الأحد، 22 فبراير 2026

من اول ج 11 الي اخر ج16. كتاب : زاد المعاد في هَدْي خير العباد المؤلف : محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية

 =====ج11=== 
  أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 ///جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين 
  كتاب : زاد المعاد في هَدْي خير العباد المؤلف : محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية 
 
  فَصْلٌ فِي أَمْرِ مَسْجِدِ الضّرَارِ الّذِي نَهَى اللّهُ رَسُولَهُ أَنْ يَقُومَ فِيهِ فَهَدَمَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ تَبُوكَ حَتّى نَزَلَ بِذِي أَوَانَ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ سَاعَةٌ وَكَانَ أَصْحَابُ مَسْجِدِ الضّرَارِ أَتَوْهُ وَهُوَ يَتَجَهّزُ إلَى تَبُوكَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّا قَدْ بَنَيْنَا مَسْجِدًا لِذِي الْعِلّةِ وَالْحَاجَةِ وَاللّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ الشّاتِيَةِ وَإِنّا نُحِبّ أَنْ تَأْتِيَنَا فَتُصَلّيَ لَنَا فِيهِ فَقَالَ إنّي عَلَى جَنَاحِ سَفَرٍ وَحَالِ شُغْلٍ وَلَوْ قَدِمْنَا إنْ شَاءَ اللّهُ لَأَتَيْنَاكُمْ فَصَلّيْنَا لَكُمْ فِيهِ فَلَمّا نَزَلَ بِذِي أَوَانَ جَاءَهُ خَبَرُ الْمَسْجِدِ مِنْ السّمَاءِ فَدَعَا مَالِكَ بْنَ الدّخْشُمِ أَخَا بَنِي سَلَمَةَ بْنِ عَوْف ٍ وَمَعْنَ بْنَ عَدِيّ الْعَجْلَانَيّ فَقَالَ انْطَلِقَا إلَى هَذَا الْمَسْجِدِ الظّالِمِ أَهْلُهُ فَاهْدِمَاهُ وَحَرّقَاهُ فَخَرَجَا مُسْرِعَيْنِ حَتّى أَتَيَا بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ وَهُمْ رَهْطُ مَالِكِ بْنِ الدّخْشُمِ فَقَالَ مَالِك ٌ لِمَعْنٍ أَنْظِرْنِي حَتّى أَخْرُجَ إلَيْك بِنَارٍ مِنْ أَهْلِي وَدَخَلَ إلَى أَهْلِهِ فَأَخَذَ سَعَفًا مِنْ النّخْلِ فَأَشْعَلَ فِيهِ نَارًا ثُمّ خَرَجَا يَشْتَدّانِ حَتّى دَخَلَاهُ - وَفِيهِ [ ص 481 ] وَهَدَمَاهُ فَتَفَرّقُوا عَنْهُ فَأَنْزَلَ اللّهُ فِيهِ { وَالّذِينَ اتّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ } [ التّوْبَةُ 107 ] إلَى آخِرِ الْقِصّةِ . وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ الّذِينَ بَنَوْهُ وَهُمْ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ ثَعْلَبَةُ بْنُ حَاطِبٍ . وَذَكَرَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيّ حَدّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ صَالِحٍ حَدّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ فِي قَوْلِهِ { وَالّذِينَ اتّخَذُوا مَسْجِدًا ضِرَارًا وَكُفْرًا } هُمْ أُنَاسٌ مِنْ الْأَنْصَارِ ابْتَنَوْا مَسْجِدًا فَقَالَ لَهُمْ أَبُو عَامِرٍ ابْنُوا مَسْجِدَكُمْ وَاسْتَمِدّوا مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوّةٍ وَمِنْ سِلَاحٍ فَإِنّي ذَاهِبٌ إلَى قَيْصَرَ مِلْكِ الرّومِ فَآتِي بِجُنْدٍ مِنْ الرّومِ فَأَخْرِجْ مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ فَلَمّا فَرَغُوا مِنْ مَسْجِدِهِمْ أَتَوْا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالُوا : إنّا قَدْ فَرَغْنَا مِنْ بِنَاءِ مَسْجِدِنَا فَنُحِبّ أَنْ تُصَلّيَ فِيهِ وَتَدْعُوَ بِالْبَرَكَةِ فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ { لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا لَمَسْجِدٌ أُسّسَ عَلَى التّقْوَى مِنْ أَوّلِ يَوْمٍ } يَعْنِي مَسْجِدَ قُبَاءٍ { أَحَقّ أَنْ تَقُومَ فِيهِ } [ التّوْبَةُ 108 ] إلَى قَوْلِهِ { فَانْهَارَ بِهِ فِي نَارِ جَهَنّمَ } [ التّوْبَةُ 109 ] يَعْنِي قَوَاعِدَهُ { لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ } يَعْنِي : الشّك { إِلّا أَنْ تَقَطّعَ قُلُوبُهُمْ } يَعْنِي بِالْمَوْتِ . فَصْلٌ [اسْتِقْبَالُ النّاسِ لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ] فَلَمّا دَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الْمَدِينَةِ خَرَجَ النّاسُ لِتَلَقّيهِ وَخَرَجَ النّسَاءُ [ ص 482 ] طَلَعَ الْبَدْرُ عَلَيْنَا مِنْ ثَنِيّاتِ الْوَدَاع وَجَبَ الشّكْرُ عَلَيْنَا مَا دَعَا لِلّهِ دَاعِي [مَوْضِعُ ثَنِيّاتِ الْوَدَاعِ وَغَلَطُ مَنْ قَالَ إنّ الشّعْرَ أُنْشِدَ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ مَكّةَ ] وَبَعْضُ الرّوَاةِ يَهِمُ فِي هَذَا وَيَقُولُ إنّمَا كَانَ ذَلِكَ عِنْدَ مَقْدِمِهِ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ مَكّةَ وَهُوَ وَهْمٌ ظَاهِرٌ لِأَنّ ثَنِيّاتِ الْوَدَاعِ إنّمَا هِيَ مِنْ نَاحِيَةِ الشّامِ لَا يَرَاهَا الْقَادِمُ مِنْ مَكّةَ إلَى الْمَدِينَةِ وَلَا يَمُرّ بِهَا إلّا إذَا تَوَجّهَ إلَى الشّامِ فَلَمّا أَشْرَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ قَالَ هَذِهِ طَابَةُ وَهَذَا أُحُدٌ جَبَلٌ يُحِبّنَا وَنُحِبّهُ . [سَمَاعُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَدْحَ الْعَبّاس لَهُ] فَلَمّا دَخَلَ قَالَ الْعَبّاسُ يَا رَسُولَ اللّهِ ائْذَنْ لِي أَمْتَدِحُك . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قُلْ لَا يَفْضُضْ اللّهُ فَاكَ فَقَالَ مِنْ قَبْلِهَا طِبْتَ فِي الظّلَالِ وَفِيُ مُسْتَوْدَعٍ حَيْثُ يُخْصَفُ الْوَرَق ثُمّ هَبَطْتَ الْبِلَادَ لَا بَشَرٌ أَنْتَ وَلَا مُضْغَةٌ وَلَا عَلَقٌ بَلْ نُطْفَةٌ تَرْكَبُ السّفِينَ وَقَد أَلْجَمَ نَسْرًا وَأَهْلَهُ الْغَرَقُ تُنْقَلُ مِنْ صَالِبٍ إلَى رَحِمٍ إذَا مَضَى عَالَمٌ بَدَا طَبَقُ حَتّى احْتَوَى بَيْتُكَ الْمُهَيْمِنُ مِنْ خِنْدِفَ عَلْيَا تَحْتَهَا النّطُقُ وَأَنْتَ لَمّا وُلِدْتَ أَشْرَقَتْ الْ أَرْضُ وَضَاءَتْ بِنُورِك الْأُفُقُ فَنَحْنُ فِي ذَلِكَ الضّيَاءِ وَفِي النّ ورِ وَسُبْلِ الرّشَادِ نَخْتَرِقُ فَصْلٌ [اعْتِذَارُ الْمُخَلّفِينَ ] وَلَمّا [ ص 483 ] دَخَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ فَصَلّى فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمّ جَلَسَ لِلنّاسِ فَجَاءَهُ الْمُخَلّفُونَ فَطَفِقُوا يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ وَيَحْلِفُونَ لَهُ وَكَانُوا بِضْعَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا فَقَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَانِيَتَهُمْ وَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَوَكَلَ سَرَائِرَهُمْ إلَى اللّهِ . [اعْتِذَارُ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ وَرَفِيقَيْهِ ] وَجَاءَهُ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ فَلَمّا سَلّمَ عَلَيْهِ تَبَسّمَ تَبَسّمَ الْمُغْضَبِ ثُمّ قَالَ لَهُ تَعَالَ . قَالَ فَجِئْت أَمْشِي حَتّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَقَالَ لِي : مَا خَلّفَك أَلَمْ تَكُنْ قَدْ ابْتَعْتَ ظَهْرَك؟ " فَقُلْتُ بَلَى إنّي وَاَللّهِ لَوْ جَلَسْتُ عِنْدَ غَيْرِك مِنْ أَهْلِ الدّنْيَا لَرَأَيْتُ أَنْ أَخْرُجَ مِنْ سُخْطِهِ بِعُذْرٍ وَلَقَدْ أُعْطِيتُ جَدَلًا وَلَكِنّي وَاَللّهِ لَقَدْ عَلِمْتُ إنْ حَدّثْتُك الْيَوْمَ حَدِيثَ كَذِبٍ تَرْضَى بِهِ عَلَيّ لِيُوشِكَنّ اللّهُ أَنْ يُسْخِطَك عَلَيّ وَلَئِنْ حَدّثْتُكَ حَدِيثَ صِدْقٍ تَجِدُ عَلَيّ فِيهِ إنّي لَأَرْجُو فِيهِ عَفْوَ اللّهِ عَنّي وَاَللّهِ مَا كَانَ لِي مِنْ عُذْرٍ وَاَللّهِ مَا كُنْتُ قَطّ أَقْوَى وَلَا أَيْسَرَ مِنّي حِينَ تَخَلّفْتُ عَنْك . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ فَقُمْ حَتّى يَقْضِيَ اللّهُ فِيك فَقُمْتُ وَثَارَ رِجَالٌ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ فَاتّبَعُونِي يُؤَنّبُونِي فَقَالُوا لِي : وَاَللّهِ مَا عَلِمْنَاك كُنْت أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قَبْلَ هَذَا وَلَقَدْ عَجَزْتَ أَلّا تَكُونَ اعْتَذَرْتَ [ ص 484 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَا اعْتَذَرَ إلَيْهِ الْمُخَلّفُونَ فَقَدْ كَانَ كَافِيَك ذَنْبَك اسْتِغْفَارُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَك . قَالَ فَوَاَللّهِ مَا زَالُوا يُؤَنّبُونِي حَتّى أَرَدْتُ أَنْ أَرْجِعَ فَأُكَذّبَ نَفْسِي ثُمّ قُلْتُ لَهُمْ هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ ؟ قَالُوا : نَعَمْ رَجُلَانِ قَالَا مِثْلَ مَا قُلْتَ . فَقِيلَ لَهُمَا مِثْلَ مَا قِيلَ لَك فَقُلْتُ مَنْ هُمَا ؟ قَالُوا : مُرَارَةُ بْنُ الرّبِيعِ الْعَامِرِيّ وَهِلَالُ بْنُ أُمَيّةَ الْوَاقِفِيّ فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ شَهِدَا بَدْرًا فِيهِمَا أُسْوَةٌ فَمَضَيْتُ حِينَ ذَكَرُوهُمَا لِي . وَنَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمُسْلِمِينَ عَنْ كَلَامِنَا أَيّهَا الثّلَاثَةُ مِنْ بَيْنِ مَنْ تَخَلّفَ عَنْهُ فَاجْتَنَبَنَا النّاسُ وَتَغَيّرُوا لَنَا حَتّى تَنَكّرَتْ لِي الْأَرْضُ فَمَا هِيَ بَالَتِي أَعْرِفُ فَلَبِثْنَا عَلَى ذَلِكَ خَمْسِينَ لَيْلَةً فَأَمّا صَاحِبَايَ فَاسْتَكَانَا وَقَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا يَبْكِيَانِ وَأَمّا أَنَا فَكُنْتُ أَشَبّ الْقَوْمِ وَأَجْلَدَهُمْ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ وَأَطُوفُ فِي الْأَسْوَاقِ وَلَا يُكَلّمُنِي أَحَدٌ وَآتِي رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأُسَلّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصّلَاةِ فَأَقُولُ فِي نَفْسِي : هَلْ حَرّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدّ السّلَامِ عَلَيّ أَمْ لَا ؟ ثُمّ أُصَلّي قَرِيبًا مِنْهُ فَأُسَارِقُهُ النّظَرَ فَإِذَا أَقْبَلْتُ عَلَى صَلَاتِي أَقْبَلَ إلَيّ وَإِذَا الْتَفَتّ نَحْوَهُ أَعْرَضَ عَنّي حَتّى إذَا طَالَ عَلَيّ ذَلِكَ مِنْ جَفْوَةِ الْمُسْلِمِينَ مَشَيْتُ حَتّى تَسَوّرْت جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ وَهُوَ ابْنُ عَمّي وَأَحَبّ النّاسِ إلَيّ فَسَلّمْتُ عَلَيْهِ فَوَاَللّهِ مَا رَدّ عَلَيّ السّلَامَ فَقُلْت : يَا أَبَا قَتَادَةَ أَنْشُدُك بِاَللّهِ هَلْ تُعَلّمُنِي أُحِبّ اللّهَ وَرَسُولَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ؟ فَسَكَتَ فَعُدْتُ فَنَاشَدْته فَسَكَتَ فَعُدْت فَنَاشَدْته فَقَالَ اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ فَفَاضَتْ عَيْنَايَ وَتَوَلّيْتُ حَتّى تَسَوّرْتُ الْجِدَارَ . فَبَيْنَا أَنَا أَمْشِي بِسُوقِ الْمَدِينَةِ إذَا نَبَطِيّ مِنْ أَنْبَاطِ الشّامِ مِمّنْ قَدِمَ بِالطّعَامِ [ ص 485 ] بِالْمَدِينَةِ يَقُولُ مَنْ يَدُلّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ فَطَفِقَ النّاسُ يُشِيرُونَ لَهُ حَتّى إذَا جَاءَنِي دَفَعَ إلَيّ كِتَابًا مِنْ مَلِكِ غَسّانَ فَإِذَا فِيهِ أَمّا بَعْدُ فَإِنّهُ بَلَغَنِي أَنّ صَاحِبَك قَدْ جَفَاك وَلَمْ يَجْعَلْك اللّهُ بِدَارِ هَوَانٍ وَلَا مَضْيَعَةٍ فَالْحَقّ بِنَا نُوَاسِك فَقُلْتُ لَمّا قَرَأْتهَا : وَهَذَا أَيْضًا مِنْ الْبَلَاءِ فَتَيَمّمْتُ بِهَا التّنّورَ فَسَجَرْتهَا حَتّى إذَا مَضَتْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً مِنْ الْخَمْسِينَ إذَا رَسُولُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَأْتِينِي فَقَالَ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَأْمُرُك أَنْ تَعْتَزِلَ امْرَأَتَك فَقُلْتُ أُطَلّقُهَا أَمْ مَاذَا ؟ قَالَ لَا وَلَكِنْ اعْتَزِلْهَا وَلَا تَقْرَبْهَا وَأَرْسَلَ إلَى صَاحِبَيّ مِثْلَ ذَلِكَ فَقُلْتُ لِامْرَأَتِي : الْحَقِي بِأَهْلِك فَكُونِي عِنْدَهُمْ حَتّى يَقْضِيَ اللّهُ فِي هَذَا الْأَمْرِ فَجَاءَتْ امْرَأَةُ هِلَالِ بْنِ أُمَيّةَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ هِلَالَ بْنَ أُمَيّةَ شَيْخٌ ضَائِعٌ لَيْسَ لَهُ خَادِمٌ فَهَلْ تَكْرَهُ أَنْ أَخْدُمَهُ . قَالَ لَا وَلَكِنْ لَا يَقْرَبُك قَالَتْ إنّهُ وَاَللّهِ مَا بِهِ حَرَكَةٌ إلَى شَيْءٍ وَاَللّهِ مَا زَالَ يَبْكِي مُنْذُ كَانَ مِنْ أَمْرِهِ مَا كَانَ إلَى يَوْمِهِ هَذَا قَالَ كَعْبٌ فَقَالَ لِي بَعْضُ أَهْلِي : لَوْ اسْتَأْذَنْتَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي امْرَأَتِك كَمَا أَذِنَ لِامْرَأَةِ هِلَالِ بْنِ أُمَيّةَ أَنْ تَخْدُمَهُ فَقُلْت : وَاَللّهِ لَا أَسْتَأْذِنُ فِيهَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَا يُدْرِينِي مَا يَقُولُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا اسْتَأْذَنْتُهُ فِيهَا وَأَنَا رَجُلٌ شَابّ وَلَبِثْت بَعْدَ ذَلِكَ عَشْرَ لَيَالٍ حَتّى كَمُلَتْ لَنَا خَمْسُونَ لَيْلَةً مِنْ حِينِ نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ كَلَامِنَا فَلَمّا صَلّيْت صَلَاةَ الْفَجْرِ صُبْحَ خَمْسِينَ لَيْلَةً عَلَى سَطْحِ بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِنَا بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عَلَى الْحَالِ الّتِي ذَكَرَ اللّهَ تَعَالَى قَدْ ضَاقَتْ عَلَيّ نَفْسِي وَضَاقَتْ عَلَيّ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ سَمِعْتُ صَوْتَ صَارِخٍ أَوْفَى عَلَى جَبَلِ سَلْعٍ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ أَبْشِرْ فَخَرَرْتُ سَاجِدًا فَعَرَفْتُ أَنْ قَدْ جَاءَ فَرَجٌ مِنْ اللّهِ وَآذَنَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِتَوْبَةِ اللّهِ عَلَيْنَا حِينَ صَلّى الْفَجْرَ فَذَهَبَ النّاسُ يُبَشّرُونَنَا وَذَهَبَ قِبَلَ صَاحِبَيّ مُبَشّرُونَ وَرَكَضَ إلَيّ رَجُلٌ فَرَسًا وَسَعَى سَاعٍ مِنْ أَسْلَمَ فَأَوْفَى عَلَى ذِرْوَةِ الْجَبَلِ وَكَانَ الصّوْتُ أَسْرَعَ مِنْ الْفَرَسِ فَلَمّا جَاءَنِي الّذِي سَمِعْتُ صَوْتَهُ يُبَشّرُنِي نَزَعْتُ لَهُ ثَوْبِي فَكَسَوْتُهُ إيّاهُمَا بِبُشْرَاهُ وَاَللّهِ مَا أَمْلِكُ غَيْرَهُمَا وَاسْتَعَرْتُ ثَوْبَيْنِ فَلَبِسْتهمَا فَانْطَلَقْتُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَتَلَقّانِي النّاسُ فَوْجًا [ ص 486 ] لِيَهْنِكَ تَوْبَةُ اللّهِ عَلَيْك . قَالَ كَعْبٌ حَتّى دَخَلْتُ يُهَرْوِلُ حَتّى صَافَحَنِي وَهَنّأَنِي وَاَللّهِ مَا قَامَ إلَيّ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ غَيْرَهُ وَلَسْت أَنْسَاهَا لِطَلْحَةَ فَلَمّا سَلّمْتُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ وَهُوَ يَبْرُقُ وَجْهُهُ مِنْ السّرُورِ أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمّكَ . قَالَ قُلْتُ أَمِنْ عِنْدَك يَا رَسُولَ اللّهِ أَمْ مِنْ عِنْدِ اللّهِ ؟ قَالَ " لَا بَلْ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا سُرّ اسْتَنَارَ وَجْهُهُ حَتّى كَأَنّهُ قِطْعَةُ قَمَرٍ وَكُنّا نَعْرِفُ ذَلِكَ مِنْهُ فَلَمّا جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ قُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً إلَى اللّهِ وَإِلَى رَسُولِهِ فَقَالَ أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِك فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ قُلْت : فَإِنّي أُمْسِكُ سَهْمِي الّذِي بِخَيْبَرَ . فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ اللّهَ إنّمَا نَجّانِي بِالصّدْقِ وَإِنّ مِنْ تَوْبَتِي أَلّا أُحَدّثَ إلّا صِدْقًا مَا بَقِيت فَوَاَللّهِ مَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَبْلَاهُ اللّهُ فِي صِدْقِ الْحَدِيثِ مُنْذُ ذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى يَوْمِي هَذَا مَا أَبْلَانِي وَاَللّهِ مَا تَعَمّدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ إلَى يَوْمِي هَذَا كَذِبًا وَإِنّي لَأَرْجُو أَنْ يَحْفَظَنِي اللّهُ فِيمَا بَقِيت فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ { لَقَدْ تَابَ اللّهُ عَلَى النّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ } [ التّوْبَةُ 117 ] إلَى قَوْلِهِ { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ } [ التّوْبَةُ 119 ] فَوَاَللّهِ مَا أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيّ نِعْمَةً قَطّ بَعْدَ أَنْ هَدَانِي لِلْإِسْلَامِ أَعْظَمَ فِي نَفْسِي مِنْ صِدْقِي رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ لَا أَكُونَ كَذّبْته فَأَهْلِكَ كَمَا هَلَكَ الّذِينَ كَذَبُوا فَإِنّ اللّهَ قَالَ لِلّذِينَ كَذَبُوا حِينَ أَنْزَلَ الْوَحْيَ شَرّ مَا قَالَ لِأَحَدٍ قَالَ { سَيَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ } [ التّوْبَةُ 95 ] إلَى قَوْلِهِ { فَإِنّ اللّهَ لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ } [ التّوْبَةُ 96 ] . قَالَ كَعْبٌ وَكَانَ تَخَلّفُنَا أَيّهَا الثّلَاثَةُ عَنْ أَمْرِ أُولَئِكَ الّذِينَ قَبِلَ مِنْهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ حَلَفُوا لَهُ فَبَايَعَهُمْ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَأَرْجَأَ أَمْرَنَا حَتّى قَضَى اللّهُ فِيهِ فَبِذَلِكَ قَالَ اللّهُ { وَعَلَى الثّلَاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا } [ التّوْبَةُ 118 ] وَلَيْسَ الّذِي ذَكَرَ اللّهُ مِمّا خَلّفْنَا عَنْ الْغَزْوِ وَإِنّمَا هُوَ تَخْلِيفُهُ إيّانَا وَإِرْجَاؤُهُ أَمْرَنَا عَمّنْ [ ص 487 ] . وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيّ حَدّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ صَالِحٍ حَدّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ فِي قَوْلِهِ { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيّئًا } [ التّوْبَةُ 102 ] قَالَ كَانُوا عَشَرَةَ رَهْطٍ تَخَلّفُوا عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَلَمّا حَضَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَوْثَقَ سَبْعَةٌ مِنْهُمْ أَنْفُسَهُمْ بِسُوَارِي الْمَسْجِدِ وَكَانَ يَمُرّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا رَجَعَ فِي الْمَسْجِدِ عَلَيْهِمْ فَلَمّا رَآهُمْ قَالَ مَنْ هَؤُلَاءِ الْمُوثِقُونَ أَنْفُسَهُمْ بِالسّوَارِي ؟ قَالُوا : هَذَا أَبُو لُبَابَةَ وَأَصْحَابٌ لَهُ تَخَلّفُوا عَنْك يَا رَسُولَ اللّهِ أَوْثَقُوا أَنْفُسَهُمْ حَتّى يُطْلِقَهُمْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَيُعْذِرَهُمْ . قَالَ وَأَنَا أُقْسِمُ بِاَللّهِ لَا أُطْلِقُهُمْ وَلَا أَعْذِرُهُمْ حَتّى يَكُونَ اللّهُ هُوَ الّذِي يُطْلِقُهُمْ رَغِبُوا عَنّي وَتَخَلّفُوا عَنْ الْغَزْوِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ فَلَمّا بَلَغَهُمْ ذَلِكَ قَالُوا : وَنَحْنُ لَا نُطْلِقُ أَنْفُسَنَا حَتّى يَكُونَ اللّهُ هُوَ الّذِي يُطْلِقُنَا فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ { وَآخَرُونَ اعْتَرَفُوا بِذُنُوبِهِمْ خَلَطُوا عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيّئًا عَسَى اللّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ } وَعَسَى مِنْ اللّهِ وَاجِبٌ إنّهُ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ . فَلَمّا نَزَلَتْ أَرْسَلَ إلَيْهِمْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَطْلَقَهُمْ وَعَذَرَهُمْ فَجَاءُوا بِأَمْوَالِهِمْ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ هَذِهِ أَمْوَالُنَا فَتَصَدّقْ بِهَا عَنّا وَاسْتَغْفِرْ لَنَا قَالَ مَا أُمِرْتُ أَنْ آخُذَ أَمْوَالَكُمْ فَأَنْزَلَ اللّهُ { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهّرُهُمْ وَتُزَكّيهِمْ بِهَا وَصَلّ عَلَيْهِمْ } [ التّوْبَةُ [ ص 488 ] إنّ صَلَاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ فَأَخَذَ مِنْهُمْ الصّدَقَةَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمْ وَكَانَ ثَلَاثَةٌ نَفَرٍ لَمْ يُوثِقُوا أَنْفُسَهُمْ بِالسّوَارِي فَأَرْجَئُوا لَا يَدْرُونَ أَيُعَذّبُونَ أَمْ يُتَابُ عَلَيْهِمْ ؟ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى : { لَقَدْ تَابَ اللّهُ عَلَى النّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ } إلَى قَوْلِهِ { وَعَلَى الثّلَاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا } إلَى قَوْلِهِ { إِنّ اللّهَ هُوَ التّوّابُ الرّحِيمُ } تَابَعَهُ عَطِيّةُ بْنُ سَعْدٍ . فَصْلٌ فِي الْإِشَارَةِ إلَى بَعْضِ مَا تَضَمّنَتْهُ هَذِهِ الْغَزْوَةُ مِنْ الْفِقْهِ وَالْفَوَائِد [جَوَازُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ] فَمِنْهَا : جَوَازُ الْقِتَالِ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ إنْ كَانَ خُرُوجُهُ فِي رَجَبٍ مَحْفُوظًا عَلَى مَا قَالَهُ ابْنُ إسْحَاقَ وَلَكِنْ هَا هُنَا أَمْرٌ آخَرُ وَهُوَ أَنّ أَهْلَ الْكِتَابِ لَمْ يَكُونُوا يُحَرّمُونَ الشّهْرَ الْحَرَامَ بِخِلَافِ الْعَرَبِ فَإِنّهَا كَانَتْ تُحَرّمُهُ وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّ فِي نَسْخِ تَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِيهِ قَوْلَيْنِ وَذَكَرْنَا حُجَجَ الْفَرِيقَيْنِ . وَمِنْهَا : تَصْرِيحُ الْإِمَامِ لِلرّعِيّةِ وَإِعْلَامُهُمْ بِالْأَمْرِ الّذِي يَضُرّهُمْ سَتْرُهُ وَإِخْفَاؤُهُ لِيَتَأَهّبُوا لَهُ وَيُعِدّوا لَهُ عُدّتَهُ وَجَوَازُ سَتْرِ غَيْرِهِ عَنْهُمْ وَالْكِنَايَةُ عَنْهُ لِلْمَصْلَحَةِ . [ إذَا اسْتَنْفَرَ الْإِمَامُ الْجَيْشَ لَزِمَهُمْ النّفِيرُ ] وَمِنْهَا : أَنّ الْإِمَامَ إذَا اسْتَنْفَرَ الْجَيْشَ لَزِمَهُمْ النّفِيرُ وَلَمْ يَجُزْ لِأَحَدٍ التّخَلّفُ إلّا بِإِذْنِهِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي وُجُوبِ النّفِيرِ تَعْيِينُ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِعَيْنِهِ بَلْ مَتَى اسْتَنْفَرَ الْجَيْشُ لَزِمَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ الْخُرُوجُ مَعَهُ وَهَذَا أَحَدُ الْمَوَاضِعِ الثّلَاثَةِ الّتِي يَصِيرُ فِيهَا الْجِهَادُ فَرْضَ عَيْنٍ . وَالثّانِي : إذَا حَضَرَ الْعَدُوّ الْبَلَدَ . وَالثّالِثُ إذَا حَضَرَ بَيْنَ الصّفّيْنِ . [وُجُوبُ الْجِهَادِ بِالْمَالِ ] وَمِنْهَا : وُجُوبُ الْجِهَادِ بِالْمَالِ كَمَا يَجِبُ بِالنّفْسِ وَهَذَا إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَهِيَ الصّوَابُ الّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ فَإِنّ الْأَمْرَ بِالْجِهَادِ بِالْمَالِ شَقِيقُ الْأَمْرِ [ ص 489 ] أَهَمّ وَآكَدُ مِنْ الْجِهَادِ بِالنّفْسِ وَلَا رَيْبَ أَنّهُ أَحَدُ الْجِهَادَيْنِ كَمَا قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ جَهّزَ غَازِيًا فَقَدْ غَزَا فَيَجِبُ عَلَى الْقَادِرِ عَلَيْهِ كَمَا يَجِبُ عَلَى الْقَادِرِ بِالْبَدَنِ وَلَا يَتِمّ الْجِهَادُ بِالْبَدَنِ إلّا بِبَذْلِهِ وَلَا يَنْتَصِرُ إلّا بِالْعَدَدِ وَالْعُدَدِ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ أَنْ يُكْثِرَ الْعَدَدَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَمُدّ بِالْمَالِ وَالْعُدّةِ وَإِذَا وَجَبَ الْحَجّ بِالْمَالِ عَلَى الْعَاجِزِ بِالْبَدَنِ فَوُجُوبُ الْجِهَادِ بِالْمَالِ أَوْلَى وَأَحْرَى . [نَفَقَةُ عُثْمَانَ الْعَظِيمَةُ ] وَمِنْهَا : مَا بَرَزَ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ مِنْ النّفَقَةِ الْعَظِيمَةِ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَسَبَقَ بِهِ النّاسَ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ غَفَرَ اللّهُ لَكَ يَا عُثْمَانُ مَا أَسْرَرْت وَمَا أَعْلَنْت وَمَا أَخْفَيْت وَمَا أَبْدَيْتَ . ثُمّ قَالَ مَا ضَرّ عُثْمَانَ مَا فَعَلَ بَعْدَالْيَوْمِ وَكَانَ قَدْ أَنْفَقَ أَلْفَ دِينَارٍ وَثَلَاثَمِائَةِ بَعِيرٍ بِعُدّتِهَا وَأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا . [ لَا يَعْذُرُ الْعَاجِزُ بِمَالِهِ حَتّى يَبْذُلَ جُهْدَهُ ] وَمِنْهَا : أَنّ الْعَاجِزَ بِمَالِهِ لَا يُعْذَرُ حَتّى يَبْذُلَ جُهْدَهُ وَيَتَحَقّقَ عَجْزُهُ فَإِنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ إنّمَا نَفَى الْحَرَجَ عَنْ هَؤُلَاءِ الْعَاجِزِينَ بَعْدَ أَنْ أَتَوْا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِيَحْمِلَهُمْ فَقَالَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ فَرَجَعُوا يَبْكُونَ لِمَا فَاتَهُمْ مِنْ الْجِهَادِ فَهَذَا الْعَاجِزُ الّذِي لَا حَرَجَ عَلَيْهِ . [اسْتِخْلَافُ الْإِمَامِ إذَا سَافَرَ رَجُلًا مِنْ الرّعِيّةِ عَلَى مَنْ بَقِيَ ] وَمِنْهَا : اسْتِخْلَافُ الْإِمَامِ - إذَا سَافَرَ - رَجُلًا مِنْ الرّعِيّةِ عَلَى الضّعَفَاءِ وَالْمَعْذُورِينَ وَالنّسَاءِ وَالذّرّيّةِ وَيَكُونُ نَائِبُهُ مِنْ الْمُجَاهِدِينَ لِأَنّهُ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ لَهُمْ . وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَسْتَخْلِفُ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ فَاسْتَخْلَفَهُ بِضْعَ عَشْرَةَ مَرّةً . [خَلّفَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلِيّا عَلَى أَهْلِهِ خَاصّةً وَمُحَمّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيّ عَلَى الْمَدِينَةِ ] وَأَمّا فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَالْمَعْرُوفُ عِنْدَ أَهْلِ الْأَثَرِ أَنّهُ اسْتَخْلَفَ عَلَيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ كَمَا فِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ قَالَ خَلّفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلِيّا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ تُخَلّفُنِي مَعَ النّسَاءِ وَالصّبْيَانِ فَقَالَ أَمَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى غَيْرَ أَنّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي [ ص 490 ] كَانَتْ خِلَافَةً خَاصّةً عَلَى أَهْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَمّا الِاسْتِخْلَافُ الْعَامّ فَكَانَ لِمُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيّ وَيَدُلّ عَلَى هَذَا أَنّ الْمُنَافِقِينَ لَمّا أَرْجَفُوا بِهِ وَقَالُوا : خَلّفَهُ اسْتِثْقَالًا أَخَذَ سِلَاحَهُ ثُمّ لَحِقَ بِالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ كَذَبُوا وَلَكِنْ خَلّفْتُكَ لِمَا تَرَكْتُ وَرَائِي فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِك . [جَوَازُ الْخَرْصِ لِلرّطَبِ عَلَى رُءُوسِ النّخْلِ ] وَمِنْهَا : جَوَازُ الْخَرْصِ لِلرّطَبِ عَلَى رُءُوسِ النّخْلِ وَأَنّهُ مِنْ الشّرْعِ وَالْعَمَلِ بِقَوْلِ الْخَارِصِ وَقَدْ تَقَدّمَ فِي غُزَاةِ خَيْبَر َ وَأَنّ الْإِمَامَ يَجُوزُ أَنْ يَخْرِصَ بِنَفْسِهِ كَمَا خَرَصَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَدِيقَةَ الْمَرْأَةِ . [ لَا يَجُوزُ الشّرْبُ وَلَا الطّبْخُ وَلَا الْعَجْنُ وَلَا الطّهَارَةُ مِنْ آبَارِ ثَمُودَ ] وَمِنْهَا : أَنّ الْمَاءَ الّذِي بِآبَارِ ثَمُودَ لَا يَجُوزُ شُرْبُهُ وَلَا الطّبْخُ مِنْهُ وَلَا الْعَجِينُ بِهِ وَلَا الطّهَارَةُ بِهِ وَيَجُوزُ أَنْ يُسْقَى الْبَهَائِمُ إلّا مَا كَانَ مِنْ بِئْرِ النّاقَةِ . وَكَانَتْ مَعْلُومَةً بَاقِيَةً إلَى زَمَنِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ اسْتَمَرّ عِلْمُ النّاسِ بِهَا قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ إلَى وَقْتِنَا هَذَا فَلَا يَرِدُ الرّكُوبُ بِئْرًا غَيْرَهَا وَهِيَ مَطْوِيّةٌ مُحْكَمَةُ الْبِنَاءِ وَاسِعَةُ الْأَرْجَاءِ آثَارُ الْعِتْقِ عَلَيْهَا بَادِيَةٌ لَا تَشْتَبِهُ بِغَيْرِهَا . [ الْإِسْرَاعُ وَالْبُكَاءُ حِينَ الْمُرُورِ بِدِيَارِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ ] وَمِنْهَا : أَنّ مَنْ مَرّ بِدِيَارِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَالْمُعَذّبِينَ لَمْ يَنْبَغِ لَهُ أَنْ يَدْخُلَهَا وَلَا يُقِيمَ بِهَا بَلْ يُسْرِعُ السّيْرَ وَيَتَقَنّعُ بِثَوْبِهِ حَتّى يُجَاوِزَهَا وَلَا يَدْخُلَ عَلَيْهِمْ إلّا بَاكِيًا مُعْتَبِرًا . وَمِنْ هَذَا إسْرَاعُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ السّيْرَ فِي وَادِي مُحَسّرٍ بَيْنَ مِنًى وَعَرَفَةَ فَإِنّهُ الْمَكَانُ الّذِي أَهْلَكَ اللّهُ فِيهِ الْفِيلَ وَأَصْحَابَهُ . [جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الصّلَاتَيْنِ فِي السّفَرِ ] . .. وَمِنْهَا : أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصّلَاتَيْنِ فِي السّفَرِ وَقَدْ جَاءَ جَمْعُ التّقْدِيمِ فِي هَذِهِ الْقِصّةِ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ كَمَا تَقَدّمَ وَذَكَرْنَا عِلّةَ الْحَدِيثِ . وَمَنْ أَنْكَرَهُ وَلَمْ يَجِئْ جَمْعُ التّقْدِيمِ عَنْهُ فِي سَفَرٍ إلّا هَذَا وَصَحّ عَنْهُ جَمْعُ [ ص 491 ] بِعَرَفَةَ قَبْلَ دُخُولِهِ إلَى عَرَفَةَ فَإِنّهُ جَمَعَ بَيْنَ الظّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي وَقْتِ الظّهْرِ فَقِيلَ ذَلِكَ لِأَجْلِ النّسُكِ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ . وَقِيلَ لِأَجْلِ السّفَرِ الطّوِيلِ كَمَا قَالَهُ الشّافِعِيّ وَأَحْمَدُ . وَقِيلَ لِأَجْلِ الشّغْلِ وَهُوَ اشْتِغَالُهُ بِالْوُقُوفِ وَاتّصَالُهُ إلَى غُرُوبِ الشّمْسِ . قَالَ أَحْمَدُ يَجْمَعُ لِلشّغْلِ وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ السّلَفِ وَالْخَلَفِ وَقَدْ تَقَدّمَ . [جَوَازُ التّيَمّمِ بِالرّمْلِ ] وَمِنْهَا : جَوَازُ التّيَمّمِ بِالرّمْلِ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابَهُ قَطَعُوا الرّمَالَ الّتِي بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَتَبُوكَ وَلَمْ يَحْمِلُوا مَعَهُمْ تُرَابًا بِلَا شَكّ وَتِلْكَ مَفَاوِزُ مُعْطِشَةٌ شَكَوْا فِيهَا الْعَطَشَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَطْعًا كَانُوا يَتَيَمّمُونَ بِالْأَرْضِ الّتِي هُمْ فِيهَا نَازِلُونَ هَذَا كُلّهُ مِمّا لَا شَكّ فِيهِ مَعَ قَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَحَيْثُمَا أَدْرَكَتْ رَجُلًا مِنْ أُمّتِي الصّلَاةُ فَعِنْدَهُ مَسْجِدُهُ وَطَهُورُهُ . [تَرْجِيحُ الْمُصَنّفِ قَصْرَ الصّلَاةِ فِي السّفَرِ دُونَ تَحْدِيدِ مُدّةِ الْإِقَامَةِ ] وَمِنْهَا : أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَقَامَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصّلَاةَ وَلَمْ يَقُلْ لِلْأُمّةِ لَا يَقْصُرُ الرّجُلُ الصّلَاةَ إذَا أَقَامَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَكِنْ اتّفَقَتْ إقَامَتُهُ هَذِهِ الْمُدّةَ وَهَذِهِ الْإِقَامَةُ فِي حَالِ السّفَرِ لَا تَخْرُجُ عَنْ حُكْمِ السّفَرِ سَوَاءٌ طَالَتْ أَوْ قَصُرَتْ إذًا كَانَ غَيْرَ مُسْتَوْطِنٌ وَلَا عَازِمٌ عَلَى الْإِقَامَةِ بِذَلِكَ الْمَوْضِعِ . وَقَدْ اخْتَلَفَ السّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا فَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ أَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ تِسْعَ عَشْرَةَ يُصَلّي رَكْعَتَيْنِ فَنَحْنُ إذَا أَقَمْنَا تِسْعَ عَشْرَةَ نُصَلّي رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ زِدْنَا عَلَى ذَلِكَ أَتْمَمْنَا وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنّ ابْنَ عَبّاس أَرَادَ مُدّةَ مَقَامِهِ بِمَكّةَ زَمَنَ الْفَتْحِ فَإِنّهُ قَالَ أَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَكّةَ ثَمَانَ عَشْرَةَ زَمَنَ الْفَتْحِ لِأَنّهُ أَرَادَ حُنَيْنًا وَلَمْ يَكُنْ ثَمّ أَجْمَعَ الْمُقَامِ وَهَذِهِ إقَامَتُهُ الّتِي رَوَاهَا ابْنُ عَبّاسٍ . وَقَالَ غَيْرُهُ بَلْ أَرَادَ ابْنُ عَبّاسٍ مُقَامَهُ بِتَبُوكَ كَمَا قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ [ ص 492 ] أَقَامَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِتَبُوكَ عِشْرِينَ يَوْمًا يَقْصُرُ الصّلَاة رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " . وَقَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَقَمْنَا مَعَ سَعْدٍ بِبَعْضِ قُرَى الشّامِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُهَا سَعْدٌ وَنُتِمّهَا . وَقَالَ نَافِعٌ أَقَامَ ابْنُ عُمَرَ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتّةَ أَشْهُرٍ يُصَلّي رَكْعَتَيْنِ وَقَدْ حَالَ الثّلْجُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدّخُولِ . وَقَالَ حَفْصُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ أَقَامَ أَنَسُ بْنُ مَالِك ٍ بِالشّامِ سَنَتَيْنِ يُصَلّي صَلَاةَ الْمُسَافِرِ . [ ص 493 ] وَقَالَ أَنَسٌ أَقَامَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِرَامَهُرْمُزَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُونَ الصّلَاةَ . وَقَالَ الْحَسَنُ أَقَمْتُ مَعَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ بِكَابُلَ سَنَتَيْنِ يَقْصُرُ الصّلَاةَ وَلَا يَجْمَعُ . وَقَالَ إبْرَاهِيمُ كَانُوا يُقِيمُونَ بِالرّيّ السّنَةَ وَأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَسِجِسْتَانَ السّنَتَيْنِ . فَهَذَا هَدْيُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابِهِ كَمَا تَرَى وَهُوَ الصّوَابُ . [مَذَاهِبُ النّاسِ فِي مُدّةِ الْإِقَامَةِ الّتِي يَجُوزُ فِيهَا الْقَصْرُ ] وَأَمّا مَذَاهِبُ النّاسِ فَقَالَ الْإِمَام ُ أَحْمَدُ إذَا نَوَى إقَامَةَ أَرْبَعَةِ أَيّامٍ أَتَمّ وَإِنْ نَوَى دُونَهَا قَصَرَ وَحَمَلَ هَذِهِ الْآثَارَ عَلَى أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يُجْمِعُوا الْإِقَامَةَ الْبَتّةَ بَلْ كَانُوا يَقُولُونَ الْيَوْمَ نَخْرُجُ غَدًا نَخْرُجُ . وَفِي هَذَا نَظَرٌ لَا يَخْفَى فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَتَحَ مَكّةَ وَهِيَ مَا هِيَ وَأَقَامَ فِيهَا يُؤَسّسُ قَوَاعِدَ الْإِسْلَامِ وَيَهْدِمُ قَوَاعِدَ الشّرْكِ وَيُمَهّدُ أَمْرَ مَا حَوْلَهَا مِنْ الْعَرَبِ وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنّ هَذَا يَحْتَاجُ إلَى إقَامَةِ أَيّامٍ لَا يَتَأَتّى فِي يَوْمٍ وَاحِدٍ وَلَا يَوْمَيْنِ وَكَذَلِكَ إقَامَتُهُ بِتَبُوكَ فَإِنّهُ أَقَامَ يَنْتَظِرُ الْعَدُوّ وَمِنْ الْمَعْلُومِ قَطْعًا أَنّهُ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عِدّةُ مَرَاحِلَ يَحْتَاجُ قَطْعُهَا إلَى أَيّامٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنّهُمْ لَا يُوَافُونَ فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ وَكَذَلِكَ إقَامَةُ ابْنِ عُمَر َ بِأَذْرَبِيجَانَ سِتّةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُ الصّلَاةَ مِنْ أَجْلِ الثّلْجِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنّ مِثْلَ هَذَا الثّلْجِ لَا يَتَحَلّلُ وَيَذُوبُ فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ بِحَيْثُ تَنْفَتِحُ الطّرُقُ وَكَذَلِكَ إقَامَةُ أَنَس ٍ بِالشّامِ سَنَتَيْنِ يَقْصُرُ وَإِقَامَةُ الصّحَابَةِ بِرَامَهُرْمُزَ سَبْعَةَ أَشْهُرٍ يَقْصُرُونَ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنّ مِثْلَ هَذَا الْحِصَارِ وَالْجِهَادِ يُعْلَمُ أَنّهُ لَا يَنْقَضِي فِي أَرْبَعَةِ أَيّامٍ . وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ إنّهُ لَوْ أَقَامَ لِجِهَادِ [ ص 494 ] قَصَرَ سَوَاءٌ غُلِبَ عَلَى ظَنّهِ انْقِضَاءُ الْحَاجَةِ فِي مُدّةٍ يَسِيرَةٍ أَوْ طَوِيلَةٍ وَهَذَا هُوَ الصّوَابُ لَكِنْ شَرَطُوا فِيهِ شَرْطًا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا عَمَلِ الصّحَابَةِ . فَقَالُوا : شَرْطُ ذَلِكَ احْتِمَالُ انْقِضَاءِ حَاجَتِهِ فِي الْمُدّةِ الّتِي لَا تَقْطَعُ حُكْمَ السّفَرِ وَهِيَ مَا دُونَ الْأَرْبَعَةِ الْأَيّامِ فَيُقَالُ مِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا الشّرْطُ وَالنّبِيّ لَمّا أَقَامَ زِيَادَةً عَلَى أَرْبَعَةِ أَيّامٍ يَقْصُرُ الصّلَاةَ بِمَكّةَ وَتَبُوكَ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُبَيّنْ لَهُمْ أَنّهُ لَمْ يَعْزِمْ عَلَى إقَامَةِ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيّامٍ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنّهُمْ يَقْتَدُونَ بِهِ فِي صَلَاتِهِ وَيَتَأَسّوْنَ بِهِ فِي قَصْرِهَا فِي مُدّةِ إقَامَتِهِ فَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ حَرْفًا وَاحِدًا : لَا تَقْصُرُوا فَوْقَ إقَامَة أَرْبَعِ لَيَالٍ وَبَيَانُ هَذَا مِنْ أَهَمّ الْمُهِمّاتِ وَكَذَلِكَ اقْتِدَاءُ الصّحَابَةِ بِهِ بَعْدَهُ وَلَمْ يَقُولُوا لِمَنْ صَلّى مَعَهُمْ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ . وَقَالَ مَالِكٌ وَالشّافِعِيّ إنْ نَوَى إقَامَةَ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَيّامٍ أَتَمّ وَإِنْ نَوَى دُونَهَا قَصَرَ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ نَوَى إقَامَةَ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا أَتَمّ وَإِنْ نَوَى دُونَهَا قَصَرَ وَهُوَ مَذْهَبُ اللّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَرُوِيَ عَنْ ثَلَاثَةٍ مِنْ الصّحَابَةِ عُمَر َ وَابْنِهِ وَابْنِ عَبّاسٍ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ إذَا أَقَمْت أَرْبَعًا فَصَلّ أَرْبَعًا وَعَنْهُ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَة . وَقَالَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ إنْ أَقَامَ عَشْرًا أَتَمّ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ . وَقَالَ الْحَسَنُ يَقْصُرُ مَا لَمْ يَقْدَمْ مِصْرًا . وَقَالَت ْ عَائِشَة ُ يَقْصُرُ مَا لَمْ يَضَعْ الزّادَ وَالْمَزَادَ . وَالْأَئِمّةُ الْأَرْبَعَةُ مُتّفِقُونَ عَلَى أَنّهُ إذَا أَقَامَ لِحَاجَةٍ يَنْتَظِرُ قَضَاءَهَا يَقُولُ الْيَوْمَ أَخْرُجُ غَدًا أَخْرُجُ فَإِنّهُ يَقْصُرُ أَبَدًا إلّا الشّافِعِيّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ فَإِنّهُ يَقْصُرُ عِنْدَهُ إلَى سَبْعَةَ عَشَرَ أَوْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا وَلَا يَقْصُرُ بَعْدَهَا وَقَدْ قَالَ [ ص 495 ] ابْنُ الْمُنْذِرِ فِي " إشْرَافِهِ " أَجْمَعَ أَهْلُ الْعِلْمِ أَنّ لِلْمُسَافِرِ أَنْ يُقْصِرَ مَا لَمْ يُجْمِعْ إقَامَةً وَإِنْ أَتَى عَلَيْهِ سُنُونَ . فَصْلٌ [ اسْتِحْبَابُ حِنْثِ الْحَالِفِ فِي يَمِينِهِ إذَا رَأَى غَيْرُهَا خَيْرًا مِنْهَا ] وَمِنْهَا : جَوَازُ بَلْ اسْتِحْبَابُ حِنْثِ الْحَالِفِ فِي يَمِينِهِ إذَا رَأَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَيُكَفّرُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَفْعَلُ الّذِي هُوَ خَيْرُ وَإِنْ شَاءَ قَدّمَ الْكَفّارَةَ عَلَى الْحِنْثِ وَإِنْ شَاءَ أَخّرَهَا . وَقَدْ رُوِيَ حَدِيثُ أَبِي مُوسَى هَذَا إلّا أَتَيْتُ الّذِي هُوَ أَخْيَرُ وَتَحَلّلَتْهَا وَفِي لَفْظٍ إلّا كَفّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الّذِي هُوَ أَخْيَرُ وَفِي لَفْظٍ إلّا أَتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَكُلّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ فِي " الصّحِيحَيْنِ " وَهِيَ تَقْتَضِي عَدَمَ التّرْتِيبِ . [ هَلْ يَجُوزُ تَقْدِيمُ الْكَفّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ ] وَفِي السّنَنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ سَمُرَةَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا حَلَفْتَ عَلَى يَمِينٍ فَرَأَيْتَ غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا فَكَفّرْ عَنْ يَمِينِك ثُمّ ائْتِ الّذِي هُوَ خَيْرٌ وَأَصْلُهُ فِي " الصّحِيحَيْنِ " فَذَهَبَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ وَالشّافِعِيّ إلَى جَوَازِ تَقْدِيمِ الْكَفّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ وَاسْتَثْنَى الشّافِعِيّ التّكْفِيرَ بِالصّوْمِ فَقَالَ لَا يَجُوزُ التّقْدِيمُ وَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ تَقْدِيمَ الْكَفّارَةِ مُطْلَقًا . فَصْلٌ [ انْعِقَادُ الْيَمِينِ فِي حَالِ الْغَضَبِ إلّا حِينَ الْإِغْلَاقِ ] وَمِنْهَا : انْعِقَادُ الْيَمِينِ فِي حَالِ الْغَضَبِ إذَا لَمْ يَخْرُجْ بِصَاحِبِهِ إلَى حَدّ لَا يُعْلَمُ مَعَهُ مَا يَقُولُ وَكَذَلِكَ يَنْفُذُ حُكْمُهُ وَتَصِحّ عُقُودُهُ فَلَوْ بَلَغَ بِهِ الْغَضَبُ إلَى حَدّ الْإِغْلَاقِ لَمْ تَنْعَقِدْ يَمِينُهُ وَلَا طَلَاقُهُ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ [ ص 496 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إغْلَاقٍ يُرِيدُ الْغَضَبَ . فَصْلٌ [لَا مُتَعَلّقَ لِلْجَبْرِيّةِ بِقَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنّ اللّهَ حَمَلَكُمْ ] وَمِنْهَا : قَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنّ اللّهَ حَمَلَكُمْ قَدْ يَتَعَلّقُ بِهِ الْجَبْرِيّ وَلَا مُتَعَلّقَ لَهُ بِهِ وَإِنّمَا هَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ وَاَللّهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا شَيْئًا وَلَا أَمْنَعُ وَإِنّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ فَإِنّهُ عَبْدُ اللّهِ وَرَسُولُهُ إنّمَا يَتَصَرّفُ بِالْأَمْرِ فَإِذَا أَمَرَهُ رَبّهُ بِشَيْءٍ نَفّذَهُ فَاَللّهُ هُوَ الْمُعْطِي وَالْمَانِعُ وَالْحَامِلُ وَالرّسُولُ مُنَفّذٌ لِمَا أَمَرَ بِهِ . وَأَمّا قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللّهَ رَمَى } [ الْأَنْفَالُ 17 ] فَالْمُرَادُ بِهِ الْقَبْضَةُ مِنْ الْحَصْبَاءِ الّتِي رَمَى بِهَا وُجُوهَ الْمُشْرِكِينَ فَوَصَلَتْ إلَى عُيُونِ جَمِيعِهِمْ فَأَثْبَتَ اللّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ الرّمْيَ بِاعْتِبَارِ النّبْذِ وَالْإِلْقَاءِ فَإِنّهُ فَعَلَهُ وَنَفَاهُ عَنْهُ بِاعْتِبَارِ الْإِيصَالِ إلَى جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ وَهَذَا فِعْلُ الرّبّ تَعَالَى لَا تَصِلُ إلَيْهِ قُدْرَةُ الْعَبْدِ وَالرّمْيُ يُطْلَقُ عَلَى الْخَذْفِ وَهُوَ مَبْدَؤُهُ وَعَلَى الْإِيصَالِ وَهُوَ نِهَايَتُهُ . فَصْلٌ [ تَرَكَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَتَلَ الْمُنَافِقِينَ ] وَمِنْهَا : تَرْكُهُ قَتْلَ الْمُنَافِقِينَ وَقَدْ بَلَغَهُ عَنْهُمْ الْكُفْرَ الصّرِيحَ فَاحْتَجّ بِهِ مَنْ قَالَ لَا يُقْتَلُ الزّنْدِيقُ إذَا أَظْهَرَ التّوْبَةَ لِأَنّهُمْ حَلَفُوا لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُمْ مَا قَالُوا وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ إنْكَارًا فَهُوَ تَوْبَةٌ وَإِقْلَاعٌ وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ وَمَنْ شَهِدَ [ ص 497 ] بِالرّدّةِ فَشَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَأَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللّهِ لَمْ يَكْشِفْ عَنْ شَيْءٍ عَنْهُ بَعْدُ وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إذَا جَحَدَ الرّدّةَ كَفَاهُ جَحَدَهَا . وَمَنْ لَمْ يَقْبَلْ تَوْبَةَ الزّنْدِيقِ قَالَ هَؤُلَاءِ لَمْ تَقُمْ عَلَيْهِمْ بَيّنَةٌ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِعِلْمِهِ وَاَلّذِي بَلَغَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْهُمْ قَوْلَهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ إيّاهُ نِصَابُ الْبَيّنَةِ بَلْ شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِمْ وَاحِدٌ فَقَطْ كَمَا شَهِدَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَم َ وَحْدَهُ عَلَى عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُبَيّ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ أَيْضًا إنّمَا شَهِدَ عَلَيْهِ وَاحِدٌ . وَفِي هَذَا الْجَوَابِ نَظَرٌ فَإِنّ نِفَاقَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُبَيّ وَأَقْوَالَهُ فِي النّفَاقِ كَانَتْ كَثِيرَةً جِدّا كَالْمُتَوَاتِرَةِ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابِهِ وَبَعْضُهُمْ أَقَرّ بِلِسَانِهِ وَقَالَ إنّمَا كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ وَقَدْ وَاجَهَهُ بَعْضُ الْخَوَارِجِ فِي وَجْهِهِ بِقَوْلِهِ إنّك لَمْ تَعْدِلْ . وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا قِيلَ لَهُ أَلَا تَقْتُلَهُمْ ؟ لَمْ يَقُلْ مَا قَامَتْ عَلَيْهِمْ بَيّنَةٌ بَلْ قَالَ لَا يَتَحَدّثُ النّاسُ أَنّ مُحَمّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ [ تَرَكَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَتَلَ الْمُنَافِقِينَ لِتَأْلِيفِ الْقُلُوبِ ] فَالْجَوَابُ الصّحِيحُ إذَنْ أَنّهُ كَانَ فِي تَرْكِ قَتْلِهِمْ فِي حَيَاةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَصْلَحَةً تَتَضَمّنُ تَأْلِيفَ الْقُلُوبِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَجَمَعَ كَلِمَةَ النّاسِ عَلَيْهِ وَكَانَ فِي قَتْلِهِمْ تَنْفِيرٌ وَالْإِسْلَامُ بَعْدُ فِي غُرْبَةٍ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَحْرَصُ شَيْءٍ عَلَى تَأْلِيفِ النّاسِ وَأَتْرَكُ شَيْءٍ لِمَا يُنَفّرُهُمْ عَنْ الدّخُولِ فِي طَاعَتِهِ وَهَذَا أَمْرٌ كَانَ يَخْتَصّ بِحَالِ حَيَاتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَذَلِكَ تَرْكُ قَتْلِ مَنْ طَعَنَ عَلَيْهِ فِي حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ فِي قِصّةِ الزّبَيْرِ وَخَصْمِهِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمّتِكَ . وَفِي قَسَمِهِ بِقَوْلِهِ إنّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللّهِ . وَقَوْلُ الْآخَرِ لَهُ [ ص 498 ] تَرْكُ اسْتِيفَاءِ حَقّهِ بَلْ يَتَعَيّنُ عَلَيْهِمْ اسْتِيفَاؤُهُ وَلَا بُدّ وَلِتَقْرِيرِ هَذِهِ الْمَسَائِلِ مَوْضِعٌ آخَرُ وَالْغَرَضُ التّنْبِيهُ وَالْإِشَارَةُ . فَصْلٌ [إذَا أَحْدَثَ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الذّمّةِ حَدَثًا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ انْتَقَضَ عَهْدَهُ] وَمِنْهَا : أَنّ أَهْلَ الْعَهْدِ وَالذّمّةِ إذَا أَحْدَثَ أَحَدٌ مِنْهُمْ حَدَثًا فِيهِ ضَرَرٌ عَلَى الْإِسْلَامِ انْتَقَضَ عَهْدُهُ فِي مَالِهِ وَنَفْسِهِ وَأَنّهُ إذَا لَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ الْإِمَامُ فَدَمُهُ وَمَالُهُ هَدَرٌ وَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ كَمَا قَالَ فِي صُلْحِ أَهْلِ أَيْلَةَ : فَمَنْ أَحْدَثَ مِنْهُمْ حَدَثًا فَإِنّهُ لَا يُحَوّلُ مَالَهُ دُونَ نَفْسِهِ وَهُوَ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنْ النّاسِ وَهَذَا لِأَنّهُ بِالْأَحْدَاثِ صَارَ مُحَارِبًا حُكْمُهُ حُكْمُ أَهْلِ الْحَرْبِ . فَصْلٌ [جَوَازُ الدّفْنِ لَيْلًا ] وَمِنْهَا : جَوَازُ الدّفْنِ بِاللّيْلِ كَمَا دَفَنَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَا الْبِجَادَيْنِ لَيْلًا . وَقَدْ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْهُ فَقَالَ وَمَا بَأْسٌ بِذَلِكَ . وَقَالَ أَبُو بَكْر ٍ دُفِنَ لَيْلًا وَعَلِيّ دَفَنَ فَاطِمَةَ لَيْلًا . وَقَالَتْ عَائِشَةُ : سَمِعْنَا صَوْتَ الْمَسَاحِي مِنْ آخِرِ اللّيْلِ فِي دَفْنِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ انْتَهَى . وَدُفِنَ عُثْمَانُ وَعَائِشَةُ وَابْنُ مَسْعُودٍ لَيْلًا . وَفِي التّرْمِذِيّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَخَلَ قَبْرًا لَيْلًا فَأُسْرِجَ لَهُ سِرَاجٌ فَأَخَذَهُ مِنْ قِبَلِ الْقِبْلَةَ وَقَالَ رَحِمَك اللّهُ إنْ كُنْتَ لَأَوّاهًا تَلّاءً لِلْقُرْآنِ قَالَ التّرْمِذِيّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَفِي الْبُخَارِيّ : أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَأَلَ عَنْ رَجُلٍ فَقَالَ مَنْ هَذَا ؟ قَالُوا : فُلَانٌ دُفِنَ الْبَارِحَةَ فَصَلّى عَلَيْهِ [ ص 499 ] فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَصْنَعُونَ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَطَبَ يَوْمًا فَذَكَرَ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ قُبِضَ فَكُفّنَ فِي كَفَنٍ غَيْرِ طَائِلٍ وَقُبِرَ لَيْلًا فَزَجَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُقْبَرَ الرّجُلُ بِاللّيْلِ حَتّى يُصَلّى عَلَيْهِ إلّا أَنْ يُضْطَرّ إنْسَانٌ إلَى ذَلِكَ ؟ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : إلَيْهِ أَذْهَبُ . قِيلَ نَقُولُ بِالْحَدِيثَيْنِ بِحَمْدِ اللّهِ وَلَا نَرُدّ أَحَدَهُمَا بِالْآخَرِ فَنَكْرَهُ الدّفْنَ بِاللّيْلِ بَلْ نَزْجُرُ عَنْهُ إلّا لِضَرُورَةٍ أَوْ مَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ كَمَيّتٍ مَاتَ مَعَ الْمُسَافِرِينَ بِاللّيْلِ وَيَتَضَرّرُونَ بِالْإِقَامَةِ بِهِ إلَى النّهَارِ وَكَمَا إذَا خِيفَ عَلَى الْمَيّتِ الِانْفِجَارُ وَنَحْوَ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ الْمُرَجّحَةِ لِلدّفْنِ لَيْلًا . وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . فَصْلٌ [إذَا بَعَثَ الْإِمَامُ سَرِيّةً فَغَنِمَتْ كَانَ مَا حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ لَهَا بَعْدَ تَخْمِيسِهِ ] وَمِنْهَا : أَنّ الْإِمَامَ إذَا بَعَثَ سَرِيّةً فَغَنِمَتْ غَنِيمَةً أَوْ أَسَرَتْ أَسِيرًا أَوْ فَتَحَتْ حِصْنًا كَانَ مَا حَصَلَ مِنْ ذَلِكَ لَهَا بَعْدَ تَخْمِيسِهِ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَسَمَ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ أُكَيْدِرًا مِنْ فَتْحِ دُومَةَ الْجَنْدَلِ بَيْنَ السّرِيّةِ الّذِينَ بَعَثَهُمْ مَعَ خَالِدٍ وَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَارِسًا وَكَانَتْ غَنَائِمُهُمْ أَلْفَيْ بَعِيرٍ وَثَمَانِمِائَةِ رَأْسٍ فَأَصَابَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ خَمْسُ فَرَائِضَ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا إذَا أُخْرِجَتْ السّرِيّةُ مِنْ الْجَيْشِ فِي حَالِ الْغَزْوِ فَأَصَابَتْ ذَلِكَ بِقُوّةِ الْجَيْشِ فَإِنّ مَا أَصَابُوا يَكُونُ غَنِيمَةً لِلْجَمِيعِ بَعْدَ الْخَمْسِ وَالنّفْلِ وَهَذَا كَانَ هَدْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَصْلٌ [ثَوَابُ مَنْ حَبَسَهُ الْعُذْرُ ] وَمِنْهَا : قَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ بِالْمَدِينَةِ أَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إلّا كَانُوا مَعَكُمْ [ ص 500 ] طَائِفَةٌ مِنْ الْجُهّالِ أَنّهُمْ مَعَهُمْ بِأَبْدَانِهِمْ فَهَذَا مُحَالٌ لِأَنّهُمْ قَالُوا لَهُ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ؟ قَالَ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ وَكَانُوا مَعَهُ بِأَرْوَاحِهِمْ وَبِدَارِ الْهِجْرَةِ بِأَشْبَاحِهِمْ وَهَذَا مِنْ الْجِهَادِ بِالْقَلْبِ وَهُوَ أَحَدُ مَرَاتِبِهِ الْأَرْبَعُ وَهِيَ الْقَلْبُ وَاللّسَانُ وَالْمَالُ وَالْبَدَنُ . وَفِي الْحَدِيثِ جَاهِدُوا الْمُشْرِكِينَ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَقُلُوبِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ فَصْلٌ [ تَحْرِيقُ أَمْكِنَةِ الْمَعْصِيَةِ وَهَدْمِهَا ] وَمِنْهَا : تَحْرِيقُ أَمْكِنَةِ الْمَعْصِيَةِ الّتِي يُعْصَى اللّهُ وَرَسُولُهُ فِيهَا وَهَدْمُهَا كَمَا حَرَقَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَسْجِدَ الضّرَارِ وَأَمَرَ بِهَدْمِهِ وَهُوَ مَسْجِدٌ يُصَلّى فِيهِ وَيُذْكَرُ اسْمُ اللّهِ فِيهِ لَمّا كَانَ بِنَاؤُهُ ضِرَارًا وَتَفْرِيقًا بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ وَمَأْوًى لِلْمُنَافِقِينَ وَكُلّ مَكَانٍ هَذَا شَأْنُهُ فَوَاجِبٌ عَلَى الْإِمَامِ تَعْطِيلُهُ إمّا بِهَدْمٍ وَتَحْرِيقٍ وَإِمّا بِتَغْيِيرِ صُورَتِهِ وَإِخْرَاجِهِ عَمّا وُضِعَ لَهُ . وَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَ مَسْجِدِ الضّرَارِ فَمَشَاهِدُ الشّرْكِ الّتِي تَدْعُو سَدَنَتُهَا إلَى اتّخَاذِ مَنْ فِيهَا أَنْدَادًا مِنْ دُونِ اللّهِ أَحَقّ بِالْهَدْمِ وَأَوْجَبُ وَكَذَلِكَ مَحَالّ الْمَعَاصِي وَالْفُسُوقِ كَالْحَانَاتِ وَبُيُوتِ الْخَمّارِينَ وَأَرْبَابِ الْمُنْكَرَاتِ . وَقَدْ حَرَقَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ قَرْيَةً بِكَمَالِهَا يُبَاعُ فِيهَا الْخَمْرُ وَحَرَقَ حَانُوتَ رُوَيْشِدٍ الثّقَفِيّ وَسَمّاهُ فُوَيْسِقًا وَحَرَقَ قَصْرَ سَعْدٍ عَلَيْهِ لَمّا احْتَجَبَ فِيهِ عَنْ الرّعِيّةِ وَهَمّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِتَحْرِيقِ بُيُوتِ تَارِكِي حُضُورِ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ [ ص 501 ] النّسَاءِ وَالذّرّيّةِ الّذِينَ لَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ كَمَا أَخْبَرَ هُوَ عَنْ ذَلِكَ . [الْوَقْفُ لَا يَصِحّ عَلَى غَيْرِ بِرّ وَلَا قُرْبَةٍ وَمِنْهَا هَدْمُ الْمَسَاجِدِ الْمَبْنِيّةِ عَلَى الْقُبُورِ ] وَمِنْهَا : أَنّ الْوَقْفَ لَا يَصِحّ عَلَى غَيْرِ بِرّ وَلَا قُرْبَةٍ كَمَا لَمْ يَصِحّ وَقْفُ هَذَا الْمَسْجِدِ وَعَلَى هَذَا : فَيُهْدَمُ الْمَسْجِدُ إذَا بُنِيَ عَلَى قَبْرٍ كَمَا يُنْبَشُ الْمَيّتُ إذَا دُفِنَ فِي الْمَسْجِدِ نَصّ عَلَى ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ فَلَا يَجْتَمِعُ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ مَسْجِدٌ وَقَبْرٌ بَلْ أَيّهُمَا طَرَأَ عَلَى الْآخَرِ مُنِعَ مِنْهُ وَكَانَ الْحُكْمُ لِلسّابِقِ فَلَوْ وُضِعَا مَعًا لَمْ يَجُزْ وَلَا يَصِحّ هَذَا الْوَقْفُ وَلَا يَجُوزُ وَلَا تَصِحّ الصّلَاةُ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ لِنَهْيِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ ذَلِكَ وَلَعْنِهِ مَنْ اتّخَذَ الْقَبْرَ مَسْجِدًا أَوْ أَوْقَدَ عَلَيْهِ سِرَاجًا فَهَذَا دِينُ الْإِسْلَامِ الّذِي بَعَثَ اللّهُ بِهِ رَسُولَهُ وَنَبِيّهُ وَغُرْبَتُهُ بَيْنَ النّاسِ كَمَا تَرَى . فَصْلٌ [جَوَازُ إنْشَادِ الشّعْرِ لِلْقَادِمِ فَرَحًا بِهِ ] وَمِنْهَا : جَوَازُ إنْشَادِ الشّعْرِ لِلْقَادِمِ فَرَحًا وَسُرُورًا بِهِ مَا لَمْ يَكُنْ مَعَهُ مُحَرّمٌ مِنْ لَهْوٍ كَمِزْمَارٍ وَشَبّابَةٍ وَعُودٍ وَلَمْ يَكُنْ غِنَاءٌ يَتَضَمّنْ رُقْيَةَ الْفَوَاحِشِ وَمَا حَرّمَ اللّهُ فَهَذَا لَا يُحَرّمُهُ أَحَدٌ وَتَعَلّقُ أَرْبَابِ السّمَاعِ الْفِسْقِيّ بِهِ كَتَعَلّقِ مَنْ يَسْتَحِلّ شُرْبَ الْخَمْرِ الْمُسْكِرِ قِيَاسًا عَلَى أَكْلِ الْعِنَبِ وَشُرْبِ الْعَصِيرِ الّذِي لَا يُسْكِرُ وَنَحْوَ هَذَا مِنْ الْقِيَاسَاتِ الّتِي تُشْبِهُ قِيَاسَ الّذِينَ قَالُوا : إنّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرّبَا . [اسْتِمَاعُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَدْحَ الْمَادِحِينَ لَهُ ] وَمِنْهَا : اسْتِمَاعُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَدْحَ الْمَادِحِينَ لَهُ وَتَرْكُ الْإِنْكَارِ عَلَيْهِمْ وَلَا يَصِحّ قِيَاسُ غَيْرِهِ عَلَيْهِ فِي هَذَا لِمَا بَيْنَ الْمَادِحِينَ وَالْمَمْدُوحِينَ مِنْ الْفُرُوقِ وَقَدْ قَالَ اُحْثُوا فِي وُجُوهِ الْمَدّاحِينَ التّرَابَ . [ الْفَوَائِدُ الْمُسْتَنْبَطَةُ مِنْ قِصّةِ الْمُتَخَلّفِينَ الثّلَاثَةِ ] [ ص 502 ] الْجَمّةِ فَنُشِيرُ إلَى بَعْضِهَا : [ جَوَازُ إخْبَارِ الرّجُلِ عَنْ تَفْرِيطِهِ ] فَمِنْهَا : جَوَازُ إخْبَارِ الرّجُلِ عَنْ تَفْرِيطِهِ وَتَقْصِيرِهِ فِي طَاعَةِ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَعَنْ سَبَبِ ذَلِكَ وَمَا آلَ إلَيْهِ أَمْرُهُ وَفِي ذَلِكَ مِنْ التّحْذِيرِ وَالنّصِيحَةِ وَبَيَانِ طُرُقِ الْخَيْرِ وَالشّرّ وَمَا يَتَرَتّبُ عَلَيْهَا مَا هُوَ مِنْ أَهَمّ الْأُمُورِ . [ جَوَازُ مَدْحِ الرّجُلِ نَفْسَهُ ] وَمِنْهَا : جَوَازُ مَدْحِ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ بِمَا فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ إذَا لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ الْفَخْرِ وَالتّرَفّعِ . وَمِنْهَا : تَسْلِيَةُ الْإِنْسَانِ نَفْسَهُ عَمّا لَمْ يُقَدّرْ لَهُ مِنْ الْخَيْرِ بِمَا قُدّرَ لَهُ مِنْ نَظِيرِهِ أَوْ خَيْرٍ مِنْهُ . [ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ مِنْ أَفْضَلِ مَشَاهِدِ الصّحَابَةِ ] وَمِنْهَا : أَنّ بَيْعَةَ الْعَقَبَةِ كَانَتْ مِنْ أَفْضَلِ مَشَاهِدِ الصّحَابَةِ حَتّى إنّ كَعْبًا كَانَ لَا يَرَاهَا دُونَ مَشْهَدِ بَدْرٍ . [ لَمْ يَكُنْ دِيوَانٌ لِلْجَيْشِ ] وَمِنْهَا : أَنّ الْإِمَامَ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ فِي أَنْ يَسْتُرَ عَنْ رَعِيّتِهِ بَعْضَ مَا يَهُمّ بِهِ وَيَقْصِدُهُ مِنْ الْعَدُوّ وَيُوَرّي بِهِ عَنْهُ اُسْتُحِبّ لَهُ ذَلِكَ أَوْ يَتَعَيّنُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ . [ الْمُبَادَرَةُ إلَى انْتِهَازِ فُرْصَةِ الطّاعَةِ ] وَمِنْهَا : أَنّ السّتْرَ وَالْكِتْمَانَ إذَا تَضَمّنَ مَفْسَدَةً لَمْ يَجُزْ . وَمِنْهَا : أَنّ الْجَيْشَ فِي حَيَاةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ دِيوَانٌ وَأَوّلُ مَنْ دَوّنَ الدّيوَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَهَذَا مِنْ سُنّتِهِ الّتِي أَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِاتّبَاعِهَا وَظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهَا وَحَاجَةُ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهَا . وَمِنْهَا : أَنّ الرّجْلَ إذَا حَضَرَتْ لَهُ فُرْصَةُ الْقُرْبَةِ وَالطّاعَةِ فَالْحَزْمُ كُلّ الْحَزْمِ فِي انْتِهَازِهَا وَالْمُبَادَرَةِ إلَيْهَا وَالْعَجْزِ فِي تَأْخِيرِهَا وَالتّسْوِيفِ بِهَا وَلَا سِيّمَا إذَا لَمْ يَثِقْ بِقُدْرَتِهِ وَتَمَكّنِهِ مِنْ أَسْبَابِ تَحْصِيلِهَا فَإِنّ الْعَزَائِمَ وَالْهِمَمَ سَرِيعَةُ الِانْتِقَاضِ قَلّمَا ثَبَتَتْ وَاَللّهُ سُبْحَانَهُ يُعَاقِبُ مَنْ فَتَحَ لَهُ بَابًا مِنْ الْخَيْرِ فَلَمْ يَنْتَهِزْهُ بِأَنْ يَحُولَ [ ص 503 ] دَعَاهُ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَلْبِهِ وَإِرَادَتِهِ فَلَا يُمْكِنُهُ الِاسْتِجَابَةُ بَعْدَ ذَلِكَ . قَالَ تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلّهِ وَلِلرّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنّ اللّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ } [ الْأَنْفَالُ 24 ] وَقَدْ صَرّحَ اللّهُ سُبْحَانَهُ بِهَذَا فِي قَوْلِهِ { وَنُقَلّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوّلَ مَرّةٍ } [ الْأَنْعَامُ 110 ] وَقَالَ تَعَالَى : { فَلَمّا زَاغُوا أَزَاغَ اللّهُ قُلُوبَهُمْ } [ الصّفّ 5 ] . وَقَالَ { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِلّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتّى يُبَيّنَ لَهُمْ مَا يَتّقُونَ إِنّ اللّهَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ التّوْبَةُ 115 ] وَهُوَ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ . [ لَمْ يَكُنْ يَتَخَلّفُ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلّا مُنَافِقٌ أَوْ مَعْذُورٌ أَوْ مَنْ خَلّفَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ] وَمِنْهَا : أَنّهُ لَمْ يَكُنْ يَتَخَلّفُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلّا أَحَدُ رِجَالٍ ثَلَاثَةٍ إمّا مَغْمُوصٌ عَلَيْهِ فِي النّفَاقِ أَوْ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْأَعْذَارِ أَوْ مَنْ خَلّفَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ أَوْ خَلّفَهُ لِمَصْلَحَةٍ . وَمِنْهَا : أَنّ الْإِمَامَ وَالْمُطَاعَ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُهْمِلَ مَنْ تَخَلّفَ عَنْهُ فِي بَعْضِ الْأُمُورِ بَلْ يُذَكّرُهُ لِيُرَاجِعَ الطّاعَةَ وَيَتُوبَ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ بِتَبُوكَ : مَا فَعَلَ كَعْبٌ ؟ وَلَمْ يَذْكُرْ سِوَاهُ مِنْ الْمُخَلّفِينَ اسْتِصْلَاحًا لَهُ وَمُرَاعَاةً وَإِهْمَالًا لِلْقَوْمِ الْمُنَافِقِينَ . [ تَذْكِيرُ الْإِمَامِ وَالْمُطَاعِ الْمُتَخَلّفِينَ بِالتّوْبَةِ ] وَمِنْهَا : جَوَازُ الطّعْنِ فِي الرّجُلِ بِمَا يَغْلِبُ عَلَى اجْتِهَادِ الطّاعِنِ حَمِيّةً أَوْ ذَبّا عَنْ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَمِنْ هَذَا طَعْنُ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِيمَنْ طَعَنُوا فِيهِ مِنْ الرّوَاةِ وَمِنْ هَذَا طَعْنُ وَرَثَةِ الْأَنْبِيَاءِ وَأَهْلِ السّنّةِ فِي أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ لِلّهِ لَا لِحُظُوظِهِمْ وَأَغْرَاضِهِمْ . [ جَوَازُ الطّعْنِ اجْتِهَادًا ] وَمِنْهَا : جَوَازُ الرّدّ عَلَى الطّاعِنِ إذَا غَلَبَ عَلَى ظَنّ الرّادّ أَنّهُ وَهِمَ وَغَلِطَ كَمَا قَالَ مُعَاذٌ لِلّذِي طَعَنَ فِي كَعْبٍ بِئْسَ مَا قُلْت وَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا عَلِمْنَا عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا وَلَمْ يُنْكِرْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا . وَمِنْهَا : أَنّ السّنّةَ لِلْقَادِمِ مِنْ السّفَرِ أَنْ يَدْخُلَ الْبَلَدَ عَلَى وُضُوءٍ وَأَنْ يَبْدَأَ [ ص 504 ] فَيُصَلّي فِيهِ رَكْعَتَيْنِ ثُمّ يَجْلِسُ لِلْمُسَلّمِينَ عَلَيْهِ ثُمّ يَنْصَرِفُ إلَى أَهْلِهِ . [ الْحُكْمُ بِالظّاهِرِ ] وَمِنْهَا : أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يَقْبَلُ عَلَانِيَةً مَنْ أَظْهَرَ الْإِسْلَامَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ وَيَكِلُ سَرِيرَتَهُ إلَى اللّهِ وَيُجْرِي عَلَيْهِ حُكْمَ الظّاهِرِ وَلَا يُعَاقِبُهُ بِمَا لَمْ يَعْلَمْ مِنْ سِرّهِ . [ تَرْكُ رَدّ السّلَامِ عَلَى مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا ] وَمِنْهَا : تَرْكُ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ رَدّ السّلَامِ عَلَى مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا تَأْدِيبًا لَهُ وَزَجْرًا لِغَيْرِهِ فَإِنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يُنْقَلْ أَنّهُ رَدّ عَلَى كَعْبٍ بَلْ قَابَلَ سَلَامَهُ بِتَبَسّمِ الْمُغْضَبِ . [ تَبَسّمُ الْغَضَبِ ] وَمِنْهَا : أَنّ التّبَسّمَ قَدْ يَكُونُ عَنْ الْغَضَبِ كَمَا يَكُونُ عَنْ التّعَجّبِ وَالسّرُورِ فَإِنّ كُلّا مِنْهُمَا يُوجِبُ انْبِسَاطَ دَمِ الْقَلْبِ وَثَوَرَانِهِ وَلِهَذَا تَظْهَرُ حُمْرَةُ الْوَجْهِ لِسُرْعَةِ ثَوَرَانِ الدّمِ فِيهِ فَيَنْشَأُ عَنْ ذَلِكَ السّرُورُ وَالْغَضَبُ تَعَجّبٌ يَتْبَعُهُ ضَحِكٌ وَتَبَسّمٌ فَلَا يَغْتَرّ الْمُغْتَرّ بِضَحِكِ الْقَادِرِ عَلَيْهِ فِي وَجْهِهِ وَلَا سِيّمَا عِنْدَ الْمَعْتَبَةِ كَمَا قِيلَ إذَا رَأَيْتَ نُيُوبَ اللّيْثِ بَارِزَةً فَلَا تَظُنّنّ أَنّ اللّيْثَ مُبْتَسِمُ [ جَوَازُ مُعَاتَبَةِ الْإِمَامِ وَالْمُطَاعِ أَصْحَابَهُ ] وَمِنْهَا : مُعَاتَبَةُ الْإِمَامِ وَالْمُطَاعِ أَصْحَابَهُ وَمَنْ يَعِزّ عَلَيْهِ وَيَكْرُمُ عَلَيْهِ فَإِنّهُ عَاتَبَ الثّلَاثَةَ دُونَ سَائِرِ مَنْ تَخَلّفَ عَنْهُ وَقَدْ أَكْثَرَ النّاسُ مِنْ مَدْحِ عِتَابِ الْأَحِبّةِ وَاسْتِلْذَاذِهِ وَالسّرُورِ بِهِ فَكَيْفَ بِعِتَابِ أَحَبّ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ إلَى الْمَعْتُوبِ عَلَيْهِ وَلِلّهِ مَا كَانَ أَحْلَى ذَلِكَ الْعِتَابَ وَمَا أَعْظَمَ ثَمَرَتَهُ وَأَجَلّ فَائِدَتَهُ وَلِلّهِ مَا نَالَ بِهِ الثّلَاثَةُ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَسَرّاتِ وَحَلَاوَةِ الرّضَى وَخُلَعِ الْقَبُولِ . [ تَوْفِيقُ اللّهِ لِكَعْبٍ وَصَاحِبَيْهِ ] وَمِنْهَا : تَوْفِيقُ اللّهِ لِكَعْبٍ وَصَاحِبَيْهِ فِيمَا جَاءُوا بِهِ مِنْ الصّدْقِ وَلَمْ يَخْذُلْهُمْ حَتّى كَذَبُوا وَاعْتَذَرُوا بِغَيْرِ الْحَقّ فَصَلُحَتْ عَاجِلَتُهُمْ وَفَسَدَتْ عَاقِبَتُهُمْ كُلّ الْفَسَادِ وَالصّادِقُونَ تَعِبُوا فِي الْعَاجِلَةِ بَعْضَ التّعَبِ فَأَعْقَبَهُمْ صَلَاحُ الْعَاقِبَةِ وَالْفَلَاحِ كُلّ الْفَلَاحِ وَعَلَى هَذَا قَامَتْ الدّنْيَا وَالْآخِرَةُ فَمَرَارَاتُ الْمُبَادِي حَلَاوَاتٌ [ ص 505 ] الْمُبَادِي مَرَارَاتُ فِي الْعَوَاقِبِ . وَقَوْلُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِكَعْبٍ أَمّا هَذَا فَقَدْ صَدَقَ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ فِي التّمَسّكِ بِمَفْهُومِ اللّقَبِ عِنْدَ قِيَامِ قَرِينَةٍ تَقْتَضِي تَخْصِيصَ الْمَذْكُورِ بِالْحُكْمِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ فَفَهّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ } [ الْأَنْبِيَاءُ 78 و 79 ] وَقَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَتُرْبَتُهَا طَهُورًا وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَمّا هَذَا فَقَدْ صَدَق وَهَذَا مِمّا لَا يَشُكّ السّامِعُ أَنّ الْمُتَكَلّمَ قَصَدَ تَخْصِيصَهُ بِالْحُكْمِ . [ يَنْبَغِي لِلرّجُلِ أَنْ يَرِدَ حَرّ الْمُصِيبَةِ بِرُوحِ التّأَسّي بِمَنْ لَقِيَ مِثْلَ مَا لَقِي ] [ وَهُمْ الزّهْرِيّ فِي جَعْلِهِ صَاحِبَيْ كَعْبٍ مِمّنْ شَهِدَ بَدْرًا وَلَمْ يَغْلَطْ إلّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ ] وَقَوْلُ كَعْبٍ : هَلْ لَقِيَ هَذَا مَعِي أَحَدٌ ؟ فَقَالُوا : نَعَمْ مُرَارَةُ بْنُ الرّبِيع وَهِلَالُ بْنُ أُمَيّةَ فِيهِ أَنّ الرّجُلَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَرِدَ حَرّ الْمُصِيبَةِ بِرُوحِ التّأَسّي بِمَنْ لَقِيَ مِثْلَ مَا لَقِيَ وَقَدْ أَرْشَدَ سُبْحَانَهُ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لَا يَرْجُونَ } [ النّسَاءُ 104 ] وَهَذَا هُوَ الرّوحُ الّذِي مَنَعَهُ اللّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلَ النّارِ فِيهَا بِقَوْلِهِ { وَلَنْ يَنْفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذْ ظَلَمْتُمْ أَنّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ } [ الزّخْرُفُ 39 ] . وَقَوْلُهُ " فَذَكَرُوا لِي رَجُلَيْنِ صَالِحَيْنِ قَدْ شَهِدَا بَدْرًا لِي فِيهِمَا أُسْوَةٌ " هَذَا الْمَوْضِعُ مِمّا عُدّ مِنْ أَوْهَامِ الزّهْرِيّ فَإِنّهُ لَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي وَالسّيَرِ الْبَتّةَ ذَكَرَ هَذَيْنِ الرّجُلَيْنِ فِي أَهْلِ بَدْرٍ لَا ابْنُ إسْحَاقَ وَلَا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَلَا الْأُمَوِيّ وَلَا الْوَاقِدِيّ وَلَا أَحَدٌ مِمّنْ عَدّ أَهْلَ بَدْرٍ وَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَلّا يَكُونَا مِنْ أَهْلِ بَدْرٍ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَهْجُرْ حَاطِبًا وَلَا عَاقَبَهُ وَقَدْ جَسّ عَلَيْهِ وَقَالَ لِعُمَرَ لَمّا هَمّ بِقَتْلِهِ وَمَا يُدْرِيكَ أَنّ اللّهَ اطّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُم وَأَيْنَ ذَنْبُ التّخَلّفِ مِنْ ذَنْبِ الْجَسّ . قَالَ أَبُو الْفَرَجِ بْنُ الْجَوْزِيّ : وَلَمْ أَزَلْ حَرِيصًا عَلَى كَشْفِ ذَلِكَ وَتَحْقِيقِهِ حَتّى رَأَيْت أَبَا بَكْرٍ الْأَثْرَمَ قَدْ ذَكَرَ الزّهْرِيّ وَذَكَرَ فَضْلَهُ وَحِفْظَهُ وَإِتْقَانَهُ وَأَنّهُ لَا يَكَادُ يُحْفَظُ عَلَيْهِ غَلَطٌ إلّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ فَإِنّهُ قَالَ إنّ مُرَارَةَ بْنَ الرّبِيعِ وَهِلَالَ بْنَ [ ص 506 ] شَهِدَا بَدْرًا وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ غَيْرَهُ وَالْغَلَطُ لَا يُعْصَمُ مِنْهُ إنْسَانٌ . فَصْلٌ [ نَهْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الثّلَاثَةِ لِتَأْدِيبِهِمْ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِمْ ] وَفِي نَهْيِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ كَلَامِ هَؤُلَاءِ الثّلَاثَةِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ مَنْ تَخَلّفَ عَنْهُ دَلِيلٌ عَلَى صِدْقِهِمْ وَكَذِبِ الْبَاقِينَ فَأَرَادَ هَجْرَ الصّادِقِينَ وَتَأْدِيبَهُمْ عَلَى هَذَا الذّنْبِ وَأَمّا الْمُنَافِقُونَ فَجُرْمُهُمْ أَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُقَابَلَ بِالْهَجْرِ فَدَوَاءُ هَذَا الْمَرَضِ لَا يُعْمَلُ فِي مَرَضِ النّفَاقِ وَلَا فَائِدَةَ فِيهِ وَهَكَذَا يَفْعَلُ الرّبّ سُبْحَانَهُ بِعِبَادِهِ فِي عُقُوبَاتِ جَرَائِمِهِمْ فَيُؤَدّبُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ الّذِي يُحِبّهُ وَهُوَ كَرِيمٌ عِنْدَهُ بِأَدْنَى زَلّةٍ وَهَفْوَةٍ فَلَا يَزَالُ مُسْتَيْقِظًا حَذَرًا وَأَمّا مَنْ سَقَطَ مِنْ عَيْنِهِ وَهَانَ عَلَيْهِ فَإِنّهُ يُخَلّي بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَعَاصِيهِ وَكُلّمَا أَحْدَثَ ذَنْبًا أَحْدَث لَهُ نِعْمَةً وَالْمَغْرُورُ يَظُنّ أَنّ ذَلِكَ مِنْ كَرَامَتِهِ عَلَيْهِ وَلَا يَعْلَمُ أَنّ ذَلِكَ عَيْنُ الْإِهَانَةِ وَأَنّهُ يُرِيدُ بِهِ الْعَذَابَ الشّدِيدَ وَالْعُقُوبَةَ الّتِي لَا عَاقِبَةَ مَعَهَا كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ إذَا أَرَادَ اللّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا عَجّلَ لَهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدّنْيَا وَإِذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ شَرّا أَمْسَكَ عَنْهُ عُقُوبَتَهُ فِي الدّنْيَا فَيَرِدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِذُنُوبِهِ [ جَوَازُ الْهَجْرِ لِلتّأْدِيبِ ] وَفِيهِ دَلِيلٌ أَيْضًا عَلَى هِجْرَانِ الْإِمَامِ وَالْعَالِمِ وَالْمُطَاعِ لِمَنْ فَعَلَ مَا يَسْتَوْجِبُ الْعَتَبُ وَيَكُونُ هِجْرَانُهُ دَوَاءً لَهُ بِحَيْثُ لَا يَضْعُفُ عَنْ حُصُولِ الشّفَاءِ بِهِ وَلَا يَزِيدَ فِي الْكَمّيّةِ وَالْكَيْفِيّةِ عَلَيْهِ فَيُهْلِكُهُ إذْ الْمُرَادُ تَأْدِيبُهُ لَا إتْلَافُهُ . [ التّنَكّرُ وَالْوَحْشَةُ دَلِيلٌ عَلَى حَيَاةِ الْقَلْبِ ] وَقَوْلِهِ حَتّى تَنَكّرَتْ لِي الْأَرْضُ فَمَا هِيَ بَالَتِي أَعْرِف هَذَا التّنَكّرُ يَجِدُهُ الْخَائِفُ وَالْحَزِينُ وَالْمَهْمُومُ فِي الْأَرْضِ وَفِي الشّجَرِ وَالنّبَاتِ حَتّى يَجِدَهُ فِيمَنْ لَا يَعْلَمُ حَالَهُ مِنْ النّاسِ وَيَجِدُهُ أَيْضًا الْمُذْنِبُ الْعَاصِي بِحَسَبِ جُرْمِهِ حَتّى فِي خُلُقِ زَوْجَتِهِ وَوَلَدِهِ وَخَادِمِهِ وَدَابّتِهِ وَيَجِدُهُ فِي نَفْسِهِ أَيْضًا فَتَتَنَكّرُ لَهُ نَفْسُهُ حَتّى مَا [ ص 507 ] يَخْفَى إلّا عَلَى مَنْ هُوَ مَيّتُ الْقَلْبِ وَعَلَى حَسَبِ حَيَاةِ الْقَلْبِ يَكُونُ إدْرَاكُ هَذَا التّنَكّرِ وَالْوَحْشَةِ . وَمَا لِجُرْحٍ بِمَيّتٍ إيلَامُ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنّ هَذَا التّنَكّرَ وَالْوَحْشَةَ كَانَا لِأَهْلِ النّفَاقِ أَعْظَمَ وَلَكِنْ لِمَوْتِ قُلُوبِهِمْ لَمْ يَكُونُوا يَشْعُرُونَ بِهِ وَهَكَذَا الْقَلْبُ إذَا اسْتَحْكَمَ مَرَضُهُ وَاشْتَدّ أَلَمُهُ بِالذّنُوبِ وَالْإِجْرَامِ لَمْ يَجِدْ هَذِهِ الْوَحْشَةَ وَالتّنَكّرَ وَلَمْ يَحُسّ بِهَا وَهَذِهِ عَلَامَةُ الشّقَاوَةِ وَأَنّهُ قَدْ أَيسَ مِنْ عَافِيَةِ هَذَا الْمَرَضِ وَأَعْيَا الْأَطِبّاءَ شِفَاؤُهُ وَالْخَوْفُ وَالْهَمّ مَعَ الرّيبَةِ وَالْأَمْنِ وَالسّرُورُ مَعَ الْبَرَاءَةِ مِنْ الذّنْبِ . فَمَا فِي الْأَرْضِ أَشْجَعُ مِنْ بَرِيءٍ وَلَا فِي الْأَرْضِ أَخْوَفُ مِنْ مُرِيبٍ وَهَذَا الْقَدْرُ قَدْ يَنْتَفِعُ بِهِ الْمُؤْمِنُ الْبَصِيرُ إذَا اُبْتُلِيَ بِهِ ثُمّ رَاجَعَ فَإِنّهُ يَنْتَفِعُ بِهِ نَفْعًا عَظِيمًا مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ تُفَوّتُ الْحَصْرَ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا إلّا اسْتِثْمَارُهُ مِنْ ذَلِكَ أَعْلَامَ النّبُوّةِ وَذَوْقُهُ نَفْسَ مَا أَخْبَرَ بِهِ الرّسُولُ فَيَصِيرُ تَصْدِيقُهُ ضَرُورِيّا عِنْدَهُ وَيَصِيرُ مَا نَالَهُ مِنْ الشّرّ بِمَعَاصِيهِ وَمِنْ الْخَيْرِ بِطَاعَاتِهِ مِنْ أَدِلّةِ صِدْقِ النّبُوّةِ الذّوْقِيّةِ الّتِي لَا تَتَطَرّقُ إلَيْهَا الِاحْتِمَالَاتُ وَهَذَا كَمَنْ أَخْبَرَك أَنّ فِي هَذِهِ الطّرِيقِ مِنْ الْمَعَاطِبِ وَالْمَخَاوِفِ كَيْتَ وَكَيْتَ عَلَى التّفْصِيلِ فَخَالَفَتْهُ وَسَلَكَتْهَا فَرَأَيْتَ عَيْنَ مَا أَخْبَرَك بِهِ فَإِنّك تَشْهَدُ صِدْقَهُ فِي نَفْسِ خِلَافِك لَهُ وَأَمّا إذَا سَلَكَتْ طَرِيقَ الْأَمْنِ وَحْدَهَا وَلَمْ تَجِدْ مِنْ تِلْكَ الْمَخَاوِفِ شَيْئًا فَإِنّهُ وَإِنْ شَهِدَ صِدْقَ الْمُخْبِرِ بِمَا نَالَهُ مِنْ الْخَيْرِ وَالظّفَرِ مُفَصّلًا فَإِنّ عِلْمَهُ بِتِلْكَ يَكُونُ مُجْمَلًا . فَصْلٌ [ عِلّةُ تَخَلّفِ صَدِيقَيْ كَعْبٍ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ ] وَمِنْهَا : أَنّ هِلَالَ بْنَ أُمَيّةَ وَمُرَارَةَ قَعَدَا فِي بُيُوتِهِمَا وَكَانَا يُصَلّيَانِ فِي بُيُوتِهِمَا وَلَا يَحْضُرَانِ الْجَمَاعَةَ وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّ هِجْرَانَ الْمُسْلِمِينَ لِلرّجُلِ عُذْرٌ يُبِيحُ لَهُ التّخَلّفُ عَنْ الْجَمَاعَةِ أَوْ يُقَالُ مِنْ تَمَامِ هِجْرَانِهِ أَنْ لَا يَحْضُرَ جَمَاعَةُ الْمُسْلِمِينَ لَكِنْ يُقَالُ فَكَعْبٌ كَانَ يَحْضُرُ الْجَمَاعَةَ وَلَمْ يَمْنَعْهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا عَتَبَ عَلَيْهِمَا عَلَى التّخَلّفِ وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ لَمّا أُمِرَ الْمُسْلِمُونَ بِهَجْرِهِمْ تَرَكُوا : [ ص 508 ] فَكَانَ مَنْ حَضَرَ مِنْهُمْ الْجَمَاعَةَ لَمْ يُمْنَعْ وَمَنْ تَرَكَهَا لَمْ يُكَلّمْ أَوْ يُقَالُ لَعَلّهُمَا ضَعَفَا وَعَجَزَا عَنْ الْخُرُوجِ وَلِهَذَا قَالَ كَعْبٌ وَكُنْت أَنَا أَجْلَدَ الْقَوْمِ وَأَشْبَهُمْ فَكُنْتُ أَخْرُجُ فَأَشْهَدُ الصّلَاةَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ . [ رَدّ السّلَامِ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقّ الْهَجْرَ غَيْرَ وَاجِبٍ ] وَقَوْلُهُ وَآتِي رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأُسَلّمُ عَلَيْهِ وَهُوَ فِي مَجْلِسِهِ بَعْدَ الصّلَاةِ فَأَقُولُ هَلْ حَرّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدّ السّلَامِ عَلَيّ أَمْ لَا ؟ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ الرّدّ عَلَى مَنْ يَسْتَحِقّ الْهَجْرَ غَيْرُ وَاجِبٍ إذْ لَوْ وَجَبَ الرّدّ لَمْ يَكُنْ بُدّ مِنْ إسْمَاعِهِ . [ دُخُولُ دَارِ الصّاحِبِ مِنْ غَيْرِ إذْن ] وَقَوْلُهُ حَتّى إذَا طَالَ ذَلِكَ عَلَيّ تَسَوّرْتُ جِدَارَ حَائِطِ أَبِي قَتَادَةَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى دُخُولِ الْإِنْسَانِ دَارَ صَاحِبِهِ وَجَارِهِ إذَا عَلِمَ رِضَاهُ بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَسْتَأْذِنْهُ . [ قَوْلُ اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ لَيْسَ بِخِطَابٍ ] وَفِي قَوْلِ أَبِي قَتَادَةَ لَهُ اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ هَذَا لَيْسَ بِخِطَابٍ وَلَا كَلَامٍ لَهُ فَلَوْ حَلَفَ لَا يُكَلّمُهُ فَقَالَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ جَوَابًا لَهُ لَمْ يَحْنَثْ وَلَا سِيّمَا إذَا لَمْ يَنْوِ بِهِ مُكَالَمَتَهُ وَهُوَ الظّاهِرُ مِنْ حَالِ أَبِي قَتَادَةَ . [ إشَارَةُ النّاسِ إلَى النّبَطِيّ عَلَى كَعْبٍ دُونَ نُطْقِهِمْ تَحْقِيقٌ لِمَقْصُودِ الْهِجْرَانِ ] وَفِي إشَارَةِ النّاس إلَى النّبَطِيّ الّذِي كَانَ يَقُولُ مَنْ يَدُلّ عَلَى كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ دُونَ نُطْقِهِمْ لَهُ تَحْقِيقٌ لِمَقْصُودِ الْهَجْرِ وَإِلّا فَلَوْ قَالُوا لَهُ صَرِيحًا : ذَاكَ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ كَلَامًا لَهُ فَلَا يَكُونُونَ بِهِ مُخَالِفِينَ لِلنّهْيِ وَلَكِنْ لِفَرْطِ تَحَرّيهِمْ وَتَمَسّكِهِمْ بِالْأَمْرِ لَمْ يَذْكُرُوهُ لَهُ بِصَرِيحِ اسْمِهِ . وَقَدْ يُقَالُ إنّ فِي الْحَدِيثِ عَنْهُ بِحَضْرَتِهِ وَهُوَ يَسْمَعُ نَوْعَ مُكَالَمَةٍ لَهُ وَلَا سِيّمَا إذَا جَعَلَ ذَلِكَ ذَرِيعَةً إلَى الْمَقْصُودِ بِكَلَامِهِ وَهِيَ ذَرِيعَةٌ قَرِيبَةٌ فَالْمَنْعُ مِنْ ذَلِكَ مِنْ بَابِ مَنْعِ الْحِيَلِ وَسَدّ الذّرَائِعِ وَهَذَا أَفْقَهُ وَأَحْسَنُ . [ ابْتِلَاءُ اللّهِ لِكَعْبٍ بِمُكَاتَبَةِ مَلِكِ غَسّانَ لَهُ ] وَفِي مُكَاتَبَةِ مَلِكِ غَسّانَ لَهُ بِالْمَصِيرِ إلَيْهِ ابْتِلَاءٌ مِنْ اللّهِ تَعَالَى وَامْتِحَانٌ لِإِيمَانِهِ وَمَحَبّتِهِ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَإِظْهَارٌ لِلصّحَابَةِ أَنّهُ لَيْسَ مِمّنْ ضَعُفَ إيمَانُهُ بِهَجْرِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْمُسْلِمِينَ لَهُ وَلَا هُوَ مِمّنْ تَحْمِلُهُ الرّغْبَةُ فِي الْجَاهِ وَالْمُلْكِ مَعَ هِجْرَانِ الرّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ لَهُ عَلَى مُفَارَقَةِ دِينِهِ فَهَذَا فِيهِ مِنْ تَبْرِئَةِ اللّهِ لَهُ مِنْ النّفَاقِ وَإِظْهَارِ قُوّةِ إيمَانِهِ وَصِدْقِهِ لِرَسُولِهِ وَلِلْمُسْلِمِينَ مَا هُوَ مِنْ تَمَامِ نِعْمَةِ اللّهِ عَلَيْهِ وَلُطْفِهِ بِهِ وَجَبْرِهِ لِكَسْرِهِ وَهَذَا الْبَلَاءُ يُظْهِرُ لُبّ الرّجُلِ وَسِرّهُ [ ص 509 ] [ إتْلَافُ مَا يُخْشَى مِنْهُ الْمَضَرّةُ فِي الدّينِ ] وَقَوْلُهُ فَتَيَمّمْت بِالصّحِيفَةِ التّنّورَ فِيهِ الْمُبَادَرَةُ إلَى إتْلَافِ مَا يُخْشَى مِنْهُ الْفَسَادُ وَالْمَضَرّةُ فِي الدّينِ وَأَنّ الْحَازِمَ لَا يَنْتَظِرُ بِهِ وَلَا يُؤَخّرُهُ وَهَذَا كَالْعَصِيرِ إذَا تَخَمّرَ وَكَالْكِتَابِ الّذِي يُخْشَى مِنْهُ الضّرَرُ وَالشّرّ فَالْحَزْمُ الْمُبَادَرَةُ إلَى إتْلَافِهِ وَإِعْدَامِهِ . [ عَدَاوَةُ غَسّانَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكِتَابُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَهُمْ ] وَكَانَتْ غَسّانُ إذْ ذَاكَ - وَهُمْ مُلُوكُ عَرَبِ الشّامِ - حَرْبًا لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانُوا يُنْعِلُونَ خُيُولَهُمْ لِمُحَارَبَتِهِ وَكَانَ هَذَا لَمّا بَعَثَ شُجَاعُ بْنُ وَهْبٍ الْأَسَدِيّ إلَى مَلِكِهِمْ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسّانِيّ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَكَتَبَ مَعَهُ إلَيْهِ قَالَ شُجَاعٌ فَانْتَهَيْتُ إلَيْهِ وَهُوَ فِي غَوْطَةِ دِمَشْقَ وَهُوَ مَشْغُولٌ بِتَهْيِئَةِ الْأَنْزَالِ وَالْأَلْطَافِ لِقَيْصَرَ وَهُوَ جَاءٍ مِنْ حِمْصَ إلَى إيلِيَاءَ فَأَقَمْتُ عَلَى بَابِهِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ فَقُلْتُ لِحَاجِبِهِ إنّي رَسُولُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَيْهِ فَقَالَ لَا تَصِلُ إلَيْهِ حَتّى يَخْرُجَ يَوْمَ كَذَا وَكَذَا وَجَعَلَ حَاجِبُهُ - وَكَانَ رُومِيّا اسْمُهُ مُرّيّ - يَسْأَلُنِي عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكُنْتُ أُحَدّثُهُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَا يَدْعُو إلَيْهِ فَيَرِقّ حَتّى يَغْلِبَ عَلَيْهِ الْبُكَاءُ وَيَقُولَ إنّي قَرَأْتُ الْإِنْجِيلَ فَأَجِدُ صِفَةَ هَذَا النّبِيّ بِعَيْنِهِ فَأَنَا أُؤْمِنُ بِهِ وَأُصَدّقُهُ فَأَخَافُ مِنْ الْحَارِثِ أَنْ يَقْتُلَنِي وَكَانَ يُكْرِمُنِي وَيُحْسِنُ ضِيَافَتِي . وَخَرَجَ الْحَارِثُ يَوْمًا فَجَلَسَ فَوَضَعَ التّاجَ عَلَى رَأْسِهِ فَأَذِنَ لِي عَلَيْهِ فَدَفَعْت إلَيْهِ كِتَابَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَرَأَهُ ثُمّ رَمَى بِهِ قَالَ مَنْ يَنْتَزِعُ مِنّي مُلْكِي وَقَالَ أَنَا سَائِرٌ إلَيْهِ وَلَوْ كَانَ بِالْيَمَنِ جِئْته عَلَيّ بِالنّاسِ فَلَمْ تَزَلْ تُعْرَضُ حَتّى قَامَ وَأَمَرَ بِالْخُيُولِ تُنْعَلُ ثُمّ قَالَ أَخْبِرْ صَاحِبَكَ بِمَا تَرَى وَكَتَبَ إلَى قَيْصَرَ يُخْبِرُهُ خَبَرِي وَمَا عَزَمَ عَلَيْهِ فَكَتَبَ إلَيْهِ قَيْصَرُ أَنْ لَا تَسِرْ وَلَا تَعْبُرْ إلَيْهِ وَالْهُ عَنْهُ وَوَافِنِي بِإِيلِيَاءَ فَلَمّا جَاءَهُ جَوَابُ كِتَابِهِ دَعَانِي فَقَالَ مَتَى تُرِيدُ أَنْ تَخْرُجَ إلَى صَاحِبِك ؟ فَقُلْت : غَدًا فَأَمَرَ لِي بِمِائَةِ مِثْقَالٍ ذَهَبًا وَوَصَلَنِي حَاجِبُهُ بِنَفَقَةٍ وَكُسْوَةٍ وَقَالَ اقْرَأْ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنّي السّلَامَ فَقَدِمْت [ ص 510 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرْته فَقَالَ " بَادَ مُلْكُهُ " وَأَقْرَأْتُهُ مِنْ حَاجِبِهِ السّلَامَ وَأَخْبَرْته بِمَا قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " صَدَقَ " وَمَاتَ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي شِمْرٍ عَامَ الْفَتْحِ فَفِي هَذِهِ الْمُدّةِ أَرْسَلَ مَلِكُ غَسّانَ يَدْعُو كَعْبًا إلَى اللّحَاقِ بِهِ فَأَبَتْ لَهُ سَابِقَةُ الْحُسْنَى أَنْ يَرْغَبَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَدِينِهِ . فَصْلٌ [ أَمْرُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِهَؤُلَاءِ الثّلَاثَةِ بِاعْتِزَالِ نِسَائِهِمْ كَالْبِشَارَةِ بِمُقَدّمَاتِ الْفَرَجِ مِنْ حَيْثُ إرْسَالُهُ لَهُمْ بِذَلِكَ وَالْجِدّ فِي الْعِبَادَةِ بِاعْتِزَالِ النّسَاءِ ] فِي أَمْرِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِهَؤُلَاءِ الثّلَاثَةِ أَنْ يَعْتَزِلُوا نِسَاءَهُمْ لِمَا مَضَى لَهُمْ أَرْبَعُونَ لَيْلَةً كَالْبِشَارَةِ بِمُقَدّمَاتِ الْفَرَجِ وَالْفَتْحِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : كَلَامُهُ لَهُمْ وَإِرْسَالُهُ إلَيْهِمْ بَعْدَ أَنْ كَانَ لَا يُكَلّمُهُمْ بِنَفْسِهِ وَلَا بِرَسُولِهِ . الثّانِي : مِنْ خُصُوصِيّةِ أَمْرِهِمْ بِاعْتِزَالِ النّسَاءِ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ وَإِرْشَادٌ لَهُمْ إلَى الْجِدّ وَالِاجْتِهَادِ فِي الْعِبَادَةِ وَشَدّ الْمِئْزَرِ وَاعْتِزَالِ مَحَلّ اللّهْوِ وَاللّذّةِ وَالتّعَوّضِ عَنْهُ بِالْإِقْبَالِ عَلَى الْعِبَادَةِ وَفِي هَذَا إيذَانٌ بِقُرْبِ الْفَرَجِ وَأَنّهُ قَدْ بَقِيَ مِنْ الْعَتَبِ أَمْرٌ يَسِيرٌ . وَفِقْهُ هَذِهِ الْقِصّةِ أَنّ زَمَنَ الْعِبَادَاتِ يَنْبَغِي فِيهِ تَجَنّبُ النّسَاءِ كَزَمَنِ الْإِحْرَامِ وَزَمَنِ الِاعْتِكَافِ وَزَمَنِ الصّيَامِ فَأَرَادَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَكُونَ آخِرُ هَذِهِ الْمُدّةِ فِي حَقّ هَؤُلَاءِ بِمَنْزِلَةِ أَيّامِ الْإِحْرَامِ وَالصّيَامِ فِي تَوَفّرِهَا عَلَى الْعِبَادَةِ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِذَلِكَ مِنْ أَوّلِ الْمُدّةِ رَحْمَةً بِهِمْ وَشَفَقَةً عَلَيْهِمْ إذْ لَعَلّهُمْ يَضْعُفُ صَبْرُهُمْ عَنْ نِسَائِهِمْ فِي جَمِيعِهَا فَكَانَ مِنْ اللّطْفِ بِهِمْ وَالرّحْمَةِ أَنْ أُمِرُوا بِذَلِكَ فِي آخِرِ الْمُدّةِ كَمَا يُؤْمَرُ بِهِ الْحَاجّ مِنْ حِينِ يُحْرِمُ لَا مِنْ حِينِ يَعْزِمُ عَلَى الْحَجّ . [ لَفْظُ الطّلَاقِ وَالْعَتَاقِ لَا يَقَعُ إذَا لَمْ يَرُدّهُ ] وَقَوْلُ كَعْبٍ لِامْرَأَتِهِ الْحَقِي بِأَهْلِك دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُ لَمْ يَقَعْ بِهَذِهِ اللّفْظَةِ وَأَمْثَالِهَا طَلَاقٌ مَا لَمْ يَنْوِهِ . وَالصّحِيحُ إنّ لَفْظَ الطّلَاقِ وَالْعَتَاقِ وَالْحُرّيّةِ كَذَلِكَ إذَا أَرَادَ بِهِ غَيْرَ تَسْيِيبِ الزّوْجَةِ وَإِخْرَاجِ الرّقِيقِ عَنْ مُلْكِهِ لَا يَقَعُ بِهِ طَلَاقٌ وَلَا عَتَاقٌ هَذَا هُوَ الصّوَابُ الّذِي نَدِينُ اللّهَ بِهِ وَلَا نَرْتَابُ فِيهِ الْبَتّةَ . فَإِذَا قِيلَ لَهُ إنّ غُلَامَك [ ص 511 ] تَزْنِي فَقَالَ لَيْسَ كَذَلِكَ بَلْ هُوَ غُلَامٌ عَفِيفٌ حُرّ وَجَارِيَةٌ عَفِيفَةٌ حُرّةٌ وَلَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ حُرّيّةَ الْعِتْقِ وَإِنّمَا أَرَادَ حُرّيّةَ الْعِفّةِ فَإِنّ جَارِيَتَهُ وَعَبْدَهُ لَا يُعْتَقَانِ بِهَذَا أَبَدًا وَكَذَا إذَا قِيلَ لَهُ كَمْ لِغُلَامِك عِنْدَك سَنَةً ؟ فَقَالَ هُوَ عَتِيقٌ عِنْدِي وَأَرَادَ قِدَمَ مُلْكِهِ لَهُ لَمْ يُعْتِقْ بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ إذَا ضَرَبَ امْرَأَتَهُ الطّلْقُ فَسُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ هِيَ طَالِقٌ وَلَمْ يَخْطِرْ بِقَلْبِهِ إيقَاعُ الطّلَاقِ وَإِنّمَا أَرَادَ أَنّهَا فِي طَلْقِ الْوِلَادَةِ لَمْ تَطْلُقْ بِهَذَا وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْأَلْفَاظُ مَعَ هَذِهِ الْقَرَائِنِ صَرِيحَةٌ إلّا فِيمَا أُرِيدَ بِهَا وَدَلّ السّيَاقُ عَلَيْهَا فَدَعْوَى أَنّهَا صَرِيحَةٌ فِي الْعَتَاقِ وَالطّلَاقِ مَعَ هَذِهِ الْقَرَائِنِ مُكَابَرَةٌ وَدَعْوَى بَاطِلَةٌ قَطْعًا . فَصْلٌ [ كَانَ سُجُودُ الشّكْرِ مِنْ عَادَةِ الصّحَابَةِ ] وَفِي سُجُودِ كَعْبٍ حِينَ سَمِعَ صَوْتَ الْمُبَشّرِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ أَنّ تِلْكَ كَانَتْ عَادَةُ الصّحَابَةِ وَهِيَ سُجُودُ الشّكْرِ عِنْدَ النّعَمِ الْمُتَجَدّدَةِ وَالنّقَمِ الْمُنْدَفِعَةِ وَقَدْ سَجَدَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ لَمّا جَاءَهُ قَتْلُ مُسَيْلِمَةَ الْكَذّابِ وَسَجَدَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ لَمّا وَجَدَ ذَا الثّدَيّةِ مَقْتُولًا فِي الْخَوَارِج وَسَجَدَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ بَشّرَهُ جِبْرِيلُ أَنّهُ مَنْ صَلّى عَلَيْهِ مَرّةً صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ بِهَا عَشْرًا وَسَجَدَ حِينَ شَفَعَ لِأُمّتِهِ فَشَفّعَهُ اللّهُ فِيهِمْ ثَلَاثَ مَرّاتٍ وَأَتَاهُ بَشِيرٌ فَبَشّرَهُ بِظَفَرِ جُنْدٍ لَهُ عَلَى عَدُوّهِمْ وَرَأْسِهِ فِي حِجْرِ عَائِشَةَ فَقَامَ فَخَرّ سَاجِدًا وَقَالَ أَبُو بَكْرَةَ : كَانَ رَسُولُ اللّهِ إذَا أَتَاهُ أَمْرٌ يَسُرّهُ خَرّ لِلّهِ سَاجِدًا وَهِيَ آثَارٌ صَحِيحَةٌ لَا مَطْعَنَ فِيهَا . [ حِرْصُ الصّحَابَةِ عَلَى الْخَيْرِ ] وَفِي اسْتِبَاقِ صَاحِبِ الْفَرَسِ وَالرّاقِي عَلَى سِلَعٍ لِيُبَشّرَا كَعْبًا دَلِيلٌ عَلَى حِرْصِ الْقَوْمِ عَلَى الْخَيْرِ وَاسْتِبَاقِهِمْ إلَيْهِ وَتَنَافُسِهِمْ فِي مَسَرّةِ بَعْضِهِمْ بَعْضًا . [ إعْطَاءُ الْبَشِيرِ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ] وَفِي نَزْعِ كَعْبٍ ثَوْبَيْهِ وَإِعْطَائِهِمَا لِلْبَشِيرِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ إعْطَاءَ الْمُبَشّرِينَ مِنْ [ ص 512 ] وَقَدْ أَعْتَقَ الْعَبّاسُ غُلَامَهُ لَمّا بَشّرَهُ أَنّ عِنْدَ ا لْحَجّاجِ بْنِ عِلَاطٍ مِنْ الْخَبَرِ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا يَسُرّهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ إعْطَاءِ الْبَشِيرِ جَمِيعَ ثِيَابِهِ . [ اسْتِحْبَابُ تَهْنِئَةِ مَنْ تَجَدّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ دِينِيّةٌ ] وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ تَهْنِئَةِ مَنْ تَجَدّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ دِينِيّةٌ وَالْقِيَامُ إلَيْهِ إذَا أَقْبَلَ وَمُصَافَحَتُهُ فَهَذِهِ سُنّةٌ مُسْتَحَبّةٌ وَهُوَ جَائِزٌ لِمَنْ تَجَدّدَتْ لَهُ نِعْمَةٌ دُنْيَوِيّةٌ وَأَنّ الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ لَهُ لِيَهْنِكَ مَا أَعْطَاك اللّهُ وَمَا مِنْ اللّهِ بِهِ عَلَيْك وَنَحْوَ هَذَا الْكَلَامِ فَإِنّ فِيهِ تَوْلِيَةَ النّعْمَةِ رَبّهَا وَالدّعَاءَ لِمَنْ نَالَهَا بِالتّهَنّي بِهَا . [ يَوْمُ تَوْبَةِ الْمُسْلِمِ خَيْرُ الْأَيّامِ ] وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ خَيْرَ أَيّامِ الْعَبْدِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَفْضَلَهَا يَوْمَ تَوْبَتِهِ إلَى اللّهِ وَقَبُولِ اللّهِ تَوْبَتَهُ لِقَوْلِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبْشِرْ بِخَيْرِ يَوْمٍ مَرّ عَلَيْكَ مُنْذُ وَلَدَتْكَ أُمّكَ فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ يَكُونُ هَذَا الْيَوْمُ خَيْرًا مِنْ يَوْمِ إسْلَامِهِ ؟ قِيلَ هُوَ مُكَمّلٌ لِيَوْمِ إسْلَامِهِ وَمِنْ تَمَامِهِ فَيَوْمُ إسْلَامِهِ بِدَايَةُ سَعَادَتِهِ وَيَوْمُ تَوْبَتِهِ كَمَالُهَا وَتَمَامُهَا وَاَللّهُ الْمُسْتَعَانُ . [ سُرُورُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِتَوْبَةِ اللّهِ عَلَى الْمُخَلّفِينَ دَلِيلٌ عَلَى شَفَقَتِهِ عَلَى أُمّتِهِ ] وَفِي سُرُورِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِذَلِكَ وَفَرَحِهِ بِهِ وَاسْتِنَارَةِ وَجْهِهِ دَلِيلٌ عَلَى مَا جَعَلَ اللّهُ فِيهِ مِنْ كَمَالِ الشّفَقَةِ عَلَى الْأُمّةِ وَالرّحْمَةِ بِهِمْ وَالرّأْفَةِ حَتّى لَعَلّ فَرَحَهُ كَانَ أَعْظَمَ مِنْ فَرَحِ كَعْبٍ وَصَاحِبَيْهِ . [ اسْتِحْبَابُ الصّدَقَةِ عِنْدَ التّوْبَةِ ] وَقَوْلُ كَعْبٍ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي . دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الصّدَقَةِ عِنْدَ التّوْبَةِ بِمَا قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ . [ مَنْ نَذَرَ الصّدَقَةَ بِكُلّ مَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إخْرَاجُ جَمِيعِهِ ] وَقَوْلُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِك فَهُوَ خَيْرٌ لَكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ مَنْ نَذَرَ الصّدَقَةَ بِكُلّ مَالِهِ لَمْ يَلْزَمْهُ إخْرَاجُ جَمِيعِهِ بَلْ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يُبْقِيَ لَهُ مِنْهُ بَقِيّةٌ وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرّوَايَةُ فِي ذَلِكَ فَفِي " الصّحِيحَيْن ِ " أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَهُ أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِك وَلَمْ يُعَيّنْ لَهُ قَدْرًا بَلْ أَطْلَقَ وَوَكَلَهُ إلَى اجْتِهَادِهِ فِي قَدْرِ الْكِفَايَةِ وَهَذَا هُوَ الصّحِيحُ فَإِنّ مَا نَقَصَ عَنْ كِفَايَتِهِ وَكِفَايَةِ أَهْلِهِ لَا يَجُوزُ لَهُ التّصَدّقُ بِهِ فَنَذْرُهُ لَا يَكُونُ طَاعَةً فَلَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ وَمَا زَادَ عَلَى قَدْرِ كِفَايَتِهِ وَحَاجَتِهِ فَإِخْرَاجُهُ وَالصّدَقَةُ بِهِ أَفْضَلُ فَيَجِبُ إخْرَاجُهُ إذَا نَذَرَهُ هَذَا قِيَاسُ [ ص 513 ] أَدَاءِ الْوَاجِبَاتِ الْمَالِيّةِ سَوَاءٌ كَانَتْ حَقًا لِلّهِ كَالْكَفّارَاتِ وَالْحَجّ أَوْ حَقًا لِلْآدَمِيّينَ كَأَدَاءِ الدّيُونِ فَإِنّا نَتْرُكُ لِلْمُفْلِسِ مَا لَا بُدّ مِنْهُ مِنْ مَسْكَنٍ وَخَادِمٍ وَكُسْوَةٍ وَآلَةِ حِرْفَةٍ أَوْ مَا يَتّجِرُ بِهِ لِمُؤْنَتِهِ إنْ فُقِدَتْ الْحِرْفَةُ وَيَكُونُ حَقّ الْغُرَمَاءِ فِيمَا بَقِيَ . وَقَدْ نَصّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنّ مَنْ نَذَرَ الصّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلّهِ أَجْزَاهُ ثُلُثُهُ وَاحْتَجّ لَهُ أَصْحَابُهُ بِمَا رُوِيَ فِي قِصّةِ كَعْبٍ هَذِهِ أَنّهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ مِنْ تَوْبَتِي إلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ أَنْ أُخْرِجَ مِنْ مَالِي كُلّهِ إلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ صَدَقَةً قَالَ " لَا " قُلْت : فَنَصِفُهُ ؟ قَالَ " لَا " قُلْت : فَثُلُثُهُ قَالَ " نَعَمْ " قُلْت : فَإِنّي أُمْسِكُ سَهْمِي الّذِي بِخَيْبَر رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . وَفِي ثُبُوتِ هَذَا مَا فِيهِ فَإِنّ الصّحِيحَ فِي قِصّةِ كَعْبٍ هَذِهِ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ الصّحِيحِ مِنْ حَدِيثِ الزّهْرِيّ عَنْ وَلَدِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِك مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ لِقَدْرِهِ وَهُمْ أَعْلَمُ بِالْقِصّةِ مِنْ غَيْرِهِمْ فَإِنّهُمْ وَلَدُهُ وَعَنْهُ نَقَلُوهَا . [ مَنْ نَذَرَ صَدَقَةً وَعَلَيْهِ دَيْنٌ ] فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُونَ فِيمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " أَنّ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ لَمّا تَابَ اللّهُ عَلَيْهِ قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ مِنْ تَوْبَتِي أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي وَأُسَاكِنَك وَأَنْ أَنْخَلِعَ مِنْ مَالِي صَدَقَةً لِلّهِ عَزّ وَجَلّ وَلِرَسُولِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " يُجْزِئُ - عَنْكَ الثّلُثُ قِيلَ هَذَا هُوَ الّذِي احْتَجّ بِهِ أَحْمَدُ لَا بِحَدِيثِ كَعْبٍ فَإِنّهُ قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللّهِ إذَا نَذَرَ أَنْ يَتَصَدّقَ بِمَالِهِ كُلّهِ أَوْ بِبَعْضِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ أَكْثَرُ مِمّا يَمْلِكُهُ فَاَلّذِي أَذْهَبُ إلَيْهِ أَنّهُ يُجْزِئُهُ مِنْ ذَلِكَ الثّلُثُ لِأَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ أَبَا لُبَابَةَ بِالثّلُثِ وَأَحْمَدُ أَعْلَمُ بِالْحَدِيثِ أَنْ يَحْتَجّ بِحَدِيثِ كَعْبٍ [ ص 514 ] أَمْسِكْ عَلَيْك بَعْضَ مَالِك وَكَأَنّ أَحْمَدَ رَأَى تَقْيِيدَ إطْلَاقِ حَدِيثِ كَعْبٍ هَذَا بِحَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ . وَقَوْلُهُ فِيمَنْ نَذَرَ أَنْ يَتَصَدّقَ بِمَالِهِ كُلّهِ أَوْ بِبَعْضِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُهُ إنّهُ يُجْزِئُهُ مِنْ ذَلِكَ الثّلُثُ دَلِيلٌ عَلَى انْعِقَادِ نَذْرِهِ وَعَلَيْهِ دَيْنٌ يَسْتَغْرِقُ مَالَهُ ثُمّ إذَا قَضَى الدّيْنَ أَخْرَجَ مِقْدَارَ ثُلُثِ مَالِهِ يَوْمَ النّذْرِ وَهَكَذَا قَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللّهِ : إذَا وَهَبَ مَالَهُ وَقَضَى دَيْنَهُ وَاسْتَفَادَ غَيْرُهُ فَإِنّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ إخْرَاجُ ثُلُثِ مَالِهِ يَوْمَ حِنْثِهِ يُرِيدُ بِيَوْمِ حِنْثِهِ يَوْمَ نَذْرِهِ فَيَنْظُرُ قَدْرَ الثّلُثِ ذَلِكَ الْيَوْمِ فَيُخْرِجُهُ بَعْدَ قَضَاءِ دَيْنِهِ . وَقَوْلُهُ أَوْ بِبَعْضِهِ . يُرِيدُ أَنّهُ إذَا نَذَرَ الصّدَقَةَ بِمُعَيّنٍ مِنْ مَالِهِ أَوْ بِمِقْدَارٍ كَأَلْفٍ وَنَحْوِهَا فَيُجْزِئُهُ ثُلُثُهُ كَنَذْرِ الصّدَقَةِ بِجَمِيعِ مَالِهِ وَالصّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ لُزُومُ الصّدَقَةِ بِجَمِيعِ الْمُعَيّنِ . وَفِيهِ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنّ الْمُعَيّنَ إنْ كَانَ ثُلُثَ مَالِهِ فَمَا دُونَهُ لَزِمَهُ الصّدَقَةُ بِجَمِيعِهِ وَإِنْ زَادَ عَلَى الثّلُثِ لَزِمَهُ مِنْهُ بِقِدْرِ الثّلُثِ وَهِيَ أَصَحّ عِنْدَ أَبِي الْبَرَكَاتِ . وَبَعْدُ فَإِنّ الْحَدِيثَ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ كَعْبًا وَأَبَا لُبَابَةَ نَذَرَا نَذْرًا مُنَجّزًا وَإِنّمَا قَالَا : إنّ مِنْ تَوْبَتِنَا أَنْ نَنْخَلِعَ مِنْ أَمْوَالِنَا وَهَذَا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي النّذْرِ وَإِنّمَا فِيهِ الْعَزْمُ عَلَى الصّدَقَةِ بِأَمْوَالِهِمَا شُكْرًا لِلّهِ عَلَى قَبُولِ تَوْبَتِهِمَا فَأَخْبَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ بَعْضَ الْمَالِ يُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَحْتَاجَانِ إلَى إخْرَاجِهِ كُلّهِ وَهَذَا كَمَا قَالَ لِسَعْدٍ وَقَدْ اسْتَأْذَنَهُ أَنْ يُوصِيَ بِمَالِهِ كُلّهِ فَأَذِنَ لَهُ فِي قَدْرِ الثّلُثِ . [ ص 515 ] فَإِنْ قِيلَ هَذَا يَدْفَعُهُ أَمْرَانِ . أَحَدُهُمَا : قَوْلُهُ " يُجْزِئُك " وَالْإِجْزَاءُ إنّمَا يُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاجِبِ وَالثّانِي : أَنّ مَنْعَهُ مِنْ الصّدَقَةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثّلُثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ إذْ الشّارِعُ لَا يَمْنَعُ مِنْ الْقُرْبِ وَنَذْرُ مَا لَيْسَ بِقُرْبَةٍ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهِ . قِيلَ أَمّا قَوْلُهُ " يُجْزِئُك " فَهُوَ بِمَعْنَى يَكْفِيك فَهُوَ مِنْ الرّبَاعِيّ وَلَيْسَ مِنْ " جَزَى عَنْهُ " إذَا قَضَى عَنْهُ يُقَالُ أَجْزَأَنِي : إذَا كَفَانِي وَجَزَى عَنّي : إذَا قَضَى عَنّي وَهَذَا هُوَ الّذِي يُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاجِبِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَبِي بُرْدَةَ فِي الْأُضْحِيّةِ تَجْزِي عَنْكَ وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَك وَالْكِفَايَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاجِبِ وَالْمُسْتَحَبّ . وَأَمّا مَنْعُهُ مِنْ الصّدَقَةِ بِمَا زَادَ عَلَى الثّلُثِ فَهُوَ إشَارَةٌ مِنْهُ عَلَيْهِ بِالْأَرْفَقِ بِهِ وَمَا يَحْصُلُ لَهُ بِهِ مَنْفَعَةُ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ فَإِنّهُ لَوْ مَكّنَهُ مِنْ إخْرَاجِ مَالِهِ كُلّهِ لَمْ يَصْبِرْ عَلَى الْفَقْرِ وَالْعَدَمُ كَمَا فَعَلَ بِاَلّذِي جَاءَهُ بِالصّرّةِ لِيَتَصَدّقَ بِهَا فَضَرَبَهُ بِهَا وَلَمْ يَقْبَلْهَا مِنْهُ خَوْفًا عَلَيْهِ مِنْ الْفَقْرِ وَعَدَمِ الصّبْرِ . وَقَدْ يُقَالُ - وَهُوَ أَرْجَحُ إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى - إنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَامَلَ كُلّ وَاحِدٍ مِمّنْ أَرَادَ الصّدَقَةَ بِمَالِهِ بِمَا يَعْلَمُ مِنْ حَالِهِ فَمَكّنَ أَبَا بَكْرٍ الصّدّيقَ مِنْ إخْرَاجِ مَالِهِ كُلّهِ وَقَالَ مَا أَبْقَيْتَ لِأَهْلِكَ ؟ " فَقَالَ أَبْقَيْتُ لَهُمْ اللّهَ وَرَسُولَهُ [ ص 516 ] وَأَقَرّ عُمَر ُ عَلَى الصّدَقَةِ بِشَطْرِ مَالِه وَمَنَعَ صَاحِبَ الصّرّةِ مِنْ التّصَدّقِ بِهَا وَقَالَ لِكَعْبٍ أَمْسِكْ عَلَيْكَ بَعْضَ مَالِك وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ تَعْيِينُ الْمُخْرَجِ بِأَنّهُ الثّلُثُ وَيَبْعُدُ جِدّا بِأَنْ يَكُونَ الْمُمْسَكُ ضِعْفَيْ الْمُخْرَجِ فِي هَذَا اللّفْظِ وَقَالَ لِأَبِي لُبَابَةَ يُجْزِئُك الثّلُثُ وَلَا تَنَاقُضَ بَيْنَ هَذِهِ الْأَخْبَارِ وَعَلَى هَذَا فَمَنْ نَذَرَ الصّدَقَةَ بِمَالِهِ كُلّهِ أَمْسَكَ مِنْهُ مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ هُوَ وَأَهْلُهُ وَلَا يَحْتَاجُونَ مَعَهُ إلَى سُؤَالِ النّاسِ مُدّةَ حَيَاتِهِمْ مِنْ رَأْسِ مَالٍ أَوْ عَقَارٍ أَوْ أَرْضٍ يَقُومُ مُغِلّهَا بِكِفَايَتِهِمْ وَتَصَدّقَ بِالْبَاقِي . وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ رَبِيعَةُ بْنُ أَبِي عَبْدِ الرّحْمَنِ : يَتَصَدّقُ مِنْهُ بِقَدْرِ الزّكَاةِ وَيُمْسِكُ الْبَاقِيَ . وَقَالَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ : إنْ كَانَ أَلْفَيْنِ فَأَكْثَرَ أَخْرَجَ عُشُرَهُ وَإِنْ كَانَ أَلْفًا فَمَا دُونَ فَسُبُعَهُ وَإِنْ كَانَ خَمْسَمِائَةٍ فَمَا دُونَ فَخُمُسَهُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللّهُ يَتَصَدّقُ بِكُلّ مَالِهِ الّذِي تَجِبُ فِيهِ الزّكَاةُ وَمَا لَا تَجِبُ فِيهِ الزّكَاةُ فَفِيهِ رِوَايَتَانِ أَحَدُهُمَا : يُخْرِجُهُ وَالثّانِيَةُ لَا يَلْزَمُهُ مِنْهُ شَيْءٌ . وَقَالَ الشّافِعِيّ : تَلْزَمُهُ الصّدَقَةُ بِمَالِهِ كُلّهِ وَقَالَ مَالِكٌ وَالزّهْرِيّ وَأَحْمَدُ يَتَصَدّقُ بِثُلُثِهِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَلْزَمُهُ كَفّارَةُ يَمِينٍ فَقَطْ . فَصْلٌ [ عَظَمَةُ الصّدْقِ ] وَمِنْهَا : عِظَمُ مِقْدَارِ الصّدْقِ وَتَعْلِيقُ سَعَادَةِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالنّجَاةِ مِنْ شَرّهِمَا بِهِ فَمَا أَنْجَى اللّهُ مَنْ أَنْجَاهُ إلّا بِالصّدْقِ وَلَا أَهْلَكَ مَنْ أَهْلَكَهُ إلّا [ ص 517 ] أَمَرَ اللّهُ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ فَقَالَ { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَكُونُوا مَعَ الصّادِقِينَ } [ التّوْبَةُ 119 ] . وَقَدْ قَسّمَ سُبْحَانَهُ الْخَلْقَ إلَى قِسْمَيْنِ سُعَدَاءُ وَأَشْقِيَاءُ فَجَعَلَ السّعَدَاءَ هُمْ أَهْلَ الصّدْقِ وَالتّصْدِيقِ وَالْأَشْقِيَاءَ هُمْ أَهْلَ الْكَذِبِ وَالتّكْذِيبِ وَهُوَ تَقْسِيمٌ حَاصِرٌ مُطّرِدٌ مُنْعَكِسٌ . فَالسّعَادَةُ دَائِرَةٌ مَعَ الصّدْقِ وَالتّصْدِيقِ وَالشّقَاوَةُ دَائِرَةٌ مَعَ الْكَذِبِ وَالتّكْذِيبِ . وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : أَنّهُ لَا يَنْفَعُ الْعِبَادَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلّا صِدْقُهُمْ . وَجَعَلَ عِلْمَ الْمُنَافِقِينَ الّذِي تَمَيّزُوا بِهِ هُوَ الْكَذِبَ فِي أَقْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ فَجَمِيعُ مَا نَعَاهُ عَلَيْهِمْ أَصْلُهُ الْكَذِبُ فِي الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ فَالصّدْقُ بَرِيدُ الْإِيمَانِ وَدَلِيلُهُ وَمَرْكَبُهُ وَسَائِقُهُ وَقَائِدُهُ وَحِلْيَتُهُ وَلِبَاسُهُ بَلْ هُوَ لُبّهُ وَرُوحُهُ . وَالْكَذِبُ بَرِيدُ الْكُفْرِ وَالنّفَاقِ وَدَلِيلُهُ وَمَرْكَبُهُ وَسَائِقه وَقَائِدُهُ وَحِلْيَتُهُ وَلِبَاسُهُ وَلُبّهُ فَمُضَادّةُ الْكَذِبِ لِلْإِيمَانِ كَمُضَادّةِ الشّرْكِ لِلتّوْحِيدِ فَلَا يَجْتَمِعُ الْكَذِبُ وَالْإِيمَانُ إلّا وَيَطّرِدُ أَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ وَيَسْتَقِرّ مَوْضِعُهُ وَاَللّهُ سُبْحَانَهُ أَنْجَى الثّلَاثَةَ بِصِدْقِهِمْ وَأَهْلَكَ غَيْرَهُمْ مِنْ الْمُخَلّفِينَ بِكَذِبِهِمْ فَمَا أَنْعَمَ اللّهُ عَلَى عَبْدٍ بَعْدَ الْإِسْلَامِ بِنِعْمَةٍ أَفْضَلَ مِنْ الصّدْقِ الّذِي هُوَ غِذَاءُ الْإِسْلَامِ وَحَيَاتِهِ وَلَا ابْتَلَاهُ بِبَلِيّةٍ أَعْظَمَ مِنْ الْكَذِبِ الّذِي هُوَ مَرَضُ الْإِسْلَامِ وَفَسَادُهُ وَاَللّهُ الْمُسْتَعَانُ . [ فَضْلُ التّوْبَةِ ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى : { لَقَدْ تَابَ اللّهُ عَلَى النّبِيّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الّذِينَ اتّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ يَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } [ التّوْبَةُ 117 ] هَذَا مِنْ أَعْظَمِ مَا يَعْرِفُ الْعَبْدُ قَدْرَ التّوْبَةِ وَفَضْلِهَا عِنْدَ اللّهِ وَأَنّهَا غَايَةُ كَمَالِ الْمُؤْمِنِ فَإِنّهُ سُبْحَانَهُ أَعْطَاهُمْ هَذَا الْكَمَالَ بَعْدَ آخِرِ الْغَزَوَاتِ بَعْدَ أَنْ قَضَوْا نَحْبَهُمْ وَبَذَلُوا نُفُوسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَدِيَارَهُمْ لِلّهِ وَكَانَ غَايَةَ أَمْرِهِمْ أَنْ تَابَ عَلَيْهِمْ وَلِهَذَا جَعَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ تَوْبَةِ كَعْبٍ خَيْرَ يَوْمٍ مَرّ عَلَيْهِ مُنْذُ وَلَدَتْهُ أُمّهُ إلَى ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَا يَعْرِفُ هَذَا حَقّ مَعْرِفَتِهِ إلّا مَنْ عَرَفَ اللّهَ وَعَرَفَ حُقُوقَهُ عَلَيْهِ وَعَرَفَ مَا يَنْبَغِي لَهُ مِنْ [ ص 518 ] وَعَرَفَ نَفْسَهُ وَصِفَاتِهَا وَأَفْعَالَهَا وَأَنّ الّذِي قَامَ بِهِ مِنْ الْعُبُودِيّةِ بِالنّسْبَةِ إلَى حَقّ رَبّهِ عَلَيْهِ كَقَطْرَةٍ فِي بَحْرٍ هَذَا إذَا سَلِمَ مِنْ الْآفَاتِ الظّاهِرَةِ وَالْبَاطِنَةِ فَسُبْحَانَ مَنْ لَا يَسَعُ عِبَادَهُ غَيْرُ عَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَتَغَمّدِهِ لَهُمْ بِمَغْفِرَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَلَيْسَ إلّا ذَلِكَ أَوْ الْهَلَاكُ فَإِنْ وَضَعَ عَلَيْهِمْ عَدْلَهُ فَعَذّبَ أَهْلَ سَمَاوَاتِهِ وَأَرْضِهِ عَذّبَهُمْ وَهُوَ غَيْرُ ظَالِمٍ لَهُمْ وَإِنْ رَحِمَهُمْ فَرَحْمَتُهُ خَيْرٌ لَهُمْ مِنْ أَعْمَالِهِمْ وَلَا يُنْجِي أَحَدًا مِنْهُمْ عَمَلُهُ . فَصْلٌ [ مَعْنَى تَكْرِيرِ اللّهِ لِلَفْظِ التّوْبَةِ فِي الْآيَةِ ] وَتَأَمّلْ تَكْرِيرَهُ سُبْحَانَهُ تَوْبَتَهُ عَلَيْهِمْ مَرّتَيْنِ فِي أَوّلِ الْآيَةِ وَآخِرِهَا فَإِنّهُ تَابَ عَلَيْهِمْ أَوّلًا بِتَوْفِيقِهِمْ لِلتّوْبَةِ فَلَمّا تَابُوا تَابَ عَلَيْهِمْ ثَانِيًا بِقَبُولِهَا مِنْهُمْ وَهُوَ الّذِي وَفّقَهُمْ لِفِعْلِهَا وَتَفَضّلَ عَلَيْهِمْ بِقَبُولِهَا فَالْخَيْرُ كُلّهُ مِنْهُ وَبِهِ وَلَهُ وَفِي يَدَيْهِ يُعْطِيهِ مَنْ يَشَاءُ إحْسَانًا وَفَضْلًا وَيَحْرِمُهُ مَنْ يَشَاءُ حِكْمَةً وَعَدْلًا . فَصْلٌ [ مَعْنَى كَلِمَةِ خُلّفُوا فِي الْآيَةِ ] وَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَعَلَى الثّلَاثَةِ الّذِينَ خُلّفُوا } [ التّوْبَةُ 118 ] قَدْ فَسّرَهَا كَعْبٌ بِالصّوَابِ وَهُوَ أَنّهُمْ خُلّفُوا مِنْ بَيْنِ حِلْفٍ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاعْتَذَرَ مِنْ الْمُتَخَلّفِينَ فَخَلّفَ هَؤُلَاءِ الثّلَاثَةَ عَنْهُمْ وَأَرْجَأَ أَمْرَهُمْ دُونَهُمْ وَلَيْسَ ذَلِكَ تَخَلّفُهُمْ عَنْ الْغَزْوِ لِأَنّهُ لَوْ أَرَادَ ذَلِكَ لَقَالَ تَخَلّفُوا كَمَا قَالَ تَعَالَى : { مَا كَانَ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهُمْ مِنَ الْأَعْرَابِ أَنْ يَتَخَلّفُوا عَنْ رَسُولِ اللّهِ } [ التّوْبَةُ 120 ] وَذَلِكَ لِأَنّهُمْ تَخَلّفُوا بِأَنْفُسِهِمْ بِخِلَافِ تَخْلِيفِهِمْ عَنْ أَمْرِ الْمُتَخَلّفِينَ سِوَاهُمْ فَإِنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الّذِي خَلّفَهُمْ عَنْهُمْ وَلَمْ يَتَخَلّفُوا عَنْهُ بِأَنْفُسِهِمْ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي حَجّةِ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ سَنَةَ تِسْعٍ بَعْدَ مَقْدِمِهِ مِنْ تَبُوكَ [ ص 519 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ أَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُنْصَرِفَهُ مِنْ تَبُوكَ بَقِيّةَ رَمَضَانَ وَشَوّالًا وَذَا الْقَعْدَةِ ثُمّ بَعَثَ أَبَا بَكْر ٍ أَمِيرًا عَلَى الْحَجّ سَنَةَ تِسْعٍ لِيُقِيمَ لِلْمُسْلِمِينَ حَجّهُمْ وَالنّاسُ مِنْ أَهْلِ الشّرْكِ عَلَى مَنَازِلِهِمْ مِنْ حَجّهِمْ فَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ وَالْمُؤْمِنُونَ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : فَخَرَجَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ الْمَدِينَةِ وَبَعَثَ مَعَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِعِشْرِينَ بَدَنَةً قَلّدَهَا وَأَشْعَرَهَا بِيَدِهِ عَلَيْهَا نَاجِيَةُ بْنُ جُنْدُبٍ الْأَسْلَمِيّ وَسَاقَ أَبُو بَكْرٍ خَمْسَ بَدَنَاتٍ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَنَزَلَتْ بَرَاءَةٌ فِي نَقْضِ مَا بَيْنَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ مِنْ الْعَهْدِ الّذِي كَانُوا عَلَيْهِ فَخَرَجَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَلَى نَاقَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعَضْبَاءِ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : فَلَمّا كَانَ بِالْعَرْجِ - وَابْنُ عَائِذٍ يَقُول : بضجنان - لَحِقَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَلَى الْعَضْبَاءِ فَلَمّا رَآهُ أَبُو بَكْرٍ قَالَ أَمِيرٌ أَوْ مَأْمُورٌ قَالَ لَا بَلْ مَأْمُورٌ ثُمّ مَضَيَا وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ أَسْتَعْمَلَك رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى الْحَجّ ؟ قَالَ لَا وَلَكِنْ بَعَثَنِي أَقْرَأُ بَرَاءَةً عَلَى النّاسِ وَأَنْبِذُ إلَى كُلّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ فَأَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنّاسِ حَجّهُمْ حَتّى إذَا كَانَ يَوْمُ النّحْرِ قَامَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَأَذّنَ فِي النّاسِ عِنْدَ الْجَمْرَةِ بِاَلّذِي أَمَرَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَنَبَذَ إلَى كُلّ ذِي عَهْدٍ عَهْدَهُ وَقَالَ أَيّهَا النّاسُ لَا يَدْخُلُ الْجَنّةَ كَافِرٌ وَلَا يَحُجّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ وَمَنْ كَانَ لَهُ عَهْدٌ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَهُوَ إلَى مُدّتِهِ وَقَالَ الْحُمَيْدِيّ حَدّثَنَا سُفْيَانُ قَالَ حَدّثَنِي أَبُو إسْحَاقَ الْهَمْدَانِيّ عَنْ زَيْدِ بْنِ يُثَيْعٍ قَالَ سَأَلْنَا عَلِيّا بِأَيّ شَيْءٍ بُعِثْتَ فِي الْحَجّةِ ؟ قَالَ بُعِثْتُ بِأَرْبَعٍ لَا يَدْخُلُ الْجَنّةَ إلّا نَفْسٌ مُؤْمِنَةٌ وَلَا يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ وَلَا يَجْتَمِعُ مُسْلِمٌ وَكَافِرٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ بَعْدَ عَامِهِ هَذَا وَمَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَهْدُ فَعَهْدُهُ إلَى مُدّتِهِ وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ عَهْدٌ فَأَجَلُهُ إلَى أَرْبَعِ أَشْهُر [ ص 520 ] وَفِي " الصّحِيحَيْن ِ " : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ بَعَثَنِي أَبُو بَكْرٍ فِي تِلْكَ الْحَجّةِ فِي مُؤَذّنَيْنِ بَعَثَهُمْ يَوْمَ النّحْرِ يُؤَذّنُونَ بِمِنًى : أَلّا يَحُجّ بَعْدَ هَذَا الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ ثُمّ أَرْدَفَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبَا بَكْرٍ بِعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا فَأَمَرَهُ أَنْ يُؤَذّنَ بِبَرَاءَةٍ قَالَ فَأَذّنَ مَعَنَا عَلِيّ فِي أَهْلِ مِنًى يَوْمَ النّحْرِ بِبَرَاءَةٍ وَأَلّا يَحُجّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ [ هَلْ كَانَتْ حَجّةُ الصّدّيقِ قَبْلَ فَرِيضَةِ الْحَجّ وَإِلْغَاءِ النّسِيءِ ] وَفِي هَذِهِ الْقِصّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ يَوْمُ النّحْرِ وَاخْتُلِفَ فِي حَجّةِ الصّدّيقِ هَذِهِ هَلْ هِيَ الّتِي أَسْقَطَتْ الْفَرْضَ أَوْ الْمُسْقِطَةُ هِيَ حَجّةُ الْوَدَاعِ مَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ أَصَحّهُمَا : الثّانِي وَالْقَوْلَانِ مَبْنِيّانِ عَلَى أَصْلَيْنِ أَحَدُهُمَا : هَلْ كَانَ الْحَجّ فُرِضَ قَبْلَ عَامِ حَجّةِ الْوَدَاعِ أَوْ لَا ؟ وَالثّانِي : هَلْ كَانَتْ حَجّةُ الصّدّيقِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فِي ذِي الْحَجّةِ أَوْ وَقَعَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ مِنْ أَجْلِ النّسِيءِ الّذِي كَانَ الْجَاهِلِيّةُ يُؤَخّرُونَ لَهُ الْأَشْهُرَ وَيُقَدّمُونَهَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَالثّانِي : قَوْلُ مُجَاهِدٍ وَغَيْرِهِ . وَعَلَى هَذَا فَلَمْ يُؤَخّرْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْحَجّ بَعْدَ فَرْضِهِ عَامًا وَاحِدًا بَلْ بَادَرَ إلَى الِامْتِثَالِ فِي الْعَامِ الّذِي فُرِضَ فِيهِ وَهَذَا هُوَ اللّائِقُ بِهَدْيِهِ وَحَالِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَيْسَ بِيَدِ مَنْ ادّعَى تَقَدّمَ فَرْضِ الْحَجّ سَنَةَ سِتّ أَوْ سَبْعٍ أَوْ ثَمَانٍ أَوْ تِسْعٍ دَلِيلٌ وَاحِدٌ . وَغَايَةُ مَا احْتَجّ بِهِ مَنْ قَالَ فُرِضَ سَنَةَ سِتّ قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَأَتِمّوا الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ لِلّهِ } [ الْبَقَرَةُ 196 ] وَهِيَ قَدْ نَزَلَتْ بِالْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتّ وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ ابْتِدَاءُ فَرْضِ الْحَجّ وَإِنّمَا فِيهِ الْأَمْرُ بِإِتْمَامِهِ إذَا شُرِعَ فِيهِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ وُجُوبِ ابْتِدَائِهِ وَآيَةُ فَرْضِ الْحَجّ وَهِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَلِلّهِ عَلَى النّاسِ حِجّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا } [ آلُ عِمْرَانَ 97 ] [ ص 521 ] عَامَ الْوُفُودِ أَوَاخِرَ سَنَةَ تِسْعٍ . فَصْلٌ فِي قُدُومِ وُفُودِ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ وَفْدُ ثَقِيفٍ ] فَقَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ ثَقِيفٍ وَقَدْ تَقَدّمَ مَعَ سِيَاقِ غَزْوَةِ الطّائِفِ . قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : وَأَقَامَ أَبُو بَكْرٍ لِلنّاسِ حَجّهُمْ وَقَدِمَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثّقَفِيّ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِيَرْجِعَ إلَى قَوْمِهِ فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدّمَ وَقَالَ فَقَدِمَ وَفْدُهُمْ وَفِيهِمْ كِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ ياليل وَهُوَ رَأْسُهُمْ يَوْمَئِذٍ وَفِيهِمْ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ وَهُوَ أَصْغَرُ الْوَفْدِ فَقَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ : يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْزِلْ قَوْمِي عَلَيّ فَأَكْرِمْهُمْ فَإِنّي حَدِيثُ الْجُرْحِ فِيهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " لَا أَمْنَعُكَ أَنْ تُكْرِمَ قَوْمَك وَلَكِنْ أَنْزِلْهُمْ حَيْثُ يَسْمَعُونَ الْقُرْآنَ " وَكَانَ مِنْ جُرْحِ الْمُغِيرَةِ فِي قَوْمِهِ أَنّهُ كَانَ أَجِيرًا لِثَقِيفٍ وَأَنّهُمْ أَقْبَلُوا مِنْ مُضَرَ حَتّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطّرِيقِ عَدَا عَلَيْهِمْ وَهُمْ نِيَامٌ فَقَتَلَهُمْ ثُمّ أَقْبَلَ بِأَمْوَالِهِمْ حَتّى أَتَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " أَمّا الْإِسْلَامُ فَنَقْبَلُ وَأَمّا الْمَالُ فَلَا فَإِنّا لَا نَغْدِرُ " وَأَبَى أَنْ يُخَمّسَ مَا مَعَهُ وَأَنْزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفْدَ ثَقِيفٍ فِي الْمَسْجِدِ وَبَنَى لَهُمْ خِيَامًا لِكَيْ يَسْمَعُوا الْقُرْآنَ وَيَرَوْا النّاسَ إذَا صَلّوْا وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا خَطَبَ لَا يَذْكُرُ نَفْسَهُ فَلَمّا سَمِعَهُ وَفْدُ ثَقِيفٍ قَالُوا : يَأْمُرُنَا أَنْ نَشْهَدَ أَنّهُ رَسُولُ اللّهِ وَلَا يَشْهَدُ بِهِ فِي خُطْبَتِهِ فَلَمّا بَلَغَهُ قَوْلُهُمْ قَالَ فَإِنّي أَوّلُ مَنْ شَهِدَ أَنّي رَسُولُ اللّهِ . وَكَانُوا يَغْدُونَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كُلّ يَوْمٍ وَيُخَلّفُونَ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ عَلَى رِحَالِهِمْ لِأَنّهُ أَصْغَرُهُمْ فَكَانَ عُثْمَانُ كُلّمَا رَجَعَ الْوَفْدُ إلَيْهِ وَقَالُوا بِالْهَاجِرَةِ عَمَدَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَسَأَلَهُ عَنْ الدّينِ وَاسْتَقْرَأَهُ الْقُرْآنَ فَاخْتَلَفَ إلَيْهِ عُثْمَانُ مِرَارًا حَتّى فَقِهَ فِي الدّينِ وَعَلِمَ وَكَانَ إذَا وَجَدَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَائِمًا عَمَدَ إلَى أَبِي بَكْر ٍ وَكَانَ يَكْتُمُ ذَلِكَ مِنْ أَصْحَابِهِ فَأَعْجَبَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَحَبّهُ فَمَكَثَ الْوَفْدُ يَخْتَلِفُونَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا فَقَالَ كِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ ياليل : هَلْ أَنْتَ مُقَاضِينَا حَتّى نَرْجِعَ إلَى قَوْمِنَا ؟ قَالَ [ ص 522 ] بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ " . قَالَ أَفَرَأَيْت الزّنَى فَإِنّا قَوْمٌ نَغْتَرِبُ وَلَا بُدّ لَنَا مِنْهُ ؟ قَالَ " هُوَ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ فَإِنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ يَقُولُ { وَلَا تَقْرَبُوا الزّنَا إِنّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا } [ الْإِسْرَاءُ : 32 ] قَالُوا : أَفَرَأَيْتَ الرّبَا فَإِنّهُ أَمْوَالُنَا كُلّهَا ؟ قَالَ " لَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ إنّ اللّه تَعَالَى يَقُولُ { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } [ الْبَقَرَةُ 278 ] . قَالُوا : أَفَرَأَيْت الْخَمْرَ فَإِنّهُ عَصِيرُ أَرْضِنَا لَا بُدّ لَنَا مِنْهَا ؟ قَالَ " إنّ اللّهَ قَدْ حَرّمَهَا وَقَرَأَ { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِنّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ الْمَائِدَةُ 90 ] فَارْتَفَعَ الْقَوْمُ فَخَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَقَالُوا : وَيْحَكُمْ إنّا نَخَافُ إنْ خَالَفْنَاهُ يَوْمًا كَيَوْمِ مَكّةَ انْطَلِقُوا نُكَاتِبُهُ عَلَى مَا سَأَلْنَاهُ فَأَتَوْا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالُوا : نَعَمْ لَك مَا سَأَلْت أَرَأَيْت الرّبّةَ مَاذَا نَصْنَعُ فِيهَا ؟ قَالَ " اهْدِمُوهَا " . قَالُوا : هَيْهَاتَ لَوْ تَعْلَمُ الرّبّةُ أَنّك تُرِيدُ هَدْمَهَا لَقَتَلْت أَهْلَهَا فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ : وَيْحَك يَا ابْنَ عَبْدِ ياليل مَا أَجْهَلَك إنّمَا الرّبّةُ حَجَرٌ . فَقَالُوا : إنّا لَمْ نَأْتِك يَا ابْنَ الْخَطّابِ وَقَالُوا لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَوَلّ أَنْتَ هَدْمَهَا فَأَمّا نَحْنُ فَإِنّا لَا نَهْدِمُهَا أَبَدًا . قَالَ " فَسَأَبْعَثُ إلَيْكُمْ مَنْ يَكْفِيكُمْ هَدْمَهَا " فَكَاتَبُوهُ فَقَالَ كِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ ياليل : ائْذَنْ لَنَا قَبْلَ رَسُولِك ثُمّ ابْعَثْ فِي آثَارِنَا فَإِنّا أَعْلَمُ بِقَوْمِنَا فَأَذِنَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَكْرَمَهُمْ وَحَبَاهُمْ وَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ أَمّرْ عَلَيْنَا رَجُلًا يُؤَمّنَا مِنْ قَوْمِنَا فَأَمّرَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ لِمَا رَأَى مِنْ حِرْصِهِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَكَانَ قَدْ تَعَلّمَ سُوَرًا مِنْ الْقُرْآنِ قَبْلَ أَنْ يَخْرَجَ فَقَالَ كِنَانَةُ بْنُ عَبْدِ ياليل : أَنَا أَعْلَمُ النّاسِ بِثَقِيفٍ فَاكْتُمُوهُمْ الْقَضِيّةَ وَخَوّفُوهُمْ بِالْحَرْبِ وَالْقِتَالِ وَأَخْبِرُوهُمْ أَنّ مُحَمّدًا سَأَلَنَا أُمُورًا أَبَيْنَاهَا عَلَيْهِ سَأَلَنَا أَنْ نَهْدِمَ اللّاتَ وَالْعُزّى وَأَنْ نُحَرّمَ الْخَمْرَ وَالزّنَى وَأَنْ نُبْطِلَ أَمْوَالَنَا فِي الرّبَا . فَخَرَجَتْ ثَقِيفٌ حِينَ دَنَا مِنْهُمْ الْوَفْدُ يَتَلَقّوْنَهُمْ فَلَمّا رَأَوْهُمْ قَدْ سَارُوا الْعَنَقَ وَقَطَرُوا الْإِبِلَ وَتَغَشّوْا ثِيَابَهُمْ كَهَيْئَةِ الْقَوْمِ قَدْ حَزِنُوا وَكَرَبُوا وَلَمْ يَرْجِعُوا بِخَيْرٍ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ مَا جَاءَ وَفْدُكُمْ بِخَيْرٍ وَلَا رَجَعُوا بِهِ وَتَرَجّلَ [ ص 523 ] اللّاتَ وَنَزَلُوا عِنْدَهَا - وَاللّاتُ وَثَنٌ كَانَ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ الطّائِفِ يُسْتَرُ وَيُهْدَى لَهُ الْهَدْيُ كَمَا يُهْدَى لِبَيْتِ اللّهِ الْحَرَامِ - فَقَالَ نَاسٌ مِنْ ثَقِيفٍ حِينَ نَزَلَ الْوَفْدُ إلَيْهَا : إنّهُمْ لَا عَهْدَ لَهُمْ بِرُؤْيَتِهَا ثُمّ رَجَعَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إلَى أَهْلِهِ وَجَاءَ كُلّا مِنْهُمْ خَاصّتُهُ مِنْ ثَقِيفٍ فَسَأَلُوهُمْ مَاذَا جِئْتُمْ بِهِ وَمَاذَا رَجَعْتُمْ بِهِ ؟ قَالُوا : أَتَيْنَا رَجُلًا فَظّا غَلِيظًا يَأْخُذُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ قَدْ ظَهَرَ بِالسّيْفِ وَدَاخَ لَهُ الْعَرَبُ وَدَانَ لَهُ النّاسُ فَعَرَضَ عَلَيْنَا أُمُورًا شِدَادًا : هَدَمَ اللّاتَ وَالْعُزّى وَتَرَكَ الْأَمْوَالَ فِي الرّبَا إلّا رُءُوسَ أَمْوَالِكُمْ وَحَرّمَ الْخَمْرَ وَالزّنَى فَقَالَتْ ثَقِيفٌ : وَاَللّهِ لَا نَقْبَلُ هَذَا أَبَدًا . فَقَالَ الْوَفْدُ أَصْلِحُوا السّلَاحَ وَتَهَيّئُوا لِلْقِتَالِ وَتَعَبّئُوا لَهُ وَرُمّوا حِصْنَكُمْ . فَمَكَثَتْ ثَقِيفٌ بِذَلِكَ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً يُرِيدُونَ الْقِتَالَ ثُمّ أَلْقَى اللّهُ عَزّ وَجَلّ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ وَقَالُوا : وَاَللّهِ مَا لَنَا بِهِ طَاقَةٌ وَقَدْ دَاخَ لَهُ الْعَرَبُ كُلّهَا فَارْجِعُوا إلَيْهِ فَأَعْطُوهُ مَا سَأَلَ وَصَالِحُوهُ عَلَيْهِ . فَلَمّا رَأَى الْوَفْدُ أَنّهُمْ قَدْ رَغِبُوا وَاخْتَارُوا الْأَمَانَ عَلَى الْخَوْفِ وَالْحَرْبِ قَالَ الْوَفْدُ فَإِنّا قَدْ قَاضَيْنَاهُ وَأَعْطَيْنَاهُ مَا أَحْبَبْنَا وَشَرَطْنَا مَا أَرَدْنَا وَوَجَدْنَاهُ أَتْقَى النّاسِ وَأَوْفَاهُمْ وَأَرْحَمَهُمْ وَأَصْدَقَهُمْ وَقَدْ بُورِكَ لَنَا وَلَكُمْ فِي مَسِيرِنَا إلَيْهِ وَفِيمَا قَاضَيْنَاهُ عَلَيْهِ فَاقْبَلُوا عَافِيَةَ اللّهِ فَقَالَتْ ثَقِيفٌ : فَلِمَ كَتَمْتُمُونَا هَذَا الْحَدِيثَ وَغَمَمْتُمُونَا أَشَدّ الْغَمّ ؟ قَالُوا : أَرَدْنَا أَنْ يَنْزِعَ اللّهُ مِنْ قُلُوبِكُمْ نَخْوَةَ الشّيْطَانِ فَأَسْلَمُوا مَكَانَهُمْ وَمَكَثُوا أَيّامًا . ثُمّ قَدِمَ عَلَيْهِمْ رُسُلُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ أَمّرَ عَلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَفِيهِمْ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَلَمّا قَدِمُوا عَمَدُوا إلَى اللّاتِ لِيَهْدِمُوهَا وَاسْتَكْفَتْ ثَقِيفٌ كُلّهَا الرّجَالُ وَالنّسَاءُ وَالصّبْيَانُ حَتّى خَرَجَ الْعَوَاتِقُ مِنْ الْحِجَالِ لَا تَرَى عَامّةُ ثَقِيفٍ أَنّهَا مَهْدُومَةٌ يَظُنّونَ أَنّهَا مُمْتَنِعَةٌ فَقَامَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَأَخَذَ الْكِرْزَيْنِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ وَاَللّهِ لَأُضْحِكَنكُمْ مِنْ ثَقِيفٍ فَضَرَبَ بِالْكِرْزَيْنِ ثُمّ سَقَطَ يَرْكُضُ فَارْتَجّ أَهْلُ الطّائِفِ بِضَجّةٍ وَاحِدَةٍ وَقَالُوا : أَبْعَدَ اللّهُ الْمُغِيرَةَ قَتَلَتْهُ الرّبّةُ وَفَرِحُوا حِينَ رَأَوْهُ سَاقِطًا وَقَالُوا : مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فَلْيَقْرَبْ وَلْيَجْتَهِدْ عَلَى هَدْمِهَا فَوَاَللّهِ لَا تُسْتَطَاعُ [ ص 524 ] الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَقَالَ قَبّحَكُمْ اللّهُ يَا مَعْشَرَ ثَقِيفٍ إنّمَا هِيَ لَكَاعُ حِجَارَةٍ وَمَدَرٍ فَاقْبَلُوا عَافِيَةَ اللّهِ وَاعْبُدُوهُ ثُمّ ضَرَبَ الْبَابَ فَكَسَرَهُ ثُمّ عَلَا سُوَرُهَا وَعَلَا الرّجَالُ مَعَهُ فَمَا زَالُوا يَهْدِمُونَهَا حَجَرًا حَجَرًا حَتّى سَوّوْهَا بِالْأَرْضِ وَجَعَلَ صَاحِبُ الْمِفْتَاحِ يَقُولُ لَيَغْضَبَن الْأَسَاسُ فَلْيَخْسِفَنّ بِهِمْ فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ الْمُغِيرَةُ قَالَ لِخَالِدٍ دَعْنِي أَحْفِرْ أَسَاسَهَا فَحَفَرَهُ حَتّى أَخْرَجُوا تُرَابَهَا وَانْتَزَعُوا حُلِيّهَا وَلِبَاسَهَا فَبُهِتَتْ ثَقِيفٌ فَقَالَتْ عَجُوزٌ مِنْهُمْ أَسْلَمَهَا الرّضَاعُ وَتَرَكُوا الْمِصَاعَ . وَأَقْبَلَ الْوَفْدُ حَتّى دَخَلُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِحُلِيّهَا وَكِسْوَتِهَا فَقَسَمَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ يَوْمِهِ وَحَمِدَ اللّهَ عَلَى نُصْرَةِ نَبِيّهِ وَإِعْزَازِ دِينِه وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّهُ أَعْطَاهُ لِأَبِي سُفْيَانَ بْنِ حَرْبٍ هَذَا لَفْظُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ . وَزَعَمَ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدِمَ مِنْ تَبُوكَ فِي رَمَضَانَ وَقَدِمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الشّهْرِ وَفْدُ ثَقِيفٍ . وَرُوّينَا فِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُد " عَنْ جَابِرٍ قَالَ اشْتَرَطَتْ ثَقِيفٌ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَلّا صَدَقَةَ عَلَيْهَا وَلَا جِهَادَ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعْدَ ذَلِكَ سَيَتَصَدّقُونَ وَيُجَاهِدُونَ إذَا أَسْلَمُوا وَرُوّينَا فِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُد الطّيَالِسِيّ " عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَهُ أَنْ يَجْعَلَ مَسْجِدَ الطّائِفِ حَيْثُ كَانَتْ طَاغِيَتُهُمْ وَفِي " الْمُغَازِي " لِمُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَبْدِ الرّحْمَنِ الطّائِفِيّ يُحَدّثُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ عَنْ عَمّهِ عَمْرِو بْنِ أَوْسٍ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قَالَ اسْتَعْمَلَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَنَا أَصْغَرُ السّتّةِ الّذِينَ وَفَدُوا عَلَيْهِ مِنْ ثَقِيفٍ وَذَلِكَ أَنّي كُنْتُ قَرَأْتُ سُورَةَ الْبَقَرَةَ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ الْقُرْآنَ يَتَفَلّتُ مِنّي فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِي وَقَالَ " يَا شَيْطَانُ اُخْرُجْ مِنْ صَدْرِ عُثْمَانَ " فَمَا نَسِيتُ شَيْئًا بَعْدَهُ أُرِيدُ حِفْظَهُ [ ص 525 ] وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ الشّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي قَالَ ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزَبَ فَإِذَا أَحْسَسْته فَتَعَوّذْ بِاَللّهِ مِنْهُ وَاتْفِلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًا فَفَعَلْت فَأَذْهَبَهُ اللّهُ عَنّي . فَصْلٌ [ إذَا قَدِمَ الْحَرْبِيّ مُسْلِمًا لَا يَضْمَنُ مَا أَخَذَهُ أَوْ فَعَلَهُ قَبْلَ إسْلَامِهِ ] وَفِي قِصّةِ هَذَا الْوَفْدِ مِنْ الْفِقْهِ أَنّ الرّجُلَ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا غَدَرَ بِقَوْمِهِ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ ثُمّ قَدِمَ مُسْلِمًا لَمْ يَتَعَرّضْ لَهُ الْإِمَامُ وَلَا لِمَا أَخَذَهُ مِنْ الْمَالِ وَلَا يَضْمَنُ مَا أَتْلَفَهُ قَبْلَ مَجِيئِهِ مِنْ نَفْسٍ وَلَا مَالٍ كَمَا لَمْ يَتَعَرّضْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِمَا أَخَذَهُ الْمُغِيرَةُ مِنْ أَمْوَالِ الثّقَفِيّينَ وَلَا ضَمِنَ مَا أَتْلَفَهُ عَلَيْهِمْ وَقَالَ أَمّا الْإِسْلَامُ فَأَقْبَلُ وَأَمّا الْمَالُ فَلَسْت مِنْهُ فِي شَيْءٍ . [ جَوَازُ إنْزَالِ الْمُشْرِكِ فِي الْمَسْجِدِ ] وَمِنْهَا : جَوَازُ إنْزَالِ الْمُشْرِكِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا سِيّمَا إذَا كَانَ يَرْجُو إسْلَامَهُ وَتَمْكِينَهُ مِنْ سَمَاعِ الْقُرْآنِ وَمُشَاهَدَةِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ وَعِبَادَتِهِمْ . [ حُسْنُ سِيَاسَةِ الْوَفْدِ ] وَمِنْهَا : حُسْنُ سِيَاسَةِ الْوَفْدِ وَتَلَطّفُهُمْ حَتّى تَمَكّنُوا مِنْ إبْلَاغِ ثَقِيفٍ مَا قَدِمُوا بِهِ فَتَصَوّرُوا لَهُمْ بِصُورَةِ الْمُنْكِرِ لِمَا يَكْرَهُونَهُ الْمُوَافِقُ لَهُمْ فِيمَا يَهْوَوْنَهُ حَتّى رَكَنُوا إلَيْهِمْ وَاطْمَأَنّوا فَلَمّا عَلِمُوا أَنّهُ لَيْسَ لَهُمْ بُدّ مِنْ الدّخُولِ فِي دَعْوَةِ الْإِسْلَامِ أَذْعَنُوا فَأَعْلَمَهُمْ الْوَفْدُ أَنّهُمْ بِذَلِكَ قَدْ جَاءُوهُمْ وَلَوْ فَاجَئُوهُمْ بِهِ مِنْ أَوّلِ وَهْلَةٍ لِمَا أَقَرّوا بِهِ وَلَا أَذْعَنُوا وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ [ ص 526 ] وَمِنْهَا : أَنّ الْمُسْتَحِقّ لِإِمْرَةِ الْقَوْمِ وَإِمَامَتِهِمْ أَفْضَلُهُمْ وَأَعْلَمُهُمْ بِكِتَابِ اللّهِ وَأَفْقَهُهُمْ فِي دِينِهِ . [ هَدْمُ مَوَاضِعِ الشّرْكِ ] وَمِنْهَا : هَدْمُ مَوَاضِعِ الشّرْكِ الّتِي تُتّخَذُ بُيُوتًا لِلطّوَاغِيتِ وَهَدْمُهَا أَحَبّ إلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنْفَعُ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ مِنْ هَدْمِ الْحَانَاتِ وَالْمَوَاخِيرِ وَهَذَا حَالُ الْمَشَاهِدِ الْمَبْنِيّةِ عَلَى الْقُبُورِ الّتِي تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللّهِ وَيُشْرَكُ بِأَرْبَابِهَا مَعَ اللّهِ لَا يَحِلّ إبْقَاؤُهَا فِي الْإِسْلَامِ وَيَجِبُ هَدْمُهَا وَلَا يَصِحّ وَقْفُهَا وَلَا الْوَقْفُ عَلَيْهَا وَلِلْإِمَامِ أَنْ يُقْطِعَهَا وَأَوْقَافَهَا لِجُنْدِ الْإِسْلَامِ وَيَسْتَعِينَ بِهَا عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِكَ مَا فِيهَا مِنْ الْآلَاتِ وَالْمَتَاعِ وَالنّذُورِ الّتِي تُسَاقُ إلَيْهَا يُضَاهَى بِهَا الْهَدَايَا الّتِي تُسَاقُ إلَى الْبَيْتِ الْحَرَامِ لِلْإِمَامِ أَخْذُهَا كُلّهَا وَصَرْفُهَا فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا أَخَذَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمْوَالَ بُيُوتِ هَذِهِ الطّوَاغِيتِ وَصَرَفَهَا فِي مَصَالِحِ الْإِسْلَامِ وَكَانَ يَفْعَلُ عِنْدَهَا مَا يَفْعَلُ عِنْدَ هَذِهِ الْمَشَاهِدِ سَوَاءٌ مِنْ النّذُورِ لَهَا وَالتّبَرّكِ بِهَا وَالتّمَسّحِ بِهَا وَتَقْبِيلِهَا وَاسْتِلَامِهَا هَذَا كَانَ شِرْكَ الْقَوْمِ بِهَا وَلَمْ يَكُونُوا يَعْتَقِدُونَ أَنّهَا خَلَقَتْ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بَلْ كَانَ شِرْكُهُمْ بِهَا كَشِرْكِ أَهْلِ الشّرْكِ مِنْ أَرْبَابِ الْمَشَاهِدِ بِعَيْنِهِ . [ اسْتِحْبَابُ اتّخَاذِ الْمَسَاجِدِ مَكَانَ بُيُوتِ الطّوَاغِيتِ ] وَمِنْهَا : اسْتِحْبَابُ اتّخَاذِ الْمَسَاجِدِ مَكَانَ بُيُوتِ الطّوَاغِيتِ فَيُعْبَدُ اللّهُ وَحْدَهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا فِي الْأَمْكِنَةِ الّتِي كَانَ يُشْرَكُ بِهِ فِيهَا وَهَكَذَا الْوَاجِبُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَشَاهِدِ أَنْ تُهْدَمَ وَتُجْعَلَ مَسَاجِدَ إنْ احْتَاجَ إلَيْهَا الْمُسْلِمُونَ وَإِلّا أَقْطَعَهَا الْإِمَامُ هِيَ وَأَوْقَافُهَا لِلْمُقَاتِلَةِ وَغَيْرِهِمَا . [ التّعَوّذُ مِنْ الشّيْطَانِ ] وَمِنْهَا : أَنّ الْعَبْدَ إذَا تَعَوّذَ بِاَللّهِ مِنْ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ وَتَفَلَ عَنْ يَسَارِهِ لَمْ يَضُرّهُ ذَلِكَ وَلَا يَقْطَعُ صَلَاتَهُ بَلْ هَذَا مِنْ تَمَامِهَا وَكَمَالِهَا وَاَللّهُ أَعْلَمُ . [ ص 527 ] فَصْلٌ [ الْوُفُودُ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَلَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَكّةَ وَفَرَغَ مِنْ تَبُوكَ وَأَسْلَمَتْ ثَقِيفٌ وَبَايَعَتْ ضَرَبَتْ إلَيْهِ وُفُودُ الْعَرَبِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ فَدَخَلُوا فِي دِينِ اللّهِ أَفْوَاجًا يَضْرِبُونَ إلَيْهِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ . فَصْلٌ وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُ وَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ وَوَفْدِ طَيّئٍ . [ وَفْدُ بَنِي عَامِرٍ ] ذُكِرَ وَفْدُ بَنِي عَامِرٍ وَدُعَاءُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ وَكِفَايَةُ اللّهِ شَرّهُ وَشَرّ أَرْبَدَ بْنِ قَيْسٍ بَعْدَ أَنْ عَصَمَ مِنْهُمَا نَبِيّهُ . رُوّينَا فِي كِتَابِ " الدّلَائِلِ " لِلْبَيْهَقِيّ عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ أَبِي الْعَلَاءِ قَالَ وَفَدَ أَبِي فِي وَفْدِ بَنِي عَامِرٍ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالُوا : أَنْتَ سَيّدُنَا وَذُو الطّوْلِ عَلَيْنَا فَقَالَ مَهْ مَهْ قُولُوا بِقَوْلِكُمْ وَلَا يَسْتَجْرِيَنّكُم الشّيْطَانُ السّيّدُ اللّهُ [ ص 528 ] رُوّينَا عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ قَالَ لَمّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفْدُ بَنِي عَامِرٍ فِيهِمْ عَامِرُ بْنُ الطّفَيْلِ وَأَرْبَدُ بْنُ قَيْسِ بْنِ جُزْءِ بْنِ خَالِدِ بْنِ جَعْفَرٍ وَجَبّارِ بْنِ سُلْمَى بْنِ مَالِكِ بْنِ جَعْفَرٍ وَكَانَ هَؤُلَاءِ النّفَرُ رُؤَسَاءَ الْقَوْمِ وَشَيَاطِينَهُمْ فَقَدِمَ عَدُوّ اللّهِ عَامِرُ بْنُ الطّفَيْلِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ يُرِيدُ الْغَدْرَ بِهِ فَقَالَ لَهُ قَوْمُهُ يَا عَامِرُ إنّ النّاسَ قَدْ أَسْلَمُوا فَقَالَ وَاَللّهِ لَقَدْ كُنْتُ آلَيْتُ أَلّا أَنْتَهِيَ حَتّى تَتَبّعَ الْعَرَبُ عَقِبِي وَأَنَا أَتْبَعُ عَقِبَ هَذَا الْفَتَى مِنْ قُرَيْشٍ ثُمّ قَالَ لِأَرْبَدَ : إذَا قَدِمْنَا عَلَى الرّجُلِ فَإِنّي شَاغِلٌ عَنْك وَجْهَهُ فَإِذَا فَعَلْتُ ذَلِكَ فَاعْلُهُ بِالسّيْفِ . فَلَمّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ عَامِرٌ يَا مُحَمّد ُ خَالِنِي . قَالَ " لَا وَاَللّهِ حَتّى تُؤْمِنَ بِاَللّهِ وَحْدَهُ " . قَالَ يَا مُحَمّد ُ خَالِنِي . قَالَ " حَتّى تُؤْمِنَ بِاَللّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ " فَلَمّ أَبَى عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَهُ أَمَا وَاَللّهِ لَأَمْلَأَنهَا عَلَيْكَ خَيْلًا وَرِجَالًا . فَلَمّا وَلّى قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " اللّهُمّ اكْفِنِي عَامِرَ بْنَ الطّفَيْلِ " فَلَمّا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ عَامِرٌ لِأَرْبَدَ وَيْحَك يَا أَرْبَدُ أَيْنَ مَا كُنْتُ أَمَرْتُك بِهِ ؟ وَاَللّهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ أَخْوَفُ عِنْدِي عَلَى نَفْسِي مِنْك وَاَيْمُ اللّهِ لَا أَخَافُك بَعْدَ الْيَوْمِ أَبَدًا . قَالَ لَا أَبَا لَك لَا تَعْجَلْ عَلَيّ فَوَاَللّهِ مَا هَمَمْتُ بِاَلّذِي أَمَرْتنِي بِهِ إلّا دَخَلْتَ بَيْنِي وَبَيْنَ الرّجُلِ أَفَأَضْرِبُك بِالسّيْفِ ؟ ثُمّ خَرَجُوا رَاجِعِينَ إلَى بِلَادِهِمْ حَتّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطّرِيقِ بَعَثَ اللّهُ عَلَى عَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ الطّاعُونَ فِي عُنُقِهِ فَقَتَلَهُ اللّهُ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي سَلُولَ ثُمّ [ ص 529 ] خَرَجَ أَصْحَابُهُ حِينَ رَأَوْهُ حَتّى قَدِمُوا أَرْضَ بَنِي عَامِرٍ أَتَاهُمْ قَوْمُهُمْ فَقَالُوا : مَا وَرَاءَك يَا أَرْبَدُ ؟ فَقَالَ لَقَدْ دَعَانِي إلَى عِبَادَةِ شَيْءٍ لَوَدِدْتُ أَنّهُ عِنْدِي فَأَرْمِيَهُ بِنَبْلِي هَذِهِ حَتّى أَقْتُلَهُ فَخَرَجَ بَعْدَ مَقَالَتِهِ بِيَوْمٍ أَوْ بِيَوْمَيْنِ مَعَهُ جَمَلٌ يَتْبَعُهُ فَأَرْسَلَ اللّهُ عَلَيْهِ وَعَلَى جَمَلِهِ صَاعِقَةً فَأَحْرَقَتْهُمَا وَكَانَ أَرْبَدُ أَخَا لَبِيدِ بْنِ رَبِيعَةَ لِأُمّهِ فَبَكَى وَرَثَاهُ . وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " أَنّ عَامِرَ بْنَ الطّفَيْلِ أَتَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ أُخَيّرُك بَيْنَ ثَلَاثِ خِصَالٍ يَكُونُ لَك أَهْلُ السّهْلِ وَلِي أَهْلُ الْمَدَرِ أَوْ أَكُونُ خَلِيفَتَك مِنْ بَعْدِك أَوْ أَغْزُوك بِغَطَفَانَ بِأَلْفِ أَشْقَرَ وَأَلْفِ شَقْرَاءَ فَطُعِنَ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ فَقَالَ أَغُدّةٌ كَغُدّةِ الْبِكْرِ فِي بَيْتِ امْرَأَةٍ مِنْ بَنِي فُلَانٍ ائْتُونِي بِفَرَسِي فَرَكِبَ فَمَاتَ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِه فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْس فِي " الصّحِيحَيْن ِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ : أَنّ وَفْدَ عَبْدِ الْقَيْسِ قَدِمُوا عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ " مِمّنْ الْقَوْمُ ؟ " فَقَالُوا : مِنْ رَبِيعَةَ . فَقَالَ " مَرْحَبًا بِالْوَفْدِ غَيْرَ خَزَايَا وَلَا نَدَامَى " . فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ بَيْنَنَا وَبَيْنَك هَذَا الْحَيّ مِنْ كُفّارِ مُضَرَ وَإِنّا لَا نَصِلُ إلَيْك إلّا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ فَمُرْنَا بِأَمْرٍ فَصْلٍ نَأْخُذُ بِهِ وَنَأْمُرُ بِهِ مَنْ وَرَاءَنَا وَنَدْخُلُ بِهِ الْجَنّةَ فَقَالَ " آمُرُكُمْ بِأَرْبَعٍ وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ آمُرُكُمْ بِالْإِيمَانِ بِاَللّهِ وَحْدَهُ أَتَدْرُونَ مَا الْإِيمَانُ بِاَللّهِ ؟ شَهَادَةُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَأَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللّهِ وَإِقَامُ الصّلَاةِ وَإِيتَاءُ الزّكَاةِ وَصَوْمُ رَمَضَانَ وَأَنْ تُعْطُوا الْخُمُسَ مِنْ الْمَغْنَمِ . وَأَنْهَاكُمْ عَنْ أَرْبَعٍ عَنْ الدّبّاءِ وَالْحَنْتَمِ وَالنّقِيرِ وَالْمُزَفّتِ فَاحْفَظُوهُنّ وَادْعُوا إلَيْهِنّ مَنْ وَرَاءَكُمْ [ ص 530 ] زَادَ مُسْلِمٌ : قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ مَا عِلْمُكَ بِالنّقِيرِ ؟ قَالَ بَلَى جِذْعٌ تَنْقُرُونَهُ ثُمّ تُلْقُونَ فِيهِ مِنْ التّمْرِ ثُمّ تَصُبّونَ عَلَيْهِ الْمَاءَ حَتّى يَغْلِي فَإِذَا سَكَنَ شَرِبْتُمُوهُ فَعَسَى أَحَدُكُمْ أَنْ يَضْرِبَ ابْنَ عَمّهِ بِالسّيْفِ وَفِي الْقَوْمِ رَجُلٌ بِهِ ضَرْبَةٌ كَذَلِكَ . قَالَ وَكُنْت أَخْبَؤُهَا حَيَاءً مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالُوا : فَفِيمَ نَشْرَبُ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ " اشْرَبُوا فِي أَسْقِيَةِ الْأَدَمِ الّتِي يُلَاثُ عَلَى أَفْوَاهِهَا " . قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ أَرْضَنَا كَثِيرَةُ الْجِرْذَانِ لَا تَبْقَى فِيهَا أَسْقِيَةُ الْأُدُمِ قَالَ " وَإِنْ أَكَلَهَا الْجِرْذَانُ " مَرّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَشَجّ عَبْدِ الْقَيْسِ " إنّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبّهُمَا اللّهُ الْحِلْمُ وَالْأَنَاةُ " قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْجَارُودُ بْنُ بِشْرِ بْنِ الْمُعَلّى وَكَانَ نَصْرَانِيّا فَجَاءَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي وَفْدِ عَبْدِ الْقَيْسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي عَلَى دِينٍ وَإِنّي تَارِكٌ دِينِي لِدِينِك فَتَضْمَنُ لِي بِمَا فِيهِ ؟ قَالَ " نَعَمْ أَنَا ضَامِنٌ لِذَلِكَ إنّ الّذِي أَدْعُوكَ إلَيْهِ خَيْرٌ مِنْ الّذِي كُنْتَ عَلَيْهِ " فَأَسْلَمَ وَأَسْلَمَ أَصْحَابُهُ ثُمّ قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ احْمِلْنَا . فَقَالَ " وَاَللّهِ مَا عِنْدِي مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ " فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ بِلَادِنَا ضَوَالّ مِنْ ضَوَالّ النّاسِ أَفَنَتَبَلّغُ عَلَيْهَا ؟ قَالَ " لَا تِلْكَ حَرَقُ النّار " فَصْلٌ [ الْإِيمَانُ بِاَللّهِ يَتَضَمّنُ خِصَالًا أُخْرَى مِنْ قَوْلٍ وَفِعْلٍ ] [ ص 531 ] الْإِيمَانَ بِاَللّهِ هُوَ مَجْمُوعُ هَذِهِ الْخِصَالِ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ كَمَا عَلَى ذَلِكَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالتّابِعُونَ وَتَابِعُوهُمْ كُلّهُمْ ذَكَرَهُ الشّافِعِيّ فِي " الْمَبْسُوطِ " وَعَلَى ذَلِكَ مَا يُقَارِبُ مِائَةَ دَلِيلٍ مِنْ الْكِتَابِ وَالسّنّةِ [ عَدَمُ عَدّ الْحَجّ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ دَلِيلٌ عَلَى عَدَمِ فَرْضِيّتِهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ ] وَفِيهَا : أَنّهُ لَمْ يَعُدْ الْحَجّ فِي هَذِهِ الْخِصَالِ وَكَانَ قُدُومُهُمْ فِي سَنَةِ تِسْعٍ وَهَذَا أَحَدُ مَا يُحْتَجّ بِهِ عَلَى أَنّ الْحَجّ لَمْ يَكُنْ فُرِضَ بَعْدُ وَأَنّهُ إنّمَا فُرِضَ فِي الْعَاشِرَةِ وَلَوْ كَانَ فُرِضَ لَعَدّهُ مِنْ الْإِيمَانِ كَمَا عَدّ الصّوْمَ وَالصّلَاةَ وَالزّكَاةَ . [ لَا يُكْرَهُ قَوْلُ رَمَضَانُ لِلشّهْرِ ] وَفِيهَا : أَنّهُ لَا يُكْرَهُ أَنْ يُقَالَ رَمَضَانُ لِلشّهْرِ خِلَافًا لِمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ وَقَالَ لَا يُقَالُ إلّا شَهْرُ رَمَضَانَ . وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : مَنْ صَامَ رَمَضَانَ إيمَانًا وَاحْتِسَابًا غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِه وَفِيهَا : وُجُوبُ أَدَاءِ الْخُمُسِ مِنْ الْغَنِيمَةِ وَأَنّهُ مِنْ الْإِيمَانِ . [ النّهْيُ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي الْأَوْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي ذَلِكَ ] وَفِيهَا : النّهْيُ عَنْ الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ وَهَلْ تَحْرِيمُهُ بَاقٍ أَوْ مَنْسُوخٌ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ . وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى نَسْخِهِ بِحَدِيثِ بُرَيْدَةَ الّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَقَالَ فِيهِ وَكُنْتُ نَهَيْتُكُمْ عَنْ الْأَوْعِيَةِ فَانْتَبِذُوا فِيمَا بَدَا لَكُمْ وَلَا تَشْرَبُوا مُسْكِرًا وَمَنْ قَالَ بِإِحْكَامِ أَحَادِيثِ النّهْيِ وَأَنّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ قَالَ هِيَ أَحَادِيثُ تَكَادُ تَبْلُغُ التّوَاتُرَ فِي تَعَدّدِهَا وَكَثْرَةِ طُرُقِهَا وَحَدِيثُ الْإِبَاحَةِ فَرْدٌ فَلَا يَبْلُغُ مُقَاوَمَتَهَا وَسِرّ الْمَسْأَلَةِ أَنّ النّهْيَ عَنْ الْأَوْعِيَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ بَابِ سَدّ الذّرَائِعِ [ ص 532 ] وَقِيلَ بَلْ النّهْيُ عَنْهَا لِصَلَابَتِهَا وَأَنّ الشّرَابَ يُسْكِرُ فِيهَا وَلَا يُعْلَمُ بِهِ بِخِلَافِ الظّرُوفِ غَيْرِ الْمُزَفّتَةِ فَإِنّ الشّرَابَ مَتَى غَلَا فِيهَا وَأَسْكَرَ انْشَقّتْ فَيُعْلَمُ بِأَنّهُ مُسْكِرٌ فَعَلَى هَذِهِ الْعِلّةِ يَكُونُ الِانْتِبَاذُ فِي الْحِجَارَةِ وَالصّفْرِ أَوْلَى بِالتّحْرِيمِ وَعَلَى الْأَوّلِ لَا يَحْرُمُ إذْ لَا يُسْرِعُ الْإِسْكَارُ إلَيْهِ فِيهَا كَإِسْرَاعِهِ فِي الْأَرْبَعَةِ الْمَذْكُورَةِ وَعَلَى كِلَا الْعِلّتَيْنِ فَهُوَ مِنْ بَابِ سَدّ الذّرِيعَةِ كَالنّهْيِ أَوّلًا عَنْ زِيَارَةِ الْقُبُورِ سَدًا لِذَرِيعَةِ الشّرْكِ فَلَمّا اسْتَقَرّ التّوْحِيدُ فِي نُفُوسِهِمْ وَقَوِيَ عِنْدَهُمْ أَذِنَ فِي زِيَارَتهَا غَيْرَ أَنْ لَا يَقُولُوا هَجْرًا . وَهَكَذَا قَدْ يُقَالُ فِي الِانْتِبَاذِ فِي هَذِهِ الْأَوْعِيَةِ إنّهُ فَطَمَهُمْ عَنْ الْمُسْكِرِ وَأَوْعِيَتِهِ وَسَدّ الذّرِيعَةَ إلَيْهِ إذْ كَانُوا حَدِيثِي عَهْدٍ بِشُرْبِهِ فَلَمّا اسْتَقَرّ تَحْرِيمُهُ عِنْدَهُمْ وَاطْمَأَنّتْ إلَيْهِ نُفُوسُهُمْ أَبَاحَ لَهُمْ الْأَوْعِيَةَ كُلّهَا غَيْرَ أَنْ لَا يَشْرَبُوا مُسْكِرًا فَهَذَا فِقْهُ الْمَسْأَلَةِ وَسِرّهَا . [ مَدْحُ الْحُلْمِ وَالْأَنَاةِ ] وَفِيهَا : مَدْحُ صِفَتَيْ الْحِلْمِ وَالْأَنَاةِ وَأَنّ اللّهَ يُحِبّهُمَا وَضِدّهُمَا الطّيْشُ وَالْعَجَلَةُ وَهُمَا خُلُقَانِ مَذْمُومَانِ مُفْسِدَانِ لِلْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ . [ قَدْ يَحْصُلُ الْخُلُقُ بِالتّخَلّقِ ] وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ اللّهَ يُحِبّ مِنْ عَبْدِهِ مَا جَبَلَهُ عَلَيْهِ مِنْ خِصَالِ الْخَيْرِ كَالذّكَاءِ وَالشّجَاعَةِ وَالْحِلْمِ . [ اللّهُ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَخْلَاقِهِمْ ] وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ الْخُلُقَ قَدْ يَحْصُلُ بِالتّخَلّقِ وَالتّكَلّفِ لِقَوْلِهِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ خُلُقَيْنِ تَخَلّقْتُ بِهِمَا أَوْ جَبَلَنِي اللّهُ عَلَيْهِمَا ؟ " فَقَالَ " بَلْ جُبِلْت عَلَيْهِمَا وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُ سُبْحَانَهُ خَالِقُ أَفْعَالِ الْعِبَادِ وَأَخْلَاقِهِمْ كَمَا هُوَ خَالِقُ ذَوَاتِهِمْ وَصِفَاتِهِمْ فَالْعَبْدُ كُلّهُ مَخْلُوقٌ ذَاتُهُ وَصِفَاتُهُ وَأَفْعَالُهُ وَمَنْ أَخْرَجَ أَفْعَالَهُ عَنْ خُلُقِ اللّهِ فَقَدْ جَعَلَ فِيهِ خَالِقًا مَعَ اللّهِ وَلِهَذَا شَبّهَ السّلَفُ الْقَدَرِيّةَ النّفَاةَ بِالْمَجُوسِ وَقَالُوا : هُمْ مَجُوسُ هَذِهِ الْأُمّةِ صَحّ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ . [ إثْبَاتُ الْجَبْلِ لِلّهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَبْرِ ] [ ص 533 ] جَبَلَ الْأَشَجّ عَلَى الْحِلْمِ وَالْأَنَاةِ وَهُمَا فِعْلَانِ نَاشِئَانِ عَنْ خُلُقَيْنِ فِي النّفْسِ فَهُوَ سُبْحَانَهُ الّذِي جَبَلَ الْعَبْدَ عَلَى أَخْلَاقِهِ وَأَفْعَالِهِ وَلِهَذَا قَالَ الْأَوْزَاعِيّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمّةِ السّلَفِ نَقُولُ إنّ اللّهَ جَبَلَ الْعِبَادَ عَلَى أَعْمَالِهِمْ وَلَا نَقُولُ جَبَرَهُمْ عَلَيْهَا وَهَذَا مِنْ كَمَالِ عِلْمِ الْأَئِمّةِ وَدَقِيقِ نَظَرِهِمْ فَإِنّ الْجَبْرَ أَنْ يُحْمَلَ الْعَبْدُ عَلَى خِلَافِ مُرَادِهِ كَجَبْرِ الْبِكْرِ الصّغِيرَةِ عَلَى النّكَاحِ وَجَبْرِ الْحَاكِمِ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقّ عَلَى أَدَائِهِ وَاَللّهُ سُبْحَانَهُ أَقْدَرُ مِنْ أَنْ يَجْبُرَ عَبْدَهُ بِهَذَا الْمَعْنَى وَلَكِنّهُ يَجْبُلُهُ عَلَى أَنْ يَفْعَلَ مَا يَشَاءُ الرّبّ بِإِرَادَةِ عَبْدِهِ وَاخْتِيَارِهِ وَمَشِيئَتِهِ فَهَذَا لَوْنٌ وَالْجَبْرُ لَوْنٌ . [ لَا يَجُوزُ لِلرّجُلِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالضّالّةِ الّتِي لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا ] وَفِيهَا : أَنّ الرّجُلَ لَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَفِعَ بِالضّالّةِ الّتِي لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا كَالْإِبِلِ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يُجَوّزْ لِلْجَارُودِ رُكُوبَ الْإِبِلِ الضّالّةِ وَقَالَ ضَالّةُ الْمُسْلِمِ حَرَقُ النّار وَذَلِكَ لِأَنّهُ إنّمَا أَمَرَ بِتَرْكِهَا وَأَنْ لَا يَلْتَقِطَهَا حِفْظًا عَلَى رَبّهَا حَتّى يَجِدَهَا إذَا طَلَبَهَا فَلَوْ جَوّزَ لَهُ رُكُوبَهَا وَالِانْتِفَاعَ بِهَا لَأَفْضَى إلَى أَنْ لَا يَقْدِرَ عَلَيْهَا رَبّهَا وَأَيْضًا تَطْمَعُ فِيهَا النّفُوسُ وَتَتَمَلّكُهَا فَمَنَعَ الشّارِعُ مِنْ ذَلِكَ . فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي حَنِيفَةَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفْدُ بَنِي حَنِيفَةَ فِيهِمْ مُسَيْلِمَةُ الْكَذّابُ وَكَانَ مَنْزِلُهُمْ فِي دَارِ امْرَأَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ بَنِي النّجّارِ فَأَتَوْا بِمُسَيْلِمَةَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُسْتَرُ بِالثّيَابِ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي يَدِهِ عَسِيبٌ مِنْ سَعَفِ النّخْلِ فَلَمّا انْتَهَى إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُمْ يَسْتُرُونَهُ بِالثّيَابِ كَلّمَهُ وَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَوْ سَأَلْتنِي هَذَا الْعَسِيبَ الّذِي فِي يَدِي مَا أَعْطَيْتُك قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَقَالَ لِي شَيْخٌ مَنْ أَهْلِ الْيَمَامَةِ مِنْ بَنِي حَنِيفَةَ إنّ حَدِيثَهُ كَانَ عَلَى غَيْرِ هَذَا زَعَمَ أَنّ وَفْدَ بَنِي حَنِيفَةَ أَتَوْا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَخَلّفُوا مُسَيْلِمَةَ فِي رِحَالِهِمْ فَلَمّا أَسْلَمُوا ذَكَرُوا لَهُ مَكَانَهُ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّا قَدْ خَلّفْنَا صَاحِبًا [ ص 534 ] فَأَمَرَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَا أَمَرَ بِهِ لِلْقَوْمِ وَقَالَ أَمَا إنّهُ لَيْسَ بِشَرّكُمْ مَكَانًا يَعْنِي حِفْظَهُ ضَيْعَةَ أَصْحَابِهِ وَذَلِكَ الّذِي يُرِيدُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . ثُمّ انْصَرَفُوا وَجَاءُوهُ بِاَلّذِي أَعْطَاهُ فَلَمّا قَدِمُوا الْيَمَامَةَ ارْتَدّ عَدُوّ اللّهِ وَتَنَبّأَ وَقَالَ إنّي أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَهُ أَلَمْ يَقُلْ لَكُمْ حِينَ ذَكَرْتُمُونِي لَهُ أَمَا إنّهُ لَيْسَ بِشَرّكُمْ مَكَانًا وَمَا ذَاكَ إلّا لِمَا كَانَ يَعْلَمُ أَنّي قَدْ أُشْرِكْت فِي الْأَمْرِ مَعَهُ ثُمّ جَعَلَ يَسْجَعُ السّجَعَاتِ فَيَقُولُ لَهُمْ فِيمَا يَقُولُ مُضَاهَاةً لِلْقُرْآنِ لَقَدْ أَنْعَمَ اللّهُ عَلَى الْحُبْلَى أَخْرَجَ مِنْهَا نَسَمَةً تَسْعَى وَمِنْ بَيْنِ صِفَاقٍ وَحَشَا . وَوَضَعَ عَنْهُمْ الصّلَاةَ وَأَحَلّ لَهُمْ الْخَمْرَ وَالزّنَى وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ يَشْهَدُ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ نَبِيّ فَأَصْفَقَتْ مَعَهُ بَنُو حَنِيفَةَ عَلَى ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَدْ كَانَ كَتَبَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ مُسَيْلِمَةَ رَسُولِ اللّهِ إلَى مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ أَمّا بَعْدُ فَإِنّي أُشْرِكْتُ فِي الْأَمْرِ مَعَك وَإِنّ لَنَا نِصْفَ الْأَمْرِ وَلِقُرَيْشٍ نِصْفَ الْأَمْرِ وَلَيْسَ قُرَيْشٌ قَوْمًا يَعْدِلُونَ فَقَدِمَ عَلَيْهِ رَسُولُهُ بِهَذَا الْكِتَابِ فَكَتَبَ إلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ إلَى مُسَيْلِمَةَ الْكَذّابِ سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتّبَعَ الْهُدَى . أَمّا بَعْدُ فَإِنّ الْأَرْضَ لِلّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتّقِينَ وَكَانَ ذَلِكَ فِي آخِرِ سَنَةَ عَشْرٍ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَحَدّثَنِي سَعْدُ بْنُ طَارِقٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ جَاءَهُ رَسُولَا مُسَيْلِمَةَ الْكَذّابِ بِكِتَابِهِ يَقُولُ لَهُمَا : وَأَنْتُمَا تَقُولَانِ بِمِثْلِ مَا يَقُولُ ؟ " قَالَا : نَعَمْ . فَقَالَ " أَمَا وَاَللّهِ لَوْلَا أَنّ الرّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا [ ص 535 ] مُسْنَدِ أَبِي دَاوُدَ الطّيَالِسِيّ " عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ قَالَ جَاءَ ابْنُ النّوّاحَةِ وَابْنُ أَثَالٍ رَسُولَيْنِ لِمُسَيْلِمَةَ الْكَذّابِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللّهِ تَشْهَدَانِ أَنّي رَسُولُ اللّهِ ؟ " فَقَالَا : نَشْهَدُ أَنّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللّهِ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " آمَنْتُ بِاَللّهِ وَرَسُولِهِ وَلَوْ كُنْتُ قَاتِلًا رَسُولًا لَقَتَلْتُكُمَا قَالَ عَبْدُ اللّهِ فَمَضَتْ السّنّةُ بِأَنّ الرّسُلَ لَا تُقْتَلُ . وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " عَنْ أَبِي رَجَاءٍ الْعُطَارِدِيّ قَالَ لَمّا بُعِثَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَسَمِعْنَا بِهِ لَحِقْنَا بِمُسَيْلِمَةَ الْكَذّابِ فَلَحِقْنَا بِالنّارِ وَكُنّا نَعْبُدُ الْحَجَرَ فِي الْجَاهِلِيّةِ فَإِذَا وَجَدْنَا حَجَرًا هُوَ أَحْسَنُ مِنْهُ أَلْقَيْنَا ذَلِكَ وَأَخَذْنَاهُ فَإِذَا لَمْ نَجِدْ حَجَرًا جَمَعْنَا جُثْوَةً مِنْ تُرَابٍ ثُمّ جِئْنَا بِالشّاةِ فَحَلَبْنَاهَا عَلَيْهِ ثُمّ طُفْنَا بِهِ وَكُنّا إذَا دَخَلَ رَجَبٌ قُلْنَا : جَاءَ مُنْصِلُ الْأَسِنّةِ فَلَا نَدَعُ رُمْحًا فِيهِ حَدِيدَةٌ وَلَا سَهْمًا فِيهِ حَدِيدَةٌ إلّا نَزَعْنَاهَا وَأَلْقَيْنَاهَا . قُلْت : وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ نَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ قَدِمَ مُسَيْلِمَةُ الْكَذّابُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ فَجَعَلَ يَقُولُ إنْ جَعَلَ لِي مُحَمّدٌ الْأَمْرَ مِنْ بَعْدِهِ تَبِعْته وَقَدِمَهَا فِي بَشَرٍ كَثِيرٍ مِنْ قَوْمِهِ فَأَقْبَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَعَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ وَفِي يَدِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قِطْعَةُ جَرِيدٍ حَتّى وَقَفَ عَلَى مُسَيْلِمَةَ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ إنْ سَأَلْتنِي هَذِهِ الْقِطْعَةَ مَا أَعْطَيْتُكهَا وَلَنْ تَعْدُوَ أَمْرَ اللّهِ فِيك وَلَئِنْ أَدْبَرْت لَيَعْقِرَنّك اللّهُ وَإِنّي أُرَاكَ الّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا أُرِيت وَهَذَا ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ يُجِيبُك عَنّي ثُمّ انْصَرَفَ . قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : فَسَأَلْتُ عَنْ قَوْلِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّك الّذِي أُرِيتُ فِيهِ مَا أُرِيت فَأَخْبَرَنِي أَبُو هُرَيْرَةَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ رَأَيْتُ فِي يَدَيّ سِوَارَيْنِ مِنْ ذَهَبٍ فَأَهَمّنِي شَأْنُهُمَا فَأُوحِيَ إلَيّ فِي الْمَنَامِ أَنْ اُنْفُخْهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَطَارَا فَأَوّلْتُهُمَا كَذّابَيْنِ يَخْرُجَانِ مِنْ بَعْدِي فَهَذَانِ هُمَا أَحَدُهُمَا الْعَنْسِيّ صَاحِبُ صَنْعَاءَ وَالْآخَرُ مُسَيْلِمَةُ الْكَذّابُ صَاحِبُ الْيَمَامَةِ [ ص 536 ] ابْنِ إسْحَاقَ الْمُتَقَدّمِ . وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَا أَنَا نَائِمٌ إذَا أُتِيت بِخَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَ فِي يَدَيّ سِوَارَانِ مِنْ ذَهَبٍ فَكَبُرَا عَلَيّ وَأَهَمّانِي فَأُوحِيَ إلَيّ أَنْ اُنْفُخْهُمَا فَنَفَخْتُهُمَا فَذَهَبَا فَأَوّلْتُهُمَا الْكَذّابَيْنِ اللّذَيْنِ أَنَا بَيْنَهُمَا صَاحِبَ صَنْعَاءَ وَصَاحِبَ الْيَمَامَةِ فَصْلٌ فِي فِقْهِ هَذِهِ الْقِصّةِ فِيهَا : جَوَازُ مُكَاتَبَةِ الْإِمَامِ لِأَهْلِ الرّدّةِ إذَا كَانَ لَهُمْ شَوْكَةٌ وَيَكْتُبُ لَهُمْ وَلِإِخْوَانِهِمْ مِنْ الْكُفّارِ سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتّبَعَ الْهُدَى . وَمِنْهَا : أَنّ الرّسُولَ لَا يُقْتَلُ وَلَوْ كَانَ مُرْتَدّا هَذِهِ السّنّةُ . وَمِنْهَا : إنّ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْتِيَ بِنَفْسِهِ إلَى مَنْ قَدِمَ يُرِيدُ لِقَاءَهُ مِنْ الْكُفّارِ . وَمِنْهَا : إنّ الْإِمَامَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ يُجِيبُ عَنْهُ أَهْلَ الِاعْتِرَاضِ وَالْعِنَادِ . وَمِنْهَا : تَوْكِيلُ الْعَالِمِ لِبَعْضِ أَصْحَابِهِ أَنْ يَتَكَلّمَ عَنْهُ وَيُجِيبَ عَنْهُ . تَأْوِيلُ رُؤْيَا لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِأَنّ الصّدّيقَ يُحْبِطُ أَمْرَ مُسَيْلِمَةَ وَمِنْهَا : إنّ هَذَا الْحَدِيثَ مِنْ أَكْبَرِ فَضَائِلِ الصّدّيقِ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَفَخَ السّوَارَيْنِ بِرُوحِهِ فَطَارَا وَكَانَ الصّدّيقُ هُوَ ذَلِكَ الرّوحُ الّذِي نَفَخَ مُسَيْلِمَةَ وَأَطَارَهُ . قَالَ الشّاعِرُ فَقُلْتُ لَهُ ارْفَعْهَا إلَيْكَ فَأَحْيِهَا بِرُوحِك وَاقْتَتْهُ لَهَا قِيتَةً قَدْرًا [ تَأْوِيلُ رُؤْيَا لِبَاسِ الْحُلِيّ لِلرّجُلِ وَذِكْرُ قِصَصٍ عَبّرَهَا الشّهَابُ الْعَابِرُ شَيْخُ الْمُصَنّفِ ] [ ص 537 ] دَلّ لِبَاسُ الْحُلِيّ لِلرّجُلِ عَلَى نَكَدٍ يَلْحَقُهُ وَهَمّ يَنَالُهُ وَأَنْبَأَنِي أَبُو الْعَبّاسِ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْمُنْعِمِ بْنِ نِعْمَةَ بْنِ سُرُورٍ الْمَقْدِسِيّ الْمَعْرُوفُ بِالشّهَابِ الْعَابِر . قَالَ قَالَ لِي رَجُلٌ رَأَيْتُ فِي رِجْلِي خَلْخَالًا فَقُلْتُ لَهُ تَتَخَلْخَلُ رِجْلُك بِأَلَمٍ وَكَانَ كَذَلِكَ . وَقَالَ لِي آخَرُ رَأَيْت كَأَنّ فِي أَنْفِي حَلْقَةَ ذَهَبٍ وَفِيهَا حَبّ مَلِيحٌ أَحْمَرُ فَقُلْت لَهُ يَقَعُ بِك رُعَافٌ شَدِيدٌ فَجَرَى كَذَلِكَ . وَقَالَ آخَرُ رَأَيْت كُلّابًا مُعَلّقًا فِي شَفَتَيْ قُلْت : يَقَعُ بِك أَلَمٌ يَحْتَاجُ إلَى الْفَصْدِ فِي شَفَتِك فَجَرَى كَذَلِكَ . وَقَالَ لِي آخَرُ رَأَيْت فِي يَدِي سِوَارًا وَالنّاسُ يُبْصِرُونَهُ فَقُلْتُ لَهُ سُوءٌ يُبْصِرُهُ النّاسُ فِي يَدِك فَعَنْ قَلِيلٍ طَلَعَ فِي يَدِهِ طُلُوعٌ . وَرَأَى ذَلِكَ آخَرُ لَمْ يَكُنْ يُبْصِرُهُ النّاسُ فَقُلْت لَهُ تَتَزَوّجُ امْرَأَةً حَسَنَةً وَتَكُونُ رَقِيقَةً . قُلْتُ عَبّرَ لَهُ السّوَارَ بِالْمَرْأَةِ لِمَا أَخْفَاهُ وَسَتَرَهُ عَنْ النّاسِ وَوَصَفَهَا بِالْحُسْنِ لِحُسْنِ مَنْظَرِ الذّهَبِ وَبَهْجَتِهِ وَبِالرّقّةِ لِشَكْلِ السّوَارِ . وَالْحِلْيَةُ لِلرّجُلِ تَنْصَرِفُ عَلَى وُجُوهٍ . فَرُبّمَا دَلّتْ عَلَى تَزْوِيجِ الْعُزّابِ لِكَوْنِهَا مِنْ آلَاتِ التّزْوِيجِ وَرُبّمَا دَلّتْ عَلَى الْإِمَاءِ وَالسّرَارِيّ وَعَلَى الْغِنَاءِ وَعَلَى الْبَنَاتِ وَعَلَى الْخَدَمِ وَعَلَى الْجَهَازِ وَذَلِكَ بِحَسَبِ حَالِ الرّائِي وَمَا يَلِيقُ بِهِ . قَالَ أَبُو الْعَبّاسِ الْعَابِرُ وَقَالَ لِي رَجُلٌ رَأَيْت كَأَنّ فِي يَدِي سُوَارًا مَنْفُوخًا لَا يَرَاهُ النّاسُ فَقُلْت لَهُ عِنْدَك امْرَأَةٌ بِهَا مَرَضُ الِاسْتِسْقَاءِ فَتَأَمّلْ كَيْفَ عَبّرَ لَهُ [ ص 538 ] حَكَمَ عَلَيْهَا بِالْمَرَضِ لِصُفْرَةِ السّوَارِ وَأَنّهُ مَرَضُ الِاسْتِسْقَاءِ الّذِي يَنْتَفِخُ مَعَهُ الْبَطْنُ . [ تَعْرِيفٌ بِالشّهَابِ الْعَابِرِ ] قَالَ وَقَالَ لِي آخَرُ رَأَيْتُ فِي يَدِي خَلْخَالًا وَقَدْ أَمْسَكَهُ آخَرُ وَأَنَا مُمْسِكٌ لَهُ وَأَصِيحُ عَلَيْهِ وَأَقُولُ اُتْرُكْ خَلْخَالِي فَتَرَكَهُ فَقُلْتُ لَهُ فَكَانَ الْخَلْخَالُ فِي يَدِك أَمْلَسَ ؟ فَقَالَ بَلْ كَانَ خَشِنًا تَأَلّمْتُ مِنْهُ مَرّةً بَعْدَ مَرّةٍ وَفِيهِ شَرَارِيفُ فَقُلْته لَهُ أُمّك وَخَالُك شَرِيفَانِ وَلَسْتَ بِشَرِيفٍ وَاسْمُك عَبْدُ الْقَاهِرِ وَخَالُك لِسَانُهُ نَجِسٌ رَدِيءٌ يَتَكَلّمُ فِي عِرْضِك وَيَأْخُذُ مِمّا فِي يَدِك قَالَ نَعَمْ قُلْت : ثُمّ إنّهُ يَقَعُ فِي يَدِ ظَالِمٍ مُتَعَدّ وَيَحْتَمِي بِك فَتَشُدّ مِنْهُ وَتَقُولُ خَلّ خَالِي فَجَرَى ذَلِكَ عَنْ قَلِيلٍ . قُلْت : تَأَمّلْ أَخْذَهُ الْخَالَ مِنْ لَفْظِ " الْخَلْخَالِ " ثُمّ عَادَ إلَى اللّفْظِ بِتَمَامِهِ حَتّى أَخَذَ مِنْهُ خَلّ خَالِي وَأَخَذَ شَرَفَهُ مِنْ شَرَارِيفِ الْخَلْخَالِ وَدَلّ عَلَى شَرَفِ أُمّهِ إذْ هِيَ شَقِيقَةُ خَالِهِ وَحَكَمَ عَلَيْهِ بِأَنّهُ لَيْسَ بِشَرِيفٍ إذْ شُرُفَاتُ الْخَالِ الدّالّةُ عَلَى الشّرَفِ اشْتِقَاقًا هِيَ فِي أَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ ذَاتِهِ . وَاسْتَدَلّ عَلَى أَنّ لِسَانَ خَالِهِ لِسَانٌ رَدِيءٌ يَتَكَلّمُ فِي عِرْضِهِ بِالْأَلَمِ الّذِي حَصَلَ لَهُ بِخُشُونَةِ الْخَلْخَالِ مَرّةً بَعْدَ مَرّةٍ فَهِيَ خُشُونَةُ لِسَانِ خَالِهِ فِي حَقّهِ . وَاسْتَدَلّ عَلَى أَخْذِ خَالِهِ مَا فِي يَدَيْهِ بِتَأَذّيهِ بِهِ وَبِأَخْذِهِ مِنْ يَدَيْهِ فِي النّوْمِ بِخُشُونَتِهِ . وَاسْتَدَلّ بِإِمْسَاكِ الْأَجْنَبِيّ لِلْخَلْخَالِ وَمُجَاذَبَةِ الرّائِي عَلَى وُقُوعِ الْخَالِ فِي يَدِ ظَالِمٍ مُتَعَدّ يَطْلُبُ مِنْهُ مَا لَيْسَ لَهُ . وَاسْتَدَلّ بِصِيَاحِهِ عَلَى الْمُجَاذِبِ لَهُ وَقَوْلِهِ خَلّ خَالِي عَلَى أَنّهُ يُعِينُ خَالَهُ عَلَى ظَالِمِهِ وَبِشَدّ مِنْهُ . وَاسْتَدَلّ عَلَى قَهْرِهِ لِذَلِكَ الْمُجَاذِبِ لَهُ وَأَنّهُ الْقَاهِرُ يَدَهُ عَلَيْهِ عَلَى أَنّهُ اسْمُهُ عَبْدُ الْقَاهِرِ وَهَذِهِ كَانَتْ حَالَ شَيْخِنَا هَذَا وَرُسُوخَهُ فِي عِلْمِ التّعْبِيرِ وَسَمِعْتُ عَلَيْهِ عِدّةَ أَجْزَاءٍ وَلَمْ يَتّفِقْ لِي قِرَاءَةُ هَذَا الْعِلْمِ عَلَيْهِ لِصِغَرِ السّنّ وَاخْتِرَامِ الْمَنِيّةِ لَهُ رَحِمَهُ اللّهُ تَعَالَى . فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ طَيّئٍ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفْدُ طَيّئٍ وَفِيهِمْ زَيْدُ الْخَيْلُ [ ص 539 ] وَعَرَضَ عَلَيْهِمْ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمُوا وَحَسُنَ إسْلَامُهُمْ وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا ذُكِرَ لِي رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ بِفَضْلٍ ثُمّ جَاءَنِي إلّا رَأَيْتُهُ دُونَ مَا يُقَالُ فِيهِ إلّا زَيْدَ الْخَيْلِ : فَإِنّهُ لَمْ يَبْلُغْ كُلّ مَا فِيهِ ثُمّ سَمّاهُ زَيْدٌ الْخَيْرُ وَقَطَعَ لَهُ فَيْدًا وَأَرَضِينَ مَعَهُ وَكَتَبَ لَهُ بِذَلِكَ فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَاجِعًا إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنْ يُنْجَ زَيْدٌ مِنْ حُمّى الْمَدِينَةِ فَإِنّهُ قَالَ وَقَدْ سَمّاهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِاسْمٍ غَيْرِ الْحُمّى وَغَيْرِ أُمّ مَلْدَمَ فَلَمْ يُثْبِتْهُ . فَلَمّا انْتَهَى إلَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ نَجْدٍ يُقَالُ لَهُ فَرْدَةُ أَصَابَتْهُ الْحُمّى بِهَا فَمَاتَ فَلَمّا أَحَسّ بِالْمَوْتِ أَنْشَدَ أَمُرْتَحِلٌ قَوْمِي الْمَشَارِقَ غُدْوَةً وَأُتْرَكُ فِي بَيْتٍ بِفَرْدَةَ مُنْجِدٍ أَلّا رُبّ يَوْمٍ لَوْ مَرِضْت لَعَادَنِي عَوَائِدُ مَنْ لَمْ يُبْرَ مِنْهُنّ يَجْهَد قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ : وَقِيلَ مَاتَ فِي آخِرِ خِلَافَةِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَلَهُ ابْنَانِ مُكْنِفُ وَحُرَيْثٌ أَسْلَمَا وَصَحِبَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَشَهِدَا قِتَالَ أَهْلِ الرّدّةِ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ . فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ كِنْدَةَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : حَدّثَنِي الزّهْرِيّ قَالَ قَدِمَ الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ثَمَانِينَ أَوْ سِتّينَ رَاكِبًا مِنْ كِنْدَةَ فَدَخَلُوا عَلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَسْجِدَهُ قَدْ [ ص 540 ] وَتَسَلّحُوا وَلَبِسُوا جِبَابَ الْحِبَرَاتِ مُكَفّفَةً بِالْحَرِيرِ فَلَمّا دَخَلُوا قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَوَ لَمْ تُسْلِمُوا ؟ " قَالُوا : بَلَى . قَالَ " فَمَا بَالُ هَذَا الْحَرِيرِ فِي أَعْنَاقِكُمْ ؟ فَشَقّوهُ وَنَزَعُوهُ وَأَلْقَوْهُ ثُمّ قَالَ الْأَشْعَثُ يَا رَسُولَ اللّهِ نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمِرَارِ وَأَنْتَ ابْنُ آكِلِ الْمِرَارِ فَضَحِكَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ قَالَ نَاسِبُوا بِهَذَا النّسَبِ رَبِيعَةَ بْنَ الْحَارِثِ وَالْعَبّاسَ بْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ قَالَ الزّهْرِيّ وَابْنُ إسْحَاقَ : كَانَا تَاجِرَيْنِ وَكَانَا إذَا سَارَا فِي أَرْضِ الْعَرَبِ فَسُئِلَا مَنْ أَنْتُمَا ؟ قَالَا : نَحْنُ بَنُو آكِلِ الْمِرَارِ يَتَعَزّزُونَ بِذَلِكَ فِي الْعَرَبِ وَيَدْفَعُونَ بِهِ عَنْ أَنْفُسِهِمْ لِأَنّ بَنِي آكِلِ الْمِرَارِ مِنْ كِنْدَةَ كَانُوا مُلُوكًا . قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَحْنُ بَنُو النّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ لَا نَقْفُو أُمّنَا وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا وَفِي " الْمُسْنَدِ " مِنْ حَدِيثِ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ عَقِيلِ بْنِ طَلْحَةَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ هَيْضَمَ عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفْدَ كِنْدَةَ وَلَا يَرَوْنَ إلّا أَنّي أَفْضَلُهُمْ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ أَلَسْتُمْ مِنّا ؟ قَالَ لَا نَحْنُ بَنُو النّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ لَا نَقْفُو أُمّنَا وَلَا نَنْتَفِي مِنْ أَبِينَا وَكَانَ الْأَشْعَثُ يَقُولُ لَا أُوتَى بِرَجُلٍ نَفَى رَجُلًا مِنْ قُرَيْشٍ مِنْ النّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ إلّا جَلَدْتُهُ الْحَدّ [ وَلَدُ النّضْرِ مِنْ قُرَيْشٍ ] وَفِي هَذَا مِنْ الْفِقْهِ أَنّ مَنْ كَانَ مِنْ وَلَدِ النّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ فَهُوَ مِنْ قُرَيْشٍ . [ جَوَازُ إتْلَافِ الْمَالِ الْمُحَرّمِ اسْتِعْمَالُهُ ] وَفِيهِ جَوَازُ إتْلَافِ الْمَالِ الْمُحَرّمِ اسْتِعْمَالُهُ كَثِيَابِ الْحَرِيرِ عَلَى الرّجَالِ وَأَنّ ذَلِكَ لَيْسَ بِإِضَاعَةٍ . [ مَنْ آكِلُ الْمِرَارِ ؟ ] وَالْمِرَارُ هُوَ شَجَرٌ مِنْ شَجَرِ الْبَوَادِي وَآكِلُ الْمِرَارِ هُوَ الْحَارِثُ بْنُ عَمْرِو بْنِ حِجْرِ بْنِ عَمْرِو بْنِ مُعَاوِيَةَ بْنِ كِنْدَةَ وَلِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَدّةٌ مِنْ كِنْدَةَ مَذْكُورَةٌ وَهِيَ أُمّ كِلَابِ بْنِ مُرّةَ وَإِيّاهَا أَرَادَ الْأَشْعَثَ . [ ص 541 ] أَبِيهِ فَقَدْ انْتَفَى مِنْ أَبِيهِ وَقَفَى أُمّهُ أَيْ رَمَاهَا بِالْفُجُورِ . وَفِيهَا : أَنّ كِنْدَةَ لَيْسُوا مِنْ وَلَدِ النّضْرِ بْنِ كِنَانَةَ . وَفِيهِ أَنّ مَنْ أَخْرَجَ رَجُلًا عَنْ نَسَبِهِ الْمَعْرُوفِ جُلِدَ حَدّ الْقَذْفِ . فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ الْأَشْعَرِيّينَ وَأَهْلِ الْيَمَنِ رَوَى يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ يَقْدَمُ قَوْمٌ هُمْ أَرَقّ مِنْكُمْ قُلُوبًا فَقَدِمَ الْأَشْعَرِيّونَ فَجَعَلُوا يَرْتَجِزُونَ غَدًا نَلْقَى الْأَحِبّةَ مُحَمّدًا وَحِزْبَهُ وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ جَاءَ أَهْلُ الْيَمَنِ هُمْ أَرَقّ أَفْئِدَةً وَأَضْعَفُ قُلُوبًا وَالْإِيمَانُ يَمَانٍ وَالْحِكْمَةُ يَمَانِيَةٌ وَالسّكِينَةُ فِي أَهْلِ الْغَنَمِ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ فِي الْفَدّادِينَ مِنْ أَهْلِ الْوَبَرِ قِبَلَ مَطْلَعِ الشّمْس وَرُوِينَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ أَنْبَأَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنّا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي سَفَرٍ فَقَالَ أَتَاكُمْ أَهْلُ الْيَمَنِ كَأَنّهُمْ السّحَابُ هُمْ خِيَارُ مَنْ فِي الْأَرْض " فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ : إلّا نَحْنُ يَا رَسُولَ اللّهِ فَسَكَتَ ثُمّ قَالَ إلّا نَحْنُ يَا رَسُولَ اللّهِ فَسَكَتَ ثُمّ قَالَ " إلّا أَنْتُمْ كَلِمَةً ضَعِيفَةً . [ ص 542 ] وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " : أَنّ نَفَرًا مِنْ بَنِي تَمِيمٍ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ أَبْشِرُوا يَا بَنِي تَمِيمٍ " فَقَالُوا : بَشّرْتنَا فَأَعْطِنَا فَتَغَيّرَ وَجْهُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَجَاءَ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ الْيُمْنِ فَقَالَ " اقْبَلُوا الْبُشْرَى إذْ لَمْ يَقْبَلْهَا بَنُو تَمِيمٍ " قَالُوا : قَدْ قَبِلْنَا ثُمّ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ جِئْنَا لِنَتَفَقّهَ فِي الدّينِ وَنَسْأَلَك عَنْ أَوّلِ هَذَا الْأَمْرِ فَقَالَ " كَانَ اللّهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ غَيْرَهُ وَكَانَ عَرْشُهُ عَلَى الْمَاءِ وَكَتَبَ فِي الذّكْرِ كُلّ شَيْءٍ فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ الْأَزْدِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صُرَدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ الْأَزْدِيّ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ فِي وَفْدٍ مِنْ الْأَزْدِ فَأَمّرَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُجَاهِدَ بِمَنْ أَسْلَمَ مَنْ كَانَ يَلِيهِ مِنْ أَهْلِ الشّرْكِ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ فَخَرَجَ صُرَدُ يَسِيرُ بِأَمْرِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى نَزَلَ بِجُرَشَ وَهِيَ يَوْمَئِذٍ مَدِينَةٌ مُغْلَقَةٌ وَبِهَا قَبَائِلُ مِنْ قَبَائِلِ الْيَمَنِ وَقَدْ ضَوَتْ إلَيْهِمْ خَثْعَمُ فَدَخَلُوهَا مَعَهُمْ حِينَ سَمِعُوا بِمَسِيرِ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ فَحَاصَرُوهُمْ فِيهَا قَرِيبًا مِنْ شَهْرٍ وَامْتَنَعُوا فِيهَا فَرَجَعَ [ ص 543 ] كَانَ فِي جَبَلٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ شَكَرَ ظَنّ أَهْلُ جُرَش أَنّهُ إنّمَا وَلّى عَنْهُمْ مُنْهَزِمًا فَخَرَجُوا فِي طَلَبِهِ حَتّى إذَا أَدْرَكُوهُ عَطَفَ عَلَيْهِمْ فَقَاتَلَهُمْ فَقَتَلَهُمْ قَتْلًا شَدِيدًا وَقَدْ كَانَ أَهْلُ جُرَش َ بَعَثُوا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ يَرْتَادَانِ وَيَنْظُرَانِ فَبَيْنَا هُمَا عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَشِيّةً بَعْدَ الْعَصْرِ إذْ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِأَيّ بِلَادِ اللّهِ شَكَرُ ؟ " فَقَامَ الْجُرَشِيّانِ فَقَالَا : يَا رَسُولَ اللّهِ بِبِلَادِنَا جَبَلٌ يُقَالُ لَهُ . كَشَرُ وَكَذَلِكَ تُسَمّيهِ أَهْلُ جُرَشَ فَقَالَ " إنّهُ لَيْسَ " ب " كَشَرَ وَلَكِنّهُ شَكَرُ " قَالَا : فَمَا شَأْنُهُ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ فَقَالَ " إنّ بُدْنَ اللّهِ لَتُنْحَرُ عِنْدَهُ الْآنَ " قَالَ فَجَلَسَ الرّجُلَانِ إلَى أَبِي بَكْرٍ وَإِلَى عُثْمَانَ فَقَالَا لَهُمَا : وَيْحكُمَا إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَيَنْعَى لَكُمَا قَوْمَكُمَا فَقُومَا إلَيْهِ فَاسْأَلَاهُ أَنْ يَدْعُوَ اللّهَ أَنْ يَرْفَعَ عَنْ قَوْمِكُمَا فَقَامَا إلَيْهِ فَسَأَلَاهُ ذَلِكَ فَقَالَ " اللّهُمّ ارْفَعْ عَنْهُم فَخَرَجَا مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَاجِعَيْنِ إلَى قَوْمِهِمَا فَوَجَدَا قَوْمَهُمَا أُصِيبُوا فِي الْيَوْمِ الّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا قَالَ وَفِي السّاعَةِ الّتِي ذَكَرَ فِيهَا مَا ذَكَرَ فَخَرَجَ وَفْدُ جُرَشَ حَتّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَسْلَمُوا وَحَمَى لَهُمْ حِمًى حَوْلَ قَرْيَتِهِمْ . فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرَ أَوْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ عَشْرٍ إلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْب ٍ بِنَجْرَان وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ ثَلَاثًا فَإِنْ اسْتَجَابُوا فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلُوا فَقَاتِلْهُمْ فَخَرَجَ خَالِدٌ حَتّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ فَبَعَثَ الرّكْبَانَ يَضْرِبُونَ فِي كُلّ وَجْهٍ وَيَدْعُونَ إلَى الْإِسْلَامِ وَيَقُولُونَ أَيّهَا النّاسُ أَسْلِمُوا لِتَسْلَمُوا فَأَسْلَمَ النّاسُ وَدَخَلُوا فِيمَا دُعُوا إلَيْهِ فَأَقَامَ فِيهِمْ خَالِدٌ يُعَلّمُهُمْ الْإِسْلَامَ وَكَتَبَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِذَلِكَ فَكَتَبَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُقْبِلَ وَيُقْبِلَ مَعَهُ وَفْدُهُمْ فَأَقْبَلَ [ ص 544 ] وَأَقْبَلَ مَعَهُ وَفْدُهُمْ فِيهِمْ قَيْسُ بْنُ الْحُصَيْنِ ذِي الْغَضّة وَيَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الْمُدَانِ وَيَزِيدُ بْنُ الْمُحَجّلِ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ قُرَادٍ وَشَدّادُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ وَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَ كُنْتُمْ تَغْلِبُونَ مَنْ قَاتَلَكُمْ فِي الْجَاهِلِيّةِ " ؟ قَالُوا : لَمْ نَكُنْ نَغْلِبُ أَحَدًا . قَالَ " بَلَى " . قَالُوا : كُنّا نَجْتَمِعُ وَلَا نَتَفَرّقُ وَلَا نَبْدَأُ أَحَدًا بِظُلْمٍ . قَالَ " صَدَقْتُمْ وَأَمّرَ عَلَيْهِمْ قَيْسَ بْنَ الْحُصَيْنِ فَرَجَعُوا إلَى قَوْمِهِمْ فِي بَقِيّةٍ مِنْ شَوّالٍ أَوْ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ فَلَمْ يَمْكُثُوا إلّا أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ حَتّى تُوُفّيَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ هَمْدَانَ عَلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ هَمْدَانَ مِنْهُمْ مَالُك بْنُ النّمَطِ وَمَالُك بْنُ أَيْفَعَ ؛ وَضِمَامُ بْنُ مَالِكٍ وَعَمْرُو بْنُ مَالِكٍ فَلَقُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَرْجِعَهُ مِنْ تَبُوك َ وَعَلَيْهِمْ مُقَطّعَاتُ الْحِبَرَاتِ وَالْعَمَائِمُ الْعَدَنِيّةُ عَلَى الرّوَاحِلِ الْمَهْرِيّةِ وَالْأَرْحَبِيّةِ وَمَالُك بْن النّمَطِ يَرْتَجِزُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَيَقُولُ إلَيْكَ جَاوَزْنَ سَوَادَ الرّيفِ فِي هَبَوَاتِ الصّيْفِ وَالْخَرِيفِ مُخَطّمَاتٍ بِحِبَالِ اللّيفِ وَذَكَرُوا لَهُ كَلَامًا حَسَنًا فَصِيحًا فَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كِتَابًا أَقْطَعَهُمْ فِيهِ مَا سَأَلُوهُ وَأَمّرَ عَلَيْهِمْ مَالَك بْنَ النّمَطِ وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ مِنْ قَوْمِهِ وَأَمَرَهُ بِقِتَالِ ثَقِيفٍ وَكَانَ لَا يَخْرُجُ لَهُمْ سَرْحٌ إلّا أَغَارُوا عَلَيْهِ . وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي إسْحَاقَ عَنْ الْبَرَاءِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلَى أَهْلِ الْيَمَن ِ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ قَالَ الْبَرَاءُ فَكُنْت فِيمَنْ خَرَجَ مَعَ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَأَقَمْنَا سِتّةَ أَشْهُرٍ يَدَعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ يُجِيبُوهُ ثُمّ إنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعَثَ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُقْفِلَ خَالِدًا إلّا رَجُلًا مِمّنْ كَانَ مَعَ خَالِدٍ أَحَبّ أَنْ يُعْقِبَ مَعَ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَلْيُعْقِبْ مَعَهُ قَالَ الْبَرَاءُ فَكُنْتُ فِيمَنْ عَقّبَ مَعَ عَلِيّ فَلَمّا دَنَوْنَا مِنْ الْقَوْمِ خَرَجُوا إلَيْنَا فَصَلّى بِنَا عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ ثُمّ صَفّنَا صَفّا وَاحِدًا ثُمّ تَقَدّمَ بَيْنَ أَيْدِينَا وَقَرَأَ [ ص 545 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَسْلَمَتْ هَمْدَانُ جَمِيعًا فَكَتَبَ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِإِسْلَامِهِمْ فَلَمّا قَرَأَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْكِتَابَ خَرّ سَاجِدًا ثُمّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ السّلَامُ عَلَى هَمْدَانَ السّلَامُ عَلَى هَمْدَانَ وَأَصْلُ الْحَدِيثِ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " . وَهَذَا أَصَحّ مِمّا تَقَدّمَ وَلَمْ تَكُنْ هَمْدَانُ أَنْ تُقَاتِلَ ثَقِيفًا وَلَا تُغِيرَ عَلَى سَرْحِهِمْ فَإِنّ هَمْدَانَ بِالْيَمَنِ وَثَقِيفًا بِالطّائِفِ . فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ مُزَيْنَةَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رُوِينَا مِنْ طَرِيقِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ النّعْمَانِ بْنِ مُقَرّنٍ قَالَ قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَرْبَعمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ مُزَيْنَةَ فَلَمّا أَرَدْنَا أَنْ نَنْصَرِفَ قَالَ يَا عُمَرُ زَوّدْ الْقَوْمَ " فَقَالَ مَا عِنْدِي إلّا شَيْءٌ مِنْ تَمْرٍ مَا أَظُنّهُ يَقَعُ مِنْ الْقَوْمِ مَوْقِعًا قَالَ " انْطَلِقْ فَزَوّدْهُمْ " قَالَ فَانْطَلَقَ بِهِمْ عُمَرُ فَأَدْخَلَهُمْ مَنْزِلَهُ ثُمّ أَصْعَدَهُمْ إلَى عُلّيّةَ فَلَمّا دَخَلْنَا إذَا فِيهَا مِنْ التّمْرِ مِثْلُ الْجَمَلِ الْأَوْرَقِ فَأَخَذَ الْقَوْمُ مِنْهُ حَاجَتَهُمْ قَالَ النّعْمَانُ فَكُنْت فِي آخِرِ مَنْ خَرَجَ فَنَظَرْتُ فَمَا أَفْقِدُ مَوْضِعَ تَمْرَةٍ مِنْ مَكَانِهَا فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ دَوْسٍ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَبْلَ ذَلِكَ بِخَيْبَرَ [ ص 546 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : كَانَ الطّفَيْلُ بْنُ عَمْرٍو الدّوْسِيّ يُحَدّثُ أَنّهُ قَدِمَ مَكّةَ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِهَا فَمَشَى إلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَكَانَ الطّفَيْلُ رَجُلًا شَرِيفًا شَاعِرًا لَبِيبًا قَالُوا لَهُ إنّك قَدِمْتَ بِلَادَنَا وَإِنّ هَذَا الرّجُلَ - وَهُوَ الّذِي بَيْنَ أَظْهُرِنَا - فَرّقَ جَمَاعَتَنَا وَشَتّتَ أَمْرَنَا وَإِنّمَا قَوْلُهُ كَالسّحْرِ يُفَرّقُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَابْنِهِ وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَأَخِيهِ وَبَيْنَ الْمَرْءِ وَزَوْجِهِ وَإِنّمَا نَخْشَى عَلَيْك وَعَلَى قَوْمِك مَا قَدْ حَلّ عَلَيْنَا فَلَا تُكَلّمْهُ وَلَا تَسْمَعْ مِنْهُ قَالَ فَوَا اللّهِ مَا زَالُوا بِي حَتّى أَجْمَعْت أَنْ لَا أَسْمَعَ مِنْهُ شَيْئًا وَلَا أُكَلّمَهُ حَتّى حَشَوْتُ فِي أُذُنَيّ حِينَ غَدَوْتُ إلَى الْمَسْجِدِ كُرْسُفًا فَرَقًا مِنْ أَنْ يَبْلُغَنِي شَيْءٌ مِنْ قَوْلِهِ . قَالَ فَغَدَوْتُ إلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَائِمٌ يُصَلّي عِنْدَ الْكَعْبَةِ فَقُمْتُ قَرِيبًا مِنْهُ فَأَبَى اللّهُ إلّا أَنْ يُسْمِعَنِي بَعْضَ قَوْلِهِ فَسَمِعْتُ كَلَامًا حَسَنًا فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : وَاثْكَلْ أُمّيَاه وَاَللّهِ إنّي لَرَجُلٌ لَبِيبٌ شَاعِرٌ مَا يَخْفَى عَلَيّ الْحَسَنُ مِنْ الْقَبِيحِ فَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَسْمَعَ مِنْ هَذَا الرّجُلِ مَا يَقُولُ ؟ فَإِنْ كَانَ مَا يَقُولُ حَسَنًا قَبِلْت وَإِنْ كَانَ قَبِيحًا تَرَكْتُ . قَالَ فَمَكَثْتُ حَتّى انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى بَيْتِهِ فَتَبِعْتُهُ حَتّى إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ دَخَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ يَا مُحَمّدُ إنّ قَوْمَك قَدْ قَالُوا لِي : كَذَا وَكَذَا فَوَا اللّهِ مَا بَرِحُوا يُخَوّفُونِي أَمْرَك حَتّى سَدَدْت أُذُنِيّ بِكُرْسُفٍ لِئَلّا أَسْمَعَ قَوْلَك ثُمّ أَبَى اللّهُ إلّا أَنْ يُسْمِعَنِيهِ فَسَمِعْتُ قَوْلًا حَسَنًا فَاعْرِضْ عَلَيّ أَمْرَك فَعَرَضَ عَلَيّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْإِسْلَامَ وَتَلَا عَلَيّ الْقُرْآنَ فَلَا وَاَللّهِ مَا سَمِعْتُ قَوْلًا قَطّ أَحْسَنَ مِنْهُ وَلَا أَمْرًا أَعْدَلَ مِنْهُ فَأَسْلَمْت وَشَهِدْتُ شَهَادَةَ الْحَقّ وَقُلْتُ يَا نَبِيّ اللّهِ إنّي امْرُؤٌ مُطَاعٌ فِي قَوْمِي وَإِنّي رَاجِعٌ إلَيْهِمْ فَدَاعِيهمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَادْعُ اللّهَ لِي أَنْ يَجْعَلَ لِي آيَةً تَكُونُ عَوْنًا لِي عَلَيْهِمْ فِيمَا أَدْعُوهُمْ إلَيْهِ فَقَالَ اللّهُمّ اجْعَلْ لَهُ آيَةً قَالَ فَخَرَجْتُ إلَى قَوْمِي حَتّى إذَا [ ص 547 ] كُنْتُ بِثَنِيّةٍ تُطْلِعُنِي عَلَى الْحَاضِرِ وَقَعَ نُورٌ بَيْنَ عَيْنَيّ مِثْلَ الْمِصْبَاحِ قُلْتُ اللّهُمّ فِي غَيْرِ وَجْهِي إنّي أَخْشَى أَنْ يَظُنّوا أَنّهَا مُثْلَةٌ وَقَعَتْ فِي وَجْهِي لِفِرَاقِي دِينِهِمْ قَالَ فَتَحَوّلَ فَوَقَعَ فِي رَأْسِ سَوْطِي كَالْقِنْدِيلِ الْمُعَلّقِ وَأَنَا أَنْهَبِطُ إلَيْهِمْ مِنْ الثّنِيّةِ حَتّى جِئْتهمْ وَأَصْبَحْتُ فِيهِمْ فَلَمّا نَزَلْت أَتَانِي أَبِي وَكَانَ شَيْخًا كَبِيرًا فَقُلْتُ إلَيْك عَنّي يَا أَبَتِ فَلَسْتَ مِنّي وَلَسْتُ مِنْك قَالَ لِمَ يَا بُنَيّ ؟ قُلْتُ قَدْ أَسْلَمْت وَتَابَعْتُ دِينَ مُحَمّدٍ . قَالَ يَا بُنَيّ فَدِينِي دِينُك . قَالَ فَقُلْت : اذْهَبْ فَاغْتَسِلْ وَطَهّرْ ثِيَابَك ثُمّ تَعَالَ حَتّى أُعَلّمَك مَا عَلِمْتُ . قَالَ فَذَهَبَ فَاغْتَسَلَ وَطَهّرَ ثِيَابَهُ ثُمّ جَاءَ فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَ ثُمّ أَتَتْنِي صَاحِبَتِي فَقُلْتُ لَهَا : إلَيْكِ عَنّي فَلَسْتُ مِنْكِ وَلَسْتِ مِنّي . قَالَتْ لِمَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي ؟ قُلْتُ فَرّقَ الْإِسْلَامُ بَيْنِي وَبَيْنِك أَسْلَمْتُ وَتَابَعْتُ دِينَ مُحَمّدٍ . قَالَتْ فَدِينِي دِينُك . قَالَ قُلْتُ فَاذْهَبِي فَاغْتَسِلِي فَفَعَلَتْ ثُمّ جَاءَتْ فَعَرَضْتُ عَلَيْهَا الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَتْ ثُمّ دَعَوْتُ دَوْسًا إلَى الْإِسْلَامِ فَأَبْطَئُوا عَلَيّ فَجِئْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّهُ قَدْ غَلَبَنِي عَلَى دَوْسٍ الزّنَى فَادْعُ اللّهَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ " اللّهُمّ اهْدِ دَوْسًا " ثُمّ قَالَ " ارْجِعْ إلَى قَوْمِك فَادْعُهُمْ إلَى اللّهِ وَارْفُقْ بِهِمْ " فَرَجَعْتُ إلَيْهِمْ فَلَمْ أَزَلْ بِأَرْضِ دَوْسٍ أَدْعُوهُمْ إلَى اللّهِ ثُمّ قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِخَيْبَر َ فَنَزَلْتُ الْمَدِينَةَ بِسَبْعِينَ أَوْ ثَمَانِينَ بَيْتًا مِنْ دَوْسٍ ثُمّ لَحِقْنَا بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِخَيْبَرَ فَأَسْهَمَ لَنَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَارْتَدّتْ الْعَرَبُ خَرَجَ الطّفَيْلُ مَعَ الْمُسْلِمِينَ حَتّى فَرَغُوا مِنْ طُلَيْحَةَ ثُمّ سَارَ مَعَ الْمُسْلِمِينَ إلَى الْيَمَامَةِ وَمَعَهُ ابْنُهُ عَمْرُو بْنُ الطّفَيْلِ فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ إنّي قَدْ رَأَيْتُ رُؤْيَا فَاعْبُرُوهَا لِي : رَأَيْت أَنّ رَأْسِي قَدْ حُلِقَ وَأَنّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ فَمِي طَائِرٌ وَأَنّ امْرَأَةً لَقِيَتْنِي فَأَدْخَلَتْنِي فِي فَرْجِهَا وَرَأَيْتُ أَنّ ابْنِي يَطْلُبُنِي طَلَبًا حَثِيثًا ثُمّ رَأَيْتُهُ حُبِسَ عَنّي . قَالُوا : خَيْرًا رَأَيْت . قَالَ أَمَا وَاَللّهِ إنّي قَدْ أَوّلْتُهَا . قَالُوا : وَمَا أَوّلْتَهَا ؟ قَالَ أَمّا حَلْقُ رَأْسِي فَوَضْعُهُ وَأَمّا الطّائِرُ الّذِي خَرَجَ مِنْ فَمِي فَرُوحِي وَأَمّا الْمَرْأَةُ الّتِي أَدْخَلَتْنِي فِي [ ص 548 ] ابْنِي إيّايَ وَحَبْسُهُ عَنّي فَإِنّي أَرَاهُ سَيَجْهَدُ لِأَنْ يُصِيبَهُ مِنْ الشّهَادَةِ مَا أَصَابَنِي فَقُتِلَ الطّفَيْلُ شَهِيدًا بِالْيَمَامَةِ وَجُرِحَ ابْنُهُ عَمْرٌو جُرْحًا شَدِيدًا ثُمّ قُتِلَ عَامَ الْيَرْمُوكِ شَهِيدًا فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ . الْيَرْمُوك ِ شَهِيدًا فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ . فَصْلٌ فِي فِقْهِ هَذِهِ الْقِصّةِ [ غُسْلُ الدّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ ] فِيهَا : أَنّ عَادَةَ الْمُسْلِمِينَ كَانَتْ غُسْلَ الْإِسْلَامِ قَبْلَ دُخُولِهِمْ فِيهِ وَقَدْ صَحّ أَمْرُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِهِ . وَأَصَحّ الْأَقْوَالِ وُجُوبُهُ عَلَى مَنْ أَجْنَبَ فِي حَالِ كُفْرِهِ وَمَنْ لَمْ يُجْنِبْ . [ لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُقَلّدَ النّاسَ فِي الْمَدْحِ وَالذّمّ ] وَفِيهَا : أَنّهُ لَا يَنْبَغِي لِلْعَاقِلِ أَنْ يُقَلّدَ النّاسَ فِي الْمَدْحِ وَالذّمّ وَلَا سِيّمَا تَقْلِيدَ مَنْ يَمْدَحُ بِهَوًى وَيَذُمّ بِهَوًى فَكَمْ حَالُ هَذَا التّقْلِيدِ بَيْنَ الْقُلُوبِ وَبَيْنَ الْهُدَى وَلَمْ يَنْجُ مِنْهُ إلّا مَنْ سَبَقَتْ لَهُ مِنْ اللّهِ الْحُسْنَى . وَمِنْهَا : أَنّ الْمَدَدَ إذَا لَحِقَ بِالْجَيْشِ قَبْلَ انْقِضَاءِ الْحَرْبِ أُسْهِمَ لَهُمْ . [ وُقُوعُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ ] وَمِنْهَا : وُقُوعُ كَرَامَاتِ الْأَوْلِيَاءِ وَأَنّهَا إنّمَا تَكُونُ لِحَاجَةٍ فِي الدّينِ أَوْ لِمَنْفَعَةٍ لِلْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ فَهَذِهِ هِيَ الْأَحْوَالُ الرّحْمَانِيّةُ سَبَبُهَا مُتَابَعَةُ الرّسُولِ وَنَتِيجَتُهَا إظْهَارُ الْحَقّ وَكَسْرُ الْبَاطِلِ وَالْأَحْوَالُ الشّيْطَانِيّةُ ضِدّهَا سَبَبًا وَنَتِيجَةً . [ التّأَنّي وَالصّبْرُ فِي الدّعْوَةِ إلَى اللّهِ ] وَمِنْهَا : التّأَنّي وَالصّبْرُ فِي الدّعْوَةِ إلَى اللّهِ وَأَنْ لَا يُعَجّلَ بِالْعُقُوبَةِ وَالدّعَاءِ عَلَى الْعُصَاةِ وَأَمّا تَعْبِيرُهُ حَلْقَ رَأْسِهِ بِوَضْعِهِ فَهَذَا لِأَنّ حَلْقَ الرّأْسِ وَضْعُ شَعْرِهِ عَلَى الْأَرْضِ وَهُوَ لَا يَدُلّ بِمُجَرّدِهِ عَلَى وَضْعِ رَأْسِهِ فَإِنّهُ دَالّ عَلَى خَلَاصِ مِنْ هَمّ أَوْ مَرَضٍ أَوْ شِدّةٍ لِمَنْ يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ وَعَلَى فَقْرٍ وَنَكَدٍ وَزَوَالِ رِيَاسَةٍ وَجَاهٍ لِمَنْ لَا يَلِيقُ بِهِ ذَلِكَ وَلَكِنْ فِي مَنَامِ الطّفَيْلِ قَرَائِنُ اقْتَضَتْ أَنّهُ وَضَعَ رَأْسَهُ مِنْهَا أَنّهُ [ ص 549 ] كَانَ فِي الْجِهَادِ وَمُقَاتَلَةِ الْعَدُوّ ذِي الشّوْكَةِ وَالْبَأْسِ . [ بَيَانُ تَأْوِيلِ الطّفَيْلِ لِرُؤْيَاهُ ] وَمِنْهَا : أَنّهُ دَخَلَ فِي بَطْنِ الْمَرْأَةِ الّتِي رَآهَا وَهِيَ الْأَرْضُ الّتِي هِيَ بِمَنْزِلَةِ أُمّهِ وَرَأَى أَنّهُ قَدْ دَخَلَ فِي الْمَوْضِعِ الّذِي خَرَجَ مِنْهُ وَهَذَا هُوَ إعَادَتُهُ إلَى الْأَرْضِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { مِنْهَا خَلَقْنَاكُمْ وَفِيهَا نُعِيدُكُمْ وَمِنْهَا نُخْرِجُكُمْ } [ طَه : 155 ] فَأَوّلَ الْمَرْأَةَ بِالْأَرْضِ إذْ كِلَاهُمَا مَحَلّ الْوَطْءِ وَأَوّلَ دُخُولَهُ فِي فَرْجِهَا بِعَوْدِهِ إلَيْهَا كَمَا خُلِقَ مِنْهَا وَأَوّلَ الطّائِرَ الّذِي خَرَجَ مِنْ فِيهِ بِرُوحِهِ فَإِنّهَا كَالطّائِرِ الْمَحْبُوسِ فِي الْبَدَنِ فَإِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ كَانَتْ كَالطّائِرِ الّذِي فَارَقَ حَبْسَهُ فَذَهَبَ حَيْثُ شَاءَ وَلِهَذَا أَخْبَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ نَسَمَةَ الْمُؤْمِنِ طَائِرٌ يَعْلَقُ فِي شَجَرِ الْجَنّةِ وَهَذَا هُوَ الطّائِرُ الّذِي رُئِيَ دَاخِلًا فِي قَبْرِ ابْنِ عَبّاسٍ لَمّا دُفِنَ وَسُمِعَ قَارِئٌ يَقْرَأُ { يَا أَيّتُهَا النّفْسُ الْمُطْمَئِنّةُ ارْجِعِي إِلَى رَبّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيّةً } [ الْفَجْرِ 27 ] . وَعَلَى حَسَبِ بَيَاضِ هَذَا الطّائِرِ وَسَوَادِهِ وَحُسْنِهِ وَقُبْحِهِ تَكُونُ الرّوحُ وَلِهَذَا كَانَتْ أَرْوَاحُ آلِ فِرْعَوْنَ فِي صُورَةِ طُيُورٍ سُودٍ تَرِدُ النّارَ بُكْرَةً وَعَشِيّةً وَأَوّلَ طَلَبَ ابْنِهِ لَهُ بِاجْتِهَادِهِ فِي أَنْ يَلْحَقَ بِهِ فِي الشّهَادَةِ وَحَبْسُهُ عَنْهُ هُوَ مُدّةُ حَيَاتِهِ بَيْنَ وَقْعَةِ الْيَمَامَةِ وَالْيَرْمُوكِ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ نَجْرَانَ عَلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَفَدَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ بِالْمَدِينَةِ فَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ الزّبَيْرِ قَالَ لَمّا قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَخَلُوا عَلَيْهِ مَسْجِدَهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ فَحَانَتْ صَلَاتُهُمْ فَقَامُوا يُصَلّونَ فِي [ ص 550 ] فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَعُوهُمْ فَاسْتَقْبَلُوا الْمَشْرِقَ فَصَلّوْا صَلَاتَهُمْ [ ذِكْرُ أَبِي حَارِثَةَ حَبْرِهِمْ ] قَالَ وَحَدّثَنِي يَزِيدُ بْنُ سُفْيَانَ عَنْ ابْنِ الْبَيْلَمَانِيّ عَنْ كُرْزِ بْنِ عَلْقَمَةَ قَالَ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفْدُ نَصَارَى نَجْرَانَ سِتّونَ رَاكِبًا مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ وَالْأَرْبَعَةُ وَالْعِشْرُونَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ إلَيْهِمْ يَئُولُ أَمْرُهُمْ الْعَاقِبُ أَمِيرُ الْقَوْمِ وَذُو رَأْيِهِمْ وَصَاحِبُ مَشُورَتِهِمْ وَاَلّذِي لَا يَصْدُرُونَ إلّا عَنْ رَأْيِهِ وَأَمْرِهِ وَاسْمُهُ عَبْدُ الْمَسِيحِ وَالسّيّدُ ثِمَالُهُمْ وَصَاحِبُ رَحْلِهِمْ وَمُجْتَمَعِهِمْ وَاسْمُهُ الْأَيْهَمُ وَأَبُو حَارِثَةَ بْنُ عَلْقَمَةَ أَخُو بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ أُسْقُفُهُمْ وَحَبْرُهُمْ وَإِمَامُهُمْ وَصَاحِبُ مِدْرَاسِهِمْ . وَكَانَ أَبُو حَارِثَةَ قَدْ شَرُفَ فِيهِمْ وَدَرَسَ كُتُبَهُمْ وَكَانَتْ مُلُوكُ الرّومِ مِنْ أَهْلِ النّصْرَانِيّةِ قَدْ شَرّفُوهُ وَمَوّلُوهُ وَأَخْدَمُوهُ وَبَنَوْا لَهُ الْكَنَائِسَ وَبَسَطُوا عَلَيْهِ الْكَرَامَاتِ لِمَا يَبْلُغُهُمْ عَنْهُ مِنْ عِلْمِهِ وَاجْتِهَادِهِ فِي دِينِهِمْ . [ كَانَ أَبُو حَارِثَةَ يَعْلَمُ أَنّ مُحَمّدًا النّبِيّ الْمَوْعُودُ ] فَلَمّا وَجّهُوا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ نَجْرَانَ جَلَسَ أَبُو حَارِثَةَ عَلَى بَغْلَةٍ لَهُ مُوَجّهًا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَإِلَى جَنْبِهِ أَخٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ يُسَايِرُهُ إذْ عَثَرَتْ بَغْلَةُ أَبِي حَارِثَةَ فَقَالَ لَهُ كُرْزٌ تَعِسَ الْأَبْعَدُ يُرِيدُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَقَالَ لَهُ أَبُو حَارِثَةَ بَلْ أَنْتَ تَعِسْتَ . فَقَالَ وَلِمَ يَا أَخِي ؟ فَقَالَ وَاَللّهِ إنّهُ النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي كُنّا نَنْتَظِرُهُ . فَقَالَ لَهُ كُرْزٌ فَمَا يَمْنَعُك مِنْ اتّبَاعِهِ وَأَنْتَ تَعْلَمُ هَذَا ؟ فَقَالَ مَا صَنَعَ بِنَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ شَرّفُونَا وَمَوّلُونَا وَأَكْرَمُونَا وَقَدْ أَبَوْا إلّا خِلَافَهُ وَلَوْ فَعَلْتُ نَزَعُوا مِنّا كُلّ مَا تَرَى فَأَضْمَرَ عَلَيْهَا مِنْهُ أَخُوهُ كُرْزُ بْنُ عَلْقَمَةَ حَتّى أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ . [ التّحَاجّ فِي دِينِ إبْرَاهِيمَ ] [ ظَنّ الْوَفْدُ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَعَاهُمْ إلَى عِبَادَتِهِ ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ أَبِي مُحَمّدٍ مَوْلَى زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ حَدّثَنِي سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ اجْتَمَعَتْ نَصَارَى [ ص 551 ] نَجْرَانَ وَأَحْبَارُ يَهُودَ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَتَنَازَعُوا عِنْدَهُ فَقَالَتْ الْأَحْبَارُ مَا كَانَ إبْرَاهِيم ُ إلّا يَهُودِيّا وَقَالَتْ النّصَارَى : مَا كَانَ إلّا نَصْرَانِيّا فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ فِيهِمْ { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لِمَ تُحَاجّونَ فِي إِبْرَاهِيمَ وَمَا أُنْزِلَتِ التّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِلّا مِنْ بَعْدِهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ هَا أَنْتُمْ هَؤُلَاءِ حَاجَجْتُمْ فِيمَا لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ فَلِمَ تُحَاجّونَ فِيمَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَاللّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيّا وَلَا نَصْرَانِيّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ إِنّ أَوْلَى النّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلّذِينَ اتّبَعُوهُ وَهَذَا النّبِيّ وَالّذِينَ آمَنُوا وَاللّهُ وَلِيّ الْمُؤْمِنِينَ } [ آلِ عِمْرَانَ 65 66 ] فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْأَحْبَارِ أَتُرِيدُ مِنّا يَا مُحَمّدُ أَنْ نَعْبُدَك كَمَا تَعْبُدُ النّصَارَى عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ ؟ وَقَالَ رَجُلٌ مِنْ نَصَارَى نَجْرَانَ : أَوَ ذَلِكَ تُرِيدُ يَا مُحَمّدُ وَإِلَيْهِ تَدْعُونَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعَاذَ اللّهِ أَنْ أَعْبُدَ غَيْرَ اللّهِ أَوْ آمُرَ بِعِبَادَةِ غَيْرِهِ مَا بِذَلِكَ بَعَثَنِي وَلَا أَمَرَنِي فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ فِي ذَلِكَ { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنّبُوّةَ ثُمّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبّانِيّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنّبِيّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [ آلِ عِمْرَانَ 79 ] ثُمّ ذَكَرَ مَا أُخِذَ عَلَيْهِمْ وَعَلَى آبَائِهِمْ مِنْ الْمِيثَاقِ بِتَصْدِيقِهِ وَإِقْرَارِهِمْ بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ فَقَالَ { وَإِذْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ النّبِيّينَ } إلَى قَوْلِهِ { مِنَ الشّاهِدِينَ } [ آلِ عِمْرَانَ 81 ] . [ نُزُولُ فَاتِحَةِ آلِ عِمْرَانَ فِي وَفْدِ نَجْرَانَ ] وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ سَهْلِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ لَمّا قَدِمَ وَفْدُ نَجْرَانَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ يَسْأَلُونَهُ عَنْ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ نَزَلَ فِيهِمْ فَاتِحَةُ آلِ عِمْرَانَ إلَى رَأْسِ الثّمَانِينَ مِنْهَا . وَرُوِينَا عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ الْحَاكِمِ عَنْ الْأَصَمّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْجَبّارِ عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ يَسُوعَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ - قَالَ يُونُسُ وَكَانَ نَصْرَانِيّا فَأَسْلَمَ - إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَتَبَ إلَى أَهْلِ نَجْرَانَ بِاسْمِ إلَهِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ أَمّا بَعْدُ فَإِنّي أَدْعُوكُمْ إلَى عِبَادَةِ اللّهِ مِنْ عِبَادَةِ الْعِبَادِ وَأَدْعُوكُمْ إلَى وِلَايَةِ اللّهِ مِنْ وِلَايَةِ الْعِبَادِ فَإِنْ أَبَيْتُمْ فَالْجِزْيَةُ فَإِنْ [ ص 552 ] فَلَمّا أَتَى الْأُسْقُفَ الْكِتَابُ فَقَرَأَهُ فَظِعَ بِهِ وَذَعَرَ بِهِ ذُعْرًا شَدِيدًا فَبَعَثَ إلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يُقَالُ لَهُ شُرَحْبِيلُ بْنُ وَدَاعَةَ وَكَانَ مِنْ هَمْدَانَ وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يُدْعَى إذَا نَزَلَ مُعْضِلَةٌ قَبْلَهُ لَا الْأَيْهَمُ وَلَا السّيّدُ وَلَا الْعَاقِبُ فَدَفَعَ الْأُسْقُفُ كِتَابَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَيْهِ فَقَرَأَهُ فَقَالَ الْأَسْقُفُ يَا أَبَا مَرْيَمَ مَا رَأْيُك ؟ فَقَالَ شُرَحْبِيلُ قَدْ عَلِمْت مَا وَعَدَ اللّهُ إبْرَاهِيمَ فِي ذُرّيّةِ إسْمَاعِيلَ مِنْ النّبُوّةِ فَمَا يُؤْمَنُ أَنْ يَكُونَ هَذَا هُوَ ذَلِكَ الرّجُلُ لَيْسَ لِي فِي النّبُوّةِ رَأْيٌ لَوْ كَانَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ شُرَحْبِيلَ وَهُوَ مِنْ ذِي أَصْبَحَ مِنْ حِمْيَرَ فَاجْلِسْ فَتَنَحّى شُرَحْبِيلُ فَجَلَسَ نَاحِيَةً فَبَعَثَ الْأُسْقُفُ إلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يُقَالُ لَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ شُرَحْبِيلَ وَهُوَ مِنْ ذِي أَصْبَحَ مِنْ حِمْيَرَ فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ وَسَأَلَهُ عَنْ الرّأْيِ فِيهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ . فَقَالَ لَهُ الْأَسْقُفُ تَنَحّ فَاجْلِسْ فَتَنَحّى فَجَلَسَ نَاحِيَةً فَبَعَثَ الْأُسْقُفُ إلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ يُقَالُ لَهُ جَبّارُ بْنُ فَيْضٍ مِنْ بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ فَأَقْرَأَهُ الْكِتَابَ وَسَأَلَهُ عَنْ الرّأْيِ فِيهِ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ قَوْلِ شُرَحْبِيلَ وَعَبْدِ اللّهِ فَأَمَرَهُ الْأُسْقُفُ فَتَنَحّى . فَلَمّا اجْتَمَعَ الرّأْيُ مِنْهُمْ عَلَى تِلْكَ الْمَقَالَةِ جَمِيعًا أَمَرَ الْأُسْقُفُ بِالنّاقُوسِ فَضُرِبَ بِهِ وَرُفِعَتْ الْمُسُوحُ فِي الصّوَامِعِ وَكَذَلِكَ كَانُوا يَفْعَلُونَ إذَا فَزِعُوا بِالنّهَارِ وَإِذَا كَانَ فَزَعُهُمْ بِاللّيْلِ ضُرِبَ النّاقُوسُ وَرُفِعَتْ النّيرَانُ فِي الصّوَامِعِ فَاجْتَمَعَ - حِينَ ضُرِبَ بِالنّاقُوسِ وَرُفِعَتْ الْمُسُوحُ - أَهْلُ الْوَادِي أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ وَطُولُ الْوَادِي مَسِيرَةَ يَوْمٍ لِلرّاكِبِ السّرِيعِ وَفِيهِ ثَلَاثٌ وَسَبْعُونَ قَرْيَةً وَعِشْرُونَ وَمِائَةَ أَلْفِ مُقَاتِلٍ فَقَرَأَ عَلَيْهِمْ كِتَابَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسَأَلَهُمْ عَنْ الرّأْيِ فِيهِ فَاجْتَمَعَ رَأْيُ أَهْلِ الْوَادِي مِنْهُمْ عَلَى أَنْ يَبْعَثُوا شُرَحْبِيلَ بْنَ وَدَاعَةَ الْهَمْدَانِي وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ شُرَحْبِيلَ وَجَبّارَ بْنَ فَيْضٍ الْحَارِثِيّ فَيَأْتُوهُمْ بِخَبَرِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ الْمُبَاهَلَةُ فِي شَأْنِ عِيسَى ] فَانْطَلَقَ الْوَفْدُ حَتّى إذَا كَانُوا بِالْمَدِينَةِ وَضَعُوا ثِيَابَ السّفَرِ عَنْهُمْ وَلَبِسُوا حُلَلًا لَهُمْ يَجُرّونَهَا مِنْ الْحِبَرَةِ وَخَوَاتِيمَ الذّهَبِ ثُمّ انْطَلَقُوا حَتّى أَتَوْا [ ص 553 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَسَلّمُوا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِمْ السّلَامَ وَتَصَدّوْا لِكَلَامِهِ نَهَارًا طَوِيلًا فَلَمْ يُكَلّمْهُمْ وَعَلَيْهِمْ تِلْكَ الْحُلَلُ وَالْخَوَاتِيمُ الذّهَبُ فَانْطَلَقُوا يَتّبِعُونَ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ وَعَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَكَانَا مَعْرِفَةً لَهُمْ كَانَا يُخْرِجَانِ الْعِيرَ فِي الْجَاهِلِيّةِ إلَى نَجْرَانَ فَيُشْتَرَى لَهُمَا مِنْ بُرّهَا وَثَمَرِهَا وَذُرَتِهَا فَوَجَدُوهُمَا فِي نَاسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ فِي مَجْلِسٍ فَقَالُوا : يَا عُثْمَانُ وَيَا عَبْدَ الرّحْمَنِ إنّ نَبِيّكُمْ كَتَبَ إلَيْنَا بِكِتَابٍ فَأَقْبَلْنَا مُجِيبِينَ لَهُ فَأَتَيْنَاهُ فَسَلّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْنَا سَلَامَنَا وَتَصَدّيْنَا لِكَلَامِهِ نَهَارًا طَوِيلًا فَأَعْيَانَا أَنْ يُكَلّمَنَا فَمَا الرّأْيُ مِنْكُمَا أَنَعُودُ ؟ فَقَالَا لِعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب ٍ وَهُوَ فِي الْقَوْمِ مَا تَرَى يَا أَبَا الْحَسَنِ فِي هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ ؟ فَقَالَ عَلِيّ لِعُثْمَانَ وَعَبْدِ الرّحْمَنِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا : أَرَى أَنْ يَضَعُوا حُلَلَهُمْ هَذِهِ وَخَوَاتِيمَهُمْ وَيَلْبَسُوا ثِيَابَ سَفَرِهِمْ ثُمّ يَأْتُوا إلَيْهِ فَفَعَلَ الْوَفْدُ ذَلِكَ فَوَضَعُوا حُلَلَهُمْ وَخَوَاتِيمَهُمْ ثُمّ عَادُوا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَسَلّمُوا عَلَيْهِ فَرَدّ سَلَامَهُمْ ثُمّ سَأَلَهُمْ وَسَأَلُوهُ فَلَمْ تَزَلْ بِهِ وَبِهِمْ الْمَسْأَلَةُ حَتّى قَالُوا لَهُ مَا تَقُولُ فِي عِيسَى عَلَيْهِ السّلَامُ ؟ فَإِنّا نَرْجِعُ إلَى قَوْمِنَا وَنَحْنُ نَصَارَى فَيَسُرّنَا إنْ كُنْت نَبِيّا أَنْ نَعْلَمَ مَا تَقُولُ فِيهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا عِنْدِي فِيهِ شَيْءٌ يَوْمِي هَذَا فَأَقِيمُوا حَتّى أُخْبِرَكُمْ بِمَا يُقَالُ لِي فِي عِيسَى عَلَيْهِ السّلَام فَأَصْبَحَ الْغَدُ وَقَدْ أَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ { إِنّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ الْحَقّ مِنْ رَبّكَ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْمُمْتَرِينَ فَمَنْ حَاجّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللّهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ } [ آلِ عِمْرَانَ 59 - 61 ] فَأَبَوْا أَنْ يُقِرّوا بِذَلِكَ فَلَمّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْغَدَ بَعْدَمَا أَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ أَقْبَلَ مُشْتَمِلًا عَلَى الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا فِي خَمِيلٍ لَهُ وَفَاطِمَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا تَمْشِي عِنْدَ ظَهْرِهِ لِلْمُبَاهَلَةِ وَلَهُ يَوْمَئِذٍ عِدّةُ نِسْوَةٍ فَقَالَ شُرَحْبِيلُ لِصَاحِبَيْهِ يَا عَبْدَ اللّهِ بْنَ شُرَحْبِيلَ وَيَا جَبّارُ بْنُ فَيْضٍ قَدْ عَلِمْتُمَا أَنّ الْوَادِيَ إذَا اجْتَمَعَ أَعْلَاهُ وَأَسْفَلُهُ [ ص 554 ] أَرَى أَمْرًا مُقْبِلًا وَأَرَى وَاَللّهِ إنْ كَانَ هَذَا الرّجُلُ مَلِكًا مَبْعُوثًا فَكُنّا أَوّلَ الْعَرَبِ طَعَنَ فِي عَيْنِهِ وَرَدّ عَلَيْهِ أَمْرَهُ لَا يَذْهَبُ لَنَا مِنْ صَدْرِهِ وَلَا مِنْ صُدُورِ قَوْمِهِ حَتّى يُصِيبُونَا بِجَائِحَةٍ وَإِنّا أَدْنَى الْعَرَبِ مِنْهُمْ جِوَارًا وَإِنْ كَانَ هَذَا الرّجُلُ نَبِيّا مُرْسَلًا فَلَاعَنّاهُ فَلَا يَبْقَى عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنّا شَعْرَةٌ وَلَا ظُفْرٌ إلّا هَلَكَ فَقَالَ لَهُ صَاحِبَاهُ فَمَا الرّأْيُ فَقَدْ وَضَعَتْك الْأُمُورُ عَلَى ذِرَاعٍ فَهَاتِ رَأْيَك ؟ فَقَالَ رَأْيِي أَنْ أُحَكّمَهُ فَإِنّي أَرَى رَجُلًا لَا يَحْكُمُ شَطَطًا أَبَدًا . فَقَالَا لَهُ أَنْتَ وَذَاكَ . فَلَقِيَ شُرَحْبِيلُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ إنّي قَدْ رَأَيْتُ خَيْرًا مِنْ مُلَاعَنَتِك فَقَالَ وَمَا هُوَ ؟ قَالَ شُرَحْبِيلُ حُكْمُك الْيَوْمَ إلَى اللّيْلِ وَلَيْلَتَك إلَى الصّبَاحِ فَمَهْمَا حَكَمْت فِينَا فَهُوَ جَائِزٌ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَعَلّ وَرَاءَكَ أَحَدًا يُثَرّبُ عَلَيْك فَقَالَ لَهُ شُرَحْبِيلُ سَلْ صَاحِبِيّ فَسَأَلَهُمَا فَقَالَا : مَا يَرِدُ الْوَادِي وَلَا يَصْدُرُ إلّا عَنْ رَأْيِ شُرَحْبِيلَ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " كَافِرٌ " أَوْ قَالَ " جَاحِدٌ مُوَفّق [ كِتَابُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَهُمْ ] [ رُجُوعُهُمْ إلَى نَجْرَانَ ] فَرَجَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَمْ يُلَاعِنْهُمْ حَتّى إذَا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَتَوْهُ فَكَتَبَ لَهُمْ فِي الْكِتَابِ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ هَذَا مَا كَتَبَ مُحَمّدٌ النّبِيّ رَسُولُ اللّهِ لِنَجْرَانَ إذْ كَانَ عَلَيْهِمْ حُكْمُهُ فِي كُلّ ثَمَرَةٍ وَفِي كُلّ صَفْرَاءَ وَبَيْضَاءَ وَسَوْدَاءَ وَرَقِيقٍ فَأَفْضَلَ عَلَيْهِمْ وَتَرَكَ ذَلِكَ كُلّهُ عَلَى أَلْفَيْ حُلّةٍ فِي كُلّ رَجَبٍ أَلْفُ حُلّةٍ وَفِي كُلّ صَفَرٍ أَلْفُ حُلّةٍ وَكُلّ حُلّةٍ أُوقِيّةٌ مَا زَادَتْ عَلَى الْخَرَاجِ أَوْ نَقَصَتْ عَلَى الْأَوَاقِيِ فَبِحِسَابٍ وَمَا قَضَوْا مِنْ دُرُوعٍ أَوْ خَيْلٍ أَوْ رِكَابٍ أَوْ عَرَضٍ أُخِذَ مِنْهُمْ بِحِسَابٍ وَعَلَى نَجْرَانَ مُثْوَاةُ رُسُلِي وَمَتّعْتهمْ بِهَا عِشْرِينَ فَدُونَهُ وَلَا يُحْبَسُ رَسُولٌ فَوْقَ شَهْرٍ وَعَلَيْهِمْ عَارِيَةٌ ثَلَاثِينَ دِرْعًا وَثَلَاثِينَ فَرَسًا وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا إذَا كَانَ كَيْدٌ بِالْيَمَنِ وَمَغْدَرَةٌ وَمَا هَلَكَ مِمّا أَعَارُوا رَسُولِي مِنْ دُرُوعٍ أَوْ خَيْلٍ أَوْ رِكَابٍ فَهُوَ ضَمَانٌ عَلَى رَسُولِي حَتّى [ ص 555 ] يُؤَدّيَهُ إلَيْهِمْ وَلِنَجْرَانَ وَحَسْبُهَا جِوَارُ اللّهِ وَذِمّةُ مُحَمّدٍ النّبِيّ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَمِلّتِهِمْ وَأَرْضِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَغَائِبِهِمْ وَشَاهِدِهِمْ وَعَشِيرَتِهِمْ وَتَبَعِهِمْ وَأَنْ لَا يُغَيّرُوا مِمّا كَانُوا عَلَيْهِ وَلَا يُغَيّرُ حَقّ مِنْ حُقُوقِهِمْ وَلَا مِلّتِهِمْ وَلَا يُغَيّرُ أُسْقُفٌ مِنْ أُسْقُفِيّتِهِ وَلَا رَاهِبٌ مِنْ رَهْبَانِيّتِهِ وَلَا وَافِهٍ عَنْ وَفَهِيّتِهِ وَكُلّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ أَوْ كَثِيرٍ وَلَيْسَ عَلَيْهِمْ رِيبَةٌ وَلَا دَمُ جَاهِلِيّةٍ وَلَا يُحْشَرُونَ وَلَا يُعْشَرُونَ وَلَا يَطَأُ أَرْضَهُمْ جَيْشٌ وَمَنْ سَأَلَ مِنْهُمْ حَقّا فَبَيْنَهُمْ النّصْفُ غَيْرَ ظَالِمِينَ وَلَا مَظْلُومِينَ وَمَنْ أَكَلَ رِبًا مِنْ ذِي قَبْلُ فَذِمّتِي مِنْهُ بَرِيئَةٌ وَلَا يُؤْخَذُ رَجُلٌ مِنْهُمْ بِظُلْمِ آخَرَ وَعَلَى مَا فِي هَذِهِ الصّحِيفَةِ جِوَارُ اللّهِ وَذِمّةُ مُحَمّدٍ النّبِيّ رَسُولِ اللّهِ حَتّى يَأْتِيَ اللّهُ بِأَمْرِهِ مَا نَصَحُوا وَأَصْلَحُوا فِيمَا عَلَيْهِمْ غَيْرَ مُنْقَلِبِينَ بِظُلْم شَهِدَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْب ٍ وَغَيْلَانُ بْنُ عَمْرٍو وَمَالِكُ بْنُ عَوْفٍ وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ الْحَنْظَلِيّ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ وَكُتِبَ حَتّى إذَا قَبَضُوا كِتَابَهُمْ انْصَرَفُوا إلَى نَجْرَانَ فَتَلَقّاهُمْ الْأُسْقُفُ وَوُجُوهُ نَجْرَانَ عَلَى مَسِيرَةِ لَيْلَةٍ وَمَعَ الْأَسْقُفِ أَخٌ لَهُ مِنْ أُمّهِ وَهُوَ ابْنُ عَمّهِ مِنْ النّسَبِ يُقَالُ لَهُ بِشْرُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَكُنْيَتُهُ أَبُو عَلْقَمَةَ فَدَفَعَ الْوَفْدُ كِتَابَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْأُسْقُفِ فَبَيْنَا هُوَ يَقْرَؤُهُ وَأَبُو عَلْقَمَةَ مَعَهُ وَهُمَا يَسِيرَانِ إذْ كَبَتْ بِبِشْرٍ نَاقَتُهُ فَتَعّسَ بِشْرٌ غَيْرَ أَنّهُ لَا يُكَنّي عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ لَهُ الْأَسْقُفُ عِنْدَ ذَلِكَ قَدْ تَعّسْت وَاَللّهِ نَبِيّا مُرْسَلًا فَقَالَ بِشْرٌ لَا جَرَمَ وَاَللّهِ لَا أَحُلّ عَنْهَا عُقَدًا حَتّى آتِيَهُ فَضَرَبَ وَجْهَ نَاقَتِهِ نَحْوَ الْمَدِينَةِ وَثَنَى الْأُسْقُفُ نَاقَتَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ افْهَمْ عَنّي إنّمَا قُلْتُ هَذَا لِتُبَلّغَ عَنّي الْعَرَبَ مَخَافَةَ أَنْ يَقُولُوا : إنّا أُخِذْنَا حُمْقَةً أَوْ نَخَعْنَا لِهَذَا الرّجُلِ بِمَا لَمْ تَنْخَعْ بِهِ الْعَرَبُ وَنَحْنُ أَعَزّهُمْ وَأَجْمَعُهُمْ دَارًا فَقَالَ لَهُ بِشْرٌ لَا وَاَللّهِ لَا أُقِيلُك مَا خَرَجَ مِنْ رَأْسِك أَبَدًا فَضَرَبَ بِشْرٌ نَاقَتَهُ وَهُوَ مُوَلّ ظَهْرَهُ لِلْأُسْقُفِ وَهُوَ يَقُولُ [ ص 556 ] إلَيْكَ تَعْدُو قَلِقًا وَضِينُهَا مُعْتَرِضًا فِي بَطْنِهَا جَنِينُهَا مُخَالِفًا دِينَ النّصَارَى دِينُهَا حَتّى أَتَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَمْ يَزَلْ مَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى اُسْتُشْهِدَ أَبُو عَلْقَمَةَ بَعْدَ ذَلِكَ . وَدَخَلَ الْوَفْدُ نَجْرَانَ فَأَتَى الرّاهِبُ ابْنُ أَبِي شِمْرٍ الزّبَيْدِيّ وَهُوَ فِي رَأْسِ صَوْمَعَةٍ لَهُ فَقَالَ لَهُ إنّ نَبِيّا قَدْ بُعِثَ بِتِهَامَةَ وَإِنّهُ كَتَبَ إلَى الْأُسْقُفِ فَأَجْمَعَ أَهْلُ الْوَادِي أَنْ يُسَيّرُوا إلَيْهِ شُرَحْبِيلَ بْنَ وَدَاعَةَ وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ شُرَحْبِيلَ وَجَبّارَ بْنَ فَيْضٍ فَيَأْتُونَهُمْ بِخَبَرِهِ فَسَارُوا حَتّى أَتَوْهُ فَدَعَاهُمْ إلَى الْمُبَاهَلَةِ فَكَرِهُوا مُلَاعَنَتَهُ وَحَكّمَهُ شُرَحْبِيلُ فَحَكَمَ عَلَيْهِمْ حُكْمًا وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا ثُمّ أَقْبَلَ الْوَفْدُ بِالْكِتَابِ حَتّى دَفَعُوهُ إلَى الْأُسْقُفِ فَبَيْنَا الْأُسْقُفُ يَقْرَؤُهُ وَبِشْرٌ مَعَهُ حَتّى كَبَتْ بِبِشْرٍ نَاقَتُهُ فَتَعّسَهُ فَشَهِدَ الْأُسْقُفُ أَنّهُ نَبِيّ مُرْسَلٌ فَانْصَرَفَ أَبُو عَلْقَمَةَ نَحْوَهُ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ فَقَالَ الرّاهِبُ أَنْزِلُونِي وَإِلّا رَمَيْتُ بِنَفْسِي مِنْ هَذِهِ الصّوْمَعَةِ فَأَنْزَلُوهُ فَانْطَلَقَ الرّاهِبُ بِهَدِيّةٍ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْهَا هَذَا الْبُرْدُ الّذِي يَلْبَسُهُ الْخُلَفَاءُ وَالْقَعْبُ وَالْعَصَا وَأَقَامَ الرّاهِبُ بَعْدَ ذَلِكَ يَسْمَعُ كَيْفَ يَنْزِلُ الْوَحْيُ وَالسّنَنُ وَالْفَرَائِضُ وَالْحُدُودُ وَأَبَى اللّهُ لِلرّاهِبِ الْإِسْلَامَ فَلَمْ يُسْلِمْ وَاسْتَأْذَنَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الرّجْعَةِ إلَى قَوْمِهِ وَقَالَ إنّ لِي حَاجَةً وَمَعَادًا إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى فَرَجَعَ إلَى قَوْمِهِ فَلَمْ يَعُدْ حَتّى قُبِضَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَإِنّ الْأُسْقُفَ أَبَا الْحَارِثِ أَتَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَعَهُ السّيّدُ وَالْعَاقِبُ وَوُجُوهُ قَوْمِهِ وَأَقَامُوا عِنْدَهُ يَسْتَمِعُونَ مَا يُنْزِلُ اللّهُ عَلَيْهِ فَكَتَبَ لِلْأُسْقُفِ هَذَا الْكِتَابَ وَلِلْأَسَاقِفَةِ بِنَجْرَانَ بَعْدَهُ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ إلَى الْأُسْقُفِ أَبِي الْحَارِثِ وَأَسَاقِفَةِ نَجْرَانَ وَكَهَنَتِهِمْ وَرُهْبَانِهِمْ وَأَهْلِ بِيَعِهِمْ وَرَقِيقِهِمْ وَمِلّتِهِمْ وَسُوقَتِهِمْ وَعَلَى كُلّ مَا تَحْتَ أَيْدِيهِمْ مِنْ قَلِيلٍ وَكَثِيرٍ جِوَارُ اللّهِ وَرَسُولِهِ لَا يُغَيّرُ أُسْقُفٌ مِنْ أُسْقُفَتِهِ وَلَا رَاهِبٌ مِنْ رَهْبَانِيّتِهِ وَلَا كَاهِنٌ مِنْ كَهَانَتِهِ وَلَا يُغَيّرُ حَقّ مِنْ حُقُوقِهِمْ وَلَا سُلْطَانِهِمْ وَلَا مِمّا كَانُوا عَلَيْهِ عَلَى ذَلِكَ جِوَارُ اللّهِ وَرَسُولِهِ أَبَدًا مَا نَصَحُوا وَأَصْلَحُوا عَلَيْهِمْ غَيْرَ مُنْقَلِبِينَ بِظَالِمٍ وَلَا ظَالِمِينَ وَكَتَبَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ فَلَمّا قَبَضَ الْأُسْقُفُ الْكِتَابَ اسْتَأْذَنَ فِي الِانْصِرَافِ إلَى [ ص 557 ] وَرَوَى الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ أَنّ السّيّدَ وَالْعَاقِبَ أَتَيَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَرَادَ أَنْ يُلَاعِنَهُمَا فَقَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ لَا تُلَاعِنْهُ فَوَاَللّهِ إنْ كَانَ نَبِيّا فَلَاعَنْته لَا نُفْلِحُ نَحْنُ وَلَا عَقِبُنَا مِنْ بَعْدِنَا قَالُوا لَهُ نُعْطِيَك مَا سَأَلْت فَابْعَثْ مَعَنَا رَجُلًا أَمِينًا وَلَا تَبْعَثْ مَعَنَا إلّا أَمِينًا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَأَبْعَثَنّ مَعَكُمْ رَجُلًا أَمِينًا حَقّ أَمِينٍ " فَاسْتَشْرَفَ لَهَا أَصْحَابُهُ فَقَالَ " قُمْ يَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرّاحِ " فَلَمّا قَامَ قَالَ هَذَا أَمِينُ هَذِهِ الْأُمّة وَرَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ بِنَحْوِهِ . وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ بَعَثَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى نَجْرَانَ فَقَالُوا فِيمَا قَالُوا : أَرَأَيْتَ مَا يَقْرَءُونَ ( يَا أُخْتَ هَارُونَ وَقَدْ كَانَ بَيْنَ عِيسَى وَمُوسَى مَا قَدْ عَلِمْتُمْ قَالَ فَأَتَيْتُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرْته قَالَ أَفَلَا أَخْبَرْتَهُمْ أَنّهُمْ كَانُوا يُسَمّونَ - بِأَسْمَاءِ أَنْبِيَائِهِمْ وَالصّالِحِينَ الّذِينَ كَانُوا قَبْلَهُم وَرُوِينَا عَنْ يُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ قَالَ وَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ إلَى أَهْلِ نَجْرَانَ لِيَجْمَعَ صَدَقَاتِهِمْ وَيَقْدَمَ عَلَيْهِ بِجِزْيَتِهِمْ . فَصْلٌ فِي فِقْهِ هَذِهِ الْقِصّةِ فَفِيهَا : جَوَازُ دُخُولِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَسَاجِدَ الْمُسْلِمِينَ . [ ص 558 ] [ تَمْكِينُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَلَاتِهِمْ بِحَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ ] وَفِيهَا : تَمْكِينُ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَلَاتِهِمْ بِحَضْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَفِي مَسَاجِدِهِمْ أَيْضًا إذَا كَانَ ذَلِكَ عَارِضًا وَلَا يُمَكّنُونَ مِنْ اعْتِيَادِ ذَلِكَ . [ إقْرَارُ الْكَاهِنِ الْكِتَابِيّ لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِأَنّهُ نَبِيّ لَا يُدْخِلُهُ فِي الْإِسْلَامِ مَا لَمْ يَلْتَزِمْ طَاعَتَهُ وَاخْتِلَافُ النّاسِ فِي ذَلِكَ ] وَفِيهَا : أَنّ إقْرَارَ الْكَاهِنِ الْكِتَابِيّ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِأَنّهُ نَبِيّ لَا يُدْخِلُهُ فِي الْإِسْلَامِ مَا لَمْ يَلْتَزِمْ طَاعَتَهُ وَمُتَابَعَتَهُ فَإِذَا تَمَسّكَ بِدِينِهِ بَعْدَ هَذَا الْإِقْرَارِ لَا يَكُونُ رِدّةً مِنْهُ وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُ الْحَبْرَيْنِ لَهُ وَقَدْ سَأَلَاهُ عَنْ ثَلَاثِ مَسَائِلَ فَلَمّا أَجَابَهُمَا قَالَا : نَشْهَدُ أَنّك نَبِيّ قَالَ فَمَا يَمْنَعُكُمَا مِنْ اتّبَاعِي ؟ قَالَا : نَخَافُ أَنْ تَقْتُلَنَا الْيَهُودُ وَلَمْ يُلْزِمْهُمَا بِذَلِكَ الْإِسْلَامَ . وَنَظِيرُ ذَلِكَ شَهَادَةُ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ لَهُ بِأَنّهُ صَادِقٌ وَأَنّ دِينَهُ مِنْ خَيْرِ أَدْيَانِ الْبَرِيّةِ دِينًا وَلَمْ تُدْخِلْهُ هَذِهِ الشّهَادَةُ فِي الْإِسْلَامِ . وَمَنْ تَأَمّلَ مَا فِي السّيَرِ وَالْأَخْبَارِ الثّابِتَةِ مِنْ شَهَادَةِ كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُشْرِكِينَ لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالرّسَالَةِ وَأَنّهُ صَادِقٌ فَلَمْ تُدْخِلْهُمْ هَذِهِ الشّهَادَةُ فِي الْإِسْلَامِ عَلِمَ أَنّ الْإِسْلَامَ أَمْرٌ وَرَاءَ ذَلِكَ وَأَنّهُ لَيْسَ هُوَ الْمَعْرِفَةَ فَقَطْ وَلَا الْمَعْرِفَةُ وَالْإِقْرَارُ فَقَطْ بَلْ الْمَعْرِفَةُ وَالْإِقْرَارُ وَالِانْقِيَادُ وَالْتِزَامُ طَاعَتِهِ وَدِينِهِ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَئِمّةُ الْإِسْلَامِ فِي الْكَافِرِ إذَا قَالَ أَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللّهِ وَلَمْ يَزِدْ هَلْ يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِذَلِكَ ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ وَهِيَ ثَلَاثُ رِوَايَاتٍ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ إحْدَاهَا : يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ بِذَلِكَ . وَالثّانِيَةُ لَا يُحْكَمُ بِإِسْلَامِهِ حَتّى يَأْتِيَ بِشَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ . وَالثّالِثَةُ أَنّهُ إذَا كَانَ مُقِرّا بِالتّوْحِيدِ حُكِمَ بِإِسْلَامِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُقِرّا لَمْ يُحْكَمْ بِإِسْلَامِهِ حَتّى يَأْتِيَ بِهِ وَلَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ اسْتِيفَاءِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَإِنّمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ إشَارَةً وَأَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنّ نَبِيّا يَخْرُجُ فِي آخِرِ الزّمَانِ وَهُمْ يَنْتَظِرُونَهُ وَلَا يَشُكّ عُلَمَاؤُهُمْ فِي أَنّهُ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَإِنّمَا يَمْنَعُهُمْ مِنْ الدّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ رِئَاسَتُهُمْ عَلَى قَوْمِهِمْ وَخُضُوعُهُمْ لَهُمْ وَمَا يَنَالُونَهُ مِنْهُمْ مِنْ الْمَالِ وَالْجَاهِ . [ جَوَازُ مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ ] وَمِنْهَا : جَوَازُ مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَمُنَاظَرَتِهِمْ بَلْ اسْتِحْبَابُ ذَلِكَ بَلْ وُجُوبُهُ إذَا ظَهَرَتْ مَصْلَحَتُهُ مِنْ إسْلَامِ مَنْ يُرْجَى إسْلَامُهُ مِنْهُمْ وَإِقَامَةُ الْحُجّةِ [ ص 559 ] مُجَادَلَتِهِمْ إلّا عَاجِزٌ عَنْ إقَامَةِ الْحُجّةِ فَلْيُوَلّ ذَلِكَ إلَى أَهْلِهِ وَلْيُخَلّ بَيْنَ الْمَطِيّ وَحَادِيهَا وَالْقَوْسِ وَبَارِيهَا وَلَوْلَا خَشْيَةُ الْإِطَالَةِ لَذَكَرْنَا مِنْ الْحُجَجِ الّتِي تُلْزِمُ أَهْلَ الْكِتَابَيْنِ الْإِقْرَارَ بِأَنّهُ رَسُولُ اللّهِ بِمَا فِي كُتُبِهِمْ وَبِمَا يَعْتَقِدُونَهُ بِمَا لَا يُمْكِنُهُمْ دَفْعُهُ مَا يَزِيدُ عَلَى مِائَةِ طَرِيقٍ وَنَرْجُو مِنْ اللّهِ سُبْحَانَهُ إفْرَادَهَا بِمُصَنّفٍ مُسْتَقِلّ . [ مُنَاظَرَةُ الْمُصَنّفِ لِأَحَدِ عُلَمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي نُبُوّتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ] وَدَارَ بَيْنِي وَبَيْنَ بَعْضِ عُلَمَائِهِمْ مُنَاظَرَةٌ فِي ذَلِكَ فَقُلْت لَهُ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ وَلَا يَتِمّ لَكُمْ الْقَدْحُ فِي نُبُوّةِ نَبِيّنَا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلّا بِالطّعْنِ فِي الرّبّ تَعَالَى وَالْقَدْحِ فِيهِ وَنِسْبَتِهِ إلَى أَعْظَمِ الظّلْمِ وَالسّفَهِ وَالْفَسَادِ تَعَالَى اللّهُ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ كَيْفَ يَلْزَمُنَا ذَلِكَ ؟ قُلْت : بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ لَا يَتِمّ لَكُمْ ذَلِكَ إلّا بِجُحُودِهِ وَإِنْكَارِ وُجُودِهِ تَعَالَى وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنّهُ إذَا كَانَ مُحَمّدٌ عِنْدَكُمْ لَيْسَ بِنَبِيّ صَادِقٍ وَهُوَ بِزَعْمِكُمْ مَلِكٌ ظَالِمٌ فَقَدْ تَهَيّأَ لَهُ أَنْ يَفْتَرِيَ عَلَى اللّهِ وَيَتَقَوّلَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يَقُلْهُ ثُمّ يُتِمّ لَهُ ذَلِكَ وَيَسْتَمِرّ حَتّى يُحَلّلَ وَيُحَرّمَ وَيَفْرِضَ الْفَرَائِضَ وَيُشَرّعَ الشّرَائِعَ وَيَنْسَخَ الْمِلَلَ وَيَضْرِبَ الرّقَابَ وَيَقْتُلَ أَتْبَاعَ الرّسُلِ وَهُمْ أَهْلُ الْحَقّ وَيَسْبِي نِسَاءَهُمْ وَأَوْلَادَهُمْ وَيَغْنَمَ أَمْوَالَهُمْ وَدِيَارَهُمْ وَيُتِمّ لَهُ ذَلِكَ حَتّى يَفْتَحَ الْأَرْضَ وَيَنْسُبَ ذَلِكَ كُلّهُ إلَى أَمْرِ اللّهِ تَعَالَى لَهُ بِهِ وَمَحَبّتِهِ لَهُ وَالرّبّ تَعَالَى يُشَاهِدُهُ وَمَا يَفْعَلُ بِأَهْلِ الْحَقّ وَأَتْبَاعِ الرّسُلِ وَهُوَ مُسْتَمِرّ فِي الِافْتِرَاءِ عَلَيْهِ ثَلَاثًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ كُلّهِ يُؤَيّدُهُ وَيَنْصُرُهُ وَيُعْلِي أَمْرَهُ وَيُمَكّنُ لَهُ مِنْ أَسْبَابِ النّصْرِ الْخَارِجَةِ عَنْ عَادَةِ الْبَشَرِ وَأَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ أَنّهُ يُجِيبُ دَعَوَاتِهِ وَيُهْلِكُ أَعْدَاءَهُ مِنْ غَيْرِ فِعْلٍ مِنْهُ نَفْسِهِ وَلَا سَبَبٍ بَلْ تَارَةً بِدُعَائِهِ وَتَارَةً يَسْتَأْصِلُهُمْ سُبْحَانَهُ مِنْ غَيْرِ دُعَاءٍ مِنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَعَ ذَلِكَ يَقْضِي لَهُ كُلّ حَاجَةٍ سَأَلَهُ إيّاهَا وَيَعِدُهُ كُلّ وَعْدٍ جَمِيلٍ ثُمّ يُنْجِزُ لَهُ وَعْدَهُ عَلَى أَتَمّ الْوُجُوهِ وَأَهْنَئِهَا وَأَكْمَلِهَا هَذَا وَهُوَ عِنْدَكُمْ فِي غَايَةِ الْكَذِبِ وَالِافْتِرَاءِ وَالظّلْمِ فَإِنّهُ لَا أَكْذَبَ مِمّنْ كَذَبَ عَلَى اللّهِ وَاسْتَمَرّ عَلَى ذَلِكَ وَلَا أَظْلَمَ مِمّنْ أَبْطَلَ شَرَائِعَ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ وَسَعَى فِي رَفْعِهَا مِنْ الْأَرْضِ وَتَبْدِيلِهَا بِمَا يُرِيدُ هُوَ وَقَتَلَ أَوْلِيَاءَهُ وَحِزْبَهُ وَأَتْبَاعَ رُسُلِهِ وَاسْتَمَرّتْ نُصْرَتُهُ عَلَيْهِمْ دَائِمًا وَاَللّهُ تَعَالَى فِي ذَلِكَ كُلّهِ [ ص 560 ] رَبّهِ أَنّهُ أَوْحَى إلَيْهِ أَنّهُ لَا { أَظْلَمُ مِمّنِ افْتَرَى عَلَى اللّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ } [ الْأَنْعَامِ 93 ] فَيَلْزَمُكُمْ مَعَاشِرَ مَنْ كَذّبَهُ أَحَدُ أَمْرَيْنِ لَا بُدّ لَكُمْ مِنْهُمَا : إمّا أَنْ تَقُولُوا : لَا صَانِعَ لِلْعَالَمِ وَلَا مُدَبّرَ وَلَوْ كَانَ لِلْعَالَمِ صَانِعٌ مُدَبّرٌ قَدِيرٌ حَكِيمٌ لَأَخَذَ عَلَى يَدَيْهِ وَلَقَابَلَهُ أَعْظَمَ مُقَابَلَةٍ وَجَعَلَهُ نَكَالًا لِلظّالِمِينَ إذْ لَا يَلِيقُ بِالْمُلُوكِ غَيْرُ هَذَا فَكَيْفَ بِمَلِكِ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ ؟ . الثّانِي : نِسْبَةُ الرّبّ إلَى مَا لَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ الْجَوْرِ وَالسّفَهِ وَالظّلْمِ وَإِضْلَالِ الْخَلْقِ دَائِمًا أَبَدَ الْآبَادِ لَا بَلْ نُصْرَةِ الْكَاذِبِ وَالتّمْكِينِ لَهُ مِنْ الْأَرْضِ وَإِجَابَةِ دَعَوَاتِهِ وَقِيَامِ أَمْرِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَإِعْلَاءِ كَلِمَاتِهِ دَائِمًا وَإِظْهَارِ دَعْوَتِهِ وَالشّهَادَةِ لَهُ بِالنّبُوّةِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ فِي كُلّ مَجْمَعٍ وَنَادٍ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ فِعْلِ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ وَأَرْحَمِ الرّاحِمِينَ فَلَقَدْ قَدَحْتُمْ فِي رَبّ الْعَالَمِينَ أَعْظَمَ قَدْحٍ وَطَعَنْتُمْ فِيهِ أَشَدّ طَعْنٍ وَأَنْكَرْتُمُوهُ بِالْكُلّيّةِ وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنّ كَثِيرًا مِنْ الْكَذّابِينَ قَامَ فِي الْوُجُودِ وَظَهَرَتْ لَهُ شَوْكَةٌ وَلَكِنْ لَمْ يَتِمّ لَهُ أَمْرُهُ وَلَمْ تَطُلْ مُدّتُهُ بَلْ سَلّطَ عَلَيْهِ رُسُلَهُ وَأَتْبَاعَهُمْ فَمَحَقُوا أَثَرَهُ وَقَطَعُوا دَابِرَهُ وَاسْتَأْصَلُوا شَأْفَتَهُ . هَذِهِ سُنّتُهُ فِي عِبَادِهِ مُنْذُ قَامَتْ الدّنْيَا وَإِلَى أَنْ يَرِثَ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا . فَلَمّا سَمِعَ مِنّي هَذَا الْكَلَامَ قَالَ . مَعَاذَ اللّهِ أَنْ نَقُولَ إنّهُ ظَالِمٌ أَوْ كَاذِبٌ بَلْ كُلّ مُنْصِفٍ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ يُقِرّ بِأَنّ مَنْ سَلَكَ طَرِيقَهُ وَاقْتَفَى أَثَرَهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النّجَاةِ وَالسّعَادَةِ فِي الْأُخْرَى . قُلْتُ لَهُ فَكَيْفَ يَكُونُ سَالِكُ طَرِيقِ الْكَذّابِ وَمُقْتَفِي أَثَرِهِ بِزَعْمِكُمْ مِنْ أَهْلِ النّجَاةِ وَالسّعَادَةِ ؟ فَلَمْ يَجِدْ بُدّا مِنْ الِاعْتِرَافِ بِرِسَالَتِهِ وَلَكِنْ لَمْ يُرْسِلْ إلَيْهِمْ . قُلْت : فَقَدْ لَزِمَك تَصْدِيقَهُ وَلَا بُدّ وَهُوَ قَدْ تَوَاتَرَتْ عَنْهُ الْأَخْبَارُ بِأَنّهُ رَسُولُ رَبّ الْعَالَمِينَ إلَى النّاسِ أَجْمَعِينَ كِتَابِيّهِمْ وَأُمّيّهِمْ وَدَعَا أَهْلَ الْكِتَابِ إلَى دِينِهِ [ ص 561 ] أَقَرّوا بِالصّغَارِ وَالْجِزْيَةِ فَبُهِتَ الْكَافِرُ وَنَهَضَ مِنْ فَوْرِهِ . وَالْمَقْصُودُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَزَلْ فِي جِدَالِ الْكُفّارِ عَلَى اخْتِلَافِ مِلَلِهِمْ وَنِحَلِهِمْ إلَى أَنْ تُوُفّيَ وَكَذَلِكَ أَصْحَابُهُ مِنْ بَعْدِهِ وَقَدْ أَمَرَهُ اللّه سُبْحَانَهُ بِجِدَالِهِمْ بِاَلّتِي هِيَ أَحْسَنُ فِي السّورَةِ الْمَكّيّةِ وَالْمَدَنِيّةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ بَعْدَ ظُهُورِ الْحُجّةِ إلَى الْمُبَاهَلَةِ وَبِهَذَا قَامَ الدّينُ وَإِنّمَا جَعَلَ السّيْفَ نَاصِرًا لِلْحُجّةِ وَأَعْدَلُ السّيُوفِ سَيْفٌ يَنْصُرُ حُجَجَ اللّهِ وَبَيّنَاتِهِ وَهُوَ سَيْفُ رَسُولِهِ وَأُمّتِهِ . فَصْلٌ [ مَنْ عَظّمَ مَخْلُوقًا بِحَيْثُ أَخْرَجَهُ عَنْ مَنْزِلَةِ الْعُبُودِيّةِ الْمَحْضَةِ فَقَدْ أَشْرَكَ ] وَمِنْهَا : أَنّ مَنْ عَظّمَ مَخْلُوقًا فَوْقَ مَنْزِلَتِهِ الّتِي يَسْتَحِقّهَا بِحَيْثُ أَخْرَجَهُ عَنْ مَنْزِلَةِ الْعُبُودِيّةِ الْمَحْضَةِ فَقَدْ أَشْرَكَ بِاَللّهِ وَعَبَدَ مَعَ اللّهِ غَيْرَهُ وَذَلِكَ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ دَعْوَةِ الرّسُلِ . وَأَمّا قَوْلُهُ إنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَتَبَ إلَى نَجْرَانَ بِاسْمِ إلَهِ إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوب فَلَا أَظُنّ ذَلِكَ مَحْفُوظًا وَقَدْ كَتَبَ إلَى هِرَقْلَ : بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيم وَهَذِهِ كَانَتْ سُنّتَهُ فِي كُتُبِهِ إلَى الْمُلُوكِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى وَقَدْ وَقَعَ فِي هَذِهِ الرّوَايَةِ هَذَا وَقَالَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ { طس تِلْكَ آيَاتُ الْقُرْآنِ وَكِتَابٍ مُبِينٍ } [ النّمْلِ 1 ] وَذَلِكَ غَلَطٌ عَلَى غَلَطٍ فَإِنّ هَذِهِ السّورَةَ مَكّيّةٌ بِاتّفَاقٍ وَكِتَابُهُ إلَى نَجْرَانَ بَعْدَ مَرْجِعِهِ مِنْ تَبُوكَ . [جَوَازُ إهَانَةِ رُسُلِ الْكُفّارِ ] وَفِيهَا : جَوَازُ إهَانَةِ رُسُلِ الْكُفّارِ وَتَرْكِ كَلَامِهِمْ إذَا ظَهَرَ مِنْهُمْ التّعَاظُمُ وَالتّكَبّرُ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يُكَلّمْ الرّسُلَ وَلَمْ يَرُدّ السّلَامَ عَلَيْهِمْ حَتّى لَبِسُوا ثِيَابَ سَفَرِهِمْ وَأَلْقَوْا حُلَلَهُمْ وَحُلَاهُمْ . [ الْمُبَاهَلَةُ سُنّةٌ فِيمَنْ أَصَرّ عَلَى الْعِنَادِ مِنْ أَهْلِ الْبَاطِلِ ] وَمِنْهَا : أَنّ السّنّةَ فِي مُجَادَلَةِ أَهْلِ الْبَاطِلِ إذَا قَامَتْ عَلَيْهِمْ حُجّةُ اللّهِ وَلَمْ يَرْجِعُوا بَلْ أَصَرّوا عَلَى الْعِنَادِ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إلَى الْمُبَاهَلَةِ وَقَدْ أَمَرَ اللّهُ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ رَسُولَهُ وَلَمْ يَقُلْ إنّ ذَلِكَ لَيْسَ لِأُمّتِك مِنْ بَعْدِك وَدَعَا إلَيْهِ ابْنُ عَمّهِ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَبّاسٍ لِمَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ بَعْضَ مَسَائِلِ الْفُرُوعِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ الصّحَابَةُ [ ص 562 ] وَدَعَا إلَيْهِ الْأَوْزَاعِيّ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ فِي مَسْأَلَةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَهَذَا مِنْ تَمَامِ الْحُجّةِ . [ جَوَازُ صُلْحِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى مَا يُرِيدُ الْإِمَامُ مِنْ الْأَمْوَالِ وَالثّيَابِ وَغَيْرِهَا ] وَمِنْهَا : جَوَازُ صُلْحِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى مَا يُرِيدُ الْإِمَامُ مِنْ الْأَمْوَالِ وَمِنْ الثّيَابِ وَغَيْرِهَا وَيُجْرَى ذَلِكَ مَجْرَى ضَرْبِ الْجِزْيَةِ عَلَيْهِمْ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى أَنْ يُفْرِدَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِجِزْيَةٍ بَلْ يَكُونُ ذَلِكَ الْمَالُ جِزْيَةً عَلَيْهِمْ يَقْتَسِمُونَهَا كَمَا أَحَبّوا وَلَمّا بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ عَدْلَهُ مَعَافِرِيّا . وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمَوْضِعَيْنِ أَنّ أَهْلَ نَجْرَانَ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ مُسْلِمٌ وَكَانُوا أَهْلَ صُلْحٍ وَأَمّا الْيَمَنُ فَكَانَتْ دَارَ الْإِسْلَامِ وَكَانَ فِيهِمْ يَهُودُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَضْرِبَ الْجِزْيَةَ عَلَى كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ وَالْفُقَهَاءُ يَخُصّونَ الْجِزْيَةَ بِهَذَا الْقِسْمِ دُونَ الْأَوّلِ وَكِلَاهُمَا جِزْيَةٌ فَإِنّهُ مَالٌ مَأْخُوذٌ مِنْ الْكُفّارِ عَلَى وَجْهِ الصّغَارِ فِي كُلّ عَامٍ . [ جَوَاز ثُبُوتِ الْحُلَلِ فِي الذّمّةِ ] مِنْهَا : جَوَازُ ثُبُوتِ الْحُلَلِ فِي الذّمّةِ كَمَا تَثْبُتُ فِي الدّيَةِ أَيْضًا وَعَلَى هَذَا يَجُوزُ ثُبُوتُهَا فِي الذّمّةِ بِعَقْدِ السّلَمِ وَبِالضّمَانِ وَبِالتّلَفِ كَمَا تَثْبُتُ فِيهَا بِعَقْدِ الصّدَاقِ وَالْخُلْعِ . وَمِنْهَا : أَنّهُ يَجُوزُ مُعَاوَضَتُهُمْ عَلَى مَا صَالَحُوا عَلَيْهِ مِنْ الْمَالِ بِغَيْرِهِ مِنْ أَمْوَالِهِمْ بِحِسَابِهِ . وَمِنْهَا : اشْتِرَاطُ الْإِمَامِ عَلَى الْكُفّارِ أَنْ يُؤْوُوا رُسُلَهُ وَيُكْرِمُوهُمْ وَيُضَيّفُوهُمْ أَيّامًا مَعْدُودَةً . [ جَوَازُ اشْتِرَاطِ الْإِمَامِ عَلَى الْكُفّارِ عَارِيَةَ مَا يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِ ] وَمِنْهَا : جَوَازُ اشْتِرَاطِهِ عَلَيْهِمْ عَارِيَةَ مَا يَحْتَاجُ الْمُسْلِمُونَ إلَيْهِ مِنْ سِلَاحٍ أَوْ مَتَاعٍ أَوْ حَيَوَانٍ وَأَنّ تِلْكَ الْعَارِيَةَ مَضْمُونَةٌ لَكِنْ هَلْ هِيَ مَضْمُونَةٌ بِالشّرْطِ أَوْ بِالشّرْعِ ؟ هَذَا مُحْتَمَلٌ وَقَدْ تَقَدّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ وَقَدْ صَرّحَ هَا هُنَا بِأَنّهَا مَضْمُونَةٌ بِالرّدّ وَلَمْ يَتَعَرّضْ لِضَمَانِ التّلَفِ . [ لَا يُقِرّ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى الرّبَا وَالسّكْرِ وَغَيْرِهِمَا ] وَمِنْهَا : أَنّ الْإِمَامَ لَا يُقِرّ أَهْلَ الْكِتَابِ عَلَى الْمُعَامَلَاتِ الرّبَوِيّةِ لِأَنّهَا حَرَامٌ فِي دِينِهِمْ وَهَذَا كَمَا لَا يُقِرّهُمْ عَلَى السّكْر وَلَا عَلَى اللّوَاطِ وَالزّنَى بَلْ يَحُدّهُمْ عَلَى ذَلِكَ . [ ص 563 ] وَمِنْهَا : أَنّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ رَجُلٌ مِنْ الْكُفّارِ بِظُلْمِ آخَرَ كَمَا لَا يَجُوزُ ذَلِكَ فِي حَقّ الْمُسْلِمِينَ وَكِلَاهُمَا ظُلْمٌ . [ لَا عَهْدَ لَهُمْ وَلَا ذِمّةَ إذَا غَشّوا الْمُسْلِمِينَ وَأَفْسَدُوا فِي دِينِهِمْ ] وَمِنْهَا : أَنّ عَقْدَ الْعَهْدِ وَالذّمّةِ مَشْرُوطٌ بِنُصْحِ أَهْلِ الْعَهْدِ وَالذّمّةِ وَإِصْلَاحِهِمْ فَإِذَا غَشّوا الْمُسْلِمِينَ وَأَفْسَدُوا فِي دِينِهِمْ فَلَا عَهْدَ لَهُمْ وَلَا ذِمّةَ وَبِهَذَا أَفْتَيْنَا نَحْنُ وَغَيْرُنَا فِي انْتِقَاضِ عَهْدِهِمْ لَمّا حَرَقُوا الْحَرِيقَ الْعَظِيمَ فِي دِمَشْقَ حَتّى سَرَى إلَى الْجَامِعِ وَبِانْتِقَاضِ عَهْدِ مَنْ وَاطَأَهُمْ وَأَعَانَهُمْ بِوَجْهٍ مَا بَلْ وَمَنْ عَلِمَ ذَلِكَ وَلَمْ يَرْفَعُوا إلَى وَلِيّ الْأَمْرِ فَإِنّ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْغِشّ وَالضّرَرِ بِالْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ . . [ بَعْثُ الْإِمَامِ الرّجُلَ الْأَمِينَ الْعَالمْ إلَى أَهْلِ الْهُدْنَةِ فِي مَصْلَحَةِ الْإِسْلَامِ ] وَمِنْهَا : بَعْثُ الْإِمَامِ الرّجُلَ إلَى أَهْلِ الْهُدْنَةِ فِي مَصْلَحَةِ الْإِسْلَامِ وَأَنّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ أَمِينًا وَهُوَ الّذِي لَا غَرَضَ لَهُ وَلَا هَوًى وَإِنّمَا مُرَادُهُ مُجَرّدُ مَرْضَاةِ اللّهِ وَرَسُولِهِ لَا يَشُوبُهَا بِغَيْرِهَا فَهَذَا هُوَ الْأَمِينُ حَقّ الْأَمِينِ كَحَالِ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ . وَمِنْهَا : مُنَاظَرَةُ أَهْلِ الْكِتَابِ وَجَوَابُهُمْ عَمّا سَأَلُوهُ عَنْهُ فَإِنْ أَشْكَلَ عَلَى الْمَسْئُولِ سَأَلَ أَهْلَ الْعِلْمِ . [ يُحْمَلُ الْكَلَامُ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ عَلَى ظَاهِرِهِ ] وَمِنْهَا : أَنّ الْكَلَامَ عِنْدَ الْإِطْلَاقِ يُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهِ حَتّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى خِلَافِهِ وَإِلّا لَمْ يُشْكِلْ عَلَى الْمُغِيرَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى : يَا أُخْتَ هَارُونَ هَذَا وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُ هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ حَتّى يَلْزَمَ الْإِشْكَالُ بَلْ الْمَوْرِدُ ضَمّ إلَى هَذَا أَنّهُ هَارُونُ بْنُ عِمْرَانَ وَلَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ حَتّى ضَمّ إلَيْهِ أَنّهُ أَخُو مُوسَى بْنِ عِمْرَانَ وَمَعْلُومٌ أَنّهُ لَا يَدُلّ اللّفْظُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَإِيرَادُهُ إيرَادٌ فَاسِدٌ وَهُوَ إمّا مِنْ سُوءِ الْفَهْمِ أَوْ فَسَادِ الْقَصْدِ . [ بَيَانُ أَنّ أَهْلَ نَجْرَانَ صِنْفَانِ نَصَارَى وَأُمّيّونَ وَقِصّةُ بَعْثِ خَالِدٍ إلَيْهِمْ ] وَأَمّا قَوْلُ ابْنِ إسْحَاقَ : إنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعَثَ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إلَى أَهْلِ نَجْرَانَ لِيَجْمَعَ صَدَقَاتِهِمْ وَيَقْدَمَ عَلَيْهِ بِجِزْيَتِهِمْ فَقَدْ يُظَنّ أَنّهُ كَلَامٌ مُتَنَاقِضٌ لِأَنّ الصّدَقَةَ وَالْجِزْيَةَ لَا تَجْتَمِعَانِ وَأَشْكَلُ مِنْهُ مَا يَذْكُرُهُ هُوَ وَغَيْرُهُ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَرِ أَوْ جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ عَشْرٍ إلَى بَنِي الْحَارِثِ بْنِ كَعْب ٍ بِنَجْرَانَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ أَنْ يُقَاتِلَهُمْ [ ص 564 ] فَخَرَجَ خَالِدٌ حَتّى قَدِمَ عَلَيْهِمْ فَبَعَثَ الرّكَابَ يَضْرِبُونَ فِي كُلّ وَجْهٍ وَيَدْعُونَ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ النّاسُ وَدَخَلُوا فِيمَا دُعُوا إلَيْهِ فَأَقَامَ فِيهِمْ خَالِدٌ يُعَلّمُهُمْ الْإِسْلَامَ وَكَتَبَ بِذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَكَتَبَ إلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُقْبِلَ وَيُقْبِلَ إلَيْهِ بِوَفْدِهِمْ وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّهُمْ وَفَدُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَلْفَيْ حُلّةٍ وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابَ أَمْنٍ وَأَنْ لَا يُغَيّرُوا عَنْ دِينِهِمْ وَلَا يُحْشَرُوا وَلَا يُعْشَرُوا . وَجَوَابُ هَذَا : أَنّ أَهْلَ نَجْرَانَ كَانُوا صِنْفَيْنِ نَصَارَى وَأُمّيّينَ فَصَالَحَ النّصَارَى عَلَى مَا تَقَدّمَ وَأَمّا الْأُمّيّونَ مِنْهُمْ فَبَعَثَ إلَيْهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ فَأَسْلَمُوا وَقَدِمَ وَفْدُهُمْ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُمْ الّذِي قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَ كُنْتُمْ تَغْلِبُونَ مَنْ قَاتَلَكُمْ فِي الْجَاهِلِيّةِ ؟ " قَالُوا : كُنّا نَجْتَمِعُ وَلَا نَتَفَرّقُ وَلَا نَبْدَأُ أَحَدًا بِظُلْمٍ . قَالَ " صَدَقْتُمْ وَأَمّرَ عَلَيْهِمْ قَيْسَ بْنَ الْحُصَيْنِ وَهَؤُلَاءِ هُمْ بَنُو الْحَارِثِ بْنِ كَعْبٍ . فَقَوْلُهُ بَعَثَ عَلِيّا إلَى أَهْلِ نَجْرَانَ لِيَأْتِيَهُ بِصَدَقَاتِهِمْ أَوْ جِزْيَتِهِمْ أَرَادَ بِهِ الطّائِفَتَيْنِ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ صَدَقَاتِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ وَجِزْيَةَ النّصَارَى . فَصْلٌ فِي قُدُومِ رَسُولِ فَرْوَةَ بْنِ عَمْرٍو الْجُذَامِيّ مَلِكِ عَرَبِ الرّومِ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَبَعَثَ فَرْوَةُ بْنُ عَمْرٍو الْجُذَامِيّ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَسُولًا بِإِسْلَامِهِ وَأَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ وَكَانَ فَرْوَةُ عَامِلًا لِلرّومِ عَلَى مَنْ يَلِيهِمْ مِنْ الْعَرَبِ وَكَانَ مَنْزِلُهُ مَعَانَ وَمَا حَوْلَهُ مِنْ أَرْضِ الشّامِ فَلَمّا بَلَغَ الرّومُ ذَلِكَ مِنْ إسْلَامِهِ طَلَبُوهُ حَتّى أَخَذُوهُ فَحَبَسُوهُ عِنْدَهُمْ فَلَمّا اجْتَمَعَتْ الرّومُ لِصَلْبِهِ عَلَى مَاءٍ لَهُمْ يُقَالُ لَهُ عَفْرَاءُ بِفِلَسْطِين َ قَالَ أَلَا هَلْ أَتَى سَلْمَى بِأَنّ حَلِيلَهَا عَلَى مَاءِ عَفْرَا فَوْقَ إحْدَى الرّوَاحِلِ عَلَى نَاقَةٍ لَمْ يَضْرِبْ الْفَحْلُ أُمّهَا مُشَذّبَةً أَطْرَافُهَا بِالْمَنَاجِلِ [ ص 565 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَزَعَمَ الزّهْرِيّ أَنّهُمْ لَمّا قَدّمُوهُ لِيَقْتُلُوهُ قَالَ بَلّغْ سَرَاةَ الْمُسْلِمِينَ بِأَنّنِي سِلْمٌ لِرَبّي أَعْظُمِي وَمَقَامِي ثُمّ ضَرَبُوا عُنُقَهُ وَصَلَبُوهُ عَلَى ذَلِكَ الْمَاءِ يَرْحَمُهُ اللّهُ تَعَالَى . فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْر ٍ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ الْوَلِيدِ بْنِ نُوَيْفِعٍ عَنْ كُرَيْبٍ مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ بَعَثَتْ بَنُو سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ ضِمَامَ بْنَ ثَعْلَبَةَ وَافِدًا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَدِمَ عَلَيْهِ فَأَنَاخَ بَعِيرَهُ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ فَعَقَلَهُ ثُمّ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ جَالِسٌ فِي أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيّكُمْ ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ " فَقَالَ مُحَمّدٌ ؟ فَقَالَ " نَعَمْ " فَقَالَ يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ إنّي سَائِلُك وَمُغْلِظٌ عَلَيْك فِي الْمَسْأَلَةِ فَلَا تَجِدَن فِي نَفْسِك . فَقَالَ " لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي فَسَلْ عَمّا بَدَا لَك " فَقَالَ أَنْشُدُكَ اللّهَ إلَهَك وَإِلَهَ أَهْلِكَ وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَك وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَك آللّهُ بَعَثَك إلَيْنَا رَسُولًا ؟ قَالَ " اللّهُمّ نَعَمْ " قَالَ فَأَنْشُدُكَ اللّهَ إلَهَك وَإِلَهَ مَنْ كَانَ قَبْلَك وَإِلَهَ مَنْ هُوَ كَائِنٌ بَعْدَك آللّهُ أَمَرَك أَنْ نَعْبُدَهُ لَا نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَأَنْ نَخْلَعَ هَذِهِ الْأَنْدَادَ الّتِي كَانَ آبَاؤُنَا يَعْبُدُونَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " اللّهُمّ نَعَمْ " ثُمّ جَعَلَ يَذْكُرُ فَرَائِضَ الْإِسْلَامِ فَرِيضَةً فَرِيضَةً الصّلَاةَ وَالزّكَاةَ وَالصّيَامَ وَالْحَجّ وَفَرَائِضَ الْإِسْلَامِ كُلّهَا يَنْشُدُهُ عِنْدَ كُلّ فَرِيضَةٍ كَمَا نَشَدَهُ فِي الّتِي قَبْلَهَا حَتّى إذَا فَرَغَ قَالَ فَإِنّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَأَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَسَأُؤَدّي هَذِهِ الْفَرَائِضَ وَأَجْتَنِبُ مَا نَهَيْتِنِي عَنْهُ لَا أَزِيدُ وَلَا أَنْقُصُ ثُمّ انْصَرَفَ رَاجِعًا إلَى بَعِيرِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ وَلّى : " إنْ يَصْدُقْ ذُو الْعَقِيصَتَيْنِ يَدْخُلْ الْجَنّةَ [ ص 566 ] وَكَانَ ضِمَامٌ رَجُلًا جَلْدًا أَشْعَرَ ذَا غَدِيرَتَيْنِ ثُمّ أَتَى بَعِيرَهُ فَأَطْلَقَ عِقَالَهُ ثُمّ خَرَجَ حَتّى قَدِمَ عَلَى قَوْمِهِ فَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ وَكَانَ أَوّلَ مَا تَكَلّمَ بِهِ أَنْ قَالَ بِئْسَتِ اللّاتُ وَالْعُزّى فَقَالُوا : مَهْ يَا ضِمَامَ اتّقِ الْبَرَصَ وَالْجُنُونَ وَالْجُذَامَ . قَالَ وَيْلَكُمْ إنّهُمَا مَا يَضُرّانِ وَلَا يَنْفَعَانِ إنّ اللّهَ قَدْ بَعَثَ رَسُولًا وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا اسْتَنْقَذَكُمْ بِهِ مِمّا كُنْتُمْ فِيهِ وَإِنّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَإِنّي قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِهِ بِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ وَنَهَاكُمْ عَنْهُ فَوَاَللّهِ مَا أَمْسَى مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ فِي حَاضِرَتِهِ رَجُلٌ وَلَا امْرَأَةٌ إلّا مُسْلِمًا . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَمَا سَمِعْنَا بِوَافِدِ قَوْمٍ أَفْضَلَ مِنْ ضِمَامِ بْنِ ثَعْلَبَةَ وَالْقِصّةُ فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِنَحْوِ هَذِهِ . وَذِكْرُ الْحَجّ فِي هَذِهِ الْقِصّةِ يَدُلّ عَلَى أَنّ قُدُومَ ضِمَامٍ كَانَ بَعْدَ فَرْضِ الْحَجّ وَهَذَا بَعِيدٌ فَالظّاهِرُ أَنّ هَذِهِ اللّفْظَةَ مُدْرَجَةٌ مِنْ كَلَامِ بَعْضِ الرّوَاةِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي قُدُومِ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ وَقَوْمِه عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رُوِينَا فِي ذَلِكَ لِأَبِي بَكْرٍ الْبَيْهَقِي ّ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدّادٍ قَالَ حَدّثَنِي رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ طَارِقُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ . قَالَ إنّي لَقَائِمٌ بِسُوقِ الْمَجَازِ إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ عَلَيْهِ [ ص 567 ] يَا أَيّهَا النّاسُ قُولُوا : لَا إلَهَ إلّا اللّه تُفْلِحُوا وَرَجُلٌ يَتْبَعُهُ يَرْمِيهِ بِالْحِجَارَةِ يَقُولُ يَا أَيّهَا النّاسُ لَا تُصَدّقُوهُ فَإِنّهُ كَذّابٌ فَقُلْتُ مَنْ هَذَا ؟ فَقَالُوا : هَذَا غُلَامٌ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ الّذِي يَزْعُمُ أَنّهُ رَسُولُ اللّهِ قَالَ قُلْتُ مَنْ هَذَا الّذِي يَفْعَلُ بِهِ هَذَا ؟ قَالُوا : هَذَا عَمّهُ عَبْدُ الْعُزّى قَالَ فَلَمّا أَسْلَمَ النّاسُ وَهَاجَرُوا خَرَجْنَا مِنْ الرّبَذَةِ نُرِيدُ الْمَدِينَةَ نَمْتَارُ مِنْ تَمْرِهَا فَلَمّا دَنَوْنَا مِنْ حِيطَانِهَا وَنَخْلِهَا قُلْنَا : لَوْ نَزَلْنَا فَلَبِسْنَا ثِيَابًا غَيْرَ هَذِهِ فَإِذَا رَجُلٌ فِي طِمْرَيْنِ لَهُ فَسَلّمَ وَقَالَ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلَ الْقَوْمُ ؟ قُلْنَا : مِنْ الرّبَذَةِ . قَالَ وَأَيْنَ تُرِيدُونَ ؟ قُلْنَا : نُرِيدُ هَذِهِ الْمَدِينَةَ قَالَ مَا حَاجَتُكُمْ فِيهَا ؟ قُلْنَا : نَمْتَارُ مِنْ تَمْرِهَا . قَالَ وَمَعَنَا ظَعِينَةٌ لَنَا وَمَعَنَا جَمَلٌ أَحْمَرُ مَخْطُومٌ فَقَالَ أَتُبِيعُونَ جَمَلَكُمْ هَذَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ بِكَذَا وَكَذَا صَاعًا مِنْ تَمْرٍ قَالَ فَمَا اسْتَوْضَعْنَا مِمّا قُلْنَا شَيْئًا فَأَخَذَ بِخِطَامِ الْجَمَلِ فَانْطَلَقَ فَلَمّا تَوَارَى عَنّا بِحِيطَانِ الْمَدِينَةِ وَنَخْلِهَا قُلْنَا : مَا صَنَعْنَا وَاَللّهِ مَا بِعْنَا جَمَلَنَا مِمّنْ نَعْرِفُ وَلَا أَخَذْنَا لَهُ ثَمَنًا قَالَ تَقُولُ الْمَرْأَةُ الّتِي مَعَنَا : وَاَللّهِ لَقَدْ رَأَيْتُ رَجُلًا كَأَنّ وَجْهَهُ شِقّةُ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ أَنَا ضَامِنَةٌ لِثَمَنِ جَمَلِكُمْ . وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ إسْحَاقَ قَالَتْ الظّعِينَةُ فَلَا تَلَاوَمُوا فَلَقَدْ رَأَيْتُ وَجْهَ رَجُلٍ لَا يَغْدِرُ بِكُمْ مَا رَأَيْتُ شَيْئًا أَشْبَهَ بِالْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ مِنْ وَجْهِهِ فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ فَقَالَ أَنَا رَسُولُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَيْكُمْ هَذَا تَمْرُكُمْ فَكُلُوا وَاشْبَعُوا وَاكْتَالُوا وَاسْتَوْفُوا فَأَكَلْنَا حَتّى شَبِعْنَا وَاكْتَلْنَا وَاسْتَوْفَيْنَا ثُمّ دَخَلْنَا الْمَدِينَةَ فَدَخَلْنَا الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ قَائِمٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ النّاسَ فَأَدْرَكْنَا مَنْ خُطْبَتِهِ وَهُوَ يَقُولُ تَصَدّقُوا فَإِنّ الصّدَقَةَ خَيْرٌ لَكُمْ الْيَدُ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السّفْلَى أُمّكَ وَأَبَاكَ وَأُخْتَكَ وَأَخَاك وَأَدْنَاكَ أَدْنَاكَ " إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي يَرْبُوعٍ أَوْ قَالَ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ لَنَا فِي هَؤُلَاءِ دِمَاءٌ فِي الْجَاهِلِيّةِ فَقَالَ " إنّ أُمّا لَا تَجْنِي عَلَى وَلَدٍ " ثَلَاثَ مَرّاتٍ [ ص 568 ] فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ تُجِيبَ وَقَدِمَ عَلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفْدُ تُجِيبَ وَهُمْ مِنْ السّكُونِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا قَدْ سَاقُوا مَعَهُمْ صَدَقَاتِ أَمْوَالِهِمْ الّتِي فَرَضَ اللّهُ عَلَيْهِمْ فَسُرّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِهِمْ وَأَكْرَمَ مَنْزِلَهُمْ وَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ سُقْنَا إلَيْك حَقّ اللّهِ فِي أَمْوَالِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رُدّوهَا فَاقْسِمُوهَا عَلَى فُقَرَائِكُمْ " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ مَا قَدِمْنَا عَلَيْك إلّا بِمَا فَضَلَ عَنْ فُقَرَائِنَا فَقَالَ أَبُو بَكْر ٍ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا وَفَدَ مِنْ الْعَرَبِ بِمِثْلِ مَا وَفَدَ بِهِ هَذَا الْحَيّ مَنْ تُجِيبَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " إنّ الْهُدَى بِيَدِ اللّهِ عَزّ وَجَلّ فَمَنْ أَرَادَ بِهِ خَيْرًا شَرَحَ صَدْرَهُ لِلْإِيمَانِ " وَسَأَلُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَشْيَاءَ فَكَتَبَ لَهُمْ بِهَا وَجَعَلُوا يَسْأَلُونَهُ عَنْ الْقُرْآنِ وَالسّنَنِ فَازْدَادَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِهِمْ رَغْبَةً وَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُحْسِنَ ضِيَافَتَهُمْ فَأَقَامُوا أَيّامًا وَلَمْ يُطِيلُوا اللّبْثَ فَقِيلَ لَهُمْ مَا يُعْجِبُكُمْ ؟ فَقَالُوا : نَرْجِعُ إلَى مَنْ وَرَاءَنَا فَنُخْبِرُهُمْ بِرُؤْيَتِنَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَلَامِنَا إيّاهُ وَمَا رَدّ عَلَيْنَا ثُمّ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُوَدّعُونَهُ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ بِلَالًا فَأَجَازَهُمْ بِأَرْفَعَ مَا كَانَ يُجِيزُ بِهِ الْوُفُودَ . قَالَ " هَلْ بَقِيَ مِنْكُمْ أَحَدٌ ؟ " قَالُوا : نَعَمْ . غُلَامٌ خَلّفْنَاهُ عَلَى رِحَالِنَا هُوَ أَحْدَثُنَا سِنّا قَالَ " أَرْسِلُوهُ إلَيْنَا " فَلَمّا رَجَعُوا إلَى رِحَالِهِمْ قَالُوا لِلْغُلَامِ انْطَلِقْ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَاقْضِ حَاجَتَك مِنْهُ فَإِنّا قَدْ قَضَيْنَا حَوَائِجَنَا مِنْهُ وَوَدّعْنَاهُ فَأَقْبَلَ الْغُلَامُ حَتّى أَتَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي امْرُؤٌ مِنْ بَنِي أَبْذَى يَقُولُ مِنْ الرّهْطِ الّذِينَ أَتَوْك آنِفًا فَقَضَيْتَ حَوَائِجَهُمْ فَاقْضِ حَاجَتِي يَا رَسُولَ اللّهِ . قَالَ " وَمَا حَاجَتُك ؟ " قَالَ إنّ حَاجَتِي لَيْسَتْ كَحَاجَةِ أَصْحَابِي وَإِنْ كَانُوا قَدِمُوا رَاغِبِينَ فِي الْإِسْلَامِ وَسَاقُوا مَا سَاقُوا مِنْ صَدَقَاتِهِمْ وَإِنّي وَاَللّهِ مَا أَعْمَلَنِي مِنْ بِلَادِي إلّا أَنْ تَسْأَلَ اللّهَ عَزّ وَجَلّ أَنْ يَغْفِرَ لِي وَيَرْحَمَنِي وَأَنْ يَجْعَلَ غِنَايَ فِي قَلْبِي فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَقْبَلَ إلَى الْغُلَامِ اللّهُمّ اغْفِرْ لَهُ وَارْحَمْهُ وَاجْعَلْ غِنَاهُ فِي قَلْبِهِ " ثُمّ أَمَرَ لَهُ بِمِثْلِ مَا أَمَرَ بِهِ لِرَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَانْطَلَقُوا رَاجِعِينَ إلَى أَهْلِيهِمْ ثُمّ وَافَوْا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْمَوْسِمِ بِمِنًى سَنَةَ عَشْرٍ فَقَالُوا : نَحْنُ بَنُو أَبْذَى فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا فَعَلَ الْغُلَامُ الّذِي أَتَانِي مَعَكُمْ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ مَا رَأَيْنَا مِثْلَهُ قَطّ وَلَا حُدّثْنَا بِأَقْنَعَ مِنْهُ بِمَا رَزَقَهُ اللّهُ لَوْ أَنّ النّاسَ اقْتَسَمُوا الدّنْيَا مَا نَظَرَ نَحْوَهَا وَلَا الْتَفَتَ إلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْحَمْدُ لِلّهِ إنّي لَأَرْجُو أَنْ يَمُوتَ جَمِيعًا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ أَوَ لَيْسَ يَمُوتُ الرّجُلُ جَمِيعًا يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَشَعّبُ أَهْوَاؤُهُ وَهُمُومُهُ فِي أَوْدِيَةِ الدّنْيَا فَلَعَلّ أَجَلَهُ أَنْ يُدْرِكَهُ فِي بَعْضِ تِلْكَ الْأَوْدِيَةِ فَلَا يُبَالِي اللّهُ عَزّ وَجَلّ فِي أَيّهَا هَلَكَ قَالُوا : فَعَاشَ ذَلِكَ الْغُلَامُ فِينَا عَلَى أَفْضَلِ حَالٍ وَأَزْهَدِهِ فِي الدّنْيَا وَأَقْنَعِهِ بِمَا رُزِقَ فَلَمّا تُوُفّيَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ عَنْ الْإِسْلَامِ قَامَ فِي قَوْمِهِ فَذَكّرَهُمْ اللّهَ وَالْإِسْلَامَ فَلَمْ يَرْجِعْ مِنْهُمْ أَحَدٌ وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ يَذْكُرُهُ وَيَسْأَلُ عَنْهُ حَتّى بَلَغَهُ حَالُهُ وَمَا قَامَ بِهِ فَكَتَبَ إلَى زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ يُوصِيهِ بِهِ خَيْرًا [ ص 569 ] فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي سَعْدِ هُذَيْمٍ مِنْ قُضَاعَةَ قَالَ الْوَاقِدِيّ عَنْ أَبِي النّعْمَانِ عَنْ أَبِيهِ مِنْ بَنِي سَعْدِ هُذَيْم ٍ قَدِمْتُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَافِدًا فِي نَفَرٍ مِنْ قَوْمِي وَقَدْ أَوْطَأَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْبِلَادَ غَلَبَةً وَأَدَاخَ الْعَرَبَ وَالنّاسُ صِنْفَانِ إمّا دَاخِلٌ فِي الْإِسْلَامِ رَاغِبٌ فِيهِ وَإِمّا خَائِفٌ مِنْ السّيْفِ فَنَزَلْنَا نَاحِيَةً مِنْ الْمَدِينَةِ ثُمّ خَرَجْنَا نَؤُمّ الْمَسْجِدَ حَتّى انْتَهَيْنَا إلَى بَابِهِ فَنَجِدُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُصَلّي عَلَى جِنَازَةٍ فِي الْمَسْجِدِ فَقُمْنَا نَاحِيَةً وَلَمْ نَدْخُلْ مَعَ النّاسِ فِي صَلَاتِهِمْ حَتّى نَلْقَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَنُبَايِعَهُ ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 570 ] فَنَظَرَ إلَيْنَا فَدَعَا بِنَا فَقَالَ " مَنْ أَنْتُمْ ؟ " فَقُلْنَا : مِنْ بَنِي سَعْدِ هُذَيْمٍ فَقَالَ أَمُسْلِمُونَ أَنْتُمْ ؟ " قُلْنَا : نَعَمْ . قَالَ فَهَلّا صَلّيْتُمْ عَلَى أَخِيكُمْ ؟ قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللّهِ ظَنَنّا أَنّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ لَنَا حَتّى نُبَايِعَك فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " أَيْنَمَا أَسْلَمْتُمْ فَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ " قَالُوا : فَأَسْلَمْنَا وَبَايَعْنَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى الْإِسْلَامِ ثُمّ انْصَرَفْنَا إلَى رِحَالِنَا قَدْ خَلّفْنَا عَلَيْهَا أَصْغَرَنَا فَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي طَلَبِنَا فَأُتِيَ بِنَا إلَيْهِ فَتَقَدّمَ صَاحِبُنَا إلَيْهِ فَبَايَعَهُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّهُ أَصْغَرُنَا وَإِنّهُ خَادِمُنَا فَقَالَ أَصْغَرُ الْقَوْمِ خَادِمُهُمْ بَارَكَ اللّهُ عَلَيْهِ قَالَ فَكَانَ وَاَللّهِ خَيْرَنَا وَأَقْرَأَنَا لِلْقُرْآنِ لِدُعَاءِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَهُ ثُمّ أَمّرَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَيْنَا فَكَانَ يَؤُمّنَا وَلَمّا أَرَدْنَا الِانْصِرَافَ أَمَرَ بِلَالًا فَأَجَازَنَا بِأَوَاقٍ مِنْ فِضّةٍ لِكُلّ رَجُلٍ مِنّا فَرَجَعْنَا إلَى قَوْمِنَا فَرَزَقَهُمْ اللّهُ الْإِسْلَامَ فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي فَزَارَةَ قَالَ أَبُو الرّبِيعِ بْنُ سَالِمٍ فِي كِتَابِ " الِاكْتِفَاءِ " : وَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ تَبُوكَ قَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ بَنِي فَزَارَةَ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فِيهِمْ خَارِجَةُ بْنُ حِصْن ٍ وَالْحُرّ بْنُ قَيْسٍ ابْنُ أَخِي عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْن ٍ وَهُوَ أَصْغَرُهُمْ فَنَزَلُوا فِي دَارِ رَمْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ وَجَاءُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُقِرّينَ بِالْإِسْلَامِ وَهُمْ مُسْنِتُونَ عَلَى رِكَابٍ عِجَافٍ فَسَأَلَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ بِلَادِهِمْ فَقَالَ أَحَدُهُمْ يَا رَسُولَ اللّهِ [ ص 571 ] وَأَجْدَبَ جَنَابُنَا وَغَرِثَ عِيَالُنَا فَادْعُ لَنَا رَبّك يُغِيثُنَا وَاشْفَعْ لَنَا إلَى رَبّك وَلْيَشْفَعْ لَنَا رَبّك إلَيْك فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سُبْحَانَ اللّهِ وَيْلَكَ هَذَا إنّمَا شَفَعْتُ إلَى رَبّي عَزّ وَجَلّ فَمَنْ الّذِي يَشْفَعُ رَبّنَا إلَيْهِ ؟ لَا إلَهَ إلّا هُوَ الْعَظِيمُ وَسِعَ كُرْسِيّهُ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فَهِيَ تَئِطّ مِنْ عَظَمَتِهِ وَجَلَالِهِ كَمَا يَئِطّ الرّحْلُ الْجَدِيدُ وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ لَيَضْحَكُ مِنْ شَغَفِكُمْ وَأَزْلِكُمْ وَقُرْبِ غِيَاثِكُمْ فَقَالَ الْأَعْرَابِيّ يَا رَسُولَ اللّهِ وَيَضْحَكُ رَبّنَا عَزّ وَجَلّ ؟ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ الْأَعْرَابِيّ لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبّ يَضْحَكُ خَيْرًا فَضَحِكَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ قَوْلِهِ وَصَعِدَ الْمِنْبَرَ فَتَكَلّمَ بِكَلِمَاتٍ وَكَانَ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي شَيْءٍ مِنْ الدّعَاءِ إلّا رَفْعَ الِاسْتِسْقَاءِ فَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتّى رُئِيَ بَيَاضُ إبِطَيْهِ وَكَانَ مِمّا حُفِظَ مِنْ دُعَائِهِ اللّهُمّ اسْقِ بِلَادَك وَبَهَائِمَك وَانْشُرْ رَحْمَتَك وَأَحْيِ بَلَدَكَ الْمَيّتَ اللّهُمّ اسْقِنَا غَيْثًا مُغِيثًا مَرِيئًا مَرِيعًا طَبَقًا وَاسِعًا عَاجِلًا غَيْرَ آجِلٍ نَافِعًا غَيْرَ ضَارّ اللّهُمّ سُقْيَا رَحْمَةٍ لَا سُقْيَا عَذَابٍ وَلَا هَدْمٍ وَلَا غَرَقٍ وَلَا مَحْقٍ اللّهُمّ اسْقِنَا الْغَيْثَ وَانْصُرْنَا عَلَى الْأَعْدَاءِ [ ص 572 ] فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي أَسَدٍ وَقَدِمَ عَلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفْدُ بَنِي أَسَدٍ عَشَرَةُ رَهْطٍ فِيهِمْ وَابِصَةُ بْنُ مَعْبَدٍ وَطَلْحَةُ بْنُ خُوَيْلِدٍ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَالِسٌ مَعَ أَصْحَابِهِ فِي الْمَسْجِدِ فَتَكَلّمُوا فَقَالَ مُتَكَلّمُهُمْ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّا شَهِدْنَا أَنّ اللّهَ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنّك عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَجِئْنَاك يَا رَسُولَ اللّهِ وَلَمْ تَبْعَثْ إلَيْنَا بَعْثًا وَنَحْنُ لِمَنْ وَرَاءَنَا . قَالَ مُحَمّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ : فَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ { يَمُنّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لَا تَمُنّوا عَلَيّ إِسْلَامَكُمْ بَلِ اللّهُ يَمُنّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلْإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } [ الْحُجُرَاتِ 17 ] وَكَانَ مِمّا سَأَلُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْهُ يَوْمَئِذٍ الْعِيَافَةُ وَالْكَهَانَةُ وَضَرْبُ الْحَصَى فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ ذَلِكَ كُلّهِ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ هَذِهِ أُمُورٌ كُنّا نَفْعَلُهَا فِي الْجَاهِلِيّةِ أَرَأَيْتَ خَصْلَةً بَقِيَتْ ؟ قَالَ " وَمَا هِيَ ؟ " قَالُوا : الْخَطّ . قَالَ " عُلّمَهُ نَبِيّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَمَنْ صَادَفَ مِثْلَ عِلْمِهِ عَلِمَ " . [ ص 573 ] فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَهْرَاءَ ذَكَرَ الْوَاقِدِيّ عَنْ كَرِيمَةَ بِنْتِ الْمِقْدَادِ قَالَتْ سَمِعْت أُمّي ضُبَاعَةَ بِنْتَ الزّبَيْرِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ تَقُولُ قَدِمَ وَفْدُ بَهْرَاءَ مِنْ الْيَمَنِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُمْ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَأَقْبَلُوا يَقُودُونَ رَوَاحِلَهُمْ حَتّى انْتَهَوْا إلَى بَابِ الْمِقْدَادِ وَنَحْنُ فِي مَنَازِلِنَا بِبَنِي حُدَيْلَةَ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ الْمِقْدَادُ فَرَحّبَ بِهِمْ فَأَنْزَلَهُمْ وَجَاءَهُمْ بِجَفْنَةٍ مِنْ حَيْسٍ قَدْ كُنّا هَيّأْنَاهَا قَبْلَ أَنْ يَحِلّوا لِنَجْلِسَ عَلَيْهَا فَحَمَلَهَا الْمِقْدَادُ وَكَانَ كَرِيمًا عَلَى الطّعَامِ فَأَكَلُوا مِنْهَا حَتّى نَهِلُوا وَرُدّتْ إلَيْنَا الْقَصْعَةُ وَفِيهَا أُكَلٌ فَجَمَعْنَا تِلْكَ الْأُكَلَ فِي قَصْعَةٍ صَغِيرَةٍ ثُمّ بَعَثْنَا بِهَا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعَ سِدْرَةَ مَوْلَاتِي فَوَجَدَتْهُ فِي بَيْتِ أُمّ سَلَمَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ضُبَاعَةُ أَرْسَلَتْ بِهَذَا ؟ قَالَتْ سِدْرَةُ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ ضَعِي ثُمّ قَالَ " مَا فَعَلَ ضَيْفُ أَبِي مَعْبَدٍ ؟ قُلْتُ عِنْدَنَا قَالَتْ فَأَصَابَ مِنْهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُكَلًا هُوَ وَمَنْ مَعَهُ فِي الْبَيْتِ حَتّى نَهِلُوا وَأَكَلَتْ مَعَهُمْ سِدْرَةُ ثُمّ قَالَ اذْهَبِي بِمَا بَقِيَ إلَى ضَيْفِكُمْ " قَالَتْ سِدْرَةُ فَرَجَعْت بِمَا بَقِيَ فِي الْقَصْعَةِ إلَى مَوْلَاتِي قَالَتْ فَأَكَلَ مِنْهَا الضّيْفُ مَا أَقَامُوا نُرَدّدُهَا عَلَيْهِمْ وَمَا تَغِيضُ حَتّى جَعَلَ الْقَوْمُ يَقُولُونَ يَا أَبَا مَعْبَدٍ إنّك لَتَنْهَلُنَا مِنْ أَحَبّ الطّعَامِ إلَيْنَا مَا كُنّا نَقْدِرُ عَلَى مِثْلِ هَذَا إلّا فِي الْحِينِ وَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنّ الطّعَامَ بِبِلَادِكُمْ إنّمَا هُوَ الْعُلْقَةُ أَوْ نَحْوُهُ وَنَحْنُ عِنْدَك فِي الشّبَعِ فَأَخْبَرَهُمْ أَبُو مَعْبَدٍ بِخَبَرِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ أَكَلَ مِنْهَا أُكَلًا وَرَدّهَا فَهَذِهِ بَرَكَةُ أَصَابِعِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَجَعَلَ الْقَوْمُ يَقُولُونَ نَشْهَدُ أَنّهُ رَسُولُ اللّهِ وَازْدَادُوا يَقِينًا وَذَلِكَ الّذِي أَرَادَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَتَعَلّمُوا الْفَرَائِضَ وَأَقَامُوا أَيّامًا ثُمّ جَاءُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُوَدّعُونَهُ وَأَمَرَ لَهُمْ بِجَوَائِزِهِمْ وَانْصَرَفُوا إلَى أَهْلِيهِمْ [ ص 574 ] فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ عُذْرَةَ وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفْدُ عُذْرَةَ فِي صَفَرٍ سَنَةَ تِسْعٍ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا فِيهِمْ جَمْرَةُ بْنُ النّعْمَانِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ الْقَوْمُ " ؟ فَقَالَ مُتَكَلّمُهُمْ مَنْ لَا تُنْكِرُهُ نَحْنُ بَنُو عُذْرَةَ إخْوَةُ قُصَيّ لِأُمّهِ نَحْنُ الّذِينَ عَضّدُوا قُصَيّا وَأَزَاحُوا مِنْ بَطْنِ مَكّةَ خُزَاعَةَ وَبَنِي بَكْرٍ وَلَنَا قَرَابَاتٌ وَأَرْحَامٌ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَرْحَبًا بِكُمْ وَأَهْلًا مَا أَعْرَفَنِي بِكُمْ فَأَسْلَمُوا وَبَشّرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِفَتْحِ الشّامِ وَهَرَبِ هِرَقْلَ إلَى مُمْتَنَعٍ مِنْ بِلَادِهِ وَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ سُؤَالِ الْكَاهِنَةِ وَعَنْ الذّبَائِحِ الّتِي كَانُوا يَذْبَحُونَهَا وَأَخْبَرَهُمْ أَنْ لَيْسَ عَلَيْهِمْ إلّا الْأُضْحِيّةُ فَأَقَامُوا أَيّامًا بِدَارِ رَمْلَةَ ثُمّ انْصَرَفُوا وَقَدْ أُجِيزُوا فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَلِيّ وَقَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ بَلِيّ فِي رَبِيعٍ الْأَوّلِ مِنْ سَنَةِ تِسْعٍ فَأَنْزَلَهُمْ رُوَيْفِعُ بْنُ ثَابِتٍ الْبَلَوِيّ عِنْدَهُ وَقَدِمَ بِهِمْ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ هَؤُلَاءِ قَوْمِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَرْحَبًا بِكَ وَبِقَوْمِكَ " فَأَسْلَمُوا وَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي هَدَاكُمْ لِلْإِسْلَامِ فَكُلّ مَنْ مَاتَ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ فَهُوَ فِي النّارِ " فَقَالَ لَهُ أَبُو الضّبِيبِ شَيْخُ الْوَفْدِ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ لِي رَغْبَةً فِي الضّيَافَةِ فَهَلْ لِي فِي ذَلِكَ أَجْرٌ ؟ قَالَ " نَعَمْ وَكُلّ مَعْرُوفٍ صَنَعْتَهُ إلَى غَنِيّ أَوْ فَقِيرٍ فَهُوَ صَدَقَةٌ " قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا وَقْتُ الضّيَافَةِ ؟ قَالَ " ثَلَاثَةَ أَيّامٍ فَمَا كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَلَا يَحِلّ لِلضّيْفِ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَكَ فَيُحْرِجَك " قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَرَأَيْتَ الضّالّةَ مِنْ الْغَنَمِ أَجِدُهَا فِي الْفَلَاةِ مِنْ الْأَرْضِ ؟ قَالَ هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيكَ أَوْ لِلذّئْبِ " قَالَ فَالْبَعِيرُ ؟ قَالَ " مَا لَك وَلَهُ دَعْهُ حَتّى يَجِدَهُ صَاحِبُهُ " قَالَ رُوَيْفِعُ ثُمّ قَامُوا فَرَجَعُوا إلَى مَنْزِلِي فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَأْتِي مَنْزِلِي يَحْمِلُ تَمْرًا فَقَالَ " اسْتَعِنْ بِهَذَا التّمْرِ " وَكَانُوا يَأْكُلُونَ مِنْهُ وَمِنْ غَيْرِهِ فَأَقَامُوا ثَلَاثًا ثُمّ وَدّعُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَجَازَهُمْ وَرَجَعُوا إلَى بِلَادِهِمْ [ ص 575 ] فَصْلٌ [ حَقّ الضّيْفِ ] فِي هَذِهِ الْقِصّةِ مِنْ الْفِقْهِ إنّ لِلضّيْفِ حَقّا عَلَى مَنْ نَزَلَ بِهِ وَهُوَ ثَلَاثُ مَرَاتِبَ حَقّ وَاجِبٌ وَتَمَامٌ مُسْتَحَبّ وَصَدَقَةٌ مِنْ الصّدَقَاتِ . فَالْحَقّ الْوَاجِبُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَقَدْ ذَكَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَرَاتِبَ الثّلَاثَةَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتّفَقِ عَلَى صِحّتِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي شُرَيْحٍ الْخُزَاعِي ّ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ جَائِزَتَهُ " قَالُوا : وَمَا جَائِزَتُهُ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ يَوْمُهُ وَلَيْلَتُهُ وَالضّيَافَةُ ثَلَاثَةُ أَيّامٍ فَمَا كَانَ وَرَاءَ ذَلِكَ فَهُوَ صَدَقَةٌ وَلَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَى يُحْرِجَه [ جَوَازُ الْتِقَاطِ الْغَنَمِ ] وَفِيهِ جَوَازُ الْتِقَاطِ الْغَنَمِ وَأَنّ الشّاةَ إذْ لَمْ يَأْتِ صَاحِبُهَا فَهِيَ مِلْكُ الْمُلْتَقِطِ وَاسْتَدَلّ بِهَذَا بَعْضُ أَصْحَابِنَا عَلَى أَنّ الشّاةَ وَنَحْوَهَا مِمّا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ يُخَيّرُ الْمُلْتَقِطُ بَيْنَ أَكْلِهِ فِي الْحَالِ وَعَلَيْهِ قِيمَتُهُ وَبَيْنَ بَيْعِهِ وَحِفْظِ ثَمَنِهِ وَبَيْنَ تَرْكِهِ وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهِ مِنْ مَالِهِ وَهَلْ يَرْجِعُ بِهِ ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ لِأَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَعَلَهَا لَهُ إلّا أَنْ يَظْهَرَ صَاحِبُهَا وَإِذَا كَانَتْ لَهُ خُيّرَ بَيْنَ هَذِهِ الثّلَاثَةِ فَإِذَا ظَهَرَ صَاحِبُهَا دَفَعَهَا إلَيْهِ أَوْ قِيمَتَهَا وَأَمّا مُتَقَدّمُو أَصْحَابِ أَحْمَد َ فَعَلَى خِلَافِ هَذَا . قَالَ أَبُو الْحُسَيْنِ لَا يَتَصَرّفُ فِيهَا قَبْلَ الْحَوْلِ رِوَايَةً وَاحِدَةً قَالَ وَإِنْ قُلْنَا : يَأْخُذُ مَا لَا يَسْتَقِلّ بِنَفْسِهِ [ ص 576 ] وَاحِدَةً وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ . وَنَصّ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي الشّاةِ يُعَرّفُهَا سَنَةً فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا رَدّهَا إلَيْهِ وَكَذَلِكَ قَالَ الشّرِيفَانِ لَا يَمْلِكُ الشّاةَ قَبْلَ الْحَوْلِ رِوَايَةً وَاحِدَةً . