَرَجَةً مِنْ الْمَلِكِ ا هـ وَيَجُوزُ فِي كِسْرَى فَتْحُ الْكَافِ وَكَسْرُهَا ، وَحُكِيَ الْفَتْحُ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ ، وَالْكَسْرُ عَنْ غَيْرِهِ . { الثَّالِثَةُ } مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ هَذَا الْكَلَامَ قَبْلَ هَلَاكِ كِسْرَى لَكِنَّ لَفْظَ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { قَدْ مَاتَ كِسْرَى فَلَا كِسْرَى بَعْدَهُ } مَعَ قَوْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ الْأُخْرَى { وَإِذَا هَلَكَ قَيْصَرُ فَلَا قَيْصَرَ بَعْدَهُ } ، وَقَدْ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ هَذِهِ الطَّرِيقِ الَّتِي رَوَاهَا مِنْهَا مُسْلِمٌ بِلَفْظِ { إذَا هَلَكَ كِسْرَى } . وَيُوَافِقُ الرِّوَايَةَ الَّتِي لَفْظُهَا { قَدْ مَاتَ كِسْرَى } مَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ . { لَمَّا بَلَغَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ أَهْلِ فَارِسَ قَدْ مَلَّكُوا عَلَيْهِمْ بِنْتَ كِسْرَى قَالَ لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمْ امْرَأَةً } فَظَاهِرُ الرِّوَايَتَيْنِ التَّنَافِي ، وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بِأَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ سَمِعَ ذَلِكَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّتَيْنِ ( إحْدَاهُمَا ) قَبْلَ مَوْتِ كِسْرَى بِلَفْظِ { إذَا هَلَكَ كِسْرَى } وَالْأُخْرَى بَعْدَ مَوْتِهِ بِلَفْظِ { قَدْ مَاتَ كِسْرَى } . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ إنَّهُ بَعِيدٌ ثُمَّ قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُفَرَّقَ بَيْنَ الْمَوْتِ وَالْهَلَاكِ فَيُقَالُ إنَّ مَوْتَ كِسْرَى قَدْ وَقَعَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَ عَنْهُ بِذَلِكَ ، وَأَمَّا إهْلَاكُ مُلْكِهِ فَلَمْ يَقَعْ إلَّا بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَوْتِ أَبِي بَكْرٍ ، وَذَلِكَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ ( قُلْت ) الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ { قَدْ مَاتَ كِسْرَى } مِنْ الْإِخْبَارِ عَنْ الشَّيْءِ قَبْلَ وُقُوعِهِ لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { أَتَى أَمْرُ اللَّهِ } فَعَبَّرَ عَنْ الْمُسْتَقْبَلِ بِالْمَاضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ ، وَتَتَّفِقُ الرِّوَايَتَانِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الرَّابِعَةُ } قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ : مَعْنَاهُ لَا يَكُونُ كِسْرَى بِالْعِرَاقِ ، وَلَا قَيْصَرُ بِالشَّامِ كَمَا كَانَ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْلَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِانْقِطَاعِ مُلْكِهِمَا فِي هَذَيْنِ الْإِقْلِيمَيْنِ وَكَانَ كَمَا قَالَ ؛ فَأَمَّا كِسْرَى فَانْقَطَعَ مُلْكُهُ ، وَزَالَتْ مَمْلَكَتُهُ مِنْ جَمِيعِ الْأَرْضِ ، وَتَمَزَّقَ مُلْكُهُ كُلَّ مُمَزَّقٍ ، وَاضْمَحَلَّ بِدَعْوَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَمَّا قَيْصَرُ فَانْهَزَمَ مِنْ الشَّامِ ، وَدَخَلَ أَقْصَى بِلَادِهِ فَافْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ بِلَادَهُمَا ، وَاسْتَقَرَّتْ لِلْمُسْلِمِينَ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ا هـ وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ذَلِكَ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَالْحَدِيثُ الْمُشَارُ إلَيْهِ فِي تَفْرِيقِ مُلْكِ كِسْرَى رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ بِكِتَابِهِ إلَى كِسْرَى مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ فَأَمَرَهُ أَنْ يَدْفَعَهُ إلَى عَظِيمِ الْبَحْرَيْنِ ؛ فَدَفَعَهُ عَظِيمُ الْبَحْرَيْنِ إلَى كِسْرَى فَلَمَّا قَرَأَهُ مَزَّقَهُ } فَحَسِبْت أَنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ { فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُمَزَّقُوا كُلَّ مُمَزَّقٍ } وَحَكَى الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فِي مَعْنَاهُ قَوْلَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَعُودُ لِلرُّومِ ، وَلَا لِلْفُرْسِ مُلْكٌ قَالَ : وَهَذَا يَصِحُّ فِي كِسْرَى ، وَأَمَّا الرُّومُ فَقَدْ أَنْبَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَقَاءِ مُلْكِهِمْ إلَى نُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ؛ ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ الْمُسْتَوْرِدِ الْقُرَشِيِّ أَنَّهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { تَقُومُ السَّاعَةُ وَالرُّومُ أَكْثَرُ النَّاسِ } . ( الْقَوْلُ الثَّانِي ) أَنَّ مَعْنَاهُ إذَا هَلَكَ كِسْرَى وَقَيْصَرُ فَلَا يَكُونُ بَعْدَهُمَا مِثْلُهُمَا ، قَالَ : وَكَذَلِكَ كَانَ ، وَهَذَا أَعَمُّ وَأَتَمُّ ( قُلْت ) وَمِمَّا انْقَرَضَ ، وَلَمْ يَعُدْ بَقَاءُ اسْمِ قَيْصَرَ لِأَنَّ مُلُوكَ الرُّومِ لَا يُسَمَّوْنَ الْآنَ بِالْأَقَاصِرَةِ ، وَذَهَبَ ذَلِكَ الِاسْمُ عَنْ مُلْكِهِمْ فَصَدَقَ أَنَّهُ لَا قَيْصَرَ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَوَّلِ ، وَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ { لَا كِسْرَى } عَلَى ظَاهِرِهِ مُطْلَقًا ، وَأَمَّا قَوْلُهُ { لَا قَيْصَرَ } فَفِيهِ أَرْبَعُ احْتِمَالَاتٍ : لَا قَيْصَرَ بِالشَّامِ ؛ لَا قَيْصَرَ كَمَا كَانَ لَا قَيْصَرَ فِي الِاسْمِ ، لَا قَيْصَرَ مُطْلَقًا ، وَلَا يَصِحُّ هَذَا الرَّابِعُ لِمُخَالِفَتِهِ لِلْوَاقِعِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةُ } قَوْلُهُ { وَلْتُقَسِّمُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، وَقَوْلُهُ { لَتُنْفِقُنَّ كُنُوزَهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } أَمْرَانِ وَقَعَا كَمَا أَخْبَرَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُسِّمَتْ كُنُوزُهُمَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ ثُمَّ أَنْفَقَهَا الْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ الْغَزْوُ ، وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغَنِيمَةَ لِلْمُجَاهِدِينَ ، وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يُخْرَجُ مِنْهَا الْخُمُسُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الْكِتَابُ الْعَزِيزُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ قِبَلَ نَجْدٍ فَغَنِمُوا إبِلًا كَثِيرَةً فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ اثْنَا عَشَرَ بَعِيرًا أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا وَنُفِلُوا بَعِيرًا } . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَعَثَ سَرِيَّةً فِيهَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ قِبَلَ نَجْدٍ فَغَنِمُوا إبِلًا كَثِيرَةً فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ اثْنَا عَشَرَ بَعِيرًا أَوْ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا وَنُفِلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَأَبُو دَاوُد مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَمُسْلِمٍ ، وَأَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَفِي رِوَايَةِ مَنْ سِوَى مَالِكٍ الْجَزْمُ { بِأَنَّ سُهْمَانُهُمْ بَلَغَتْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا } وَزَادَ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ { فَلَمْ يُغَيِّرْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } ، وَفِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ { ، وَنَفَلَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعِيرًا بَعِيرًا } . وَقَالَ أَبُو دَاوُد رَوَاهُ بُرْدُ بْنُ سِنَانٍ عَنْ نَافِعٍ مِثْلَ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَرَوَاهُ أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ إلَّا أَنَّهُ قَالَ { وَنَفَلَنَا بَعِيرًا بَعِيرًا } لَمْ يَذْكُرْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { بَعَثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً إلَى نَجْدٍ فَخَرَجْت مَعَهَا فَأَصَبْنَا نَعَمًا كَثِيرَةً فَنَفَلَنَا أَمِيرُنَا بَعِيرًا بَعِيرًا لِكُلِّ إنْسَانٍ ثُمَّ قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَسَمَ بَيْنَنَا فَأَصَابَ كُلُّ رَجُلٍ مِنَّا اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا بَعْدَ الْخُمُسِ ، وَمَا حَاسَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاَلَّذِي أَعْطَانَا صَاحِبُنَا ، وَلَا عَابَ عَلَيْهِ مَا صَنَعَ فَكَانَ لِكُلِّ رَجُلٍ مِنَّا ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا بِنَفْلِهِ } وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جَيْشٍ قِبَلَ نَجْدٍ ، وَانْبَعَثَتْ سَرِيَّةٌ مِنْ الْجَيْشِ فَكَانَ سُهْمَانُ الْجَيْشِ اثْنَا عَشَرَ بَعِيرًا اثْنَا عَشَرَ بَعِيرًا ، وَنُفِلَ أَهْلُ السَّرِيَّةِ بَعِيرًا بَعِيرًا فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ } ، وَفِيهِ قَالَ الْوَلِيدُ حَدَّثَتْ ابْنَ الْمُبَارَكِ بِهَذَا الْحَدِيثِ ( قُلْت ) وَكَذَا حَدَّثَنَا أَبُو فَرْوَةَ عَنْ نَافِعٍ قَالَ لَا تَعْدِلْ مَنْ سَمَّيْت بِمَالِكٍ هَكَذَا أَوْ نَحْرُهُ يَعْنِي مَالِكَ بْنَ أَنَسٍ ، وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ ، وَفِيهِ أَنَّ ذَلِكَ الْجَيْشَ كَانَ أَرْبَعَةَ آلَافٍ . { الثَّانِيَةُ } هَذَا الَّذِي وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا مِنْ التَّرَدُّدِ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ هَلْ بَلَغَ كُلُّ سَهْمٍ أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا هُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ جَمَاعَةٍ رَوَاهُ الْمَوْلَى كَمَا حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَكِنْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ فَجَمَعَ بَيْنَ رِوَايَتَيْهِمَا ، وَقَالَ فِيهَا فَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّهُ حَمَلَ فِيهِ حَدِيثَ مَالِكٍ عَلَى حَدِيثِ اللَّيْثِ لِأَنَّ الْقَعْنَبِيَّ رَوَاهُ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ مَالِكٍ الشَّكُّ كَمَا عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ فَلَا أَدْرِي أَمِنْ الْقَعْنَبِيِّ جَاءَ هَذَا حِينَ خَلَّطَ حَدِيثَ اللَّيْثِ بِحَدِيثِ مَالِكٍ أَمْ مِنْ أَبِي دَاوُد . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَبْلَ ذَلِكَ إنَّ جَمَاعَةَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأِ رَوَوْهُ عَنْ مَالِكٍ عَلَى الشَّكِّ إلَّا الْوَلِيدَ بْنَ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ رَوَى اثْنَيْ عَشَرَ بِدُونِ شَكٍّ ، قَالَ : وَأَظُنُّهُ حَمَلَهُ عَلَى رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ حَمْزَةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْهُ عَلَى الْجَزْمِ بِاثْنَيْ عَشَرَ فَحَمَلَ حَدِيثَ مَالِكٍ عَلَى هَذَا ، وَهُوَ غَلَطٌ ، قَالَ : وَكَانَ سَائِرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ [ يَرْوِي ] اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرٍ شَكَّ فِي ذَلِكَ مِنْهُمْ غَيْرُ مَالِكٍ . { الثَّالِثَةُ } قَوْلُهُ { قِبَلَ نَجْدٍ } بِكَسْرِ الْقَافِ وَفَتْحِ الْبَاءِ أَيْ الَّذِي يَلِي نَجْدًا قَالَ فِي الْمُحْكَمِ وَ ( قِبَلَ ) يَكُونُ لِمَا وَلِيَ الشَّيْءَ تَقُولُ ذَهَبْت قِبَلَ السُّوقِ ، وَقَالُوا ( إلَى قِبَلَك مَالٌ ) أَيْ فِيمَا يَلِيك ، اتَّسَعَ فِيهِ فَأَجْرِي مَجْرَى عَلَيَّ إذَا قُلْت لِي عَلَيْك مَالٌ انْتَهَى وَ ( نَجْدٌ ) بِلَادٌ مُرْتَفِعَةٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْحِجَازِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ وَكُلُّ مَا ارْتَفَعَ مِنْ تِهَامَةَ إلَى أَرْضِ الْعِرَاقِ فَهُوَ نَجْدٌ وَ { السُّهْمَانُ } بِضَمِّ السِّينِ جَمْعُ سَهْمٍ ، وَهُوَ النَّصِيبُ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ نَصِيبَ كُلِّ وَاحِدٍ بَلَغَ هَذَا الْعَدَدَ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد ، لَا مَجْمُوعُ الْأَنْصِبَاءِ كَمَا تَوَهَّمَهُ بَعْضُهُمْ ، وَهُوَ غَلَطٌ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ ، وَغَيْرُهُ ، وَقَوْلُهُ { وَنُفِلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا } أَيْ أُعْطِيَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زِيَادَةً عَلَى السَّهْمِ الْمُسْتَحَقِّ لَهُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْفُقَهَاءُ الْأَنْفَالُ هِيَ الْعَطَايَا مِنْ الْغَنِيمَةِ غَيْرُ السَّهْمِ الْمُسْتَحَقِّ بِالْقِسْمَةِ ، وَأَحَدُهَا نَفَلٌ بِفَتْحِ الْفَاءِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَحُكِيَ إسْكَانُهَا أَيْضًا . { الرَّابِعَةُ } اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي أَنَّ هَذَا الْقَسْمَ وَالتَّنْفِيلَ هَلْ كَانَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ مِنْ أَمِيرِ السُّرِّيَّةِ ، وَأَقَرَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ { فَلَمْ يُغَيِّرْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } أَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ كَانَ مِنْ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ ، وَلَمْ يُغَيِّرْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَصَرَّحَ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِقَوْلِهِ { ، وَنَفَلَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعِيرًا بَعِيرًا } ، وَظَاهِرُهُ أَنْ قَسْمَ الْغَنِيمَةِ فِعْلُ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ ، وَالتَّنْفِيلَ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَكْسُ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي أَنَّ التَّنْفِيلَ مِنْ أَمِيرِ السَّرِيَّةِ ، وَقَسْمَ الْغَنِيمَةِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَجَّحَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ رِوَايَةَ غَيْرِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَلَى رِوَايَتِهِ قَالَ لِأَنَّهُمْ جَمَاعَةٌ حُفَّاظٌ ، وَأَشَارَ إلَى الِاخْتِلَافِ بَيْنَ رِوَايَتِي اللَّيْثِ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ نَفَلَنَا بِمَعْنَى أَجَازَ ذَلِكَ لَنَا ، وَجَزَمَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا فَقَالَ : وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ أَمِيرَ السَّرِيَّةِ نَفَلَهُمْ فَأَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَجُوزُ نِسْبَتُهُ إلَى كُلٍّ مِنْهُمَا . { الْخَامِسَةُ } ظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَسَائِرِ الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ أَنَّ هَذِهِ السَّرِيَّةَ لَمْ تَكُنْ قِطْعَةً مِنْ جَيْشٍ كَبِيرٍ بَلْ هُمْ جَمَاعَةٌ أُخْرِجُوا لِذَلِكَ مُنْفَرِدِينَ فَبَلَغَ كُلُّ سَهْمٍ مِنْ سِهَامِ غَنِيمَتِهِمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا ، وَأُعْطُوا زِيَادَةً عَلَى سَهْمِ الْغَنِيمَةِ عَلَى طَرِيقِ التَّنْفِيلِ كُلَّ وَاحِدٍ بَعِيرًا ، وَفِي رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا مِنْ سُنَنِ أَبِي دَاوُد { أَنَّ تِلْكَ السَّرِيَّةَ كَانَتْ قِطْعَةً مِنْ جَيْشٍ ، وَأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ ذَلِكَ الْجَيْشِ بَلَغَ سَهْمُهُ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا ، وَتَمَيَّزَتْ السَّرِيَّةُ عَلَى الْجَيْشِ بِنَفْلِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بَعِيرًا فَبَلَغَ سَهْمُهُ بِالتَّنْفِيلِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا } ، وَمَشَى عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَاعْتَمَدَ عَلَى ذَلِكَ أَبُو دَاوُد وَبَوَّبَ عَلَيْهِ فِي سُنَنِهِ بَابُ نَفْلِ السُّرِّيَّةِ تَخْرُجُ مِنْ الْعَسْكَرِ ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الْمُبَارَكِ أَشَارَ إلَى تَضْعِيفِهَا بِمُعَارَضَتِهَا لِمَا هُوَ أَصَحُّ مِنْهَا بِقَوْلِهِ لَا تَعْدِلْ مَنْ سَمَّيْت مِنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّمَا قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ هَذَا لِمُخَالَفَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ مَالِكًا فِي مَعْنَاهُ لِأَنَّ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ أَنَّ الْقِسْمَةَ وَالنَّفَلَ كَانَ كُلُّهُ لَهَا لَا يَشْرَكُهَا فِيهِ جَيْشٌ وَلَا غَيْرُهُ ، وَجَعَلَ شُعَيْبٌ السَّرِيَّةَ مُنْبَعِثَةً مِنْ جَيْشٍ ، وَأَنَّ الْغَنِيمَةَ كَانَتْ بَيْنَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ وَالسَّرِيَّةِ ، وَفُضِّلَ أَهْلُ السَّرِيَّةِ عَلَى الْجَيْشِ بِبَعِيرٍ بَعِيرٍ لِمَوْضِعِ شَخْصِهِمْ وَنَصِيبِهِمْ قَالَ : وَلَا يَخْتَلِفُ الْفُقَهَاءُ أَنَّ كُلَّ مَا أَصَابَتْهُ السَّرِيَّةُ يُشَارِكُهُمْ فِيهِ أَهْلُ الْجَيْشِ ، وَمَا صَارَ لِلْعَسْكَرِ تَشْرَكُهُمْ فِيهِ السَّرِيَّةُ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا رَدٌّ لِصَاحِبِهِ ( قُلْت ) الْمُرَادُ الْجَيْشُ الْخَارِجُ إلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ ، وَاَلَّذِي انْفَرَدَتْ مِنْهُ هَذِهِ السَّرِيَّةُ لِمَصْلَحَةٍ أَمَّا الْجَيْشُ الْقَاعِدُ فِي بِلَادِ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يُشَارِكُ السَّرِيَّةَ الْخَارِجَةَ إلَى بِلَادِ الْعَدُوِّ وَحْدَهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّادِسَةُ } فِيهِ إثْبَاتُ النَّفْلِ ، وَالْمُرَادُ بِهِ تَخْصِيصُ مَنْ صَنَعَ صُنْعًا جَمِيلًا فِي الْحَرْبِ انْفَرَدَ بِهِ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَالِ ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي مَحِلِّهِ هَلْ هُوَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ أَمْ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِهَا أَمْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ ، وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلشَّافِعِيِّ ، وَبِكُلٍّ مِنْهَا قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَآخَرِينَ قَالَ : وَمِمَّنْ قَالَ إنَّهُ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَآخَرُونَ قَالَ الْأَوَّلُونَ : وَلَوْ كَانَ التَّنْفِيلُ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا التَّفْضِيلِ مَعْنًى وَلَكَانَ الْكَلَامُ مُخْتَلَّ اللَّفْظِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ أَكْثَرُ مَا رُوِيَ مِنْ الْأَخْبَارِ فِي هَذَا الْبَابِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّفَلَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَفِي رِوَايَةِ مَالِكٍ ، وَغَيْرِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّفَلَ لَمْ يَكُنْ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ ، وَإِنَّمَا كَانَ مِنْ الْخُمُسِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَيَّ ذَلِكَ كَانَ انْتَهَى وَأَجَازَ النَّخَعِيّ أَنْ تُنَفَّلَ السَّرِيَّةُ جَمِيعَ مَا غَنِمَتْهُ دُونَ بَاقِي الْجَيْشِ قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ خِلَافُ مَا قَالَهُ الْعُلَمَاءُ كَافَّةً قَالَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ لَوْ نَفَلَهُمْ الْأَمَامُ مِنْ أَمْوَالِ بَيْتِ الْمَالِ الْعَتِيدَةِ دُونَ الْغَنِيمَةِ جَازَ ، وَمَا حَكَمْته أَوَّلًا مِنْ أَنَّ التَّنْفِيلَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ تَبِعْت فِيهِ النَّوَوِيَّ لَكِنْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ النَّفَلُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ ( أَحَدُهَا ) أَنْ يُرِيدَ الْإِمَامُ تَفْضِيلَ بَعْضِ الْجَيْشِ بِشَيْءٍ يَرَاهُ مِنْ عَنَائِهِ وَبَأْسِهِ وَبَلَائِهِ أَوْ لِمَكْرُوهٍ تَحَمَّلَهُ دُونَ سَائِرِ الْجَيْشِ فَيُنَفِّلَهُ مِنْ الْخُمُسِ لَا مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ ( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) أَنَّ الْإِمَامَ إذَا بَعَثَ سُرِّيَّةً مِنْ الْعَسْكَرِ فَأَرَادَ أَنْ يُنَفِّلَهَا مِمَّا غَنِمَتْ دُونَ أَهْلِ الْعَسْكَرِ فَحَقُّهُ أَنْ يُخَمِّسَ مَا غَنِمَتْ ثُمَّ يُعْطِيَ السَّرِيَّةَ مِمَّا بَقِيَ بَعْدَ الْخُمُسِ مَا شَاءَ رُبْعًا أَوْ ثُلُثًا ، وَلَا يَزِيدُ عَلَى الثُّلُثِ لِأَنَّهُ أَقْصَى مَا رُوِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَلَهُ ، وَيَقْسِمُ الْبَاقِيَ بَيْنَ جَمِيعِ أَهْلِ الْعَسْكَرِ وَبَيْنَ السَّرِيَّةِ ( وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ ) أَنْ يُحَرِّضَ الْإِمَامُ وَأَمِيرُ الْجَيْشِ أَهْلَ الْعَسْكَرِ عَلَى الْقِتَالِ قَبْلَ لِقَاءِ الْعَدُوِّ ، وَيُنَفِّلَ جَمِيعَهُمْ مِمَّا يَصِيرُ بِأَيْدِيهِمْ ، وَيَفْتَحُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . ( الرَّابِعُ ) أَوْ ( الثُّلُثُ ) قَبْلَ الْقِسْمَةِ تَحْرِيضًا مِنْهُ عَلَى الْقِتَالِ ، وَهَذَا الْوَجْهُ كَانَ مَالِكٌ يَكْرَهُهُ وَلَا يُجِيزُهُ وَلَا يَرَاهُ ، وَكَانَ يَقُولُ قِتَالُهُمْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ إنَّمَا يَكُونُ لِلدُّنْيَا ، وَأَجَازَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ انْتَهَى . وَكَذَا حَكَى الْخَطَّابِيُّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى النَّفَلَ ، وَالْمُرَادُ بِهِ ذِكْرُهُ أَوَّلًا لِلتَّرْغِيبِ ، وَقَالَ الْجُمْهُورُ إنَّ التَّنْفِيلَ يَكُونُ فِي كُلِّ غَنِيمَةٍ سَوَاءً الْأُولَى وَغَيْرُهَا ، وَسَوَاءً غَنِيمَةُ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ، وَغَيْرُهُمَا ، وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الشَّامِيِّينَ لَا يُنَفِّلُ فِي أَوَّلِ غَنِيمَةٍ ، وَلَا يُنَفِّلُ ذَهَبًا وَلَا فِضَّةً . { السَّابِعَةُ } قَوْلُهُ { وَنُفِلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا } قَالَ النَّوَوِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّ الَّذِينَ اسْتَحَقُّوا النَّفَلَ نُفِلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا لَا أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ السَّرِيَّةِ نُفِلَ ( قُلْت ) هَذَا خِلَافُ ظَاهِرِ اللَّفْظِ فَالظَّاهِرُ أَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ السَّرِيَّةِ نُفِلَ ، وَسَبَبُهُ زِيَادَةُ عَنَائِهِ وَنَفْعِهِ بِانْفِرَادِهِ عَنْ بَقِيَّةِ الْجَيْشِ بِتِلْكَ السَّفْرَةِ وَالْمَشَقَّةِ . بَابُ تَحْرِيمِ الْغُلُولِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَسْرِقُ سَارِقٌ حِينَ يَسْرِقُ ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَزْنِي زَانٍ ، وَهُوَ حِينَ يَزْنِي مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَشْرَبُ الشَّارِبُ حِينَ يَشْرَبُ ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، يَعْنِي الْخَمْرَ ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَنْتَهِبُ أَحَدُكُمْ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ إلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ أَعْيُنَهُمْ فِيهَا ، وَهُوَ حِينَ يَنْتَهِبُهَا مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِينَ يَغُلُّ ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَإِيَّاكُمْ إيَّاكُمْ } لَمْ يَذْكُرْ الْبُخَارِيُّ فِيهِ الْغُلُولَ ، وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ { وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ } وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ { يُنْزَعُ الْإِيمَانُ مِنْ قَلْبِهِ فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ } . بَابُ تَحْرِيمِ الْغُلُول عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَسْرِقُ سَارِقٌ حِينَ يَسْرِقُ ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَزْنِي زَانٍ حِينَ يَزْنِي ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، وَلَا يَشْرَبُ الشَّارِبُ حِينَ يَشْرَبُ ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ يَعْنِي الْخَمْرَ ، وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَا يَنْتَهِبُ أَحَدُكُمْ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ إلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ أَعْيُنَهُمْ فِيهَا ، وَهُوَ حِينَ يَنْتَهِبُهَا مُؤْمِنٌ وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ حِينَ يَغُلُّ ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ ؛ فَإِيَّاكُمْ إيَّاكُمْ } لَمْ يَذْكُرْ الْبُخَارِيُّ فِيهِ الْغُلُولَ . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } تَفَرَّدَ بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَبِي أُسَامَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْجُمَلِ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ ، وَفِيهِ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ يُحَدِّثُهُمْ هَؤُلَاءِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ثُمَّ يَقُولُ وَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَلْعَقُ مَعَهُنَّ { وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ النَّاسُ إلَيْهِ فِيهَا أَبْصَارَهُمْ حِين يَنْتَهِبُهَا ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ } وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْجُمَلِ الْأَرْبَعِ الْأُوَلِ ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِالْجُمَلِ الثَّلَاثِ الْأُوَلِ ، وَفِيهِ { ، وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ } ، وَأَخْرَجَهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ طَرِيقِ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ { فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ } ، وَحَكَى الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى مِنْ الْأَحْكَامِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَزَّارِ { يُنْزَعُ الْإِيمَانُ مِنْ قَلْبِهِ } ، وَلَمْ أَرَ هَذِهِ الْجُمْلَةَ فِيهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَسَنَذْكُرُهَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَغَيْرِهِ ، وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ السُّدِّيَّ ، وَهُوَ إسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي كَرِيمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِيهِ { الْإِيمَانُ أَكْرَمُ عَلَى اللَّهِ مِنْ ذَلِكَ } ، وَرَوَى الْبَزَّارُ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ هَذَا الْمَتْنَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، وَفِيهِ { قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كَيْفَ يَكُونُ ذَلِكَ قَالَ يَخْرُجُ الْإِيمَانُ مِنْهُ فَإِنْ تَابَ رَجَعَ إلَيْهِ } ، وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { إذَا زَنَى الْمُؤْمِنُ خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ فَكَانَ عَلَيْهِ كَالظُّلَّةِ فَإِذَا انْقَطَعَ رَجَعَ إلَيْهِ الْإِيمَانُ } وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْمُعْجَمِ الْكَبِيرِ بِإِسْنَادٍ فِيهِ جَهَالَةٌ عَنْ شَرِيكٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ زَنَى خَرَجَ مِنْهُ الْإِيمَانُ فَإِنْ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ } ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ هُوَ نَقْلُ تَوَاتُرٍ يُوجِبُ صِحَّةَ الْعِلْمِ . { الثَّانِيَةُ } قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَاهُ فَالصَّحِيحُ الَّذِي قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ أَنَّ مَعْنَاهُ لَا يَفْعَلُ هَذِهِ الْمَعَاصِي وَهُوَ كَامِلُ الْإِيمَانِ ، وَهَذَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الَّتِي تُطْلَقُ عَلَى نَفْي الشَّيْءِ ، وَيُرَادُ نَفْيُ كَمَالِهِ وَمُخْتَارِهِ كَمَا يُقَالُ لَا عِلْمَ إلَّا مَا نَفَعَ ، وَلَا مَالَ إلَّا الْإِبِلُ ، وَلَا عَيْشَ إلَّا عَيْشُ الْآخِرَةِ ، وَإِنَّمَا تَأَوَّلْنَاهُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ : لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ، وَغَيْرِهِ { مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَإِنْ زَنَا وَإِنْ سَرَقَ } وَحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ { أَنَّهُمْ بَايَعُوهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنْ لَا يَسْرِقُوا وَلَا يَزْنُوا وَلَا يَعْصُوا إلَى آخِرِهِ ثُمَّ قَالَ لَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ ، وَمَنْ فَعَلَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَعُوقِبَ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ كَفَّارَةٌ ، وَمَنْ فَعَلَ وَلَمْ يُعَاقَبْ فَهُوَ إلَى اللَّهِ إنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ } فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ مَعَ نَظَائِرِهِمَا فِي الصَّحِيحِ مَعَ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ { إنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ } مَعَ إجْمَاعِ أَهْلِ الْحَقِّ عَلَى أَنَّ الزَّانِي ، وَالسَّارِقَ ، وَالْقَاتِلَ ، وَغَيْرَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ غَيْرِ الشِّرْكِ لَا يَكْفُرُونَ بِذَلِكَ بَلْ هُمْ مُؤْمِنُونَ نَاقِصُوا الْإِيمَانِ إنْ تَابُوا سَقَطَتْ عُقُوبَتُهُمْ ، وَإِنْ مَاتُوا مُصِرِّينَ عَلَى الْكَبَائِرِ كَانُوا فِي الْمَشِيئَةِ فَإِنْ شَاءَ اللَّهَ عَفَا عَنْهُمْ ، وَأَدْخَلَهُمْ الْجَنَّةَ أَوَّلًا ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُمْ ، وَأَدْخَلَهُمْ الْجَنَّةَ قَالَ : وَكُلُّ هَذِهِ الدَّلَائِلِ تَضْطَرُّنَا إلَى تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ وَشَبَهِهِ ثُمَّ إنَّ هَذَا التَّأْوِيلَ ظَاهِرٌ سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ مُسْتَعْمَلٌ فِيهَا كَثِيرًا ، وَإِذَا وَرَدَ حَدِيثَانِ مُخْتَلِفَانِ ظَاهِرًا وَجَبَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، وَتَأَوَّلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ مُسْتَحِلًّا مَعَ عِلْمِهِ بِوُرُودِ الشَّرْعِ بِتَحْرِيمِهِ . وَقَالَ الْحَسَنُ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ مَعْنَاهُ يُنْزَعُ مِنْهُ اسْمُ الْمَدْحِ الَّذِي يُسَمَّى بِهِ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَيَسْتَحِقُّ اسْمَ الذَّمِّ فَيُقَالُ سَارِقٌ وَزَانٍ وَفَاجِرٌ وَفَاسِقٌ ، وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّ مَعْنَاهُ يُنْزَعُ مِنْهُ نُورُ الْإِيمَانِ ، وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ . وَقَالَ الْمُهَلَّبُ يُنْزَعُ مِنْهُ بَصِيرَتُهُ فِي طَاعَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَذَهَبَ الزُّهْرِيُّ إلَى أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَمَا أَشْبَهَهُ يُؤْمَنُ بِهَا ، وَتُمَرُّ عَلَى مَا جَاءَتْ ، وَلَا يُخَاضُ فِي مَعْنَاهَا فَإِنَّا لَا نَعْلَمُ مَعْنَاهَا ، وَقَالَ : أَمِرَّهَا كَمَا أَمَرَّهَا مَنْ قَبْلَكُمْ ، وَقِيلَ ، وَفِي مَعْنَى الْحَدِيثِ غَيْرُ مَا ذَكَرْته مِمَّا لَيْسَ بِظَاهِرٍ بَلْ بَعْضُهَا غَلَطٌ فَتَرَكْتهَا ، وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الَّتِي ذَكَرْتهَا فِي تَأْوِيلِهِ كُلِّهَا مُحْتَمَلَةٌ ، وَالصَّحِيحُ فِي مَعْنَى الْحَدِيثِ مَا قَدَّمْنَاهُ أَوَّلًا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى . وَيُوَافِقُ التَّأْوِيلَ الَّذِي صَحَّحَهُ مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَأَدَارَ دَارَةً وَاسِعَةً فِي الْأَرْضِ ثُمَّ أَدَارَ فِي وَسَطِ الدَّارَةِ دَارَةً فَقَالَ الدَّارَةُ الْأُولَى الْإِسْلَامُ ، وَالدَّارَةُ الَّتِي فِي وَسَطِ الدَّارَةِ الْأُولَى الْإِيمَانُ فَإِذَا زَنَا خَرَجَ مِنْ الْإِيمَانِ إلَى الْإِسْلَامِ ، وَلَا يُخْرِجُهُ مِنْ الْإِسْلَامِ إلَّا الشِّرْكُ ، وَقَرَّرَ ابْنُ حَزْمٍ هَذَا الْقَوْلَ بِتَقْرِيرٍ حَسَنٍ ، وَهُوَ أَنَّ مَذْهَبَ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الْإِيمَانَ اعْتِقَادٌ بِالْقَلْبِ وَنُطْقٌ بِاللِّسَانِ ، وَعَمَلُ جَمِيعِ الطَّاعَاتِ فَرْضِهَا وَنَفْلِهَا ، وَاجْتِنَابُ الْمُحَرَّمَاتِ فَالْمُرْتَكِبُ لِبَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ لَمْ يَخْتَلَّ اعْتِقَادُهُ وَلَا نُطْقُهُ ، وَإِنَّمَا اخْتَلَّتْ طَاعَتُهُ فَالْإِيمَانُ الْمَنْفِيُّ عَنْهُ هُوَ الطَّاعَةُ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي أَعْلَامِ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ الْإِنْذَارُ بِزَوَالِ الْإِيمَانِ إذَا اعْتَادَهَا ، وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهَا كَقَوْلِهِ { مَنْ يَرْتَعْ حَوْلَ الْحِمَى يُوشِكُ أَنْ يَقَعَ فِيهِ } ، وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَرْوِيه { لَا يَشْرَبْ الْخَمْرَ } بِكَسْرِ الْبَاءِ عَلَى مَعْنَى النَّهْيِ يَقُولُ إذَا كَانَ مُؤْمِنًا فَلَا يَفْعَلْ هَكَذَا انْتَهَى ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الصَّغِيرِ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ قَيْسٍ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْحَدِيثَ ، { فَقَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ زَنَى فَقَدْ كَفَرَ فَقَالَ عَلِيٌّ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُبْهِمَ أَحَادِيثَ الرُّخَصِ لَا يَزْنِي الزَّانِي ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ أَنَّ ذَلِكَ الزِّنَا حَلَالٌ لَهُ فَإِنْ آمَنَ بِهِ أَنَّهُ لَهُ حَلَالٌ فَقَدْ كَفَرَ وَلَا يَسْرِقُ وَهُوَ مُؤْمِنٌ بِتِلْكَ السَّرِقَةِ أَنَّهَا لَهُ حَلَالٌ فَإِنْ آمَنَ بِهَا أَنَّهَا لَهُ حَلَالٌ فَقَدْ كَفَرَ وَلَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ حِينَ يَشْرَبُهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ أَنَّهَا لَهُ حَلَال فَإِنْ شَرِبَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ أَنَّهَا لَهُ حَلَالٌ فَقَدْ كَفَرَ ، وَلَا يَنْتَهِبُ نُهْبَةً ذَاتَ شَرَفٍ حِينَ يَنْتَهِبُهَا ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ أَنَّهَا لَهُ حَلَالٌ فَإِنْ انْتَهَبَهَا ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ أَنَّهَا لَهُ حَلَالٌ فَقَدْ كَفَرَ } لَكِنْ فِي إسْنَادِهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ يَحْيَى التَّيْمِيُّ ، وَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَى الْكَذِبِ ، وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى ذَكَرَ مَعْمَرٌ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَقَتَادَةَ ، وَعَنْ رَجُلٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَنْ أَبِي هَارُونَ الْعَبْدِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا نَهْيٌ ، يَقُولُ حِينَ هُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَفْعَلْنَ ، لَا يَسْرِقُ ، وَلَا يَزْنِي ، وَلَا يَقْتُلُ . { الثَّالِثَةُ } قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَشَارَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ مَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَنْبِيهٌ عَلَى جَمِيعِ أَنْوَاعِ الْمَعَاصِي وَالتَّحْذِيرُ مِنْهَا فَنَبَّهَ بِالزِّنَى عَلَى جَمِيعِ الشَّهَوَاتِ ، وَبِالسَّرِقَةِ عَلَى الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا ، وَالْحِرْصِ عَلَى الْحَرَامِ ، وَبِالْخَمْرِ عَلَى جَمِيعِ مَا يَصُدُّ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيُوجِبُ الْغَفْلَةَ عَنْ حُقُوقِهِ وَبِالِانْتِهَابِ الْمَوْصُوفِ عَلَى الِاسْتِخْفَافِ بِعِبَادِ اللَّهِ وَتَرْكِ تَوْقِيرِهِمْ ، وَالْحَيَاءُ مِنْهُمْ ، وَجَمْعُ الدُّنْيَا مِنْ غَيْرِ وَجْهِهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( قُلْت ) وَقَدْ يُقَالُ لَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الْوَعِيدِ فِي هَذِهِ الْكَبَائِرِ ثُبُوتُهُ فِيمَا هُوَ مِنْ جِنْسِهَا مِنْ الْمَعَاصِي الَّتِي لَا تَبْلُغُ مَفْسَدَتُهُ مَفْسَدَتَهَا لَا سِيَّمَا مَا كَانَ مِنْهَا صَغِيرَةٌ لَمْ يُصِرَّ عَلَيْهِ فَاعِلُهُ فَإِنَّهُ مُكَفَّرٌ بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ ، وَبِفِعْلِ الطَّاعَاتِ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ وَغَيْرِهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الرَّابِعَةُ } قَيَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفْيَ الْإِيمَانِ عَنْ مُرْتَكِبِ بَعْضِ هَذِهِ الْأُمُورِ بِحَالَةِ الِارْتِكَابِ لَهَا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَسْتَمِرُّ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يُؤْخَذَ بِظَاهِرِ هَذَا التَّقْيِيدِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنَّ زَوَالَ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ إذَا تَابَ أَمَّا إذَا كَانَ مُصِرًّا فَهُوَ كَالْمُرْتَكِبِ فَصِحَّةُ نَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْهُ مُسْتَمِرَّةٌ ، وَقَدْ يَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ { وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ } وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ ، وَيُوَافِقُهُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ أَنَّهُ قَالَ { لَا يَزْنِي وَهُوَ مُؤْمِنٌ حِينَ يَزْنِي فَإِذَا زَايَلَهُ رَجَعَ إلَيْهِ الْأَيْمَانُ لَيْسَ إذَا تَابَ مِنْهُ ، وَلَكِنَّ الْمُرَادَ إذَا أَخَّرَ عَنْ الْعَمَلِ بِهِ } قَالَ الرَّاوِي عَنْهُ ، وَحَسِبْته أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَعَلَّ السَّبَبَ فِي اخْتِصَاصِ ذَلِكَ بِحَالَةِ الْفِعْلِ أَنَّهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ كَالْكَافِرِ فِي جَوَازِ قِتَالِهِ لِدَفْعِهِ عَنْ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ ، وَقَدْ بَانَ لَنَا مِنْ هَذَا مَعْنًى حَسَنٌ فِي حِكْمَةِ نَفْيِ الْإِيمَانِ عَنْهُ ، وَهُوَ تَشْبِيهُهُ بِغَيْرِ الْمُؤْمِنِ فِي جَوَازِ قِتَالِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ لِيَنْكَفَّ عَنْ الْمَعْصِيَةِ ، وَلَوْ أَدَّى إلَى قَتْلِهِ ، وَإِنْ قُتِلَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَهُوَ هَدَرٌ فَانْتَفَتْ فَائِدَةُ الْإِيمَانُ فِي حَقِّهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى جَوَازِ قِتَالِهِ ، وَإِهْدَارِ دَمِهِ ، وَزَوَالِ عِصْمَتِهِ مَا دَامَ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةُ } { النُّهْبَةُ } بِضَمِّ النُّونِ الْمَنْهُوبِ ، وَقَوْلُهُ { ذَاتَ شَرَفٍ } بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ كَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ إنَّهُ كَذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الْمَعْرُوفَةِ وَالْأُصُولِ الْمَشْهُورَةِ الْمُتَدَاوَلَةِ قَالَ : وَمَعْنَاهُ ذَاتَ قَدْرٍ عَظِيمٍ ، وَقِيلَ ذَاتَ اسْتِشْرَافٍ يَسْتَشْرِفُ النَّاسُ لَهَا نَاظِرِينَ إلَيْهَا رَافِعِينَ أَبْصَارَهُمْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ ، وَرَوَاهُ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، وَكَذَا قَيَّدَهُ بَعْضُهُمْ فِي كِتَابِ مُسْلِمٍ ، وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَيْضًا ذَاتَ قَدْرٍ عَظِيمٍ فَالرِّوَايَتَانِ حِينَئِذٍ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . { السَّادِسَةُ } أَطْلَقَ فِي الْحَدِيثِ ذِكْرَ السَّرِقَةِ ، وَقَيَّدَ النُّهْبَةَ بِأَنْ تَكُونَ ذَاتَ شَرَفٍ يَرْفَعُ إلَيْهِ الْمُؤْمِنُونَ أَعْيُنَهُمْ فِيهَا ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّرِقَةَ أَشَدُّ مِنْ الْغَصْبِ ، وَيُوَافِقُ هَذَا كَلَامَ أَبِي سَعِيدٍ الْهَرَوِيِّ مِنْ أَصْحَابِنَا فَإِنَّهُ شَرَطَ فِي كَوْنِ الْغَصْبِ مِنْ الْكَبَائِرِ كَوْنَ الْمَغْصُوبِ نِصَابًا ، وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فِي السَّرِقَةِ ، وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا سَكَتَ هُوَ وَغَيْرُهُ عَنْ ذَلِكَ فِي السَّرِقَةِ لِأَنَّ الْمُتَبَادَرَ إلَى الْفَهْمِ مِنْ إطْلَاقِهَا كَوْنُ الْمَسْرُوقِ نِصَابًا فَإِنَّهُ الْمُوجِبُ لِلْقَطْعِ فَإِذَا أَطْلَقَ حُمِلَ عَلَى ذَلِكَ كَمَا كَانَ إطْلَاقَ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي قَوْله تَعَالَى { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } مَحْمُولًا عَلَى ذَلِكَ وَيَسْتَوِي حِينَئِذٍ الْبَابَانِ ، وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ تَعْظِيمُ شَأْنِ الْغَصْبِ عَلَى غَيْرِهِ بِكَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْسَمَ عَلَى ذَلِكَ ، وَالْقَسَمُ يَدُلُّ عَلَى التَّأْكِيدِ . { السَّابِعَةُ } ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الزَّانِي بَيْنَ أَنْ يَكُونَ مُحْصَنًا أَمْ لَا ، وَلَا فِي شُرْبِ الْخَمْرِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْمَشْرُوبُ كَثِيرًا أَوْ قَلِيلًا ، وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا بِأَنَّ شُرْب قَلِيلِ الْخَمْرِ مِنْ الْكَبَائِرِ . { الثَّامِنَةُ } قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فَسَّرَ الْحَسَنُ وَالنَّخَعِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَا النُّهْبَةُ الْمُحَرَّمَةُ أَنْ يَنْتَهِبَ مَالَ الرَّجُلِ بِغَيْرِ إذْنِهِ ، وَهُوَ لَهُ كَارِهٌ ، وَهُوَ قَوْلُ قَتَادَةَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَهَذَا وَجْهُ الْحَدِيثِ عَلَى مَا فَسَّرَهُ النَّخَعِيّ وَالْحَسَنُ ، وَأَمَّا النُّهْبَةُ الْمَكْرُوهَةُ فَهُوَ مَا أَذِنَ فِيهِ صَاحِبُهُ لِلْجَمَاعَةِ ، وَأَبَاحَهُ لَهُمْ ، وَغَرَضَهُ تَسَاوِيهِمْ فِيهِ أَوْ مُقَارِبَةُ التَّسَاوِي فَإِذَا كَانَ الْقَوِيُّ مِنْهُمْ يَغْلِبُ الضَّعِيفَ ، وَيَحْرِمُهُ فَلَمْ تَطِبْ نَفْسُ صَاحِبِهِ بِذَلِكَ الْفِعْلِ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَا يُنْثَرُ عَلَى رُءُوسِ الصِّبْيَانِ وَفِي الْأَعْرَاسِ فَيَكُونُ فِيهِ النُّهْبَةُ فَكَرِهَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَجَازَهُ الْكُوفِيُّونَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَلَا يُخْرِجُ بِذَلِكَ شَهَادَةَ أَحَدٍ وَإِنَّمَا أَكْرَهُهُ لِأَنَّ مَنْ أَخَذَهُ إنَّمَا أَخَذَهُ بِفَضْلِ قُوَّةٍ وَقِلَّةِ حَيَاءٍ ، وَلَا يُقْصَدُ بِهِ هُوَ وَحْدَهُ إنَّمَا قُصِدَ بِهِ الْجَمَاعَةُ ، وَلَا يُعْرَفُ حَظُّهُ مِنْ حَظِّ غَيْرِهِ فَهُوَ خِلْسَةٌ وَسُخْفٌ ، وَاحْتَجَّ الْكُوفِيُّونَ بِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَحَرَ الْهَدْيَ قَالَ دُونَكُمْ فَانْتَهِبُوا } قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَهَذَا الْحَدِيثُ حُجَّةٌ فِي إجَازَةِ أَخْذِ مَا يَنْثُرُ فِي الْمِلَاكِ وَغَيْرِهِ ، وَأُبِيحَ أَخْذُهُ لِأَنَّ الْمُبِيحَ لَهُمْ ذَلِكَ قَدْ عَلِمَ اخْتِلَافَ قُوَّتِهِمْ فِي الْأَخْذِ ، وَلَيْسَ فِي الْبُدْنِ الَّتِي أَبَاحَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَصْحَابِهِ مَعْنًى إلَّا وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي النِّثَارِ انْتَهَى . { التَّاسِعَةُ } { وَلَا يَغُلُّ أَحَدُكُمْ } بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْغَيْنِ كَذَا الرِّوَايَةُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لَكِنَّ فِيهِ لُغَةً أُخْرَى يُغِلُّ بِضَمِّ الْيَاءِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ حَكَاهَا فِي الصِّحَاحِ ، وَالْمُحْكَمِ ، وَالْمَشَارِقِ ، وَغَيْرِهَا ثُمَّ حَكَى فِي الصِّحَاحِ عَنْ ابْنِ السِّكِّيتِ أَنَّهُ قَالَ لَمْ يَسْمَعْ فِي الْمَغْنَمِ إلَّا غَلَّ غُلُولًا ، وَقَدْ أَطْلَقَ فِي الْمُحْكَمِ أَنَّ الْغُلُولَ الْخِيَانَةُ ثُمَّ قَالَ : وَخَصَّ بَعْضُهُمْ بِهِ الْخَوْنَ فِي الْفَيْءِ ، وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ غَلَّ مِنْ الْمَغْنَمِ غُلُولًا أَيْ خَانَ ، وَأَغَلَّ مِثْلَهُ ثُمَّ قَالَ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْغُلُولُ مِنْ الْمَغْنَمِ خَاصَّةً ، وَلَا نَرَاهُ مِنْ الْخِيَانَةِ ، وَلَا مِنْ الْحِقْدِ ، وَمِمَّا يُبَيِّنُ ذَلِكَ أَنَّهُ يُقَالُ مِنْ الْخِيَانَةِ أَغَلَّ يَغُلُّ ، وَمِنْ الْحِقْدِ غَلَّ يَغِلُّ بِالْكَسْرِ ، وَمِنْ الْغُلُولُ غَلَّ يَغُلُّ بِالضَّمِّ ، وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ كُلُّ خِيَانَةٍ غُلُولٌ لَكِنَّهُ صَارَ فِي عُرِفَ الشَّرْعِ لِخِيَانَةِ الْمَغَانِمِ خَاصَّةً ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ هُوَ الْخِيَانَةُ فِي الْمَغْنَمِ وَالسَّرِقَةُ مِنْ الْغَنِيمَةِ قَبْلَ الْقِسْمَةِ ، وَكُلُّ مَنْ خَانَ فِي شَيْءٍ خُفْيَةً فَقَدْ غَلَّ ، وَسُمِّيَتْ غُلُولًا لِأَنَّ الْأَيْدِي فِيهَا مَغْلُولَةٌ أَيْ مَمْنُوعَةٌ مَجْعُولٌ فِيهَا غَلَّ ، وَهُوَ الْحَدِيدَةُ الَّتِي تَجْمَعُ يَدَ الْأَسِيرِ إلَى عُنُقِهِ ، وَيُقَالُ لَهَا جَامِعَةٌ أَيْضًا انْتَهَى فَإِنْ كَانَ الْغُلُولُ مُطْلَقُ الْخِيَانَةِ فَهُوَ أَعَمُّ مِنْ السَّرِقَةِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ الْمَغْنَمِ خَاصَّةٌ فَبَيْنَهُ ، وَبَيْنَهَا عُمُومٌ ، وَخُصُوصٌ مِنْ ، وَجْهٍ . { الْعَاشِرَةُ } قَوْلُهُ { فَإِيَّاكُمْ إيَّاكُمْ } كَذَا هُوَ فِي رِوَايَتِنَا هُنَا ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مَرَّتَيْنِ ، وَمَعْنَاهُ احْذَرُوا احْذَرُوا ، وَالتَّكْرِيرُ لِلتَّأْكِيدِ يُقَالُ إيَّاكَ وَفُلَانًا أَيْ احْذَرْهُ ، وَيُقَالُ إيَّاكَ أَيْ احْذَرْ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ فُلَانٍ كَمَا هُنَا { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } قَوْلُهُ { وَالتَّوْبَةُ مَعْرُوضَةٌ بَعْدُ } أَيْ بَعْدَ مُوَاقَعَتِهِ لِلذَّنْبِ فَلَمَّا قَطَعَهُ عَنْ الْإِضَافَةِ بَنَاهُ عَلَى الضَّمِّ ، وَالْمُرَادُ بِكَوْنِهَا مَعْرُوضَةٌ أَنَّ اللَّهَ عَرَضَهَا عَلَى الْعِبَادِ فَأَمَرَهُمْ بِهَا وَوَعَدَ قَبُولَهَا ، وَأَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قَبُولِ تَوْبَةِ الْعَبْدِ مَا لَمْ يُغَرْغِرْ ، وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَرْكَانٍ الْإِقْلَاعُ عَنْ الْمَعْصِيَةِ وَالنَّدَمُ عَلَى فِعْلِهَا وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ إلَيْهَا ، وَأَهْمَلَ أَصْحَابُنَا رُكْنًا رَابِعًا ، وَهُوَ النِّيَّةُ وَالْإِخْلَاصُ فِيهَا كَغَيْرِهَا مِنْ الْعِبَادَاتِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ فَإِنْ تَابَ مِنْ ذَنْبٍ ثُمَّ عَادَ إلَيْهِ لَمْ تَبْطُلْ تَوْبَتُهُ ، وَإِنْ تَابَ مِنْ ذَنْبٍ ، وَهُوَ مُتَلَبِّسٌ بِآخَرَ صَحَّتْ تَوْبَتُهُ هَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ ، وَخَالَفَتْ الْمُعْتَزِلَةُ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ . { الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ } الْمُرَادُ بِنَزْعِ الْإِيمَانِ مِنْ قَلْبِهِ خُرُوجُهُ مِنْ كَمَالِ الْإِيمَانِ لَا أَصْلُهُ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمَحْكِيَّةُ عَنْ مُسْنَدِ الْبَزَّارِ فِي احْتِيَاجِهَا إلَى التَّأْوِيلِ كَالرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ . بَابُ كَسْرِ الصَّلِيبِ وَقَتْلِ الْخِنْزِيرِ وَوَضْعِ الْجِزْيَةِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يُوشِكُ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا يَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلَ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ } بَابُ كَسْرِ الصَّلِيبِ وَقَتْلِ الْخِنْزِيرِ وَوَضْعِ الْجِزْيَةِ . عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يُوشِكُ أَنْ يَنْزِلَ فِيكُمْ ابْنُ مَرْيَمَ حَكَمًا مُقْسِطًا يَكْسِرُ الصَّلِيبَ وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدٌ { الْأُولَى } اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . { الثَّانِيَةُ } قَوْلُهُ { يُوشِكُ } بِكَسْرِ الشِّينِ أَيْ يَقْرَبُ ، وَقَوْلُهُ { أَنْ يَنْزِلَ } أَيْ مِنْ السَّمَاءِ ، وَقَوْلُهُ { فِيكُمْ } أَيْ فِي هَذِهِ الْأَمَةِ ، وَإِنْ كَانَ خِطَابًا لِبَعْضِهَا مِمَّنْ لَا يَدْرِك نُزُولَهُ ، وَقَوْلُهُ { حَكَمًا } بِفَتْحِ الْكَافِ أَيْ حَاكِمًا ، وَالْمُرَادُ أَنَّهُ يَنْزِلُ حَاكِمًا بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ لَا نَبِيًّا بِرِسَالَةٍ مُسْتَقِلَّةٍ وَشَرِيعَةٍ نَاسِخَةٍ فَإِنَّ هَذِهِ الشَّرِيعَةَ بَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا تُنْسَخُ ، وَلَا نَبِيَّ بَعْدَ نَبِيِّنَا كَمَا نَطَقَ بِذَلِكَ ، وَهُوَ الصَّادِقُ الْمَصْدُوقُ بَلْ هُوَ حَاكِمٌ مِنْ حُكَّامِ هَذِهِ الْأُمَّةِ ، وَفِي حَدِيثِ النَّوَّاسِ بْنِ سَمْعَانَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ { أَنَّهُ حِينَ يَنْزِلُ يَمْتَنِعُ مِنْ التَّقَدُّمِ لِإِمَامَةِ الصَّلَاةِ ، وَيَقُولُ إمَامُكُمْ مِنْكُمْ } ، وَقَوْلُهُ { مُقْسِطًا } أَيْ عَادِلًا يُقَالُ أَقْسَطَ يُقْسِطُ إقْسَاطًا فَهُوَ مُقْسِطٌ إذَا عَدَلَ ، وَالْقِسْطُ بِكَسْرِ الْقَافِ الْعَدْلُ أَمَّا الْقَاسِطُ فَهُوَ الْجَائِرُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّم حَطَبًا } يُقَالُ مِنْهُ قَسَطَ يَقْسِطُ قَسْطًا بِفَتْحِ الْقَافِ . { الثَّالِثَةُ } قَوْلُهُ ( يَكْسِرُ الصَّلِيبَ ) مَعْنَاهُ يَكْسِرُهُ حَقِيقَةً وَيُبْطِلُ مَا يَزْعُمُهُ النَّصَارَى مِنْ تَعْظِيمِهِ ، وَيُغَيِّرُ مَا نَسَبُوهُ إلَيْهِ مِنْ الْبَاطِلِ كَمَا غَيَّرَهُ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُمْ عَلَى الْبَاطِلِ فِي ذَلِكَ فَهُوَ كَذَلِكَ مُصَحِّحٌ لِشَرِيعَةِ نَبِيّنَا مَاشٍ عَلَى سُنَنِ الِاسْتِقَامَةِ فِيهَا ، وَفِيهِ تَغْيِيرُ الْمُنْكَرَاتِ ، وَآلَاتِ الْبَاطِلِ . { الرَّابِعَةُ } قَوْلُهُ { وَيَقْتُلُ الْخِنْزِيرَ } قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ لِلْمُخْتَارِ فِي مَذْهَبِنَا ، وَمَذْهَبُ الْجُمْهُورِ أَنَّا إذَا وَجَدْنَا الْخِنْزِيرَ فِي دَارِ الْكُفْرِ وَغَيْرِهَا وَتَمَكَّنَّا مِنْ قَتْلِهِ قَتَلْنَاهُ ، وَإِبْطَالٌ لِقَوْلِ مَنْ شَذَّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ فَقَالُوا يُتْرَكُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ ضَرَاوَةٌ . { الْخَامِسَةُ } قَوْلُهُ { وَيَضَعُ الْجِزْيَةَ } قَالَ النَّوَوِيُّ الصَّوَابُ فِي مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهَا ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ الْكُفَّارِ إلَّا الْإِسْلَامُ ، وَمَنْ بَذَلَ مِنْهُمْ الْجِزْيَةَ لَمْ يَكُفَّ عَنْهُ بِهَا بَلْ لَا يَقْبَلُ إلَّا الْإِسْلَامَ أَوْ الْقَتْلَ هَكَذَا قَالَهُ الْخَطَّابِيُّ ، وَغَيْرُهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ مَعْنَى هَذَا ثُمَّ قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ فَيْضُ الْمَالِ [ هُنَا ] مِنْ وَضْعِ الْجِزْيَةِ ، وَهُوَ ضَرْبُهَا عَلَى جَمِيعِ الْكَفَرَةِ فَإِنَّهُ لَا يُقَاتِلُهُ أَحَدٌ ، وَتَضَعُ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ، وَانْقِيَادُ جَمِيعِ النَّاسِ لَهُ إمَّا بِالْإِسْلَامِ ، وَإِمَّا بِالْقَائِدِ فَيَضَعُ عَلَيْهِ الْجِزْيَةَ ، وَيَضْرِبُهَا هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَلَيْسَ بِمَقْبُولٍ ، وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ ، وَهُوَ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ إلَّا الْإِسْلَامَ . { السَّادِسَةُ } إنْ قُلْت كَيْفَ يَضَعُ السَّيِّدُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الْجِزْيَةَ مَعَ أَنَّ حُكْمَ الشَّرْعِ وُجُوبُ قَبُولِهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ } فَكَيْفَ يَحْكُمُ بِغَيْرِ هَذِهِ الشَّرِيعَةِ ، وَهُوَ خِلَافُ مَا قَرَّرْتُمْ مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْكُمُ إلَّا بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ ( قُلْت ) قَالَ النَّوَوِيُّ جَوَابُهُ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ لَيْسَ مُسْتَمِرًّا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ بَلْ هُوَ مُقَيَّدٌ بِمَا قَبْلَ نُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَقَدْ أَخْبَرَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ بِنَسْخِهِ ، وَلَيْسَ عِيسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ النَّاسِخُ بَلْ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الْمُبَيِّنُ لِلنَّسْخِ فَإِنَّ عِيسَى يَحْكُمُ بِشَرِيعَتِنَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ قَبُولِ الْجِزْيَةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ هُوَ شَرْعُ نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى . { السَّابِعَةُ } فَإِنْ قُلْت مَا الْمَعْنَى فِي تَغْيِيرِ حُكْمِ الشَّرْعِ عِنْدَ نُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي قَبُولِ الْجِزْيَةِ ( قُلْت ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ إنَّمَا قَبِلْنَاهَا نَحْنُ لِحَاجَتِنَا إلَى الْمَالِ ، وَلَيْسَ يَحْتَاجُ عِيسَى عِنْدَ خُرُوجِهِ إلَى مَالٍ لِأَنَّهُ يَفِيضُ فِي أَيَّامِهِ حَتَّى لَا يَقْبَلَهُ أَحَدٌ فَلَا يَقْبَلُ إلَّا الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ وَحْدَهُ انْتَهَى . ( قُلْت ) وَيَظْهَرُ لِي أَنَّ قَبُولَ الْجِزْيَةِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لِشُبْهَةِ مَا بِأَيْدِيهِمْ مِنْ التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَتَعَلُّقِهِمْ بِزَعْمِهِمْ بِشَرْعٍ قَدِيمٍ فَإِذَا نَزَلَ عِيسَى زَالَتْ تِلْكَ الشُّبْهَةُ لِحُصُولِ مُعَايَنَتِهِ فَصَارُوا كَعَبَدَةِ الْأَوْثَانِ فِي انْقِطَاعِ شُبْهَتِهِمْ وَانْكِشَافِ أَمْرِهِمْ فَعُومِلُوا مُعَامَلَتَهُمْ فِي أَنَّهُ لَا يَقْبَلُ مِنْهُمْ إلَّا الْإِسْلَامَ ، وَالْحُكْمُ يَزُولُ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ ، وَهَذَا مَعْنَى حَسَنٌ مُنَاسِبٌ لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لَهُ ، وَهُوَ أَوْلَى مِمَّا ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّامِنَةُ } قَوْلُهُ { وَيَفِيضُ الْمَالُ } هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ ، وَمَعْنَاهُ يَكْثُرُ وَتَنْزِلُ الْبَرَكَاتُ ، وَتَتَوَالَى الْخَيْرَاتُ بِسَبَبِ الْعَدْلِ وَعَدَمِ التَّظَالُمِ ، وَلِمَا تُلْقِيه الْأَرْضُ مِنْ الْكُنُوزِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { وَتَفِيءُ الْأَرْضُ أَفْلَاذَ كَبِدِهَا } ، وَأَيْضًا فَتَقِلُّ الرَّغَبَاتُ فِي الْأَمْوَالِ لِقِصَرِ الْآمَالِ ، وَعِلْمِ النَّاسِ بِقُرْبِ السَّاعَةِ فَإِنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ هُوَ آخِرُ عَلَامَاتِهَا تُقْبَضُ عَقِبُهُ أَرْوَاحُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَلَا يَبْقَى فِي الْأَرْضِ مَنْ يَعْرِفُ اللَّهَ ، وَعَلَيْهِمْ تَقُومُ السَّاعَةُ ، وَهُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ فَاضَ الْوَادِي إذَا سَالَ وَفَاضَ الدَّمْعُ أَيْ كَثُرَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَنْصُوبٌ عَطْفًا عَلَى قَوْلِهِ يَنْزِلُ فَأَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِنُزُولِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَفْعَلُ مَا حَكَاهُ عَنْهُ ، وَيَفِيضُ الْمَالُ حَتَّى يَتَرَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَقْبَلُهُ أَحَدٌ مَعَ بَذْلِ صَاحِبِهِ لَهُ فَكَيْفَ يَأْخُذُهُ ظُلْمًا ذَلِكَ أَوْلَى بِأَنْ لَا يُؤْخَذَ . بَابُ الْهِجْرَةِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْت امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ وَلَوْ يَنْدَفِعُ النَّاسُ فِي شُعْبَةٍ أَوْ فِي وَادٍ وَالْأَنْصَارُ فِي شُعْبَةٍ لَانْدَفَعْت مَعَ الْأَنْصَارِ فِي شُعْبَتِهِمْ ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . بَابُ الْهِجْرَةِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ . عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْت امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَلَوْ يَنْدَفِعُ النَّاسُ فِي شُعْبَةٍ أَوْ فِي وَادٍ وَالْأَنْصَارُ فِي شُعْبَةٍ ، لَانْدَفَعْت مَعَ الْأَنْصَارِ فِي شُعْبَتِهِمْ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . ( فِيهِ ) فَوَائِدٌ { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي فَضَائِلِ الْأَنْصَارِ مِنْ صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { لَوْ أَنَّ الْأَنْصَارَ سَلَكُوا وَادِيًا أَوْ شَعْبًا لَسَلَكْت وَادِيَ الْأَنْصَارِ وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْت امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا ظُلْمٌ بِأَبِي وَأُمِّي آوَوْهُ وَنَصَرُوهُ أَوْ كَلِمَةٌ أُخْرَى } وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ هَذَا الْمَتْنَ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ وَأَنَسٍ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ . { الثَّانِيَةُ } قَوْلُهُ { لَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْت امْرَأً مِنْ الْأَنْصَارِ } أَيْ فِي الْأَحْكَامِ وَالْعِدَادِ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ النَّسَبُ قَطْعًا ، وَفِيهِ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْأَنْصَارِ وَفِيهِ بَيَانُ فَضْلِ الْهِجْرَةِ ، وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُهَاجِرِينَ كَانُوا فَرِيقًا وَكَانَتْ الْأَنْصَارُ فَرِيقًا ، وَكُلُّ قَبِيلَةٍ مَعَ أَحْلَافِهَا تُعَدُّ فَرِيقًا ، وَلِكُلِّ فَرِيقٍ فِي الْحُرُوبِ رَايَةٌ ، وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْمُهَاجِرِينَ فَطَيَّبَ خَوَاطِرَ الْأَنْصَارِ بِأَنَّهُ لَوْلَا الْهِجْرَةُ الَّتِي شَارَكَهُ الْمُهَاجِرُونَ فِيهَا أَوْجَبْت أَنْ يَكُونَ مَعْدُودًا فِيهِمْ لَكَانَ عِدَادُهُ فِي الْأَنْصَارِ ، وَإِنْ كَانَ مِنْ قُرَيْشٍ لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَنْصَارِ مِنْ الْمُوَالَاةِ الْأَكِيدَةِ وَالْمُنَاصَرَةِ الشَّدِيدَةِ ، وَإِلَى هَذَا أَشَارَ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ مَا ظَلَمَ بِأَبِي وَأُمِّي أَيْ مَا ظَلَمَ قُرَيْشًا بِذَلِكَ أَيْ بِانْفِرَادِهِ عَنْهُمْ وَعَدِّهِ نَفْسَهُ فِي الْأَنْصَارِ بِتَقْدِيرِ فَقْدِ الْهِجْرَةِ لِأَنَّ الْأَنْصَارَ آوَوْهُ وَنَصَرُوهُ ، وَفَعَلَتْ قُرَيْشٌ فِي مُبْتَدَإِ الْأَمْرِ ضِدَّ ذَلِكَ ، أَوْ مَا ظَلَمَ الْأَنْصَارَ ، وَلَا بَخَسَهُمْ حَقَّهُمْ بِهَذَا الْكَلَامِ الَّذِي قَالَهُ فِيهِمْ . { الثَّالِثَةُ } قَوْلُهُ { وَلَوْ يَنْدَفِعُ النَّاسُ فِي شُعْبَةٍ } كَذَا رَوَيْنَاهُ وَضَبَطْنَاهُ هُنَا بِضَمِّ الشِّينِ ، وَذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ أَنَّ الشُّعْبَةَ الْمَسِيلَ الصَّغِيرَ يُقَالُ شُعْبَةٌ حَافِلٌ أَيْ مُمْتَلِئَةٌ سَيْلًا ، وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ الشُّعْبَةُ صَدْعٌ فِي الْجَبَلِ يَأْوِي إلَيْهِ الْمَطَرُ ، وَالشُّعْبَةُ الْمَسِيلُ فِي ارْتِفَاعِ قَرَارِهِ الرَّمَلُ ، وَالشُّعْبَةُ مَا صَغُرَ مِنْ التَّلْعَةِ وَقِيلَ مَا عَظُمَ مِنْ سَوَاقِي الْأَوْدِيَةِ ، وَقِيلَ الشُّعْبَةُ مَا انْشَعَبَ مِنْ التَّلْعَةِ وَالْوَادِي أَيْ عَدَلَ عَنْهُ ، وَأَخَذَ فِي غَيْرِ طَرِيقِهِ ، وَالْجَمْعُ شُعَبٌ وَشِعَابٌ انْتَهَى . وَلَفْظُ الصَّحِيحَيْنِ ( شِعْبٌ ) بِكَسْرِ الشِّينِ بِغَيْرِ هَاءٍ فِي آخِرِهِ ، وَهُوَ مَا انْفَرَجَ بَيْن جَبَلَيْنِ كَمَا قَالَهُ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ وَقَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ ، وَالْجَوْهَرِيُّ هُوَ الطَّرِيقُ فِي الْجَبَلِ قَالَ فِي النِّهَايَةِ ، وَفِي الْمَغَازِي { خَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُ قُرَيْشًا وَسَلَكَ شُعْبَةً } هِيَ بِضَمِّ الشِّينِ وَسُكُونِ الْعَيْنِ مَوْضِعٌ قُرْبَ يَلِيلَ ، وَيُقَالُ لَهُ شُعْبَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ . { الرَّابِعَةُ } أَشَارَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ لَا يُفَارِقُ الْأَنْصَارَ مُدَّةَ حَيَاتِهِ لِأَنَّهُ جَعَلَ أَرْضَهُمْ دَارَ هِجْرَتِهِ فَهُوَ مُلَازِمٌ لَهَا إلَى وَفَاتِهِ ، وَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ { الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ ، وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ } . وَعَنْ عُرْوَةَ أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ { لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَايَ قَطُّ إلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً فَلَمَّا اُبْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ حَتَّى إذَا بَلَغَ بَرْكَ الْغِمَادِ لَقِيَهُ ابْنُ الدُّغُنَّةِ ، وَهُوَ سَيِّدُ الْقَارَّةِ فَقَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ أَيْنَ تُرِيدُ يَا أَبَا بَكْرٍ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَخْرَجَنِي قَوْمِي } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ { ، وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِلْمُسْلِمِينَ قَدْ رَأَيْت دَارَ هِجْرَتِكُمْ أُرِيت سَبِخَةً ذَاتَ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ ، وَهُمَا حَرَّتَانِ ، فَخَرَجَ مَنْ كَانَ مُهَاجِرًا قِبَلَ الْمَدِينَةِ حِينَ ذَكَرَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ بَعْضُ مَنْ كَانَ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَتَجَهَّزَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى رِسْلِك فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ أَتَرْجُو ذَلِكَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي ؟ قَالَ نَعَمْ فَحَبَسَ أَبُو بَكْرٍ نَفْسَهُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِصُحْبَتِهِ وَعَلَفَ رَاحِلَتَيْنِ كَانَتَا عِنْدَهُ مِنْ وَرَقِ السَّمُرِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ، } قَالَ الزُّهْرِيُّ قَالَ عُرْوَةُ { قَالَتْ عَائِشَةُ فَبَيْنَا نَحْنُ يَوْمًا جُلُوسٌ فِي بَيْتِنَا فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ قَالَ قَائِلٌ لِأَبِي بَكْرٍ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقْبِلًا مُتَقَنِّعًا فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِينَا فِيهَا فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فِدًى لَهُ أَبِي وَأُمِّي ، إنْ جَاءَ بِهِ فِي هَذِهِ السَّاعَةِ لَأَمْرٌ ، فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَأْذَنَ فَأَذِنَ لَهُ فَدَخَلَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ دَخَلَ لِأَبِي بَكْرٍ أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَك ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إنَّمَا هُمْ أَهْلُك بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ قَدْ أُذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فَالصَّحَابَةَ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَعَمْ ، فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فَخُذْ بِأَبِي أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إحْدَى رَاحِلَتَيَّ هَاتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالثَّمَنِ قَالَتْ فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ وَصَنَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ نِطَاقِهَا فَأَوْكَأَتْ الْجِرَابَ فَلِذَلِكَ كَانَتْ تُسَمَّى ذَاتَ النِّطَاقِ ، ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ ثَوْرٌ فَمَكَثَا فِيهِ ثَلَاثَ لَيَالٍ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . الْحَدِيثُ الثَّانِي . وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ { عَائِشَةَ قَالَتْ : لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَايَ قَطُّ إلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ ، وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً ، فَلَمَّا اُبْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ } الْحَدِيثُ ( فِيهِ ) فَوَائِدٌ { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، وَعُقَيْلٍ ، وَغَيْرِهِمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ ذَكَرَهُ فِي سِتَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِهِ الصَّلَاةُ ، وَالْإِجَارَةُ ، وَالْكَفَالَةُ ، وَالْهِجْرَةُ ، وَاللِّبَاسُ ، وَالْأَدَبُ طُولُهُ فِي بَعْضِهَا ، وَاخْتَصَرَهُ فِي الْبَعْضِ . { الثَّانِيَةُ } قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { لَمْ أَعْقِلْ أَبَوَايَ } كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا مِنْ مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِالْأَلِفِ وَهِيَ لُغَةُ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ وَعِدَّةِ قَبَائِلَ يَجْعَلُونَ الْمُثَنَّى بِالْأَلِفِ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا ، وَعَلَيْهَا جَاءَ قَوْله تَعَالَى { إنْ هَذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَنْ يَخْرُجَاكُمْ } ، وَهِيَ قِرَاءَةٌ مَشْهُورَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ فِي السَّبْعِ ، وَأَنْكَرَ الْمُبَرِّدُ هَذِهِ اللُّغَةَ ، وَهُوَ مَحْجُوجٌ بِنَقْلِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ ، وَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ أَبَوِيَّ عَلَى اللُّغَةِ الْمَشْهُورَةِ ، وَالْمُرَادُ بِأَبَوَيْهَا أَبُوهَا أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَأُمُّهَا أُمُّ رُومَانَ عَلَى سَبِيلِ التَّغَلُّبِ ، وَيَجُوزُ فِي الرَّاءِ مِنْ رُومَانَ الضَّمُّ وَالْفَتْحُ ، وَالْأَمْرُ كَمَا ذَكَرْت مِنْ أَنَّهَا لَمْ تَعْقِلْ أَبَوَيْهَا إلَّا وَهُمَا يَدِينَانِ الدِّينَ أَيْ الْإِسْلَامَ فَإِنَّ مَوْلِدَهَا قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِنَحْوِ سَبْعِ سِنِينَ ، وَكَانَ أَبَوَاهَا مُتَقَدِّمَيْ الْإِسْلَامِ ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ فِي الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَذَكَرَ أَبُو عُمَرَ فِي الِاسْتِيعَابِ أَنَّ وَفَاةَ أُمِّ رُومَانَ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ سَنَةَ أَرْبَعٍ ، وَقِيلَ خَمْسٍ ، وَقِيلَ سِتٍّ { ، وَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَزَلَ قَبْرَهَا فَاسْتَغْفَرَ لَهَا ، وَقَالَ اللَّهُمَّ لَمْ يَخْفَ عَلَيْك مَا لَقِيَتْ أُمُّ رُومَانَ فِيك ، وَفِي رَسُولِك } . { الثَّالِثَةُ } قَوْلُهَا { وَلَمْ يَمُرَّ عَلَيْنَا يَوْمٌ إلَّا يَأْتِينَا فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَرَفَيْ النَّهَارِ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً } فِيهِ فَضِيلَةٌ لِلصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَبَيَانِ تَوَاضُعِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمُوَادَّتِهِ أَصْحَابَهُ وَأَنَّهُ لَا بَأْسَ بِإِكْثَارِ الزِّيَارَةِ عِنْدَ تَأَكُّدِ الْمَوَدَّةِ أَوْ الِاحْتِيَاجِ لِذَلِكَ ، وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { زُرْ غِبًّا تَزْدَدْ حُبًّا } فَهُوَ فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْحَالَتَيْنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا كَانَ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ لِشِدَّةِ الِاحْتِيَاجِ إلَى التَّعَاوُنِ عَلَى الدِّينِ وَالتَّنَاصُرِ فِيهِ وَأَعْمَالِ الرَّأْيِ فِي ذَلِكَ ، وَأَمَّا بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَمَا أَظُنُّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الرَّابِعَةُ } قَوْلُهَا { فَلَمَّا اُبْتُلِيَ الْمُسْلِمُونَ } بِضَمِّ التَّاءِ أَيْ اُمْتُحِنُوا بِأَذَى الْمُشْرِكِينَ وَأَصْلُ الِابْتِلَاءِ الِامْتِحَانُ ، وَالِاخْتِبَارُ ، وَيَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ مَعًا وَمِنْهُ مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ فِعْلَيْهِمَا قَوْله تَعَالَى { وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً } قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ يُقَالُ مِنْ الْخَيْرِ أَبْلَيْته أُبْلِيَهُ إبْلَاءً وَمِنْ الشَّرِّ بَلَوْته أَبْلُوهُ بَلَاءً قَالَ فِي النِّهَايَةِ ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّ الِابْتِلَاءَ يَكُونُ فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ مَعًا مِنْ غَيْرِ فَرْقٍ بَيْنَ فِعْلَيْهِمَا . { الْخَامِسَةُ } قَوْلُهَا { خَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مُهَاجِرًا قِبَلَ أَرْضِ الْحَبَشَةِ } كَانَتْ الْهِجْرَةُ إلَى الْحَبَشَةِ مَرَّتَيْنِ وَعَدَدُ الْمُهَاجِرِينَ فِي الْأُولَى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وَأَرْبَعُ نِسْوَةٍ ثُمَّ رَجَعُوا لَمَّا بَلَغَهُمْ عَنْ الْمُشْرِكِينَ سُجُودَهُمْ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ قِرَاءَةِ سُورَةِ وَالنَّجْمِ فَلَقُوا مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَشَدَّ مِمَّا عَهِدُوا فَهَاجَرُوا ثَانِيَةً ، وَكَانُوا ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا وَثَمَانِي عَشْرَةَ امْرَأَةً ، وَلَمْ يُعَدَّ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي أَصْحَابِ الْأُولَى وَلَا الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِلْ إلَيْهَا بَلْ رَجَعَ مِنْ الطَّرِيقِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْحَدِيثِ { السَّادِسَةُ } { بَرْكُ الْغِمَادِ } بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ عَلَى الْمَشْهُورِ ، وَبِكَسْرِهَا لِلْأَصِيلِيِّ وَالْمُسْتَمْلِي وَغَيْرِهِمَا وَالرَّاءِ سَاكِنَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ وَالْغِمَادُ بِكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّهَا كَمَا حَكَاهُ فِي الْمَشَارِقِ عَنْ ابْنِ دُرَيْدٍ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ هُوَ مَوْضِعٌ فِي أَقَاصِي هَجَرَ ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ هُوَ اسْمُ مَوْضِعٍ بِالْيَمَنِ ، وَقِيلَ هُوَ مَوْضِعٌ وَرَاءَ مَكَّةَ بِخَمْسِ لَيَالٍ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الصِّحَاحِ بَرْكَ الْغِمَادِ ، وَإِنَّمَا قَالَ بِرَكَ مِثْل قِرْدِ اسْمُ مَوْضِعٍ بِالْيَمَنِ انْتَهَى فَلَا أَدْرِي هُوَ هَذَا أَمْ لَا . { السَّابِعَةُ } { ابْنُ الدَّغِنَةِ } هُوَ بِفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ النُّونِ وَتَخْفِيفِهَا هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ الْمَضْبُوطُ الْمَحْفُوظُ ، وَحَكَى فِيهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ مَعَ ذَلِكَ وَجْهَيْنِ آخَرَيْنِ ، وَهُمَا فَتْحُ الْغَيْنِ وَإِسْكَانُهَا وَوَجْهًا رَابِعًا حَكَاهُ عَنْ الْقَابِسِيِّ ، وَهُوَ الدُّغُنَّةُ بِضَمِّ الدَّالِ وَالْغَيْنِ وَتَشْدِيدِهَا ، وَحَكَى الْجَيَّانِيُّ الْوَجْهَ الْأَوَّلَ وَالرَّابِعَ ، وَقَالَ وَبِهِمَا رَوَيْنَاهُ انْتَهَى . وَالرَّابِعُ أَشْهَرُ مِنْ الْمُتَوَسِّطَيْنِ فَهُمَا غَرِيبَانِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ فِي الصِّحَاحِ هَذِهِ الْمَادَّةَ ، وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ دَغَنَ يَوْمُنَا كَدَجْنِ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ قَالَ : وَإِنَّهُ لِذُو دُغُنَّةٍ كَدُجُنَّةٍ وَدُغَيْنَةٍ : الْأَحْمَقُ مَعْرِفَةٌ وَدُغَيْنَةُ اسْمُ امْرَأَةٍ . { الثَّامِنَةُ } { الْقَارَّةُ } بِالْقَافِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَتَخْفِيفِهَا قَبِيلَةٌ مَعْرُوفَةٌ قَالَ فِي الصِّحَاحِ هُمْ عَضَلٌ ، وَالدِّيشُ ابْنَا الْهُونِ بْنِ خُزَيْمَةَ سُمُّوا قَارَّةً لِاجْتِمَاعِهِمْ وَاتِّفَاقِهِمْ لَمَّا أَرَادَ ابْنُ الشَّدَّاخِ أَنْ يُفَرِّقَهُمْ فِي بَنِي كِنَانَةَ فَقَالَ شَاعِرُهُمْ دَعُونَا قَارَّةً لَا تَنْفِرُونَا فَنَجْفِلَ مِثْلَ إجْفَالِ الظَّلِيمِ فَهُمْ رِمَاءٌ ، وَفِي الْمَثَلِ أَنْصَفَ الْقَارَّةَ مَنْ رَمَاهَا . { التَّاسِعَةُ } قَوْلُهُ { أَخْرَجَنِي قَوْمِي } أَيْ تَسَبَّبُوا فِي إخْرَاجِي لَا أَنَّهُمْ بَاشَرُوا إخْرَاجَهُ ، وَهُوَ مِثْلَ قَوْلِهِ { مِنْ قَرْيَتِك الَّتِي أَخْرَجَتْك } ، وَقَوْلُهُ { إذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا } وَقَوْلُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ " الْحَدِيثُ " أَشَارَ إلَى قِطْعَةٍ مِنْ الْحَدِيثِ اخْتَصَرَهَا لِطُولِهَا ، وَلِعَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهَا هُنَا ، وَلَفْظُهَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي الْهِجْرَةِ { فَأُرِيدُ أَنْ أَسِيحَ فِي الْأَرْضِ وَأَعْبُدَ رَبِّي فَقَالَ ابْنُ الدَّغِنَةِ فَإِنَّ مِثْلَك يَا أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ وَلَا يُخْرَجُ إنَّك تَكْسِبُ الْمُعْدَمَ ، وَتَصِلُ الرَّحِمَ ، وَتَحْمِلُ الْكَلَّ ، وَتَقْرِي الضَّيْفَ ، وَتُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ فَأَنَا لَك جَارٌ ارْجِعْ ، وَاعْبُدْ رَبَّك بِبَلَدِك فَرَجَعَ وَارْتَحَلَ مَعَهُ ابْنُ الدَّغِنَةِ فَطَافَ ابْنُ الدَّغِنَةِ عَشِيَّةً فِي أَشْرَافِ قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ إنَّ أَبَا بَكْرٍ لَا يَخْرُجُ ، وَلَا يُخْرَجُ أَتُخْرِجُونَ رَجُلًا يُكْسِبُ الْمُعْدَمَ ، وَيَصِلُ الرَّحِمَ ، وَيَحْمِلُ الْكَلَّ ، وَيَقْرِي الضَّيْفَ ، وَيُعِينُ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ فَلَمْ تُكَذِّبْ قُرَيْشٌ جِوَارَ ابْنِ الدَّغِنَةِ ، وَقَالُوا لِابْنِ الدَّغِنَةِ مُرْ أَبَا بَكْرٍ فَلْيَعْبُدْ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَلْيُصَلِّ فِيهَا ، وَلْيَقْرَأْ مَا شَاءَ ، وَلَا يُؤْذِينَا بِذَلِكَ ، وَلَا يَسْتَعْلِنْ بِهِ فَإِنَّا نَخْشَى أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا فَقَالَ ذَلِكَ ابْنُ الدَّغِنَةِ لِأَبِي بَكْرٍ فَلَبِثَ أَبُو بَكْرٍ بِذَلِكَ يَعْبُدُ رَبَّهُ فِي دَارِهِ ، وَلَا يَسْتَعْلِنُ لِصَلَاتِهِ ، وَلَا يَقْرَأُ فِي غَيْرِ دَارِهِ ثُمَّ بَدَا لِأَبِي بَكْرٍ فَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ ، وَكَانَ يُصَلِّي فِيهِ ، وَيَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَتَقَصَّفُ عَلَيْهِ نِسَاءُ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْنَاؤُهُمْ وَهُمْ يُعْجَبُونَ مِنْهُ ، وَيَنْظُرُونَ إلَيْهِ . وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ رَجُلًا بَكَّاءً لَا يَمْلِكْ عَيْنَيْهِ إذَا قَرَأَ الْقُرْآنَ فَأَفْزَعَ ذَلِكَ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَأَرْسَلُوا إلَى ابْنِ الدَّغِنَةِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَقَالُوا إنَّا كُنَّا أَجَرْنَا أَبَا بَكْرٍ بِجِوَارِك عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَقَدْ جَاوَزَ ذَلِكَ ، وَابْتَنَى مَسْجِدًا بِفِنَاءِ دَارِهِ فَأَعْلَنَ بِالصَّلَاةِ وَالْقِرَاءَةِ فِيهِ ، وَإِنَّا قَدْ خَشِينَا أَنْ يَفْتِنَ نِسَاءَنَا وَأَبْنَاءَنَا فَانْهَهُ فَإِنْ أَحَبَّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَنْ يَعْبُدَ رَبَّهُ فِي دَارِهِ فَعَلَ ، وَإِنْ أَبَى إلَّا أَنْ يُعْلِنَ بِذَلِكَ فَسَلْهُ أَنْ يَرُدَّ إلَيْك ذِمَّتَك فَإِنَّا قَدْ كَرِهْنَا أَنْ نَخْفِرَك ، وَلَسْنَا مُقِرِّينَ لِأَبِي بَكْرٍ الِاسْتِعْلَانَ ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَأَتَى ابْنُ الدَّغِنَةِ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ قَدْ عَلِمْت الَّذِي عَاقَدْتُ لَك عَلَيْهِ فَإِمَّا أَنْ تَقْتَصِرَ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِمَّا أَنْ تَرْجِعَ إلَيَّ ذِمَّتِي فَإِنِّي لَا أُحِبُّ أَنْ تَسْمَعَ الْعَرَبُ أَنِّي أَخَفَرْت فِي رَجُلٍ عَقَدْت لَهُ فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ فَإِنِّي أَرُدُّ إلَيْك جِوَارَك ، وَأَرْضَى بِجِوَارِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ } . وَالصَّحِيحُ جَوَازُ الِاقْتِصَارِ عَلَى بَعْضِ الْحَدِيثِ إذَا كَانَ الْمَحْذُوفُ مُنْفَصِلًا عَنْ الْمَذْكُورِ لَا يَخْتَلُّ مَعْنَاهُ بِحَذْفِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْعَاشِرَةُ } قَوْلُهُ { قَدْ رَأَيْت دَارَ هِجْرَتِكُمْ } يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْيَقِظَةِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْمَنَامِ ، وَقَوْلُهُ { أُرِيتُ سَبِخَةً } هُوَ بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ ، وَالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ الْأَرْضُ الَّتِي تَعْلُوهَا مُلُوحَةٌ ، وَجَمْعُهَا سِبَاخٌ ، وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته مِنْ فَتْحِ الْبَاءِ هُوَ إذَا لَمْ تَجْعَلْهَا صِفَةً لِأَرْضٍ فَإِنْ قُلْت أَرْضٌ سَبِخَةٌ كَسَرْت الْبَاءَ ذَكَرَهُ فِي الصِّحَاحِ ، وَالْمَشَارِقِ ، وَقَوْلُهُ { بَيْنَ لَابَتَيْنِ } بِتَخْفِيفِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَالَ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ ، وَهُمَا حَرَّتَانِ ، وَالْحَرَّةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ أَرْضٌ ذَاتُ حِجَارَةٍ سُودٌ نَحْرَةٌ كَأَنَّهَا أُحْرِقَتْ بِالنَّارِ . { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } قَوْلُهُ { عَلَى رِسْلِك } بِكَسْرِ الرَّاءِ ، وَإِسْكَانِ السِّينِ أَيْ تُؤَدَتِك وَهِينَتِك ، وَضَبَطَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ بِكَسْرِ الرَّاءِ وَفَتْحِهَا قَالَ فَبِكَسْرِهَا عَلَى تُؤَدَتِكُمْ ، وَبِالْفَتْحِ مِنْ اللِّينِ وَالرِّفْقِ ، وَأَصْلُهُ السَّيْرُ اللَّيِّنُ ، وَمَعْنَاهُمَا مُتَقَارِبٌ ، وَقِيلَ هُمَا بِمَعْنَى مِنْ التُّؤَدَةِ ، وَتَرْكِ الْعَجَلَةِ . { الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ } { السَّمُرُ } بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَضَمِّ الْمِيمِ نَوْعٌ مِنْ شَجَرِ الطَّلْحِ يُقَالُ لِمُفْرَدِهِ سَمُرَةٌ ، وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى سُمُرَاتٍ . { الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ } { الظَّهِيرَةُ } بِفَتْحِ الظَّاءِ وَكَسْرِ الْهَاءِ الْهَاجِرَةُ ، وَهِيَ نِصْفُ النَّهَارِ عِنْدَ اشْتِدَادِ الْحَرِّ ( وَنَحْرُهَا ) أَوَّلُهَا كَمَا قَالَ ابْنُ السِّكِّيتِ ، وَابْنُ سِيدَهْ ، وَلَا يُقَالُ فِي الشِّتَاءِ ظَهِيرَةٌ ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ تَبَعًا لِإِبْرَاهِيمَ الْحَرْبِيِّ { نَحْرُ الظَّهِيرَةِ } هُوَ حِينَ تَبْلُغُ الشَّمْسُ مُنْتَهَاهَا مِنْ الِارْتِفَاعِ كَأَنَّهَا وَصَلَتْ إلَى النَّحْرِ ، وَهُوَ أَعَلَا الصَّدْرِ . { الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ } ( التَّقَنُّعُ ) مَعْرُوفٌ ، وَهُوَ تَغْطِيَةُ الرَّأْسِ بِطَرَفِ الْعِمَامَةِ أَوْ بِرِدَاءٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وِقَايَةَ الرَّأْسِ مِنْ الْحَرِّ لِشِدَّتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَأَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ إرَادَةَ الِاخْتِفَاءِ ، وَأَنْ لَا يَطَّلِعَ أَحَدٌ عَلَى مَجِيئِهِ إلَيْهِمْ ذَلِكَ الْوَقْتَ . { الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ } قَوْلُهُ { فِدًى لَهُ أَبِي وَأُمِّي } خَبَرٌ مُقَدَّمٌ وَمُبْتَدَأٌ مُؤَخَّرٌ وَهُوَ بِكَسْرِ الْفَاءِ ، وَفِيهِ الْمَدُّ وَالْقَصْرُ وَبِالْقَصْرِ رَوَيْنَاهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَحَكَى الْفَرَّاءُ فَدًى لَك مَفْتُوحٌ وَمَقْصُورٌ أَمَّا الْمَصْدَرُ مِنْ فَأَدَيْت فَمَمْدُودٌ لَا غَيْرُ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ أَبَاهُ وَأُمَّهُ فِدَاءً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَكَارِهِ ، وَهَذِهِ كَلِمَةٌ تَسْتَعْمِلُهَا الْعَرَبُ فِي التَّعْظِيمِ وَالتَّحَبُّبِ . { السَّادِسَةَ عَشْرَةَ } فِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِاجْتِمَاعِ الْإِنْسَانِ بِصَاحِبِهِ وَقْتَ الْقَائِلَةِ فِي الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ . { السَّابِعَةَ عَشْرَةَ } فِيهِ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ الِاسْتِئْذَانِ مَعَ أَنَّ أَهْلَ الْبَيْتِ زَوْجَتُهُ عَائِشَةَ ، وَأُمُّهَا أُمُّ رُومَانَ وَالصِّدِّيقُ لَكِنْ يَحْتَمِلُ وُجُودُ غَيْرِهِمْ بَلْ وُجُودُ غَيْرِهِمْ مُحَقَّقٌ ، وَهُوَ أَسْمَاءُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ ، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ غَيْرُهُمْ فَيَحْتَمِلُ عُذْرٌ مِنْ كَشْفِ عَوْرَةٍ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ ، وَلَا سِيَّمَا ذَلِكَ [ الْوَقْتِ ] ، وَهُوَ حِينَ وَضْعِ ثِيَابِهِمْ مِنْ الظَّهِيرَةِ فَهُوَ أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الثَّلَاثَةِ الْمَأْمُورِ مَالُك الْيَمِينِ ، وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ بِالِاسْتِئْذَانِ فِيهَا . { الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ } قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أُخْرِجَ مَنْ عِنْدَك } سَبَبُهُ شِدَّةُ التَّحَرُّزِ فِي أَمْرِ الْهِجْرَةِ لِئَلَّا يَعُوقَ عَنْهَا عَائِقٌ فَإِنَّ فُشُوَّ السِّرِّ سَبَبٌ لِحُصُولِ الْمَفْسَدَةِ فَلَمَّا أَعْلَمَهُ الصِّدِّيقُ بِأَنَّهُ لَيْسَ هُنَاكَ مَنْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ إفْشَاءُ السِّرِّ بِقَوْلِهِ إنَّمَا هُمْ أَهْلُك تَكَلَّمَ بِمَا عِنْدَهُ . { التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ } ، وَقَوْلُ أَبِي بَكْرٍ ( فَالصَّحَابَةَ ) مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَسْأَلُك أَوْ أَطْلُبُ مِنْك ، وَصَدْرُ هَذَا الْكَلَامِ مِنْ الصِّدِّيقِ لِشِدَّةِ حِرْصِهِ عَلَى صُحْبَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَقَدْ حَقَّقَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ ، وَوَصَفَهُ فِي التَّنْزِيلِ بِهِ ، وَإِلَّا فَهَذَا كَانَ فِي عَزْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلِهَذَا { اسْتَمْهَلَ أَبَا بَكْرٍ لَمَّا أَرَادَ الْهِجْرَةَ ، وَقَالَ عَلَى رِسْلِك فَإِنِّي أَرْجُو أَنْ يُؤْذَنَ لِي } . { الْعِشْرُونَ } إنْ قُلْت لِمَ امْتَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَخْذِ إحْدَى رَاحِلَتَيْ الصِّدِّيقِ إلَّا بِالثَّمَنِ مَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ أَمَنَّ النَّاسِ عَلَيَّ فِي مَالِهِ وَصُحْبَتِهِ أَبُو بَكْرٍ } . وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ . ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا لِأَحَدٍ عِنْدَنَا يَدٌ إلَّا ، وَقَدْ كَافَأْنَاهُ مَا خَلَا أَبَا بَكْرٍ فَإِنَّهُ لَهُ عِنْدَنَا يَدًا يُكَافِئُهُ اللَّهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمَا نَفَعَنِي مَالُ أَحَدٍ قَطُّ مَا نَفَعَنِي مَالُ أَبِي بَكْرٍ } . ( قُلْت ) قَدْ يُقَالُ لَا يَلْزَمُ مِنْ انْتِفَاعِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِمَالِ أَبِي بَكْرٍ وَمِنَّتِهِ عَلَيْهِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ أَخَذَهُ مِنْهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فَيَصْدُقُ ذَلِكَ مَعَ الْعِوَضِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَأْخُذُ مِنْهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، وَإِنَّمَا امْتَنَعَ هُنَا إلَّا بِعِوَضٍ لِأَنَّ هَذِهِ الْهِجْرَةَ قُرْبَةٌ عَظِيمَةٌ فَأَرَادَ انْفِرَادَهُ بِالْأَجْرِ فِيهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ } قَوْلُهَا { فَجَهَّزْنَاهُمَا أَحَثَّ الْجِهَازِ } أَيْ أَسْرَعَهُ وَأَعْجَلَهُ ، وَهُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { يَطْلُبُهُ حَثِيثًا } ، وَفِي جِيمِ الْجِهَازِ وَجْهَانِ الْفَتْحُ وَالْكَسْرُ ، وَالْجِرَابُ بِكَسْرِ الْجِيمِ مَعْرُوفٌ { الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ } وَ { النِّطَاقُ } بِكَسْرِ النُّونِ شُقَّةٌ تَلْبَسُهَا الْمَرْأَةُ ، وَتَشُدُّ وَسَطَهَا ثُمَّ تُرْسِلُ الْأَعْلَى عَلَى الْأَسْفَلِ إلَى الرُّكْبَةِ ، وَالْأَسْفَلُ يَنْجَرُّ إلَى الْأَرْضِ كَذَا قَيَّدَهُ الْجَوْهَرِيُّ بِكَوْنِ الْأَعْلَى إلَى الرُّكْبَةِ ، وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِذَلِكَ أَصْحَابُ الْمُحْكَمِ ، وَالْمَشَارِقِ وَالنِّهَايَةِ . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ تَفْعَلُهُ عِنْدَ مُعَانَاةِ الْأَشْغَالِ لِئَلَّا تَعْثُرَ فِي ذَيْلِهَا ، وَقَوْلِهَا { فَلِذَلِكَ كَانَتْ تُسَمَّى ذَاتَ النِّطَاقِ } . كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هُنَا ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ { ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ لِلْحَجَّاجِ بَلَغَنِي أَنَّك تَقُولُ لَهُ يَا بْنَ ذَاتِ النِّطَاقَيْنِ أَنَا وَاَللَّهِ ذَاتُ النِّطَاقَيْنِ أَمَّا أَحَدُهُمَا فَكُنْت أَرْفَعُ بِهِ طَعَامَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَطَعَامَ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مِنْ الدَّوَابِّ ، وَأَمَّا الْآخَرُ فَنِطَاقُ الْمَرْأَةِ الَّتِي لَا تَسْتَغْنِي عَنْهُ . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَسْمَاءَ قَالَتْ { صَنَعْت سُفْرَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِ أَبِي بَكْرٍ حِينَ أَرَادَ أَنْ يُهَاجِرَ إلَى الْمَدِينَةِ قَالَ فَلَمْ يَجِدْ لِسُفْرَتِهِ وَلَا لِسِقَائِهِ مَا يَرْبِطُهُمَا بِهِ فَقُلْت لِأَبِي بَكْرٍ ، وَلَا وَاَللَّهِ مَا أَجِدُ شَيْئًا أَرْبِطُ بِهِ إلَّا نِطَاقِي قَالَ فَشُقِّيهِ بِاثْنَيْنِ فَارْبِطِي بِوَاحِدٍ السِّقَاءَ ، وَبِوَاحِدٍ السُّفْرَةَ فَفَعَلْت فَلِذَلِكَ سُمِّيت ذَاتَ النِّطَاقَيْنِ } . وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ فِي سَبَبِ تَلْقِيبِ أَسْمَاءَ بِنْتِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِذَاتِ النِّطَاقَيْنِ ، وَقِيلَ بَلْ لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا قَدْ أَعْطَاك اللَّهُ بِهِمَا نِطَاقَيْنِ فِي الْجَنَّةِ } . حَكَاهُ فِي الْمَشَارِقِ ، وَقِيلَ لِأَنَّهَا كَانَتْ تُطَارِقُ نِطَاقًا فَوْقَ نِطَاقٍ تَسَتُّرًا ، وَبِهِ صَدَّرَ فِي النِّهَايَةِ كَلَامَهُ ، وَقِيلَ كَانَ لَهَا نِطَاقَانِ تَلْبَسُ أَحَدَهُمَا ، وَتَحْمِلُ فِي الْآخَرِ الزَّادَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَهُمَا فِي الْغَارِ حَكَاهُ فِي النِّهَايَةِ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ وَمَا فَسَّرَتْ بِهِ هِيَ نَفْسَهَا خَيْرُهَا : فَإِنَّهُ أَوْلَى مَا قِيلَ انْتَهَى . ( فَإِنْ قُلْت ) كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ اخْتِلَافِ الرِّوَايَاتِ فِي أَنَّهَا اسْتَعْمَلَتْ فِي حَاجَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشِّقَّيْنِ مَعًا أَحَدُهُمَا فِي السُّفْرَةِ ، وَالْآخَرُ فِي السِّقَاءِ أَوْ اسْتَعْمَلَتْ فِي حَاجَتِهِ أَحَدَهُمَا فَقَطْ ، وَأَبَقْت الْآخَرَ لِنَفْسِهَا . ( قُلْت ) الَّذِي يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ الرِّوَايَةُ بِاسْتِعْمَالِهَا لَهُمَا فِي حَاجَتِهِ فَإِنَّ مَعَهَا زِيَادَةَ عِلْمٍ ، وَهِيَ مُخْبِرَةٌ بِهِ عَنْ نَفْسِهَا بِخِلَافِ الْآخَرِ فَإِنَّ النَّاقِلَةَ لَهُ عَائِشَةُ ، وَكَانَتْ إذْ ذَاكَ صَغِيرَةً وَغَيْرَ صَاحِبَةِ الْقَضِيَّةِ ، وَأَمَّا رِوَايَةُ مُسْلِمٍ عَنْ أَسْمَاءَ الْمُوَافِقَةُ لِذَلِكَ فَقَالَتْهَا فِي آخِرِ عُمْرِهَا وَحُزْنِهَا عَلَى وَلَدِهَا وَغَيْظِهَا مِنْ الْحَجَّاجِ فَاَلَّذِي قَالَتْهُ قَبْلَ ذَلِكَ أَقْرَبُ إلَى الضَّبْطِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ } قَوْلُهَا { فَأَوْكَأَتْ الْجِرَابَ } كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا مِنْ مُسْنَدِ أَحْمَدَ ، وَظَاهِرُهُ نِسْبَةُ ذَلِكَ إلَى عَائِشَةَ ، وَاَلَّذِي فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ { فَرَبَطَتْ بِهِ عَلَى فَمِ الْجِرَابِ } تَعْنِي أَسْمَاءَ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ . { الرَّابِعَةُ ، وَالْعِشْرُونَ } قَوْلُهَا { ثُمَّ لَحِقَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَأَبُو بَكْرٍ بِغَارٍ فِي جَبَلٍ يُقَالُ لَهُ ثَوْرٌ } هُوَ الْغَارُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ فِي قَوْله تَعَالَى { إذْ هُمَا فِي الْغَارِ } ، وَثَوْرٌ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ جَبَلٌ بِمَكَّةَ ، وَمُكْثُهُمَا فِيهِ ثَلَاثُ لَيَالٍ لِيَنْقَطِعَ الطَّلَبُ عَنْهُمَا ، وَلَا يَظْفَرَ بِهِمَا الْمُشْرِكُونَ بَابُ قِتَالِ الْبُغَاةِ وَالْخَوَارِجِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ وَدَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ } . بَابُ قِتَالِ الْبُغَاةِ وَالْخَوَارِجِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ . عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَقْتَتِلَ فِئَتَانِ عَظِيمَتَانِ يَكُونُ بَيْنَهُمَا مَقْتَلَةٌ عَظِيمَةٌ وَدَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ . { الثَّانِيَةُ } فِيهِ عَلَمٌ مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ لِوُقُوعِ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ ، وَالْمُرَادُ بِالْفِئَتَيْنِ الْعَظِيمَتَيْنِ فِئَةُ عَلِيٍّ وَمُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، وَقَوْلُهُ { دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ } أَيْ دِينُهُمَا وَاحِدٌ إذْ الْكُلُّ مُسْلِمُونَ يَدْعُونَ بِدَعْوَى الْإِسْلَامِ عِنْدَ الْحَرْبِ ، وَهِيَ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَه إلَّا اللَّهُ ، وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِكَوْنِ دَعْوَاهُمَا وَاحِدَةٌ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا يَقُولُ إنَّهُ نَاصِرٌ لِلْحَقِّ طَالِبٌ لَهُ ذَابٌّ عَنْ الدِّينِ فَالْقَائِمُونَ مَعَ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُمْ الْمُصِيبُونَ الْقَائِمُونَ بِنُصْرَةِ مَنْ تَجِبُ نُصْرَتُهُ لِكَوْنِهِ أَفْضَلَ الْخَلْقِ ذَلِكَ الْوَقْتِ ، وَأَحَقَّهُمْ بِالْإِمَامَةِ مَعَ تَقَدُّمِ بَيْعَتِهِ مِنْ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ بِدَارِ الْهِجْرَةِ ، وَالْقَائِمَةُ مَعَ مُعَاوِيَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَأَوَّلُوا وُجُوبَ الْقِيَامِ بِتَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ فِي صَلْبِ قَتَلَةِ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ الَّذِينَ فِي عَسْكَرِ عَلِيٍّ ، وَأَنَّهُمْ لَا يُعْطُونَ بَيْعَةً ، وَلَا يَعُدُّونَ إمَامَةً حَتَّى يُعْطَوْ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَرَ هُوَ رَفْعَهُمْ إذْ الْحُكْمُ فِيهِمْ لِلْإِمَامِ ، وَلِأَنَّهُمْ لَمْ يُعَيِّنُوا أَحَدًا بَلْ طَلَبُوا ذَلِكَ عَلَى الِاتِّهَامِ ، وَلَا مَعْنَى لِوُقُوفِ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ عَنْ تَعْيِينِ الْمُحِقِّ مِنْ الْفِئَتَيْنِ مَعَ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَقْتُلُ عَمَّارًا الْفِئَةُ الْبَاغِيَةُ } ، وَمِنْ هَذَا بَوَّبَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ ( الْبُغَاةُ ) لِمَا بَيِّنَاهُ مِنْ مَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ الْفِئَةَ الْمُقَاتِلَةَ لِعَلِيٍّ هِيَ الْبَاغِيَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ مُتَأَوِّلَةً طَالِبَةً لِلْحَقِّ فِي ظَنِّهَا غَيْرَ مَذْمُومَةٍ بَلْ مَأْجُورَةٍ عَلَى الِاجْتِهَادِ ، وَلَا سِيَّمَا الصَّحَابَةُ مِنْهُمْ فَإِنَّ الْوَاجِبَ تَحْسِينُ الظَّنِّ بِهِمْ ، وَأَنْ يُتَأَوَّلَ لَهُمْ مَا فَعَلُوهُ بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِفَضْلِهِمْ ، وَمَا عَهِدْنَاهُ مِنْ حُسْنِ مَقْصِدِهِمْ ثُمَّ إنَّ عَدَالَتَهُمْ قَطْعِيَّةٌ لَا تَزُولُ بِمُلَابَسَةِ شَيْءٍ مِنْ الْفِتَنِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّالِثَةُ } لَمْ يَتَعَرَّضْ فِي الْحَدِيثِ لِحُكْمِ هَذَا الْقِتَالِ ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ بِوُقُوعِهِ خَاصَّةً ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يُقَاتِلُ فِي فِتَنِ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنْ دَخَلُوا عَلَيْهِ بَيْتَهُ ، وَطَلَبُوا قَتْلَهُ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ الْمُدَافَعَةُ عَنْ نَفْسِهِ لِأَنَّ الطَّالِبَ مُتَأَوِّلٌ ، وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَغَيْرِهِ ، وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ لَا يَدْخُلُ فِيهَا لَكِنْ إنْ قُصِدَ دَفَعَ عَنْ نَفْسِهِ وَهَذَانِ الْمَذْهَبَانِ مُتَّفِقَانِ عَلَى تَرْكِ الدُّخُولِ فِي جَمِيعِ فِتَنِ الْإِسْلَامِ ، وَقَالَ مُعْظَمُ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَعَامَّةِ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَجِبُ نَصْرُ الْحَقِّ فِي الْفِتَنِ وَالْقِيَامُ مَعَهُ وَمُقَاتَلَةُ الْبَاغِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ } هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ عَلَى مَنْعِ الْمُقَاتَلَةِ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَظْهَرْ لَهُ الْمُحِقُّ أَوْ عَلَى طَائِفَتَيْنِ ظَالِمَتَيْنِ لَا تَأْوِيلَ لِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا ، وَلَوْ كَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ الْأَوَّلُونَ لَظَهَرَ الْفَسَادُ ، وَاسْتَطَالَ أَهْلُ الْبَغْيِ وَالْمُبْطِلُونَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ عُبَيْدَةَ قَالَ { قَالَ عَلِيٌّ لِأَهْلِ النَّهْرَوَانِ : فِيهِمْ رَجُلٌ مَثْدُونُ الْيَدِ أَوْ مُودَنُ الْيَدِ أَوْ مُخْدَجُ الْيَدِ لَوْلَا أَنْ تَبْطُرُوا لَأَنْبَأْتُكُمْ مَا قَضَى اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ لِمَنْ قَتَلَهُمْ : قَالَ عُبَيْدَةُ فَقُلْت لِعَلِيٍّ أَنْتَ سَمِعْته ؟ قَالَ نَعَمْ ، وَرَبِّ الْكَعْبَةِ يَحْلِفُ عَلَيْهَا ثَلَاثًا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ { ، وَقَالَ أَنْتَ سَمِعْته مِنْ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } الْحَدِيثَ ، وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ عَنْ عَلِيٍّ بِلَفْظٍ آخَرَ ، وَفِيهِ { فَأَيْنَمَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } . الْحَدِيثُ الثَّانِي . وَعَنْ عُبَيْدَةَ قَالَ { قَالَ عَلِيٌّ لِأَهْلِ النَّهْرَوَانِ فِيهِمْ رَجُلٌ مَثْدُونُ الْيَدِ أَوْ مُودَنُ الْيَدِ أَوْ مُخْدَجُ الْيَدِ لَوْلَا أَنْ تَبْطُرُوا لَأَنْبَأْتُكُمْ مَا قَضَى اللَّهُ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ لِمَنْ قَتَلَهُمْ قَالَ عُبَيْدَةُ فَقُلْتُ لِعَلِيٍّ أَنْتَ سَمِعْتَهُ ؟ قَالَ نَعَمْ وَرَبِّ الْكَعْبَةِ يَحْلِفُ عَلَيْهَا ثَلَاثًا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ . ( فِيهِ ) فَوَائِدٌ { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ ، وَمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ عُبَيْدَةَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ ، وَأَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ الْجُهَنِيِّ { أَنَّهُ كَانَ فِي الْجَيْشِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ عَلِيٍّ الَّذِينَ سَارُوا إلَى الْخَوَارِجِ فَقَالَ عَلِيٌّ أَيُّهَا النَّاسُ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ يَخْرُجُ قَوْمٌ مِنْ أُمَّتِي يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَيْسَ قِرَاءَتُكُمْ إلَى قِرَاءَتِهِمْ بِشَيْءٍ ، وَلَا صَلَاتُكُمْ إلَى صَلَاتِهِمْ بِشَيْءٍ ، وَلَا صِيَامُكُمْ إلَى صِيَامِهِمْ بِشَيْءٍ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ يَحْسِبُونَ أَنَّهُ لَهُمْ ، وَهُوَ عَلَيْهِمْ لَا تُجَاوِزُ قِرَاءَتُهُمْ تَرَاقِيَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الْإِسْلَامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ لَوْ يَعْلَمُ الْجَيْشُ الَّذِينَ يُصِيبُونَهُمْ مِمَّا قَضَى لَهُمْ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِمْ لَاتَّكَلُوا عَنْ الْعَمَلِ ، وَآيَةُ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِمْ رَجُلًا لَهُ عَضُدٌ لَيْسَ لَهُ ذِرَاعٌ عَلَى رَأْسِ عَضُدِهِ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْيِ عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ بِيضٌ ، وَفِيهِ فَقَالَ عَلِيٌّ الْتَمِسُوا فِيهِمْ الْمُخْدَجَ فَالْتَمَسُوهُ فَلَمْ يَجِدُوهُ فَقَامَ عَلِيٌّ بِنَفْسِهِ حَتَّى أَتَى نَاسًا قَدْ قُتِلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ فَقَالَ أَخِّرُوهُمْ فَوَجَدُوهُ مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ فَكَبَّرَ ثُمَّ قَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَبَلَغَ ، قَالَ فَقَامَ إلَيْهِ عُبَادَةَ السَّلْمَانِيُّ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ اللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَسَمِعْت هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَقَالَ : أَيْ وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ حَتَّى اسْتَحْلَفَهُ ثَلَاثًا وَهُوَ يَحْلِفُ لَهُ } . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ { أَنَّ الْحَرُورِيَّةَ لَمَّا خَرَجَتْ ، وَهُوَ مَعَ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالُوا لَا حُكْمَ إلَّا لِلَّهِ فَقَالَ عَلِيٌّ كَلِمَةَ حَقٍّ أُرِيدَ بِهَا بَاطِلٌ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفَ نَاسًا إنِّي لَأَعْرِفُ صِفَتَهُمْ فِي هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ الْحَقَّ بِأَلْسِنَتِهِمْ لَا يَجُوزُ هَذَا مِنْهُمْ ، وَأَشَارَ إلَى حَلْقِهِ هُمْ مِنْ أَبْغَضِ خَلْقِ اللَّهِ إلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلٌ أَسْوَدُ إحْدَى يَدَيْهِ ظَبْيُ شَاةٍ أَوْ حَلَمَةُ ثَدْيٍ فَلَمَّا قَتَلَهُمْ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَالَ اُنْظُرُوا فَنَظَرُوا فَلَمْ يَجِدُوا شَيْئًا فَقَالَ ارْجِعُوا فَوَاَللَّهِ مَا كَذَبْت وَلَا كَذَبْت مَرَّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمَّ وَجَدُوهُ فِي خَرِبَةٍ فَأَتَوْا بِهِ حَتَّى وَضَعُوهُ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ عُبَيْدُ اللَّهِ ، وَأَنَا حَاضِرٌ ذَلِكَ مِنْ أَمْرِهِمْ ، وَقَوْلِ عَلِيٍّ فِيهِمْ } . وَرَوَى الشَّيْخَانِ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ { قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إذَا حَدَّثْتُكُمْ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَأَنْ أَخِرَّ مِنْ السَّمَاءِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُولَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْ وَإِذَا حَدَّثْتُكُمْ فِيمَا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ فَإِنَّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ سَيَخْرُجُ فِي آخِرِ الزَّمَانِ قَوْمٌ أَحْدَاثُ الْأَسْنَانِ سُفَهَاءُ الْأَحْلَامِ يَقُولُونَ مِنْ قَوْلِ خَيْرِ الْبَرِّيَّةِ يَقْرَءُونَ الْقُرْآنَ لَا يُجَاوِزُ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنْ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنْ الرَّمِيَّةِ فَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فَاقْتُلُوهُمْ فَإِنَّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا لِمَنْ قَتَلَهُمْ عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } . وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي الْوَصِيِّ قَالَ { قَالَ عَلِيٌّ اُطْلُبُوا الْمُجْدَعَ ، فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَاسْتَخْرَجُوهُ مِنْ تَحْتِ الْقَتْلَى فِي طِينٍ قَالَ أَبُو الْوَصِيِّ فَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَيْهِ حِيشَ عَلَيْهِ فَرَبَطْت لَهُ إحْدَى يَدَيْهِ مِثْلَ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ عَلَيْهَا شُعَيْرَاتٌ مِثْلُ شُعَيْرَاتٍ تَكُونُ عَلَى ذَنَبِ الْيَرْبُوعِ } . وَعَنْ أَبِي مَرْيَمَ قَالَ : إنْ كَانَ ذَلِكَ الْمُجْدَعُ لَمَعْنَا يَوْمَئِذٍ فِي الْمَسْجِدِ نُجَالِسُهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، وَكَانَ فَقِيرًا ، وَرَأَيْته مَعَ الْمَسَاكِينِ يَشْهَدُ طَعَامَ عَلِيٍّ مَعَ النَّاسِ ، وَقَدْ كَسَوْته بُرْنُسًا لِي قَالَ أَبُو مَرْيَمَ ، وَكَانَ الْمُجْدَعُ يُسَمَّى نَافِعًا ذَا الثَّدْي ، وَكَانَ فِي يَدِهِ مِثْلُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ [ وَ ] عَلَى رَأْسِهِ حَلَمَةٌ مِثْلُ حَلَمَةِ الثَّدْي عَلَيْهِ شَعَرَاتٌ مِثْلُ سِبَالَةِ السِّنَّوْرِ . { الثَّانِيَةُ } قَوْلُهُ { قَالَ عَلِيٌّ لِأَهْلِ النَّهْرَوَانِ } اللَّامُ لِلتَّبْيِينِ أَيْ قَالَ هَذَا الْكَلَامَ فِي حَقِّ أَهْلِ النَّهْرَوَانِ الْمُرَادُ بِهِمْ الْخَوَارِجُ الْمَارِقُونَ فِي زَمَنِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَكَانَ اجْتِمَاعُهُمْ فِي هَذَا الْمَكَانِ ، وَهُوَ بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ وَفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَهِيَ بَلْدَةٌ عَلَى أَرْبَعِ فَرَاسِخَ مِنْ الدِّجْلَةِ وَيُقَالُ لَهُمْ الْحَرُورِيَّةَ نِسْبَةً إلَى حَرُورَاءَ وَهُوَ بِالْمَدِّ وَالْقَصْرِ مَوْضِعٌ بِظَاهِرِ الْكُوفَةِ اجْتَمَعَ فِيهِ أَوَائِلُ الْخَوَارِجِ ثُمَّ كَثُرَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى اسْتَعْمَلَ فِي كُلِّ خَارِجِيٍّ . { الثَّالِثَةُ } قَوْلُهُ { فِيهِمْ رَجُلٌ مَثْدُونُ الْيَدِ أَوْ مُودَنُ الْيَدِ أَوْ مُخْدَجُ الْيَدِ } شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي فِي اللَّفْظِ الَّذِي قَالَهُ فَأَمَّا الْمَثْدُونُ فَبِفَتْحِ الْمِيمِ ، وَإِسْكَانِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَضَمِّ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ ، وَإِسْكَانِ الْوَاوِ وَآخِرُهُ نُونٌ ، وَهُوَ صَغِيرُ الْيَدِ مُجْتَمِعُهَا كَثَنْدُوَةِ الثَّدْيِ ، وَهِيَ بِفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ بِلَا هَمْزٍ وَبِضَمِّهَا مَعَ الْهَمْزِ ، وَكَأَنَّ أَصْلَهُ مَثْنُودٌ فَقُدِّمَتْ الدَّالُ عَلَى النُّونِ كَمَا قَالُوا فِي جَبَذَ جَذَبَ ، وَعَاثَ فِي الْأَرْضِ وَعَثَا ، وَحُكِيَ فِي الْمُحْكَمِ هَذَا الْقَلْبُ عَنْ ابْنِ جِنِّي ، وَقَالَ إنَّهُ لَيْسَ بِشَيْءٍ ، وَأَمَّا ( الْمُودَنُ ) فَبِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَيُقَالُ بِالْهَمْزِ وَبِتَرْكِهِ وَهُوَ نَاقِصُ الْيَدِ ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا . وَدِينٌ وَمَوْدُونٌ ، وَأَمَّا ( الْمُخْدَجُ ) فَبِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ جِيمٌ ، وَمَعْنَاهُ نَاقِصُ الْيَدِ يُقَالُ خَدَجَتْ النَّاقَةُ إذْ أَلْقَتْ وَلَدَهَا قَبْلَ تَمَامِ الْأَيَّامِ ، وَإِنْ كَانَ تَامَّ الْخِلْقَةِ ، فَهُوَ خَدِيجٌ ، وَأَخْدَجَتْ إذَا جَاءَتْ بِهِ نَاقِصَ الْخَلْقِ ، وَإِنْ كَانَتْ أَيَّامُهُ تَامَّةً فَهُوَ مُخْدَجٌ ، وَيُسْتَعْمَلُ ذَلِكَ أَيْضًا فِي كُلِّ ذَاتِ ظِلْفٍ وَحَافِرٍ بَلْ فِي الْآدَمِيَّاتِ أَيْضًا ، وَمِنْهُ وَكُلُّ أُنْثَى حَمَلَتْ خَدُوجًا . { الرَّابِعَةُ } قَوْلُهُ { لَوْلَا أَنْ تَبْطَرُوا } أَيْ تَطْغَوْا ، وَأَصْلُ الْبَطَرِ الطُّغْيَانُ عِنْدَ النِّعْمَةِ وَالْعَافِيَةِ فَيَسُوءُ احْتِمَالُهُ لَهَا فَيَكُونُ مِنْهُ الْكِبْرُ وَالْأَشَرُ وَالْبَذَخُ ، وَشِدَّةُ الْمَرَحِ . { الْخَامِسَةُ } قَوْلُهُ { أَنْتَ سَمِعْته } كَذَا فِي رِوَايَتِنَا هُنَا الِاقْتِصَارُ عَلَى ذَلِكَ ، وَالْمُرَادُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ ، وَالْمَعْنَى دَالٌّ عَلَيْهِ . { السَّادِسَةُ } قَوْلُهُ { لِمَنْ قَتَلَهُمْ } أَيْ قَاتَلَهُمْ ، وَفِيهِ التَّرْغِيبُ فِي قِتَالِ الْخَوَارِجِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى التَّصْرِيحُ بِالْأَمْرِ بِذَلِكَ قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ إجْمَاعٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْخَوَارِجَ وَأَشْبَاهَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْبَغْيِ مَتَى خَرَجُوا عَلَى الْإِمَامِ ، وَخَالَفُوا رَأْيَ الْجَمَاعَةِ ، وَشَقُّوا الْعَصَا وَجَبَ قِتَالُهُمْ بَعْدَ إنْذَارِهِمْ وَالْإِعْذَارِ إلَيْهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إلَى أَمْرِ اللَّهِ } لَكِنْ لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحِهِمْ ، وَلَا يُتْبَعُ مُنْهَزِمُهُمْ ، وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرُهُمْ ، وَلَا تُبَاحُ أَمْوَالُهُمْ ، وَمَا لَمْ يَخْرُجُوا عَنْ الطَّاعَةِ وَيَنْتَصِبُوا لِلْحَرْبِ لَا يُقَاتَلُونَ بَلْ يُوعَظُونَ وَيُسْتَتَابُونَ عَنْ بِدْعَتِهِمْ وَبَاطِلِهِمْ ، وَهَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَكْفُرُوا بِبِدْعَتِهِمْ فَإِنْ كَانَتْ الْبِدْعَةُ مِمَّا يَكْفُرُونَ بِهَا جَرَتْ عَلَيْهِمْ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ ، وَأَمَّا الْبُغَاةُ الَّذِينَ لَا يَكْفُرُونَ فَيُورَثُونَ وَيَرِثُونَ ، وَدَمُهُمْ فِي حَالِ الْقِتَالِ هَذَا ، وَكَذَا أَمْوَالُهُمْ الَّتِي تَتْلَفُ فِي الْقِتَالِ ، وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمْ لَا يَضْمَنُونَ أَيْضًا مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ فِي حَالِ الْقِتَالِ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ ، وَمَا أَتْلَفُوهُ فِي غَيْرِ حَالِ الْقِتَالِ مِنْ نَفْسٍ وَمَالٍ ضَمِنُوهُ ، وَلَا يَحِلُّ الِانْتِفَاعُ بِشَيْءٍ مِنْ دَوَابِّهِمْ وَسِلَاحِهِمْ فِي حَالِ الْحَرْبِ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْجُمْهُورِ ، وَجَوَّزَهُ أَبُو حَنِيفَةَ . { السَّابِعَةُ } قَوْلُهُ { يَحْلِفُ عَلَيْهَا ثَلَاثًا } قَدْ تَبَيَّنَ بِرِوَايَةٍ أُخْرَى لِمُسْلِمٍ أَنَّ الْحَلِفَ وَتَكْرِيرَهُ كَانَ بِاسْتِحْلَافِ عُبَيْدَةَ ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِشَكٍّ فِي خَبَرِهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِيُسْمِعَ الْحَاضِرِينَ ، وَيُؤَكِّدَ ذَلِكَ عِنْدَهُمْ ، وَتَظْهَرُ لَهُمْ الْمُعْجِزَةُ الَّتِي أَخْبَرَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَيَظْهَرُ لَهُمْ أَنَّ عَلِيًّا ، وَأَصْحَابَهُ أَوْلَى الطَّائِفَتَيْنِ بِالْحَقِّ ، وَأَنَّهُمْ مُحِقُّونَ فِي قِتَالِهِمْ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . كِتَابُ الْحُدُودِ . بَابُ رَجْمِ الْمُحْصَنِ . عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ { إنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ ؟ قَالُوا نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدْنَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ إنَّ فِيهَا لَآيَةُ الرَّجْمِ فَأَتَوْا التَّوْرَاةَ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا بَعْدَهَا وَمَا قَبْلَهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ارْفَعْ يَدَك فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ ، فَقَالُوا صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ ، فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : فَرَأَيْته رَجُلًا يَجْنَأُ عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ } . كِتَابُ الْحُدُودِ . بَابُ رَجْمِ الْمُحْصَنِ . عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا أَنَّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ قَالُوا نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ كَذَبْتُمْ إنَّ فِيهَا لَآيَةُ الرَّجْمِ فَأَتَوْا بِالتَّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ فَقَرَأَ مَا بَعْدَهَا وَمَا قَبْلَهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ ارْفَعْ يَدَك فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ فَقَالُوا صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَرَأَيْته رَجُلًا يَحْنِي عَلَى الْمَرْأَةِ يَقِيهَا الْحِجَارَةَ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ الْخَمْسَةُ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَمُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْكَرِيمِ الْجَزَرِيِّ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ وُجُوبُ حَدِّ الزِّنَا عَلَى الْكَافِرِ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورُ ؛ وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى أَنَّهُ لَا حَدَّ عَلَيْهِ فِي الزِّنَا وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ . وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَرَبِيعَةَ الرَّأْيَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ مَالِكٌ وَإِنَّمَا رَجَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودِيَّيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ تَكُنْ لِلْيَهُودِ يَوْمئِذٍ ذِمَّةٌ وَتَحَاكَمُوا إلَيْهِ ، وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ لَمَّا ذَكَرَ كَلَامَ مَالِكٍ هَذَا لَوْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا عَلَيْهِمْ لَمَا أَقَامَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ وَإِذَا كَانَ مَنْ لَا ذِمَّةَ لَهُ قَدْ حَدَّهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الزِّنَا فَمَنْ لَهُ ذِمَّةٌ أَحْرَى بِذَلِكَ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ حَمَلَ مَالِكٍ هَذَا عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ لَهُ ذِمَّةٌ فَكَانَ دَمُهُ مُبَاحًا لَكِنَّهُ يُعْتَرَضُ عَلَى هَذَا عِنْدِي بِرَجْمِهِ لِلْمَرْأَةِ وَلَعَلَّهُ يَقُولُ كَانَ ذَلِكَ قَبْلَ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ وَذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ رَوَى الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الزَّانِيَيْنِ كَانَا مِنْ أَهْلِ فَدَكَ وَخَيْبَرَ وَكَانُوا حَرْبًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانُوا بَعَثُوا إلَى يَهُودِ الْمَدِينَةِ لِيَسْأَلُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا لَهُمْ سَلُوا مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا فَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِغَيْرِ الرَّجْمِ فَحُدُّوا بِهِ وَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِالرَّجْمِ فَاحْذَرُوا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَهَذَا الِاعْتِذَارُ يَحْتَاجُ إلَى اعْتِذَارٍ بَعْدَ صِحَّةِ الْحَدِيثِ فَإِنَّ مَجِيئَهُمْ سَائِلِينَ يُوجِبُ عَهْدًا لَهُمْ كَمَا إذَا دَخَلُوا بِلَادَنَا لِغَرَضٍ مَقْصُودٍ مِنْ تِجَارَةٍ أَوْ رِسَالَةٍ أَوْ نَحْوِهِمَا فَإِنَّهُمْ فِي أَمَانٍ إلَى أَنْ يُرَدُّوا إلَى مَأْمَنِهِمْ وَلَا يَحِلُّ قَتْلُهُمْ وَلَا أَخْذُ مَالِهِمْ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إنَّمَا رَجْمَهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَكُونَا أَهْلَ ذِمَّةٍ وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّهُمَا كَانَا مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ ؛ وَلِأَنَّهُ رَجَمَ الْمَرْأَةَ ، وَالنِّسَاءُ لَا يَجُوزُ قَتْلُهُنَّ مُطْلَقًا انْتَهَى . فَهَذَا الْجَوَابُ عَنْ كَوْنِهِمَا حَرْبِيَّيْنِ وَأَمَّا الْجَوَابُ . عَنْ التَّحَاكُمِ إلَيْهِ فَإِنَّ مَذْهَبَ مَالِكٍ أَنَّ الْحَاكِمَ بَعْدَ تَرَافُعِ أَهْلِ الذِّمَّةِ إلَيْهِ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ وَبَيْنَ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ فَاخْتَارَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ فَهُوَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَسْتَقِيمُ عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ ؛ لِأَنَّ شَرْطَ الْإِحْصَانِ عِنْدَهُ الْإِسْلَامُ وَلَيْسَ مَوْجُودًا فِي هَذَيْنِ الزَّانِيَيْنِ فَلَيْسَ حُكْمُ الشَّرْعِ عِنْدَهُ رَجْمَهُمَا فَكَيْفَ يُقَالُ حَكَمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللَّهِ وَكَيْفَ الْمَخْلَصُ عِنْدَهُمْ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِهَذَا الْكَلَامِ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيُّ جَاءُوا مُحَكِّمِينَ لَهُ فِي الظَّاهِرِ وَمُخْتَبِرِينَ فِي الْبَاطِنِ هَلْ هُوَ نَبِيُّ حَقٍّ أَوْ مُسَامِحٌ فِي الْحَقِّ فَقَبِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إفْتَاءَهُمْ وَتَأَمَّلَ سُؤَالَهُمْ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّحْكِيمَ جَائِزٌ فِي الشَّرْعِ انْتَهَى . ( قُلْت ) التَّحْكِيمُ إنَّمَا يَكُونُ لِغَيْرِ الْحُكَّامِ فَأَمَّا الْحُكَّامُ فَحُكْمُهُمْ بِالْوِلَايَةِ لَا بِطَرِيقِ التَّحْكِيمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنْ قَالَ قَائِلٌ لَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الزَّانِيَيْنِ حَكَّمَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا رَضِيَا بِحُكْمِهِ قِيلَ لَهُ حَدُّ الزَّانِي حَقٌّ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ عَلَى الْحَاكِمِ إقَامَتُهُ وَقَدْ كَانَ لِلْيَهُودِ حَاكِمٌ فَهُوَ الَّذِي حَكَّمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا اعْتِبَارَ بِتَحْكِيمِ الزَّانِيَيْنِ انْتَهَى بِمَعْنَاهُ وَهُوَ مَرْدُودٌ لِمَا قُلْنَاهُ مِنْ أَنَّ حُكْمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَرِيقِ النُّبُوَّةِ لَا بِالتَّحْكِيمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ مَا حَكَيْنَاهُ عَنْ مَذْهَبِنَا وَغَيْرِهِ مِنْ إقَامَةِ حَدِّ الزِّنَا عَلَى الْكَافِرِ مَحَلُّهُ فِي الذِّمِّيِّ دُونَ الْحَرْبِيِّ . أَمَّا الْمُعَاهِدُ أَوْ مَنْ دَخَلَ بِأَمَانٍ إذَا زِنًا بِمُسْلِمَةٍ فَلِأَصْحَابِنَا فِيهِ طَرِيقَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ كَالْخِلَافِ فِي قَطْعِهِ بِالسَّرِقَةِ ( أَظْهَرُهُمَا ) لَا حَدَّ عَلَيْهِ وَ ( الثَّانِي ) نَعَمْ وَ ( الثَّالِثُ ) إنْ شُرِطَ عَلَيْهِ فِي الْعَهْدِ حَدٌّ وَإِلَّا فَلَا وَ ( الطَّرِيقَةُ الثَّانِيَةُ ) الْقَطْعُ بِأَنَّهُ لَا حَدَّ ؛ لِأَنَّهُ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَتَعَلَّقُ بِطَلَبِ آدَمِيٍّ وَخُصُومَتِهِ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِنَقْلِ الْعِرَاقِيِّينَ وَالْبَغَوِيِّ وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ لَا يُحَدُّ الدَّاخِلُ بِأَمَانٍ فِي الزِّنَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ يُحَدُّ إذَا زَنَا بِذِمِّيَّةٍ . ( الثَّالِثَةُ ) وَفِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شُرُوطِ الْإِحْصَانِ الْمُقْتَضِي لِلرَّجْمِ ( الْإِسْلَامُ ) فَإِذَا وَطِئَ الذِّمِّيُّ فِي نِكَاحٍ صَحِيحٍ وَهُوَ بَالِغٌ عَاقِلٌ حُرٌّ صَارَ مُحْصَنًا يَجِبُ رَجْمُهُ إذَا زَنَا وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يُرْجَمُ الذِّمِّيُّ ؛ لِأَنَّ مِنْ شُرُوطِ الْإِحْصَانِ الْإِسْلَامُ قَالُوا : وَكَانَ الرَّجْمُ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ لَا بِهَذِهِ الشَّرِيعَةِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِالْحَدِّ الْمَعْرُوفِ فَإِنَّ هَذَا كَانَ قَبْلَ مَشْرُوعِيَّتِهِ وَهَذَا مَرْدُودٌ ، فَلَا دَلِيلَ عَلَى أَنَّ الْإِسْلَامَ مِنْ شُرُوطِ الْإِحْصَانِ وَالْأَصْلُ عَدَمُ النَّسْخِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ مَعَ قَوْله تَعَالَى { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } وَهُوَ الْعَدْلُ الْمُنَزَّلُ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } وَكَيْفَ نَجْعَلُ الْحُدُودَ نَاسِخَةً لِهَذَا الْحُكْمِ وَهِيَ مُوَافَقَةٌ لَهُ وَلَا بُدَّ مِنْ مُضَادَّةِ حُكْمِ النَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهَذَا تَأْوِيلٌ غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ يَقُولُ { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ } وَإِنَّمَا جَاءَهُ الْقَوْمُ مُسْتَفْتِينَ طَمَعًا فِي أَنْ يُرَخِّصَ لَهُمْ فِي تَرْكِ الرَّجْمِ لِيُعَطِّلُوا بِهِ حُكْمَ التَّوْرَاةِ فَأَشَارَ إلَيْهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا كَتَمُوهُ مِنْ حُكْمِ التَّوْرَاةِ ثُمَّ حَكَمَ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ لِشَرَائِطِهِ الْوَاجِبَةِ فِيهِ وَلَيْسَ يَخْلُو الْأَمْرُ فِيمَا صَنَعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُوَافِقًا لِحُكْمِ الْإِسْلَامِ أَوْ مُخَالِفًا لَهُ فَإِنْ كَانَ مُخَالِفًا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يَحْكُمَ بِالْمَنْسُوخِ وَيَتْرُكَ النَّاسِخَ وَإِنْ كَانَ مُوَافِقًا لَهُ فَهُوَ شَرِيعَتُهُ وَالْحُكْمُ الْمُوَافِقُ لِشَرِيعَتِهِ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُضَافًا إلَى غَيْرِهِ وَلَا يَكُونُ فِيهِ تَابِعًا لِمَا سِوَاهُ ثُمَّ أَجَابَ عَنْ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنِّي أَحْكُمُ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ بِأَنَّ فِيهِ رَجُلًا لَا يُعْرَفُ قَالَ وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ اُحْكُمْ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ احْتِجَاجًا بِهِ عَلَيْهِمْ وَإِنَّمَا حَكَمَ بِمَا فِي دِينِهِ وَشَرِيعَتِهِ وَذِكْرُهُ التَّوْرَاةَ لَا يَكُونُ عِلَّةً لِلْحُكْمِ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى هَذَا عِنْدَنَا كَانَ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرَّجْمِ عَلَى الْيَهُودِيَّيْنِ أَيْ بِشَرِيعَتِنَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رَجَمَ مَاعِزًا وَغَيْرَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ إنَّمَا رَجَمَ مَنْ رَجَمَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِأَمْرِ اللَّهِ وَحُكْمِهِ ؛ لِأَنَّهُ لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى وَلَا يَتَقَدَّمُ بَيْنَ يَدَيْ اللَّهِ ، وَإِنَّمَا يَحْكُمُ بِمَا أَرَاهُ اللَّهُ فَوَافَقَ ذَلِكَ مَا فِي التَّوْرَاةِ وَقَدْ كَانَ عِنْدَهُ بِذَلِكَ عِلْمٌ وَلِذَلِكَ سَأَلَهُمْ عَنْهُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ وَكُلُّهُمْ أَيْ الْفُقَهَاءُ يَشْتَرِطُ فِي الْإِحْصَانِ الْمُوجِبِ لِلرَّجْمِ الْإِسْلَامَ هَذَا مِنْ شُرُوطِهِ عِنْدَ جَمِيعِهِمْ وَمَنْ رَأَى رَجَمَ أَهْلِ الذِّمَّةِ مِنْهُمْ إذَا أُحْصِنُوا إنَّمَا رَآهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ إذَا تَحَاكَمُوا إلَيْنَا لَزِمَنَا أَنْ نَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ اللَّهِ فِينَا وَكَذَلِكَ فَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْيَهُودِيِّينَ الْمَذْكُورَيْنِ انْتَهَى . وَهُوَ مَرْدُودٌ نَقْلًا وَمَعْنًى فَنَقْلُهُ عَنْ جَمِيعِ الْفُقَهَاءِ اشْتِرَاطَ الْإِسْلَامِ فِي الْإِحْصَانِ مُخَالِفٌ لِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا وَقَوْلُهُ إذَا تَرَافَعُوا إلَيْنَا لَزِمَنَا أَنْ نَحْكُمَ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ يُقَالُ لَهُ حُكْمُ الْإِسْلَامِ عِنْدَك أَنْ لَا رَجْمَ عَلَى الْكَافِرِ لِعَدَمِ إحْصَانِهِ فَكَيْفَ تَقُولُ إنَّ رَجْمَهُمْ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ مَعَ اشْتِرَاطِهِ الْإِسْلَامَ فِي الْإِحْصَانِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ حُكْمُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا فِي التَّوْرَاةِ مَخْصُوصٌ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ } ؛ وَلِأَنَّا لَا نَعْلَمُ مَا عَمِلَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى . وَهُوَ مَرْدُودٌ فِي نَفْسِهِ وَمُخَالِفٌ لِمَا قَدَّمَهُ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بَعْدَ حِكَايَتِهِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ : ( أَحَدُهَا ) : أَنَّهُ حَكَمَ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَيْسَ الْإِسْلَامُ شَرْطًا فِي الْإِحْصَانِ . ( الثَّانِي ) : حَكَمَ بَيْنَهُمْ بِشَرِيعَةِ مُوسَى وَشَهَادَةِ الْيَهُودِ . ( الثَّالِثُ ) : قَالَ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ إنَّمَا حَكَمَ بَيْنَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ وَلَا نَحْكُمُ الْيَوْمَ إلَّا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ فَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مَا حَكَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ سِيَاقَ الْحَدِيثِ لَا يَقْتَضِي إلَّا الْحُكْمَ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ وَكَذَلِكَ دَلِيلُ الْقُرْآنِ وَهُوَ قَوْلُهُ { فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } أَيْ الْعَدْلِ وَإِذَا جَاءَنَا الْيَهُودُ وَاعْتَرَفُوا عِنْدَنَا بِالزِّنَا وَأَرَدْنَا أَنْ نَحْكُمَ بَيْنَهُمْ بِالْحَقِّ رَجَمْنَاهُمْ وَإِلَّا لَمْ نَتَعَرَّضْ لَهُمْ انْتَهَى . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ سَمِعْت رَجُلًا مِنْ مُزَيْنَةُ يُحَدِّثُ سَعِيدَ بْنَ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { زَنَا رَجُلٌ وَامْرَأَةٌ مِنْ الْيَهُودِ وَقَدْ أُحْصِنَا حِينَ قَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَصَرَّحَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِأَنَّهُمَا كَانَا مُحْصَنَيْنِ . ( الرَّابِعَةُ ) : إنْ قُلْت كَيْفَ ثَبَتَ زِنَاهُمَا أَبِإِقْرَارِهِمَا أَمْ بِبَيِّنَةٍ ؟ ( قُلْت ) فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ { فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّهُودِ فَجَاءَ أَرْبَعَةٌ فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجْمِهِمَا } قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ قَوْلُهُ ( فَدَعَا بِالشُّهُودِ ) يَعْنِي شُهُودَ الْإِسْلَامِ عَلَى اعْتِرَافِهِمَا ، وَقَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فَرَجَمَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَهَادَةِ الْيَهُودِ يَعْنِي بِحُضُورِهِمْ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَانَ الْحُكْمُ فِيهِمْ بِشَهَادَةٍ لَا بِاعْتِرَافٍ ، وَذَلِكَ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ لَا عَلَى مُسْلِمٍ وَلَا عَلَى كَافِرٍ وَلَا فَرْقَ بَيْنَ الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا وَلَا بَيْنَ السَّفَرِ وَالْحَضَرِ وَقَبِلَ شَهَادَتَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ إذَا لَمْ يُوجَدْ مُسْلِمٌ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ تَجُوزُ شَهَادَةُ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي السَّفَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ وَيَعْتَذِرُ لِلْجُمْهُورِ عَنْ رَجْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الزَّانِيَيْنِ عِنْدَ شَهَادَةِ الْيَهُودِ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ نَفَّذَ عَلَيْهِمْ مَا عَلِمَ أَنَّهُ حُكْمُ التَّوْرَاةِ وَأَلْزَمَهُمْ الْعَمَلَ بِهِ عَلَى نَحْوِ مَا عَمِلَتْ بِهِ بَنُو إسْرَائِيلَ إلْزَامًا لِلْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَإِظْهَارًا لِتَحْرِيفِهِمْ وَتَغْيِيرَهُمْ فَكَانَ مُنَفِّذًا لَا حَاكِمًا قَالَ وَهَذَا يَمْشِي عَلَى تَأْوِيلِ الشَّافِعِيِّ الْمُتَقَدِّمِ وَأَمَّا عَلَى مَا قَرَرْنَاهُ مِنْ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ حَاكِمًا فِي الْقَضِيَّةِ بِحُكْمِ اللَّهِ فَيَكُونُ الْعُذْرُ عَنْ سَمَاعِ شَهَادَةِ الْيَهُودِ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ خَاصًّا بِتِلْكَ الْوَاقِعَةِ إذْ لَمْ يُسْمَعْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ مَنْ قَبِلَ شَهَادَتَهُمْ فِي مِثْلِ ذَلِكَ انْتَهَى . وَهُوَ مَرْدُودٌ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَبِلَ غَيْرَ الْمُسْلِمِينَ بِمُجَرَّدِ الِاحْتِمَالِ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِذَلِكَ وَلَوْ نُقِلَ مِثْلُ هَذَا عَنْ أَحَدِ الْحُكَّامِ مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ لَكَانَ ذَلِكَ فِي غَايَةِ الْقُبْحِ فَكَيْفَ بِسَيِّدِ الْحُكَّامِ أَوْ مُشَرِّعِ الْأَحْكَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ رَجْمَهُمَا بِالْإِقْرَارِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي دَاوُد الْمُتَقَدِّمَ ثُمَّ قَالَ : فَإِنْ صَحَّ هَذَا فَإِنْ كَانَ الشُّهُودُ مُسْلِمِينَ فَظَاهِرٌ وَإِنْ كَانُوا كُفَّارًا فَلَا اعْتِبَارَ بِشَهَادَتِهِمْ وَيَتَعَيَّنُ أَنَّهُمَا أَقَرَّا بِالزِّنَا . ( الْخَامِسَةُ ) : فِيهِ رَجْمُ الزَّانِي الْمُحْصَنِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ أَمْرٌ أَجْمَعَ أَهْلُ الْحَقِّ عَلَيْهِ وَهُمْ الْجَمَاعَةُ أَهْلُ الْفِقْهِ وَالْأَثَرِ وَلَا يُخَالِفُ فِيهِ مِنْ بَعْدِهِ أَهْلُ الْعِلْمِ خِلَافًا ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ لَمْ يُخَالِفْ فِي هَذَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ إلَّا مَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ عَنْ الْخَوَارِجِ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ كَالنَّظَّامِ وَأَصْحَابِهِ ، فَإِنَّهُمْ لَمْ يَقُولُوا بِالرَّجْمِ . ( السَّادِسَةُ ) : وَفِيهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى رَجْمِ الزَّانِي الْمُحْصَنِ وَأَنَّهُ لَا يُضَمُّ إلَى ذَلِكَ الْجَلْدُ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ أَنَّهُ يُجْلَدُ ثُمَّ يُرْجَمُ وَحُكِيَ عَنْ عَلِيٍّ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَدَاوُد وَبَعْضِ الشَّافِعِيَّةِ وَعَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَجِبُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وُجُوبًا إذَا كَانَ الزَّانِي شَيْخًا ثَيِّبًا فَإِذَا كَانَ شَابًّا ثَيِّبًا اُقْتُصِرَ عَلَى الرَّجْمِ . ( السَّابِعَةُ ) : وَفِيهِ أَنَّ أَنْكِحَةَ الْكُفَّارِ صَحِيحَةٌ وَلَوْلَا صِحَّةُ أَنْكِحَتِهِمْ لَمَا ثَبَتَ إحْصَانُهُمْ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ هِيَ مَحْكُومٌ بِصِحَّتِهَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ هِيَ فَاسِدَةٌ وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يُحْكَمُ بِصِحَّتِهَا وَلَا بِفَسَادِهَا بَلْ يَتَوَقَّفُ إلَى الْإِسْلَامِ فَمَا قَرَّرَ عَلَيْهِ بَانَتْ صِحَّتُهُ وَإِلَّا بَانَ فَسَادُهُ . ( الثَّامِنَةُ ) : وَفِيهِ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ . الشَّرِيعَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورِ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ : إنَّهُمْ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُمْ مُخَاطَبُونَ بِالنَّوَاهِي دُونَ الْأَوَامِرِ . ( التَّاسِعَةُ ) : قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ : } قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا السُّؤَالُ لَيْسَ لِتَقْلِيدِهِمْ وَلَا لِمَعْرِفَةِ الْحُكْمِ مِنْهُمْ وَإِنَّمَا هُوَ لِإِلْزَامِهِمْ بِمَا يَعْتَقِدُونَهُ فِي كِتَابِهِمْ وَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَوْحَى إلَيْهِمْ أَنَّ الرَّجْمَ فِي التَّوْرَاةِ الْمَوْجُودَةِ فِي أَيْدِيهِمْ لَمْ يُغَيِّرُوهُ كَمَا غَيَّرُوا أَشْيَاءَ أَوْ أَنَّهُ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ وَلِهَذَا لَمْ يَخَفْ ذَلِكَ عَلَيْهِ حِينَ كَتَمُوهُ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ : لَا يَلْزَمَ أَنْ يَكُونَ طَرِيقُ حُصُولِ الْعِلْمِ بِذَلِكَ لَهُ قَوْلَ ابْنَيْ صُورِيَّا بَلْ الْوَحْيُ أَوْ مَا أَلْقَى اللَّهُ فِي رُوعِهِ مِنْ يَقِينِ صِدْقِهِمَا فِيمَا قَالَاهُ مِنْ ذَلِكَ . ( الْعَاشِرَةُ ) : قَوْلُهُ ( نَفْضَحُهُمْ ) : بِفَتْحِ النُّونِ أَوَّلَهُ وَالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ثَالِثَةً وَلَعَلَّ الْفَضِيحَةَ هُنَا مَا أَوْضَحَهُ فِي رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِقَوْلِهِ نُسَوِّدُ وُجُوهَهُمَا وَنُحَمِّمُهُمَا وَنُخَالِفُ بَيْنَ وُجُوهِهِمَا وَيُطَافُ بِهِمَا . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) : قَدْ يُقَالُ إنَّ فِي جَوَابِهِمْ حَوْدًا عَنْ سُؤَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ؛ لِأَنَّهُ سَأَلَهُمْ عَمَّا يَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ فَأَعْرَضُوا عَنْ جَوَابِ هَذَا وَذَكَرُوا مَا يَفْعَلُونَهُ بِالزُّنَاةِ مِنْ الْفَضِيحَةِ وَالْجَلْدِ وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ إنَّمَا ذَكَرُوا ذَلِكَ حَاكِينَ لَهُ عَنْ التَّوْرَاةِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَهُمْ كَذَبْتُمْ إنَّ فِيهَا لَآيَةُ الرَّجْمِ فَلَوْلَا حِكَايَتُهُ لِذَلِكَ عَنْ التَّوْرَاةِ لَمْ يَتَوَجَّهْ لِابْنِ سَلَامٍ عَلَيْهِمْ هَذَا الْكَلَامُ ، وَفِي ذَلِكَ بَيَانُ كَذِبِهِمْ عَلَى التَّوْرَاةِ وَتَغْيِيرِهِمْ أَحْكَامَهَا وَنِسْبَتِهِمْ إلَيْهَا مَا لَيْسَ فِيهَا وَكِتْمَانِهِمْ الْحَقَّ الَّذِي فِيهَا . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) : اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَمْ يُسْقِطُوا شَيْئًا مِنْ التَّوْرَاةِ وَلَا غَيَّرُوا شَيْئًا مِنْ أَلْفَاظِهَا وَإِنَّمَا كَانَ تَحْرِيفُهُمْ لِمَعَانِيهَا وَكَذِبُهُمْ فِي أَنْ يَضَعُوا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ أَشْيَاءَ وَيَنْسُبُونَهَا إلَى أَنَّهَا مِنْ التَّوْرَاةِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَضَعُوهَا فِيهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى { فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا } : وَالذَّاهِبُونَ إلَى تَحْرِيفِهِمْ لِأَلْفَاظِهَا قَالُوا لَمْ يَكُنْ هَذَا مِمَّا حَرَّفُوهُ وَقَدْ حَرَّفُوا غَيْرَهُ وَقَدْ سَمِعْت أَنَّ فِي التَّوْرَاةِ الْمَوْجُودَةِ بِأَيْدِيهِمْ الْآنَ شَيْئًا يَدُلُّ عَلَى نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَنَسْخِ شَرِيعَتِهِمْ لَمْ يُغَيِّرُوهُ فَهُمْ . يَتَكَاتَمُونَهُ وَكَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَ سَلَفَهُمْ مِنْ تَغْيِيرِهِ إقَامَةً لِلْحُجَّةِ عَلَى خَلَفِهِمْ فَلَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الضَّالِّينَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّوْرَاةَ صَحِيحَةٌ بِأَيْدِيهِمْ وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا سَأَلَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا وَلَا دَعَا بِهَا ( قُلْت ) : لَا يَدُلُّ سُؤَالُهُ عَنْهَا وَلَا دُعَاؤُهُ لَهَا عَلَى صِحَّةِ جَمِيعِ مَا فِيهَا ، وَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْمَسْئُولِ عَنْهُ مِنْهَا ، عَلِمَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَحْيٍ أَوْ بِإِخْبَارِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ فَأَرَادَ بِذَلِكَ تَبْكِيتَهُمْ وَإِقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ فِي مُخَالَفَتِهِمْ كِتَابَهُمْ وَكَذِبِهِمْ عَلَيْهِ وَاخْتِلَاقِهِمْ مَا لَيْسَ فِيهِ وَإِنْكَارِهِمْ مَا هُوَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) : لَمْ أَقِفْ عَلَى تَسْمِيَةِ الْيَهُودِيِّ الزَّانِي وَذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ اسْمَ الْمَرْأَةَ الزَّانِيَةَ بُسْرَةُ وَظَاهِرُ سِيَاقِهِ أَنَّ الطَّبَرِيَّ رَوَى ذَلِكَ وَالْوَاضِعُ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صُورِيَّا كَمَا هُوَ فِي سِيرَةِ ابْنِ إِسْحَاقَ وَغَيْرِهَا . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) : قَوْلُهُ ( يَجْنَأُ عَلَى الْمَرْأَةِ ) : ضَبَطْنَاهُ عَنْ شَيْخِنَا وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ وَفَتْحِ النُّونِ وَآخِرُهُ هَمْزَةٌ وَهُوَ الَّذِي قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ إنَّهُ الْجَيِّدُ فِي الرِّوَايَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : إنَّهُ الصَّوَابُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ فَإِنَّهُ نَقَلَ أَوَّلًا أَنَّ الَّذِي عِنْدَ أَكْثَرِ شُيُوخِهِمْ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى ( يَحْنِي ) يَعْنِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ بِلَا هَمْزٍ قَالَ وَكَذَلِكَ قَالَ الْقَعْنَبِيُّ وَابْنُ بُكَيْر بِالْحَاءِ وَقَدْ قِيلَ عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِالْجِيمِ ( يَجْنِي ) : قُلْت وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ إلَّا فِي الْجِيمِ فَيَكُونُ بِكَسْرِ النُّونِ وَآخِرُهُ يَاءٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ أَيُّوبُ عَنْ نَافِعٍ يُجَانِئُ عَنْهَا بِيَدِهِ وَقَالَ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فَجَافَى بِيَدِهِ وَالصَّوَابُ فِيهِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ يَجْنَأُ بِالْهَمْزِ أَيْ يَمِيلُ عَلَيْهَا يُقَالُ مِنْ جَنَأَ يَجْنَأُ جِنَاءً وَجُنُوءًا إذَا مَالَ وَيُجْنِئُ وَيَجْنَأُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ قَوْلُهُ يَجْنَأُ يَعْنِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَبِالْجِيمِ وَبِالْهَمْزَةِ آخِرُهُ كَذَا لِلْأَصِيلِيِّ عَنْ الْمَرْوَزِيِّ وَلِأَحْمَدَ بْنِ سَعِيدٍ فِي الْمُوَطَّإِ وَقَيَّدَهُ الْأَصِيلِيُّ بِالْحَاءِ عَنْ الْجُرْجَانِيِّ وَبِالْجِيمِ وَفَتْحِ الْيَاءِ هُوَ عِنْدَ الْحُمَيْدِيِّ وَوَقَعَ لِلْمُسْتَمْلِيِّ فِي مَوْضِعٍ كَذَلِكَ وَكَذَا قُيِّدَ عَنْ ابْنِ الْفَخَّارِ لَكِنْ بِغَيْرِ هَمْزٍ وَكَذَا قَيَّدْنَاهُ فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ طَرِيقِ الْأَصِيلِيِّ بِالْجِيمِ مَضْمُومَ الْيَاءِ مَهْمُوزًا وَرَأَيْت فِي أَصْلِ أَبِي الْفَضْلِ ( يَجْنَأُ ) بِفَتْحِ الْيَاءِ ثُمَّ جِيمٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ وَيَجِبُ ذَلِكَ يَجْبَأُ بِجِيمٍ ثُمَّ بَاءٍ مُعْجَمَةٍ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ هَمْزَةٍ أَيْ يَرْكَعُ عَلَيْهَا . وَبِالْجِيمِ وَالْحَاءِ مَعًا مَهْمُوزٌ لَكِنْ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَقَيَّدْنَاهُ عَنْ ابْنِ الْقَابِسِيِّ عَنْ ابْنِ شُمَيْلٍ وَبِالْحَاءِ وَحْدَهَا قَيَّدْنَاهُ عَنْ ابْنِ عَتَّابٍ وَابْنِ أَحْمَدَ وَابْنِ عِيسَى مَفْتُوحَ الْأَوْلِ قَالَ : أَبُو عُمَرَ وَهُوَ أَكْثَرُ رِوَايَاتِ شُيُوخِنَا عَنْ يَحْيَى وَكَذَا رِوَايَةُ ابْنِ قَعْنَبٍ وَابْنِ بُكَيْر وَبَعْضُهُمْ قَيَّدَهُ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَشَدِّ النُّونِ يُحَنِّي وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَسُكُونِ الْحَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ وَهَمْزَةٍ بَعْدَهَا وَجَاءَ لِلْأَصِيلِيِّ فِي بَابٍ آخَرَ ( فَرَأَيْته أَجْنَأَ ) بِالْهَمْزِ وَالْجِيمِ وَهُوَ عِنْدَ أَبِي ذَرٍّ أَحَنَأَ [ بِالْحَاءِ ] وَقَدْ رُوِيَ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْكُتُبِ يَحْنُو وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذَا كُلِّهِ مَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ يَجْنَأُ وَمَعْنَاهُ يَنْحَنِي يُقَالُ مِنْ ذَلِكَ جَنَأَ يَجْنَأُ قَالَهُ صَاحِبُ الْأَفْعَالِ وَقَالَ الزَّبِيدِيُّ حَنِيَ بِكَسْرِ النُّونِ فِي الْمَاضِي يَحْنُو وَيَحْنِي أَيْ يَعْطِفُ عَلَيْهَا يُقَالُ حَنِيَ يَحْنِي وَيَحْنُو وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَأَحْنَاهُنَّ عَلَى وَلَدٍ } : وَيَكُونُ أَيْضًا يَحْنِي عَلَيْهَا ظَهْرَهُ فَيَكُونُ بِمَعْنَى مَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَكَذَلِكَ [ قَوْلُ ] مَنْ قَالَ يَحْنِئُ عَلَى مَعْنَى يَجْعَلُ ظَهْرَهُ كَذَلِكَ ، وَيَفْعَلُهُ بِهِ حَتَّى يَحْنِيَ ، تَعَدِّيَةُ حَنَأَ الرَّجُلُ يَحْنَأُ إذَا صَارَ كَذَلِكَ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ أَجْنَأْت التُّرْسَ جَعَلْته مُجْنَأً أَيْ مُحْدَوْدَبًا وَهَذَا مِثْلُهُ ا هـ . وَكَلَامُ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ قَوْلُهُ ( يُجْنِئُ عَلَيْهَا ) : أَيْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ وَكَسْرِ النُّونِ وَآخِرُهُ هَمْزَةٌ أَيْ يَكِبُّ وَيَمِيلُ عَلَيْهَا لِيَقِيَهَا الْحِجَارَةَ أَجْنَأَ يُجْنِئُ إجْنَاءً وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يُجَانِئُ عَلَيْهَا مُفَاعَلَةٌ مِنْ جَانَأَ يُجَانِئُ ثُمَّ قَالَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ الَّذِي جَاءَ فِي كِتَابِ السُّنَنِ يُجْنِئُ بِالْجِيمِ وَالْمَحْفُوظُ إنَّمَا هُوَ يَحْنِي بِالْحَاءِ أَيْ يَكِبُّ عَلَيْهَا يُقَالُ حَنَا يَحْنَا حُنُوًّا ( قُلْت ) : وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي كَلَامِ الْخَطَّابِيِّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ عَكْسَ هَذَا فَقَالَ هَكَذَا قَالَ يَجْنَأُ وَالْمَحْفُوظُ إنَّمَا هُوَ يَحْنَأُ أَيْ يَكِبُّ عَلَيْهَا يُقَالُ حَنَا الرَّجُلُ يَحْنُو حُنُوًّا إذَا أَكَبَّ عَلَى الشَّيْءِ قَالَ كُثَيِّرٌ : أَعَزَّةُ لَوْ شَهِدْت غَدَاةَ بِنْتُمْ جُنُوءَ الْعَائِدَاتِ عَلَى وِسَادِي وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيفَ لِكَلَامِ الْخَطَّابِيِّ حَصَلَ لِصَاحِبِ النِّهَايَةِ لِأَنَّ الْجَوْهَرِيَّ أَنْشَدَ هَذَا الْبَيْتَ جُنُوءَ بِالْجِيمِ وَقَدْ ذَكَرَ أَنَّ الْمَحْفُوظَ مَا أَنْشَدَ عَلَيْهِ . هَذَا الْبَيْتَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي أَعْلَامِ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ فَقَالَ قَوْلُهُ يَحْنِي عَلَيْهَا رَوَاهُ بِالْحَاءِ وَأَكْثَرُ الرُّوَاةِ يَجْعَلُونَهَا بِالْجِيمِ وَالْهَمْزِ يَجْنَأُ عَلَيْهَا أَيْ يَمِيلُ عَلَيْهَا وَأَنْشَدَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ هَذَا الشَّعْرَ بِالْحَاءِ وَهُوَ خِلَافُ الْمَعْرُوفِ وَحَصَلَ مِمَّا حَكَيْنَاهُ فِي ضَبْطِ هَذِهِ اللَّفْظَةِ ثَمَانِيَةُ أَوْجُهَ : ( الْأَوَّلُ ) : يَجْنَأُ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ وَفَتْحِ النُّونِ وَآخِرُهُ هَمْزَةٌ . ( الثَّانِي ) : يُجْنِي كَاَلَّذِي قَبْلَهُ إلَّا أَنَّهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ النُّونِ . ( الثَّالِثُ ) : يَجْنِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَكَسْرِ النُّونِ بِلَا هَمْزٍ . ( الرَّابِعُ ) : مِثْلُ الْأَوَّلِ يَجْبَأُ إلَّا أَنَّهُ بِالْبَاءِ بَدَلَ النُّونِ . ( الْخَامِسُ ) : يَحْنِي بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ وَآخِرُهُ يَاءٌ . ( السَّادِسُ ) : كَاَلَّذِي قَبْلَهُ إلَّا أَنَّهُ بِالْوَاوِ آخِرُهُ . ( السَّابِعُ ) : [ يَحْنَأُ ] كَالْخَامِسِ إلَّا أَنَّهُ بِفَتْحِ النُّونِ وَآخِرُهُ هَمْزَةٌ . ( الثَّامِنُ ) : يُحَنِّي بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ النُّونِ وَتَشْدِيدِهَا فَالْأَرْبَعَةُ الْأُوَلُ بِالْجِيمِ وَالْأَرْبَعَةُ الْأَخِيرَةُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَقَدَّمَ أَنَّهُ رُوِيَ يُجَانِئُ بِالْجِيمِ وَالنُّونِ وَالْهَمْزِ فِي آخِرِهِ وَيُجَافِي بِالْجِيمِ وَالْفَاءِ وَالْيَاءِ فِي آخِرِهِ فَكَمُلَتْ بِذَلِكَ عَشْرَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَزَعَمَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ الْوَجْهَ الْخَامِسَ هُوَ الصَّوَابُ وَأَنَّ الثَّالِثَ لَيْسَ بِصَوَابٍ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَ ) فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يَحْفِرْ لَهُمَا لَمَّا رُجِمَا إذْ لَوْ حَفَرَ لَهُمَا لَمَا تَمَكَّنَ أَنْ يَجْنَأَ عَلَيْهَا وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُمْ إلَى أَنَّهُ لَا يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ وَلَا لِلْمَرْأَةِ وَقَالَ قَتَادَةُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَبُو يُوسُفَ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي رِوَايَةٍ يُحْفَرُ لَهُمَا وَقَالَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ يُحْفَرُ لِمَنْ يُرْجَمُ بِالْبَيِّنَةِ دُونَ مَنْ يُرْجَمُ بِالْإِقْرَارِ وَقَالَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ لَا يُحْفَرُ لِلرَّجُلِ سَوَاءٌ ثَبَتَ زِنَاهُ بِالْبَيِّنَةِ أَوْ الْإِقْرَارِ وَفِي الْمَرْأَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهَ ( أَصَحُّهَا ) : أَنَّهُ إنْ ثَبَتَ زِنَاهَا بِالْبَيِّنَةِ اُسْتُحِبَّ أَوْ بِالْإِقْرَارِ فَلَا ( وَالثَّانِي ) : يُسْتَحَبُّ الْحَفْرُ لَهَا إلَى صَدْرِهَا لِيَكُونَ أَسْتَرَ ( وَالثَّالِثُ ) : لَا يُسْتَحَبُّ وَلَا يُكْرَهُ بَلْ هُوَ إلَى خِيرَةِ الْإِمَامِ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) : وَفِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ لَا تُرْبَطُ يَدَاهُ وَلَا يُشَدَّانِ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يُجَانِي عَنْهَا بِيَدِهِ وَهُوَ وَاضِحٌ . بَابُ إقَامَةِ الْحَدِّ بِالْبَيِّنَةِ وَهِيَ كَاذِبَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللَّهُمَّ إنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَك عَهْدًا لَنْ تُخْلَفَنِيهِ إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ أَذَيْتُهُ أَوْ شَتَمْته أَوْ جَلَدْته أَوْ لَعَنْته فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ : } لَمْ يَقُلْ مُسْلِمٌ ( أَوْ ) : فِي الْجَمِيعِ وَاقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ عَلَى قَوْله { اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٍ سَبَبْته فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إلَيْك يَوْمَ الْقِيَامَةِ : } . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { فَأَيُّمَا أَحَدٍ دَعَوْت عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ تَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا : } الْحَدِيثَ بَابُ إقَامَةِ الْحُدُودِ بِالْبَيِّنَةِ وَهِيَ كَاذِبَةٌ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ . عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اللَّهُمَّ إنِّي اتَّخَذْت عِنْدَك عَهْدًا لَنْ تُخْلَفَنِيهِ فَإِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ فَأَيُّ الْمُؤْمِنِينَ آذَيْته أَوْ شَتَمْته أَوْ جَلَدْته أَوْ لَعَنْته فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً وَزَكَاةً وَقُرْبَةً تُقَرِّبُهُ بِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ فِيهِ لَفْظَةُ ( أَوْ ) : وَإِنَّمَا لَفْظُهُ { آذَيْته شَتَمْته } إلَى آخِرِهِ نَعَمْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { سَبَبْته أَوْ لَعَنْته أَوْ جَلَدْته } : وَكَذَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ مَوْلَى النَّصْرِيِّينَ بِلَفْظِ { آذَيْته أَوْ سَبَبْته أَوْ جَلَدْته } : وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { اللَّهُمَّ فَأَيُّمَا مُؤْمِنٌ سَبَبْته فَاجْعَلْ ذَلِكَ لَهُ قُرْبَةً إلَيْك يَوْمَ الْقِيَامَةِ } وَلِمُسْلِمٍ فِيهِ لَفْظٌ آخَرُ أَطْوَلُ مِنْهُ . ( الثَّانِيَةُ ) : الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَقُولُ لَهُ أَهْلًا لِذَلِكَ الْقَوْلِ كَمَا وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { قَالَ لِأُمِّ سُلَيْمٍ أَمَا تَعْلَمِينَ أَنِّي اشْتَرَطْت عَلَى رَبِّي فَقُلْت إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَرْضَى كَمَا يَرْضَى الْبَشَرُ وَأَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ فَأَيُّمَا أَحَدٌ دَعَوْت عَلَيْهِ مِنْ أُمَّتِي بِدَعْوَةٍ لَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ أَنْ تَجْعَلَهَا لَهُ طَهُورًا وَزَكَاةً وَقُرْبَةً مِنْك يَوْمَ الْقِيَامَةِ } . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ . فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُبَيِّنُ الْمُرَادَ فِي بَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ الْمُطْلَقَةِ ، وَأَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ دُعَاؤُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ رَحْمَةً وَكَفَّارَةً وَزَكَاةً وَنَحْوَ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ أَهْلًا لِلدُّعَاءِ عَلَيْهِ وَالسَّبِّ وَاللَّعْنِ وَنَحْوِهِ وَكَانَ مُسْلِمًا ، وَإِلَّا فَقَدْ دَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْكُفَّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لَهُمْ رَحْمَةً . ( الثَّالِثَةُ ) ( إنْ قُلْت ) : كَيْفَ يَصْدُرُ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدُّعَاءُ عَلَى مَنْ لَيْسَ أَهْلًا لِلدُّعَاءِ عَلَيْهِ وَكَيْفَ يَسُبُّهُ أَوْ يَلْعَنُهُ أَوْ يَجْلِدُهُ وَهُوَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعْصُومٌ عَنْ الْكَبَائِرِ وَالصَّغَائِرِ عَمْدًا وَسَهْوًا ؟ ( قُلْت ) : قَالَ النَّوَوِيُّ الْجَوَابُ مَا أَجَابَ بِهِ الْعُلَمَاءُ وَمُخْتَصَرُهُ وَجْهَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّ الْمُرَادَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَلِكَ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي بَاطِنِ الْأَمْرِ وَلَكِنَّهُ فِي الظَّاهِرِ مُسْتَوْجِبٌ لَهُ فَيَظْهَرُ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِحْقَاقُهُ لِذَلِكَ بِأَمَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ وَيَكُونُ فِي بَاطِنِ الْأَمْرِ لَيْسَ أَهْلًا لِذَلِكَ ، وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَأْمُورٌ بِالْحُكْمِ بِالظَّاهِرِ ، وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى السَّرَائِرَ . ( الثَّانِي ) : إنَّ مَا وَقَعَ مِنْ سَبِّهِ وَدُعَائِهِ وَنَحْوِهِ لَيْسَ بِمَقْصُودٍ بَلْ هُوَ مِمَّا خَرَجَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ فِي وَصْلِ كَلَامِهَا بِلَا نِيَّةٍ كَقَوْلِهِ { تَرِبَتْ يَمِينُك وَعَقْرَى حَلْقَى } وَكَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ لِيَتِيمَةِ أُمِّ سُلَيْمٍ { لَا أَكْثَرَ اللَّهُ مِنْك } وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ { لَا أَشْبَعَ اللَّهُ بَطْنَهُ } وَنَحْوُ ذَلِكَ لَا يَقْصِدُونَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ حَقِيقَةَ الدُّعَاءِ فَخَافَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُصَادِفَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ إجَابَةً فَسَأَلَ رَبَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَرَغِبَ إلَيْهِ فِي أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ رَحْمَةً وَكَفَّارَةً وَقُرْبَةً وَطَهُورًا وَأَجْرًا وَإِنَّمَا كَانَ يَقَعُ مِنْهُ هَذَا فِي النَّادِرِ الشَّاذِّ مِنْ الْأَزْمَانِ وَلَمْ يَكُنْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحِّشًا وَلَا لَعَّانًا وَلَا مُنْتَقِمًا لِنَفْسِهِ وَقَدْ صَحَّ أَنَّهُمْ { قَالُوا لَهُ اُدْعُ عَلَى دَوْسٍ فَقَالَ اللَّهُمَّ اهْدِ دَوْسًا } . { وَقَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِقَوْمِي فَإِنَّهُمْ لَا يَعْلَمُونَ } انْتَهَى . وَعَبَّرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ بِعِبَارَةٍ حَسَنَةٍ أَحْبَبْت نَقْلَهَا فَقَالَ أَوْضَحُهَا وَجْهٌ وَاحِدٌ وَهُوَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا يَغْضَبُ لِمَا يَرَى مِنْ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِ مِنْ مُخَالَفَةِ الشَّرْعِ فَغَضَبُهُ لِلَّهِ لَا لِنَفْسِهِ فَإِنَّهُ مَا كَانَ يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ وَلَا يَنْتَقِمُ لَهَا ، وَقَدْ قَرَّرْنَا فِي الْأُصُولِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْ غَضَبِهِ تَحْرِيمُ الْفِعْلِ الْمَغْضُوبِ مِنْ أَجَلِهِ . وَعَلَى هَذَا فَيَجُوزُ لَهُ أَنْ يُؤَدِّبَ الْمُخَالِفَ بِاللَّعْنِ وَالسَّبِّ وَالْجَلْدِ وَالدُّعَاءِ عَلَيْهِ بِالْمَكْرُوهِ وَذَلِكَ بِحَسَبِ مُخَالَفَةِ الْمُخَالِفِ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ الْمَخَالِفَ قَدْ يَكُونُ مَا . صَدَرَ مِنْهُ فَلْتَةٌ أَوْجَبَتْهَا غَفْلَةٌ أَوْ غَلَبَةُ نَفْسٍ أَوْ شَيْطَانٌ وَلَهُ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ عَمَلٌ خَالِصٌ وَحَالٌ صَادِقٌ يَدْفَعُ اللَّهُ عَنْهُ بِسَبَبِ ذَلِكَ أَثَرَ مَا صَدَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْقَوْلِ أَوْ الْفِعْلِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَدْ يَكُونُ قَوْلُهُ هَذَا وَدُعَاءُ رَبِّهِ إشْفَاقًا عَلَى الْمَدْعُوِّ عَلَيْهِ وَتَأْنِيسًا لَهُ لِئَلَّا يَلْحَقَهُ مِنْ الْخَوْفِ وَالْحَذَرِ مِنْ ذَلِكَ وَمَنْ تَقَبُّلُ دُعَائِهِ مَا يَحْمِلُهُ عَلَى الْيَأْسِ وَالْقُنُوطِ وَقَدْ تَكُونُ سُؤَالَاتُهُ لِرَبِّهِ فِيمَنْ جَلَدَهُ وَسَبَّهُ بِوَجْهِ حَقٍّ وَعِقَابٍ عَلَى جُرْمٍ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عُقُوبَةً فِي الدُّنْيَا وَكَفَّارَةً لِمَا فَعَلَهُ وَتَحَصُّنًا لَهُ عَنْ عِقَابِهِ عَلَيْهِ فِي الْآخِرَةِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ وَمَنْ أَصَابَ شَيْئًا فَعُوقِبَ بِهِ كَانَ لَهُ كَفَّارَةً . ( الرَّابِعَةُ ) : قَالَ الْمَازِرِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْجَوَابَ الْأَوَّلَ فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ { إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَغْضَبُ كَمَا يَغْضَبُ الْبَشَرُ } وَهَذَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ تِلْكَ الدَّعْوَةَ وَقَعَتْ بِحُكْمِ سَوْرَةِ الْغَضَبِ لَا عَلَى أَنَّهَا مِنْ مُقْتَضَى الشَّرْعِ فَبَقِيَ السُّؤَالُ عَلَى حَالِهِ قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَرَادَ أَنَّ دَعَوْته عَلَيْهِ أَوْ سَبَّهُ أَوْ جَلْدَهُ كَانَ مِمَّا خُيِّرَ بَيْنَ فِعْلِهِ لَهُ عُقُوبَةً لِلْجَانِي وَتَرْكِهِ وَزَجْرِهِ بِأَمْرٍ آخَرَ فَحَمَلَهُ الْغَضَبُ لِلَّهِ تَعَالَى عَلَى أَحَدِ الْأَمْرَيْنِ الْمُتَخَيَّرِ فِيهِمَا وَهُوَ سَبُّهُ أَوْ لَعْنُهُ أَوْ جَلْدُهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَلَيْسَ ذَلِكَ خَارِجًا عَنْ حُكْمِ الشَّرْعِ . ( الْخَامِسَةُ ) : قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اللَّهُمَّ إنِّي أَتَّخِذُ عِنْدَك عَهْدًا لَنْ تُخْلِفَنِيهِ : } مَعْنَاهُ أَنَّهُ طَلَبَ ذَلِكَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فَأَجَابَ دُعَاءَهُ وَحَقَّقَ طُلْبَتَهُ وَعَنْ هَذَا عَبَّرَ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى شَرَطْت عَلَى رَبِّي أَيُّ دُعَائِي الْمُجَابُ فَاَللَّهُ تَعَالَى لَا يُشْتَرَطُ عَلَيْهِ شَرْطٌ وَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ لِأَحَدٍ حَقٌّ بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ مِنْهُ عَلَى سَبِيلِ الْفَضْلِ وَالْكَرَمِ وَالْإِكْرَامِ لِأَوْلِيَائِهِ . ( السَّادِسَةُ ) : وَفِيهِ بَيَانُ مَا اتَّصَفَ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ الشَّفَقَةِ عَلَى أَمَتِهِ وَالِاعْتِنَاءِ بِمَصَالِحِهِمْ وَالِاحْتِيَاطِ لَهُمْ وَالرَّغْبَةِ فِي كُلِّ مَا يَنْفَعُهُمْ . ( السَّابِعَةُ ) : اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ عَلَى أَنَّ الْحَاكِمَ يَعْتَمِدُ الظَّاهِرَ حَتَّى فِي الْحُدُودِ فَإِذَا قَامَتْ بَيِّنَةٌ مَقْبُولَةٌ بِمَا يَقْتَضِي حَدًّا أَقَامَهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ وَلَا إثْمَ إذَا كَانَتْ الْبَيِّنَةُ كَاذِبَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ هُوَ بِكَذِبِهَا وَلَمْ يَتَحَقَّقْ خِلَافَ مَا شَهِدَتْ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْقَاضِيَ لَا يَقْضِي عَلَى خِلَافِ عِلْمِهِ كَمَا قَدْ حَكَى الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ قَضَائِهِ بِعِلْمِهِ فِي غَيْرِ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَدْخُلُ فِيهِ حَدُّ . الْحَدِّ وَجَلْدُ التَّعْزِيرِ وَإِنَّمَا لَا يَكُونُ الْمَحْدُودُ أَهْلًا لِلْحَدِّ إذَا كَانَتْ الْبَيِّنَةُ عَلَيْهِ بِمَا يَقْتَضِي الْحَدَّ كَاذِبَةً فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ، فَأَمَّا إذَا صَدَقَتْ فَهُوَ أَهْلٌ لِلْحَدِّ وَإِنْ كَانَتْ لَهُ أَعْمَالٌ صَالِحَةٌ وَفَضَائِلُ تَجْبُرُ مَا وَقَعَ مِنْهُ فَذَلِكَ لَا يَنْفِي وُقُوعَ الْحَدِّ مَوْقِعَهُ وَمَعَ كَذِبِ الْبَيِّنَةِ إذَا لَمْ يَعْلَمْ الْحَاكِمُ كَذِبَهَا لَا يَلْحَقُ الْحَاكِمَ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) : وَفِيهِ جَوَازُ لَعْنِ الْعَاصِي الْمُعَيَّنِ وَقَدْ ذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ ظَوَاهِرَ الْأَحَادِيثِ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِهِ وَإِنْ كَانَ الْمَشْهُورُ فِي الْمَذْهَبِ خِلَافَهُ . ( التَّاسِعَةُ ) : قَوْلُهُ { أَوْ شَتَمْته أَوْ جَلَدْته أَوْ لَعَنْته : } بَعْدَ قَوْلِهِ { آذَيْته : } مِنْ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ وَقَوْلُهُ { فَاجْعَلْهَا } أَيْ تِلْكَ الْخَصْلَةَ . ( الْعَاشِرَةُ ) : قَوْلُهُ ( صَلَاةً ) : أَيْ رَحْمَةً كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَالصَّلَاةُ مِنْ اللَّهِ مُفَسَّرَةٌ بِالرَّحْمَةِ وَقَوْلُهُ ( وَزَكَاةً ) : يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ تَرْقِيَةٌ لِنَفْسِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ الزِّيَادَةُ فِي الْأَجْرِ كَمَا عَبَّرَ عَنْهَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى بِالْأَجْرِ ، وَ ( الْقُرْبَةُ ) : مَا يُقَرِّبُ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَإِلَى رِضْوَانِهِ بَابُ اتِّقَاءِ الْوَجْهِ فِي الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَات . عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ } وَقَالَ مُسْلِمٌ ( إذَا ضَرَبَ ) وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فِي الْجُهَنِيَّةِ وَهِيَ حُبْلَى مِنْ الزِّنَا { ارْمُوا وَاتَّقُوا وَجْهَهَا } وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ { ارْمُوا وَاتَّقُوا الْوَجْهَ } . بَابُ اتِّقَاءِ الْوَجْهِ فِي الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَات عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِهِ ، وَمِنْ طَرِيق مَالِكٍ وَابْنِ فُلَانٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِيهِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ فِي رِوَايَتَيْهِ هَاتَيْنِ لَفْظَةُ أَخَاهُ ، وَابْنُ فُلَانٍ هَذَا قِيلَ إنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زِيَادِ بْنِ سَمْعَانَ أَحَدُ الضُّعَفَاءِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ . عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { إذَا ضَرَبَ : } وَمِنْ طَرِيقِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { إذَا قَاتَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَتَّقِ الْوَجْهَ } وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي أَيُّوبَ الْمَرَاغِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِزِيَادَةِ { فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ } وَفِي لَفْظٍ لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ { فَلَا يَلْطُمَنَّ الْوَجْهَ } . ( الثَّانِيَةُ ) : فِيهِ النَّهْيُ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا تَصْرِيحٌ بِالنَّهْيِ عَنْ ضَرْبِ الْوَجْهِ ؛ لِأَنَّهُ لَطِيفٌ يَجْمَعُ الْمَحَاسِنَ وَأَعْضَاؤُهُ نَفِيسَةٌ لَطِيفَةٌ وَأَكْثَرُ الْإِدْرَاكِ بِهَا فَقَدْ يُبْطِلُهَا ضَرْبُ الْوَجْهِ وَقَدْ يُنْقِصُهَا وَقَدْ يَشِينُ الْوَجْهَ وَالشَّيْنُ فِيهِ فَاحِشٌ فَإِنَّهُ بَارِزٌ ظَاهِرٌ لَا يُمْكِنُ سَتْرُهُ وَمَتَى ضَرَبَهُ لَا يَسْلَمُ مِنْ شَيْنٍ غَالِبًا . ( الثَّالِثَةُ ) : قَدْ يُقَال إنَّ قَوْلَهُ قَاتَلَ بِمَعْنَى قَتَلَ وَإِنَّ الْمُفَاعَلَةَ هُنَا لَيْسَتْ عَلَى ظَاهِرِهَا بَلْ هِيَ مِثْلُ عَاقَبْت اللِّصَّ وَطَارَقْتُ النَّعْلَ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { إذَا ضَرَبَ } . وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { فَلَا يَلْطُمَنَّ الْوَجْهَ } وَقَدْ يُقَالُ هِيَ عَلَى بَابِهَا وَالْمُرَادُ أَنَّهُ إذَا حَصَلَتْ مُقَاتَلَةٌ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَلَوْ فِي دَفْعِ صَائِلٍ وَنَحْوِهِ يَتَّقِي وَجْهَهُ فَمَا ظَنُّك بِمَا إذَا لَمْ يَقَعْ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ ضَرْبٌ فَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَتَّقِيَ الْوَجْهَ ؛ لِأَنَّ صَاحِبَ الْمُدَافَعَةِ قَدْ تَضْطَرُّهُ الْحَالُ إلَى الضَّرْبِ فِي وَجْهِهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَنَهَى عَنْهُ فَاَلَّذِي لَا يُدَافِعُهُ الْمَضْرُوبُ أَوْلَى بِأَنْ يُؤْمَرَ بِاجْتِنَابِ الْوَجْهِ . ( الرَّابِعَةُ ) : يَدْخُلُ فِي ذَلِكَ ضَرْبُ الْإِمَامِ أَوْ مَأْذُونِهِ فِي الْحُدُودِ وَالتَّعَازِيرِ ، وَضَرْبُ الْإِنْسَانِ زَوْجَتَهُ أَوْ وَلَدَهُ أَوْ عَبْدَهُ عَلَى طَرِيقِ التَّأْدِيبِ ، وَبَوَّبَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ : بَابَ إذَا ضَرَبَ الْعَبْدَ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ ، وَلَمْ يُرِدْ تَخْصِيصَ الْعَبْدِ بِذَلِكَ بَلْ الْعَبْدُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَفْرَادِ الدَّاخِلَةِ فِي الْحَدِيثِ ، وَإِنَّمَا خَصَّهُ بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّ مَقْصُودَهُ بَيَانُ حُكْمِ الرَّقِيقِ فِي ذَلِكَ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ { شَهِدْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاقِفٌ عَلَى بَغْلَتِهِ فَجَاءَتْهُ امْرَأَةٌ حُبْلَى فَقَالَتْ إنَّهَا قَدْ بَغَتْ فَارْجُمْهَا } : الْحَدِيثَ وَفِيهِ { ثُمَّ قَالَ لِلْمُسْلِمِينَ ارْمُوهَا وَإِيَّاكُمْ وَوَجْهَهَا } لَفْظُ النَّسَائِيّ وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد { ارْمُوا وَاتَّقُوا الْوَجْهَ } . ( الْخَامِسَةُ ) : ظَاهِرُ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ بِاتِّقَاءِ الْوَجْهِ فِي ضَرْبِ الْحُدُودِ وَغَيْرِهَا وَلَمْ يُفْصِحُوا عَنْ حُكْمِهِ وَصَرَّحَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ بِوُجُوبِ ذَلِكَ . ( السَّادِسَةُ ) : ظَاهِرُ قَوْلِهِ ( أَخَاهُ ) اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالْمُسْلِمِ وَقَدْ يُقَالُ إنَّهُ خَرَجَ مُخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهُ وَرَدَ غَيْرَ مُقَيَّدٍ بِأَحَدٍ وَذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ يَعْنِي بِالْأُخُوَّةِ هُنَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أُخُوَّةَ الْآدَمِيَّةِ فَإِنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ بَنُو آدَمَ وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ { فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ } أَيْ عَلَى صُورَةِ وَجْهِ الْمَضْرُوبِ ، فَكَأَنَّ اللَّاطِمَ فِي وَجْهِ أَحَدِ وَلَدِ آدَمَ لَطَمَ وَجْهَ أَبِيهِ آدَمَ وَعَلَى هَذَا فَيَحْرُمُ لَطْمُ الْوَجْهِ مِنْ الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ وَلَوْ أَرَادَ الْأُخُوَّةَ الدِّينِيَّةَ لَمَا كَانَ لِلتَّعْلِيلِ بِخَلْقِ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ مَعْنًى لَا يُقَالُ فَالْكَافِرُ مَأْمُورٌ بِقَتْلِهِ وَضَرْبِهِ فِي أَيِّ عُضْوٍ كَانَ إذْ الْمَقْصُودُ إتْلَافُهُ وَالْمُبَالَغَةُ فِي الِانْتِقَامِ مِنْهُ وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ ضَرْبَ الْوَجْهِ أَبْلَغُ فِي الِانْتِقَامِ وَالْعُقُوبَةِ فَلَا يُمْنَعُ وَإِنَّمَا مَقْصُودُ الْحَدِيثِ إكْرَامُ وَجْهِ الْمُؤْمِنِ لِحُرْمَتِهِ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ : مُسَلَّمٌ أَنَّا مَأْمُورُونَ بِقَتْلِ الْكَافِرِ وَالْمُبَالَغَةِ فِي الِانْتِقَامِ مِنْهُ لَكِنْ إذَا تَمَكَّنَّا مِنْ اجْتِنَابِ وَجْهِهِ اجْتَنَبْنَاهُ لِشَرَفِ هَذَا الْعُضْوِ ؛ وَلِأَنَّ الشَّرْعَ قَدْ نَزَّلَ هَذَا الْوَجْهَ مَنْزِلَةَ وَجْهِ أَبِينَا وَيَقْبُحُ لَطْمُ الرَّجُلِ وَجْهًا شَبَهَ وَجْهِ أَبِي اللَّاطِمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ كَسَائِرِ الْأَعْضَاءِ ؛ لِأَنَّهَا كُلَّهَا تَابِعَةٌ لِلْوَجْهِ انْتَهَى . ( السَّابِعَةُ ) : قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ } ظَاهِرٌ أَنَّهُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ عَلَى صُورَةِ الْمَضْرُوبِ ؛ فَلِهَذَا الْمَعْنَى أَمَرَ بِإِكْرَامِهَا وَنَهَى عَنْ ضَرْبِهَا وَهَذِهِ الصِّيغَةُ دَالَّةٌ عَلَى التَّعْلِيلِ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِهَذِهِ الْجُمْلَةِ ارْتِبَاطٌ بِاَلَّتِي قَبْلَهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ وَرُوِيَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَرَّ عَلَى رَجُلٍ يَضْرِبُ عَبْدَهُ فِي وَجْهِهِ لَطْمًا وَيَقُولُ قَبَّحَ اللَّهُ وَجْهَك وَوَجْهَ مَنْ أَشْبَهَ وَجْهَك فَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إذَا ضَرَبَ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ فَلْيَجْتَنِبْ الْوَجْهَ فَإِنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ } وَأَعَادَ بَعْضُهُمْ الضَّمِيرَ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَأَيَّدَهُ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي لَفْظُهَا { إنَّ اللَّهَ خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَةِ الرَّحْمَنِ } وَلَكِنَّ تِلْكَ الرِّوَايَةَ لَيْسَتْ صَحِيحَةً قَالَ الْمَازِرِيُّ : هَذَا لَيْسَ بِثَابِتٍ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَكَأَنَّ مَنْ نَقَلَهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى الَّذِي تَوَهَّمَهُ وَغَلِطَ فِي ذَلِكَ ا هـ . وَبِتَقْدِيرِ صِحَّةِ ذَلِكَ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَلِلسَّلَفِ فِيهَا مَذْهَبَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) : وَهُوَ مَذْهَبُ جُمْهُورِهِمْ الْإِمْسَاكُ عَنْ تَأْوِيلِهَا وَالْإِيمَانُ بِأَنَّهَا حَقٌّ وَأَنَّ ظَاهِرَهَا غَيْرُ مُرَادٍ ، وَلَهَا مَعْنًى يَلِيقُ بِهَا . ( وَالثَّانِي ) تَأْوِيلُهَا بِحَسَبِ مَا يَلِيقُ بِتَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَأَنَّهُ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ ، وَتَأْوِيلُهُ هُنَا أَنَّ هَذِهِ إضَافَةُ تَشْرِيفٍ وَاخْتِصَاصٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { نَاقَةَ اللَّهِ } وَكَمَا يُقَالُ فِي الْكَعْبَةِ " بَيْتُ اللَّهِ " وَنَحْوُ ذَلِكَ وَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ الصُّورَةَ قَدْ تُطْلَقُ بِمَعْنَى الصِّفَةِ كَمَا يُقَالُ صُورَةُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ كَذَا أَيْ صِفَتُهَا كَذَا فَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَوْصُوفًا بِالْعِلْمِ الَّذِي فُضِّلَ بِهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ جَمِيعِ الْحَيَوَانَاتِ وَخَصَّهُ مِنْهُ بِمَا لَمْ يَخُصَّ بِهِ أَحَدًا مِنْ مَلَائِكَةِ الْأَرَضِينَ وَالسَّمَوَاتِ . بَابُ لَا حَدَّ فِي النَّظَرِ وَالْمَنْطِقِ حَتَّى يُصَدِّقَهُ الْفَرْجُ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبٌ مِنْ الزِّنَى أَدْرَكَ لَا مَحَالَةَ فَالْعَيْنُ زِنْيَتُهَا النَّظَرُ وَيُصَدِّقُهَا الْأَعْرَاضُ وَاللِّسَانُ زِنْيَتُهُ الْمَنْطِقُ ، وَالْقَلْبُ التَّمَنِّي ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ مَا ثَمَّ وَيُكَذِّبُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَزَادَ { الْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ ، وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ ، وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَا : } وَلِابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { وَالْيَدُ زِنَاهَا اللَّمْسُ : } وَلِأَبِي دَاوُد { وَالْفَمُ يَزْنِي وَزِنَاهُ الْقُبَلُ : } . بَابُ لَا حَدَّ فِي النَّظَرِ وَالْمَنْطِقِ حَتَّى يُصَدِّقَ الْفَرْجُ . عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبٌ مِنْ الزِّنَى أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ ، فَالْعَيْنُ زِنْيَتُهَا النَّظَرُ وَيُصَدِّقُهَا الْأَعْرَاضُ وَاللِّسَانُ زِنْيَتُهُ الْمَنْطِقُ وَالْقَلْبُ التَّمَنِّي ، وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ مَا ثَمَّ وَيُكَذِّبُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ( فِيهِ ) : فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ خَالِدٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِمَعْنَاهُ وَزَادَ فِيهِ { وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ وَالرِّجْلُ زِنَاهَا الْخُطَى } وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ سُهَيْلٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَادَ فِيهِ { وَالْفَمُ يَزْنِي فَزِنَاهُ الْقُبَلُ : } وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد النَّسَائِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ " مَا رَأَيْت شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ، فَذَكَرَ نَحْوَ رِوَايَتِنَا بِدُونِ زِيَادَةِ مُسْلِمٍ الْمُتَقَدِّمَةِ ( الثَّانِيَةُ ) : قَوْلُهُ " كُتِبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ نَصِيبٌ مِنْ الزِّنَى أَيْ قُدِّرَ عَلَيْهِ نَصِيبٌ مِنْ الزِّنَى فَهُوَ مُدْرِكٌ ذَلِكَ النَّصِيبَ وَمُرْتَكِبٌ لَهُ بِلَا شَكٍّ ؛ لِأَنَّ الْأُمُورَ الْمُقَدَّرَةَ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهَا فَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ زِنَاهُ حَقِيقِيًّا بِإِدْخَالِ الْفَرْجِ فِي الْفَرْجِ الْحَرَامِ وَمِنْهُمْ مَنْ يَكُونُ زِنَاهُ مَجَازِيًّا إمَّا بِالنَّظَرِ إلَى مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ النَّظَرُ إلَيْهِ وَإِمَّا بِمُحَادِثَةِ الْأَجْنَبِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى وَإِمَّا بِالسَّمَاعِ إلَى حَدِيثِهَا بِشَهْوَةٍ وَإِمَّا بِلَمْسِهَا بِشَهْوَةٍ وَإِمَّا بِالْمَشْيِ إلَى الْفَاحِشَةِ وَإِمَّا بِالتَّقْبِيلِ الْمُحَرَّمِ وَإِمَّا بِالتَّمَنِّي بِالْقَلْبِ وَالتَّصْمِيمِ عَلَى فِعْلِ الْفَاحِشَةِ فَكُلُّ هَذِهِ الْأُمُورِ مُقَدِّمَاتٌ لِلزِّنَا وَيُطْلَقُ عَلَيْهَا اسْمُ الزِّنَى مَجَازًا وَعَلَاقَةُ الْمَجَازِ فِيهَا لُزُومُ التَّقْيِيدِ فَإِنَّهُ لَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ فِي صَاحِبِ النَّظَرِ الْمُحَرَّمِ إنَّهُ زَانٍ مُطْلَقًا بِلَا قَيْدٍ . ( الثَّالِثَةُ ) : وَفِيهِ رَدٌّ صَرِيحٌ عَلَى الْقَدَرِيَّةِ وَبَيَانُ أَنَّ أَفْعَالَ الْعِبَادِ لَيْسَتْ أُنُفًا بَلْ هِيَ مُقَدَّرَةٌ بِتَقْدِيرِ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ، وَلَيْسَ تَقْدِيرُهَا حُجَّةً لِلْعَبْدِ بَلْ هُوَ مُعَاقَبٌ عَلَى كَسْبِهِ وَمُثَابٌ عَلَيْهِ . ( الرَّابِعَةُ ) : قَوْلُهُ " أَدْرَكَ " أَيْ أَدْرَكَ ذَلِكَ الَّذِي كُتِبَ عَلَيْهِ وَوَاقَعَهُ وَقَوْلُهُ " { لَا مَحَالَةَ } بِفَتْحِ الْمِيمِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ لَا بُدَّ ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُ قُسِّ بْنِ سَاعِدَةَ أَيْقَنْت أَنِّي لَا مَحَا لَةِ حَيْثُ صَارَ الْقَوْمُ صَائِرٌ قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَيْ لَا حِيلَةَ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْحَوْلِ الْقُوَّةِ أَوْ الْحَرَكَةِ وَهِيَ مِفْعَلَةٌ مِنْهُمَا وَأَكْثَرُ مَا يُسْتَعْمَلُ لَا مَحَالَةَ بِمَعْنَى الْيَقِينِ وَالْحَقِيقَةِ أَوْ بِمَعْنَى لَا بُدَّ وَالْمِيمُ زَائِدَةٌ انْتَهَى . وَقَالَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ الْمَحَالَةُ الْحِيلَةُ ثُمَّ قَالَ وَقَوْلُهُمْ لَا مَحَالَةَ أَيْ لَا بُدَّ يُقَالُ الْمَوْتُ آتٍ لَا مَحَالَةَ وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ الْحَوْلُ وَالْحَيْلُ وَالْحَوْلُ وَالْحِيلَةُ وَالْحَوِيلُ وَالْمَحَالَةُ وَالِاحْتِيَالُ وَالتَّحَوُّلُ وَالتَّحَيُّلُ كُلُّ ذَلِكَ الْحِذْقُ وَجَوْدَةُ النَّظَرِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى دِقَّةِ التَّصَرُّفِ ثُمَّ قَالَ : وَلَا مَحَالَةَ مِنْ ذَلِكَ أَيْ لَا بُدَّ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ : قَوْلُهُ " لَا مَحَالَةَ وَلَا حَوْلَ " الْحَوْلُ الْحَرَكَةُ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ الْمَحَالَةُ وَالْحَوْلُ الْحِيلَةُ . ( الْخَامِسَةُ ) : قَوْلُهُ { فَالْعَيْنُ زِنْيَتُهَا النَّظَرُ } بِكَسْرِ الزَّايِ وَإِسْكَانِ النُّونِ أَيْ هَيْئَةُ زِنَاهَا لِلسَّبَبِ كَهَيْئَةِ الزِّنَى الْحَقِيقِيِّ الَّذِي هُوَ إيلَاجُ الْفَرْجِ فِي الْفَرْجِ الْمُحَرَّمِ وَإِنَّمَا هَيْئَتُهُ النَّظَرُ ، وَالْفِعْلَةُ بِالْكَسْرِ لِلْهَيْئَةِ وَلَوْ رُوِيَ زَنْيَتُهَا بِالْفَتْحِ عَلَى الْمَرَّةِ لَصَحَّ وَلَكِنَّ الْكَسْرَ عَلَى الْهَيْئَةِ أَظْهَرُ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ . قَوْلُهُ ( وَيُصَدِّقُهَا الْأَعْرَاضُ ) الظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ يُصَدِّقُ الْعَيْنَ الْأَعْرَاضُ أَيْ يَجْعَلُهَا ذَاتَ صِدْقٍ فَإِذَا أَعْرَضَتْ بَعْدَ نَظَرِهَا وَغَضَّتْ عَنْهُ النَّظَرَ الْمُحَرَّمَ فَهِيَ ذَاتُ صِدْقٍ مَاشِيَةٌ عَلَى الِاسْتِقَامَةِ وَتِلْكَ النَّظْرَةُ الْأُولَى إنْ كَانَتْ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَلَا إثْمَ بِهَا وَهِيَ نَظْرَةُ الْفَجْأَةِ وَإِنْ كَانَتْ عَنْ قَصْدٍ فَقَدْ تَابَتْ وَرَجَعَتْ عَنْهَا وَفِيهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي النَّظَرُ مَرَّةً بَعْدَ أُخْرَى بَلْ يَنْبَغِي الْكَفُّ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ جَرِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { سَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ نَظَرِ الْفَجْأَةِ فَأَمَرَنِي أَنْ أَصْرِفَ بَصَرِي : } . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعَلِيٍّ { يَا عَلِيُّ لَا تُتْبِعْ النَّظْرَةَ النَّظْرَةَ فَإِنَّ لَك الْأُولَى وَلَيْسَتْ لَك الْآخِرَةُ : } وَقَدْ ظَهَرَ بِمَا قَرَرْنَاهُ أَنَّ مَعْنَى التَّصْدِيقِ هُنَا غَيْرُ مَعْنَاهُ فِي قَوْلِهِ بَعْدَهُ { وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ مَا ثَمَّ وَيُكَذِّبُ } فَإِنَّ مَعْنَى التَّصْدِيقِ هُنَاكَ تَحْقِيقٌ لِلزِّنَى بِالْفَرْجِ وَمَعْنَى التَّكْذِيبِ أَنْ لَا يُحَقِّقُهُ بِالْإِيلَاجِ فَصَارَتْ تِلْكَ النَّظْرَةُ كَأَنَّهَا كَاذِبَةٌ لَمْ يَتَّصِلْ بِهَا مَقْصُودُهَا فَالتَّصْدِيقُ هُنَا مَحْمُودٌ وَالتَّصْدِيقُ هُنَاكَ مَذْمُومٌ وَلَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِلْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ اللَّفْظَةِ الْأُولَى . ( السَّابِعَةُ ) : قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى تَحْرِيم تَمَنِّي الزِّنَا بِالْقَلْبِ وَيُعَارِضُهُ مَا صَحَّ وَثَبَتَ مِنْ أَنَّ الْخَوَاطِرَ وَالْوَسَاوِسَ مَعْفُوٌّ عَنْهَا فَلَا مُؤَاخَذَةَ بِهَا فَيُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى الْعَزْمِ عَلَى ذَلِكَ وَالْجَزْمِ بِهِ فَإِنَّ الْمُحَقِّقِينَ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِالْعَزْمِ الْمُسْتَقَرِّ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْقَاتِلُ وَالْمَقْتُولُ فِي النَّارِ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ هَذَا الْقَاتِلُ . فَمَا بَالُ الْمَقْتُولِ قَالَ إنَّهُ كَانَ حَرِيصًا عَلَى قَتْلِ أَخِيهِ : } أَوْ يُحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى تَمَّنِي حِلِّ الزِّنَا فَإِنَّ ذَلِكَ حَرَامٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَحِلَّ فِي مِلَّةٍ مِنْ الْمِلَلِ بَلْ حَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ الْحَنَفِيَّةِ الْكُفْرَ بِذَلِكَ لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا الصَّوَابُ أَنَّهُ لَا يَكْفُرُ إذَا لَمْ يَكُنْ نِيَّةً . ( الثَّامِنَةِ ) : قَدْ يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ { وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا الِاسْتِمَاعُ : } عَلَى أَنَّ صَوْتَ الْمَرْأَةِ عَوْرَةٌ وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا الْمُرَادُ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ بِشَهْوَةٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ الِاسْتِمَاعَ إلَى حَدِيثِ الْأَجْنَبِيَّةِ بِشَهْوَةٍ حَرَامٌ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ صَوْتَهَا لَيْسَ بِعَوْرَةٍ . ( التَّاسِعَةُ ) : قَوْلُهُ ( وَالْيَدُ زِنَاهَا الْبَطْشُ ) : لَيْسَ مَعْنَاهُ أَنَّ كُلَّ بَطْشٍ مُحَرَّمٍ يُطْلَقُ عَلَيْهِ زِنًى إنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا هُوَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الزِّنَا وَيُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { وَالْيَدُ زِنَاهًا اللَّمْسُ : } فَالْمُرَادُ بَطْشٌ مَخْصُوصٌ وَقَوْلُهُ فِي { الْفَمُ زِنَاهٌ الْقُبَلُ : } جَمْعُ قُبْلَةٍ . ( الْعَاشِرَةُ ) : فِيهِ أَنَّ النَّظَرَ الْمُحَرَّمَ وَإِنْ سُمِّيَ زِنًى مَجَازًا لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمُ الزِّنَا مِنْ إيجَابِ حَدٍّ وَلَا غَيْرِهِ وَإِنَّمَا يَجِبُ الْحَدُّ فِي الزِّنَا الْحَقِيقِيِّ بَلْ لَا يُؤَاخَذُ بِهِ إذَا لَمْ يَقَعْ مُرْتَكِبُهُ فِي الْكَبَائِرِ عَفْوًا وَكَرْمًا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا } : فَجَعَلَ الصَّغَائِرَ مُكَفَّرَةً بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَقَالَ تَعَالَى { الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ إلَّا اللَّمَمَ } : وَهُوَ عَلَى الْمَشْهُورِ مَا يَلُمُّ بِهِ الْإِنْسَانُ مِنْ صَغَائِرِ الذُّنُوبِ الَّتِي لَا يَكَادُ يَسْلَمُ مِنْهَا إلَّا مَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " مَا رَأَيْت شَيْئًا أَشْبَهَ بِاللَّمَمِ مِمَّا قَالَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ تَفْسِيرَ هَذِهِ الْآيَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَأَنَّ النَّظَرَ وَالنُّطْقَ وَشَبَهَهُمَا هُوَ الْمُرَادُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَكَمَا أَنَّهُ لَا حَدَّ فِي هَذِهِ الْمُقَدِّمَاتِ لَا تَعْزِيرَ فِيهَا إذَا صَدَرَتْ مِنْ وَلِيِّ اللَّهِ تَعَالَى كَمَا ذَكَرَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي قَوَاعِدِهِ الْكُبْرَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْحُكَّامِ تَعْزِيرُ بَعْضِ الْأَوْلِيَاءِ فِيمَا يَصْدُرُ مِنْهُ مِنْ الصَّغِيرَةِ بَلْ تُقَالُ عَثْرَتُهُ وَتُسْتَرُ زَلَّتُهُ قَالَ وَقَدْ جَهِلَ أَكْثَرُ النَّاسِ فَزَعَمُوا أَنَّ الْوِلَايَةَ تَسْقُطُ بِالصَّغِيرَةِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ إذَا قَالَ لِرَجُلٍ زَنَتْ يَدُك كَانَ قَذْفًا كَمَا يَقُولُ زَنَى فَرْجُهُ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِهِ يَجِبُ أَنْ لَا يَكُونَ هَذَا قَذْفًا وَاحْتَجَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَالَ وَهُوَ ظَاهِرٌ كَمَا . تَقُولُ زَنَتْ عَيْنُك وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهُ لَيْسَ بِقَذْفٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الشَّافِعِيُّ إنَّمَا جَعَلَهُ قَذْفًا ؛ لِأَنَّ الْأَفْعَالَ مِنْ فَاعِلِيهَا تُضَافُ إلَى الْأَيْدِي كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } وَقَوْلِهِ { ذَلِكَ بِمَا قَدَّمَتْ يَدَاك وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ } : وَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَقْصُورٍ عَلَى جِنَايَةِ الْأَيْدِي دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْأَعْضَاءِ فَكَأَنَّهُ إذَا جَعَلَ الْيَدَ زَانِيَةً صَارَ الزِّنَا وَصْفًا لِلذَّاتِ ؛ لِأَنَّ الزِّنَا لَا يَتَبَعَّضُ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَعْنَى الْكِنَايَةِ فِي قَوْلِهِ ؛ لِأَنَّ الْكِنَايَةَ عِنْدَهُ لَيْسَتْ قَذْفًا انْتَهَى . وَهُوَ نَقْلٌ غَرِيبٌ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ الْجَزْمُ بِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ قَذْفًا ، وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ نِسْبَةِ الزِّنَا لِلْيَدِ وَالْعَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) : قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِي قَوْلِهِ { وَالْفَرْجُ يُصَدِّقُ ذَلِكَ وَيُكَذِّبُهُ : } اسْتِدْلَالٌ لِمَنْ جَعَلَ الْمَلُوطَ زَانِيًا يُحَدُّ أَوْ يُرْجَمُ كَسَائِرِ الزُّنَاةِ وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ وَاقَعَ الْفَرْجَ بِفَرْجِهِ وَهُوَ صُورَةُ الزِّنَا حَقِيقَةً . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) : قَوْلُهُ ( يُصَدِّقُ مَا ثَمَّ ) : بِفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ مَا هُنَاكَ مِنْ مُقَدِّمَاتِ الزِّنَا أَتَى بِإِشَارَةِ الْبَعِيدِ دُونَ الْقَرِيبِ لِاسْتِقْذَارِ الْفَوَاحِشِ وَتَبْعِيدِهَا عَنْ النَّفْسِ وَلَا يَنْبَغِي التَّعْبِيرُ عَنْهَا إلَّا بِمَا يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الْبَعِيدِ حِسًّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ } وَفِي رِوَايَةٍ عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ وَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ { قِيمَتُهُ : } . بَابُ حَدِّ السَّرِقَةِ . ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) : عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ فِي مِجَنٍّ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ : } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ بِلَفْظِ { قِيمَتُهُ } وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ . مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ وَمُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَأَيُّوبَ بْنِ مُوسَى وَحَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي سُفْيَانَ وَالْبُخَارِيُّ فَقَطْ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ وَمُسْلِمٌ فَقَطْ مِنْ طَرِيقِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَالْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ كُلُّهُمْ وَهُمْ اثْنَا عَشَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ إلَّا نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ هَكَذَا رَوَاهُ عَنْهُ الثِّقَاتُ الْأَئِمَّةُ فَذَكَرَ هَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ إلَّا أُسَامَةَ وَعَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ وَزَادَ إسْمَاعِيلَ بْنَ عُلَيَّةَ وَحَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ ثُمَّ قَالَ وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ مِمَّنْ لَا يَلْحَقُ بِهَؤُلَاءِ وَلَا يُخْتَلَفُ فِي اللَّفْظِ قَالَ { ثَمَنُهُ : } وَرَوَاهُ بَعْضُ الثِّقَاتِ أَيْضًا عَنْ حَنْظَلَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ { قِيمَتُهُ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ : } انْتَهَى . وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي أَشَارَ إلَيْهَا بِلَفْظِ خَمْسَةٍ رَوَاهَا النَّسَائِيّ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ مَخْلَدٍ بْنِ يَزِيدَ عَنْهُ وَالْمَشْهُورُ عَنْهُ مَا تَقَدَّمَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا أَصَحُّ حَدِيثٍ يُرْوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ لَا يَخْتَلِفُ أَهْلُ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ فِي ذَلِكَ . ( الثَّانِيَةُ ) : فِيهِ وُجُوبُ قَطْعِ السَّارِقِ فِي الْجُمْلَةِ ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ الْكَرِيمُ ، وَشَرَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ صِيَانَةً لِلْأَمْوَالِ وَلَمْ يَجْعَلْهُ فِي غَيْرِ السَّرِقَةِ كَالِاخْتِلَاسِ وَالِانْتِهَابِ وَالْغَصْبِ ، وَسَبَبُهُ : كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى السَّرِقَةِ وَلِأَنَّهُ يُمْكِنُ اسْتِرْجَاعُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ بِالِاسْتِعْدَاءِ إلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ وَتَتَيَسَّرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ بِخِلَافِ السَّرِقَةِ فَإِنَّهُ تَعْسُرُ إقَامَةُ الْبَيِّنَةِ عَلَيْهَا فَعَظُمَ أَمْرُهَا وَاشْتَدَّتْ عُقُوبَتُهَا لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي الزَّجْرِ عَنْهَا وَقَدْ عَسِرَ عَلَى بَعْضِهِمْ فَهْمُ هَذَا الْمَعْنَى وَرَأَى أَنَّ إثْبَاتَ الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ دُونَ الْغَصْبِ مِمَّا لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ وَقَالَ إنَّ الْغَصْبَ أَكْثَرُ هَتْكًا لِلْحُرْمَةِ مِنْ السَّرِقَةِ وَجَعَلَ ذَلِكَ شُبْهَةً لَهُ فِي إنْكَارِ الْقِيَاسِ ؛ لِأَنَّهُ ثَبَتَ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ مِثْلُ هَذِهِ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا مَجَالَ لِلْعَقْلِ فِيهَا وَهَذَا قَوْلٌ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ بَيَّنَّا فَسَادَهُ فِي الْأُصُولِ . ( الثَّالِثَةُ ) : فِي تَقْيِيدِ الْقَطْعِ بِهَذَا الْقَدْرِ مِنْ السَّرِقَةِ إشَارَةٌ إلَى اعْتِبَارِ النِّصَابِ فِي الْمَسْرُوقِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَبِهِ قَالَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَذَهَبَ أَهْلُ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ النِّصَابُ بَلْ يُقْطَعُ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَبِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ ابْنُ بِنْتِ الشَّافِعِيِّ وَحَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِظَاهِرِ قَوْله تَعَالَى { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } : مَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ } . وَذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلَى الْقَطْعِ فِي الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسْرُوقُ مِنْ الذَّهَبِ فَلَا يُقْطَعُ إلَّا فِي رُبُعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحِ { لَا تُقْطَعُ الْيَدُ إلَّا فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا } . وَتَمَسَّكَ الْجُمْهُورُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَبِحَدِيثِ ابْنِ عَمْرٍو وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى اعْتِبَارِ النِّصَابِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فِي قَدْرِهِ عَلَى أَقْوَالٍ : ( أَحَدُهُمَا ) : وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ إنَّهُ رُبُعُ دِينَارٍ ذَهَبًا أَوْ مَا قِيمَتُهُ رُبُعُ دِينَارٍ سَوَاءٌ أَكَانَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ أَوْ أَكْثَرَ أَوْ أَقَلَّ فَجَعَلَ الذَّهَبَ هُوَ الْأَصْلَ اعْتِمَادًا عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ فَإِنَّهُ تَحْدِيدٌ مِنْ الشَّارِعِ بِالْقَوْلِ لَا يَجُوزُ الْخُرُوجُ عَنْهُ وَقَوَّمَ مَا عَدَاهُ بِهِ وَلَوْ كَانَ الْمَسْرُوقُ فِضَّةً وَقَالَ إنَّ ذَلِكَ لَا يُنَافِي حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ ؛ لِأَنَّ رُبُعَ الدِّينَارِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كَانَ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ ؛ لِأَنَّ صَرْفَ الدِّينَارِ كَانَ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا ؛ وَلِهَذَا كَانَتْ الدِّيَةُ عِنْدَ مَنْ جَعَلَهَا بِالنَّقْدِ أَلْفَ دِينَارٍ أَوْ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفَ دِرْهَمٍ ثُمَّ قَالَ أَصْحَابُنَا الِاعْتِبَارُ بِالذَّهَبِ الْمَضْرُوبِ فَبِهِ يَقَعُ التَّقْوِيمُ حَتَّى لَوْ سَرَقَ شَيْئًا يُسَاوِي رُبُعَ مِثْقَالٍ مِنْ غَيْرِ الْمَضْرُوبِ كَالسَّبِيكَةِ وَالْحُلِيِّ وَلَا يَبْلُغُ رُبُعًا مَضْرُوبًا فَلَا قَطَعَ وَمَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى هَذَا فَقَالَ الصَّحِيحُ أَنَّ الْقِيمَةَ هِيَ فِي الذَّهَبِ لَا فِي الدَّرَاهِمِ ؛ لِأَنَّهُ الْأَصْلُ فِي جَوَاهِرِ الْأَرْضِ وَغَيْرُهُ تَبَعٌ قَالَ النَّوَوِيُّ وَبِهَذَا قَالَ كَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ دَاوُد . قَالَ الْخَطَّابِيُّ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَعَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَهُوَ أَصَحُّ وَأَنَّ أَصْلَ النَّقْدِ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ الدَّنَانِيرُ فَجَازَ أَنْ تُقَوَّمَ بِهَا الدَّرَاهِمُ وَلَمْ يَجُزْ أَنْ تُقَوَّمَ الدَّنَانِيرُ بِالدَّرَاهِمِ وَلِهَذَا كُتِبَ فِي السُّكُوكِ قَدِيمًا عَشَرَةُ دَرَاهِمَ وَزْنُ سَبْعَةِ مَثَاقِيلَ فَعُرِفَتْ الدَّرَاهِمُ بِالدَّنَانِيرِ وَحُصِرَتْ بِهَا وَالدَّنَانِيرُ لَا تَخْتَلِفُ اخْتِلَافَ الدَّرَاهِمِ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ { خُذْ مِنْ كُلِّ حَالِمٍ دِينَارًا } . وَرُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ أَنَّهُ قَطَعَ سَارِقًا فِي أُتْرُجَّةٍ قُوِّمَتْ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ مِنْ صَرْفِ اثْنَيْ عَشَرَ دِرْهَمًا بِدِينَارِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْعِبْرَةَ لِلذَّهَبِ . ( الْقَوْلُ الثَّانِي ) : أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ ذَهَبًا فَالنِّصَابُ رُبُعُ دِينَارٍ وَإِنْ كَانَ فِضَّةً فَالنِّصَابُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُمَا فَإِنْ بَلَغَتْ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ قُطِعَ بِهِ ، وَإِنْ لَا فَلَا وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَهُوَ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ لَمَّا قَوَّمَ غَيْرَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ بِالْفِضَّةِ دَلَّ عَلَى أَنَّهَا أَصْلٌ فِي التَّقْوِيمِ وَأَجَابَ عَنْهُ الْخَطَّابِيُّ بِأَنَّ الْعَادَةَ جَارِيَةٌ بِتَقْوِيمِ الشَّيْءِ التَّافِهِ بِالدَّرَاهِمِ وَإِنَّمَا تُقَوَّمُ الْأَشْيَاءُ النَّفِيسَةُ بِالدَّنَانِيرِ ؛ لِأَنَّهَا أَنْفَسُ النُّقُودِ وَأَكْرَمُ جَوَاهِرِ الْأَرْضِ فَتَكُونُ الدَّرَاهِمُ الثَّلَاثَةُ رُبُعَ دِينَارٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْقَوْلُ الثَّالِثُ ) : كَاَلَّذِي قَبْلَهُ إلَّا أَنَّهُ إذَا كَانَ الْمَسْرُوقُ غَيْرَهُمَا يُقْطَعُ بِهِ إذَا بَلَغَتْ قِيمَتُهُ أَحَدَهُمَا وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ إِسْحَاقَ . ( الْقَوْلُ الرَّابِعُ ) : كَاَلَّذِي قَبْلَهُ إلَّا أَنَّهُ لَا يُكْتَفَى فِي غَيْرِهِمَا بِبُلُوغِ قِيمَةِ أَحَدِهِمَا إلَّا إذَا كَانَا غَالِبَيْنِ وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ . ( الْقَوْلُ الْخَامِسُ ) : كَاَلَّذِي قَبْلَهُ إلَّا أَنَّهُ اُعْتُبِرَ فِي غَيْرِهِمَا أَنْ يَبْلُغَ مَا يُبَاعُ بِهِ مِنْهُمَا غَالِبًا . ( الْقَوْلُ السَّادِسُ ) : أَنَّ النِّصَابَ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَيُقَوَّمُ مَا عَدَاهَا بِهَا وَلَوْ كَانَ ذَهَبًا وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ أَيْضًا ، وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ مَالِكٍ وَهُوَ عَكْسُ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ أَوَّلًا . ( الْقَوْلُ السَّابِعُ ) : أَنَّ النِّصَابَ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَهُوَ قَوْلُ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَابْنِ شُبْرُمَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنِ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَنَّهُ قَالَ لَا تُقْطَعُ الْخَمْسُ إلَّا فِي خَمْسٍ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ إذَا قَطَعْنَا الْخَمْسَ بِخَمْسٍ فَبِأَيٍّ نَقْطَعُ الْكَفَّ الزَّائِدَةَ . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُمَا قَالَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي خَمْسَةِ دَرَاهِمَ . ( الْقَوْلُ الثَّامِنُ ) : أَنَّ النِّصَابَ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ مَضْرُوبَةٍ أَوْ مَا تَبْلُغُ قِيمَتُهُ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ ذَهَبًا وَهَذَا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ . ( الْقَوْلُ التَّاسِعُ ) : أَنَّهُ أَرْبَعَةُ دَرَاهِمَ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِهِ . ( الْعَاشِرُ ) : أَنَّهُ دِرْهَمٌ حُكِيَ عَنْ عُثْمَانَ الْبَتِّيِّ ( الْحَادِيَ عَشَرَ ) : أَنَّهُ دِرْهَمَانِ حُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . ( الثَّانِي عَشَرَ ) : أَنَّهُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا أَوْ أَرْبَعَةُ دَنَانِيرَ حُكِيَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ . ( الثَّالِثَ عَشَرَ ) : أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمَسْرُوقُ ذَهَبًا فَنِصَابُهُ رُبُعُ دِينَارٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِهِ فَيُقْطَعُ فِي كُلِّ مَا لَهُ قِيمَةٌ وَإِنْ قَلَّتْ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ هَذَا مَذْهَبُ ابْنِ حَزْمٍ وَحَكَاهُ هُوَ عَنْ طَائِفَةٍ . الرَّابِعَ عَشَرَ ) : أَنَّ النِّصَابَ ثُلُثُ دِينَارٍ أَوْ مَا يُسَاوِيهِ . ( الْخَامِسَ عَشَرَ ) أَنَّهُ دِينَارٌ أَوْ مَا يُسَاوِيه . ( السَّادِسَ عَشَرَ ) : أَنَّهُ دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ أَوْ مَا يُسَاوِي أَحَدَهُمَا حَكَى ابْنُ حَزْمٍ كُلًّا مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ عَنْ طَائِفَةٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إنَّهُ قَالَ لَا قَطْعَ إلَّا فِي دِينَارٍ أَوْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ وَهُوَ حَدِيثٌ مُرْسَلٌ رَوَاهُ الْقَاسِمُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ إنَّهُ حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ مَكْذُوبٌ لَا نَدْرِي مَنْ رَوَاهُ ؛ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطَعَ يَدَ رَجُلٍ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ دِينَارٌ أَوْ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ : } وَحَكَى الْخَطَّابِيُّ هَذَا الْمَذْهَبَ الْأَخِيرَ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَأَهْلِ الرَّأْيِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ بَعْدَ حِكَايَتِهِ ثَمَانِيَةَ مَذَاهِبَ مِنْ هَذِهِ وَالصَّحِيحُ مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَمُوَافِقُوهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَرَّحَ بِبَيَانِ النِّصَابِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ لَفْظِهِ وَأَنَّهُ رُبُعُ دِينَارٍ . وَأَمَّا بَاقِي التَّقْدِيرَاتِ فَمَرْدُودَةٌ لَا أَصْلَ لَهَا مَعَ مُخَالَفَتِهَا لِصَرِيحِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَأَمَّا رِوَايَةُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ } فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ هَذَا الْقَدْرَ كَانَ رُبُعَ دِينَارٍ فَصَاعِدًا وَهِيَ قَضِيَّةُ عَيْنٍ لَا عُمُومَ فِيهَا وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ صَرِيحِ لَفْظِهِ فِي تَحْدِيدِ النِّصَابِ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمُحْتَمَلَةِ بَلْ يَجِبُ حَمْلُهَا عَلَى مُوَافَقَةِ لَفْظِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى { لَمْ يَقْطَعْ يَدَ السَّارِقِ فِي أَقَلَّ مِنْ مِجَنٍّ : } مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّهُ كَانَ رُبُعَ دِينَارٍ وَلَا بُدَّ مِنْ هَذَا التَّأْوِيلِ لِيُوَافِقَ صَرِيحَ تَقْدِيرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمَّا مَا يَحْتَجُّ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرُهُمْ مِنْ رِوَايَةٍ جَاءَتْ { قَطَعَ فِي مِجَنٍّ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ : } وَفِي رِوَايَةٍ خَمْسَةٌ فَهِيَ رِوَايَةٌ ضَعِيفَةٌ لَا يُعْمَلُ بِهَا لَوْ انْفَرَدَتْ فَكَيْفَ وَهِيَ مُخَالِفَةٌ لِصَرِيحِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ فِي التَّقْدِيرِ بِرُبُعِ دِينَارٍ مَعَ أَنَّهُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى أَنَّهُ قِيمَتُهُ عَشَرَةُ دَرَاهِمَ اتِّفَاقًا لَا أَنَّهُ شَرَطَ ذَلِكَ فِي قَطْعِ السَّارِقِ وَلَيْسَ فِي لَفْظِهَا مَا يَدُلُّ عَلَى تَقْدِيرِ النِّصَابِ بِذَلِكَ وَأَمَّا رِوَايَةُ { لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ أَوْ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ : } فَقَالَ جَمَاعَةٌ الْمُرَادُ بِهَا بَيْضَةُ الْحَدِيدِ وَحَبْلُ السَّفِينَةِ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُسَاوِي أَكْثَرَ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ وَأَنْكَرَ الْمُحَقِّقُونَ هَذَا وَضَعَّفُوهُ وَقَالُوا بَيْضَةُ الْحَدِيدِ وَحَبْلُ السَّفِينَةِ لَهُمَا قِيمَةٌ ظَاهِرَةٌ وَلَيْسَ هَذَا السِّبَاقُ مَوْضِعُ اسْتِعْمَالِهَا بَلْ بَلَاغَةُ الْكَلَامِ تَأْبَاهُ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُذَمُّ فِي الْعَادَةِ مَنْ خَاطَرَ بِيَدِهِ فِي شَيْءٍ . لَهُ قَدْرٌ وَإِنَّمَا يُذَمُّ مَنْ خَاطَرَ بِهَا فِيمَا لَا قَدْرَ لَهُ فَهُوَ مَوْضِعُ تَقْلِيلٍ لَا تَكْثِيرٍ وَالصَّوَابُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّنْبِيهُ عَلَى عِظَمِ مَا خَسِرَ وَهِيَ يَدُهُ فِي مُقَابَلَةِ حَقِيرٍ مِنْ الْمَالِ وَهُوَ رُبُعُ دِينَارٍ فَإِنَّهُ يُشَارِكُ الْبَيْضَةَ وَالْحَبْلَ فِي الْحَقَارَةِ أَوْ أَرَادَ جِنْسَ الْبَيْضِ وَجِنْسَ الْحِبَالِ أَوْ أَنَّهُ إذَا سَرَقَ الْبَيْضَةَ فَلَمْ يُقْطَعْ ، جَرَّهُ إلَى سَرِقَةِ مَا هُوَ أَكْثَرُ مِنْهَا فَقُطِعَ ، وَكَانَتْ سَرِقَةُ الْبَيْضَةِ هِيَ سَبَبُ قَطْعِهِ أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ قَدْ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ أَوْ الْحَبْلَ فَيَقْطَعُهُ بَعْضُ الْوُلَاةِ سِيَاسَةً لَا قَطْعًا جَائِزًا شَرْعًا وَقِيلَ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذَا عِنْدَ نُزُولِ آيَةِ السَّرِقَةِ مُجْمَلَةً مِنْ غَيْرِ بَيَانِ نِصَابٍ فَقَالَ عَلَى ظَاهِرِ اللَّفْظِ انْتَهَى . وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ الِاسْتِدْلَال بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ عَلَى اعْتِبَارِ النِّصَابِ ضَعِيفٌ فَإِنَّهُ حِكَايَةُ فِعْلٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْقَطْعِ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ فِعْلًا عَدَمُ الْقَطْعُ فِيمَا دُونَهُ وَاعْتِمَادُ الشَّافِعِيِّ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ وَهُوَ قَوْلٌ وَهُوَ أَقْوَى فِي الِاسْتِدْلَالِ مِنْ الْفِعْلِ وَهُوَ قَوِيٌّ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى الْحَنَفِيَّةِ فَإِنَّهُ يَقْتَضِي صَرِيحُهُ الْقَطْعَ فِي هَذَا الْمِقْدَارِ الَّذِي لَا يَقُولُونَ بِجَوَازِ الْقَطْعِ بِهِ . وَأَمَّا دَلَالَته عَلَى الظَّاهِرِيَّةِ فَلَيْسَ مِنْ حَيْثُ النُّطْقُ بَلْ مِنْ حَيْثُ الْمَفْهُومُ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي مَفْهُومِ الْعَدَدِ وَمَرْتَبَتُهُ أَقْوَى مِنْ مَفْهُومِ اللَّقَبِ وَالْحَنَفِيَّةُ يَقُولُونَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَفِي رِوَايَةِ الْفِعْلِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ إنَّ التَّقْوِيمَ أَمْرٌ ظَنِّيٌّ تَخْمِينِيٌّ فَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قِيمَتُهُ عِنْدَ عَائِشَةَ رُبُعَ دِينَارٍ أَوْ ثَلَاثَةَ دَرَاهِمَ وَيَكُونَ عِنْدَ غَيْرِهَا أَكْثَرَ وَضَعَّفَ غَيْرُهُمْ هَذَا التَّأْوِيلَ وَشَنَّعَهُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ عَائِشَةَ لَمْ تَكُنْ لِتُخْبِرَ بِمَا يَدُلُّ عَلَى مِقْدَارِ مَا يُقْطَعُ فِيهِ إلَّا عَنْ تَحْقِيقٍ لِعِظَمِ أَمْرِ الْقَطْعِ . ( الرَّابِعَةُ ) : فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ ثَمَنُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَفِي بَعْضِهَا قِيمَتُهُ وَهِيَ أَصَحُّ مَعْنًى قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَالْقِيمَةُ وَالثَّمَنُ يَخْتَلِفَانِ فِي الْحَقِيقَةِ وَالْمُعْتَبَرُ الْقِيمَةُ وَمَا وَرَدَ مِنْ ذِكْرِ الثَّمَنِ فَلَعَلَّهُ لِتَسَاوِيهِمَا عِنْدَ النَّاسِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَوْ فِي ظَنِّ الرَّاوِي أَوْ بِاعْتِبَارِ الظِّنَّةِ وَإِلَّا فَلَوْ اخْتَلَفَتْ الْقِيمَةُ وَالثَّمَنُ الَّذِي اشْتَرَاهُ فِيهِ مَالِكُهُ لَمْ يُعْتَبَرْ إلَّا الْقِيمَةُ . ( الْخَامِسَةُ ) : ( الْمِجَنُّ ) : بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْجِيمِ التُّرْسُ مَفْعَلُ مِنْ مَعْنَى الِاجْتِنَانِ وَهُوَ الِاسْتِتَارُ وَالِاخْتِفَاءُ وَمَا يُقَارِبُ ذَلِكَ وَمِنْهُ الْمِجَنُّ وَكُسِرَتْ مِيمُهُ ؛ لِأَنَّهُ آلَةٌ فِي الِاجْتِنَانِ كَأَنَّ صَاحِبَهُ يَسْتَتِرُ بِهِ عَمَّا يُحَاذِرُهُ قَالَ الشَّاعِرُ فَكَانَ مِجَنِّي دُونَ مَنْ كُنْت أَتَّقِي ثَلَاثُ شُخُوصٍ كَاعِبَانِ وَمُعْصِرُ . وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { كَانَتْ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَطْعِ يَدِهَا فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَكَلَّمُوهُ فَكَلَّمَ أُسَامَةُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا أُسَامَةُ لَا أَرَاك تُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا فَقَالَ إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِأَنَّهُ إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ ، وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ ابْنَةَ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْت يَدَهَا فَقَطَعَ يَدَ الْمَخْزُومِيَّةِ } لَفْظُ مُسْلِمٍ إلَى قَوْلِهِ { فِيهَا : } ثُمَّ أَحَالَ بَقِيَّتَهُ عَلَى طَرِيقِ اللَّيْثِ وَقَدْ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَيْهَا بِلَفْظِ { إنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : } وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ أَمْرَ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ } وَلَمْ يَذْكُرْ الْبُخَارِيُّ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَائِشَةَ { إلَّا فِي رَفْعِ حَاجَتِهَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : } وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { أَنَّ الْمَخْزُومِيَّةَ الَّتِي سَرَقَتْ عَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ : } . الْحَدِيثُ الثَّانِي . وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { كَانَتْ امْرَأَةٌ مَخْزُومِيَّةٌ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَطْعِ يَدِهَا فَأَتَى أَهْلُهَا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ فَكَلَّمُوهُ فَكَلَّمَ أُسَامَةُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَرَاك تُكَلِّمُنِي فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ثُمَّ قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا فَقَالَ : إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِأَنَّهُ إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ ؛ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ ؛ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ ابْنَةُ مُحَمَّدٍ لَقَطَعْت يَدَهَا ، فَقَطَعَ يَدَ الْمَخْزُومِيَّةِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى وَالنَّسَائِيُّ فَقَطْ مِنْ رِوَايَةِ إِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ وَإِسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ وَشُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وَسُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كُلِّهِمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ وَيُونُسَ { أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنَ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا مَنْ يُكَلِّمُ فِيهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا وَمَنْ يَجْرُؤُ عَلَيْهِ إلَّا أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِبَّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : } الْحَدِيثَ وَفِي رِوَايَةِ يُونُسَ { الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ ، وَفِيهَا فَقَالَ أُسَامَةُ اسْتَغْفِرْ لِي يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَفِيهَا فَحَسُنَتْ تَوْبَتُهَا بَعْدُ وَتَزَوَّجَتْ وَكَانَتْ تَأْتِي بَعْدَ ذَلِكَ فَأَرْفَعُ حَاجَتَهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : } . ( الثَّانِيَةُ ) : هَذِهِ الْمَخْزُومِيَّةُ اسْمُهَا فَاطِمَةُ وَهِيَ ابْنَةُ أَخِي أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ زَوْجُ أُمِّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ذَكَرَهُ الْخَطِيبُ فِي مُبْهَمَاتِهِ وَكَذَا قَالَ ابْنُ طَاهِرٍ فِي مُبْهَمَاتِهِ : هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ الْأَسْوَدِ بِنْتِ أَخِي أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ وَقَالَ ابْنُ بَشْكُوَالَ هِيَ فَاطِمَةُ بِنْتُ أَبِي الْأَسَدِ بِنْتِ أَخِي أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ ذَكَرَهُ عَبْدُ الْغَنِيِّ وَقِيلَ هِيَ أُمُّ عَمْرِو بْنِ سُفْيَانَ بْنِ عَبْدِ الْأَسَدِ ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ . ( الثَّالِثَةُ ) : اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ اسْتَعَارَ قَدْرَ نِصَابِ السَّرِقَةِ وَجَحَدَهُ ثُمَّ ثَبَتَ ذَلِكَ عَلَيْهِ بِبَيِّنَةٍ أَوْ إقْرَارٍ قُطِعَ بِهِ وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ وَهُوَ أَشْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَقَالَ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ سَأَلْت أَبِي فَقُلْت لَهُ تَذْهَبُ إلَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ لَا أَعْلَمُ شَيْئًا يَدْفَعُهُ وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَى أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى جَاحِدِ الْعَارِيَّةِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَهُوَ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ . بِأَجْوِبَةٍ : ( أَحَدُهَا ) : أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ شَاذَّةٌ فَإِنَّهَا مُخَالِفَةٌ لِجَمَاهِيرِ الرُّوَاةِ وَالشَّاذَّةُ لَا يُعْمَلُ بِهَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ مَنْ رَوَى أَنَّهَا سَرَقَتْ أَكْثَرُ وَأَشْهَرُ مِنْ رِوَايَةِ أَنَّهَا كَانَتْ تَجْحَدُ الْمَتَاعَ وَانْفَرَدَ مَعْمَرٌ بِذِكْرِ الْجَحْدِ وَحْدَهُ مِنْ بَيْنِ الْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ مَنْ لَا يُعْتَدُّ بِحِفْظِهِ كَابْنِ أَخِي ابْنِ شِهَابٍ وَنَمَطُهُ هَذَا قَوْلُ الْمُحَدِّثِينَ . وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ فَقَالَ اللَّيْثُ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ عُلَيَّةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ أَنَّهَا { سَرَقَتْ } وَقَالَ مَعْمَرٌ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ أَنَّهَا { اسْتَعَارَتْ وَجَحَدَتْ } وَرَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ وَاخْتُلِفَ عَلَيْهِ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ ابْنِ الْمَدِينِيِّ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهَا { سَرَقَتْ } وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ رِزْقِ اللَّهِ بْنِ مُوسَى عَنْ سُفْيَانَ عَنْهُ فَقَالَ فِيهِ { أُتِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَارِقٍ فَقَطَعَهُ قَالُوا مَا كُنَّا نُرِيدُ نَبْلُغُ مِنْهُ هَذَا قَالَ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةُ لَقَطَعْتهَا } رَوَاهُ النَّسَائِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ عَنْ سُفْيَانَ قَالَ { كَانَتْ مَخْزُومِيَّةً تَسْتَعِيرُ مَتَاعًا وَتَجْحَدُهُ } الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ قِيلَ لِسُفْيَانَ مَنْ ذَكَرَهُ قَالَ أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَقَدْ رَوَاهُ يَحْيَى بْنُ زَكَرِيَّا بْنِ أَبِي زَائِدَةَ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ فِيهِ وَابْنُ عُيَيْنَةَ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ وَلَا مِمَّنْ سَمِعَهُ مِنْ الزُّهْرِيِّ إنَّمَا وَجَدَهُ فِي كِتَابِ أَيُّوبَ بْنِ مُوسَى كَمَا بَيَّنَهُ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ ذَهَبْت أَسْأَلُ الزُّهْرِيَّ عَنْ حَدِيثِ الْمَخْزُومِيَّةِ فَصَاحَ عَلَيَّ قَالَ ابْنُ الْمَدِينِيِّ فَقُلْت لِسُفْيَانَ فَلَمْ يَحْفَظْهُ عَنْ أَحَدٍ قَالَ وَجَدْته فِي كِتَابٍ كَتَبَهُ أَيُّوبُ بْنُ مُوسَى عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَإِنْ كَانَ مَقْبُولَ التَّدْلِيسِ كَمَا قَالَ ابْنُ حِبَّانَ وَالْبَزَّارُ وَالْأَسَدِيُّ فَإِنَّهُ اضْطَرَبَتْ الرِّوَايَةُ عَنْهُ فِيهِ وَإِنَّمَا أَخَذَهُ مِنْ كِتَابٍ انْتَهَى . وَعَكَسَ ابْنُ حَزْمٍ ذَلِكَ فَقَالَ لَمْ يَضْطَرِبْ عَلَى مَعْمَرٍ وَلَا عَلَى شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ مِنْ ذَلِكَ وَهُمَا فِي غَايَةِ الثِّقَةِ وَالْجَلَالَةِ وَإِنْ خَالَفَهُمَا اللَّيْثُ وَيُونُسُ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيَّةَ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاشِدٍ فَإِنَّ اللَّيْثَ وَيُونُسَ قَدْ اُضْطُرِبَ عَلَيْهِمَا أَيْضًا وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا فَوْقَ مَعْمَرٍ وَشُعَيْبٍ فِي الْحِفْظِ وَقَدْ وَافَقَهُمَا ابْنُ أَخِي الزُّهْرِيِّ عَنْ عَمِّهِ انْتَهَى . ( الْجَوَابُ الثَّانِي ) : أَنَّ قَطْعَهُمَا إنَّمَا كَانَ بِالسَّرِقَةِ وَإِنَّمَا ذُكِرَتْ الْعَارِيَّةُ تَعْرِيفًا لَهَا وَوَصْفًا لَا لِأَنَّهَا سَبَبُ الْقَطْعِ وَبِذَلِكَ يَحْصُلُ . الْجَمْعُ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَإِنَّهَا قَضِيَّةٌ وَاحِدَةٌ وَهَذَا الْجَوَابُ هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ أَكْثَرُ النَّاسِ وَحَكَاهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالنَّوَوِيِّ عَنْ الْعُلَمَاءِ ثُمَّ قَالَ : قَالَ الْعُلَمَاءُ وَإِنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ السَّرِقَةَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْهَا عِنْدَ الرَّاوِي ذِكْرُ مَنْعِ الشَّفَاعَةِ فِي الْحُدُودِ لَا الْإِخْبَارِ عَنْ السَّرِقَةِ انْتَهَى . وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَقَدْ رَوَى مَسْعُودُ بْنُ الْأَسْوَدِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْخَبَرَ وَقَالَ { سَرَقَتْ قَطِيفَةً مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ طَلْحَةَ بْنِ رُكَانَةَ عَنْ أُمِّهِ عَائِشَةَ بِنْتِ مَسْعُودِ بْنِ الْأَسْوَدِ عَنْ أَبِيهَا قَالَ { لَمَّا سَرَقَتْ الْمَرْأَةُ تِلْكَ الْقَطِيفَةَ مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْظَمَنَا ذَلِكَ وَكَانَتْ امْرَأَةً مِنْ قُرَيْشٍ فَجِئْنَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُكَلِّمُهُ وَقُلْنَا نَحْنُ نَفْدِيهَا بِأَرْبَعِينَ أُوقِيَّةً فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَطْهُرُ خَيْرٌ لَهَا ، فَلَمَّا سَمِعْنَا لِينَ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَيْنَا أُسَامَةَ فَقُلْنَا كَلِّمْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ قَامَ خَطِيبًا فَقَالَ مَا إكْثَارُكُمْ عَلَيَّ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ وَقَعَ عَلَى أَمَةٍ مِنْ إمَاءِ اللَّهِ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ نَزَلَتْ بِاَلَّذِي نَزَلَتْ بِهِ لَقَطَعَ مُحَمَّدٌ يَدَهَا } وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ لَيْسَ فِي لَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُعَبَّرَ عَنْهُ امْرَأَةٌ وَاحِدَةٌ ، قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فَجُوِّزَ أَنْ يَكُونَا قَضِيَّتَيْنِ وَكَذَلِكَ رِوَايَةُ النَّسَائِيّ أَنَّهُ سَارِقٌ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ قِصَّةً أُخْرَى وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ الْقَضِيَّةُ وَاحِدَةً وَأَنَّ الْمُرَادَ الشَّخْصُ السَّارِقُ وَكَذَلِكَ الِاخْتِلَافُ فِي كَوْنِ الشَّافِعِ لَهَا أُسَامَةَ أَوْ أَنَّهَا عَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ أَوْ زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَنُوَضِّحُ ذَلِكَ ، وَيُرَدُّ أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ أَنَّ أُسَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَا يُمْكِنُهُ الشَّفَاعَةُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى مَرَّةً ثَانِيَةً بَعْدَ نَهْيِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُ عَنْ ذَلِكَ وَمَالَ ابْنُ حَزْمٍ إلَى أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ وَأَجَابَ عَنْ هَذَا بِأَنَّهُ شَفَعَ فِي السَّرِقَةِ فَنَهَى ثُمَّ شَفَعَ فِي الْمُسْتَعِيرَةِ وَهُوَ لَا يَعْلَمُ أَنَّ حَدَّ ذَلِكَ أَيْضًا الْقَطْعُ . ( الْجَوَابُ الثَّالِثُ ) : أَنَّ نَفْسَ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ فِي السَّرِقَةِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمَا أَنْكَرَ عَلَى أُسَامَةَ قَالَ { لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا ثُمَّ أَمَرَ بِتِلْكَ الْمَرْأَةِ فَقُطِعْت } قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَهَذَا يَدُلُّ دَلَالَةً قَاطِعَةً عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ قُطِعَتْ فِي السَّرِقَةِ إذَا لَوْ كَانَ قَطَعَهَا لِأَجْلِ جَحْدِ الْمَتَاعِ لَكَانَ ذِكْرُ السَّرِقَةِ هُنَا . لَاغِيًا لَا فَائِدَةَ لَهُ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا كَانَ يَقُولُ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ جَحَدَتْ الْمَتَاعَ لَقَطَعْت يَدَهَا . ( الرَّابِعُ ) : قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ لَا تَعَارُضَ بَيْنَ رِوَايَةِ مَنْ رَوَى سَرَقَتْ وَرِوَايَةِ مَنْ رَوَى جَحَدَتْ إذْ يُمْكِنُ أَنَّ الْمَرْأَةَ فَعَلَتْ الْأَمْرَيْنِ لَكِنْ قُطِعَتْ فِي السَّرِقَةِ لَا فِي الْجَحْدِ كَمَا شَهِدَ بِهِ سِيَاقُ الْحَدِيثِ . ( قُلْت ) الْكَلَامُ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ وَتَرْتِيبِهِ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ الْقَطْعُ عَلَى السَّرِقَةِ وَفِي الْأُخْرَى عَلَى الْجَحْدِ وَتَرْتِيبُ الْحُكْمِ عَلَى الْوَصْفِ يُشْعِرُ بِالْعِلِّيَّةِ فَكَانَتْ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ الْقَطْعِ السَّرِقَةُ وَالْأُخْرَى عَلَى أَنَّ عِلَّتَهُ جَحْدُ الْمَتَاعِ فَمَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَجْوِبَةِ أَوْلَى . ( الْخَامِسُ ) : أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الْمُرَتِّبَةُ لِلْقَطْعِ عَلَى الْجَحْدِ قَدْ عَارَضَهَا مَا هُوَ أَوْلَى بِالتَّمَسُّكِ بِهِ مِنْهَا لِعَدَمِ الِاخْتِلَافِ فِيهِ ، وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ وَلَا مُنْتَهِبٍ وَلَا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ : } لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْم وَضَعَّفَهُ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَأَبُو الزُّبَيْرِ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ جَابِرٍ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالتَّدْلِيسِ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ ، أَمَّا كَوْنُ ابْنِ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ فَقَدْ قَالَهُ قَبْلَهُ أَبُو دَاوُد قَالَ وَبَلَغَنِي عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا سَمِعَهُ ابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ يَاسِينَ الزَّيَّاتِ وَرَوَاهُ ابْنُ عَدِيٍّ فِي الْكَامِلِ مِنْ طَرِيق عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَا يَاسِينُ الزَّيَّاتُ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ ثُمَّ رَوَى عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّهُ قَالَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ : إنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ إنَّمَا سَمِعَ مِنْ يَاسِينَ وَيَاسِينُ الزَّيَّاتُ ضَعِيفٌ قَالَ الْبُخَارِيُّ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَقَالَ النَّسَائِيُّ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ لَكِنْ يُعَارِضُ هَذَا أَنَّ النَّسَائِيَّ رَوَاهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ فَصَرَّحَ فِيهِ بِالِاتِّصَالِ لَكِنْ قَالَ النَّسَائِيُّ قَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عِيسَى بْنُ يُونُسَ وَالْفَضْلُ بْنُ مُوسَى وَابْنُ وُهَيْبٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ رَبِيعَةَ وَمَخْلَدُ بْنُ يَزِيدَ وَسَلَمَةُ بْنُ سَعِيدٍ الْبَصْرِيُّ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَدَّثَنِي أَبُو الزُّبَيْرِ وَلَا أَحْسَبُهُ سَمِعَهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ انْتَهَى . فَإِنَّ تَرَجَّحَ أَنَّ ابْنَ جُرَيْجٍ لَمْ يَسْمَعْهُ مِنْ أَبِي الزُّبَيْرِ فَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ مُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ فَرَوَاهُ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ كَذَلِكَ وَرَوَاهُ النَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِهِ وَقَوْلُ ابْنُ حَزْمٍ مُغِيرَةُ بْنُ مُسْلِمٍ لَيْسَ . بِالْقَوِيِّ مَرْدُودٌ فَقَدْ وَثَّقَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَيَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ وَابْنُ حِبَّانَ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَقَدْ تَابَعَ أَبَا الزُّبَيْرِ عَلَيْهِ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ فَذَكَرَهُ وَهَذَا يَرُدُّ عَلَى قَوْلِ ابْنِ حَزْمٍ فِي الِاتِّصَالِ أَنَّهُ لَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ إلَّا أَبُو الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ فَظَهَرَ بِمَا قَرَرْنَاهُ قُوَّةُ هَذَا الْحَدِيثِ وَصَلَاحِيَتُهُ لِلِاحْتِجَاجِ بِهِ ثُمَّ إنَّنَا نَقِيسُ الْمُخْتَلَفَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ عَلَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فَإِنَّ أَحْمَدَ يَجْزِمُ بِعَدَمِ الْقَطْعِ عَلَى الْخَائِنِ فِي الْعَارِيَّةِ بِغَيْرِ الْجَحْدِ وَعَلَى الْخَائِنِ فِي الْوَدِيعَةِ وَعَلَى الْمُنْتَهِبِ وَالْمُخْتَلِسِ وَالْغَاصِبِ فَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِالْقَطْعِ فِي الْجَحْدِ مُطْلَقًا . ( الرَّابِعَةُ ) : قَوْلُهُ { فَكَلَّمَ أُسَامَةُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا : } قَدْ يُنَافِيه قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ { إنَّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي مَخْزُومٍ سَرَقَتْ فَأُتِيَ بِهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاَللَّهِ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ لَقَطَعْت يَدَهَا فَقُطِعَتْ : } وَذَكَرَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهَا { عَاذَتْ بِزَيْنَبِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَلَا امْتِنَاعَ أَنَّهَا عَاذَتْ بِأُمِّ سَلَمَةَ وَبِزَيْنَبِ وَأَنَّهُ شَفَعَ لَهَا أُسَامَةُ لَكِنْ ذِكْرُ اسْتِعَاذَتِهَا بِزَيْنَبِ بِنْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ إشْكَالٌ مِنْ حَيْثُ إنَّ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَتْ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ مِنْ الْهِجْرَةِ كَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ مَنْدَهْ فِي الصَّحَابَةِ أَنَّهَا تُوُفِّيَتْ بَعْدَ سَبْعِ سِنِينَ وَشَهْرَيْنِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ { أَنْ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الَّتِي سَرَقَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ : } وَغَزْوَةُ الْفَتْحِ كَانَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ السَّنَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ فَعَلَى هَذَا لَعَلَّهَا امْرَأَةٌ أُخْرَى أَوْ أَنَّ الْمُرَادَ بِزَيْنَبِ رَبِيبَةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَصَحَّفَ ذَلِكَ عَلَى بَعْضِ الرُّوَاةِ فَإِنَّ الْمَرْأَةَ هَذِهِ كَانَتْ قَرِيبَتَهَا وَقَدْ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ رِوَايَةِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَفِيهِ { أَنَّهَا عَاذَتْ بِزَيْنَبِ بِنْتَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } هَكَذَا رَوَاهُ بِالرَّاءِ وَبِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ الْمُكَرَّرَةِ بَيْنهمَا يَاءٌ آخِرُ الْحُرُوفِ زَادَ أَحْمَدُ . قَالَ ابْنُ أَبِي الزِّنَادِ { كَانَ رَبِيبُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَمَةَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ وَعُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ فَعَاذَ بِأَحَدِهِمَا } وَرَوَى الْحَاكِمُ أَيْضًا بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْمَدِينِيِّ قَالَ { كَانَ رَبِيبَا رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَمَةَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ وَعُمَرَ بْنَ أَبِي سَلَمَةَ وَإِنَّمَا عَاذَتْ الْمَخْزُومِيَّةُ الَّتِي سَرَقَتْ بِأَحَدِهِمَا : } انْتَهَى . وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ { فَجَاءَهُ عُمَرُ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ إنَّهَا عَمَّتِي فَقَالَ لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ } الْحَدِيثَ . ( الْخَامِسَةُ ) : فِيهِ تَحْرِيمُ الشَّفَاعَةِ فِي الْحَدِّ بَعْدَ رَفْعِهِ إلَى الْإِمَامِ وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ { أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ : } وَقَدْ وَرَدَ التَّشْدِيدُ فِي ذَلِكَ فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { مَنْ حَالَتْ شَفَاعَتُهُ دُونَ حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ : } وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ بِلَفْظِ { فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي أَمْرِهِ : } . وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { فَقَدْ ضَادَّ اللَّهَ فِي مُلْكِهِ : } . وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ مِنْ حَدِيثِ الزُّبَيْرِ بْنِ الْعَوَّامِ فِي قِصَّةِ سَارِقِ رِدَاءِ صَفْوَانَ { اشْفَعُوا مَا لَمْ يَصِلْ إلَى الْوَالِي فَإِذَا وَصَلَ إلَى الْوَالِي فَعَفَا فَلَا عَفَا اللَّهُ عَنْهُ } وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ أَيْضًا عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ { لَقِيَ الزُّبَيْرُ سَارِقًا فَشَفَعَ فِيهِ فَقِيلَ لَهُ حَتَّى نُبَلِّغَهُ الْإِمَامَ فَقَالَ إذَا بَلَغَ الْإِمَامَ فَلَعَنَ اللَّهُ الشَّافِعَ وَالْمُشَفَّعَ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : } وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { تَعَافُوا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ : } وَبِالتَّحْرِيمِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَحُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَيْهِ كَذَا قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَاَلَّذِي حَكَاه غَيْرُهُ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ جَوَازُ الشَّفَاعَةِ قَبْلَ بُلُوغِ الْإِمَامِ كَذَا حَكَاه عَنْهُ الْخَطَّابِيُّ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ لَكِنْ إذَا كَانَ الْحَقُّ لِلْإِمَامِ كَمَا فِي حَدِيثِ مَسْعُودِ بْنِ الْأَسْوَدِ أَنَّ { الْمَرْأَةَ سَرَقَتْ قَطِيفَةً مِنْ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } مَعَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَعْفُ عَنْهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ لَا يَلْزَمُ أَنْ تَكُونَ الْقَطِيفَةُ الَّتِي فِي بَيْتِهِ مِلْكًا لَهُ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ تَكُونَ مِلْكًا لَهُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ فِي إقَامَةِ الْحَدِّ فَرَأَى إقَامَتَهُ مَصْلَحَةً ؛ لِئَلَّا يَسْتَنِدَ إلَى تَرْكِهِ لَهُ مِنْ غَيْرِ بَيْتِهِ لِكَوْنِ الْحَقِّ لَهُ انْتَهَى . وَنَفَى أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ وَهَذَا أَيْ التَّحْرِيمُ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ وَحَكَى النَّوَوِيُّ إجْمَاعَ . الْعُلَمَاءِ عَلَى التَّحْرِيمِ بَعْدَ بُلُوغِ الْإِمَامِ وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ قَبْلَ بُلُوغِ الْإِمَامِ فَقَدْ أَجَازَهَا أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ لِمَا جَاءَ فِي السَّتْرِ عَلَى الْمُسْلِمِ مُطْلَقًا لَكِنْ قَالَ مَالِكٌ ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يُعْرَفْ مِنْهُ أَذَى النَّاسِ فَأَمَّا مَنْ عُرِفَ مِنْهُ شَرٌّ وَفَسَادٌ فَلَا أُحِبُّ أَنْ تَقَعَ فِيهِ وَجَزَمَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَأَمَّا الشَّفَاعَةُ فِيمَا لَيْسَ فِيهِ حَدٌّ وَلَيْسَ فِيهِ حَقٌّ لِآدَمِيٍّ وَإِنَّمَا فِيهِ التَّعْزِيرُ فَجَائِزٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ بَلَغَ الْإِمَامَ أَمْ لَا ، وَالشَّفَاعَةُ فِيهِ مُسْتَحَبَّةٌ إذَا لَمْ يَكُنْ الْمَشْفُوعُ صَاحِبَ أَذًى وَنَحْوِهِ . ( السَّادِسَةُ ) : قَوْلُهُ { إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِأَنَّهُ إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ قَطَعُوهُ : } مُخَالِفٌ بِظَاهِرِهِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ { إنَّمَا أَهْلَك مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ الشُّحُّ : } وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ { إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ حِينَ اتَّخَذَ نِسَاؤُهُمْ مِثْلَ هَذَا يَعْنِي وَصْلَ الشَّعْرِ : } وَأَحَادِيثُ أُخَرُ وَالْجَمْعُ بَيْنهمَا أَنَّ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا أُمَمٌ وَطَوَائِفُ كَثِيرَةٌ فَبَعْضُ الْأُمَمِ كَانَ هَلَاكُهَا بِتَرْكِ تَعْمِيمِ إقَامَةِ الْحُدُودِ وَبَعْضُهُمْ بِكَثْرَةِ السُّؤَالِ وَالِاخْتِلَافِ وَبَعْضُهُمْ بِالشُّحِّ فَحَاصِلُ ذَلِكَ أَنَّ الْحَصْرَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ عَلَى عُمُومِهِ بَلْ هُوَ مَخْصُوصٌ لِلْجَمْعِ بَيْنَ مُخْتَلِفِ الْأَحَادِيثِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ يُحْمَلُ ذَلِكَ عَلَى حَصْرٍ مَخْصُوصٍ وَهُوَ الْإِهْلَاكُ بِسَبَبِ الْمُحَابَاةِ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى . ( السَّابِعَةُ ) : فِيهِ جَوَازُ الْحَلِفِ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْلَافٍ وَهُوَ مُسْتَحَبٌّ إذَا كَانَ فِيهِ تَفْخِيمٌ لِأَمْرٍ مَطْلُوبٍ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَنَظَائِرِهِ . ( الثَّامِنَةُ ) : قَوْلُهُ { لَوْ كَانَتْ فَاطِمَةَ : } إلَى آخِرِهِ فِيهِ مُبَالَغَةٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الْمُحَابَاةِ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ فَرَضْت فِي أَبْعَدِ النَّاسِ مِنْ الْوُقُوعِ فِيهَا وَقَدْ قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَ رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ أَعَاذَهَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ أَيْ حَفِظَهَا مِنْ الْوُقُوعِ فِي ذَلِكَ وَحَمَاهَا مِنْهُ إذْ هِيَ بِضْعَةٌ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنَا بَعْضَ الْأَقَاوِيلِ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ وَهُوَ مَعْصُومٌ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ سَمِعْنَا أَشْيَاخَنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ عِنْدَ قِرَاءَةِ هَذَا الْحَدِيثِ يَقُولُونَ أَعَاذَهَا اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ وَبَلَغَنَا عَنْ الْإِمَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ لَمْ يَنْطِقْ هَذَا اللَّفْظَ إعْظَامًا لِفَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَإِجْلَالًا لَمَحِلِّهَا وَإِنَّمَا قَالَ فَذَكَرَ عُضْوًا شَرِيفًا مِنْ امْرَأَةٍ شَرِيفَةٍ وَمَا أَحْسَنَ هَذَا وَأَنْزَهَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ ذِكْرَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا دُونَ غَيْرهَا ؛ لِأَنَّهَا أَفْضَلُ نِسَاءِ . زَمَانِهَا فَهِيَ عَائِشَةُ فِي النِّسَاءِ لَا شَيْءَ بَعْدَهَا فَلَا يَحْصُلُ تَأْكِيدُ الْمُبَالَغَةِ إلَّا بِذِكْرِهَا وَانْضَمَّ إلَى هَذَا أَنَّهَا عُضْوٌ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَحْمِلْهُ ذَلِكَ عَلَى مُحَابَاتِهَا فِي الْحَقِّ وَفِيهَا شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهَا مُشَارِكَةٌ هَذِهِ الْمَرْأَةَ فِي الِاسْمِ فَيَنْتَقِلُ اللَّفْظُ وَالذِّهْنُ مِنْ إحْدَاهُمَا إلَى الْأُخْرَى وَإِنْ تَبَايَنَ مَا بَيْنَ الْمَحَلَّيْنِ . ( التَّاسِعَةُ ) : وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا إخْبَارٌ عَنْ أَمْرٍ مُقَدَّرٍ بِقَيْدِ الْقَطْعِ بِأَمْرٍ مُحَقَّقٍ وَهُوَ وُجُوبُ إقَامَةِ الْحَدِّ عَلَى الْبَعِيدِ وَالْقَرِيبِ الْحَبِيبِ وَالْبَغِيضِ ، لَا يَنْفَعُ فِي دَرْئِهِ شَفَاعَةٌ وَلَا تَحُولُ دُونَهُ قَرَابَةٌ وَلَا جَمَاعَةٌ ، وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَا خَرَجَ هَذَا الْمَخْرَجَ مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي يَقْتَضِي تَعْلِيقَ الْقَوْلِ بِأَمْرٍ آخَرَ وَلَا يَمْتَنِعُ وَقَدْ شَدَّدَ جَمَاعَةٌ فِي مِثْلِ هَذَا وَمَرَاتِبُهُ فِي الْقُبْحِ مُخْتَلِفَةٌ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ لَا يَزُولُ عَنْ السَّارِقِ بِأَنْ يُوهَبَ لَهُ الْمَتَاعُ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مُسْقِطًا عَنْهُ الْحَدَّ لَأَشْبَهَ أَنْ يَطْلُبَ أُسَامَةُ مِنْ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ أَنْ يَهَبَهُ لَهَا فَيَكُونُ ذَلِكَ أَعْوَدُ عَلَيْهَا مِنْ الشَّفَاعَةِ . بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ بِوُجُودِ الرَّائِحَةِ مَعَ الْقَرِينَةِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ { أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ بِحِمْصَ فَقَالَ رَجُلٌ مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ فَدَنَا مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ فَوَجَدَ مِنْهُ رَائِحَةَ الْخَمْرِ فَقَالَ أَتُكَذِّبُ بِالْحَقِّ وَتَشْرَبُ الرِّجْسَ ؟ ، لَا أَدَعُكَ حَتَّى أَجْلِدَك حَدًّا فَضَرَبَهُ الْحَدَّ وَقَالَ وَاَللَّهِ لَهَكَذَا أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } . بَابُ حَدِّ الْخَمْرِ بِوُجُودِ الرَّائِحَةِ مَعَ الْقَرِينَةِ . عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ { أَنَّهُ قَرَأَ سُورَةَ يُوسُفَ بِحِمْصَ فَقَالَ الرَّجُلُ مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ فَدَنَا مِنْهُ عَبْدُ اللَّهِ فَوَجَدَ مِنْهُ رَائِحَةَ الْخَمْرِ فَقَالَ أَتُكَذِّبُ بِالْحَقِّ وَتَشْرَبُ الرِّجْسَ لَا أَدَعُكَ حَتَّى أَجْلِدَك حَدًّا قَالَ فَضَرَبَهُ الْحَدَّ وَقَالَ وَاَللَّهِ لَهَكَذَا أَقْرَأَنِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ . طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ إسْنَادٌ كُوفِيٌّ وَفِيهِ ثَلَاثَةُ تَابِعِيُّونَ بَعْضُهُمْ عَنْ بَعْضٍ الْأَعْمَشُ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ وَعَلْقَمَةُ . ( الثَّانِيَةُ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ كَانَ لَهُ وِلَايَةُ إقَامَةِ الْحَدِّ لِكَوْنِهِ تَابِعًا لِلْإِمَامِ عُمُومًا أَوْ فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ أَوْ فِي تِلْكَ النَّاحِيَةِ أَوْ اسْتَأْذَنَ مِمَّنْ لَهُ إقَامَةُ الْحَدِّ هُنَاكَ فِي ذَلِكَ فَفَوَّضَهُ إلَيْهِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَقَامَ عَلَيْهِ الْحَدَّ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ ذَلِكَ لَهُ مَنْ لَهُ ذَلِكَ أَوْ ؛ لِأَنَّهُ رَأَى أَنَّهُ قَامَ عَنْ الْإِمَامِ بِوَاجِبٍ أَوْ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ذَلِكَ فِي زَمَانِ وِلَايَتِهِ الْكُوفَةِ فَإِنَّهُ وَلِي الْقَضَاءَ زَمَنَ عُمَرَ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُثْمَانَ ( قُلْت ) : إنَّمَا كَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ بِحِمْصَ وَأَيْنَ حِمْصُ مِنْ الْكُوفَةِ ، . ( الثَّالِثَةُ ) : وَفِيهِ مِنْ فِعْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إقَامَةُ حَدِّ الشُّرْبِ بِمُجَرَّدِ الرَّائِحَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَحُكِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَكَافَّةُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ مَسْعُودٍ ا هـ . وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ إذَا لَمْ يَدَّعِ شُبْهَةً وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ إلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْحَدُّ بِذَلِكَ وَحَمَلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ اعْتَرَفَ بِشُرْبِ الْخَمْرِ بِلَا عُذْرٍ ، وَمُجَرَّدُ الرِّيحِ لَا يَدُلُّ عَلَى شَيْءٍ لِاحْتِمَالِ النِّسْيَانِ وَالِاشْتِبَاهِ وَالْإِكْرَاهِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . ( الرَّابِعَةُ ) : قَوْلُهُ ( أَتُكَذِّبُ بِالْحَقِّ ) : وَفِي رِوَايَةِ ( بِالْكِتَابِ ) : مَعْنَاهُ تُنْكِرُ بَعْضَهُ جَاهِلًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ التَّكْذِيبُ الْحَقِيقِيُّ فَإِنَّهُ لَوْ كَذَّبَ حَقِيقَةً لَكَفَرَ وَصَارَ مُرْتَدًّا يَجِبُ قَتْلُهُ وَكَأَنَّ الرَّجُلَ إنَّمَا كَذَّبَ عَبْدَ اللَّهِ لَا الْقُرْآنَ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ قَوْلِهِ ( مَا هَكَذَا أُنْزِلَتْ ) : جَهَالَةً مِنْهُ وَقِلَّةَ حِفْظٍ أَوْ قِلَّةَ تَثَبُّتٍ لِأَجْلِ السُّكْرِ ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ مَنْ جَحَدَ حَرْفًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ مِنْ الْقُرْآنِ فَهُوَ كَافِرٌ تَجْرِي عَلَيْهِ أَحْكَامُ الْمُرْتَدِّينَ بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا ثُمَّ لَمْ يَتُبْ : } . بَابُ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَالنَّبِيذِ . الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا . ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدٌ : . ( الْأُولَى ) : اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ بِلَفْظِ { مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ فِي الدُّنْيَا فَمَاتَ وَهُوَ يُدْمِنُهَا لَمْ يَشْرَبْهَا فِي الْآخِرَةِ : } وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمُسْلِمٍ وَحْدَهُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ بِلَفْظِ { إلَّا أَنْ يَتُوبَ } أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَاهُ مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا وَلَمْ يَرْفَعْهُ . ( قُلْت ) : وَهُوَ مَرْدُودٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى هَذِهِ الْجُمْلَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ فَإِنَّهَا فِي الْمُوَطَّإِ مَرْفُوعَةٌ وَلَمْ يَذْكُرْ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى كِلَاهُمَا عَنْ مَالِكٍ وَفِي رِوَايَةِ الْقَعْنَبِيِّ عِنْدَ مُسْلِمٍ قِيلَ لِمَالِكٍ رَفَعَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ وَكَأَنَّ التِّرْمِذِيَّ إنَّمَا أَرَادَ الْجُمْلَةَ الْأُولَى الَّتِي فِي رِوَايَتِهِ وَهِيَ قَوْلُهُ { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ : } فَهَذِهِ رَوَاهَا مَالِكٌ مَوْقُوفَةً عَلَى ابْنِ عُمَرَ وَكَذَا رَوَاهَا النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِهِ وَهِيَ مَرْفُوعَةٌ مِنْ طَرِيقٍ غَيْرِ مَالِكٍ وَرُوِيَ رَفْعُهَا عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةُ ) : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ ؛ لِأَنَّ شَرَابَ أَهْلِ الْجَنَّةِ خَمْرٌ إلَّا أَنَّهُ لَا غَوْلَ فِيهِ وَلَا نَزْفَ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ يَدُلُّ عَلَى حِرْمَانِ دُخُولِ الْجَنَّةِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَخْبَرَ أَنَّ الْجَنَّةَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ لَا يُصَدَّعُونَ عَنْهَا وَلَا يُنْزِفُونَ فَمَنْ حُرِمَ الْخَمْرَ فِي الْجَنَّةِ مَعَ دُخُولِهَا إنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ فِيهَا خَمْرًا وَأَنَّهُ حُرِمَهَا عُقُوبَةً فَلَيْسَ فِيهِ وَعِيدٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَجِدْ أَلَمَ فَقْدِهَا وَإِنْ عَلِمَ بِهَا وَبِأَنَّهُ حُرِمَهَا عُقُوبَةً لَحِقَهُ حُزْنٌ وَهَمٌّ وَغَمٌّ وَالْجَنَّةُ لَا حُزْنَ فِيهَا وَلَا غَمَّ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { لَا يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ } : { وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ } : وَقَالَ { وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ } : وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ مَنْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ . الْجَنَّةَ وَهُوَ مَذْهَبٌ غَيْرُ مَرْضِيٍّ وَمَحْمَلُهُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ وَلَا يَشْرَبُهَا إلَّا أَنْ يُغْفَرَ لَهُ فَيَدْخُلَ الْجَنَّةَ وَيَشْرَبَهَا كَسَائِرِ الْكَبَائِرِ وَهُوَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ عَزّ وَجَلَّ إنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ بِذَنْبِهِ فَإِنْ عَذَّبَهُ بِذَنْبِهِ ثُمَّ أَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ لَمْ يُحْرَمْهَا إنْ شَاءَ اللَّه تَعَالَى فَإِنْ غَفَرَ لَهُ فَهُوَ أَحْرَى أَنْ لَا يُحْرَمْهَا وَعَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ يَكُونُ مَعْنَاهُ جَزَاؤُهُ وَعُقُوبَتُهُ أَنْ يُحْرَمَهَا فِي الْآخِرَةِ ثُمَّ قَالَ وَجَائِزٌ أَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إذَا غَفَرَ اللَّهُ لَهُ فَلَا يَشْرَبُ فِيهَا خَمْرًا وَلَا يَذْكُرُهَا وَلَا يَرَاهَا وَلَا تَشْتَهِيهَا نَفْسُهُ ، ثُمَّ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ لَبِسَهُ أَهْلُ الْجَنَّةِ وَلَمْ يَلْبِسْهُ هُوَ : } ثُمَّ ذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي سَعِيدٍ ثُمَّ قَالَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ قَالَ { مَنْ لَمْ يَلْبَسْهُ فِي الْآخِرَةِ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ } ؛ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ فِي كِتَابِهِ { وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ } : قَالَ وَهَذَا عِنْدِي عَلَى نَحْوِ الْمَعْنَى الَّذِي نَزَعْنَا إلَيْهِ فِي شُرْبِ الْخَمْرِ انْتَهَى . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَوْلُهُ حُرِمَهَا فِي الْآخِرَةِ أَيْ إنْ عَاقَبَهُ اللَّهُ وَأَنْفَذَ عَلَيْهِ وَعِيدَهُ وَأَنَّهُ بَعْدَ الْعَفْوِ عَنْهُ أَوْ الْمُعَاقَبَةِ يُحْرَمُ شُرْبَهَا فِي الْجَنَّةِ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ يَنْسَاهَا وَقَالَ غَيْرُهُ يُحْتَمَل أَنْ لَا يَشْتَهِيَهَا وَقِيلَ بَلْ دَلِيلُهُ أَنَّهُ يُحْرَمُ الْجَنَّةَ جُمْلَةً ؛ لِأَنَّهُ مَعَ الْعِلْمِ حُزْنٌ وَمَعَ عَدَمِهِ لَا عُقُوبَةَ فِيهِ ؛ قَالَ وَمَعْنَى هَذَا عِنْدَ الْقَائِلِ بِهِ أَنْ يُحْبَسَ عَنْ الْجَنَّةِ وَيُحْرَمَهَا مُدَّةً كَمَا جَاءَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ فِي الْعِقَابِ { لَمْ يَرُحْ رَائِحَةَ الْجَنَّةِ : } { وَلَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ : } فَيَكُونُ عِقَابُهُ مَنَعَهُ مِنْ الِالْتِذَاذِ تِلْكَ الْمُدَّةَ وَيَكُونَ مِنْ أَصْحَابِ الْأَعْرَافِ وَأَهْلِ الْبَرْزَخِ وَأَمَّا أَنْ يُحْرَمُ الْجَنَّةَ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَيْسَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي أَصْحَابِ الذُّنُوبِ وَيَقُولُ الْأَوَّلُونَ لَيْسَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَسْرَةٌ وَلَا يَكُونُ تَنْسِيَتُهُ إيَّاهَا أَوْ تَرْكُ شَهْوَتِهَا عُقُوبَةً وَإِنَّمَا هُوَ نَقْصُ نَعِيمٍ عَمَّنْ تَمَّ نَعِيمُهُ كَمَا اخْتَلَفَتْ دَرَجَاتُهُمْ وَمَنَازِلُهُمْ فِيهَا دُونَ بَعْضٍ وَلَا غَمَّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ انْتَهَى . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَمَذْهَبُ نَفَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّهُ لَا يَشْرَبُ الْخَمْرَ فِي الْجَنَّةِ وَكَذَلِكَ لَوْ لَبِسَ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا لَمْ يَلْبِسْهُ فِي الْجَنَّةِ وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ مَا أُمِرَ بِتَأْخِيرِهِ وَوُعِدَ بِهِ ، فَحُرِمَهُ عِنْدَ مِيقَاتِهِ كَالْوَارِثِ إذَا قَتَلَ مُوَرِّثَهُ فَإِنَّهُ يُحْرَمُ مِيرَاثُهُ ؛ لِأَنَّهُ اسْتَعْجَلَ بِهِ وَهُوَ مَوْضِعُ احْتِمَالٍ . وَمَوْقِفُ إشْكَالٍ وَرَدَتْ فِيهِ الْأَخْبَارُ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَيْفَ يَكُونُ الْحَالُ وَعِنْدِي أَنَّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ إيَّاهُ أَعْتَقِدُ وَبِهِ أَشْهَدُ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : مَعْنَاهُ أَنَّهُ يُحْرَمُ شُرْبَهَا فِي الْجَنَّةِ وَإِنْ دَخَلَهَا قِيلَ يَنْسَاهَا وَقِيلَ لَا يَشْتَهِيَهَا وَإِنْ ذَكَرَهَا وَيَكُونُ هَذَا نَقْصُ نَعِيمٍ فِي حَقِّهِ تَمْيِيزًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ تَارِكِ شَهْوَتِهَا . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ظَاهِرُهُ تَأْبِيدُ التَّحْرِيمِ وَإِنْ دَخَلَ الْجَنَّةَ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَتَأَلَّمُ لِحَالِهِ مَعَ الْمَنَازِلِ الَّتِي رَفَعَ بِهَا غَيْرَهُ عَلَيْهِ مَعَ عِلْمِهِ بِرِفْعَتِهَا وَأَنَّ صَاحِبَهَا أَعْلَى مِنْهُ دَرَجَةً وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَحْسُدُهُ وَلَا يَتَأَلَّمُ بِفَقْدِ شَيْءٍ اسْتِغْنَاءً بِاَلَّذِي أُعْطِيَ وَغِبْطَةً بِهِ وَقَالَ بِهَذَا جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الْأَوْلَى ثُمَّ قَالَ وَقِيلَ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّ حِرْمَانَهُ الْخَمْرَ إنَّمَا هُوَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي يُعَذَّبُ فِي النَّارِ وَيُسْقَى مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ فَإِذَا خَرَجَ مِنْ النَّارِ أُدْخِلَ الْجَنَّةَ وَلَمْ يُحْرَمْ شَيْئًا مِنْهَا لَا خَمْرًا وَلَا حَرِيرًا وَلَا غَيْرَهُمَا فَإِنَّ حِرْمَانَ شَيْءٍ مِنْ لِذَاتِ الْجَنَّةِ لِمَنْ هُوَ فِيهَا نَوْعُ عُقُوبَةٍ وَمُؤَاخَذَةٍ فِيهَا وَالْجَنَّةُ لَيْسَتْ بِدَارِ عُقُوبَةٍ وَلَا مُؤَاخَذَةَ فِيهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ انْتَهَى . وَجَوَّزَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ تَأْوِيلَ الْحَدِيثِ عَلَى فَاعِلِ ذَلِكَ مُسْتَحِلًّا لَهُ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ : } وَحَاصِلُ ذَلِكَ أَقْوَالٌ : ( أَحَدُهَا ) : أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ لِتَلَازُمِ حِرْمَانِهَا وَعَدَمِ دُخُولِ الْجَنَّةِ وَذَلِكَ فِي الْمُسْتَحِلِّ أَوْ لَا يَدْخُلُهَا مَعَ الْأَوَّلِينَ . ( الثَّانِي ) أَنَّ مَعْنَاهُ حِرْمَانُهَا حَالَةَ كَوْنِهِ فِي النَّارِ وَيَصْدُقُ عَلَى تِلْكَ ؛ لِأَنَّهُ فِي الْآخِرَةِ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ حِرْمَهَا فِي الْجَنَّةِ . ( الثَّالِثُ ) : أَنَّ مَعْنَاهُ حِرْمَانُهَا فِي الْجَنَّةِ وَأَنَّ ذَلِكَ جَزَاؤُهُ إنْ جُوزِيَ لَا يُجَازَى . ( الرَّابِعُ ) : أَنَّ مَعْنَاهُ حِرْمَانُهَا فِي الْجَنَّةِ وَلَا امْتِنَاعَ مِنْ مُجَازَاتِهِ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ عُقُوبَةٌ وَإِنَّمَا فِيهِ نَقْصُ لَذَّةٍ . ( الثَّالِثَةُ ) : فِيهِ أَنَّ التَّوْبَةَ تُكَفِّرُ الْمَعَاصِيَ الْكَبَائِرَ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ لَكِنْ هَلْ تَكْفِيرُهَا قَطْعِيٌّ أَوْ ظَنِّيٌّ أَمَّا فِي التَّوْبَةِ مِنْ الْكُفْرِ فَهُوَ قَطْعِيٌّ وَأَمَّا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْكَبَائِرِ فَلِلْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ فِيهِ خِلَافٌ قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْأَقْوَى أَنَّهُ ظَنِّيٌّ وَذَهَبَ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى وُجُوبِ قَبُولِ التَّوْبَةِ عَقْلًا عَلَى طَرِيقَتِهِمْ فِي تَحْكِيمِهِمْ الْعَقْلَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَاَلَّذِي أَقُولُهُ أَنَّ مَنْ اسْتَقْرَأَ الشَّرِيعَةَ قُرْآنًا وَسَنَةً وَتَتَبَّعَ مَا فِيهِمَا مِنْ هَذَا الْمَعْنَى عَلِمَ عَلَى الْقَطْعِ وَالْيَقِينِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبَلُ تَوْبَةَ الصَّادِقِينَ . ( الرَّابِعَةُ ) : أَشَارَ بِقَوْلِهِ { ثُمَّ لَمْ يَتُبْ } إلَى تَرَاخِي . مَرْتَبَةِ فَقْدِ التَّوْبَةِ وَاسْتِمْرَارِ الْإِصْرَارِ فِي الْمَفْسَدَةِ عَلَى نَفْسِ الشُّرْبِ ؛ لِأَنَّ الْإِصْرَارَ وَفَقْدَ التَّوْبَةِ هُوَ الَّذِي تَرَتَّبَ عَلَيْهِ الْوَعِيدُ فَإِنَّ { التَّائِبَ مِنْ الذَّنْبِ كَمَنْ لَا ذَنْبَ } لَهُ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ وَالْمُرَادُ التَّوْبَةُ الْمُعْتَبَرَةُ بِشُرُوطِهَا الْمَعْرُوفَةِ الْوَاقِعَةِ قَبْلَ الْمُعَايَنَةِ وَالْغَرْغَرَةِ وَقَدْ حُكِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى { ثُمَّ يَتُوبُونَ مِنْ قَرِيبٍ } أَنَّ مَا دُونَ الْمَوْتِ فَهُوَ قَرِيبٌ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهَذَا إجْمَاعٌ فِي تَأْوِيلِ هَذِهِ الْآيَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَمَاتَ ، وَهُوَ يُدْمِنُهَا فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ مُدْمِنُ الْخَمْرِ هُوَ الَّذِي يَتَّخِذُهَا وَيُعَاصِرُهَا قَالَ وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ إذَا وَجَدَهَا فَهُوَ مُدْمِنُ الْخَمْرِ وَإِنْ لَمْ يَتَّخِذْهَا . ( الْخَامِسَةُ ) : قَوْلُهُ ( ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا ) : أَيْ مِنْ شُرْبِهَا فَحَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى صِحَّةِ التَّوْبَةِ مِنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ مَعَ بَقَائِهِ عَلَى ذَنْبٍ آخَرَ وَهُوَ كَذَلِكَ . ( السَّادِسَةُ ) هَذَا الْوَعِيدُ إنَّمَا وَرَدَ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ وَهِيَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا اسْمٌ لِعَصِيرِ الْعِنَبِ الَّذِي اشْتَدَّ وَقُذِفَ بِالزَّنْدِ أَمَّا سَائِرُ الْأَشْرِبَةِ الْمُسْكِرَةِ فَهِيَ وَإِنْ شَارَكَتْهَا فِي التَّحْرِيمِ لَا تُشَارِكُهَا فِي اسْمِ الْخَمْرِ حَقِيقَةً كَمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَإِنَّمَا تُسَمَّى بِذَلِكَ مَجَازًا وَمِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ قَالَ إنَّ اسْمَ الْخَمْرِ يَتَنَاوَلُهَا حَقِيقَةً وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ : } فَانْدِرَاجُ شَارِبِهَا فِي هَذَا الْوَعِيدِ مَبْنِيٌّ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ فَعَلَى قَوْلِ الْأَكْثَرِينَ لَا يَتَنَاوَلُهُ إلَّا إنْ فَرَّعْنَا عَلَى قَوْلِ مَنْ يَذْهَبُ إلَى حَمْلِ اللَّفْظِ الْوَاحِدِ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ فَيَدْخُلُ حِينَئِذٍ فِي الْحَدِيثِ مَنْ شَرِبَ مَا يُسَمَّى خَمْرًا حَقِيقَةً وَمَنْ شَرِبَ مَا يُسَمَّى خَمْرًا مَجَازًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) : إنَّمَا تَنَاوَلَ الْحَدِيثُ شَارِبَهَا فِي حَالَةِ التَّكْلِيفِ اخْتِيَارًا فَأَمَّا الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ وَالْمُكْرَهُ فَلَا يَدْخُلُونَ فِي هَذَا الْوَعِيدِ وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ ثُمَّ لَمْ يَتُبْ مِنْهَا ؛ لِأَنَّ التَّوْبَةَ إنَّمَا تَكُونُ مِنْ ذَنْبٍ وَهَؤُلَاءِ لَا ذَنْبَ عَلَيْهِمْ بِمَا صَدَرَ مِنْهُمْ وَقَدْ وَرَدَ تَرَتُّبُ هَذَا الْوَعِيدِ عَلَى سَاقِيهَا لِلصَّغِيرِ : فَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَمَنْ سَقَاهُ صَغِيرًا لَا يَعْرِفُ حَلَالَهُ مِنْ حَرَامِهِ كَانَ حَقًّا عَلَى اللَّهِ أَنْ يَسْقِيَهُ مِنْ طِينَةِ الْخَبَالِ : } . ( الثَّامِنَةُ ) : يَتَرَتَّبُ هَذَا الْوَعِيدُ عَلَى مُجَرَّدِ شُرْبِ الْخَمْرِ وَإِنْ لَمْ يَسْكَرْ بِذَلِكَ عَمَلًا بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى تَحْرِيمِ مَا كَانَ مِنْهَا مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ . بِمُجَرَّدِ الشُّرْبِ وَإِنْ قَلَّ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي غَيْرِهَا فَمَذْهَبُنَا وَمَذْهَبُ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ حُكْمَهَا كَذَلِكَ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ إنَّمَا يَحْرُمُ مِنْ غَيْرِهَا الْقَدْرُ الْمُسْكِرُ دُونَ مَا لَمْ يَصِلْ بِهِ إلَى السُّكْرِ . وَعَنْهُ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَأَقْبَلْت نَحْوَهُ فَأُنْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ أَبْلُغَهُ فَسَأَلْت مَاذَا قَالَ ؟ قَالُوا : نَهَى أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَرَوَاهُ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ وَاسِطَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَفِي بَعْضِهَا { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحَنْتَمِ وَهِيَ الْجَرَّةُ وَعَنْ الدُّبَّاءُ وَهِيَ الْقَرْعَةُ وَعَنْ الْمُزَفَّتِ وَهُوَ الْمُقَيَّرُ وَعَنْ النَّقِيرِ وَهِيَ النَّخْلَةُ تُنْسَحُ نَسْحًا وَتُنْقَرُ نَقْرًا وَأَمَرَ أَنْ يُنْتَبَذَ فِي الْأَسْقِيَةِ : } وَالنَّهْيُ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ مَنْسُوخٌ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْأَشْرِبَةِ إلَّا فِي الظُّرُوفِ الْأَدَمِ فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا } . الْحَدِيثُ الثَّانِي وَعَنْهُ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ النَّاسَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ فَأَقْبَلْت نَحْوَهُ فَأُنْصَرَفَ قَبْلَ أَنْ أَبْلُغَهُ فَسَأَلْت مَاذَا قَالَ ؟ : قَالُوا : نَهَى أَنْ يُنْبَذَ فِي الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَالنَّهْيُ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ { كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْأَشْرِبَةِ إلَّا فِي ظُرُوفِ الْأَدَمِ فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ وَالضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ كُلِّهِمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِمِثْلِ حَدِيثِ مَالِكٍ قَالَ وَلَمْ يَذْكُرُوا فِي { بَعْضِ مَغَازِيهِ } إلَّا مَالِكٌ وَأُسَامَةُ . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ رِوَايَةَ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ مُخْتَصَرَةً بِلَفْظِ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُنْبَذَ فِي الْمُزَفَّتِ وَالْقَرْعِ } وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ وَاسِطَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَتَمُهَا مَا رَوَاهُ هُوَ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةٍ زَادَ أَنْ قَالَ ( قُلْت ) : لِابْنِ عُمَرَ حَدِّثْنِي بِمَا نَهَى عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْأَشْرِبَةِ بِلُغَتِكَ وَفَسِّرْهُ لِي بِلُغَتِنَا فَإِنَّ لَكُمْ لُغَةً سِوَى لُغَتِنَا فَقَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْحَنْتَمِ . وَهِيَ الْجَرَّةُ وَعَنْ الدُّبَّاءِ وَهِيَ الْقَرْعَةُ وَعَنْ الْمُزَفَّتِ وَهُوَ الْمُقَيَّرُ وَعَنْ النَّقِيرِ وَهِيَ النَّخْلَةُ تُنْسَحُ نَسْحًا وَتُنْقَرُ نَقْرًا وَأَمَرَ أَنْ يُنْتَبَذ فِي الْأَسْقِيَةِ } . ( الثَّانِيَةُ ) : فِيهِ النَّهْيُ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي =============================ج24.============== اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ الدُّبَّاءِ وَالْمُزَفَّتِ وَضُمَّ إلَيْهِمَا فِي الرِّوَايَاتِ الْأُخَرِ الْحَنْتَمُ وَالنَّقِيرُ وَمَعْنَاهُ أَنْ يَجْعَل فِي الْمَاءِ تَمْرًا وَزَبِيبًا وَنَحْوَهُمَا لِيَحْلُوَ وَيُشْرَبَ وَإِنَّمَا خُصَّتْ هَذِهِ بِالنَّهْيِ عَنْهَا ؛ لِأَنَّهُ يُسْرَعُ إلَى الْإِسْكَارِ فِيهَا فَيَصِيرَ حَرَامًا نَجِسًا وَتَبْطُلَ مَالِيَّتُهُ فَنُهِيَ عَنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ إتْلَافِ الْمَالِ ؛ وَلِأَنَّهُ رُبَّمَا شَرِبَهُ بَعْدَ إسْكَارِهِ مَنْ لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَمِ بَلْ أَذِنَ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا لِرِقَّتِهَا لَا يَخْفَى فِيهَا الْمُسْكِرُ بَلْ إذَا صَارَ مُسْكِرًا شَقَّهَا غَالِبًا ثُمَّ ذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنَّ هَذَا النَّهْيَ مُسْتَمِرٌّ بِحَالِهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَالَ بَعْضُهُمْ الْحَظْرُ بَاقٍ وَكَرِهُوا الِانْتِبَاذَ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَهُوَ مَرْوِيٌّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ( قُلْت ) : وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيِّ وَفِي النَّقْلِ عَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ نَظَرٌ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْمُحَرَّرِ أَنَّهُ لَا يُكْرَهُ الِانْتِبَاذُ فِيهَا ثُمَّ ذَكَرَ الْكَرَاهَةَ عَنْ أَحْمَدَ وَذَهَبَ جَمَاهِيرُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَى أَنَّ هَذَا النَّهْيَ إنَّمَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ ثُمَّ نُسِخَ . وَيَدُلُّ لِذَلِكَ حَدِيثُ بُرَيْدَةَ وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَالسُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { كُنْت نَهَيْتُكُمْ عَنْ الِانْتِبَاذِ إلَّا فِي الْأَسْقِيَةِ فَاشْرَبُوا فِي كُلِّ وِعَاءٍ وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا : } وَهَذَا نَصٌّ صَرِيحٌ لَا يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْهُ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَيْضًا وَهُوَ مَذْهَبُنَا وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ إنَّهُ أَصَحُّ . الْأَقَاوِيلِ ، قَالُوا وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ الْعَهْدُ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ قَرِيبًا بِإِبَاحَةِ الْمُسْكِرِ فَلَمَّا طَالَ الزَّمَانُ وَاشْتَهَرَ تَحْرِيمُ الْمُسْكِرَاتِ وَتَقَرَّرَ ذَلِكَ فِي نُفُوسِهِمْ نُسِخَ ذَلِكَ وَأُبِيحَ لَهُمْ الِانْتِبَاذُ فِي كُلِّ وِعَاءٍ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مُسْكِرًا وَكَأَنَّ الْأَوَّلِينَ لَمْ تَبْلُغْهُمْ الرُّخْصَةُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّهْيَ قَبْلَ النَّسْخِ لَمْ يَكُنْ لِلتَّحْرِيمِ وَإِنَّمَا كَانَ لِلْأَدَبِ وَالتَّنْزِيهِ وَلَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي نَشْرَحُهُ لَيْسَ صَرِيحًا فِي التَّحْرِيمِ فَإِنَّ لَفْظَ النَّهْيِ مُحْتَمِلٌ لِلتَّنْزِيهِ وَالْكَرَاهَةِ وَاَلَّذِي هُوَ حَقِيقَةٌ فِي التَّحْرِيمِ عِنْدَ عَدَمِ الصَّارِفِ قَوْلُهُ ( لَا تَفْعَلْ ) وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ قَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الظُّرُوفِ فَشَكَتْ إلَيْهِ الْأَنْصَارُ فَقَالُوا لَيْسَ لَنَا وِعَاءٌ فَقَالَ فَلَا إذًا : } . وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَمُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { لَمَّا قَفَّى وَفْدُ عَبْدِ الْقَيْسِ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كُلُّ امْرِئٍ حَسِيبُ نَفْسِهِ لِيُنْبِذَ كُلُّ قَوْمٍ فِيمَا بَدَا لَهُمْ } وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ فِي قِصَّةِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ { فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ النَّاسَ لَا ظُرُوفَ لَهُمْ قَالَ فَرَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَأَنَّهُ يَرْثَى لِلنَّاسِ فَقَالَ اشْرَبُوهُ إذَا طَابَ فَإِنْ خَبُثَ فَذَرُوهُ : } . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ { ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَوْعِيَةَ الدُّبَّاءَ وَالْحَنْتَمَ وَالْمُزَفَّتَ وَالنَّقِيرَ فَقَالَ أَعْرَابِيٌّ إنَّهُ لَا ظُرُوفَ لَنَا فَقَالَ اشْرَبُوا مَا حَلَّ } . وَفِي مُسْنَدِ أَبِي يَعْلَى الْمَوْصِلِيِّ عَنْ الْأَشَجِّ الْعَصْرِيِّ أَنَّهُ { أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رُفْقَةٍ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ } الْحَدِيثَ وَفِيهِ قَالَ { مَالِي أَرَى وُجُوهَكُمْ قَدْ تَغَيَّرَتْ قَالُوا يَا نَبِيَّ اللَّهِ نَحْنُ بِأَرْضٍ وَخِمَةٍ وَكُنَّا نَتَّخِذُ مِنْ هَذِهِ الْأَنْبِذَةِ مَا يَقْطَعُ اللِّحَانَ فِي بُطُونِنَا فَلَمَّا نَهَيْتنَا عَنْ الظُّرُوفِ فَذَلِكَ الَّذِي تَرَى فِي وُجُوهِنَا فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ الظُّرُوفَ لَا تُحِلُّ وَلَا تُحَرِّمُ وَلَكِنْ كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ } . ( الثَّالِثَةُ ) : ( الدُّبَّاءُ ) : بِضَمِّ الدَّالُ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَمْدُودٌ وَالْمُرَادُ بِهِ الْوِعَاءُ مِنْ الْقَرْعِ الْيَابِسِ ( وَالْمُزَفَّتُ ) : هُوَ الْمَطْلِيُّ بِالزِّفْتِ وَهُوَ الْقَارُ فَلِذَلِكَ قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ( الْمُقَيَّرُ ) : وَقَالَ بَعْضُهُمْ الزِّفْتُ نَوْعٌ مِنْ الْقَارِ وَيَرُدّهُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الْمُزَفَّتَ هُوَ الْمُقَيَّرُ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَأَمَّا ( الْحَنْتَمُ ) : بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ فَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا بِأَنَّهُ الْجَرَّةُ وَالظَّاهِرُ صِدْقُ ذَلِكَ عَلَى الْجِرَارِ كُلِّهَا وَذَلِكَ مَحْكِيٌّ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ قِيلَ لِابْنِ عَبَّاسٍ أَيُّ شَيْءٍ نَبِيذُ الْجُرِّ فَقَالَ كُلُّ شَيْءٍ يُصْنَعُ مِنْ الْمَدَرِ وَهُوَ أَحَدُ أَقْوَالٍ سَبْعَةٍ ( ثَانِيهَا ) : أَنَّهُ جِرَارٌ حُضْرٌ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الصَّحَابِيِّ قَالَ النَّوَوِيُّ وَبِهِ قَالَ الْأَكْثَرُونَ أَوْ كَثِيرُونَ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَغَرِيبِ الْحَدِيثِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ قَالَ وَهُوَ أَصَحُّ الْأَقْوَالِ وَأَقْوَاهَا ( ثَالِثُهَا ) : أَنَّهَا جِرَارٌ يُؤْتَى بِهَا مِنْ مِصْرَ مُقَعَّرَةُ الْأَجْوَافِ رُوِيَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ( رَابِعُهَا ) : أَنَّهَا جِرَارٌ حُمْرٌ كَانَ يُحْمَلُ فِيهَا الْخَمْرُ حُكِيَ عَنْ أَبِي بَكْرَةَ الصَّحَابِيِّ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى ( خَامِسُهَا ) : أَنَّهَا جِرَارٌ حَفِيرُ أَعْنَاقِهَا فِي جَنُوبِهَا يُجْلَبُ فِيهَا الْخَمْرُ مِنْ مِصْرَ حُكِيَ عَنْ عَائِشَةَ ( سَادِسُهَا ) أَجْوَافُهَا فِي جَنُوبِهَا يُجْلَبُ فِيهَا الْخَمْرُ مِنْ الطَّائِفِ وَكَانَ نَاسٌ يَنْتَبِذُونَ فِيهَا يُضَاهُونَ بِهِ الْخَمْرَ حُكِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَيْضًا ( سَابِعُهَا ) : أَنَّهَا جِرَارٌ كَانَتْ تُعْمَلُ مِنْ طِينٍ وَدَمٍ وَشَعْرٍ حُكِيَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَأَمَّا النَّقِيرُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِ الْقَافِ فَقَدْ فَسَّرَهُ ابْنُ عُمَرَ كَمَا تَقَدَّمَ بِأَنَّهُ النَّخْلَةُ تُنْسَحُ نَسْحًا وَتُنْقَرُ نَقْرًا وَقَوْلُهُ تُنْسَحُ بِسِينٍ وَحَاءٍ مُهْمَلَتَيْنِ أَيْ تُقَشَّرُ ثُمَّ تُنْقَرُ فَتَصِيرَ نَقِيرًا وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَوَقَعَ فِي نُسَخِ التِّرْمِذِيِّ وَبَعْضِ نُسَخِ مُسْلِمٍ تُنْسَجُ بِالْجِيمِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَهُوَ تَصْحِيفٌ وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ النَّخْلَةُ كَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ أَصْلُ النَّخْلَةِ وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ يُحْتَمَل أَنَّهُ يُقْلَعُ أَصْلُ النَّخْلَةِ فَيُقَشَّرُ وَيُنْقَرُ فَيَصِيرَ كَالدَّنِّ وَيُحْتَمَل أَنْ يُنْقَرَ أَصْلُ النَّخْلَةِ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي الْأَرْضِ وَحُكِيَ عَنْ امْرَأَةٍ يُقَال لَهَا أُمُّ مَعْبَدٍ أَنَّهَا قَالَتْ : وَأَمَّا النَّقِيرُ فَالنَّخْلَةُ الثَّابِتَةُ عُرُوقُهَا فِي الْأَرْضِ الْمَنْقُورَةِ نَقْرًا . ( الرَّابِعَةُ ) : فِيهِ تَحْرِيمُ النَّبِيذِ إذَا أَسْكَرَ مِنْ أَيِّ شَيْءٍ كَانَ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ الْقَدْرُ لَا يُسْكِرُ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { غَيْرَ أَنْ لَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا : } وَهَذَا الَّذِي يُسْكِرُ الْكَثِيرُ مِنْهُ يَصْدُقُ عَلَيْهِ أَنَّهُ مُسْكِرٌ فَإِنَّهُ يُسْكِرُ حَالَ الْكَثْرَةِ وَإِذَا صَدَقَ الْمُقَيَّدُ صَدَقَ الْمُطْلَقُ فَدَخَلَ تَحْتَ النَّهْيِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْقَدْرُ الَّذِي شَرِبَهُ يَحْصُل لَهُ بِهِ السُّكْرُ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ إنَّمَا يَحْرُمُ عَصِيرُ الْعِنَبِ وَنَقِيعُ الزَّبِيبِ النِّيءِ فَأَمَّا الْمَطْبُوخُ مِنْهُمَا وَالنِّيءُ وَالْمَطْبُوخُ مِمَّا سِوَاهُمَا فَحَلَالٌ مَا لَمْ يُشْرَبُ وَيُسْكِرْ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنَّمَا يَحْرُمْ عَصِيرُ ثَمَرَاتِ النَّخْلِ وَالْعِنَبِ قَالَ فَسُلَافَةُ الْعِنَبِ يَحْرُمُ قَلِيلُهَا وَكَثِيرُهَا إلَّا أَنْ تُطْبَخَ حَتَّى يَنْقُصَ ثُلُثَاهَا وَأَمَّا نَقِيعُ الرُّطَبِ فَقَالَ يَحِلُّ مَطْبُوخًا ، وَإِنْ مَسَّتْهُ النَّارُ شَيْئًا قَلِيلًا مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارٍ بِحَدٍّ كَمَا اُعْتُبِرَ فِي سُلَافَةِ الْعِنَبِ قَالَ وَالنِّيءُ مِنْهُ حَرَامٌ وَلَكِنْ لَا يُحَدُّ شَارِبُهُ هَذَا كُلُّهُ مَا لَمْ يَشْرَبْ وَيَسْكَرْ ، فَإِنْ سَكِرَ فَهُوَ حَرَامٌ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ مَعَ مَا قَدَّمْنَاهُ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الصَّرِيحَةِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ : } وَقَالَ { كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ وَكُلُّ خَمْرٍ حَرَامٌ : } مَعَ دَلَالَةِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ عَلَى ذَلِكَ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَبَّهَ عَلَى أَنَّ عِلَّةَ تَحْرِيمِ الْخَمْرِ كَوْنُهَا تَصُدُّ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ ، وَهَذِهِ الْعِلَّةُ مَوْجُودَةٌ فِي جَمِيعِ الْمُسْكِرَاتِ فَوَجَبَ طَرْدُ الْحُكْمِ فِي الْجَمِيعِ ، فَإِنْ قِيلَ إنَّمَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَعْنَى فِي الْإِسْكَارِ وَذَلِكَ مُجْمَعٌ عَلَى تَحْرِيمِهِ ( قُلْنَا ) : قَدْ أَجْمَعُوا عَلَى تَحْرِيمِ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَإِنْ لَمْ يُسْكِرْ وَقَدْ عَلَّلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ تَحْرِيمَهُ بِمَا سَبَقَ ، فَإِذَا كَانَ مَا سِوَاهُ فِي مَعْنَاهُ وَجَبَ طَرْدُ الْحُكْمِ فِي الْجَمِيعِ وَيَكُونُ التَّحْرِيمُ لِلْجِنْسِ الْمُسْكِرِ وَعَلَّلَ بِمَا يَحْصُلُ مِنْ الْجِنْسِ فِي الْعَادَةِ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ هَذَا الِاسْتِدْلَال آكَدُّ مِنْ كُلِّ مَا يُسْتَدَلُّ بِهِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَالَ وَلَنَا فِي الِاسْتِدْلَالِ طَرِيقٌ آخَرُ وَهُوَ أَنْ نَقُولَ إذَا شُرِبَتْ سُلَافَةَ الْعِنَبِ عِنْدَ اعْتِصَارِهَا وَهِيَ حُلْوَةٌ لَمْ تُسْكِرْ فَهِيَ حَلَالٌ بِالْإِجْمَاعِ ، وَإِنْ اشْتَدَّتْ وَأَسْكَرَتْ حُرِّمَتْ بِالْإِجْمَاعِ ، فَإِنْ تَخَلَّلَتْ مِنْ غَيْرِ تَخْلِيلِ آدَمِيٍّ حَلَّتْ فَنَظَرْنَا إلَى تَبَدُّلِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ وَتَجَدُّدِهَا عِنْدَ تَجَدُّدِ صِفَةٍ وَتَبَدُّلِهَا فَأَشْعَرَنَا ذَلِكَ بِارْتِبَاطِ هَذِهِ الْأَحْكَامِ بِهَذِهِ الصِّفَةِ وَقَامَ ذَلِكَ مَقَامَ التَّصْرِيحِ بِالنُّطْقِ فَوَجَبَ جَعْلُ الْجَمِيعِ سَوَاءً فِي الْحُكْمِ وَأَنَّ الْإِسْكَارَ هُوَ عِلَّةُ الْحُكْمِ فِي التَّحْرِيمِ . بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ وَكُلٌّ حَدَّثَنِي بِطَائِفَةٍ مِنْ حَدِيثِهَا وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتَ اقْتِصَاصًا وَقَدْ وَعَيْت عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا " ذَكَرُوا أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ قَالَتْ عَائِشَةُ فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةٍ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي فَخَرَجْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ بَعْدَ مَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ فَسِرْنَا حَتَّى إذَا فَرَغَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَزْوِهِ وَقَفَلَ وَدَنَوْنَا مِنْ الْمَدِينَةِ آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ حِينَ آذَنُوا بِالرَّحِيلِ فَمَشَيْت حَتَّى جَاوَزْت الْجَيْشَ فَلَمَّا قَضَيْت شَأْنِي أَقْبَلْت إلَى الرَّحْلِ فَلَمَسْت صَدْرِي ، فَإِذَا عِقْدٌ مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ قَدْ انْقَطَعَ فَرَجَعْت فَالْتَمَسْت عِقْدِي فَحَبَسَنِي ابْتِغَاؤُهُ وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ بِي فَحَمَلُوا هَوْدَجِي فَرَحَلُوهُ عَلَى بَعِيرِي الَّذِي كُنْت أَرْكَبُ وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنِّي فِيهِ ، قَالَتْ وَكَانَ النِّسَاءُ إذْ ذَاكَ خِفَافًا لَمْ يَهْبُلْنَ وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ . إنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ مِنْ الطَّعَامِ فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ نَقْلَ الْهَوْدَجِ حِينَ رَحَلُوهُ وَرَفَعُوهُ وَكُنْت جَارِيَةً حَدِيثَةَ السِّنِّ فَبَعَثُوا الْجَمَلَ وَسَارُوا وَوَجَدْت عِقْدِي بَعْدَ مَا اسْتَمَرَّ الْجَيْشُ فَجِئْت مَنَازِلَهُمْ وَلَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ فَتَيَمَّمْت مَنْزِلِي الَّذِي كُنْت فِيهِ وَظَنَنْت أَنَّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونَنِي فَيَرْجِعُوا إلَيَّ فَبَيْنَا أَنَا جَالِسَةٌ فِي مَنْزِلِي غَلَبَتْنِي عَيْنَايَ فَنِمْت وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ مُعَطَّلٍ السُّلَمِيُّ ثُمَّ الذَّكْوَانِيُّ قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَادَّلَجَ فَأَصْبَحَ عِنْدَ مَنْزِلِي فَرَأَى سَوَادَ إنْسَانٍ فَأَتَانِي فَعَرَفَنِي حِينَ رَآنِي وَقَدْ كَانَ يَرَانِي قَبْلَ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيَّ الْحِجَابُ فَاسْتَيْقَظْت بِاسْتِرْجَاعِهِ حِينَ عَرَفَنِي ، فَخَمَّرْت وَجْهِي بِجِلْبَابِي وَاَللَّهِ مَا يُكَلِّمُنِي كَلِمَةً وَلَا سَمِعْت مِنْهُ كَلِمَةً غَيْرَ اسْتِرْجَاعِهِ حَتَّى أَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَوَطِئَ عَلَى يَدِهَا فَرَكِبْتهَا فَانْطَلَقَ يَقُودُ بِي الرَّاحِلَةَ حَتَّى أَتَيْنَا الْجَيْشَ بَعْدَ مَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْرِ الظَّهِيرَةِ فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِي شَأْنِي وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنِ سَلُولَ فَقَدِمْت الْمَدِينَةَ فَاشْتَكَيْت حِينَ قَدِمْنَا شَهْرًا وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ وَلَا أَشْعُرُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَرِيبُنِي فِي وَجَعِي أَنِّي لَا أَعْرِفُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اللُّطْفَ الَّذِي كُنْت أَرَاهُ مِنْهُ حِينَ أَشْتَكِي إنَّمَا يَدْخُلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُسَلِّمُ ثُمَّ يَقُولُ كَيْفَ تِيكُمْ ؟ فَذَلِكَ يَرِيبُنِي وَلَا أَشْعُرُ بِالشَّرِّ حَتَّى خَرَجْت بَعْدَ مَا نَقِهْت وَخَرَجَتْ مَعِي أُمُّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا وَلَا نَخْرُجُ إلَّا لَيْلًا إلَى لَيْلٍ وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ قَرِيبًا مِنْ بُيُوتِنَا وَأَمْرُنَا أَمْرُ الْعَرَبِ الْأُوَلِ فِي التَّبَرُّزِ وَكُنَّا نَتَأَذَّى بِالْكُنُفِ أَنْ نَتَّخِذَهَا عِنْدَ بُيُوتِنَا فَانْطَلَقْت أَنَا وَأُمُّ مِسْطَحٍ وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمٍ بْنِ الْمُطَّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ وَأُمُّهَا ابْنَةُ صَخْرٍ بْنِ عَامِرِ خَالَةُ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ وَابْنُهَا مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ ابْنُ عَبَّادِ بْن الْمُطَّلِبِ فَأَقْبَلْت أَنَا وَابْنَةُ أَبِي رُهْمٍ قِبَلَ بَيْتِي حِينَ فَرَغْنَا مِنْ شَأْنِنَا فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ فَقُلْت لَهَا بِئْسَ مَا قُلْت تَسُبِّينَ رَجُلًا شَهِدَ بَدْرًا قَالَتْ أَيْ هَنْتَاه أَلَمْ تَسْمَعِي مَا قَالَ ، قُلْت وَمَاذَا قَالَ ؟ فَأَخْبَرَتْنِي . بِقَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ فَازْدَدْت مَرَضًا إلَى مَرَضِي فَلَمَّا رَجَعْت إلَى بَيْتِي فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ كَيْفَ تِيكُمْ ؟ قُلْت أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِي أَبَوَيَّ ؟ قَالَتْ وَأَنَا حِينَئِذٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَيَقَّنَ الْخَبَرَ مِنْ قِبَلِهِمَا فَأَذِنَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجِئْت أَبَوَيَّ فَقُلْت لِأُمِّي يَا هَنْتَاه مَا يَتَحَدَّثُ النَّاسُ ؟ فَقَالَتْ : أَيْ بُنَيَّةُ هَوِّنِي عَلَيْك فَوَاَللَّهِ لَقَلَّ مَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا قَالَتْ سُبْحَانَ اللَّهِ أَوَ قَدْ تَحَدَّثَ النَّاسُ بِهَذَا ؟ ، قَالَتْ فَبَكَيْت تِلْكَ اللَّيْلَةَ حَتَّى أَصْبَحْت لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ثُمَّ أَصْبَحْت أَبْكِي وَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيُ يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ ، قَالَتْ : فَأَمَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ فَأَشَارَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاَلَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ وَبِاَلَّذِي يَعْلَمُ فِي نَفْسِهِ لَهُمْ مِنْ الْوُدِّ ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُمْ أَهْلُك وَلَا نَعْلَمُ إلَّا خَيْرًا وَأَمَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْك ، وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ وَإِنْ تَسْأَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقُك ، قَالَتْ فَدَعَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ فَقَالَ أَيْ بَرِيرَةُ هَلْ رَأَيْت مِنْ شَيْءٍ يُرِيبُك مِنْ عَائِشَةَ قَالَتْ لَهُ بَرِيرَةُ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ إنْ رَأَيْت عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنَ فَتَأْكُلُهُ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ : يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْذُرُنِي مِنْ رَجُلٍ قَدْ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِي فَوَاَللَّهِ مَا عَلِمْت عَلَى أَهْلِي إلَّا خَيْرًا وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْت عَلَيْهِ إلَّا خَيْرًا وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إلَّا مَعِي فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ الْأَنْصَارِيُّ فَقَالَ أَعْذُرُك مِنْهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ ضَرَبْنَا عُنُقَهُ وَإِنْ كَانَ مِنْ إخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ أَمَرْتنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَك قَالَتْ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَكِنْ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَهُوَ ابْنُ عَمِّ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فَقَالَ لِسَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ كَذَبْت لَعَمْرُ اللَّهِ لَنَقْتُلَنَّهُ ، فَإِنَّك مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ ، فَثَارَ الْحَيَّانِ الْأَوْسُ وَالْخَزْرَجُ حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ ، قَالَتْ وَبَكَيْت يَوْمِي لَا يَرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ثُمَّ بَكَيْت لَيْلَتِي الْمُقْبِلَةَ لَا يُرْقَأُ لِي دَمْعٌ وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ ، وَأَبَوَايَ يَظُنَّانِ أَنَّ الْبُكَاءَ فَالِقٌ كَبِدِي قَالَتْ فَبَيْنَا هُمَا جَالِسَانِ عِنْدِي وَأَنَا أَبْكِي اسْتَأْذَنَتْ عَلَيَّ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَأَذِنْت لَهَا فَجَلَسَتْ تَبْكِي مَعِي فَبَيْنَا نَحْنُ عَلَى ذَلِكَ دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَلَّمَ ثُمَّ جَلَسَ قَالَتْ وَلَمْ يَجْلِسْ عِنْدِي مُنْذُ قِيلَ لِي مَا قِيلَ وَقَدْ لَبِثَ شَهْرًا لَا يُوحَى إلَيْهِ : فِي شَأْنِي شَيْءٌ ، قَالَتْ فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَلَسَ ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ : يَا عَائِشَةُ ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْك كَذَا وَكَذَا ، فَإِنْ كُنْت بَرِيئَةً فَسَيُبَرِّئُك اللَّهُ ، وَإِنْ كُنْت أَلْمَمْت بِذَنْبٍ فَاسْتَغْفِرِي اللَّهَ ثُمَّ تُوبِي إلَيْهِ ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، قَالَتْ فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي حَتَّى مَا أُحِسُّ مِنْهُ قَطْرَةً ، فَقُلْت لِأَبِي أَجِبْ عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَالَ ، فَقَالَ وَاَللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُلْت لِأُمِّي أَجِيبِي عَنِّي رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ وَاَللَّهِ مَا أَدْرِي مَا أَقُولُ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ فَقُلْت وَأَنَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ لَا أَقْرَأُ كَثِيرًا مِنْ الْقُرْآنِ ، وَاَللَّهِ لَقَدْ عَرَفْت أَنَّكُمْ قَدْ سَمِعْتُمْ بِهَذَا حَتَّى اسْتَقَرَّ فِي أَنْفُسِكُمْ وَصَدَّقْتُمْ بِهِ ، فَإِنْ قُلْت لَكُمْ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ لَا تُصَدِّقُونِي بِذَلِكَ ، وَلَئِنْ اعْتَرَفْت لَكُمْ بِأَمْرٍ وَاَللَّهُ يَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ تُصَدِّقُونِي وَإِنِّي وَاَللَّهِ مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ { فَصَبْرٌ جَمِيلٌ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ : } قَالَتْ ثُمَّ تَحَوَّلْت فَاضْطَجَعْت عَلَى فِرَاشِي قَالَتْ وَأَنَا وَاَللَّهِ حِينَئِذٍ أَعْلَمُ أَنِّي بَرِيئَةٌ وَاَللَّهُ مُبَرِّئِي بِبَرَاءَتِي وَلَكِنْ وَاَللَّهِ مَا كُنْت أَظُنُّ أَنْ يَنْزِلَ فِي شَأْنِي وَحَيٌّ يُتْلَى وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي بِأَمْرٍ يُتْلَى ، وَلَكِنْ كُنْت أَرْجُو أَنْ يَرَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ رُؤْيَا يُبَرِّئُنِي اللَّهُ بِهَا ، قَالَتْ فَوَاَللَّهِ مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسَهُ وَلَا خَرَجَ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ أَحَدٌ ، حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى نَبِيِّهِ فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْبُرَحَاءِ عِنْدَ الْوَحْيِ حَتَّى إنَّهُ لَيَتَحَدَّرُ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنْ الْعَرَقِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي مِنْ ثِقَلِ الْقَوْلِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ قَالَتْ فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَضْحَكُ فَكَانَ أَوَّلُ كَلِمَةٍ تَكَلَّمَ بِهَا أَنْ قَالَ أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ أَمَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ بَرَّأَك فَقَالَتْ لِي أُمِّي قَوْمِي إلَيْهِ فَقُلْت وَاَللَّهِ لَا أَقُومُ إلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُ إلَّا اللَّهَ ، هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { إنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ : } عَشْرَ آيَاتٍ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ هَذِهِ الْآيَاتِ بَرَاءَتِي قَالَتْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَكَانَ يُنْفِقُ عَلَى مِسْطَحٍ لِقَرَابَتِهِ مِنْهُ وَفَقْرِهِ وَاَللَّهِ لَا أُنْفِقُ عَلَيْهِ شَيْئًا أَبَدًا بَعْدَ الَّذِي قَالَ لِعَائِشَةَ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ : } إلَى { أَلَا تُحِبُّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ : } فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَاَللَّهِ إنِّي لَأُحِبُّ أَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لِي فَرَجَّعَ إلَى مِسْطَحٍ النَّفَقَةَ الَّتِي كَانَ يُنْفِقُ عَلَيْهِ وَقَالَ لَا أَنْزَعُهَا مِنْهُ أَبَدًا قَالَتْ عَائِشَةُ وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ زَيْنَبَ ابْنَةَ جَحْشٍ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَمْرِي مَا عَلِمْت أَوْ مَا رَأَيْت قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي وَاَللَّهِ مَا عَلِمْت إلَّا خَيْرًا قَالَتْ عَائِشَةُ وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ تُحَارِبُ لَهَا فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ } قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَهَذَا مَا انْتَهَى إلَيْنَا مِنْ أَمْرِ هَؤُلَاءِ الرَّهْطِ وَفِي رِوَايَةٍ عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ وَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ { وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا بِهِ مِسْطَحٌ وَحَمْنَةُ وَحَسَّانُ وَأَمَّا الْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيَجْمَعُهُ وَهُوَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ وَحَمْنَةُ : } وَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ { لَمَّا نَزَلَ عُذْرِي قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَذَكَرَ ذَلِكَ وَتَلَا يَعْنِي الْقُرْآنَ فَلَمَّا نَزَلَ مِنْ الْمِنْبَرِ أَمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَةِ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ : } وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ( قُلْت ) : فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ تَصْرِيحُ ابْنِ إِسْحَاقَ بِالتَّحْدِيثِ . بَابُ حَدِّ الْقَذْفِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَلْقَمَةَ بْنِ وَقَّاصٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ لَهَا أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا فَبَرَّأَهَا اللَّهُ وَكُلٌّ حَدَّثَنِي بِطَائِفَةٍ مِنْ حَدِيثِهَا وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ وَأَثْبَتَ اقْتِصَاصًا وَقَدْ وَعَيْت عَنْ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْحَدِيثَ الَّذِي حَدَّثَنِي وَبَعْضُ حَدِيثِهِمْ يُصَدِّقُ بَعْضًا ذَكَرُوا أَنَّ عَائِشَةَ زَوْجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيَّتُهُنَّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَهُ : } الْحَدِيثَ وَزَادَ فِيهِ أَصْحَابُ السُّنَنِ { فَلَمَّا نَزَلَ مِنْ الْمِنْبَرِ أَمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَةِ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ : } قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ ( قُلْت ) : وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ إِسْحَاقَ بِالتَّحْدِيثِ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : هَذَا الَّذِي فَعَلَهُ الزُّهْرِيُّ مِنْ جَمْعِهِ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْجَمَاعَةِ لَا مَنْعَ مِنْهُ وَلَا كَرَاهَةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ أَنَّ بَعْضَ الْحَدِيثِ عَنْ بَعْضِهِمْ وَبَعْضَهُ عَنْ بَعْضِهِمْ وَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ أَئِمَّةٌ حُفَّاظٌ ثِقَاتٌ مِنْ أَجَلِّ التَّابِعِينَ ، فَإِذَا تَرَدَّدْنَا فِي قِطْعَةٍ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ هَلْ هِيَ عَنْ هَذَا أَوْ ذَاكَ لَمْ يَضُرَّ وَجَازَ الِاحْتِجَاجُ بِهَا ؛ لِأَنَّهُمَا ثِقَتَانِ . قَالَ النَّوَوِيُّ وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَوْ قَالَ حَدَّثَنِي زَيْدٌ أَوْ عُمَيْرٌ وَهُمَا ثِقَتَانِ مَعْرُوفَانِ بِالثِّقَةِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ جَازَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ انْتَقَدَ هَذَا عَلَى الزُّهْرِيِّ قَدِيمًا وَقَالَ كَانَ الْأَوْلَى أَنْ يَذْكُرَ حَدِيثَ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِجِهَتِهِ قَالَ وَلَا دَرَكَ عَلَى الزُّهْرِيِّ فِي شَيْءٍ مِنْهُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ بَيَّنَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِهِ وَالْكُلُّ ثِقَاتٌ وَقَالَ النَّوَوِيُّ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى قَبُولِ ذَلِكَ مِنْ الزُّهْرِيِّ وَالِاحْتِجَاجِ بِهِ . . ( الثَّانِيَةُ ) : الْإِفْكُ الْكَذِبُ وَفِيهِ لُغَتَانِ كَسْرُ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانُ الْفَاءِ وَفَتْحِهِمَا مَعًا كَنَجَسٍ وَنَجِسَ حَكَاهُمَا فِي الْمُحْكَمِ وَالْمَشَارِقِ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا مَا كَذَبَ عَلَيْهَا مُمَارٍ مَيِّتٌ بِهِ . ( الثَّالِثَةُ ) : قَوْلُهُ ( وَبَعْضُهُمْ كَانَ أَوْعَى لِحَدِيثِهَا مِنْ بَعْضٍ ) : وَأَثْبَتَ اقْتِصَاصًا أَيْ أَحْفَظُ وَأَحْسَنُ إيرَادًا وَسَرْدًا لِلْحَدِيثِ . ( الرَّابِعَةُ ) : قَوْلُهَا { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَخْرُجَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ : } هُوَ دَلِيلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ فِي الْعَمَلِ بِالْقُرْعَةِ فِي الْقَسْمِ بَيْنَ الزَّوْجَاتِ وَفِي الْعِتْقِ وَالْوَصَايَا وَالْقِسْمَةِ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَقَدْ جَاءَتْ فِيهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ فِي الصَّحِيحِ مَشْهُورَةٌ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ عَمِلَ بِهَا ثَلَاثَةٌ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ يُونُسُ وَزَكَرِيَّا وَمُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَلِمْ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَاسْتِعْمَالُهَا كَالْإِجْمَاعِ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ فِيمَا يُقْسَمُ بَيْنَ الشُّرَكَاءِ وَلَا مَعْنًى لِقَوْلِ مَنْ رَدَّهَا وَالْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إبْطَالُهَا وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إنَّهُ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ بَابِ الْخَطَرِ وَالْقِمَارِ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ الْكُوفِيِّينَ وَقَالُوا هِيَ كَالْأَزْلَامِ وَحُكِيَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ إجَازَتُهَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَلَا يَسْتَقِيمُ فِي الْقِيَاسِ لَكِنَّا تَرَكْنَا الْقِيَاسَ لِلْأَثَرِ وَمُقْتَضَى هَذَا قَصْرُهَا عَلَى الْمَوَاضِعِ الْوَارِدَةِ فِي الْأَحَادِيثِ دُونَ تَعْدِيَتِهَا إلَى غَيْرِهَا وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالْمُغِيرَةِ . ( الْخَامِسَةُ ) : وَفِيهِ الْقُرْعَةُ بَيْنَ النِّسَاءِ عِنْدَ إرَادَةِ السَّفَرِ بِبَعْضِهِنَّ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ وَمَنَعُوا السَّفَرَ بِبَعْضِهِنَّ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْهُ رِوَايَةُ أَنَّ لَهُ السَّفَرَ بِمَنْ شَاءَ مِنْهُمْ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ أَنْفَعَ لَهُ فِي طَرِيقِهِ وَالْأُخْرَى أَنْفَعُ لَهُ فِي بَيْتِهِ وَمَالِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَاَلَّذِي يَقَعُ لِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ بِخِلَافٍ فِي أَصْلِ الْقُرْعَةِ فِي هَذَا ، وَإِنَّمَا هَذَا لِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النِّسَاءِ ، فَإِذَا كَانَ فِيهِنَّ مَنْ تَصْلُحُ لِلسَّفَرِ وَمَنْ لَا تَصْلُحُ تَعَيَّنَ مَنْ تَصْلُحُ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يَجِبُ أَنْ يُسَافِرَ بِمَنْ لَا تَصْلُحُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرَرٌ أَوْ مَشَقَّةٌ عَلَيْهِ { وَلَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ : } وَإِنَّمَا تَدْخُلُ الْقُرْعَةُ إذَا كَانَ كُلُّهُنَّ صَالِحَاتٌ لِلسَّفَرِ فَحِينَئِذٍ تَتَعَيَّنُ الْقُرْعَةُ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ أَخْرَجَ وَاحِدَةً مِنْهُنَّ بِغَيْرِ قُرْعَةٍ لَخِيفَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مَيْلًا إلَيْهَا وَلَكَانَ لِلْأُخْرَى مُطَالَبَتُهُ بِحَقِّهَا مِنْ ذَلِكَ ، فَإِذَا خَرَجَ بِمَنْ وَقَعَتْ عَلَيْهَا الْقُرْعَةُ انْقَطَعَتْ حُجَّةُ الْأُخْرَى وَارْتَفَعَتْ التُّهْمَةُ عَنْهُ وَطَابَ قَلْبُ مَنْ بَقِيَ مِنْهُنَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) : قَوْلُهَا { فَأَقْرَعَ بَيْنَنَا فِي غَزْوَةِ غَزَاهَا فَخَرَجَ فِيهَا سَهْمِي : } فِيهِ خُرُوجُ النِّسَاءِ فِي الْغَزْوِ ؛ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَخُرُوجُهُنَّ مَعَ الرِّجَالِ فِي الْغَزْوِ مُبَاحٌ إذَا كَانَ الْعَسْكَرُ كَثِيرًا تُؤْمَنُ عَلَيْهِ الْغَلَبَةُ وَفِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَغْزُو بِأُمِّ سُلَيْمٍ وَنِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ لِيَسْقِينَ الْمَاءَ وَيُدَاوِينَ الْجَرْحَى } . ( السَّابِعَةُ ) : هَذِهِ الْغَزَاةُ هِيَ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ وَكَانَتْ سَنَةَ سِتٍّ مِنْ الْهِجْرَةِ وَسَنَزِيدُ ذَلِكَ إيضَاحًا وَبِهِ يُعْلَمُ أَنَّهَا لَمْ تَخْرُجْ مَعَهُ وَحْدَهَا بَلْ خَرَجَتْ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ أَيْضًا أُمُّ سَلَمَةَ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي السِّيَرِ . ( الثَّامِنَةُ ) : قَوْلُهَا { فَأَنَا أُحْمَلُ فِي هَوْدَجِي وَأُنْزَلُ فِيهِ مَسِيرَنَا : } بِضَمِّ أَوَّلِهِمَا عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَفِيهِ جَوَازُ رُكُوبِ النِّسَاءِ فِي الْهَوَادِجِ وَجَوَازِ خِدْمَةِ الرِّجَالِ لَهُنَّ فِي ذَلِكَ وَفِي الْأَسْفَارِ وَ ( الْهَوْدَجِ ) : بِفَتْحِ الْهَاءِ الْقُبَّةُ الَّتِي تَكُونُ فِيهَا الْمَرْأَةُ عَلَى ظَهْرِ الْبَعِيرِ . ( التَّاسِعَةُ ) : قَوْلُهَا { آذَنَ لَيْلَةً بِالرَّحِيلِ : } رُوِيَ بِالْمَدِّ وَتَخْفِيفِ الذَّالِ وَبِالْقَصْرِ وَتَشْدِيدِهَا أَيْ أَعْلَمَ وَفِيهِ أَنَّ ارْتِحَالَ الْعَسْكَرِ يَتَوَقَّفُ عَلَى إذْنِ الْأَمِيرِ . ( الْعَاشِرَةُ ) : قَوْلُهَا { فَإِذَا عِقْدٌ مِنْ جَزْعِ ظَفَارِ وَقَدْ انْقَطَعَ : } ( الْعِقْدُ ) : بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الْقَافِ كُلُّ مَا يُعْقَدُ وَيُعَلَّقُ فِي الْعُنُقِ وَهُوَ نَحْوُ الْقِلَادَةِ وَ ( الْجَزْعُ ) : بِفَتْحِ الْجِيمِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ وَآخِرُهُ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ خَرَزُ يَمَانٍ ( وَظَفَارِ ) : بِفَتْحِ الظَّاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ قَرْيَةٌ بِالْيَمَنِ وَهِيَ مَبْنِيَّةٌ عَلَى الْكَسْرِ تَقُولُ هَذِهِ ظَفَارِ وَدَخَلَتْ ظَفَارِ وَإِلَى ظَفَارِ بِكَسْرِ الرَّاءِ بِلَا تَنْوِينٍ فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هَكَذَا فِي صَحِيحِ الرِّوَايَةِ وَمَنْ قَيَّدَهُ جَزْعَ أَظْفَارٍ بِأَلْفٍ فَقَدْ أَخْطَأَ وَبِالْوَجْهِ الصَّحِيحِ رَوَيْتُهُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) : قَوْلُهَا { وَأَقْبَلَ الرَّهْطُ الَّذِينَ كَانُوا يَرْحَلُونَ بِي : } ( الرَّهْطُ ) : جَمَاعَةٌ دُونَ الْعَشَرَةِ وَقَوْلُهُ { يَرْحَلُونَ : } بِفَتْحِ الْيَاءِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ الْمُخَفَّفَةِ أَيْ يَجْعَلُونَ الرَّحْلَ عَلَى الْبَعِيرِ وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهَا { فَرَحَلُوهُ } وَهُوَ بِتَخْفِيفِ الْحَاءِ أَيْضًا وَقَوْلُهَا { بِي : } كَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي أَصْلِنَا بِالْبَاءِ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ بَعْضِ نُسَخِ مُسْلِمٍ وَقَالَ إنَّ الَّذِي فِي أَكْثَرِهَا { لِي : } وَهُوَ أَجْوَدُ ( قُلْت ) : بَلْ يَظْهَرُ أَنَّ الْبَاءَ أَجْوَدُ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ هُنَا وَضْعَ الرَّحْلِ عَلَى الْبَعِيرِ بَلْ وَضْعَهَا وَهِيَ فِي الْهَوْدَجِ عَلَى الْبَعِيرِ تَشْبِيهًا لِلْهَوْدَجِ الَّتِي هِيَ فِيهِ بِالرَّحْلِ الَّذِي يُوضَعُ عَلَى الْبَعِيرِ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) : قَوْلُهَا { وَكَانَتْ النِّسَاءُ إذْ ذَاكَ خِفَافًا لَا يَهْبُلْنَ : } ضُبِطَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ بِأَوْجُهٍ ( أَشْهُرُهَا ) : كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَالْبَاءِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ يُثْقَلْنَ بِاللَّحْمِ وَالشَّحْمِ ( وَالثَّانِي ) : يَهْبَلْنَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَالْبَاءِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ بَيْنَهُمَا . وَ ( الثَّالِثُ ) : بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الصَّوَابِ أَيْ بِتَقْدِيرِ فَتْحِ أَوَّلِهِ قَالَ ؛ لِأَنَّ مَاضِيَهُ فَعَلَ قَالَ النَّوَوِيُّ وَيَجُوزُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ وَكَسْرِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ يُقَالُ هَبِلَهُ اللَّحْمُ وَأَهْبَلَهُ إذَا أَثْقَلَهُ وَكَثُرَ لَحْمُهُ وَشَحْمُهُ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ { لَمْ يُثْقَلْنَ } وَهُوَ بِمَعْنَاهُ وَهُوَ أَيْضًا الْمُرَادُ بِقَوْلِهَا { وَلَمْ يَغْشَهُنَّ اللَّحْمُ } ( قُلْت ) : لَا يَنْبَغِي عَلَى مَا جَوَّزَهُ النَّوَوِيُّ كَسْرُ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ بَلْ هِيَ مَفْتُوحَةٌ وَالتَّفَاوُتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ فَتْحُ الْهَاءِ فِي الرِّوَايَةِ وَتَشْدِيدُ الْبَاءِ وَفِي التَّجْوِيزِ الْهَاءُ سَاكِنَةٌ وَالْبَاءُ مُخَفَّفَةٌ وَهِيَ مَفْتُوحَةٌ عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَكَيْفَ يُكْسَرُ مَعَ بِنَاءِ الْفِعْلِ لِلْمَفْعُولِ ، قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ عَنْ ابْنِ الْحَدَّاءِ { لَمْ يَهْبُلْهُنَّ اللَّحْمُ : } بِضَمِّ الْيَاءِ وَفَتْحِ الْهَاءِ وَتَشْدِيدِ الْبَاءِ الْمَكْسُورَةِ قَالَ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الْمَعْرُوفَةُ فِي اللُّغَةِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ هَبِلَهُ اللَّحْمُ إذَا كَثُرَ عَلَيْهِ وَرَكِبَ بَعْضُهُ بَعْضًا وَأَهْبَلَهُ أَيْضًا ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَائِشَةَ لَمْ يُهَبِّلْهُنَّ اللَّحْمُ قُلْت اسْتِعْمَالُ أَهْلِ اللُّغَةِ قَوْلُهُمْ هَبِلَهُ اللَّحْمُ لَا يُنَافِي الرِّوَايَةَ الْأُولَى الَّتِي قَدَّمْنَا عَنْ النَّوَوِيِّ أَنَّهَا أَشْهُرُهَا ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا اُسْتُعْمِلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ الْفَاعِلِ تَعَيَّنَ أَنْ يَفْعَلَ فِيهِ مَا تَقَرَّرَ فِي الْعَرَبِيَّةِ فِي كُلِّ مَبْنِيٍّ لِلْمَفْعُولِ وَكَوْنُ الْمَعْرُوفِ فِي اللُّغَةِ التَّصْرِيحُ بِالْفَاعِلِ لَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ فَأَلْفَاظُ الْحَدِيثِ لَا تُتَلَقَّى عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ وَإِنَّمَا تُتَلَقَّى عَنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَتُشْرَحُ بِكَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ كَلَامَ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي هَذِهِ الْمَادَّةِ يَشْهَدُ لِلَفْظِ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) : قَوْلُهَا { إنَّمَا يَأْكُلْنَ الْعُلْقَةَ : } هُوَ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْقَافِ أَيْ الْقَلِيلُ وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا ( الْبُلْغَةُ ) : قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَكَأَنَّهُ الَّذِي يَمْسِكُ الرَّمَقَ وَيُعَلِّقُ النَّفْسَ . لِلِازْدِيَادِ مِنْهُ أَيْ يُشَوِّفُهَا إلَيْهِ وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ السَّلَفُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مِنْ التَّقَلُّلِ فِي الْعَيْشِ وَتَقْلِيلِ الْأَكْلِ . . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) : قَوْلُهَا { فَلَمْ يَسْتَنْكِرْ الْقَوْمُ ثِقْلَ الْهَوْدَجِ : } لَا يَخْفَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّهُ حِينَ رَحَلُوهُ كَانَ ثَقِيلًا بَلْ الْمُرَادُ لَمْ يَسْتَنْكِرُوا قَدْرَ ثِقْلِهِ الَّذِي اعْتَادُوهُ لِخِفَّةِ بَدَنِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فَلَا يَظْهَرُ بِفَقْدِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنْ الْهَوْدَجِ تَفَاوُتٌ فِي قَدْرِ ثِقَلِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَ ) : قَوْلُهَا { فَتَيَمَّمْت مَنْزِلِي : } أَيْ قَصَدْته وَالتَّيَمُّمُ لُغَةً الْقَصْدُ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) : قَوْلُهَا { وَظَنَنْت أَنَّ الْقَوْمَ سَيَفْقِدُونَنِي فَيَرْجِعُوا إلَيَّ : } كَذَا وَقَعَ فِي أَصْلِنَا { فَيَرْجِعُوا } بِغَيْرِ نُونٍ وَالْوَجْهُ إثْبَاتُهَا وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الرِّوَايَةِ وَلَعَلَّهُ مِنْ الْجَزْمِ بِلَا جَازِمٍ كَقَوْلِهِ : فَالْيَوْمَ أَشْرَبُ غَيْرَ مُسْتَعْقِبٍ إثْمًا مِنْ اللَّهِ وَلَا وَاغِلٍ ، أَوْ لَهُ تَخْرِيجٌ آخَرُ ؛ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الظَّنُّ هُنَا بِمَعْنَى الْعِلْمِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ : } . ( السَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) : قَوْلُهَا { وَكَانَ صَفْوَانُ بْنُ الْمُعَطَّلِ : } هُوَ بِفَتْحِ الطَّاءِ بِلَا خِلَافٍ كَذَا ضَبَطَهُ أَبُو هِلَالٍ الْعَسْكَرِيُّ وَالْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ وَآخَرُونَ وَقَوْلُهَا { قَدْ عَرَّسَ مِنْ وَرَاءِ الْجَيْشِ فَادَّلَجَ : } التَّعْرِيسُ هُوَ النُّزُولُ آخِرَ اللَّيْلِ فِي السَّفَرِ لِنَوْمٍ أَوْ اسْتِرَاحَةٍ وَقَالَ أَبُو زَيْدٍ هُوَ النُّزُولُ أَيَّ وَقْتٍ كَانَ قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ وَقَوْلُهَا { ادَّلَجَ : } هُوَ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ أَيْ سَارَ مِنْ آخِرِ اللَّيْلِ ، فَإِنْ سَارَ مِنْ أَوَّلِهِ قِيلَ أَدْلَجَ بِتَخْفِيفِ الدَّالِ وَقِيلَ هُمَا لُغَتَانِ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِيهِ جَوَازُ تَأَخُّرِ بَعْضِ الْجَيْشِ سَاعَةً وَنَحْوَهَا لِحَاجَةِ تَعْرِضُ لَهُ إذَا لَمْ تَكُنْ ضَرُورَةً تَدْعُو إلَى الِاجْتِمَاعِ . ( الثَّامِنَةَ عَشْرَ ) : قَوْلُهَا { فَرَأَى سَوَادَ إنْسَانٍ : } أَيْ شَخْصَهُ وَقَوْلُهَا { فَاسْتَيْقَظْت بِاسْتِرْجَاعِهِ : } أَيْ انْتَبَهْت مِنْ نَوْمِي بِقَوْلِهِ ( إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ) : وَإِنَّمَا قَالَ هَذَا الْكَلَامَ لِعِظَمِ الْمُصِيبَةِ بِتَخَلُّفِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ الرُّفْقَةِ فِي مَضْيَعَةٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَهَذَا مِنْ صَفْوَانَ لِمَعْنَيَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّهَا مُصِيبَةٌ لِنِسْيَانِ امْرَأَةٍ مُنْفَرِدَةٍ فِي قَفْرٍ وَلَيْلٍ مُظْلِمٍ وَالثَّانِي لَيُقِيمَهَا اسْتِرْجَاعُهُ مِنْ نَوْمِهَا صِيَانَةً لَهَا عَنْ نِدَائِهَا وَكَلَامِهَا . ( التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ ) : قَوْلُهَا { فَخَمَّرْت وَجْهِي بِجِلْبَابِي : } أَيْ غَطَّيْته بِثَوْبِي وَالْجِلْبَابُ كَالْمِقْنَعَةِ تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ رَأْسَهَا يَكُونُ أَعْرَضُ مِنْ الْخِمَارِ قَالَهُ النَّضْرُ وَقَالَ غَيْرُهُ هُوَ ثَوْبٌ وَاسِعٌ دُونَ الرِّدَاءِ تُغَطِّي بِهِ الْمَرْأَةُ ظَهْرَهَا وَصَدْرَهَا وَقَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ هُوَ الْإِزَارُ وَقِيلَ الْخِمَارُ هُوَ كَالْمَلَاءَةِ وَالْمِلْحَفَةِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَبَعْضُ هَذَا قَرِيبٌ مِنْ بَعْضٍ ، وَفِيهِ تَغْطِيَةُ الْمَرْأَةِ وَجْهَهَا عَنْ نَظَرِ الْأَجْنَبِيِّ سَوَاءً كَانَ صَالِحًا أَوْ غَيْرَهُ . ( الْعِشْرُونَ ) : قَوْلُهَا { وَاَللَّهِ مَا يُكَلِّمُنِي كَلِمَةً } إنَّمَا عَبَّرَتْ بِالْمُضَارِعِ إشَارَةً إلَى اسْتِمْرَارِ تَرْكِ الْكَلَامِ وَتَجَدُّدِ هَذَا الِاسْتِمْرَارِ ، فَإِنَّهُ قَدْ يُفْهَمُ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالْمَاضِي اخْتِصَاصُ النَّفْيِ بِحَالَةٍ بِخِلَافِ الْمُضَارِعِ وَقَوْلُهَا { وَلَا سَمِعْت مِنْهُ كَلِمَةً : } لَيْسَ تَكْرَارٌ ، فَإِنَّهُ قَدْ لَا يُكَلِّمُهَا وَلَكِنْ يُكَلِّمُ نَفْسَهُ أَوْ يَجْهَرُ بِقِرَاءَةٍ أَوْ ذِكْرٍ بِحَيْثُ يَسْمَعُهَا فَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ ذَلِكَ بَلْ اسْتَعْمَلَ الصَّمْتَ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ أَدَبًا وَصِيَانَةً وَلِهَوْلِ تِلْكَ الْحَالَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا وَفِيهِ إغَاثَةُ الْمَلْهُوفِ وَعَوْنُ الْمُنْقَطِعِ وَإِنْقَاذُ الضَّائِعِ وَإِكْرَامُ ذَوِي الْأَقْدَار وَحُسْنُ الْأَدَبِ مَعَ الْأَجْنَبِيَّاتِ لَا سِيَّمَا فِي الْخَلْوَة بِهِنَّ عَنْ الضَّرُورَةِ فِي بَرِّيَّةٍ أَوْ غَيْرِهَا كَمَا فَعَلَ صَفْوَانُ مِنْ إبْرَاكِهِ الْجَمَلِ بِغَيْرِ كَلَامٍ وَلَا سُؤَالٍ وَأَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَمْشِيَ قُدَّامَهَا لَا بِجَانِبِهَا وَلَا وَرَاءَهَا وَاسْتِحْبَابُ الْإِيثَارِ بِالرُّكُوبِ . ( الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) : قَوْلُهَا { وَبَعْدَ مَا نَزَلُوا مُوغِرِينَ فِي نَحْوِ الظَّهِيرَةِ : } الْمُوغِرُ بَالِغِينَ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ النَّازِلُ فِي وَقْتِ الْوَغْرَةِ بِفَتْحِ الْوَاوِ . وَإِسْكَانِ الْغَيْنِ وَهِيَ شِدَّةُ الْحَرِّ ، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ هِيَ الصَّحِيحَةُ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ يَعْقُوبَ بْنِ إبْرَاهِيمَ { مُوعِزِينَ } بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِيهِ هُوَ مِنْ وَعَزَتْ إلَيْهِ أَيْ تَقَدَّمَتْ يُقَالُ وَعَزْت إلَيْهِ بِالتَّخْفِيفِ وَعْزًا وَوَعَّزْت إلَيْهِ بِالتَّشْدِيدِ تَوْعِيزًا قَالَ وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَصَحُّ وَأَوْلَى قَالَ وَقَدْ صَحَّفَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ مُوعِرِينَ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالرَّاءِ وَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ انْتَهَى . وَ { الظَّهِيرَةُ : } وَقْتُ الْقَائِلَةِ وَشِدَّةِ الْحَرِّ { وَ نَحْرُهَا : } صَدْرُهَا أَيْ أَوَّلُهَا . . ( الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) : قَوْلُهَا { فَهَلَكَ مَنْ هَلَكَ فِي شَأْنِي : } أَيْ بِقَوْلِ الْبُهْتَانِ وَالْقَذْفِ وَقَوْلُهَا { وَكَانَ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ : } أَيْ مُعْظَمَهُ وَقِيلَ الْكِبْرُ الْإِثْمُ وَقِيلَ هُوَ الْكَبِيرَةُ كَالْخَطَأِ وَالْخَطِيئَةِ وَهُوَ بِكَسْرِ الْكَافِ عَلَى الْقِرَاءَةِ الْمَشْهُورَةِ وَقُرِئَ فِي الشَّاذِّ بِضَمِّهَا ، وَهِيَ لُغَةٌ وَقَوْلُهَا ( عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ ) : هُوَ بِرَفْعِ ابْنِ سَلُولَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ صِفَةً لِأُبَيٍّ وَإِنَّمَا هُوَ صِفَةٌ ثَانِيَةٌ لِعَبْدِ اللَّهِ فَأُبَيٌّ أَبُوهُ وَسَلُولُ أُمُّهُ وَلِهَذَا يُكْتَبُ بِالْأَلِفِ { و أُبَيٍّ : } بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ { وَ سَلُولُ : } بِفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَة وَضَمِّ اللَّامِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ وَآخِرُهُ لَامٌ وَهُوَ غَيْرُ مَصْرُوفٍ . ( الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ ) : هَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُتَوَلِّيَ كِبْرَ الْإِفْكِ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَقِيلَ إنَّهُ حَسَّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَنَّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لِيمَتْ عَلَى دُخُولِهِ عَلَيْهَا وَقَدْ تَوَلَّى كِبْرَهُ فَقَالَتْ { وَأَيَّ عَذَابٍ أَشَدُّ مِنْ الْعَمَى ، } وَفِي رِوَايَةٍ { وَضُرِبَ الْحَدُّ } وَفِي رِوَايَةٍ { وَضَرَبَهُ بِالسَّيْفِ } وَأَشَارَتْ بِضَرْبِهِ بِالسَّيْفِ إلَى أَنَّ صَفْوَانَ ضَرَبَ حَسَّانَ عَلَى رَأْسِهِ بِالسَّيْفِ وَقَالَ تَلَقَّ ذُبَابَ السَّيْفِ عَنِّي فَإِنَّنِي غُلَامٌ إذَا هُوَ حَيِيت لَسْت بِشَاعِرِ وَسَيَأْتِي أَنَّ فِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحِ وَهُوَ أَيْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ وَحَمْنَةُ وَحَكَى عَنْ قَوْمٍ الضَّحَّاكُ وَالْحَسَنُ أَنَّ الَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ هُوَ الْبَادِئُ بِهَذِهِ الْفِرْيَةِ وَاَلَّذِي اخْتَلَقَهَا قَالَ عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِهِ وَهُوَ عَلَى هَذَا غَيْرُ مُعَيَّنٍ . ( الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ ) : قَوْلُهَا { وَالنَّاسُ يُفِيضُونَ فِي قَوْلِ أَهْلِ الْإِفْكِ : } بِضَمِّ أَوَّلِهِ أَيْ يَخُوضُونَ فِيهِ وَيُكْثِرُونَ الْقَوْلَ . ( الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ ) : قَوْلُهَا { وَهُوَ يَرِيبُنِي : } بِفَتْحِ أَوَّلِهِ وَضَمِّهِ يُقَالُ رَابَنِي وَأَرَابَنِي إذَا شَكَّكَهُ وَأَوْهَمَهُ الْأُولَى لُغَةُ الْجُمْهُورِ وَالثَّانِيَةُ لُغَةُ هُذَيْلٍ وَمَعْنَاهُ أَنَّ ذَلِكَ يُوهِمنِي وَيُشَكِّكُنِي حَتَّى أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ اخْتِلَافِ حَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَعِي وَقَالَ بَعْضُهُمْ يُقَالُ أَرَابَنِي الْأَمْرُ يَرِيبُنِي إذَا تَوَهَّمْته وَشَكَكْت فِيهِ ، فَإِذَا اسْتَيْقَنْته قُلْت رَابَنِي كَذَا يَرِيبُنِي . . ( السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ ) : { اللُّطْفُ : } بِضَمِّ اللَّامِ وَإِسْكَانِ الطَّاءِ وَيُقَالُ بِفَتْحِهِمَا مَعًا لُغَتَانِ وَهُوَ الْبِرُّ وَالرِّفْقُ وَقَوْلُهُ { كَيْفَ تِيكُمْ : } إشَارَةٌ إلَى الْمُؤَنَّثَةِ كَذَا كُمْ فِي الْمُذَكَّرِ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ مُلَاطَفَةِ الْإِنْسَانِ زَوْجَتَهُ وَحُسْنُ مُعَاشَرَتِهَا إلَّا أَنْ يَسْمَعَ عَنْهَا مَا يَكْرَهُ فَيُقَلِّلُ مِنْ اللُّطْفِ لِتَفْطِنَ هِيَ أَنَّ ذَلِكَ لِعَارِضٍ فَتَسْأَلَ عَنْ سَبَبِهِ فَتُزِيلُهُ وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ السُّؤَالِ عَنْ الْمَرِيضِ . ( السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ ) : قَوْلُهَا { نَقَهْت : } هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ حَكَاهُمَا الْجَوْهَرِيُّ فِي الصِّحَاحِ وَغَيْرِهِ وَالْفَتْحُ أَشْهُرُ وَاقْتَصَرَ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّاقِهُ هُوَ الَّذِي أَفَاقَ مِنْ الْمَرَضِ وَبَرِئَ مِنْهُ وَهُوَ قَرِيبُ عَهْدٍ بِهِ لَمْ تَتَرَاجَعْ إلَيْهِ كَمَالُ صِحَّتِهِ وَمَنْ لَمْ يَعْرِفْ لُغَةَ الْكَسْرِ قَالَ أَمَّا بِكَسْرِ الْقَافِ فَهُوَ بِمَعْنَى فَهِمْت الْحَدِيثَ . . الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ ) : قَوْلُهَا { وَخَرَجْت مَعَ أُمِّ مِسْطَحٍ قِبَلَ الْمَنَاصِعِ ، وَهُوَ مُتَبَرَّزُنَا : } مِسْطَحٌ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ وَ { الْمَنَاصِعُ : } بِفَتْحِ الْمِيمِ بَعْدَهَا نُونٌ وَبَعْدَ الْأَلْفِ صَادٌ مُهْمَلَةٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ عَيْنٌ مُهْمَلَةٌ مَوَاضِعُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ كَانُوا يَتَبَرَّزُونَ فِيهَا وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ فِي غَيْرِ كِتَابِ مُسْلِمٍ وَهِيَ صَعِيدٌ أَفْيَحُ خَارِجَ الْمَدِينَةِ وَ { الْمُتَبَرَّزُ } : بِفَتْحِ الرَّاءِ مَوْضِعُ التَّبَرُّزِ وَهُوَ الْخُرُوجُ إلَى الْبِرَازِ وَهُوَ الْفَضَاءُ مِنْ الْأَرْضِ الَّتِي مَنْ خَرَجَ إلَيْهَا فَقَدْ بَرَزَ أَيْ ظَهَرَ وَكُنِّيَ بِهِ هُنَا عَنْ الْخُرُوجِ لِلْحَدَثِ وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمَرْأَةِ إذَا أَرَادَتْ الْخُرُوجُ لِحَاجَةٍ أَنْ يَكُونَ مَعَهَا رَفِيقَةٌ لِتَتَآنَسَ بِهَا وَلَا يَتَعَرَّضَ لَهَا أَحَدٌ . ( التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ ) : قَوْلُهَا { وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ نَتَّخِذَ الْكُنُفَ : } هُوَ بِضَمِّ الْكَافِ وَالنُّونِ جَمْعُ كَنِيفٍ وَهُوَ فِي الْأَصْلِ السَّاتِرُ مُطْلَقًا وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا الْمَوْضِعُ الْمُتَّخَذُ لِقَضَاءِ الْحَاجَةِ قَوْلُهَا { وَأَمْرُنَا أَمْرَ الْعَرَبِ الْأُوَلِ : } ضَبَطُوا قَوْلَهُ الْأُوَلِ بِوَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) : ضَمُّ الْهَمْزَةِ وَتَخْفِيفُ الْوَاوِ وَالثَّانِي فَتْحُ الْهَمْزَةِ وَتَشْدِيدُ الْوَاوِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ ( قُلْت ) : هُوَ عَلَى الْأُوَلِ صِفَةٌ لِلْعَرَبِ وَعَلَى الثَّانِي صِفَةٌ لِلْأَمْرِ وَقَوْلُهَا { فِي التَّنَزُّهِ } أَيْ طَلَبُ النَّزَاهَةِ بِالْخُرُوجِ إلَى الصَّحْرَاءِ . ( الْفَائِدَةُ الثَّلَاثُونَ ) : قَوْلُهَا { وَهِيَ ابْنَةُ أَبِي رُهْمٍ : } بِضَمِّ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ وَاسْمُهَا سَلْمَى وَتَقَدَّمَ ضَبْطُ مِسْطَحٍ وَهُوَ لَقَبٌ وَأَصْلُهُ عُودٌ مِنْ أَعْوَادِ الْخِبَاءِ وَاسْمُهُ عَامِرٌ وَقِيلَ عَوْفٌ وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَبَّادٍ وَقِيلَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَلَاثِينَ قِيلَ أَرْبَعٍ وَثَلَاثِينَ وَأَبُوهُ أُثَاثَةُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَبَعْدَهَا ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ مُكَرَّرَةٌ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ . ( الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) : قَوْلُهَا { فَعَثَرَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي مِرْطِهَا فَقَالَتْ تَعِسَ مِسْطَحٌ : } أَمَّا عَثَرَتْ فَبِفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَالْمِرْطُ بِكَسْرِ الْمِيم كِسَاءٌ مِنْ صُوفٍ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِهِ وَ { تَعِسَ : } بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ اقْتَصَرَ الْجَوْهَرِيُّ عَلَى الْفَتْحِ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ عَلَى الْكَسْرِ وَرَجَّحَ بَعْضُهُمْ الْفَتْحَ وَبَعْضُهُمْ الْكَسْرَ وَمَعْنَاهُ عَثَرَ وَقِيلَ هَلَكَ وَقِيلَ لَزِمَهُ الشَّرُّ وَقِيلَ بَعُدَ وَقِيلَ سَقَطَ لِوَجْهِهِ خَاصَّةً دَعَتْ عَلَيْهِ بِذَلِكَ لَمَّا قَالَ ؛ وَسَمَّتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا سَبًّا ، وَفِيهِ كَرَاهَةُ الْإِنْسَانِ صَاحِبَهُ وَقَرِيبَهُ إذَا آذَى أَهْلَ الْفَضْلِ أَوْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ مِنْ الْقَبَائِحِ كَمَا فَعَلَتْ أُمُّ مِسْطَحٍ فِي دُعَائِهَا عَلَى وَلَدِهَا وَفِيهِ فَضِيلَةُ أَهْلِ بَدْرٍ وَالذَّبُّ عَنْهُمْ كَمَا فَعَلَتْ أُمُّ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَبِّهَا عَنْهُ . . ( الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) : قَوْلُهَا { قَالَتْ أَيْ هَنْتَاه : } أَمَّا { أَيْ : } بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ فَحَرْفُ نِدَاءٍ لِلْبَعِيدِ أَوْ لَمُنَزَّلٍ مَنْزِلَتَهُ وَهِيَ هُنَا لِلْمُنَزَّلِ مَنْزِلَتَهُ وَكَأَنَّهَا عَدَّتْ أُمَّ الْمُؤْمِنِينَ بَعِيدَةً عَنْهَا لِغَفْلَتِهَا عَنْ هَذَا الْأَمْرِ وَأَمَّا { هَنْتَاه : } فَهُوَ بِفَتْحِ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَفَتْحِهَا ؛ وَالْإِسْكَانُ أَشْهَرُ . قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ : وَتُضَمُّ الْهَاءُ الْآخِرَةُ وَتُسَكَّنُ . وَيُقَالُ فِي التَّثْنِيَةِ هَنْتَانِ وَفِي الْجَمْعِ هَنَاتٌ وَهَنَوَاتٌ وَفِي الْمُذَكَّرِ هَنٌ وَهَنَانِ وَهَنُونَ . وَلَكَ أَنْ تُلْحِقَهَا الْهَاءَ لِبَيَانِ الْحَرَكَةِ فَتَقُولُ : يَا هَنَهْ ، وَأَنْ تُشْبِعَ حَرَكَةَ النُّونِ فَتَصِيرَ أَلِفًا فَتَقُولَ : يَا هَنَاهْ ، وَلَكَ ضَمُّ الْهَاءِ ، فَتَقُولُ : يَا هَنَاهُ أَقْبِلْ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ هَذِهِ اللَّفْظَةُ تَخْتَصُّ بِالنِّدَاءِ وَمَعْنَاهَا يَا هَذِهِ ، وَقِيلَ : يَا مَرْأَةُ ، وَقِيلَ : يَا بَلْهَاءُ ، كَأَنَّهَا نُسِبَتْ إلَى قِلَّةِ الْمَعْرِفَةِ بِمَكَايِدِ النَّاسِ وَشُرُورِهِمْ ، وَمِنْ اسْتِعْمَالِهَا فِي الْمُذَكَّرِ حَدِيثُ الصُّبَيّ ابْنِ مَعْبَدٍ { فَقُلْتُ : يَا هَنَاهُ إنِّي حَرِيصٌ عَلَى الْجِهَادِ } ، وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ فِي الْأَصْلِ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ نَكِرَةٍ وَحَكَى الْهَرَوِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ تَشْدِيدَ نُونِهَا وَأَنْكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَفِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يُسْتَرَ عَنْ الْإِنْسَانِ مَا يُقَالُ فِيهِ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي ذِكْرِهِ فَائِدَةٌ كَمَا كَتَمُوا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا هَذَا الْأَمْرَ شَهْرًا وَلَمْ تَسْمَعْهُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَّا بِعَارِضٍ عَرَضَ وَهُوَ قَوْلُ أُمِّ مِسْطَحٍ تَعِسَ مِسْطَحٌ . ( الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) : قَوْلُهَا { فَازْدَدْت مَرَضًا إلَى مَرَضِي : } أَيْ مَعَ مَرَضِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ } أَيْ مَعَهَا وقَوْله تَعَالَى { مَنْ أَنْصَارِي إلَى اللَّهِ } أَيْ مَعَهُ وَقَوْلُهَا { فَلَمَّا رَجَعْت إلَى بَيْتِي فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : } الْفَاءُ فِي قَوْلِهِ فَدَخَلَ عَلَيَّ زَائِدَةٌ وَقَوْلُهَا { أَتَأْذَنُ لِي أَنْ آتِيَ أَبَوَيَّ : } فِيهِ أَنَّ الزَّوْجَةَ لَا تَذْهَبُ إلَى بَيْتِ أَبَوَيْهَا إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا بِخِلَافِ ذَهَابِهَا لِحَاجَةِ الْإِنْسَانِ فَلَا تَحْتَاجُ فِيهِ إلَى إذْنِهِ كَمَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ . ( الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) : قَوْلُهَا { فَوَاَللَّهِ لَقَلَّ مَا كَانَتْ امْرَأَةٌ قَطُّ وَضِيئَةً عِنْدَ رَجُلٍ يُحِبُّهَا وَلَهَا ضَرَائِرُ إلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا : } ( الْوَضِيئَةُ ) : بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ مَهْمُوزَةٌ مَمْدُودَةٌ هِيَ الْجَمِيلَةُ الْحَسَنَةُ وَالْوَضَاءَةُ الْحُسْنُ وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا كَذَلِكَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ { حَظِيَّةٌ } مِنْ الْحُظْوَةِ وَهِيَ الْوَجَاهَةُ وَارْتِفَاعُ الْمَنْزِلَةِ وَ " الضَّرَائِرُ " جَمْعُ ضَرَّةٍ وَزَوْجَاتُ الرَّجُلِ ضَرَائِرُ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدَةٍ تَضَرَّرُ بِالْأُخْرَى بِالْغَيْرَةِ وَالْقِسْمِ وَغَيْرِهِمَا وَالِاسْمُ مِنْهُ الضِّرِّ بِكَسْرِ الضَّادِ وَحُكِيَ ضَمُّهَا وَقَوْلُهَا { إلَّا كَثَّرْنَ عَلَيْهَا : } هُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ الْمُشَدَّدَةِ أَيْ أَكْثَرْنَ الْقَوْلَ فِي عَيْبِهَا وَنَقْصِهَا وَأَرَادَتْ أُمُّهَا بِهَذَا الْكَلَامِ أَنْ تُهَوِّنَ عَلَيْهَا مَا سَمِعْت ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ يَتَأَسَّى بِغَيْرِهِ مَعَ تَطْيِيبِ خَاطِرِهَا بِجَمَالِهَا وَحُبِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا . . ( الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) : قَوْلُهَا { قُلْت سُبْحَانَ اللَّهِ : } فِيهِ جَوَازُ التَّعَجُّبِ بِلَفْظِ التَّسْبِيحِ وَقَدْ تَكَرَّرَ هَذَا فِي الْأَحَادِيثِ . ( السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) : قَوْلُهَا { لَا يُرْقَأُ لِي دَمْعٌ : } هُوَ بِالْهَمْزِ أَيْ لَا يَنْقَطِعُ وَقَوْلُهَا { وَلَا أَكْتَحِلُ بِنَوْمٍ : } أَيْ لَا أَنَامُ . ( السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) : قَوْلُهَا { حِينَ اسْتَلْبَثَ الْوَحْيَ : } ضَبَطْنَاهُ بِنَصَبِ قَوْلِهِ الْوَحْيَ عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ لِقَوْلِهِ اسْتَلْبَثَ أَيْ اسْتَبْطَأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيَ وَكَلَامُ النَّوَوِيِّ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَرْفُوعٌ ، فَإِنَّهُ فَسَّرَ قَوْلَهَا { اسْتَلْبَثَ : } بِقَوْلِهِ أَيْ ( أَبْطَأَ ) : وَلَبِثَ وَلَمْ يَنْزِلْ وَكَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ يُوَافِقُ مَا ضَبَطْنَاهُ وَيَقْتَضِي أَنَّ الرَّفْعَ تَجْوِيزٌ لَا رِوَايَةٌ ، فَإِنَّهُ قَالَ بَعُدَ ذِكْرُ النَّصْبِ وَيَصِحُّ رَفْعُهُ عَلَى أَنْ يَكُونَ اسْتَلْبَثَ بِمَعْنَى لَبِثَ كَمَا يُقَالُ اسْتَجَابَ بِمَعْنَى أَجَابَ وَهُوَ كَثِيرٌ . ( الثَّامِنَةَ وَالثَّلَاثُونَ ) : قَوْلُهَا { يَسْتَشِيرُهُمَا فِي فِرَاقِ أَهْلِهِ : } فِيهِ مُشَاوَرَةُ الْإِنْسَانِ بِطَانَتَهُ وَأَهْلَهُ وَأَصْدِقَاءَهُ فِيمَا يَنْوِيهِ مِنْ الْأُمُورِ . ( التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) : قَوْلُ أُسَامَةَ { هُمْ أَهْلُك : } أَيْ الْعَفَائِفُ اللَّائِقَاتُ بِك كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { الطَّيِّبَاتُ لِلطَّيِّبِينَ } وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ تَبَرَّأَ مِنْ الْإِشَارَةِ وَوَكَّلَ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهُ أَعْلَمُ بِهَا مِنْهُ لِقَوْلِ عَائِشَةَ { فَأَشَارَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاَلَّذِي يَعْلَمُ مِنْ بَرَاءَةِ أَهْلِهِ } إلَى آخِرِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَشَارَ وَبَرَّأَهَا بِكَلَامِهِ هَذَا . وَأَمَّا قَوْلُ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { لَمْ يُضَيِّقْ اللَّهُ عَلَيْك وَالنِّسَاءُ سِوَاهَا كَثِيرٌ : } فَقَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ فِي حَقِّ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهُ رَآهَا مَصْلَحَةً وَنَصِيحَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي اعْتِقَادِهِ وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ ؛ لِأَنَّهُ رَأَى انْزِعَاجَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذَا الْأَمْرِ وَقَلَقَهُ فَأَرَادَ إرَاحَةَ خَاطِرَهُ وَكَانَ ذَلِكَ أَهَمُّ مِنْ غَيْرِهِ وَاسْتَأْنَسَ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ لِقَوْلِ الْإِنْسَانِ فِي التَّعْدِيلِ لَا أَعْلَمُ عَلَيْهِ إلَّا خَيْرًا . . ( الْفَائِدَةُ الْأَرْبَعُونَ ) : قَوْلُ عَلِيٍّ { وَإِنْ تَسْأَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْك : } أَيْ بَرِيرَةَ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ { فَدَعَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَرِيرَةَ : } وَهِيَ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتٍ ثُمَّ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ وَقَوْلُهَا { وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ إنْ رَأَيْت عَلَيْهَا أَمْرًا قَطُّ أَغْمِصُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِنْ أَنَّهَا جَارِيَةٌ حَدِيثَةُ السِّنِّ تَنَامُ عَنْ عَجِينِ أَهْلِهَا فَتَأْتِي الدَّاجِنُ فَتَأْكُلُهُ } مَعْنَاهُ أَنَّهُ لَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِمَّا تَسْأَلُونَ عَنْهُ أَصْلًا وَلَا فِيهَا شَيْءٌ مِنْ غَيْرِهِ إلَّا نَوْمُهَا عَنْ الْعَجِينِ وَقَوْلُهَا { أَغْمِصُهُ : } بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ وَبِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ أَعِيبُهَا بِهِ مِنْ الْغَمَصُ وَهُوَ الْعَيْبُ وَ { الدَّاجِنُ : } بِكَسْرِ الْجِيمِ الشَّاةُ الَّتِي تَأْلَفُ الْبَيْتَ وَلَا تَخْرُجُ إلَى الْمَرْعَى وَأَوْرَدَ الْبُخَارِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الشَّهَادَاتِ مِنْ صَحِيحِهِ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ بَابَ تَعْدِيلِ النِّسَاءِ بَعْضَهُمْ بَعْضًا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ . هَذَا لَيْسَ بَيِّنًا إذْ لَمْ تَكُنْ شَهَادَةً وَالْمَسْأَلَةُ الَّتِي اخْتَلَفَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ إنَّمَا هِيَ فِي تَعْدِيلِهِنَّ لِلشَّهَادَةِ فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَجَازَهُ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمَرْأَتَيْنِ وَالرَّجُلِ بِشَهَادَتِهِمَا فِي الْمَالِ وَاحْتَجَّ الطَّحَاوِيُّ لِذَلِكَ بِقَوْلِ زَيْنَبَ فِي عَائِشَةَ وَقَوْلِ عَائِشَةَ فِي زَيْنَبَ { فَعَصَمَهَا اللَّهُ بِالْوَرَعِ : } قَالَ وَمَنْ كَانَتْ بِهَذِهِ الصِّفَةِ جَازَتْ شَهَادَتُهَا ، وَهَذَا رَكِيكٌ جِدًّا ؛ لِأَنَّهُ وَإِمَامَهُ أَبَا حَنِيفَةَ لَا يُجِيزَانِ شَهَادَةَ النِّسَاءِ إلَّا فِي مَوَاضِعَ مَخْصُوصَةٍ فَكَيْفَ يُطْلَقُ جَوَازُ تَزْكِيَتِهِنَّ انْتَهَى . ( الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) : فِيهِ جَوَازُ الْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ عَنْ أَحْوَالِ غَيْرِهِ إذَا كَانَ لَهُ بِذَلِكَ تَعَلُّقٌ كَسُؤَالِ الْإِنْسَانِ عَنْ زَوْجَتِهِ فِي مِثْلِ هَذَا وَعَنْ وَلَدِهِ الَّذِي يُرِيدُ تَرْبِيَتُهُ وَتَأْدِيبَهُ وَسُؤَالِ الْحَاكِمِ عَمَّنْ شَهِدَ عِنْدَهُ وَالْمُحَدِّثُ عَمَّنْ يُرِيدُ الرِّوَايَةَ عَنْهُ وَالْإِنْسَانُ عَمَّنْ يُرِيدُ مُصَاهَرَتَهُ أَوْ مُخَالَطَتَهُ أَوْ مُشَارَكَتَهُ وَنَحْوَ ذَلِكَ أَمَّا غَيْرُهُ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْهُ وَهُوَ تَجَسُّسٌ وَفُضُولٌ . ( الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) : قَوْلُهَا { فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : } أَيْ عَلَى الْمِنْبَرِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ بَعْدَهُ { فَقَالَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ : } وَفِيهِ خُطْبَةُ الْإِمَامِ النَّاسَ عِنْدَ نُزُولِ أَمْرٍ مُهِمٍّ وَقَوْلُهَا { فَاسْتَعْذَرَ مِنْ عَبْدِ اللَّهِ : } مَعْنَاهُ أَنَّهُ قَالَ { مَنْ يَعْذِرُنِي فِيمَنْ آذَانِي فِي أَهْلِي } كَمَا بَيَّنْته فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَمَعْنَى { مَنْ يَعْذِرُنِي : } مَنْ يَقُومُ بِعُذْرِي إنْ كَافَأْته عَلَى قَبِيحِ فِعْلِهِ وَلَا يُمَنِّي وَقِيلَ مَعْنَاهُ مَنْ يَنْصُرُنِي وَالْعَذِيرُ النَّاصِرُ وَفِيهِ اشْتِكَاءُ وَلِيِّ الْأَمْرِ إلَى الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَعْتَرِضُ لَهُ بِأَذًى فِي نَفْسِهِ أَوْ أَهْلِهِ أَوْ غَيْرِهِ وَاعْتِذَارُهُ فِيمَا يُرِيدُ أَنْ يُؤَدِّبَهُ بِهِ . ( الثَّالِثَةَ وَالْأَرْبَعُونَ ) : فِيهِ فَضَائِلُ ظَاهِرَةٌ لِصَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطَّلِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِشَهَادَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ بِمَا شَهِدَ وَبِفِعَالِهِ الْجَمِيلِ فِي إرْكَابِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَحُسْنِ أَدَبِهِ فِي جُمْلَةِ الْقَضِيَّةِ . . ( الرَّابِعَةَ وَالْأَرْبَعُونَ ) : قَوْلُهَا { فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ أَعْذُرُك مِنْهُ : } كَذَا وَقَعَ فِي أَصْلِنَا وَهُوَ خَبَرُ مُبْتَدَأٍ أَيْ أَنَا أَعْذُرُك مِنْهُ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا مُشْكَلٌ لَمْ يَتَكَلَّمْ عَلَيْهِ أَحَدٌ وَكَانَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ وَهِيَ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ سَنَةَ سِتٍّ فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَمَعْلُومٌ أَنَّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ مَاتَ فِي أَثَرِ غُزَاةِ الْخَنْدَقِ مِنْ الرَّمْيَةِ الَّتِي أَصَابَتْهُ وَذَلِكَ سَنَةَ أَرْبَعٍ بِإِجْمَاعِ أَهْلِ السِّيَرِ إلَّا شَيْئًا قَالَهُ الْوَاقِدِيُّ وَحْدَهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ بَعْضُ شُيُوخُنَا ذِكْرُ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي هَذَا وَهْمٌ وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ غَيْرُهُ وَلِهَذَا لَمْ يَذْكُرْهُ ابْنُ إِسْحَاقَ فِي السِّيَرِ وَإِنَّمَا قَالَ إنَّ الْمُتَكَلِّمَ أَوَّلًا وَآخِرًا أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ ذَكَرَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنَّ غَزْوَةَ الْمُرَيْسِيعِ كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ وَهِيَ سَنَةُ الْخَنْدَقِ وَقَدْ ذَكَرَ الْبُخَارِيُّ اخْتِلَافَ ابْنِ إِسْحَاقَ وَابْنِ عُقْبَةَ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ ذَكَرَ الطَّبَرِيُّ عَنْ الْوَاقِدِيِّ أَنَّ الْمُرَيْسِيعَ كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ قَالَ وَكَانَتْ الْخَنْدَقُ وَقُرَيْظَةُ بَعْدَهَا وَذَكَرَ إسْمَاعِيلُ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ وَقَالَ الْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ الْمُرَيْسِيعُ قَبْلَ الْخَنْدَقِ وَقَالَ الْقَاضِي ، وَهَذَا لِذِكْرِ سَعْدٍ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ وَكَانَتْ فِي الْمُرَيْسِيعِ فَعَلَى هَذَا يَسْتَقِيمُ فِيهِ ذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَهُوَ الَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ وَقَوْلُ غَيْرِ ابْنِ إِسْحَاقَ فِي وَقْتِ الْمُرَيْسِيعِ أَصَحُّ ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي حَكَاهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ قَالَ وَهُوَ صَحِيحٌ ( قُلْت ) : وَقَدْ سَبَقَ الْقَاضِي إلَى ذَكَرِ هَذَا الْإِشْكَالِ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةَ وَالْأَرْبَعُونَ ) : قَوْلُهَا { فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَهُوَ سَيِّدُ الْخَزْرَجِ وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا وَلَكِنْ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ : } كَذَا فِي رِوَايَتِنَا اجْتَهَلَتْهُ بِالْجِيمِ وَالْهَاءِ وَكَذَا هُوَ عِنْدَ مُعْظَمِ رُوَاةِ صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَمَعْنَاهُ اسْتَخَفَّتْهُ وَأَغْضَبَتْهُ وَحَمَلَتْهُ عَلَى الْجَهْلِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاهَانَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ { احْتَمَلَتْهُ : } بِالْحَاءِ وَالْمِيمِ وَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ بَعْدَ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ وَصَالِحٌ وَكَذَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمَعْنَاهُ أَغْضَبَتْهُ فَالرِّوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ . ( السَّادِسَةَ وَالْأَرْبَعُونَ ) : فِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَأُسَيْدُ بْنِ حَضِير رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَبَيْنَ السَّعْدَيْنِ مَا بَيْنَ الْكَلِمَتَيْنِ وَاَللَّهُ يُؤْتِي فَضْلَهُ مَنْ يَشَاءُ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِيهِ أَنَّ التَّعَصُّبَ فِي الْبَاطِلِ يَخْرُجُ عَنْ اسْمِ الصَّلَاحِ لِقَوْلِ عَائِشَةَ { فَاحْتَمَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ وَكَانَ قَبْلَ ذَلِكَ رَجُلًا صَالِحًا : } الصَّلَاحُ الْقِيَامُ بِحُقُوقِ اللَّهِ وَمَا يَلْزَمُ مِنْ حُقُوقِ عِبَادِهِ قَالَ وَفِيهِ جَوَازُ سَبِّ الْمُتَعَصِّبِ فِي الْبَاطِلِ وَالْمُتَكَلِّمِ بِنُكُرِ الْقَوْلِ وَالْإِغْلَاظِ فِي سَبِّهِ بِمَا يُشْبِهُ صِفَتَهُ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَقِيقَةٌ لِقَوْلِ أُسَيْدٍ { كَذَبْت إنَّك مُنَافِقٌ تُجَادِلُ عَنْ الْمُنَافِقِينَ : } . وَحَاشَا سَعْدًا مِنْ النِّفَاقِ وَلَكِنْ لَمَّا كَانَ مِنْهُ مِنْ ظَاهِرِ التَّعَصُّبِ لِابْنِ أُبَيٍّ الْمُنَافِقِ عَرَّضَ لَهُ بِمِثْلِ هَذَا الْقَوْلِ الْغَلِيظِ . وَقَالَ الدَّاوُدِيِّ إنَّمَا أَنْكَرَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ مِنْ قَوْلِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ تَحَكُّمُهُ فِي قَوْمِهِ بِحُكْمِ أَنَفَةِ الْعَرَبِ وَمَا كَانَ قَدِيمًا بَيْنَ الْحَيَّيْنِ لَا أَنَّهُ رَضِيَ فِعْلَ ابْنِ أُبَيٍّ وَقَوْلُهُ { كَذَبْت لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ : } أَيْ لَا يَجْعَلُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْمَهُ إلَيْك ( قُلْت ) : الْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ ابْنَ مُعَاذٍ لَمْ يَقُلْ هَذَا الْكَلَامَ أَنَفَةً لِمَا بَيْنَ الْحَيَّيْنِ مِنْ الدُّخُولِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَإِنَّمَا قَالَهُ بِإِخْلَاصٍ نَصْرًا لِلَّهِ وَرَسُولِهِ وَانْظُرْ إنْصَافَهُ فِي تَقْدِيمِهِ ذِكْرَ قَوْمِهِ الْأَوْسَ وَجَزْمِهِ بِضَرْبِ عُنُقِهِ إنْ كَانَ مِنْهُمْ وَقَوْلُهُ فِي الْخَزْرَجِ الَّذِينَ لَيْسُوا قَوْمَهُ { أَمَرْتَنَا فَفَعَلْنَا أَمْرَك : } . وَهَذَا غَايَةٌ فِي الْإِنْصَافِ وَلَا يَتَوَقَّفُ أَحَدٌ فِي امْتِثَالِ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ حَتْمٌ لَازِمٌ { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنِ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا : } وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عُبَادَةَ { لَعَمْرُ اللَّهِ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ : } فَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ حَمِيَّةً وَلَا انْتِصَارًا لِابْنِ أُبَيٍّ كَيْفَ وَابْنُ أُبَيٍّ مِنْ الْخَزْرَجِ وَابْنُ مُعَاذٍ لَمْ يَقُلْ لَا تَقْتُلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى قَتْلِهِ وَإِنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَ مِنْ الْأَوْسِ ، فَإِنَّهُ إنَّمَا وَعَدَ بِقَتْلِ الْأَوْسِيِّ ، وَهَذَا يُحَقِّقُ أَنَّ ابْنَ عُبَادَةَ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ حَمِيَّةً وَلَوْ كَانَتْ هُنَاكَ حَمِيَّةٌ لَمَا وَجَبَهَا لِرَهْطِ ابْنِ مُعَاذٍ وَإِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ لِعِلْمِهِ أَنَّ الْقَائِلَ لِذَلِكَ مِمَّنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَكُنْ يَقْتُلُ مَنْ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ وَأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُنَبِّهَ قَوْمَهُ يَمْنَعُونَهُ مِنْهُ ، حَيْثُ لَمْ يَصْدُرْ أَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ لَا تَقُلْ مَا لَا تَفْعَلُهُ وَلَا تَقْدِرُ عَلَى فِعْلِهِ لِعَدَمِ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ وَأَنْتَ لَا يُمْكِنُك إلَّا الْوُقُوفَ عِنْدَهُ وَلَوْ لَمْ تَقِفْ لَمَنَعَك أَصْحَابُك وَأَمَّا مَا قَالَهُ ابْنُ مُعَاذٍ فِي الْخَزْرَجِ فَأَمْرٌ لَا يَقْبَلُ النِّزَاعَ . وَهَذَا مَخْلَصٌ حَسَنٌ هُدَانَا اللَّهُ لَهُ وَهُوَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَفِي آخَرِ كَلَامِ الدَّاوُدِيِّ إشَارَةٌ إلَى بَعْضِهِ حَيْثُ قَالَ أَيْ لَا يَجْعَلُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُكْمَهُ إلَيْك لَكِنْ فِي أَوَّلِ كَلَامِهِ مَا لَا يُرْضِي ( فَإِنْ قُلْت ) : هَذَا يُخَالِفُ مَا فَهِمَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَلِهَذَا قَالَتْ { وَلَكِنْ اجْتَهَلَتْهُ الْحَمِيَّةُ } ( قُلْت ) : كَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَرَاءَ حِجَابٍ وَمُنْزَعِجَةَ الْخَاطِرِ لِمَا دَهَمَهَا مِنْ الْخَطْبِ الْعَظِيمِ وَالِاخْتِلَاقِ الْجَسِيمِ عَلَيْهَا فَقَدْ يَقَعُ فِي فَهْمِهَا لِبَعْضِ مَا وَقَعَ مَا يَكُونُ غَيْرُهُ أَرْجَحَ مِنْهُ . ( فَإِنْ قُلْت ) : نَزَّهْت سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ بِالتَّعَرُّضِ لِعَائِشَةَ ( قُلْت ) : حَاشَ لِلَّهِ مَا ذَكَرْته فِي عَائِشَةَ لَا يَقْدَحُ فِي شَيْءٍ مِنْ جَلَالَتِهَا ، وَالْخَطَأُ جَائِزٌ عَلَى الْبَشَرِ لَا سِيَّمَا فِي الْكَلَامِ الَّذِي لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِالْمَقْصُودِ فَقَدْ يَقَعُ الْخَلَلُ فِي فَهْمِهِ وَقَدْ قَالَتْ هِيَ فِي حَقِّ ابْنِ عُمَرَ { مَا كَذَبَ أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَلَكِنَّهُ وَهِمَ وَلَا سِيَّمَا } وَلَيْسَ هَذَا خَطَأً فِي فَهْمِ كَلَامِ النُّبُوَّةِ وَلَا فِي حُكْمٍ شَرْعِيٍّ وَإِنَّمَا هُوَ فِي كَلَامِ الْآحَادِ الَّذِي لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ . وَأَمَّا حَمْلُ كَلَامِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَلَى مَا حَمَلُوهُ عَلَيْهِ فَهُوَ شَدِيدٌ يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مَا لَا أَتَفَوَّهُ بِهِ . ( فَإِنْ قُلْت ) : وَهَذَا يُخَالِفُ فَهْمَ أُسَيْدِ بْنِ حُضَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَهُوَ حَاضِرٌ مَعَ الْقَوْمِ مِنْ غَيْرِ حِجَابٍ وَلَا انْزِعَاجٍ قُلْت إنَّمَا انْتَصَرَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِكَلَامِ ابْنِ مُعَاذٍ وَسَاعَدَهُ عَلَى قَتْلِ الْقَائِلِ لِهَذَا الْكَلَامِ إنْ كَانَ مِنْ الْأَوْسِ وَقَالَ : إنَّهُمَا قَادِرَانِ عَلَى قَتْلِهِ وَحَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ شِدَّةُ نُصْرَتِهِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْحَالَةِ الْعَظِيمَةِ الَّتِي طَلَبَ فِيهَا مَنْ يَعْذِرُهُ مِنْ ذَلِكَ الْقَائِلِ وَأَنْكَرَ عَلَى ابْنِ عُبَادَةَ ظَاهِرَ لَفْظِهِ وَإِنْ كَانَ لِبَاطِنِهِ مُخْلَصٌ حَسَنٌ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ غَابَ عَنْ أُسَيْدٍ ذَلِكَ الْمُخْلَصُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلِمَهُ وَأَنْكَرَ عَلَى ابْنِ عُبَادَةَ ظَاهِرَ اللَّفْظِ وَكَمْ مِنْ لَفْظٍ يُنْكَرُ إطْلَاقُهُ عَلَى قَائِلِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الْبَاطِنِ لَهُ مُخْلَصٌ فَهَذَا مَا سَمَحَ بِهِ الْخَاطِرُ فِي تَنْزِيهِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : قَوْلُ أُسَيْدٍ لِسَعْدٍ { يَا مُنَافِقُ } . قَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى أَمْثَالِهِ إذَا وَقَعَ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَأَنَّهُ يَجِبُ تَأْوِيلُهُ عَلَى مَا يَلِيقُ بِهِمْ وَالْأَشْبَهُ أَنَّ أُسَيْدًا إنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ عَلَى جِهَةِ الْغَيْظِ وَالْحَنَقِ وَبَالَغَ فِي زَجْرِ سَعْدٍ وَلَمْ يُرِدْ النِّفَاقَ الَّذِي هُوَ إظْهَارُ الْإِيمَانِ وَإِبْطَانُ الْكُفْرِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ سَعْدًا كَانَ يُظْهِرُ لَهُ وَلِلْأَوْسِ مِنْ الْمَوَدَّةِ مَا يَقْتَضِي عِنْدَهُ أَنْ لَا يَقُولَ فِيهِمْ مَا قَالَ فَلَاحَ لَهُ أَنَّ بَاطِنَهُ فِيهِمْ خِلَافُ مَا ظَهَرَ وَالنِّفَاقُ فِي اللُّغَةِ يَنْطَلِقُ عَلَى إظْهَارِ مَا يُبْطِنُ خِلَافَهُ دِينًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَلَعَلَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَجَلِ هَذَا لَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ إنْ كَانَ سَمِعَ قَوْلَهُ هَذَا انْتَهَى . وَهُوَ يُوَافِقُ مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ إنْكَارَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ عَلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ لَمْ يَكُنْ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْخَزْرَجِ وَإِنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَوْسِ وَجَزْمُهُ بِقَتْلِ الْقَائِلِ إنْ كَانَ مِنْهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : أَرَادَ أَنَّك تَفْعَلُ فِعْلَ الْمُنَافِقِينَ وَلَمْ يُرِدْ النِّفَاقَ الْحَقِيقِيَّ . ( السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) : قَوْلُهَا { فَثَارَ الْحَيَّانِ : } هُوَ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ أَيْ تَنَاهَضُوا لِلنِّزَاعِ وَالْعَصَبِيَّةِ كَمَا قَالَتْ { حَتَّى هَمُّوا أَنْ يَقْتَتِلُوا } وَقَوْلُهَا { فَلَمْ يَزَلْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُخَفِّضُهُمْ حَتَّى سَكَتُوا وَسَكَتَ : } فِيهِ الْمُبَادَرَةُ إلَى قَطْعِ الْفِتَنِ وَالْخُصُومَاتِ وَالْمُنَازَعَاتِ وَتَسْكِينِ الْغَضَبِ . . ( الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) : قَوْلُهَا { فَتَشَهَّدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ جَلَسَ : } فِيهِ ابْتِدَاءُ الْخُطَبِ وَالْكَلَامِ الْمُهِمِّ بَعْدَ حَمْدِ اللَّهِ تَعَالَى وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ بِالشَّهَادَتَيْنِ ( التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ ) : قَوْلُهَا : { ثُمَّ قَالَ أَمَّا بَعْدُ : يَا عَائِشَةُ ، فَإِنَّهُ بَلَغَنِي عَنْك كَذَا وَكَذَا : } فِيهِ أَنَّ الْخَطِيبَ وَالْمُتَكَلِّمَ بِالْمُهِمِّ يَأْتِي بَعْدَ الْحَمْدِ وَالشَّهَادَتَيْنِ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ وَهِيَ أَمَّا بَعْدُ وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الضَّمِّ وَأَصْلُهُ بَعْدُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْحَمْدِ وَالشَّهَادَتَيْنِ ، فَإِنَّهُ إلَى آخِرِ الْكَلَامِ وَقَدْ كَثُرَ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَجَمَعَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ أَوْرَاقًا وَقَوْلُهُ { كَذَا وَكَذَا : } هُوَ كِنَايَةٌ عَمَّا رُمِيَتْ بِهِ مِنْ الْإِفْك ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كَذَا وَكَذَا يُكَنَّى بِهِ عَنْ الْأَحْوَالِ كَمَا يُكَنَّى بِهِ عَنْ الْأَعْدَادِ . ( الْخَمْسُونَ ) : قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَإِنْ كُنْت أَلْمَمْت بِذَنْبٍ : } مَعْنَاهُ فَعَلْت ذَنْبًا وَلَيْسَ ذَلِكَ لَك بِعَادَةٍ ، وَهَذَا أَصْلُ اللَّمَمِ وَهُوَ مِنْ الْإِلْمَامِ وَهُوَ النُّزُولُ النَّادِرُ غَيْرُ الْمُتَكَرِّرِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ : مَتَى تَأْتِنَا تُلْمِمْ بِنَا فِي دِيَارِنَا : أَيْ مَتَى يَقَعُ مِنْك هَذَا النَّادِرُ وَقَوْلُهُ { فَاسْتَغْفِرِي : اللَّهَ ثُمَّ تُوبِي إلَيْهِ ، فَإِنَّ الْعَبْدَ إذَا اعْتَرَفَ بِذَنْبٍ ثُمَّ تَابَ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ : } فِيهِ قَبُولُ التَّوْبَةِ وَالْحَثُّ عَلَيْهَا ، وَفِيهِ أَنَّ مُجَرَّدَ الِاعْتِرَافِ لَا يُغْنِي عَنْ التَّوْبَةِ بَلْ إذَا اعْتَرَفَ بِهِ مُتَفَصِّلًا نَادِمًا وَلَيْسَ الْمُرَادُ الِاعْتِرَافَ بِذَلِكَ لِلنَّاسِ بَلْ الِاعْتِرَافُ لِلَّهِ تَعَالَى ، فَإِنَّ الْإِنْسَانَ مَأْمُورٌ بِالسَّتْرِ وَأَمَّا قَوْلُ الدَّاوُدِيِّ إنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ أَزْوَاجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرِهِنَّ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِنَّ الِاعْتِرَافُ بِمَا يَكُونُ مِنْهُنَّ إذْ لَا يَحِلُّ لِلنَّبِيِّ إمْسَاكُهُنَّ وَهُنَّ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ مَرْدُودٌ وَقَدْ رَدَّهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَأُمَّهَاتُ الْمُؤْمِنِينَ مُنَزَّهَاتٌ عَنْ صُدُورِ الْفَاحِشَةِ مِنْهُنَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ ) : قَوْلُهَا { فَلَمَّا قَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَقَالَتَهُ قَلَصَ دَمْعِي : } هُوَ بِفَتْحِ الْقَافِ وَاللَّامِ أَيْ ارْتَفَعَ وَقَدْ أَوْضَحَتْ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا { حَتَّى مَا أَحُسُّ مِنْهُ قَطْرَةً : } وَذَلِكَ لِاسْتِعْظَامِ مَا بَغَتَهَا مِنْ الْكَلَامِ ، فَإِنَّ الْحُزْنَ قَدْ انْتَهَى نِهَايَتَهُ وَبَلَغَ غَايَتَهُ وَلَمَّا انْتَهَى الْأَمْرُ إلَى ذَلِكَ جَفَّ الدَّمْعُ وَأَنْشَدُوا عَلَى ذَلِكَ عَيْنَيَّ شُحَّا أَوْ لَا تَشُحَّا جَلَّ مُصَابِي عَنْ الدَّوَاءِ أَنَّ الْأَسَى وَالْبُكَا جَمِيعًا ضِدَّانِ كَالدَّاءِ وَالدَّوَاءِ . ( الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ ) : قَوْلُهَا لِأَبَوَيْهَا { أَجِيبَا عَنِّي : } فِيهِ تَفْوِيضُ الْكَلَامِ إلَى الْكِبَارِ ؛ لِأَنَّهُمْ أَعْرَفُ بِمَقَاصِدِهِ وَاللَّائِقِ بِالْمَوَاطِنِ مِنْهُ وَأَبَوَاهَا يَعْرِفَانِ حَالَهَا وَأَمَّا قَوْلُ أَبَوَيْهَا { لَا نَدْرِي مَا نَقُولُ } فَمَعْنَاهُ أَنَّ الْأَمْرَ الَّذِي سَأَلْتهمَا عَنْهُ لَا يَقِفَانِ مِنْهُ عَلَى زَائِدٍ عَلَى مَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ نُزُولِ الْوَحْيِ مِنْ حُسْنِ الظَّنِّ بِهَا وَالسَّرَائِرِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى وَرُوِّينَا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْكَرِيمِ بْنِ الْهَيْثَمِ الْعَاقُولِيِّ فِي قِصَّةِ الْإِفْكِ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ يَا بُنَيَّةَ وَكَيْفَ أَعْذُرُك بِمَا لَا أَعْلَمُ وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي وَأَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي إذَا قُلْت مَا لَا أَعْلَمُ ، . وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ رِجَالُهُ رِجَالُ الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا لَمَّا أُنْزِلَ عُذْرُهَا قَبَّلَ أَبُو بَكْرٍ رَأْسَهَا فَقَالَتْ أَلَا عَذَرْتَنِي فَقَالَ أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إنْ قُلْت مَا لَا أَعْلَمُ . . ( الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ ) : فِيهِ جَوَازُ الِاسْتِشْهَادِ بِآيَاتِ الْقُرْآنِ الْعَزِيزِ لِقَوْلِهَا مَا أَجِدُ لِي وَلَكُمْ مَثَلًا إلَّا كَمَا قَالَ أَبُو يُوسُفَ جَمِيلٌ وَاَللَّهُ الْمُسْتَعَانُ عَلَى مَا تَصِفُونَ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ وَكَذَا فِي رِوَايَتِنَا { صَبْرٌ جَمِيلٌ } بِدُونِ فَاءٍ مَعَ أَنَّ لَفْظَ الْقُرْآنِ بِالْفَاءِ وَهُوَ كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ : الْآيَةُ الْفَاذَّةُ الْجَامِعَةُ { فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ : } قَالُوا وَلَا امْتِنَاعَ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ حَرْفَ الْعَطْفِ فِي حُكْمِ الِانْفِصَالِ ، فَإِنَّهُ كَلِمَةٌ مُفْرَدَةٌ وَقَوْلُهُ { صَبْرٌ جَمِيلٌ } : خَبَرُ مُبْتَدَأٍ مَخْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ أَمْرِي أَوْ صَبْرِي أَوْ نَحْوُ ذَلِكَ . ( الرَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ ) : قَوْلُهَا { وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي بِأَمْرٍ يُتْلَى } قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الَّذِي يَتَعَيَّنُ عَلَى أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْعِلْمِ وَالْعِبَادَةِ وَالْمَنْزِلَةِ احْتِقَارُ أَنْفُسِهِمْ وَتَرْكِ الِالْتِفَاتِ إلَى أَعْمَالِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ وَتَحْوِيرِ النَّظَرِ إلَى لُطْفِ اللَّهِ وَعَفْوِهِ وَرَحْمَتِهِ وَكَرْمِهِ وَقَدْ اغْتَرَّ كَثِيرٌ مِنْ الْجُهَّالِ بِالْأَعْمَالِ فَلَاحَظُوا أَنْفُسَهُمْ بِعَيْنِ اسْتِحْقَاقِ الْكَرَامَاتِ وَإِجَابَةِ الدَّعَوَاتِ وَزَعَمُوا أَنَّهُمْ مِمَّنْ يُتَبَرَّكُ بِلِقَائِهِمْ وَيُغْتَنَمُ صَالِحُ دُعَائِهِمْ وَأَنَّهُ يَجِبُ احْتِرَامُهُمْ وَتَعْظِيمُهُمْ وَيَرَوْنَ أَنَّ لَهُمْ مِنْ الْمَكَانَةِ عِنْدَ اللَّهِ بِحَيْثُ يَنْتَقِمُ لَهُمْ مِمَّنْ يَنْتَقِصُهُمْ فِي الْحَالِ ، وَأَنْ يَأْخُذَ مَنْ أَسَاءَ الْأَدَبَ عَلَيْهِمْ مِنْ غَيْرِ إمْهَالٍ ، وَهَذِهِ كُلُّهَا نَتَائِجُ الْجَهْلِ . ( الْخَامِسَةُ وَالْخَمْسُونَ ) : قَوْلُهَا { مَا رَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَجْلِسَهُ : } أَيْ مَا فَارَقَهُ يُقَالُ رَامَهُ يَرِيمُهُ رَيْمًا أَيْ بَرِحَهُ وَلَازَمَهُ وَأَمَّا رَامَ بِمَعْنَى طَلَبَ فَيُقَالُ مِنْهُ رَامَ يَرُومُ رَوْمًا . ( السَّادِسَةُ وَالْخَمْسُونَ ) : قَوْلُهَا { فَأَخَذَهُ مَا كَانَ يَأْخُذُهُ مِنْ الْبُرَحَاءِ : } هِيَ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَفَتْحِ الرَّاءِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالْمَدِّ وَهِيَ الشِّدَّةُ وَيُقَالُ لَهَا أَيْضًا بَرْحٌ بِإِسْكَانِ الرَّاءِ وَقَوْلُهَا { حَتَّى إنَّهُ لَيَتَحَدَّرَ مِنْهُ مِثْلُ الْجُمَانِ مِنْ الْعَرَقِ : } مَعْنَى { لَيَتَحَدَّرُ : } لَيَتَصَبَّبُ وَهُوَ بِالتَّاءِ وَفَتْحِ الدَّالِ وَتَشْدِيدِهَا وَهُوَ أَبْلَغُ مِمَّا لَوْ قِيلَ لَيَنْحَدِرُ بِالنُّونِ وَكَسْرِ الدَّالِ وَتَخْفِيفِهَا وَ { الْجُمَانُ : } بِضَمِّ الْجِيمِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ وَآخِرُهُ نُونٌ هُوَ الدُّرُّ شَبَّهَتْ قَطَرَاتِ عَرَقِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِحَبَّاتِ اللُّؤْلُؤِ فِي الصَّفَاءِ وَالْحُسْنِ وَقَوْلُهَا { فَلَمَّا سُرِّيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : } بِضَمِّ السِّينِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَتَيْنِ أَيْ كُشِفَ وَأُزِيلَ . . ( السَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ ) : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَبْشِرِي يَا عَائِشَةُ : } فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْمُبَادَرَةِ لِتَبْشِيرِ مَنْ تَجَدَّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ ظَاهِرَةٌ أَوْ انْدَفَعَتْ عَنْهُ بَلِيَّةٌ ظَاهِرَةٌ . . ( الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ ) : قَوْلُهُ { أَمَّا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فَقَدْ بَرَّأَك : } أَيْ بِمَا أَنْزَلَهُ فِي كِتَابِهِ الْعَزِيزِ فَصَارَتْ بَرَاءَةُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنْ الْإِفْكِ بَرَاءَةً قَطْعِيَّةً بِنَصِّ الْقُرْآنِ فَلَوْ شَكَّ فِيهَا إنْسَانٌ وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى صَارَ كَافِرًا مُرْتَدًّا بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَّا غَيْرُهَا مِنْ أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ فَهَلْ يَكُونُ قَذْفُهَا كُفْرًا فِيهِ قَوْلَانِ فَمَنْ قَالَ بِالتَّكْفِيرِ نَظَرَ إلَى مَا فِيهِ مِنْ أَذَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِهِ لَمْ يَرَ فِيهِ مُخَالَفَةَ قَاطِعٍ ، وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ لَمْ تَزْنِ امْرَأَةُ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ أجْمَعِينَ قَطُّ ، وَهَذَا إكْرَامُ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ . ( التَّاسِعَةُ وَالْخَمْسُونَ ) : قَوْلُهَا { فَقَالَتْ لِي أُمِّي قَوْمِي إلَيْهِ ، فَقُلْت وَاَللَّهِ لَا أَقُومُ إلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُ إلَّا اللَّهَ هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي : } مَعْنَاهُ قَالَتْ لَهَا أُمُّهَا قَوْمِي فَاحْمَدِيهِ وَقَبِّلِي رَأْسَهُ وَاشْكُرِيهِ لِنِعْمَةِ اللَّهِ الَّتِي بَشَّرَك بِهَا فَقَالَتْ عَائِشَةُ : مَا قَالَتْ إدْلَالًا عَلَيْهِمْ وَعَتَبًا لِكَوْنِهِمْ شَكُّوا فِي حَالِهَا مَعَ عِلْمِهِمْ بِحُسْنِ طَرَائِقِهَا وَجَمِيلِ أَحْوَالِهَا وَارْتِفَاعِهَا عَنْ هَذَا الْبَاطِلِ الَّذِي افْتَرَاهُ قَوْمٌ ظَالِمُونَ لَا حُجَّةَ لَهُمْ وَلَا شُبْهَةَ فِيهِ قَالَتْ : وَإِنَّمَا أَحْمَدُ رَبِّي سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الَّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي وَأَنْعَمَ عَلَيَّ بِمَا لَمْ أَكُنْ أَتَوَقَّعُهُ كَمَا قَالَتْ { وَلَشَأْنِي كَانَ أَحْقَرَ فِي نَفْسِي مِنْ أَنْ يَتَكَلَّمَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بِأَمْرٍ يُتْلَى : } . . ( السِّتُّونَ ) : قَوْله تَعَالَى { وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ } أَيْ لَا يَحْلِفُ الْأَوْلِيَةُ الْحَلِفَ يُقَالُ آلَى يُولِي وَائْتَلَى يَأْتَلِي بِمَعْنًى وَاحِدٍ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَالْفَضْلُ هُنَا الْمَالُ وَالسَّعَةُ فِي الْعَيْشِ وَالرِّزْقِ ( قُلْت ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفَضْلِ الْإِفْضَالُ وَالْإِعْطَاءُ وَالتَّصْدِيقُ ، وَالتَّفْسِيرُ الَّذِي ذَكَرَهُ إنَّمَا يَلِيقُ بِالسَّعَةِ وَيُوَافِقُ مَا ذَكَرْتُهُ ، قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِيهِ فَضِيلَةٌ لِأَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي قَوْله تَعَالَى { وَلَا يَأْتَلِ أُولُوا الْفَضْلِ مِنْكُمْ وَالسَّعَةِ : } الْآيَةُ انْتَهَى . وَلَوْ أُرِيدَ بِالْفَضْلِ الْمَالَ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ فَضِيلَةٌ لَهُ . . ( الْحَادِيَةُ وَالسِّتُّونَ ) : فِيهِ اسْتِحْبَابُ صِلَةِ الْأَرْحَامِ ، وَإِنْ كَانُوا مُسِيئِينَ وَالْعَفْوُ وَالصَّفْحُ عَنْ الْمُسِيءِ وَالصَّدَقَةُ وَالْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِ الْخَيْرَاتِ وَأَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِمَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ وَرَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا أَنْ يَأْتِيَ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَيُكَفِّرَ عَنْ يَمِينِهِ كَمَا نَطَقَ بِهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ . ( الثَّانِيَةُ وَالسِّتُّونَ ) : قَوْلُ زَيْنَبَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي : } أَيْ أَصُونُ سَمْعِي مِنْ أَنْ أَقُولَ سَمِعْت وَلَمْ أَسْمَعْ وَبَصَرِي مِنْ أَنْ أَقُولَ أَبْصَرْت وَلَمْ أُبْصِرْ وَقَدْ يَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّهَا تَحْمِيهِمَا مِنْ عُقُوبَةِ اللَّهِ بِذَلِكَ ( الثَّالِثَةُ وَالسِّتُّونَ ) : قَوْلُهَا { وَهِيَ الَّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي : } بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ تُفَاخِرُنِي وَتُضَاهِينِي بِجَمَالِهَا وَمَكَانَتِهَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ مُفَاعِلَةٌ مِنْ السُّمُوِّ وَهُوَ الِارْتِفَاعُ وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِزَيْنَبِ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ . ( الرَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ ) : قَوْلُهَا { وَطَفِقَتْ أُخْتُهَا حَمْنَةُ } هِيَ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْمِيمِ وَفَتْحِ النُّونِ وَ ( طَفِقَ ) : مِنْ أَفْعَالِ الشُّرُوعِ وَالْمَشْهُورُ كَسْرُ فَائِهِ وَحُكِيَ فَتْحُهَا وَقَوْلُهَا { تُحَارِبُ لَهَا : } أَيْ تَتَعَصَّبُ لَهَا فَتَحْكِي مَا يَقُولُهُ أَهْلُ الْإِفْكِ نُصْرَةً لِأُخْتِهَا لِتَعْلُوَ مَنْزِلَتُهَا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى عَائِشَةَ وَقَوْلُهَا { فَهَلَكَتْ فِيمَنْ هَلَكَ : } قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ أَيْ حُدَّتْ حَدَّ الْقَذْفِ فِيمَنْ حُدَّ انْتَهَى . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْهَلَاكِ مَا حَصَلَ لَهَا مِنْ الْإِثْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ وَالسِّتُّونَ ) : هَذِهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي ذَكَرَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى مِنْ الْأَحْكَامِ أَنَّهُ عَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ وَوَصَلَهَا مُسْلِمٌ هِيَ عِنْدَهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ فَقَوْلُهَا { وَكَانَ الَّذِينَ تَكَلَّمُوا فِيهِ مِسْطَحٌ وَحَمْنَةُ وَحَسَّانُ : } يَجُوزُ رَفْعُ مِسْطَحٍ وَمَا بَعْدَهُ عَلَى اسْمِيَّةِ كَانَ وَنَصْبُهَا عَلَى الْخَبَرِ وَالْمَعْنَى مُسْتَقِيمٌ عَلَيْهِمَا مَعًا وَقَدْ ضَبَطَهُ الْقُرْطُبِيُّ بِالْوَجْهِ الثَّانِي { وَقَوْلُهَا وَأَمَّا الْمُنَافِقُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ فَهُوَ الَّذِي كَانَ يَسْتَوْشِيهِ : } هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ وَكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ يَسْتَخْرِجُهُ بِالْبَحْثِ وَالسُّؤَالِ ثُمَّ يُفْشِيهِ وَيُشِيعُهُ وَيُحَرِّكُهُ وَلَا يَدَعُهُ يَخْمُدُ يُقَالُ فُلَانٌ يَسْتَوْشِي فَرَسَهُ أَيْ يَطْلُبُ مَا عِنْدَهُ مِنْ الْجَرْيِ وَيَسْتَخْرِجُهُ . . ( السَّادِسَةُ وَالسِّتُّونَ ) : وَالرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا { فَلَمَّا نَزَلَ مِنْ الْمِنْبَرِ أَمَرَ بِالرَّجُلَيْنِ وَالْمَرْأَةِ فَضُرِبُوا حَدَّهُمْ } عَزَاهَا الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَصْحَابِ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَهِيَ عِنْدَهُمْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ وَبَيَّنَ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ تَصْرِيحُ ابْنِ إِسْحَاقَ بِالتَّحْدِيثِ فَزَالَ بِذَلِكَ مَا يُخْشَى مِنْ تَدْلِيسِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَشْهُورَ قَبُولُ حَدِيثِ ابْنِ إِسْحَاقَ إلَّا أَنَّهُ مُدَلِّسٌ ، فَإِذَا صَرَّحَ بِالتَّحْدِيثِ كَانَ حَدِيثُهُ مَقْبُولًا وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرَةَ مُرْسَلًا مِنْ غَيْرِ ذِكْرٍ عَائِشَةَ بِلَفْظِ { فَأَمَرَ بِرَجُلَيْنِ وَامْرَأَةٍ مِمَّنْ تَكَلَّمَ بِالْفَاحِشَةِ حَسَّانَ بْنِ ثَابِتٍ وَمِسْطَحِ بْنِ أُثَاثَةَ } قَالَ النُّفَيْلِيُّ وَيَقُولُونَ : الْمَرْأَةُ حَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ وَفِي كِتَابِ الطَّحَاوِيِّ { ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ : } ( السَّابِعَةُ وَالسِّتُّونَ ) : قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَفِيهِ إقَامَةُ الْحُدُودِ عَلَى الْعَارِفِينَ قِيلَ وَفِيهِ تَرْكُ ذَلِكَ مِنْ جِهَةِ مَنْ لَهُ مَنَعَةٌ وَيُخْشَى عَلَيْهِ مِنْ إقَامَتِهِ تَفْرِيقُ كَلِمَةٍ وَظُهُورُ فِتْنَةٍ كَمَا لَمْ يُحَدَّ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُبَيٍّ وَكَانَ رَأْسُ أَصْحَابِ الْإِفْكِ وَمُتَوَلِّيَ كِبْرَهُ وَعِنْدِي أَنَّهُ إنَّمَا لَمْ يُحَدَّ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقْذِفْ وَإِنَّمَا كَانَ يَسْتَوْشِيهِ وَيُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ { كَانَ يُشَاعُ عِنْدَهُ فَيُقِرُّهُ وَيَسْمَعُهُ وَيُتَحَدَّثُ بِهِ عِنْدَهُ وَيَسْتَوْشِيهِ } وَمِثْلُ هَذَا لَا يَلْزَمُهُ حَدٌّ عِنْدَ الْجَمِيعِ حَتَّى يَقْذِفَ بِنَفْسِهِ ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ الظَّاهِرُ مِنْ الْأَخْبَارِ أَنَّ ابْنَ أُبَيٍّ لَمْ يُحَدَّ وَإِنَّمَا لَمْ يُحَدَّ عَدُوُّ اللَّهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَعَدَّ لَهُ فِي الْآخِرَةِ عَذَابًا عَظِيمًا فَلَوْ حُدَّ فِي الدُّنْيَا لَكَانَ نَقْصًا مِنْ عَذَابِهِ الْأُخْرَوِيِّ وَتَخْفِيفًا عَنْهُ وَقَدْ أَشَارَ اللَّهُ تَعَالَى إلَى هَذَا بِقَوْلِهِ { وَاَلَّذِي تَوَلَّى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ : } مَعَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ شَهِدَ بِبَرَاءَةِ عَائِشَةَ وَبِكَذِبِ كُلِّ مَنْ رَمَاهَا فَقَدْ حَصَلَتْ فَائِدَةُ الْحَدِّ أَوْ مَقْصُودُهُ إظْهَارُ كَذِبِ الْقَاذِفِ وَبَرَاءَةِ الْمَقْذُوفِ كَمَا قَالَ تَعَالَى { فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاءِ فَأُولَئِكَ عِنْدَ اللَّهِ هُمْ الْكَاذِبُونَ : } وَإِنَّمَا حُدَّ هَؤُلَاءِ الْمُسْلِمُونَ لِيُكَفَّرَ عَنْهُمْ إثْمُ مَا صَدَرَ عَنْهُمْ مِنْ الْقَذْفِ حَتَّى لَا يَبْقَى عَلَيْهِمْ تَبِعَةٌ مِنْ ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ وَقَدْ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحُدُودِ إنَّهَا كَفَّارَةٌ لِمَنْ أُقِيمَتْ عَلَيْهِ } وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ حَدَّهُ اسْتِئْلَافًا لِقَوْمِهِ وَاحْتِرَامًا لِابْنِهِ وَإِطْفَاءً لِثَائِرَةِ الْفِتْنَةِ الْمُنْدَفِعَةِ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى . ( قُلْت ) : لَمَّا تَوَقَّفَ حَدُّ الْقَذْفِ عَلَى طَلَبِ الْمَقْذُوفِ سَهُلَ الْخَطْبُ فِي ذَلِكَ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحُدُودِ الَّتِي هِيَ مَحْضُ حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى تُقَامُ وَلَا بُدَّ فَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَثْبُتَ تَصْرِيحُ ابْنِ أُبَيٍّ بِالْقَذْفِ لَمْ تُطَالِبْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِالْحَدِّ إمَّا لِتَسْكِينِ الْفِتْنَةِ وَإِمَّا لِطَلَبِ تَغْلِيظِ الْعَذَابِ فِي الْآخِرَةِ وَإِمَّا لِغَيْرِ ذَلِكَ وَلَا بُدَّ مِنْ تَقْرِيرِ طَلَبِ عَائِشَةَ حَدَّ الْمَحْدُودِينَ لِمَا بَيِّنَاهُ مِنْ أَنَّهُ حَقُّ آدَمِيٍّ لَا يُقَامُ إلَّا بِطَلَبِ مُسْتَحِقِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . بَابُ الْإِمَامَةِ وَالْإِمَارَةِ عَنْ { عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ قَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إنِّي سَمِعْت النَّاسَ يَقُولُونَ مَقَالَةً فَآلَيْت أَنْ أَقُولَهَا لَك زَعَمُوا أَنَّك غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ فَوَضَعَ رَأْسَهُ سَاعَةً ثُمَّ رَفَعَهُ فَقَالَ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَحْفَظُ دِينَهُ وَإِنِّي لَا أَسْتَخْلِفُ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَخْلِفْ ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ اسْتَخْلَفَ ، قَالَ فَوَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ ذَكَرَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَعَلِمْت أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْدِلُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا ، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ } زَادَ مُسْلِمٌ بَعْدَ قَوْلِهِ : زَعَمُوا أَنَّك غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ ( وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَك رَاعِي إبِلٍ أَوْ رَاعِي غَنَمٍ ثُمَّ إنَّهُ جَاءَك وَتَرَكَهَا ، رَأَيْت أَنْ قَدْ ضَيَّعَ ، فَرِعَايَةُ النَّاسِ أَشَدُّ ، قَالَ فَوَافَقَهُ قَوْلِي ) : وَلَهُمَا فِي رِوَايَةٍ ( وَدِدْت أَنِّي نَجَوْت مِنْهَا كَفَافًا لَا لِي وَلَا عَلَيَّ ، لَا أَتَحَمَّلُهَا حَيًّا وَمَيِّتًا ) : . بَابُ الْإِمَامَةِ وَالْإِمَارَةِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ . عَنْ { عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ حِينَ قَالَ لَهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إنِّي سَمِعْت النَّاسَ يَقُولُونَ مَقَالَةً فَآلَيْت أَنْ أَقُولَهَا لَك ، زَعَمُوا أَنَّك غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ ، فَوَضَعَ رَأْسَهُ سَاعَةً ثُمَّ رَفَعَهُ فَقَالَ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَحْفَظُ دِينَهُ وَإِنِّي إنْ لَا أَسْتَخْلِفُ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَخْلِفْ ، وَإِنْ أَسْتَخْلِفْ ، فَإِنَّ أَبَا بَكْرٍ قَدْ اسْتَخْلَفَ قَالَ ، فَوَاَللَّهِ مَا هُوَ إلَّا أَنْ ذَكَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَعَلِمْت أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْدِلُ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَدًا وَأَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ : } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ وَفِيهِ الزِّيَادَةُ الَّتِي ذَكَرَهَا الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى مِنْ الْأَحْكَامِ وَهِيَ بَعْدَ قَوْلِهِ ( زَعَمُوا أَنَّك غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ وَأَنَّهُ لَوْ كَانَ لَك رَاعِي إبِلٍ أَوْ رَاعِي غَنَمٍ ثُمَّ أَنَّهُ جَاءَك وَتَرَكَهَا رَأَيْت أَنْ قَدْ ضَيَّعَ فَرِعَايَةُ النَّاسِ أَشَدُّ ؛ قَالَ فَوَافَقَهُ قَوْلِي ) : وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ ( حَضَرْت أَبِي حِينَ أُصِيبَ فَأَثْنَوْا عَلَيْهِ وَقَالُوا جَزَاك اللَّهُ خَيْرًا فَقَالَ رَاغِبٌ وَرَاهِبٌ فَقَالُوا اسْتَخْلَفَ فَقَالَ أَتَحَمَّلُ أَمْرَكُمْ حَيًّا وَمَيِّتًا لَوَدِدْت أَنَّ حَظِّي مِنْهَا الْكَفَافُ لَا عَلَيَّ وَلَا لِي ) : وَذَكَرَ بَقِيَّتَهُ ، لَفْظُ مُسْلِمٍ ، وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ ( وَدِدْت بِأَنِّي نَجَوْت مِنْهَا كَفَافًا لَا لِي وَلَا عَلَيَّ لَا أَتَحَمَّلُهَا حَيًّا وَمَيِّتًا ) : . ( الثَّانِيَةُ ) : قَوْلُهُ ( فَآلَيْت ) : أَيْ حَلَفْت وَفِيهِ تَلَطُّفٌ مَعَهُ لِهَيْبَتِهِ وَأَنَّهُ لَوْلَا تَوَرُّطُهُ فِي الْيَمِينِ لَمَا جَسَرَ عَلَيْهِ بِمُخَاطَبَتِهِ فِي ذَلِكَ ( الثَّالِثَةُ ) : إنْ قُلْت كَيْفَ يَجْتَمِعُ قَوْلُهُ ( فَوَافَقَهُ قَوْلِي ) : مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَعْمَلْ بِمَا قَالَ ( قُلْت ) : لَمَّا وَافَقَهُ قَوْلُهُ وَضَعَ رَأْسَهُ سَاعَةَ لِيَتَرَوَّى فِي ذَلِكَ فَاسْتَقَرَّ أَمْرُهُ بَعْدَ التَّرَوِّي عَلَى أَنَّ كِلَا الْأَمْرَيْنِ جَائِزٌ لَهُ فِيهِ سَلَفٌ صَالِحٌ وَإِنَّ تَرْكَهُ أَرْجَحُ لِلِاقْتِدَاءِ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى أَنَّ الْخَلِيفَةَ يَجُوزُ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ وَتَرْكُهُ وَعَلَى انْعِقَادِ الْخِلَافَةِ . بِالِاسْتِخْلَافِ وَعَلَى انْعِقَادِهَا بِعَقْدِ أَهْلِ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ لِإِنْسَانٍ إذَا لَمْ يَسْتَخْلِفْهُ الْخَلِيفَةُ وَعَلَى جَوَازِ جَعْلِ الْخَلِيفَةُ الْأَمْرَ شُورَى بَيْنَ جَمَاعَةٍ كَمَا فَعَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِالسِّتَّةِ . ( الرَّابِعَةُ ) : قَوْلُهُ { وَإِنِّي إنْ لَا أَسْتَخْلِفُ ، فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْتَخْلِفْ : } قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ لَمْ يُسَمِّ رَجُلًا بِعَيْنِهِ لِلْخِلَافَةِ وَلَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِذَلِكَ وَلَمْ يُرْشِدْ إلَيْهِ وَأَهْمَلَ الْأَمْرَ بِلَا رَاعٍ يَرْعَاهُمْ وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ } فَكَانَ مَعْنَاهُ الْأَمْرُ بِعَقْدِ الْبَيْعَةِ لِإِمَامٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَلِذَلِكَ رَأَيْت الصَّحَابَةَ يَوْمَ مَاتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقْضُوا شَيْئًا مِنْ أَمْرِ دَفْنِهِ وَتَجْهِيزِهِ حَتَّى أَحْكَمُوا أَمْرَ الْبَيْعَةِ وَنَصَّبُوا أَبَا بَكْرٍ وَكَانُوا يُسَمُّونَهُ خَلِيفَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذْ كَانَ فِعْلُهُمْ صَادِرًا عَنْهُ وَمُضَافًا إلَيْهِ . وَذَلِكَ مِنْ أَدَلِّ الدَّلِيلِ عَلَى وُجُوبِ الْخِلَافَةِ وَأَنَّهُ لَا بُدَّ لِلنَّاسِ مِنْ إمَامٍ يَقُومُ بِأَمْرِهِمْ وَيُمْضِي فِيهِمْ أَحْكَامَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيَرْدَعُهُمْ عَنْ الشَّرِّ وَيَمْنَعُهُمْ مِنْ التَّظَالُمِ وَالتَّفَاسُدِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا قَضِيَّةُ مَوْتِهِ وَنَصْبِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمِيرًا بَعْدَ أَمِيرٍ ، وَهَذَا اتِّفَاقُ الْأَمَةِ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إلَّا الْخَوَارِجُ وَالْمَارِقَةُ الَّذِينَ شَقُّوا الْعَصَا وَخَلَعُوا رِبْقَةَ الطَّاعَةِ انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِلْقَاضِي عِيَاضٍ وَأَمَّا مَا حُكِيَ عَنْ الْأَصَمِّ أَنَّهُ قَالَ لَا يَجِبُ نَصْبُ خَلِيفَةٍ فَبَاطِلٌ مَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ مَنْ قَبْلَهُ وَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي بَقَاءِ الصَّحَابَةِ بِلَا خِلَافَةٍ فِي مُدَّةِ التَّشَاوُرِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ وَأَيَّامَ الشُّورَى بَعْدَ وَفَاةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا تَارِكِينَ لِنَصْبِ الْخَلِيفَةِ بَلْ كَانُوا سَاعِينَ فِي النَّظَرِ فِيمَنْ يُعْقَدُ لَهُ وَحُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ نَصْبَ الْخَلِيفَةِ وَاجِبٌ بِالْعَقْلِ . قَالَ النَّوَوِيُّ وَفَسَادُ قَوْلِهِ ظَاهِرٌ ؛ لِأَنَّ الْعَقْلَ لَا يُوجِبُ شَيْئًا وَلَا يُحَسِّنُهُ وَلَا يُقَبِّحُهُ وَإِنَّمَا وَقَعَ ذَلِكَ بِحَسَبِ الْعَادَةِ لَا بِذَاتِهِ . ( الْخَامِسَةُ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنُصَّ عَلَى خَلِيفَةٍ وَهُوَ إجْمَاعُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهِمْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَخَالَفَ بَكْرُ بْنُ أُخْتِ عَبْدِ الْوَاحِدِ فَزَعَمَ أَنَّهُ نَصَّ عَلَى أَبِي بَكْرٍ وَقَالَ ابْنُ الرَّاوَنْدِيِّ نَصَّ عَلَى الْعَبَّاسِ ؛ وَقَالَتْ الشِّيعَةُ وَالرَّافِضَةُ عَلَى عَلِيٍّ ، وَهَذِهِ دَعَاوَى بَاطِلَةٌ وَجَسَارَةٌ عَلَى الِافْتِرَاءِ وَوَقَاحَةٌ فِي مُكَابَرَةِ الْحِسِّ ، وَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى اخْتِيَارِ أَبِي بَكْرٍ وَعَلَى تَنْفِيذِ عَهْدِهِ إلَى عُمَرَ وَعَلَى تَنْفِيذِ عَهْدِ عُمَرَ إلَى الشُّورَى وَلَمْ يُخَالِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ وَلَمْ يَدْعُ عَلِيٌّ وَلَا الْعَبَّاسُ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَصِيَّةً فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَات وَقَدْ اتَّفَقَ عَلِيٌّ وَالْعَبَّاسُ عَلَى جَمِيعِ هَذَا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ مَانِعَةٍ مِنْ ذِكْرِ وَصِيَّةٍ لَوْ كَانَتْ فَمَنْ زَعَمَ أَنَّهُ كَانَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ وَصِيَّةٌ فَقَدْ نَسَبَ الْأَمَةَ إلَى اجْتِمَاعِهَا عَلَى الْخَطَأِ وَاسْتِمْرَارِهَا عَلَيْهِ وَكَيْفَ يَحِلُّ لِأَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْقِبْلَةِ أَنْ يَنْسِبَ الصَّحَابَةَ إلَى الْمُوَاطَأَةِ عَلَى الْبَاطِلِ فِي كُلِّ هَذِهِ الْأَحْوَالِ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ لَنُقِلَ ، فَإِنَّهُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُهِمَّةِ انْتَهَى . ( قُلْت ) : لَمْ يَقَعْ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَّا إشَارَاتٌ لَا تَنْصِيصَ فِيهَا ( مِنْهَا ) : تَقْدِيمُهُ لِلصَّلَاةِ وَهُوَ أَحَدُ وَظَائِفِ الْإِمَامَةِ الْعُظْمَى وَ ( قَوْلُ ) : { يَأْبَى اللَّهُ وَالْمُسْلِمُونَ إلَّا أَبَا بَكْرٍ } وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ رَضِيَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِدِينِنَا أَفَلَا نَرْضَاهُ لِدُنْيَانَا وَ ( مِنْهَا ) : قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لِتِلْكَ الْمَرْأَةِ لَمَّا قَالَتْ لَهُ أَرَأَيْت إنْ لَمْ أَجِدْك تَعْنِي الْمَوْتَ ائْتِ أَبَا بَكْرٍ } . ( السَّادِسَةُ ) : قَوْلُهُ ( فَعَلِمْت أَنَّهُ غَيْرُ مُسْتَخْلِفٍ ) : أَيْ عَلَى التَّعْيِينِ لَكِنَّهُ لَمْ يُهْمِلْ الْأَمْرَ وَلَمْ يُبْطِلْ الِاسْتِخْلَافَ بَلْ جَعَلَهُ شُورَى فِي قَوْمٍ مَعْدُودِينَ لَا يَعْدُوهُمْ فَكُلُّ مَنْ قَامَ بِهَا مِنْهُمْ كَانَ رِضًى وَلَهَا أَهْلًا فَاخْتَارُوا عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَقَدُوا لَهُ الْبَيْعَةَ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْت أَنِّي أَنْزِعُ عَلَى حَوْضٍ أَسْقِي النَّاسَ فَأَتَانِي أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ الدَّلْوَ مِنْ يَدَيْ لَيُرَوِّحَنِّي فَنَزَعَ ذَنُوبَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ ، قَالَ فَأَتَانِي ابْنُ الْخَطَّابِ وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ فَأَخَذَهَا فَلَمْ يَنْزِعْ لَهُ رَجُلٌ حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ وَالْحَوْضُ يَتَفَجَّرُ : } . الْحَدِيثُ الثَّانِي وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْت أَنِّي أَنْزِعُ عَلَى حَوْضٍ أَسْقِي النَّاسَ فَأَتَانِي أَبُو بَكْرٍ فَأَخَذَ الدَّلْوَ مِنْ يَدَيَّ لَيُرَوِّحَنِّي فَنَزَعَ دَلْوَيْنِ وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ قَالَ فَأَتَانِي ابْنُ الْخَطَّابِ وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ فَأَخَذَهَا فَلَمْ يَنْزِعْ رَجُلٌ نَزْعَهُ حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ وَالْحَوْضُ يَتَفَجَّرُ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا . الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ وَأَبِي يُونُسَ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) : قَوْلُهُ { أَنْزِعُ : } بِكَسْرِ الزَّايِ أَيْ أَسْقِي وَأَصْلُ النَّزْعِ الْجَذْبُ وَقَوْلُهُ { عَلَى حَوْضٍ : } كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى { عَلَى قَلِيبٍ } وَهِيَ الْبِئْرُ غَيْرُ الْمَطْوِيَّةِ وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ يُسَمَّى الْقَلِيبُ حَوْضًا ، فَإِنَّ الْحَوْضَ مُجْتَمَعُ الْمَاءِ . ( الثَّالِثَةُ ) : قَوْلُهُ { فَأَخَذَ الدَّلْوَ مِنْ يَدَيَّ لَيُرَوِّحَنِّي : } قَالَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى نِيَابَةِ أَبِي بَكْرٍ عَنْهُ وَخِلَافَتُهُ بَعْدَهُ وَرَاحَتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَفَاتِهِ مِنْ نَصَبِ الدُّنْيَا وَمَشَاقِّهَا كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مُسْتَرِيحٌ وَمُسْتَرَاحٌ مِنْهُ : } وَ { الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ : } . { وَلَا كَرْبَ عَلَى أَبِيك بَعْدَ الْيَوْمَ : } وَالدَّلْوُ فِيهِ لُغَتَانِ التَّذْكِيرُ وَالتَّأْنِيثُ . ( الرَّابِعَةُ ) : قَوْلُهُ { فَنَزَعَ ذَنُوبَيْنِ : } الذَّنُوبُ بِفَتْحِ الذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَضَمِّ النُّونِ وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ الدَّلْوُ الْمَمْلُوءَةُ وَفِي ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى مِقْدَارِ خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَانَتْ سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرًا قَوْلُهُ { وَفِي نَزْعِهِ ضَعْفٌ : } هُوَ بِضَمِّ الضَّادِ وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ حَطٌّ مِنْ فَضِيلَةِ أَبِي بَكْرٍ وَلَا إثْبَاتُ فَضِيلَةٍ لِعُمَرَ عَلَيْهِ ، وَإِنَّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ مُدَّةِ وِلَايَتِهِمَا وَكَثْرَةُ انْتِفَاعِ النَّاسِ وَفِي وِلَايَةِ عُمَرَ لِطُولِهَا وَلِاتِّسَاعِ الْإِسْلَامِ وَبِلَادِهِ وَالْأَمْوَالِ وَغَيْرِهَا وَكَثْرَةِ الْغَنَائِمِ وَالْفُتُوحَاتِ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هُوَ الَّذِي مَصَّرَ الْأَمْصَارَ وَدَوَّنَ الدَّوَاوِينَ . . ( الْخَامِسَةُ ) : قَوْلُهُ { فَأَتَانِي ابْنُ الْخَطَّابِ وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ : } كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَالْمَشْهُورُ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ إنَّمَا هُوَ مَقُولٌ فِي الصِّدِّيقِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَعَلَى كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ تَنْقِيصٌ لِمَنْ قِيلَ فِيهِ ذَلِكَ ، وَلَا إشَارَةٌ إلَى ذَنْبٍ وَإِنَّمَا هِيَ كَلِمَةٌ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يُدَعِّمُونَ بِهَا كَلَامَهُمْ وَنِعْمَتْ الدِّعَامَةُ وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهَا كَلِمَةٌ كَانَ الْمُسْلِمُونَ يَقُولُونَهَا افْعَلْ كَذَا وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَك ؛ وَهَذَا كَعَادَةِ الْعَرَبِ فِي قَوْلِهِمْ تَرِبَتْ يَمِينُهُ وَقَاتَلَهُ اللَّهُ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هَذَا إخْبَارٌ مِنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنَّ اللَّهَ قَدْ غَفَرَ لَهُ وَجَازَاهُ عَلَى الْقِيَامِ بِأَمْرِ الْأَمَةِ عَلَى أَتَمِّ الْوُجُوهِ وَقَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ : لَمَّا رَأَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مُدَّةَ الصِّدِّيقِ قَصِيرَةً قَالَ { وَاَللَّهُ يَغْفِرُ لَهُ : } أَيْ يَرْضَى عَنْهُ فَيُعْطِيهِ ثَوَابَ طُولِ مُدَّةٍ وَأَكْثَرَ عَمَلٍ وَكَيْفَ تَكُونُ مُدَّتُهُ قَصِيرَةً وَمُدَّةُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ مِنْ جِهَتِهِ وَكَذَلِكَ الْوُلَاةُ الْعُدُولُ بَعْدَهُ . السَّادِسَةُ ) : قَوْلُهُ { فَلَمْ يَنْزِعْ رَجُلٌ } كَذَا فِي رِوَايَتِنَا وَفِيهِ حَذْفٌ تَقْدِيرُهُ فَلَمْ يَنْزِعْ رَجُلٌ نَزْعَهُ وَكَذَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ . ( السَّابِعَةُ ) : قَوْلُهُ { حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ } أَيْ أَعْرَضُوا عَنْ أَخْذِ الْمَاءِ لِفَرَاغِ حَوَائِجِهِمْ وَاسْتِغْنَائِهِمْ عَنْهُ وَقَوْلُهُ { وَالْحَوْضُ يَتَفَجَّرُ : } بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ شُدِّدَ لِلْكَثْرَةِ . ( الثَّامِنَةُ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا الْمَقَامُ مِثَالٌ وَاضِحٌ لِمَا جَرَى لِأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي خِلَافَتِهِمَا وَحُسْنِ سِيرَتَهُمَا وَظُهُورِ آثَارِهِمَا وَانْتِفَاعِ النَّاسِ بِهِمَا وَكُلُّ ذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَرَكَتِهِ وَآثَارِ صُحْبَتِهِ فَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ صَاحِبُ الْأَمْرِ فَقَامَ بِهِ أَكْمَلَ قِيَامٍ وَقَرَّرَ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ وَمَهَّدَ أُمُورَهُ وَأَوْضَحَ أُصُولَهُ وَفُرُوعَهُ وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دَيْنِ اللَّهِ أَفْوَاجًا وَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { الْيَوْمَ أَكْمَلْت لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي : } ثُمَّ تُوُفِّيَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَخَلَفَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَنَتَيْنِ وَأَشْهُرًا وَحَصَلَ فِي خِلَافَتِهِ قِتَالُ أَهْلِ الرِّدَّةِ وَقَطْعُ دَابِرِهِمْ وَاتِّسَاعُ الْإِسْلَامِ ثُمَّ تُوُفِّيَ فَخَلَفَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فَاتَّسَعَ الْإِسْلَامُ فِي زَمَنِهِ وَتَقَرَّرَ لَهُمْ مِنْ أَحْكَامِهِ مَا لَمْ يَقَعْ مِثْلُهُ فَعَبَّرَ بِالْقَلِيبِ عَنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَاءِ الَّذِي فِيهِ حَيَاتُهُمْ وَصَلَاحُهُمْ وَشَبَّهَ أَمِيرَهُمْ بِالْمُسْتَقِي لَهُمْ وَسَقْيُهُ هُوَ قِيَامُهُ بِمَصَالِحِهِمْ وَتَدْبِيرُ أُمُورِهِمْ وَفِي هَذَا إعْلَامٌ بِخِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَصِحَّةِ وِلَايَتِهِمَا وَبَيَانِ صِفَتِهِمَا وَانْتِفَاعِ الْمُسْلِمِينَ بِهَا . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْعَرَبِيُّ الْمَاءُ خَيْرٌ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَّا أَنْ يَنْضَافَ إلَيْهِ مَا يُخْرِجُهُ عَنْ غَالِبِ أَمْرِهِ أَوْ عَنْ وَضْعِهِ فِي أَصْلِهِ وَالدَّلْوُ آلَةٌ مِنْ آلَاتِهِ ضُرِبَ فِي الْمَنَامِ مَثَلًا لِلْحَظِّ الَّذِي أَعْطَاهُ اللَّهُ لَنَا وَلَيْسَ تَقْدِيرُهُ بِالدَّلْوِ دَلِيلًا عَلَى صِغَرِ الْحَظِّ وَإِنَّمَا قَدَّرَ بِهِ عِبَارَةً عَنْ التَّمَكُّنِ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا يَتَمَكَّنُ مِنْهُ فِي الدَّلْوِ وَإِلَّا فَحَظُّنَا فِي الْخَيْرِ يَمْلَأُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ وَأَعْظَمُ مِنْ ذَلِكَ وَأَكْبَرُ . ( التَّاسِعَةُ ) : الظَّاهِرُ أَنَّ قَوْلَهُ { حَتَّى تَوَلَّى النَّاسُ وَالْحَوْضُ يَتَفَجَّرُ } عَائِدٌ إلَى خِلَافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَاصَّةَ وَقِيلَ يَعُودُ إلَى خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ جَمِيعًا وَذَلِكَ أَنَّهُ بِنَظَرِهِمَا وَتَدْبِيرِهِمَا وَقِيَامِهِمَا بِمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ تَمَّ هَذَا الْأَمْرُ ؛ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَمَعَ أَهْلَ الرِّدَّةِ وَجَمَعَ شَمْلَ الْمُسْلِمِينَ وَأَلَّفَهُمْ وَابْتَدَأَ الْفُتُوحَ وَمَهَّدَ الْأُمُورَ وَتَمَّتْ ثَمَرَاتُ ذَلِكَ وَتَكَامَلَتْ فِي زَمَانِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . ( الْعَاشِرَةُ ) : وَفِي قَوْلِهِ { يَتَفَجَّرُ : } إشَارَةٌ إلَى اسْتِمْرَارِ بَقَاءِ النَّصْرِ وَالْفَتْحِ وَزِيَادَةِ الْخَيْرَاتِ وَالْبَرَكَاتِ مُتَّصِلَةً بَعْدَ وَفَاةِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَكَذَلِكَ كَانَ . . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ } . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { النَّاسُ تَبَعٌ لِقُرَيْشٍ فِي هَذَا الشَّأْنِ مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْخِلَافَةَ مُخْتَصَّةٌ بِقُرَيْشٍ لَا يَجُوزُ عَقْدُهَا لِأَحَدٍ مِنْ غَيْرِهِمْ وَعَلَى هَذَا انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ فِي زَمَنِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَكَذَلِكَ بَعْدَهُمْ وَمَنْ خَالَفَ فِيهِ مِنْ أَهْلِ الْبِدَعِ أَوْ عَرَضَ بِخِلَافٍ مِنْ غَيْرِهِمْ فَهُوَ مَحْجُوجٌ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ اشْتِرَاطُ كَوْنِهِ قُرَشِيًّا هُوَ مَذْهَبُ الْعُلَمَاءِ كَافَّةً قَالَ وَقَدْ احْتَجَّ بِهِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَلَى الْأَنْصَارِ يَوْمَ السَّقِيفَةِ فَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ . قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ عَدَّهَا الْعُلَمَاءُ فِي مَسَائِلِ الْإِجْمَاعِ وَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ أَحَدٍ مِنْ السَّلَفِ فِيهَا قَوْلٌ وَلَا فِعْلٌ يُخَالِفُ مَا ذَكَرْنَا وَكَذَلِكَ مَنْ بَعْدَهُمْ فِي جَمِيعِ الْأَعْصَارِ قَالَ وَلَا اعْتِدَادَ بِقَوْلِ النَّظَّامِ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ الْخَوَارِجِ وَأَهْلِ الْبِدَعِ أَنَّهُ يَجُوزُ كَوْنُهُ مِنْ غَيْرِ قُرَيْشٍ وَلَا بِسَخَافَةِ ضِرَارَ بْنِ عُمَرَ فِي قَوْلِهِ إنَّ غَيْرَ الْقُرَشِيِّ مِنْ النَّبَطِ وَغَيْرِهِمْ يُقَدَّمُ عَلَى الْقُرَشِيِّ لِهَوَانِ خَلْعِهِ إنْ عُرِضَ مِنْهُ أَمْرٌ . وَهَذَا الَّذِي قَالَ مِنْ بَاطِلِ الْقَوْلِ وَزُخْرُفِهِ مَعَ مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ مُخَالَفَةِ إجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ قُرَشِيٌّ مُسْتَجْمِعُ الشُّرُوطِ فَكِنَانِيٌّ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فَرَجُلٌ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ فِيهِمْ مُسْتَجْمِعُ الشَّرَائِطِ فَقَالَ الْبَغَوِيّ فِي التَّهْذِيبِ إنَّهُ يُوَلَّى رَجُلٌ مِنْ الْعَجَمِ وَقَالَ الْمُتَوَلِّي فِي التَّتِمَّةِ أَنَّهُ يُوَلَّى جُرْهُمِيٌّ وَجُرْهُمٌ أَصْلُ الْعَرَبِ ، فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ جُرْهُمِيٌّ فَرَجُلٌ مِنْ وَلَدِ إِسْحَاقَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قُلْت ) : وَهَذَا ذَكَرَهُ الْفُقَهَاءُ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ كَعَادَتِهِمْ وَلَكِنَّ هَذَا لَا يَقَعُ فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَزَالُ هَذَا الْأَمْرُ فِي قُرَيْشٍ مَا بَقِيَ مِنْ النَّاسِ اثْنَانِ : } وَفِي رِوَايَةٍ { مَا بَقِيَ مِنْهُمْ اثْنَانِ : } ، وَهَذَا الْحَدِيثُ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ هَذَا الْحُكْمَ مُسْتَمِرٌّ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ آخِرَ الدُّنْيَا مَا بَقِيَ مِنْ النَّاسِ اثْنَانِ وَقَدْ ظَهَرَ مَا قَالَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمِنْ زَمَنِهِ إلَى الْآنَ الْخِلَافَةُ فِي قُرَيْشٍ مِنْ غَيْرِ مُزَاحِمَةٍ لَهُمْ فِيهَا وَتَبْقَى كَذَلِكَ مَا بَقِيَ اثْنَانِ كَمَا قَالَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( قُلْت ) : وَالْمُتَغَلَّبُونَ عَلَى النَّظَرِ فِي أُمُورِ الرَّغْبَةِ بِطَرِيقِ الشَّوْكَةِ لَا يُنْكِرُونَ أَنَّ الْخِلَافَةَ فِي قُرَيْشٍ وَإِنَّمَا يَزْعُمُونَ أَنَّ ذَلِكَ بِطَرِيقِ النِّيَابَةِ عَنْهُمْ وَلَمَّا تَغَلَّبَ الْعُبَيْدِيُّونَ عَلَى الْبِلَادِ الْمِصْرِيَّةِ وَالْمَغْرِبِيَّةِ وَغَيْرِهَا وَادَّعُوا الْخِلَافَةَ زَعَمُوا أَنَّهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ ذُرِّيَّةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَإِنْ طَعَنَ غَيْرُهُمْ فِي نَسَبِهِمْ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَكُونُوا خُلَفَاءَ الْجَمَاعَةِ فَمَا كَانَتْ خِلَافَةُ الْجَمَاعَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا بِبَغْدَادَ فِي بَنِي الْعَبَّاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هَذَا خَبَرٌ عَنْ الْمَشْرُوعِيَّةِ أَيْ لَا تَنْعَقِدُ الْوِلَايَةُ الْكُبْرَى إلَّا لَهُمْ مَهْمَا وُجِدَ مِنْهُمْ أَحَدٌ انْتَهَى . وَهَذَا صَرْفُ اللَّفْظِ عَنْ ظَاهِرِهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ . ( الثَّالِثَةُ ) : قَوْلُهُ { مُسْلِمُهُمْ تَبَعٌ لِمُسْلِمِهِمْ وَكَافِرُهُمْ تَبَعٌ لِكَافِرِهِمْ : } هُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { فِي الْخَيْرِ وَالشَّرِّ : } وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي الْجَاهِلِيَّةِ رُؤَسَاءَ الْعَرَبِ وَأَصْحَابَ حَرَمِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَهْلِ حَجِّ بَيْتِ اللَّهِ وَكَانَتْ الْعَرَبُ تُسَمِّيهِمْ أَهْلَ اللَّهِ وَانْتَظَرُوا إسْلَامَهُمْ فَلَمَّا أَسْلَمُوا وَفُتِحَتْ مَكَّةُ تَبِعَهُمْ النَّاسُ وَجَاءَتْ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلِّ جِهَةٍ وَدَخَلَ النَّاسُ فِي دَيْنِ اللَّهِ أَفْوَاجًا وَكَذَلِكَ فِي الْإِسْلَامِ هُمْ أَصْحَابُ الْخِلَافَةِ وَالنَّاسُ تَبَعٌ لَهُمْ . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَعَلَّ هَذَا فِي أَمْرِ الْجَوْرِ وَالْأَئِمَّةِ الْمُصَلِّينَ وَلَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّ أُولَئِكَ لَا يُطْلَقُ عَلَيْهِمْ اسْمُ الْكُفْرِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْإِخْبَارُ عَنْ حَالَتِهِمْ فِي زَمَنِ الْجَاهِلِيَّةِ وَأَنَّهُمْ لَمْ يَزَالُوا أَشْرَافَ النَّاسِ وَقَادَتِهِمْ . ( الرَّابِعَةُ ) : قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ اسْتَدَلَّتْ الشَّافِعِيَّةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِثْلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْأَئِمَّةُ مِنْ قُرَيْشٍ } وَقَوْلِهِ { قَدِّمُوا قُرَيْشًا وَلَا تُقَدِّمُوهَا وَتَعْلَمُوا مِنْ قُرَيْشٍ وَلَا تُعَلِّمُوهَا : } عَلَى إمَامَةِ الشَّافِعِيِّ وَتَقْدِيمِهِ عَلَى غَيْرِهِ وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ إذْ الْمُرَادُ بِالْأَئِمَّةِ هُنَا الْخُلَفَاءُ وَكَذَلِكَ بِالتَّقْدِيمِ . { وَلِتَقْدِيمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَالِمًا مَوْلَى بْنِ حُذَيْفَةَ يُؤَمُّ فِي مَسْجِدِ قَبَاءَ وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَتَقْدِيمُهُ زَيْدًا وَابْنَهُ أُسَامَةَ وَمُعَاذًا وَغَيْرَ وَاحِدٍ وَقُرَيْشٌ مَوْجُودُونَ } وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْآخَرُ فِي التَّعْلِيمِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لَفْظًا وَلَا مَعْنًى لِإِجْمَاعِ الْعُلَمَاءِ عَلَى التَّعْلِيمِ مِنْ غَيْرِ قُرَشِيٍّ وَمِنْ الْمَوَالِي وَتَعَلُّمُ قُرَيْشٍ مِنْهُمْ وَتَعَلُّمُ الشَّافِعِيِّ مِنْ مَالِكٍ وَابْنِ عُيَيْنَةَ وَمُحَمَّدِ بْنُ الْحَسَنِ وَابْنِ أَبِي يَحْيَى وَمُسْلِمِ بْنِ خَالِدٍ الزِّنْجِيِّ وَغَيْرِهِمْ مِمَّنْ لَيْسَ بِقُرَشِيٍّ قَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ حُجَّةٌ فِي مَزِيَّةَ قُرَيْشٍ عَلَى غَيْرِهِمْ وَالشَّافِعِيُّ قُرَشِيٌّ ( قُلْت ) : قَدْ احْتَجَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَلَى فَضْلِ قُرَيْشٍ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ ظَاهِرٌ لَا يُنْكَرُ وَلَيْسَ مُرَادُ الْمُسْتَدِلِّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ أَنَّهُ لَا يَكُونُ الْفَضْلُ وَالتَّقَدُّمُ إلَّا بِذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ أَسْبَابِ الْفَضْلِ وَالتَّقَدُّمِ وَمِنْ أَسْبَابِ ذَلِكَ أَيْضًا الْفِقْهُ وَالْقِرَاءَةُ وَالْوَرَعُ وَالسُّنَنُ وَغَيْرُهَا فَالْمُسْتَوِيَانِ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ إذَا تَمَيَّزَ أَحَدُهُمَا بِكَوْنِهِ قُرَشِيًّا كَانَ ذَلِكَ مُقَدِّمًا لَهُ عَلَى الْآخَرِ فَمَقْصُودُهُمْ دَلَالَةُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى تَقْدِيمِ الشَّافِعِيِّ عَلَى مَنْ سَاوَاهُ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ بِكَوْنِهِ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَهَذَا أَمْرٌ لَا يُنْكَرُ وَقَدْ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ نَحْوَ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ إنَّ الْمُسْتَدِلَّ بِهَذَا صَحِبَتْهُ غَفْلَةٌ قَارَنَهَا مِنْ تَصْمِيمِ التَّقْلِيدِ طَيْشَةٌ ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْغَفْلَةَ إنَّمَا هِيَ مِنْ مُنْكَرِ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ غَفَلَ عَنْ مُرَادِ الْمُسْتَنْبِطِ وَلَمْ يَفْهَمْ مَغْزَاهُ وَظَنَّ أَنَّ ذَلِكَ مَانِعٌ لَهُ مِنْ تَقْلِيدِ مَنْ صَمَّمَ عَلَى تَقْلِيدِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ ، وَمَنْ يُطِعْ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي } . . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مِنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّه ، وَمِنْ يَعْصِنِي فَقَدْ عَصَا اللَّه ، وَمِنْ يُطِعْ الْأَمِير فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمِنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي } . فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ وَمِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ وَأَبِي عَلْقَمَةَ وَأَبِي يُونُسَ كُلِّهِمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { أَمِيرِي : } بَدَل { الْأَمِيرَ : } . ( الثَّانِيَةُ ) : قَوْلُهُ { مَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ : } مُنْتَزِعٌ مِنْ قَوْله تَعَالَى { مَنْ يُطِعْ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ : } وَذَلِكَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا كَانَ مُبَلِّغًا أَمْرَ اللَّهِ وَحُكْمِهِ ، أَمَرَ اللَّهُ بِطَاعَتِهِ فَمَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَ أَمْرَ اللَّهِ وَنَفَّذَ حُكْمَهُ وَقَوْلُهُ { وَمَنْ يَعْصِنِي : } فِي مَعْنَاهُ أَيْضًا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى { وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدَا : } . ( الثَّالِثَةُ ) : قَوْلُهُ { وَمَنْ يُطِعْ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ يَعْصِ الْأَمِيرَ فَقَدْ عَصَانِي : } فِيهِ وُجُوبُ طَاعَةِ وُلَاةِ الْأُمُورِ ، وَهَذَا مَجْمَعٌ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا تَجِبُ الطَّاعَةُ حَيْثُ لَمْ يَأْمُرُوا بِمَعْصِيَةٍ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { إلَّا أَنْ يَأْمُرَ بِمَعْصِيَةٍ ، فَإِنْ أَمَرَ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا سَمْعَ وَلَا طَاعَةَ : } ، وَهَذَا الْحَدِيثُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مُقَيِّدٌ لِوُجُوبِ طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ وَالسَّبَبُ فِي الْأَمْرِ بِطَاعَتِهِمْ اجْتِمَاعُ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنَّ الْخِلَافَ سَبَبٌ لِفَسَادِ أَحْوَالِهِمْ فِي دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ وَيُسْتَنْتَجُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَنْ أَطَاعَ الْأَمِيرَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ ؛ لِأَنَّهُ أَطَاعَ الرَّسُولَ وَمَنْ أَطَاعَ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ : } وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي { عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ السَّهْمِيِّ بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ وَمَعْنَاهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ حُذَافَةَ أَمَرَهُمْ بِأَمْرٍ فَخَالَفَهُ بَعْضُهُمْ وَأَنِفَ عَلَى عَادَةِ الْعَرَبِ ، فَإِنَّهُمْ كَانُوا يَأْنَفُونَ مِنْ الطَّاعَةِ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ بِسَبَبِ ذَلِكَ } قَالَ الشَّافِعِيُّ كَانَتْ الْعَرَبُ تَأْنَفُ مِنْ الطَّاعَةِ لِلْأُمَرَاءِ فَلَمَّا أَطَاعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ بِطَاعَةِ الْأُمَرَاءِ ، وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِأُولِي الْأَمْرِ الْأُمَرَاءُ وَفِي ذَلِكَ أَقْوَالٌ أَشْهُرُهَا قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا : هَذَا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَالثَّانِي أَنَّهُمْ الْعُلَمَاءُ وَلَهُ وَجْهٌ ، وَهُوَ أَنَّ شَرْطَ طَاعَةِ الْأُمَرَاءِ أَنْ يَأْمُرُوا بِمَا يَقْتَضِيهِ الْعِلْمُ وَكَذَلِكَ كَانَ أُمَرَاءُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحِينَئِذٍ تَجِبُ طَاعَتُهُمْ فَلَوْ أَمَرُوا بِمَا لَا يَقْتَضِيهِ الْعِلْمُ حُرِّمَتْ طَاعَتُهُمْ ، فَإِذَا الْحُكْمُ لِلْعُلَمَاءِ وَالْأَمْرُ لَهُمْ بِالْأَصَالَةِ غَيْرَ أَنَّهُمْ لَهُمْ الْفُتْيَا مِنْ غَيْرِ جَبْرٍ وَلِلْأَمِيرِ الْفُتْيَا إذَا كَانَ مِنْ أَهْلِهَا وَالْجَبْرُ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى { أَمِيرِي } يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ مَنْ بَاشَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وِلَايَتَهُ مَعَ أَنَّ الْحُكْمَ لَا يَخْتَصُّ بِهِ فَكُلُّ أَمِيرٍ لِلْمُسْلِمِينَ عَدْلٌ فَحُكْمُهُ كَذَلِكَ ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { الْأَمِيرُ } وَتَخْصِيصُ أَمِيرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّهُ الْمُرَادُ وَقْتَ الْخِطَابِ ؛ وَلِأَنَّهُ سَبَبُ وُرُودِ الْحَدِيثِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يُرَادَ بِذَلِكَ تَخْصِيصُ مَنْ بَاشَرَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالتَّوْلِيَةِ بَلْ كُلُّ أَمِيرٍ عَدْلٍ وُلِّيَ بِحَقٍّ فَهُوَ أَمِيرُهُ ؛ لِأَنَّهُ بِأَمْرِهِ تَوَلَّى وَبِشَرِيعَتِهِ قَامَ وَقَدْ ظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ رِوَايَتِي أَمِيرِيٌّ وَالْأَمِيرُ ، وَإِنْ تَفَاوَتَا لَفْظًا فَهُمَا مُتَّحِدَانِ فِي الْمَعْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . كِتَابُ الْقَضَاءِ وَالدَّعَاوَى ) ( بَابُ تَسْجِيلِ الْحَاكِمِ عَلَى نَفْسِهِ ) عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي } . كِتَابُ الْقَضَاءِ وَالدَّعَاوَى بَابُ تَسْجِيلِ الْحَاكِمِ عَلَى نَفْسِهِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ كَتَبَ فِي كِتَابِهِ فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ إنَّ رَحْمَتِي غَلَبَتْ غَضَبِي } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ . ( الْأُولَى ) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ مِينَا كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ { سَبَقَتْ غَضَبِي } . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { لَمَّا قَضَى اللَّهُ الْخَلْقَ } قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ : أَيْ لَمَّا أَظْهَرَ قَضَاءَهُ وَأَبْرَزَهُ كَيْفَ شَاءَ ( قُلْت ) وَإِنَّمَا أَحْوَجَهُ إلَى تَأْوِيلٍ قَضَى بِأَظْهَرَ وَأَبْرَزَ ، ظَنُّهُ أَنَّ الْقَضَاءَ هُنَا بِمَعْنَى التَّقْدِيرِ ، وَهُوَ أَعْنِي ، التَّقْدِيرُ قَدِيمٌ فَاحْتَاجَ إلَى تَأْوِيلِهِ بِظُهُورِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقَضَاءِ هُنَا الْخَلْقُ أَيْ لَمَّا فَرَغَ مِنْ خَلْقِ الْمَخْلُوقَاتِ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ { لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ } وَالرِّوَايَاتُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَالْخَلْقُ مِنْ صِفَاتِ الْفِعْلِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى تَأْوِيلِهِ بِمَا ذُكِرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) : قَوْلُهُ { فِي كِتَابِهِ : } يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ غَيْرُهُ وَقَوْلُهُ { فَهُوَ عِنْدَهُ فَوْقَ الْعَرْشِ } لَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِ ظَاهِرِ لَفْظِهِ عِنْدَهُ ؛ لِأَنَّ مَعْنَاهَا حَضْرَةُ الشَّيْءِ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ الِاسْتِقْرَارِ وَالتَّحَيُّزِ وَالْجِهَةِ فَالْعِنْدِيَّةُ لَيْسَتْ مِنْ حَضْرَةِ الْمَكَانِ بَلْ مِنْ حَضْرَةِ الشَّرَفِ أَيْ وَضَعَ ذَلِكَ الْكِتَابَ فِي مَحَلٍّ مُعَظَّمٍ عِنْدَهُ . ( الرَّابِعَةُ ) : قَالَ الْمَازِرِيُّ غَضَبُ اللَّهِ وَرِضَاهُ يَرْجِعَانِ إلَى إرَادَتِهِ لِإِثَابَةِ الْمُطِيعِ وَمَنْفَعَةِ الْعَبْدِ وَعِقَابِ الْعَاصِي وَضَرَرِ الْعَبْدِ فَالْأَوَّلُ مِنْهُمَا يُسَمَّى رَحْمَةً وَالثَّانِي يُسَمَّى غَضَبًا وَإِرَادَةُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ قَدِيمَةٌ أَزَلِيَّةٌ بِهَا يُرِيدُ سَائِرَ الْمُرَادَاتِ فَيَسْتَحِيلُ فِيهَا الْغَلَبَةُ وَالسَّبْقُ ، وَإِنَّمَا الْمُرَادُ هُنَا مُتَعَلَّقُ الْإِرَادَةِ مِنْ النَّفْعِ وَالضُّرِّ فَكَانَ رِفْقُهُ بِالْخَلْقِ وَنِعَمُهُ عِنْدَهُمْ أَغْلَبَ مِنْ نِقَمِهِ وَسَابِقَةً لَهَا وَإِلَى هَذَا يَرْجِعُ مَعْنَى الْحَدِيثِ وَقَدْ اخْتَلَفَ شُيُوخُنَا فِي مَعْنَى الرَّحْمَةِ هَلْ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى نَفْسِ الْإِرَادَةِ لِلتَّنْعِيمِ أَوْ إلَى التَّنْعِيمِ نَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا يَحْتَاجُ إلَى هَذَا الِاعْتِذَارِ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ ذَلِكَ رَاجِعٌ إلَى نَفْسِ الْإِرَادَةِ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْغَلَبَةُ هُنَا ، وَالسَّبْقُ بِمَعْنًى وَالْمُرَادُ بِهَا الْكَثْرَةُ وَالشُّمُولُ كَمَا يُقَالُ غَلَبَ عَلَى فُلَانٍ حُبُّ الْمَالِ أَوْ الْكَرَمُ أَوْ الشَّجَاعَةُ إذَا كَانَ أَكْثَرَ خِصَالِهِ وَحَكَى النَّوَوِيُّ هَذَا الْكَلَامَ الَّذِي نَقَلْنَاهُ عَنْ الْمَازِرِيِّ مُخْتَصَرًا عَنْ الْعُلَمَاءِ وَعَبَّرَ عَنْ الْكَلَامِ الْمَنْقُولِ عَنْ الْقَاضِي بِقَوْلِهِ قَالُوا وَذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ نَحْوَ هَذَا الْكَلَامِ وَزَادَهُ إيضَاحًا بِقَوْلِهِ كَيْفَ لَا وَابْتِدَاؤُهُ الْخَلْقَ وَتَكْمِيلُهُ وَإِتْقَانُهُ وَتَرْتِيبُهُ وَخَلْقُ أَوَّلِ نَوْعِ الْإِنْسَانِ فِي الْجَنَّةِ كُلُّ ذَلِكَ بِرَحْمَتِهِ السَّابِقَةِ ، وَكَذَلِكَ مَا رَتَّبَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ النِّعَمِ وَالْأَلْطَافِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ رَحَمَاتٌ مُتَلَاحِقَةٌ وَلَوْ بَدَأَ بِالِانْتِقَامِ لَمَا كَمُلَ لِهَذَا الْعَالَمِ نِظَامٌ ثُمَّ الْعَجَبُ أَنَّ الِانْتِقَامَ بِهِ كَمُلَتْ الرَّحْمَةُ وَالْإِنْعَامُ وَذَلِكَ أَنَّ بِانْتِقَامِهِ مِنْ الْكَافِرِينَ كَمُلَتْ رَحْمَتُهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ إذْ بِذَلِكَ حَصَلَ خَلَاصُهُمْ وَإِصْلَاحُهُمْ وَتَمَّ لَهُمْ دِينُهُمْ وَفَلَاحُهُمْ فَظَهَرَ لَهُمْ قَدْرُ رَحْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِمْ فِي صَرْفِ ذَلِكَ الِانْتِقَامِ عَنْهُمْ فَقَدْ ظَهَرَ أَنَّ رَحْمَتَهُ سَبَقَتْ غَضَبَهُ ، وَإِنْعَامَهُ غَلَبَ انْتِقَامَهُ ( قُلْت ) : وَلَا بُدَّ مِنْ حَمْلِ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ الْكُفَّارَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ وَلَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إلَّا الْغَضَبُ الْمَحْضُ فَبِاعْتِبَارِهِمْ يَكُونُ الْغَضَبُ أَغْلَبَ مِنْ الرَّحْمَةِ فَإِذَا حَمَلْنَا ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ إشْكَالٌ وَقَدْ يُقَالُ إذَا ضَمَّ إلَى رَحْمَةِ اللَّهِ لِلْمُؤْمِنِينَ رَحْمَتَهُ الدُّنْيَوِيَّةَ لِلْكُفَّارِ صَارَتْ الرَّحْمَةُ أَغْلَبَ مِنْ الْغَضَبِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ وَيَدُلُّ لَهُ أَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا سِيقَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي مَعْرِضِ الرَّجَاءِ وَالتَّرْغِيبِ فِيمَا عِنْدَ اللَّهِ وَالْوَعْدِ بِرَحْمَتِهِ وَأَيْضًا فَإِنَّمَا تَقَعُ الْمُقَايَسَةُ بَيْنَ الرَّحْمَةِ وَالْغَضَبِ فِي حَقِّ مَنْ يَحْتَمِلُهَا ، وَهُوَ الْمُؤْمِنُ أَمَّا الْكَافِرُ فَلَا حَظَّ لَهُ فِي دَارِ الْبَقَاءِ الْأَبَدِيِّ فِي الرَّحْمَةِ فَلَا يَدْخُلُ فِي الْمُقَايَسَةِ لِعَدَمِ إمْكَانِهَا فِي حَقِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) : اسْتَأْنَسَ بِهِ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ لِمَا يَفْعَلُهُ الْحُكَّامُ مِنْ تَسْجِيلِ الْأُمُورِ الَّتِي يَحْكُمُونَ بِهَا وَجَعَلَ نُسْخَةً فِي دِيوَانِ الْحُكْمِ وَأُخْرَى مَعَ الْخَصْمِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلِيمٌ بِكُلِّ شَيْءٍ غَنِيٌّ عَنْ التَّذْكِيرِ غَيْرُ مُحْتَاجٍ إلَى كِتَابَةِ تَقْدِيرَاتِهِ ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِيَقْتَدِيَ بِهِ خَلَفُهُ مِنْ حُكَّامِ الدُّنْيَا فِي ضَبْطِ حُقُوقِ النَّاسِ بِكِتَابَتِهَا وَتَسْجِيلِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَعْوَنُ عَلَى تَذَكُّرِهَا وَأَقْرَبُ إلَى حِفْظِهَا كَمَا قِيلَ فِي خَلْقِهِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ إنَّ ذَلِكَ تَعْلِيمٌ لِخَلْقِهِ التَّأَنِّي فِي الْأُمُورِ وَالتُّؤَدَةَ فِيهَا فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَادِرٌ عَلَى خَلْقِهَا وَخَلْقِ أَمْثَالِهَا فِي أَقَلَّ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ قَالَ تَعَالَى { إنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونَ } . بَابُ مَنْ قَالَ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ فَقَالَ لَهُ عِيسَى سَرَقْت ؟ قَالَ كَلًّا ، وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، قَالَ عِيسَى آمَنْت بِاَللَّهِ وَكَذَّبْت بَصَرِي } بَابُ مَنْ قَالَ لَا يَقْضِي بِعِلْمِهِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : رَأَى عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَجُلًا يَسْرِقُ فَقَالَ لَهُ عِيسَى سَرَقْت ؟ قَالَ كَلًّا وَاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ قَالَ عِيسَى آمَنْت بِاَللَّهِ وَكَذَّبْت عَيْنَيَّ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ { وَكَذَّبْت نَفْسِي : } . ( الثَّانِيَةُ ) : قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ظَاهِرُ قَوْلِهِ سَرَقْت أَنَّهُ خَبَرٌ وَكَأَنَّهُ حَقَّقَ السَّرِقَةَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ رَآهُ قَدْ أَخَذَ مَالًا لِغَيْرِهِ مِنْ حِرْزٍ فِي خُفْيَةٍ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مُسْتَفْهِمًا لَهُ عَنْ تَحْقِيقِ ذَلِكَ فَحَذَفَ هَمْزَةَ الِاسْتِفْهَامِ وَحَذْفُهَا قَلِيلٌ وَقَوْلُ الرَّجُلِ كَلًّا نَفْيٌ لِذَلِكَ ثُمَّ أَكَّدَهُ بِالْيَمِينِ ( قُلْت ) : احْتِمَالُ الِاسْتِهَامِ بَعِيدٌ لِقَوْلِهِ أَوْ لَا { رَأَى عِيسَى رَجُلًا يَسْرِقُ : } فَجَزَمَ بِتَحْقِيقِ سَرِقَتِهِ . ( الثَّالِثَةُ ) : قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : ظَاهِرُهُ صَدَّقْت مَنْ حَلَفَ بِاَللَّهِ وَكَذَّبْت مَا ظَهَرَ لِي مِنْ ظَاهِرِ سَرِقَتِهِ . فَلَعَلَّهُ أَخَذَ مَا لَهُ فِيهِ حَقٌّ أَوْ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ أَوْ لَمْ يَقْصِدْ الْأَخْذَ إلَّا لِلتَّقْلِيبِ وَالنَّظَرِ وَصَرْفِهِ إلَى مَوْضِعِهِ ، أَوْ ظَهَرَ لِعِيسَى أَوَّلًا بِظَاهِرِ مَدِّ يَدِهِ وَإِدْخَالِهَا فِي مَتَاعِ غَيْرِهِ أَنَّهُ أَخَذَ مِنْهُ شَيْئًا فَلَمَّا حَلَفَ لَهُ أَسْقَطَ ظَنَّهُ وَتَرَكَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) : قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا دَرْءُ الْحَدِّ بِالشُّبُهَاتِ . ( الْخَامِسَةُ ) : اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى مَنْعِ الْقَضَاءِ بِالْعِلْمِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ وَالرَّاجِحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ مَنْعُهُ مُطْلَقًا وَعِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ جَوَازُهُ إلَّا فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى خَاصَّةً فَيَمْتَنِعُ الْحُكْمُ فِيهَا بِالْعِلْمِ وَهَذِهِ الصُّورَةُ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى فَامْتِنَاعُ عِيسَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ الْحُكْمِ فِيهَا بِإِقَامَةِ الْحَدِّ عَلَيْهِ مُحْتَمَلٌ لَأَنْ تَكُونَ شَرِيعَتُهُ مَنْعَ الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ مُطْلَقًا وَلَأَنْ [ تَكُونَ ] شَرِيعَتُهُ مَنْعَ الْحُكْمِ بِالْعِلْمِ فِي حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا مِنْهَا ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يَتَحَقَّقْ السَّرِقَةَ عَلَى مَا تَقَدَّمَ احْتِمَالًا ثُمَّ هَذَا الِاسْتِدْلَال مِنْ أَصْلِهِ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا وَفِي الْمَسْأَلَةِ خِلَافٌ مَشْهُورٌ مَعْرُوفٌ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . بَابُ الِاسْتِهَامِ عَلَى الْيَمِينِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أُكْرِهَ الِاثْنَانِ عَلَى الْيَمِينِ وَاسْتَحَبَّاهَا فَلْيَسْتَهِمَا عَلَيْهَا } لَفْظُ أَبِي دَاوُد . وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِ { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَهِمُوا بَيْنَهُمْ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ } . بَابُ الِاسْتِهَامِ عَلَى الْيَمِينِ وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أُكْرِهَ الِاثْنَانِ عَلَى الْيَمِينِ وَاسْتَحَبَّاهَا فَلْيَسْتَهِمَا عَلَيْهَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَهُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظٍ آخَرَ فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَسَلَمَةَ بْنِ شُعَيْبٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ { أَوْ اسْتَحَبَّاهَا : } وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ نَصْرٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ بِلَفْظِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا فَأَمَرَ أَنْ يُسْهِمَ عَنْهُمْ فِي الْيَمِينِ أَيُّهُمْ يَحْلِفُ } . ( الثَّانِيَةُ ) : قَوْلُهُ { إذَا أُكْرِهَ الِاثْنَانِ عَلَى الْيَمِينِ وَاسْتَحَبَّاهَا : } كَذَا وَقَعَ فِي أَصْلِنَا بِالْوَاوِ وَالظَّاهِرُ إنْ صَحَّ ذَلِكَ أَنَّهَا بِمَعْنَى أَوْ كَمَا فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْإِكْرَاهَ الْحَقِيقِيَّ فَإِنَّ الْإِنْسَانَ لَا يُكْرَهُ عَلَى الْيَمِينِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ إذَا تَوَجَّهَتْ الْيَمِينُ عَلَى اثْنَيْنِ وَأَرَادَا الْحَلِفَ سَوَاءٌ كَانَا غَيْرَ مُخْتَارَيْنِ كَذَلِكَ بِقَلْبِهِمَا ، وَهُوَ مَعْنَى الْإِكْرَاهِ أَوْ غَيْرَ مُخْتَارَيْنِ لِذَلِكَ بِقَلْبِهِمَا ، وَهُوَ مَعْنَى اسْتِحْبَابِ ذَلِكَ وَتَنَازَعَا فِي الِابْتِدَاءِ فَلَا يُقَدَّمُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ بِالتَّشَهِّي بَلْ بِالْقُرْعَةِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِالِاسْتِهَامِ يُقَالُ اسْتَهَمُوا أَيْ اقْتَرَعُوا . ( الثَّالِثَةُ ) : حَمَلَ بَعْضُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى مَا إذَا تَنَازَعَ اثْنَانِ عَيْنًا لَيْسَتْ فِي يَدِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَيُقِرُّ وَلَا بَيِّنَةَ لَهُمَا ، فَيُقْرَعُ بَيْنَهُمَا فَمَنْ خَرَجَتْ قُرْعَتُهُ حَلَفَ وَأَخَذَهَا وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِمْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ { رَجُلَيْنِ اخْتَصَمَا فِي مَتَاعٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهُمَا بَيِّنَةٌ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتَهِمَا عَلَى الْيَمِينِ مَا كَانَ ، أَحَبَّا ذَلِكَ أَوْ كَرِهَا } قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَى الِاسْتِهَامِ هُنَا الِاقْتِرَاعُ يُرِيدُ أَنَّهُمَا يَقْتَرِعَانِ فَأَيُّهُمَا خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ حَلَفَ وَأَخَذَ مَا ادَّعَاهُ وَرُوِيَ مَا يُشْبِهُ هَذَا عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ حَنَشُ بْنُ الْمُعْتَمِرِ أُوتِيَ عَلِيٌّ بِبَغْلٍ وُجِدَ فِي السُّوقِ يُبَاعُ فَقَالَ رَجُلٌ هَذَا بَغْلِي لَمْ أَبِعْهُ وَلَمْ أَهَبْهُ قَالَ وَنَزَعَ مَا قَالَ بِخَمْسَةٍ يَشْهَدُونَ قَالَ وَجَاءَ آخَرُ يَدَّعِيهِ فَزَعَمَ أَنَّهُ بَغْلُهُ وَجَاءَ بِشَاهِدَيْنِ قَالَ فَقَالَ عَلِيٌّ إنَّ فِيهِ قَضَاءً وَصُلْحًا وَسَوْفَ أُبَيِّنُ لَكُمْ ذَلِكَ كُلَّهُ أَمَّا صُلْحُهُ أَنْ يُبَاعَ الْبَغْلُ فَيُقْسَمُ عَلَى سَبْعَةِ أَسْهُمٍ لِهَذَا خَمْسَةٌ وَلِهَذَا اثْنَانِ ، وَإِنْ لَمْ يَصْطَلِحُوا إلَّا الْقَضَاءَ فَإِنَّهُ يَحْلِفُ أَحَدُ الْخَصْمَيْنِ أَنَّهُ بَغْلُهُ مَا بَاعَهُ وَلَا وَهَبَهُ فَإِنْ تَشَاحَحْتُمَا أَيُّكُمْ يَحْلِفُ أَقْرَعْت بَيْنَكُمَا عَلَى الْحَلِفِ فَأَيُّكُمَا قَرَعَ حَلَفَ ، قَالَ قَضَى بِهَا وَأَنَا شَاهِدٌ . ( الرَّابِعَةُ ) : وَأَمَّا رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَرَضَ عَلَى قَوْمٍ الْيَمِينَ فَأَسْرَعُوا : } فَيُحْتَمَلُ أَنَّ أُولَئِكَ الْقَوْمَ لَمْ يَكُونُوا مُتَنَازِعِينَ بِحَيْثُ إنَّ كُلَّ وَاحِدٍ يَدَّعِي نَقِيضَ مَا يَدَّعِي صَاحِبُهُ بَلْ كَانُوا مُدَّعًى عَلَيْهِمْ بِأَمْرٍ وَاحِدٍ كَوَضْعِ أَيْدِيهِمْ عَلَى عَيْنٍ وَنَحْوِهَا فَأَجَابُوا بِالْإِنْكَارِ وَتَوَجَّهَتْ عَلَيْهِمْ الْيَمِينُ فَصَارُوا مُتَسَرِّعِينَ إلَى الْحَلِفِ وَلَا جَائِزَ أَنْ يَقَعَ حَلِفُهُمْ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يَقَعُ مُعْتَبَرًا بِهِ إذَا صَدَرَ بِتَلْقِينِ الْحَاكِمِ فَقَطَعَ النِّزَاعَ بَيْنَهُمْ بِالْقُرْعَةِ فَمَنْ خَرَجَتْ لَهُ الْقُرْعَةُ بُدِئَ بِهِ وَهَذَا وَاضِحٌ لَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ الْإِشْكَالُ الَّذِي فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ وَأَبِي دَاوُد وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . كِتَابُ الشَّهَادَاتِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ { لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ : } شَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ وَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ فَأَيُّنَا الَّذِي لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ ؟ قَالَ إنَّهُ لَيْسَ الَّذِي تَعْنُونَ أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ { يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاَللَّهِ إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ : } إنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ } . . كِتَابُ الشَّهَادَاتِ ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) : عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ { قَالَ لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ { الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمْ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ } شَقَّ ذَلِكَ عَلَى النَّاسِ وَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ : فَأَيُّنَا الَّذِي لَا يَظْلِمُ نَفْسَهُ ، قَالَ إنَّهُ لَيْسَ الَّذِي تَعْنُونَ أَلَمْ تَسْمَعُوا مَا قَالَ الْعَبْدُ الصَّالِحُ { يَا بُنَيَّ لَا تُشْرِكْ بِاَللَّهِ : إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } إنَّمَا هُوَ الشِّرْكُ : } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ . ( الثَّانِيَةُ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هَكَذَا وَقَعَ الْحَدِيثُ هُنَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَوَقَعَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ { لَمَّا نَزَلَتْ الْآيَةُ قَالَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّنَا لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى { إنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ } } وَأَعْلَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الظُّلْمَ الْمُطْلَقَ هُنَاكَ الْمُرَادُ بِهِ هَذَا الْمُقَيَّدُ ، وَهُوَ الشِّرْكُ فَقَالَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ لَيْسَ الظُّلْمُ عَلَى إطْلَاقِهِ وَعُمُومِهِ كَمَا ظَنَنْتُمْ إنَّمَا الشِّرْكُ كَمَا قَالَ لُقْمَانُ لِابْنِهِ فَالصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ حَمَلُوا الظُّلْمَ عَلَى عُمُومِهِ وَالْمُتَبَادَرُ إلَى الْأَفْهَامِ مِنْهُ ، وَهُوَ وَضْعُ الشَّيْءِ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، وَهُوَ مُخَالَفَةُ الشَّرْعِ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ إلَى أَنْ أَعْلَمَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمُرَادِ بِهَذَا الظُّلْمِ انْتَهَى . ( قُلْت ) : وَتَبَيَّنَ بِذَلِكَ حَمْلُ الْإِيمَانِ هُنَا عَلَى التَّصْدِيقِ فَهُوَ الَّذِي يُلْبِسُهُ أَيْ يَخْلِطُهُ وَيَمْنَعُ وُجُودَهُ الشِّرْكُ أَمَّا لَوْ حُمِلَ عَلَى الْأَعْمَالِ ، فَإِنَّهُ يَخْلِطُهَا غَيْرُ الشِّرْكِ مِنْ الظُّلْمِ وَالْمَعَاصِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) : فِيهِ أَنَّ الْمَعَاصِيَ لَا تَكُونُ كُفْرًا . ( الرَّابِعَةُ ) : لَا يَخْفَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْعَبْدِ الصَّالِحِ لُقْمَانُ ، وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِوَصْفِهِ بِذَلِكَ خَاصَّةً عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ نَبِيًّا وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ الْإِمَامُ أَبُو إِسْحَاقَ الثَّعْلَبِيُّ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ حَكِيمًا وَلَمْ يَكُنْ نَبِيًّا إلَّا عِكْرِمَةَ فَإِنَّهُ قَالَ كَانَ نَبِيًّا وَتَفَرَّدَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَأَمَّا ابْنُ لُقْمَانَ الَّذِي قَالَ لَهُ { لَا تُشْرِكْ بِاَللَّهِ } فَقِيلَ اسْمُهُ ( أَنْعَمُ ) : وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) : أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الشَّهَادَاتِ كَأَنَّهُ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ الظُّلْمِ وَالْمَعْصِيَةِ لَا يُخْرِجُ الْإِنْسَانَ عَنْ الْعَدَالَةِ وَلَا يُبْطِلُ الشَّهَادَةَ لِقَوْلِ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ { فَأَيُّنَا الَّذِي لَمْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ وَتَقْرِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ } ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنَّ الصَّغِيرَةَ إذَا لَمْ يَحْصُلْ الْإِصْرَارُ عَلَيْهَا لَا تُخْرِجُ عَنْ الْعَدَالَةِ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَيْسَ أَحَدٌ يَمْحَضُ الطَّاعَةَ حَتَّى لَا يَخْلِطَهَا بِمَعْصِيَةٍ وَلَا يَمْحَضُ الْمَعْصِيَةَ حَتَّى لَا يَخْلِطَهَا بِطَاعَةٍ فَمَنْ غَلَبَتْ طَاعَتُهُ عَلَى مَعْصِيَتِهِ فَهُوَ الْعَدْلُ وَمَنْ غَلَبَتْ مَعَاصِيهِ عَلَى طَاعَتِهِ فَهُوَ الْفَاسِقُ . ( السَّادِسَةُ ) : وَكَانَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ أَوْرَدَ أَوَّلًا هَذَا الْحَدِيثَ فِي كِتَابِ الطَّهَارَةِ لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى أَنَّ التَّشْرِيكَ فِي الْعِبَادَةِ مُفْسِدٌ لَهَا كَمَا أَنَّ التَّشْرِيكَ فِي الْأُلُوهِيَّةِ مُفْسِدٌ لِلْإِيمَانِ ثُمَّ نَقَلَهُ إلَى هَذَا الْمَوْضِعِ لِمَا ذَكَرْنَاهُ وَالِاسْتِدْلَالُ الْمَذْكُورُ أَيْضًا لَا بَأْسَ بِهِ وَالشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا الْتَزَمَ هَذِهِ التَّرَاجِمَ الْمَحْصُورَةَ الَّتِي قِيلَ فِيهَا ( إنَّهَا أَصَحُّ الْأَسَانِيدِ ) : وَقَعَتْ لَهُ فِيهَا أَحَادِيثُ لَيْسَتْ فِقْهِيَّةً فَاحْتَاجَ إلَى مِثْلِ هَذَا ، وَهُوَ فِقْهٌ دَقِيقٌ إنْ أَنْصَفْت وَتَكَلَّفْت إنْ أَسْرَفْت وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ . وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ : } . . الْحَدِيثُ الثَّانِي وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ الَّذِي يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ : } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ بِلَفْظِ { إنَّ أَشَرَّ النَّاسِ ذُو الْوَجْهَيْنِ : } وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي زُرْعَةَ بْنِ عُمَرَ وَبِلَفْظِ { تَجِدُونَ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ذَا الْوَجْهَيْنِ } الْحَدِيثَ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) : قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا حَدِيثٌ ظَاهِرُهُ كَبَاطِنِهِ وَبَاطِنُهُ كَظَاهِرِهِ فِي الْبَيَانِ عَنْ ذَمِّ مَنْ هَذِهِ حَالُهُ وَقَدْ تَأَوَّلَهُ قَوْمٌ عَلَى أَنَّهُ الَّذِي يُرَائِي بِعَمَلِهِ وَيُرِي لِلنَّاسِ خُشُوعًا وَاسْتِكَانَةً وَيُوهِمُهُمْ أَنَّهُ يَخْشَى اللَّهَ حَتَّى يُكْرِمُوهُ وَلَيْسَ الْحَدِيثُ عَلَى ذَلِكَ وَقَوْلُهُ { يَأْتِي هَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ وَهَؤُلَاءِ بِوَجْهٍ : } يَرُدُّ هَذَا التَّأْوِيلَ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { لَا يَنْبَغِي لِذِي الْوَجْهَيْنِ أَنْ يَكُونَ أَمِينًا : } وَعَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا { مِنْ كَانَ ذَا لِسَانَيْنِ فِي الدُّنْيَا جَعَلَ اللَّهُ لَهُ لِسَانَيْنِ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَارٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ : } قَالَ وَمِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَخَذَ الْقَائِلُ قَوْلَهُ : يُكَشِّرُ لِي حِينَ يَلْقَانِي وَإِنْ غِبْت شَتَمَ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَوْجِيهِ الْحَدِيثِ سَبَبُهُ ظَاهِرٌ ؛ لِأَنَّهُ نِفَاقٌ مَحْضٌ وَكَذِبٌ وَخِدَاعٌ وَتَحَيُّلٌ عَلَى اطِّلَاعِهِ عَلَى أَسْرَارِ الطَّائِفَتَيْنِ ، وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي كُلَّ طَائِفَةٍ بِمَا يُرْضِيهَا وَيُظْهِرُ لَهَا أَنَّهُ مِنْهَا فِي خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ وَهِيَ مُدَاهَنَةٌ مُحَرَّمَةٌ ثُمَّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ بَعْدَ ذَلِكَ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ بَابُ ذَمِّ ذِي الْوَجْهَيْنِ وَتَحْرِيمِ فِعْلِهِ قَالَ وَالْمُرَادُ مَنْ يَأْتِي كُلَّ طَائِفَةٍ وَيُظْهِرُ أَنَّهُ مِنْهُمْ وَمُخَالِفٌ لِلْآخَرِينَ مُبْغِضٌ فَإِنْ أَتَى كُلَّ طَائِفَةٍ بِالْإِصْلَاحِ وَنَحْوِهِ فَمَحْمُودٌ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ إنَّمَا كَانَ ذُو الْوَجْهَيْنِ مِنْ شَرِّ النَّاسِ ؛ لِأَنَّ حَالُ الْمُنَافِقِينَ إذْ هُوَ مُتَمَلِّقٌ بِالْبَاطِلِ وَبِالْكَذِبِ مُدْخِلٌ لِلْفَسَادِ بَيْنَ النَّاسِ وَالشُّرُورِ وَالتَّقَاطُعِ وَالْعُدْوَانِ وَالْبَغْضَاءِ وَالتَّنَافُرِ . ( الثَّالِثَةُ ) : ( فَإِنْ قُلْت ) : كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ الثَّابِتِ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ رَجُلًا اسْتَأْذَنَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ائْذَنُوا لَهُ فَبِئْسَ أَخُو الْعَشِيرَةِ فَلَمَّا دَخَلَ أَلَانَ لَهُ الْقَوْلَ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ قُلْت لَهُ الَّذِي قُلْت ثُمَّ أَلَنْت لَهُ الْقَوْلَ ؟ قَالَ يَا عَائِشَةُ إنَّ شَرَّ النَّاسِ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مَنْ تَرَكَهُ النَّاسُ اتِّقَاءَ فُحْشِهِ } ( قُلْت ) : لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُثْنِ عَلَيْهِ فِي وَجْهِهِ وَلَا قَالَ كَلَامًا يُضَادُّ مَا قَالَهُ فِي حَقِّهِ فِي غَيْبَتِهِ إنَّمَا تَأَلَّفَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا مَعَ لِينِ الْكَلَامِ لَهُ ، وَإِنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ تَأَلُّفًا لَهُ وَلِأَمْثَالِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَكُنْ أَسْلَمَ فِي الْبَاطِنِ حِينَئِذٍ ، وَإِنْ كَانَ قَدْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ فَبَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِيُعْرَفَ وَلَا يُغْتَرَّ بِهِ وَتَأَلَّفَهُ رَجَاءَ صِحَّةِ إيمَانِهِ وَقَدْ كَانَ مِنْهُ فِي حَيَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَعْدَهُ مَا دَلَّ عَلَى ضَعْفِ إيمَانِهِ وَارْتَدَّ مَعَ الْمُرْتَدِّينَ وَجِيءَ بِهِ أَسِيرًا إلَى أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . . ( الرَّابِعَةُ ) : أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ هُنَا لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ لَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ : لِأَنَّهُ إنْ كَانَ شَرَّ النَّاسِ أَوْ مِنْ شَرِّ النَّاسِ فَلَيْسَ مِمَّنْ يَرْضَى وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ : } وَلَا شَكَّ فِي دَلَالَةِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى تَحْرِيمِ هَذَا الْفِعْلِ ، وَأَنَّهُ كَبِيرَةٌ وَمَنْ كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ فَهُوَ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ . ( الْخَامِسَةُ ) : وَصْفُهُ بِأَنَّهُ شَرُّ النَّاسِ ذَمٌّ عَظِيمٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ يُؤَوَّلُ عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي فِيهَا { مِنْ شَرِّ النَّاسِ } وَقَدْ يُؤَوَّلُ عَلَى أَنَّهُ شَرُّ هَؤُلَاءِ النَّاسِ الْمُتَضَادِّينَ فَإِنَّ كُلَّ فِرْقَةٍ مِنْ الْفِرْقَتَيْنِ الْمُتَضَادَّتَيْنِ الْمُتَعَانِدَتَيْنِ مُجَانِبَةٌ لِلْأُخْرَى مُظْهِرَةٌ لِعَدَاوَتِهَا لَا يُتَمَكَّنُ مِنْ الِاطِّلَاعِ عَلَى أَسْرَارِهَا وَهَذَا بِفِعْلِهِ يُخَادِعُ الْفِرْقَتَيْنِ وَيَطَّلِعُ عَلَى أَسْرَارِهِمْ فَهُوَ شَرٌّ مِنْ الْفِرْقَتَيْنِ مَعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَافَسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إيَّاكُمْ : } فَذَكَرَهُ دُونَ قَوْلِهِ { وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا : } وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ } . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَعَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا تَنَافَسُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَدَابَرُوا وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إيَّاكُمْ } فَذَكَرُوهُ دُونَ قَوْلِهِ { وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا : } الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَعَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا تَبَاغَضُوا وَلَا تَحَاسَدُوا وَلَا تَدَابَرُوا : وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا وَلَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ } ( فِيهِمَا ) : فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ طُرُقٌ أُخْرَى ، وَالْحَدِيثُ الثَّانِي أَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد أَيْضًا وَرَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ جَمَاعَةٌ وَلَفْظُ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى عَنْ مَالِكٍ { أَنْ يُهَاجِرَ : } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَسَائِرُ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ يَقُولُونَ { يَهْجُرُ : } قَالَ وَقَدْ زَادَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكٍ { وَلَا تَنَافَسُوا : } وَقَالَ حَمْزَةُ الْكِنَانِيُّ : لَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ مَالِكٍ { وَلَا تَنَافَسُوا : } غَيْرَ سَعِيدِ بْنِ أَبِي مَرْيَمَ وَقَدْ رَوَى هَذِهِ اللَّفْظَةَ { وَلَا تَنَافَسُوا : } عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَنَسٍ وَعَدَّ الْخَطِيبُ ذَلِكَ مِنْ الْمُدْرَجِ وَقَالَ قَدْ وَهِمَ فِيهَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَلَى مَالِكٍ ، وَإِنَّمَا يَرْوِيهَا مَالِكٌ فِي حَدِيثِهِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ . ( الثَّانِيَةُ ) : قَوْلُهُ { إيَّاكُمْ وَالظَّنَّ فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ : } قَالَ الْخَطَّابِيُّ يُرِيدُ إيَّاكُمْ وَسُوءَ الظَّنِّ وَتَحْقِيقَهُ دُونَ مَبَادِئِ الظُّنُونِ الَّتِي لَا تُمْلَكُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَمُرَادُ الْخَطَّابِيِّ أَنَّ الْمُحَرَّمَ مِنْ الظَّنِّ مَا يُصِرُّ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ وَيَسْتَمِرُّ فِي قَلْبِهِ دُونَ مَا يَعْرِضُ فِي الْقَلْبِ وَلَا يَسْتَقِرُّ فَإِنَّ هَذَا لَا يُكَلَّفُ بِهِ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ { تَجَاوَزَ اللَّهُ تَعَالَى عَمَّا تَحَدَّثَتْ بِهِ الْأُمَّةُ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَتَكَلَّمْ أَوْ تَعْمَلْ } وَسَبَقَ تَأْوِيلُهُ عَلَى الْخَوَاطِرِ الَّتِي لَا تَسْتَقِرُّ وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ أَنَّ الظَّنَّ الَّذِي يَأْثَمُ بِهِ أَنْ يَظُنَّ ظَنًّا وَيَتَكَلَّمَ بِهِ فَإِنْ لَمْ يَتَكَلَّمْ لَمْ يَأْثَمْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ الْحُكْمُ فِي الشَّرْعِ بِالظَّنِّ الْمُجَرَّدِ دُونَ بِنَاءٍ عَلَى أَصْلٍ وَلَا تَحْقِيقِ نَظَرٍ وَاسْتِدْلَالٍ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ . . ( الثَّالِثَةُ ) : قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ الظَّنُّ هُنَا هُوَ التُّهْمَةُ وَمَحَلُّ التَّحْذِيرِ وَالنَّهْيِ إنَّمَا هُوَ تُهْمَةٌ لَا سَبَبَ لَهَا بِوَجْهٍ كَمَنْ يُتَّهَمُ بِالْفَاحِشَةِ أَوْ بِشُرْبِ الْخَمْرِ وَلَمْ يَظْهَرْ عَلَيْهِ مَا يَقْتَضِي ذَلِكَ وَدَلِيلُ كَوْنِ الظَّنِّ هُنَا بِمَعْنَى التُّهْمَةِ قَوْلُهُ بَعْدَ هَذَا { وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا : } وَذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ لَهُ خَاطِرُ التُّهْمَةِ ابْتِدَاءً فَيُرِيدُ أَنْ يَتَجَسَّسَ خَبَرَ ذَلِكَ وَيَبْحَثَ عَنْهُ وَيَتَبَصَّرَ وَيَتَسَمَّعَ لِيُحَقِّقَ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ تِلْكَ التُّهْمَةِ فَنَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ { إذَا ظَنَنْت فَلَا تُحَقِّقْ : } وَقَالَ تَعَالَى { وَظَنَنْتُمْ ظَنَّ السَّوْءِ وَكُنْتُمْ قَوْمًا بُورًا } وَذَلِكَ أَنَّ الْمُنَافِقِينَ تَطَيَّرُوا بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِأَصْحَابِهِ حِينَ انْصَرَفُوا إلَى الْحُدَيْبِيَةِ فَقَالُوا إنَّ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ أَكْلَةُ رَأْسٍ فَلَنْ يَرْجِعُوا إلَيْكُمْ أَبَدًا فَذَلِكَ ظَنُّهُمْ السَّيِّئّ الَّذِي وَبَّخَهُمْ اللَّهُ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مِنْ نَوْعِ مَا نَهَى الشَّرْعُ عَنْهُ إلَّا أَنَّهُ أَقْبَحُ النَّوْعِ فَأَمَّا الظَّنُّ الشَّرْعِيُّ الَّذِي هُوَ تَغْلِيبُ أَحَدِ الْمُجَوَّزَيْنِ أَوْ بِمَعْنَى الْيَقِينِ فَغَيْرُ مُرَادٍ مِنْ الْحَدِيثِ وَلَا مِنْ الْآيَةِ يَقِينًا فَلَا يُلْتَفَتُ لِمَنْ اسْتَدَلَّ بِذَلِكَ عَلَى إنْكَارِ الظَّنِّ الشَّرْعِيِّ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي الْأُصُولِ . ( الرَّابِعَةُ ) : هَذَا الْحَدِيثُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } وَقَدْ تَبَيَّنَ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْمُرَادَ بِالظَّنِّ فِي الْحَدِيثِ بَعْضُهُ لِقَوْلِهِ { اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ : } وَالْمُرَادُ انْتِهَاكُ أَعْرَاضِ الْمُسْلِمِينَ بِظَنِّ السَّوْءِ فِيهِمْ وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ سِيَاقَ الْآيَةِ يَدُلُّ عَلَى غَايَةِ صَوْنِ الْأَعْرَاضِ ؛ لِأَنَّهُ تَعَالَى نَهَى عَنْ الْخَوْضِ فِي ذَلِكَ بِالظَّنِّ ، فَقَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ أَنَا لَا أَقُولُ بِالظَّنِّ وَلَكِنْ أَتَجَسَّسُ فَأَتَكَلَّمُ عَنْ تَحْقِيقٍ فَقَالَ تَعَالَى { وَلَا تَجَسَّسُوا } وَقَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ لَا أَتَجَسَّسُ بَلْ ظَهَرَ لِي هَذَا الْأَمْرُ وَتَحْقِيقُهُ مِنْ غَيْرِ تَجَسُّسٍ فَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا } . ( الْخَامِسَةُ ) : قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ احْتَجَّ قَوْمٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَمِثْلِهِ فِي إبْطَالِ الذَّرَائِعِ فِي الْبُيُوعِ وَغَيْرِهَا قَالُوا وَأَحْكَامُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْحَقَائِقِ لَا عَلَى الظُّنُونِ فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقُولَ إنَّمَا أَرَدْت بِهَذَا الْبَيْعِ كَذَا بِخِلَافِ ظَاهِرِهِ لِإِنْكَارِ فَاعِلِهِ أَنَّهُ أَرَادَهُ ثُمَّ ذَكَرَ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ مُسْلِمٍ يَسْمَعُ مِنْ أَخِيهِ كَلِمَةً أَنْ يَظُنَّ بِهَا سُوءًا ، وَهُوَ يَجِدُ لَهَا فِي شَيْءٍ مِنْ الْخَيْرِ مَصْدَرًا . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَمِنْ حُجَّةِ مَنْ ذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ بِالذَّرَائِعِ وَهُمْ أَصْحَابُ الرَّأْيِ مِنْ الْكُوفِيِّينَ وَمَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ مِنْ الْمَدَنِيِّينَ مِنْ جِهَةِ الْأَثَرِ حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي قِصَّةِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ، وَهُوَ حَدِيثٌ يَدُورُ عَلَى امْرَأَةٍ مَجْهُولَةٍ وَلَيْسَ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِحُجَّةٍ . ( السَّادِسَةُ ) : إنْ قُلْت كَيْفَ يَكُونُ الظَّنُّ أَكْذَبَ الْحَدِيثِ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنْ يَكُونَ التَّعَمُّدُ الَّذِي لَا يَسْتَنِدُ إلَى ظَنٍّ أَصْلًا أَشَدَّ فِي الْكَذِبِ وَأَبْلَغَ فَهُوَ حِينَئِذٍ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ ( قُلْت ) : لَعَلَّ الْمُرَادَ الْحَدِيثُ الَّذِي لَهُ اسْتِنَادٌ إلَى شَيْءٍ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ الشَّيْءَ لَا يَجُوزُ الِاسْتِنَادُ إلَيْهِ وَلَا الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ فَبُولِغَ فِيمَا كَانَ كَذَلِكَ بِأَنْ جُعِلَ أَكْذَبَ الْحَدِيثِ زَجْرًا عَنْهُ وَتَنْفِيرًا ؛ وَأَمَّا الِاخْتِلَاقُ النَّاشِئُ عَنْ تَعَمُّدٍ فَأَمْرُهُ وَاضِحٌ . . ( السَّابِعَةُ ) : قَوْلُهُ { وَلَا تَحَسَّسُوا وَلَا تَجَسَّسُوا : } الْأَوَّلُ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالثَّانِي بِالْجِيمِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَكِلَاهُمَا بِتَشْدِيدِ السِّينِ الْأُولَى وَفِيهِمَا مَعًا حَذْفُ إحْدَى التَّاءَيْنِ ، وَأَصْلُهُ وَلَا تَتَحَسَّسُوا وَلَا تَتَجَسَّسُوا فَحُذِفَتْ إحْدَاهُمَا تَخْفِيفًا وَاخْتُلِفَ فِي التَّحَسُّسِ وَالتَّجَسُّسِ فَذَهَبَ الْخَطَّابِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُمَا إلَى أَنَّهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا عَلَى سَبِيلِ التَّأْكِيدِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ لَا تَبْحَثُوا عَنْ عُيُوبِ النَّاسِ وَلَا تَتَّبِعُوا أَخْبَارَهُمْ وَالتَّحَسُّسُ طَلَبُ الْخَيْرِ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { يَا بَنِيَّ اذْهَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيهِ : } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ الْبَحْثُ وَالتَّطَلُّبُ لِمَعَايِبِ النَّاسِ وَمَسَاوِئِهِمْ إذَا غَابَتْ وَاسْتُرِيبَتْ ، وَأَصْلُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي اللُّغَةِ مِنْ قَوْلِك حَسَّ الثَّوْبَ أَيْ أَدْرَكَهُ بِحِسِّهِ وَجَسَّهُ مِنْ الْمَحَسَّةِ وَالْمَجَسَّةِ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّ مَعْنَاهُمَا مُخْتَلِفٌ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ إنَّ ذَلِكَ أَشْهَرُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ التَّحَسُّسُ بِالْحَاءِ الِاسْتِمَاعُ لِحَدِيثِ الْقَوْمِ وَبِالْجِيمِ الْبَحْثُ عَنْ الْعَوْرَاتِ وَقِيلَ بِالْجِيمِ التَّفْتِيشُ عَنْ بَوَاطِنِ الْأُمُورِ وَأَكْثَرُ مَا يُقَالُ فِي الشَّرِّ ، وَالْجَاسُوسُ صَاحِبُ سِرِّ الشَّرِّ وَالنَّامُوسُ صَاحِبُ سِرِّ الْخَيْرِ ، وَبِالْحَاءِ الْبَحْثُ عَمَّا يُدْرَكُ بِالْحِسِّ بِالْعَيْنِ أَوْ الْأُذُنِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ إنَّهُ أَعْرَفُ وَقِيلَ بِالْجِيمِ أَنْ تَطْلُبَ لِغَيْرِك وَبِالْحَاءِ أَنْ تَطْلُبَ لِنَفْسِك قَالَهُ ثَعْلَبٌ . ( الثَّامِنَةُ ) : فِيهِ تَحْرِيمُ التَّحَسُّسِ ، وَهُوَ الْبَحْثُ عَنْ مَعَايِبِ النَّاسِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْمَاضِينَ وَالْعَصْرِيِّينَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَذَلِكَ حَرَامٌ كَالْغِيبَةِ أَوْ أَشَدُّ مِنْ الْغِيبَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ } الْآيَةَ قَالَ فَالْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ وَرَدَا جَمِيعًا بِأَحْكَامِ هَذَا الْمَعْنَى ، وَهُوَ قَدْ اُشْتُهِرَ فِي زَمَانِنَا فَإِنَّا لِلَّهِ ، وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ وَهْبٍ قَالَ أُتِيَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَقِيلَ لَهُ هَذَا فُلَانٌ تَقْطُرُ لِحْيَتُهُ خَمْرًا فَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ إنَّا قَدْ نُهِينَا عَنْ التَّجَسُّسِ وَلَكِنْ أَنْ يَظْهَرَ لَنَا مِنْهُ شَيْءٌ نَأْخُذُ بِهِ ، قَالَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي قَوْله تَعَالَى { وَلَا تَجَسَّسُوا } قَالَ خُذُوا مَا ظَهَرَ وَدَعُوا مَا سَتَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى . . ( التَّاسِعَةُ ) : قَوْلُهُ { وَلَا تَنَافَسُوا : } هُوَ بِحَذْفِ إحْدَى التَّاءَيْنِ أَيْضًا وَأَصْلُهُ تَتَنَافَسُوا وَمَعْنَى التَّنَافُسِ الرَّغْبَةُ فِي الشَّيْءِ وَفِي الِانْفِرَادِ بِهِ قَالَهُ النَّوَوِيُّ قَالَ وَقِيلَ مَعْنَى الْحَدِيثِ التَّمَادِي فِي الرَّغْبَةِ فِي الدُّنْيَا وَأَسْبَابِهَا وَحُظُوظِهَا انْتَهَى . وَأَمَّا التَّنَافُسُ فِي الْخَيْرِ فَمَأْمُورٌ بِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى { وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ : } أَيْ فِي الْجَنَّةِ وَثَوَابِهَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَكَأَنَّ الْمُنَافَسَةَ هِيَ الْغِبْطَةُ وَقَدْ أَبْعَدَ مَنْ فَسَّرَهَا بِالْحَسَدِ لَا سِيَّمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنَّهُ قَدْ قَرَنَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْحَسَدِ فِي سِيَاقٍ وَاحِدٍ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا أَمْرَانِ مُتَغَايِرَانِ . . ( الْعَاشِرَةُ ) : فِيهِ النَّهْيُ عَنْ الْحَسَدِ ، وَهُوَ تَمَنِّي زَوَالِ النِّعْمَةِ وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا حَسَدَ إلَّا فِي اثْنَتَيْنِ رَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ وَرَجُلٌ آتَاهُ اللَّهُ مَالًا فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ } فَقَدْ تُجُوِّزَ فِيهِ بِإِطْلَاقِ الْحَسَدِ عَلَى هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ وَالْوَاقِعُ فِيهِمَا لَيْسَ حَسَدًا حَقِيقَةً ، وَإِنَّمَا هُوَ غِبْطَةٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَتَمَنَّ زَوَالَ تِلْكَ الْخَصْلَةِ عَنْ ذَلِكَ الشَّخْصِ ، وَإِنَّمَا تَمَنَّى أَنْ يَكُونَ لَهُ مِثْلُهَا وَهَذَا لَيْسَ حَسَدًا وَلَوْ كَانَ فِي الْأَمْوَالِ وَأُمُورِ الدُّنْيَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) : إنْ قُلْت إذَا وَقَعَ فِي خَاطِرِ إنْسَانٍ كَرَاهَةُ آخَرَ بِحَيْثُ بَلَغَتْ بِهِ كَرَاهَتُهُ إلَى أَنْ يَتَمَنَّى زَوَالَ نِعْمَتِهِ لَكِنَّهُ لَمْ يُشِعْ ذَلِكَ وَلَا أَظْهَرَهُ وَلَا رَتَّبَ عَلَيْهِ مُقْتَضَاهُ كَيْفَ يَكُونُ مَأْثُومًا بِذَلِكَ ، وَقَدْ عَرَفَ أَنَّ الْخَوَاطِرَ مَرْفُوعَةٌ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ ( قُلْت ) : إذَا لَمْ يَسْتَرْسِلْ فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَتَسَبَّبْ فِي تَأْكِيدِ أَسْبَابِ الْكَرَاهَةِ الْمُؤَدِّيَةِ لِذَلِكَ وَكَانَ مَعَ هَذَا التَّمَنِّي بِحَيْثُ لَوْ تَمَكَّنَ مِنْ إزَالَةِ تِلْكَ النِّعْمَةِ لَمْ يُزِلْهَا وَلَمْ يَسْعَ فِي إخْرَاجِهَا عَنْهُ ، وَإِنَّمَا عِنْدَهُ خَوَاطِرُ لَا يَقْدِرُ عَلَى دَفْعِهَا وَلَا يَسْعَى فِي تَنْفِيذِ مَقْصُودِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَكُونَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ حَرَجٌ وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ لَيْسَ أَحَدٌ مِنْ وَلَدِ آدَمَ إلَّا وَقَدْ خُلِقَ مَعَهُ الْحَسَدُ فَمَنْ لَمْ يُجَاوِزْ ذَلِكَ إلَى الْبَغْيِ وَالظُّلْمِ لَمْ يَتْبَعْهُ مِنْهُ شَيْءٌ ثُمَّ قَالَ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِسْنَادٍ لَا أَحْفَظُهُ فِي وَقْتِي هَذَا أَنَّهُ قَالَ { إذَا حَسَدْتُمْ فَلَا تَبْغُوا ، وَإِذَا ظَنَنْتُمْ فَلَا تُحَقِّقُوا ، وَإِذَا تَطَيَّرْتُمْ فَامْضُوا وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا : } ثُمَّ قَالَ وَذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيَّةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ثَلَاثٌ لَا يَسْلَمُ مِنْهَا أَحَدٌ الطِّيَرَةُ وَالظَّنُّ وَالْحَسَدُ ، قِيلَ فَمَا الْمَخْرَجُ مِنْهُنَّ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إذَا تَطَيَّرْت فَلَا تَرْجِعْ ، وَإِذَا ظَنَنْت فَلَا تُحَقِّقْ ، وَإِذَا حَسَدْت فَلَا تَبْغِ : } . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) : قَوْلُهُ { وَلَا تَبَاغَضُوا } أَيْ لَا تَتَعَاطَوْا أَسْبَابَ الْبُغْضِ ؛ لِأَنَّ الْحُبَّ وَالْبُغْضَ مَعَانٍ قَلْبِيَّةٌ لَا قُدْرَةَ لِلْإِنْسَانِ عَلَى اكْتِسَابِهَا وَلَا يَمْلِكُ التَّصَرُّفَ فِيهَا كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اللَّهُمَّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ : } يَعْنِي الْحُبَّ وَالْبُغْضَ قَالَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ قَالَ الْقَاضِي قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْمَعَانِي { تَبَاغَضُوا : } إشَارَةٌ إلَى النَّهْيِ عَنْ الْأَهْوَاءٍ الْمُضِلَّةِ الْمُوجِبَةِ لِلتَّبَاغُضِ . . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) : قَوْلُهُ { وَلَا تَدَابَرُوا : } قَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ لَا تُهَاجِرُوا بِالتَّصَارُمِ مَأْخُوذٌ مِنْ الرَّجُلِ دَبَرَهُ أَخَاهُ إذَا رَآهُ وَإِعْرَاضُهُ عَنْهُ . وَقَالَ الْمُؤَرِّخُ قَوْلُهُ { وَلَا تَدَابَرُوا : } مَعْنَاهُ تَوْلِيَةُ أَنِيبُوا وَلَا تَسْتَأْثِرُوا وَاحْتَجَّ بِقَوْلِ الْأَعْشَى وَمُسْتَدْبِرٌ بِاَلَّذِي عِنْدَهُ عَنْ الْعَاذِلَاتِ وَإِرْشَادِهَا وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّمَا قِيلَ لِلْمُسْتَأْثِرِ مُسْتَدْبِرًا ؛ لِأَنَّهُ يُوَلِّي عَنْ أَصْحَابِهِ إذَا اسْتَأْثَرَ بِشَيْءٍ دُونَهُمْ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ التَّدَابُرُ الْمُعَادَاةُ يُقَالُ دَابَرْتُ الرَّجُلَ عَادَيْته وَقِيلَ مَعْنَاهُ لَا تُقَاطِعُوا وَلَا تُهَاجِرُوا ؛ لِأَنَّ الْمُهَاجِرَيْنِ إذَا وَلَّى أَحَدُهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ فَقَدْ وَلَّاهُ دُبُرَهُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ التَّدَابُرُ الْإِعْرَاضُ وَتَرْكُ الْكَلَامِ وَالسَّلَامِ وَنَحْوِ هَذَا ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِلْإِعْرَاضِ تَدَابُرٌ ؛ لِأَنَّ مَنْ أَبْغَضْته أَعْرَضْت عَنْهُ وَمَنْ أَعْرَضْت عَنْهُ وَلَّيْته دُبُرَك ، وَكَذَلِكَ يَصْنَعُ هُوَ بِك وَمَنْ أَحْبَبْته أَقْبَلْت عَلَيْهِ وَوَاجِهَته تَسُرُّهُ وَيَسُرُّك فَمَعْنَى تَدَابَرُوا وَتَقَاطَعُوا وَتَبَاغَضُوا مَعْنًى مُتَدَاخِلٌ مُتَقَارِبٌ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قِيلَ { لَا تَدَابَرُوا } أَيْ لَا تَخَاذَلُوا وَلَا يَبْغِي بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ الْغَوَائِلَ بَلْ تَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ { لَا تَدَابَرُوا } أَيْ لَا تَفْعَلُوا فِعْلَ الْمُتَبَاغِضِينَ الَّذِينَ يُدْبِرُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ الْآخَرِ أَيْ يُوَلِّيهِ دُبُرَهُ فِعْلَ الْمُعْرِضِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ تَضَمَّنَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُبْغِضَ الْمُسْلِمُ أَخَاهُ وَلَا يُدْبِرَ عَنْهُ بِوَجْهِهِ إذَا رَآهُ وَلَا يَقْطَعَهُ بَعْدَ صُحْبَتِهِ لَهُ فِي غَيْرِ حُرْمَةٍ أَوْ فِي حُرْمَةٍ يَجُوزُ لَهُ الْعَفْوُ عَنْهُ وَلَا يَحْسُدُهُ عَلَى نِعْمَةِ اللَّهِ عِنْدَهُ حَسَدًا يُؤْذِيهِ بِهِ وَلَا يُنَافِسُهُ فِي دُنْيَاهُ وَحَسْبُهُ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ . . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) : قَوْلُهُ { وَكُونُوا عِبَادَ اللَّهِ إخْوَانًا : } قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ أَيْ كُونُوا كَإِخْوَانِ النَّسَبِ فِي الشَّفَقَةِ وَالْمَحَبَّةِ وَالرَّحْمَةِ وَالْمُوَاسَاةِ وَالْمُعَاوَنَةِ وَالنَّصِيحَةِ وَقَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي الصَّحِيحِ { كَمَا أَمَرَكُمْ اللَّهُ : } يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ هَذَا الْأَمْرَ الَّذِي هُوَ قَوْلُهُ كُونُوا إخْوَانًا ؛ لِأَنَّ أَمْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هُوَ أَمْرُ اللَّهِ ، وَهُوَ مُبَلِّغٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إخْوَةٌ : } فَإِنَّهُ خَبَرٌ عَنْ الْمَشْرُوعِيَّةِ الَّتِي يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُوا عَلَيْهَا فَفِيهَا مَعْنَى الْأَمْرِ . . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) : قَوْلُهُ { لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثِ لَيَالٍ : } قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَحْرِيمُ الْهِجْرَةِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثِ لَيَالٍ وَإِبَاحَتُهَا فِي الثَّلَاثِ الْأُوَلِ بِنَصِّ الْحَدِيثِ وَالثَّانِي بِمَفْهُومِهِ قَالُوا ، وَإِنَّمَا عُفِيَ عَنْهَا فِي الثَّلَاثِ ؛ لِأَنَّ الْآدَمِيَّ مَجْبُولٌ عَلَى الْغَضَبِ وَسُوءِ الْخُلُقِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَعُفِيَ عَنْ الْهِجْرَةِ فِي الثَّلَاثِ لِيَذْهَبَ ذَلِكَ الْعَارِضُ وَقِيلَ إنَّ الْحَدِيثَ لَا يَقْتَضِي إبَاحَةَ الْهِجْرَةِ ثَلَاثًا وَهَذَا عَلَى مَذْهَبِ مَنْ يَقُولُ لَا يُحْتَجُّ بِالْمَفْهُومِ وَدَلِيلِ الْخِطَابِ ( قُلْت ) : وَقَدْ وَرَدَ فِي ذَلِكَ مِنْ التَّشْدِيدِ مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { فَمَنْ هَجَرَ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَمَاتَ دَخَلَ النَّارَ } . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) : قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ الْمُعْتَبَرُ ثَلَاثُ لَيَالٍ فَإِنْ بَدَأَ بِالْهِجْرَةِ فِي بَعْضِ يَوْمٍ فَلَهُ أَنْ يُلْغِيَ ذَلِكَ الْبَعْضَ وَيَعْتَبِرَ لَيْلَةَ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَيَكُونُ أَوَّلُ الزَّمَانِ الَّذِي أُبِيحَتْ فِيهِ الْهِجْرَةُ تَمَّ بِانْفِصَالِ اللَّيْلَةِ الثَّالِثَةِ ( قُلْت ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ ثَلَاثُ لَيَالٍ بِأَيَّامِهَا فَإِنَّ الْعَرَبَ تُؤَرِّخُ بِاللَّيَالِيِ وَالْأَيَّامُ تَبَعٌ لَهَا وَلَيْسَتْ اللَّيَالِي مَقْصُودَهُ فِي الْكَلَامِ فِيهَا فَإِنَّ اللَّيَالِيَ لَيْسَتْ مَحَلَّ الْكَلَامِ غَالِبًا ، وَإِنَّمَا يَظْهَرُ أَثَرُ التَّهَاجُرِ فِي وَقْتِ اجْتِمَاعِ النَّاسِ وَلِقَاءِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا ، وَهُوَ النَّهَارُ غَالِبًا فَإِذَا بَدَأَ بِالْهِجْرَةِ مِنْ وَقْتِ الظُّهْرِ يَوْمَ السَّبْتِ اسْتَمَرَّ جَوَازُهَا إلَى ظُهْرِ يَوْمِ الثُّلَاثَاءِ كَمَا قَالُوهُ فِي مُدَّةِ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ لِلْمُسَافِرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) : هَذَا التَّحْرِيمُ مَحَلُّهُ فِي هِجْرَانٍ يَنْشَأُ عَنْ غَضَبٍ لِأَمْرٍ جَائِزٍ لَا تَعَلُّقَ لَهُ بِالدِّينِ فَأَمَّا الْهِجْرَانُ لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ مِنْ مَعْصِيَةٍ أَوْ بِدْعَةٍ فَلَا مَنْعَ مِنْهُ وَقَدْ { أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِجْرَانِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَهِلَالِ بْنِ أُمَيَّةَ وَمُرَارَةَ بْنِ الرَّبِيعِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَفِي حَدِيثِ كَعْبٍ هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ جَائِزٌ أَنْ يَهْجُرَ الْمَرْءُ أَخَاهُ إذَا بَدَتْ لَهُ مِنْهُ بِدْعَةٌ أَوْ فَاحِشَةٌ يَرْجُو أَنْ يَكُونَ هِجْرَانُهُ تَأْدِيبًا لَهُ وَزَجْرًا عَنْهَا وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فَأَمَّا الْهِجْرَانُ لِأَجْلٍ الْمَعَاصِي وَالْبِدْعَةِ فَوَاجِبٌ اسْتِصْحَابُهُ إلَى أَنْ يَتُوبَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يُخْتَلَفُ فِي هَذَا وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ فَوْقَ ثَلَاثٍ إلَّا أَنْ يَخَافَ مِنْ مُكَالَمَتِهِ وَصِلَتِهِ مَا يُفْسِدُ عَلَيْهِ دِينَهُ أَوْ يُوَلِّدُ بِهِ عَلَى نَفْسِهِ مَضَرَّةً فِي دِينِهِ أَوْ دُنْيَاهُ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ رُخِّصَ لَهُ فِي مُجَانَبَتِهِ وَرُبَّ صَرْمٍ جَمِيلٍ خَيْرٌ مِنْ مُخَالَطَةٍ مُؤْذِيَةٍ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فَأَمَّا هِجْرَانُ الْوَالِدِ الْوَلَدَ وَالزَّوْجِ الزَّوْجَةَ وَمَنْ كَانَ فِي مَعْنَاهُمَا فَلَا يَضِيقُ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ وَقَدْ { هَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نِسَاءَهُ شَهْرًا } . ( الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ ) : قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ وَتَزُولُ الْهِجْرَةُ بِمُجَرَّدِ سَلَامِهِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ : } وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ لَا يَزُولُ بِمُجَرَّدِ ذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ أَنْ يَعُودَ مَعَهُ إلَى الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا مِنْ الْكَلَامِ وَالْإِقْبَالِ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إنْ كَانَ يُؤْذِيهِ لَمْ يَقْطَعْ السَّلَامُ هِجْرَتَهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَعِنْدَنَا أَنَّهُ إذَا اعْتَزَلَ كَلَامَهُ لَمْ تُقْبَلْ شَهَادَتُهُ عَلَيْهِ ، وَإِنْ سَلَّمَ عَلَيْهِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ كَاتَبَهُ أَوْ رَاسَلَهُ عِنْدَ غَيْبَتِهِ عَنْهُ هَلْ يَزُولُ إثْمُ الْهِجْرَةِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَمْ يُكَلِّمْهُ وَأَصَحُّهُمَا يَزُولُ لِزَوَالِ تِلْكَ الْوَحْشَةِ . ( التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ قَوْلُهُ { لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ : } قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَقُولُ الْكُفَّارُ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِهَا وَإِنَّمَا قُيِّدَ بِالْمُسْلِمِ ؛ لِأَنَّهُ الَّذِي يَقْبَلُ خِطَابَ الشَّرْعِ وَيَنْتَفِعُ بِهِ . . ( الْعِشْرُونَ ) : قَوْلُهُ { أَنْ يَهْجُرَ أَخَاهُ : } يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لَهُ هِجْرَانَ الْكَافِرِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ لَا مُوَالَاةَ وَلَا مُنَاصَرَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ . ( الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) : أَوْرَدَ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ هُنَا لِلِاسْتِدْلَالِ بِهِمَا عَلَى أَنَّ مَنْ خَالَفَ ذَلِكَ وَاتَّصَفَ بِغَيْرِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَوْصَافِ كَانَتْ شَهَادَتُهُ مَرْدُودَةً إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا عَلَى مَنْ عَادَاهُ وَأَبْغَضَهُ ، وَهَذَا الِاسْتِدْلَال يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى ضَمِيمَةٍ أُخْرَى ، وَهِيَ أَنَّ مُرْتَكِبَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ مَرْدُودُ الشَّهَادَةِ إمَّا مُطْلَقًا وَإِمَّا مَعَ ضَمِيمَةِ الْإِصْرَارِ وَكَوْنِ ذَلِكَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ كَبِيرَةً وَاقْتَدَى الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ بِأَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ حَيْثُ عَدُّوا الْكَبَائِرَ وَالصَّغَائِرَ فِي كِتَابِ الشَّهَادَاتِ . ( بَابُ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ ) : عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِيُسَلِّمَ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ : } لَمْ يَقُلْ مُسْلِمٌ { الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالْمَارُّ : } وَإِنَّمَا قَالَ { الْمَاشِي : } وَلَهُمَا فِي رِوَايَةٍ { يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي : } . بَابُ السَّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) : عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِيُسَلِّمَ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ وَالْمَارُّ عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ : } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَالْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ بِلَفْظِ { يُسَلِّمُ } وَكَذَلِكَ عَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ بِهَذَا اللَّفْظِ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ ثَابِتٍ مَوْلَى عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ بِلَفْظِ { يُسَلِّمُ الرَّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلُ عَلَى الْكَثِيرِ } وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْحَسَنِ قَدْ رُوِيَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَيُونُسُ بْنُ عُبَيْدٍ وَعَلِيُّ بْنُ زَيْدٍ إنَّ الْحَسَنَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) : قَدْ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ عَلَى أَرْبَعَةِ أُمُورٍ تَسْلِيمُ الرَّاكِبِ عَلَى الْمَاشِي وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ وَالْقَلِيلِ عَلَى الْكَثِيرِ وَالصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ فَأَمَّا تَسْلِيمُ الرَّاكِبِ عَلَى الْمَاشِي فَقَالَ الْمَازِرِيُّ فِي تَعْلِيلِهِ ذَلِكَ لِفَضْلِ الرَّاكِبِ عَلَيْهِ مِنْ بَابِ الدُّنْيَا فَعَدَلَ الشَّرْعُ بِأَنْ جَعَلَ لِلْمَاشِي فَضِيلَةَ أَنْ يُبْدَأَ وَاحْتِيَاطًا عَلَى الرَّاكِبِ مِنْ الْكِبْرِ وَالزَّهْوِ إذَا حَازَ الْفَضِيلَتَيْنِ قَالَ : وَلِهَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا . وَأَمَّا تَسْلِيمُ الْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ فَقَالَ الْمَازِرِيُّ لَمْ أَرَ فِي تَعْلِيلِهِ نَصًّا وَقَدْ يُحْتَمَلُ أَنْ يَجْرِيَ فِي تَعْلِيلِهِ عَلَى هَذَا الْأُسْلُوبِ فَيُقَالُ إنَّ الْقَاعِدَ قَدْ يَتَوَقَّعُ شَرًّا مِنْ الْوَارِدِ عَلَيْهِ أَوْ يُوجِسُ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً فَإِذَا ابْتَدَأَهُ بِالسَّلَامِ أَنِسَ إلَيْهِ ؛ وَلِأَنَّ التَّصَرُّفَ وَالتَّرَدُّدَ فِي الْحَاجَاتِ الدُّنْيَوِيَّةِ وَامْتِهَانُ النَّفْسِ فِيهَا يُنْقِصُ مِنْ مَرْتَبَةِ الْمُتَمَاوِتِينَ الْآخِذِينَ بِالْعُذَلَةِ تَوَرُّعًا فَصَارَ لِلْقَاعِدِينَ مِنْ الْمَزِيَّةِ فِي بَابِ الدَّيْنِ ؛ فَلِهَذَا أَمَرَ بِبُدَاءَتِهِمْ ؛ أَوْ لِأَنَّ الْقَاعِدَ يَشُقُّ عَلَيْهِ مُرَاعَاةُ الْمَارِّينَ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَالتَّشَوُّفِ إلَيْهِمْ فَسَقَطَتْ الْبُدَاءَةُ عَنْهُ وَأَمَرَ بِهَا الْمَارَّ لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِ . وَهَذَّبَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هَذِهِ الْمَعَانِيَ الْمَذْكُورَةَ مَعَ اخْتِصَارٍ فَقَالَ : وَأَمَّا الْمَاشِي فَقَدْ قِيلَ فِيهِ مِثْلُ ذَلِكَ أَيْ مِثْلُ مَا قِيلَ فِي الرَّاكِبِ مِنْ عُلُوِّ مَرْتَبَتِهِ وَأَنَّهُ أَبْعَدُ لَهُ عَنْ الزَّهْوِ قَالَ : وَفِيهِ بُعْدٌ إذْ الْمَاشِي لَا يَزْهُو بِمَشْيِهِ غَالِبًا وَقِيلَ هُوَ مُعَلَّلٌ بِأَنَّ الْقَاعِدَ قَدْ يَقَعُ لَهُ خَوْفٌ مِنْ الْمَاشِي فَإِذَا بَدَأَهُ بِالسَّلَامِ أَمِنَ ذَلِكَ وَهَذَا أَيْضًا بَعِيدٌ إذْ لَا خُصُوصِيَّةَ لِلْخَوْفِ بِالْقَاعِدِ فَقَدْ يَخَافُ الْمَاشِي مِنْ الْقَاعِدِ وَأَشْبَهَ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ إنَّ الْقَاعِدَ عَلَى حَالِ وَقَارٍ وَسُكُونٍ وَثُبُوتٍ فَلَهُ بِذَلِكَ مَزِيَّةٌ عَلَى الْمَاشِي ؛ لِأَنَّ عَلَى الْعَكْسِ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى . وَأَمَّا تَسْلِيمُ الْقَلِيلِ عَلَى الْكَثِيرِ فَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا الْفَضِيلَةُ لِلْجَمَاعَةِ ؛ وَلِهَذَا قَالَ الشَّرْعُ { عَلَيْكُمْ بِالسَّوَادِ الْأَعْظَمِ } . { وَيَدُ اللَّهِ مَعَ الْجَمَاعَةِ : } فَأَمَرَ بِبُدَاءَتِهِمْ لِفَضْلِهِمْ ؛ أَوْ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا بَدَءُوا الْوَاحِدَ خِيفَ عَلَيْهِ الْكِبْرُ وَالزَّهْوُ فَاحْتِيطَ لَهُ بِأَنْ لَا يُبْدَأَ وَيُحْتَمَلُ غَيْرُ ذَلِكَ لَكِنْ مَا ذَكَرْنَاهُ هُوَ الَّذِي يَلِيقُ بِمَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُمْ مِنْ التَّعْلِيلِ انْتَهَى . وَأَمَّا تَسْلِيمُ الصَّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ فَلَمْ يَذْكُرْهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ ، وَهُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ وَسَبَبُهُ أَنَّهُ إجْلَالٌ مِنْ الصَّغِيرِ لِلْكَبِيرِ وَتَعْظِيمٌ لَهُ ؛ لِأَنَّ السِّنَّ الْحَاصِلَ فِي الْإِسْلَامِ مَرْعِيٌّ فِي الشَّرْعِ يَحْصُلُ بِهِ التَّقْدِيمُ فِي أُمُورٍ كَثِيرَةٍ مَعْرُوفَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ لَا حَاجَةَ إلَى الْأَخْذِ فِي حِكْمَتِهِ وَعَارَضْت الْحَالُ أَنَّ الْمَفْضُولَ بِنَوْعٍ مِنْ الْفَضَائِلِ قَدْ يَبْدَأُ الْفَاضِلَ بِهِ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَا قَدَّمْنَاهُ عَنْهُ وَلَا تَحْسُنُ مُعَارَضَةُ مِثْلِ هَذِهِ التَّعَالِيلِ بِآحَادِ مَسَائِلَ شَذَّتْ عَنْهَا ؛ لِأَنَّ التَّعْلِيلَ الْكُلِّيَّ لَا يُطْلَبُ فِيهِ أَنْ لَا يَشِذَّ عَنْهُ بَعْضُ الْجُزْئِيَّاتِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هَذِهِ الْمَعَانِي الَّتِي تَكَلَّفَ الْعُلَمَاءُ إبْرَازَهَا هِيَ حُكْمٌ يُنَاسِبُ الْمَصَالِحَ الْمُحَسِّنَةَ وَالْمُكَمِّلَةَ وَلَا نَقُولُ إنَّهَا نُصِبَتْ نَصْبَ الْعِلَلِ الْوَاجِبَةِ الِاعْتِبَارَ حَتَّى لَا يَجُوزَ أَنْ يَعْدِلَ عَنْهَا فَنَقُولُ : إنَّ ابْتِدَاءَ الْقَاعِدِ لِلْمَاشِي لَا يَجُوزُ وَكَذَلِكَ ابْتِدَاءُ الْمَاشِي الرَّاكِبَ بَلْ يَجُوزُ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ مُظْهِرٌ لِلسَّلَامِ وَمُفْشٍ لَهُ كَمَا أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ { أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ : } وَبِقَوْلِهِ { إذَا لَقِيت أَخَاك فَسَلِّمْ عَلَيْهِ : } . وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا فَكُلٌّ مِنْ الْمَاشِي وَالْقَاعِدِ مَأْمُورٌ بِأَنْ يُسَلِّمَ عَلَى أَخِيهِ إذَا لَقِيَهُ غَيْرَ أَنَّ مُرَاعَاةَ تِلْكَ الْمَرَاتِبِ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( قُلْت ) : مَتَى تَمَكَّنَ الْمَأْمُورُ مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِالِابْتِدَاءِ مِنْهُ فَلَمْ يَبْتَدِئْ كَانَ تَارِكًا لِلسُّنَّةِ وَأَمَّا الْآخَرُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِي الْمُبَادَرَةِ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالِابْتِدَاءِ لَمْ يَتَوَجَّهْ إلَيْهِ وَقَدْ بَادَرَ إلَى فِعْلِ خَيْرٍ . ( الثَّالِثَةُ ) : قَوْلُهُ { لِيُسَلِّمَ الصَّغِيرُ عَلَى الْكَبِيرِ : } صَرِيحٌ فِي الْأَمْرِ وَتَبَيَّنَ بِهِ أَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا { يُسَلِّمُ } لَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ الْأَمْرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ : } ، وَهُوَ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا كُلُّهُ لِلِاسْتِحْبَابِ فَلَوْ عُكِسَ جَازَ وَكَانَ خِلَافَ الْأَفْضَلِ ( قُلْت ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْوَاقِعَ فِي مُخَالَفَةِ الْأَفْضَلِ إنَّمَا هُوَ الْمَأْمُورُ بِالِابْتِدَاءِ دُونَ الْآخَرِ كَمَا قَدَّمْته وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) : الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الصِّغَرُ فِي السِّنِّ وَقَدْ يُرَادُ الصِّغَرُ فِي الْقَدْرِ فَقَدْ يَتَمَيَّزُ صَغِيرُ السِّنِّ عَلَى كَبِيرِهِ بِأُمُورٍ تُرَجِّحُهُ عَلَيْهِ وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ صِغَرُ السِّنِّ وَأَمَّا صِغَرُ الْقَدْرِ فَمُلْحَقٌ بِهِ وَحِينَئِذٍ فَلَوْ تَعَارَضَا قُدِّمَ صِغَرُ السِّنِّ الْمَنْصُوصُ عَلَى صِغَرِ الْقَدْرِ : الْمَقِيسِ وَالْمُرَادُ السِّنُّ الْحَاصِلُ فِي الْإِسْلَامِ كَمَا اعْتَبَرَهُ الْفُقَهَاءُ فِي التَّقْدِيمِ لِلْإِمَامَةِ فِي الصَّلَاةِ بِكِبَرِ السِّنِّ قَالَ الْمَازِرِيُّ ، وَإِذَا تَلَاقَى رَجُلَانِ كِلَاهُمَا مَارٌّ فِي الطَّرِيقِ بَدَأَ الْأَدْنَى مِنْهُمَا الْأَفْضَلَ إجْلَالًا لِلْفَضْلِ وَتَعْظِيمًا لِلْخَيْرِ ؛ لِأَنَّ فَضِيلَةَ الدِّينِ مَرْعِيَّةٌ فِي الشَّرْعِ مُقَدَّمَةٌ . ( الْخَامِسَةُ ) : هَلْ يَسْتَوِي الرَّاكِبَانِ أَوْ يُرَاعَى عُلُوُّ أَحَدِهِمَا فَيُسَلِّمَ حِينَئِذٍ رَاكِبُ الْجَمَلِ عَلَى رَاكِبِ الْفَرَسِ وَرَاكِبُ الْفَرَسِ عَلَى رَاكِبِ الْحِمَارِ ، لَمْ أَرَ لِأَحَدٍ لِذَلِكَ تَعَرُّضًا وَالظَّاهِرُ أَنَّ مِثْلَ ذَلِكَ لَا يُعْتَبَرُ وَقَدْ يَكُونُ أَحَدُ الْمَرْكُوبَيْنِ أَعَلَا مِنْ الْآخَرِ مَعَ اسْتِوَاءِ جِنْسِهِمَا وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ ذَلِكَ غَيْرُ مَنْظُورٍ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) : فَلَوْ تَسَاوَى الْمُتَلَاقِيَانِ فِي الْأُمُورِ الْمَنْصُوصِ عَلَيْهَا فِي الْحَدِيثِ كَانَ كُلٌّ مِنْهُمَا مَحْثُوثًا عَلَى الْمُبَادَرَةِ لِلِابْتِدَاءِ بِالسَّلَامِ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ بِالسَّلَامِ : } وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ النَّاسُ فِي الِابْتِدَاءٍ بِالسَّلَامِ إمَّا أَنْ تَتَسَاوَى أَحْوَالُهُمْ أَوْ تَتَفَاوَتَ فَإِنْ تَسَاوَتْ فَخَيْرُهُمَا الَّذِي يَبْدَأُ صَاحِبَهُ بِالسَّلَامِ غَيْرَ أَنَّ الْأَوْلَى مُبَادَرَةُ ذَوِي الْمَرَاتِبِ الدِّينِيَّةِ كَأَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفَضْلِ احْتِرَامًا لَهُمْ وَتَوْقِيرًا وَأَمَّا ذَوُو الْمَرَاتِبِ الدُّنْيَوِيَّةِ الْمَحْضَةِ فَإِنْ سَلَّمُوا رُدَّ عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ ظَهَرَ عَلَيْهِمْ إعْجَابٌ أَوْ كِبْرٌ فَلَا يُسَلِّمْ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ مَعُونَةٌ لَهُمْ عَلَى الْمَعْصِيَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ جَازَ أَنْ يُبْدَءُوا بِالسَّلَامِ وَابْتِدَاؤُهُمْ بِالسَّلَامِ أَوْلَى بِهِمْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى تَوَاضُعِهِمْ انْتَهَى . وَمَا ذَكَرَهُ فِيمَا إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ إعْجَابٌ أَنْ يَتْرُكَ الرَّدَّ مُحْتَمَلٌ وَقَدْ يُقَالُ بَلْ الْأَوْلَى السَّلَامُ عَلَيْهِمْ إقَامَةً لِمَشْرُوعِيَّةِ الْإِسْلَامِ وَإِرْغَامًا لَهُمْ وَالْمَعْصِيَةُ بِتَرْكِ الرَّدِّ هِيَ مِنْهُمْ لَا مَدْخَلَ لَنَا فِيهَا وَنَظِيرُ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ فِي شَرْحِ الْإِلْمَامِ فِي الْمُلُوكِ الَّذِينَ اعْتَادُوا أَنْ لَا يُشَمَّتُوا إذَا عَطَسُوا أَنَّهُ يُحْتَمَلُ تَرْكُ تَشْمِيتِهِمْ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ حَقٌّ لَهُمْ ، وَالْحَظُّ لَهُمْ فِيهِ فَإِذَا لَمْ يَرْضَوْهُ لَمْ يُعْطَوْهُ وَيُحْتَمَلُ فِعْلُهُ مَعَهُمْ إقَامَةً لِلسُّنَّةِ وَإِرْغَامًا لَهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) : لَوْ تَعَارَضَتْ الْأُمُورُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ بِأَنْ يَمُرَّ كَبِيرٌ بِصَغِيرٍ قَاعِدٍ فَهَلْ تَكُونُ السُّنَّةُ ابْتِدَاءَ الْمَارِّ مَعَ كَوْنِهِ كَبِيرًا أَوْ ابْتِدَاءَ الصَّغِيرِ مَعَ كَوْنِهِ قَاعِدًا ؟ وَكَذَا لَوْ مَرَّ جَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ بِجَمْعٍ قَلِيلٍ ذَهَبَ النَّوَوِيُّ فِي مِثْلِ هَذَا إلَى النَّظَرِ إلَى الْمُرُورِ ، فَقَالَ فَلَوْ وَرَدَ عَلَى قَاعِدٍ أَوْ قُعُودٍ فَإِنَّ الْوَارِدَ يَبْدَأُ سَوَاءٌ كَانَ صَغِيرًا أَمْ كَبِيرًا قَلِيلًا أَمْ كَثِيرًا . . ( الثَّامِنَةُ ) : فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ السَّلَامِ فِي الْجُمْلَةِ وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرُهُ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ ابْتِدَاءَهُ سُنَّةٌ وَأَنَّ رَدَّهُ فَرْضٌ وَكَلَامُ الْمَازِرِيِّ يُشْعِرُ بِخِلَافٍ فِي ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذِكْرِهِ ذَلِكَ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَأَثْبَتَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ذَلِكَ قَوْلًا لِلْعُلَمَاءِ وَمَتَى كَانَ الْمُسَلِّمُ جَمَاعَةً فَهُوَ سُنَّةُ كِفَايَةٍ فِي حَقِّهِمْ إذَا سَلَّمَ بَعْضُهُمْ حَصَلَتْ سُنَّةُ السَّلَامِ فِي حَقِّ جَمِيعِهِمْ وَكَذَا إذَا كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ جَمَاعَةً كَانَ الرَّدُّ فَرْضَ كِفَايَةٍ فِي حَقِّهِمْ فَإِذَا رَدَّ وَاحِدٌ مِنْهُمْ سَقَطَ الْحَرَجُ عَنْ الْبَاقِينَ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَبْتَدِئَ الْجَمِيعُ بِالسَّلَامِ وَأَنْ يَرُدَّ الْجَمِيعُ وَعَنْ أَبِي يُوسُفَ أَنَّهُ لَا بُدَّ أَنْ يَرُدَّ الْجَمِيعُ . ( التَّاسِعَةُ ) : كَيْفِيَّةُ السَّلَامِ الْمَأْمُورِ بِهِ لَهُ أَقَلُّ وَأَكْمَلُ فَأَقَلُّهُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ أَوْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ وَالْأَوَّلُ أَفْضَلُ ، وَإِنْ كَانَ الْمُسَلَّمُ عَلَيْهِ وَاحِدًا فَيَكْفِي سَلَامٌ عَلَيْك وَالْأَفْضَلُ عَلَيْكُمْ لِيَتَنَاوَلَهُ وَمَلَائِكَتَهُ وَلَوْ قَالَ عَلَيْكُمْ السَّلَامُ كُرِّهَ لَكِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ سَلَامٌ يَسْتَحِقُّ جَوَابًا وَقِيلَ لَا يَسْتَحِقُّهُ وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا تَقُلْ عَلَيْك السَّلَامُ فَإِنَّ عَلَيْك تَحِيَّةَ الْمَوْتَى : } وَأَكْمَلُهُ أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَيَأْتِي بِالْوَاوِ فَلَوْ حَذَفَهَا جَازَ ، وَكَانَ تَارِكًا لِلْأَفْضَلِ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ أَوْ عَلَى عَلَيْكُمْ السَّلَامُ أَجْزَأَهُ وَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى عَلَيْكُمْ لَمْ يُجْزِهِ بِلَا خِلَافٍ وَلَوْ قَالَ وَعَلَيْكُمْ بِالْوَاوِ فَفِي إجْزَائِهِ وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا . ( الْعَاشِرَةُ ) : اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى السَّلَامِ فَقِيلَ هُوَ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ عَنْ الْمُهَاجِرِ بْنِ مُنْقِذٍ { أَنَّهُ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ يَبُولُ فَسَلَّمَ عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ حَتَّى تَوَضَّأَ ثُمَّ اعْتَذَرَ إلَيْهِ فَقَالَ إنِّي كَرِهْت أَنْ أَذْكُرَ اسْمَ اللَّهِ إلَّا عَلَى طُهْرٍ أَوْ قَالَ عَلَى طَهَارَةٍ } . وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ وَمَعَالِمِ السُّنَنِ لِلْخَطَّابِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ السَّلَامَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى فَأَفْشُوهُ بَيْنَكُمْ : } وَعَلَى هَذَا فَمَعْنَاهُ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْك أَيْ أَنْتَ فِي حِفْظِهِ كَمَا يُقَالُ اللَّهُ مَعَك وَاَللَّهُ يَصْحَبُك وَقِيلَ مَعْنَاهُ اللَّهُ مُطَّلِعٌ عَلَيْكُمْ فَلَا تَغْفُلُوا وَقِيلَ مَعْنَاهُ اسْمُ السَّلَامِ عَلَيْكُمْ أَيْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ أَيْ إذَا كَانَ اسْمُ اللَّهِ يُذْكَرُ عَلَى الْأَعْمَالِ تَوَقُّعًا لِاجْتِمَاعِ مَعَانِي الْخَيْرَاتِ فِيهَا وَانْتِفَاءِ عَوَارِضِ الْفَسَادِ عَنْهَا وَقِيلَ السَّلَامُ بِمَعْنَى السَّلَامَةِ أَيْ السَّلَامَةُ مُلَازِمَةٌ لَك وَقَالَ بَعْضُهُمْ كَأَنَّ الْمُسَلِّمَ بِسَلَامِهِ عَلَى غَيْرِهِ مُعْلِمٌ لَهُ بِأَنَّهُ مُسَالِمٌ لَهُ حَتَّى لَا يَخَافَهُ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ لَهُ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ وَهُمْ نَفَرٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَك فَإِنَّهَا تَحِيَّتُك وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِك قَالَ فَذَهَبَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا السَّلَامُ عَلَيْك وَرَحْمَةُ اللَّهِ قَالَ فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ : قَالَ وَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فَلَمْ يَزَلْ يَنْقُصُ الْخَلْقُ بَعْدُ حَتَّى الْآنَ : } . ( الْحَدِيثُ الثَّانِي ) : وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { خَلَقَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فَلَمَّا خَلَقَهُ قَالَ لَهُ اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ وَهُمْ نَفَرٌ مِنْ الْمَلَائِكَةِ جُلُوسٌ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَك بِهِ فَإِنَّهَا تَحِيَّتُك وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِك قَالَ فَذَهَبَ فَقَالَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا السَّلَامُ عَلَيْك وَرَحْمَةُ اللَّهِ : قَالَ فَزَادُوهُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ : وَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا فَلَمْ يَزَلْ يَنْقُصُ الْخَلْقُ بَعْدُ حَتَّى الْآنَ } ( فِيهِ ) : فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ( الثَّانِيَةُ ) : قَوْلُهُ { خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ : } الضَّمِيرُ فِيهِ عَائِدٌ إلَى أَقْرَبِ مَذْكُورٍ ، وَهُوَ آدَم عَلَيْهِ السَّلَامُ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِي عَوْدِ الضَّمَائِرِ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَدَهُ عَلَى الْهَيْئَةِ الَّتِي خَلَقَهُ عَلَيْهَا لَمْ يَنْتَقِلْ فِي النَّشْأَةِ أَحْوَالًا وَلَا تَرَدَّدَ فِي الْأَرْحَامِ أَطْوَارًا كَذُرِّيَّتِهِ يُخْلَقُ أَحَدَهُمْ صَغِيرًا فَيَكْبُرُ وَضَعِيفًا فَيَقْوَى وَيَشْتَدُّ بَلْ خَلَقَهُ رَجُلًا كَامِلًا سَوِيًّا قَوِيًّا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ الْإِخْبَارَ عَنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَهُ يَوْمَ خَلَقَهُ عَلَى الصُّورَةِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا بِالْأَرْضِ وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ بِالْجَنَّةِ عَلَى صُورَةٍ أُخْرَى وَلَا اخْتَلَفَتْ صِفَاتُهُ وَلَا صُورَتُهُ كَمَا تَخْتَلِفُ صُوَرُ الْمَلَائِكَةِ وَالْجِنِّ وَمِمَّا يُؤَكِّدُ عَوْدَ الضَّمِير عَلَى آدَمَ تَعْقِيبُهُ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا وَمَنْ قَالَ مِنْ الْمُشَبِّهَةِ إنَّ الضَّمِيرَ عَائِدٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَمَعَ ذَلِكَ فَلَا يَحْصُلُ مَقْصُودُهُمْ مِنْ التَّشْبِيهِ تَعَالَى اللَّهُ عَنْهُ فَإِنَّ ذَلِكَ عِنْدَ الَّذِينَ يُؤَوِّلُونَ مِثْلَ هَذَا إمَّا عَلَى أَنَّ الْإِضَافَةَ هُنَا لِلتَّشْرِيفِ وَالِاخْتِصَاصِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { نَاقَةَ اللَّهِ : } وَكَمَا يُقَالُ فِي الْكَعْبَةِ ( بَيْتُ اللَّهِ ) : وَنَحْوُ ذَلِكَ وَإِمَّا عَلَى مَعْنَى أَنَّ الصُّورَةَ بِمَعْنَى الصِّفَةِ أَيْ عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي يَرْضَاهَا وَهِيَ الْعِلْمُ وَجُمْهُورُ السَّلَفِ عَلَى الْإِمْسَاكِ عَنْ تَأْوِيلِ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَالْإِيمَانِ بِأَنَّهَا حَقٌّ وَأَنَّ ظَاهِرَهَا غَيْرُ مُرَادٍ وَلَهَا مَعَانٍ تَلِيقُ بِهَا فَوُكِّلَ عِلْمُهَا إلَى عَالِمِهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي بَابِ اتِّقَاءِ الْوَجْهِ فِي الْحُدُودِ وَالتَّعْزِيرَاتِ . ( الثَّالِثَةُ ) : قَوْلُهُ { طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا : } قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ أَيْ مِنْ ذِرَاعِ نَفْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الذِّرَاعُ مُقَدَّرًا بِأَذْرِعَتِنَا الْمُتَعَارَفَةِ عِنْدَنَا . . ( الرَّابِعَةُ ) : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَأَكُّدِ حُكْمِ السَّلَامِ فَإِنَّهُ مِمَّا شُرِعَ وَكُلِّفَ بِهِ آدَم عَلَيْهِ السَّلَامُ ثُمَّ لَمْ يُنْسَخْ فِي شَرِيعَةٍ مِنْ الشَّرَائِعِ فَإِنَّهُ سُبْحَانَهُ أَخْبَرَهُ أَنَّهَا تَحِيَّتُهُ وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِهِ مِنْ بَعْدِهِ فَلَمْ يَزَلْ ذَلِكَ شَرْعًا مَعْمُولًا بِهِ فِي الْأُمَمِ عَلَى اخْتِلَافِ شَرَائِعِهَا إلَى أَنْ انْتَهَى . ذَلِكَ إلَى نَبِيِّنَا مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِهِ وَبِإِفْشَائِهِ وَجَعَلَهُ سَبَبًا لِلْمَحَبَّةِ الدِّينِيَّةِ وَلِدُخُولِ الْجَنَّةِ الْعَلِيَّةِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَهَذَا كُلُّهُ يَشْهَدُ لِمَنْ قَالَ بِوُجُوبِهِ ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ . ( الْخَامِسَةُ ) : قَوْلُهُ { فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَك : } بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ التَّحِيَّةِ وَكَذَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَالَ وَيُرْوَى { يُجِيبُونَك } مِنْ الْجَوَابِ . ( السَّادِسَةُ ) : فِيهِ سَلَامُ الْوَارِدِ عَلَى الْجَالِسِ وَالْقَلِيلِ عَلَى الْكَثِيرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ . ( السَّابِعَةُ ) : فِيهِ أَنَّ كَيْفِيَّةَ السَّلَامِ أَنْ يَقُولَ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ثُمَّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَّمَ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ هَذَا اللَّفْظَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَهِمَ ذَلِكَ مِنْ قَوْله تَعَالَى { فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ : } قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَوْ قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ بِالتَّنْوِينِ كَفَى وَلَكِنَّ الْإِتْيَانَ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ أَفْضَلُ . ( الثَّامِنَةُ ) : فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ فِي رَدِّ السَّلَامِ زِيَادَةٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ لِقَوْلِهِمْ { وَرَحْمَةُ اللَّهِ : } وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا : } وَيَنْبَغِي أَنْ يَزِيدَ أَيْضًا ( وَبَرَكَاتُهُ ) : وَاسْتَدَلَّ الْعُلَمَاءُ لِزِيَادَةِ اللَّفْظَيْنِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ سَلَامِ الْمَلَائِكَةِ بَعْدَ ذَلِكَ ( السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ ) : وَبِقَوْلِ الْمُصَلِّي فِي التَّشَهُّدِ السَّلَامُ عَلَيْك أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ . . ( التَّاسِعَةُ ) : فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ فِي الرَّدِّ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ أَنْ يَقُولَ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ فَيَأْتِي بِالْوَاوِ وَيُقَدِّمُ لَفْظَةَ عَلَيْكُمْ وَاسْتَأْنَسُوا لِذَلِكَ أَيْضًا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ : } وَلَوْ قَالَ وَعَلَيْكُمْ بِالْوَاوِ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ لَفْظِ السَّلَامِ ، فَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ الرَّأْيُ عِنْدَنَا أَنَّهُ لَا يَكُونُ جَوَابًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِلسَّلَامِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ جَوَابًا لِلْعَطْفِ فَلَوْ قَالَ عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ وَاوٍ فَلَيْسَ جَوَابًا قَطْعًا . ( الْعَاشِرَةُ ) : فِيهِ أَنَّهُ يَكْفِي فِي جَوَابِ الْوَاحِدِ أَنْ يُقَالَ عَلَيْك السَّلَامُ فَيَأْتِي بِلَفْظِ الْإِفْرَادِ ، وَكَذَا فِي ابْتِدَاءِ السَّلَامِ عَلَى الْوَاحِدِ لَوْ قَالَ لَهُ السَّلَامُ عَلَيْك كَفَى أَيْضًا وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَصْحَابُنَا قَالُوا وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَقُولَ عَلَيْكُمْ لِيَتَنَاوَلَهُ وَمَلَائِكَتَهُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) : قَوْلُهُ { فَكُلُّ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ آدَمَ : } أَيْ عَلَى صِفَتِهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ صِفَاتِ النَّقْصِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْآدَمِيِّينَ فِي الدُّنْيَا مِنْ السَّوَادِ وَنَحْوِهِ تَنْتَفِي عَنْهُ عِنْدَ دُخُولِ الْجَنَّةِ فَلَا يَكُونُ الْأَعْلَى أَكْمَلَ الْحَالَاتِ وَأَحْسَنَ الْهَيْئَاتِ وَسَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ } . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) : قَوْلُهُ { وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا : } الظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا أَتَى بِالْوَاوِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ تَفْسِيرٌ لِقَوْلِهِ عَلَى صُورَةِ آدَمَ وَأَنَّ الْمُرَادَ هَذِهِ الصِّفَةُ الْمَخْصُوصَةُ دُونَ غَيْرِهَا فَلَمَّا أَتَى بِالْوَاوِ انْتَفَى ذَلِكَ ، وَإِذَا حُمِلَتْ الصُّورَةُ عَلَى مُطْلَقِ الصِّفَةِ كَانَ قَوْلُهُ وَطُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا مِنْ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِ ، وَإِذَا حُمِلَ عَلَى صُورَةِ الْوَجْهِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) : قَوْلُهُ { فَلَمْ يَزَلْ يَنْقُصُ الْخَلْقُ بَعْدُ حَتَّى الْآنَ : } يَعْنِي أَنَّ كُلَّ قَرْنٍ تَكُونُ نَشْأَتُهُ فِي الطُّولِ أَقْصَرَ مِنْ أَهْلِ الْقَرْنِ الَّذِي قَبْلَهُ فَانْتَهَى تَنَاقُصُ الطُّولِ إلَى هَذِهِ الْأُمَّةِ وَعَلَى طُولِهَا اسْتَقَرَّ الْأَمْرُ فَلَمْ يَقَعْ مِنْ زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِلَى زَمَانِنَا هَذَا تَفَاوُتٌ فِي الْخَلْقِ بِالطُّولِ وَالْقِصَرِ بَلْ النَّاسُ الْآنَ عَلَى مَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَوِيلُهُمْ كَطَوِيلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَقَصِيرُهُمْ كَقَصِيرِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا هَذَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَيْك السَّلَامَ فَقَالَتْ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ ، تَرَى مَا لَا نَرَى : } الصَّوَابُ رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَأَمَّا رِوَايَةُ عُرْوَةَ فَرَوَاهَا النَّسَائِيّ وَقَالَ هَذَا خَطَأٌ . . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهَا هَذَا جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَهُوَ يَقْرَأُ عَلَيْك السَّلَامَ ، فَقَالَتْ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ تَرَى مَا لَا نَرَى } رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَقَالَ هَذَا خَطَأٌ يُرِيدُ أَنَّ الصَّوَابَ رِوَايَةُ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ نُوحِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَقَالَ هَذَا خَطَأٌ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ خَطَأٌ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ لِذِكْرِ عُرْوَةَ فِيهِ ، وَإِنَّمَا الْمَعْرُوفُ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ رِوَايَتُهُ لَهُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ عَلَى إخْرَاجِهِ كَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ خَالِدِ بْنِ مُسَافِرٍ كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ ، وَهُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ خَلَا النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ الشَّعْبِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) : فِيهِ مَنْقَبَةٌ ظَاهِرَةٌ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا بِسَلَامِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَيْهَا لَكِنَّ مَنْقَبَةَ خَدِيجَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ وَهِيَ سَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهَا وَالْمَشْهُورُ تَفْضِيلُ خَدِيجَةَ عَلَى عَائِشَةَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ . . ( الثَّالِثَةُ ) : قَوْلُهُ { يَقْرَأُ عَلَيْك السَّلَامَ : } بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ يُسَلِّمُ عَلَيْك يُقَالُ قَرَأْت عَلَى فُلَانٍ السَّلَامَ فَإِنْ لَمْ يُذْكَرْ عَلَى ، كَانَ رُبَاعِيًّا نَقُولُ أَقْرَأْته السَّلَامَ ، وَهُوَ يُقْرِئُك السَّلَامَ فَتُضَمُّ يَاءُ الْمُضَارَعَةِ مِنْهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقِيلَ هُمَا لُغَتَانِ . ( الرَّابِعَةُ ) : فِيهِ اسْتِحْبَابُ بَعْثِ السَّلَامِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَيَجِبُ عَلَى الرَّسُولِ تَبْلِيغُهُ فَإِنَّهُ أَمَانَةٌ وَيَجِبُ أَدَاءُ الْأَمَانَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ ذَلِكَ إذَا الْتَزَمَ وَقَالَ لِلْمُرْسِلِ إنِّي تَحَمَّلْت ذَلِكَ وَسَأُبَلِّغُهُ لَهُ فَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْ ذَلِكَ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ تَبْلِيغُهُ كَمَنْ أُودِعَ وَدِيعَةً فَلَمْ يَقْبَلْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) : وَفِيهِ بَعْثُ الْأَجْنَبِيِّ السَّلَامَ إلَى الْأَجْنَبِيَّةِ الصَّالِحَةِ إذَا لَمْ يَخَفْ تَرَتُّبَ مَفْسَدَةٍ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ( سَلَامُ الرِّجَالِ عَلَى النِّسَاءِ ) . ( السَّادِسَةُ ) : وَفِيهِ أَنَّ الَّذِي يُبَلِّغُ سَلَامَ غَيْرِهِ عَلَيْهِ يَرُدُّهُ قَالَ أَصْحَابُنَا وَهَذَا الرَّدُّ وَاجِبٌ عَلَى الْفَوْرِ وَكَذَا لَوْ بَلَغَهُ سَلَامٌ فِي وَرَقَةٍ مِنْ غَائِبٍ لَزِمَهُ أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ بِاللَّفْظِ عَلَى الْفَوْرِ إذَا قَرَأَهُ . ( السَّابِعَةُ ) : ذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَرُدَّ عَلَى الْمُبَلِّغِ أَيْضًا فَيَقُولُ وَعَلَيْهِ وَعَلَيْك السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَيَشْهَدُ لِمَا ذَكَرَهُ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَصَاحِبُهُ ابْنُ السُّنِّيِّ كِلَاهُمَا فِي عَمَلِ الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ أَنَّ { رَجُلًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ أَبْلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَبِيهِ فَقَالَ وَعَلَيْك وَعَلَى أَبِيك السَّلَامُ } لَكِنَّ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِيهِ تَقْدِيمُ الرَّدِّ عَلَى الْغَائِبِ وَاَلَّذِي فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَقْدِيمُ الرَّدِّ عَلَى الْحَاضِرِ وَلَمْ يَقَعْ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الرَّدُّ عَنْهَا الرَّدُّ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي هُوَ مُبَلِّغُ السَّلَامَ عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَقَدْ يُقَالُ الْوَاقِعُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ إبْلَاغُ السَّلَامِ عَنْ حَاضِرٍ إلَّا أَنَّهُ غَائِبٌ عَنْ الْعَيْنِ وَلِهَذَا { قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا تَرَى مَا لَا نَرَى : } أَيْ إنَّك يَا رَسُولَ اللَّهِ تَرَى جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَإِنْ كُنَّا نَحْنُ لَا نَرَاهُ بِخِلَافِ قَضِيَّةِ التَّمِيمِيِّ فَإِنَّهُ إبْلَاغُ سَلَامٍ عَنْ غَائِبٍ وَقَدْ يُقَالُ لَا أَثَرَ لِذَلِكَ فِي رَدِّ السَّلَامِ عَلَى الْمُبَلِّغِ وَتَرْكِهِ . ( الثَّامِنَةُ ) : فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَأْتِيَ فِي الرَّدِّ : بِالْوَاوِ فَيَقُولُ فِي جَوَابِ الْحَاضِرِ وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ وَفِي جَوَابِ الْغَائِبِ وَعَلَيْهِ السَّلَامُ كَمَا وَقَعَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ، وَهُوَ كَذَلِكَ ، وَإِنْ جَازَ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ بِغَيْرِ وَاوٍ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَا يُجْزِيهِ . ( التَّاسِعَةُ ) : فِيهِ اسْتِحْبَابُ الزِّيَادَةِ فِي رَدِّ السَّلَامِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ . ( الْعَاشِرَةُ ) : كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ زِيَادَةُ { وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ } وَكَذَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَفِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ زِيَادَةُ { وَرَحْمَةُ اللَّهِ } فَقَطْ وَالْأَخْذُ بِالزِّيَادَةِ وَاجِبٌ وَهَذَا غَايَةُ السَّلَامِ وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ { انْتِهَاءُ السَّلَامِ إلَى الْبَرَكَةِ : } . وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { دَخَلَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ . عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكُمْ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : فَفَهِمْتهَا فَقُلْت عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ . قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْلًا يَا عَائِشَةُ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ ، قَالَتْ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُلْت عَلَيْكُمْ : } . . الْحَدِيثُ الرَّابِعُ وَعَنْهَا قَالَتْ { دَخَلَ رَهْطٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا السَّامُ عَلَيْكُمْ فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَفَهِمْتهَا فَقُلْت عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ . قَالَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْلًا يَا عَائِشَةُ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ ، قَالَتْ قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ قُلْت عَلَيْكُمْ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ بِلَفْظِ { كَانَ الْيَهُودُ يُسَلِّمُونَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُونَ السَّامُ عَلَيْك فَفَطِنَتْ عَائِشَةُ إلَى قَوْلِهِمْ : } الْحَدِيثَ وَآخِرُهُ فَأَقُولُ { وَعَلَيْكُمْ : } كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَفِيهِ { وَعَلَيْكُمْ : } بِالْوَاوِ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ بِلَفْظِ { عَلَيْكُمْ : } بِدُونِ وَاوٍ كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ { وَعَلَيْكُمْ } وَفِيهِ { قَالَتْ عَائِشَةُ قُلْت بَلْ عَلَيْكُمْ السَّامُ وَالذَّامُّ : } وَفِيهِ { فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { وَإِذَا جَاءُوك حَيَّوْك بِمَا لَمْ يُحَيِّك بِهِ اللَّهُ : } } إلَى آخِرِ الْآيَةِ . ( الثَّانِيَةُ ) : الرَّهْطُ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ مِنْ الرِّجَالِ لَا يَكُونُ فِيهِمْ امْرَأَةٌ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ الرَّهْطُ عَدَدٌ جَمْعٌ مِنْ ثَلَاثَةٍ إلَى عَشَرَةٍ وَقِيلَ مِنْ سَبْعَةٍ إلَى عَشْرَةٍ لَا وَاحِدَ لَهُ مِنْ لَفْظِهِ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَقِيلَ مِنْ ثَلَاثَةٍ إلَى عَشَرَةٍ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ الرَّهْطُ مِنْ الرِّجَالِ مَا دُونَ الْعَشَرَةِ وَقِيلَ إلَى الْأَرْبَعِينَ انْتَهَى . فَحُصِّلَ مِنْ ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ أَشْهَرُهَا الْأَوَّلُ ( الثَّالِثَةُ ) : اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى السَّامِ فِي قَوْلِ الْيَهُودِ { السَّامُ عَلَيْكُمْ : } فَقَالَ الْجُمْهُورُ مُرَادُهُمْ بِهِ الْمَوْتُ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ { مَا أَنْزَلَ اللَّهُ دَاءً إلَّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً إلَّا السَّامُ ، قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَمَا السَّامُ قَالَ الْمَوْتُ : } وَقِيلَ مُرَادُهُمْ بِالسَّامِ السَّآمَةُ وَهِيَ الْمَلَالُ وَأَنَّ مَعْنَاهُ تَسْأَمُونَ دِينَكُمْ وَهَذَا تَأْوِيلُ قَتَادَةَ ، وَهُوَ مَصْدَرُ سَئِمْت سَآمَةً وَسَآمًا مِثْلَ لَدَادَةٍ وَلَدَادٍ وَرَضَاعَةٍ وَرَضَاعٍ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَدْ جَاءَ مِثْلُ هَذَا مُفَسَّرًا مِنْ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ مَخْلَدٍ فِي تَفْسِيرِهِ أَنَّهُ قَالَ فِي مَعْنَاهُ تَسْأَمُونَ دِينَكُمْ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَتُسَهَّلُ هَمْزَةُ سَآمٍ وَسَآمَةٍ . ( الرَّابِعَةُ ) : قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { فَفَهِمْتهَا : } إنَّمَا عَبَّرَتْ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ ؛ لِأَنَّ حَذْفَ اللَّامِ فِي مِثْلِ هَذَا يَخْفَى غَالِبًا وَبِتَقْدِيرِ الْفِطْنَةِ لَهُ فَلَا يَظُنُّ السَّامِعُ إلَّا أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْتِفَافِ الْحَرْفِ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ فَفَهِمَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا حَذْفَ هَذَا الْحَرْفِ وَأَنَّهُ عَنْ قَصْدٍ وَأَنَّهُمْ لَيْسَ مُرَادُهُمْ بِذَلِكَ التَّحِيَّةَ ، وَإِنَّمَا مُرَادُهُمْ بِهِ الدُّعَاءُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِمَا تَعْلَمُ مِنْ خُبْثِ بَاطِنِهِمْ وَقُبْحِ طَوِيَّتِهِمْ وَسُوءِ مَقَاصِدِهِمْ ( الْخَامِسَةُ ) : زَادَتْهُمْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَلَى مَا قَالُوهُ اللَّعْنَةَ وَهُمْ مُسْتَحِقُّونَ لَهَا إنْ مَاتُوا عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْخُبْثِ وَالْكُفْرِ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إنْكَارُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَيْهَا مِنْ أَجْلِ إطْلَاقِهَا لَعْنَتَهُمْ مِنْ غَيْرِ هَذَا التَّقْيِيدِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ إرَادَةَ مُلَاطَفَتِهِمْ وَاسْتِئْلَافَ قُلُوبِهِمْ رَجَاءَ إيمَانِهِمْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ حِفْظَ اللِّسَانِ وَصَوْنَهُ عَنْ الْفُحْشِ وَلَوْ مَعَ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ وَلِلْعُلَمَاءِ خِلَافٌ فِي جَوَازِ لَعْنِ الْكَافِرِ الْمُعَيَّنِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالْمَوْتِ عَلَى كُفْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَقَوْلُهَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { بَلْ عَلَيْكُمْ السَّامُ وَالذَّامُّ : } الْمَشْهُورُ فِيهِ أَنَّهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَتَخْفِيفِ الْمِيمِ ، وَهُوَ الذَّمُّ وَيُقَالُ بِالْهَمْزِ أَيْضًا وَالْأَشْهَرُ تَرْكُ الْهَمْزِ وَأَلِفُهُ مُنْقَلِبَةٌ عَنْ وَاوٍ وَالذَّامُّ وَالذَّيْمُ وَالذَّمُّ بِمَعْنَى الْعَيْبِ وَرُوِيَ { الدَّامُ : } بِالدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَمَعْنَاهُ الدَّائِمُ وَمِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّهُ رُوِيَ بِالْمُهْمَلَةِ ابْنُ الْأَثِيرِ حَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ ، وَهُوَ حِينَئِذٍ بِغَيْرِ وَاوٍ فَإِنَّهُ صِفَةٌ لِلسَّامِ وَفِي نَقْلِهِ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ نَظَرٌ فَإِنَّ الْقَاضِيَ عِيَاضًا إنَّمَا نَقَلَ عَنْهُ أَنَّ الدَّامَ بِمَعْنَى الدَّائِمِ ؛ لِأَنَّهُ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ كَذَلِكَ كَيْفَ وَقَدْ قَالَ قَبْلَهُ لَمْ تَخْتَلِفْ الرِّوَايَةُ فِيهِ أَنَّهُ بِالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ وَلَوْ كَانَ بِالْمُهْمَلَةِ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ . ( السَّادِسَةُ ) : وَفِيهِ الِانْتِصَارُ مِنْ الْمَظَالِمِ وَالِانْتِصَارُ لِأَهْلِ الْفَضْلِ مِمَّنْ يُؤْذِيهِمْ . . ( السَّابِعَةُ ) : قَوْلُهُ { إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الرِّفْقَ فِي الْأَمْرِ كُلِّهِ : } هُوَ مِنْ عَظِيمِ خُلُقِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَكَمَالِ حِلْمِهِ وَفِيهِ حَثٌّ عَلَى الرِّفْقِ وَالصَّبْرِ وَالْحِلْمِ وَمُلَاطَفَةِ النَّاسِ مَا لَمْ تَدْعُ حَاجَةٌ إلَى الْمُخَاشَنَةِ . ( الثَّامِنَةُ ) : وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَغَافُلِ أَهْلِ الْفَضْلِ عَنْ سَفَهِ الْمُبْطِلِينَ إذَا لَمْ يَتَرَتَّبْ عَلَيْهِ مَفْسَدَةٌ وَفِي التَّنْزِيلِ { وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ : } وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ الْكَيِّسُ الْعَاقِلُ هُوَ الْفَطِنُ الْمُتَغَافِلُ وَمِنْ كَلَامِ بَعْضِهِمْ ، عَظِّمُوا مَقَادِيرَكُمْ بِالتَّغَافُلِ وَهَذَا الْكَلَامُ مِمَّا كَانَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ يُؤَدِّبُنِي بِهِ فِي مَبْدَأِ شَبَابِي حِينَ يَرَى غَضَبِي مِنْ كَلِمَاتٍ تَرِدُ عَلَيَّ . . ( التَّاسِعَةُ ) : فِيهِ الرَّدُّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ إذَا سَلَّمُوا وَقَدْ قَالَ أَكْثَرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ بِوُجُوبِهِ وَمَنَعَهُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَقَالُوا : لَا يُرَدُّ عَلَيْهِمْ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَأَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ أَمَّا ابْتِدَاؤُهُمْ بِالسَّلَامِ : فَمَنَعَهُ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى جَوَازِهِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي أُمَامَةَ وَابْنِ مُحَيْرِيزٍ ، وَهُوَ وَجْهٌ لِبَعْضِ أَصْحَابِنَا حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ لَكِنَّهُ قَالَ يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْك وَلَا يَقُولُ السَّلَامُ عَلَيْكُمْ بِالْجَمْعِ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِعُمُومِ أَحَادِيثِ إفْشَاءِ السَّلَامِ وَكَيْفَ يَصِحُّ التَّمَسُّك بِهَا مَعَ وُرُودِ الْمُخَصِّصِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا تَبْدَءُوا الْيَهُود وَلَا النَّصَارَى بِالسَّلَامِ : } وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يُكْرَهُ ابْتِدَاؤُهُمْ بِالسَّلَامِ وَلَا يُحَرَّمُ وَيَرُدُّهُ أَنَّ ظَاهِرَ النَّهْيِ التَّحْرِيمُ ، وَهُوَ الصَّوَابُ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَجُوزُ ابْتِدَاؤُهُمْ بِهِ لِضَرُورَةٍ أَوْ حَاجَةٍ أَوْ سَبَبٍ ، وَهُوَ قَوْلُ عَلْقَمَةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَعَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ إنْ سَلَّمْت فَقَدْ سَلَّمَ الصَّالِحُونَ ، وَإِنْ تَرَكْت فَقَدْ تَرَكَ الصَّالِحُونَ . ( الْعَاشِرَةُ ) : وَفِيهِ أَنَّهُ يَقْتَصِرُ فِي الرَّدِّ عَلَى قَوْلِهِ عَلَيْكُمْ وَلَا يَأْتِي بِلَفْظِ السَّلَامِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَقَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ ( وَعَلَيْكُمْ السَّلَامُ ) : وَلَكِنْ لَا يَقُولُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ حَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِلْأَحَادِيثِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) : فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِهِ { عَلَيْكُمْ : } بِدُونِ وَاوٍ وَقَدْ اخْتَلَفَتْ طُرُقُ هَذَا الْحَدِيثِ فِي إثْبَاتِ الْوَاوِ وَحَذْفِهَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَأَكْثَرُ الرِّوَايَاتِ بِإِثْبَاتِهَا وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ عَامَّةُ الْمُحَدِّثِينَ يَرْوُونَهُ بِالْوَاوِ وَكَانَ ابْنُ عُيَيْنَةَ يَرْوِيهِ بِغَيْرِ وَاوٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ؛ لِأَنَّهُ إذَا حَذَفَ الْوَاوَ صَارَ كَلَامُهُمْ بِعَيْنِهِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ خَاصَّةً ، وَإِذَا أَثْبَتَ الْوَاوَ اقْتَضَى الْمُشَارَكَةَ مَعَهُمْ فِيمَا قَالُوهُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَالصَّوَابُ أَنَّ حَذْفَ الْوَاوِ وَإِثْبَاتَهَا جَائِزَانِ كَمَا صَحَّتْ بِهِ الرِّوَايَاتُ وَأَنَّ الْوَاوَ أَجْوَدُ كَمَا هُوَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ وَلَا مَفْسَدَةَ فِيهِ وَفِي مَعْنَاهُ وَجْهَانِ ( أَحَدُهُمَا ) : أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ ؛ لِأَنَّ السَّامَ الْمَوْتُ ، وَهُوَ عَلَيْنَا وَعَلَيْهِمْ فَقَالُوا عَلَيْكُمْ الْمَوْتُ فَقَالَ وَعَلَيْكُمْ أَيْضًا أَيْ نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ كُلُّنَا نَمُوتُ وَ ( الثَّانِي ) : أَنَّ الْوَاوَ هُنَا لِلِاسْتِئْنَافِ لَا لِلْعَطْفِ وَالتَّشْرِيكِ وَتَقْدِيرُهُ وَعَلَيْكُمْ مَا تَسْتَحِقُّونَهُ مِنْ الذَّمِّ وَأَمَّا مَنْ حَذَفَ الْوَاوَ فَتَقْدِيرُهُ عَلَيْكُمْ السَّامُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ اخْتَارَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنْهُمْ ابْنُ حَبِيبٍ الْمَالِكِيُّ حَذْفَ الْوَاوِ لِئَلَّا يَقْتَضِيَ التَّشْرِيكَ وَقَالَ غَيْرُهُ بِإِثْبَاتِهَا كَمَا هُوَ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : يَقُولُ عَلَيْكُمْ السِّلَامُ بِكَسْرِ السِّينِ أَيْ الْحِجَارَةُ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا ضَعِيفٌ انْتَهَى . وَفِيمَا نَقَلَهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مِنْ حَذْفِ الْوَاوِ نَظَرٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ رِوَايَتَهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَلَيْكُمْ بِغَيْرِ وَاوٍ هِيَ الرِّوَايَةُ الْوَاضِحَةُ الْمَعْنَى وَأَمَّا مَعَ إثْبَاتِ الْوَاوِ فَفِيهَا إشْكَالٌ ؛ لِأَنَّ الْوَاوَ الْعَاطِفَةَ تَقْتَضِي التَّشْرِيكَ فَيَلْزَمُ مِنْهُ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُمْ فِيمَا دَعَوْا بِهِ عَلَيْنَا مِنْ الْمَوْتِ أَوْ مِنْ سَآمَةِ دِينِنَا وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَوِّلُونَ فِي هَذَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْوَاوُ زَائِدَةٌ كَمَا زِيدَتْ فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ فَلَمَّا أَجَزْنَا سَاحَةَ الْحَيِّ وَانْتَحَى أَيْ لَمَّا أَجَزْنَا انْتَحَى فَزَادَ الْوَاوَ وَقِيلَ إنَّ الْوَاوَ فِي الْحَدِيثِ لِلِاسْتِئْنَافِ فَكَأَنَّهُ قَالَ : وَالسَّامُ عَلَيْكُمْ وَهَذَا كُلُّهُ فِيهِ بُعْدٌ ، وَأَوْلَى مِنْ هَذَا كُلِّهِ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْوَاوَ عَلَى بَابِهَا مِنْ الْعَطْفِ غَيْرَ أَنَّا نُجَابُ عَلَيْهِمْ وَلَا يُجَابُونَ عَلَيْنَا كَمَا قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِوَايَةُ حَذْفِ الْوَاوِ أَحْسَنُ مَعْنًى وَإِثْبَاتُهَا أَصَحُّ رِوَايَةً وَأَشْهَرُ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ طَاوُسٍ يَقُولُ فِي الرَّدِّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَاك السَّلَامُ أَيْ ارْتَفَعَ عَنْك . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) : فَإِنْ قُلْت إنَّمَا أُمِرْنَا أَنْ نَقْتَصِرَ فِي الرَّدِّ عَلَيْهِمْ عَلَى قَوْلِنَا عَلَيْكُمْ بِدُونِ لَفْظَةِ السَّلَامِ ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا فِي ابْتِدَائِهِمْ السَّامُ عَلَيْكُمْ فَلَمْ يَأْتُوا بِلَفْظِ السَّلَامِ فَلَوْ تَحَقَّقْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ أَتَى بِلَفْظِ السَّلَامِ مَا الْمَانِعُ مِنْ أَنْ نُجِيبَهُ بِقَوْلِنَا عَلَيْكُمْ السَّلَامُ ؟ ( قُلْت ) : وَلَوْ تَحَقَّقْنَا ذَلِكَ لَا نَعْدِلُ عَنْ كَيْفِيَّةِ الرَّدِّ الْوَارِدَةِ مِنْ الشَّارِعِ فَلَعَلَّهُ حَرَّفَهُ تَحْرِيفًا خَفِيًّا أَوْ أَرَادَ بِقَلْبِهِ غَيْرَ مَا نَطَقَ بِهِ لِسَانُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) : بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي اسْتِتَابَةِ الْمُرْتَدِّينَ ( بَابُ إذَا عَرَّضَ الذِّمِّيُّ وَغَيْرُهُ بِسَبِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُصَرِّحْ نَحْوُ قَوْلِهِ السَّامُ عَلَيْكُمْ ) : وَأَوْرَدَ فِي الْبَابِ أَيْضًا حَدِيثَ أَنَسٍ قَالَ { مَرَّ يَهُودِيٌّ بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ السَّامُ عَلَيْك فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَلَيْك ثُمَّ قَالَ أَتَدْرُونَ مَاذَا يَقُولُ قَالَ السَّامُ عَلَيْك قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَقْتُلُهُ ، قَالَ لَا ، إذَا سَلَّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا وَعَلَيْكُمْ : } . وَعَنْهَا قَالَتْ { كَانَ رَجُلٌ يَدْخُلُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَنَّثٌ فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ ، وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً فَقَالَ إنَّهَا إذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَرَى هَذَا يَعْلَمُ مَا هَهُنَا لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُنَّ هَذَا : } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَزَادَ { قَالَتْ فَحَجَبُوهُ : } وَقَدْ اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ { وَوَصَفَ الْمَرْأَةَ الَّتِي نَعَتَهَا أَنَّهَا ابْنَةُ غَيْلَانَ : } . . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَعَنْهَا قَالَتْ { كَانَ رَجُلٌ يَدْخُلُ عَلَى نِسَاءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَنَّثٌ فَكَانُوا يَعُدُّونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ فَدَخَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ ، وَهُوَ يَنْعَتُ امْرَأَةً فَقَالَ إنَّهَا إذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا أَرَى هَذَا يَعْلَمُ مَا هَهُنَا لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُنَّ هَذَا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : الْأُولَى أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَفِيهِ { قَالَتْ فَحَجَبُوهُ : } وَرَوَاهُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ أَيْضًا أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ رَبَاحِ بْنِ زَيْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَوْرٍ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هِشَامٍ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ مَعْمَرِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ . وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ خَلَا التِّرْمِذِيِّ عَنْ جَمَاعَةٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمِّ سَلَمَةَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ { أَنَّ مُخَنَّثًا كَانَ عِنْدَهَا وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْبَيْتِ قَالَ لِأَخِي أُمِّ سَلَمَةَ يَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ أَبِي أُمَيَّةَ إنْ فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ الطَّائِفَ غَدًا فَإِنِّي أَدُلُّك عَلَى بِنْتِ غَيْلَانَ فَإِنَّهَا تُقْبِلُ بِأَرْبَعٍ وَتُدْبِرُ بِثَمَانٍ قَالَتْ فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَا يَدْخُلْ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُمْ } . ( الثَّانِيَةُ ) : الْمُخَنَّثُ بِفَتْحِ النُّونِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ الْأُولَى أَفْصَحُ هُوَ الَّذِي يُشْبِهُ النِّسَاءَ فِي أَخْلَاقِهِ وَكَلَامِهِ وَحَرَكَاتِهِ فَيَلِينُ فِي قَوْلِهِ وَيَتَكَسَّرُ فِي مِشْيَتِهِ وَيَنْثَنِي فِيهَا وَقَدْ يَكُونُ هَذَا خِلْقَةً لَا صُنْعَ لَهُ فِيهِ وَقَدْ يَتَكَلَّفُ ذَلِكَ وَيَتَصَنَّعُهُ فَالْأَوَّلُ لَا ذَمَّ عَلَيْهِ وَلَا إثْمَ وَلَا عُقُوبَةَ ؛ لِأَنَّهُ مَعْذُورٌ لَا صُنْعَ لَهُ فِي ذَلِكَ وَالثَّانِي مَذْمُومٌ جَاءَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ بِلَعْنِهِ ، وَهُوَ دَاخِلٌ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ { لَعَنَ اللَّهُ الْمُتَشَبِّهَاتِ مِنْ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ وَالْمُتَشَبِّهِينَ بِالنِّسَاءِ مِنْ الرِّجَالِ } . وَقَدْ كَانَ هَذَا الْمُخَنَّثُ مِنْ الْقِسْمِ الْأَوَّلِ وَلِهَذَا لَمْ يُنْكِرْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُلُقَهُ الَّذِي هُوَ عَلَيْهِ حِينَ كَانَ مِنْ أَصْلِ خِلْقَتِهِ وَأَقَرَّهُ عَلَى الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ لَا يَعْرِفُ شَيْئًا مِنْ أَحْوَالِهِنَّ وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْحَسَنَةِ مِنْهُنَّ وَالْقَبِيحَةِ ؛ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَى مَنْ كَانَ ذَلِكَ فِيهِ خِلْقَةً أَنَّهُ كَذَلِكَ فَلَمَّا ظَهَرَ لَهُ مِنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ مَنَعَهُ الدُّخُولَ عَلَيْهِنَّ . ( الثَّالِثَةُ ) : اُخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْأَشْهَرُ أَنَّهُ ( هِيتٌ ) : بِكَسْرِ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَآخِرُهُ تَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ فَوْقٍ ، وَقِيلَ صَوَابُهُ ( هِنْبٌ ) : بِالنُّونِ وَالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَالَهُ ابْنُ دُرُسْتَوَيْهِ وَقَالَ إنَّ مَا سِوَاهُ تَصْحِيفٌ قَالَ وَالْهَنَبُ الْأَحْمَقُ وَقِيلَ ( تَابِعٌ ) : بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ مَوْلَى أَبِي فَاخِتَةَ الْمَخْزُومِيَّةِ . ( الرَّابِعَةُ ) : قَدْ بَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ سَبَبَ دُخُولِهِ عَلَى أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ ، وَهُوَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ أَيْ الْحَاجَةِ إلَى النِّسَاءِ وَأَنَّهُ لَا يَنْظُرُ فِي أَوْصَافِهِنَّ وَلَا يُمَيِّزُ بَيْنَ الْحَسَنَةِ وَالْقَبِيحَةِ مِنْهُنَّ وَلَا شَهْوَةَ لَهُ أَصْلًا وَمِثْلُ هَذَا لَا يَجِبُ الِاحْتِجَابُ مِنْهُ بِنَصِّ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ فَلَمَّا فُهِمَ مِنْ كَلَامِهِ هَذَا أَنَّهُ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ حُجِبَ وَمُنِعَ مِنْ الدُّخُولِ عَلَيْهِنَّ كَغَيْرِهِ مِنْ الرِّجَالِ فَفِيهِ أَنَّ التَّخَنُّثَ وَلَوْ كَانَ أَصْلِيًّا لَا يَقْتَضِي الدُّخُولَ عَلَى النِّسَاءِ وَأَنَّهُ كَانَ الْمُقْتَضِي لِدُخُولِهِ اعْتِقَادُ كَوْنِهِ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ لَا كَوْنِهِ مُخَنَّثًا . ( الْخَامِسَةُ ) : قَوْلُهَا { ، وَهُوَ عِنْدَ بَعْضِ نِسَائِهِ } . قَدْ تَبَيَّنَ بِرِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهَا أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا وَقَوْلُهَا { ، وَهُوَ يَنْعَتُ } بِالنُّونِ وَالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ أَيْ يَصِفُ وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ الْمَنْعُوتَةُ قَدْ تَبَيَّنَ بِالرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ أَنَّهَا بِنْتُ غَيْلَانَ وَاسْمُهَا ( بَادِيَةُ ) : بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ وَقِيلَ بِالنُّونِ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ الصَّوَابُ بِالْبَاءِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِهِمْ . ( السَّادِسَةُ ) : قَوْلُهُ { إذَا أَقْبَلَتْ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ ، وَإِذَا أَدْبَرَتْ أَدْبَرَتْ بِثَمَانٍ : } . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ مَعْنَاهُ أَقْبَلَتْ بِأَرْبَعٍ عُكَنٍ وَأَدْبَرَتْ بِثَمَانِ عُكَنٍ ، وَالْعُكَنُ بِضَمِّ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْكَافِ جَمْعُ عُكْنَةٍ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ وَيُجْمَعُ أَيْضًا عَلَى أَعْكَانٍ قَالُوا وَمَعْنَاهُ أَنَّ لَهَا أَرْبَعَ عُكَنٍ تُقْبِلُ بِهِنَّ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ ثِنْتَانِ وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ طَرَفَانِ فَإِذَا أَدْبَرَتْ صَارَتْ الْأَطْرَافُ ثَمَانِيَةً قَالُوا ، وَإِنَّمَا أَنَّثَ فَقَالَ ثَمَانٍ وَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ يَقُولَ ( بِثَمَانِيَةٍ ) : فَإِنَّ الْمُرَادَ الْأَطْرَافُ وَهِيَ مُذَكَّرَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُذَكَّرْ لَفْظُهُ وَمَتَى حُذِفَ الْمَعْدُودُ جَازَ حَذْفُ التَّاءِ وَلَمْ يَلْزَمْ إثْبَاتُهَا كَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَأَتْبَعَهُ سِتًّا مِنْ شَوَّالٍ } هَذَا كَلَامُ الْمَازِرِيِّ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّثَ الْعَدَدَ لِتَأْنِيثِ الْمَعْدُودِ ، وَهُوَ الْعُكَنُ جَمْعُ عُكْنَةٍ . ( السَّابِعَةُ ) : رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ الْوَاقِدِيُّ وَالْكَلْبِيُّ وَفِيهِ أَنَّ هَذَا الْمُخَنَّثُ ( هِيتٌ ) : وَكَانَ مَوْلًى لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أُمَيَّةَ الْمَخْزُومِيِّ أَخِي أُمِّ سَلَمَةَ لِأَبِيهَا وَفِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ بِثَمَانٍ مَعَ ثَغْرٍ كَالْأُقْحُوَانِ إنْ جَلَسَتْ تَثَنَّتْ ، وَإِنْ تَكَلَّمَتْ تَغَنَّتْ بَيْنَ رِجْلَيْهَا كَالْإِنَاءِ الْمَكْفُو ، وَهِيَ كَمَا قَالَ قَيْسُ بْنُ الْخَطِيمِ تَعْتَرِفُ الطَّرْفَ وَهِيَ لَاهِيَةٌ كَأَنَّمَا شَفَّ وَجْهَهَا شَرَفُ بَيْنَ شُكُولِ النِّسَاءِ خِلْقَتُهَا قَصْدًا فَلَا عَبْلَةُ وَلَا نِصْفُ تَنَامُ عَنْ كِبَرِ شَأْنِهَا فَإِذَا قَامَتْ رُوَيْدًا تَكَادُ تَنْقَصِفُ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَقَدْ غَلَّظْت النَّظَرَ إلَيْهَا يَا عَدُوَّ اللَّهِ ثُمَّ أَجَلَاهُ عَنْ الْمَدِينَةِ إلَى الْحِمَى } قَالَ فَلَمَّا فُتِحَتْ الطَّائِفُ تَزَوَّجَهَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَوَلَدَتْ لَهُ فِي قَوْلِ الْكَلْبِيِّ ، وَلَمْ يَزَلْ ( هِيتٌ ) : بِذَلِكَ الْمَكَانِ حَتَّى قُبِضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمَّا وَلِيَ أَبُو بَكْرٍ كُلِّمَ فِيهِ فَأَبَى أَنْ يَرُدَّهُ فَلَمَّا وَلِيَ عُمَرُ كُلِّمَ فِيهِ فَأَبَى أَنْ يَرُدَّهُ ثُمَّ كُلِّمَ فِيهِ بَعْدُ وَقِيلَ إنَّهُ قَدْ كَبُرَ وَضَعُفَ وَضَاعَ فَأُذِنَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ كُلَّ جُمُعَةٍ فَيَسْأَلَ وَيَرْجِعَ إلَى مَكَانِهِ . ( الثَّامِنَةُ ) : قَوْلُهُ { لَا يَدْخُلَنَّ عَلَيْكُمْ هَذَا : } كَذَا رُوِّينَاهُ بِلَفْظِ الْغَيْبَةِ وَنُونِ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ { هَذَا : } فَاعِلًا وَكَانَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بِلَفْظِ الْخِطَابِ لَهُنَّ وَيَكُونُ قَوْلُهُ هَذَا مَفْعُولًا وَيَدُلُّ لِلرِّوَايَةِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ { لَا يَدْخُلُ هَؤُلَاءِ عَلَيْكُمْ } ، وَهُوَ إشَارَةٌ إلَى جَمِيعِ الْمُخَنَّثِينَ لَمَّا رَأَى مِنْ وَصْفِهِمْ النِّسَاءَ وَمَعْرِفَتِهِمْ مَا يَعْرِفُهُ الرِّجَالُ مِنْهُنَّ فَكَانَ هَذَا سَبَبًا لِوُرُودِ هَذَا الْأَمْرِ ثُمَّ إنَّهُ عَمَّمَ الْحُكْمَ فِي كُلِّ مَنْ وَصْفُهُ كَوَصْفِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( التَّاسِعَةُ ) : تَقَدَّمَ فِي الْفَائِدَةِ السَّابِعَةِ زِيَادَةٌ عَلَى مَنْعِهِ مِنْ الدُّخُولِ عَلَى النِّسَاءِ وَهِيَ نَفْيُهُ إلَى الْحِمَى وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ غَرَّبَ هِيتًا : وَمَاتِعًا : إلَى الْحِمَى } ، ذَكَرَهُ الْوَاقِدِيُّ وَذَكَرَ أَبُو مَنْصُورٍ الْبَارُودِيُّ نَحْوَ الْحِكَايَةِ عَنْ { مُخَنَّثٍ كَانَ بِالْمَدِينَةِ يُقَالُ لَهُ أَنَّةَ : وَذَكَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَفَاهُ إلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ } حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَقَالَا وَالْمَحْفُوظُ أَنَّهُ ( هِيتٌ ) : قَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِلْقَاضِي عِيَاضٍ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَإِخْرَاجُهُ وَنَفْيُهُ كَانَ لِثَلَاثَةِ مَعَانٍ : ( أَحَدُهَا ) : الْمَعْنَى الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يَظُنُّ أَنَّهُ مِنْ غَيْرِ أُولِي الْإِرْبَةِ وَكَانَ مِنْهُمْ وَيَتَكَتَّمُ ذَلِكَ ( وَالثَّانِي ) : وَصْفُهُ النِّسَاءَ وَمَحَاسِنَهُنَّ وَعَوْرَاتِهِنَّ بِحَضْرَةِ الرِّجَالِ وَقَدْ نُهِيَ أَنْ تَصِفَ الْمَرْأَةُ لِزَوْجِهَا فَكَيْفَ إذَا وَصَفَهَا الرَّجُلُ لِلرِّجَالِ وَ ( الثَّالِثُ ) أَنَّهُ ظَهَرَ لَهُ مِنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَطَّلِعُ مِنْ النِّسَاءِ وَأَجْسَامِهِنَّ وَعَوْرَاتِهِنَّ عَلَى مَا لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ كَثِيرٌ مِنْ النِّسَاءِ فَكَيْفَ الرِّجَالُ لَا سِيَّمَا عَلَى مَا جَاءَ فِي غَيْرِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ وَصَفَهَا حَتَّى وَصَفَ مَا بَيْنَ رِجْلَيْهَا أَيْ فَرْجَهَا وَمَا حَوَالَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) فِيهِ جَوَازُ الْعُقُوبَةِ بِالنَّفْيِ عَنْ الْوَطَنِ لِمَنْ يُخَافُ مِنْهُ الْفَسَادُ وَالْفِسْقُ وَعَلَى تَحْرِيمِ ذِكْرِ مَحَاسِنِ الْمَرْأَةِ بِعَيْنِهَا ؛ لِأَنَّ فِيهِ إطْلَاعَ النَّاسِ عَلَى عَوْرَتِهَا وَتَحْرِيكَ النُّفُوسِ إلَى مَا لَا يَحِلُّ مِنْهَا وَأَمَّا ذِكْرُ مَحَاسِنِ مَنْ لَا تُعْرَفُ مِنْ النِّسَاءِ فَهُوَ جَائِزٌ إنْ لَمْ يَدْعُ إلَى مَفْسَدَةٍ مِنْ تَهْيِيجِ النُّفُوسِ عَلَى الْوُقُوعِ فِي مُحَرَّمٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( أَبْوَابُ الْأَدَبِ ) عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ رِوَايَةً وَقَالَ مَرَّةً يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ } . ( أَبْوَابُ الْأَدَبِ ) ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ رِوَايَةً وَقَالَ مَرَّةً يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَتْرُكُوا النَّارَ فِي بُيُوتِكُمْ حِينَ تَنَامُونَ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ خَلَا النَّسَائِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمِ عَنْ أَبِيهِ . ( الثَّانِيَةُ ) هَذَا النَّهْيُ لَيْسَ لِلتَّحْرِيمِ بَلْ وَلَا لِلْكَرَاهَةِ وَإِنَّمَا هُوَ لِلْإِرْشَادِ فَهُوَ كَالْأَمْرِ فِي قَوْله تَعَالَى { وَأَشْهِدُوا إذَا تَبَايَعْتُمْ } وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا كَانَ لِلنَّدْبِ فِي الْفِعْلِ وَلِلْكَرَاهَةِ فِي التَّرْكِ أَنَّ ذَلِكَ لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ وَالْإِرْشَادَ يَرْجِعُ لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ وَقَدْ بَيَّنَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيث جَابِرٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ { وَأَنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ } وَأَرَادَ بِالْفُوَيْسِقَةِ الْفَأْرَةَ لِخُرُوجِهَا عَلَى النَّاسِ مِنْ جُحْرِهَا بِالْفَسَادِ وَقَوْلُهُ ( تُضْرِمُ ) بِضَمِّ التَّاءِ وَإِسْكَانِ الضَّادِ أَيْ تُحْرِقُ سَرِيعًا وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ لِمَا فِيهَا مِنْ الدُّهْنِ فَتَمُرُّ بِالشَّيْءِ فَتُحْرِقُهُ وَالنَّاسُ نِيَامٌ لَا يُبَادِرُونَ إلَى طَفْئِهَا فَتَنْتَشِرُ النَّارُ وَتُحْرِقُ أَهْلَ الْبَيْتِ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { جَاءَتْ فَأْرَةٌ فَأَخَذَتْ تَجُرُّ الْفَتِيلَةَ فَجَاءَتْ بِهَا فَأَلْقَتْهَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْخَمْرَةِ الَّتِي كَانَ قَاعِدًا عَلَيْهَا فَأَحْرَقَتْ مِنْهَا مِثْلَ مَوْضِعِ الدِّرْهَمِ فَقَالَ : إذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوا سُرُجَكُمْ فَإِنَّ الشَّيْطَانَ يَدُلُّ مِثْلَ هَذِهِ عَلَى هَذَا فَتُحْرِقُكُمْ } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ { احْتَرَقَ بَيْتٌ عَلَى أَهْلِهِ بِالْمَدِينَةِ مِنْ اللَّيْلِ فَلَمَّا حُدِّثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَأْنِهِمْ قَالَ : إنَّ هَذِهِ النَّارَ إنَّمَا هِيَ عَدُوٌّ لَكُمْ فَإِذَا نِمْتُمْ فَأَطْفِئُوهَا عَنْكُمْ } وَمَعْنَى كَوْنِهَا عَدُوًّا لَنَا ، أَنَّهَا تُنَافِي أَبْدَانَنَا وَأَمْوَالَنَا عَلَى الْإِطْلَاقِ مُنَافَاةَ الْعَدُوِّ وَلَكِنْ تَتَّصِلُ مَنْفَعَتُهَا بِنَا بِوَسَائِطَ فَذَكَرَ الْعَدَاوَةَ مَجَازًا لِوُجُودِ مَعْنَاهَا فِيهَا قَالَهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ . ( الثَّالِثَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا عَامٌّ يَدْخُلُ فِيهِ نَارُ السِّرَاجِ وَغَيْرُهَا . وَأَمَّا الْقَنَادِيلُ الْمُعَلَّقَةُ فِي الْمَسَاجِدِ وَغَيْرِهَا فَإِنْ خِيفَ حَرِيقٌ بِسَبَبِهَا دَخَلَتْ فِي الْأَمْرِ بِالْإِطْفَاءِ ، وَإِنْ أُمِنَ ذَلِكَ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّلَ الْأَمْرَ بِالْإِطْفَاءِ فِي الْحَدِيثِ السَّابِقِ بِأَنَّ الْفُوَيْسِقَةَ تُضْرِمُ عَلَى أَهْلِ الْبَيْتِ بَيْتَهُمْ فَإِذَا انْتَفَتْ الْعِلَّةُ زَالَ الْمَنْعُ . وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الشُّومُ فِي ثَلَاثٍ : الْفَرَسُ وَالْمَرْأَةُ وَالدَّارُ } قَالَ سُفْيَانُ إنَّمَا نَحْفَظُهُ عَنْ سَالِمٍ يَعْنِي الشُّومَ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا { إنْ كَانَ الشُّومُ فِي شَيْءٍ فَفِي } وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ فِي أَوَّلِهِ { لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { وَالْخَادِمِ } بَدَلَ الْمَرْأَةِ وَفِي رِوَايَةٍ مُرْسَلَةٍ لِلنَّسَائِيِّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى { وَالسَّيْفِ } فَجَعَلَهَا أَرْبَعًا وَلِابْنِ مَاجَهْ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ كَانَتْ تَزِيدَ مَعَهُنَّ { السَّيْفَ } وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ مِخْمَرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ { لَا شُومَ وَقَدْ يَكُونُ الْيُمْنُ فِي ثَلَاثَةٍ } الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ إلَّا أَنَّهُ قَالَ حَكِيمُ بْنُ مُعَاوِيَةَ . ( الْحَدِيثُ الثَّانِي ) وَعَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الشُّومُ فِي ثَلَاثٍ : الْفَرَسُ وَالْمَرْأَةُ وَالدَّارُ } قَالَ سُفْيَانُ : إنَّمَا نَحْفَظُهُ عَنْ سَالِمٍ يَعْنِي الشُّومَ . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ سَالِمٍ وَحَمْزَةَ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِمَا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ ذِكْرِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى هَذَا أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ ابْنَ الْمَدِينِيِّ وَالْحُمَيْدِيَّ رَوَيَا عَنْ سُفْيَانَ قَالَ : لَمْ يَرْوِ لَنَا الزُّهْرِيُّ هَذَا الْحَدِيثَ إلَّا عَنْ سَالِمٍ لَكِنْ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَالشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَفِي أَوَّلِهِ { لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ } وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ كُلِّهِمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ وَحَمْزَةَ عَنْ أَبِيهِمَا وَهَذَا يُخَالِفُ مَا صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاشِدٍ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حَمْزَةَ وَحْدَهُ عَنْ أَبِيهِ وَرَوَاهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ قُنْفُذٍ عَنْ سَالِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي الْمَسْكَنِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ وَالسَّيْفِ } فَأَدْخَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ سَالِمٍ مُحَمَّدَ بْنَ زَيْدٍ وَأَرْسَلَ الْحَدِيثَ وَزَادَ فِيهِ { السَّيْفَ } وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عُتْبَةَ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ حَمْزَةَ وَحْدَهُ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ { إنْ كَانَ الشُّومُ فِي شَيْءٍ } وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وَمُسْلِمٍ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ إِسْحَاقَ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ كُلِّهِمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ وَحْدَهُ عَنْ أَبِيهِ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ جَدِّهِ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ { إنْ كَانَ الشُّومُ فِي شَيْءٍ } وَلَفْظُ مُسْلِمٍ { إنْ يَكُنْ مِنْ الشُّومِ شَيْءٌ حَقٌّ } وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ الِاخْتِلَافَ فِيهِ عَلَى الزُّهْرِيِّ وَذَكَرَ أَنَّ رِوَايَةَ حَمْزَةَ عَنْ أَبِيهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ صَحِيحَةٌ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ وَحَمْزَةَ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : وَمَاذَا فِي أَنْ يَرْوِيَهُ عَنْ رَجُلَيْنِ عَنْ رَجُلٍ فَيَجْمَعَهُمَا تَارَةً وَيُفْرِدَ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا أُخْرَى . ( الثَّانِيَةُ ) ( الشُّومُ ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْوَاوِ وَأَصْلُهَا الْهَمْزَةُ وَلَكِنَّهَا خُفِّفَتْ فَصَارَتْ وَاوًا وَغَلَبَ عَلَيْهَا التَّخْفِيفُ حَتَّى لَمْ يُنْطَقْ بِهَا مَهْمُوزَةً وَكَذَلِكَ ذَكَرَهَا فِي النِّهَايَةِ فِي الشِّينِ مَعَ الْوَاوِ وَذَكَرَهَا غَيْرُهُ فِي الشِّينِ مَعَ الْهَمْزَةِ عَلَى أَصْلِهَا وَالشُّومُ ضِدُّ الْيُمْنِ ذَكَرَهُ فِي الصِّحَاحِ وَالْمُحْكَمِ وَالنِّهَايَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الشُّومُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ النَّحْسُ وَكَذَا قَالَ الْمُفَسِّرُونَ فِي قَوْله تَعَالَى { فِي أَيَّامٍ نَحِسَاتٍ } قَالُوا مَشَائِيمَ قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ نَحِسَاتٍ ذَاتُ نُحُوسٍ مَشَائِيمَ . . ( الثَّالِثَةُ ) اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَقْوَالٍ : ( أَحَدُهَا ) إنْكَارُهُ وَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إنَّمَا حَكَاهُ عَنْ مُعْتَقَدِ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّهَا أَخْبَرَتْ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يُحَدِّثُ بِذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَطَارَتْ شُقَّةٌ مِنْهَا فِي السَّمَاءِ وَشُقَّةٌ فِي الْأَرْضِ ، ثُمَّ قَالَتْ : كَذَبَ وَاَلَّذِي أَنْزَلَ الْفُرْقَانَ عَلَى أَبِي الْقَاسِمِ مَنْ حَدَّثَ عَنْهُ بِهَذَا وَلَكِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقُولُ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُونَ : الطِّيَرَةُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدَّارِ وَالدَّابَّةِ } ثُمَّ قَرَأَتْ عَائِشَةُ { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إنَّ ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : ( وَكَذَبَ ) فِي كَلَامِهَا بِمَعْنَى غَلِطَ ، ثُمَّ قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ خَبَرًا عَمَّا كَانَتْ تَعْتَقِدُهُ الْعَرَبُ فِي جَاهِلِيَّتِهَا عَلَى مَا قَالَتْ عَائِشَةُ ثُمَّ نَسَخَ وَأَبْطَلَهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَنُ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ : إنْ كَانَ الشُّومُ فِي شَيْءٍ فَهُوَ فِيمَا بَيْنَ اللَّحْيَيْنِ يَعْنِي اللِّسَانَ ، وَمَا شَيْءٌ أَحْوَجُ إلَى طُولِ سِجْنٍ مِنْ لِسَانٍ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ لَمَّا حُكِيَ هَذَا الْقَوْلُ عَنْ بَعْضِهِمْ هُوَ سَاقِطٌ ؛ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُبْعَثْ لِيُخْبِرَ عَنْ النَّاسِ بِمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ وَإِنَّمَا بُعِثَ لِيُعَلِّمَ النَّاسَ بِمَا يَلْزَمُهُمْ أَنْ يَعْلَمُوهُ وَيَعْتَقِدُوهُ ، وَحَكَى أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ هَذَا خَبَرٌ عَنْ عَادَةِ مَا يُتَشَاءَمُ بِهِ لَا أَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ الشَّرْعِ قَالَ : وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ لِأَنَّهُ تَعْطِيلٌ لِكَلَامِ الشَّارِعِ عَنْ الْفَوَائِدِ الشَّرْعِيَّةِ الَّتِي لِبَيَانِهَا أَرْسَلَهُ اللَّهُ . ( الْقَوْلُ الثَّانِي ) أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ قَدْ تَكُونُ سَبَبًا فِي الشُّومِ فَيُجْرِي : اللَّهُ تَعَالَى الشُّومَ عِنْدَ وُجُودِهَا بِقَدَرِهِ قَالَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ قَرَأَ عَلَى الْحَارِثِ بْنِ مِسْكِينٍ وَأَنَا شَاهِدٌ أَخْبَرَك ابْنُ الْقَاسِمِ قَالَ : سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ الشُّومِ فِي الْفَرَسِ وَالدَّارِ فَقَالَ : كَمْ مِنْ دَارٍ سَكَنَهَا نَاسٌ فَهَلَكُوا ثُمَّ سَكَنَهَا آخَرُونَ فَهَلَكُوا فَهَذَا تَفْسِيرُهُ فِيمَا نَرَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ثُمَّ رَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ فَرْوَةَ بْنِ مُسَيْكٍ قَالَ : { قُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرْضٌ عِنْدَنَا يُقَالُ لَهَا : أَرْضُ أَبَيْنَ هِيَ أَرْضُ رِيفِنَا وَمِيرَتِنَا وَإِنَّهَا وَبِيئَةٌ أَوْ قَالَ : وَبَاؤُهَا شَدِيدَةٌ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : دَعْهَا عَنْك فَإِنَّ مِنْ الْقَرَفِ التَّلَفَ } ثُمَّ رَوَى أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ قَالَ : { قَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا كُنَّا فِي دَارٍ كَثِيرٌ فِيهَا عَدَدُنَا وَكَثِيرٌ فِيهَا أَمْوَالُنَا فَتَحَوَّلْنَا إلَى دَارٍ أُخْرَى فَقَلَّ فِيهَا عَدَدُنَا وَقَلَّتْ فِيهَا أَمْوَالُنَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَرُوهَا ذَمِيمَةً } . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَ فَرْوَةَ لَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْعَدْوَى وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ بَابِ الطِّبِّ فَإِنَّ اسْتِصْلَاحَ الْأَهْوِيَةِ مِنْ أَعْوَنِ الْأَشْيَاءِ عَلَى صِحَّةِ الْأَبَدَانِ وَفَسَادَ الْهَوَاءِ مِنْ أَسْرَعِهَا إلَى إسْقَاطِهَا وَكُلُّ ذَلِكَ بِإِذْنِ اللَّهِ وَمَشِيئَتِهِ وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ إنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالتَّحَوُّلِ عَنْهَا إبْطَالًا لِمَا وَقَعَ مِنْهَا فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ أَنَّ الْمَكْرُوهَ إنَّمَا أَصَابَهُمْ بِسَبَبِ سُكْنَاهَا ، فَإِذَا تَحَوَّلُوا عَنْهَا انْقَطَعَتْ مَادَّةُ ذَلِكَ الْوَهْمِ وَزَالَ عَنْهُمْ مَا خَامَرَهُمْ مِنْ الشُّبْهَةِ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بَعْدَ حِكَايَتِهِ كَلَامَ مَالِكٍ وَلَيْسَ مِنْهُ إضَافَةُ الشُّومِ إلَى الدَّارِ وَلَا تَعْلِيقُهُ بِهَا وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ جَرْيِ الْعَادَةِ فِيهَا فَيَخْرُجُ الْمَرْءُ عَنْهَا صِيَانَةً لِاعْتِقَادِهِ عَنْ تَعَلُّقِهِ بِهَا التَّعَلُّقَ الْبَاطِلَ وَالِاهْتِمَامَ بِغَيْرِهِمْ قَالَ : وَعَنْ هَذَا وَقَعَ الْخَبَرُ فِي حَدِيثِ حَكِيمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا شُومَ وَقَدْ يَكُونُ الْيُمْنُ فِي الدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ } وَالْحَدِيثُ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ هَكَذَا وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ مِخْمَرِ بْنِ مُعَاوِيَةَ . قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ نَفَى نِسْبَةَ هَذِهِ الْقَضِيَّةِ إلَى الدُّورِ وَالنِّسَاءِ وَالْبَهَائِمِ وَأَجَازَ نِسْبَةَ الْيُمْنِ إلَيْهَا لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ صَلَاحِ الْأَبَدَانِ وَفَرَاغِ الْقُلُوبِ عَنْ الِاهْتِمَامِ ، قَالَ وَقَوْلُهُ دَعُوهَا ذَمِيمَةً إخْبَارٌ بِأَنَّ وَصْفَهَا بِذَلِكَ جَائِزٌ وَذِكْرَهَا بِقَبِيحِ مَا جَرَى فِيهَا سَائِغٌ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَعْتَقِدَ ذَلِكَ كَائِنًا مِنْهَا وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ ذَمُّ الْمَحَلِّ الْمَكْرُوهِ ، وَإِنْ كَانَ لَيْسَ مِنْهُ شَرْعًا . أَلَا تَرَى أَنَّا نَذُمُّ الْعَاصِيَ عَلَى مَعْصِيَتِهِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ بِقَضَاءِ اللَّهِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ قَضَاءَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالْمَعْصِيَةِ حُكْمٌ عَقْلِيٌّ ، وَجَوَازُ ذَمِّهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ فَاجْتَمَعَا وَاتَّفَقَا ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ تَخَيَّلَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ التَّطَيُّرَ بِهَذِهِ الثَّلَاثَةِ مُسْتَثْنًى مِنْ قَوْلِهِ لَا طِيَرَةَ وَأَنَّهُ مَخْصُوصٌ بِهَا فَكَأَنَّهُ قَالَ : لَا طِيَرَةَ إلَّا فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ فَمَنْ تَشَاءَمَ بِشَيْءٍ مِنْهَا نَزَلَ بِهِ مَا كَرِهَ مِنْ ذَلِكَ وَمِمَّنْ صَارَ إلَى هَذَا ابْنُ قُتَيْبَةَ وَعَضَّدَهُ بِمَا يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { الطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ } . ثُمَّ حَكَى الْقُرْطُبِيُّ كَلَامَ مَالِكٍ ثُمَّ قَالَ : وَلَا يُظَنُّ بِمَنْ قَالَ : هَذَا الْقَوْلَ أَنَّ الَّذِي رَخَّصَ فِيهِ مِنْ الطِّيَرَةِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ هُوَ عَلَى نَحْوِ مَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَعْتَقِدُهُ فِيهَا وَتَفْعَلُ عِنْدَهَا فَإِنَّهَا كَانَتْ لَا تَقْدَمُ عَلَى مَا تَطَيَّرَتْ بِهِ وَلَا تَفْعَلُهُ بِوَجْهٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الطِّيَرَةَ تَضُرُّ قَطْعًا ، فَإِنَّ هَذَا الظَّنَّ خَطَأٌ وَإِنَّمَا يَعْنِي بِذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الثَّلَاثَةَ أَكْثَرُ مَا يَتَشَاءَمُ النَّاسُ بِهَا لِمُلَازَمَتِهِمْ إيَّاهَا فَمَنْ وَقَعَ فِي نَفْسِهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ أَبَاحَ الشَّرْعَ لَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَيَسْتَبْدِلَ بِهِ غَيْرَهُ مِمَّا تَطِيبُ بِهِ نَفْسُهُ وَيَسْكُنُ إلَيْهِ خَاطِرُهُ وَلَمْ يُلْزِمْهُ الشَّرْعُ أَنْ يُقِيمَ فِي مَوْضِعٍ يَكْرَهُهُ أَوْ مَعَ امْرَأَةٍ يَكْرَهُهَا بَلْ قَدْ فَسَّحَ لَهُ فِي تَرْكِ ذَلِكَ كُلِّهِ لَكِنْ مَعَ اعْتِقَادِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْفَعَّالُ لِمَا يُرِيدُ وَلَيْسَ لِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ أَثَرٌ فِي الْوُجُودِ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَعْنَى قَوْلِهِ { الطِّيَرَةُ عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ } أَنَّ إثْمَهَا عَلَى مَنْ تَطَيَّرَ بَعْدَ عِلْمِهِ بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا قَالَ : وَقَوْلُهُ { ذَرُوهَا ذَمِيمَةً } قَالَهُ لَهُمْ لِمَا رَسَخَ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الطِّيَرَةِ فَلَمَّا اسْتَحْكَمَ الْإِسْلَامُ بَيَّنَ لَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ أَنْ لَا طِيَرَةَ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْقَوْلُ الثَّالِثُ ) ذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ مَعْنَاهُ بَعْدَ إبْطَالِ الطِّيَرَةِ إنْ كَانَتْ لِأَحَدِكُمْ دَارٌ يَكْرَهُ سُكْنَاهَا أَوْ امْرَأَةٌ يَكْرَهُ صُحْبَتَهَا أَوْ فَرَسٌ لَا يُعْجِبُهُ ارْتِبَاطَهُ فَلْيُفَارِقْهَا بِأَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ الدَّارِ [ وَيُطَلِّقَ الْمَرْأَةَ ] وَيَبِيعَ الْفَرَسَ وَمَحَلُّ هَذَا الْكَلَامِ مَحَلُّ اسْتِثْنَاءِ الشَّيْءِ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ وَسَبِيلُهُ سَبِيلُ الْخُرُوجِ مِنْ كَلَامٍ إلَى غَيْرِهِ ، وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ أَنَّ الْخَطَّابِيَّ نَقَلَ هَذَا عَنْ كَثِيرِينَ وَهَذَا هُوَ مَعْنَى كَلَامِ الْقُرْطُبِيِّ الْمُتَقَدِّمِ ، وَيَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا عَنْ الصَّحِيحَيْنِ { إنْ كَانَ الشُّومُ فِي شَيْءٍ } فَفِي قَوْلٍ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَلَامَ لَمْ يُذْكَرْ عَلَى سَبِيلِ الْجَزْمِ بِهِ بَلْ عَلَى سَبِيلِ التَّشْبِيهِ وَالتَّقْرِيبِ . ( الْقَوْلُ الرَّابِعُ ) أَنَّهُ لَيْسَ لِشُومِهَا مَا يُتَوَقَّعُ بِسَبَبِ اقْتِنَائِهَا مِنْ الْهَلَاكِ بَلْ شُومُ الدَّارِ ضِيقُهَا وَسُوءُ جِيرَانِهَا وَأَذَاهُمْ وَقِيلَ : بُعْدُهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ وَعَدَمُ سَمَاعِ الْأَذَانِ مِنْهَا ، وُشُومُ الْمَرْأَةِ عَدَمُ وِلَادَتِهَا وَسَلَاطَةُ لِسَانِهَا وَتَعَرُّضُهَا لِلرَّيْبِ ، وُشُومُ الْفَرَسِ أَنْ لَا يُغْزَى عَلَيْهَا وَقِيلَ : حِرَانُهَا وَغَلَاءُ ثَمَنِهَا ، وُشُومُ الْخَادِمِ سُوءُ خُلُقِهِ وَقِلَّةُ تَعَهُّدِهِ لِمَا فُوِّضَ إلَيْهِ ، وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَعْمَرٍ أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْت مَنْ يُفَسِّرُ هَذَا الْحَدِيثَ يَقُولُ : شُومُ الْمَرْأَةِ إذَا كَانَتْ غَيْرَ وَلُودٍ وُشُومُ الْفَرَسِ إذَا لَمْ يُغْزَ عَلَيْهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وُشُومُ الدَّارِ جَارُ السُّوءِ وَاسْتَحْسَنَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِالشُّومِ هُنَا عَدَمُ الْمُوَافَقَةِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ { سَعَادَةُ ابْنِ آدَمَ فِي ثَلَاثَةٍ وَشِقْوَةُ ابْنِ آدَمَ فِي ثَلَاثَةٍ فَمِنْ سَعَادَتِهِ الْمَرْأَةُ الصَّالِحَةُ وَالْمَسْكَنُ الْوَاسِعُ وَالْمَرْكَبُ الصَّالِحُ ، وَمِنْ شِقْوَتِهِ الْمَرْأَةُ السُّوءُ وَالْمَسْكَنُ السُّوءُ وَالْمَرْكَبُ السُّوءُ } وَقَدْ أَشَارَ الْبُخَارِيُّ إلَى هَذَا التَّأْوِيلِ الرَّابِعِ بِأَنْ قَرَنَ بِالِاسْتِدْلَالِ بِهَذَا الْحَدِيثِ قَوْله تَعَالَى { إنَّ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ وَأَوْلَادِكُمْ عَدُوًّا لَكُمْ } وَذَكَرَ فِي الْبَابِ حَدِيثَ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ { مَا تَرَكْت بَعْدِي فِتْنَةً أَضُرَّ عَلَى الرِّجَالِ مِنْ النِّسَاءِ } وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا الْمَعْنَى لَا يَلِيقُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَنِسْبَتُهُ إلَى أَنَّهُ مُرَادُ الشَّرْعِ فَاسِدَةٌ . ( الرَّابِعَةُ ) حَكَى الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ قَالَ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْفِرَارِ مِنْ بَلَدِ الطَّاعُونِ وَأَبَاحَ الْفِرَارَ مِنْ هَذِهِ الدَّارِ } فَمَا الْفَرْقُ ثُمَّ حَكَى عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ مَا مَعْنَاهُ أَنَّ الْجَامِعَ لِهَذِهِ الْفُصُولِ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ . ( أَحَدُهَا ) مَا لَمْ يَقَعْ الضَّرَرُ بِهِ وَلَا اطَّرَدَتْ بِهِ عَادَةٌ خَاصَّةً وَلَا عَامَّةً فَهَذَا لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ وَأَنْكَرَ الشَّرْعُ الِالْتِفَاتَ إلَيْهِ وَهُوَ الطِّيَرَةُ . ( وَالثَّانِي ) مَا يَقَعُ الضَّرَرُ عِنْدَهُ عُمُومًا لَا يَخُصُّهُ وَنَادِرًا لَا مُتَكَرِّرًا كَالْوَبَاءِ فَلَا يَقْدَمُ عَلَيْهِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهُ . ( وَالثَّالِثُ ) مَا يَخُصُّ وَلَا يَعُمُّ كَالدَّارِ وَالْمَرْأَةِ وَالْفَرَسِ فَهَذَا يُبَاحُ الْفِرَارُ مِنْهُ . ( الْخَامِسَةُ ) ظَاهِرُ قَوْلِهِ ( الشُّومُ فِي ثَلَاثٍ ) حَصَرَ الشُّومَ فِيهَا بِاخْتِلَافِ التَّأْوِيلَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلَا سِيَّمَا إذَا قُلْنَا : إنَّ مَفْهُومَ الْعَدَدِ حُجَّةٌ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ سُنَنِ النَّسَائِيّ مُرْسَلًا ذَكَرَ السَّيْفَ أَيْضًا ، وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : فَحَدَّثَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَمْعَةَ أَنَّ جَدَّتَهُ زَيْنَبَ حَدَّثَتْهُ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تَعُدْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَ وَتَزِيدَ مَعَهُنَّ السَّيْفَ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ مَرْفُوعًا { إنْ كَانَ فِي شَيْءٍ فَفِي الرَّبْعِ وَالْخَادِمِ وَالْفَرَسِ } فَلَمْ يَذْكُرْ الْمَرْأَةَ ، وَذَكَرَ الْخَادِمَ بَدَلَهَا وَقَدْ حَصَلَ مِنْ مَجْمُوعِ الرِّوَايَاتِ مَعَ الثَّلَاثِ شَيْئَانِ آخَرَانِ الْفَرَسُ وَالْخَادِمُ . وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ الْحَصْرِ فِي الثَّلَاثِ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : هُوَ حَصْرُ عَادَةٍ لَا خِلْقَةٍ فَإِنَّ الشُّومَ قَدْ يَكُونُ مِنْ الِاثْنَيْنِ فِي الصُّحْبَةِ وَقَدْ يَكُونُ فِي السَّفَرِ وَقَدْ يَكُونُ فِي الثَّوْبِ يَسْتَجِدُّهُ الْعَبْدُ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا لَبِسَ أَحَدُكُمْ ثَوْبًا جَدِيدًا فَلْيَقُلْ : اللَّهُمَّ إنِّي أَسْأَلُك مِنْ خَيْرِهِ وَخَيْرِ مَا صُنِعَ لَهُ وَأَعُوذُ بِك مِنْ شَرِّهِ وَشَرِّ مَا صُنِعَ لَهُ } وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ أَنْ سَأَلَ مَا وَجْهُ خُصُوصِيَّةِ هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِالذِّكْرِ هَذِهِ ضَرُورِيَّةٌ فِي الْوُجُودِ لَا بُدَّ لِلْإِنْسَانِ مِنْ مُلَازَمَتِهَا غَالِبًا فَأَكْثَرُ مَا يَقَعُ التَّشَاؤُمُ بِهَا فَخَصَّهَا بِالذِّكْرِ لِذَلِكَ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ ( الْفَرَسُ ) كَذَا فِي أَكْثَرِ الْكُتُبِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ وَجَامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ ( الدَّابَّةُ ) بَدَلَ الْفَرَسِ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَطْلَقَ الدَّابَّةَ وَأَرَادَ بِهَا الْفَرَسَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَبَّهَ بِالْفَرَسِ عَلَى مَا عَدَاهَا مِنْ الدَّوَابِّ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ ( وَالْمَرْأَةُ ) ذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهَا تَتَنَاوَلُ الزَّوْجَةَ وَالْمَمْلُوكَةَ ، قَالَ : وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ ( وَالْخَادِمِ ) يَتَنَاوَلُ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى ؛ لِأَنَّهُ اسْمُ جِنْسٍ . ( الثَّامِنَةُ ) ( الرَّبْعُ ) الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ هُوَ بِمَعْنَى الدَّارِ الْمَذْكُورَةِ فِي غَيْرِهِ ، وَقَدْ قَالَ فِي الصِّحَاحِ الرَّبْعُ الدَّارُ بِعَيْنِهَا حَيْثُ كَانَتْ ثُمَّ قَالَ : وَالرَّبْعُ الْمَحَلَّةُ يُقَالُ : مَا أَوْسَعَ رَبْعِ بَنِي فُلَانٍ . انْتَهَى . فَإِنَّ حَمْلَ الْحَدِيثَ عَلَى الثَّانِي كَانَ أَعَمَّ مِنْ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ الْمُرَادُ بِالرَّبْعِ الدَّارُ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ثُمَّ قَالَ وَيَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى أَعَمِّ مِنْ ذَلِكَ فَيَدْخُلُ فِيهِ الدُّكَّانُ وَالْفُنْدُقُ وَغَيْرُهُمَا مِمَّا يَصْلُحُ الرَّبْعُ لَهُ . وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اُقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ فَإِنَّهُمَا يَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْتُلُ كُلَّ حَيَّةٍ وَجَدَهَا فَرَآهُ أَبُو لُبَابَةَ أَوْ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ يُطَارِدُ حَيَّةً فَقَالَ : إنَّهُ قَدْ نُهِيَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ } . ( الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ) وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اُقْتُلُوا الْحَيَّاتِ وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ فَإِنَّهُمَا يَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ ، فَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقْتُلُ كُلَّ حَيَّةٍ يَجِدُهَا فَرَآهُ أَبُو لُبَابَةَ أَوْ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ وَهُوَ يُطَارِدُ حَيَّةً فَقَالَ : إنَّهُ نُهِيَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُسْلِمٌ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُحَمَّدٍ النَّاقِدِ ، وَأَبُو دَاوُد عَنْ مُسَدَّدٍ كِلَاهُمَا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الزُّبَيْرِيِّ وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَمَعْمَرٍ وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ كُلِّهِمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ صَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ { حَتَّى رَآنِي أَبُو لُبَابَةَ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ وَزَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ فَقَالَا : إنَّهُ قَدْ نُهِيَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ } وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَفِيهِ فَنَادَانِي أَبُو لُبَابَةَ لَا تَقْتُلْهَا ، ثُمَّ قَالَ الْبُخَارِيُّ وَقَالَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ : فَرَآنِي أَبُو لُبَابَةَ أَوْ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ وَتَابَعَهُ يُونُسُ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَإِسْحَاقُ الْكَلْبِيُّ وَالزُّبَيْرِيُّ وَقَالَ صَالِحٌ وَابْنُ أَبِي حَفْصَةَ وَابْنُ مُجَمِّعٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ . ( رَآنِي أَبُو لُبَابَةَ وَزَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ ) وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَجُوَيْرِيَةَ بْنِ أَسْمَاءَ كُلِّهِمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَعُمَرَ بْنِ نَافِعٍ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَأَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ كُلِّهِمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ وَجَدَ بَعْدَ ذَلِكَ يَعْنِي بَعْدَ مَا حَدَّثَهُ أَبُو لُبَابَةَ حَيَّةً فِي دَارِهِ فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ يَعْنِي إلَى الْبَقِيعِ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أُسَامَةَ عَنْ نَافِعٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قَالَ نَافِعٌ ثُمَّ رَأَيْتهَا بَعْدُ فِي بَيْتِهِ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ { أَنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَقْتُلُ الْحَيَّاتِ قَالَ : فَلَقِيت أَبَا لُبَابَةَ فَأَخْبَرَنِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : لَا تَقْتُلُوا مِنْ الْحَيَّاتِ إلَّا كُلَّ أَبْتَرِ ذِي طُفْيَتَيْنِ } وَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ قَتْلِ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : وَصَوَّبَ قَوْلَ مَنْ قَالَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ أَكْثَرُ الرُّوَاةِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ وَالصَّحِيحُ الْأَوَّلُ ؛ لِأَنَّ نَافِعًا سَمِعَ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ أَبِي لُبَابَةَ قَالَ : وَكُلُّ مَنْ رَوَاهُ عَنْ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ لَمْ يَزِدْ عَلَى النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ إلَّا الْقَعْنَبِيُّ فَإِنَّهُ زَادَ فِيهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ فَإِنَّهُمَا يَخْطَفَانِ الْبَصَرَ وَيَطْرَحَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ وَلَمْ يَرْوِ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ إلَّا الْقَعْنَبِيُّ وَهُوَ وَهْمٌ وَإِنَّمَا هُوَ مَحْفُوظٌ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ وَعَائِشَةَ ( قُلْت ) لَعَلَّهُ أَرَادَ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) أَبُو لُبَابَةَ بِضَمِّ اللَّامِ بَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ ثُمَّ أَلْفٌ ثُمَّ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ أَيْضًا هُوَ ابْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ الْأَنْصَارِيُّ وَاخْتُلِفَ فِي اسْمِهِ فَقِيلَ : بَشِيرٌ ، وَقِيلَ : رِفَاعَةُ وَقِيلَ : ==========================ج25=================== اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ غَيْرُ ذَلِكَ وَهُوَ أَحَدُ النُّقَبَاءِ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ أَطْلَقَ أَنَّهُ بَدْرِيٌّ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : خَرَجَ إلَيْهَا فَرَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ مِنْ الرَّوْحَاءِ وَأَمَّرَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ وَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ وَأَجْرِهِ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَاتَ فِي خِلَافَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ غَيْرُهُ : مَاتَ بَعْدَ الْخَمْسِينَ . وَزَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ هُوَ أَخُو عُمَرَ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ لِأَبِيهِ وَكَانَ أَسَنَّ مِنْهُ وَأَسْلَمَ قَبْلَهُ وَشَهِدَ الْمَشَاهِدَ كُلَّهَا وَاسْتُشْهِدَ بِالْيَمَامَةِ فِي خِلَافَةِ الصِّدِّيقِ وَحَزِنَ عَلَيْهِ عُمَرُ حُزْنًا شَدِيدًا . ( الثَّالِثَةُ ) الْحَيَّاتُ جَمْعُ حَيَّةٍ وَهُوَ الْجِنْسُ الْمَعْرُوفُ لَا يَخْتَصُّ بِهِ نَوْعٌ دُونَ نَوْعٍ فَقَوْلُهُ بَعْدَهُ ( وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ ) مِنْ عَطْفِ الْخَاصِّ عَلَى الْعَامِّ وَتُطْلَقُ الْحَيَّةُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى وَإِنَّمَا دَخَلَتْهُ الْهَاءُ ؛ لِأَنَّهُ وَاحِدٌ مِنْ جِنْسٍ كَبَطَّةٍ وَدَجَاجَةٍ عَلَى أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ الْعَرَبِ رَأَيْت حَيًّا عَلَى حَيَّةٍ أَيْ ذَكَرًا عَلَى أُنْثَى وَاشْتِقَاقُهَا مِنْ الْحَيَاةِ فِي قَوْلِ بَعْضِهِمْ وَلِهَذَا قَالُوا فِي النِّسْبَةِ إلَيْهَا حَيَوِيٌّ وَلَوْ كَانَ مِنْ الْوَاوِيِّ لَقَالُوا : حَوَوِيٌّ وَالْحَيَّوْتُ بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ ذَكَرُ الْحَيَّاتِ . . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ الْأَمْرُ بِقَتْلِ الْحَيَّاتٍ وَهُوَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ لِلِاسْتِحْبَابِ سَوَاءٌ كَانَ الْإِنْسَانُ مُحْرِمًا أَمْ لَا وَمِمَّنْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الرَّافِعِيُّ فِي الْحَجِّ لَكِنَّهُ قَالَ فِي أَوَائِلِ الْأَطْعِمَةِ : قَالَ صَاحِبُ التَّلْخِيصِ وَسَاعِدُ الْأَصْحَابِ مَا أُمِرَ بِقَتْلِهِ مِنْ الْحَيَوَانِ فَهُوَ حَرَامٌ ، وَالسَّبَبُ فِيهِ أَنَّ الْأَمْرَ بِقَتْلِهِ إسْقَاطٌ لِحُرْمَتِهِ وَمَنْعٌ مِنْ اقْتِنَائِهِ ، وَلَوْ كَانَ مَأْكُولًا لَجَازَ اقْتِنَاؤُهُ لِلتَّسْمِينِ وَإِعْدَادُهُ لِلْأَكْلِ فَقَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْإِسْنَوِيُّ هَذَا يَقْتَضِي مُخَالَفَةَ مَا تَقَدَّمَ وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الْمَذْكُورَ فِي الْأَطْعِمَةِ مَنْعُ اقْتِنَائِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ وُجُوبُ قَتْلِهِ فَلَا مُخَالَفَةَ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا الْأَمْرُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ بَابِ الْإِرْشَادِ إلَى دَفْعِ الْمُضِرَّةِ الْمَخُوفَةِ مِنْ الْحَيَّاتِ فَمَا كَانَ مِنْهَا مُحَقَّقُ الضَّرَرِ وَجَبَتْ الْمُبَادَرَةُ إلَى قَتْلِهِ . ( قُلْت ) جَعَلَهُ أَوَّلًا مِنْ بَابِ الْإِرْشَادِ وَهُوَ مُنْحَطٌّ عَنْ الِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّهُ مَا كَانَ لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ بِخِلَافِ الِاسْتِحْبَابِ فَإِنَّ مَصْلَحَتَهُ دِينِيَّةً ثُمَّ جَعَلَ الْمُبَادَرَةَ لِقَتْلِهِ وَاجِبَةً وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا ، فَإِنَّ الْوُجُوبَ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ تَحَقُّقِ الضَّرَرِ وَذَلِكَ بِأَنْ يَعْدُوَ عَلَى الْإِنْسَانِ فَالْمُبَادَرَةُ إلَى قَتْلِهِ وَاجِبَةٌ فَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا أَنَّ الِاسْتِسْلَامَ لِلْبَهِيمَةِ حَرَامٌ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { وَذَا الطُّفْيَتَيْنِ } هُوَ بِضَمِّ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ . قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ هُمَا الْخَطَّانِ الْأَبْيَضَانِ عَلَى ظَهْرِ الْحَيَّةِ وَأَصْلُ الطُّفْيَةِ خُوصَةُ الْمُقْلِ وَجَمْعُهَا طُفًى شَبَّهَ الْخَطَّيْنِ عَلَى ظَهْرِهَا بِخُوصَتَيْ الْمُقْلِ . انْتَهَى . وَرُبَّمَا قِيلَ لِهَذِهِ الْحَيَّةِ : طُفْيَةٌ ، عَلَى مَعْنَى ذَاتِ طُفْيَةٍ ، قَالَ الشَّاعِرُ : كَمَا تَذِلُّ الطُّفَى مِنْ رُقْيَةِ الرَّاقِي أَيْ ذَوَاتُ الطُّفَى ، وَقَالَ الْخَلِيلُ فِي ذِي الطُّفْيَتَيْنِ هِيَ حَيَّةٌ لَيِّنَةٌ خَبِيثَةٌ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ : هِيَ شَرُّ الْحَيَّاتِ فِيمَا يُقَالُ . ( السَّادِسَةُ ) { الْأَبْتَرَ } بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ الْأَفْعَى سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِقِصَرِ ذَنَبِهَا وَذَكَرُ الْأَفْعَى أُفْعُوَانٌ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَقَالَ النَّضْرُ بْنُ شُمَيْلٍ فِي الْأَبْتَرِ إنَّهُ صِنْفٌ مِنْ الْحَيَّاتِ أَزْرَقُ مَقْطُوعُ الذَّنَبِ لَا تَنْظُرُ إلَيْهِ حَامِلٌ إلَّا أَلْقَتْ مَا فِي بَطْنِهَا . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ الْبَتْرُ شِرَارُ الْحَيَّاتِ . ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { فَإِنَّهُمَا يَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ } قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ تَأْوِيلَانِ ذَكَرَهُمَا الْخَطَّابِيُّ وَآخَرُونَ : ( أَحَدُهُمَا ) مَعْنَاهُ يَخْطَفَانِ الْبَصَرِ وَيَطْمِسَانِهِ بِمُجَرَّدِ نَظَرِهِمَا إلَيْهِ لِخَاصَّةٍ جَعَلَهَا اللَّهُ تَعَالَى فِي بَصَرِهِمَا إذَا وَقَعَ عَلَى بَصَرِ الْإِنْسَانِ وَتُؤَيِّدُ هَذَا الرِّوَايَةَ الْأُخْرَى فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ يَخْطَفَانِ الْبَصَرَ وَالرِّوَايَةُ الْأُخْرَى يَلْتَمِعَانِ الْبَصَرَ . ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُمَا يَقْصِدَانِ الْبَصَرَ بِاللَّسْعِ وَالنَّهْشِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَأَشْهَرُ قَالَ الْعُلَمَاءُ : وَفِي الْحَيَّاتِ نَوْعٌ يُسَمَّى النَّاظِرُ إذَا وَقَعَ بَصَرُهُ عَلَى عَيْنِ إنْسَانٍ مَاتَ مِنْ سَاعَتِهِ . انْتَهَى . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ حَكَى أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمَّى بِكَشْفِ الْمُشْكِلِ لِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ بِعِرَاقِ الْعَجَمِ أَنْوَاعٌ مِنْ الْحَيَّاتِ يَهْلَكُ الرَّائِي لَهَا بِنَفْسِ رُؤْيَتِهَا وَمِنْهَا مَا يَهْلَكُ الْمُرُورُ عَلَى طَرِيقِهَا . ( الثَّامِنَةُ ) { وَيَسْتَسْقِطَانِ الْحَبَلَ } مَعْنَاهُ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْحَامِلَ إذَا نَظَرَتْ إلَيْهِمَا وَخَافَتْ أَسْقَطَتْ الْحَمْلَ غَالِبًا وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : نَرَى ذَلِكَ مِنْ سُمِّهِمَا . انْتَهَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ مَعْنَاهُ أَنَّهَا إذَا لَحَظَتْ الْحَامِلَ أَسْقَطَتْ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَذَلِكَ بِالرَّوْعِ مِنْهُ أَوْ بِخَاصَّتِهِ وَهُوَ أَظْهَرُ إذْ يُشْرِكُهُ غَيْرُهُ فِي الرَّوْعِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ لَا يُلْتَفَتُ إلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ : إنَّ ذَلِكَ بِالتَّرْوِيعِ ؛ لِأَنَّ التَّرْوِيعَ لَيْسَ خَاصًّا بِهَذَيْنِ النَّوْعَيْنِ بَلْ يَعُمُّ جَمِيعَ الْحَيَّاتِ فَتَذْهَبُ خُصُوصِيَّةُ هَذَا النَّوْعِ بِهَذَا الِاعْتِنَاءِ الْعَظِيمِ وَالتَّحْذِيرِ الشَّدِيدِ ، ثُمَّ إنْ صَحَّ هَذَا فِي طَرْحِ الْحَبَلَ فَلَا يَصِحُّ فِي ذَهَابِ الْبَصَرِ فَإِنَّ التَّرْوِيعَ لَا يُذْهِبُهُ ( التَّاسِعَةُ ) فِيهِ تَمَسَّكَ ابْنُ عُمَرَ بِعُمُومِ النَّهْيِ عَنْ قَتْلِ الْحَيَّاتٍ وَطَرْدِهِ فِي كُلِّ حَيَّةٍ حَتَّى نُقِلَ لَهُ تَخْصِيصُ ذَلِكَ بِغَيْرِ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَقْوَالٍ جَمَعَهَا ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ : ( أَحَدُهَا ) قَتْلُهُنَّ مُطْلَقًا فِي الْبُيُوتِ وَالصَّحَارِي بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كُنَّ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِالْعُمُومَاتِ فِي قَتْلِهِنَّ مَعَ التَّرْغِيبِ فِي ذَلِكَ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ تَرْكِهِ . ( ثَانِيهَا ) قَتْلُهُنَّ إلَّا مَا كَانَ مِنْهُنَّ فِي الْبُيُوتِ بِالْمَدِينَةِ خَاصَّةً دُونَ غَيْرِهَا عَلَى أَيِّ صِفَةٍ كُنَّ فَلَا يُقْتَلْنَ إلَّا بَعْدَ الْإِنْذَارِ ثَلَاثًا ، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ نَافِعٍ وَالْمَازِرِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُمْ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { إنَّ بِالْمَدِينَةِ جِنًّا قَدْ أَسْلَمُوا فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَأْذَنُوهُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ بَدَا لَكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فَاقْتُلُوهُ فَإِنَّمَا هُوَ شَيْطَانٌ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي حَدِيثِ سَهْلٍ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا { إنَّ لِهَذِهِ الْبُيُوتِ عَوَامِرَ فَإِذَا رَأَيْتُمْ مِنْهَا شَيْئًا فَتَعَوَّذُوا مِنْهُ فَإِنْ عَادَ فَاقْتُلُوهُ } وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَشَارَ بِهِ إلَى بُيُوتِ الْمَدِينَةِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إلَى جِنْسِ الْبُيُوتِ . ( ثَالِثُهَا ) اسْتِثْنَاءُ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ سَوَاءً كُنَّ بِالْمَدِينَةِ أَوْ غَيْرِهَا إلَّا بَعْدَ الْإِنْذَارِ ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الْإِمَامِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَصَاحِبِهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ وَهْبٍ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّهُ يُقْتَلُ مَا وُجِدَ مِنْهَا فِي الْمَسَاجِدِ وَاسْتَدَلَّ هَؤُلَاءِ بِمَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ فَقَالَ : إذَا رَأَيْتُمْ مِنْهُنَّ شَيْئًا فِي مَسَاكِنِكُمْ فَقُولُوا : أَنْشُدُكُنَّ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْكُنَّ نُوحٌ أَنْشُدُكُنَّ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْكُنَّ سُلَيْمَانُ أَنْ لَا تُؤْذُونَا ، فَإِنْ عُدْنَ فَاقْتُلُوهُنَّ } فَلَمْ يَخُصَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بُيُوتَ الْمَدِينَةِ مِنْ غَيْرِهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهُوَ عِنْدِي مُحْتَمِلٌ لِلتَّأْوِيلِ وَالْأَظْهَرُ فِيهِ الْعُمُومُ ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ : إنَّ هَذَا الْقَوْلَ وَهُوَ عَدَمُ التَّخْصِيصِ بِذَوَاتِ الْبُيُوتِ فِي الْمَدِينَةِ هُوَ الْأَوْلَى لِعُمُومِ نَهْيِهِ عَنْ قَتْلِ الْحَيَّاتِ الَّتِي فِي الْبُيُوتِ وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ } وَذَكَرَ فِيهِنَّ الْحَيَّةَ وَلَا نَاقِدَ عَلِمْنَا قَطْعًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَسُولٌ إلَى الْجِنِّ وَالْإِنْسِ وَأَنَّهُ بَلَّغَ الرِّسَالَةَ إلَى النَّوْعَيْنِ ، وَأَنَّهُ قَدْ آمَنَ بِهِ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ النَّوْعَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَحْصُرُهُمْ بَلَدٌ وَلَا يُحِيطُ بِهِمْ عَدَدٌ وَالْعَجَبُ مِنْ ابْنِ نَافِعٍ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ قَوْله تَعَالَى { وَإِذْ صَرَفْنَا إلَيْك نَفَرًا مِنْ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمَّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمَّا قُضِيَ وَلَّوْا إلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ } وَلَا قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ وَفْدَ جِنِّ نَصِيبَيْنِ آتَوْنِي وَنِعْمَ الْجِنُّ هُمْ فَسَأَلُونِي الزَّادَ } الْحَدِيثَ فَهَذِهِ نُصُوصٌ فِي أَنَّ مِنْ جِنِّ غَيْرِ الْمَدِينَةِ مَنْ أَسْلَمَ فَلَا يُقْتَلُ شَيْءٌ مِنْهَا حَتَّى يَخْرُجَ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ . ( رَابِعُهَا ) اسْتِثْنَاءُ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ مُطْلَقًا فَلَا يُقْتَلْنَ وَلَا بَعْدَ الْإِنْذَارِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ أَنَّهُ نُهِيَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ وَلَمْ يَذْكُرْ إنْذَارَهُنَّ . ( خَامِسُهَا ) اسْتِثْنَاءُ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ فَلَا يُقْتَلْنَ إلَّا ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ فَإِنَّهُمَا يُقْتَلَانِ بِالْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا بِلَا إنْذَارٍ ، وَيَدُلُّ لِهَذَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تَقْتُلُوا الْحَيَّاتِ إلَّا كُلَّ أَبْتَرِ ذِي طُفْيَتَيْنِ } وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ طُرُقٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ قَتْلِ الْحَيَّاتِ الَّتِي تَكُونُ فِي الْبُيُوتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ ذَا الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ فَإِنَّهُمَا يَخْطَفَانِ الْبَصَرَ وَيَطْرَحَانِ مَا فِي بُطُونِ النِّسَاءِ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ حَيَّاتِ الصَّحَارِي صِغَارًا كُنَّ أَوْ كِبَارًا أَيَّ نَوْعٍ كُنَّ مِنْ الْحَيَّاتِ . قَالَ : وَتَرْتِيبُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَتَهْذِيبُهَا بِاسْتِعْمَالِ حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ وَالِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ فِيهِ بَيَانًا لِنَسْخِ قَتْلِ حَيَّاتِ الْبُيُوتِ وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَ الْأَمْرِ بِقَتْلِهَا جُمْلَةً وَفِيهِ اسْتِثْنَاءُ ذِي الطُّفْيَتَيْنِ وَالْأَبْتَرَ فَهُوَ حَدِيثٌ مُفَسِّرٌ لَا إشْكَالَ فِيهِ لِمَنْ فَهِمَ ، وَعَلِمَ فَهُوَ الصَّوَابُ فِي هَذَا الْبَابِ وَعَلَيْهِ يَصِحُّ تَرْتِيبُ الْآثَارِ فِيهِ . ( سَادِسُهَا ) رَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّهُ قَالَ : اُقْتُلُوا الْحَيَّاتِ كُلِّهَا إلَّا الْجِنَانَ الْأَبْيَضَ الَّذِي كَأَنَّهُ قَضِيبُ فِضَّةٍ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهَذَا قَوْلٌ غَرِيبٌ حَسَنٌ . الْعَاشِرَةُ ) فِيهِ التَّمَسُّكُ بِالْعُمُومِ حَتَّى يَظْهَرَ لَهُ مُخَصِّصٌ وَبِهَذَا قَالَ الصَّيْرَفِيُّ وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يَجِبُ الْبَحْثُ عَنْ الْمُخَصِّصِ إجْمَاعًا قَبْلَ الْعَمَلِ بِالْعَامِّ هَكَذَا نَقَلَ الْإِمَامُ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ الْمَقَالَتَيْنِ وَمَالَ لِمَقَالَةِ الصَّيْرَفِيِّ ؛ لِأَنَّهُ رَدَّ دَلِيلَ ابْنِ سُرَيْجٍ وَسَكَتَ عَنْ دَلِيلِهِ ، فَلِهَذَا رَجَّحَهُ الْبَيْضَاوِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَكِنْ حَكَى الْغَزَالِيُّ وَالْآمِدِيُّ وَابْنُ الْحَاجِبِ وَغَيْرُهُمْ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْعَمَلُ بِالْعَامِّ قَبْلَ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ ثُمَّ اخْتَلَفُوا فَقِيلَ : يَبْحَثُ إلَى أَنْ يَغْلِبَ عَلَى الظَّنِّ عَدَمُهُ ، وَقِيلَ : إلَى أَنْ يَقْطَعَ بِعَدَمِهِ ، وَقِيلَ : إلَى أَنْ يَعْتَقِدَ عَدَمَهُ اعْتِقَادًا جَازِمًا مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ . قَالُوا : وَاخْتِلَافُ الصَّيْرَفِيِّ وَابْنِ سُرَيْجٍ إنَّمَا هُوَ فِي اعْتِقَادِ الْعُمُومِ فِي اللَّفْظِ الْعَامِّ بَعْدَ وُرُودِهِ وَقَبْلَ وَقْتِ الْعَمَلِ بِهِ فَإِذَا جَاءَ وَقْتُ الْعَمَلِ بِهِ لَا بُدَّ مِنْ الْبَحْثِ عَنْ الْمُخَصِّصِ إجْمَاعًا ، وَالْحَقُّ أَنَّ الْإِمَامَ فَخْرَ الدِّينِ لَمْ يَنْفَرِدْ بِنَقْلِ الْخِلَافِ هَكَذَا فَقَدْ سَبَقَهُ إلَيْهِ الْأُسْتَاذُ أَبُو إِسْحَاقَ وَالشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) لَا يَضُرُّ الشَّكُّ فِي الْمُخْبِرِ لِابْنِ عُمَرَ هَلْ هُوَ أَبُو لُبَابَةَ أَوْ زَيْدُ بْنُ الْخَطَّابِ ؛ لِأَنَّهُمَا صَحَابِيَّانِ مَعْرُوفَانِ وَإِذَا دَارَ الْخَبَرُ بَيْنَ ثِقَتَيْنِ فَهُوَ مَقْبُولٌ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ الْجَزْمَ بِأَنَّهُمَا حَدَّثَاهُ بِذَلِكَ وَمَعَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ زِيَادَةُ عِلْمٍ فَيَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا وَرَجَّحَ جَمَاعَةٌ أَنَّهُ عَنْ أَبِي لُبَابَةَ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { يُطَارِدُ حَيَّةً } أَيْ يَطْلُبُهَا وَيَتَتَبَّعُهَا لِيَقْتُلَهَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ أَيْ يُخَادِعُهَا لِيَصِيدَهَا وَهُوَ مِنْ طِرَادِ الصَّيْدِ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { إنَّهُ نُهِيَ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ } كَذَا ضَبَطْنَاهُ وَحَفِظْنَاهُ بِضَمِّ أَوَّلِهِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ أَمَرَ بِكَذَا وَنُهِيَ عَنْ كَذَا حُكْمُهُ الرَّفْعُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ لِانْصِرَافِهِ إلَى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ وَالنَّهْيُ فَإِنْ قَالَ ذَلِكَ التَّابِعِيُّ فَفِيهِ احْتِمَالَانِ لِلْغَزَالِيِّ وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ طُرُقٍ وَفِي بَعْضٍ طُرُقُهُ فِي الصَّحِيحِ { عَنْ جِنَانِ الْبُيُوتِ } وَهُوَ بِجِيمٍ مَكْسُورَةٍ وَنُونٍ مُشَدَّدَةٍ جَمْعُ جَانٍّ وَهِيَ الْحَيَّةُ الصَّغِيرَةُ ، وَقِيلَ : الدَّقِيقَةُ الْخَفِيفَةُ ، وَقِيلَ : الدَّقِيقَةُ الْبَيْضَاءُ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ يُقَالُ : إنَّ الْجِنَانَ هِيَ الْحَيَّاتُ الطِّوَالُ الْبِيضُ وَقِيلَ : مَا تَضُرُّ شَيْئًا فَلِذَلِكَ أَمْسَكَ عَنْ قَتْلِهَا ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ : إنْ قِيلَ : قَدْ وَصَفَ اللَّهُ تَعَالَى الْحَيَّةَ الْمُنْقَلِبَةَ عَنْ عَصَا مُوسَى بِأَنَّهَا جَانٌّ وَأَنَّهَا ثُعْبَانٌ عَظِيمٌ فَالْجَوَابُ أَنَّهَا كَانَتْ ثُعْبَانًا عَظِيمًا فِي الْخِلْقَةِ وَمِثْلُ الْحَيَّةِ الصَّغِيرَةِ الدَّقِيقَةِ فِي الْخِفَّةِ وَالسُّرْعَةِ أَلَا تَرَى قَوْله تَعَالَى { تَهْتَزُّ كَأَنَّهَا جَانٌّ } هَكَذَا قَالَ : أَهْلُ اللُّغَةِ وَأَرْبَابُ الْمَعَانِي . انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الْجِنَانُ مَسْخُ الْجِنِّ كَمَا مُسِخَتْ الْقِرَدَةُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَمِثْلُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى : الْجِنُّ الَّذِينَ لَا يَعْتَرِضُونَ لِلنَّاسِ وَالْخَيْلُ الَّذِينَ يَتَخَيَّلُونَ لِلنَّاسِ وَيُؤْذُونَهُمْ ، وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقِيلَ : الْجِنَانُ مَا لَا يَعْتَرِضُ لِلنَّاسِ وَالْخَيْلُ مَا يَعْتَرِضُ لَهُمْ وَيُؤْذِيهِمْ وَأَنْشَدَ تَنَاوُحُ جِنَانٍ وَجِنٍّ وَخَيْلٍ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) لِلنَّهْيِ عَنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ شَرْطَانِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ قَبْلَ الْإِنْذَارِ . وَ ( الثَّانِي ) أَنْ لَا يَكُونَ ذَا طُفْيَتَيْنِ وَلَا أَبْتَرَ فَمَا كَانَ بِهَذِهِ الصِّفَةِ يُقْتَلُ وَلَوْ كَانَ مِنْ ذَوَاتِ الْبُيُوتِ بِغَيْرِ إنْذَارٍ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمُتَقَدِّمُ ذِكْرُهَا وَإِنَّمَا تَتِمُّ فَائِدَةُ الْحَدِيثِ إذَا جُمِعَتْ طُرُقُهُ وَقَدْ اجْتَمَعَ هَذَانِ الْقَيْدَانِ مِنْ طُرُقِهِ وَلِهَذَا صَوَّبَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا الْقَوْلَ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالْحَقِّ لِمَا بَيَّنَّاهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ كَيْفِيَّةُ الْإِنْذَارِ فِي حَدِيثِ أَبِي لَيْلَى وَذَكَرْنَاهُ فِي الْفَائِدَةِ التَّاسِعَةِ ، وَهُوَ أَنْ يَقُولَ : أَنْشُدُكُنَّ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْكُنَّ نُوحٌ أَنْشُدُكُنَّ الْعَهْدَ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْكُنَّ سُلَيْمَانُ أَنْ لَا تُؤْذُونَا ، وَقَالَ الْمَازِرِيُّ : أَمَّا صِفَةُ الْإِنْذَارِ فَحَكَى ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَنْشُدُكُنَّ بِالْعَهْدِ الَّذِي أَخَذَهُ عَلَيْكُنَّ سُلَيْمَانُ أَنْ لَا تُؤْذُونَا أَوْ تَظْهَرُوا لَنَا } وَأَمَّا مَالِكٌ فَإِنَّهُ قَالَ : يَكْفِي فِي الْإِنْذَارِ أَنْ يَقُولَ : أُحْرِجُ عَلَيْك بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخَرِ أَنْ لَا تَبْدُوَ لَنَا وَلَا تُؤْذِينَا وَأَظُنُّ مَالِكًا إنَّمَا ذَكَرَ هَذَا لِقَوْلِهِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ . ( فَحَرِّجُوا عَلَيْهَا ثَلَاثًا ) فَلِهَذَا ذَكَرَ أُحْرِجُ عَلَيْك . انْتَهَى . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ مَالِكٌ : أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُنْذَرُوا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ قَالَ عِيسَى بْنُ دِينَارٍ تُنْذَرُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ، وَإِنْ ظَهَرَتْ فِي الْيَوْمِ مِرَارًا يُرِيدُ وَلَا يَقْتَصِرُ عَلَى إنْذَارِهَا ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ فِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ . وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ فَلْتَكُنْ الْيُمْنَى أُولَهُمَا يَنْتَعِلُ وَآخِرُهُمَا يَنْزِعُ } ( الْحَدِيثُ الرَّابِعُ ) وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا انْتَعَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَبْدَأْ بِالْيَمِينِ وَإِذَا نَزَعَ فَلْيَبْدَأْ بِالشِّمَالِ فَلْتَكُنْ الْيُمْنَى أُولَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرُهُمَا تُنْزَعُ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ بْنِ مُسْلِمٍ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ لُبْسِ النِّعَالِ فِي الْجُمْلَةِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ { سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي غَزْوَةٍ غَزَوْنَاهَا اسْتَكْثِرُوا مِنْ النِّعَالِ فَإِنَّ الرَّجُلَ لَا يَزَالُ رَاكِبًا مَا انْتَعَلَ } وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ شَبِيهٌ بِالرَّاكِبِ فِي خِفَّةِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِ وَقِلَّةِ تَعَبِهِ وَسَلَامَةِ رِجْلِهِ مِمَّا يَعْرِضُ فِي الطَّرِيقِ مِنْ خُشُونَةٍ وَشَوْكٍ وَأَذًى وَنَحْوِ ذَلِكَ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الِابْتِدَاءٍ فِي لُبْسِ النَّعْلِ بِالرِّجْلِ الْيُمْنَى وَفِي نَزْعِهَا بِالرِّجْلِ الْيُسْرَى قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَمَنْ ابْتَدَأَ فِي انْتِعَالِهِ بِشِمَالِهِ فَقَدْ أَسَاءَ وَخَالَفَ السُّنَّةَ وَبِئْسَ مَا صَنَعَ إذَا كَانَ بِالنَّهْيِ عَالِمًا وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ مَعَ ذَلِكَ لُبْسُ نَعْلِهِ وَلَكِنْ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَعُودَ وَالْبَرَكَةُ وَالْخَيْرُ كُلُّهُ فِي اتِّبَاعِ آدَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ . ( قُلْت ) كَانَ يَنْبَغِي إذَا بَدَأَ بِالْيُسْرَى أَنْ يَنْزِعَ النَّعْلَ مِنْهَا لِيَبْتَدِئَ بِالْيُمْنَى اسْتِدْرَاكًا لِمَا حَصَلَ مِنْهُ مِنْ مُخَالَفَةِ السُّنَّةِ وَقَدْ نَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَالْقُرْطُبِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لِلِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ . وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) أَكَّدَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هَذَا الْأَمْرَ بِقَوْلِهِ فِي الْجُمْلَةِ الثَّانِيَةِ { فَلْتَكُنْ الْيُمْنَى أُولَهُمَا تُنْعَلُ وَآخِرُهُمَا تُنْزَعُ } فَأَشَارَ إلَى أَنَّ تَقْدِيمَ الْيُسْرَى فِي النِّزَاعِ لَيْسَ عَلَى سَبِيلِ الْإِكْرَامِ لَهَا بَلْ هُوَ مِنْ تَمَامِ إكْرَامِ الْيُمْنَى وَهُوَ زِيَادَةُ بَقَاءِ النَّعْلِ فِيهَا بَعْدَ صَاحِبَتِهَا وَضَبَطْنَا قَوْلَهُ أُولَهُمَا وَآخِرَهُمَا بِالنَّصْبِ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ ، وَقَوْلُهُ : تُنْعَلُ وَتُنْزَعُ ؛ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْيُمْنَى أُولَى فِي الِانْتِعَالِ وَأُخْرَى فِي النَّزْعِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ قَوْلَهُ تُنْعَلُ وَقَوْلَهُ تُنْزَعُ ، وَيَكُونَ قَوْلُهُ أُولَهُمَا وَآخِرُهُمَا مَنْصُوبَيْنِ عَلَى الْحَالِ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ أُولَهُمَا وَآخِرَهُمَا مَرْفُوعَيْنِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَقَوْلُهُ : تُنْعَلُ وَتُنْزَعُ ، خَبَرَانِ لَهُمَا وَالْجُمْلَةُ خَبَرُ كَانَ . ( الْخَامِسَةُ ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ التَّيَامُنُ أَمْرٌ مَشْرُوعٌ فِي جَمِيعِ الْأَعْمَالِ لِفَضْلِ الْيَمِينِ عَلَى الشِّمَالِ حِسًّا فِي الْقُوَّةِ وَالِاسْتِعْمَالِ وَشَرْعًا فِي النَّدْبِ إلَى تَقْدِيمِهَا وَصِيَانَتِهَا ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَاسْتُحِبَّ الْبُدَاءَةُ بِالْيَمِينِ فِي كُلِّ مَا كَانَ مِنْ بَابِ التَّكْرِيمِ وَالزِّينَةِ وَالنَّظَافَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ كَلُبْسِ النَّعْلِ وَالْخُفِّ وَالْمَدَاسِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْكُمِّ وَحَلْقِ الرَّأْسِ وَتَرْجِيلِهِ وَقَصِّ الشَّارِبِ وَنَتْفِ الْإِبْطِ وَالسِّوَاكِ وَالِاكْتِحَالِ وَتَقْلِيمِ الْأَظْفَارِ وَالْوُضُوءِ وَالْغُسْلِ وَالتَّيَمُّمِ وَدُخُولِ الْمَسْجِدِ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْخَلَاءِ وَدَفْعِ الصَّدَقَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِ الدَّفْعِ الْحَسَنَةِ وَتَنَاوُلِ الْأَشْيَاءِ الْحَسَنَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَيُسْتَحَبُّ الْبُدَاءَةُ بِالْيَسَارِ فِي كُلِّ مَا هُوَ ضِدُّ السَّابِقِ فَمِنْ ذَلِكَ خَلْعُ النَّعْلِ وَالْخُفِّ وَالْمَدَاسِ وَالسَّرَاوِيلِ وَالْكُمِّ وَالْخُرُوجِ مِنْ الْمَسْجِدِ وَدُخُولِ الْخَلَاءِ وَالِاسْتِنْجَاءِ وَتَنَاوُلِ أَحْجَارِ الِاسْتِنْجَاءِ وَمَسِّ الذَّكَرِ وَالِامْتِخَاطِ وَالِاسْتِنْثَارِ وَتَعَاطِي الْمُسْتَقْذَرَاتِ وَأَشْبَاهِهَا . ( السَّادِسَةُ ) إذَا بَدَأَ بِلُبْسِ النَّعْلِ الْيُمْنَى أَوْ بِخَلْعِ الْيُسْرَى كَمَا هُوَ السُّنَّةُ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤَخِّرَ لُبْسَ الْيُسْرَى أَوْ نَزْعَ الْيُمْنَى بَلْ يُبَادِرُ إلَى ذَلِكَ عَلَى الْوَلَاءِ ، وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ الْمَشْيُ بِإِحْدَاهُمَا وَلِذَلِكَ قَالَ فِي رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَعْدَ هَذِهِ الْجُمْلَةِ { وَلِيَنْتَعِلهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا } وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا يُبَيِّنُ لَك أَنَّ الْيَمِينَ مُكَرَّمَةٌ فَلِذَلِكَ يُبْدَأُ بِهَا إذَا انْتَعَلَ وَيُؤَخِّرُهَا إذَا خَلَعَ لِتَكُونَ الزِّينَةُ بَاقِيَةً عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَلَى الشِّمَالِ قَالَ : وَلَكِنْ مَعَ هَذَا لَا يَبْقَى عَلَيْهَا النَّعْلُ دَائِمًا لِقَوْلِهِ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا . وَعَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلٍ أَحَدِكُمْ أَوْ شِرَاكُهُ فَلَا يَمْشِي فِي إحْدَاهُمَا بِنَعْلٍ وَالْأُخْرَى حَافِيَةٌ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . ( الْحَدِيثُ الْخَامِسُ ) وَعَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا جَمِيعًا } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أَحَدِكُمْ أَوْ شِرَاكُهُ فَلَا يَمْشِي فِي إحْدَاهُمَا بِنَعْلٍ وَالْأُخْرَى حَافِيَةٌ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي رَزِين عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { إذَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ أَحَدِكُمْ فَلَا يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ حَتَّى يُصْلِحَهَا } وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي رَزِينٍ وَأَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { لَا يَمْشِي أَحَدُكُمْ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَلَا خُفٍّ وَاحِدٍ } الْحَدِيثَ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ النَّهْيُ عَنْ الْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ الْكَرَاهَةِ دُونَ التَّحْرِيمِ كَمَا نُقِلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى ذَلِكَ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْهُمْ النَّوَوِيُّ وَخَالَفَ فِيهِ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ فَقَالَ وَلَا يَحِلُّ الْمَشْيُ فِي خُفٍّ وَاحِدٍ وَلَا نَعْلٍ وَاحِدَةٍ . ( الثَّالِثَةُ ) بَوَّبَ التِّرْمِذِيُّ بَعْدَ إيرَادِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى الرُّخْصَةِ فِي الْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَرَوَى فِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ ( رُبَّمَا مَشَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ ) ثُمَّ رَوَاهُ مَوْقُوفًا عَلَى عَائِشَةَ وَقَالَ : إنَّهُ أَصَحُّ قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : وَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ أَوْ يَكُونُ يَسِيرًا ، وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ لَعَلَّهُ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ وَقَعَ مِنْهُ نَادِرًا لِبَيَانِ الْجَوَازِ أَوْ لِعُذْرٍ وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ التَّصْرِيحُ بِالْعُذْرِ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ رِوَايَةِ مَنْدَلٍ عَنْ اللَّيْثِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { رُبَّمَا انْقَطَعَ شِسْعُ نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَمْشِي فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ حَتَّى تَصْلُحَ } وَهَذَا لَوْ ثَبَتَ كَانَ مَحْمُولًا عَلَى وُقُوعِهِ نَادِرًا لِضَرُورَةٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ ( رُبَّمَا ) فَإِنَّهَا لِلتَّقْلِيلِ وَكَذَلِكَ فِعْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا لَعَلَّهُ لِعُذْرٍ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ تَمْشِي فِي خُفٍّ وَاحِدٍ ، وَتَقُولُ : لَأُخِيفَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَقَالَ وَالِدِي : فَمَا الَّذِي أَرَادَتْ بِإِخَافَةِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَوْ مُخَالَفَتِهِ إنْ كَانَتْ الرِّوَايَةُ لَأُخَالِفَنَّ وَلَعَلَّ أَبَا هُرَيْرَةَ كَانَ يُشَدِّدُ فِي ذَلِكَ وَيَمْنَعُ مِنْهُ فَأَرَادَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنْ تُبَيِّنَ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ عَلَى الْمَنْعِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى التَّنْزِيهِ وَالْأَوْلَوِيَّةِ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يَلْتَفِتْ أَهْلُ الْعِلْمِ إلَى مُعَارَضَةِ عَائِشَةَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ لِضَعْفِ إسْنَادِ حَدِيثِهَا وَلِأَنَّ السُّنَنَ لَا تُعَارَضُ بِالرَّأْيِ . قَالَ : وَقَدْ رُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا لَمْ تُعَارِضْ أَبَا هُرَيْرَةَ بِرَأْيِهَا وَقَالَتْ { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ } قَالَ : وَهَذَا الْحَدِيثُ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ غَيْرُ صَحِيحٍ . انْتَهَى . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا أَنْ يَمْشِيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ إذَا انْقَطَعَ شِسْعُهُ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَنْ يُصْلِحَ شِسْعَهُ وَرَوَى أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ يَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةُ قَالَ : رَأَيْت عَلِيًّا يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ بِالْمَدَائِنِ كَانَ يُصْلِحُ شِسْعَهُ قَالَ : وَالِدِي ، وَهَذَا الْإِسْنَادُ لَا يَصِحُّ عَنْ عَلِيٍّ ، لَكِنْ رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ مِنْ أَصْحَابِ الْمَقْصُورَةِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَمْشِي فِي النَّعْلِ الْوَاحِدَةِ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ : وَهَذَا إسْنَادٌ جَيِّدٌ ، قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهَذَا مَعْنَاهُ لَوْ صَحَّ أَنَّهُ كَانَ عَنْ ضَرُورَةٍ أَوْ كَانَ يَسِيرًا لِجَوَازِ أَنْ يُصْلِحَ الْأُخْرَى لَا أَنَّهُ أَطَالَ ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ : وَلَا حُجَّةَ فِي مِثْلِ هَذَا الْإِسْنَادِ قَالَ وَالِدِي : سُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ هَذَا وَمُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ وَأَبُوهُ ذَكَرَهُمْ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ ، وَوَثَّقَ الْعِجْلِيّ أَيْضًا أَبَاهُ عُمَرَ بْنَ عَلِيٍّ وَبَاقِيهِمْ رِجَالُ الصَّحِيحِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ رَأَى سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ يَمْشِي فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ فِي الْمَشْيِ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ أَوْ خُفٍّ وَاحِدٍ أَثَرٌ لَمْ يَصِحَّ أَوْ لَهُ تَأْوِيلٌ فِي الشَّيْءِ الْيَسِيرِ بِقَدْرِ مَا يُصْلِحُ الْأُخْرَى قَالَ : وَاخْتَلَفَ الْمَذْهَبُ عِنْدَنَا فِي ذَلِكَ هَلْ يَقِفُ حَتَّى يُصْلِحَهَا أَوْ يَمْشِي أَثْنَاءَ مَا يُصْلِحُهَا فَمَنَعَ مِنْ ذَلِكَ مَالِكٌ ، وَإِنْ كَانَ فِي أَرْضٍ حَارَّةٍ أَيْ مَنَعَ الْوُقُوفَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ وَالْمَشْيَ فِي نَعْلٍ وَاحِدَةٍ مَعًا كَمَا أَفْصَحَ بِهِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَقَالَ : لِيُحْفِهِمَا وَلَا بُدَّ حَتَّى يُصْلِحَ الْأُخْرَى إلَّا فِي الْوُقُوفِ الْخَفِيفِ وَالْمَشْيِ الْيَسِيرِ ، لَكِنْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الَّذِي يَنْقَطِعُ شِسْعُ نَعْلِهِ وَهُوَ فِي أَرْضٍ حَارَّةٍ هَلْ يَمْشِي فِي الْأُخْرَى حَتَّى يُصْلِحَهَا قَالَ : لَا وَلَكِنْ لِيُحْفِهِمَا جَمِيعًا أَوْ لِيَقِفْ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ الْفَتْوَى وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي الْأَثَرِ وَعَلَيْهِ الْعُلَمَاءُ . ( الرَّابِعَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ : سَبَبُهُ أَنَّ ذَلِكَ تَشْوِيهٌ وَمَشَقَّةٌ وَمُخَالِفٌ لِلْوَقَارِ وَلِأَنَّ الْمُنْتَعِلَةَ تَصِيرُ أَرْفَعَ مِنْ الْأُخْرَى فَيَعْسُرُ مَشْيُهُ وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبًا لِلْعِثَارِ . انْتَهَى . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : قِيلَ : لِأَنَّهَا مِشْيَةُ الشَّيْطَانِ وَقِيلَ : لِأَنَّهَا خَارِجَةٌ عَنْ الِاعْتِدَالِ فَهُوَ إذَا تَحَفَّظَ بِالرِّجْلِ الْحَافِيَةِ تَعَثَّرَ بِالْأُخْرَى أَوْ يَكُونُ أَحَدُ شِقَّيْهِ أَعْلَى فِي الْمَشْيِ مِنْ الْآخَرِ وَذَلِكَ اخْتِلَالٌ ، وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي شُعَبِ الْإِيمَانِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ وَالشُّهْرَةِ وَامْتِدَادِ الْأَبْصَارِ إلَى مَنْ يَرَى ذَلِكَ مِنْهُ وَكُلُّ لِبَاسٍ صَارَ لِصَاحِبِهِ بِهِ شُهْرَةٌ فِي الْقُبْحِ فَحُكْمُهُ أَنْ يُتَّقَى وَيُجْتَنَبَ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى الْمُثْلَةِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا قَدْ يَجْمَعُ أُمُورًا : ( مِنْهَا ) أَنَّهُ قَدْ يَشُقُّ عَلَيْهِ الْمَشْيُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ ؛ لِأَنَّ رَفْعَ أَحَدِ الْقَدَمَيْنِ مِنْهُ عَلَى الْحَفَاءِ إنَّمَا هُوَ مَوْضِعُ التَّوَقِّي وَالتَّهَيُّبِ لِأَذًى يُصِيبُهُ أَوْ حَجَرٍ يَصْدِمُهُ وَيَكُونُ وَضْعُهُ الْقَدَمَ الْآخَرَ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ مِنْ الِاعْتِمَادِ بِهِ وَالْوَضْعِ لَهُ مِنْ غَيْرِ مُحَاشَاةٍ أَوْ تَقِيَّةٍ فَيَخْتَلِفُ مِنْ ذَلِكَ مَشْيُهُ وَيَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْ سَجِيَّةِ الْمَشْيِ عَلَى عَادَتِهِ الْمُعْتَادَةِ فَلَا يَأْمَنُ عِنْدَ ذَلِكَ الْعِثَارَ وَالْعَنَتَ وَقَدْ يُتَصَوَّرُ فَاعِلُهُ عِنْدَ النَّاسِ بِصُورَةٍ مِنْ إحْدَى رِجْلَيْهِ أَقْصَرَ مِنْ الْأُخْرَى وَلَا خَفَاءَ بِقُبْحِ مَنْظَرِ هَذَا الْفِعْلِ وَكُلُّ أَمْرٍ يَشْتَهِرُهُ النَّاسُ وَيَرْفَعُونَ إلَيْهِ أَبْصَارَهُمْ فَهُوَ مَكْرُوهٌ مَرْغُوبٌ عَنْهُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ النَّعْلُ مُؤَنَّثَةٌ وَهِيَ الَّتِي تُلْبَسُ فِي الْمَشْيِ تُسَمَّى الْآنَ تَاسُومَةُ انْتَهَى . وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ اسْمَ النَّعْلِ لَا يُطْلَقُ عَلَى كُلِّ مَا يُلْبَسُ فِي الرِّجْلِ وَيُوَافِقُهُ كَلَامُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ : إنَّ النَّعْلَ لِبَاسُ الْأَنْبِيَاءِ وَإِنَّمَا اتَّخَذَ النَّاسُ غَيْرَهُ لِمَا فِي بِلَادِهِمْ مِنْ الطِّينِ لَكِنْ قَالَ فِي الْمُحْكَمِ : النَّعْلُ وَالنَّعْلَةُ مَا وُقِيَتْ بِهِ الْقَدَمُ مِنْ الْأَرْضِ ثُمَّ قَالَ : فَأَمَّا قَوْلُ كَثِيرٍ لَهَا نَعْلٌ فَإِنَّهُ حَرَّكَ حَرْفَ الْحَلْقِ لِانْفِتَاحِ مَا قَبْلَهُ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ : يَعْرَقُ وَهُوَ مَحْمُومٌ ؛ وَهَذَا لَا يُعَدُّ لُغَةً وَإِنَّمَا هُوَ مُتَّبِعٌ مَا قَبْلَهُ . انْتَهَى . وَهُوَ صَرِيحٌ فِي شُمُولِ هَذَا الِاسْمِ لِكُلِّ مَا يُوقَى بِهِ الْقَدَمُ . ( السَّادِسَةُ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي قَوْلِهِ { لِيُنْعِلْهُمَا } أَرَادَ الْقَدَمَيْنِ وَهُمَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُمَا ذِكْرٌ وَإِنَّمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُ النَّعْلِ ، وَلَوْ أَرَادَ النَّعْلَيْنِ لَقَالَ لِيَنْتَعِلْهُمَا وَهَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ وَمُتَكَرِّرٌ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا أَنْ يَأْتِيَ بِضَمِيرِ مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرُهُ لِمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَحْوَى الْخِطَابِ ، قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ : الظَّاهِرُ عَوْدُ الضَّمِيرِ إلَى النَّعْلَيْنِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا وَيُقَالُ : نَعَلْت وَانْتَعَلَتْ كَمَا حَكَاهُ الْجَوْهَرِيُّ وَلَا حَاجَةَ حِينَئِذٍ إلَى عَوْدِ الضَّمِيرِ عَلَى مَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ . ( قُلْت ) وَهَذَا اللَّفْظُ وَهُوَ قَوْلُهُ : لِيَخْلَعْهُمَا كَذَا هُوَ فِي رِوَايَتِنَا مِنْ الْمُوَطَّإِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي مُصْعَبٍ وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ بِلَفْظِ لِيَخْلَعْهُمَا ، وَكَذَا هُوَ عِنْدَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ الْمُوَطَّإِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ وَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ أَحْسَنُ . انْتَهَى . فَأَفَادَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ : لِيُنْعِلْهُمَا عَلَى الْقَدَمَيْنِ لِعَوْدِهِ عَلَيْهِمَا فِي قَوْلِهِ أَوْ لِيُحْفِهِمَا ، وَأَعَادَهُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّعْلَيْنِ لِعَوْدِهِ عَلَيْهِمَا فِي قَوْلِهِ : أَوْ لِيَخْلَعْهُمَا وَمَا حَكَاهُ عَنْ الْجَوْهَرِيِّ مِنْ أَنَّهُ يُقَالُ : نَعَلَ وَانْتَعَلَ أَيْ لَبِسَ النَّعْلَ ، ذَكَرَهُ أَيْضًا صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَكَذَا فِي الْمَشَارِقِ وَزَادَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ ضَبْطَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالْفَتْحِ فَإِنَّهُ قَالَ : نَعَلْت ، إذَا لَبِسْت النَّعْلَ ، وَكَذَلِكَ لِيُنْعِلْهُمَا جَمِيعًا أَيْ لِيَجْعَلَ ذَلِكَ فِي رِجْلَيْهِ . انْتَهَى . وَكَذَا فِي الْمُحْكَمِ إلَّا أَنَّهُ جَعَلَهُ مَكْسُورَ الْعَيْنِ فَقَالَ : وَنَعِلَ نَعْلًا وَتَنَعَّلَ وَانْتَعَلَ لَبِسَ النَّعْلَ . ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { لِيُنْعِلْهُمَا } قَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فِيهِ نَظَرٌ . ( قُلْت ) إنْ كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى الْقَدَمَيْنِ كَمَا قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ بِالضَّمِّ وَيَكُونَ مَعْنَى أَنْعَلُهُمَا أَيْ أَلْبَسُهُمَا نَعْلًا فَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ اللُّغَةِ أَنَّهُ يُقَالُ : أَنْعَلَ دَابَّتَهُ رُبَاعِيٌّ . قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : أَنْعَلْتُ دَابَّتِي وَخُفِّي وَلَا يُقَالُ : نَعَلْت ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : أَنْعَلْتُ الْخَيْلَ بِالْهَمْزِ ، وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ : أَنْعَلَ الدَّابَّةَ وَالْبَعِيرَ وَنَعَّلَهُمَا بِالتَّشْدِيدِ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ بَعْدَ مَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ : إنَّ غَسَّانَ تُنْعِلُ الْخَيْلَ أَيْ تَجْعَلُ لَهَا نَعْلًا بِضَمِّ التَّاءِ يُقَالُ فِي هَذَا : أَنْعَلَ رُبَاعِيٌّ وَفِي السَّيْفِ كَذَلِكَ إذَا جَعَلْت لَهُ نِعَالًا وَلَا يُقَالُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ نَعَلَ ، وَقَدْ قِيلَ فِيهَا : نَعِلَ أَيْضًا . انْتَهَى . وَقَدْ يُقَالُ بِالْفَتْحِ وَلَوْ عَادَ الضَّمِيرُ عَلَى الْقَدَمَيْنِ إمَّا لِهَذِهِ اللُّغَةِ الَّتِي حَكَيْنَاهَا آنِفًا عَنْ الْمَشَارِقِ وَإِمَّا لِأَنَّ الْمَحْكِيَّ عَنْ هَؤُلَاءِ فِي أَنْعَلَ بِالْهَمْزِ إنَّمَا هُوَ جَعْلُ النَّعْلِ لَا أَلْبَسُهُ ، فَأَمَّا بِمَعْنَى اللُّبْسِ فَهُوَ بِالْفَتْحِ وَهُوَ صَرِيحُ كَلَامِ الْمَشَارِقِ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَأَمَّا إذَا كَانَ الضَّمِيرُ عَائِدًا عَلَى النَّعْلَيْنِ كَمَا قَالَهُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ مَعَهُ الْفَتْحُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) { الشِّسْعُ } بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ وَهُوَ الَّذِي يَدْخُلُ بَيْنَ الْأُصْبُعَيْنِ وَيَدْخُلُ طَرَفُهُ فِي الثُّقْبِ الَّذِي فِي صَدْرِ النَّعْلِ الْمَشْدُودِ فِي الزِّمَامِ ، وَالزِّمَامُ السَّيْرُ الَّذِي يُعْقَدُ فِيهِ الشِّسْعُ وَالشِّرَاكُ بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَحَدُ سُيُورِ النَّعْلِ الَّذِي يَكُونُ عَلَى وَجْهِهَا وَكِلَاهُمَا يَخْتَلُّ الْمَشْيُ فِي النَّعْلِ بِفَقْدِهِ . ( التَّاسِعَةُ ) التَّقْيِيدُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ لَيْسَ لِلْإِذْنِ فِي الْمَشْيِ بِنَعْلٍ وَاحِدَةٍ عِنْدَ فَقْدِ ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَصْوِيرٌ لِلْوَاقِعِ وَخَارِجٌ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ أَوْ يُقَالُ هَذَا مِنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ ، فَإِنَّهُ إذَا نُهِيَ عَنْهُ حِينَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ فَمَعَ عَدَمِ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ أَوْلَى وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ لِضَرُورَةٍ إلَى أَنْ يُصْلِحَ النَّعْلَ الَّتِي فَسَدَتْ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ . ( الْعَاشِرَةُ ) وَقَوْلُهُ { فَلَا يَمْشِي } عَلَى سَبِيلِ التَّمْثِيلِ فَوُقُوفُهُ وَإِحْدَاهُمَا بِنَعْلٍ وَالْأُخْرَى حَافِيَةٌ كَذَلِكَ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَدْ يُقَالُ : جُلُوسُهُ وَهُوَ لَابِسٌ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى كَذَلِكَ وَقَدْ يُقَالُ : لَا يَلْحَقُ بِمَا تَقَدَّمَ لِانْتِفَاءِ الْمَفَاسِدِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فِيهِ بَلْ قَدْ يُنَازِعُ فِي الْتِحَاقِ وُقُوفِهِ بِإِحْدَاهُمَا بِمَشْيِهِ بِإِحْدَاهُمَا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ انْتِفَاءِ الْمَفْسَدَةِ إلَّا أَنْ يُقَالَ : النَّعْلُ زِينَةٌ وَفِيهِ تَزَيُّنُ إحْدَاهُمَا دُونَ الْأُخْرَى ، وَمُقْتَضَى هَذَا أَنَّهُ يَلْحَقُ بِذَلِكَ حَالَةُ الْجُلُوسِ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { وَالْأُخْرَى حَافِيَةٌ } يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ جُمْلَةً حَالِيَّةً فَيَكُونَ الْخَبَرَانِ مَرْفُوعَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ وَالْأُخْرَى مَعْطُوفًا عَلَى قَوْلِهِ إحْدَاهُمَا وَقَوْلُهُ : حَافِيَةً ، مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ أَيْ لَا يَمْشِيَنَّ فِي إحْدَاهُمَا بِنَعْلٍ وَالْأُخْرَى حَافِيَةً وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي ضَبَطْنَاهُ وَقَوْلُهُ { لِيُحْفِهِمَا } هُوَ بِضَمِّ أَوَّلِهِ ، وَقَوْلُهُ أَوْ لِيُنْعِلْهُمَا تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ . ( الثَّانِيَةُ عَشْرَةَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ قَدْ يَدْخُلُ فِي هَذَا كُلُّ لِبَاسِ شَفْعٍ كَالْخُفَّيْنِ وَإِدْخَالِ الْيَدِ فِي الْكُمَّيْنِ وَالتَّرَدِّي بِالرِّدَاءِ عَلَى الْمَنْكِبَيْنِ فَلَوْ أَرْسَلَهُ عَلَى أَحَدِ الْمَنْكِبَيْنِ وَعَرَّى مِنْهُ الْجَانِبَ الْآخَرَ كَانَ مَكْرُوهًا عَلَى مَعْنَى الْحَدِيثِ ، وَلَوْ أَخْرَجَ إحْدَى يَدَيْهِ مِنْ كُمِّهِ وَتَرَكَ الْأُخْرَى دَاخِلَ الْكُمِّ كَانَ كَذَلِكَ فِي الْكَرَاهَةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ أَيْضًا فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ قَدْ أَبْدَعَ عَوَامُّ النَّاسِ فِي آخِرِ الزَّمَانِ لُبْسَ الْخَوَاتِيمِ فِي الْيَدَيْنِ وَلُبْسُ ذَلِكَ مِنْ جُمْلَةِ هَذَا الْبَابِ ، وَلَا هُوَ بِحَمِيدٍ فِي مَذَاهِبِ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالنُّبْلِ وَرُبَّمَا ظَاهَرَ بَعْضُهُمْ بِلُبْسِ الْعَدَدِ مِنْ الْخَوَاتِيمِ زَوْجَيْنِ زَوْجَيْنِ وَكُلُّ ذَلِكَ مَكْرُوهٌ وَلَيْسَ مِنْ لِبَاسِ الْعِلْيَةِ مِنْ النَّاسِ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَيْسَ يُسْتَحْسَنُ أَنْ يَتَخَتَّمَ الرَّجُلُ إلَّا بِخَاتَمٍ وَاحِدٍ مَنْقُوشٍ فَيَلْبَسَ لِلْحَاجَةِ إلَى نَقْشِهِ لَا لِحُسْنِهِ وَبَهْجَةِ لَوْنِهِ . انْتَهَى . وَقَالَ الدَّارِمِيُّ فِي الِاسْتِذْكَارِ يُكْرَهُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ فَوْقَ خَاتَمَيْنِ فِضَّةً ، وَقَالَ الْخُوَارِزْمِيَّ فِي الْكَافِي : يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَلْبَسَ زَوْجًا فِي الْيَدِ وَفَرْدًا فِي الْأُخْرَى فَإِنْ لَبِسَ فِي هَذِهِ زَوْجًا وَفِي الْأُخْرَى زَوْجًا ، فَقَالَ الصَّيْدَلَانِيُّ فِي الْفَتَاوَى : لَا يَجُوزُ ، وَقَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ : الْمُتَّجَهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرَّجُلِ لُبْسُ الْخَاتَمَيْنِ سَوَاءٌ أَكَانَا فِي يَدَيْنِ أَمْ يَدٍ وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ لَمْ تَرِدْ بِذَلِكَ وَلَمْ أَقِفْ فِيهِ عَلَى نَقْلٍ . انْتَهَى . وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مَنْقُولَةٌ ، وَكَلَامُ الرَّافِعِيِّ يُشْعِرُ بِالْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا فَإِنَّهُ قَالَ : وَلَوْ اتَّخَذَ الرَّجُلُ خَوَاتِيمَ كَثِيرَةً أَوْ الْمَرْأَةُ خَلَاخِيلَ كَثِيرَةً لِلُبْسِ الْوَاحِدِ مِنْهَا بَعْدَ الْوَاحِدِ جَازَ . انْتَهَى . فَقَوْلُهُ ( لِلُبْسِ الْوَاحِدِ بَعْدَ الْوَاحِدِ ) يُشْعِرُ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ ، وَقَدْ يَكُونُ مُرَادُهُ لُبْسَ وَاحِدٍ فَوْقَ آخَرَ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَرْنُهُ بِالْخَلَاخِيلِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ { مَرَّ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ سِهَامٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا } . ( الْحَدِيثُ السَّادِسُ ) وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ { مَرَّ رَجُلٌ فِي الْمَسْجِدِ مَعَهُ سِهَامٌ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمْسِكْ بِنِصَالِهَا } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِزِيَادَةِ { كَيْ لَا تَخْدِشَ مُسْلِمًا } كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ { عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَمَرَ رَجُلًا كَانَ يَتَصَدَّقُ بِالنَّبْلِ فِي الْمَسْجِدِ أَلَّا يَمُرَّ بِهَا إلَّا وَهُوَ آخِذٌ بِنُصُولِهَا } . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ جَوَازُ إدْخَالِ النَّبْلِ الْمَسْجِدَ وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد رَحِمَهُ اللَّهُ بِذَلِكَ ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ فِي رِوَايَتِهِ وَرِوَايَةِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ كَانَ يُدْخِلُهَا الْمَسْجِدَ لِيَتَصَدَّقَ بِهَا فِيهِ وَفِي مَعْنَاهُ سَائِرُ السِّلَاحِ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ أَمْرُ مُدْخِلِهَا الْمَسْجِدَ أَنْ يَمْسِكَ بِنِصَالِهَا وَقَدْ عَرَفْت تَعْلِيلَهُ فِي الْحَدِيثِ بِخَشْيَةِ خَدْشِ مُسْلِمٍ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : هَذَا مِنْ تَأْكِيدِ حُرْمَةِ الْمُسْلِمِ لِئَلَّا يُرَوِّعَ بِهَا أَوْ يُؤْذِيَ ؛ لِأَنَّ الْمَسَاجِدَ مَوْرُودَةٌ لِلْخَلْقِ وَلَا سِيَّمَا فِي أَوْقَاتِ الصَّلَاةِ فَخَشَى عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يُؤْذِيَ بِهَا أَحَدًا وَهَذَا مِنْ كَرِيمِ خُلُقِهِ وَرَأْفَتِهِ بِالْمُؤْمِنِينَ ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْحَدِيثِ التَّعْظِيمُ لِقَلِيلِ الدَّمِ وَكَثِيرِهِ . ( الرَّابِعَةُ ) لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْمَسْجِدِ بَلْ السُّوقِ وَكُلِّ مَوْضِعٍ جَامِعٍ لِلنَّاسِ يَنْبَغِي فِيهِ ذَلِكَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا { إذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدِنَا أَوْ فِي سُوقِنَا وَمَعَهُ نَبْلٌ فَلْيُمْسِكْ عَلَى نِصَالِهَا بِكَفِّهِ أَنْ يُصِيبَ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْهَا شَيْءٌ } وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ { إذَا مَرَّ أَحَدُكُمْ فِي مَسْجِدٍ أَوْ فِي سُوقٍ وَبِيَدِهِ نَبْلٌ فَلْيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا ثُمَّ لِيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا ثُمَّ لِيَأْخُذْ بِنِصَالِهَا ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى : وَاَللَّهِ مَا مُتْنَا حَتَّى سَدَّدْنَاهَا بَعْضُنَا فِي وُجُوهِ بَعْضٍ } وَقَوْلُهُ { سَدَّدْنَاهَا } بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ مِنْ السَّدَادِ وَهُوَ الْقَصْدُ ، وَالِاسْتِقَامَةُ أَيْ قَوَّمْنَاهَا إلَى وُجُوهِهِمْ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى مَا حَدَثَ مِنْ الْفِتَنِ وَذَكَرَ هَذَا فِي مَعْرَضِ التَّأَسُّفِ عَلَى تَغَيُّرِ الْأَحْوَالِ وَحُصُولِ الْخِلَافِ لِمَقَاصِدِ الشَّرْعِ مِنْ التَّعَاطُفِ وَدَفْعِ يَسِيرِ الْأَذَى مَعَ قُرْبِ الْعَهْدِ . ( الْخَامِسَةُ ) ( النِّصَالُ ) بِكَسْرِ النُّونِ وَ ( النُّصُولُ ) بِضَمِّهَا وَهُمَا بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ جَمْعُ نَصْلٍ وَهُوَ حَدِيدَةُ السَّهْمِ ، وَالسِّهَامُ أَعَمُّ مِنْ النِّبَالِ لِاخْتِصَاصِ النِّبَالِ بِالسِّهَامِ الْعَرَبِيَّةِ وَمِنْ النُّشَّابِ لِاخْتِصَاصِهَا بِالْفَارِسِيَّةِ كَمَا ذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ . ( السَّادِسَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِيهِ اجْتِنَابُ كُلِّ مَا يُخَافُ مِنْهُ ضَرَرٌ . ( السَّابِعَةُ ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ اُسْتُدِلَّ بِهِ لِمَالِكٍ عَلَى أَصْلِهِ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ . ( الثَّامِنَةُ ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَقَوْلُهُ { فِيهِ } كَيْ لَا تَخْدِشَ مُسْلِمًا ، مَا يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْقَوْلِ بِالْقِيَاسٍ وَتَعْلِيلِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ } . ( الْحَدِيثُ السَّابِعُ ) وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَاللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَأَيُّوبَ بْنِ مُوسَى كُلِّهِمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَفِيهِ فَقُلْت لِابْنِ عُمَرَ . ( فَأَرْبَعَةٌ ) قَالَ : لَا يَضِيرُك وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَرَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ قَالَ { كُنْت أَنَا وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عِنْدَ دَارِ خَالِدِ بْنِ عُتْبَةَ الَّتِي بِالسُّوقِ فَجَاءَ رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ وَلَيْسَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ أَحَدٌ غَيْرِي وَغَيْرُ الرَّجُلِ الَّذِي يُرِيدُ أَنْ يُنَاجِيَهُ فَدَعَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ بِرَجُلٍ آخَرَ حَتَّى كُنَّا أَرْبَعَةً فَقَالَ لِي وَلِلرَّجُلِ الَّذِي دَعَاهُ : اسْتَرْخِيَا شَيْئًا فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : لَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : هَذَا مِنْ ابْنِ عُمَرَ يُفَسِّرُ حَدِيثَهُ ، وَقَوْلُهُ : اسْتَرْخِيَا مَعْنَاهُ اجْلِسَا وَتَحَدَّثَا وَانْتَظِرَا قَلِيلًا وَقِيلَ : بَلْ مَعْنَى اسْتَرْخِيَا وَاسْتَأْخِرَا سَوَاءٌ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { إذَا كَانُوا ثَلَاثَةً } كَذَا ضَبَطْنَاهُ عَلَى أَنَّ " كَانَ نَاقِصَةٌ وَمَعَهَا اسْمُهَا وَخَبَرُهَا وَكَذَا هُوَ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ الْمُوَطَّإِ وَكَذَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ { إذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ } . عَلَى أَنَّهَا تَامَّةٌ بِمَعْنَى وُجِدَ ، وَقَوْلُهُ : ثَلَاثَةٌ ، اسْمُهَا وَهِيَ مُكْتَفِيَةٌ بِهِ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ : ( فَلَا يَتَنَاجَى ) كَذَا ضَبَطْنَاهُ بِأَلِفٍ مَقْصُورَةٍ ثَابِتَةٍ فِي الْخَطِّ إلَّا أَنَّهَا تَسْقُطُ فِي اللَّفْظِ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ ، وَكَذَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَحِينَئِذٍ فَلَفْظُهُ خَبَرٌ وَمَعْنَاهُ النَّهْيُ وَاسْتِعْمَالُ النَّهْيِ بِلَفْظِ الْخَبَرِ زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا يَبِعْ أَحَدُكُمْ عَلَى بَيْعِ أَخِيهِ } وَأَشْبَاهِهِ ، وَذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ : وَوَقَعَ فِي بَعْضِ النُّسَخِ فَلَا يَتَنَاجَ بِغَيْرِ أَلِفٍ عَلَى النَّهْيِ وَهِيَ وَاضِحَةٌ وَالتَّنَاجِي التَّحَادُثُ سِرًّا . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ النَّهْيُ عَنْ تَنَاجِي اثْنَيْنِ دُونَ ثَالِثٍ وَصَرَّحَ النَّوَوِيُّ بِأَنَّ هَذَا النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ وَقَيَّدَ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ رِضَاهُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : إلَّا أَنْ يَأْذَنَ وَالْإِذْنُ أَخَصُّ مِنْ الرِّضَا فَقَدْ يُعْلَمُ رِضَاهُ بِذَلِكَ بِقَرِينَةٍ ، وَإِنْ لَمْ يَأْذَنْ صَرِيحًا ، وَقَدْ يُقَالُ : الْمُرَادُ الْإِذْنُ الصَّرِيحُ أَوْ الْمَفْهُومُ بِالْقَرِينَةِ فَيَسْتَوِيَانِ وَلَا يُقَالُ : الرِّضَا أَخَصُّ فَإِنَّهُ قَدْ يَأْذَنُ بِالْمُحَايَاةِ ، وَإِنْ لَمْ يَرْضَ بِبَاطِنِهِ ؛ لِأَنَّ الرِّضَى أَمْرٌ خَفِيٌّ لَا نَطَّلِعُ عَلَيْهِ وَالْحُكْمُ إنَّمَا هُوَ مَنُوطٌ بِالْإِذْنِ الدَّالِّ عَلَيْهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ : إلَّا أَنْ يَسْتَأْذِنَاهُ ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بَيْدَ أَنَّهُ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُشَاوِرَهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ صَرِيحُ حَقِّهِ . ( الْخَامِسَةُ ) مَفْهُومُ التَّقْيِيدِ أَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا أَرْبَعَةً لَمْ يَمْتَنِعْ تَنَاجِي اثْنَيْنِ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّ الِاثْنَيْنِ الْآخَرَيْنِ مُتَمَكِّنَانِ مِنْ التَّنَاجِي وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ وَحَكَى النَّوَوِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ . ( السَّادِسَةُ ) عَلَّلَ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ بِقَوْلِهِ { حَتَّى يَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ مِنْ أَجْلِ أَنْ يُحْزِنَهُ } وَفِي رِوَايَةٍ { فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ } وَهُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَضَمِّهَا وَقُرِئَ بِهِمَا فِي السَّبْعِ ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ إنَّمَا قَالَ : يُحْزِنُهُ لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ يُتَوَهَّمُ أَنَّ نَجَوَاهُمَا إنَّمَا هِيَ لِتَبْيِيتِ رَأْيٍ أَوْ دَسِيسِ غَائِلَةٍ لَهُ وَالْمَعْنَى الْإِحْزَانُ ، وَذَلِكَ مِنْ أَجْلِ الِاخْتِصَاصِ بِإِكْرَامِهِ وَهُوَ يُحْزِنُ صَاحِبَهُ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ بِتَلْخِيصٍ وَأَشَارَ إلَى الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمَا فَقَالَ : يُحْزِنُهُ أَيْ يَقَعُ فِي نَفْسِهِ مَا يَحْزَنُ لِأَجْلِهِ ، وَذَلِكَ بِأَنْ يُقَدِّرَ فِي نَفْسِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ عَنْهُ بِمَا يَكْرَهُ أَوْ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهُ أَهْلًا ؛ لَأَنْ يُشْرِكُوهُ فِي حَدِيثِهِمْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أُلْقِيَاتِ الشَّيْطَانِ وَحَدِيثِ النَّفْسِ . انْتَهَى . وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْحَدِيثَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ شِهَابٍ مُرْسَلًا وَفِيهِ { لَا تَدَعُوا صَاحِبَكُمْ نَجِيًّا لِلشَّيْطَانِ } وَقَالَ : قَوْلُهُ : نَجِيًّا لِلشَّيْطَانِ ، يُرِيدُ لِأَنَّهُ يُوَسْوِسُ فِي صَدْرِهِ مِنْ جِهَتِهِمَا مَا يُحْزِنُهُ . ( السَّابِعَةُ ) قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ : وَكَذَلِكَ الْجَمَاعَةُ عِنْدَنَا لَا يَتَنَاجَوْنَ دُونَ وَاحِدٍ لِوُجُودِ الْعِلَّةِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَقَعُ فِي نَفْسِهِ أَنَّ الْحَدِيثَ عَنْهُ بِمَا يَكْرَهُ أَوْ أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْهُ أَهْلًا لِاطِّلَاعِهِ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ إذَا شَارَكَهُ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ يَزُولُ الْحُزْنُ عَنْهُ بِالْمُشَارَكَةِ ، وَكَذَا قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَإِنْ كَانُوا أَرْبَعَةً فَقَدْ نَصَّ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَنَاجَى ثَلَاثَةٌ دُونَ وَاحِدٍ وَتَبِعَهُمَا النَّوَوِيُّ فَقَالَ : وَكَذَا ثَلَاثَةٌ وَأَكْثَرُ بِحَضْرَةِ وَاحِدٍ ، وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ يَسْتَوِي فِي ذَلِكَ كُلُّ الْأَعْدَادِ فَلَا يَتَنَاجَى أَرْبَعَةٌ دُونَ وَاحِدٍ وَلَا عَشْرَةٌ وَلَا أَلْفٌ مَثَلًا لِوُجُودِ ذَلِكَ الْمَعْنَى فِي حَقِّهِ بَلْ وُجُودُهُ فِي الْعَدَدِ الْكَثِيرِ أَمْكَنُ وَأَوْقَعُ فَيَكُونُ بِالْمَنْعِ وَإِنَّمَا خَصَّ الثَّلَاثَةَ بِالذِّكْرِ ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ عَدَدٍ يَتَأَتَّى فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى . ( الثَّامِنَةُ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ حَمْلَهُ عَلَى عُمُومِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمَالِكٍ وَأَصْحَابِنَا وَجَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ ، قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَسَمِعْت ابْنَ أَبِي هُرَيْرَةَ يَحْكِي عَنْ أَبِي عُبَيْدِ بْنِ حَرْبَوَيْه أَنَّهُ قَالَ : هَذَا فِي السَّفَرِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي لَا يَأْمَنُ الرَّجُلُ فِيهِ صَاحِبَهُ عَلَى نَفْسِهِ فَأَمَّا فِي الْحَضَرِ وَبَيْنَ ظَهْرَانِي الْعِمَارَةِ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَعَبَّرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ هَذَا بِقَوْلِهِ وَقِيلَ : إنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ فِي السَّفَرِ وَفِي الْمَوَاضِعِ الَّتِي لَا يَأْمَنُ الرَّجُلُ فِيهَا صَاحِبَهُ وَلَا يَعْرِفُهُ وَلَا يَثِقُ بِهِ وَيَخْشَى غَدْرَهُ . انْتَهَى . فَعَطَفَ قَوْلَهُ فِي الْمَوَاضِعِ عَلَى السَّفَرِ بِالْوَاوِ فَاقْتَضَى أَنَّهُ غَيْرُهُ ثُمَّ قَالَ وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ أَثَرٌ وَفِيهِ زِيَادَةٌ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَالِمٍ الْجَيَشَانِيَّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يَحِلُّ لِثَلَاثَةِ نَفَرٍ يَكُونُونَ بِأَرْضٍ فَلَاةٍ أَنْ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ صَاحِبِهِمَا } ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقِيلَ : كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فَلَمَّا فَشَا الْإِسْلَامُ وَأَمِنَ النَّاسُ سَقَطَ هَذَا الْحُكْمُ وَذَلِكَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ الْمُنَافِقُونَ بِحَضْرَةِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إنَّمَا النَّجْوَى مِنْ الشَّيْطَانِ لِيُحْزِنَ الَّذِينَ آمَنُوا } الْآيَةَ ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ : كُلُّ ذَلِكَ تَحَكُّمٌ وَتَخْصِيصٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَالصَّحِيحُ مَا صَارَ إلَيْهِ الْجُمْهُورُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بَعْدَ نَقْلِهِ التَّخْصِيصَ بِالسَّفَرِ حَيْثُ يَخَافُ عَنْ جَمَاعَةٍ هَذَا خَبَرٌ عَامُّ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى وَالْعِلَّةُ الْحُزْنُ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ فَوَجَبَ أَنْ يَعُمَّهُمَا النَّهْيُ جَمِيعًا . ( التَّاسِعَةُ ) مَحَلُّ النَّهْيِ عَنْ تَنَاجِي اثْنَيْنِ دُونَ ثَالِثٍ إذَا كَانَ ذَلِكَ الثَّالِثُ مَعَهُمَا فِي ابْتِدَاءِ النَّجْوَى ، فَأَمَّا إذَا انْفَرَدَ اثْنَانِ فَتَنَاجَيَا ثُمَّ جَاءَ ثَالِثٌ فِي أَثْنَاءِ تَنَاجِيهِمَا فَلَيْسَ عَلَيْهِمَا قَطْعُ التَّنَاجِي بَلْ جَاءَ فِي حَدِيثِ مَنْعِهِ مِنْ الدُّخُولِ مَعَهُمَا حَتَّى يَسْتَأْذِنَهُمَا رَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ قَالَ : جِئْت ابْنَ عُمَرَ وَهُوَ يُنَاجِي رَجُلًا فَجَلَسْت إلَيْهِ فَدَفَعَ فِي صَدْرِي وَقَالَ : مَالَكَ أَمَا سَمِعْت أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا تَنَاجَى اثْنَانِ فَلَا يَدْخُلُ مَعَهُمَا غَيْرُهُمَا حَتَّى يَسْتَأْذِنَهُمَا } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا مَعْنًى غَيْرُ الْمَعْنَى الَّذِي قَبْلَهُ فَلَا يَجُوزُ لِلثَّلَاثَةِ أَنْ يَتَنَاجَى مِنْهُمْ اثْنَانِ دُونَ الثَّالِثِ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى الْمُتَنَاجِيَيْنِ فِي حَالِ تَنَاجِيهِمَا . انْتَهَى . ( قُلْت ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى الْحَدِيثِ نَهْيَهُ عَنْ الدُّخُولِ فِي الْمَوْضِعِ الَّذِي هُمَا فِيهِ ، وَيُحْتَمَلُ وَهُوَ أَظْهَرُ أَنَّ مَعْنَاهُ نَهْيُهُ عَنْ الدُّخُولِ مَعَهُمَا فِي التَّنَاجِي وَالسِّرِّ وَأَمَّا قُعُودُهُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ مُتَبَاعِدًا عَنْهُمَا بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُ سِرَّهُمَا فَأَيُّ مَانِعٍ مِنْهُ وَقَدْ يُقَالُ لَمَّا افْتَتَحَا الْإِخْفَاءَ بِسِرِّهِمَا مِنْ غَيْرِ حُضُورِ أَحَدٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ مُرَادَهُمَا الِانْفِرَادُ ، وَقَدْ يَكُونُ فِي صَوْتِ الْإِنْسَانِ جَهْوَرِيَّةٌ تَمْنَعُهُ الْإِخْفَاءَ مِنْ حَاضِرِي مَجْلِسِهِ وَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ النَّاسِ ذَكَاءً يُفْهَمُ بِهِ مَا يُسَارُ بِهِ بِسَمَاعِ لَفْظَةٍ مِنْهُ ، يُسْتَدَلُّ بِهَا عَلَى مَا خَفِيَ عَنْهُ وَقَدْ يُقَالُ فِي جُلُوسِهِ مِنْ الْقُبْحِ التَّصَوُّرُ بِصُورَةِ النَّهْيِ فِي تَنَاجِي اثْنَيْنِ دُونَ ثَالِثٍ ، وَقَدْ لَا يَعْلَمُ مَنْ يَرَاهُمْ كَذَلِكَ أَنَّ الثَّالِثَ طَارِئٌ عَلَيْهِمْ فَالِاحْتِرَازُ عَنْ ذَلِكَ أَوْلَى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) هَلْ يُشْتَرَطُ فِي زَوَالِ النَّهْيِ بِحُضُورِ رَابِعٍ أَنْ يَكُونَ رَفِيقًا لَهُمْ أَوْ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ بَلْ لَوْ كَانَ الثَّلَاثَةُ مُنْفَرِدِينَ فَاخْتَلَطُوا بِالنَّاسِ زَالَ النَّهْيُ لِإِمْكَانِ تَحْدِيثِ الْآخَرِ مَعَ بَعْضِ النَّاسِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ رَفِيقًا لَهُ وَمُقْتَضَى قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ حَتَّى يَخْتَلِطُوا بِالنَّاسِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ يَقْتَضِي الثَّانِيَ وَالْمَعْنَى يُسَاعِدُ عَلَى الْأَوَّلِ فَإِنْ تَخَيَّلَهُ أَنَّ ذَلِكَ لَمَكْرُوهٌ يُدَبَّرُ لَهُ أَوْ لِعَدَمِ تَأْهِيلِهِ لِلْكَلَامِ مَعَهُ لَا يَزُولُ بِكَلَامِهِ مِنْ غَيْرِ رَفِيقِهِ وَلَكِنَّ اتِّبَاعَ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ أَوْلَى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ جَوَازُ التَّنَاجِي فِي الْجُمْلَةِ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ عَدَمُ الْمُنَاجَاةِ وَمُنَاجَاةُ الرَّجُلِ دُونَ الرَّجُلِ شَغْلٌ لِبَالِهِ وَلَوْ كَانُوا فِي أَلْفٍ بَيْدَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَمْرًا مُحْتَاجًا إلَيْهِ ، وَكَانَ أَصْلُهُ فِي الشَّرْعِ أَنْ يَكُونَ لِحَاجَةٍ وَلَمَّا قَالَ اللَّهُ مِنْ مَصْلَحَةٍ كَالصَّدَقَةِ وَالْمَعْرُوفِ وَالْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ فَمِنْ الْحَقِّ أَنْ يَصُونَ الرَّجُلُ مُرُوءَتَهُ وَدِينَهُ فَلَا يَتَنَاجَى إلَّا فِي أَرْبَعَةِ أَحْوَالٍ إمَّا فِي حَاجَةٍ لَهُ أَوْ فِي الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَاتِ فِي كِتَابِ اللَّهِ . انْتَهَى . . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ } ( الْحَدِيثُ الثَّامِنُ ) وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ فَلْيَنْظُرْ إلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) انْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ بِلَفْظِ { اُنْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَلَا تَنْظُرُوا إلَى مَنْ هُوَ فَوْقَكُمْ فَهُوَ أَجْدَرُ أَلَّا تَزْدَرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ } . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { إذَا نَظَرَ أَحَدُكُمْ إلَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ } هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ اللَّامِ وَقَوْلُهُ { فَلْيَنْظُرْ إلَى مَنْ هُوَ أَسْفَلَ مِنْهُ } أَيْ أَسْفَلَ مِنْ النَّاظِرِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ وَقَوْلُهُ { مِمَّنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ } أَيْ فُضِّلَ النَّاظِرُ عَلَيْهِ وَخَرَجَ بِذِكْرِ الْمَالِ وَالْخَلْقِ مَا إذَا نَظَرَ لِمَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَمُعَالَجَةِ النَّفْسِ بِدَفْعِ الْأَخْلَاقِ السَّيِّئَةِ وَجَلْبِ الْحَسَنَةِ فَهَذَا يَنْبَغِي النَّظَرُ فِيهِ إلَى الْفَاضِلِ لِيُقْتَدَى بِهِ دُونَ الْمَفْضُولِ ؛ لِأَنَّهُ يَتَكَاسَلُ بِذَلِكَ بِخِلَافِ الْأَوَّلِ فَإِنَّهُ لَا يَنْظُرُ فِيهِ إلَى الْفَاضِلِ لِمَا فِيهِ مِنْ احْتِقَارِ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى نِعْمَتِهِ عَلَى ذَلِكَ الْفَاضِلِ فِي الْمَالِ وَالْخَلْقِ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْظُرَ فِي هَذَا إلَى الْمَفْضُولِ لِيَعْرِفَ قَدْرَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَهَذَا أَدَبٌ حَسَنٌ أَدَّبَنَا بِهِ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِيهِ مَصْلَحَةُ دِينِنَا وَدُنْيَانَا وَعُقُولِنَا وَأَبْدَانِنَا وَرَاحَةِ قُلُوبِنَا فَجَزَاهُ اللَّهُ عَنْ نَصِيحَتِهِ أَفْضَلَ مَا جَزَى بِهِ نَبِيًّا . ( الثَّالِثَةُ ) قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ هَذَا حَدِيثٌ جَامِعٌ لِأَنْوَاعٍ مِنْ الْخَيْرِ : لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا رَأَى مَنْ فُضِّلَ عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا طَلَبَتْ نَفْسُهُ مِثْلَ ذَلِكَ وَاسْتَصْغَرَ مَا عِنْدَهُ مِنْ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَحَرَصَ عَلَى الِازْدِيَادِ لِيَلْحَقَ بِذَلِكَ أَوْ يُقَارِبَهُ هَذَا هُوَ الْمَوْجُودُ فِي غَالِبِ النَّاسِ ، وَأَمَّا إذَا نَظَرَ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا إلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ فِيهَا ظَهَرَتْ لَهُ نِعْمَةُ اللَّهِ فَشَكَرَهَا وَتَوَاضَعَ وَفَعَلَ الْخَيْرَ . انْتَهَى . وَمِنْ هُنَا يَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ اجْتِنَابُ الِاخْتِلَاطِ بِأَهْلِ الدُّنْيَا وَالتَّوَسُّعُ مِنْهَا وَمِنْ كَسْبِهَا وَنَعِيمِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يُؤَدِّي إلَى هَذِهِ الْمَفْسَدَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : جَالَسْت الْأَغْنِيَاءَ فَاحْتَقَرْت لِبَاسِي إلَى لِبَاسِهِمْ وَدَابَّتِي إلَى دَوَابِّهِمْ ، وَجَالَسْت الْفُقَرَاءَ فَاسْتَرَحْت . وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ { سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ فَقَالَ : الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ } . ( الْحَدِيثُ التَّاسِعُ ) وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ قَالَ { سَمِعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ ، فَقَالَ : الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانٍ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَالْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَمُسْلِمٌ وَحْدَهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ . ( الثَّانِيَةُ ) الْحَيَاءُ مَمْدُودٌ وَهُوَ الِاسْتِحْيَاءُ ، قَالَ الْوَاحِدِيُّ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ : الِاسْتِحْيَاءُ مِنْ الْحَيَاةِ وَاسْتِحْيَاءُ الرَّجُلِ مِنْ قُوَّةِ الْحَيَاةِ فِيهِ لِشِدَّةِ عِلْمِهِ بِمَوَاقِعِ الْعَيْبِ ، قَالَ : فَالْحَيَاءُ مِنْ قُوَّةِ الْحِسِّ وَلُطْفِهِ وَقُوَّةِ الْحَيَاةِ ، وَفِي رِسَالَةِ الْقُشَيْرِيِّ عَنْ الْجُنَيْدِ رَحِمَهُمَا اللَّهُ أَنَّهُ قَالَ : الْحَيَاءُ رُؤْيَةُ الْآلَاءِ أَيْ النِّعَمِ وَرُؤْيَةُ التَّقْصِيرِ فَيَتَوَلَّدُ بَيْنَهُمَا حَالَةٌ تُسَمَّى الْحَيَاءُ ، وَعَرَّفَ غَيْرُ وَاحِدٍ الْحَيَاءَ بِأَنَّهُ تَغَيُّرٌ وَانْكِسَارٌ يَعْرِضُ لِلْإِنْسَانِ مِنْ تَخَوُّفِ مَا يُعَابُ بِهِ أَوْ يُذَمُّ عَلَيْهِ . وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ : أَصْلُ الْحَيَاءِ الِامْتِنَاعُ أَوْ مَا يُقَارِبُهُ مِنْ مَعْنَى الِانْقِبَاضِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ : صَوَابُهُ الِانْكِسَارُ بَدَلَ الِامْتِنَاعِ ، وَقَدْ ذَكَرَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنَّ الِامْتِنَاعَ مِنْ لَوَازِمِ الْحَيَاءِ فَيُطْلَقُ الْحَيَاءُ عَلَى الِامْتِنَاعِ إطْلَاقَ الِاسْمِ الْمَلْزُومِ عَلَى اللَّازِمِ . انْتَهَى . فَكَيْفَ يَكُونُ لَازِمُ الشَّيْءِ هُوَ أَصْلُ مَدْلُولِهِ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ { يَعِظُ أَخَاهُ فِي الْحَيَاءِ } مَعْنَاهُ يَعْذُلُهُ عَلَى فِعْلِهِ وَيَذْكُرُ لَهُ مَفَاسِدَهُ { فَنَهَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ : دَعْهُ فَإِنَّ الْحَيَاءَ مِنْ الْإِيمَانِ } وَهَذِهِ اللَّفْظَةُ وَهِيَ دَعْهُ انْفَرَدَ بِهَا الْبُخَارِيُّ عَنْ مُسْلِمٍ . ( الرَّابِعَةُ ) قَالَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ : إنَّمَا كَانَ الْحَيَاءُ وَهُوَ فِي الْأَكْثَرِ غَرِيزَةٌ مِنْ الْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ اكْتِسَابٌ ؛ لِأَنَّ الْحَيَاءَ يَمْنَعُ مِنْ الْمَعْصِيَةِ كَمَا يَمْنَعُ الْإِيمَانُ مِنْهَا ، وَأَخَذَ ذَلِكَ مِنْ ابْنِ قُتَيْبَةَ فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ مَبْسُوطًا فَقَالَ : مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَيَاءَ يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ ارْتِكَابِ الْمَعَاصِي كَمَا يَمْنَعُ الْإِيمَانَ فَجَازَ أَنْ يُسَمَّى إيمَانًا ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تُسَمِّي الشَّيْءَ بِاسْمِ مَا قَامَ مَقَامَهُ أَوْ كَانَ شَبِيهًا بِهِ أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ صَلَاةً ، وَأَصْلُ ذَلِكَ الدُّعَاءُ فَلَمَّا كَانَ الدُّعَاءُ يَكُونُ فِي الصَّلَاةِ سُمِّيَتْ صَلَاةً ، وَكَذَلِكَ الزَّكَاةُ وَهِيَ تَثْمِيرُ الْمَالِ وَنَمَاؤُهَا فَلَمَّا كَانَ النَّمَاءُ يَقَعُ بِإِخْرَاجِ الصَّدَقَةِ عَنْ الْمَالِ سُمِّيَ زَكَاةً حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ بَطَّالٍ . ( الْخَامِسَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ مِنْ الشُّرَّاحِ : إنَّمَا جُعِلَ الْحَيَاءُ مِنْ الْإِيمَانِ ، وَإِنْ كَانَ غَرِيزَةً ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ تَخَلُّقًا وَاكْتِسَابًا كَسَائِرِ أَعْمَالِ الْبِرِّ وَقَدْ يَكُونُ غَرِيزَةً وَلَكِنَّ اسْتِعْمَالَهُ عَلَى قَانُونِ الشَّرْعِ يَحْتَاجُ إلَى اكْتِسَابٍ وَنِيَّةٍ وَعِلْمٍ فَهُوَ مِنْ الْإِيمَانِ لِهَذَا وَلِكَوْنِهِ بَاعِثًا عَلَى أَفْعَالِ الْبِرِّ وَمَانِعًا مِنْ الْمَعَاصِي . قَالَ النَّوَوِيُّ : وَأَمَّا كَوْنُ الْحَيَاءِ خَيْرًا كُلُّهُ وَلَا يَأْتِي إلَّا بِخَيْرٍ فَقَدْ يُشْكِلُ عَلَى بَعْضِ النَّاسِ مِنْ حَيْثُ إنَّ صَاحِبَ الْحَيَاءِ قَدْ يَسْتَحْيِ أَنْ يُوَاجِهَ بِالْحَقِّ مَنْ يُجِلُّهُ فَيَتْرُكُ أَمْرَهُ بِالْمَعْرُوفِ وَنَهْيَهُ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَقَدْ يَحْمِلُهُ الْحَيَاءُ عَلَى الْإِخْلَالِ بِبَعْضِ الْحُقُوقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي الْعَادَةِ ، قَالَ : وَجَوَابُ هَذَا مَا أَجَابَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ مِنْهُمْ الشَّيْخُ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ هَذَا الْمَانِعَ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ لَيْسَ بِحَيَاءٍ حَقِيقَةً بَلْ هُوَ عَجْزٌ وَخَوَرٌ وَمُهَانَةٌ وَإِنَّمَا تَسْمِيَتُهُ حَيَاءً مِنْ إطْلَاقِ بَعْضِ أَهْلِ الْعُرْفِ أَطْلَقُوهُ مَجَازًا لِمُشَابَهَتِهِ الْحَيَاءَ الْحَقِيقِيَّ ، وَإِنَّمَا حَقِيقَةُ الْحَيَاءِ خَلْقٌ يُبْعَثُ عَلَى تَرْكِ الْقَبِيحِ وَيَمْنَعُ مِنْ التَّقْصِيرِ فِي حَقِّ ذِي الْحَقِّ وَنَحْوِ هَذَا وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْجُنَيْدِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) قَالَ بَعْضُهُمْ : هَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي الْحَضَّ عَلَى الِامْتِنَاعِ مِنْ قَبَائِحِ الْأُمُورِ وَرَذَائِلِهَا وَكُلَّمَا يَحْتَاجُ إلَى الِاسْتِحْيَاءِ مِنْ فِعْلِهِ وَالِاعْتِذَارِ عَنْهُ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { إذَا لَمْ تَسْتَحِ فَاصْنَعْ مَا شِئْت } . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { اسْتَحْيُوا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا لَنَسْتَحْيِيَ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ قَالَ : لَيْسَ ذَاكَ ، وَلَكِنَّ الِاسْتِحْيَاءَ مِنْ اللَّهِ حَقُّ الْحَيَاءِ أَنْ يَحْفَظَ الرَّأْسَ وَمَا وَعَى ، وَيَحْفَظَ الْبَطْنَ وَمَا حَوَى ، وَلْيَذْكُرْ الْمَوْتَ وَالْبِلَى ، وَمَنْ أَرَادَ الْآخِرَةَ تَرَكَ زِينَةَ الدُّنْيَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَقَدْ اسْتَحْيَا مِنْ اللَّهِ حَقَّ الْحَيَاءِ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : إنَّمَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . ( الْأَسْمَاءُ ) عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ كَانَ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ لَا مَلِكَ إلَّا اللَّهُ } وَقَالَ الْبُخَارِيُّ { أَخْنَأُ الْأَسْمَاءِ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { أَخْنَعُ الْأَسْمَاءِ } . ( الْأَسْمَاءُ ) . ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْبَثُهُ وَأَغْيَظُهُ عَلَيْهِ رَجُلٌ كَانَ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ لَا مَلِكَ إلَّا اللَّهُ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : . ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَالْبُخَارِيِّ وَحْدَهُ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { إنَّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ لَا مَلِكَ إلَّا اللَّهُ } قَالَ سُفْيَانُ : مِثْلُ ( شَاهَانْ شَاهْ ) وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : سَأَلْت أَبَا عَمْرٍو عَنْ أَخْنَعَ فَقَالَ ( أَوْضَعَ ) لَفْظُ مُسْلِمٍ وَلَمْ يَذْكُرْ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مَا بَعْدَ قَوْلِهِ الْأَمْلَاكِ . وَقَالَ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ ( يَوْمَ الْقِيَامَةِ ) إلَّا أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قَالَ سُفْيَانُ : فَقَوْلُ غَيْرِهِ شَاهَانْ شَاهْ وَفِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ قَالَ سُفْيَانُ : شَاهَانْ شَاه ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيُّ ( وَأَحْرَجُ ) يَعْنِي أَقْبَحُ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ { أَخْنَى الْأَسْمَاءِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عِنْدَ اللَّهِ رَجُلٌ تَسَمَّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ } . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { أَغْيَظُ رَجُلٍ عَلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ كَذَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ النُّسَخِ بِتَكْرِيرِ أَغْيَظَ قَالَ الْقَاضِي : لَيْسَ تَكْرِيرُهُ وَجْهَ الْكَلَامِ ، قَالَ : وَفِيهِ وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ بِتَكْرِيرِهِ أَوْ تَغْيِيرِهِ قَالَ : وَقَالَ بَعْضُ الشُّيُوخِ : لَعَلَّ أَحَدَهُمَا أَغْنَطُ بِالنُّونِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ أَشَدُّهُ عَلَيْهِ وَالْغَنَطُ شِدَّةُ الْكَرْبِ وَكِلَا اللَّفْظَيْنِ مُشْكِلُ الْمَعْنَى ، وَحَكَاهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ وَلَمْ يَعْتَرِضْهُ إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ قَوْلَهُ وَكِلَا اللَّفْظَيْنِ مُشْكِلُ الْمَعْنَى ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ : ذَهَبَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إلَى أَنَّ ذَلِكَ وَهْمٌ وَالصَّوَابُ أَغْنَطَ بِالنُّونِ وَالطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَالصَّوَابُ التَّمَسُّكُ بِالرِّوَايَةِ وَتَطْرِيقُ الْوَهْمِ لِلْأَئِمَّةِ الْحُفَّاظِ وَهْمٌ لَا يَنْبَغِي الْمُبَادَرَةُ إلَيْهِ مَا وُجِدَ لِلْكَلَامِ وَجْهٌ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى إفَادَةِ تَكْرَارِ الْعُقُوبَةِ بَعْدَ الْعُقُوبَةِ عَلَى الْمُسَمَّى بِذَلِكَ الِاسْمِ ، وَتَعْظِيمُهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقِّ الْيَهُودِ { فَبَاءُوا بِغَضَبٍ عَلَى غَضَبٍ } أَيْ بِمَا يُوجِبُ الْعُقُوبَةَ بَعْدَ الْعُقُوبَةِ وَكَذَلِكَ فَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ عَاقَبَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِأَنْوَاعٍ مِنْ الْعُقُوبَاتِ وَلَعَذَابُ الْآخِرَةِ أَخْزَى ، قَالَ : وَحَاصِلُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ قَدْ انْتَهَى مِنْ الْكِبْرِ إلَى الْغَايَةِ الَّتِي لَا تَنْبَغِي لِمَخْلُوقٍ وَأَنَّهُ قَدْ تَعَاطَى مَا هُوَ خَاصٌّ بِالْإِلَهِ الْحَقِّ إذْ لَا يَصْدُقُ هَذَا الِاسْمُ بِالْحَقِيقَةِ إلَّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَعُوقِبَ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْإِذْلَالِ وَالْإِخْسَاسِ وَالِاسْتِرْذَالِ بِمَا لَمْ يُعَاقَبْ بِهِ أَحَدٌ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ . انْتَهَى . ( الثَّالِثَةُ ) قَالَ الْمَازِرِيُّ أَغْيَظُ هُنَا مَصْرُوفٌ عَنْ ظَاهِرِهِ وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَا يُوصَفُ بِالْغَيْظِ فَيُتَأَوَّلُ هُنَا الْغَيْظُ عَلَى الْغَضَبِ وَسَبَقَ شَرْحُ مَعْنَى الْغَضَبِ وَالرَّحْمَةِ فِي حَقِّ اللَّهِ تَعَالَى . ( الرَّابِعَةُ ) وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { أَخْنَعُ اسْمٍ عِنْدَ اللَّهِ } فَهُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالنُّونِ وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ، وَإِنْ كَانَ لَفْظُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى يَقْتَضِي أَنَّهُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فَقَطْ ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي عَمْرٍو أَنَّهُ بِمَعْنَى أَوْضَعَ وَأَبُو عَمْرٍو هَذَا إِسْحَاقُ بْنُ مِرَارٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ عَلَى وَزْنِ قِتَالٍ ، وَقِيلَ : مَرَّارٌ بِفَتْحِهَا وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ كَعَمَّارِ وَقِيلَ بِفَتْحِهَا وَتَخْفِيفِ الرَّاءِ كَغَزَالِ . قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ أَبُو عَمْرٍو اللُّغَوِيُّ النَّحْوِيُّ الْمَشْهُورُ ، وَلَيْسَ بِأَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ ذَاكَ تَابِعِيٌّ كُوفِيٌّ قَبْلَ وِلَادَةِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ . ( قُلْت ) هَذِهِ عِبَارَةٌ مُوهِمَةٌ تُوهِمُ أَنَّهُ أَبُو عَمْرِو بْنِ الْعَلَاءِ شَيْخُهُ ، وَتُوهِمُ أَنَّ هَذَا اللُّغَوِيَّ لَيْسَ شَيْبَانِيًّا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ مَشْهُورٌ بِأَبِي عَمْرٍو الشَّيْبَانِيِّ أَيْضًا إلَّا أَنَّ بَعْضَهُمْ قَالَ : لَمْ يَكُنْ شَيْبَانِيًّا وَلَكِنَّهُ كَانَ مُؤَدِّبًا لِأَوْلَادِ نَاسٍ مِنْ بَنِي شَيْبَانُ فَنُسِبَ إلَيْهِمْ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ التِّرْمِذِيَّ فَسَّرَ أَخْنَعَ بِأَقْبَحَ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا التَّفْسِيرُ الَّذِي فَسَّرَهُ أَبُو عَمْرٍو مَشْهُورٌ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ قَالُوا : وَمَعْنَاهُ أَشَدُّ ذُلًّا وَصَغَارًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالْمُرَادُ صَاحِبُ الِاسْمِ وَتَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى أَغْيَظُ رَجُلٍ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ الِاسْمَ هُوَ الْمُسَمَّى وَفِيهِ الْخِلَافُ الْمَشْهُورُ ، وَقِيلَ : أَخْنَعُ بِمَعْنَى أَفْجَرُ ، يُقَالُ : خَنَعَ الرَّجُلُ إلَى الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةُ إلَيْهِ أَيْ دَعَاهَا إلَى الْفُجُورِ وَهُوَ بِمَعْنَى أَخْبَثَ أَيْ أَكْذَبَ الْأَسْمَاءِ ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ أَخْنَى قَالَ الْخَطَّابِيُّ : إنْ كَانَ مَحْفُوظًا فَمَعْنَاهُ أَفْحَشُ الْأَسْمَاءِ وَأَقْبَحُهَا مِنْ الْخَنَا وَهُوَ الْفُحْشُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هُوَ بِمَعْنَى مَا سَبَقَ أَيْ أَفْحَشَ وَأَفْجَرَ وَالْخَنَا الْفُحْشُ قَالَ : وَقَدْ يَكُونُ بِمَعْنَى أَهْلَكَ لِصَاحِبِهِ الْمُسَمَّى بِهِ ، وَالْإِخْنَاءُ الْإِهْلَاكُ يُقَالُ : أَخْنَى عَلَيْهِ الدَّهْرُ أَيْ أَهْلَكَهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَرُوِيَ أَنْخَعُ أَيْ أَقْتَلُ وَالنَّخْعُ الْقَتْلُ الشَّدِيدُ . انْتَهَى . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { رَجُلٌ كَانَ تَسَمَّى } كَذَا ضَبَطْنَاهُ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ الْمَفْتُوحَةِ أَيْ هُوَ الَّذِي سَمَّى نَفْسَهُ بِذَلِكَ وَهُوَ أَبْلَغُ فِي الذَّمِّ مِنْ أَنْ يُسَمِّيَهُ غَيْرُهُ بِذَلِكَ وَيَرْضَى هُوَ بِتِلْكَ التَّسْمِيَةِ ، وَإِنْ كَانَ مَذْمُومًا أَيْضًا بِرِضَاهُ بِذَلِكَ أَمَّا لَوْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا يَرْضَى بِهَا فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ بِذَلِكَ ، وَقَوْلُهُ : ( مَلِكَ ) بِكَسْرِ اللَّامِ وَالْأَمْلَاكِ جَمْعُهُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ : هُوَ مَلِيكٌ وَمَلْكٌ وَمَلِكٌ مِثْلَ فَخْذٍ وَفَخِذٍ كَأَنَّ الْمَلْكَ مُخَفَّفٌ مِنْ مَلِكٍ وَالْمَلِكُ مَقْصُورٌ مِنْ مَالِكٍ أَوْ مَلِيكٍ وَالْجَمْعُ الْمُلُوكُ وَالْأَمْلَاكُ وَالِاسْمُ الْمُلْكُ وَالْمَوْضِعُ مَمْلَكَةٌ . انْتَهَى . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ { لَا مَلِكَ إلَّا اللَّهُ } كَذَا فِي رِوَايَتِنَا وَرِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى وَفِي الرِّوَايَةِ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ لَا مَالِكَ إلَّا اللَّهُ وَالْمَلِكُ مَنْ لَهُ الْمُلْكُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَالْمَالِكُ مَنْ لَهُ الْمِلْكُ بِكَسْرِهَا وَالْمَلِكُ أَمْدَحُ وَالْمَالِكُ أَخَصُّ وَكِلَاهُمَا وَاجِبٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَفِي التَّنْزِيلِ { مَلِكِ يَوْمِ الدِّينِ } وَقَرَأَ عَاصِمٌ وَالْكِسَائِيُّ مَالِكِ بِالْأَلِفِ . ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ مِثْلَ شَاهَانْ نَشَاه هُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ بِمَعْنَى مَلِكِ الْأَمْلَاكِ وَمَا كَانَ أَغْنَاهُ عَنْ تَفْسِيرِ الْعَرَبِيَّةِ بِالْعَجَمِيَّةِ ، وَكَأَنَّهُ إنَّمَا فَعَلَ ذَلِكَ لِاشْتِهَارِ هَذَا اللَّفْظِ بَيْنَ مُلُوكِ الْعَجَمِ وَقَدْ حُكِيَ عَنْ عَضُدِ الدَّوْلَةِ بْنِ بُوَيْهِ أَنَّهُ سَمَّى نَفْسَهُ مَلِكَ الْأَمْلَاكِ وَقَالَ فِي شِعْرٍ لَهُ مَلِكُ الْأَمْلَاكِ غَلَّابُ الْقَدَرْ فَكَانَ عِنْدَ مَوْتِهِ يُنَادِي مَا أَغْنَى عَنِّي مَالِيَهْ هَلَكَ عَنِّي سُلْطَانِيَهْ ، وَالْوَاقِعُ فِي نُسَخِ الْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ مَا ذَكَرْته مِنْ شَاهَانْ شَاهْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةٍ شَاهٍ شَاهْ قَالَ : وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْأَصْوَبَ شَاهٍ شَاهَانْ وَكَذَا جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ فِي كِسْرَى قَالُوا : شَاهٍ مَلِكُ وَشَاهَانْ الْمُلُوكُ وَكَذَا يَقُولُونَ لِقَاضِي الْقُضَاةِ موزموندان قَالَ الْقَاضِي : وَلَا يُنْكَرُ صِحَّةُ مَا جَاءَتْ بِهِ الرِّوَايَةُ ؛ لِأَنَّ كَلَامَ الْعَجَمِ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ فَيَقُولُونَ فِي غُلَامِ زَيْدٍ " زَيْدٍ غُلَامُ " فَهَذَا أَكْثَرُ كَلَامِهِمْ فَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ صَحِيحَةٌ . انْتَهَى . ( الثَّامِنَةُ ) فِيهِ تَحْرِيمُ التَّسَمِّي بِهَذَا الِاسْمِ سَوَاءً كَانَ بِالْعَرَبِيَّةِ أَوْ بِالْعَجَمِيَّةِ لِتَرْتِيبِ هَذَا الْوَعِيدِ الشَّدِيدِ عَلَيْهِ وَدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الْمُسَمَّى بِهِ أَشَدُّ مِنْ غَضَبِهِ عَلَى غَيْرِهِ . ( التَّاسِعَةُ ) وَيَلْحَقُ بِهِ التَّسَمِّي بِأَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى الْمُخْتَصَّةِ بِهِ كَالرَّحْمَنِ وَالْقُدُّوسِ وَالْمُهَيْمِنِ وَخَالِقِ الْخَلْقِ وَنَحْوِهَا . ( الْعَاشِرَةُ ) اسْتَنْبَطَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ تَحْرِيمَ أَنْ يُقَالَ لِلْإِنْسَانِ أَقْضَى الْقُضَاةِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَاهُ وَسَمِعْت وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ يَحْكِي عَنْ شَيْخِنَا قَاضِي الْقُضَاةِ عِزِّ الدِّينِ بْنِ جَمَاعَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ رَأَى وَالِدَهُ فِي النَّوْمِ فَقَالَ لَهُ مَا كَانَ أَضَرَّ عَلِيَّ مِنْ هَذَا الِاسْمِ يَعْنِي قَاضِي الْقُضَاةِ فَلِذَلِكَ مَنَعَ الْمُوَقِّعِينَ أَنْ يَكْتُبُوا لَهُ فِي التَّسْجِيلَاتِ الْحُكْمِيَّةِ قَاضِي الْقُضَاةِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ لَا يَكْتُبُوا إلَّا قَاضِيَ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَمَرَّ هَذَا إلَى الْيَوْمِ وَهُوَ حَسَنٌ وَفِي الْبِلَادِ الْغَرْبِيَّةِ يُكْتَبُ لِأَكْبَرِ الْقُضَاةِ قَاضِي الْجَمَاعَةِ وَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ وَيُقَالُ فِي الْيَمَنِ قَاضِي الْأَقْضِيَةِ وَلَا قُبْحَ فِيهِ أَيْضًا ، وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الْمُفَسِّرُ فِي قَوْله تَعَالَى { وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ } أَيْ أَعْلَمُ الْحُكَّامِ وَأَعْدَلُهُمْ إذْ لَا فَضْلَ لِحَاكِمٍ عَلَى غَيْرِهِ إلَّا بِالْعَدْلِ وَالْعِلْمِ وَرُبَّ عَرِيقٍ فِي الْجَهْلِ مِنْ مُتَقَلِّدِي زَمَانِنَا قَدْ لُقِّبَ أَقْضَى الْقُضَاةِ وَمَعْنَاهُ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ فَاعْتَبَرَ وَاسْتَعْبَرَ ، وَقَالَ ابْنُ الْمُنِيرِ فِي نَقْدِهِ عَلَى الزَّمَخْشَرِيّ رَأَى أَنَّ أَقْضَى الْقُضَاةِ أَرْفَعُ مِنْ قَاضِي الْقُضَاةِ ، وَاَلَّذِي يُلَاحِظُونَهُ الْآنَ فِي عَكْسِهِ أَنَّ الْقُضَاةَ يُشَارِكُونَ أَقْضَاهُمْ فِي الْوَصْفِ ، وَإِنْ تَرَفَّعَ عَلَيْهِمْ فَتَرَفَّعُوا أَنْ يُشَارِكَهُمْ أَحَدٌ فَأَفْرَدُوا رَئِيسَهُمْ بِنَعْتِهِ بِقَاضِي الْقُضَاةِ الَّذِي هُوَ يَقْضِي بَيْنَ الْقُضَاةِ وَلَا يُشَارِكُهُ أَحَدٌ فِي وَصْفِهِ وَجَعَلُوا أَقْضَى الْقُضَاةِ يَلِيهِ فِي الْمَرْتَبَةِ ، وَقَدْ أَطْلَقَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَقْضَى الْقُضَاةِ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ } فَلَا حَرَجَ أَنْ يُطْلَقَ عَلَى أَعْدَلِ قُضَاةِ الزَّمَانِ أَوْ الْإِقْلِيمِ أَوْ أَعْلَمِهِمْ أَقْضَى الْقُضَاةِ وَقَاضِي الْقُضَاةِ أَيْ فِي زَمَنِهِ وَبَلَدِهِ ، قَالَ الشَّاعِرُ وَكُلُّ قَرْنٍ نَاجِمٌ فِي زَمَنٍ فَهْوَ شَبِيهٌ فِي زَمَنٍ فِيهِ بَدَا وَقَالَ الْعَلَمُ الْعِرَاقِيُّ الصَّوَابُ مَا ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ مِنْ مَنْعِ الِاتِّصَافِ بِأَقْضَى الْقُضَاةِ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَعْنَى أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ، وَقَوْلُ ابْنِ الْمُنِيرِ : إنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قِيلَ فِي حَقِّهِ : أَقْضَى الْقُضَاةِ لَيْسَ بِمَجِيدٍ فَإِنَّ التَّفْضِيلَ فِي حَقِّ عَلِيٍّ وَقَعَ عَلَى قَوْمٍ مُخَاطَبِينَ بِالْكَافِ وَالْمِيمِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَقْضَاكُمْ عَلِيٌّ } وَالشَّهَادَةُ لَهُ بِذَلِكَ مِمَّنْ لَا يَنْطِقُ عَنْ الْهَوَى إنْ هُوَ إلَّا وَحْيٌ يُوحَى . وَأَمَّا إطْلَاقُ التَّفْضِيلِ عَلَى كُلِّ مَنْ يَحْكُمُ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى { إنَّ رَبَّك يَقْضِي بَيْنَهُمْ بِحُكْمِهِ } وَقَالَ { وَقَضَيْنَا إلَيْهِ } وَقَالَ { وَقَضَى رَبُّك أَلَّا تَعْبُدُوا إلَّا إيَّاهُ } إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا يُحْصَى فَيَجِبُ اجْتِنَابُهُ وَالْأَدَبُ مَعَ اللَّهِ تَعَالَى فِيمَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ مِنْ الصِّفَاتِ أَنْ لَا يُدْعَى أَحَدٌ إلَى فَضِيلَةٍ وَالتَّقَدُّمِ فِيهَا لِمَا فِيهَا مِنْ الْجُرْأَةِ وَسُوءِ الْأَدَبِ ، وَلَا عِبْرَةَ بِقَوْلِ مَنْ وَلِيَ الْقَضَاءَ مَرَّةً وَنُعِتَ بِذَلِكَ وَلَدَّ فِي سَمْعِهِ فَتَحَيَّلَ لِنَفْسِهِ فِي إجَازَةِ إطْلَاقِ ذَلِكَ فَإِنَّ الْحَقَّ أَحَقُّ أَنْ يُتَّبَعَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمْ يُسَمَّ خَضِرٌ إلَّا أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ } الْفَرْوَةُ الْحَشِيشُ الْأَبْيَضُ وَمَا أَشْبَهَهُ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ أَظُنُّ هَذَا تَفْسِيرًا مِنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . ( الْحَدِيثُ الثَّانِي ) وَعَنْهُ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَمْ يُسَمَّ خَضِرٌ إلَّا أَنَّهُ جَلَسَ عَلَى فَرْوَةٍ بَيْضَاءَ فَإِذَا هِيَ تَهْتَزُّ خَضْرَاءَ } الْفَرْوَةُ الْحَشِيشُ الْأَبْيَضُ وَمَا أَشْبَهَهُ . قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ : أَظُنُّ هَذَا تَفْسِيرًا مِنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ التِّرْمِذِيُّ عَنْ يَحْيَى بْنِ مُوسَى عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَقَالَ : صَحِيحٌ غَرِيبٌ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا تَفْسِيرُ الْفَرْوَةِ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ : ( لَمْ يُسَمَّ خَضِرٌ ) كَذَا ضَبَطْنَا الْفِعْلَ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ وَخَضِرٌ نَائِبُ الْفَاعِلِ أَيْ لَمْ يُسَمَّ بِهَذَا الِاسْمِ إلَّا لِهَذَا الْمَعْنَى وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَقَبٌ لُقِّبَ بِهِ دَالٌّ عَلَى رِفْعَتِهِ وَأَنَّ الْأَرْضَ الْبَيْضَاءَ بِبَرَكَتِهِ تَخْضَرُ بِمُجَرَّدِ جُلُوسِهِ عَلَيْهَا وَاسْمُهُ ( بَلِيَّا ) بِبَاءٍ مُوَحَّدَةٍ ثُمَّ لَامٍ مَكْسُورَةٍ ثُمَّ مُثَنَّاةٍ تَحْتَ ( ابْنُ مَلْكَانِ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ ، وَقِيلَ : كُلِّيَّانِ وَكُنْيَتُهُ أَبُو الْعَبَّاسِ وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْخَضِرِ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا فَاخْتَلَفُوا أَوَّلًا فِي نَسَبِهِ وَمِنْ أَغْرَبِ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ ابْنُ آدَمَ لِصُلْبِهِ وَأَنَّهُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَقِيلَ : إنَّهُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَقِيلَ : كَانَ مِنْ أَبْنَاءِ الْمُلُوكِ الَّذِينَ تَزَهَّدُوا فِي الدُّنْيَا ، وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي الْمَعَارِفِ : قَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ : اسْمُ الْخَضِرِ بَلِيَّا بْنُ مَلْكَانِ بْنِ فَالِغِ بْنِ غَابِرِ بْنِ شَالَخِ بْنِ أرفخشد بْنِ سَامِ بْنِ نُوحٍ وَذَكَرَ الثَّعْلَبِيُّ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ فِي أَنَّ الْخَضِرَ كَانَ فِي زَمَنِ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ أَمْ بِكَثِيرٍ وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي نُبُوَّتِهِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ نَبِيٌّ وَحَكَاهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ الْجُمْهُورِ . وَقَالَ الْقُشَيْرِيُّ وَكَثِيرُونَ : هُوَ وَلِيٌّ وَحَكَاهُ الْبَغَوِيّ فِي تَفْسِيرِهِ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالذَّاهِبُونَ إلَى نُبُوَّتِهِ اخْتَلَفُوا فِي رِسَالَتِهِ وَاخْتُلِفَ أَيْضًا فِي حَيَاتِهِ فَكَثِيرٌ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ عَلَى وَفَاتِهِ وَاسْتُدِلَّ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَرَأَيْتُكُمْ لَيْلَتَكُمْ هَذِهِ فَإِنَّ عَلَى رَأْسِ مِائَةِ سَنَةٍ مِنْهَا لَا يَبْقَى مِمَّنْ هُوَ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ أَحَدٌ } وَقَالَ أَبُو عَمْرِو بْنُ الصَّلَاحِ هُوَ حَيٌّ عِنْدَ جَمَاهِيرِ الْعُلَمَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَالْعَامَّةِ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ قَالَ : وَإِنَّمَا شَذَّ بِإِنْكَارِهِ بَعْضُ الْمُحَدِّثِينَ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ حَيٌّ مَوْجُودٌ بَيْنَ أَظْهُرِنَا وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ عِنْدَ الصُّوفِيَّةِ وَأَهْلِ الصَّلَاحِ وَالْمَعْرِفَةِ ، وَحِكَايَاتُهُمْ فِي رُؤْيَتِهِ وَالِاجْتِمَاعِ بِهِ وَالْأَخْذِ عَنْهُ وَسُؤَالِهِ وَجَوَابِهِ وَوُجُودِهِ فِي الْمَوْضِعِ الشَّرِيفَةِ وَمَوَاطِنِ الْخَيْرِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُحْصَرَ ، وَأَشْهَرُ مِنْ أَنْ تُشَهَّرَ قَالَ : وَيَتَأَوَّلُونَ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ عَلَى أَنَّهُ كَانَ عَلَى الْبَحْرِ لَا عَلَى الْأَرْضِ أَوْ أَنَّهُ عَامٌّ مَخْصُوصٌ . وَقَالَ الثَّعْلَبِيُّ الْمُفَسِّرُ : الْخَضِرُ نَبِيٌّ مُعَمَّرٌ عَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ مَحْجُوبٌ عَنْ الْأَبْصَارِ يَعْنِي عَنْ أَبْصَارِ أَكْثَرِ النَّاسِ قَالَ : وَقِيلَ : إنَّهُ لَا يَمُوتُ إلَّا فِي آخِرِ الزَّمَانِ حِينَ يُرْفَعُ الْقُرْآنُ وَصَنَّفَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيِّ كِتَابًا فِي حَيَاتِهِ . ( الثَّالِثَةُ ) هَذَا الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ هُوَ الصَّحِيحُ فِي سَبَبِ تَلْقِيبِهِ خَضِرًا وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ ثُمَّ قَالَ : وَقِيلَ : لِأَنَّهُ كَانَ إذَا صَلَّى اخْضَرَّ مَا حَوْلَهُ قَالَ : وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ لِهَذَا الْحَدِيثِ . ( قُلْت ) وَالْقَوْلُ الثَّانِي مَحْكِيٌّ عَنْ مُجَاهِدٍ . ( الرَّابِعَةُ ) هَلْ هَذَا الْوَصْفُ وَهُوَ اخْضِرَارُ مَا تَحْتَهُ بِجُلُوسِهِ عَلَيْهِ وَقَعَ لَهُ مَرَّةً عَلَى سَبِيلِ الْمُعْجِزَةِ أَوْ الْكَرَامَةِ فَلُقِّبَ بِهِ أَوْ هُوَ وَصْفٌ مُسْتَمِرٌّ لَهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَى اسْتِمْرَارِهِ لَهُ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ . . ( الْخَامِسَةُ ) تَفْسِيرُ الْفَرْوَةِ هُنَا بِأَنَّهَا الْحَشِيشُ الْأَبْيَضُ هُوَ الْمَشْهُورُ قَالَ فِي الصِّحَاحِ : الْفَرْوَةُ قِطْعَةُ نَبَاتٍ مُجْتَمِعَةٍ يَابِسَةٍ وَكَذَا حَكَاهُ فِي الْمَشَارِقِ عَنْ الْحَرْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : هِيَ قِطْعَةٌ يَابِسَةٌ مِنْ حَشِيشٍ ثُمَّ قَالَ : وَقَالَ الْمُطَرِّزُ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ : الْفَرْوَةُ أَرْضٌ بَيْضَاءُ لَيْسَ فِيهَا نَبَاتٌ ، وَكَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ : الْفَرْوَةُ جِلْدَةُ وَجْهِ الْأَرْضِ أَنْبَتَتْ وَصَارَتْ خَضْرَاءَ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ جَرْدَاءَ ، ثُمَّ قَالَ : وَيُقَالُ فَذَكَرَ الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَمَشَى عَلَى ذَلِكَ الْهَرَوِيُّ وَابْنُ الْأَثِيرِ فَرَجَّحَا أَنَّهَا هُنَا الْأَرْضُ الْيَابِسَةُ . ( السَّادِسَةُ ) إنَّمَا فَسَّرَ الْفَرْوَةَ بِالْحَشِيشِ ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْيَابِسِ فَإِنْ كَانَ رَطْبًا قِيلَ لَهُ : خَلَاء بِفَتْحِ الْخَاءِ مَقْصُورٌ ، وَيُقَالُ لَهُمَا جَمِيعًا : الْكَلَأُ مَقْصُورٌ مَهْمُوزٌ وَقَوْلُهُ الْأَبْيَضُ زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ ؛ لِأَنَّهُ إذَا يَبِسَ ابْيَضَّ . ( السَّابِعَةُ ) مَا ظَنَّهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ أَنَّ هَذَا تَفْسِيرٌ مِنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ جَزَمَ بِهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( حِفْظُ الْمَنْطِقِ ) عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ : يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يَقُلْ ابْنُ آدَمَ وَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ إنِّي أَنَا الدَّهْرُ أُرْسِلُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فَإِذَا شِئْت قَبَضْتُهُمَا } . وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ ، وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } . ( حِفْظُ الْمَنْطِقِ ) ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَقُلْ ابْنُ آدَمَ : يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ إنِّي أَنَا الدَّهْرُ أُرْسِلُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ فَإِذَا شِئْت قَبَضْتُهُمَا } وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ النَّبِيُّ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبُّ الدَّهْرَ وَأَنَا الدَّهْرُ بِيَدِي الْأَمْرُ أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْمَخْزُومِيِّ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّالِثَةِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَمُسْلِمٌ وَحْدَهُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ ، كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهُمَا جَمِيعًا صَحِيحَانِ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ } . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَمَّا ذَكَرَ الرِّوَايَةَ الْأُولَى : هَكَذَا هَذَا الْحَدِيثُ فِي الْمُوَطَّإِ بِهَذَا الْإِسْنَادِ عَنْ جَمَاعَةِ الرُّوَاةِ فِيمَا عَلِمْت ، وَرَوَاهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ خَالِدِ بْنِ عَثْمَةَ عَنْ مَالِكٍ عَنْ سَمِيٍّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالصَّوَابُ فِيهِ إسْنَادُ الْمُوَطَّإِ قَالَ وَفِي الْمُوَطَّإِ عَنْ جَمَاعَةٍ رِوَايَةٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ { : لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ } وَقَالَ فِيهِ سَعِيدُ بْنُ هِشَامٍ بِإِسْنَادِ الْمُوَطَّإِ { : لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ } وَقَالَ فِيهِ يَحْيَى فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللَّهُ ، وَغَيْرُهُ يَقُولُ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ وَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي أَلْفَاظِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالصَّحِيحُ فِي لَفْظِهِ مَا رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ وَغَيْرُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ ذَوِي الْأَلْبَابِ انْتَهَى . ( الثَّانِيَةُ ) الْخَيْبَةُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ ، بَعْدَهَا بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ الْحِرْمَانُ وَالْخُسْرَانُ وَعَدَمُ نَيْلِ الْمَطْلُوبِ ، فَقَوْلُ الْقَائِلِ : يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ أَوْ وَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى النُّدْبَةِ وَهِيَ نِدَاءُ مُتَفَجَّعٍ عَلَيْهِ حَقِيقَةً أَوْ حُكْمًا أَوْ مُتَوَجَّعٍ مِنْهُ ، كَأَنَّهُ فَقَدَ الدَّهْرَ لِمَا يَصْدُرُ عَنْهُ مِنْ الْأُمُورِ الَّتِي يَكْرَهُهَا فَنَدَبَهُ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ النَّهْيُ عَنْ هَذَا الْكَلَامِ وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يَسْتَعْمِلُونَ مِثْلَ ذَلِكَ وَمِنْ عَقِيدَةِ بَعْضِهِمْ أَنَّ الزَّمَانَ هُوَ الْفَاعِلُ حَقِيقَةً لِتَعْطِيلِهِمْ وَنَفْيِهِمْ الْإِلَهَ ، وَاسْتَعْمَلَ السَّلَامِيُّونَ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ غَيْرَ قَاصِدِينَ بِهِ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُمْ يَذُمُّونَ الدَّهْرَ إذَا لَمْ تَحْصُلْ لَهُمْ أَغْرَاضُهُمْ ، وَيَمْدَحُونَهُ إذَا حَصَلَتْ لَهُمْ ، قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ : وَلَا شَكَّ فِي كُفْرِ مَنْ نَسَبَ تِلْكَ الْأَفْعَالَ أَوْ شَيْئًا مِنْهَا لِلدَّهْرِ حَقِيقَةً ، وَاعْتَقَدَ ذَلِكَ . وَأَمَّا مَنْ جَرَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ عَلَى لِسَانِهِ وَلَا يَعْتَقِدُ صِحَّةَ ذَلِكَ فَلَيْسَ بِكَافِرٍ ، وَلَكِنَّهُ قَدْ تَشَبَّهَ بِأَهْلِ الْكُفْرِ وَبِالْجَاهِلِيَّةِ فِي الْإِطْلَاقِ ، وَقَدْ ارْتَكَبَ مَا نَهَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُ ، فَلْيَتُبْ وَلْيَسْتَغْفِرْ اللَّهَ ، وَالدَّهْرُ وَالزَّمَانُ وَالْأَبَدُ كُلُّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى حَرَكَاتِ الْفَلَكِ وَهِيَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا : لَيْسَ هَذَا النَّهْيُ مَقْصُورًا عَلَى هَذَا اللَّفْظِ بَلْ يَلْتَحِقُ بِهِ كُلُّ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِمْ : خُرِقَ الْفَلَكُ وَانْعَكَسَ الدَّهْرُ وَتَعِسَ وَمَا فِي مَعْنَى ذَلِكَ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { : فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ } قَالَ النَّوَوِيُّ : قَالَ الْعُلَمَاءُ : هُوَ مَجَازٌ وَسَبَبُهُ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَ شَأْنُهَا أَنْ تَسُبَّ الدَّهْرَ عِنْدَ النَّوَازِلِ وَالْحَوَادِثِ وَالْمَصَائِبِ النَّازِلَةِ بِهَا مِنْ مَوْتٍ أَوْ مَرَضٍ أَوْ تَلَفِ مَالٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ ، فَيَقُولُونَ : يَا خَيْبَةَ الدَّهْرِ ، وَنَحْوَ هَذَا مِنْ أَلْفَاظِ سَبِّ الدَّهْرِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ الدَّهْرَ هُوَ اللَّهُ } أَيْ لَا تَسُبُّوا فَاعِلَ النَّوَازِلِ ، فَإِنَّكُمْ إذَا سَبَبْتُمْ فَاعِلَهَا وَقَعَ السَّبُّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ هُوَ فَاعِلُهَا وَمُنَزِّلُهَا . وَأَمَّا الدَّهْرُ الَّذِي هُوَ الزَّمَانُ فَلَا فِعْلَ لَهُ بَلْ هُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ جُمْلَةِ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَمَعْنَى فَإِنَّ { اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ } أَيْ فَاعِلُ النَّوَازِلِ وَالْحَوَادِثِ ، وَخَالِقُ الْكَائِنَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الدَّهْرَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَذَكَرَ بَعْضُ مَنْ لَا تَحْقِيقَ لَهُ أَنَّ الدَّهْرَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا جَهْلٌ مِنْ قَائِلِهِ وَذَرِيعَةٌ إلَى مُضَاهَاةِ قَوْلِ الدَّهْرِيَّةِ وَالْمُعَطِّلَةِ ، وَيُفَسِّرُهُ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ { : فَإِنِّي أَنَا الدَّهْرُ أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ } فَهَذَا هُوَ مَعْنَى مَا أَشَارَ إلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ مِنْ أَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ فِي الدَّهْرِ هُوَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ وَالدَّهْرُ بِيَدِهِ زَمَانَ الدُّنْيَا ، قَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ أَحَدُ مَفْعُولَاتِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ بَلْ هُوَ فِعْلُهُ كَمَا قِيلَ ( أَنَا الْمَوْتُ ) وَكَمَا قَالَ تَعَالَى { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } وَإِنَّمَا رَأَوْا أَسْبَابَهُ ، وَقَدْ شَبَّهَ جَهَلَةُ الدَّهْرِيَّةِ وَكَفَرَةُ الْمُعَطِّلَةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الدَّهْرَ عِنْدَهُمْ حَرَكَاتُ الْفَلَكِ وَأَمَدُ الْعَالَمِ ، وَلَا شَيْءَ عِنْدَهُمْ سِوَاهُ وَلَا صَانِعَ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِقِدَمِ الْعَالَمِ مِنْهُمْ سِوَاهُ ، فَإِذَا كَانَ عِنْدَهُمْ هُوَ الْمُرَادُ بِاَللَّهِ ، فَكَيْفَ يُصَرِّفُ وَيُقَلِّبُ الشَّيْءَ نَفْسَهُ ؟ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ كُفْرِهِمْ وَضَلَالِهِمْ انْتَهَى . ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ } قَالَ الْمَازِرِيُّ : هُوَ مَجَازٌ وَالْبَارِئُ تَعَالَى لَا يَتَأَذَّى مِنْ شَيْءٍ فَيُحْمَلُ أَنْ يُرِيدَ ، أَنَّ هَذَا عِنْدَكُمْ إذًا ؛ لِأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا أَحَبَّ آخَرَ لَمْ يَصِحَّ أَنْ يَسُبَّهُ لِعِلْمِهِ أَنَّ السَّبَّ يُؤْذِيهِ ، وَالْمَحَبَّةُ تَمْنَعُ مِنْ الْأَذَى وَمِنْ فِعْلِ مَا يَكْرَهُهُ الْمَحْبُوبُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : يَفْعَلُ مَا أَنْهَاهُ عَنْهُ وَمَا يُخَالِفُنِي فِيهِ ، وَالْمُخَالَفَةُ فِيهَا أَذًى فِيمَا بَيْنَكُمْ فَتَجُوزُ فِيهَا فِي حَقِّ الْبَارِئِ سُبْحَانَهُ انْتَهَى . وَأَحْسَنَ النَّوَوِيُّ التَّعْبِيرَ عَنْ ذَلِكَ مُخْتَصَرًا بِقَوْلِهِ : مَعْنَاهُ يُعَامِلُنِي مُعَامَلَةً تُوجِبُ الْأَذَى فِي حَقِّكُمْ . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهُ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْأَخِيرَةِ { : وَأَنَا الدَّهْرُ } هُوَ بِرَفْعِ الرَّاءِ عَلَى الْخَبَرِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى بِقَوْلِهِ { فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ } قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ الَّذِي قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو عُبَيْدٍ وَجَمَاهِيرُ الْمُتَقَدِّمِينَ وَالْمُتَأَخِّرِينَ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ دَاوُد الْأَصْبَهَانِيُّ الظَّاهِرِيُّ إنَّمَا هُوَ الدَّهْرَ بِالنَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِ أَيْ أَنَا مُدَّةُ الدَّهْرِ ، أُقَلِّبُ لَيْلَهُ وَنَهَارَهُ فَيَكُونُ الْخَبَرُ إمَّا قَوْلُهُ : بِيَدِي الْأَمْرُ ، وَإِمَّا قَوْلُهُ : أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَقَالَ النَّحَّاسُ : يَجُوزُ النَّصْبُ أَيْ فَإِنَّ اللَّهَ بَاقٍ مُقِيمٌ أَبَدًا لَا يَزُولُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : قَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الِاخْتِصَاصِ ، قَالَ وَالظَّرْفُ أَيْ بِتَقْدِيرِ النَّصْبِ أَصَحُّ وَأَصْوَبُ . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ : إنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ الْمَشْهُورَةَ فِيهِ الرَّفْعُ ، وَاَلَّذِي حَمَلَ رَاوِي النَّصْبِ عَلَى ذَلِكَ خَوْفَ أَنْ يُقَالَ إنَّ الدَّهْرَ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا عُدُولٌ عَمَّا صَحَّ إلَى مَا لَا يَصِحُّ مَخَافَةَ مَا لَا يَصِحُّ ، فَإِنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ عِنْدَ أَهْلِ التَّحْقِيقِ بِالضَّمِّ ، وَلَمْ يَرْوِ الْفَتْحَ مَنْ يُعْتَمَدُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ثُبُوتِ الضَّمِّ أَنْ يَكُونَ الدَّهْرُ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ أَسْمَاءَ اللَّهِ تَعَالَى لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ التَّوْقِيفِ عَلَيْهَا أَوْ اسْتِعْمَالِهَا اسْتِعْمَالَ الْأَسْمَاءِ مِنْ الْكَثْرَةِ وَالتَّكْرَارِ ، فَيُخْبِرُ بِهِ وَعَنْهُ ، وَيُنَادِي بِهِ وَلَمْ يُوجَدْ فِي الدَّهْرِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى ثُمَّ لَوْ سَلَمَ صِحَّةُ النَّصْبِ فِي ذَلِكَ اللَّفْظِ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي قَالَ فِيهَا { : لَا تَسُبُّوا الدَّهْرَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الدَّهْرُ } وَلَمْ يَذْكُرْ { أُقَلِّبُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ } وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : إنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ مُطْلَقَةٌ وَالْأُخْرَى مُقَيَّدَةٌ ؛ لِأَنَّا إنْ صِرْنَا إلَى ذَلِكَ لَزِمَ نَصْبُ الدَّهْرِ بِعَامِلٍ مَحْذُوفٍ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَزِمَ حَذْفُ الْخَبَرِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَذَلِكَ بَاطِلٌ قَطْعًا . وَعَنْهُ قَالَ { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ لَهُ مَرَّةً رَفَعَهُ ؟ قَالَ نَعَمْ وَقَالَ مَرَّةً يَبْلُغُ بِهِ يَقُولُونَ الْكَرْمُ إنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ فَإِنَّمَا الْكَرْمُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ } وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ { وَلَكِنْ قُولُوا الْعِنَبُ وَالْحَبَلَةُ } . ( الْحَدِيثُ الثَّانِي ) وَعَنْهُ قَالَ { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقِيلَ لَهُ مَرَّةً رَفَعَهُ قَالَ نَعَمْ وَقَالَ مَرَّةً يَبْلُغُ بِهِ يَقُولُونَ الْعِنَبُ الْكَرْمُ إنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ فَإِنَّمَا الْكَرْمُ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ، وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ ، وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ { لَا تَقُولُوا الْكَرْمُ وَلَكِنْ قُولُوا الْعِنَبُ وَالْحَبَلَةُ } . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ النَّهْيُ عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ كَرْمًا وَلَيْسَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّحْرِيمِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْكَرَاهَةِ كَمَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ : هُوَ عَلَى جِهَةِ الْإِرْشَادِ لِمَا هُوَ الْأَوْلَى فِي الْإِطْلَاقِ انْتَهَى . وَفِي اسْتِعْمَالِ لَفْظِ الْإِرْشَادِ هُنَا نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الْإِرْشَادَ مَا تَعَلَّقَ بِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ ، وَالْمَصْلَحَةُ هُنَا دِينِيَّةٌ كَمَا سَتَعْرِفُهُ فَاسْتِعْمَالُ النَّوَوِيِّ لَفْظَ الْكَرَاهَةِ أَوْلَى ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ كَرَاهِيَةُ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ كَرْمًا وَكَرَاهِيَةُ تَسْمِيَةِ شَجَرِ الْعِنَبِ كَرْمًا ، بَلْ يُقَالُ عِنَبٌ أَوْ حَبَلَةٌ ( قُلْت ) لَيْسَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ التَّصْرِيحُ بِالنَّهْيِ عَنْ تَسْمِيَةِ شَجَرِ الْعِنَبِ كَرْمًا إلَّا أَنْ يُقَالَ الْعِنَبُ يُطْلَقُ عَلَى الثَّمَرَةِ نَفْسِهَا وَعَلَى الشَّجَرَةِ الْمُثْمِرَةِ كَذَلِكَ ، فَيُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَيْهَا عَلَى قَاعِدَةِ الشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ حَمْلِ الْمُشْتَرَكِ عَلَى مَعْنَيَيْهِ أَوْ يَكُونُ إطْلَاقُهُ عَلَى أَحَدِهِمَا حَقِيقَةً وَعَلَى الْآخَرِ مَجَازًا فَيُحْمَلُ اللَّفْظُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ ، وَيَكُونُ حُكْمُ أَحَدِهِمَا مَأْخُوذًا مِنْ النَّصِّ ، وَالْآخَرُ مِنْ الِاسْتِنْبَاطِ . ( الرَّابِعَةُ ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ : إنَّمَا سَمَّتْ الْعَرَبُ الْعِنَبَ بِالْكَرْمِ لِكَثْرَةِ حَمْلِهِ وَسُهُولَةِ قِطَافِهِ وَكَثْرَةِ مَنَافِعِهِ ، وَأَصْلُ الْكَرْمِ الْكَثْرَةُ وَالْكَرِيمُ مِنْ الرِّجَالِ هُوَ الْكَثِيرُ الْعَطَاءِ وَالنَّفْعِ ، يُقَالُ : رَجُلٌ كَرِيمٌ وَكَرَّامٌ لِمَنْ كَانَ كَذَلِكَ وَكَرَّامٌ لِمَنْ كَثُرَ مِنْهُ ذَلِكَ وَهِيَ لِلْمُبَالَغَةِ ، وَيُقَالُ أَيْضًا : رَجُلٌ كَرَمٌ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَامْرَأَةٌ كَرَمٌ وَرِجَالٌ كَرَمٌ وَنِسَاءٌ كَرَمٌ وُصِفَ بِالْمَصْدَرِ عَلَى حَدِّ عَدْلٍ وَزُورٍ وَفِطْرٍ انْتَهَى . ( الْخَامِسَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ سَبَبُ كَرَاهَةِ ذَلِكَ أَنَّ لَفْظَةَ الْكَرْمِ كَانَتْ الْعَرَبُ تُطْلِقُهَا عَلَى شَجَرَةِ الْعِنَبِ وَعَلَى الْعِنَبِ وَعَلَى الْخَمْرِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ الْعِنَبِ سَمَّوْهَا كَرْمًا لِكَوْنِهَا مُتَّخَذَةً مِنْهَا ؛ وَلِأَنَّهَا تُحْمَلُ عَلَى الْكَرَمِ وَالسَّخَاءِ فَكَرِهَ الشَّرْعُ إطْلَاقَ هَذِهِ اللَّفْظَةِ عَلَى الْعِنَبِ وَشَجَرِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ إذَا سَمِعُوا اللَّفْظَةَ رُبَّمَا تَذَكَّرُوا الْخَمْرَ ، وَهَيَّجَتْ نُفُوسَهُمْ إلَيْهَا فَوَقَعُوا فِيهَا ، أَوْ قَارَبُوا ذَلِكَ وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ نَحْوًا مِنْهُ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ : إنَّمَا نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ بِالْكَرْمِ ؛ لِأَنَّهُ لَمَّا حُرِّمَ الْخَمْرُ عَلَيْهِمْ وَكَانَتْ طِبَاعُهُمْ تَحُثُّهُمْ عَلَى الْكَرْمِ كُرِهَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنْ يُسَمَّى هَذَا الْمُحَرَّمَ بِاسْمٍ يُهَيِّجُ طِبَاعَهُمْ إلَيْهِ عِنْدَ ذِكْرِهِ ، فَيَكُونُ ذَلِكَ كَالْمُحَرِّكِ عَلَى الْوُقُوعِ فِي الْمُحَرَّمَاتِ ، قَالَهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْمَازِرِيُّ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ مَحَلَّ النَّهْيِ إنَّمَا هُوَ تَسْمِيَةُ الْعِنَبِ بِالْكَرْمِ وَلَيْسَتْ الْعِنَبَةُ مُحَرَّمَةً ، وَإِنَّمَا الْمُحَرَّمَةُ الْخَمْرُ ، وَلَمْ تُسَمَّ الْخَمْرُ عِنَبًا حَتَّى يُنْهَى عَنْهَا ، وَإِنَّمَا الْعِنَبُ هُوَ الَّذِي يُسَمَّى خَمْرًا بِاسْمِ مَا يَئُولَ إلَيْهِ مِنْ الْخَمْرِيَّةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى { إنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا } وَقَوْلُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ { كَرِهَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسَمِّيَ هَذَا الْمُحَرَّمَ بِاسْمٍ يُهَيِّجُ الطِّبَاعَ إلَيْهِ } لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ لِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْهَ عَنْ تَسْمِيَةِ الْمُحَرَّمِ الَّذِي هُوَ الْخَمْرُ بِالْعِنَبِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بَلْ عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ بِالْكَرْمِ ، فَتَأَمَّلْهُ تَرْشُدْ . ( السَّادِسَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي تَتِمَّةِ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي حَكَاهُ عَنْ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ : إنَّمَا يَسْتَحِقُّ هَذَا الِاسْمَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ أَوْ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ ؛ لِأَنَّ الْكَرْمَ مُشْتَقٌّ مِنْ الْكَرَمِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى { إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } فَسُمِّيَ كَرْمًا لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِيمَانِ وَالْهُدَى وَالنُّورِ وَالتَّقْوَى وَالصِّفَاتِ الْمُسْتَحَقَّةِ لِهَذَا الِاسْمِ ، وَكَذَلِكَ الرَّجُلُ الْمُسْلِمُ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ : وَإِنَّمَا مَحْمَلُ هَذَا الْحَدِيثِ عِنْدِي مَحْمَلُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ { : لَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطَّوَّافِ } . { وَلَيْسَ الشَّدِيدُ بِالصُّرْعَةِ وَإِنَّمَا الشَّدِيدُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ } أَيْ الْأَحَقُّ بِاسْمِ الْكَرْمِ الْمُسْلِمُ أَوْ قَلْبُ الْمُسْلِمِ ، وَذَلِكَ لِمَا حَوَاهُ مِنْ الْعُلُومِ وَالْفَضَائِلِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْمَنَافِعِ الْعَامَّةِ ، فَهُوَ أَحَقُّ بِاسْمِ الْكَرِيمِ وَالْكَرْمِ مِنْ الْعِنَبِ ( قُلْت ) : وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي اعْتَمَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فَقَالَ بَابُ { قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ } وَقَدْ قَالَ { : إنَّمَا الْمُفْلِسُ الَّذِي يُفْلِسُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } كَقَوْلِهِ { : إنَّمَا الصُّرْعَةُ الَّذِي يَمْلِكُ نَفْسَهُ عِنْدَ الْغَضَبِ } وَكَقَوْلِهِ { لَا مَلِكَ إلَّا اللَّهُ } فَوَصَفَهُ بِانْتِهَاءِ الْمُلْكِ ، ثُمَّ ذَكَرَ الْمُلُوكَ أَيْضًا فَقَالَ { إنَّ الْمُلُوكَ إذَا دَخَلُوا قَرْيَةً أَفْسَدُوهَا } . ( السَّابِعَةُ ) الْحَبَلَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِفَتْحِ الْبَاءِ وَبِإِسْكَانِهَا وَالْفَتْحُ أَكْثَرُ وَأَفْصَحُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ : أَصْلُ الْكَرْمَةِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ شَجَرَةُ الْعِنَبِ ، وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ الْقَضِيبُ مِنْ الْكَرْمِ ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : الْأَصْلُ أَوْ الْقَضِيبُ مِنْ شَجَرِ الْأَعْنَابِ ، وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ : الْحَبَلَةُ أَيْ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْبَاءِ وَالْحُبْلَةُ أَيْ بِضَمِّ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ الْكَرْمُ وَقِيلَ الْأَصْلُ مِنْ أُصُولِ الْكَرْمِ وَالْحَبَلُ أَيْ بِفَتْحِ الْحَاءِ وَالْبَاءِ شَجَرُ الْعِنَبِ الْوَاحِدَةُ حَبَلَةٌ ، وَحَبَلَةُ عَمْرٍو ضَرْبٌ مِنْ الْعِنَبِ بِالطَّائِفِ بَيْضَاءُ مُحَدَّدُ الْأَطْرَافِ مُتَدَاحِضَةُ الْعَنَاقِيدِ انْتَهَى . وَأَمَّا الْحُبْلَةُ بِضَمِّ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ فَهِيَ ثَمَرُ السَّمَرِ ، وَقِيلَ : ثَمَرُ الْعِضَاهِ مُطْلَقًا وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ وَمِنْهُ حَدِيثُ وَمَا لَنَا طَعَامٌ إلَّا وَرَقُ الْحُبْلَةِ . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَذَّبَنِي عَبْدِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، تَكْذِيبُهُ إيَّايَ أَنْ يَقُولَ فَلْيُعِدْنَا كَمَا بَدَأَنَا وَأَمَّا شَتْمُهُ إيَّايَ يَقُولُ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُؤًا أَحَدٌ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . ( الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ) وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : يَقُولُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ كَذَّبَنِي عَبْدِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ وَشَتَمَنِي وَلَمْ يَكُنْ لَهُ ذَلِكَ ، تَكْذِيبُهُ إيَّايَ أَنْ يَقُولَ فَلْيُعِدْنَا كَمَا بَدَأَنَا . وَأَمَّا شَتْمُهُ إيَّايَ يَقُولُ اتَّخَذَ اللَّهُ وَلَدًا وَأَنَا الصَّمَدُ الَّذِي لَمْ أَلِدْ وَلَمْ أُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لِي كُفُوًا أَحَدٌ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي تَفْسِيرِ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ { أَمَّا تَكْذِيبُهُ إيَّايَ أَنْ يَقُولَ إنِّي لَمْ أُعِدْهُ كَمَا بَدَأْته } وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا هُوَ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { فَأَمَّا تَكْذِيبُهُ إيَّايَ فَقَوْلُهُ لَنْ يُعِيدَنِي كَمَا بَدَأَنِي وَلَيْسَ أَوَّلُ الْخَلْقِ بِأَهْوَنَ عَلَيَّ مِنْ إعَادَتِهِ } . ( الثَّانِيَةُ ) الْمُرَادُ هُنَا عَبِيدٌ مَخْصُوصُونَ وَهُمْ مُنْكِرُو بَعْثِ الْأَجْسَامِ وَهُمْ كَفَرَةُ الْعَرَبِ ، وَجُعِلُوا مُكَذِّبِينَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لِتَكْرَارِ إخْبَارِهِ عَلَى أَلْسِنَةِ رُسُلِهِ بِبَعْثِ الْعِبَادِ كُلِّهِمْ وَإِعَادَةِ الْأَرْوَاحِ إلَى أَجْسَادِهَا ، وَقَوْلُهُ { فَلْيُعِدْنَا كَمَا بَدَأَنَا } لَفْظُهُ طَلَبٌ وَمَعْنَاهُ التَّكْذِيبُ كَمَا قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ إبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدٍ الْفَارِسِيُّ مِنْ قُدَمَاءِ أَصْحَابِنَا فِيمَا ذَكَرَهُ الْعَبَّادِيُّ فِي طَبَقَاتِهِ فِي قَوْله تَعَالَى { قُلْ فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ فَاتْلُوهَا إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } إنَّ صِيغَةَ أَفْعَلَ لِلتَّكْذِيبِ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِنَفْيِ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَقَدْ تَقَدَّمَ لَفْظُهَا . ( الثَّالِثَةُ ) وَالْقَائِلُونً اتَّخَذَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَلَدًا هُمْ مَنْ قَالَ مِنْ الْيَهُودِ بِأَنَّ عُزَيْرًا ابْنُ اللَّهِ ، وَمَنْ قَالَ مِنْ النَّصَارَى بِأَنَّ الْمَسِيحَ ابْنُ اللَّهِ ، وَمَنْ قَالَ مِنْ الْعَرَبِ بِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ . ( الرَّابِعَةُ ) قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ الْعَرَبُ تُسَمِّي أَشْرَافَهَا الصَّمَدَ وَقَالَ أَبُو وَائِلٍ هُوَ السَّيِّدُ الَّذِي انْتَهَى سُؤْدُدُهُ . وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ الْمُفَسِّرُ : الصَّمَدُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ السَّيِّدُ الَّذِي يُصْمَدُ إلَيْهِ فِي الْأُمُورِ وَيَسْتَقِلُّ بِهَا وَأَنْشَدَ أَلَا بَكَّرَ النَّاعِي بِخَيْرِ بَنِي أَسَدْ بِعَمْرِو بْنِ مَسْعُودٍ وَبِالسَّيِّدِ الصَّمَدْ وَبِهَذَا تَتَفَسَّرُ هَذِهِ الْآيَةُ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ جَلَّتْ قُدْرَتُهُ هُوَ مُوجِدُ الْمَوْجُودَاتِ ، وَإِلَيْهِ يُصْمَدُ وَبِهِ قِوَامُهَا ، وَلَا غِنَى بِنَفْسِهِ إلَّا هُوَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ الصَّمَدُ الَّذِي لَا جَوْفَ لَهُ كَأَنَّهُ بِمَعْنَى الْمُصْمَتِ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ الَّذِي لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَفِي هَذَا التَّفْسِيرِ كُلِّهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الْجِسْمَ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ عَنْ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى انْتَهَى . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ الصَّمَدُ فِعْلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مِنْ صَمَدَ إلَيْهِ إذَا قَصَدَهُ ؛ وَهُوَ السَّيِّدُ الْمَصْمُودُ إلَيْهِ فِي الْحَوَائِجِ قَالَ : وَقَوْلُهُ { لَمْ أَلِدْ } لِأَنَّهُ لَا يُجَانَسُ حَتَّى يَكُونَ لَهُ مِنْ جِنْسِهِ صَاحِبَةٌ فَيَتَوَالَدَا وَقَدْ دَلَّ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ { أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ وَلَمْ تَكُنْ لَهُ صَاحِبَةٌ } وَقَوْلُهُ { وَلَمْ يُولَدْ } ؛ لِأَنَّ كُلَّ مَوْلُودٍ مُحْدَثٌ وَجِسْمٌ ، وَهُوَ قَدِيمٌ لَا أَوَّلَ لِوُجُودِهِ وَلَيْسَ بِجِسْمٍ ( وَلَمْ يُكَافِئْهُ أَحَدٌ ) أَيْ لَمْ يُمَاثِلْهُ وَلَمْ يُشَاكِلْهُ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْكَفَاءَةِ فِي النِّكَاحِ نَفْيًا لِلصَّاحِبَةِ وَالْكَلَامُ إنَّمَا سِيقَ لِنَفْيِ الْمُكَافَأَةِ عَنْ ذَاتِ الْبَارِي سُبْحَانَهُ وَهَذَا الْمَعْنَى مَصَبُّهُ وَمَرْكَزُهُ هَذَا الطَّرَفُ ، فَلِذَلِكَ قُدِّمَ وَقُرِئَ كُفُؤًا بِضَمِّ الْكَافِ وَالْفَاءِ وَهِيَ قِرَاءَةُ الْأَكْثَرِينَ ، وَقَرَأَ حَفْصٌ بِضَمِّ الْفَاءِ وَفَتْحِ الْوَاوِ مِنْ غَيْرِ هَمْزٍ ، وَقَرَأَ حَمْزَةُ بِإِسْكَانِ الْفَاءِ مَعَ الْهَمْزَةِ فِي الْوَصْلِ فَإِذَا وَقَفَ أَبْدَلَ الْهَمْزَةَ وَاوًا مَفْتُوحَةً اتِّبَاعًا لِلْخَطِّ ، وَالْقِيَاسُ أَنْ تُلْقَى حَرَكَتُهَا عَلَى الْفَاءِ وَقُرِئَ فِي غَيْرِ الْمَشْهُورِ بِكَسْرِ الْكَافِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَا يَزَالُونَ يَسْتَفْتُونَ حَتَّى يَقُولَ أَحَدُهُمْ هَذَا اللَّهُ خَلَقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ } زَادَ الشَّيْخَانِ { فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ وَلْيَنْتَهِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ آمَنْت بِاَللَّهِ } زَادَ فِي رِوَايَةٍ { وَرُسُلِهِ } ( الْحَدِيثُ الرَّابِعُ ) وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَزَالُونَ تَسْتَفْتُونَ حَتَّى يَقُولَ أَحَدُكُمْ هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : . ( الْأُولَى ) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { يَأْتِي الشَّيْطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ مَنْ خَلَقَ كَذَا مَنْ خَلَقَ كَذَا حَتَّى يَقُولَ مَنْ خَلَقَ رَبَّك فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ وَلْيَنْتَهِ } وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { لَا يَزَالُ النَّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتَّى يُقَالَ هَذَا خَلَقَ اللَّهُ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَقُلْ آمَنْت بِاَللَّهِ } زَادَ فِي رِوَايَةٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ { وَرُسُلِهِ } وَمِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { لَا يُزَالُ النَّاسُ يَسْأَلُونَكُمْ عَنْ الْعِلْمِ حَتَّى يَقُولُوا هَذَا اللَّهُ خَلَقَنَا فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ ؟ قَالَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدِ رَجُلٍ فَقَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ قَدْ سَأَلَنِي اثْنَانِ وَهَذَا الثَّالِثُ أَوْ قَالَ سَأَلَنِي وَاحِدٌ وَهَذَا الثَّانِي } وَمِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { لَا يَزَالُونَ يَسْأَلُونَك يَا أَبَا هُرَيْرَةَ حَتَّى يَقُولُوا هَذَا اللَّهُ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ ، فَبَيْنَمَا أَنَا فِي الْمَسْجِدِ إذْ جَاءَنِي نَاسٌ مِنْ الْأَعْرَابِ فَقَالُوا يَا أَبَا هُرَيْرَةَ هَذَا اللَّهُ فَمَنْ خَلَقَ اللَّهَ قَالَ فَأَخَذَ حَصًى بِكَفِّهِ فَرَمَاهُمْ بِهِ ، ثُمَّ قَالَ : قُومُوا قُومُوا صَدَقَ خَلِيلِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَمِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { لَيَسْأَلُنَّكُمْ النَّاسُ عَنْ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى يَقُولُوا اللَّهُ خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَمَنْ خَلَقَهُ } . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى ذَمِّ كَثْرَةِ السُّؤَالِ وَالِاسْتِفْتَاءِ عَنْ الْأُمُورِ الَّتِي لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا ، وَأَنَّ ذَلِكَ يَجُرُّ إلَى السُّؤَالِ عَمَّا لَا يَجُوزُ فَيَنْبَغِي لِلْإِنْسَانِ اجْتِنَابُهُ حَذَرًا مِمَّا يَجُرُّ إلَيْهِ . ( الثَّالِثَةُ ) وَفِيهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ ، وَأَنَّهُ يَحْرُمُ النُّطْقُ بِهِ وَيَجِبُ الْإِعْرَاضُ عَنْهُ ، وَدَفْعُهُ عَنْ الْخَاطِرِ وَأَنْ يَلْجَأَ الْإِنْسَانُ إلَى الِاسْتِعَاذَةِ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَكْفِيَهُ شَرَّ وَسْوَسَتِهِ وَفِتْنَتِهِ وَإِلَيْهِ الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنْ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاَللَّهِ إنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ } وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى مُحَاسَنَةِ الشَّيْطَانِ لِتَأَصُّلِ عَدَاوَتِهِ وَتَأَكُّدِهَا ، وَأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ كَيْدَهُ إلَّا الِاسْتِعَاذَةُ بِاَللَّهِ تَعَالَى مِنْهُ . ( الرَّابِعَةُ ) وَفِيهِ أَنَّهُ يَنْبَغِي مَعَ الْإِعْرَاضِ عَنْ ذَلِكَ وَالِانْتِهَاءِ عَنْهُ النُّطْقُ بِالْإِيمَانِ وَالتَّصْرِيحُ بِهِ فَيَقُولُ آمَنْت بِاَللَّهِ وَرُسُلِهِ . ( الْخَامِسَةُ ) قَالَ الْإِمَامُ الْمَازِرِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَهُمْ أَنْ يَدْفَعُوا الْخَوَاطِرَ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا وَالرَّدِّ لَهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِدْلَالٍ وَلَا نَظَرٍ فِي إبْطَالِهَا . قَالَ وَاَلَّذِي يُقَالُ فِي هَذَا : إنَّ الْخَوَاطِرَ عَلَى قِسْمَيْنِ فَأَمَّا الَّتِي لَيْسَتْ بِمُسْتَقِرَّةٍ وَلَا اجْتَلَبَتْهَا شُبْهَةٌ طَرَأَتْ فَهِيَ تُدْفَعُ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهَا ، وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ الْحَدِيثُ وَعَلَى مِثْلِهَا يَنْطَلِقُ اسْمُ الْوَسْوَسَةِ فَكَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ أَمْرًا طَارِئًا بِغَيْرِ أَصْلٍ دُفِعَ بِغَيْرِ نَظَرٍ فِي دَلِيلٍ إذْ لَا أَصْلَ لَهُ يُنْظَرُ فِيهِ . وَأَمَّا الْخَوَاطِرُ الْمُسْتَقِرَّةُ الَّتِي أَوْجَبَتْهَا الشُّبْهَةُ فَإِنَّهَا لَا تُدْفَعُ إلَّا بِاسْتِدْلَالٍ وَنَظَرٍ فِي إبْطَالِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَجْهُ هَذَا الْحَدِيثِ وَمَعْنَاهُ تَرْكُ الْفِكْرِ فِيمَا يَخْطُرُ بِالْقَلْبِ مِنْ وَسَاوِسِ الشَّيْطَانِ وَالِامْتِنَاعُ مِنْ قَبُولِهَا وَاللِّيَاذُ بِاَللَّهِ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ وَالْكَفِّ عَنْ مُجَارَاتِهِ فِي حَدِيثِ النَّفْسِ ، وَمُطَاوَلَتِهِ فِي الْمُحَاجَّةِ وَالْمُنَاظَرَةِ وَالِاشْتِغَالِ بِالْجَوَابِ عَلَى مَا يُوجِبُهُ حَقُّ النَّظَرِ فِي مِثْلِهِ لَوْ كَانَ الْمُنَاظَرُ عَلَيْهِ بَشَرًا ، وَكَلَّمَكَ فِي مِثْلِ ذَلِكَ فَإِنَّ مَنْ نَاظَرَك وَأَنْتَ تُشَاهِدُهُ وَتَسْمَعُ كَلَامَهُ وَيَسْمَعُ كَلَامَك لَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُغَالِطَكَ فِيمَا يَجْرِي بَيْنَكُمَا مِنْ الْكَلَامِ حَتَّى يُخْرِجَكَ كَلَامُهُ مِنْ حُدُودِ النَّظَرِ وَرُسُومِ الْجَدَلِ فَإِنْ بَانَ السُّؤَالُ وَمَا يَجْرِي فِيهِ مِنْ الْمُعَارَضَةِ وَالْمُنَاقَضَةِ مَعْلُومٌ وَالْأَمْرُ فِيهِ مَحْدُودٌ مَحْصُورٌ ، فَإِذَا رَعَيْت الطَّرِيقَةَ وَأَصَبْت الْحُجَّةَ وَأَلْزَمْتهَا خَصْمَك انْقَطَعَ ، وَكُفِيتَ مُؤْنَتَهُ وَحَسَمْت شَغَبَهُ . وَبَابُ مَا يُوَسْوِسُ بِهِ الشَّيْطَانُ إلَيْك غَيْرُ مَحْدُودٍ وَلَا مُتَنَاهٍ ؛ لِأَنَّك كُلَّمَا أَلْزَمْته حُجَّةً وَأَفْسَدْت عَلَيْهِ مَذْهَبًا زَاغَ إلَى أَنْوَاعٍ أُخَرَ مِنْ الْوَسْوَاسِ الَّتِي أُعْطِيَ التَّسْلِيطَ فِيهَا عَلَيْك ، فَهُوَ لَا يَزَالُ يُوَسْوِسُ إلَيْك حَتَّى يُؤَدِّيَك إلَى الْحِيرَةِ وَالْهَلَاكِ وَالضَّلَالِ فَأَرْشَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ مَا يَعْرِضُ مِنْ وَسَاوِسِهِ فِي هَذَا الْبَابِ إلَى الِاسْتِعَاذَةِ بِاَللَّهِ مِنْ شَرِّهِ وَالِانْتِهَاءِ عَنْ مُرَاجَعَتِهِ وَحُسِمَ الْبَابُ فِيهِ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ وَالِاسْتِعَاذَةِ بِذِكْرِ اللَّهِ وَالِاشْتِغَالِ بِأَمْرٍ سِوَاهُ . وَهَذِهِ حِيلَةٌ بَلِيغَةٌ وَجُنَّةٌ حَصِينَةٌ يَخْزَى مَعَهَا الشَّيْطَانُ ، وَيَبْطُلُ كَيْدُهُ وَلَوْ أَرَادَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَاجَّتَهُ وَأَذِنَ فِي مُرَاجَعَتِهِ وَالرَّدِّ عَلَيْهِ فِيمَا يُوَسْوِسُ بِهِ لَكَانَ الْأَمْرُ عَلَى كُلِّ مُوَحِّدٍ سَهْلًا فِي قَمْعِهِ وَإِبْطَالِ قَوْلِهِ ، فَإِنَّهُ لَوْ قُدِّرَ أَنْ يَكُونَ السَّائِلُ عَنْ مِثْلِ هَذَا وَاحِدًا مِنْ الْبَشَرِ لَكَانَ جَوَابُهُ وَالنَّقْضُ عَلَيْهِ مُتَلَقًّى مِنْ سُؤَالِهِ وَمَأْخُوذًا مِنْ فَحَوَى كَلَامِهِ . وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا قَالَ : هَذَا اللَّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ الَّذِي خَلَقَهُ ، فَقَدْ نَقَضَ بِأَوَّلِ كَلَامِهِ آخِرَهُ ، وَأَعْطَى أَنْ لَا شَيْءَ يُتَوَهَّمُ دُخُولُهُ تَحْتَ هَذِهِ الصِّفَةِ مِنْ مَلَكٍ وَإِنْسٍ وَجَانٍّ وَنَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْحَيَوَانِ الَّذِي يَتَأَتَّى مِنْهُ فِعْلٌ ، لِأَنَّ جَمِيعَ ذَلِكَ وَاقِعٌ تَحْتَ اسْمِ الْخَلْقِ فَلَمْ يَبْقَ لِلْمُطَالَبَةِ مَعَ هَذَا مَحَلٌّ وَلَا قَرَارٌ ، وَأَيْضًا لَوْ جَازَ عَلَى هَذِهِ الْمَقَالَةِ أَنْ يَسْأَلَ فَيُقَالُ : مَنْ خَلَقَ اللَّهَ فَيُسَمِّي شَيْئًا مِنْ الْأَشْيَاءِ يَدَّعِي لَهُ هَذَا الْوَصْفَ لَلَزِمَ أَنْ يُقَالَ وَمَنْ خَلَقَ ذَلِكَ الشَّيْءَ ، وَلَامْتَدَّ الْقَوْلُ فِي ذَلِكَ إلَى مَا لَا يَتَنَاهَى ، وَالْقَوْلُ بِمَا لَا يَتَنَاهَى فَاسِدٌ فَسَقَطَ السُّؤَالُ مِنْ أَجْلِهِ ، وَمِمَّا كَانَ يُقَالُ لِمَنْ يَسْأَلُ هَذَا السُّؤَالَ إنَّمَا وَجَبَ إثْبَاتُ الصَّانِعِ الْوَاحِدِ لِمَا اقْتَضَاهُ أَوْصَافُ الْخَلِيقَةِ مِنْ سِمَاتِ الْحَدَثِ الْمُوجِبَةِ أَنَّ لَهَا مُحْدِثًا فَقُلْنَا إنَّ لَهَا خَالِقًا ، وَنَحْنُ لَمَّا نُشَاهِدْ الْخَالِقَ عِيَانًا فَنُحِيطَ بِكُنْهِهِ ، وَلَمْ يَصِحَّ لَنَا أَنْ نَصِفَهُ بِصِفَاتِ الْخَلْقِ فَيَلْزَمُنَا أَنْ نَقُولَ إنَّ لَهُ خَالِقًا . وَالشَّاهِدُ لَا يَدُلُّ عَلَى مِثْلِهِ فِي الْغَائِبِ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى فِعْلِهِ وَالِاسْتِدْلَالُ إنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ دُونَ الْمُشْتَبِهَاتِ ، وَالْمَفْعُولُ لَا يُشْبِهُ فَاعِلَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ نُعُوتِهِ الْخَاصَّةِ فَبَطَلَ مُطْلَقًا مَا يَقَعُ فِي الْوَهْمِ مِنْ اقْتِضَاءِ خَالِقٍ لِمَنْ خَلَقَ الْخَلْقَ كُلَّهُ ، وَلَوْ أَكْثَرْنَا فِي هَذَا لَدَخَلْنَا فِي نَوْعِ مَا نُهِينَا عَنْهُ فِيمَا رَوَيْنَاهُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ ، فَإِذًا نَنْتَهِي إلَى مَا أُمِرْنَا بِهِ مِنْ حَسْمِ هَذَا الْبَابِ فِي مُنَاظَرَةِ الشَّيْطَانِ لِجَهْلِهِ وَقِلَّةِ إنْصَافِهِ وَكَثْرَةِ شَغَبِهِ ، وَقَدْ تَوَاصَى الْعُلَمَاءُ وَالْحُكَمَاءُ فِيمَا دَوَّنُوهُ وَرَسَمُوهُ مِنْ حُدُودِ الْجَدَلِ وَآدَابِ النَّظَرِ بِتَرْكِ مُنَاظَرَةِ مَنْ هَذِهِ صِفَتُهُ ، وَأَمَرُوا بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ انْتَهَى . ( السَّابِعَةُ ) وَفِيهِ الْإِخْبَارُ عَنْ مَغِيبٍ قَدْ وَقَعَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قِيلَ لِبَنِي إسْرَائِيلَ { اُدْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ } فَبَدَّلُوا فَدَخَلُوا الْبَابَ يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ وَقَالُوا حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ } ( الْحَدِيثُ الْخَامِسُ ) وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : قِيلَ لِبَنِي إسْرَائِيلَ { اُدْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُولُوا حِطَّةٌ نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ } ، فَبَدَّلُوا فَدَخَلُوا الْبَابَ يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ وَقَالُوا حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَفْظُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ { فَبَدَّلُوا وَقَالُوا حِنْطَةٌ حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ } ( الثَّانِيَةُ ) هَذَا الْبَابُ قِيلَ هُوَ الْبَابُ الثَّامِنُ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَقِيلَ بَابُ الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمِرُوا بِدُخُولِهَا وَهِيَ قَرْيَةُ الْجَبَّارِينَ وَهِيَ أَرِيحَاءُ فِي الْمَشْهُورِ وَقِيلَ كَانَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ وَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ بَابُ قَرْيَةٍ فِيهَا مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَقَوْلُهُ { سُجَّدًا } قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مُنْحَنِينَ رُكُوعًا : وَقَالَ غَيْرُهُ خُضُوعًا وَشُكْرًا لِتَيْسِيرِ الدُّخُولِ وَقَالَ وَهْبُ بْنُ مُنَبِّهٍ قِيلَ لَهُمْ اُدْخُلُوا الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَاسْجُدُوا وَاشْكُرُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ( وَحِطَّةٌ ) بِمَعْنَى حُطَّ عَنَّا ذُنُوبَنَا قَالَهُ الْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَقَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ مَعْنَاهُ الِاسْتِغْفَارُ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَعْنِي لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؛ لِأَنَّهَا تَحُطُّ الذُّنُوبَ ، وَقَالَ ثَعْلَبٌ التَّوْبَةُ قَالَ الشَّاعِرُ فَازَ بِالْحِطَّةِ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ بِهَا ذَنْبَ عَبْدِهِ مَغْفُورًا ، وَقَالَ الْكَلْبِيُّ تَعَبَّدُوا بِقَوْلِهَا كَفَّارَةً انْتَهَى . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ { حِطَّةٌ } مَرْفُوعٌ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ مُبْتَدَإٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ مَسْأَلَتُنَا حِطَّةٌ أَيْ أَنْ تَحُطَّ عَنَّا خَطَايَانَا ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ تَقْدِيرُهُ أَمْرُنَا حِطَّةٌ ، وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ رَفْعٌ عَلَى الْحِكَايَةِ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ ( فَدَخَلُوا يَزْحَفُونَ عَلَى أَسْتَاهِهِمْ ) أَيْ يَنْجَرُّونَ عَلَى أَلَيَاتِهِمْ فِعْلَ الْمُقْعَدِ الَّذِي يَمْشِي عَلَى أَلْيَتِهِ ، يُقَالُ : زَحَفَ الصَّبِيُّ إذَا مَشَى كَذَلِكَ وَالْأَسْتَاءُ جَمْعُ أَسْتً وَهُوَ الدُّبُرُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { وَقَالُوا حَبَّةٌ فِي شَعْرَةٍ } أَيْ قَالُوا ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِهْزَاءِ وَالِاسْتِخْفَافِ بِالْأَوَامِرِ الشَّرْعِيَّةِ وَهُوَ كَلَامٌ خُلْفٌ لَا مَعْنَى لَهُ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قِيلَ حِنْطَةٌ فَزَادُوا فِي لَفْظَةِ الْحِطَّةِ نُونًا ، وَغَيَّرُوهُ بِذَلِكَ عَنْ مَدْلُولِهِ ، ثُمَّ ضَمُّوا إلَيْهِ هَذَا الْكَلَامَ الْخَالِيَ عَنْ الْفَائِدَةِ تَتْمِيمًا لِلِاسْتِهْزَاءِ وَزِيَادَةً فِي الْعُتُوِّ ، وَفِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ أَنَّهُمْ قَالُوا حُطَّانَا سِمِقَّانَا يَعْنُونَ حِنْطَةٌ حَمْرَاءُ فَعَاقَبَهُمْ بِالرِّجْزِ وَهُوَ الْعَذَابُ الْمُقْتَرِنُ بِالْهَلَاكِ قَالَ ابْنُ زَيْدٍ كَانَ طَاعُونًا أَهْلَكَ اللَّهُ بِهِ مِنْهُمْ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ سَبْعِينَ أَلْفًا . ( السَّادِسَةُ ) فِي قَوْله تَعَالَى { نَغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ } ثَلَاثُ قِرَاءَاتٍ فِي الْمَشْهُورِ ( إحْدَاهَا ) قِرَاءَةُ نَافِعٍ بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ مَضْمُومَةٍ وَفَتْحِ الْفَاءِ . ( الثَّانِيَةُ ) قِرَاءَةُ ابْنِ عَامِرٍ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ مَضْمُومَةٍ وَفَتْحِ الْفَاءِ . ( الثَّالِثَةُ ) قِرَاءَةُ الْبَاقِينَ بِالنُّونِ مَفْتُوحَةً وَكَسْرِ الْفَاءِ . ( الْعُجْبُ وَالْكِبْرُ وَالتَّوَاضُعُ ) عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بَيْنَا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ فِي بُرْدَيْنِ وَقَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ خُسِفَ بِهِ الْأَرْضُ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا حَتَّى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { إنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ } ( الْعُجْبُ وَالْكِبْرُ وَالتَّوَاضُعُ ) ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَيْنًا رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ فِي بُرْدَيْنِ وَقَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ خُسِفَ بِهِ الْأَرْضُ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا حَتَّى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { إنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ يَتَبَخْتَرُ فِي حُلَّةٍ } الْحَدِيثَ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { بَيْنَا رَجُلٌ يَمْشِي فِي حُلَّةٍ تُعْجِبُهُ نَفْسُهُ مُرَجِّلٌ جَمَّتَهُ إذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ ، وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ ، وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الرَّبِيعِ بْن مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { بَيْنَمَا رَجُلٌ يَمْشِي قَدْ أَعْجَبَتْهُ جَمَّتُهُ وَبُرْدَاهُ } وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) قِيلَ يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا الرَّجُلَ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ سَيَقَعُ هَذَا ، وَقِيلَ بَلْ هُوَ إخْبَارٌ عَمَّنْ قَبْلَ هَذِهِ الْأُمَّةِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَهَذَا أَظْهَرُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ وَهُوَ مَعْنَى إدْخَالِ الْبُخَارِيِّ لَهُ فِي ذِكْرِ بَنِي إسْرَائِيلَ ( قُلْت ) : وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْمُتَقَدِّمَةِ حَيْثُ قَالَ فِيهَا { : إنَّ رَجُلًا مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ } وَرَوَى أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ كُرَيْبٌ قَالَ { كُنْت أَقُودُ ابْنَ عَبَّاسٍ فِي زُقَاقِ أَبِي لَهَبٍ فَقَالَ : يَا كُرَيْبٌ بَلَغْنَا مَكَانَ كَذَا وَكَذَا ؟ قُلْت : أَنْتَ عِنْدَهُ الْآنَ فَقَالَ حَدَّثَنِي الْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ بَيْنَا أَنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ يَتَبَخْتَرُ بَيْنَ بُرْدَيْنِ ، وَيَنْظُرُ فِي عِطْفَيْهِ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ إذْ خَسَفَ اللَّهُ بِهِ الْأَرْضَ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ ، فَهُوَ يَتَجَلْجَلُ فِيهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } . ( الثَّالِثَةُ ) الْبُرْدُ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ نَوْعٌ مِنْ الثِّيَابِ مَعْرُوفٌ . قَالَ فِي الْمُحْكَمِ : ثَوْبٌ فِيهِ خُطُوطٌ وَخَصَّ بَعْضُهُمْ بِهِ الْوَشْيَ وَالْجَمْعُ أَبْرَادٌ وَأَبْرُدٌ وَبُرُودٌ . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ الْبُرْدَانِ الرِّدَاءُ وَالْإِزَارُ وَهَذَا عَلَى طَرِيقَةِ تَثْنِيَةِ الْعُمَرَيْنِ وَالْقَمَرَيْنِ انْتَهَى . وَفِي تَعْيِينِهِ أَنَّ الْبُرْدَيْنِ إزَارٌ وَرِدَاءٌ نَظَرٌ ، وَقَوْلُهُ إنَّهُ كَالْعُمَرَيْنِ وَالْقَمَرَيْنِ مَرْدُودٌ ؛ لِأَنَّ ذَاكَ فِيهِ تَغْلِيبٌ وَهَذَا لَا تَغْلِيبَ فِيهِ بَلْ كُلٌّ مِنْ مُفْرَدَيْهِ بُرْدٌ ، وَلَوْ قِيلَ لِلْإِزَارِ وَالرِّدَاءِ إزَارَانِ أَوْ رِدَاءَانِ لَكَانَ مِنْ بَابِ التَّغْلِيبِ . ( الرَّابِعَةُ ) فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ قَدْ أَعْجَبَتْهُ نَفْسُهُ وَفِي الْأُخْرَى { قَدْ أَعْجَبَتْهُ جَمَّتُهُ وَبُرْدَاهُ } . قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ إعْجَابُ الرَّجُلِ بِنَفْسِهِ هُوَ مُلَاحَظَتُهُ لَهَا بِعَيْنِ الْكَمَالِ وَالِاسْتِحْسَانِ مَعَ نِسْيَانِ مِنَّةِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ رَفَعَهَا عَلَى الْغَيْرِ وَاحْتَقَرَهُ فَهُوَ الْكِبْرُ الْمَذْمُومُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ يَتَجَلْجَلُ بِالْجِيمِ وَاللَّامِ الْمُكَرَّرَتَيْنِ أَيْ يَتَحَرَّكُ وَيَنْزِلُ مُضْطَرِبًا قَالَهُ الْخَلِيلُ وَغَيْرُهُ . وَقَوْلُهُ { يَوْمِ الْقِيَامَةِ } مَجْرُورٌ بِحَتَّى وَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى انْتِهَاءِ الْغَايَةِ بِشَرْطِ كَوْنِ الْمَجْرُورِ بِهَا آخِرَ جُزْءٍ أَوْ مُكَافِئَ آخِرِ جُزْءٍ ذَكَرَهُ الزَّمَخْشَرِيّ ، وَطَائِفَةٌ مِنْ الْمَغَارِبَةِ وَابْنُ مَالِكٍ فِي شَرْحِ الْكَافِيَةِ وَلَمْ يَشْتَرِطْ ذَلِكَ فِي التَّسْهِيلِ . ( السَّادِسَةُ ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ يُفِيدُ هَذَا الْحَدِيثُ تَرْكَ الْأَمْنٍ مِنْ تَعْجِيلِ الْمُؤَاخَذَةِ عَلَى الذُّنُوبِ ، وَأَنَّ عُجْبَ الْمَرْءِ بِنَفْسِهِ وَثَوْبِهِ وَهَيْئَتِهِ حَرَامٌ وَكَبِيرَةٌ . وَعَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ كُلُّهُمْ يُخْبِرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ } زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ { قَالَ أَبُو بَكْرٍ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ أَحَدَ شِقَّيْ إزَارِي تَسْتَرْخِي إلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَسْت مِمَّنْ يَصْنَعُهُ خُيَلَاءَ } وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ { فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ قَالَ يُرْخِينَ شِبْرًا فَقَالَتْ إذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ ، قَالَ فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ } وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنْظُرُ إلَى الْمُسْبِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } لَمْ يُخَرِّجْ وَاحِدٌ مِنْ الشَّيْخَيْنِ هَذَا اللَّفْظَ الْأَخِيرَ وَمَعْنَاهُ يُؤَدِّيهِ الْمَتْنُ الَّذِي قَبْلَهُ وَلِمُسْلِمٍ { ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ : وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ ، الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ } . ( الْحَدِيثُ الثَّانِي ) وَعَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ وَعَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ كُلِّهِمْ يُخْبِرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ خُيَلَاءَ } ، وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَنْظُرُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى مَنْ جَرَّ إزَارَهُ بَطَرًا } ، وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَنْظُرُ إلَى الْمُسْبِلِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } لَيْسَ هَذَا اللَّفْظُ فِي وَاحِدٍ مِنْ الصَّحِيحَيْنِ . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ الثَّلَاثَةِ ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ الشَّيْخَيْنِ { يَوْمَ الْقِيَامَةِ } وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَزَادَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي رِوَايَتِهِمَا { فَقَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ : فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ ؟ فَقَالَ يُرْخِينَ شِبْرًا فَقَالَتْ إذًا تَنْكَشِفُ أَقْدَامُهُنَّ قَالَ فَيُرْخِينَهُ ذِرَاعًا لَا يَزِدْنَ عَلَيْهِ } وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ اللَّيْثِيِّ وَعُمَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيِّ خَمْسَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ وَزَادُوا فِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ خَلَا التِّرْمِذِيَّ مِنْ طَرِيقِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَفِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ { فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ إنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يُسْتَرْخَى إلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّك لَسْت تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ } وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ وَمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ رِوَايَةِ جَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ وَمُسْلِمِ بْنِ يَنَاقٍ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْعُمَرِيَّ وَعَلَّقَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ زَيْدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَجَبَلَةَ بْنِ سُحَيْمٍ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ كُلُّهُمْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ مِنْ الْخُيَلَاءِ . وَأَمَّا الطَّرِيقُ الثَّانِي فَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يُخَرِّجْ وَاحِدٌ مِنْ الشَّيْخَيْنِ هَذَا اللَّفْظَ الْأَخِيرَ وَمَعْنَاهُ يُؤَدِّيهِ الْمَتْنُ الَّذِي قَبْلَهُ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمْ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِمْ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ الْمُسْبِلُ وَالْمَنَّانُ وَالْمُنْفِقُ سِلْعَتَهُ بِالْحَلِفِ الْكَاذِبِ } هَذَا كَلَامُهُ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِنَّمَا أَخْرَجَهُ هُوَ وَأَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مِنْ رِوَايَةِ خَرْشَةَ بْنِ الْحُرِّ عَنْهُ فَلِهَذَا وَجَدْت فِي نُسْخَتِي مِنْ الْأَحْكَامِ الْكُبْرَى الَّتِي قَرَأْت فِيهَا عَلَى وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ ضَرْبًا عَلَى قَوْلِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ بِأَمْرِهِ وَمَعَ ذَلِكَ فَعِبَارَتُهُ تُوهِمُ أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ؛ لِأَنَّ كَلَامَهُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةُ ) ( الْخُيَلَاءُ ) بِضَمِّ الْخَاءِ وَحُكِيَ كَسْرُهَا فِي الْمُحْكَمِ وَغَيْرِهِ وَفَتْحِ الْيَاءِ وَاللَّامِ مَمْدُودَةٍ قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ : الْخُيَلَاءُ وَالْمَخِيلَةُ وَالْبَطَرُ وَالْكِبْرُ وَالزَّهْوُ وَالتَّبَخْتُرُ كُلُّهَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَهُوَ حَرَامٌ وَيُقَالُ : خَالَ الرَّجُلُ خَالًا وَاخْتَالَ اخْتِيَالًا إذَا تَكَبَّرَ ، وَهُوَ رَجُلٌ خَالٌ أَيْ مُتَكَبِّرٌ وَصَاحِبُ خَالٍ أَيْ صَاحِبُ كِبْرٍ انْتَهَى . قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَكَأَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ التَّخَيُّلِ أَيْ الظَّنِّ ، وَهُوَ أَنْ يُخَيَّلَ لَهُ أَنَّهُ بِصِفَةٍ عَظِيمَةٍ بِلِبَاسِهِ ، لِذَلِكَ اللِّبَاسِ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ انْتَهَى وَهُوَ مُحْتَمَلٌ وَيُقَالُ لِلْكِبْرِ أَيْضًا خَيَلٌ وَأَخْيَلُ وَخِيلَةٌ بِكَسْرِ الْخَاءِ ذُكِرَ ذَلِكَ فِي الْمُحْكَمِ . ( الثَّالِثَةُ ) مَعْنَى كَوْنِ اللَّهِ تَعَالَى لَا يَنْظُرُ إلَيْهِ أَيْ لَا يَرْحَمُهُ وَلَا يَنْظُرُ إلَيْهِ نَظَرَ رَحْمَةٍ ، وَنَظَرُهُ سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ رَحْمَتُهُ لَهُمْ وَلُطْفُهُ بِهِمْ . قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فَعَبَّرَ عَنْ الْمَعْنَى الْكَائِنِ عَنْ النَّظَرِ بِالنَّظَرِ ؛ لِأَنَّ مَنْ نَظَرَ إلَى مُتَوَاضِعٍ رَحِمَهُ وَمَنْ نَظَرَ إلَى مُتَكَبِّرٍ مُتَجَبِّرٍ مَقَتَهُ فَالنَّظَرُ إلَيْهِ اقْتَضَى الرَّحْمَةَ أَوْ الْمَقْتَ . ( الرَّابِعَةُ ) فَإِنْ قُلْت مَا مَعْنَى التَّقْيِيدِ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ( قُلْت ) ؛ لِأَنَّهُ مَحَلُّ الرَّحْمَةِ الْعَظِيمَةِ الْمُسْتَمِرَّةِ الَّتِي لَا تَنْقَطِعُ بِخِلَافِ رَحْمَةِ الدُّنْيَا فَقَدْ تَنْقَطِعُ عَنْ الْمَرْحُومِ وَيَأْتِي لَهُ مَا يُخَالِفُهَا . ( الْخَامِسَةُ ) يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ ثَوْبُهُ الْإِزَارُ وَالرِّدَاءُ وَالْقَمِيصُ وَالسَّرَاوِيلُ وَالْجُبَّةُ وَالْقَبَاءُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِمَّا يُسَمَّى ثَوْبًا وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ شُعْبَةَ { قُلْت لِمُحَارِبٍ : أَذَكَرَ إزَارَهُ ؟ قَالَ مَا خَصَّ إزَارًا وَلَا قَمِيصًا } . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ أَوْ صَحِيحٍ كَمَا جَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بِكُلٍّ مِنْهُمَا فِي مَوْضِعٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : الْإِسْبَالُ فِي الْإِزَارِ وَالْقَمِيصِ وَالْعِمَامَةِ مَنْ جَرَّ شَيْئًا خُيَلَاءَ لَمْ يَنْظُرْ اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } . وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا ذِكْرُ الْإِزَارِ وَهِيَ فِي الصَّحِيحِ فَخَرَجَتْ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ لِبَاسِ الْعَرَبِ وَهُوَ الْأُزُرُ وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ ذِكْرَ الْإِزَارِ وَحْدَهُ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ عَامَّةَ لِبَاسِهِمْ وَحُكْمُ غَيْرِهِ مِنْ الْقَمِيصِ وَغَيْرِهِ حُكْمُهُ ، ثُمَّ اعْتَرَضَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ جَاءَ مُبَيَّنًا مَنْصُوصًا فَذَكَرَ رِوَايَةَ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ الْمُتَقَدِّمَةَ ( فَإِنْ قُلْت ) مَا الْمُرَادُ بِإِسْبَالِ الْعِمَامَةِ هَلْ هُوَ جَرُّهَا عَلَى الْأَرْضِ مِثْلَ الثَّوْبِ أَوْ الْمُرَادُ الْمُبَالَغَةُ فِي تَطْوِيلِ عَذَبَتِهَا بِحَيْثُ يَخْرُجُ عَنْ الْمُعْتَادِ ؟ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : هُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ جَرُّهَا عَلَى الْأَرْضِ مَعْهُودًا مُسْتَعْمَلًا فَالْمُرَادُ الثَّانِي ، وَأَنَّ الْإِسْبَالَ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) هَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِجَرِّ الذُّيُولِ أَوْ يَتَعَدَّى إلَى غَيْرِهَا كَالْأَكْمَامِ إذَا خَرَجَتْ عَنْ الْمُعْتَادِ . قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : لَا شَكَّ فِي تَنَاوُلِ التَّحْرِيمِ لِمَا مَسَّ الْأَرْضَ مِنْهَا لِلْخُيَلَاءِ ، وَلَوْ قِيلَ بِتَحْرِيمِ مَا زَادَ عَنْ الْمُعْتَادِ لَمْ يَكُنْ بَعِيدًا فَقَدْ { كَانَ كُمُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الرُّسْغِ } وَأَرَادَ عُمَرُ قَصَّ كُمِّ عُتْبَةَ بْنِ فَرْقَدٍ فِيمَا خَرَجَ عَنْ الْأَصَابِعِ ، وَكَذَلِكَ فَعَلَ عَلِيٌّ فِي قَمِيصٍ اشْتَرَاهُ لِنَفْسِهِ ، وَلَكِنْ قَدْ حَدَثَ لِلنَّاسِ اصْطِلَاحٌ بِتَطْوِيلِهَا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْخُيَلَاءِ فَهُوَ دَاخِلٌ فِي النَّهْيِ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى طَرِيقِ الْعَوَائِدِ الْمُتَجَدِّدَةِ مِنْ غَيْرِ خُيَلَاءَ فَالظَّاهِرُ عَدَمُ التَّحْرِيمِ ، وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يُكْرَهُ كُلُّ مَا زَادَ عَلَى الْحَاجَةِ وَالْمُعْتَادِ فِي اللِّبَاسِ مِنْ الطُّولِ وَالسَّعَةِ . ( السَّابِعَةُ ) هَذَا الْوَعِيدُ يَقْتَضِي أَنَّ ذَلِكَ كَبِيرَةٌ وَقَدْ تَقَدَّمَ عَنْ الْقُرْطُبِيِّ أَنَّهُ قَالَ إنَّ الْعُجْبَ كَبِيرَةٌ ، وَالْكِبْرُ عُجْبٌ وَزِيَادَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { بَيْنَمَا رَجُلٌ يُصَلِّي مُسْبِلًا إزَارَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ ثُمَّ جَاءَ فَقَالَ اذْهَبْ فَتَوَضَّأْ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لَك أَمَرْتَهُ أَنْ يَتَوَضَّأَ ثُمَّ سَكَتَّ عَنْهُ قَالَ إنَّهُ كَانَ يُصَلِّي وَهُوَ مُسْبِلٌ إزَارَهُ ، وَإِنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُ صَلَاةَ رَجُلٍ مُسْبِلٍ } وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ خَرَجَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ { فَإِنَّ رِيحَ الْجَنَّةِ يُوجَدُ مِنْ مَسِيرَةِ أَلْفِ عَامٍ وَأَنَّهُ لَا يَجِدُهَا عَاقٌّ وَلَا قَاطِعُ رَحِمٍ وَلَا شَيْخٌ زَانٍ وَلَا جَارٌّ إزَارَهُ خُيَلَاءَ إنَّمَا الْكِبْرِيَاءُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } فِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ . ( الثَّامِنَةُ ) قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ دَخَلَ فِي قَوْمِهِ { مَنْ جَرَّ ثَوْبَهُ } الرِّجَالُ وَالنِّسَاءُ وَلِذَلِكَ سَأَلَتْ أُمُّ سَلَمَةَ عِنْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهَا فَكَيْفَ تَصْنَعُ النِّسَاءُ بِذُيُولِهِنَّ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يَصِحُّ هَذَا الْكَلَامُ ، وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ هَذَا مَمْنُوعٌ فِي الرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ : أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى جَوَازِ الْإِسْبَالِ لِلنِّسَاءٍ ( قُلْت ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْخُيَلَاءَ مُحَرَّمَةٌ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ وَإِنَّمَا سَأَلَتْ أُمُّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَمَّا تَفْعَلُهُ النِّسَاءُ لِغَيْرِ الْخُيَلَاءِ فَصَحَّ مَا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ دُخُولِ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ فَهْمُ أُمِّ سَلَمَةَ وَتَقْرِيرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهَا عَلَى ذَلِكَ فَإِنَّهُ لَوْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُنَّ لَقَالَ لَهَا لَيْسَ حُكْمُ النِّسَاءِ فِي ذَلِكَ كَحُكْمِ الرِّجَالِ وَالْإِجْمَاعُ الَّذِي نَقَلَهُ الْقَاضِي وَالنَّوَوِيُّ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْخُيَلَاءِ ( فَإِنْ قُلْت ) حَالَةُ غَيْرِ الْخُيَلَاءِ لَا تَحْرِيمَ فِيهَا كَمَا سَيَأْتِي وَالْقَاضِي قَالَ إنَّهُ مَمْنُوعٌ ( قُلْت ) لَعَلَّهُ أَرَادَ الْكَرَاهَةَ فَإِنَّ فِيهَا مَنْعًا غَيْرَ جَازِمٍ ؛ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَنْهَى عَنْ الْمَكْرُوهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( التَّاسِعَةُ ) التَّقْيِيدُ بِالْخُيَلَاءِ يَخْرُجُ مَا إذَا جَرَّهُ بِغَيْرِ هَذَا الْقَصْدِ ، وَيَقْتَضِي أَنَّهُ لَا تَحْرِيمَ فِيهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ قَوْلُ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { : إنَّ أَحَدَ شِقَّيْ ثَوْبِي يُسْتَرْخَى إلَّا أَنْ أَتَعَاهَدَ ذَلِكَ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّك لَسْت تَصْنَعُ ذَلِكَ خُيَلَاءَ } وَبَوَّبَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَابَ مَنْ جَرَّ إزَارَهُ مِنْ غَيْرِ خُيَلَاءَ ، وَأَوْرَدَ فِيهِ هَذَا الْحَدِيثَ وَحَدِيثَ أَبِي بَكْرَةَ { خَسَفَتْ الشَّمْسُ وَنَحْنُ عِنْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ يَجُرُّ ثَوْبَهُ مُسْتَعْجِلًا حَتَّى أَتَى الْمَسْجِدَ } الْحَدِيثَ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ فِي تَقْيِيدِهَا بِالْجَرِّ خُيَلَاءَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ مَخْصُوصٌ بِالْخُيَلَاءِ وَكَذَا نَصَّ الشَّافِعِيُّ عَلَى الْفَرْقِ كَمَا ذَكَرْنَا . وَأَمَّا الْقَدْرُ الْمُسْتَحَبُّ فِيمَا يُتْرَكُ إلَيْهِ طَرْفُ الْقَمِيصِ أَوْ الْإِزَارِ فَنِصْفُ السَّاقَيْنِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ { إزْرَةُ الْمُؤْمِنِ إلَى أَنْصَافِ سَاقَيْهِ لَا جُنَاحَ عَلَيْهِ فِيمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْكَعْبَيْنِ مَا أَسْفَلَ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ فِي النَّارِ } فَالْمُسْتَحَبُّ نِصْفُ السَّاقَيْنِ وَالْجَائِزُ بِلَا كَرَاهَةٍ مَا تَحْتَهُ إلَى الْكَعْبَيْنِ فَمَا نَزَلَ عَنْ الْكَعْبَيْنِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ فَإِنْ كَانَ لِلْخُيَلَاءِ فَهُوَ مَمْنُوعٌ مَنْعَ تَحْرِيمٍ ، وَإِلَّا فَمَنْعُ تَنْزِيهٍ . وَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الْمُطْلَقَةُ بِأَنَّ مَا تَحْتَ الْكَعْبَيْنِ فِي النَّارِ فَالْمُرَادُ بِهِ مَا كَانَ لِلْخُيَلَاءِ ؛ لِأَنَّهُ مُطْلَقٌ فَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى الْمُقَيَّدِ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : لَا يَجُوزُ لِرَجُلٍ أَنْ يُجَاوِزَ بِثَوْبِهِ كَعْبَيْهِ وَيَقُولَ لَا أَتَكَبَّرُ بِهِ ؛ لِأَنَّ النَّهْيَ قَدْ يَتَنَاوَلُهُ لَفْظًا ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَنَاوَلَهُ اللَّفْظُ حُكْمًا فَيَقُولُ إنِّي لَسْتُ مِمَّنْ يُسْبِلُهُ ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْعِلَّةَ لَيْسَتْ فِي فَإِنَّهُ مُخَالِفٌ لِلشَّرِيعَةِ وَدَعْوَى لَا تُسَلَّمُ لَهُ بَلْ مِنْ تَكَبُّرِهِ يُطِيلُ ثَوْبَهُ وَإِزَارَهُ فَكَذِبُهُ فِي ذَلِكَ مَعْلُومٌ قَطْعًا انْتَهَى . وَهُوَ مُخَالِفٌ لِتَقْيِيدِ الْحَدِيثِ بِالْخُيَلَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) يُسْتَثْنَى مِنْ جَرِّهٍ خُيَلَاءَ مَا إذَا كَانَ ذَلِكَ حَالَةَ الْقِتَالِ فَيَجُوزُ لِمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { : إنَّ مِنْ الْخُيَلَاءِ مَا يُحِبُّ اللَّهُ وَمِنْ الْخُيَلَاءِ مَا يُبْغِضُ اللَّهُ فَأَمَّا الْخُيَلَاءُ الَّتِي يُحِبُّ اللَّهُ فَأَنْ يَتَبَخْتَرَ الرَّجُلُ بِنَفْسِهِ عِنْدَ الْقِتَالِ } الْحَدِيثَ صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ فَالْجَرُّ خُيَلَاءَ هُنَا فِيهِ إعْزَازُ الْإِسْلَامِ وَظُهُورُهُ وَاحْتِقَارُ عَدُوِّهِ وَغَيْظُهُ بِخِلَافِ مَا فِيهِ احْتِقَارُ الْمُسْلِمِينَ وَغَيْظُهُمْ وَالِاسْتِعْلَاءُ عَلَيْهِمْ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ ، وَالْأَظْهَرُ أَيْضًا جَوَازُهُ بِلَا كَرَاهَةٍ دَفْعًا لِضَرَرٍ يَحْصُلُ لَهُ كَأَنْ يَكُونَ تَحْتَ كَعْبَيْهِ جِرَاحٌ أَوْ حَكَّةٌ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ إنْ لَمْ يُغَطِّهَا تُؤْذِهِ الْهَوَامُّ كَالذُّبَابِ وَنَحْوِهِ بِالْجُلُوسِ عَلَيْهَا وَلَا يَجِدُ مَا يَسْتُرُهَا بِهِ إلَّا رِدَاءَهُ أَوْ إزَارَهُ أَوْ قَمِيصَهُ فَقَدْ أَذِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلزُّبَيْرِ وَابْنِ عَوْفٍ فِي لُبْسِ قَمِيصِ الْحَرِيرِ مِنْ حَكَّةٍ كَانَتْ بِهِمَا وَأَذِنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَعْبٍ فِي حَلْقِ رَأْسِهِ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ لَمَّا أَذَاهُ الْقَمْلُ مَعَ تَحْرِيمِ لُبْسِ الْحَرِيرِ لِغَيْرِ عَارِضٍ وَتَحْرِيمِ حَلْقِ الرَّأْسِ لِلْمُحْرِمِ ، وَهَذَا كَمَا يَجُوزُ كَشْفُ الْعَوْرَةِ لِلتَّدَاوِي وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُبِيحَةِ لِلتَّرَخُّصِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) إنْ قُلْت فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا { لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ كَانَ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ مِنْ كِبْرٍ قَالَ رَجُلٌ إنَّ الرَّجُلَ يُحِبُّ أَنْ يَكُونَ ثَوْبُهُ حَسَنًا وَنَعْلُهُ حَسَنَةً قَالَ إنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ الْكِبْرُ بَطَرُ الْحَقِّ وَغَمْطُ النَّاسِ } فَالْجَارُّ لِثَوْبِهِ فَوْقَ الْكَعْبَيْنِ مُظْهِرًا لِلتَّجَمُّلِ بِذَلِكَ مُعْجِبًا يَحْسُنُ مَلْبَسُهُ وَنَضَارَةُ رَوْنَقِهِ لَمْ يَتَكَبَّرْ عَنْ قَبُولِ الْحَقِّ ، وَلَمْ يَحْتَقِرْ أَحَدًا فَكَيْفَ جُعِلَ كِبْرًا مَذْمُومًا ( قُلْت ) الذَّمُّ إنَّمَا وَرَدَ فِيمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ كِبْرًا بِأَنْ يَفْعَلَهُ غَيْرَ قَابِلٍ لِلنَّصِيحَةِ النَّبَوِيَّةِ وَلَا مُكْتَرِثًا بِالتَّأْدِيبِ الْإِلَهِيِّ أَوْ مُحْتَقِرًا لِمَنْ لَيْسَ عَلَى صِفَتِهِ الَّتِي رَآهَا حَسَنَةً بَهْجَةً فَإِنْ لَمْ يُوجَدْ وَاحِدٌ مِنْ الْأَمْرَيْنِ ، وَإِنَّمَا أَعْجَبَهُ رَوْنَقُهُ غَافِلًا عَنْ نِعْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ الْعُجْبُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، فَإِنْ اسْتَحْضَرَ مَعَ اسْتِحْسَانِهِ لِهَيْئَتِهِ وَإِعْجَابِهِ بِمَلْبُوسِهِ نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَخَضَعَ لَهَا فَلَيْسَ هَذَا تَكَبُّرًا وَلَا إعْجَابًا ، وَلَمْ يُرِدْ فِي الْحَدِيثِ ذَمَّهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : الذِّرَاعُ الَّذِي رَخَّصَ لِلنِّسَاءِ فِيهِ أَيْ مَا كَانَ أَوَّلُهُ مِمَّا يَلِي جِسْمَ الْمَرْأَةِ هَلْ ابْتِدَاؤُهُ مِنْ الْحَدِّ الْمَمْنُوعِ مِنْهُ الرِّجَالُ ، وَهُوَ مِنْ الْكَعْبَيْنِ أَوْ مِنْ الْحَدِّ الْمُسْتَحَبِّ ، وَهُوَ أَنْصَافُ السَّاقَيْنِ أَوْ حَدُّهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَمَسُّ الْأَرْضَ ؟ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الثَّالِثُ بِدَلِيلِ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَاللَّفْظُ لَهُ وَابْنُ مَاجَهْ قَالَتْ { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمْ تَجُرُّ الْمَرْأَةُ مِنْ ذَيْلِهَا قَالَ شِبْرًا قَالَتْ : إذًا يَنْكَشِفُ عَنْهَا قَالَ فَذِرَاعٌ لَا تَزِيدُ عَلَيْهِ } فَظَاهِرُهُ أَنَّ لَهَا أَنْ تَجُرَّ عَلَى الْأَرْضِ مِنْهُ ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ وَالِدِي أَيْضًا فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ ذِرَاعُ الْيَدِ ، وَهُوَ شِبْرَانِ بِدَلِيلِ مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ النَّاجِي عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { رَخَّصَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ شِبْرًا ، ثُمَّ اسْتَزَدْنَهُ فَزَادَهُنَّ شِبْرًا فَكُنَّ يُرْسِلْنَ إلَيْنَا فَنَذْرَعُ لَهُنَّ ذِرَاعًا } فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الذِّرَاعَ الْمَأْذُونَ لَهُنَّ فِيهِ شِبْرَانِ ، وَهُوَ الذِّرَاعُ الَّذِي تُقَاسُ بِهِ الْحُصْرُ الْيَوْمَ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ وَالِدِي أَيْضًا : قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْخُنْثَى الْمُشْكِلِ جَرُّ الذَّيْلِ وَقَدْ يُقَالُ لَمَّا كَانَ حُكْمُ عَوْرَتِهِ حُكْمَ عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ فِي الْقَدْرِ احْتِيَاطًا كَانَ حُكْمُهُ حُكْمَ الْمَرْأَةِ فِي السِّتْرِ ، وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ سِتْرَ الْعَوْرَةِ وَاجِبٌ وَقَدْ يَحْصُلُ بِغَيْرِ جَرِّ الذَّيْلِ ، وَالْمَرْأَةُ قَدْ رُخِّصَ لَهَا فِي جَرِّ الذَّيْلِ فَلَا تَبْلُغُ الرُّخْصَةُ غَيْرَهَا بَلْ حَقُّ الْخُنْثَى أَنْ يَسْتُرَ قَدْرَ عَوْرَةِ الْحُرَّةِ . وَأَمَّا تَشْبِيهُهُ بِالْمَرْأَةِ فَقَدْ يُمْنَعُ مِنْهُ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ رَجُلًا ، وَقَدْ يُقَالُ يُمْنَعُ أَيْضًا مِنْ زِيِّ الرِّجَالِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِهِ امْرَأَةً ، فَقَدْ نُهِيَ كُلٌّ مِنْهُمَا عَنْ التَّشَبُّهِ بِالْآخَرِ انْتَهَى . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) إذَا كَانَ عَلَى الْمَرْأَةِ ثَوْبَانِ فَأَكْثَرُ ، وَكُلٌّ سَاتِرٌ ، فَهَلْ يَجُوزُ أَنْ تَجُرَّ جَمِيعَ ذُيُولِهَا عَلَى الْأَرْضِ مِقْدَارَ ذِرَاعٍ أَوْ تَقْتَصِرُ عَلَى جَرِّ وَاحِدٍ مِنْهَا ؟ لِأَنَّ الرُّخْصَةَ وَرَدَتْ فِي حَقِّهِنَّ لِلسِّتْرِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِثَوْبٍ وَاحِدٍ فِيهِ احْتِمَالٌ وَالظَّاهِرُ الثَّانِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ، فَقَالَتْ النَّارُ أُوثِرْت بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ ، وَقَالَتْ الْجَنَّةُ فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَفَلُهُمْ وَغَوِيُّهُمْ ، فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْجَنَّةِ إنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِكِ مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي ، وَقَالَ لِلنَّارِ إنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِك مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا } وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ ( الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ) وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ فَقَالَتْ النَّارُ أُوثِرْت بِالْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ وَقَالَتْ الْجَنَّةُ فَمَا لِي لَا يَدْخُلُنِي إلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَفَلُهُمْ وَغَوِيُّهُمْ ؟ فَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ لِلْجَنَّةِ إنَّمَا أَنْتِ رَحْمَتِي أَرْحَمُ بِك مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي ، وَقَالَ لِلنَّارِ إنَّمَا أَنْتِ عَذَابِي أُعَذِّبُ بِك مَنْ أَشَاءُ مِنْ عِبَادِي ، وَلِكُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا مِلْؤُهَا } ، وَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَبَقِيَّةُ الْحَدِيثِ { فَأَمَّا النَّارُ فَلَا تَمْتَلِئُ حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى رِجْلَهُ فِيهَا تَقُولُ : قَطُّ قَطُّ قَطُّ فَهُنَالِكَ تَمْتَلِئُ وَيَزْوِي بَعْضُهَا إلَى بَعْضٍ وَلَا يَظْلِمُ اللَّهُ مِنْ خَلْقِهِ أَحَدًا . وَأَمَّا الْجَنَّةُ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُنْشِئُ لَهَا خَلْقًا } وَلَمْ يَذْكُرْ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذِهِ الزِّيَادَةَ لِحُصُولِ الْمَقْصُودِ مِنْ التَّبْوِيبِ بِصَدْرِ الْحَدِيثِ ، وَهُوَ الدَّلَالَةُ عَلَى ذَمِّ الْكِبْرِ وَاسْتِحْقَاقِ فَاعِلِهِ النَّارَ ؛ وَلِأَنَّهَا مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ الْمُشْكِلَةِ الْمُحْتَاجَةِ إلَى التَّأْوِيلِ وَقَدْ زَعَمَ الْإِمَامُ أَبُو بَكْرِ بْنُ فُورَكٍ أَنَّ هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ { : حَتَّى يَضَعَ اللَّهُ رِجْلَهُ } غَيْرَ ثَابِتَةٍ عِنْدَ أَهْلِ النَّقْلِ وَلَكِنْ قَدْ عَرَفْت أَنَّهُ قَدْ رَوَاهَا الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا فَهِيَ صَحِيحَةٌ وَتَأْوِيلُهَا مِنْ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّ الْمُرَادَ رِجْلُ بَعْضِ الْمَخْلُوقِينَ فَيَعُودُ الضَّمِيرُ فِي رِجْلِهِ إلَى ذَلِكَ الْمَخْلُوقِ الْمَعْلُومِ . ( الثَّانِي ) أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّ فِي الْمَخْلُوقَاتِ مَا يُسَمَّى بِهَذِهِ التَّسْمِيَةِ . ( الثَّالِثُ ) أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالرِّجْلِ الْجَمَاعَةُ مِنْ النَّاسِ كَمَا يُقَالُ رِجْلٌ مِنْ جَرَادٍ أَيْ قِطْعَةٌ مِنْهُ . ( الرَّابِعُ ) أَنَّ الْمُرَادَ بِوَضْعِ الرِّجْلِ نَوْعُ زَجْرٍ لَهَا كَمَا تَقُولُ جَعَلْته تَحْتَ رِجْلِي . ( الْخَامِسُ ) أَنَّ الرِّجْلَ قَدْ تُسْتَعْمَلُ فِي طَلَبِ الشَّيْءِ عَلَى سَبِيلِ الْجِدِّ وَالْإِلْحَاحِ كَمَا تَقُولُ : قَامَ فِي هَذَا الْأَمْرِ عَلَى رِجْلٍ وَالْمَشْهُورُ فِي أَكْثَرِ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ حَتَّى يَضَعَ فِيهَا قَدَمَهُ وَفِيهَا التَّأْوِيلَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ ، وَأَشْهَرُ مِنْهَا تَأْوِيلٌ آخَرُ أَنَّ الْمُرَادَ مَنْ قَدَّمَهُ اللَّهُ لَهَا مِنْ أَهْلِ الْعَذَابِ ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى طَرِيقَةِ التَّأْوِيلِ وَهِيَ طَرِيقَةُ جُمْهُورِ الْمُتَكَلِّمِينَ ، وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ السَّلَفِ وَطَائِفَةٌ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّمُ فِي تَأْوِيلِهَا بَلْ يُؤْمِنُ بِأَنَّهَا حَقٌّ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ ، وَلَهَا مَعْنًى يَلِيقُ بِهَا وَظَاهِرُهَا غَيْرُ مُرَادٍ ، وَذَكَرَ الْخَطَّابِيُّ أَنَّ تَرْكَ التَّأْوِيلِ إنَّمَا هُوَ فِي الصِّفَاتِ الْوَارِدَةِ فِي الْقُرْآنِ أَوْ فِي السُّنَّةِ الْمُتَوَاتِرَةِ فَأَمَّا الْوَارِدَةُ فِي أَخْبَارِ الْآحَادِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ لَهَا فِي الْقُرْآنِ أَصْلٌ ، فَإِنَّهَا تُؤَوَّلُ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ أَيْضًا حَدِيثَ تَحَاجِّ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ وَمِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ : ( تَحَاجَّتْ الْجَنَّةُ وَالنَّارُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ : هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ فِي الْجَنَّةِ وَالنَّارِ تَمْيِيزًا يُدْرِكَانِ بِهِ فَتَحَاجَّتَا وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ التَّمْيِيزُ فِيهِمَا دَائِمًا . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ : ظَاهِرُ هَذِهِ الْمُحَاجَّةِ ( أَنَّهَا لِسَانُ مَقَالٍ ) فَيَكُونُ خَزَنَةُ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا هُمْ الْقَائِلُونَ ذَلِكَ ، وَيَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ ذَلِكَ الْقَوْلَ فِيمَا شَاءَ مِنْ أَجْزَاءِ الْجَنَّةِ وَلَا يُشْتَرَطُ عَقْلًا فِي الْأَصْوَاتِ الْمُقَطَّعَةِ أَنْ يَكُونَ مَحَلُّهَا حَيًّا خِلَافًا لِمَنْ اشْتَرَطَ ذَلِكَ مِنْ الْمُتَكَلِّمِينَ وَلَوْ سَلَّمْنَا ذَلِكَ لَكَانَ مِنْ الْمُمْكِنِ بِأَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تَعَالَى فِي بَعْضِ أَجْزَاءِ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ الْجَمَادِيَّةِ حَيَاةً بِحَيْثُ يَصْدُرُ ذَلِكَ الْقَوْلُ عَنْهُ لَا سِيَّمَا ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي قَوْله تَعَالَى { وَإِنَّ الدَّارَ الْآخِرَةَ لَهِيَ الْحَيَوَانُ } إنَّ كُلَّ مَا فِي الْجَنَّةِ حَيٌّ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ ( لِسَانَ حَالٍ ) فَيَكُونُ ذَلِكَ عِبَارَةً عَنْ حَالَتَيْهِمَا وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ ( تَحَاجَّتْ ) أَيْ ( تَخَاصَمَتْ ) قَالَ فِي الصِّحَاحِ التَّحَاجُّ التَّخَاصُمُ ، قَالَ فِي الْمُحْكَمِ حَاجَّهُ نَازَعَهُ الْحُجَّةَ ، وَحَجَّهُ غَلَبَهُ عَلَى حُجَّتِهِ وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى { وَإِذْ يَتَحَاجُّونَ فِي النَّارِ } الْمُحَاجَّةُ التَّحَاوُرُ بِالْحُجَّةِ وَالْخُصُومَةِ انْتَهَى . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِتَحَاجِّ الْجَنَّةِ وَالنَّارِ تَخَاصُمُهُمَا فِي الْأَفْضَلِ مِنْهُمَا وَإِقَامَةُ كُلٍّ مِنْهُمَا الْحُجَّةَ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا ، فَاحْتَجَّتْ النَّارُ بِقَهْرِهَا لِلْمُتَكَبِّرِينَ وَالْمُتَجَبِّرِينَ وَاحْتَجَّتْ الْجَنَّةُ بِكَوْنِهَا مَأْوَى الضُّعَفَاءِ فِي الدُّنْيَا عَوَّضَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى عَنْ ضَعْفِهِمْ الْجَنَّةَ فَقَطَعَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى التَّخَاصُمَ بَيْنَهُمَا ، وَبَيَّنَ أَنَّ الْجَنَّةَ رَحْمَتُهُ أَيْ نِعْمَتُهُ عَلَى الْخَلْقِ إنْ جَعَلْت الرَّحْمَةَ صِفَةَ فِعْلٍ أَوْ أَثَرَ إرَادَةِ الْخَيْرِ بِمَنْ يَشَاءُ إنْ جَعَلْتهَا صِفَةَ ذَاتٍ ، وَأَنَّ النَّارَ عَذَابُهُ النَّاشِئُ عَنْ غَضَبِهِ وَإِرَادَةِ انْتِقَامِهِ جَلَّ وَعَلَا . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ ذَمُّ التَّكَبُّرِ وَالتَّبَخْتُرِ ، وَأَنَّ فَاعِلَ ذَلِكَ مِنْ أَهْلِ النَّارِ فَإِنْ وَصَلَ الْكِبْرُ بِالْإِنْسَانِ إلَى الْكُفْرِ لِتَكَبُّرِهِ عَنْ الْإِيمَانِ بِاَللَّهِ وَرَسُولِهِ فَهُوَ مُخَلَّدٌ فِي النَّارِ ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ إلَى ذَلِكَ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْخُلُوصِ مِنْهَا ، وَلَا يُقْطَعُ لَهُ بِدُخُولِهَا أَيْضًا بَلْ هُوَ تَحْتَ الْمَشِيئَةِ فَقَدْ يُعْفَى عَنْهُ وَلَا يَدْخُلُهَا . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ ( وَسُفْلُهُمْ ) هُوَ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْفَاءِ كَذَا ضَبَطْنَاهُ عَنْ شَيْخِنَا وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ جَمْعُ سِفْلَةٍ بِكَسْرِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ ، وَهُوَ الرَّجُلُ الْوَضِيعُ وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ صَاحِبِ الصِّحَاحِ ، وَالْعَامَّةُ تَقُولُ رَجُلٌ سِفْلَةٌ مِنْ قَوْمٍ سُفْلٍ ، وَكَذَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ ثُمَّ قَالَ وَلَيْسَ بِعَرَبِيٍّ ، وَذَلِكَ بَعْدَ أَنْ صَدَّرَا كَلَامَهُمَا بِأَنَّ السَّفِلَةَ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْفَاءِ السِّقَاطُ مِنْ النَّاسِ ، وَأَنَّهُ يُقَالُ هُوَ مِنْ السَّفَلَةِ وَلَا يُقَالُ سَفَلَةٌ ؛ لِأَنَّهُ جَمْعٌ ، ثُمَّ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَبَعْضُ الْعَرَبِ يُخَفِّفُ فَيَقُولُ فُلَانٌ مِنْ سَفَلَةِ النَّاسِ فَيَنْقُلُ كَسْرَةَ الْفَاءِ إلَى السِّينِ ، وَحَكَاهُ فِي الصِّحَاحِ عَنْ ابْنِ السِّكِّيتِ ، وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ سَفِلَةُ النَّاسِ أَيْ بِفَتْحِ السِّينِ وَكَسْرِ الْفَاءِ وَسِفْلَتُهُمْ أَيْ بِكَسْرِ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ أَسَافِلُهُمْ وَغَوْغَاؤُهُمْ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ ( وَغَوِيُّهُمْ ) كَذَا وَقَعَ فِي أَصْلِنَا أَنَّهُ بِفَتْحِ الْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ وَلَا يَظْهَرُ لَهُ هُنَا مَعْنًى وَلِهَذَا كَانَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ لَعَلَّهُ وَغَوْغَاؤُهُمْ وَكَتَبَهُ بِخَطِّهِ كَذَلِكَ عَلَى حَاشِيَةِ نُسْخَتِهِ ، وَلَعَلَّهُ تَصَحَّفَ بِقَوْلِهِمْ وَغَرْثُهُمْ ، وَهُوَ الَّذِي فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ كَمَا سَيَأْتِي وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ بَعْدَ قَوْلِهِ إلَّا ضُعَفَاءُ النَّاسِ وَسَقَطُهُمْ وَهُوَ بِفَتْحِ السِّينِ وَالْقَافِ وَهُوَ بِمَعْنَى الضُّعَفَاءِ وَالْمُحْتَقَرِينَ ، فَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ مَعْنَى الْأَوَّلِ . وَقَدْ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ الضُّعَفَاءُ جَمْعُ ضَعِيفٍ يَعْنِي بِهِ الضُّعَفَاءَ فِي أَمْرِ الدُّنْيَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ هُنَا الْفُقَرَاءَ ، وَحَمْلُهُ عَلَى الْفُقَرَاءِ أَوْلَى مِنْ حَمْلِهِ عَلَى الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ مَعْنَى الضُّعَفَاءِ مَعْنَى الْعَجَزَةِ الْمَذْكُورِينَ بَعْدُ . وَسَقَطُهُمْ جَمْعُ سَاقِطٍ وَهُوَ النَّازِلُ الْقَدْرِ ، وَهُوَ الَّذِي عُبِّرَ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَا يُؤْبَهُ لَهُ ، وَأَصْلُهُ مِنْ سَقَطِ الْمَتَاعِ وَهُوَ رَدِيئُهُ انْتَهَى . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَقِيلَ مَعْنَى الضُّعَفَاءِ هُنَا وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَهْلُ الْجَنَّةِ كُلُّ ضَعِيفٍ مُتَضَعِّفٍ أَنَّهُ الْخَاضِعُ لِلَّهِ تَعَالَى الْمُذِلُّ نَفْسَهُ لَهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ضِدَّ الْمُتَبَخْتِرِ الْمُسْتَكْبِرِ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ خُزَيْمَةَ : الضَّعِيفُ هُنَا الَّذِي يُبَرِّئُ نَفْسَهُ مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ عِشْرِينَ مَرَّةً إلَى خَمْسِينَ ، وَلَمْ يُرِدْ التَّحْدِيدَ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ اتِّصَافَهُ بِالتَّبْرِئَةِ مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوَّةِ وَاللَّجَأِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى مَتَى تَذَكَّرَ . قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْقُرْطُبِيُّ وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ مِنْ قِبَلِ الرَّأْيِ فَهُوَ مَرْفُوعٌ انْتَهَى . وَهُوَ عَجِيبٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يُقَالُ فِي الصَّحَابِيِّ لَا فِي مُطْلَقِ النَّاسِ ، وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بَعْدَ ذَلِكَ وَغَرْثُهُمْ وَرُوِيَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ حَكَاهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ فِي النُّسَخِ : ( أَحَدُهَا ) غَرَثُهُمْ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَرَاءٍ مَفْتُوحَةٍ وَثَاءٍ مُثَلَّثَةٍ قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ رِوَايَةُ الْأَكْثَرِينَ مِنْ شُيُوخِنَا وَمَعْنَاهَا أَهْلُ الْحَاجَةِ وَالْفَاقَةِ وَالْجُوعِ ، وَالْغَرَثُ الْجُوعُ . ( وَالثَّانِي ) عَجَزَتُهُمْ بِعَيْنٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ وَجِيمٍ وَزَايٍ وَتَاءٍ جَمْعُ عَاجِزٍ . ( وَالثَّالِثُ ) غِرَّتُهُمْ بِغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ مَكْسُورَةٍ وَرَاءٍ مُشَدَّدَةٍ وَتَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقُ ، قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا هُوَ الْأَشْهَرُ فِي نُسَخِ بِلَادِنَا أَيْ الْبُلْهُ الْغَافِلُونَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فَنَكٌ وَحِذْقٌ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَهُوَ نَحْوَ الْحَدِيثِ الْآخَرِ { ، أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ الْبُلْهُ } . قَالَ الْقَاضِي مَعْنَاهُ سَوَادُ النَّاسِ وَعَامَّتُهُمْ مِنْ أَهْلِ الْإِيمَانِ الَّذِينَ لَا يَفْطِنُونَ لِلشُّبَهِ فَتَدْخُلُ عَلَيْهِمْ الْفِتْنَةُ أَوْ تُدْخِلُهُمْ فِي الْبِدْعَةِ أَوْ غَيْرِهَا فَهُمْ ثَابِتُو الْإِيمَانِ صَحِيحُو الْعَقَائِدِ ، وَهُمْ أَكْثَرُ الْمُؤْمِنِينَ ، وَهُمْ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ . وَأَمَّا الْعَارِفُونَ وَالْعُلَمَاءُ الْعَامِلُونَ وَالصَّالِحُونَ الْمُتَعَبِّدُونَ فَهُمْ قَلِيلُونَ وَهُمْ أَصْحَابُ الدَّرَجَاتِ الْعُلَى انْتَهَى . وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ بَعْدَ قَوْلِهِ وَسَقَطُهُمْ ، وَعَجَزُهُمْ وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَالْجِيمِ جَمْعُ عَاجِزٍ وَمَعْنَاهُ الْعَاجِزُونَ عَنْ طَلَبِ الدُّنْيَا وَالتَّمَكُّنِ فِيهَا وَالثَّرْوَةِ وَالشَّوْكَةِ كَذَا ضَبَطَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَيَلْزَمُ عَلَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بِالتَّاءِ كَكَاتِبٍ وَكَتَبَةٍ وَحَاسِبٍ وَحَسَبَةٍ وَسُقُوطُ التَّاءِ فِي مِثْلِ هَذَا الْجَمْعِ نَادِرٌ ، وَإِنَّمَا يُسْقِطُونَهَا إذَا سَلَكُوا بِالْجَمْعِ مَسْلَكَ اسْمِ الْجِنْسِ كَمَا فَعَلُوا ذَلِكَ فِي سَقَطِهِمْ . وَصَوَابُ هَذَا اللَّفْظِ أَنْ يَكُونَ عَجَّزَهُمْ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ كَنَحْوِ شَاهِدٍ وَشُهَّدٍ ، وَكَذَلِكَ أَذْكُرُ أَنِّي قَرَأْته . وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ { سَأَلَ رَجُلٌ عَائِشَةَ هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ ؟ قَالَتْ نَعَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ ، وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ ، وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا مِنْ رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ { قُلْت لِعَائِشَةَ مَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ ؟ قَالَتْ : كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ } وَلِلتِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ { كَانَ بَشَرًا مِنْ الْبَشَرِ يُفَلِّي ثَوْبَهُ وَيَحْلِبُ شَاتَهُ وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ } . ( الْحَدِيثُ الرَّابِعُ ) وَعَنْ عُرْوَةَ قَالَ { سَأَلَ رَجُلٌ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا هَلْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ نَعَمْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْصِفُ نَعْلَهُ وَيَخِيطُ ثَوْبَهُ وَيَعْمَلُ فِي بَيْتِهِ كَمَا يَعْمَلُ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مُخْتَصَرًا { كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ { سُئِلَتْ عَائِشَةُ مَا كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْنَعُ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ كَانَ يَكُونُ فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ فَإِذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ } وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيِّ { خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ } وَفِي لَفْظٍ لَهُ { فَإِذَا سَمِعَ الْأَذَانَ خَرَجَ } وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي الشَّمَائِلِ مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ عَمْرَةَ قَالَتْ { قِيلَ لِعَائِشَةَ مَاذَا ؟ كَانَ يَعْمَلُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ قَالَتْ : كَانَ بَشَرًا مِنْ الْبَشَرِ يُفَلِّي ثَوْبَهُ وَيَحْلِبُ شَاتَهُ وَيَخْدُمُ نَفْسَهُ } . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ ( يَخْصِفُ نَعْلَهٌ ) بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ يَخْرُزُهَا طَاقَةً عَلَى الْأُخْرَى مِنْ الْخَصْفِ وَهُوَ الضَّمُّ وَالْجَمْعُ . ( الثَّالِثَةُ ) ( الْمَهْنَةُ ) بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْهَاءِ وَفَتْحِ النُّونِ وَحَكَى فِيهِ أَبُو زَيْدٍ وَالْكِسَائِيُّ وَغَيْرُهُمَا كَسْرَ الْمِيمِ أَيْضًا ، وَأَنْكَرَهُ الْأَصْمَعِيُّ وَكَانَ الْقِيَاسُ لَوْ قِيلَ مِثْلُ جِلْسَةٍ وَخِدْمَةٍ إلَّا أَنَّهُ جَاءَ عَلَى فَعْلَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ الرِّوَايَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَقَدْ تُكْسَرُ . وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيّ : وَهُوَ عِنْدَ الْإِثْبَاتِ خَطَأٌ وَحَكَى فِي الْمَشَارِقِ عَنْ شَمِرٍ أَنَّهُ أَنْكَرَ الْفَتْحَ وَصَحَّحَ الْكَسْرَ ، وَحَكَى فِي الْمُحْكَمِ الْوَجْهَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَرْجِيحٍ وَزَادَ فِيهِ لُغَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ ( إحْدَاهُمَا ) الْمَهَنَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْهَاءِ . ( وَالثَّانِيَةُ ) الْمَهِنَةُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْهَاءِ ، وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا الْخِدْمَةُ وَبِهِ جَزَمَ صَاحِبَا الصِّحَاحِ وَالنِّهَايَةِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ { فِي مِهْنَةِ أَهْلِهِ } يَعْنِي خِدْمَةَ أَهْلِهِ ، وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ أَيْ عَمَلِهِمْ وَخِدْمَتِهِمْ وَمَا يُصْلِحُهُمْ ، وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ هِيَ الْحَذْقُ بِالْخِدْمَةِ وَالْعَمَلِ . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ بَيَانُ تَوَاضُعِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالْمِهْنَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مُفَسَّرَةٌ بِمَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ مِنْ خَصْفِ نَعْلِهِ وَخِيَاطَةِ ثَوْبِهِ ، وَبِمَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فِي الشَّمَائِلِ { مِنْ فَلِّ ثَوْبِهِ وَحَلْبِ شَاتِهِ وَخِدْمَةِ نَفْسِهِ } أَمَّا خِدْمَةُ أَهْلِهِ فِي الْحَاجَاتِ الْمُخْتَصَّةِ بِهِنَّ فَهُوَ غَيْرُ مُرَادٍ فِي الْحَدِيثِ فِيمَا يَظْهَرُ وَلَا يُمْكِنُ لِأُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ السُّكُوتُ عَنْ ذَلِكَ وَالْمُوَافَقَةُ عَلَيْهِ ، وَقَدْ رَجَّحَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ فِي الزَّوْجَةِ الَّتِي يَجِبُ إخْدَامُهَا أَنَّ الزَّوْجَ لَوْ قَالَ أَنَا أَخْدُمُهَا لِتَسْقُطَ مُؤْنَةُ الْخَادِمِ عَنِّي لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ ، وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهَا تَسْتَحِي مِنْهُ وَتُعَيَّرُ بِهِ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا لَهُ ذَلِكَ وَبِهِ قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ وَاخْتَارَهُ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ وَقَالَ الْقَفَّالُ وَغَيْرُهُ لَهُ ذَلِكَ فِيمَا لَا يُسْتَحَى مِنْهُ كَغَسْلِ الثَّوْبِ وَاسْتِقَاءِ الْمَاءِ وَكَنْسِ الْبَيْتِ وَالطَّبْخِ دُونَ مَا يَرْجِعُ إلَى خِدْمَتِهَا كَصَبِّ الْمَاءِ عَلَى يَدِهَا وَحَمْلِهِ إلَى الْمُسْتَحَمِّ انْتَهَى . فَإِذَا قِيلَ مِثْلُ هَذَا فِي الْآحَادِ فَكَيْفَ فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِي الشَّمَائِلِ لِأَبِي الْحَسَنِ الضَّحَّاكِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي صِفَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مُتَوَاضِعٌ فِي غَيْرِ مَذَلَّةٍ } قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : وَفِيهِ أَنَّ الْأَئِمَّةَ وَالْعُلَمَاءَ يَتَنَاوَلُونَ خِدْمَةَ أُمُورِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ ، وَأَنَّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الصَّالِحِينَ . ( الْخَامِسَةُ ) بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ { مَنْ كَانَ فِي حَاجَةِ أَهْلِهِ فَأُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَخَرَجَ } قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ لَمَّا لَمْ يَذْكُرْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ أَزَاحَ عَنْ نَفْسِهِ هَيْئَةَ مِهْنَةٍ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَرْءَ لَهُ أَنْ يُصَلِّيَ مُشَمِّرًا ، وَكَيْفَ كَانَ مِنْ حَالَاتِهِ ؛ لِأَنَّهُ إنَّمَا يُكْرَهُ لَهُ التَّشْمِيرُ وَكَفُّ الشَّعْرِ وَالثِّيَابِ إذَا كَانَ يَقْصِدُ ذَلِكَ لِلصَّلَاةِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ : إنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يَقُومَ إلَى الصَّلَاةِ عَلَى هَيْئَةِ جُلُوسِهِ وَبِذْلَتِهِ ( قُلْت ) لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ إلَى الصَّلَاةِ بِهَيْئَتِهِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا ، وَإِنَّمَا مَقْصُودُهَا أَنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ عَنْ عَمَلِهِ وَيُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إلَّا الصَّلَاةُ الَّتِي هِيَ أَهَمُّ الْأُمُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الطِّبُّ وَالرُّقَى ) عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ وَهِيَ الشُّونِيزُ فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَادَ { مِنْ كُلِّ دَاءٍ إلَّا السَّامَ } . ( الطِّبُّ وَالرُّقَى ) ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ بُرَيْدَةَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ وَهِيَ الشُّونِيزُ فَإِنَّ فِيهَا شِفَاءً } . رَوَاهُ أَحْمَدُ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) لَمْ يُخَرِّجْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ حَدِيثَ بُرَيْدَةَ فَلِذَلِكَ اقْتَصَرَ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى عَزْوِهِ لِرِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ اتَّفَقَ الشَّيْخَانِ وَابْنُ مَاجَهْ عَلَى إخْرَاجِ هَذَا الْمَتْنِ مِنْ حَدِيثِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { إنَّ فِي الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ إلَّا السَّامَ ، وَالسَّامُ الْمَوْتُ وَالْحَبَّةُ السَّوْدَاءُ الشُّونِيزُ } لَفْظُ مُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ بَيَانُ أَنَّ قَوْلَهُ وَالسَّامُ الْمَوْتُ إلَى آخِرِهِ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَحْدَهُ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ وَحْدَهُ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَتِيقٍ عَنْ عَائِشَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ أَنَّ الْحَبَّةَ السَّوْدَاءَ هِيَ الشُّونِيزُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هُوَ الْأَشْهَرُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ هُوَ الصَّوَابُ الْمَشْهُورُ الَّذِي ذَكَرَهُ الْجُمْهُورُ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَذَكَرَ الْحَرْبِيُّ عَنْ الْحَسَنُ أَنَّهَا الْخَرْدَلُ وَحَكَى الْهَرَوِيُّ عَنْ غَيْرِهِ أَنَّهَا الْحَبَّةُ الْخَضْرَاءُ قَالَ وَالْعَرَبُ تُسَمِّي الْأَخْضَرَ أَسْوَدَ وَالْأَسْوَدَ أَخْضَرَ ، وَالْحَبَّةُ الْخَضْرَاءُ ثَمَرَةُ الْبُطْمِ أَيْ بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ : وَهُوَ شَجَرُ الضِّرْوُ ( قُلْت ) هُوَ بِكَسْرِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَآخِرُهُ وَاوٌ ، وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ : هُوَ صَمْغُ شَجَرَةٍ تُدْعَى الْكِمْكَامُ تُجْلَبُ مِنْ الْيَمَنِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ أَوْلَى مَا قِيلَ فِيهَا إنَّهَا الشُّونِيزُ لِوَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ . ( وَثَانِيهِمَا ) أَنَّهُ أَكْثَرُ مَنَافِعَ مِنْ الْخَرْدَلِ ، وَحَبُّ الضِّرْوِ مُتَعَيَّنٌ أَنْ يَكُونَ هُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ إذْ مَقْصُودُهُ الْإِخْبَارُ بِأَكْثَرِيَّةِ فَوَائِدِهِ وَمَنَافِعِهِ . ( الثَّالِثَةُ ) ( الشُّونِيزُ ) بِضَمِّ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَإِسْكَانِ الْوَاوِ وَكَسْرِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَآخِرُهُ زَايٌ مُعْجَمَةٌ كَذَا ضَبَطْنَاهُ وَرَوَيْنَاهُ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ : قَيَّدَهُ بَعْضُ مَشَايِخِنَا بِفَتْحِ الشِّينِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ بِالضَّمِّ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ ابْنِ الْأَعْرَابِيِّ أَنَّهُ قَالَ هُوَ الشَّيْنِيزُ أَيْ بِيَاءٍ بَعْدَ الشِّينِ بَدَلَ الْوَاوِ ، وَقَالَ كَذَا تَقُولُهُ الْعَرَبُ . قَالَ الْقَاضِي وَرَأَيْت غَيْرَهُ قَالَهُ الشُّونِيزُ ( قُلْت ) هِيَ كَلِمَةٌ أَعْجَمِيَّةٌ وَشَأْنُ الْعَرَبِ عِنْدَ النُّطْقِ بِمِثْلِهَا التَّلَاعُبُ بِهَا وَإِيرَادُهَا كَيْفَ اتَّفَقَ . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ الْحَضُّ عَلَى اسْتِعْمَالِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ ، وَأَنَّ فِيهَا شِفَاءً قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ذَكَرَ الْأَطِبَّاءُ فِي مَنْفَعَةِ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ الَّتِي هِيَ الشُّونِيزُ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً وَخَوَاصَّ عَجِيبَةً يُصَدِّقُهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِيهَا فَذَكَرَ جَالِينُوسُ أَنَّهَا تَحُلُّ النَّفْخَ وَتَقْتُلُ دِيدَانَ الْبَطْنِ إذَا أُكِلَتْ أَوْ وُضِعَتْ عَلَى الْبَطْنِ وَتَنْفِي الزُّكَامَ إذَا قُلِيَتْ وَصُرَّتْ فِي خِرْقَةٍ وَشُمَّتْ وَتُزِيلُ الْعِلَّةَ الَّتِي يَنْقَشِرُ مِنْهَا الْجِلْدُ ، وَتَقْلَعُ الثآليل الْمُتَعَلِّقَةَ وَالْمُنَكَّسَةَ وَالْحَبْلَانَ وَتُدِرُّ الطَّمْسَ الْمُنْحَبِسَ إذَا كَانَ انْحِبَاسُهُ مِنْ أَخْلَاطٍ غَلِيظَةٍ لَزِجَةٍ وَتَنْفَعُ الصُّدَاعَ إذَا طُلِيَ بِهَا الْجَبِينُ وَتَقْلَعُ الْبُثُورَ وَالْجَرَبَ ، وَتُحَلِّلُ الْأَوْرَامَ الْبَلْغَمِيَّةَ إذَا تُضَمَّدَ بِهَا مَعَ الْخَلِّ ، وَتَنْفَعُ مِنْ الْمَاءِ الْعَارِضِ فِي الْعَيْنِ إذَا اسْتَعَطَ بِهَا مَسْحُوقَهُ بِدُهْنٍ إلَّا بِرِشَاءٍ ، وَتَنْفَعُ مِنْ إيضَابِ النَّفَسِ ، وَيُتَمَضْمَضُ بِهَا مِنْ وَجَعِ الْأَسْنَانِ ، وَتُدِرُّ الْبَوْلَ وَاللَّبَنَ وَتَنْفَعُ مِنْ نَهْشَةِ الرُّوتِيلَا وَإِذَا بُخِّرَ بِهَا طَرَدَتْ الْهَوَامَّ . قَالَ الْقَاضِي وَقَالَ غَيْرُ جَالِينُوسَ خَاصِّيَّتُهَا إذْهَابُ حُمَّى الْبَلْغَمِ وَالسَّوْدَاءِ ، وَتَقْتُلُ حَبَّ الْقَرَعِ وَإِذَا عُلِّقَتْ فِي عُنُقِ الْمَزْكُومِ نَفَعَتْهُ وَتَنْفَعُ مِنْ حُمَّى الرِّبْعِ ( الْخَامِسَةُ ) أَطْلَقَ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ أَنَّ فِيهَا شِفَاءً وَقَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ كُلِّ دَاءٍ إلَّا السَّامَ ، وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ هَذَا مِنْ الْعَامِّ الْمَخْصُوصِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا مِنْ عُمُومِ اللَّفْظِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الْخُصُوصُ إذْ لَيْسَ يَجْتَمِعُ فِي طَبْعِ شَيْءٍ مِنْ النَّبَاتِ وَالشَّجَرِ جَمِيعُ الْقُوَى الَّتِي تُقَابِلُ الطَّبَائِعَ كُلَّهَا فِي مُعَالَجَةِ الْأَدْوَاءِ عَلَى اخْتِلَافِهَا وَتَبَايُنِ طَبَائِعِهَا ، وَإِنَّمَا أَرَادَ بِهِ شِفَاءً مِنْ كُلِّ دَاءٍ يَحْدُثُ مِنْ الرُّطُوبَةِ أَوْ الْبَلْغَمِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ حَارٌّ يَابِسٌ فَهُوَ شِفَاءٌ بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى لِلدَّاءِ الْمُقَابِلِ لَهُ فِي الرُّطُوبَةِ وَالْبُرُودَةِ ، وَذَلِكَ أَنَّ الدَّوَاءَ أَبَدًا بِالْمُضَادِّ وَالْغِذَاءَ بِالْمُشَاكِلِ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : الْعَسَلُ عِنْدَ الْأَطِبَّاءِ إلَى أَنْ يَكُونَ دَوَاءً لِكُلِّ دَاءٍ أَقْرَبُ مِنْ الْحَبَّةِ السَّوْدَاءِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ مِنْ الْأَمْرَاضِ مَا إذَا شَرِبَ صَاحِبُهُ الْعَسَلَ خَلَقَ اللَّهُ الْأَلَمَ بَعْدَهُ ، وَأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْعَسَلِ { فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ } إنَّمَا هُوَ فِي الْأَغْلَبِ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ هُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْعِلَلِ الْبَارِدَةِ عَلَى نَحْوِ مَا سَبَقَ فِي الْقِسْطِ وَهُوَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ يَصِفُ بِحَسَبِ مَا شَاهَدَهُ مِنْ غَالِبِ حَالِ الصَّحَابَةِ فِي الزَّمَنِ الَّذِي يُخَالِطُهُمْ فِيهِ ، ثُمَّ نَقَلَا عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ لَا يُبْعِدُ مَنْفَعَةَ الْحَارِّ مِنْ أَدْوَاءٍ حَارَّةٍ لِخَوَاصَّ فِيهَا فَقَدْ نَجِدُ ذَلِكَ فِي أَدْوِيَةٍ كَثِيرَةٍ فَيَكُونُ الشُّونِيزُ مِنْهَا لِعُمُومِ الْحَدِيثِ ، وَيَكُونُ اسْتِعْمَالُهُ أَحْيَانًا مُنْفَرِدًا وَأَحْيَانًا مُرَكَّبًا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ الْآخَرِ تُحْمَلُ كُلِّيَّةُ الْحَدِيثِ عَلَى عُمُومِهَا ، وَإِحَاطَتِهَا وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ الْأَدْوَاءِ شَيْءٌ إلَّا الدَّاءُ الَّذِي يَكُونُ عِنْدَ الْمَوْتِ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَكُونُ ذَلِكَ الْعُمُومُ مَحْمُولًا عَلَى الْأَكْثَرِ وَالْأَغْلَبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّدَاوِي وَهُوَ مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا وَجُمْهُورِ السَّلَفِ وَعَامَّةِ الْخَلَفِ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ التَّدَاوِيَ مِنْ غُلَاةِ الصُّوفِيَّةِ ، وَقَالَ كُلُّ شَيْءٍ بِقَضَاءٍ وَقَدَرٍ فَلَا حَاجَةَ إلَى التَّدَاوِي وَحُجَّةُ الْعُلَمَاءِ هَذَا الْحَدِيثُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : لِكُلِّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدَّاءِ أَبْرَأَهُ بِإِذْنِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ } . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ { قَالَتْ الْأَعْرَابُ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَلَا نَتَدَاوَى ؟ قَالَ نَعَمْ يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إلَّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً إلَّا دَاءً وَاحِدًا وَهُوَ الْهَرَمُ } قَالُوا وَيَجِبُ أَنْ يَعْتَقِدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْفَاعِلُ ، وَأَنَّ التَّدَاوِيَ أَيْضًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَذَا كَالْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ وَكَالْأَمْرِ بِقِتَالِ الْكُفَّارِ وَبِالتَّحْصِينِ وَمُجَانَبَةِ الْإِلْقَاءِ بِالْيَدِ إلَى التَّهْلُكَةِ مَعَ أَنَّ الْأَجَلَ لَا يَتَغَيَّرُ وَالْمَقَادِيرَ لَا تَتَقَدَّمُ وَلَا تَتَأَخَّرُ عَنْ أَوْقَاتِهَا ، وَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِ الْمُقَدَّرَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) ( قَوْلُهُ ) إلَّا السَّامَ يَقْتَضِي أَنَّ السَّامَ وَهُوَ الْمَوْتُ دَاءٌ ، وَالْمَعْرُوفُ أَنَّهُ لَيْسَ دَاءً ، وَإِنَّمَا هُوَ عَدَمٌ وَفَنَاءٌ فَيَحْتَمِلُ أَوْجُهًا : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ سَمَّاهُ دَاءً عَلَى طَرِيقِ الْمُبَالَغَةِ فَإِنَّهُ أَشَدُّ مِنْ الْمَرَضِ ؛ لِأَنَّ الْمَرَضَ دَاءٌ يُضْعِفُ وَالْمَوْتُ يُعْدِمُ . ( ثَانِيهَا ) أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْ لَكِنَّ السَّامَ لَا دَوَاءَ لَهُ كَمَا قَالَ وَدَاءُ الْمَوْتِ لَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ ، وَإِطْلَاقُ الِاسْتِثْنَاءِ عَلَى الْمُنْقَطِعِ مَجَازٌ لِعَدَمِ دُخُولِهِ فِيمَا قَبْلَهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( ثَالِثُهَا ) أَنَّهُ الْمُرَادُ بِالْمَرَضِ الَّذِي عِنْدَ الْمَوْتِ وَفَرَاغِ الْأَجَلِ فَلَا يَنْفَعُ فِيهِ الدَّوَاءُ . وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ } زَادَ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَوْ قَالَ بِمَاءِ زَمْزَمَ } شَكَّ هَمَّامٌ . ( الْحَدِيثُ الثَّانِي ) وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ الْحُمَّى مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَأَطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ قَالَ نَافِعٌ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يَقُولُ { اكْشِفْ عَنَّا الرِّجْزَ } ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ بِلَفْظِ { فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ } وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمُسْلِمٍ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ بِشْرٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ كِلَاهُمَا بِلَفْظِ { إنَّ شِدَّةَ الْحُمَّى } وَمُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الضَّحَّاكِ بْنِ عُثْمَانَ كُلُّهُمْ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ } بِفَتْحِ الْفَاءِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَآخِرُهُ حَاءٌ مُهْمَلَةٌ هُوَ شِدَّةُ حَرِّهَا وَلَهَبِهَا وَانْتِشَارِهَا ، وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى { مِنْ فَوْرِ جَهَنَّمَ } وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ : ( اللَّهُمَّ أَذْهِبْ عَنَّا الرِّجْزَ ) وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ مَجَازٌ عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ بِحَرِّ جَهَنَّمَ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَظِيرُ ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ شِدَّةَ الْحَرِّ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ } . ( الثَّالِثَةُ ) فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إثْبَاتُ ذَلِكَ لِلْحُمَّى وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { إنَّ شِدَّةَ الْحُمَّى } فَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا مِنْ بَابِ الْإِطْلَاقِ وَالتَّقْيِيدِ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْحُمَّى فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ شِدَّةُ الْحُمَّى لَا مُطْلَقُ الْحُمَّى ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَكُونَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ تَفَاوُتٌ ، وَيَكُونُ الْمُرَادُ أَنَّ الشِّدَّةَ الْحَاصِلَةَ مِنْ الْحُمَّى هِيَ مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ وَهَذَا وَصْفٌ لَازِمٌ لِلْحُمَّى إذْ لَا تَخْلُو عَنْ شِدَّةٍ وَإِنْ قَلَّتْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { : فَأَطْفِئُوهَا بِالْمَاءِ } هُوَ بِهَمْزَةٍ بِلَا خِلَافٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { فَابْرُدُوهَا } فَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَبِضَمِّ الرَّاءِ يُقَالُ بَرَدْت الْحُمَّى اُبْرُدْهَا بَرْدًا عَلَى وَزْنِ قَتَلْتهَا اُقْتُلْهَا قَتْلًا أَيْ أَسْكَنْت حَرَارَتَهَا وَأَطْفَأْت لَهَبَهَا ، هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْفَصِيحُ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَاتِ وَكُتُبِ اللُّغَةِ وَغَيْرِهَا ، وَحَكَى صَاحِبُ الْمَشَارِقِ أَنَّهُ يُقَالُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَكَسْرِ الرَّاءِ فِي لُغَةٍ وَقَدْ حَكَاهَا الْجَوْهَرِيُّ وَقَالَ هِيَ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ . ( الْخَامِسَةُ ) فِيهِ مُدَاوَاةُ الْحُمَّى بِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ وَحَكَى الْمَازِرِيُّ عَنْ بَعْضِ مَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ أَنَّهُ اعْتَرَضَ ذَلِكَ وَقَالَ : الْأَطِبَّاءُ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ اسْتِعْمَالَ الْمَحْمُومِ الْمَاءَ الْبَارِدَ مُخَاطَرَةٌ وَقَرِيبٌ مِنْ الْهَلَاكِ ؛ لِأَنَّهُ يَجْمَعُ الْمَسَامَّ وَيَحْقِنُ الْبُخَارَ الْمُتَحَلِّلَ ، وَيَعْكِسُ الْحَرَارَةَ إلَى دَاخِلِ الْجِسْمِ فَيَكُونُ سَبَبًا لِلتَّلَفِ ؛ قَالَ الْمَازِرِيُّ وَنَقُولُ فِي إبْطَالِ اعْتِرَاضِهِ إنَّ عِلْمَ الطِّبِّ مِنْ أَكْثَرِ الْعُلُومِ احْتِيَاجًا إلَى التَّفْصِيلِ حَتَّى أَنَّ الْمَرِيضَ يَكُونُ الشَّيْءُ دَوَاءَهُ فِي سَاعَةٍ ثُمَّ يَصِيرُ دَاءً لَهُ فِي السَّاعَةِ الَّتِي تَلِيهَا بِعَارِضٍ يَعْرِضُ مِنْ غَضَبٍ يُحْمِي مِزَاجَهُ فَيَتَغَيَّرُ عِلَاجُهُ ، أَوْ هَوَاءٍ يَتَغَيَّرُ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا لَا تُحْصَى كَثْرَتُهُ ، فَإِذَا وُجِدَ الشِّفَاءُ بِشَيْءٍ فِي حَالَةٍ مَا لِشَخْصٍ لَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ الشِّفَاءُ بِهِ فِي سَائِرِ الْأَحْوَالِ ، وَجَمِيعُ الْأَشْخَاصِ وَالْأَطِبَّاءِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ الْمَرَضَ الْوَاحِدَ يَخْتَلِفُ عِلَاجُهُ بِاخْتِلَافِ السِّنِّ وَالزَّمَانِ وَالْعَادَةِ وَالْغِذَاءِ الْمُتَقَدِّمِ وَالتَّأْثِيرِ الْمَأْلُوفِ وَقُوَّةِ الطِّبَاعِ فَإِذَا عَرَفْت ذَلِكَ فَنَقُولُ : إنَّ الْمُعْتَرِضَ تَقَوَّلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا لَمْ يَقُلْ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَكْثَرَ مِنْ قَوْلِهِ اُبْرُدُوهَا بِالْمَاءِ وَلَمْ يُبَيِّنْ صِفَتَهُ وَحَالَتَهُ وَالْأَطِبَّاءُ يُسَلِّمُونَ أَنَّ الْحُمَّى الصَّفْرَاوِيَّةَ يُدَبَّرُ صَاحِبُهَا بِسَقْيِ الْمَاءِ الْبَارِدِ الشَّدِيدِ الْبُرُودَةِ ، وَيَسْقُونَهُ الثَّلْجَ وَيَغْسِلُونَ أَطْرَافَهُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ فَلَا يَبْعُدُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ هَذَا النَّوْعَ مِنْ الْحُمَّى ، وَقَدْ ذَكَرَ مُسْلِمٌ هُنَا فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّهَا كَانَتْ تَأْتِي الْمَرْأَةَ الْمَوْعُوكَةَ فَتَصُبُّ الْمَاءَ فِي جَيْبِهَا وَتَقُولُ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ } فَهَذِهِ أَسْمَاءُ رَاوِيَةُ الْحَدِيثِ ، وَقُرْبُهَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْلُومٌ تَأَوَّلَتْ الْحَدِيثَ عَلَى نَحْوِ مَا قُلْنَاهُ فَلَمْ يَبْقَ لِلْمُلْحِدِ الْمُعْتَرِضِ إلَّا اخْتِرَاعُهُ الْكَذِبَ وَاعْتِرَاضُهُ بِهِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ انْتَهَى . وَأَخَذَ كَلَامَهُ هَذَا مِنْ الْخَطَّابِيِّ فَإِنَّهُ ذَكَرَهُ مُخْتَصَرًا ، فَقَالَ غَلِطَ بَعْضُ مَنْ يَنْتَسِبُ إلَى الْعِلْمِ فَانْغَمَسَ فِي الْمَاءِ لَمَّا أَصَابَتْهُ الْحُمَّى فَاحْتَقَنَتْ الْحَرَارَةُ فِي بَاطِنِ بَدَنِهِ فَأَصَابَتْهُ عِلَّةٌ صَعْبَةٌ كَادَ أَنْ يَهْلِكَ مِنْهَا ، فَلَمَّا خَرَجَ مِنْ عِلَّتِهِ قَالَ قَوْلًا فَاحِشًا لَا يَحْسُنُ ذِكْرُهُ ، وَذَلِكَ لِجَهْلِهِ بِمَعْنَى الْحَدِيثِ وَتَبْرِيدِ الْحُمَّيَاتِ الصَّفْرَاوِيَّةِ أَنْ يَسْقِيَ الْمَاءَ الصَّادِقَ الْبَرْدَ ، وَيُوضَعُ أَطْرَافُ الْمَحْمُومِ فِيهِ وَأَنْفَعُ الْعِلَاجِ وَأَسْرَعُهُ إلَى إطْفَاءِ نَارِهَا وَكَسْرِ لَهِيبِهَا فَإِنَّمَا أَمْرُنَا بِإِطْفَاءِ الْحُمَّى وَتَبْرِيدِهَا عَلَى هَذَا الْوَجْهِ دُونَ الِانْغِمَاسِ فِي الْمَاءِ وَغَطِّ الرَّأْسِ فِيهِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَسْمَاءَ الْمُتَقَدِّمَ ، وَقَالَ الْقَاضِي بَعْدَ ذِكْرِهِ حَدِيثَ أَسْمَاءَ هَذَا يَرُدُّ قَوْلَ الْأَطِبَّاءِ وَيُصَحِّحُ حُصُولَ الْبُرْءِ بِاسْتِعْمَالِ الْمَحْمُومِ الْمَاءَ ، وَأَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَا عَلَى مَا سَبَقَ مِنْ تَأْوِيلِ الْمَازِرِيِّ قَالَ : وَلَوْلَا تَجْرِبَةُ أَسْمَاءَ وَالْمُسْلِمِينَ لِمَنْفَعَتِهِ مَا اسْتَعْمَلُوهُ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بِأَنَّ الْحُمَّيَاتِ عَلَى قِسْمَيْنِ مِنْهَا مَا يَكُونُ عَنْ خَلْطِ بَارِدٍ ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ عَنْ حَارٍّ وَفِيهِ يَنْفَعُ الْمَاءُ وَهِيَ حُمَّيَاتُ الْحِجَازِ وَعَلَيْهَا خُرِّجَ كَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلُهُ حَتَّى قَالَ { صُبُّوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحَلَّلْ أَوْكِيَتُهُنَّ } فَتَبَرَّدَ وَخَفَّ حَالُهُ ، وَذَلِكَ فِي أَطْرَافِ الْبَدَنِ وَهُوَ أَنْفَعُ لَهُ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ أَنْ يُرَشَّ بَعْضُ جَسَدِ الْمَحْمُومِ أَوْ يُفْعَلَ بِهِ كَمَا كَانَتْ أَسْمَاءُ تَفْعَلُ ، فَإِنَّهَا تَأْخُذُ مَاءً يَسِيرًا تَرُشُّ بِهِ فِي جَيْبِ الْمَحْمُومِ أَوْ يُنْضَحُ بِهِ وَجْهُهُ وَيَدَاهُ وَرِجْلَاهُ ، وَيُذْكَرُ اسْمُ اللَّهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ النُّشْرَةِ الْجَائِزَةِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الطِّبِّ فَقَدْ يَنْفَعُ ذَلِكَ فِي بَعْضِ الْحُمَّيَاتِ فَإِنَّ الْأَطِبَّاءَ قَدْ سَلَّمُوا أَنَّ الْحُمَّى الصَّفْرَاوِيَّةَ يُدَبَّرُ صَاحِبُهَا بِسَقْيِ الْمَاءِ الشَّدِيدِ الْبُرُودَةِ حَتَّى يُسْقَى الثَّلْجَ ، وَتُغْسَلُ أَطْرَافُهُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ ، وَعَلَى هَذَا فَلَا بُعْدَ فِي أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَقْصُودُ بِالْحَدِيثِ ، وَلَئِنْ سَلَّمْنَا أَنَّهُ أَرَادَ جَمِيعَ جَسَدِ الْمَحْمُومِ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ اسْتِعْمَالَهُ بَعْدَ أَنْ تُقْلَعَ الْحُمَّى وَتَسْكُنَ حَرَارَتُهَا ، وَيَكُونُ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ مَخْصُوصٍ وَبِعَدَدٍ مَخْصُوصٍ فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ بَابِ الْخَوَاصِّ الَّتِي قَدْ أَطْلَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا قَدْ رَوَى قَاسِمُ بْنُ ثَابِتٍ { أَنَّ رَجُلًا شَكَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُمَّى فَقَالَ لَهُ اغْتَسِلْ ثَلَاثًا قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقُلْ بِاسْمِ اللَّهِ اذْهَبِي يَا أُمَّ مِلْدَمٍ فَإِنْ لَمْ تَذْهَبْ فَاغْتَسِلْ سَبْعًا } ( قُلْت ) وَرَوَى الْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ عَنْ سَمُرَةَ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا حُمَّ دَعَا بِقِرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ فَأَفْرَغَهَا عَلَى قَرْنِهِ فَاغْتَسَلَ } فِيهِ إسْمَاعِيلُ بْنُ مُسْلِمٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا حُمَّ أَحَدُكُمْ فَلْيَسُنَّ عَلَيْهِ مِنْ الْمَاءِ الْبَارِدِ فِي السَّحَرِ ثَلَاثَ لَيَالٍ } . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ فِيهِ جَهَالَةٌ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْمُرَقَّعِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { إنَّ الْحُمَّى رَائِدُ الْمَوْتِ وَهِيَ سِجْنُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ فَبَرِّدُوا لَهَا الْمَاءَ فِي الشِّنَانِ وَصُبُّوهُ عَلَيْكُمْ فِيمَا بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ أَذَانِ الْمَغْرِبِ وَأَذَانِ الْعِشَاءِ فَفَعَلُوا فَذَهَبَتْ عَنْهُمْ } . وَذَكَرَ حَدِيثًا وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سَعْدٍ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الشَّامِ قَالَ حَدَّثَنَا ثَوْبَانُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا أَصَابَ أَحَدَكُمْ الْحُمَّى فَإِنَّ الْحُمَّى قِطْعَةٌ مِنْ النَّارِ فَلْيُطْفِئْهَا عَنْهُ بِالْمَاءِ فَلْيَسْتَنْقِعْ فِي مَاءٍ جَارٍ ، وَلْيَسْتَقْبِلْ جِرْيَتَهُ فَيَقُولُ بِاسْمِ اللَّهِ اشْفِ عَبْدَك وَصَدِّقْ رَسُولَك بَعْدَ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَلْيَنْغَمِسْ فِيهِ ثَلَاثَ غَمَسَاتٍ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي ثَلَاثٍ فَخَمْسٌ فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي خَمْسٍ فَسَبْعٌ فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي سَبْعٍ فَتِسْعٌ فَإِنَّهَا لَا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعًا بِإِذْنِ اللَّهِ تَعَالَى } قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ( قُلْت ) وَسَعِيدٌ هَذَا هُوَ ابْنُ زُرْعَةَ الشَّامِيُّ الْحِمْصِيُّ الْجَزَّارُ قَالَ أَبُو حَاتِمٍ مَجْهُولٌ لَكِنْ رَوَى عَنْهُ مَرْزُوقٌ الشَّامِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ هَمَّامٍ وَذَكَرَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ وَسَمِعْت وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ غَيْرَ مَرَّةٍ يَحْكِي أَنَّهُ فِي شَبَابِهِ أَصَابَتْهُ حُمَّى ، وَأَنَّهُ ذَهَبَ إلَى النِّيلِ فَاسْتَقْبَلَ جِرْيَةَ الْمَاءِ وَانْغَمَسَ فِيهِ فَأَقْلَعَتْ عَنْهُ الْحُمَّى ، وَلَمْ تَعُدْ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَقَدْ تُوُفِّيَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَلِي مِنْ الْعُمْرِ أَكْثَرُ مِنْ ثَلَاثٍ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَلَمْ أُفَارِقْهُ إلَّا مُدَّةَ إقَامَتِهِ بِالْمَدِينَةِ الشَّرِيفَةِ وَهِيَ ثَلَاثُ سِنِينَ وَمُدَّةَ رِحْلَتِي إلَى الشَّامِ وَهِيَ دُونَ ثَلَاثَةِ أَشْهُرٍ فَلَمْ أَرَهُ حُمَّ قَطُّ حَتَّى وَلَا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ إنَّمَا كَانَ يَشْكُو انْحِطَاطَ قُوَاهُ ، وَكَانَ قَدْ جَاوَزَ إحْدَى وَثَمَانِينَ سَنَةً وَذَلِكَ لِحُسْنِ مَقْصِدِهِ وَامْتِثَالِهِ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِجِدٍّ وَتَصْدِيقٍ وَحُسْنِ نِيَّةٍ رَحِمَهُ اللَّهُ وَرِضًى عَنْهُ . ( السَّادِسَةُ ) رَوَى الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ هَمَّامٍ وَهُوَ ابْنُ يَحْيَى عَنْ أَبِي حَمْزَةَ الضُّبَعِيِّ قَالَ كُنْت أُجَالِسُ ابْنَ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِمَكَّةَ وَأَخَذَتْنِي الْحُمَّةُ ، فَقَالَ اُبْرُدْهَا عَنْك بِمَاءِ زَمْزَمَ { فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إنَّهَا مِنْ فَيْحِ جَهَنَّمَ فَابْرُدُوهَا بِالْمَاءِ أَوْ بِمَاءِ زَمْزَمَ } شَكَّ هَمَّامٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَدْ رَوَى مِنْ غَيْرِ هَذَا الطَّرِيقِ فَأَبْرِدُوهَا بِمَاءِ زَمْزَمَ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ مِنْ نَاحِيَةِ التَّبَرُّكِ بِهِ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَاءِ زَمْزَمَ { إنَّهَا طَعَامُ طُعْمٍ وَشِفَاءُ سَقَمٍ } . ( السَّابِعَةُ ) حَكَى الْخَطَّابِيُّ أَنَّهُ بَلَغَهُ عَنْ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ مَعْنَى قَوْلِهِ { فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ } أَيْ تَصَدَّقُوا بِالْمَاءِ عَنْ الْمَرِيضِ يَشْفِهِ اللَّهُ لِمَا رُوِيَ { إنَّ أَفْضَلَ الصَّدَقَةِ سَقْيُ الْمَاءِ } انْتَهَى . وَهُوَ شُذُوذٌ وَمُخَالَفَةٌ لِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَلِصَرِيحِ بَقِيَّةِ الْأَحَادِيثِ ، وَلِمَا فَهِمَتْهُ رَاوِيَةُ الْحَدِيثِ أَسْمَاءُ بِنْتُ الصِّدِّيقِ وَرَاوِيهِ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ عُرْوَةَ أَوْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ { صُبُّوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحَلَّلْ أَوْكِيَتُهُنَّ لَعَلِّي أَسْتَرِيحُ فَأَعْهَدَ إلَى النَّاسِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَأَجْلَسْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ مِنْ نُحَاسٍ وَسَكَبْنَا عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ ثُمَّ خَرَجَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَهُوَ عِنْدَ النَّسَائِيّ فِي الْكُبْرَى مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَكَذَا رَوَاهُ الدَّارِمِيُّ فَقَالَ { صُبُّوا عَلَيَّ سَبْعَ قِرَبٍ مِنْ سَبْعِ آبَارٍ شَتَّى } . ( الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ) وَعَنْ عُرْوَةَ أَوْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ صُبُّوا عَلَيَّ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ لَمْ تُحَلَّلْ أَوْكِيَتُهُنَّ لِعَلِيٍّ أَسْتَرِيحُ فَأَعْهَدَ إلَى النَّاسِ ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَأَجْلَسْنَاهُ فِي مِخْضَبٍ لِحَفْصَةَ مِنْ نُحَاسٍ وَسَكَبْنَا عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتَّى طَفِقَ يُشِيرُ إلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ ثُمَّ خَرَجَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَهُوَ عِنْدَ النَّسَائِيّ فِي الْكُبْرَى مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ " . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ النَّسَائِيُّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ مِنْ غَيْرِ شَكٍّ ، وَذَلِكَ يُرَجِّحُ الْجَزْمَ بِهِ ، فَإِنَّ مَنْ ضَبَطَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَضْبِطْ ، وَيُفْهَمُ أَنَّ الشَّكَّ مِنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ صَالِحٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ مَعِينٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَعْمَرٍ قَالَ قَالَ الزُّهْرِيُّ : فَذَكَرَهُ وَالْمَتْنُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ فِي عِدَّةِ مَوَاضِعَ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَفِي بَعْضِهَا بَعْدَ قَوْلِهِ ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى النَّاسِ فَصَلَّى لَهُمْ وَخَطَبَهُمْ . ( الثَّانِيَةُ ) قَالَ الْمُهَلَّبُ شَارِحُ الْبُخَارِيِّ إنَّمَا أَمَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنْ يُهْرَاقَ عَلَيْهِ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ عَلَى وَجْهِ التَّدَاوِي كَمَا صَبَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ وُضُوءَهُ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ ، وَكَمَا أَمَرَ الْمُعَيَّنَ أَنْ يَغْتَسِلَ بِهِ وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ بَعْضُ مَنْ غَلِطَ ، فَزَعَمَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اغْتَسَلَ مِنْ إغْمَائِهِ وَذَكَرَ عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ نَصْرٍ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ قَالَ عَلَى الْمُغْمَى عَلَيْهِ الْغُسْلُ . وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ عَلَيْهِ الْغُسْلُ إذَا طَالَ ذَلِكَ بِهِ ، وَالْعُلَمَاءُ مُتَّفِقُونَ غَيْرُ هَؤُلَاءِ أَنَّ مَنْ أُغْمِيَ عَلَيْهِ فَلَا غُسْلَ عَلَيْهِ إلَّا أَنْ يَجْنُبَ انْتَهَى . وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُغْمَى عَلَيْهِ إذَا أَفَاقَ الِاغْتِسَالُ ، وَلَكِنْ إذًا الِاغْتِسَالُ لَمْ يَكُنْ سَبَبُهُ إغْمَاءً ، وَإِنَّمَا كَانَ مَقْصُودُهُ بِهِ النَّشَاطَ وَالْقُوَّةَ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ { لَعَلِّي أَسْتَرِيحُ } . ( الثَّالِثَةُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : يُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ خَصَّ السَّبْعَ مِنْ الْعَدَدِ تَبَرُّكًا ؛ لِأَنَّ لَهُ شَأْنًا فِي كَثِيرٍ مِنْ الْأَعْدَادِ فِي مُعْظَمِ الْخَلِيقَةِ وَبَعْضِ أُمُورِ الشَّرِيعَةِ ، وَكَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ قَصْدُهُ إلَى سَبْعِ قِرَبٍ تَبَرُّكًا بِهَذَا الْعَدَدِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ كَثِيرًا مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ سَبْعًا سَبْعًا . ( قُلْت ) وَالظَّاهِرُ أَنَّ لِذَلِكَ مَدْخَلًا فِي الطِّبِّ وَمِنْهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ تَصَبَّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَضُرَّهُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ سُمٌّ وَلَا سِحْرٌ } وَمِنْهُ تَكْرِيرُ عَائِدِ الْمَرِيضِ الدُّعَاءَ لَهُ بِالشِّفَاءِ سَبْعَ مَرَّاتٍ ، وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ مِنْ طَرِيقِ قَاسِمِ بْنِ ثَابِتٍ { فَإِنْ لَمْ تَذْهَبْ فَاغْتَسِلْ سَبْعًا } وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ : وَإِنَّمَا اشْتَرَطَ أَنْ لَا تَكُونَ حُلَّتْ أَوْكِيَتُهُنَّ لِطَهَارَةِ الْمَاءِ ، وَهُوَ أَنْ لَا تَكُونَ الْأَيْدِي خَالَطَتْهُ وَمَرَسَتْهُ ، وَأَوَّلُ الْمَاءِ أَطْهَرُهُ وَأَصْفَاهُ ( قُلْت ) وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِذَلِكَ تَكْثِيرَ الْمَاءِ ، وَأَنْ تَكُونَ الْقِرَبُ السَّبْعُ مَلْأَى لَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُنَّ شَيْءٌ وَلَمْ يَنْقُصْنَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) الْأَوْكِيَةُ جَمْعُ وِكَاءٍ بِكَسْرِ الْوَاوِ وَهُوَ مَا يُرْبَطُ بِهِ رَأْسُ السِّقَاءِ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ { فَأَعْهَدَ إلَى النَّاسِ } أَيْ أُوصِيهِمْ وَمِنْ مَعَانِي الْعَهْدِ الْوَصِيَّةُ وَيَجُوزُ فِي هَذَا الْفِعْلِ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ كَمَا قُرِئَ بِذَلِكَ فِي قَوْله تَعَالَى { لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعُ } قَرَأَ الْجُمْهُورُ بِالرَّفْعِ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ بِالنَّصْبِ ، وَلِهَذَا قَالَ الْفَرَّاءُ يَجُوزُ النَّصْبُ بِأَنْ مُضْمَرَةٍ بَعْدَ الْفَاءِ فِي جَوَابِ التَّرَجِّي كَجَوَابِ التَّمَنِّي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { يَا لَيْتَنِي كُنْت مَعَهُمْ فَأَفُوزَ } . ( السَّابِعَةُ ) ( الْمِخْضَبُ ) بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَآخِرُهُ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ : الرَّكْوَةُ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ وَالْمُحْكَمِ : شَبَهُ الرَّكْوَةِ وَهِيَ الْأَجَانَةُ الَّتِي يُغْسَلُ فِيهَا الثِّيَابُ وَيُقَالُ لَهَا الْقَصْرِيَّةُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ شَبَهُ الْأَجَانَةِ يُغْسَلُ فِيهَا الثِّيَابُ . ( الثَّامِنَةُ ) الْمِخْضَبُ قَدْ يَكُونُ مِنْ حِجَارَةٍ وَمِنْ صُفْرٍ ، وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ التَّصْرِيحُ بِذِكْرِ جِنْسِهِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ أَنَّهُ مِنْ نُحَاسٍ فَفِيهِ جَوَازُ اسْتِعْمَالِ آنِيَةِ النُّحَاسِ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِي طَسْتٍ ، وَعَنْ أَنَسٍ مِثْلُهُ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ رَأَيْت عُثْمَانَ يَصُبُّ عَلَيْهِ مِنْ إبْرِيقٍ ، وَهُوَ يَتَوَضَّأُ قَالَ وَمَا عَلِمْت أَحَدًا كَرِهَ النُّحَاسَ وَالرَّصَاصَ وَشَبَهَهُ إلَّا ابْنَ عُمَرَ فَإِنَّهُ كَرِهَ الْوُضُوءَ فِي الصُّفْرِ ، وَكَانَ يَتَوَضَّأُ فِي حَجَرٍ أَوْ خَشَبٍ أَوْ أَدَمٍ . وَرُوِيَ عَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ قَالَ " نُهِيتُ أَنْ أَتَوَضَّأَ بِالنُّحَاسِ " وَفِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأُسْوَةُ الْحَسَنَةُ وَالْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ . وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ ذَكَرْت لِعَطَاءٍ كَرَاهِيَةَ ابْنِ عُمَرَ لِلصُّفْرِ فَقَالَ إنَّا نَتَوَضَّأُ بِالنُّحَاسِ وَمَا نَكْرَهُ مِنْهُ شَيْئًا إلَّا رَائِحَتَهُ فَقَطْ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَقَدْ وَجَدْت عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ تَوَضَّأَ فِيهِ ، فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ عَنْهُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ وَمَا عَلَيْهِ النَّاسُ ، وَقَالَ بَعْضُ النَّاسِ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ كَرَاهَةُ ابْنِ عُمَرَ لِلنُّحَاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لَمَّا كَانَ جَوْهَرًا مُسْتَخْرَجًا مِنْ مَعَادِنِ الْأَرْضِ شُبِّهَ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ فَكَرِهَهُ لِنَهْيِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الشُّرْبِ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ أَجَازُوا الْوُضُوءَ فِي آنِيَةِ الْفِضَّةِ وَهُمْ يَكْرَهُونَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ فِيهَا انْتَهَى . ( التَّاسِعَةُ ) وَفِيهِ اسْتِعْمَالُ الرَّجُلِ مَتَاعَ امْرَأَتِهِ بِرِضَاهَا وَأَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَوْلُهُ { طَفِقَ يُشِيرُ إلَيْنَا أَنْ قَدْ فَعَلْتُنَّ } أَيْ كَرَّرَ ذَلِكَ وَوَاصَلَهُ ، وَهُوَ مِنْ أَفْعَالِ الشُّرُوعِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ طَفِقَ يَفْعَلُ كَذَا إذَا وَاصَلَ الْفِعْلَ انْتَهَى . وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ حَصَلَ الْمَقْصُودُ وَامْتِثَالُ الْأَمْرِ فَلَا حَاجَةَ لِزِيَادَةٍ عَلَى ذَلِكَ ، وَفِيهِ الْعَمَلُ بِالْإِشَارَةِ فِي مِثْلِ هَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) فِي رِوَايَةِ الدَّارِمِيِّ فِي مُسْنَدِهِ { مِنْ سَبْعِ آبَارٍ شَتَّى } أَيْ مُتَفَرِّقَةٍ وَهَذِهِ زِيَادَةٌ عَلَى رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا مُعَيَّنَةٌ ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا غَيْرُ مُعَيَّنَةٍ ، وَإِنَّمَا يُرَادُ تَفَرُّقُهَا خَاصَّةً فَعَلَى الْأُولَى فِي تِلْكَ الْآبَارِ الْمُعَيَّنَةِ خُصُوصِيَّةٌ لَيْسَتْ فِي غَيْرِهَا وَعَلَى الثَّانِي الْخُصُوصِيَّةُ فِي تَفَرُّقِهَا ، الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ . وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ إنَّ الْآبَارَ الَّتِي كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ مِنْهَا وَيَغْتَسِلُ وَيَشْرَبُ مِنْ مَائِهَا سَبْعَةٌ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي تَخْرِيجِ أَحَادِيثِ الْإِحْيَاءِ وَهِيَ بِئْرُ رَيْسٍ وَبِئْرُ حَاءٍ وَبِئْرُ رُومَةَ وَبِئْرُ غَرْسٍ وَبِئْرُ بُضَاعَةَ وَبِئْرُ الْبَصَّةِ وَبِئْرُ السُّقْيَا أَوْ بِئْرُ جَمَلٍ ثُمَّ بَسَطَ ذَلِكَ وَذَكَرَ الْأَحَادِيثَ الدَّالَّةَ عَلَيْهِ فَجَزَمَ بِالسِّتَّةِ الْأُولَى مِنْهَا ، وَتَرَدَّدَ فِي السَّابِعَةِ هَلْ هِيَ بِئْرُ السُّقْيَا أَوْ بِئْرُ جَمَلٍ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا أَنَا مِتُّ فَاغْسِلُونِي بِسَبْعِ قِرَبٍ مِنْ بِئْرِي بِئْرِ غَرْسٍ } . وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْفِثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْمَرَضِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ } . ( الْحَدِيثُ الرَّابِعُ ) وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْفِثُ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْمَرَضِ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ بِالْمُعَوِّذَاتِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَزَادَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ { فَلَمَّا ثَقُلَ كُنْت أَنَا أَنْفِثُ عَلَيْهِ بِهِنَّ وَأَمْسَحُ بِيَدِ نَفْسِهِ لِبَرَكَتِهَا ، فَسَأَلْت ابْنَ شِهَابٍ كَيْفَ كَانَ يَنْفِثُ قَالَ يَنْفِثُ عَلَى يَدَيْهِ ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ } وَأَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ خَلَا التِّرْمِذِيَّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَالشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَمُسْلِمٍ وَحْدَهُ مِنْ طَرِيقِ زِيَادِ بْنِ سَعْدٍ كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ أَنْ يَرْقِيَ الْمَرِيضُ نَفْسَهُ بِالْمُعَوِّذَاتِ لِبَرَكَتِهَا وَحُصُولِ الشِّفَاءِ بِهَا ( فَإِنْ قُلْت ) : كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الَّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ { لَا يَرْقُونَ وَلَا يَسْتَرِقُونَ وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ } فَإِنَّ ظَاهِرَهُ مُنَافَاةُ ذَلِكَ لِلتَّوَكُّلِ وَالْأَكْمَلِ ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْمَلُ الْخَلْقِ حَالًا وَأَعْظَمُهُمْ تَوَكُّلًا ، وَلَمْ يَزَلْ حَالُهُ فِي ازْدِيَادٍ إلَى أَنْ قُبِضَ وَقَدْ رَقَى نَفْسَهُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ ؟ ( قُلْت ) : الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الرُّقَى الَّتِي وَرَدَ الْمَدْحُ فِي تَرْكِهَا هِيَ الَّتِي مِنْ كَلَامِ الْكُفَّارِ وَالرُّقَى الْمَجْهُولَةُ وَاَلَّتِي بِغَيْرِ الْعَرَبِيَّةِ ، وَمَا لَا يُعْرَفُ مَعْنَاهُ فَهَذِهِ مَذْمُومَةٌ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهَا كُفْرًا أَوْ قَرِيبًا مِنْهُ أَوْ مَكْرُوهًا . وَأَمَّا الرُّقَى الَّتِي بِآيَاتِ الْقُرْآنِ وَبِالْأَذْكَارِ الْمَعْرُوفَةِ فَلَا نَهْيَ فِيهَا بَلْ هِيَ سُنَّةٌ . ( ثَانِيهِمَا ) أَنَّ الْمَدْحَ فِي تَرْكِ الرُّقَى لِلْأَفْضَلِيَّةِ وَبَيَانِ التَّوَكُّلِ وَمَا فَعَلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ الرُّقَى أَوْ أَذِنَ فِيهِ فَإِنَّمَا هُوَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ مَعَ أَنَّ تَرْكَهَا أَفْضَلُ فِي حَقِّنَا ، وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَحَكَاهُ عَنْ طَائِفَةٍ قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَالْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ قَالَ وَقَدْ نَقَلُوا الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ الرُّقَى بِالْآيَاتِ وَأَذْكَارِ اللَّهِ تَعَالَى قَالَ الْمَازِرِيُّ جَمِيعُ الرُّقَى جَائِزَةٌ إذَا كَانَتْ بِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِذِكْرِهِ وَمَنْهِيٌّ عَنْهَا إذَا كَانَتْ بِاللُّغَةِ الْعَجَمِيَّةِ أَوْ بِمَا لَا يُدْرَى مَعْنَاهُ لِجَوَازِ أَنْ يَكُونَ فِيهِ كُفْرٌ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { اعْرِضُوا عَلَيَّ رُقَاكُمْ لَا بَأْسَ بِالرُّقَى مَا لَمْ يَكُنْ فِيهَا شِرْكٌ } . وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك نَهَيْت عَنْ الرُّقَى } فَأَجَابَ الْعُلَمَاءُ عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ : ( أَحَدُهُمَا ) كَانَ نَهَى أَوَّلًا ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَأَذِنَ فِيهَا وَفَعَلَهَا وَاسْتَقَرَّ الشَّرْعُ عَلَى الْإِذْنِ وَ ( الثَّانِي ) أَنَّ النَّهْيَ عَنْ الرُّقَى الْمَجْهُولَةِ كَمَا سَبَقَ ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّ النَّهْيَ لِقَوْمٍ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ مَنْفَعَتَهَا وَتَأْثِيرَهَا بِطَبْعِهَا كَمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَزْعُمُهُ فِي أَشْيَاءَ كَثِيرَةٍ . ( الثَّالِثَةُ ) ( الْمُعَوِّذَاتُ ) بِكَسْرِ الْوَاوِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَيَعْنِي بِهَا { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ } وَ { قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ النَّاسِ } وَنَحْوَ قَوْله تَعَالَى { وَقُلْ رَبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِك رَبِّ أَنْ يَحْضُرُونِ } ( قُلْت ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُعَوِّذَتَانِ مَعَ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } وَأَطْلَقَهَا عَلَيْهَا اسْمَهُمَا عَلَى طَرِيقِ التَّغْلِيبِ بِدَلِيلِ أَنَّ لَفْظَ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ نَفَثَ فِي كَفَّيْهِ بِقِلِّ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ وَبِالْمُعَوِّذَتَيْنِ جَمِيعًا ، ثُمَّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَمَا بَلَغَتْ يَدَاهُ مِنْ جَسَدِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ فَلَمَّا اشْتَكَى كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ } قَالَ يُونُسُ كُنْت أَرَى ابْنَ شِهَابٍ يَصْنَعُ ذَلِكَ إذَا آوَى إلَى فِرَاشِهِ ، وَالْحَدِيثُ وَاحِدٌ وَطُرُقُهُ يُفَسِّرُ بَعْضُهَا بَعْضًا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالْمُعَوِّذَاتِ سُورَتَا الْفَلَقِ وَالنَّاسِ خَاصَّةً ، وَعَبَّرَ بِلَفْظِ الْجَمْعِ لِاشْتِمَالِهِمَا عَلَى تَعَاوِيذَ مُتَعَدِّدَةٍ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ تَخْصِيصُهُ بِالْمُعَوِّذَاتِ لِشُمُولِهَا الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ أَكْثَرِ الْمَكْرُوهَاتِ مِنْ شَرِّ السَّوَاحِرِ النَّفَّاثَاتِ وَمِنْ شَرِّ الْحَاسِدِينَ وَوَسْوَسَةِ الشَّيَاطِينِ وَشَرِّ شِرَارِ النَّاسِ وَشَرِّ كُلِّ مَا خَلَقَ وَشَرِّ كُلِّ مَا جَمَعَهُ اللَّيْلُ مِنْ الْمَكَارِهِ وَالطَّوَارِقِ انْتَهَى . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ ( يَنْفِثُ ) بِكَسْرِ الْفَاءِ وَبِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَالنَّفْثُ نَفْخٌ لَطِيفٌ بِلَا رِيقٍ عَلَى الْمَشْهُورِ فَفِيهِ اسْتِحْبَابُ النَّفْثِ فِي الرُّقْيَةِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى جَوَازِهِ وَاسْتَحَبَّهُ الْجُمْهُورُ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ ، قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَأَنْكَرَ جَمَاعَةٌ النَّفْثَ وَالتُّفْلَ فِي الرُّقَى وَأَجَازُوا فِيهِ النَّفْخَ بِلَا رِيقٍ ، قَالَ : وَهَذَا الْمَذْهَبُ وَالْفَرْقُ إنَّمَا يَجِيءُ عَلَى قَوْلٍ ضَعِيفٍ إنَّ النَّفْثَ مَعَهُ رِيقٌ قَالَ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي النَّفْثِ وَالتُّفْلِ فَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَلَا يَكُونَانِ إلَّا بِرِيقٍ . وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ يُشْتَرَطُ فِي التُّفْلِ رِيقٌ يَسِيرٌ وَلَا يَكُونُ فِي النَّفْثِ وَقِيلَ عَكْسُهُ قَالَ { وَسُئِلَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ نَفْثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّقْيَةِ فَقَالَتْ كَمَا يَنْفِثُ آكِلُ الزَّبِيبِ } قَالَ بَعْضُ شُيُوخِنَا : وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ يَكْفِي الْيَسِيرُ مِنْ الرِّيقِ وَلَيْسَ كَمَا قَالَ ؛ لِأَنَّ نَافِثَ الزَّبِيبِ لَا بُزَاقَ مَعَهُ وَلَا اعْتِبَارَ بِمَا يَخْرُجُ عَلَيْهِ مِنْ بَلِّهِ وَلَا يَقْصِدُ ذَلِكَ وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ الَّذِي رَقَى بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ فَجَعَلَ يَجْمَعُ بُزَاقَهُ وَيَتْفُلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فَائِدَةُ التُّفْلِ التَّبَرُّكُ بِتِلْكَ الرُّطُوبَةِ أَوْ الْهَوَاءِ أَوْ النَّفَسِ الْمُبَاشِرِ لِلرُّقْيَةِ وَالذِّكْرِ الْحَسَنِ وَالدُّعَاءِ وَالْكَلَامِ الطَّيِّبِ كَمَا يُتَبَرَّكُ بِغُسَالَةِ مَا يُكْتَبُ مِنْ الذِّكْرِ وَالْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى فِي النُّشُرِ ، وَقَدْ يَكُونُ عَلَى وَجْهِ التَّفَاؤُلِ بِزَوَالِ ذَلِكَ الْأَلَمِ عَنْ الْمَرِيضِ وَانْفِصَالِهِ عَنْهُ كَانْفِصَالِ ذَلِكَ النَّفْثِ عَنْهُ فِي الرَّاقِي وَقَدْ كَانَ مَالِكٌ يَنْفِثُ إذَا رَقَى نَفْسَهُ وَكَانَ يَكْرَهُ الرُّقْيَةَ بِالْحَدِيدَةِ وَالْمِلْحِ ، وَاَلَّذِي يُعْقَدُ وَاَلَّذِي يَكْتُبُ خَاتَمَ سُلَيْمَانَ وَكَانَ الْعَقْدُ عِنْدَهُ أَشَدَّ كَرَاهَةٍ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُشَابَهَةِ السَّحَرَةِ كَأَنَّهُ تَأَوَّلَ قَوْله تَعَالَى { النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ } . ( السَّادِسَةُ ) إنْ قُلْت كَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى نَفْسِهِ وَفِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ { فَلَمَّا اشْتَكَى كَانَ يَأْمُرُنِي أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ بِهِ } ( قُلْت ) كَانَ فِعْلُهُ ذَلِكَ بِنَفْسِهِ فِي ابْتِدَاءِ الْمَرَضِ وَفِعْلُهَا ذَلِكَ بَعْدَ اشْتِدَادِ الْمَرَضِ كَمَا بُيِّنَ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورَةِ فِي الْوَجْهِ الْأَوَّلِ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ بَابٌ فِي الْمَرْأَةِ تَرْقِي الرَّجُلَ . ( السَّابِعَةُ ) وَقَوْلُهَا { فِي الْمَرَضِ } الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ لَمْ تُرِدْ بِهِ تَقْيِيدَ ذَلِكَ بِحَالَةِ الْمَرَضِ ، وَأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَفْعَلُهُ فِي الصِّحَّةِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَتْ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي آخِرِ حَيَاتِهِ وَفِي أَكْمَلِ أَحْوَالِهِ وَأَفْضَلِهَا ، وَأَنَّهُ لَمْ يَنْسَخْ ذَلِكَ شَيْءٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ذُكِرَ فِي أَحَادِيثِ مُسْلِمٍ كُلِّهَا أَنَّ الرُّقْيَةَ إنَّمَا جَاءَتْ بَعْدَ الشَّكْوَى وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ فَحَكَى الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ ثُمَّ حَكَى عَنْ بَعْضِهِمْ الْقَوْلَ بِهِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ كَثِيرُونَ أَوْ الْأَكْثَرُونَ بِجَوَازِ الِاسْتِرْقَاءِ لِلصَّحِيحِ لِمَا يَخَافُ أَنْ يَغْشَاهُ مِنْ الْمَكْرُوهَاتِ وَالْهَوَامِّ وَدَلِيلُهُ أَحَادِيثُ مِنْهَا حَدِيثُ عَائِشَةَ هَذَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْعَيْنُ حَقٌّ وَنَهَى عَنْ الْوَشْمِ } وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { الْعَيْنُ حَقٌّ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا } ( الْحَدِيثُ الْخَامِسُ ) وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْعَيْنُ حَقٌّ وَنَهَى عَنْ الْوَشْمِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ وَلَمْ يَذْكُرْ فِيهِ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالْجُمْلَةُ الثَّانِيَةُ وَهِيَ قَوْلُهُ { وَنَهَى عَنْ الْوَشْمِ } وَرَوَى مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { الْعَيْنُ حَقٌّ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ ، وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا } وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ الْعَيْنُ حَقٌّ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { الْعَيْنُ حَقٌّ } أَيْ الْإِصَابَةُ بِالْعَيْنِ حَقٌّ أَيْ ثَابِتٌ مَوْجُودٌ قَالَ الْمَازِرِيُّ أَخَذَ الْجُمْهُورُ مِنْ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَأَنْكَرَهُ طَوَائِفُ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى فَسَادِ قَوْلِهِمْ أَنَّ كُلَّ مَعْنًى لَيْسَ بِمُحَالٍ فِي نَفْسِهِ وَلَا يُؤَدِّي إلَى قَلْبِ حَقِيقَةٍ وَلَا إفْسَادِ دَلِيلٍ فَإِنَّهُ مِنْ مُجَوَّزَاتِ الْعُقُولِ ، فَإِذَا أَخْبَرَ الشَّرْعُ بِوُقُوعِهِ فَلَا مَعْنَى لِتَكْذِيبِهِ . وَهَلْ مِنْ فَرْقٍ بَيْنَ تَكْذِيبِهِمْ بِهَذَا وَتَكْذِيبِهِمْ بِمَا يُخْبَرُ بِهِ مِنْ أُمُورِ الْآخِرَةِ ؟ قَالَ : وَزَعَمَ بَعْضُ الطَّبَائِعِيِّينَ الْمُثْبِتِينَ لِلْعَيْنِ أَنَّ الْعَائِنَ تَنْبَعِثُ مِنْ عَيْنِهِ قُوَّةٌ سُمِّيَّةٌ تَتَّصِلُ بِالْمُعَيَّنِ فَيَهْلِكُ أَوْ يَفْسُدُ ، قَالُوا : وَلَا يُسْتَنْكَرُ هَذَا كَمَا لَا يُسْتَنْكَرُ انْبِعَاثُ قُوَّةٍ سُمِّيَّةٍ مِنْ الْأَفْعَى وَالْعَقْرَبِ تَتَّصِلُ بِاللَّدِيغِ فَيَهْلِكُ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَحْسُوسٍ لَنَا فَكَذَلِكَ الْعَيْنُ قَالَ وَهَذَا عِنْدَنَا غَيْرُ مُسَلَّمٍ ؛ لِأَنَّا بَيَّنَّا فِي كُتُبِ عِلْمِ الْكَلَامِ أَنَّهُ لَا فَاعِلَ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَبَيَّنَّا فَسَادَ الْقَوْلِ بِالطَّبَائِعِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّ الْمُحْدَثَ لَا يَفْعَلُ فِي غَيْرِهِ شَيْئًا ، وَإِذَا تَقَرَّرَ هَذَا بَطَلَ مَا قَالُوهُ ثُمَّ نَقُولُ هَذَا الْمُنْبَعِثُ مِنْ الْعَيْنِ إمَّا جَوْهَرٌ أَوْ عَرَضٌ فَبَاطِلٌ أَنْ يَكُونَ عَرَضًا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الِانْتِقَالَ وَأَنْ يَكُونَ جَوْهَرًا ؛ لِأَنَّ الْجَوَاهِرَ مُتَجَانِسَةٌ فَلَيْسَ بَعْضُهَا بِأَنْ يَكُونَ مُفْسِدًا لِبَعْضٍ أَوْلَى مِنْ أَنْ يَكُونَ الْآخَرُ مُفْسِدًا لَهُ فَبَطَلَ مَا قَالُوهُ وَأَقْرَبُ طَرِيقَةٍ سَلَكَهَا مَنْ يَنْتَحِلُ الْإِسْلَامَ مِنْهُمْ أَنْ قَالُوا : لَا يَبْعُدُ أَنْ تَنْبَعِثَ جَوَاهِرُ لَطِيفَةٌ غَيْرُ مَرْئِيَّةٍ مِنْ الْعَائِنِ فَتَتَّصِلُ بِالْمُعَيَّنِ وَتَتَخَلَّلُ مَسَامَّ جِسْمِهِ فَيَخْلُقُ الْبَارِئُ عَزَّ وَجَلَّ الْهَلَاكَ عِنْدَهَا كَمَا يَخْلُقُ الْهَلَاكَ عِنْدَ شُرْبِ السَّمُومِ عَادَةً أَجْرَاهَا اللَّهُ تَعَالَى لَيْسَتْ ضَرُورَةً وَلَا طَبِيعَةً أَلْجَأَ الْعَقْلَ إلَيْهَا . وَمَذْهَبُ أَكْثَرِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْمُعَيَّنَ إنَّمَا يَفْسُدُ وَيَهْلِكُ عِنْدَ نَظَرِ الْعَائِنِ بِعَادَةٍ أَجْرَاهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنْ يَخْلُقَ الضَّرَرَ عِنْدَ مُقَابَلَةِ هَذَا الشَّخْصِ لِشَخْصٍ آخَرَ ، وَهَلْ ثَمَّ جَوَاهِرُ خَفِيَّةٌ أَوَّلًا هَذَا مِنْ مُجَوَّزَاتِ الْعُقُولِ لَا نَقْطَعُ فِيهَا بِوَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ ، وَإِنَّمَا نَقْطَعُ بِنَفْيِ الْفِعْلِ عَنْهَا وَبِإِضَافَتِهِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فَمَنْ قَطَعَ مِنْ أَطِبَّاءِ الْإِسْلَامِ بِانْبِعَاثِ الْجَوَاهِرِ فَقَدْ أَخْطَأَ فِي قَطْعِهِ ، وَإِنَّمَا التَّحْقِيقُ مَا قُلْنَاهُ مِنْ تَفْصِيلِ مَوْضِعِ الْقَطْعِ وَالتَّجْوِيزِ انْتَهَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قَوْلُهُ الْعَيْنُ حَقٌّ أَيْ الْإِصَابَةُ بِالْعَيْنِ حَقٌّ ، وَأَنَّ لَهَا تَأْثِيرًا فِي النُّفُوسِ وَالطَّبَائِعِ ، وَفِيهِ إبْطَالٌ لِقَوْلِ مَنْ زَعَمَ مِنْ أَصْحَابِ الطَّبَائِعِ أَنَّهُ لَا شَيْءَ إلَّا مَا تُدْرِكُهُ الْحَوَاسُّ وَالْمَشَاعِرُ الْخَمْسَةُ ، وَمَا عَدَاهَا فَلَا حَقِيقَةَ لَهُ ( قُلْت ) وَيَجُوزُ فِي لَفْظِ التَّأْثِيرِ وَمُرَادُهُ بِهِ مَا أَجْرَى اللَّهُ بِهِ الْعَادَةَ مِنْ حُصُولِ الضَّرَرِ فِي النُّفُوسِ وَالطَّبَائِعِ فَهَذَا هُوَ اللَّائِقُ بِمَذْهَبِهِ وَعَقِيدَتِهِ . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ ذَهَبَتْ الْفَلَاسِفَةُ إلَى أَنَّ مَا يُصِيبُ الْمُعَيَّنَ مِنْ جِهَةِ الْعَائِنِ إنَّمَا هُوَ صَادِرٌ عَنْ تَأْثِيرِ النَّفْسِ بِقُوَّتِهَا فِيهِ فَأَوَّلُ مَا تُؤَثِّرُ فِي نَفْسِهَا ، ثُمَّ تَقْوَى فَتُؤَثِّرُ فِي غَيْرِهَا وَقِيلَ إنَّمَا هُوَ سُمٌّ فِي عَيْنِ الْعَائِنِ يُصِيبُ لَفْحُهُ الْعَيْنَ عِنْدَ التَّحْدِيقِ إلَيْهِ كَمَا يُصِيبُ لَفْحُ سُمِّ الْأَفْعَى مَنْ يَتَّصِلُ بِهِ ، وَهَذَا يَرُدُّهُ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ . ( الْأَوَّلُ ) مَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّهُ لَا خَالِقَ إلَّا اللَّهُ . ( الثَّانِي ) إبْطَالُ التَّوَلُّدِ وَيَقُولُونَ إنَّهُ يَتَوَلَّدُ مِنْ كَذَا كَذَا وَلَيْسَ يَتَوَلَّدُ شَيْءٌ مِنْ شَيْءٍ بَلْ الْمُوَلِّدُ وَالْمُتَوَلَّدُ عَنْهُ كُلُّ ذَلِكَ صَادِرٌ عَنْ الْقُدْرَةِ دُونَ وَاسِطَةٍ . ( الثَّالِثُ ) أَنَّهُ لَا يُصِيبُ مِنْ كُلِّ عَيْنٍ وَلَا مِنْ كُلِّ مُتَكَلِّمٍ ، وَلَوْ كَانَ بِرَسْمِ التَّوَلُّدِ لَكَانَتْ عَادَةً مُسْتَمِرَّةً ، وَلَبَقِيَتْ فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ وَأَمَّا الَّذِينَ يَقُولُونَ : إنَّهَا قُوَّةٌ سُمِّيَّةٌ كَقُوَّةِ سُمِّ الْأَفْعَى فَإِنَّهَا طَائِفَةٌ جَهِلَتْهُ قَدْ وَقَعَتْ عَلَى عَمِيَةٍ لَا عَلَى عَقْلٍ حَصَلَتْ ، وَلَا فِي الشَّرِيعَةِ دَخَلَتْ ، وَلَا بِالطِّبِّ قَالَتْ ، وَهَلْ سُمُّ الْأَفْعَى إلَّا جُزْءٌ مِنْهَا فَكُلُّهَا قَاتِلٌ وَالْعَائِنُ لَيْسَ شَيْءٌ يَقْتُلُ مِنْهُ فِي قَوْلِهِمْ إلَّا نَظَرُهُ ، وَهُوَ مَعْنًى خَارِجٌ عَنْ هَذَا كُلِّهِ وَالْحَقُّ فِيهِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ عِنْدَ نَظَرِ الْعَائِنِ إلَيْهِ وَإِعْجَابِهِ بِهِ إذَا شَاءَ مَا شَاءَ مِنْ أَلَمٍ أَوْ هَلَكَةٍ ، وَكَمَا لَا يَخْلُقُهُ بِإِعْجَابِهِ بِهِ وَبِقَوْلِهِ فِيهِ فَقَدْ يَخْلُقُهُ ، ثُمَّ يَصْرِفُهُ دُونَ سَبَبٍ وَقَدْ يَصْرِفُهُ قَبْلَ وُقُوعِهِ بِالِاسْتِعَاذَةِ فَقَدْ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ بِمَا كَانَ يُعَوِّذُ بِهِ أَبُو إسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقُ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ } وَقَدْ يَصْرِفُهُ بَعْدَ وُقُوعِهِ بِالِاغْتِسَالِ ، وَسَاقَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ وَسَنَحْكِيهِ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ذَهَبَ شُيُوخُ مُتَكَلِّمِي أَهْلِ الْبَاطِنِ أَنَّ مَعْنَى قَوْلِهِ الْعَيْنُ حَقٌّ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْقَدَرَ وَالْعَيْنَ الَّذِي يَجْرِي مِنْهُ الْأَحْكَامُ وَالْقَضَاءُ السَّابِقُ ، وَأَنَّ مَا أَصَابَ بِالْعَادَةِ مِنْ ضَرَرٍ عِنْدَ نَظَرِ النَّاظِرِ إنَّمَا هُوَ بِقَدَرِ اللَّهِ السَّابِقِ لَا بِشَيْءٍ يُحْدِثُهُ النَّاظِرُ فِي الْمَنْظُورِ . إذْ لَا يُحْدِثُ الْمُحْدَثُ فِي غَيْرِهِ شَيْئًا لَكِنَّهُ لَمَّا كَانَ مَنْهِيًّا عَنْ تَحْدِيدِ النَّظَرِ وَإِدَامَتِهِ لَا سِيَّمَا مَعَ جَرْيِ عَادَتِهِ بِذَلِكَ ، وَلَمْ يَمْتَثِلْ مَا أَمَرَ بِهِ الشَّرْعُ مِنْ التَّبَرُّكِ وَالدُّعَاءِ كَانَ مَذْمُومًا مُؤَاخَذًا بِنَظَرِهِ انْتَهَى . وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَكْثَرُ مَنْ يَمُوتُ مِنْ أُمَّتِي بَعْدَ كِتَابِ اللَّهِ وَقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ بِالْأَنْفُسِ } قَالَ الْبَزَّارُ يَعْنِي بِالْعَيْنِ ، وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ . وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِإِسْنَادِ رِجَالِهِ ثِقَاتٍ عَنْ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : إنَّ الْعَيْنَ لَتُولِعُ الرَّجُلَ بِإِذْنِ اللَّهِ حَتَّى يَصْعَدَ حَالِقًا ثُمَّ يَتَرَدَّى مِنْهُ } . وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ جِدًّا عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { نِصْفُ مَا يُحْفَرُ لِأُمَّتِي مِنْ الْقُبُورِ مِنْ الْعَيْنِ } . وَفِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْعَيْنُ حَقٌّ وَيُحَضِّرُهَا الشَّيْطَانُ وَجَسَدُ ابْنِ آدَمَ } ( قُلْت ) وَيَخْطِرُ لِي أَنَّ الشَّيْءَ إذَا ارْتَفَعَ وَرَمَقَتْهُ الْأَعْيُنُ حَطَّهُ اللَّهُ تَعَالَى وَجَعَلَ سَبَبَ ذَلِكَ بَعْضَ الْأَعْيُنِ كَمَا فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ الْعَضْبَاءَ نَاقَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَتْ لَا تُسْبَقُ ، وَأَنَّ أَعْرَابِيًّا سَبَقَهَا عَلَى قَعُودٍ ، وَأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ شَقَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ وَأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ إنَّ حَقًّا عَلَى اللَّهِ تَعَالَى أَنْ لَا يَرْتَفِعَ شَيْءٌ مِنْ الدُّنْيَا إلَّا وَضَعَهُ } . ( الثَّالِثَةُ ) قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ الْعَيْنُ حَقٌّ أَنَّهُ إذَا أَتْلَفَ شَيْئًا بِإِصَابَةِ عَيْنِهِ ضَمِنَهُ وَإِذَا قَتَلَ قَتِيلًا ضَمِنَهُ بِالْقِصَاصِ أَوْ الدِّيَةِ ، وَبِذَلِكَ صَرَّحَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَقَالَ لَوْ انْتَهَتْ إصَابَةُ الْعَائِنِ إلَى أَنْ يَعْرِفَ بِذَلِكَ وَيَعْلَمَ مِنْ حَالِهِ أَنَّهُ كُلَّمَا تَكَلَّمَ بِشَيْءٍ مُعَظِّمًا لَهُ أَوْ مُتَعَجِّبًا مِنْهُ أُصِيبَ ذَلِكَ الشَّيْءُ ، وَتَكَرَّرَ ذَلِكَ مِنْهُ بِحَيْثُ يَصِيرُ عَادَةً فَمَا أَتْلَفَهُ بِعَيْنِهِ غَرِمَهُ وَإِنْ قَتَلَ أَحَدًا بِعَيْنِهِ عَامِدًا لِقَتْلِهِ قُتِلَ بِهِ كَالسَّاحِرِ الْقَاتِلِ بِسِحْرِهِ عِنْدَ مَنْ لَا يَقْتُلُهُ كُفْرًا وَأَمَّا عِنْدَنَا فَيُقْتَلُ عَلَى كُلِّ حَالٍ قَتَلَ بِسِحْرِهِ أَمْ لَا ؛ لِأَنَّهُ كَالزِّنْدِيقِ انْتَهَى . وَظَاهِرُ جَزْمِهِ بِذَلِكَ أَنَّهُ مَذْهَبُهُ فَلْيُحَقَّقْ ذَلِكَ . وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ إذَا أَصَابَ غَيْرَهُ بِالْعَيْنِ وَاعْتَرَفَ أَنَّهُ قَتَلَهُ بِالْعَيْنِ فَلَا قِصَاصَ وَإِنْ كَانَتْ الْعَيْنُ حَقًّا ؛ لِأَنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى الْقَتْلِ غَالِبًا ، وَلَا يُعَدُّ مُهْلِكًا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَلَا دِيَةَ فِيهِ أَيْضًا وَلَا كَفَّارَةَ انْتَهَى . وَقَدْ يُنَازِعُ فِي قَوْلِهِمْ إنَّهُ لَا يُفْضِي إلَى الْقَتْلِ غَالِبًا وَلَا يُعَدُّ مُهْلِكًا ، وَيُقَالُ التَّصْوِيرُ فِي شَخْصٍ انْتَهَى أَمْرُهُ إلَى أَنَّ نَظَرَهُ الْمَذْكُورَ يُفْضِي إلَى الْقَتْلِ غَالِبًا ، وَيُعَدُّ مُهْلِكًا وَقَدْ يُقَالُ إنَّمَا يُرَتَّبُ الْحُكْمُ عَلَى مُنْضَبِطٍ عَامٍّ دُونَ مَا يَخْتَصُّ بِبَعْضِ النَّاسِ فِي بَعْضِ أَحْوَالِهِمْ ، وَلَا انْضِبَاطَ لَهُ كَيْفَ وَلَمْ يَقَعْ مِنْهُ فِعْلٌ أَصْلًا ، وَإِنَّمَا غَايَتُهُ حَسَدٌ وَتَمَنٍّ لِزَوَالِ النِّعْمَةِ ، وَأَيْضًا فَاَلَّذِي يَنْشَأُ عَنْ الْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ حُصُولُ مَكْرُوهٍ لِذَلِكَ الشَّخْصِ ، وَلَا يَتَعَيَّنُ ذَلِكَ الْمَكْرُوهُ فِي زَوَالِ الْحَيَاةِ فَقَدْ يَحْصُلُ لَهُ مَكْرُوهٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَثَرِ الْعَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ يَنْبَغِي لِلْإِمَامِ مَنْعُ مَنْ عُرِفَ بِالْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ مِنْ مُدَاخَلَةِ النَّاسِ ، وَأَمْرُهُ بِلُزُومِ بَيْتِهِ وَإِنْ كَانَ فَقِيرًا رَزَقَهُ مَا يَقُومُ بِهِ وَيَكُفُّ أَذَاهُ عَنْ النَّاسِ ، فَضَرَرُهُ أَشَدُّ مِنْ ضَرَرِ آكِلِ الثُّومِ وَالْبَصَلِ الَّذِي مَنَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ لِئَلَّا يُؤْذِيَ الْمُسْلِمِينَ وَمِنْ ضَرَرِ الْمَجْذُومِ الَّذِي مَنَعَ عُمَرُ وَالْعُلَمَاءُ اخْتِلَاطَهُ بِالنَّاسِ وَمِنْ ضَرَرِ الْعَوَادِي الَّتِي أُمِرَ بِتَغْرِيبِهَا حَيْثُ لَا يَتَأَذَّى مِنْهَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ صَحِيحٌ مُتَعَيَّنٌ وَلَا يُعْرَفُ مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِخِلَافِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ } يَجُوزُ فِي قَوْلِهِ سَابَقَ الْقَدَرَ النَّصْبُ عَلَى أَنَّهُ خَبَرُ كَانَ وَالرَّفْعُ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِاسْمِهَا وَهِيَ تَامَّةٌ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا إغْبَاءٌ فِي تَحْقِيقِ إصَابَةِ الْعَيْنِ وَمُبَالَغَةٌ تَجْرِي مَجْرَى التَّمْثِيلِ لَا أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَرُدَّ الْقَدَرَ شَيْءٌ ، فَإِنَّ الْقَدَرَ عِبَارَةٌ عَنْ سَابِقِ عِلْمِ اللَّهِ وَنُفُوذِ مَشِيئَتِهِ ، وَلَا رَادَّ لِأَمْرِهِ وَلَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ ، وَإِنَّمَا هَذَا خُرِّجَ مَخْرَجَ قَوْلِهِمْ لَأَطْلُبَنَّكَ وَلَوْ تَحْتَ الثَّرَى وَلَوْ صَعِدْت إلَى السَّمَاءِ ، وَنَحْوَهُ مِمَّا يَجْرِي هَذَا الْمَجْرَى وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ إثْبَاتُ الْقَدَرِ وَهُوَ حَقٌّ بِالنُّصُوصِ وَإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ وَفِيهِ صِحَّةُ أَمْرِ الْعَيْنِ وَأَنَّهَا قَوِيَّةُ الضَّرَرِ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { وَإِذَا اسْتُغْسِلْتُمْ فَاغْسِلُوا } خِطَابٌ لِلْعَائِنِ وَأَمْرٌ لَهُ بِأَنْ يَغْتَسِلَ عِنْدَ طَلَبِ الْمُعَيَّنِ مِنْهُ ذَلِكَ ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ وَحَكَى الْمَازِرِيُّ فِيهِ خِلَافًا ، وَقَالَ الصَّحِيحُ عِنْدِي الْوُجُوبُ وَيَبْعُدُ الْخِلَافُ فِيهِ إذَا خَشَى عَلَى الْمَعِينِ الْهَلَاكَ ، وَكَانَ وُضُوءُ الْعَائِنِ مِمَّا جَرَتْ الْعَادَةُ بِالْبُرْءِ بِهِ أَوْ كَانَ الشَّرْعُ أَخْبَرَ بِهِ خَبَرًا عَامًّا وَلَمْ يُمْكِنْ زَوَالُ الْهَلَاكِ إلَّا بِوُضُوءِ الْعَائِنِ ، فَإِنَّهُ يَصِيرُ مِنْ بَابِ مَنْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ إحْيَاءُ نَفْسٍ مُشْرِفَةٍ عَلَى الْهَلَاكِ وَقَدْ تَقَرَّرَ أَنَّهُ يُجْبَرُ عَلَى بَذْلِ الطَّعَامِ لِلْمُضْطَرِّ ، فَهَذَا أَوْلَى وَبِهَذَا التَّقْرِيرِ يَرْتَفِعُ الْخِلَافُ فِيهِ انْتَهَى . ( السَّادِسَةُ ) لَمْ يُبَيَّنْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ كَيْفِيَّةُ الْغُسْلِ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { كَانَ يُؤْمَرُ الْعَائِنُ فَيَتَوَضَّأُ ثُمَّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ الْمُعَيَّنُ } . وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ { مَرَّ عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ بِسَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَهُوَ يَغْتَسِلُ ، فَقَالَ : لَمْ أَرَ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبَّأَةٍ فَمَا لَبِثَ أَنْ لُبِطَ بِهِ فَأُتِيَ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقِيلَ لَهُ أَدْرِكْ سَهْلًا صَرِيعًا قَالَ مَنْ تَتَّهِمُونَ بِهِ قَالُوا عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ قَالَ عَلَيَّ مَاذَا يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ فَلْيَدْعُ لَهُ بِالْبَرَكَةِ ، ثُمَّ دَعَا بِمَاءٍ فَأَمَرَ عَامِرًا أَنْ يَتَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ إلَى الْمِرْفَقَيْنِ وَرُكْبَتَيْهِ وَدَاخِلَةَ إزَارِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَصُبَّ عَلَيْهِ } قَالَ سُفْيَانُ قَالَ مَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ { وَأَمَرَهُ أَنْ يَكْفَأَ الْإِنَاءَ مِنْ خَلْفِهِ } وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي الْمُوَطَّإِ وَسُنَنِ النَّسَائِيّ الْكُبْرَى وَوَقَعَ الِاخْتِلَافُ فِي أَنَّهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ كَمَا ذَكَرْته أَوْ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَوْ مِنْ رِوَايَةِ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ ، وَبَيَّنَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ كَيْفِيَّةَ الْوُضُوءِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ صِفَةُ وُضُوءِ الْعَائِنِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنْ يُؤْتَى بِقَدَحٍ مِنْ مَاءٍ وَلَا يُوضَعُ الْقَدَحُ فِي الْأَرْضِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ غُرْفَةً فَيَتَمَضْمَضُ بِهَا ثُمَّ يَمُجُّهَا فِي الْقَدَحِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ مِنْهُ مَا يَغْسِلُ بِهِ وَجْهَهُ ، ثُمَّ يَأْخُذُ بِشِمَالِهِ مَا يَغْسِلُ بِهِ كَفَّهُ الْيُمْنَى ثُمَّ بِيَمِينِهِ مَا يَغْسِلُ بِهِ كَفَّهُ الْيُسْرَى ثُمَّ بِشِمَالِهِ مَا يَغْسِلُ بِهِ مِرْفَقَهُ الْأَيْمَنَ ، ثُمَّ بِيَمِينِهِ مَا يَغْسِلُ بِهِ مِرْفَقَهُ الْأَيْسَرَ ، وَلَا يَغْسِلُ مَا بَيْنَ الْمِرْفَقَيْنِ وَالْكَفَّيْنِ ، ثُمَّ قَدَمَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ الْيُسْرَى ثُمَّ رُكْبَتَهُ الْيُمْنَى ثُمَّ الْيُسْرَى عَلَى الصِّفَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَكُلُّ ذَلِكَ فِي الْقَدَحِ ثُمَّ دَاخِلَةَ إزَارِهِ ، وَهُوَ الطَّرَفُ الْمُتَدَلِّي الَّذِي يَلِي حَقْوَهُ الْأَيْمَنَ وَقَدْ ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ دَاخِلَةَ إزَارِهِ كِنَايَةٌ عَنْ الْفَرْجِ ، وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَا قُلْنَاهُ فَإِذَا اسْتَكْمَلَ هَذَا صَبَّهُ خَلْفَهُ مِنْ عَلَى رَأْسِهِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بَعْدَ نَقْلِهِ هَذَا الْكَلَامَ : بَقِيَ مِنْ تَفْسِيرِ هَذَا الْغُسْلِ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَمَا فَسَّرَ بِهِ الزُّهْرِيُّ وَأَخْبَرَ أَنَّهُ أَدْرَكَ الْعُلَمَاءَ يَصِفُونَهُ وَاسْتَحْسَنَهُ عُلَمَاؤُنَا ، وَمَضَى بِهِ الْعَمَلُ أَنَّ غَسْلَ الْعَائِنِ وَجْهَهُ إنَّمَا هُوَ صَبَّةٌ وَاحِدَةٌ بِيَدِهِ الْيُمْنَى ، وَكَذَلِكَ سَائِرُ أَعْضَائِهِ إنَّمَا هُوَ صَبَّةً صَبَّةً عَلَى ذَلِكَ الْعُضْوِ فِي الْقَدَحِ لَيْسَ عَلَى صِفَةِ غَسْلِ الْأَعْضَاءِ فِي الْوُضُوءِ وَغَيْرِهِ ، وَكَذَلِكَ غَسْلُ يَدَيْهِ وَكَذَلِكَ غَسْلُ دَاخِلَةِ الْإِزَارِ إنَّمَا هُوَ إدْخَالُهُ وَغَمْسُهُ فِي الْقَدَحِ ، ثُمَّ يَقُومُ الَّذِي فِي يَدِهِ الْقَدَحُ فَيَصُبُّهُ عَلَى رَأْسِ الْمُعَيَّنِ مِنْ وَرَائِهِ عَلَى جَمِيعِ جَسَدِهِ ثُمَّ يَكْفَأُ الْقَدَحَ وَرَاءَهُ عَلَى ظَهْرِ الْأَرْضِ وَقِيلَ يَعْتَقِلُهُ بِذَلِكَ حِينَ صَبَّهُ عَلَيْهِ هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ وَقَدْ جَاءَ وَصْفُ ابْنِ شِهَابٍ مِنْ رِوَايَةِ عَقِيلٍ بِمِثْلِ هَذِهِ إلَّا أَنَّ فِيهِ الْبُدَاءَةَ بِغَسْلِ الْوَجْهِ قَبْلَ الْمَضْمَضَةِ ، وَفِيهِ صِفَةُ غَسْلِ كَفِّهِ الْيُمْنَى بِيَدٍ وَاحِدَةٍ فِي الْقَدَحِ ، وَهُوَ ثَانٍ يَدَهُ وَذَكَرَ فِي غَسْلِ الْقَدَمَيْنِ أَنَّهُ لَا يَغْسِلُ جَمِيعَهُمَا ، وَإِنَّمَا قَالَ ثُمَّ يَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ فِي طَرَفِ قَدَمِهِ الْيُمْنَى مِنْ عِنْدِ أُصُولِ أَصَابِعِهِ وَالْيُسْرَى كَذَلِكَ وَدَاخِلَةُ الْإِزَارِ هُوَ مَا فُسِّرَ بِهِ ، وَالْإِزَارُ هُنَا الْمِئْزَرُ وَدَاخِلَتُهُ مَا يَلِي جَسَدَهُ وَقِيلَ كِنَايَةٌ عَنْ مَوْضِعِهِ مِنْ الْجَسَدِ فَقِيلَ أَرَادَ مَذَاكِيرَهُ ، كَمَا يُقَالُ : فُلَانٌ عَفِيفُ الْإِزَارِ يُرَادُ بِهِ الْفَرْجُ ، وَقِيلَ أَرَادَ وِرْكَهُ إذْ هُوَ مَقْعَدُ الْإِزَارِ وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ فِي صِفَتِهِ أَنَّهُ قَالَ لِلْعَائِنِ اغْتَسِلْ لَهُ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إزَارِهِ ، وَمِنْ رِوَايَةِ مَعْبَدٍ فَغَسَلَ وَجْهَهُ وَظَاهِرَ كَفَّيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ ، وَغَسَلَ صَدْرَهُ وَدَاخِلَةَ إزَارِهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ قَدَمَيْهِ ظَاهِرُهُمَا فِي الْإِنَاءِ ، وَقَالَ وَحَسِبْته قَالَ وَأَمَرَهُ فَحَسَا مِنْهُ حَسَوَاتٍ انْتَهَى . وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ هَذَا الْكَلَامَ كُلَّهُ وَاقْتَصَرَ فِي الْأَذْكَارِ عَلَى قَوْلِهِ قَالَ الْعُلَمَاءُ الِاسْتِغْسَالُ أَنْ يُقَالَ لِلْعَائِنِ وَهُوَ الصَّائِبُ بِعَيْنِهِ النَّاظِرُ بِهَا بِالِاسْتِحْسَانِ اغْسِلْ دَاخِلَةَ إزَارِك مِمَّا يَلِي الْجِلْدَ بِمَاءٍ ، ثُمَّ يَصُبُّ عَلَى الْمُعَيَّنِ وَهُوَ الْمَنْظُورُ إلَيْهِ ، وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَصَفَ النَّاسُ الْغُسْلَ وَأَحْصَى الْخَلْقَ لَهُ مِلْكٌ ؛ لِأَنَّ النَّازِلَةَ كَانَتْ فِي بَلَدِهِ ، وَوَقَعَتْ لِجِيرَانِهِ فَتَقُولُهَا وَقَدْ حَصَّلَهَا مُشَاهَدَةً وَخَبَرًا ، وَذَلِكَ بِأَنْ يَغْسِلَ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إزَارِهِ ، وَهُوَ مَا يَلِي الْبَدَنَ مِنْ الْإِزَارِ فِي قَدَحٍ ثُمَّ يَصُبُّ عَلَيْهِ وَمَنْ قَالَ لَا يَجْعَلُ الْإِنَاءَ فِي الْأَرْضِ وَيَغْسِلُ كَذَا بِكَذَا فَهُوَ كُلُّهُ تَحَكُّمٌ وَزِيَادَةٌ . { السَّابِعَةُ } قَالَ الْمَازِرِيُّ هَذَا الْمَعْنَى مِمَّا لَا يُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ وَمَعْرِفَةُ وَجْهِهِ ، وَلَيْسَ مِنْ قُوَّةِ الْعَقْلِ الِاطِّلَاعُ عَلَى أَسْرَارِ الْمَعْلُومَاتِ كُلِّهَا فَلَا يُدْفَعُ هَذَا بِأَنْ لَا يُعْقَلَ مَعْنَاهُ ، وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ . فَإِنْ قِيلَ : وَأَيُّ فَائِدَةٍ فِي الِاغْتِسَالِ وَصَبِّ مَائِهِ عَلَى الْمُعَيَّنِ وَأَيُّ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَهُمَا ؟ ( قُلْنَا ) إنْ قَالَ : هَذَا مُسْتَفْسَرٌ ، قُلْنَا لَهُ : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، وَإِنْ قَالَهُ مُتَفَلْسِفٌ قِيلَ لَهُ انْكِصْ الْقَهْقَرَى أَلَيْسَ عِنْدَكُمْ أَنَّ الْأَدْوِيَةَ قَدْ تَفْعَلُ بِقُوَاهَا وَطِبَاعِهَا ، وَقَدْ تَفْعَلُ بِمَعْنًى لَا يُعْقَلُ فِي الطَّبِيعَةِ وَيَدْعُونَهَا الْخَوَاصُّ ، وَقَدْ زَعَمْتُمْ أَنَّهَا زُكَاءُ خَمْسَةِ آلَافٍ فَمَا أَنْكَرْتُمْ مِنْ هَذَا فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا فِيهَا مِنْ طَرِيقِ الْخَاصَّةِ لَا سِيَّمَا وَالتَّجْرِبَةُ قَدْ عَضَّدَتْهُ ، وَالْمُشَاهَدَةُ فِي الْعَيْنِ وَالْمُعَايَنَةُ قَدْ صَدَّقَتْهُ ، وَكَذَلِكَ الرُّقْيَةُ تُصَدِّقُهُ . { الثَّامِنَةُ } فَائِدَةُ هَذَا الِاغْتِسَالِ وَاسْتِعْمَالِ فَضْلِهِ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ إزَالَةُ الضَّرَرِ الْحَاصِلِ مِنْ ذَلِكَ بَعْدَ حُلُولِهِ وَفِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ فِي قِصَّةِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ فَرَاحَ سَهْلٌ مَعَ النَّاسِ لَيْسَ بِهِ بَأْسٌ ، وَثَمَّ طَرِيقٌ لِدَفْعِ الضَّرَرِ قَبْلَ وُقُوعِهِ بَعْدَ الرُّؤْيَةِ ، وَهُوَ التَّبْرِيكُ عَلَيْهِ فَفِي قِصَّةِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { مَا يَمْنَعُ أَحَدَكُمْ إذَا رَأَى مِنْ أَخِيهِ مَا يُعْجِبُهُ مِنْ نَفْسِهِ أَوْ مَالِهِ أَنْ يُبَرِّكَ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الْعَيْنَ حَقٌّ } رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ وَابْنُ السُّنِّيِّ وَغَيْرُهُمَا . وَرَوَى الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ ابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { : مَنْ رَأَى شَيْئًا فَأَعْجَبَهُ فَقَالَ مَا شَاءَ اللَّهُ لَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ لَمْ يَضُرَّهُ } . وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ أَيْضًا عَنْ سَعِيدِ بْنِ حَكِيمٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا خَافَ أَنْ يُصِيبَ شَيْئًا بِعَيْنِهِ قَالَ : اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ وَلَا تَضُرُّهُ } . وَرَوَى ابْنُ السُّنِّيِّ أَيْضًا عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مِنْ نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَأَعْجَبَهُ مَا أَعْجَبَهُ فَلْيَدْعُ بِالْبَرَكَةِ } . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ التَّبْرِيكَ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ بَارِكْ فِيهِ ، وَعَنْ بَعْضِهِمْ أَنْ يَقُولَ تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ ذَكَرَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابِهِ التَّعْلِيقِ فِي الْمَذْهَبِ ( أَنَّ بَعْضَ الْأَنْبِيَاءِ نَظَرَ إلَى قَوْمِهِ يَوْمًا فَاسْتَكْثَرَهُمْ وَأَعْجَبُوهُ فَمَاتَ مِنْهُمْ فِي سَاعَةٍ سَبْعُونَ أَلْفًا فَأَوْحَى اللَّهُ تَعَالَى إلَيْهِ أَنَّك عِنْتهمْ وَلَوْ أَنَّك إذْ عِنْتهمْ حَصَّنْتهمْ لَمْ يَهْلِكُوا قَالَ وَبِأَيِّ شَيْءٍ أُحَصِّنُهُمْ ؟ فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيْهِ تَقُولُ : حَصَّنْتُكُمْ بِالْحَيِّ الْقَيُّومِ الَّذِي لَا يَمُوتُ أَبَدًا ، وَدَفَعْت عَنْكُمْ السُّوءَ بِأَلْفِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ الْعَلِيِّ الْعَظِيمِ ) . قَالَ الْمُعَلِّقُ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ وَكَانَ عَادَةُ الْقَاضِي رَحِمَهُ اللَّهُ إذَا نَظَرَ إلَى أَصْحَابِهِ فَأَعْجَبَهُ سَمْتُهُمْ وَحُسْنُ حَالِهِمْ حَصَّنَهُمْ بِهَذَا ( قُلْت ) لَوْ نَقَلْت لَنَا هَذِهِ الْقِصَّةَ عَنْ ذَلِكَ النَّبِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَى نَبِيِّنَا عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَتَلَقَّيْنَاهَا بِالْقَبُولِ ، وَتَأَوَّلْنَا قَوْلَهُ عِنْتهمْ أَوْ قَوْلَهُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ إنَّهُ يُحَضِّرُهَا حِينَئِذٍ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّهُ مَتَى كَانَتْ الْإِصَابَةُ بِالْعَيْنِ مُتَضَمِّنَةً لِحَسَدٍ لَا يَجُوزُ صُدُورُهَا مِنْ نَبِيٍّ لِاسْتِحَالَةِ الْمَعَاصِي عَلَى الْأَنْبِيَاءِ ، وَلَكِنْ لَمْ يَثْبُتْ لَنَا ذَلِكَ ، وَهَذِهِ قَضِيَّةٌ مَذْكُورَةٌ بِغَيْرِ إسْنَادٍ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا مُتَلَقَّاةٌ عَنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ، فَلَا يَجُوزُ قَبُولُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا غَضَاضَةٌ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمَا كَانَ يَنْبَغِي ذِكْرُهَا لِلْقَاضِي وَلَا لِلنَّوَوِيِّ ، وَإِنَّمَا ذَكَرْتهَا لِلذِّكْرِ الَّذِي فِيهَا فَإِنَّهُ حَسَنٌ يَقْتَضِيهِ الشَّرْعُ فَيَنْبَغِي الْعَمَلُ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { التَّاسِعَةُ } وَأَرْشَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى طَرِيقٍ آخَرَ يُزَالُ بِهِ الضَّرَرُ بَعْدَ وُقُوعِهِ وَهُوَ الِاسْتِرْقَاءُ ، فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سُفْعَةٌ ، فَقَالَ : اسْتَرِقُوا لَهَا فَإِنَّ بِهَا النَّظْرَةَ } قَالَ الْعُلَمَاءُ : النَّظْرَةُ الْعَيْنُ . يُقَالُ : صَبِيٌّ مَنْظُورٌ أَيْ أَصَابَتْهُ عَيْنٌ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَيُقَالُ عُيُونُ الْجِنِّ أَنْفَذُ مِنْ أَسِنَّةِ الرِّمَاحِ وَقَدْ رَوَيْنَا ( أَنَّهُ لَمَّا مَاتَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ سَمِعُوا قَائِلًا مِنْ الْحَيِّ يَقُولُ : قَتَلْنَا سَيِّدَ الْخَزْرَجِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ رَمَيْنَاهُ بِسَهْمَيْنِ فَلَمْ تُخْطِ فُؤَادَهُ ) فَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ فَقَالَ أَيْ أَصَبْنَاهُ بِعَيْنَيْنِ ، وَأَرْشَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ ذَلِكَ قَبْلَ وُقُوعِهِ فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَوِّذُ الْحَسَنَ وَالْحُسَيْنَ أُعِيذُكُمَا بِكَلِمَاتِ اللَّهِ التَّامَّةِ مِنْ كُلِّ شَيْطَانٍ وَهَامَّةٍ وَمِنْ كُلِّ عَيْنٍ لَامَّةٍ ، وَيَقُولُ إنَّ أَبَاكُمَا كَانَ يُعَوِّذُ إسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ } . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَعَوَّذُ مِنْ الْجَانِّ وَعَيْنِ الْإِنْسَانِ حَتَّى نَزَلَتْ الْمُعَوِّذَتَانِ ، فَلَمَّا أَنْ نَزَلَتَا أَخَذَ بِهِمَا ، وَتَرَكَ مَا سِوَاهُمَا } قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَذَكَرَ فِي التَّفْسِيرِ فِي قَوْله تَعَالَى { مِنْ شَرِّ حَاسِدٍ إذَا حَسَدَ } أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعَيْنُ . ( الْعَاشِرَةُ ) فِيهِ النَّهْيُ عَنْ الْوَشْمِ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَإِسْكَانِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَنْ تُغْرَزَ إبْرَةٌ أَوْ مِسَلَّةٌ أَوْ نَحْوَهُمَا فِي مَوْضِعٍ مِنْ الْبَدَنِ كَالشَّفَةِ أَوْ الْمِعْصَمِ أَوْ غَيْرِهِمَا حَتَّى يَسِيلَ الدَّمُ ثُمَّ يُحْشَى ذَلِكَ الْمَوْضِعُ بِالْكُحْلِ أَوْ النُّورَةِ فَيُحَضَّرُ ، وَقَدْ يُفْعَلُ ذَلِكَ بِدَارَاتٍ وَنُقُوشٍ وَقَدْ يُقَلَّلُ وَقَدْ يَكْثُرُ وَهُوَ حَرَامٌ . قَالَ أَصْحَابُنَا : وَيَصِيرُ الْمَوْضِعُ الْمَوْشُومُ مِجَسًّا فَإِنْ أَمْكَنَتْ إزَالَتُهُ بِالْعِلَاجِ وَجَبَتْ وَإِنْ لَمْ يُمْكِنْ إلَّا بِالْجَرْحِ فَإِنْ خَافَ مِنْهُ التَّلَفَ أَوْ فَوَاتَ عُضْوٍ أَوْ مَنْفَعَةَ عُضْوٍ أَوْ شَيْئًا فَاحِشًا فِي عُضْوٍ ظَاهِرٍ لَمْ تَجِبْ إزَالَتُهُ ، وَإِذَا تَابَ لَمْ يَبْقَ عَلَيْهِ إثْمٌ ، وَإِنْ لَمْ يَخَفْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ لَزِمَتْهُ إزَالَتُهُ وَيُعْصَى بِتَأْخِيرِهِ ، وَسَوَاءٌ فِي هَذَا كُلِّهِ الرَّجُلُ وَالْمَرْأَةُ فَإِنْ قُلْت مُجَرَّدُ النَّهْيِ عَنْهُ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ ( قُلْت ) هُوَ مُحْتَمِلٌ لِذَلِكَ وَقَدْ دَلَّ عَلَى تَحْرِيمِهِ ، بَلْ عَلَى أَنَّهُ كَبِيرَةٌ لُعِنَ فَاعِلُهُ كَمَا هُوَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَيْنِ الْجُمْلَتَيْنِ مِنْ الرَّاوِي فَإِنَّهُ لَا يَظْهَرُ بَيْنَهُمَا مُنَاسَبَةٌ ، وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَحْكِ لَفْظَ النُّبُوَّةِ فِي الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . الرُّؤْيَا عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رُؤْيَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ } ، وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ ، وَلَمْ يَسُقْ مَالِكٌ لَفْظَهُ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { رُؤْيَا الْمُسْلِمِ يَرَاهَا أَوْ تُرَى لَهُ } وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ } وَالْمَتْنُ الْأَوَّلُ أَكْثَرُ طُرُقًا فَقَدْ اُتُّفِقَ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الرُّؤْيَا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ . عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { رُؤْيَا الرَّجُلِ الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ } وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ ، وَلَمْ يَسُقْ مَالِكٌ لَفْظَهُ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى مُسْلِمٌ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سَعْدٍ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَمِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كُثَيِّرٌ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَوْفٍ الْأَعْرَابِيِّ وَمُسْلِمٌ أَيْضًا وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ كِلَاهُمَا عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ هَذِهِ خَمْسَةٌ . ( الثَّانِيَةُ ) الرُّؤْيَا مَقْصُورَةٌ مَهْمُوزَةٌ وَيَجُوزُ تَرْكُ هَمْزِهَا كَنَظَائِرِهَا قَالَ الْمَازِرِيُّ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي حَقِيقَةِ الرُّؤْيَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَخْلُقُ فِي قَلْبِ النَّائِمِ اعْتِقَادَاتٍ كَمَا يَخْلُقُهَا فِي قَلْبِ الْيَقْظَانِ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لَا يَمْنَعُهُ نَوْمٌ وَلَا يَقَظَةٌ فَإِذَا خَلَقَ هَذِهِ الِاعْتِقَادَاتِ فَكَأَنَّهُ جَعَلَهَا عَلَمًا عَلَى أُمُورٍ أُخَرَ تَلْحَقُهَا فِي ثَانِي الْحَالِ أَوْ كَانَ قَدْ خَلَقَهَا فَإِذَا خَلَقَ فِي قَلْبِ النَّائِمِ الطَّيَرَانَ وَلَيْسَ بِطَائِرٍ فَأَكْثَرُ مَا فِيهِ أَنَّهُ اعْتَقَدَ أَمْرًا عَلَى خِلَافِ مَا هُوَ فَيَكُونُ ذَلِكَ الِاعْتِقَادُ عَلَمًا عَلَى غَيْرِهِ كَمَا يَكُونُ خَلْقُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْغَيْمَ عَلَمًا عَلَى الْمَطَرِ وَالْجَمِيعُ خَلْقُ اللَّهِ تَعَالَى وَلَكِنَّهُ يَخْلُقُ الرُّؤْيَا وَالِاعْتِقَادَاتِ الَّتِي جَعَلَهَا عَلَمًا عَلَى مَا يَسُرُّ بِغَيْرِ حَضْرَةِ الشَّيْطَانِ وَيَخْلُقُ مَا هُوَ عَلَمٌ عَلَى مَا يَضُرُّ بِحَضْرَةِ الشَّيْطَانِ فَيُنْسَبُ إلَى الشَّيْطَانِ مَجَازًا لِحُضُورِهِ عِنْدَهَا ، وَإِنْ كَانَ لَا فِعْلَ لَهُ حَقِيقَةً وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الرُّؤْيَا مِنْ اللَّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشَّيْطَانِ } لَا عَلَى أَنَّ الشَّيْطَانَ يَفْعَلُ شَيْئًا فَالرُّؤْيَا اسْمٌ لِلْمَحْبُوبِ وَالْحُلْمُ اسْمٌ لِلْمَكْرُوهِ وَإِنَّمَا كَانَتَا جَمِيعًا مِنْ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَدْبِيرِهِ وَبِإِرَادَتِهِ وَلَا فِعْلَ لِلشَّيْطَانِ فِيهِمَا لَكِنَّهُ يَحْضُرُ الْمَكْرُوهَةَ وَيَرْتَضِيهَا وَيُسَرُّ بِهَا وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ هِيَ إدْرَاكَاتٌ يَخْلُقُهَا اللَّهُ فِي قَلْبِ الْعَبْدِ عَلَى يَدِ الْمَلَكِ أَوْ الشَّيْطَانِ إمَّا بِأَسْمَائِهَا وَإِمَّا أَمْثَالًا يُكَنِّي بِهَا وَإِمَّا تَخْلِيطًا وَنَظِيرُ ذَلِكَ فِي الْيَقَظَةِ الْخَوَاطِرُ فَإِنَّهَا تَأْتِي عَلَى نَسَقٍ وَتَأْتِي مُسْتَرْسِلَةً غَيْرَ مُحَصَّلَةٍ فَإِذَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فِي الْمَنَامِ عَلَى يَدِ الْمَلَكِ شَيْئًا كَانَ وَحْيًا مَنْظُومًا وَبُرْهَانًا مَفْهُومًا هَذَا نَحْوُ كَلَامِ الْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ وَصَارَ الْقَاضِي إلَى أَنَّهَا اعْتِقَادَاتٌ وَإِنَّمَا دَارَ هَذَا الْخِلَافُ بَيْنَهُمَا لِأَنَّهُ قَدْ يَرَى نَفْسَهُ بَهِيمَةً أَوْ مَلَكًا أَوْ طَائِرًا وَلَيْسَ هَذَا إدْرَاكًا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ حَقِيقَةً فَصَارَ الْقَاضِي إلَى أَنَّهَا اعْتِقَادَاتٌ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ قَدْ يَأْتِي عَلَى خِلَافِ الْمُعْتَقِدِ وَذَهَلَ عَنْ التَّفَطُّنِ لِأَنَّ هَذَا الْمَرْئِيَّ مَثَلٌ فَالْإِدْرَاكُ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَثَلِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ نَقْلِهِ كَلَامَ الْمَازِرِيِّ وَقَالَ غَيْرُهُ إنَّ لِلَّهِ تَعَالَى مَلَكًا مُوَكَّلًا يَعْرِضُ الْمَرْئِيَّاتِ عَلَى الْمَحَلِّ الْمُدْرِكِ مِنْ النَّائِمِ فَيُمَثِّلُ أَمْثِلَةً لِمَعَانِي مَعْقُولَةٍ غَيْرِ مَحْسُوسَةٍ ، وَفِي الْحَالَتَيْنِ تَكُونُ مُبَشِّرَةً وَمُنْذِرَةً قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَهَذَا مِثْلُ الْأَوَّلِ فِي الْمَعْنَى غَيْرَ أَنَّهُ زَادَ فِيهِ قَضِيَّةَ الْمَلَكِ ===========================ج26 ج26 =========== اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ وَيَحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى تَوْقِيفٍ مِنْ الشَّرْعِ وَيَجُوزُ أَنْ يَخْلُقَ اللَّهُ تِلْكَ التَّمْثِيلَاتِ مِنْ غَيْرِ مَلَكٍ ، ثُمَّ قَالَ وَقِيلَ إنَّ الرُّؤْيَا إدْرَاكُ أَمْثِلَةٍ مُنْضَبِطَةٍ فِي التَّخَيُّلِ جَعَلَهَا اللَّهُ أَعْلَامًا عَلَى مَا كَانَ أَوْ يَكُونُ ، وَهُوَ أَشْبَهُهَا ، ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يُقَالُ إنَّ الرُّؤْيَا إدْرَاكٌ مَعَ أَنَّ النَّوْمَ ضِدُّ الْإِدْرَاكِ فَإِنَّهُ مِنْ الْأَضْدَادِ الْعَامَّةِ كَالْمَوْتِ فَلَا يَجْتَمِعُ مَعَهُ إدْرَاكٌ فَالْجَوَابُ أَنَّ الْجُزْءَ الْمُدْرِكَ مِنْ النَّائِمِ لَمْ يَحُلَّهُ النَّوْمُ فَلَمْ يَجْتَمِعْ مَعَهُ فَقَدْ تَكُونُ الْعَيْنُ نَائِمَةً وَالْقَلْبُ يَقْظَانُ كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ عَيْنَيَّ تَنَامَانِ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي } وَإِنَّمَا قَالَ مُنْضَبِطَةً فِي التَّخَيُّلِ لِأَنَّ الرَّائِيَ يَرَى فِي مَنَامِهِ الْآنَ نَوْعَ مَا أَدْرَكَهُ فِي الْيَقَظَةِ بِحِسِّهِ غَيْرَ أَنَّهُ قَدْ تُرَكَّبُ الْمُتَخَيَّلَاتُ فِي النَّوْمِ تَرْكِيبًا يَحْصُلُ مِنْ مَجْمُوعِهَا صُورَةٌ لَمْ يُوجَدْ لَهَا مِثَالٌ فِي الْخَارِجِ يَكُونُ عَلَمًا عَلَى أَمْرٍ نَادِرٍ كَمَنْ يَرَى فِي نَوْمِهِ مَوْجُودًا رَأْسُهُ رَأْسُ الْإِنْسَانِ وَجَسَدُهُ جَسَدُ الْفَرَسِ مَثَلًا وَلَهُ جَنَاحَانِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يُمْكِنُ مِنْ التَّرْكِيبَاتِ الَّتِي لَا يُوجَدُ مِثْلُهَا فِي الْوُجُودِ ، وَإِنْ كَانَتْ آحَادُ أَجْزَائِهَا فِي الْوُجُودِ الْخَارِجِيِّ وَإِنَّمَا قَالَ جَعَلَهَا اللَّهُ أَعْلَامًا عَلَى مَا كَانَ أَوْ يَكُونُ لِأَنَّهُ يَعْنِي بِهِ الرُّؤْيَا الصَّحِيحَةَ الْمُنْتَظِمَةَ الْوَاقِعَةَ عَلَى شُرُوطِهَا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَالَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ إنَّ لِلرُّؤْيَا مَلَكًا وُكِّلَ بِهَا يُرِي الرَّائِيَ مِنْ ذَلِكَ مَا فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى مَا يَكُونُ لَهُ أَوْ يُقَدَّرُ عَلَيْهِ مِنْ خَيْرٍ أَوْ شَرٍّ . ( الثَّالِثَةُ ) قَيَّدَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الرُّؤْيَا بِكَوْنِهَا مِنْ { الرَّجُلِ الصَّالِحِ } ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى { الْمُسْلِمِ } ، وَفِي أُخْرَى { الْمُؤْمِنِ } ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى { رُؤْيَا الْمُسْلِمِ يَرَاهَا أَوْ تُرَى لَهُ } وَكُلُّ ذَلِكَ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحِ فَأَمَّا ذِكْرُ الرَّجُلِ فَقَدْ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَلَا مَفْهُومَ لَهُ وَأَمَّا كَوْنُهُ مُسْلِمًا أَوْ مُؤْمِنًا أَوْ صَالِحًا فَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ لَيْسَ قَيْدًا أَيْضًا فَإِنَّهُ قَالَ وَالرُّؤْيَا إذَا لَمْ تَكُنْ مِنْ الْأَضْغَاثِ وَالْأَهَاوِيلِ فَهِيَ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ ، وَقَدْ تَكُونُ الرُّؤْيَا الصَّادِقَةُ مِنْ الْكَافِرِ وَمِنْ الْفَاسِقِ كَرُؤْيَا الْمَلِكِ الَّتِي فَسَّرَهَا يُوسُفُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرُؤْيَا الْفَتَيَيْنِ فِي السِّجْنِ وَكَرُؤْيَا بُخْتَ نَصَّرَ الَّتِي فَسَّرَهَا دَانْيَالُ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي ذَهَابِ مُلْكِهِ وَكَرُؤْيَا كِسْرَى فِي ظُهُورِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمِثْلِ رُؤْيَا عَاتِكَةَ عَمَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَمْرِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَمِثْلُ هَذَا كَثِيرٌ قَالَ : وَقَدْ قَسَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْسَامًا تُغْنِي عَنْ قَوْلِ كُلِّ قَائِلٍ فَذَكَرَ حَدِيثَ عَوْفِ بْنِ مَالِكٍ { الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ مِنْهَا أَهَاوِيلُ مِنْ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ ابْنَ آدَمَ وَمِنْهَا مَا يَهُمُّ الرَّجُلُ فِي يَقَظَتِهِ فَيَرَاهُ فِي مَنَامِهِ وَمِنْهَا جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ } ، فَقِيلَ لَهُ : أَنْتَ سَمِعْته بِهَذَا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَنَا سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَا سَمِعْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ . وَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ { الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ فَرُؤْيَا صَالِحَةٌ : بُشْرَى مِنْ اللَّهِ وَرُؤْيَا تَحْزُنُ مِنْ الشَّيْطَانِ ، وَرُؤْيَا مِمَّا يُحَدِّثُ الْمَرْءُ نَفْسَهُ } وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ كَلَامِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ : يُقَالُ : الرُّؤْيَا ثَلَاثٌ ، فَذَكَرَهُ قَالَ الْبُخَارِيُّ هُوَ أَبْيَنُ ( قُلْت ) وَتَقْسِيمُ الرُّؤْيَا إلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ لَا يُنَافِي تَقْيِيدَ الصَّادِقَةِ بِاَلَّتِي هِيَ صَادِرَةٌ عَنْ مُسْلِمٍ وَلَا يُمْكِنُ الْقَوْلُ بِأَنَّ رُؤْيَا الْكَافِرِ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الرَّاءُونَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : صَالِحٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ، وَفَاسِقٌ مِنْهُمْ ، وَكَافِرٌ مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَمَّا رُؤْيَا الصَّالِحِ فَهِيَ الَّتِي تُنْسَبُ إلَى النُّبُوَّةِ وَمَبَادِئِهَا لِأَنَّ الصَّلَاحَ جُزْءٌ مِنْهَا وَأَمَّا رُؤْيَا الْفَاسِقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهَا مُرَادَةٌ بِقَوْلِهِ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ فَإِنْ كَانَتْ مِنْ مُؤْمِنٍ فَهِيَ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ وَمَعْنَى صَلَاحِهَا اسْتِقَامَتُهَا وَانْتِظَامُهَا وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ رُؤْيَا الْفَاسِقِ لَا تُعَدُّ فِي النُّبُوَّةِ . وَأَمَّا الرُّؤْيَا مِنْ الْكَافِرِ فَقَدْ وَرَدَتْ فِي الْقُرْآنِ ، وَقَدْ كَانَ كُفَّارُ الْعَرَبِ وَالْأُمَمِ تَرَى الرُّؤْيَا الصَّحِيحَةَ وَلَا تُعَدُّ أَيْضًا فِي النُّبُوَّةِ وَلَكِنَّهَا تَدْخُلُ فِي بَابِ النَّدَارَةِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ لَا تَكُونُ الرُّؤْيَا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ إلَّا إذَا وَقَعَتْ مِنْ مُسْلِمٍ صَادِقٍ صَالِحٍ ، وَهُوَ الَّذِي يُنَاسِبُ حَالُهُ حَالَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُكْرِمَ بِنَوْعٍ مِمَّا أُكْرِمَ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ ، وَهُوَ الِاطِّلَاعُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْ مُبَشِّرَاتِ النُّبُوَّةِ إلَّا الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ فِي النَّوْمِ يَرَاهَا الرَّجُلُ الصَّالِحُ أَوْ تُرَى لَهُ } فَإِنَّ الْكَافِرَ وَالْكَاذِبَ وَالْمُخَلِّطَ ، وَإِنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاهُمْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لَا تَكُونُ مِنْ الْوَحْيِ وَلَا مِنْ النُّبُوَّةِ إذْ لَيْسَ كُلُّ مَنْ صَدَقَ فِي حَدِيثٍ عَنْ غَيْبٍ يَكُونُ خَبَرُهُ ذَلِكَ نُبُوَّةً ، وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْكَاهِنَ يُخْبِرُ بِكَلِمَةِ الْحَقِّ وَكَذَلِكَ الْمُنَجِّمُ قَدْ يُحَدِّثُ فَيَصْدُقُ وَلَكِنْ عَلَى النُّدُورِ وَالْقِلَّةِ وَكَذَلِكَ الْكَافِرُ وَالْفَاسِقُ وَالْكَاذِبُ ، وَقَدْ يَرَى الْمَنَامَ الْحَقَّ وَيَكُونُ ذَلِكَ الْمَنَامُ سَبَبًا فِي شَرٍّ يَلْحَقُهُ أَوْ أَمْرٍ يَنَالُهُ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْوُجُوهِ الْمُعْتَبَرَةِ الْمَقْصُودَةِ بِهِ ، وَقَدْ وَقَعَتْ لِبَعْضِ الْكُفَّارِ مَنَامَاتٌ صَحِيحَةٌ صَادِقَةٌ كَمَنَامِ الْمَلِكِ الَّذِي رَأَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ وَمَنَامِ الْفَتَيَيْنِ فِي السِّجْنِ وَمَنَامِ عَاتِكَةَ عَمَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ كَافِرَةٌ وَنَحْوُهُ كَثِيرٌ لَكِنَّ ذَلِكَ قَلِيلٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَنَامَاتِهِمْ الْمُخَلَّطَةِ وَالْفَاسِدَةِ انْتَهَى . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَأَنَا أَقُولُ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ يُشِيرُ إلَى عُمُومِ صِدْقِ الرُّؤْيَا فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَأَنَّ صِدْقَهَا لَا يَخْتَصُّ بِصَالِحٍ مِنْ طَالِحٍ ، وَهُوَ بَيِّنٌ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ ( { جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ } ) هِيَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ كَمَا قَالَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إنَّهَا الْأَكْثَرُ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَحَكَى أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ الْمَازِرِيِّ أَنَّهَا الْأَكْثَرُ وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى ذَلِكَ فِي الْمُعَلِّمِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الْإِكْمَالِ لِلْقَاضِي وَكَأَنَّهُ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا { جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَأَرْبَعِينَ } وَهِيَ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْهُ وَاَلَّذِي فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ سِيرِينَ أَيْضًا وَكَذَا هُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ { مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ } ، وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ وَهَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ وَغَيْرِهِمْ وَكَذَا هُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِلَفْظِ { خَمْسَةٍ } وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ بِلَفْظِ { سَبْعِينَ } وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا } وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا يُخْتَلَفُ فِي صِحَّتِهِ قَالَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ قَالَ وَرَوَى عَاصِمُ بْنُ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَهُ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ { مِنْ تِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ } قَالَ وَأَخْطَأَ فِيهِ رِشْدِينُ بْنُ سَعْدٍ قَالَ وَرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { جُزْءًا مِنْ أَرْبَعَةٍ وَأَرْبَعِينَ } بِإِسْنَادٍ فِيهِ لِينٌ ، ثُمَّ رُوِيَ بِإِسْنَادٍ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْرَجِ عَنْ سَلْمَانَ بْنِ غَرِيبٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ { سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ } . قَالَ سَلْمَانُ فَحَدَّثْت بِهِ ابْنَ عَبَّاسٍ فَقَالَ مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ فَقُلْت إنِّي سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ إنَّنِي سَمِعْت { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ جُزْءًا مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ } فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ سَمِعْت الْعَبَّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ مِنْ الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ خَمْسِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ، وَقَدْ حَدَّثَ هَذَا الْحَدِيثَ أَبُو سَلَمَةَ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ عُمَرُ لَوْ كَانَتْ جُزْءًا مِنْ عَدَدِ الْحَصَا لَرَأَيْتهَا صِدْقًا ، ثُمَّ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ الْمُخْتَارِ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا { رُؤْيَا الْمُؤْمِنِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ } ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَزِينٍ الْعُقَيْلِيِّ بِلَفْظِ { جُزْءٍ مِنْ أَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ } وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ حَدِيثَ أَبِي رَزِينٍ بِهَذَا اللَّفْظِ وَبِلَفْظِ { جُزْءٍ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ } فَهَذِهِ ثَمَانِ رِوَايَاتٍ أَقَلُّهَا مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ وَأَكْثَرُهَا سَبْعُونَ وَأَصَحُّهَا وَأَشْهَرُهَا سِتَّةٌ وَأَرْبَعُونَ فَإِنْ مِلْنَا إلَى التَّرْجِيحِ فَرِوَايَةُ السِّتَّةِ وَالْأَرْبَعِينَ أَصَحُّ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ أَكْثَرُهَا فِي الصَّحِيحَيْنِ وَكُلُّهَا مَشْهُورٌ فَلَا سَبِيلَ إلَى أَخْذِ أَحَدِهَا وَطَرْحِ الْبَاقِي كَمَا فَعَلَ الْمَازِرِيُّ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ بَعْضُ مَا تَرَكَ أَوْلَى مِمَّا قَبِلَ إذَا بَحَثْنَا عَنْ رِجَالِ أَسَانِيدِهَا وَرُبَّمَا تَرَجَّحَ عِنْدَ غَيْرِهِ غَيْرُ مَا اخْتَارَهُ هُوَ انْتَهَى . وَهُوَ اسْتِرْوَاحٌ وَرَدٌّ بِغَيْرِ نَظَرٍ وَكَشْفٍ ، وَقَدْ عَرَفْت بِتَفْصِيلِ مَا ذَكَرْنَاهُ أَنَّ الْأَشْهَرَ وَالْأَصَحَّ رِوَايَةُ السِّتَّةِ وَالْأَرْبَعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَإِنْ سَلَكْنَا طَرِيقَ الْجَمْعِ فَفِي ذَلِكَ أَوْجُهٌ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّ ذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ حَالِ صَاحِبِ الرُّؤْيَا قَالَ الْمَازِرِيُّ أَشَارَ الطَّبَرِيُّ إلَى أَنَّ هَذَا الِاخْتِلَافَ رَاجِعٌ إلَى اخْتِلَافِ حَالِ الرَّائِي فَالْمُؤْمِنُ الصَّالِحُ تَكُونُ نِسْبَةُ رُؤْيَاهُ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ وَالْفَاجِرُ مِنْ سَبْعِينَ وَلِهَذَا لَمْ يُشْتَرَطْ فِي رِوَايَةِ السَّبْعِينَ فِي وَصْفِ الرَّائِي مَا اُشْتُرِطَ فِي وَصْفِ الرَّائِي فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِيهِ مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ مِنْ كَوْنِهِ صَالِحًا وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَيْسَ ذَلِكَ عِنْدِي بِاخْتِلَافِ تَضَادٍّ وَتَدَافُعٍ لِأَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَسَبِ مَا يَكُونُ الَّذِي يَرَاهَا مِنْ صِدْقِ الْحَدِيثِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَالدِّينِ الْمَتِينِ وَحُسْنِ الْيَقِينِ فَمَنْ خَلَصَتْ لَهُ نِيَّةٌ فِي عِبَادَةِ رَبِّهِ وَيَقِينِهِ وَصِدْقِ حَدِيثِهِ كَانَتْ رُؤْيَاهُ أَصْدَقَ وَإِلَى النُّبُوَّةِ أَقْرَبَ كَمَا أَنَّ الْأَنْبِيَاءَ يَتَفَاضَلُونَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا فِيهِ بُعْدٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ صِحَّةِ حَمْلِ مُطْلَقِ الرِّوَايَاتِ عَلَى مُقَيَّدِهَا وَبِمَا قَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ جُزْءٌ مِنْ أَرْبَعِينَ وَسَكَتَ فِيهِ عَنْ ذِكْرِ وَصْفِ الرَّائِي وَكَذَلِكَ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو حِينَ ذَكَرَ سَبْعَةً وَأَرْبَعِينَ وَحَدِيثُ الْعَبَّاسِ حِينَ ذَكَرَ خَمْسِينَ قُلْت كَذَا رَأَيْته فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ سَبْعَةً وَأَرْبَعِينَ ، وَهُوَ سَبْقُ قَلَمٍ وَإِنَّمَا فِيهِ مِنْ تِسْعَةٍ وَأَرْبَعِينَ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( ثَانِيهَا ) قَالَ الْمَازِرِيُّ بَعْدَ كَلَامِهِ الْمُتَقَدِّمِ وَقِيلَ إنَّ الْمَنَامَاتِ دَلَالَاتٌ وَالدَّلَالَاتُ مِنْهَا خَفِيٌّ وَمِنْهَا جَلِيٌّ فَمَا ذَكَرَ فِيهِ السَّبْعِينَ يُرِيدُ الْخَفِيَّ مِنْهَا وَمَا ذَكَرَ فِيهِ السِّتَّةَ وَالْأَرْبَعِينَ يُرِيدُ بِهِ الْجَلِيَّ مِنْهَا . ( ثَالِثُهَا ) أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَنَامَ الصَّادِقَ خَصْلَةٌ مِنْ خِصَالِ النُّبُوَّةِ كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ { التُّؤَدَةُ وَالِاقْتِصَادُ وَحُسْنُ السَّمْتِ جُزْءٌ مِنْ سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ } أَيْ النُّبُوَّةُ مَجْمُوعَةُ خِصَالٍ تَبْلُغُ أَجْزَاؤُهَا سِتَّةً وَعِشْرِينَ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ أَشْيَاءَ جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْهَا وَعَلَى مُقْتَضَى هَذِهِ التَّجْزِئَةِ كُلُّ جُزْءٍ مِنْ السِّتَّةِ وَالْعِشْرِينَ ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ فِي نَفْسِهِ فَإِذَا ضَرَبْنَا ثَلَاثَةً فِي سِتَّةٍ وَعِشْرِينَ صَحَّ لَنَا أَنَّ عَدَدَ خِصَالِ النُّبُوَّةِ مِنْ حَيْثُ آحَادِهَا ثَمَانِيَةٌ وَسَبْعُونَ وَيَصِحُّ أَنْ نُسَمِّيَ كُلَّ اثْنَيْنِ مِنْ الثَّمَانِيَةِ وَالسَّبْعِينَ جُزْءًا خَصْلَةً فَيَكُونُ جَمِيعُهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ تِسْعَةً وَثَلَاثِينَ وَيَصِحُّ أَنْ تُسَمَّى كُلُّ أَرْبَعَةٍ مِنْهَا جُزْءًا فَيَكُونُ مَجْمُوعُ أَجْزَائِهَا بِهَذَا الِاعْتِبَارِ تِسْعَةَ عَشَرَ جُزْءًا وَنِصْفَ جُزْءٍ فَتَخْتَلِفُ أَسْمَاءُ الْعَدَدِ الْمُجَزِّئِ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ اعْتِبَارِ الْأَجْزَاءِ . وَعَلَى هَذَا لَا يَكُونُ اخْتِلَافُ أَعْدَادِ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فِي أَحَادِيثِ الرُّؤْيَا الْمَذْكُورَةِ اضْطِرَابًا وَإِنَّمَا هُوَ اخْتِلَافُ اعْتِبَارِ مَقَادِيرِ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ الْمَذْكُورَةِ ذَكَرَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَقَالَ أَنَّهُ أَشْبَهَ مَا ذَكَرَ فِي ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ لَمْ تَثْلُجْ النَّفْسُ بِهِ وَلَا طَابَ لَهَا انْتَهَى كَلَامُهُ وَذَكَرَهُ قَبْلَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِأَخْصَرَ مِنْهُ . ( رَابِعُهَا ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَيْضًا يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ التَّجْزِئَةُ فِي طُرُقِ الْوَحْيِ إذْ مِنْهُ مَا سُمِعَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى دُونَ وَاسِطَةٍ كَمَا قَالَ { أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ } وَمِنْهُ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ كَمَا قَالَ { أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا } وَمِنْهُ مَا يُلْقَى فِي الْقَلْبِ كَمَا قَالَ { إلَّا وَحْيًا } أَيْ إلْهَامًا وَهَذَا حَصْرٌ لَهَا ، ثُمَّ فِيهِ مَا يَأْتِيهِ الْمَلَكُ عَلَى صُورَتِهِ وَمِنْهُ مَا يَأْتِيهِ عَلَى صُورَةِ آدَمِيٍّ يَعْرِفُهُ وَمِنْهُ مَا يَتَلَقَّاهُ مِنْهُ ، وَهُوَ لَا يَعْرِفُهُ ، وَمِنْهُ مَا يَأْتِيهِ بِهِ فِي مَنَامِهِ بِحَقِيقَةٍ كَقَوْلِهِ الرَّجُلُ مَطْبُوبٌ وَمِنْهُ مَا يَأْتِيهِ فِي مِثْلِ صَلْصَلَةِ الْجَرَسِ وَمِنْهُ مَا يُلْقِيهِ رُوحُ الْقُدُسِ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا وَقَفْنَا عَلَيْهِ وَمَا لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ فَتَكُونُ تِلْكَ الْحَالَاتُ إذَا عُدِّدَتْ غَايَتُهَا انْتَهَتْ إلَى سَبْعِينَ . قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَلَا يَخْفَى مَا فِي هَذَا الْوَجْهِ مِنْ الْبُعْدِ وَالتَّسَاهُلِ فَإِنَّ تِلْكَ الْأَعْدَادَ كُلَّهَا إنَّمَا هِيَ أَجْزَاءُ النُّبُوَّةِ وَأَكْثَرُ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الَّتِي ذَكَرْت هُنَا لَيْسَتْ مِنْ النُّبُوَّةِ فِي شَيْءٍ كَكَوْنِهِ يَعْرِفُ الْمَلَكَ أَوْ لَا يَعْرِفُهُ أَوْ يَأْتِيهِ عَلَى صُورَتِهِ أَوْ غَيْرِ صُورَتِهِ ، ثُمَّ مَعَ هَذَا التَّكَلُّفِ الْعَظِيمِ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَبْلُغَ عَدَدَ مَا ذَكَرَ إلَى ثَلَاثِينَ انْتَهَى . ( خَامِسُهَا ) قَالَ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا ظَهَرَ لِي وَجْهٌ خَامِسٌ وَأَنْ أَسْتَخِيرَ اللَّهَ فِي ذِكْرِهِ ، وَهُوَ أَنَّ النُّبُوَّةَ مَعْنَاهَا أَنْ يُطْلِعَ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ مِنْ خَلْقِهِ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنْ أَحْكَامِهِ وَوَحْيِهِ إمَّا بِالْمُشَافَهَةِ وَإِمَّا بِوَاسِطَةِ مَلَكٍ أَوْ بِإِلْقَاءٍ فِي الْقَلْبِ لَكِنَّ هَذَا الْمَعْنَى الْمُسَمَّى بِالنُّبُوَّةِ لَا يَخُصُّ اللَّهُ بِهِ إلَّا مَنْ خَصَّهُ بِصِفَاتِ كَمَالِ نَوْعِهِ مِنْ مَعَارِفِ الْعُلُومِ وَالْفَضَائِلِ وَالْآدَابِ وَنَزَّهَهُ عَنْ نَقَائِضِ ذَلِكَ فَأَطْلَقَ عَلَى تِلْكَ الْخِصَالِ نُبُوَّةً كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { التُّؤَدَةُ وَالِاقْتِصَارُ وَالسَّمْتُ الْحَسَنُ جُزْءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ } أَيْ مِنْ خِصَالِ الْأَنْبِيَاءِ لَكِنَّ الْأَنْبِيَاءَ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ مُتَفَاضِلُونَ كَمَا قَالَ تَعَالَى { وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ } وَقَالَ { تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ } فَتَفَاضُلُهُمْ بِحَسَبِ مَا وَهَبَ لِكُلِّ مِنْهُمْ مِنْ تِلْكَ الصِّفَاتِ وَشَرُفَ بِهِ مِنْ تِلْكَ الْحَالَاتِ وَكُلٌّ مِنْهُمْ الصِّدْقُ أَعْظَمُ صِفَتِهِ فِي نَوْمِهِ وَيَقَظَتِهِ وَكَانُوا تَنَامُ أَعْيُنُهُمْ وَلَا تَنَامُ قُلُوبُهُمْ فَنَائِمُهُمْ يَقْظَانُ وَوَحْيُهُمْ فِي النَّوْمِ وَالْيَقَظَةِ سِيَّانِ فَمَنْ نَاسَبَهُمْ فِي الصِّدْقِ حَصَلَ مِنْ رُؤْيَاهُ عَلَى الْحَقِّ غَيْرَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ فِي مَقَامَاتِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ مُتَفَاضِلِينَ وَكَانَ كَذَلِكَ أَتْبَاعُهُمْ مِنْ الصَّادِقِينَ وَكَانَ أَقَلُّ خِصَالِ كَمَالِ الْأَنْبِيَاءِ مَا إذَا اُعْتُبِرَتْ كَانَتْ سِتًّا وَعِشْرِينَ جُزْءًا وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ ذَلِكَ سَبْعِينَ وَبَيْنَ الْعَدَدَيْنِ مَرَاتِبُ مُخْتَلِفَةٌ بِحَسَبِ مَا اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُ تِلْكَ الْأَحَادِيثِ وَعَلَى هَذَا فَمَنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فِي صَلَاحِهِ وَصِدْقِهِ عَلَى رُتْبَةٍ تُنَاسَبُ كَمَالَ نَبِيٍّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ كَانَتْ رُؤْيَاهُ جُزْءًا مِنْ نُبُوَّةِ ذَلِكَ النَّبِيِّ وَكِمَالَاتُهُمْ مُتَفَاضِلَةٌ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فَنِسْبَةُ أَجْزَاءِ مَنَامَاتِ الصَّادِقِينَ مُتَفَاوِتَةٌ عَلَى مَا فَصَّلْنَاهُ وَبِهَذَا الَّذِي أَظْهَرَهُ اللَّهُ لَنَا يَرْتَفِعُ الِاضْطِرَابُ وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ لِلصَّوَابِ ا هـ . ( الْخَامِسَةُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ كَانَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ يَقُولُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ { جُزْءًا مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ } قَوْلًا لَا يَكَادُ يَتَحَقَّقُ مِنْ طَرِيقِ الْبُرْهَانِ ، قَالَ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَقِيَ مُنْذُ أَوَّلِ مَا بُدِئَ بِالْوَحْيِ إلَى أَنْ تُوُفِّيَ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً مِنْهَا بِمَكَّةَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً وَبِالْمَدِينَةِ عَشْرَ سِنِينَ وَكَانَ يُوحَى إلَيْهِ فِي مَنَامِهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ بِمَكَّةَ سِتَّةَ أَشْهُرٍ وَهِيَ نِصْفُ سَنَةٍ فَصَارَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ جُزْءًا مِنْ سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ زَمَانِ النُّبُوَّةِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَهَذَا ، وَإِنْ كَانَ وَجْهًا قَدْ يَحْتَمِلُهُ قِسْمَةُ الْحِسَابِ وَالْعَدَدِ فَإِنَّ أَوَّلَ مَا يَجِبُ فِيهِ أَنْ يَثْبُتَ مَا قَالَهُ مِنْ ذَلِكَ خَبَرًا وَرِوَايَةً ، وَلَمْ نَسْمَعْ فِيهِ خَبَرًا وَلَا ذِكْرَ قَائِلٍ فِي هَذِهِ الْمَقَالَةِ فِيمَا بَلَغَنِي عَنْهُ فِي ذَلِكَ أَثَرًا فَكَأَنَّهُ ظَنٌّ وَحُسْبَانُ الظَّنِّ لَا يُغْنِي مِنْ الْحَقِّ شَيْئًا وَلَئِنْ كَانَتْ هَذِهِ الْمُدَّةُ مَحْسُوبَةً مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مِنْ هَذِهِ الْقِسْمَةِ لَقَدْ كَانَ يَجِبُ أَنْ يُلْحِقَ بِهَا سَائِرَ الْأَوْقَاتِ الَّتِي كَانَ يُوحَى إلَيْهِ فِي مَنَامِهِ فِي تَضَاعِيفِ أَيَّامِ حَيَاتِهِ وَأَنْ تُلْتَقَطَ فَتُلَفَّقُ وَيُزَادُ فِي أَصْلِ الْحِسَابِ وَإِذَا صِرْنَا إلَى هَذَا بَطَلَتْ هَذِهِ الْقِسْمَةُ ، وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَرَى الرُّؤْيَا فِي أُمُورِ الشَّرِيعَةِ وَمُهِمَّاتِ الدِّينِ فَيَقُصُّهَا عَلَى أَصْحَابِهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ عِدَّةَ أَحَادِيثَ مِنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ قَالَ وَكَانَ بَعْضُ الشَّرِيعَةِ عَنْ رُؤْيَا بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَرُؤْيَا عُمَرَ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ الْأَذَانِ فَكَانَ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْوَحْيِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَعْلَى مِنْ هَذَا كُلِّهِ مَا نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ مِنْ رُؤْيَا الْفَتْحِ فِي قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { لَقَدْ صَدَقَ اللَّهُ رَسُولَهُ الرُّؤْيَا بِالْحَقِّ } وَقَالَ { وَمَا جَعَلْنَا الرُّؤْيَا الَّتِي أَرَيْنَاك إلَّا فِتْنَةً لِلنَّاسِ } وَلَيْسَ كُلُّ مَا تَخْفَى عَلَيْنَا عِلَّتُهُ لَا تَلْزَمُنَا حُجَّتُهُ وَهَذَا كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ { إنَّ الْهَدْيَ الصَّالِحَ وَالسَّمْتَ الصَّالِحَ جُزْءٌ مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا مِنْ النُّبُوَّةِ } وَحَصْرُ النُّبُوَّةِ مُتَعَذِّرٌ لَا يُمْكِنُ الْوُقُوفُ عَلَيْهِ وَإِنَّمَا هُمَا مِنْ هَدْيِ الْأَنْبِيَاءِ وَشَمَائِلِهِمْ فَكَذَلِكَ الْأَمْرُ فِي الرُّؤْيَا وَمَعْنَى الْحَدِيثِ تَحْقِيقُ أَمْرِ الرُّؤْيَا وَأَنَّهَا مِمَّا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ يُثْبِتُونَهُ وَيُحَقِّقُونَهُ وَأَنَّهَا كَانَتْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ الْعِلْمِ الَّذِي كَانَ يَأْتِيهِمْ وَالْأَنْبَاءِ الَّتِي كَانَ يَنْزِلُ بِهَا الْوَحْيُ عَلَيْهِمْ انْتَهَى . وَذَكَرَ الْمَازِرِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ مُخْتَصَرًا ، ثُمَّ قَالَ وَلَا وَجْهَ عِنْدِي لِلِاعْتِرَاضِ بِمَا كَانَ مِنْ الْمَنَامَاتِ خِلَالَ زَمَنِ الْوَحْيِ لِأَنَّ الْأَشْيَاءَ تُوصَفُ بِمَا يَغْلِبُ عَلَيْهَا وَتُنْسَبُ إلَى الْأَكْثَرِ مِنْهَا فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ السِّتَّةُ أَشْهُرٍ مُخْتَصَّةً بِالْمَنَامَاتِ وَالثَّلَاثُ وَالْعِشْرُونَ سَنَةً جُلُّهَا وَحْيٌ وَإِنَّمَا فِيهَا مَنَامَاتٌ قَلِيلَةٌ وَشَيْءٌ يَسِيرٌ يُعَدُّ عَدًّا صَحَّ أَنْ يَطَّرِدَ الْأَقَلُّ فِي حُكْمِ النِّسْبَةِ وَالْحِسَابِ ، ثُمَّ قَالَ الْمَازِرِيُّ وَيَحْتَمِلُ عِنْدِي أَنْ يُرَادَ بِالْحَدِيثِ وَجْهٌ آخَرُ ، وَهُوَ أَنَّ ثَمَرَةَ الْمَنَامَاتِ الْخَبَرُ بِالْغَيْبِ لَا أَكْثَرُ ، وَإِنْ كَانَ يَتْبَعُ ذَلِكَ إنْذَارَاتٌ وَبُشْرَى وَالْإِخْبَارُ بِالْغَيْبِ أَحَدُ ثَمَرَاتِ النُّبُوَّةِ وَأَحَدُ فَوَائِدِهَا ، وَهُوَ فِي جَنْبِ فَوَائِدِ النُّبُوَّةِ وَالْمَقْصُودِ مِنْهَا يَسِيرٌ لِأَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يُبْعَثَ نَبِيٌّ يُشَرِّعُ الشَّرَائِعَ وَيُثْبِتُ الْأَحْكَامَ وَلَا يُخْبِرُ بِغَيْبٍ أَبَدًا وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ قَادِحًا فِي نُبُوَّتِهِ وَلَا مُبْطِلًا لِلْمَقْصُودِ مِنْهَا وَهَذَا الْجُزْءُ مِنْ النُّبُوَّةِ ، وَهُوَ الْإِخْبَارُ بِالْغَيْبِ لَا يَكُونُ إلَّا صِدْقًا وَالرُّؤْيَا بِمَا دَلَّتْ عَلَى شَيْءٍ وَلَا يَقَعُ لِكَوْنِهَا مِنْ الشَّيْطَانِ أَوْ مِنْ حَدِيثِ النَّفْسِ أَوْ مِنْ غَلَطِ الْعَابِرِ فِي الْعِبَارَةِ فَصَارَ الْخَبَرُ بِالْغَيْبِ أَحَدَ ثَمَرَاتِ النُّبُوَّةِ ، وَهُوَ غَيْرُ مَقْصُودٍ مِنْهَا وَلَكِنَّهُ لَا يَقَعُ إلَّا حَقًّا وَثَمَرَةُ الْمَنَامِ الْإِخْبَارُ بِالْغَيْبِ وَلَكِنَّهُ قَدْ لَا يَقَعُ صِدْقًا فَتُقَدَّرُ النِّسْبَةُ فِي هَذَا بِقَدْرِ مَا قَدَّرَهُ الشَّرْعُ بِهَذَا الْعَدَدِ عَلَى حَسَبِ مَا أَطْلَعَهُ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلِأَنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ حَقَائِقِ نُبُوَّتِهِ مَا لَا نَعْلَمُهُ نَحْنُ انْتَهَى . ( فَإِنْ قُلْت ) قَدْ شَارَكَ الْمَنَامُ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ الْغَيْبِ الْإِلْقَاءُ فِي الرَّوْعِ ، وَهُوَ مِنْ أَقْسَامِ الْوَحْيِ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ وَيَقَعُ مِثْلُهُ لِمَنْ شَاءَ اللَّهُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ مُحَدِّثُونَ أَيْ مُلْهَمُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ فَإِنْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْأَمَةِ أَحَدٌ فَعُمَرُ } فَمَا وَجْهُ الْحَصْرِ فِي الْمَنَامِ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَمْ يَبْقَ مِنْ النُّبُوَّةِ إلَّا الْمُبَشِّرَاتُ قَالُوا وَمَا الْمُبَشِّرَاتُ قَالَ الرُّؤْيَا الصَّالِحَةُ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ كُرْزٍ الْكَعْبِيَّةِ { ذَهَبَتْ النُّبُوَّةُ وَبَقِيَتْ الْمُبَشِّرَاتُ } ( قُلْت ) الْمَنَامُ يَرْجِعُ إلَى قَوَاعِدَ مُقَرَّرَةٍ وَلَهُ تَأْوِيلَاتٌ مَعْرُوفَةٌ وَيَقَعُ لِآحَادِ الْمُسْلِمِينَ بِخِلَافِ الْإِلْقَاءِ فِي الرَّوْعِ لَا يَكُونُ إلَّا لِلْخَوَاصِّ وَلَا يَرْجِعُ إلَى قَاعِدَةٍ يُمَيِّزُ بِهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَمَّةِ الشَّيْطَانِ وَإِنَّمَا يَعْرِفُ ذَلِكَ أَهْلُ الْوِلَايَةِ ، وَقَدْ قَالَ بَعْضُهُمْ إنَّ الْخَاطِرَ الَّذِي مِنْ الْمَلَكِ مُسْتَقِرٌّ غَيْرُ مُضْطَرِبٍ بِخِلَافِ الْخَاطِرِ الشَّيْطَانِيِّ فَإِنَّهُ مُضْطَرِبٌ لَا اسْتِقْرَارَ لَهُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ أَجْزَاءُ النُّبُوَّةِ لَا يَعْلَمُهَا بَشَرٌ إلَّا الْأَنْبِيَاءُ وَمَنْ أُوتِيَ ذَلِكَ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ، ثُمَّ حُكِيَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تُقَسَّمَ النُّبُوَّةُ أَجْزَاءً تَبْلُغُ إلَى سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ فَتَكُونُ الرُّؤْيَا جُزْءًا مِنْهَا قَالَ فَقُلْت لَهُ مَا تَفْعَلُ بِالْخَمْسِ وَالْأَرْبَعِينَ وَالسَّبْعِينَ وَلَا تُنْسَبُ السِّتَّةُ وَالْأَرْبَعُونَ مِنْ السَّبْعِينَ بِنِسْبَةٍ عَدَدِيَّةٍ ، وَإِنْ انْتَسَبَتْ الْخَمْسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ مِنْهَا وَالْقَدْرُ الَّذِي أَرَادَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُبَيِّنَ أَنَّ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ فِي الْجُمْلَةِ لَنَا لِأَنَّهَا اطِّلَاعٌ عَلَى الْغَيْبِ وَتَفْصِيلُ النِّسْبَةِ يَخْتَصُّ بِهِ دَرَجَةُ النُّبُوَّةِ انْتَهَى . ( قُلْت ) وَلَا يُمْكِنُ إلْغَاءُ النِّسْبَةِ بَعْدَ ذِكْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا وَغَايَتُهُ أَنْ لَا يَصِلَ عِلْمُنَا إلَى حَقِيقَةِ ذَلِكَ فَنُؤْمِنُ بِهِ وَنَكِلُ عِلْمَهُ إلَى عَالَمِهِ ، وَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ لَا يَلْزَمُ الْعُلَمَاءُ أَنْ تَعْرِفَ كُلَّ شَيْءٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا ، وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ لِلْعُلَمَاءِ حَدًّا تَقِفُ عِنْدَهُ فَمِنْهَا مَا لَا نَعْلَمُهُ أَصْلًا وَمِنْهَا مَا نَعْلَمُهُ جُمْلَةً لَا تَفْصِيلًا وَهَذَا مِنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) لَا يُتَخَيَّلُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ رُؤْيَا الصَّالِحِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فَإِنَّ الرُّؤْيَا إنَّمَا هِيَ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فِي حَقِّ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ السَّلَامُ وَلَيْسَتْ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ لِغَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ جُزْءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ وَإِنَّمَا الْمَعْنَى أَنَّ الرُّؤْيَا الْوَاقِعَةَ لِلصَّالِحِ تُشْبِهُ الرُّؤْيَا الْوَاقِعَةَ لِلْأَنْبِيَاءِ الَّتِي هِيَ فِي حَقِّهِمْ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فَأَطْلَقَ أَنَّهَا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَإِنَّمَا كَانَتْ مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ فِي الْأَنْبِيَاءِ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ دُونَ غَيْرِهِمْ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ يُوحَى إلَيْهِمْ فِي مَنَامِهِمْ كَمَا يُوحَى إلَيْهِمْ فِي الْيَقَظَةِ ، ثُمَّ قَالَ وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مَعْنَاهُ أَنَّ الرُّؤْيَا تَجِيءُ عَلَى مُوَافَقَةِ النُّبُوَّةِ لَا أَنَّهَا جُزْءٌ بَاقٍ مِنْ النُّبُوَّةِ وَقَالَ آخَرُ مَعْنَاهُ إنَّهَا جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ عِلْمِ النُّبُوَّةِ وَعِلْمُ النُّبُوَّةِ بَاقٍ وَالنُّبُوَّةُ غَيْرُ بَاقِيَةٍ انْتَهَى . . ( فَإِنْ قُلْت ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قِيلَ لِمَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ أَيَعْبُرُ الرُّؤْيَا كُلُّ أَحَدٍ ؟ فَقَالَ أَبِالنُّبُوَّةِ يُلْعَبُ ؟ قِيلَ لَهُ فَهَلْ يَعْبُرُهَا عَلَى الْخَيْرِ وَهِيَ عِنْدَهُ عَلَى الْمَكْرُوهِ لِقَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهَا عَلَى مَا أُوِّلَتْ عَلَيْهِ ، قَالَ لَا ، ثُمَّ قَالَ الرُّؤْيَا جُزْءٌ مِنْ النُّبُوَّةِ فَلَا يُتَلَاعَبُ بِالنُّبُوَّةِ انْتَهَى . وَظَاهِرُهُ مُخَالِفٌ لِمَا قَرَرْتُمْ ( قُلْت ) لَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلِهِ وَصَرْفِهِ عَنْ ظَاهِرِهِ كَمَا أَوَّلْنَا الْحَدِيثَ وَمَعْنَاهُ أَنَّهَا لَمَّا أَشْبَهَتْ النُّبُوَّةَ فِي الِاطِّلَاعِ عَلَى الْغَيْبِ بِخَلْقِ إدْرَاكٍ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى لَمْ يُتَلَاعَبْ بِهَا ، وَلَمْ يُتَكَلَّمْ فِيهَا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَمَا لَا يُخَاضُ فِي النُّبُوَّةِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّ لَلرَّوِيَّا مَلَكًا وَهَذَا مِنْ مَعْنَى النُّبُوَّةِ لِأَنَّ لَفْظَ النَّبِيِّ قَدْ يَكُونُ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ كَجَرِيحٍ أَيْ يُعَلِّمُ اللَّهُ رَسُولَهُ وَيُطْلِعُهُ مِنْ غَيْبِهِ فِي مَنَامِهِ عَلَى مَا لَا يُظْهِرُ عَلَيْهِ أَحَدًا إلَّا مَنْ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ ، وَقَدْ يَكُونُ نَبِيٌّ فَعِيلَا بِمَعْنَى فَاعِلٍ كَعَلِيمٍ أَيْ يُعْلِمُ غَيْرَهُ بِمَا أُوحِيَ إلَيْهِ وَهَذَا أَيْضًا صُورَةُ صَاحِبِ الرُّؤْيَا . ( السَّادِسَةُ ) قَدْ يُفْهَمُ مِنْ كَوْنِ الرُّؤْيَا جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ النُّبُوَّةِ ، وَلَمْ يَذْكُرُ أَنَّهَا جُزْءٌ مِنْ الرِّسَالَةِ أَنَّهُ لَا يُعْتَمَدُ عَلَيْهَا فِي إثْبَاتِ حُكْمٍ ، وَإِنْ أَفَادَتْ الِاطِّلَاعَ عَلَى غَيْبٍ فَشَأْنُ النُّبُوَّةِ الِاطِّلَاعُ عَلَى الْغَيْبِ وَشَأْنُ الرِّسَالَةِ تَبْلِيغُ الْأَحْكَامِ لِلْمُكَلَّفِينَ وَيَتَرَتَّبُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَوْ أَخْبَرَ صَادِقٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النَّوْمِ بِحُكْمٍ شَرْعِيٍّ مُخَالِفٍ لِمَا تَقَرَّرَ فِي الشَّرِيعَةِ لَمْ نَعْتَمِدْهُ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ نَقْصُ الرَّائِي لِعَدَمِ ضَبْطِهِ ، وَقَدْ حُكِيَ عَنْ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّ شَخْصًا قَالَ لَهُ لَيْلَةَ شَكٍّ رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لِي صُمْ غَدًا أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ الْقَاضِي قَدْ قَالَ لَنَا فِي الْيَقَظَةِ لَا تَصُومُوا غَدًا فَنَحْنُ نَعْتَمِدُ ذَلِكَ أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ الْإِجْمَاعَ عَلَى عَدَمِ اعْتِمَادِ الْمَنَامِ فِي ذَلِكَ وَقَالَ شَيْخُنَا الْإِمَام جَمَالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْإِسْنَوِيُّ وَرَأَيْت فِي مَجْمُوعِ عَتِيقٍ مَنْسُوبٍ لِابْنِ الصَّلَاحِ عَنْ كِتَابِ آدَابِ الْجَدَلِ لِلْأُسْتَاذِ أَبِي إِسْحَاقَ الْإسْفَرايِينِيّ حِكَايَةَ وَجْهَيْنِ فِي وُجُوبِ امْتِثَالِ الْأَوَامِرِ الْمَحْكِيَّةِ عَنْهُ فِي الْمَنَامِ ( قُلْتُ ) وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ مَحَلَّهُمَا مَا لَمْ يُخَالِفْ شَرْعًا مُقَرَّرًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيت بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَ فِي يَدَيَّ سُوَارَانِ فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي فَأُوحِيَ إلَيَّ أَنْ أَنْفُخَهُمَا فَنَفَخْتهمَا فَذَهَبَا فَأَوَّلْتُهُمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ } . الْحَدِيثُ الثَّانِي وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيت بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَ فِي يَدَيَّ سُوَارَانِ فَكَبُرَا عَلَيَّ وَأَهَمَّانِي فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيَّ أَنْ أَنْفُخَهُمَا فَنَفَخْتهمَا فَذَهَبَا فَأَوَّلْتهمَا الْكَذَّابَيْنِ اللَّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ { سُوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ } وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ { مِنْ ذَهَبٍ } ، وَفِيهِ { فَأَوَّلْتهمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ بَعْدِي أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيُّ وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةُ } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ { فَكَانَ أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيَّ صَاحِبُ صَنْعَاءَ وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةُ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ } وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ غَرِيبٌ وَكَأَنَّهُ أَرَادَ اسْتِغْرَابَ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّ رِوَايَتَهُ عَنْهُ قَلِيلَةٌ وَلَيْسَ لَهُ عَنْهُ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ سِوَى هَذَا الْحَدِيثِ وَحَدِيثٍ آخَرَ فِي التَّعْبِيرِ أَيْضًا فِي قِصَّةِ الرُّؤْيَا الَّتِي عَبَّرَهَا الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ إنَّهُ مِنْ الْمُدَبَّجِ فِي رِوَايَةِ الصَّحَابِيِّ عَنْ الصَّحَابِيِّ ( قُلْت ) وَالِاصْطِلَاحُ فِي الْمُدَبَّجِ أَنْ يَرْوِيَ كُلٌّ مِنْ الْقَرِينَيْنِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِالصَّحَابَةِ عَنْ الْآخَرِ فَمُجَرَّدُ رِوَايَةِ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يُعَدُّ مِنْ الْمُدَبَّجِ فِي اصْطِلَاحِ الْمُحَدِّثِينَ إلَّا أَنْ يَكُونَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ رِوَايَةٌ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَلَا نَعْلَمُهُ وَأَخْرَجَ ابْنُ مَاجَهْ هَذَا الْحَدِيثَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيت بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ } قَالَ الْخَطَّابِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إشَارَةً إلَى مَا فُتِحَ لِأُمَّتِهِ مِنْ الْمَمَالِكِ فَغَنِمُوا أَمْوَالَهَا وَاسْتَبَاحُوا خَزَائِنَ مُلُوكِهَا الْمُدَّخَرَةَ كَخَزَائِنِ كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَغَيْرِهِمَا مِنْ الْمُلُوكِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ مَعَادِنَ الْأَرْضِ الَّتِي فِيهَا الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ وَأَنْوَاعُ الْفِلِزَّاتِ ، وَهُوَ بِكَسْرِ الْفَاءِ وَاللَّامِ وَتَشْدِيدِ الزَّايِ مَا يَنْفِيهِ الْكِيرُ مِمَّا يُذَابُ مِنْ جَوَاهِرِ الْأَرْضِ قَالَهُ فِي الصِّحَاحِ قَالَ الْخَطَّابِيُّ جُعِلَتْ فِي يَدِهِ بِمَعْنَى الْمُعَدَّةِ أَيْ سَتُفْتَحُ تِلْكَ الْبُلْدَانُ الَّتِي فِيهَا هَذِهِ الْمَعَادِنُ وَالْخَزَائِنُ فَيَكُونُ لِأُمَّتِهِ قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ هَذَا مَحْمُولٌ عَلَى سُلْطَانِهَا وَمِلْكِهَا وَفَتْحِ بِلَادِهَا وَأَخْذِ خَزَائِنِ أَمْوَالِهَا ، وَقَدْ وَقَعَ ذَلِكَ كُلُّهُ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ ، وَهُوَ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ { فَوُضِعَ فِي يَدَيَّ } بِتَشْدِيدِ الْيَاءِ عَلَى التَّثْنِيَةِ وَقَوْلُهُ ( { سُوَارَانِ } ) هُوَ بِكَسْرِ السِّينِ وَضَمِّهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَفِيهِ لُغَةٌ ثَالِثَةٌ وَهِيَ أَسْوَارٌ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { فَكَبُرَا عَلَيَّ } بِضَمِّ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَقَوْلُهُ { وَأَهَمَّانِي } بِهَمْزَةٍ أَوَّلُهُ وَيُسْتَعْمَلُ ثُلَاثِيًّا أَيْضًا يُقَالُ هَمَّنِي الْأَمْرُ وَأَهَمَّنِي بِمَعْنًى وَاحِدٍ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَإِنَّمَا أَهَمَّهُ شَأْنُهُمَا لِأَنَّهُمَا مِنْ حِلْيَةِ النِّسَاءِ وَمِمَّا يُحَرَّمُ عَلَى الرِّجَالِ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { فَأَوْحَى اللَّهُ إلَيَّ أَنْ أَنْفُخَهُمَا فَنَفَخْتهمَا } هُوَ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَنَفْخُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمَا { فَذَهَبَا } وَفِي رِوَايَةٍ { فَطَارَا } دَلِيلٌ لِانْمِحَاقِهِمَا وَاضْمِحْلَالِ أَمْرِهِمَا وَكَانَ كَذَلِكَ ، وَهُوَ مِنْ الْمُعْجِزَاتِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ ، وَلَمْ يُوحَ إلَيْهِ أَنْ أَخْرِجْهُمَا بِيَدَيْك أَوْ ارْمِ بِهِمَا عَنْ يَدَيْك فَكَانَ النَّفْخُ دَلِيلًا عَلَى أَنَّهُمَا مَرْمِيَّانِ بِبَرَكَتِهِ أَيْ أَنَّ غَيْرَهُ يَفْعَلُهُمَا بِنِسْبَتِهِ إلَيْهِ وَكَوْنِهِ مِنْهُ قَالَ وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ النَّفْخُ مَثَلًا دَلِيلًا عَلَى ضَعْفِ حَالِهِمَا فَإِنَّهُ كَانَ شَدِيدًا لَمْ يَنْزِلْ بِالْمُسْلِمِينَ مِثْلُهُ قَطُّ وَلَوْ قِيلَ إنَّهُ مَثَلٌ عَلَى ضَعْفِهِمَا لَقُلْنَا إنَّهُ مَثَلٌ ضَمِنَ الْوَجْهَيْنِ . ( السَّادِسَةُ ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ظَاهِرُهُ أَنَّ هَذَا وَحْيٌ مِنْ جِهَةِ الْمَلَكِ عَلَى غَالِبِ عَادَتِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إلْهَامًا . ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { فَأَوَّلْتهمَا الْكَذَّابَيْنِ } قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إنَّمَا تَأَوَّلَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِيهِمَا لَمَّا كَانَ السُّوَارَانِ فِي الْيَدَيْنِ جَمِيعًا مِنْ الْجِهَتَيْنِ وَكَانَ حِينَئِذٍ النَّبِيُّ بَيْنَهُمَا وَتَأَوَّلَ السُّوَارَيْنِ عَلَى الْكَذَّابَيْنِ وَمَنْ يُنَازِعُهُ الْأَمْرَ لِوَضْعِهِمَا غَيْرَ مَوْضِعِهِمَا إذْ هُمَا مِنْ حُلِيِّ النِّسَاءِ وَمَوْضِعُهُمَا أَيْدِيهِمَا لَا أَيْدِي الرِّجَالِ وَكَذَلِكَ الْكَذِبُ وَالْبَاطِلُ هُوَ الْإِخْبَارُ بِالشَّيْءِ عَلَى مَوْضِعِهِ مَعَ كَوْنِهِمَا مِنْ ذَهَبٍ ، وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ وَلِمَا فِي اسْمِ السُّوَارَيْنِ مِنْ لَفْظِ السُّوَرِ لِقَبْضِهِمَا عَلَى يَدَيْهِ وَلَيْسَا مِنْ حِلْيَتِهِ وَلِأَنَّ كَوْنَهُمَا مِنْ ذَهَبٍ إشْعَارًا بِذَهَابِ أَمْرِهِمَا وَبُطْلَانِ بَاطِلِهِمَا وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ السُّوَارُ مِنْ آلَاتِ الْمُلُوكِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ الْكُفَّارِ { فَلَوْلَا أُلْقِيَ عَلَيْهِ أَسْوِرَةٌ مِنْ ذَهَبٍ } وَلِلْيَدِ فِي الْعَرَبِيَّةِ مَعَانٍ كَثِيرَةٌ مِنْهَا الْقُوَّةُ وَالسُّلْطَانُ وَالْقَهْرُ وَالْغَلَبَةُ تَقُولُ الْعَرَبُ مَا لِي بِهَذَا الْأَمْرِ يَدَانِ وَلِذَلِكَ أَوَّلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَازِعًا لَهُ يَخْرُجُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ ضَرَبَ الْمَثَلَ بِالسُّوَارِ كِنَايَةً عَنْ الْأَسْوَارِ ، وَهُوَ الْمِلْكُ وَحَذَفَ الْهَمْزَةَ وَكَثِيرًا مَا يُضْرَبُ الْمِلْكُ الْأَمْثَالَ بِالْحَذْفِ مِنْ الْحُرُوفِ وَبِالزِّيَادَةِ فِيهَا ، وَهُوَ مَعْلُومٌ عِنْدَ أَهْلِ الصِّنَاعَةِ انْتَهَى . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَجْهُ مُنَاسَبَةِ هَذَا التَّأْوِيلِ لِهَذِهِ الرُّؤْيَا أَنَّ أَهْلَ صَنْعَاءَ وَالْيَمَامَةِ كَانُوا قَدْ أَسْلَمُوا وَكَانَا كَالسَّاعِدَيْنِ لِلْإِسْلَامِ فَلَمَّا ظَهَرَ فِيهِمَا هَذَانِ الْكَذَّابَانِ وَتَبَهَّرَ حَالُهُمَا بِتُرَّهَاتِهِمَا وَزَخْرَفَا أَقْوَالَهُمَا فَانْخَدَعَ الْفَرِيقَانِ بِتِلْكَ الْبَهْرَجَةِ فَكَانَ الْبَلَدَانِ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْزِلَةِ يَدَيْهِ وَالسُّوَارَانِ فِيهِمَا هُمَا مُسَيْلِمَةُ وَصَاحِبُ صَنْعَاءَ بِمَا زَخْرَفَا مِنْ أَقْوَالِهِمَا . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهُ { الَّذِينَ أَنَا بَيْنَهُمَا } يَقْتَضِي وُجُودَهُمَا حِينَ هَذِهِ الرُّؤْيَا ، وَهُوَ كَذَلِكَ وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { فَأَوَّلْتهمَا كَذَّابَيْنِ يَخْرُجَانِ بَعْدِي } . قَدْ يَقْتَضِي خِلَافَ ذَلِكَ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْمُرَادَ بِخُرُوجِهَا بَعْدَهُ ظُهُورُ شَوْكَتِهِمَا وَمُحَارَبَتِهِمَا قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَخْرُجَانِ بَعْدِي } أَيْ يُظْهِرَانِ شَوْكَتَهُمَا وَمُحَارَبَتَهُمَا وَدَعْوَاهُمَا النُّبُوَّةَ وَإِلَّا فَقَدْ كَانَ فِي زَمَنِهِ . ( التَّاسِعَةُ ) قَوْلُهُ ( صَاحِبُ صَنْعَاءَ وَصَاحِبُ الْيَمَامَةِ ) يَقْتَضِي أَنَّ التَّنْصِيصَ عَلَيْهِمَا مِنْ كَلَامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَكَانَ أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيَّ صَاحِبُ صَنْعَاءَ وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةُ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ قَدْ يُفْهَمُ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيُّ الَّذِي قَتَلَهُ فَيْرُوزُ بِالْيَمَنِ وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ . وَقَدْ يُقَالُ لَا مُنَافَاةَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَهُ الرَّاوِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرُ ) صَاحِبُ صَنْعَاءَ هُوَ الْعَنْسِيُّ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَاسْمُهُ الْأَسْوَدُ بْنُ كَعْبٍ وَيُلَقَّبُ بِذِي حِمَارٍ وَسَبَبُ تَلْقِيبِهِ بِذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ أَنَّهُ لَقِيَهُ حِمَارٌ فَعَثَرَ وَسَقَطَ لِوَجْهِهِ فَقَالَ سَجَدَ لِي الْحِمَارُ فَارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَامِ وَادَّعَى النُّبُوَّةَ وَتَخَرَّقَ عَلَى الْجُهَّالِ فَاتَّبَعُوهُ وَغَلَبَ عَلَى صَنْعَاءَ وَأَخْرَجَ مِنْهَا الْمُهَاجِرَ بْنَ أَسَدٍ الْمَخْزُومِيَّ وَكَانَ عَامِلًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا وَانْتَشَرَ أَمْرُهُ وَغَلَبَ عَلَى امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ مِنْ الْأَسَاوِرَةِ فَتَزَوَّجَهَا فَدَسَّتْ إلَى قَوْمٍ مِنْ الْأَسَاوِرَةِ إنِّي قَدْ صَنَعْت سِرْبًا يُوصَلُ مِنْهُ إلَى مَرْقَدِ الْأَسْوَدِ وَدَلَّتْهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَدَخَلَ مِنْهُ قَوْمٌ مِنْهُمْ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ وَقَيْسُ بْنُ مَكْشُوحٍ فَقَتَلُوهُ وَجَاءُوا بِرَأْسِهِ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ إِسْحَاقَ وَقَالَ وَثِيمَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ كَانَ ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ إنْ شَاءَ اللَّهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَخْرُجَانِ بَعْدِي أَيْ بَعْدَ وَفَاتِي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) وَصَاحِبُ الْيَمَامَةِ هُوَ مُسَيْلِمَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَكَسْرِ اللَّامِ ابْنُ ثُمَامَةَ يُكَنَّى أَبَا ثُمَامَةَ ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذَّابُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يَقُولُ إنْ جَعَلَ لِي مُحَمَّدٌ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْته ، وَقَدِمَهَا فِي نَفَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ فَأَقْبَلَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ وَفِي يَدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِطْعَةُ جَرِيدٍ حَتَّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ لَوْ سَأَلْتنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكهَا وَلَنْ تَعْدُوَ أَمَرَ اللَّهِ فِيك وَلَئِنْ أَدْبَرْت لَيَعْقِرْنَك اللَّهُ وَإِنِّي لِأَرَاك الَّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا رَأَيْتُ وَهَذَا ثَابِتٌ يُجِيبُك عَنِّي ، ثُمَّ انْصَرَفَ عَنْهُ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَسَأَلْت عَنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أُرِيت فِيك مَا أُرِيت فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَكَانَ مِنْ شَأْنِهِ أَنْ تَنَبَّأَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَنَةَ عَشْرٍ وَكَانَ يَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُ اللَّهِ وَرَسُولُهُ وَيَزْعُمُ أَنَّهُ شَرِيكٌ مَعَهُ فِي نُبُوَّتِهِ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ إنَّهُ كَانَ قَدْ تَسَمَّى بِالرَّحْمَنِ قَبْلَ أَنْ يُولَدَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ أَبُو النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ قُتِلَ ، وَهُوَ ابْنُ خَمْسِينَ وَمِائَةِ سَنَةٍ . قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَالَ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ قَالَتْ قُرَيْشٌ إنَّمَا يَعْنِي مُسَيْلِمَةَ وَعَظُمَ أَمْرُ مُسَيْلِمَةَ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَطْبَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْيَمَامَةِ وَانْضَافَ إلَيْهِ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الرِّدَّةِ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كُتُبًا كَثِيرَةً يَعِظُهُمْ وَيُحَذِّرُهُمْ إلَى أَنْ بَعَثَ إلَيْهِمْ كِتَابًا مَعَ حَبِيبِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْأَنْصَارِيِّ فَقَتَلَهُ مُسَيْلِمَةُ فَعِنْدَ ذَلِكَ عَزَمَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى قِتَالِهِمْ وَالْمُسْلِمُونَ فَأَمَرَ أَبُو بَكْرٍ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَتَجَهَّزَ النَّاسُ فَصَارُوا إلَى الْيَمَامَةِ فَاجْتَمَعَ لِمُسَيْلِمَةَ جَيْشٌ عَظِيمٌ وَخَرَجَ إلَى الْمُسْلِمِينَ فَالْتَقَوْا وَكَانَتْ بَيْنَهُمْ حُرُوبٌ عَظِيمَةٌ شَدِيدَةٌ وَاسْتُشْهِدَ فِيهَا مِنْ قُرَّاءِ الْقُرْآنِ خَلْقٌ كَثِيرٌ حَتَّى خَافَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ أَنْ يَذْهَبَ مِنْ الْقُرْآنِ شَيْءٌ لِكَثْرَةِ مَنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْ الْقُرَّاءِ ، ثُمَّ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى ثَبَّتَ الْمُسْلِمِينَ وَقُتِلَ مُسَيْلِمَةُ عَلَى يَدَيْ وَحْشِيٍّ قَاتِلِ حَمْزَةَ وَرَمَاهُ بِالْحَرْبَةِ الَّتِي قَتَلَ بِهَا حَمْزَةَ ، ثُمَّ وَقَفَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَهُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدِ بْنِ عَاصِمٍ فَاحْتَزَّ رَأْسَهُ وَهَزَمَ اللَّهُ جَيْشَهُ وَأَهْلَكَهُمْ وَفَتَحَ اللَّهُ الْيَمَامَةَ فَدَخَلَهَا خَالِدٌ وَاسْتَوْلَى عَلَى جَمِيعِ مَا حَوَتْهُ مِنْ النِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ وَالْأَمْوَالِ وَأَظْهَرَ اللَّهُ الدِّينَ وَجَعَلَ الْعَاقِبَةَ لِلْمُتَّقِينَ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَقَّعُ لِمُسَيْلِمَةَ وَالْأَسْوَدِ فَأَوَّلَ الرُّؤْيَا لَهُمَا لِيَكُونَ ذَلِكَ إخْرَاجًا لِلْمَنَامِ عَلَيْهِمَا وَدَفْعًا لِحَالِهِمَا فَإِنَّ الرُّؤْيَا إذَا عُبِّرَتْ خَرَجَتْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بِوَحْيٍ وَالْأَوَّلُ أَقْرَبُ انْتَهَى . الْأَمْثَالُ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنَى بُيُوتًا فَأَحْسَنَهَا وَأَكْمَلَهَا وَأَجْمَلَهَا إلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهَا وَيُعْجِبُهُمْ الْبُنْيَانُ فَيَقُولُونَ أَلَّا وَضَعْت هَهُنَا لَبِنَةً فَيَتِمَّ بُنْيَانُك ؟ فَقَالَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُنْت أَنَا اللَّبِنَةُ } . الْأَمْثَالُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَثَلِي وَمَثَلُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ ابْتَنَى بُيُوتًا فَأَحْسَنَهَا وَأَكْمَلَهَا وَأَجْمَلَهَا إلَّا مَوْضِعَ لَبِنَةٍ مِنْ زَاوِيَةٍ مِنْ زَوَايَاهَا فَجَعَلَ النَّاسُ يَطُوفُونَ بِهَا وَيُعْجِبُهُمْ الْبُنْيَانُ فَيَقُولُونَ أَلَّا وَضَعْت هَهُنَا لَبِنَةً فَيَتِمُّ بُنْيَانُك فَقَالَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُنْت أَنَا اللَّبِنَةُ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَثَلُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالثَّاءِ عِبَارَةٌ عَنْ تَشَابُهِ الْمَعَانِي الْمَعْقُولَةِ وَالْمِثْلُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الثَّاءِ عِبَارَةٌ عَنْ تَشَابُهِ الْأَشْخَاصِ الْمَحْسُوسَةِ وَيَدْخُلُ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ ضَرْبُ الْأَمْثَالِ لِلتَّقْرِيبِ لِلْإِفْهَامِ وَمَقْصُودُ هَذَا الْمَثَلِ بَيَانُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَتَمَ بِهِ الْأَنْبِيَاءَ وَالْمُرْسَلِينَ وَتَمَّمَ بِهِ مَا سَبَقَ فِي عِلْمِهِ إظْهَارُهُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَشَرَائِعِ الدِّينِ ( فَإِنْ قُلْت ) يَقْتَضِي هَذَا التَّشْبِيهَ أَنَّ الْأَمْرَ كَانَ بِدُونِهِ نَاقِصًا ( قُلْت ) هُوَ كَذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ إلَى مَجْمُوعِ الشَّرَائِعِ وَكَمْ حِكْمَةٌ وَلَطِيفَةٌ وَذِكْرٌ وَغَيْبٌ لَمْ يُعْلَمْ إلَّا عَلَى لِسَانِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُلُّ شَرِيعَةٍ عَلَى حِدَتِهَا كَامِلَةٌ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمُكَلَّفِينَ بِهَا فَإِذَا نَظَرْت إلَى مَجْمُوعِ مَا كَلَّفَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عِبَادَهُ مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَمَا أَظْهَرَهُ مِنْ عَجَائِبِ مَلَكُوتِهِ عَلَى أَيْدِي الْمُرْسَلِينَ وَمَا أَطْلَعَهُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْغُيُوبِ وَمَا أَلْهَمَهُمْ إيَّاهُ مِنْ الذِّكْرِ الَّذِي تَطْهُرُ بِهِ الْقُلُوبُ وَجَدْت ذَلِكَ لَمْ يَكْمُلْ إلَّا بِمَا ظَهَرَ فِي هَذِهِ الشَّرِيعَةِ عَلَى لِسَانِ هَذَا النَّبِيِّ الْكَرِيمِ عَلَيْهِ أَفْضَلُ الصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمِ . ( الرَّابِعَةُ ) اللَّبِنَةُ الطُّوبَةُ الَّتِي يُبْنَى بِهَا وَفِيهَا لُغَتَانِ . ( إحْدَاهُمَا ) فَتْحُ اللَّامِ وَكَسْرِ الْبَاءِ وَجَمْعُهَا لَبْنٌ بِإِسْقَاطِ الْهَاءِ كَنَبْقَةٍ وَنَبْقٌ . ( الثَّانِيَةُ ) كَسْرُ اللَّامِ وَسُكُونِ الْبَاءِ وَجَمْعُهَا لِبْنٌ بِكَسْرِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْبَاءِ كَسِدْرَةٍ وَسِدْرٍ ، ذَكَرَهَا الْقَاضِي عِيَاضٌ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ . ( قُلْت ) وَفِيهَا ( لُغَةٌ ثَالِثَةٌ ) وَهِيَ فَتْحُ اللَّامِ وَإِسْكَانُ الْبَاءِ كَنَظَائِرِهَا ، وَقَدْ ذَكَرَهَا النَّوَوِيُّ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { أَلَّا } بِالتَّشْدِيدِ لِلتَّحْضِيضِ وَقَوْلُهُ { وَضَعْت } بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى إسْنَادِ الْفِعْلِ لِلْمُخَاطَبِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فَيَتِمُّ بُنْيَانُك وَيَكُونُ قَوْلُهُ لَبِنَةً مَنْصُوبًا عَلَى الْمَفْعُولِيَّةِ ؛ وَقَوْلُهُ فَيَتِمُّ بِفَتْحِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ وَقَوْلُهُ { بُنْيَانُك } مَرْفُوعٌ عَلَى الْفَاعِلِيَّةِ كَذَا رَوَيْنَاهُ وَضَبَطْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) قَالَ أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيِّ إذَا تَأَمَّلَ الْمُتَفَطِّنُ هَذَا الْحَدِيثَ رَأَى أَنَّ قَدْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَنْبِيَاءِ أَعْظَمُ وَأَكْرَمُ مِنْ لَبِنَةٍ وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ وَمَعْنَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ اللَّبِنَةَ كَانَتْ مِنْ الْآسِ وَلَوْلَا هَذِهِ اللَّبِنَةُ فِي هَذَا الْآسِ لَانْقَضَّ الْمَنْزِلُ لِأَنَّهَا الْقَاعِدَةُ وَالْمَقْصُودُ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي يَقَعْنَ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا وَجَعَلَ يَحْجِزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ يَتَقَحَّمْنَ ، قَالَ فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ أَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ هَلُمَّ عَنْ النَّارِ هَلُمَّ عَنْ النَّارِ هَلُمَّ عَنْ النَّارِ فَتَغْلِبُونِي تُقْحِمُونَ فِيهَا } . الْحَدِيثُ الثَّانِي وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَثَلِي كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ جَعَلَ الْفَرَاشُ وَهَذِهِ الدَّوَابُّ الَّتِي يَقَعْنَ فِي النَّارِ يَقَعْنَ فِيهَا وَجَعَلَ يَحْجِزُهُنَّ وَيَغْلِبْنَهُ يَتَقَحَّمْنَ قَالَ فَذَلِكُمْ مَثَلِي وَمَثَلُكُمْ أَنَا آخُذُ بِحُجَزِكُمْ عَنْ النَّارِ هَلُمَّ عَنْ النَّارِ هَلُمَّ عَنْ النَّارِ هَلُمَّ عَنْ النَّارِ فَتَغْلِبُونِي تَقْتَحِمُونَ فِيهَا } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { اسْتَوْقَدَ نَارًا } أَيْ أَوْقَدَهَا وَالسِّينُ وَالتَّاءُ زَائِدَتَانِ . ( الثَّالِثَةُ ) { الْفَرَاشُ } بِفَتْحِ الْفَاءِ قَالَ الْمَازِرِيُّ قَالَ الْفَرَّاءُ هُوَ غَوْغَاءُ الْجَرَادِ الَّذِي يَفْتَرِشُ وَيَتَرَاكَمُ وَقَالَ غَيْرُهُ الَّذِي يَتَسَاقَطُ فِي النَّارِ وَالسِّرَاجِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ الْخَلِيلُ هُوَ الَّذِي يَطِيرُ كَالْبَعُوضِ وَقَالَ غَيْرُهُ مَا نَرَاهُ كَصِغَارِ الْبَقِّ يَتَهَافَتُ فِي النَّارِ وَاقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ عَلَى نَقْلِ مَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي وَاقْتَصَرَ الْقُرْطُبِيُّ عَلَى نَقْلِ مَا ذَكَرَهُ الْمَازِرِيُّ ، ثُمَّ قَالَ إنَّ الثَّانِيَ أَشْبَهُ بِمَا فِي الْحَدِيثِ ( قُلْت ) وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبَا الصِّحَاحِ وَالنِّهَايَةِ وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ الْفَرَاشُ دَوَابُّ مِثْلُ الْبَعُوضِ وَاحِدَتُهَا فَرَاشَةٌ وَالْفَرَاشَةُ الْخَفِيفُ الطَّيَّاشُ مِنْ الرِّجَالِ انْتَهَى . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { يَتَقَحَّمْنَ } بِيَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ تَحْتٍ ، ثُمَّ تَاءٍ مُثَنَّاةٍ مِنْ فَوْقٍ ، ثُمَّ قَافٍ مَفْتُوحَةٍ ، ثُمَّ حَاءٍ مُهْمَلَةٍ مَفْتُوحَةٍ مُشَدَّدَةٍ وَالتَّقَحُّمُ الْإِقْدَامُ وَالْوُقُوعُ فِي الْأُمُورِ الشَّاقَّةِ مِنْ غَيْرِ تَثَبُّتٍ وَلَا تَرَوٍّ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { أَنَا آخِذٌ بِحُجَزِكُمْ } قَالَ النَّوَوِيُّ رُوِيَ بِوَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) اسْمُ فَاعِلٍ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَتَنْوِينِ الذَّالِ ( وَالثَّانِي ) فِعْلٌ مُضَارِعٌ بِضَمِّ الْخَاءِ بِلَا تَنْوِينٍ وَالْأَوَّلُ أَشْهَرُ وَهُمَا صَحِيحَانِ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ { بِحُجَزِكُمْ } بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْجِيمِ جَمْعُ حُجْزَةٍ بِضَمِّ الْحَاءِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ وَهِيَ مَعْقِدُ الْإِزَارِ وَالسَّرَاوِيلِ يُقَالُ تَحَاجَزَ الْقَوْمُ أَخَذَ بَعْضُهُمْ بِحُجْزَةِ بَعْضٍ وَإِذَا أَرَادَ الرَّجُلُ إمْسَاكَ مَنْ يَخَافُ سُقُوطَهُ أَخَذَهُ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ مِنْهُ . ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { هَلُمَّ } بِفَتْحِ الْهَاءِ وَضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِهَا قَالَ فِي الصِّحَاحِ هُوَ بِمَعْنَى تَعَالَ قَالَ الْخَلِيلُ أَصْلُهُ لُمَّ مِنْ قَوْلِهِمْ لَمَّ اللَّهُ شَعَثَهُ أَيْ : جَمَعَهُ كَأَنَّهُ أَرَادَ لُمَّ نَفْسَك إلَيْنَا أَيْ اُقْرُبْ وَهَا لِلتَّنْبِيهِ وَإِنَّمَا حُذِفَتْ أَلِفُهَا لِكَثْرَةِ الِاسْتِعْمَالِ وَجُعِلَا اسْمًا وَاحِدًا يَسْتَوِي فِيهِ الْوَاحِدُ وَالْجَمْعُ وَالتَّأْنِيثُ فِي لُغَةِ أَهْلِ الْحِجَازِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَالْقَائِلِينَ لِإِخْوَانِهِمْ هَلُمَّ إلَيْنَا } وَأَهْلُ نَجْدٍ يَصْرِفُونَهَا فَيَقُولُونَ لِلِاثْنَيْنِ هَلُمَّا وَلِلْجَمْعِ هَلُمُّوا وَلِلْمَرْأَةِ هَلُمِّي بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَفِي التَّثْنِيَةِ هَلُمَّا لِلْمُؤَنَّثِ وَالْمُذَكَّرِ جَمِيعًا وَهَلْمُمْنَ يَا رِجَالُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَهَلْمُمْنَانِ يَا نِسْوَةُ وَحُكِيَ فِي الْمُحْكَمِ عَنْ سِيبَوَيْهِ أَنَّهُ لَا تَدْخُلُ النُّونُ الْخَفِيفَةُ وَلَا الثَّقِيلَةُ عَلَيْهَا لِأَنَّهَا لَيْسَتْ بِفِعْلٍ وَإِنَّمَا هِيَ اسْمُ فِعْلٍ قَالَ يُرِيدُ أَنَّ النُّونَ إنَّمَا تَدْخُلُ الْأَفْعَالَ دُونَ الْأَسْمَاءِ . وَأَمَّا فِي لُغَةِ بَنِي تَمِيمٍ فَتَدْخُلُهَا الْخَفِيفَةُ وَالثَّقِيلَةُ لِأَنَّهُمْ قَدْ أَجْرَوْهَا مَجْرَى الْفِعْلِ وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ قَبْلَ ذَلِكَ وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ مُرَكَّبَةٌ مِنْ هَا الَّتِي لِلتَّنْبِيهِ وَمِنْ لُمَّ ، وَلَكِنَّهَا قَدْ اُسْتُعْمِلَتْ اسْتِعْمَالَ الْكَلِمَةِ الْمُفْرَدَةِ وَالْبَسِيطَةِ انْتَهَى . وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ { هَلُمَّ عَنْ النَّارِ } مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ قَائِلًا هَلُمَّ عَنْ النَّارِ ، وَقَدْ كَرَّرَ هَذِهِ اللَّفْظَةَ فِي رِوَايَتِنَا ثَلَاثًا لِلتَّأْكِيدِ وَاقْتَصَرَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ . ( الثَّامِنَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ مَقْصُودُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَبَّهَ تَسَاقُطَ الْجَاهِلِينَ وَالْمُخَالِفِينَ بِمَعَاصِيهِمْ وَشَهَوَاتِهِمْ فِي نَارِ الْآخِرَةِ وَحِرْصِهِمْ عَلَى الْوُقُوعِ فِي ذَلِكَ مَعَ مَنْعِهِ إيَّاهُمْ وَقَبْضِهِ عَلَى مَوَاضِعِ الْمَنْعِ مِنْهُمْ بِتَسَاقُطِ الْفَرَاشِ فِي نَارِ الدُّنْيَا لِهَوَاهُ وَضَعْفِ تَمْيِيزِهِ فَكِلَاهُمَا حَرِيصٌ عَلَى هَلَاكِ نَفْسِهِ سَاعٍ فِي ذَلِكَ بِجَهْلِهِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ، وَهُوَ مَثَلٌ لِاجْتِهَادِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَجَاتِنَا وَحِرْصِهِ عَلَى تَخْلِيصِنَا مِنْ الْمُهْلِكَاتِ الَّتِي بَيْنَ أَيْدِينَا لِجَهْلِنَا بِقَدْرِ ذَلِكَ وَغَلَبَةِ شَهَوَاتِنَا عَلَيْنَا وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ هَذَا مَثَلٌ غَرِيبٌ كَثِيرُ الْمَعَانِي ، الْمَقْصُودُ مِنْهُ أَنَّ اللَّهَ ضَرَبَ مَثَلًا لِجَهَنَّمَ وَمَا رُكِّبَ مِنْ الشَّهَوَاتِ الْمُسْتَدْعِيَةِ لَهَا الْمُقْتَضِيَةِ لِلدُّخُولِ فِيهَا وَمَا نَهَى عَنْهَا وَتَوَعَّدَ عَلَيْهَا وَأَنْذَرَهَا وَذَكَرَ ذَلِكَ فِيهَا ، ثُمَّ تَغْلِبُ الشَّهَوَاتُ عَلَى التَّقَحُّمِ بِاسْمِ أَنَّهَا مَصَالِحُ وَمَنَافِعُ وَهِيَ نُكْتَةُ الْأَمْثَالِ فَإِنَّ الْخَلْقَ لَا يَأْتُونَ ذَلِكَ عَلَى قَصْدِ الْهَلَكَةِ وَإِنَّمَا يَأْتُونَ بِاسْمِ النَّجَاةِ وَالْمَنْفَعَةِ كَالْفَرَاشِ يَقْتَحِمُ الضِّيَاءَ لَيْسَ لِتَهْلِكَ فِيهِ وَلَكِنَّهَا تَأْنَسُ بِهِ وَهِيَ لَا تَصْبِرُ بِحَالٍ حَتَّى قَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّهَا فِي ظُلْمَةٍ فَتَعْتَقِدُ أَنَّ الضِّيَاءَ كُوَّةٌ فَتَسْتَظْهِرُ فِيهَا النُّورَ فَتَقْصِدُهَا لِأَجَلِ ذَلِكَ فَتَحْتَرِقُ وَهِيَ لَا تَشْعُرُ وَذَلِكَ هُوَ الْغَالِبُ مِنْ أَحْوَالِ الْخَلْقِ أَوْ كُلُّهُ انْتَهَى . حَقُّ الضَّيْفِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ { قُلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّك تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَا فَمَا تَرَى فِي ذَلِكَ ؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا ، وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ } . حَقُّ الضَّيْفِ . عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ { قُلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّك تَبْعَثُنَا فَنَنْزِلُ بِقَوْمٍ لَا يَقْرُونَا فَمَا تَرَى فِي ذَلِكَ ؟ فَقَالَ لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا نَزَلْتُمْ بِقَوْمٍ فَأَمَرُوا لَكُمْ بِمَا يَنْبَغِي لِلضَّيْفِ فَاقْبَلُوا فَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَخُذُوا مِنْهُمْ حَقَّ الضَّيْفِ الَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ لَهِيعَةَ كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ ( قُلْت ) { يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَمُرُّ بِقَوْمٍ فَلَا هُمْ يُضَيِّفُونَا وَلَا هُمْ يُؤَدُّونَ مَا لَنَا عَلَيْهِمْ مِنْ حَقٍّ وَلَا نَأْخُذُ مِنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنْ أَبَوْا إلَّا أَنْ تَأْخُذُوا كَرْهًا فَخُذُوا } وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { لَا يَقْرُونَا } بِفَتْحِ الْيَاءِ يُقَالُ قَرَى الضَّيْفَ قِرًى بِكَسْرِ الْقَافِ مَقْصُورٌ وَقَرَاءً بِفَتْحِ الْقَافِ مَمْدُودٌ . ( الثَّالِثَةُ ) ظَاهِرُهُ أَنَّ قِرَى الضَّيْفِ وَاجِبٌ بِحَيْثُ لَوْ امْتَنَعَ مِنْ فِعْلِهِ أُخِذَتْ الضِّيَافَةُ مِنْ الْمُمْتَنِعِ قَهْرًا ، وَقَدْ حُكِيَ الْقَوْلُ بِظَاهِرِهِ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ بِوُجُوبِهِ عَلَى أَهْلِ الْبَادِيَةِ دُونَ أَهْلِ الْقُرَى وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَالْجُمْهُورُ أَنَّهَا سُنَّةٌ مُتَأَكِّدَةٌ وَلَا يَصِلُ أَمْرُهَا إلَى الْوُجُوبِ وَلَا إلَى أَخْذِهَا مِنْ الْمُمْتَنِعِ مِنْهَا قَهْرًا وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَجْوِبَةٍ : ( أَحَدِهَا ) أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمُضْطَرِّينَ فَإِنَّ ضِيَافَتَهُمْ وَاجِبَةٌ فَإِذَا لَمْ يُضَيِّفُوهُمْ فَلَهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا حَاجَتَهُمْ مِنْ مَالِ الْمُمْتَنِعِينَ وَهَلْ هُوَ بِعِوَضٍ أَوْ بِغَيْرِ عِوَضٍ ، ذَهَبَ الشَّافِعِيُّ إلَى الْأَوَّلِ وَحُكِيَ الثَّانِي عَنْ طَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ . ذَكَرَ هَذَا الْجَوَابَ الْخَطَّابِيُّ وَغَيْرُهُ وَحُكِيَ أَنَّ الذَّاهِبِينَ إلَى أَنَّهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ احْتَجُّوا { بِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ جَلَبَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبَنًا مِنْ غَنَمٍ لِرَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ لَهُ فِيهَا عَبْدٌ يَرْعَاهَا وَصَاحِبُهَا غَائِبٌ وَشَرِبَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ فِي مَخْرَجِهِ مِنْ مَكَّةَ إلَى الْمَدِينَةِ قَالَ } . وَاحْتَجُّوا أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ دَخَلَ حَائِطًا فَلْيَأْكُلْ مِنْهُ وَلَا يَتَّخِذْ خُبْنَةً } ، وَعَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ ( إذَا مَرَّ الرَّجُلُ بِالْإِبِلِ ، وَهُوَ عَطْشَانُ صَاحَ بِرَبِّ الْإِبِلِ ثَلَاثًا فَإِنْ أَجَابَهُ وَإِلَّا حَلَبَ وَشَرِبَ ) . ( الثَّانِي ) أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِنْ أَعْرَاضِهِمْ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَذْكُرُوا لِلنَّاسِ لُؤْمَهُمْ وَبُخْلَهُمْ وَالْعَتْبَ عَلَيْهِمْ وَذَمَّهُمْ حَكَاهُ الْمَازِرِيُّ عَنْ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ قَالَ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ حَمْلَ الْحَدِيثِ عَلَى مَا يَعُمُّ لِأَنَّ مَا قُلْنَاهُ أَيْ مِنْ الْجَوَابِ الْأَوَّلِ يَخُصُّ قَالَ وَلَكِنَّهُ مَعَ خُصُوصِيَّتِهِ أَرْجَحُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْعَتْبَ وَاللَّوْمَ وَالذَّمَّ عِنْدَ النَّاسِ نَدَبَ الشَّرْعُ إلَى تَرْكِهِ لَا إلَى فِعْلِهِ . ( الثَّالِثُ ) أَنَّ هَذَا كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ وَكَانَتْ الْمُوَاسَاةُ وَاجِبَةٌ فَلَمَّا اتَّسَعَ الْإِسْلَامُ نُسِخَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ } . قَالُوا وَالْجَائِزَةُ تَفَضُّلٌ وَلَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ حَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ عَنْ حِكَايَةِ الْقَاضِي عِيَاضٍ لَهُ : وَهُوَ تَأْوِيلٌ ضَعِيفٌ أَوْ بَاطِلٌ لِأَنَّ هَذَا الَّذِي ادَّعَاهُ قَائِلُهُ لَا يُعْرَفُ . الرَّابِعُ ) أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي الْعُمَّالِ الْمَبْعُوثِينَ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ إنَّك تَبْعَثُنَا فَكَانَ عَلَى الْمَبْعُوثِ إلَيْهِمْ طَعَامُهُمْ وَمَرْكَبُهُمْ وَسُكْنَاهُمْ يَأْخُذُونَهُ عَنْ الْعَمَلِ الَّذِي يَتَوَلَّوْنَهُ لِأَنَّهُ لَا مَقَامَ لَهُمْ إلَّا بِإِقَامَةِ هَذِهِ الْحُقُوقِ ، وَذَكَرَهُ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ إنَّمَا يَلْزَمُ ذَلِكَ لِمَنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَبْعَثُهُمْ فِي زَمَانِهِ وَلَيْسَ إذْ ذَاكَ لِلْمُسْلِمِينَ بَيْنَ مَالٍ فَأَمَّا الْيَوْمَ فَأَرْزَاقُهُمْ فِي بَيْتِ الْمَالِ لَا حَقَّ لَهُمْ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ قَالَ وَإِلَى نَحْوِ ذَلِكَ مِنْهُ ذَهَبَ أَبُو يُوسُفَ فِي الضِّيَافَةِ عَلَى أَهْلِ نَجْرَانَ فَزَعَمَ أَنَّهَا كَانَتْ خَاصَّةً . ( الْخَامِسُ ) أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ مَرَّ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ [ عَلَى ] الَّذِينَ شَرَطَ عَلَيْهِمْ ضِيَافَةَ مَنْ يَمُرُّ بِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَالَ الْخَطَّابِيُّ ، وَقَدْ كَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ حِينَ ضَرَبَ الْجِزْيَةَ عَلَى نَصَارَى الشَّامِ جَعَلَ عَلَيْهِمْ الضِّيَافَةَ لِمَنْ نَزَلَ بِهِمْ فَإِذَا شُرِطَتْ عَلَى قَوْمٍ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ مَعَ الْجِزْيَةِ فَمَنَعُوهَا كَانَ لِلضَّيْفِ أَنْ يَأْخُذَ حَقَّهُ مِنْ عَرَضِ أَمْوَالِهِمْ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ إنَّمَا صَارَ هَذَا فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَيْ فَكَيْفَ يُحْمَلُ الْحَدِيثُ عَلَيْهِ . ( السَّادِسُ ) بَوَّبَ عَلَيْهِ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ مَا يَحِلُّ مِنْ أَمْوَالِ أَهْلِ الذِّمَّةِ ، ثُمَّ قَالَ إنَّمَا مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْرُجُونَ فِي الْغَزْوِ فَيَمُرُّونَ بِقَوْمٍ وَلَا يَجِدُونَ مِنْ الطَّعَامِ مَا يَشْتَرُونَ بِالثَّمَنِ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنْ أَبَوْا أَنْ يَبِيعُوا إلَّا أَنْ تَأْخُذُوا كَرْهًا فَخُذُوا } . هَكَذَا رُوِيَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ مُفَسَّرًا ( وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ بِنَحْوِ هَذَا انْتَهَى ) . وَتَبْوِيبُهُ قَدْ يُوَافِقُ الْجَوَابَ الْخَامِسَ وَلَكِنَّ مَا شُرِحَ بِهِ الْحَدِيثُ يَقْتَضِي حَمْلَهُ عَلَى مَنْ امْتَنَعَ مِنْ بَيْعٍ لِلْمُحْتَاجِ ، وَإِنْ لَمْ يَصِلْ بِهِ الْحَالُ لِلضَّرُورَةِ فَإِنْ كَانَ مُضْطَرًّا فَهُوَ الْجَوَابُ الْأَوَّلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى مَسْأَلَةِ الظَّفَرِ وَأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا كَانَ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ حَقٌّ فَمَنَعَهُ إيَّاهُ وَجَحَدَهُ كَانَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ فِي مُقَابِلَةِ مَا مَنَعَهُ مِنْ حَقِّهِ فَبَوَّبَ عَلَيْهِ ( بَابُ قِصَاصِ الْمَظْلُومِ إذَا وَجَدَ مَالَ ظَالِمِهِ ) وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُ قَالَ يُقَاصُّهُ وَقَرَأَ { ، وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ } وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ فَجَزَمَ بِالْأَخْذِ فِيمَا إذَا لَمْ يُمْكِنْ تَحْصِيلُ الْحَقِّ بِالْقَاضِي بِأَنْ يَكُونَ مُنْكِرًا وَلَا بَيِّنَةَ لِصَاحِبِ الْحَقِّ قَالَ وَلَا يَأْخُذُ غَيْرَ الْجِنْسِ مَعَ ظَفَرِهِ بِالْجِنْسِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ إلَّا غَيْرَ الْجِنْسِ جَازَ الْأَخْذُ ، وَإِنْ أَمْكَنَ تَحْصِيلُ الْحَقِّ بِالْقَاضِي بِأَنْ كَانَ مُقِرًّا مُمَاطِلًا أَوْ مُنْكِرًا عَلَيْهِ بَيِّنَةٍ أَوْ كَانَ يَرْجُو إقْرَارَهُ لَوْ حَضَرَ عِنْدَ الْقَاضِي وَعَرَضَ عَلَيْهِ الْيَمِينَ فَهَلْ يَسْتَقِلُّ بِالْأَخْذِ أَوْ يَجِبُ الرَّفْعُ إلَى الْقَاضِي ؟ فِيهِ لِلشَّافِعِيَّةِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ جَوَازُ الْأَخْذِ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ وَرُوِيَ عَنْهُ الْأَخْذُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِيهِ زِيَادَةٌ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى الْجَاحِدِ دَيْنٌ فَلَهُ الْأَخْذُ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ دَيْنٌ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ إلَّا بِقَدْرِ مَا يَكُونُ فِيهِ أُسْوَةً بِالْغُرَمَاءِ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يَأْخُذُ مِنْ الذَّهَبِ الذَّهَبَ وَمِنْ الْفِضَّةِ الْفِضَّةَ وَمِنْ الْمَكِيلِ الْمَكِيلَ وَمِنْ الْمَوْزُونِ الْمَوْزُونَ وَلَا يَأْخُذُ غَيْرَ ذَلِكَ وَقَالَ زُفَرُ . لَهُ أَنْ يَأْخُذَ الْعِوَضَ بِالْقِيمَةِ ، قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ قَوْلُ مَنْ أَجَازَ بِدَلَالَةِ الْآيَةِ وَحَدِيثِ هِنْدَ أَلَا تَرَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَازَ لَهَا أَنْ تُطْعِمَ عَائِلَةَ زَوْجِهَا مِنْ مَالِهِ بِالْمَعْرُوفِ عِوَضًا عَمَّا قَصَّرَ فِي إطْعَامِهِمْ فَدَخَلَ فِي مَعْنَى ذَلِكَ كُلُّ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ حَقٌّ لَمْ يُوَفِّهِ أَوْ جَحَدَهُ فَيَجُوزُ لَهُ الِاقْتِصَاصُ مِنْهُ انْتَهَى . وَقَدْ يُقَالُ إنَّ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِحَدِيثِ عُتْبَةَ عَلَى ذَلِكَ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ خُذُوا مِنْهُمْ بِطَرِيقِ الظَّفَرِ وَالْقَهْرِ فَلَعَلَّ مَعْنَاهُ خُذُوا مِنْهُمْ بِرَفْعِ الْأَمْرِ إلَى الْحُكَّامِ لِيُلْزِمُوهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ ذَلِكَ ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ أَبِي كَرِيمَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَيُّمَا رَجُلٍ أَضَافَ قَوْمًا فَأَصْبَحَ الضَّيْفُ مَحْرُومًا فَإِنَّ نَصْرَهُ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ حَتَّى يَأْخُذَ بِقِرَى لَيْلَةٍ مِنْ زَرْعِهِ وَمَالِهِ } وَرَوَاهُ أَيْضًا بِلَفْظِ { لَيْلَةُ الضَّيْفِ حَقٌّ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ فَمَنْ أَصْبَحَ بِفِنَائِهِ فَهُوَ دَيْنٌ عَلَيْهِ فَإِنْ شَاءَ اقْتَضَى ، وَإِنْ شَاءَ تَرَكَ } فَظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَقْتَضِي وَيُطَالِبُ وَيَنْصُرُهُ الْمُسْلِمُونَ لِيَصِلَ إلَى حَقِّهِ لَا أَنَّهُ يَأْخُذُ ذَلِكَ بِيَدِهِ مِنْ غَيْرِ عِلْمِ أَحَدٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ اللَّهُ إذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَفْعَلْ فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَأَنَا أَغْفِرُهَا مَا لَمْ يَفْعَلْهَا فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا } وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ، وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ } وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ رَبِّ ذَاكَ عَبْدُك يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً ، وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ فَقَالَ اُرْقُبُوهُ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا بِمِثْلِهَا } وَلِلْبُخَارِيِّ { فَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً } الرَّجَاءُ وَالْخَوْفُ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ . عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ اللَّهُ إذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ حَسَنَةً مَا لَمْ يَفْعَلْهَا فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا فَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَفْعَلْهَا فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا } وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إسْلَامَهُ فَكُلُّ حَسَنَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ } وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَتْ الْمَلَائِكَةُ رَبِّ ذَاكَ عَبْدُك يُرِيدُ أَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً ، وَهُوَ أَبْصَرُ بِهِ فَقَالَ اُرْقُبُوهُ فَإِنْ عَمِلَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ بِمِثْلِهَا } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ بِأَلْفَاظِهِ الثَّلَاثَةِ مَجْمُوعَةً مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَفِيهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّالِثَةِ بَعْدَ قَوْلِهِ بِمِثْلِهَا { ، وَإِنْ تَرَكَهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً إنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّائِي } وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ بِمَعْنَى اللَّفْظِ الثَّانِي عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي التَّوْحِيدِ مِنْ صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ { ، وَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً } وَفِيهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ جَعْفَرٍ عَنْ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وَمِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِيهِ أَيْضًا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { إذَا تَحَدَّثَ عَبْدِي بِأَنْ يَعْمَلَ حَسَنَةً } الْمُرَادُ حَدَّثَ بِذَلِكَ نَفْسَهُ وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى تَحَدُّثِهِ بِهِ بِلِسَانِهِ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { وَإِذَا هَمَّ بِحَسَنَةٍ ، وَلَمْ يَعْمَلْهَا فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً } . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ إذَا مَنَعَهُ مِنْ ذَلِكَ عُذْرٌ وَلَا تُكْتَبُ لَهُ الْحَسَنَةُ بِمُجَرَّدِ الْهَمِّ مَعَ الِانْكِفَافِ عَنْ الْفِعْلِ بِلَا عُذْرٍ وَيُحْتَمَلُ حَمْلُهُ عَلَى إطْلَاقِهِ وَأَنَّ مُجَرَّدَ الْهَمِّ بِالْخَيْرِ قُرْبَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ مِنْهُ مَانِعٌ . ( الثَّالِثَةُ ) هَلْ تَكْتُبُ لَهُ الْمَلَائِكَةُ الْهَمَّ بِالْحَسَنَةِ أَوْ فِعْلَ الْحَسَنَةِ ؟ فِيهِ نَظَرٌ وَاحْتِمَالٌ وَظَاهِرُ لَفْظِ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي كِتَابَةَ نَفْسِ الْحَسَنَةِ . ( الرَّابِعَةُ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَفَظَةَ يَكْتُبُونَ أَعْمَالَ الْقُلُوبِ وَعَقْدَهَا خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّهَا لَا تَكْتُبُ إلَّا الْأَعْمَالَ الظَّاهِرَةَ وَحَكَى النَّوَوِيُّ ذَلِكَ عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ الطَّحَاوِيِّ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْمَلَكَ يَعْلَمُ ذَلِكَ بِرَائِحَةٍ طَيِّبَةٍ تَفُوحُ مِنْ الْإِنْسَانِ بِخِلَافِ مَا إذَا هَمَّ بِالسَّيِّئَةِ فَإِنَّهُ تَفُوحُ مِنْهُ رَائِحَةٌ خَبِيثَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا كَذَا وَقَعَ فِي الْأُصُولِ بِعَشْرٍ وَالْوَجْهُ بِعَشْرَةِ أَمْثَالِهَا فَإِنَّ الْمِثْلَ مُذَكَّرٌ وَلَكِنَّ ذَلِكَ لِتَأْوِيلِهِ بِالْحَسَنَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) هَلْ الْمُرَادُ أَنَّهُ تُكْتَبُ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ مَضْمُومَةٌ إلَى الْحَسَنَةِ الْمَكْتُوبَةِ عَلَى الْهَمِّ ، أَوْ يُكَمَّلُ لَهُ عَشْرُ حَسَنَاتٍ ، أَوْ يَنْتَظِرُ الْمَلَكُ بِكِتَابَةِ الْهَمِّ فَإِنْ حَقَّقَهُ كَتَبَ عَشْرًا ، وَإِنْ لَمْ يُحَقِّقْهُ كَتَبَ وَاحِدًا فِيهِ احْتِمَالٌ وَيَحْتَاجُ إلَى نَقْلٍ صَرِيحٍ . ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { إلَى سَبْعِمِائَةِ } ضِعْفٍ فِيهِ أَنَّ التَّضْعِيفَ قَدْ يَنْتَهِي إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ وَهَذَا جُودٌ وَاسِعٌ وَكَرَمٌ مَحْضٌ ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ { إنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ ، ثُمَّ بَيَّنَ ذَلِكَ فَمَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً ، وَإِنْ هَمَّ بِهَا فَعَمِلَهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ } ، وَهُوَ صَرِيحٌ فِي أَنَّ التَّضْعِيفَ لَا يَقِفُ عَلَى سَبْعِمِائَةٍ بَلْ قَدْ يَزِيدُ عَلَيْهَا لِمَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى زِيَادَتَهُ لَهُ ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي قَوْله تَعَالَى { وَاَللَّهُ يُضَاعَفُ لِمَنْ يَشَاءُ } بِهَذَا التَّضْعِيفِ وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ الْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الْمُخْتَارُ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ التَّضْعِيفَ لَا يَقِفُ عَلَى سَبْعِمِائَةٍ وَحَكَى أَبُو الْحَسَنِ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ التَّضْعِيفَ لَا يُجَاوِزُ سَبْعِمِائَةٍ قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَهُوَ غَلَطٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ انْتَهَى . وَقَدْ وَرَدَ التَّضْعِيفُ بِأَكْثَرَ مِنْ سَبْعِمِائَةٍ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ ، وَقَدْ ذَكَرْتُ ذَلِكَ فِي كِتَابِ الصِّيَامِ مِنْ هَذَا الشَّرْحِ بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ ( الثَّامِنَةُ ) تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إلَّا الصِّيَامَ فَإِنَّهُ لِي وَأَنَا أَجْزِي بِهِ } اسْتِثْنَاءُ الصِّيَامِ مِنْ حَصْرِ التَّضْعِيفِ فِي قَدْرٍ مَخْصُوصٍ وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَى ذَلِكَ فِي الصِّيَامِ . ( التَّاسِعَةُ ) فِي قَوْلِهِ { فَإِذَا تَحَدَّثَ بِأَنْ يَعْمَلَ سَيِّئَةً فَأَنَا أَغْفِرُهَا لَهُ مَا لَمْ يَفْعَلْهَا } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ حَدِيثَ النَّفْسِ وَالْخَوَاطِرَ لَا يُؤَاخِذُ بِهَا ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِيمَا لَا يَسْتَقِرُّ مِنْ الْخَوَاطِرِ وَلَا يَقْتَرِنُ بِهِ عَزْمُ مُصَمِّمٍ فَإِنْ عَزَمَ عَلَى ذَلِكَ عَزْمًا مُصَمَّمًا فَاخْتَلَفُوا فِيهِ قَالَ الْمَازِرِيُّ مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْخَطِيبِ أَنَّ مَنْ عَزَمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ بِقَلْبِهِ وَوَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا أَثِمَ بِاعْتِقَادِهِ وَعَزْمِهِ وَيُحْمَلُ مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَأَمْثَالِهَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ فِيمَنْ لَمْ يُوَطِّنْ نَفْسَهُ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَإِنَّمَا مَرَّ ذَلِكَ بِفِكْرِهِ مِنْ غَيْرِ اسْتِقْرَارٍ وَيُسَمَّى هَذَا وَهْمًا وَيُفَرَّقُ بَيْنَ الْهَمِّ وَالْعَزْمِ هَذَا مَذْهَبُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَخَالَفَهُ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَأَخَذُوا بِظَاهِرِ الْأَحَادِيثِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : عَامَّةُ السَّلَفِ وَأَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ لِلْأَحَادِيثِ الدَّالَّةِ عَلَى الْمُؤَاخَذَةِ بِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ لَكِنَّهُمْ قَالُوا إنَّ هَذَا الْعَزْمَ يُكْتَبُ سَيِّئَةٌ وَلَيْسَتْ السَّيِّئَةُ الَّتِي هَمَّ بِهَا لِكَوْنِهِ لَمْ يَعْمَلْهَا وَقَطَعَهُ عَنْهَا قَاطِعٌ غَيْرُ خَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْأَمَانَةِ لَكِنَّ نَفْسَ الْإِصْرَارِ وَالْعَزْمِ مَعْصِيَةُ فَيُكْتَبُ مَعْصِيَةٌ فَإِذَا عَمِلَهَا كُتِبَتْ مَعْصِيَةً ثَانِيَةً . وَأَمَّا الْهَمُّ الَّذِي لَا يُكْتَبُ فَهُوَ الْخَوَاطِرُ الَّتِي لَا يُوَطِّنُ النَّفْسَ عَلَيْهَا وَلَا يَصْحَبُهَا عَقْدٌ وَلَا نِيَّةُ عَزْمٍ انْتَهَى . قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَهُوَ ظَاهِرٌ حَسَنٌ لَا مَزِيدَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الشَّرْعِ بِالْمُؤَاخَذَةِ بِعَزْمِ الْقَلْبِ الْمُسْتَقَرِّ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { إنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ } وقَوْله تَعَالَى { اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنْ الظَّنِّ إنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إثْمٌ } وَالْآيَاتُ فِي هَذَا كَثِيرَةٌ ، وَقَدْ تَظَاهَرَتْ نُصُوصُ الشَّرْعِ وَإِجْمَاعُ الْعُلَمَاءِ عَلَى تَحْرِيمِ الْحَسَدِ وَاحْتِقَارِ الْمُسْلِمِينَ وَإِرَادَةِ الْمَكْرُوهِ بِهِمْ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَعَزْمِهَا انْتَهَى . ( الْعَاشِرَةُ ) فِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ { فَإِنْ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِي فَاكْتُبُوهَا لَهُ حَسَنَةً } زِيَادَةً عَلَى قَوْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ { فَأَنَا أَغْفِرُهَا } لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ مَغْفِرَتِهَا كِتَابَةُ حَسَنَةٍ بِسَبَبِ تَرْكِهَا ، وَهُوَ مُقَيَّدٌ فِي الْحَدِيثِ بِأَنْ يَكُونَ تَرَكَهَا مِنْ أَجْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { إنَّمَا تَرَكَهَا مِنْ جَرَّائِي } . فَإِنَّ التَّعْلِيلَ بِذَلِكَ دَالٌّ عَلَى تَصْوِيرِ الْمَسْأَلَةِ بِهِ وَوَجْهُهُ أَنَّ تَرْكَهُ لَهَا لِخَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى وَمُجَاهِدَتَهُ نَفْسَهُ الْأَمَارَةَ بِالسُّوءِ فِي ذَلِكَ وَعِصْيَانَهُ هَوَاهُ حَسَنَةٌ ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { وَمَنْ هَمَّ بِسَيِّئَةٍ فَلَمْ يَعْمَلْهَا كَتَبَهَا اللَّهُ عِنْدَهُ حَسَنَةً كَامِلَةً } ، وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ تَرَكَهَا لِأَجَلِ اللَّهِ تَعَالَى فَقَدْ يَتَمَسَّكُ بِهِ عَلَى كِتَابَتِهَا حَسَنَةً ، وَإِنْ لَمْ يَتْرُكْهَا لِخَوْفِ اللَّهِ تَعَالَى . وَقَدْ حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّهُ ذَكَرَ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَعَلَّلَ كِتَابَتَهَا حَسَنَةً بِأَنَّهُ إنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى تَرْكِهَا الْحَيَاءُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ . وَهُوَ ضَعِيفٌ لَا وَجْهَ لَهُ ( قُلْتُ ) وَالظَّاهِرُ حَمْلُ هَذَا الْمُطْلَقِ عَلَى ذَلِكَ الْمُقَيَّدِ فَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيهِ الدَّلِيلُ وَتُسَاعِدُهُ الْقَاعِدَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا إذَا لَمْ يَعْمَلْهَا تَارِكًا لَهَا مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا لَا إذَا هَمَّ بِهَا فَلَمْ يَعْمَلْهَا مَعَ الْعَجْزِ عَنْهَا وَعَدَمِ الْقُدْرَةِ عَلَيْهَا وَلَا يُسَمَّى الْإِنْسَانُ تَارِكًا لِلشَّيْءِ الَّذِي لَا يُتَوَهَّمُ قُدْرَتُهُ عَلَيْهِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { فَإِذَا عَمِلَهَا فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا } يَقْتَضِي أَنَّ السَّيِّئَاتِ لَا تُضَاعَفُ ، وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنْ يُسْتَثْنَى مِنْهُ مَا فِي التَّنْزِيلِ فِي أُمَّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ { يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مِنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ يُضَاعَفُ لَهَا الْعَذَابُ ضَعْفَيْنِ } وَذَلِكَ لِشَرَفِهِنَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ وَعُلُوِّ مَرْتَبَتِهِنَّ وَأَنَّ الْفَاحِشَةَ مِنْهُنَّ عَظِيمَةُ الْمَوْقِعِ لِشِدَّةِ تَأَذِّي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَا وَكَذَلِكَ جَاءَ فِي سَيِّئَاتِ الْحَرَمِ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { فَأَنَا أَكْتُبُهَا لَهُ بِمِثْلِهَا } يَقْتَضِي أَنَّ السَّيِّئَاتِ لَا تُضَاعَفُ ، أَيْ إنْ جَازِيَتُهُ عَلَى ذَلِكَ ، وَقَدْ يَتَجَاوَزُ اللَّهُ عَنْهُ فَلَا يُؤَاخِذُهُ بِهَا وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { كَتَبَهَا اللَّهُ سَيِّئَةً وَاحِدَةً ، أَوْ مَحَاهَا اللَّهُ } . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ { وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَجَزَاؤُهُ سَيِّئَةٌ مِثْلُهَا ، أَوْ أَغْفِرُ } . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مُعَلَّقًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ { وَكُلُّ سَيِّئَةٍ يَعْمَلُهَا تُكْتَبُ لَهُ بِمِثْلِهَا إلَّا أَنْ يَتَجَاوَزَ اللَّهُ عَنْهَا } وَوَصَلَهُ النَّسَائِيّ فِي سُنَنِهِ وَكَذَلِكَ وَصَلَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ تِسْعَةِ طُرُقٍ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَفِيهِ رَدٌّ عَلَى مَنْ أَنْفَذَ الْوَعِيدَ عَلَى الْعُصَاةِ الْمُؤْمِنِينَ لِدَلَالَتِهِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ يَتَجَاوَزُ عَنْهَا إذَا شَاءَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { إذَا أَحْسَنَ أَحَدُكُمْ إسْلَامَهُ } . أَيْ أَسْلَمَ إسْلَامًا حَقِيقِيًّا وَلَيْسَ كَإِسْلَامِ الْمُنَافِقِينَ وَلَا يُرَادُ بِذَلِكَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى حَقِيقَةِ الْإِسْلَامِ ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ هَذَا مَعْرُوفٌ فِي اسْتِعْمَالِ الشَّرْعِ يَقُولُونَ حَسُنَ إسْلَامُ فُلَانٍ إذَا دَخَلَ فِيهِ حَقِيقَةً بِإِخْلَاصٍ وَسَاءَ إسْلَامُهُ ، أَوْ لَمْ يَحْسُنْ إسْلَامُهُ إذَا لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ قَوْلُهُ { فَحَسُنَ إسْلَامُهُ } قَدْ فَسَّرَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ حِينَ { سُئِلَ مَا الْإِحْسَانُ ؟ فَقَالَ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ } أَرَادَ مُبَالَغَةَ الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ وَالْمُرَاقَبَةِ لَهُ انْتَهَى . وَالْأَوَّلُ هُوَ الظَّاهِرُ وَلَا يَتَوَقَّفُ كَوْنُ الْحَسَنَةِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَغَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا ذَكَر فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ لِذَلِكَ مُبَالِغًا فِي الْإِخْلَاصِ لِلَّهِ تَعَالَى بِالطَّاعَةِ وَالْمُرَاقَبَةِ لَهُ بَلْ مُجَرَّدُ الْإِسْلَامِ الَّذِي هُوَ شَرْطُ صِحَّةِ الْعِبَارَةِ كَافٍ فِي ذَلِكَ وَلَا يُحْتَرَزُ بِذَلِكَ إلَّا عَنْ النِّفَاقِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ بَيَانُ مَا تَفَضَّلَ اللَّهُ بِهِ عَلَى هَذِهِ الْأَمَةِ مِنْ كِتَابَةِ خَوَاطِرِهِمْ الْحَسَنَةِ دُونَ خَوَاطِرِهِمْ السَّيِّئَةِ وَمُجَازَاتِهِمْ عَلَى السَّيِّئَةِ بِمِثْلِهَا إنْ شَاءَ وَعَلَى الْحَسَنَةِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ الزِّيَادَةَ عَلَى ذَلِكَ إلَى مَا لَا يُحْصَى وَفِيهِ تَرْجِيحُ جَانِبِ الرَّجَاءِ ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي آخِرِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { وَلَا يَهْلِكُ عَلَى اللَّهِ هَالِكٌ } قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ مَعْنَاهُ مَنْ حُتِمَ هَلَاكُهُ وَسُدَّتْ عَلَيْهِ أَبْوَابُ الْهُدَى مَعَ سَعَةِ رَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَكَرَمِهِ وَجَعْلِهِ السَّيِّئَةَ حَسَنَةً إذَا لَمْ يَعْمَلْهَا وَإِذَا عَمِلَهَا وَاحِدَةً وَالْحَسَنَةُ إذَا لَمْ يَعْمَلْهَا وَاحِدَةً وَإِذَا عَمِلَهَا عَشْرَةً إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ فَمَنْ حُرِمَ هَذِهِ السَّعَةُ وَفَاتَهُ هَذَا الْفَضْلُ وَكَثُرَتْ سَيِّئَاتُهُ حَتَّى غَلَبَتْ مَعَ أَنَّهَا أَفْرَادُ حَسَنَاتِهِ مَعَ أَنَّهَا مُتَضَاعِفَةٌ فَهُوَ الْهَالِكُ الْمَحْرُومُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي } . الْحَدِيثُ الثَّانِي وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ خَلَا أَبَا دَاوُد مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي } قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قِيلَ مَعْنَاهُ بِالْغُفْرَانِ لَهُ إذَا اسْتَغْفَرَنِي وَالْقَبُولِ إذَا تَابَ وَالْإِجَابَةِ إذَا دَعَانِي وَالْكِفَايَةِ إذَا اسْتَكْفَانِي لِأَنَّ هَذِهِ الصِّفَاتِ لَا تَظْهَرُ مِنْ الْعَبْدِ إلَّا إذَا حَسُنَ ظَنُّهُ بِاَللَّهِ وَقَوِيَ يَقِينُهُ قَالَ الْقَابِسِيُّ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ تَحْذِيرًا مِمَّا يَجْرِي فِي نَفْسِ الْعَبْدِ مِثْلُ قَوْله تَعَالَى { وَإِنْ تَبْدُوَا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ } وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي قَوْلِهِ { لَا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا ، وَهُوَ يُحْسِنُ الظَّنَّ بِاَللَّهِ تَعَالَى } يَعْنِي فِي حُسْنِ عَمَلِهِ فَمَنْ حَسُنَ عَمَلُهُ حَسُنَ ظَنُّهُ وَمَنْ سَاءَ عَمَلُهُ سَاءَ ظَنُّهُ . وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الرَّجَاءِ وَتَأْمِيلِ الْعَفْوِ وَاقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ فِي نَقْلِهِ عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ عَلَى الْقَوْلِ الَّذِي حَكَاهُ أَوَّلًا وَاَلَّذِي حَكَاهُ آخِرًا وَعَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ وَقِيلَ الْمُرَادُ بِهِ الرَّجَاءُ وَتَأْمِيلُ الْعَفْوِ . ثُمَّ قَالَ وَهَذَا أَصَحُّ . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ قِيلَ مَعْنَاهُ ظَنُّ الْإِجَابَةِ عِنْدَ الدُّعَاءِ وَظَنُّ الْقَبُولِ عِنْدَ التَّوْبَةِ وَظَنُّ الْمَغْفِرَةِ عِنْدَ الِاسْتِغْفَارِ وَظَنُّ قَبُولِ الْأَعْمَالِ عِنْدَ فِعْلِهَا عَلَى شُرُوطِهَا تَمَسُّكًا بِصَادِقِ وَعْدِهِ وَجَزِيلِ فَضْلِهِ قَالَ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { اُدْعُوَا اللَّهَ وَأَنْتُمْ مُوقِنُونَ بِالْإِجَابَةِ } وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي لِلتَّائِبِ وَالْمُسْتَغْفِرِ وَلِلْعَامِلِ أَنْ يَجْتَهِدَ فِي الْقِيَامِ بِمَا عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ مُوقِنًا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقْبَلُ عَمَلَهُ وَيَغْفِرُ ذَنْبَهُ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ وَعَدَ بِقَبُولِ التَّوْبَةِ الصَّادِقَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ فَأَمَّا لَوْ عَمِلَ هَذِهِ الْأَعْمَالَ ، وَهُوَ يَعْتَقِدُ ، أَوْ يَظُنُّ أَنَّ اللَّهَ لَا يَقْبَلُهَا وَأَنَّهَا لَا تَنْفَعُهُ فَذَلِكَ هُوَ الْقُنُوطُ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ وَالْيَأْسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ ، وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْكَبَائِرِ وَمَنْ مَاتَ عَلَى ذَلِكَ وَصَلَ إلَى مَا ظَنَّ مِنْهُ كَمَا قَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ هَذَا الْحَدِيثِ { أَنَا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بِي فَلْيَظُنَّ عَبْدِي بِي مَا شَاءَ } . فَأَمَّا ظَنُّ الرَّحْمَةِ وَالْمَغْفِرَة مَعَ الْإِصْرَارِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَذَلِكَ مَحْضُ الْجَهْلِ وَالْغِرَّةِ ، وَهُوَ يَجُرُّهُ إلَى مَذْهَبِ الْمُرْجِئَةِ ، وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْكَيِّسُ مَنْ دَانَ نَفْسَهُ وَعَمِلَ لِمَا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ } . وَالظَّنُّ تَغْلِيبُ أَحَدِ الْمُجَوَّزَيْنِ بِسَبَبٍ يَقْتَضِي التَّغْلِيبَ فَلَوْ خَلَا عَنْ السَّبَبِ الْمُغَلِّبِ لَمْ يَكُنْ ظَنًّا بَلْ غِرَّةً وَتَمَنِّيًا انْتَهَى . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ تَرْجِيحُ جَانِبِ الرَّجَاءِ وَأَنَّ الْإِنْسَانَ إذَا أَمَلَ عَفْوَ اللَّهِ وَصَفْحَهُ أَعْطَاهُ اللَّهُ أَمَلَهُ وَعَفَا عَنْهُ . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى { وَبَدَا لَهُمْ مِنْ اللَّهِ مَا لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ } فَذَلِكَ فِي حَقِّ الْكُفَّارِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَالْعَاجِزُ مَنْ أَتْبَعَ نَفْسَهُ هَوَاهَا وَتَمَنَّى عَلَى اللَّهِ } أَيْ طَلَبَ الْمَغْفِرَةَ مِنْ غَيْرِ تَحَفُّظٍ وَلَا تَوْبَةٍ وَلَا تَعَاطِي سَبَبٍ وَالْمُؤَمِّلُ عَفْوَ اللَّهِ لَا يَكُونُ أَمَلُهُ إلَّا عَنْ سَبَبٍ مِنْ تَوْبَةٍ وَاسْتِغْفَارٍ وَتَقَرُّبٍ بِحَسَنَاتٍ تَمْحُو سَيِّئَاتِهِ فَيَرْجُو لُحُوقَ الرَّحْمَةِ لَهُ وَمَحْوَ سَيِّئَاتِهِ . وَقَدْ كَانَ السَّلَفُ يَسْتَحِبُّونَ اسْتِحْضَارَ مَا يَقْتَضِي الرَّجَاءَ قُرْبَ الْمَوْتِ لِيَحْصُلَ مَعَهُ ظَنُّ الْمَغْفِرَةِ فَيَدْخُلُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَنَحْوِهِ بِخِلَافِ زَمَنِ الصِّحَّةِ يَنْبَغِي فِيهِ اسْتِحْضَارُ مَا يَقْتَضِي الْخَوْفَ لِيَكُونَ أَعْوَنُ عَلَى الْعَمَلِ ، وَأَمَّا حَالَةَ الْمَوْتِ فَإِنَّهُ لَا عَمَلَ فِيهَا فَإِذَا لَمْ يَرْجُ أَيِسَ وَإِذَا رَجَا انْبَسَطَ وَحَمَلَهُ ذَلِكَ عَلَى التَّوْبَةِ وَالتَّقَرُّبِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِمَا أَمْكَنَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ إذَا تَلَقَّانِي عَبْدِي بِشِبْرٍ تَلَقَّيْته بِذِرَاعٍ وَإِذَا تَلَقَّانِي بِذِرَاعٍ : تَلَقَّيْته بِبَاعٍ وَإِذَا تَلَقَّانِي بِبَاعٍ أَتَيْته بِأَسْرَعَ } لَمْ يَذْكُرْ الْبُخَارِيُّ ( وَإِذَا تَلَقَّانِي الثَّالِثَةَ ) وَذَكَرَ فِي مَوْضِعٍ { وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْته هَرْوَلَةً } . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : إذَا تَلَقَّانِي عَبْدِي بِشِبْرٍ تَلَقَّيْته بِذِرَاعٍ وَإِذَا تَلَقَّانِي بِذِرَاعٍ تَلَقَّيْته بِبَاعٍ وَإِذَا تَلَقَّانِي بِبَاعٍ أَتَيْته بِأَسْرَعَ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ هَذَا مَثَلٌ وَمَعْنَاهُ حُسْنُ الْقَبُولِ وَمُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ عَلَى قَدْرِ الْعَمَلِ الَّذِي يَتَقَرَّبُ بِهِ الْعَبْدُ إلَى رَبِّهِ حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ مُمَثَّلًا بِفِعْلِ مَنْ أَقْبَلَ نَحْوَ صَاحِبِهِ قَدْرَ شِبْرٍ فَاسْتَقْبَلَهُ صَاحِبُهُ ذِرَاعًا وَكَمَنْ مَشَى إلَيْهِ فَهَرْوَلَ إلَيْهِ صَاحِبُهُ قَبُولًا لَهُ وَزِيَادَةً فِي إكْرَامِهِ ، وَقَدْ يَكُونُ مَعْنَاهُ التَّوْفِيقَ لَهُ وَالتَّيْسِيرَ لِلْعَمَلِ الَّذِي يُقَرِّبُهُ مِنْهُ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قِيلَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَى مَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ شِبْرًا أَيْ بِالْقَصْدِ وَالنِّيَّةِ قَرَّبْته تَوْفِيقًا وَتَيْسِيرًا ذِرَاعًا ، وَإِنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بِالْعَزْمِ وَالِاجْتِهَادِ ذِرَاعًا قَرَّبْته بِالْهِدَايَةِ وَالرِّعَايَةِ بَاعًا ، وَإِنْ أَتَانِي مُعْرِضًا عَمَّنْ سِوَايَ مُقْبِلًا إلَيَّ أَدْنَيْتُهُ وَحُلْت بَيْنَهُ وَبَيْنَ كُلِّ قَاطِعٍ وَسَبَقَتْ بِهِ كُلَّ صَانِعٍ ، وَهُوَ مَعْنَى الْهَرْوَلَةِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ وَيَسْتَحِيلُ إرَادَةُ ظَاهِرِهِ وَمَعْنَاهُ مَنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بِطَاعَتِي تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ بِرَحْمَتِي وَالتَّوْفِيقِ وَالْإِعَانَةِ ، وَإِنْ زَادَ زِدْت ، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي وَأَسْرَعَ فِي طَاعَتِي أَتَيْته هَرْوَلَةً أَيْ صَبَبْتُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ وَسَبَقْته بِهَا ، وَلَمْ أُحْوِجْهُ إلَى الْمَشْيِ الْكَثِيرِ فِي الْوُصُولِ إلَى الْمَقْصُودِ ، وَالْمُرَادُ أَنَّ جَزَاءَهُ يَكُونُ تَضْعِيفُهُ عَلَى حَسَبِ تَقَرُّبِهِ . ( الثَّانِيَةُ ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فَإِنْ قِيلَ مُقْتَضَى ظَاهِرِ هَذَا الْخِطَابِ أَنَّ مَنْ عَمِلَ حَسَنَةً جُوزِيَ بِمِثْلِهَا فَإِنَّ الذِّرَاعَ شِبْرَانِ وَالْبَاعَ ذِرَاعَانِ ، وَفِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ أَنَّ أَقَلَّ مَا يُجَازَى عَلَى الْحَسَنَةِ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ لَا تُحْصَى فَكَيْفَ بِوَجْهِ الْجَمْعِ ( قُلْتُ ) هَذَا الْحَدِيثُ مَا سِيقَ لِبَيَانِ مِقْدَارِ الْأُجُورِ وَعَدَدِ تَضَاعِيفِهَا وَإِنَّمَا سِيقَ لِتَحْقِيقِ أَنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ قَلِيلًا كَانَ ، أَوْ كَثِيرًا وَأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُسْرِعُ إلَى قَبُولِهِ وَإِلَى مُضَاعَفَةِ الثَّوَابِ عَلَيْهِ إسْرَاعَ مَنْ جِيءَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ فَبَادَرَ لِأَخْذِهِ وَتَبَشْبَشَ لَهُ بَشْبَشَةَ مَنْ سُرَّ بِهِ وَوَقَعَ مِنْهُ الْمَوْقِعَ أَلَا تَرَى قَوْلَهُ ، وَإِنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْته هَرْوَلَةً ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ أَسْرَعْتُ إلَيْهِ وَلَا تَتَقَدَّرُ الْهَرْوَلَةُ وَالْإِسْرَاعُ بِضِعْفَيْ الْمَشْيِ . وَأَمَّا عَدَدُ الْأَضْعَافِ فَيُؤْخَذُ مِنْ مَوْضِعٍ آخَرَ لَا مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) الْبَاعُ طُولُ ذِرَاعَيْ الْإِنْسَانِ وَعَضُدَيْهِ وَعَرْضُ صَدْرِهِ قَالَ الْبَاجِيَّ ، وَهُوَ قَدْرُ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ هَذَا حَقِيقَةُ اللَّفْظِ وَالْمُرَادُ هُنَا الْمَجَازُ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُهُ أَتَيْته بِأَسْرَعَ أَيْ بِأَسْرَعَ مِنْ ذَلِكَ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَيَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِرَاحِلَتِهِ إذَا ضَلَّتْ مِنْهُ ، ثُمَّ وَجَدَهَا ؟ قَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ إذَا تَابَ مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ إذَا وَجَدَهَا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأَنَسٍ وَزَادَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ { ثُمَّ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّك أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ } . ( الْحَدِيثُ الرَّابِعُ ) وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَيَفْرَحُ أَحَدُكُمْ بِرَاحِلَتِهِ إذَا ضَلَّتْ مِنْهُ ، ثُمَّ وَجَدَهَا ؟ قَالُوا نَعَمْ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَلَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ إذَا تَابَ مِنْ أَحَدِكُمْ بِرَاحِلَتِهِ إذَا وَجَدَهَا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ وَمِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ كُلِّهِمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ سُوَيْد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَمِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ إِسْحَاقَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَنَسٍ وَزَادَ فِيهِ قَالَ { مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ اللَّهُمَّ أَنْتَ عَبْدِي وَأَنَا رَبُّك أَخْطَأَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ } وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَالنُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ . ( الثَّانِيَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ فَرَحُ اللَّهِ هُوَ رِضَاهُ قَالَ الْمَازِرِيُّ ( الْفَرَحُ ) يَنْقَسِمُ عَلَى وُجُوهٍ ( مِنْهَا ) السُّرُورُ وَالسُّرُورُ يُقَارِنُهُ الرِّضَى بِالْمَسْرُورِ بِهِ قَالَ فَالْمُرَادُ هُنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَرْضَى تَوْبَةَ عَبْدِهِ أَشَدَّ مَا يَرْضَى وَاجِدُ ضَالَّتِهِ بِالْفَلَاةِ فَعَبَّرَ عَنْ الرِّضَى بِالْفَرَحِ تَأْكِيدًا لِمَعْنَى الرِّضَى فِي نَفْسِ السَّامِعِ وَمُبَالَغَةً فِي تَقْرِيرِهِ انْتَهَى . وَمَثَّلَ الْخَطَّابِيُّ إطْلَاقَ الْفَرَحِ عَلَى الرِّضَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى { كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّ الْفَرَحَ مُعْظَمُ السُّرُورِ وَغَايَتُهُ وَالسُّرُورُ عِبَارَةٌ عَنْ بَسْطِ الْوَجْهِ وَسَعَةِ الصَّدْرِ وَاسْتِنَارَةِ الْوَجْهِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا مَثَلٌ قُصِدَ بِهِ بَيَانُ سُرْعَةِ قَبُولِ اللَّهِ تَعَالَى لِتَوْبَةِ عَبْدِهِ التَّائِبِ وَأَنَّهُ يُقْبِلُ عَلَيْهِ بِمَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَيُعَامِلُهُ مُعَامَلَةَ مَنْ يَفْرَحُ بِهِ وَوَجْهُ هَذَا التَّمْثِيلِ أَنَّ الْعَاصِيَ حَصَلَ بِسَبَبِ مَعْصِيَتِهِ فِي قَبْضَةِ الشَّيْطَانِ وَأَسْرِهِ ، وَقَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ فَإِذَا لَطَفَ اللَّهُ بِهِ وَأَرْشَدَهُ إلَى التَّوْبَةِ خَرَجَ مِنْ شُؤْمِ تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ وَتَخَلَّصَ مِنْ أَسْرِ الشَّيْطَانِ وَمِنْ الْهَلَكَةِ الَّتِي أَشْرَفَ عَلَيْهَا فَأَقْبَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ بِرَحْمَتِهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَبَادَرَ إلَى ذَلِكَ مُبَادَرَةَ هَذَا الَّذِي قَدْ أَشْرَفَ عَلَى الْهَلَاكِ لَمَّا عَدِمَ رَاحِلَتَهُ وَزَادَهُ الَّذِي قَدْ انْتَهَى . بِهِ الْفَرَحُ وَاسْتَفَزَّهُ السُّرُورُ إلَى أَنْ نَطَقَ بِالْمُحَالِ ، وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِ لِشِدَّةِ سُرُورِهِ وَفَرَحِهِ وَإِلَّا فَالْفَرَحُ الَّذِي هُوَ مِنْ صِفَاتِنَا مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ اهْتِزَازٌ وَطَرَبٌ يَجِدُهُ الْإِنْسَانُ فِي نَفْسِهِ عِنْدَ ظَفَرِهِ بِغَرَضٍ يَسْتَكْمِلُ بِهِ الْإِنْسَانُ نُقْصَانَهُ وَيَسُدُّ بِهِ خَلَّتَهُ أَوْ يَدْفَعُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ ضَرَرًا ، أَوْ نَقْصًا وَكُلُّ ذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّهُ الْكَامِلُ بِذَاتِهِ الْغَنِيُّ بِوُجُودِهِ الَّذِي لَا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ وَلَا قُصُورٌ وَلَكِنَّ هَذَا الْفَرَحَ عِنْدَنَا لَهُ ثَمَرَةٌ وَفَائِدَةٌ ، وَهُوَ الْإِقْبَالُ عَلَى الشَّيْءِ الْمَفْرُوحِ بِهِ وَإِحْلَالُهُ الْمَحَلَّ الْأَعْلَى وَهَذَا هُوَ الَّذِي يَصِحُّ فِي حَقِّهِ تَعَالَى فَعَبَّرَ عَنْ ثَمَرَةِ الْفَرَحِ بِالْفَرَحِ عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ فِي تَسْمِيَتِهَا الشَّيْءَ بِاسْمِ مَا جَاوَرَهُ ، أَوْ كَانَ مِنْهُ بِسَبَبٍ وَذَلِكَ الْقَانُونَ جَارٍ فِي جَمِيعِ مَا أَطْلَقَهُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الصِّفَاتِ الَّتِي لَا تَلِيقُ بِهِ كَالْغَضَبِ وَالرِّضَى وَالضَّحِكِ وَغَيْرِ ذَلِكَ انْتَهَى . ( الثَّالِثَةُ ) ذَكَرَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي ضَرْبِ هَذَا الْمَثَلِ قَدْرًا زَائِدًا عَلَى مُطْلَقِ وِجْدَانِ ضَالَّتِهِ فَقَالَ { اللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ مِنْ رَجُلٍ فِي أَرْضٍ دَوِيَّةٍ مُهْلِكَةٍ مَعَهُ رَاحِلَتَهُ عَلَيْهَا طَعَامُهُ وَشَرَابُهُ فَنَامَ فَاسْتَيْقَظَ ، وَقَدْ ذَهَبَتْ فَطَلَبَهَا حَتَّى أَدْرَكَهُ الْعَطَشُ ، ثُمَّ قَالَ : أَرْجِعُ إلَى مَكَانِي الَّذِي كُنْتُ فِيهِ فَأَنَامُ حَتَّى أَمُوتَ فَوَضَعَ رَأْسَهُ عَلَى سَاعِدِهِ لِيَمُوتَ فَاسْتَيْقَظَ وَعِنْدَهُ رَاحِلَتُهُ عَلَيْهَا زَادَهُ وَطَعَامَهُ وَشَرَابَهُ فَاَللَّهُ أَشَدُّ فَرَحًا بِتَوْبَةِ الْعَبْدِ الْمُؤْمِنِ مِنْ هَذَا بِرَاحِلَتِهِ وَزَادِهِ } وَهَذَا زِيَادَةُ تَقْرِيرٍ لِرِضَى اللَّهِ تَعَالَى بِتَوْبَتِهِ وَقَبُولِهَا . ( الرَّابِعَةُ ) التَّوْبَةُ لُغَةً الرُّجُوعُ يُقَالُ تَابَ بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ وَثَابَ بِالْمُثْلَةِ وَآبَ وَأَنَابَ بِمَعْنَى رَجَعَ وَالْمُرَادُ بِالتَّوْبَةِ هُنَا الرُّجُوعُ عَنْ الذَّنْبِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ التَّوْبَةُ أَوَّلُ الدَّرَجَاتِ وَكَأَنَّهَا الْإِقْلَاعُ وَالْإِنَابَةُ بَعْدَهَا وَالْأَوْبَةُ أَعَزُّهَا وَهِيَ دَرَجَةُ الْأَنْبِيَاءِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { إنَّهُ أَوَّابٌ } ثُمَّ إنَّ بَعْضَهُمْ يُفَسِّرُ التَّوْبَةَ بِالنَّدَمِ وَبِهِ عَبَّرَ كَثِيرُونَ وَجَاءَ فِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ { النَّدَمُ تَوْبَةٌ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالطَّيَالِسِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ الْإِقْلَاعُ عَنْ الذَّنْبِ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ الْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ وَالْأَكْثَرُونَ جَمَعُوا بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ فَقَالُوا إنَّ لِلتَّوْبَةِ أَرْكَانًا الْإِقْلَاعُ فِي الْحَالِ ، وَالْعَزْمُ عَلَى أَنْ لَا يَعُودَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ ، وَالنَّدَمُ عَلَى مَا مَضَى . قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَهَذَا أَكْمَلَهَا غَيْرَ أَنَّهُ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ التَّرْكِيبِ الْمَحْذُورِ فِي الْحُدُودِ غَيْرُ مَانِعٍ وَلَا جَامِعٍ ، بَيَانُ . ( الْأَوَّلُ ) : أَنَّهُ قَدْ يَنْدَمُ وَيُقْلِعُ وَيَعْزِمُ وَلَا يَكُونُ تَائِبًا شَرْعًا إذْ قَدْ يَفْعَلُ ذَلِكَ شُحًّا عَلَى مَالِهِ أَوْ لِئَلَّا يُعَيِّرَهُ النَّاسُ بِذَلِكَ وَلَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ الشَّرْعِيَّةُ إلَّا بِالنِّيَّةِ وَالْإِخْلَاصِ فَإِنَّهَا مِنْ أَعْظَمِ الْعِبَادَاتِ الْوَاجِبَاتِ وَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { تُوبُوا إلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَصُوحًا } وَأَمَّا ( الثَّانِي ) فَبَيَانُهُ أَنَّهُ يَخْرُجُ عَنْهُ . مَنْ زَنَا مَثَلًا ، ثُمَّ قُطِعَ ذَكَرَهُ فَإِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى مِنْهُ غَيْرُ النَّدَمِ عَلَى مَا مَضَى مِنْ الزِّنَا . وَأَمَّا الْعَزْمُ وَالْإِقْلَاعُ فَغَيْرُ مَقْصُودَيْنِ مِنْهُ وَمَعَ ذَلِكَ فَالتَّوْبَةُ مِنْ الزِّنَا صَحِيحَةٌ فِي حَقِّهِ إجْمَاعًا وَبِهَذَا اغْتَرَّ مَنْ قَالَ إنَّ النَّدَمَ يَكْفِي فِي حَدِّ التَّوْبَةِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِأَنَّهُ لَوْ نَدِمَ ، وَلَمْ يُقْلِعْ وَعَزَمَ عَلَى الْعَوْدِ لَمْ يَكُنْ تَائِبًا اتِّفَاقًا وَلَمَّا فَهِمَ بَعْضُ الْمُحَقِّقِينَ هَذَا حَدَّ التَّوْبَةَ بِحَدِّ آخَرَ فَقَالَ . هِيَ تَرْكُ اخْتِيَارِ ذَنْبٍ سَبَقَ مِنْك مِثْلُهُ حَقِيقَةً ، أَوْ تَقْدِيرًا لِأَجْلِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا أَشَدُّ الْعِبَارَاتِ وَأَجْمَعُهَا وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ التَّائِبَ لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ تَارِكًا لِلذَّنْبِ غَيْرَ أَنَّ ذَلِكَ الذَّنْبَ الْمَاضِيَ قَدْ وَقَعَ وَفَرَغَ مِنْهُ فَلَا يَصِحُّ تَرْكُهُ إذْ هُوَ غَيْرُ مُتَمَكِّنٍ مِنْ عَيْنِهِ لَا تَرْكًا وَلَا فِعْلًا وَإِنَّمَا هُوَ مُتَمَكِّنٌ مِنْ مِثْلِهِ حَقِيقَةً ، وَهُوَ زِنًا آخَرُ مَثَلًا فَلَوْ جُبَّ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ تَرْكُ الزِّنَا بَلْ الَّذِي يَصِحُّ مِنْهُ أَنْ يَقْدِرَ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْ الزِّنَا تَرَكَهُ ، فَلَوْ قَدَّرْنَا مَنْ لَمْ يَقَعْ مِنْهُ ذَنْبٌ لَمْ يَصِحَّ مِنْهُ إلَّا اتِّقَاءُ مَا يُمْكِنُ أَنْ يَقَعَ لَا تَرَكَ مِثْلُ مَا وَقَعَ فَيَكُونُ مُتَّقِيًا لَا تَائِبًا انْتَهَى . فَيُزَادُ فِي التَّوْبَةِ رُكْنٌ رَابِعٌ ، وَهُوَ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ لَهَا أَرْبَعَةُ أَرْكَانٍ ، وَقَدْ قَالَ الْمَازِرِيُّ التَّوْبَةُ مِنْ الذَّنْبِ النَّدَمُ عَلَيْهِ رِعَايَةً لَحِقَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَحَكَى شَيْخُنَا الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْإِسْنَوِيُّ التَّصْرِيحَ بِاشْتِرَاطِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِلَّهِ تَعَالَى عَنْ أَهْلِ الْأُصُولِ وَأَنَّهُمْ مَثَّلُوهُ بِمَا إذَا قَتَلَ وَلَدَهُ وَنَدِمَ لِكَوْنِهِ وَلَدَهُ وَبِمَا إذَا بَذَلَ الشَّحِيحُ مَالًا فِي مَعْصِيَةٍ وَنَدِمَ لِأَجَلِ غَرَامَةِ الْمَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، ثُمَّ الِاقْتِصَارُ عَلَى هَذِهِ الْأَرْكَانِ الْأَرْبَعَةِ إنَّمَا هُوَ فِيمَا إذَا كَانَتْ الْمَعْصِيَةُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ تَعَلَّقَتْ بِآدَمِيٍّ فَلَا بُدَّ مِنْ أَمْرٍ خَامِسٍ ، وَهُوَ الْخُرُوجُ عَنْ تِلْكَ الْمَظْلِمَة قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ أَنَّ مِنْ شَرْطِ التَّوْبَةِ الْخُرُوجُ عَنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ قَالَ وَلَعَلَّهُ يُشِيرُ إلَى كَمَالِهَا وَتَمَامِ أَمْرِهَا لَا أَنَّهُ لَا تَصِحُّ فِي ذَلِكَ الذَّنْبِ ( قُلْتُ ) وَلَعَلَّهُ لَمْ يُرِدْ الْخُرُوجَ عَنْ مَظَالِمِ الْعِبَادِ مُطْلَقًا بَلْ فِي ذَلِكَ الذَّنْبِ الَّذِي تَابَ مِنْهُ وَبِتَقْدِيرِ إرَادَتِهِ الْخُرُوجَ عَنْهَا مُطْلَقًا فَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى قَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّهُ لَا تَصِحُّ التَّوْبَةُ مِنْ بَعْضِ الذُّنُوبِ دُونَ بَعْضٍ ، وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الْمُعْتَزِلَةِ وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) فِيهِ قَبُولُ اللَّهِ تَعَالَى تَوْبَةَ الْعَبْدِ إذَا وَقَعَتْ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعَبِّرِ شَرْعًا ، وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهَا إذَا كَانَتْ تَوْبَةُ الْكَافِرِ مِنْ كُفْرِهِ فَهِيَ مَقْطُوعٌ بِقَبُولِهَا ، وَإِنْ كَانَتْ سِوَاهَا مِنْ أَنْوَاعِ التَّوْبَةِ فَهَلْ قَبُولُهَا مَقْطُوعٌ بِهِ ، أَوْ مَظْنُونٌ ؟ فِيهِ خِلَافٌ لِأَهْلِ السُّنَّةِ وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ أَنَّهُ مَظْنُونٌ قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَهُوَ الْأَصَحُّ قَالَ أَبُو الْقَاسِمِ الْقُشَيْرِيُّ التَّائِبُ مِنْ الذَّنْبِ عَلَى يَقِينٍ ، وَمِنْ قَبُولِ التَّوْبَةِ عَلَى خَطَرٍ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ دَائِمَ الْحَذَرِ . ( السَّادِسَةُ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوْلِهِ قَالَ مِنْ شِدَّةِ الْفَرَحِ إلَى آخِرِهِ فِيهِ أَنَّ مَا قَالَهُ الْإِنْسَانُ مِنْ قَبِيلِ هَذَا مِنْ دَهَشٍ وَذُهُولٍ غَيْرُ مُؤَاخَذٍ بِهِ وَكَذَلِكَ حِكَايَتُهُ عَنْهُ عَلَى طَرِيقٍ عِلْمِيٍّ وَفَائِدَةٍ شَرْعِيَّةٍ لَا عَلَى الْهُزْءِ وَالْمُحَاكَاةِ وَالْعَيْبِ لِحِكَايَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُ وَلَوْ كَانَ مُنْكَرًا مَا حَكَاهُ . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَيْسَ أَحَدٌ مِنْكُمْ بِمُنْجِيهِ عَمَلُهُ وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَقَارِبُوا : قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ وَلَا أَنَا إلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَةٍ وَفَضْلٍ } . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَيْسَ أَحَدُكُمْ بِمُنْجِيهِ عَمَلُهُ وَلَكِنْ سَدِّدُوا وَقَارِبُوا قَالُوا وَلَا أَنْتَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ وَلَا أَنَا إلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ وَفَضْلِهِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي عُبَيْدٍ مَوْلَى ابْنِ أَزْهَرَ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ بُسْرِ بْنِ سَعِيدٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَأَبِي صَالِحٍ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ حُجَّةٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَشْيَاءِ لَا ثَوَابٌ وَلَا غَيْرُهُ بَلْ الْعَالَمُ مُلْكُهُ وَالدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ فِي سُلْطَانِهِ يَفْعَلُ فِيهِمَا مَا يَشَاءُ فَلَوْ عَذَّبَ الْمُطِيعِينَ وَالصَّالِحِينَ أَجْمَعِينَ وَأَدْخَلَهُمْ النَّارَ كَانَ عَدْلًا مِنْهُ وَإِذَا أَكْرَمَهُمْ وَنَعَّمَهُمْ وَأَدْخَلَهُمْ الْجَنَّةَ فَهُوَ بِفَضْلٍ مِنْهُ وَلَوْ نَعَّمَ الْكَافِرِينَ وَأَدْخَلَهُمْ الْجَنَّةَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ لَكِنَّهُ أَخْبَرَ وَخَبَرُهُ صِدْقٌ أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ هَذَا بَلْ يَغْفِرُ لِلْمُؤْمِنِينَ وَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ بِرَحْمَتِهِ وَيُعَذِّبُ الْكَافِرِينَ وَيُدْخِلُهُمْ النَّارَ عَدْلًا مِنْهُ فَمَنْ نَجَا وَدَخَلَ الْجَنَّةَ فَلَيْسَ بِعَمَلِهِ لِأَنَّهُ لَا يَسْتَحِقُّ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِعِلْمِهِ شَيْئًا وَإِنَّمَا هُوَ بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ وَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى إيجَابِ ثَوَابِ الْأَعْمَالِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى وَحَكَّمُوا الْعَقْلَ وَأَوْجَبُوا مُرَاعَاةَ الْأَصْلَحِ وَلَهُمْ فِي ذَلِكَ خَبْطٌ عَرِيضٌ تَعَالَى اللَّهُ عَنْ اخْتِرَاعَاتِهِمْ الْبَاطِلَةِ الْمُنَابِذَةِ لِنُصُوصِ الشَّرْعِ . ( الثَّالِثَةُ ) ( فَإِنْ قُلْتُ ) كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْله تَعَالَى { اُدْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } وقَوْله تَعَالَى { وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } وَنَحْوِهِمَا مِنْ الْآيَاتِ الظَّاهِرَةِ فِي دُخُولِ الْجَنَّةِ بِالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ ( قُلْتُ ) مَعْنَى الْآيَاتِ أَنَّ دُخُولَ الْجَنَّةِ بِسَبَبِ الْأَعْمَالِ ، ثُمَّ التَّوْفِيقُ لِلْأَعْمَالِ وَالْهِدَايَةِ لِلْإِخْلَاصِ فِيهَا وَقَبُولِهَا بِرَحْمَةِ اللَّهِ وَفَضْلِهِ فَيَصِحُّ أَنَّهُ لَمْ يَدْخُلْ بِمُجَرَّدِ الْعَمَلِ ، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ وَيَصِحُّ أَنَّهُ دَخَلَ بِالْأَعْمَالِ أَيْ بِسَبَبِهَا وَهِيَ مِنْ الرَّحْمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { بِمُنْجِيهِ } يَجُوزُ فِيهِ إسْكَانُ النُّونِ وَتَخْفِيفُ الْجِيمِ وَفَتْحِ النُّونِ وَتَشْدِيدِ الْجِيمِ يُقَالُ نَجَاهُ وَأَنْجَاهُ يَتَعَدَّى بِالْهَمْزِ وَالتَّضْعِيفِ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { سَدِّدُوا } هُوَ بِالسِّينِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ اُطْلُبُوا السَّدَادَ ، وَهُوَ الصَّوَابُ وَذَلِكَ بَيْنَ الْإِفْرَاطِ وَالتَّفْرِيطِ لَا غُلُوَّ وَلَا تَقْصِيرَ وَقَوْلُهُ { وَقَارِبُوا } أَيْ إنْ عَجَزْتُمْ عَنْ السَّدَادِ فَقَارِبُوهُ أَيْ اقْرَبُوا مِنْهُ ، وَهُوَ مِثْلُ قَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ { اسْتَقِيمُوا وَلَنْ تُحْصُوا } أَيْ وُجُوهُ الِاسْتِقَامَةِ فَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَى مُقَارِبَةِ الِاسْتِقَامَةِ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْتُهُ فِي مَعْنَى قَوْلِهِ { وَقَارِبُوا } هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ سَدِّدُوا فِي الْأَعْمَالِ أَيْ اعْمَلُوهَا مُسَدَّدَةً لَا غُلُوَّ فِيهَا وَلَا تَقْصِيرَ وَقَارِبُوا فِي أَزْمَانِهَا بِحَيْثُ لَا يَكُونُ فِيهَا قَصِيرٌ وَلَا طَوِيلٌ انْتَهَى . وَمُقْتَضَاهُ مُسَاوَاةُ قَوْلِهِ وَقَارِبُوا لِقَوْلِهِ وَسَدِّدُوا فِي الْمَعْنَى وَعِبَارَةُ الْقَاضِي عِيَاضٍ بَعْدَ تَفْسِيرِ السَّدَادِ بِمَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ مَعْنَى قَارِبُوا أَيْ اقْرَبُوا مِنْ الصَّوَابِ وَالسَّدَادِ وَلَا تَغْلُوا فَدِينُ اللَّهِ سَمْحَةٌ حَنِيفِيَّةٌ انْتَهَى . وَصَدْرُ كَلَامِهِ يُوَافِقُ كَلَامَ الْقُرْطُبِيِّ وَآخِرُهُ يُوَافِقُ كَلَامَ النَّوَوِيِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ وَلَا أَنْتَ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ كَأَنَّهُ وَقَعَ لَهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعِظَمِ مَعْرِفَتِهِ بِاَللَّهِ وَكَثْرَةِ عِبَادَاتِهِ أَنَّهُ يُنْجِيهِ عَمَلُهُ فَرَدَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَسَوَّى بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي ذَلِكَ الْمَعْنَى وَأَخْبَرَ أَنَّهُ عَنْ فَضْلِهِ وَرَحْمَتِهِ لَا يَسْتَغْنِي . ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { إلَّا أَنْ يَتَغَمَّدَنِي اللَّهُ بِرَحْمَتِهِ } أَيْ يُلْبِسُنِيهَا وَيَغْمُرُنِي فِيهَا وَمِنْهُ غَمَدْتُ السَّيْفَ وَأَغْمَدْتُهُ إذَا جَعَلْته فِي غِمْدِهِ وَسَتَرْتُهُ بِهِ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : { دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ مِنْ جَرَّاءِ هِرَّةٍ لَهَا ، أَوْ هِرٍّ رَبَطَتْهَا فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا هِيَ أَرْسَلَتْهَا تُرَمِّمُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . قَالَ الزُّهْرِيُّ ( ذَلِكَ لَأَنْ لَا يَتَّكِلَ رَجُلٌ وَلَا يَيْأَسَ رَجُلٌ ) . { الْحَدِيثُ السَّادِسُ } وَعَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : { دَخَلَتْ امْرَأَةٌ النَّارَ مِنْ جَرَّاءِ هِرَّةٍ لَهَا ، أَوْ هِرٍّ رَبَطَتْهَا فَلَا هِيَ أَطْعَمَتْهَا وَلَا أَرْسَلَتْهَا تُرَمِّمُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ هَزْلًا } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَخْرَجَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ وَمِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ كُلِّهِمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . { الثَّانِيَةُ } قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هَذِهِ الْمَرْأَةُ الَّتِي رَآهَا النَّبِيُّ . فِي النَّارِ هِيَ امْرَأَةٌ طَوِيلَةٌ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ، كَذَا فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ ، وَفِي أُخْرَى لَهُ أَنَّهَا حِمْيَرِيَّةٌ وَسَنَذْكُرُهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَحِمْيَرُ قَبِيلَةٌ مِنْ الْعَرَبِ وَلَيْسُوا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ . { الثَّالِثَةُ } قَوْلُهُ { مِنْ جَرَّاءِ } بِفَتْحِ الْجِيمِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ مَقْصُورَةٌ وَيَجُوزُ فِيهِ الْمَدُّ أَيْضًا يُقَالُ فَعَلْتُهُ مِنْ جَرَّاك وَمِنْ جَرَّائِك أَيْ مِنْ أَجْلِك وَيَجُوزُ فِي قَوْلِهِ أَجْلِك فَتْحُ الْهَمْزَةِ وَكَسْرُهَا . { الرَّابِعَةُ } { الْهِرُّ } ذَكَرُ السِّنَّوْرِ وَالْأُنْثَى هِرَّةٌ فَتَرَدَّدَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ هَلْ كَانَ ذَكَرًا ، أَوْ أُنْثَى وَيُجْمَعُ الْهِرُّ عَلَى هِرَرَةٍ كَقِرْدٍ وَقِرَدَةٍ وَالْهِرَّةُ عَلَى هِرَرٍ كَقِرْبَةٍ وَقِرَبٍ . { الْخَامِسَةُ } هَذَا الْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِي أَنَّ هَذِهِ الْمَرْأَةَ إنَّمَا عُذِّبَتْ بِسَبَبِ قَتْلِ هَذِهِ الْهِرَّةِ بِالْحَبْسِ وَتَرْكِ الطَّعَامِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْعَذَابُ بِالنَّارِ ، أَوْ يَكُونَ بِالْحِسَابِ عَلَى ذَلِكَ فَمَنْ نُوقِشَ فِي الْحِسَابِ عُذِّبَ ، أَوْ تَكُونَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ كَافِرَةً فَعُذِّبَتْ بِكُفْرِهَا وَزِيدَتْ عَذَابًا بِسَيِّئِ أَعْمَالِهَا ، وَكَانَ مِنْهَا هَذَا إذْ لَمْ تَكُنْ مُؤْمِنَةً فَتُغْفَرْ صَغَائِرُهَا بِاجْتِنَابِ الْكَبَائِرِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هَلْ كَانَتْ كَافِرَةً ، أَوْ لَا ، كُلٌّ مُحْتَمَلٌ وَقَالَ النَّوَوِيُّ الصَّوَابُ أَنَّهَا كَانَتْ مُسْلِمَةً وَأَنَّهَا دَخَلَتْ النَّارَ بِسَبَبِ هَذِهِ الْهِرَّةِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ وَهَذِهِ الْمَعْصِيَةُ لَيْسَتْ صَغِيرَةً بَلْ صَارَتْ بِإِصْرَارِهَا كَبِيرَةً وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا تُخَلَّدُ فِي النَّارِ ( قُلْتُ ) وَمِنْ هُنَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى تَرْجِيحِ جَانِبِ الْخَوْفِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فَإِنْ كَانَتْ كَافِرَةً فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِالْفُرُوعِ وَمُعَاقَبُونَ عَلَى تَرْكِهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ كَافِرَةً فَقَدْ تَمَحَّضَ أَنَّ سَبَبَ تَعْذِيبِهَا فِي النَّارِ حَبْسُ الْهِرَّةِ إلَى أَنْ مَاتَتْ جُوعًا فَفِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَنَّ الْهِرَّ لَا يُتَمَلَّكُ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ إطْعَامُهُ إلَّا عَلَى مَنْ حَبَسَهُ ( قُلْتُ ) لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يُتَمَلَّكُ فَإِنَّهُ إنَّمَا حَكَى فِيهِ وَاقِعَةً خَاصَّةً وَهِيَ تَعْذِيبُهَا عَلَى حَبْسِهِ حَتَّى أَفْضَى إلَى تَلَفِهِ وَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَى حُكْمِ غَيْرِ حَالَةِ الْحَبْسِ هَلْ فِيهَا إثْمٌ بِسَبَبِ تَرْكِ الْإِنْفَاقِ لِكَوْنِهِ مَمْلُوكًا أَمْ لَا وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ وُجُوبُ نَفَقَةِ الْحَيَوَانِ عَلَى مَالِكِهِ انْتَهَى . وَفِيهِ نَظَرٌ ، فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَصْرِيحٌ بِأَنَّ الْهِرَّةَ كَانَتْ مَمْلُوكَةً لَهَا لَكِنَّهُ أَقْرَبُ مِمَّا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ لِإِمْكَانِ اسْتِنْبَاطِ كَوْنِهَا مَمْلُوكَةً لَهَا مِنْ الْإِضَافَةِ فِي قَوْلِهِ { لَهَا } فَإِنَّ ظَاهِرَهَا الْمِلْكُ وَأَيْضًا فَقَدْ يَكُونُ اسْتِدْلَالُهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ وَوَجْهُهُ أَنَّهَا إذَا عُذِّبَتْ عَلَى إتْلَافِهَا بِالْحَبْسِ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهَا مُحْتَرَمَةٌ وَحِينَئِذٍ فَتَجِبُ نَفَقَتُهَا إذَا مُلِكَتْ كَسَائِرِ الْمُحْتَرَمَاتِ . وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى أَنَّهَا لَا تُمْلَكُ فَضَعِيفٌ جِدًّا لَا وَجْهَ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ مُجَرَّدَ رَبْطِ الْحَيَوَان الْمَمْلُوكِ لَيْسَ حَرَامًا لِأَنَّهُ لَمْ يُرَتِّبْ الذَّمَّ إلَّا عَلَى تَرْكِ إطْعَامِهَا وَإِرْسَالِهَا وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ لِتَحْرِيمِ قَتْلِ الْهِرَّةِ وَتَحْرِيمِ حَبْسِهَا بِغَيْرِ طَعَامٍ ، أَوْ شَرَابٍ . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهُ { تُرَمِّمُ } رُوِيَ بِوَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) بِفَتْحِ التَّاءِ وَالْمِيمِ الْأُولَى وَتَشْدِيدِهَا عَلَى حَذْفِ إحْدَى التَّاءَيْنِ وَ . ( الثَّانِي ) بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ الْمِيمِ الْأُولَى وَتَشْدِيدِهَا وَالْمُرَادُ تَنَاوُلُ ذَلِكَ بِشَفَتَيْهَا . ( التَّاسِعَةُ ) قَوْلُهُ { مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ } هُوَ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِهَا وَضَمِّهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ حَكَاهُنَّ فِي الْمَشَارِقِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَالْفَتْحُ أَشْهَرُ قَالَ وَرُوِيَ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَالصَّوَابُ الْمُعْجَمَةِ وَهِيَ هَوَامُّ الْأَرْضِ وَحَشَرَاتُهَا وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَشَرَاتِ الْأَرْضِ وَقِيلَ صِغَارُ الطَّيْرِ وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ نَبَاتُ الْأَرْضِ ، قَالَ النَّوَوِيُّ : وَهُوَ ضَعِيفٌ ، أَوْ غَلَطٌ . ( الْعَاشِرَةُ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ بَعْضَ النَّاسِ مُعَذَّبٌ بِدُخُولِ النَّارِ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ لَمْ تَكُنْ إلَّا هَذِهِ الرِّوَايَةُ لَأَمْكَنَ تَأْوِيلُهَا عَلَى مَعْنَى أَنَّهَا سَتَدْخُلُ وَأَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ لَمَّا كَانَ مُحَقَّقَ الْوُقُوعِ أَخْبَرَ بِهِ قَبْلَ وُقُوعِهِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { أَتَى أَمْرُ اللَّهِ } وَنَظَائِرُهُ ، لَكِنْ فِي حَدِيثِ الْكُسُوفِ فِي الصَّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { وَعُرِضَتْ عَلَيَّ النَّارُ فَرَأَيْت فِيهَا امْرَأَةً مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ تُعَذَّبُ فِي هِرَّةٍ لَهَا رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا ، وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ ، وَرَأَيْت أَبَا ثُمَامَةَ عَمْرَو بْنَ مَالِكٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ } وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ { وَرَأَيْتُ فِي النَّارِ امْرَأَةً حِمْيَرِيَّةً سَوْدَاءَ طَوِيلَةً } وَلَمْ يَقُلْ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ، وَفِي لَفْظٍ آخَرَ { لَقَدْ جِيءَ بِالنَّارِ وَذَلِكَ حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْت مَخَافَةَ أَنْ يُصِيبَنِي مِنْ لَفْحِهَا وَحَتَّى رَأَيْت فِيهَا صَاحِبَ الْمِحْجَنِ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ كَأَنَّهُ يَسْرِقُ الْحَاجَّ بِمِحْجَنِهِ ، فَإِنْ فُطِنَ لَهُ قَالَ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِمِحْجَنِي ، وَإِنْ غُفِلَ عَنْهُ ذَهَبَ بِهِ ، وَحَتَّى رَأَيْتُ فِيهَا صَاحِبَةَ الْهِرَّةِ الَّتِي رَبَطَتْهَا فَلَمْ تُطْعِمْهَا وَلَمْ تَدَعْهَا تَأْكُلُ مِنْ خَشَاشِ الْأَرْضِ حَتَّى مَاتَتْ جُوعًا } ، وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ فِي الْكُسُوفِ { وَلَقَدْ رَأَيْتُ جَهَنَّمَ يَحْطِمُ بَعْضُهَا بَعْضًا حِينَ رَأَيْتُمُونِي تَأَخَّرْتُ وَرَأَيْتُ فِيهَا عَمْرَو بْنَ لُحَيٍّ ، وَهُوَ الَّذِي سَيَّبَ السَّوَائِبَ } وَهَذَا صَرِيحٌ فِي مُشَاهَدَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذَلِكَ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { ( هَزْلًا } ) رَوَيْنَاهُ وَضَبَطْنَاهُ بِضَمِّ الْهَاءِ وَإِسْكَانِ الزَّايِ وَيَجُوزُ فِيهِ فَتْحُ الْهَاءِ أَيْضًا ، وَهُوَ الْهُزَالُ قَالَ فِي الْمُحْكَمِ هَزَلَ الرَّجُلُ وَالدَّابَّةُ هُزَالًا ، وَهَزَلَ يَهْزِلُ هَزْلًا وَهُزَالًا ، قَالَ فِي الصِّحَاحِ ؟ الْهُزَالُ ضِدُّ السِّمَنِ يُقَالُ هَزَلَتْ الدَّابَّةُ هُزَالًا عَلَى مَا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ وَهَزَلْتُهَا أَنَا هَزْلًا . الْقَدَرُ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { تَحَاجَّ آدَم وَمُوسَى فَحَجَّ آدَم مُوسَى فَقَالَ مُوسَى أَنْتَ آدَم الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ ، فَقَالَ آدَم أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاك اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ وَاصْطَفَاك عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ قَالَ : فَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ : رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَحَاجَّ آدَم وَمُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِمَا وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ مُوسَى أَنْتَ آدَم الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ إلَى الْأَرْضِ ، وَقَالَ لَهُ آدَم أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاك اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ وَاصْطَفَاك عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَتِهِ ، قَالَ نَعَمْ ، قَالَ أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ كَانَ قَدْ كُتِبَ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ قَبْلِ أَنْ أُخْلَقَ ، قَالَ فَحَاجَّ آدَم مُوسَى } وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ { قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً } ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { احْتَجَّ آدَم وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا } . الْقَدَرُ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { تَحَاجَّ آدَم وَمُوسَى فَحَجَّ آدَم مُوسَى فَقَالَ مُوسَى أَنْتَ آدَم الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ ؟ فَقَالَ آدَم أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاك اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ وَاصْطَفَاك عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِهِ ؟ قَالَ نَعَمْ ، قَالَ : فَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تَحَاجَّ آدَم وَمُوسَى صَلَّى اللَّهِ عَلَيْهِمَا فَقَالَ لَهُ مُوسَى أَنْتَ آدَم الَّذِي أَغْوَيْتَ النَّاسَ وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ إلَى الْأَرْضِ قَالَ لَهُ آدَم أَنْتَ مُوسَى الَّذِي أَعْطَاك اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ وَاصْطَفَاك عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِهِ ؟ قَالَ نَعَمْ ، قَالَ أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ كَانَ قَدْ كُتِبَ عَلَيَّ أَنْ أَفْعَلَ مِنْ قَبْلِ أَنْ أُخْلَقَ ، قَالَ فَحَاجَّ آدَم مُوسَى } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَالْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي ذِئَابٍ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هُرْمُزَ وَالْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { احْتَجَّ آدَم وَمُوسَى عِنْدَ رَبِّهِمَا فَحَجَّ آدَم مُوسَى قَالَ مُوسَى أَنْتَ آدَم الَّذِي خَلَقَك اللَّهُ بِيَدِهِ وَنَفَخَ فِيك مِنْ رُوحِهِ وَأَسْجَدَ لَك مَلَائِكَتَهُ وَأَسْكَنَك فِي جَنَّتِهِ ، ثُمَّ أَهَبَطْتَ النَّاسَ بِخَطِيئَتِك إلَى الْأَرْضِ فَقَالَ آدَم أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاك اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَكَلَامِهِ وَأَعْطَاك الْأَلْوَاحَ فِيهَا تِبْيَانُ كُلِّ شَيْءٍ وَقَرَّبَكَ نَجِيًّا ، فَبِكَمْ وَجَدْتَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ، قَالَ مُوسَى : بِأَرْبَعِينَ عَامًا قَالَ آدَم فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا { وَعَصَى آدَم رَبَّهُ فَغَوَى } قَالَ نَعَمْ قَالَ : أَفَتَلُومُنِي عَلَى أَنْ عَمِلْتَ عَمَلًا كَتَبَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيَّ أَنْ أَعْمَلَهُ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً ؛ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَجَّ آدَم مُوسَى } وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ خَلَا التِّرْمِذِيَّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ طَاوُسٍ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَمِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بْنِ النَّجَّارِ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كُثَيِّرٌ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَانْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتٌ مِنْ جِهَةِ الْإِسْنَادِ لَا يَخْتَلِفُونَ فِي ثُبُوتِهِ رَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ جَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَرُوِيَ مِنْ وُجُوهٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رِوَايَةِ الثِّقَاتِ أَئِمَّةِ الْإِثْبَاتِ وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ فَاخْتَلَفَ عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ فِي إسْنَادِهِ فَرَوَاهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ حُمَيْدٍ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ عُمَرُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَسَعِيدٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَسَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَجْعَلُهُ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِنْهُمْ مَنْ يَرْوِيهِ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكُلُّهُمْ يَرْفَعُهُ وَهِيَ كُلُّهَا صِحَاحٌ لِلِقَاءِ الزُّهْرِيِّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ أَبِي هُرَيْرَةَ انْتَهَى . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { تَحَاجَّ آدَم وَمُوسَى } أَيْ تَنَاظَرَ وَأَقَامَ كُلٌّ مِنْهُمَا حُجَّةً عَلَى مَطْلُوبِهِ وَالْحُجَّةُ الدَّلِيلُ وَالْبُرْهَانُ وَقَوْلُهُ فَحَجَّ آدَم مُوسَى أَيْ غَلَبَهُ بِالْحُجَّةِ قَالَ النَّوَوِيُّ هَكَذَا الرِّوَايَةُ فِي جَمِيعِ كُتُبِ الْحَدِيثِ بِاتِّفَاقِ النَّاقِلِينَ وَالرُّوَاةُ وَالشُّرَّاحُ وَأَهْلُ الْغَرِيبِ بِرَفْعِ آدَمَ ، وَهُوَ فَاعِلٌ انْتَهَى . وَقَوْلُهُ فِي آخَرِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ ( فَحَاجَّ آدَم مُوسَى ) كَذَا وَقَعَ فِي رِوَايَتِنَا مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ ، وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ وَكَأَنَّهُ أَطْلَقَ فَحَاجَّ يَعْنِي فَحَجَّ آدَم مُوسَى فَقَدْ تَخْرُجُ الْمُفَاعَلَةُ عَنْ بَابِهَا جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَهَذِهِ الْمُحَاجَّةُ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بِرُوحَيْهِمَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ بِجَسَدِهِمَا ، وَقَدْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ فَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَابِسِيُّ الْتَقَتْ أَرْوَاحُهُمَا فِي السَّمَاءِ فَوَقَعَ الْحِجَاجُ بَيْنَهُمَا وَكَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ يُوَافِقُ ذَلِكَ فَإِنَّهُ قَالَ إنَّ رُوحَهُ لَمْ تَجْتَمِعْ بِرُوحِ مُوسَى ، وَلَمْ يَلْتَقِيَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ إلَّا بَعْدَ الْوَفَاةِ وَبَعْدَ رَفْعِ أَرْوَاحِهِمَا فِي عِلِّيِّينَ وَكَانَ الْتِقَاؤُهُمَا كَنَحْوِ الْتِقَاءِ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْ لَقِيَهُ فِي الْمِعْرَاجِ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ عَلَى مَا جَاءَ فِي الْأَثَرِ الصَّحِيحِ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ عِنْدِي لَا يَحْتَمِلُ تَكْيِيفًا وَإِنَّمَا فِيهِ التَّسْلِيمُ لِأَنَّا لَمْ نُؤْتَ مِنْ جِنْسِ هَذَا الْعِلْمِ إلَّا قَلِيلًا انْتَهَى . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَأَنَّهُمَا اجْتَمَعَا بِأَشْخَاصِهِمَا ، وَقَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجْتَمَعَ بِالْأَنْبِيَاءِ فِي السَّمَوَاتِ ، وَفِي بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَصَلَّى بِهِمْ وَلَا يَبْعُدُ أَنَّ اللَّهَ أَحْيَاهُمْ كَمَا جَاءَ فِي الشُّهَدَاءِ وَقِيلَ يَحْتَمِلُ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي حَيَاةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَأَنَّهُ سَأَلَ رَبَّهُ أَنَّهُ يُرِيهِ آدَم فَحَاجَّهُ بِمَا ذُكِرَ وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ فِي الْقِصَّةِ أَثَرًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ قَالَ { مُوسَى رَبِّ أَرِنَا آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنْ الْجَنَّةِ فَأَرَاهُ اللَّهُ إيَّاهُ فَقَالَ أَنْتَ آدَم ، } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ( قُلْت ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ مُوسَى قَالَ يَا رَبِّ أَرِنَا آدَمَ الَّذِي أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنْ الْجَنَّةِ فَأَرَاهُ اللَّهُ آدَمَ فَقَالَ أَنْتَ أَبُونَا آدَم فَقَالَ لَهُ آدَم نَعَمْ فَقَالَ أَنْتَ الَّذِي نَفَخَ اللَّهُ فِيك مِنْ رُوحِهِ وَعَلَّمَك الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا وَأَمَرَ الْمَلَائِكَةَ فَسَجَدُوا لَك ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَمَا حَمَلَك عَلَى أَنْ أَخْرَجْتنَا وَنَفْسَك مِنْ الْجَنَّةِ فَقَالَ لَهُ آدَم مَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ أَنَا مُوسَى قَالَ أَنْتَ نَبِيُّ بَنِي إسْرَائِيلَ الَّذِي كَلَّمَك اللَّهُ مِنْ وَرُوَاءِ حِجَابٍ لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ رَسُولًا مِنْ خَلْقِهِ ، قَالَ نَعَمْ قَالَ أَفَمَا وَجَدْتَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ، قَالَ نَعَمْ ، قَالَ فِيمَ تَلُومُنِي فِي شَيْءٍ سَبَقَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ الْقَضَاءُ قَبْلِي قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَ ذَلِكَ فَحَجَّ آدَم مُوسَى فَحَجَّ آدَم مُوسَى } وَبَوَّبَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي كِتَابِ الْقَدَرِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بَابَ تَحَاجِّ آدَم وَمُوسَى عِنْدَ اللَّهِ وَكَأَنَّهُ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ { عِنْدَ رَبِّهِمَا } وَهِيَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ سِرَاجُ الدِّينِ الْبُلْقِينِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ مُقْتَضَى ذَلِكَ أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ تَحَاجُّهُمَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا كَانَ هَذَا التَّحَاجُّ فِي الدُّنْيَا وَيُسْتَدَلُّ عَلَى ذَلِكَ بِحَدِيثِ عُمَرَ الْمَذْكُورِ مِنْ عِنْدِ أَبِي دَاوُد ( قُلْتُ ) وَلَا يَتَعَيَّنُ فِي كَلَامِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ فَهِمَ أَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هَذِهِ الْعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ اخْتِصَاصٍ وَتَشْرِيفٍ لَا عِنْدِيَّةُ مَكَان لِأَنَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ الْمَكَانِ وَالزَّمَانِ وَإِنَّمَا هِيَ كَمَا قَالَ تَعَالَى { إنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهْرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِنْدَ مَلِيكٍ مُقْتَدِرٍ } أَيْ فِي مَحَلِّ التَّشْرِيفِ وَالْإِكْرَامِ وَالِاخْتِصَاصِ انْتَهَى . وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يُرَادَ أَنَّ ذَلِكَ يَقَعُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَكُونُ التَّعْبِيرُ عَنْهُ بِالْمَاضِي لِتَحَقُّقِ وُقُوعِهِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { أَتَى أَمْرُ اللَّهِ } وَنَظَائِرُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ { أَغْوَيْتَ النَّاسَ } أَيْ كُنْت سَبَبًا لِإِغْوَاءِ مَنْ غَوَى مِنْهُمْ بِخُرُوجِهِمْ مِنْ الْجَنَّةِ وَتَسَلُّطِ الشَّيْطَانِ عَلَيْهِمْ ، وَالْغَيُّ : الِانْهِمَاكُ فِي الشَّرِّ ، وَهُوَ ضِدُّ الرُّشْدِ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { قَدْ تَبَيَّنَّ الرُّشْدُ مِنْ الْغَيِّ } ، وَقَدْ يُرَادُ بِالْغَيِّ الْخَطَأُ وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ قَوْله تَعَالَى { وَعَصَى آدَم رَبَّهُ فَغَوَى } أَيْ أَخْطَأَ صَوَابَ مَا أُمِرَ بِهِ وَهَذَا أَحْسَنُ مَا قِيلَ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَفِيهِ جَوَازُ إطْلَاقِ نِسْبَةِ الشَّيْءِ إلَى مَنْ لَهُ تَسَبُّبٌ فِيهِ . ( الرَّابِعَةُ ) وَقَوْلُهُ { وَأَخْرَجْتَهُمْ مِنْ الْجَنَّةِ } الْمُرَادُ بِهَا جَنَّةُ الْخُلْدِ وَجَنَّةُ الْفِرْدَوْسِ الَّتِي هِيَ دَارُ الْجَزَاءِ فِي الْآخِرَةِ وَهِيَ مَوْجُودَةٌ مِنْ قَبْلِ آدَمَ وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ وَذَهَبَتْ الْمُعْتَزِلَةُ إلَى أَنَّهَا جَنَّةٌ أُخْرَى غَيْرُهَا وَقَالُوا إنَّ جَنَّةَ الْجَزَاءِ لَمْ تُخْلَقْ إلَى الْآنَ وَلَكِنَّهَا تُخْلَقُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ تُبْطِلُ قَوْلَهُمْ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { أَعْطَاك اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ } عَامٌّ مَخْصُوصٌ ، وَقَدْ قَالَ الْخَضِرُ لِمُوسَى عَلَيْهِمَا السَّلَامُ ( إنِّي عَلَى عِلْمٍ مِنْ عِلْمِ اللَّهِ عَلَّمَنِيهِ اللَّهُ لَا تَعْلَمُهُ أَنْتَ ) فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْمُرَادُ مِمَّا عَلَّمَك وَقِيلَ يَحْتَمِلُ مِمَّا عُلِّمَهُ الْبَشَرُ ( قُلْت ) لَمْ يَظْهَرْ لِي مَعْنَى الْأَوَّلِ فَإِنَّ كُلَّ أَحَدٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ عِلْمَ كُلِّ شَيْءٍ عَلَّمَهُ إيَّاهُ وَهَذَا غَنِيٌّ عَنْ الْقَوْلِ ، وَفِي الثَّانِي نَظَرٌ فَإِنَّ الَّذِي كَانَ عِنْدَ الْخَضِرِ مِنْ الْعِلْمِ قَدْ عَلَّمَهُ اللَّهُ تَعَالَى الْبَشَرَ ، وَلَمْ يَكُنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ يَعْلَمُهُ ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِاللَّفْظِ هُنَا الْأَكْثَرِيَّةُ وَالْغَلَبَةُ فَإِنَّ الْحُكْمَ لِلْغَالِبِ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ { وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ } وَقَوْلُهُ { تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ } وَنَظَائِرُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) ( وَاصْطَفَاك عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِهِ ) عَامٌّ مَخْصُوصٌ أَيْضًا فَإِنَّهُ لَمْ يَصْطَفِهِ عَلَى مَنْ هُوَ أَفْضَلُ مِنْهُ كَإِبْرَاهِيمَ وَمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ نَاسُ زَمَانِهِ ، وَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { إنِّي اصْطَفَيْتُك عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي } . ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ ( فَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هُنَا انْتَهَى حَدِيثُ مَالِكٍ عِنْدَ جَمِيعِ الرُّوَاةِ وَزَادَ فِيهِ ابْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ { قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةٍ } وَكَذَلِكَ قَالَ طَاوُسٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ الْأَظْهَرُ فِيهِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ أَنَّهُ كَتَبَهُ قَبْلَ خَلْقِهِ بِأَرْبَعِينَ عَامًا أَوْ أَظْهَرَهُ ، أَوْ فَعَلَ فِعْلًا مَا أَضَافَ إلَيْهِ هَذَا التَّارِيخَ وَإِلَّا فَمَشِيئَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَزَلِيَّةٌ ، وَالْأَشْبَهُ أَنَّهُ أَرَادَ بِقَوْلِهِ قَدَّرَهُ اللَّهُ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ أَيْ كَتَبَهُ فِي التَّوْرَاةِ أَلَا تَرَاهُ يَقُولُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ { فَبِكُمْ وَجَدْتَ اللَّهَ كَتَبَ التَّوْرَاةَ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ قَالَ مُوسَى بِأَرْبَعِينَ عَامًا قَالَ فَهَلْ وَجَدْتَ فِيهَا وَعَصَى آدَم رَبَّهُ فَغَوَى قَالَ نَعَمْ } فَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ أَنَّ فِيهَا مَعْنَى هَذَا اللَّفْظِ مَكْتُوبًا بِلِسَانٍ غَيْرِ اللِّسَانِ الْعَرَبِيِّ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ الْمُرَادُ بِالتَّقْدِيرِ هُنَا الْكِتَابَةُ فِي اللَّوْحِ الْمَحْفُوظِ ، أَوْ فِي صُحُفِ التَّوْرَاةِ وَأَلْوَاحِهَا أَيْ كَتَبَهُ عَلَيَّ قَبْلَ خَلْقِي بِأَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهَذَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَذَكَرَ الرِّوَايَةَ الْمَذْكُورَةَ وَقَالَ فَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مُصَرِّحَةٌ بِبَيَانِ الْمُرَادِ بِالتَّقْدِيرِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ حَقِيقَةُ الْقَدَرِ فَإِنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى وَمَا قَدَّرَهُ عَلَى عِبَادِهِ وَأَرَادَهُ مِنْ خَلْقِهِ أَزَلِيٌّ لَا أَوَّلَ لَهُ ، وَلَمْ يَزَلْ سُبْحَانَهُ مَرِيدًا لِمَا أَرَادَهُ مِنْ خَلْقِهِ مِنْ طَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ وَخَيْرٍ وَشَرٍّ انْتَهَى . وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ أَبُو حَفْصٍ الْبُلْقِينِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ إنَّ الْمُرَادَ إظْهَارُ ذَلِكَ عَنْ تَصْوِيرِ آدَمَ طِينًا وَاسْتَمَرَّ آدَم مُتَجَدِّلًا فِي طِينَتِهِ أَرْبَعِينَ سَنَةً فَكَانَ ظُهُورُ هَذَا قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ بِأَرْبَعِينَ سَنَةً ، وَالْمُرَادُ بِخَلْقِهِ نَفْخُ الرُّوحِ فِيهِ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَهْلُ التَّارِيخِ أَنَّ مُدَّةَ مُكْثِ آدَمَ طِينًا بَيْنَ تَصْوِيرِهِ وَنَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ أَرْبَعُونَ عَامًا ، وَهُوَ مُوَافِقٌ لِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( فَإِنْ قُلْتُ ) مَا مَعْنَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا كَتَبَ اللَّهُ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَ السَّمَوَاتِ ، وَالْأَرْضَ بِخَمْسِينَ أَلْفَ سَنَةٍ ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ ( قُلْتُ ) هُوَ تَحْدِيدٌ لِلْكِتَابِ لَا لِلتَّقْدِيرِ فَإِنَّ التَّقْدِيرَ قَدِيمٌ لَا أَوَّلَ لَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَهَذِهِ كِتَابَةٌ قَبْلَ الْكِتَابَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ الْبَابِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَقَدْ يَكُونُ ذِكْرُ الْخَمْسِينَ أَلْفًا أَنَّهَا حَقِيقَةٌ عَلَى ظَاهِرِهَا ، وَقَدْ يَكُونُ تَمْثِيلًا لِلْكَثِيرِ كَمَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى { إلَى مِائَةِ أَلْفٍ ، أَوْ يَزِيدُونَ } ( قُلْتُ ) وَلَا يَقُومُ عَلَى التَّكْثِيرِ دَلِيلٌ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ التَّحْدِيدُ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ إنَّهُ أَظْهَرُ وَأُولَى قَالَ وَهَذِهِ الْخَمْسُونَ أَلْفَ سَنَةٍ سُنُونَ تَقْدِيرِيَّةٌ إذْ قَبْلَ وُجُودِ السَّمَوَاتِ ، وَالْأَرْضِ لَا يَتَحَقَّقُ وُجُودُ الْأَزْمَانِ فَإِنَّ الزَّمَانَ الَّذِي يُعَبَّرُ عَنْهُ بِالسِّنِينَ وَبِالْأَيَّامِ ، وَاللَّيَالِيِ إنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إلَى أَعْدَادِ حَرَكَاتِ الْأَفْلَاكِ وَسَيْرِ الشَّمْسِ ، وَالْقَمَرِ فِي الْمَنَازِلِ ، وَالْبُرُوجِ السَّمَاوِيَّةِ فَقَبْلَ السَّمَوَاتِ ، وَالْأَرْضِ لَا يُوجَدُ ذَلِكَ وَإِنَّمَا يَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى مُدَّةٍ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى لَوْ كَانَتْ السَّمَوَاتُ مَوْجُودَةً فِيهَا لَعُدَّتْ بِذَلِكَ الْعَدَدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي مَعَالِمِ السُّنَنِ قَدْ يَحْسِبُ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّ مَعْنَى الْقَدَرِ مِنْ اللَّهِ ، وَالْقَضَاءِ مِنْهُ مَعْنَى الْإِجْبَارِ ، وَالْقَهْرِ لِلْعَبْدِ عَلَى مَا قَضَاهُ وَقَدَّرَهُ وَيُتَوَهَّمُ أَنَّ فَلْجَ آدَم فِي الْحُجَّةِ عَلَى مُوسَى إنَّمَا كَانَ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَيْسَ الْأَمْرُ فِي ذَلِكَ عَلَى مَا يَتَوَهَّمُونَهُ وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ الْإِخْبَارُ عَنْ تَقَدُّمِ عِلْمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِمَا يَكُونُ مِنْ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَكْسَابِهِمْ وَصُدُورِهَا عَنْ تَقْدِيرٍ مِنْهُ وَخَلَقَ لَهَا خَيْرَهَا وَشَرَّهَا ، وَالْقَدَرُ اسْمٌ لِمَا صَدَرَ مُقَدَّرًا عَنْ فِعْلِ الْقَادِرِ كَمَا أَنَّ الْهَدْمَ ، وَالْقَبْضَ ، وَالنَّشْرَ أَسْمَاءٌ لِمَا صَدَرَ عَنْ فِعْلِ الْهَادِمِ ، وَالْقَابِضِ ، وَالنَّاشِرِ يُقَالُ قَدَّرْتُ الشَّيْءَ وَقُدْرَتُهُ خَفِيفَةٌ وَثَقِيلَةٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ ، وَالْقَضَاءُ فِي هَذَا مَعْنَاهُ الْخَلْقُ كَقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ } أَيْ خَلَقَهُنَّ وَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ فَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِمْ مِنْ وَرَاءِ عِلْمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِيهِمْ أَفْعَالُهُمْ وَأَكْسَابُهُمْ وَمُبَاشَرَتُهُمْ تِلْكَ الْأُمُورَ وَمُلَابَسَتُهُمْ إيَّاهَا عَنْ قَصْدٍ وَتَعَمُّدٍ وَتَقَدُّمِ إرَادَةٍ وَاخْتِيَارٍ فَالْحُجَّةُ إنَّمَا تَلْزَمُهُمْ بِهَا ، وَاللَّائِمَةُ إنَّمَا تَلْحَقُهُمْ عَلَيْهَا وَجِمَاعُ الْقَوْلِ فِي هَذَا الْبَابِ أَنَّهُمَا أَمْرَانِ لَا يَنْفَكُّ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْأَسَاسِ ، وَالْآخَرَ بِمَنْزِلَةِ الْبِنَاءِ فَمَنْ رَامَ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا فَقَدْ رَامَ هَدْمَ الْبِنَاءِ وَنَقْضَهُ وَإِنَّمَا كَانَ مَوْضِعُ الْحُجَّةِ لِآدَمَ عَلَى مُوسَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمَا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إذَا كَانَ قَدْ عَلِمَ مِنْ آدَم أَنَّهُ يَتَنَاوَلُ الشَّجَرَةَ وَيَأْكُلُ مِنْهَا فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ أَنْ يَرُدَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى فِيهِ وَأَنْ يُبْطِلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَبَيَانُ هَذَا فِي قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { وَإِذْ قَالَ رَبُّك لِلْمَلَائِكَةِ إنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً } فَأَخْبَرَ قَبْلَ كَوْنِ آدَمَ أَنَّهُ إنَّمَا خَلَقَهُ لِلْأَرْضِ وَأَنَّهُ لَا يَتْرُكُهُ فِي الْجَنَّةِ حَتَّى يَنْقُلَهُ عَنْهَا إلَيْهَا فَإِنَّمَا كَانَ تَنَاوُلُهُ الشَّجَرَةَ سَبَبًا لِوُقُوعِهِ إلَى الْأَرْضِ الَّتِي خُلِقَ لَهَا وَلِيَكُونَ فِيهَا خَلِيفَةً وَوَالِيًا عَلَى مَنْ فِيهَا وَإِنَّمَا أَدْلَى آدَم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحُجَّةِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى وَدَفَعَ لَائِمَةَ مُوسَى عَنْ نَفْسِهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَلِذَلِكَ قَالَ أَتَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قَدَّرَهُ اللَّهُ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ يَخْلُقَنِي [ فَإِنْ قِيلَ فَعَلَى هَذَا يَجِبُ أَنْ يَسْقُطَ عَنْهُ اللَّوْمُ أَصْلًا ( قِيلَ ) ] ، وَاللَّوْمُ سَاقِطٌ عَنْهُ مِنْ قَبْلِ مُوسَى إذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُعَيِّرَ أَحَدًا بِذَنْبٍ كَانَ مِنْهُ لِأَنَّ الْخَلْقَ كُلَّهُمْ تَحْتَ الْعُبُودِيَّةِ أَكْفَاءٌ سَوَاءٌ ، وَقَدْ رُوِيَ لَا تَنْظُرُوا إلَى ذُنُوبِ الْعِبَادِ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ وَلَكِنْ اُنْظُرُوا إلَيْهَا كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ وَلَكِنَّ اللَّوْمَ لَازِمٌ لِآدَمَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إذَا كَانَ قَدْ أَمَرَهُ وَنَهَاهُ فَخَرَجَ إلَى مَعْصِيَتِهِ وَبَاشَرَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ وَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ سُبْحَانَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَقَوْلُ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَإِنْ كَانَ فِي النُّفُوسِ مِنْهُ شُبْهَةٌ ، وَفِي ظَاهِرِهِ مُتَعَلَّقٌ لِاحْتِجَاجِهِ بِالسَّبَبِ الَّذِي قَدْ جُعِلَ أَمَارَةٌ لِخُرُوجِهِ مِنْ الْجَنَّةِ فَقَوْلُ آدَم فِي تَعَلُّقِهِ بِالسَّبَبِ الَّذِي هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْأَصْلِ أَرْجَحُ وَأَقْوَى ، وَالْفَلْجُ قَدْ يَقَعُ مَعَ الْمُعَارِضَةِ بِالتَّرْجِيحِ كَمَا يَقَعُ بِالْبُرْهَانِ الَّذِي لَا مُعَارِضَ لَهُ ا هـ وَقَالَ فِي أَعْلَامِ الْجَامِعِ الصَّحِيحِ إنَّمَا حَجُّهُ آدَم فِي دَفْعِ اللَّوْمِ إذْ لَيْسَ لِأَحَدٍ مِنْ الْآدَمِيِّينَ أَنْ يَلُومَ أَحَدًا ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ { اُنْظُرُوا إلَى النَّاسِ كَأَنَّكُمْ عَبِيدٌ وَلَا تَنْظُرُوا إلَيْهِمْ كَأَنَّكُمْ أَرْبَابٌ } فَأَمَّا الْحُكْمُ الَّذِي تَنَازَعَاهُ فَهُمَا فِي ذَلِكَ عَلَى السَّوَاءِ لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ أَنْ يُسْقِطَ الْأَصْلَ الَّذِي هُوَ الْقَدَرُ وَلَا أَنْ يُبْطِلَ الْكَسْبَ الَّذِي هُوَ السَّبَبُ ، وَمَنْ فَعَلَ وَاحِدًا مِنْهُمَا خَرَجَ عَنْ الْقَصْدِ إلَى أَحَدِ الطَّرَفَيْنِ مِنْ مَذْهَبِ الْقَدَرِ ، أَوْ الْجَبْرِ ، وَقَوْلُ آدَمَ { أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاك اللَّهُ بِرِسَالَاتِهِ وَبِكَلَامِهِ ، ثُمَّ تَلُومُنِي عَلَى أَمْرٍ قُدِّرَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ } اسْتِقْصَارٌ لِعِلْمِ مُوسَى يَقُولُ إذْ قَدْ جَعَلَك اللَّهُ بِالصِّفَةِ الَّتِي أَنْتَ بِهَا مِنْ الِاصْطِفَاءِ بِالرِّسَالَاتِ ، وَالْكَلَامِ فَكَيْفَ يَسَعُك أَنْ تَلُومَنِي عَلَى الْقَدَرِ الْمَقْدُورِ الَّذِي لَا مِدْفَعَ لَهُ ، فَقَالَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ { فَحَجَّ آدَم مُوسَى } وَحَقِيقَتُهُ أَنَّهُ دَفَعَ حُجَّةَ مُوسَى الَّذِي أَلْزَمَهُ بِهَا اللَّوْمَ وَذَلِكَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالْمَسْأَلَةِ ، وَالِاعْتِرَاضِ إنَّمَا كَانَ مِنْ مُوسَى ، وَلَمْ يَكُنْ مِنْ آدَمَ إنْكَارٌ لِمَا اقْتَرَفَهُ مِنْ الذَّنْبِ إنَّمَا عَارَضَهُ بِأَمْرٍ كَانَ فِيهِ دَفْعُ اللَّوْمِ فَكَانَ أَصْوَبُ الرَّأْيَيْنِ مَا ذَهَبَ إلَيْهِ آدَم بِقَضِيَّةِ الْمُصْطَفَى صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ كُنَّا تَأَوَّلْنَا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى غَيْرِ هَذَا الْمَعْنَى فِي كِتَابِ مَعَالِمِ السُّنَنِ وَهَذَا أَوْلَى الْوَجْهَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ تَبَعًا لِمَنْ قَبْلَهُ ، وَمَعْنَى كَلَامِ آدَمَ أَنَّك يَا مُوسَى تَعْلَمُ أَنَّ هَذَا كُتِبَ عَلَيَّ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ، وَقُدِّرَ عَلَيَّ فَلَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ ، وَلَوْ حَرَصْت أَنَا ، وَالْخَلَائِقُ أَجْمَعُونَ عَلَى رَدِّ مِثْقَالِ ذَرَّةٍ مِنْهُ لَمْ نَقْدِرْ فَلِمَ تَلُومُنِي عَلَى ذَلِكَ ، وَلِأَنَّ اللَّوْمَ عَلَى الذَّنْبِ شَرْعِيٌّ لَا عَقْلِيٌّ ، وَإِذْ تَابَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى آدَمَ وَغَفَرَ لَهُ زَالَ عَنْهُ اللَّوْمُ ، فَمَنْ لَامَهُ كَانَ مَحْجُوجًا بِالشَّرْعِ ، ( فَإِنْ قِيلَ ) فَالْعَاصِي مِنَّا لَوْ قَالَ هَذِهِ الْمَعْصِيَةُ قَدَّرَهَا اللَّهُ عَلَيَّ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ اللَّوْمُ ، وَالْعُقُوبَةُ بِذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَ صَادِقًا فِيمَا قَالَهُ ، فَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْعَاصِيَ بَاقٍ فِي دَارِ التَّكْلِيفِ جَارٍ عَلَيْهِ أَحْكَامَ الْمُكَلَّفِينَ مِنْ الْعُقُوبَةِ ، وَاللَّوْمِ ، وَالتَّوْبِيخِ وَغَيْرِهِمَا ، وَفِي لَوْمِهِ وَعُقُوبَتِهِ زَجْرٌ لَهُ وَلِغَيْرِهِ عَنْ مِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ ، وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى الزَّجْرِ مَا لَمْ يَمُتْ فَأَمَّا آدَم فَمَيِّتٌ خَارِجٌ عَنْ دَارِ التَّكْلِيفِ ، وَعَنْ الْحَاجَةِ إلَى الزَّجْرِ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْقَوْلِ الْمَذْكُورِ لَهُ فَائِدَةٌ ؛ بَلْ فِيهِ إيذَاءٌ وَتَخْجِيلٌ ، ا هـ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ لَمَّا كَانَ اللَّهُ تَعَالَى تَابَ عَلَى آدَمَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَارَ ذِكْرُ ذَلِكَ إنَّمَا يُفِيدُ مُبَاحَثَتَهُ عَنْ السَّبَبِ الَّذِي دَعَاهُ إلَى ذَلِكَ فَأَخْبَرَ آدَم أَنَّ السَّبَبَ قَضَاءُ اللَّهِ وَقَدَرُهُ ، وَهَذَا جَوَابٌ صَحِيحٌ إذَا كَانَتْ الْمُبَاحَثَةُ عَنْ الْوُقُوعِ فِي ذَلِكَ ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ آدَمَ سَبَبٌ مُوقِعٌ فِيهِ عَلَى الْحَقِيقَةِ إلَّا قَضَاءُ اللَّهِ وَقَدَرُهُ ، وَقَوْلُ آدَمَ أَنْتَ مُوسَى الَّذِي اصْطَفَاك اللَّهُ وَذَكَرَ فَضَائِلَهُ الَّتِي أَعْطَاهُ اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدَّرَ ذَلِكَ وَقَضَى بِهِ فَنَفَذَ ذَلِكَ كَمَا قَدَّرَ عَلَيَّ مَا فَعَلْت ، فَنَفَذَ فِي ؛ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ . اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِ هَذَا الْحَدِيثِ فَقِيلَ إنَّمَا غَلَبَهُ آدَم بِالْحُجَّةِ لِأَنَّ آدَمَ أَبٌ وَمُوسَى ابْنٌ وَلَا يَجُوزُ لَوْمُ الِابْنِ أَبَاهُ وَلَا عَتْبُهُ ، قَالَ وَهَذَا نَاءٍ عَنْ مَعْنَى الْحَدِيثِ ، وَعَمَّا سِيقَ لَهُ ، وَقِيلَ إنَّمَا كَانَ ذَلِكَ لِأَنَّ مُوسَى كَانَ قَدْ عَلِمَ مِنْ التَّوْرَاةِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ تِلْكَ الْأَكْلَةَ سَبَبَ إهْبَاطِهِ مِنْ الْجَنَّةِ وَسُكْنَاهُ فِي الْأَرْضِ وَنَشْرَ نَسْلِهِ فِيهَا فَيُكَلِّفُهُمْ وَيَمْتَحِنُهُمْ ؛ وَيُرَتِّبُ عَلَى ذَلِكَ ثَوَابَهُمْ وَعِقَابَهُمْ الْأُخْرَوِيَّ ، قَالَ وَهَذَا إبْدَاءُ حِكْمَةِ تِلْكَ الْأَكْلَةِ لَا انْفِكَاكَ عَنْ إلْزَامِ تِلْكَ الْحُجَّةِ ، وَالسُّؤَالُ بَاقٍ لَمْ يَنْفَصِلْ عَنْهُ ، وَقِيلَ إنَّمَا تَوَجَّهَتْ حَجَّتُهُ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ قَدْ عَلِمَ مِنْ التَّوْرَاةِ مَا ذَكَرَ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى قَدْ تَابَ عَلَيْهِ وَاجْتَبَاهُ وَأَسْقَطَ عَنْهُ اللَّوْمَ ، وَالْمُعَاتَبَةَ حَتَّى صَارَتْ تِلْكَ الْمَعْصِيَةُ كَأَنْ لَمْ تَكُنْ [ فَقَدْ ] وَقَعَ فِي غَيْرِ مَحَلِّهِ وَعَلَى غَيْرِ مُسْتَحِقِّهِ فَكَانَ هَذَا مِنْ مُوسَى نِسْبَةَ جَفَاءٍ فِي حَالِ صَفَاءٍ كَمَا قَالَ بَعْضُ أَرْبَابِ الْإِشَارَاتِ ( ذِكْرُ الْجَفَاءِ فِي حَالِ الصَّفَاءِ جَفَاءٌ ) وَهَذَا الْوَجْهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَشْبَهَ مَا ذُكِرَ ، وَبِهِ يَتَبَيَّنُ أَنَّ ذَلِكَ الْإِلْزَامَ لَا يَلْزَمُ . ( التَّاسِعَةُ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ الْأَصْلُ الْحَتْمُ الَّذِي اجْتَمَعَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْحَقِّ ، وَهُوَ أَنَّ اللَّهَ قَدْ فَرَغَ مِنْ أَعْمَالِ الْعِبَادِ فَكُلٌّ يَجْرِي فِيمَا قُدِّرَ لَهُ وَسَبَقَ فِي عِلْمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، وَهُوَ مِنْ أَوْضَحِ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي إثْبَاتِ الْقَدَرِ وَدَفْعِ قَوْلِ الْقَدَرِيَّةِ وَرُوِيَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ كَتَبَ إلَى الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يُطَالِبُ خَلْقَهُ بِمَا قَضَى عَلَيْهِمْ وَقَدَّرَهُ وَلَكِنْ يُطَالِبُهُمْ بِمَا نَهَاهُمْ عَنْهُ وَأَمَرَ ؛ فَطَالِبْ نَفْسَك مِنْ حَيْثُ يُطَالِبُك رَبُّك ، وَالسَّلَامُ ، وَرَوَيْنَا أَنَّ النَّاسَ لِمَا خَاضُوا فِي الْقَدَرِ بِالْبَصْرَةِ اجْتَمَعَ مُسْلِمُ بْنُ يَسَارٍ وَرَفِيعُ أَبُو الْعَالِيَةِ ، فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ تَعَالَ نَنْظُرْ مَا خَاضَ النَّاسُ فِيهِ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ ؛ فَقَعَدَا وَفَكَّرَا ، فَاتَّفَقَ رَأْيُهُمَا أَنَّهُ يَكْفِي الْمُؤْمِنَ مِنْ هَذَا الْأَمْرِ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَمْ يُصِبْهُ إلَّا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ ، أَوْ سَطَّرَهُ عَلَيْهِ . ( الْعَاشِرَةُ ) وَفِيهِ إثْبَاتُ الْمُنَاظَرَةِ ، وَالْحِجَاجِ وَلَوْ بَيْنَ الْأَبَوَيْنِ وَمَنْ هُوَ أَعْلَمُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ إذَا كَانَ الْقَصْدُ بِذَلِكَ طَلَبَ الْحَقِّ وَتَقْرِيرَهُ ، وَالِازْدِيَادَ مِنْ الْعِلْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( أَشْرَاطُ السَّاعَةِ ) عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إلَّا اللَّهُ } { إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي سُؤَالِ جِبْرِيلَ وَقَالَ فِيهِ فِي خَمْسٍ إلَيَّ آخِرِهَا . ( أَشْرَاطُ السَّاعَةِ ) ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) . عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إلَّا اللَّهُ . { إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } . رَوَاهُ أَحْمَدُ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) لَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْكُتُبِ السِّتَّةِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ فَلِذَلِكَ عَزَّاهُ الْمُصَنِّفُ لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ عَلَى اصْطِلَاحِهِ ، وَاتَّفَقَ الشَّيْخَانِ عَلَى إخْرَاجِ هَذَا الْمَتْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جَرِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي حَدِيثِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ عِنْدَ السُّؤَالِ عَنْ الْإِيمَانِ وَلَفْظُهُ أَنَّهُ قَالَ { يَا رَسُولَ اللَّهِ مَتَى السَّاعَةُ قَالَ مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ ، وَلَكِنْ سَأُحَدِّثُك عَنْ أَشْرَاطِهَا ، إذَا وَلَدَتْ الْأَمَةُ رَبَّتَهَا فَذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا ، وَإِذَا كَانَتْ الْعُرَاةُ الْحُفَاةُ رُءُوسَ النَّاسِ فَذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا ، وَإِذَا تَطَاوَلَ رِعَاءُ الْبُهْمِ فِي الْبُنْيَانِ فَذَلِكَ مِنْ أَشْرَاطِهَا فِي خَمْسٍ لَا يَعْلَمُهُنَّ إلَّا اللَّهُ ، ثُمَّ تَلَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ } إلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } } لَفْظُ مُسْلِمٍ . ( الثَّانِيَةُ ) أَشْرَاطُ السَّاعَةِ عَلَامَاتُهَا وَاحِدُهَا شَرَطٌ بِفَتْحِ الشِّينِ ، وَالرَّاءِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الطَّبَرِيُّ وَمِنْهُ سُمِّيَ ( الشَّرَطُ ) لِجَعْلِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ عَلَامَةً يُعْرَفُونَ بِهَا ، وَقِيلَ أَشْرَاطُهَا مُقَدِّمَاتُهَا وَأَشْرَاطُ الْأَشْيَاءِ أَوَائِلُهَا وَقِيلَ الْأَشْرَاطُ جَمْعُ شَرَطٍ بِالتَّحْرِيكِ أَيْضًا ، وَهُوَ الدُّونُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ فَأَشْرَاطُ السَّاعَةِ صِغَارُ أُمُورِهَا قَبْلَ قِيَامِهَا وَعَلَى الْمِثْلِ الشَّرَطُ وَهَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي بَدَأَ بِهِ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ أَشْرَاطِ السَّاعَةِ وَإِنَّمَا فِيهِ ذِكْرُ أَنَّ السَّاعَةَ لَا يَعْلَمُ وَقْتَ مَجِيئِهَا إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَذَلِكَ كَالْمُقَدِّمَةِ لِذَكَرِ أَشْرَاطِهَا فَإِنَّهُ إنَّمَا بَحَثَ عَنْ عَلَامَاتِهَا لِتَعَذُّرِ مَعْرِفَةِ وَقْتِهَا . ( الثَّالِثَةُ ) لَيْسَ فِي الْآيَةِ الْمُسْتَشْهَدِ بِهَا صَرَاحَةٌ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأُمُورَ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ وَأَنَّهُ لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهَا أَحَدًا مِنْ خَلْقِهِ وَلَكِنْ بَيَّنَتْ السُّنَّةُ ذَلِكَ كَمَا قَدْ عَرَفْته وَقَالَ الْفَرَّاءُ فِي الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ إنَّ مَعْنَاهُ النَّفْيُ إذْ مَا يَعْلَمُهُ أَحَدٌ إلَّا اللَّهُ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ وَإِنَّمَا صَارَ فِيهِ مَعْنَى النَّفْيِ بِتَوْقِيفِ الرَّسُولِ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَالَ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا هُوَ } إنَّهَا هَذِهِ . وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ هَذِهِ الْخَمْسَةُ لَا يَعْلَمُهَا مَلَكٌ مُقَرَّبٌ وَلَا نَبِيٌّ مُرْسَلٌ فَمَنْ ادَّعَى أَنَّهُ يَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ هَذِهِ فَقَدْ كَفَرَ بِالْقُرْآنِ لِأَنَّهُ خَالَفَهُ . ( قُلْت ) وَمُخَالِفَتُهُ لَهُ بِاعْتِبَارِ تَفْسِيرِ الرَّسُولِ كَمَا تَقَدَّمَ ، ثُمَّ إنَّهُ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعْنَاهُ النَّفْيَ لَقَلَّتْ فَائِدَتُهُ لِأَنَّهُ تَعَالَى عِنْدَهُ عِلْمُ كُلِّ شَيْءٍ فَلَا مَعْنَى لِتَخْصِيصِ هَذِهِ الْأُمُورِ بِالذِّكْرِ إلَّا اخْتِصَاصِهِ بِعِلْمِهَا وَحَكَى الْقُشَيْرِيُّ ، وَالْمَاوَرْدِيُّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ مُقَاتِلٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ اسْمُهُ الْوَارِثُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَارِثَةَ أَتَى النَّبِيَّ . فَقَالَ { إنَّ امْرَأَتِي حُبْلَى فَأَخْبِرْنِي مَاذَا تَلِدُ وَبِلَادُنَا جَدْبَةٌ فَأَخْبِرْنِي مَتَى يَنْزِلُ الْغَيْثُ ، وَقَدْ عَلِمْت مَتَى وُلِدْت فَأَخْبِرْنِي مَتَى أَمُوتُ ، وَقَدْ عَلِمْت مَا عَمِلْتُ الْيَوْمَ فَأَخْبِرْنِي مَاذَا أَعْمَلُ غَدًا وَأَخْبِرْنِي مَتَى تَقُومُ السَّاعَةُ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ } . { الرَّابِعَةُ } قَوْلُهُ { وَيُنَزِّلُ } يَجُوزُ فِيهِ فَتْحُ النُّونِ وَتَشْدِيدُ الزَّايِ وَإِسْكَانُ النُّونِ وَتَخْفِيفُ الزَّايِ ، وَقَدْ قُرِئَ بِهِمَا فِي الْمَشْهُورِ ، وَالْغَيْثُ الْمَطَرُ . { الْخَامِسَةُ } قَدْ يَعْلَمُ الْأَنْبِيَاءٌ كَثِيرًا مِنْ الْغَيْبِ بِتَعْرِيفِ اللَّهِ تَعَالَى إيَّاهُمْ ، وَقَدْ يُطْلِعُ اللَّهُ بَعْضَ الْأَوْلِيَاءِ عَلَى بَعْضِ الْغُيُوبِ بِالْإِلْقَاءِ فِي الْخَوَاطِرِ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { قَدْ كَانَ فِيمَا مَضَى قَبْلَكُمْ مِنْ الْأُمَمِ مُحَدَّثُونَ أَيْ مُلْهَمُونَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ فَإِنْ يَكُنْ فِي هَذِهِ الْأَمَةِ أَحَدٌ فَعُمَرُ } وَكَمَا قَالَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي حَمْلِ زَوْجَتِهِ بِنْتِ خَارِجَةَ أَظُنُّهَا أُنْثَى . وَلَكِنْ لَيْسَ ذَلِكَ عِلْمًا بِالْغَيْبِ وَإِنَّمَا هُوَ لِلْأَنْبِيَاءِ عِلْمٌ بِأَمْرٍ مَخْصُوصٍ فِي قِصَّةٍ مَخْصُوصَةٍ وَلِلْأَوْلِيَاءِ ظَنٌّ بِفِرَاسَةٍ صَحِيحَةٍ فَمَنْ حَصَلَ لَهُ ذَلِكَ فِي جُزْئِيَّةٍ أَوْ جُزْئِيَّاتٍ لَا يُقَالُ فِيهِ إنَّهُ يَعْلَمُ الْغَيْبَ ، وَقَدْ يَحْصُلُ لِغَيْرِ الْأَوْلِيَاءِ مَعْرِفَةُ ذُكُورَةِ الْحَمْلِ وَأُنُوثَتِهِ بِطُولِ التَّجَارِبِ ، وَقَدْ يُخْطِئُ الظَّنُّ وَتَنْخَرِمُ الْعَادَةُ ، وَالْعِلْمُ الْحَقِيقِيُّ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ إبْطَالُ قَوْلِ الْكَهَنَةِ ، وَالْمُنَجِّمِينَ وَمَنْ يَسْتَسْقِي بِالْأَنْوَاءِ . { السَّادِسَةُ } ظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ الْغَيْبَ الَّذِي لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ مَكَانَ الْوَفَاةِ لَا وَقْتَهَا وَيُوَافِقُ ذَلِكَ مَا رُوِيَ أَنَّ يَهُودِيًّا كَانَ يَحْسِبُ حِسَابَ النُّجُومِ فَقَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ إنْ شِئْت أَنْبَأْتُك نَجْمَ ابْنِك وَأَنَّهُ يَمُوتُ بَعْدَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ وَأَنَّك لَا تَمُوتُ حَتَّى تَعْمَى وَأَنَا لَا يَحُولُ عَلَيَّ الْحَوْلُ حَتَّى أَمُوتَ قَالَ فَأَيْنَ مَوْتُك يَا يَهُودِيُّ قَالَ لَا أَدْرِي فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ صَدَقَ اللَّهُ { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } فَرَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَوَجَدَ ابْنَهُ مَحْمُومًا وَمَاتَ بَعْدَ عَشْرَةِ أَيَّامٍ وَمَاتَ الْيَهُودِيُّ قَبْلَ الْحَوْلِ وَمَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَعْمَى وَلَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ عِلْمُ الْوَفَاةِ زَمَانًا وَمَكَانًا وَيَدُلُّ لَهُ سَبَبُ الْآيَةِ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَنْ مُقَاتِلٍ وَعَبَّرَ بِالْمَكَانِ تَنْبِيهًا عَلَى مَا عَدَاهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ } . الْحَدِيثُ الثَّانِي وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يُبْعَثَ دَجَّالُونَ كَذَّابُونَ قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ كُلُّهُمْ يَزْعُمُ أَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { يُبْعَثُ } أَيْ يَخْرُجُ وَيَظْهَرُ وَلَيْسَ مِنْ مَعْنَى الْبَعْثِ الَّذِي هُوَ الْإِرْسَالُ ، وَفِي رِوَايَةُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ هَمَّامٍ { يَنْبَعِثُ } بِزِيَادَةِ نُونٍ ، وَالِانْبِعَاثُ فِي السَّيْرِ الْإِسْرَاعُ . ( الثَّالِثَةُ ) الدَّجَّالُ مَأْخُوذٌ مِنْ الدَّجْلِ ، وَهُوَ التَّمْوِيهُ ، وَالْخَلْطُ وَقَوْلُهُ { قَرِيبٌ مِنْ ثَلَاثِينَ } كَذَا ضَبَطْنَاهُ فِي أَصْلِنَا بِالرَّفْعِ عَلَى أَنَّهُ صِفَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ وَفِي رِوَايَةِ الصَّحِيحِ قَرِيبًا بِالنَّصْبِ عَلَى الْحَالِ وَصَحَّ مَجِيءُ الْحَالِ مِنْ النَّكِرَةِ لِوَصْفِهَا . ( الرَّابِعَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَدْ وُجِدَ مِنْ هَؤُلَاءِ خَلْقٌ كَثِيرُونَ فِي الْأَعْصَارِ وَأَهْلَكَهُمْ اللَّهُ تَعَالَى وَقَطَعَ آثَارَهُمْ وَكَذَلِكَ يَفْعَلُ بِمَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ ، وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْرًا } . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِذَا طَلَعَتْ وَرَآهَا النَّاسُ آمَنُوا أَجْمَعُونَ وَذَلِكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْرًا } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ خَلَا التِّرْمِذِيَّ مِنْ طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ وَمِنْ طَرِيقِ زَائِدَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ كُلُّهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَرَوَى مُسْلِمٌ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ فُضَيْلٍ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { ثَلَاثٌ إذَا خَرَجْنَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْرًا ، طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا ، وَالدَّجَّالُ وَدَابَّةُ الْأَرْضِ } . ( الثَّانِيَةُ ) تَبَيَّنَّ بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْآيَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْله تَعَالَى { يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّك لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ ، أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْرًا } هِيَ طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَهَذَا يَتَعَيَّنُ الْقَوْلُ بِهِ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ وَحَكَاهُ عَبْدُ الْحَقِّ بْنُ عَطِيَّةَ الْمُفَسِّرُ عَنْ جُمْهُورِ أَهْلِ التَّأْوِيلَ ، ثُمَّ قَالَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهَا إحْدَى ثَلَاثٍ إمَّا طُلُوعُ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا وَإِمَّا خُرُوجُ الدَّابَّةِ وَإِمَّا خُرُوجُ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ قَالَ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الْأَحَادِيثَ تَرُدُّهُ وَتُخَصِّصُ الشَّمْسَ ( قُلْت ) وَقَدْ عَرَفْت رِوَايَةَ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا وَهِيَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَهِيَ مُشْبِهَةٌ لِهَذَا الْمَحَلِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ إلَّا أَنَّ فِيهَا بَدَلَ خُرُوجِ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ ؛ خُرُوجَ الدَّجَّالِ وَزَمَنُهُمَا مُتَقَارِبٌ لَكِنْ فِي كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ اسْتِقْلَالُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ بِذَلِكَ وَظَاهِرُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ تَرَتُّبُ ذَلِكَ عَلَى مَجْمُوعِهَا ، وَفِي ثُبُوتِ ذَلِكَ بِخُرُوجِ الدَّجَّالِ إشْكَالٌ فَإِنَّ نُزُولَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَهُوَ زَمَنُ خَيْرٍ كَثِيرٍ دُنْيَوِيٍّ وَأُخْرَوِيٍّ ، وَالظَّاهِرُ قَبُولُ التَّوْبَةِ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ وَيُقَوِّي النَّظَرَ أَيْضًا أَنَّ الْغَرْغَرَةَ هِيَ الْآيَةُ الَّتِي تُرْفَعُ مَعَهَا التَّوْبَةُ ( قُلْت ) حَالَةُ الْغَرْغَرَةِ تُشَارِكُ حَالَةَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا فِي عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ لَكِنَّ الشَّأْنَ فِي الْمُرَادِ بِالْآيَةِ وَإِذَا فَسَّرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا لَمْ يَجُزْ الْعُدُولُ عَنْهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَبِتَقْدِيرِ مُشَارَكَةِ خُرُوجِ الدَّجَّالِ لِطُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا فِي عَدَمِ قَبُولِ التَّوْبَةِ عِنْدَهُ فَإِنَّهُ لَا يُشَارِكُهُ فِي إيمَانِ النَّاسِ أَجْمَعِينَ بَلْ يَسْتَمِرُّ النَّاسُ عَلَى كُفْرِهِمْ وَيَتَّبِعُونَ الدَّجَّالَ وَتَشْتَدُّ غَوَايَتُهُمْ بِهِ . ( الثَّالِثَةُ ) بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفِيَّةَ طُلُوعِهَا مِنْ مَغْرِبِهَا ، وَهُوَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ، وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَقَالَ { أَتَدْرُونَ أَيْنَ تَذْهَبُ هَذِهِ الشَّمْسُ ؟ قَالُوا اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ ، قَالَ إنَّ هَذِهِ تَجْرِي حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ فَتَخِرُّ سَاجِدَةً فَلَا تَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يُقَالَ لَهَا ارْتَفِعِي وَارْجِعِي مِنْ حَيْثُ جِئْت فَتَرْجِعُ فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مُطْلِعِهَا ، ثُمَّ تَجْرِي لَا يَسْتَنْكِرُ النَّاسُ مِنْهَا شَيْئًا حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى مُسْتَقَرِّهَا ذَالِك تَحْتَ الْعَرْشِ فَيُقَالُ لَهَا ارْتَفِعِي اصْبَحِي طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِك فَتُصْبِحُ طَالِعَةً مِنْ مَغْرِبِهَا ، تَدْرُونَ مَتَى ذَاكُمْ ذَاكَ حِينَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إيمَانِهَا خَيْرًا } وَقَدْ اخْتَلَفَ الْمُفَسِّرُونَ فِي هَذَا ، فَقَالَ جَمَاعَةٌ بِظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ . قَالَ الْوَاحِدِيُّ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلُ إذَا غَرَبَتْ كُلَّ يَوْمٍ اسْتَقَرَّتْ تَحْتَ الْعَرْشِ إلَى أَنْ تَطْلُعَ وَقَالَ قَتَادَةُ وَمُقَاتِلٌ مَعْنَاهُ تَجْرِي إلَى وَقْتٍ لَهَا وَأَجَلٍ لَا تَتَعَدَّاهُ قَالَ الْوَاحِدِيُّ وَعَلَى هَذَا مُسْتَقَرُّهَا انْتِهَاءُ سَيْرِهَا عَنْ انْقِضَاءِ الدُّنْيَا وَهَذَا اخْتِيَارُ الزَّجَّاجِ وَقَالَ الْكَلْبِيُّ تَسِيرُ فِي مَنَازِلِهَا حَتَّى تَنْتَهِيَ إلَى مُسْتَقَرِّهَا الَّتِي لَا تُجَاوِزُهُ ، ثُمَّ تَرْجِعُ إلَى أَوَّلِ مَنَازِلِهَا وَاخْتَارَ ابْنُ قُتَيْبَةَ هَذَا الْقَوْلَ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَرَأَ { لَمُسْتَقَرَّ لَهَا } أَيْ إنَّهَا جَارِيَةٌ أَبَدًا لَا تَثْبُتُ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ ( قُلْت ) كَيْفَ يَجُوزُ الْعُدُولُ عَنْ صَرِيحِ هَذَا الْحَدِيثِ الَّذِي لَا شَكَّ فِي صِحَّتِهِ وَمَا مُسْتَنَدُ الْعَادِلِينَ عَنْهُ إلَّا كَلَامُ أَهْلِ الْهَيْئَةِ وَلَا يَجُوزُ اعْتِمَادُ قَوْلِ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ فِي الْأَخْبَارِ عَنْ الْمَغِيبَاتِ فَكَيْفَ ، وَقَدْ عَارَضَهُ كَلَامُ أَصْدَقِ الْخَلْقِ وَأَعْرَفِهِمْ بِرَبِّهِ وَبِأَحْوَالِ الْغَيْبِ ، وَالْقِرَاءَةُ الشَّاذَّةُ لَيْسَتْ حُجَّةً عَلَى الْمَشْهُورِ فَكَيْفَ وَهِيَ مُخَالِفَةٌ فِي الْمَعْنَى لِلْقِرَاءَةِ الْمُتَوَاتِرَةِ ، وَفِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ فِي الصَّحِيحَيْنِ { سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ { ، وَالشَّمْسُ تَجْرِي لِمُسْتَقَرٍّ لَهَا } قَالَ مُسْتَقَرُّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ } فَكَيْفَ يَجُوزُ مَعَ هَذَا التَّفْسِيرِ الْبَيِّنِ الْعُدُولُ عَنْهُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لَا نُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ لَهَا اسْتِقْرَارٌ مَا تَحْتَ الْعَرْشِ مِنْ حَيْثُ لَا نُدْرِكُهُ وَلَا نُشَاهِدُهُ وَإِنَّمَا هُوَ خَبَرٌ عَنْ غَيْبٍ فَلَا نُكَذِّبُهُ وَلَا نُكَيِّفُهُ لِأَنَّ عِلْمَنَا لَا يُحِيطُ بِهِ قَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى أَنَّ عِلْمَ مَا سُئِلْت عَنْهُ مِنْ مُسْتَقَرِّهَا تَحْتَ الْعَرْشِ فِي كِتَابٍ كُتِبَ فِيهِ مَبَادِئِ أُمُورِ الْعَالَمِ وَنِهَايَتِهَا ، وَالْوَقْتِ الَّذِي تَنْتَهِي إلَيْهِ مُدَّتُهَا فَيَنْقَطِعُ دَوَرَانُ الشَّمْسِ وَيَسْتَقِرُّ عِنْدَ ذَلِكَ فَيَبْطُلُ فِعْلُهَا ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ الْمَخْطُوطُ الَّذِي بَيَّنَ فِيهِ أَحْوَالَ الْخَلْقِ ، وَالْخَلِيقَةِ وَآجَالَهُمْ وَمَآلَ أُمُورِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِذَلِكَ انْتَهَى . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ كَثُرَتْ أَقْوَالُ النَّاسِ فِي مَعْنَى مُسْتَقَرِّ الشَّمْسِ وَأَشْبَهُ مَا يُقَالُ فِيهِ أَنَّهُ عِبَارَةٌ عَنْ انْتِهَائِهَا إلَى أَنْ تَسَامَتْ جُزْءًا مِنْ الْعَرْشِ مَعْلُومًا بِحَيْثُ تُخْضَعُ عِنْدَهُ وَتُذَلَّلُ ، وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِسُجُودِهَا وَتَسْتَأْذِنُ فِي سَيْرِهَا الْمُعْتَادِ لَهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَحَلِّ مُتَوَقَّعَةً أَلَا يُؤْذَنَ لَهَا فِي ذَلِكَ وَأَنْ تُؤْمَرَ بِالرُّجُوعِ مِنْ حَيْثُ جَاءَتْ وَبِأَنْ تَطْلُعَ مِنْ مَغْرِبِهَا فَإِنْ كَانَتْ الشَّمْسُ تَعْقِلُ نُسِبَ ذَلِكَ كُلُّهُ إلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ لَا تَعْقِلُ فَعَلَ ذَلِكَ الْمَلَائِكَةُ الْمُوَكَّلُونَ بِهَا . ( الرَّابِعَةُ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى ظَاهِرِهِ عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ ، وَالْفِقْهِ ، وَالْمُتَكَلِّمِينَ مِنْ أَهْلِ السُّنَّةِ خِلَافًا لِمَنْ تَأَوَّلَهُ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ وَالْبَاطِنِيَّةِ ( الْخَامِسَةُ ) مَعْنَى الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَنْفَعُهُ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ مَغْرِبِهَا الْإِيمَانُ وَأَنَّ الْعَاصِيَ لَا يَنْفَعُهُ بَعْدَ ذَلِكَ التَّوْبَةُ وَاكْتِسَابُ الْخَيْرِ بَلْ يُخْتَمُ عَلَى أَحَدٍ بِالْحَالَةِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَوْلُهُ { ، أَوْ كَسَبْتِ فِي إيمَانِهَا خَيْرًا } يُرِيدُ جَمِيعَ أَعْمَالِ الْبِرِّ فَرْضَهَا وَنَفْلَهَا . ( السَّادِسَةُ ) سَبَبُ ذَلِكَ أَنَّ هَذَا أَوَّلُ قِيَامِ السَّاعَةِ وَبُدُوِّ التَّغَيُّرَاتِ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيِّ فَإِذَا شُوهِدَ ذَلِكَ وَعُويِنَ حَصَلَ الْإِيمَانُ الضَّرُورِيُّ وَارْتَفَعَ الْإِيمَانُ بِالْغَيْبِ الَّذِي هُوَ مُكَلَّفٌ بِهِ . ( السَّابِعَةُ ) ظَاهِرُ الْآيَةِ ، وَالْحَدِيثِ اسْتِمْرَارُ هَذَا الْأَمْرِ ، وَهُوَ مَنْعُ قَبُولِ الْإِيمَانِ ، وَالتَّوْبَةِ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَانَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ أَبُو حَفْصٍ الْبُلْقِينِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ إذَا تَرَاخَى الْحَالُ بَعْدَ ذَلِكَ وَبَعْدَ الْعَهْدِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَتَنَاسَاهُ أَكْثَرُ النَّاسِ قُبِلَتْ التَّوْبَةُ ، وَالْإِيمَانُ بَعْدَ ذَلِكَ لِزَوَالِ الْآيَةِ الَّتِي تَضْطَرُّ النَّاسَ إلَى الْإِيمَانِ وَهَذَا يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ وَمَا أَظُنُّ الزَّمَانَ يَتَرَاخَى بَعْدَ ذَلِكَ وَلَا يَبْقَى فِيهِ مُهْلَةٌ وَتَطَاوُلٌ بِحَيْثُ يَطُولُ الْعَهْدُ بِذَلِكَ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . الْبَعْثُ وَذِكْرُ الْجَنَّةِ ، وَالنَّارِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : { جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَبَلَغَك أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَحْمِلُ الْخَلَائِقَ عَلَى إصْبَعٍ ، وَالسَّمَوَاتِ عَلَى إصْبَعٍ ، وَالْأَرْضِينَ عَلَى إصْبَعٍ ، وَالشَّجَرَ عَلَى إصْبَعٍ ، وَالثَّرَى عَلَى إصْبَعٍ قَالَ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ، قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } الْآيَةُ } . الْبَعْثُ وَذِكْرُ الْجَنَّةِ ، وَالنَّارِ الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ { جَاءَ رَجُلٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ أَبَلَغَك أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَحْمِلُ الْخَلَائِقَ عَلَى إصْبَعٍ ، وَالسَّمَوَاتِ عَلَى إصْبَعٍ ، وَالْأَرْضِينَ عَلَى أُصْبُعٍ : وَالشَّجَرَ عَلَى إصْبَعٍ ، وَالثَّرَى عَلَى أُصْبُعٍ قَالَ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ قَالَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } الْآيَةُ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بِلَفْظٍ { إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ وَفِيهِ ، وَالشَّجَرَ ، وَالثَّرَى عَلَى إصْبَعٍ وَفِيهِ ، ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَنَا الْمَلِكُ ، وَفِيهِ بَعْدَ ذِكْرِ ضَحِكِهِ ، ثُمَّ قَالَ : { وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ } } ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ { ، وَالشَّجَرَ عَلَى إصْبَعٍ ، وَالثَّرَى عَلَى إصْبَعٍ } كَمَا فِي رِوَايَتِنَا ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ { ، وَالْجِبَالَ عَلَى إصْبَعٍ } بَدَلَ الْخَلَائِقِ ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ { تَصْدِيقًا لَهُ تَعَجُّبًا لِمَا قَالَ } وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ وَانْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ كِلَاهُمَا عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ { إنَّ يَهُودِيًّا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا مُحَمَّدُ إنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَوَاتِ عَلَى إصْبَعٍ ، وَالْأَرْضِينَ عَلَى إصْبَعٍ ، وَالْجِبَالَ عَلَى إصْبَعٍ ، وَالشَّجَرَ عَلَى إصْبَعٍ ، وَالْخَلَائِقَ عَلَى إصْبَعٍ ، ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ ، ثُمَّ قَرَأَ { مَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ إنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ } } ، وَفِي لَفْظٍ لَهُ بَعْدَ ذِكْرِ { السَّمَوَاتِ ، وَالْأَرْضِ ، وَالشَّجَرِ عَلَى إصْبَعٍ ، وَالْمَاءِ ، وَالثَّرَى عَلَى إصْبَعٍ وَسَائِرِ الْخَلَائِقِ عَلَى إصْبَعٍ } ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْجِبَالَ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ فِي السَّمَوَاتِ ، وَالْأَرْضِ مِثْلُهُ ، ثُمَّ قَالَ { ، وَالْجِبَالَ ، وَالشَّجَرَ عَلَى إصْبَعٍ ، وَالْمَاءَ ، وَالثَّرَى عَلَى إصْبَعٍ وَسَائِرَ الْخَلْقِ عَلَى إصْبَعٍ ، } وَفِي رِوَايَةٍ { لَهُمَا فَضَحِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَجُّبًا وَتَصْدِيقًا لَهُ } . ( الثَّانِيَةُ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ الْأَصْلُ فِي هَذَا وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ إثْبَاتُ ذَلِكَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِكِتَابٍ نَاطِقٍ ، أَوْ خَبَرٍ مَقْطُوعٍ بِصِحَّتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا فِيمَا يَثْبُتُ مِنْ أَخْبَارِ الْآحَادِ الْمُسْنَدَةِ إلَى أَصْلٍ فِي الْكِتَابِ ، أَوْ السُّنَّةِ الْمَقْطُوعِ بِصِحَّتِهَا ، أَوْ بِمُوَافَقَةِ مَعَانِيهَا وَمَا كَانَ بِخِلَافِ ذَلِكَ فَالتَّوَقُّفُ عَنْ إطْلَاقِ الِاسْمِ بِهِ هُوَ الْوَاجِبُ وَيُتَأَوَّلُ حِينَئِذٍ عَلَى مَا يَلِيقُ بِمَعَانِي الْأُصُولِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا مَعَ نَفْيِ التَّشْبِيهِ وَذِكْرُ الْأَصَابِعِ لَمْ يُوجَدْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْكِتَابِ وَلَا السُّنَّةِ الَّتِي شَرْطُهَا مَا وَصَفْنَاهُ ، وَلَيْسَ مَعْنَى الْيَدِ فِي الصِّفَاتِ بِمَعْنَى الْجَارِحَةِ حَتَّى يُتَوَهَّمَ بِثُبُوتِهَا ثُبُوتُ الْأَصَابِعِ بَلْ هُوَ تَوْقِيفٌ شَرْعِيٌّ أَطْلَقْنَا الِاسْمَ فِيهِ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ الْكِتَابُ مِنْ غَيْرِ تَكْيِيفٍ وَلَا تَشْبِيهٍ ، وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ عَبْدِ اللَّهِ فَلَمْ يَذْكُرُوا فِيهِ قَوْلَهُ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ وَالْيَهُودِ مُتَّهَمُونَ فِيمَا يَدَّعُونَهُ مُنَزَّلًا فِي التَّوْرَاةِ بِأَلْفَاظٍ تَدْخُلُ فِي بَابِ التَّشْبِيهِ لَيْسَ الْقَوْلُ بِهَا مِنْ مَذَاهِبِ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ . قَالَ { مَا حَدَّثَكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا تُصَدِّقُوهُمْ وَلَا تُكَذِّبُوهُمْ وَقُولُوا آمَنَا بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ } وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى الْخَلْقِ بِأَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَعْمَلَهُ مَعَ هَذَا الْحَبْرِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَى هَذَا أَنَّهُ لَمْ يُنْطِقْ فِيهِ بِحَرْفٍ تَصْدِيقًا لَهُ ، أَوْ تَكْذِيبًا إنَّمَا ظَهَرَ مِنْهُ فِي ذَلِكَ الضَّحِكُ الْمُخَيِّلُ لِلرِّضَى مَرَّةً وَلِلتَّعَجُّبِ ، وَالْإِنْكَارِ أُخْرَى ، ثُمَّ تَلَا الْآيَةَ وَهِيَ مُحْتَمِلَةٌ لِلْوَجْهَيْنِ وَلَيْسَ فِيهَا لِلْأُصْبُعِ ذِكْرٌ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ الرُّوَاةِ ( تَصْدِيقًا لِقَوْلِ الْحَبْرِ ) ظَنٌّ وَحُسْبَانٌ ، وَالْقَوْلُ فِيهِ ضَعْفٌ إذْ كَانَ لَا يَمْحَضُ شَهَادَتَهُ لِأَحَدِ الْوَجْهَيْنِ وَرُبَّمَا اُسْتُدِلَّ بِحُمْرَةِ اللَّوْنِ عَلَى الْخَجَلِ وَبِصُفْرَتِهِ عَلَى الْوَجَلِ مَعَ جَوَازِ كَوْنِ الْحُمْرَةِ لِتَهَيُّجِ دَمٍ ، وَالصُّفْرَةِ لِثَوَرَانِ خَلْطٍ فَالِاسْتِدْلَالُ بِالضَّحِكِ فِي مِثْلِ هَذَا الْأَمْرِ الْجَسِيمِ غَيْرُ سَائِغٍ مَعَ تَكَافُؤِ وَجْهِ الدَّلَالَةِ وَلَوْ صَحَّ الْخَبَرُ لَكَانَ مَقُولًا عَلَى نَوْعِ مَجَازٍ وَيَكُونُ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ عَلَى تَأْوِيلِ قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ { ، وَالسَّمَوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ } أَنَّ قُدْرَتَهُ عَلَى طَيِّهَا وَسُهُولَةِ الْأَمْرِ فِي جَمْعِهَا بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَمَعَ شَيْئًا فِي كَفِّهِ فَاسْتَخَفَّ حَمْلُهُ فَلَمْ يُمْسِكْهُ بِجَمِيعِ كَفِّهِ لَكِنَّهُ نَقَلَهُ بِبَعْضِ أَصَابِعِهِ ، وَقَدْ يُقَالُ فِي الْأَمْرِ الشَّاقِّ إذَا أُضِيفَ إلَى الرَّجُلِ الْقَوِيِّ أَنَّهُ يَأْتِي عَلَيْهِ بِأُصْبُعٍ وَاحِدَةٍ وَأَنَّهُ يَعْمَلُهُ بِخِنْصَرِهِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الْكَلَامِ الَّذِي يُرَادُ بِهِ الِاسْتِظْهَارُ فِي الْقُدْرَةِ عَلَيْهِ ، وَالِاسْتِهْزَاءُ بِهِ وَكَقَوْلِ الشَّاعِرِ : الرُّمْحُ لَا أَمْلَأُ كَفِّي بِهِ ، يُرِيدُ أَنَّهُ لَا يَتَكَلَّفُ أَنْ يَجْمَعَ كَفَّهُ فَيَشْتَمِلَ بِهَا كُلِّهَا عَلَى الرُّمْحِ لَكِنْ يَطْعَنُ بِهِ خَلْسًا بِأَطْرَافِ أَصَابِعِهِ قَالَ وَيُؤَيِّدُ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { يَقْبِضُ اللَّهُ الْأَرْضَ وَيَطْوِي السَّمَوَاتِ بِيَمِينِهِ ، ثُمَّ يَقُولُ أَنَا الْمَلِكُ أَيْنَ مُلُوكُ الْأَرْضِ } فَهَذَا قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَفْظُهُ جَاءَ عَلَى وِفَاقِ الْآيَةِ لَيْسَ فِيهِ ذِكْرُ الْأَصَابِعِ وَتَقْسِيمِ الْخَلِيقَةِ عَلَى أَعْدَادِهَا فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَخْلِيطِ الْيَهُودِ وَتَحْرِيفِهِمْ وَأَنَّ ضَحِكَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا كَانَ عَلَى مَعْنَى التَّعَجُّبِ مِنْهُ ، وَالنَّكِيرِ لَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى . وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ بِعِبَارَةٍ حَسَنَةٍ مُلَخَّصَةٍ ( قُلْت ) وَيَدُلُّ عَلَى انْتِفَاءِ الْأَصَابِعِ اخْتِلَافُ الرِّوَايَاتِ فِيهَا عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذَلِكَ تَجَوُّزٍ وَتَقْرِيبٍ لِلْفَهْمِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى عَظِيمِ قُدْرَتِهِ تَعَالَى بِتَقْدِيرِ أَنْ يُصَدِّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَقَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا مِنْ أَحَادِيثِ الصِّفَاتِ ، وَقَدْ سَبَقَ فِيهَا الْمَذْهَبَانِ التَّأْوِيلُ ، وَالْإِمْسَاكُ عَنْهُ مَعَ الْإِيمَانِ بِهَا وَاعْتِقَادِ أَنَّ الظَّاهِرَ مِنْهَا غَيْرُ مُرَادٍ فَعَلَى قَوْلِ الْمُتَأَوِّلِينَ يَتَأَوَّلُونَ الْأَصَابِعَ هُنَا عَلَى الِاقْتِدَارِ ، وَالنَّاسُ يَذْكُرُونَ الْأُصْبُعَ فِي مِثْلِ هَذَا لِلْمُبَالَغَةِ ، وَالِاحْتِقَارِ فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ بِأُصْبُعِي أَقْتُلُ زَيْدًا أَيْ لَا كُلْفَةً عَلَيَّ فِي قَتْلِهِ وَقِيلَ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْمُرَادَ أَصَابِعُ بَعْضِ مَخْلُوقَاتِهِ وَهَذَا غَيْرُ مُمْتَنِعٍ ، وَالْمَقْصُودُ أَنَّ يَدَ الْجَارِحَةِ مُسْتَحِيلَةٌ ، ثُمَّ قَالَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَّقَ الْخَبَرَ فِي قَوْلِهِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَالَ بَعْضُ الْمُتَكَلِّمِينَ لَيْسَ ضَحِكُهُ وَتَعَجُّبُهُ وَتِلَاوَتُهُ الْآيَةَ تَصْدِيقًا لَهُ بَلْ هُوَ رَدٌّ لِقَوْلِهِ وَإِنْكَارٌ وَتَعَجُّبٌ مِنْ سُوءِ اعْتِقَادِهِ فَإِنَّ مَذْهَبَ الْيَهُودِ التَّجْسِيمُ فَفَهِمَ مِنْهُ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ ( تَصْدِيقًا لَهُ ) إنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الرَّاوِي عَلَى مَا فَهِمَ ، وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ انْتَهَى . ( الثَّالِثَةُ ) الثَّرَى بِفَتْحِ الْمُثَلَّثَةِ مَقْصُورٌ التُّرَابُ النَّدِيُّ قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ وَمُرَادُهُمْ الَّذِي نَدَاوَتُهُ أَصْلِيَّةٌ لِتَسَفُّلِهِ وَكَوْنِهِ لَيْسَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا حَكَاه فِي الصِّحَاحِ مِنْ قَوْلِهِمْ الْتَقَى الثَّرَيَانِ أَيْ جَاءَ الْمَطَرُ فَرَسَخَ فِي الْأَرْضِ حَتَّى الْتَقَى هُوَ وَنَدَى الْأَرْضِ ، وَفِي جَعْلِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الثَّرَى مُفْرَدًا عَنْ الْأَرْضِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ جُزْءٌ مِنْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) النَّوَاجِذُ بِالنُّونِ ، وَالْجِيمِ ، وَالذَّالِ الْمُعْجَمَةِ جَمْعُ نَاجِذٍ ، وَهُوَ آخَرُ الْأَضْرَاسِ وَلِلْإِنْسَانِ أَرْبَعَةُ نَوَاجِذَ فِي أَقْصَى الْأَسْنَانِ بَعْدَ الْأَرْجَاءِ وَيُسَمَّى ضِرْسُ الْحُلُمِ لِأَنَّهُ يَنْبُتُ بَعْدَ الْبُلُوغِ وَكَمَالِ الْعَقْلِ يُقَالُ ضَحِكَ حَتَّى بَدَتْ نَوَاجِذُهُ إذَا اسْتَغْرَقَ فِيهِ . ( الْخَامِسَةُ ) ظَاهِرُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ هِيَ سَبَبُ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَاَلَّذِي فِي الصَّحِيحَيْنِ ظَاهِرُهُ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ قَبْلَ ذَلِكَ وَأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اسْتَشْهَدَ بِهَا عِنْدَ هَذَا الْكَلَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى وَيَتَمَنَّى فَيُقَالُ لَهُ هَلْ تَمَنَّيْت ، فَيَقُولُ نَعَمْ فَيَقُولُ فَإِنَّ لَك مَا تَمَنَّيْت وَمِثْلَهُ مَعَهُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَلَهُمَا فِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ فِي آخَرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ { حَتَّى إذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ لَك وَمِثْلُهُ مَعَهُ } قَالَ أَبُو سَعِيدٍ { وَعَشْرُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَشْهَدُ أَنِّي حَفِظْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي آخَرِ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ { فَإِنَّ لَك مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا ، أَوْ إنَّ لَك عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { فَيُقَالُ لَهُ تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى فَيُقَالُ لَهُ لَك الَّذِي تَمَنَّيْت وَعَشَرَةُ أَضْعَافِ الدُّنْيَا } . الْحَدِيثُ الثَّانِي وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ أَنْ يَقُولَ لَهُ تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى وَيَتَمَنَّى فَيُقَالُ لَهُ هَلْ تَمَنَّيْت ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ ، فَيَقُولُ إنَّ لَك مَا تَمَنَّيْت وَمِثْلَهُ مَعَهُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَفِي الْحَدِيثِ الطَّوِيلِ لَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ { ذَلِكَ لَك وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ فِي إثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ وَفِيهِ فِي آخَرِ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ { فَإِذَا دَخَلَهَا قَالَ اللَّهُ لَهُ تَمَنَّهُ فَيَسْأَلُ رَبَّهُ وَيَتَمَنَّى حَتَّى إنَّ اللَّهَ لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا حَتَّى إذَا انْقَطَعَتْ بِهِ الْأَمَانِيُّ قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : ذَلِكَ لَك وَمِثْلُهُ مَعَهُ } قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَزِيدَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَعَ أَبِي هُرَيْرَةَ لَا يُرَدُّ عَلَيْهِ مِنْ أَحَادِيثِهِ شَيْئًا حَتَّى إذَا حَدَّثَ أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ { إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ لِذَلِكَ الرَّجُلِ وَمِثْلُهُ مَعَهُ . قَالَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ مَعَهُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ مَا حَفِظْت إلَّا قَوْلَهُ ذَلِكَ لَك وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ } ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنِّي لَأَعْلَمُ آخَرَ أَهْلِ النَّارِ خُرُوجًا مِنْهَا وَآخَرَ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْ النَّارِ حَبْوًا فَيَقُولُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَهُ اذْهَبْ فَادْخُلْ الْجَنَّةَ وَفِيهِ فَإِنَّ لَك مِثْلَ الدُّنْيَا وَعَشَرَةَ أَمْثَالِهَا ، أَوْ أَنَّ لَك عَشَرَةَ أَمْثَالِ الدُّنْيَا } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ { فَيُقَالُ لَهُ تَمَنَّ فَيَتَمَنَّى فَيُقَالُ لَهُ لَك الَّذِي تَمَنَّيْت وَعَشَرَةُ أَضْعَافِ الدُّنْيَا } . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { إنَّ أَدْنَى مَقْعَدِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ } مَعْنَاهُ أَنَّ أَقَلَّ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَظًّا وَأَضْيَقَهُمْ مَقْعَدًا وَأَنْزَلَهُمْ مَرْتَبَةً مَنْ كَانَتْ هَذِهِ صِفَتُهُ ، وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَكَانَ يُقَالُ ذَاكَ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً ، وَفِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مِنْ رِوَايَةِ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ عَنْهُ ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّ هَذَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً } . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ الَّذِي لَهُ ثَمَانُونَ أَلْفَ خَادِمٍ وَاثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً وَيُنْصَبُ لَهُ فِيهِ مِنْ لُؤْلُؤٍ وَزَبَرْجَدٍ وَيَاقُوتٍ كَمَا بَيْنَ الْجَابِيَةِ إلَى صَنْعَاءَ } . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّمَنِّي فِي الْآخِرَةِ وَأَنَّ كَرَاهَةَ ذَلِكَ خَاصَّةٌ بِالدُّنْيَا ، وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَتَّى إنَّ اللَّهَ لَيُذَكِّرُهُ مِنْ كَذَا وَكَذَا وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ يَقُولُ لَهُ تَمَنَّ مِنْ الشَّيْءِ الْفُلَانِيِّ وَمِنْ الشَّيْءِ الْآخَرِ يُسَمِّيَ لَهُ أَجْنَاسَ مَا يَتَمَنَّى وَهَذَا مِنْ عَظِيمِ رَحْمَتِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَهُ . ( الرَّابِعَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَجْهُ الْجَمْعِ بَيْنَ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمِثْلُهُ مَعَهُ وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعْلَمَ أَوَّلًا بِمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، ثُمَّ تَكَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى فَزَادَ مَا فِي رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ فَأَخْبَرَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَلَمْ يَسْمَعْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ انْتَهَى . وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ لَك الَّذِي تَمَنَّيْت وَعَشَرَةُ أَضْعَافِ الدُّنْيَا قَدْ يُقَالُ إنَّ فِيهِ زِيَادَةً عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَوَجْهُهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَعْلَمَ بِتِلْكَ الزِّيَادَةِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَقَدْ يُقَالُ هُوَ مُوَافِقٌ لِحَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ بِأَنْ يَكُونَ الَّذِي تَمَنَّاهُ قَدْرَ الدُّنْيَا فَأُعْطِيَهُ وَأُعْطِيَ عَشَرَةُ أَمْثَالِهِ أَيْضًا ، وَهُوَ عَشَرَةُ أَمْثَالِ الدُّنْيَا فَلَا مُنَافَاةَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُمَا وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ { فَإِنَّ لَك مِثْلُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا } فَلَمَّا عَبَّرَ عَنْهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ بِاَلَّذِي تَمَنَّاهُ ، وَفِي الْأُخْرَى بِمِثْلِ الدُّنْيَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الَّذِي تَمَنَّاهُ مِثْلُ الدُّنْيَا تَوْفِيقًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ ، وَالضِّعْفُ بِمَعْنَى الْمِثْلِ عَلَى الْمُخْتَارِ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ مَرْفُوعًا قَالَ { سَأَلَ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَبَّهُ مَا أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً ؟ قَالَ هُوَ رَجُلٌ يَجِيءُ بَعْدَ مَا أُدْخِلَ أَهْلُ الْجَنَّةِ الْجَنَّةَ فَيُقَالُ لَهُ اُدْخُلْ الْجَنَّةَ فَيَقُولُ أَيْ رَبِّ كَيْفَ ، وَقَدْ نَزَلَ النَّاسُ مَنَازِلَهُمْ وَأَخَذُوا أَخَذَاتِهِمْ فَيُقَالُ لَهُ أَتَرْضَى أَنْ يَكُونَ لَك مِثْلُ مُلْكِ مَلِكٍ مِنْ مُلُوكِ الدُّنْيَا فَيَقُولُ رَضِيت رَبِّ فَيَقُولُ لَك ذَلِكَ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ وَمِثْلُهُ ، فَقَالَ فِي الْخَامِسَةِ رَبِّ رَضِيت فَيَقُولُ هَذَا لَك وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهِ ، وَلَك مَا اشْتَهَتْ نَفْسُك وَلَذَّتْ عَيْنُك فَيَقُولُ رَضِيت رَبِّ قَالَ رَبِّ فَأَعْلَاهُمْ مَنْزِلَةً قَالَ أُولَئِكَ الَّذِينَ أَرَدْت غَرَسْت كَرَامَتَهُمْ بِيَدَيَّ وَخَتَمْت عَلَيْهَا فَلَمْ تَرَ عَيْنٌ ، وَلَمْ تَسْمَعْ أُذُنٌ ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ } قَالَ وَمِصْدَاقُهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ { فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أَعْيُنٍ } الْآيَةَ قَالَ النَّوَوِيُّ الْمُرَادُ أَنَّ أَحَدَ مُلُوكِ الدُّنْيَا لَا يَنْتَهِي مُلْكُهُ إلَى جَمِيعِ الْأَرْضِ بَلْ يَمْلِكُ بَعْضًا مِنْهَا ، ثُمَّ مِنْهُمْ مَنْ يَكْثُرُ الْبَعْضُ الَّذِي يَمْلِكُهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَقِلُّ فَيُعْطِي هَذَا الرَّجُلَ مِثْلَ أَحَدِ مُلُوكِ الدُّنْيَا خَمْسَ مَرَّاتٍ وَذَلِكَ كُلُّهُ قَدْرُ الدُّنْيَا كُلِّهَا ، ثُمَّ يُقَالُ لَهُ لَك عَشَرَةُ أَمْثَالِ هَذَا قَالَ فَيَعُودُ مَعْنَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ إلَى مُوَافَقَةِ الرِّوَايَاتِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَلِلَّهِ الْحَمْدُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُوَرُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلَا يَمْتَخِطُونَ فِيهَا وَلَا يَتَغَوَّطُونَ فِيهَا آنِيَتُهُمْ وَأَمْشَاطُهُمْ الذَّهَبُ وَالْفِضَّةُ ، وَمَجَامِرُهُمْ مِنْ أَلُوَّةٍ وَرَشْحُهُمْ الْمِسْكُ وَبِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ يَرَى مُخَّ سَاقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنْ الْحُسْنِ لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ وَاحِدٍ وَيُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً } . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَلِجُ الْجَنَّةَ صُورَتُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلَا يَمْتَخِطُونَ فِيهَا وَلَا يَتَغَوَّطُونَ فِيهَا آنِيَتُهُمْ وَأَمْشَاطُهُمْ الذَّهَبُ ، وَالْفِضَّةُ وَمَجَامِرُهُمْ مِنْ أَلُوَّةٍ وَرَشْحُهُمْ الْمِسْكُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ يَرَى مُخَّ سَاقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ مِنْ الْحُسْنِ ، لَا اخْتِلَافَ بَيْنَهُمْ وَلَا تَبَاغُضَ ، قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبٍ وَاحِدٍ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً } " فِيهِ " فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ عُمَارَةَ بْنِ الْقَعْقَاعِ عَنْ أَبِي زُرْعَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَادَ فِيهِ بَعْدَ قَوْلِهِ : لَيْلَةَ الْبَدْرِ { ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إضَاءَةً } وَلَيْسَ فِيهِ قَوْلُهُ { وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ } إلَى آخِرِهِ ، وَفِي آخِرِهِ { وَأَزْوَاجُهُمْ الْحَوَرُ الْعِينُ عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ وَاحِدٍ عَلَى صُورَةِ أَبِيهِمْ آدَمَ سِتُّونَ ذِرَاعًا فِي السَّمَاءِ } وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ { وَاَلَّذِينَ عَلَى أَسْرِهِمْ كَأَشَدِّ كَوْكَبٍ إضَاءَةً } وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ { وَاَلَّتِي تَلِيهَا عَلَى أَضْوَءِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ } وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { أَوَّلُ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ مِنْ أُمَّتِي عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ عَلَى أَشَدِّ نَجْمٍ فِي السَّمَاءِ إضَاءَةً ، ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ } الْحَدِيثَ وَذَكَرَ عَنْ شَيْخِهِ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ { عَلَى خُلُقِ رَجُلٍ } أَيْ بِضَمِّ الْخَاءِ ، وَاللَّامِ وَعَنْ شَيْخِهِ أَبِي كُرَيْبٌ { عَلَى خَلْقِ رَجُلٍ } أَيْ بِفَتْحِ الْخَاءِ وَإِسْكَانِ اللَّامِ . ( الثَّانِيَةُ ) الزُّمْرَةُ الْجَمَاعَةُ ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ مَرْفُوعًا { لَيَدْخُلُنَّ مِنْ أُمَّتِي سَبْعُونَ أَلْفًا الْجَنَّةَ ، أَوْ سَبْعمِائَةِ أَلْفٍ لَا يَدْخُلُ أَوَّلُهُمْ حَتَّى يَدْخُلَ آخِرُهُمْ وُجُوهُهُمْ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ } فَبَيَّنَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ عَدَدَ هَذِهِ الزُّمْرَةِ . ( الثَّالِثَةُ ) وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى دُخُولِ أَهْلِ الْجَنَّةِ إلَيْهَا جَمَاعَةً بَعْدَ جَمَاعَةٍ ، وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ فِي قَوْله تَعَالَى { وَسِيقَ الَّذِينَ اتَّقُوا رَبَّهُمْ إلَى الْجَنَّةِ زُمَرًا } وَذَلِكَ بِحَسَبِ الْفَضْلِ وَتَفَاوُتِ الدَّرَجَاتِ فَمَنْ كَانَ أَفْضَلُ كَانَ إلَى الْجَنَّةِ أَسْبِقُ وَأَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ نَبِيُّنَا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { آتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَابَ الْجَنَّةِ فَأَسْتَفْتِحُ فَيَقُولُ الْخَازِنُ مَنْ أَنْتَ ؟ فَأَقُولُ مُحَمَّدٌ فَيَقُولُ بِك أُمِرْت أَنْ لَا أُفْتَحَ لِأَحَدٍ قَبْلَك } . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ أَيْ عَلَى صِفَتِهِ أَيْ إنَّهُمْ فِي إشْرَاقِ وُجُوهِهِمْ عَلَى صِفَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ تَمَامِهِ وَكَمَالِهِ وَهِيَ لَيْلَةُ أَرْبَعَ عَشَرَةَ وَبِذَلِكَ سُمِّيَ الْقَمَرُ بَدْرًا فِي تِلْكَ اللَّيْلَةِ ، وَقَدْ وَرَدَ فِي هَذَا الْمَعْنَى مَا يَقْتَضِي مَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ فَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مَرْفُوعًا { لَوْ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ اطَّلَعَ فَبَدَا أَسَاوِرَهُ لَطَمَسَ ضَوْءَ الشَّمْسِ كَمَا تَطْمِسُ الشَّمْسُ ضَوْءَ النُّجُومِ } . ( الْخَامِسَةُ ) اقْتَصَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ عَلَى ذِكْرِ صِفَةِ الزُّمْرَةِ الْأُولَى وَبَيَّنَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى أَنَّ الثَّانِيَةَ عَلَى أَشَدِّ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ إضَاءَةً ، وَفِي الدُّرِّيِّ ثَلَاثُ لُغَاتٍ قُرِئَ بِهِنَّ فِي السَّبْعِ ( الْأَكْثَرُونَ ) دُرِّيٌّ بِضَمِّ الدَّالِ وَتَشْدِيدِ الرَّاءِ ، وَالْيَاءِ بِلَا هَمْزٍ ( وَالثَّانِيَةُ ) بِضَمِّ الدَّالِ مَهْمُوزٌ مَمْدُودٍ ( وَالثَّالِثَةُ ) بِكَسْرِ الدَّالِ مَمْدُودٌ مَهْمُوزٌ ، وَهُوَ الْكَوْكَبُ الْعَظِيمُ قِيلَ سُمِّيَ دُرِّيًّا لِبَيَاضِهِ كَالدُّرِّ وَقِيلَ لِإِضَاءَتِهِ وَقِيلَ لِشَبَهِهِ بِالدُّرِّ فِي كَوْنِهِ أَرْفَعَ مِنْ بَاقِي النُّجُومِ كَالدُّرِّ أَرْفَعُ الْجَوَاهِرِ وَبَيَّنَ بِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ، ثُمَّ هُمْ بَعْدَ ذَلِكَ مَنَازِلُ [ أَيْ ] إنَّ دَرَجَاتِهِمْ فِي إشْرَاقِ اللَّوْنِ مُتَفَاوِتَةٌ بِحَسَبِ عُلُوِّ دَرَجَاتِهِمْ وَتَفَاوُتِ فَضْلِهِمْ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ { لَا يَبْصُقُونَ فِيهَا وَلَا يَمْتَخِطُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ فِيهَا } هِيَ صِفَةُ أَهْلِ الْجَنَّةِ مُطْلَقًا وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالزُّمْرَةِ الْأُولَى ، وَقَدْ دَلَّ عَلَى ذَلِكَ الرِّوَايَةُ الَّتِي بَيَّنَ فِيهَا صِفَةَ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ وَأَشَارَ إلَى بَقِيَّةِ الْمَنَازِلِ . ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { آنِيَتُهُمْ الذَّهَبُ ، وَالْفِضَّةُ } يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ النَّوْعَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ لِبَعْضِهِمْ الذَّهَبَ وَلِبَعْضِهِمْ الْفِضَّةَ ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { جَنَّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا وَجَنَّتَانِ مِنْ فِضَّةِ آنِيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا } . ( الثَّامِنَةُ ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ قَدْ يُقَالُ أَيُّ حَاجَةٍ فِي الْجَنَّةِ لِلْأَمْشَاطِ لَا تَتَلَبَّدُ شُعُورُهُمْ وَلَا تَنْسَحُّ وَأَيُّ حَاجَةٍ لِلْبَخُورِ وَرِيحُهُمْ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ وَيُجَابُ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ نَعِيمَ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَكِسْوَتُهُمْ لَيْسَ عَنْ دَفْعِ أَلَمٍ اعْتَرَاهُمْ فَلَيْسَ أَكْلُهُمْ عَنْ جُوعِ وَلَا شُرْبُهُمْ عَنْ ظَمَأٍ وَلَا تَطْيِيبُهُمْ عَنْ نَتِنٍ وَإِنَّمَا هِيَ لَذَّاتٌ مُتَوَالِيَةٌ ، وَنِعَمٌ مُتَتَابِعَةٌ ، وَحِكْمَةُ ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى نَعَّمَهُمْ فِي الْجَنَّةِ تَنَوُّعِ مَا كَانُوا يَتَنَعَّمُونَ بِهِ فِي الدُّنْيَا وَزَادَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ انْتَهَى . ( التَّاسِعَةُ ) { الْمَجَامِرُ } بِفَتْحِ الْمِيمِ ، وَالْجِيمِ يَكُونُ جَمْعَ مُجْمَرٍ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْجِيمِ وَفَتْحِ الْمِيمِ الثَّانِيَةِ ، وَهُوَ الَّذِي يُوضَعُ فِيهِ النَّارُ لِلْبَخُورِ وَيَكُونُ جَمْعَ مُجْمَرٍ بِضَمِّ الْمِيمِ ، وَالْبَاقِي كَذَلِكَ ، وَهُوَ الَّذِي يُتَبَخَّرُ بِهِ وَأُعِدَّ لَهُ الْجَمْرُ ، وَهُوَ الْمُرَادُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ ( ، وَالْأَلُوَّةُ ) بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَضَمِّهَا وَضَمِّ اللَّامِ وَفَتْحِ الْوَاوِ وَتَشْدِيدِهَا هُوَ الْعُودُ الَّذِي يُتَبَخَّرُ بِهِ ، وَهُوَ الْعُودُ الْهِنْدِيُّ وَهَمْزَتُهُ أَصْلِيَّةٌ وَقِيلَ زَائِدَةٌ أَيْ إنَّ بَخُورَهُمْ الْعُودُ ، وَهُوَ الْأَلَنْجُوجُ الْمَذْكُورُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ ، وَهُوَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَاللَّامِ وَإِسْكَانِ النُّونِ وَضَمِّ الْجِيمِ وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا يَلَنْجُوجُ بِالْيَاءِ أَوَّلُهُ بَدَلُ الْهَمْزَةِ وَيُقَالُ فِيهِ أَيْضًا النَّجَجُ بِحَذْفِ الْوَاوِ الَّتِي بَيْنَ الْجِيمَيْنِ ، وَالْأَلْفُ ، وَالنُّونُ فِيهِ زَائِدَتَانِ كَأَنَّهُ يَلِجُ فِي تَضَوُّعِ رَائِحَتِهِ وَانْتِشَارِهَا ( فَإِنْ قُلْت ) إنَّمَا تَفُوحُ رَائِحَةُ الْعُودِ بِوَضْعِهِ فِي النَّارِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : لَوْلَا اشْتِعَالُ النَّارِ فِيمَا جَاوَرَتْ مَا كَانَ يُعْرَفُ طِيبُ نَشْرِ الْعُودِ وَالْجَنَّةُ لَا نَارَ فِيهَا ( قُلْت ) قَدْ يَشْتَعِلُ بِغَيْرِ نَارٍ ، وَقَدْ تَفُوحُ رَائِحَتُهُ بِلَا اشْتِعَالٍ وَلَيْسَتْ أُمُورُ الْآخِرَةِ عَلَى قِيَاسِ أُمُورِ الدُّنْيَا وَهَذَا الطَّيْرُ يَشْتَهِيهِ الْإِنْسَانُ فَيَنْزِلُ مَشْوِيًّا بِلَا شَيِّ نَارٍ وَلَا غَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَوْلُهُ { وَرَشْحُهُمْ الْمِسْكُ } بِفَتْحِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَإِسْكَانِ الشَّيْنِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ إنَّ الْعَرَقَ الَّذِي يَتَرَشَّحُ مِنْهُمْ رَائِحَتُهُ كَرَائِحَةِ الْمِسْكِ ، وَهُوَ قَائِمٌ مَقَامَ التَّغَوُّطِ ، وَالْبَوْلِ مِنْ غَيْرِهِمْ كَمَا قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ { لَا يَبُولُونَ وَلَا يَتَغَوَّطُونَ وَإِنَّمَا هُوَ عَرَقٌ يَجْرِي مِنْ أَعْرَاضِهِمْ مِثْلُ الْمِسْكِ } يَعْنِي مِنْ أَبْدَانِهِمْ وَلَمَّا كَانَتْ أَغْذِيَةُ الْجَنَّةِ فِي غَايَةِ اللَّطَافَةِ ، وَالِاعْتِدَالِ لَا عَجْمَ لَهَا وَلَا تَفْلَ لَمْ يَكُنْ لَهَا فَضْلَةٌ تُسْتَقْذَرُ ، بَلْ تُسْتَطَابُ وَتُسْتَلَذُّ فَعَبَّرَ عَنْهَا بِالْمِسْكِ الَّذِي هُوَ أَطْيَبُ طِيبِ أَهْلِ الدُّنْيَا . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ } هَكَذَا هُوَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فِي جَمِيعِ الطُّرُقِ بِالتَّاءِ وَهِيَ لُغَةٌ مُتَكَرِّرَةٌ فِي الْأَحَادِيثِ وَكَلَامِ الْعَرَبِ ، وَالْأَكْثَرُ حَذْفُهَا وَبِهِ جَاءَ الْقُرْآنُ الْعَزِيزُ وَأَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى أَنَّ النِّسَاءَ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ مِنْ الرِّجَالِ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ ( أَمَا تَفَاخَرُوا أَمَّا تَذَاكَرُوا الرِّجَالُ أَكْثَرُ فِي الْجَنَّةِ أَمْ النِّسَاءِ ؟ فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَوْ لَمْ يَقُلْ أَبُو الْقَاسِمِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ أَوَّلَ زُمْرَةٍ تَدْخُلُ الْجَنَّةَ عَلَى صُورَةِ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ وَاَلَّتِي تَلِيهَا عَلَى أَضْوَءِ كَوْكَبٍ دُرِّيٍّ فِي السَّمَاءِ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَانِ اثْنَتَانِ يَرَى مُخَّ سُوقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ وَمَا فِي الْجَنَّةِ أَعْزَبُ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ " اخْتَصَمَ الرِّجَالُ ، وَالنِّسَاءُ أَيُّهُمْ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ فَسَأَلُوا أَبَا هُرَيْرَةَ فَذَكَرَهُ فَإِذَا خَلَّتْ الْجَنَّةُ عَنْ الْعُزَّابِ وَكَانَ لِكُلِّ وَاحِدٍ زَوْجَتَانِ كَانَ النِّسَاءُ مِثْلَيْ الرِّجَالِ " وَيُعَارِضُهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ { إنِّي رَأَيْتُكُنَّ أَكْثَرَ أَهْلِ النَّارِ } . وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ { اطَّلَعْت فِي النَّارِ فَرَأَيْت أَكْثَرَ أَهْلِهَا النِّسَاءَ } وَكِلَاهُمَا فِي الصَّحِيحِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنَّهُنَّ أَكْثَرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَأَكْثَرُ أَهْلِ النَّارِ لِكَثْرَتِهِنَّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ يَخْرُجُ مِنْ مَجْمُوعِ هَذَا أَنَّ النِّسَاءَ أَكْثَرُ وَلَدِ آدَمَ قَالَ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْآدَمِيَّاتِ وَإِلَّا فَقَدْ جَاءَ أَنَّ لِلْوَاحِدِ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ مِنْ الْحَوَرِ الْعَدَدَ الْكَثِيرَ قُلْت ) . وَقَدْ تَقَدَّمَ مِنْ عِنْدِ الزَّبِيدِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ { إنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ الَّذِي لَهُ اثْنَتَانِ وَسَبْعُونَ زَوْجَةً } . ( فَإِنْ قُلْت ) كَيْفَ اقْتَصَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ذِكْرِ زَوْجَتَيْنِ ( قُلْت ) الزَّوْجَتَانِ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بِهَذَا يُعْلَمُ أَنَّ نَوْعَ النِّسَاءِ الْمُشْتَمِلَ عَلَى الْحُورِ ، وَالْآدَمِيَّاتِ فِي الْجَنَّةِ أَكْثَرُ مِنْ نَوْعِ الرِّجَالِ مِنْ بَنِي آدَمَ وَرِجَالُ بَنِي آدَمَ أَكْثَرُ مِنْ نِسَائِهِمْ ، وَعَنْ هَذَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَقَلُّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ النِّسَاءُ وَأَكْثَرُ سَاكِنِي جَهَنَّمَ النِّسَاءُ } يَعْنِي نِسَاءُ بَنِي آدَمَ هُنَّ أَقَلُّ فِي الْجَنَّةِ وَأَكْثَرُ فِي النَّارِ ( قُلْت ) وَإِذَا قُلْنَا بِالْأَوَّلِ إنَّ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ زَوْجَتَيْنِ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا فَيُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ { أَقَلُّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ النِّسَاءُ } وَلَعَلَّ رَاوِيَهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى فِي فَهْمِهِ فَأَخْطَأَ ، فَهِمَ مِنْ كَوْنِهِنَّ أَكْثَرَ سَاكِنِي جَهَنَّمَ أَنَّهُنَّ أَقَلُّ سَاكِنِي الْجَنَّةِ . وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَلْزَمُ وَأَنَّهُنَّ أَكْثَرُ سَاكِنِي الْجِهَتَيْنِ مَعًا لِكَثْرَتِهِنَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَدْ تَبَيَّنَّ بِبَقِيَّةِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ الزَّوْجَتَيْنِ أَقَلُّ مَا يَكُونُ لِسَاكِنِ الْجَنَّةِ مِنْ نِسَاءِ الدُّنْيَا وَأَنَّ أَقَلَّ مَا يَكُونُ لَهُ مِنْ الْحَوَرِ الْعِينِ سَبْعُونَ زَوْجَةً . وَأَمَّا أَكْثَرُ ذَلِكَ فَلَا حَصْرَ لَهُ ، وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّ لِلْمُؤْمِنِ فِي الْجَنَّةِ لَخَيْمَةٌ مِنْ لُؤْلُؤَةٍ وَاحِدَةٍ مُجَوَّفَةٍ طُولُهَا سِتُّونَ مِيلًا لِلْمُؤْمِنِ فِيهَا أَهْلُونَ يَطُوفُ عَلَيْهِمْ الْمُؤْمِنُ فَلَا يَرَى بَعْضُهُمْ بَعْضًا } وَفِي رِوَايَةٍ { فِي كُلِّ زَاوِيَةٍ مِنْهَا أَهْلٌ لِلْمُؤْمِنِ لَا يَرَاهُمْ الْآخَرُونَ } . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ رِوَايَةِ ثُوَيْرٍ بْنِ أَبِي فَاخِتَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ أَدْنَى أَهْلِ الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَمَنْ يَنْظُرُ إلَى جِنَانِهِ وَأَزْوَاجِهِ وَنَعِيمِهِ وَخَدَمِهِ وَسُرُرِهِ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ وَأَكْرَمَهُمْ عَلَى اللَّهِ مَنْ يَنْظُرُ إلَى وَجْهِهِ غَدْوَةً وَعَشِيَّةً } . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { يَرَى مُخَّ سَاقِهِمَا مِنْ وَرَاءِ اللَّحْمِ } يَعْنِي مِنْ شِدَّةِ صَفَاءِ لَحْمِ السَّاقَيْنِ كَمَا يُرَى السِّلْكُ فِي جَوْفِ الدُّرَّةِ الصَّافِيَةِ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا { إنَّ الْمَرْأَةَ مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يُرَى بَيَاضُ سَاقِهَا مِنْ وَرَاءِ سَبْعِينَ حُلَّةً حَتَّى يَرَى مُخَّهَا وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ يَقُولُ { كَأَنَّهُنَّ الْيَاقُوتُ ، وَالْمَرْجَانُ } } فَأَمَّا الْيَاقُوتُ فَإِنَّهُ حَجَرٌ لَوْ أَدْخَلْت فِيهِ سِلْكًا ، ثُمَّ اسْتَصْفَيْتَهُ لَرَأَيْته مِنْ وَرَائِهِ . وَفِي هَذَا زِيَادَةٌ وَهِيَ صَفَاءُ الْحُلَلِ وَرِقَّتُهَا بِحَيْثُ يُرَى الْمُخُّ مِنْ وَرَائِهَا أَيْضًا وَلَوْ كَثُرَ عَدَدُهَا . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { قُلُوبُهُمْ عَلَى قَلْبِ وَاحِدٍ } بِالْإِضَافَةِ وَتَرْكِ التَّنْوِينِ أَيْ عَلَى قَلْبِ شَخْصٍ وَاحِدٍ يُرِيدُ أَنَّهَا مُطَهَّرَةٌ عَنْ مَذْمُومِ الْأَخْلَاقِ مُكَمَّلَةً لِمَحَاسِنِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ يُسَبِّحُونَ اللَّهَ بُكْرَةً وَعَشِيَّةً أَيْ بِقَدْرِهِمَا فَأَوْقَاتُ الْجَنَّةِ مِنْ الْأَيَّامِ ، وَالسَّاعَاتِ تَقْدِيرِيَّاتٌ فَإِنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَجِيءُ مِنْ اخْتِلَافِ اللَّيْلِ ، وَالنَّهَارِ وَسَيْرِ الشَّمْسِ ، وَالْقَمَرِ وَلَيْسَ فِي الْجَنَّةِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . ( السَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هَذَا التَّسْبِيحُ لَيْسَ عَنْ تَكْلِيفٍ وَإِلْزَامٍ لِأَنَّ الْجَنَّةَ لَيْسَتْ بِمَحَلِّ تَكْلِيفٍ وَإِنَّمَا هِيَ مَحَلُّ جَزَاءٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَنْ تَيْسِيرٍ وَإِلْهَامٍ كَمَا قَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى يُلْهَمُونَ التَّسْبِيحَ ، وَالتَّحْمِيدَ ، وَالتَّكْبِيرَ كَمَا يُلْهِمُونَ النَّفَسَ وَوَجْهُ التَّشْبِيهِ أَنَّ تَنَفُّسَ الْإِنْسَانِ لَا بُدَّ لَهُ مِنْهُ وَلَا كُلْفَةَ عَلَيْهِ وَلَا مَشَقَّةَ فِي فِعْلِهِ وَآحَادُ التَّنَفُّسَاتِ مُكْتَسَبَةٌ لِلْإِنْسَانِ وَجُمْلَتُهَا ضَرُورِيَّةٌ فِي حَقِّهِ إذْ يَتَمَكَّنُ مِنْ ضَبْطِ قَلِيلِ الْأَنْفَاسِ وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ جَمِيعِهَا فَكَذَلِكَ يَكُونُ ذِكْرُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى أَلْسِنَةِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَسِرُّ ذَلِكَ أَنَّ قُلُوبَهُمْ قَدْ تَنَوَّرَتْ بِمَعْرِفَتِهِ ، وَأَبْصَارَهُمْ ، قَدْ تَمَتَّعَتْ بِرُؤْيَتِهِ ، وَقَدْ غَمَرَتْهُمْ سَوَابِغُ نِعْمَتِهِ ، وَامْتَلَأَتْ أَفْئِدَتُهُمْ بِمَحَبَّتِهِ ، فَأَلْسِنَتُهُمْ مُلَازَمَةٌ ذِكْرَهُ ، وَرَهِينَةَ شُكْرِهِ ؛ فَإِنَّ مَنْ أَحَبَّ شَيْئًا أَكْثَرَ مِنْ ذِكْرِهِ ، انْتَهَى . . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَقِيدُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ ، وَالْأَرْضِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . ( الْحَدِيثُ الرَّابِعُ ) وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَقِيدُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ مِنْ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ ، وَالْأَرْضِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِلَالِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { لَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، أَوْ تَغْرُبُ } وَأَخْرَجَهُ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ بِلَفْظِ { مَوْضِعُ سَوْطٍ فِي الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا } وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بِلَفْظِ { لَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ ، أَوْ مَوْضِعُ قَيْدِهِ مِنْ الْجَنَّةِ خَيْرٌ مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا } . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { لَقِيدُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ } هُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ قَدْرُ يُقَالُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ قِيدُ رُمْحٍ وَقَادُ رُمْحٍ أَيْ قَدْرُ رُمْحٍ ، وَهُوَ بِمَعْنَى قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { لَقَابُ قَوْسِ أَحَدِكُمْ } يُقَالُ بَيْنَهُمَا قَابُ قَوْسَيْنِ وَقِيبُ قَوْسَيْنِ بِكَسْرِ الْقَافِ أَيْ قَدْرُ قَوْسَيْنِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَيَحْتَمِلُ قَدْرَ رَمْيَتِهِمَا ( قُلْت ) هَذَا الِاحْتِمَالُ بَعِيدٌ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { لَقِيدُ سَوْطِ أَحَدِكُمْ } وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ ( مَوْضِعُ قِدِّهِ ) هُوَ بِكَسْرِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ الدَّالِ ، وَالْمُرَادُ بِالْقِدِّ هُنَا السَّوْطِ كَمَا فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَهُوَ فِي الْأَصْلِ سَيْرٌ يُقَدُّ مِنْ جِلْدٍ غَيْرِ مَدْبُوغٍ وَسُمِّيَ السَّوْطُ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُقَدُّ أَيْ يُقْطَعُ طُولًا ، وَالْقَدُّ الشَّقُّ بِالطُّولِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ ، وَالْقِدَّةُ أَخَصُّ مِنْهُ وَحَكَى فِي الْمَشَارِقِ قَوْلًا آخَرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْقِدِّ هُنَا الشِّرَاكُ . ( الثَّالِثَةُ ) يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي لَفْظِهِ تَقْدِيرٌ أَيْ لَقَدْرِ الْمَوْضِعِ الَّذِي يَسَعُ سَوْطَهُ مِنْ الْجَنَّةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يُقَدَّرَ ذَلِكَ وَعَلَى كِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ فَفِيهِ تَعْظِيمُ شَأْنِ الْجَنَّةِ وَأَنَّ الْيَسِيرَ مِنْهَا ، وَإِنْ لَمْ يُنْتَفَعْ بِهِ فِي الْعَادَةِ خَيْرٌ مِنْ مَجْمُوعِ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا وَجَمِيعِ مَا فِيهَا . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ فِي رِوَايَتِنَا { خَيْرٌ مِمَّا بَيْنَ السَّمَاءِ ، وَالْأَرْضِ } وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { مِمَّا طَلَعَتْ عَلَيْهِ الشَّمْسُ ، أَوْ تَغْرُبُ } وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { مِنْ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا } كُلُّهَا تَرْجِعُ إلَى مَعْنًى وَاحِدٍ وَيُرَادُ بِهَا شَيْءٌ وَاحِدٌ فَإِنَّ كُلَّ مَا بَيْنَ السَّمَاءِ ، وَالْأَرْضِ تَطْلُعُ عَلَيْهِ الشَّمْسُ وَتَغْرُبُ ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الدُّنْيَا وَتَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّاتِ أَنَّ لِلْمُتَكَلِّمِينَ قَوْلَيْنِ فِي حَقِيقَةِ الدُّنْيَا : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهَا مَا عَلَى الْأَرْضِ مِنْ الْهَوَاءِ ، وَالْجَوِّ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهَا كُلُّ الْمَخْلُوقَاتِ مِنْ الْجَوَاهِرِ ، وَالْأَعْرَاضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ : أَعْدَدْت لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ } . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَالَ أَعْدَدْت لِعِبَادِي الصَّالِحِينَ مَا لَا عَيْنٌ رَأَتْ وَلَا أُذُنٌ سَمِعَتْ وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ وَمِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) مَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى ادَّخَرَ فِي الْجَنَّةِ مِنْ النَّعِيمِ ، وَالْخَيْرَاتِ ، وَاللَّذَّاتِ مَا لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهِ أَحَدُ مِنْ الْخَلْقِ بِطَرِيقٍ مِنْ الطُّرُقِ فَذَكَرَ الرُّؤْيَةَ ، وَالسَّمْعَ لِأَنَّهُ يُدْرَكُ بِهِمَا أَكْثَرُ الْمَحْسُوسَاتِ ، وَالْإِدْرَاكُ بِالذَّوْقِ ، وَالشَّمِّ ، وَاللَّمْسِ أَقَلُّ مِنْ ذَلِكَ ، ثُمَّ زَادَ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ لِأَحَدٍ طَرِيقًا إلَّا تَوَهَّمَهَا بِفِكْرٍ وَخُطُورٍ عَلَى قَلْبٍ فَقَدْ جَلَّتْ وَعَظُمَتْ عَنْ أَنْ يُدْرِكَهَا فِكْرٌ وَخَاطِرٌ ، وَلَا غَايَةَ فَوْقَ هَذَا فِي إخْفَائِهَا ، وَالْإِخْبَارِ عَنْ عِظَمِ شَأْنِهَا عَلَى طَرِيقِ الْإِجْمَالِ دُونَ التَّفْصِيلِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ . وَقَدْ تَعَرَّضَ بَعْضُ النَّاسِ لِتَعْيِينِهِ ، وَهُوَ تَكَلُّفٌ يَنْفِيهِ الْخَبَرُ نَفْسُهُ إذْ قَدْ نَفَى عِلْمَهُ ، وَالشُّعُورَ بِهِ عَنْ كُلِّ أَحَدٍ قَالَ وَيَشْهَدُ لَهُ وَيُحَقِّقُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ بَلْهَ مَا أَطْلَعَكُمْ عَلَيْهِ أَيْ مَا أَطْلَعَكُمْ عَلَيْهِ يَعْنِي أَنَّ الْمُعَدَّ الْمَذْكُورَ غَيْرُ الَّذِي أَطْلَعَ عَلَيْهِ أَحَدًا مِنْ الْخَلْقِ وَبَلْهَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَفْعَالِ بِمَعْنَى دَعْ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ فِيهَا وَقِيلَ هِيَ بِمَعْنَى غَيْرُ وَهَذَا تَفْسِيرُ مَعْنَى . قَالَ النَّوَوِيُّ وَمَعْنَاهُ دَعْ مَا أَطْلَعَكُمْ عَلَيْهِ فَاَلَّذِي لَمْ يُطْلِعْكُمْ عَلَيْهِ أَعْظَمُ فَكَأَنَّهُ أَضْرَبَ عَنْهُ اسْتِقْلَالًا فِي جَنْبِ مَا لَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ وَقِيلَ مَعْنَى بَلَّهُ كَيْفَ . ( الثَّالِثَةُ ) إنْ ( قُلْت ) رَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ أَرْسَلَ جِبْرِيلَ إلَيْهَا فَقَالَ اُنْظُرْ إلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعْدَدْت لِأَهْلِهَا فِيهَا قَالَ فَجَاءَهَا فَنَظَرَ إلَيْهَا وَإِلَى مَا أَعَدَّ اللَّهُ لِأَهْلِهَا فِيهَا قَالَ فَرَجَعَ إلَيْهِ فَقَالَ وَعِزَّتِك لَا يَسْمَعُ بِهَا أَحَدٌ إلَّا دَخَلَهَا فَأَمَرَ بِهَا فَحُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ فَقَالَ ارْجِعْ إلَيْهَا فَانْظُرْ إلَى مَا أَعْدَدْت لِأَهْلِهَا فِيهَا فَرَجَعَ إلَيْهَا فَإِذَا هِيَ قَدْ حُفَّتْ بِالْمَكَارِهِ فَرَجَعَ إلَيْهِ فَقَالَ وَعِزَّتِك لَقَدْ خِفْت أَنْ لَا يَدْخُلَهَا أَحَدٌ } . فَقَدْ دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَطْلَعَ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَى مَا أَعَدَّ لِعِبَادِهِ فِيهَا فَقَدْ رَأَتْهُ عَيْنٌ ( قُلْت ) الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ أَوْجُهٍ : ( أَحَدِهَا ) أَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ فِيهَا بَعْدَ رُؤْيَةِ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أُمُورًا كَثِيرَةً لَمْ يَطَّلِعْ عَلَيْهَا جِبْرِيلُ وَلَا غَيْرُهُ فَتِلْكَ الْأُمُورُ هِيَ الْمُشَارِ إلَيْهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ . ( ثَانِيهَا ) أَنَّ الْمُرَادَ بِالْأَعْيُنِ ، وَالْآذَانِ أَعْيُنُ الْبَشَرِ وَآذَانُهَا بِدَلِيلِ قَوْلِهِ { وَلَا خَطَرَ عَلَى قَلْبِ بَشَرٍ } فَأَمَّا الْمَلَائِكَةُ فَلَا مَانِعَ مِنْ اطِّلَاعِ بَعْضِهِمْ عَلَى ذَلِكَ . ( ثَالِثُهَا ) أَنَّ ذَلِكَ يَتَجَدَّدُ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ فِي كُلِّ وَقْتٍ وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ حَدِيثًا فِي أَثْنَائِهِ { وَيَقُولُ رَبُّنَا قُومُوا إلَى مَا أَعْدَدْت لَكُمْ مِنْ الْكَرَامَةِ فَخُذُوا مَا اشْتَهَيْتُمْ فَنَأْتِي سُوقًا قَدْ حَفَّتْ بِهِ الْمَلَائِكَةُ مَا لَمْ تَنْظُرْ الْعُيُونُ إلَى مِثْلِهِ ، وَلَمْ تَسْمَعْ الْأَذَانُ ، وَلَمْ يَخْطُرْ عَلَى الْقُلُوبِ فَنَحْمِلُ لَنَا مَا اشْتَهَيْنَا } الْحَدِيثَ وَلَا يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ { أَعْدَدْت } لِأَنَّ هَذَا لَمَّا كَانَ مُحَقَّقُ الْوُقُوعِ نَزَلَ مَنْزِلَةَ الْوَاقِعِ . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَارُكُمْ هَذِهِ مَا يُوقِدُ بَنُو آدَمَ جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ قَالُوا وَاَللَّهِ إنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً يَا رَسُولَ اللَّهِ ، قَالَ فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا } وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ ، فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً ، فَقَالَ إنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا } . الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَارُكُمْ هَذِهِ مَا يُوقِدُ بَنُو آدَمَ جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ ، قَالُوا وَاَللَّهِ إنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَإِنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا كُلُّهُنَّ مِثْلُ حَرِّهَا } ، وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { نَارُ بَنِي آدَمَ الَّتِي يُوقِدُونَ جُزْءٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ نَارِ جَهَنَّمَ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً فَقَالَ إنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ كِلَاهُمَا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْحِزَامِيِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَوْ جُمِعَ كُلُّ مَا فِي الْوُجُودِ مِنْ النَّارِ الَّتِي يُوقِدُهَا بَنُو آدَمَ لَكَانَتْ جُزْءًا مِنْ أَجْزَاءِ جَهَنَّمَ الْمَذْكُورَةِ وَبَيَانُهُ أَنَّهُ لَوْ جُمِعَ حَطَبُ الدُّنْيَا فَأُوقِدَ كُلُّهُ حَتَّى صَارَ نَارًا لَكَانَ الْجُزْءُ الْوَاحِدُ مِنْ أَجْزَاءِ نَارِ جَهَنَّمَ الَّذِي هُوَ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا أَشَدُّ مِنْ حَرِّ نَارِ الدُّنْيَا كَمَا نُبَيِّنُهُ فِي آخِرِ الْحَدِيثُ وَقَوْلُهُمْ { وَاَللَّهِ إنْ كَانَتْ لَكَافِيَةً } إنْ فِي مِثْلِ هَذَا الْمَوْضِعِ مُخَفَّفَةٌ مِنْ الثَّقِيلَةِ عِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ بَيْن وَهَذِهِ اللَّامُ هِيَ الْمُفَرِّقَةُ بَيْنَ إنْ النَّافِيَةِ ، وَالْمُخَفَّفَةِ مِنْ الثَّقِيلَةِ وَهِيَ عِنْدَ الْكُوفِيِّينَ بِمَعْنَى مَا ، وَاللَّامُ بِمَعْنَى إلَّا ، تَقْدِيرُهُ عِنْدَهُمْ مَا كَانَتْ إلَّا كَافِيَةً وَعِنْدَ الْبَصْرِيِّينَ إنَّهَا كَانَتْ كَافِيَةً فَأَجَابَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بِأَنَّهَا كَمَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا فِي الْمِقْدَارِ ، وَالْعَدَدِ بِتِسْعَةٍ وَسِتِّينَ جُزْءًا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا فِي شِدَّةِ الْحَرِّ بِتِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ ضِعْفًا } انْتَهَى . ( قُلْت ) كَذَا وَقَفْت عَلَيْهِ فِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ مِنْ الْمُفْهِمِ عَلَيْهَا خَطَّ الْمُصَنِّفُ وَتِسْعِينَ وَصَوَابُهُ وَسِتِّينَ فَهُوَ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ وَلَعَلَّ التِّسْعِينَ سَبْقُ قَلَمٍ مِنْ نَاسِخٍ وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَنَّ الْمَذْكُورَ أَوَّلًا بِالنِّسْبَةِ لِلْقَدْرِ ، وَالْعَدَدِ وَثَانِيًا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَرِّ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْكَلَامَ الْمَذْكُورَ أَوَّلًا وَثَانِيًا إنَّمَا هُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْحَرِّ وَلِهَذَا قَالَ فِي الْأَوَّلِ جُزْءٌ وَاحِدٌ مِنْ سَبْعِينَ جُزْءًا مِنْ حَرِّ جَهَنَّمَ وَلَا يَضُرُّ تَأْكِيدُ الْكَلَامِ وَتَكْرِيرُهُ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مَا ذَكَرَ تَفْضِيلَ جَهَنَّمَ فِي الْحَرِّ بِهَذِهِ الْأَجْزَاءِ وَقَالَ الصَّحَابَةُ إنَّ حَرَّ نَارِ الدُّنْيَا كَانَ كَافِيًا فِي الْعُقُوبَةِ ، وَالِانْتِقَامِ أَكَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَخْبَرَ بِهِ أَوَّلًا بَعْدَ سُؤَالِ الصَّحَابَةِ وَقَالَ إنَّهَا فُضِّلَتْ عَلَيْهَا بِهَذَا الْقَدْرِ فِي الْحَرِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) الْإِشَارَةُ فِي قَوْلِهِ هَذِهِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ لِلْقَرِيبِ لِحُضُورِهَا وَمُشَاهَدَتِهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّقْلِيلِ ، وَالِاحْتِقَارِ وَقَوْلُهُ ( { مَا يُوقِدُ بَنُو آدَمَ } ) تَابِعٌ لِمَا تَقَدَّمَ بَدَلًا ، أَوْ عَطْفَ بَيَانٍ . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ مَعَ مَا قَبْلَهُ تَرْجِيحُ جَانِبِ الرَّحْمَةِ لِأَنَّ النَّارَ الَّتِي هِيَ النِّقْمَةُ الْمُعَدَّةُ لِأَهْلِ الْمُخَالِفَةِ مُقَدَّرَةٌ قَدْ عَرَفَ نِسْبَةَ زِيَادَتِهَا عَلَى نَارِ الدُّنْيَا بِخِلَافِ الْجَنَّةِ الَّتِي هِيَ النِّعْمَةُ الْمُعَدَّةُ لِأَهْلِ الطَّاعَةِ لَا تَقْدِيرَ لَهَا وَلَا نِسْبَةَ مِنْ نَعِيمِ الدُّنْيَا ، وَلَمْ يَنْحَصِرْ فِي قَدْرٍ مَخْصُوصٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَم مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . الْحَدِيثُ السَّابِعُ وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانُّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ ، وَخُلِقَ آدَم مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) النُّورُ جِسْمٌ لَطِيفٌ مَشْرِقٌ وَفَسَّرَهُ صَاحِبُ الصِّحَاحِ بِالضِّيَاءِ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الضِّيَاءَ أَبْلَغُ مِنْهُ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى { جَعَلَ الشَّمْسَ ضِيَاءً ، وَالْقَمَرَ نُورًا } وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى { اللَّهُ نُورُ السَّمَوَاتِ ، وَالْأَرْضِ } حَيْثُ شَبَّهَ هُدَاهُ بِالنُّورِ ، وَلَمْ يُشْبِهْهُ بِالضِّيَاءِ فَأُجِيبُ عَنْهُ بِأَنَّهُ لَوْ شُبِّهَ بِالضِّيَاءِ لَزِمَ أَنْ لَا يَضِلَّ أَحَدٌ بِخِلَافِ النُّورِ كَضَوْءِ الْقَمَرِ فَإِنَّهُ يَقَعُ مَعَهُ الضَّلَالُ لِمَنْ أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ مِنْهُ وَيُطْلَقُ النُّورُ أَيْضًا عَلَى جَمِيعِ النَّارِ وَلَيْسَ مُرَادًا هُنَا ، وَلَمْ يَنْحَصِرْ النُّورُ فِي ضَوْءِ النَّارِ فَالْمَلَائِكَةُ خُلِقُوا مِنْ ضَوْءٍ لَا مِنْ نَارٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِنَوْعِ ذَلِكَ الضَّوْءِ وَلَوْ كَانَ مِنْ ضَوْءِ نَارٍ لَمْ يَلْزَمْ عَلَيْهِ مَحْذُورٌ فَالْمَخْلُوقُ مِنْ ضَوْءِ النَّارِ غَيْرُ مَخْلُوقٍ مِنْ النَّارِ . ( الثَّالِثَةُ ) الْجَانُّ الْجِنُّ { وَمَارِجُ النَّارِ } بِكَسْرِ الرَّاءِ وَبِالْجِيمِ لَهَبُهَا الْمُخْتَلِطُ بِسَوَادِهَا قَالَهُ الْمَازِرِيُّ وَابْنُ الْأَثِيرِ ، وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ نَارٌ لَا دُخَانَ لَهَا وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ اللَّهَبُ الْمُخْتَلِطُ وَقِيلَ نَارٌ دُونَ الْحِجَابِ مِنْهَا هَذِهِ الصَّوَاعِقُ وَحُكِيَ فِي الْإِكْمَالِ هَذَا الثَّانِي عَنْ الْفَرَّاءِ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { وَخُلِقَ آدَم مِمَّا وُصِفَ لَكُمْ } أَيْ مِنْ طِينٍ كَمَا ذُكِرَ ذَلِكَ فِي آيَاتٍ عَدِيدَةٍ . وَعَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يُخْرِجُ اللَّهُ مِنْ النَّارِ قَوْمًا فَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ } وَفِي لَفْظٍ لَهُ { قَوْمٌ يَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ } وَزَادَ الْبُخَارِيُّ { كَأَنَّهُمْ الثَّعَارِيرُ قُلْت وَمَا الثَّعَارِيرُ ؟ قَالَ الضَّغَابِيسُ } ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { يَحْتَرِقُونَ فِيهَا إلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ } . الْحَدِيثُ الثَّامِنُ وَعَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يُخْرِجُ اللَّهُ مِنْ النَّارِ قَوْمًا فَيُدْخِلُهُمْ الْجَنَّةَ } ، وَفِي لَفْظٍ { قَوْمٌ يَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ فَيَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِلَفْظِ { إنَّ اللَّهَ يُخْرِجُ قَوْمًا مِنْ النَّارِ بِالشَّفَاعَةِ } زَادَ الْبُخَارِيُّ { كَأَنَّهُمْ الثَّعَارِيرُ قُلْت وَمَا الثَّعَارِيرُ ؟ قَالَ الضَّغَابِيثُ } كِلَاهُمَا عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ الْفَقِيرِ عَنْ جَابِرٍ بِلَفْظِ { أَنَّ قَوْمًا يَخْرُجُونَ مِنْ النَّارِ يَحْتَرِقُونَ فِيهَا إلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ حَتَّى يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ } وَفِي لَفْظٍ لَهُ قَالَ { يَعْنِي فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ فَيَدْخُلُونَ نَهْرًا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ الْقَرَاطِيسُ } . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ فِيهِ ، { ثُمَّ تَحِلُّ الشَّفَاعَةُ وَيَشْفَعُونَ حَتَّى يَخْرُجَ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَكَانَ فِي قَلْبِهِ مِنْ الْخَيْرِ مَا يَزِنُ شَعِيرَةً فَيُجْعَلُونَ بِفِنَاءِ الْجَنَّةِ وَتَجْعَلُ أَهْلُ الْجَنَّةِ يَرُشُّونَ عَلَيْهِمْ الْمَاءَ حَتَّى يَنْبُتُوا نَبَاتَ الْحَبِّ فِي السَّيْلِ وَيَذْهَبُ بِحُرَاقِهِ ، ثُمَّ يَسِيلُ حَتَّى تُجْعَلَ لَهُ الدُّنْيَا وَعَشَرَةُ أَمْثَالِهَا مَعَهَا } . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْخَوَارِجِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّ أَصْحَابَ الْكَبَائِرِ يَخْلُدُونَ فِي النَّارِ وَلَا يَخْرُجُ مِنْهَا مَنْ يَدْخُلُ فِيهَا فَإِنَّهُ صَرِيحٌ فِي إخْرَاجِ قَوْمٍ مِنْ النَّارِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِيهَا وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ ، وَالْجَمَاعَةِ أَنَّ مَنْ مَاتَ مُوَحِّدًا دَخَلَ الْجَنَّةَ قَطْعًا عَلَى كُلِّ حَالٍ فَإِنْ كَانَ سَالِمًا مِنْ الْمَعَاصِي كَالصَّغِيرِ ، وَالْمَجْنُونِ الَّذِي اتَّصَلَ جُنُونُهُ بِالْبُلُوغِ ، وَالتَّائِبِ تَوْبَةً صَحِيحَةً مِنْ الشِّرْكِ ، أَوْ غَيْرِهِ مِنْ الْمَعَاصِي إذَا لَمْ يُحْدِثْ مَعْصِيَةً بَعْدَ تَوْبَتِهِ ، وَالْمُوَفَّقُ الَّذِي لَمْ يُبْتَلَ بِمَعْصِيَةٍ أَصْلًا فَكُلُّ هَؤُلَاءِ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلَا يَدْخُلُونَ النَّارَ أَصْلًا لَكِنَّهُمْ يَرِدُونَهَا خَاصَّةً ، وَالْوُرُودُ عَلَى الصَّحِيحِ هُوَ الْمُرُورُ عَلَى الصِّرَاطِ ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى ظَهْرِ جَهَنَّمَ . وَأَمَّا مَنْ مَاتَ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ عَنْ غَيْرِ تَوْبَةٍ فَهُوَ فِي مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنْ شَاءَ عَفَا عَنْهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنَّةَ بِلَا عَذَابٍ وَأَلْحَقَهُ بِالْقِسْمِ الْأَوَّلِ ، وَإِنْ شَاءَ عَذَّبَهُ الْقَدْرَ الَّذِي يُرِيدُهُ ، ثُمَّ يُدْخِلُهُ الْجَنَّةَ فَلَا يَخْلُدُ فِي النَّارِ أَحَدٌ مَاتَ عَلَى التَّوْحِيدِ وَلَوْ عَمِلَ مِنْ الْمَعَاصِي مَا عَمِلَ كَمَا أَنَّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنَّةَ أَحَدٌ مَاتَ عَلَى الْكُفْرِ وَلَوْ عَمِلَ مِنْ أَعْمَالِ الْبِرِّ مَا عَمِلَ . ( الثَّالِثَةُ ) قَدْ تَبَيَّنَ بِالطَّرِيقِ الْأُخْرَى أَنَّ إخْرَاجَ هَؤُلَاءِ بِالشَّفَاعَةِ ، وَقَدْ أَجْمَعَ عَلَيْهَا أَهْلُ السُّنَّةِ وَمَنَعَ مِنْهَا الْخَوَارِجُ وَبَعْضُ الْمُعْتَزِلَةِ عَلَى مَذْهَبِهِمْ الْفَاسِدِ فِي تَخْلِيدِ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فِي النَّارِ ، وَالشَّفَاعَاتُ الْأُخْرَوِيَّةُ خَمْسٌ لَا يُنْكِرُ هَؤُلَاءِ مِنْهَا قِسْمَيْنِ وَهُمَا الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى لِلْإِرَاحَةِ مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ وَتَعْجِيلِ الْحِسَابِ ، وَالشَّفَاعَةُ فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ فِي الْجَنَّةِ لِأَهْلِهَا . وَإِنَّمَا أَنْكَرُوا ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ هَذِهِ وَهِيَ إخْرَاجُ قَوْمٍ مِنْ النَّارِ بَعْدَ دُخُولِهِمْ فِيهَا ، وَالشَّفَاعَةُ فِي إدْخَالِ قَوْمٍ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ وَلَا عَذَابٍ ، وَفِي قَوْمٍ حُوسِبُوا وَاسْتَوْجَبُوا النَّارَ فَيُشْفَعُ فِي عَدَمِ دُخُولِهِمْ إيَّاهَا . ( الرَّابِعَةُ ) الثَّعَارِيرُ بِالثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَبَعْدَ الْأَلْفِ رَاءَانِ مُهْمَلَتَانِ بَيْنَهُمَا يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتٍ قَدْ عَرَفْت تَفْسِيرَهَا فِي الْحَدِيثِ بِالضَّغَابِيسِ وَهِيَ بِالضَّادِ ، وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَتَيْنِ وَبَعْدَ الْأَلِفِ بَاءٌ مُوَحَّدَةٌ ، ثُمَّ يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتٍ ، ثُمَّ سِينٌ مُهْمَلَةٌ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيِّ هِيَ قِثَّاءٌ صِغَارٌ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هِيَ شِبْهُ قِثَّاءٍ صَغِيرٍ يُؤْكَلُ يَعْنِي الضَّغَابِيسُ وَهِيَ الشَّعَارِيرُ أَيْضًا بِالشِّينِ أَيْ الْمُعْجَمَةِ ، وَقَالَ غَيْرُهُ الثَّعَارِيرُ وَاحِدُهَا ثُعْرُورٌ بِضَمِّ الثَّاءِ وَهِيَ رُءُوسُ الضَّرَاثِيتِ تَكُونُ بَيْضَاءَ شُبِّهُوا بِهَا وَقِيلَ هِيَ شَيْءٌ يَخْرُجُ فِي أُصُولِ السَّمَرِ ، قَالَ وَالضَّغَانِيثُ شِبْهُ الْعَرَاجِينِ تَنْبُتُ فِي أُصُولِ الثُّمَامِ قَالَ ، وَالثَّعَارِيرُ الطَّرَاثِيتُ وَالطُّرْثُوثُ بِضَمِّ الثَّاءِ نَبَاتٌ كَالْقُطْنِ مُسْتَطِيلٌ وَقِيلَ الثَّعَارِيرُ شِبْهُ الْعَسَالِيجِ يَنْبُتُ فِي الثُّمَامِ ، وَفِي الْجَمْهَرَةِ الطُّرْثُوثُ نَبْتٌ يَنْبُتُ فِي الرَّمَلِ وَقَالَ الْأَصْمَعِيُّ الضَّغَابِيثُ نَبْتٌ يَنْبُتُ فِي أُصُولِ الثُّمَامِ يُشْبِهُ الْهِلْيُونَ يُسْلَقُ بِالْخَلِّ ، وَالزَّيْتِ وَيُؤْكَلُ وَقِيلَ هُوَ نَبْتٌ بِالْحِجَازِ [ يَخْرُجُ قَدْرَ شِبْرٍ أَرَقُّ مِنْ الْأَصَابِعِ رُخْصٌ لَا وَرَقَ لَهُ أَخْضَرُ فِي غُبْرَةٍ ] يَنْبُتُ فِي أَجْنَابِ الشَّجَرِ وَفِي الْإِذْخِرِ [ فِيهِ حُمُوضَةٌ يُؤْكَلُ نِيئًا فَإِذَا اُكْتُهِلَ فَهِيَ الثَّعَارِيرُ ] وَقِيلَ هُوَ الْأَقِطُ مَا دَامَ رَطْبًا وَوَجَدْت عَنْ الْقَابِسِيِّ [ أَنَّهُ ] صَدَفَ الْجَوْهَرَ ، وَقَدْ يُعَضِّدُ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ كَأَنَّهُمْ اللُّؤْلُؤُ وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ { فَيَنْبُتُونَ كَمَا يَنْبُتُ الثَّعَارِيرُ وَكَأَنَّهُمْ الضَّغَابِيسُ } يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ مَا ذَكَرْنَا قَبْلُ ا هـ . وَفِيهِ مَا يُفَرِّقُ فِي كَلَامِ غَيْرِهِ ، وَالْمَشْهُورُ مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الضَّغَابِيسَ صِغَارُ الْقِثَّاءِ ( الْخَامِسَةُ ) قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ : شُبِّهُوا بِالْقِثَّاءِ الصَّغِيرِ لِأَنَّ الْقِثَّاءَ يُنَمَّى سَرِيعًا وَقِيلَ هِيَ رُءُوسُ الطَّرَاثِيثِ تَكُونُ بَيْضَاءَ شُبِّهُوا بِبَيَاضِهَا وَاحِدُهَا طُرْثُوثٌ ، وَهُوَ نَبْتٌ يُؤْكَلُ ( قُلْت ) وَيَظْهَرُ عِنْدِي فِي الْحَدِيثِ الَّذِي نَحْنُ فِي شَرْحِهِ أَنَّهُمْ شُبِّهُوا بِهَا فِي صِغَرِهَا وَحَقَارَةِ قَدْرِهَا فَإِذَا أُنْشِئُوا خَلْقًا لِلْجَنَّةِ صَارَتْ لَهُمْ بَهْجَةٌ وَنَضَارَةٌ ، وَقَدْرٌ لَا يُعَبَّرُ عَنْ قَدْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّمَاسِمِ فَيَدْخُلُونَ نَهْرًا مِنْ أَنْهَارِ الْجَنَّةِ فَيَغْتَسِلُونَ فِيهِ { فَيَخْرُجُونَ كَأَنَّهُمْ الْقَرَاطِيسُ } وَالسَّمَاسِمُ بِالسِّينَيْنِ الْمُهْمَلَتَيْنِ الْأُولَى مَفْتُوحَةٌ . وَالثَّانِيَةُ مَكْسُورَةٌ جَمْعُ سِمْسِمٍ ، وَهُوَ الْمَعْرُوفُ الَّذِي يُسْتَخْرَجُ مِنْهُ الشَّيْرَجُ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ وَعِيدَانُهُ تَرَاهَا إذَا قُلِعَتْ وَتُرِكَتْ لِيُؤْخَذَ حَبُّهَا دِقَاقًا سَوْدَاءَ كَأَنَّهَا مُحْتَرِقَةٌ ، ثُمَّ قَالَ وَمَا أَشْبَهَ أَنْ تَكُونَ اللَّفْظَةُ مُحَرَّفَةً وَرُبَّمَا كَانَتْ كَأَنَّهُمْ عِيدَانُ السَّاسَمِ أَيْ وَهُوَ بِحَذْفِ الْمِيمِ وَفَتْحِ السِّينِ الثَّانِيَةِ أَيْضًا حَبٌّ أَسْوَدُ كَالْأَبَنُوسِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ لَا نَعْرِفُ مَعْنَى السَّمَاسِمِ هُنَا وَلَعَلَّ صَوَابَهُ السَّاسَمُ ، وَهُوَ أَشْبَهُ ، وَهُوَ عُودٌ أَسْوَدُ وَقِيلَ هُوَ الْأَبَنُوسُ . وَقَالَ صَاحِبُ الْمَطَالِعِ قَالَ بَعْضُهُمْ السَّمَاسِمُ كُلُّ نَبْتٍ ضَعِيفٍ كَالسِّمْسِمِ ، وَالْكُزْبَرَةِ وَقَالَ آخَرُونَ لَعَلَّهُ السَّآسِمُ مَهْمُوزٌ ، وَهُوَ الْأَبَنُوسُ شَبَّهَهُمْ بِهِ فِي سَوَادِهِ انْتَهَى . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ { يَحْتَرِقُونَ فِيهَا إلَّا دَارَاتِ وُجُوهِهِمْ } هُوَ جَمْعُ دَارَةٍ وَهِيَ مَا يُحِيطُ بِالْوَجْهِ مِنْ جَوَانِبِهِ وَمَعْنَاهُ أَنَّ النَّارَ لَا تَأْكُلُ دَارَةَ الْوَجْهِ لِكَوْنِهَا مَحَلَّ السُّجُودِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي الصَّحِيحِ { حَرَّمَ اللَّهُ عَلَى النَّارِ أَنْ تَأْكُلَ أَثَرَ السُّجُودِ } ، وَظَاهِرُهُ أَنَّهَا لَا تَأْكُلُ شَيْئًا مِنْ أَعْضَاءِ السُّجُودِ السَّبْعَةِ الْمَأْمُورِ بِالسُّجُودِ عَلَيْهَا وَهِيَ الْجَبْهَةُ ، وَالْيَدَانِ ، وَالرُّكْبَتَانِ ، وَالْقَدَمَانِ ، وَكَذَا قَالَهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ وَأَنْكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَالَ الْمُرَادُ بِأَثَرِ السُّجُودِ الْجَبْهَةُ خَاصَّةً . وَقَالَ النَّوَوِيُّ الْمُخْتَارُ الْأَوَّلُ وَجَمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ مَخْصُوصُونَ مِنْ جُمْلَةِ الْخَارِجِينَ مِنْ النَّارِ بِأَنَّهُ لَا يَسْلَمُ مِنْهُمْ مِنْ النَّارِ إلَّا دَارَاتُ الْوُجُوهِ ، وَأَمَّا غَيْرُهُمْ فَتَسْلَمُ جَمِيعُ أَعْضَاءِ السُّجُودِ مِنْهُمْ عَمَلًا بِعُمُومِ هَذَا الْحَدِيثِ فَيُعْمَلُ بِالْعَامِّ إلَّا مَا خُصَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( قُلْت ) وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْجَبْهَةِ خَاصَّةً فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ عَلَيْهِ لِأَنَّ دَارَاتِ الْوُجُوهِ أَوْسَعُ مِنْ الْجَبْهَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ مُؤَلِّفُهُ : وَقَدْ انْتَهَى الْغَرَضُ بِنَا فِيمَا جَمَعْنَاهُ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ الْمَنِيعِ ، وَالْمِثَالِ الْبَدِيعِ أَدَامَ اللَّهُ النَّفْعَ بِهِ لِلْخَاصِّ ، وَالْعَامِّ عَلَى مَمَرِّ الشُّهُورِ ، وَالْأَعْوَامِ ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ عَوْدًا عَلَى بَدْءٍ ، وَالصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى سَيِّدِنَا مُحَمَّدٍ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ وَهَدْءٍ ، إنَّهُ بِالْإِجَابَةِ كَفِيلٌ ، وَهُوَ حَسْبُنَا وَنِعْمَ الْوَكِيلُ . ====================

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ج1.الي اخر/ح4.كتاب : حاشية ابن القيم على سنن أبي داود المؤلف : محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية

أقسام الكتاب/// 1 2 3 4 ////. | جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين     ج1.الي اخر / ح4.كتاب : حاشية ابن القيم على سنن أبي داود المؤلف : مح...