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ وَضَالّةُ الْغَنَمِ إذَا أَخَذَهَا يُعَرّفُهَا سَنَةً وَهُوَ الْوَاجِبُ فَإِذَا مَضَتْ السّنَةُ وَلَمْ يَعْرِفْ صَاحِبَهَا كَانَتْ لَهُ وَالْأَوّلُ أَفْقَهُ وَأَقْرَبُ إلَى مَصْلَحَةِ الْمُلْتَقِطِ وَالْمَالِكِ إذْ قَدْ يَكُونُ تَعْرِيفُهَا سَنَةً مُسْتَلْزِمًا لِتَغْرِيمِ مَالِكِهَا أَضْعَافَ قِيمَتِهَا إنْ قُلْنَا : يَرْجِعُ عَلَيْهِ بِنَفَقَتِهَا وَإِنْ قُلْنَا : لَا يَرْجِعُ اسْتَلْزَمَ تَغْرِيمَ الْمُلْتَقِطِ ذَلِكَ وَإِنْ قِيلَ يَدَعُهَا وَلَا يَلْتَقِطُهَا كَانَتْ لِلذّئْبِ وَتَلِفَتْ وَالشّارِعُ لَا يَأْمُرُ بِضَيَاعِ الْمَالِ . فَإِنْ قِيلَ فَهَذَا الّذِي رَجّحْتُمُوهُ مُخَالِفٌ لِنُصُوصِ أَحْمَدَ وَأَقْوَالِ أَصْحَابِهِ وَلِلدّلِيلِ أَيْضًا . أَمّا مُخَالَفَةُ نُصُوصِ أَحْمَدَ فَمِمّا تَقَدّمَ حِكَايَتُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ وَنَصّ أَيْضًا فِي رِوَايَتِهِ فِي مُضْطَرّ وَجَدَ شَاةً مَذْبُوحَةً وَشَاةً مَيّتَةً قَالَ يَأْكُلُ مِنْ الْمَيّتَةِ وَلَا يَأْكُلُ مِنْ الْمَذْبُوحَةِ الْمَيّتَةُ أُحِلّتْ وَالْمَذْبُوحَةُ لَهَا صَاحِبٌ قَدْ ذَبَحَهَا يُرِيدُ أَنْ يُعَرّفَهَا وَيَطْلُبَ صَاحِبَهَا فَإِذَا أَوْجَبَ إبْقَاءَ الْمَذْبُوحَةِ عَلَى حَالِهَا فَإِبْقَاءُ الشّاةِ الْحَيّةِ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى وَأَمّا مُخَالَفَةُ كَلَامِ الْأَصْحَابِ فَقَدْ تَقَدّمَ وَأَمّا مُخَالَفَةُ الدّلِيلِ فَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو : يَا رَسُولَ اللّهِ كَيْفَ تَرَى فِي ضَالّةِ الْغَنَمِ ؟ فَقَالَ هِيَ لَكَ أَوْ لِأَخِيك أَوْ لِلذّئْبِ احْبِسْ عَلَى أَخِيكَ ضَالّتَهُ وَفِي لَفْظٍ رُدّ عَلَى أَخِيكَ ضَالّتَهُ وَهَذَا يَمْنَعُ الْبَيْعَ وَالذّبْحَ . قِيلَ لَيْسَ فِي نَصّ أَحْمَدَ أَكْثَرُ مِنْ التّعْرِيفِ وَمَنْ يَقُولُ إنّهُ مُخَيّرٌ بَيْنَ أَكْلِهَا وَبَيْعِهَا وَحِفْظِهَا لَا يَقُولُ بِسُقُوطِ التّعْرِيفِ بَلْ يُعَرّفُهَا مَعَ ذَلِكَ وَقَدْ عَرَفَ شِيَتَهَا وَعُلّامَتَهَا فَإِنْ ظَهَرَ صَاحِبُهَا أَعْطَاهُ الْقِيمَةَ . فَقَوْلُ أَحْمَدَ يُعَرّفُهَا أَعَمّ مِنْ تَعْرِيفِهَا [ ص 577 ] الذّمّةِ لِمَصْلَحَةِ صَاحِبِهَا وَمُلْتَقِطِهَا وَلَا سِيّمَا إذَا الْتَقَطَهَا فِي السّفَرِ فَإِنّ فِي إيجَابِ تَعْرِيفِهَا سَنَةً مِنْ الْحَرَجِ وَالْمَشَقّةِ مَا لَا يَرْضَى بِهِ الشّارِعُ وَفِي تَرْكِهَا مِنْ تَعْرِيضِهَا لِلْإِضَاعَةِ وَالْهَلَاكِ مَا يُنَافِي أَمْرَهُ بِأَخْذِهَا وَإِخْبَارَهُ إنّهُ إنْ لَمْ يَأْخُذْهَا كَانَتْ لِلذّئْبِ فَيَتَعَيّنُ وَلَا بُدّ إمّا بَيْعُهَا وَحِفْظُ ثَمَنِهَا وَإِمّا أَكْلُهَا وَضَمَانُ قِيمَتِهَا أَوْ مِثْلِهَا . وَأَمّا مُخَالَفَةُ الْأَصْحَابِ فَاَلّذِي اخْتَارَ التّخْيِيرَ مِنْ أَكْبَرِ أَئِمّةِ الْأَصْحَابِ وَمَنْ يُقَاسُ بِشُيُوخِ الْمَذْهَبِ الْكِبَارِ الْأَجِلّاءِ وَهُوَ أَبُو مُحَمّدٍ الْمَقْدِسِي ّ قَدّسَ اللّهُ رُوحَهُ وَلَقَدْ أَحْسَنَ فِي اخْتِيَارِهِ التّخْيِيرَ كُلّ الْإِحْسَانِ . وَأَمّا مُخَالَفَةُ الدّلِيلِ فَأَيْنَ فِي الدّلِيلِ الشّرْعِيّ الْمَنْعُ مِنْ التّصَرّفِ فِي الشّاةِ الْمُلْتَقَطَةِ فِي الْمَفَازَةِ وَفِي السّفَرِ بِالْبَيْعِ وَالْأَكْلِ وَإِيجَابِ تَعْرِيفِهَا وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا سَنَةً مَعَ الرّجُوعِ بِالْإِنْفَاقِ أَوْ مَعَ عَدَمِهِ ؟ هَذَا مَا لَا تَأْتِي بِهِ شَرِيعَةٌ فَضْلًا أَنْ يَقُومَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ وَقَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " احْبِسْ عَلَى أَخِيكَ ضَالّتَهُ " صَرِيحٌ فِي أَنّ الْمُرَادَ بِهِ أَنْ لَا يَسْتَأْثِرَ بِهَا دُونَهُ وَيُزِيلَ حَقّهُ فَإِذَا كَانَ بَيْعُهَا وَحِفْظُ ثَمَنِهَا خَيْرًا لَهُ مِنْ تَعْرِيفِهَا سَنَةً وَالْإِنْفَاقِ عَلَيْهَا وَتَغْرِيمِ صَاحِبِهَا أَضْعَافَ قِيمَتِهَا كَانَ حَبْسُهَا وَرَدّهَا عَلَيْهِ هُوَ بِالتّخْيِيرِ الّذِي يَكُونُ لَهُ فِيهِ الْحَظّ وَالْحَدِيثُ يَقْتَضِيهِ بِفَحْوَاهُ وَقُوّتِهِ وَهَذَا ظَاهِرٌ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . [ لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُ الْبَعِيرِ إلّا أَنْ يَكُونَ فَلْوًا صَغِيرًا ] وَمِنْهَا : أَنّ الْبَعِيرَ لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهُ اللّهُمّ إلّا أَنْ يَكُونَ فَلْوًا صَغِيرًا لَا يَمْتَنِعُ مِنْ الذّئْبِ وَنَحْوِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الشّاةِ بِتَنْبِيهِ النّصّ وَدَلَالَتِهِ . فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ ذِي مُرّةَ وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفْدُ ذِي مُرّةَ ثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا رَأْسُهُمْ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّا قَوْمُك وَعَشِيرَتُك نَحْنُ قَوْمٌ مِنْ بَنِي لُؤَيّ بْنِ [ ص 578 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ لِلْحَارِثِ أَيْنَ تَرَكْت أَهْلَك ؟ قَالَ بِسِلَاحٍ وَمَا وَالَاهَا . قَالَ وَكَيْفَ الْبِلَادُ ؟ قَالَ وَاَللّهِ إنّا لَمُسْنِتُونَ مَا فِي الْمَالِ مُخّ فَادْعُ اللّهَ لَنَا . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " اللّهُمّ اسْقِهِمْ الْغَيْثَ " فَأَقَامُوا أَيّامًا ثُمّ أَرَادُوا الِانْصِرَافَ إلَى بِلَادِهِمْ فَجَاءُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُوَدّعِينَ لَهُ فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يُجِيزَهُمْ فَأَجَازَهُمْ بِعَشْرِ أَوَاقٍ فِضّةً وَفَضَلَ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ أَعْطَاهُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيّةً وَرَجَعُوا إلَى بِلَادِهِمْ فَوَجَدُوا الْبِلَادَ مَطِيرَةً فَسَأَلُوا : مَتَى مُطِرْتُمْ ؟ فَإِذَا هُوَ ذَلِكَ الْيَوْمُ الّذِي دَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيهِ وَأَخْصَبَتْ بَعْدَ ذَلِكَ بِلَادُهُمْ فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ خَوْلَانَ وَقَدِمَ عَلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي شَهْرِ شَعْبَانَ سَنَةَ عَشْرٍ وَفْدُ خَوْلَانَ وَهُمْ عَشَرَةٌ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ نَحْنُ عَلَى مَنْ وَرَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا وَنَحْنُ مُؤْمِنُونَ بِاَللّهِ عَزّ وَجَلّ وَمُصَدّقُونَ بِرَسُولِهِ وَقَدْ ضَرَبْنَا إلَيْك آبَاطَ الْإِبِلِ وَرَكِبْنَا حُزُونَ الْأَرْضِ وَسُهُولَهَا وَالْمِنّةُ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ عَلَيْنَا وَقَدِمْنَا زَائِرِينَ لَك فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " أَمّا مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ مَسِيرِكُمْ إلَيّ فَإِنّ لَكُمْ بِكُلّ خَطْوَةٍ خَطَاهَا بَعِيرُ أَحَدِكُمْ حَسَنَةٌ وَأَمّا قَوْلُكُمْ زَائِرِينَ لَك فَإِنّهُ مَنْ زَارَنِي بِالْمَدِينَةِ كَانَ فِي جِوَارِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ هَذَا السّفَرُ الّذِي لَا تَوَى عَلَيْهِ ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " مَا فَعَلَ عَمّ أَنَسٍ " . - وَهُوَ صَنَمُ خَوْلَانَ الّذِي كَانُوا يَعْبُدُونَهُ - قَالُوا : أَبْشِرْ بَدّلَنَا اللّهُ بِهِ مَا جِئْت بِهِ وَقَدْ بَقِيَتْ مِنّا بَقَايَا - مِنْ شَيْخٍ كَبِيرٍ وَعَجُوزٍ كَبِيرَةٍ - مُتَمَسّكُونَ بِهِ وَلَوْ قَدِمْنَا عَلَيْهِ لَهَدَمْنَاهُ إنْ شَاءَ اللّهُ فَقَدْ كُنّا مِنْهُ فِي غُرُورٍ وَفِتْنَةٍ . فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " وَمَا أَعْظَمَ مَا رَأَيْتُمْ مِنْ فِتْنَتِهِ ؟ " قَالُوا : لَقَدْ رَأَيْتنَا أَسْنَتْنَا حَتّى أَكَلْنَا الرّمّةَ فَجَمَعْنَا مَا قَدَرْنَا عَلَيْهِ وَابْتَعْنَا بِهِ مِائَةَ ثَوْرٍ وَنَحَرْنَاهَا " لِعَمّ أَنَسٍ " قُرْبَانًا فِي غَدَاةٍ وَاحِدَةٍ وَتَرَكْنَاهَا تَرِدُهَا السّبَاعُ وَنَحْنُ أَحْوَجُ إلَيْهَا مِنْ السّبَاعِ فَجَاءَنَا الْغَيْثُ مِنْ سَاعَتِنَا وَلَقَدْ رَأَيْنَا الْعُشْبَ يُوَارِي الرّجَالَ وَيَقُولُ قَائِلُنَا : أَنْعَمَ عَلَيْنَا " عَمّ أَنَسٍ " وَذَكَرُوا لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا كَانُوا يَقْسِمُونَ لِصَنَمِهِمْ هَذَا مِنْ أَنْعَامِهِمْ وَحُرُوثِهِمْ وَأَنّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَ مِنْ ذَلِكَ جُزْءًا لَهُ وَجُزْءًا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ قَالُوا : كُنّا نَزْرَعُ الزّرْعَ فَنَجْعَلُ لَهُ وَسَطَهُ فَنُسَمّيهِ لَهُ وَنُسَمّي زَرْعًا آخَرَ حُجْرَةً لِلّهِ فَإِذَا مَالَتْ الرّيحُ فَاَلّذِي سَمّيْنَا لِلّهِ جَعَلْنَاهُ لِعَمّ أَنَسٍ وَإِذَا مَالَتْ الرّيحُ فَاَلّذِي جَعَلْنَاهُ لِعَمّ أَنَسٍ لَمْ نَجْعَلْهُ لِلّهِ فَذَكَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ اللّهَ أَنْزَلَ عَلَيّ فِي ذَلِكَ { وَجَعَلُوا لِلّهِ مِمّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا } [ الْأَنْعَامِ 136 ] قَالُوا : وَكُنّا نَتَحَاكَمُ إلَيْهِ فَيَتَكَلّمُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " تِلْكَ الشّيَاطِينُ تُكَلّمُكُمْ " وَسَأَلُوهُ عَنْ فَرَائِضِ الدّينِ فَأَخْبَرَهُمْ وَأَمَرَهُمْ بِالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ وَأَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَحُسْنِ الْجِوَارِ لِمَنْ جَاوَرُوا وَأَنْ لَا يَظْلِمُوا أَحَدًا . قَالَ " فَإِنّ الظّلْمَ ظُلُمَاتٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ " ثُمّ وَدّعُوهُ بَعْدَ أَيّامٍ وَأَجَازَهُمْ فَرَجَعُوا إلَى قَوْمِهِمْ فَلَمْ يَحُلّوا عُقْدَةً حَتّى هَدَمُوا " عَمّ أَنَسٍ [ ص 579 ] فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ مُحَارِبٍ و َقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفْدُ مُحَارِبٍ عَامَ حِجّةِ الْوَدَاعِ وَهُمْ كَانُوا أَغْلَظَ الْعَرَبِ وَأَفَظّهُمْ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي تِلْكَ الْمَوَاسِمِ أَيّامَ عَرْضِهِ نَفْسَهُ عَلَى الْقَبَائِلِ يَدْعُوهُمْ إلَى اللّهِ فَجَاءَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْهُمْ عَشَرَةٌ نَائِبِينَ عَمّنْ وَرَاءَهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ فَأَسْلَمُوا وَكَانَ بِلَالٌ يَأْتِيهِمْ بِغَدَاءٍ وَعَشَاءٍ إلَى أَنْ جَلَسُوا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمًا مِنْ الظّهْرِ إلَى الْعَصْرِ فَعَرَفَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَمَدّهُ النّظَرَ فَلَمّا رَآهُ الْمُحَارِبِيّ يُدِيمُ النّظَرَ إلَيْهِ قَالَ كَأَنّك يَا رَسُولَ اللّهِ تُوهِمُنِي ؟ قَالَ " لَقَدْ رَأَيْتُك " قَالَ الْمُحَارِبِيّ : أَيْ وَاَللّهِ لَقَدْ رَأَيْتنِي وَكَلّمْتنِي وَكَلّمْتُك بِأَقْبَحِ الْكَلَامِ وَرَدَدْتُك بِأَقْبَحِ الرّدّ بِعُكَاظٍ وَأَنْتَ تَطُوفُ عَلَى النّاسِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " نَعَمْ " ثُمّ قَالَ الْمُحَارِبِيّ : يَا رَسُولَ اللّهِ مَا كَانَ فِي أَصْحَابِي أَشَدّ عَلَيْكَ يَوْمَئِذٍ وَلَا أَبْعَدُ عَنْ الْإِسْلَامِ مِنّي فَأَحْمَدُ اللّهَ الّذِي أَبْقَانِي حَتّى صَدّقْتُ بِك وَلَقَدْ مَاتَ أُولَئِكَ النّفَرُ الّذِينَ كَانُوا مَعِي عَلَى دِينِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " إنّ هَذِهِ الْقُلُوبَ بِيَدِ اللّهِ عَزّ وَجَلّ " فَقَالَ الْمُحَارِبِيّ : يَا رَسُولَ اللّهِ اسْتَغْفِرْ لِي مِنْ مُرَاجَعَتِي إيّاكَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " إنّ الْإِسْلَامَ يَجُبّ مَا كَانَ قَبْلَهُ مِنْ الْكُفْرِ " ثُمّ انْصَرَفُوا إلَى أَهْلِيهِمْ [ ص 580 ] فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ صُدَاء َ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ صُدَاءَ فِي سَنَةِ ثَمَانٍ وَقَدِمَ عَلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفْدُ صُدَاءَ وَذَلِكَ أَنّهُ لَمّا انْصَرَفَ مِنْ الْجِعْرَانَةِ بَعَثَ بُعُوثًا وَهَيّأَ بَعْثًا اسْتَعْمَلَ عَلَيْهِ قَيْسَ بْنَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً أَبْيَضَ وَدَفَعَ إلَيْهِ رَايَةً سَوْدَاءَ وَعَسْكَرَ بِنَاحِيَةِ قَنَاةٍ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَطَأَ نَاحِيَةً مِنْ الْيَمَنِ كَانَ فِيهَا صُدَاءُ فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَجُلٌ مِنْهُمْ وَعَلِمَ بِالْجَيْشِ فَأَتَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ جِئْتُك وَافِدًا عَلَى مَنْ وَرَائِي فَارْدُدْ الْجَيْشَ وَأَنَا لَك بِقَوْمِي فَرَدّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَيْسَ بْنَ سَعْدٍ مِنْ صَدْرِ قَنَاةٍ وَخَرَجَ الصّدَائِيّ إلَى قَوْمِهِ فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا مِنْهُمْ فَقَالَ سَعْدُ بْن عُبَادَةَ : يَا رَسُولَ اللّهِ دَعْهُمْ يَنْزِلُوا عَلَيّ فَنَزَلُوا عَلَيْهِ فَحَيّاهُمْ وَأَكْرَمَهُمْ وَكَسَاهُمْ ثُمّ رَاحَ بِهِمْ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَبَايَعُوهُ عَلَى الْإِسْلَامِ فَقَالُوا : نَحْنُ لَك عَلَى مَنْ وَرَاءَنَا مِنْ قَوْمِنَا فَرَجَعُوا إلَى قَوْمِهِمْ فَفَشَا فِيهِمْ الْإِسْلَامُ فَوَافَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْهُمْ مِائَةُ رَجُلٍ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ ذَكَرَ هَذَا الْوَاقِدِيّ عَنْ بَعْضِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ الْحَارِثِ الصّدَائِيّ أَنّهُ الّذِي قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ لَهُ اُرْدُدْ الْجَيْشَ وَأَنَا لَك بِقَوْمِي فَرَدّهُمْ قَالَ وَقَدِمَ وَفْدُ قَوْمِي عَلَيْهِ فَقَالَ لِي : يَا أَخَا صُدَاءَ إنّكَ لَمُطَاعٌ فِي قَوْمِكَ ؟ " قَالَ قُلْتُ بَلْ يَا رَسُولَ اللّهِ مِنْ اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَمِنْ رَسُولِه [ ص 581 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ قَالَ فَاعْتَشَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَيْ سَارَ لَيْلًا وَاعْتَشَيْنَا مَعَهُ وَكُنْت رَجُلًا قَوِيّا قَالَ فَجُعِلَ أَصْحَابُهُ يَتَفَرّقُونَ عَنْهُ وَلَزِمْتُ غَرْزَهُ فَلَمّا كَانَ فِي السّحَرِ قَالَ " أَذّنْ يَا أَخَا صُدَاءَ " فَأَذّنْتُ عَلَى رَاحِلَتِي ثُمّ سِرْنَا حَتّى ذَهَبْنَا فَنَزَلَ لِحَاجَتِهِ ثُمّ رَجَعَ فَقَالَ يَا أَخَا صُدَاءَ هَلْ مَعَك مَاءٌ ؟ قُلْت : مَعِي شَيْءٌ فِي إدَاوَتِي فَقَالَ " هَاتِهِ " فَجِئْت بِهِ فَقَالَ " صُبّ " فَصَبَبْتُ مَا فِي الْإِدَاوَةِ فِي الْقَعْبِ فَجُعِلَ أَصْحَابُهُ يَتَلَاحَقُونَ ثُمّ وَضَعَ كَفّهُ عَلَى الْإِنَاءِ فَرَأَيْت بَيْنَ كُلّ أُصْبُعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِهِ عَيْنًا تَفُورُ ثُمّ قَالَ " يَا أَخَا صُدَاءَ لَوْلَا أَنّي أَسْتَحِي مِنْ رَبّي عَزّ وَجَلّ لَسَقَيْنَا وَاسْتَقَيْنَا " ثُمّ تَوَضّأَ وَقَالَ " أَذّنْ فِي أَصْحَابِي مَنْ كَانَتْ لَهُ حَاجَةٌ بِالْوُضُوءِ فَلْيَرِدْ " قَالَ فَوَرَدُوا مِنْ آخِرِهِمْ ثُمّ جَاءَ بِلَالٌ يُقِيمُ فَقَالَ إنّ أَخَا صُدَاءَ أَذّنَ وَمَنْ أَذّنَ فَهُوَ يُقِيمُ فَأَقَمْت ثُمّ تَقَدّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَصَلّى بِنَا وَكُنْتُ سَأَلْتُهُ قَبْلُ أَنْ يُؤَمّرَنِي عَلَى قَوْمِي وَيَكْتُبَ لِي بِذَلِكَ كِتَابًا فَفَعَلَ فَلَمّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَامَ رَجُلٌ يَتَشَكّى مِنْ عَامِلِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّهُ أَخَذَنَا بِذُحُولٍ كَانَتْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ فِي الْجَاهِلِيّةِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا خَيْرَ فِي الْإِمَارَةِ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ ثُمّ قَامَ آخَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَعْطِنِي مِنْ الصّدَقَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " إنّ اللّهَ لَمْ يَكِلْ قِسْمَتَهَا إلَى مَلَكٍ مُقَرّبٍ وَلَا نَبِيّ مُرْسَلٍ حَتّى جَزّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ فَإِنْ كُنْتَ جُزْءًا مِنْهَا أَعْطَيْتُك وَإِنْ كُنْتَ غَنِيّا عَنْهَا فَإِنّمَا هِيَ صُدَاعٌ فِي الرّأْسِ وَدَاءٌ فِي الْبَطْنِ " فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : هَاتَانِ خَصْلَتَانِ حِينَ سَأَلْت الْإِمَارَةَ وَأَنَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ وَسَأَلْتُهُ مِنْ الصّدَقَةِ وَأَنَا غَنِيّ عَنْهَا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ هَذَانِ كِتَابَاك فَاقْبَلْهُمَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " وَلِمَ ؟ " فَقُلْت : إنّي سَمِعْتُك تَقُولُ لَا خَيْرَ فِي الْإِمَارَةِ لِرَجُلٍ مُسْلِمٍ وَأَنَا مُسْلِمٌ وَسَمِعْتُك تَقُولُ مَنْ سَأَلَ مِنْ الصّدَقَةِ وَهُوَ غَنِيّ عَنْهَا فَإِنّمَا هِيَ صُدَاعٌ فِي الرّأْسِ وَدَاءٌ فِي الْبَطْنِ وَأَنَا غَنِيّ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " أَمَا إنّ الّذِي قُلْتُ كَمَا قُلْتُ " فَقَبِلَهُمَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ قَالَ لِي : " دُلّنِي عَلَى رَجُلٍ مِنْ قَوْمِكَ أَسْتَعْمِلُهُ " فَدَلَلْتُهُ عَلَى [ ص 582 ] كَانَ الشّتَاءُ كَفَانَا مَاؤُهَا وَإِذَا كَانَ الصّيْفُ قَلّ عَلَيْنَا فَتَفَرّقْنَا عَلَى الْمِيَاهِ وَالْإِسْلَامُ الْيَوْمَ فِينَا قَلِيلٌ وَنَحْنُ نَخَافُ فَادْعُ اللّهَ عَزّ وَجَلّ لَنَا فِي بِئْرِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " نَاوِلْنِي سَبْعَ حَصَيَاتٍ " فَنَاوَلْته فَعَرَكَهُنّ بِيَدِهِ ثُمّ دَفَعَهُنّ إلَيّ وَقَالَ إذَا انْتَهَيْتَ إلَيْهَا فَأَلْقِ فِيهَا حَصَاةً حَصَاةً وَسَمّ اللّهَ " قَالَ فَفَعَلْت فَمَا أَدْرَكْنَا لَهَا قَعْرًا حَتّى السّاعَةِ . فَصْلٌ فِي فِقْهِ هَذِهِ الْقِصّةِ فَفِيهَا : اسْتِحْبَابُ عَقْدِ الْأَلْوِيَةِ وَالرّايَاتِ لِلْجَيْشِ وَاسْتِحْبَابُ كَوْنِ اللّوَاءِ أَبْيَضَ وَجَوَازُ كَوْنِ الرّايَةِ سَوْدَاءَ مِنْ غَيْرِ كَرَاهَةٍ . وَفِيهَا : قَبُولُ خَبَرِ الْوَاحِدِ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَدّ الْجَيْشَ مِنْ أَجْلِ خَبَرِ الصّدَائِيّ وَحْدَهُ . وَفِيهَا : جَوَازُ سَيْرِ اللّيْلِ كُلّهِ فِي السّفَرِ إلَى الْأَذَانِ فَإِنّ قَوْلَهُ " اعْتَشَى " أَيْ سَارَ عَشِيّةً وَلَا يُقَالُ لِمَا بَعْدَ نِصْفِ اللّيْلِ . وَفِيهَا : جَوَازُ الْأَذَانِ عَلَى الرّاحِلَةِ . وَفِيهَا : طَلَبُ الْإِمَامِ الْمَاءَ مِنْ أَحَدِ رَعِيّتِهِ لِلْوُضُوءِ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ السّؤَالِ . وَفِيهَا : أَنّهُ لَا يَتَيَمّمُ حَتّى يَطْلُبَ الْمَاءَ فَيُعْوِزَهُ . فَوَرَانُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا مِنْ خِلَالِ اللّحْمِ وَالدّمِ . وَفِيهَا : الْمُعْجِزَةُ الظّاهِرَةُ بِفَوَرَانِ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ لَمّا وَضَعَهَا فِيهِ أَمَدّهُ اللّهُ بِهِ وَكَثّرَهُ حَتّى جَعَلَ يَفُورُ مِنْ خِلَالِ الْأَصَابِعِ الْكَرِيمَةِ وَالْجُهّالُ تَظُنّ أَنّهُ [ ص 583 ] كَانَ يَشُقّ الْأَصَابِعَ وَيَخْرُجُ مِنْ خِلَالِ اللّحْمِ وَالدّمِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنّمَا بِوَضْعِهِ أَصَابِعَهُ فِيهِ حَلّتْ فِيهِ الْبَرَكَةُ مِنْ اللّهِ وَالْمَدَدِ فَجَعَلَ يَفُورُ حَتّى خَرَجَ مِنْ بَيْنِ الْأَصَابِعِ وَقَدْ جَرَى لَهُ هَذَا مِرَارًا عَدِيدَةً بِمَشْهَدِ أَصْحَابِهِ . [ سُنّيّةُ الْإِقَامَةِ لِمَنْ أَذّنَ ] وَفِيهَا : أَنّ السّنّةَ أَنْ يَتَوَلّى الْإِقَامَةَ مَنْ تَوَلّى الْأَذَانَ وَيَجُوزُ أَنْ يُؤَذّنَ وَاحِدٌ وَيُقِيمَ آخَرُ كَمَا ثَبَتَتْ فِي قِصّةِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنّهُ لَمّا رَأَى الْأَذَانَ وَأَخْبَرَ بِهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ أَلْقِهِ عَلَى بِلَالٍ " فَأَلْقَاهُ عَلَيْهِ ثُمّ أَرَادَ بِلَالٌ أَنْ يُقِيمَ فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ زَيْدٍ : يَا رَسُولَ اللّهِ أَنَا رَأَيْت أُرِيدُ أَنْ أُقِيمَ قَالَ " فَأَقِمْ " فَأَقَامَ هُوَ وَأَذّنَ بِلَالٌ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ . [ جَوَازُ تَأْمِيرِ الْإِمَامِ وَتَوْلِيَتِهِ لِمَنْ سَأَلَهُ ذَلِكَ إذَا رَآهُ كُفْئًا ] وَفِيهَا : جَوَازُ تَأْمِيرِ الْإِمَامِ وَتَوْلِيَتِهِ لِمَنْ سَأَلَهُ ذَلِكَ إذَا رَآهُ كُفْئًا وَلَا يَكُونُ سُؤَالُهُ مَانِعًا مِنْ تَوْلِيَتِهِ وَلَا يُنَاقِضُ هَذَا قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ إنّا لَنْ نُوَلّيَ عَلَى عَمَلِنَا مَنْ أَرَادَه فَإِنّ الصّدَائِيّ إنّمَا سَأَلَهُ أَنْ يُؤَمّرَهُ عَلَى قَوْمِهِ خَاصّةً وَكَانَ مُطَاعًا فِيهِمْ مُحَبّبًا إلَيْهِمْ وَكَانَ مَقْصُودُهُ إصْلَاحَهُمْ وَدُعَاءَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَرَأَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ مَصْلَحَةَ قَوْمِهِ فِي تَوْلِيَتِهِ فَأَجَابَهُ إلَيْهَا وَرَأَى أَنّ ذَلِكَ السّائِلَ [ ص 584 ] فَكَانَتْ تَوْلِيَتُهُ لِلّهِ وَمَنْعُهُ لِلّهِ . وَفِيهَا : جَوَازُ شِكَايَةِ الْعُمّالِ الظّلَمَةِ وَرَفْعِهِمْ إلَى الْإِمَامِ وَالْقَدْحِ فِيهِمْ بِظُلْمِهِمْ وَأَنّ تَرْكَ الْوِلَايَةِ خَيْرٌ لِلْمُسْلِمِ مِنْ الدّخُولِ فِيهَا وَأَنّ الرّجُلَ إذَا ذَكَرَ أَنّهُ مِنْ أَهْلِ الصّدَقَةِ أُعْطِيَ مِنْهَا بِقَوْلِهِ مَا لَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ خِلَافُهُ . وَمِنْهَا : أَنّ الشّخْصَ الْوَاحِدَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ وَحْدَهُ صِنْفًا مِنْ الْأَصْنَافِ لِقَوْلِهِ إنّ اللّهَ جَزّأَهَا ثَمَانِيَةَ أَجْزَاءٍ فَإِنْ كُنْتَ جُزْءًا مِنْهَا أَعْطَيْتُك وَمِنْهَا : جَوَازُ إقَالَةِ الْإِمَامِ لِوِلَايَةِ مَنْ وَلّاهُ إذَا سَأَلَهُ ذَلِكَ . وَمِنْهَا : اسْتِشَارَةُ الْإِمَامِ لِذِي الرّأْيِ مِنْ أَصْحَابِهِ فِيمَنْ يُوَلّيهِ . [ جَوَازُ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُبَارَكِ ] وَمِنْهَا : جَوَازُ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُبَارَكِ وَأَنّ بَرَكَتَهُ لَا تُوجِبُ كَرَاهَةَ الْوُضُوءِ مِنْهُ وَعَلَى هَذَا فَلَا يُكْرَهُ الْوُضُوءُ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَلَا مِنْ الْمَاءِ الّذِي يَجْرِي عَلَى ظَهْرِ الْكَعْبَةِ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ غَسّانَ وَقَدِمُوا فِي شَهْرِ رَمَضَانَ سَنَةَ عَشْرٍ وَهُمْ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ فَأَسْلَمُوا وَقَالُوا : لَا نَدْرِي أَيَتْبَعُنَا قَوْمُنَا أَمْ لَا ؟ وَهُمْ يُحِبّونَ بَقَاءَ مُلْكِهِمْ وَقُرْبَ قَيْصَرَ فَأَجَازَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِجَوَائِزَ وَانْصَرَفُوا رَاجِعِينَ فَقَدِمُوا عَلَى قَوْمِهِمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُوا لَهُمْ وَكَتَمُوا إسْلَامَهُمْ حَتّى مَاتَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَدْرَكَ الثّالِثُ مِنْهُمْ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَامَ الْيَرْمُوكِ فَلَقِيَ أَبَا عُبَيْدَةَ فَأَخْبَرَهُ بِإِسْلَامِهِ فَكَانَ يُكْرِمُهُ . [ ص 585 ] فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ سَلَامَانِ وَقَدِمَ عَلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفْدُ سَلَامَانِ سَبْعَةُ نَفَرٍ فِيهِمْ حَبِيبُ بْنُ عَمْرٍو فَأَسْلَمُوا . قَالَ حَبِيبٌ فَقُلْت : أَيْ رَسُولِ اللّهِ مَا أَفْضَلُ الْأَعْمَالِ ؟ قَالَ " الصّلَاةُ فِي وَقْتِهَا ثُمّ ذَكَرَ حَدِيثًا طَوِيلًا وَصَلّوا مَعَهُ يَوْمَئِذٍ الظّهْرَ وَالْعَصْرَ قَالَ فَكَانَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ أَخَفّ مِنْ الْقِيَامِ فِي الظّهْرِ ثُمّ شَكَوْا إلَيْهِ جَدْبَ بِلَادِهِمْ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِيَدِهِ " اللّهُمّ اسْقِهِمْ الْغَيْثَ فِي دَارِهِمْ " فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ ارْفَعْ يَدَيْك فَإِنّهُ أَكْثَرُ وَأَطْيَبُ فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتّى رَأَيْتُ بَيَاضَ إبِطَيْهِ ثُمّ قَامَ وَقُمْنَا عَنْهُ فَأَقَمْنَا ثَلَاثًا وَضِيَافَتُهُ تَجْرِي عَلَيْنَا ثُمّ وَدّعْنَاهُ وَأَمَرَ لَنَا بِجَوَائِزَ فَأَعْطَيْنَا خَمْسَ أَوَاقٍ لِكُلّ رَجُلٍ مِنّا وَاعْتَذَرَ إلَيْنَا بِلَالٌ وَقَالَ لَيْسَ عِنْدَنَا الْيَوْمَ مَالٌ فَقُلْنَا : مَا أَكْثَرَ هَذَا وَأَطْيَبَهُ ثُمّ رَحَلْنَا إلَى بِلَادِنَا فَوَجَدْنَاهَا قَدْ مُطِرَتْ فِي الْيَوْمِ الّذِي دَعَا فِيهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي تِلْكَ السّاعَةِ . قَالَ الْوَاقِدِيّ : وَكَانَ مَقْدَمُهُمْ فِي شَوّالٍ سَنَةَ عَشْرٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي عَبْس ٍ وَقَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ بَنِي عَبْس ٍ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ قَدِمَ عَلَيْنَا قُرّاؤُنَا فَأَخْبَرُونَا أَنّهُ لَا إسْلَامَ لِمَنْ لَا هِجْرَةَ لَهُ وَلَنَا أَمْوَالٌ وَمَوَاشٍ وَهِيَ مَعَايِشُنَا فَإِنْ كَانَ لَا إسْلَامَ لِمَنْ لَا هِجْرَةَ لَهُ فَلَا خَيْرَ فِي أَمْوَالِنَا بِعْنَاهَا وَهَاجَرْنَا مِنْ آخِرِنَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اتّقُوا اللّهَ حَيْثُ كُنْتُمْ فَلَنْ يَلِتْكُمْ اللّهُ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا وَسَأَلَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ خَالِدِ بْنِ سِنَانٍ هَلْ لَهُ عَقِبٌ ؟ فَأَخْبَرُوهُ أَنّهُ لَا عَقِبَ لَهُ [ ص 586 ] كَانَتْ لَهُ ابْنَةٌ فَانْقَرَضَتْ وَأَنْشَأَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُحَدّثُ أَصْحَابَهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ سِنَانٍ فَقَالَ نَبِيّ ضَيّعَهُ قَوْمُهُ فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ غَامِدٍ قَالَ الْوَاقِدِيّ : وَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفْدُ غَامِدٍ سَنَةَ عَشْرٍ وَهُمْ عَشَرَةٌ فَنَزَلُوا بِبَقِيعِ الْغَرْقَدِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ أَثْلٌ وَطُرَفَاءُ ثُمّ انْطَلَقُوا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَخَلّفُوا عِنْدَ رَحْلِهِمْ أَحْدَثَهُمْ سِنّا فَنَامَ عَنْهُ وَأَتَى سَارِقٌ فَسَرَقَ عَيْبَةً لِأَحَدِهِمْ فِيهَا أَثْوَابٌ لَهُ وَانْتَهَى الْقَوْمُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَسَلّمُوا عَلَيْهِ وَأَقَرّوا لَهُ بِالْإِسْلَامِ وَكَتَبَ لَهُمْ كِتَابًا فِيهِ شَرَائِعُ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَقَالَ لَهُمْ مَنْ خَلّفْتُمْ فِي رِحَالِكُمْ ؟ " فَقَالُوا : أَحْدَثَنَا يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ فَإِنّهُ قَدْ نَامَ عَنْ مَتَاعِكُمْ حَتّى أَتَى آتٍ فَأَخَذَ عَيْبَةَ أَحَدِكُمْ " فَقَالَ أَحَدُ الْقَوْمِ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا لِأَحَدٍ مِنْ الْقَوْمِ عَيْبَةٌ غَيْرِي فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " فَقَدْ أُخِذَتْ وَرُدّتْ إلَى مَوْضِعِهَا " فَخَرَجَ الْقَوْمُ سِرَاعًا حَتّى أَتَوْا رَحْلَهُمْ فَوَجَدُوا صَاحِبَهُمْ فَسَأَلُوهُ عَمّا أَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ فَزِعْتُ مِنْ نَوْمِي فَفَقَدْتُ الْعَيْبَةَ فَقُمْتُ فِي طَلَبِهَا فَإِذَا رَجُلٌ قَدْ كَانَ قَاعِدًا فَلَمّا رَآنِي فَثَارَ يَعْدُو مِنّي فَانْتَهَيْتُ إلَى حَيْثُ انْتَهَى فَإِذَا أَثَرُ حَفْرٍ وَإِذَا هُوَ قَدْ غَيّبَ الْعَيْبَةَ فَاسْتَخْرَجْتهَا فَقَالُوا : نَشْهَدُ أَنّهُ رَسُولُ اللّهِ فَإِنّهُ قَدْ أَخْبَرَنَا بِأَخْذِهَا وَأَنّهَا قَدْ رُدّتْ فَرَجَعُوا إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرُوهُ وَجَاءَ الْغُلَامُ الّذِي خَلّفُوهُ فَأَسْلَمَ وَأَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُبَيّ بْنَ كَعْبٍ فَعَلّمَهُمْ قُرْآنًا وَأَجَازَهُمْ كَمَا كَانَ يُجِيزُ الْوُفُودَ وَانْصَرَفُوا . [ ص 587 ] فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ الْأَزْدِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ " مَعْرِفَةِ الصّحَابَةِ " وَالْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيّ مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ بْنِ أَبِي الْحَوَارِيّ قَالَ سَمِعْت أَبَا سُلَيْمَانَ الدّارَانِيّ قَالَ حَدّثَنِي عَلْقَمَةُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ سُوَيْدٍ الْأَزْدِيّ قَالَ حَدّثَنِي أَبِي عَنْ جَدّي سُوَيْدِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ وَفَدْت سَابِعَ سَبْعَةٍ مِنْ قَوْمِي عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمّا دَخَلْنَا عَلَيْهِ وَكَلّمْنَاهُ أَعْجَبَهُ مَا رَأَى مِنْ سَمْتِنَا وَزِيّنَا فَقَالَ " مَا أَنْتُمْ ؟ " قُلْنَا : مُؤْمِنُونَ فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ إنّ لِكُلّ قَوْلٍ حَقِيقَةً فَمَا حَقِيقَةُ قَوْلِكُمْ وَإِيمَانِكُمْ ؟ " قُلْنَا : خَمْسَ عَشْرَةَ خَصْلَةً خَمْسٌ مِنْهَا أَمَرَتْنَا بِهَا رُسُلُك أَنْ نُؤْمِنَ بِهَا وَخَمْسٌ أَمَرَتْنَا أَنْ نَعْمَلَ بِهَا وَخَمْسٌ تَخَلّقْنَا بِهَا فِي الْجَاهِلِيّةِ فَنَحْنُ عَلَيْهَا الْآنَ إلّا أَنْ تَكْرَهَ مِنْهَا شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " وَمَا الْخَمْسُ الّتِي أَمَرَتْكُمْ بِهَا رُسُلِي أَنْ تُؤْمِنُوا بِهَا " ؟ قُلْنَا : أَمَرَتْنَا أَنْ نُؤْمِنَ بِاَللّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْبَعْثِ بَعْدَ الْمَوْتِ . قَالَ " وَمَا الْخَمْسُ الّتِي أَمَرَتْكُمْ أَنْ تَعْمَلُوا بِهَا " ؟ قُلْنَا : أَمَرَتْنَا أَنْ نَقُولَ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَنُقِيمَ الصّلَاةَ وَنُؤْتِيَ الزّكَاةَ وَنَصُومَ رَمَضَانَ وَنَحُجّ الْبَيْتَ الْحَرَامَ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا فَقَالَ " وَمَا الْخَمْسُ الّتِي تَخَلّقْتُمْ بِهَا فِي الْجَاهِلِيّةِ ؟ " قَالُوا : الشّكْرُ عِنْدَ الرّخَاءِ وَالصّبْرُ عِنْدَ الْبَلَاءِ وَالرّضَى بِمُرّ الْقَضَاءِ وَالصّدْقُ فِي مَوَاطِنِ اللّقَاءِ وَتَرْكُ الشّمَاتَةِ بِالْأَعْدَاءِ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " حُكَمَاءُ عُلَمَاءُ كَادُوا مِنْ فِقْهِهِمْ أَنْ يَكُونُوا أَنْبِيَاءَ " ثُمّ قَالَ وَأَنَا أَزِيدُكُمْ خَمْسًا فَتَتِمّ لَكُمْ عِشْرُونَ خَصْلَةً إنْ كُنْتُمْ كَمَا تَقُولُونَ فَلَا تَجْمَعُوا مَا لَا تَأْكُلُونَ وَلَا تَبْنُوا مَا لَا تَسْكُنُونَ وَلَا تَنَافَسُوا فِي شَيْءٍ أَنْتُمْ عَنْهُ غَدًا تَزُولُونَ وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي إلَيْهِ تُرْجَعُونَ وَعَلَيْهِ تُعْرَضُونَ وَارْغَبُوا فِيمَا عَلَيْهِ تَقْدَمُونَ وَفِيهِ تَخْلُدُونَ فَانْصَرَفَ الْقَوْمُ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَحَفِظُوا وَصِيّتَهُ وَعَمِلُوا بِهَا ===================ج12=================== اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : زاد المعاد في هَدْي خير العباد المؤلف : محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ بَنِي الْمُنْتَفِقِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ 588 - رُوِينَا عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ قَالَ كَتَبَ إلَيّ إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ الزّبَيْرِ الزّبَيْرِيّ كَتَبْتُ إلَيْك بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ عَرَضْتُهُ وَسَمِعْته عَلَى مَا كَتَبْتُ بِهِ إلَيْك فَحَدّثْ بِذَلِكَ عَنّي قَالَ حَدّثَنِي عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْمُغِيرَةِ الْحِزَامِيّ قَالَ حَدّثَنَا عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَيّاشٍ السّمْعِيّ الْأَنْصَارِيّ عَنْ دَلْهَمَ بْنِ الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ حَاجِبِ بْنِ عَامِرِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ الْعُقَيْلِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمّهِ لَقِيطِ بْنِ عَامِرٍ قَالَ دَلْهَمُ وَحَدّثَنِيهِ أَيْضًا أَبِي الْأَسْوَدِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ لَقِيطٍ أَنّ لَقِيطَ بْنَ عَامِرٍ خَرَجَ وَافِدًا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ نَهِيكُ بْنُ عَاصِمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ الْمُنْتَفِقِ . قَالَ لَقِيطٌ فَخَرَجْتُ أَنَا وَصَاحِبِي حَتّى قَدِمْنَا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَوَافَيْنَاهُ حِينَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةِ الْغَدَاةِ فَقَامَ فِي النّاسِ خَطِيبًا فَقَالَ [ ص 589 ] أَيّهَا النّاسُ أَلَا إنّي قَدْ خَبّأْتُ لَكُمْ صَوْتِي مُنْذُ أَرْبَعَةِ أَيّامٍ أَلَا لِتَسْمَعُوا الْيَوْمَ أَلَا فَهَلْ مِنْ امْرِئٍ بَعَثَهُ قَوْمُهُ " ؟ فَقَالُوا لَهُ اعْلَمْ لَنَا مَا يَقُولُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " أَلَا ثَمّ رَجُلٌ لَعَلّهُ يُلْهِيهِ حَدِيثُ نَفْسِهِ أَوْ حَدِيثُ صَاحِبِهِ أَوْ يُلْهِيهِ ضَالّ أَلَا إنّي مَسْئُولٌ هَلْ بَلّغْت أَلَا اسْمَعُوا تَعِيشُوا أَلَا اجْلِسُوا " فَجَلَسَ النّاسُ وَقُمْت أَنَا وَصَاحِبِي حَتّى إذَا فَرَغَ لَنَا فُؤَادُهُ وَنَظَرُهُ قُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ مَا عِنْدَك مِنْ عِلْمِ الْغَيْبِ ؟ فَضَحِكَ لَعَمْرُ اللّهِ . عَلِمَ أَنّي أَبْتَغِي السّقْطَةَ فَقَالَ " ضَنّ رَبّكَ بِمَفَاتِيحِ خَمْسٍ مِنْ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إلّا اللّهُ " وَأَشَارَ بِيَدِهِ فَقُلْت : مَا هُنّ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ " عِلْمُ الْمَنِيّةِ قَدْ عَلِمَ مَتَى مَنِيّةُ أَحَدِكُمْ وَلَا تَعْلَمُونَهُ وَعِلْمُ الْمَنِيّ حِينَ يَكُونُ فِي الرّحِمِ قَدْ عَلِمَهُ وَمَا تَعْلَمُونَهُ وَعِلْمُ مَا فِي غَدٍ قَدْ عَلِمَ مَا أَنْتَ طَاعِمٌ وَلَا تَعْلَمُهُ وَعِلْمُ يَوْمِ الْغَيْثِ يُشْرِفُ عَلَيْكُمْ أَزِلِينَ مُشْفِقِينَ فَيَظَلّ يَضْحَكُ قَدْ عَلِمَ أَنّ غَوْثَكُمْ إلَى قَرِيبٍ قَالَ لَقِيطٌ فَقُلْتُ لَنْ نَعْدَمَ مِنْ رَبّ يَضْحَكُ خَيْرًا يَا رَسُولَ اللّهِ . قَالَ " وَعِلْمُ يَوْمِ السّاعَةِ " قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللّهِ عَلّمْنَا مِمّا تُعَلّمُ النّاسَ وَتَعْلَمُ فَإِنّا مِنْ قَبِيلٍ لَا يُصَدّقُونَ تَصْدِيقَنَا أَحَدًا مِنْ مُذْحِجٍ الّتِي تَرْبُو عَلَيْنَا وَخَثْعَمَ الّتِي تُوَالِينَا وَعَشِيرَتُنَا الّتِي نَحْنُ مِنْهَا قَالَ " تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُمْ ثُمّ يُتَوَفّى نَبِيّكُمْ ثُمّ تَلْبَثُونَ مَا لَبِثْتُمْ ثُمّ تُبْعَثُ الصّائِحَةُ فَلَعَمْرُ إلَهِكَ مَا تَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا شَيْئًا إلّا مَاتَ وَالْمَلَائِكَةُ الّذِينَ مَعَ رَبّك فَأَصْبَحَ رَبّكَ عَزّ وَجَلّ يَطُوفُ فِي الْأَرْضِ وَخَلَتْ عَلَيْهِ الْبِلَادُ فَأَرْسَلَ رَبّكَ السّمَاءَ تَهْضِبُ مِنْ عِنْدِ الْعَرْشِ فَلَعَمْرُ إلَهِكَ مَا تَدَعُ عَلَى ظَهْرِهَا مِنْ مَصْرَعِ قَتِيلٍ وَلَا مَدْفِنِ مَيّتٍ إلّا شَقّتْ الْقَبْرَ عَنْهُ حَتَى تَخْلُفَهُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ فَيَسْتَوِي جَالِسًا فَيَقُولُ رَبّك : مَهْيَمْ لِمَا كَانَ فِيهِ يَقُولُ يَا رَبّ أَمْسِ الْيَوْمَ لِعَهْدِهِ بِالْحَيَاةِ يَحْسَبُهُ حَدِيثًا بِأَهْلِهِ " فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ فَكَيْفَ يَجْمَعُنَا بَعْدَ مَا تُمَزّقُنَا الرّيَاحُ وَالْبِلَى وَالسّبَاعُ ؟ قَالَ " أُنَبّئُك بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي آلَاءِ اللّهِ الْأَرْضُ أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا وَهِيَ فِي مَدَرَةٍ بَالِيَةٍ " فَقُلْت : لَا تُحْيَا أَبَدًا . ثُمّ أَرْسَلَ اللّهُ عَلَيْهَا السّمَاءَ فَلَمْ تَلْبَثْ عَلَيْك إلّا أَيّامًا حَتّى أَشْرَفْتَ عَلَيْهَا وَهِيَ شَرْبَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَعَمْرُ إلَهِكَ لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَجْمَعَكُمْ مِنْ الْمَاءِ عَلَى أَنْ يَجْمَعَ نَبَاتَ الْأَرْضِ فَتَخْرُجُونَ مِنْ الْأَصْوَاءِ وَمِنْ مَصَارِعِكُمْ فَتَنْظُرُونَ إلَيْهِ وَيَنْظُرُ إلَيْكُمْ " قَالَ قُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ كَيْفَ وَنَحْنُ مِلْءُ الْأَرْضِ وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ يَنْظُرُ إلَيْنَا وَنَنْظُرُ إلَيْهِ ؟ قَالَ " أُنَبّئُك بِمِثْلِ هَذَا فِي آلَاءِ اللّهِ الشّمْسُ وَالْقَمَرُ آيَةٌ مِنْهُ صَغِيرَةٌ تَرَوْنَهُمَا وَيَرَيَانِكُمْ سَاعَةً وَاحِدَةً وَلَا تُضَارّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا " وَلَعَمْرُ إلَهِكَ لَهُوَ أَقْدَرُ عَلَى أَنْ يَرَاكُمْ وَتَرَوْنَهُ مِنْ أَنْ تَرَوْا نُورَهُمَا وَيَرَيَانِكُمْ لَا تُضَارّونَ فِي رُؤْيَتِهِمَا قُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ فَمَا يَفْعَلُ بِنَا رَبّنَا إذَا لَقِينَاهُ ؟ قَالَ " تُعْرَضُونَ عَلَيْهِ بَادِيَةً لَهُ صَفَحَاتُكُمْ لَا يَخْفَى عَلَيْهِ مِنْكُمْ خَافِيَةٌ فَيَأْخُذُ رَبّكَ عَزّ وَجَلّ بِيَدِهِ غَرْفَةً مِنْ مَاءٍ فَيَنْضَحُ بِهَا قَبْلَكُمْ فَلَعَمْرُ إلَهِكَ مَا يُخْطِئُ وَجْهُ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْهَا قَطْرَةٌ فَأَمّا الْمُسْلِمُ فَتَدَعُ وَجْهَهُ مِثْلَ الرّيْطَةِ الْبَيْضَاءِ وَأَمّا الْكَافِرُ فَتَنْضَحُهُ أَوْ قَالَ فَتَخْطِمُهُ بِمِثْلِ الْحُمَمِ الْأَسْوَدِ أَلَا ثُمّ يَنْصَرِفُ نَبِيّكُمْ وَيَفْتَرِقُ عَلَى أَثَرِهِ الصّالِحُونَ فَيَسْلُكُونَ جِسْرًا مِنْ النّارِ يَطَأُ أَحَدُكُمْ الْجَمْرَةَ يَقُولُ حِسّ يَقُولُ رَبّك عَزّ وَجَلّ أَوْ أَنّهُ أَلَا فَتَطّلِعُونَ عَلَى حَوْضِ نَبِيّكُمْ عَلَى أَظْمَأَ - وَاَللّهِ - نَاهِلَةً عَلَيْهَا قَطّ رَأَيْتهَا فَلَعَمْرُ إلَهِكَ مَا يَبْسُطُ أَحَدٌ مِنْكُمْ يَدَهُ إلّا وَقَعَ عَلَيْهَا قَدَحٌ يُطَهّرُهُ مِنْ الطّوْفِ وَالْبَوْلِ وَالْأَذَى وَتُخْنِسُ الشّمْسُ وَالْقَمَرُ فَلَا تَرَوْنَ مِنْهُمَا وَاحِدًا " . قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ فَبِمَ نُبْصِرُ ؟ قَالَ " بِمِثْلِ بَصَرِكَ سَاعَتِك هَذِهِ وَذَلِكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشّمْسِ فِي يَوْمٍ أَشْرَقَتْ الْأَرْضُ وَوَاجَهَتْ بِهِ الْجِبَالَ " قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ فَبِمَ نُجْزَى مِنْ سَيّئَاتِنَا وَحَسَنَاتِنَا ؟ قَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " الْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَالسّيّئَةُ بِمِثْلِهَا إلّا أَنْ يَعْفُوَ " قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا الْجَنّةُ وَمَا النّارُ ؟ قَالَ " لَعَمْرُ إلَهِكَ إنّ النّارَ لَهَا سَبْعَةُ أَبْوَابٍ مَا مِنْهَا بَابَانِ إلّا يَسِيرُ الرّاكِبُ بَيْنَهُمَا سَبْعِينَ عَامًا " وَإِنّ الْجَنّةَ لَهَا ثَمَانِيَةُ أَبْوَابٍ مَا مِنْهَا بَابَانِ إلّا يَسِيرُ الرّاكِبُ بَيْنَهُمَا سَبْعِينَ عَامًا " . قُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ فَعَلَامَ نَطّلِعُ مِنْ الْجَنّةِ ؟ قَالَ " عَلَى أَنْهَارٍ مِنْ عَسَلٍ مُصَفّى وَأَنْهَارٍ مِنْ خَمْرٍ مَا بِهَا صُدَاعٌ وَلَا نَدَامَةٌ وَأَنْهَارٍ مِنْ لَبَنٍ مَا يَتَغَيّرُ طَعْمُهُ وَمَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَفَاكِهَةٍ وَلَعَمْرُ إلَهِك مَا تَعْلَمُونَ وَخَيْرٌ مِنْ مِثْلِهِ مَعَهُ وَأَزْوَاجٌ مُطَهّرَةٌ . قُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ أَوَلَنَا فِيهَا أَزْوَاجٌ أَوْ مِنْهُنّ مُصْلِحَاتٌ ؟ قَالَ الْمُصْلِحَاتُ لِلصّالِحِينَ " . وَفِي لَفْظٍ الصّالِحَاتُ لِلصّالِحِينَ تَلَذّونَهُنّ وَيَلَذّونَكُمْ مِثْلَ لَذّاتِكُمْ فِي الدّنْيَا غَيْرَ أَنْ لَا تَوَالُدَ " قَالَ لَقِيطٌ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ أَقْصَى مَا نَحْنُ بَالِغُونَ وَمُنْتَهُونَ إلَيْهِ ؟ فَلَمْ يُجِبْهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ عَلَامَ أُبَايِعُك ؟ فَبَسَطَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَدَهُ وَقَالَ " عَلَى إقَامِ الصّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزّكَاةِ وَزِيَالِ الْمُشْرِكِ وَأَنْ لَا تُشْرِكَ بِاَللّهِ إلَهًا غَيْرَهُ " قَالَ قُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ وَإِنّ لَنَا مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ فَقَبَضَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَدَهُ وَظَنّ أَنّي مُشْتَرِطٌ مَا لَا يُعْطِينِيهِ قَالَ قُلْتُ نَحِلّ مِنْهَا حَيْثُ شِئْنَا وَلَا يَجْنِي امْرُؤٌ إلّا عَلَى نَفْسِهِ فَبَسَطَ يَدَهُ . وَقَالَ " لَك ذَلِكَ تَحِلّ حَيْثُ شِئْت وَلَا يَجْنِي عَلَيْكَ إلّا نَفْسُكَ " قَالَ فَانْصَرَفْنَا عَنْهُ ثُمّ قَالَ " هَا إنّ ذَيْنَ هَا إنّ ذَيْنَ - مَرّتَيْنِ - لَعَمْرُ إلَهِك مَنْ أَتْقَى النّاسِ فِي الْأُولَى وَالْآخِرَةِ " فَقَالَ لَهُ كَعْبُ بْنُ الْخُدْرِيّةِ أَحَدُ بَنِي بَكْرِ بْنِ كِلَاب ٍ مَنْ هُمْ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ " بَنُو الْمُنْتَفِقِ بَنُو الْمُنْتَفِقِ بَنُو الْمُنْتَفِقِ أَهْلُ ذَلِكَ مِنْهُمْ " قَالَ فَانْصَرَفْنَا وَأَقْبَلْتُ عَلَيْهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ هَلْ لِأَحَدٍ مِمّنْ مَضَى مِنْ خَيْرٍ فِي جَاهِلِيّتِهِمْ ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ عُرْضِ قُرَيْشٍ وَاَللّهِ إنّ أَبَاكَ الْمُنْتَفِقَ لَفِي النّارِ قَالَ فَكَأَنّهُ وَقَعَ حَرّ بَيْنَ جِلْدِ وَجْهِي وَلَحْمِهِ مِمّا قَالَ لِأَبِي عَلَى رُءُوسِ النّاسِ فَهَمَمْتُ أَنْ أَقُولَ وَأَبُوك يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ ثُمّ إذَا الْأُخْرَى أَجْمَلُ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ وَأَهْلُك ؟ قَالَ " وَأَهْلِي لَعَمْرُ اللّهِ حَيْثُ مَا أَتَيْتَ عَلَى قَبْرِ عَامِرِيّ أَوْ قُرَشِيّ مِنْ مُشْرِكٍ قُلْ أَرْسَلَنِي إلَيْك مُحَمّدٌ فَأُبَشّرُكَ بِمَا يَسُوءُك تُجَرّ عَلَى وَجْهِكَ وَبَطْنِكَ فِي النّارِ " . قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ وَمَا فَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ وَقَدْ كَانُوا عَلَى عَمَلٍ لَا يُحْسِنُونَ إلّا إيّاهُ وَكَانُوا يَحْسِبُونَ أَنّهُمْ مُصْلِحُونَ ؟ قَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " ذَلِكَ بِأَنّ اللّهَ بَعَثَ فِي آخِرِ كُلّ سَبْعِ أُمَمٍ نَبِيّا فَمَنْ عَصَى نَبِيّهُ كَانَ مِنْ الضّالّينَ وَمَنْ أَطَاعَ نَبِيّهُ كَانَ مِنْ الْمُهْتَدِينَ [ ص 590 ] [ ص 591 ] تُنَادِي جَلَالَتُهُ وَفَخَامَتُهُ وَعَظَمَتُهُ عَلَى أَنّهُ قَدْ خَرَجَ مِنْ مِشْكَاةِ النّبُوّةِ لَا يُعْرَفُ إلّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ الْمُغِيرَةِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ الْمَدَنِيّ رَوَاهُ عَنْهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ الزّبَيْرِيّ وَهُمَا مِنْ كِبَارِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ ثِقَتَانِ مُحْتَجّ بِهِمَا فِي الصّحِيحِ احْتَجّ بِهِمَا إمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مُحَمّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيّ وَرَوَاهُ أَئِمّةُ أَهْلِ السّنّةِ فِي كُتُبِهِمْ وَتَلَقّوْهُ بِالْقَبُولِ وَقَابَلُوهُ بِالتّسْلِيمِ وَالِانْقِيَادِ وَلَمْ يَطْعَنْ أَحَدٌ مِنْهُمْ فِيهِ وَلَا فِي أَحَدٍ مِنْ رُوَاتِهِ . [ ص 592 ] فَمِمّنْ رَوَاهُ الْإِمَامُ ابْنُ الْإِمَامِ أَبُو عَبْدِ الرّحْمَنِ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي مُسْنَدِ أَبِيهِ وَفِي كِتَابِ " السّنّةِ " وَقَالَ كَتَبَ إلَيّ إبْرَاهِيمُ بْنُ حَمْزَةَ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ حَمْزَةَ بْنِ مُصْعَبِ بْنِ الزّبَيْرِ الزّبَيْرِيّ كَتَبْتُ إلَيْك بِهَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ عَرَضْته وَسَمِعْته عَلَى مَا كَتَبْتُ بِهِ إلَيْك فَحَدّثْ بِهِ عَنّي . وَمِنْهُمْ الْحَافِظُ الْجَلِيلُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ أَبِي عَاصِمٍ النّبِيل ُ فِي كِتَابِ " السّنّةِ " لَهُ . وَمِنْهُمْ الْحَافِظُ أَبُو أَحْمَدَ مُحَمّدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ سُلَيْمَانَ الْعَسّالُ فِي كِتَابِ " الْمَعْرِفَةِ " . وَمِنْهُمْ حَافِظُ زَمَانِهِ وَمُحَدّثُ أَوَانِهِ أَبُو الْقَاسِمِ سُلَيْمَانُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ أَيّوبَ الطّبَرَانِيّ فِي كَثِيرٍ مِنْ كُتُبِهِ . وَمِنْهُمْ الْحَافِظُ أَبُو مُحَمّدٍ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ حَيّانَ أَبُو الشّيْخِ الْأَصْبَهَانِي ّ فِي كِتَابِ " السّنّةِ " . وَمِنْهُمْ الْحَافِظُ ابْنُ الْحَافِظِ أَبُو عَبْدِ اللّهِ مُحَمّدُ بْنُ إسْحَاقَ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ مَنْدَهْ حَافِظُ أَصْبَهَانَ . وَمِنْهُمْ الْحَافِظُ أَبُو بَكْرٍ أَحْمَدُ بْنُ مُوسَى بْنِ مِرْدَوَيْهِ . وَمِنْهُمْ حَافِظُ عَصْرِهِ أَبُو نُعَيْمٍ أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ إسْحَاقَ الْأَصْبَهَانِيّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْحُفّاظِ سِوَاهُمْ يَطُولُ ذِكْرُهُمْ . وَقَالَ ابْنُ مَنْدَهْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ مُحَمّدُ بْنُ إسْحَاقَ الصّنْعَانِيّ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَغَيْرُهُمَا وَقَدْ رَوَاهُ بِالْعِرَاقِ بِمَجْمَعِ الْعُلَمَاءِ وَأَهْلِ الدّينِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْأَئِمّةِ مِنْهُمْ أَبُو زُرْعَةَ الرّازِيّ وَأَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو عَبْدِ اللّهِ مُحَمّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ وَلَمْ يُنْكِرْهُ أَحَدٌ وَلَمْ يُتَكَلّمْ فِي إسْنَادِهِ بَلْ رَوَوْهُ عَلَى سَبِيلِ الْقَبُولِ وَالتّسْلِيمِ وَلَا يُنْكِرُ هَذَا الْحَدِيثَ إلّا جَاحِدٌ أَوْ جَاهِلٌ أَوْ مُخَالِفٌ لِلْكِتَابِ وَالسّنّةِ هَذَا كَلَامُ أَبِي عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَنْدَهْ . [ ص 593 ] السّكُونِ وَالْيَاءِ يَكُونُ قَدْ شَبّهَ الْأَرْضَ بِخُضْرَتِهَا بِالنّبَاتِ بِخُضْرَةِ الْحَنْظَلَةِ وَاسْتِوَائِهَا . وَقَوْلُهُ حِسّ كَلِمَةٌ يَقُولُهَا الْإِنْسَانُ إذَا أَصَابَهُ عَلَى غَفْلَةٍ مَا يُحْرِقُهُ أَوْ يُؤْلِمُهُ قَالَ الْأَصْمَعِيّ وَهِيَ مِثْلُ أوه . وَقَوْلُهُ يَقُولُ رَبّك عَزّ وَجَلّ " أَوْ أَنّهُ " . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ " أَنّهُ " بِمَعْنَى " نَعَمْ " . وَالْآخَرُ أَنْ يَكُونَ الْخَبَرُ مَحْذُوفًا كَأَنّهُ قَالَ أَنْتُمْ كَذَلِكَ أَوْ أَنّهُ عَلَى مَا يَقُولُ . وَالطّوْفُ الْغَائِطُ . وَفِي الْحَدِيثِ لَا يُصَلّ أَحَدُكُمْ وَهُوَ يُدَافِعُ الطّوْفَ وَالْبَوْلَ وَالْجِسْرُ الصّرَاطُ . وَقَوْلُهُ " فَيَقُولُ رَبّك . مَهْيَمْ " : أَيْ مَا شَأْنُك وَمَا أَمْرُك وَفِيمَ كُنْتَ . وَقَوْلُهُ " يُشْرِفُ عَلَيْكُمْ أَزِلِينَ " : الْأَزْلُ - بِسُكُونِ الزّايِ - الشّدّةُ وَالْأَزِلُ عَلَى وَزْنِ كَتِفٍ هُوَ الّذِي قَدْ أَصَابَهُ الْأَزْلُ وَاشْتَدّ بِهِ حَتّى كَادَ يَقْنَطُ . [ الضّحِكُ مِنْ صِفَاتِ اللّهِ الْفِعْلِيّةِ وَكَذَلِكَ النّزُولُ وَغَيْرُهُمَا ] وَقَوْلُهُ " فَيَظَلّ يَضْحَكُ " هُوَ مِنْ صِفَاتِ أَفْعَالِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الّتِي لَا يُشْبِهُهُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ مَخْلُوقَاتِهِ كَصِفَاتِ ذَاتِهِ وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ الصّفَةُ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ لَا سَبِيلَ إلَى رَدّهَا كَمَا لَا سَبِيلَ إلَى تَشْبِيهِهَا وَتَحْرِيفِهَا وَكَذَلِكَ " فَأَصْبَحَ رَبّك يَطُوفُ فِي الْأَرْضِ " هُوَ مِنْ صِفَاتِ فِعْلِهِ كَقَوْلِهِ { وَجَاءَ رَبّكَ وَالْمَلَكُ } { هَلْ يَنْظُرُونَ إِلّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبّكَ } و يَنْزِلُ رَبّنَا كُلّ لَيْلَةٍ إلَى السّمَاءِ الدّنْيَا و يَدْنُو عَشِيّةَ عَرَفَةَ فَيُبَاهِي بِأَهْلِ الْمَوْقِفِ الْمَلَائِكَةَ وَالْكَلَامُ فِي الْجَمِيعِ صِرَاطٌ وَاحِدٌ مُسْتَقِيمٌ إثْبَاتٌ بِلَا تَمْثِيلٍ وَتَنْزِيهٌ بِلَا تَحْرِيفٍ وَلَا تَعْطِيلٍ . [ مَوْتُ الْمَلَائِكَةِ ] وَقَوْلُهُ " وَالْمَلَائِكَةُ الّذِينَ عِنْدَ رَبّك " : لَا أَعْلَمُ مَوْتَ الْمَلَائِكَةِ جَاءَ فِي حَدِيثٍ صَرِيحٍ إلّا هَذَا وَحَدِيثِ إسْمَاعِيلَ بْنِ رَافِعٍ الطّوِيل وَهُوَ حَدِيثُ الصّوَرِ [ ص 594 ] { وَنُفِخَ فِي الصّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلّا مَنْ شَاءَ اللّهُ } [ الزّمَرِ 68 ] . [ جَوَازُ الْإِقْسَامِ بِصِفَاتِ اللّه ِ] وَقَوْلِهِ فَلَعُمْرُ إلَهِك هُوَ قَسَمٌ بِحَيَاةِ الرّبّ جَلّ جَلَالُهُ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْإِقْسَامِ بِصِفَاتِهِ وَانْعِقَادِ الْيَمِينِ بِهَا وَأَنّهَا قَدِيمَةٌ وَأَنّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ مِنْهَا أَسْمَاءُ الْمَصَادِرِ وَيُوصَفُ بِهَا وَذَلِكَ قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرّدِ الْأَسْمَاءِ وَأَنّ الْأَسْمَاءَ الْحُسْنَى مُشْتَقّةٌ مِنْ هَذِهِ الْمَصَادِرِ دَالّةٌ عَلَيْهَا . وَقَوْلُهُ ثُمّ تَجِئْ الصّائِحَةُ هِيَ صَيْحَةُ الْبَعْثِ وَنَفْخَتُهُ . وَقَوْلُهُ حَتّى يَخْلُفَهُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ هُوَ مِنْ أَخْلَفَ الزّرْعُ إذَا نَبَتَ بَعْدَ حَصَادِهِ شِبْهَ النّشْأَةِ الْآخِرَةِ بَعْدَ الْمَوْتِ بِإِخْلَافِ الزّرْعِ بَعْدَ مَا حُصِدَ وَتِلْكَ الْخِلْفَةُ مِنْ عِنْدِ رَأْسِهِ كَمَا يَنْبُتُ الزّرْعُ . وَقَوْلُهُ فَيَسْتَوِي جَالِسًا هَذَا عِنْدَ تَمَامِ خِلْقَتِهِ وَكَمَالِ حَيَاتِهِ ثُمّ يَقُومُ بَعْدَ جُلُوسِهِ قَائِمًا ثُمّ يُسَاقُ إلَى مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ إمّا رَاكِبًا وَإِمّا مَاشِيًا . وَقَوْلُهُ يَقُولُ يَا رَبّ أَمْسِ الْيَوْمَ اسْتِقْلَالٌ لِمُدّةِ لُبْثِهِ فِي الْأَرْضِ كَأَنّهُ لَبِثَ فِيهَا يَوْمًا فَقَالَ أَمْسِ أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ فَقَالَ الْيَوْمَ يَحْسَبُ أَنّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِأَهْلِهِ وَأَنّهُ إنّمَا فَارَقَهُمْ أَمْسِ أَوْ الْيَوْمَ . وَقَوْلُهُ كَيْفَ يَجْمَعُنَا بَعْدَ مَا تَمْرُقُنَا الرّيَاحُ وَالْبِلَى وَالسّبَاع وَإِقْرَارُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَهُ عَلَى هَذَا السّؤَالِ رَدّ عَلَى مَنْ زَعَمَ أَنّ الْقَوْمَ لَمْ يَكُونُوا يَخُوضُونَ فِي دَقَائِقِ الْمَسَائِلِ وَلَمْ يَكُونُوا يَفْهَمُونَ حَقَائِقَ الْإِيمَانِ بَلْ كَانُوا مَشْغُولِينَ بِالْعَمَلِيّاتِ وَأَنّ أَفْرَاخَ الصّابِئَةِ وَالْمَجُوسِ مِنْ الْجَهْمِيّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ وَالْقَدَرِيّةِ أَعْرَفُ مِنْهُمْ بِالْعِلْمِيّاتِ . [ كانَ الصّحَابَةُ يُورِدُونَ عَلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا يُشْكِلُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْأَسْئِلَةِ وَالشّبُهَات ] وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُ كَانُوا يُورِدُونَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا يُشْكِلُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْأَسْئِلَةِ وَالشّبُهَاتِ فَيُجِيبُهُمْ عَنْهَا بِمَا يُثْلِجُ صُدُورَهُمْ وَقَدْ أَوْرَدَ عَلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْأَسْئِلَةَ أَعْدَاؤُهُ وَأَصْحَابُهُ أَعْدَاؤُهُ لِلتّعَنّتِ وَالْمُغَالَبَةِ وَأَصْحَابُهُ لِلْفَهْمِ وَالْبَيَانِ وَزِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَهُوَ يُجِيبُ كُلّا عَنْ سُؤَالِهِ إلّا مَا لَا جَوَابَ عَنْهُ كَسُؤَالِهِ عَنْ وَقْتِ [ ص 595 ] سَمّاهُ فِي كِتَابِهِ كَذَلِكَ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهُ . وَقَوْلُهُ " أُنَبّئُك بِمِثْلِ ذَلِكَ فِي آلَاءِ اللّهِ " آلَاؤُهُ نِعَمُهُ وَآيَاتُهُ الّتِي تَعَرّفَ بِهَا إلَى عِبَادِهِ . وَفِيهِ إثْبَاتُ الْقِيَاسِ فِي أَدِلّةِ التّوْحِيدِ وَالْمُعَادِ وَالْقُرْآنُ مَمْلُوءٌ مِنْهُ . [ حُكْمُ الشّيْءِ حُكْمُ نَظِيرِهِ ] و َفِيهِ أَنّ حُكْمَ الشّيْءِ حُكْمُ نَظِيرِهِ وَأَنّهُ سُبْحَانَهُ إذَا كَانَ قَادِرًا عَلَى شَيْءٍ فَكَيْفَ تَعْجِزُ قُدْرَتُهُ عَنْ نَظِيرِهِ وَمِثْلِهِ ؟ فَقَدْ قَرّرَ اللّهُ سُبْحَانَهُ أَدِلّةَ الْمُعَادِ فِي كِتَابِهِ أَحْسَنَ تَقْرِيرٍ وَأَبْيَنَهُ وَأَبْلَغَهُ وَأَوْصَلَهُ إلَى الْعُقُولِ وَالْفِطَرِ فَأَبَى أَعْدَاؤُهُ الْجَاحِدُونَ إلّا تَكْذِيبًا لَهُ وَتَعْجِيزًا لَهُ وَطَعْنًا فِي حِكْمَتِهِ تَعَالَى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوّا كَبِيرًا . وَقَوْلُهُ فِي الْأَرْضِ أَشْرَفْت عَلَيْهَا وَهِيَ مَدَرَةٌ بَالِيَةٌ هُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَيُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا } الرّومِ : 19 ] . وَقَوْلِهِ { وَمِنْ آيَاتِهِ أَنّكَ تَرَى الْأَرْضَ خَاشِعَةً فَإِذَا أَنْزَلْنَا عَلَيْهَا الْمَاءَ اهْتَزّتْ وَرَبَتْ إِنّ الّذِي أَحْيَاهَا لَمُحْيِي الْمَوْتَى إِنّهُ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ فُصّلَتْ 39 ] وَنَظَائِرُهُ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرَةٌ . وَقَوْلُهُ فَتَنْظُرُونَ إلَيْهِ وَيَنْظُرُ إلَيْكُم فِيهِ إثْبَاتُ صِفَةِ النّظَرِ لِلّهِ عَزّ وَجَلّ وَإِثْبَاتُ رُؤْيَتِهِ فِي الْآخِرَةِ . وَقَوْلُهُ " كَيْفَ وَنَحْنُ مِلْءُ الْأَرْضِ وَهُوَ شَخْصٌ وَاحِدٌ " قَدْ جَاءَ هَذَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ . وَفِي قَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ لَا شَخْصَ أَغْيَرُ مِنْ اللّهِ وَالْمُخَاطَبُونَ بِهَذَا قَوْمٌ عَرَبٌ يَعْلَمُونَ الْمُرَادَ مِنْهُ وَلَا يَقَعُ فِي قُلُوبِهِمْ تَشْبِيهُهُ سُبْحَانَهُ بِالْأَشْخَاصِ بَلْ هُمْ أَشْرَفُ عُقُولًا وَأَصَحّ أَذْهَانًا وَأَسْلَمُ قُلُوبًا مِنْ ذَلِكَ وَحَقّقَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وُقُوعَ الرّؤْيَةِ عِيَانًا بِرُؤْيَةِ الشّمْسِ وَالْقَمَرِ تَحْقِيقًا لَهَا وَنَفْيًا لِتَوَهّمِ الْمَجَازِ الّذِي يَظُنّهُ الْمُعَطّلُونَ . [ إثْبَاتُ صِفَةِ الْيَدِ لِلّه ] وَقَوْلُهُ فَيَأْخُذُ رَبّك بِيَدِهِ غَرْفَةً مِنْ الْمَاءِ فَيَنْضَحُ بِهَا قَبْلَكُم فِيهِ إثْبَاتُ صِفَةِ [ ص 596 ] وَقَوْلُهُ ثُمّ يَنْصَرِفُ نَبِيّكُمْ هَذَا انْصِرَافٌ مِنْ مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ إلَى الْجَنّةِ . وَقَوْلُهُ وَيُفَرّقُ عَلَى أَثَرِهِ الصّالِحُون أَيْ يَفْزَعُونَ وَيَمْضُونَ عَلَى أَثَرِهِ . [ هَلْ الْحَوْضُ قَبْلَ الصّرَاط ؟] وَقَوْلُهُ فَتَطّلِعُونَ عَلَى حَوْضِ نَبِيّكُمْ ظَاهِرُ هَذَا أَنّ الْحَوْضَ مِنْ وَرَاءِ الْجِسْرِ فَكَأَنّهُمْ لَا يَصِلُونَ إلَيْهِ حَتّى يَقْطَعُوا الْجِسْرَ وَلِلسّلَفِ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ حَكَاهُمَا الْقُرْطُبِيّ فِي " تَذْكِرَتِهِ " وَالْغَزَالِيّ وَغَلّطَا مَنْ قَالَ إنّهُ بَعْدَ الْجِسْرِ وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ : عَنْ أبِي هُرَيْرَة . أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ بَيْنَا أَنَا قَائِمٌ عَلَى الْحَوْضِ إذَا زُمْرَةٌ حَتّى إذَا عَرَفْتُهُمْ خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْنِي وَبَيْنِهِمْ فَقَالَ لَهُمْ هَلُمّ فَقُلْتُ إلَى أَيْنَ ؟ فَقَالَ إلَى النّارِ وَاَللّهِ قُلْتُ مَا شَأْنُهُمْ ؟ قَالَ إنّهُمْ ارْتَدّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ فَلَا أَرَاهُ يَخْلُصُ مِنْهُمْ إلّا مِثْلُ هَمَلِ النّعَمِ قَالَ فَهَذَا الْحَدِيثُ مَعَ صِحّتِهِ أَدَلّ دَلِيلٍ عَلَى أَنّ الْحَوْضَ يَكُونُ فِي الْمَوْقِفِ قَبْلَ الصّرَاطِ لِأَنّ الصّرَاطَ إنّمَا هُوَ جِسْرٌ مَمْدُودٌ عَلَى جَهَنّمَ فَمَنْ جَازَهُ سَلِمَ مِنْ النّارِ . قُلْتُ وَلَيْسَ بَيْنَ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَعَارُضٌ وَلَا تَنَاقُضٌ وَلَا اخْتِلَافٌ وَحَدِيثُهُ كُلّهُ يُصَدّقُ بَعْضُهُ بَعْضًا وَأَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ إنْ أَرَادُوا أَنّ الْحَوْضَ لَا يُرَى وَلَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلّا بَعْدَ قَطْعِ الصّرَاطِ فَحَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا وَغَيْرُهُ يَرُدّ قَوْلَهُمْ وَإِنْ أَرَادُوا أَنّ الْمُؤْمِنِينَ إذَا جَازُوا الصّرَاطَ وَقَطَعُوهُ بَدَا لَهُمْ الْحَوْضُ فَشَرِبُوا مِنْهُ فَهَذَا يَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيثُ لَقِيطٍ هَذَا وَهُوَ لَا يُنَاقِضُ كَوْنَهُ قَبْلَ الصّرَاطِ فَإِنّ قَوْلَهُ طُولُهُ شَهْرٌ وَعَرْضُهُ شَهْرٌ فَإِذَا كَانَ بِهَذَا الطّولِ وَالسّعَةِ فَمَا الّذِي يُحِيلُ امْتِدَادَهُ إلَى وَرَاءِ الْجِسْرِ فَيَرِدُهُ الْمُؤْمِنُونَ قَبْلَ الصّرَاطِ وَبَعْدَهُ فَهَذَا فِي حَيّزِ الْإِمْكَانِ وَوُقُوعُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى خَبَرِ الصّادِقِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ - وَاَللّهُ عَلَى أَظْمَأَ - نَاهِلَةٍ قَطّ النّاهِلَةُ الْعِطَاشُ الْوَارِدُونَ [ ص 597 ] أَظْمَأَ مَا هُمْ إلَيْهِ وَهَذَا يُنَاسِبُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الصّرَاطِ فَإِنّهُ جِسْرُ النّارِ وَقَدْ وَرَدُوهَا كُلّهُمْ فَلَمّا قَطَعُوهُ اشْتَدّ ظَمَؤُهُمْ إلَى الْمَاءِ فَوَرَدُوا حَوْضَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَمَا وَرَدُوهُ فِي مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ . وَقَوْلُهُ تَخْنِسُ الشّمْسُ وَالْقَمَر أَيْ تَخْتَفِيَانِ فَتَحْتَبِسَانِ وَلَا يُرَيَانِ . وَالِاخْتِنَاسُ التّوَارِي وَالِاخْتِفَاءُ . وَمِنْهُ قَوْلُ أَبِي هُرَيْرَةَ فَانْخَنَسْتُ مِنْهُ . وَقَوْلُهُ مَا بَيْنَ الْبَابَيْنِ مَسِيرَةُ سَبْعِينَ عَامًا يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنّ مَا بَيْنَ الْبَابِ وَالْبَابِ هَذَا الْمِقْدَارُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْبَابَيْنِ الْمِصْرَاعَيْنِ وَلَا يُنَاقِضُ هَذَا مَا جَاءَ مِنْ تَقْدِيرِهِ بِأَرْبَعِينَ عَامًا لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : إنّهُ لَمْ يُصَرّحْ فِيهِ رَاوِيهِ بِالرّفْعِ بَلْ قَالَ وَلَقَدْ ذُكِرَ لَنَا أَنّ مَا بَيْنَ الْمِصْرَاعَيْنِ مَسِيرَةُ أَرْبَعِينَ عَامًا . وَالثّانِي : إنّ الْمَسَافَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ سُرْعَةِ السّيْرِ فِيهَا وَبُطْئِهِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . [ صِفَةُ خَمْرِ الْجَنّةِ ] وَقَوْلُهُ فِي خَمْرِ الْجَنّةِ أَنّهُ مَا بِهَا صُدَاعٌ وَلَا نَدَامَةٌ تَعْرِيضٌ بِخَمْرِ الدّنْيَا وَمَا يَلْحَقُهَا مِنْ صُدَاعِ الرّأْسِ وَالنّدَامَةِ عَلَى ذَهَابِ الْعَقْلِ وَالْمَالِ وَحُصُولِ الشّرّ الّذِي يُوجِبُهُ زَوَالُ الْعَقْلِ . وَالْمَاءُ غَيْرُ الْآسِنِ هُوَ الّذِي لَمْ يَتَغَيّرْ بِطُولِ مُكْثِهِ . [ هَلْ تَلِدُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَنّةِ ؟] وَقَوْلُهُ فِي نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنّةِ غَيْرَ أَنْ لَا تَوَالُدَ قَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ هَلْ تَلِدُ نِسَاءُ أَهْلِ الْجَنّةِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يَكُونُ فِيهَا حَبَلٌ وَلَا وِلَادَةٌ وَاحْتَجّتْ هَذِهِ الطّائِفَةُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَبِحَدِيثٍ آخَرَ أَظُنّهُ فِي " الْمُسْنَدِ " وَفِيهِ غَيْرَ أَنْ لَا مَنِيّ وَلَا مَنِيّة وَأَثْبَتَتْ طَائِفَةٌ مِنْ السّلَفِ الْوِلَادَةَ فِي الْجَنّةِ وَاحْتَجّتْ بِمَا رَوَاهُ التّرْمِذِيّ فِي " [ ص 598 ] أَبِي الصّدّيقِ النّاجِي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ا لْمُؤْمِنُ إذَا اشْتَهَى الْوَلَدَ فِي الْجَنّةِ كَانَ حَمْلُهُ وَوَضْعُهُ وَسِنّهُ فِي سَاعَةٍ كَمَا يَشْتَهِي قَالَ التّرْمِذِيّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ . قَالَتْ الطّائِفَةُ الْأُولَى : هَذَا لَا يَدُلّ عَلَى وُقُوعِ الْوِلَادَةِ فِي الْجَنّةِ فَإِنّهُ عَلّقَهُ بِالشّرْطِ فَقَالَ إذَا اشْتَهَى وَلَكِنّهُ لَا يَشْتَهِي وَهَذَا تَأْوِيلُ إسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ حَكَاهُ الْبُخَارِيّ عَنْهُ . قَالُوا : وَالْجَنّةُ دَارُ جَزَاءٍ عَلَى الْأَعْمَالِ وَهَؤُلَاءِ لَيْسُوا مَنْ أَهْلِ الْجَزَاءِ قَالُوا : وَالْجَنّةُ دَارُ خُلُودٍ لَا مَوْتَ فِيهَا فَلَوْ تَوَالَدَ فِيهَا أَهْلُهَا عَلَى الدّوَامِ وَالْأَبَدِ لَمَا وَسِعَتْهُمْ وَإِنّمَا وَسِعَتْهُمْ الدّنْيَا بِالْمَوْتِ . وَأَجَابَتْ الطّائِفَةُ الْأُخْرَى عَنْ ذَلِكَ كُلّهِ وَقَالَتْ " إذًا " إنّمَا تَكُونُ لِمُحَقّقِ الْوُقُوعِ لَا الْمَشْكُوكِ فِيهِ وَقَدْ صَحّ أَنّهُ سُبْحَانَهُ يُنْشِئُ لِلْجَنّةِ خَلْقًا يُسْكِنُهُمْ إيّاهَا بِلَا عَمَلٍ مِنْهُمْ قَالُوا : وَأَطْفَالُ الْمُسْلِمِينَ أَيْضًا فِيهَا بِغَيْرِ عَمَلٍ . وَأَمّا حَدِيثُ سِعَتِهَا : فَلَوْ رُزِقَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَشَرَةَ آلَافٍ مِنْ الْوَلَدِ وَسِعَتْهُمْ فَإِنّ أَدْنَاهُمْ مَنْ يَنْظُرُ فِي مِلْكِهِ مَسِيرَةَ أَلْفَيْ عَامٍ . وَقَوْلُهُ يَا رَسُولَ اللّهِ أَقْصَى مَا نَحْنُ بَالِغُونَ وَمُنْتَهُونَ إلَيْهِ لَا جَوَابَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ لِأَنّهُ إنْ أَرَادَ أَقْصَى مُدّةِ الدّنْيَا وَانْتِهَائِهَا فَلَا يَعْلَمُهُ إلّا اللّهُ وَإِنْ أَرَادَ أَقْصَى مَا نَحْنُ مُنْتَهُونَ إلَيْهِ بَعْدَ دُخُولِ الْجَنّةِ وَالنّارِ فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ أَقْصَى مَا يَنْتَهِي إلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَ الِانْتِهَاءُ إلَى نَعِيمٍ وَجَحِيمٍ وَلِهَذَا لَمْ يُجِبْهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَقَوْلُهُ فِي عَقْدِ الْبَيْعَةِ وَزِيَالِ الْمُشْرِك أَيْ مُفَارَقَتُهُ وَمُعَادَاتُهُ فَلَا [ ص 599 ] لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ . [ مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا قَبْلَ الْبِعْثَةِ فَهُوَ فِي النّارِ ] وَقَوْلُهُ حَيْثُمَا مَرَرْت بِقَبْرِ كَافِرٍ فَقُلْ أَرْسَلَنِي إلَيْك مُحَمّدٌ هَذَا إرْسَالُ تَقْرِيعٍ وَتَوْبِيخٍ لَا تَبْلِيغِ أَمْرٍ وَنَهْيٍ وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى سَمَاعِ أَصْحَابِ أَهْلِ الْقُبُورِ كَلَامَ الْأَحْيَاءِ وَخِطَابَهُمْ لَهُمْ وَدَلِيلٌ عَلَى أَنّ مَنْ مَاتَ مُشْرِكًا فَهُوَ فِي النّارِ وَإِنْ مَاتَ قَبْلَ الْبِعْثَةِ لِأَنّ الْمُشْرِكِينَ كَانُوا قَدْ غَيّرُوا الْحَنِيفِيّةَ دِينَ إبْرَاهِيمَ وَاسْتَبْدَلُوا بِهَا الشّرْكَ وَارْتَكَبُوهُ وَلَيْسَ مَعَهُمْ حُجّةٌ مِنْ اللّهِ بِهِ وَقُبْحُهُ وَالْوَعِيدُ عَلَيْهِ بِالنّارِ لَمْ يَزَلْ مَعْلُومًا مِنْ دِينِ الرّسُلِ كُلّهِمْ مِنْ أَوّلِهِمْ إلَى آخِرِهِمْ وَأَخْبَارُ عُقُوبَاتِ اللّهِ لِأَهْلِهِ مُتَدَاوَلَةٌ بَيْنَ الْأُمَمِ قَرْنًا بَعْدَ قَرْنٍ فَلِلّهِ الْحُجّةُ الْبَالِغَةُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي كُلّ وَقْتٍ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إلّا مَا فَطَرَ عِبَادَهُ عَلَيْهِ مِنْ تَوْحِيدِ رُبُوبِيّتِهِ الْمُسْتَلْزِمِ لِتَوْحِيدِ إلَهِيّتِهِ وَأَنّهُ يَسْتَحِيلُ فِي كُلّ فِطْرَةٍ وَعَقْلٍ أَنْ يَكُونَ مَعَهُ إلَهٌ آخَرُ وَإِنْ كَانَ سُبْحَانَهُ لَا يُعَذّبُ بِمُقْتَضَى هَذِهِ الْفِطْرَةِ وَحْدَهَا فَلَمْ تَزَلْ دَعْوَةُ الرّسُلِ إلَى التّوْحِيدِ فِي الْأَرْضِ مَعْلُومَةً لِأَهْلِهَا فَالْمُشْرِكُ يَسْتَحِقّ الْعَذَابَ بِمُخَالَفَتِهِ دَعْوَةَ الرّسُلِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي قُدُومِ وَفْدِ النّخْعِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَدِمَ عَلَيْهِ وَفْدُ النّخْعِ وَهُمْ آخِرُ الْوُفُودِ قُدُومًا عَلَيْهِ فِي نِصْفِ الْمُحَرّمِ سَنَةَ إحْدَى عَشْرَةَ فِي مِائَتَيْ رَجُلٍ فَنَزَلُوا دَارَ الْأَضْيَافِ ثُمّ جَاءُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُقِرّينَ بِالْإِسْلَامِ وَقَدْ كَانُوا بَايَعُوا مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ زُرَارَةُ بْنُ عَمْرٍو يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي رَأَيْتُ فِي سَفَرِي هَذَا عَجَبًا قَالَ " وَمَا [ ص 600 ] قَالَ رَأَيْتُ أَتَانًا تَرَكْتُهَا فِي الْحَيّ كَأَنّهَا وَلَدَتْ جَدْيًا أَسْفَعَ أَحْوَى فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " هَلْ تَرَكْتَ أَمَةً لَكَ مُصِرّةً عَلَى حَمْلٍ " ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ " فَإِنّهَا قَدْ وَلَدَتْ غُلَامًا وَهُوَ ابْنُكَ " قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ فَمَا بَالُهُ أَسْفَعَ أَحْوَى ؟ فَقَالَ " اُدْنُ مِنّي " فَدَنَا مِنْهُ فَقَالَ " هَلْ بِكَ مِنْ بَرَصٍ تَكْتُمُهُ ؟ " قَالَ وَاَلّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقّ مَا عَلِمَ بِهِ أَحَدٌ وَلَا اطّلَعَ عَلَيْهِ غَيْرُك قَالَ " فَهُوَ ذَلِكَ " قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ وَرَأَيْتُ النّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ عَلَيْهِ قُرْطَانِ مُدَمْلَجَانِ وَمَسْكَتَانِ قَالَ " ذَلِكَ مَلِكُ الْعَرَبِ رَجَعَ إلَى أَحْسَنِ زِيّهِ وَبَهْجَتِهِ " قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ وَرَأَيْتُ عَجُوزًا شَمْطَاءَ قَدْ خَرَجَتْ مِنْ الْأَرْضِ . قَالَ " تِلْكَ بَقِيّةُ الدّنْيَا " قَالَ وَرَأَيْتُ نَارًا خَرَجَتْ مِنْ الْأَرْضِ فَحَالَتْ بَيْنِي وَبَيْنَ ابْنٍ لِي يُقَالُ لَهُ عَمْرٌو وَهِيَ تَقُولُ لَظَى لَظَى بَصِيرٌ وَأَعْمَى أَطْعِمُونِي آكُلُكُمْ أَهْلَكُمْ وَمَالَكُمْ . قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " تِلْكَ فِتْنَةٌ تَكُونُ فِي آخِرِ الزّمَانِ " . قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ وَمَا الْفِتْنَةُ ؟ قَالَ " يَقْتُلُ النّاسُ إمَامَهُمْ وَيَشْتَجِرُونَ اشْتِجَارَ أَطْبَاقِ الرّأْسِ " . وَخَالَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ - يَحْسَبُ الْمُسِيءُ فِيهَا أَنّهُ مُحْسِنٌ - " وَيَكُونُ دَمُ الْمُؤْمِنِ عِنْدَ الْمُؤْمِنِ فِيهَا أَحْلَى مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ إنْ مَاتَ ابْنُكَ أَدْرَكْتَ الْفِتْنَةَ وَإِنْ مُتّ أَنْتَ أَدْرَكَهَا ابْنُك " فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ اُدْعُ اللّهَ أَنْ لَا أُدْرِكَهَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " اللّهُمّ لَا يُدْرِكْهَا " فَمَاتَ وَبَقِيَ ابْنُهُ وَكَانَ مِمّنْ خَلَعَ عُثْمَانَ . فَصْلٌ ذِكْرُ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي مُكَاتَبَاتِهِ إلَى الْمُلُوكِ وَغَيْرِهِمْ [ الْكِتَابُ إلَى هِرَقْلَ ] [ ص 601 ] ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ كَتَبَ إلَى هِرَقْل : بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ إلَى هِرَقْلَ عَظِيمِ الرّومِ سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتّبَعَ الْهُدَى أَمّا بَعْدُ فَإِنّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ يُؤْتِكَ اللّهُ أَجْرَكَ مَرّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلّيْت فَإِنّ عَلَيْك إثْمَ الْأَرِيسِيّينَ وَ { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلّا نَعْبُدَ إِلّا اللّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ } [ الْكِتَابُ إلَى كِسْرَى ] وَكَتَبَ إلَى كِسْرَى : بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ إلَى كِسْرَى عَظِيمِ فَارِسَ سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتّبَعَ الْهُدَى وَآمَنَ بِاَللّهِ وَرَسُولِهِ وَشَهِدَ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ اللّهِ فَإِنّي أَنَا رَسُولُ اللّهِ إلَى النّاسِ كَافّةً لِيُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّا وَيَحِقّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ أَسْلِمْ تَسْلَمْ فَإِنْ أَبَيْت فَعَلَيْكَ إثْمُ الْمَجُوسِ " فَلَمّا قُرِئَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ مَزّقَهُ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ " مَزّقَ اللّهُ مُلْكَهُ [ الْكِتَابُ إلَى النّجَاشِيّ ] [ ص 602 ] وَكَتَبَ إلَى النّجَاشِيّ : بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ إلَى النّجَاشِيّ مَلِكِ الْحَبَشَةِ أَسْلِمْ أَنْتَ فَإِنّي أَحْمَدُ إلَيْكَ اللّهَ الّذِي لَا إلَهَ إلّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدّوسُ السّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ وَأَشْهَدُ أَنّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رُوحُ اللّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ الْبَتُولِ الطّيّبَةِ الْحَصِينَةِ فَحَمَلَتْ بِعِيسَى فَخَلَقَهُ اللّهُ مِنْ رُوحِهِ وَنَفَخَهُ كَمَا خَلَقَ آدَمَ بِيَدِهِ وَإِنّي أَدْعُوكَ إلَى اللّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَالْمُوَالَاةِ عَلَى طَاعَتِهِ وَأَنْ تَتْبَعَنِي وَتُؤْمِنَ بِاَلّذِي جَاءَنِي فَإِنّي رَسُولُ اللّهِ وَإِنّي أَدْعُوكَ وَجُنُودَكَ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَقَدْ بَلّغْتُ وَنَصَحْت فَاقْبَلُوا نَصِيحَتِي وَالسّلَامُ عَلَى مَنْ اتّبَعَ الْهُدَى وَبَعَثَ بِالْكِتَابِ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ فَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : إنّ عَمْرًا قَالَ لَهُ يَا أَصْحَمَةَ إنّ عَلَيّ الْقَوْلَ وَعَلَيْكَ الِاسْتِمَاعَ إنّك كَأَنّك فِي الرّقّةِ عَلَيْنَا وَكَأَنّا فِي الثّقَةِ بِك مِنْك لِأَنّا لَمْ نَظُنّ بِك خَيْرًا قَطّ إلّا نِلْنَاهُ وَلَمْ نَخَفْكَ عَلَى شَيْءٍ قَطّ إلّا أَمِنّاهُ وَقَدْ أَخَذْنَا الْحُجّةَ عَلَيْك مِنْ فِيك الْإِنْجِيلُ بَيْنَنَا وَبَيْنَك شَاهِدٌ لَا يُرَدّ وَقَاضٍ لَا يَجُورُ وَفِي ذَلِكَ مَوْقِعُ الْحَزّ وَإِصَابَةُ الْمُفَصّلِ وَإِلّا فَأَنْتَ فِي هَذَا النّبِيّ الْأُمّيّ كَالْيَهُودِ فِي عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَقَدْ فَرّقَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رُسُلَهُ إلَى النّاسِ فَرَجَاك لِمَا لَمْ يَرْجُهُمْ لَهُ وَأَمّنَك عَلَى مَا خَافَهُمْ عَلَيْهِ بِخَيْرِ سَالِفٍ وَأَجْرٍ يُنْتَظَرُ . فَقَالَ النّجَاشِيّ : أَشْهَدُ بِاَللّهِ أَنّهُ النّبِيّ الْأُمّيّ الّذِي يَنْتَظِرُهُ أَهْلُ الْكِتَابِ وَأَنّ بِشَارَةَ مُوسَى بِرَاكِبِ الْحِمَارِ كَبِشَارَةِ عِيسَى بِرَاكِبِ الْجَمَلِ وَأَنّ الْعِيَانَ لَيْسَ بِأَشْفَى مِنْ الْخَبَرِ ثُمّ كَتَبَ النّجَاشِيّ جَوَابَ كِتَابِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ إلَى مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ مِنْ النّجَاشِيّ أَصْحَمَةَ سَلَامٌ عَلَيْك يَا نَبِيّ اللّهِ مِنْ اللّهِ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ اللّهُ الّذِي لَا إلَهَ إلّا هُوَ أَمّا بَعْدُ فَقَدْ بَلَغَنِي كِتَابُك يَا رَسُولَ اللّهِ فِيمَا ذَكَرْتَ مِنْ أَمْرِ عِيسَى فَوَرَبّ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ إنّ عِيسَى لَا يَزِيدُ عَلَى مَا ذَكَرْتَ ثُفْرُوقًا إنّهُ كَمَا ذَكَرْت وَقَدْ عَرَفْنَا مَا بُعِثْت بِهِ إلَيْنَا وَقَدْ قَرّبْنَا ابْنَ عَمّك وَأَصْحَابَهُ فَأَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللّهِ صَادِقًا مُصَدّقًا وَقَدْ بَايَعْتُك وَبَايَعْتُ ابْنَ عَمّك وَأَسْلَمْتُ عَلَى يَدَيْهِ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ " . وَالثّفْرُوقُ عِلَاقَةٌ مَا بَيْنَ النّوَاةِ وَالْقِشْرِ . [ ص 603 ] النّجَاشِيّ سَنَةَ تِسْعٍ وَأُخْبِرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَوْتِهِ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَخَرَجَ بِالنّاسِ إلَى الْمُصَلّى فَصَلّى عَلَيْهِ وَكَبّرَ أَرْبَعًا . [ النّجَاشِيّ الّذِي صَلّى عَلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَيْسَ بِالنّجَاشِيّ الّذِي كَتَبَ إلَيْهِ يَدْعُوهُ ] قُلْت : وَهَذَا وَهْمٌ - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - وَقَدْ خَلَطَ رَاوِيهِ وَلَمْ يُمَيّزْ بَيْنَ النّجَاشِيّ الّذِي صَلّى عَلَيْهِ وَهُوَ الّذِي آمَنَ بِهِ وَأَكْرَمَ أَصْحَابَهُ وَبَيْنَ النّجَاشِيّ الّذِي كَتَبَ إلَيْهِ يَدْعُوهُ فَهُمَا اثْنَانِ وَقَدْ جَاءَ ذَلِكَ مُبَيّنًا فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَتَبَ إلَى النّجَاشِيّ وَلَيْسَ بِاَلّذِي صَلّى عَلَيْهِ . فَصْلٌ [ الْكِتَابُ إلَى الْمُقَوْقِسِ ] وَكَتَبَ إلَى الْمُقَوْقِسِ مَلِكِ مِصْرَ وَالْإِسْكَنْدَرِيّةِ : بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ عَبْدِ اللّهِ وَرَسُولِهِ إلَى الْمُقَوْقِسِ عَظِيمِ الْقِبْطِ سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتّبَعَ الْهُدَى أَمّا بَعْدُ فَإِنّي أَدْعُوكَ بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمْ تَسْلَمْ وَأَسْلِمْ يُؤْتِكَ اللّهُ أَجْرَكَ مَرّتَيْنِ فَإِنْ تَوَلّيْت فَإِنّ عَلَيْكَ إثْمَ الْقِبْطِ { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا إِلَى كَلِمَةٍ سَوَاءٍ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ أَلّا نَعْبُدَ إِلّا اللّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللّهِ فَإِنْ تَوَلّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنّا مُسْلِمُونَ } [ آلِ عِمْرَانَ 64 ] وَبَعَثَ بِهِ مَعَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَهُ إنّهُ كَانَ قَبْلَك رَجُلٌ يَزْعُمُ أَنّهُ الرّبّ الْأَعْلَى فَأَخَذَهُ اللّهُ نَكَالَ الْآخِرَةِ وَالْأُولَى فَانْتَقَمَ بِهِ ثُمّ انْتَقَمَ مِنْهُ فَاعْتَبَرَ بِغَيْرِك وَلَا يَعْتَبِرُ غَيْرُك بِك . فَقَالَ إنّ لَنَا دِينًا لَنْ نَدَعَهُ إلّا لِمَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ فَقَالَ حَاطِبٌ نَدْعُوك إلَى دِينِ اللّهِ وَهُوَ الْإِسْلَامُ الْكَافِي بِهِ اللّهُ فَقْدَ مَا سِوَاهُ إنّ هَذَا النّبِيّ دَعَا النّاسَ فَكَانَ أَشَدّهُمْ عَلَيْهِ قُرَيْشٌ وَأَعْدَاهُمْ لَهُ الْيَهُودُ وَأَقْرَبَهُمْ مِنْهُ النّصَارَى وَلَعَمْرِي مَا بِشَارَةُ مُوسَى بِعِيسَى إلّا كَبِشَارَةِ عِيسَى بِمُحَمّدٍ وَمَا دُعَاؤُنَا إيّاكَ إلَى الْقُرْآنِ إلّا كَدُعَائِك أَهْلَ التّوْرَاةِ إلَى الْإِنْجِيلِ وَكُلّ نَبِيّ أَدْرَكَ قَوْمًا فَهُمْ مِنْ [ ص 604 ] أُمّتِهِ فَالْحَقّ عَلَيْهِمْ أَنْ يُطِيعُوهُ وَأَنْتَ مِمّنْ أَدْرَكَهُ هَذَا النّبِيّ وَلَسْنَا نَنْهَاك عَنْ دِينِ الْمَسِيحِ وَلَكِنّا نَأْمُرُك بِهِ . فَقَالَ الْمُقَوْقِسُ : إنّي قَدْ نَظَرْتُ فِي أَمْرِ هَذَا النّبِيّ فَوَجَدْتُهُ لَا يَأْمُرُ بِمَزْهُودٍ فِيهِ وَلَا يَنْهَى عَنْ مَرْغُوبٍ فِيهِ وَلَمْ أَجِدْهُ بِالسّاحِرِ الضّالّ وَلَا الْكَاهِنِ الْكَاذِبِ وَوُجِدَتْ مَعَهُ آيَةُ النّبُوّةِ بِإِخْرَاجِ الْخَبْءِ وَالْإِخْبَارِ بِالنّجْوَى وَسَأَنْظُرُ وَأَخَذَ كِتَابَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَجَعَلَهُ فِي حُقّ مِنْ عَاجٍ وَخَتَمَ عَلَيْهِ وَدَفَعَهُ إلَى جَارِيَةٍ لَهُ ثُمّ دَعَا كَاتِبًا لَهُ يَكْتُبُ بِالْعَرَبِيّةِ فَكَتَبَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ لِمُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ مِنْ الْمُقَوْقِسِ عَظِيمِ الْقِبْطِ سَلَامٌ عَلَيْك أَمّا بَعْدُ فَقَدْ قَرَأْتُ كِتَابَك وَفَهِمْتُ مَا ذَكَرْتَ فِيهِ وَمَا تَدْعُو إلَيْهِ وَقَدْ عَلِمْتُ أَنّ نَبِيّا بَقِيَ وَكُنْتُ أَظُنّ أَنّهُ يَخْرُجُ بِالشّام ِ وَقَدْ أَكْرَمْتُ رَسُولَك وَبَعَثْتُ إلَيْك بِجَارِيَتَيْنِ لَهُمَا مَكَانٌ فِي الْقِبْطِ عَظِيمٌ وَبِكِسْوَةٍ وَأَهْدَيْتُ إلَيْك بَغْلَةً لِتَرْكَبَهَا وَالسّلَامُ عَلَيْك . وَلَمْ يَزِدْ عَلَى هَذَا وَلَمْ يَسْلَمْ وَالْجَارِيَتَانِ مَارِيَةُ وَسِيرِينُ وَالْبَغْلَةُ دُلْدُلُ بَقِيَتْ إلَى زَمَنِ مُعَاوِيَةَ . فَصْلٌ [ الْكِتَابُ إلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى عَامِلِ الْبَحْرَيْنِ ] وَكَتَبَ إلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى فَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عِكْرِمَةَ قَالَ وَجَدْت هَذَا الْكِتَابَ فِي كُتُبِ ابْنِ عَبّاسٍ بَعْدَ مَوْتِهِ فَنَسَخْته فَإِذَا فِيهِ بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيّ إلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى وَكَتَبَ إلَيْهِ كِتَابًا يَدْعُوهُ فِيهِ إلَى الْإِسْلَامِ فَكَتَبَ الْمُنْذِرُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمّا بَعْدُ يَا رَسُولَ اللّهِ فَإِنّي قَرَأْت كِتَابَك عَلَى أَهْلِ الْبَحْرَيْنِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَحَبّ الْإِسْلَامَ وَأَعْجَبَهُ وَدَخَلَ فِيهِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَهُ وَبِأَرْضِي مَجُوسٌ وَيَهُودُ فَأَحْدِثْ إلَيّ فِي ذَلِكَ أَمْرَك فَكَتَبَ إلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 605 ] بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ إلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى سَلَامٌ عَلَيْكَ فَإِنّي أَحْمَدُ إلَيْك اللّهَ الّذِي لَا إلَهَ إلّا هُوَ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ أَمّا بَعْدُ فَإِنّي أُذَكّرُكَ اللّهَ عَزّ وَجَلّ فَإِنّهُ مَنْ يَنْصَحْ فَإِنّمَا يَنْصَحُ لِنَفْسِهِ وَإِنّهُ مَنْ يُطِعْ رُسُلِي وَيَتّبِعْ أَمْرَهُمْ فَقَدْ أَطَاعَنِي وَمَنْ نَصَحَ لَهُمْ فَقَدْ نَصَحَ لِي وَإِنّ رُسُلِي قَدْ أَثْنَوْا عَلَيْكَ خَيْرًا وَإِنّي قَدْ شَفَعْتُكَ فِي قَوْمِك فَاتْرُكْ لِلْمُسْلِمِينَ مَا أَسْلَمُوا عَلَيْهِ وَعَفَوْتُ عَنْ أَهْلِ الذّنُوبِ فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَإِنّكَ مَهْمَا تُصْلِحْ فَلَنْ نَعْزِلَكَ عَنْ عَمَلِك وَمَنْ أَقَامَ عَلَى يَهُودِيّةٍ أَوْ مَجُوسِيّةٍ فَعَلَيْهِ الْجِزْيَةُ فَصْلٌ [ الْكِتَابُ إلَى مَلِكِ عُمَانَ ] وَكَتَبَ إلَى مَلِكِ عُمَانَ كِتَابًا وَبَعَثَهُ مَعَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ إلَى جَيْفَرَ وَعَبْدٍ ابْنَيْ الْجُلَنْدَى سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتّبَعَ الْهُدَى أَمّا بَعْدُ فَإِنّي أَدْعُوكُمَا بِدِعَايَةِ الْإِسْلَامِ أَسْلِمَا تَسْلَمَا فَإِنّي رَسُولُ اللّهِ إلَى النّاسِ كَافّةً لِأُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّا وَيَحِقّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ فَإِنّكُمَا إنْ أَقْرَرْتُمَا بِالْإِسْلَامِ وَلّيْتُكُمَا وَإِنْ أَبَيْتُمَا أَنْ تُقِرّا بِالْإِسْلَامِ فَإِنّ مُلْكَكُمَا زَائِلٌ عَنْكُمَا وَخَيْلِي تَحُلّ بِسَاحَتِكُمَا وَتَظْهَرُ نُبُوّتِي عَلَى مُلْكِكُمَا . وَكَتَبَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ وَخَتَمَ الْكِتَابَ . قَالَ عَمْرٌو : فَخَرَجْتُ حَتّى انْتَهَيْتُ إلَى عُمَانَ فَلَمّا قَدِمْتهَا عَمَدْتُ إلَى عَبْدٍ وَكَانَ أَحْلَمَ الرّجُلَيْنِ وَأَسْهَلَهُمَا خُلُقًا فَقُلْتُ إنّي رَسُولُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَيْك وَإِلَى أَخِيك فَقَالَ أَخِي الْمُقَدّمُ عَلَيّ بِالسّنّ وَالْمُلْكِ وَأَنَا أُوصِلُك إلَيْهِ حَتّى يَقْرَأَ كِتَابَك ثُمّ قَالَ وَمَا تَدْعُو إلَيْهِ ؟ قُلْت : أَدْعُوك إلَى اللّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَتَخْلَعَ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِهِ وَتَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ . قَالَ يَا عَمْرُو إنّك ابْنُ سَيّدِ قَوْمِك فَكَيْفَ صَنَعَ أَبُوكُ فَإِنّ لَنَا فِيهِ قُدْوَةً ؟ قُلْتُ مَاتَ وَلَمْ يُؤْمِنْ [ ص 606 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَوَدِدْتُ أَنّهُ كَانَ أَسْلَمَ وَصَدّقَ بِهِ وَقَدْ كُنْتُ أَنَا عَلَى مِثْلِ رَأْيِهِ حَتّى هَدَانِي اللّهُ لِلْإِسْلَامِ قَالَ فَمَتَى تَبِعْتَهُ ؟ قُلْتُ قَرِيبًا فَسَأَلَنِي أَيْنَ كَانَ إسْلَامُك ؟ قُلْت : عِنْدَ النّجَاشِيّ وَأَخْبَرْته أَنّ النّجَاشِيّ قَدْ أَسْلَمَ قَالَ فَكَيْفَ صَنَعَ قَوْمُهُ بِمُلْكِهِ ؟ فَقُلْت : أَقَرّوهُ وَاتّبَعُوهُ قَالَ وَالْأَسَاقِفَةُ وَالرّهْبَانُ تَبِعُوهُ ؟ قُلْت : نَعَمْ . قَالَ اُنْظُرْ يَا عَمْرُو مَا تَقُولُ إنّهُ لَيْسَ مِنْ خَصْلَةٍ فِي رَجُلٍ أَفْضَحَ لَهُ مِنْ الْكَذِبِ قُلْته : مَا كَذَبْت وَمَا نَسْتَحِلّهُ فِي دِينِنَا ثُمّ قَالَ مَا أَرَى هِرَقْلَ عَلِمَ بِإِسْلَامِ النّجَاشِيّ قُلْت : بَلَى . قَالَ بِأَيّ شَيْءٍ عَلِمْت ذَلِكَ ؟ قُلْت : كَانَ النّجَاشِيّ يُخْرِجُ لَهُ خَرْجًا فَلَمّا أَسْلَمَ وَصَدّقَ بِمُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَا وَاَللّهِ لَوْ سَأَلَنِي دِرْهَمًا وَاحِدًا مَا أَعْطَيْته فَبَلَغَ هِرَقْلَ قَوْلُهُ فَقَالَ لَهُ يَنّاقُ أَخُوهُ أَتَدَعُ عَبْدَك لَا يُخْرِجُ لَك خَرْجًا وَيَدِينُ دِينًا مُحْدَثًا ؟ قَالَ هِرَقْلُ رَجُلٌ رَغِبَ فِي دِينٍ فَاخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ مَا أَصْنَعُ بِهِ وَاَللّهِ لَوْلَا الضّنّ بِمُلْكِي لَصَنَعْتُ كَمَا صَنَعَ قَالَ اُنْظُرْ مَا تَقُولُ يَا عَمْرُو قُلْت : وَاَللّهِ صَدّقْتُك . قَالَ عَبْدٌ فَأَخْبِرْنِي مَا الّذِي يَأْمُرُ بِهِ وَيُنْهِي عَنْهُ ؟ قُلْتُ يَأْمُرُ بِطَاعَةِ اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَيَنْهَى عَنْ مَعْصِيَتِهِ وَيَأْمُرُ بِالْبِرّ وَصِلَةِ الرّحِمِ وَيَنْهَى عَنْ الظّلْمِ وَالْعُدْوَانِ وَعَنْ الزّنَى وَعَنْ الْخَمْرِ وَعَنْ عِبَادَةِ الْحَجَرِ وَالْوَثَنِ وَالصّلِيبِ . قَالَ مَا أَحْسَنَ هَذَا الّذِي يَدْعُو إلَيْهِ لَوْ كَانَ أَخِي يُتَابِعُنِي عَلَيْهِ لَرَكِبْنَا حَتّى نُؤْمِنَ بِمُحَمّدٍ وَنُصَدّقَ بِهِ وَلَكِنْ أَخِي أَضَنّ بِمُلْكِهِ مِنْ أَنْ يَدَعَهُ وَيَصِيرَ ذَنَبًا قُلْت : إنّهُ إنْ أَسْلَمَ مَلّكَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى قَوْمِهِ فَأَخَذَ الصّدَقَةَ مِنْ غَنِيّهِمْ فَرَدّهَا عَلَى فَقِيرِهِمْ . قَالَ إنّ هَذَا لَخُلُقٌ حَسَنٌ وَمَا الصّدَقَةُ ؟ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا فَرَضَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الصّدَقَاتِ فِي الْأَمْوَالِ حَتّى انْتَهَيْتُ إلَى الْإِبِلِ . قَالَ يَا عَمْرُو : وَتُؤْخَذُ مَنْ سَوَائِمِ مَوَاشِينَا الّتِي تَرْعَى الشّجَرَ وَتَرِدُ الْمِيَاهَ ؟ فَقُلْت : نَعَمْ . فَقَالَ وَاَللّهِ مَا أُرَى قَوْمِي فِي بُعْدِ دَارِهِمْ وَكَثْرَةِ عَدَدِهِمْ يُطِيعُونَ بِهَذَا قَالَ فَمَكَثْتُ بِبَابِهِ أَيّامًا وَهُوَ يَصِلُ إلَى أَخِيهِ فَيُخْبِرُهُ كُلّ خَبَرِي ثُمّ إنّهُ دَعَانِي يَوْمًا فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ فَأَخَذَ أَعْوَانُهُ بِضَبُعَيّ فَقَالَ دَعُوهُ فَأُرْسِلْت فَذَهَبْت لِأَجْلِسَ فَأَبَوْا أَنْ يَدْعُوَنِي أَجْلِسَ فَنَظَرْت إلَيْهِ فَقَالَ تَكَلّمْ بِحَاجَتِك فَدَفَعْت إلَيْهِ الْكِتَابَ مَخْتُومًا فَفَضّ خَاتَمَهُ وَقَرَأَ حَتّى انْتَهَى [ ص 607 ] أَخِيهِ فَقَرَأَهُ مِثْلَ قِرَاءَتِهِ إلّا أَنّي رَأَيْت أَخَاهُ أَرَقّ مِنْهُ قَالَ أَلَا تُخْبِرُنِي عَنْ قُرَيْشٍ كَيْفَ صَنَعَتْ ؟ فَقُلْت : تَبِعُوهُ إمّا رَاغِبٌ فِي الدّينِ وَإِمّا مَقْهُورٌ بِالسّيْفِ . قَالَ وَمَنْ مَعَهُ ؟ قُلْت : النّاسُ قَدْ رَغِبُوا فِي الْإِسْلَامِ وَاخْتَارُوهُ عَلَى غَيْرِهِ وَعَرَفُوا بِعُقُولِهِمْ مَعَ هُدَى اللّهِ إيّاهُمْ أَنّهُمْ كَانُوا فِي ضَلَالٍ فَمَا أَعْلَمُ أَحَدًا بَقِيَ غَيْرَك فِي هَذِهِ الْحَرَجَةِ وَأَنْتَ إنْ لَمْ تُسْلِمْ الْيَوْمَ وَتَتْبَعْهُ يُوَطّئْك الْخَيْلَ وَيُبِيدُ خَضْرَاءَك فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ وَيَسْتَعْمِلْك عَلَى قَوْمِك وَلَا تَدْخُلْ عَلَيْك الْخَيْلُ وَالرّجَالُ . قَالَ دَعْنِي يَوْمِي هَذَا وَارْجِعْ إلَيّ غَدًا فَرَجَعْتُ إلَى أَخِيهِ فَقَالَ يَا عَمْرُو إنّي لَأَرْجُو أَنْ يُسْلِمَ إنْ لَمْ يَضِنّ بِمُلْكِهِ حَتّى إذَا كَانَ الْغَدُ أَتَيْتُ إلَيْهِ فَأَبَى أَنْ يَأْذَنَ لِي فَانْصَرَفْتُ إلَى أَخِيهِ فَأَخْبَرْتُهُ أَنّي لَمْ أَصِلْ إلَيْهِ فَأَوْصَلَنِي إلَيْهِ فَقَالَ إنّي فَكّرْتُ فِيمَا دَعَوْتنِي إلَيْهِ فَإِذَا أَنَا أَضْعَفُ الْعَرَبِ إنْ مَلّكْتُ رَجُلًا مَا فِي يَدِي وَهُوَ لَا تَبْلُغُ خَيْلُهُ هَا هُنَا وَإِنْ بَلَغَتْ خَيْلُهُ أَلْفَتْ قِتَالًا لَيْسَ كَقِتَالِ مَنْ لَاقَى . قُلْت : وَأَنَا خَارِجٌ غَدًا فَلَمّا أَيْقَنَ بِمَخْرَجِي خَلَا بِهِ أَخُوهُ فَقَالَ مَا نَحْنُ فِيمَا قَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ وَكُلّ مَنْ أَرْسَلَ إلَيْهِ قَدْ أَجَابَهُ فَأَصْبَحَ فَأَرْسَلَ إلَيّ فَأَجَابَ إلَى الْإِسْلَامِ هُوَ وَأَخُوهُ جَمِيعًا وَصَدّقَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَخَلّيَا بَيْنِي وَبَيْنَ الصّدَقَةِ وَبَيْنَ الْحُكْمِ فِيمَا بَيْنَهُمْ وَكَانَا لِي عَوْنًا عَلَى مَنْ خَالَفَنِي . فَصْلٌ [ الْكِتَابُ إلَى صَاحِبِ الْيَمَامَةِ ] وَكَتَبَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى صَاحِبِ الْيَمَامَةِ هَوْذَةَ بْنِ عَلِيّ وَأَرْسَلَ بِهِ مَعَ سَلِيطِ بْنِ عَمْرٍو الْعَامِرِيّ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ إلَى هَوْذَةَ بْنِ عَلِيّ سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتّبَعَ الْهُدَى وَاعْلَمْ أَنّ دِينِي سَيَظْهَرُ إلَى مُنْتَهَى الْخُفّ وَالْحَافِرِ فَأَسْلِمْ تَسْلَمْ وَأَجْعَلْ لَكَ مَا تَحْتَ يَدَيْك فَلَمّا قَدِمَ عَلَيْهِ سَلِيطٌ بِكِتَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَخْتُومًا أَنْزَلَهُ [ ص 608 ] وَحَيّاهُ وَاقْتَرَأَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ فَرَدّ رَدّا دُونَ رَدّ وَكَتَبَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا أَحْسَنَ مَا تَدْعُو إلَيْهِ وَأَجْمَلَهُ وَالْعَرَبُ تَهَابُ مَكَانِي فَاجْعَلْ إلَيّ بَعْضَ الْأَمْرِ أَتْبَعُك وَأَجَازَ سَلِيطًا بِجَائِزَةٍ وَكَسَاهُ أَثْوَابًا مِنْ نَسْجِ هَجَرٍ فَقَدِمَ بِذَلِكَ كُلّهِ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرَهُ وَقَرَأَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كِتَابَهُ فَقَالَ لَوْ سَأَلَنِي سَيَابَةً مِنْ الْأَرْضِ مَا فَعَلْت بَادَ وَبَادَ مَا فِي يَدَيْهِ . فَلَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الْفَتْحِ جَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلَامُ بِأَنّ هَوْذَةَ قَدْ مَاتَ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَا إنّ الْيَمَامَةَ سَيَخْرُجُ بِهَا كَذّابٌ يَتَنَبّأُ يُقْتَلُ بَعْدِي " فَقَالَ قَائِلٌ يَا رَسُولَ اللّهِ مَنْ يَقْتُلُهُ ؟ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " أَنْتَ وَأَصْحَابُك فَكَانَ كَذَلِكَ . وَذَكَرَ الْوَاقِدِيّ أَنّ أُرْكُونَ دِمَشْقَ عَظِيمٌ مِنْ عُظَمَاءِ النّصَارَى كَانَ عِنْدَ هَوْذَةَ فَسَأَلَهُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ جَاءَنِي كِتَابُهُ يَدْعُونِي إلَى الْإِسْلَامِ فَلَمْ أُجِبْهُ قَالَ الْأُرْكُونُ لَمْ لَا تُجِيبُهُ ؟ قَالَ ضَنِنْت بِدِينِي وَأَنَا مَلِكُ قَوْمِي وَإِنْ تَبِعْتُهُ لَمْ أَمْلِكْ قَالَ بَلَى وَاَللّهِ لَئِنْ تَبِعْتَهُ لَيُمَلّكَنك فَإِنّ الْخِيرَةَ لَك فِي اتّبَاعِهِ وَإِنّهُ لَلنّبِيّ الْعَرَبِيّ الّذِي بَشّرَ بِهِ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَإِنّهُ لَمَكْتُوبٌ عِنْدَنَا فِي الْإِنْجِيلِ مُحَمّدٌ رَسُولُ اللّهِ . فَصْلٌ فِي كِتَابِهِ إلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ الْغَسّانِيّ وَكَانَ بِدِمَشْقَ بِغُوطَتِهَا فَكَتَبَ إلَيْهِ كِتَابًا مَعَ شُجَاعِ بْنِ وَهْبٍ مَرْجِعَهُ مِنْ الْحُدَيْبِيَةَ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ إلَى الْحَارِثِ بْنِ أَبِي شِمْرٍ سَلَامٌ عَلَى مَنْ اتّبَعَ الْهُدَى وَآمَنَ بِاَللّهِ وَصَدّقَ وَإِنّي أَدْعُوكَ إلَى أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ يَبْقَى لَكَ مُلْكُك وَقَدْ تَقَدّمَ ذَلِكَ [ ص 609 ] بِعَوْنِهِ تَعَالَى تَمّ طَبْعُ الْجُزْءِ الثّالِثِ مِنْ زَادِ الْمَعَادِ فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ وَيَلِيهِ الْجُزْءُ الرّابِعُ وَأَوّلُهُ فَصْلٌ فِي الطّبّ النّبَوِيّ فَصْلٌ الطّبّ النّبَوِيّ [ ص 5 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْمُغَازِي وَالسّيَرِ وَالْبُعُوثِ وَالسّرَايَا وَالرّسَائِلِ وَالْكُتُبِ الّتِي كَتَبَ بِهَا إلَى الْمُلُوكِ وَنُوّابِهِمْ . وَنَحْنُ نُتْبِعُ ذَلِكَ بِذِكْرِ فُصُولٍ نَافِعَةٍ فِي هَدْيِهِ فِي الطّبّ الّذِي تَطَبّبَ بِهِ وَوَصَفَهُ لِغَيْرِهِ وَنُبَيّنُ مَا فِيهِ مِنْ الْحِكْمَةِ الّتِي تَعْجِزُ عُقُولُ أَكْثَرِ الْأَطِبّاءِ عَنْ الْوُصُولِ إلَيْهَا وَأَنّ نِسْبَةَ طِبّهِمْ إلَيْهَا كَنِسْبَةِ طِبّ الْعَجَائِزِ إلَى طِبّهِمْ فَنَقُولُ وَبِاَللّهِ الْمُسْتَعَانُ وَمِنْهُ نَسْتَمِدّ الْحَوْلَ وَالْقُوّةَ . [ الْمَرَضُ نَوْعَانِ ] الْمَرَضُ نَوْعَانِ مَرَضُ الْقُلُوبِ وَمَرَضُ الْأَبَدَانِ وَهُمَا مَذْكُورَانِ فِي الْقُرْآنِ . [ نَوْعَا مَرَضِ الْقَلْبِ ] وَمَرَضُ الْقُلُوبِ نَوْعَانِ مَرَضُ شُبْهَةٍ وَشَكّ وَمَرَضُ شَهْوَةٍ وَغَيّ وَكِلَاهُمَا فِي الْقُرْآنِ . قَالَ تَعَالَى فِي مَرَضِ الشّبْهَةِ { فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللّهُ مَرَضًا } [ الْبَقَرَةُ 10 ] وَقَالَ تَعَالَى : { وَلِيَقُولَ الّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللّهُ بِهَذَا مَثَلًا } [ الْمُدّثّرُ 31 ] وَقَالَ تَعَالَى فِي حَقّ مَنْ دُعِيَ إلَى تَحْكِيمِ الْقُرْآنِ وَالسّنّةِ فَأَبَى وَأَعْرَضَ { وَإِذَا دُعُوا إِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ مُعْرِضُونَ وَإِنْ يَكُنْ لَهُمُ الْحَقّ يَأْتُوا إِلَيْهِ مُذْعِنِينَ أَفِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَمِ ارْتَابُوا أَمْ يَخَافُونَ أَنْ يَحِيفَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَرَسُولُهُ بَلْ أُولَئِكَ هُمُ الظّالِمُونَ } [ النّورُ 48 و 49 ] فَهَذَا مَرَضُ الشّبُهَاتِ وَالشّكُوكِ . [ ص 6 ] فَقَالَ تَعَالَى : { يَا نِسَاءَ النّبِيّ لَسْتُنّ كَأَحَدٍ مِنَ النّسَاءِ إِنِ اتّقَيْتُنّ فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ } [ الْأَحْزَابُ 32 ] . فَهَذَا مَرَضُ شَهْوَةِ الزّنَى وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ [ مَرَضُ الْأَبْدَانِ ] وَأَمّا مَرَضُ الْأَبَدَانِ فَقَالَ تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الْأَعْمَى حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْأَعْرَجِ حَرَجٌ وَلَا عَلَى الْمَرِيضِ حَرَجٌ } [ النّورُ 61 ] وَذَكَرَ مَرَضَ الْبَدَنِ فِي الْحَجّ وَالصّوْمِ وَالْوُضُوءِ لِسِرّ بَدِيعٍ يُبَيّنُ لَك عَظَمَةَ الْقُرْآنِ وَالِاسْتِغْنَاءَ بِهِ لِمَنْ فَهِمَهُ وَعَقَلَهُ عَنْ سِوَاهُ وَذَلِكَ أَنّ قَوَاعِدَ طِبّ الْأَبْدَانِ ثَلَاثَةٌ حِفْظُ الصّحّةِ وَالْحِمْيَةُ عَنْ الْمُؤْذِي وَاسْتِفْرَاغُ الْمَوَادّ الْفَاسِدَةِ فَذَكَرَ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الْأُصُولَ الثّلَاثَةَ فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الثّلَاثَةِ . فَقَالَ فِي آيَةِ الصّوْمِ { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدّةٌ مِنْ أَيّامٍ أُخَر } [ الْبَقَرَةُ 184 ] فَأَبَاحَ الْفِطْرَ لِلْمَرِيضِ لِعُذْرِ الْمَرَضِ وَلِلْمُسَافِرِ طَلَبًا لِحِفْظِ صِحّتِهِ وَقُوّتِهِ لِئَلّا يُذْهِبَهَا الصّوْمُ فِي السّفَرِ لِاجْتِمَاعِ شِدّةِ الْحَرَكَةِ وَمَا يُوجِبُهُ مِنْ التّحْلِيلِ وَعَدَمِ الْغِذَاءِ الّذِي يُخْلِفُ مَا تَحَلّلَ فَتَخُورُ الْقُوّةُ وَتَضْعُفُ فَأَبَاحَ لِلْمُسَافِرِ الْفِطْرَ حِفْظًا لِصِحّتِهِ وَقُوّتِهِ عَمّا يُضْعِفُهَا . وَقَالَ فِي آيَةِ الْحَجّ { فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ } [ الْبَقَرَةُ 196 ] فَأَبَاحَ لِلْمَرِيضِ وَمَنْ بِهِ أَذًى مِنْ رَأْسِهِ مِنْ قَمْلٍ أَوْ حِكّةٍ أَوْ غَيْرِهِمَا أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ فِي الْإِحْرَامِ اسْتِفْرَاغًا لِمَادّةِ الْأَبْخِرَةِ الرّدِيئَةِ الّتِي أَوْجَبَتْ لَهُ الْأَذَى فِي رَأْسِهِ بِاحْتِقَانِهَا تَحْتَ الشّعَرِ فَإِذَا حَلَقَ رَأْسَهُ تَفَتّحَتْ الْمَسَامّ فَخَرَجَتْ تِلْكَ الْأَبْخِرَةُ مِنْهَا فَهَذَا الِاسْتِفْرَاغُ يُقَاسُ عَلَيْهِ كُلّ اسْتِفْرَاغٍ يُؤْذِي انْحِبَاسُهُ . وَالْأَشْيَاءُ الّتِي يُؤْذِي انْحِبَاسُهَا وَمُدَافَعَتُهَا عَشَرَةٌ الدّمُ إذَا هَاجَ وَالْمَنِيّ إذَا تَبَيّغَ وَالْبَوْلُ وَالْغَائِطُ وَالرّيحُ وَالْقَيْءُ وَالْعُطَاسُ وَالنّوْمُ وَالْجُوعُ [ ص 7 ] أَدْنَاهَا وَهُوَ الْبُخَارُ الْمُحْتَقَنُ فِي الرّأْسِ عَلَى اسْتِفْرَاغِ مَا هُوَ أَصْعَبُ مِنْهُ كَمَا هِيَ طَرِيقَةُ الْقُرْآنِ التّنْبِيهُ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى . [ الْحِمْيَةُ ] وَأَمّا الْحِمْيَةُ : فَقَالَ تَعَالَى فِي آيَةِ الْوُضُوءِ { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمّمُوا صَعِيدًا طَيّبًا } [ النّسَاءُ 43 ] فَأَبَاحَ لِلْمَرِيضِ الْعُدُولَ عَنْ الْمَاءِ إلَى التّرَابِ حِمْيَةً لَهُ أَنْ يُصِيبَ جَسَدَهُ مَا يُؤْذِيهِ وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى الْحِمْيَةِ عَنْ كُلّ مُؤْذٍ لَهُ مِنْ دَاخِلٍ أَوْ خَارِجٍ فَقَدْ أَرْشَدَ - سُبْحَانَهُ - عِبَادَهُ إلَى أُصُولِ الطّبّ وَمَجَامِعِ قَوَاعِدِهِ وَنَحْنُ نَذْكُرُ هَدْيَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ذَلِكَ وَنُبَيّنُ أَنّ هَدْيَهُ فِيهِ أَكْمَلُ هَدْيٍ . [ طِبّ الْقُلُوبِ ] فَأَمّا طِبّ الْقُلُوبِ فَمُسَلّمٌ إلَى الرّسُلِ صَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمْ وَلَا سَبِيلَ إلَى حُصُولِهِ إلّا مِنْ جِهَتِهِمْ وَعَلَى أَيْدِيهِمْ فَإِنّ صَلَاحَ الْقُلُوبِ أَنْ تَكُونَ عَارِفَةً بِرَبّهَا وَفَاطِرِهَا وَبِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَحْكَامِهِ وَأَنْ تَكُونَ مُؤْثِرَةً لِمَرْضَاتِهِ وَمُحَابّهِ مُتَجَنّبَةً لِمَنَاهِيهِ وَمَسَاخِطِهِ وَلَا صِحّةَ لَهَا وَلَا حَيَاةَ الْبَتّةَ إلّا بِذَلِكَ وَلَا سَبِيلَ إلَى تَلَقّيهِ إلّا مِنْ جِهَةِ الرّسُلِ وَمَا يُظَنّ مِنْ حُصُولِ صِحّةِ الْقَلْبِ بِدُونِ اتّبَاعِهِمْ فَغَلَطٌ مِمّنْ يَظُنّ ذَلِكَ وَإِنّمَا ذَلِكَ حَيَاةُ نَفْسِهِ الْبَهِيمِيّةِ الشّهْوَانِيّةِ وَصِحّتُهَا وَقُوّتُهَا وَحَيَاةُ قَلْبِهِ وَصِحّتُهُ وَقُوّتُهُ عَنْ ذَلِكَ بِمَعْزِلٍ وَمَنْ لَمْ يُمَيّزْ بَيْنَ هَذَا وَهَذَا فَلْيَبْكِ عَلَى حَيَاةِ قَلْبِهِ فَإِنّهُ مِنْ الْأَمْوَاتِ وَعَلَى نُورِهِ فَإِنّهُ مُنْغَمِسٌ فِي بِحَارِ الظّلُمَاتِ . فَصْلٌ [ طِبّ الْأَبْدَانِ ] وَأَمّا طِبّ الْأَبْدَانِ فَإِنّهُ نَوْعَانِ نَوْعٌ قَدْ فَطَرَ اللّهُ عَلَيْهِ الْحَيَوَانَ نَاطِقَهُ وَبَهِيمَهُ فَهَذَا لَا يَحْتَاجُ فِيهِ إلَى مُعَالَجَةِ طَبِيبٍ كَطِبّ الْجُوعِ وَالْعَطَشِ وَالْبَرْدِ وَالتّعَبِ بِأَضْدَادِهَا وَمَا يُزِيلُهَا . [ ص 8 ] وَالثّانِي : مَا يَحْتَاجُ إلَى فِكْرٍ وَتَأَمّلٍ كَدَفْعِ الْأَمْرَاضِ الْمُتَشَابِهَةِ الْحَادِثَةِ فِي الْمِزَاجِ بِحَيْثُ يَخْرُجُ بِهَا عَنْ الِاعْتِدَالِ إمّا إلَى حَرَارَةٍ أَوْ بُرُودَةٍ أَوْ يُبُوسَةٍ أَوْ رُطُوبَةٍ أَوْ مَا يَتَرَكّبُ مِنْ اثْنَيْنِ مِنْهَا وَهِيَ نَوْعَانِ إمّا مَادّيّةٌ وَإِمّا كَيْفِيّةٌ أَعْنِي إمّا أَنْ يَكُونَ بِانْصِبَابِ مَادّةٍ أَوْ بِحُدُوثِ كَيْفِيّةٍ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنّ أَمْرَاضَ الْكَيْفِيّةِ تَكُونُ بَعْدَ زَوَالِ الْمَوَادّ الّتِي أَوْجَبَتْهَا فَتَزُولُ مَوَادّهَا وَيَبْقَى أَثَرُهَا كَيْفِيّةً فِي الْمِزَاجِ . وَأَمْرَاضُ الْمَادّةِ أَسْبَابُهَا مَعَهَا تَمُدّهَا وَإِذَا كَانَ سَبَبُ الْمَرَضِ مَعَهُ فَالنّظَرُ فِي السّبَبِ يَنْبَغِي أَنْ يَقَعَ أَوّلًا ثُمّ فِي الْمَرَضِ ثَانِيًا ثُمّ فِي الدّوَاءِ ثَالِثًا . أَوْ الْأَمْرَاضُ الْآلِيّةُ وَهِيَ الّتِي تُخْرِجُ الْعُضْوَ عَنْ هَيْئَتِهِ إمّا فِي شَكْلٍ أَوْ تَجْوِيفٍ أَوْ مَجْرًى أَوْ خُشُونَةٍ أَوْ مَلَاسَةٍ أَوْ عَدَدٍ أَوْ عَظْمٍ أَوْ وَضْعٍ فَإِنّ هَذِهِ الْأَعْضَاءَ إذَا تَأَلّفَتْ وَكَانَ مِنْهَا الْبَدَنُ سُمّيَ تَأَلّفُهَا اتّصَالًا وَالْخُرُوجُ عَنْ الِاعْتِدَالِ فِيهِ يُسَمّى تَفَرّقَ الِاتّصَالِ أَوْ الْأَمْرَاضُ الْعَامّةُ الّتِي تَعُمّ الْمُتَشَابِهَةَ وَالْآلِيّةَ . وَالْأَمْرَاضُ الْمُتَشَابِهَةُ هِيَ الّتِي يَخْرُجُ بِهَا الْمِزَاجُ عَنْ الِاعْتِدَالِ وَهَذَا الْخُرُوجُ يُسَمّى مَرَضًا بَعْدَ أَنْ يَضُرّ بِالْفِعْلِ إضْرَارًا مَحْسُوسًا . وَهِيَ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَضْرُبٍ أَرْبَعَةٌ بَسِيطَةٌ وَأَرْبَعَةٌ مُرَكّبَةٌ فَالْبَسِيطَةُ الْبَارِدُ وَالْحَارّ وَالرّطْبُ وَالْيَابِسُ . وَالْمُرَكّبَةُ الْحَارّ الرّطْبُ وَالْحَارّ الْيَابِسُ وَالْبَارِدُ الرّطْبُ وَالْبَارِدُ الْيَابِسُ . وَهِيَ إمّا أَنْ تَكُونَ بِانْصِبَابِ مَادّةٍ أَوْ بِغَيْرِ انْصِبَابِ مَادّةٍ وَإِنْ لَمْ يَضُرّ الْمَرَضُ بِالْفِعْلِ يُسَمّى خُرُوجًا عَنْ الِاعْتِدَالِ صِحّةً . [ أَحْوَالُ الْبَدَنِ ] وَلِلْبَدَنِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ حَالٌ طَبِيعِيّةٌ وَحَالٌ خَارِجَةٌ عَنْ الطّبِيعِيّةِ وَحَالٌ مُتَوَسّطَةٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ . فَالْأُولَى : بِهَا يَكُونُ الْبَدَنُ صَحِيحًا وَالثّانِيَةُ بِهَا يَكُونُ مَرِيضًا . وَالْحَالُ الثّالِثَةُ هِيَ مُتَوَسّطَةٌ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ فَإِنّ الضّدّ لَا يَنْتَقِلُ إلَى ضِدّهِ إلّا بِمُتَوَسّطٍ وَسَبَبُ خُرُوجِ الْبَدَنِ عَنْ طَبِيعَتِهِ إمّا مِنْ دَاخِلِهِ لِأَنّهُ مُرَكّبٌ مِنْ الْحَارّ وَالْبَارِدِ وَالرّطْبِ وَالْيَابِسِ وَإِمّا مِنْ خَارِجٍ فَلِأَنّ مَا يَلْقَاهُ قَدْ يَكُونُ مُوَافِقًا [ ص 9 ] فَسَادٍ فِي الْعُضْوِ وَقَدْ يَكُونُ مِنْ ضَعْفٍ فِي الْقُوَى أَوْ الْأَرْوَاحِ الْحَامِلَةِ لَهَا وَيَرْجِعُ ذَلِكَ إلَى زِيَادَةِ مَا الِاعْتِدَالُ فِي عَدَمِ زِيَادَتِهِ أَوْ نُقْصَانُ مَا الِاعْتِدَالُ فِي عَدَمِ نُقْصَانِهِ أَوْ تَفَرّق مَا الِاعْتِدَالُ فِي اتّصَالِهِ أَوْ اتّصَالُ مَا الِاعْتِدَالُ فِي تَفَرّقِهِ أَوْ امْتِدَادُ مَا الِاعْتِدَالُ فِي انْقِبَاضِهِ أَوْ خُرُوجُ ذِي وَضْعٍ وَشَكْلٍ عَنْ وَضْعِهِ وَشَكْلِهِ بِحَيْثُ يُخْرِجُهُ عَنْ اعْتِدَالِهِ . [ وَظِيفَةُ الطّبِيبِ ] فَالطّبِيبُ هُوَ الّذِي يُفَرّقُ مَا يَضُرّ بِالْإِنْسَانِ جَمْعُهُ أَوْ يَجْمَعُ فِيهِ مَا يَضُرّهُ تَفَرّقُهُ أَوْ يَنْقُصُ مِنْهُ مَا يَضُرّهُ زِيَادَتُهُ أَوْ يَزِيدُ فِيهِ مَا يَضُرّهُ نَقْصُهُ فَيَجْلِبُ الصّحّةَ الْمَفْقُودَةَ أَوْ يَحْفَظُهَا بِالشّكْلِ وَالشّبَهِ وَيَدْفَعُ الْعِلّةَ الْمَوْجُودَةَ بِالضّدّ وَالنّقِيضِ وَيُخْرِجُهَا أَوْ يَدْفَعُهَا بِمَا يَمْنَعُ مِنْ حُصُولِهَا بِالْحِمْيَةِ وَسَتَرَى هَذَا كُلّهُ فِي هَدْيِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَافِيًا كَافِيًا بِحَوَلِ اللّهِ وَقُوّتِهِ وَفَضْلِهِ وَمَعُونَتِهِ . فَصْلٌ [ التّدَاوِي ] فَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِعْلُ التّدَاوِي فِي نَفْسِهِ وَالْأَمْرُ بِهِ لِمَنْ أَصَابَهُ مَرَضٌ مِنْ أَهْلِهِ وَأَصْحَابِهِ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ وَلَا هَدْيِ أَصْحَابِهِ اسْتِعْمَالُ هَذِهِ الْأَدْوِيَةِ الْمُرَكّبَةِ الّتِي تُسَمّى أقرباذين بَلْ كَانَ غَالِبُ أَدْوِيَتِهِمْ بِالْمُفْرَدَاتِ وَرُبّمَا أَضَافُوا إلَى الْمُفْرَدِ مَا يُعَاوِنُهُ أَوْ يَكْسِرُ سَوْرَتَهُ وَهَذَا غَالِبُ طِبّ الْأُمَمِ عَلَى اخْتِلَافِ أَجْنَاسِهَا مِنْ الْعَرَبِ وَالتّرْكِ وَأَهْلِ الْبَوَادِي قَاطِبَةً وَإِنّمَا عَنِيَ بِالْمُرَكّبَاتِ الرّومُ وَالْيُونَانِيّونَ وَأَكْثَرُ طِبّ الْهِنْدِ بِالْمُفْرَدَاتِ . وَقَدْ اتّفَقَ الْأَطِبّاءُ عَلَى أَنّهُ مَتَى أَمْكَنَ التّدَاوِي بِالْغِذَاءِ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَى الدّوَاءِ وَمَتَى أَمْكَنَ بِالْبَسِيطِ لَا يُعْدَلُ عَنْهُ إلَى الْمُرَكّبِ . قَالُوا : وَكُلّ دَاءٍ قُدِرَ عَلَى دَفْعِهِ بِالْأَغْذِيَةِ وَالْحِمْيَةِ لَمْ يُحَاوَلْ دَفْعُهُ بِالْأَدْوِيَةِ . قَالُوا : وَلَا يَنْبَغِي لِلطّبِيبِ أَنْ يَوْلَعَ بِسَقْيِ الْأَدْوِيَةِ فَإِنّ الدّوَاءَ إذَا لَمْ يَجِدْ فِي [ ص 10 ] فَزَادَتْ كَمّيّتُهُ عَلَيْهِ أَوْ كَيْفِيّتُهُ تَشَبّثَ بِالصّحّةِ وَعَبِثَ بِهَا . وَأَرْبَابُ التّجَارِبِ مِنْ الْأَطِبّاءِ طِبّهُمْ بِالْمُفْرَدَاتِ غَالِبًا وَهُمْ أَحَدُ فِرَقِ الطّبّ الثّلَاثِ . وَالتّحْقِيقُ فِي ذَلِكَ أَنّ الْأَدْوِيَةَ مِنْ جِنْسِ الْأَغْذِيَةِ فَالْأُمّةُ وَالطّائِفَةُ الّتِي غَالِبُ أَغْذِيَتِهَا الْمُفْرَدَاتُ أَمْرَاضُهَا قَلِيلَةٌ جِدّا وَطِبّهَا بِالْمُفْرَدَاتِ وَأَهْلُ الْمُدُنِ الّذِينَ غَلَبَتْ عَلَيْهِمْ الْأَغْذِيَةُ الْمُرَكّبَةُ يَحْتَاجُونَ إلَى الْأَدْوِيَةِ الْمُرَكّبَةِ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنّ أَمْرَاضَهُمْ فِي الْغَالِبِ مُرَكّبَةٌ فَالْأَدْوِيَةُ الْمُرَكّبَةُ أَنْفَعُ لَهَا وَأَمْرَاضُ أَهْلِ الْبَوَادِي وَالصّحَارِي مُفْرَدَةٌ فَيَكْفِي فِي مُدَاوَاتِهَا الْأَدْوِيَةُ الْمُفْرَدَةُ فَهَذَا بُرْهَانٌ بِحَسْبِ الصّنَاعَةِ الطّبّيّةِ . [ فَضْلُ طِبّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى طِبّ الْأَطِبّاءِ ] وَنَحْنُ نَقُولُ إنّ هَا هُنَا أَمْرًا آخَرَ نِسْبَةُ طِبّ الْأَطِبّاءِ إلَيْهِ كَنِسْبَةِ طِبّ الطّرْقِيّةِ وَالْعَجَائِزِ إلَى طِبّهِمْ وَقَدْ اعْتَرَفَ بِهِ حُذّاقُهُمْ وَأَئِمّتُهُمْ فَإِنّ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعِلْمِ بِالطّبّ مِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ قِيَاسٌ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ تَجْرِبَةٌ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ هُوَ إِلْهَامَاتٌ وَمَنَامَاتٌ وَحَدْسٌ صَائِبٌ . وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ أُخِذَ كَثِيرٌ مِنْهُ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْبَهِيمِيّةِ كَمَا نُشَاهِدُ السّنَانِيرَ إذَا أَكَلَتْ ذَوَاتَ السّمُومِ تَعْمِدُ إلَى السّرَاجِ فَتَلَغُ فِي الزّيْتِ تَتَدَاوَى بِهِ وَكَمَا رُئِيَتْ الْحَيّاتُ إذَا خَرَجَتْ مِنْ بُطُونِ الْأَرْضِ وَقَدْ عَشِيَتْ أَبْصَارُهَا تَأْتِي إلَى وَرَقِ الرازيانج فَتُمِرّ عُيُونَهَا عَلَيْهَا . وَكَمَا عُهِدَ مِنْ الطّيْرِ الّذِي يَحْتَقِنُ بِمَاءِ الْبَحْرِ عِنْدَ انْحِبَاسِ طَبْعِهِ وَأَمْثَالُ ذَلِكَ مِمّا ذُكِرَ فِي مَبَادِئِ الطّبّ . وَأَيْنَ يَقَعُ هَذَا وَأَمْثَالُهُ مِنْ الْوَحْيِ الّذِي يُوحِيهِ اللّهُ إلَى رَسُولِهِ بِمَا يَنْفَعُهُ وَيَضُرّهُ فَنِسْبَةُ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الطّبّ إلَى هَذَا الْوَحْيِ كَنِسْبَةِ مَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْعُلُومِ إلَى مَا جَاءَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ بَلْ هَا هُنَا مِنْ الْأَدْوِيَةِ الّتِي تَشْفِي مِنْ الْأَمْرَاضِ مَا لَمْ يَهْتَدِ إلَيْهَا عُقُولُ أَكَابِرِ الْأَطِبّاءِ وَلَمْ تَصِلْ إلَيْهَا عُلُومُهُمْ وَتَجَارِبُهُمْ وَأَقْيِسَتُهُمْ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الْقَلْبِيّةِ وَالرّوحَانِيّةِ وَقُوّةِ الْقَلْبِ وَاعْتِمَادِهِ عَلَى اللّهِ وَالتّوَكّلِ عَلَيْهِ وَالِالْتِجَاءِ إلَيْهِ وَالِانْطِرَاحِ وَالِانْكِسَارِ بَيْنَ يَدْيِهِ وَالتّذَلّلِ لَهُ وَالصّدَقَةِ وَالدّعَاءِ [ ص 11 ] وَالتّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ وَالْإِحْسَانِ إلَى الْخَلْقِ وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِ وَالتّفْرِيجِ عَنْ الْمَكْرُوبِ فَإِنّ هَذِهِ الْأَدْوِيَةَ قَدْ جَرّبَتْهَا الْأُمَمُ عَلَى اخْتِلَافِ أَدْيَانِهَا وَمِلَلِهَا فَوَجَدُوا لَهَا مِنْ التّأْثِيرِ فِي الشّفَاءِ مَا لَا يَصِلُ إلَيْهِ عِلْمُ أَعْلَمِ الْأَطِبّاءِ وَلَا تَجْرِبَتُهُ وَلَا قِيَاسُهُ . وَقَدْ جَرّبْنَا نَحْنُ وَغَيْرُنَا مِنْ هَذَا أُمُورًا كَثِيرَةً وَرَأَيْنَاهَا تَفْعَلُ مَا لَا تَفْعَلُ الْأَدْوِيَةُ الْحِسّيّةُ بَلْ تَصِيرُ الْأَدْوِيَةُ الْحِسّيّةُ عِنْدَهَا بِمَنْزِلَةِ أَدْوِيَةِ الطّرْقِيّةِ عِنْدَ الْأَطِبّاءِ وَهَذَا جَارٍ عَلَى قَانُونِ الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيّةِ لَيْسَ خَارِجًا عَنْهَا وَلَكِنّ الْأَسْبَابَ مُتَنَوّعَةٌ فَإِنّ الْقَلْبَ مَتَى اتّصَلَ بِرَبّ الْعَالَمِينَ وَخَالِقِ الدّاءِ وَالدّوَاءِ وَمُدَبّرِ الطّبِيعَةِ وَمُصَرّفِهَا عَلَى مَا يَشَاءُ كَانَتْ لَهُ أَدْوِيَةٌ أُخْرَى غَيْرَ الْأَدْوِيَةِ الّتِي يُعَانِيهَا الْقَلْبُ الْبَعِيدُ مِنْهُ الْمُعْرِضُ عَنْهُ وَقَدْ عُلِمَ أَنّ الْأَرْوَاحَ مَتَى قَوِيَتْ وَقَوِيَتْ النّفْسُ وَالطّبِيعَةُ تَعَاوُنًا عَلَى دَفْعِ الدّاءِ وَقَهْرِهِ فَكَيْفَ يُنْكِرُ لِمَنْ قَوِيَتْ طَبِيعَتُهُ وَنَفْسُهُ وَفَرِحَتْ بِقُرْبِهَا مِنْ بَارِئِهَا وَأُنْسِهَا بِهِ وَحُبّهَا لَهُ وَتَنَعّمِهَا بِذِكْرِهِ وَانْصِرَافِ قُوَاهَا كُلّهَا إلَيْهِ وَجَمْعِهَا عَلَيْهِ وَاسْتِعَانَتِهَا بِهِ وَتَوَكّلِهَا عَلَيْهِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لَهَا مِنْ أَكْبَرِ الْأَدْوِيَةِ وَأَنْ تُوجِبَ لَهَا هَذِهِ الْقُوّةُ دَفْعَ الْأَلَمِ بِالْكُلّيّةِ وَلَا يُنْكِرُ هَذَا إلّا أَجْهَلُ النّاسِ وَأَغْلَظُهُمْ حِجَابًا وَأَكْثَفُهُمْ نَفْسًا وَأَبْعَدُهُمْ عَنْ اللّهِ وَعَنْ حَقِيقَةِ الْإِنْسَانِيّةِ وَسَنَذْكُرُ إنْ شَاءَ اللّهُ السّبَبَ الّذِي بِهِ أَزَالَتْ قِرَاءَةُ الْفَاتِحَةِ دَاءَ اللّدْغَةِ عَنْ اللّدِيغِ الّتِي رُقِيَ بِهَا فَقَامَ حَتّى كَأَنّ مَا بِهِ قَلَبَةٌ . فَهَذَانِ نَوْعَانِ مِنْ الطّبّ النّبَوِيّ نَحْنُ بِحَوْلِ اللّهِ نَتَكَلّمُ عَلَيْهِمَا بِحَسْبِ الْجَهْدِ وَالطّاقَةِ وَمَبْلَغِ عُلُومِنَا الْقَاصِرَةِ وَمَعَارِفِنَا الْمُتَلَاشِيَةِ جِدّا وَبِضَاعَتِنَا الْمُزْجَاةِ وَلَكِنّا نَسْتَوْهِبُ مَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلّهُ وَنَسْتَمِدّ مِنْ فَضْلِهِ فَإِنّهُ الْعَزِيزُ الْوَهّابُ . [ ص 12 ] فَصْلٌ [ الْحَثّ عَلَى التّدَاوِي وَرَبْطِ الْأَسْبَابِ بِالْمُسَبّبَاتِ ] رَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " : مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزّبَيْرِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ لِكُلّ دَاءٍ دَوَاءٌ فَإِذَا أُصِيبَ دَوَاءُ الدّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَنْ عَطَاءٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنْ دَاءٍ إلّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً وَفِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " : مِنْ حَدِيثِ زِيَادِ بْنِ عِلَاقَةَ عَنْ أُسَامَةَ بْنِ شَرِيكٍ قَالَ كُنْتُ عِنْدَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَجَاءَتْ الْأَعْرَابُ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ أَنَتَدَاوَى ؟ فَقَالَ " نَعَمْ يَا عِبَادَ اللّهِ تَدَاوَوْا فَإِنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ لَمْ يَضَعْ دَاءً إلّا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً غَيْرَ دَاءٍ وَاحِدٍ " قَالُوا : مَا هُوَ ؟ قَالَ " الْهَرَمُ وَفِي لَفْظٍ إنّ اللّهَ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إلّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَه وَفِي " الْمُسْنَدِ " : مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ يَرْفَعُهُ إنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إلّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ [ ص 13 ] عَنْ أَبِي خُزَامَةَ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ أَرَأَيْتَ رُقًى نَسْتَرْقِيهَا وَدَوَاءً نَتَدَاوَى بِهِ وَتُقَاةً نَتّقِيهَا هَلْ تَرُدّ مِنْ قَدَرِ اللّهِ شَيْئًا ؟ فَقَالَ " هِيَ مِنْ قَدَرِ اللّهِ [ مَعْنَى لِكُلّ دَاءٍ دَوَاءٌ ] فَقَدْ تَضَمّنَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ إثْبَاتَ الْأَسْبَابِ وَالْمُسَبّبَاتِ وَإِبْطَالَ قَوْلِ مَنْ أَنْكَرَهَا وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لِكُلّ دَاءٍ دَوَاءٌ عَلَى عُمُومِهِ حَتّى يَتَنَاوَلَ الْأَدْوَاءَ الْقَاتِلَةَ وَالْأَدْوَاءَ الّتِي لَا يُمْكِنُ لِطَبِيبٍ أَنْ يُبْرِئَهَا وَيَكُونُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ قَدْ جَعَلَ لَهَا أَدْوِيَةً تُبْرِئُهَا وَلَكِنْ طَوَى عِلْمَهَا عَنْ الْبَشَرِ وَلَمْ يَجْعَلْ لَهُمْ إلَيْهِ سَبِيلًا لِأَنّهُ لَا عِلْمَ لِلْخَلْقِ إلّا مَا عَلّمَهُمْ اللّهُ وَلِهَذَا عَلّقَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الشّفَاءَ عَلَى مُصَادَفَةِ الدّوَاءِ لِلدّاءِ فَإِنّهُ لَا شَيْءَ مِنْ الْمَخْلُوقَاتِ إلّا لَهُ ضِدّ وَكُلّ دَاءٍ لَهُ ضِدّ مِنْ الدّوَاءِ يُعَالَجُ بِضِدّهِ فَعَلّقَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْبُرْءَ بِمُوَافَقَةِ الدّاءِ لِلدّوَاءِ وَهَذَا قَدْرٌ زَائِدٌ عَلَى مُجَرّدِ وَجُودِهِ فَإِنّ الدّوَاءَ مَتَى جَاوَزَ دَرَجَةَ الدّاءِ فِي الْكَيْفِيّةِ أَوْ زَادَ فِي الْكَمّيّةِ عَلَى مَا يَنْبَغِي نَقْلُهُ إلَى دَاءٍ آخَرَ وَمَتَى قَصَرَ عَنْهَا لَمْ يَفِ بِمُقَاوَمَتِهِ وَكَانَ الْعِلَاجُ قَاصِرًا وَمَتَى لَمْ يَقَعْ الْمُدَاوِي عَلَى الدّوَاءِ أَوْ لَمْ يَقَعْ الدّوَاءُ عَلَى الدّاءِ لَمْ يَحْصُلْ الشّفَاءُ وَمَتَى لَمْ يَكُنْ الزّمَانُ صَالِحًا لِذَلِكَ الدّوَاءِ لَمْ يَنْفَعْ وَمَتَى كَانَ الْبَدَنُ غَيْرَ قَابِلٍ لَهُ أَوْ الْقُوّةُ عَاجِزَةً عَنْ حَمْلِهِ أَوْ ثَمّ مَانِعٌ يَمْنَعُ مِنْ تَأْثِيرِهِ لَمْ يَحْصُلْ الْبُرْءُ لِعَدَمِ الْمُصَادَفَةِ وَمَتَى تَمّتْ الْمُصَادَفَةُ حَصَلَ الْبُرْءُ بِإِذْنِ اللّهِ وَلَا بُدّ وَهَذَا أَحْسَنُ الْمَحْمِلَيْنِ فِي الْحَدِيثِ . وَالثّانِي : أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَامّ الْمُرَادِ بِهِ الْخَاصّ لَا سِيّمَا وَالدّاخِلُ فِي اللّفْظِ أَضْعَافُ أَضْعَافِ الْخَارِجِ مِنْهُ وَهَذَا يُسْتَعْمَلُ فِي كُلّ لِسَانٍ وَيَكُونُ [ ص 14 ] وَضَعَ لَهُ دَوَاءً فَلَا يَدْخُلُ فِي هَذَا الْأَدْوَاءُ الّتِي لَا تَقْبَلُ الدّوَاءَ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى فِي الرّيحِ الّتِي سَلّطَهَا عَلَى قَوْمِ عَادٍ : { تُدَمّرُ كُلّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبّهَا } [ الْأَحْقَافُ 25 ] أَيْ كُلّ شَيْءٍ يَقْبَلُ التّدْمِيرَ وَمِنْ شَأْنِ الرّيحِ أَنْ تُدَمّرَهُ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ . وَمَنْ تَأَمّلَ خَلْقَ الْأَضْدَادِ فِي هَذَا الْعَالَمِ وَمُقَاوَمَةَ بَعْضِهَا لِبَعْضٍ وَدَفْعَ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَتَسْلِيطَ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ تَبَيّنَ لَهُ كَمَالُ قُدْرَةِ الرّبّ تَعَالَى وَحِكْمَتُهُ وَإِتْقَانُهُ مَا صَنَعَهُ وَتَفَرّدُهُ بِالرّبُوبِيّةِ وَالْوَحْدَانِيّةِ وَالْقَهْرِ وَأَنّ كُلّ مَا سِوَاهُ فَلَهُ مَا يُضَادّهُ وَيُمَانِعُهُ كَمَا أَنّهُ الْغَنِيّ بِذَاتِهِ وَكُلّ مَا سِوَاهُ مُحْتَاجٌ بِذَاتِهِ . [الْأَمْرُ بِالتّدَاوِي وَبِأَنّهُ لَا يُنَافِي التّوَكّلَ ] وَفِي الْأَحَادِيثِ الصّحِيحَةِ الْأَمْرُ بِالتّدَاوِي وَأَنّهُ لَا يُنَافِي التّوَكّلَ كَمَا لَا يُنَافِيهِ دَفْعُ دَاءِ الْجَوْعِ وَالْعَطَشِ وَالْحَرّ وَالْبَرْدِ بِأَضْدَادِهَا بَلْ لَا تَتِمّ حَقِيقَةُ التّوْحِيدِ إلّا بِمُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ الّتِي نَصَبَهَا اللّهُ مُقْتَضَيَاتٍ لِمُسَبّبَاتِهَا قَدَرًا وَشَرْعًا وَأَنّ تَعْطِيلَهَا يَقْدَحُ فِي نَفْسِ التّوَكّلِ كَمَا يَقْدَحُ فِي الْأَمْرِ وَالْحِكْمَةِ وَيُضْعِفُهُ مِنْ حَيْثُ يَظُنّ مُعَطّلُهَا أَنّ تَرْكَهَا أَقْوَى فِي التّوَكّلِ فَإِنّ تَرْكَهَا عَجْزًا يُنَافِي التّوَكّلَ الّذِي حَقِيقَتُهُ اعْتِمَادُ الْقَلْبِ عَلَى اللّهِ فِي حُصُولِ مَا يَنْفَعُ الْعَبْدَ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَدَفْعِ مَا يَضُرّهُ فِي دِينِهِ وَدُنْيَاهُ وَلَا بُدّ مَعَ هَذَا الِاعْتِمَادِ مِنْ مُبَاشَرَةِ الْأَسْبَابِ وَإِلّا كَانَ مُعَطّلًا لِلْحِكْمَةِ وَالشّرْعِ فَلَا يَجْعَلُ الْعَبْدَ عَجْزَهُ تَوَكّلًا وَلَا تَوَكّلَهُ عَجْزًا . [التّدَاوِي وَالشّفَاءُ مُقَدّرٌ وَالرّدّ عَلَى الْجَبْرِيّةِ ] وَفِيهَا رَدّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ التّدَاوِي وَقَالَ إنْ كَانَ الشّفَاءُ قَدْ قُدّرَ فَالتّدَاوِي لَا يُفِيدُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ قُدّرَ فَكَذَلِكَ . وَأَيْضًا فَإِنّ الْمَرَضَ حَصَلَ بِقَدَرِ اللّهِ وَقَدَرُ اللّهِ لَا يُدْفَعُ وَلَا يُرَدّ وَهَذَا السّؤَالُ هُوَ الّذِي أَوْرَدَهُ الْأَعْرَابُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَأَمّا أَفَاضِلُ الصّحَابَةِ فَأَعْلَمُ بِاَللّهِ وَحِكْمَتِهِ وَصِفَاتِهِ مِنْ أَنْ يُورِدُوا مِثْلَ هَذَا وَقَدْ أَجَابَهُمْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَا شَفَى وَكَفَى فَقَالَ هَذِهِ الْأَدْوِيَةُ وَالرّقَى وَالتّقَى هِيَ مِنْ قَدَرِ اللّهِ فَمَا خَرَجَ شَيْءٌ عَنْ قَدَرِهِ بَلْ يَرُدّ قَدَرَهُ بِقَدَرِهِ وَهَذَا الرّدّ مِنْ قَدَرِهِ [ ص 15 ] وَيُقَالُ لِمُورِدِ هَذَا السّؤَالِ هَذَا يُوجِبُ عَلَيْك أَنْ لَا تُبَاشِرَ سَبَبًا مِنْ الْأَسْبَابِ الّتِي تَجْلِبُ بِهَا مَنْفَعَةً أَوْ تَدْفَعُ بِهَا مَضَرّةً لِأَنّ الْمَنْفَعَةَ وَالْمَضَرّةَ إنْ قُدّرَتَا لَمْ يَكُنْ بُدّ مِنْ وُقُوعِهِمَا وَإِنْ لَمْ تُقَدّرَا لَمْ يَكُنْ سَبِيلٌ إلَى وُقُوعِهِمَا وَفِي ذَلِكَ خَرَابُ الدّينِ وَالدّنْيَا وَفَسَادُ الْعَالَمِ وَهَذَا لَا يَقُولُهُ إلّا دَافِعٌ لِلْحَقّ مُعَانِدٌ لَهُ فَيَذْكُرُ الْقَدَرَ لِيَدْفَعْ حُجّةِ الْمُحِقّ عَلَيْهِ كَالْمُشْرِكِينَ الّذِينَ قَالُوا : { لَوْ شَاءَ اللّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا } [ الْأَنْعَامُ 148 ] و { لَوْ شَاءَ اللّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا } [ النّحْلُ 35 ] فَهَذَا قَالُوهُ دَفْعًا لِحُجّةِ اللّهِ عَلَيْهِمْ بِالرّسُلِ . وَجَوَابُ هَذَا السّائِلِ أَنْ يُقَالَ بَقِيَ قِسْمٌ ثَالِثٌ لَمْ تَذْكُرْهُ وَهُوَ أَنّ اللّهَ قَدّرَ كَذَا وَكَذَا بِهَذَا السّبَبِ فَإِنْ أَتَيْتَ بِالسّبَبِ حَصَلَ الْمُسَبّبُ وَإِلّا فَلَا فَإِنْ قَالَ إنْ كَانَ قَدّرَ لِي السّبَبَ فَعَلْته وَإِنْ لَمْ يُقَدّرْهُ لِي لَمْ أَتَمَكّنْ مِنْ فِعْلِهِ . قِيلَ فَهَلْ تَقْبَلُ هَذَا الِاحْتِجَاجَ مِنْ عَبْدِك وَوَلَدِك وَأَجِيرِك إذَا احْتَجّ بِهِ عَلَيْك فِيمَا أَمَرْتَهُ بِهِ وَنَهَيْتَهُ عَنْهُ فَخَالَفَك ؟ فَإِنْ قَبِلْته فَلَا تَلُمْ مَنْ عَصَاك وَأَخَذَ مَالَك وَقَذَفَ عِرْضَك وَضَيّعَ حُقُوقَك وَإِنْ لَمْ تَقْبَلْهُ فَكَيْفَ يَكُونُ مَقْبُولًا مِنْك فِي دَفْعِ حُقُوقِ اللّهِ عَلَيْك . وَقَدْ رُوِيَ فِي أَثَرٍ إسْرَائِيلِيّ أَنّ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ قَالَ يَا رَبّ مِمّنْ الدّاءُ ؟ قَالَ " مِنّي " . قَالَ فَمِمّنْ الدّوَاءُ " ؟ قَالَ " مِنّي " . قَالَ فَمَا بَالُ الطّبِيبِ ؟ . قَالَ " رَجُلٌ أُرْسِلُ الدّوَاءَ عَلَى يَدَيْهِ " . وَفِي قَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِكُلّ دَاءٍ دَوَاءٌ تَقْوِيَةٌ لِنَفْسِ الْمَرِيضِ وَالطّبِيبِ وَحَثّ عَلَى طَلَبِ ذَلِكَ الدّوَاءِ وَالتّفْتِيشِ عَلَيْهِ فَإِنّ الْمَرِيضَ إذَا اسْتَشْعَرَتْ نَفْسُهُ أَنّ لِدَائِهِ دَوَاءً يُزِيلُهُ تَعَلّقَ قَلْبُهُ بِرُوحِ الرّجَاءِ وَبَرُدَتْ عِنْدَهُ حَرَارَةُ الْيَأْسِ وَانْفَتَحَ [ ص 16 ] وَكَانَ ذَلِكَ سَبَبًا لِقُوّةِ الْأَرْوَاحِ الْحَيَوَانِيّةِ وَالنّفْسَانِيّةِ وَالطّبِيعِيّةِ وَمَتَى قَوِيَتْ هَذِهِ الْأَرْوَاحُ قَوِيَتْ الْقُوَى الّتِي هِيَ حَامِلَةٌ لَهَا فَقَهَرَتْ الْمَرَضَ وَدَفَعَتْهُ . وَكَذَلِكَ الطّبِيبُ إذَا عَلِمَ أَنّ لِهَذَا الدّاءِ دَوَاءً أَمْكَنَهُ طَلَبُهُ وَالتّفْتِيشُ عَلَيْهِ . وَأَمْرَاضُ الْأَبْدَانِ عَلَى وِزَانِ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ وَمَا جَعَلَ اللّهُ لِلْقَلْبِ مَرَضًا إلّا جَعَلَ لَهُ شِفَاءً بِضَدّهِ فَإِنْ عَلِمَهُ صَاحِبُ الدّاءِ وَاسْتَعْمَلَهُ وَصَادَفَ دَاءَ قَلْبِهِ أَبْرَأَهُ بِإِذْنِ اللّهِ تَعَالَى . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الِاحْتِمَاءِ مِنْ التّخَمِ وَالزّيَادَةِ فِي الْأَكْلِ عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ وَالْقَانُونُ الّذِي يَنْبَغِي مُرَاعَاتُهُ فِي الْأَكْلِ وَالشّرْبِ فِي " الْمُسْنَدِ " وَغَيْرِهِ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ مَا مَلَأَ آدَمِيّ وِعَاءً شَرّا مِنْ بَطْنٍ بِحَسْبِ ابْنِ آدَمَ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَإِنْ كَانَ لَا بُدّ فَاعِلًا فَثُلُثٌ لِطَعَامِهِ وَثُلُثٌ لِشَرَابِهِ وَثُلُثٌ لِنَفَسِهِ . [سَبَبُ الْأَمْرَاضِ الْمَادّيّةِ ] الْأَمْرَاضُ نَوْعَانِ أَمْرَاضٌ مَادّيّةٌ تَكُونُ عَنْ زِيَادَةِ مَادّةٍ أُفْرِطَتْ فِي الْبَدَنِ حَتّى أَضَرّتْ بِأَفْعَالِهِ الطّبِيعِيّةِ وَهِيَ الْأَمْرَاضُ الْأَكْثَرِيّةُ وَسَبَبُهَا إدْخَالُ الطّعَامِ عَلَى الْبَدَنِ قَبْلَ هَضْمِ الْأَوّلِ وَالزّيَادَةُ فِي الْقَدْرِ الّذِي يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْبَدَنُ وَتَنَاوُلُ الْأَغْذِيَةِ الْقَلِيلَةِ النّفْعِ الْبَطِيئَةِ الْهَضْمِ وَالْإِكْثَارُ مِنْ الْأَغْذِيَةِ الْمُخْتَلِفَةِ التّرَاكِيبِ الْمُتَنَوّعَةِ فَإِذَا مَلَأَ الْآدَمِيّ بَطْنَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَغْذِيَةِ وَاعْتَادَ ذَلِكَ أَوْرَثَتْهُ أَمْرَاضًا مُتَنَوّعَةً مِنْهَا بَطِيءُ الزّوَالِ وَسَرِيعُهُ فَإِذَا تَوَسّطَ فِي الْغِذَاءِ وَتَنَاوَلَ مِنْهُ قَدْرَ الْحَاجَةِ وَكَانَ مُعْتَدِلًا فِي كَمّيّتِهِ وَكَيْفِيّتِهِ كَانَ انْتِفَاعُ الْبَدَنِ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ انْتِفَاعِهِ بِالْغِذَاءِ الْكَثِيرِ . [ ص 17 ] [ مَرَاتِبُ الْغِذَاءِ ] وَمَرَاتِبُ الْغِذَاءِ ثَلَاثَةٌ أَحَدُهَا : مَرْتَبَةُ الْحَاجَةِ . وَالثّانِيَةُ مَرْتَبَةُ الْكِفَايَةِ . وَالثّالِثَةُ مَرْتَبَةُ الْفَضْلَةِ . فَأَخْبَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ يَكْفِيهِ لُقَيْمَاتٌ يُقِمْنَ صُلْبَهُ فَلَا تَسْقُطُ قُوّتُهُ وَلَا تَضْعُفُ مَعَهَا فَإِنْ تَجَاوَزَهَا فَلْيَأْكُلْ فِي ثُلُثِ بَطْنِهِ وَيَدَعْ الثّلُثَ الْآخَرَ لِلْمَاءِ وَالثّالِثُ لِلنّفَسِ وَهَذَا مِنْ أَنْفَعِ مَا لِلْبَدَنِ وَالْقَلْبِ فَإِنّ الْبَطْنَ إذَا امْتَلَأَ مِنْ الطّعَامِ ضَاقَ عَنْ الشّرَابِ فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْهِ الشّرَابُ ضَاقَ عَنْ النّفَسِ وَعَرَضَ لَهُ الْكَرْبُ وَالتّعَبُ بِحَمْلِهِ بِمَنْزِلَةِ حَامِلِ الْحِمْلِ الثّقِيلِ هَذَا إلَى مَا يَلْزَمُ ذَلِكَ مِنْ فَسَادِ الْقَلْبِ وَكَسَلِ الْجَوَارِحِ عَنْ الطّاعَاتِ وَتَحَرّكِهَا فِي الشّهَوَاتِ الّتِي يَسْتَلْزِمُهَا الشّبَعُ . فَامْتِلَاءُ الْبَطْنِ مِنْ الطّعَامِ مُضِرّ لِلْقَلْبِ وَالْبَدَنِ . هَذَا إذَا كَانَ دَائِمًا أَوْ أَكْثَرِيّا . وَأَمّا إذَا كَانَ فِي الْأَحْيَانِ فَلَا بَأْسَ بِهِ فَقَدْ شَرِبَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِحَضْرَةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ اللّبَنِ حَتّى قَالَ وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ لَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا وَأَكَلَ الصّحَابَةُ بِحَضْرَتِهِ مِرَارًا حَتّى شَبِعُوا . وَالشّبَعُ الْمُفْرِطُ يُضْعِفُ الْقُوَى وَالْبَدَنَ وَإِنْ أَخْصَبَهُ وَإِنّمَا يَقْوَى الْبَدَنُ بِحَسْبِ مَا يَقْبَلُ مِنْ الْغِذَاءِ لَا بِحَسْبِ كَثْرَتِهِ . وَلَمّا كَانَ فِي الْإِنْسَانِ جُزْءٌ أَرْضِيّ وَجُزْءٌ هَوَائِيّ وَجُزْءٌ مَائِيّ قَسَمَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ طَعَامَهُ وَشَرَابَهُ وَنَفَسَهُ عَلَى الْأَجْزَاءِ الثّلَاثَةِ . [هَلْ فِي الْبَدَنِ جُزْءٌ نَارِيّ ] فَإِنْ قِيلَ فَأَيْنَ حَظّ الْجُزْءِ النّارِيّ ؟ قِيلَ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ تَكَلّمَ فِيهَا الْأَطِبّاءُ وَقَالُوا : إنّ فِي الْبَدَنِ جُزْءًا نَارِيّا بِالْفِعْلِ وَهُوَ أَحَدُ أَرْكَانِهِ وَاسْطِقْسَاتِهِ . [ ص 18 ] وَقَالُوا : لَيْسَ فِي الْبَدَنِ جُزْءٌ نَارِيّ بِالْفِعْلِ وَاسْتَدَلّوا بِوُجُوهٍ أَحَدُهَا : أَنّ ذَلِكَ الْجُزْءَ النّارِيّ إمّا أَنْ يُدْعَى أَنّهُ نَزَلَ عَنْ الْأَثِيرِ وَاخْتَلَطَ بِهَذِهِ الْأَجْزَاءِ الْمَائِيّةِ وَالْأَرْضِيّةِ أَوْ يُقَالُ إنّهُ تَوَلّدَ فِيهَا وَتَكُونُ وَالْأَوّلُ مُسْتَبْعَدٌ لِوَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنّ النّارَ بِالطّبْعِ صَاعِدَةٌ فَلَوْ نَزَلَتْ لَكَانَتْ بِقَاسِرٍ مِنْ مَرْكَزِهَا إلَى هَذَا الْعَالَمِ . الثّانِي : أَنّ تِلْكَ الْأَجْزَاءَ النّارِيّةَ لَا بُدّ فِي نُزُولِهَا أَنْ تَعْبُرَ عَلَى كُرَةِ الزّمْهَرِيرِ الّتِي هِيَ فِي غَايَةِ الْبَرْدِ وَنَحْنُ نُشَاهِدُ فِي هَذَا الْعَالَمِ أَنّ النّارَ الْعَظِيمَةَ تَنْطَفِئُ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ فَتِلْكَ الْأَجْزَاءُ الصّغِيرَةُ عِنْدَ مُرُورِهَا بِكُرَةِ الزّمْهَرِيرِ الّتِي هِيَ فِي غَايَةِ الْبَرْدِ وَنِهَايَةُ الْعَظْمِ أَوْلَى بِالِانْطِفَاءِ . وَأَمّا الثّانِي : - وَهُوَ أَنْ يُقَالَ إنّهَا تَكَوّنَتْ هَا هُنَا - فَهُوَ أَبْعَدُ وَأَبْعَدُ لِأَنّ الْجِسْمَ الّذِي صَارَ نَارًا بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ قَدْ كَانَ قَبْلَ صَيْرُورَتِهِ إمّا أَرْضًا وَإِمّا مَاءً وَإِمّا هَوَاءً لِانْحِصَارِ الْأَرْكَانِ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ وَهَذَا الّذِي قَدْ صَارَ نَارًا أَوّلًا كَانَ مُخْتَلَطًا بِأَحَدِ هَذِهِ الْأَجْسَامِ وَمُتّصِلًا بِهَا وَالْجِسْمُ الّذِي لَا يَكُونُ نَارًا إذَا اخْتَلَطَ بِأَجْسَامٍ عَظِيمَةٍ لَيْسَتْ بِنَارٍ وَلَا وَاحِدٍ مِنْهَا لَا يَكُونُ مُسْتَعِدّا لِأَنْ يَنْقَلِبَ نَارًا لِأَنّهُ فِي نَفْسِهِ لَيْسَ بِنَارٍ وَالْأَجْسَامُ الْمُخْتَلِطَةُ بَارِدَةٌ فَكَيْفَ يَكُونُ مُسْتَعِدّا لِانْقِلَابِهِ نَارًا ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ لِمَ لَا تَكُونُ هُنَاكَ أَجْزَاءٌ نَارِيّةٌ تَقْلِبُ هَذِهِ الْأَجْسَامَ وَتَجْعَلُهَا نَارًا بِسَبَبِ مُخَالَطَتِهَا إيّاهَا ؟ قُلْنَا : الْكَلَامُ فِي حُصُولِ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ النّارِيّةِ كَالْكَلَامِ فِي الْأَوّلِ فَإِنْ قُلْتُمْ إنّا نَرَى مِنْ رَشّ الْمَاءِ عَلَى النّورَةِ الْمُطْفَأَةِ تَنْفَصِلُ مِنْهَا نَارٌ وَإِذَا وَقَعَ شُعَاعُ الشّمْسِ عَلَى الْبَلّورَةِ ظَهَرَتْ النّارُ مِنْهَا وَإِذَا ضَرَبْنَا الْحَجَرَ عَلَى الْحَدِيدِ ظَهَرَتْ [ ص 19 ] قَالَ الْمُنْكِرُونَ نَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ المصاكة الشّدِيدَةُ مُحَدّثَةً لِلنّارِ كَمَا فِي ضَرْبِ الْحِجَارَةِ عَلَى الْحَدِيدِ أَوْ تَكُونُ قُوّةُ تَسْخِينِ الشّمْسِ مُحَدّثَةً لِلنّارِ كَمَا فِي الْبَلّورَةِ لَكِنّا نَسْتَبْعِدُ ذَلِكَ جِدّا فِي أَجْرَامِ النّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ إذْ لَيْسَ فِي أَجْرَامِهَا مِنْ الِاصْطِكَاكِ مَا يُوجِبُ حُدُوثَ النّارِ وَلَا فِيهَا مِنْ الصّفَاءِ وَالصّقَالِ مَا يَبْلُغُ إلَى حَدّ الْبَلّورَةِ كَيْفَ وَشُعَاعُ الشّمْسِ يَقَعُ عَلَى ظَاهِرِهَا فَلَا تَتَوَلّدُ النّارُ الْبَتّةَ فَالشّعَاعُ الّذِي يَصِلُ إلَى بَاطِنِهَا كَيْفَ يُولَدُ النّارُ ؟ الْوَجْهُ الثّانِي : فِي أَصْلِ الْمَسْأَلَةِ أَنّ الْأَطِبّاءَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنّ الشّرَابَ الْعَتِيقَ فِي غَايَةِ السّخُونَةِ بِالطّبْعِ فَلَوْ كَانَتْ تِلْكَ السّخُونَةُ بِسَبَبِ الْأَجْزَاءِ النّارِيّةِ لَكَانَتْ مُحَالًا إذْ تِلْكَ الْأَجْزَاءُ النّارِيّةُ مَعَ حَقَارَتِهَا كَيْفَ يُعْقَلُ بَقَاؤُهَا فِي الْأَجْزَاءِ الْمَائِيّةِ الْغَالِبَةِ دَهْرًا طَوِيلًا بِحَيْثُ لَا تَنْطَفِئُ مَعَ أَنّا نَرَى النّارَ الْعَظِيمَةَ تُطْفَأُ بِالْمَاءِ الْقَلِيلِ . الْوَجْهُ الثّالِثُ أَنّهُ لَوْ كَانَ فِي الْحَيَوَانِ وَالنّبَاتِ جُزْءٌ نَارِيّ بِالْفِعْلِ لَكَانَ مَغْلُوبًا بِالْجُزْءِ الْمَائِيّ الّذِي فِيهِ وَكَانَ الْجُزْءُ النّارِيّ مَقْهُورًا بِهِ وَغَلَبَةُ بَعْضِ الطّبَائِعِ وَالْعَنَاصِرِ عَلَى بَعْضٍ يَقْتَضِي انْقِلَابَ طَبِيعَةِ الْمَغْلُوبِ إلَى طَبِيعَةِ الْغَالِبِ فَكَانَ يُلْزِمُ بِالضّرُورَةِ انْقِلَابَ تِلْكَ الْأَجْزَاءِ النّارِيّةِ الْقَلِيلَةِ جِدّا إلَى طَبِيعَةِ الْمَاءِ الّذِي هُوَ ضِدّ النّارِ الْوَجْهُ الرّابِعُ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذَكَرَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ فِي كِتَابِهِ فِي مَوَاضِعَ مُتَعَدّدَةٍ يُخْبِرُ فِي بَعْضِهَا أَنّهُ خَلَقَهُ مِنْ مَاءٍ وَفِي بَعْضِهَا أَنّهُ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ وَفِي بَعْضِهَا أَنّهُ خَلَقَهُ مِنْ الْمُرَكّبِ مِنْهُمَا وَهُوَ الطّينُ وَفِي بَعْضِهَا أَنّهُ خَلَقَهُ مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخّارِ وَهُوَ الطّينُ الّذِي ضَرَبَتْهُ الشّمْسُ وَالرّيحُ حَتّى صَارَ صَلْصَالًا كَالْفَخّارِ وَلَمْ يُخْبِرْ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ أَنّهُ خَلَقَهُ مِنْ نَارٍ بَلْ جَعَلَ ذَلِكَ خَاصّيّةَ إبْلِيسَ . وَثَبَتَ [ ص 20 ] صَحِيحِ مُسْلِمٍ " : عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ خُلِقَتْ الْمَلَائِكَةُ مِنْ نُورٍ وَخُلِقَ الْجَانّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍ وَخُلِقَ آدَمُ مِمّا وُصِفَ لَكُم وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنّهُ خُلِقَ مِمّا وَصَفَهُ اللّهُ فِي كِتَابِهِ فَقَطْ وَلَمْ يَصِفْ لَنَا سُبْحَانَهُ أَنّهُ خَلَقَهُ مِنْ نَارٍ وَلَا أَنّ فِي مَادّتِهِ شَيْئًا مِنْ النّارِ . الْوَجْهُ الْخَامِسُ أَنّ غَايَةَ مَا يَسْتَدِلّونَ بِهِ مَا يُشَاهِدُونَ مِنْ الْحَرَارَةِ فِي أَبْدَانِ الْحَيَوَانِ وَهِيَ دَلِيلٌ عَلَى الْأَجْزَاءِ النّارِيّةِ وَهَذَا لَا يَدُلّ فَإِنّ أَسْبَابَ الْحَرَارَةِ أَعَمّ مِنْ النّارِ فَإِنّهَا تَكُونُ عَنْ النّارِ تَارَةً وَعَنْ الْحَرَكَةِ أُخْرَى وَعَنْ انْعِكَاسِ الْأَشِعّةِ وَعَنْ سُخُونَةِ الْهَوَاءِ وَعَنْ مُجَاوَرَةِ النّارِ وَذَلِكَ بِوَاسِطَةِ سُخُونَةِ الْهَوَاءِ أَيْضًا وَتَكُونُ عَنْ أَسْبَابٍ أُخَرَ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحَرَارَةِ النّارُ . [ حُجَجُ مَنْ ادّعَى وُجُودَ النّارِ فِي الْبَدَنِ ] قَالَ أَصْحَابُ النّارِ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنّ التّرَابَ وَالْمَاءَ إذَا اخْتَلَطَا فَلَا بُدّ لَهُمَا مِنْ حَرَارَةٍ تَقْتَضِي طَبْخَهُمَا وَامْتِزَاجَهُمَا وَإِلّا كَانَ كُلّ مِنْهُمَا غَيْرَ مُمَازِجٍ لِلْآخَرِ وَلَا مُتّحِدًا بِهِ وَكَذَلِكَ إذَا أَلْقَيْنَا الْبَذْرَ فِي الطّينِ بِحَيْثُ لَا يَصِلُ إلَيْهِ الْهَوَاءُ وَلَا الشّمْسُ فَسَدَ فَلَا يَخْلُو إمّا أَنْ يَحْصُلَ فِي الْمُرَكّبِ جِسْمٌ مُنْضَجٌ طَابِخٌ بِالطّبْعِ أَوْ لَا فَإِنْ حَصَلَ فَهُوَ الْجُزْءُ النّارِيّ وَإِنْ لَمْ يَحْصُلْ لَمْ يَكُنْ الْمُرَكّبُ مُسْخَنًا بِطَبْعِهِ بَلْ إنْ سُخّنَ كَانَ التّسْخِينُ عَرَضِيّا فَإِذَا زَالَ التّسْخِينُ الْعَرَضِيّ لَمْ يَكُنْ الشّيْءُ حَارّا فِي طَبْعِهِ وَلَا فِي كَيْفِيّتِهِ وَكَانَ بَارِدًا مُطْلَقًا لَكِنْ مِنْ الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ مَا يَكُونُ حَارّا بِالطّبْعِ فَعَلِمْنَا أَنّ حَرَارَتَهَا إنّمَا كَانَتْ لِأَنّ فِيهَا جَوْهَرًا نَارِيّا . وَأَيْضًا فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَدَنِ جُزْءٌ مُسَخّنٌ لَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ فِي نِهَايَةِ الْبَرْدِ لِأَنّ الطّبِيعَةَ إذَا كَانَتْ مُقْتَضِيَةً لِلْبَرْدِ وَكَانَتْ خَالِيَةً عَنْ الْمُعَاوِنِ وَالْمُعَارِضِ وَجَبَ انْتِهَاءُ الْبَرْدِ إلَى أَقْصَى الْغَايَةِ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمَا حَصَلَ لَهَا الْإِحْسَاسُ بِالْبَرْدِ لِأَنّ الْبَرْدَ الْوَاصِلَ إلَيْهِ إذَا كَانَ فِي الْغَايَةِ كَانَ مِثْلَهُ وَالشّيْءُ لَا يَنْفَعِلُ عَنْ مِثْلِهِ وَإِذَا لَمْ يَنْفَعِلْ عَنْهُ لَمْ يَحُسّ بِهِ وَإِذَا لَمْ يَحُسّ بِهِ لَمْ يَتَأَلّمْ عَنْهُ وَإِنْ كَانَ [ ص 21 ] أَوْلَى فَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْبَدَنِ جُزْءٌ مُسَخّنٌ بِالطّبْعِ لَمَا انْفَعَلَ عَنْ الْبَرْدِ وَلَا تَأَلّمَ بِهِ . قَالُوا : وَأَدِلّتُكُمْ إنّمَا تُبْطِلُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ الْأَجْزَاءُ النّارِيّةُ بَاقِيَةٌ فِي هَذِهِ الْمُرَكّبَاتِ عَلَى حَالِهَا وَطَبِيعَتِهَا النّارِيّةِ وَنَحْنُ لَا نَقُولُ بِذَلِكَ بَلْ نَقُولُ إنّ صُورَتَهَا النّوْعِيّةَ تَفْسُدُ عِنْدَ الِامْتِزَاجِ . [الرّدّ عَلَى حُجَجِ الْمُثْبِتِينَ ] قَالَ الْآخَرُونَ لِمَ لَا يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ إنّ الْأَرْضَ وَالْمَاءَ وَالْهَوَاءَ إذَا اخْتَلَطَتْ فَالْحَرَارَةُ الْمُنْضَجَةُ الطّابِخَةُ لَهَا هِيَ حَرَارَةُ الشّمْسِ وَسَائِرُ الْكَوَاكِبِ ثُمّ ذَلِكَ الْمُرَكّبُ عِنْدَ كَمَالِ نُضْجِهِ مُسْتَعِدّ لِقَبُولِ الْهَيْئَةِ التّرْكِيبِيّةِ بِوَاسِطَةِ السّخُونَةِ نَبَاتًا كَانَ أَوْ حَيَوَانًا أَوْ مَعْدِنًا وَمَا الْمَانِعُ أَنّ تِلْكَ السّخُونَةَ وَالْحَرَارَةَ الّتِي فِي الْمُرَكّبَاتِ هِيَ بِسَبَبِ خَوَاصّ وَقُوًى يُحْدِثُهَا اللّهُ تَعَالَى عِنْدَ ذَلِكَ الِامْتِزَاجِ لَا مِنْ أَجْزَاءٍ نَارِيّةٍ بِالْفِعْلِ ؟ وَلَا سَبِيلَ لَكُمْ إلَى إبْطَالِ هَذَا الْإِمْكَانِ الْبَتّةَ وَقَدْ اعْتَرَفَ جَمَاعَةٌ مِنْ فُضَلَاءِ الْأَطِبّاءِ بِذَلِكَ . وَأَمّا حَدِيثُ إحْسَاسِ الْبَدَنِ بِالْبَرْدِ فَنَقُولُ هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّ فِي الْبَدَنِ حَرَارَةً وَتَسْخِينًا وَمَنْ يُنْكِرُ ذَلِكَ ؟ لَكِنْ مَا الدّلِيلُ عَلَى انْحِصَارِ الْمُسَخّنِ فِي النّارِ فَإِنّهُ وَإِنْ كَانَ كُلّ نَارٍ مُسَخّنًا فَإِنّ هَذِهِ الْقَضِيّةَ لَا تَنْعَكِسُ كُلّيّةً بَلْ عَكْسُهَا الصّادِقُ بَعْضُ الْمُسَخّنِ نَارٌ . وَأَمّا قَوْلُكُمْ بِفَسَادِ صُورَةِ النّارِ النّوْعِيّةِ فَأَكْثَرُ الْأَطِبّاءِ عَلَى بَقَاءِ صُورَتِهَا النّوْعِيّةِ وَالْقَوْلُ بِفَسَادِهَا قَوْلٌ فَاسِدٌ قَدْ اعْتَرَفَ بِفَسَادِهِ أَفْضَلُ مُتَأَخّرِيكُمْ فِي كِتَابِهِ الْمُسَمّى بِالشّفَا وَبَرْهَنَ عَلَى بَقَاءِ الْأَرْكَانِ أَجْمَعَ عَلَى طَبَائِعِهَا فِي الْمُرَكّبَاتِ . وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . [ ص 22 ] فَصْلٌ [أَنْوَاعُ عِلَاجِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم ] وَكَانَ عِلَاجُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلْمَرَضِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ أَحَدُهَا : بِالْأَدْوِيَةِ الطّبِيعِيّةِ . وَالثّانِي : بِالْأَدْوِيَةِ الْإِلَهِيّةِ . وَالثّالِثُ بِالْمُرَكّبِ مِنْ الْأَمْرَيْنِ . وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْأَنْوَاعَ الثّلَاثَةَ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَنَبْدَأُ بِذِكْرِ الْأَدْوِيَةِ الطّبِيعِيّةِ الّتِي وَصَفَهَا وَاسْتَعْمَلَهَا ثُمّ نَذْكُرُ الْأَدْوِيَةَ الْإِلَهِيّةَ ثُمّ الْمُرَكّبَةَ . وَهَذَا إنّمَا نُشِيرُ إلَيْهِ إشَارَةً فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّمَا بُعِثَ هَادِيًا وَدَاعِيًا إلَى اللّهِ وَإِلَى جَنّتِهِ وَمُعَرّفًا بِاَللّهِ وَمُبَيّنًا لِلْأُمّةِ مَوَاقِعَ رِضَاهُ وَآمِرًا لَهُمْ بِهَا وَمَوَاقِعَ سَخَطِهِ وَنَاهِيًا لَهُمْ عَنْهَا وَمُخْبِرَهُمْ أَخْبَارَ الْأَنْبِيَاءِ وَالرّسُلِ وَأَحْوَالَهُمْ مَعَ أُمَمِهِمْ وَأَخْبَارَ تَخْلِيقِ الْعَالَمِ وَأَمْرَ الْمَبْدَأِ وَالْمَعَادِ وَكَيْفِيّةَ شَقَاوَةِ النّفُوسِ وَسَعَادَتِهَا وَأَسْبَابَ ذَلِكَ . وَأَمّا طِبّ الْأَبْدَانِ فَجَاءَ مِنْ تَكْمِيلِ شَرِيعَتِهِ وَمَقْصُودًا لِغَيْرِهِ بِحَيْثُ إنّمَا يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ فَإِذَا قَدَرَ عَلَى الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهُ كَانَ صَرْفُ الْهِمَمِ وَالْقُوَى إلَى عِلَاجِ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ وَحِفْظِ صِحّتِهَا وَدَفْعِ أَسْقَامِهَا وَحِمْيَتِهَا مِمّا يُفْسِدُهَا هُوَ الْمَقْصُودُ بِالْقَصْدِ الْأَوّلِ وَإِصْلَاحُ الْبَدَنِ بِدُونِ إصْلَاحِ الْقَلْبِ لَا يَنْفَعُ وَفَسَادُ الْبَدَنِ مَعَ إصْلَاحِ الْقَلْبِ مَضَرّتُهُ يَسِيرَةٌ جِدّا وَهِيَ مَضَرّةٌ زَائِلَةٌ تَعْقُبُهَا الْمَنْفَعَةُ الدّائِمَةُ التّامّةُ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . [ ص 23 ] ذِكْرُ الْقِسْمِ الْأَوّلِ وَهُوَ الْعِلَاجُ بِالْأَدْوِيَةِ الطّبِيعِيّةِ فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ فِي عِلَاجِ الْحُمّى ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ إنّمَا الْحُمّى أَوْ شِدّةُ الْحُمّى مِنْ فَيْحِ جَهَنّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ [ خِطَابُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَوْعَانِ عَامّ لِأَهْلِ الْأَرْضِ وَخَاصّ بِبَعْضِهِمْ ] وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ جَهَلَةِ الْأَطِبّاءِ وَرَأَوْهُ مُنَافِيًا لِدَوَاءِ الْحُمّى وَعِلَاجِهَا وَنَحْنُ نُبَيّنُ بِحَوْلِ اللّهِ وَقُوّتِهِ وَجْهَهُ وَفِقْهَهُ فَنَقُولُ خِطَابُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَوْعَانِ عَامّ لِأَهْلِ الْأَرْضِ وَخَاصّ بِبَعْضِهِمْ فَالْأَوّلُ كَعَامّةِ خِطَابِهِ وَالثّانِي : كَقَوْلِهِ لَا تَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِغَائِطٍ وَلَا بَوْلٍ وَلَا تَسْتَدْبِرُوهَا وَلَكِنْ شَرّقُوا أَوْ غَرّبُوا فَهَذَا لَيْسَ بِخِطَابٍ لِأَهْلِ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَا الْعِرَاقِ [ ص 24 ] لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَا عَلَى سَمْتِهَا كَالشّامِ وَغَيْرِهَا . وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ قِبْلَةٌ [ حَدِيثُ الْحُمّى خَاصّ بِأَهْلِ الْحِجَازِ ] وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَخِطَابُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ خَاصّ بِأَهْلِ الْحِجَازِ َمَا وَالَاهُمْ إذْ كَانَ أَكْثَرُ الْحَمِيّاتِ الّتِي تَعْرِضُ لَهُمْ مِنْ نَوْعِ الْحُمّى الْيَوْمِيّةِ الْعَرَضِيّةِ الْحَادِثَةِ عَنْ شِدّةِ حَرَارَةِ الشّمْسِ وَهَذِهِ يَنْفَعُهَا الْمَاءُ الْبَارِدُ شُرْبًا وَاغْتِسَالًا فَإِنّ الْحُمّى حَرَارَةٌ غَرِيبَةٌ تَشْتَعِلُ فِي الْقَلْبِ وَتَنْبَثّ مِنْهُ بِتَوَسّطِ الرّوحِ وَالدّمِ فِي الشّرَايِينِ وَالْعُرُوقِ إلَى جَمِيعِ الْبَدَنِ فَتَشْتَعِلُ فِيهِ اشْتِعَالًا يَضُرّ بِالْأَفْعَالِ الطّبِيعِيّةِ أَسْبَابُ الْحُمّى وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ عَرَضِيّةٌ وَهِيَ الْحَادِثَةُ إمّا عَنْ الْوَرَمِ أَوْ الْحَرَكَةِ أَوْ إصَابَةِ حَرَارَةِ الشّمْسِ أَوْ الْقَيْظِ الشّدِيدِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . وَمَرَضِيّةٌ وَهِيَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ وَهِيَ لَا تَكُونُ إلّا فِي مَادّةٍ أَوْلَى ثُمّ مِنْهَا يُسَخّنُ جَمِيعُ الْبَدَنِ . فَإِنْ كَانَ مَبْدَأَ تَعَلّقِهَا بِالرّوحِ سُمّيَتْ حُمّى يَوْمٍ لِأَنّهَا فِي الْغَالِبِ تَزُولُ فِي يَوْمٍ وَنِهَايَتُهَا ثَلَاثَةُ أَيّامٍ وَإِنْ كَانَ مَبْدَأُ تَعَلّقِهَا بِالْأَخْلَاطِ سُمّيَتْ عَفَنِيّةً وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَصْنَافٍ صَفْرَاوِيّةٌ وَسَوْدَاوِيّةٌ وَبَلْغَمِيّةٌ وَدَمَوِيّةٌ . وَإِنْ كَانَ مَبْدَأَ تَعَلّقِهَا بِالْأَعْضَاءِ الصّلْبَةِ الْأَصْلِيّةِ سُمّيَتْ حُمّى دق وَتَحْتَ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ أَصْنَافٌ كَثِيرَةٌ . وَقَدْ يَنْتَفِعُ الْبَدَنُ بِالْحُمّى انْتِفَاعًا عَظِيمًا لَا يَبْلُغُهُ الدّوَاءُ وَكَثِيرًا مَا يَكُونُ حُمّى يَوْمٍ وَحُمّى الْعَفَنِ سَبَبًا لِإِنْضَاجِ مَوَادّ غَلِيظَةٍ لَمْ تَكُنْ تَنْضَجُ بِدُونِهَا وَسَبَبًا لِتَفَتّحِ سُدَدٍ لَمْ يَكُنْ تَصِلُ إلَيْهَا الْأَدْوِيَةُ الْمُفَتّحَةُ . [ تُبْرِئُ الْحُمّى كَثِيرًا مِنْ الْأَمْرَاضِ ] وَأَمّا الرّمَدُ الْحَدِيثُ وَالْمُتَقَادِمُ فَإِنّهَا تُبْرِئُ أَكْثَرَ أَنْوَاعِهِ بُرْءًا عَجِيبًا سَرِيعًا [ ص 25 ] الِامْتِلَائِيّ وَكَثِيرًا مِنْ الْأَمْرَاضِ الْحَادِثَةِ عَنْ الْفُضُولِ الْغَلِيظَةِ . [ تَأْكِيدُ هَذَا الْقَوْلِ لِلْمُصَنّفِ مِنْ قِبَلِ بَعْضِ الْأَطِبّاءِ ] وَقَالَ لِي بَعْضُ فُضَلَاءِ الْأَطِبّاءِ إنّ كَثِيرًا مِنْ الْأَمْرَاضِ نَسْتَبْشِرُ فِيهَا بِالْحُمّى كَمَا يَسْتَبْشِرُ الْمَرِيضُ بِالْعَافِيَةِ فَتَكُونُ الْحُمّى فِيهِ أَنْفَعَ مِنْ شُرْبِ الدّوَاءِ بِكَثِيرٍ فَإِنّهَا تُنْضِجُ مِنْ الْأَخْلَاطِ وَالْمَوَادّ الْفَاسِدَةِ مَا يَضُرّ بِالْبَدَنِ فَإِذَا أَنْضَجَتْهَا صَادَفَهَا الدّوَاءُ مُتَهَيّئَةً لِلْخُرُوجِ بِنِضَاجِهَا فَأَخْرَجَهَا فَكَانَتْ سَبَبًا لِلشّفَاءِ . وَإِذَا عُرِفَ هَذَا فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادُ الْحَدِيثِ مِنْ أَقْسَامِ الْحُمّيَاتِ الْعَرَضِيّةِ فَإِنّهَا تَسْكُنُ عَلَى الْمَكَانِ بِالِانْغِمَاسِ فِي الْمَاءِ الْبَارِدِ وَسَقْيِ الْمَاءِ الْبَارِدِ الْمَثْلُوجِ وَلَا يَحْتَاجُ صَاحِبُهَا مَعَ ذَلِكَ إلَى عِلَاجٍ آخَرَ فَإِنّهَا مُجَرّدُ كَيْفِيّةٍ حَارَةٍ مُتَعَلّقَةٍ بِالرّوحِ فَيَكْفِي فِي زَوَالِهَا مُجَرّدُ وُصُولِ كَيْفِيّةٍ بَارِدَةٍ تَسْكُنُهَا وَتُخْمِدُ لَهَبَهَا مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى اسْتِفْرَاغِ مَادّةٍ أَوْ انْتِظَارِ نُضْجٍ . [ اعْتِرَافُ جالينوس بِأَنّ الْمَاءَ الْبَارِدَ يَنْفَعُ فِي الْحُمّى ] وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ جَمِيعُ أَنْوَاعِ الْحُمّيَاتِ وَقَدْ اعْتَرَفَ فَاضِلُ الْأَطِبّاءِ جالينوس : بِأَنّ الْمَاءَ الْبَارِدَ يَنْفَعُ فِيهَا قَالَ فِي الْمَقَالَةِ الْعَاشِرَةِ مِنْ كِتَابِ " حِيلَةِ الْبُرْءِ " : وَلَوْ أَنّ رَجُلًا شَابّا حَسَنَ اللّحْمِ خِصْبَ الْبَدَنِ فِي وَقْتِ الْقَيْظِ وَفِي وَقْتِ مُنْتَهَى الْحُمّى وَلَيْسَ فِي أَحْشَائِهِ وَرَمٌ اسْتَحَمّ بِمَاءٍ بَارِدٍ أَوْ سَبَحَ فِيهِ لَانْتَفَعَ بِذَلِكَ . قَالَ وَنَحْنُ نَأْمُرُ بِذَلِكَ لَا تَوَقّفَ [ ص 26 ] [ قَوْلُ الرّازِيّ ] وَقَالَ الرّازِيّ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ إذَا كَانَتْ الْقُوّةُ قَوِيّةً وَالْحُمّى حَادّةً جِدّا وَالنّضْجُ بَيّنٌ وَلَا وَرَمَ فِي الْجَوْفِ وَلَا فَتْقٌ يَنْفَعُ الْمَاءُ الْبَارِدُ شُرْبًا وَإِنْ كَانَ الْعَلِيلُ خِصْبَ الْبَدَنِ وَالزّمَانُ حَارّ وَكَانَ مُعْتَادًا لِاسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْبَارِدِ مِنْ خَارِجٍ فَلْيُؤْذَنْ فِيهِ . [ مَعْنَى الْحُمّى مِنْ فَيْحِ جَهَنّمَ ] وَقَوْلُهُ الْحُمّى مِنْ فَيْحِ جَهَنّم هُوَ شِدّةُ لَهَبِهَا وَانْتِشَارِهَا وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ شِدّةُ الْحَرّ مِنْ فَيْحِ جَهَنّمَ وَفِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : أَنّ ذَلِكَ أُنْمُوذَجٌ وَرَقِيقَةٌ اُشْتُقّتْ مِنْ جَهَنّمَ لِيَسْتَدِلّ بِهَا الْعِبَادُ عَلَيْهَا وَيَعْتَبِرُوا بِهَا ثُمّ إنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ قَدّرَ ظُهُورَهَا بِأَسْبَابٍ تَقْتَضِيهَا كَمَا أَنّ الرّوحَ وَالْفَرَحَ وَالسّرُورَ وَاللّذّةَ مِنْ نَعِيمِ الْجَنّةِ أَظْهَرَهَا اللّهُ فِي هَذِهِ الدّارِ عِبْرَةً وَدَلَالَةً وَقَدّرَ ظُهُورَهَا بِأَسْبَابٍ تُوجِبُهَا . وَالثّانِي : أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ التّشْبِيهَ فَشَبّهَ شِدّةَ الْحُمّى وَلَهَبَهَا بِفَيْحِ جَهَنّمُ وَشَبّهَ شِدّةَ الْحَرّ بِهِ أَيْضًا تَنْبِيهًا لِلنّفُوسِ عَلَى شِدّةِ عَذَابِ النّارِ وَأَنّ هَذِهِ الْحَرَارَةَ الْعَظِيمَةَ مُشَبّهَةٌ بِفَيْحِهَا وَهُوَ مَا يُصِيبُ مِنْ قُرْبٍ مِنْهَا مِنْ حَرّهَا . [ مَعْنَى فَأَبْرِدُوهَا ] وَقَوْلُهُ " فَأَبْرِدُوهَا " رُوِيَ بِوَجْهَيْنِ بِقَطْعِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا رُبَاعِيّ مِنْ أَبْرَدَ الشّيْءَ إذَا صَيّرَهُ بَارِدًا مِثْلَ أَسْخَنَهُ إذَا صَيّرَهُ سُخْنًا . وَالثّانِي : بِهَمْزَةِ الْوَصْلِ مَضْمُومَةً مِنْ بَرّدَ الشّيْءَ يُبَرّدُهُ وَهُوَ أَفْصَحُ لُغَةً وَاسْتِعْمَالًا وَالرّبَاعِيّ لُغَةٌ رَدِيئَةٌ عِنْدَهُمْ قَالَ إذَا وَجَدْتُ لَهِيبَ الْحُبّ فِي كَبِدِي أَقْبَلْتُ نَحْوَ سِقَاءِ الْقَوْمِ أَبْتَرِدُ هَبْنِي بَرَدْتُ بِبَرْدِ الْمَاءِ ظَاهِرَهُ فَمَنْ لِنَارٍ عَلَى الْأَحْشَاءِ تَتّقِدُ [ ص 27 ] [ مَعْنَى بِالْمَاءِ ] وَقَوْلُهُ " بِالْمَاءِ " فِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا : أَنّهُ كُلّ مَاءٍ وَهُوَ الصّحِيحُ . وَالثّانِي : أَنّهُ مَاءُ زَمْزَمَ وَاحْتَجّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ أَبِي جَمْرَةَ نَصْرِ بْنِ عِمْرَانَ الضّبَعِي قَالَ كُنْتُ أُجَالِسُ ابْنَ عَبّاسٍ بِمَكّة َ فَأَخَذَتْنِي الْحُمّى فَقَالَ أَبْرِدْهَا عَنْك بِمَاءِ زَمْزَمَ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ إنّ الْحُمّى مِنْ فَيْحِ جَهَنّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ أَوْ قَالَ بِمَاءِ زَمْزَمَ وَرَاوِي هَذَا قَدْ شَكّ فِيهِ وَلَوْ جَزَمَ بِهِ لَكَانَ أَمْرًا لِأَهْلِ مَكّةَ بِمَاءِ زَمْزَمَ إذْ هُوَ مُتَيَسّرٌ عِنْدَهُمْ وَلِغَيْرِهِمْ بِمَا عِنْدَهُمْ مِنْ الْمَاءِ . ثُمّ اخْتَلَفَ مَنْ قَالَ إنّهُ عَلَى عُمُومِهِ هَلْ الْمُرَادُ بِهِ الصّدَقَةُ بِالْمَاءِ أَوْ اسْتِعْمَالُهُ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَالصّحِيحُ أَنّهُ اسْتِعْمَالٌ وَأَظُنّ أَنّ الّذِي حَمَلَ مَنْ قَالَ الْمُرَادُ الصّدَقَةُ بِهِ أَنّهُ أَشْكَلَ عَلَيْهِ اسْتِعْمَالُ الْمَاءِ الْبَارِدِ فِي الْحُمّى وَلَمْ يَفْهَمْ وَجْهَهُ مَعَ أَنّ لِقَوْلِهِ وَجْهًا حَسَنًا وَهُوَ أَنّ الْجَزَاءَ مِنْ جِنْسِ الْعَمَلِ فَكَمَا أَخْمَدَ لَهِيبَ الْعَطَشِ عَنْ الظّمْآنِ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ أَخْمَدَ اللّهُ لَهِيبَ الْحُمّى عَنْهُ جَزَاءً وِفَاقًا وَلَكِنّ هَذَا يُؤْخَذُ مِنْ فِقْهِ الْحَدِيثِ وَإِشَارَتِهِ وَأَمّا الْمُرَادُ بِهِ فَاسْتِعْمَالُهُ . وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ إذَا حُمّ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُشّ عَلَيْهِ الْمَاءَ الْبَارِدَ ثَلَاثَ لَيَالٍ مِنْ السّحَر [ ص 28 ] سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ الْحُمّى كِيرٌ مِنْ كِيرِ جَهَنّمَ فَنَحّوهَا عَنْكُمْ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ وَفِي " الْمُسْنَدِ " وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ يَرْفَعُهُ الْحُمّى قِطْعَةٌ مِنْ النّارِ فَأَبْرِدُوهَا عَنْكُمْ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا حُمّ دَعَا بِقِرْبَةٍ مِنْ مَاءٍ فَأَفْرَغَهَا عَلَى رَأْسِهِ فَاغْتَسَلَ وَفِي " السّنَنِ " : مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ ذُكِرَتْ الْحُمّى عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَسَبّهَا رَجُلٌ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا تَسُبّهَا فَإِنّهَا تَنْفِي الذّنُوبَ كَمَا تَنْفِي النّارُ خَبَثَ الْحَدِيدِ لِمَا كَانَتْ الْحُمّى يَتْبَعُهَا حَمِيّةٌ عَنْ الْأَغْذِيَةِ الرّدِيئَةِ وَتَنَاوُلِ الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ النّافِعَةِ وَفِي ذَلِكَ إعَانَةٌ عَلَى تَنْقِيَةِ الْبَدَنِ وَنَفْيُ أَخْبَاثِهِ وَفُضُولِهِ وَتَصْفِيَتِهِ مِنْ مَوَادّهِ الرّدِيئَةِ وَتَفْعَلُ فِيهِ كَمَا تَفْعَلُ النّارُ فِي الْحَدِيدِ فِي نَفْيِ خَبَثِهِ وَتَصْفِيَةِ جَوْهَرِهِ كَانَتْ أَشْبَهَ الْأَشْيَاءِ بِنَارِ الْكِيرِ الّتِي تُصَفّي جَوْهَرَ الْحَدِيدِ وَهَذَا الْقَدْرُ هُوَ الْمَعْلُومُ عِنْدَ أَطِبّاءِ الْأَبْدَانِ . [ الْحُمّى تَنْفَعُ الْبَدَنَ وَالْقَلْبَ ] وَأَمّا تَصْفِيَتُهَا الْقَلْبَ مِنْ وَسَخِهِ وَدَرَنِهِ وَإِخْرَاجَهَا خَبَائِثَهُ فَأَمْرٌ يَعْلَمُهُ أَطِبّاءُ الْقُلُوبِ وَيَجِدُونَهُ كَمَا أَخْبَرَهُمْ بِهِ نَبِيّهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَكِنْ مَرَضُ الْقَلْبِ إذَا [ ص 29 ] صَارَ مَأْيُوسًا مِنْ بُرْئِهِ لَمْ يَنْفَعْ فِيهِ هَذَا الْعِلَاجُ . فَالْحُمّى تَنْفَعُ الْبَدَنَ وَالْقَلْبَ وَمَا كَانَ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَسَبّهُ ظُلْمٌ وَعُدْوَانٌ وَذَكَرْت مَرّةً وَأَنَا مَحْمُومٌ قَوْلَ بَعْضِ الشّعَرَاءِ يَسُبّهَا : زَارَتْ مُكَفّرَةُ الذّنُوبِ وَوَدّعَت تَبّا لَهَا مِنْ زَائِرٍ وَمُوَدّعِ قَالَتْ وَقَدْ عَزَمْت عَلَى تَرْحَالِهَا مَاذَا تُرِيدُ فَقُلْتُ أَنْ لَا تَرْجِعِي فَقُلْت : تَبّا لَهُ إذْ سَبّ مَا نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ سَبّهِ وَلَوْ قَالَ زَارَتْ مُكَفّرَةُ الذّنُوبِ لِصَبّهَا أَهْلًا بِهَا مِنْ زَائِرٍ وَمُوَدّع قَالَتْ وَقَدْ عَزَمَتْ عَلَى تَرْحَالِهَا مَاذَا تُرِيدُ فَقُلْت : أَنْ لَا تُقْلِعِي لَكَانَ أَوْلَى بِهِ وَلَأَقْلَعَتْ عَنْهُ فَأَقْلَعَتْ عَنّي سَرِيعًا . وَقَدْ رُوِيَ فِي أَثَرٍ لَا أَعْرِفُ حَالَهُ حُمّى يَوْمٍ كَفّارَةُ سَنَةٍ وَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا : أَنّ الْحُمّى تَدْخُلُ فِي كُلّ الْأَعْضَاءِ وَالْمَفَاصِلِ وَعِدّتُهَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتّونَ مَفْصِلًا فَتُكَفّرُ عَنْهُ - بِعَدَدِ كُلّ مَفْصِلٍ - ذُنُوبَ يَوْمٍ . وَالثّانِي : أَنّهَا تُؤَثّرُ فِي الْبَدَنِ تَأْثِيرًا لَا يَزُولُ بِالْكُلّيّةِ إلَى سَنَةٍ كَمَا قِيلَ فِي قَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ لَمْ تُقْبَلْ لَهُ صَلَاةٌ أَرْبَعِينَ يَوْمًا إنّ أَثَرَ الْخَمْرِ يَبْقَى فِي جَوْفِ الْعَبْدِ وَعُرُوقِهِ وَأَعْضَائِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَاَللّهُ أَعْلَمُ [ ص 30 ] قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : مَا مِنْ مَرَضٍ يُصِيبُنِي أَحَبّ إلَيّ مِنْ الْحُمّى لِأَنّهَا تَدْخُلُ فِي كُلّ عُضْوٍ مِنّي وَإِنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ يُعْطِي كُلّ عُضْوٍ حَظّهُ مِنْ الْأَجْرِ وَقَدْ رَوَى التّرْمِذِيّ فِي " جَامِعِهِ " مِنْ حَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ يَرْفَعُهُ إذَا أَصَابَتْ أَحَدَكُمْ الْحُمّى - وَإِنّ الْحُمّى قِطْعَةٌ مِنْ النّارِ - فَلْيُطْفِئْهَا بِالْمَاءِ الْبَارِدِ وَيَسْتَقْبِلْ نَهَرًا جَارِيًا فَلْيَسْتَقْبِلْ جَرْيَةَ الْمَاءِ بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ طُلُوعِ الشّمْسِ وَلْيَقُلْ بِسْمِ اللّهِ اللّهُمّ اشْفِ عَبْدَك وَصَدّقْ رَسُولَك وَيَنْغَمِسُ فِيهِ ثَلَاثَ غَمَسَاتٍ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ فَإِنْ بَرِئَ وَإِلّا فَفِي خَمْسٍ فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي خَمْسٍ فَسَبْعٌ فَإِنْ لَمْ يَبْرَأْ فِي سَبْعٍ فَتِسْعٌ فَإِنّهَا لَا تَكَادُ تُجَاوِزُ تِسْعًا بِإِذْنِ اللّهِ قُلْت : وَهُوَ يَنْفَعُ فِعْلُهُ فِي فَصْلِ الصّيْفِ فِي الْبِلَادِ الْحَارّةِ عَلَى الشّرَائِطِ الّتِي تَقَدّمَتْ فَإِنّ الْمَاءَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ أَبْرَدُ مَا يَكُونُ لِبُعْدِهِ عَنْ مُلَاقَاةِ الشّمْسِ وَوُفُورِ الْقُوَى فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لَمّا أَفَادَهَا النّوُمُ وَالسّكُونُ وَبَرْدُ الْهَوَاءِ فَتَجْتَمِعُ فِيهِ قُوّةُ الْقُوَى وَقُوّةُ الدّوَاءِ وَهُوَ الْمَاءُ الْبَارِدُ عَلَى حَرَارَةِ الْحُمّى الْعَرَضِيّةِ أَوْ الْغِبّ الْخَالِصَةِ أَعْنِي الّتِي لَا وَرَمَ مَعَهَا وَلَا شَيْءَ مِنْ الْأَعْرَاضِ الرّدِيئَةِ وَالْمَوَادّ الْفَاسِدَةِ فَيُطْفِئُهَا بِإِذْنِ اللّهِ لَا سِيّمَا فِي أَحَدِ الْأَيّامِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ وَهِيَ الْأَيّامُ الّتِي يَقَعُ فِيهَا بُحْرَانُ الْأَمْرَاضِ الْحَادّةِ كَثِيرًا سِيّمَا فِي الْبِلَادِ الْمَذْكُورَةِ لِرِقّةِ أَخْلَاطِ سُكّانِهَا وَسُرْعَةِ انْفِعَالِهِمْ عَنْ الدّوَاءِ النّافِعِ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ فِي عِلَاجِ اسْتِطْلَاقِ الْبَطْنِ [ عِلَاجُهُ بِالْعَسَلِ ] فِي " الصّحِيحَيْنِ " : مِنْ حَدِيثِ أَبِي الْمُتَوَكّلِ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أَنّ رَجُلًا أَتَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ إنّ أَخِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ وَفِي رِوَايَةٍ اسْتَطْلَقَ بَطْنَهُ فَقَالَ [ ص 31 ] اسْقِهِ عَسَلًا " فَذَهَبَ ثُمّ رَجَعَ فَقَالَ قَدْ سَقَيْته فَلَمْ يُغْنِ عَنْهُ شَيْئًا وَفِي لَفْظٍ فَلَمْ يَزِدْهُ إلّا اسْتِطْلَاقًا مَرّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا كُلّ ذَلِكَ يَقُولُ لَهُ اسْقِهِ عَسَلًا " فَقَالَ لَهُ فِي الثّالِثَةِ أَوْ الرّابِعَةِ صَدَقَ اللّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيكَ وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " فِي لَفْظٍ لَهُ " إنّ أَخِي عَرِبَ بَطْنُهُ " أَيْ فَسَدَ هَضْمُهُ وَاعْتَلّتْ مَعِدَتُهُ وَالِاسْمُ الْعَرَبُ بِفَتْحِ الرّاءِ وَالذّرَبُ أَيْضًا . [ مَنَافِعُ الْعَسَلِ ] وَالْعَسَلُ فِيهِ مَنَافِعُ عَظِيمَةٌ فَإِنّهُ جَلَاءٌ لِلْأَوْسَاخِ الّتِي فِي الْعُرُوقِ وَالْأَمْعَاءِ وَغَيْرِهَا مُحَلّلٌ لِلرّطُوبَاتِ أَكْلًا وَطِلَاءً نَافِعٌ لِلْمَشَايِخِ وَأَصْحَابِ الْبَلْغَمِ وَمَنْ كَانَ مِزَاجُهُ بَارِدًا رَطْبًا وَهُوَ مُغَذّ مُلَيّنٌ لِلطّبِيعَةِ حَافِظٌ لِقُوَى الْمَعَاجِين وَلِمَا اُسْتُوْدِعَ فِيهِ مَذْهَبٌ لِكَيْفِيّاتِ الْأَدْوِيَةِ الْكَرِيهَةِ مُنَقّ لِلْكَبِدِ وَالصّدْرِ مُدِرّ لِلْبَوْلِ مُوَافِقٌ لِلسّعَالِ الْكَائِنِ عَنْ الْبَلْغَمِ وَإِذَا شُرِبَ حَارّا بِدُهْنِ الْوَرْدِ نَفْعٌ مِنْ نَهْشِ الْهَوَامّ وَشُرْبِ الْأَفْيُونِ وَإِنْ شُرِبَ وَحْدَهُ مَمْزُوجًا بِمَاءٍ نَفَعَ مِنْ عَضّةِ الْكَلْبِ الْكَلِبِ وَأَكْلِ الْفُطُرِ الْقَتّالِ وَإِذَا جُعِلَ فِيهِ اللّحْمُ الطّرِيّ حَفِظَ طَرَاوَتَهُ ثَلَاثَةَ أَشْهُرٍ وَكَذَلِكَ إنْ جُعِلَ فِيهِ الْقِثّاءُ وَالْخِيَارُ وَالْقَرْعُ وَالْبَاذِنْجَانُ وَيَحْفَظُ كَثِيرًا مِنْ الْفَاكِهَةِ سِتّةَ أَشْهُرٍ وَيَحْفَظُ جُثّةَ الْمَوْتَى وَيُسَمّى الْحَافِظَ الْأَمِينَ . وَإِذَا لُطّخَ بِهِ الْبَدَنُ الْمُقَمّلُ وَالشّعْرُ قَتَلَ قَمْلَهُ وَصِئْبَانَهُ وَطَوّلَ الشّعَرَ وَحَسّنَهُ وَنَعّمَهُ وَإِنْ اكْتَحَلَ بِهِ جَلَا ظُلْمَةَ الْبَصَرِ وَإِنْ اُسْتُنّ بِهِ بَيّضَ الْأَسْنَانَ وَصَقَلَهَا وَحَفِظَ صِحّتَهَا وَصِحّةَ اللّثَةِ وَيَفْتَحُ أَفْوَاهَ الْعُرُوقِ وَيُدِرّ الطّمْثَ وَلَعْقُهُ عَلَى الرّيقِ يُذْهِبُ الْبَلْغَمَ وَيَغْسِلُ خَمْلَ الْمَعِدَةِ وَيَدْفَعُ الْفَضَلَاتِ عَنْهَا وَيُسَخّنُهَا تَسْخِينًا مُعْتَدِلًا وَيَفْتَحُ سَدَدَهَا وَيَفْعَلُ ذَلِكَ بِالْكَبِدِ وَالْكُلَى وَالْمَثَانَةِ وَهُوَ أَقَلّ ضَرَرًا لِسُدَدِ الْكَبِدِ وَالطّحَالِ مِنْ كُلّ حُلْوٍ . وَهُوَ مَعَ هَذَا كُلّهِ مَأْمُونُ الْغَائِلَةِ قَلِيلُ الْمَضَارّ مُضِرّ بِالْعَرْضِ لِلصّفْرَاوِيّيْنِ [ ص 32 ] وَنَحْوِهِ فَيَعُودُ حِينَئِذٍ نَافِعًا لَهُ جِدّا . وَهُوَ غِذَاءٌ مَعَ الْأَغْذِيَةِ وَدَوَاءٌ مَعَ الْأَدْوِيَةِ وَشَرَابٌ مَعَ الْأَشْرِبَةِ وَحُلْوٌ مَعَ الْحَلْوَى وَطِلَاءٌ مَعَ الْأطْلِيَةِ وَمُفَرّحٌ مَعَ الْمُفَرّحَات فَمَا خُلِقَ لَنَا شَيْءٌ فِي مَعْنَاهُ أَفْضَلَ مِنْهُ وَلَا مِثْلَهُ وَلَا قَرِيبًا مِنْهُ وَلَمْ يَكُنْ مُعَوّلُ الْقُدَمَاءِ إلّا عَلَيْهِ وَأَكْثَرُ كُتُبِ الْقُدَمَاءِ لَا ذِكْرَ فِيهَا لِلسّكْرِ الْبَتّةَ وَلَا يَعْرِفُونَهُ فَإِنّهُ حَدِيثُ الْعَهْدِ حَدَثَ قَرِيبًا وَكَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَشْرَبُهُ بِالْمَاءِ عَلَى الرّيقِ وَفِي ذَلِكَ سِرّ بَدِيعٌ فِي حِفْظِ الصّحّةِ لَا يُدْرِكُهُ إلّا الْفَطِنُ الْفَاضِلُ وَسَنَذْكُرُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللّهُ عِنْدَ ذِكْرِ هَدْيِهِ فِي حِفْظِ الصّحّةِ . وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَنْ لَعِقَ الْعَسَلَ ثَلَاثَ غَدَوَاتٍ كُلّ شَهْرٍ لَمْ يُصِبْهُ عَظِيمٌ مِنْ الْبَلَاءِ وَفِي أَثَرٍ آخَرَ عَلَيْكُمْ بِالشّفَاءَيْنِ الْعَسَلِ وَالْقُرْآن فَجَمَعَ بَيْنَ الطّبّ الْبَشَرِيّ وَالْإِلَهِيّ وَبَيْنَ طِبّ الْأَبْدَانِ وَطِبّ الْأَرْوَاحِ وَبَيْنَ الدّوَاءِ الْأَرْضِيّ وَالدّوَاءِ السّمَائِيّ . إذَا عُرِفَ هَذَا فَهَذَا الّذِي وَصَفَ لَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعَسَلَ كَانَ اسْتِطْلَاقُ بَطْنه عَنْ تُخَمَةٍ أَصَابَتْهُ عَنْ امْتِلَاءٍ فَأَمَرَهُ بِشُرْبِ الْعَسَلِ لِدَفْعِ الْفُضُولِ الْمُجْتَمِعَةِ فِي نَوَاحِي الْمَعِدَةِ وَالْأَمْعَاءِ فَإِنّ الْعَسَلَ فِيهِ جِلَاءٌ وَدَفْعٌ لِلْفُضُولِ وَكَانَ قَدْ أَصَابَ الْمَعِدَةَ أَخْلَاطٌ لَزِجَةٌ تَمْنَعُ اسْتِقْرَارَ الْغِذَاءِ فِيهَا لِلُزُوجَتِهَا فَإِنّ الْمَعِدَةَ لَهَا خَمْلٌ كَخَمْلِ الْقَطِيفَةِ فَإِذَا عَلِقَتْ بِهَا الْأَخْلَاطُ اللّزِجَةُ أَفْسَدَتْهَا [ ص 33 ] يَجْلُوهَا مِنْ تِلْكَ الْأَخْلَاطِ وَالْعَسَلُ جِلَاءٌ وَالْعَسَلُ مِنْ أَحْسَنِ مَا عُولِجَ بِهِ هَذَا الدّاءُ لَا سِيّمَا إنْ مُزِجَ بِالْمَاءِ الْحَارّ . [ فَائِدَةُ تَكْرَارِ سَقْيِ الْعَسَلِ ] وَفِي تَكْرَارِ سَقْيِهِ الْعَسَلَ مَعْنًى طِبّيّ بَدِيعٌ وَهُوَ أَنّ الدّوَاءَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ لَهُ مِقْدَارٌ وَكَمّيّةٌ بِحَسْبِ حَالِ الدّاءِ إنْ قَصِرَ عَنْهُ لَمْ يُزِلْهُ بِالْكُلّيّةِ وَإِنْ جَاوَزَهُ . أَوْهَى الْقُوَى فَأَحْدَثَ ضَرَرًا آخَرَ فَلَمّا أَمَرَهُ أَنْ يَسْقِيَهُ الْعَسَلَ سَقَاهُ مِقْدَارًا لَا يَفِي بِمُقَاوَمَةِ الدّاءِ وَلَا يَبْلُغُ الْغَرَضَ فَلَمّا أَخْبَرَهُ عَلِمَ أَنّ الّذِي سَقَاهُ لَا يَبْلُغُ مِقْدَارَ الْحَاجَةِ فَلَمّا تَكَرّرَ تَرْدَادُهُ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَكّدَ عَلَيْهِ الْمُعَاوَدَةَ لِيَصِلَ إلَى الْمِقْدَارِ الْمُقَاوِمِ لِلدّاءِ فَلَمّا تَكَرّرَتْ الشّرَبَاتُ بِحَسْبِ مَادّةِ الدّاءِ بَرَأَ بِإِذْنِ اللّهِ وَاعْتِبَارُ مَقَادِيرِ الْأَدْوِيَةِ وَكَيْفِيّاتِهَا وَمِقْدَارِ قُوّةِ الْمَرَضِ مَرَضٌ مِنْ أَكْبَرِ قَوَاعِدِ الطّبّ . [ مَعْنَى صَدَقَ اللّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيك ] " وَفِي قَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَدَقَ اللّهُ وَكَذَبَ بَطْنُ أَخِيك إشَارَةً إلَى تَحْقِيقِ نَفْعِ هَذَا الدّوَاءِ وَأَنّ بَقَاءَ الدّاءِ لَيْسَ لِقُصُورِ الدّوَاءِ فِي نَفْسِهِ وَلَكِنْ لِكَذِبِ الْبَطْنِ وَكَثْرَةِ الْمَادّةِ الْفَاسِدَةِ فِيهِ فَأَمَرَهُ بِتَكْرَارِ الدّوَاءِ لِكَثْرَةِ الْمَادّةِ . وَلَيْسَ طِبّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَطِبّ الْأَطِبّاءِ فَإِنّ طِبّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُتَيَقّنٌ قَطْعِيّ إلَهِيّ صَادِرٌ عَنْ الْوَحْيِ وَمِشْكَاةِ النّبُوّةِ وَكَمَالِ الْعَقْلِ . وَطِبّ غَيْرِهِ أَكْثَرُهُ حَدْسٌ وَظُنُونٌ وَتَجَارِبُ وَلَا يُنْكَرُ عَدَمُ انْتِفَاعِ كَثِيرٍ مِنْ الْمَرْضَى بِطِبّ النّبُوّةِ فَإِنّهُ إنّمَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ تَلَقّاهُ بِالْقَبُولِ وَاعْتِقَادِ الشّفَاءِ بِهِ وَكَمَالِ التّلَقّي لَهُ بِالْإِيمَانِ وَالْإِذْعَانِ فَهَذَا الْقُرْآنُ الّذِي هُوَ شِفَاءٌ لِمَا فِي الصّدُورِ - إنْ لَمْ يُتَلَقّ هَذَا التّلَقّي - لَمْ يَحْصُلْ بِهِ شِفَاءُ الصّدُورِ مِنْ أَدْوَائِهَا بَلْ لَا يَزِيدُ الْمُنَافِقِينَ إلّا رِجْسًا إلَى رِجْسِهِمْ وَمَرَضًا إلَى مَرَضِهِمْ وَأَيْنَ يَقَعُ طِبّ الْأَبْدَانِ مِنْهُ فَطِبّ النّبُوّةِ لَا يُنَاسِبُ إلّا الْأَبْدَانَ الطّيّبَةَ كَمَا أَنّ شِفَاءَ الْقُرْآنِ لَا يُنَاسِبُ إلّا الْأَرْوَاحَ الطّيّبَةَ وَالْقُلُوبَ الْحَيّةَ فَإِعْرَاضُ النّاسِ عَنْ طِبّ النّبُوّةِ كَإِعْرَاضِهِمْ عَنْ الِاسْتِشْفَاءِ بِالْقُرْآنِ الّذِي هُوَ الشّفَاءُ النّافِعُ وَلَيْسَ ذَلِكَ لِقُصُورٍ فِي الدّوَاءِ وَلَكِنْ لِخُبْثِ الطّبِيعَةِ وَفَسَادِ الْمَحَلّ وَعَدَمِ قَبُولِهِ وَاَللّهُ الْمُوَفّقُ . [ ص 34 ] فَصْلٌ [ بَيَانُ أَنّ الْعَسَلَ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنّاسِ ] وَقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنّاسِ } [ النّحْلُ 69 ] هَلْ الضّمِيرُ فِي " فِيهِ " رَاجِعٌ إلَى الشّرَابِ أَوْ رَاجِعٌ إلَى الْقُرْآنِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ الصّحِيحُ رُجُوعُهُ إلَى الشّرَابِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عَبّاسٍ وَالْحَسَن ِ وَقَتَادَةَ وَالْأَكْثَرِينَ فَإِنّهُ هُوَ الْمَذْكُورُ وَالْكَلَامُ سِيقَ لَأَجْلِهِ وَلَا ذِكْرَ لِلْقُرْآنِ فِي الْآيَةِ وَهَذَا الْحَدِيثُ الصّحِيحُ وَهُوَ قَوْلُهُ " صَدَقَ اللّهُ " كَالصّرِيحِ فِيهِ وَاَللّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ فِي الطّاعُونِ وَعِلَاجِهِ وَالِاحْتِرَازِ مِنْهُ فِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ عَنْ أَبِيهِ أَنّهُ سَمِعَهُ يَسْأَلُ أُسَامَةَ بْنَ زَيْدٍ : مَاذَا سَمِعْتَ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الطّاعُونِ ؟ فَقَالَ أُسَامَةُ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الطّاعُونُ رِجْزٌ أُرْسِلَ عَلَى طَائِفَةٍ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ وَعَلَى مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ فَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِ وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهَا فِرَارًا مِنْهُ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " أَيْضًا : عَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ قَالَتْ قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ : قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الطّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلّ مُسْلِمٍ [ ص 35 ] [ مَا هُوَ الطّاعُونُ ] الطّاعُونُ - مِنْ حَيْثُ اللّغَةِ - نَوْعٌ مِنْ الْوَبَاءِ قَالَهُ صَاحِبُ " الصّحَاحِ " وَهُوَ عِنْدَ أَهْلِ الطّبّ : وَرَمٌ رَدِيءٌ قَتّالٌ يَخْرُجُ مَعَهُ تَلَهّبٌ شَدِيدٌ مُؤْلِمٌ جِدّا يَتَجَاوَزُ الْمِقْدَارَ فِي ذَلِكَ وَيَصِيرُ مَا حَوْلَهُ فِي الْأَكْثَرِ أَسْوَدَ أَوْ أَخْضَرَ أَوْ أَكْمَدَ وَيَئُولُ أَمْرُهُ إلَى التّقَرّحِ سَرِيعًا . وَفِي الْأَكْثَرِ يَحْدُثُ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي الْإِبْطِ وَخَلْفَ الْأُذُنِ وَالْأَرْنَبَةِ وَفِي اللّحُومِ الرّخْوَةِ . وَفِي أَثَرٍ عَنْ عَائِشَةَ أَنّهَا قَالَتْ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الطّعْنُ قَدْ عَرَفْنَاهُ فَمَا الطّاعُونُ ؟ قَالَ غُدّةٌ كَغُدّةِ الْبَعِيرِ يَخْرُجُ فِي الْمَرَاقّ وَالْإِبْط قَالَ الْأَطِبّاءُ إذَا وَقَعَ الْخَرّاجُ فِي اللّحُومِ الرّخْوَةِ وَالْمَغَابِنِ وَخَلْفَ الْأُذُنِ وَالْأَرْنَبَةِ وَكَانَ مِنْ جِنْسٍ فَاسِدٍ سُمّيَ طَاعُونًا وَسَبَبُهُ دَمٌ رَدِيءٌ مَائِلٌ إلَى الْعُفُونَةِ وَالْفَسَادِ مُسْتَحِيلٌ إلَى جَوْهَرٍ سُمِيّ يُفْسِدُ الْعُضْوَ وَيُغَيّرُ مَا يَلِيهِ وَرُبّمَا رَشَحَ دَمًا وَصَدِيدًا وَيُؤَدّي إلَى الْقَلْبِ كَيْفِيّة رَدِيئَة فَيَحْدُثُ الْقَيْءُ وَالْخَفَقَانُ وَالْغَشْيُ وَهَذَا الِاسْمُ وَإِنْ كَانَ يَعُمّ كُلّ وَرَمٍ يُؤَدّي إلَى الْقَلْبِ كَيْفِيّة رَدِيئَة حَتّى يَصِيرَ لِذَلِكَ قَتّالًا فَإِنّهُ يَخْتَصّ بِهِ الْحَادِثُ فِي اللّحْمِ الْغُدَدِيّ لِأَنّهُ لِرَدَاءَتِهِ لَا يَقْبَلُهُ مِنْ الْأَعْضَاءِ إلّا مَا كَانَ أَضْعَفَ بِالطّبْعِ وَأَرْدَؤُهُ مَا حَدَثَ فِي الْإِبِطِ وَخَلْفَ الْأُذُنِ لِقُرْبِهِمَا مِنْ الْأَعْضَاءِ الّتِي هِيَ أَرْأَسُ وَأَسْلَمُهُ الْأَحْمَرُ ثُمّ الْأَصْفَرُ . وَاَلّذِي إلَى السّوَادِ فَلَا يَفْلِتُ مِنْهُ أَحَدٌ . وَلَمّا كَانَ الطّاعُونُ يَكْثُرُ فِي الْوَبَاءِ وَفِي الْبِلَادِ الْوَبِيئَةِ عَبّرَ عَنْهُ بِالْوَبَاءِ كَمَا قَالَ الْخَلِيلُ الْوَبَاءُ الطّاعُونُ . وَقِيلَ هُوَ كُلّ مَرَضٍ يَعُمّ وَالتّحْقِيقُ أَنّ بَيْنَ الْوَبَاءِ [ ص 36 ] وَبَاءٌ وَلَيْسَ كُلّ وَبَاءٍ طَاعُونًا وَكَذَلِكَ الْأَمْرَاضُ الْعَامّةُ أَعَمّ مِنْ الطّاعُونِ فَإِنّهُ وَاحِدٌ مِنْهَا وَالطّوَاعِينُ خَرّاجَاتٌ وَقُرُوحٌ وَأَوْرَامٌ رَدِيئَةٌ حَادِثَةٌ فِي الْمَوَاضِعِ الْمُتَقَدّمِ ذِكْرُهَا . [ آثَارُ الطّاعُونِ ] قُلْت : هَذِهِ الْقُرُوحُ وَالْأَوْرَامُ وَالْجِرَاحَاتُ هِيَ آثَارُ الطّاعُونِ وَلَيْسَتْ نَفْسَهُ وَلَكِنّ الْأَطِبّاءَ لِمَا لَمْ تُدْرِكْ مِنْهُ إلّا الْأَثَرَ الظّاهِرَ جَعَلُوهُ نَفْسَ الطّاعُونِ . وَالطّاعُونُ يُعَبّرُ بِهِ عَنْ ثَلَاثَةِ أُمُورٍ أَحَدُهَا : هَذَا الْأَثَرُ الظّاهِرُ وَهُوَ الّذِي ذَكَرَهُ الْأَطِبّاءُ . وَالثّانِي : الْمَوْتُ الْحَادِثُ عَنْهُ وَهُوَ الْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ الصّحِيحِ فِي قَوْلِهِ الطّاعُونُ شَهَادَةٌ لِكُلّ مُسْلِمٍ وَالثّالِثُ السّبَبُ الْفَاعِلُ لِهَذَا الدّاءِ وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصّحِيحِ أَنّهُ بَقِيّةُ رِجْزٍ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ وَوَرَدَ فِيهِ " أَنّهُ وَخْزُ الْجِن " وَجَاءَ أَنّهُ دَعْوَةُ نَبِيّ . [ بَيَانُ مَا لِلْجِنّ مِنْ تَأْثِيرٍ فِي الطّاعُونِ - وَكَيْفِيّةُ دَفْعِهِ ] وَهَذِهِ الْعِلَلُ وَالْأَسْبَابُ لَيْسَ عِنْدَ الْأَطِبّاءِ مَا يَدْفَعُهَا كَمَا لَيْسَ عِنْدَهُمْ مَا يَدُلّ عَلَيْهَا وَالرّسُلُ تُخْبَرُ بِالْأُمُورِ الْغَائِبَةِ وَهَذِهِ الْآثَارُ الّتِي أَدْرَكُوهَا مِنْ أَمْرِ الطّاعُونِ لَيْسَ مَعَهُمْ مَا يَنْفِي أَنْ تَكُونَ بِتَوَسّطِ الْأَرْوَاحِ فَإِنّ تَأْثِيرَ الْأَرْوَاحِ فِي الطّبِيعَةِ وَأَمْرَاضِهَا وَهَلَاكِهَا أَمْرٌ لَا يُنْكِرُهُ إلّا مَنْ هُوَ أَجْهَلُ النّاسِ بِالْأَرْوَاحِ وَتَأْثِيرَاتِهَا وَانْفِعَالِ الْأَجْسَامِ وَطَبَائِعِهَا عَنْهَا وَاَللّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ يَجْعَلُ لِهَذِهِ الْأَرْوَاحِ تَصَرّفًا فِي أَجْسَامِ بَنِي آدَمَ عِنْدَ حُدُوثِ الْوَبَاءِ وَفَسَادِ الْهَوَاءِ كَمَا يُجْعَلُ لَهَا تَصَرّفًا عِنْدَ بَعْضِ الْمَوَادّ الرّدِيئَةِ الّتِي تُحْدِثُ لِلنّفُوسِ هَيْئَةً رَدِيئَةً وَلَا سِيّمَا عِنْدَ هَيَجَانِ الدّمِ وَالْمِرّةِ السّوْدَاءِ وَعِنْدَ هَيَجَانِ الْمَنِيّ فَإِنّ الْأَرْوَاحَ الشّيْطَانِيّةَ تَتَمَكّنُ مِنْ فِعْلِهَا بِصَاحِبِ [ ص 37 ] أَقْوَى مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ مِنْ الذّكْرِ وَالدّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ وَالتّضَرّعِ وَالصّدَقَةِ وَقِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فَإِنّهُ يَسْتَنْزِلُ بِذَلِكَ مِنْ الْأَرْوَاحِ الْمَلَكِيّةِ مَا يَقْهَرُ هَذِهِ الْأَرْوَاحَ الْخَبِيثَةَ وَيُبْطِلُ شَرّهَا وَيَدْفَعُ تَأْثِيرَهَا وَقَدْ جَرّبْنَا نَحْنُ وَغَيْرُنَا هَذَا مِرَارًا لَا يُحْصِيهَا إلّا اللّهُ وَرَأَيْنَا لِاسْتِنْزَالِ هَذِهِ الْأَرْوَاحِ الطّيّبَةِ وَاسْتِجْلَابِ قُرْبِهَا تَأْثِيرًا عَظِيمًا فِي تَقْوِيَةِ الطّبِيعَةِ وَدَفْعِ الْمَوَادّ الرّدِيئَةِ وَهَذَا يَكُونُ قَبْلَ اسْتِحْكَامِهَا وَتَمَكّنِهَا وَلَا يَكَادُ يَنْخَرِمُ فَمَنْ وَفّقَهُ اللّهُ بَادَرَ عِنْدَ إحْسَاسِهِ بِأَسْبَابِ الشّرّ إلَى هَذِهِ الْأَسْبَابِ الّتِي تَدْفَعُهَا عَنْهُ وَهِيَ لَهُ مِنْ أَنْفَعِ الدّوَاءِ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ إنْفَاذَ قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ أَغْفَلَ قَلْبَ الْعَبْدِ عَنْ مَعْرِفَتِهَا وَتَصَوّرِهَا وَإِرَادَتِهَا فَلَا يَشْعُرُ بِهَا وَلَا يُرِيدُهَا لِيَقْضِيَ اللّهُ فِيهِ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا . وَسَنَزِيدُ هَذَا الْمَعْنَى إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى إيضَاحًا وَبَيَانًا عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَى التّدَاوِي بِالرّقَى وَالْعُوَذِ النّبَوِيّةِ وَالْأَذْكَارِ وَالدّعَوَاتِ وَفِعْلِ الْخَيْرَاتِ وَنُبَيّنُ أَنّ نِسْبَةَ طِبّ الْأَطِبّاءِ إلَى هَذَا الطّبّ النّبَوِيّ كَنِسْبَةِ طِبّ الطّرْقِيّةِ وَالْعَجَائِزِ إلَى طِبّهِمْ كَمَا اعْتَرَفَ بِهِ حُذّاقُهُمْ وَأَئِمّتُهُمْ وَنُبَيّنُ أَنّ الطّبِيعَةَ الْإِنْسَانِيّةَ أَشَدّ شَيْءٍ انْفِعَالًا عَنْ الْأَرْوَاحِ وَأَنّ قُوَى الْعُوَذِ وَالرّقَى وَالدّعَوَاتِ فَوْقَ قُوَى الْأَدْوِيَةِ حَتّى إنّهَا تُبْطِلُ قُوَى السّمُومِ الْقَاتِلَةِ . [ فَسَادُ الْهَوَاءِ جُزْءٌ مِنْ أَسْبَابِ الطّاعُونِ وَبَيَانُ حَالِهِ فِي الْفُصُولِ ] وَالْمَقْصُودِ أَنّ فَسَادَ الْهَوَاءِ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ السّبَبِ التّامّ وَالْعِلّةِ الْفَاعِلَةِ لِلطّاعُونِ فَإِنّ فَسَادَ جَوْهَرِ الْهَوَاءِ الْمُوجِبِ لِحُدُوثِ الْوَبَاءِ وَفَسَادِهِ يَكُونُ لِاسْتِحَالَةِ جَوْهَرِهِ إلَى الرّدَاءَةِ لِغَلَبَةِ إحْدَى الْكَيْفِيّاتِ الرّدِيئَةِ عَلَيْهِ كَالْعُفُونَةِ وَالنّتِنِ وَالسّمَيّةِ فِي أَيّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ أَوْقَاتِ السّنَةِ وَإِنْ كَانَ أَكْثَرُ حُدُوثِهِ فِي أَوَاخِرِ الصّيْفِ وَفِي الْخَرِيفِ غَالِبًا لِكَثْرَةِ اجْتِمَاعِ الْفَضَلَاتِ الْمَرَارِيّةِ الْحَادّةِ وَغَيْرِهَا فِي فَصْلِ الصّيْفِ وَعَدَمِ تَحَلّلِهَا فِي آخِرِهِ وَفِي الْخَرِيفِ لِبَرْدِ الْجَوّ وَرَدْغَةِ الْأَبْخِرَةِ وَالْفَضَلَاتِ الّتِي كَانَتْ تَتَحَلّلُ فِي زَمَنِ الصّيْفِ . فَتَنْحَصِرُ فَتَسْخَنُ وَتُعَفّنُ فَتُحْدِثُ الْأَمْرَاضَ الْعَفِنَةَ وَلَا سِيّمَا إذَا صَادَفَتْ الْبَدَنَ مُسْتَعَدّا قَابِلًا رَهَلًا قَلِيلَ [ ص 38 ] وَأَصَحّ الْفُصُولِ فِيهِ فَصْلُ الرّبِيعِ . قَالَ إِبّقْرَاط : إنّ فِي الْخَرِيفِ أَشَدّ مَا تَكُونُ مِنْ الْأَمْرَاضِ وَأَقْتَلُ وَأَمّا الرّبِيعُ فَأَصَحّ الْأَوْقَاتِ كُلّهَا وَأَقَلّهَا مَوْتًا وَقَدْ جَرَتْ عَادَةُ الصّيَادِلَةِ وَمُجَهّزِي الْمَوْتَى أَنّهُمْ يَسْتَدِينُونَ وَيَتَسَلّفُونَ فِي الرّبِيعِ وَالصّيْفِ عَلَى فَصْلِ الْخَرِيفِ فَهُوَ رَبِيعُهُمْ وَهُمْ أَشْوَقُ شَيْءٍ إلَيْهِ وَأَفْرَحُ بِقُدُومِهِ وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثِ إذَا طَلَعَ النّجْمُ ارْتَفَعَتْ الْعَاهَةُ عَنْ كُلّ بَلَدٍ . وَفُسّرَ بِطُلُوعِ الثّرَيّا وَفُسّرَ بِطُلُوعِ النّبَاتِ زَمَنَ الرّبِيعِ وَمِنْهُ { وَالنّجْمُ وَالشّجَرُ يَسْجُدَانِ } [ الرّحْمَنُ 7 ] فَإِنّ كَمَالَ طُلُوعِهِ وَتَمَامَهُ يَكُونُ فِي فَصْلِ الرّبِيعِ وَهُوَ الْفَصْلُ الّذِي تَرْتَفِعُ فِيهِ الْآفَاتُ . وَأَمّا الثّرَيّا فَالْأَمْرَاضُ تَكْثُرُ وَقْتَ طُلُوعِهَا مَعَ الْفَجْرِ وَسُقُوطِهَا . قَالَ التّمِيمِيّ فِي كِتَابِ " مَادّةِ الْبَقَاءِ " : أَشَدّ أَوْقَاتِ السّنَةِ فَسَادًا وَأَعْظَمُهَا بَلِيّةً عَلَى الْأَجْسَادِ وَقْتَانِ أَحَدُهُمَا : وَقْتُ سُقُوطِ الثّرَيّا لِلْمَغِيبِ عِنْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ . [ ص 39 ] وَالثّانِي : وَقْتَ طُلُوعِهَا مِنْ الْمَشْرِقِ قَبْلَ طُلُوعِ الشّمْسِ عَلَى الْعَالَمِ بِمَنْزِلَةٍ مِنْ مَنَازِلِ الْقَمَرِ وَهُوَ وَقْتُ تَصَرّمٍ فَصْلُ الرّبِيعِ وَانْقِضَائِهِ غَيْرَ أَنّ الْفَسَادَ الْكَائِنَ عِنْدَ طُلُوعِهَا أَقَلّ ضَرَرًا مِنْ الْفَسَادِ الْكَائِنِ عِنْدَ سُقُوطِهَا . وَقَالَ أَبُو مُحَمّدِ بْنُ قُتَيْبَةَ يُقَالُ مَا طَلَعَتْ الثّرَيّا وَلَا نَأْتِ إلّا بِعَاهَةٍ فِي النّاسِ وَالْإِبِلِ وَغُرُوبُهَا أَعْوَهُ مِنْ طُلُوعِهَا . وَفِي الْحَدِيثِ قَوْلٌ ثَالِثٌ - وَلَعَلّهُ أَوْلَى الْأَقْوَالِ بِهِ - أَنّ الْمُرَادَ بِالنّجْمِ الثّرَيّا وَبِالْعَاهَةِ الْآفَةُ الّتِي تُلْحِقُ الزّرُوعَ وَالثّمَارَ فِي فَصْلِ الشّتَاءِ وَصَدْرِ فَصْلِ الرّبِيعِ فَحَصَلَ الْأَمْنُ عَلَيْهَا عِنْدَ طُلُوعِ الثّرَيّا فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ وَلِذَلِكَ نَهَى صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ بَيْعِ الثّمَرَةِ وَشِرَائِهَا قَبْلَ أَنْ يَبْدُوَ صَلَاحُهَا . وَالْمَقْصُودُ الْكَلَامُ عَلَى هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عِنْدَ وُقُوعِ الطّاعُونِ . فَصْلٌ [النّهْيُ عَنْ الدّخُولِ إلَى أَرْضِ الطّاعُونِ أَوْ الْخُرُوجِ مِنْهَا ] وَقَدْ جَمَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلْأُمّةِ فِي نَهْيِهِ عَنْ الدّخُولِ إلَى الْأَرْضِ الّتِي هُوَ بِهَا وَنَهْيهِ عَنْ الْخُرُوجِ مِنْهَا بَعْدَ وُقُوعِهِ كَمَالِ التّحَرّزِ مِنْهُ فَإِنّ فِي الدّخُولِ فِي الْأَرْضِ الّتِي هُوَ بِهَا تَعَرّضًا لِلْبَلَاءِ وَمُوَافَاةً لَهُ فِي مَحَلّ سُلْطَانِهِ وَإِعَانَةً لِلْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَهَذَا مُخَالِفٌ لِلشّرْعِ وَالْعَقْلِ بَلْ تَجَنّبُ الدّخُولِ إلَى أَرْضِهِ مِنْ بَابِ الْحِمْيَةِ الّتِي أَرْشَدَ اللّهُ سُبْحَانَهُ إلَيْهَا وَهِيَ حَمِيّةٌ عَنْ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَهْوِيَةِ الْمُؤْذِيَةِ . [ مَعْنَى النّهْيِ عَنْ الْخُرُوجِ مِنْ الْبَلَدِ ] وَأَمّا نَهْيُهُ عَنْ الْخُرُوجِ مِنْ بَلَدِهِ فَفِيهِ مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا : حَمْلُ النّفُوسِ عَلَى الثّقَةِ بِاَللّهِ وَالتّوَكّلِ عَلَيْهِ وَالصّبْرِ عَلَى أَقْضِيَتِهِ وَالرّضَى بِهَا . [ يَجِبُ عَلَى الْمَطْعُونِ السّكُونُ وَالدّعَةُ وَهُوَ مُنَافٍ لِلسّفَرِ ] وَالثّانِي : مَا قَالَهُ أَئِمّةُ الطّبّ : أَنّهُ يَجِبُ عَلَى كُلّ مُحْتَرِزٍ مِنْ الْوَبَاءِ أَنْ يُخْرِجَ [ ص 40 ] الرّيَاضَةَ وَالْحُمَامَ فَإِنّهُمَا مِمّا يَجِبُ أَنْ يُحْذَرَا لِأَنّ الْبَدَنَ لَا يَخْلُو غَالِبًا مِنْ فَضْلٍ رَدِيءٍ كَامِنٍ فِيهِ فَتُثِيرُهُ الرّيَاضَةُ وَالْحُمَامُ وَيَخْلِطَانِهِ بالكيموس الْجَيّدِ وَذَلِكَ يَجْلِبُ عِلّةً عَظِيمَةً بَلْ يَجِبُ عِنْدَ وُقُوعِ الطّاعُونِ السّكُونُ وَالدّعَةُ وَتَسْكِينُ هَيَجَانِ الْأَخْلَاطِ وَلَا يُمْكِنُ الْخُرُوجُ مِنْ أَرْضِ الْوَبَاءِ وَالسّفَرِ مِنْهَا إلّا بِحَرَكَةٍ شَدِيدَةٍ وَهِيَ مُضِرّةٌ جِدّا هَذَا كَلَامُ أَفْضَلِ الْأَطِبّاءِ الْمُتَأَخّرِينَ فَظَهَرَ الْمَعْنَى الطّبّيّ مِنْ الْحَدِيثِ النّبَوِيّ وَمَا فِيهِ مِنْ عِلَاجِ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ وَصَلَاحِهِمَا . فَإِنْ قِيلَ فَفِي قَوْلِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ مَا يُبْطِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَادَ هَذَا الْمَعْنَى الّذِي ذَكَرْتُمُوهُ وَأَنّهُ لَا يَمْنَعُ الْخُرُوجَ لِعَارِضٍ وَلَا يُحْبَسُ مُسَافِرًا عَنْ سَفَرِهِ ؟ قِيلَ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ طَبِيبٌ وَلَا غَيْرُهُ إنّ النّاسَ يَتْرُكُونَ حَرَكَاتِهِمْ عِنْدَ الطّوَاعِينِ وَيَصِيرُونَ بِمَنْزِلَةِ الْجَمَادَاتِ وَإِنّمَا يَنْبَغِي فِيهِ التّقَلّلُ مِنْ الْحَرَكَةِ بِحَسْبِ الْإِمْكَانِ وَالْفَارّ مِنْهُ لَا مُوجِبَ لِحَرَكَتِهِ إلّا مُجَرّدَ الْفِرَارِ مِنْهُ وَدَعَتُهُ وَسُكُونُهُ أَنْفَعُ لِقَلْبِهِ وَبَدَنِهِ وَأَقْرَبُ إلَى تَوَكّلِهِ عَلَى اللّهِ تَعَالَى وَاسْتِسْلَامِهِ لِقَضَائِهِ . وَأَمّا مَنْ لَا يَسْتَغْنِي عَنْ الْحَرَكَةِ كَالصّنّاعِ وَالْأُجَرَاءِ وَالْمُسَافِرِينَ وَالْبُرُدِ وَغَيْرِهِمْ فَلَا يُقَالُ لَهُمْ اُتْرُكُوا حَرَكَاتِكُمْ جُمْلَةً وَإِنْ أُمِرُوا أَنْ يَتْرُكُوا مِنْهَا مَا لَا حَاجَةَ لَهُمْ إلَيْهِ كَحَرَكَةِ الْمُسَافِرِ فَارّا مِنْهُ وَاَللّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . [ حُكْمُ الْمَنْعِ مِنْ الدّخُولِ ] وَفِي الْمَنْعِ مِنْ الدّخُولِ إلَى الْأَرْضِ الّتِي قَدْ وَقَعَ بِهَا عِدّةُ حِكَمٍ أَحَدُهَا : تَجَنّبُ الْأَسْبَابِ الْمُؤْذِيَةِ وَالْبُعْدُ مِنْهَا . الثّانِي : الْأَخْذُ بِالْعَافِيَةِ الّتِي هِيَ مَادّةُ الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ . الثّالِثُ أَنْ لَا يَسْتَنْشِقُوا الْهَوَاءَ الّذِي قَدْ عَفِنَ وَفَسَدَ فَيَمْرَضُونَ . [ ص 41 ] بِمُجَاوَرَتِهِمْ مِنْ جِنْسِ أَمْرَاضِهِمْ . وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " مَرْفُوعًا : إنّ مِنْ الْقَرَفِ التّلَفَ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : الْقَرَفُ مُدَانَاةُ الْوَبَاءِ وَمُدَانَاةُ الْمَرْضَى . [حَمِيّةُ النّفُوسِ عَنْ الْعَدْوَى وَالطّيَرَةِ ] الْخَامِسُ حَمِيّةُ النّفُوسِ عَنْ الطّيَرَةِ وَالْعَدْوَى فَإِنّهَا تَتَأَثّرُ بِهِمَا فَإِنّ الطّيَرَةَ عَلَى مَنْ تَطَيّرَ بِهَا وَبِالْجُمْلَةِ فَفِي النّهْيِ عَنْ الدّخُولِ فِي أَرْضِهِ الْأَمْرُ بِالْحَذَرِ وَالْحِمْيَةِ وَالنّهْيِ عَنْ التّعَرّضِ لِأَسْبَابِ التّلَفِ . وَفِي النّهْيِ عَنْ الْفِرَارِ مِنْهُ الْأَمْرُ بِالتّوَكّلِ وَالتّسْلِيمِ وَالتّفْوِيضِ فَالْأَوّلُ تَأْدِيبٌ وَتَعْلِيمٌ وَالثّانِي : تَفْوِيضٌ وَتَسْلِيمٌ . [ قِصّةُ عُمَرَ فِي امْتِنَاعِهِ عَنْ دُخُولِ الشّامِ لِوُقُوعِ الطّاعُونِ بِهَا ] وَفِي الصّحِيحِ أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ خَرَجَ إلَى الشّامِ حَتّى إذَا كَانَ بِسَرْغَ لَقِيَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ وَأَصْحَابُهُ فَأَخْبَرُوهُ أَنّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشّامِ فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ لِابْنِ عَبّاسٍ اُدْعُ لِي الْمُهَاجِرِينَ الْأَوّلِينَ قَالَ فَدَعَوْتهمْ فَاسْتَشَارَهُمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنّ الْوَبَاءَ قَدْ وَقَعَ بِالشّامِ فَاخْتَلَفُوا فَقَالَ لَهُ بَعْضُهُمْ خَرَجْتَ لِأَمْرٍ فَلَا نَرَى أَنْ تَرْجِعَ عَنْهُ . وَقَالَ آخَرُونَ مَعَك بَقِيّةُ النّاسِ وَأَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَا نَرَى أَنْ تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَقَالَ عُمَرُ ارْتَفَعُوا عَنّي ثُمّ قَالَ اُدْعُ لِي الْأَنْصَارَ فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ فَاسْتَشَارَهُمْ فَسَلَكُوا سَبِيلَ الْمُهَاجِرِينَ وَاخْتَلَفُوا كَاخْتِلَافِهِمْ فَقَالَ ارْتَفِعُوا عَنّي ثُمّ قَالَ اُدْعُ لِي مِنْ هَا هُنَا مِنْ مَشْيَخَةِ قُرَيْشٍ مِنْ مُهَاجِرَةِ الْفَتْحِ فَدَعَوْتُهُمْ لَهُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَلَيْهِ مِنْهُمْ رَجُلَانِ قَالُوا : نَرَى أَنْ تَرْجِعَ بِالنّاسِ وَلَا تُقْدِمَهُمْ عَلَى هَذَا الْوَبَاءِ فَأَذِنَ عُمَرُ فِي النّاسِ إنّي مُصْبِحٌ عَلَى ظَهْرٍ فَأَصْبَحُوا عَلَيْهِ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَفِرَارًا مَنْ قَدَرِ اللّهِ تَعَالَى ؟ قَالَ لَوْ غَيْرُك قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ نَعَمْ نَفِرّ مِنْ قَدَرِ اللّهِ تَعَالَى إلَى قَدَرِ اللّهِ [ ص 42 ] كَانَ لَك إبِلٌ فَهَبَطَتْ وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ إحْدَاهُمَا - خِصْبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ أَلَسْت إنْ رَعَيْتهَا الْخِصْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللّهِ تَعَالَى وَإِنْ رَعَيْتهَا الْجَدْبَةَ رَعَيْتَهَا بِقَدَرِ اللّهِ تَعَالَى ؟ قَالَ فَجَاءَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَكَانَ مُتَغَيّبًا فِي بَعْضِ حَاجَاتِهِ فَقَالَ إنّ عِنْدِي فِي هَذَا عِلْمًا سَمِعْتُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ إذَا كَانَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلَا تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ وَإِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْضٍ فَلَا تَقْدَمُوا عَلَيْهِ فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ فِي دَاءِ الِاسْتِسْقَاءِ وَعِلَاجِهِ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ " قَدِمَ رَهْطٌ مِنْ عَرِينَةَ وَعُكْلٍ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَاجْتَوَوْا الْمَدِينَةَ فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ " لَوْ خَرَجْتُمْ إلَى إبِلِ الصّدَقَةِ فَشَرِبْتُمْ مِنْ أَبْوَالِهَا وَأَلْبَانِهَا فَفَعَلُوا فَلَمّا صَحّوا عَمِدُوا إلَى الرّعَاةِ فَقَتَلُوهُمْ وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ وَحَارَبُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ فَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي آثَارِهِمْ فَأَخَذُوا فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَسَمَلَ أَعْيُنَهُمْ وَأَلْقَاهُمْ فِي الشّمْسِ حَتّى مَاتُوا " . [ ص 43 ] كَانَ الِاسْتِسْقَاءُ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنّهُمْ قَالُوا : إنّا اجْتَوَيْنَا الْمَدِينَةَ فَعَظُمَتْ بُطُونَنَا وَارْتَهَشَتْ أَعْضَاؤُنَا وَذَكَرَ تَمَامَ الْحَدِيثِ . .. وَالْجَوَى : دَاءٌ مِنْ أَدْوَاءِ الْجَوْفِ - وَالِاسْتِسْقَاءُ مَرَضٌ مَادّيّ سَبَبُهُ مَادّةٌ غَرِيبَةٌ بَارِدَةٌ تَتَخَلّلُ الْأَعْضَاءَ فَتَرْبُو لَهَا إمّا الْأَعْضَاءُ الظّاهِرَةُ كُلّهَا وَإِمّا الْمَوَاضِعُ الْخَالِيَةُ مِنْ النّوَاحِي الّتِي فِيهَا تَدْبِيرُ الْغِذَاءِ وَالْأَخْلَاطُ وَأَقْسَامُهُ ثَلَاثَةٌ لَحْمِيّ وَهُوَ أَصْعَبُهَا . وزقي وَطَبْلِيّ . [ عِلّةُ الِاسْتِشْفَاءِ بِأَبْوَالِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا ] وَلَمّا كَانَتْ الْأَدْوِيَةُ الْمُحْتَاجُ إلَيْهَا فِي عِلَاجِهِ هِيَ الْأَدْوِيَةُ الْجَالِبَةُ الّتِي فِيهَا إطْلَاقٌ مُعْتَدِلٌ وَإِدْرَارٌ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ وَهَذِهِ الْأُمُورُ مَوْجُودَةٌ فِي أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَأَلْبَانِهَا أَمَرَهُمْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِشُرْبِهَا فَإِنّ فِي لَبَنِ اللّقَاحِ جَلَاءً وَتَلْيِينًا وَإِدْرَارًا وَتَلْطِيفًا وَتَفْتِيحًا لِلسّدَدِ إذْ كَانَ أَكْثَرُ رَعْيِهَا الشّيحُ وَالْقَيْصُومُ وَالْبَابُونَجُ وَالْأُقْحُوَانُ وَالْإِذْخِرُ وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْأَدْوِيَةِ النّافِعَةِ لِلِاسْتِسْقَاءِ . وَهَذَا الْمَرَضُ لَا يَكُونُ إلّا مَعَ آفَةٍ فِي الْكَبِدِ خَاصّةً أَوْ مَعَ مُشَارَكَةٍ وَأَكْثَرُهَا عَنْ السّدَدِ فِيهَا وَلَبَنُ اللّقَاحِ الْعَرَبِيّةِ نَافِعٌ مِنْ السّدَدِ لِمَا فِيهِ مِنْ التّفْتِيحِ وَالْمَنَافِعِ الْمَذْكُورَةِ . قَالَ الرّازِيّ : لَبَنُ اللّقَاحِ يَشْفِي أَوْجَاعَ الْكَبِدِ وَفَسَادَ الْمِزَاجِ وَقَالَ الْإِسْرَائِيلِيّ لَبَنُ اللّقَاحِ أَرَقّ الْأَلْبَانِ وَأَكْثَرُهَا مَائِيّةً وَحِدّةً وَأَقَلّهَا غِذَاءً فَلِذَلِكَ صَارَ أَقْوَاهَا عَلَى تَلْطِيفِ الْفُضُولِ وَإِطْلَاقِ الْبَطْنِ وَتَفْتِيحِ السّدَدِ وَيَدُلّ عَلَى ذَلِكَ مُلُوحَتُهُ الْيَسِيرَةُ الّتِي فِيهِ لِإِفْرَاطِ حَرَارَةٍ حَيَوَانِيّةٍ بِالطّبْعِ وَلِذَلِكَ صَارَ أَخَصّ الْأَلْبَانِ بِتَطْرِيَةِ الْكَبِدِ وَتَفْتِيحِ سَدَدِهَا وَتَحْلِيلِ صَلَابَةِ الطّحَالِ إذَا كَانَ حَدِيثًا [ ص 44 ] وَجَبَ أَنْ يُطْلَقَ بِدَوَاءٍ مُسَهّلٍ . قَالَ صَاحِبُ " الْقَانُونِ " : وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى مَا يُقَالُ مِنْ أَنّ طَبِيعَةَ اللّبَنِ مُضَادّةٌ لِعِلَاجِ الِاسْتِسْقَاءِ . قَالَ وَاعْلَمْ أَنّ لَبَنَ النّوقِ دَوَاءٌ نَافِعٌ لِمَا فِيهِ مِنْ الْجَلَاءِ بِرِفْقٍ وَمَا فِيهِ مِنْ خَاصّيّةٍ وَأَنّ هَذَا اللّبَنَ شَدِيدُ الْمَنْفَعَةِ فَلَوْ أَنّ إنْسَانًا أَقَامَ عَلَيْهِ بَدَلَ الْمَاءِ وَالطّعَامِ شُفِيَ بِهِ وَقَدْ جُرّبَ ذَلِكَ فِي قَوْمٍ دَفَعُوا إلَى بِلَادِ الْعَرَبِ فَقَادَتْهُمْ الضّرُورَةُ إلَى ذَلِكَ فَعُوفُوا . وَأَنْفَعُ الْأَبْوَالِ بَوْلُ الْجَمَلِ الْأَعْرَابِيّ وَهُوَ النّجِيبُ انْتَهَى . [ طَهَارَةُ بَوْلٍ مَأْكُولِ اللّحْمِ ] وَفِي الْقِصّةِ دَلِيلٌ عَلَى التّدَاوِي وَالتّطَبّبِ وَعَلَى طَهَارَةِ بَوْلِ مَأْكُولِ اللّحْمِ فَإِنّ التّدَاوِي بِالْمُحَرّمَاتِ غَيْرُ جَائِزٍ وَلَمْ يُؤْمَرُوا مَعَ قُرْبِ عَهْدِهِمْ بِالْإِسْلَامِ بِغَسْلِ أَفْوَاهِهِمْ وَمَا أَصَابَتْهُ ثِيَابُهُمْ مِنْ أَبْوَالِهَا لِلصّلَاةِ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ لَا يَجُوزُ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ . [مُقَاتَلَةُ الْجَانِي بِمِثْلِ مَا فَعَلَ ] وَعَلَى مُقَاتَلَةِ الْجَانِي بِمِثْلِ مَا فَعَلَ فَإِنّ هَؤُلَاءِ قَتَلُوا الرّاعِيَ وَسَمَلُوا عَيْنَيْهِ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " . وَعَلَى قَتْلِ الْجَمَاعَةِ وَأَخْذِ أَطْرَافِهِمْ بِالْوَاحِدِ . [ اجْتِمَاعُ الْحَدّ وَالْقِصَاصِ ] وَعَلَى أَنّهُ إذَا اجْتَمَعَ فِي حَقّ الْجَانِي حَدّ وَقِصَاصٌ اسْتَوْفَيَا مَعًا فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ حَدّا لِلّهِ عَلَى حِرَابِهِمْ وَقَتَلَهُمْ لِقَتْلِهِمْ الرّاعِيَ . [ ص 45 ] أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ فِي مَقَامٍ وَاحِدٍ وَقُتِلَ . [إذَا تَعَدّدَتْ الْجِنَايَاتُ تَغَلّظَتْ عُقُوبَاتُهَا ] وَعَلَى أَنّ الْجِنَايَاتِ إذَا تَعَدّدَتْ تَغَلّظَتْ عُقُوبَاتُهَا فَإِنّ هَؤُلَاءِ ارْتَدّوا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ وَقَتَلُوا النّفْسَ وَمَثّلُوا بِالْمَقْتُولِ وَأَخَذُوا الْمَالَ وَجَاهَرُوا بِالْمُحَارَبَةِ . [ حُكْمُ رَدْءِ الْمُحَارِبِينَ حُكْمُ مُبَاشِرِهِمْ ] وَعَلَى أَنّ حُكْمَ رَدْءِ الْمُحَارِبِينَ حُكْمُ مُبَاشِرِهِمْ فَإِنّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنّ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ لَمْ يُبَاشِرْ الْقَتْلَ بِنَفْسِهِ وَلَا سَأَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ ذَلِكَ . [ قَتْلُ الْغِيلَةِ يُوجِبُ قَتْلَ الْقَاتِلِ حَدّا ] وَعَلَى أَنّ قَتْلَ الْغِيلَةِ يُوجِبُ قَتْلَ الْقَاتِلِ حَدّا فَلَا يُسْقِطُهُ الْعَفْوُ وَلَا تُعْتَبَرُ فِيهِ الْمُكَافَأَةُ وَهَذَا مَذْهَب ُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَد َ اخْتَارَهُ شَيْخُنَا وَأَفْتَى بِهِ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ فِي عِلَاجِ الْجُرْحِ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنّهُ سَمِعَ سَهْلَ بْنَ سَعْدٍ يَسْأَلُ عَمّا دُووِيَ بِهِ جُرْحُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ " جُرِحَ وَجْهُهُ وَكُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَهُشِمَتْ الْبَيْضَةُ عَلَى رَأْسِهِ وَكَانَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَغْسِلُ الدّمَ وَكَانَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَسْكُبُ عَلَيْهَا بِالْمِجَنّ فَلَمّا رَأَتْ فَاطِمَةُ الدّمَ لَا يَزِيدُ إلّا كَثْرَةً أَخَذَتْ قِطْعَةَ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا حَتّى إذَا صَارَتْ رَمَادًا أَلْصَقَتْهُ بِالْجُرْحِ فَاسْتَمْسَكَ الدّمُ " بِرَمَادِ الْحَصِيرِ الْمَعْمُولِ مِنْ الْبَرْدِيّ وَلَهُ فِعْلٌ قَوِيّ فِي حَبْسِ الدّمِ لِأَنّ فِيهِ تَجْفِيفًا قَوِيّا وَقِلّةَ لَذْعٍ فَإِنّ الْأَدْوِيَةَ الْقَوِيّةَ التّجْفِيفِ إذَا كَانَ فِيهَا لَذْعٌ [ ص 46 ] أَنْفِ الرّاعِفِ قُطِعَ رُعَافُهُ . وَقَالَ صَاحِبُ " الْقَانُونِ " : الْبَرْدِيّ يَنْفَعُ مِنْ النّزْفِ وَيَمْنَعُهُ وَيُذَرّ عَلَى الْجِرَاحَاتِ الطّرِيّةِ فَيُدْمِلُهَا وَالْقِرْطَاسُ الْمِصْرِيّ كَانَ قَدِيمًا يُعْمَلُ مِنْهُ وَمِزَاجُهُ بَارِدٌ يَابِسٌ وَرَمَادُهُ نَافِعٌ مِنْ أَكَلَةِ الْفَمِ وَيَحْبِسُ نَفَثَ الدّمِ وَيَمْنَعُ الْقُرُوحَ الْخَبِيثَةَ أَنْ تَسْعَى . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ فِي الْعِلَاجِ بِشُرْبِ الْعَسَلِ وَالْحِجَامَةِ وَالْكَيّ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " : عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ الشّفَاءُ فِي ثَلَاثٍ : شَرْبَةِ عَسَلٍ وَشَرْطَةِ مِحْجَمٍ وَكَيّةِ نَارٍ وَأَنَا أَنْهَى أُمّتِي عَنْ الْكَيّ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ الْمَازِرِيّ : الْأَمْرَاضُ الِامْتِلَائِيّة : إمّا أَنْ تَكُونَ دَمَوِيّةً أَوْ صَفْرَاوِيّةً أَوْ بَلْغَمِيّةً أَوْ سَوْدَاوِيّةً . فَإِنْ كَانَتْ دَمَوِيّةً فَشِفَاؤُهَا إخْرَاجُ الدّمِ وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْأَقْسَامِ الثّلَاثَةِ الْبَاقِيَةِ فَشِفَاؤُهَا بِالْإِسْهَالِ الّذِي يَلِيقُ بِكُلّ خَلْطٍ مِنْهَا وَكَأَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَبّهَ بِالْعَسَلِ عَلَى الْمُسَهّلَاتِ وَبِالْحِجَامَةِ عَلَى الْفَصْدِ وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النّاسِ إنّ الْفَصْدَ يَدْخُلُ فِي قَوْلِهِ شُرْطَةِ مِحْجَمٍ . فَإِذَا أَعْيَا الدّوَاءُ فَآخِرُ الطّبّ الْكَيّ فَذَكَرَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْأَدْوِيَةِ لِأَنّهُ يُسْتَعْمَلُ عِنْدَ غَلَبَةِ الطّبَاعِ لِقُوَى الْأَدْوِيَةِ وَحَيْثُ لَا يَنْفَعُ الدّوَاءُ الْمَشْرُوبُ . وَقَوْلُهُ وَأَنَا أَنْهَى أُمّتِي عَنْ الْكَيّ وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ وَمَا أُحِبّ أَنْ أَكْتَوِيَ إشَارَةً إلَى أَنْ يُؤَخّرَ الْعِلَاجَ بِهِ حَتّى [ ص 47 ] أَضْعَفَ مِنْ أَلَمِ الْكَيّ انْتَهَى كَلَامُهُ . [الْأَمْرَاضُ الْمِزَاجِيّةُ وَعِلَاجُهَا ] وَقَالَ بَعْضُ الْأَطِبّاءِ الْأَمْرَاضُ الْمِزَاجِيّةُ إمّا أَنْ تَكُونَ بِمَادّةٍ أَوْ بِغَيْرِ مَادّةٍ وَالْمَادّيّةُ مِنْهَا : إمّا حَارّةٌ أَوْ بَارِدَةٌ أَوْ رَطْبَةٌ أَوْ يَابِسَةٌ أَوْ مَا تَرَكّبَ مِنْهَا وَهَذِهِ الْكَيْفِيّاتُ الْأَرْبَعُ مِنْهَا كَيْفِيّتَانِ فَاعِلَتَانِ وَهُمَا الْحَرَارَةُ وَالْبُرُودَةُ وَكَيْفِيّتَانِ مُنْفَعِلَتَانِ وَهُمَا الرّطُوبَةُ وَالْيُبُوسَةُ وَيَلْزَمُ مِنْ غَلَبَةِ إحْدَى الْكَيْفِيّتَيْنِ الْفَاعِلَتَيْنِ اسْتِصْحَابُ كَيْفِيّةٍ مُنْفَعِلَةٍ مَعَهَا وَكَذَلِكَ كَانَ لِكُلّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَخْلَاطِ الْمَوْجُودَةِ فِي الْبَدَنِ وَسَائِرِ الْمُرَكّبَاتِ كَيْفِيّتَانِ فَاعِلَةٌ وَمُنْفَعِلَةٌ . [ الْعِلَاجُ بِإِخْرَاجِ الدّمِ ] فَحَصَلَ مِنْ ذَلِكَ أَنّ أَصْلَ الْأَمْرَاضِ الْمِزَاجِيّةِ هِيَ التّابِعَةُ لِأَقْوَى كَيْفِيّاتِ الْأَخْلَاطِ الّتِي هِيَ الْحَرَارَةُ وَالْبُرُودَةُ فَجَاءَ كَلَامُ النّبُوّةِ فِي أَصْلِ مُعَالَجَةِ الْأَمْرَاضِ الّتِي هِيَ الْحَارّةُ وَالْبَارِدَةُ عَلَى طَرِيقِ التّمْثِيلِ فَإِنْ كَانَ الْمَرَضُ حَارّا عَالَجْنَاهُ بِإِخْرَاجِ الدّمِ بِالْفَصْدِ كَانَ أَوْ بِالْحِجَامَةِ لِأَنّ فِي ذَلِكَ اسْتِفْرَاغًا لِلْمَادّةِ وَتَبْرِيدًا لِلْمِزَاجِ . وَإِنْ كَانَ بَارِدًا عَالَجْنَاهُ بِالتّسْخِينِ وَذَلِكَ مَوْجُودٌ فِي الْعَسَلِ فَإِنْ كَانَ يَحْتَاجُ مَعَ ذَلِكَ إلَى اسْتِفْرَاغِ الْمَادّةِ الْبَارِدَةِ فَالْعَسَلُ أَيْضًا يَفْعَلُ فِي ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِنْضَاجِ وَالتّقْطِيعِ وَالتّلْطِيفِ وَالْجَلَاءِ وَالتّلْيِينِ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ اسْتِفْرَاغُ تِلْكَ الْمَادّةِ بِرِفْقٍ وَأَمْنٍ مِنْ نِكَايَةِ الْمُسَهّلَاتِ الْقَوِيّةِ . [ الْعِلَاجُ بِالْكَيّ]ِ وَأَمّا الْكَيّ فَلِأَنّ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَاضِ الْمَادّيّةِ إمّا أَنْ يَكُونَ حَادّا فَيَكُونُ سَرِيعَ الْإِفْضَاءِ لِأَحَدِ الطّرَفَيْنِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهِ وَإِمّا أَنْ يَكُونَ مُزْمِنًا وَأَفْضَلُ عِلَاجِهِ بَعْدَ الِاسْتِفْرَاغِ الْكَيّ فِي الْأَعْضَاءِ الّتِي يَجُوزُ فِيهَا الْكَيّ لِأَنّهُ لَا يَكُونُ مُزْمِنًا إلّا عَنْ مَادّةٍ بَارِدَةٍ غَلِيظَةٍ قَدْ رَسَخَتْ فِي الْعُضْوِ وَأَفْسَدَتْ مِزَاجَهُ وَأَحَالَتْ جَمِيعَ مَا يَصِلُ إلَيْهِ إلَى مُشَابَهَةِ جَوْهَرِهَا فَيَشْتَعِلُ فِي ذَلِكَ الْعُضْوِ فَيُسْتَخْرَجُ بِالْكَيّ تِلْكَ الْمَادّةُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ الّذِي هُوَ فِيهِ بِإِفْنَاءِ الْجُزْءِ النّارِيّ الْمَوْجُودِ بِالْكَيّ لِتِلْكَ الْمَادّةِ . [ ص 48 ] أَخْذَ مُعَالَجَةِ الْأَمْرَاضِ الْمَادّيّةِ جَمِيعِهَا كَمَا اسْتَنْبَطْنَا مُعَالَجَةَ الْأَمْرَاضِ السّاذَجَةِ مِنْ قَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ شِدّةَ الْحُمّى مِنْ فَيْحِ جَهَنّمَ فَأَبْرِدُوهَا بِالْمَاءِ . فَصْلٌ [ الْعِلَاجُ بِالْحِجَامَةِ ] وَأَمّا الْحِجَامَةُ فَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " مِنْ حَدِيثِ جُبَارَةَ بْنِ الْمُغَلّسِ - وَهُوَ ضَعِيفٌ - عَنْ كَثِيرِ بْنِ سُلَيْمٍ قَالَ سَمِعْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا مَرَرْتُ لَيْلَةً أُسْرِيَ بِي بِمَلَإٍ إلّا قَالُوا : يَا مُحَمّدُ مُرْ أُمّتَكَ بِالْحِجَامَة وَرَوَى التّرْمِذِيّ فِي " جَامِعِهِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ عَلَيْك بِالْحِجَامَةِ يَا مُحَمّدُ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : مِنْ حَدِيثِ طَاوُوسٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ احْتَجَمَ وَأَعْطَى الْحَجّامَ أَجْرَهُ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " أَيْضًا عَنْ حُمَيْدٍ الطّوِيلِ عَنْ أَنَسٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَجَمَهُ أَبُو طَيْبَةَ فَأَمَرَ لَهُ بِصَاعَيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَكَلّمَ مَوَالِيَهُ فَخَفّفُوا عَنْهُ مِنْ ضَرِيبَتِهِ وَقَالَ خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ [ ص 49 ] وَفِي " جَامِعِ التّرْمِذِيّ " عَنْ عَبّادِ بْنِ مَنْصُورٍ قَالَ سَمِعْت عِكْرِمَةَ يَقُولُ كَانَ لِابْنِ عَبّاسٍ غِلْمَةٌ ثَلَاثَةٌ حَجّامُونَ فَكَانَ اثْنَانِ يُغَلّانِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَهْلِهِ وَوَاحِدٌ لِحَجْمِهِ وَحَجْمِ أَهْلِهِ . قَالَ وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : قَالَ نَبِيّ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نِعْمَ الْعَبْدُ الْحَجّامُ يَذْهَبُ بِالدّمِ وَيُخِفّ الصّلْبَ وَيَجْلُو الْبَصَرَ وَقَالَ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَيْثُ عُرِجَ بِهِ مَا مَرّ عَلَى مَلَإٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ إلّا قَالُوا : عَلَيْكَ بِالْحِجَامَةِ وَقَال : إنّ خَيْرَ مَا تَحْتَجِمُونَ فِيهِ يَوْمَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَيَوْمَ تِسْعَ عَشْرَةَ وَيَوْمَ إحْدَى وَعِشْرِينَ وَقَالَ إنّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ السّعُوطُ وَاللّدُودُ وَالْحِجَامَةُ وَالْمَشْيُ وَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لُدّ فَقَالَ مَنْ لَدّنِي ؟ فَكُلّهُمْ أَمْسَكُوا فَقَالَ لَا يَبْقَى أَحَدٌ فِي الْبَيْتِ إلّا لُدّ إلّا الْعَبّاسَ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ . فَصْلٌ [ مَنَافِعُ الْحِجَامَةِ ] وَأَمّا مَنَافِعُ الْحِجَامَةِ فَإِنّهَا تُنَقّي سَطْحَ الْبَدَنِ أَكْثَرَ مِنْ الْفَصْدِ وَالْفَصْدُ لِأَعْمَاقِ الْبَدَنِ أَفْضَلُ وَالْحِجَامَةُ تَسْتَخْرِجُ الدّمَ مِنْ نَوَاحِي الْجِلْدِ . قُلْت : وَالتّحْقِيقُ فِي أَمْرِهَا وَأَمْرِ الْفَصْدِ أَنّهُمَا يَخْتَلِفَانِ بِاخْتِلَافِ الزّمَانِ وَالْمَكَانِ وَالْأَسْنَانِ وَالْأَمْزِجَةِ فَالْبِلَادُ الْحَارّةُ وَالْأَزْمِنَةُ الْحَارّةُ وَالْأَمْزِجَةُ الْحَارّةُ الّتِي دُمّ أَصْحَابُهَا فِي غَايَةِ النّضْجِ الْحِجَامَةُ فِيهَا أَنْفَعُ مِنْ الْفَصْدِ بِكَثِيرٍ فَإِنّ الدّمَ يَنْضَجُ وَيَرِقّ وَيَخْرُجُ إلَى سَطْحِ الْجَسَدِ الدّاخِلِ فَتَخْرُجُ الْحِجَامَةُ مَا لَا يُخْرِجُهُ الْفَصْدُ وَلِذَلِكَ كَانَتْ أَنْفَعَ لِلصّبْيَانِ مِنْ الْفَصْدِ وَلِمَنْ لَا يَقْوَى عَلَى الْفَصْدِ وَقَدْ نَصّ الْأَطِبّاءُ عَلَى أَنّ الْبِلَادَ الْحَارّةَ الْحِجَامَةُ فِيهَا أَنْفَعُ وَأَفْضَلُ مِنْ الْفَصْدِ وَتُسْتَحَبّ فِي وَسَطِ الشّهْرِ وَبَعْدَ وَسَطِهِ . وَبِالْجُمْلَةِ فِي الرّبُعِ الثّالِثِ مِنْ أَرْبَاعِ الشّهْرِ لِأَنّ الدّمَ فِي أَوّلِ الشّهْرِ لَمْ يَكُنْ بَعْدُ قَدْ هَاجَ وَتَبَيّغَ وَفِي آخِرِهِ يَكُونُ [ ص 50 ] سَكَنَ . وَأَمّا فِي وَسَطِهِ وبَعِيدِهِ فَيَكُونُ فِي نِهَايَةِ التّزَيّدِ . قَالَ صَاحِبُ " الْقَانُونِ " : وَيُؤْمَرُ بِاسْتِعْمَالِ الْحِجَامَةِ لَا فِي أَوّلِ الشّهْرِ لِأَنّ الْأَخْلَاطَ لَا تَكُونُ قَدْ تَحَرّكَتْ وَهَاجَتْ وَلَا فِي آخِرِهِ لِأَنّهَا تَكُونُ قَدْ نَقَصَتْ بَلْ فِي وَسَطِ الشّهْرِ حِينَ تَكُونُ الْأَخْلَاطُ هَائِجَةً بَالِغَةً فِي تَزَايُدِهَا لِتَزَيّدِ النّورِ فِي جُرْمِ الْقَمَرِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ وَالْفَصْدُ وَفِي حَدِيثٍ خَيْرُ الدّوَاءِ الْحِجَامَةُ وَالْفَصْدُ . انْتَهَى . [ الْإِشَارَةُ بِالْحِجَامَةِ إلَى أَهْلِ ] [ مَوَاضِعُ الْفَصْدِ وَنَفْعِهَا ] وَقَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ إشَارَةً إلَى أ َهْلِ الْحِجَازِ وَالْبِلَادِ الْحَارّةِ لِأَنّ دِمَاءَهُمْ رَقِيقَةٌ وَهِيَ أَمْيَلُ إلَى ظَاهِرِ أَبْدَانِهِمْ لِجَذْبِ الْحَرَارَةِ الْخَارِجَةِ لَهَا إلَى سَطْحِ الْجَسَدِ وَاجْتِمَاعِهَا فِي نَوَاحِي الْجِلْدِ وَلِأَنّ مَسَامّ أَبْدَانِهِمْ وَاسِعَةٌ وَقُوَاهُمْ مُتَخَلْخِلَةٌ فَفِي الْفَصْدِ لَهُمْ خَطَرٌ وَالْحِجَامَةُ تَفَرّقٌ اتّصَالِيّ إرَادِيّ يَتْبَعُهُ اسْتِفْرَاغٌ كُلّيّ مِنْ الْعُرُوقِ وَخَاصّةً الْعُرُوقَ الّتِي لَا تُفْصَدُ كَثِيرًا وَلِفَصْدِ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهَا نَفْعٌ خَاصّ فَفَصْدُ الباسليق : يَنْفَعُ مِنْ [ ص 51 ] الْحِجَازِ و َالْبِلَادِ الْحَارّةِ لِأَنّ دِمَاءَهُمْ رَقِيقَةٌ وَهِيَ أَمْيَلُ إلَى ظَاهِرِ أَبْدَانِهِمْ لِجَذْبِ الْحَرَارَةِ الْخَارِجَةِ لَهَا إلَى سَطْحِ الْجَسَدِ وَاجْتِمَاعِهَا فِي نَوَاحِي الْجِلْدِ وَلِأَنّ مَسَامّ أَبْدَانِهِمْ وَاسِعَةٌ وَقُوَاهُمْ مُتَخَلْخِلَةٌ فَفِي الْفَصْدِ لَهُمْ خَطَرٌ وَالْحِجَامَةُ تَفَرّقٌ اتّصَالِيّ إرَادِيّ يَتْبَعُهُ اسْتِفْرَاغٌ كُلّيّ مِنْ الْعُرُوقِ وَخَاصّةً الْعُرُوقَ الّتِي لَا تُفْصَدُ كَثِيرًا وَلِفَصْدِ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهَا نَفْعٌ خَاصّ فَفَصْدُ الباسليق : يَنْفَعُ مِنْ [ ص 51 ] الرّئَةِ وَيَنْفَعُ مِنْ الشّوْصَةِ وَذَاتِ الْجَنْبِ وَجَمِيعِ الْأَمْرَاضِ الدّمَوِيّةِ الْعَارِضَةِ مِنْ أَسْفَلِ الرّكْبَةِ إلَى الْوَرِكِ . وَفَصْدُ الْأَكْحَلِ يَنْفَعُ مِنْ الِامْتِلَاءِ الْعَارِضِ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ إذَا كَانَ دَمَوِيّا وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ الدّمُ قَدْ فَسَدَ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ . وَفَصْدُ الْقِيفَالِ يَنْفَعُ مِنْ الْعِلَلِ الْعَارِضَةِ فِي الرّأْسِ وَالرّقَبَةِ مِنْ كَثْرَةِ الدّمِ أَوْ فَسَادِهِ . وَفَصْدُ الْوَدَجَيْنِ يَنْفَعُ مِنْ وَجَعِ الطّحَالِ وَالرّبْوِ وَالْبَهَرِ وَوَجَعِ الْجَبِينِ . وَالْحِجَامَةُ عَلَى الْكَاهِلِ تَنْفَعُ مِنْ وَجَعِ الْمَنْكِبِ وَالْحَلْقِ . وَالْحِجَامَةُ عَلَى الْأَخْدَعَيْنِ تَنْفَعُ مِنْ أَمْرَاضِ الرّأْسِ وَأَجْزَائِهِ كَالْوَجْهِ وَالْأَسْنَانِ وَالْأُذُنَيْنِ وَالْعَيْنَيْنِ وَالْأَنْفِ وَالْحَلْقِ إذَا كَانَ حُدُوثُ ذَلِكَ عَنْ كَثْرَةِ الدّمِ أَوْ فَسَادِهِ أَوْ عَنْهُمَا جَمِيعًا . قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللّهُ تَعَالَى عَنْهُ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَحْتَجِمُ فِي الْأَخْدَعَيْنِ وَالْكَاهِل وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْهُ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَحْتَجِمُ ثَلَاثًا : وَاحِدَةً عَلَى كَاهِلِهِ وَاثْنَتَيْنِ عَلَى الْأَخْدَعَيْنِ . [ ص 52 ] احْتَجَمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ فِي رَأْسِهِ لِصُدَاعٍ كَانَ بِهِ وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " عَنْ عَلِيّ نَزَلَ جِبْرِيلُ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِحِجَامَةِ الْأَخْدَعَيْنِ وَالْكَاهِلِ وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ احْتَجَمَ فِي وَرِكِهِ مِنْ وَثْءٍ كَانَ بِهِ فَصْلٌ [ اخْتِلَافُ الْأَطِبّاءِ فِي الْحِجَامَةِ عَلَى نُقْرَةِ الْقَفَا ] وَاخْتَلَفَ الْأَطِبّاءُ فِي الْحِجَامَةِ عَلَى نُقْرَةِ الْقَفَا وَهِيَ القمحدوة . وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ الطّبّ النّبَوِيّ حَدِيثًا مَرْفُوعًا عَلَيْكُمْ بِالْحِجَامَةِ فِي جَوْزَةِ القمحدوة فَإِنّهَا تَشْفِي مِنْ خَمْسَةِ أَدْوَاءٍ ذَكَرَ مِنْهَا الْجُذَامَ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ عَلَيْكُمْ بِالْحِجَامَةِ فِي جَوْزَةِ القمحدوة فَإِنّهَا شِفَاءٌ مِنْ اثْنَيْنِ وَسَبْعِينَ دَاءً فَطَائِفَةٌ مِنْهُمْ اسْتَحْسَنَتْهُ وَقَالَتْ إنّهَا تَنْفَعُ مِنْ جَحْظِ الْعَيْنِ وَالنّتُوءِ الْعَارِضِ [ ص 53 ] أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ احْتَاجَ إلَيْهَا فَاحْتَجَمَ فِي جَانِبَيْ قَفَاهُ وَلَمْ يَحْتَجِمْ فِي النّقْرَةِ وَمِمّنْ كَرِهَهَا صَاحِبُ " الْقَانُونِ " وَقَالَ إنّهَا تُورِثُ النّسْيَانَ حَقّا كَمَا قَالَ سَيّدُنَا وَمَوْلَانَا وَصَاحِبُ شَرِيعَتِنَا مُحَمّدٌ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَإِنّ مُؤَخّرَ الدّمَاغِ مَوْضِعُ الْحِفْظِ وَالْحِجَامَةُ تُذْهِبُهُ انْتَهَى كَلَامُهُ . وَرَدّ عَلَيْهِ آخَرُونَ وَقَالُوا : الْحَدِيثُ لَا يَثْبُتُ وَإِنْ ثَبَتَ فَالْحِجَامَةُ إنّمَا تُضْعِفُ مُؤَخّرِ الدّمَاغِ إذَا اُسْتُعْمِلَتْ لِغَيْرِ ضَرُورَةٍ فَأَمّا إذَا اُسْتُعْمِلَتْ لِغَلَبَةِ الدّمِ عَلَيْهِ فَإِنّهَا نَافِعَةٌ لَهُ طِبّا وَشَرْعًا فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ احْتَجَمَ فِي عِدّةِ أَمَاكِنَ مِنْ قَفَاهُ بِحَسْبِ مَا اقْتَضَاهُ الْحَالُ فِي ذَلِكَ وَاحْتَجَمَ فِي غَيْرِ الْقَفَا بِحَسْبِ مَا دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَتُهُ . فَصْلٌ [ تَتِمّةُ الْكَلَامِ عَلَى مَوَاضِعِ الْحِجَامَةِ وَنَفْعِهَا ] وَالْحِجَامَةُ تَحْتَ الذّقَنِ تَنْفَعُ مِنْ وَجَعِ الْأَسْنَانِ وَالْوَجْهُ وَالْحُلْقُومُ إذَا اُسْتُعْمِلَتْ فِي وَقْتِهَا وَتُنَقّي الرّأْسَ وَالْفَكّيْنِ وَالْحِجَامَةُ عَلَى ظَهْرِ الْقَدَمِ تَنُوبُ عَنْ فَصْدِ الصّافِنِ وَهُوَ عِرْقٌ عَظِيمٌ عِنْدَ الْكَعْبِ وَتَنْفَعُ مِنْ قُرُوحِ الْفَخِذَيْنِ وَالسّاقَيْنِ وَانْقِطَاعِ الطّمْثِ وَالْحِكّةِ الْعَارِضَةِ فِي الْأُنْثَيَيْنِ وَالْحِجَامَةُ فِي أَسْفَلِ الصّدْرِ نَافِعَةٌ مِنْ دَمَامِيلِ الْفَخِذِ وَجَرَبِهِ وَبُثُورِهِ وَمِنْ النّقْرِسِ وَالْبَوَاسِيرِ وَالْفِيلِ وَحِكّةِ الظّهْرِ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ فِي أَوْقَاتِ الْحِجَامَةِ رَوَى التّرْمِذِيّ فِي " جَامِعِهِ " : مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ إنّ خَيْرَ مَا تَحْتَجِمُونَ فِي يَوْمِ سَابِعَ عَشْرَةَ أَوْ تَاسِعَ عَشْرَةَ وَيَوْمِ إحْدَى وَعِشْرِينَ [ ص 54 ] أَنَسٍ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَحْتَجِمُ فِي الْأَخْدَعَيْنِ وَالْكَاهِلِ وَكَانَ يَحْتَجِمُ لِسَبْعَةَ عَشَرَ وَتِسْعَةَ عَشَرَ وَفِي إحْدَى وَعِشْرِينَ وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا : مَنْ أَرَادَ الْحِجَامَةَ فَلْيَتَحَرّ سَبْعَةَ عَشَرَ أَوْ تِسْعَةَ عَشَرَ أَوْ إحْدَى وَعِشْرِينَ لَا يَتَبَيّغْ بِأَحَدِكُمْ الدّمُ فَيَقْتُلَهُ " وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ احْتَجَمَ لِسَبْعَ عَشْرَةَ أَوْ تِسْعَ عَشْرَةَ أَوْ إحْدَى وَعِشْرِينَ كَانَتْ شِفَاءً مِنْ كُلّ دَاءٍ وَهَذَا مَعْنَاهُ مِنْ كُلّ دَاءٍ سَبَبُهُ غَلَبَةُ الدّمِ . وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ مُوَافِقَةٌ لِمَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْأَطِبّاءُ أَنّ الْحِجَامَةَ فِي النّصْفِ الثّانِي وَمَا يَلِيهِ مِنْ الرّبُعِ الثّالِثِ مِنْ أَرْبَاعِهِ أَنْفَعُ مِنْ أَوّلِهِ وَآخِرِهِ وَإِذَا اُسْتُعْمِلَتْ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا نَفَعَتْ أَيّ وَقْتٍ كَانَ مِنْ أَوّلِ الشّهْرِ وَآخِرِهِ . قَالَ الْخَلّالُ أَخْبَرَنِي عِصْمَةُ بْنُ عِصَامٍ قَالَ حَدّثَنَا حَنْبَلٌ قَالَ كَانَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ يَحْتَجِمُ أَيّ وَقْتٍ هَاجَ بِهِ الدّمُ وَأَيّ سَاعَةٍ كَانَتْ . وَقَالَ صَاحِبُ " الْقَانُونِ " : أَوْقَاتُهَا فِي النّهَارِ السّاعَةُ الثّانِيَةُ أَوْ الثّالِثَةُ وَيَجِبُ تَوَقّيهَا بَعْدَ الْحَمّامِ إلّا فِيمَنْ دَمُهُ غَلِيظٌ فَيَجِبُ أَنْ يَسْتَحِمّ ثُمّ يَسْتَجِمّ سَاعَةً ثُمّ يَحْتَجِمُ انْتَهَى . [مَفَاسِدُ الْحِجَامَةِ عَلَى الشّبَعِ ] وَتُكْرَهُ عِنْدَهُمْ الْحِجَامَةُ عَلَى الشّبَعِ فَإِنّهَا رُبّمَا أَوْرَثَتْ سَدَدًا وَأَمْرَاضًا رَدِيئَةً لَا سِيّمَا إذَا كَانَ الْغِذَاءُ رَدِيئًا غَلِيظًا . وَفِي أَثَرٍ الْحِجَامَةُ عَلَى الرّيقِ دَوَاءٌ وَعَلَى الشّبَعِ دَاءٌ وَفِي سَبْعَةَ عَشَرَ مِنْ الشّهْرِ شِفَاءٌ " . [ ص 55 ] الْأَوْقَاتِ لِلْحِجَامَةِ فِيمَا إذَا كَانَتْ عَلَى سَبِيلِ الِاحْتِيَاطِ وَالتّحَرّزِ مِنْ الْأَذَى وَحِفْظًا لِلصّحّةِ . وَأَمّا فِي مُدَاوَاةِ الْأَمْرَاضِ فَحَيْثُمَا وُجِدَ الِاحْتِيَاجُ إلَيْهَا وَجَبَ اسْتِعْمَالُهَا . وَفِي قَوْلِهِ " لَا يَتَبَيّغْ بِأَحَدِكُمْ الدّمَ فَيَقْتُلَهُ " دَلَالَةً عَلَى ذَلِكَ يَعْنِي لِئَلّا يَتَبَيّغَ فَحَذَفَ حَرْفَ الْجَرّ مَعَ ( أَنّ ثُمّ حُذِفَتْ ( أَنّ . وَالتّبَيّغُ الْهَيْجُ وَهُوَ مَقْلُوبُ الْبَغْيِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ فَإِنّهُ بَغْيُ الدّمِ وَهَيَجَانُهُ . وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّ الْإِمَامَ أَحْمَدُ كَانَ يَحْتَجِمُ أَيّ وَقْتٍ احْتَاجَ مِنْ الشّهْرِ . فَصْلٌ [اخْتِيَارُ أَيّامِ الْأُسْبُوعِ لِلْحِجَامَةِ ] وَأَمّا اخْتِيَارُ أَيّامِ الْأُسْبُوعِ لِلْحِجَامَةِ فَقَالَ الْخَلّالُ فِي " جَامِعِهِ " : أَخْبَرَنَا حَرْبُ بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ قُلْتُ لِأَحْمَدَ تُكْرَهُ الْحِجَامَةُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَيّامِ ؟ قَالَ قَدْ جَاءَ فِي الْأَرْبِعَاءِ وَالسّبْتِ . وَفِيهِ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ حَسّانَ أَنّهُ سَأَلَ أَبَا عَبْدِ اللّهِ عَنْ الْحِجَامَةِ أَيّ يَوْمٍ تَكْرَهُ ؟ فَقَالَ فِي يَوْمِ السّبْتِ وَيَوْمِ الْأَرْبِعَاءِ وَيَقُولُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . وَرَوَى الْخَلّالُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا : مَنْ احْتَجَمَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ أَوْ يَوْمَ السّبْتِ فَأَصَابَهُ بَيَاضٌ أَوْ بَرَصٌ فَلَا يَلُومَنّ إلّا نَفْسَهُ وَقَالَ الْخَلّالُ أَخْبَرَنَا مُحَمّدُ بْنُ عَلِيّ بْنِ جَعْفَرٍ أَنّ يَعْقُوبَ بْنَ بختان حَدّثَهُمْ قَالَ سُئِلَ أَحْمَدُ عَنْ النّورَةِ وَالْحِجَامَةِ يَوْمَ السّبْتِ وَيَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ ؟ فَكَرِهَهَا . وَقَالَ بَلَغَنِي عَنْ رَجُلٍ أَنّهُ تَنَوّرَ وَاحْتَجَمَ يَعْنِي يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ فَأَصَابَهُ [ ص 56 ] قَالَ نَعَمْ . وَفِي كِتَابِ " الْأَفْرَادِ " لِلدّارَقُطْنِيّ مِنْ حَدِيثِ نَافِعٍ قَالَ قَالَ لِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ : تَبَيّغَ بِي الدّمُ فَابْغِ لِي حَجّامًا وَلَا يَكُنْ صَبِيّا وَلَا شَيْخًا كَبِيرًا فَإِنّي سَمِعْت رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ الْحِجَامَةُ تَزِيدُ الْحَافِظَ حِفْظًا وَالْعَاقِلَ عَقْلًا فَاحْتَجِمُوا عَلَى اسْمِ اللّهِ تَعَالَى وَلَا تَحْتَجِمُوا الْخَمِيسَ وَالْجُمُعَةَ وَالسّبْتَ وَالْأَحَدَ وَاحْتَجِمُوا الِاثْنَيْنِ وَمَا كَانَ مِنْ جُذَامٍ وَلَا بَرَصٍ إلّا نَزَلَ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ قَالَ الدّارَقُطْنِيّ : تَفَرّدَ بِهِ زِيَادُ بْنُ يَحْيَى وَقَدْ رَوَاهُ أَيّوبُ عَنْ نَافِعٍ وَقَالَ فِيهِ وَاحْتَجِمُوا يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالثّلَاثَاءِ وَلَا تَحْتَجِمُوا يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَنّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْحِجَامَةَ يَوْمَ الثّلَاثَاءِ وَقَالَ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ يَوْمُ الثّلَاثَاءِ يَوْمُ الدّمِ وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَرْقَأُ فِيهَا الدّمُ فَصْلٌ [ جَوَازُ احْتِجَامِ الصّائِمِ وَالْخِلَافُ فِي فِطْرِهِ ] وَفِي ضِمْنِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الْمُتَقَدّمَةِ اسْتِحْبَابُ التّدَاوِي وَاسْتِحْبَابُ الْحِجَامَةِ وَأَنّهَا تَكُونُ فِي الْمَوْضِعِ الّذِي يَقْتَضِيهِ الْحَالُ وَجَوَازُ احْتِجَامِ الْمُحْرِمِ وَإِنْ آلَ إلَى قَطْعِ شَيْءٍ مِنْ الشّعَرِ فَإِنّ ذَلِكَ جَائِزٌ . وَفِي وُجُوبِ الْفِدْيَةِ عَلَيْهِ نَظَرٌ وَلَا يَقْوَى الْوُجُوبُ وَجَوَازُ احْتِجَامِ الصّائِمِ فَإِنّ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ احْتَجَمَ وَهُوَ صَائِمٌ وَلَكِنْ هَلْ يُفْطِرُ بِذَلِكَ أَمْ لَا ؟ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى الصّوَابُ الْفِطْرُ بِالْحِجَامَةِ لِصِحّتِهِ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ غَيْرِ مُعَارِضٍ [ ص 57 ] كَانَ فَرْضًا . الثّانِي : أَنّهُ كَانَ مُقِيمًا . الثّالِثُ أَنّهُ لَمْ يَكُنْ بِهِ مَرَضٌ احْتَاجَ مَعَهُ إلَى الْحِجَامَةِ . الرّابِعُ أَنّ هَذَا الْحَدِيثَ مُتَأَخّرٌ عَنْ قَوْلِهِ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ فَإِذَا ثَبَتَتْ هَذِهِ الْمُقَدّمَاتُ الْأَرْبَعُ أَمْكَنَ الِاسْتِدْلَالُ بِفِعْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى بَقَاءِ الصّوْمِ مَعَ الْحِجَامَةِ وَإِلّا فَمَا الْمَانِعُ أَنْ يَكُونَ الصّوْمُ نَفْلًا يَجُوزُ الْخُرُوجُ مِنْهُ بِالْحِجَامَةِ وَغَيْرِهَا أَوْ مِنْ رَمَضَانَ لَكِنّهُ فِي السّفَرِ أَوْ مِنْ رَمَضَانَ فِي الْحَضَرِ لَكِنْ دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَيْهَا كَمَا تَدْعُو حَاجَةُ مَنْ بِهِ مَرَضٌ إلَى الْفِطْرِ أَوْ يَكُونُ فَرْضًا مِنْ رَمَضَانَ فِي الْحَضَرِ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهَا لَكِنّهُ مُبْقًى عَلَى الْأَصْلِ . وَقَوْلُهُ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ نَاقِلٌ وَمُتَأَخّرٌ فَيَتَعَيّنُ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَلَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْمُقَدّمَاتِ الْأَرْبَعِ فَكَيْفَ بِإِثْبَاتِهَا كُلّهَا . وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى اسْتِئْجَارِ الطّبِيبِ وَغَيْرِهِ مِنْ غَيْرِ عَقْدِ إجَارَةٍ بَلْ يُعْطِيهِ أُجْرَةَ الْمِثْلِ أَوْ مَا يُرْضِيهِ . [ جَوَازُ التّكَسّبِ بِصِنَاعَةِ الْحِجَامَةِ ] وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التّكَسّبِ بِصِنَاعَةِ الْحِجَامَةِ وَإِنْ كَانَ لَا يَطِيبُ لِلْحُرّ [ ص 58 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَعْطَاهُ أَجْرَهُ وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ أَكْلِهِ وَتَسْمِيَتِهِ إيّاهُ خَبِيثًا كَتَسْمِيَتِهِ لِلثّومِ وَالْبَصَلِ خَبِيثَيْنِ وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْ ذَلِكَ تَحْرِيمُهُمَا . جَوَازُ ضَرْبِ الرّجُلِ الْخَرَاجَ عَلَى عَبْدِهِ كُلّ يَوْمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ ضَرْبِ الرّجُلِ الْخَرَاجَ عَلَى عَبْدِهِ كُلّ يَوْمٍ شَيْئًا مَعْلُومًا بِقَدْرِ طَاقَتِهِ وَأَنّ الْعَبْدَ أَنْ يَتَصَرّفَ فِيمَا زَادَ عَلَى خَرَاجِهِ وَلَوْ مُنِعَ مِنْ التّصَرّفِ لَكَانَ كَسْبُهُ كُلّهُ خَرَاجًا وَلَمْ يَكُنْ لِتَقْدِيرِهِ فَائِدَةٌ بَلْ مَا زَادَ عَلَى خَرَاجِهِ فَهُوَ تَمْلِيكٌ مِنْ سَيّدِهِ لَهُ يَتَصَرّفُ فِيهِ كَمَا أَرَادَ وَاَللّهُ أَعْلَمُ. فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي قَطْعِ الْعُرُوقِ وَالْكَيّ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحِ " مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعَثَ إلَى أُبَيّ بْنِ كَعْبٍ طَبِيبًا فَقَطَعَ لَهُ عِرْقًا وَكَوَاهُ عَلَيْه وَلَمّا رُمِيَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ حَسَمَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ وَرَمَتْ فَحَسَمَهُ الثّانِيَةَ وَالْحَسْمُ هُوَ الْكَيّ . وَفِي طَرِيقٍ آخَرَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَوَى سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فِي أَكْحَلِهِ بِمِشْقَصٍ ثُمّ حَسَمَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ أَوْ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَفِي لَفْظٍ آخَرَ أَنّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ رُمِيَ فِي أَكْحَلِهِ بِمِشْقَصٍ فَأَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِهِ فَكُوِي وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَقَدْ أُتِيَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِرَجُلٍ نُعِتَ لَهُ الْكَيّ فَقَالَ اكْوُوهُ وَارْضِفُوهُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الرّضْفُ الْحِجَارَةُ تُسَخّنُ ثُمّ يُكْمَدُ بِهَا . [ ص 59 ] وَقَالَ الْفَضْلُ بْنُ دُكَيْنٍ : حَدّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ أَبِي الزّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَوَاهُ فِي أَكْحَلِه وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنّهُ كُوِيَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَيّ وَفِي التّرْمِذِيّ عَنْ أَنَسٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَوَى أَسْعَدَ بْنَ زُرَارَةَ مِنْ الشّوْكَة وَقَدْ تَقَدّمَ الْحَدِيثُ الْمُتّفَقُ عَلَيْهِ وَفِيهِ وَمَا أُحِبّ أَنْ أَكْتَوِيَ وَفِي لَفْظٍ آخَرَ وَأَنَا أَنْهَى أُمّتِي عَنْ الْكَيّ وَفِي " جَامِعِ التّرْمِذِيّ " وَغَيْرِهِ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَهَى عَنْ الْكَيّ قَالَ فَابْتُلِينَا فَاكْتَوَيْنَا فَمَا أَفْلَحْنَا وَلَا أَنْجَحْنَا وَفِي لَفْظٍ نُهِينَا عَنْ الْكَيّ وَقَالَ فَمَا أَفْلَحْنَ وَلَا أَنْجَحْنَ قَالَ الْخَطّابِيّ : إنّمَا كَوَى سَعْدًا لِيَرْقَأَ الدّمُ مِنْ جُرْحِهِ وَخَافَ عَلَيْهِ أَنْ يَنْزِفَ فَيَهْلَكُ . وَالْكَيّ مُسْتَعْمَلٌ فِي هَذَا الْبَابِ كَمَا يُكْوَى مَنْ تُقْطَعُ يَدُهُ أَوْ رِجْلُهُ . وَأَمّا النّهْيُ عَنْ الْكَيّ فَهُوَ أَنْ يَكْتَوِيَ طَلَبًا لِلشّفَاءِ وَكَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنّهُ [ ص 60 ] هَلَكَ فَنَهَاهُمْ عَنْهُ لِأَجْلِ هَذِهِ النّيّةِ . وَقِيلَ إنّمَا نَهَى عَنْهُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ خَاصّةً لِأَنّهُ كَانَ بِهِ نَاصُورٌ وَكَانَ مَوْضِعُهُ خَطَرًا فَنَهَاهُ عَنْ كَيّهِ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ النّهْيُ مُنْصَرِفًا إلَى الْمَوْضِعِ الْمُخَوّفِ مِنْهُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : الْكَيّ جِنْسَانِ كَيّ الصّحِيحِ لِئَلّا يَعْتَلّ فَهَذَا الّذِي قِيلَ فِيهِ لَمْ يَتَوَكّلْ مَنْ اكْتَوَى لِأَنّهُ يُرِيدُ أَنْ يَدْفَعَ الْقَدَرَ عَنْ نَفْسِهِ . وَالثّانِي : كَيّ الْجُرْحِ إذَا نَغِلَ وَالْعُضْوُ إذَا قُطِعَ فَفِي هَذَا الشّفَاءُ . وَأَمّا إذَا كَانَ الْكَيّ لِلتّدَاوِي الّذِي يَجُوزُ أَنْ يَنْجَعَ وَيَجُوزُ أَنْ لَا يَنْجَعَ فَإِنّهُ إلَى الْكَرَاهَةِ أَقْرَبُ . انْتَهَى . وَثَبَتَ فِي " الصّحِيحِ " فِي حَدِيثِ السّبْعِينَ أَلْفًا الّذِينَ يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ أَنّهُمْ الّذِينَ لَا يَسْتَرْقُونَ وَلَا يَكْتَوُونَ وَلَا يَتَطَيّرُونَ وَعَلَى رَبّهِمْ يَتَوَكّلُونَ فَقَدْ تَضَمّنَتْ أَحَادِيثُ الْكَيّ أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ أَحَدُهَا : فِعْلُهُ وَالثّانِي : عَدَمُ مَحَبّتِهِ لَهُ وَالثّالِثُ الثّنَاءُ عَلَى مَنْ تَرَكَهُ وَالرّابِعُ النّهْيُ عَنْهُ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهَا بِحَمْدِ اللّهِ تَعَالَى فَإِنّ فِعْلَهُ يَدُلّ عَلَى جِوَازِهِ وَعَدَمُ مَحَبّتِهِ لَهُ لَا يَدُلّ عَلَى الْمَنْعِ مِنْهُ . وَأَمّا الثّنَاءُ عَلَى تَارِكِهِ فَيَدُلّ عَلَى أَنّ تَرْكَهُ أَوْلَى وَأَفْضَلُ . وَأَمّا النّهْيُ عَنْهُ فَعَلَى سَبِيلِ الِاخْتِيَارِ وَالْكَرَاهَةِ أَوْ عَنْ النّوْعِ الّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ بَلْ يُفْعَلُ خَوْفًا مِنْ حُدُوثِ الدّاءِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ الصّرَعِ أُخْرِجَا فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ قَالَ قَالَ [ ص 61 ] ابْنُ عَبّاسٍ : أَلَا أُرِيَك امْرَأَةً مِنْ أَهْلِ الْجَنّةِ ؟ قُلْت : بَلَى . قَالَ هَذِهِ الْمَرْأَةُ السّوْدَاءُ أَتَتْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَتْ إنّي أُصْرَعُ وَإِنّي أَتَكَشّفُ فَادْعُ اللّهَ لِي فَقَالَ " إنْ شِئْتِ صَبَرْتِ وَلَكِ الْجَنّةُ وَإِنْ شِئْتِ دَعَوْتُ اللّهَ لَكِ أَنْ يُعَافِيَكِ " فَقَالَتْ أَصْبِرُ . قَالَتْ فَإِنّي أَتَكَشّفُ فَادْعُ اللّهَ أَنْ لَا أَتَكَشّفَ فَدَعَا لَهَا قُلْتُ الصّرْعُ صَرْعَانِ صَرْعٌ مِنْ الْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ الْأَرْضِيّةِ وَصَرْعٌ مِنْ الْأَخْلَاطِ الرّدِيئَةِ . وَالثّانِي : هُوَ الّذِي يَتَكَلّمُ فِيهِ الْأَطِبّاءُ فِي سَبَبِهِ وَعِلَاجِهِ . [ إثْبَاتُ صَرْعِ الْأَرْوَاحِ ] وَأَمّا صَرْعُ الْأَرْوَاحِ فَأَئِمّتُهُمْ وَعُقَلَاؤُهُمْ يَعْتَرِفُونَ بِهِ وَلَا يَدْفَعُونَهُ وَيَعْتَرِفُونَ بِأَنّ عِلَاجَهُ بِمُقَابَلَةِ الْأَرْوَاحِ الشّرِيفَةِ الْخَيّرَةِ الْعُلْوِيّةِ لِتِلْكَ الْأَرْوَاحِ الشّرّيرَةِ الْخَبِيثَةِ فَتَدَافُعُ آثَارِهَا وَتَعَارُضُ أَفْعَالِهَا وَتَبَطّلِهَا وَقَدْ نَصّ عَلَى ذَلِكَ إِبّقْرَاط فِي بَعْضِ كُتُبِهِ فَذَكَرَ بَعْضَ عِلَاجِ الصّرْعِ وَقَالَ هَذَا إنّمَا يَنْفَعُ مِنْ الصّرْعِ الّذِي سَبَبُهُ الْأَخْلَاطُ وَالْمَادّةُ . وَأَمّا الصّرْعُ الّذِي يَكُونُ مِنْ الْأَرْوَاحِ فَلَا يَنْفَعُ فِيهِ هَذَا الْعِلَاجُ . وَأَمّا جَهَلَةُ الْأَطِبّاءِ وَسَقَطُهُمْ وَسِفْلَتُهُمْ وَمَنْ يَعْتَقِدُ بِالزّنْدَقَةِ فَضِيلَةً فَأُولَئِكَ يُنْكِرُونَ صَرْعَ الْأَرْوَاحِ وَلَا يُقِرّونَ بِأَنّهَا تُؤَثّرُ فِي بَدَنِ الْمَصْرُوعِ وَلَيْسَ مَعَهُمْ إلّا الْجَهْلُ وَإِلّا فَلَيْسَ فِي الصّنَاعَةِ الطّبّيّةِ مَا يَدْفَعُ ذَلِكَ وَالْحِسّ وَالْوُجُودُ شَاهِدٌ بِهِ وَإِحَالَتُهُمْ ذَلِكَ عَلَى غَلَبَةِ بَعْضِ الْأَخْلَاطِ هُوَ صَادِقٌ فِي بَعْضِ أَقْسَامِهِ لَا فِي كُلّهَا . وَقُدَمَاءُ الْأَطِبّاءِ كَانُوا يُسَمّوْنَ هَذَا الصّرْعَ الْمَرَضَ الْإِلَهِيّ وَقَالُوا : إنّهُ مِنْ الْأَرْوَاحِ وَأَمّا جالينوس وَغَيْرُهُ فَتَأَوّلُوا عَلَيْهِمْ هَذِهِ التّسْمِيَةَ وَقَالُوا : إنّمَا سَمّوْهُ بِالْمَرَضِ الْإِلَهِيّ لِكَوْنِ هَذِهِ الْعِلّةِ تَحْدُثُ فِي الرّأْسِ فَتَضُرّ بِالْجُزْءِ الْإِلَهِيّ الطّاهِرِ الّذِي مَسْكَنُهُ الدّمَاغُ . [ ص 62 ] نَشَأَ لَهُمْ مِنْ جَهْلِهِمْ بِهَذِهِ الْأَرْوَاحِ وَأَحْكَامِهَا وَتَأْثِيرَاتِهَا وَجَاءَتْ زَنَادِقَةُ الْأَطِبّاءِ فَلَمْ يُثْبِتُوا إلّا صَرْعَ الْأَخْلَاطِ وَحْدَهُ . وَمَنْ لَهُ عَقْلٌ وَمَعْرِفَةٌ بِهَذِهِ الْأَرْوَاحِ وَتَأْثِيرَاتِهَا يَضْحَكُ مِنْ جَهْلِ هَؤُلَاءِ وَضَعْفِ عُقُولِهِمْ . [ الْعِلَاجُ مِنْ صَرْعِ الْأَرْوَاحِ ] وَعِلَاجُ هَذَا النّوْعِ يَكُونُ بِأَمْرَيْنِ أَمْرٍ مِنْ جِهَةِ الْمَصْرُوعِ وَأَمْرٍ مِنْ جِهَةِ الْمُعَالِجِ فَاَلّذِي مِنْ جِهَةِ الْمَصْرُوعِ يَكُونُ بِقُوّةِ نَفْسِهِ وَصِدْقِ تَوَجّهِهِ إلَى فَاطِرِ هَذِهِ الْأَرْوَاحِ وَبَارِئِهَا وَالتّعَوّذِ الصّحِيحِ الّذِي قَدْ تَوَاطَأَ عَلَيْهِ الْقَلْبُ وَاللّسَانُ فَإِنّ هَذَا نَوْعُ مُحَارَبَةٍ وَالْمُحَارِبُ لَا يَتِمّ لَهُ الِانْتِصَافُ مِنْ عَدُوّهِ بِالسّلَاحِ إلّا بِأَمْرَيْنِ أَنْ يَكُونَ السّلَاحُ صَحِيحًا فِي نَفْسِهِ جَيّدًا وَأَنْ يَكُونَ السّاعِدُ قَوِيّا فَمَتَى تَخَلّفَ أَحَدُهُمَا لَمْ يُغْنِ السّلَاحُ كَثِيرَ طَائِلٍ فَكَيْفَ إذَا عُدِمَ الْأَمْرَانِ جَمِيعًا : يَكُونُ الْقَلْبُ خَرَابًا مِنْ التّوْحِيدِ وَالتّوَكّلِ وَالتّقْوَى وَالتّوَجّهِ وَلَا سِلَاحَ لَهُ . وَالثّانِي : مِنْ جِهَةِ الْمُعَالِجِ بِأَنْ يَكُونَ فِيهِ هَذَانِ الْأَمْرَانِ أَيْضًا حَتّى إنّ مِنْ الْمُعَالِجِينَ مَنْ يَكْتَفِي بِقَوْلِهِ " اُخْرُجْ مِنْهُ " . أَوْ بِقَوْلِ " بِسْمِ اللّهِ " أَوْ بِقَوْلِ " لَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ " وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يَقُولُ اُخْرُجْ عَدُوّ اللّهِ أَنَا رَسُولُ اللّهِ [ عِلَاجُ ابْنِ تَيْمِيّةَ لِلْمَصْرُوعِ ] وَشَاهَدْتُ شَيْخَنَا يُرْسِلُ إلَى الْمَصْرُوعِ مَنْ يُخَاطِبُ الرّوحَ الّتِي فِيهِ وَيَقُولُ قَالَ لَك الشّيْخُ اخْرُجِي فَإِنّ هَذَا لَا يَحِلّ لَك فَيُفِيقُ الْمَصْرُوعُ وَرُبّمَا خَاطَبَهَا بِنَفْسِهِ وَرُبّمَا كَانَتْ الرّوحُ مَارِدَةً فَيُخْرِجُهَا بِالضّرْبِ فَيُفِيقُ الْمَصْرُوعُ وَلَا يَحُسّ [ ص 63 ] وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَقْرَأُ فِي أُذُنِ الْمَصْرُوعِ { أَفَحَسِبْتُمْ أَنّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ } [ الْمُؤْمِنُونَ 115 ] . وَحَدّثَنِي أَنّهُ قَرَأَهَا مَرّةً فِي أُذُنِ الْمَصْرُوعِ فَقَالَتْ الرّوحُ نَعَمْ وَمَدّ بِهَا صَوْتَهُ . قَالَ فَأَخَذْت لَهُ عَصًا وَضَرَبْته بِهَا فِي عُرُوقِ عُنُقِهِ حَتّى كَلّتْ يَدَايَ مِنْ الضّرْبِ وَلَمْ يَشُكّ الْحَاضِرُونَ أَنّهُ يَمُوتُ لِذَلِكَ الضّرْبِ . فَفِي أَثْنَاءِ الضّرْبِ قَالَتْ أَنَا أُحِبّهُ فَقُلْتُ لَهَا : هُوَ لَا يُحِبّك قَالَتْ أَنَا أُرِيدُ أَنْ أَحُجّ بِهِ فَقُلْت لَهَا : هُوَ لَا يُرِيدُ أَنْ يَحُجّ مَعَك فَقَالَتْ أَنَا أَدَعُهُ كَرَامَةً لَك قَالَ قُلْتُ لَا وَلَكِنّ طَاعَةً لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ قَالَتْ فَأَنَا أَخْرُجُ مِنْهُ قَالَ فَقَعَدَ الْمَصْرُوعُ يَلْتَفِتُ يَمِينًا وَشِمَالًا وَقَالَ مَا جَاءَ بِي إلَى حَضْرَةِ الشّيْخِ قَالُوا لَهُ وَهَذَا الضّرْبُ كُلّهُ ؟ فَقَالَ وَعَلَى أَيّ شَيْءٍ يَضْرِبُنِي الشّيْخُ وَلَمْ أُذْنِبْ وَلَمْ يَشْعُرْ بِأَنّهُ وَقَعَ بِهِ ضَرْبٌ أَلْبَتّةَ . وَكَانَ يُعَالِجُ بِآيَةِ الْكُرْسِيّ وَكَانَ يَأْمُرُ بِكَثْرَةِ قِرَاءَتِهَا الْمَصْرُوعَ وَمَنْ يُعَالِجُهُ بِهَا وَبِقِرَاءَةِ الْمُعَوّذَتَيْنِ . [ الْتِفَاتُ الْمُصَنّفِ إلَى خَرَابِ الْقُلُوبِ ] وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا النّوْعُ مِنْ الصّرْعِ وَعِلَاجِهِ لَا يُنْكِرُهُ إلّا قَلِيلُ الْحَظّ مِنْ الْعِلْمِ وَالْعَقْلِ وَالْمَعْرِفَةِ وَأَكْثَرُ تَسَلّطِ الْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ عَلَى أَهْلِهِ تَكُونُ مِنْ جِهَةِ قِلّةِ دِينِهِمْ وَخَرَابِ قُلُوبِهِمْ وَأَلْسِنَتِهِمْ مِنْ حَقَائِقِ الذّكْرِ وَالتّعَاوِيذِ وَالتّحَصّنَاتِ النّبَوِيّةِ وَالْإِيمَانِيّةِ فَتَلْقَى الرّوحُ الْخَبِيثَةُ الرّجُلَ أَعْزَلَ لَا سِلَاحَ مَعَهُ وَرُبّمَا كَانَ عُرْيَانًا فَيُؤَثّرُ فِيهِ هَذَا . وَلَوْ كُشِفَ الْغِطَاءُ لَرَأَيْت أَكْثَرَ النّفُوسِ الْبَشَرِيّةِ صَرْعَى هَذِهِ الْأَرْوَاحُ الْخَبِيثَةُ وَهِيَ فِي أَسْرِهَا وَقَبْضَتِهَا تَسُوقُهَا حَيْثُ شَاءَتْ وَلَا يُمْكِنُهَا الِامْتِنَاعُ عَنْهَا وَلَا مُخَالَفَتُهَا وَبِهَا الصّرْعُ الْأَعْظَمُ الّذِي لَا يُفِيقُ صَاحِبُهُ إلّا عِنْدَ الْمُفَارَقَةِ وَالْمُعَايَنَةِ فَهُنَاكَ يَتَحَقّقُ أَنّهُ كَانَ هُوَ الْمَصْرُوعَ حَقِيقَةً وَبِاَللّهِ الْمُسْتَعَانُ . [ ص 64 ] الْإِيمَانِ بِمَا جَاءَتْ بِهِ الرّسُلُ وَأَنْ تَكُونَ الْجَنّةُ وَالنّارُ نُصْبَ عَيْنَيْهِ وَقِبْلَةَ قَلْبِهِ وَيَسْتَحْضِرُ أَهْلَ الدّنْيَا وَحُلُولَ الْمَثُلَاتِ وَالْآفَاتِ بِهِمْ وَوُقُوعَهَا خِلَالَ دِيَارِهِمْ كَمَوَاقِعِ الْقَطْرِ وَهُمْ صَرْعَى لَا يُفِيقُونَ وَمَا أَشَدّ دَاءَ هَذَا الصّرْعِ وَلَكِنْ لَمّا عَمّتْ الْبَلِيّةُ بِهِ بِحَيْثُ لَا يَرَى إلّا مَصْرُوعًا لَمْ يَصِرْ مُسْتَغْرَبًا وَلَا مُسْتَنْكَرًا بَلْ صَارَ لِكَثْرَةِ الْمَصْرُوعِينَ عَيْنَ الْمُسْتَنْكَرِ الْمُسْتَغْرَبِ خِلَافَهُ . فَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِعَبْدٍ خَيْرًا أَفَاقَ مِنْ هَذِهِ الصّرْعَةِ وَنَظَرَ إلَى أَبْنَاءِ الدّنْيَا مَصْرُوعِينَ حَوْلَهُ يَمِينًا وَشِمَالًا عَلَى اخْتِلَافِ طَبَقَاتِهِمْ فَمِنْهُمْ مَنْ أَطْبَقَ بِهِ الْجُنُونُ وَمِنْهُمْ مَنْ يُفِيقُ أَحْيَانًا قَلِيلَةً وَيَعُودُ إلَى جُنُونِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ يُفِيقُ مَرّةً وَيُجَنّ أُخْرَى فَإِذَا أَفَاقَ عَمِلَ عَمَلَ أَهْلِ الْإِفَاقَةِ وَالْعَقْلِ ثُمّ يُعَاوِدُهُ الصّرْعُ فَيَقَعُ فِي التّخَبّطِ . فَصْلٌ [ صَرْعُ الْأَخْلَاطِ ] وَأَمّا صَرْعُ الْأَخْلَاطِ فَهُوَ عِلّةٌ تَمْنَعُ الْأَعْضَاءَ النّفْسِيّةَ عَنْ الْأَفْعَالِ وَالْحَرَكَةِ وَالِانْتِصَابِ مَنْعًا غَيْرَ تَامّ وَسَبَبُهُ خَلْطٌ غَلِيظٌ لَزِجٌ يَسُدّ مَنَافِذَ بُطُونِ الدّمَاغِ سُدّةً غَيْرَ تَامّةٍ فَيَمْتَنِعُ نُفُوذُ الْحِسّ وَالْحَرَكَةِ فِيهِ وَفِي الْأَعْضَاءِ نُفُوذًا تَامّا مِنْ غَيْرِ انْقِطَاعٍ بِالْكُلّيّةِ وَقَدْ تَكُونُ لِأَسْبَابٍ أُخَرَ كَرِيحٍ غَلِيظٍ يُحْتَبَسُ فِي مَنَافِذِ الرّوحِ أَوْ بُخَارٍ رَدِيءٍ يَرْتَفِعُ إلَيْهِ مِنْ بَعْضِ الْأَعْضَاءِ أَوْ كَيْفِيّةٍ لَاذِعَةٍ فَيَنْقَبِضُ الدّمَاغُ لِدَفْعِ الْمُؤْذِي فَيَتْبَعُهُ تَشَنّجٌ فِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَبْقَى الْإِنْسَانُ مَعَهُ مُنْتَصِبًا بَلْ يَسْقُطُ وَيَظْهَرُ فِي فِيهِ الزّبَدُ غَالِبًا . وَهَذِهِ الْعِلّةُ تُعَدّ مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْرَاضِ الْحَادّةِ بِاعْتِبَارِ وَقْتِ وُجُودِهِ الْمُؤْلِمِ خَاصّةً وَقَدْ تُعَدّ مِنْ جُمْلَةِ الْأَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ بِاعْتِبَارِ طُولِ مُكْثِهَا وَعُسْرِ بَرْئِهَا لَا سِيّمَا إنْ تَجَاوَزَ فِي السّنّ خَمْسًا وَعِشْرِينَ سَنَةً وَهَذِهِ الْعِلّةُ فِي دِمَاغِهِ وَخَاصّةً فِي [ ص 65 ] قَالَ إِبّقْرَاط : إنّ الصّرْعَ يَبْقَى فِي هَؤُلَاءِ حَتّى يَمُوتُوا . [ لَعَلّ صَرْعَ الْمَرْأَةِ الّتِي وَرَدَتْ فِي الْحَدِيثِ كَانَ صَرْعُهَا مِنْ صَرْعِ الْأَخْلَاطِ ] إذَا عُرِفَ هَذَا فَهَذِهِ الْمَرْأَةُ الّتِي جَاءَ الْحَدِيثُ أَنّهَا كَانَتْ تُصْرَعُ وَتَتَكَشّفُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَرْعُهَا مِنْ هَذَا النّوْعِ فَوَعَدَهَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْجَنّةَ بِصَبْرِهَا عَلَى هَذَا الْمَرَضِ وَدَعَا لَهَا أَنْ لَا تَتَكَشّفَ وَخَيّرَهَا بَيْنَ الصّبْرِ وَالْجَنّةِ وَبَيْنَ الدّعَاءِ لَهَا بِالشّفَاءِ مِنْ غَيْرِ ضَمَانٍ فَاخْتَارَتْ الصّبْرَ وَالْجَنّةَ . [ جَوَازُ تَرْكِ التّدَاوِي وَأَنّ عِلَاجَ الْأَرْوَاحِ بِالتّوَجّهِ إلَى اللّهِ يَفْعَلُ مَا لَا يَنَالُهُ عِلَاجُ الْأَطِبّاءِ] وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَرْكِ الْمُعَالَجَةِ وَالتّدَاوِي وَأَنّ عِلَاجَ الْأَرْوَاحِ بِالدّعَوَاتِ وَالتّوَجّهِ إلَى اللّهِ يَفْعَلُ مَا لَا يَنَالُهُ عِلَاجُ الْأَطِبّاءِ وَأَنّ تَأْثِيرَهُ وَفِعْلَهُ وَتَأَثّرَ الطّبِيعَةِ عَنْهُ وَانْفِعَالَهَا أَعْظَمُ مِنْ تَأْثِيرِ الْأَدْوِيَةِ الْبَدَنِيّةِ وَانْفِعَالِ الطّبِيعَةِ عَنْهَا وَقَدْ جَرّبْنَا هَذَا مِرَارًا نَحْنُ وَغَيْرُنَا وَعُقَلَاءُ الْأَطِبّاءِ مُعْتَرِفُونَ بِأَنّ لِفِعْلِ الْقُوَى النّفْسِيّةِ وَانْفِعَالَاتِهَا فِي شِفَاءِ الْأَمْرَاضِ عَجَائِبُ وَمَا عَلَى الصّنَاعَةِ الطّبّيّةِ أَضَرّ مِنْ زَنَادِقَةِ الْقَوْمِ وَسِفْلَتِهِمْ وَجُهّالِهِمْ . وَالظّاهِرُ أَنّ صَرْعَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ كَانَ مِنْ هَذَا النّوْعِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ جِهَةِ الْأَرْوَاحِ وَيَكُونُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ خَيّرَهَا بَيْنَ الصّبْرِ عَلَى ذَلِكَ مَعَ الْجَنّةِ وَبَيْنَ الدّعَاءِ لَهَا بِالشّفَاءِ فَاخْتَارَتْ الصّبْرَ وَالسّتْرَ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ عِرْقِ النّسَا رَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ مُحَمّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ دَوَاءُ عِرْقِ النّسَا أَلْيَةُ شَاةٍ أَعْرَابِيّةٍ تُذَابُ ثُمّ تُجَزّأُ ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ ثُمّ يُشْرَبُ عَلَى الرّيقِ فِي كُلّ يَوْمٍ جُزْءٌ [ ص 66 ] النّسَاءِ وَجَعٌ يَبْتَدِئُ مِنْ مَفْصِلِ الْوَرِكِ وَيَنْزِلُ مِنْ خَلْفٍ عَلَى الْفَخِذِ وَرُبّمَا عَلَى الْكَعْبِ وَكُلّمَا طَالَتْ مُدّتُهُ زَادَ نُزُولُهُ وَتَهْزُلُ مَعَهُ الرّجْلُ وَالْفَخِذُ وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ مَعْنًى لُغَوِيّ وَمَعْنًى طِبّيّ . فَأَمّا الْمَعْنَى اللّغَوِيّ فَدَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَسْمِيَةِ هَذَا الْمَرَضِ بِعِرْقِ النّسَا خِلَافًا لِمَنْ مَنَعَ هَذِهِ التّسْمِيَةَ وَقَالَ النّسَا هُوَ الْعِرْقُ نَفْسُهُ فَيَكُونُ مِنْ بَابِ إضَافَةِ الشّيْءِ إلَى نَفْسِهِ وَهُوَ مُمْتَنِعٌ وَجَوَابُ هَذَا الْقَائِلِ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنّ الْعَرَقَ أَعَمّ مِنْ النّسَا فَهُوَ مِنْ بَابِ إضَافَةِ الْعَامّ إلَى الْخَاصّ نَحْوُ كُلّ الدّرَاهِمِ أَوْ بَعْضُهَا . الثّانِي : أَنّ النّسَا : هُوَ الْمَرَضُ الْحَالُ بِالْعِرْقِ وَالْإِضَافَةِ فِيهِ مِنْ بَابِ إضَافَةِ الشّيْءِ إلَى مَحَلّهِ وَمَوْضِعِهِ . قِيلَ وَسُمّيَ بِذَلِكَ لِأَنّ أَلَمَهُ يُنْسِي مَا سِوَاهُ وَهَذَا الْعَرَقُ مُمْتَدّ مِنْ مَفْصِلِ الْوَرِكِ وَيَنْتَهِي إلَى آخِرِ الْقَدَمِ وَرَاءَ الْكَعْبِ مِنْ الْجَانِبِ الْوَحْشِيّ فِيمَا بَيْنَ عَظْمِ السّاقِ وَالْوَتَرِ . وَأَمّا الْمَعْنَى الطّبّيّ فَقَدْ تَقَدّمَ أَنّ كَلَامَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا : عَامّ بِحَسْبِ الْأَزْمَانِ وَالْأَمَاكِنِ وَالْأَشْخَاصِ وَالْأَحْوَالِ . وَالثّانِي : خَاصّ بِحَسْبِ هَذِهِ الْأُمُورِ أَوْ بِضْعِهَا وَهَذَا مِنْ هَذَا الْقِسْمِ فَإِنّ هَذَا خِطَابٌ لِلْعَرَبِ وَأَهْلِ الْحِجَازِ وَمَنْ جَاوَرَهُمْ وَلَا سِيّمَا أَعْرَابُ الْبَوَادِي فَإِنّ هَذَا الْعِلَاجَ مِنْ أَنْفَعِ الْعِلَاجِ لَهُمْ فَإِنّ هَذَا الْمَرَضَ يَحْدُثُ مِنْ يُبْسٍ وَقَدْ يَحْدُثُ مِنْ مَادّةٍ غَلِيظَةٍ لَزِجَةٍ فَعِلَاجُهَا بِالْإِسْهَالِ . وَالْأَلْيَةُ فِيهَا الْخَاصّيّتَانِ الْإِنْضَاجُ وَالتّلْيِينُ فَفِيهَا الْإِنْضَاجُ وَالْإِخْرَاجُ . وَهَذَا الْمَرَضُ يَحْتَاجُ عِلَاجُهُ إلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ وَفِي تَعْيِينِ الشّاةِ الْأَعْرَابِيّةِ لِقِلّةِ فُضُولِهَا وَصِغَرِ مِقْدَارِهَا وَلُطْفِ جَوْهَرِهَا وَخَاصّيّةِ مَرْعَاهَا لِأَنّهَا تَرْعَى أَعْشَابَ الْبَرّ الْحَارَةِ كَالشّيحِ وَالْقَيْصُومِ وَنَحْوِهِمَا وَهَذِهِ النّبَاتَاتُ إذَا تَغَذّى بِهَا الْحَيَوَانُ صَارَ فِي لَحْمِهِ مِنْ طَبْعِهَا بَعْدَ أَنْ يُلَطّفَهَا تُغَذّيهِ بِهَا وَيُكْسِبُهَا مِزَاجًا أَلْطَفَ مِنْهَا وَلَا سِيّمَا الْأَلْيَةُ وَظُهُورُ فِعْلِ هَذِهِ النّبَاتَاتِ فِي اللّبَنِ أَقْوَى مِنْهُ فِي اللّحْمِ وَلَكِنّ الْخَاصّيّةَ الّتِي فِي الْأَلْيَةِ مِنْ الْإِنْضَاجِ [ ص 67 ] غَالِبِ الْأُمَمِ وَالْبَوَادِي هِيَ الْأَدْوِيَةُ الْمُفْرَدَةُ وَعَلَيْهِ أَطِبّاءُ الْهِنْدِ . وَأَمّا الرّومُ وَالْيُونَانُ فَيَعْتَنُونَ بِالْمُرَكّبَةِ وَهُمْ مُتّفِقُونَ كُلّهُمْ عَلَى أَنّ مِنْ مَهَارَةِ الطّبِيبِ أَنْ يُدَاوِيَ بِالْغِذَاءِ فَإِنْ عَجَزَ فَبِالْمُفْرَدِ فَإِنْ عَجَزَ فَبِمَا كَانَ أَقَلّ تَرْكِيبًا . الْيُونَانُ فَيَعْتَنُونَ بِالْمُرَكّبَةِ وَهُمْ مُتّفِقُونَ كُلّهُمْ عَلَى أَنّ مِنْ مَهَارَةِ الطّبِيبِ أَنْ يُدَاوِيَ بِالْغِذَاءِ فَإِنْ عَجَزَ فَبِالْمُفْرَدِ فَإِنْ عَجَزَ فَبِمَا كَانَ أَقَلّ تَرْكِيبًا . وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّ غَالِبَ عَادَاتِ الْعَرَبِ وَأَهْلِ الْبَوَادِي الْأَمْرَاضُ الْبَسِيطَةُ فَالْأَدْوِيَةُ الْبَسِيطَةُ تُنَاسِبُهَا وَهَذَا لِبَسَاطَةِ أَغْذِيَتِهِمْ فِي الْغَالِبِ . وَأَمّا الْأَمْرَاضُ الْمُرَكّبَةُ فَغَالِبًا مَا تَحْدُثُ عَنْ تَرْكِيبِ الْأَغْذِيَةِ وَتَنَوّعِهَا وَاخْتِلَافِهَا فَاخْتِيرَتْ لَهَا الْأَدْوِيَةُ الْمُرَكّبَةُ وَاَللّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ يُبْسِ الطّبْعِ وَاحْتِيَاجِهِ إلَى مَا يُمَشّيهِ وَيُلَيّنُهُ رَوَى التّرْمِذِيّ فِي " جَامِعِهِ " وَابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءِ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَاذَا كُنْتِ تَسْتَمْشِينَ ؟ قَالَتْ بِالشّبْرُمِ قَالَ حَارّ جَارّ قَالَتْ ثُمّ اسْتَمْشَيْتُ بِالسّنَا فَقَالَ " لَوْ كَانَ شَيْءٌ يَشْفِي مِنْ الْمَوْتِ لَكَانَ السّنَا . [ ص 68 ] سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ أَبِي عَبْلَةَ قَالَ سَمِعْت عَبْدَ اللّهِ بْنَ أُمّ حَرَامٍ وَكَانَ قَدْ صَلّى مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْقِبْلَتَيْنِ يَقُولُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ عَلَيْكُمْ بِالسّنَا وَالسّنُوتِ فَإِنّ فِيهِمَا شِفَاءً مِنْ كُلّ دَاءٍ إلّا السّامَ " قِيلَ يَا رَسُولَ اللّهِ وَمَا السّامُ ؟ قَالَ الْمَوْتُ . [الْعِلَاجُ بِالشّبْرُمِ ] قَوْلُهُ بِمَاذَا كُنْت تَسْتَمْشِينَ ؟ أَيْ تُلَيّنِينَ الطّبْعَ حَتّى يَمْشِيَ وَلَا يَصِيرُ بِمَنْزِلَةِ الْوَاقِفِ فَيُؤْذِي بِاحْتِبَاسِ النّجْوِ وَلِهَذَا سُمّيَ الدّوَاءُ الْمُسَهّلُ مَشِيّا عَلَى وَزْنِ فَعِيلٍ . وَقِيلَ لِأَنّ الْمَسْهُولَ يُكْثِرُ الْمَشْيَ وَالِاخْتِلَافُ لِلْحَاجَةِ وَقَدْ رُوِيَ بِمَاذَا تَسْتَشْفِينَ ؟ فَقَالَتْ بِالشّبْرُمِ وَهُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْأَدْوِيَةِ الْيَتُوعِيّة وَهُوَ قِشْرُ عِرْقِ شَجَرَةٍ وَهُوَ حَارّ يَابِسٌ فِي الدّرَجَةِ الرّابِعَةِ وَأَجْوَدُهُ الْمَائِلُ إلَى الْحُمْرَةِ الْخَفِيفُ الرّقِيقُ الّذِي يُشْبِهُ الْجِلْدَ الْمَلْفُوفَ وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الّتِي أَوْصَى الْأَطِبّاءُ بِتَرْكِ اسْتِعْمَالِهَا لِخَطَرِهَا وَفَرْطِ إسْهَالِهَا . وَقَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " حَارّ جَارّ " وَيُرْوَى : حَارّ يَارّ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَأَكْثَرُ كَلَامِهِمْ بِالْيَاءِ . قُلْت : وَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا : أَنّ الْحَارّ الْجَارّ بِالْجِيمِ الشّدِيدُ الْإِسْهَالُ فَوَصَفَهُ بِالْحَرَارَةِ وَشَدّةِ الْإِسْهَالِ وَكَذَلِكَ هُوَ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ الدّينَوَرِيّ . [مَا الْمَقْصُودُ بِالْإِتْبَاعِ ] وَالثّانِي - وَهُوَ الصّوَابُ - أَنّ هَذَا مِنْ الْإِتْبَاعِ الّذِي يُقْصَدُ بِهِ تَأْكِيدُ الْأَوّلِ وَيَكُونُ بَيْنَ التّأْكِيدِ اللّفْظِيّ وَالْمَعْنَوِيّ وَلِهَذَا يُرَاعُونَ فِيهِ إتْبَاعَهُ فِي أَكْثَرِ حُرُوفِهِ كَقَوْلِهِمْ حَسَنٌ بَسَنٌ أَيْ كَامِلُ الْحُسْنِ وَقَوْلُهُمْ حَسَنٌ قَسَنٌ بِالْقَافِ وَمِنْهُ شَيْطَانٌ لَيْطَانُ وَحَارّ جَارّ مَعَ أَنّ فِي الْجَارّ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ [ ص 69 ] وَيَارّ إمّا لُغَةٌ فِي جَارّ كَقَوْلِهِمْ صِهْرِيّ وَصِهْرِيج وَالصّهَارِي وَالصّهَارِيجُ وَإِمّا إتْبَاعُ مُسْتَقِلّ . [ نَبَاتُ السّنَا ] وَأَمّا السّنَا فَفِيهِ لُغَتَانِ الْمَدّ وَالْقَصْرُ وَهُوَ نَبْتٌ حِجَازِيّ أَفْضَلُهُ الْمَكّيّ وَهُوَ دَوَاءٌ شَرِيفٌ مَأْمُونُ الْغَائِلَةِ قَرِيبٌ مِنْ الِاعْتِدَالِ حَارّ يَابِسٌ فِي الدّرَجَةِ الْأُولَى يُسْهِلُ الصّفْرَاءَ وَالسّوْدَاءَ وَيُقَوّي جِرْمَ الْقَلْبِ وَهَذِهِ فَضِيلَةٌ شَرِيفَةٌ فِيهِ وَخَاصّيّتُهُ النّفْعُ مِنْ الْوَسْوَاسِ السّوْدَاوِيّ وَمِنْ الشّقَاقِ الْعَارِضِ فِي الْبَدَنِ وَيَفْتَحُ الْعَضَلَ وَيَنْفَعُ مِنْ انْتِشَارِ الشّعَرِ وَمِنْ الْقَمْلِ وَالصّدَاعِ الْعَتِيقِ وَالْجَرَبِ وَالْبُثُورِ وَالْحِكّةِ وَالصّرِعِ وَشُرْبِ مَائِهِ مَطْبُوخًا أَصْلَحُ مِنْ شُرْبِهِ مَدْقُوقًا وَمِقْدَارُ الشّرْبَةِ مِنْهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَمِنْ مَائِهِ خَمْسَةُ دَرَاهِمَ وَإِنْ طُبِخَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ زَهْرِ الْبَنَفْسَجِ وَالزّبِيبِ الْأَحْمَرِ الْمَنْزُوعِ الْعَجَمُ كَانَ أَصْلَحَ . قَالَ الرّازِيّ : السّنَاءُ والشاهترج يُسَهّلَانِ الْأَخْلَاطَ الْمُحْتَرِقَةَ وَيَنْفَعَانِ مِنْ الْجَرَبِ وَالْحِكّة وَالشّرْبَةُ مِنْ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِنْ أَرْبَعَةِ دَرَاهِمَ إلَى سَبْعَةِ دَرَاهِمَ . [ مَا هُوَ السّنُوت ] وَأَمّا السّنُوت فَفِيهِ ثَمَانِيَةُ أَقْوَالٍ ؟ أَحَدُهَا : أَنّهُ الْعَسَلُ . وَالثّانِي : أَنّهُ رُبّ عُكّةِ السّمْنِ يَخْرُجُ خُطَطًا سَوْدَاءَ عَلَى السّمْنِ حَكَاهُمَا عَمْرُو بْنُ بَكْرٍ السكسكي . الثّالِثُ أَنّهُ حَبّ يُشْبِهُ الْكَمّونَ وَلَيْسَ بِهِ قَالَهُ ابْنُ الْأَعْرَابِيّ . الرّابِعُ أَنّهُ الْكَمّونُ الْكَرْمَانِيّ . الْخَامِسُ أَنّهُ الرازيانج . حَكَاهُمَا أَبُو حَنِيفَةَ الدّينَوَرِيّ عَنْ بَعْضِ الْأَعْرَابِ . السّادِسُ أَنّهُ الشّبِتّ . السّابِعُ أَنّهُ التّمْرُ حَكَاهُمَا أَبُو بَكْرِ بْنُ السّنّيّ الْحَافِظُ . الثّامِنُ أَنّهُ الْعَسَلُ الّذِي يَكُونُ فِي زِقَاقِ السّمْنِ حَكَاهُ عَبْدُ اللّطِيفِ الْبَغْدَادِيّ . قَالَ بَعْضُ الْأَطِبّاءِ وَهَذَا أَجْدَرُ [ ص 70 ] وَأَقْرَبُ إلَى الصّوَابِ أَيْ يُخْلَطُ السّنَاءُ مَدْقُوقًا بِالْعَسَلِ الْمُخَالِطِ لِلسّمْنِ ثُمّ يُلْعَقُ فَيَكُونُ أَصْلَحَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ مُفْرَدًا لِمَا فِي الْعَسَلِ وَالسّمْنِ مِنْ إصْلَاحِ السّنَا وَإِعَانَتِهِ لَهُ عَلَى الْإِسْهَالِ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رَوَى التّرْمِذِيّ ُ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ إنّ خَيْرَ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ السّعُوطُ وَاللّدُودُ وَالْحِجَامَةُ وَالْمَشْيُ وَالْمَشِيّ هُوَ الّذِي يُمَشّي الطّبْعَ وَيُلَيّنُهُ وَيُسَهّلُ خُرُوجَ الْخَارِجِ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ حِكّة الْجِسْمِ وَمَا يُوَلّدُ الْقَمْلَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ رَخّصَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِعَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزّبَيْرِ بْنِ الْعَوّامِ رَضِيَ اللّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا فِي لُبْسِ الْحَرِيرِ لَحِكّةٍ كَانَتْ بِهِمَا وَفِي رِوَايَةٍ أَنّ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَالزّبَيْرَ بْنَ الْعَوّامِ رَضِيَ اللّهُ تَعَالَى عَنْهُمَا شَكَوْا الْقَمْلَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي غَزَاةٍ لَهُمَا فَرَخّصَ لَهُمَا فِي قُمُصِ الْحَرِيرِ وَرَأَيْتُهُ عَلَيْهِمَا . هَذَا الْحَدِيثُ يَتَعَلّقُ بِهِ أَمْرَانِ أَحَدُهُمَا فِقْهِيّ وَالْآخَرُ طِبّيّ . [حُكْمُ لُبْسِ الْحَرِيرِ ] فَأَمّا الْفِقْهِيّ فَاَلّذِي اسْتَقَرّتْ عَلَيْهِ سُنّتُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إبَاحَةُ الْحَرِيرِ لِلنّسَاءِ مُطْلَقًا وَتَحْرِيمُهُ عَلَى الرّجَالِ إلّا لِحَاجَةٍ وَمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ فَالْحَاجَةُ إمّا مِنْ شِدّةِ الْبَرْدِ وَلَا يَجِدُ غَيْرَهُ أَوْ لَا يَجِدُ سُتْرَةً سِوَاهُ . وَمِنْهَا : لِبَاسُهُ لِلْجَرَبِ وَالْمَرَضِ وَالْحِكّةِ وَكَثْرَةِ الْقَمْلِ كَمَا دَلّ عَلَيْهِ حَدِيثُ أَنَسٍ هَذَا الصّحِيحُ . [ ص 71 ] أَحْمَدَ وَأَصَحّ قَوْلَيْ الشّافِعِيّ إذْ الْأَصْلُ عَدَمُ التّخْصِيصِ وَالرّخْصَةُ إذَا ثَبَتَتْ فِي حَقّ بَعْضِ الْأُمّةِ لِمَعْنًى تَعَدّتْ إلَى كُلّ مَنْ وُجِدَ فِيهِ ذَلِكَ الْمَعْنَى إذْ الْحُكْمُ يَعُمّ بِعُمُومِ سَبَبِهِ . وَمَنْ مَنَعَ مِنْهُ قَالَ أَحَادِيثُ التّحْرِيمِ عَامّةٌ وَأَحَادِيثُ الرّخْصَةِ يُحْتَمَلُ اخْتِصَاصُهَا بِعَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزّبَيْرِ وَيُحْتَمَلُ تَعَدّيهَا إلَى غَيْرِهِمَا . وَإِذَا اُحْتُمِلَ الْأَمْرَانِ كَانَ الْأَخْذُ بِالْعُمُومِ أَوْلَى وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ الرّوَاةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَلَا أَدْرِي أَبْلَغَتْ الرّخْصَةُ مِنْ بَعْدِهِمَا أَمْ لَا ؟ وَالصّحِيحُ عُمُومُ الرّخْصَةِ فَإِنّهُ عُرْفُ خِطَابِ الشّرْعِ فِي ذَلِكَ مَا لَمْ يُصَرّحْ بِالتّخْصِيصِ وَعَدَمِ إلْحَاقِ غَيْرِ مَنْ رَخّصَ لَهُ أَوّلًا بِهِ كَقَوْلِهِ لِأَبِي بُرْدَةَ فِي تَضْحِيَتِهِ بِالْجَذَعَةِ مِنْ الْمَعْزِ تَجْزِيكَ وَلَنْ تَجْزِيَ عَنْ أَحَدٍ بَعْدَكَ وَكَقَوْلِهِ تَعَالَى لِنَبِيّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي نِكَاحِ مَنْ وَهَبَتْ نَفْسَهَا لَهُ { خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } [ الْأَحْزَابُ 50 ] . وَتَحْرِيمُ الْحَرِيرِ إنّمَا كَانَ سَدّا لِلذّرِيعَةِ وَلِهَذَا أُبِيحَ لِلنّسَاءِ وَلِلْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ وَهَذِهِ قَاعِدَةُ مَا حُرّمَ لِسَدّ الذّرَائِعِ فَإِنّهُ يُبَاحُ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ كَمَا حَرُمَ النّظَرُ سَدّا لِذَرِيعَةِ الْفِعْلِ وَأُبِيحَ مِنْهُ مَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ وَالْمَصْلَحَةُ الرّاجِحَةُ وَكَمَا حَرُمَ التّنَفّلُ بِالصّلَاةِ فِي أَوْقَاتِ النّهْيِ سَدّا لِذَرِيعَةِ الْمُشَابَهَةِ الصّورِيّةِ بِعُبّادِ الشّمْسِ وَأُبِيحَتْ لِلْمَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ وَكَمَا حَرُمَ رِبَا الْفَضْلِ سَدّا لِذَرِيعَةِ رِبَا النّسِيئَةِ وَأُبِيحَ مِنْهُ مَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْ الْعَرَايَا [ ص 72 ] التّحْبِيرُ لِمَا يَحِلّ وَيَحْرُمُ مِنْ لِبَاسِ الْحَرِيرِ فَصْلُ [ فَوَائِدِ الْحَرِيرِ ] وَأَمّا الْأَمْرُ الطّبّيّ فَهُوَ أَنّ الْحَرِيرَ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الْمُتّخَذَةِ مِنْ الْحَيَوَانِ وَلِذَلِكَ يُعَدّ فِي الْأَدْوِيَةِ الْحَيَوَانِيّةِ لِأَنّ مَخْرَجَهُ مِنْ الْحَيَوَانِ وَهُوَ كَثِيرُ الْمَنَافِعِ جَلِيلُ الْمَوْقِعِ وَمِنْ خَاصّيّتِهِ تَقْوِيَةُ الْقَلْبِ وَتَفْرِيحُهُ وَالنّفْعُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَمْرَاضِهِ وَمِنْ غَلَبَةِ الْمِرّةِ السّوْدَاءِ وَالْأَدْوَاءِ الْحَادِثَةِ عَنْهَا ؛ وَهُوَ مُقَوّ لِلْبَصَرِ إذَا اكْتَحَلَ بِهِ وَالْخَامُ مِنْهُ - وَهُوَ الْمُسْتَعْمَلُ فِي صِنَاعَةِ الطّبّ - حَارّ يَابِسٌ فِي الدّرَجَةِ الْأُولَى . وَقِيلَ حَارّ رَطْبٌ فِيهَا : وَقِيلَ مُعْتَدِلٌ . وَإِذَا اُتّخِذَ مِنْهُ مَلْبُوسٌ كَانَ مُعْتَدِلَ الْحَرَارَةِ فِي مِزَاجِهِ مُسَخّنًا لِلْبَدَنِ وَرُبّمَا بَرُدَ الْبَدَنُ بِتَسْمِينِهِ إيّاهُ . قَالَ الرّازِيّ : الْإِبْرَيْسَمُ أَسْخَنُ مِنْ الْكَتّانِ وَأَبْرَدُ مِنْ الْقُطْنِ يُرَبّي اللّحْمَ وَكُلّ لِبَاسٍ خَشِنٍ فَإِنّهُ يُهْزِلُ وَيُصْلِبُ الْبَشَرَةَ وَبِالْعَكْسِ . [أَقْسَامُ الْمَلَابِسِ مِنْ حَيْثُ تَسْخِينِ الْبَدَنِ ] قُلْت : وَالْمَلَابِسُ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ قِسْمٌ يُسَخّنُ الْبَدَنَ وَيُدَفّئُهُ وَقِسْمٌ يُدَفّئُهُ وَلَا يُسَخّنُهُ وَقِسْمٌ لَا يُسَخّنُهُ وَلَا يُدَفّئُهُ وَلَيْسَ هُنَاكَ مَا يُسَخّنُهُ وَلَا يُدَفّئُهُ إذْ مَا يُسَخّنُهُ فَهُوَ أَوْلَى بِتَدْفِئَتِهِ فَمَلَابِسُ الْأَوْبَارِ وَالْأَصْوَافِ تُسَخّنُ وَتُدَفّئُ وَمَلَابِسُ الْكَتّانِ وَالْحَرِيرِ وَالْقُطْنِ تُدَفّئُ وَلَا تُسَخّنُ فَثِيَابُ الْكَتّانِ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ وَثِيَابُ الصّوفِ حَارَةٌ يَابِسَةٌ وَثِيَابُ الْقُطْنِ مُعْتَدِلَةُ الْحَرَارَةِ وَثِيَابُ الْحَرِيرِ أَلْيَنُ مِنْ الْقُطْنِ وَأَقَلّ حَرَارَةً مِنْهُ . قَالَ صَاحِبُ " الْمِنْهَاجِ " : وَلُبْسُهُ لَا يُسَخّنُ كَالْقُطْنِ بَلْ هُوَ مُعْتَدِلٌ وَكُلّ لِبَاسٍ أَمْلَسَ صَقِيلٍ فَإِنّهُ أَقَلّ إسْخَانًا لِلْبَدَنِ وَأَقَلّ عَوْنًا فِي تَحَلّلٍ مَا يَتَحَلّلُ مِنْهُ وَأَحْرَى أَنْ يُلْبَسَ فِي الصّيْفِ وَفِي الْبِلَادِ الْحَارّةِ . وَلَمّا كَانَتْ ثِيَابُ الْحَرِيرِ كَذَلِكَ وَلَيْسَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ الْيُبْسِ وَالْخُشُونَةِ [ ص 73 ] صَارَتْ نَافِعَةً مِنْ الْحِكّةِ إذْ الْحِكّةُ لَا تَكُونُ إلّا عَنْ حَرَارَةٍ وَيُبْسٍ وَخُشُونَةٍ فَلِذَلِكَ رَخّصَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلزّبَيْرِ وَعَبْدِ الرّحْمَن ِ فِي لِبَاسِ الْحَرِيرِ لِمُدَاوَاةِ الْحِكّةِ وَثِيَابُ الْحَرِيرِ أَبْعَدُ عَنْ تَوَلّدِ الْقَمْلِ فِيهَا إذْ كَانَ مِزَاجُهَا مُخَالِفًا لِمِزَاجِ مَا يَتَوَلّدُ مِنْهُ الْقَمْلُ . [عِلّةُ تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ ] وَأَمّا الْقِسْمُ الّذِي لَا يُدَفّئُ وَلَا يُسَخّنُ فَالْمُتّخَذُ مِنْ الْحَدِيدِ وَالرّصَاصِ وَالْخَشَبِ وَالتّرَابِ وَنَحْوِهَا فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا كَانَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ أَعْدَلَ اللّبَاسِ وَأَوْفَقَهُ لِلْبُدْنِ فَلِمَاذَا حَرّمَتْهُ الشّرِيعَةُ الْكَامِلَةُ الْفَاضِلَةُ الّتِي أَبَاحَتْ الطّيّبَاتِ وَحَرّمَتْ الْخَبَائِثَ ؟ قِيلَ هَذَا السّؤَالُ يُجِيبُ عَنْهُ كُلّ طَائِفَةٍ مِنْ طَوَائِفِ الْمُسْلِمِينَ بِجَوَابٍ فَمُنْكِرُو الْحُكْمِ وَالتّعْلِيلِ لِمَا رُفِعَتْ قَاعِدَةُ التّعْلِيلِ مِنْ أَصْلِهَا لَمْ يَحْتَاجُوا إلَى جَوَابٍ عَنْ هَذَا السّؤَالِ . وَمُثْبِتُو التّعْلِيلِ وَالْحُكْمِ - وَهُمْ الْأَكْثَرُونَ - مِنْهُمْ مَنْ يُجِيبُ عَنْ هَذَا بِأَنّ الشّرِيعَةَ حَرّمَتْهُ لِتَصْبِرَ النّفُوسُ عَنْهُ وَتَتْرُكهُ لِلّهِ فَتُثَابُ عَلَى ذَلِكَ لَا سِيّمَا وَلَهَا عِوَضٌ عَنْهُ بِغَيْرِهِ . وَمِنْهُمْ مَنْ يُجِيبُ عَنْهُ بِأَنّهُ خُلِقَ فِي الْأَصْلِ لِلنّسَاءِ كَالْحِلْيَةِ بِالذّهَبِ فَحَرُمَ عَلَى الرّجَالِ لِمَا فِيهِ مِنْ مَفْسَدَةِ تَشَبّهِ الرّجَالِ بِالنّسَاءِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ حَرُمَ لِمَا يُورِثُهُ مِنْ الْفَخْرِ وَالْخُيَلَاءِ وَالْعُجْبِ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ حَرُمَ لِمَا يُورِثُهُ بِمُلَامَسَتِهِ لِلْبَدَنِ مِنْ الْأُنُوثَةِ وَالتّخَنّثِ وَضِدّ الشّهَامَةِ وَالرّجُولَةِ فَإِنّ لُبْسَهُ يُكْسِبُ الْقَلْبَ صِفَةً مِنْ صِفَاتِ الْإِنَاثِ وَلِهَذَا لَا تَكَادُ تَجِدُ مَنْ يَلْبَسُهُ فِي الْأَكْثَرِ إلّا وَعَلَى شَمَائِلِهِ مِنْ التّخَنّثِ وَالتّأَنّثِ وَالرّخَاوَةِ مَا لَا يَخْفَى حَتّى لَوْ كَانَ مِنْ أَشْهَمِ النّاسِ وَأَكْثَرِهِمْ فَحَوْلِيّةً وَرُجُولِيّةً فَلَا بُدّ أَنْ يُنْقِصَهُ لُبْسُ الْحَرِيرِ مِنْهَا وَإِنْ لَمْ يُذْهِبْهَا وَمَنْ غَلُظَتْ طِبَاعُهُ وَكَثُفَتْ عَنْ فَهْمِ هَذَا فَلْيُسَلّمْ لِلشّارِعِ الْحَكِيمِ وَلِهَذَا كَانَ [ ص 74 ] أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ أَنّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْوَلِيّ أَنْ يُلْبِسَهُ الصّبِيّ لِمَا يَنْشَأُ عَلَيْهِ مِنْ صِفَاتِ أَهْلِ التّأْنِيثِ . وَقَدْ رَوَى النّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ إنّ اللّهَ أَحَلّ لِإِنَاثِ أُمّتِي الْحَرِيرَ وَالذّهَبَ وَحَرّمَهُ عَلَى ذُكُورِهَا وَفِي لَفْظٍ حَرُمَ لِبَاسُ الْحَرِيرِ وَالذّهَبِ عَلَى ذُكُورِ أُمّتِي وَأُحِلّ لِإِنَاثِهِمْ وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " عَنْ حُذَيْفَةَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ وَالدّيبَاجِ وَأَنْ يُجْلَسَ عَلَيْهِ وَقَالَ هُوَ لَهُمْ فِي الدّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ ذَاتِ الْجَنْبِ رَوَى التّرْمِذِيّ فِي " جَامِعِهِ " مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَم َ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ تَدَاوَوْا مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ بِالْقُسْطِ الْبَحْرِيّ وَالزّيْتِ وَذَاتُ الْجَنْبِ عِنْدَ الْأَطِبّاءِ نَوْعَانِ حَقِيقِيّ وَغَيْرُ حَقِيقِيّ . فَالْحَقِيقِيّ وَرَمٌ حَارّ يَعْرِضُ فِي نَوَاحِي الْجَنْبِ فِي الْغِشَاءِ الْمُسْتَبْطِنِ لِلْأَضْلَاعِ . وَغَيْرُ الْحَقِيقِيّ أَلَمٌ يُشْبِهُهُ يَعْرِضُ فِي نَوَاحِي الْجَنْبِ عَنْ رِيَاحٍ غَلِيظَةٍ مُؤْذِيَةٍ تَحْتَقِنُ بَيْنَ الصّفَاقَاتِ [ ص 75 ] قَالَ صَاحِبُ " الْقَانُونِ " : قَدْ يَعْرِضُ فِي الْجَنْبِ وَالصّفَاقَاتِ وَالْعَضَلِ الّتِي فِي الصّدْرِ وَالْأَضْلَاعِ وَنَوَاحِيهَا أَوْرَامٌ مُؤْذِيَةٌ جِدّا مُوجِعَةٌ تُسَمّى شَوْصَةً وَبِرْسَامًا وَذَاتَ الْجَنْبِ . وَقَدْ تَكُونُ أَيْضًا أَوْجَاعًا فِي هَذِهِ الْأَعْضَاءِ لَيْسَتْ مِنْ وَرَمٍ وَلَكِنْ مِنْ رِيَاحٍ غَلِيظَةٍ فَيُظَنّ أَنّهَا مِنْ هَذِهِ الْعِلّةِ وَلَا تَكُونُ مِنْهَا . قَالَ وَاعْلَمْ أَنّ كُلّ وَجَعٍ فِي الْجَنْبِ قَدْ يُسَمّى ذَاتَ الْجَنْبِ اشْتِقَاقًا مِنْ مَكَانِ الْأَلَمِ لِأَنّ مَعْنَى ذَاتِ الْجَنْبِ صَاحِبَةُ الْجَنْبِ وَالْغَرَضُ بِهِ هَا هُنَا وَجَعُ الْجَنْبِ فَإِذَا عَرَضَ فِي الْجَنْبِ أَلَمٌ عَنْ أَيّ سَبَبٍ كَانَ نُسِبَ إلَيْهِ وَعَلَيْهِ حُمِلَ كَلَامُ بُقْرَاطَ فِي قَوْلِهِ إنّ أَصْحَابَ ذَاتِ الْجَنْبِ يَنْتَفِعُونَ بِالْحَمَامِ . قِيلَ الْمُرَادُ بِهِ كُلّ مَنْ بِهِ وَجَعُ جَنْبٍ أَوْ وَجَعُ رِئَةٍ مِنْ سُوءِ مِزَاجٍ أَوْ مِنْ أَخْلَاطٍ غَلِيظَةٍ أَوْ لَذّاعَةٍ مِنْ غَيْرِ وَرَمٍ وَلَا حُمّى . قَالَ بَعْضُ الْأَطِبّاءِ وَأَمّا مَعْنَى ذَاتِ الْجَنْبِ فِي لُغَةِ الْيُونَانِ فَهُوَ وَرَمُ الْجَنْبِ الْحَارّ وَكَذَلِكَ وَرَمُ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَعْضَاءِ الْبَاطِنَةِ وَإِنّمَا سُمّيَ ذَاتَ الْجَنْبِ وَرَمَ ذَلِكَ الْعُضْوِ إذَا كَانَ وَرَمًا حَارّا فَقَطْ . وَيَلْزَمُ ذَاتَ الْجَنْبِ الْحَقِيقِيّ خَمْسَةُ أَعْرَاضٍ وَهِيَ الْحُمّى وَالسّعَالُ وَالْوَجَعُ النّاخِسُ وَضِيقُ النّفَسِ وَالنّبْضُ الْمِنْشَارِيّ . وَالْعِلَاجُ الْمَوْجُودُ فِي الْحَدِيثِ لَيْسَ هُوَ لِهَذَا الْقِسْمِ لَكِنْ لِلْقِسْمِ الثّانِي الْكَائِنِ عَنْ الرّيحِ الْغَلِيظَةِ فَإِنّ الْقُسْطَ الْبَحْرِيّ - وَهُوَ الْعُودُ الْهِنْدِيّ عَلَى مَا جَاءَ مُفَسّرًا فِي أَحَادِيثَ أُخَرَ - صِنْفٌ مِنْ الْقُسْطِ إذَا دُقّ دَقّا نَاعِمًا وَخُلِطَ بِالزّيْتِ الْمُسَخّنِ وَدُلِكَ بِهِ مَكَانُ الرّيحِ الْمَذْكُورُ أَوْ لُعِقَ كَانَ دَوَاءً مُوَافِقًا لِذَلِكَ نَافِعًا [ ص 76 ] لِمَادّتِهِ مُذْهِبًا لَهَا مُقَوّيًا لِلْأَعْضَاءِ الْبَاطِنَةِ مُفَتّحًا لِلسّدَدِ وَالْعُودُ الْمَذْكُورُ فِي مَنَافِعِهِ كَذَلِكَ . قَالَ الْمُسَبّحِيّ الْعُودُ حَارّ يَابِسٌ قَابِضٌ يَحْبِسُ الْبَطْنَ وَيُقَوّي الْأَعْضَاءَ الْبَاطِنَةَ وَيَطْرُدُ الرّيحَ وَيَفْتَحُ السّدَدَ نَافِعٌ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ وَيُذْهِبُ فَضْلَ الرّطُوبَةِ وَالْعُودُ الْمَذْكُورُ جَيّدٌ لِلدّمَاغِ . قَالَ وَيَجُوزُ أَنْ يَنْفَعَ الْقُسْطُ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ الْحَقِيقِيّةِ أَيْضًا إذَا كَانَ حُدُوثُهَا عَنْ مَادّةٍ بَلْغَمِيّةٍ لَا سِيّمَا فِي وَقْتِ انْحِطَاطِ الْعِلّةِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَذَاتُ الْجَنْبِ مِنْ الْأَمْرَاضِ الْخَطِرَةِ وَفِي الْحَدِيثِ الصّحِيحِ عَنْ أُمّ سَلَمَةَ أَنّهَا قَالَتْ بَدَأَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَرَضِهِ فِي بَيْت ِ مَيْمُونَة وَكَانَ كُلّمَا خَفّ عَلَيْهِ خَرَجَ وَصَلّى بِالنّاسِ وَكَانَ كُلّمَا وَجَدَ ثِقَلًا قَالَ مُرُوا أَبَا بَكْرٍ فَلْيُصَلّ بِالنّاسِ " وَاشْتَدّ شَكْوَاهُ حَتّى غُمِرَ عَلَيْهِ مِنْ شِدّةِ الْوَجَعِ فَاجْتَمَعَ عِنْدَهُ نِسَاؤُهُ وَعَمّهُ الْعَبّاسُ وَأُمّ الْفَضْلِ بِنْتُ الْحَارِثِ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ فَتَشَاوَرُوا فِي لَدّهِ فَلَدّوهُ وَهُوَ مَغْمُورٌ فَلَمّا أَفَاقَ قَالَ " مَنْ فَعَلَ بِي هَذَا هَذَا مِنْ عَمَلِ نِسَاءٍ جِئْنَ مِنْ هَا هُنَا وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَكَانَتْ أُمّ سَلَمَةَ وَأَسْمَاءُ لَدّتَاهُ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ خَشِينَا أَنْ يَكُونَ بِكَ ذَاتُ الْجَنْبِ . قَالَ " فَبِمَ لَدَدْتُمُونِي " ؟ قَالُوا : بِالْعُودِ الْهِنْدِيّ وَشَيْءٍ مِنْ وَرْسٍ وَقَطَرَاتٍ مِنْ زَيْتٍ . فَقَالَ " مَا كَانَ اللّهُ لِيَقْذِفَنِي بِذَلِكَ الدّاءِ " ثُمّ قَالَ " عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ أَنْ لَا يَبْقَى فِي الْبَيْتِ أَحَدٌ إلّا لُدّ إلّا عَمّي الْعَبّاسُ [ ص 77 ] وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ تَعَالَى عَنْهَا قَالَتْ لَدَدْنَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَشَارَ أَنْ لَا تَلُدّونِي فَقُلْنَا : كَرَاهِيَةَ الْمَرِيضِ لِلدّوَاءِ فَلَمّا أَفَاقَ قَالَ أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ تَلُدّونِي لَا يَبْقَى مِنْكُمْ أَحَدٌ إلّا لُدّ غَيْرَ عَمّي الْعَبّاسِ فَإِنّهُ لَمْ يَشْهَدْكُمْ " قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ الْأَصْمَعِيّ : اللّدُودُ مَا يُسْقَى الْإِنْسَانُ فِي أَحَدِ شِقّيْ الْفَمِ أُخِذَ مِنْ لَدِيدَيْ الْوَادِي وَهُمَا جَانِبَاهُ . وَأَمّا الْوَجُورُ فَهُوَ فِي وَسَطِ الْفَمِ . قُلْت : وَاللّدُودُ - بِالْفَتْحِ - هُوَ الدّوَاءُ الّذِي يُلَدّ بِهِ . وَالسّعُوطُ مَا أُدْخِلَ مِنْ أَنْفِهِ . [ مُعَاقَبَةُ الْجَانِي بِمِثْلِ مَا فَعَلَ ] وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفِقْهِ مُعَاقَبَةُ الْجَانِي بِمِثْلِ مَا فَعَلَ سَوَاءٌ إذَا لَمْ يَكُنْ فِعْلُهُ مُحَرّمًا لِحَقّ اللّهِ وَهَذَا هُوَ الصّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ لِبِضْعَةَ عَشَرَ دَلِيلًا قَدْ ذَكَرْنَاهَا فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَهُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ وَهُوَ ثَابِتٌ عَنْ الْخُلَفَاءِ الرّاشِدِينَ وَتَرْجَمَةُ الْمَسْأَلَةِ بِالْقِصَاصِ فِي اللّطْمَةِ وَالضّرْبَةِ وَفِيهَا عِدّةُ أَحَادِيثَ لَا مُعَارِضَ لَهَا أَلْبَتّةَ فَيَتَعَيّنُ الْقَوْلُ بِهَا . [ ص 78 ] فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ الصّدَاعِ وَالشّقِيقَةِ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " حَدِيثًا فِي صِحّتِهِ نَظَرٌ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ إذَا صُدِعَ غَلّفَ رَأْسَهُ بِالْحِنّاءِ وَيَقُولُ إنّهُ نَافِعٌ بِإِذْنِ اللّهِ مِنْ الصّدَاعِ وَالصّدَاعُ أَلَمٌ فِي بَعْضِ أَجْزَاءِ الرّأْسِ أَوْ كُلّهِ فَمَا كَانَ مِنْهُ فِي أَحَدِ شِقّيْ الرّأْسِ لَازِمًا يُسَمّى شَقِيقَةً وَإِنْ كَانَ شَامِلًا لِجَمِيعِهِ لَازِمًا يُسَمّى بَيْضَةً وَخُودَةً تَشْبِيهًا بِبَيْضَةِ السّلَاحِ الّتِي تَشْتَمِلُ عَلَى الرّأْسِ كُلّهِ وَرُبّمَا كَانَ فِي مُؤَخّرِ الرّأْسِ أَوْ فِي مُقَدّمِهِ . [ حَقِيقَةُ الصّدَاعِ ] وَأَنْوَاعُهُ كَثِيرَةٌ وَأَسْبَابُهُ مُخْتَلِفَةٌ . وَحَقِيقَةُ الصّدَاعِ سُخُونَةُ الرّأْسِ وَاحْتِمَاؤُهُ لِمَا دَارَ فِيهِ مِنْ الْبُخَارِ يَطْلُبُ النّفُوذَ مِنْ الرّأْسِ فَلَا يَجِدُ مَنْفَذًا فَيَصْدَعُهُ كَمَا يَصْدَعُ الْوَعْيُ إذَا حَمِيَ مَا فِيهِ وَطَلَبَ النّفُوذَ فَكُلّ شَيْءٍ رَطْبٍ إذَا حَمِيَ طَلَبَ مَكَانًا أَوْسَعَ مِنْ مَكَانِهِ الّذِي كَانَ فِيهِ فَإِذَا عَرَضَ هَذَا الْبُخَارُ فِي الرّأْسِ كُلّهِ بِحَيْثُ لَا يُمْكِنُهُ التّفَشّي وَالتّحَلّلُ وَجَالَ فِي الرّأْسِ سُمّيَ السّدْرُ . [ ص 79 ] [ أَسْبَابُ الصّدَاعِ ] وَالصّدَاعُ يَكُونُ عَنْ أَسْبَابٍ عَدِيدَةٍ أَحَدُهَا : مِنْ غَلَبَةِ وَاحِدٍ مِنْ الطّبَائِعِ الْأَرْبَعَةِ . وَالْخَامِسُ يَكُونُ مِنْ قُرُوحٍ تَكُونُ فِي الْمَعِدَةِ فَيَأْلَمُ الرّأْسُ لِذَلِكَ الْوَرَمِ لِاتّصَالِ الْعَصَبِ الْمُنْحَدِرِ مِنْ الرّأْسِ بِالْمَعِدَةِ . وَالسّادِسُ مِنْ رِيحٍ غَلِيظَةٍ تَكُونُ فِي الْمَعِدَةِ فَتَصْعَدُ إلَى الرّأْسِ فَتَصْدَعُهُ . وَالسّابِعُ يَكُونُ مِنْ وَرَمٍ فِي عُرُوقِ الْمَعِدَةِ فَيَأْلَمُ الرّأْسُ بِأَلَمِ الْمَعِدَةِ لِلِاتّصَالِ الّذِي بَيْنَهُمَا . وَالثّامِنُ صُدَاعٌ يَحْصُلُ عَنْ امْتِلَاءِ الْمَعِدَةِ مِنْ الطّعَامِ ثُمّ يَنْحَدِرُ وَيَبْقَى بَعْضُهُ نِيئًا فَيُصَدّعُ الرّأْسَ وَيُثْقِلُهُ . وَالتّاسِعُ يَعْرِضُ بَعْدَ الْجِمَاعِ لِتَخَلْخُلِ الْجِسْمِ فَيَصِلُ إلَيْهِ مِنْ حَرّ الْهَوَاءِ أَكْثَرُ مِنْ قَدْرِهِ . وَالْعَاشِرُ صُدَاعٌ يَحْصُلُ بَعْدَ الْقَيْءِ وَالِاسْتِفْرَاغِ إمّا لِغَلَبَةِ الْيُبْسِ وَإِمّا لِتَصَاعُدِ الْأَبْخِرَةِ مِنْ الْمَعِدَةِ إلَيْهِ . وَالْحَادِي عَشَرَ صُدَاعٌ يَعْرِضُ عَنْ شِدّةِ الْحَرّ وَسُخُونَةِ الْهَوَاءِ . وَالثّانِي عَشَرَ مَا يَعْرِضُ عَنْ شِدّةِ الْبَرْدِ وَتَكَاثُفِ الْأَبْخِرَةِ فِي الرّأْسِ وَعَدَمِ تَحَلّلِهَا . وَالثّالِثَ عَشَرَ مَا يَحْدُثُ مِنْ السّهَرِ وَعَدَمِ النّوْمِ . وَالرّابِعُ عَشَرَ مَا يَحْدُثُ مِنْ ضَغْطِ الرّأْسِ وَحَمْلِ الشّيْءِ الثّقِيلِ عَلَيْهِ . وَالْخَامِسَ عَشَرَ مَا يَحْدُثُ مِنْ كَثْرَةِ الْكَلَامِ فَتَضْعُفُ قُوّةُ الدّمَاغِ لِأَجْلِهِ . وَالسّادِسَ عَشَرَ مَا يَحْدُثُ مِنْ كَثْرَةِ الْحَرَكَةِ وَالرّيَاضَةِ الْمُفْرِطَةِ . وَالسّابِعَ عَشَرَ مَا يَحْدُثُ مِنْ الْأَعْرَاضِ النّفْسَانِيّةِ كَالْهُمُومِ وَالْغُمُومِ وَالْأَحْزَانِ وَالْوَسَاوِسِ وَالْأَفْكَارِ الرّدِيئَةِ . [ ص 80 ] وَالثّامِنَ عَشَرَ مَا يَحْدُثُ مِنْ شِدّةِ الْجُوعِ فَإِنّ الْأَبْخِرَةَ لَا تَجِدُ مَا تَعْمَلُ فِيهِ فَتَكْثُرُ وَتَتَصَاعَدُ إلَى الدّمَاغِ فَتُؤْلِمُهُ . وَالتّاسِعَ عَشَرَ مَا يَحْدُثُ عَنْ وَرَمٍ فِي صِفَاقِ الدّمَاغِ وَيَجِدُ صَاحِبُهُ كَأَنّهُ يُضْرَبُ بِالْمَطَارِقِ عَلَى رَأْسِهِ . وَالْعِشْرُونَ مَا يَحْدُثُ بِسَبَبِ الْحُمّى لِاشْتِعَالِ حَرَارَتِهَا فِيهِ فَيَتَأَلّمُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ [ سَبَبُ صُدَاعِ الشّقِيقَةِ ] [ تَعْصِيبُ الرّأْسِ يُسْكِنُ الْوَجَعَ ] وَسَبَبُ صُدَاعِ الشّقِيقَةِ مَادّةٌ فِي شَرَايِينِ الرّأْسِ وَحْدَهَا حَاصِلَةٌ فِيهَا أَوْ مُرْتَقِيَةٌ إلَيْهَا فَيَقْبَلُهَا الْجَانِبُ الْأَضْعَفُ مِنْ جَانِبَيْهِ وَتِلْكَ الْمَادّةُ إمّا بُخَارِيّةٌ وَإِمّا أَخْلَاطٌ حَارّةٌ أَوْ بَارِدَةٌ وَعَلَامَتُهَا الْخَاصّةُ بِهَا ضَرْبَانِ الشّرَايِينُ وَخَاصّةً فِي الدّمَوِيّ . وَإِذَا ضُبِطَتْ بِالْعَصَائِبِ وَمُنِعَتْ مِنْ الضّرَبَان سَكَنَ الْوَجَعُ . وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ " الطّبّ النّبَوِيّ " لَهُ أَنّ هَذَا النّوْعَ كَانَ يُصِيبُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَيَمْكُثُ الْيَوْمَ وَالْيَوْمَيْنِ وَلَا يَخْرُجُ . وَفِيهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ خَطَبَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَدْ عَصَبَ رَأْسَهُ بِعِصَابَةٍ وَفِي " الصّحِيحِ " أَنّهُ قَالَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَارْأَسَاه وَكَانَ يُعَصّبُ رَأْسَهُ [ ص 81 ] الشّقِيقَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ أَوْجَاعِ الرّأْسِ . فَصْلٌ [ عِلَاجُ الصّدَاعِ ] وَعِلَاجُهُ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ وَأَسْبَابِهِ فَمِنْهُ مَا عِلَاجُهُ بِالِاسْتِفْرَاغِ وَمِنْهُ مَا عِلَاجُهُ بِتَنَاوُلِ الْغِذَاءِ وَمِنْهُ مَا عِلَاجُهُ بِالسّكُونِ وَالدّعَةِ وَمِنْهُ مَا عِلَاجُهُ بِالضّمَادَاتِ وَمِنْهُ مَا عِلَاجُهُ بِالتّبْرِيدِ وَمِنْهُ مَا عِلَاجُهُ بِالتّسْخِينِ وَمِنْهُ مَا عِلَاجُهُ بِأَنْ يَجْتَنِبَ سَمَاعَ الْأَصْوَاتِ وَالْحَرَكَاتِ . [ الْعِلَاجُ بِالْحِنّاءِ جُزْئِيّ ] إذَا عُرِفَ هَذَا فَعِلَاجُ الصّدَاعِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالْحِنّاءِ هُوَ جُزْئِيّ لَا كُلّيّ وَهُوَ عِلَاجُ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِهِ فَإِنّ الصّدَاعَ إذَا كَانَ مِنْ حَرَارَةٍ مُلْهِبَةٍ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ مَادّةٍ يَجِبُ اسْتِفْرَاغُهَا نَفَعَ فِيهِ الْحِنّاءُ نَفْعًا ظَاهِرًا وَإِذَا دُقّ وَضُمّدَتْ بِهِ الْجَبْهَةُ مَعَ الْخَلّ سَكَنَ الصّدَاعُ وَفِيهِ قُوّةٌ مُوَافِقَةٌ لِلْعَصَبِ إذَا ضُمّدَ بِهِ سَكَنَتْ أَوْجَاعُهُ وَهَذَا لَا يَخْتَصّ بِوَجَعِ الرّأْسِ بَلْ يَعُمّ الْأَعْضَاءَ وَفِيهِ قَبْضٌ تُشَدّ بِهِ الْأَعْضَاءُ وَإِذَا ضُمّدَ بِهِ مَوْضِعُ الْوَرَمِ الْحَارّ وَالْمُلْتَهِبِ سَكّنَهُ . وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ فِي " تَارِيخِه ِ " وَأَبُو دَاوُدَ فِي " السّنَنِ " أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا شَكَا إلَيْهِ أَحَدٌ وَجَعًا فِي رَأْسِهِ إلّا قَالَ لَهُ " احْتَجِمْ " وَلَا شَكَا إلَيْهِ وَجَعًا فِي رِجْلَيْهِ إلّا قَالَ لَهُ " اخْتَضِبْ بِالْحِنّاءِ " . وَفِي التّرْمِذِيّ عَنْ سَلْمَى أُمّ رَافِعٍ خَادِمَةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَتْ كَانَ لَا يُصِيبُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قُرْحَةٌ وَلَا شَوْكَةٌ إلّا وَضَعَ عَلَيْهَا الْحِنّاءَ . [ ص 82 ] فَصْلٌ [ مَنَافِعُ الْحِنّاءِ وَخَوَاصّهُ ] وَالْحِنّاءُ بَارِدٌ فِي الْأُولَى يَابِسٌ فِي الثّانِيَةِ وَقُوّةُ شَجَرِ الْحِنّاءِ وَأَغْصَانُهَا مُرَكّبَةٌ مِنْ قُوّةٍ مُحَلّلَةٍ اكْتَسَبَتْهَا مِنْ جَوْهَرٍ فِيهَا مَائِيّ حَارّ بِاعْتِدَالٍ وَمِنْ قُوّةٍ قَابِضَةٍ اكْتَسَبَتْهَا مِنْ جَوْهَرٍ فِيهَا أَرْضِيّ بَارِدٍ . وَمِنْ مَنَافِعِهِ إنّهُ مُحَلّلٌ نَافِعٌ مِنْ حَرْقِ النّارِ وَفِيهِ قُوّةٌ مُوَافِقَةٌ لِلْعَصَبِ إذَا ضُمّدَ بِهِ وَيَنْفَعُ إذَا مُضِغَ مِنْ قُرُوحِ الْفَمِ وَالسّلَاقِ الْعَارِضِ فِيهِ وَيُبْرِئُ الْقُلَاعَ الْحَادِثَ فِي أَفْوَاهِ الصّبْيَانِ وَالضّمَادُ بِهِ يَنْفَعُ مِنْ الْأَوْرَامِ الْحَارّةِ الْمُلْهِبَةِ وَيَفْعَلُ فِي الْجِرَاحَاتِ فَهَلْ دَمُ الْأَخَوَيْنِ . وَإِذَا خُلِطَ نَوْرُهُ مَعَ الشّمْعِ الْمُصَفّى وَدُهْنِ الْوَرْدِ يَنْفَعُ مِنْ أَوْجَاعِ الْجَنْبِ . وَمِنْ خَوَاصّهِ أَنّهُ إذَا بَدَأَ الْجُدَرِيّ يَخْرُجُ بِصَبِيّ فَخُضِبَتْ أَسَافِلُ رِجْلَيْهِ بِحِنّاءٍ فَإِنّهُ يُؤْمَنُ عَلَى عَيْنَيْهِ أَنْ يَخْرُجَ فِيهَا شَيْءٌ مِنْهُ وَهَذَا صَحِيحٌ مُجَرّبٌ لَا شَكّ فِيهِ . وَإِذَا جُعِلَ نَوْرُهُ بَيْنَ طَيّ ثِيَابِ الصّوفِ طَيّبَهَا وَمَنَعَ السّوسَ عَنْهَا وَإِذَا نُقِعَ وَرَقُهُ فِي مَاءٍ يَغْمُرُهُ ثُمّ عُصِرَ وَشُرِبَ مَنْ صَفْوِهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا كُلّ يَوْمٍ عِشْرُونَ دِرْهَمًا مَعَ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ سُكّرٍ وَيُغَذّى عَلَيْهِ بِلَحْمِ الضّأْنِ الصّغِيرِ فَإِنّهُ يَنْفَعُ مِنْ ابْتِدَاءِ الْجُذَامِ بِخَاصّيّةٍ فِيهِ عَجِيبَةٍ . وَحُكِيَ أَنّ رَجُلًا تَشَقّقَتْ أَظَافِيرُ أَصَابِعِ يَدِهِ وَإِنّهُ بَذَلَ لِمَنْ يُبْرِئُهُ مَالًا فَلَمْ يُجْدِ فَوَصَفَتْ لَهُ امْرَأَةٌ أَنْ يَشْرَبَ عَشَرَةَ أَيّامٍ حِنّاءَ فَلَمْ يُقْدِمْ عَلَيْهِ ثُمّ نَقَعَهُ بِمَاءٍ وَشَرِبَهُ فَبَرَأَ وَرَجَعَتْ أَظَافِيرُهُ إلَى حُسْنِهَا . وَالْحِنّاءُ إذَا أُلْزِمَتْ بِهِ الْأَظْفَارُ مَعْجُونًا حَسّنَهَا وَنَفَعَهَا وَإِذَا عُجِنَ بِالسّمْنِ [ ص 83 ] أَصْفَرَ نَفَعَهَا وَنَفَعَ مِنْ الْجَرَبِ الْمُتَقَرّحِ الْمُزْمِنِ مَنْفَعَةً بَلِيغَةً وَهُوَ يُنْبِتُ الشّعْرَ وَيُقَوّيهِ وَيُحَسّنُهُ وَيُقَوّي الرّأْسَ وَيَنْفَعُ مِنْ النّفّاطَاتِ وَالْبُثُورِ الْعَارِضَةِ فِي السّاقَيْنِ وَالرّجْلَيْنِ وَسَائِرِ الْبَدَنِ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي مُعَالَجَةِ الْمَرْضَى بِتَرْكِ إعْطَائِهِمْ مَا يَكْرَهُونَهُ مِنْ الطّعَامِ وَالشّرَابِ وَإِنّهُمْ لَا يُكْرَهُونَ عَلَى تَنَاوُلِهِمَا رَوَى التّرْمِذِيّ فِي " جَامِعِهِ " وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ الْجُهَنِيّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا تُكْرِهُوا مَرْضَاكُمْ عَلَى الطّعَامِ وَالشّرَابِ فَإِنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ قَالَ بَعْضُ فُضَلَاءِ الْأَطِبّاءِ مَا أَغْزَرَ فَوَائِدَ هَذِهِ الْكَلِمَةِ النّبَوِيّةِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى حِكَمٍ إلَهِيّةٍ لَا سِيّمَا لِلْأَطِبّاءِ وَلِمَنْ يُعَالِجْ الْمَرْضَى وَذَلِكَ أَنّ الْمَرِيضَ إذَا عَافَ الطّعَامَ أَوْ الشّرَابَ فَذَلِكَ لِاشْتِغَالِ الطّبِيعَةِ بِمُجَاهَدَةِ الْمَرَضِ أَوْ لِسُقُوطِ شَهْوَتِهِ أَوْ نُقْصَانِهَا لِضَعْفِ الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيّةِ أَوْ خُمُودِهَا وَكَيْفَمَا كَانَ فَلَا يَجُوزُ حِينَئِذٍ إعْطَاءُ الْغِذَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ . وَاعْلَمْ أَنّ الْجُوعَ إنّا هُوَ طَلَبُ الْأَعْضَاءِ لِلْغِذَاءِ لِتَخَلّفِ الطّبِيعَةِ بِهِ عَلَيْهَا عِوَضَ مَا يَتَحَلّلُ مِنْهَا فَتَجْذِبُ الْأَعْضَاءَ الْقُصْوَى مِنْ الْأَعْضَاءِ الدّنْيَا حَتّى يَنْتَهِيَ [ ص 84 ] الطّبِيعَةُ بِمَادّتِهِ وَإِنْضَاجِهَا وَإِخْرَاجِهَا عَنْ طَلَبِ الْغِذَاءِ أَوْ الشّرَابِ فَإِذَا أُكْرِهَ الْمَرِيضُ عَلَى اسْتِعْمَالِ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ تَعَطّلَتْ بِهِ الطّبِيعَةُ عَنْ فِعْلِهَا وَاشْتَغَلَتْ بِهَضْمِهِ وَتَدْبِيرِهِ عَنْ إنْضَاجِ مَادّةِ الْمَرَضِ وَدَفْعِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ سَبَبًا لِضَرَرِ الْمَرِيضِ وَلَا سِيّمَا فِي أَوْقَاتِ الْبُحْرَانِ أَوْ ضَعْفِ الْحَارّ الْغَرِيزِيّ أَوْ خُمُودِهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ زِيَادَةً فِي الْبَلِيّةِ وَتَعْجِيلِ النّازِلَةِ الْمُتَوَقّعَةِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ فِي هَذَا الْوَقْتِ وَالْحَالِ إلّا مَا يَحْفَظُ عَلَيْهِ قُوّتَهُ وَيُقَوّيهَا مِنْ غَيْرِ اسْتِعْمَالٍ مُزْعِجٍ لِلطّبِيعَةِ أَلْبَتّةَ وَذَلِكَ يَكُونُ بِمَا لَطُفَ قِوَامُهُ مِنْ الْأَشْرِبَةِ وَالْأَغْذِيَةِ وَاعْتَدَلَ مِزَاجُهُ كَشَرَابِ اللّينُوفَرِ وَالتّفّاحِ وَالْوَرْدِ الطّرِيّ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ وَمِنْ الْأَغْذِيَةِ مَرَقُ الْفَرَارِيجِ الْمُعْتَدِلَةِ الطّيّبَةِ فَقَطْ وَإِنْعَاشُ قُوَاهُ بِالْأَرَايِيحِ الْعَطِرَةِ الْمُوَافِقَةِ وَالْأَخْبَارِ السّارّةِ فَإِنّ الطّبِيبَ خَادِمُ الطّبِيعَةِ وَمُعِينُهَا لَا مُعِيقُهَا . وَاعْلَمْ أَنّ الدّمَ الْجَيّدَ هُوَ الْمُغَذّي لِلْبَدَنِ وَأَنّ الْبَلْغَمَ دَمٌ فَجّ قَدْ نَضِجَ بَعْضَ النّضْجِ فَإِذَا كَانَ بَعْضُ الْمَرْضَى فِي بَدَنِهِ بَلْغَمٌ كَثِيرٌ وَعَدِمَ الْغِذَاءَ عَطَفَتْ الطّبِيعَةُ عَلَيْهِ وَطَبَخَتْهُ وَأَنْضَجَتْهُ وَصَيّرَتْهُ دَمًا وَغَذّتْ بِهِ الْأَعْضَاءَ وَاكْتَفَتْ بِهِ عَمّا سِوَاهُ وَالطّبِيعَةُ هِيَ الْقُوّةُ الّتِي وَكَلَهَا اللّهُ سُبْحَانَهُ بِتَدْبِيرِ الْبَدَنِ وَحِفْظِهِ وَصِحّتِهِ وَحِرَاسَتِهِ مُدّةَ حَيَاتِهِ . [ إجْبَارُ الْمَرِيضِ عَلَى الطّعَامِ ] وَاعْلَمْ أَنّهُ قَدْ يَحْتَاجُ فِي النّدْرَةِ إلَى إجْبَارِ الْمَرِيضِ عَلَى الطّعَامِ وَالشّرَابِ وَذَلِكَ فِي الْأَمْرَاضِ الّتِي يَكُونُ مَعَهَا اخْتِلَاطُ الْعَقْلِ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مِنْ الْعَامّ الْمَخْصُوصِ أَوْ مِنْ الْمُطْلَقِ الّذِي قَدْ دَلّ عَلَى تَقْيِيدِهِ دَلِيلٌ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنّ الْمَرِيضَ قَدْ يَعِيشُ بِلَا غِذَاءٍ أَيّامًا لَا يَعِيشُ الصّحِيحُ فِي مِثْلِهَا . [ ص 85 ] [ مَعْنَى فَإِنّ اللّهَ يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ ] " وَفِي قَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " فَإِنّ اللّهَ يُطْعِمُهُمْ وَيَسْقِيهِمْ " مَعْنًى لَطِيفٌ زَائِدٌ عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأَطِبّاءُ لَا يَعْرِفُهُ إلّا مَنْ لَهُ عِنَايَةٌ بِأَحْكَامِ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ وَتَأْثِيرِهَا فِي طَبِيعَةِ الْبَدَنِ وَانْفِعَالِ الطّبِيعَةِ عَنْهَا كَمَا تَنْفَعِلُ هِيَ كَثِيرًا عَنْ الطّبِيعَةِ وَنَحْنُ نُشِيرُ إلَيْهِ إشَارَةً فَنَقُولُ النّفْسُ إذَا حَصَلَ لَهَا مَا يَشْغَلُهَا مِنْ مَحْبُوبٍ أَوْ مَكْرُوهٍ أَوْ مَخُوفٍ اشْتَغَلَتْ بِهِ عَنْ طَلَبِ الْغِذَاءِ وَالشّرَابِ فَلَا تُحِسّ بِجُوعٍ وَلَا عَطَشٍ بَلْ وَلَا حَرّ وَلَا بَرْدٍ بَلْ تَشْتَغِلُ بِهِ عَنْ الْإِحْسَاسِ الْمُؤْلِمِ الشّدِيدِ الْأَلَمِ فَلَا تُحِسّ بِهِ وَمَا مِنْ أَحَدٍ إلّا وَقَدْ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ ذَلِكَ أَوْ شَيْئًا مِنْهُ وَإِذَا اشْتَغَلَتْ النّفْسُ بِمَا دَهَمَهَا وَوَرَدَ عَلَيْهَا لَمْ تُحِسّ بِأَلَمِ الْجُوعِ فَإِنْ كَانَ الْوَارِدُ مُفْرِحًا قَوِيّ التّفْرِيحِ قَامَ لَهَا مَقَامَ الْغِذَاءِ فَشَبِعَتْ بِهِ وَانْتَعَشَتْ قُوَاهَا وَتَضَاعَفَتْ وَجَرَتْ الدّمَوِيّةُ فِي الْجَسَدِ حَتّى تَظْهَرَ فِي سَطْحِهِ فَيُشْرِقُ وَجْهُهُ وَتَظْهَرُ دَمَوِيّتُهُ فَإِنّ الْفَرَحَ يُوجِبُ انْبِسَاطَ دَمِ الْقَلْبِ فَيَنْبَعِثُ فِي الْعُرُوقِ فَتَمْتَلِئُ بِهِ فَلَا تَطْلُبُ الْأَعْضَاءُ حَظّهَا مِنْ الْغِذَاءِ الْمُعْتَادِ لِاشْتِغَالِهَا بِمَا هُوَ أَحَبّ إلَيْهَا وَإِلَى الطّبِيعَةِ مِنْهُ وَالطّبِيعَةُ إذَا ظَفِرَتْ بِمَا تُحِبّ آثَرَتْهُ عَلَى مَا هُوَ دُونَهُ . وَإِنْ كَانَ الْوَارِدُ مُؤْلِمًا أَوْ مُحْزِنًا أَوْ مَخُوفًا اشْتَغَلَتْ بِمُحَارَبَتِهِ وَمُقَاوَمَتِهِ وَمُدَافَعَتِهِ عَنْ طَلَبِ الْغِذَاءِ فَهِيَ فِي حَالِ حَرْبِهَا فِي شَغْلٍ عَنْ طَلَبِ الطّعَامِ وَالشّرَابِ . فَإِنْ ظَفِرَتْ فِي هَذَا الْحَرْبِ انْتَعَشَتْ قُوَاهَا وَأَخْلَفَتْ عَلَيْهَا نَظِيرَ مَا فَاتَهَا مِنْ قُوّةِ الطّعَامِ وَالشّرَابِ وَإِنْ كَانَتْ مَغْلُوبَةً مَقْهُورَةً انْحَطّتْ قُوَاهَا بِحَسَبِ مَا حَصَلَ لَهَا مِنْ ذَلِكَ وَإِنْ كَانَتْ الْحَرْبُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ هَذَا الْعَدُوّ سِجَالًا فَالْقُوّةُ تَظْهَرُ تَارَةً وَتَخْتَفِي أُخْرَى وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحَرْبُ بَيْنَهُمَا عَلَى مِثَالِ الْحَرْبِ الْخَارِجِ بَيْنَ الْعَدُوّيْنِ الْمُتَقَاتِلَيْنِ وَالنّصْرُ لِلْغَالِبِ وَالْمَغْلُوبِ إمّا قَتِيلٌ وَإِمّا جَرِيحٌ وَإِمّا أَسِيرٌ . فَالْمَرِيضُ لَهُ مَدَدٌ مِنْ اللّهِ تَعَالَى يُغَذّيهِ بِهِ زَائِدًا عَلَى مَا ذَكَرَهُ الْأَطِبّاءُ مِنْ تَغْذِيَتِهِ بِالدّمِ وَهَذَا الْمَدَدُ بِحَسَبِ ضَعْفِهِ وَانْكِسَارِهِ وَانْطِرَاحِهِ بَيْنَ يَدَيْ رَبّهِ عَزّ وَجَلّ فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا يُوجِبُ لَهُ قُرْبًا مِنْ رَبّهِ فَإِنّ الْعَبْدَ أَقْرَبُ مَا يَكُونُ [ ص 86 ] رَبّهِ إذَا انْكَسَرَ قَلْبُهُ وَرَحْمَةُ رَبّهِ عِنْدَئِذٍ قَرِيبَةٌ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ وَلِيّا لَهُ حَصَلَ لَهُ مِنْ الْأَغْذِيَةِ الْقَلْبِيّةِ مَا تَقْوَى بِهِ قُوَى طَبِيعَتِهِ وَتَنْتَعِشُ بِهِ قُوَاهُ أَعْظَمَ مِنْ قُوّتِهَا وَانْتِعَاشِهَا بِالْأَغْذِيَةِ الْبَدَنِيّةِ وَكُلّمَا قَوِيَ إيمَانُهُ وَحُبّهُ لِرَبّهِ وَأُنْسُهُ بِهِ وَفَرَحُهُ بِهِ وَقَوِيَ يَقِينُهُ بِرَبّهِ وَاشْتَدّ شَوْفُهُ إلَيْهِ وَرِضَاهُ بِهِ وَعَنْهُ وَجَدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ هَذِهِ الْقُوّةِ مَا لَا يُعَبّرُ عَنْهُ وَلَا يُدْرِكُهُ وَصْفُ طَبِيبٍ وَلَا يَنَالُهُ عِلْمُهُ . وَمَنْ غَلَظَ طَبْعُهُ وَكَثُفَتْ نَفْسُهُ عَنْ فَهْمِ هَذَا وَالتّصْدِيقِ بِهِ فَلْيَنْظُرْ حَالَ كَثِيرٍ مِنْ عُشّاقِ الصّوَرِ الّذِينَ قَدْ امْتَلَأَتْ قُلُوبُهُمْ بِحُبّ مَا يَعْشَقُونَهُ مِنْ صُورَةٍ أَوْ جَاهٍ أَوْ مَالٍ أَوْ عِلْمٍ وَقَدْ شَاهَدَ النّاسُ مِنْ هَذَا عَجَائِبَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَفِي غَيْرِهِمْ . [ وِصَالُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الصّوْمِ ] وَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحِ " : عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ كَانَ يُوَاصِلُ فِي الصّيَامِ الْأَيّامَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ وَيَنْهَى أَصْحَابَهُ عَنْ الْوِصَالِ وَيَقُولُ لَسْتُ كَهَيْئَتِكُمْ إنّي أَظَلّ يُطْعِمُنِي رَبّي وَيَسْقِينِي وَمَعْلُومٌ أَنّ هَذَا الطّعَامَ وَالشّرَابَ لَيْسَ هُوَ الطّعَامَ الّذِي يَأْكُلُهُ الْإِنْسَانُ بِفَمِهِ وَإِلّا لَمْ يَكُنْ مُوَاصِلًا وَلَمْ يَتَحَقّقْ الْفَرْقُ بَلْ لَمْ يَكُنْ صَائِمًا فَإِنّهُ قَالَ أَظَلّ يُطْعِمُنِي رَبّي وَيَسْقِينِي " وَأَيْضًا فَإِنّهُ فَرّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ فِي نَفْسِ الْوِصَالِ وَأَنّهُ يَقْدِرُ مِنْهُ عَلَى مَا لَا يَقْدِرُونَ عَلَيْهِ فَلَوْ كَانَ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ بِفَمِهِ لَمْ يَقُلْ لَسْت كَهَيْئَتِكُمْ وَإِنّمَا فَهِمَ هَذَا مِنْ الْحَدِيثِ مَنْ قَلّ نَصِيبُهُ مِنْ غِذَاءِ الْأَرْوَاحِ وَالْقُلُوبِ وَتَأْثِيرُهُ فِي الْقُوّةِ وَإِنْعَاشِهَا وَاغْتِذَائِهَا بِهِ فَوْقَ تَأْثِيرِ الْغِذَاءِ الْجُسْمَانِيّ وَاَللّهُ الْمُوَفّقُ . [ ص 87 ] فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ الْعُذْرَةِ وَفِي الْعِلَاجِ بِالسّعُوطِ ثَبَتَ عَنْهُ فِي " الصّحِيحَيْنِ " أَنّهُ قَالَ خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ وَالْقُسْطُ الْبَحْرِيّ وَلَا تُعَذّبُوا صِبْيَانَكُمْ بِالْغَمْزِ مِنْ الْعُذْرَةِ " وَفِي " السّنَنِ " و " الْمُسْنَدِ " عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى عَائِشَةَ وَعِنْدَهَا صَبِيّ يُسِيلُ مَنْخَرَاهُ دَمًا فَقَالَ مَا هَذَا ؟ " . فَقَالُوا : بِهِ الْعُذْرَةُ أَوْ وَجَعٌ فِي رَأْسِهِ فَقَالَ " وَيْلَكُنّ لَا تَقْتُلْنَ أَوْلَادَكُنّ أَيّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَ وَلَدَهَا عُذْرَةٌ أَوْ وَجَعٌ فِي رَأْسِهِ فَلْتَأْخُذْ قُسْطًا هِنْدِيّا فَلْتَحُكّهُ بِمَاءٍ ثُمّ تُسْعِطْهُ إيّاهُ فَأَمَرَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا فَصُنِعَ ذَلِكَ بِالصّبِيّ فَبَرَأَ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ الْعُذْرَةُ تَهَيّجٌ فِي الْحَلْقِ مِنْ الدّمِ فَإِذَا عُولِجَ مِنْهُ قِيلَ قَدْ عُذِرَ بِهِ فَهُوَ مَعْذُورٌ انْتَهَى . وَقِيلَ الْعُذْرَةُ قُرْحَةٌ تَخْرُجُ فِيمَا بَيْنَ الْأُذُنِ وَالْحَلْقِ وَتَعْرِضُ لِلصّبْيَانِ غَالِبًا . [ عِلَاجُ الْعُذْرَةِ بِسَعُوطِ الْقُسْطِ ] وَأَمّا نَفْعُ السّعُوطِ مِنْهَا بِالْقُسْطِ الْمَحْكُوكِ فَلِأَنّ الْعُذْرَةَ مَادّتُهَا دَمٌ يَغْلِبُ عَلَيْهِ الْبَلْغَمُ لَكِنّ تَوَلّدَهُ فِي أَبْدَانِ الصّبْيَانِ أَكْثَرُ وَفِي الْقُسْطِ تَجْفِيفٌ يَشُدّ اللّهَاةَ وَيَرْفَعُهَا إلَى مَكَانِهَا وَقَدْ يَكُونُ نَفْعُهُ فِي هَذَا الدّاءِ بِالْخَاصّيّةِ وَقَدْ يَنْفَعُ فِي الْأَدْوَاءِ الْحَارّةِ وَالْأَدْوِيَةِ الْحَارّةِ بِالذّاتِ تَارَةً وَبِالْعَرْضِ أُخْرَى . وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ " الْقَانُونِ " فِي مُعَالَجَةِ سُقُوطِ اللّهَاةِ الْقُسْطَ مَعَ الشّبّ الْيَمَانِيّ وَبِزْرِ الْمَرْوِ . [ ص 88 ] الْعُودُ الْهِنْدِيّ وَهُوَ الْأَبْيَضُ مِنْهُ وَهُوَ حُلْوٌ وَفِيهِ مَنَافِعُ عَدِيدَةٌ وَكَانُوا يُعَالِجُونَ أَوْلَادَهُمْ بِغَمْزِ اللّهَاةِ وَبِالْعِلَاقِ وَهُوَ شَيْءٌ يُعَلّقُونَهُ عَلَى الصّبْيَانِ فَنَهَاهُمْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ ذَلِكَ وَأَرْشَدَهُمْ إلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ لِلْأَطْفَالِ وَأَسْهَلُ عَلَيْهِمْ . وَالسّعُوطُ مَا يُصَبّ فِي الْأَنْفِ وَقَدْ يَكُونُ بِأَدْوِيَةٍ مُفْرَدَةٍ وَمُرَكّبَةٍ تُدَقّ وَتُنْخَلُ وَتُعْجَنُ وَتُجَفّفُ ثُمّ تُحَلّ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَيُسْعَطُ بِهَا فِي أَنْفِ الْإِنْسَانِ وَهُوَ مُسْتَلْقٍ عَلَى ظَهْرِهِ وَبَيْنَ كَتِفَيْهِ مَا يَرْفَعُهُمَا لِتَنْخَفِضَ رَأْسُهُ فَيَتَمَكّنُ السّعُوطُ مِنْ الْوُصُولِ إلَى دِمَاغِهِ وَيَسْتَخْرِجُ مَا فِيهِ مِنْ الدّاءِ بِالْعُطَاسِ وَقَدْ مَدَحَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ التّدَاوِي بِالسّعُوطِ فِيمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ فِيهِ . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اسْتَعَطَ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ الْمَفْئُودِ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ مُجَاهِدٍ عَنْ سَعْدٍ قَالَ مَرِضْت مَرَضًا فَأَتَانِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَعُودُنِي فَوَضَعَ يَدَهُ بَيْنَ ثَدْيَيّ حَتّى وَجَدْت بَرْدَهَا عَلَى فُؤَادِي وَقَالَ لِي : " إنّكَ رَجُلٌ مَفْئُودٌ فَأْتِ الْحَارِثَ بْنَ كَلَدَةَ مِنْ ثَقِيفٍ فَإِنّهُ رَجُلٌ يَتَطَبّبُ فَلْيَأْخُذْ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِنْ عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ فَلْيَجَأْهُنّ بِنَوَاهُنّ ثُمّ لِيَلُدّكَ بِهِنّ " الْمَفْئُودُ الّذِي أُصِيبَ فُؤَادُهُ فَهُوَ يَشْتَكِيهِ كَالْمَبْطُونِ الّذِي يَشْتَكِي بَطْنَهُ . [ ص 89 ] أَحَدِ جَانِبَيْ الْفَمِ . [ عِلَاجُ الْمَفْئُودِ بِالتّمْرِ ] وَفِي التّمْرِ خَاصّيّةٌ عَجِيبَةٌ لِهَذَا الدّاءِ وَلَا سِيّمَا تَمْرَ الْمَدِينَةِ وَلَا سِيّمَا الْعَجْوَةَ مِنْهُ . وَفِي كَوْنِهَا سَبْعًا خَاصّيّةٌ أُخْرَى تُدْرَكُ بِالْوَحْيِ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : مِنْ حَدِيثِ عَامِرِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ تَصَبّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ مِنْ تَمْرِ الْعَالِيَةِ لَمْ يَضُرّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمّ وَلَا سِحْرٌ وَفِي لَفْظٍ مَنْ أَكَلَ سَبْعَ تَمَرَاتٍ مِمّا بَيْنَ لَابَتَيْهَا حِينَ يُصْبِحُ لَمْ يَضُرّهُ سَمّ حَتّى يُمْسِيَ [ فَوَائِدُ التّمْرِ ] وَالتّمْرُ حَارّ فِي الثّانِيَةِ يَابِسٌ فِي الْأُولَى . وَقِيلَ رَطْبٌ فِيهَا . وَقِيلَ مُعْتَدِلٌ وَهُوَ غِذَاءٌ فَاضِلٌ حَافِظٌ لِلصّحّةِ لَا سِيّمَا لِمَنْ اعْتَادَ الْغِذَاءَ بِهِ كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْأَغْذِيَةِ فِي الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ وَالْحَارّةِ الّتِي حَرَارَتُهَا فِي الدّرَجَةِ الثّانِيَةِ وَهُوَ لَهُمْ أَنْفَعُ مِنْهُ لِأَهْلِ الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ لِبُرُودَةِ بَوَاطِنِ سُكّانِهَا وَحَرَارَةِ بَوَاطِنِ سُكّانِ الْبِلَادِ الْبَارِدَةِ وَلِذَلِكَ يُكْثِرُ أَهْلُ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَالطّائِفِ وَمَا يَلِيهِمْ مِنْ الْبِلَادِ الْمُشَابِهَةِ لَهَا مِنْ الْأَغْذِيَةِ الْحَارّةِ مَا لَا يَتَأَتّى لِغَيْرِهِمْ كَالتّمْرِ وَالْعَسَلِ وَشَاهَدْنَاهُمْ يَضَعُونَ فِي أَطْعِمَتِهِمْ مِنْ الْفُلْفُلِ وَالزّنْجَبِيلِ فَوْقَ مَا يَضَعُهُ غَيْرُهُمْ نَحْوَ عَشَرَةِ أَضْعَافٍ أَوْ أَكْثَرَ وَيَأْكُلُونَ الزّنْجَبِيلَ كَمَا يَأْكُلُ غَيْرُهُمْ الْحَلْوَى وَلَقَدْ شَاهَدْتُ مَنْ يَتَنَقّلُ بِهِ مِنْهُمْ كَمَا يَتَنَقّلُ بِالنّقْلِ وَيُوَافِقُهُمْ ذَلِكَ وَلَا يَضُرّهُمْ لِبُرُودَةِ أَجْوَافِهِمْ وَخُرُوجِ الْحَرَارَةِ إلَى ظَاهِرِ الْجَسَدِ كَمَا تُشَاهَدُ مِيَاهُ الْآبَارِ تَبْرُدُ فِي الصّيْفِ وَتَسْخَنُ فِي الشّتَاءِ وَكَذَلِكَ تُنْضِجُ الْمَعِدَةُ مِنْ الْأَغْذِيَةِ الْغَلِيظَةِ فِي الشّتَاءِ مَا لَا تُنْضِجُهُ فِي الصّيْفِ . [ ص 90 ] أَهْلُ الْمَدِينَةِ فَالتّمْرُ لَهُمْ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ بِمَنْزِلَةِ الْحِنْطَةِ لِغَيْرِهِمْ وَهُوَ قُوتُهُمْ وَمَادّتُهُمْ وَتَمْرُ الْعَالِيَةِ مِنْ أَجْوَدِ أَصْنَافِ تَمْرِهِمْ فَإِنّهُ مَتِينُ الْجِسْمِ لَذِيذُ الطّعْمِ صَادِقُ الْحَلَاوَةِ وَالتّمْرُ يَدْخُلُ فِي الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ وَالْفَاكِهَةِ وَهُوَ يُوَافِقُ أَكْثَرَ الْأَبْدَانِ مُقَوّ لِلْحَارّ الْغَرِيزِيّ وَلَا يَتَوَلّدُ عَنْهُ مِنْ الْفَضَلَاتِ الرّدِيئَةِ مَا يَتَوَلّدُ عَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْأَغْذِيَةِ وَالْفَاكِهَةِ بَلْ يَمْنَعُ لِمَنْ اعْتَادَهُ مِنْ تَعَفّنِ الْأَخْلَاطِ وَفَسَادِهَا . [ اخْتِصَاصُ الْأَدْوِيَةِ بِالْأَمْكِنَةِ ] وَهَذَا الْحَدِيثُ مِنْ الْخِطَابِ الّذِي أُرِيدَ بِهِ الْخَاصّ كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَنْ جَاوَرَهُمْ وَلَا رَيْبَ أَنّ لِلْأَمْكِنَةِ اخْتِصَاصًا بِنَفْعِ كَثِيرٍ مِنْ الْأَدْوِيَةِ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ دُونَ غَيْرِهِ فَيَكُونُ الدّوَاءُ الّذِي قَدْ يَنْبُتُ فِي هَذَا الْمَكَانِ نَافِعًا مِنْ الدّاءِ وَلَا يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ النّفْعُ إذَا نَبَتَ فِي مَكَانٍ غَيْرِهِ لِتَأْثِيرِ نَفْسِ التّرْبَةِ أَوْ الْهَوَاءِ أَوْ هُمَا جَمِيعًا فَإِنّ لِلْأَرْضِ خَوَاصّ وَطَبَائِعَ يُقَارِبُ اخْتِلَافُهَا اخْتِلَافَ طَبَائِعِ الْإِنْسَانِ وَكَثِيرٌ مِنْ النّبَاتِ يَكُونُ فِي بَعْضِ الْبِلَادِ غِذَاءً مَأْكُولًا وَفِي بَعْضِهَا سَمّا قَاتِلًا وَرُبّ أَدْوِيَةٍ لِقَوْمٍ أَغْذِيَةٌ لِآخَرِينَ وَأَدْوِيَةٍ لِقَوْمٍ مِنْ أَمْرَاضٍ هِيَ أَدْوِيَةٌ لِآخَرِينَ فِي أَمْرَاضٍ سِوَاهَا وَأَدْوِيَةٍ لِأَهْلِ بَلَدٍ لَا تُنَاسِبُ غَيْرَهُمْ وَلَا تَنْفَعُهُمْ [ خَاصّيّتُهُ عَدَدَ سَبْعٍ ] وَأَمّا خَاصّيّةُ السّبْعِ فَإِنّهَا قَدْ وَقَعَتْ قَدْرًا وَشَرْعًا فَخَلَقَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ السّمَاوَاتِ سَبْعًا وَالْأَرَضِينَ سَبْعًا وَالْأَيّامَ سَبْعًا وَالْإِنْسَانُ كَمُلَ خَلْقُهُ فِي سَبْعَةِ أَطْوَارٍ وَشَرَعَ اللّهُ سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ الطّوَافَ سَبْعًا وَالسّعْيَ بَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا وَرَمْيَ الْجِمَارِ سَبْعًا سَبْعًا وَتَكْبِيرَاتِ الْعِيدَيْنِ سَبْعًا فِي الْأُولَى . وَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُرُوهُمْ بِالصّلَاةِ لِسَبْعٍ " وَإِذَا صَارَ لِلْغُلَامِ سَبْعُ سِنِينَ خُيّرَ بَيْنَ أَبَوَيْهِ " فِي [ ص 91 ] أَبُوهُ أَحَقّ بِهِ مِنْ أُمّهِ " وَفِي ثَالِثَةٍ أُمّهُ أَحَقّ بِهِ وَأَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي مَرَضِهِ أَنْ يُصَبّ عَلَيْهِ مِنْ سَبْعِ قِرَبٍ وَسَخّرَ اللّهُ الرّيحَ عَلَى قَوْمِ عَادٍ سَبْعَ لَيَالٍ وَدَعَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُعِينَهُ اللّهُ عَلَى قَوْمِهِ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ وَمَثّلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ مَا يُضَاعِفُ بِهِ صَدَقَةَ الْمُتَصَدّقِ بِحَبّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فِي كُلّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبّةٍ وَالسّنَابِلُ الّتِي رَآهَا صَاحِبُ يُوسُفَ سَبْعًا وَالسّنِينَ الّتِي زَرَعُوهَا دَأَبًا سَبْعًا وَتُضَاعَفُ الصّدَقَةُ إلَى سَبْعِمِائَةِ ضِعْفٍ إلَى أَضْعَافٍ كَثِيرَةٍ وَيَدْخُلُ الْجَنّةَ مِنْ هَذِهِ الْأُمّةِ بِغَيْرِ حِسَابٍ سَبْعُونَ أَلْفًا. فَلَا رَيْبَ أَنّ لِهَذَا الْعَدَدِ خَاصّيّةً لَيْسَتْ لِغَيْرِهِ وَالسّبْعَةُ جَمَعَتْ مَعَانِيَ الْعَدَدِ كُلّهِ وَخَوَاصّهُ فَإِنّ الْعَدَدَ شَفْعٌ وَوَتْرٌ . وَالشّفْعُ أَوّلٌ وَثَانٍ . وَالْوَتْرُ كَذَلِكَ فَهَذِهِ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ شَفْعٌ أَوّلٌ وَثَانٍ . وَوَتْرٌ أَوّلٌ وَثَانٍ وَلَا تَجْتَمِعُ هَذِهِ الْمَرَاتِبُ فِي أَقَلّ مِنْ سَبْعَةٍ وَهِيَ عَدَدٌ كَامِلٌ جَامِعٌ لِمَرَاتِبِ الْعَدَدِ الْأَرْبَعَةِ أَعْنِي الشّفْعَ وَالْوَتْرَ [ ص 92 ] وَبِالثّانِي الْخَمْسَةَ وَبِالشّفْعِ الْأَوّلِ الِاثْنَيْنِ وَبِالثّانِي الْأَرْبَعَةَ وَلِلْأَطِبّاءِ اعْتِنَاءٌ عَظِيمٌ بِالسّبْعَةِ وَلَا سِيّمَا فِي الْبَحّارِينَ . وَقَدْ قَالَ بُقْرَاطُ : كُلّ شَيْءٍ مِنْ هَذَا الْعَالَمِ فَهُوَ مُقَدّرٌ عَلَى سَبْعَةِ أَجْزَاءٍ وَالنّجُومُ سَبْعَةٌ وَالْأَيّامُ سَبْعَةٌ وَأَسْنَانُ النّاسِ سَبْعَةٌ أَوّلُهَا طِفْلٌ إلَى سَبْعٍ ثُمّ صَبِيّ إلَى أَرْبَعَ عَشْرَةَ ثُمّ مُرَاهِقٌ ثُمّ شَابّ ثُمّ كَهْلٌ ثُمّ شَيْخٌ ثُمّ هَرَمٌ إلَى مُنْتَهَى الْعُمُرِ وَاَللّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ بِحِكْمَتِهِ وَشَرْعِهِ وَقَدْرِهِ فِي تَخْصِيصِ هَذَا الْعَدَدِ هَلْ هُوَ لِهَذَا الْمَعْنَى أَوْ لِغَيْرِهِ ؟ وَنَفَعَ هَذَا الْعَدَدُ مِنْ هَذَا التّمْرِ مِنْ هَذَا الْبَلَدِ مِنْ هَذِهِ الْبُقْعَةِ بِعَيْنِهَا مِنْ السّمّ وَالسّحْرِ بِحَيْثُ تَمْنَعُ إصَابَتُهُ مِنْ الْخَوَاصّ الّتِي لَوْ قَالَهَا بُقْرَاطُ وجالينوس وَغَيْرُهُمَا مِنْ الْأَطِبّاءِ لَتَلَقّاهَا عَنْهُمْ الْأَطِبّاءُ بِالْقَبُولِ وَالْإِذْعَانِ وَالِانْقِيَادِ مَعَ أَنّ الْقَائِلَ إنّمَا مَعَهُ الْحَدْسُ وَالتّخْمِينُ وَالظّنّ فَمَنْ كَلَامُهُ كُلّهُ يَقِينٌ وَقَطْعٌ وَبُرْهَانٌ وَوَحْيٌ أَوْلَى أَنْ تُتَلَقّى أَقْوَالُهُ بِالْقَبُولِ وَالتّسْلِيمِ وَتَرْكِ الِاعْتِرَاضِ . وَأَدْوِيَةُ السّمُومِ تَارَةً تَكُونُ بِالْكَيْفِيّةِ وَتَارَةً تَكُونُ بِالْخَاصّيّةِ كَخَوَاصّ كَثِيرٍ مِنْ الْأَحْجَارِ وَالْجَوَاهِرِ وَالْيَوَاقِيتِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ [ مِنْ شَرْطِ انْتِفَاعِ الْعَلِيلِ بِالدّوَاءِ قَبُولُهُ وَاعْتِقَادُ النّفْعِ بِهِ ] وَيَجُوزُ نَفْعُ التّمْرِ الْمَذْكُورِ فِي بَعْضِ السّمُومِ فَيَكُونُ الْحَدِيثُ مِنْ الْعَامّ الْمَخْصُوصِ وَيَجُوزُ نَفْعُهُ لِخَاصّيّةِ تِلْكَ الْبَلَدِ وَتِلْكَ التّرْبَةِ الْخَاصّةِ مِنْ كُلّ سَمّ وَلَكِنْ هَا هُنَا أَمْرٌ لَا بُدّ مِنْ بَيَانِهِ وَهُوَ أَنّ مِنْ شَرْطِ انْتِفَاعِ الْعَلِيلِ بِالدّوَاءِ قَبُولَهُ وَاعْتِقَادَ النّفْعِ بِهِ فَتَقْبَلُهُ الطّبِيعَةُ فَتَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى دَفْعِ الْعِلّةِ حَتّى إنّ كَثِيرًا مِنْ الْمُعَالَجَاتِ يَنْفَعُ بِالِاعْتِقَادِ وَحُسْنِ الْقَبُولِ وَكَمَالِ التّلَقّي وَقَدْ شَاهَدَ النّاسُ مِنْ ذَلِكَ عَجَائِبَ وَهَذَا لِأَنّ الطّبِيعَةَ يَشْتَدّ قَبُولُهَا لَهُ وَتَفْرَحُ النّفْسُ بِهِ فَتَنْتَعِشُ الْقُوّةُ وَيَقْوَى سُلْطَانُ الطّبِيعَةِ وَيَنْبَعِثُ الْحَارّ الْغَرِيزِيّ فَيُسَاعِدُ عَلَى دَفْعِ الْمُؤْذِي وَبِالْعَكْسِ يَكُونُ كَثِيرٌ مِنْ الْأَدْوِيَةِ نَافِعًا لِتِلْكَ الْعِلّةِ فَيَقْطَعُ عَمَلَهُ سُوءُ اعْتِقَادِ الْعَلِيلِ فِيهِ وَعَدَمُ أَخْذِ الطّبِيعَةِ لَهُ بِالْقَبُولِ فَلَا يُجْدِي عَلَيْهَا شَيْئًا . وَاعْتَبَرَ هَذَا بِأَعْظَمِ [ ص 93 ] دَاءٍ كَيْفَ لَا يَنْفَعُ الْقُلُوبَ الّتِي لَا تَعْتَقِدُ فِيهِ الشّفَاءَ وَالنّفْعَ بَلْ لَا يَزِيدُهَا إلّا مَرَضًا إلَى مَرَضِهَا وَلَيْسَ لِشِفَاءِ الْقُلُوبِ دَوَاءٌ قَطّ أَنْفَعُ مِنْ الْقُرْآنِ فَإِنّهُ شِفَاؤُهَا التّامّ الْكَامِلُ الّذِي لَا يُغَادِرُ فِيهَا سَقَمًا إلّا أَبْرَأَهُ وَيَحْفَظُ عَلَيْهَا صِحّتَهَا الْمُطْلَقَةَ وَيَحْمِيهَا الْحَمِيّةَ التّامّةَ مِنْ كُلّ مُؤْذٍ وَمُضِرّ وَمَعَ هَذَا فَإِعْرَاضُ أَكْثَرِ الْقُلُوبِ عَنْهُ وَعَدَمُ اعْتِقَادِهَا الْجَازِمِ الّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنّهُ كَذَلِكَ وَعَدَمُ اسْتِعْمَالِهِ وَالْعُدُولُ عَنْهُ إلَى الْأَدْوِيَةِ الّتِي رَكّبَهَا بَنُو جِنْسِهَا حَالَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشّفَاءِ بِهِ وَغَلَبَتْ الْعَوَائِدُ وَاشْتَدّ الْإِعْرَاضُ وَتَمَكّنَتْ الْعِلَلُ وَالْأَدْوَاءُ الْمُزْمِنَةُ مِنْ الْقُلُوبِ وَتَرَبّى الْمَرْضَى وَالْأَطِبّاءُ عَلَى عِلَاجِ بَنِي جِنْسِهِمْ وَمَا وَضَعَهُ لَهُمْ شُيُوخُهُمْ وَمَنْ يُعَظّمُونَهُ وَيُحْسِنُونَ بِهِ ظُنُونَهُمْ فَعَظُمَ الْمُصَابُ وَاسْتَحْكَمَ الدّاءُ وَتَرَكّبَتْ أَمْرَاضٌ وَعِلَلٌ أَعْيَا عَلَيْهِمْ عِلَاجُهَا وَكُلّمَا عَالَجُوهَا بِتِلْكَ الْعِلَاجَاتِ الْحَادِثَةِ تَفَاقَمَ أَمْرُهَا وَقَوِيَتْ وَلِسَانُ الْحَالِ يُنَادِي عَلَيْهِمْ وَمِنْ الْعَجَائِبِ وَالْعَجَائِبُ جَمّة ٌ قُرْبُ الشّفَاءِ وَمَا إلَيْهِ وُصُولُ كَالْعِيسِ فِي الْبَيْدَاءِ يَقْتُلُهَا الظّمَأُ وَالْمَاءُ فَوْقَ ظُهُورِهَا مَحْمُولُ فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي دَفْعِ ضَرَرِ الْأَغْذِيَةِ وَالْفَاكِهَةِ وَإِصْلَاحِهَا بِمَا يَدْفَعُ ضَرَرَهَا وَيُقَوّي نَفْعَهَا ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَأْكُلُ الرّطَبَ بِالْقِثّاءِ وَالرّطَبُ حَارّ رَطْبٌ فِي الثّانِيَةِ يُقَوّي الْمَعِدَةَ الْبَارِدَةَ وَيُوَافِقُهَا وَيَزِيدُ فِي [ ص 94 ] وَمُضِرّ بِالْأَسْنَانِ وَالْقِثّاءُ بَارِدٌ رَطْبٌ فِي الثّانِيَةِ مُسَكّنٌ لِلْعَطَشِ مُنْعِشٌ لِلْقُوَى بِشَمّهِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْعِطْرِيّةِ مُطْفِئٌ لِحَرَارَةِ الْمَعِدَةِ الْمُلْتَهِبَةِ وَإِذَا جُفّفَ بِزْرُهُ وَدُقّ وَاسْتُحْلِبَ بِالْمَاءِ وَشُرِبَ سَكّنَ الْعَطَشَ وَأَدَرّ الْبَوْلَ وَنَفَعَ مِنْ وَجَعِ الْمَثَانَةِ . وَإِذَا دُقّ وَنُخِلَ وَدُلِكَ بِهِ الْأَسْنَانُ جَلَاهَا وَإِذَا دُقّ وَرَقُهُ وَعُمِلَ مِنْهُ ضِمَادٌ مَعَ الميبختج نَفَعَ مِنْ عَضّةِ الْكَلْبِ الْكَلِبِ . وَبِالْجُمْلَةِ فَهَذَا حَارّ وَهَذَا بَارِدٌ وَفِي كُلّ مِنْهُمَا صَلَاحُ الْآخَرِ وَإِزَالَةٌ لِأَكْثَرِ ضَرَرِهِ وَمُقَاوَمَةُ كُلّ كَيْفِيّةٍ بِضِدّهَا وَدَفْعِ سُورَتِهَا بِالْأُخْرَى وَهَذَا أَصْلُ الْعِلَاجِ كُلّهِ وَهُوَ أَصْلٌ فِي حِفْظِ الصّحّةِ بَلْ عِلْمُ الطّبّ كُلّهُ يُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا . وَفِي اسْتِعْمَالِ ذَلِكَ وَأَمْثَالِهِ فِي الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ إصْلَاحٌ لَهَا وَتَعْدِيلٌ وَدَفْعٌ لِمَا فِيهَا مِنْ الْكَيْفِيّاتِ الْمُضِرّةِ لِمَا يُقَابِلُهَا وَفِي ذَلِكَ عَوْنٌ عَلَى صِحّةِ الْبَدَنِ وَقُوّتِهِ وَخَصْبِهِ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا : سَمّنُونِي بِكُلّ شَيْءٍ فَلَمْ أَسْمَنْ فَسَمّنُونِي بِالْقِثّاءِ وَالرّطَبِ فَسَمِنْت . وَبِالْجُمْلَةِ فَدَفْعُ ضَرَرِ الْبَارِدِ بِالْحَارّ وَالْحَارّ بِالْبَارِدِ وَالرّطَبِ بِالْيَابِسِ وَالْيَابِسِ بِالرّطَبِ وَتَعْدِيلُ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ مِنْ أَبْلَغِ أَنْوَاعِ الْعِلَاجَاتِ وَحِفْظِ الصّحّةِ وَنَظِيرُ هَذَا مَا تَقَدّمَ مِنْ أَمْرِهِ بِالسّنَا وَالسّنّوتِ وَهُوَ الْعَسَلُ الّذِي فِيهِ شَيْءٌ مِنْ السّمْنِ يَصْلُحُ بِهِ السّنَا وَيُعْدِلُهُ فَصَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى مَنْ بُعِثَ بِعِمَارَةِ الْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ وَبِمَصَالِحِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْحِمْيَةِ الدّوَاءُ كُلّهُ شَيْئَانِ حِمْيَةٌ وَحِفْظُ صِحّةٍ . فَإِذَا وَقَعَ التّخْلِيطُ اُحْتِيجَ إلَى [ ص 95 ] الطّبّ كُلّهِ عَلَى هَذِهِ الْقَوَاعِدِ الثّلَاثَةِ . وَالْحِمْيَةُ : حِمْيَتَانِ حِمْيَةٌ عَمّا يَجْلِبُ الْمَرَضَ وَحِمْيَةٌ عَمّا يَزِيدُهُ فَيَقِفُ عَلَى حَالِهِ فَالْأَوّلُ حِمْيَةُ الْأَصِحّاءِ . وَالثّانِيَةُ حِمْيَةُ الْمَرْضَى فَإِنّ الْمَرِيضَ إذَا احْتَمَى وَقَفَ مَرَضُهُ عَنْ التّزَايُدِ وَأَخَذَتْ الْقُوَى فِي دَفْعِهِ . وَالْأَصْلُ فِي الْحِمْيَةِ قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمّمُوا صَعِيدًا طَيّبًا } [ النّسَاءِ 43 الْمَائِدَةِ 6 ] فَحَمَا الْمَرِيضَ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ لِأَنّهُ يَضُرّهُ . وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " وَغَيْرِهِ عَنْ أُمّ الْمُنْذِرِ بِنْتِ قَيْسٍ الْأَنْصَارِيّةِ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَعَهُ عَلِيّ وَعَلِيّ نَاقِهٌ مِنْ مَرَضٍ وَلَنَا دَوَالِي مُعَلّقَةٌ فَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَأْكُلُ مِنْهَا وَقَامَ عَلِيّ يَأْكُلُ مِنْهَا فَطَفِقَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ لِعَلِيّ : " إنّك نَاقِهٌ " حَتّى كَفّ . قَالَتْ وَصَنَعْتُ شَعِيرًا وَسِلْقًا فَجِئْت بِهِ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِعَلِيّ : " مِنْ هَذَا أَصِبْ فَإِنّهُ أَنْفَعُ لَكَ " وَفِي لَفْظٍ فَقَالَ " مِنْ هَذَا فَأَصِبْ فَإِنّهُ أَوْفَقُ لَكَ " وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " أَيْضًا عَنْ صُهَيْبٍ قَالَ قَدِمْتُ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبَيْنَ يَدَيْهِ خُبْزٌ وَتَمْرٌ فَقَالَ اُدْنُ فَكُلْ فَأَخَذْتُ تَمْرًا فَأَكَلْت فَقَالَ أَتَأْكُلُ تَمْرًا وَبِكَ رَمَدٌ ؟ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ أَمْضَغُ مِنْ النّاحِيَةِ الْأُخْرَى فَتَبَسّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفِي حَدِيثٍ مَحْفُوظٍ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ اللّهَ إذَا أَحَبّ عَبْدًا حَمَاهُ مِنْ الدّنْيَا كَمَا يَحْمِي أَحَدُكُمْ مَرِيضَهُ عَنْ الطّعَامِ وَالشّرَابِ وَفِي لَفْظٍ إنّ اللّهَ يَحْمِي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ مِنْ الدّنْيَا [ ص 96 ] الْحِمْيَةُ رَأْسُ الدّوَاءُ وَالْمَعِدَةُ بَيْتُ الدّاءِ وَعَوّدُوا كُلّ جِسْمٍ مَا اعْتَادَ فَهَذَا الْحَدِيثُ إنّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ طَبِيبِ الْعَرَبِ وَلَا يَصِحّ رَفْعُهُ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَئِمّةِ الْحَدِيثِ . وَيُذْكَرُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ الْمَعِدَةَ حَوْضُ الْبَدَنِ وَالْعُرُوقُ إلَيْهَا وَارِدَةٌ فَإِذَا صَحّتْ الْمَعِدَةُ صَدَرَتْ الْعُرُوقُ بِالصّحّةِ وَإِذَا سَقِمَتْ الْمَعِدَةُ صَدَرَتْ الْعُرُوقُ بِالسّقَمِ وَقَالَ الْحَارِثُ رَأْسُ الطّبّ الْحِمْيَةُ وَالْحِمْيَةُ عِنْدَهُمْ لِلصّحِيحِ فِي الْمَضَرّةِ بِمَنْزِلَةِ التّخْلِيطِ لِلْمَرِيضِ وَالنّاقِهِ وَأَنْفَعُ مَا تَكُونُ الْحِمْيَةُ لِلنّاقِهِ مِنْ الْمَرَضِ فَإِنّ طَبِيعَتَهُ لَمْ تَرْجِعْ بَعْدُ إلَى قُوّتِهَا وَالْقُوّةُ الْهَاضِمَةُ ضَعِيفَةٌ وَالطّبِيعَةُ قَابِلَةٌ وَالْأَعْضَاءُ مُسْتَعِدّةٌ فَتَخْلِيطُهُ يُوجِبُ انْتِكَاسَهَا وَهُوَ أَصْعَبُ مِنْ ابْتِدَاءِ مَرَضِهِ . وَاعْلَمْ أَنّ فِي مَنْعِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِعَلِيّ مِنْ الْأَكْلِ مِنْ الدّوَالِي وَهُوَ نَاقِهٌ أَحْسَنُ التّدْبِيرِ فَإِنّ الدّوَالِيَ أَقْنَاءٌ مِنْ الرّطَبِ تُعَلّقُ فِي الْبَيْتِ لِلْأَكْلِ بِمَنْزِلَةِ عَنَاقِيدِ الْعِنَبِ وَالْفَاكِهَةِ تَضُرّ بِالنّاقِهِ مِنْ الْمَرَضِ لِسُرْعَةِ اسْتِحَالَتِهَا وَضَعْفِ الطّبِيعَةِ عَنْ دَفْعِهَا فَإِنّهَا لَمْ تَتَمَكّنْ بَعْدُ مِنْ قُوّتِهَا وَهِيَ مَشْغُولَةٌ بِدَفْعِ آثَارِ الْعِلّةِ وَإِزَالَتِهَا مِنْ الْبَدَنِ . وَفِي الرّطَبِ خَاصّةً نَوْعُ ثِقَلٍ عَلَى الْمَعِدَةِ فَتَشْتَغِلُ بِمُعَالَجَتِهِ وَإِصْلَاحِهِ عَمّا هِيَ بِصَدَدِهِ مِنْ إزَالَةِ بَقِيّةِ الْمَرَضِ وَآثَارِهِ فَإِمّا أَنْ تَقِفَ تِلْكَ الْبَقِيّةُ وَإِمّا [ ص 97 ] وَضَعَ بَيْنَ يَدَيْهِ السّلْقَ وَالشّعِيرَ أَمَرَهُ أَنْ يُصِيبَ مِنْهُ فَإِنّهُ مِنْ أَنْفَعِ الْأَغْذِيَةِ لِلنّاقِهِ فَإِنّ فِي مَاءِ الشّعِيرِ مِنْ التّبْرِيدِ وَالتّغْذِيَةِ وَالتّلْطِيفِ وَالتّلْيِينِ وَتَقْوِيَةِ الطّبِيعَةِ مَا هُوَ أَصْلَحُ لِلنّاقِهِ وَلَا سِيّمَا إذَا طُبِخَ بِأُصُولِ السّلْقِ فَهَذَا مِنْ أَوْفَقِ الْغِذَاءِ لِمَنْ فِي مَعِدَتِهِ ضَعْفٌ وَلَا يَتَوَلّدُ عَنْهُ مِنْ الْأَخْلَاطِ مَا يُخَافُ مِنْهُ . وَقَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : حَمَا عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ مَرِيضًا لَهُ حَتّى إنّهُ مِنْ شِدّةِ مَا حَمَاهُ كَانَ يَمُصّ النّوَى . وَبِالْجُمْلَةِ فَالْحِمْيَةُ مِنْ أَنْفَعِ الْأَدْوِيَةِ قَبْلَ الدّاءِ فَتَمْنَعُ حُصُولَهُ وَإِذَا حَصَلَ فَتَمْنَعُ تَزَايُدَهُ وَانْتِشَارَهُ . فَصْلٌ [ لَا حَرَجَ فِي تَنَاوُلِ الْإِنْسَانِ مَا يَشْتَهِيهِ عَنْ جُوعٍ صَادِقٍ وَكَانَ فِيهِ ضَرَرٌ مَا ] وَمِمّا يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ أَنّ كَثِيرًا مِمّا يُحْمَى عَنْهُ الْعَلِيلُ وَالنّاقِهُ وَالصّحِيحُ إذَا اشْتَدّتْ الشّهْوَةُ إلَيْهِ وَمَالَتْ إلَيْهِ الطّبِيعَةُ فَتَنَاوَلَ مِنْهُ الشّيْءَ الْيَسِيرَ الّذِي لَا تَعْجِزُ الطّبِيعَةُ عَنْ هَضْمِهِ لَمْ يَضُرّهُ تَنَاوُلُهُ بَلْ رُبّمَا انْتَفَعَ بِهِ فَإِنّ الطّبِيعَةَ وَالْمَعِدَةَ تَتَلَقّيَانِهِ بِالْقَبُولِ وَالْمَحَبّةِ فَيُصْلِحَانِ مَا يُخْشَى مِنْ ضَرَرِهِ وَقَدْ يَكُونُ أَنْفَعَ مِنْ تَنَاوُلِ مَا تَكْرَهُهُ الطّبِيعَةُ وَتَدْفَعُهُ مِنْ الدّوَاءِ وَلِهَذَا أَقَرّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صُهَيْبًا وَهُوَ أَرْمَدُ عَلَى تَنَاوُلِ التّمَرَاتِ الْيَسِيرَةِ وَعَلِمَ أَنّهَا لَا تَضُرّهُ وَمِنْ هَذَا مَا يُرْوَى عَنْ عَلِيّ أَنّهُ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ أَرْمَدُ وَبَيْنَ يَدَيْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَمْرٌ يَأْكُلُهُ فَقَالَ يَا عَلِيّ تَشْتَهِيهِ؟ وَرَمَى إلَيْهِ بِتَمْرَةٍ ثُمّ بِأُخْرَى حَتّى رَمَى إلَيْهِ سَبْعًا ثُمّ قَالَ " حَسْبُكَ يَا عَلِيّ " . وَمِنْ هَذَا مَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَادَ رَجُلًا فَقَالَ لَهُ مَا تَشْتَهِي ؟ فَقَالَ أَشْتَهِي خُبْزَ بُرّ . وَفِي لَفْظٍ أَشْتَهِي كَعْكًا فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ خُبْزُ بُرّ فَلْيَبْعَثْ إلَى أَخِيهِ ثُمّ قَالَ إذَا اشْتَهَى مَرِيضُ أَحَدِكُمْ شَيْئًا فَلْيُطْعِمْهُ [ ص 98 ] فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ سِرّ طِبّيّ لَطِيفٌ فَإِنّ الْمَرِيضَ إذَا تَنَاوَلَ مَا يَشْتَهِيهِ عَنْ جُوعٍ صَادِقٍ طَبِيعِيّ وَكَانَ فِيهِ ضَرَرٌ مَا كَانَ أَنْفَعَ وَأَقَلّ ضَرَرًا مِمّا لَا يَشْتَهِيهِ وَإِنْ كَانَ نَافِعًا فِي نَفْسِهِ فَإِنّ صِدْقَ شَهْوَتِهِ وَمَحَبّةَ الطّبِيعَةِ يَدْفَعُ ضَرَرَهُ وَبُغْضَ الطّبِيعَةِ وَكَرَاهَتَهَا لِلنّافِعِ قَدْ يَجْلِبُ لَهَا مِنْهُ ضَرَرًا . وَبِالْجُمْلَةِ فَاللّذِيذُ الْمُشْتَهَى تُقْبِلُ الطّبِيعَةُ عَلَيْهِ بِعِنَايَةٍ فَتَهْضِمُهُ عَلَى أَحْمَدِ الْوُجُوهِ سِيّمَا عِنْدَ انْبِعَاثِ النّفْسِ إلَيْهِ بِصِدْقِ الشّهْوَةِ وَصِحّةِ الْقُوّةِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ الرّمَدِ بِالسّكُونِ وَالدّعَةِ وَتَرْكِ الْحَرَكَةِ وَالْحِمْيَةِ مِمّا يَهِيجُ الرّمَدَ وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَمَا صُهَيْبًا مِنْ التّمْرِ وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ أَكْلَهُ وَهُوَ أَرْمَدُ وَحَمَا عَلِيّا مِنْ الرّطَبِ لَمّا أَصَابَهُ الرّمَدُ . وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ " الطّبّ النّبَوِيّ " : أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ إذَا رَمِدَتْ عَيْنُ امْرَأَةٍ مِنْ نِسَائِهِ لَمْ يَأْتِهَا حَتّى تَبْرَأَ عَيْنُهَا [حَقِيقَةُ الرّمَدِ ] الرّمَدُ وَرَمٌ حَارّ يَعْرِضُ فِي الطّبَقَةِ الْمُلْتَحِمَةِ مِنْ الْعَيْنِ وَهُوَ بَيَاضُهَا الظّاهِرُ وَسَبَبُهُ انْصِبَابُ أَحَدِ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ أَوْ رِيحٌ حَارّةٌ تَكْثُرُ كَمّيّتُهَا فِي الرّأْسِ وَالْبَدَنِ فَيَنْبَعِثُ مِنْهَا قِسْطٌ إلَى جَوْهَرِ الْعَيْنِ أَوْ ضَرْبَةٌ تُصِيبُ الْعَيْنَ فَتُرْسِلُ الطّبِيعَةُ إلَيْهَا مِنْ الدّمِ وَالرّوحِ مِقْدَارًا كَثِيرًا تَرُومُ بِذَلِكَ شِفَاءَهَا مِمّا عَرَضَ لَهَا وَلِأَجْلِ ذَلِكَ يَرِمُ الْعُضْوَ الْمَضْرُوبَ وَالْقِيَاسُ يُوجِبُ ضِدّهُ . [ ص 99 ] وَاعْلَمْ أَنّهُ كَمَا يَرْتَفِعُ مِنْ الْأَرْضِ إلَى الْجَوّ بُخَارَانِ أَحَدُهُمَا : حَارّ يَابِسٌ وَالْآخَرُ حَارّ رَطْبٌ فَيَنْعَقِدَانِ سَحَابًا مُتَرَاكِمًا وَيَمْنَعَانِ أَبْصَارَنَا مِنْ إدْرَاكِ السّمَاءِ فَكَذَلِكَ يَرْتَفِعُ مِنْ قَعْرِ الْمَعِدَةِ إلَى مُنْتَهَاهَا مِثْلَ ذَلِكَ فَيَمْنَعَانِ النّظَرَ وَيَتَوَلّدُ عَنْهُمَا عِلَلٌ شَتّى فَإِنْ قَوِيَتْ الطّبِيعَةُ عَلَى ذَلِكَ وَدَفَعَتْهُ إلَى الْخَيَاشِيمِ أَحْدَثَ الزّكَامَ وَإِنْ دَفَعَتْهُ إلَى اللّهَاةِ وَالْمَنْخِرَيْنِ أَحْدَثَ الْخُنَاقَ وَإِنْ دَفَعَتْهُ إلَى الْجَنْبِ أَحْدَثَ الشّوْصَةَ وَإِنْ دَفَعَتْهُ إلَى الصّدْرِ أَحْدَثَ النّزْلَةَ وَإِنْ انْحَدَرَ إلَى الْقَلْبِ أَحْدَثَ الْخَبْطَةَ وَإِنْ دَفَعَتْهُ إلَى الْعَيْنِ أَحْدَثَ رَمَدًا وَإِنْ انْحَدَرَ إلَى الْجَوْفِ أَحْدَثَ السّيَلَانَ وَإِنْ دَفَعَتْهُ إلَى مَنَازِلِ الدّمَاغِ أَحْدَثَ النّسْيَانَ وَإِنْ تَرَطّبَتْ أَوْعِيَةُ الدّمَاغِ مِنْهُ وَامْتَلَأَتْ بِهِ عُرُوقُهُ أَحْدَثَ النّوْمَ الشّدِيدَ وَلِذَلِكَ كَانَ النّوْمُ رَطْبًا وَالسّهَرُ يَابِسًا . وَإِنْ طَلَبَ الْبُخَارُ النّفُوذَ مِنْ الرّأْسِ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَيْهِ أَعْقَبَهُ الصّدَاعُ وَالسّهَرُ وَإِنْ مَالَ الْبُخَارُ إلَى أَحَدِ شِقّيْ الرّأْسِ أَعْقَبَهُ الشّقِيقَةُ وَإِنْ مَلَكَ قِمّةَ الرّأْسِ وَوَسَطَ الْهَامَةِ أَعْقَبَهُ دَاءُ الْبَيْضَةِ وَإِنْ بَرُدَ مِنْهُ حِجَابُ الدّمَاغِ أَوْ سَخُنَ أَوْ تَرَطّبَ وَهَاجَتْ مِنْهُ أَرْيَاحٌ أَحْدَثَ الْعُطَاسَ وَإِنْ أَهَاجَ الرّطُوبَةَ الْبَلْغَمِيّةَ فِيهِ حَتّى غَلَبَ الْحَارّ الْغَرِيزِيّ أَحْدَثَ الْإِغْمَاءَ وَالسّكَاتَ وَإِنْ أَهَاجَ الْمِرّةَ السّوْدَاءَ حَتّى أَظْلَمَ هَوَاءُ الدّمَاغِ أَحْدَثَ الْوَسْوَاسَ وَإِنْ فَاضَ ذَلِكَ إلَى مَجَارِي الْعَصَبِ أَحْدَثَ الصّرَعَ الطّبِيعِيّ وَإِنْ تَرَطّبَتْ مَجَامِعُ عَصَبِ الرّأْسِ وَفَاضَ ذَلِكَ فِي مَجَارِيهِ أَعْقَبَهُ الْفَالِجُ وَإِنْ كَانَ الْبُخَارُ مِنْ مِرّةٍ صَفْرَاءَ مُلْتَهِبَةٍ مَحْمِيّةٍ لِلدّمَاغِ أَحْدَثَ الْبِرْسَامَ فَإِنْ شَرِكَهُ الصّدْرُ فِي ذَلِكَ كَانَ سِرْسَامًا فَافْهَمْ هَذَا الْفَصْلَ . [ عِلّةُ الِامْتِنَاعِ عَنْ الْجِمَاعِ حَالَ الرّمَدِ ] وَالْمَقْصُودُ أَنّ أَخْلَاطَ الْبَدَنِ وَالرّأْسِ تَكُونُ مُتَحَرّكَةً هَائِجَةً فِي حَالِ الرّمَدِ وَالْجِمَاعُ مِمّا يَزِيدُ حَرَكَتَهَا وَثَوَرَانَهَا فَإِنّهُ حَرَكَةٌ كُلّيّةٌ لِلْبَدَنِ وَالرّوحِ وَالطّبِيعَةِ . فَأَمّا الْبَدَنُ فَيَسْخُنُ بِالْحَرَكَةِ لَا مَحَالَةَ وَالنّفْسُ تَشْتَدّ حَرَكَتُهَا طَلَبًا لِلّذّةِ وَاسْتِكْمَالِهَا [ ص 100 ] أَوّلَ تَعَلّقِ الرّوحِ مِنْ الْبَدَنِ بِالْقَلْبِ وَمِنْهُ يَنْشَأُ الرّوحُ وَتَنْبَثّ فِي الْأَعْضَاءِ . وَأَمّا حَرَكَةُ الطّبِيعَةِ فَلِأَجْلِ أَنْ تُرْسِلَ مَا يَجِبُ إرْسَالُهُ مِنْ الْمَنِيّ عَلَى الْمِقْدَارِ الّذِي يَجِبُ إرْسَالُهُ . وَبِالْجُمْلَةِ فَالْجِمَاعُ حَرَكَةٌ كُلّيّةٌ عَامّةٌ يَتَحَرّكُ فِيهَا الْبَدَنُ وَقُوَاهُ وَطَبِيعَتُهُ وَأَخْلَاطُهُ وَالرّوحُ وَالنّفْسُ فَكُلّ حَرَكَةٍ فَهِيَ مُثِيرَةٌ لِلْأَخْلَاطِ مُرَقّقَةٌ لَهَا تُوجِبُ دَفْعَهَا وَسَيَلَانَهَا إلَى الْأَعْضَاءِ الضّعِيفَةِ وَالْعَيْنُ فِي حَالِ رَمَدِهَا أَضْعَفُ مَا تَكُونُ فَأَضَرّ مَا عَلَيْهَا حَرَكَةُ الْجِمَاعِ . قَالَ بُقْرَاطُ فِي كِتَابِ " الْفُصُولِ " : وَقَدْ يَدُلّ رُكُوبُ السّفُنِ أَنّ الْحَرَكَةَ تُثَوّرُ الْأَبْدَانَ . هَذَا مَعَ أَنّ فِي الرّمَدِ مَنَافِعَ كَثِيرَةً مِنْهَا مَا يَسْتَدْعِيهِ مِنْ الْحِمْيَةِ وَالِاسْتِفْرَاغِ وَتَنْقِيَةِ الرّأْسِ وَالْبَدَنِ مِنْ فَضَلَاتِهِمَا وَعُفُونَاتِهِمَا وَالْكَفّ عَمّا يُؤْذِي النّفْسَ وَالْبَدَنَ مِنْ الْغَضَبِ وَالْهَمّ وَالْحُزْنِ وَالْحَرَكَاتِ الْعَنِيفَةِ وَالْأَعْمَالِ الشّاقّةِ . وَفِي أَثَرٍ سَلَفِيّ لَا تَكْرَهُوا الرّمَدُ فَإِنّهُ يَقْطَعُ عُرُوقَ الْعَمَى . وَمِنْ أَسْبَابِ عِلَاجِهِ مُلَازَمَةُ السّكُونِ وَالرّاحَةِ وَتَرْكُ مَسّ الْعَيْنِ وَالِاشْتِغَالُ بِهَا فَإِنّ أَضْدَادَ ذَلِكَ يُوجِبُ انْصِبَابَ الْمَوَادّ إلَيْهَا . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ السّلَفِ مَثَلُ أَصْحَابِ مُحَمّدٍ مَثَلُ الْعَيْنِ وَدَوَاءُ الْعَيْنِ تَرْكُ مَسّهَا . وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ مَرْفُوعٍ اللّهُ أَعْلَمُ بِهِ عِلَاجُ الرّمَدِ تَقْطِيرُ الْمَاءِ الْبَارِدِ فِي الْعَيْنِ وَهُوَ مِنْ أَنْفَعِ الْأَدْوِيَةِ لِلرّمَدِ الْحَارّ فَإِنّ الْمَاءَ دَوَاءٌ بَارِدٌ يُسْتَعَانُ بِهِ عَلَى إطْفَاءِ حَرَارَةِ الرّمَدِ إذَا كَانَ حَارّا وَلِهَذَا قَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لِامْرَأَتِهِ زَيْنَبَ وَقَدْ اشْتَكَتْ عَيْنُهَا : لَوْ فَعَلْتِ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ خَيْرًا لَك وَأَجْدَرَ أَنْ تُشْفِيَ تَنْضَحِينَ فِي عَيْنِك الْمَاءَ ثُمّ تَقُولِينَ أَذْهِبْ الْبَأْسَ رَبّ النّاسِ وَاشْفِ أَنْتَ الشّافِي لَا شِفَاءَ إلّا شِفَاؤُك شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا وَهَذَا مِمّا تَقَدّمَ مِرَارًا أَنّهُ خَاصّ بِبَعْضِ الْبِلَادِ وَبَعْضِ أَوْجَاعِ الْعَيْنِ فَلَا يُجْعَلُ كَلَامُ النّبُوّةِ الْجُزْئِيّ الْخَاصّ كُلّيّا عَامّا وَلَا الْكُلّيّ الْعَامّ [ ص 101 ] أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ الْخَدَرَانِ الْكُلّيّ الّذِي يَجْمُدُ مَعَهُ الْبَدَنُ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " غَرِيبِ الْحَدِيثِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي عُثْمَانَ النّهْدِيّ أَنّ قَوْمًا مَرّوا بِشَجَرَةٍ فَأَكَلُوا مِنْهَا فَكَأَنّمَا مَرّتْ بِهِمْ رِيحٌ فَأَجْمَدَتْهُمْ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَرّسُوا الْمَاءَ فِي الشّنَانِ وَصُبّوا عَلَيْهِمْ فِيمَا بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ ثُمّ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : قَرّسُوا : يَعْنِي بَرّدُوا . وَقَوْلُ النّاسِ قَدْ قَرَسَ الْبَرْدُ إنّمَا هُوَ مِنْ هَذَا بِالسّينِ لَيْسَ بِالصّادِ . وَالشّنَانُ الْأَسْقِيَةُ وَالْقِرَبُ الْخُلْقَانِ يُقَالُ لِلسّقَاءِ شَنّ وَلِلْقِرْبَةِ شَنّةٌ . وَإِنّمَا ذَكَرَ الشّنَانَ دُونَ الْجُدُدِ لِأَنّهَا أَشَدّ تَبْرِيدًا لِلْمَاءِ . وَقَوْلُهُ " بَيْنَ الْأَذَانَيْنِ " يَعْنِي أَذَانَ الْفَجْرِ وَالْإِقَامَةَ فَسَمّى الْإِقَامَةَ أَذَانًا انْتَهَى كَلَامُهُ . قَالَ بَعْضُ الْأَطِبّاءِ وَهَذَا الْعِلَاجُ مِنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ أَفْضَلِ عِلَاجِ هَذَا الدّاءِ إذَا كَانَ وُقُوعُهُ بِالْحِجَازِ وَهِيَ بِلَادٌ حَارّةٌ يَابِسَةٌ وَالْحَارّ الْغَرِيزِيّ ضَعِيفٌ فِي بَوَاطِنِ سُكّانِهَا وَصَبّ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَيْهِمْ فِي الْوَقْتِ الْمَذْكُورِ - وَهُوَ أَبْرَدُ أَوْقَاتِ الْيَوْمَ - يُوجِبُ جَمْعَ الْحَارّ الْغَرِيزِيّ الْمُنْتَشِرِ فِي الْبَدَنِ الْحَامِلِ لِجَمِيعِ قُوَاهُ فَيُقَوّي الْقُوّةَ الدّافِعَةَ وَيَجْتَمِعُ مِنْ أَقْطَارِ الْبَدَنِ إلَى بَاطِنِهِ الّذِي هُوَ مَحَلّ ذَاكَ الدّاءِ وَيَسْتَظْهِرُ بِبَاقِي الْقُوَى عَلَى دَفْعِ الْمَرَضِ الْمَذْكُورِ فَيَدْفَعُهُ بِإِذْنِ اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَلَوْ أَنّ بُقْرَاطَ أَوْ جالينوس أَوْ غَيْرَهُمَا وَصَفَ هَذَا الدّوَاءَ لِهَذَا الدّاءِ لَخَضَعَتْ لَهُ الْأَطِبّاءُ وَعَجِبُوا مِنْ كَمَالِ مَعْرِفَتِهِ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي إصْلَاحِ الطّعَامِ الّذِي يَقَعُ فِيهِ الذّبَابُ وَإِرْشَادِهِ إلَى دَفْعِ مَضَرّاتِ السّمُومِ بِأَضْدَادِهَا فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ إذَا وَقَعَ الذّبَابُ فِي إنَاءِ أَحَدِكُمْ فَامْقُلُوهُ فَإِنّ فِي أَحَدِ جَنَاحَيْهِ دَاءً وَفِي الْآخَرِ [ ص 102 ] وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ أَحَدُ جَنَاحَيْ الذّبَابِ سَمّ وَالْآخَرُ شِفَاءٌ فَإِذَا وَقَعَ فِي الطّعَامِ فَامْقُلُوهُ فَإِنّهُ يُقَدّمُ السّمّ وَيُؤَخّرُ الشّفَاءَ [ إذَا مَاتَ الذّبَابُ فِي مَائِعٍ لَا يُنَجّسُهُ ] هَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ أَمْرَانِ أَمْرٌ فِقْهِيّ وَأَمْرٌ طِبّيّ فَأَمّا الْفِقْهِيّ فَهُوَ دَلِيلٌ ظَاهِرُ الدّلَالَةِ جِدّا عَلَى أَنّ الذّبَابَ إذَا مَاتَ فِي مَاءٍ أَوْ مَائِعٍ فَإِنّهُ لَا يُنَجّسُهُ وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَلَا يُعْرَفُ فِي السّلَفِ مُخَالِفٌ فِي ذَلِكَ . وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ بِمَقْلِهِ وَهُوَ غَمْسُهُ فِي الطّعَامِ وَمَعْلُومٌ أَنّهُ يَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ وَلَا سِيّمَا إذَا كَانَ الطّعَامُ حَارّا . فَلَوْ كَانَ يُنَجّسُهُ لَكَانَ أَمْرًا بِإِفْسَادِ الطّعَامِ وَهُوَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّمَا أَمَرَ بِإِصْلَاحِهِ ثُمّ عُدّيَ هَذَا الْحُكْمُ إلَى كُلّ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ كَالنّحْلَةِ وَالزّنْبُورِ وَالْعَنْكَبُوتِ وَأَشْبَاهِ ذَلِكَ إذْ الْحُكْمُ يَعُمّ بِعُمُومِ عِلّتِهِ وَيَنْتَفِي لِانْتِفَاءِ سَبَبِهِ فَلَمّا كَانَ سَبَبُ التّنْجِيسِ هُوَ الدّمَ الْمُحْتَقِنَ فِي الْحَيَوَانِ بِمَوْتِهِ وَكَانَ ذَلِكَ مَفْقُودًا فِيمَا لَا دَمَ لَهُ سَائِلٌ انْتَفَى الْحُكْمُ بِالتّنْجِيسِ لِانْتِفَاءِ عِلّتِهِ . ثُمّ قَالَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِنَجَاسَةِ عَظْمِ الْمَيْتَةِ إذَا كَانَ هَذَا ثَابِتًا فِي الْحَيَوَانِ الْكَامِلِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الرّطُوبَاتِ وَالْفَضَلَاتِ وَعَدَمِ الصّلَابَةِ فَثُبُوتُهُ فِي الْعَظْمِ الّذِي هُوَ أَبْعَدُ عَنْ الرّطُوبَاتِ وَالْفَضَلَاتِ وَاحْتِقَانِ الدّمِ أَوْلَى وَهَذَا فِي غَايَةِ الْقُوّةِ فَالْمَصِيرُ إلَيْهِ أَوْلَى . وَأَوّلُ مَنْ حُفِظَ عَنْهُ فِي الْإِسْلَامِ أَنّهُ تَكَلّمَ بِهَذِهِ اللّفْظَةِ فَقَالَ مَا لَا نَفْسَ لَهُ [ ص 103 ] سَائِلَةٌ إبْرَاهِيمُ النّخَعِيّ وَعَنْهُ تَلَقّاهَا الْفُقَهَاءُ - وَالنّفْسُ فِي اللّغَةِ يُعَبّرُ بِهَا عَنْ الدّمِ وَمِنْهُ نَفَسَتْ الْمَرْأَةُ - بِفَتْحِ النّونِ - إذَا حَاضَتْ وَنُفِسَتْ - بِضَمّهَا - إذَا وَلَدَتْ . [فَائِدَةُ غَمْسِ الذّبَابِ ] وَأَمّا الْمَعْنَى الطّبّيّ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : مَعْنَى اُمْقُلُوهُ اغْمِسُوهُ لِيَخْرُجَ الشّفَاءُ مِنْهُ كَمَا خَرَجَ الدّاءُ يُقَالُ لِلرّجُلَيْنِ هُمَا يَتَمَاقَلَانِ إذَا تَغَاطّا فِي الْمَاءِ . وَاعْلَمْ أَنّ فِي الذّبَابِ عِنْدَهُمْ قُوّةً سَمّيّةً يَدُلّ عَلَيْهَا الْوَرَمُ وَالْحَكّةُ الْعَارِضَةُ عَنْ لَسْعِهِ وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ السّلَاحِ فَإِذَا سَقَطَ فِيمَا يُؤْذِيهِ اتّقَاهُ بِسِلَاحِهِ فَأَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُقَابِلَ تِلْكَ السّمّيّةَ بِمَا أَوْدَعَهُ اللّهُ سُبْحَانَهُ فِي جَنَاحِهِ الْآخَرِ مِنْ الشّفَاءِ فَيُغْمَسُ كُلّهُ فِي الْمَاءِ وَالطّعَامِ فَيُقَابِلُ الْمَادّةَ السّمّيّةَ الْمَادّةُ النّافِعَةُ فَيَزُولُ ضَرَرُهَا وَهَذَا طِبّ لَا يَهْتَدِي إلَيْهِ كِبَارُ الْأَطِبّاءِ وَأَئِمّتُهُمْ بَلْ هُوَ خَارِجٌ مِنْ مِشْكَاةِ النّبُوّةِ وَمَعَ هَذَا فَالطّبِيبُ الْعَالِمُ الْعَارِفُ الْمُوَفّقُ يَخْضَعُ لِهَذَا الْعِلَاجِ وَيُقِرّ لِمَنْ جَاءَ بِهِ بِأَنّهُ أَكْمَلُ الْخَلْقِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَنّهُ مُؤَيّدٌ بِوَحْيٍ إلَهِيّ خَارِجٍ عَنْ الْقُوَى الْبَشَرِيّةِ . وَقَدْ ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَطِبّاءِ أَنّ لَسْعَ الزّنْبُورِ وَالْعَقْرَبِ إذَا دُلِكَ مَوْضِعُهُ بِالذّبَابِ نَفَعَ مِنْهُ نَفْعًا بَيّنًا وَسَكّنَهُ وَمَا ذَاكَ إلّا لِلْمَادّةِ الّتِي فِيهِ مِنْ الشّفَاءِ وَإِذَا دُلِكَ بِهِ الْوَرَمُ الّذِي يَخْرُجُ فِي شَعْرِ الْعَيْنِ الْمُسَمّى شَعْرَةً بَعْدَ قَطْعِ رُءُوسِ الذّبَابِ أَبْرَأَهُ ===================ج13.================= اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : زاد المعاد في هَدْي خير العباد المؤلف : محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ الْبَثْرَةِ ذَكَرَ ابْنُ السّنّيّ فِي كِتَابِهِ عَنْ بَعْضِ أَزْوَاجِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَدْ خَرَجَ فِي أُصْبُعِي بَثْرَةٌ فَقَالَ " عِنْدَكِ ذَرِيرَةٌ ؟ قُلْت : نَعَمْ . قَالَ " ضَعِيهَا عَلَيْهَا " وَقُولِي : اللّهُمّ مُصَغّرَ الْكَبِيرِ وَمُكَبّرَ الصّغِيرِ صَغّرْ مَا بِي [ ص 104 ] الذّرِيرَةُ دَوَاءٌ هِنْدِيّ يُتّخَذُ مِنْ قَصَبِ الذّرِيرَةِ وَهِيَ حَارّةٌ يَابِسَةٌ تَنْفَعُ مِنْ أَوْرَامِ الْمَعِدَةِ وَالْكَبِدِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَتُقَوّي الْقَلْبَ لِطِيبِهَا وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ عَائِشَةَ أَنّهَا قَالَتْ طَيّبْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِيَدِي بِذَرِيرَةٍ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ لِلْحِلّ وَالْإِحْرَامِ . وَالْبَثْرَةُ خُرّاجٌ صَغِيرٌ يَكُونُ عَنْ مَادّةٍ حَارّةٍ تَدْفَعُهَا الطّبِيعَةُ فَتَسْتَرِقُ مَكَانًا مِنْ الْجَسَدِ تَخْرُجُ مِنْهُ فَهِيَ مُحْتَاجَةٌ إلَى مَا يُنْضِجُهَا وَيُخْرِجُهَا وَالذّرِيرَةُ أَحَدُ مَا يُفْعَلُ بِهَا ذَلِكَ فَإِنّ فِيهَا إنْضَاجًا وَإِخْرَاجًا مَعَ طِيبِ رَائِحَتِهَا مَعَ أَنّ فِيهَا تَبْرِيدًا لِلنّارِيّةِ الّتِي فِي تِلْكَ الْمَادّةِ وَكَذَلِكَ قَالَ صَاحِبُ " الْقَانُونِ " : إنّهُ لَا أَفْضَلَ لِحَرْقِ النّارِ مِنْ الذّرِيرَةِ بِدُهْنِ الْوَرْدِ وَالْخَلّ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ الْأَوْرَامِ وَالْخُرّجَاتِ الّتِي تَبْرَأُ بِالْبَطّ وَالْبَزْلِ يُذْكَرُ عَنْ عَلِيّ أَنّهُ قَالَ دَخَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى رَجُلٍ يَعُودُهُ بِظَهْرِهِ [ ص 105 ] فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ بِهَذِهِ مِدّةٌ . قَالَ بُطّوا عَنْهُ قَالَ عَلِي ّ : فَمَا بَرِحْتُ حَتّى بُطّتْ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَاهِدٌ وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ طَبِيبًا أَنْ يَبُطّ بَطْنَ رَجُلٍ أَجْوَى الْبَطْنِ فَقِيلَ يَا رَسُولَ اللّهِ هَلْ يَنْفَعُ الطّبّ ؟ قَالَ الّذِي أَنْزَلَ الدّاءَ أَنْزَلَ الشّفَاءَ فِيمَا شَاءَ الْوَرَمُ مَادّةٌ فِي حَجْمِ الْعُضْوِ لِفَضْلِ مَادّةٍ غَيْرِ طَبِيعِيّةٍ تَنْصَبّ إلَيْهِ وَيُوجَدُ فِي أَجْنَاسِ الْأَمْرَاضِ كُلّهَا وَالْمَوَادّ الّتِي تَكَوّنَ عَنْهَا مِنْ الْأَخْلَاطِ الْأَرْبَعَةِ وَالْمَائِيّةِ وَالرّيحِ وَإِذَا اجْتَمَعَ الْوَرَمُ سُمّيَ خُرّاجًا وَكُلّ وَرَمٍ حَارّ يُؤَوّلُ أَمْرُهُ إلَى أَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ إمّا تَحَلّلٍ وَإِمّا جَمْعِ مِدّةٍ وَإِمّا اسْتِحَالَةٍ إلَى الصّلَابَةِ . فَإِنْ كَانَتْ الْقُوّةُ قَوِيّةً اسْتَوْلَتْ عَلَى مَادّةِ الْوَرَمِ وَحَلّلَتْهُ وَهِيَ أَصْلَحُ الْحَالَاتِ الّتِي يُؤَوّلُ حَالُ الْوَرَمِ إلَيْهَا وَإِنْ كَانَتْ دُونَ ذَلِكَ أَنْضَجَتْ الْمَادّةَ وَأَحَالَتْهَا مِدّةً بَيْضَاءَ وَفَتَحَتْ لَهَا مَكَانًا أَسَالَتْهَا مِنْهُ . وَإِنْ نَقَصَتْ عَنْ ذَلِكَ أَحَالَتْ الْمَادّةَ مِدّةً غَيْرَ مُسْتَحْكِمَةٍ النّضْجَ وَعَجَزَتْ عَنْ فَتْحِ مَكَانٍ فِي الْعُضْوِ تَدْفَعُهَا مِنْهُ فَيُخَافُ عَلَى الْعُضْوِ الْفَسَادُ بِطُولِ لُبْثِهَا فِيهِ فَيَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى إعَانَةِ الطّبِيبِ بِالْبَطّ أَوْ غَيْرِهِ لِإِخْرَاجِ تِلْكَ الْمَادّةِ الرّدِيئَةِ الْمُفْسِدَةِ لِلْعُضْوِ . وَفِي الْبَطّ فَائِدَتَانِ إحْدَاهُمَا : إخْرَاجُ الْمَادّةِ الرّدِيئَةِ الْمُفْسِدَةِ . وَالثّانِيَةُ مَنْعُ اجْتِمَاعِ مَادّةٍ أُخْرَى إلَيْهَا تُقَوّيهَا . وَأَمّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الثّانِي : إنّهُ أَمَرَ طَبِيبًا أَنْ يَبُطّ بَطْنَ رَجُلٍ أَجْوَى [ ص 106 ] فَالْجَوَى يُقَالُ عَلَى مَعَانٍ مِنْهَا : الْمَاءُ الْمُنْتِنُ الّذِي يَكُونُ فِي الْبَطْنِ يَحْدُثُ عَنْهُ الِاسْتِسْقَاءُ . وَقَدْ اخْتَلَفَ الْأَطِبّاءُ فِي بَزْلِهِ لِخُرُوجِ هَذِهِ الْمَادّةِ فَمَنَعَتْهُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ لِخَطَرِهِ وَبُعْدِ السّلَامَةِ مَعَهُ وَجَوّزَتْهُ طَائِفَةٌ أُخْرَى وَقَالَتْ لَا عِلَاجَ لَهُ سِوَاهُ وَهَذَا عِنْدَهُمْ إنّمَا هُوَ فِي الِاسْتِسْقَاءِ الزّقّيّ فَإِنّهُ كَمَا تَقَدّمَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ طَبْلِيّ وَهُوَ الّذِي يَنْتَفِخُ مَعَهُ الْبَطْنُ بِمَادّةٍ رِيحِيّةٍ إذَا ضَرَبْت عَلَيْهِ سُمِعَ لَهُ صَوْتٌ كَصَوْتِ الطّبْلِ وَلَحْمِيّ وَهُوَ الّذِي يَرْبُو مَعَهُ لَحْمُ جَمِيعِ الْبَدَنِ بِمَادّةٍ بَلْغَمِيّةٍ تَفْشُو مَعَ الدّمِ فِي الْأَعْضَاءِ وَهُوَ أَصْعَبُ مِنْ الْأَوّلِ وَزِقّيّ وَهُوَ الّذِي يَجْتَمِعُ مَعَهُ فِي الْبَطْنِ الْأَسْفَلِ مَادّةٌ رَدِيئَةٌ يُسْمَعُ لَهَا عِنْدَ الْحَرَكَةِ خَضْخَضَةٌ كَخَضْخَضَةِ الْمَاءِ فِي الزّقّ وَهُوَ أَرْدَأُ أَنْوَاعِهِ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ مِنْ الْأَطِبّاءِ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أَرْدَأُ أَنْوَاعِهِ اللّحْمِيّ لِعُمُومِ الْآفَةِ بِهِ . وَمِنْ جُمْلَةِ عِلَاجِ الزّقّيّ إخْرَاجُ ذَلِكَ بِالْبَزْلِ وَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ فَصْدِ الْعُرُوقِ لِإِخْرَاجِ الدّمِ الْفَاسِدِ لَكِنّهُ خَطَرٌ كَمَا تَقَدّمَ وَإِنْ ثَبَتَ هَذَا الْحَدِيثُ فَهُوَ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ بَزْلِهِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ الْمَرْضَى بِتَطْيِيبِ نُفُوسِهِمْ وَتَقْوِيَةِ قُلُوبِهِمْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ " فِي سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي ّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا دَخَلْتُمْ عَلَى الْمَرِيضِ فَنَفّسُوا لَهُ فِي الْأَجَلِ فَإِنّ ذَلِكَ لَا يَرُدّ شَيْئًا وَهُوَ يُطَيّبُ نَفْسَ الْمَرِيضِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ نَوْعٌ شَرِيفٌ جِدّا مِنْ أَشْرَفِ أَنْوَاعِ الْعِلَاجِ وَهُوَ الْإِرْشَادُ [ ص 107 ] تَقْوَى بِهِ الطّبِيعَةُ وَتَنْتَعِشُ بِهِ الْقُوّةُ وَيَنْبَعِثُ بِهِ الْحَارّ الْغَرِيزِيّ فَيَتَسَاعَدُ عَلَى دَفْعِ الْعِلّةِ أَوْ تَخْفِيفِهَا الّذِي هُوَ غَايَةُ تَأْثِيرِ الطّبِيبِ . وَتَفْرِيحُ نَفْسِ الْمَرِيضِ وَتَطْيِيبُ قَلْبِهِ وَإِدْخَالُ مَا يَسُرّهُ عَلَيْهِ لَهُ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي شِفَاءِ عِلّتِهِ وَخِفّتِهَا فَإِنّ الْأَرْوَاحَ وَالْقُوَى تَقْوَى بِذَلِكَ فَتُسَاعِدُ الطّبِيعَةَ عَلَى دَفْعِ الْمُؤْذِي وَقَدْ شَاهَدَ النّاسُ كَثِيرًا مِنْ الْمَرْضَى تَنْتَعِشُ قُوَاهُ بِعِيَادَةِ مَنْ يُحِبّونَهُ وَيُعَظّمُونَهُ وَرُؤْيَتِهِمْ لَهُمْ وَلُطْفِهِمْ بِهِمْ وَمُكَالَمَتِهِمْ إيّاهُمْ وَهَذَا أَحَدُ فَوَائِدِ عِيَادَةِ الْمَرْضَى الّتِي تَتَعَلّقُ بِهِمْ فَإِنّ فِيهَا أَرْبَعَةَ أَنْوَاعٍ مِنْ الْفَوَائِدِ نَوْعٌ يَرْجِعُ إلَى الْمَرِيضِ وَنَوْعٌ يَعُودُ عَلَى الْعَائِدِ وَنَوْعٌ يَعُودُ عَلَى أَهْلِ الْمَرِيضِ وَنَوْعٌ يَعُودُ عَلَى الْعَامّةِ . وَقَدْ تَقَدّمَ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّهُ كَانَ يَسْأَلُ الْمَرِيضَ عَنْ شَكْوَاهُ وَكَيْفَ يَجِدُهُ وَيَسْأَلُهُ عَمّا يَشْتَهِيهِ وَيَضَعُ يَدَهُ عَلَى جَبْهَتِهِ وَرُبّمَا وَضَعَهَا بَيْنَ ثَدْيَيْهِ وَيَدْعُو لَهُ وَيَصِفُ لَهُ مَا يَنْفَعُهُ فِي عِلّتِهِ وَرُبّمَا تَوَضّأَ وَصَبّ عَلَى الْمَرِيضِ مِنْ وَضُوئِهِ وَرُبّمَا كَانَ يَقُولُ لِلْمَرِيضِ لَا بَأْسَ طَهُورٌ إنْ شَاءَ اللّهُ وَهَذَا مِنْ كَمَالِ اللّطْفِ وَحُسْنِ الْعِلَاجِ وَالتّدْبِيرِ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ الْأَبْدَانِ بِمَا اعْتَادَتْهُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ وَالْأَغْذِيَةِ دُونَ مَا لَمْ تَعْتَدْهُ هَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الْعِلَاجِ وَأَنْفَعُ شَيْءٍ فِيهِ وَإِذَا أَخْطَأَهُ الطّبِيبُ أَضَرّ الْمَرِيضَ مِنْ حَيْثُ يَظُنّ أَنّهُ يَنْفَعُهُ وَلَا يَعْدِلُ عَنْهُ إلَى مَا يَجِدُهُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ فِي كُتُبِ الطّبّ إلّا طَبِيبٌ جَاهِلٌ فَإِنّ مُلَاءَمَةَ الْأَدْوِيَةِ وَالْأَغْذِيَةِ لِلْأَبْدَانِ بِحَسَبِ [ ص 108 ] وَالْأَكّارُونَ وَغَيْرُهُمْ لَا يَنْجَعُ فِيهِمْ شَرَابُ اللّينُوفَرِ وَالْوَرْدُ الطّرِيّ وَلَا الْمَغْلِيّ وَلَا يُؤَثّرُ فِي طِبَاعِهِمْ شَيْئًا بَلْ عَامّةُ أَدْوِيَةِ أَهْلِ الْحَضَرِ وَأَهْلِ الرّفَاهِيَةِ لَا تُجْدِي عَلّهمْ وَالتّجْرِبَةُ شَاهِدَةٌ بِذَلِكَ وَمَنْ تَأَمّلَ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ الْعِلَاجِ النّبَوِيّ رَآهُ كُلّهُ مُوَافِقًا لِعَادَةِ الْعَلِيلِ وَأَرْضِهِ وَمَا نَشَأَ عَلَيْهِ . فَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ مِنْ أُصُولِ الْعِلَاجِ يَجِبُ الِاعْتِنَاءُ بِهِ وَقَدْ صَرّحَ بِهِ أَفَاضِلُ أَهْلِ الطّبّ حَتّى قَالَ طَبِيبُ الْعَرَبِ بَلْ أَطَبّهُمْ الْحَارِثُ بْنُ كَلَدَةَ وَكَانَ فِيهِمْ كَابُقْرَاطَ فِي قَوْمِهِ الْحِمْيَةُ رَأْسُ الدّوَاءِ وَالْمَعِدَةُ بَيْتُ الدّاءِ وَعَوّدُوا كُلّ بَدَنٍ مَا اعْتَادَ . وَفِي لَفْظٍ عَنْهُ الْأَزْمُ دَوَاءٌ وَالْأَزْمُ الْإِمْسَاكُ عَنْ الْأَكْلِ يَعْنِي بِهِ الْجُوعَ وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْأَدْوِيَةِ فِي شِفَاءِ الْأَمْرَاضِ الِامْتِلَائِيّةِ كُلّهَا بِحَيْثُ إنّهُ أَفْضَلُ فِي عِلَاجِهَا مِنْ الْمُسْتَفْرَغَاتِ إذَا لَمْ يَخِفّ مِنْ كَثْرَةِ الِامْتِلَاءِ وَهَيَجَانِ الْأَخْلَاطِ وَحِدّتِهَا أَوْ غَلَيَانِهَا . وَقَوْلُهُ الْمَعِدَةُ بَيْتُ الدّاءِ . الْمَعِدَةُ عُضْوٌ عَصَبِيّ مُجَوّفٌ كَالْقَرْعَةِ فِي شَكْلِهَا مُرَكّبٌ مِنْ ثَلَاثِ طَبَقَاتٍ مُؤَلّفَةٍ مِنْ شَظَايَا دَقِيقَةٍ عَصَبِيّةٍ تُسَمّى اللّيفَ وَيُحِيطُ بِهَا لَحْمٌ وَلِيفٌ إحْدَى الطّبَقَاتِ بِالطّولِ وَالْأُخْرَى بِالْعَرْضِ وَالثّالِثَةُ بِالْوَرْبِ وَفَمُ الْمَعِدَةِ أَكْثَرُ عَصَبًا وَقَعْرُهَا أَكْثَرُ لَحْمًا وَفِي بَاطِنِهَا خَمْلٌ وَهِيَ مَحْصُورَةٌ فِي وَسَطِ الْبَطْنِ وَأَمْيَلُ إلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ قَلِيلًا خُلِقَتْ عَلَى هَذِهِ الصّفَةِ لِحِكْمَةٍ لَطِيفَةٍ مِنْ الْخَالِقِ الْحَكِيمِ سُبْحَانَهُ وَهِيَ بَيْتُ الدّاءِ وَكَانَتْ مَحَلّا لِلْهَضْمِ الْأَوّلِ وَفِيهَا يَنْضَجُ الْغِذَاءُ وَيَنْحَدِرُ مِنْهَا بَعْدَ ذَلِكَ إلَى الْكَبِدِ وَالْأَمْعَاءِ وَيَتَخَلّفُ مِنْهُ فِيهَا فَضَلَاتٌ قَدْ عَجَزَتْ الْقُوّةُ الْهَاضِمَةُ عَنْ تَمَامِ هَضْمِهَا إمّا لِكَثْرَةِ الْغِذَاءِ أَوْ لِرَدَاءَتِهِ أَوْ لِسُوءِ تَرْتِيبٍ فِي اسْتِعْمَالِهِ أَوْ لِمَجْمُوعِ ذَلِكَ وَهَذِهِ الْأَشْيَاءُ بَعْضُهَا مِمّا لَا يَتَخَلّصُ الْإِنْسَانُ مِنْهُ غَالِبًا فَتَكُونُ الْمَعِدَةُ بَيْتَ الدّاءِ لِذَلِكَ وَكَأَنّهُ يُشِيرُ بِذَلِكَ إلَى الْحَثّ عَلَى تَقْلِيلِ الْغِذَاءِ وَمَنْعِ النّفْسِ مِنْ اتّبَاعِ الشّهَوَاتِ وَالتّحَرّزِ عَنْ الْفَضَلَاتِ . وَأَمّا الْعَادَةُ فَلِأَنّهَا كَالطّبِيعَةِ لِلْإِنْسَانِ وَلِذَلِكَ يُقَالُ الْعَادَةُ طَبْعٌ ثَانٍ وَهِيَ [ ص 109 ] عَظِيمَةٌ فِي الْبَدَنِ حَتّى إنّ أَمْرًا وَاحِدًا إذَا قِيسَ إلَى أَبْدَانٍ مُخْتَلِفَةِ الْعَادَاتِ كَانَ مُخْتَلِفَ النّسْبَةِ إلَيْهَا . وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ الْأَبْدَانُ مُتّفِقَةً فِي الْوُجُوهِ الْأُخْرَى مِثَالُ ذَلِكَ أَبْدَانٌ ثَلَاثَةٌ حَارّةُ الْمِزَاجِ فِي سِنّ الشّبَابِ أَحَدُهَا : عُودُ تَنَاوُلِ الْأَشْيَاءِ الْحَارّةِ . وَالثّانِي : عُودُ تَنَاوُلِ الْأَشْيَاءِ الْبَارِدَةِ . وَالثّالِثُ عُودُ تَنَاوُلِ الْأَشْيَاءِ الْمُتَوَسّطَةِ . فَإِنّ الْأَوّلَ مَتَى تَنَاوَلَ عَسَلًا لَمْ يَضُرّ بِهِ وَالثّانِي : مَتَى تَنَاوَلَهُ أَضَرّ بِهِ وَالثّالِثُ يَضُرّ بِهِ قَلِيلًا فَالْعَادَةُ رُكْنٌ عَظِيمٌ فِي حِفْظِ الصّحّةِ وَمُعَالَجَةِ الْأَمْرَاضِ وَلِذَلِكَ جَاءَ الْعِلَاجُ النّبَوِيّ بِإِجْرَاءِ كُلّ بَدَنٍ عَلَى عَادَتِهِ فِي اسْتِعْمَالِ الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي تَغْذِيَةِ الْمَرِيضِ بِأَلْطَفِ مَا اعْتَادَهُ مِنْ الْأَغْذِيَةِ فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنّهَا كَانَتْ إذَا مَاتَ الْمَيّتُ مَنْ أَهْلِهَا وَاجْتَمَعَ لِذَلِكَ النّسَاءُ ثُمّ تَفَرّقْنَ إلَى أَهْلِهِنّ أَمَرَتْ بِبُرْمَةٍ مِنْ تَلْبِينَةٍ فَطُبِخَتْ وَصُنِعَتْ ثَرِيدًا ثُمّ صُبّتْ التّلْبِينَةُ عَلَيْهِ ثُمّ قَالَتْ كُلُوا مِنْهَا فَإِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ التّلْبِينَةُ مَجَمّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ وَفِي " السّنَنِ " مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَيْضًا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَيْكُمْ بِالْبَغِيضِ النّافِعِ التّلْبِين قَالَتْ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا اشْتَكَى أَحَدٌ مِنْ أَهْلِهِ لَمْ تَزَلْ الْبُرْمَةُ عَلَى النّارِ حَتّى يَنْتَهِيَ أَحَدُ طَرَفَيْهِ . يَعْنِي يَبْرَأُ أَوْ يَمُوتُ . وَعَنْهَا : كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا قِيلَ لَهُ إنّ فُلَانًا وَجِعٌ لَا يَطْعَمُ الطّعَامَ قَالَ [ ص 110 ] عَلَيْكُمْ بِالتّلْبِينَةِ فَحَسّوهُ إيّاهَا وَيَقُولُ وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنّهَا تَغْسِلُ بَطْنَ أَحَدِكُمْ كَمَا تَغْسِلُ إحْدَاكُنّ وَجْهَهَا مِنْ الْوَسَخِ [ التّلْبِينُ وَفَوَائِدُهُ ] التّلْبِينُ هُوَ الْحِسَاءُ الرّقِيقُ الّذِي هُوَ فِي قِوَامِ اللّبَنِ وَمِنْهُ اُشْتُقّ اسْمُهُ قَالَ الْهَرَوِيّ سُمّيَتْ تَلْبِينَةً لِشَبَهِهَا بِاللّبَنِ لِبَيَاضِهَا وَرِقّتِهَا وَهَذَا الْغِذَاءُ هُوَ النّافِعُ لِلْعَلِيلِ وَهُوَ الرّقِيقُ النّضِيحُ لَا الْغَلِيظُ النّيءُ وَإِذَا شِئْتَ أَنْ تَعْرِفَ فَضْلَ التّلْبِينَةِ فَاعْرِفْ فَضْلَ مَاءِ الشّعِيرِ بَلْ هِيَ مَاءُ الشّعِيرِ لَهُمْ فَإِنّهَا حِسَاءٌ مُتّخَذٌ مِنْ دَقِيقِ الشّعِيرِ بِنُخَالَتِهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَاءِ الشّعِيرِ أَنّهُ يُطْبَخُ صِحَاحًا وَالتّلْبِينَةُ تُطْبَخُ مِنْهُ مَطْحُونًا وَهِيَ أَنْفَعُ مِنْهُ لِخُرُوجِ خَاصّيّةِ الشّعِيرِ بِالطّحْنِ وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّ لِلْعَادَاتِ تَأْثِيرًا فِي الِانْتِفَاعِ بِالْأَدْوِيَةِ وَالْأَغْذِيَةِ وَكَانَتْ عَادَةُ الْقَوْمِ أَنْ يَتّخِذُوا مَاءَ الشّعِيرِ مِنْهُ مَطْحُونًا لَا صِحَاحًا وَهُوَ أَكْثَرُ تَغْذِيَةً وَأَقْوَى فِعْلًا وَأَعْظَمُ جَلَاءً وَإِنّمَا اتّخَذَهُ أَطِبّاءُ الْمُدُنِ مِنْهُ صِحَاحًا لِيَكُونَ أَرَقّ وَأَلْطَفَ فَلَا يَثْقُلُ عَلَى طَبِيعَةِ الْمَرِيضِ وَهَذَا بِحَسَبِ طَبَائِعِ أَهْلِ الْمُدُنِ وَرَخَاوَتِهَا وَثِقَلِ مَاءِ الشّعِيرِ الْمَطْحُونِ عَلَيْهَا . وَالْمَقْصُودُ أَنّ مَاءَ الشّعِيرِ مَطْبُوخًا صِحَاحًا يَنْفُذُ سَرِيعًا وَيَجْلُو جَلَاءً ظَاهِرًا وَيُغَذّي غِذَاءً لَطِيفًا . وَإِذَا شُرِبَ حَارّا كَانَ جَلَاؤُهُ أَقْوَى وَنُفُوذُهُ أَسْرَعَ وَإِنْمَاؤُهُ لِلْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيّةِ أَكْثَرَ وَتَلْمِيسُهُ لِسُطُوحِ الْمَعِدَةِ أَوْفَقَ . [ عِلّةُ ذَهَابِ التّلْبِينَةِ بِبَعْضِ الْحُزْنِ ] وَقَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيهَا : مَجَمّةٌ لِفُؤَادِ الْمَرِيضِ يُرْوَى بِوَجْهَيْنِ . بِفَتْحِ الْمِيمِ وَالْجِيمِ وَبِضَمّ الْمِيمِ وَكَسْرِ الْجِيمِ وَالْأَوّلُ أَشْهَرُ وَمَعْنَاهُ أَنّهَا مُرِيحَةٌ لَهُ أَيْ تُرِيحُهُ وَتُسَكّنُهُ مِنْ الْإِجْمَامِ وَهُوَ الرّاحَةُ . وَقَوْلُهُ " تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ " هَذَا - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - لِأَنّ الْغَمّ وَالْحُزْنَ يُبَرّدَانِ الْمِزَاجَ وَيُضْعِفَانِ الْحَرَارَةَ الْغَرِيزِيّةَ لِمَيْلِ الرّوحِ الْحَامِلِ لَهَا إلَى جِهَةِ الْقَلْبِ الّذِي هُوَ مَنْشَؤُهَا وَهَذَا الْحِسَاءُ يُقَوّي الْحَرَارَةَ الْغَرِيزِيّةَ بِزِيَادَتِهِ فِي مَادّتِهَا فَتُزِيلُ أَكْثَرَ مَا عَرَضَ لَهُ مِنْ الْغَمّ وَالْحُزْنِ . وَقَدْ يُقَالُ - وَهُوَ أَقْرَبُ - إنّهَا تَذْهَبُ بِبَعْضِ الْحُزْنِ بِخَاصّيّةٍ فِيهَا مِنْ [ ص 111 ] أَعْلَمُ . وَقَدْ يُقَالُ إنّ قُوَى الْحَزِينِ تَضْعُفُ بِاسْتِيلَاءِ الْيُبْسِ عَلَى أَعْضَائِهِ وَعَلَى مَعِدَتِهِ خَاصّةً لِتَقْلِيلِ الْغِذَاءِ وَهَذَا الْحِسَاءُ يُرَطّبُهَا وَيُقَوّيهَا وَيُغَذّيهَا وَيَفْعَلُ مِثْلَ ذَلِكَ بِفُؤَادِ الْمَرِيضِ لَكِنّ الْمَرِيضَ كَثِيرًا مَا يَجْتَمِعُ فِي مَعِدَتِهِ خَلْطٌ مَرَارِيّ أَوْ بَلْغَمِيّ أَوْ صَدِيدِيّ وَهَذَا الْحِسَاءُ يَجْلُو ذَلِكَ عَنْ الْمَعِدَةِ وَيَسْرُوهُ وَيَحْدُرُهُ وَيُمَيّعُهُ وَيُعَدّلُ كَيْفِيّتَهُ وَيَكْسِرُ سَوْرَتَهُ فَيُرِيحُهَا وَلَا سِيّمَا لِمَنْ عَادَتُهُ الِاغْتِذَاءُ بِخُبْزِ الشّعِيرِ وَهِيَ عَادَةُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إذْ ذَاكَ وَكَانَ هُوَ غَالِبَ قُوتِهِمْ وَكَانَتْ الْحِنْطَةُ عَزِيزَةً عِنْدَهُمْ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ السّمّ الّذِي أَصَابَهُ بِخَيْبَرَ مِنْ الْيَهُود ذَكَرَ عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ : أَنّ امْرَأَةً يَهُودِيّةً أَهْدَتْ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَاةً مَصْلِيّةً بِخَيْبَرَ فَقَالَ مَا هَذِهِ ؟ قَالَتْ هَدِيّةٌ وَحَذِرَتْ أَنْ تَقُولَ مِنْ الصّدَقَةِ فَلَا يَأْكُلُ مِنْهَا فَأَكَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَكَلَ الصّحَابَةُ ثُمّ قَالَ أَمْسِكُوا ثُمّ قَالَ لِلْمَرْأَةِ هَلْ سَمَمْتِ هَذِهِ الشّاةَ ؟ قَالَتْ مَنْ أَخْبَرَك بِهَذَا ؟ قَالَ هَذَا الْعَظْمُ لِسَاقِهَا وَهُوَ فِي يَدِهِ ؟ قَالَتْ نَعَمْ . قَالَ لِمَ ؟ قَالَتْ أَرَدْتُ إنْ كُنْت كَاذِبًا أَنْ يَسْتَرِيحَ مِنْك النّاسُ وَإِنْ كُنْت نَبِيّا لَمْ يَضُرّك قَالَ فَاحْتَجَمَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثَلَاثَةً عَلَى الْكَاهِلِ وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ أَنْ يَحْتَجِمُوا فَاحْتَجَمُوا فَمَاتَ بَعْضُهُمْ [ ص 112 ] وَاحْتَجَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى كَاهِلِهِ مِنْ أَجْلِ الّذِي أَكَلَ مِنْ الشّاةِ حَجَمَهُ أَبُو هِنْدٍ بِالْقَرْنِ وَالشّفْرَةِ وَهُوَ مَوْلَى لِبَنِي بَيَاضَةَ مِنْ الْأَنْصَارِ وَبَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ سِنِينَ حَتّى كَانَ وَجَعُهُ الّذِي تُوُفّيَ فِيهِ فَقَالَ مَا زِلْتُ أَجِدُ مِنْ الْأُكْلَةِ الّتِي أَكَلْتُ مِنْ الشّاةِ يَوْمَ خَيْبَرَ حَتّى كَانَ هَذَا أَوَانَ انْقِطَاعِ الْأَبْهَرِ مِنّي فَتُوُفّيَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَهِيدًا قَالَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ . [ يُعَالَجُ السّمّ بِالاسْتِفْراغَاتِ وَبِالْأَدْوِيَةِ الْمُبْطِلَةِ لِفِعْلِ السّمّ ] مُعَالَجَةُ السّمّ تَكُونُ بِالاسْتِفْراغَاتِ وَبِالْأَدْوِيَةِ الّتِي تُعَارِضُ فِعْلَ السّمّ وَتُبْطِلُهُ إمّا بِكَيْفِيّاتِهَا وَإِمّا بِخَوَاصّهَا فَمَنْ عَدِمَ الدّوَاءَ فَلْيُبَادِرْ إلَى الِاسْتِفْرَاغِ الْكُلّيّ وَأَنْفَعُهُ الْحِجَامَةُ وَلَا سِيّمَا إذَا كَانَ الْبَلَدُ حَارّا وَالزّمَانُ حَارّا فَإِنّ الْقُوّةَ [ ص 113 ] السّمّيّةَ تَسْرِي إلَى الدّمِ فَتَنْبَعِثُ فِي الْعُرُوقِ وَالْمَجَارِي حَتّى تَصِلَ إلَى الْقَلْبِ فَيَكُونُ الْهَلَاكُ فَالدّمُ هُوَ الْمَنْفَذُ الْمُوَصّلُ لِلسّمّ إلَى الْقَلْبِ وَالْأَعْضَاءِ فَإِذَا بَادَرَ الْمَسْمُومُ وَأَخْرَجَ الدّمَ خَرَجَتْ مَعَهُ تِلْكَ الْكَيْفِيّةُ السّمّيّةُ الّتِي خَالَطَتْهُ فَإِنْ كَانَ اسْتِفْرَاغًا تَامّا لَمْ يَضُرّهُ السّمّ بَلْ إمّا أَنْ يَذْهَبَ وَإِمّا أَنْ يَضْعُفَ فَتَقْوَى عَلَيْهِ الطّبِيعَةُ فَتُبْطِلُ فِعْلَهُ أَوْ تُضْعِفُهُ . [ اسْتِشْهَادُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالسّمّ ] وَلَمّا احْتَجَمَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ احْتَجَمَ فِي الْكَاهِلِ وَهُوَ أَقْرَبُ الْمَوَاضِعِ الّتِي يُمْكِنُ فِيهَا الْحِجَامَةُ إلَى الْقَلْبِ فَخَرَجَتْ الْمَادّةُ السّمّيّةُ مَعَ الدّمِ لَا خُرُوجًا كُلّيّا بَلْ بَقِيَ أَثَرُهَا مَعَ ضَعْفِهِ لِمَا يُرِيدُ اللّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ تَكْمِيلِ مَرَاتِبِ الْفَضْلِ كُلّهَا لَهُ فَلَمّا أَرَادَ اللّهُ إكْرَامَهُ بِالشّهَادَةِ ظَهَرَ تَأْثِيرُ ذَلِكَ الْأَثَرِ الْكَامِنِ مِنْ السّمّ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا وَظَهَرَ سِرّ قَوْلِهِ تَعَالَى لِأَعْدَائِهِ مِنْ الْيَهُودِ : { أَفَكُلّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ } [ الْبَقَرَةِ 87 ] فَجَاءَ بِلَفْظِ كَذّبْتُمْ بِالْمَاضِي الّذِي قَدْ وَقَعَ مِنْهُ وَتَحَقّقَ وَجَاءَ بِلَفْظِ " تَقْتُلُونَ " بِالْمُسْتَقْبَلِ الّذِي يَتَوَقّعُونَهُ وَيَنْتَظِرُونَهُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ السّحْرِ الّذِي سَحَرَتْهُ الْيَهُودُ بِهِ قَدْ أَنْكَرَ هَذَا طَائِفَةٌ مِنْ النّاسِ وَقَالُوا : لَا يَجُوزُ هَذَا عَلَيْهِ وَظَنّوهُ نَقْصًا وَعَيْبًا وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا زَعَمُوا بَلْ هُوَ مِنْ جِنْسِ مَا كَانَ يَعْتَرِيهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الْأَسْقَامِ وَالْأَوْجَاعِ وَهُوَ مَرَضٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ وَإِصَابَتُهُ بِهِ كَإِصَابَتِهِ بِالسّمّ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا وَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا أَنّهَا قَالَتْ سُحِرَ [ ص 114 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى إنْ كَانَ لَيُخَيّلُ إلَيْهِ أَنّهُ يَأْتِي نِسَاءَهُ وَلَمْ يَأْتِهِنّ وَذَلِكَ أَشَدّ مَا يَكُونُ مِنْ السّحْرِ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَالسّحْرُ مَرَضٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ وَعَارِضٌ مِنْ الْعِلَلِ يَجُوزُ عَلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَأَنْوَاعِ الْأَمْرَاضِ مِمّا لَا يُنْكَرُ وَلَا يَقْدَحُ فِي نُبُوّتِهِ وَأَمّا كَوْنُهُ يُخَيّلُ إلَيْهِ أَنّهُ فَعَلَ الشّيْءَ وَلَمْ يَفْعَلْهُ فَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُدْخِلُ عَلَيْهِ دَاخِلَةً فِي شَيْءٍ مِنْ صِدْقِهِ لِقِيَامِ الدّلِيلِ وَالْإِجْمَاعِ عَلَى عِصْمَتِهِ مِنْ هَذَا وَإِنّمَا هَذَا فِيمَا يَجُوزُ طُرُوّهُ عَلَيْهِ فِي أَمْرِ دُنْيَاهُ الّتِي لَمْ يُبْعَثُ لِسَبَبِهَا وَلَا فُضّلَ مِنْ أَجْلِهَا وَهُوَ فِيهَا عُرْضَةٌ لِلْآفَاتِ كَسَائِرِ الْبَشَرِ فَغَيْرُ بَعِيدٍ أَنّهُ يُخَيّلَ إلَيْهِ مِنْ أُمُورِهَا مَا لَا حَقِيقَةَ لَهُ ثُمّ يَنْجَلِي عَنْهُ كَمَا كَانَ . [ عِلَاجُ السّحْرِ ] وَالْمَقْصُودُ ذِكْرُ هَدْيِهِ فِي عِلَاجِ هَذَا الْمَرَضِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ فِيهِ نَوْعَانِ [ اسْتِخْرَاجُ السّحْرِ وَإِبْطَالُهُ ] أَحَدُهُمَا - وَهُوَ أَبْلَغُهُمَا - اسْتِخْرَاجُهُ وَإِبْطَالُهُ كَمَا صَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ سَأَلَ رَبّهُ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ فَدَلّ عَلَيْهِ فَاسْتَخْرَجَهُ مِنْ بِئْرٍ فَكَانَ فِي مُشْطٍ وَمَشّاطَةٍ وَجَفّ طَلْعَةٍ ذَكَرٍ فَلَمّا اسْتَخْرَجَهُ ذَهَبَ مَا بِهِ حَتّى كَأَنّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَهَذَا مِنْ أَبْلَغِ مَا يُعَالَجُ بِهِ الْمَطْبُوبُ وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ إزَالَةِ الْمَادّةِ الْخَبِيثَةِ وَقَلْعِهَا مِنْ الْجَسَدِ بِالِاسْتِفْرَاغِ . [ الِاسْتِفْرَاغُ فِي الْمَحَلّ الّذِي يَصِلُ إليه أَذَى السّحْرِ ] وَالنّوْعُ الثّانِي : الِاسْتِفْرَاغُ فِي الْمَحَلّ الّذِي يَصِلُ إلَيْهِ أَذَى السّحْرِ فَإِنّ لِلسّحْرِ تَأْثِيرًا فِي الطّبِيعَةِ وَهَيَجَانَ أَخْلَاطِهَا وَتَشْوِيشَ مِزَاجِهَا فَإِذَا ظَهَرَ أَثَرُهُ فِي [ ص 115 ] وَأَمْكَنَ اسْتِفْرَاغُ الْمَادّةِ الرّدِيئَةِ مِنْ ذَلِكَ الْعُضْوِ نَفَعَ جِدّا . وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ فِي كِتَابِ " غَرِيبِ الْحَدِيثِ " لَهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ احْتَجَمَ عَلَى رَأْسِهِ بِقَرْنٍ حِينَ طُبّ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : مَعْنَى طُبّ أَيْ سُحِرَ . وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا عَلَى مَنْ قَلّ عِلْمُهُ وَقَالَ مَا لِلْحِجَامَةِ وَالسّحْرِ وَمَا الرّابِطَةُ بَيْنَ هَذَا الدّاءِ وَهَذَا الدّوَاءِ وَلَوْ وَجَدَ هَذَا الْقَائِلُ أَبُقْرَاطَ أَوْ ابْنَ سِينَا أَوْ غَيْرَهُمَا قَدْ نَصّ عَلَى هَذَا الْعِلَاجِ لَتَلَقّاهُ بِالْقَبُولِ وَالتّسْلِيمِ وَقَالَ قَدْ نَصّ عَلَيْهِ مَنْ لَا يُشَكّ فِي مَعْرِفَتِهِ وَفَضْلِهِ . فَاعْلَمْ أَنّ مَادّةَ السّحْرِ الّذِي أُصِيبَ بِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ انْتَهَتْ إلَى رَأْسِهِ إلَى إحْدَى قُوَاهُ الّتِي فِيهِ بِحَيْثُ كَانَ يُخَيّلُ إلَيْهِ أَنّهُ يَفْعَلُ الشّيْءَ وَلَمْ يَفْعَلْهُ وَهَذَا تَصَرّفٌ مِنْ السّاحِرِ فِي الطّبِيعَةِ وَالْمَادّةِ الدّمَوِيّةِ بِحَيْثُ غَلَبَتْ تِلْكَ الْمَادّةُ عَلَى الْبَطْنِ الْمُقَدّمِ مِنْهُ فَغَيّرَتْ مِزَاجَهُ عَنْ طَبِيعَتِهِ الْأَصْلِيّةِ . وَالسّحْرُ هُوَ مُرَكّبٌ مِنْ تَأْثِيرَاتِ الْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ وَانْفِعَالِ الْقُوَى الطّبِيعِيّةِ عَنْهَا وَهُوَ أَشَدّ مَا يَكُونُ مِنْ السّحْرِ وَلَا سِيّمَا فِي الْمَوْضِعِ الّذِي انْتَهَى السّحْرُ إلَيْهِ وَاسْتِعْمَالُ الْحِجَامَةِ عَلَى ذَلِكَ الْمَكَانِ الّذِي تَضَرّرَتْ أَفْعَالُهُ بِالسّحْرِ مِنْ أَنْفَعِ الْمُعَالَجَةِ إذَا اُسْتُعْمِلَتْ عَلَى الْقَانُونِ الّذِي يَنْبَغِي . قَالَ أَبُقْرَاطُ الْأَشْيَاءُ الّتِي يَنْبَغِي أَنْ تُسْتَفْرَغَ يَجِبُ أَنْ تُسْتَفْرَغَ مِنْ الْمَوَاضِعِ الّتِي هِيَ إلَيْهَا أَمْيَلُ بِالْأَشْيَاءِ الّتِي تَصْلُحُ لِاسْتِفْرَاغِهَا . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ النّاسِ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا أُصِيبَ بِهَذَا الدّاءِ وَكَانَ يُخَيّلُ إلَيْهِ أَنّهُ فَعَلَ الشّيْءَ وَلَمْ يَفْعَلْهُ ظَنّ أَنّ ذَلِكَ عَنْ مَادّةٍ دَمَوِيّةٍ أَوْ غَيْرِهَا مَالَتْ إلَى جِهَةِ الدّمَاغِ وَغَلَبَتْ عَلَى الْبَطْنِ الْمُقَدّمِ مِنْهُ فَأَزَالَتْ مِزَاجَهُ عَنْ الْحَالَةِ [ ص 116 ] وَكَانَ اسْتِعْمَالُ الْحِجَامَةِ إذْ ذَاكَ مِنْ أَبْلَغِ الْأَدْوِيَةِ وَأَنْفَعِ الْمُعَالَجَةِ فَاحْتَجَمَ وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إلَيْهِ أَنّ ذَلِكَ مِنْ السّحْرِ فَلَمّا جَاءَهُ الْوَحْيُ مِنْ اللّهِ تَعَالَى وَأَخْبَرَهُ أَنّهُ قَدْ سُحِرَ عَدَلَ إلَى الْعِلَاجِ الْحَقِيقِيّ وَهُوَ اسْتِخْرَاجُ السّحْرِ وَإِبْطَالُهُ فَسَأَلَ اللّهَ سُبْحَانَهُ فَدَلّهُ عَلَى مَكَانِهِ فَاسْتَخْرَجَهُ فَقَامَ كَأَنّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ وَكَانَ غَايَةُ هَذَا السّحْرِ فِيهِ إنّمَا هُوَ فِي جَسَدِهِ وَظَاهِرِ جَوَارِحِهِ لَا عَلَى عَقْلِهِ وَقَلْبِهِ وَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ يَعْتَقِدُ صِحّةَ مَا يُخَيّلُ إلَيْهِ مِنْ إتْيَانِ النّسَاءِ بَلْ يَعْلَمُ أَنّهُ خَيَالٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَمِثْلُ هَذَا قَدْ يَحْدُثُ مِنْ بَعْضِ الْأَمْرَاضِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ [ عِلَاجُ السّحْرِ بِالْأَذْكَارِ وَالْآيَاتِ ] وَمِنْ أَنْفَعِ عِلَاجَاتِ السّحْرِ الْأَدْوِيَةُ الْإِلَهِيّةُ بَلْ هِيَ أَدْوِيَتُهُ النّافِعَةُ بِالذّاتِ فَإِنّهُ مِنْ تَأْثِيرَاتِ الْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ السّفْلِيّةِ وَدَفْعُ تَأْثِيرِهَا يَكُونُ بِمَا يُعَارِضُهَا وَيُقَاوِمُهَا مِنْ الْأَذْكَارِ وَالْآيَاتِ وَالدّعَوَاتِ الّتِي تُبْطِلُ فِعْلَهَا وَتَأْثِيرَهَا وَكُلّمَا كَانَتْ أَقْوَى وَأَشَدّ كَانَتْ أَبْلَغَ فِي النّشْرَةِ وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ الْتِقَاءِ جَيْشَيْنِ مَعَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عُدّتُهُ وَسِلَاحُهُ فَأَيّهُمَا غَلَبَ الْآخَرَ قَهَرَهُ وَكَانَ الْحُكْمُ لَهُ فَالْقَلْبُ إذَا كَانَ مُمْتَلِئًا مِنْ اللّهِ مَغْمُورًا بِذِكْرِهِ وَلَهُ مِنْ التّوَجّهَاتِ وَالدّعَوَاتِ وَالْأَذْكَارِ وَالتّعَوّذَاتِ وِرْدٌ لَا يُخِلّ بِهِ يُطَابِقُ فِيهِ قَلْبُهُ لِسَانَهُ كَانَ هَذَا مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ الّتِي تَمْنَعُ إصَابَةَ السّحْرِ لَهُ وَمِنْ أَعْظَمِ الْعِلَاجَاتِ لَهُ بَعْدَ مَا يُصِيبُهُ . وَعِنْدَ السّحَرَةِ أَنّ سِحْرَهُمْ إنّمَا يَتِمّ تَأْثِيرُهُ فِي الْقُلُوبِ الضّعِيفَةِ الْمُنْفَعِلَةِ وَالنّفُوسِ الشّهْوَانِيّةِ الّتِي هِيَ مُعَلّقَةٌ بِالسّفْلِيّاتِ وَلِهَذَا فَإِنّ غَالِبَ مَا يُؤَثّرُ فِي النّسَاءِ وَالصّبْيَانِ وَالْجُهّالِ وَأَهْلِ الْبَوَادِي وَمَنْ ضَعُفَ حَظّهُ مِنْ الدّينِ [ ص 117 ] وَبِالْجُمْلَةِ فَسُلْطَانُ تَأْثِيرِهِ فِي الْقُلُوبِ الضّعِيفَةِ الْمُنْفَعِلَةِ الّتِي يَكُونُ مَيْلُهَا إلَى السّفْلِيّاتِ قَالُوا : وَالْمَسْحُورُ هُوَ الّذِي يُعِينُ عَلَى نَفْسِهِ فَإِنّا نَجِدُ قَلْبَهُ مُتَعَلّقًا بِشَيْءٍ كَثِيرِ الِالْتِفَاتِ إلَيْهِ فَيَتَسَلّطُ عَلَى قَلْبِهِ بِمَا فِيهِ مِنْ الْمَيْلِ وَالِالْتِفَاتِ وَالْأَرْوَاحُ الْخَبِيثَةُ إنّمَا تَتَسَلّطُ عَلَى أَرْوَاحٍ تَلْقَاهَا مُسْتَعِدّةً لِتَسَلّطِهَا عَلَيْهَا بِمَيْلِهَا إلَى مَا يُنَاسِبُ تِلْكَ الْأَرْوَاحَ الْخَبِيثَةَ وَبِفَرَاغِهَا مِنْ الْقُوّةِ الْإِلَهِيّةِ وَعَدَمِ أَخْذِهَا لِلْعُدّةِ الّتِي تُحَارِبُهَا بِهَا فَتَجِدُهَا فَارِغَةً لَا عُدّةَ مَعَهَا وَفِيهَا مَيْلٌ إلَى مَا يُنَاسِبُهَا فَتَتَسَلّطُ عَلَيْهَا وَيَتَمَكّنُ تَأْثِيرُهَا فِيهَا بِالسّحْرِ وَغَيْرِهِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الِاسْتِفْرَاغِ بِالْقَيْءِ رَوَى التّرْمِذِيّ فِي " جَامِعِهِ " عَنْ مَعْدَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ عَنْ أَبِي الدّرْدَاءِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَاءَ فَتَوَضّأَ فَلَقِيتُ ثَوْبَانَ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ فَذَكَرْتُ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ صَدَقَ أَنَا صَبَبْتُ لَهُ وَضُوءَهُ . قَالَ التّرْمِذِيّ وَهَذَا أَصَحّ شَيْءٍ فِي الْبَابِ . [ أُصُولُ الِاسْتِفْرَاغِ ] الْقَيْءُ أَحَدُ الْاِسْتِفْرَاغَات الْخَمْسَةِ الّتِي هِيَ أُصُولُ الِاسْتِفْرَاغِ وَهِيَ الْإِسْهَالُ وَالْقَيْءُ وَإِخْرَاجُ الدّمِ وَخُرُوجُ الْأَبْخِرَةِ وَالْعَرَقِ وَقَدْ جَاءَتْ بِهَا السّنّةُ . [ ص 118 ] مَرّ فِي حَدِيثِ خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْمَشْيُ وَفِي حَدِيثٍ " السّنَا " . وَأَمّا إخْرَاجُ الدّمِ فَقَدْ تَقَدّمَ فِي أَحَادِيثِ الْحِجَامَةِ . وَأَمّا اسْتِفْرَاغُ الْأَبْخِرَةِ فَنَذْكُرُهُ عَقِيبَ هَذَا الْفَصْلِ إنْ شَاءَ اللّهُ . وَأَمّا الِاسْتِفْرَاغُ بِالْعَرَقِ فَلَا يَكُونُ غَالِبًا بِالْقَصْدِ بَلْ بِدَفْعِ الطّبِيعَةِ لَهُ إلَى ظَاهِرِ الْجَسَدِ فَيُصَادِفُ الْمَسَامّ مُفَتّحَةً فَيَخْرُجُ مِنْهَا . [ أَنْوَاعُ الْقَيْءِ ] وَالْقَيْءُ اسْتِفْرَاغٌ مِنْ أَعْلَى الْمَعِدَةِ وَالْحُقْنَةُ مِنْ أَسْفَلِهَا وَالدّوَاءُ مِنْ أَعْلَاهَا وَأَسْفَلِهَا وَالْقَيْءُ نَوْعَانِ نَوْعٌ بِالْغَلَبَةِ وَالْهَيَجَانِ وَنَوْعٌ بِالِاسْتِدْعَاءِ وَالطّلَبِ . فَأَمّا الْأَوّلُ فَلَا يَسُوغُ حَبْسُهُ وَدَفْعُهُ إلّا إذَا أَفْرَطَ وَخِيفَ مِنْهُ التّلَفُ . فَيُقْطَعُ بِالْأَشْيَاءِ الّتِي تُمْسِكُهُ . وَأَمّا الثّانِي : فَأَنْفَعُهُ عِنْدَ الْحَاجَةِ إذَا رُوعِيَ زَمَانُهُ وَشُرُوطُهُ الّتِي تُذْكَرُ . [ أَسْبَابُ الْقَيْءِ ] وَأَسْبَابُ الْقَيْءِ عَشَرَةٌ أَحَدُهَا : غَلَبَةُ الْمُرّةِ الصّفْرَاءِ وَطَفْوُهَا عَلَى رَأْسِ الْمَعِدَةِ فَتَطْلُبُ الصّعُودَ . الثّانِي : مِنْ غَلَبَةِ بَلْغَمٍ لَزِجٍ قَدْ تَحَرّكَ فِي الْمَعِدَةِ وَاحْتَاجَ إلَى الْخُرُوجِ . الثّالِثُ أَنْ يَكُونَ مِنْ ضَعْفِ الْمَعِدَةِ فِي ذَاتِهَا فَلَا تَهْضِمُ الطّعَامَ فَتَقْذِفُهُ إلَى جِهَةِ فَوْقَ . الرّابِعُ أَنْ يُخَالِطَهَا خَلْطٌ رَدِيءٌ يَنْصَبّ إلَيْهَا فَيُسِيءُ هَضْمَهَا وَيُضْعِفُ فِعْلَهَا . الْخَامِسُ أَنْ يَكُونَ مِنْ زِيَادَةِ الْمَأْكُولِ أَوْ الْمَشْرُوبِ عَلَى الْقَدْرِ الّذِي تَحْتَمِلُهُ الْمَعِدَةُ فَتَعْجِزُ عَنْ إمْسَاكِهِ فَتَطْلُبُ دَفْعَهُ وَقَذْفَهُ . السّادِسُ أَنْ يَكُونَ مِنْ عَدَمِ مُوَافَقَةِ الْمَأْكُولِ وَالْمَشْرُوبِ لَهَا وَكَرَاهَتِهَا لَهُ فَتَطْلُبُ دَفْعَهُ وَقَذْفَهُ . [ ص 119 ] وَطَبِيعَتِهِ فَتَقْذِفُ بِهِ . الثّامِنُ الْقَرَفُ وَهُوَ مُوجِبُ غَثَيَانِ النّفْسِ وَتَهَوّعِهَا . [ الْأَعْرَاضُ النّفْسَانِيّةُ مِنْ أَسْبَابِ الْقَيْءِ ] التّاسِعُ مِنْ الْأَعْرَاضِ النّفْسَانِيّةِ كَالْهَمّ الشّدِيدِ وَالْغَمّ وَالْحَزَنِ وَغِبّةِ اشْتِغَالِ الطّبِيعَةِ وَالْقُوَى الطّبِيعِيّةِ بِهِ وَاهْتِمَامِهَا بِوُرُودِهِ عَنْ تَدْبِيرِ الْبَدَنِ وَإِصْلَاحِ الْغِذَاءِ وَإِنْضَاجِهِ وَهَضْمِهِ فَتَقْذِفُهُ الْمَعِدَةُ وَقَدْ يَكُونُ لِأَجْلِ تَحَرّكِ الْأَخْلَاطِ عِنْدَ تَخَبّطِ النّفْسِ فَإِنّ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ النّفْسِ وَالْبَدَنِ يَنْفَعِلُ عَنْ صَاحِبِهِ وَيُؤَثّرُ فِي كَيْفِيّتِهِ . الْعَاشِرُ نَقْلُ الطّبِيعَةِ بِأَنْ يَرَى مَنْ يَتَقَيّأُ فَيَغْلِبُهُ هُوَ الْقَيْءُ مِنْ غَيْرِ اسْتِدْعَاءٍ فَإِنّ الطّبِيعَةَ نَقّالَةٌ . [ إخْبَارُ أَحَدِ الْأَطِبّاءِ الْمُصَنّفِ بِقِصّتَيْنِ عَنْ نَقْلِ الْمَرَضِ بِرُؤْيَةِ الْمَرِيضِ ] وَأَخْبَرَنِي بَعْضُ حُذّاقِ الْأَطِبّاءِ قَالَ كَانَ لِي ابْنُ أُخْتٍ حَذَقَ فِي الْكُحْلِ فَجَلَسَ كَحّالًا فَكَانَ إذَا فَتَحَ عَيْنَ الرّجُلِ وَرَأَى الرّمَدَ وَكَحّلَهُ رَمِدَ هُوَ وَتَكَرّرَ ذَلِكَ مِنْهُ فَتَرَكَ الْجُلُوسَ . قُلْتُ لَهُ فَمَا سَبَبُ ذَلِكَ ؟ قَالَ نَقْلُ الطّبِيعَةِ فَإِنّهَا نَقّالَةٌ قَالَ وَأَعْرِفُ آخَرَ كَانَ رَأَى خُرّاجًا فِي مَوْضِعٍ مِنْ جِسْمِ رَجُلٍ يَحُكّهُ فَحَكّ هُوَ ذَلِكَ الْمَوْضِعَ فَخَرَجَتْ فِيهِ خَرّاجَةٌ . قُلْتُ وَكُلّ هَذَا لَا بُدّ فِيهِ مِنْ اسْتِعْدَادِ الطّبِيعَةِ وَتَكُونُ الْمَادّةُ سَاكِنَةً فِيهَا غَيْرَ مُتَحَرّكَةٍ فَتَتَحَرّكُ لِسَبَبٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ فَهَذِهِ أَسْبَابٌ لِتَحَرّكِ الْمَادّةِ لَا أَنّهَا هِيَ الْمُوجِبَةُ لِهَذَا الْعَارِضِ . فَصْلٌ [أَنْفَعُ الْأَمْكِنَةِ وَالْأَزْمِنَةِ لِلْقَيْءِ وَالْإِسْهَالِ ] وَلَمّا كَانَتْ الْأَخْلَاطُ فِي الْبِلَادِ الْحَارّةِ وَالْأَزْمِنَةِ الْحَارّةِ تَرِقّ وَتَنْجَذِبُ إلَى فَوْقٍ كَانَ الْقَيْءُ فِيهَا أَنْفَعَ . وَلَمّا كَانَتْ فِي الْأَزْمِنَةِ الْبَارِدَةِ وَالْبِلَادِ الْبَارِدَةِ تَغْلُظُ وَيَصْعُبُ جَذْبُهَا إلَى فَوْقٍ كَانَ اسْتِفْرَاغُهَا بِالْإِسْهَالِ أَنْفَعَ . [ كَيْفِيّةُ إزَالَةِ الْأَخْلَاطِ وَدَفْعِهَا ] وَإِزَالَةِ الْأَخْلَاطِ وَدَفْعِهَا تَكُونُ بِالْجَذْبِ وَالِاسْتِفْرَاغُ وَالْجَذْبُ يَكُونُ مِنْ أَبْعَدِ الطّرُقِ وَالِاسْتِفْرَاغُ مِنْ أَقْرَبِهَا وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنّ الْمَادّةَ إذَا كَانَتْ عَامِلَةً فِي [ ص 120 ] مُحْتَاجَةٌ إلَى الْجَذْبِ فَإِنْ كَانَتْ مُتَصَاعِدَةً جُذِبَتْ مِنْ أَسْفَلَ وَإِنْ كَانَتْ مُنْصَبّةً جُذِبَتْ مِنْ فَوْقٍ وَأَمّا إذَا اسْتَقَرّتْ فِي مَوْضِعِهَا اسْتَفْرَغَتْ مِنْ أَقْرَبِ الطّرُقِ إلَيْهَا فَمَتَى أَضَرّتْ الْمَادّةُ بِالْأَعْضَاءِ الْعُلْيَا اُجْتُذِبَتْ مِنْ أَسْفَلَ وَمَتَى أَضَرّتْ بِالْأَعْضَاءِ السّفْلَى اُجْتُذِبَتْ مِنْ فَوْقٍ وَمَتَى اسْتَقَرّتْ اسْتَفْرَغَتْ مِنْ أَقْرَبِ مَكَانٍ إلَيْهَا وَلِهَذَا احْتَجَمَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى كَاهِلِهِ تَارَةً وَفِي رَأْسِهِ أُخْرَى وَعَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ تَارَةً فَكَانَ يَسْتَفْرِغُ مَادّةَ الدّمِ الْمُؤْذِي مِنْ أَقْرَبِ مَكَانٍ إلَيْهِ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ [فَوَائِدُ الْقَيْءِ ] وَالْقَيْءُ يُنَقّي الْمَعِدَةَ وَيُقَوّيهَا وَيُحِدّ الْبَصَرَ وَيُزِيلُ ثِقَلَ الرّأْسِ وَيَنْفَعُ قُرُوحَ الْكُلَى وَالْمَثَانَةِ وَالْأَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ كَالْجُذَامِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْفَالِجِ وَالرّعْشَةِ وَيَنْفَعُ الْيَرَقَانَ . [ وَقْتُ الْقَيْءِ ] [ضَرَرُ الْإِكْثَارِ مِنْ الْقَيْءِ ] [ مَنْ يَجِبُ عَلَيْهِ اجْتِنَابُهُ ] وَيَنْبَغِي أَنْ يَسْتَعْمِلَهُ الصّحِيحُ فِي الشّهْرِ مَرّتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ حِفْظِ دَوْرٍ لِيَتَدَارَكَ الثّانِي مَا قَصّرَ عَنْهُ الْأَوّلُ وَيُنَقّي الْفَضَلَاتِ الّتِي انْصَبّتْ بِسَبَبِهِ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ يَضُرّ الْمَعِدَةَ وَيَجْعَلُهَا قَابِلَةً لِلْفُضُولِ وَيَضُرّ بِالْأَسْنَانِ وَالْبَصَرِ وَالسّمْعِ وَرُبّمَا صَدَعَ عِرْقًا وَيَجِبُ أَنْ يَجْتَنِبَهُ مَنْ بِهِ وَرَمٌ فِي الْحَلْقِ أَوْ ضَعْفٌ فِي الصّدْرِ أَوْ دَقِيقَ الرّقَبَةِ أَوْ مُسْتَعِدّ لِنَفْثِ الدّمِ أَوْ عُسْرِ الْإِجَابَةِ لَهُ . [ مَضَارّ الْقَيْءِ بَعْدَ امْتِلَاءِ الْمَعِدَةِ ] وَأَمّا مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِمّنْ يُسِيءُ التّدْبِيرَ وَهُوَ أَنْ يَمْتَلِئَ مِنْ الطّعَامِ ثُمّ يَقْذِفُهُ فَفِيهِ آفَاتٌ عَدِيدَةٌ مِنْهَا : أَنّهُ يُعَجّلُ الْهَرَمَ وَيُوقِعُ فِي أَمْرَاضٍ رَدِيئَةٍ وَيَجْعَلُ الْقَيْءَ لَهُ عَادَةً . وَالْقَيْءُ مَعَ الْيُبُوسَةِ وَضَعْفِ الْأَحْشَاءِ وَهُزَالِ الْمَرَاقّ . أَوْ ضَعْفِ الْمُسْتَقِيءِ خَطَرٌ ... [ ص 121 ] [ أَفْضَلُ أَوْقَاتِهِ وَكَيْفِيّتُهُ ] وَأَحْمَدُ أَوْقَاتِهِ الصّيْفُ وَالرّبِيعُ دُونَ الشّتَاءِ وَالْخَرِيفِ وَيَنْبَغِي عِنْدَ الْقَيْءِ أَنْ يَعْصِبَ الْعَيْنَيْنِ وَيَقْمِطَ الْبَطْنَ وَيَغْسِلُ الْوَجْهَ بِمَاءٍ بَارِدٍ عِنْدَ الْفَرَاغِ وَأَنْ يَشْرَبَ عَقِيبَهُ شَرَابَ التّفّاحِ مَعَ يَسِيرٍ مِنْ مُصْطَكَى وَمَاءُ الْوَرْدِ يَنْفَعُهُ نَفْعًا بَيّنًا . [الْفَرْقُ بَيْنَ الْقَيْءِ وَالِاسْتِفْرَاغِ ] وَالْقَيْءُ يُسْتَفْرَغُ مِنْ أَعْلَى الْمَعِدَةِ وَيُجْذَبُ مِنْ أَسْفَلَ وَالْإِسْهَالُ بِالْعَكْسِ قَالَ أَبِقِرَاطٍ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْرَاغُ فِي الصّيْفِ مِنْ فَوْقٍ أَكْثَرَ مِنْ الِاسْتِفْرَاغِ بِالدّوَاءِ وَفِي الشّتَاءِ مِنْ أَسْفَلَ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْإِرْشَادِ إلَى مُعَالَجَةِ أَحْذَقِ الطّبِيبَيْنِ ذَكَرَ مَالِكٌ فِي " مُوَطّئِهِ " : عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنّ رَجُلًا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصَابَهُ جُرْحٌ فَاحْتَقَنَ الْجُرْحُ الدّمَ وَأَنّ الرّجُلَ دَعَا رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي أَنْمَار ٍ فَنَظَرَا إلَيْهِ فَزَعَمَا أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَهُمَا : " أَيّكُمَا أَطَبّ ؟ فَقَالَ أَوَ فِي الطّبّ خَيْرٌ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ فَقَالَ أَنْزَلَ الدّوَاءَ الّذِي أَنْزَلَ الدّاءَ [ يَنْبَغِي الِاسْتِعَانَةُ فِي كُلّ عِلْمٍ وَصِنَاعَةٍ بِأَحْذَقِ مَنْ فِيهَا فَالْأَحْذَقِ ] فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنّهُ يَنْبَغِي الِاسْتِعَانَةُ فِي كُلّ عِلْمٍ وَصِنَاعَةٍ بِأَحْذَقِ مَنْ فِيهَا فَالْأَحْذَقِ فَإِنّهُ إلَى الْإِصَابَةِ أَقْرَبُ . وَهَكَذَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْتَفْتِي أَنْ يَسْتَعِينَ عَلَى مَا نَزَلَ بِهِ بِالْأَعْلَمِ فَالْأَعْلَمِ لِأَنّهُ أَقْرَبُ إصَابَةً مِمّنْ هُوَ دُونَهُ . وَكَذَلِكَ مَنْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ الْقِبْلَةُ فَإِنّهُ يُقَلّدُ أَعْلَمَ مَنْ يَجِدُهُ وَعَلَى هَذَا فَطَرَ اللّهُ عِبَادَهُ كَمَا أَنّ الْمُسَافِرَ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ إنّمَا سُكُونُ نَفْسِهِ وَطُمَأْنِينَتُهُ إلَى [ ص 122 ] وَقَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْزَلَ الدّوَاءَ الّذِي أَنْزَلَ الدّاءَ قَدْ جَاءَ مِثْلُهُ عَنْهُ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ عَنْ هِلَالِ بْنِ يِسَافٍ قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى مَرِيضٍ يَعُودُهُ فَقَالَ " أَرْسِلُوا إلَى طَبِيبٍ " فَقَالَ قَائِلٌ وَأَنْتَ تَقُولُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ " نَعَمْ إنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ لَمْ يُنْزِلْ دَاءً إلّا أَنْزَلَ لَهُ دَوَاءً وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ مَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنْ دَاءٍ إلّا أَنْزَلَ لَهُ شِفَاءً وَقَدْ تَقَدّمَ هَذَا الْحَدِيثُ وَغَيْرُهُ . [ مَعْنَى أُنْزِلَ الدّاءُ وَالدّوَاءُ ] " وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَى أُنْزِلَ الدّاءُ وَالدّوَاءُ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ إنْزَالُهُ إعْلَامُ الْعِبَادِ بِهِ وَلَيْسَ بِشَيْءٍ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَخْبَرَ بِعُمُومِ الْإِنْزَالِ لِكُلّ دَاءٍ وَدَوَائِهِ وَأَكْثَرُ الْخَلْقِ لَا يَعْلَمُونَ ذَلِكَ وَلِهَذَا قَالَ عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ إنْزَالُهُمَا : خَلْقُهُمَا وَوَضْعُهُمَا فِي الْأَرْضِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ إنّ اللّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إلّا وَضَعَ لَهُ دَوَاءً وَهَذَا وَإِنْ كَانَ أَقْرَبَ مِنْ الّذِي قَبْلَهُ فَلَفْظَةُ الْإِنْزَالِ أَخَصّ مِنْ لَفْظَةِ الْخَلْقِ وَالْوَضْعِ فَلَا يَنْبَغِي إسْقَاطُ خُصُوصِيّةِ اللّفْظَةِ بِلَا مُوجِبٍ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ إنْزَالُهُمَا بِوَاسِطَةِ الْمَلَائِكَةِ الْمُوَكّلِينَ بِمُبَاشَرَةِ الْخَلْقِ مِنْ دَاءٍ وَدَوَاءٍ وَغَيْرِ ذَلِكَ فَإِنّ الْمَلَائِكَةَ مُوَكّلَةٌ بِأَمْرِ هَذَا الْعَالَمِ وَأَمْرِ النّوْعِ الْإِنْسَانِيّ مِنْ حِينِ سُقُوطِهِ فِي رَحِمِ أُمّهِ إلَى حِينِ مَوْتِهِ فَإِنْزَالُ الدّاءِ وَالدّوَاءِ مَعَ الْمَلَائِكَةِ وَهَذَا أَقْرَبُ مِنْ الْوَجْهَيْنِ قَبْلَهُ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ إنّ عَامّةَ الْأَدْوَاءِ وَالْأَدْوِيَةِ هِيَ بِوَاسِطَةِ إنْزَالِ الْغَيْثِ مِنْ السّمَاءِ الّذِي تَتَوَلّدُ بِهِ الْأَغْذِيَةُ وَالْأَقْوَاتُ وَالْأَدْوِيَةُ وَالْأَدْوَاءُ وَآلَاتُ ذَلِكَ كُلّهِ وَأَسْبَابُهُ وَمُكَمّلَاتُهُ وَمَا كَانَ مِنْهَا مِنْ الْمَعَادِنِ الْعُلْوِيّةِ فَهِيَ تَنْزِلُ مِنْ الْجِبَالِ وَمَا [ ص 123 ] كَانَ مِنْهَا مِنْ الْأَوْدِيَةِ وَالْأَنْهَارِ وَالثّمَارِ فَدَاخِلٌ فِي اللّفْظِ عَلَى طَرِيقِ التّغْلِيبِ وَالِاكْتِفَاءِ عَنْ الْفِعْلَيْنِ بِفِعْلٍ وَاحِدٍ يَتَضَمّنهُمَا وَهُوَ مَعْرُوفٌ مِنْ لُغَةِ الْعَرَبِ بَلْ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأُمَمِ كَقَوْلِ الشّاعِرِ عَلَفْتُهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا حَتَى غَدَتْ هَمّالَةً عَيْنَاهَا وَقَوْلِ الْآخَرِ مُتَقَلّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا وَرَأَيْتُ زَوْجَكِ قَدْ غَدَا وَقَوْلِ الْآخَرِ إذَا مَا الْغَانِيَاتُ بَرَزْنَ يَوْمًا وَزَجّجْنَ الْحَوَاجِبَ والعُيونَا وَهَذَا أَحْسَنُ مِمّا قَبْلَهُ مِنْ الْوُجُوهِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . [ كَمَا يَبْتَلِي اللّهُ عِبَادَهُ فَإِنّهُ يُيَسّرُ لَهُمْ مَا يُضَادّهُ ] وَهَذَا مِنْ تَمَامِ حِكْمَةِ الرّبّ عَزّ وَجَلّ وَتَمَامِ رُبُوبِيّتِهِ فَإِنّهُ كَمَا ابْتَلَى عِبَادَهُ بِالْأَدْوَاءِ أَعَانَهُمْ عَلَيْهَا بِمَا يَسّرَهُ لَهُمْ مِنْ الْأَدْوِيَةِ وَكَمَا ابْتَلَاهُمْ بِالذّنُوبِ أَعَانَهُمْ عَلَيْهَا بِالتّوْبَةِ وَالْحَسَنَاتِ الْمَاحِيَةِ وَالْمَصَائِبِ الْمُكَفّرَةِ وَكَمَا ابْتَلَاهُمْ بِالْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ مِنْ الشّيَاطِينِ أَعَانَهُمْ عَلَيْهَا بِجُنْدٍ مِنْ الْأَرْوَاحِ الطّيّبَةِ وَهُمْ الْمَلَائِكَةُ . وَكَمَا ابْتَلَاهُمْ بِالشّهَوَاتِ أَعَانَهُمْ عَلَى قَضَائِهَا بِمَا يَسّرَهُ لَهُمْ شَرْعًا وَقَدَرًا مِنْ الْمُشْتَهَيَاتِ اللّذِيذَةِ النّافِعَةِ فَمَا ابْتَلَاهُمْ سُبْحَانَهُ بِشَيْءٍ إلّا أَعْطَاهُمْ مَا يَسْتَعِينُونَ بِهِ [ ص 124 ] فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي تَضْمِينِ مَنْ طَبّ النّاسَ وَهُوَ جَاهِلٌ بِالطّبّ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالنّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ تَطَبّبَ وَلَمْ يُعْلَمْ مِنْهُ الطّبّ قَبْلَ ذَلِكَ فَهُوَ ضَامِنٌ هَذَا الْحَدِيثُ يَتَعَلّقُ بِهِ ثَلَاثَةُ أُمُورٍ أَمْرٌ لُغَوِيّ وَأَمْرٌ فِقْهِيّ وَأَمْرٌ طِبّيّ . [مَعْنَى الطّبّ لُغَةً ] فَأَمّا اللّغَوِيّ فَالطّبّ بِكَسْرِ الطّاءِ فِي لُغَةِ الْعَرَبِ يُقَالُ عَلَى مَعَانٍ . مِنْهَا الْإِصْلَاحُ يُقَالُ طَبّبْتُهُ إذَا أَصْلَحْته . وَيُقَالُ لَهُ طِبّ بِالْأُمُورِ . أَيْ لُطْفٌ وَسِيَاسَةٌ . قَالَ الشّاعِرُ وَإِذَا تَغَيّرَ مِنْ تَمِيمٍ أَمْرُهَا كُنْت الطّبِيبَ لَهَا بِرَأْيٍ ثَاقِبٍ وَمِنْهَا : الْحِذْقُ . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : كُلّ حَاذِقٍ طَبِيبٌ عِنْدَ الْعَرَبِ قَالَ أَبُو عَبِيدٍ : أَصْلُ الطّبّ : الْحِذْقُ بِالْأَشْيَاءِ وَالْمَهَارَةُ بِهَا . يُقَالُ لِلرّجُلِ طِبّ وَطَبِيبٌ إذَا كَانَ كَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ فِي غَيْرِ عِلَاجِ الْمَرِيضِ . وَقَالَ غَيْرُهُ رَجُلٌ طَبِيبٌ أَيْ حَاذِقٌ سُمّيَ طَبِيبًا لِحِذْقِهِ وَفِطْنَتِهِ . قَالَ عَلْقَمَةُ فَإِنْ تَسْأَلُونِي بِالنّسَاءِ فَإِنّنِي خَبِيرٌ بأْدْوَاءِ النّسَاءِ طَبِيبٌ إذَا شَابَ رَأْسُ الْمَرْءِ أَوْ قَلّ مَالُهُ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ وُدّهِنّ نَصِيبُ [ ص 125 ] وَقَالَ عَنْتَرَةُ : إنْ تُغْدِ فِي دُونِي الْقِنَاعَ فَإنّني طِبّ بِأَخْذِ الْفَارِسِ الْمُسْتَلْئِمِ أَيْ إنْ تُرْخِي عَنّي قِنَاعَك وَتَسْتُرِي وَجْهَك رَغْبَةً عَنّي فَإِنّي خَبِيرٌ حَاذِقٌ بِأَخْذِ الْفَارِسِ الّذِي قَدْ لَبِسَ لَأْمَةَ حَرْبِهِ . وَمِنْهَا : الْعَادَةُ يُقَالُ لَيْسَ ذَاكَ بِطِبّي أَيْ عَادَتِي قَالَ فَرْوَةُ بْنُ مُسَيْكٍ : [ ص 126 ] فَمَا إنْ طِبّنَا جُبْنٌ وَلَكِنْ مَنَايَانَا وَدَوْلَةُ آخَرِينَا وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْمُتَنَبّي : وَمَا التّيهُ طِبّي فِيهِمْ غَيْرَ أَنّنِي بَغِيضٌ إلَيّ الْجَاهِلُ الْمُتَعَاقِلُ وَمِنْهَا : السّحْرُ يُقَالُ رَجُلٌ مَطْبُوبٌ أَيْ مَسْحُورٌ وَفِي " الصّحِيحِ " فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ لَمّا سَحَرَتْ يَهُودُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَجَلَسَ الْمَلَكَانِ عِنْدَ رَأْسِهِ وَعِنْدَ رِجْلَيْهِ فَقَالَ أَحَدُهُمَا : مَا بَالُ الرّجُلِ ؟ قَالَ الْآخَرُ مَطْبُوبٌ . قَالَ مَنْ طَبّهُ ؟ قَالَ فُلَانٌ الْيَهُودِيّ . قَالَ أَبُو عَبِيدٍ : إنّمَا قَالُوا لِلْمَسْحُورِ مَطْبُوبٌ لِأَنّهُمْ كَنّوْا بِالطّبّ عَنْ السّحْرِ كَمَا كَنّوْا عَنْ اللّدِيغِ فَقَالُوا : سَلِيمٌ تَفَاؤُلًا بِالسّلَامَةِ وَكَمَا كَنّوْا بِالْمَفَازَةِ عَنْ الْفَلَاةِ الْمُهْلِكَةِ الّتِي لَا مَاءَ فِيهَا فَقَالُوا : مَفَازَةً تَفَاؤُلًا بِالْفَوْزِ مِنْ الْهَلَاكِ . وَيُقَالُ الطّبّ لِنَفْسِ الدّاءِ . قَالَ ابْنُ أَبِي الْأَسْلَتِ : أَلَا مَنْ مُبْلِغٌ حَسّا نَ عَنّي أَسِحْرٌ كَانَ طِبّكَ أَمْ جُنُونٌ وَأَمّا قَوْلُ الْحَمَاسِيّ : فَإِنْ كُنْتَ مَطْبُوبًا فَلَا زِلْتَ هَكَذَا وَإِنْ كُنْتَ مَسْحُورًا فَلَا بَرِئَ السّحْرُ [ ص 127 ] أَرَادَ بِالْمَطْبُوبِ الّذِي قَدْ سُحِرَ وَأَرَادَ بِالْمَسْحُورِ الْعَلِيلُ بِالْمَرَضِ . قَالَ الْجَوْهَرِيّ : وَيُقَالُ لِلْعَلِيلِ مَسْحُورٌ . وَأَنْشَدَ الْبَيْتَ . وَمَعْنَاهُ إنْ كَانَ هَذَا الّذِي قَدْ عَرَانِي مِنْك وَمِنْ حُبّك أَسْأَلُ اللّهَ دَوَامَهُ وَلَا أُرِيدُ زَوَالَهُ سَوَاءٌ كَانَ سِحْرًا أَوْ مَرَضًا . وَالطّبّ : مُثَلّثُ الطّاءِ فَالْمَفْتُوحُ الطّاءِ هُوَ الْعَالِمُ بِالْأُمُورِ وَكَذَلِكَ الطّبِيبُ يُقَالُ لَهُ طِبّ أَيْضًا . وَالطّبّ : بِكَسْرِ الطّاءِ فِعْلُ الطّبِيبِ وَالطّبّ بِضَمّ الطّاءِ اسْمُ مَوْضِعٍ قَالَهُ ابْنُ السّيّدِ وَأَنْشَدَ فَقُلْتُ هَلْ انْهَلْتُمْ بِطُبّ رِكَابِكُمْ بِجَائِزَةِ الْمَاءِ الّتِي طَابَ طِينُهَا وَقَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ تَطَبّبَ وَلَمْ يَقُلْ مَنْ طُبّ لِأَنّ لَفْظَ التّفَعّلِ يَدُلّ عَلَى تَكَلّفِ الشّيْءِ وَالدّخُولِ فِيهِ بِعُسْرٍ وَكُلْفَةٍ وَأَنّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ كَتَحَلّمَ وَتَشَجّعَ وَتَصَبّرَ وَنَظَائِرِهَا وَكَذَلِكَ بَنَوْا تَكَلّفَ عَلَى هَذَا الْوَزْنِ قَالَ الشّاعِرُ وَقَيْسُ عَيْلانَ وَمَنْ تَقَيّسَا [إيجَابُ الضّمَانِ عَلَى الطّبِيبِ الْجَاهِلِ ] وَأَمّا الْأَمْرُ الشّرْعِيّ فَإِيجَابُ الضّمَانِ عَلَى الطّبِيبِ الْجَاهِلِ فَإِذَا تَعَاطَى عِلْمَ الطّبّ وَعَمَلَهُ وَلَمْ يَتَقَدّمْ لَهُ بِهِ مَعْرِفَةٌ فَقَدْ هَجَمَ بِجَهْلِهِ عَلَى إتْلَافِ الْأَنْفُسِ وَأَقْدَمَ بِالتّهَوّرِ عَلَى مَا لَمْ يَعْلَمْهُ فَيَكُونُ قَدْ غَرّرَ بِالْعَلِيلِ فَيَلْزَمُهُ الضّمَانُ لِذَلِكَ [ ص 128 ] قَالَ الْخَطّابِي : لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي أَنّ الْمُعَالِجَ إذَا تَعَدّى فَتَلِفَ الْمَرِيضُ كَانَ ضَامِنًا وَالْمُتَعَاطِي عِلْمًا أَوْ عَمَلًا لَا يَعْرِفُهُ مُتَعَدّ فَإِذَا تَوَلّدَ مِنْ فِعْلِهِ التّلَفُ ضِمْنَ الدّيَةَ وَسَقَطَ عَنْهُ الْقَوَدُ لِأَنّهُ لَا يَسْتَبِدّ بِذَلِكَ بِدُونِ إذْنِ الْمَرِيضِ وَجِنَايَةُ الْمُتَطَبّبِ فِي قَوْلِ عَامّةِ الْفُقَهَاءِ عَلَى عَاقِلَتِهِ . [ أَقْسَامُ الْأَطِبّاءِ مِنْ جِهَةِ إتْلَافِ الْأَعْضَاءِ وَذِكْرُ الْقِسْمِ الْأَوّلِ ] قُلْت : الْأَقْسَامُ خَمْسَةٌ أَحَدُهَا : طَبِيبٌ حَاذِقٌ أَعْطَى الصّنْعَةَ حَقّهَا وَلَمْ تَجْنِ يَدُهُ فَتَوَلّدَ مِنْ فِعْلِهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الشّارِعِ وَمِنْ جِهَةِ مَنْ يَطِبّهُ تَلَفُ الْعُضْوِ أَوْ النّفْسِ أَوْ ذَهَابُ صِفَةٍ فَهَذَا لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ اتّفَاقًا فَإِنّهَا سِرَايَةُ مَأْذُونٍ فِيهِ وَهَذَا كَمَا إذَا خَتَنَ الصّبِيّ فِي وَقْتٍ وَسِنّهُ قَابِلٌ لِلْخِتَانِ وَأَعْطَى الصّنْعَةَ حَقّهَا فَتَلِفَ الْعُضْوُ أَوْ الصّبِيّ لَمْ يَضْمَنْ وَكَذَلِكَ إذَا بَطّ مِنْ عَاقِلٍ أَوْ غَيْرِهِ مَا يَنْبَغِي بَطّهُ فِي وَقْتِهِ عَلَى الْوَجْهِ الّذِي يَنْبَغِي فَتَلِفَ بِهِ لَمْ يَضْمَنْ وَهَكَذَا سِرَايَةُ كُلّ مَأْذُونٍ فِيهِ لَمْ يَتَعَدّ الْفَاعِلُ فِي سَبَبِهَا كَسِرَايَةِ الْحَدّ بِالِاتّفَاقِ . وَسِرَايَةِ الْقِصَاصِ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَة َ فِي إيجَابِهِ الضّمَانَ بِهَا وَسِرَايَةِ التّعْزِيرِ وَضَرْبِ الرّجُلِ امْرَأَتَهُ وَالْمُعَلّمِ الصّبِيّ وَالْمُسْتَأْجِرِ الدّابّةَ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشّافِعِيّ فِي إيجَابِهِمَا الضّمَانَ فِي ذَلِكَ وَاسْتَثْنَى الشّافِعِيّ ضَرْبَ الدّابّةِ . وَقَاعِدَةُ الْبَابِ إجْمَاعًا وَنِزَاعًا : أَنّ سِرَايَةَ الْجِنَايَةِ مَضْمُونَةٌ بِالِاتّفَاقِ وَسِرَايَةُ الْوَاجِبِ مُهْدَرَةٌ بِالِاتّفَاقِ وَمَا بَيْنَهُمَا فَفِيهِ النّزَاعُ . فَأَبُو حَنِيفَةَ أَوْجَبَ ضَمَانَهُ مُطْلَقًا وَأَحْمَدُ وَمَالِكٌ أَهْدَرَا ضَمَانَهُ وَفَرّقَ الشّافِعِيّ بَيْنَ الْمُقَدّرِ فَأَهْدَرَ ضَمَانَهُ وَبَيْنَ غَيْرِ الْمُقَدّرِ فَأَوْجَبَ ضَمَانَهُ . فَأَبُو حَنِيفَةَ نَظَرَ إلَى أَنّ الْإِذْنَ فِي الْفِعْلِ إنّمَا وَقَعَ مَشْرُوطًا بِالسّلَامَةِ وَأَحْمَدُ وَمَالِكٌ نَظَرَا إلَى أَنّ الْإِذْنَ أَسْقَطَ الضّمَانَ وَالشّافِعِيّ نَظَرَ إلَى أَنّ الْمُقَدّرَ لَا يُمْكِنُ النّقْصَانُ مِنْهُ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ النّصّ وَأَمّا غَيْرُ الْمُقَدّرِ كَالتّعْزِيرَاتِ وَالتّأْدِيبَاتِ فَاجْتِهَادِيّةٌ فَإِذَا تَلِفَ بِهَا ضَمِنَ لِأَنّهُ فِي مَظِنّةِ الْعُدْوَانِ . [ ص 129 ] فَصْلٌ [ الْقِسْمُ الثّانِي ] الْقِسْمُ الثّانِي : مُطَبّبٌ جَاهِلٌ بَاشَرَتْ يَدُهُ مَنْ يَطِبّهُ فَتَلِفَ بِهِ فَهَذَا إنْ عَلِمَ الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ أَنّهُ جَاهِلٌ لَا عِلْمَ لَهُ وَأَذِنَ لَهُ فِي طِبّهِ لَمْ يَضْمَنْ وَلَا تُخَالِفُ هَذِهِ الصّورَةُ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ فَإِنّ السّيَاقَ وَقُوّةَ الْكَلَامِ يَدُلّ عَلَى أَنّهُ غَرّ الْعَلِيلَ وَأَوْهَمَهُ أَنّهُ طَبِيبٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنْ ظَنّ الْمَرِيضُ أَنّهُ طَبِيبٌ وَأَذِنَ لَهُ فِي طِبّهِ لِأَجْلِ مَعْرِفَتِهِ ضَمِنَ الطّبِيبُ مَا جَنَتْ يَدُهُ وَكَذَلِكَ إنْ وَصَفَ لَهُ دَوَاءً يَسْتَعْمِلُهُ وَالْعَلِيلُ يَظُنّ أَنّهُ وَصَفَهُ لِمَعْرِفَتِهِ وَحِذْقِهِ فَتَلِفَ بِهِ ضَمِنَهُ وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِيهِ أَوْ صَرِيحٌ . فَصْلٌ [ الْقِسْمُ الثّالِثُ ] الْقِسْمُ الثّالِثُ طَبِيبٌ حَاذِقٌ أَذِنَ لَهُ وَأَعْطَى الصّنْعَةَ حَقّهَا لَكِنّهُ أَخْطَأَتْ يَدُهُ وَتَعَدّتْ إلَى عُضْوٍ صَحِيحٍ فَأَتْلَفَهُ مِثْلَ أَنْ سَبَقَتْ يَدُ الْخَاتِنِ إلَى الْكَمَرَةِ فَهَذَا يَضْمَنُ لِأَنّهَا جِنَايَةُ خَطَأٍ ثُمّ إنْ كَانَتْ الثّلُثَ فَمَا زَادَ فَهُوَ عَلَى عَاقِلَتِهِ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ عَاقِلَةٌ فَهَلْ تَكُونُ الدّيَةُ فِي مَالِهِ أَوْ فِي بَيْتِ الْمَالِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ . وَقِيلَ إنْ كَانَ الطّبِيبُ ذِمّيّا فَفِي مَالِهِ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا فَفِيهِ الرّوَايَتَانِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْتُ مَالٍ أَوْ تَعَذّرَ تَحْمِيلُهُ فَهَلْ تَسْقُطُ الدّيَةُ أَوْ تَجِبُ فِي مَالِ الْجَانِي ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَشْهُرُهُمَا : سُقُوطُهَا . فَصْلٌ [الْقِسْمُ الرّابِعُ ] الْقِسْمُ الرّابِعُ الطّبِيبُ الْحَاذِقُ الْمَاهِرُ بِصَنَاعَتِهِ اجْتَهَدَ فَوَصَفَ لِلْمَرِيضِ دَوَاءً فَأَخْطَأَ فِي اجْتِهَادِهِ فَقَتَلَهُ فَهَذَا يُخَرّجُ عَلَى رِوَايَتَيْنِ إحْدَاهُمَا : أَنّ دِيَةَ الْمَرِيضِ فِي بَيْتِ الْمَالِ . وَالثّانِيَةُ أَنّهَا عَلَى عَاقِلَةِ الطّبِيبِ وَقَدْ نَصّ عَلَيْهِمَا الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي خَطَأِ الْإِمَامِ وَالْحَاكِمِ . [ ص 130 ] فصل [ الْقِسْمُ الْخَامِسُ ] الْقِسْمُ الْخَامِسُ طَبِيبٌ حَاذِقٌ أَعْطَى الصّنْعَةَ حَقّهَا فَقَطَعَ سِلْعَةً مِنْ رَجُلٍ أَوْ صَبِيّ أَوْ مَجْنُونٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ أَوْ إذْنِ وَلِيّهِ أَوْ خَتَنَ صَبِيّا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيّهِ فَتَلِفَ فَقَالَ أَصْحَابُنَا : يَضْمَنُ لِأَنّهُ تَوَلّدَ مِنْ فِعْلٍ غَيْرِ مَأْذُونٍ فِيهِ وَإِنْ أَذِنَ لَهُ الْبَالِغُ أَوْ وَلِيّ الصّبِيّ وَالْمَجْنُونِ لَمْ يَضْمَنْ وَيَحْتَمِلُ أَنْ لَا يَضْمَنَ مُطْلَقًا لِأَنّهُ مُحْسِنٌ وَمَا عَلَى الْمُحْسِنِينَ مِنْ سَبِيلٍ . وَأَيْضًا فَإِنّهُ إنْ كَانَ مُتَعَدّيًا فَلَا أَثَرَ لِإِذْنِ الْوَلِيّ فِي إسْقَاطِ الضّمَانِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَعَدّيًا فَلَا وَجْهَ لِضَمَانِهِ . فَإِنْ قُلْت : هُوَ مُتَعَدّ عِنْدَ عَدَمِ الْإِذْنِ غَيْرُ مُتَعَدّ عِنْدَ الْإِذْنِ قُلْت : الْعُدْوَانُ وَعَدَمُهُ إنّمَا يَرْجِعُ إلَى فِعْلِهِ هُوَ فَلَا أَثَرَ لِلْإِذْنِ وَعَدَمِهِ فِيهِ وَهَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ . فَصْلٌ أَقْسَامُ الْأَطِبّاءِ الْمَذْكُورَةُ سَابِقًا تَتَنَاوَلُ الطّبّ عَمَلًا أَوْ قَوْلًا إنْسَانًا أَوْ حَيَوَانًا وَاسْمَ كُلّ مِنْهُمْ وَالطّبِيبُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ يَتَنَاوَلُ مَنْ يَطِبّ بِوَصْفِهِ وَقَوْلِهِ وَهُوَ الّذِي يُخَصّ بِاسْمِ الطّبَائِعِيّ وَبِمِرْوَدِهِ وَهُوَ الْكَحّالُ وَبِمِبْضَعِهِ وَمَرَاهِمِهِ وَهُوَ الْجَرَائِحِيّ وَبِمُوسَاهُ وَهُوَ الْخَاتِنُ وَبِرِيشَتِهِ وَهُوَ الْفَاصِدُ وَبِمَحَاجِمِهِ وَمِشْرَطِهِ وَهُوَ الْحَجّامُ وَبِخَلْعِهِ وَوَصْلِهِ وَرِبَاطِهِ وَهُوَ الْمُجَبّرُ وَبِمِكْوَاتِهِ وَنَارِهِ وَهُوَ الْكَوّاءُ وَبِقِرْبَتِهِ وَهُوَ الْحَاقِنُ وَسَوَاءٌ كَانَ طِبّهُ لِحَيَوَانٍ بَهِيمٍ أَوْ إنْسَانٍ فَاسْمُ الطّبِيبِ يُطْلَقُ لُغَةً عَلَى هَؤُلَاءِ كُلّهِمْ كَمَا تَقَدّمَ وَتَخْصِيصُ النّاسِ لَهُ بِبَعْضِ أَنْوَاعِ الْأَطِبّاءِ عُرْفٌ حَادِثٌ كَتَخْصِيصِ لَفْظِ الدّابّةِ بِمَا يَخُصّهَا بِهِ كُلّ قَوْمٍ . فَصْلٌ [ مَا يُرَاعِيهِ الطّبِيبُ الْحَاذِقُ مِنْ الْأُمُورِ ] وَالطّبِيبُ الْحَاذِقُ هُوَ الّذِي يُرَاعِي فِي عِلَاجِهِ عِشْرِينَ أَمْرًا : أَحَدُهَا : النّظَرُ فِي نَوْعِ الْمَرَضِ مِنْ أَيّ الْأَمْرَاضِ هُوَ ؟ [ ص 131 ] الثّانِي : النّظَرُ فِي سَبَبِهِ مِنْ أَيّ شَيْءٍ حَدَثَ وَالْعِلّةُ الْفَاعِلَةُ الّتِي كَانَتْ سَبَبَ حُدُوثِهِ مَا هِيَ ؟ . الثّالِثُ قُوّةُ الْمَرِيضِ وَهَلْ هِيَ مُقَاوِمَةٌ لِلْمَرَضِ أَوْ أَضْعَفُ مِنْهُ ؟ فَإِنْ كَانَتْ مُقَاوِمَةً لِلْمَرَضِ مُسْتَظْهِرَةً عَلَيْهِ تَرَكَهَا وَالْمَرَضَ وَلَمْ يُحَرّكْ بِالدّوَاءِ سَاكِنًا . الرّابِعُ مِزَاجُ الْبَدَنِ الطّبِيعِيّ مَا هُوَ ؟ الْخَامِسُ الْمِزَاجُ الْحَادِثُ عَلَى غَيْرِ الْمُجْرَى الطّبِيعِيّ . السّادِسُ سِنّ الْمَرِيضِ . السّابِعُ عَادَتُهُ . الثّامِنُ الْوَقْتُ الْحَاضِرُ مِنْ فُصُولِ السّنَةِ وَمَا يَلِيقُ بِهِ . التّاسِعُ بَلَدُ الْمَرِيضِ وَتُرْبَتُهُ . الْعَاشِرُ حَالُ الْهَوَاءِ فِي وَقْتِ الْمَرَضِ . الْحَادِيَ عَشَرَ النّظَرُ فِي الدّوَاءِ الْمُضَادّ لِتِلْكَ الْعِلّةِ . الثّانِيَ عَشَرَ النّظَرُ فِي قُوّةِ الدّوَاءِ وَدَرَجَتِهِ وَالْمُوَازَنَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ قُوّةِ الْمَرِيضِ . [ أَنْ يَكُونَ قَصْدُهُ إزَالَةَ الْعِلّةِ عَلَى وَجْهٍ يَأْمَنُ مَعَهُ حُدُوثَ أَصْعَبِ مِنْهَا ] الثّالِثَ عَشَرَ أَلّا يَكُونَ كُلّ قَصْدِهِ إزَالَةَ تِلْكَ الْعِلّةِ فَقَطْ بَلْ إزَالَتُهَا عَلَى وَجْهٍ يَأْمَنُ مَعَهُ حُدُوثَ أَصْعَبِ مِنْهَا فَمَتَى كَانَ إزَالَتُهَا لَا يَأْمَنُ مَعَهَا حُدُوثَ عِلّةٍ أُخْرَى أَصْعَبَ مِنْهَا أَبْقَاهَا عَلَى حَالِهَا وَتَلْطِيفِهَا هُوَ الْوَاجِبُ وَهَذَا كَمَرَضِ أَفْوَاهِ الْعُرُوقِ فَإِنّهُ مَتَى عُولِجَ بِقَطْعِهِ وَحَبْسِهِ خِيفَ حُدُوثُ مَا هُوَ أَصْعَبُ مِنْهُ . [ أَنْ يُعَالِجَ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ ] الرّابِعَ عَشَرَ أَنْ يُعَالِجَ بِالْأَسْهَلِ فَالْأَسْهَلِ فَلَا يَنْتَقِلُ مَنْ الْعِلَاجِ بِالْغِذَاءِ إلَى الدّوَاءِ إلّا عِنْدَ تَعَذّرِهِ وَلَا يَنْتَقِلُ إلَى الدّوَاءِ الْمُرَكّبِ إلّا عِنْدَ تَعَذّرِ الدّوَاءِ الْبَسِيطِ فَمِنْ حِذْقِ الطّبِيبِ عِلَاجُهُ بِالْأَغْذِيَةِ بَدَلَ الْأَدْوِيَةِ وَبِالْأَدْوِيَةِ الْبَسِيطَةِ بَدَلَ الْمُرَكّبَةِ . الْخَامِسَ عَشَرَ أَنْ يَنْظُرَ فِي الْعِلّةِ هَلْ هِيَ مِمّا يُمْكِنُ عِلَاجُهَا أَوْ لَا ؟ فَإِنْ [ ص 132 ] يُفِيدُ شَيْئًا . وَإِنْ أَمْكَنَ عِلَاجُهَا نَظَرَ هَلْ يُمْكِنُ زَوَالُهَا أَمْ لَا ؟ فَإِنْ عَلِمَ أَنّهُ لَا يُمْكِنُ زَوَالُهَا نَظَرَ هَلْ يُمْكِنُ تَخْفِيفُهَا وَتَقْلِيلُهَا أَمْ لَا ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ تَقْلِيلُهَا وَرَأَى أَنّ غَايَةَ الْإِمْكَانِ إيقَافُهَا وَقَطْعُ زِيَادَتِهَا قَصَدَ بِالْعِلَاجِ ذَلِكَ وَأَعَانَ الْقُوّةَ وَأَضْعَفَ الْمَادّةَ . السّادِسَ عَشَرَ أَلّا يَتَعَرّضَ لِلْخَلْطِ قَبْلَ نُضْجِهِ بِاسْتِفْرَاغٍ بَلْ يَقْصِدُ إنْضَاجَهُ فَإِذَا تَمّ نُضْجُهُ بَادَرَ إلَى اسْتِفْرَاغِهِ . [ أَنْ يَكُونَ لَهُ خِبْرَةٌ بِاعْتِلَالِ الْقُلُوبِ ] السّابِعَ عَشَرَ أَنْ يَكُونَ لَهُ خِبْرَةٌ بِاعْتِلَالِ الْقُلُوبِ وَالْأَرْوَاحِ وَأَدْوِيَتِهَا وَذَلِكَ أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي عِلَاجِ الْأَبْدَانِ فَإِنّ انْفِعَالَ الْبَدَنِ وَطَبِيعَتَهُ عَنْ النّفْسِ وَالْقَلْبِ أَمْرٌ مَشْهُودٌ وَالطّبِيبُ إذَا كَانَ عَارِفًا بِأَمْرَاضِ الْقَلْبِ وَالرّوحِ وَعِلَاجِهِمَا كَانَ هُوَ الطّبِيبَ الْكَامِلَ وَاَلّذِي لَا خِبْرَةَ لَهُ بِذَلِكَ وَإِنْ كَانَ حَاذِقًا فِي عِلَاجِ الطّبِيعَةِ وَأَحْوَالِ الْبَدَنِ نِصْفُ طَبِيبٍ . وَكُلّ طَبِيبٍ لَا يُدَاوِي الْعَلِيلَ بِتَفَقّدِ قَلْبِهِ وَصَلَاحِهِ وَتَقْوِيَةِ رُوحِهِ وَقُوَاهُ بِالصّدَقَةِ وَفِعْلِ الْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللّهِ وَالدّارِ الْآخِرَةِ فَلَيْسَ بِطَبِيبٍ بَلْ مُتَطَبّبٌ قَاصِرٌ . وَمِنْ أَعْظَمِ عِلَاجَاتِ الْمَرَضِ فِعْلُ الْخَيْرِ وَالْإِحْسَانِ وَالذّكْرُ وَالدّعَاءُ وَالتّضَرّعُ وَالِابْتِهَالُ إلَى اللّهِ وَالتّوْبَةُ وَلِهَذِهِ الْأُمُورِ تَأْثِيرٌ فِي دَفْعِ الْعِلَلِ وَحُصُولِ الشّفَاءِ أَعْظَمُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الطّبِيعِيّةِ وَلَكِنْ بِحَسَبِ اسْتِعْدَادِ النّفْسِ وَقَبُولِهَا وَعَقِيدَتِهَا فِي ذَلِكَ وَنَفْعِهِ . الثّامِنَ عَشَرَ التّلَطّفُ بِالْمَرِيضِ وَالرّفْقُ بِهِ كَالتّلَطّفِ بِالصّبِيّ . التّاسِعَ عَشَرَ أَنْ يَسْتَعْمِلَ أَنْوَاعَ الْعِلَاجَاتِ الطّبِيعِيّةِ وَالْإِلَهِيّةِ وَالْعِلَاجَ بِالتّخْيِيلِ فَإِنّ لِحُذّاقِ الْأَطِبّاءِ فِي التّخْيِيلِ أُمُورًا عَجِيبَةً لَا يَصِلُ إلَيْهَا الدّوَاءُ فَالطّبِيبُ الْحَاذِقُ يَسْتَعِينُ عَلَى الْمَرَضِ بِكُلّ مُعِينٍ . الْعِشْرُونَ - وَهُوَ مِلَاكُ أَمْرِ الطّبِيبِ - أَنْ يَجْعَلَ عِلَاجَهُ وَتَدْبِيرَهُ دَائِرًا عَلَى سِتّةِ أَرْكَانٍ حِفْظُ الصّحّةِ الْمَوْجُودَةِ وَرَدّ الصّحّةِ الْمَفْقُودَةِ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ [ ص 133 ] أَدْنَى الْمَفْسَدَتَيْنِ لِإِزَالَةِ أَعْظَمِهِمَا وَتَفْوِيتِ أَدْنَى الْمَصْلَحَتَيْنِ لِتَحْصِيلِ أَعْظَمِهِمَا فَعَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ السّتّةِ مَدَارُ الْعِلَاجِ وَكُلّ طَبِيبٍ لَا تَكُونُ هَذِهِ أَخِيّتَهُ الّتِي يَرْجِعُ إلَيْهَا فَلَيْسَ بِطَبِيبٍ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ [مُرَاعَاةُ الطّبِيبِ لِأَحْوَالِ الْمَرَضِ ] وَلَمّا كَانَ لِلْمَرَضِ أَرْبَعَةُ أَحْوَالٍ ابْتِدَاءٌ وَصُعُودٌ وَانْتِهَاءٌ وَانْحِطَاطٌ تَعَيّنَ عَلَى الطّبِيبِ مُرَاعَاةُ كُلّ حَالٍ مِنْ أَحْوَالِ الْمَرَضِ بِمَا يُنَاسِبُهَا وَيَلِيقُ بِهَا وَيَسْتَعْمِلُ فِي كُلّ حَالٍ مَا يَجِبُ اسْتِعْمَالُهُ فِيهَا . فَإِذَا رَأَى فِي ابْتِدَاءِ الْمَرَضِ أَنّ الطّبِيعَةَ مُحْتَاجَةٌ إلَى مَا يُحَرّكُ الْفَضَلَاتِ وَيَسْتَفْرِغُهَا لِنُضْجِهَا بَادَرَ إلَيْهِ فَإِنْ فَاتَهُ تَحْرِيكُ الطّبِيعَةِ فِي ابْتِدَاءِ الْمَرَضِ لِعَائِقٍ مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ أَوْ لِضَعْفِ الْقُوّةِ وَعَدَمِ احْتِمَالِهَا لِلِاسْتِفْرَاغِ أَوْ لِبُرُودَةِ الْفَصْلِ أَوْ لِتَفْرِيطٍ وَقَعَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَحْذَرَ كُلّ الْحَذَرِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ فِي صُعُودِ الْمَرَضِ لِأَنّهُ إنْ فَعَلَهُ تَحَيّرَتْ الطّبِيعَةُ لِاشْتِغَالِهَا بِالدّوَاءِ وَتَخَلّتْ عَنْ تَدْبِيرِ الْمَرَضِ وَمُقَاوَمَتِهِ بِالْكُلّيّةِ وَمِثَالُهُ أَنْ يَجِيءَ إلَى فَارِسٍ مَشْغُولٍ بِمُوَاقَعَةِ عَدُوّهِ فَيَشْغَلُهُ عَنْهُ بِأَمْرٍ آخَرَ وَلَكِنّ الْوَاجِبَ فِي هَذِهِ الْحَالِ أَنْ يُعِينَ الطّبِيعَةَ عَلَى حِفْظِ الْقُوّةِ مَا أَمْكَنَهُ . فَإِذَا انْتَهَى الْمَرَضُ وَوَقَفَ وَسَكَنَ أَخَذَ فِي اسْتِفْرَاغِهِ وَاسْتِئْصَالِ أَسْبَابِهِ فَإِذَا أَخَذَ فِي الِانْحِطَاطِ كَانَ أَوْلَى بِذَلِكَ . وَمِثَالُ هَذَا مِثَالُ الْعَدُوّ إذَا انْتَهَتْ قُوّتُهُ وَفَرَغَ سِلَاحُهُ كَانَ أَخْذُهُ سَهْلًا فَإِذَا وَلّى وَأَخَذَ فِي الْهَرَبِ كَانَ أَسْهَلَ أَخْذًا وَحِدّتُهُ وَشَوْكَتُهُ إنّمَا هِيَ فِي ابْتِدَائِهِ وَحَالِ اسْتِفْرَاغِهِ وَسِعَةِ قُوّتِهِ فَهَكَذَا الدّاءُ وَالدّوَاءُ سَوَاءٌ . فَصْلٌ [ مِنْ حِذْقِ الطّبِيبِ التّدْبِيرُ بِالْأَسْهَلِ ] وَمِنْ حِذْقِ الطّبِيبِ أَنّهُ حَيْثُ أَمْكَنَ التّدْبِيرُ بِالْأَسْهَلِ فَلَا يَعْدِلُ إلَى [ ص 134 ] يَخَافَ فَوْتَ الْقُوّةِ حِينَئِذٍ فَيَجِبُ أَنْ يَبْتَدِئَ بِالْأَقْوَى وَلَا يُقِيمَ فِي الْمُعَالَجَةِ عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ فَتَأْلَفُهَا الطّبِيعَةُ وَيَقِلّ انْفِعَالُهَا عَنْهُ وَلَا تَجْسُرُ عَلَى الْأَدْوِيَةِ الْقَوِيّةِ فِي الْفُصُولِ الْقَوِيّةِ وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّهُ إذَا أَمْكَنَهُ الْعِلَاجُ بِالْغِذَاءِ فَلَا يُعَالِجُ بِالدّوَاءِ وَإِذَا أَشْكَلَ عَلَيْهِ الْمَرَضُ أَحَارّ هُوَ أَمْ بَارِدٌ ؟ فَلَا يُقْدِمُ حَتّى يَتَبَيّنَ لَهُ وَلَا يُجَرّبُهُ بِمَا يَخَافُ عَاقِبَتَهُ وَلَا بَأْسَ بِتَجْرِبَتِهِ بِمَا لَا يَضُرّ أَثَرُهُ . [مَا يَفْعَلُهُ الطّبِيبُ إذَا اجْتَمَعَتْ أَمْرَاضٌ ] وَإِذَا اجْتَمَعَتْ أَمْرَاضٌ بَدَأَ بِمَا تَخُصّهُ وَاحِدَةٌ مِنْ ثَلَاثِ خِصَالٍ إحْدَاهَا : أَنْ يَكُونَ بُرْءُ الْآخَرِ مَوْقُوفًا عَلَى بُرْئِهِ كَالْوَرَمِ وَالْقُرْحَةِ فَإِنّهُ يَبْدَأُ بِالْوَرَمِ . الثّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهَا سَبَبًا لِلْآخَرِ كَالسّدّةِ وَالْحُمّى الْعَفِنَةِ فَإِنّهُ يَبْدَأُ بِإِزَالَةِ السّبَبِ . الثّالِثَةُ أَنْ يَكُونَ أَحَدُهُمَا أَهَمّ مِنْ الْآخَرِ كَالْحَادّ وَالْمُزْمِنِ فَيَبْدَأُ بِالْحَادّ وَمَعَ هَذَا فَلَا يَغْفُلُ عَنْ الْآخَرِ . وَإِذَا اجْتَمَعَ الْمَرَضُ وَالْعَرَضُ بَدَأَ بِالْمَرَضِ إلّا أَنْ يَكُونَ الْعَرْضُ أَقْوَى كَالْقُولَنْجِ فَيُسَكّنُ الْوَجَعَ أَوّلًا ثُمّ يُعَالِجُ السّدّةَ وَإِذَا أَمْكَنَهُ أَنْ يَعْتَاضَ عَنْ الْمُعَالَجَةِ بِالِاسْتِفْرَاغِ بِالْجُوعِ أَوْ الصّوْمِ أَوْ النّوْمِ لَمْ يَسْتَفْرِغْهُ وَكُلّ صِحّةٍ أَرَادَ حِفْظَهَا حَفِظَهَا بِالْمِثْلِ أَوْ الشّبَهِ وَإِنْ أَرَادَ نَقْلَهَا إلَى مَا هُوَ أَفْضَلُ مِنْهَا نَقَلَهَا بِالضّدّ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي التّحَرّزِ مِنْ الْأَدْوَاءِ الْمُعْدِيَةِ بِطَبْعِهَا وَإِرْشَادِهِ الْأَصِحّاءَ إلَى مُجَانَبَةِ أَهْلِهَا ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ أَنّهُ كَانَ فِي وَفْدِ ثَقِيفٍ رَجُلٌ مَجْذُومٌ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ارْجِعْ فَقَدْ بَايَعْنَاكَ [ ص 135 ] وَرَوَى الْبُخَارِيُ فِي " صَحِيحِهِ " تَعْلِيقًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ فِرّ مِنْ الْمَجْذُومِ كَمَا تَفِرّ مِنْ الْأَسَدِ وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النَبيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَا تُدِيمُوا النّظَرَ إلَى الْمَجْذُومِينَ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يُورِدَنّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحّ وَيُذْكَرُ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَلّمْ الْمَجْذُومَ وَبَيْنَكَ وَبَيْنَهُ قِيدَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ [ ص 136 ] [ مَا هُوَ الْجُذَامُ ] الْجُذَامُ عِلّةٌ رَدِيئَةٌ تَحْدُثُ مِنْ انْتِشَارِ الْمُرّةِ السّوْدَاءِ فِي الْبَدَنِ كُلّهِ فَيَفْسُدُ مِزَاجُ الْأَعْضَاءِ وَهَيْئَتُهَا وَشَكْلُهَا وَرُبّمَا فَسَدَ فِي آخِرِهِ اتّصَالُهَا حَتّى تَتَأَكّلَ الْأَعْضَاءُ وَتَسْقُطَ وَيُسَمّى دَاءَ الْأَسَدِ . [ سَبَبُ تَسْمِيَةِ الْجُذَامِ بِدَاءِ الْأَسَدِ ] وَفِي هَذِهِ التّسْمِيَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ لِلْأَطِبّاءِ أَحَدُهَا : أَنّهَا لِكَثْرَةِ مَا تَعْتَرِي الْأَسَدَ . وَالثّانِي : لِأَنّ هَذِهِ الْعِلّةَ تُجَهّمُ وَجْهَ صَاحِبِهَا وَتَجْعَلُهُ فِي سَحْنَةِ الْأَسَدِ . وَالثّالِثُ أَنّهُ يَفْتَرِسُ مَنْ يَقْرَبُهُ أَوْ يَدْنُو مِنْهُ بِدَائِهِ افْتِرَاسَ الْأَسَدِ . [عِلّةُ الِابْتِعَادِ عَنْ الْمَجْذُومِ وَالْمَسْلُولِ ] وَهَذِهِ الْعِلّةُ عِنْدَ الْأَطِبّاءِ مِنْ الْعِلَلِ الْمُعْدِيَةِ الْمُتَوَارَثَةِ وَمُقَارِبُ الْمَجْذُومِ وَصَاحِبُ السّلّ يَسْقَمُ بِرَائِحَتِهِ فَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِكَمَالِ شَفَقَتِهِ عَلَى الْأُمّةِ وَنُصْحِهِ لَهُمْ نَهَاهُمْ عَنْ الْأَسْبَابِ الّتِي تُعَرّضُهُمْ لِوُصُولِ الْعَيْبِ وَالْفَسَادِ إلَى أَجْسَامِهِمْ وَقُلُوبِهِمْ وَلَا رَيْبَ أَنّهُ قَدْ يَكُونُ فِي الْبَدَنِ تَهَيّؤٌ وَاسْتِعْدَادٌ كَامِنٌ لِقَبُولِ هَذَا الدّاءِ وَقَدْ تَكُونُ الطّبِيعَةُ سَرِيعَةَ الِانْفِعَالِ قَابِلَةً لِلِاكْتِسَابِ مِنْ أَبْدَانِ مَنْ تُجَاوِرُهُ وَتُخَالِطُهُ فَإِنّهَا نَقّالَةٌ وَقَدْ يَكُونُ خَوْفُهَا مِنْ ذَلِكَ وَوَهْمُهَا مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ إصَابَةِ تِلْكَ الْعِلّةِ لَهَا فَإِنّ الْوَهْمَ فَعّالٌ مُسْتَوْلٍ عَلَى الْقُوَى وَالطّبَائِعِ وَقَدْ تَصِلُ رَائِحَةُ الْعَلِيلِ إلَى الصّحِيحِ فَتُسْقِمُهُ وَهَذَا مُعَايَنٌ فِي بَعْضِ الْأَمْرَاضِ وَالرّائِحَةُ أَحَدُ أَسْبَابِ الْعَدْوَى وَمَعَ هَذَا كُلّهِ فَلَا بُدّ مِنْ وُجُودِ اسْتِعْدَادِ الْبَدَنِ وَقَبُولِهِ لِذَلِكَ الدّاءِ وَقَدْ [ ص 137 ] تَزَوّجَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ امْرَأَةً فَلَمّا أَرَادَ الدّخُولَ بِهَا وَجَدَ بِكَشْحِهَا بَيَاضًا فَقَالَ الْحَقِي بِأَهْلِكِ [التّوْفِيقُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ السّابِقَةِ وَبَيْنَ نَفْيِ الْعَدْوَى وَالْأَكْلِ مَعَ الْمَجْذُومِ ] وَقَدْ ظَنّ طَائِفَةٌ مِنْ النّاسِ أَنّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ مُعَارَضَةٌ بِأَحَادِيثَ أُخَرَ تُبْطِلُهَا وَتُنَاقِضُهَا فَمِنْهَا : مَا رَوَاهُ التّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَخَذَ بِيَدِ رَجُلٍ مَجْذُومٍ فَأَدْخَلَهَا مَعَهُ فِي الْقَصْعَةِ وَقَالَ كُلْ بِسْمِ اللّهِ ثِقَةً بِاَللّهِ وَتَوَكّلًا عَلَيْهِ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ . وَبِمَا ثَبَتَ فِي " الصّحِيحِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ . وَنَحْنُ نَقُولُ لَا تَعَارُضَ بِحَمْدِ اللّهِ بَيْنَ أَحَادِيثِهِ الصّحِيحَةِ . فَإِذَا وَقَعَ التّعَارُضُ فَإِمّا أَنْ يَكُونَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ لَيْسَ مِنْ كَلَامِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَدْ غَلِطَ فِيهِ بَعْضُ الرّوَاةِ مَعَ كَوْنِهِ ثِقَةً ثَبْتًا فَالثّقَةُ يَغْلَطُ أَوْ يَكُونُ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ نَاسِخًا لِلْآخَرِ إذَا كَانَ مِمّا يَقْبَلُ النّسْخَ أَوْ يَكُونُ التّعَارُضُ فِي فَهْمِ السّامِعِ لَا فِي نَفْسِ كَلَامِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَا بُدّ مِنْ وَجْهٍ مِنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ الثّلَاثَةِ . وَأَمّا حَدِيثَانِ صَحِيحَانِ صَرِيحَانِ مُتَنَاقِضَانِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ لَيْسَ أَحَدُهُمَا نَاسِخًا لِلْآخَرِ فَهَذَا لَا يُوجَدُ أَصْلًا وَمَعَاذَ اللّهِ أَنْ يُوجَدَ فِي كَلَامِ الصّادِقِ الْمَصْدُوقِ الّذِي لَا يُخْرِجُ مِنْ بَيْنِ شَفَتَيْهِ إلّا الْحَقّ وَالْآفَةُ مِنْ التّقْصِيرِ فِي مَعْرِفَةِ الْمَنْقُولِ وَالتّمْيِيزِ بَيْنَ صَحِيحِهِ وَمَعْلُولِهِ أَوْ مِنْ الْقُصُورِ فِي فَهْمِ مُرَادِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 138 ] كَلَامِهِ عَلَى غَيْرِ مَا عَنَاهُ بِهِ أَوْ مِنْهُمَا مَعًا وَمِنْ هَا هُنَا وَقَعَ مِنْ الِاخْتِلَافِ وَالْفَسَادِ مَا وَقَعَ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . [ التّوْفِيقُ بَيْنَهَا مِنْ كَلَامِ ابْنِ قُتَيْبَةَ ] قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ فِي كِتَابِ " اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ " لَهُ حِكَايَةً عَنْ أَعْدَاءِ الْحَدِيثِ وَأَهْلِهِ قَالُوا : حَدِيثَانِ مُتَنَاقِضَانِ رَوَيْتُمْ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ لَا عَدْوَى وَلَا طِيَرَةَ وَقِيلَ لَهُ إنّ النّقْبَةَ تَقَعُ بِمِشْفَرِ الْبَعِيرِ فَيَجْرَبُ لِذَلِكَ الْإِبِلُ . قَالَ فَمَا أَعْدَى الْأَوّلَ ثُمّ رَوَيْتُمْ لَا يُورِدُ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحّ وَفِرّ مِنْ الْمَجْذُومِ فِرَارَك مِنْ الْأَسَدِ وَأَتَاهُ رَجُلٌ مَجْذُومٌ لِيُبَايِعَهُ بَيْعَةَ الْإِسْلَامِ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ الْبَيْعَةَ وَأَمَرَهُ بِالِانْصِرَافِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَهُ وَقَالَ الشّؤْمُ فِي الْمَرْأَةِ وَالدّارِ وَالدّابّةِ قَالُوا : وَهَذَا كُلّهُ مُخْتَلِفٌ لَا يُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا . قَالَ أَبُو مُحَمّدٍ وَنَحْنُ نَقُولُ إنّهُ لَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافٌ وَلِكُلّ مَعْنًى مِنْهَا [ ص 139 ] زَالَ الِاخْتِلَافُ . وَالْعَدْوَى جِنْسَانِ أَحَدُهُمَا : عَدْوَى الْجُذَامِ فَإِنّ الْمَجْذُومَ تَشْتَدّ رَائِحَتُهُ حَتّى يُسْقِمَ مَنْ أَطَالَ مُجَالَسَتَهُ وَمُحَادَثَتَهُ وَكَذَلِكَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ تَحْتَ الْمَجْذُومِ فَتُضَاجِعُهُ فِي شِعَارٍ وَاحِدٍ فَيُوصِلُ إلَيْهَا الْأَذَى وَرُبّمَا جُذِمَتْ وَكَذَلِكَ وَلَدُهُ يَنْزِعُونَ فِي الْكِبَرِ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ مَنْ كَانَ بِهِ سِلّ وَدِقّ ونُقْبٌ . وَالْأَطِبّاءُ تَأْمُرُ أَنْ لَا يُجَالِسَ الْمَسْلُولَ وَلَا الْمَجْذُومَ وَلَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ مَعْنَى الْعَدْوَى وَإِنّمَا يُرِيدُونَ بِهِ مَعْنَى تَغَيّرِ الرّائِحَةِ وَأَنّهَا قَدْ تُسْقِمُ مَنْ أَطَالَ اشْتِمَامَهَا وَالْأَطِبّاءُ أَبْعَدُ النّاسِ عَنْ الْإِيمَانِ بِيُمْنٍ وَشُؤْمٍ وَكَذَلِكَ النّقْبَةُ تَكُونُ بِالْبَعِيرِ - وَهُوَ جَرَبٌ رَطْبٌ - فَإِذَا خَالَطَ الْإِبِلَ أَوْ حَاكَهَا وَأَوَى فِي مَبَارِكِهَا وَصَلَ إلَيْهَا بِالْمَاءِ الّذِي يَسِيلُ مِنْهُ وَبِالنّطْفِ نَحْوَ مَا بِهِ فَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الّذِي قَالَ فِيهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يُورَدُ ذُو عَاهَةٍ عَلَى مُصِحّ كَرِهَ أَنْ يُخَالِطَ الْمَعْيُوهَ الصّحِيحُ لِئَلّا يَنَالَهُ مِنْ نَطَفِهِ وَحِكّتِهِ نَحْوُ مِمّا بِهِ . قَالَ وَأَمّا الْجِنْسُ الْآخَرُ مِنْ الْعَدْوَى فَهُوَ الطّاعُونُ يَنْزِلُ بِبَلَدٍ فَيَخْرُجُ مِنْهُ خَوْفَ الْعَدْوَى وَقَدْ قَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا وَقَعَ بِبَلَدٍ وَأَنْتُمْ بِهِ فَلَا تَخْرُجُوا مِنْهُ وَإِذَا كَانَ بِبَلَدٍ فَلَا تَدْخُلُوهُ . يُرِيدُ بِقَوْلِهِ لَا تَخْرُجُوا مَنْ الْبَلَدِ إذَا كَانَ فِيهِ كَأَنّكُمْ تَظُنّونَ أَنّ الْفِرَارَ مِنْ قَدَرِ اللّهِ يُنْجِيكُمْ مِنْ اللّهِ وَيُرِيدُ إذَا كَانَ بِبَلَدٍ فَلَا تَدْخُلُوهُ أَيْ مَقَامُكُمْ فِي الْمَوْضِعِ الّذِي لَا طَاعُونَ فِيهِ أَسْكَنُ لِقُلُوبِكُمْ وَأَطْيَبُ لِعَيْشِكُمْ وَمِنْ ذَلِكَ الْمَرْأَةُ تُعْرَفُ بِالشّؤْمِ أَوْ الدّارُ فَيَنَالُ الرّجُلَ مَكْرُوهٌ أَوْ جَائِحَةٌ فَيَقُولُ أَعَدْتِنِي بِشُؤْمِهَا فَهَذَا هُوَ الْعَدْوَى الّذِي قَالَ فِيهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا عَدْوَى وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى : بَلْ الْأَمْرُ بِاجْتِنَابِ الْمَجْذُومِ وَالْفِرَارِ مِنْهُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالِاخْتِيَارِ وَالْإِرْشَادِ وَأَمّا الْأَكْلُ مَعَهُ فَفَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَأَنّ هَذَا لَيْسَ بِحَرَامٍ . وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى : بَلْ الْخِطَابُ بِهَذَيْنِ الْخِطَابَيْنِ جُزْئِيّ لَا كُلّيّ فَكُلّ [ ص 140 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَا يَلِيقُ بِحَالِهِ فَبَعْضُ النّاسِ يَكُونُ قَوِيّ الْإِيمَانِ قَوِيّ التّوَكّلِ تَدْفَعُ قُوّةُ تَوَكّلِهِ قُوّةَ الْعَدْوَى كَمَا تَدْفَعُ قُوّةُ الطّبِيعَةِ قُوّةَ الْعِلّةِ فَتُبْطِلُهَا وَبَعْضُ النّاسِ لَا يَقْوَى عَلَى ذَلِكَ فَخَاطَبَهُ بِالِاحْتِيَاطِ وَالْأَخْذِ بِالتّحَفّظِ وَكَذَلِكَ هُوَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَعَلَ الْحَالَتَيْنِ مَعًا لِتَقْتَدِيَ بِهِ الْأُمّةُ فِيهِمَا فَيَأْخُذُ مَنْ قَوِيَ مِنْ أُمّتِهِ بِطَرِيقَةِ التّوَكّلِ وَالْقُوّةِ وَالثّقَةِ بِاَللّهِ وَيَأْخُذُ مَنْ ضَعُفَ مِنْهُمْ بِطَرِيقَةِ التّحَفّظِ وَالِاحْتِيَاطِ وَهُمَا طَرِيقَانِ صَحِيحَانِ . أَحَدُهُمَا : لِلْمُؤْمِنِ الْقَوِيّ وَالْآخَرُ لِلْمُؤْمِنِ الضّعِيفِ فَتَكُونُ لِكُلّ وَاحِدٍ مِنْ الطّائِفَتَيْنِ حُجّةٌ وَقُدْوَةٌ بِحَسَبِ حَالِهِمْ وَمَا يُنَاسِبُهُمْ وَهَذَا كَمَا أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَوَى وَأَثْنَى عَلَى تَارِكِ الْكَيّ وَقَرَنَ تَرْكَهُ بِالتّوَكّلِ وَتَرْكِ الطّيَرَةَ وَلِهَذَا نَظَائِرُ كَثِيرَةٌ وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ لَطِيفَةٌ حَسَنَةٌ جِدّا مَنْ أَعْطَاهَا حَقّهَا وَرُزِقَ فِقْهَ نَفْسِهِ فِيهَا أَزَالَتْ عَنْهُ تَعَارُضًا كَثِيرًا يَظُنّهُ بِالسّنّةِ الصّحِيحَةِ . وَذَهَبَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى إلَى أَنّ الْأَمْرَ بِالْفِرَارِ مِنْهُ وَمُجَانَبَتِهِ لِأَمْرٍ طَبِيعِيّ وَهُوَ انْتِقَالُ الدّاءِ مِنْهُ بِوَاسِطَةِ الْمُلَامَسَةِ وَالْمُخَالَطَةِ وَالرّائِحَةِ إلَى الصّحِيحِ وَهَذَا يَكُونُ مَعَ تَكْرِيرِ الْمُخَالَطَةِ وَالْمُلَامَسَةِ لَهُ وَأَمّا أَكْلُهُ مَعَهُ مِقْدَارًا يَسِيرًا مِنْ الزّمَانِ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَلَا تَحْصُلُ الْعَدْوَى مِنْ مَرّةٍ وَاحِدَةٍ وَلَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ فَنَهَى سَدّا لِلذّرِيعَةِ وَحِمَايَةً لِلصّحّةِ وَخَالَطَهُ مُخَالَطَةً مَا لِلْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْمَجْذُومُ الّذِي أَكَلَ مَعَهُ بِهِ مِنْ الْجُذَامِ أَمْرٌ يَسِيرٌ لَا يُعْدِي مِثْلُهُ وَلَيْسَ الْجَذْمَى كُلّهُمْ سَوَاءً وَلَا الْعَدْوَى حَاصِلَةٌ مِنْ جَمِيعِهِمْ بَلْ مِنْهُمْ مَنْ لَا تَضُرّ مُخَالَطَتُهُ وَلَا تَعْدِي وَهُوَ مَنْ أَصَابَهُ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٌ يَسِيرٌ ثُمّ وَقَفَ وَاسْتَمَرّ عَلَى حَالِهِ وَلَمْ يُعْدِ بَقِيّةَ جِسْمِهِ فَهُوَ أَنْ لَا يُعْدِيَ غَيْرَهُ أَوْلَى وَأَحْرَى . وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى : إنّ الْجَاهِلِيّةَ كَانَتْ تَعْتَقِدُ أَنّ الْأَمْرَاضَ الْمُعْدِيَةَ تُعْدِي بِطَبْعِهَا مِنْ غَيْرِ إضَافَةٍ إلَى اللّهِ سُبْحَانَهُ فَأَبْطَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اعْتِقَادَهُمْ ذَلِكَ وَأَكَلَ مَعَ الْمَجْذُومِ لِيُبَيّنَ لَهُمْ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ هُوَ الّذِي يُمْرِضُ وَيَشْفِي وَنَهَى عَنْ الْقُرْبِ مِنْهُ [ ص 141 ] جَعَلَهَا اللّهُ مُفْضِيَةً إلَى مُسَبّبَاتِهَا فَفِي نَهْيِهِ إثْبَاتُ الْأَسْبَابِ وَفِي فِعْلِهِ بَيَانُ أَنّهَا لَا تَسْتَقِلّ بِشَيْءٍ بَلْ الرّبّ سُبْحَانَهُ إنْ شَاءَ سَلَبَهَا قُوَاهَا فَلَا تُؤَثّرُ شَيْئًا وَإِنْ شَاءَ أَبْقَى عَلَيْهَا قُوَاهَا فَأَثّرَتْ . وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى : بَلْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ فِيهَا النّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ فَيَنْظُرُ فِي تَارِيخِهَا فَإِنْ عُلِمَ الْمُتَأَخّرُ مِنْهَا حُكِمَ بِأَنّهُ النّاسِخُ وَإِلّا تَوَقّفْنَا فِيهَا . وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى : بَلْ بَعْضُهَا مَحْفُوظٌ وَبَعْضُهَا غَيْرُ مَحْفُوظٍ وَتَكَلّمَتْ فِي حَدِيثِ لَا عَدْوَى وَقَالَتْ قَدْ كَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَرْوِيهِ أَوّلًا ثُمّ شَكّ فِيهِ فَتَرَكَهُ وَرَاجَعُوهُ فِيهِ وَقَالُوا : سَمِعْنَاك تُحَدّثُ بِهِ فَأَبَى أَنْ يُحَدّثَ بِهِ . قَالَ أَبُو سَلَمَةَ فَلَا أَدْرِي أَنَسِيَ أَبُو هُرَيْرَةَ أَمْ نَسَخَ أَحَدُ الْحَدِيثَيْنِ الْآخَرَ ؟ وَأَمّا حَدِيثُ جَابِرٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ فَأَدْخَلَهَا مَعَهُ فِي الْقَصْعَةِ فَحَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ وَلَا يَصِحّ وَغَايَةُ مَا قَالَ فِيهِ التّرْمِذِيّ : إنّهُ غَرِيبٌ لَمْ يُصَحّحْهُ وَلَمْ يُحَسّنْهُ . وَقَدْ قَالَ شُعْبَةُ وَغَيْرُهُ اتّقُوا هَذِهِ الْغَرَائِبَ . قَالَ التّرْمِذِيّ : وَيُرْوَى هَذَا مِنْ فِعْلِ عُمَرَ وَهُوَ أَثْبَتُ فَهَذَا شَأْنُ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ اللّذَيْنِ عُورِضَ بِهِمَا أَحَادِيثُ النّهْيِ أَحَدُهُمَا : رَجَعَ أَبُو هُرَيْرَةَ عَنْ التّحْدِيثِ بِهِ وَأَنْكَرَهُ وَالثّانِي : لَا يَصِحّ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاَللّهُ أَعْلَمُ وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْكَلَامَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي كِتَابِ " الْمِفْتَاح ِ " بِأَطْوَلَ مِنْ هَذَا وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْمَنْعِ مِنْ التّدَاوِي بِالْمُحَرّمَاتِ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدّرْدَاءِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ اللّهَ أَنْزَلَ الدّاءَ وَالدّوَاءَ وَجَعَلَ لِكُلّ دَاءٍ دَوَاءً فَتَدَاوَوْا وَلَا تَدَاوَوْا بِالْمُحَرّمِ . [ ص 142 ] وَذَكَر الْبُخَارِيّ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ : إنّ اللّهَ لَمْ يَجْعَلْ شِفَاءَكُمْ فِيمَا حَرّمَ عَلَيْكُمْ وَفِي " السّنَنِ " : عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ الدّوَاءِ الْخَبِيثِ وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ طَارِقِ بْنِ سُوَيْدٍ الْجُعْفِيّ أَنّهُ سَأَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ الْخَمْرِ فَنَهَاهُ أَوْ كَرِهَ أَنْ يَصْنَعَهَا فَقَالَ إنّمَا أَصْنَعُهَا لِلدّوَاءِ فَقَالَ إنّهُ لَيْسَ بِدَوَاءٍ وَلَكِنّهُ دَاءٌ وَفِي " السّنَنِ " أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سُئِلَ عَنْ الْخَمْرِ يُجْعَلُ فِي الدّوَاءِ فَقَالَ " إنّهَا دَاءٌ وَلَيْسَتْ بِالدّوَاءِ [ ص 143 ] أَبُو دَاوُدَ وَاَلتّرْمِذِيّ . وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ طَارِقِ بْنِ سُوَيْدٍ الْحَضْرَمِيّ قَالَ قُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ بِأَرْضِنَا أَعْنَابًا نَعْتَصِرُهَا فَنَشْرَبُ مِنْهَا قَالَ " لَا " فَرَاجَعْته قُلْتُ إنّا نَسْتَشْفِي لِلْمَرِيضِ قَالَ إنّ ذَلِكَ لَيْسَ بِشِفَاءٍ وَلَكِنّهُ دَاءٌ وَفِي " سُنَنِ النّسَائِيّ أَنّ طَبِيبًا ذَكَرَ ضِفْدَعًا فِي دَوَاءٍ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَنَهَاهُ عَنْ قَتْلِهَا وَيُذْكَرُ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ مَنْ تَدَاوَى بِالْخَمْرِ فَلَا شَفَاهُ اللّهُ [ بَيَانُ قُبْحِ الْمُعَالَجَةِ بِالْمُحَرّمَاتِ عَقْلًا ] الْمُعَالَجَةُ بِالْمُحَرّمَاتِ قَبِيحَةٌ عَقْلًا وَشَرْعًا أَمّا الشّرْعُ فَمَا ذَكَرْنَا مِنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَغَيْرِهَا وَأَمّا الْعَقْلُ فَهُوَ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ إنّمَا حَرّمَهُ لِخُبْثِهِ فَإِنّهُ لَمْ يُحَرّمْ عَلَى هَذِهِ الْأُمّةِ طَيّبًا عُقُوبَةً لَهَا كَمَا حَرّمَهُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ بِقَوْلِهِ { فَبِظُلْمٍ مِنَ الّذِينَ هَادُوا حَرّمْنَا عَلَيْهِمْ طَيّبَاتٍ أُحِلّتْ لَهُمْ } [ النّسَاء : 160 ] ؛ وَإِنّمَا حَرّمَ عَلَى هَذِهِ الْأُمّةِ مَا حَرّمَ لِخُبْثِهِ وَتَحْرِيمُهُ لَهُ حَمِيّةً لَهُمْ وَصِيَانَةً عَنْ تَنَاوُلِهِ فَلَا يُنَاسِبُ أَنْ يُطْلَبَ بِهِ الشّفَاءُ مِنْ الْأَسْقَامِ وَالْعِلَلِ فَإِنّهُ وَإِنْ أَثّرَ فِي إزَالَتِهَا لَكِنّهُ يُعْقِبُ سَقَمًا أَعْظَمَ مِنْهُ فِي الْقَلْبِ بِقُوّةِ الْخُبْثِ الّذِي فِيهِ فَيَكُونُ الْمُدَاوَى بِهِ قَدْ سَعَى فِي إزَالَةِ سُقْمِ الْبَدَنِ بِسُقْمِ الْقَلْبِ . [ ص 144 ] اتّخَاذِهِ دَوَاءً حَضّ عَلَى التّرْغِيبِ فِيهِ وَمُلَابَسَتِهِ وَهَذَا ضِدّ مَقْصُودِ الشّارِعِ وَأَيْضًا فَإِنّهُ دَاءٌ كَمَا نَصّ عَلَيْهِ صَاحِبُ الشّرِيعَةِ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُتّخَذَ دَوَاءً . وَأَيْضًا فَإِنّهُ يُكْسِبُ الطّبِيعَةَ وَالرّوحَ صِفَةَ الْخُبْثِ لِأَنّ الطّبِيعَةَ تَنْفَعِلُ عَنْ كَيْفِيّةِ الدّوَاءِ انْفِعَالًا بَيّنًا فَإِذَا كَانَتْ كَيْفِيّتُهُ خَبِيثَةً اكْتَسَبَتْ الطّبِيعَةُ مِنْهُ خُبْثًا فَكَيْفَ إذَا كَانَ خَبِيثًا فِي ذَاتِهِ وَلِهَذَا حَرّمَ اللّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى عِبَادِهِ الْأَغْذِيَةَ وَالْأَشْرِبَةَ وَالْمَلَابِسَ الْخَبِيثَةَ لِمَا تُكْسِبُ النّفْسَ مِنْ هَيْئَةِ الْخُبْثِ وَصِفَتِهِ . [التّدَاوِي بِهِ ذَرِيعَةٌ إلَى تَعَاطِيهِ ] وَأَيْضًا فَإِنّ فِي إبَاحَةِ التّدَاوِي بِهِ وَلَا سِيّمَا إذَا كَانَتْ النّفُوسُ تَمِيلُ إلَيْهِ ذَرِيعَةً إلَى تَنَاوُلِهِ لِلشّهْوَةِ وَاللّذّةِ لَا سِيّمَا إذَا عَرَفَتْ النّفُوسُ أَنّهُ نَافِعٌ لَهَا مُزِيلٌ لِأَسْقَامِهَا جَالِبٌ لِشِفَائِهَا فَهَذَا أَحَبّ شَيْءٍ إلَيْهَا وَالشّارِعُ سَدّ الذّرِيعَةَ إلَى تَنَاوُلِهِ بِكُلّ مُمْكِنٍ وَلَا رَيْبَ أَنّ بَيْنَ سَدّ الذّرِيعَةِ إلَى تَنَاوُلِهِ وَفَتْحِ الذّرِيعَةِ إلَى تَنَاوُلِهِ تَنَاقُضًا و تَعَارُضًا . وَأَيْضًا فَإِنّ فِي هَذَا الدّوَاءِ الْمُحَرّمِ مِنْ الْأَدْوَاءِ مَا يَزِيدُ عَلَى مَا يُظَنّ فِيهِ مِنْ الشّفَاءِ وَلْنَفْرِضْ الْكَلَامَ فِي أُمّ الْخَبَائِثِ الّتِي مَا جَعَلَ اللّهُ لَنَا فِيهَا شِفَاءً قَطّ فَإِنّهَا شَدِيدَةُ الْمَضَرّةِ بِالدّمَاغِ الّذِي هُوَ مَرْكَزُ الْعَقْلِ عِنْدَ الْأَطِبّاءِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلّمِينَ . قَالَ أَبِقِرَاطٍ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ فِي الْأَمْرَاضِ الْحَادّةِ ضَرَرُ الْخَمْرَةِ بِالرّأْسِ شَدِيدٌ . لِأَنّهُ يُسَرّعُ الِارْتِفَاعَ إلَيْهِ . وَيَرْتَفِعُ بِارْتِفَاعِهِ الْأَخْلَاطُ الّتِي تَعْلُو فِي الْبَدَنِ وَهُوَ كَذَلِكَ يَضُرّ بِالذّهْنِ . وَقَالَ صَاحِبُ " الْكَامِلِ " : إنّ خَاصّيّةَ الشّرَابِ الْإِضْرَارُ بِالدّمَاغِ وَالْعَصَبِ . وَأَمّا غَيْرُهُ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الْمُحَرّمَةِ فَنَوْعَانِ أَحَدُهُمَا : تَعَافُهُ النّفْسُ وَلَا تَنْبَعِثُ لِمُسَاعَدَتِهِ الطّبِيعَةُ عَلَى دَفْعِ الْمَرَضِ بِهِ كَالسّمُومِ وَلُحُومِ الْأَفَاعِي وَغَيْرِهَا مِنْ الْمُسْتَقْذَرَاتِ فَيَبْقَى كَلّا عَلَى الطّبِيعَةِ مُثْقِلًا لَهَا فَيَصِيرُ حِينَئِذٍ دَاءً لَا دَوَاءً . [ ص 145 ] وَالثّانِي : مَا لَا تَعَافُهُ النّفْسُ كَالشّرَابِ الّذِي تَسْتَعْمِلُهُ الْحَوَامِلُ مَثَلًا فَهَذَا ضَرَرُهُ أَكْثَرُ مِنْ نَفْعِهِ وَالْعَقْلُ يَقْضِي بِتَحْرِيمِ ذَلِكَ فَالْعَقْلُ وَالْفِطْرَةُ مُطَابِقٌ لِلشّرْعِ فِي ذَلِكَ . وَهَا هُنَا سِرّ لَطِيفٌ فِي كَوْنِ الْمُحَرّمَاتِ لَا يُسْتَشْفَى بِهَا فَإِنّ شَرْطَ الشّفَاءِ بِالدّوَاءِ تَلَقّيه بِالْقَبُولِ وَاعْتِقَادُ مَنْفَعَتِهِ وَمَا جَعَلَ اللّهُ فِيهِ مِنْ بَرَكَةِ الشّفَاءِ فَإِنّ النّافِعَ هُوَ الْمُبَارَكُ وَأَنْفَعُ الْأَشْيَاءِ أَبْرَكُهَا وَالْمُبَارَكُ مِنْ النّاسِ أَيْنَمَا كَانَ هُوَ الّذِي يُنْتَفَعُ بِهِ حَيْثُ حَلّ وَمَعْلُومٌ أَنّ اعْتِقَادَ الْمُسْلِمِ تَحْرِيمَ هَذِهِ الْعَيْنِ مِمّا يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اعْتِقَادِ بَرَكَتِهَا وَمَنْفَعَتِهَا وَبَيْنَ حُسْنِ ظَنّهِ بِهَا وَتَلَقّي طَبْعِهِ لَهَا بِالْقَبُولِ بَلْ كُلّمَا كَانَ الْعَبْدُ أَعْظَمَ إيمَانًا كَانَ أَكْرَهَ لَهَا وَأَسْوَأَ اعْتِقَادًا فِيهَا وَطَبْعُهُ أَكْرَهَ شَيْءٍ لَهَا فَإِذَا تَنَاوَلَهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ كَانَتْ دَاءً لَهُ لَا دَوَاءً إلّا أَنْ يَزُولَ اعْتِقَادُ الْخُبْثِ فِيهَا وَسُوءُ الظّنّ وَالْكَرَاهَةُ لَهَا بِالْمَحَبّةِ وَهَذَا يُنَافِي الْإِيمَانَ فَلَا يَتَنَاوَلُهَا الْمُؤْمِنُ قَطّ إلّا عَلَى وَجْهِ دَاءٍ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ الْقَمْلِ الّذِي فِي الرّأْسِ وَإِزَالَتِهِ فِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ قَالَ كَانَ بِي أَذًى مِنْ رَأْسِي فَحُمِلْتُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْقَمْلُ يَتَنَاثَرُ عَلَى وَجْهِي فَقَالَ مَا كُنْت أَرَى الْجَهْدَ قَدْ بَلَغَ بِكَ مَا أَرَى وَفِي رِوَايَةٍ فَأَمَرَهُ أَنْ يَحْلِقَ رَأْسَهُ وَأَنْ يُطْعِمَ فَرَقًا بَيْنَ سِتّةٍ أَوْ يُهْدِيَ شَاةً أَوْ يَصُومَ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ [ ص 146 ] وَالثّانِي مِنْ خَلْطٍ رَدِيءٍ عَفِنٍ تَدْفَعُهُ الطّبِيعَةُ بَيْنَ الْجِلْدِ وَاللّحْمِ فَيَتَعَفّنُ بِالرّطُوبَةِ الدّمَوِيّةِ فِي الْبَشَرَةِ بَعْدَ خُرُوجِهَا مِنْ الْمَسَامّ فَيَكُونُ مِنْهُ الْقَمْلُ وَأَكْثَرُ مَا يَكُونُ ذَلِكَ بَعْدَ الْعِلَلِ وَالْأَسْقَامِ وَبِسَبَبِ الْأَوْسَاخِ وَإِنّمَا كَانَ فِي رُءُوسِ الصّبْيَانِ أَكْثَرَ لِكَثْرَةِ رُطُوبَاتِهِمْ وَتَعَاطِيهِمْ الْأَسْبَابَ الّتِي تُوَلّدُ الْقَمْلَ وَلِذَلِكَ حَلَقَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رُءُوسَ بَنِي جَعْفَرٍ . [عِلَاجُهُ بِالْحَلْقِ ثُمّ بِالطّلْيِ بِالْأَدْوِيَةِ ] وَمِنْ أَكْبَرِ عِلَاجِهِ حَلْقُ الرّأْسِ لِتَنْفَتِحَ مَسَامّ الْأَبْخِرَةِ فَتَتَصَاعَدُ الْأَبْخِرَةُ الرّدِيئَةُ فَتُضْعِفُ مَادّةَ الْخَلْطِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُطْلَى الرّأْسُ بَعْدَ ذَلِكَ بِالْأَدْوِيَةِ الّتِي تَقْتُلُ الْقَمْلَ وَتَمْنَعُ تَوَلّدَهُ . [أَنْوَاعُ حَلْقِ الرّأْسِ ] وَحَلْقُ الرّأْسِ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ أَحَدُهَا : نُسُكٌ وَقُرْبَةٌ . وَالثّانِي : بِدْعَةٌ وَشِرْكٌ وَالثّالِثُ حَاجَةٌ وَدَوَاءٌ فَالْأَوّلُ الْحَلْقُ فِي أَحَدِ النّسُكَيْنِ الْحَجّ أَوْ الْعُمْرَةِ . وَالثّانِي : حَلْقُ الرّأْسِ لِغَيْرِ اللّهِ سُبْحَانَهُ كَمَا يَحْلِقُهَا الْمُرِيدُونَ لِشُيُوخِهِمْ فَيَقُولُ أَحَدُهُمْ أَنَا حَلَقْتُ رَأْسِي لِفُلَانٍ وَأَنْتَ حَلَقْته لِفُلَانٍ وَهَذَا بِمَنْزِلَةِ أَنْ يَقُولَ سَجَدْتُ لِفُلَانٍ فَإِنّ حَلْقَ الرّأْسِ خُضُوعٌ وَعُبُودِيّةٌ وَذُلّ وَلِهَذَا كَانَ مِنْ تَمَامِ الْحَجّ حَتّى إنّهُ عِنْدَ الشّافِعِيّ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِهِ لَا يَتِمّ إلّا بِهِ فَإِنّهُ وَضْعُ النّوَاصِي بَيْنَ يَدَيْ رَبّهَا خُضُوعًا لِعَظَمَتِهِ وَتَذَلّلًا لِعِزّتِهِ وَهُوَ مِنْ أَبْلَغِ أَنْوَاعِ الْعُبُودِيّةِ وَلِهَذَا كَانَتْ الْعَرَبُ إذَا أَرَادَتْ إذْلَالَ الْأَسِيرِ مِنْهُمْ وَعِتْقَهُ حَلَقُوا رَأْسَهُ وَأَطْلَقُوهُ فَجَاءَ شُيُوخُ الضّلَالِ وَالْمُزَاحِمُونَ لِلرّبُوبِيّةِ الّذِينَ أَسَاسُ مَشْيَخَتِهِمْ عَلَى الشّرَكِ وَالْبِدْعَةِ فَأَرَادُوا مِنْ مُرِيدِيهِمْ أَنْ يَتَعَبّدُوا لَهُمْ فَزَيّنُوا لَهُمْ حَلْقَ رُءُوسِهِمْ لَهُمْ كَمَا زَيّنُوا لَهُمْ السّجُودَ لَهُمْ وَسَمّوْهُ بِغَيْرِ اسْمِهِ وَقَالُوا : هُوَ وَضْعُ الرّأْسِ بَيْنَ يَدَيْ الشّيْخِ وَلَعَمْرُ اللّهِ إنّ السّجُودَ لِلّهِ هُوَ وَضْعُ الرّأْسِ بَيْنَ يَدَيْهِ سُبْحَانَهُ وَزَيّنُوا لَهُمْ أَنْ [ ص 147 ] اتّخَاذُهُمْ أَرْبَابًا وَآلِهَةً مِنْ دُونِ اللّهِ قَالَ تَعَالَى : { مَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُؤْتِيَهُ اللّهُ الْكِتَابَ وَالْحُكْمَ وَالنّبُوّةَ ثُمّ يَقُولَ لِلنّاسِ كُونُوا عِبَادًا لِي مِنْ دُونِ اللّهِ وَلَكِنْ كُونُوا رَبّانِيّينَ بِمَا كُنْتُمْ تُعَلّمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنْتُمْ تَدْرُسُونَ وَلَا يَأْمُرَكُمْ أَنْ تَتّخِذُوا الْمَلَائِكَةَ وَالنّبِيّينَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُمْ بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [ آلَ عِمْرَانَ 79 - 80 ] . [ التّحْذِيرُ مِنْ الرّكُوعِ وَالِانْحِنَاءِ لِغَيْرِ اللّهِ وَكَذَا الْقِيَامُ عَلَى رُءُوسِ الْأَكَابِرِ وَهُمْ جُلُوسٌ ] وَأَشْرَفُ الْعُبُودِيّةِ عُبُودِيّةُ الصّلَاةِ وَقَدْ تَقَاسَمَهَا الشّيُوخُ وَالْمُتَشَبّهُونَ بِالْعُلَمَاءِ وَالْجَبَابِرَةُ فَأَخَذَ الشّيُوخُ مِنْهَا أَشْرَفَ مَا فِيهَا وَهُوَ السّجُودُ وَأَخَذَ الْمُتَشَبّهُونَ بِالْعُلَمَاءِ مِنْهَا الرّكُوعَ فَإِذَا لَقِيَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا رَكَعَ لَهُ كَمَا يَرْكَعُ الْمُصَلّي لِرَبّهِ سَوَاءً وَأَخَذَ الْجَبَابِرَةُ مِنْهُمْ الْقِيَامَ فَيَقُومُ الْأَحْرَارُ وَالْعَبِيدُ عَلَى رُءُوسِهِمْ عُبُودِيّةً لَهُمْ وَهُمْ جُلُوسٌ وَقَدْ نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ هَذِهِ الْأُمُورِ الثّلَاثَةِ عَلَى التّفْصِيلِ فَتَعَاطِيهَا . مُخَالَفَةٌ صَرِيحَةٌ لَهُ فَنَهَى عَنْ السّجُودِ لِغَيْرِ اللّهِ وَقَالَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَسْجُدَ لِأَحَدٍ وَأَنْكَرَ عَلَى مُعَاذٍ لَمّا سَجَدَ لَهُ وَقَالَ " مَهْ " [ ص 148 ] مُرَاغَمَةٌ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَهُوَ مِنْ أَبْلَغِ أَنْوَاعِ الْعُبُودِيّةِ فَإِذَا جَوّزَ هَذَا الْمُشْرِكُ هَذَا النّوْعَ لِلْبَشَرِ فَقَدْ جَوّزَ الْعُبُودِيّةَ لِغَيْرِ اللّهِ وَقَدْ صَحّ أَنّهُ قِيلَ لَهُ الرّجُلُ يَلْقَى أَخَاهُ أَيَنْحَنِي لَهُ ؟ قَالَ " لَا " . قِيلَ أَيَلْتَزِمُهُ وَيُقَبّلُهُ قَالَ " لَا " . قِيلَ أَيُصَافِحُهُ ؟ قَالَ " نَعَمْ " [أَمْرُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ إذَا صَلّى جَالِسًا أَنْ يُصَلّوا جُلُوسًا لِئَلّا يَقُومُوا عَلَى رَأْسِهِ وَهُو جالسٌ ] وَأَيْضًا : فَالِانْحِنَاءُ عِنْدَ التّحِيّةِ سُجُودٌ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجّدًا } [ الْبَقَرَةُ 58 ] أَيْ مُنْحَنِينَ وَإِلّا فَلَا يُمْكِنُ الدّخُولُ عَلَى الْجِبَاهِ وَصَحّ عَنْهُ النّهْيُ عَنْ الْقِيَامِ وَهُوَ جَالِسُ كَمَا تُعَظّمُ الْأَعَاجِمُ بَعْضَهَا بَعْضًا حَتّى مَنَعَ مِنْ ذَلِكَ فِي الصّلَاةِ وَأَمَرَهُمْ إذَا صَلّى جَالِسًا أَنْ يُصَلّوا جُلُوسًا وَهُمْ أَصِحّاءُ لَا عُذْرَ لَهُمْ لِئَلّا يَقُومُوا عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ جَالِسٌ مَعَ أَنّ قِيَامَهُمْ لِلّهِ فَكَيْفَ إذَا كَانَ الْقِيَامُ تَعْظِيمًا وَعُبُودِيّةً لِغَيْرِهِ سُبْحَانَهُ . وَالْمَقْصُودُ أَنّ النّفُوسَ الْجَاهِلَةَ الضّالّةَ أَسْقَطَتْ عُبُودِيّةَ اللّهِ سُبْحَانَهُ وَأَشْرَكَتْ فِيهَا مَنْ تُعَظّمُهُ مِنْ الْخَلْقِ فَسَجَدَتْ لِغَيْرِ اللّهِ وَرَكَعَتْ لَهُ وَقَامَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ قِيَامَ الصّلَاةِ وَحَلَفَتْ بِغَيْرِهِ وَنَذَرَتْ لِغَيْرِهِ وَحَلَقَتْ لِغَيْرِهِ وَذَبَحَتْ لِغَيْرِهِ وَطَافَتْ لِغَيْرِ بَيْتِهِ وَعَظّمَتْهُ بِالْحُبّ وَالْخَوْفِ وَالرّجَاءِ وَالطّاعَةِ كَمَا يُعَظّمُ الْخَالِقُ بَلْ أَشَدّ وَسَوّتْ مَنْ تَعْبُدُهُ مِنْ الْمَخْلُوقِينَ بِرَبّ الْعَالَمِينَ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمُضَادّونَ لِدَعْوَةِ الرّسُلِ وَهُمْ الّذِينَ بِرَبّهِمْ يَعْدِلُونَ وَهُمْ الّذِينَ يَقُولُونَ - وَهُمْ فِي النّارِ مَعَ آلِهَتِهِمْ يَخْتَصِمُونَ - { تَاللّهِ إِنْ كُنّا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ إِذْ نُسَوّيكُمْ بِرَبّ الْعَالَمِينَ } [ ص 149 ] قَالَ فِيهِمْ { وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَتّخِذُ مِنْ دُونِ اللّهِ أَنْدَادًا يُحِبّونَهُمْ كَحُبّ اللّهِ وَالّذِينَ آمَنُوا أَشَدّ حُبّا لِلّهِ } [ الْبَقَرَةُ 165 ] وَهَذَا كُلّهُ مِنْ الشّرْكِ وَاَللّهُ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ . فَهَذَا فَصْلٌ مُعْتَرَضٌ فِي هَدْيِهِ فِي حَلْقِ الرّأْسِ وَلَعَلّهُ أَهَمّ مِمّا قُصِدَ الْكَلَامُ فِيهِ وَاَللّهُ الْمُوَفّقُ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْعِلَاجِ بِالْأَدْوِيَةِ الرّوحَانِيّةِ الْإِلَهِيّةِ الْمُفْرَدَةِ وَالْمُرَكّبَةِ مِنْهَا وَمِنْ الْأَدْوِيَةِ الطّبِيعِيّةِ فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ الْمُصَابِ بِالْعَيْنِ رَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعَيْنُ حَقّ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ وَفِي " صَحِيحِهِ " أَيْضًا عَنْ أَنَسٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَخّصَ فِي الرّقْيَةِ مِنْ الْحُمَةِ وَالْعَيْنِ وَالنّمْلَةِ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة َ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعَيْنُ حَقّ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَ يُؤْمَرُ الْعَائِنُ فَيَتَوَضّأُ ثُمّ يَغْتَسِلُ مِنْهُ الْمَعِينُ [ ص 150 ] الصّحِيحَيْنِ " عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَمَرَنِي النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَوْ أَمَرَ أَنْ نَسْتَرْقِيَ مِنْ الْعَيْنِ وَذَكَرَ التّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الزّرْقِيّ أَنّ أَسْمَاءَ بِنْتَ عُمَيْسٍ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ بَنِي جَعْفَرٍ تُصِيبُهُمْ الْعَيْنُ أَفَأَسْتَرْقِي لَهُمْ ؟ فَقَالَ " نَعَمْ فَلَوْ كَانَ شَيْءٌ يَسْبِقُ الْقَضَاءَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ قَالَ التّرْمِذِيّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَرَوَى مَالِكٌ رَحِمَهُ اللّهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ رَأَى عَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ يَغْتَسِلُ فَقَالَ وَاَللّهِ مَا رَأَيْتُ كَالْيَوْمِ وَلَا جِلْدَ مُخَبّأَةٍ قَالَ فَلُبِطَ سَهْلٌ فَأَتَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَامِرًا فَتَغَيّظَ عَلَيْهِ وَقَالَ " عَلَامَ يَقْتُلُ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ أَلَا بَرّكْتَ اغْتَسِلْ لَهُ " فَغَسَلَ لَهُ عَامِرٌ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ وَمِرْفَقَيْهِ وَرُكْبَتَيْهِ وَأَطْرَافَ رِجْلَيْهِ وَدَاخِلَةَ إزَارِهِ فِي قَدَحٍ ثُمّ صَبّ عَلَيْهِ فَرَاحَ مَعَ النّاسِ وَرَوَى مَالِكٌ رَحِمَهُ اللّهُ أَيْضًا عَنْ مُحَمّدِ بْنِ أَبِي أُمَامَةَ بْنِ سَهْلٍ عَنْ أَبِيهِ هَذَا الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ إنّ الْعَيْنَ حَقّ تَوَضّأْ لَهُ فَتَوَضّأَ لَهُ وَذَكَرَ عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ ابْنِ طَاوُوسٍ عَنْ أَبِيهِ مَرْفُوعًا الْعَيْنُ حَقّ وَلَوْ كَانَ شَيْءٌ سَابَقَ الْقَدَرَ لَسَبَقَتْهُ الْعَيْنُ وَإِذَا اسْتُغْسِلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَغْتَسِلْ [ ص 151 ] قَالَ الزّهْرِيّ : يُؤْمَرُ الرّجُلُ الْعَائِنُ بِقَدَحٍ فَيُدْخِلُ كَفّهُ فِيهِ فَيَتَمَضْمَضُ ثُمّ يَمُجّهُ فِي الْقَدَحِ وَيَغْسِلُ وَجْهَهُ فِي الْقَدَحِ ثُمّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُسْرَى فَيَصُبّ عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُمْنَى فِي الْقَدَحِ ثُمّ يُدْخِلُ يَدَهُ الْيُمْنَى فَيَصُبّ عَلَى رُكْبَتِهِ الْيُسْرَى ثُمّ يَغْسِلُ دَاخِلَةَ إزَارِهِ وَلَا يُوضَعُ الْقَدَحُ فِي الْأَرْضِ ثُمّ يُصَبّ عَلَى رَأْسِ الرّجُلِ الّذِي تُصِيبُهُ الْعَيْنُ مِنْ خَلْفِهِ صَبّةً وَاحِدَةً . وَالْعَيْنُ عَيْنَانِ عَيْنٌ إنْسِيّةٌ وَعَيْنٌ جِنّيّةٌ فَقَدْ صَحّ عَنْ أُمّ سَلَمَةَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَأَى فِي بَيْتِهَا جَارِيَةً فِي وَجْهِهَا سَفْعَةٌ فَقَالَ اسْتَرْقُوا لَهَا فَإِنّ بِهَا النّظْرَةَ قَالَ الْحُسَيْنُ بْنُ مَسْعُودٍ الْفَرّاءُ : وَقَوْلُهُ سَفْعَةٌ أَيْ نَظْرَةٌ يَعْنِي : مِنْ الْجِنّ يَقُولُ بِهَا عَيْنٌ أَصَابَتْهَا مِنْ نَظَرِ الْجِنّ أَنْفَذُ مِنْ أَسِنّةِ الرّمَاحِ . وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ إنّ الْعَيْنَ لَتُدْخِلُ الرّجُلَ الْقَبْرَ وَالْجَمَلَ الْقِدْرَ [ ص 152 ] أَبِي سَعِيدٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يَتَعَوّذُ مِنْ الْجَانّ وَمِنْ عَيْنِ الْإِنْسَانِ [قَوْلُ مَنْ أَبْطَلَ الْإِصَابَةَ بِالْعَيْنِ ] فَأَبْطَلَتْ طَائِفَةٌ مِمّنْ قَلّ نَصِيبُهُمْ مِنْ السّمْعِ وَالْعَقْلِ أَمْرَ الْعَيْنِ وَقَالُوا : إنّمَا ذَلِكَ أَوْهَامٌ لَا حَقِيقَةَ لَهُ وَهَؤُلَاءِ مِنْ أَجْهَلِ النّاسِ بِالسّمْعِ وَالْعَقْلِ وَمِنْ أَغْلَظِهِمْ حِجَابًا وَأَكْثَفِهِمْ طِبَاعًا وَأَبْعَدِهِمْ مَعْرِفَةً عَنْ الْأَرْوَاحِ وَالنّفُوسِ . وَصِفَاتِهَا وَأَفْعَالِهَا وَتَأْثِيرَاتِهَا وَعُقَلَاءُ الْأُمَمِ عَلَى اخْتِلَافِ مِلَلِهِمْ وَنِحَلِهِمْ لَا تَدْفَعُ أَمْرَ الْعَيْنِ وَلَا تُنْكِرُهُ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ وَجِهَةِ تَأْثِيرِ الْعَيْنِ . فَقَالَتْ طَائِفَةٌ إنّ الْعَائِنَ إذَا تَكَيّفَتْ نَفْسُهُ بِالْكَيْفِيّةِ الرّدِيئَةِ انْبَعَثَ مِنْ عَيْنِهِ قُوّةٌ سُمّيّةٌ تَتّصِلُ بِالْمَعِينِ فَيَتَضَرّرُ . قَالُوا : وَلَا يُسْتَنْكَرُ هَذَا كَمَا لَا يُسْتَنْكَرُ انْبِعَاثُ قُوّةٍ سُمّيّةٍ مِنْ الْأَفْعَى تَتّصِلُ بِالْإِنْسَانِ فَيَهْلَكُ وَهَذَا أَمْرٌ قَدْ اُشْتُهِرَ عَنْ نَوْعٍ مِنْ الْأَفَاعِي أَنّهَا إذَا وَقَعَ بَصَرُهَا عَلَى الْإِنْسَانِ هَلَكَ فَكَذَلِكَ الْعَائِنُ . وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى : لَا يُسْتَبْعَدُ أَنْ يَنْبَعِثَ مِنْ عَيْنِ بَعْضِ النّاسِ جَوَاهِرُ لَطِيفَةٌ غَيْرُ مَرْئِيّةٍ فَتَتّصِلُ بِالْمَعِينِ وَتَتَخَلّلُ مَسَامّ جِسْمِهِ فَيَحْصُلُ لَهُ الضّرَرُ . وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى : قَدْ أَجْرَى اللّهُ الْعَادَةَ بِخَلْقِ مَا يَشَاءُ مِنْ الضّرَرِ عِنْدَ مُقَابَلَةِ عَيْنِ الْعَائِنِ لِمَنْ يَعِينُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ مِنْهُ قُوّةٌ وَلَا سَبَبٌ وَلَا تَأْثِيرٌ أَصْلًا وَهَذَا مَذْهَبُ مُنْكِرِي الْأَسْبَابِ وَالْقُوَى وَالتّأْثِيرَاتِ فِي الْعَالَمِ وَهَؤُلَاءِ قَدْ سَدّوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ بَابَ الْعِلَلِ وَالتّأْثِيرَاتِ وَالْأَسْبَابِ وَخَالَفُوا الْعُقَلَاءَ أَجْمَعِينَ . [الرّدّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ الْإِصَابَةَ بِالْعَيْنِ ] وَلَا رَيْبَ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ فِي الْأَجْسَامِ وَالْأَرْوَاحِ قُوًى وَطَبَائِعَ مُخْتَلِفَةً [ ص 153 ] وَجَعَلَ فِي كَثِيرٍ مِنْهَا خَوَاصّ وَكَيْفِيّاتٍ مُؤَثّرَةً وَلَا يُمْكِنُ لِعَاقِلٍ إنْكَارُ تَأْثِيرِ الْأَرْوَاحِ فِي الْأَجْسَامِ فَإِنّهُ أَمْرٌ مُشَاهَدٌ مَحْسُوسٌ وَأَنْتَ تَرَى الْوَجْهَ كَيْفَ يَحْمَرّ حُمْرَةً شَدِيدَةً إذَا نَظَرَ إلَيْهِ مِنْ يَحْتَشِمُهُ وَيَسْتَحِي مِنْهُ وَيَصْفَرّ صُفْرَةً شَدِيدَةً عِنْدَ نَظَرِ مَنْ يَخَافُهُ إلَيْهِ وَقَدْ شَاهَدَ النّاسُ مَنْ يَسْقَمُ مِنْ النّظَرِ وَتَضْعُفُ قُوَاهُ وَهَذَا كُلّهُ بِوَاسِطَةِ تَأْثِيرِ الْأَرْوَاحِ وَلِشِدّةِ ارْتِبَاطِهَا بِالْعَيْنِ يُنْسَبُ الْفِعْلُ إلَيْهَا وَلَيْسَتْ هِيَ الْفَاعِلَةَ وَإِنّمَا التّأْثِيرُ لِلرّوحِ وَالْأَرْوَاحُ مُخْتَلِفَةٌ فِي طَبَائِعِهَا وَقُوَاهَا وَكَيْفِيّاتِهَا وَخَوَاصّهَا فَرُوحُ الْحَاسِدِ مُؤْذِيَةٌ لِلْمَحْسُودِ أَذًى بَيّنًا وَلِهَذَا أَمَرَ اللّهُ - سُبْحَانَهُ - رَسُولَهُ أَنْ يَسْتَعِيذَ بِهِ مِنْ شَرّهِ وَتَأْثِيرُ الْحَاسِدِ فِي أَذَى الْمَحْسُودِ أَمْرٌ لَا يُنْكِرُهُ إلّا مَنْ هُوَ خَارِجٌ عَنْ حَقِيقَةِ الْإِنْسَانِيّةِ وَهُوَ أَصْلُ الْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ فَإِنّ النّفْسَ الْخَبِيثَةَ الْحَاسِدَةَ تَتَكَيّفُ بِكَيْفِيّةٍ خَبِيثَةٍ وَتُقَابِلُ الْمَحْسُودَ فَتُؤَثّرُ فِيهِ بِتِلْكَ الْخَاصّيّةِ وَأَشْبَهُ الْأَشْيَاءِ بِهَذَا الْأَفْعَى فَإِنّ السّمّ كَامِنٌ فِيهَا بِالْقُوّةِ فَإِذَا قَابَلَتْ عَدُوّهَا انْبَعَثَتْ مِنْهَا قُوّةٌ غَضَبِيّةٌ وَتَكَيّفَتْ بِكَيْفِيّةٍ خَبِيثَةٍ مُؤْذِيَةٍ فَمِنْهَا مَا تَشْتَدّ كَيْفِيّتُهَا وَتَقْوَى حَتّى تُؤَثّرَ فِي إسْقَاطِ الْجَنِينِ وَمِنْهَا مَا تُؤَثّرُ فِي طَمْسِ الْبَصَرِ كَمَا قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْأَبْتَرِ وَذِي الطّفْيَتَيْنِ مِنْ الْحَيّاتِ إنّهُمَا يَلْتَمِسَانِ الْبَصَرَ وَيُسْقِطَانِ الْحَبَل [الْحَاسِدُ أَعَمّ مِنْ الْعَائِنِ ] وَمِنْهَا مَا تُؤَثّرُ فِي الْإِنْسَانِ كَيْفِيّتُهَا بِمُجَرّدِ الرّؤْيَةِ مِنْ غَيْرِ اتّصَالٍ بِهِ لِشِدّةِ خُبْثِ تِلْكَ النّفْسِ وَكَيْفِيّتِهَا الْخَبِيثَةِ الْمُؤَثّرَةِ وَالتّأْثِيرُ غَيْرُ مَوْقُوفٍ عَلَى الِاتّصَالَاتِ الْجِسْمِيّةِ كَمَا يَظُنّهُ مَنْ قَلّ عِلْمُهُ وَمَعْرِفَتُهُ بِالطّبِيعَةِ وَالشّرِيعَةِ بَلْ التّأْثِيرُ يَكُونُ تَارَةً بِالِاتّصَالِ وَتَارَةً بِالْمُقَابَلَةِ وَتَارَةً بِالرّؤْيَةِ وَتَارَةً بِتَوَجّهِ الرّوحِ نَحْوَ مَنْ يُؤَثّرُ فِيهِ وَتَارَةً بِالْأَدْعِيَةِ وَالرّقَى وَالتّعَوّذَاتِ وَتَارَةً بِالْوَهْمِ وَالتّخَيّلِ وَنَفْسُ الْعَائِنِ لَا يَتَوَقّفُ [ ص 154 ] أَعْمَى فَيُوصَفُ لَهُ الشّيْءُ فَتُؤَثّرُ نَفْسُهُ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَرَهُ وَكَثِيرٌ مِنْ الْعَائِنِينَ يُؤَثّرُ فِي الْمَعِينِ بِالْوَصْفِ مِنْ غَيْرِ رُؤْيَةٍ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِنَبِيّهِ { وَإِنْ يَكَادُ الّذِينَ كَفَرُوا لَيُزْلِقُونَكَ بِأَبْصَارِهِمْ لَمّا سَمِعُوا الذّكْرَ } [ الْقَلَمُ 51 ] . وَقَالَ { قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ وَمِنْ شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ وَمِنْ شَرّ النّفّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَمِنْ شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ } فَكُلّ عَائِنٍ حَاسِدٌ وَلَيْسَ كُلّ حَاسِدٍ عَائِنًا فَلَمّا كَانَ الْحَاسِدُ أَعَمّ مِنْ الْعَائِنِ كَانَتْ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْهُ اسْتِعَاذَةً مِنْ الْعَائِنِ وَهِيَ سِهَامٌ تَخْرُجُ مِنْ نَفْسِ الْحَاسِدِ وَالْعَائِنِ نَحْوَ الْمَحْسُودِ وَالْمَعِينِ تُصِيبُهُ تَارَةً وَتُخْطِئُهُ تَارَةً فَإِنْ صَادَفَتْهُ مَكْشُوفًا لَا وِقَايَةَ عَلَيْهِ أَثّرَتْ فِيهِ وَلَا بُدّ وَإِنْ صَادَفَتْهُ حَذِرًا شَاكِيَ السّلَاحِ لَا مَنْفَذَ فِيهِ لِلسّهَامِ لَمْ تُؤَثّرْ فِيهِ وَرُبّمَا رُدّتْ السّهَامُ عَلَى صَاحِبِهَا وَهَذَا بِمَثَابَةِ الرّمْيِ الْحِسّيّ سَوَاءً فَهَذَا مِنْ النّفُوسِ وَالْأَرْوَاحِ وَذَاكَ مِنْ الْأَجْسَامِ وَالْأَشْبَاحِ . وَأَصْلُهُ مِنْ إعْجَابِ الْعَائِنِ بِالشّيْءِ ثُمّ تَتْبَعُهُ كَيْفِيّةُ نَفْسِهِ الْخَبِيثَةِ ثُمّ تَسْتَعِينُ عَلَى تَنْفِيذِ سُمّهَا بِنَظْرَةٍ إلَى الْمَعِينِ وَقَدْ يَعِينُ الرّجُلُ نَفْسَهُ وَقَدْ يَعِينُ بِغَيْرِ إرَادَتِهِ بَلْ بِطَبْعِهِ وَهَذَا أَرْدَأُ مَا يَكُونُ مِنْ النّوْعِ الْإِنْسَانِيّ وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ مِنْ الْفُقَهَاءِ إنّ مَنْ عُرِفَ بِذَلِكَ حَبَسَهُ الْإِمَامُ وَأَجْرَى لَهُ مَا يُنْفَقُ عَلَيْهِ إلَى الْمَوْتِ وَهَذَا هُوَ الصّوَابُ قَطْعًا . فَصْلٌ [عِلَاجُ الْمَعْيُونِ بِالتّعَوّذَاتِ وَالرّقَى ] وَالْمَقْصُودُ الْعِلَاجُ النّبَوِيّ لِهَذِهِ الْعِلّةِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ مَرَرْنَا بِسَيْلٍ فَدَخَلْت فَاغْتَسَلْت فِيهِ فَخَرَجْتُ مَحْمُومًا فَنُمِيَ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ " مُرُوا أَبَا ثَابِتٍ يَتَعَوّذُ قَالَ فَقُلْت : يَا سَيّدِي وَالرّقَى صَالِحَةٌ ؟ فَقَالَ لَا رُقْيَةَ إلّا فِي نَفْسٍ أَوْ حُمّةٍ أَوْ لَدْغَةٍ [ ص 155 ] يُقَالُ أَصَابَتْ فُلَانًا نَفْسٌ أَيْ عَيْنٌ . وَالنّافِسُ الْعَائِنُ . وَاللّدْغَةُ - بِدَالٍ مُهْمَلَةٍ وَغَيْنٍ مُعْجَمَةٍ - وَهِيَ ضَرْبَةُ الْعَقْرَبِ وَنَحْوَهَا . [عِبَارَاتٌ مِنْ التّعَوّذَاتِ النّبَوِيّةِ ] فَمِنْ التّعَوّذَاتِ وَالرّقَى الْإِكْثَارُ مِنْ قِرَاءَةِ الْمُعَوّذَتَيْنِ وَفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَآيَةِ الْكُرْسِيّ وَمِنْهَا التّعَوّذَاتُ النّبَوِيّةُ . نَحْوُ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللّهِ التّامّاتِ مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ وَنَحْوُ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللّهِ التّامّةِ مِنْ كُلّ شَيْطَانٍ وَهَامّةٍ وَمِنْ كُلّ عَيْنٍ لَامّةٍ وَنَحْوُ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللّهِ التّامّاتِ الّتِي لَا يُجَاوِزُهُنّ بَرّ وَلَا فَاجِرٌ مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ وَمِنْ شَرّ مَا يَنْزِلُ مِنْ السّمَاءِ وَمِنْ شَرّ مَا يَعْرُجُ فِيهَا وَمِنْ شَرّ مَا ذَرَأَ فِي الْأَرْضِ وَمِنْ شَرّ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَمِنْ شَرّ فِتَنِ اللّيْلِ وَالنّهَارِ وَمِنْ شَرّ طَوَارِقِ اللّيْلِ إلّا طَارِقًا يَطْرُقُ بِخَيْرٍ يَا رَحْمَن وَمِنْهَا : أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللّهِ التّامّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَمِنْ شَرّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُون وَمِنْهَا : اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِوَجْهِك الْكَرِيمِ وَكَلِمَاتِك التّامّاتِ مِنْ شَرّ مَا أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ اللّهُمّ أَنْتَ تَكْشِفُ الْمَأْثَمَ وَالْمَغْرَمَ اللّهُمّ إنّهُ لَا يُهْزَمُ جُنْدُك وَلَا يُخْلَفُ وَعْدُكُ سُبْحَانَك وَبِحَمْدِك وَمِنْهَا : أَعُوذُ بِوَجْهِ اللّهِ الْعَظِيمِ الّذِي لَا شَيْءَ أَعْظَمُ مِنْهُ وَبِكَلِمَاتِهِ التّامّاتِ الّتِي لَا يُجَاوِزُهُنّ بَرّ وَلَا فَاجِرٌ وَأَسْمَاءِ اللّهِ الْحُسْنَى مَا عَلِمْتُ مِنْهَا وَمَا لَمْ أَعْلَمْ مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ وَذَرَأَ وَبَرَأَ وَمِنْ شَرّ كُلّ ذِي شَرّ لَا أُطِيقُ شَرّهُ وَمِنْ شَرّ كُلّ ذِي شَرّ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهِ إنّ رَبّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ وَمِنْهَا : اللّهُمّ أَنْتَ رَبّي لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ عَلَيْك تَوَكّلْت وَأَنْتَ رَبّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ مَا شَاءَ اللّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ أَعْلَمُ أَنّ اللّهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنّ اللّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَيْءٍ عِلْمًا وَأَحْصَى كُلّ شَيْءٍعَدَدًا اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ نَفْسِي وَشَرّ الشّيْطَانِ وَشِرْكِهِ وَمِنْ شَرّ كُلّ دَابّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إنّ رَبّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [ ص 156 ] شَاءَ قَالَ تَحَصّنْتُ بِاَللّهِ الّذِي لَا إلَهَ إلّا هُوَ إلَهِي وَإِلَهِ كُلّ شَيْءٍ وَاعْتَصَمْتُ بِرَبّي وَرَبّ كُلّ شَيْءٍ وَتَوَكّلْتُ عَلَى الْحَيّ الّذِي لَا يَمُوتُ وَاسْتَدْفَعْتُ الشّرّ بِلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ حَسْبِي اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ حَسْبِي الرّبّ مِنْ الْعِبَادِ حَسَبِي الْخَالِقُ مِنْ الْمَخْلُوقِ حَسَبِي الرّازِقُ مِنْ الْمَرْزُوقِ حَسْبِي الّذِي هُوَ حَسْبِي حَسْبِي الّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ حَسْبِي اللّهُ وَكَفَى سَمِعَ اللّهُ لِمَنْ دَعَا لَيْسَ وَرَاءَ اللّهِ مَرْمَى حَسْبِي اللّهُ لَا إلَهَ إلّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكّلْت وَهُوَ رَبّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وَمَنْ جَرّبَ هَذِهِ الدّعَوَاتِ وَالْعُوَذَ عَرَفَ مِقْدَارَ مَنْفَعَتِهَا وَشِدّةَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا وَهِيَ تَمْنَعُ وُصُولَ أَثَرِ الْعَائِنِ وَتَدْفَعُهُ بَعْدَ وُصُولِهِ بِحَسَبِ قُوّةِ إيمَانِ قَائِلِهَا وَقُوّةِ نَفْسِهِ وَاسْتِعْدَادِهِ وَقُوّةِ تَوَكّلِهِ وَثَبَاتِ قَلْبِهِ فَإِنّهَا سِلَاحٌ وَالسّلَاحُ بِضَارِبِهِ . فَصْلٌ [مَا يَقُولُهُ الْعَائِنُ خَشْيَةً مِنْ ضَرَرِ عَيْنِهِ ] وَإِذَا كَانَ الْعَائِنُ يَخْشَى ضَرَرَ عَيْنِهِ وَإِصَابَتَهَا لِلْمَعِينِ فَلْيَدْفَعْ شَرّهَا بِقَوْلِهِ اللّهُمّ بَارِكْ عَلَيْهِ كَمَا قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِعَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ لَمّا عَانَ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ " أَلَا بَرّكْت " أَيْ قُلْتَ اللُهمّ بَارِكْ عَلَيْهِ وَمِمّا يُدْفَعُ بِهِ إصَابَةُ الْعَيْنِ قَوْلُ مَا شَاءَ اللّهُ لَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ رَوَى هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ أَنّهُ كَانَ إذَا رَأَى شَيْئًا يُعْجِبُهُ أَوْ دَخَلَ حَائِطًا مِنْ حِيطَانِهِ قَالَ مَا شَاءَ اللّهُ لَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ . [الرّقْيَةُ لِلْمَعِينِ ] وَمِنْهَا رُقْيَةُ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السّلَامُ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الّتِي رَوَاهَا مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " [ ص 157 ] بِاسْمِ اللّهِ أَرْقِيك مِنْ كُلّ شَيْءٍ يُؤْذِيك مِنْ شَرّ كُلّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللّهُ يَشْفِيك بِاسْمِ اللّهِ أَرْقِيكَ [كِتَابَةُ الْآيَاتِ ثُمّ شُرْبُهَا ] وَرَأَى جَمَاعَةٌ مِنْ السّلَفِ أَنْ تُكْتَبَ لَهُ الْآيَاتُ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمّ يَشْرَبَهَا . قَالَ مُجَاهِدٌ : لَا بَأْسَ أَنْ يَكْتُبَ الْقُرْآنَ وَيَغْسِلَهُ وَيَسْقِيَهُ الْمَرِيضَ وَمِثْلُهُ عَنْ أَبِي قِلَابَة َ . وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ : أَنّهُ أَمَرَ أَنْ يُكْتَبَ لِاِمْرَأَةٍ تَعَسّرَ عَلَيْهَا وِلَادُهَا أَثَرٌ مِنْ الْقُرْآنِ ثُمّ يُغْسَلُ وَتُسْقَى وَقَالَ أَيّوبُ رَأَيْتُ أَبَا قِلَابَةَ كَتَبَ كِتَابًا مِنْ الْقُرْآنِ ثُمّ غَسَلَهُ بِمَاءٍ وَسَقَاهُ رَجُلًا كَانَ بِهِ وَجَعٌ فَصْلٌ [اسْتِغْسَالُ الْعَائِنِ لِلْمَعِينِ ] [الرّدّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَهُ مِنْ الْأَطِبّاءِ ] وَمِنْهَا : أَنْ يُؤْمَرَ الْعَائِنُ بِغَسْلِ مَغَابِنِهِ وَأَطْرَافِهِ وَدَاخِلَةِ إزَارِهِ وَفِيهِ قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا : أَنّهُ فَرْجُهُ . وَالثّانِي : أَنّهُ طَرَفُ إزَارِهِ الدّاخِلِ الّذِي يَلِي جَسَدَهُ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ ثُمّ يُصَبّ عَلَى رَأْسِ الْمَعِينِ مِنْ خَلْفِهِ بَغْتَةً وَهَذَا مِمّا لَا يَنَالُهُ عِلَاجُ الْأَطِبّاءِ وَلَا يَنْتَفِعُ بِهِ مَنْ أَنْكَرَهُ أَوْ سَخِرَ مِنْهُ أَوْ شَكّ فِيهِ أَوْ فَعَلَهُ مُجَرّبًا لَا يَعْتَقِدُ أَنّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ . [حِكْمَةُ الْاِسْتِغْسَالِ ] وَإِذَا كَانَ فِي الطّبِيعَةِ خَوَاصّ لَا تَعْرِفُ الْأَطِبّاءُ عِلَلَهَا أَلْبَتّةَ بَلْ هِيَ عِنْدَهُمْ خَارِجَةٌ عَنْ قِيَاسِ الطّبِيعَةِ تَفْعَلُ بِالْخَاصّيّةِ فَمَا الّذِي يُنْكِرُهُ زَنَادِقَتُهُمْ وَجَهَلَتُهُمْ مِنْ الْخَوَاصّ الشّرْعِيّةِ هَذَا مَعَ أَنّ فِي الْمُعَالَجَةِ بِهَذَا الْاِسْتِغْسَالِ مَا تَشْهَدُ لَهُ الْعُقُولُ الصّحِيحَةُ وَتُقِرّ لِمُنَاسَبَتِهِ فَاعْلَمْ أَنّ تِرْيَاقَ سُمّ الْحَيّةِ فِي لَحْمِهَا وَأَنّ عِلَاجَ تَأْثِيرِ النّفْسِ الْغَضَبِيّةِ فِي تَسْكِينِ غَضَبِهَا وَإِطْفَاءِ نَارِهِ بِوَضْعِ يَدِكَ عَلَيْهِ وَالْمَسْحِ عَلَيْهِ وَتَسْكِينِ غَضَبِهِ وَذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ رَجُلٍ مَعَهُ شُعْلَةٌ مِنْ نَارٍ وَقَدْ أَرَادَ أَنْ يَقْذِفَك بِهَا فَصَبَبْتَ عَلَيْهَا الْمَاءَ وَهِيَ فِي يَدِهِ حَتّى طُفِئَت وَلِذَلِكَ أُمِرَ الْعَائِنُ أَنْ يَقُولَ [ ص 158 ] اللّهُمّ بَارِكْ عَلَيْهِ لِيَدْفَعَ تِلْكَ الْكَيْفِيّةِ الْخَبِيثَةِ بِالدّعَاءِ الّذِي هُوَ إحْسَانٌ إلَى الْمَعِينِ فَإِنّ دَوَاءَ الشّيْءِ بِضِدّهِ . وَلَمّا كَانَتْ هَذِهِ الْكَيْفِيّةُ الْخَبِيثَةُ تَظْهَرُ فِي الْمَوَاضِعِ الرّقِيقَةِ مِنْ الْجَسَدِ لِأَنّهَا تَطْلُبُ النّفُوذَ فَلَا تَجِدُ أَرَقّ مِنْ الْمَغَابِنِ وَدَاخِلَةِ الْإِزَارِ وَلَا سِيّمَا إنْ كَانَ كِنَايَةً عَنْ الْفَرَجِ فَإِذَا غُسِلَتْ بِالْمَاءِ بَطَلَ تَأْثِيرُهَا وَعَمَلُهَا وَأَيْضًا فَهَذِهِ الْمَوَاضِعُ لِلْأَرْوَاحِ الشّيْطَانِيّةِ بِهَا اخْتِصَاصٌ . وَالْمَقْصُودُ أَنّ غَسْلَهَا بِالْمَاءِ يُطْفِئُ تِلْكَ النّارِيّةِ وَيَذْهَبُ بِتِلْكَ السّمّيّةِ . وَفِيهِ أَمْرٌ آخَرُ وَهُوَ وُصُولُ أَثَرِ الْغَسْلِ إلَى الْقَلْبِ مِنْ أَرَقّ الْمَوَاضِعِ وَأَسْرَعِهَا تَنْفِيذًا فَيُطْفِئُ تِلْكَ النّارِيّةِ وَالسّمّيّةِ بِالْمَاءِ فَيُشْفَى الْمَعِينُ وَهَذَا كَمَا أَنّ ذَوَاتَ السّمُومِ إذَا قُتِلَتْ بَعْدَ لَسْعِهَا خَفّ أَثَرُ اللّسْعَةِ عَنْ الْمَلْسُوعِ وَوَجَدَ رَاحَةً فَإِنّ أَنْفُسَهَا تَمُدّ أَذَاهَا بَعْدَ لَسْعِهَا وَتُوَصّلُهُ إلَى الْمَلْسُوعِ . فَإِذَا قُتِلَتْ خَفّ الْأَلَمُ وَهَذَا مُشَاهَدٌ . وَإِنْ كَانَ مِنْ أَسْبَابِهِ فَرَحُ الْمَلْسُوعِ وَاشْتِفَاءُ نَفْسِهِ بِقَتْلِ عَدُوّهِ فَتَقْوَى الطّبِيعَةُ عَلَى الْأَلَمِ فَتَدْفَعُهُ . وَبِالْجُمْلَةِ غَسْلُ الْعَائِنِ يُذْهِبُ تِلْكَ الْكَيْفِيّةِ الّتِي ظَهَرَتْ مِنْهُ وَإِنّمَا يَنْفَعُ غَسْلُهُ عِنْدَ تَكَيّفِ نَفْسِهِ بِتِلْكَ الْكَيْفِيّةِ . [حِكْمَةُ صَبّ مَاءِ الْاِسْتِغْسَالِ عَلَى الْمَعِينِ ] فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ ظَهَرَتْ مُنَاسَبَةُ الْغَسْلِ فَمَا مُنَاسَبَةُ صَبّ ذَلِكَ الْمَاءِ عَلَى الْمَعِينِ ؟ قِيلَ هُوَ فِي غَايَةِ الْمُنَاسَبَةِ فَإِنّ ذَلِكَ الْمَاءَ مَاءٌ طُفِئَ بِهِ تِلْكَ النّارِيّةُ وَأُبْطِلَ تِلْكَ الْكَيْفِيّةُ الرّدِيئَةُ مِنْ الْفَاعِلِ فَكَمَا طُفِئَت بِهِ النّارِيّةُ الْقَائِمَةُ بِالْفَاعِلِ طُفِئَت بِهِ وَأُبْطِلَتْ عَنْ الْمَحَلّ الْمُتَأَثّرِ بَعْدَ مُلَابَسَتِهِ لِلْمُؤَثّرِ الْعَائِنِ وَالْمَاءُ الّذِي يُطْفَأُ بِهِ الْحَدِيدُ يَدْخُلُ فِي أَدْوِيَةٍ عِدّةٍ طَبِيعِيّةٍ ذَكَرَهَا الْأَطِبّاءُ فَهَذَا الّذِي طُفِئَ بِهِ نَارِيّةُ الْعَائِنِ لَا يُسْتَنْكَرُ أَنْ يَدْخُلَ فِي دَوَاءٍ يُنَاسِبُ هَذَا الدّاءَ . وَبِالْجُمْلَةِ فَطِبّ الطّبَائِعِيّةِ وَعِلَاجُهُمْ بِالنّسْبَةِ إلَى الْعِلَاجِ النّبَوِيّ كَطِبّ الطّرُقِيّةِ بِالنّسْبَةِ إلَى طِبّهِمْ بَلْ أَقَلّ فَإِنّ التّفَاوُتَ الّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَنْبِيَاءِ أَعْظَمُ وَأَعْظَمُ مِنْ التّفَاوُتِ الّذِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الطّرُقِيّةِ بِمَا لَا يُدْرِكُ الْإِنْسَانُ مِقْدَارَهُ فَقَدْ ظَهَرَ لَك عَقْدُ الْإِخَاءِ الّذِي [ ص 159 ] مُنَاقَضَةِ أَحَدِهِمَا لِلْآخَرِ وَاَللّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى الصّوَابِ وَيَفْتَحُ لِمَنْ أَدَامَ قَرْعَ بَابَ التّوْفِيقِ مِنْهُ كُلّ بَابٍ وَلَهُ النّعْمَةُ السّابِغَةُ وَالْحُجّةُ الْبَالِغَةُ . فَصْلٌ [ لِلِاحْتِرَازِ مِنْ الْإِصَابَةِ بِالْعَيْنِ سَتْرُ مَحَاسِنِ مَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْعَيْنُ ] وَمِنْ عِلَاجِ ذَلِكَ أَيْضًا وَالِاحْتِرَازِ مِنْهُ سَتْرُ مَحَاسِنِ مَنْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْعَيْنُ بِمَا يَرُدّهَا عَنْهُ كَمَا ذَكَرَ الْبَغَوِيّ فِي كِتَابِ " شَرْحِ السّنّةِ " : أَنّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ رَأَى صَبِيّا مَلِيحًا فَقَالَ دَسّمُوا نُونَتَهُ لِئَلّا تُصِيبَهُ الْعَيْنُ ثُمّ قَالَ فِي تَفْسِيرِهِ وَمَعْنَى : دَسّمُوا نُونَتَهُ أَيْ سَوّدُوا نُونَتَهُ وَالنّونَةُ النّقْرَةُ الّتِي تَكُونُ فِي ذَقَنِ الصّبِيّ الصّغِيرِ . وَقَالَ الْخَطّابِي فِي " غَرِيبِ الْحَدِيثِ " لَهُ عَنْ عُثْمَانَ : إنّهُ رَأَى صَبِيّا تَأْخُذُهُ الْعَيْنُ فَقَالَ دَسّمُوا نُونَتَهُ فَقَالَ أَبُو عَمْرٍو : سَأَلْت أَحْمَدَ بْنَ يَحْيَى عَنْهُ فَقَالَ أَرَادَ بِالنّونَةِ النّقْرَةُ الّتِي فِي ذَقَنِهِ . وَالتّدْسِيمُ التّسْوِيدُ . أَرَادَ سَوّدُوا ذَلِكَ الْمَوْضِعَ مِنْ ذَقَنِهِ لِيَرُدّ الْعَيْنَ . قَالَ وَمِنْ هَذَا حَدِيثُ عَائِشَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَطَبَ ذَاتَ يَوْمٍ وَعَلَى رَأْسِهِ عِمَامَةٌ دَسْمَاءُ أَيْ سَوْدَاءُ . أَرَادَ الِاسْتِشْهَادَ عَلَى اللّفْظَةِ وَمِنْ هَذَا أَخَذَ الشّاعِرُ قَوْلَهُ [ ص 160 ] مَا كَانَ أَحْوَجَ ذَا الْكَمَالِ إلَى عَيْبٍ يُوَقّيهِ مِنْ الْعَيْنِ فَصْلٌ [ذَكَرَ رُقْيَةً تَرُدّ الْعَيْنَ ] وَمِنْ الرّقَى الّتِي تَرُدّ الْعَيْنَ مَا ذُكِرَ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللّهِ السّاجِيّ أَنّهُ كَانَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ لِلْحَجّ أَوْ الْغَزْوِ عَلَى نَاقَةٍ فَارِهَةٍ وَكَانَ فِي الرّفْقَةِ رَجُلٌ عَائِنٌ قَلّمَا نَظَرَ إلَى شَيْءٍ إلّا أَتْلَفَهُ فَقِيلَ لِأَبِي عَبْدِ اللّهِ : احْفَظْ نَاقَتَك مِنْ الْعَائِنِ فَقَالَ لَيْسَ لَهُ إلَى نَاقَتِي سَبِيلٌ فَأُخْبِرَ الْعَائِنُ بِقَوْلِهِ فَتَحَيّنَ غَيْبَةَ أَبِي عَبْدِ اللّه ِ فَجَاءَ إلَى رَحْلِهِ فَنَظَرَ إلَى النّاقَةِ فَاضْطَرَبَتْ وَسَقَطَتْ فَجَاءَ أَبُو عَبْدِ اللّهِ فَأُخْبِرَ أَنّ الْعَائِنَ قَدْ عَانَهَا وَهِيَ كَمَا تَرَى فَقَالَ دِلّونِي عَلَيْهِ فَدُلّ فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَقَالَ بِسْمِ اللّهِ حَبْسٌ حَابِسٌ وَحَجَرٌ يَابِسٌ وَشِهَابٌ قَابِسٌ رَدَدْتُ عَيْنَ الْعَائِنِ عَلَيْهِ وَعَلَى أَحَبّ النّاسِ إلَيْهِ { فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِنْ فُطُورٍ ثُمّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خَاسِئًا وَهُوَ حَسِيرٌ } [ الْمَلِكُ 4ُ3 ] فَخَرَجَتْ حَدَقَتَا الْعَائِنِ وَقَامَتْ النّاقَةُ لَا بَأْسَ بِهَا . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْعِلَاجِ الْعَامّ لِكُلّ شَكْوَى بِالرّقْيَةِ الْإِلَهِيّةِ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " : مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدّرْدَاء ِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ مَنْ اشْتَكَى مِنْكُمْ شَيْئًا أَوْ اشْتَكَاهُ أَخٌ لَهُ فَلْيَقُلْ رَبّنَا اللّهُ الّذِي فِي السّمَاءِ تَقَدّسَ اسْمُك أَمْرُكَ فِي السّمَاءِ وَالْأَرْضِ كَمَا رَحْمَتُكَ فِي السّمَاءِ فَاجْعَلْ رَحْمَتَكَ فِي الْأَرْضِ وَاغْفِرْ لَنَا حُوْبَنَا وَخَطَايَانَا أَنْتَ رَبّ الطّيّبِينَ أَنْزِلْ رَحْمَةً مِنْ رَحْمَتِك وَشِفَاءً مِنْ شِفَائِكَ عَلَى هَذَا الْوَجَعِ فَيَبْرَأُ بِإِذْنِ اللّهِ . [ ص 161 ] صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي ّ أَنّ جِبْرِيلَ - عَلَيْهِ السّلَامُ - أَتَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا مُحَمّدُ اشْتَكَيْتَ ؟ فَقَالَ " نَعَمْ " فَقَالَ جِبْرِيلُ - عَلَيْهِ السّلَامُ - بِاسْمِ اللّهِ أَرْقِيكَ مِنْ كُلّ شَيْءٍ يُؤْذِيكَ مِنْ شَرّ كُلّ نَفْسٍ أَوْ عَيْنِ حَاسِدٍ اللّهُ يَشْفِيكَ بِاسْمِ اللّهِ أَرْقِيك . فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُونَ فِي الْحَدِيثِ الّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ : لَا رُقْيَةَ إلّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ وَالْحُمَةُ ذَوَاتُ السّمُومِ كُلّهَا . [التّوْفِيقُ بَيْنَ جَوَازِ الرّقْيَةِ لِكُلّ شَكْوَى وَبَيْنَ " لَا رُقْيَةَ إلّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ "] فَالْجَوّابُ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يُرِدْ بِهِ نَفْيَ جَوَازِ الرّقْيَةِ فِي غَيْرِهَا بَلْ الْمُرَادُ بِهِ لَا رُقْيَةَ أَوْلَى وَأَنْفَعُ مِنْهَا فِي الْعَيْنِ وَالْحُمَةِ وَيَدُلّ عَلَيْهِ سِيَاقُ الْحَدِيثِ فَإِنّ سَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ قَالَ لَهُ لَمّا أَصَابَتْهُ الْعَيْنُ أَوَ فِي الرّقَى خَيْرٌ ؟ فَقَالَ لَا رُقْيَةَ إلّا فِي نَفْسٍ أَوْ حُمَةٍ وَيَدُلّ عَلَيْهِ سَائِرُ أَحَادِيثِ الرّقَى الْعَامّةِ وَالْخَاصّةِ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا رُقْيَةَ إلّا مِنْ عَيْنٍ أَوْ حُمَةٍ أَوْ دَمٍ يَرْقَأُ وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْهُ أَيْضًا : رَخّصَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الرّقْيَةِ مِنْ الْعَيْنِ وَالْحُمَةِ وَالنّمْلَةِ [ ص 162 ] فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي رُقْيَةِ اللّدِيغِ بِالْفَاتِحَةِ أَخْرَجَا فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِيّ قَالَ ا نْطَلَقَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي سُفْرَةٍ سَافَرُوهَا حَتّى نَزَلُوا عَلَى حَيّ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ فَاسْتَضَافُوهُمْ فَأَبَوْا أَنْ يُضَيّفُوهُمْ فَلُدِغَ سَيّدُ ذَلِكَ الْحَيّ فَسَعَوْا لَهُ بِكُلّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ شَيْءٌ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ أَتَيْتُمْ هَؤُلَاءِ الرّهْطَ الّذِينَ نَزَلُوا لَعَلّهُمْ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ بَعْضِهِمْ شَيْءٌ فَأَتَوْهُمْ فَقَالُوا : يَا أَيّهَا الرّهْطُ إنّ سَيّدَنَا لُدِغَ وَسَعَيْنَا لَهُ بِكُلّ شَيْءٍ لَا يَنْفَعُهُ فَهَلْ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْكُمْ مِنْ شَيْءٍ ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ نَعَمْ وَاَللّهِ إنّي لَأَرْقِي وَلَكِنْ اسْتَضَفْنَاكُمْ فَلَمْ تُضَيّفُونَا فَمَا أَنَا بَرَاقٍ حَتّى تَجْعَلُوا لَنَا جُعْلًا فَصَالَحُوهُمْ عَلَى قَطِيعٍ مِنْ الْغَنَمِ فَانْطَلَقَ يَتْفُلُ عَلَيْهِ وَيَقْرَأُ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ فَكَأَنّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ فَانْطَلَقَ يَمْشِي وَمَا بِهِ قَلَبَةٌ قَالَ فَأَوْفَوْهُمْ جُعْلَهُمْ الّذِي صَالَحُوهُمْ عَلَيْهِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ اقْتَسِمُوا فَقَالَ الّذِي رَقَى : لَا تَفْعَلُوا حَتّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَنَذْكُرَ لَهُ الّذِي كَانَ فَنَنْظُرَ مَا يَأْمُرُنَا فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَذَكَرُوا لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ " وَمَا يُدْرِيكَ أَنّهَا رُقْيَةٌ ؟ " ثُمّ قَالَ قَدْ أَصَبْتُمْ اقْسِمُوا وَاضْرِبُوا لِي مَعَكُمْ سَهْمًا وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ عَلِيّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ خَيْرُ الدّوَاءِ الْقُرْآنُ [فَائِدَةُ الرّقْيَةِ بِالْقُرْآنِ وَبِخَاصّةٍ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ ] وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنّ بَعْضَ الْكَلَامِ لَهُ خَوَاصّ وَمَنَافِعُ مُجَرّبَةٌ فَمَا الظّنّ بِكَلَامِ رَبّ الْعَالَمِينَ الّذِي فَضْلُهُ عَلَى كُلّ كَلَامٍ كَفَضْلِ اللّهِ عَلَى خَلْقِهِ الّذِي هُوَ الشّفَاءُ [ ص 163 ] الْهَادِي وَالرّحْمَةُ الْعَامّةُ الّذِي لَوْ أُنْزِلَ عَلَى جَبَلٍ لَتَصَدّعَ مِنْ عَظْمَتِهِ وَجَلَالَتِهِ . قَالَ تَعَالَى : { وَنُنَزّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } [ الْإِسْرَاءُ : 82 ] و " مِنْ " هَا هُنَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ لَا لِلتّبْعِيضِ هَذَا أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَعَدَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ مِنْهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا } [ الْفَتْحُ 29 ] وَكُلّهُمْ مِنْ الّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ فَمَا الظّنّ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ الّتِي لَمْ يُنْزَلْ فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي التّوْرَاةِ وَلَا فِي الْإِنْجِيلِ وَلَا فِي الزّبُورِ مِثْلُهَا الْمُتَضَمّنَةِ لِجَمِيعِ مَعَانِي كُتُبِ اللّهِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى ذِكْرِ أُصُولِ أَسْمَاءِ الرّبّ - تَعَالَى - وَمَجَامِعِهَا و هِيَ اللّهُ وَالرّبّ وَالرّحْمَنُ وَإِثْبَاتُ الْمَعَادِ وَذِكْرِ التّوْحِيدَيْنِ تَوْحِيدِ الرّبُوبِيّةِ وَتَوْحِيدِ الْإِلَهِيّةِ وَذِكْرِ الِافْتِقَارِ إلَى الرّبّ سُبْحَانَهُ فِي طَلَبِ الْإِعَانَةِ وَطَلَبِ الْهِدَايَةِ وَتَخْصِيصِهِ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ وَذِكْرِ أَفْضَلِ الدّعَاءِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَنْفَعِهِ وَأَفْرَضِهِ وَمَا الْعِبَادُ أَحْوَجُ شَيْءٍ إلَيْهِ وَهُوَ الْهِدَايَةُ إلَى صِرَاطِهِ الْمُسْتَقِيمِ الْمُتَضَمّنِ كَمَالَ مَعْرِفَتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَعِبَادَتِهِ - بِفِعْلِ مَا أَمَرَ بِهِ وَاجْتِنَابِ مَا نَهَى عَنْهُ وَالِاسْتِقَامَةِ عَلَيْهِ إلَى الْمَمَاتِ وَيَتَضَمّنُ ذِكْرَ أَصْنَافِ الْخَلَائِقِ وَانْقِسَامَهُمْ إلَى مُنْعَمٍ عَلَيْهِ بِمَعْرِفَةِ الْحَقّ وَالْعَمَلِ بِهِ وَمَحَبّتِهِ وَإِيثَارِهِ وَمَغْضُوبٍ عَلَيْهِ بِعُدُولِهِ عَنْ الْحَقّ بَعْدَ مَعْرِفَتِهِ لَهُ وَضَالّ بِعَدَمِ مَعْرِفَتِهِ لَهُ . وَهَؤُلَاءِ أَقْسَامُ الْخَلِيقَةِ مَعَ تَضَمّنِهَا لِإِثْبَاتِ الْقَدَرِ وَالشّرْعِ وَالْأَسْمَاءِ وَالصّفَاتِ وَالْمَعَادِ وَالنّبُوّاتِ وَتَزْكِيَةِ النّفُوسِ وَإِصْلَاحِ الْقُلُوبِ وَذِكْرِ عَدْلِ اللّهِ وَإِحْسَانِهِ وَالرّدّ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْبِدَعِ وَالْبَاطِلِ كَمَا ذَكَرْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِنَا الْكَبِيرِ " مَدَارِجِ السّالِكِينَ " فِي شَرْحِهَا . وَحَقِيقٌ بِسُورَةٍ هَذَا بَعْضُ شَأْنِهَا أَنْ يُسْتَشْفَى بِهَا مِنْ الْأَدْوَاءِ وَيُرْقَى بِهَا اللّدِيغُ . وَبِالْجُمْلَةِ فَمَا تَضَمّنَتْهُ الْفَاتِحَةُ مِنْ إخْلَاصِ الْعُبُودِيّةِ وَالثّنَاءِ عَلَى اللّهِ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ كُلّهِ إلَيْهِ وَالِاسْتِعَانَةِ بِهِ وَالتّوَكّلِ عَلَيْهِ وَسُؤَالِهِ مَجَامِعَ النّعَمِ كُلّهَا وَهِيَ الْهِدَايَةُ الّتِي تَجْلِبُ النّعَمَ وَتَدْفَعُ النّقَمَ مِنْ أَعْظَمِ الْأَدْوِيَةِ الشّافِيَةِ الْكَافِيَةِ . [ ص 164 ] [ قِرَاءَةُ الْمُصَنّفِ الْفَاتِحَةَ عَلَى مَاءِ زَمْزَمَ وَذَلِكَ عِنْدَ سَقَمِهِ فِي مَكّةَ] وَقَدْ قِيلَ إنّ مَوْضِعَ الرّقْيَةِ مِنْهَا : { إِيّاكَ نَعْبُدُ وَإِيّاكَ نَسْتَعِينُ } وَلَا رَيْبَ أَنّ هَاتَيْنِ الْكَلِمَتَيْنِ مِنْ أَقْوَى أَجْزَاءِ هَذَا الدّوَاءِ فَإِنّ فِيهِمَا مِنْ عُمُومِ التّفْوِيضِ وَالتّوَكّلِ وَالِالْتِجَاءِ وَالِاسْتِعَانَةِ وَالِافْتِقَارِ وَالطّلَبِ وَالْجَمْعِ بَيْنَ أَعْلَى الْغَايَاتِ وَهِيَ عِبَادَةُ الرّبّ وَحْدَهُ وَأَشْرَفُ الْوَسَائِلِ وَهِيَ الِاسْتِعَانَةُ بِهِ عَلَى عِبَادَتِهِ مَا لَيْسَ فِي غَيْرِهَا وَلَقَدْ مَرّ بِي وَقْتٌ بِمَكّةَ سَقِمْتُ فِيهِ وَفَقَدْتُ الطّبِيبَ وَالدّوَاءَ فَكُنْت أَتَعَالَجُ بِهَا آخُذُ شَرْبَةً مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ وَأَقْرَؤُهَا عَلَيْهَا مِرَارًا ثُمّ أَشْرَبُهُ فَوَجَدْتُ بِذَلِكَ الْبُرْءَ التّامّ ثُمّ صِرْت أَعْتَمِدُ ذَلِكَ عِنْد كَثِيرٍ مِنْ الْأَوْجَاعِ فَأَنْتَفِعُ بِهَا غَايَةَ الِانْتِفَاعِ . فَصْلٌ [نَفْسُ الرّاقِي تَفْعَلُ فِي نَفْسِ الْمَرْقِيّ فَتَدْفَعُ عَنْهُ الْمَرَضَ بِإِذْنِ اللّهِ ] وَفِي تَأْثِيرِ الرّقَى بِالْفَاتِحَةِ وَغَيْرِهَا فِي عِلَاجِ ذَوَاتِ السّمُومِ سِرّ بَدِيعٌ فَإِنّ ذَوَاتَ السّمُومِ أَثّرَتْ بِكَيْفِيّاتِ نُفُوسِهَا الْخَبِيثَةِ كَمَا تَقَدّمَ وَسِلَاحُهَا حُمَاتُهَا الّتِي تَلْدَغُ بِهَا وَهِيَ لَا تَلْدَغُ حَتّى تَغْضَبَ فَإِذَا غَضِبَتْ ثَارَ فِيهَا السّمّ فَتَقْذِفُهُ بِآلَتِهَا وَقَدْ جَعَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ لِكُلّ دَاءٍ دَوَاءً وَلِكُلّ شَيْءٍ ضِدّا وَنَفْسُ الرّاقِي تَفْعَلُ فِي نَفْسِ الْمَرْقِيّ فَيَقَعُ بَيْنَ نَفْسَيْهِمَا فِعْلٌ وَانْفِعَالٌ كَمَا يَقَعُ بَيْنَ الدّاءِ وَالدّوَاءِ فَتَقْوَى نَفْسُ الرّاقِي وَقُوّتُهُ بِالرّقْيَةِ عَلَى ذَلِكَ الدّاءِ فَيَدْفَعُهُ بِإِذْنِ اللّهِ وَمَدَارُ تَأْثِيرِ الْأَدْوِيَةِ وَالْأَدْوَاءِ عَلَى الْفِعْلِ وَالِانْفِعَالِ وَهُوَ كَمَا يَقَعُ بَيْنَ الدّاءِ وَالدّوَاءِ الطّبِيعِيّيْنِ يَقَعُ بَيْنَ الدّاءِ وَالدّوَاءِ الرّوحَانِيّيْنِ وَالرّوحَانِيّ وَالطّبِيعِيّ وَفِي النّفْثِ وَالتّفْلِ اسْتِعَانَةٌ بِتِلْكَ الرّطُوبَةِ وَالْهَوَاءِ وَالنّفْسِ الْمُبَاشِرِ لِلرّقْيَةِ وَالذّكْرِ وَالدّعَاءِ فَإِنّ الرّقْيَةَ تَخْرُجُ مِنْ قَلْبِ الرّاقِي وَفَمِهِ فَإِذَا صَاحَبَهَا شَيْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ بَاطِنِهِ مِنْ الرّيقِ وَالْهَوَاءِ وَالنّفْسِ كَانَتْ أَتَمّ تَأْثِيرًا وَأَقْوَى فِعْلًا وَنُفُوذًا وَيَحْصُلُ بِالِازْدِوَاجِ بَيْنَهُمَا كَيْفِيّةٌ مُؤَثّرَةٌ شَبِيهَةٌ بِالْكَيْفِيّةِ الْحَادِثَةِ عِنْدَ تَرْكِيبِ الْأَدْوِيَةِ . [النّفْثُ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي دَفْعِ الْمَرَضِ ] وَبِالْجُمْلَةِ فَنَفْسُ الرّاقِي تُقَابِلُ تِلْكَ النّفُوسِ الْخَبِيثَةِ وَتَزِيدُ بِكَيْفِيّةِ نَفْسِهِ [ ص 165 ] كَانَتْ كَيْفِيّةُ نَفْسِ الرّاقِي أَقْوَى كَانَتْ الرّقْيَةُ أَتَمّ وَاسْتِعَانَتُهُ بِنَفْثِهِ كَاسْتِعَانَةِ تِلْكَ النّفُوسِ الرّدِيئَةِ بِلَسْعِهَا . وَفِي النّفْثِ سِرّ آخَرُ فَإِنّهُ مِمّا تَسْتَعِينُ بِهِ الْأَرْوَاحُ الطّيّبَةُ وَالْخَبِيثَةُ وَلِهَذَا تَفْعَلُهُ السّحَرَةُ كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْإِيمَانِ . قَالَ تَعَالَى : { وَمِنْ شَرّ النّفّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ } وَذَلِكَ لِأَنّ النّفْسَ تَتَكَيّفُ بِكَيْفِيّةِ الْغَضَبِ وَالْمُحَارَبَةِ وَتُرْسِلُ أَنْفَاسَهَا سِهَامًا لَهَا وَتَمُدّهَا بِالنّفْثِ وَالتّفْلِ الّذِي مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الرّيقِ مُصَاحِبٌ لِكَيْفِيّةٍ مُؤَثّرَةٍ وَالسّوَاحِرُ تَسْتَعِينُ بِالنّفْثِ اسْتِعَانَةً بَيّنَةً وَإِنْ لَمْ تَتّصِلْ بِجِسْمِ الْمَسْحُورِ بَلْ تَنْفُثُ عَلَى الْعُقْدَةِ وَتَعْقِدُهَا وَتَتَكَلّمُ بِالسّحْرِ فَيَعْمَلُ ذَلِكَ فِي الْمَسْحُورِ بِتَوَسّطِ الْأَرْوَاحِ السّفْلِيّةِ الْخَبِيثَةِ فَتُقَابِلُهَا الرّوحُ الزّكِيّةُ الطّيّبَةُ بِكَيْفِيّةِ الدّفْعِ وَالتّكَلّمِ بِالرّقْيَةِ وَتَسْتَعِينُ بِالنّفْثِ فَأَيّهُمَا قَوِيَ كَانَ الْحُكْمُ لَهُ وَمُقَابَلَةُ الْأَرْوَاحِ بَعْضُهَا لِبَعْضٍ وَمُحَارَبَتُهَا وَآلَتُهَا مِنْ جِنْسِ مُقَابَلَةِ الْأَجْسَامِ وَمُحَارَبَتُهَا وَآلَتِهَا سَوَاءٌ بَلْ الْأَصْلُ فِي الْمُحَارَبَةِ وَالتّقَابُلِ لِلْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَامِ آلَتُهَا وَجُنْدُهَا وَلَكِنْ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْحِسّ لَا يَشْعُرُ بِتَأْثِيرَاتِ الْأَرْوَاحِ وَأَفْعَالِهَا وَانْفِعَالَاتِهَا لِاسْتِيلَاءِ سُلْطَانِ الْحِسّ عَلَيْهِ وَبُعْدِهِ مِنْ عَالَمِ الْأَرْوَاحِ وَأَحْكَامِهَا وَأَفْعَالِهَا . وَالْمَقْصُودُ أَنّ الرّوحَ إذَا كَانَتْ قَوِيّةً وَتَكَيّفَتْ بِمَعَانِي الْفَاتِحَةِ وَاسْتَعَانَتْ بِالنّفْثِ وَالتّفْلِ قَابَلَتْ ذَلِكَ الْأَثَرَ الّذِي حَصَلَ مِنْ النّفُوسِ الْخَبِيثَةِ فَأَزَالَتْهُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ لَدْغَةِ الْعَقْرَبِ بِالرّقْيَةِ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي " مُسْنَدِهِ " مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ بَيْنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُصَلّي إذْ سَجَدَ فَلَدَغَتْهُ عَقْرَبٌ فِي أُصْبُعِهِ فَانْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ " لَعَنَ اللّهُ الْعَقْرَبَ مَا تَدَعُ نَبِيّا وَلَا غَيْرَهُ قَالَ ثُمّ دَعَا بِإِنَاءٍ فِيهِ مَاءٌ وَمِلْحٌ فَجَعَلَ يَضَعُ مَوْضِعَ اللّدْغَةِ فِي الْمَاءِ وَالْمِلْحِ وَيَقْرَأُ قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوّذَتَيْنِ حَتّى سَكَنَتْ [ ص 166 ] [ مَا لِسُورَةِ الْإِخْلَاصِ مِنْ الْفَائِدَةِ فِي عِلَاجِ اللّدْغَةِ ] فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعِلَاجُ بِالدّوَاءِ الْمُرَكّبِ مِنْ الْأَمْرَيْنِ الطّبِيعِيّ وَالْإِلَهِيّ فَإِنّ فِي سُورَةِ الْإِخْلَاصِ مِنْ كَمَالِ التّوْحِيدِ الْعِلْمِيّ الِاعْتِقَادِيّ وَإِثْبَاتِ الأَحَدِيّةِ لِلّهِ الْمُسْتَلْزِمَةِ نَفْيَ كُلّ شَرِكَةٍ عَنْهُ وَإِثْبَاتَ الصّمَدِيّةِ الْمُسْتَلْزِمَةِ لِإِثْبَاتِ كُلّ كَمَالٍ لَهُ مَعَ كَوْنِ الْخَلَائِقِ تَصْمُدُ إلَيْهِ فِي حَوَائِجِهَا أَيْ تَقْصِدُهُ الْخَلِيقَةُ وَتَتَوَجّهُ إلَيْهِ عَلَوِيّهَا وَسُفْلِيّهَا وَنَفْيَ الْوَالِدِ وَالْوَلَدِ وَالْكُفْءِ عَنْهُ الْمُتَضَمّنِ لِنَفْيِ الْأَصْلِ وَالْفَرْعِ وَالنّظِيرُ وَالْمُمَاثِلُ مِمّا اخْتَصّتْ بِهِ وَصَارَتْ تَعْدِلُ ثُلُثَ الْقُرْآنِ فَفِي اسْمِهِ الصّمَدِ إثْبَاتُ كُلّ الْكَمَالِ وَفِي نَفْيِ الْكُفْءِ التّنْزِيهُ عَنْ الشّبِيهِ وَالْمِثَالِ . وَفِي الْأَحَدِ نَفْيُ كُلّ شَرِيكٍ لِذِي الْجَلَالِ وَهَذِهِ الْأُصُولُ الثّلَاثَةُ هِيَ مَجَامِعُ التّوْحِيدِ . [ مَا لِلْمُعَوّذَتَيْنِ مِنْ الْفَائِدَةِ فِي عِلَاجِ اللّدْغَةِ ] وَفِي الْمُعَوّذَتَيْنِ الِاسْتِعَاذَةُ مِنْ كُلّ مَكْرُوهٍ جُمْلَةً وَتَفْصِيلًا فَإِنّ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ تَعُمّ كُلّ شَرّ يُسْتَعَاذُ مِنْهُ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْأَجْسَامِ أَوْ الْأَرْوَاحِ وَالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ شَرّ الْغَاسِقِ وَهُوَ اللّيْلُ وَآيَتُهُ وَهُوَ الْقَمَرُ إذَا غَابَ تَتَضَمّنُ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ شَرّ مَا يَنْتَشِرُ فِيهِ مِنْ الْأَرْوَاحِ الْخَبِيثَةِ الّتِي كَانَ نُورُ النّهَارِ يَحُولُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الِانْتِشَارِ فَلَمّا أَظْلَمَ اللّيْلُ عَلَيْهَا وَغَابَ الْقَمَرُ انْتَشَرَتْ وَعَاثَتْ . وَالِاسْتِعَاذَةُ مِنْ شَرّ النّفّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ تَتَضَمّنُ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ شَرّ السّوَاحِرِ وَسِحْرِهِنّ . وَالِاسْتِعَاذَةُ مِنْ شَرّ الْحَاسِدِ تَتَضَمّنُ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ النّفُوسِ الْخَبِيثَةِ الْمُؤْذِيَةِ بِحَسَدِهَا وَنَظَرِهَا . وَالسّورَةُ الثّانِيَةُ تَتَضَمّنُ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ شَرّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ وَالْجِنّ فَقَدْ [ ص 167 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عُقْبَةَ بْنَ عَامِرٍ بِقِرَاءَتِهِمَا عَقِبَ كُلّ صَلَاةٍ ذَكَرَهُ التّرْمِذِيّ فِي " جَامِعِهِ " صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفِي هَذَا سِرّ عَظِيمٌ فِي اسْتِدْفَاعِ الشّرُورِ مِنْ الصّلَاةِ إلَى الصّلَاةِ . وَقَالَ مَا تَعَوّذَ الْمُتَعَوّذُونَ بِمِثْلِهِمَا . وَقَدْ ذَكَرَ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سُحِرَ فِي إحْدَى عَشْرَةَ عُقْدَةٍ وَأَنّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَيْهِ بِهِمَا فَجَعَلَ كُلّمَا قَرَأَ آيَةً مِنْهُمَا انْحَلّتْ عُقْدَةٌ حَتّى انْحَلّتْ الْعُقَدُ كُلّهَا وَكَأَنّمَا أُنْشِطَ مِنْ عِقَالٍ . [ الْفَائِدَةُ فِي الْمِلْحِ فِي عِلَاجِ اللّدْغَةِ ] وَأَمّا الْعِلَاجُ الطّبِيعِيّ فِيهِ فَإِنّ فِي الْمِلْحِ نَفْعًا لِكَثِيرٍ مِنْ السّمُومِ وَلَا سِيّمَا لَدْغَةُ الْعَقْرَبِ قَالَ صَاحِبُ " الْقَانُونِ " : يُضَمّدُ بِهِ مَعَ بَزْرِ الْكَتّانِ لِلَسْعِ الْعَقْرَبِ وَذَكَرَهُ غَيْرُهُ أَيْضًا . وَفِي الْمِلْحِ مِنْ الْقُوّةِ الْجَاذِبَةِ الْمُحَلّلَةِ مَا يَجْذِبُ السّمُومَ وَيُحَلّلُهَا وَلَمّا كَانَ فِي لَسْعِهَا قُوّةٌ نَارِيّةٌ تَحْتَاجُ إلَى تَبْرِيدٍ وَجَذْبٍ وَإِخْرَاجٍ جَمَعَ بَيْنَ الْمَاءِ الْمُبَرّدِ لِنَارِ اللّسْعَةِ وَالْمِلْحِ الّذِي فِيهِ جَذْبٌ وَإِخْرَاجٌ وَهَذَا أَتَمّ مَا يَكُونُ مِنْ الْعِلَاجِ وَأَيْسَرُهُ وَأَسْهَلُهُ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنّ عِلَاجَ هَذَا الدّاءِ بِالتّبْرِيدِ وَالْجَذْبِ وَالْإِخْرَاجِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا لَقِيتُ مِنْ عَقْرَبٍ لَدَغَتْنِي الْبَارِحَةَ فَقَالَ " أَمَا لَوْ قُلْتَ حِينَ أَمْسَيْتَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللّهِ التّامّاتِ مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ لَمْ تَضُرّك وَاعْلَمْ أَنّ الْأَدْوِيَةَ الطّبِيعِيّةَ الْإِلَهِيّةَ تَنْفَعُ مِنْ الدّاءِ بَعْدَ حُصُولِهِ وَتَمْنَعُ مِنْ وُقُوعِهِ وَإِنْ وَقَعَ لَمْ يَقَعْ وُقُوعًا مُضِرّا وَإِنْ كَانَ مُؤْذِيًا وَالْأَدْوِيَةُ الطّبِيعِيّةُ إنّمَا تَنْفَعُ بَعْدَ حُصُولِ الدّاءِ فَالتّعَوّذَاتُ وَالْأَذْكَارُ إمّا أَنْ تَمْنَعَ وُقُوعَ هَذِهِ الْأَسْبَابِ وَإِمّا أَنْ تَحُولَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ كَمَالِ تَأْثِيرِهَا بِحَسَبِ كَمَالِ التّعَوّذِ وَقُوّتِهِ وَضَعْفِهِ فَالرّقَى [ ص 168 ] الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا أَوَى إلَى فِرَاشِهِ نَفَثَ فِي كَفّيْهِ قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ وَالْمُعَوّذَتَيْنِ . ثُمّ يَمْسَحُ بِهِمَا وَجْهَهُ وَمَا بَلَغَتْ يَدُهُ مِنْ جَسَدِهِ وَكَمَا فِي حَدِيثِ عُوذَةِ أَبِي الدّرْدَاءِ الْمَرْفُوعِ اللّهُمّ أَنْتَ رَبّي لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ عَلَيْكَ تَوَكّلْتُ وَأَنْتَ رَبّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ وَقَدْ تَقَدّمَ وَفِيهِ مَنْ قَالَهَا أَوّلَ نَهَارِهِ لَمْ تُصِبْهُ مُصِيبَةٌ حَتّى يُمْسِيَ وَمَنْ قَالَهَا آخِرَ نَهَارِهِ لَمْ تُصِبْهُ مُصِيبَةٌ حَتّى يُصْبِحَ . وَكَمَا فِي " الصّحِيحَيْنِ " : مَنْ قَرَأَ الْآيَتَيْنِ مِنْ آخِرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فِي لَيْلَةٍ كَفَتَاهُ وَكَمَا فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا فَقَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللّهِ التَامّاتِ مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرّهُ شَيْءٌ حَتّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ وَكَمَا فِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ فِي السّفَرِ يَقُولُ بِاللّيْلِ " يَا أَرْضُ رَبّي وَرَبّكِ اللّهُ أَعُوذُ بِاَللّهِ مِنْ شَرّكِ وَشَرّ مَا فِيك وَشَرّ مَا يَدُبّ عَلَيْك أَعُوذُ بِاَللّهِ مِنْ أَسَدٍ وأَسْودٍ وَمِنْ الْحَيّةِ وَالْعَقْرَبِ وَمِنْ سَاكِنِ الْبَلَدِ وَمِنْ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ [ ص 169 ] الثّانِي : فَكَمَا تَقَدّمَ مِنْ الرّقْيَةِ بِالْفَاتِحَةِ وَالرّقْيَةِ لِلْعَقْرَبِ وَغَيْرِهَا مِمّا يَأْتِي . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي رُقْيَةِ النّمْلَةِ قَدْ تَقَدّمَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ الّذِي فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَخّصَ فِي الرّقْيَةِ مِنْ الْحُمَةِ وَالْعَيْنِ وَالنّمْلَةِ وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ عَنْ الشّفَاءِ بِنْتِ عَبْدِ اللّهِ دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَنَا عِنْدَ حَفْصَةَ فَقَالَ " أَلَا تُعَلّمِينَ هَذِهِ رُقْيَةَ النّمْلَةِ كَمَا عَلّمْتِيها الْكِتَابَةَ النّمْلَةُ قُرُوحٌ تَخْرُجُ فِي الْجَنْبَيْنِ وَهُوَ دَاءٌ مَعْرُوفٌ وَسُمّيَ نَمْلَةً لِأَنّ صَاحِبَهُ يُحِسّ فِي مَكَانِهِ كَأَنّ نَمْلَةً تَدِبّ عَلَيْهِ وَتَعَضّهُ وَأَصْنَافُهَا ثَلَاثَةٌ قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ وَغَيْرُهُ كَانَ الْمَجُوسُ يَزْعُمُونَ أَنّ وَلَدَ الرّجُلِ مِنْ أُخْتِهِ إذَا خُطّ عَلَى النّمْلَةِ شَفَى صَاحِبَهَا وَمِنْهُ قَوْلُ الشّاعِرِ وَلَا عَيْبَ فِينَا غَيْرَ عُرْفٍ لِمَعْشَر ٍ كِرَامٍ وَأَنّا لَا نَخُطّ عَلَى النّمْلِ وَرَوَى الْخَلّالُ أَنّ الشّفَاءَ بِنْتَ عَبْدِ اللّهِ كَانَتْ تَرْقِي فِي الْجَاهِلِيّةِ مِنْ النّمْلَةِ فَلَمّا هَاجَرَتْ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانَتْ قَدْ بَايَعَتْهُ بِمَكّةَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي كُنْت أَرْقِي فِي الْجَاهِلِيّةِ مِنْ النّمْلَةِ وَإِنّي أُرِيدُ أَنْ أَعْرِضَهَا عَلَيْك فَعُرِضَتْ عَلَيْهِ فَقَالَتْ بِسْمِ اللّهِ ضَلّتْ حَتّى تَعُودَ مِنْ أَفْوَاهِهَا وَلَا تَضُرّ أَحَدًا اللّهُمّ اكْشِفْ الْبَأْسَ رَبّ النّاسِ قَالَ تَرْقِي بِهَا عَلَى عُودٍ سَبْعَ مَرّاتٍ وَتَقْصِدُ مَكَانًا نَظِيفًا [ ص 170 ] [ جَوَازُ تَعْلِيمِ النّسَاءِ الْكِتَابَةَ ] وَتَدْلُكُهُ عَلَى حَجَرٍ بِخَلّ خَمْرٍ حَاذِقٍ وَتَطْلِيهِ عَلَى النّمْلَةِ . وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعْلِيمِ النّسَاءِ الْكِتَابَةَ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي رُقْيَةِ الْحَيّةِ قَدْ تَقَدّمَ قَوْلُهُ لَا رُقْيَةَ إلّا فِي عَيْنٍ أَوْ حُمَة الْحُمَةُ بِضَمّ الْحَاءِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَتَخْفِيفِهَا . وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ : رَخّصَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الرّقْيَةِ مِنْ الْحَيّةِ وَالْعَقْرَبِ . وَيُذْكَرُ عَنْ ٍ ابْنِ شِهَاب الزّهْرِيّ قَالَ لَدَغَ بَعْضَ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَيّةٌ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " هَلْ مِنْ رَاقٍ ؟ " فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ آلَ حَزْمٍ كَانُوا يَرْقُونَ رُقْيَةَ الْحَيّةِ فَلَمّا نَهَيْتَ عَنْ الرّقَى تَرَكُوهَا فَقَالَ " اُدْعُوا عِمَارَةَ بْنَ حَزْمٍ " فَدَعَوْهُ فَعَرَضَ عَلَيْهِ رُقَاهُ فَقَالَ " لَا بَأْسَ بِهَا " فَأَذِنَ لَهُ فِيهَا فَرَقَاهُ فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي رُقْيَةِ الْقَرْحَةِ وَالْجُرْحِ أَخْرَجَا فِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا اشْتَكَى الْإِنْسَانُ أَوْ كَانَتْ بِهِ قَرْحَةٌ أَوْ جُرْحٌ قَالَ بِأُصْبُعِهِ هَكَذَا وَوَضَعَ سُفْيَانُ سَبّابَتَهُ بِالْأَرْضِ ثُمّ رَفَعَهَا وَقَالَ " بِسْمِ اللّهِ تُرْبَةُ أَرْضِنَا بِرِيقَةِ بَعْضِنَا يُشْفَى سَقِيمُنَا بِإِذْنِ رَبّنَا [ ص 171 ] [ عِلّةُ اسْتِعْمَالِ التّرَابِ فِي هَذِهِ الرّقْيَةِ ] هَذَا مِنْ الْعِلَاجِ الْمُيَسّرِ النّافِعِ الْمُرَكّبِ وَهِيَ مُعَالَجَةٌ لَطِيفَةٌ يُعَالَجُ بِهَا الْقُرُوحُ وَالْجِرَاحَاتُ الطّرِيّةُ لَا سِيّمَا عِنْدَ عَدَمِ غَيْرِهَا مِنْ الْأَدْوِيَةِ إذْ كَانَتْ مَوْجُودَةً بِكُلّ أَرْضٍ وَقَدْ عُلِمَ أَنّ طَبِيعَةَ التّرَابِ الْخَالِصِ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ مُجَفّفَةٌ لِرُطُوبَاتِ الْقُرُوحِ وَالْجِرَاحَاتِ الّتِي تَمْنَعُ الطّبِيعَةُ مِنْ جَوْدَةِ فِعْلِهَا وَسُرْعَةِ انْدِمَالِهَا لَا سِيّمَا فِي الْبِلَادِ الْحَارّةِ وَأَصْحَابِ الْأَمْزِجَةِ الْحَارّةِ فَإِنّ الْقُرُوحَ وَالْجِرَاحَاتِ يَتْبَعُهَا فِي أَكْثَرِ الْأَمْرِ سُوءُ مِزَاجٍ حَارّ فَيَجْتَمِعُ حَرَارَةُ الْبَلَدِ وَالْمِزَاجُ وَالْجِرَاحُ وَطَبِيعَةُ التّرَابِ الْخَالِصِ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ أَشَدّ مِنْ بُرُودَةِ جَمِيعِ الْأَدْوِيَةِ الْمُفْرَدَةِ الْبَارِدَةِ فَتُقَابِلُ بُرُودَةَ التّرَابِ حَرَارَةُ الْمَرَضِ لَا سِيّمَا إنْ كَانَ التّرَابُ قَدْ غُسِلَ وَجُفّفَ وَيَتْبَعُهَا أَيْضًا كَثْرَةُ الرّطُوبَاتِ الرّدِيئَةِ وَالسّيَلَانُ وَالتّرَابُ مُجَفّفٌ لَهَا مُزِيلٌ لِشِدّةِ يُبْسِهِ وَتَجْفِيفِهِ لِلرّطُوبَةِ الرّدِيئَةِ الْمَانِعَةِ مِنْ بَرْئِهَا وَيَحْصُلُ بِهِ - مَعَ ذَلِكَ - تَعْدِيلُ مِزَاجِ الْعُضْوِ الْعَلِيلِ وَمَتَى اعْتَدَلَ مِزَاجُ الْعُضْوِ قَوِيَتْ قُوَاهُ الْمُدَبّرَةُ وَدَفَعَتْ عَنْهُ الْأَلَمَ بِإِذْنِ اللّهِ . [ كَيْفِيّةُ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الرّقْيَةِ ] وَمَعْنَى الْحَدِيثِ أَنّهُ يَأْخُذُ مِنْ رِيقِ نَفْسِهِ عَلَى أُصْبُعِهِ السّبّابَةِ ثُمّ يَضَعُهَا عَلَى التّرَابِ فَيَعْلَقُ بِهَا مِنْهُ شَيْءٌ فَيَمْسَحُ بِهِ عَلَى الْجُرْحِ وَيَقُولُ هَذَا الْكَلَامَ لِمَا فِيهِ مِنْ بَرَكَةِ ذِكْرِ اسْمِ اللّهِ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إلَيْهِ وَالتّوَكّلِ عَلَيْهِ فَيَنْضَمّ أَحَدُ الْعِلَاجَيْنِ إلَى الْآخَرِ فَيَقْوَى التّأْثِيرُ . [ هَلْ الْمَقْصُودُ بِاسْتِعْمَالِ التّرَابِ تُرْبَةُ جَمِيعِ الْأَرْضِ أَوْ أَرْضُ الْمَدِينَةِ ] وَهَلْ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ " تُرْبَةُ أَرْضِنَا " جَمِيعُ الْأَرْضِ أَوْ أَرْضُ الْمَدِينَةِ خَاصّةً ؟ فِيهِ قَوْلَانِ وَلَا رَيْبَ أَنّ مِنْ التّرْبَةِ مَا تَكُونُ فِيهِ خَاصّيّةٌ يَنْفَعُ بِخَاصّيّتِهِ مِنْ أَدْوَاءٍ كَثِيرَةٍ [ ص 172 ] قَالَ جَالِينُوسُ : رَأَيْت بِالْإِسْكَنْدَرِيّةِ مَطْحُولِينَ وَمُسْتَسْقِينَ كَثِيرًا يَسْتَعْمِلُونَ طِينَ مِصْرَ وَيَطْلُونَ بِهِ عَلَى سُوقِهِمْ وَأَفْخَاذِهِمْ وَسَوَاعِدِهِمْ وَظُهُورِهِمْ وَأَضْلَاعِهِمْ فَيَنْتَفِعُونَ بِهِ مَنْفَعَةً بَيّنَةً . قَالَ وَعَلَى هَذَا النّحْوِ فَقَدْ يَنْفَعُ هَذَا الطّلَاءُ لِلْأَوْرَامِ الْعَفِنَةِ وَالْمُتَرَهّلَةِ الرّخْوَةِ قَالَ وَإِنّي لَأَعْرِفُ قَوْمًا تَرَهّلَتْ أَبْدَانُهُمْ كُلّهَا مِنْ كَثْرَةِ اسْتِفْرَاغِ الدّمِ مِنْ أَسْفَلِ انْتَفَعُوا بِهَذَا الطّينِ نَفْعًا بَيّنًا وَقَوْمًا آخَرِينَ شَفَوْا بِهِ أَوْجَاعًا مُزْمِنَةً كَانَتْ مُتَمَكّنَةً فِي بَعْضِ الْأَعْضَاءِ تَمَكّنًا شَدِيدًا فَبَرَأَتْ وَذَهَبَتْ أَصْلًا . وَقَالَ صَاحِبُ الْكِتَابِ الْمَسِيحِيّ قُوّةُ الطّينِ الْمَجْلُوبِ مِنْ كُنُوسَ - وَهِيَ جَزِيرَةُ المصطكى - قُوّةٌ تَجْلُو وَتَغْسِلُ وَتُنْبِتُ اللّحْمَ فِي الْقُرُوحِ وَتَخْتِمُ الْقُرُوحَ . انْتَهَى . وَإِذَا كَانَ هَذَا فِي هَذِهِ التّرُبَاتِ فَمَا الظّنّ بِأَطْيَبِ تُرْبَةٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَأَبْرَكِهَا وَقَدْ خَالَطَتْ رِيقَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَارَنَتْ رُقْيَتَهُ بِاسْمِ رَبّهِ وَتَفْوِيضِ الْأَمْرِ إلَيْهِ وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّ قُوَى الرّقْيَةِ وَتَأْثِيرَهَا بِحَسَبِ الرّاقِي وَانْفِعَالِ الْمَرْقِيّ عَنْ رُقْيَتِهِ وَهَذَا أَمْرٌ لَا يُنْكِرُهُ طَبِيبٌ فَاضِلٌ عَاقِلٌ مُسْلِمٌ فَإِنْ انْتَفَى أَحَدُ الْأَوْصَافِ فَلْيَقُلْ مَا شَاءَ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ الْوَجَعِ بِالرّقْيَةِ رَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي العَاصِ أَنّهُ شَكَى إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَجَعًا يَجِدُهُ فِي جَسَدِهِ مُنْذُ أَسْلَمَ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " ضَعْ يَدَكَ عَلَى الّذِي تَأَلّمَ مِنْ جَسَدِكَ وَقُلْ بِسْمِ اللّهِ ثَلَاثًا وَقُلْ سَبْعَ مَرّاتٍ أَعُوذُ بِعِزّةِ اللّهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرّ مَا أَجِدُ وَأُحَاذِرُ فَفِي هَذَا الْعِلَاجِ مِنْ ذِكْرِ اللّهِ وَالتّفْوِيضِ إلَيْهِ وَالِاسْتِعَاذَةِ بِعِزّتِهِ وَقُدْرَتِهِ مِنْ شَرّ الْأَلَمِ مَا يَذْهَبُ بِهِ وَتَكْرَارُهُ لِيَكُونَ أَنْجَعَ وَأَبْلَغَ كَتَكْرَارِ الدّوَاءِ لِأَخْرَاجِ الْمَادّةِ وَفِي السّبْعِ خَاصّيّةٌ لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهَا وَفِي [ ص 173 ] الصّحِيحَيْنِ " : أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يُعَوّذُ بَعْضَ أَهْلِهِ يَمْسَحُ بِيَدِهِ الْيُمْنَى وَيَقُولُ " اللّهُمّ رَبّ النّاسِ أَذْهِبْ الْبَاسَ وَاشْفِ أَنْتَ الشّافِي لَا شِفَاءَ إلّا شِفَاؤُك شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا فَفِي هَذِهِ الرّقْيَةِ تَوَسّلٌ إلَى اللّهِ بِكَمَالِ رُبُوبِيّتِهِ وَكَمَالِ رَحْمَتِهِ بِالشّفَاءِ وَأَنّهُ وَحْدَهُ الشّافِي وَأَنّهُ لَا شِفَاءَ إلّا شِفَاؤُهُ فَتَضَمّنَتْ التّوَسّلَ إلَيْهِ بِتَوْحِيدِهِ وَإِحْسَانِهِ وَرُبُوبِيّتِهِ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ حَرّ الْمُصِيبَةِ وَحُزْنِهَا قَالَ تَعَالَى : { وَبَشّرِ الصّابِرِينَ الّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنّا لِلّهِ وَإِنّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ } [ الْبَقَرَةُ 155 ] . وَفِي " الْمُسْنَدِ " عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ مَا مِنْ أَحَدٍ تُصِيبُهُ مُصِيبَةٌ فَيَقُولُ إنّا لِلّهِ وَإِنّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ اللّهُمّ أْجُرْني فِي مُصِيبَتِي وَأَخْلِفْ لِي خَيْرًا مِنْهَا إلّا أَجَارَهُ اللّهُ فِي مُصِيبَتِهِ وَأَخْلَفَ لَهُ خَيْرًا مِنْهَا [ إذَا تَحَقّقَ الْعَبْدُ بِأَنّهُ لِلّهِ وَأَنّ مَصِيرَهُ إلَيْهِ تَسَلّى عَنْ مُصِيبَتِهِ ] وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنْ أَبْلَغِ عِلَاجِ الْمُصَابِ وَأَنْفَعِهِ لَهُ فِي عَاجِلَتِهِ وَآجِلَتِهِ فَإِنّهَا تَتَضَمّنُ أَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ إذَا تَحَقّقَ الْعَبْدُ بِمَعْرِفَتِهِمَا تَسَلّى عَنْ مُصِيبَتِهِ . أَحَدُهُمَا : أَنّ الْعَبْدَ وَأَهْلَهُ وَمَالَهُ مِلْكٌ لِلّهِ عَزّ وَجَلّ حَقِيقَةً وَقَدْ جَعَلَهُ عِنْدَ الْعَبْدِ عَارِيَةً فَإِذَا أَخَذَهُ مِنْهُ فَهُوَ كَالْمُعِيرِ يَأْخُذُ مَتَاعَهُ مِنْ الْمُسْتَعِيرِ وَأَيْضًا فَإِنّهُ مَحْفُوفٌ بِعَدَمَيْنِ عَدَمٍ قَبْلَهُ وَعَدَمٍ بَعْدَهُ وَمِلْكُ الْعَبْدِ لَهُ مُتْعَةٌ مُعَارَةٌ فِي زَمَنٍ يَسِيرٍ وَأَيْضًا فَإِنّهُ لَيْسَ الّذِي أَوْجَدَهُ عَنْ عَدَمِهِ حَتّى يَكُونَ مِلْكُهُ حَقِيقَةً وَلَا هُوَ [ ص 174 ] وَالثّانِي : أَنّ مَصِيرَ الْعَبْدِ وَمَرْجِعَهُ إلَى اللّهِ مَوْلَاهُ الْحَقّ وَلَا بُدّ أَنْ يُخَلّفَ الدّنْيَا وَرَاءَ ظَهْرِهِ وَيَجِيءَ رَبّهُ فَرْدًا كَمَا خَلَقَهُ أَوّلَ مَرّةٍ بِلَا أَهْلٍ وَلَا مَالٍ وَلَا عَشِيرَةٍ وَلَكِنْ بِالْحَسَنَاتِ وَالسّيّئَاتِ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ بِدَايَةَ الْعَبْدِ وَمَا خُوّلَهُ وَنِهَايَتَهُ فَكَيْفَ يَفْرَحُ بِمَوْجُودٍ أَوْ يَأْسَى عَلَى مَفْقُودٍ فَفِكْرُهُ فِي مَبْدَئِهِ وَمَعَادِهِ مِنْ أَعْظَمِ عِلَاجِ هَذَا الدّاءِ وَمِنْ عِلَاجِهِ أَنْ يَعْلَمَ عِلْمَ الْيَقِينِ أَنّ مَا أَصَابَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُخْطِئَهُ وَمَا أَخْطَأَهُ لَمْ يَكُنْ لِيُصِيبَهُ . قَالَ تَعَالَى : { مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنّ ذَلِكَ عَلَى اللّهِ يَسِيرٌ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا تَفْرَحُوا بِمَا آتَاكُمْ وَاللّهُ لَا يُحِبّ كُلّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ } [ الْحَدِيدُ 22 ] . [ ذِكْرُ بَعْضِ الْعِلَاجَاتِ مِنْهَا النّظَرُ إلَى مَا أَبْقَى اللّهُ عَلَيْهِ مِنْ النّعَمِ ] وَمِنْ عِلَاجِهِ أَنْ يَنْظُرَ إلَى مَا أُصِيبَ بِهِ فَيَجِدُ رَبّهُ قَدْ أَبْقَى عَلَيْهِ مِثْلَهُ أَوْ أَفْضَلَ مِنْهُ وَادّخَرَ لَهُ - إنْ صَبَرَ وَرَضِيَ - مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْ فَوَاتِ تِلْكَ الْمُصِيبَةِ بِأَضْعَافٍ مُضَاعَفَةٍ وَأَنّهُ لَوْ شَاءَ لَجَعَلَهَا أَعْظَمَ مِمّا هِيَ . [ التّأَسّي بِأَهْلِ الْمَصَائِبِ وَذِكْرُ قِصَصٍ فِي ذَلِكَ ] وَمِنْ عِلَاجِهِ أَنْ يُطْفِئَ نَارَ مُصِيبَتِهِ بِبَرْدِ التّأَسّي بِأَهْلِ الْمَصَائِبِ وَلِيَعْلَمَ أَنّهُ فِي كُلّ وَادٍ بَنُو سَعْدٍ وَلْيَنْظُرْ يَمْنَةً فَهَلْ يَرَى إلّا مِحْنَةً ؟ ثُمّ لِيَعْطِفْ يَسْرَةً فَهَلْ يَرَى إلّا حَسْرَةً ؟ وَأَنّهُ لَوْ فَتّشَ الْعَالَمَ لَمْ يَرَ فِيهِمْ إلّا مُبْتَلًى إمّا بِفَوَاتِ مَحْبُوبٍ أَوْ حُصُولِ مَكْرُوهٍ وَأَنّ شُرُورَ الدّنْيَا أَحْلَامُ نُوّمٍ أَوْ كَظِلّ زَائِلٍ إنْ أَضْحَكَتْ قَلِيلًا أَبْكَتْ كَثِيرًا وَإِنْ سَرّتْ يَوْمًا سَاءَتْ دَهْرًا وَإِنْ مَتّعَتْ قَلِيلًا [ ص 175 ] خِيرَةً إلّا مَلَأَتْهَا عَبْرَةً وَلَا سَرّتْهُ بِيَوْمِ سُرُورٍ إلّا خَبّأَتْ لَهُ يَوْمَ شُرُورٍ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - لِكُلّ فَرْحَةٍ تِرْحَةٌ وَمَا مُلِئَ بَيْتٌ فَرَحًا إلّا مُلِئَ تَرَحًا وَقَالَ ابْنُ سِيرِينَ : مَا كَانَ ضَحِكٌ قَطّ إلّا كَانَ مِنْ بَعْدِهِ بُكَاءٌ وَقَالَتْ هِنْدُ بِنْتُ النّعْمَانِ : لَقَدْ رَأَيْتُنَا وَنَحْنُ مِنْ أَعَزّ النّاسِ وَأَشَدّهِمْ مُلْكًا ثُمّ لَمْ تَغِبِ الشّمْسُ حَتّى رَأَيْتُنَا وَنَحْنُ أَقَلّ النّاسِ وَأَنّهُ حَقّ عَلَى اللّهِ أَلّا يَمْلَأَ دَارًا خِيرَةً إلّا مَلَأَهَا عَبْرَةً . وَسَأَلَهَا رَجُلٌ أَنْ تُحَدّثَهُ عَنْ أَمْرِهَا فَقَالَتْ أَصْبَحْنَا ذَا صَبَاحٍ وَمَا فِي الْعَرَبِ أَحَدٌ إلّا يَرْجُونَا ثُمّ أَمْسَيْنَا وَمَا فِي الْعَرَبِ أَحَدٌ إلّا يَرْحَمُنَا وَبَكَتْ أُخْتُهَا حُرْقَةُ بِنْتُ النّعْمَانِ يَوْمًا وَهِيَ فِي عِزّهَا فَقِيلَ لَهَا : مَا يُبْكِيك لَعَلّ أَحَدًا آذَاك ؟ قَالَتْ لَاُ وَلَكِنْ رَأَيْتُ غَضَارَةً فِي أَهْلِي وَقَلّمَا امْتَلَأَتْ دَارٌ سُرُورًا إلّا امْتَلَأَتْ حُزْنًا . قَالَ إسْحَاقُ بْنُ طَلْحَةَ : دَخَلْتُ عَلَيْهَا يَوْمًا فَقُلْتُ لَهَا : كَيْفَ رَأَيْتِ عَبَرَاتِ الْمُلُوكِ ؟ فَقَالَتْ مَا نَحْنُ فِيهِ الْيَوْمَ خَيْرٌ مِمّا كُنّا فِيهِ الْأَمْسَ إنّا نَجِدُ فِي الْكُتُبِ أَنّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِ بَيْتٍ يَعِيشُونَ فِي خِيرَةٍ إلّا سَيُعْقَبُونَ بَعْدَهَا عِبْرَةً وَأَنّ الدّهْرَ لَمْ يَظْهَرْ لِقَوْمٍ بِيَوْمٍ يُحِبّونَهُ إلّا بَطَنَ لَهُمْ بِيَوْمٍ يَكْرَهُونَهُ ثُمّ قَالَتْ فَبَيْنَا نَسُوسُ النّاسَ وَالْأَمْرُ أَمْرُنَا إذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصّفُ فَأُفّ لِدُنْيَا لَا يَدُومُ نَعِيمُهَا تَقَلّبُ تَارَاتٍ بِنَا وتَصَرّفُ [ ص 176 ] [ الْجَزَعُ يُضَاعِفُ الْمَرَضَ ] وَمِنْ عِلَاجِهَا أَنْ يُعْلَمَ أَنّ الْجَزَعَ لَا يَرُدّهَا بَلْ يُضَاعِفُهَا وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ تَزَايُدِ الْمَرَضِ . [ فَوْتُ ثَوَابِ الصّبْرِ أَعْظَمُ مِنْ الْمُصِيبَةِ ] وَمِنْ عِلَاجِهَا أَنْ يُعْلَمَ أَنّ فَوْتَ ثَوَابِ الصّبْرِ وَالتّسْلِيمَ وَهُوَ الصّلَاةُ وَالرّحْمَةُ وَالْهِدَايَةُ الّتِي ضَمِنَهَا اللّهُ عَلَى الصّبْرِ وَالِاسْتِرْجَاعِ أَعْظَمُ مِنْ الْمُصِيبَةِ فِي الْحَقِيقَةِ . [ الْجَزَعُ يُشْمِتُ الْأَعْدَاءَ ] وَمِنْ عِلَاجِهَا أَنْ يُعْلَمَ أَنّ الْجَزَعَ يُشْمِتُ عَدُوّهُ وَيَسُوءُ صَدِيقَهُ وَيُغْضِبُ رَبّهُ وَيَسُرّ شَيْطَانَهُ وَيُحْبِطُ أَجْرَهُ وَيُضْعِفُ نَفْسَهُ وَإِذَا صَبَرَ وَاحْتَسَبَ أَنْضَى شَيْطَانَهُ وَرَدّهُ خَاسِئًا وَأَرْضَى رَبّهُ وَسَرّ صَدِيقَهُ وَسَاءَ عَدُوّهُ وَحَمَلَ عَنْ إخْوَانِهِ وَعَزّاهُمْ هُوَ قَبْلَ أَنْ يُعَزّوهُ فَهَذَا هُوَ الثّبَاتُ وَالْكَمَالُ الْأَعْظَمُ لَا لَطْمُ الْخُدُودِ وَشَقّ الْجُيُوبِ وَالدّعَاءُ بِالْوَيْلِ وَالثّبُورِ وَالسّخْطُ عَلَى الْمَقْدُورِ . [ لَذّةَ الصّبْرِ وَمِنْهَا بَيْتُ الْحَمْدِ ] وَمِنْ عِلَاجِهَا : أَنْ يَعْلَمَ أَنّ مَا يُعْقِبُهُ الصّبْرُ وَالِاحْتِسَابُ مِنْ اللّذّةِ وَالْمَسَرّةِ أَضْعَافُ مَا كَانَ يَحْصُلُ لَهُ بِبَقَاءِ مَا أُصِيبَ بِهِ لَوْ بَقِيَ عَلَيْهِ وَيَكْفِيهِ مِنْ ذَلِكَ بَيْتُ الْحَمْدِ الّذِي يُبْنَى لَهُ فِي الْجَنّةِ عَلَى حَمْدِهِ لِرَبّهِ وَاسْتِرْجَاعِهِ فَلْيَنْظُرْ أَيّ الْمُصِيبَتَيْنِ أَعْظَمُ ؟ : مُصِيبَةُ الْعَاجِلَةِ أَوْ مُصِيبَةُ فَوَاتِ بَيْتِ الْحَمْدِ فِي جَنّةِ الْخُلْدِ . وَفِي التّرْمِذِيّ مَرْفُوعًا : يَوَدّ نَاسٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَنّ جُلُودَهُمْ كَانَتْ تُقْرَضُ بالَمَقَارِيضِ فِي الدّنْيَا لِمَا يَرَوْنَ مِنْ ثَوَابِ أَهْلِ الْبَلَاء وَقَالَ بَعْضُ السّلَفِ لَوْلَا مَصَائِبُ الدّنْيَا لَوَرَدْنَا الْقِيَامَ مَفَالِيسَ . [ تَرْوِيحُ الْقَلْبِ بِرَجَاءِ الْخَلَفِ مِنْ اللّهِ ] وَمِنْ عِلَاجِهَا : أَنْ يُرَوّحَ قَلْبَهُ بِرُوحِ رَجَاءِ الْخَلَفِ مِنْ اللّهِ فَإِنّهُ مِنْ كُلّ شَيْءٍ عِوَضٌ إلّا اللّهُ فَمَا مِنْهُ عِوَضٌ كَمَا قِيلَ [ ص 177 ] مِنْ كُلّ شَيْءٍ إذَا ضَيّعْتَهُ عِوَضٌ وَمَا مِنْ اللّهِ إنْ ضَيّعْتَهُ عِوَضُ [ الْحَظّ مِنْ الْمُصِيبَةِ مَا تُحْدِثُهُ لَهُ ] وَمِنْ عِلَاجِهَا : أَنْ يَعْلَمَ أَنّ حَظّهُ مِنْ الْمُصِيبَةِ مَا تُحْدِثُهُ لَهُ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرّضَى وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السّخْطُ فَحَظّك مِنْهَا مَا أَحْدَثَتْهُ لَك فَاخْتَرْ خَيْرَ الْحُظُوظِ أَوْ شَرّهَا فَإِنْ أَحْدَثَتْ لَهُ سُخْطًا وَكُفْرًا كُتِبَ فِي دِيوَانِ الْهَالِكِينَ وَإِنْ أَحْدَثَتْ لَهُ جَزَعًا وَتَفْرِيطًا فِي تَرْكِ وَاجِبٍ أَوْ فِعْلِ مُحَرّمٍ كُتِبَ فِي دِيوَانِ الْمُفَرّطِينَ وَإِنْ أَحْدَثَتْ لَهُ شِكَايَةً وَعَدَمَ صَبْرٍ كُتِبَ فِي دِيوَانِ الْمَغْبُونِينَ وَإِنْ أَحْدَثَتْ لَهُ اعْتِرَاضًا عَلَى اللّهِ وَقَدْحًا فِي حِكْمَتِهِ فَقَدْ قَرَعَ بَابَ الزّنْدَقَةِ أَوْ وَلَجَهُ وَإِنْ أَحْدَثَتْ لَهُ صَبْرًا وَثَبَاتًا لِلّهِ كُتِبَ فِي دِيوَانِ الصّابِرِينَ وَإِنْ أَحْدَثَتْ لَهُ الرّضَى عَنْ اللّهِ كُتِبَ فِي دِيوَانِ الرّاضِينَ وَإِنْ أَحْدَثَتْ لَهُ الْحَمْدَ وَالشّكْرَ كُتِبَ فِي دِيوَانِ الشّاكِرِينَ وَكَانَ تَحْتَ لِوَاءِ الْحَمْدِ مَعَ الْحَمّادِينَ وَإِنْ أَحْدَثَتْ لَهُ مَحَبّةً وَاشْتِيَاقًا إلَى لِقَاءِ رَبّهِ كُتِبَ فِي دِيوَانِ الْمُحِبّينَ الْمُخْلِصِينَ . وَفِي مُسْنَدِ " الْإِمَامِ أَحْمَدَ " وَالتّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ يَرْفَعُهُ إنّ اللّهَ إذَا أَحَبّ قَوْمًا ا بْتَلَاهُمُ فَمَنْ رَضِيَ فَلَهُ الرّضَى وَمَنْ سَخِطَ فَلَهُ السّخْط زَادَ أَحْمَدُ : وَمَنْ جَزِعَ فَلَهُ الْجَزَع وَمِنْ عِلَاجِهَا : أَنْ يَعْلَمَ أَنّهُ وَإِنْ بَلَغَ فِي الْجَزَعِ غَايَتَهُ فَآخِرُ أَمْرِهِ إلَى صَبْرِ الِاضْطِرَارِ وَهُوَ غَيْرُ مَحْمُودٍ وَلَا مُثَابٍ قَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ الْعَاقِلُ يَفْعَلُ فِي أَوّلِ يَوْمٍ مِنْ الْمُصِيبَةِ مَا يَفْعَلُهُ الْجَاهِلُ بَعْدَ أَيّامٍ وَمَنْ لَمْ يَصْبِرْ صَبْرَ الْكِرَامِ سَلَا سَلْوَ الْبَهَائِمِ . وَفِي " الصّحِيحِ " مَرْفُوعًا : الصَبْرُ عِنْدَ الصّدْمَةِ الْأُولَى وَقَالَ [ ص 178 ] الْأَشْعَثُ بْنُ قَيْسٍ : إنّك إنْ صَبَرْت إيمَانًا وَاحْتِسَابًا وَإِلّا سَلَوْتَ سُلُوّ الْبَهَائِمِ [أَنْفَعُ الْأَدْوِيَةِ مُوَافَقَةُ اللّهِ فِيمَا أَحَبّهُ ] وَمِنْ عِلَاجِهَا : أَنْ يَعْلَمَ أَنّ أَنْفَعَ الْأَدْوِيَةِ لَهُ مُوَافَقَةُ رَبّهِ وَإِلَهِهِ فِيمَا أَحَبّهُ وَرَضِيَهُ لَهُ وَأَنّ خَاصّيّةَ الْمَحَبّةِ وَسِرّهَا مُوَافَقَةُ الْمَحْبُوبِ فَمَنْ ادّعَى مَحَبّةَ مَحْبُوبٍ ثُمّ سَخِطَ مَا يُحِبّهُ وَأَحَبّ مَا يَسْخَطُهُ فَقَدْ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ بِكَذِبِهِ وَتَمَقّتَ إلَى مَحْبُوبِهِ . وَقَالَ أَبُو الدّرْدَاءِ : إنّ اللّهَ إذَا قَضَى قَضَاءً أَحَبّ أَنْ يُرْضَى بِهِ وَكَانَ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ يَقُولُ فِي عِلّتِهِ أَحَبّهُ إلَيّ أَحَبّهُ إلَيْهِ وَكَذَلِكَ قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ . وَهَذَا دَوَاءٌ وَعِلَاجٌ لَا يَعْمَلُ إلّا مَعَ الْمُحِبّينَ وَلَا يُمْكِنُ كُلّ أَحَدٍ أَنْ يَتَعَالَجَ بِهِ . [ لَذّةُ التّمَتّعِ بِثَوَابِ اللّهِ أَعْظَمُ مِنْ لَذّةِ التّمَتّعِ بِمَا أُصِيبَ بِهِ ] وَمِنْ عِلَاجِهَا : أَنْ يُوَازِنَ بَيْنَ أَعْظَمِ اللّذّتَيْنِ وَالْمُتْعَتَيْنِ وَأَدْوَمِهِمَا : لَذّةِ تَمَتّعِهِ بِمَا أُصِيبَ بِهِ وَلَذّةِ تَمَتّعِهِ بِثَوَابِ اللّهِ لَهُ فَإِنْ ظَهَرَ لَهُ الرّجْحَانُ فَآثَرَ الرّاجِحَ فَلْيَحْمَدْ اللّهَ عَلَى تَوْفِيقِهِ وَإِنْ آثَرَ الْمَرْجُوحَ مِنْ كُلّ وَجْهٍ فَلْيَعْلَمْ أَنّ مُصِيبَتَهُ فِي عَقْلِهِ وَقَلْبِهِ وَدِينِهِ أَعْظَمُ مِنْ مُصِيبَتِهِ الّتِي أُصِيبَ بِهَا فِي دُنْيَاهُ . [ ابْتِلَاءُ اللّهِ الْعَبْدَ لِامْتِحَانِ صَبْرِهِ ] وَمِنْ عِلَاجِهَا أَنْ يَعْلَمَ أَنّ الّذِي ابْتَلَاهُ بِهَا أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ وَأَرْحَمُ الرّاحِمِينَ وَأَنّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يُرْسِلْ إلَيْهِ الْبَلَاءَ لِيُهْلِكَهُ بِهِ وَلَا لِيُعَذّبَهُ بِهِ وَلَا لِيَجْتَاحَهُ وَإِنّمَا افْتَقَدَهُ بِهِ لِيَمْتَحِنَ صَبْرَهُ وَرِضَاهُ عَنْهُ وَإِيمَانَهُ وَلِيَسْمَعَ تَضَرّعَهُ وَابْتِهَالَهُ وَلِيَرَاهُ طَرِيحًا بِبَابِهِ لَائِذًا بِجَنَابِهِ مَكْسُورَ الْقَلْبِ بَيْنَ يَدَيْهِ رَافِعًا قِصَصَ الشّكْوَى إلَيْهِ . قَالَ الشّيْخُ عَبْدُ الْقَادِرِ : يَا بُنَيّ إنّ الْمُصِيبَةَ مَا جَاءَتْ لِتُهْلِكَك وَإِنّمَا جَاءَتْ لِتَمْتَحِنَ صَبْرَك وَإِيمَانَك يَا بُنَيّ الْقَدَرُ سَبُعٌ وَالسّبُعُ لَا يَأْكُلُ الْمَيْتَةَ . وَالْمَقْصُودُ أَنّ الْمُصِيبَةَ كِيرُ الْعَبْدِ الّذِي يُسْبَكُ بِهِ حَاصِلُهُ فَإِمّا أَنْ يَخْرُجَ [ ص 179 ] أَحْمَرَ وَإِمّا أَنْ يَخْرُجَ خَبَثًا كُلّهُ كَمَا قِيلَ سَبَكْنَاهُ وَنَحْسِبُهُ لُجَيْنَا فَأَبْدَى الْكِيرُ عَنْ خَبَثِ الْحَدِيدِ فَإِنْ لَمْ يَنْفَعْهُ هَذَا الْكِيرُ فِي الدّنْيَا فَبَيْنَ يَدَيْهِ الْكِيرُ الْأَعْظَمُ فَإِذَا عَلِمَ الْعَبْدُ أَنّ إدْخَالَهُ كِيرَ الدّنْيَا وَمَسْبَكَهَا خَيْرٌ لَهُ مِنْ ذَلِكَ الْكِيرِ وَالْمَسْبَكِ وَأَنّهُ لَا بُدّ مِنْ أَحَدِ الْكِيرَيْنِ فَلْيَعْلَمْ قَدْرَ نِعْمَةِ اللّهِ عَلَيْهِ فِي الْكِيرِ الْعَاجِلِ . [ الْمُصِيبَةُ كَاسِرَةٌ لِدَاءِ الْكِبْرِ وَقَسْوَةِ الْقَلْبِ ] وَمِنْ عِلَاجِهَا : أَنْ يَعْلَمَ أَنّهُ لَوْلَا مِحَنُ الدّنْيَا وَمَصَائِبُهَا لَأَصَابَ الْعَبْدَ - مِنْ أَدْوَاءِ الْكِبْرِ وَالْعُجْبِ وَالْفَرْعَنَةِ وَقَسْوَةِ الْقَلْبِ - مَا هُوَ سَبَبُ هَلَاكِهِ عَاجِلًا وَآجِلًا فَمِنْ رَحْمَةِ أَرْحَمِ الرّاحِمِينَ أَنْ يَتَفَقّدَهُ فِي الْأَحْيَانِ بِأَنْوَاعٍ مِنْ أَدْوِيَةِ الْمَصَائِبِ تَكُونُ حَمِيّةً لَهُ مِنْ هَذِهِ الْأَدْوَاءِ وَحِفْظًا لِصِحّةِ عُبُودِيّتِهِ وَاسْتِفْرَاغًا لِلْمَوَادّ الْفَاسِدَةِ الرّدِيئَةِ الْمُهْلِكَةِ مِنْهُ فَسُبْحَانَ مَنْ يَرْحَمُ بِبَلَائِهِ وَيَبْتَلِي بِنَعْمَائِهِ كَمَا قِيلَ قَدْ يُنْعِمُ بِالْبَلْوَى وَإِنْ عَظُمَتْ وَيَبْتَلِي اللّهُ بَعْضَ الْقَوْمِ بِالنّعَمِ فَلَوْلَا أَنّهُ - سُبْحَانَهُ - يُدَاوِي عِبَادَهُ بِأَدْوِيَةِ الْمِحَنِ وَالِابْتِلَاءِ لَطَغَوْا وَبَغَوْا وَعَتَوْا وَاَللّهُ - سُبْحَانَهُ - إذَا أَرَادَ بِعَبْدٍ خَيْرًا سَقَاهُ دَوَاءً مِنْ الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ عَلَى قَدْرِ حَالِهِ يَسْتَفْرِغُ بِهِ مِنْ الْأَدْوَاءِ الْمُهْلِكَةِ حَتّى إذَا هَذّبَهُ وَنَقّاهُ وَصَفّاهُ أَهّلَهُ لِأَشْرَفِ مَرَاتِبِ الدّنْيَا وَهِيَ عُبُودِيّتُهُ وَأَرْفَعِ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَهُوَ رُؤْيَتُهُ وَقُرْبُهُ . [ مَرَارَةُ الدّنْيَا حَلَاوَةُ الْآخِرَةِ ] وَمِنْ عِلَاجِهَا : أَنْ يَعْلَمَ أَنّ مَرَارَةَ الدّنْيَا هِيَ بِعَيْنِهَا حَلَاوَةُ الْآخِرَةِ يَقْلِبُهَا اللّهُ سُبْحَانَهُ كَذَلِكَ وَحَلَاوَةَ الدّنْيَا بِعَيْنِهَا مَرَارَةُ الْآخِرَةِ وَلَأَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ مَرَارَةٍ مُنْقَطِعَةٍ إلَى حَلَاوَةٍ دَائِمَةٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ عَكْسِ ذَلِكَ فَإِنْ خَفِيَ عَلَيْك هَذَا فَانْظُرْ إلَى قَوْلِ الصّادِقِ الْمَصْدُوقِ حُفّتْ الْجَنّةُ بِالْمَكَارِهِ وَحُفّتْ النّارُ بِالشّهَوَاتِ وَفِي هَذَا الْمَقَامِ تَفَاوَتَتْ عُقُولُ الْخَلَائِقِ وَظَهَرَتْ حَقَائِقُ الرّجَالِ فَأَكْثَرُهُمْ [ ص 180 ] آثَرَ الْحَلَاوَةَ الْمُنْقَطِعَةَ عَلَى الْحَلَاوَةِ الدّائِمَةِ الّتِي لَا تَزُولُ وَلَمْ يَحْتَمِلْ مَرَارَةَ سَاعَةٍ لِحَلَاوَةِ الْأَبَدِ وَلَا ذُلّ سَاعَةٍ لِعِزّ الْأَبَدِ وَلَا مِحْنَةَ سَاعَةٍ لِعَافِيَةِ الْأَبَدِ فَإِنّ الْحَاضِرَ عِنْدَهُ شَهَادَةٌ وَالْمُنْتَظَرَ غَيْبٌ وَالْإِيمَانُ ضَعِيفٌ وَسُلْطَانُ الشّهْوَةِ حَاكِمٌ فَتَوَلّدَ مِنْ ذَلِكَ إيثَارُ الْعَاجِلَةِ وَرَفْضُ الْآخِرَةِ وَهَذَا حَالُ النّظَرِ الْوَاقِعِ عَلَى ظَوَاهِرِ الْأُمُورِ وَأَوَائِلِهَا وَمَبَادِئِهَا وَأَمّا النّظَرُ الثّاقِبُ الّذِي يَخْرِقُ حُجُبَ الْعَاجِلَةِ وَيُجَاوِزُهُ إلَى الْعَوَاقِبِ وَالْغَايَاتِ فَلَهُ شَأْنٌ آخَرُ . فَادْعُ نَفْسَك إلَى مَا أَعَدّ اللّهُ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ طَاعَتِهِ مِنْ النّعِيمِ الْمُقِيمِ وَالسّعَادَةِ الْأَبَدِيّةِ وَالْفَوْزِ الْأَكْبَرِ وَمَا أَعَدّ لِأَهْلِ الْبِطَالَةِ وَالْإِضَاعَةِ مِنْ الْخِزْيِ وَالْعِقَابِ وَالْحَسَرَاتِ الدّائِمَةِ ثُمّ اخْتَرْ أَيّ الْقِسْمَيْنِ أَلْيَقَ بِك وَكُلّ يَعْمَلُ عَلَى شَاكِلَتِهِ وَكُلّ أَحَدٍ يَصْبُو إلَى مَا يُنَاسِبُهُ وَمَا هُوَ الْأَوْلَى بِهِ وَلَا تَسْتَطِلْ هَذَا الْعِلَاجَ فَشِدّةُ الْحَاجَةِ إلَيْهِ مِنْ الطّبِيبِ وَالْعَلِيلِ دَعَتْ إلَى بَسْطِهِ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ الْكَرْبِ وَالْهَمّ وَالْغَمّ وَالْحَزَنِ أَخْرَجَا فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ الْكَرْبِ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ رَبّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ رَبّ السّمَاوَاتِ السّبْعِ وَرَبّ الْأَرْضِ رَبّ الْعَرْشِ الْكَرِيمُ وَفِي " جَامِعِ التّرْمِذِيّ " عَنْ أَنَسٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ قَالَ " يَا حَيّ يَا قَيّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ وَفِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ إذَا أَهَمّهُ الْأَمْرُ رَفَعَ طَرْفَهُ إلَى [ ص 181 ] فَقَالَ سُبْحَانَ اللّهِ الْعَظِيمِ وَإِذَا اجْتَهَدَ فِي الدّعَاءِ قَالَ يَا حَيّ يَا قَيّومُ وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " عَنْ أَبِي بَكْرَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ دَعَوَاتُ الْمَكْرُوبِ اللّهُمّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلّهُ لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ وَفِيهَا أَيْضًا عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَلَا أُعَلّمُكَ كَلِمَاتٍ تَقُولِيهِنّ عَنْدَ الْكَرْبِ أَوْ فِي الْكَرْبِ اللّهُ رَبّي لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا وَفِي رِوَايَةٍ أَنّهَا تُقَالُ سَبْعَ مَرّاتٍ . [ ص 182 ] مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ مَا أَصَابَ عَبْدًا هَمّ وَلَا حُزْنٌ فَقَالَ : اللَهُمّ إنّي عَبْدُك ابْنُ عَبْدِك ابْنُ أَمَتِك نَاصِيَتِي بِيَدِك مَاضٍ فِيّ حُكْمُك عَدْلٌ فِيّ قَضَاؤُك أَسْأَلُكَ بِكُلّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمّيْتَ بِهِ نَفْسَك أَوْ أَنْزَلْتَهُ فِي كِتَابِك أَوْ عَلّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِك أَوْ اسْتَأْثَرْتَ بِهِ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَكَ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي وَنُورَ صَدْرِي وَجَلَاءَ حُزْنِي وَذَهَابَ هَمّي إلّا أَذْهَبَ اللّهُ حُزْنَهُ وَهَمّهُ وَأَبْدَلَهُ مَكَانَهُ فَرَحًا وَفِي التّرْمِذِيّ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَعَوةُ ذِي النّونِ إذْ دَعَا رَبّهُ وَهُوَ فِي بَطْنِ الْحُوتِ لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنّي كُنْت مِنْ الظّالِمِينَ لَمْ يَدْعُ بِهَا رَجُلٌ مُسْلِمٌ فِي شَيْءٍ قَطّ إلّا اُسْتُجِيبَ لَهُ وَفِي رِوَايَةٍ إنّي لَأَعْلَمُ كَلِمَةً لَا يَقُولُهَا مَكْرُوبٌ إلّا فَرّجَ اللّهُ عَنْهُ كَلِمَةَ أَخِي يُونُسَ وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الخُدْرِي قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَاتَ يَوْمٍ الْمَسْجِدَ فَإِذَا هُوَ بِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ يُقَالُ لَهُ أَبُو أُمَامَةَ فَقَالَ يَا أَبَا أُمَامَةَ مَالِي أَرَاكَ فِي الْمَسْجِدِ فِي غَيْرِ وَقْتِ الصّلَاةِ ؟ " فَقَالَ هُمُومٌ لَزِمَتْنِي وَدُيُونٌ يَا رَسُولَ اللّهِ فَقَالَ " أَلَا أُعَلّمُكَ كَلَامًا إذَا أَنْتَ قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ هَمّكَ وَقَضَى دَيْنَكَ ؟ " قَالَ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ " قُلْ إذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمّ وَالْحَزَنِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدّيْنِ وَقَهْرِ الرّجَالِ قَالَ فَفَعَلْتُ ذَلِكَ فَأَذْهَبَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ هَمّي وَقَضَى عَنّي دَيْنِي [ ص 183 ] وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ لَزِمَ الِاسْتِغْفَارَ جَعَلَ اللّهُ لَهُ مِنْ كُلّ هَمّ فَرَجًا وَمِنْ كُلّ ضِيقٍ مَخْرَجًا وَرَزَقَهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَفِي " الْمُسْنَدِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم كَانَ إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إلَى الصّلَاةِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَاسْتَعِينُوا بِالصّبْرِ وَالصّلَاةِ } [ الْبَقَرَةُ 4ُ5 ] . وَفِي " السّنَنِ عَلَيْكُمْ بِالْجِهَادِ فَإِنّهُ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنّةِ يَدْفَعُ اللّهُ بِهِ عَنْ النّفُوسِ الْهَمّ وَالْغَمّ وَيَذْكُرُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ كَثُرَتْ هُمُومُهُ وَغُمُومُهُ فَلْيُكْثِرْ مِنْ قَوْلِ لَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ وَثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " أَنّهَا كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنّةِ . [ ص 184 ] التّرْمِذِيّ : " أَنّهَا بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنّةِ " . هَذِهِ الْأَدْوِيَةُ تَتَضَمّنُ خَمْسَةَ عَشَرَ نَوْعًا مِنْ الدّوَاءِ فَإِنْ لَمْ تَقْوَ عَلَى إذْهَابِ دَاءِ الْهَمّ وَالْغَمّ وَالْحُزْنِ فَهُوَ دَاءٌ قَدْ اسْتَحْكَمَ وَتَمَكّنَتْ أَسْبَابُهُ وَيَحْتَاجُ إلَى اسْتِفْرَاغٍ كُلّيّ . الْأَوّلُ تَوْحِيدُ الرّبُوبِيّةِ . الثّانِي : تَوْحِيدُ الْإِلَهِيّةِ . الثّالِثُ التّوْحِيدُ الْعِلْمِيّ الِاعْتِقَادِيّ . الرّابِعُ تَنْزِيهُ الرّبّ تَعَالَى عَنْ أَنْ يَظْلِمَ عَبْدَهُ أَوْ يَأْخُذَهُ بِلَا سَبَبٍ مِنْ الْعَبْدِ يُوجِبُ ذَلِكَ . الْخَامِسُ اعْتِرَافُ الْعَبْدِ بِأَنّهُ هُوَ الظّالِمُ . السّادِسُ التّوَسّلُ إلَى الرّبّ تَعَالَى بِأَحَبّ الْأَشْيَاءِ وَهُوَ أَسْمَاؤُهُ وَصِفَاتُهُ وَمِنْ أَجْمَعِهَا لِمَعَانِي الْأَسْمَاءِ وَالصّفَاتِ الْحَيّ الْقَيّومُ . السّابِعُ الِاسْتِعَانَةُ بِهِ وَحْدَهُ . الثّامِنُ إقْرَارُ الْعَبْدِ لَهُ بِالرّجَاءِ . التّاسِعُ تَحْقِيقُ التّوَكّلِ عَلَيْهِ وَالتّفْوِيضِ إلَيْهِ وَالِاعْتِرَافِ لَهُ بِأَنّ نَاصِيَتَهُ فِي يَدِهِ يَصْرِفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ وَأَنّهُ مَاضٍ فِيهِ حُكْمُهُ عَدْلٌ فِيهِ قَضَاؤُهُ . الْعَاشِرُ أَنْ يَرْتَعَ قَلْبُهُ فِي رِيَاضِ الْقُرْآنِ وَيَجْعَلَهُ لِقَلْبِهِ كَالرّبِيعِ لِلْحَيَوَانِ وَأَنْ يَسْتَضِيءَ بِهِ فِي ظُلُمَاتِ الشّبُهَاتِ وَالشّهَوَاتِ وَأَنْ يَتَسَلّى بِهِ عَنْ كُلّ فَائِتٍ وَيَتَعَزّى بِهِ عَنْ كُلّ مُصِيبَةٍ وَيَسْتَشْفِي بِهِ مِنْ أَدْوَاءِ صَدْرِهِ فَيَكُونَ جَلَاءَ حُزْنِهِ وَشِفَاءَ هَمّهِ وَغَمّهِ . الْحَادِيَ عَشَرَ الِاسْتِغْفَارُ . [ ص 185 ] عَشَرَ التّوْبَةُ . الثّالِثَ عَشَرَ الْجِهَادُ . الرّابِعَ عَشَرَ الصّلَاةُ . الْخَامِسَ عَشَرَ الْبَرَاءَةُ مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوّةِ وَتَفْوِيضِهِمَا إلَى مَنْ هُمَا بِيَدِهِ . فَصْلٌ فِي بَيَانِ جِهَةِ تَأْثِيرِ هَذِهِ الْأَدْوِيَةِ فِي هَذِهِ الْأَمْرَاضِ خَلَقَ اللّهُ - سُبْحَانَهُ - ابْنَ آدَمَ وَأَعْضَاءَهُ وَجَعَلَ لِكُلّ عُضْوٍ مِنْهَا كَمَالًا إذَا فَقَدَهُ أَحَسّ بِالْأَلَمِ وَجَعَلَ لِمَلِكِهَا وَهُوَ الْقَلْبُ كَمَالًا إذَا فَقَدَهُ حَضَرَتْهُ أَسْقَامُهُ وَآلَامُهُ مِنْ الْهُمُومِ وَالْغُمُومِ وَالْأَحْزَانِ . فَإِذَا فَقَدَتْ الْعَيْنُ مَا خُلِقَتْ لَهُ مِنْ قُوّةِ الْإِبْصَارِ وَفَقَدَتْ الْأُذُنُ مَا خُلِقَتْ لَهُ مِنْ قُوّةِ السّمْعِ وَاللّسَانُ مَا خُلِقَ لَهُ مِنْ قُوّةِ الْكَلَامِ فَقَدَتْ كَمَالَهَا . [ وَظِيفَةُ الْقَلْبِ ] وَالْقَلْبُ خُلِقَ لِمَعْرِفَةِ فَاطِرِهِ وَمَحَبّتِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَالسّرُورِ بِهِ وَالِابْتِهَاجِ بِحُبّهِ وَالرّضَى عَنْهُ وَالتّوَكّلِ عَلَيْهِ وَالْحُبّ فِيهِ وَالْبُغْضِ فِيهِ وَالْمُوَالَاةِ فِيهِ وَالْمُعَادَاةِ فِيهِ وَدَوَامِ ذِكْرِهِ وَأَنْ يَكُونَ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ كُلّ مَا سِوَاهُ وَأَرْجَى عِنْدَهُ مِنْ كُلّ مَا سِوَاهُ وَأَجَلّ فِي قَلْبِهِ مِنْ كُلّ مَا سِوَاهُ وَلَا نَعِيمَ لَهُ وَلَا سُرُورَ وَلَا لَذّةَ بَلْ وَلَا حَيَاةَ إلّا بِذَلِكَ وَهَذَا لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْغِذَاءِ وَالصّحّةِ وَالْحَيَاةِ فَإِذَا فَقَدَ غِذَاءَهُ وَصِحّتَهُ وَحَيَاتَهُ فَالْهُمُومُ وَالْغُمُومُ وَالْأَحْزَانُ مُسَارِعَةٌ مِنْ كُلّ صَوْبٍ إلَيْهِ وَرَهْنٌ مُقِيمٌ عَلَيْهِ . [ أَمْرَاضُ الْقَلْبِ ] وَمِنْ أَعْظَمِ أَدْوَائِهِ الشّرْكُ وَالذّنُوبُ وَالْغَفْلَةُ وَالِاسْتِهَانَةُ بِمَحَابّهِ وَمَرَاضِيهِ وَتَرْكُ التّفْوِيضِ إلَيْهِ وَقِلّةُ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ وَالرّكُونُ إلَى مَا سِوَاهُ وَالسّخْطُ بِمَقْدُورِهِ وَالشّكّ فِي وَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ . [ عِلَاجَاتُ أَمْرَاضِ الْقَلْبِ ] وَإِذَا تَأَمّلْت أَمْرَاضَ الْقَلْبِ وَجَدْت هَذِهِ الْأُمُورَ وَأَمْثَالَهَا هِيَ أَسْبَابُهَا لَا [ ص 186 ] الْمُضَادّةِ لِهَذِهِ الْأَدْوَاءِ فَإِنّ الْمَرَضَ يُزَالُ بِالضّدّ وَالصّحّةُ تُحْفَظُ بِالْمِثْلِ فَصِحّتُهُ تُحْفَظُ بِهَذِهِ الْأُمُورِ النّبَوِيّةِ وَأَمْرَاضُهُ بِأَضْدَادِهَا . [ فَوَائِدُ التّوْحِيدِ فَوَائِدُ التّوْبَةِ ] فَالتّوْحِيدُ يَفْتَحُ لِلْعَبْدِ بَابَ الْخَيْرِ وَالسّرُورِ وَاللّذّةِ وَالْفَرَحِ وَالِابْتِهَاجِ وَالتّوْبَةُ اسْتِفْرَاغٌ لِلْأَخْلَاطِ وَالْمَوَادّ الْفَاسِدَةِ الّتِي هِيَ سَبَبُ أَسْقَامِهِ وَحَمِيّةٌ لَهُ مِنْ التّخْلِيطِ فَهِيَ تُغْلِقُ عَنْهُ بَابَ الشّرُورِ فَيُفْتَحُ لَهُ بَابُ السّعَادَةِ وَالْخَيْرِ بِالتّوْحِيدِ وَيُغْلَقُ بَابُ الشّرُورِ بِالتّوْبَةِ وَالِاسْتِغْفَارِ . قَالَ بَعْضُ الْمُتَقَدّمِينَ مِنْ أَئِمّةِ الطّبّ : مَنْ أَرَادَ عَافِيَةَ الْجِسْمِ فَلْيُقَلّلْ مِنْ الطّعَامِ وَالشّرَابِ وَمَنْ أَرَادَ عَافِيَةَ الْقَلْبِ فَلْيَتْرُكْ الْآثَامَ . وَقَالَ ثَابِتُ بْنُ قُرّةَ : رَاحَةُ الْجِسْمِ فِي قِلّةِ الطّعَامِ وَرَاحَةُ الرّوحِ فِي قِلّةِ الْآثَامِ وَرَاحَةُ اللّسَانِ فِي قِلّةِ الْكَلَامِ . وَالذّنُوبُ لِلْقَلْبِ بِمَنْزِلَةِ السّمُومِ إنْ لَمْ تُهْلِكْهُ أَضْعَفَتْهُ وَلَا بُدّ وَإِذَا ضَعُفَتْ قُوّتُهُ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُقَاوَمَةِ الْأَمْرَاضِ قَالَ طَبِيبُ الْقُلُوبِ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ . رَأَيْتُ الذّنُوبَ تُمِيتُ الْقُلُوبَ وَقَدْ يُورِثُ الذّلّ إدْمَانُهَا وَتَرْكُ الذّنُوبِ حَيَا ةُ الْقُلُوبِ وَخَيْرٌ لِنَفْسِكَ عِصْيَانُهَا [ الْهَوَى أَكْبَرُ أَمْرَاضِ الْقَلْبِ فَلَا بُدّ مِنْ مُخَالَفَتِهِ ] فَالْهَوَى أَكْبَرُ أَدْوَائِهَا وَمُخَالَفَتُهُ أَعْظَمُ أَدْوِيَتِهَا وَالنّفْسُ فِي الْأَصْلِ خُلِقَتْ جَاهِلَةً ظَالِمَةً فَهِيَ لِجَهْلِهَا تَظُنّ شِفَاءَهَا فِي اتّبَاعِ هَوَاهَا وَإِنّمَا فِيهِ تَلَفُهَا وَعَطَبُهَا وَلِظُلْمِهَا لَا تَقْبَلُ مِنْ الطّبِيبِ النّاصِحِ بَلْ تَضَعُ الدّاءَ مَوْضِعَ الدّوَاءِ فَتَعْتَمِدُهُ وَتَضَعُ الدّوَاءَ مَوْضِعَ الدّاءِ فَتَجْتَنِبُهُ فَيَتَوَلّدُ مِنْ بَيْنِ إيثَارِهَا لِلدّاءِ وَاجْتِنَابِهَا لِلدّوَاءِ أَنْوَاعٌ مِنْ الْأَسْقَامِ وَالْعِلَلِ الّتِي تُعْيِي الْأَطِبّاءَ وَيَتَعَذّرُ مَعَهَا الشّفَاءُ . وَالْمُصِيبَةُ الْعُظْمَى أَنّهَا تُرَكّبُ ذَلِكَ عَلَى الْقَدَرِ فَتُبْرِئُ نَفْسَهَا وَتَلُومُ رَبّهَا بِلِسَانِ الْحَالِ دَائِمًا وَيَقْوَى اللّوْمُ حَتّى يُصَرّحَ بِهِ اللّسَانُ . [ ص 187 ] [ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ مُشْتَمِلٌ عَلَى تَوْحِيدِ الْإِلَهِيّةِ وَالرّبُوبِيّةِ وَصِفَتَيْ الْعَظَمَةِ وَالْحِلْمِ ] وَإِذَا وَصَلَ الْعَلِيلُ إلَى هَذِهِ الْحَالِ فَلَا يَطْمَعُ فِي بُرْئِهِ إلّا أَنْ تَتَدَارَكَهُ رَحْمَةٌ مِنْ رَبّهِ فَيُحْيِيهِ حَيَاةً جَدِيدَةً وَيَرْزُقُهُ طَرِيقَةً حَمِيدَةً فَلِهَذَا كَانَ حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ فِي دُعَاءِ الْكَرْبِ مُشْتَمِلًا عَلَى تَوْحِيدِ الْإِلَهِيّةِ وَالرّبُوبِيّةِ وَوَصْفِ الرّبّ سُبْحَانَهُ بِالْعَظَمَةِ وَالْحِلْمِ وَهَاتَانِ الصّفَتَانِ مُسْتَلْزِمَتَانِ لِكَمَالِ الْقُدْرَةِ وَالرّحْمَةِ وَالْإِحْسَانِ وَالتّجَاوُزِ وَوَصْفِهِ بِكَمَالِ رُبُوبِيّتِهِ لِلْعَالَمِ الْعُلْوِيّ وَالسّفْلِيّ وَالْعَرْشِ الّذِي هُوَ سَقْفُ الْمَخْلُوقَاتِ وَأَعْظَمُهَا وَالرّبُوبِيّةُ التّامّةُ تَسْتَلْزِمُ تَوْحِيدَهُ وَأَنّهُ الّذِي لَا تَنْبَغِي الْعِبَادَةُ وَالْحُبّ وَالْخَوْفُ وَالرّجَاءُ وَالْإِجْلَالُ وَالطّاعَةُ إلّا لَهُ . وَعَظَمَتُهُ الْمُطْلَقَةُ تَسْتَلْزِمُ إثْبَاتَ كُلّ كَمَالٍ لَهُ وَسَلْبَ كُلّ نَقْصٍ وَتَمْثِيلٍ عَنْهُ . وَحِلْمُهُ يَسْتَلْزِمُ كَمَالَ رَحْمَتِهِ وَإِحْسَانِهِ إلَى خَلْقِهِ . فَعِلْمُ الْقَلْبِ وَمَعْرِفَتُهُ بِذَلِكَ تُوجِبُ مَحَبّتَهُ وَإِجْلَالَهُ وَتَوْحِيدَهُ فَيَحْصُلُ لَهُ مِنْ الِابْتِهَاجِ وَاللّذّةِ وَالسّرُورِ مَا يَدْفَعُ عَنْهُ أَلَمَ الْكَرْبِ وَالْهَمّ وَالْغَمّ وَأَنْتَ تَجِدُ الْمَرِيضَ إذَا وَرَدَ عَلَيْهِ مَا يَسُرّهُ وَيُفْرِحُهُ وَيُقَوّي نَفْسَهُ كَيْفَ تَقْوَى الطّبِيعَةُ عَلَى دَفْعِ الْمَرَضِ الْحِسّيّ فَحُصُولُ هَذَا الشّفَاءِ لِلْقَلْبِ أَوْلَى وَأَحْرَى . ثُمّ إذَا قَابَلْت بَيْنَ ضِيقِ الْكَرْبِ وَسَعَةِ هَذِهِ الْأَوْصَافِ الّتِي تَضَمّنَهَا دُعَاءُ الْكَرْبِ وَجَدْته فِي غَايَةِ الْمُنَاسَبَةِ لِتَفْرِيجِ هَذَا الضّيقِ وَخُرُوجِ الْقَلْبِ مِنْهُ إلَى سَعَةِ الْبَهْجَةِ وَالسّرُورِ وَهَذِهِ الْأُمُورُ إنّمَا يُصَدّقُ بِهَا مَنْ أَشْرَقَتْ فِيهِ أَنْوَارُهَا وَبَاشَرَ قَلْبُهُ حَقَائِقَهَا . [ فَوَائِدُ صِفَتَيْ الْحَيّ الْقَيّومِ ] " وَفِي تَأْثِيرِ قَوْلِهِ يَا حَيّ يَا قَيّومُ بِرَحْمَتِك أَسْتَغِيث فِي دَفْعِ هَذَا الدّاءِ مُنَاسِبَةٌ بَدِيعَةٌ فَإِنّ صِفَةَ الْحَيَاةِ مُتَضَمّنَةٌ لِجَمِيعِ صِفَاتِ الْكَمَالِ مُسْتَلْزِمَةٌ لَهَا وَصِفَةُ الْقَيّومِيّةِ مُتَضَمّنَةٌ لِجَمِيعِ صِفَاتِ الْأَفْعَالِ وَلِهَذَا كَانَ اسْمَ اللّهِ الْأَعْظَمَ الّذِي إذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى : هُوَ اسْمُ الْحَيّ الْقَيّومِ وَالْحَيَاةُ التّامّةُ تُضَادّ جَمِيعَ الْأَسْقَامِ وَالْآلَامِ وَلِهَذَا لَمّا كَمُلَتْ حَيَاةُ أَهْلِ الْجَنّةِ لَمْ يَلْحَقْهُمْ هَمّ وَلَا غَمّ وَلَا حَزَنٌ وَلَا شَيْءٌ مِنْ الْآفَاتِ . وَنُقْصَانُ الْحَيَاةِ تَضُرّ بِالْأَفْعَالِ وَتُنَافِي الْقَيّومِيّةَ [ ص 188 ] الْقَيّومِيّةِ لِكَمَالِ الْحَيَاةِ فَالْحَيّ الْمُطْلَقُ التّامّ الْحَيَاةِ لَا تَفُوتُهُ صِفَةُ الْكَمَالِ الْبَتّةَ وَالْقَيّومُ لَا يَتَعَذّرُ عَلَيْهِ فِعْلٌ مُمْكِنٌ الْبَتّةَ فَالتّوَسّلُ بِصِفَةِ الْحَيَاةِ الْقَيّومِيّةِ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي إزَالَةِ مَا يُضَادّ الْحَيَاةَ وَيَضُرّ بِالْأَفْعَالِ . [ تَوَسّلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِرُبُوبِيّةِ اللّهِ لِجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ ] وَنَظِيرُ هَذَا تَوَسّلُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى رَبّهِ بِرُبُوبِيّتِهِ لِجِبْرِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ أَنْ يَهْدِيَهُ لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقّ بِإِذْنِهِ فَإِنّ حَيَاةَ الْقَلْبِ بِالْهِدَايَةِ وَقَدْ وَكّلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ هَؤُلَاءِ الْأَمْلَاكَ الثّلَاثَةَ بِالْحَيَاةِ فَجِبْرِيلُ مُوَكّلٌ بِالْوَحْيِ الّذِي هُوَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ وَمِيكَائِيلُ بِالْقَطْرِ الّذِي هُوَ حَيَاةُ الْأَبْدَانِ وَالْحَيَوَانِ وَإِسْرَافِيلُ بِالنّفْخِ فِي الصّورِ الّذِي هُوَ سَبَبُ حَيَاةِ الْعَالَمِ وَعَوْدِ الْأَرْوَاحِ إلَى أَجْسَادِهَا فَالتّوَسّلُ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ بِرُبُوبِيّةِ هَذِهِ الْأَرْوَاحِ الْعَظِيمَةِ الْمُوَكّلَةِ بِالْحَيَاةِ لَهُ تَأْثِيرٌ فِي حُصُولِ الْمَطْلُوبِ . وَالْمَقْصُودُ أَنّ لِاسْمِ الْحَيّ الْقَيّومِ تَأْثِيرًا خَاصّا فِي إجَابَةِ الدّعَوَاتِ وَكَشْفِ الْكُرُبَاتِ وَفِي " السّنَنِ " و " صَحِيحِ أَبِي حَاتِمٍ " مَرْفُوعًا : اسْمُ اللّهِ الْأَعْظَمُ فِي هَاتَيْنِ الْآيَتَيْن { وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لَا إِلَهَ إِلّا هُوَ الرّحْمَنُ الرّحِيمُ } [ الْبَقَرَةُ 163 ] وَفَاتِحَةُ آلِ عِمْرَانَ { الم اللّهُ لَا إِلَهَ إِلّا هُوَ الْحَيّ الْقَيّومُ } قَالَ التّرْمِذِي ّ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَفِي " السّنَنِ " و " صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ " أَيْضًا : مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنّ رَجُلًا دَعَا [ ص 189 ] فَقَالَ اللّهُمّ إنّي أَسْأَلُكَ بِأَنّ لَكَ الْحَمْدَ لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ الْمَنّانُ بَدِيعُ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ يَا حَيّ يَا قَيّومُ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَقَدْ دَعَا اللّهَ بِاسْمِهِ الْأَعْظَمِ الّذِي إذَا دُعِيَ بِهِ أَجَابَ وَإِذَا سُئِلَ بِهِ أَعْطَى وَلِهَذَا كَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا اجْتَهَدَ فِي الدّعَاءِ قَالَ يَا حَيّ يَا قَيّومُ . [ مَا فِي اللّهُمّ رَحْمَتَك أَرْجُو . . و اللّهُ رَبّي . . ] " وَفِي قَوْلِهِ اللّهُمّ رَحْمَتَكَ أَرْجُو فَلَا تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي كُلّهُ لَا إلَهَ إلّا أَنْت مِنْ تَحْقِيقِ الرّجَاءِ لِمَنْ الْخَيْرُ كُلّهُ بِيَدَيْهِ وَالِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ وَحْدَهُ وَتَفْوِيضُ الْأَمْرِ إلَيْهِ وَالتّضَرّعُ إلَيْهِ أَنْ يَتَوَلّى إصْلَاحَ شَأْنِهِ وَلَا يَكِلَهُ إلَى نَفْسِهِ وَالتّوَسّلُ إلَيْهِ بِتَوْحِيدِهِ مِمّا لَهُ تَأْثِيرٌ قَوِيّ فِي دَفْعِ هَذَا الدّاءِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ اللّهُ رَبّي لَا أُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا . [ مَا فِي اللّهُمّ إنّي عَبْدُك ابْنُ عَبْدِك مِنْ الْفَوَائِدِ ] وَأَمّا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ : اللّهُمّ إنّي عَبْدُكَ ابْنُ عَبْدِكَ فَفِيهِ مِنْ الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيّةِ وَأَسْرَارِ الْعُبُودِيّةِ مَا لَا يَتّسِعُ لَهُ كِتَابٌ فَإِنّهُ يَتَضَمّنُ الِاعْتِرَافَ بِعُبُودِيّتِهِ وَعُبُودِيّةِ آبَائِهِ وَأُمّهَاتِهِ وَأَنّ نَاصِيَتَهُ بِيَدِهِ يُصَرّفُهَا كَيْفَ يَشَاءُ فَلَا يَمْلِكُ الْعَبْدُ دُونَهُ لِنَفْسِهِ نَفْعًا وَلَا ضَرّا وَلَا مَوْتًا وَلَا حَيَاةً وَلَا نُشُورًا لِأَنّ مَنْ نَاصِيَتُهُ بِيَدِ غَيْرِهِ فَلَيْسَ إلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ أَمْرِهِ بَلْ هُوَ عَانٍ فِي قَبْضَتِهِ ذَلِيلٌ تَحْتَ سُلْطَانِ قَهْرِهِ . [ إثْبَاتُ الْقَدْرِ وَالْعَدْلِ لِلّهِ فِي مَاضٍ فِيّ حُكْمُك . . ] وَقَوْلُهُ مَاضٍ فِيّ حُكْمُكَ عَدْلٌ فِيّ قَضَاؤُكَ مُتَضَمّنٌ لِأَصْلَيْنِ عَظِيمَيْنِ عَلَيْهِمَا مَدَارُ التّوْحِيدِ . أَحَدُهُمَا : إثْبَاتُ الْقَدَرِ وَأَنّ أَحْكَامَ الرّبّ تَعَالَى نَافِذَةٌ فِي عَبْدِهِ مَاضِيَةٌ فِيهِ لَا انْفِكَاكَ لَهُ عَنْهَا وَلَا حِيلَةَ لَهُ فِي دَفْعِهَا . [ أَسْأَلُك بِكُلّ اسْمٍ هُوَ لَك . .] وَالثّانِي : أَنّهُ - سُبْحَانَهُ - عَدْلٌ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ غَيْرُ ظَالِمٍ لِعَبْدِهِ بَلْ لَا [ ص 190 ] فَقِيرٌ إلَيْهِ وَمَنْ هُوَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ فَلَا تَخْرُجُ ذَرّةٌ مِنْ مَقْدُورَاتِهِ عَنْ حِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ كَمَا لَمْ تَخْرُجْ عَنْ قُدْرَتِهِ وَمَشِيئَتِهِ فَحِكْمَتُهُ نَافِذَةٌ حَيْثُ نَفَذَتْ مَشِيئَتُهُ وَقُدْرَتُهُ وَلِهَذَا قَالَ نَبِيّ اللّهِ هُودٌ صَلّى اللّهُ عَلَى نَبِيّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَدْ خَوّفَهُ قَوْمُهُ بِآلِهَتِهِمْ { إِنّي أُشْهِدُ اللّهَ وَاشْهَدُوا أَنّي بَرِيءٌ مِمّا تُشْرِكُونَ مِنْ دُونِهِ فَكِيدُونِي جَمِيعًا ثُمّ لَا تُنْظِرُونِي إِنّي تَوَكّلْتُ عَلَى اللّهِ رَبّي وَرَبّكُمْ مَا مِنْ دَابّةٍ إِلّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا إِنّ رَبّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } [ هُود : 54 - 57 ] أَيْ مَعَ كَوْنِهِ سُبْحَانَهُ آخِذًا بِنَوَاصِي خَلْقِهِ وَتَصْرِيفِهِمْ كَمَا يَشَاءُ فَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ لَا يَتَصَرّفُ فِيهِمْ إلّا بِالْعَدْلِ وَالْحِكْمَةِ وَالْإِحْسَانِ وَالرّحْمَةِ . فَقَوْلُهُ مَاضٍ فِيّ حُكْمُك مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ ( { مَا مِنْ دَابّةٍ إِلّا هُوَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا } وَقَوْلُهُ عَدْلٌ فِيّ قَضَاؤُك مُطَابِقٌ لِقَوْلِهِ { إِنّ رَبّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ } ثُمّ تَوَسّلَ إلَى رَبّهِ بِأَسْمَائِهِ الّتِي سَمّى بِهَا نَفْسَهُ مَا عَلِمَ الْعِبَادُ مِنْهَا وَمَا لَمْ يَعْلَمُوا . وَمِنْهَا : مَا اسْتَأْثَرَهُ فِي عِلْمِ الْغَيْبِ عِنْدَهُ فَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِ مَلَكًا مُقَرّبًا وَلَا نَبِيّا مُرْسَلًا وَهَذِهِ الْوَسِيلَةُ أَعْظَمُ الْوَسَائِلِ وَأَحَبّهَا إلَى اللّهِ وَأَقْرَبُهَا تَحْصِيلًا لِلْمَطْلُوبِ . " [ أَنْ تَجْعَلَ الْقُرْآنَ الْعَظِيمَ رَبِيعَ قَلْبِي . . ] ثُمّ سَأَلَهُ أَنْ يَجْعَلَ الْقُرْآنَ لِقَلْبِهِ كَالرّبِيعِ الّذِي يَرْتَعُ فِيهِ الْحَيَوَانُ وَكَذَلِكَ الْقُرْآنُ رَبِيعُ الْقُلُوبِ وَأَنْ يَجْعَلَهُ شِفَاءَ هَمّهِ وَغَمّهِ فَيَكُونَ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الدّوَاءِ الّذِي يَسْتَأْصِلُ الدّاءَ وَيُعِيدُ الْبَدَنَ إلَى صِحّتِهِ وَاعْتِدَالِهِ وَأَنْ يَجْعَلَهُ لِحُزْنِهِ كَالْجَلَاءِ الّذِي يَجْلُو الطّبُوعَ وَالْأَصْدِيَةَ وَغَيْرَهَا فَأَحْرَى بِهَذَا الْعِلَاجِ إذَا صَدَقَ الْعَلِيلُ فِي اسْتِعْمَالِهِ أَنْ يُزِيلَ عَنْهُ دَاءَهُ وَيُعْقِبَهُ شِفَاءً تَامّا وَصِحّةً وَعَافِيَةً وَاَللّهُ الْمُوَفّقُ . [ دَعْوَةُ ذِي النّونِ ] وَأَمّا دَعْوَةُ ذِي النّونِ فَإِنّ فِيهَا مِنْ كَمَالِ التّوْحِيدِ وَالتّنْزِيهِ لِلرّبّ تَعَالَى وَاعْتِرَافِ الْعَبْدِ بِظُلْمِهِ وَذَنْبِهِ مَا هُوَ مِنْ أَبْلَغِ أَدْوِيَةِ الْكَرْبِ وَالْهَمّ وَالْغَمّ وَأَبْلَغِ الْوَسَائِلِ إلَى اللّهِ - سُبْحَانَهُ - فِي قَضَاءِ الْحَوَائِجِ فَإِنّ التّوْحِيدَ وَالتّنْزِيهَ يَتَضَمّنَانِ إثْبَاتَ كُلّ كَمَالِ اللّهِ وَسَلْبَ كُلّ نَقْصٍ وَعَيْبٍ وَتَمْثِيلٍ عَنْهُ . وَالِاعْتِرَافُ بِالظّلْمِ [ ص 191 ] إيمَانَ الْعَبْدِ بِالشّرْعِ وَالثّوَابَ وَالْعِقَابَ وَيُوجِبُ انْكِسَارَهُ وَرُجُوعَهُ إلَى اللّهِ وَاسْتِقَالَتَهُ عَثْرَتَهُ وَالِاعْتِرَافَ بِعُبُودِيّتِهِ وَافْتِقَارَهُ إلَى رَبّهِ فَهَا هُنَا أَرْبَعَةُ أُمُورٍ قَدْ وَقَعَ التّوَسّلُ بِهَا : التّوْحِيدُ وَالتّنْزِيهُ وَالْعُبُودِيّةُ وَالِاعْتِرَافُ . [ اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْهَمّ وَالْحَزَنِ . .] وَأَمّا حَدِيثُ أَبِي أُمَامَةَ اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمّ وَالْحَزَنِ فَقَدْ تَضَمّنَ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ ثَمَانِيَةِ أَشْيَاءَ كُلّ اثْنَيْنِ مِنْهَا قَرِينَانِ مُزْدَوَجَانِ فَالْهَمّ وَالْحَزَنُ أَخَوَانِ وَالْعَجْزُ وَالْكَسَلُ أَخَوَانِ وَالْجُبْنُ وَالْبُخْلُ أَخَوَانِ وَضَلَعُ الدّيْنِ وَغَلَبَةُ الرّجَالِ أَخَوَانِ فَإِنّ الْمَكْرُوهَ الْمُؤْلِمَ إذَا وَرَدَ عَلَى الْقَلْبِ فَإِمّا أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ أَمْرًا مَاضِيًا فَيُوجِبُ لَهُ الْحُزْنَ وَإِنْ كَانَ أَمْرًا مُتَوَقّعًا فِي الْمُسْتَقْبَلِ أَوْجَبَ الْهَمّ وَتَخَلّفُ الْعَبْدِ عَنْ مَصَالِحِهِ وَتَفْوِيتُهَا عَلَيْهِ إمّا أَنْ يَكُونَ مِنْ عَدَمِ الْقُدْرَةِ وَهُوَ الْعَجْزُ أَوْ مِنْ عَدَمِ الْإِرَادَةِ وَهُوَ الْكَسَلُ وَحَبْسُ خَيْرِهِ وَنَفْعِهِ عَنْ نَفْسِهِ وَعَنْ بَنِي جَنْسِهِ إمّا أَنْ يَكُونَ مَنَعَ نَفْعَهُ بِبَدَنِهِ فَهُوَ الْجُبْنُ أَوْ بِمَالِهِ فَهُوَ الْبُخْلُ وَقَهْرُ النّاسِ لَهُ إمّا بِحَقّ فَهُوَ ضَلَعُ الدّيْنِ أَوْ بِبَاطِلٍ فَهُوَ غَلَبَةُ الرّجَالِ فَقَدْ تَضَمّنَ الْحَدِيثُ الِاسْتِعَاذَةَ مِنْ كُلّ شَرّ وَأَمّا تَأْثِيرُ الِاسْتِغْفَارِ فِي دَفْعِ الْهَمّ وَالْغَمّ وَالضّيقِ فَلَمّا اشْتَرَكَ فِي الْعِلْمِ بِهِ أَهْلُ الْمِلَلِ وَعُقَلَاءُ كُلّ أُمّةٍ أَنّ الْمَعَاصِيَ وَالْفَسَادَ تُوجِبُ الْهَمّ وَالْغَمّ وَالْخَوْفَ وَالْحُزْنَ وَضِيقَ الصّدْرِ وَأَمْرَاضَ الْقَلْبِ حَتّى إنّ أَهْلَهَا إذَا قَضَوْا مِنْهَا أَوْطَارَهُمْ وَسَئِمَتْهَا نَفُوسُهُمْ ارْتَكَبُوهَا دَفْعًا لِمَا يَجِدُونَهُ فِي صُدُورِهِمْ مِنْ الضّيقِ وَالْهَمّ وَالْغَمّ كَمَا قَالَ شَيْخُ الْفُسُوقِ وَكَأْسٍ شَرِبْتُ عَلَى لَذّةٍ وَأُخْرَى تَدَاوَيْتُ مِنْهَا بِهَا [ التّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ ] وَإِذَا كَانَ هَذَا تَأْثِيرَ الذّنُوبِ وَالْآثَامِ فِي الْقُلُوبِ فَلَا دَوَاءَ لَهَا إلّا التّوْبَةُ وَالِاسْتِغْفَارُ . [ ص 192 ] [ الصّلَاةُ وَتَأْثِيرُهَا فِي تَفْرِيحِ الْقَلْبِ ] وَأَمّا الصّلَاةُ فَشَأْنُهَا فِي تَفْرِيحِ الْقَلْبِ وَتَقْوِيتِهِ وَشَرْحِهِ وَابْتِهَاجِهِ وَلَذّتِهِ أَكْبَرُ شَأْنٍ وَفِيهَا مِنْ اتّصَالِ الْقَلْبِ وَالرّوحِ بِاَللّهِ وَقُرْبِهِ وَالتّنَعّمِ بِذِكْرِهِ وَالِابْتِهَاجِ بِمُنَاجَاتِهِ وَالْوُقُوفِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَاسْتِعْمَالِ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَقُوَاهُ وَآلَاتِهِ فِي عُبُودِيّتِهِ وَإِعْطَاءِ كُلّ عُضْوٍ حَظّهُ مِنْهَا وَاشْتِغَالِهِ عَنْ التّعَلّقِ بِالْخَلْقِ وَمُلَابَسَتِهِمْ وَمُحَاوَرَاتِهِمْ وَانْجِذَابِ قُوَى قَلْبِهِ وَجَوَارِحِهِ إلَى رَبّهِ وَفَاطِرِهِ وَرَاحَتِهِ مِنْ عَدُوّهِ حَالَةَ الصّلَاةِ مَا صَارَتْ بِهِ مِنْ أَكْبَرِ الْأَدْوِيَةِ وَالْمُفَرّحَاتِ وَالْأَغْذِيَةِ الّتِي لَا تُلَائِمُ إلّا الْقُلُوبَ الصّحِيحَةَ . وَأَمّا الْقُلُوبُ الْعَلِيلَةُ فَهِيَ كَالْأَبْدَانِ لَا تُنَاسِبُهَا إلّا الْأَغْذِيَةُ الْفَاضِلَةُ . فَالصّلَاةُ مِنْ أَكْبَرِ الْعَوْنِ عَلَى تَحْصِيلِ مَصَالِحِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَدَفْعِ مَفَاسِدِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَهِيَ مُنْهَاةٌ عَنْ الْإِثْمِ وَدَافِعَةٌ لِأَدْوَاءِ الْقُلُوبِ وَمُطْرِدَةٌ لِلدّاءِ عَنْ الْجَسَدِ وَمُنَوّرَةٌ لِلْقَلْبِ وَمُبَيّضَةٌ لِلْوَجْهِ وَمُنَشّطَةٌ لِلْجَوَارِحِ وَالنّفْسِ وَجَالِبَةٌ لِلرّزْقِ وَدَافِعَةٌ لِلظّلْمِ وَنَاصِرَةٌ لِلْمَظْلُومِ وَقَامِعَةٌ لِأَخْلَاطِ الشّهَوَاتِ وَحَافِظَةٌ لِلنّعْمَةِ وَدَافِعَةٌ لِلنّقْمَةِ وَمُنْزِلَةٌ لِلرّحْمَةِ وَكَاشِفَةٌ لِلْغُمّةِ وَنَافِعَةٌ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَوْجَاعِ الْبَطْنِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ مُجَاهَدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَآنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَنَا نَائِمٌ أَشْكُو مِنْ وَجَعِ بَطْنِي فَقَالَ لِي : " يَا أَبَا هُرَيْرَةَ أَشِكَمَتْ دَرْدْ ؟ " قَالَ قُلْتُ نَعَمْ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ " قُمْ فَصَلّ فَإِنّ فِي الصّلَاةِ شِفَاءً وَقَدْ رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ مَوْقُوفًا عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَنّهُ هُوَ الّذِي قَالَ ذَلِكَ لِمُجَاهِدٍ وَهُوَ أَشْبَهُ . وَمَعْنَى هَذِهِ اللّفْظَةِ بِالْفَارِسِيّ أَيُوجِعُك بَطْنُك ؟ . [ الرّدّ عَلَى الْأَطِبّاءِ الْمُنْكِرِينَ لِفَائِدَةِ الصّلَاةِ فِي الْعِلَاجِ ] فَإِنْ لَمْ يَنْشَرِحْ صَدْرُ زِنْدِيقِ الْأَطِبّاءِ بِهَذَا الْعِلَاجِ فَيُخَاطَبُ بِصِنَاعَةِ الطّبّ وَيُقَالُ لَهُ الصّلَاةُ رِيَاضَةُ النّفْسِ وَالْبَدَنِ جَمِيعًا إذْ كَانَتْ تَشْتَمِلُ عَلَى حَرَكَاتٍ وَأَوْضَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ مِنْ الِانْتِصَابِ وَالرّكُوعِ وَالسّجُودِ وَالتّوَرّكِ وَالِانْتِقَالَاتِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْأَوْضَاعِ الّتِي يَتَحَرّكُ مَعَهَا أَكْثَرُ الْمَفَاصِلِ وَيَنْغَمِزُ مَعَهَا أَكْثَرُ الْأَعْضَاءِ [ ص 193 ] وَالْأَمْعَاءِ وَسَائِرِ آلَاتِ النّفْسِ وَالْغِذَاءِ فَمَا يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ فِي هَذِهِ الْحَرَكَاتِ تَقْوِيَةٌ وَتَحْلِيلٌ لِلْمَوَادّ وَلَا سِيّمَا بِوَاسِطَةِ قُوّةِ النّفْسِ وَانْشِرَاحِهَا فِي الصّلَاةِ فَتَقْوَى الطّبِيعَةُ فَيَنْدَفِعُ الْأَلَمُ وَلَكِنْ دَاءُ الزّنْدَقَةِ وَالْإِعْرَاضِ عَمّا جَاءَتْ بِهِ الرّسُلُ وَالتّعَوّضِ عَنْهُ بِالْإِلْحَادِ دَاءٌ لَيْسَ لَهُ دَوَاءٌ إلّا نَارٌ تَلَظّى لَا يَصِلَاهَا إلّا الْأَشْقَى الّذِي كَذّبَ وَتَوَلّى . [ تَأْثِيرُ الْجِهَادِ فِي دَفْعِ الْهَمّ ] وَأَمّا تَأْثِيرُ الْجِهَادِ فِي دَفْعِ الْهَمّ وَالْغَمّ فَأَمْرٌ مَعْلُومٌ بِالْوِجْدَانِ فَإِنّ النّفْسَ مَتَى تَرَكَتْ صَائِلَ الْبَاطِلِ وَصَوْلَتَهُ وَاسْتِيلَاءَهُ اشْتَدّ هَمّهَا وَغَمّهَا وَكَرْبُهَا وَخَوْفُهَا فَإِذَا جَاهَدَتْهُ لِلّهِ أَبْدَلَ اللّهُ ذَلِكَ الْهَمّ وَالْحُزْنَ فَرَحًا وَنَشَاطًا وَقُوّةً كَمَا قَالَ تَعَالَى : { قَاتِلُوهُمْ يُعَذّبْهُمُ اللّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ } [ التّوْبَة : 14 15 ] فَلَا شَيْءَ أَذْهَبُ لِجَوَى الْقَلْبِ وَغَمّهِ وَهَمّهِ وَحُزْنِهِ مِنْ الْجِهَادِ وَاَللّهُ الْمُسْتَعَانُ . [ تَأْثِيرُ الْحَوْقَلَةِ فِي دَفْعِ الْهَمّ ] وَأَمّا تَأْثِيرُ لَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ فِي دَفْعِ هَذَا الدّاءِ فَلِمَا فِيهَا مِنْ كَمَالِ التّفْوِيضِ وَالتّبَرّي مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوّةِ إلّا بِهِ وَتَسْلِيمِ الْأَمْرِ كُلّهِ لَهُ وَعَدَمِ مُنَازَعَتِهِ فِي شَيْءٍ مِنْهُ وَعُمُومُ ذَلِكَ لِكُلّ تَحَوّلٍ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيّ وَالسّفْلِيّ وَالْقُوّةِ عَلَى ذَلِكَ التّحَوّلِ وَأَنّ ذَلِكَ كُلّهُ بِاَللّهِ وَحْدَهُ فَلَا يَقُومُ لِهَذِهِ الْكَلِمَةِ شَيْءٌ . وَفِي بَعْضِ الْآثَارِ إنّهُ مَا يَنْزِلُ مَلَكٌ مِنْ السّمَاءِ وَلَا يَصْعَدُ إلَيْهَا إلّا بِلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ وَلَهَا تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي طَرْدِ الشّيْطَانِ وَاَللّهُ الْمُسْتَعَانُ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ الْفَزَعِ وَالْأَرَقِ الْمَانِعِ مِنْ النّوْمِ رَوَى التّرْمِذِيّ فِي " جَامِعِهِ " عَنْ بُريْدَةَ قَالَ شَكَى خَالِدٌ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا أَنَامُ اللّيْلَ مِنْ الْأَرَقِ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا أَوَيْتَ إلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ : اللّهُمّ رَبّ السّمَاوَاتِ السّبْعِ وَمَا أَظَلّتْ وَرَبّ الْأَرْضِينَ وَمَا أَقَلّتْ وَرَبّ الشّيَاطِينِ وَمَا أَضَلّتْ كُنْ لِي جَارًا مِنْ شَرّ خَلْقِكَ كُلّهِمْ جَمِيعًا أَنْ يَفْرُطَ عَلَيّ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَوْ يَبْغِيَ عَلَيّ عَزّ جَارُك وَجَلّ ثَنَاؤُك وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ [ ص 194 ] وَفِيهِ أَيْضًا : عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يُعَلّمُهُمْ مِنْ الْفَزَعِ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللّهِ التّامّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَعِقَابِهِ وَشَرّ عِبَادِهِ وَمِنْ هَمَزَاتِ الشّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَنْ يَحْضُرُونِ قَالَ وَكَانَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرٍو يُعَلّمُهُنّ مَنْ عَقَلَ مِنْ بَنِيهِ . وَمَنْ لَمْ يَعْقِلْ كَتَبَهُ فَأَعْلَقَهُ عَلَيْهِ وَلَا يَخْفَى مُنَاسَبَةُ هَذِهِ الْعُوذَةِ لِعِلَاجِ هَذَا الدّاءِ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ دَاءِ الْحَرِيقِ وَإِطْفَائِهِ يُذْكَرُ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا رَأَيْتُمْ الْحَرِيقَ فَكَبّرُوا فَإِنّ التّكْبِيرَ يُطْفِئُهُ لَمّا كَانَ الْحَرِيقُ سَبَبُهُ النّارُ وَهِيَ مَادّةُ الشّيْطَانِ الّتِي خُلِقَ مِنْهَا وَكَانَ فِيهِ مِنْ الْفَسَادِ الْعَامّ مَا يُنَاسِبُ الشّيْطَانَ بِمَادّتِهِ وَفِعْلِهِ كَانَ لِلشّيْطَانِ إعَانَةٌ عَلَيْهِ وَتَنْفِيذٌ لَهُ وَكَانَتْ النّارُ تَطْلُبُ بِطَبْعِهَا الْعُلُوّ وَالْفَسَادَ وَهَذَانِ الْأَمْرَانِ وَهُمَا الْعُلُوّ فِي الْأَرْضِ وَالْفَسَادُ هُمَا هَدْيُ الشّيْطَانِ وَإِلَيْهِمَا يَدْعُو وَبِهِمَا يُهْلِكُ بَنِي آدَمَ فَالنّارُ وَالشّيْطَانُ كُلّ مِنْهُمَا يُرِيدُ الْعُلُوّ فِي [ ص 195 ] عَزّ وَجَلّ - تَقْمَعُ الشّيْطَانَ وَفِعْلَهُ . [ أَثَرُ التّكْبِيرِ فِي إخْمَادِ النّارِ مَادّةِ الشّيْطَانِ ] وَلِهَذَا كَانَ تَكْبِيرُ اللّهِ - عَزّ وَجَلّ - لَهُ أَثَرٌ فِي إطْفَاءِ الْحَرِيقِ فَإِنّ كِبْرِيَاءَ اللّهِ - عَزّ وَجَلّ - لَا يَقُومُ لَهَا شَيْءٌ فَإِذَا كَبّرَ الْمُسْلِمُ رَبّهُ أَثّرَ تَكْبِيرُهُ فِي خُمُودِ النّارِ وَخُمُودِ الشّيْطَانِ الّتِي هِيَ مَادّتُهُ فَيُطْفِئُ الْحَرِيقَ وَقَدْ جَرّبْنَا نَحْنُ وَغَيْرُنَا هَذَا فَوَجَدْنَاهُ كَذَلِكَ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي حِفْظِ الصّحّةِ [ قِوَامُ الْبَدَنِ عَلَى الْحَرَارَةِ وَالرّطُوبَةِ ] لَمّا كَانَ اعْتِدَالُ الْبَدَنِ وَصِحّتُهُ وَبَقَاؤُهُ إنّمَا هُوَ بِوَاسِطَةِ الرّطُوبَةِ الْمُقَاوِمَةِ لِلْحَرَارَةِ فَالرّطُوبَةُ مَادّتُهُ وَالْحَرَارَةُ تُنْضِجُهَا وَتَدْفَعُ فَضَلَاتِهَا وَتُصْلِحُهَا وَتُلَطّفُهَا وَإِلّا أَفْسَدَتْ الْبَدَنَ وَلَمْ يُمْكِنْ قِيَامُهُ وَكَذَلِكَ الرّطُوبَةُ هِيَ غِذَاءُ الْحَرَارَةِ فَلَوْلَا الرّطُوبَةُ لَأَحْرَقَتْ الْبَدَنَ وَأَيْبَسَتْهُ وَأَفْسَدَتْهُ فَقِوَامُ كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا بِصَاحِبَتِهَا وَقِوَامُ الْبَدَنِ بِهِمَا جَمِيعًا وَكُلّ مِنْهُمَا مَادّةٌ لِلْأُخْرَى فَالْحَرَارَةُ مَادّةٌ لِلرّطُوبَةِ تَحْفَظُهَا وَتَمْنَعُهَا مِنْ الْفَسَادِ وَالِاسْتِحَالَةِ وَالرّطُوبَةُ مَادّةٌ لِلْحَرَارَةِ تَغْذُوهَا وَتَحْمِلُهَا وَمَتَى مَالَتْ إحْدَاهُمَا إلَى الزّيَادَةِ عَلَى الْأُخْرَى حَصَلَ لِمِزَاجِ الْبَدَنِ الِانْحِرَافُ بِحَسَبِ ذَلِكَ فَالْحَرَارَةُ دَائِمًا تُحَلّلُ الرّطُوبَةَ فَيَحْتَاجُ الْبَدَنُ إلَى مَا بِهِ يُخْلَفُ عَلَيْهِ مَا حَلّلَتْهُ الْحَرَارَةُ - لِضَرُورَةِ بَقَائِهِ - وَهُوَ الطّعَامُ وَالشّرَابُ وَمَتَى زَادَ عَلَى مِقْدَارِ التّحَلّلِ ضَعُفَتْ الْحَرَارَةُ عَنْ تَحْلِيلِ فَضَلَاتِهِ فَاسْتَحَالَتْ مَوَادّ رَدِيئَةٍ فَعَاثَتْ فِي الْبَدَنِ وَأَفْسَدَتْ فَحَصَلَتْ الْأَمْرَاضُ الْمُتَنَوّعَةُ بِحَسَبِ تَنَوّعِ مَوَادّهَا وَقَبُولِ الْأَعْضَاءِ وَاسْتِعْدَادِهَا وَهَذَا كُلّهُ مُسْتَفَادٌ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا } [ الْأَعْرَافِ 31 ] فَأَرْشَدَ عِبَادَهُ إلَى إدْخَالِ مَا يُقِيمُ الْبَدَنَ مِنْ الطّعَامِ وَالشّرَابِ عِوَضَ مَا تَحَلّلَ مِنْهُ وَأَنْ يَكُونَ بِقَدْرِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ الْبَدَنُ فِي الْكَمّيّةِ وَالْكَيْفِيّةِ فَمَتَى جَاوَزَ ذَلِكَ كَانَ إسْرَافًا وَكِلَاهُمَا مَانِعٌ مِنْ الصّحّةِ جَالِبٌ لِلْمَرَضِ أَعْنِي عَدَمَ الْأَكْلِ وَالشّرْبِ أَوْ الْإِسْرَافَ فِيهِ . [ ص 196 ] دَائِمًا فِي التّحَلّلِ وَالِاسْتِخْلَافِ وَكُلّمَا كَثُرَ التّحَلّلُ ضَعُفَتْ الْحَرَارَةُ لِفَنَاءِ مَادّتِهَا فَإِنّ كَثْرَةَ التّحَلّلِ تُفْنِي الرّطُوبَةَ وَهِيَ مَادّةُ الْحَرَارَةِ وَإِذَا ضَعُفَتْ الْحَرَارَةُ ضَعُفَ الْهَضْمُ وَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتّى تَفْنَى الرّطُوبَةُ وَتَنْطَفِئَ الْحَرَارَةُ جُمْلَةً فَيَسْتَكْمِلُ الْعَبْدُ الْأَجَلَ الّذِي كَتَبَ اللّهُ لَهُ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ . [ غَايَةُ عِلَاجِ الْإِنْسَانِ الِاعْتِدَالُ بَيْنَ الْحَرَارَةِ وَالرّطُوبَةِ ] فَغَايَةُ عِلَاجِ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ وَلِغَيْرِهِ حِرَاسَةُ الْبَدَنِ إلَى أَنْ يَصِلَ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ لَا أَنّهُ يَسْتَلْزِمُ بَقَاءَ الْحَرَارَةِ وَالرّطُوبَةِ اللّتَيْنِ بَقَاءُ الشّبَابِ وَالصّحّةِ وَالْقُوّةِ بِهِمَا فَإِنّ هَذَا مِمّا لَمْ يَحْصُلْ لِبَشَرٍ فِي هَذِهِ الدّارِ وَإِنّمَا غَايَةُ الطّبِيبِ أَنْ يَحْمِيَ الرّطُوبَةَ عَنْ مُفْسِدَاتِهَا مِنْ الْعُفُونَةِ وَغَيْرِهِ وَيَحْمِيَ الْحَرَارَةَ عَنْ مُضْعِفَاتِهَا وَيَعْدِلَ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ فِي التّدْبِيرِ الّذِي بِهِ قَامَ بَدَنُ الْإِنْسَانِ كَمَا أَنّ بِهِ قَامَتْ السّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَسَائِرُ الْمَخْلُوقَاتِ إنّمَا قِوَامُهَا بِالْعَدْلِ وَمَنْ تَأَمّلَ هَدْيَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَجَدَهُ أَفْضَلَ هَدْيٍ يُمْكِنُ حِفْظُ الصّحّةِ بِهِ فَإِنّ حِفْظَهَا مَوْقُوفٌ عَلَى حُسْنِ تَدْبِيرِ الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمَسْكَنِ وَالْهَوَاءِ وَالنّوْمِ وَالْيَقَظَةِ وَالْحَرَكَةِ وَالسّكُونِ وَالْمَنْكَحِ وَالِاسْتِفْرَاغِ وَالِاحْتِبَاسِ فَإِذَا حَصَلَتْ هَذِهِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَدِلِ الْمُوَافِقِ الْمُلَائِمِ لِلْبَدَنِ وَالْبَلَدِ وَالسّنّ وَالْعَادَةِ كَانَ أَقْرَبَ إلَى دَوَامِ الصّحّةِ أَوْ غَلَبَتِهَا إلَى انْقِضَاءِ الْأَجَلِ . [ الصّحّةُ مِنْ أَجَلّ النّعَمِ وَذِكْرُ الْأَخْبَارِ فِي ذَلِكَ ] وَلَمّا كَانَتْ الصّحّةُ وَالْعَافِيَةُ مِنْ أَجَلّ نِعَم اللّهِ عَلَى عَبْدِهِ وَأَجْزَلِ عَطَايَاهُ وَأَوْفَرِ مِنَحِهِ بَلْ الْعَافِيَةُ الْمُطْلَقَةُ أَجَلّ النّعَمِ عَلَى الْإِطْلَاقِ فَحَقِيقٌ لِمَنْ رُزِقَ حَظّا مِنْ التّوْفِيقِ مُرَاعَاتُهَا وَحِفْظُهَا وَحِمَايَتُهَا عَمّا يُضَادّهَا وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنْ النّاسِ : الصّحّةُ وَالْفَرَاغُ وَفِي التّرْمِذِيّ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ مِحْصَنٍ الْأَنْصَارِيّ قَالَ قَالَ [ ص 197 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ أَصْبَحَ مُعَافًى فِي جَسَدِهِ آمِنًا فِي سِرْبِهِ عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ فَكَأَنّمَا حِيزَتْ لَهُ الدّنْيَا وَفِي التّرْمِذِيّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ أَوّلُ مَا يُسْأَلُ عَنْهُ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ النّعِيمِ أَنْ يُقَالَ لَهُ أَلَمْ نُصِحّ لَكَ جِسْمَك وَنَرْوِك مِنْ الْمَاءِ الْبَارِدِ وَمِنْ هَا هُنَا قَالَ مَنْ قَالَ مِنْ السّلَفِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { ثُمّ لَتُسْأَلُنّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النّعِيمِ } [ التّكَاثُرِ 8 ] قَالَ عَنْ الصّحّةِ . وَفِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لِلْعَبّاسِ يَا عَبّاسُ يَا عَمّ رَسُولِ اللّهِ سَلْ اللّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَفِيهِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ سَلُوا اللّهَ الْيَقِينَ وَالْمُعَافَاةَ فَمَا أُوتِيَ أَحَدٌ بَعْدَ الْيَقِينِ خَيْرًا مِنْ الْعَافِيَةِ فَجَمَعَ بَيْنَ عَافِيَتَيْ الدّينِ وَالدّنْيَا وَلَا يَتِمّ صَلَاحُ الْعَبْدِ فِي الدّارَيْنِ إلّا بِالْيَقِينِ وَالْعَافِيَةِ فَالْيَقِينُ يَدْفَعُ عَنْهُ عُقُوبَاتِ الْآخِرَةِ وَالْعَافِيَةُ تَدْفَعُ عَنْهُ أَمْرَاضَ الدّنْيَا فِي قَلْبِهِ وَبَدَنِهِ . وَفِي " سُنَنِ النّسَائِيّ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ [ ص 198 ] سَلُوا اللّهَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ وَالْمُعَافَاةَ فَمَا أُوتِيَ أَحَدٌ بَعْدَ يَقِينٍ خَيْرًا مِنْ مُعَافَاةٍ وَهَذِهِ الثّلَاثَةُ تَتَضَمّنُ إزَالَةَ الشّرُورِ الْمَاضِيَةِ بِالْعَفْوِ وَالْحَاضِرَةِ بِالْعَافِيَةِ وَالْمُسْتَقْبَلَةِ بِالْمُعَافَاةِ فَإِنّهَا تَتَضَمّنُ الْمُدَاوَمَةَ وَالِاسْتِمْرَارَ عَلَى الْعَافِيَةِ . وَفِي التّرْمِذِيّ مَرْفُوعًا : مَا سُئِلَ اللّهُ شَيْئًا أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ الْعَافِيَةِ وَقَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ أَبِي لَيْلَى : عَنْ أَبِي الدّرْدَاءِ قُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ لَأَنْ أُعَافَى فَأَشْكُرَ أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ أُبْتَلَى فَأَصْبِرَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَرَسُولُ اللّهِ يُحِبّ مَعَكَ الْعَافِيَةَ وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ أَعْرَابِيّا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ لَهُ مَا أَسْأَلُ اللّهَ بَعْدَ الصّلَوَاتِ الْخَمْسِ ؟ فَقَالَ سَلْ اللّهَ الْعَافِيَةَ " فَأَعَادَ عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُ فِي الثّالِثَةِ سَلْ اللّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ [هَدْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي مُرَاعَاةِ أُمُورِ الصّحّةِ ] وَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنَ الْعَافِيَةِ وَالصّحّةِ فَنَذْكُرُ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي مُرَاعَاةِ هَذِهِ الْأُمُورِ مَا يَتَبَيّنُ لِمَنْ نَظَرَ فِيهِ أَنّهُ أَكْمَلُ هَدْيٍ عَلَى الْإِطْلَاقِ يَنَالُ بِهِ حِفْظَ صِحّةِ الْبَدَنِ وَالْقَلْبِ وَحَيَاةِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاَللّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التّكْلَانُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ . فَصْلٌ [هَدْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْمَطْعَمِ وَالْمَشْرَبِ ] فَأَمّا الْمَطْعَمُ وَالْمَشْرَبُ فَلَمْ يَكُنْ مِنْ عَادَتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَبْسُ النّفْسِ عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ مِنْ الْأَغْذِيَةِ لَا يَتَعَدّاهُ إلَى مَا سِوَاهُ فَإِنّ ذَلِكَ يَضُرّ بِالطّبِيعَةِ جِدّا وَقَدْ يَتَعَذّرُ عَلَيْهَا أَحْيَانًا فَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ غَيْرَهُ ضَعُفَ أَوْ هَلَكَ وَإِنْ تَنَاوَلَ غَيْرَهُ لَمْ تَقْبَلْهُ الطّبِيعَةُ وَاسْتَضَرّ بِهِ فَقَصَرَهَا عَلَى نَوْعٍ وَاحِدٍ دَائِمًا - وَلَوْ أَنّهُ أَفْضَلُ الْأَغْذِيَةِ - خَطَرٌ مُضِرّ . [ ص 199 ] كَانَ يَأْكُلُ مَا جَرَتْ عَادَةُ أَهْلِ بَلَدِهِ بِأَكْلِهِ مِنْ اللّحْمِ وَالْفَاكِهَةِ وَالْخُبْزِ وَالتّمْرِ وَغَيْرِهِ مِمّا ذَكَرْنَاهُ فِي هَدْيِهِ فِي الْمَأْكُولِ فَعَلَيْك بِمُرَاجَعَتِهِ هُنَاكَ . [ تَعْدِيلُ الطّعَامِ بِضِدّهِ ] وَإِذَا كَانَ فِي أَحَدِ الطّعَامَيْنِ كَيْفِيّةٌ تَحْتَاجُ إلَى كَسْرٍ وَتَعْدِيلٍ كَسَرَهَا وَعَدَلَهَا بِضِدّهَا إنْ أَمْكَنَ كَتَعْدِيلِ حَرَارَةِ الرّطَبِ بِالْبِطّيخِ وَإِنْ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ تَنَاوَلَهُ عَلَى حَاجَةٍ وَدَاعِيَةٍ مِنْ النّفْسِ مِنْ غَيْرِ إسْرَافٍ فَلَا تَتَضَرّرُ بِهِ الطّبِيعَةُ . [ تَرْكُ مَا تَعَافُهُ النّفْسُ ] وَكَانَ إذَا عَافَتْ نَفْسُهُ الطّعَامَ لَمْ يَأْكُلْهُ وَلَمْ يَحْمِلْهَا إيّاهُ عَلَى كُرْهٍ وَهَذَا أَصْلٌ عَظِيمٌ فِي حِفْظِ الصّحّةِ فَمَتَى أَكَلَ الْإِنْسَانُ مَا تَعَافُهُ نَفْسُهُ وَلَا يَشْتَهِيهِ كَانَ تَضَرّرُهُ بِهِ أَكْثَرَ مِنْ انْتِفَاعِهِ . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : مَا عَابَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ طَعَامًا قَطّ إنْ اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِلّا تَرَكَهُ وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ وَلَمّا قُدّمَ إلَيْهِ الضّبّ الْمَشْوِيّ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ فَقِيلَ لَهُ أَهُوَ حَرَامٌ ؟ قَالَ لَا وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ بِأَرْضِ قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ فَرَاعَى عَادَتَهُ وَشَهْوَتَهُ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ يَعْتَادُ أَكْلَهُ بِأَرْضِهِ وَكَانَتْ نَفْسُهُ لَا تَشْتَهِيهِ أَمْسَكَ عَنْهُ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ أَكْلِهِ مَنْ يَشْتَهِيهِ وَمَنْ عَادَتُهُ أَكْلُهُ . [مَحَبّتُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلذّرَاع ] وَكَانَ يُحِبّ اللّحْمَ وَأَحَبّهُ إلَيْهِ الذّرَاعُ وَمُقَدّمُ الشّاةِ وَلِذَلِكَ سُمّ فِيهِ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : أُتِيَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِلَحْمٍ فَرُفِعَ إلَيْهِ الذّرَاعُ وَكَانَتْ تُعْجِبُهُ [ أَكْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلرّقَبَةِ ] وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ ضِبَاعَةَ بِنْتِ الزّبَيْرِ أَنّهَا ذَبَحَتْ فِي بَيْتِهَا شَاةً [ ص 200 ] فَأَرْسَلَ إلَيْهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ أَطْعِمِينَا مِنْ شَاتِكُمْ فَقَالَتْ لِلرّسُولِ مَا بَقِيَ عِنْدَنَا إلّا الرّقَبَةُ وَإِنّي لَأَسْتَحْيِيَ أَنْ أُرْسِلَ بِهَا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرَجَعَ الرّسُولُ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ ارْجِعْ إلَيْهَا فَقُلْ لَهَا : أَرْسِلِي بِهَا فَإِنّهَا هَادِيَةُ الشّاةِ وَأَقْرَبُ إلَى الْخَيْرِ وَأَبْعَدُهَا مِنْ الْأَذَى وَلَا رَيْبَ أَنّ أَخَفّ لَحْمِ الشّاةِ لَحْمُ الرّقَبَةِ وَلَحْمُ الذّرَاعِ وَالْعَضُدِ وَهُوَ أَخَفّ عَلَى الْمَعِدَةِ وَأَسْرَعُ انْهِضَامًا وَفِي هَذَا مُرَاعَاةُ الْأَغْذِيَةِ الّتِي تَجْمَعُ ثَلَاثَةَ أَوْصَافٍ . أَحَدُهَا : كَثْرَةُ نَفْعِهَا وَتَأْثِيرِهَا فِي الْقُوَى . الثّانِي : خِفّتُهَا عَلَى الْمَعِدَةِ وَعَدَمُ ثِقَلِهَا عَلَيْهَا . الثّالِثُ سُرْعَةُ هَضْمِهَا وَهَذَا أَفْضَلُ مَا يَكُونُ مِنْ الْغِذَاءِ وَالتّغَذّي بِالْيَسِيرِ مِنْ هَذَا أَنْفَعُ مِنْ الْكَثِيرِ مِنْ غَيْرِهِ . [ مَحَبّتُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلْحَلْوَاءِ وَالْعَسَلِ وَبَيَانُ أَنّهُمَا مَعَ اللّحْمِ أَفْضَلُ الْأَغْذِيَة ] وَكَانَ يُحِبّ الْحَلْوَاءَ وَالْعَسَلَ وَهَذِهِ الثّلَاثَةُ - أَعْنِي اللّحْمَ وَالْعَسَلَ وَالْحَلْوَاءَ - مِنْ أَفْضَلِ الْأَغْذِيَةِ وَأَنْفَعِهَا لِلْبَدَنِ وَالْكَبِدِ وَالْأَعْضَاءِ وَلِلِاغْتِذَاءِ بِهَا نَفْعٌ عَظِيمٌ فِي حِفْظِ الصّحّةِ وَالْقُوّةِ وَلَا يَنْفِرُ مِنْهَا إلّا مَنْ بِهِ عِلّةٌ وَآفَةٌ . [ يُؤْدِمُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خُبْزَ الشّعِيرِ بِاللّحْمِ وَالْبِطّيخِ وَالتّمْرِ وَالْخَلّ وَفَوَائِدُ ذَلِكَ ] وَكَانَ يَأْكُلُ الْخُبْزَ مَأْدُومًا مَا وَجَدَ لَهُ إدَامًا فَتَارَةً يَأْدِمُهُ بِاللّحْمِ وَيَقُولُ هُوَ سَيّدُ طَعَامِ أَهْلِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ وَغَيْرُهُ . وَتَارَةً بِالْبِطّيخِ وَتَارَةً بِالتّمْرِ فَإِنّهُ وَضَعَ تَمْرَةً عَلَى كِسْرَةِ شَعِيرٍ وَقَالَ هَذَا إدَامُ هَذِهِ وَفِي هَذَا مِنْ تَدْبِيرِ الْغِذَاءِ أَنّ خُبْزَ الشّعِيرِ بَارِدٌ يَابِسٌ وَالتّمْرَ حَارّ رَطْبٌ عَلَى أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ فَأَدْمُ [ ص 201 ] كَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَتَارَةً بِالْخَلّ وَيَقُولُ نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَل وَهَذَا ثَنَاءٌ عَلَيْهِ بِحَسَبِ مُقْتَضَى الْحَالِ الْحَاضِرِ لَا تَفْضِيلٌ لَهُ عَلَى غَيْرِهِ كَمَا يَظُنّ الْجُهّالُ وَسَبَبُ الْحَدِيثِ أَنّهُ دَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمًا فَقَدّمُوا لَهُ خُبْزًا فَقَالَ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ إدَامٍ ؟ " قَالُوا : مَا عِنْدَنَا إلّا خَلّ فَقَالَ " نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلّ وَالْمَقْصُودُ أَنّ أَكْلَ الْخُبْزِ مَأْدُومًا مِنْ أَسْبَابِ حِفْظِ الصّحّةِ بِخِلَافِ الِاقْتِصَارِ عَلَى أَحَدِهِمَا وَحْدَهُ . وَسُمّيَ الْأَدْمُ أُدُمًا : لِإِصْلَاحِهِ الْخُبْزَ وَجَعْلِهِ مُلَائِمًا لِحِفْظِ الصّحّةِ . وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي إبَاحَتِهِ لِلْخَاطِبِ النّظَرَ إنّهُ أَحْرَى أَنْ يُؤْدَمَ بَيْنَهُمَا أَيْ أَقْرَبُ إلَى الِالْتِئَامِ وَالْمُوَافَقَةِ فَإِنّ الزّوْجَ يَدْخُلُ عَلَى بَصِيرَةٍ فَلَا يَنْدَمُ . [ أَكْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْفَاكِهَةَ ] وَكَانَ يَأْكُلُ مِنْ فَاكِهَةِ بَلَدِهِ عِنْدَ مَجِيئِهَا وَلَا يَحْتَمِي عَنْهَا وَهَذَا أَيْضًا مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ حِفْظِ الصّحّةِ فَإِنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ بِحِكْمَتِهِ جَعَلَ فِي كُلّ بَلْدَةٍ مِنْ الْفَاكِهَةِ مَا يَنْتَفِعُ بِهِ أَهْلُهَا فِي وَقْتِهِ فَيَكُونُ تَنَاوُلُهُ مِنْ أَسْبَابِ صِحّتِهِمْ وَعَافِيَتِهِمْ وَيُغْنِي عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَدْوِيَةِ وَقَلّ مَنْ احْتَمَى عَنْ فَاكِهَةِ بَلَدِهِ خَشْيَةَ السّقَمِ إلّا وَهُوَ مِنْ أَسْقَمِ النّاسِ جِسْمًا وَأَبْعَدِهِمْ مِنْ الصّحّةِ وَالْقُوّةِ . وَمَا فِي تِلْكَ الْفَاكِهَةِ مِنْ الرّطُوبَاتِ فَحَرَارَةُ الْفَصْلِ وَالْأَرْضِ وَحَرَارَةُ الْمَعِدَةِ تُنْضِجُهَا وَتَدْفَعُ شَرّهَا إذَا لَمْ يُسْرِفْ فِي تَنَاوُلِهَا وَلَمْ يُحَمّلْ مِنْهَا الطّبِيعَةَ فَوْقَ مَا تَحْتَمِلُهُ وَلَمْ يُفْسِدْ بِهَا الْغِذَاءَ قَبْلَ هَضْمِهِ وَلَا أَفْسَدَهَا بِشُرْبِ الْمَاءِ عَلَيْهَا وَتَنَاوُلِ الْغِذَاءِ بَعْدَ التّحَلّي مِنْهَا فَإِنّ الْقُولَنْجَ كَثِيرًا مَا يَحْدُثُ عِنْدَ ذَلِكَ فَمَنْ أَكَلَ مِنْهَا مَا يَنْبَغِي فِي الْوَقْتِ الّذِي يَنْبَغِي عَلَى الْوَجْهِ الّذِي يَنْبَغِي كَانَتْ لَهُ دَوَاءً نَافِعًا . [ ص 202 ] فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي هَيْئَةِ الْجُلُوسِ لِلْأَكْلِ [ عَدَمُ الِاتّكَاءِ عِنْدَ الْأَكْلِ ] صَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لَا آكُلُ مُتّكِئًا " وَقَالَ " إنّمَا أَجْلِسُ كَمَا يَجْلِسُ الْعَبْدُ وَآكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ . [ عَدَمُ الْأَكْلِ مَعَ الِانْبِطَاحِ ] وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ " أَنّهُ نَهَى أَنْ يَأْكُلَ الرّجُلُ وَهُوَ مُنْبَطِحٌ عَلَى وَجْهِهِ [ تَفْسِيرُ الِاتّكَاءِ ] وَقَدْ فُسّرَ الِاتّكَاءُ بِالتّرَبّعِ وَفُسّرَ بِالِاتّكَاءِ عَلَى الشّيْءِ وَهُوَ الِاعْتِمَادُ عَلَيْهِ وَفُسّرَ بِالِاتّكَاءِ عَلَى الْجَنْبِ . وَالْأَنْوَاعُ الثّلَاثَةُ مِنْ الِاتّكَاءِ فَنَوْعٌ مِنْهَا يَضُرّ بِالْآكِلِ وَهُوَ الِاتّكَاءُ عَلَى الْجَنْبِ فَإِنّهُ يَمْنَعُ مَجْرَى الطّعَامِ الطّبِيعِيّ عَنْ هَيْئَتِهِ وَيَعُوقُهُ عَنْ سُرْعَةِ نُفُوذِهِ إلَى الْمَعِدَةِ وَيَضْغَطُ الْمَعِدَةَ فَلَا يُسْتَحْكَمُ فَتْحُهَا لِلْغِذَاءِ وَأَيْضًا فَإِنّهَا تَمِيلُ وَلَا تَبْقَى مُنْتَصِبَةً فَلَا يَصِلُ الْغِذَاءُ إلَيْهَا بِسُهُولَةٍ . [ ص 203 ] الْمُنَافِي لِلْعُبُودِيّةِ وَلِهَذَا قَالَ آكُلُ كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ وَكَانَ يَأْكُلُ وَهُوَ مُقْعٍ وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَجْلِسُ لِلْأَكْلِ مُتَوَرّكًا عَلَى رُكْبَتَيْهِ وَيَضَعُ بَطْنَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى عَلَى ظَهْرِ قَدَمِهِ الْيُمْنَى تَوَاضُعًا لِرَبّهِ عَزّ وَجَلّ وَأَدَبًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَاحْتِرَامًا لِلطّعَامِ وَلِلْمُؤَاكِلِ فَهَذِهِ الْهَيْئَةُ أَنْفَعُ هَيْئَاتِ الْأَكْلِ وَأَفْضَلُهَا لِأَنّ الْأَعْضَاءَ كُلّهَا تَكُونُ عَلَى وَضْعِهَا الطّبِيعِيّ الّذِي خَلَقَهَا اللّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ مَعَ مَا فِيهَا مِنْ الْهَيْئَةِ الْأَدَبِيّةِ وَأَجْوَدُ مَا اغْتَذَى الْإِنْسَانُ إذَا كَانَتْ أَعْضَاؤُهُ عَلَى وَضْعِهَا الطّبِيعِيّ وَلَا يَكُونُ كَذَلِكَ إلّا إذَا كَانَ الْإِنْسَانُ مُنْتَصِبًا الِانْتِصَابَ الطّبِيعِيّ وَأَرْدَأُ الْجِلْسَاتِ لِلْأَكْلِ الِاتّكَاءُ عَلَى الْجَنْبِ لِمَا تَقَدّمَ مِنْ أَنّ الْمَرِيءَ وَأَعْضَاءَ الِازْدِرَادِ تَضِيقُ عِنْدَ هَذِهِ الْهَيْئَةِ وَالْمَعِدَةُ لَا تَبْقَى عَلَى وَضْعِهَا الطّبِيعِيّ لِأَنّهَا تَنْعَصِرُ مِمّا يَلِي الْبَطْنَ بِالْأَرْضِ وَمِمّا يَلِي الظّهْرَ بِالْحِجَابِ الْفَاصِلِ بَيْنَ آلَاتِ الْغِذَاءِ وَآلَاتِ التّنَفّسِ . وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِالِاتّكَاءِ الِاعْتِمَادَ عَلَى الْوَسَائِدِ وَالْوَطَاءِ الّذِي تَحْتَ الْجَالِسِ فَيَكُونُ الْمَعْنَى أَنّي إذَا أَكَلْت لَمْ أَقْعُدْ مُتّكِئًا عَلَى الْأَوْطِيَةِ وَالْوَسَائِدِ كَفِعْلِ الْجَبَابِرَةِ وَمَنْ يُرِيدُ الْإِكْثَارَ مِنْ الطّعَامِ لَكِنّي آكُلُ بُلْغَةً كَمَا يَأْكُلُ الْعَبْدُ . فَصْلٌ [ الْأَكْلُ بِالْأَصَابِعِ الثّلَاثِ ] وَكَانَ يَأْكُلُ بِأَصَابِعِهِ الثّلَاثِ وَهَذَا أَنْفَعُ مَا يَكُونُ مِنْ الْأَكَلَاتِ فَإِنّ الْأَكْلَ بِأُصْبُعٍ أَوْ أُصْبُعَيْنِ لَا يَسْتَلِذّ بِهِ الْآكِلُ وَلَا يُمْرِيهِ وَلَا يُشْبِعُهُ إلّا بَعْدَ [ ص 204 ] طُولٍ وَلَا تَفْرَحُ آلَاتُ الطّعَامِ وَالْمَعِدَةُ بِمَا يَنَالُهَا فِي كُلّ أَكْلَةٍ فَتَأْخُذُهَا عَلَى إغْمَاضٍ كَمَا يَأْخُذُ الرّجُلُ حَقّهُ حَبّةً أَوْ حَبّتَيْنِ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ فَلَا يَلْتَذّ بِأَخْذِهِ وَلَا يُسَرّ بِهِ وَالْأَكْلُ بِالْخَمْسَةِ وَالرّاحَةِ يُوجِبُ ازْدِحَامَ الطّعَامِ عَلَى آلَاتِهِ وَعَلَى الْمَعِدَةِ وَرُبّمَا انْسَدّتْ الْآلَاتُ فَمَاتَ وَتُغْصَبُ الْآلَاتُ عَلَى دَفْعِهِ وَالْمَعِدَةُ عَلَى احْتِمَالِهِ وَلَا يَجِدُ لَهُ لَذّةً وَلَا اسْتِمْرَاءً فَأَنْفَعُ الْأَكْلِ أَكْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَكْلُ مَنْ اقْتَدَى بِهِ بِالْأَصَابِعِ الثّلَاثِ . فَصْلٌ [ عَدَمُ الْأَكْلِ أَوْ الْجَمْعِ بَيْنَ بَعْضِ الْأَطْعِمَةِ ] وَمَنْ تَدَبّرَ أَغْذِيَتَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَا كَانَ يَأْكُلُهُ وَجَدَهُ لَمْ يَجْمَعْ قَطّ بَيْنَ لَبَنٍ وَسَمَكٍ وَلَا بَيْنَ لَبَنٍ وَحَامِضٍ وَلَا بَيْنَ غِذَاءَيْنِ حَارّيْنِ وَلَا بَارِدَيْنِ وَلَا لَزِجَيْنِ وَلَا قَابِضَيْنِ وَلَا مُسْهِلَيْنِ وَلَا غَلِيظَيْنِ وَلَا مُرْخِيَيْنِ وَلَا مُسْتَحِيلَيْنِ إلَى خَلْطٍ وَاحِدٍ وَلَا بَيْنَ مُخْتَلِفَيْنِ كَقَابِضٍ وَمُسْهِلٍ وَسَرِيعِ الْهَضْمِ وَبَطِيئِهِ وَلَا بَيْنَ شَوِيّ وَطَبِيخٍ وَلَا بَيْنَ طَرِيّ وَقَدِيدٍ وَلَا بَيْنَ لَبَنٍ وَبَيْضٍ وَلَا بَيْنَ لَحْمٍ وَلَبَنٍ وَلَمْ يَكُنْ يَأْكُلُ طَعَامًا فِي وَقْتِ شِدّةِ حَرَارَتِهِ وَلَا طَبِيخًا بَائِتًا يُسَخّنُ لَهُ بِالْغَدِ وَلَا شَيْئًا مِنْ الْأَطْعِمَةِ الْعَفِنَةِ وَالْمَالِحَةِ كَالْكَوَامِخِ وَالْمُخَلّلَاتِ وَالْمُلُوحَاتِ وَكُلّ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ ضَارّ مُوَلّدٌ لِأَنْوَاعٍ مِنْ الْخُرُوجِ عَنْ الصّحّةِ وَالِاعْتِدَالِ . [ تَعْدِيلُ الطّعَامِ بِضِدّهِ ] وَكَانَ يُصْلِحُ ضَرَرَ بَعْضِ الْأَغْذِيَةِ بِبَعْضٍ إذَا وَجَدَ إلَيْهِ سَبِيلًا فَيَكْسِرُ حَرَارَةَ هَذَا بِبُرُودَةِ هَذَا وَيُبُوسَةَ هَذَا بِرُطُوبَةِ هَذَا كَمَا فَعَلَ فِي الْقِثّاءِ وَالرّطَبِ وَكَمَا كَانَ يَأْكُلُ التّمْرَ بِالسّمْنِ وَهُوَ الْحَيْسُ وَيَشْرَبُ نَقِيعَ التّمْرِ يُلَطّفُ بِهِ كَيْمُوسَاتِ الْأَغْذِيَةِ الشّدِيدَةِ . [ الْأَمْرُ بِالْعَشَاءِ ] وَكَانَ يَأْمُرُ بِالْعَشَاءِ وَلَوْ بِكَفّ مِنْ تَمْرٍ وَيَقُولُ تَرْكُ الْعَشَاءِ مَهْرَمَةٌ ذَكَرَهُ التّرْمِذِيّ فِي " جَامِعِهِ " وَابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " . [ ص 205 ] [ عَدَمُ النّوْمِ عَلَى الْأَكْلِ ] وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَنْهَى عَنْ النّوْمِ عَلَى الْأَكْلِ وَيَذْكُرُ أَنّهُ يُقْسِي الْقَلْبَ وَلِهَذَا فِي وَصَايَا الْأَطِبّاءِ لِمَنْ أَرَادَ حِفْظَ الصّحّةِ أَنْ يَمْشِيَ بَعْدَ الْعَشَاءِ خُطُوَاتٍ وَلَوْ مِائَةَ خُطْوَةٍ وَلَا يَنَامُ عَقِبَهُ فَإِنّهُ مُضِرّ جِدّا وَقَالَ مُسْلِمُوهُمْ أَوْ يُصَلّيَ عَقِيبَهُ لِيَسْتَقِرّ الْغِذَاءُ بِقَعْرِ الْمَعِدَةِ فَيَسْهُلَ هَضْمُهُ وَيَجُودَ بِذَلِكَ . [ عَدَمُ الشّرْبِ عَلَى الطّعَامِ ] وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ أَنْ يَشْرَبَ عَلَى طَعَامِهِ فَيُفْسِدَهُ وَلَا سِيّمَا إنْ كَانَ الْمَاءُ حَارّا أَوْ بَارِدًا فَإِنّهُ رَدِيءٌ جِدّا . قَالَ الشّاعِرُ لَا تَكُنْ عِنْدَ أَكْلِ سُخْنٍ وَبَرْدٍ وَدُخُولِ الْحَمّامِ تَشْرَبُ مَاءَ فَإِذَا مَا اجْتَنَبْتَ ذَلِكَ حَقّا لَمْ تَخَفْ مَا حَيِيت فِي الْجَوْفِ دَاءَ [الْأَوْقَاتُ الّتِي يُنْصَحُ فِيهَا بِعَدَمِ الشّرْبِ ] وَيُكْرَهُ شُرْبُ الْمَاءِ عَقِيبَ الرّيَاضَةِ وَالتّعَبِ وَعَقِيبَ الْجِمَاعِ وَعَقِيبَ الطّعَامِ وَقَبْلَهُ وَعَقِيبَ أَكْلِ الْفَاكِهَةِ وَإِنْ كَانَ الشّرْبُ عَقِيبَ بَعْضِهَا أَسْهَلَ مِنْ بَعْضٍ وَعَقِبَ الْحَمّامِ وَعِنْدَ الِانْتِبَاهِ مِنْ النّوْمِ فَهَذَا كُلّهُ مُنَافٍ لِحِفْظِ الصّحّةِ وَلَا اعْتِبَارَ بِالْعَوَائِدِ فَإِنّهَا طَبَائِعُ ثَوَانٍ . فَصْلٌ [ هَدْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الشّرَابِ ] [شُرْبُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعَسَلَ الْمَمْزُوجَ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ وَفَوَائِدُهُ ] وَأَمّا هَدْيُهُ فِي الشّرَابِ فَمِنْ أَكْمَلِ هَدْيٍ يُحْفَظُ بِهِ الصّحّةُ فَإِنّهُ كَانَ يَشْرَبُ الْعَسَلَ الْمَمْزُوجَ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ وَفِي هَذَا مِنْ حِفْظِ الصّحّةِ مَا لَا يَهْتَدِي إلَى مَعْرِفَتِهِ إلّا أَفَاضِلُ الْأَطِبّاءِ فَإِنّ شُرْبَهُ وَلَعْقَهُ عَلَى الرّيقِ يُذِيبُ الْبَلْغَمَ وَيَغْسِلُ خَمْلَ الْمَعِدَةِ وَيَجْلُو لُزُوجَتَهَا وَيَدْفَعُ عَنْهَا الْفَضَلَاتِ [ ص 206 ] أَنْفَعُ لِلْمَعِدَةِ مِنْ كُلّ حُلْوٍ دَخَلَهَا وَإِنّمَا يَضُرّ بِالْعَرَضِ لِصَاحِبِ الصّفْرَاءِ لِحِدّتِهِ وَحِدّةِ الصّفْرَاءِ فَرُبّمَا هَيّجَهَا وَدَفْعُ مَضَرّتِهِ لَهُمْ بِالْخَلّ فَيَعُودُ حِينَئِذٍ لَهُمْ نَافِعًا جِدّا وَشُرْبُهُ أَنْفَعُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَشْرِبَةِ الْمُتّخَذَةِ مِنْ السّكّرِ أَوْ أَكْثَرِهَا وَلَا سِيّمَا لِمَنْ لَمْ يَعْتَدْ هَذِهِ الْأَشْرِبَةَ وَلَا أَلِفَهَا طَبْعُهُ فَإِنّهُ إذَا شَرِبَهَا لَا تُلَائِمُهُ مُلَاءَمَةَ الْعَسَلِ وَلَا قَرِيبًا مِنْهُ وَالْمُحَكّمُ فِي ذَلِكَ الْعَادَةُ فَإِنّهَا تَهْدِمُ أُصُولًا وَتَبْنِي أُصُولًا . وَأَمّا الشّرَابُ إذَا جُمِعَ وَصُفّيَ الْحَلَاوَةُ وَالْبُرُودَةُ فَمِنْ أَنْفَعِ شَيْءٍ لِلْبَدَنِ وَمِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ حِفْظِ الصّحّةِ وَلِلْأَرْوَاحِ وَالْقُوَى وَالْكَبِدِ وَالْقَلْبِ عِشْقٌ شَدِيدٌ لَهُ وَاسْتِمْدَادٌ مِنْهُ وَإِذَا كَانَ فِيهِ الْوَصْفَانِ حَصَلَتْ بِهِ التّغْذِيَةُ وَتَنْفِيذُ الطّعَامِ إلَى الْأَعْضَاءِ وَإِيصَالُهُ إلَيْهَا أَتَمّ تَنْفِيذٍ . [ مَنَافِعُ الْمَاءِ الْبَارِدِ ] وَالْمَاءُ الْبَارِدُ رَطْبٌ يَقْمَعُ الْحَرَارَةَ وَيَحْفَظُ عَلَى الْبَدَنِ رُطُوبَاتِهِ الْأَصْلِيّةَ وَيَرُدّ عَلَيْهِ بَدَلَ مَا تَحَلّلَ مِنْهَا وَيُرَقّقُ الْغِذَاءَ وَيُنْفِذُهُ فِي الْعُرُوقِ . [ هَلْ الْمَاءُ الْبَارِدُ يُغَذّي الْبَدَنَ ] وَاخْتَلَفَ الْأَطِبّاءُ هَلْ يُغَذّي الْبَدَنَ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فَأَثْبَتَتْ طَائِفَةٌ التّغْذِيَةَ بِهِ بِنَاءً عَلَى مَا يُشَاهِدُونَهُ مِنْ النّمُوّ وَالزّيَادَةِ وَالْقُوّةِ فِي الْبَدَنِ بِهِ وَلَا سِيّمَا عِنْدَ شِدّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ . قَالُوا : وَبَيْنَ الْحَيَوَانِ وَالنّبَاتِ قَدْرٌ مُشْتَرَكٌ مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ مِنْهَا : النّمُوّ وَالِاغْتِذَاءُ وَالِاعْتِدَالُ وَفِي النّبَاتِ قُوّةُ حِسّ تُنَاسِبُهُ وَلِهَذَا كَانَ غِذَاءُ النّبَاتِ بِالْمَاءِ فَمَا يُنْكَرُ أَنْ يَكُونَ لِلْحَيَوَانِ بِهِ نَوْعُ غِذَاءٍ وَأَنْ يَكُونَ جُزْءًا مِنْ غِذَائِهِ التّامّ . قَالُوا : وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنّ قُوّةَ الْغِذَاءِ وَمُعْظَمَهُ فِي الطّعَامِ وَإِنّمَا أَنْكَرْنَا أَنْ لَا يَكُونَ لِلْمَاءِ تَغْذِيَةٌ الْبَتّةَ . قَالُوا : وَأَيْضًا الطّعَامُ إنّمَا يُغَذّي بِمَا فِيهِ مِنْ الْمَائِيّةِ وَلَوْلَاهَا لَمَا حَصَلَتْ بِهِ التّغْذِيَةُ . [ ص 207 ] قَالُوا : وَلِأَنّ الْمَاءَ مَادّةُ حَيَاةِ الْحَيَوَانِ وَالنّبَاتِ وَلَا رَيْبَ أَنّ مَا كَانَ أَقْرَبَ إلَى مَادّةِ الشّيْءِ حَصَلَتْ بِهِ التّغْذِيَةُ فَكَيْفَ إذَا كَانَتْ مَادّتَهُ الْأَصْلِيّةَ قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلّ شَيْءٍ حَيّ } [ الْأَنْبِيَاءِ 30 ] فَكَيْفَ نُنْكِرُ حُصُولَ التّغْذِيَةِ بِمَا هُوَ مَادّةُ الْحَيَاةِ عَلَى الْإِطْلَاقِ ؟ . قَالُوا : وَقَدْ رَأَيْنَا الْعَطْشَانَ إذَا حَصَلَ لَهُ الرّيّ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ تَرَاجَعَتْ إلَيْهِ قُوَاهُ وَنَشَاطُهُ وَحَرَكَتُهُ وَصَبَرَ عَنْ الطّعَامِ وَانْتَفَعَ بِالْقَدْرِ الْيَسِيرِ مِنْهُ وَرَأَيْنَا الْعَطْشَانَ لَا يَنْتَفِعُ بِالْقَدْرِ الْكَثِيرِ مِنْ الطّعَامِ وَلَا يَجِدُ بِهِ الْقُوّةَ وَالِاغْتِذَاءَ وَنَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنّ الْمَاءَ يُنْفِذُ الْغِذَاءَ إلَى أَجْزَاءِ الْبَدَنِ وَإِلَى جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ وَأَنّهُ لَا يَتِمّ أَمْرُ الْغِذَاءِ إلّا بِهِ وَإِنّمَا نُنْكِرُ عَلَى مَنْ سَلَبَ قُوّةَ التّغْذِيَةِ عَنْهُ الْبَتّةَ وَيَكَادُ قَوْلُهُ عِنْدَنَا يَدْخُلُ فِي إنْكَارِ الْأُمُورِ الْوِجْدَانِيّةِ . [ مَنْ أَنْكَرَ حُصُولَ التّغْذِيَةِ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ ] وَأَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى حُصُولَ التّغْذِيَةِ بِهِ وَاحْتَجّتْ بِأُمُورٍ يَرْجِعُ حَاصِلُهَا إلَى عَدَمِ الِاكْتِفَاءِ بِهِ وَأَنّهُ لَا يَقُومُ مَقَامَ الطّعَامِ وَأَنّهُ لَا يَزِيدُ فِي نُمُوّ الْأَعْضَاءِ وَلَا يُخَلّفُ عَلَيْهَا بَدَلَ مَا حَلّلَتْهُ الْحَرَارَةُ وَنَحْوُ ذَلِكَ مِمّا لَا يُنْكِرُهُ أَصْحَابُ التّغْذِيَةِ فَإِنّهُمْ يَجْعَلُونَ تَغْذِيَتَهُ بِحَسَبِ جَوْهَرِهِ وَلَطَافَتِهِ وَرِقّتِهِ وَتَغْذِيَةُ كُلّ شَيْءٍ بِحَسْبِهِ وَقَدْ شُوهِدَ الْهَوَاءُ الرّطْبُ الْبَارِدُ اللّيّنُ اللّذِيذُ يُغَذّي بِحَسْبِهِ وَالرّائِحَةُ الطّيّبَةُ تُغَذّي نَوْعًا مِنْ الْغِذَاءِ فَتَغْدِيَةُ الْمَاءِ أَظْهَرُ وَأَظْهَرُ . وَالْمَقْصُودُ أَنّهُ إذَا كَانَ بَارِدًا وَخَالَطَهُ مَا يُحَلّيهِ كَالْعَسَلِ أَوْ الزّبِيبِ أَوْ التّمْرِ أَوْ السّكّرِ كَانَ مِنْ أَنْفَعِ مَا يَدْخُلُ الْبَدَنَ وَحَفِظَ عَلَيْهِ صِحّتَهُ فَلِهَذَا كَانَ أَحَبّ الشّرَابِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْبَارِدَ الْحُلْوَ . وَالْمَاءُ الْفَاتِرُ يَنْفُخُ وَيَفْعَلُ ضِدّ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ . [ مَنَافِعُ الْمَاءِ الْبَائِتِ ] وَلَمّا كَانَ الْمَاءُ الْبَائِتُ أَنْفَعَ مِنْ الّذِي يُشْرَبُ وَقْتَ اسْتِقَائِهِ قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَدْ دَخَلَ إلَى حَائِطِ أَبِي الْهَيْثَمِ بْنِ التّيْهَانِ [ ص 208 ] هَلْ مِنْ مَاءٍ بَاتَ فِي شَنّةٍ ؟ " فَأَتَاهُ بِهِ فَشَرِبَ مِنْهُ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ وَلَفْظُهُ إنْ كَانَ عِنْدَكَ مَاءٌ بَاتَ فِي شَنّةٍ وَإِلّا كَرَعْنَا . وَالْمَاءُ الْبَائِتُ بِمَنْزِلَةِ الْعَجِينِ الْخَمِيرِ وَاَلّذِي شُرِبَ لِوَقْتِهِ بِمَنْزِلَةِ الْفَطِيرِ وَأَيْضًا فَإِنّ الْأَجْزَاءَ التّرَابِيّةَ وَالْأَرْضِيّةَ تُفَارِقُهُ إذَا بَاتَ وَقَدْ ذُكِرَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ وَيُخْتَارُ الْبَائِتُ مِنْهُ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُسْتَقَى لَهُ الْمَاءُ الْعَذْبُ مِنْ بِئْرِ السّقْيَا . [ الْمَاءُ الّذِي فِي الْقِرَبِ وَالشّنَانِ أَلَذّ مِنْ الّذِي فِي آنِيَةِ الْفَخّارِ وَالْأَحْجَارِ وَغَيْرِهِمَا ] وَالْمَاءُ الّذِي فِي الْقِرَبِ وَالشّنَانِ أَلَذّ مِنْ الّذِي يَكُونُ فِي آنِيَةِ الْفَخّارِ وَالْأَحْجَارِ وَغَيْرِهِمَا وَلَا سِيّمَا أَسْقِيَةَ الْأُدُمِ وَلِهَذَا الْتَمَسَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَاءً بَاتَ فِي شَنّةٍ دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الْأَوَانِي وَفِي الْمَاءِ إذَا وُضِعَ فِي الشّنَانِ وَقِرَبِ الْأُدُمِ خَاصّةٌ لَطِيفَةٌ لِمَا فِيهَا مِنْ الْمَسَامّ الْمُنْفَتِحَةِ الّتِي يَرْشَحُ مِنْهَا الْمَاءُ وَلِهَذَا كَانَ الْمَاءُ فِي الْفَخّارِ الّذِي يَرْشَحُ أَلَذّ مِنْهُ وَأَبْرَدَ فِي الّذِي لَا يَرْشَحُ فَصَلَاةُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى أَكْمَلِ الْخَلْقِ وَأَشْرَفِهِمْ نَفْسًا وَأَفْضَلِهِمْ هَدْيًا فِي كُلّ شَيْءٍ لَقَدْ دَلّ أُمّتَهُ عَلَى أَفْضَلِ الْأُمُورِ وَأَنْفَعِهَا لَهُمْ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ وَالدّنْيَا وَالْآخِرَةِ . [ مَعْنَى الْحُلْوَ الْبَارِدَ ] قَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ أَحَبّ الشّرَابِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْحُلْوَ الْبَارِدَ . وَهَذَا يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَاءَ الْعَذْبَ كَمِيَاهِ الْعُيُونِ وَالْآبَارِ [ ص 209 ] كَانَ يُسْتَعْذَبُ لَهُ الْمَاءُ . وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَاءَ الْمَمْزُوجَ بِالْعَسَلِ أَوْ الّذِي نُقِعَ فِيهِ التّمْرُ أَوْ الزّبِيبُ . وَقَدْ يُقَالُ - وَهُوَ الْأَظْهَرُ - يَعُمّهُمَا جَمِيعًا . [ مَعْنَى الْكَرْعِ وَبَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِيهِ ] وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصّحِيحِ إنْ كَانَ عِنْدَك مَاءٌ بَاتَ فِي شَنّ وَإِلّا كَرَعْنَا فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الْكَرْعِ وَهُوَ الشّرْبُ بِالْفَمِ مِنْ الْحَوْضِ وَالْمِقْرَاةِ وَنَحْوِهَا وَهَذِهِ - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - وَاقِعَةُ عَيْنٍ دَعَتْ الْحَاجَةُ فِيهَا إلَى الْكَرْعِ بِالْفَمِ أَوْ قَالَهُ مُبَيّنًا لِجَوَازِهِ فَإِنّ مِنْ النّاسِ مَنْ يَكْرَهُهُ وَالْأَطِبّاءُ تَكَادُ تُحَرّمُهُ وَيَقُولُونَ إنّهُ يَضُرّ بِالْمَعِدَةِ وَقَدْ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ لَا أَدْرِي مَا حَالُهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَهَانَا أَنْ نَشْرَبَ عَلَى بُطُونِنَا وَهُوَ الْكَرْعُ وَنَهَانَا أَنْ نَغْتَرِفَ بِالْيَدِ الْوَاحِدَةِ وَقَالَ لَا يَلَغْ أَحَدُكُمْ كَمَا يَلَغُ الْكَلْبُ وَلَا يَشْرَبْ بِاللّيْلِ مِنْ إنَاءٍ حَتّى يَخْتَبِرَهُ إلّا أَنْ يَكُونَ مُخَمّرًا . وَحَدِيثُ الْبُخَارِيّ أَصَحّ مِنْ هَذَا وَإِنْ صَحّ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا إذْ لَعَلّ الشّرْبَ بِالْيَدِ لَمْ يَكُنْ يُمْكِنُ حِينَئِذٍ فَقَالَ وَإِلّا كَرَعْنَا وَالشّرْبُ بِالْفَمِ إنّمَا يَضُرّ إذَا انْكَبّ الشّارِبُ عَلَى وَجْهِهِ وَبَطْنِهِ كَاَلّذِي يَشْرَبُ مِنْ النّهْرِ وَالْغَدِيرِ فَأَمّا إذَا شَرِبَ مُنْتَصِبًا بِفَمِهِ مِنْ حَوْضٍ مُرْتَفِعٍ وَنَحْوِهِ فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَشْرَبَ بِيَدِهِ أَوْ بِفَمِهِ . فَصْلٌ [ بَيَانُ الِاخْتِلَافِ فِي جَوَازِ الشّرْبِ قَائِمًا ] وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ الشّرْبُ قَاعِدًا هَذَا كَانَ هَدْيَهُ الْمُعْتَادَ وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ [ ص 210 ] نَهَى عَنْ الشّرْبِ قَائِمًا وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ أَمَرَ الّذِي شَرِبَ قَائِمًا أَنْ يَسْتَقِيئَ وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ شَرِبَ قَائِمًا . قَالَتْ طَائِفَةٌ هَذَا نَاسِخٌ لِلنّهْيِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بَلْ مُبَيّنٌ أَنّ النّهْيَ لَيْسَ لِلتّحْرِيمِ بَلْ لِلْإِرْشَادِ وَتَرْكِ الْأَوْلَى وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا أَصْلًا فَإِنّهُ إنّمَا شَرِبَ قَائِمًا لِلْحَاجَةِ فَإِنّهُ جَاءَ إلَى زَمْزَمَ وَهُمْ يَسْتَقُونَ مِنْهَا فَاسْتَقَى فَنَاوَلُوهُ الدّلْوَ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِمٌ وَهَذَا كَانَ مَوْضِعَ حَاجَةٍ . [ آفَاتُ الشّرْبِ قَائِمًا ] وَلِلشّرْبِ قَائِمًا آفَاتٌ عَدِيدَةٌ مِنْهَا : أَنّهُ لَا يَحْصُلُ بِهِ الرّيّ التّامّ وَلَا يَسْتَقِرّ فِي الْمَعِدَةِ حَتّى يَقْسِمَهُ الْكَبِدُ عَلَى الْأَعْضَاءِ وَيَنْزِلَ بِسُرْعَةٍ وَحِدّةٍ إلَى الْمَعِدَةِ فَيُخْشَى مِنْهُ أَنْ يُبْرِدَ حَرَارَتَهَا وَيُشَوّشَهَا وَيُسْرِعَ النّفُوذَ إلَى أَسْفَلِ الْبَدَنِ بِغَيْرِ تَدْرِيجٍ وَكُلّ هَذَا يَضُرّ بِالشّارِبِ وَأَمّا إذَا فَعَلَهُ نَادِرًا أَوْ لِحَاجَةٍ لَمْ يَضُرّهُ وَلَا يُعْتَرَضُ بِالْعَوَائِدِ عَلَى هَذَا فَإِنّ الْعَوَائِدَ طَبَائِعُ ثَوَانٍ وَلَهَا أَحْكَامٌ أُخْرَى وَهِيَ بِمَنْزِلَةِ الْخَارِجِ عَنْ الْقِيَاسِ عِنْدَ الْفُقَهَاءِ . فَصْلٌ [ تَنَفّسُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الشّرْبِ ثَلَاثًا ] وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَتَنَفّسُ فِي الشّرَابِ ثَلَاثًا وَيَقُولُ إنّهُ أَرْوَى وَأَمْرَأُ وَأَبْرَأُ . الشّرَابُ فِي لِسَانِ الشّارِعِ وَحَمَلَةُ الشّرْعِ هُوَ الْمَاءُ وَمَعْنَى تَنَفّسِهِ فِي الشّرَابِ إبَانَتُهُ الْقَدَحَ عَنْ فِيهِ وَتَنَفّسُهُ خَارِجَهُ ثُمّ يَعُودُ إلَى الشّرَابِ كَمَا جَاءَ مُصَرّحًا بِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَفّسْ فِي الْقَدَحِ وَلَكِنْ لِيُبِنّ الْإِنَاءَ عَنْ فِيهِ . [ ص 211 ] [فَوَائِدُ تَكْرَارِ الشّرْبِ ] وَفِي هَذَا الشّرْبِ حِكَمٌ جَمّةٌ وَفَوَائِدُ مُهِمّةٌ وَقَدْ نَبّهَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى مَجَامِعِهَا بِقَوْلِهِ إنّهُ أَرْوَى وَأَمْرَأُ وَأَبْرَأُ فَأَرْوَى : أَشَدّ رِيّا وَأَبْلَغُهُ وَأَنْفَعُهُ وَأَبْرَأُ أَفْعَلُ مِنْ الْبُرْءِ وَهُوَ الشّفَاءُ أَيْ يُبْرِئُ مِنْ شَدّةِ الْعَطَشِ وَدَائِهِ لِتَرَدّدِهِ عَلَى الْمَعِدَةِ الْمُلْتَهِبَةِ دُفُعَاتٍ فَتُسْكِنُ الدّفْعَةُ الثّانِيَةُ مَا عَجَزَتْ الْأُولَى عَنْ تَسْكِينِهِ وَالثّالِثَةُ مَا عَجَزَتْ الثّانِيَةُ عَنْهُ وَأَيْضًا فَإِنّهُ أَسْلَمُ لِحَرَارَةِ الْمَعِدَةِ وَأَبْقَى عَلَيْهَا مِنْ أَنْ يَهْجُمَ عَلَيْهَا الْبَارِدُ وَهْلَةً وَاحِدَةً وَنَهْلَةً وَاحِدَةً . وَأَيْضًا فَإِنّهُ لَا يَرْوِي لِمُصَادَفَتِهِ لِحَرَارَةِ الْعَطَشِ لَحْظَةً ثُمّ يُقْلِعُ عَنْهَا وَلَمّا تُكْسَرْ سَوْرَتُهَا وَحِدّتُهَا وَإِنْ انْكَسَرَتْ لَمْ تَبْطُلْ بِالْكُلّيّةِ بِخِلَافِ كَسْرِهَا عَلَى التّمَهّلِ وَالتّدْرِيجِ . وَأَيْضًا فَإِنّهُ أَسْلَمُ عَاقِبَةً وَآمَنُ غَائِلَةً مِنْ تَنَاوُلِ جَمِيعِ مَا يُرْوِي دُفْعَةً وَاحِدَةً فَإِنّهُ يُخَافُ مِنْهُ أَنْ يُطْفِئَ الْحَرَارَةَ الْغَرِيزِيّةَ بِشِدّةِ بَرْدِهِ وَكَثْرَةِ كَمّيّتِهِ أَوْ يُضْعِفُهَا فَيُؤَدّي ذَلِكَ إلَى فَسَادِ مِزَاجِ الْمَعِدَةِ وَالْكَبِدِ وَإِلَى أَمْرَاضٍ رَدِيئَةٍ خُصُوصًا فِي سُكّانِ الْبِلَادِ الْحَارّةِ كَالْحِجَازِ وَالْيَمَنِ وَنَحْوِهِمَا أَوْ فِي الْأَزْمِنَةِ الْحَارّةِ كَشِدّةِ الصّيْفِ فَإِنّ الشّرْبَ وَهْلَةً وَاحِدَةً مَخُوفٌ عَلَيْهِمْ جِدّا فَإِنّ الْحَارّ الْغَرِيزِيّ ضَعِيفٌ فِي بَوَاطِنِ أَهْلِهَا وَفِي تِلْكَ الْأَزْمِنَةِ الْحَارّةِ . [ ص 212 ] [ مَعْنَى أَمْرَأُ ] وَقَوْلُهُ " وَأَمْرَأُ هُوَ أَفْعَلُ مِنْ مَرِيءِ الطّعَامِ وَالشّرَابِ فِي بَدَنِهِ إذَا دَخَلَهُ وَخَالَطَهُ بِسُهُولَةٍ وَلَذّةٍ وَنَفْعٍ . وَمِنْهُ { فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَرِيئًا } [ النّسَاءِ 4 ] هَنِيئًا فِي عَاقِبَتِهِ مَرِيئًا فِي مَذَاقِهِ . وَقِيلَ مَعْنَاهُ أَنّهُ أَسْرَعُ انْحِدَارًا عَنْ الْمَرِيءِ لِسُهُولَتِهِ وَخِفّتِهِ عَلَيْهِ بِخِلَافِ الْكَثِيرِ فَإِنّهُ لَا يَسْهُلُ عَلَى الْمَرِيءِ انْحِدَارُهُ . [ آفَاتُ الشّرْبِ نَهْلَةً وَاحِدَةً ] وَمِنْ آفَاتِ الشّرْبِ نَهْلَةً وَاحِدَةً أَنّهُ يُخَافُ مِنْهُ الشّرَقُ بِأَنْ يَنْسَدّ مَجْرَى الشّرَابِ لِكَثْرَةِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ فَيَغَصّ بِهِ فَإِذَا تَنَفّسَ رُوَيْدًا ثُمّ شَرِبَ أَمِنَ مِنْ ذَلِكَ . [فَوَائِدُ تَكْرَارِ الشّرْبِ ] وَمِنْ فَوَائِدِهِ أَنّ الشّارِبَ إذَا شَرِبَ أَوّلَ مَرّةٍ تَصَاعَدَ الْبُخَارُ الدّخّانِيّ الْحَارّ الّذِي كَانَ عَلَى الْقَلْبِ وَالْكَبِدِ لِوُرُودِ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَيْهِ فَأَخْرَجَتْهُ الطّبِيعَةُ عَنْهَا فَإِذَا شَرِبَ مَرّةً وَاحِدَةً اتّفَقَ نُزُولُ الْمَاءِ الْبَارِدِ وَصُعُودُ الْبُخَارِ فَيَتَدَافَعَانِ وَيَتَعَالَجَانِ وَمِنْ ذَلِكَ يَحْدُثُ الشّرَقُ وَالْغُصّةُ وَلَا يَتَهَنّأُ الشّارِبُ بِالْمَاءِ وَلَا يُمْرِئْهُ وَلَا يَتِمّ رِيّهُ . وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيْرُهُمَا عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا شَرِبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَمُصّ الْمَاءَ مَصّا وَلَا يَعُبّ عَبّا فَإِنّهُ مِنْ الْكُبَادِ . [وُرُودُ الْمَاءِ عَلَى الْكَبِدِ جُمْلَةً وَاحِدَةً يُؤْلِمُهَا ] وَالْكُبَادُ - بِضَمّ الْكَافِ وَتَخْفِيفِ الْبَاءِ - هُوَ وَجَعُ الْكَبِدِ وَقَدْ عُلِمَ بِالتّجْرِبَةِ أَنّ وُرُودَ الْمَاءِ جُمْلَةً وَاحِدَةً عَلَى الْكَبِدِ يُؤْلِمُهَا وَيُضْعِفُ حَرَارَتَهَا وَسَبَبُ ذَلِكَ الْمُضَادّةُ الّتِي بَيْنَ حَرَارَتِهَا وَبَيْنَ مَا وَرَدَ عَلَيْهَا مِنْ كَيْفِيّةِ الْمَبْرُودِ وَكَمّيّتِهِ . وَلَوْ وَرَدَ بِالتّدْرِيجِ شَيْئًا فَشَيْئًا لَمْ يُضَادّ حَرَارَتَهَا وَلَمْ يُضْعِفْهَا وَهَذَا مِثَالُهُ صَبّ الْمَاءِ الْبَارِدِ عَلَى الْقِدْرِ وَهِيَ تَفُورُ لَا يَضُرّهَا صَبّهُ قَلِيلًا قَلِيلًا . وَقَدْ رَوَى التّرْمِذِيّ فِي " جَامِعِهِ " عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا تَشْرَبُوا نَفَسًا وَاحِدًا كَشُرْبِ الْبَعِيرِ وَلَكِنْ اشْرَبُوا مَثْنَى وَثُلَاثَ وَسَمّوا إذَا أَنْتُمْ شَرِبْتُمْ وَاحْمَدُوا إذَا أَنْتُمْ فَرَغْتُمْ [ ص 213 ] [فَوَائِدُ التّسْمِيَةِ ] وَلِلتّسْمِيَةِ فِي أَوّلِ الطّعَامِ وَالشّرَابِ وَحَمْدِ اللّهِ فِي آخِرِهِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي نَفْعِهِ وَاسْتِمْرَائِهِ وَدَفْعِ مَضَرّتِهِ . [ كَمَالُ الطّعَامِ فِي التّسْمِيَةِ وَالْحَمْدِ وَتَكْثِيرِ الْأَيْدِي وَأَنْ يَكُونَ حَلَالًا ] قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ إذَا جَمَعَ الطّعَامُ أَرْبَعًا فَقَدْ كَمُلَ إذَا ذُكِرَ اسْمُ اللّهِ فِي أَوّلِهِ وَحُمِدَ اللّهُ فِي آخِرِهِ وَكَثُرَتْ عَلَيْهِ الْأَيْدِي وَكَانَ مِنْ حِلّ . فَصْلٌ [ تَغْطِيَةُ الْإِنَاءِ وَإِيكَاءُ السّقَاءِ ] وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ غَطّوا الْإِنَاءَ وَأَوْكُوا السّقَاءَ فَإِنّ فِي السّنَةِ لَيْلَةً يَنْزِلُ فِيهَا وَبَاءٌ لَا يَمُرّ بِإِنَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ غِطَاءٌ أَوْ سِقَاءٍ لَيْسَ عَلَيْهِ وِكَاءٌ إلّا وَقَعَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ الدّاءِ . وَهَذَا مِمّا لَا تَنَالُهُ عُلُومُ الْأَطِبّاءِ وَمَعَارِفُهُمْ وَقَدْ عَرَفَهُ مَنْ عَرَفَهُ عُقَلَاءُ النّاسِ بِالتّجْرِبَةِ . قَالَ اللّيْثُ بْنُ سَعْدٍ أَحَدُ رُوَاةِ الْحَدِيثِ الْأَعَاجِمُ عِنْدَنَا يَتّقُونَ تِلْكَ اللّيْلَةَ فِي السّنَةِ فِي كَانُونَ الْأَوّلِ مِنْهَا . وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ أَمَرَ بِتَخْمِيرِ الْإِنَاءِ وَلَوْ أَنْ يَعْرِضَ عَلَيْهِ عُودًا . وَفِي عَرْضِ [ ص 214 ] الْعُودِ عَلَيْهِ مِنْ الْحِكْمَةِ أَنّهُ لَا يَنْسَى تَخْمِيرَهُ بَلْ يَعْتَادُهُ حَتّى بِالْعُودِ وَفِيهِ أَنّهُ رُبّمَا أَرَادَ الدّبِيبُ أَنْ يَسْقُطَ فِيهِ فَيَمُرّ عَلَى الْعُودِ فَيَكُونُ الْعُودُ جِسْرًا لَهُ يَمْنَعُهُ مِنْ السّقُوطِ فِيهِ . وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ أَمَرَ عِنْدَ إيكَاءِ الْإِنَاءِ بِذِكْرِ اسْمِ اللّهِ فَإِنّ ذِكْرَ اسْمِ اللّهِ عِنْدَ تَخْمِيرِ الْإِنَاءِ يَطْرُدُ عَنْهُ الشّيْطَانَ وَإِيكَاؤُهُ يَطْرُدُ عَنْهُ الْهَوَامّ وَلِذَلِكَ أَمَرَ بِذِكْرِ اسْمِ اللّهِ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ لِهَذَيْنِ الْمَعْنَيَيْنِ . [ النّهْيُ عَنْ الشّرْبِ مِنْ فَمِ السّقَاءِ وَالْآدَابُ الْمُتَرَتّبَةُ عَلَيْهِ ] وَرَوَى الْبُخَارِيّ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَهَى عَنْ الشّرْبِ مِنْ فِي السّقَاءِ . وَفِي هَذَا آدَابٌ عَدِيدَةٌ مِنْهَا : أَنّ تَرَدّدَ أَنْفَاسِ الشّارِبِ فِيهِ يُكْسِبُهُ زُهُومَةً وَرَائِحَةً كَرِيهَةً يُعَافُ لِأَجْلِهَا . وَمِنْهَا : أَنّهُ رُبّمَا غَلَبَ الدّاخِلُ إلَى جَوْفِهِ مِنْ الْمَاءِ فَتَضَرّرَ بِهِ . وَمِنْهَا : أَنّهُ رُبّمَا كَانَ فِيهِ حَيَوَانٌ لَا يَشْعُرُ بِهِ فَيُؤْذِيهِ . وَمِنْهَا : أَنّ الْمَاءَ رُبّمَا كَانَ فِيهِ قَذَاةٌ أَوْ غَيْرُهَا لَا يَرَاهَا عِنْدَ الشّرْبِ فَتَلِجُ جَوْفَهُ . وَمِنْهَا : أَنّ الشّرْبَ كَذَلِكَ يَمْلَأُ الْبَطْنَ مِنْ الْهَوَاءِ فَيَضِيقُ عَنْ أَخْذِ حَظّهِ مِنْ الْمَاءِ أَوْ يُزَاحِمُهُ أَوْ يُؤْذِيهِ وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحِكَمِ . [ ضَعْفُ حَدِيثِ الشّرْبِ مِنْ فَمِ الْإِدَاوَةِ ] فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَصْنَعُونَ بِمَا فِي " جَامِعِ التّرْمِذِيّ " : أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَعَا بِإِدَاوَةٍ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ اخْنِثْ فَمَ الْإِدَاوَةِ ثُمّ شَرِبَ مِنْهَا مِنْ فِيهَا ؟ قُلْنَا : [ ص 215 ] وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيّ يُضَعّفُ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ وَلَا أَدْرِي سَمِعَ مِنْ عِيسَى أَوْ لَا انْتَهَى . يُرِيدُ عِيسَى بْنَ عَبْدِ اللّهِ الّذِي رَوَاهُ عَنْهُ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ . فَصْلٌ [ النّهْيُ عَنْ الشّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ وَبَيَانُ مَفَاسِدِهِ ] وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ الشّرْبِ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ وَأَنْ يَنْفُخَ فِي الشّرَابِ وَهَذَا مِنْ الْآدَابِ الّتِي تَتِمّ بِهَا مَصْلَحَةُ الشّارِبِ فَإِنّ الشّرْبَ مِنْ ثُلْمَةِ الْقَدَحِ فِيهِ عِدّةُ مَفَاسِدَ أَحَدُهَا : أَنّ مَا يَكُونُ عَلَى وَجْهِ الْمَاءِ مِنْ قَذَى أَوْ غَيْرِهِ يَجْتَمِعُ إلَى الثّلْمَةِ بِخِلَافِ الْجَانِبِ الصّحِيحِ . الثّانِي : أَنّهُ رُبّمَا شَوّشَ عَلَى الشّارِبِ وَلَمْ يَتَمَكّنْ مِنْ حُسْنِ الشّرْبِ مِنْ الثّلْمَةِ . الثّالِثُ أَنّ الْوَسَخَ وَالزّهُومَةَ تَجْتَمِعُ فِي الثّلْمَةِ وَلَا يَصِلُ إلَيْهَا الْغَسْلُ كَمَا يَصِلُ إلَى الْجَانِبِ الصّحِيحِ . الرّابِعُ أَنّ الثّلْمَةَ مَحَلّ الْعَيْبِ فِي الْقَدَحِ وَهِيَ أَرْدَأُ مَكَانٍ فِيهِ فَيَنْبَغِي تَجَنّبُهُ وَقَصْدُ الْجَانِبِ الصّحِيحِ فَإِنّ الرّدِيءَ مِنْ كُلّ شَيْءٍ لَا خَيْرَ فِيهِ وَرَأَى بَعْضُ السّلَفِ رَجُلًا يَشْتَرِي حَاجَةً رَدِيئَةً فَقَالَ لَا تَفْعَلْ أَمَا عَلِمْتَ أَنّ اللّهَ نَزَعَ الْبَرَكَةَ مِنْ كُلّ رَدِيءٍ . [ ص 216 ] كَانَ فِي الثّلْمَةِ شَقّ أَوْ تَحْدِيدٌ يَجْرَحُ فَمَ الشّارِبِ وَلِغَيْرِ هَذِهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ . [ مَفَاسِدُ النّفْخِ فِي الشّرَابِ ] وَأَمّا النّفْخُ فِي الشّرَابِ فَإِنّهُ يُكْسِبُهُ مِنْ فَمِ النّافِخِ رَائِحَةً كَرِيهَةً يُعَافُ لِأَجْلِهَا وَلَا سِيّمَا إنْ كَانَ مُتَغَيّرَ الْفَمِ . وَبِالْجُمْلَةِ فَأَنْفَاسُ النّافِخِ تُخَالِطُهُ وَلِهَذَا جَمَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَ النّهْيِ عَنْ التّنَفّسِ فِي الْإِنَاءِ وَالنّفْخِ فِيهِ فِي الْحَدِيثِ الّذِي رَوَاهُ التّرْمِذِيّ وَصَحّحَهُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُتَنَفّسَ فِي الْإِنَاءِ أَوْ يُنْفَخَ فِيهِ . [ كَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَتَنَفّسُ فِي الشّرْبِ وَلَا يَتَنَفّسُ فِي الْإِنَاءِ ] فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَصْنَعُونَ بِمَا فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يَتَنَفّسُ فِي الْإِنَاءِ ثَلَاثًا ؟ قِيلَ نُقَابِلُهُ بِالْقَبُولِ وَالتّسْلِيمِ وَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَوّلِ فَإِنّ مَعْنَاهُ أَنّهُ كَانَ يَتَنَفّسُ فِي شُرْبِهِ ثَلَاثًا وَذَكَرَ الْإِنَاءَ لِأَنّهُ آلَةُ الشّرْبِ وَهَذَا كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصّحِيحِ أَنّ إبْرَاهِيمَ ابْنَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَاتَ فِي الثّدْيِ أَيْ فِي مُدّةِ الرّضَاعِ . فَصْلٌ [ شُرْبُ اللّبَنِ خَالِصًا وَمَشُوبًا بِالْمَاءِ وَمَنَافِعُهُ ] وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَشْرَبُ اللّبَنَ خَالِصًا تَارَةً وَمَشُوبًا بِالْمَاءِ أُخْرَى . وَفِي شُرْبِ اللّبَنِ الْحُلْوِ فِي تِلْكَ الْبِلَادِ الْحَارّةِ خَالِصًا وَمَشُوبًا نَفْعٌ عَظِيمٌ فِي حِفْظِ الصّحّةِ وَتَرْطِيبِ الْبَدَنِ وَرِيّ الْكَبِدِ وَلَا سِيّمَا اللّبَنَ الّذِي تَرْعَى دَوَابّهُ الشّيحَ وَالْقَيْصُومَ وَالْخُزَامَى [ ص 217 ] أَشْبَهَهَا فَإِنّ لَبَنَهَا غِذَاءٌ مَعَ الْأَغْذِيَةِ وَشَرَابٌ مَعَ الْأَشْرِبَةِ وَدَوَاءٌ مَعَ الْأَدْوِيَةِ وَفِي " جَامِعِ التّرْمِذِيّ " عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُلْ اللّهُمّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ وَإِذَا سُقِيَ لَبَنًا فَلْيَقُلْ اللّهُمّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ فَإِنّهُ لَيْسَ شَيْءٌ يُجْزِئُ مِنْ الطّعَامِ وَالشّرَابِ إلّا اللّبَنُ . قَالَ التّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ . فَصْلٌ [ الِانْتِبَاذُ فِي الْمَاءِ ] وَثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يُنْبَذُ لَهُ أَوّلَ اللّيْلِ وَيَشْرَبُهُ إذَا أَصْبَحَ يَوْمَهُ ذَلِكَ وَاللّيْلَةَ الّتِيتَجِيءُ وَالْغَدَ وَاللّيْلَةَ الْأُخْرَى وَالْغَدَ إلَى الْعَصْرِ فَإِنْ بَقِيَ مِنْهُ شَيْءٌ سَقَاهُ الْخَادِمَ أَوْ أَمَرَ بِهِ فَصُبّ . وَهَذَا النّبِيذُ هُوَ مَا يُطْرَحُ فِيهِ تَمْرٌ يُحَلّيهِ وَهُوَ يَدْخُلُ فِي الْغِذَاءِ وَالشّرَابِ وَلَهُ نَفْعٌ عَظِيمٌ فِي زِيَادَةِ الْقُوّةِ وَحِفْظِ الصّحّةِ وَلَمْ يَكُنْ يَشْرَبُهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ خَوْفًا مِنْ تَغَيّرِهِ إلَى الْإِسْكَارِ . فَصْلٌ فِي تَدْبِيرِهِ لِأَمْرِ الْمَلْبَسِ وَكَانَ مِنْ أَتَمّ الْهَدْيِ وَأَنْفَعِهِ لِلْبَدَنِ وَأَخَفّهِ عَلَيْهِ وَأَيْسَرِهِ لُبْسًا وَخَلْعًا وَكَانَ أَكْثَرُ لُبْسِهِ الْأَرْدِيَةَ وَالْأُزُرَ وَهِيَ أَخَفّ عَلَى الْبَدَنِ مِنْ غَيْرِهَا وَكَانَ يَلْبَسُ الْقَمِيصَ بَلْ كَانَ أَحَبّ الثّيَابِ إلَيْهِ . وَكَانَ هَدْيُهُ فِي لَبْسِهِ لِمَا يَلْبَسُهُ أَنْفَعَ شَيْءٍ لِلْبَدَنِ فَإِنّهُ لَمْ يَكُنْ يُطِيلُ أَكْمَامَهُ وَيُوَسّعُهَا بَلْ كَانَتْ كُمّ قَمِيصِهِ إلَى الرّسْغِ لَا [ ص 218 ] خِفّةَ الْحَرَكَةِ وَالْبَطْشِ وَلَا تَقْصُرُ عَنْ هَذِهِ فَتَبْرُزُ لِلْحَرّ وَالْبَرْدِ وَكَانَ ذَيْلُ قَمِيصِهِ وَإِزَارِهِ إلَى أَنْصَافِ السّاقَيْنِ لَمْ يَتَجَاوَزْ الْكَعْبَيْنِ فَيُؤْذِي الْمَاشِيَ وَيُؤَوّدُهُ وَيَجْعَلُهُ كَالْمُقَيّدِ وَلَمْ يَقْصُرْ عَنْ عَضَلَةِ سَاقَيْهِ فَتَنْكَشِفُ وَيَتَأَذّى بِالْحَرّ وَالْبَرْدِ وَلَمْ تَكُنْ عِمَامَتُهُ بِالْكَبِيرَةِ الّتِي تُؤْذِي الرّأْسَ حَمْلُهَا وَيُضْعِفُهُ وَيَجْعَلُهُ عُرْضَةً لِلضّعْفِ وَالْآفَاتِ كَمَا يُشَاهَدُ مِنْ حَالِ أَصْحَابِهَا وَلَا بِالصّغِيرَةِ الّتِي تُقَصّرُ عَنْ وِقَايَةِ الرّأْسِ مِنْ الْحَرّ وَالْبَرْدِ بَلْ وَسَطًا بَيْنَ ذَلِكَ وَكَانَ يُدْخِلُهَا تَحْتَ حَنَكِهِ وَفِي ذَلِكَ فَوَائِدُ عَدِيدَةٌ فَإِنّهَا تَقِي الْعُنُقَ الْحَرّ وَالْبَرْدَ وَهُوَ أَثْبَتُ لَهَا وَلَا سِيّمَا عِنْدَ رُكُوبِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ وَالْكَرّ وَالْفَرّ وَكَثِيرٌ مِنْ النّاسِ اتّخَذَ الْكَلَالِيبَ عِوَضًا عَنْ الْحَنَكِ وَيَا بُعْدَ مَا بَيْنَهُمَا فِي النّفْعِ وَالزّينَةِ وَأَنْتَ إذَا تَأَمّلْت هَذِهِ اللّبْسَةَ وَجَدْتَهَا مِنْ أَنْفَعِ اللّبْسَاتِ وَأَبْلَغِهَا فِي حِفْظِ صِحّةِ الْبَدَنِ وَقُوّتِهِ وَأَبْعَدِهَا مِنْ التّكَلّفِ وَالْمَشَقّةِ عَلَى الْبَدَنِ . وَكَانَ يَلْبَسُ الْخِفَافَ فِي السّفَرِ دَائِمًا أَوْ أَغْلَبَ أَحْوَالِهِ لِحَاجَةِ الرّجْلَيْنِ إلَى مَا يَقِيهِمَا مِنْ الْحَرّ وَالْبَرْدِ وَفِي الْحَضَرِ أَحْيَانًا . وَكَانَ أَحَبّ أَلْوَانِ الثّيَابِ إلَيْهِ الْبَيَاضَ وَالْحِبَرَةَ وَهِيَ الْبُرُودُ الْمُحَبّرَةُ وَلَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ لَبْسُ الْأَحْمَرِ وَلَا الْأَسْوَدِ وَلَا الْمُصَبّغِ وَلَا الْمَصْقُولِ . وَأَمّا الْحُلّةُ الْحَمْرَاءُ الّتِي لَبِسَهَا فَهِيَ الرّدَاءُ الْيَمَانِيّ الّذِي فِيهِ سَوَادٌ وَحُمْرَةٌ وَبَيَاضٌ كَالْحُلّةِ الْخَضْرَاءِ فَقَدْ لَبِسَ هَذِهِ وَهَذِهِ وَقَدْ تَقَدّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ وَتَغْلِيطُ مَنْ زَعَمَ أَنّهُ لَبِسَ الْأَحْمَرَ الْقَانِيَ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ . فَصْلٌ فِي تَدْبِيرِهِ لِأَمْرِ الْمَسْكَنِ لَمّا عَلِمَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ وَأَنّ الدّنْيَا مَرْحَلَةُ مُسَافِرٍ يَنْزِلُ فِيهَا مُدّةَ عُمُرِهِ ثُمّ يَنْتَقِلُ عَنْهَا إلَى الْآخِرَةِ لَمْ يَكُنْ مِنْ هَدْيِهِ وَهَدْيِ أَصْحَابِهِ وَمَنْ تَبِعَهُ [ ص 219 ] وَتَعْلِيَتِهَا وَزَخْرَفَتِهَا وَتَوْسِيعِهَا بَلْ كَانَتْ مِنْ أَحْسَنِ مَنَازِلِ الْمُسَافِرِ تَقِي الْحَرّ وَالْبَرْدَ وَتَسْتُرُ عَنْ الْعُيُونِ وَتَمْنَعُ مِنْ وُلُوجِ الدّوَابّ وَلَا يُخَافُ سُقُوطُهَا لِفَرْطِ ثِقَلِهَا وَلَا تُعَشّشُ فِيهَا الْهَوَامّ لِسِعَتِهَا وَلَا تَعْتَوِرُ عَلَيْهَا الْأَهْوِيَةُ وَالرّيَاحُ الْمُؤْذِيَةُ لِارْتِفَاعِهَا وَلَيْسَتْ تَحْتَ الْأَرْضِ فَتُؤْذِي سَاكِنَهَا وَلَا فِي غَايَةِ الِارْتِفَاعِ عَلَيْهَا بَلْ وَسَطٌ وَتِلْكَ أَعْدَلُ الْمَسَاكِنِ وَأَنْفَعُهَا وَأَقَلّهَا حَرّا وَبَرْدًا وَلَا تَضِيقُ عَنْ سَاكِنِهَا فَيَنْحَصِرُ وَلَا تَفْضُلُ عَنْهُ بِغَيْرِ مَنْفَعَةٍ وَلَا فَائِدَةٍ فَتَأْوِي الْهَوَامّ فِي خُلُوّهَا وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا كُنُفٌ تُؤْذِي سَاكِنَهَا بِرَائِحَتِهَا . بَلْ رَائِحَتُهَا مِنْ أَطْيَبِ الرّوَائِحِ لِأَنّهُ كَانَ يُحِبّ الطّيبَ وَلَا يَزَالُ عِنْدَهُ وَرِيحُهُ هُوَ مِنْ أَطْيَبِ الرّائِحَةِ وَعَرَقُهُ مِنْ أَطْيَبِ الطّيبِ وَلَمْ يَكُنْ فِي الدّارِ كَنِيفٌ تَظْهَرُ رَائِحَتُهُ وَلَا رَيْبَ أَنّ هَذِهِ مِنْ أَعْدَلِ الْمَسَاكِنِ وَأَنْفَعِهَا وَأَوْفَقِهَا لِلْبَدَنِ وَحِفْظِ صِحّتِهِ . فَصْلٌ فِي تَدْبِيرِهِ لِأَمْرِ النّوْمِ وَالْيَقَظَةِ مَنْ تَدَبّرَ نَوْمَهُ وَيَقَظَتَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَجَدَهُ أَعْدَلَ نَوْمٍ وَأَنْفَعَهُ لِلْبَدَنِ وَالْأَعْضَاءِ وَالْقُوَى فَإِنّهُ كَانَ يَنَامُ أَوّلَ اللّيْلِ وَيَسْتَيْقِظُ فِي أَوّلِ النّصْفِ الثّانِي فَيَقُومُ وَيَسْتَاكُ وَيَتَوَضّأُ وَيُصَلّي مَا كَتَبَ اللّهُ لَهُ فَيَأْخُذُ الْبَدَنُ وَالْأَعْضَاءُ وَالْقُوَى حَظّهَا مِنْ النّوْمِ وَالرّاحَةِ وَحَظّهَا مِنْ الرّيَاضَةِ مَعَ وُفُورِ الْأَجْرِ وَهَذَا غَايَةُ صَلَاحِ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ وَالدّنْيَا وَالْآخِرَةِ . وَلَمْ يَكُنْ يَأْخُذُ مِنْ النّوْمِ فَوْقَ الْقَدْرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ وَلَا يَمْنَعُ نَفْسَهُ مِنْ الْقَدْرِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهِ مِنْهُ وَكَانَ يَفْعَلُهُ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ فَيَنَامُ إذَا دَعَتْهُ الْحَاجَةُ إلَى النّوْمِ عَلَى شِقّهِ الْأَيْمَنِ ذَاكِرًا اللّهَ حَتّى تَغْلِبَهُ عَيْنَاهُ غَيْرَ مُمْتَلِئِ الْبَدَنِ مِنْ الطّعَامِ وَالشّرَابِ وَلَا مُبَاشِرٍ بِجَنْبِهِ الْأَرْضَ وَلَا مُتّخِذٍ لِلْفُرَشِ الْمُرْتَفِعَةِ بَلْ لَهُ ضِجَاعٌ مَنْ أُدْمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ وَكَانَ يَضْطَجِعُ عَلَى الْوِسَادَةِ وَيَضَعُ يَدَهُ تَحْتَ خَدّهِ أَحْيَانًا . [ ص 220 ] [ نَوْعَا النّوْمِ ] [ النّوْمُ الطّبِيعِيّ ] وَنَحْنُ نَذْكُرُ فَصْلًا فِي النّوْمِ وَالنّافِعِ مِنْهُ وَالضّارّ فَنَقُولُ النّوْمُ حَالَةٌ لِلْبَدَنِ يَتْبَعُهَا غَوْرُ الْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيّةِ وَالْقُوَى إلَى بَاطِنِ الْبَدَنِ لِطَلَبِ الرّاحَةِ وَهُوَ نَوْعَانِ طَبِيعِيّ وَغَيْرُ طَبِيعِيّ . فَالطّبِيعِيّ إمْسَاكُ الْقُوَى النّفْسَانِيّةِ عَنْ أَفْعَالِهَا وَهِيَ قُوَى الْحِسّ وَالْحَرَكَةِ الْإِرَادِيّةِ وَمَتَى أَمْسَكَتْ هَذِهِ الْقُوَى عَنْ تَحْرِيكِ الْبَدَنِ اسْتَرْخَى وَاجْتَمَعَتْ الرّطُوبَاتُ وَالْأَبْخِرَةُ الّتِي كَانَتْ تَتَحَلّلُ وَتَتَفَرّقُ بِالْحَرَكَاتِ وَالْيَقَظَةِ فِي الدّمَاغِ الّذِي هُوَ مَبْدَأُ هَذِهِ الْقُوَى فَيَتَخَدّرُ وَيَسْتَرْخِي وَذَلِكَ النّوْمُ الطّبِيعِيّ . [ النّوْمُ غَيْرُ الطّبِيعِيّ ] وَأَمّا النّوْمُ غَيْرُ الطّبِيعِيّ فَيَكُونُ لِعَرَضٍ أَوْ مَرَضٍ وَذَلِكَ بِأَنْ تَسْتَوْلِيَ الرّطُوبَاتُ عَلَى الدّمَاغِ اسْتِيلَاءً لَا تَقْدِرُ الْيَقَظَةُ عَلَى تَفْرِيقِهَا أَوْ تَصْعَدُ أَبْخِرَةٌ رَطْبَةٌ كَثِيرَةٌ كَمَا يَكُونُ عَقِيبَ الِامْتِلَاءِ مِنْ الطّعَامِ وَالشّرَابِ فَتُثْقِلُ الدّمَاغَ وَتُرْخِيهِ فَيَتَخَدّرُ وَيَقَعُ إمْسَاكُ الْقُوَى النّفْسَانِيّةِ عَنْ أَفْعَالِهَا فَيَكُونُ النّوْمُ . [ فَائِدَتَا النّوْم ] وَلِلنّوْمِ فَائِدَتَانِ جَلِيلَتَانِ إحْدَاهُمَا : سُكُونُ الْجَوَارِحِ وَرَاحَتُهَا مِمّا يَعْرِضُ لَهَا مِنْ التّعَبِ فَيُرِيحُ الْحَوَاسّ مِنْ نَصْبِ الْيَقَظَةِ وَيُزِيلُ الْإِعْيَاءَ وَالْكَلَالَ . وَالثّانِيَةُ هَضْمُ الْغِذَاءِ وَنُضْجُ الْأَخْلَاطِ لِأَنّ الْحَرَارَةَ الْغَرِيزِيّةَ فِي وَقْتِ النّوْمِ تَغُورُ إلَى بَاطِنِ الْبَدَنِ فَتُعِينُ عَلَى ذَلِكَ وَلِهَذَا يَبْرُدُ ظَاهِرُهُ وَيَحْتَاجُ النّائِمُ إلَى فَضْلِ دِثَارٍ . [أَنْفَعُ كَيْفِيّاتِ النّوْمِ ] وَأَنْفَعُ النّوْمِ أَنْ يَنَامَ عَلَى الشّقّ الْأَيْمَنِ لِيَسْتَقِرّ الطّعَامُ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ فِي الْمَعِدَةِ اسْتِقْرَارًا حَسَنًا فَإِنّ الْمَعِدَةَ أَمْيَلُ إلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ قَلِيلًا ثُمّ يَتَحَوّلُ إلَى الشّقّ الْأَيْسَرِ قَلِيلًا لِيُسْرِعَ الْهَضْمَ بِذَلِكَ لِاسْتِمَالَةِ الْمَعِدَةِ عَلَى الْكَبِدِ ثُمّ يَسْتَقِرّ نَوْمُهُ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ لِيَكُونَ الْغِذَاءُ أَسْرَعَ انْحِدَارًا عَنْ الْمَعِدَةِ فَيَكُونُ النّوْمُ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ بُدَاءَةَ نَوْمِهِ وَنِهَايَتَهُ وَكَثْرَةُ النّوْمِ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ مُضِرّ بِالْقَلْبِ بِسَبَبِ مَيْلِ الْأَعْضَاءِ إلَيْهِ فَتَنْصَبّ إلَيْهِ الْمَوَادّ . [ أَرْدَأُ نَوْعِيّاتِ النّوْمِ ] وَأَرْدَأُ النّوْمِ النّوْمُ عَلَى الظّهْرِ وَلَا يَضُرّ الِاسْتِلْقَاءُ عَلَيْهِ لِلرّاحَةِ مِنْ غَيْرِ [ ص 221 ] سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ مَرّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى رَجُلٍ نَائِمٍ فِي الْمَسْجِدِ مُنْبَطِحٍ عَلَى وَجْهِهِ فَضَرَبَهُ بِرِجْلِهِ وَقَالَ قُمْ أَوْ اُقْعُدْ فَإِنّهَا نَوْمَةٌ جَهَنّمِيّةٌ قَالَ إِبّقْرَاطُ فِي كِتَابِ " التّقْدِمَةِ " : وَأَمّا نَوْمُ الْمَرِيضِ عَلَى بَطْنِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ عَادَتَهُ فِي صِحّتِهِ جَرَتْ بِذَلِكَ يَدُلّ عَلَى اخْتِلَاطِ عَقْلٍ وَعَلَى أَلَمٍ فِي نَوَاحِي الْبَطْنِ قَالَ الشّرّاحُ لِكِتَابِهِ لِأَنّهُ خَالَفَ الْعَادَةَ الْجَيّدَةَ إلَى هَيْئَةٍ رَدِيئَةٍ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ ظَاهِرٍ وَلَا بَاطِنٍ . [ مَنَافِعُ النّوْمِ الْمُعْتَدِلِ ] وَالنّوْمُ الْمُعْتَدِلُ مُمَكّنٌ لِلْقُوَى الطّبِيعِيّةِ مِنْ أَفْعَالِهَا مُرِيحٌ لِلْقُوّةِ النّفْسَانِيّةِ مُكْثِرٌ مِنْ جَوْهَرِ حَامِلِهَا حَتّى إنّهُ رُبّمَا عَادَ بِرَخَائِهِ مَانِعًا مِنْ تَحَلّلِ الْأَرْوَاحِ . [مَفَاسِدُ نَوْمِ النّهَارِ وَبِخَاصّةٍ آخِرُهُ ] وَنَوْمُ النّهَارِ رَدِيءٌ يُورِثُ الْأَمْرَاضَ الرُطُوبِيّةَ وَالنّوَازِلَ وَيُفْسِدُ اللّوْنَ وَيُورِثُ الطّحَالَ وَيُرْخِي الْعَصَبَ وَيُكْسِلُ وَيُضْعِفُ الشّهْوَةَ إلّا فِي الصّيْفِ وَقْتَ الْهَاجِرَةِ وَأَرْدَؤُهُ نَوْمُ أَوّلِ النّهَارِ وَأَرْدَأُ مِنْهُ النّوْمُ آخِرَهُ بَعْدَ الْعَصْرِ وَرَأَى عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَبّاسٍ ابْنًا لَهُ نَائِمًا نَوْمَةَ الصّبْحَةِ فَقَالَ لَهُ قُمْ أَتَنَامُ فِي السّاعَةِ الّتِي تُقَسّمُ فِيهَا الْأَرْزَاق ؟ وَقِيلَ نَوْمُ النّهَارِ ثَلَاثَةٌ خُلُقٌ وَحُرَقٌ وَحُمْقٌ . فَالْخُلُقُ نَوْمَةُ الْهَاجِرَةِ وَهِيَ خُلُقُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَالْحُرَقُ نَوْمَةُ الضّحَى تَشْغَلُ عَنْ أَمْرِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ . وَالْحُمْقُ نَوْمَةُ الْعَصْرِ . قَالَ بَعْضُ السّلَفِ مَنْ نَامَ بَعْدَ [ ص 222 ] يَلُومَن إلّا نَفْسَهُ . وَقَالَ الشّاعِرُ أَلَا إنّ نَوْمَاتِ الضّحَى تُورِثُ الْفَتَى خَبَالًا وَنَوْمَاتُ الْعُصَيْرِ جُنُونُ [ مَفَاسِدُ نَوْمِ الصّبْحَةِ ] وَنَوْمُ الصّبْحَةِ يَمْنَعُ الرّزْقَ لِأَنّ ذَلِكَ وَقْتٌ تَطْلُبُ فِيهِ الْخَلِيقَةُ أَرْزَاقَهَا وَهُوَ وَقْتُ قِسْمَةِ الْأَرْزَاقِ فَنَوْمُهُ حِرْمَانٌ إلّا لِعَارِضٍ أَوْ ضَرُورَةٍ وَهُوَ مُضِرّ جِدّا بِالْبَدَنِ لِإِرْخَائِهِ الْبَدَنَ وَإِفْسَادِهِ لِلْفَضَلَاتِ الّتِي يَنْبَغِي تَحْلِيلُهَا بِالرّيَاضَةِ فَيُحْدِثُ تَكَسّرًا وَعِيّا وَضَعْفًا . وَإِنْ كَانَ قَبْلَ التّبَرّزِ وَالْحَرَكَةِ وَالرّيَاضَةِ وَإِشْغَالِ الْمَعِدَةِ بِشَيْءٍ فَذَلِكَ الدّاءُ الْعُضَالُ الْمُوَلّدُ لِأَنْوَاعٍ مِنْ الْأَدْوَاءِ . [ مَفَاسِدُ النّوْمِ فِي الشّمْسِ أَوْ بَعْضِهِ فِي الشّمْسِ ] وَالنّوْمُ فِي الشّمْسِ يُثِيرُ الدّاءَ الدّفِينَ وَنَوْمُ الْإِنْسَانِ بَعْضَهُ فِي الشّمْسِ وَبَعْضَهُ فِي الظّلّ رَدِيءٌ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ فِي الشّمْسِ فَقَلَصَ عَنْهُ الظّلّ فَصَارَ بَعْضُهُ فِي الشّمْسِ وَبَعْضُهُ فِي الظّلّ فَلْيَقُمْ وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحَصِيبِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَهَى أَنْ يَقْعُدَ الرّجُلُ بَيْنَ الظّلّ وَالشّمْسِ وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى مَنْعِ النّوْمِ بَيْنَهُمَا . وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ إذَا أَتَيْتَ مَضْجَعَكَ فَتَوَضّأْ وُضُوءَك لِلصّلَاةِ ثُمّ اضْطَجِعْ عَلَى شِقّكَ الْأَيْمَنِ ثُمّ قُلْ اللّهُمّ إنّي أَسْلَمْتُ نَفْسِي إلَيْك وَوَجّهْتُ وَجْهِي إلَيْك وَفَوّضْتُ أَمْرِي إلَيْك وَأَلْجَأْتُ ظَهْرِي إلَيْك رَغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْك لَا مَلْجَأَ وَلَا مَنْجَا مِنْك إلّا إلَيْك آمَنْتُ بِكِتَابِكَ الّذِي أَنْزَلْت وَنَبِيّكَ الّذِي أَرْسَلْت وَاجْعَلْهُنّ آخِرَ كَلَامِك فَإِنْ مُتّ مِنْ لَيْلَتِك مُتّ عَلَى الْفِطْرَةِ [ ص 223 ] وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " عَنْ عَائِشَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ إذَا صَلّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ - يَعْنِي سُنّتَهَا - اضْطَجَعَ عَلَى شِقّهِ الْأَيْمَنِ [ الْحِكْمَةُ مِنْ النّوْمِ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ ] وَقَدْ قِيلَ إنّ الْحِكْمَةَ فِي النّوْمِ عَلَى الْجَانِبِ الْأَيْمَنِ أَنْ لَا يَسْتَغْرِقَ النّائِمُ فِي نَوْمِهِ لِأَنّ الْقَلْبَ فِيهِ مَيْلٌ إلَى جِهَةِ الْيَسَارِ فَإِذَا نَامَ عَلَى جَنْبِهِ الْأَيْمَنِ طَلَبَ الْقَلْبُ مُسْتَقَرّهُ مِنْ الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ وَذَلِكَ يَمْنَعُ مِنْ اسْتِقْرَارِ النّائِمِ وَاسْتِثْقَالِهِ فِي نَوْمِهِ بِخِلَافِ قَرَارِهِ فِي النّوْمِ عَلَى الْيَسَارِ فَإِنّهُ مُسْتَقَرّهُ فَيَحْصُلُ بِذَلِكَ الدّعَةُ التّامّةُ فَيَسْتَغْرِقُ الْإِنْسَانُ فِي نَوْمِهِ وَيَسْتَثْقِلُ فَيَفُوتُهُ مَصَالِحُ دِينِهِ وَدُنْيَاهُ . [فَوَائِدُ الدّعَاءِ قَبْلَ النّوْمِ ] وَلَمّا كَانَ النّائِمُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيّتِ وَالنّوْمُ أَخُو الْمَوْتِ - وَلِهَذَا يَسْتَحِيلُ عَلَى الْحَيّ الّذِي لَا يَمُوتُ وَأَهْلُ الْجَنّةِ لَا يَنَامُونَ فِيهَا - كَانَ النّائِمُ مُحْتَاجًا إلَى مَنْ يَحْرُسُ نَفْسَهُ وَيَحْفَظُهَا مِمّا يَعْرِضُ لَهَا مِنْ الْآفَاتِ وَيَحْرُسُ بَدَنَهُ أَيْضًا مِنْ طَوَارِقِ الْآفَاتِ وَكَانَ رَبّهُ وَفَاطِرُهُ تَعَالَى هُوَ الْمُتَوَلّيَ لِذَلِكَ وَحْدَهُ . عَلّمَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ النّائِمَ أَنْ يَقُولَ كَلِمَاتِ التّفْوِيضِ وَالِالْتِجَاءِ وَالرّغْبَةِ وَالرّهْبَةِ لِيَسْتَدْعِيَ بِهَا كَمَالَ حِفْظِ اللّهِ لَهُ وَحِرَاسَتِهِ لِنَفْسِهِ وَبَدَنِهِ وَأَرْشَدَهُ مَعَ ذَلِكَ إلَى أَنْ يَسْتَذْكِرَ الْإِيمَانَ وَيَنَامَ عَلَيْهِ وَيَجْعَلَ التّكَلّمَ بِهِ آخِرَ كَلَامِهِ فَإِنّهُ رُبّمَا تَوَفّاهُ اللّهُ فِي مَنَامِهِ فَإِذَا كَانَ الْإِيمَانُ آخِرَ كَلَامِهِ دَخَلَ الْجَنّةَ فَتَضَمّنَ هَذَا الْهَدْيُ فِي الْمَنَامِ مَصَالِحَ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ وَالرّوحِ فِي النّوْمِ وَالْيَقَظَةِ وَالدّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَصَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى مَنْ نَالَتْ بِهِ أُمّتُهُ كُلّ خَيْرٍ . [ ص 224 ] أَسْلَمْت نَفَسِي إلَيْك أَيْ جَعَلْتهَا مُسَلّمَةً لَك تَسْلِيمَ الْعَبْدِ الْمَمْلُوكِ نَفْسَهُ إلَى سَيّدِهِ وَمَالِكِهِ . وَتَوْجِيهٌ وَجّهَهُ إلَيْهِ يَتَضَمّنُ إقْبَالَهُ بِالْكُلّيّةِ عَلَى رَبّهِ وَإِخْلَاصَ الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ لَهُ وَإِقْرَارَهُ بِالْخُضُوعِ وَالذّلّ وَالِانْقِيَادِ قَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ حَاجّوكَ فَقُلْ أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلّهِ وَمَنِ اتّبَعَنِ } [ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ الْآيَةِ 20 ] . وَذَكَرَ الْوَجْهَ إذْ هُوَ أَشْرَفُ مَا فِي الْإِنْسَانِ وَمَجْمَعُ الْحَوَاسّ وَأَيْضًا فَفِيهِ مَعْنَى التّوَجّهِ وَالْقَصْدِ مِنْ قَوْلِهِ أَسْتَغْفِرُ اللّهَ ذَنْبًا لَسْتُ مُحْصِيَه ُ رَبّ الْعِبَادِ إلَيْهِ الْوَجْهُ وَالْعَمَل ُ وَتَفْوِيضُ الْأَمْرِ إلَيْهِ رَدّهُ إلَى اللّهِ سُبْحَانَهُ وَذَلِكَ يُوجِبُ سُكُونَ الْقَلْبِ وَطُمَأْنِينَتَهُ وَالرّضَى بِمَا يَقْضِيهِ وَيَخْتَارُهُ لَهُ مِمّا يُحِبّهُ وَيَرْضَاهُ وَالتّفْوِيضُ مِنْ أَشْرَفِ مَقَامَاتِ الْعُبُودِيّةِ وَلَا عِلّةَ فِيهِ وَهُوَ مِنْ مَقَامَاتِ الْخَاصّةِ خِلَافًا لِزَاعِمِي خِلَافِ ذَلِكَ . وَإِلْجَاءُ الظّهْرِ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ يَتَضَمّنُ قُوّةَ الِاعْتِمَادِ عَلَيْهِ وَالثّقَةَ بِهِ وَالسّكُونَ إلَيْهِ وَالتّوَكّلَ عَلَيْهِ فَإِنّ مَنْ أَسْنَدَ ظَهْرَهُ إلَى رُكْنٍ وَثِيقٍ لَمْ يَخَفْ السّقُوطَ . وَلَمّا كَانَ لِلْقَلْبِ قُوّتَانِ قُوّةُ الطّلَبِ وَهِيَ الرّغْبَةُ وَقُوّةُ الْهَرَبِ وَهِيَ الرّهْبَةُ وَكَانَ الْعَبْدُ طَالِبًا لِمَصَالِحِهِ هَارِبًا مِنْ مَضَارّهِ جَمَعَ الْأَمْرَيْنِ فِي هَذَا التّفْوِيضِ وَالتّوَجّهِ فَقَالَ رَغْبَةً وَرَهْبَةً إلَيْك ثُمّ أَثْنَى عَلَى رَبّهِ بِأَنّهُ لَا مَلْجَأَ لِلْعَبْدِ سِوَاهُ وَلَا مَنْجَا لَهُ مِنْهُ غَيْرُهُ فَهُوَ الّذِي يَلْجَأُ إلَيْهِ الْعَبْدُ لِيُنَجّيَهُ مِنْ نَفْسِهِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِك وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِك وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ فَهُوَ سُبْحَانَهُ الّذِي يُعِيذُ عَبْدَهُ وَيُنَجّيهِ مِنْ بَأْسِهِ الّذِي هُوَ بِمَشِيئَتِهِ وَقُدْرَتِهِ [ ص 225 ] الْإِعَانَةُ وَمِنْهُ مَا يَطْلُبُ النّجَاةَ مِنْهُ وَإِلَيْهِ الِالْتِجَاءُ فِي النّجَاةِ فَهُوَ الّذِي يُلْجَأُ إلَيْهِ فِي أَنْ يُنْجِيَ مِمّا مِنْهُ وَيُسْتَعَاذُ بِهِ مِمّا مِنْهُ فَهُوَ رَبّ كُلّ شَيْءٍ وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ إلّا بِمَشِيئَتِهِ { وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللّهُ بِضُرّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلّا هُوَ } [ سُورَةِ الْأَنْعَامِ الْآيَةِ 17 ] { قُلْ مَنْ ذَا الّذِي يَعْصِمُكُمْ مِنَ اللّهِ إِنْ أَرَادَ بِكُمْ سُوءًا أَوْ أَرَادَ بِكُمْ رَحْمَةً } [ سُورَةِ الْأَحْزَابِ الْآيَةِ 17 ] ثُمّ خَتَمَ الدّعَاءَ بِالْإِقْرَارِ بِالْإِيمَانِ بِكِتَابِهِ وَرَسُولِهِ الّذِي هُوَ مَلَاكُ النّجَاةِ وَالْفَوْزِ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَهَذَا هَدْيُهُ فِي نَوْمِهِ . لَوْ لَمْ يَقُلْ إنّي رَسُولٌ لَكَا نَ شَاهِدٌ فِي هَدْيِهِ يَنْطِقُ فَصْلٌ [هَدْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْيَقَظَةِ ] وَأَمّا هَدْيُهُ فِي يَقَظَتِهِ فَكَانَ يَسْتَيْقِظُ إذَا صَاحَ الصّارِخُ وَهُوَ الدّيكُ فَيَحْمَدُ اللّهَ تَعَالَى وَيُكَبّرُهُ وَيُهَلّلُهُ وَيَدْعُوهُ ثُمّ يَسْتَاكُ ثُمّ يَقُومُ إلَى وُضُوئِهِ ثُمّ يَقِفُ لِلصّلَاةِ بَيْنَ يَدَيْ رَبّهِ مُنَاجِيًا لَهُ بِكَلَامِهِ مُثْنِيًا عَلَيْهِ رَاجِيًا لَهُ رَاغِبًا رَاهِبًا فَأَيّ حِفْظٍ لِصِحّةِ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ وَالرّوحِ وَالْقُوَى وَلِنَعِيمِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَوْقَ هَذَا . فَصْلٌ [هَدْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الرّيَاضَةِ ] وَأَمّا تَدْبِيرُ الْحَرَكَةِ وَالسّكُونِ وَهُوَ الرّيَاضَةُ فَنَذْكُرُ مِنْهَا فَصْلًا يُعْلَمُ مِنْهُ مُطَابَقَةُ هَدْيِهِ فِي ذَلِكَ لِأَكْمَلِ أَنْوَاعِهِ وَأَحْمَدِهَا وَأَصْوَبِهَا فَنَقُولُ [السّبَبُ الْمُوجِبُ لِلرّيَاضَةِ ] مِنْ الْمَعْلُومِ افْتِقَارُ الْبَدَنِ فِي بَقَائِهِ إلَى الْغِذَاءِ وَالشّرَابِ وَلَا يَصِيرُ الْغِذَاءُ بِجُمْلَتِهِ جُزْءًا مِنْ الْبَدَنِ بَلْ لَا بُدّ أَنْ يَبْقَى مِنْهُ عِنْدَ كُلّ هَضْمٍ بَقِيّةٌ مَا إذَا كَثُرَتْ عَلَى مَمَرّ الزّمَانِ اجْتَمَعَ مِنْهَا شَيْءٌ لَهُ كَمّيّةٌ وَكَيْفِيّةٌ فَيَضُرّ بِكَمّيّتِهِ بِأَنْ يَسُدّ وَيُثْقِلَ الْبَدَنَ وَيُوجِبَ أَمْرَاضَ الِاحْتِبَاسِ وَإِنْ اسْتَفْرَغَ تَأَذّى الْبَدَنُ بِالْأَدْوِيَةِ لِأَنّ أَكْثَرَهَا سُمّيّةٌ وَلَا تَخْلُو مِنْ إخْرَاجِ الصّالِحِ الْمُنْتَفَعِ بِهِ وَيَضُرّ بِكَيْفِيّتِهِ بِأَنْ يُسَخّنَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِالْعَفَنِ أَوْ يُبَرّدَ بِنَفْسِهِ أَوْ يُضْعِفَ الْحَرَارَةَ الْغَرِيزِيّةَ عَنْ إنْضَاجِهِ . [فَوَائِدُ الرّيَاضَةِ ] وَسُدَدُ الْفَضَلَاتِ لَا مَحَالَةَ ضَارّةٌ تُرِكَتْ أَوْ اُسْتُفْرِغَتْ وَالْحَرَكَةُ أَقْوَى [ ص 226 ] طُولِ الزّمَانِ وَتُعَوّدُ الْبَدَنَ الْخِفّةَ وَالنّشَاطَ وَتَجْعَلُهُ قَابِلًا لِلْغِذَاءِ وَتُصَلّبُ الْمَفَاصِلَ وَتُقَوّيَ الْأَوْتَارَ وَالرّبَاطَاتِ وَتُؤَمّنُ جَمِيعَ الْأَمْرَاضِ الْمَادّيّةِ وَأَكْثَرَ الْأَمْرَاضِ الْمِزَاجِيّةِ إذَا اُسْتُعْمِلَ الْقَدْرُ الْمُعْتَدِلُ مِنْهَا فِي وَقْتِهِ وَكَانَ بَاقِي التّدْبِيرِ صَوَابًا . [وَقْتُهَا وَأَنْوَاعُهَا ] وَوَقْتُ الرّيَاضَةِ بَعْدَ انْحِدَارِ الْغِذَاءِ وَكَمَالِ الْهَضْمِ وَالرّيَاضَةُ الْمُعْتَدِلَةُ هِيَ الّتِي تَحْمَرّ فِيهَا الْبَشَرَةُ وَتَرْبُو وَيَتَنَدّى بِهَا الْبَدَنُ وَأَمّا الّتِي يَلْزَمُهَا سَيَلَانُ الْعَرَقِ فَمُفْرِطَةٌ وَأَيّ عُضْوٍ كَثُرَتْ رِيَاضَتُهُ قَوِيَ وَخُصُوصًا عَلَى نَوْعِ تِلْكَ الرّيَاضَةِ بَلْ كُلّ قُوّةٍ فَهَذَا شَأْنُهَا فَإِنّ مَنْ اسْتَكْثَرَ مِنْ الْحِفْظِ قَوِيَتْ حَافِظَتُهُ وَمَنْ اسْتَكْثَرَ مِنْ الْفِكْرِ قَوِيَتْ قُوّتُهُ الْمُفَكّرَةُ وَلِكُلّ عُضْوٍ رِيَاضَةٌ تَخُصّهُ فَلِلصّدْرِ الْقِرَاءَةُ فَلْيَبْتَدِئْ فِيهَا مِنْ الْخُفْيَةِ إلَى الْجَهْرِ بِتَدْرِيجٍ وَرِيَاضَةُ السّمْعِ بِسَمْعِ الْأَصْوَاتِ وَالْكَلَامِ بِالتّدْرِيجِ فَيَنْتَقِلُ مِنْ الْأَخَفّ إلَى الْأَثْقَلِ وَكَذَلِكَ رِيَاضَةُ اللّسَانِ فِي الْكَلَامِ وَكَذَلِكَ رِيَاضَةُ الْبَصَرِ وَكَذَلِكَ رِيَاضَةُ الْمَشْيِ بِالتّدْرِيجِ شَيْئًا فَشَيْئًا . وَأَمّا رُكُوبُ الْخَيْلِ وَرَمْيُ النّشَابِ وَالصّرَاعُ وَالْمُسَابَقَةُ عَلَى الْأَقْدَامِ فَرِيَاضَةٌ لِلْبَدَنِ كُلّهِ وَهِيَ قَالِعَةٌ لِأَمْرَاضٍ مُزْمِنَةٍ كَالْجُذَامِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْقُولَنْجِ . [رِيَاضَةُ النّفُوسِ ] وَرِيَاضَةُ النّفُوسِ بِالتّعَلّمِ وَالتّأَدّبِ وَالْفَرَحِ وَالسّرُورِ وَالصّبْرِ وَالثّبَاتِ وَالْإِقْدَامِ وَالسّمَاحَةِ وَفِعْلِ الْخَيْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ مِمّا تَرْتَاضُ بِهِ النّفُوسُ وَمِنْ أَعْظَمِ رِيَاضَتِهَا : الصّبْرُ وَالْحُبّ وَالشّجَاعَةُ وَالْإِحْسَانُ فَلَا تَزَالُ تَرْتَاضُ بِذَلِكَ شَيْئًا فَشَيْئًا حَتّى تَصِيرَ لَهَا هَذِهِ الصّفَاتُ هَيْئَاتٍ رَاسِخَةً وَمَلَكَاتٍ ثَابِتَةً . وَأَنْتَ إذَا تَأَمّلْتَ هَدْيَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ذَلِكَ وَجَدْتَهُ أَكْمَلَ هَدْيٍ حَافِظٍ لِلصّحّةِ وَالْقُوَى وَنَافِعٍ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ . [فَائِدَةُ الصّلَاةِ ] وَلَا رَيْبَ أَنّ الصّلَاةَ نَفْسَهَا فِيهَا مِنْ حِفْظِ صِحّةِ الْبَدَنِ وَإِذَابَةِ أَخْلَاطِهِ وَفَضَلَاتِهِ مَا هُوَ مِنْ أَنْفَعِ شَيْءٍ لَهُ سِوَى مَا فِيهَا مِنْ حِفْظِ صِحّةِ الْإِيمَانِ وَسَعَادَةِ [ ص 227 ] أَنْفَعِ أَسْبَابِ حِفْظِ الصّحّةِ وَمِنْ أَمْنَعِ الْأُمُورِ لِكَثِيرٍ مِنْ الْأَمْرَاضِ الْمُزْمِنَةِ وَمِنْ أَنْشَطِ شَيْءٍ لِلْبَدَنِ وَالرّوحِ وَالْقَلْبِ كَمَا فِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ يَعْقِدُ الشّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ يَضْرِبُ عَلَى كُلّ عُقْدَةٍ عَلَيْكَ لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ فَإِنْ هُوَ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللّهَ انْحَلّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ تَوَضّأَ انْحَلّتْ عُقْدَةٌ ثَانِيَةٌ فَإِنْ صَلّى انْحَلّتْ عُقَدُهُ كُلّهَا فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيّبَ النّفْسِ وَإِلّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النّفْسِ كَسْلَانَ [فَائِدَةُ الصّوْمِ ] وَفِي الصّوْمِ الشّرْعِيّ مِنْ أَسْبَابِ حِفْظِ الصّحّةِ وَرِيَاضَةِ الْبَدَنِ وَالنّفْسِ مَا لَا يَدْفَعُهُ صَحِيحُ الْفِطْرَةِ . [فَائِدَةُ الْجِهَادِ ] وَأَمّا الْجِهَادُ وَمَا فِيهِ مِنْ الْحَرَكَاتِ الْكُلّيّةِ الّتِي هِيَ مِنْ أَعْظَمِ أَسْبَابِ الْقُوّةِ وَحِفْظِ الصّحّةِ وَصَلَابَةِ الْقَلْبِ وَالْبَدَنِ وَدَفْعِ فَضَلَاتِهِمَا وَزَوَالِ الْهَمّ وَالْغَمّ وَالْحُزْنِ فَأَمْرٌ إنّمَا يَعْرِفُهُ مَنْ لَهُ مِنْهُ نَصِيبٌ . [رِيَاضَاتٌ أُخْرَى ] وَكَذَلِكَ الْحَجّ وَفِعْلُ الْمَنَاسِكِ وَكَذَلِكَ الْمُسَابَقَةُ عَلَى الْخَيْلِ وَبِالنّصَالِ وَالْمَشْيُ فِي الْحَوَائِجِ وَإِلَى الْإِخْوَانِ وَقَضَاءُ حُقُوقِهِمْ وَعِيَادَةُ مَرْضَاهُمْ وَتَشْيِيعُ جَنَائِزِهِمْ وَالْمَشْيُ إلَى الْمَسَاجِدِ لِلْجُمُعَاتِ وَالْجَمَاعَاتِ وَحَرَكَةُ الْوُضُوءِ وَالِاغْتِسَالِ وَغَيْرُ ذَلِكَ . وَهَذَا أَقَلّ مَا فِيهِ الرّيَاضَةُ الْمُعِينَةُ عَلَى حِفْظِ الصّحّةِ وَدَفْعِ الْفَضَلَاتِ وَأَمّا مَا شُرِعَ لَهُ مِنْ التّوَصّلِ بِهِ إلَى خَيْرَاتِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَدَفْعِ شُرُورِهِمَا فَأَمْرٌ وَرَاءَ ذَلِكَ .فَعَلِمْتَ أَنّ هَدْيَهُ فَوْقَ كُلّ هَدْيٍ فِي طِبّ الْأَبْدَانِ وَالْقُلُوبِ وَحِفْظِ صِحّتِهَا وَدَفْعِ أَسْقَامِهِمَا وَلَا مَزِيدَ عَلَى ذَلِكَ لِمَنْ قَدْ أَحْضَرَ رُشْدَهُ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . [ ص 228 ] ====================ج14 =============== اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : زاد المعاد في هَدْي خير العباد المؤلف : محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية فَصْلٌ هَدْيُهُ [صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْجِمَاعِ ] [مَقَاصِدُ الْجِمَاعِ ] وَأَمّا الْجِمَاعُ وَالْبَاهُ فَكَانَ هَدْيُهُ فِيهِ أَكْمَلَ هَدْيٍ يُحْفَظُ بِهِ الصّحّةُ وَتَتِمّ بِهِ اللّذّةُ وَسُرُورُ النّفْسِ وَيَحْصُلُ بِهِ مَقَاصِدُهُ الّتِي وُضِعَ لِأَجْلِهَا فَإِنّ الْجِمَاعَ وُضِعَ فِي الْأَصْلِ لِثَلَاثَةِ أُمُورٍ هِيَ مَقَاصِدُهُ الْأَصْلِيّةُ أَحَدُهَا : حِفْظُ النّسْلِ وَدَوَامُ النّوْعِ إلَى أَنْ تَتَكَامَلَ الْعُدّةُ الّتِي قَدّرَ اللّهُ بُرُوزَهَا إلَى هَذَا الْعَالَمِ . الثّانِي . إخْرَاجُ الْمَاءِ الّذِي يَضُرّ احْتِبَاسُهُ وَاحْتِقَانُهُ بِجُمْلَةِ الْبَدَنِ . الثّالِثُ قَضَاءُ الْوَطَرِ وَنَيْلُ اللّذّةِ وَالتّمَتّعُ بِالنّعْمَةِ وَهَذِهِ وَحْدَهَا هِيَ الْفَائِدَةُ الّتِي فِي الْجَنّةِ إذْ لَا تَنَاسُلَ هُنَاكَ وَلَا احْتِقَانَ يَسْتَفْرِغُهُ الْإِنْزَالُ . [ الْجِمَاعُ مِنْ أَسْبَابِ الصّحّةِ ] وَفُضَلَاءُ الْأَطِبّاءِ يَرَوْنَ أَنّ الْجِمَاعَ مِنْ أَحَدِ أَسْبَابِ حِفْظِ الصّحّةِ . قَالَ جالينوس : الْغَالِبُ عَلَى جَوْهَرِ الْمَنِيّ النّارُ وَالْهَوَاءُ وَمِزَاجُهُ حَارّ رَطْبٌ لِأَنّ كَوْنَهُ مِنْ الدّمِ الصّافِي الّذِي تَغْتَذِي بِهِ الْأَعْضَاءُ الْأَصْلِيّةُ وَإِذَا ثَبَتَ فَضْلُ الْمَنِيّ فَاعْلَمْ أَنّهُ لَا يَنْبَغِي إخْرَاجُهُ إلّا فِي طَلَبِ النّسْلِ أَوْ إخْرَاجُ الْمُحْتَقِنِ مِنْهُ فَإِنّهُ إذَا دَامَ احْتِقَانُهُ أَحْدَثَ أَمْرَاضًا رَدِيئَةً مِنْهَا : الْوَسْوَاسُ وَالْجُنُونُ وَالصّرَعُ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَقَدْ يُبْرِئُ اسْتِعْمَالُهُ مِنْ هَذِهِ الْأَمْرَاضِ كَثِيرًا فَإِنّهُ إذَا طَالَ احْتِبَاسُهُ فَسَدَ وَاسْتَحَالَ إلَى كَيْفِيّةٍ سُمّيّةٍ تُوجِبُ أَمْرَاضًا رَدِيئَةً كَمَا ذَكَرْنَا وَلِذَلِكَ تَدْفَعُهُ الطّبِيعَةُ بِالِاحْتِلَامِ إذَا كَثُرَ عِنْدَهَا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ . وَقَالَ بَعْضُ السّلَفِ يَنْبَغِي لِلرّجُلِ أَنْ يَتَعَاهَدَ مِنْ نَفْسِهِ ثَلَاثًا : أَنْ لَا يَدَعَ الْمَشْيَ فَإِنْ احْتَاجَ إلَيْهِ يَوْمًا قَدَرَ عَلَيْهِ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَدَعَ الْأَكْلَ فَإِنّ أَمْعَاءَهُ تَضِيقُ وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَدَعَ الْجِمَاعَ فَإِنّ الْبِئْرَ إذَا لَمْ تُنْزَحْ ذَهَبَ مَاؤُهَا . وَقَالَ مُحَمّدُ بْنُ زَكَرِيّا : مَنْ تَرَكَ الْجِمَاعَ مُدّةً طَوِيلَةً ضَعُفَتْ قُوَى أَعْصَابِهِ وَانْسَدّتْ مَجَارِيهَا وَتَقَلّصَ ذَكَرُهُ . قَالَ وَرَأَيْتُ جَمَاعَةً تَرَكُوهُ لِنَوْعٍ مِنْ التّقَشّفِ فَبَرُدَتْ [ ص 229 ] [ مَنَافِعُهُ ] [ مَحَبّتُهُ لَهُ ] وَمِنْ مَنَافِعِهِ غَضّ الْبَصَرِ وَكَفّ النّفْسِ وَالْقُدْرَةُ عَلَى الْعِفّةِ عَنْ الْحَرَامِ وَتَحْصِيلُ ذَلِكَ لِلْمَرْأَةِ فَهُوَ يَنْفَعُ نَفْسَهُ فِي دُنْيَاهُ وَأُخْرَاهُ وَيَنْفَعُ الْمَرْأَةَ وَلِذَلِكَ كَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَتَعَاهَدُهُ وَيُحِبّهُ وَيَقُولُ حُبّبَ إلَيّ مِنْ دُنْيَاكُمْ : النّسَاءُ وَالطّيبُ وَفِي كِتَابِ " الزّهْدِ " لِلْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ لَطِيفَةٌ وَهِيَ أَصْبِرُ عَنْ الطّعَامِ وَالشّرَابِ وَلَا أَصْبِرُ عَنْهُنّ [الْحَثّ عَلَى الزّوَاجِ ] وَحَثّ عَلَى التّزْوِيجِ أُمّتَهُ فَقَالَ تَزَوّجُوا فَإِنّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ الْأُمَمَ . وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : خَيْرُ هَذِهِ الْأُمّةِ أَكْثَرُهَا نِسَاءً وَقَالَ إنّي أَتَزَوّجُ النّسَاءَ وَأَنَامُ وَأَقُومُ وَأَصُومُ وَأُفْطِرُ فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنّتِي فَلَيْسَ مِنّي . وَقَالَ يَا مَعْشَرَ الشّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوّجْ فَإِنّهُ أَغَضّ لِلْبَصَرِ وَأَحْفَظُ لِلْفَرْجِ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصّوْمِ فَإِنّهُ لَهُ وِجَاءٌ [ ص 230 ] وَلَمّا تَزَوّجَ جَابِرٌ ثَيّبًا قَالَ لَهُ هَلّا بِكْرًا تُلَاعِبُهَا وَتُلَاعِبُكَ وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " : مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَلْقَى اللّهَ طَاهِرًا مُطَهّرًا فَلْيَتَزَوّجْ الْحَرَائِرَ وَفِي " سُنَنِهِ " أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ يَرْفَعُهُ قَالَ لَمْ نَرَ لِلْمُتَحَابّيْنِ مِثْلَ النّكَاحِ وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الدّنْيَا مَتَاعٌ وَخَيْرُ مَتَاعِ الدّنْيَا الْمَرْأَةُ الصّالِحَةُ . وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُحَرّضُ أُمّتَهُ عَلَى نِكَاحِ الْأَبْكَارِ الْحِسَانِ وَذَوَاتِ الدّينِ وَفِي " سُنَنِ النّسَائِيّ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَيّ النّسَاءِ خَيْرٌ ؟ [ ص 231 ] قَالَ الّتِي تَسُرّهُ إذَا نَظَرَ وَتُطِيعُهُ إذَا أَمَرَ وَلَا تُخَالِفُهُ فِيمَا يَكْرَهُ فِي نَفْسِهَا وَمَالِهِ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْهُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ تُنْكَحُ الْمَرْأَةُ لِمَالِهَا وَلِحَسَبِهَا وَلِجَمَالِهَا وَلِدِينِهَا فَاظْفَرْ بِذَاتِ الدّينِ تَرِبَتْ يَدَاكَ [ الْحَثّ عَلَى نِكَاحِ الْوَلُودِ ] وَكَانَ يُحِثّ عَلَى نِكَاحِ الْوَلُودِ وَيَكْرَهُ الْمَرْأَةُ الّتِي لَا تَلِدُ كَمَا فِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " عَنْ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ أَنّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ إنّي أَصَبْتُ امْرَأَةً ذَاتَ حَسَبٍ وَجَمَالٍ وَإِنّهَا لَا تَلِدُ أَفَأَتَزَوّجُهَا ؟ قَالَ " لَا " ثُمّ أَتَاهُ الثّانِيَةَ فَنَهَاهُ ثُمّ أَتَاهُ الثّالِثَةَ فَقَالَ تَزَوّجُوا الْوَدُودَ الْوَلُودَ فَإِنّي مُكَاثِرٌ بِكُمْ وَفِي التّرْمِذِيّ عَنْهُ مَرْفُوعًا : أَرْبَعٌ مِنْ سُنَنِ الْمُرْسَلِينَ : النّكَاحُ وَالسّوَاكُ وَالتّعَطّرُ وَالْحِنّاءُ رُوِيَ فِي " الْجَامِعِ " بِالنّونِ وَالْيَاءِ وَسَمِعْت أَبَا الْحَجّاجِ الْحَافِظَ يَقُولُ الصّوَابُ أَنّهُ الْخِتَانُ وَسَقَطَتْ النّونُ مِنْ الْحَاشِيَةِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْمَحَامِلِيّ عَنْ شَيْخِ أَبِي عِيسَى التّرْمِذِيّ . [ أُمُورٌ تَتَعَلّقُ بِمَا قَبْلَ الْجِمَاعِ ] وَمِمّا يَنْبَغِي تَقْدِيمُهُ عَلَى الْجِمَاعِ مُلَاعَبَةُ الْمَرْأَةِ وَتَقْبِيلُهَا وَمَصّ [ ص 232 ] وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُلَاعِبُ أَهْلَهُ وَيُقَبّلُهَا . وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يُقَبّلُ عَائِشَةَ وَيَمُصّ لِسَانَهَا . وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ الْمُوَاقَعَةِ قَبْلَ الْمُلَاعَبَةِ . [ الْغُسْلُ مِنْ الْجِمَاعِ ] وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رُبّمَا جَامَعَ نِسَاءَهُ كُلّهُنّ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ وَرُبّمَا اغْتَسَلَ عِنْدَ كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنّ فَرَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ أَنَسٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ بِغُسْلٍ وَاحِدٍ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ فِي لَيْلَةٍ فَاغْتَسَلَ عِنْدَ كُلّ امْرَأَةٍ مِنْهُنّ غُسْلًا فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ لَوْ اغْتَسَلْت غُسْلًا وَاحِدًا فَقَالَ هَذَا أَزْكَى وَأَطْهَرُ وَأَطْيَبُ وَشُرِعَ لِلْمُجَامِعِ إذَا أَرَادَ الْعَوْدَ قَبْلَ الْغَسْلِ الْوُضُوءُ بَيْنَ الْجِمَاعَيْنِ كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا أَتَى أَحَدُكُمْ أَهْلَهُ ثُمّ أَرَادَ أَنْ يَعُودَ فَلْيَتَوَضّأْ [ مَنَافِعُ الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ بَعْدَ الْوَطْءِ ] وَفِي الْغُسْلِ وَالْوُضُوءِ بَعْدَ الْوَطْءِ مِنْ النّشَاطِ وَطِيبِ النّفْسِ وَإِخْلَافِ بَعْضِ مَا تَحَلّلَ بِالْجِمَاعِ وَكَمَالِ الطّهْرِ وَالنّظَافَةِ وَاجْتِمَاعِ الْحَارّ الْغَرِيزِيّ إلَى [ ص 233 ] دَاخِلِ الْبَدَنِ بَعْدَ انْتِشَارِهِ بِالْجِمَاعِ وَحُصُولِ النّظَافَةِ الّتِي يُحِبّهَا اللّهُ وَيَبْغَضُ خِلَافَهَا مَا هُوَ مِنْ أَحْسَنِ التّدْبِيرِ فِي الْجِمَاعِ وَحِفْظِ الصّحّةِ وَالْقُوَى فِيهِ . فَصْلٌ وَقْتُهُ وَأَنْفَعُ الْجِمَاعِ : مَا حَصَلَ بَعْدَ الْهَضْمِ وَعِنْدَ اعْتِدَالِ الْبَدَنِ فِي حَرّهِ وَبَرْدِهِ وَيُبُوسَتِهِ وَرُطُوبَتِهِ وَخَلَائِهِ وَامْتِلَائِهِ . وَضَرَرُهُ عِنْدَ امْتِلَاءِ الْبَدَنِ أَسْهَلُ وَأَقَلّ مِنْ ضَرَرِهِ عِنْدَ خُلُوّهِ وَكَذَلِكَ ضَرَرُهُ عِنْدَ كَثْرَةِ الرّطُوبَةِ أَقَلّ مِنْهُ عِنْدَ الْيُبُوسَةِ وَعِنْدَ حَرَارَتِهِ أَقَلّ مِنْهُ عِنْدَ بُرُودَتِهِ وَإِنّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُجَامِعَ إذَا اشْتَدّتْ الشّهْوَةُ وَحَصَلَ الِانْتِشَارُ التّامّ الّذِي لَيْسَ عَنْ تَكَلّفٍ وَلَا فِكْرٍ فِي صُورَةٍ وَلَا نَظَرٍ مُتَتَابِعٍ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَسْتَدْعِيَ شَهْوَةَ الْجِمَاعِ وَيَتَكَلّفَهَا وَيَحْمِلَ نَفْسَهُ عَلَيْهَا وَلْيُبَادِرْ إلَيْهِ إذَا هَاجَتْ بِهِ كَثْرَةُ الْمَنِيّ وَاشْتَدّ شَبَقُهُ [التّحْذِيرُ مِنْ جِمَاعِ الْعَجُوزِ وَالصّغِيرَةِ ] وَلْيَحْذَرْ جِمَاعَ الْعَجُوزِ وَالصّغِيرَةِ الّتِي لَا يُوطَأُ مِثْلُهَا وَاَلّتِي لَا شَهْوَةَ لَهَا وَالْمَرِيضَةُ وَالْقَبِيحَةُ الْمَنْظَرِ وَالْبَغِيضَةُ فَوَطْءُ هَؤُلَاءِ يُوهِنُ الْقُوَى وَيُضْعِفُ الْجِمَاعَ بِالْخَاصّيّةِ . [ جِمَاعُ الثّيّبِ ] وَغَلِطَ مَنْ قَالَ مِنْ الْأَطِبّاءِ إنّ جِمَاعَ الثّيّبِ أَنْفَعُ مِنْ جِمَاعِ الْبِكْرِ وَأَحْفَظُ لِلصّحّةِ وَهَذَا مِنْ الْقِيَاسِ الْفَاسِدِ حَتّى رُبّمَا حَذّرَ مِنْهُ بَعْضُهُمْ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا عَلَيْهِ عُقَلَاءُ النّاسِ وَلِمَا اتّفَقَتْ عَلَيْهِ الطّبِيعَةُ وَالشّرِيعَةُ . [ أَسْبَابُ التّرْغِيبِ بِالْبِكْرِ ] وَفِي جِمَاعِ الْبِكْرِ مِنْ الْخَاصّيّةِ وَكَمَالِ التّعَلّقِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مُجَامِعِهَا وَامْتِلَاءِ قَلْبِهَا مِنْ مَحَبّتِهِ وَعَدَمِ تَقْسِيمِ هَوَاهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ غَيْرِهِ مَا لَيْسَ لِلثّيّبِ . وَقَدْ قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِجَابِرٍ هَلّا تَزَوّجْتَ بِكْرًا وَقَدْ جَعَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ كَمَالِ نِسَاءِ أَهْلِ الْجَنّةِ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ أَنّهُنّ لَمْ يَطْمِثْهُنّ أَحَدٌ قَبْلَ مَنْ جُعِلْنَ لَهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنّةِ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَرَأَيْتَ لَوْ مَرَرْتَ بِشَجَرَةٍ قَدْ أُرْتِعَ فِيهَا وَشَجَرَةٍ لَمْ يُرْتَعْ فِيهَا فَفِي أَيّهِمَا كُنْت تُرْتِعُ بَعِيرَك ؟ قَالَ فِي الّتِي لَمْ يُرْتَعْ فِيهَا [ ص 234 ] وَجِمَاعُ الْمَرْأَةِ الْمَحْبُوبَةِ فِي النّفْسِ يَقِلّ إضْعَافُهُ لِلْبَدَنِ مَعَ كَثْرَةِ اسْتِفْرَاغِهِ لِلْمَنِيّ وَجِمَاعُ الْبَغِيضَةِ يُحِلّ الْبَدَنَ وَيُوهِنُ الْقُوَى مَعَ قِلّةِ اسْتِفْرَاغِهِ وَجِمَاعُ الْحَائِضِ حَرَامٌ طَبْعًا وَشَرْعًا فَإِنّهُ مُضِرّ جِدّا وَالْأَطِبّاءُ قَاطِبَةً تُحَذّرُ مِنْهُ . [ أَحْسَنُ أَشْكَالِهِ ] وَأَحْسَنُ أَشْكَالِ الْجِمَاعِ أَنْ يَعْلُوَ الرّجُلُ الْمَرْأَةَ مُسْتَفْرِشًا لَهَا بَعْدَ الْمُلَاعَبَةِ وَالْقُبْلَةِ وَبِهَذَا سُمّيَتْ الْمَرْأَةُ فِرَاشًا كَمَا قَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْوَلَدُ لِلْفِرَاشِ وَهَذَا مِنْ تَمَامِ قَوّامِيّةِ الرّجُلِ عَلَى الْمَرْأَةِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { الرّجَالُ قَوّامُونَ عَلَى النّسَاءِ } [ النّسَاءِ 34 ] وَكَمَا قِيلَ إذَا رُمْتُهَا كَانَتْ فِرَاشًا يُقِلّنِي وَعِنْدَ فَرَاغِي خَادِمٌ يَتَمَلّقُ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { هُنّ لِبَاسٌ لَكُمْ وَأَنْتُمْ لِبَاسٌ لَهُنّ } [ الْبَقَرَةِ 187 ] وَأَكْمَلُ اللّبَاسِ وَأَسْبَغُهُ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ فَإِنّ فِرَاشَ الرّجُلِ لِبَاسٌ لَهُ وَكَذَلِكَ لِحَافُ الْمَرْأَةِ لِبَاسٌ لَهَا فَهَذَا الشّكْلُ الْفَاضِلُ مَأْخُوذٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ وَبِهِ يَحْسُنُ مَوْقِعُ اسْتِعَارَةِ اللّبَاسِ مِنْ كُلّ مِنْ الزّوْجَيْنِ لِلْآخَرِ . وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أَنّهَا تَنْعَطِفُ عَلَيْهِ أَحْيَانًا فَتَكُونُ عَلَيْهِ كَاللّبَاسِ قَالَ الشّاعِرُ إذَا مَا الضّجِيعُ ثَنَى جِيدَهَا تَثَنّتْ فَكَانَتْ عَلَيْهِ لِبَاسًا [ أَرْدَأُ أَشْكَالِهِ ] وَأَرْدَأُ أَشْكَالِهِ أَنْ تَعْلُوَهُ الْمَرْأَةُ وَيُجَامِعَهَا عَلَى ظَهْرِهِ وَهُوَ خِلَافُ الشّكْلِ الطّبِيعِيّ الّذِي طَبَعَ اللّهُ عَلَيْهِ الرّجُلَ وَالْمَرْأَةَ بَلْ نَوْعَ الذّكَرِ وَالْأُنْثَى وَفِيهِ مِنْ الْمَفَاسِدِ أَنّ الْمَنِيّ يَتَعَسّرُ خُرُوجُهُ كُلّهُ فَرُبّمَا بَقِيَ فِي الْعُضْوِ مِنْهُ فَيَتَعَفّنُ وَيَفْسُدُ فَيَضُرّ وَأَيْضًا : فَرُبّمَا سَالَ إلَى الذّكَرِ رُطُوبَاتٌ مِنْ الْفَرْجِ وَأَيْضًا فَإِنّ الرّحِمَ لَا [ ص 235 ] كَانَتْ فَاعِلَةً خَالَفَتْ مُقْتَضَى الطّبْعِ وَالشّرْعِ . وَكَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ إنّمَا يَأْتُونَ النّسَاءَ عَلَى جُنُوبِهِنّ عَلَى حَرْفٍ وَيَقُولُونَ هُوَ أَيْسَرُ لِلْمَرْأَةِ . وَكَانَتْ قُرَيْشٌ وَالْأَنْصَارُ تَشْرَحُ النّسَاءَ عَلَى أَقْفَائِهِنّ فَعَابَتْ الْيَهُودُ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ } [ الْبَقَرَةِ 223 ] . وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ جَابِرٍ قَالَ كَانَتْ الْيَهُودُ تَقُولُ إذَا أَتَى الرّجُلُ امْرَأَتَهُ مِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا كَانَ الْوَلَدُ أَحْوَلَ فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ } وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ إنْ شَاءَ مُجَبّيَةً وَإِنْ شَاءَ غَيْرَ مُجَبّيَةٍ غَيْرَ أَنّ ذَلِكَ فِي صِمَامٍ وَاحِدٍ " وَالْمُجَبّيَةُ الْمُنْكَبّةُ عَلَى وَجْهِهَا وَالصّمَامُ الْوَاحِدُ الْفَرْجُ وَهُوَ مَوْضِعُ الْحَرْثِ وَالْوَلَدِ . [تَحْرِيمُ الدّبُرِ ] وَأَمّا الدّبُرُ فَلَمْ يُبَحْ قَطّ عَلَى لِسَانِ نَبِيّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ وَمَنْ نَسَبَ إلَى بَعْضِ السّلَفِ إبَاحَةَ وَطْءِ الزّوْجَةِ فِي دُبُرِهَا فَقَدْ غَلِطَ عَلَيْهِ وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَلْعُونٌ مَنْ أَتَى الْمَرْأَةَ فِي دُبُرِهَا . [ ص 236 ] لِأَحْمَدَ وَابْنِ مَاجَهْ : لَا يَنْظُرُ اللّهُ إلَى رَجُلٍ جَامَعَ امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا وَفِي لَفْظٍ لِلتّرْمِذِيّ وَأَحْمَدَ مَنْ أَتَى حَائِضًا أَوْ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ كَاهِنًا فَصَدّقَهُ فَقَدْ كَفَرَ بِمَا أُنْزِلَ عَلَى مُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفِي لَفْظٍ لِلْبَيْهَقِيّ مَنْ أَتَى شَيْئًا مِنْ الرّجَالِ وَالنّسَاءِ فِي الْأَدْبَارِ فَقَدْ كَفَرَ وَفِي " مُصَنّفِ وَكِيعٍ " : حَدّثَنِي زَمْعَةُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ ابْنِ طَاوُوسٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ يَزِيدَ قَالَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ اللّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَق لَا تَأْتُوا النّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنّ وَقَالَ مرّة : " فِي أَدْبَارِهِنّ " . وَفِي التّرْمِذِيّ عَنْ عَلِيّ بْنِ طَلْقٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا تَأْتُوا النّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنّ فَإِنّ اللّهَ لَا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقّ وَفِي " الْكَامِلِ " لِابْنِ عَدِيّ مِنْ حَدِيثِهِ عَنْ الْمَحَامِلِيّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ يَحْيَى الْأُمَوِيّ [ ص 237 ] قَالَ حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ حَمْزَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ رَفِيعٍ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَرْفَعُهُ لَا تَأْتُوا النّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنّ وَرُوِينَا فِي حَدِيثِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيّ الْجَوْهَرِيّ عَنْ أَبِي ذَرّ مَرْفُوعًا : مَنْ أَتَى الرّجَالَ أَوْ النّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنّ فَقَدْ كَفَرَ وَرَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيّاشٍ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ جَابِرٍ يَرْفَعُهُ اسْتَحْيُوا مِنْ اللّهِ فَإِنّ اللّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقّ لَا تَأْتُوا النّسَاءَ فِي حُشُوشِهِنّ وَرَوَاهُ الدّارَقُطْنِيّ مِنْ هَذِهِ الطّرِيقِ وَلَفْظُهُ إنّ اللّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقّ لَا يَحِلّ مَأْتَاكَ النّسَاءَ فِي حُشُوشِهِنّ وَقَالَ الْبَغَوِيّ : حَدّثَنَا هُدْبَةُ حَدّثَنَا هَمّامٌ قَالَ سُئِلَ قَتَادَةُ عَنْ الّذِي يَأْتِي امْرَأَتَهُ فِي دُبُرِهَا ؟ فَقَالَ حَدّثَنِي عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ تِلْكَ اللّوطِيّةُ الصّغْرَى وَقَالَ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " : حَدّثَنَا عَبْدُ الرّحْمَنِ قَالَ حَدّثَنَا هَمّامٌ أَخْبَرَنَا عَنْ قَتَادَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ فَذَكَرَهُ . [ ص 238 ] وَفِي " الْمُسْنَدِ " أَيْضًا : عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ } فِي أُنَاسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ أَتَوْا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَسَأَلُوهُ فَقَالَ ائْتِهَا عَلَى كُلّ حَالٍ إذَا كَانَ فِي الْفَرْجِ وَفِي " الْمُسْنَدِ " أَيْضًا : عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ هَلَكْت فَقَالَ وَمَا الّذِي أَهْلَكَكَ ؟ " قَالَ حَوّلْتُ رَحْلِي الْبَارِحَةَ قَالَ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ شَيْئًا فَأَوْحَى اللّهُ إلَى رَسُولِهِ { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ } أَقْبِلْ وَأَدْبِرْ وَاتّقِ الْحَيْضَةَ وَالدّبُرَ وَفِي التّرْمِذِيّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ مَرْفُوعًا : لَا يَنْظُرُ اللّهُ إلَى رَجُلٍ أَتَى رَجُلًا أَوْ امْرَأَةً فِي الدّبُرِ وَرُوِينَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَلِيّ الْحَسَنِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ دُومَا عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ يَرْفَعُهُ كَفَرَ بِاَللّهِ الْعَظِيمِ عَشَرَةٌ مِنْ هَذِهِ الْأُمّةِ : الْقَاتِلُ وَالسّاحِرُ وَالدّيّوثُ وَنَاكِحُ الْمَرْأَةِ فِي دُبُرِهَا وَمَانِعُ الزّكَاةِ وَمَنْ وَجَدَ سَعَةً فَمَاتَ وَلَمْ يَحُجّ وَشَارِبُ الْخَمْرِ وَالسّاعِي فِي الْفِتَنِ وَبَائِعُ السّلَاحِ مِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ وَمَنْ نَكَحَ ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْهُ وَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ وَهْبٍ : حَدّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ لَهِيعَةَ عَنْ مِشْرَحِ بْنِ هَاعَانَ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ مَلْعُونٌ مَنْ يَأْتِي النّسَاءَ فِي مَحَاشّهِنّ يَعْنِي : أَدْبَارَهُنّ " . [ ص 239 ] مُسْنَدِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي أُسَامَةَ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبّاسٍ قَالَا : خَطَبَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَبْلَ وَفَاتِهِ وَهِيَ آخِرُ خُطْبَةٍ خَطَبَهَا بِالْمَدِينَةِ حَتّى لَحِقَ بِاَللّهِ عَزّ وَجَلّ وَعَظَنَا فِيهَا وَقَالَ " مَنْ نَكَحَ امْرَأَةً فِي دُبُرِهَا أَوْ رَجُلًا أَوْ صَبِيّا حُشِرَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَرِيحُهُ أَنْتَنُ مِنْ الْجِيفَةِ يَتَأَذّى بِهِ النّاسُ حَتّى يَدْخُلَ النّارَ وَأَحْبَطَ اللّهُ أَجْرَهُ وَلَا يَقْبَلُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَيُدْخَلُ فِي تَابُوتٍ مِنْ نَارٍ وَيُشَدّ عَلَيْهِ مَسَامِيرُ مِنْ نَارٍ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : هَذَا لِمَنْ لَمْ يَتُبْ . وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ الْأَصْبَهَانِيّ مِنْ حَدِيثِ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ يَرْفَعُهُ إنّ اللّهَ لَا يَسْتَحْيِ مِنْ الْحَقّ لَا تَأْتُوا النّسَاءَ فِي أَعْجَازِهِنّ وَقَالَ الشّافِعِيّ : أَخْبَرَنِي عَمّي مُحَمّدُ بْنُ عَلِيّ بْنِ شَافِعٍ . قَالَ أَخْبَرَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَلِيّ بْنِ السّائِبِ عَنْ عَمْرِو بْنِ أُحَيْحَةَ بْنِ الْجِلَاحِ عَنْ خُزَيْمَةَ بْنِ ثَابِتٍ أَنّ رَجُلًا سَأَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ إتْيَانِ النّسَاءِ فِي أَدْبَارِهِنّ فَقَالَ حَلَالٌ " فَلَمّا وَلّى دَعَاهُ فَقَالَ " كَيْفَ قُلْت فِي أَيّ الْخَرِبَتَيْنِ أَوْ فِي أَيّ الْخَرَزَتَيْنِ أَوْ فِي أَيّ الْخَصْفَتَيْنِ أَمِنْ دُبُرِهَا فِي قُبُلِهَا ؟ فَنَعَمْ أَمْ مِنْ دُبُرِهَا فِي دُبُرِهَا فَلَا إنّ اللّهَ لَا يَسْتَحْيِي مِنْ الْحَقّ لَا تَأْتُوا النّسَاءَ فِي أَدْبَارِهِنّ قَالَ الرّبِيعُ فَقِيلَ لِلشّافِعِيّ فَمَا تَقُولُ ؟ فَقَالَ عَمّي ثِقَةٌ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ عَلِيّ ثِقَةٌ وَقَدْ أَثْنَى عَلَى الْأَنْصَارِيّ خَيْرًا يَعْنِي عَمْرَو بْنَ الْجِلَاحِ وَخُزَيْمَةُ [ ص 240 ] أَنْهَى عَنْهُ . قُلْت : وَمِنْ هَاهُنَا نَشَأَ الْغَلَطُ عَلَى مَنْ نُقِلَ عَنْهُ الْإِبَاحَةُ مِنْ السّلَفِ وَالْأَئِمّةِ فَإِنّهُمْ أَبَاحُوا أَنْ يَكُونَ الدّبُرُ طَرِيقًا إلَى الْوَطْءِ فِي الْفَرْجِ فَيَطَأُ مِنْ الدّبُرِ لَا فِي الدّبُرِ فَاشْتَبَهَ عَلَى السّامِعِ " مِنْ " ب " فِي " وَلَمْ يَظُنّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا فَهَذَا الّذِي أَبَاحَهُ السّلَفُ وَالْأَئِمّةُ فَغَلِطَ عَلَيْهِمْ الْغَالِطُ أَقْبَحَ الْغَلَطِ وَأَفْحَشَهُ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { فَأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ } قَالَ مُجَاهِدٌ : سَأَلْتُ ابْنَ عَبّاسٍ عَنْ قَوْلِهِ تَعَالَى : { فَأْتُوهُنّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللّهُ } فَقَالَ تَأْتِيهَا مِنْ حَيْثُ أُمِرْت أَنْ تَعْتَزِلَهَا يَعْنِي فِي الْحَيْضِ . وَقَالَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ عَنْهُ يَقُولُ فِي الْفَرْجِ وَلَا تَعْدُهُ إلَى غَيْرِهِ . وَقَدْ دَلّتْ الْآيَةُ عَلَى تَحْرِيمِ الْوَطْءِ فِي دُبُرِهَا مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنّهُ أَبَاحَ إتْيَانَهَا فِي الْحَرْثِ وَهُوَ مَوْضِعُ الْوَلَدِ لَا فِي الْحُشّ الّذِي هُوَ مَوْضِعُ الْأَذَى وَمَوْضِعُ الْحَرْثِ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ قَوْلِهِ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمْ اللّهُ الْآيَةَ قَالَ { فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ } وَإِتْيَانُهَا فِي قُبُلِهَا مِنْ دُبُرِهَا مُسْتَفَادٌ مِنْ الْآيَةِ أَيْضًا لِأَنّهُ قَالَ أَنّى شِئْتُمْ أَيْ مِنْ أَيْنَ شِئْتُمْ مِنْ أَمَامٍ أَوْ مِنْ خَلْفٍ . قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : { فَأْتُوا حَرْثَكُمْ } يَعْنِي : الْفَرْج [ مَفَاسِدُ إتْيَانِ الدّبُرِ ] وَاذَا كَانَ اللّهُ حَرّمَ الْوَطْءَ فِي الْفَرْجِ لِأَجْلِ الْأَذَى الْعَارِضِ فَمَا الظّنّ بِالْحُشّ الّذِي هُوَ مَحَلّ الْأَذَى اللّازِمِ مَعَ زِيَادَةِ الْمَفْسَدَةِ بِالتّعَرّضِ لِانْقِطَاعِ النّسْلِ وَالذّرِيعَةِ الْقَرِيبَةِ جِدّا مِنْ أَدْبَارِ النّسَاءِ إلَى أَدْبَارِ الصّبْيَانِ . وَأَيْضًا : فَلِلْمَرْأَةِ حَقّ عَلَى الزّوْجِ فِي الْوَطْءِ وَوَطْؤُهَا فِي دُبُرِهَا يُفَوّتُ حَقّهَا وَلَا يَقْضِي وَطَرَهَا وَلَا يُحَصّلُ مَقْصُودَهَا . وَأَيْضًا : فَإِنّ الدّبُرَ لَمْ يَتَهَيّأْ لِهَذَا الْعَمَلِ وَلَمْ يُخْلَقْ لَهُ وَإِنّمَا الّذِي هُيّئَ لَهُ الْفَرْجُ فَالْعَادِلُونَ عَنْهُ إلَى الدّبُرِ خَارِجُونَ عَنْ حِكْمَةِ اللّهِ وَشَرْعِهِ جَمِيعًا . [ ص 241 ] مُضِرّ بِالرّجُلِ وَلِهَذَا يَنْهَى عَنْهُ عُقَلَاءُ الْأَطِبّاءِ مِنْ الْفَلَاسِفَةِ وَغَيْرِهِمْ لِأَنّ لِلْفَرْجِ خَاصّيّةً فِي اجْتِذَابِ الْمَاءِ الْمُحْتَقَنِ وَرَاحَةُ الرّجُلِ مِنْهُ وَالْوَطْءُ فِي الدّبُرِ لَا يُعِينُ عَلَى اجْتِذَابِ جَمِيعِ الْمَاءِ وَلَا يُخْرِجُ كُلّ الْمُحْتَقَنِ لِمُخَالَفَتِهِ لِلْأَمْرِ الطّبِيعِيّ . وَأَيْضًا : يَضُرّ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ إحْوَاجُهُ إلَى حَرَكَاتٍ مُتْعِبَةٍ جِدّا لِمُخَالَفَتِهِ لِلطّبِيعَةِ . وَأَيْضًا فَإِنّهُ مَحَلّ الْقَذَرِ وَالنّجْوِ فَيَسْتَقْبِلُهُ الرّجُلُ بِوَجْهِهِ وَيُلَابِسُهُ . وَأَيْضًا : فَإِنّهُ يَضُرّ بِالْمَرْأَةِ جِدّا لِأَنّهُ وَارِدٌ غَرِيبٌ بَعِيدٌ عَنْ الطّبَاعِ مُنَافِرٌ لَهَا غَايَةَ الْمُنَافَرَةِ . وَأَيْضًا : فَإِنّهُ يُحْدِثُ الْهَمّ وَالْغَمّ وَالنّفْرَةَ عَنْ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ . وَأَيْضًا : فَإِنّهُ يُسَوّدُ الْوَجْهَ وَيَظْلِمُ الصّدْرَ وَيَطْمِسُ نُورَ الْقَلْبِ وَيَكْسُو الْوَجْهَ وَحْشَةً تَصِيرُ عَلَيْهِ كَالسّيمَاءِ يَعْرِفُهَا مَنْ لَهُ أَدْنَى فِرَاسَةٍ . وَأَيْضًا : فَإِنّهُ يُوجِبُ النّفْرَةَ وَالتّبَاغُضَ الشّدِيدَ وَالتّقَاطُعَ بَيْنَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ وَلَا بُدّ . وَأَيْضًا فَإِنّهُ يُفْسِدُ حَالَ الْفَاعِلِ وَالْمَفْعُولِ فَسَادًا لَا يَكَادُ يُرْجَى بَعْدَهُ صَلَاحٌ إلّا أَنْ يَشَاءَ اللّهُ بِالتّوْبَةِ النّصُوحِ . وَأَيْضًا : فَإِنّهُ يُذْهِبُ بِالْمَحَاسِنِ مِنْهُمَا وَيَكْسُوهُمَا ضِدّهَا كَمَا يُذْهِبُ بِالْمَوَدّةِ بَيْنَهُمَا وَيُبْدِلُهُمَا بِهَا تَبَاغُضًا وَتَلَاعُنًا . وَأَيْضًا : فَإِنّهُ مِنْ أَكْبَرِ أَسْبَابِ زَوَالِ النّعَمِ وَحُلُولِ النّقَمِ فَإِنّهُ يُوجِبُ اللّعْنَةَ وَالْمَقْتَ مِنْ اللّهِ وَإِعْرَاضَهُ عَنْ فَاعِلِهِ وَعَدَمَ نَظَرِهِ إلَيْهِ فَأَيّ خَيْرٍ [ ص 242 ] يَرْجُوهُ بَعْدَ هَذَا وَأَيّ شَرّ يَأْمَنُهُ وَكَيْفَ حَيَاةُ عَبْدٍ قَدْ حَلّتْ عَلَيْهِ لَعْنَةُ اللّهِ وَمَقْتُهُ وَأَعْرَضَ عَنْهُ بِوَجْهِهِ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَيْهِ . وَأَيْضًا : فَإِنّهُ يُذْهِبُ بِالْحَيَاءِ جُمْلَةً وَالْحَيَاءُ هُوَ حَيَاةُ الْقُلُوبِ فَإِذَا فَقَدَهَا الْقَلْبُ اسْتَحْسَنَ الْقَبِيحَ وَاسْتَقْبَحَ الْحَسَنَ وَحِينَئِذٍ فَقَدَ اسْتَحْكَمَ فَسَادُهُ . وَأَيْضًا : فَإِنّهُ يُحِيلُ الطّبَاعَ عَمّا رَكّبَهَا اللّهُ وَيُخْرِجُ الْإِنْسَانَ عَنْ طَبْعِهِ إلَى طَبْعٍ لَمْ يُرَكّبْ اللّهُ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ الْحَيَوَانِ بَلْ هُوَ طَبْعٌ مَنْكُوسٌ وَإِذَا نُكِسَ الطّبْعُ انْتَكَسَ الْقَلْبُ وَالْعَمَلُ وَالْهُدَى فَيَسْتَطِيبُ حِينَئِذٍ الْخَبِيثَ مِنْ الْأَعْمَالِ وَالْهَيْئَاتِ وَيَفْسُدُ حَالُهُ وَعَمَلُهُ وَكَلَامُهُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِهِ . وَأَيْضًا : فَإِنّهُ يُورِثُ مِنْ الْوَقَاحَةِ وَالْجُرْأَةِ مَا لَا يُورِثُهُ سِوَاهُ . وَأَيْضًا : فَإِنّهُ يُورِثُ مِنْ الْمَهَانَةِ وَالسّفَالِ وَالْحَقَارَةِ مَا لَا يُورِثُهُ غَيْرُهُ . وَأَيْضًا : فَإِنّهُ يَكْسُو الْعَبْدَ مِنْ حُلّةِ الْمَقْتِ وَالْبَغْضَاءِ وَازْدِرَاءِ النّاسِ لَهُ وَاحْتِقَارِهِمْ إيّاهُ وَاسْتِصْغَارِهِمْ لَهُ مَا هُوَ مُشَاهَدٌ بِالْحِسّ فَصَلَاةُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَى مَنْ سَعَادَةِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ فِي هَدْيِهِ وَاتّبَاعِ مَا جَاءَ بِهِ وَهَلَاكُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ فِي مُخَالَفَةِ هَدْيِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ . فَصْلٌ [ أَنْوَاعُ الْجِمَاعِ الضّارّ ] وَالْجِمَاعُ الضّارّ نَوْعَانِ ضَارّ شَرْعًا وَضَارّ طَبْعًا . فَالضّارّ شَرْعًا : الْمُحَرّمُ وَهُوَ مَرَاتِبُ بَعْضُهَا أَشَدّ مِنْ بَعْضٍ . وَالتّحْرِيمُ الْعَارِضُ مِنْهُ أَخَفّ مِنْ اللّازِمِ كَتَحْرِيمِ الْإِحْرَامِ وَالصّيَامِ وَالِاعْتِكَافِ وَتَحْرِيمِ الْمُظَاهَرِ مِنْهَا قَبْلَ التّكْفِيرِ وَتَحْرِيمِ وَطْءِ الْحَائِضِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَلِهَذَا لَا حَدّ فِي هَذَا الْجِمَاعِ . [ ص 243 ] وَأَمّا اللّازِمُ فَنَوْعَانِ . نَوْعٌ لَا سَبِيلَ إلَى حِلّهِ أَلْبَتّةَ كَذَوَاتِ الْمَحَارِمِ فَهَذَا مِنْ أَضَرّ الْجِمَاعِ وَهُوَ يُوجِبُ الْقَتْلَ حَدّا عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ كَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ رَحِمَهُ اللّهُ وَغَيْرِهِ وَفِيهِ حَدِيثٌ مَرْفُوعٌ ثَابِتٌ . وَالثّانِي : مَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حَلَالًا كَالْأَجْنَبِيّةِ فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ زَوْجٍ فَفِي وَطْئِهَا حَقّانِ . حَقّ لِلّهِ وَحَقّ لِلزّوْجِ . فَإِنْ كَانَتْ مُكْرَهَةً فَفِيهِ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ وَإِنْ كَانَ لَهَا أَهْلٌ وَأَقَارِبُ يَلْحَقُهُمْ الْعَارُ بِذَلِكَ صَارَ فِيهِ أَرْبَعَةُ حُقُوقٍ فَإِنْ كَانَتْ ذَاتَ مَحْرَمٍ مِنْهُ صَارَ فِيهِ خَمْسَةُ حُقُوقٍ . فَمَضَرّةُ هَذَا النّوْعِ بِحَسَبِ دَرَجَاتِهِ فِي التّحْرِيمِ . وَأَمّا الضّارّ طَبْعًا فَنَوْعَانِ أَيْضًا : نَوْعٌ ضَارّ بِكَيْفِيّتِهِ كَمَا تَقَدّمَ وَنَوْعٌ ضَارّ بِكَمّيّتِهِ كَالْإِكْثَارِ مِنْهُ فَإِنّهُ يُسْقِطُ الْقُوّةَ وَيَضُرّ بِالْعَصَبِ وَيُحْدِثُ الرّعْشَةَ وَالْفَالِجَ وَالتّشَنّجَ وَيُضْعِفُ الْبَصَرَ وَسَائِرَ الْقُوَى وَيُطْفِئُ الْحَرَارَةَ الْغَرِيزِيّةَ [ ص 244 ] [أَنْفَعُ أَوْقَاتِهِ ] وَأَنْفَعُ أَوْقَاتِهِ مَا كَانَ بَعْدَ انْهِضَامِ الْغِذَاءِ فِي الْمَعِدَةِ وَفِي زَمَانٍ مُعْتَدِلٍ لَا عَلَى جُوعٍ فَإِنّهُ يُضْعِفُ الْحَارّ الْغَرِيزِيّ وَلَا عَلَى شِبَعٍ فَإِنّهُ يُوجِبُ أَمْرَاضًا شَدِيدَةً وَلَا عَلَى تَعَبٍ وَلَا إثْرَ حَمّامٍ وَلَا اسْتِفْرَاغٍ وَلَا انْفِعَالٍ نَفْسَانِيّ كَالْغَمّ وَالْهَمّ وَالْحُزْنِ وَشِدّةِ الْفَرَحِ . وَأَجْوَدُ أَوْقَاتِهِ بَعْدَ هَزِيعٍ مِنْ اللّيْلِ إذَا صَادَفَ انْهِضَامَ الطّعَامِ ثُمّ يَغْتَسِلُ أَوْ يَتَوَضّأُ وَيَنَامُ عَلَيْهِ وَيَنَامُ عَقِبَهُ فَتَرَاجَعُ إلَيْهِ قُوَاهُ وَلْيَحْذَرْ الْحَرَكَةَ وَالرّيَاضَةَ عَقِبَهُ فَإِنّهَا مُضِرّةٌ جِدّا . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِلَاجِ الْعِشْقِ هَذَا مَرَضٌ مِنْ أَمْرَاضِ الْقَلْبِ مُخَالِفٌ لِسَائِرِ الْأَمْرَاضِ فِي ذَاتِهِ وَأَسْبَابِهِ وَعِلَاجِهِ وَإِذَا تَمَكّنَ وَاسْتَحْكَمَ عَزّ عَلَى الْأَطِبّاء دَوَاؤُهُ وَأَعْيَا الْعَلِيلَ دَاؤُهُ وَإِنّمَا حَكَاهُ اللّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ عَنْ طَائِفَتَيْنِ مِنْ النّاسِ مِنْ النّسَاءِ وَعُشّاقِ الصّبْيَانِ الْمُرْدَانِ فَحَكَاهُ عَنْ امْرَأَةِ الْعَزِيزِ فِي شَأْنِ يُوسُفَ وَحَكَاهُ عَنْ قَوْمِ لُوطٍ فَقَالَ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْهُمْ لَمّا جَاءَتْ الْمَلَائِكَةُ لُوطًا : { وَجَاءَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ يَسْتَبْشِرُونَ قَالَ إِنّ هَؤُلَاءِ ضَيْفِي فَلَا تَفْضَحُونِ وَاتّقُوا اللّهَ وَلَا تُخْزُونِ قَالُوا أَوَلَمْ نَنْهَكَ عَنِ الْعَالَمِينَ قَالَ هَؤُلَاءِ بَنَاتِي إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ لَعَمْرُكَ إِنّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } [ الْحِجْرِ : 68 :73 ] . [ سَبَبُ طَلَاقِ زَيْدٍ لِزَيْنَبَ ] وَأَمّا مَا زَعَمَهُ بَعْضُ مَنْ لَمْ يُقَدّرْ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَقّ قَدْرِهِ أَنّهُ اُبْتُلِيَ بِهِ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَأَنّهُ رَآهَا فَقَالَ سُبْحَانَ مُقَلّبَ الْقُلُوبِ وَأَخَذَتْ بِقَلْبِهِ وَجَعَلَ يَقُول لِزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ : أَمْسِكْهَا حَتّى أَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْهِ { وَإِذْ تَقُولُ لِلّذِي أَنْعَمَ اللّهُ عَلَيْهِ وَأَنْعَمْتَ عَلَيْهِ أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتّقِ اللّهَ وَتُخْفِي فِي نَفْسِكَ مَا اللّهُ مُبْدِيهِ وَتَخْشَى النّاسَ وَاللّهُ أَحَقّ أَنْ تَخْشَاهُ } [ الْأَحْزَابِ 37 ] فَظَنّ هَذَا الزّاعِمُ أَنّ ذَلِكَ فِي شَأْنِ الْعِشْقِ [ ص 245 ] وَصَنّفَ بَعْضُهُمْ كِتَابًا فِي الْعِشْقِ وَذَكَرَ فِيهِ عِشْقَ الْأَنْبِيَاءِ وَذَكَرَ هَذِهِ الْوَاقِعَةَ وَهَذَا مِنْ جَهْلِ هَذَا الْقَائِلِ بِالْقُرْآنِ وَبِالرّسُلِ وَتَحْمِيلِهِ كَلَامَ اللّهِ مَا لَا يَحْتَمِلُهُ وَنِسْبَتِهِ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى مَا بَرّأَهُ اللّهُ مِنْهُ فَإِنّ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ كَانَتْ تَحْتَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ تَبَنّاهُ وَكَانَ يُدْعَى زَيْدَ بْنَ مُحَمّدٍ وَكَانَتْ زَيْنَبُ فِيهَا شَمَمٌ وَتَرَفّعَ عَلَيْهِ فَشَاوَرَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي طَلَاقِهَا فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ { أَمْسِكْ عَلَيْكَ زَوْجَكَ وَاتّقِ اللّهَ } وَأَخْفَى فِي نَفْسِهِ أَنْ يَتَزَوّجَهَا إنْ طَلّقَهَا زَيْدٌ وَكَانَ يَخْشَى مِنْ قَالَةِ النّاسِ أَنّهُ تَزَوّجَ امْرَأَةَ ابْنِهِ لِأَنّ زَيْدًا كَانَ يُدْعَى ابْنَهُ فَهَذَا هُوَ الّذِي أَخْفَاهُ فِي نَفْسِهِ وَهَذِهِ هِيَ الْخَشْيَةُ مِنْ النّاسِ الّتِي وَقَعَتْ لَهُ وَلِهَذَا ذَكَرَ سُبْحَانَهُ هَذِهِ الْآيَةَ يُعَدّدُ فِيهَا نِعَمَهُ عَلَيْهِ لَا يُعَاتِبُهُ فِيهَا وَأَعْلَمَهُ أَنّهُ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَخْشَى النّاسَ فِيمَا أَحَلّ اللّهُ لَهُ وَأَنّ اللّهَ أَحَقّ أَنْ يَخْشَاهُ فَلَا يَتَحَرّجُ مَا أَحَلّهُ لَهُ لِأَجْلِ قَوْلِ النّاسِ ثُمّ أَخْبَرَهُ أَنّهُ سُبْحَانَهُ زَوّجَهُ إيّاهَا بَعْدَ قَضَاءِ زَيْدٍ وَطَرَهُ مِنْهَا لِتَقْتَدِيَ أُمّتُهُ بِهِ فِي ذَلِكَ وَيَتَزَوّجَ الرّجُلُ بِامْرَأَةِ ابْنِهِ مِنْ التّبَنّي لَا امْرَأَةِ ابْنِهِ لِصُلْبِهِ وَلِهَذَا قَالَ فِي آيَةِ التّحْرِيمِ { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ الّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ } [ النّسَاءِ 23 ] [ ص 246 ] وَقَالَ فِي هَذِهِ السّورَةِ { مَا كَانَ مُحَمّدٌ أَبَا أَحَدٍ مِنْ رِجَالِكُمْ } [ الْأَحْزَابِ 40 ] وَقَالَ فِي أَوّلِهَا : { وَمَا جَعَلَ أَدْعِيَاءَكُمْ أَبْنَاءَكُمْ ذَلِكُمْ قَوْلُكُمْ بِأَفْوَاهِكُمْ } [ الْأَحْزَابِ 4 ] فَتَأَمّلْ هَذَا الذّبّ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَدَفْعَ طَعْنِ الطّاعِنِينَ عَنْهُ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . نَعَمْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُحِبّ نِسَاءَهُ وَكَانَ أَحَبّهُنّ إلَيْهِ عَائِشَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا وَلَمْ تَكُنْ تَبْلُغُ مَحَبّتُهُ لَهَا وَلَا لِأَحَدٍ سِوَى رَبّهِ نِهَايَةَ الْحُبّ بَلْ صَحّ أَنّهُ قَالَ لَوْ كُنْتُ مُتّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاتّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَفِي لَفْظٍ وَإِنّ صَاحِبَكُمْ خَلِيلُ الرّحْمَن فَصْلٌ [ الْإِخْلَاصُ سَبَبٌ لِدَفْعِ الْعِشْق] وَعِشْقُ الصّوَرِ إنّمَا تُبْتَلَى بِهِ الْقُلُوبُ الْفَارِغَةُ مِنْ مَحَبّةِ اللّهِ تَعَالَى الْمُعْرِضَةُ عَنْهُ الْمُتَعَوّضَةُ بِغَيْرِهِ عَنْهُ فَإِذَا امْتَلَأَ الْقَلْبُ مِنْ مَحَبّةِ اللّهِ وَالشّوْقِ إلَى لِقَائِهِ دَفَعَ ذَلِكَ عَنْهُ مَرَضَ عِشْقِ الصّوَرِ وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى فِي حَقّ يُوسُفَ { كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ } [ يُوسُفَ 24 ] فَدَلّ عَلَى أَنّ الْإِخْلَاصَ سَبَبٌ لِدَفْعِ الْعِشْقِ وَمَا يَتَرَتّبُ عَلَيْهِ مِنْ السّوءِ وَالْفَحْشَاءِ الّتِي هِيَ ثَمَرَتُهُ وَنَتِيجَتُهُ فَصَرْفُ الْمُسَبّبِ صَرْفٌ لِسَبَبِهِ وَلِهَذَا قَالَ بَعْضُ السّلَفِ الْعِشْقُ حَرَكَةُ قَلْبٍ فَارِغٍ يَعْنِي فَارِغًا مِمّا سِوَى مَعْشُوقِهِ . قَالَ تَعَالَى : { وَأَصْبَحَ فُؤَادُ أُمّ مُوسَى فَارِغًا إِنْ كَادَتْ لَتُبْدِي بِهِ } [ الْقَصَصِ 11 ] أَيْ فَارِغًا مِنْ كُلّ شَيْءٍ إلّا مِنْ مُوسَى لِفَرْطِ مَحَبّتِهَا لَهُ وَتَعَلّقِ قَلْبِهَا بِهِ . [ ص 247 ] [ عِلّةُ الْعِشْقِ ] وَالْعِشْقُ مُرَكّبٌ مِنْ أَمْرَيْنِ اسْتِحْسَانٍ لِلْمَعْشُوقِ وَطَمَعٍ فِي الْوُصُولِ إلَيْهِ فَمَتَى انْتَفَى أَحَدُهُمَا انْتَفَى الْعِشْقُ وَقَدْ أَعْيَتْ عِلّةُ الْعِشْقِ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ الْعُقَلَاءِ وَتَكَلّمَ فِيهَا بَعْضُهُمْ بِكَلَامٍ يُرْغَبُ عَنْ ذِكْرِهِ إلَى الصّوَابِ . فَنَقُولُ قَدْ اسْتَقَرّتْ حِكْمَةُ اللّهِ - عَزّ وَجَلّ - فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ عَلَى وُقُوعِ التّنَاسُبِ وَالتّآلُفِ بَيْنَ الْأَشْبَاهِ وَانْجِذَابِ الشّيْءِ إلَى مُوَافِقِهِ وَمُجَانِسِهِ بِالطّبْعِ وَهُرُوبِهِ مِنْ مُخَالِفِهِ وَنُفْرَتِهِ عَنْهُ بِالطّبْعِ فَسِرّ التّمَازُجِ وَالِاتّصَالِ فِي الْعَالَمِ الْعُلْوِيّ وَالسّفْلِيّ إنّمَا هُوَ التّنَاسُبُ وَالتّشَاكُلُ وَالتّوَافُقُ وَسِرّ التّبَايُنِ وَالِانْفِصَالِ إنّمَا هُوَ بِعَدَمِ التّشَاكُلِ وَالتّنَاسُبِ وَعَلَى ذَلِكَ قَامَ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ فَالْمِثْلُ إلَى مِثْلِهِ مَائِلٌ وَإِلَيْهِ صَائِرٌ وَالضّدّ عَنْ ضِدّهِ هَارِبٌ وَعَنْهُ نَافِرٌ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { هُوَ الّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا } [ الْأَعْرَافِ 189 ] فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ عِلّةَ سُكُونِ الرّجُلِ إلَى امْرَأَتِهِ كَوْنَهَا مِنْ جِنْسِهِ وَجَوْهَرِهِ فَعِلّةُ السّكُونِ الْمَذْكُورِ - وَهُوَ الْحُبّ - كَوْنُهَا مِنْهُ فَدَلّ عَلَى أَنّ الْعِلّةَ لَيْسَتْ بِحُسْنِ الصّورَةِ وَلَا الْمُوَافَقَةِ فِي الْقَصْدِ وَالْإِرَادَةِ وَلَا فِي الْخُلُقِ وَالْهَدْيِ وَإِنْ كَانَتْ هَذِهِ أَيْضًا مِنْ أَسْبَابِ السّكُونِ وَالْمَحَبّةِ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحِ " عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنّدَةٌ فَمَا تَعَارَفَ مِنْهَا ائْتَلَفَ وَمَا تَنَاكَرَ مِنْهَا اخْتَلَف وَفِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " وَغَيْرِهِ فِي سَبَبِ هَذَا الْحَدِيثِ أَنّ امْرَأَةً بِمَكّةَ كَانَتْ تُضْحِكُ النّاسَ فَجَاءَتْ إلَى الْمَدِينَةِ فَنَزَلَتْ عَلَى امْرَأَةٍ تُضْحِكُ النّاسَ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْأَرْوَاحُ جُنُودٌ مُجَنّدَةٌ الْحَدِيثَ . [ ص 248 ] وَقَدْ اسْتَقَرّتْ شَرِيعَتُهُ سُبْحَانَهُ أَنّ حُكْمَ الشّيْءِ حُكْمُ مِثْلِهِ فَلَا تُفَرّقُ شَرِيعَتُهُ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ أَبَدًا وَلَا تَجْمَعُ بَيْنَ مُتَضَادّيْنِ وَمَنْ ظَنّ خِلَافَ ذَلِكَ فَإِمّا لِقِلّةِ عِلْمِهِ بِالشّرِيعَةِ وَإِمّا لِتَقْصِيرِهِ فِي مَعْرِفَةِ التّمَاثُلِ وَالِاخْتِلَافِ وَإِمّا لِنِسْبَتِهِ إلَى شَرِيعَتِهِ مَا لَمْ يُنَزّلْ بِهِ سُلْطَانًا بَلْ يَكُونُ مِنْ آرَاءِ الرّجَالِ فَبِحِكْمَتِهِ وَعَدْلِهِ ظَهَرَ خَلْقُهُ وَشَرْعُهُ وَبِالْعَدْلِ وَالْمِيزَانِ قَامَ الْخَلْقُ وَالشّرْعُ وَهُوَ التّسْوِيَةُ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَيْنِ وَالتّفْرِيقُ بَيْنَ الْمُخْتَلِفَيْنِ . وَهَذَا كَمَا أَنّهُ ثَابِتٌ فِي الدّنْيَا فَهُوَ كَذَلِكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ . فَالَ تَعَالَى : { احْشُرُوا الّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ } [ الصّافّاتِ 22 ] . قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَبَعْدَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ أَزْوَاجُهُمْ أَشْبَاهُهُمْ وَنُظَرَاؤُهُم وَقَالَ تَعَالَى : { وَإِذَا النّفُوسُ زُوّجَتْ } [ التّكْوِيرِ 7 ] أَيْ قَرَنَ كُلّ صَاحِبِ عَمَلٍ بِشَكْلِهِ وَنَظِيرِهِ فَقَرَنَ بَيْنَ الْمُتَحَابّيْنِ فِي اللّهِ فِي الْجَنّةِ وَقَرَنَ بَيْنَ الْمُتَحَابّيْنِ فِي طَاعَةِ الشّيْطَانِ فِي الْجَحِيمِ فَالْمَرْءُ مَعَ مَنْ أَحَبّ شَاءَ أَوْ أَبَى وَفِي " مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ " وَغَيْرِهِ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يُحِبّ الْمَرْءُ قَوْمًا إلّا حُشِرَ مَعَهُمْ [ ص 249 ] [ أَنْوَاعُ الْمَحَبّةِ ] وَالْمَحَبّةُ أَنْوَاعٌ مُتَعَدّدَةٌ فَأَفْضَلُهَا وَأَجَلّهَا : الْمَحَبّةُ فِي اللّهِ وَلِلّهِ وَهِيَ تَسْتَلْزِمُ مَحَبّةَ مَا أَحَبّ اللّهُ وَتَسْتَلْزِمُ مَحَبّةَ اللّهِ وَرَسُولِهِ . وَمِنْهَا مَحَبّةُ الِاتّفَاقِ فِي طَرِيقَةٍ أَوْ دِينٍ أَوْ مَذْهَبٍ أَوْ نِحْلَةٍ أَوْ قَرَابَةٍ أَوْ صِنَاعَةٍ أَوْ مُرَادٍ مَا . وَمِنْهَا : مَحَبّةٌ لِنَيْلِ غَرَضٍ مِنْ الْمَحْبُوبِ إمّا مِنْ جَاهِهِ أَوْ مِنْ مَالِهِ أَوْ مِنْ تَعْلِيمِهِ وَإِرْشَادِهِ أَوْ قَضَاءِ وَطَرٍ مِنْهُ وَهَذِهِ هِيَ الْمَحَبّةُ الْعَرَضِيّةُ الّتِي تَزُولُ بِزَوَالِ مُوجِبِهَا فَإِنّ مَنْ وَدّك لِأَمْرٍ وَلّى عَنْك عِنْدَ انْقِضَائِهِ . وَأَمّا مَحَبّةُ الْمُشَاكَلَةِ وَالْمُنَاسَبَةِ الّتِي بَيْنَ الْمُحِبّ وَالْمَحْبُوبِ فَمَحَبّةٌ لَازِمَةٌ لَا تَزُولُ إلّا لِعَارِضٍ يُزِيلُهَا وَمَحَبّةُ الْعِشْقِ مِنْ هَذَا النّوْعِ فَإِنّهَا اسْتِحْسَانٌ رُوحَانِيّ وَامْتِزَاجٌ نَفْسَانِيّ وَلَا يَعْرِضُ فِي شَيْءٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَحَبّةِ مِنْ الْوَسْوَاسِ وَالنّحُولِ وَشَغْلِ الْبَالِ وَالتّلَفِ مَا يَعْرِضُ مِنْ الْعِشْقِ . [ سَبَبُ كَوْنِ الْعِشْقِ أَحْيَانًا مِنْ طَرَفٍ وَاحِدٍ ] فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا كَانَ سَبَبُ الْعِشْقِ مَا ذَكَرْتُمْ مِنْ الِاتّصَالِ وَالتّنَاسُبِ الرّوحَانِيّ فَمَا بَالُهُ لَا يَكُونُ دَائِمًا مِنْ الطّرَفَيْنِ بَلْ تَجِدُهُ كَثِيرًا مِنْ طَرَفِ الْعَاشِقِ وَحْدَهُ فَلَوْ كَانَ سَبَبُهُ الِاتّصَالَ النّفْسِيّ وَالِامْتِزَاجَ الرّوحَانِيّ لَكَانَتْ الْمَحَبّةُ مُشْتَرَكَةً بَيْنَهُمَا . فَالْجَوَابُ أَنّ السّبَبَ قَدْ يَتَخَلّفُ عَنْهُ مُسَبّبِهِ لِفَوَاتِ شَرْطٍ أَوْ لِوُجُودِ مَانِعٍ وَتَخَلّفُ الْمَحَبّةِ مِنْ الْجَانِبِ الْآخَرِ لَا بُدّ أَنْ يَكُونَ لِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَسْبَابٍ الْأَوّلُ عِلّةٌ فِي الْمَحَبّةِ وَأَنّهَا مَحَبّةٌ عَرَضِيّةٌ لَا ذَاتِيّةٌ وَلَا يَجِبُ الِاشْتِرَاكُ فِي الْمَحَبّةِ الْعَرَضِيّةِ بَلْ قَدْ يَلْزَمُهَا نُفْرَةٌ مِنْ الْمَحْبُوبِ . الثّانِي : مَانِعٌ يَقُومُ بِالْمُحِبّ يَمْنَعُ مَحَبّةَ مَحْبُوبِهِ لَهُ إمّا فِي خُلُقِهِ أَوْ فِي خَلْقِهِ أَوْ هَدْيِهِ أَوْ فِعْلِهِ أَوْ هَيْئَتِهِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ . [ ص 250 ] الثّالِثُ مَانِعٌ يَقُومُ بِالْمَحْبُوبِ يَمْنَعُ مُشَارَكَتَهُ لِلْمُحِبّ فِي مَحَبّتِهِ وَلَوْلَا ذَلِكَ الْمَانِعِ لَقَامَ بِهِ مِنْ الْمَحَبّةِ لِمُحِبّهِ مِثْلُ مَا قَامَ بِالْآخَرِ فَإِذَا انْتَفَتْ هَذِهِ الْمَوَانِعُ وَكَانَتْ الْمَحَبّةُ ذَاتِيّةً فَلَا يَكُونُ قَطّ إلّا مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَلَوْلَا مَانِعُ الْكِبْرِ وَالْحَسَدِ وَالرّيَاسَةِ وَالْمُعَادَاةِ فِي الْكُفّارِ لَكَانَتْ الرّسُلُ أَحَبّ إلَيْهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَلَمّا زَالَ هَذَا الْمَانِعُ مِنْ قُلُوبِ أَتْبَاعِهِمْ كَانَتْ مَحَبّتُهُمْ لَهُمْ فَوْقَ مَحَبّةِ الْأَنْفُسِ وَالْأَهْلِ وَالْمَالِ . فَصْلٌ [ عِلَاجُ الْعِشْقِ بِالزّوَاجِ بِالْمَعْشُوقِ ] وَالْمَقْصُودُ أَنّ الْعِشْقَ لَمّا كَانَ مَرَضًا مِنْ الْأَمْرَاضِ كَانَ قَابِلًا لِلْعِلَاجِ وَلَهُ أَنْوَاعٌ مِنْ الْعِلَاجِ فَإِنْ كَانَ مِمّا لِلْعَاشِقِ سَبِيلٌ إلَى وَصْلِ مَحْبُوبِهِ شَرْعًا وَقَدْرًا فَهُوَ عِلَاجُهُ كَمَا ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْن ِ " . مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَا مَعْشَرَ الشّبَابِ مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُمْ الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوّجْ وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصّوْمِ فَإِنّهُ لَهُ وِجَاءٌ فَدَلّ الْمُحِبّ عَلَى عِلَاجَيْنِ أَصْلِيّ وَبَدَلِيّ . وَأَمَرَهُ بِالْأَصْلِيّ وَهُوَ الْعِلَاجُ الّذِي وُضِعَ لِهَذَا الدّاءِ فَلَا يَنْبَغِي الْعُدُولُ عَنْهُ إلَى غَيْرِهِ مَا وَجَدَ إلَيْهِ سَبِيلًا . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ لَمْ نَرَ لِلْمُتَحَابّيْنِ مِثْلَ النّكَاحِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْنَى الّذِي أَشَارَ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ عَقِيبَ إحْلَالِ النّسَاءِ حَرَائِرِهِنّ وَإِمَائِهِنّ عِنْدَ الْحَاجَةِ بِقَوْلِهِ { يُرِيدُ اللّهُ أَنْ يُخَفّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا } [ النّسَاءِ 28 ] . فَذِكْرُ تَخْفِيفِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ وَإِخْبَارِهِ عَنْ ضَعْفِ الْإِنْسَانِ يَدُلّ عَلَى ضَعْفِهِ عَنْ احْتِمَالِ هَذِهِ الشّهْوَةِ وَأَنّهُ - سُبْحَانَهُ - خَفّفَ عَنْهُ أَمْرَهَا بِمَا أَبَاحَهُ لَهُ مِنْ أَطَايِبِ النّسَاءِ مَثْنَى وَثُلَاثَ وَرُبَاعَ وَأَبَاحَ لَهُ مَا شَاءَ مِمّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ ثُمّ أَبَاحَ لَهُ أَنْ يَتَزَوّجَ بِالْإِمَاءِ إنْ احْتَاجَ [ ص 251 ] فَصْلٌ [ وَمِنْ عِلَاجِ العشقِ إشْعَارُ النّفْسِ الْيَأْسَ مِنْهُ إنْ كَانَ الْوِصَالُ مُتَعَذّرًا قَدْرًا وَشَرْعًا ] وَإِنْ كَانَ لَا سَبِيلَ لِلْعَاشِقِ إلَى وِصَالِ مَعْشُوقِهِ قَدْرًا أَوْ شَرْعًا أَوْ هُوَ مُمْتَنِعٌ عَلْيِهِ مِنْ الْجِهَتَيْنِ وَهُوَ الدّاءُ الْعُضَالُ فَمِنْ عِلَاجِهِ إشْعَارُ نَفْسِهِ الْيَأْسَ مِنْهُ فَإِنّ النّفْسَ مَتَى يَئِسَتْ مِنْ الشّيْءِ اسْتَرَاحَتْ مِنْهُ وَلَمْ تَلْتَفِتْ إلَيْهِ فَإِنْ لَمْ يَزَلْ مَرَضُ الْعِشْقِ مَعَ الْيَأْسِ فَقَدْ انْحَرَفَ الطّبْعُ انْحِرَافًا شَدِيدًا فَيَنْتَقِلُ إلَى عِلَاجٍ آخَرَ وَهُوَ عِلَاجُ عَقْلِهِ بِأَنْ يُعْلَمَ بِأَنّ تَعَلّقَ الْقَلْبِ بِمَا لَا مَطْمَعَ فِي حُصُولِهِ نَوْعٌ مِنْ الْجُنُونِ وَصَاحِبُهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ يَعْشَقُ الشّمْسَ وَرُوحُهُ مُتَعَلّقَةٌ بِالصّعُودِ إلَيْهَا وَالدّوَرَانِ مَعَهَا فِي فَلَكِهَا وَهَذَا مَعْدُودٌ عِنْدَ جَمِيعِ الْعُقَلَاءِ فِي زُمْرَةِ الْمَجَانِينِ . [ إنْ كَانَ الْوِصَالُ مُتَعَذّرًا شَرْعًا فَعِلَاجُهُ إنْزَالُهُ مَنْزِلَةَ الْمُتَعَذّرِ قَدْرًا وَذِكْرُ عِلَاجَاتٍ أُخْرَى ] وَإِنْ كَانَ الْوِصَالُ مُتَعَذّرًا شَرْعًا لَا قَدْرًا فَعِلَاجُهُ بِأَنْ يُنْزِلَهُ مَنْزِلَةَ الْمُتَعَذّرِ قَدْرًا إذْ مَا لَمْ يَأْذَنْ فِيهِ اللّهُ فَعِلَاجُ الْعَبْدِ وَنَجَاتُهُ مَوْقُوفٌ عَلَى اجْتِنَابِهِ فَلْيُشْعِرْ نَفْسَهُ أَنّهُ مَعْدُومٌ مُمْتَنِعٌ لَا سَبِيلَ لَهُ إلَيْهِ وَأَنّهُ بِمَنْزِلَةِ سَائِرِ الْمُحَالَاتِ فَإِنْ لَمْ تُجِبْهُ النّفْسُ الْأَمّارَةُ فَلْيَتْرُكْهُ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمّا خَشْيَةٍ وَإِمّا فَوَاتِ مَحْبُوبٍ هُوَ أَحَبّ إلَيْهِ وَأَنْفَعُ لَهُ وَخَيْرٌ لَهُ مِنْهُ وَأَدْوَمُ لَذّةً وَسُرُورًا فَإِنّ الْعَاقِلَ مَتَى وَازَنَ بَيْنَ نَيْلِ مَحْبُوبٍ سَرِيعِ الزّوَالِ بِفَوَاتِ مَحْبُوبٍ أَعْظَمَ مِنْهُ وَأَدْوَمَ وَأَنْفَعَ وَأَلَذّ أَوْ بِالْعَكْسِ ظَهَرَ لَهُ التّفَاوُتُ فَلَا تَبِعْ لَذّةَ الْأَبَدِ الّتِي لَا خَطَرَ لَهَا بِلَذّةِ سَاعَةٍ تَنْقَلِبُ آلَامًا وَحَقِيقَتُهَا أَنّهَا أَحْلَامُ نَائِمٍ أَوْ خَيَالٌ لَا ثَبَاتَ لَهُ فَتَذْهَبُ اللّذّةُ وَتَبْقَى التّبِعَةُ وَتَزُولُ الشّهْوَةُ وَتَبْقَى الشّقْوَةُ . الثّانِي : حُصُولُ مَكْرُوهٍ أَشَقّ عَلْيِهِ مِنْ فَوَاتِ هَذَا الْمَحْبُوبِ بَلْ يَجْتَمِعُ لَهُ الْأَمْرَانِ أَعْنِي : فَوَاتَ مَا هُوَ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ هَذَا الْمَحْبُوبِ وَحُصُولَ مَا هُوَ أَكْرَهُ إلَيْهِ مِنْ فَوَاتِ هَذَا الْمَحْبُوبِ فَإِذَا تَيَقّنَ أَنّ فِي إعْطَاءِ النّفْسِ حَظّهَا مِنْ هَذَا الْمَحْبُوبِ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ هَانَ عَلَيْهِ تَرْكُهُ وَرَأَى أَنّ صَبْرَهُ عَلَى قُوّتِهِ أَسْهَلُ مِنْ صَبْرِهِ عَلَيْهِمَا بِكَثِيرٍ فَعَقْلُهُ وَدِينُهُ وَمُرُوءَتُهُ وَإِنْسَانِيّتُهُ تَأْمُرُهُ بِاحْتِمَالِ الضّرَرِ [ ص 252 ] وَهَوَاهُ وَظُلْمُهُ وَطَيْشُهُ وَخِفّتُهُ يَأْمُرُهُ بِإِيثَارِ هَذَا الْمَحْبُوبِ الْعَاجِلِ بِمَا فِيهِ جَالِبًا عَلَيْهِ مَا جَلَبَ وَالْمَعْصُومُ مَنْ عَصَمَهُ اللّهُ . فَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ نَفْسُهُ هَذَا الدّوَاءَ وَلَمْ تُطَاوِعْهُ لِهَذِهِ الْمُعَالَجَةِ فَلْيَنْظُرْ مَا تَجْلِبُ عَلَيْهِ هَذِهِ الشّهْوَةُ مِنْ مَفَاسِدِ عَاجِلَتِهِ وَمَا تَمْنَعُهُ مِنْ مَصَالِحِهَا فَإِنّهَا أَجْلَبُ شَيْءٍ لِمَفَاسِدِ الدّنْيَا وَأَعْظَمُ شَيْءٍ تَعْطِيلًا لِمَصَالِحِهَا فَإِنّهَا تَحُولُ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ رُشْدِهِ الّذِي هُوَ مِلَاكُ أَمْرِهِ وَقِوَامُ مَصَالِحِهِ . فَإِنْ لَمْ تَقْبَلْ نَفْسُهُ هَذَا الدّوَاءَ فَلْيَتَذَكّرْ قَبَائِحَ الْمَحْبُوبِ وَمَا يَدْعُوهُ إلَى النّفْرَةِ عَنْهُ فَإِنّهُ إنْ طَلَبَهَا وَتَأَمّلَهَا وَجَدَهَا أَضْعَافَ مَحَاسِنِهِ الّتِي تَدْعُو إلَى حُبّهِ وَلْيَسْأَلْ جِيرَانَهُ عَمّا خَفِيَ عَلَيْهِ مِنْهَا فَإِنّهَا الْمَحَاسِنُ كَمَا هِيَ دَاعِيَةُ الْحُبّ وَالْإِرَادَةِ فَالْمَسَاوِئُ دَاعِيَةُ الْبُغْضِ وَالنّفْرَةِ فَلْيُوَازِنْ بَيْنَ الدّاعِيَيْنِ وَلْيُحِبّ أَسْبَقَهُمَا وَأَقْرَبَهُمَا مِنْهَا بَابًا وَلَا يَكُنْ مِمّنْ غَرّهُ لَوْنُ جَمَالٍ عَلَى جِسْمٍ أَبْرَصَ مَجْذُومٍ وَلْيُجَاوِزْ بَصَرُهُ حُسْنَ الصّورَةِ إلَى قُبْحِ الْفِعْلِ وَلْيَعْبُرْ مِنْ حُسْنِ الْمَنْظَرِ وَالْجِسْمِ إلَى قُبْحِ الْمَخْبَرِ وَالْقَلْبِ . فَإِنْ عَجَزَتْ عَنْهُ هَذِهِ الْأَدْوِيَةُ كُلّهَا لَمْ يَبْقَ لَهُ إلّا صِدْقُ اللّجَأِ إلَى مَنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرّ إذَا دَعَاهُ وَلْيَطْرَحْ نَفْسَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى بَابِهِ مُسْتَغِيثًا بِهِ مُتَضَرّعًا مُتَذَلّلًا مُسْتَكِينًا فَمَتَى وُفّقَ لِذَلِكَ فَقَدْ قَرَعَ بَابَ التّوْفِيقِ فَلِيَعِفّ وَلْيَكْتُمْ وَلَا يُشَبّبْ بِذِكْرِ الْمَحْبُوبِ وَلَا يَفْضَحْهُ بَيْنَ النّاسِ وَيُعَرّضْهُ لِلْأَذَى فَإِنّهُ يَكُونُ ظَالِمًا مُعْتَدِيًا . [ بُطْلَانُ حَدِيثِ " مَنْ عَشِقَ فَعَفّ ... " ] وَلَا يَغْتَرّ بِالْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَوَاهُ سُوَيْدُ بْنُ سَعِيدٍ عَنْ عَلِيّ بْنِ مُسْهِرٍ عَنْ أَبِي يَحْيَى الْقَتّاتِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي مُسْهِر ٍ أَيْضًا عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَرَوَاهُ الزّبَيْرُ بْنُ بَكّارٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عَبْدِ 253 - الْعَزِيزِ بْنِ الْمَاجِشُونِ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ مَنْ عَشِقَ فَعَفّ فَمَاتَ فَهُوَ شَهِيد وَفِي رِوَايَةٍ مَنْ عَشِقَ وَكَتَمَ وَعَفّ وَصَبَرَ غَفَرَ اللّهُ لَهُ وَأَدْخَلَهُ الْجَنّةَ فَإِنّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَصِحّ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِهِ فَإِنّ الشّهَادَةَ دَرَجَةٌ عَالِيَةٌ عِنْدَ اللّهِ مَقْرُونَةٌ بِدَرَجَةِ الصّدّيقِيّةِ وَلَهَا أَعْمَالٌ وَأَحْوَالٌ هِيَ شَرْطٌ فِي حُصُولِهَا وَهِيَ نَوْعَانِ عَامّةٌ وَخَاصّةٌ فَالْخَاصّةُ الشّهَادَةُ فِي سَبِيلِ اللّهِ . وَالْعَامّةُ خَمْسٌ مَذْكُورَةٌ فِي " الصّحِيحِ " لَيْسَ الْعِشْقُ وَاحِدًا مِنْهَا . [ ص 254 ] وَكَيْفَ يَكُونُ الْعِشْقُ الّذِي هُوَ شِرْكٌ فِي الْمَحَبّةِ وَفَرَاغُ الْقَلْبِ عَنْ اللّهِ وَتَمْلِيكُ الْقَلْبِ وَالرّوحِ وَالْحُبّ لِغَيْرِهِ تُنَالُ بِهِ دَرَجَةُ الشّهَادَةِ هَذَا مِنْ الْمُحَالِ فَإِنّ إفْسَادَ عِشْقِ الصّوَرِ لِلْقَلْبِ فَوْقَ كُلّ إفْسَادٍ بَلْ هُوَ خَمْرُ الرّوحِ الّذِي يُسْكِرُهَا وَيَصُدّهَا عَنْ ذِكْرِ اللّهِ وَحُبّهِ وَالتّلَذّذِ بِمُنَاجَاتِهِ وَالْأُنْسِ بِهِ وَيُوجِبُ عُبُودِيّةَ الْقَلْبِ لِغَيْرِهِ فَإِنّ قَلْبَ الْعَاشِقِ مُتَعَبّدٌ لِمَعْشُوقِهِ بَلْ الْعِشْقُ لُبّ الْعُبُودِيّةِ فَإِنّهَا كَمَالُ الذّلّ وَالْحُبّ وَالْخُضُوعِ وَالتّعْظِيمِ فَكَيْفَ يَكُونُ تَعَبّدُ الْقَلْبِ لِغَيْرِ اللّهِ مِمّا تُنَالُ بِهِ دَرَجَةُ أَفَاضِلِ الْمُوَحّدِينَ وَسَادَاتِهِمْ وَخَوَاصّ الْأَوْلِيَاءِ فَلَوْ كَانَ إسْنَادُ هَذَا الْحَدِيثِ كَالشّمْسِ كَانَ غَلَطًا وَوَهْمًا وَلَا يُحْفَظُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَفْظُ الْعِشْقِ فِي حَدِيثٍ صَحِيحٍ أَلْبَتّةَ . ثُمّ إنّ الْعِشْقَ مِنْهُ حَلَالٌ وَمِنْهُ حَرَامٌ فَكَيْفَ يُظَنّ بِالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ يَحْكُمُ عَلَى كُلّ عَاشِقٍ يَكْتُمُ وَيَعِفّ بِأَنّهُ شَهِيدٌ فَتَرَى مَنْ يَعْشَقُ امْرَأَةَ غَيْرِهِ أَوْ يَعْشَقُ الْمُرْدَانَ وَالْبَغَايَا يَنَالُ بِعِشْقِهِ دَرَجَةَ الشّهَدَاءِ وَهَلْ هَذَا إلّا خِلَافُ الْمَعْلُومِ مِنْ دِينِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالضّرُورَةِ ؟ كَيْفَ وَالْعِشْقُ مَرَضٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ الّتِي جَعَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ لَهَا الْأَدْوِيَةَ شَرْعًا وَقَدْرًا وَالتّدَاوِي مِنْهُ إمّا وَاجِبٌ إنْ كَانَ عِشْقًا حَرَامًا وَإِمّا مُسْتَحَبّ . وَأَنْتَ إذَا تَأَمّلْت الْأَمْرَاضَ وَالْآفَاتِ الّتِي حَكَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَصْحَابِهَا بِالشّهَادَةِ وَجَدْتهَا مِنْ الْأَمْرَاضِ الّتِي لَا عِلَاجَ لَهَا كَالْمَطْعُونِ وَالْمَبْطُونِ وَالْمَجْنُوبِ وَالْغَرِيقِ وَمَوْتِ الْمَرْأَةِ يَقْتُلُهَا وَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا فَإِنّ هَذِهِ [ ص 255 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَلّدْ أَئِمّةَ الْحَدِيثِ الْعَالِمِينَ بِهِ وَبِعِلَلِهِ فَإِنّهُ لَا يُحْفَظُ عَنْ إمَامٍ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَطّ أَنّهُ شَهِدَ لَهُ بِصِحّةٍ بَلْ وَلَا بِحُسْنٍ كَيْفَ وَقَدْ أَنْكَرُوا عَلَى سُوَيْدٍ هَذَا الْحَدِيثَ وَرَمَوْهُ لِأَجْلِهِ بِالْعَظَائِمِ وَاسْتَحَلّ بَعْضُهُمْ غَزْوَهُ لِأَجْلِهِ . قَالَ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيّ فِي " كَامِلِهِ " : هَذَا الْحَدِيثُ أَحَدُ مَا أُنْكِرَ عَلَى سُوَيْدٍ وَكَذَلِكَ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : إنّهُ مِمّا أُنْكِرَ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ طَاهِرٍ فِي " الذّخِيرَةِ " وَذَكَرَهُ الْحَاكِمُ فِي " تَارِيخِ نَيْسَابُورَ " وَقَالَ أَنَا أَتَعَجّبُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَإِنّهُ لَمْ يُحَدّثْ بِهِ عَنْ غَيْرِ سُوَيْدٍ وَهُوَ ثِقَةٌ وَذَكَرَهُ أَبُو الْفَرَجِ ابْنُ الْجَوْزِيّ فِي كِتَابِ " الْمَوْضُوعَاتِ " وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الْأَزْرَقُ يَرْفَعُهُ أَوّلًا عَنْ سُوَيْدٍ فَعُوتِبَ فِيهِ فَأَسْقَطَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانَ لَا يُجَاوِزُ بِهِ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا . وَمِنْ الْمَصَائِبِ الّتِي لَا تُحْتَمَلُ جَعْلُ هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَمَنْ لَهُ أَدْنَى إلْمَامٍ بِالْحَدِيثِ وَعِلَلِهِ لَا يَحْتَمِلُ هَذَا أَلْبَتّةَ وَلَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ حَدِيثِ الْمَاجِشُونِ عَنْ ابْنِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ ابْنِ أَبِي نَجِيحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا مَرْفُوعًا وَفِي صِحّتِهِ مَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عَبّاسٍ نَظَرٌ وَقَدْ رَمَى النّاسُ سُوَيْدَ بْنَ سَعِيدٍ رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ بِالْعَظَائِمِ وَأَنْكَرَهُ عَلَيْهِ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَقَالَ هُوَ سَاقِطٌ كَذّابٌ لَوْ كَانَ لِي فَرَسٌ وَرُمْحٌ كُنْت أَغْزُوهُ وَقَالَ الْإِمَام ُ أَحْمَدُ : مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ وَقَالَ النّسَائِيّ : لَيْسَ بِثِقَةٍ وَقَالَ الْبُخَارِيّ : كَانَ قَدْ عَمِيَ فَيُلَقّنُ مَا لَيْسَ مِنْ حَدِيثِهِ وَقَالَ ابْنُ حِبّانَ : يَأْتِي بِالْمُعْضِلَاتِ عَنْ الثّقَاتِ يَجِبُ مُجَانَبَةُ مَا رَوَى . انْتَهَى . وَأَحْسَنُ مَا قِيلَ فِيهِ قَوْلُ أَبِي حَاتِمٍ الرّازِيّ : إنّهُ صَدُوقٌ كَثِيرُ التّدْلِيسِ ثُمّ قَوْلُ الدّارَقُطْنِيّ : هُوَ ثِقَةٌ غَيْرَ أَنّهُ لَمّا كَبِرَ كَانَ رُبّمَا قُرِئَ عَلَيْهِ حَدِيثٌ فِيهِ بَعْضُ النّكَارَةِ فَيُجِيزُهُ انْتَهَى . وَعِيبَ عَلَى مُسْلِمٍ [ ص 256 ] أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي حِفْظِ الصّحّةِ بِالطّيبِ لَمّا كَانَتْ الرّائِحَةُ الطّيّبَةُ غِذَاءَ الرّوحِ وَالرّوحُ مَطِيّةُ الْقُوَى وَالْقُوَى تَزْدَادُ بِالطّيبِ وَهُوَ يَنْفَعُ الدّمَاغَ وَالْقَلْبَ وَسَائِرَ الْأَعْضَاءِ الْبَاطِنِيّةِ وَيُفَرّحُ الْقَلْبَ وَيَسُرّ النّفْسَ وَيَبْسُطُ الرّوحَ وَهُوَ أَصْدَقُ شَيْءٍ لِلرّوحِ وَأَشَدّهُ مُلَاءَمَةً لَهَا وَبَيْنَهُ وَبَيْنَ الرّوحِ الطّيّبَةِ نِسْبَةٌ قَرِيبَةٌ . كَانَ أَحَدَ الْمَحْبُوبِينَ مِنْ الدّنْيَا إلَى أَطْيَبِ الطّيّبِينَ صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ . وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ لَا يَرُدّ الطّيبَ وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلَا يَرُدّهُ . فَإِنّهُ طَيّبُ الرّيحِ خَفِيفُ الْمَحْمَلِ وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " وَالنّسَائِيّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ طِيبٌ فَلَا يَرُدّهُ فَإِنّهُ خَفِيفُ الْمَحْمَلِ طَيّبُ الرّائِحَةِ وَفِي " مُسْنَدِ الْبَزّارِ " : عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ إنّ اللّهَ طَيّبٌ يُحِبّ الطّيبَ نَظِيفٌ يُحِبّ النّظَافَةَ كَرِيمٌ يُحِبّ الْكَرَمَ جَوَادٌ يُحِبّ الْجُودَ فَنَظّفُوا أَفْنَاءَكُمْ وَسَاحَاتِكُمْ وَلَا تَشَبّهُوا بِالْيَهُودِ يَجْمَعُونَ الْأُكُبّ فِي دُورِهِم الْأُكُبّ الزّبَالَةُ . [ ص 257 ] وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ لَهُ سِكّةٌ يَتَطَيّبُ مِنْهَا وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ إنّ لِلّهِ حَقّا عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ أَنْ يَغْتَسِلَ فِي كُلّ سَبْعَةِ أَيّامٍ وَإِنْ كَانَ لَهُ طِيبٌ أَنْ يَمَسّ مِنْهُ وَفِي الطّيبِ مِنْ الْخَاصّيّةِ أَنّ الْمَلَائِكَةَ تُحِبّهُ وَالشّيَاطِينَ تَنْفِرُ عَنْهُ وَأَحَبّ شَيْءٍ إلَى الشّيَاطِينِ الرّائِحَةُ الْمُنْتِنَةُ الْكَرِيهَةُ فَالْأَرْوَاحُ الطّيّبَةُ تُحِبّ الرّائِحَةَ الطّيّبَةَ وَالْأَرْوَاحُ الْخَبِيثَةُ تُحِبّ الرّائِحَةَ الْخَبِيثَةَ وَكُلّ رُوحٍ تَمِيلُ إلَى مَا يُنَاسِبُهَا فَالْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ وَالطّيّبَاتُ لِلطّيّبِينَ وَالطّيّبُونَ لِلطّيّبَاتِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي النّسَاءِ وَالرّجَالِ فَإِنّهُ يَتَنَاوَلُ الْأَعْمَالَ وَالْأَقْوَالَ وَالْمَطَاعِمَ وَالْمَشَارِبَ وَالْمَلَابِسَ وَالرّوَائِحَ إمّا بِعُمُومِ لَفْظِهِ أَوْ بِعُمُومِ مَعْنَاهُ . فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي حِفْظِ صِحّةِ الْعَيْنِ [ حِفْظُ صِحّةِ الْعَيْنِ بِالِاكْتِحَالِ ] رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ النّعْمَانِ بْنِ مَعْبَدٍ بْنِ هَوْذَةَ الْأَنْصَارِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ بِالْإِثْمِدِ الْمُرَوّحِ عِنْدَ النّوْمِ وَقَالَ لِيَتّقِهِ الصّائِمُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الْمُرَوّحُ الْمُطَيّبُ بِالْمِسْكِ . [ ص 258 ] وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " وَغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَتْ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُكْحُلَةٌ يَكْتَحِلُ مِنْهَا ثَلَاثًا فِي كُلّ عَيْنٍ وَفِي التّرْمِذِيّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا اكْتَحَلَ يَجْعَلُ فِي الْيُمْنَى ثَلَاثًا يَبْتَدِئُ بِهَا وَيَخْتِمُ بِهَا وَفِي الْيُسْرَى ثِنْتَيْنِ وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ اكْتَحَلَ فَلْيُوتِرْ فَهَلْ الْوِتْرُ بِالنّسْبَةِ إلَى الْعَيْنَيْنِ كِلْتَيْهِمَا فَيَكُونُ فِي هَذِهِ ثَلَاثٌ وَفِي هَذِهِ ثِنْتَانِ وَالْيُمْنَى أَوْلَى بِالِابْتِدَاءِ وَالتّفْضِيلِ أَوْ هُوَ بِالنّسْبَةِ إلَى كُلّ عَيْنٍ فَيَكُونُ فِي هَذِهِ ثَلَاثٌ وَفِي هَذِهِ ثَلَاثٌ وَهُمَا قَوْلَانِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ . [ ص 259 ] [ فَوَائِدُ الْكُحْلِ لِلْعَيْنِ ] وَفِي الْكُحْلِ حِفْظٌ لِصِحّةِ الْعَيْنِ وَتَقْوِيَةٌ لِلنّورِ الْبَاصِرِ وَجَلَاءٌ لَهَا وَتَلْطِيفٌ لِلْمَادّةِ الرّدِيئَةِ وَاسْتِخْرَاجٌ لَهَا مَعَ الزّينَةِ فِي بَعْضِ أَنْوَاعِهِ وَلَهُ عِنْدَ النّوْمِ مَزِيدُ فَضْلٍ لِاشْتِمَالِهَا عَلَى الْكُحْلِ وَسُكُونِهَا عَقِيبَهُ عَنْ الْحَرَكَةِ الْمُضِرّةِ بِهَا وَخِدْمَةِ الطّبِيعَةِ لَهَا وَلِلْإِثْمِدِ مِنْ ذَلِكَ خَاصّيّةٌ . وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ يَرْفَعُهُ عَلَيْكُمْ بِالْإِثْمِدِ فَإِنّهُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشّعْرَ وَفِي " كِتَابِ أَبِي نُعَيْمٍ " : فَإِنّهُ مَنْبَتَةٌ لِلشّعْرِ مَذْهَبَةٌ لِلْقَذَى مَصْفَاةٌ لِلْبَصَرِ وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " أَيْضًا : عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا - يَرْفَعُهُ خَيْرُ أَكْحَالِكُمْ الْإِثْمِدُ يَجْلُو الْبَصَرَ وَيُنْبِتُ الشّعْرَ [ ص 260 ] فَصْلٌ فِي ذِكْرِ شَيْءٍ مِنْ الْأَدْوِيَةِ وَالْأَغْذِيَةِ الْمُفْرَدَةِ الّتِي جَاءَتْ عَلَى لِسَانِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُرَتّبَةً عَلَى حُرُوفِ الْمُعْجَمِ حَرْفُ الْهَمْزَةِ إثْمِدٌ هُوَ حَجَرُ الْكُحْلِ الْأَسْوَدِ يُؤْتَى بِهِ مِنْ أَصْبَهَانَ وَهُوَ أَفْضَلُهُ وَيُؤْتَى بِهِ مِنْ جِهَةِ الْمَغْرِبِ أَيْضًا وَأَجْوَدُهُ السّرِيعُ التّفْتِيتُ الّذِي لِفُتَاتِهِ بَصِيصٌ وَدَاخِلُهُ أَمْلَسُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ الْأَوْسَاخِ . وَمِزَاجُهُ بَارِدٌ يَابِسٌ يَنْفَعُ الْعَيْنَ وَيُقَوّيهَا وَيَشُدّ أَعْصَابَهَا وَيَحْفَظُ صِحّتَهَا وَيُذْهِبُ اللّحْمَ الزّائِدَ فِي الْقُرُوحِ وَيُدْمِلُهَا وَيُنَقّي أَوْسَاخَهَا وَيَجْلُوهَا وَيُذْهِبُ الصّدَاعَ إذَا اكْتَحَلَ بِهِ مَعَ الْعَسَلِ الْمَائِيّ الرّقِيقِ وَإِذَا دُقّ وَخُلِطَ بِبَعْضِ الشّحُومِ الطّرِيّةِ وَلُطّخَ عَلَى حَرْقِ النّارِ لَمْ تَعْرِضْ فِيهِ خشكريشة وَنَفَعَ مِنْ التّنَفّطِ الْحَادِثِ بِسَبَبِهِ وَهُوَ أَجْوَدُ أَكْحَالِ الْعَيْنِ لَا سِيّمَا لِلْمَشَايِخِ وَاَلّذِينَ قَدْ ضَعُفَتْ أَبْصَارُهُمْ إذَا جُعِلَ مَعَهُ شَيْءٌ مِنْ الْمِسْكِ . أُتْرُجّ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحِ " : عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ كَمَثَلِ الْأُتْرُجّةِ طَعْمُهَا طَيّبٌ وَرِيحُهَا طَيّبٌ فِي الْأُتْرُجّ مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ وَهُوَ مُرَكّبٌ مِنْ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ قِشْرٌ وَلَحْمٌ وَحَمْضٌ وَبَزْرٌ وَلِكُلّ وَاحِدٍ مِنْهَا مِزَاجٌ يَخُصّهُ فَقِشْرُهُ حَارّ يَابِسٌ وَلَحْمُهُ حَارّ رَطْبٌ وَحَمْضُهُ بَارِدٌ يَابِسٌ وَبَزْرُهُ حَارّ يَابِسٌ . [ ص 261 ] [ مَنَافِعُ قِشْرِ الْأُتْرُجّ ] وَمِنْ مَنَافِعِ قِشْرِهِ أَنّهُ إذَا جُعِلَ فِي الثّيَابِ مَنَعَ السّوسَ وَرَائِحَتُهُ تُصْلِحُ فَسَادَ الْهَوَاءِ وَالْوَبَاءِ وَيُطَيّبُ النّكْهَةَ إذَا أَمْسَكَهُ فِي الْفَمِ وَيُحَلّلُ الرّيَاحَ وَإِذَا جُعِلَ فِي الطّعَامِ كَالْأَبَازِيرِ أَعَانَ عَلَى الْهَضْمِ . قَالَ صَاحِبُ " الْقَانُونِ " : وَعُصَارَةُ قِشْرِهِ تَنْفَعُ مِنْ نَهْشِ الْأَفَاعِي شُرْبًا وَقِشْرُهُ ضِمَادًا وَحُرَاقَةُ قِشْرِهِ طِلَاءٌ جَيّدٌ لِلْبَرَصِ . انْتَهَى . [ مَنَافِعُ لَحْمِ الْأُتْرُجّ ] وَأَمّا لَحْمُهُ فَمُلَطّفٌ لِحَرَارَةِ الْمَعِدَةِ نَافِعٌ لِأَصْحَابِ الْمِرّةِ الصّفْرَاءِ قَامِعٌ لِلْبُخَارَاتِ الْحَارّةِ . وَقَالَ الْغَافِقِيّ : أَكْلُ لَحْمِهِ يَنْفَعُ الْبَوَاسِيرَ . انْتَهَى . [ مَنَافِعُ حَمْضِ الْأُتْرُجّ ] وَأَمّا حَمْضُهُ فَقَابِضٌ كَاسِرٌ لِلصّفْرَاءِ وَمُسَكّنٌ لِلْخَفَقَانِ الْحَارّ نَافِعٌ مِنْ الْيَرَقَانِ شُرْبًا وَاكْتِحَالًا قَاطِعٌ لِلْقَيْءِ الصّفْرَاوِيّ مُشَهّ لِلطّعَامِ عَاقِلٌ لِلطّبِيعَةِ نَافِعٌ مِنْ الْإِسْهَالِ الصّفْرَاوِيّ وَعُصَارَةُ حَمْضِهِ يُسَكّنُ غِلْمَةَ النّسَاءِ وَيَنْفَعُ طِلَاءً مِنْ الْكَلَفِ وَيَذْهَبُ بِالْقَوْبَاءِ وَيُسْتَدَلّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ فِي الْحِبْرِ إذَا وَقَعَ فِي الثّيَابِ قَلَعَهُ وَلَهُ قُوّةٌ تُلَطّفُ وَتَقْطَعُ وَتُبْرِدُ وَتُطْفِئُ حَرَارَةَ الْكَبِدِ وَتُقَوّي الْمَعِدَةَ وَتَمْنَعُ حِدّةَ الْمِرّةِ الصّفْرَاءِ وَتُزِيلُ الْغَمّ الْعَارِضَ مِنْهَا وَتُسَكّنُ الْعَطَشَ . [ مَنَافِعُ بَزْرِ الْأُتْرُجّ ] وَأَمّا بَزْرُهُ فَلَهُ قُوّةٌ مُحَلّلَةٌ مُجَفّفَةٌ . وَقَالَ ابْنُ مَاسَوَيْهِ : خَاصّيّةُ حَبّهِ النّفْعُ مِنْ السّمُومِ الْقَاتِلَةِ إذَا شُرِبَ مِنْهُ وَزْنُ مِثْقَالٍ مُقَشّرًا بِمَاءٍ فَاتِرٍ وَطِلَاءٍ مَطْبُوخٍ . وَإِنْ دُقّ وَوُضِعَ عَلَى مَوْضِعِ اللّسْعَةِ نَفَعَ وَهُوَ مُلَيّنٌ لِلطّبِيعَةِ مُطَيّبٌ لِلنّكْهَةِ وَأَكْثَرُ هَذَا الْفِعْلِ مَوْجُودٌ فِي قِشْرِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ خَاصّيّةُ حَبّهِ النّفْعُ مِنْ لَسَعَاتِ الْعَقَارِبِ إذَا شُرِبَ مِنْهُ وَزْنُ مِثْقَالَيْنِ مُقَشّرًا بِمَاءٍ فَاتِرٍ وَكَذَلِكَ إذَا دُقّ وَوُضِعَ عَلَى مَوْضِعِ [ ص 262 ] وَقَالَ غَيْرُهُ حَبّهُ يَصْلُحُ لِلسّمُومِ كُلّهَا وَهُوَ نَافِعٌ مِنْ لَدْغِ الْهَوَامّ كُلّهَا . [ قِصّةٌ عَنْ الْأُتْرُجّ ] وَذُكِرَ أَنّ بَعْضَ الْأَكَاسِرَةِ غَضِبَ عَلَى قَوْمٍ مِنْ الْأَطِبّاءِ فَأَمَرَ بِحَبْسِهِمْ وَخَيّرَهُمْ أُدْمًا لَا يَزِيدُ لَهُمْ عَلَيْهِ فَاخْتَارُوا الْأُتْرُجّ فَقِيلَ لَهُمْ لِمَ اخْتَرْتُمُوهُ عَلَى غَيْرِهِ ؟ فَقَالُوا : لِأَنّهُ فِي الْعَاجِلِ رَيْحَانٌ وَمَنْظَرُهُ مُفْرِحٌ وَقِشْرُهُ طَيّبُ الرّائِحَةِ وَلَحْمُهُ فَاكِهَةٌ وَحَمْضُهُ أُدْمٌ وَحَبّهُ تِرْيَاقٌ وَفِيهِ دُهْنٌ . [ تَشْبِيهُ الْمُؤْمِنِ بِالْأُتْرُجّ ] وَحَقِيقٌ بِشَيْءٍ هَذِهِ مَنَافِعُهُ أَنْ يُشَبّهَ بِهِ خُلَاصَةُ الْوُجُودِ وَهُوَ الْمُؤْمِنُ الّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَكَانَ بَعْضُ السّلَفِ يُحِبّ النّظَرَ إلَيْهِ لِمَا فِي مَنْظَرِهِ مِنْ التّفْرِيحِ . أَرُزّ فِيهِ حَدِيثَانِ بَاطِلَانِ مَوْضُوعَانِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَحَدُهُمَا : أَنّهُ لَوْ كَانَ رَجُلًا لَكَانَ حَلِيمًا الثّانِي : كُلّ شَيْءٍ أَخْرَجَتْهُ الْأَرْضُ فَفِيهِ دَاءٌ وَشِفَاءٌ إلّا الْأَرُزّ فَإِنّهُ شِفَاءٌ لَا دَاءَ فِيهِ ذَكَرْنَاهُمَا تَنْبِيهًا وَتَحْذِيرًا مِنْ نِسْبَتِهِمَا إلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَبَعْدُ فَهُوَ حَارّ يَابِسٌ وَهُوَ أَغْذَى الْحُبُوبِ بَعْدَ الْحِنْطَةِ وَأَحْمَدِهَا خَلْطًا يَشُدّ الْبَطْنَ شَدّا يَسِيرًا وَيُقَوّي الْمَعِدَةَ وَيُدَبّغُهَا وَيَمْكُثُ فِيهَا . وَأَطِبّاءُ الْهِنْدِ تَزْعُمُ أَنّهُ أَحْمَدُ الْأَغْذِيَةِ وَأَنْفَعُهَا إذَا طُبِخَ بِأَلْبَانِ الْبَقَرِ وَلَهُ تَأْثِيرٌ فِي خِصْبِ الْبَدَنِ وَزِيَادَةِ الْمَنِيّ وَكَثْرَةِ التّغْذِيَةِ وَتَصْفِيَةِ اللّوْنِ . أَرْزٌ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَسُكُونِ الرّاءِ وَهُوَ الصّنَوْبَرُ ذَكَرَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي قَوْلِهِ مَثَلُ الْمُؤْمِنِ مَثَلُ الْخَامَةِ مِنْ الزّرْعِ تُفَيّئُهَا الرّيَاحُ تُقِيمُهَا مَرّةً وَتُمِيلُهَا أُخْرَى وَمَثَلُ الْمُنَافِقِ مَثَلُ الْأَرْزَةِ لَا تَزَالُ قَائِمَةً عَلَى أَصْلِهَا حَتّى يَكُونَ انْجِعَافُهَا مَرّةً وَاحِدَةً وَحَبّهُ حَارّ رَطْبٌ وَفِيهِ إنْضَاجٌ وَتَلْيِينٌ وَتَحْلِيلٌ وَلَذْعٌ يَذْهَبُ بِنَقْعِهِ فِي الْمَاءِ وَهُوَ عَسِرُ الْهَضْمِ وَفِيهِ تَغْذِيَةٌ كَثِيرَةٌ وَهُوَ جَيّدٌ لِلسّعَالِ وَلِتَنْقِيَةِ [ ص 263 ] الرّئَةِ وَيَزِيدُ فِي الْمَنِيّ وَيُولِدُ مَغَصًا وَتِرْيَاقُهُ حَبّ الرّمّانِ الْمُزّ . إذْخِرٌ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحِ " عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ فِي مَكّةَ : لَا يُخْتَلَى خَلَاهَا " فَقَالَ لَه ُ الْعَبّاس رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إلّا الْإِذْخِرَ يَا رَسُولَ اللّهِ فَإِنّهُ لِقَيْنِهِمْ وَلِبُيُوتِهِمْ فَقَالَ " إلّا الْإِذْخِرَ وَالْإِذْخِرُ حَارّ فِي الثّانِيَةِ يَابِسٌ فِي الْأُولَى لَطِيفٌ مُفَتّحٌ لِلسّدَدِ وَأَفْوَاهِ الْعُرُوقِ يُدِرّ الْبَوْلَ وَالطّمَثَ وَيُفَتّتُ الْحَصَى وَيُحَلّلُ الْأَوْرَامَ الصّلْبَةَ فِي الْمَعِدَةِ وَالْكَبِدِ وَالْكُلْيَتَيْنِ شُرْبًا وَضِمَادًا وَأَصْلُهُ يُقَوّي عَمُودَ الْأَسْنَانِ وَالْمَعِدَةَ وَيُسَكّنُ الْغَثَيَانَ وَيَعْقِلُ الْبَطْنَ . حَرْفُ الْبَاءِ بِطّيخٌ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتّرْمِذِيّ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ كَانَ يَأْكُلُ الْبِطّيخَ بِالرّطَبِ يَقُولُ نَكْسِرُ حَرّ هَذَا بِبَرْدِ هَذَا وَبَرْدَ هَذَا بِحَرّ هَذَا وَفِي الْبِطّيخِ عِدّةُ أَحَادِيثَ لَا يَصِحّ مِنْهَا شَيْءٌ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْأَخْضَرُ وَهُوَ بَارِدٌ رَطْبٌ وَفِيهِ جَلَاءٌ وَهُوَ أَسْرَعُ انْحِدَارًا عَنْ الْمَعِدَةِ مِنْ الْقِثّاءِ وَالْخِيَارِ وَهُوَ سَرِيعُ الِاسْتِحَالَةِ إلَى أَيّ خَلْطٍ كَانَ صَادَفَهُ فِي الْمَعِدَةِ وَإِذَا كَانَ آكِلُهُ مَحْرُورًا انْتَفَعَ بِهِ جِدّا وَإِنْ كَانَ مَبْرُودًا دُفِعَ ضَرَرُهُ بِيَسِيرٍ مِنْ الزّنْجَبِيلِ وَنَحْوِهِ وَيَنْبَغِي أَكْلُهُ قَبْلَ الطّعَامِ وَيُتْبِعُ بِهِ وَإِلّا غَثّى وَقُيّئَ وَقَالَ بَعْضُ الْأَطِبّاءِ [ ص 264 ] بَلَحٌ رَوَى النّسَائِيّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِمَا " : مِنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة َ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كُلُوا الْبَلَحَ بِالتّمْرِ فَإِنّ الشّيْطَانَ إذَا نَظَرَ إلَى ابْنِ آدَمَ يَأْكُلُ الْبَلَحَ بِالتّمْرِ يَقُولُ بَقِيَ ابْنُ آدَمَ حَتّى أَكَلَ الْحَدِيثَ بِالْعَتِيقِ . وَفِي رِوَايَةٍ كُلُوا الْبَلَحَ بِالتّمْرِ فَإِنّ الشّيْطَانَ يَحْزَنُ إذَا رَأَى ابْنَ آدَمَ يَأْكُلُهُ يَقُولُ عَاشَ ابْنُ آدَمَ حَتّى أَكَلَ الْجَدِيدَ بِالْخَلَقِ رَوَاهُ الْبَزّارُ فِي " مُسْنَدِهِ " وَهَذَا لَفْظُهُ . قُلْت : الْبَاءُ فِي الْحَدِيثِ بِمَعْنَى : مَعَ أَيْ كُلُوا هَذَا مَعَ هَذَا قَالَ بَعْضُ أَطِبّاءِ الْإِسْلَامِ إنّمَا أَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِأَكْلِ الْبَلَحِ بِالتّمْرِ وَلَمْ يَأْمُرْ بِأَكْلِ الْبُسْرِ مَعَ التّمْرِ لِأَنّ الْبَلَحَ بَارِدٌ يَابِسٌ وَالتّمْرَ حَارّ رَطْبٌ فَفِي كُلّ مِنْهُمَا إصْلَاحٌ لِلْآخَرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الْبُسْرُ مَعَ التّمْرِ فَإِنّ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَارّ وَإِنْ كَانَتْ حَرَارَةُ التّمْرِ أَكْثَرَ وَلَا يَنْبَغِي مِنْ جِهَةِ الطّبّ الْجَمْعُ بَيْنَ حَارّيْنِ أَوْ بَارِدَيْنِ كَمَا تَقَدّمَ . وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ التّنْبِيهُ عَلَى صِحّةِ أَصْلِ صِنَاعَةِ الطّبّ وَمُرَاعَاةِ التّدْبِيرِ الّذِي يَصْلُحُ فِي دَفْعِ كَيْفِيّاتِ الْأَغْذِيَةِ وَالْأَدْوِيَةِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ وَمُرَاعَاةِ الْقَانُونِ الطّبّيّ الّذِي تُحْفَظُ بِهِ الصّحّةُ . وَفِي الْبَلَحِ بُرُودَةٌ وَيُبُوسَةٌ وَهُوَ يَنْفَعُ الْفَمَ وَاللّثَةَ وَالْمَعِدَةَ وَهُوَ رَدِيءٌ لِلصّدْرِ وَالرّئَةِ بِالْخُشُونَةِ الّتِي فِيهِ بَطِيءٌ فِي الْمَعِدَةِ يَسِيرُ التّغْذِيَةِ وَهُوَ لِلنّخْلَةِ كَالْحِصْرِمِ لِشَجَرَةِ الْعِنَبِ وَهُمَا جَمِيعًا يُوَلّدَانِ رِيَاحًا وَقَرَاقِرَ وَنَفْخًا وَلَا سِيّمَا إذَا شُرِبَ عَلَيْهِمَا الْمَاءُ وَدَفْعُ مَضَرّتِهِمَا بِالتّمْرِ أَوْ بِالْعَسَلِ وَالزّبْدِ . بُسْرٌ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحِ " : أَنّ أَبَا الْهَيْثَمِ بْنَ التّيْهَانِ لَمّا ضَافَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا جَاءَهُمْ بِعَذْقٍ - وَهُوَ مِنْ النّخْلَةِ كَالْعُنْقُودِ مِنْ [ ص 265 ] فَقَالَ لَهُ " هَلّا انْتَقَيْتَ لَنَا مِنْ رُطَبِهِ فَقَالَ " أَحْبَبْتُ أَنْ تَنْتَقُوا مِنْ بُسْرِهِ وَرُطَبِهِ . الْبُسْرُ حَارّ يَابِسٌ وَيُبْسُهُ أَكْثَرُ مِنْ حَرّهِ يُنَشّفُ الرّطُوبَةَ وَيَدْبَغُ الْمَعِدَةَ وَيَحْبِسُ الْبَطْنَ وَيَنْفَعُ اللّثَةَ وَالْفَمَ وَأَنْفَعُهُ مَا كَانَ هَشّا وَحُلْوًا وَكَثْرَةُ أَكْلِهِ وَأَكْلِ الْبَلَحِ يُحْدِثُ السّدَدَ فِي الْأَحْشَاءِ . بَيْضٌ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ فِي " شُعَبِ الْإِيمَانِ " أَثَرًا مَرْفُوعًا : أَنّ نَبِيّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ شَكَا إلَى اللّهِ سُبْحَانَهُ الضّعْفَ فَأَمَرَهُ بِأَكْلِ الْبَيْض . وَفِي ثُبُوتِهِ نَظَرٌ وَيُخْتَارُ مِنْ الْبَيْضِ الْحَدِيثُ عَلَى الْعَتِيقِ وَبَيْضُ الدّجَاجِ عَلَى سَائِرِ بَيْضِ الطّيْرِ وَهُوَ مُعْتَدِلٌ يَمِيلُ إلَى الْبُرُودَةِ قَلِيلًا . قَالَ صَاحِبُ " الْقَانُونِ " : وَمُحّهُ حَارّ رَطْبٌ يُولِدُ دَمًا صَحِيحًا مَحْمُودًا وَيُغَذّي غِذَاءً يَسِيرًا وَيُسْرِعُ الِانْحِدَارَ مِنْ الْمَعِدَةِ إذَا كَانَ رَخْوًا . وَقَالَ غَيْرُهُ مُحّ الْبَيْضِ مُسَكّنٌ لِلْأَلَمِ مُمَلّسٌ لِلْحَلْقِ وَقَصَبَةِ الرّئَةِ نَافِعٌ لِلْحَلْقِ وَالسّعَالِ وَقُرُوحِ الرّئَةِ وَالْكُلَى وَالْمَثَانَةِ مُذْهِبٌ لِلْخُشُونَةِ لَا سِيّمَا إذَا أُخِذَ بِدُهْنِ اللّوْزِ الْحُلْوِ وَمُنْضِجٌ لِمَا فِي الصّدْرِ مُلَيّنٌ لَهُ مُسَهّلٌ لِخُشُونَةِ الْحَلْقِ وَبَيَاضُهُ إذَا قُطِرَ فِي الْعَيْنِ الْوَارِمَةِ وَرَمًا حَارّا بَرّدَهُ وَسَكّنَ الْوَجَعَ وَإِذَا لُطّخَ بِهِ حَرْقُ النّارِ أَوْ مَا يَعْرِضُ لَهُ لَمْ يَدَعْهُ يَتَنَفّطُ وَإِذَا لُطّخَ بِهِ الْوَجَعُ مَنَعَ الِاحْتِرَاقَ الْعَارِضَ مِنْ الشّمْسِ إذَا خُلِطَ بالكندر وَلُطّخَ عَلَى الْجَبْهَةِ نَفَعَ مِنْ النّزْلَةِ . وَذَكَرَهُ صَاحِبُ " الْقَانُونِ " فِي الْأَدْوِيَةِ الْقَلْبِيّةِ ثُمّ قَالَ وَهُوَ - وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الْمُطْلَقَةِ - فَإِنّهُ مِمّا لَهُ مَدْخَلٌ فِي تَقْوِيَةِ الْقَلْبِ جِدّا أَعْنِي الصّفْرَةَ وَهِيَ [ ص 266 ] مَعَانٍ : سُرْعَةُ الِاسْتِحَالَةِ إلَى الدّمِ وَقِلّةُ الْفَضْلَةِ وَكَوْنُ الدّمِ الْمُتَوَلّدِ مِنْهُ مُجَانِسًا لِلدّمِ الّذِي يَغْذُو الْقَلْبَ خَفِيفًا مُنْدَفِعًا إلَيْهِ بِسُرْعَةٍ وَلِذَلِكَ هُوَ أَوْفَقُ مَا يُتَلَافَى بِهِ عَادِيَةُ الْأَمْرَاضِ الْمُحَلّلَةِ لِجَوْهَرِ الرّوحِ . بَصَلٌ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " : عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا أَنّهَا سُئِلَتْ عَنْ الْبَصَلِ فَقَالَتْ إنّ آخِرَ طَعَامٍ أَكَلَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ فِيهِ بَصَلٌ وَثَبَتَ عَنْهُ فِي " الصّحِيحَيْنِ " أَنّهُ مَنَعَ آكِلَهُ مِنْ دُخُولِ الْمَسْجِدِ . [ مَنَافِعُ ال بصل ] وَالْبَصَلُ حَارّ فِي الثّالِثَةِ وَفِيهِ رُطُوبَةٌ فَضْلِيّةٌ يَنْفَعُ مِنْ تَغَيّرِ الْمِيَاهِ وَيَدْفَعُ رِيحَ السّمُومِ وَيُفَتّقُ الشّهْوَةَ وَيُقَوّي الْمَعِدَةَ وَيُهَيّجُ الْبَاهَ وَيَزِيدُ فِي الْمَنِيّ وَيُحَسّنُ اللّوْنَ وَيَقْطَعُ الْبَلْغَمَ وَيَجْلُو الْمَعِدَةَ وَبَزْرُهُ يُذْهِبُ الْبَهَقَ وَيُدَلّكُ بِهِ حَوْلَ دَاءِ الثّعْلَبِ فَيَنْفَعُ جِدّا وَهُوَ بِالْمِلْحِ يُقْلِعُ الثّآلِيلِ وَإِذَا شَمّهُ مَنْ شَرِبَ دَوَاءً مُسَهّلًا مَنَعَهُ مِنْ الْقَيْءِ وَالْغَثَيَانِ وَأَذْهَبَ رَائِحَةَ ذَلِكَ الدّوَاءِ وَإِذَا اسْتَعَطَ بِمَائِهِ نَقّى الرّأْسَ وَيُقْطَرُ فِي الْأُذُنِ لِثِقَلِ السّمْعِ وَالطّنِينِ وَالْقَيْحِ وَالْمَاءِ الْحَادِثِ فِي الْأُذُنِينَ وَيَنْفَعُ مِنْ الْمَاءِ النّازِلِ فِي الْعَيْنَيْنِ اكْتِحَالًا يُكْتَحَلُ بِبَزْرِهِ مَعَ الْعَسَلِ لِبَيَاضِ الْعَيْنِ وَالْمَطْبُوخُ مِنْهُ كَثِيرُ الْغِذَاءِ يَنْفَعُ مِنْ الْيَرَقَانِ وَالسّعَالِ وَخُشُونَةِ الصّدْرِ وَيُدِرّ الْبَوْلَ وَيُلَيّنُ الطّبْعَ وَيَنْفَعُ مِنْ عَضّةِ الْكَلْبِ غَيْرِ الْكَلِبِ إذَا نُطِلَ عَلَيْهَا مَاؤُهُ بِمِلْحٍ وَسَذَابٍ وَإِذَا اُحْتُمِلَ فَتَحَ أَفْوَاهِ الْبَوَاسِيرِ . [ ضَرَرُ البَصَل ] وَأَمّا ضَرَرُهُ فَإِنّهُ يُورِثُ الشّقِيقَةَ وَيُصَدّعُ الرّأْسَ وَيُوَلّدُ أَرْيَاحًا وَيُظْلِمُ الْبَصَرَ وَكَثْرَةُ أَكْلِهِ تُورِثُ النّسْيَانَ وَيُفْسِدُ الْعَقْلَ وَيُغَيّرُ رَائِحَةَ الْفَمِ وَالنّكْهَةِ [ ص 267 ] وَفِي السّنَنِ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ آكِلَهُ وَآكِلَ الثّومِ أَنْ يُمِيتَهُمَا طَبْخًا وَيُذْهِبَ رَائِحَتَهُ مَضْغُ وَرَقِ السّذَابِ عَلَيْهِ. بَاذِنْجَانٌ فِي الْحَدِيثِ الْمَوْضُوعِ الْمُخْتَلَقِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْبَاذِنْجَانُ لِمَا أُكِلَ لَهُ وَهَذَا الْكَلَامُ مِمّا يُسْتَقْبَحُ نِسْبَتُهُ إلَى آحَادِ الْعُقَلَاءِ فَضْلًا عَنْ الْأَنْبِيَاءِ وَبَعْدُ فَهُوَ نَوْعَانِ أَبْيَضُ وَأَسْوَدُ وَفِيهِ خِلَافٌ هَلْ هُوَ بَارِدٌ أَوْ حَارّ ؟ وَالصّحِيحُ أَنّهُ حَارّ وَهُوَ مُوَلّدٌ لِلسّوْدَاءِ وَالْبَوَاسِيرِ وَالسّدَدِ وَالسّرَطَانِ وَالْجُذَامِ وَيُفْسِدُ اللّوْنَ وَيُسَوّدُهُ وَيَضُرّ بِنَتِنِ الْفَمِ وَالْأَبْيَضُ مِنْهُ الْمُسْتَطِيلُ عَارٍ مِنْ ذَلِكَ . حَرْفُ التّاءِ تَمْرٌ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحِ " عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ تَصَبّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ وَفِي لَفْظٍ مِنْ تَمْرِ الْعَالِيَةِ لَمْ يَضُرّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سَمّ وَلَا سِحْرٌ وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ بَيْتٌ لَا تَمْرَ فِيهِ جِيَاعٌ أَهْلُهُ وَثَبَتَ عَنْهُ أَكْلُ التّمْرِ بِالزّبْدِ وَأَكْلُ التّمْرِ بِالْخُبْزِ وَأَكْلُهُ مُفْرَدًا . وَهُوَ حَارّ فِي الثّانِيَةِ وَهَلْ هُوَ رَطْبٌ فِي الْأُولَى أَوْ يَابِسٌ فِيهَا ؟ . عَلَى [ ص 268 ] تِرْيَاقِيّةٌ فَإِذَا أُدِيمَ اسْتِعْمَالُهُ عَلَى الرّيقِ خَفّفَ مَادّةَ الدّودِ وَأَضْعَفَهُ وَقَلّلَهُ أَوْ قَتَلَهُ وَهُوَ فَاكِهَةٌ وَغِذَاءٌ وَدَوَاءٌ وَشَرَابٌ وَحَلْوَى . تِينٌ لَمّا لَمْ يَكُنْ التّينُ بِأَرْضِ الْحِجَازِ وَالْمَدِينَةِ لَمْ يَأْتِ لَهُ ذِكْرٌ فِي السّنّةِ فَإِنّ أَرْضَهُ تُنَافِي أَرْضَ النّخْلِ وَلَكِنْ قَدْ أَقْسَمَ اللّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ لِكَثْرَةِ مَنَافِعِهِ وَفَوَائِدِهِ وَالصّحِيحُ أَنّ الْمُقْسَمَ بِهِ هُوَ التّينُ الْمَعْرُوفُ . وَهُوَ حَارّ وَفِي رُطُوبَتِهِ وَيُبُوسَتِهِ قَوْلَانِ وَأَجْوَدُهُ الْأَبْيَضُ النّاضِجُ الْقِشْرُ يَجْلُو رَمْلَ الْكُلَى وَالْمَثَانَةِ وَيُؤَمّنُ مِنْ السّمُومِ وَهُوَ أَغْذَى مِنْ جَمِيعِ الْفَوَاكِهِ وَيَنْفَعُ خُشُونَةَ الْحَلْقِ وَالصّدْرِ وَقَصَبَةِ الرّئَةِ وَيَغْسِلُ الْكَبِدَ وَالطّحَالَ وَيُنَقّي الْخَلْطَ الْبَلْغَمِيّ مِنْ الْمَعِدَةِ وَيَغْذُو الْبَدَنَ غِذَاءً جَيّدًا إلّا أَنّهُ يُوَلّدُ الْقَمْلَ إذَا أَكْثَرَ مِنْهُ جِدّا . وَيَابِسُهُ يَغْذُو وَيَنْفَعُ الْعَصَبَ وَهُوَ مَعَ الْجَوْزِ وَاللّوْزِ مَحْمُودٌ قَالَ جالينوس : " وَإِذَا أُكِلَ مَعَ الْجَوْزِ وَالسّذَابِ قَبْلَ أَخْذِ السّمّ الْقَاتِلِ نَفَعَ وَحَفِظَ مِنْ الضّرَرِ . وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي الدّرْدَاءِ أُهْدِيَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ طَبَقٌ مِنْ تِينٍ فَقَالَ " كُلُوا وَأَكَلَ مِنْهُ وَقَالَ " لَوْ قُلْتُ إنّ فَاكِهَةً نَزَلَتْ مِنْ الْجَنّةِ قُلْت : هَذِهِ لِأَنّ فَاكِهَةَ الْجَنّةِ بِلَا عَجَمٍ فَكُلُوا مِنْهَا فَإِنّهَا تَقْطَعُ الْبَوَاسِيرَ وَتَنْفَعُ مِنْ النّقْرِسِ وَفِي ثُبُوتِ هَذَا نَظَرٌ . [ ص 269 ] وَاللّحْمُ مِنْهُ أَجْوَدُ وَيُعَطّشُ الْمَحْرُورِينَ وَيُسَكّنُ الْعَطَشَ الْكَائِنَ عَنْ الْبَلْغَمِ الْمَالِحِ وَيَنْفَعُ السّعَالَ الْمُزْمِنَ وَيُدِرّ الْبَوْلَ وَيَفْتَحُ سُدَدَ الْكَبِدِ وَالطّحَالِ وَيُوَافِقُ الْكُلَى وَالْمَثَانَةَ وَلِأَكْلِهِ عَلَى الرّيقِ مَنْفَعَةٌ عَجِيبَةٌ فِي تَفْتِيحِ مَجَارِي الْغِذَاءِ وَخُصُوصًا بِاللّوْزِ وَالْجَوْزِ وَأَكْلُهُ مَعَ الْأَغْذِيَةِ الْغَلِيظَةِ رَدِيءٌ جِدّا وَالتّوتُ الْأَبْيَضُ قَرِيبٌ مِنْهُ لَكِنّهُ أَقَلّ تَغْذِيَةً وَأَضَرّ بِالْمَعِدَةِ . تَلْبِينَةٌ قَدْ تَقَدّمَ إنّهَا مَاءُ الشّعِيرِ الْمَطْحُونِ وَذَكَرْنَا مَنَافِعَهَا وَأَنّهَا أَنْفَعُ لِأَهْلِ الْحِجَازِ مِنْ مَاءِ الشّعِيرِ الصّحِيحِ . حَرْفُ الثّاءِ ثَلْجٌ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحِ " : عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ اللّهُمّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِالْمَاءِ وَالثّلْجِ وَالْبَرَدِ [ الدّاءُ يُدَاوَى بِضِدّهِ ] وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ الْفِقْهِ أَنّ الدّاءَ يُدَاوَى بِضَدّهِ فَإِنّ فِي الْخَطَايَا مِنْ الْحَرَارَةِ وَالْحَرِيقِ مَا يُضَادّهُ الثّلْجُ وَالْبَرَدُ وَالْمَاءُ الْبَارِدُ وَلَا يُقَالُ إنّ الْمَاءَ الْحَارّ أَبْلَغُ فِي إزَالَةِ الْوَسَخِ لِأَنّ فِي الْمَاءِ الْبَارِدِ مِنْ تَصْلِيبِ الْجِسْمِ وَتَقْوِيَتِهِ مَا لَيْسَ فِي الْحَارّ وَالْخَطَايَا تُوجِبُ أَثَرَيْنِ التّدْنِيسَ وَالْإِرْخَاءَ فَالْمَطْلُوبُ مُدَاوَاتُهَا بِمَا يُنَظّفُ الْقَلْبَ وَيُصَلّبُهُ فَذَكَرَ الْمَاءَ الْبَارِدَ وَالثّلْجَ وَالْبَرَدَ إشَارَةً إلَى هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ . وَبَعْدُ فَالثّلْجُ بَارِدٌ عَلَى الْأَصَحّ وَغَلِطَ مَنْ قَالَ حَارّ وَشُبْهَتُهُ تَوَلّدُ الْحَيَوَانِ فِيهِ وَهَذَا لَا يَدُلّ عَلَى حَرَارَتِهِ فَإِنّهُ يَتَوَلّدُ فِي الْفَوَاكِهِ الْبَارِدَةِ وَفِي الْخَلّ وَأَمّا تَعْطِيشُهُ فَلِتَهْيِيجِهِ الْحَرَارَةَ لَا لِحَرَارَتِهِ فِي نَفْسِهِ وَيَضُرّ الْمَعِدَةَ وَالْعَصَبَ وَإِذَا [ ص 270 ] كَانَ وَجَعُ الْأَسْنَانِ مِنْ حَرَارَةٍ مُفْرِطَةٍ سَكّنَهَا . ثُومٌ هُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْبَصَلِ وَفِي الْحَدِيثِ مَنْ أَكَلَهُمَا فَلْيُمِتْهُمَا طَبْخًا وَأُهْدِيَ إلَيْهِ طَعَامٌ فِيهِ ثُومٌ فَأَرْسَلَ بِهِ إلَى أَبِي أَيّوبَ الْأَنْصَارِيّ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ تَكْرَهُهُ وَتُرْسِلُ بِهِ إلَيّ ؟ فَقَالَ إنّي أُنَاجِي مَنْ لَا تُنَاجِي وَبَعْدُ فَهُوَ حَارّ يَابِسٌ فِي الرّابِعَةِ يُسَخّنُ تَسْخِينًا قَوِيّا وَيُجَفّفُ تَجْفِيفًا بَالِغًا نَافِعٌ لِلْمَبْرُودِينَ وَلِمَنْ مِزَاجُهُ بَلْغَمِيّ وَلِمَنْ أَشْرَفَ عَلَى الْوُقُوعِ فِي الْفَالِجِ وَهُوَ مُجَفّفٌ لِلْمَنِيّ مُفَتّحٌ لِلسّدَدِ مُحَلّلٌ لِلرّيَاحِ الْغَلِيظَةِ هَاضِمٌ لِلطّعَامِ قَاطِعٌ لِلْعَطَشِ مُطْلِقٌ لِلْبَطْنِ مُدِرّ لِلْبَوْلِ يَقُومُ فِي لَسْعِ الْهَوَامّ وَجَمِيعِ الْأَوْرَامِ الْبَارِدَةِ مَقَامَ التّرْيَاقِ وَإِذَا دُقّ وَعُمِلَ مِنْهُ ضِمَادٌ عَلَى نَهْشِ الْحَيّاتِ أَوْ عَلَى لَسْعِ الْعَقَارِبِ نَفَعَهَا وَجَذَبَ السّمُومَ مِنْهَا وَيُسَخّنُ الْبَدَنَ وَيَزِيدُ فِي حَرَارَتِهِ وَيَقْطَعُ الْبَلْغَمَ وَيُحَلّلُ النّفْخَ وَيُصَفّي الْحَلْقَ وَيَحْفَظُ صِحّةَ أَكْثَرِ الْأَبْدَانِ وَيَنْفَعُ مَنْ تَغَيّرِ الْمِيَاهِ وَالسّعَالِ الْمُزْمِنِ وَيُؤْكَلُ نِيئًا وَمَطْبُوخًا وَمَشْوِيّا [ ص 271 ] دُقّ مَعَ الْخَلّ وَالْمِلْحِ وَالْعَسَلِ ثُمّ وُضِعَ عَلَى الضّرْسِ الْمُتَأَكّلِ فَتّتَهُ وَأَسْقَطَهُ وَعَلَى الضّرْسِ الْوَجِعِ سَكّنَ وَجَعَهُ . وَإِنّ دُقّ مِنْهُ مِقْدَارُ دِرْهَمَيْنِ وَأُخِذَ مَعَ مَاءِ الْعَسَلِ أَخْرَجَ الْبَلْغَمَ وَالدّودَ وَإِذَا طُلِيَ بِالْعَسَلِ عَلَى الْبَهَقِ نَفَعَ . [ مَضَارال ثوم ] وَمِنْ مَضَارّهِ أَنّهُ يُصَدّعُ وَيَضُرّ الدّمَاغَ وَالْعَيْنَيْنِ وَيُضْعِفُ الْبَصَرَ وَالْبَاهَ وَيُعَطّشُ وَيُهَيّجُ الصّفْرَاءَ وَيَجِيفُ رَائِحَةَ الْفَمِ وَيُذْهِبُ رَائِحَتَهُ أَنْ يُمْضَغَ عَلَيْهِ وَرَقُ السّذَابِ . ثَرِيدٌ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْن ِ " عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ فَضْلُ عَائِشَةَ عَلَى النّسَاءِ كَفَضْلِ الثّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطّعَامِ وَالثّرِيد ُ وَإِنْ كَانَ مُرَكّبًا فَإِنّهُ مُرَكّبٌ مِنْ خُبْزٍ وَلَحْمٍ فَالْخُبْزُ أَفْضَلُ الْأَقْوَاتِ وَاللّحْمُ سَيّدُ الْإِدَامِ فَإِذَا اجْتَمَعَا لَمْ يَكُنْ بَعْدَهُمَا غَايَةٌ . [ تَنَازُعُ النّاسِ فِي أَفْضَلِيّةِ اللّحْمِ عَلَى الْخُبْزِ ] وَتَنَازَعَ النّاسُ أَيّهُمَا أَفْضَلُ ؟ وَالصّوَابُ أَنّ الْحَاجَةَ إلَى الْخُبْزِ أَكْثَرُ وَأَعَمّ وَاللّحْمُ أَجَلّ وَأَفْضَلُ وَهُوَ أَشْبَهُ بِجَوْهَرِ الْبَدَنِ مِنْ كُلّ مَا عَدَاهُ وَهُوَ طَعَامُ أَهْلِ الْجَنّةِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى لِمَنْ طَلَبَ الْبَقْلَ وَالْقِثّاءَ وَالْفُوَمَ وَالْعَدَسَ وَالْبَصَلَ { أَتَسْتَبْدِلُونَ الّذِي هُوَ أَدْنَى بِالّذِي هُوَ خَيْرٌ } [ الْبَقَرَةِ 62 ] وَكَثِيرٌ مِنْ السّلَفِ عَلَى أَنّ الْفُومَ الْحِنْطَةُ وَعَلَى هَذَا فَالْآيَةُ نَصّ عَلَى أَنّ اللّحْمَ خَيْرٌ مِنْ الْحِنْطَةِ . حَرْفُ الْجِيمِ جُمّارٌ قَلْبُ النّخْلِ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جُلُوسٌ إذْ أُتِيَ بِجُمّارِ نَخْلَةٍ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ مِنْ الشّجَرِ شَجَرَةً مِثْلَ الرّجُلِ الْمُسْلِمِ لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا الْحَدِيثَ " . [ ص 272 ] وَالْجُمّارُ بَارِدٌ يَابِسٌ فِي الْأُولَى يَخْتِمُ الْقُرُوحَ وَيَنْفَعُ مِنْ نَفْثِ الدّمِ وَاسْتِطْلَاقِ الْبَطْنِ وَغَلَبَةِ الْمِرّةِ الصّفْرَاءِ وَثَائِرَةِ الدّمِ وَلَيْسَ بِرَدِيءِ الْكَيْمُوسِ وَيَغْذُو غِذَاءً يَسِيرًا وَهُوَ بَطِيءُ الْهَضْمِ وَشَجَرَتُهُ كُلّهَا مَنَافِعُ وَلِهَذَا مَثّلَهَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالرّجُلِ الْمُسْلِمِ لِكَثْرَةِ خَيْرِهِ وَمَنَافِعِهِ . جُبْنٌ فِي " السّنَنِ " عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ أُتِيَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِجُبْنَةٍ فِي تَبُوكَ فَدَعَا بِسِكّينٍ وَسَمّى وَقَطَعَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَأَكَلَهُ الصّحَابَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ بِالشّامِ وَالْعِرَاقِ وَالرّطَبُ مِنْهُ غَيْرُ الْمَمْلُوحِ جَيّدٌ لِلْمَعِدَةِ هَيّنُ السّلُوكِ فِي الْأَعْضَاءِ يَزِيدُ فِي اللّحْمِ وَيُلَيّنُ الْبَطْنَ تَلْيِينًا مُعْتَدِلًا وَالْمَمْلُوحُ أَقَلّ غِذَاءً مِنْ الرّطَبِ وَهُوَ رَدِيءٌ لِلْمَعِدَةِ مُؤْذٍ لِلْأَمْعَاءِ وَالْعَتِيقُ يَعْقِلُ الْبَطْنَ وَكَذَا الْمَشْوِيّ وَيَنْفَعُ الْقُرُوحَ وَيَمْنَعُ الْإِسْهَالَ . وَهُوَ بَارِدٌ رَطْبٌ فَإِنْ اُسْتُعْمِلَ مَشْوِيّا كَانَ أَصْلَحَ لِمِزَاجِهِ فَإِنّ النّارَ تُصْلِحُهُ وَتُعَدّلُهُ وَتُلَطّفُ جَوْهَرَهُ وَتُطَيّبُ طَعْمَهُ وَرَائِحَتَهُ . وَالْعَتِيقُ الْمَالِحُ حَارّ يَابِسٌ وَشَيّهُ يُصْلِحُهُ أَيْضًا بِتَلْطِيفِ جَوْهَرِهِ وَكَسْرِ حَرَافَتِهِ لِمَا تَجْذِبُهُ النّارُ مِنْهُ مِنْ الْأَجْزَاءِ الْحَارّةِ الْيَابِسَةِ الْمُنَاسِبَةِ لَهَا وَالْمُمَلّحُ مِنْهُ يُهْزِلُ وَيُوَلّدُ حَصَاةَ الْكُلَى وَالْمَثَانَةِ وَهُوَ رَدِيءٌ لِلْمَعِدَةِ وَخَلْطُهُ بِالْمُلَطّفَاتِ أَرْدَأُ بِسَبَبِ تَنْفِيذِهَا لَهُ إلَى الْمَعِدَةِ . حَرْفُ الْحَاءِ حِنّاءٌ قَدْ تَقَدّمَتْ الْأَحَادِيثُ فِي فَضْلِهِ وَذِكْرِ مَنَافِعِهِ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ . [ ص 273 ] حَبّةُ السّوْدَاءِ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ عَلَيْكُمْ بِهَذِهِ الْحَبّةِ السّوْدَاءِ فَإِنّ فِيهَا شِفَاءً مِنْ كُلّ دَاءٍ إلّا السّامَ وَالسّامُ الْمَوْتُ . الْحَبّةُ السّوْدَاءُ هِيَ الشّونِيزُ فِي لُغَةِ الْفُرْسِ وَهِيَ الْكَمّونُ الْأَسْوَدُ وَتُسَمّى الْكَمّونُ الْهِنْدِيّ قَالَ الْحَرْبِيّ عَنْ الْحَسَنِ إنّهَا الْخَرْدَلُ وَحَكَى الْهَرَوِيّ أَنّهَا الْحَبّةُ الْخَضْرَاءُ ثَمَرَةُ الْبُطْمِ وَكِلَاهُمَا وَهْمٌ وَالصّوَابُ أَنّهَا الشّونِيزُ . وَهِيَ كَثِيرَةُ الْمَنَافِعِ جِدّا وَقَوْلُهُ " شِفَاءً مِنْ كُلّ دَاءٍ " مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى : { تُدَمّرُ كُلّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبّهَا } [ الْأَحْقَافِ 25 ] أَيْ كُلّ شَيْءٍ يَقْبَلُ التّدْمِيرَ وَنَظَائِرَهُ وَهِيَ نَافِعَةٌ مِنْ جَمِيعِ الْأَمْرَاضِ الْبَارِدَةِ وَتَدْخُلُ فِي الْأَمْرَاضِ الْحَارّةِ الْيَابِسَةِ بِالْعَرْضِ فَتُوَصّلُ قُوَى الْأَدْوِيَةِ الْبَارِدَةِ الرّطْبَةِ إلَيْهَا بِسُرْعَةِ تَنْفِيذِهَا إذَا أَخَذَ يَسِيرَهَا . وَقَدْ نَصّ صَاحِبُ " الْقَانُونِ " وَغَيْرُهُ عَلَى الزّعْفَرَانِ فِي قُرْصِ الْكَافُورِ لِسُرْعَةِ تَنْفِيذِهِ وَإِيصَالِهِ قُوّتَهُ وَلَهُ نَظَائِرُ يَعْرِفُهَا حُذّاقُ الصّنَاعَةِ وَلَا تَسْتَبْعِدْ مَنْفَعَةَ الْحَارّ فِي أَمْرَاضٍ حَارّةٍ بِالْخَاصّيّةِ فَإِنّك تَجِدُ ذَلِكَ فِي أَدْوِيَةٍ كَثِيرَةٍ مِنْهَا : الأنزروت وَمَا يُرَكّبُ مَعَهُ مِنْ أَدْوِيَةِ الرّمَدِ كَالسّكّرِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُفْرَدَاتِ الْحَارّةِ وَالرّمَدُ وَرَمٌ حَارّ بِاتّفَاقِ الْأَطِبّاءِ وَكَذَلِكَ نَفْعُ الْكِبْرِيتِ الْحَارّ جِدّا مِنْ الْجَرَبِ . وَالشّونِيزُ حَارّ يَابِسٌ فِي الثّالِثَةِ مُذْهِبٌ لِلنّفْخِ مُخْرِجٌ لِحَبّ الْقَرَعِ نَافِعٌ مِنْ الْبَرَصِ وَحُمّى الرّبْعِ وَالْبَلْغَمِيّةِ مُفَتّحٌ لِلسّدَدِ وَمُحَلّلٌ لِلرّيَاحِ مُجَفّفٌ لِبَلّةِ الْمَعِدَةِ وَرُطُوبَتِهَا . وَإِنْ دُقّ وَعُجِنَ بِالْعَسَلِ وَشُرِبَ بِالْمَاءِ الْحَارّ أَذَابَ الْحَصَاةَ الّتِي تَكُونُ فِي الْكُلْيَتَيْنِ وَالْمَثَانَةِ وَيُدِرّ الْبَوْلَ وَالْحَيْضَ وَاللّبَنَ إذَا أُدِيمَ شُرْبُهُ أَيّامًا [ ص 274 ] وَطُلِيَ عَلَى الْبَطْنِ قَتَلَ حَبّ الْقَرَعِ فَإِنْ عُجِنَ بِمَاءِ الْحَنْظَلِ الرّطْبِ أَوْ الْمَطْبُوخِ كَانَ فِعْلُهُ فِي إخْرَاجِ الدّودِ أَقْوَى وَيَجْلُو وَيَقْطَعُ وَيُحَلّلُ وَيَشْفِي مِنْ الزّكَامِ الْبَارِدِ إذَا دُقّ وَصُيّرَ فِي خِرْقَةٍ وَاشْتُمّ دَائِمًا أَذْهَبَهُ . وَدُهْنُهُ نَافِعٌ لِدَاءِ الْحَيّةِ وَمِنْ الثّآلِيلِ وَالْخِيلَانِ وَإِذَا شُرِبَ مِنْهُ مِثْقَالٌ بِمَاءٍ نَفَعَ مِنْ الْبَهَرِ وَضِيقِ النّفَسِ وَالضّمَادُ بِهِ يَنْفَعُ مِنْ الصّدَاعِ الْبَارِدِ وَإِذَا نُقِعَ مِنْهُ سَبْعُ حَبّاتٍ عَدَدًا فِي لَبَنِ امْرَأَةٍ وَسُعِطَ بِهِ صَاحِبُ الْيَرَقَانِ نَفَعَهُ نَفْعًا بَلِيغًا . وَإِذَا طُبِخَ بِخَلّ وَتُمُضْمِضَ بِهِ نَفَعَ مِنْ وَجَعِ الْأَسْنَانِ عَنْ بَرْدٍ وَإِذَا اُسْتُعِطَ بِهِ مَسْحُوقًا نَفَعَ مِنْ ابْتِدَاءِ الْمَاءِ الْعَارِضِ فِي الْعَيْنِ وَإِنْ ضُمّدَ بِهِ مَعَ الْخَلّ قَلَعَ الْبُثُورَ وَالْجَرَبَ الْمُتَقَرّحَ وَحَلّلَ الْأَوْرَامَ الْبَلْغَمِيّةَ الْمُزْمِنَةَ وَالْأَوْرَامَ الصّلْبَةَ وَيَنْفَعُ مِنْ اللّقْوَةِ إذَا تُسُعّطَ بِدُهْنِهِ وَإِذَا شُرِبَ مِنْهُ مِقْدَارُ نِصْفِ مِثْقَالٍ إلَى مِثْقَالٍ نَفَعَ مِنْ لَسْعِ الرّتَيْلَاءِ وَإِنْ سُحِقَ نَاعِمًا وَخُلِطَ بِدُهْنِ الْحَبّةِ الْخَضْرَاءِ وَقُطِرَ مِنْهُ فِي الْأُذُنِ ثَلَاثَ قَطَرَاتٍ نَفَعَ مِنْ الْبَرْدِ الْعَارِضِ فِيهَا وَالرّيحِ وَالسّدَدِ . وَإِنْ قُلِيَ ثُمّ دُقّ نَاعِمًا ثُمّ نُقِعَ فِي زَيْتٍ وَقُطِرَ فِي الْأَنْفِ ثَلَاثُ قَطَرَاتٍ أَوْ أَرْبَعُ نَفَعَ مِنْ الزّكَامِ الْعَارِضِ مَعَهُ عُطَاسٌ كَثِيرٌ . وَإِذَا أُحْرِقَ وَخُلِطَ بِشَمْعٍ مُذَابٍ بِدُهْنِ السّوْسَنِ أَوْ دُهْنِ الْحِنّاءِ وَطُلِيَ بِهِ الْقُرُوحُ الْخَارِجَةُ مِنْ السّاقَيْنِ بَعْدَ غَسْلِهَا بِالْخَلّ نَفَعَهَا وَأَزَالَ الْقُرُوحَ . وَإِذَا سُحِقَ بِخَلّ وَطُلِيَ بِهِ الْبَرَصُ وَالْبَهَقُ الْأَسْوَدُ وَالْحَزَازُ الْغَلِيظُ نَفَعَهَا وَأَبْرَأَهَا . [ ص 275 ] وَإِذَا سُحِقَ نَاعِمًا وَاسْتُفّ مِنْهُ كُلّ يَوْمٍ دِرْهَمَيْنِ بِمَاءٍ بَارِدٍ مَنْ عَضّهُ كَلْبٌ كَلِبٌ قَبْلَ أَنْ يَفْرُغَ مِنْ الْمَاءِ نَفَعَهُ نَفْعًا بَلِيغًا وَأَمِنَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْهَلَاكِ . وَإِذَا اُسْتُعِطَ بِدُهْنِهِ نَفَعَ مِنْ الْفَالِجِ وَالْكُزَازِ وَقَطَعَ مَوَادّهُمَا وَإِذَا دُخّنَ بِهِ طَرَدَ الْهَوَامّ . وَإِذَا أُذِيبَ الأنزروت بِمَاءٍ وَلُطِخَ عَلَى دَاخِلِ الْحَلْقَةِ ثُمّ ذُرّ عَلَيْهَا الشّونِيزُ كَانَ مِنْ الذرورات الْجَيّدَةِ الْعَجِيبَةِ النّفْعِ مِنْ الْبَوَاسِيرِ وَمَنَافِعُهُ أَضْعَافُ مَا ذَكَرْنَا وَالشّرْبَةُ مِنْهُ دِرْهَمَانِ وَزَعَمَ قَوْمٌ أَنّ الْإِكْثَارَ مِنْهُ قَاتِلٌ . حَرِيرٌ قَدْ تَقَدّمَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبَاحَهُ لِلزّبَيْرِ وَلِعَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ مِنْ حِكّةٍ كَانَتْ بِهِمَا وَتَقَدّمَ مَنَافِعُهُ وَمِزَاجُهُ فَلَا حَاجَةَ إلَى إعَادَتِهِ . حُرْفٌ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الدّينَوَرِيّ : هَذَا هُوَ الْحَبّ الّذِي يُتَدَاوَى بِهِ وَهُوَ الثّفّاءُ الّذِي جَاءَ فِيهِ الْخَبَرُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَنَبَاتُهُ يُقَالُ لَهُ الْحُرْفُ وَتُسَمّيهِ الْعَامّةُ الرّشَادُ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : الثّفّاءُ هُوَ الْحُرْفُ . قُلْت : وَالْحَدِيثُ الّذِي أَشَارَ إلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ مَاذَا فِي الْأَمَرّيْنِ مِنْ الشّفَاءِ ؟ الصّبِرُ وَالثّفّاءُ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي الْمَرَاسِيلِ . وَقُوّتُهُ فِي الْحَرَارَةِ وَالْيُبُوسَةِ فِي الدّرَجَةِ الثّالِثَةِ وَهُوَ يُسَخّنُ وَيُلَيّنُ الْبَطْنَ وَيُخْرِجُ الدّودَ وَحَبّ الْقَرَعِ وَيُحَلّلُ أَوْرَامَ الطّحَالِ وَيُحَرّكُ شَهْوَةَ الْجِمَاعِ وَيَجْلُو الْجَرَبَ الْمُتَقَرّحَ وَالْقُوَبَاءَ . وَإِذَا ضُمّدَ بِهِ مَعَ الْعَسَلِ حَلّلَ وَرَمَ الطّحَالِ وَإِذَا طُبِخَ مَعَ الْحِنّاءِ أَخْرَجَ الْفُضُولَ الّتِي فِي الصّدْرِ وَشُرْبُهُ يَنْفَعُ مِنْ نَهْشِ الْهَوَامّ وَلَسْعِهَا وَإِذَا دُخّنَ بِهِ فِي [ ص 276 ] طَرَدَ الْهَوَامّ عَنْهُ وَيُمْسِكُ الشّعْرَ الْمُتَسَاقِطَ وَإِذَا خُلِطَ بِسَوِيقِ الشّعِيرِ وَالْخَلّ وَتُضُمّدَ بِهِ نَفَعَ مِنْ عِرْقِ النّسَا وَحَلّلَ الْأَوْرَامَ الْحَارّةَ فِي آخِرِهَا . وَإِذَا تُضُمّدَ بِهِ مَعَ الْمَاءِ وَالْمِلْحِ أَنْضَجَ الدّمَامِيلَ وَيَنْفَعُ مِنْ الِاسْتِرْخَاءِ فِي جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ وَيَزِيدُ فِي الْبَاهِ وَيُشَهّي الطّعَامَ وَيَنْفَعُ الرّبْوَ وَعُسْرَ التّنَفّسِ وَغِلَظَ الطّحَالِ وَيُنَقّي الرّئَةَ وَيُدِرّ الطّمْثَ وَيَنْفَعُ مِنْ عِرْقِ النّسَا وَوَجَعِ حُقّ الْوَرِكِ مِمّا يَخْرُجُ مِنْ الْفُضُولِ إذَا شُرِبَ أَوْ احْتُقِنَ بِهِ وَيَجْلُو مَا فِي الصّدْرِ وَالرّئَةِ مِنْ الْبَلْغَمِ اللّزِجِ . وَإِنْ شُرِبَ مِنْهُ بَعْدَ سَحْقِهِ وَزْنُ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ بِالْمَاءِ الْحَارّ أَسْهَلَ الطّبِيعَةَ وَحَلّلَ الرّيَاحَ وَنَفَعَ مِنْ وَجَعِ الْقُولَنْجِ الْبَارِدِ السّبَبِ وَإِذَا سُحِقَ وَشُرِبَ نَفَعَ مِنْ الْبَرَصِ . وَإِنْ لُطّخَ عَلَيْهِ وَعَلَى الْبَهَقِ الْأَبْيَضِ بِالْخَلّ نَفَعَ مِنْهُمَا وَيَنْفَعُ مِنْ الصّدَاعِ الْحَادِثِ مِنْ الْبَرْدِ وَالْبَلْغَمِ وَإِنْ قُلِيَ وَشُرِبَ عَقَلَ الطّبْعَ لَا سِيّمَا إذَا لَمْ يُسْحَقْ لِتَحَلّلِ لُزُوجَتِهِ بِالْقَلْيِ وَإِذَا غُسِلَ بِمَائِهِ الرّأْسُ نَقّاهُ مِنْ الْأَوْسَاخِ وَالرّطُوبَاتِ اللّزِجَةِ . قَالَ جالينوس : قُوّتُهُ مِثْلُ قُوّةِ بَزْرِ الْخَرْدَلِ وَلِذَلِكَ قَدْ يُسَخّنُ بِهِ أَوْجَاعُ الْوَرِكِ الْمَعْرُوفَةُ بِالنّسَا وَأَوْجَاعُ الرّأْسِ وَكُلّ وَاحِدٍ مِنْ الْعِلَلِ الّتِي تَحْتَاجُ إلَى التّسْخِينِ كَمَا يُسَخّنُ بَزْرُ الْخَرْدَلِ وَقَدْ يُخْلَطُ أَيْضًا فِي أَدْوِيَةٍ يُسْقَاهَا أَصْحَابُ الرّبْوِ مِنْ طَرِيقِ أَنّ الْأَمْرَ فِيهِ مَعْلُومٌ أَنّهُ يُقَطّعُ الْأَخْلَاطَ الْغَلِيظَةَ تَقْطِيعًا قَوِيّا كَمَا يَقْطَعُهَا بَزْرُ الْخَرْدَلِ لِأَنّهُ شَبِيهٌ بِهِ فِي كُلّ شَيْءٍ . حُلْبَةٌ يُذْكَرُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ عَاد سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ بِمَكّةَ فَقَالَ اُدْعُوا لَهُ طَبِيبًا فَدُعِيَ الْحَارِثُ بْنُ كَلَدَةَ فَنَظَرَ إلَيْهِ فَقَالَ لَيْسَ عَلَيْهِ بَأْسٌ فَاِتّخِذُوا لَهُ فَرِيقَةً وَهِيَ الْحُلْبَةُ مَعَ تَمْرِ عَجْوَةٍ رَطْبٍ يُطْبَخَانِ فَيَحْسَاهُمَا فَفَعَلَ ذَلِكَ فَبَرِئَ [ ص 277 ] وَقُوّةُ الْحُلْبَةِ مِنْ الْحَرَارَةِ فِي الدّرَجَةِ الثّانِيَةِ وَمِنْ الْيُبُوسَةِ فِي الْأُولَى وَإِذَا طُبِخَتْ بِالْمَاءِ لَيّنَتْ الْحَلْقَ وَالصّدْرَ وَالْبَطْنَ وَتُسَكّنُ السّعَالَ وَالْخُشُونَةَ وَالرّبْوَ وَعُسْرَ النّفَسِ وَتَزِيدُ فِي الْبَاهِ وَهِيَ جَيّدَةٌ لِلرّيحِ وَالْبَلْغَمِ وَالْبَوَاسِيرِ مُحْدِرَةُ الْكَيْمُوسَاتِ الْمُرْتَبِكَةِ فِي الْأَمْعَاءِ وَتُحَلّلُ الْبَلْغَمَ اللّزِجَ مِنْ الصّدْرِ وَتَنْفَعُ مِنْ الدّبَيْلَاتِ وَأَمْرَاضِ الرّئَةِ وَتُسْتَعْمَلُ لِهَذِهِ الْأَدْوَاءِ فِي الْأَحْشَاءِ مَعَ السّمْنِ وَالْفَانِيذِ . وَإِذَا شُرِبَتْ مَعَ وَزْنِ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ فُوّةٍ أَدَرّتْ الْحَيْضَ وَإِذَا طُبِخَتْ وَغُسِلَ بِهَا الشّعْرُ جَعّدَتْهُ وَأَذْهَبَتْ الْحَزَازَ . وَدَقِيقُهَا إذَا خُلِطَ بِالنّطْرُونِ وَالْخَلّ وَضُمّدَ بِهِ حَلّلَ وَرَمَ الطّحَالِ وَقَدْ تَجْلِسُ الْمَرْأَةُ فِي الْمَاءِ الّذِي طُبِخَتْ فِيهِ الْحُلْبَةُ فَتَنْتَفِعُ بِهِ مِنْ وَجَعِ الرّحِمِ الْعَارِضِ مِنْ وَرَمٍ فِيهِ . وَإِذَا ضُمّدَ بِهِ الْأَوْرَامُ الصّلْبَةُ الْقَلِيلَةُ الْحَرَارَةُ نَفَعَتْهَا وَحَلّلَتْهَا وَإِذَا شُرِبَ مَاؤُهَا نَفَعَ مِنْ الْمَغَصِ الْعَارِضِ مِنْ الرّيَاحِ وَأَزْلَقَ الْأَمْعَاءَ . وَإِذَا أُكِلَتْ مَطْبُوخَةً بِالتّمْرِ أَوْ الْعَسَلِ أَوْ التّينِ عَلَى الرّيقِ حَلّلَتْ الْبَلْغَمَ اللّزِجَ الْعَارِضَ فِي الصّدْرِ وَالْمَعِدَةِ وَنَفَعَتْ مِنْ السّعَالِ الْمُتَطَاوِلِ مِنْهُ . [ ص 278 ] وَيُذْكَرُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ أَنّهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اسْتَشْفُوا بِالْحُلْبَةِ وَقَالَ بَعْضُ الْأَطِبّاءِ لَوْ عَلِمَ النّاسُ مَنَافِعَهَا لَاشْتَرَوْهَا بِوَزْنِهَا ذَهَبًا . حَرْفُ الْخَاءِ خُبْزٌ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ تَكُونُ الْأَرْضُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ خُبْزَةً وَاحِدَةً يَتَكَفّؤُهَا الْجَبّارُ بِيَدِهِ كَمَا يَكْفُؤُ أَحَدُكُمْ خُبْزَتَهُ فِي السّفَرِ نُزُلًا لِأَهْلِ الْجَنّةِ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " : مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ أَحَبّ الطّعَامِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الثّرِيدُ مِنْ الْخُبْزِ وَالثّرِيدُ مِنْ الْحَيْسِ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَدِدْتُ أَنّ عِنْدِي خُبْزَةً بَيْضَاءَ مِنْ بُرّةٍ سَمْرَاءَ مُلَبّقَةً بِسَمْنٍ وَلَبَنٍ " فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَاِتّخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ فَقَالَ فِي أَيّ شَيْءٍ كَانَ هَذَا السّمْنُ ؟ فَقَالَ فِي عُكّةِ ضَبّ فَقَالَ ارْفَعْهُ . [ ص 279 ] وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا تَرْفَعُهُ أَكْرِمُوا الْخُبْزَ وَمِنْ كَرَامَتِهِ أَنْ لَا يَنْتَظِرَ بِهِ الْإِدَامُ وَالْمَوْقُوفُ أَشْبَهُ فَلَا يَثْبُتُ رَفْعُهُ وَلَا رَفْعُ مَا قَبْلَهُ . [ لَا يَصِحّ حَدِيثٌ فِي النّهْيِ عَنْ قَطْعِ الْخُبْزِ بِالسّكّينِ ] وَأَمّا حَدِيثُ النّهْيِ عَنْ قَطْعِ الْخُبْزِ بِالسّكّينِ فَبَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَإِنّمَا الْمَرْوِيّ النّهْيُ عَنْ قَطْعِ اللّحْمِ بِالسّكّينِ وَلَا يَصِحّ أَيْضًا . قَالَ مُهَنّا : سَأَلْتُ أَحْمَدَ عَنْ حَدِيثِ أَبِي مَعْشَرٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا تَقْطَعُوا اللّحْمَ بِالسّكّينِ فَإِنّ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِ الْأَعَاجِمِ فَقَالَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ وَلَا يُعْرَفُ هَذَا وَحَدِيثُ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ خِلَافُ هَذَا وَحَدِيثُ الْمُغِيرَةِ - يَعْنِي بِحَدِيثِ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ - كَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَحْتَزّ مِنْ لَحْمِ الشّاةِ وَبِحَدِيثِ الْمُغِيرَةِ أَنّهُ لَمّا أَضَافَهُ أَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ ثُمّ أَخَذَ الشّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحُزّ فَصْلٌ [ أَنْوَاعُ الْخُبْزِ وَأَنْفَعُهَا ] وَأَحْمَدُ أَنْوَاعِ الْخُبْزِ أَجْوَدُهَا اخْتِمَارًا وَعَجْنًا ثُمّ خُبْزُ التّنّورِ أَجْوَدُ أَصْنَافِهِ [ ص 280 ] الْمَلّةِ فِي الْمَرْتَبَةِ الثّالِثَةِ وَأَجْوَدُهُ مَا اُتّخِذَ مِنْ الْحِنْطَةِ الْحَدِيثَةِ . وَأَكْثَرُ أَنْوَاعِهِ تَغْذِيَةً خُبْزُ السّمِيذِ وَهُوَ أَبْطَؤُهَا هَضْمًا لِقِلّةِ نُخَالَتِهِ وَيَتْلُوهُ خُبْزُ الْحُوّارَى ثُمّ الْخُشْكَارِ . [ أَفْضَلُ أَوْقَاتِ أَكْلِهِ بَعْدَ خَبْزِهِ ] وَأَحْمَدُ أَوْقَاتِ أَكْلِهِ فِي آخِرِ الْيَوْمِ الّذِي خُبِزَ فِيهِ وَاللّينُ مِنْهُ أَكْثَرُ تَلْيِينًا وَغِذَاءً وَتَرْطِيبًا وَأَسْرَعُ انْحِدَارًا وَالْيَابِسُ بِخِلَافِهِ . وَمِزَاجُ الْخُبْزِ مِنْ الْبُرّ حَارّ فِي وَسَطِ الدّرَجَةِ الثّانِيَةِ وَقَرِيبٌ مِنْ الِاعْتِدَالِ فِي الرّطُوبَةِ وَالْيُبُوسَةِ وَالْيُبْسُ يَغْلِبُ عَلَى مَا جَفّفَتْهُ النّارُ مِنْهُ وَالرّطُوبَةُ عَلَى ضِدّهِ . [ خُبْزُ الْحِنْطَةِ ] وَفِي خُبْزِ الْحِنْطَةِ خَاصّيّةٌ وَهُوَ أَنّهُ يُسَمّنُ سَرِيعًا وَخُبْزُ الْقَطَائِفِ يُوَلّدُ خَلْطًا غَلِيظًا وَالْفَتِيتُ نُفّاخٌ بَطِيءُ الْهَضْمِ وَالْمَعْمُولُ بِاللّبَنِ مُسَدّدٌ كَثِيرُ الْغِذَاءِ بَطِيءُ الِانْحِدَارِ . [ خُبْزُ الشّعِيرِ ] وَخُبْزُ الشّعِيرِ بَارِدٌ يَابِسٌ فِي الْأَوْلَى وَهُوَ أَقَلّ غِذَاءً مِنْ خُبْزِ الْحِنْطَةِ . خَلّ رَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " : عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَأَلَ أَهْلَهُ الْإِدَامَ فَقَالُوا : مَا عِنْدَنَا إلّا خَلّ فَدَعَا بِهِ وَجَعَلَ يَأْكُلُ وَيَقُولُ نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلّ نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلّ وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " عَنْ أُمّ سَعْدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نِعْمَ الْإِدَامُ الْخَلّ اللّهُمّ بَارِكْ فِي الْخَلّ فَإِنّهُ كَانَ إدَامَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلِي وَلَمْ يَفْتَقِرْ بَيْتٌ فِيهِ الْخَلّ الْخَلّ مُرَكّبٌ مِنْ الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ أَغْلَبُ عَلَيْهِ وَهُوَ يَابِسٌ فِي الثّالِثَةِ قَوِيّ التّجْفِيفِ يَمْنَعُ مِنْ انْصِبَابِ الْمَوَادّ وَيُلَطّفُ الطّبِيعَةَ وَخَلّ الْخَمْرِ يَنْفَعُ [ ص 281 ] الصّفْرَاءَ وَيَدْفَعُ ضَرَرَ الْأَدْوِيَةِ الْقَتّالَةِ وَيُحَلّلُ اللّبَنَ وَالدّمَ إذَا جَمَدَا فِي الْجَوْفِ وَيَنْفَعُ الطّحَالَ وَيَدْبُغُ الْمَعِدَةَ وَيَعْقِلُ الْبَطْنَ وَيَقْطَعُ الْعَطَشَ وَيَمْنَعُ الْوَرَمَ حَيْثُ يُرِيدُ أَنْ يَحْدُثَ وَيُعِينُ عَلَى الْهَضْمِ وَيُضَادّ الْبَلْغَمَ وَيُلَطّفُ الْأَغْذِيَةَ الْغَلِيظَةَ وَيُرِقّ الدّمَ . وَإِذَا شُرِبَ بِالْمِلْحِ نَفَعَ مِنْ أَكْلِ الْفِطْرِ الْقَتّالِ وَإِذَا اُحْتُسِيَ قَطَعَ الْعَلَقَ الْمُتَعَلّقَ بِأَصْلِ الْحَنَكِ وَإِذَا تُمُضْمِضَ بِهِ مُسَخّنًا نَفَعَ مِنْ وَجَعِ الْأَسْنَانِ وَقَوّى اللّثَةَ . وَهُوَ نَافِعٌ لِلدّاحِسِ إذَا طُلِيَ بِهِ وَالنّمْلَةِ وَالْأَوْرَامِ الْحَارّةِ وَحَرْقِ النّارِ وَهُوَ مُشَهّ لِلْأَكْلِ مُطَيّبٌ لِلْمَعِدَةِ صَالِحٌ لِلشّبَابِ وَفِي الصّيْفِ لِسُكّانِ الْبِلَادِ الْحَارّةِ . خِلَالٌ فِيهِ حَدِيثَانِ لَا يَثْبُتَانِ أَحَدُهُمَا : يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي أَيّوبَ الْأَنْصَارِيّ يَرْفَعُهُ يَا حَبّذَا الْمُتَخَلّلُونَ مِنْ الطّعَامِ إنّهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَشَدّ عَلَى الْمَلَكِ مِنْ بَقِيّةٍ تَبْقَى فِي الْفَمِ مِنْ الطّعَامِ وَفِيهِ وَاصِلُ بْنُ السّائِبِ قَالَ الْبُخَارِيّ وَالرّازِيّ : مُنْكَرُ الْحَدِيثِ وَقَالَ النّسَائِيّ وَالْأَزْدِيّ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ . الثّانِي : يُرْوَى مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَحْمَدَ : سَأَلْت أَبِي عَنْ شَيْخٍ رَوَى عَنْهُ صَالِحٌ الْوُحَاظِيّ يُقَالُ لَهُ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ الْأَنْصَارِيّ حَدّثَنَا عَطَاءٌ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُتَخَلّلَ بِاللّيطِ وَالْآسِ وَقَالَ إنّهُمَا يَسْقِيَانِ عُرُوقَ الْجُذَامِ فَقَالَ أَبِي : رَأَيْتُ مُحَمّدَ بْنَ عَبْدِ الْمَلِكِ - وَكَانَ أَعْمَى - يَضَعُ الْحَدِيثَ وَيَكْذِبُ . [ ص 282 ] اُتّخِذَ مِنْ عِيدَانِ الْأَخِلّةِ وَخَشَبِ الزّيْتُونِ وَالْخِلَافِ وَالتّخَلّلُ بِالْقَصَبِ وَالْآسِ وَالرّيْحَانِ والباذروج مُضِرّ . حَرْفُ الدّالِ دُهْنٌ رَوَى التّرْمِذِيّ فِي كِتَابِ " الشّمَائِل ِ " مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُكْثِرُ دُهْنَ رَأْسِهِ وَتَسْرِيحَ لِحْيَتِهِ وَيُكْثِرُ الْقِنَاعَ كَأَنّ ثَوْبَهُ ثَوْبُ زَيّاتٍ الدّهْنُ يَسُدّ مَسَامّ الْبَدَنِ وَيَمْنَعُ مَا يَتَحَلّلُ مِنْهُ وَإِذَا اُسْتُعْمِلَ بَعْدَ الِاغْتِسَالِ بِالْمَاءِ الْحَارّ حَسّنَ الْبَدَنَ وَرَطّبَهُ وَإِنْ دُهِنَ بِهِ الشّعْرُ حَسّنَهُ وَطَوّلَهُ وَنَفَعَ مِنْ الْحَصْبَةِ وَدَفَعَ أَكْثَرَ الْآفَاتِ عَنْهُ وَفِي التّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا : كُلُوا الزّيْتَ وَادّهِنُوا بِهِ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى . وَالدّهْنُ فِي الْبِلَادِ الْحَارّةِ كَالْحِجَازِ وَنَحْوِهِ مِنْ آكَدِ أَسْبَابِ حِفْظِ الصّحّةِ وَإِصْلَاحِ الْبَدَنِ وَهُوَ كَالضّرُورِيّ لَهُمْ وَأَمّا الْبِلَادُ الْبَارِدَةُ فَلَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ أَهْلُهَا وَالْإِلْحَاحُ بِهِ فِي الرّأْسِ فِيهِ خَطَرٌ بِالْبَصَرِ . [ ص 283 ] وَأَنْفَعُ الْأَدْهَانِ الْبَسِيطَةِ الزّيْتُ ثُمّ السّمْنُ ثُمّ الشّيْرَجُ . [ مَنَافِعُ الْأَدْهَانِ الْمُرَكّبَةِ ] وَأَمّا الْمُرَكّبَةُ فَمِنْهَا بَارِدٌ رَطْبٌ كَدُهْنِ الْبَنَفْسَجِ يَنْفَعُ مِنْ الصّدَاعِ الْحَارّ وَيُنَوّمُ أَصْحَابَ السّهَرِ وَيُرَطّبُ الدّمَاغَ وَيَنْفَعُ مِنْ الشّقَاقِ وَغَلَبَةِ الْيُبْسِ وَالْجَفَافِ وَيُطْلَى بِهِ الْجَرَبُ وَالْحِكّةُ الْيَابِسَةُ فَيَنْفَعُهَا وَيُسَهّلُ حَرَكَةَ الْمَفَاصِلِ وَيَصْلُحُ لِأَصْحَابِ الْأَمْزِجَةِ الْحَارّةِ فِي زَمَنِ الصّيْفِ وَفِيهِ حَدِيثَانِ بَاطِلَانِ مَوْضُوعَانِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَحَدُهُمَا فَضْلُ دُهْنِ الْبَنَفْسَجِ عَلَى سَائِرِ الْأَدْهَانِ كَفَضْلِي عَلَى سَائِرِ النّاسِ . وَالثّانِي : فَضْلُ دُهْنِ الْبَنَفْسَجِ عَلَى سَائِرِ الْأَدْهَانِ كَفَضْلِ الْإِسْلَامِ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ . وَمِنْهَا : حَارّ رَطْبٌ كَدَهْنِ الْبَانِ وَلَيْسَ دُهْنُ زَهْرِهِ بَلْ دُهْنٌ يُسْتَخْرَجُ مِنْ حَبّ أَبْيَضَ أَغْبَرَ نَحْوَ الْفُسْتُقِ كَثِيرَ الدّهْنِيّةِ وَالدّسَمِ يَنْفَعُ مِنْ صَلَابَةِ الْعَصَبِ وَيُلَيّنُهُ وَيَنْفَعُ مِنْ الْبَرَشِ وَالنّمَشِ وَالْكَلَفِ وَالْبَهَقِ وَيُسَهّلُ بَلْغَمًا غَلِيظًا وَيُلِينُ الْأَوْتَارَ الْيَابِسَةَ وَيُسَخّنُ الْعَصَبَ وَقَدْ رُوِيَ فِيهِ حَدِيثٌ بَاطِلٌ مُخْتَلَقٌ لَا أَصْلَ لَهُ ادّهِنُوا بِالْبَانِ فَإِنّهُ أَحْظَى لَكُمْ عِنْدَ نِسَائِكُمْ وَمِنْ مَنَافِعِهِ أَنّهُ يَجْلُو الْأَسْنَانَ وَيُكْسِبُهَا بَهْجَةً وَيُنَقّيهَا مِنْ الصّدَأِ وَمَنْ مَسَحَ بِهِ وَجْهَهُ وَأَطْرَافَهُ لَمْ يُصِبْهُ حَصًى وَلَا شِقَاقٌ وَإِذَا دَهَنَ بِهِ حِقْوَهُ وَمَذَاكِيرَهُ وَمَا وَالَاهَا نَفَعَ مِنْ بَرْدِ الْكُلْيَتَيْنِ وَتَقْطِيرِ الْبَوْلِ . حَرْفُ الذّالِ ذَرِيرَةٌ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْن ِ " : عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ طَيّبْتُ رَسُولَ اللّهِ كُلّهُ بِيَدَيّ بِذَرِيرَةٍ فِي حِجّةِ الْوَدَاعِ لِحِلّهِ وَإِحْرَامِه ِ تَقَدّمَ الْكَلَامُ فِي [ ص 284 ] ذُبَابٌ تَقَدّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتّفَقِ عَلَيْهِ فِي أَمْرِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِغَمْسِ الذّبَابِ فِي الطّعَامِ إذَا سَقَطَ فِيهِ لِأَجْلِ الشّفَاءِ الّذِي فِي جَنَاحِهِ وَهُوَ كَالتّرْيَاقِ لِلسّمّ الّذِي فِي الْجَنَاحِ الْآخَرِ وَذَكَرْنَا مَنَافِعَ الذّبَابِ هُنَاكَ . ذَهَبٌ رَوَى أَبُو دَاوُدَ وَالتّرْمِذِيّ " أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَخّصَ لِعَرْفَجَةَ بْنِ أَسْعَدَ لَمّا قُطِعَ أَنْفُهُ يَوْمَ الْكُلّابِ وَاِتّخَذَ أَنْفًا مِنْ وَرِقٍ فَأَنْتَنَ عَلَيْهِ فَأَمَرَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَتّخِذَ أَنْفًا مِنْ ذَهَبٍ . وَلَيْسَ لِعَرْفَجَةَ عِنْدَهُمْ غَيْرُ هَذَا الْحَدِيثِ الْوَاحِدِ . الذّهَبُ زِينَةُ الدّنْيَا وَطِلّسْمُ الْوُجُودِ وَمُفْرِحُ النّفُوسِ وَمُقَوّي الظّهُورِ وَسِرّ اللّهِ فِي أَرْضِهِ وَمِزَاجُهُ فِي سَائِرِ الْكَيْفِيّاتِ وَفِيهِ حَرَارَةٌ لَطِيفَةٌ تَدْخُلُ فِي سَائِرِ الْمَعْجُونَاتِ اللّطِيفَةِ وَالْمُفْرِحَاتِ وَهُوَ أَعْدَلُ الْمَعَادِنِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَأَشْرَفُهَا . [ خَوَاصّ ال ذهب ] وَمِنْ خَوَاصّهِ أَنّهُ إذَا دُفِنَ فِي الْأَرْضِ لَمْ يَضُرّهُ التّرَابُ وَلَمْ يُنْقِصْهُ شَيْئًا وَبُرَادَتُهُ إذَا خُلِطَتْ بِالْأَدْوِيَةِ نَفَعَتْ مِنْ ضَعْفِ الْقَلْبِ وَالرّجَفَانِ الْعَارِضِ مِنْ السّوْدَاءِ وَيَنْفَعُ مِنْ حَدِيثِ النّفْسِ وَالْحُزْنِ وَالْغَمّ وَالْفَزَعِ وَالْعِشْقِ وَيُسَمّنُ الْبَدَنَ وَيُقَوّيهِ وَيُذْهِبُ الصّفَارَ وَيُحَسّنُ اللّوْنَ وَيَنْفَعُ مِنْ الْجُذَامِ وَجَمِيعِ الْأَوْجَاعِ وَالْأَمْرَاضِ السّوْدَاوِيّةِ وَيَدْخُلُ بِخَاصّيّةٍ فِي أَدْوِيَةِ دَاءِ الثّعْلَبِ وَدَاءِ الْحَيّةِ شُرْبًا وَطِلَاءً وَيَجْلُو الْعَيْنَ وَيُقَوّيهَا وَيَنْفَعُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَمْرَاضِهَا وَيُقَوّي جَمِيعَ الْأَعْضَاءِ . [ ص 285 ] وَإِمْسَاكُهُ فِي الْفَمِ يُزِيلُ الْبَخَرَ وَمَنْ كَانَ بِهِ مَرَضٌ يَحْتَاجُ إلَى الْكَيّ وَكُوِيَ بِهِ لَمْ يَتَنَفّطْ مَوْضِعُهُ وَيَبْرَأُ سَرِيعًا وَإِنْ اتّخَذَ مِنْهُ مَيْلًا وَاكْتَحَلَ بِهِ قَوّى الْعَيْنَ وَجَلَاهَا وَإِذَا اُتّخِذَ مِنْهُ خَاتَمٌ فَصّهُ مِنْهُ وَأُحْمِيَ وَكُوِيَ بِهِ قَوَادِمُ أَجْنِحَةِ الْحَمَامِ أَلِفَتْ أَبْرَاجَهَا وَلَمْ تَنْتَقِلْ عَنْهَا . وَلَهُ خَاصّيّةٌ عَجِيبَةٌ فِي تَقْوِيَةِ النّفُوسِ لِأَجْلِهَا أُبِيحَ فِي الْحَرْبِ وَالسّلَاحُ مِنْهُ مَا أُبِيحَ وَقَدْ رَوَى التّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيثِ مُزَيْدَةَ الْعَصَرِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللّهِ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَلَى سَيْفِهِ ذَهَبٌ وَفِضّةٌ وَهُوَ مَعْشُوقُ النّفُوسِ الّتِي مَتَى ظَفِرَتْ بِهِ سَلّاهَا عَنْ غَيْرِهِ مِنْ مَحْبُوبَاتِ الدّنْيَا قَالَ تَعَالَى : { زُيّنَ لِلنّاسِ حُبّ الشّهَوَاتِ مِنَ النّسَاءِ وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنْطَرَةِ مِنَ الذّهَبِ وَالْفِضّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوّمَةِ وَالْأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ } [ آلِ عِمْرَانَ 14 ] . وَفِي " الصّحِيحَيْن ِ " : عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَوْ كَانَ لِابْنِ آدَمَ وَادٍ مِنْ ذَهَبٍ لَابْتَغَى إلَيْهِ ثَانِيًا وَلَوْ كَانَ لَهُ ثَانٍ لَابْتَغَى إلَيْهِ ثَالِثًا وَلَا يَمْلَأُ جَوْفَ ابْنِ آدَمَ إلّا التّرَابُ وَيَتُوبُ اللّهُ عَلَى مَنْ تَابَ هَذَا وَإِنّهُ أَعْظَمُ حَائِلٍ بَيْنَ الْخَلِيقَةِ وَبَيْنَ فَوْزِهَا الْأَكْبَرِ يَوْمَ مُعَادِهَا وَأَعْظَمُ شَيْءٍ عُصِيَ اللّهُ بِهِ وَبِهِ قُطِعَتْ الْأَرْحَامُ وَأُرِيقَتْ الدّمَاءُ وَاسْتُحِلّتْ الْمَحَارِمُ وَمُنِعَتْ الْحُقُوقُ وَتَظَالَمَ الْعِبَادُ وَهُوَ الْمُرَغّبُ فِي الدّنْيَا وَعَاجِلِهَا وَالْمُزَهّدُ فِي [ ص 286 ] أَعَدّهُ اللّهُ لِأَوْلِيَائِهِ فِيهَا فَكَمْ أُمِيتَ بِهِ مِنْ حَقّ وَأُحْيِيَ بِهِ مِنْ بَاطِلٍ وَنُصِرَ بِهِ ظَالِمٌ وَقُهِرَ بِهِ مَظْلُومٌ وَمَا أَحْسَنَ مَا قَالَ فِيهِ الْحَرِيرِيّ : تَبّا لَهُ مِنْ خَادِعٍ مُمَاذِقِ أَصْفَرَ ذِي وَجْهَيْنِ كَالْمُنَافِقِ يَبْدُو بِوَصْفَيْنِ لِعَيْنِ الرّامِقِ زِينَةَ مَعْشُوقٍ وَلَوْنٍ عَاشِقِ وَحُبّهُ عِنْدَ ذَوِي الْحَقَائِقِ يَدْعُو إلَى ارْتِكَابِ سُخْطِ الْخَالِقِ لَوْلَاهُ لَمْ تُقْطَعْ يَمِينُ السّارِقِ وَلَا بَدَتْ مَظْلِمَةٌ مِنْ فَاسِقِ وَلَا اشْمَأَزّ بَاخِلٌ مِنْ طَارِقِ وَلَا اشْتَكَى الْمَمْطُولُ مَطْلَ الْعَائِقِ وَلَا اُسْتُعِيذَ مِنْ حَسُودٍ رَاشِقِ وَشَرّ مَا فِيهِ مِنْ الْخَلَائِقِ أَنْ لَيْسَ يُغْنِي عَنْكَ فِي الْمَضَايِقِ إلّا إذَا فَرّ فِرَارَ الْآبِقِ حَرْفُ الرّاءِ رُطَبٌ قَالَ اللّهُ تَعَالَى لِمَرْيَمَ { وَهُزّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيّا فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرّي عَيْنًا } [ مَرْيَمَ : 25 ] . وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جَعْفَرٍ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَأْكُلُ الْقِثّاءَ بِالرّطَبِ وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُفْطِرُ عَلَى رُطَبَاتٍ قَبْلَ أَنْ يُصَلّيَ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ رُطَبَاتٍ فَتَمَرَاتٍ فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَمَرَاتٍ حَسَا حُسُوَاتٍ مِنْ مَاءٍ [ ص 287 ] طَبْعُ الرّطَبِ طَبْعُ الْمِيَاهِ حَارّ رَطْبٌ يُقَوّي الْمَعِدَةَ الْبَارِدَةَ وَيُوَافِقُهَا وَيَزِيدُ فِي الْبَاهِ وَيُخْصِبُ الْبَدَنَ وَيُوَافِقُ أَصْحَابَ الْأَمْزِجَةِ الْبَارِدَةِ وَيَغْذُو غِذَاءً كَثِيرًا . وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْفَاكِهَةِ مُوَافَقَةً لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ الّتِي هُوَ فَاكِهَتُهُمْ فِيهَا وَأَنْفَعُهَا لِلْبَدَنِ وَإِنْ كَانَ مَنْ لَمْ يَعْتَدْهُ يُسْرِعُ التّعَفّنَ فِي جَسَدِهِ وَيَتَوَلّدُ عَنْهُ دَمٌ لَيْسَ بِمَحْمُودٍ وَيُحْدِثُ فِي إكْثَارِهِ مِنْهُ صُدَاعٌ وَسَوْدَاءُ وَيُؤْذِي أَسْنَانَهُ وَإِصْلَاحُهُ بِالسّكَنْجَبِينِ وَنَحْوِهِ . [ فَوَائِدُ فِطْرِ الصّائِمِ عَلَيْهِ ] وَفِي فِطْرِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الصّوْمِ عَلَيْهِ أَوْ عَلَى التّمْرِ أَوْ الْمَاءِ تَدْبِيرٌ لَطِيفٌ جِدّا فَإِنّ الصّوْمَ يُخَلّي الْمَعِدَةَ مِنْ الْغِذَاءِ فَلَا تَجِدُ الْكَبِدُ فِيهَا مَا تَجْذِبُهُ وَتُرْسِلُهُ إلَى الْقُوَى وَالْأَعْضَاءِ وَالْحُلْوُ أَسْرَعُ شَيْءٍ وُصُولًا إلَى الْكَبِدِ وَأَحَبّهُ إلَيْهَا وَلَا سِيّمَا إنْ كَانَ رُطَبًا فَيَشْتَدّ قَبُولُهَا لَهُ فَتَنْتَفِعُ بِهِ هِيَ وَالْقُوَى فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَالتّمْرُ لِحَلَاوَتِهِ وَتَغْذِيَتِهِ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فَحُسُوَاتُ الْمَاءِ تُطْفِئُ لَهِيبَ الْمَعِدَةِ وَحَرَارَةَ الصّوْمِ فَتَتَنَبّهُ بَعْدَهُ لِلطّعَامِ وَتَأْخُذُهُ بِشَهْوَةٍ . رَيْحَانٌ قَالَ تَعَالَى : { فَأَمّا إِنْ كَانَ مِنَ الْمُقَرّبِينَ فَرَوْحٌ وَرَيْحَانٌ وَجَنّةُ نَعِيمٍ } [ الْوَاقِعَةِ 88 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { وَالْحَبّ ذُو الْعَصْفِ وَالرّيْحَانُ } [ الرّحْمَنِ 12 ] . وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ عُرِضَ عَلَيْهِ رَيْحَانٌ فَلَا يَرُدّهُ فَإِنّهُ خَفِيفُ الْمَحْمِلِ طَيّبُ الرّائِحَةِ وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " : مِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ أَلَا مُشَمّرٌ لِلْجَنّةِ فَإِنّ الْجَنّةَ لَا خَطَرَ لَهَا هِيَ وَرَبّ الْكَعْبَةِ نُورٌ يَتَلَأْلَأُ وَرَيْحَانَةٌ تَهْتَزّ وَقَصْرٌ مَشِيدٌ وَنَهْرٌ مُطّرِدٌ وَثَمَرَةٌ نَضِيجَةٌ وَزَوْجَةٌ حَسْنَاءُ جَمِيلَةٌ وَحُلَلٌ كَثِيرَةٌ فِي مَقَامٍ أَبَدًا فِي حِبَرَةٍ وَنَضِرَةٍ فِي دُورٍ عَالِيَةٍ سَلِيمَةٍ بَهِيّةٍ قَالُوا : نَعَمْ يَا رَسُولَ اللّهِ نَحْنُ الْمُشَمّرُونَ لَهَا قَالَ " قُولُوا : إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى " فَقَالَ الْقَوْمُ " إنْ شَاءَ اللّهُ [ ص 288 ] [ أَنْوَاعُ الرّيْحَانِ ] الرّيْحَانُ كُلّ نَبْتٍ طَيّبِ الرّيحِ فَكُلّ أَهْلِ بَلَدٍ يَخُصّونَهُ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فَأَهْلُ الْغَرْبِ يَخُصّونَهُ بِالْآسِ وَهُوَ الّذِي يَعْرِفُهُ الْعَرَبُ مِنْ الرّيْحَانِ وَأَهْلُ الْعِرَاقِ وَالشّامِ يَخُصّونَهُ بِالْحَبَقِ . [ مَنَافِعُ الْآسِ وَهُوَ الرّيْحَانُ ] فَأَمّا الْآسُ فَمِزَاجُهُ بَارِدٌ فِي الْأُولَى يَابِسٌ فِي الثّانِيَةِ وَهُوَ مَعَ ذَلِكَ مُرَكّبٌ مِنْ قُوًى مُتَضَادّةٍ وَالْأَكْثَرُ فِيهِ الْجَوْهَرُ الْأَرْضِيّ الْبَارِدُ وَفِيهِ شَيْءٌ حَارّ لَطِيفٌ وَهُوَ يُجَفّفُ تَجْفِيفًا قَوِيّا وَأَجْزَاؤُهُ مُتَقَارِبَةُ الْقُوّةِ وَهِيَ قُوّةٌ قَابِضَةٌ حَابِسَةٌ مِنْ دَاخِلٍ وَخَارِجٍ مَعًا . وَهُوَ قَاطِعٌ لِلْإِسْهَالِ الصّفْرَاوِيّ دَافِعٌ لِلْبُخَارِ الْحَارّ الرّطْبِ إذَا شُمّ مُفْرِحٌ لِلْقَلْبِ تَفْرِيحًا شَدِيدًا وَشَمّهُ مَانِعٌ لِلْوَبَاءِ وَكَذَلِكَ افْتِرَاشُهُ فِي الْبَيْتِ . وَيُبْرِئُ الْأَوْرَامَ الْحَادِثَةَ فِي الْحَالِبَيْنِ إذَا وُضِعَ عَلَيْهَا وَإِذَا دُقّ وَرَقُهُ وَهُوَ غَضّ وَضُرِبَ بِالْخَلّ وَوُضِعَ عَلَى الرّأْسِ قَطَعَ الرّعَافَ وَإِذَا سُحِقَ وَرَقُهُ الْيَابِسُ وَذُرّ عَلَى الْقُرُوحِ ذَوَاتِ الرّطُوبَةِ نَفَعَهَا وَيُقَوّي الْأَعْضَاءَ الْوَاهِيَةَ إذَا ضُمّدَ بِهِ وَيَنْفَعُ دَاءَ الدّاحِسِ وَإِذَا ذُرّ عَلَى الْبُثُورِ وَالْقُرُوحِ الّتِي فِي الْيَدَيْنِ وَالرّجْلَيْنِ نَفَعَهَا . وَإِذَا دُلِكَ بِهِ الْبَدَنُ قَطَعَ الْعَرَقَ وَنَشّفَ الرّطُوبَاتِ الْفَضْلِيّةَ وَأَذْهَبَ نَتْنَ الْإِبِطِ وَإِذَا جُلِسَ فِي طَبِيخِهِ نَفَعَ مِنْ خَرَارِيجِ الْمَقْعَدَةِ وَالرّحِمِ وَمِنْ اسْتِرْخَاءِ الْمَفَاصِلِ وَإِذَا صُبّ عَلَى كُسُورِ الْعِظَامِ الّتِي لَمْ تَلْتَحِمْ نَفَعَهَا . [ ص 289 ] وَيَجْلُو قُشُورَ الرّأْسِ وَقُرُوحَهُ الرّطْبَةَ وَبُثُورَهُ وَيُمْسِكُ الشّعْرَ الْمُتَسَاقِطَ وَيُسَوّدُهُ وَإِذَا دُقّ وَرَقُهُ وَصُبّ عَلَيْهِ مَاءٌ يَسِيرٌ وَخُلِطَ بِهِ شَيْءٌ مِنْ زَيْتٍ أَوْ دُهْنِ الْوَرْدِ وَضُمّدَ بِهِ وَافَقَ الْقُرُوحَ الرّطْبَةَ وَالنّمِلَةَ وَالْحُمْرَةَ وَالْأَوْرَامَ الْحَادّةَ وَالشّرَى وَالْبَوَاسِيرَ . [ مَنَافِعُ حَبّهِ ] وَحَبّهُ نَافِعٌ مَنْ نَفْثِ الدّمِ الْعَارِضِ فِي الصّدْرِ وَالرّئَةِ دَابِغٌ لِلْمَعِدَةِ وَلَيْسَ بِضَارّ لِلصّدْرِ وَلَا الرّئَةِ لِجَلَاوَتِهِ وَخَاصّيّتُهُ النّفْعُ مِنْ اسْتِطْلَاقِ الْبَطْنِ مَعَ السّعَالِ وَذَلِكَ نَادِرٌ فِي الْأَدْوِيَةِ وَهُوَ مُدِرّ لِلْبَوْلِ نَافِعٌ مَنْ لَذْعِ الْمَثَانَةِ وَعَضّ الرّتَيْلَاءِ وَلَسْعِ الْعَقَارِبِ وَالتّخَلّلُ بِعَرَقِهِ مُضِرّ فَلْيُحْذَرْ . [ مَنَافِعُ الرّيْحَانِ الْفَارِسِيّ الْمُسَمّى الْحَبَقَ ] وَأَمّا الرّيْحَانُ الْفَارِسِيّ الّذِي يُسَمّى الْحَبَقُ فَحَارّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ يَنْفَعُ شَمّهُ مِنْ الصّدَاعِ الْحَارّ إذَا رُشّ عَلَيْهِ الْمَاءُ وَيُبَرّدُ وَيُرَطّبُ بِالْعَرْضِ وَبَارِدٌ فِي الْآخَرِ وَهَلْ هُوَ رَطْبٌ أَوْ يَابِسٌ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَالصّحِيحُ أَنّ فِيهِ مِنْ الطّبَائِعِ الْأَرْبَعِ وَيَجْلِبُ النّوْمَ وَبَزْرُهُ حَابِسٌ لِلْإِسْهَالِ الصّفْرَاوِيّ وَمُسَكّنٌ لِلْمَغَصِ مُقَوّ لِلْقَلْبِ نَافِعٌ لِلْأَمْرَاضِ السّوْدَاوِيّةِ . رُمّانٌ قَالَ تَعَالَى : { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمّانٌ } [ الرّحْمَنِ 68 ] . وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ مَوْقُوفًا وَمَرْفُوعًا : مَا مِنْ رُمّانٍ مِنْ رُمّانِكُمْ هَذَا إلّا وَهُوَ مُلَقّحٌ بِحَبّةٍ مِنْ رُمّانِ الْجَنّةِ وَالْمَوْقُوفُ أَشْبَهُ . وَذَكَرَ حَرْبٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عَلِيّ أَنّهُ قَالَ كُلُوا الرّمّانَ بِشَحْمِهِ فَإِنّهُ دِبَاغُ الْمَعِدَةِ . حُلْوُ الرّمّانِ حَارّ رَطْبٌ جَيّدٌ لِلْمَعِدَةِ مُقَوّ لَهَا بِمَا فِيهِ مِنْ قَبْضٍ لَطِيفٍ نَافِعٌ لِلْحَلْقِ وَالصّدْرِ وَالرّئَةِ جَيّدٌ لِلسّعَالِ مَاؤُهُ مُلَيّنٌ لِلْبَطْنِ يَغْذُو الْبَدَنَ غِذَاءً فَاضِلًا يَسِيرًا سَرِيعُ التّحَلّلِ لِرِقّتِهِ وَلَطَافَتِهِ وَيُوَلّدُ حَرَارَةً يَسِيرَةً فِي الْمَعِدَةِ وَرِيحًا وَلِذَلِكَ يُعِينُ عَلَى الْبَاهِ وَلَا يَصْلُحُ لِلْمَحْمُومِينَ وَلَهُ خَاصّيّةٌ [ ص 290 ] عَجِيبَةٌ إذَا أُكِلَ بِالْخُبْزِ يَمْنَعُهُ مِنْ الْفَسَادِ فِي الْمَعِدَةِ . وَحَامِضُهُ بَارِدٌ يَابِسٌ قَابِضٌ لَطِيفٌ يَنْفَعُ الْمَعِدَةَ الْمُلْتَهِبَةَ وَيُدِرّ الْبَوْلَ أَكْثَرَ مِنْ غَيْرِهِ مِنْ الرّمّانِ وَيُسَكّنُ الصّفْرَاءَ وَيَقْطَعُ الْإِسْهَالَ وَيَمْنَعُ الْقَيْءَ وَيُلَطّفُ الْفُضُولَ . وَيُطْفِئُ حَرَارَةَ الْكَبِدِ وَيُقَوّي الْأَعْضَاءَ نَافِعٌ مِنْ الْخَفَقَانِ الصّفْرَاوِيّ وَالْآلَامِ الْعَارِضَةِ لِلْقَلْبِ وَفَمِ الْمَعِدَةِ وَيُقَوّي الْمَعِدَةَ وَيَدْفَعُ الْفُضُولَ عَنْهَا وَيُطْفِئُ الْمِرّةَ الصّفْرَاءَ وَالدّمَ . وَإِذَا اُسْتُخْرِجَ مَاؤُهُ بِشَحْمِهِ وَطُبِخَ بِيَسِيرٍ مِنْ الْعَسَلِ حَتّى يَصِيرَ كَالْمَرْهَمِ وَاكْتُحِلَ بِهِ قَطَعَ الصّفْرَةَ مِنْ الْعَيْنِ وَنَقّاهَا مِنْ الرّطُوبَاتِ الْغَلِيظَةِ وَإِذَا لُطّخَ عَلَى اللّثَةِ نَفَعَ مِنْ الْأَكَلَةِ الْعَارِضَةِ لَهَا وَإِنْ اُسْتُخْرِجَ مَاؤُهُمَا بِشَحْمِهِمَا أَطْلَقَ الْبَطْنَ وَأَحْدَرَ الرّطُوبَاتِ الْعَفِنَةَ الْمَرِيّةَ وَنَفَعَ مِنْ حُمّيَاتِ الْغَبّ الْمُتَطَاوِلَةِ . وَأَمّا الرّمّانُ الْمِزّ فَمُتَوَسّطٌ طَبْعًا وَفِعْلًا بَيْنَ النّوْعَيْنِ وَهَذَا أَمْيَلُ إلَى لَطَافَةِ الْحَامِضِ قَلِيلًا وَحَبّ الرّمّانِ مَعَ الْعَسَلِ طِلَاءٌ لِلدّاحِسِ وَالْقُرُوحِ الْخَبِيثَةِ وَأَقْمَاعُهُ لِلْجِرَاحَاتِ قَالُوا : وَمَنْ ابْتَلَعَ ثَلَاثَةً مِنْ جُنْبُذِ الرّمّانِ فِي كُلّ سَنَةٍ أَمِنَ مِنْ الرّمَدِ سَنَتَهُ كُلّهَا . حَرْفُ الزّايِ زَيْتٌ قَالَ تَعَالَى : { يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيّةٍ وَلَا غَرْبِيّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ } [ النّورِ 35 ] . وَفِي التّرْمِذِيّ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 291 ] قَالَ كُلُوا الزّيْتَ وَادّهِنُوا بِهِ فَإِنّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ . وَلِلْبَيْهَقِيّ وَابْنِ مَاجَهْ أَيْضًا : عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ائْتَدِمُوا بِالزّيْتِ وَادّهِنُوا بِهِ فَإِنّهُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ . الزّيْتُ حَارّ رَطْبٌ فِي الْأُولَى وَغَلِطَ مَنْ قَالَ يَابِسٌ وَالزّيْتُ بِحَسَبِ زَيْتُونِهِ فَالْمُعْتَصَرُ مِنْ النّضِيجِ أَعْدَلُهُ وَأَجْوَدُهُ وَمِنْ الْفَجّ فِيهِ بُرُودَةٌ وَيُبُوسَةٌ وَمِنْ الزّيْتُونِ الْأَحْمَرِ مُتَوَسّطٌ بَيْنَ الزّيْتَيْنِ وَمِنْ الْأَسْوَدِ يُسَخّنُ وَيُرَطّبُ بِاعْتِدَالٍ وَيَنْفَعُ مِنْ السّمُومِ وَيُطْلِقُ الْبَطْنَ وَيُخْرِجُ الدّودَ وَالْعَتِيقُ مِنْهُ أَشَدّ تَسْخِينًا وَتَحْلِيلًا وَمَا اُسْتُخْرِجَ مِنْهُ بِالْمَاءِ فَهُوَ أَقَلّ حَرَارَةً وَأَلْطَفُ وَأَبْلَغُ فِي النّفْعِ وَجَمِيعُ أَصْنَافِهِ مُلَيّنَةٌ لِلْبَشَرَةِ وَتُبْطِئُ الشّيْبَ . [ مَنَافِعُ مَاءِ الزّيْتُونِ الْمَالِحِ ] وَمَاءُ الزّيْتُونِ الْمَالِحِ يَمْنَعُ مِنْ تَنَفّطِ حَرْقِ النّارِ وَيَشُدّ اللّثَةَ وَوَرَقُهُ يَنْفَعُ مِنْ الْحُمْرَةِ وَالنّمْلَةِ وَالْقُرُوحِ الْوَسِخَةِ وَالشّرَى وَيَمْنَعُ الْعَرَقَ وَمَنَافِعُهُ أَضْعَافُ مَا ذَكَرْنَا . زُبْدٌ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ ابْنَيْ بُسْرٍ السّلَمِيّيْنِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَا : دَخَلَ عَلَيْنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَدّمْنَا لَهُ زُبْدًا وَتَمْرًا وَكَانَ يُحِبّ الزّبْدَ وَالتّمْرَ . الزّبْدُ حَارّ رَطْبٌ فِيهِ مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ مِنْهَا الْإِنْضَاجُ وَالتّحْلِيلُ وَيُبْرِئُ الْأَوْرَامَ الّتِي تَكُونُ إلَى جَانِبِ الْأُذُنَيْنِ وَالْحَالِبَيْنِ وَأَوْرَامَ الْفَمِ وَسَائِرَ الْأَوْرَامِ الّتِي تَعْرِضُ فِي أَبْدَانِ النّسَاءِ وَالصّبْيَانِ إذَا اُسْتُعْمِلَ وَحْدَهُ وَإِذَا لُعِقَ مِنْهُ نَفَعَ فِي نَفْثِ [ ص 292 ] الرّئَةِ وَأَنْضَجَ الْأَوْرَامَ الْعَارِضَةَ فِيهَا . وَهُوَ مُلَيّنٌ لِلطّبِيعَةِ وَالْعَصَبِ وَالْأَوْرَامِ الصّلْبَةِ الْعَارِضَةِ مِنْ الْمِرّةِ السّوْدَاءِ وَالْبَلْغَمِ نَافِعٌ مِنْ الْيُبْسِ الْعَارِضِ فِي الْبَدَنِ وَإِذَا طُلِيَ بِهِ عَلَى مَنَابِتِ أَسْنَانِ الطّفْلِ كَانَ مُعِينًا عَلَى نَبَاتِهَا وَطُلُوعِهَا وَهُوَ نَافِعٌ مِنْ السّعَالِ الْعَارِضِ مِنْ الْبَرْدِ وَالْيُبْسِ وَيُذْهِبُ الْقُوَبَاءَ وَالْخُشُونَةَ الّتِي فِي الْبَدَنِ وَيُلَيّنُ الطّبِيعَةَ وَلَكِنّهُ يُضْعِفُ شَهْوَةَ الطّعَامِ وَيُذْهِبُ بِوَخَامَتِهِ الْحُلْوُ كَالْعَسَلِ وَالتّمْرِ وَفِي جَمْعِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَ التّمْرِ وَبَيْنَهُ مِنْ الْحِكْمَةِ إصْلَاحُ كُلّ مِنْهُمَا بِالْآخَرِ . زَبِيبٌ رُوِيَ فِيهِ حَدِيثَانِ لَا يَصِحّانِ . أَحَدُهُمَا : نِعْمَ الطّعَامُ الزّبِيبُ يُطَيّبُ النّكْهَةَ وَيُذِيبُ الْبَلْغَمَ . وَالثّانِي : نِعْمَ الطّعَامُ الزّبِيبُ يُذْهِبُ النّصَبَ وَيَشُدّ الْعَصَبَ وَيُطْفِئُ الْغَضَبَ وَيُصَفّي اللّوْنَ وَيُطَيّبُ النّكْهَةَ وَهَذَا أَيْضًا لَا يَصِحّ فِيهِ شَيْءٌ عَنْ رَسُولِ اللّهِ . [ أَجْوَدُ أَنْوَاعِهِ ] وَبَعْدُ فَأَجْوَدُ الزّبِيبِ مَا كَبُرَ جِسْمُهُ وَسَمِنَ شَحْمُهُ وَلَحْمُهُ وَرَقّ قِشْرُهُ وَنُزِعَ عَجَمُهُ وَصَغُرَ حَبّهُ . وَجُرْمُ الزّبِيبِ حَارّ رَطْبٌ فِي الْأُولَى وَحَبّهُ بَارِدٌ يَابِسٌ وَهُوَ كَالْعِنَبِ الْمُتّخَذِ مِنْهُ الْحُلْوُ مِنْهُ حَارّ وَالْحَامِضُ قَابِضٌ بَارِدٌ وَالْأَبْيَضُ أَشَدّ قَبْضًا مِنْ غَيْرِهِ وَإِذَا أُكِلَ لَحْمُهُ وَافَقَ قَصَبَةَ الرّئَةِ وَنَفَعَ مِنْ السّعَالِ وَوَجَعِ الْكُلَى وَالْمَثَانَةِ وَيُقَوّي الْمَعِدَةَ وَيُلَيّنُ الْبَطْنَ . وَالْحُلْوُ اللّحْمُ أَكْثَرُ غِذَاءً مِنْ الْعِنَبِ وَأَقَلّ غِذَاءً مِنْ التّينِ الْيَابِسِ وَلَهُ قُوّةٌ مُنْضِجَةٌ هَاضِمَةٌ قَابِضَةٌ مُحَلّلَةٌ بِاعْتِدَالٍ وَهُوَ بِالْجُمْلَةِ يُقَوّي الْمَعِدَةَ وَالْكَبِدَ وَالطّحَالَ نَافِعٌ مِنْ وَجَعِ الْحَلْقِ وَالصّدْرِ وَالرّئَةِ وَالْكُلَى وَالْمَثَانَةِ وَأَعْدَلُهُ أَنْ يُؤْكَلَ بِغَيْرِ عَجَمِهِ . وَهُوَ يُغَذّي غِذَاءً صَالِحًا وَلَا يُسَدّدُ كَمَا يَفْعَلُ التّمْرُ وَإِذَا أُكِلَ مِنْهُ بِعَجَمِهِ كَانَ أَكْثَرَ نَفْعًا لِلْمَعِدَةِ وَالْكَبِدِ وَالطّحَالِ وَإِذَا لُصِقَ لَحْمُهُ عَلَى الْأَظَافِيرِ الْمُتَحَرّكَةِ [ ص 293 ] أَسْرَعَ قَلْعَهَا وَالْحُلْوُ مِنْهُ وَمَا لَا عَجَمَ لَهُ نَافِعٌ لِأَصْحَابِ الرّطُوبَاتِ وَالْبَلْغَمِ وَهُوَ يُخَصّبُ الْكَبِدَ وَيَنْفَعُهَا بِخَاصّيّتِهِ . [ نَفْعُهُ لِلْحِفْظِ ] وَفِيهِ نَفْعٌ لِلْحِفْظِ قَالَ الزّهْرِيّ مَنْ أَحَبّ أَنْ يَحْفَظَ الْحَدِيثَ فَلْيَأْكُلْ الزّبِيبَ وَكَانَ الْمَنْصُورُ يَذْكُرُ عَنْ جَدّهِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبّاسٍ عَجَمُهُ دَاءٌ وَلَحْمُهُ دَوَاءٌ . زَنْجَبِيلٌ قَالَ تَعَالَى : { وَيُسْقَوْنَ فِيهَا كَأْسًا كَانَ مِزَاجُهَا زَنْجَبِيلًا } [ الْإِنْسَانِ 17 ] . وَذَكَرَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ " الطّبّ النّبَوِيّ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ أَهْدَى مَلِكُ الرّومِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَرّةَ زَنْجَبِيلٍ فَأَطْعَمَ كُلّ إنْسَانٍ قِطْعَةً وَأَطْعَمَنِي قِطْعَةً . الزّنْجَبِيلُ حَارّ فِي الثّانِيَةِ رَطْبٌ فِي الْأُولَى مُسْخِنٌ مُعِينٌ عَلَى هَضْمِ الطّعَامِ مُلَيّنٌ لِلْبَطْنِ تَلْيِينًا مُعْتَدِلًا نَافِعٌ مِنْ سُدَدِ الْكَبِدِ الْعَارِضَةِ عَنْ الْبَرْدِ وَالرّطُوبَةِ وَمِنْ ظُلْمَةِ الْبَصَرِ الْحَادِثَةِ عَنْ الرّطُوبَةِ أَكْلًا وَاكْتِحَالًا مُعِينٌ عَلَى الْجِمَاعِ وَهُوَ مُحَلّلٌ لِلرّيَاحِ الْغَلِيظَةِ الْحَادِثَةِ فِي الْأَمْعَاءِ وَالْمَعِدَةِ . وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ صَالِحٌ لِلْكَبِدِ وَالْمَعِدَةِ الْبَارِدَتَيْ الْمِزَاجِ وَإِذَا أُخِذَ مِنْهُ مَعَ السّكّرِ وَزْنُ دِرْهَمَيْنِ بِالْمَاءِ الْحَارّ أَسْهَلَ فُضُولًا لَزِجَةً لُعَابِيّةً وَيَقَعُ فِي الْمَعْجُونَاتِ الّتِي تُحَلّلُ الْبَلْغَمَ وَتُذِيبُهُ . وَالْمِزّيّ مِنْهُ حَارّ يَابِسٌ يُهَيّجُ الْجِمَاعَ وَيَزِيدُ فِي الْمَنِيّ وَيُسَخّنُ الْمَعِدَةَ وَالْكَبِدَ وَيُعِينُ عَلَى الِاسْتِمْرَاءِ وَيُنَشّفُ الْبَلْغَمَ الْغَالِبَ عَلَى الْبَدَنِ وَيَزِيدُ فِي الْحِفْظِ وَيُوَافِقُ بَرْدَ الْكَبِدِ وَالْمَعِدَةِ وَيُزِيلُ بِلّتَهَا الْحَادِثَةَ عَنْ أَكْلِ الْفَاكِهَةِ وَيُطَيّبُ النّكْهَةَ وَيُدْفَعُ بِهِ ضَرَرُ الْأَطْعِمَةِ الْغَلِيظَةِ الْبَارِدَةِ . حَرْفُ السّينِ سنا قَدْ تَقَدّمَ وَتَقَدّمَ سَنّوت أَيْضًا وَفِيهِ سَبْعَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا : أَنّهُ الْعَسَلُ . [ ص 294 ] الثّانِي : أَنّهُ رُبّ عُكّةِ السّمْنِ يُخْرِجُ خُطَطًا سَوْدَاءَ عَلَى السّمْنِ . الثّالِثُ أَنّهُ حَبّ يُشْبِهُ الْكَمّونَ وَلَيْسَ بِكَمّونٍ . الرّابِعُ الْكَمّونُ الْكَرْمَانِيّ . الْخَامِسُ أَنّهُ الشّبَتُ . السّادِسُ أَنّهُ التّمْرُ . السّابِعُ أَنّهُ الرازيانج . سفرجلرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ إسْمَاعِيلَ بْنِ مُحَمّدٍ الطّلْحِيّ عَنْ نَقِيبِ بْنِ حَاجِبٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ عَنْ عَبْدِ الْمَلِكِ الزّبَيْرِيّ عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ دَخَلْتُ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبِيَدِهِ سَفَرْجَلَةٌ فَقَالَ دُونَكَهَا يَا طَلْحَةُ فَإِنّهَا تُجِمّ الْفُؤَادَ . وَرَوَاهُ النّسَائِيّ مِنْ طَرِيقٍ آخَرَ وَقَالَ " أَتَيْتُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَبِيَدِهِ سَفَرْجَلَةٌ يُقَلّبُهَا فَلَمّا جَلَسْتُ إلَيْهِ دَحَا بِهَا إلَيّ ثُمّ قَالَ دُونَكَهَا أَبَا ذَرّ فَإِنّهَا تَشُدّ الْقَلْبَ وَتُطَيّبُ النّفْسَ وَتُذْهِبُ بِطَخَاءِ الصّدْرِ . وَقَدْ رُوِيَ فِي السّفَرْجَلِ أَحَادِيثُ أُخَرُ هَذَا أَمْثَلُهَا وَلَا تَصِحّ . وَالسّفَرْجَلُ بَارِدٌ يَابِسٌ وَيَخْتَلِفُ فِي ذَلِكَ بِاخْتِلَافِ طَعْمِهِ وَكُلّهُ بَارِدٌ قَابِضٌ جَيّدٌ لِلْمَعِدَةِ وَالْحُلْوُ مِنْهُ أَقَلّ بُرُودَةً وَيُبْسًا وَأَمْيَلُ إلَى الِاعْتِدَالِ وَالْحَامِضُ أَشَدّ قَبْضًا وَيُبْسًا وَبُرُودَةً وَكُلّهُ يُسَكّنُ الْعَطَشَ وَالْقَيْءَ وَيُدِرّ الْبَوْلَ وَيَعْقِلُ الطّبْعَ وَيَنْفَعُ مِنْ قُرْحَةِ الْأَمْعَاءِ وَنَفْثِ الدّمِ وَالْهَيْضَةِ وَيَنْفَعُ مِنْ الْغَثَيَانِ وَيَمْنَعُ مِنْ تَصَاعُدِ الْأَبْخِرَةِ إذَا اُسْتُعْمِلَ بَعْدَ الطّعَامِ وَحُرَاقَةُ أَغْصَانِهِ وَوَرَقِهِ الْمَغْسُولَةِ كَالتّوتِيَاءِ فِي فِعْلِهَا . [ ص 295 ] مُضِرّ بِالْعَصَبِ مُوَلّدٌ لِلْقُولَنْجِ وَيُطْفِئُ الْمُرّةَ الصّفْرَاءَ الْمُتَوَلّدَةَ فِي الْمَعِدَةِ . وَإِنْ شُوِيَ كَانَ أَقَلّ لِخُشُونَتِهِ وَأَخَفّ وَإِذَا قُوّرَ وَسَطُهُ وَنُزِعَ حَبّهُ وَجُعِلَ فِيهِ الْعَسَلُ وَطُيّنَ جُرْمُهُ بِالْعَجِينِ وَأُودِعَ الرّمَادَ الْحَارّ نَفَعَ نَفْعًا حَسَنًا . وَأَجْوَدُ مَا أُكِلَ مُشْوِيًا أَوْ مَطْبُوخًا بِالْعَسَلِ وَحَبّهُ يَنْفَعُ مِنْ خُشُونَةِ الْحَلْقِ وَقَصَبَةِ الرّئَةِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَمْرَاضِ وَدُهْنُهُ يَمْنَعُ الْعَرَقَ وَيُقَوّي الْمَعِدَةَ وَالْمُرَبّى مِنْهُ يُقَوّي الْمَعِدَةَ وَالْكَبِدَ وَيَشُدّ الْقَلْبَ وَيُطَيّبُ النّفَسَ . وَمَعْنَى تُجِمّ الْفُؤَادَ تُرِيحُهُ . وَقِيلَ تُفَتّحُهُ وَتُوَسّعُهُ مِنْ جُمَامِ الْمَاءِ وَهُوَ اتّسَاعُهُ وَكَثْرَتُهُ وَالطّخَاءُ لَلْقَلْبِ مِثْلُ الْغَيْمِ عَلَى السّمَاءِ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الطّخَاءُ ثِقَلٌ وَغَشْيُ تَقُولُ مَا فِي السّمَاءِ طَخَاءٌ أَيْ سَحَابٌ وَظُلْمَةٌ . سِوَاك فِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لوْلَا أَنْ أَشُقّ عَلَى أُمّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسّوَاكِ عِنْدَ كُلّ صَلَاةٍ . وَفِيهِمَا : أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ إذَا قَامَ مِنْ اللّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسّوَاكِ . وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " تَعْلِيقًا عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ السّوَاكُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ مَرْضَاةٌ لِلرّبّ . [ ص 296 ] صَحِيحٍ مُسْلِمٍ " : أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ إذَا دَخَلَ بَيْتَهُ بَدَأَ بِالسّوَاكِ . وَالْأَحَادِيثُ فِيهِ كَثِيرَةٌ وَصَحّ عَنْهُ مِنْ حَدِيثٍ أَنّهُ اسْتَاكَ عِنْدَ مَوْتِهِ بِسِوَاكِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ أَكْثَرْتُ عَلَيْكُمْ فِي السّوَاكِ . وَأَصْلَحُ مَا اُتّخِذَ السّوَاكُ مِنْ خَشَبِ الْأَرَاكِ وَنَحْوِهِ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ شَجَرَةٍ مَجْهُولَةٍ فَرُبّمَا كَانَتْ سما وَيَنْبَغِي الْقَصْدُ فِي اسْتِعْمَالِهِ فَإِنْ بَالَغَ فِيهِ فَرُبّمَا أَذْهَبَ طَلَاوَةَ الْأَسْنَانِ وَصِقَالَتَهَا وَهَيّأَهَا لِقَبُولِ الْأَبْخِرَةِ الْمُتَصَاعِدَةِ مِنْ الْمَعِدَةِ وَالْأَوْسَاخِ وَمَتَى اُسْتُعْمِلَ بِاعْتِدَالٍ جَلَا الْأَسْنَانَ وَقَوّى الْعَمُودَ وَأَطْلَقَ اللّسَانَ وَمَنَعَ الْحَفَرَ وَطَيّبَ النّكْهَةَ وَنَقّى الدّمَاغَ وَشَهّى الطّعَامَ . وَأَجْوَدُ مَا اُسْتُعْمِلَ مَبْلُولًا بِمَاءِ الْوَرْدِ وَمِنْ أَنْفَعِهِ أُصُولُ الْجَوْزِ قَالَ صَاحِبُ " التّيْسِيرِ " : زَعَمُوا أَنّهُ إذَا اسْتَاكَ بِهِ الْمُسْتَاكُ كُلّ خَامِسٍ مِنْ الْأَيّامِ نَقّى الرّأْسَ وَصَفّى الْحَوَاسّ وَأَحَدّ الذّهْنَ . [مَنَافِعُ السّوَاكِ ] وَفِي السّوَاكِ عِدّةُ مَنَافِعَ يُطَيّبُ الْفَمَ وَيَشُدّ اللّثَةَ وَيَقْطَعُ الْبَلْغَمَ وَيَجْلُو الْبَصَرَ وَيَذْهَبُ بِالْحَفَرِ وَيُصِحّ الْمَعِدَةَ وَيُصَفّي الصّوْتَ وَيُعِينُ عَلَى هَضْمِ الطّعَامِ وَيُسَهّلُ مَجَارِيَ الْكَلَامِ وَيُنَشّطُ لِلْقِرَاءَةِ وَالذّكْرِ وَالصّلَاةِ وَيَطْرُدُ النّوْمَ وَيُرْضِي الرّبّ وَيُعْجِبُ الْمَلَائِكَةَ وَيُكْثِرُ الْحَسَنَاتِ . [أَوْقَاتُ اسْتِحْبَابِهِ ] وَيُسْتَحَبّ كُلّ وَقْتٍ وَيَتَأَكّدُ عِنْدَ الصّلَاةِ وَالْوُضُوءِ وَالِانْتِبَاهِ مِنْ النّوْمِ وَتَغْيِيرِ رَائِحَةِ الْفَمِ وَيُسْتَحَبّ لِلْمُفْطِرِ وَالصّائِمِ فِي كُلّ وَقْتٍ لِعُمُومِ الْأَحَادِيثِ فِيهِ وَلِحَاجَةِ الصّائِمِ إلَيْهِ وَلِأَنّهُ مَرْضَاةٌ لِلرّبّ وَمَرْضَاتُهُ مَطْلُوبَةٌ فِي الصّوْمِ [ ص 297 ] أَشَدّ مِنْ طَلَبِهَا فِي الْفِطْرِ وَلِأَنّهُ مَطْهَرَةٌ لِلْفَمِ وَالطّهُورُ لِلصّائِمِ مَنْ أَفْضَلِ أَعْمَالِهِ . [اسْتِيَاكُ الصّائِمِ ] وَفِي " السّنَنِ " : عَنْ عَامِرِ بْنِ رَبِيعَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا لَا أُحْصِي يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ وَقَالَ الْبُخَارِيّ قَالَ ابْنُ عُمَر : يَسْتَاكُ أَوّلَ النّهَارِ وَآخِرَهُ . وَأَجْمَعَ النّاسُ عَلَى أَنّ الصّائِمَ يَتَمَضْمَضُ وُجُوبًا وَاسْتِحْبَابًا وَالْمَضْمَضَةُ أَبْلَغُ مِنْ السّوَاكِ وَلَيْسَ لِلّهِ غَرَضٌ فِي التّقَرّبِ إلَيْهِ بِالرّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ وَلَا هِيَ مِنْ جِنْسِ مَا شُرِعَ التّعَبّدُ بِهِ وَإِنّمَا ذُكِرَ طِيبُ الْخُلُوفِ عِنْدَ اللّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَثّا مِنْهُ عَلَى الصّوْمِ لَا حَثّا عَلَى إبْقَاءِ الرّائِحَةِ بَلْ الصّائِمُ أَحْوَجُ إلَى السّوَاكِ مِنْ الْمُفْطِرِ . وَأَيْضًا فَإِنّ رِضْوَانَ اللّهِ أَكْبَرُ مَنْ اسْتِطَابَتِهِ لِخُلُوفِ فَمِ الصّائِمِ . وَأَيْضًا فَإِنّ مَحَبّتَهُ لِلسّوَاكِ أَعْظَمُ مِنْ مَحَبّتِهِ لِبَقَاءِ خُلُوفِ فَمِ الصّائِمِ . وَأَيْضًا فَإِنّ السّوَاكَ لَا يَمْنَعُ طِيبَ الْخُلُوفِ الّذِي يُزِيلُهُ السّوَاكُ عِنْدَ اللّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَلْ يَأْتِي الصّائِمُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَخُلُوفُ فَمِهِ أَطْيَبُ مِنْ الْمِسْكِ عَلَامَةً عَلَى صِيَامِهِ وَلَوْ أَزَالَهُ بِالسّوَاكِ كَمَا أَنّ الْجَرِيحَ يَأْتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَوْنُ دَمِ جُرْحِهِ لَوْنُ الدّمِ وَرِيحُهُ رِيحُ الْمِسْكِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِإِزَالَتِهِ فِي الدّنْيَا . وَأَيْضًا فَإِنّ الْخُلُوفَ لَا يَزُولُ بِالسّوَاكِ فَإِنّ سَبَبَهُ قَائِمٌ وَهُوَ خُلُوّ الْمَعِدَةِ عَنْ الطّعَامِ وَإِنّمَا يَزُولُ أَثَرُهُ وَهُوَ الْمُنْعَقِدُ عَلَى الْأَسْنَانِ وَاللّثَةِ . وَأَيْضًا فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلّمَ أُمّتَهُ مَا يُسْتَحَبّ لَهُمْ فِي الصّيَامِ وَمَا يُكْرَهُ [ ص 298 ] حَضّهُمْ عَلَيْهِ بِأَبْلَغِ أَلْفَاظِ الْعُمُومِ وَالشّمُولِ وَهُمْ يُشَاهِدُونَهُ يَسْتَاكُ وَهُوَ صَائِمٌ مِرَارًا كَثِيرَةً تَفُوتُ الْإِحْصَاءَ وَيَعْلَمُ أَنّهُمْ يَقْتَدُونَ بِهِ وَلَمْ يَقُلْ لَهُمْ يَوْمًا مِنْ الدّهْرِ لَا تَسْتَاكُوا بَعْدَ الزّوَالِ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . سمنرَوَى مُحَمّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطّبَرِيّ بِإِسْنَادِهِ مِنْ حَدِيثِ صُهَيْبٍ يَرْفَعُهُ عَلَيْكُمْ بِأَلْبَانِ الْبَقَرِ فَإِنّهَا شِفَاءٌ وَسَمْنُهَا دَوَاءٌ وَلُحُومُهَا دَاءٌ رَوَاهُ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ التّرْمِذِيّ حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ مُوسَى النّسَائِيّ حَدّثَنَا دَفّاعُ بْنُ دَغْفَلٍ السّدُوسِيّ عَنْ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْن صَيْفِيّ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ وَلَا يَثْبُتُ مَا فِي هَذَا الْإِسْنَادِ . وَالسّمْنُ حَارّ رَطْبٌ فِي الْأَوْلَى وَفِيهِ جَلَاءٌ يَسِيرٌ وَلَطَافَةٌ وَتَفْشِيَةُ الْأَوْرَامِ الْحَادِثَةِ مِنْ الْأَبْدَانِ النّاعِمَةِ وَهُوَ أَقْوَى مِنْ الزّبْدِ فِي الْإِنْضَاجِ وَالتّلْيِينِ وَذَكَرَ جَالِينُوسُ أَنّهُ أَبْرَأَ بِهِ الْأَوْرَامَ الْحَادِثَةَ فِي الْأُذُنِ وَفِي الْأَرْنَبَةِ وَإِذَا دُلّكَ بِهِ مَوْضِعُ الْأَسْنَانِ نَبَتَتْ سَرِيعًا وَإِذَا خُلِطَ مَعَ عَسَلٍ وَلَوْزٍ مُرّ جَلَا مَا فِي الصّدْرِ وَالرّئَةِ وَالْكَيْمُوسَاتِ الْغَلِيظَةِ اللّزِجَةِ إلّا أَنّهُ ضَارّ بِالْمَعِدَةِ سِيّمَا إذَا كَانَ مِزَاجُ صَاحِبِهَا بَلْغَمِيّا . [مَنَافِعُ سَمْنِ الْبَقَرِ وَالْمَعِزِ ] وَأَمّا سَمْنُ الْبَقَرِ وَالْمَعِزِ فَإِنّهُ إذَا شُرِبَ مَعَ الْعَسَلِ نَفَعَ مِنْ شُرْبِ السّمّ الْقَاتِلِ وَمِنْ لَدْغِ الْحَيّاتِ وَالْعَقَارِبِ وَفِي " كِتَابِ ابْنِ السّنّيّ " عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ لَمْ يَسْتَشْفِ النّاسُ بِشَيْءٍ أَفْضَلَ مِنْ السّمْن . سمكرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ [ ص 299 ] عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ أُحِلّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ السّمَكُ وَالْجَرَادُ وَالْكَبِدُ وَالطّحَالُ . [أَجْوَدُ أَصْنَافِهِ ] [أَصْلَحُ أَمَاكِنَهُ ] أَصْنَافُ السّمَكِ كَثِيرَةٌ وَأَجْوَدُهُ مَا لَذّ طَعْمُهُ وَطَابَ رِيحُهُ وَتَوَسّطَ مِقْدَارُهُ وَكَانَ رَقِيقَ الْقِشْرِ وَلَمْ يَكُنْ صَلْبَ اللّحْمِ وَلَا يَابِسَهُ وَكَانَ فِي مَاءٍ عَذْبٍ جَارٍ عَلَى الْحَصْبَاءِ وَيَغْتَذِي بِالنّبَاتِ لَا الْأَقْذَارِ وَأَصْلَحُ أَمَاكِنَهُ مَا كَانَ فِي نَهْرٍ جَيّدِ الْمَاءِ وَكَانَ يَأْوِي إلَى الْأَمَاكِنِ الصّخْرِيّةِ ثُمّ الرّمْلِيّةِ وَالْمِيَاهِ الْجَارِيَةِ الْعَذْبَةِ الّتِي لَا قَذَرَ فِيهَا وَلَا حَمْأَةٌ الْكَثِيرَةِ الِاضْطِرَابِ وَالتّمَوّجِ الْمَكْشُوفَةِ لِلشّمْسِ وَالرّيَاحِ . [مَنَافِعُ السّمَكِ الطّرِيّ ] وَالسّمَكِ الْبَحْرِيّ فَاضِلٌ مَحْمُودٌ لَطِيفٌ وَالطّرِيّ مِنْهُ بَارِدٌ رَطْبٌ عَسِرُ الِانْهِضَامِ يُوَلّدُ بَلْغَمًا كَثِيرًا إلّا الْبَحْرِيّ وَمَا جَرَى مَجْرَاهُ فَإِنّهُ يُولَدُ خَلْطًا مَحْمُودًا وَهُوَ يُخَصّبُ الْبَدَنَ وَيَزِيدُ فِي الْمَنِيّ وَيُصْلِحُ الْأَمْزِجَةَ الْحَارّةَ . [السّمَكُ الْمَالِحُ ] وَأَمّا الْمَالِحُ فَأَجْوَدُهُ مَا كَانَ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالتّمَلّحِ وَهُوَ حَارّ يَابِسٌ وَكُلّمَا تَقَادَمَ عَهْدُهُ ازْدَادَ حَرّهُ وَيُبْسُهُ وَالسّلّوْرُ مِنْهُ كَثِيرُ اللّزُوجَةِ وَيُسَمّى الْجَرِيّ وَالْيَهُودُ لَا تَأْكُلُهُ وَإِذَا أُكِلَ طَرِيّا كَانَ مُلَيّنًا لِلْبَطْنِ وَإِذَا مُلّحَ وَعَتَقَ وَأُكِلَ صَفّى قَصَبَةَ الرّئَةِ وَجَوّدَ الصّوْتَ وَإِذَا دُقّ وَوُضِعَ مِنْ خَارِجٍ أَخْرَجَ السّلَى وَالْفُضُولَ مِنْ عُمْقِ الْبَدَنِ مِنْ طَرِيقِ أَنّ لَهُ قُوّةً جَاذِبَةً . وَمَاءُ مِلْحِ الْجِرّيّ الْمَالِحِ إذَا جَلَسَ فِيهِ مَنْ كَانَتْ بِهِ قُرْحَةُ الْأَمْعَاءِ فِي [ ص 300 ] ابْتِدَاءِ الْعِلّةِ وَافَقَهُ بِجَذْبِهِ الْمَوَادّ إلَى ظَاهِرِ الْبَدَنِ وَإِذَا احْتَقَنَ بَهْ أَبْرَأَ مِنْ عِرْقِ النّسَا . [مَنَافِعُ الطّرِيّ السّمِينِ مِنْهُ ] وَأَجْوَدُ مَا فِي السّمَكِ مَا قَرُبَ مِنْ مُؤَخّرِهَا وَالطّرِيّ السّمِينُ مِنْهُ يُخَصّبُ الْبَدَنَ لَحْمُهُ وَوَدَكُهُ . وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ بَعَثَنَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَاكِبٍ وَأَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ فَأَتَيْنَا السّاحِلَ فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتّى أَكْلَنَا الْخَبَطَ فَأَلْقَى لَنَا الْبَحْرُ حُوتًا يُقَالُ لَهَا : عَنْبَرُ فَأَكَلْنَا مِنْهُ نِصْفَ شَهْرٍ وَائْتَدَمْنَا بِوَدَكِهِ حَتّى ثَابَتْ أَجْسَامُنَا فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ وَحَمَلَ رَجُلًا عَلَى بَعِيرِهِ وَنَصَبَهُ فَمَرّ تَحْتَهُ . سلقرَوَى التّرْمِذِيّ وَأَبُو دَاوُدَ عَنْ أُمّ الْمُنْذِرِ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَعَهُ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَلَنَا دَوَالٍ مُعَلّقَةٌ قَالَتْ فَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَأْكُلُ وَعَلِيّ مَعَهُ يَأْكُلُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " مَهْ يَا عَلِيّ فَإِنّكَ نَاقِهٌ " قَالَتْ فَجَعَلْت لَهُمْ سِلْقًا وَشَعِيرًا فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَا عَلِيّ فَأَصِبْ مِنْ هَذَا فَإِنّهُ أَوْفَقُ لَكَ . قَالَ التّرْمِذِيّ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . السّلْقُ حَارّ يَابِسٌ فِي الْأَوْلَى وَقِيلَ رَطْبٌ فِيهَا وَقِيلَ مُرَكّبٌ مِنْهُمَا وَفِيهِ بُرُودَةٌ مُلَطّفَةٌ وَتَحْلِيلٌ . وَتَفْتِيحٌ وَفِي الْأَسْوَدِ مِنْهُ قَبْضٌ وَنَفْعٌ مِنْ دَاءِ الثّعْلَبِ وَالْكَلَفِ وَالْحَزّازِ وَالثّآلِيلِ إذَا طُلِيَ بِمَائِهِ وَيَقْتُلُ الْقُمّلَ وَيُطْلَى بِهِ الْقُوَبَاءُ مَعَ الْعَسَلِ وَيُفَتّحُ سُدَدَ الْكَبِدِ وَالطّحَالِ وَأَسْوَدُهُ يَعْقِلُ الْبَطْنَ وَلَا سِيّمَا مَعَ الْعَدَسِ وَهُمَا رَدِيئَانِ . وَالْأَبْيَضُ يُلَيّنُ مَعَ الْعَدَسِ وَيُحْقَنُ بِمَائِهِ لِلْإِسْهَالِ وَيَنْفَعُ مِنْ الْقُولَنْحِ مَعَ الْمَرِيّ وَالتّوَابِلِ وَهُوَ قَلِيلُ الْغِذَاءِ رَدِيءُ [ ص 301 ] الْكَيْمُوسُ يُحْرِقُ الدّمَ وَيُصْلِحُهُ الْخَلّ وَالْخَرْدَلُ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ يُوَلّدُ الْقَبْضَ . حَرْفُ الشّينِ شونيز هُوَ الْحَبّةُ السّوْدَاءُ وَقَدْ تَقَدّمَ فِي حَرْفِ الْحَاءِ . شُبْرُمٌ رَوَى التّرْمِذِيّ وَابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِمَا " : مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَاذَا كُنْتِ تَسْتَمْشِينَ ؟ " قَالَتْ بِالشّبْرِمِ . قَالَ " حَارّ جَارّ الشّبْرُمُ شَجَرٌ صَغِيرٌ وَكَبِيرٌ كَقَامَةِ الرّجُلِ وَأَرْجَحُ لَهُ قُضْبَانٌ حُمْرٌ مُلَمّعَةٌ بِبَيَاضٍ وَفِي رُءُوسِ قُضْبَانِهِ جُمّةٌ مِنْ وَرَقٍ وَلَهُ نُورٌ صِغَارٌ أَصْفَرُ إلَى الْبَيَاضِ يَسْقُطُ وَيَخْلُفُهُ مَرَاوِدُ صِغَارٌ فِيهَا حَبّ صَغِيرٌ مِثْلَ الْبُطْمِ فِي قَدْرِهِ أَحْمَرُ اللّوْنِ وَلَهَا عُرُوقٌ عَلَيْهَا قُشُورٌ حُمْرٌ وَالْمُسْتَعْمَلُ مِنْهُ قِشْرُ عُرُوقِهِ وَلَبَنُ قُضْبَانِهِ . وَهُوَ حَارّ يَابِسٌ فِي الدّرَجَةِ الرّابِعَةِ وَيُسَهّلُ السّوْدَاءَ وَالْكَيْمُوسَاتِ الْغَلِيظَةَ وَالْمَاءَ الْأَصْفَرَ وَالْبَلْغَمَ مُكْرِبٌ مُغَثّ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ يَقْتُلُ وَيَنْبَغِي إذَا اُسْتُعْمِلَ أَنْ يُنْقَعَ فِي اللّبَنِ الْحَلِيبِ يَوْمًا وَلَيْلَةً وَيُغَيّرَ عَلَيْهَا اللّبَنُ فِي الْيَوْمِ مَرّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا وَيُخْرَجُ وَيُجَفّفُ فِي الظّلّ وَيُخْلَطُ مَعَهُ الْوُرُودُ وَالْكَثِيرَاءُ وَيُشْرَبُ بِمَاءِ الْعَسَلِ أَوْ عَصِيرِ الْعِنَبِ وَالشّرْبَةُ مِنْهُ مَا بَيْنَ أَرْبَعِ دَوَانِقَ إلَى دَانِقَيْنِ عَلَى حَسَبِ الْقُوّةِ قَالَ حُنَيْنٌ : أَمّا لَبَنُ الشّبْرُمِ فَلَا خَيْرَ فِيهِ وَلَا أَرَى شُرْبَهُ الْبَتّةَ فَقَدْ قَتَلَ بِهِ أَطِبّاءُ الطّرُقَاتِ كَثِيرًا مِنْ النّاس شَعِيرٌ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ : مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ [ ص 302 ] كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا أَخَذَ أَحَدًا مِنْ أَهْلِهِ الْوَعْكُ أَمَرَ بِالْحِسَاءِ مِنْ الشّعِيرِ فَصُنِعَ ثُمّ أَمَرَهُمْ فَحَسَوْا مِنْهُ ثُمّ يَقُولُ " إنّهُ لَيَرْتُو فُؤَادَ الْحَزِينِ وَيَسْرُو فُؤَادَ السّقِيمِ كَمَا تَسْرُوَا إحْدَاكُنّ الْوَسَخَ بِالْمَاءِ عَنْ وَجْهِهَا وَمَعْنَى يَرْتُوهُ يَشُدّهُ وَيُقَوّيهِ . وَيَسْرُو يَكْشِفُ وَيُزِيلُ . [مَنَافِعُ مَاءِ الشّعِيرِ الْمَغْلِيّ وَصِفَتُهُ ] وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّ هَذَا هُوَ مَاءُ الشّعِيرِ الْمَغْلِيّ وَهُوَ أَكْثَرُ غِذَاءً مِنْ سَوِيقِهِ وَهُوَ نَافِعٌ لِلسّعَالِ وَخُشُونَةِ الْحَلْقِ صَالِحٌ لِقَمْعِ حِدّةِ الْفُضُولِ مُدِرّ لِلْبَوْلِ جِلَاءٌ لِمَا فِي الْمَعِدَةِ قَاطِعٌ لِلْعَطَشِ مُطْفِئٌ لِلْحَرَارَةِ وَفِيهِ قُوّةٌ يَجْلُو بِهَا وَيُلَطّفُ وَيُحَلّلُ . وَصِفَتُهُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ الشّعِيرِ الْجَيّدِ الْمَرْضُوضِ مِقْدَارٌ وَمِنْ الْمَاءِ الصّافِي الْعَذْبِ خَمْسَةُ أَمْثَالِهِ وَيُلْقَى فِي قِدْرٍ نَظِيفٍ وَيُطْبَخُ بِنَارٍ مُعْتَدِلَةٍ إلَى أَنْ يَبْقَى مِنْهُ خُمُسَاهُ وَيُصَفّى وَيُسْتَعْمَلَ مِنْهُ مِقْدَارُ الْحَاجَةِ مُحَلّا. شِوَاءٌ قَالَ اللّهُ تَعَالَى فِي ضِيَافَةِ خَلِيلِهِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السّلَامُ لِأَضْيَافِهِ { فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ } [ هُود : 69 ] وَالْحَنِيذُ الْمَشْوِيّ عَلَى الرّضْفِ وَهِيَ الْحِجَارَةُ الْمُحْمَاةُ . وَفِي التّرْمِذِيّ : عَنْ أُمّ سَلَمَة َ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا أَنّهَا قَرّبَتْ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَنْبًا مَشْوِيّا فَأَكَلَ مِنْهُ ثُمّ قَامَ إلَى الصّلَاةِ وَلَمْ يَتَوَضّأْ قَالَ التّرْمِذِيّ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَفِيهِ أَيْضًا : عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ أَكَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شِوَاءً فِي الْمَسْجِدِ [ ص 303 ] الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ قَالَ ضِفْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَاتَ لَيْلَةٍ فَأَمَرَ بِجَنْبٍ فَشُوِيَ ثُمّ أَخَذَ الشّفْرَةَ فَجَعَلَ يَحُزّ لِي بِهَا مِنْهُ قَالَ فَجَاءَ بِلَالٌ يُؤَذّنُ لِلصّلَاةِ فَأَلْقَى الشّفْرَةَ فَقَالَ " مَا لَهُ تَرِبَتْ يَدَاهُ " أَنْفَعُ الشّوَاءِ شِوَاءُ الضّأْنِ الْحَوْلِيّ ثُمّ الْعِجْلِ اللّطِيفِ السّمِينِ وَهُوَ حَارّ رَطْبٌ إلَى الْيُبُوسَةِ كَثِيرُ التّوْلِيدِ لِلسّوْدَاءِ وَهُوَ مِنْ أَغْذِيَةِ الْأَقْوِيَاءِ وَالْأَصِحّاءِ وَالْمُرْتَاضِينَ وَالْمَطْبُوخُ أَنْفَعُ وَأَخَفّ عَلَى الْمَعِدَةِ وَأَرْطَبُ مِنْهُ وَمِنْ الْمُطَجّنِ . وَأَرْدَؤُهُ الْمَشْوِيّ فِي الشّمْسِ وَالْمَشْوِيّ عَلَى الْجَمْرِ خَيْرٌ مِنْ الْمَشْوِيّ بِاللّهَبِ وَهُوَ الْحَنِيذُ . شَحْمٌ ثَبَتَ فِي " الْمُسْنَدِ " : عَنْ أَنَسٍ أَنّ يَهُودِيّا أَضَافَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَدّمَ لَهُ خُبْزَ شَعِيرٍ وَإِهَالَةً سَنِخَةً وَالْإِهَالَةُ الشّحْمُ الْمُذَابُ وَالْأَلْيَةُ وَالسّنِخَةُ الْمُتَغَيّرَةُ وَثَبَتَ فِي " الصّحِيحِ " : عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُغَفّلٍ قَالَ دُلّيَ جِرَابٌ مِنْ شَحْمٍ يَوْمَ خَيْبَرَ فَالْتَزَمْتُهُ وَقُلْتُ وَاَللّهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا مِنْهُ شَيْئًا فَالْتَفَتّ فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَضْحَكُ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا أَجْوَدُ الشّحْمِ مَا كَانَ مِنْ حَيَوَانٍ مُكْتَمِلٍ وَهُوَ حَارّ رَطْبٌ وَهُوَ أَقَلّ رُطُوبَةً مِنْ السّمْنِ وَلِهَذَا لَوْ أُذِيبَ الشّحْمُ وَالسّمْنُ كَانَ الشّحْمُ أَسْرَعَ جُمُودًا وَهُوَ يَنْفَعُ [ ص 304 ] ضَرَرُهُ بِاللّيْمُونِ الْمَمْلُوحِ وَالزّنْجَبِيلِ وَشَحْمِ الْمَعِزِ أَقْبَضُ الشّحُومِ وَشَحْمُ التّيُوسِ أَشَدّ تَحْلِيلًا وَيَنْفَعُ مِنْ قُرُوحِ الْأَمْعَاءِ وَشَحْمُ الْعَنْزِ أَقْوَى فِي ذَلِكَ وَيُحْتَقَنُ بِهِ لِلسّحَجِ وَالزّحِيرِ . حَرْفُ الصّادِ صَلَاةٌ قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { وَاسْتَعِينُوا بِالصّبْرِ وَالصّلَاةِ وَإِنّهَا لَكَبِيرَةٌ إِلّا عَلَى الْخَاشِعِينَ } [ الْبَقَرَةُ 45 ] وَقَالَ { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصّبْرِ وَالصّلَاةِ إِنّ اللّهَ مَعَ الصّابِرِينَ } [ الْبَقَرَةُ 153 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { وَأْمُرْ أَهْلَكَ بِالصّلَاةِ وَاصْطَبِرْ عَلَيْهَا لَا نَسْأَلُكَ رِزْقًا نَحْنُ نَرْزُقُكَ وَالْعَاقِبَةُ لِلتّقْوَى } [ طَه : 132 ] . وَفِي " السّنَنِ " : كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا حَزَبَهُ أَمْرٌ فَزِعَ إلَى الصّلَاةِ وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُ الِاسْتِشْفَاءِ بِالصّلَاةِ مِنْ عَامّةِ الْأَوْجَاعِ قَبْلَ اسْتِحْكَامِهَا . [مَنَافِعُ الصّلَاةِ ] وَالصّلَاةُ مُجْلِبَةٌ لِلرّزْقِ حَافِظَةٌ لِلصّحّةِ دَافِعَةٌ لِلْأَذَى مُطْرِدَةٌ لِلْأَدْوَاءِ مُقَوّيَةٌ لِلْقَلْبِ مُبَيّضَةٌ لِلْوَجْهِ مُفْرِحَةٌ لِلنّفْسِ مُذْهِبَةٌ لِلْكَسَلِ مُنَشّطَةٌ لِلْجَوَارِحِ مُمِدّةٌ لِلْقُوَى شَارِحَةٌ لِلصّدْرِ مُغَذّيَةٌ لِلرّوحِ مُنَوّرَةٌ لِلْقَلْبِ حَافِظَةٌ لِلنّعْمَةِ دَافِعَةٌ لِلنّقْمَةِ جَالِبَةٌ لِلْبَرَكَةِ مُبْعِدَةٌ مِنْ الشّيْطَانِ مُقَرّبَةٌ مِنْ الرّحْمَنِ . وَبِالْجُمْلَةِ فَلَهَا تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي حِفْظِ صِحّةِ الْبَدَنِ وَالْقَلْبِ وَقُوَاهُمَا وَدَفْعِ الْمَوَادّ الرّدِيئَةِ عَنْهُمَا وَمَا اُبْتُلِيَ رَجُلَانِ بِعَاهَةٍ أَوْ دَاءٍ أَوْ مِحْنَةٍ أَوْ بَلِيّةٍ إلّا كَانَ حَظّ الْمُصَلّي مِنْهُمَا أَقَلّ وَعَاقِبَتُهُ أَسْلَمَ . وَلِلصّلَاةِ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي دَفْعِ شُرُورِ الدّنْيَا وَلَا سِيّمَا إذَا أُعْطِيَتْ حَقّهَا مِنْ [ ص 305 ] عَزّ وَجَلّ وَعَلَى قَدْرِ صِلَةِ الْعَبْدِ بِرَبّهِ عَزّ وَجَلّ تُفْتَحُ عَلَيْهِ مِنْ الْخَيْرَاتِ أَبْوَابُهَا وَتُقْطَعُ عَنْهُ مِنْ الشّرُورِ أَسْبَابُهَا وَتُفِيضُ عَلَيْهِ مَوَادّ التّوْفِيقِ مِنْ رَبّهِ عَزّ وَجَلّ وَالْعَافِيَةُ وَالصّحّةُ وَالْغَنِيمَةُ وَالْغِنَى وَالرّاحَةُ وَالنّعِيمُ وَالْأَفْرَاحُ وَالْمَسَرّاتُ كُلّهَا مُحْضَرَةٌ لَدَيْهِ وَمُسَارِعَةٌ إلَيْهِ . صَبْرٌ الصّبْرُ نِصْفُ الْإِيمَانِ فَإِنّهُ مَاهِيّةٌ مُرَكّبَةٌ مِنْ صَبْرٍ وَشُكْرٍ كَمَا قَالَ بَعْضُ السّلَفِ الْإِيمَانُ نِصْفَانِ نِصْفٌ صَبْرٌ وَنِصْفٌ شُكْرٌ قَالَ تَعَالَى : { إِنّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلّ صَبّارٍ شَكُورٍ } [ إبْرَاهِيمُ 5 ] وَالصّبْرُ مِنْ الْإِيمَانِ بِمَنْزِلَةِ الرّأْسِ مِنْ الْجَسَدِ وَهُوَ ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ صَبْرٌ عَلَى فَرَائِضِ اللّهِ فَلَا يُضِيعُهَا وَصَبْرٌ عَنْ مَحَارِمِهِ فَلَا يَرْتَكِبُهَا وَصَبْرٌ عَلَى أَقْضِيَتِهِ وَأَقْدَارِهِ فَلَا يَتَسَخّطُهَا وَمَنْ اسْتَكْمَلَ هَذِهِ الْمَرَاتِبَ الثّلَاثَ اسْتَكْمَلَ الصّبْرَ وَلَذّةَ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَنَعِيمَهَا وَالْفَوْزَ وَالظّفَرَ فِيهِمَا لَا يَصِلُ إلَيْهِ أَحَدٌ إلّا عَلَى جِسْرِ الصّبْرِ كَمَا لَا يَصِلُ أَحَدٌ إلَى الْجَنّةِ إلّا عَلَى الصّرَاطِ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ خَيْرُ عَيْشٍ أَدْرَكْنَاهُ بِالصّبْرِ وَإِذَا تَأَمّلْتَ مَرَاتِبَ الْكَمَالِ الْمُكْتَسَبِ فِي الْعَالَمِ رَأَيْتَهَا كُلّهَا مَنُوطَةً بِالصّبْرِ وَإِذَا تَأَمّلْتَ النّقْصَانَ الّذِي يُذَمّ صَاحِبُهُ عَلَيْهِ وَيَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ رَأَيْتَهُ كُلّهُ مِنْ عَدَمِ الصّبْرِ فَالشّجَاعَةُ وَالْعِفّةُ وَالْجُودُ وَالْإِيثَارُ كُلّهُ صَبْرُ سَاعَةٍ . فَالصّبْرُ طَلْسَمٌ عَلَى كَنْزِ الْعُلَى مَنْ حَلّ ذَا الطّلْسَمَ فَازَ بِكَنْزِهِ [أَكْثَرُ أَسْقَامِ الْبَدَنِ وَالْقَلْبِ مِنْ عَدَمِ الصّبْرِ ] وَأَكْثَرُ أَسْقَامِ الْبَدَنِ وَالْقَلْبِ إنّمَا تَنْشَأُ عَنْ عَدَمِ الصّبْرِ فَمَا حُفِظَتْ صِحّةُ [ ص 306 ] { وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصّابِرِينَ } [ النّحْلُ 126 ] وَإِنّهُ سَبَبُ الْفَلَاحِ { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتّقُوا اللّهَ لَعَلّكُمْ تُفْلِحُونَ } [ آل عِمْرَانَ 200 ] . صَبِرٌ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي كِتَابِ ( الْمَرَاسِيلِ مِنْ حَدِيثِ قَيْسِ بْنِ رَافِعٍ الْقَيْسِيّ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ مَاذَا فِي الْأَمَرّيْنِ مِنْ الشّفَاءِ ؟ الصّبْرُ وَالثّفّاءُ وَفِي " السّنَنِ " لِأَبِي دَاوُدَ : مِنْ حَدِيثِ أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ دَخَلَ عَلَيّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ تُوُفّيَ أَبُو سَلَمَةَ وَقَدْ جَعَلْتُ عَلِيّ صَبِرًا فَقَالَ مَاذَا يَا أُمّ سَلَمَةَ ؟ " فَقُلْت : إنّمَا هُوَ صَبْرٌ يَا رَسُولَ اللّهِ لَيْسَ فِيهِ طَيّبٌ قَالَ " إنّهُ يَشُبّ الْوَجْهَ فَلَا تَجْعَلِيهِ إلّا بِاللّيْلِ وَنَهَى عَنْهُ بِالنّهَارِ . [مَنَافِعُ الصّبْرِ عَامّةُ ] الصّبْرِ كَثِيرُ الْمَنَافِعِ لَا سِيّمَا الْهِنْدِيّ مِنْهُ يُنَقّي الْفُضُولَ الصّفْرَاوِيّةَ الّتِي فِي الدّمَاغِ وَأَعْصَابِ الْبَصَرِ وَإِذَا طُلِيَ عَلَى الْجَبْهَةِ وَالصّدْغِ بِدُهْنِ الْوَرْدِ نَفَعَ مِنْ الصّدَاعِ وَيَنْفَعُ مِنْ قُرُوحِ الْأَنْفِ وَالْفَمِ وَيُسَهّلُ السّوْدَاءَ والماليخوليا . [ مَنَافِعُ الصّبْرِ الْفَارِسِيّ ] وَالصّبْرُ الْفَارِسِيّ يُذَكّي الْعَقْلَ وَيُمِدّ الْفُؤَادَ وَيُنَقّي الْفُضُولَ الصّفْرَاوِيّةَ وَالْبَلْغَمِيّهَ مِنْ الْمَعِدَةِ إذَا شُرِبَ مِنْهُ مِلْعَقَتَانِ بِمَاءٍ وَيَرُدّ الشّهْوَةَ الْبَاطِلَةَ وَالْفَاسِدَةَ وَإِذَا شُرِبَ فِي الْبَرْدِ خِيفَ أَنْ يُسْهِلَ دَمًا . [ ص 307 ] صَوْمٌ الصّوْمُ جُنّةٌ مِنْ أَدْوَاءِ الرّوحِ وَالْقَلْبِ وَالْبَدَنِ مَنَافِعُهُ تَفُوتُ الْإِحْصَاءَ وَلَهُ تَأْثِيرٌ عَجِيبٌ فِي حِفْظِ الصّحّةِ وَإِذَابَةِ الْفَضَلَاتِ وَحَبْسِ النّفْسِ عَنْ تَنَاوُلِ مُؤْذِيَاتِهَا وَلَا سِيّمَا إذَا كَانَ بِاعْتِدَالٍ وَقَصْدٍ فِي أَفْضَلِ أَوْقَاتِهِ شَرْعًا وَحَاجَةُ الْبَدَنِ إلَيْهِ طَبْعًا . ثُمّ إنّ فِيهِ مِنْ إرَاحَةِ الْقُوَى وَالْأَعْضَاءِ مَا يَحْفَظُ عَلَيْهَا قُوَاهَا وَفِيهِ خَاصّيّةٌ تَقْتَضِي إيثَارَهُ وَهِيَ تَفْرِيحُهُ لِلْقَلْبِ عَاجِلًا وَآجِلًا وَهُوَ أَنْفَعُ شَيْءٍ لِأَصْحَابِ الْأَمْزِجَةِ الْبَارِدَةِ وَالرّطْبَةِ وَلَهُ تَأْثِيرٌ عَظِيمٌ فِي حِفْظِ صِحّتِهِمْ . وَهُوَ يَدْخُلُ فِي الْأَدْوِيَةِ الرّوحَانِيّةِ وَالطّبِيعِيّةِ وَإِذَا رَاعَى الصّائِمُ فِيهِ مَا يَنْبَغِي مُرَاعَاتُهُ طَبْعًا وَشَرْعًا عَظُمَ انْتِفَاعُ قَلْبِهِ وَبَدَنِهِ بِهِ وَحَبَسَ عَنْهُ الْمَوَادّ الْغَرِيبَةَ الْفَاسِدَةَ الّتِي هُوَ مُسْتَعِدّ لَهَا وَأَزَالَ الْمَوَادّ الرّدِيئَةَ الْحَاصِلَةَ بِحَسَبِ كَمَالِهِ وَنُقْصَانِهِ وَيَحْفَظُ الصّائِمَ مِمّا يَنْبَغِي أَنْ يَتَحَفّظَ مِنْهُ وَيُعِينُهُ عَلَى قِيَامِهِ بِمَقْصُودِ الصّوْمِ وَسِرّهِ وَعِلّتِهِ الْغَائِيّةِ فَإِنّ الْقَصْدَ مِنْهُ أَمْرٌ آخَرُ وَرَاءَ تَرْكِ الطّعَامِ وَالشّرَابِ وَبِاعْتِبَارِ ذَلِكَ الْأَمْرِ اخْتَصّ مِنْ بَيْنِ الْأَعْمَالِ بِأَنّهُ لِلّهِ سُبْحَانَهُ وَلَمّا كَانَ وِقَايَةً وَجُنّةً بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ مَا يُؤْذِي قَلْبَهُ وَبَدَنِهِ عَاجِلًا وَآجِلًا قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلّكُمْ تَتّقُونَ } [ الْبَقَرَةُ 183 ] فَأَحَدُ مَقْصُودِي الصّيَامِ الْجُنّةُ وَالْوِقَايَةُ وَهِيَ حِمْيَةٌ عَظِيمَةُ النّفْعِ وَالْمَقْصُودُ الْآخَرُ اجْتِمَاعُ الْقَلْبِ وَالْهَمّ عَلَى اللّهِ تَعَالَى وَتَوْفِيرُ قُوَى النّفْسِ عَلَى مَحَابّهِ وَطَاعَتِهِ وَقَدْ تَقَدّمَ الْكَلَامُ فِي بَعْضِ أسرار ال صوم عند ذكر هديه صلى الله عليه وسلم فيه . حَرْف الضّادِ ضَبّ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سُئِلَ عَنْهُ لَمّا قُدّمَ إلَيْهِ وَامْتَنَعَ مِنْ أَكْلِهِ أَحَرَامٌ هُوَ ؟ فَقَالَ لَا وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ [ ص 308 ] قَوْمِي فَأَجِدُنِي أَعَافُهُ . وَأُكِلَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَعَلَى مَائِدَتِهِ وَهُوَ يَنْظُرُ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ لَا أُحِلّهُ وَلَا أُحَرّمُهُ وَهُوَ حَارّ يَابِسٌ يُقَوّي شَهْوَةَ الْجِمَاعِ وَإِذَا دُقّ وَوُضِعَ عَلَى مَوْضِعِ الشّوْكَةِ اجْتَذَبَهَا . ضِفْدَعٌ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : الضّفْدَعُ لَا يَحِلّ فِي الدّوَاءِ نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ قَتْلِهَا يُرِيدُ الْحَدِيثَ الّذِي رَوَاهُ فِي " مُسْنَدِهِ " مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ طَبِيبًا ذَكَرَ ضِفْدَعًا فِي دَوَاءٍ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَنَهَاهُ عَنْ قَتْلِهَا قَالَ صَاحِبُ الْقَانُونِ : مَنْ أَكَلَ مِنْ دَمِ الضّفْدَعِ أَوْ جِرْمِهِ وَرِمَ بَدَنُهُ وَكَمَدَ لَوْنُهُ وَقَذَفَ الْمَنِيّ حَتّى يَمُوتَ وَلِذَلِكَ تَرَكَ الْأَطِبّاءُ اسْتِعْمَالَهُ خَوْفًا مِنْ ضَرَرِهِ وَهِيَ نَوْعَانِ مَائِيّةٌ وَتُرَابِيّةٌ وَالتّرَابِيّةُ يَقْتُلُ أَكْلُهَا . حَرْفُ الطّاءِ طِيبٌ ثَبَتَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ حُبّبَ إلَيّ مِنْ دُنْيَاكُمْ : النّسَاءُ وَالطّيبُ وَجُعِلَتْ قُرّةُ عَيْنِي فِي الصّلَاةِ وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُكْثِرُ التّطَيّبَ وَتَشْتَدّ عَلَيْهِ الرّائِحَةُ الْكَرِيهَةُ وَتَشُقّ عَلَيْهِ وَالطّيبُ غِذَاءُ الرّوحِ الّتِي هِيَ مَطِيّةُ الْقُوَى تَتَضَاعَفُ وَتَزِيدُ بِالطّيبِ كَمَا تَزِيدُ بِالْغِذَاءِ [ ص 309 ] وَمُعَاشَرَةِ الْأَحِبّةِ وَحُدُوثِ الْأُمُورِ الْمَحْبُوبَةِ وَغَيْبَةِ مَنْ تُسَرّ غِيبَتُهُ وَيَثْقُلُ عَلَى الرّوحِ مُشَاهَدَتُهُ كَالثّقَلَاءِ وَالْبُغَضَاءِ فَإِنّ مُعَاشَرَتَهُمْ تُوهِنُ الْقُوَى وَتَجْلِبُ الْهَمّ وَالْغَمّ وَهِيَ لِلرّوحِ بِمَنْزِلَةِ الْحُمّى لِلْبَدَنِ وَبِمَنْزِلَةِ الرّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ وَلِهَذَا كَانَ مِمّا حَبّبَ اللّهُ سُبْحَانَهُ الصّحَابَةَ بِنَهْيِهِمْ عَنْ التّخَلّقِ بِهَذَا الْخُلُقِ فِي مُعَاشَرَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِتَأَذّيهِ بِذَلِكَ فَقَالَ { إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النّبِيّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقّ } [ الْأَحْزَابُ 53 ] . وَالْمَقْصُودُ أَنّ الطّيبَ كَانَ مِنْ أَحَبّ الْأَشْيَاءِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَهُ تَأْثِيرٌ فِي حِفْظِ الصّحّةِ وَدَفْعِ كَثِيرٍ مِنْ الْآلَامِ وَأَسْبَابِهَا بِسَبَبِ قُوّةِ الطّبِيعَةِ بِهِ . طِينٌ وَرَدَ فِي أَحَادِيثَ مَوْضُوعَةٍ لَا يَصِحّ مِنْهَا شَيْءٌ مِثْلَ حَدِيثِ مَنْ أَكَلَ الطّينَ فَقَدْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ نَفْسِهِ وَمِثْلَ حَدِيثِ يَا حُمَيْرَاءُ لَا تَأْكُلِي الطّينَ فَإِنّهُ يَعْصِمُ الْبَطْنَ وَيُصَفّرُ اللّوْنَ وَيُذْهِبُ بَهَاءَ الْوَجْهِ وَكُلّ حَدِيثٍ فِي الطّينِ فَإِنّهُ لَا يَصِحّ وَلَا أَصْلَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلّا أَنّهُ رَدِيءٌ مُؤْذٍ يَسُدّ مَجَارِيَ الْعُرُوقِ وَهُوَ بَارِدٌ يَابِسٌ قَوِيّ التّجْفِيفِ وَيَمْنَعُ اسْتِطْلَاقَ الْبَطْنِ وَيُوجِبُ نَفْثَ الدّمِ وَقُرُوحِ الْفَمِ . طَلْحٌ قَالَ تَعَالَى : { وَطَلْحٍ مَنْضُودٍ } [ الْوَاقِعَةُ 29 ] قَالَ أَكْثَرُ الْمُفَسّرِينَ هُوَ الْمَوْزُ . وَالْمَنْضُودُ هُوَ الّذِي قَدْ نُضّدَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ كَالْمُشْطِ . وَقِيلَ الطّلْحُ الشّجَرُ ذُو الشّوْكِ نُضّدَ مَكَانَ كُلّ شَوْكَةٍ ثَمَرَةٌ فَثَمَرُهُ قَدْ نُضّدَ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فَهُوَ مِثْلُ الْمَوْزِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحّ وَيَكُونُ مِنْ ذِكْرِ الْمَوْزِ مِنْ السّلَفِ أَرَادَ التّمْثِيلَ لَا التّخْصِيصَ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَهُوَ حَارّ رَطْبٌ أَجْوَدُهُ النّضِيجُ الْحُلْوُ يَنْفَعُ مِنْ خُشُونَةِ الصّدْرِ وَالرّئَةِ [ ص 310 ] الصّفْرَاءِ وَالْبَلْغَمِ وَدَفْعُ ضَرَرِهِ بِالسّكّرِ أَوْ الْعَسَلِ . طَلْعٌ قَالَ تَعَالَى : { وَالنّخْلَ بَاسِقَاتٍ لَهَا طَلْعٌ نَضِيدٌ } [ ق : 10 ] وَقَالَ تَعَالَى : { وَنَخْلٍ طَلْعُهَا هَضِيمٌ } [ الشّعَرَاءُ 148 ] . طَلْعُ النّخْلِ مَا يَبْدُو مِنْ ثَمَرَتِهِ فِي أَوّلِ ظُهُورِهِ وَقِشْرُهُ يُسَمّى الْكُفُرّى وَالنّضِيدُ الْمَنْضُودُ الّذِي قَدْ نُضّدَ بَعْضُهُ عَلَى بَعْضٍ وَإِنّمَا يُقَالُ لَهُ نَضِيدٌ مَا دَامَ فِي كُفُرّاهُ فَإِذَا انْفَتَحَ فَلَيْسَ بِنَضِيدٍ . وَأَمّا الْهَضِيمُ فَهُوَ الْمُنْضَمّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ فَهُوَ كَالنّضِيدِ أَيْضًا وَذَلِكَ يَكُونُ قَبْلَ تَشَقّقِ الْكُفُرّى عَنْهُ . وَالطّلْعُ نَوْعَانِ ذَكَرٌ وَأُنْثَى وَالتّلْقِيحُ هُوَ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْ الذّكَرِ وَهُوَ مِثْلُ دَقِيقِ الْحِنْطَةِ فَيُجْعَلَ فِي الْأُنْثَى وَهُوَ التّأْبِيرُ فَيَكُونُ ذَلِكَ بِمَنْزِلَةِ اللّقَاحِ بَيْنَ الذّكَرِ وَالْأُنْثَى وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " : عَنْ طَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ مَرَرْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي نَخْلٍ فَرَأَى قَوْمًا يُلَقّحُونَ فَقَالَ مَا يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ ؟ " قَالُوا : يَأْخُذُونَ مِنْ الذّكَرِ فَيَجْعَلُونَهُ فِي الْأُنْثَى قَالَ " مَا أَظُنّ ذَلِكَ يُغْنِي شَيْئًا " فَبَلَغَهُمْ فَتَرَكُوهُ فَلَمْ يَصْلُحْ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " إنّمَا هُوَ ظَنّ فَإِنْ كَانَ يُغْنِي شَيْئًا فَاصْنَعُوهُ فَإِنّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَإِنّ الظّنّ يُخْطِئُ وَيُصِيبُ وَلَكِنْ مَا قُلْتُ لَكُمْ عَنْ اللّهِ عَزّ وَجَلّ . فَلَنْ أَكْذِبَ عَلَى اللّهِ انْتَهَى . [ ص 311 ] الْمُبَاضَعَةِ وَدَقِيقُ طَلْعِهِ إذَا تَحَمّلَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ قَبْلَ الْجِمَاعِ أَعَانَ عَلَى الْحَبَلِ إعَانَةً بَالِغَةً وَهُوَ فِي الْبُرُودَةِ وَالْيُبُوسَةِ فِي الدّرَجَةِ الثّانِيَةِ يُقَوّي الْمَعِدَةَ وَيُجَفّفُهَا وَيُسَكّنُ ثَائِرَةَ الدّمِ مَعَ غِلْظَةٍ وَبُطْءِ هَضْمٍ . وَلَا يَحْتَمِلُهُ إلّا أَصْحَابُ الْأَمْزِجَةِ الْحَارّةِ وَمَنْ أَكْثَرُ مِنْهُ فَإِنّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَأْخُذَ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ الجوارشات الْحَارّةِ وَهُوَ يُعَقّلُ الطّبْعَ وَيُقَوّي الْأَحْشَاءَ وَالْجُمّارُ يَجْرِي مَجْرَاهُ وَكَذَلِكَ الْبَلَحُ وَالْبُسْرُ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ يَضُرّ بِالْمَعِدَةِ والصدر، وربما أورث القولنج، وإصلاحه بالسمن، أو بما تقدم ذكره. حَرْفُ الْعَيْنِ عِنَبٌ فِي " الْغَيْلَانِيّاتِ " مِنْ حَدِيثِ حَبِيبِ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَأْكُلُ الْعِنَبَ خَرْطًا قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيّ : لَا أَصْلَ لِهَذَا الْحَدِيثِ قُلْتُ وَفِيهِ دَاوُدُ بْنُ عَبْدِ الْجَبّارِ أَبُو سُلَيْمٍ الْكُوفِيّ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : كَانَ يَكْذِبُ . وَيَذْكُرُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ كَانَ يُحِبّ الْعِنَبَ وَالْبِطّيخَ . [ ص 312 ] ذَكَرَ اللّهُ سُبْحَانَهُ الْعِنَبَ فِي سِتّةِ مَوَاضِعَ مِنْ كِتَابِهِ فِي جُمْلَةِ نِعَمِهِ الّتِي أَنْعَمَ بِهَا عَلَى عِبَادِهِ فِي هَذِهِ الدّارِ وَفِي الْجَنّةِ وَهُوَ مِنْ أَفْضَلِ الْفَوَاكِهِ وَأَكْثَرِهَا مَنَافِعَ وَهُوَ يُؤْكَلُ رَطْبًا وَيَابِسًا وَأَخْضَرَ وَيَانِعًا وَهُوَ فَاكِهَةٌ مَعَ الْفَوَاكِهِ وَقُوتٌ مَعَ الْأَقْوَاتِ وَأُدْمٌ مَعَ الْإِدَامِ وَدَوَاءٌ مَعَ الْأَدْوِيَةِ وَشَرَابٌ مَعَ الْأَشْرِبَةِ وَطَبْعُهُ طَبْعُ الْحَبّاتِ الْحَرَارَةُ وَالرّطُوبَةُ وَجَيّدُهُ الْكِبَارُ الْمَائِيّ وَالْأَبْيَضُ أَحْمَدُ مِنْ الْأَسْوَدِ إذَا تَسَاوَيَا فِي الْحَلَاوَةِ وَالْمَتْرُوكُ بَعْدَ قَطْفِهِ يَوْمَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةً أَحْمَدُ مِنْ الْمَقْطُوفِ فِي يَوْمِهِ فَإِنّهُ مُنَفّخٌ مُطْلِقٌ لِلْبَطْنِ وَالْمُعَلّقُ حَتّى يَضْمُرَ قِشْرُهُ جَيّدٌ لِلْغِذَاءِ مُقَوّ لِلْبَدَنِ وَغِذَاؤُهُ كَغِذَاءِ التّينِ وَالزّبِيبِ وَإِذَا أُلْقِيَ عَجَمُ الْعِنَبِ كَانَ أَكْثَرَ تَلْيِينًا لِلطّبِيعَةِ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ مُصَدّعٌ لِلرّأْسِ وَدَفْعُ مَضَرّتِهِ بِالرّمّانِ الْمُزّ . وَمَنْفَعَةُ الْعِنَبِ يُسَهّلُ الطّبْعَ وَيُسَمّنُ وَيَغْذُو جَيّدُهُ غِذَاءً حَسَنًا وَهُوَ أَحَدُ الْفَوَاكِهِ الثّلَاثِ الّتِي هِيَ مُلُوكُ الْفَوَاكِهِ هُوَ وَالرّطَبُ وَالتّينُ . عَسَلٌ قَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُ مَنَافِعِهِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : قَالَ الزّهْرِيّ : عَلَيْك بِالْعَسَلِ فَإِنّهُ جَيّدٌ لِلْحِفْظِ وَأَجْوَدُهُ أَصْفَاهُ وَأَبْيَضُهُ وَأَلْيَنُهُ حِدّةً وَأَصْدَقُهُ حَلَاوَةً وَمَا يُؤْخَذُ مِنْ الْجِبَالِ وَالشّجَرِ لَهُ فَضْلٌ عَلَى مَا يُؤْخَذُ مِنْ الْخَلَايَا وَهُوَ بِحَسَبِ مَرْعَى نَحْلِهِ . عَجْوَةٌ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ مَنْ تَصَبّحَ بِسَبْعِ تَمَرَاتٍ عَجْوَةٍ لَمْ يَضُرّهُ ذَلِكَ الْيَوْمَ سُمّ وَلَا سِحْرٌ [ ص 313 ] سُنَنِ النّسَائِيّ " وَابْنِ مَاجَهْ : مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعَجْوَةُ مِنْ الْجَنّةِ وَهِيَ شِفَاءٌ مِنْ السّمّ والكمأة مِنْ الْمَنّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ وَقَدْ قِيلَ إنّ هَذَا فِي عَجْوَةِ الْمَدِينَةِ وَهِيَ أَحَدُ أَصْنَافِ التّمْرِ بِهَا وَمِنْ أَنْفَعِ تَمْرِ الْحِجَازِ عَلَى الْإِطْلَاقِ وَهُوَ صِنْفٌ كَرِيمٌ مُلَذّذٌ مَتِينٌ لِلْجِسْمِ وَالْقُوّةِ مِنْ أَلْيَنِ التّمْرِ وَأَطْيَبِهِ وَأَلَذّهِ وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُ التّمْرِ وَطَبْعُهُ وَمَنَافِعُهُ فِي حَرْفِ التّاءِ وَالْكَلَامُ عَلَى دَفْعِ الْعَجْوَةِ لِلسّمّ وَالسّحْرِ فَلَا حَاجَةَ لِإِعَادَتِهِ . [إبَاحَةُ مَا فِي الْبَحْرِ لَا يَخْتَصّ بِالسّمَكِ ] عَنْبَرٌ تَقَدّمَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ فِي قِصّةِ أَبِي عُبَيْدَةَ وَأَكْلِهِمْ مِنْ الْعَنْبَرِ شَهْرًا وَأَنّهُمْ تَزَوّدُوا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ إلَى الْمَدِينَةِ وَأَرْسَلُوا مِنْهُ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ أَحَدُ مَا يَدُلّ عَلَى أَنّ إبَاحَةَ مَا فِي الْبَحْرِ لَا يَخْتَصّ بِالسّمَكِ وَعَلَى أَنّ مَيْتَتَهُ حَلَالٌ وَاعْتُرِضَ عَلَى ذَلِكَ بِأَنّ الْبَحْرَ أَلْقَاهُ حَيّا ثُمّ جَزَرَ عَنْهُ الْمَاءُ فَمَاتَ وَهَذَا حَلَالٌ فَإِنّ مَوْتَهُ بِسَبَبِ مُفَارَقَتِهِ لِلْمَاءِ وَهَذَا لَا يَصِحّ فَإِنّهُمْ إنّمَا وَجَدُوهُ مَيّتًا بِالسّاحِلِ وَلَمْ يُشَاهِدُوهُ قَدْ خَرَجَ عَنْهُ حَيّا ثُمّ جَزَرَ عَنْهُ الْمَاءُ . وَأَيْضًا : فَلَوْ كَانَ حَيّا لَمَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ إلَى سَاحِلِهِ فَإِنّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنّ الْبَحْرَ إنّمَا يَقْذِفُ إلَى سَاحِلِهِ الْمَيّتَ مِنْ حَيَوَانَاتِهِ لَا الْحَيّ مِنْهَا . وَأَيْضًا : فَلَوْ قُدّرَ احْتِمَالُ مَا ذَكَرُوهُ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَكُونَ شَرْطًا فِي الْإِبَاحَةِ فَإِنّهُ لَا يُبَاجُ الشّيْءُ مَعَ الشّكّ فِي سَبَبِ إبَاحَتِهِ وَلِهَذَا مَنَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ أَكْلِ الصّيْدِ إذَا [ ص 314 ] [طِيبُ الْعَنْبَرِ وَالْمُفَاضَلَةُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمِسْكِ ] وَأَمّا الْعَنْبَرُ الّذِي هُوَ أَحَدُ أَنْوَاعِ الطّيبِ فَهُوَ مِنْ أَفْخَرِ أَنْوَاعِهِ بَعْدَ الْمِسْكِ وَأَخْطَأَ مَنْ قَدّمَهُ عَلَى الْمِسْكِ وَجَعَلَهُ سَيّدَ أَنْوَاعِ الطّيبِ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ فِي الْمِسْكِ هُوَ أَطْيَبُ الطّيبِ وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى ذِكْرُ الْخَصَائِصِ وَالْمَنَافِعِ الّتِي خُصّ بِهَا الْمِسْكُ حَتّى إنّهُ طِيبُ الْجَنّةِ وَالْكُثْبَانِ الّتِي هِيَ مَقَاعِدُ الصّدّيقِينَ هُنَاكَ مِنْ مِسْكٍ لَا مِنْ عَنْبَرٍ . وَاَلّذِي غَرّ هَذَا الْقَائِلَ أَنّهُ لَا يَدْخُلُهُ التّغَيّرُ عَلَى طُولِ الزّمَانِ فَهُوَ كَالذّهَبِ وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُ أَفْضَلُ مِنْ الْمِسْكِ فَإِنّهُ بِهَذِهِ الْخَاصّيّةِ الْوَاحِدَةِ لَا يُقَاوِمُ مَا فِي الْمِسْكِ مِنْ الْخَوَاصّ . [أَنْوَاعُ طِيبِ الْعَنْبَرِ ] وَبَعْدُ فَضُرُوبُهُ كَثِيرَةٌ وَأَلْوَانُهُ مُخْتَلِفَةٌ فَمِنْهُ الْأَبْيَضُ وَالْأَشْهَبُ وَالْأَحْمَرُ وَالْأَصْفَرُ وَالْأَخْضَرُ وَالْأَزْرَقُ وَالْأَسْوَدُ وَذُو الْأَلْوَانِ وَأَجْوَدُهُ الْأَشْهَبُ ثُمّ الْأَزْرَقُ ثُمّ الْأَصْفَرُ وَأَرْدَؤُهُ الْأَسْوَدُ . وَقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ فِي عُنْصُرِهِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ هُوَ نَبَاتٌ يَنْبُتُ فِي قَعْرِ الْبَحْرِ فَيَبْتَلِعُهُ بَعْضُ دَوَابّهِ فَإِذَا ثَمِلَتْ مِنْهُ قَذَفَتْهُ رَجِيعًا فَيَقْذِفُهُ الْبَحْرُ إلَى سَاحِلِهِ . وَقِيلَ طَلّ يَنْزِلُ مِنْ السّمَاءِ فِي جَزَائِرِ الْبَحْرِ فَتُلْقِيهِ الْأَمْوَاجُ إلَى السّاحِلِ وَقِيلَ رَوْثُ دَابّةٍ بَحْرِيّةٍ تُشْبِهُ الْبَقَرَةَ . وَقِيلَ بَلْ هُوَ جَفَاءٌ مِنْ جَفَاءِ الْبَحْرِ أَيْ زَبَدٌ . وَقَالَ صَاحِبُ " الْقَانُونِ " : هُوَ فِيمَا يُظَنّ يَنْبُعُ مِنْ عَيْنٍ فِي الْبَحْرِ وَاَلّذِي يُقَالُ إنّهُ زَبَدُ الْبَحْرِ أَوْ رَوْثُ دَابّةٍ بَعِيدٌ انْتَهَى . وَمِزَاجُهُ حَارّ يَابِسٌ مُقَوّ لِلْقَلْبِ وَالدّمَاغِ وَالْحَوَاسّ وَأَعْضَاءِ الْبَدَنِ نَافِعٌ مِنْ الْفَالِجِ وَاللّقْوَةِ وَالْأَمْرَاضِ الْبَلْغَمِيّةِ وَأَوْجَاعِ الْمَعِدَةِ الْبَارِدَةِ وَالرّيَاحِ [ ص 315 ] طُلِيَ بِهِ مِنْ خَارِجٍ وَإِذَا تُبُخّرَ بِهِ نَفَعَ مِنْ الزّكَامِ وَالصّدَاعِ والشقيقة الْبَارِدَةِ . عُودٌ الْعُودُ الْهِنْدِيّ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا : يُسْتَعْمَلُ فِي الْأَدْوِيَةِ وَهُوَ الْكُسْتُ وَيُقَالُ لَهُ الْقُسْطُ وَسَيَأْتِي فِي حَرْفِ الْقَافِ . الثّانِي : يُسْتَعْمَلُ فِي الطّيبِ وَيُقَالُ لَهُ الْأَلُوّةُ . وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " : عَنْ ابْنِ عُمَر َ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا أَنّهُ كَانَ يَسْتَجْمِرُ بِالْأَلُوّةِ غَيْرَ مُطَرّاةٍ وَبِكَافُورٍ يُطْرَحُ مَعَهَا وَيَقُولُ هَكَذَا كَانَ يَسْتَجْمِرُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَثَبَتَ عَنْهُ فِي صِفَةِ نَعِيمِ أَهْلِ الْجَنّةِ مَجَامِرُهُمْ الْأَلُوّةُ وَالْمَجَامِرُ جَمْعُ مِجْمَرٍ وَهُوَ مَا يُتَجَمّرُ بِهِ مِنْ عُودٍ وَغَيْرِهِ وَهُوَ أَنْوَاعٌ . أَجْوَدُهَا : الْهِنْدِيّ ثُمّ الصّينِيّ ثُمّ الْقَمَارِيّ ثُمّ الْمَنْدَلِيّ وَأَجْوَدُهُ الْأَسْوَدُ وَالْأَزْرَقُ الصّلْبُ الرّزِينُ الدّسَمِ وَأَقَلّهُ جَوْدَةً مَا خَفّ وَطَفَا عَلَى الْمَاءِ وَيُقَالُ إنّهُ شَجَرٌ يُقْطَعُ وَيُدْفَنُ فِي الْأَرْضِ سَنَةً فَتَأْكُلُ الْأَرْضُ مِنْهُ مَا لَا يَنْفَعُ وَيَبْقَى عُودُ الطّيبِ لَا تَعْمَلُ فِيهِ الْأَرْضُ شَيْئًا يَتَعَفّنُ مِنْهُ قِشْرُهُ وَمَا لَا طِيبَ فِيهِ . وَهُوَ حَارّ يَابِسٌ فِي الثّالِثَةِ يَفْتَحُ السّدَدَ وَيَكْسِرُ الرّيَاحَ وَيَذْهَبُ بِفَضْلِ الرّطُوبَةِ وَيُقَوّي الْأَحْشَاءَ وَالْقَلْبَ وَيُفْرِحُهُ وَيَنْفَعُ الدّمَاغَ وَيُقَوّي الْحَوَاسّ وَيَحْبِسُ الْبَطْنَ وَيَنْفَعُ مِنْ سَلَسِ الْبَوْلِ الْحَادِثِ عَنْ بَرْدِ الْمَثَانَةِ . قَالَ ابْنُ سَمْجُونٍ : الْعُودُ ضُرُوبٌ كَثِيرَةٌ يَجْمَعُهَا اسْمُ الْأَلُوّةِ وَيُسْتَعْمَلُ [ ص 316 ] مُرَاعَاةُ جَوْهَرِ الْهَوَاءِ وَإِصْلَاحُهُ فَإِنّهُ أَحَدُ الْأَشْيَاءِ السّتّةِ الضّرُورِيّةِ الّتِي فِي صَلَاحِهَا صَلَاحُ الْأَبْدَانِ . عَدَسٌ قَدْ وَرَدَ فِيهِ أَحَادِيثُ كُلّهَا بَاطِلَةٌ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَقُلْ شَيْئًا مِنْهَا كَحَدِيثِ إنّهُ قُدّسَ عَلَى لِسَانِ سَبْعِينَ نَبِيّا وَحَدِيثِ إنّهُ يُرِقّ الْقَلْبَ وَيُغْزِرُ الدّمْعَةَ وَإِنّهُ مَأْكُولُ الصّالِحِينَ وَأَرْفَعُ شَيْءٍ جَاءَ فِيهِ وَأَصَحّهُ أَنّهُ شَهْوَةُ الْيَهُودِ الّتِي قَدّمُوهَا عَلَى الْمَنّ وَالسّلْوَى وَهُوَ قَرِينُ الثّومِ وَالْبَصَلِ فِي الذّكْرِ . وَطَبْعُهُ طَبْعُ الْمُؤَنّثِ بَارِدٌ يَابِسٌ وَفِيهِ قُوّتَانِ مُتَضَادّتَانِ . إحْدَاهُمَا : يُعَقّلُ الطّبِيعَةَ . وَالْأُخْرَى : يُطْلِقُهَا وَقِشْرُهُ حَارّ يَابِسٌ فِي الثّالِثَةِ حِرّيفٌ مُطْلِقٌ لِلْبَطْنِ وَتِرْيَاقُهُ فِي قِشْرِهِ وَلِهَذَا كَانَ صِحَاحُهُ أَنْفَعَ مِنْ مَطْحُونِهِ وَأَخَفّ عَلَى الْمَعِدَةِ وَأَقَلّ ضَرَرًا فَإِنّ لُبّهُ بَطِيءُ الْهَضْمِ لِبُرُودَتِهِ وَيُبُوسَتِهِ وَهُوَ مُوَلّدٌ لِلسّوْدَاءِ وَيَضُرّ بالماليخوليا ضَرَرًا بَيّنًا وَيَضُرّ بِالْأَعْصَابِ وَالْبَصَرِ . وَهُوَ غَلِيظُ الدّمِ وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَجَنّبَهُ أَصْحَابُ السّوْدَاءِ وَإِكْثَارُهُمْ مِنْهُ يُوَلّدُ لَهُمْ أَدْوَاءً رَدِيئَةً كَالْوَسْوَاسِ وَالْجُذَامِ وَحُمّى الرّبْعِ وَيُقَلّلُ ضَرَرَهُ السّلْقُ وَالْإِسْفَانَاخُ وَإِكْثَارُ الدّهْنِ . وَأَرْدَأَ مَا أُكِلَ بالنمكسود وَلْيُتَجَنّبْ خَلْطُ الْحَلَاوَةِ بِهِ فَإِنّهُ يُورِثُ سُدَدًا كَبِدِيّةً وَإِدْمَانُهُ يُظْلِمُ الْبَصَرَ لِشِدّةِ تَجْفِيفِهِ وَيُعْسِرُ الْبَوْلَ وَيُوجِبُ الْأَوْرَامَ الْبَارِدَةَ وَالرّيَاحَ الْغَلِيظَةَ وَأَجْوَدُهُ الْأَبْيَضُ السّمِينُ السّرِيعُ النّضْجِ . وَأَمّا مَا يَظُنّهُ الْجُهّالُ أَنّهُ كَانَ سِمَاطَ الْخَلِيلِ الّذِي يُقَدّمُهُ لِأَضْيَافِهِ [ ص 317 ] مُفْتَرًى وَإِنّمَا حَكَى اللّهُ عَنْهُ الضّيَافَةَ بِالشّوَاءِ وَهُوَ الْعِجْلُ الْحَنِيذُ . [قَوْلُ ابْنِ الْمُبَارَكِ فِي الْعَدَسِ ] وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ عَنْ إسْحَاقَ قَالَ سُئِلَ ابْنُ الْمُبَارَكِ عَنْ الْحَدِيثِ الّذِي جَاءَ فِي الْعَدَسِ أَنّهُ قُدّسَ عَلَى لِسَانِ سَبْعِينَ نَبِيّا فَقَالَ وَلَا عَلَى لِسَانِ نَبِيّ وَاحِدٍ وَإِنّهُ لِمُؤْذٍ مُنَفّخٌ مَنْ حَدّثَكُمْ بِهِ ؟ قَالُوا : سَلْمُ بْنُ سَالِمٍ فَقَالَ عَمّنْ ؟ قَالُوا : عَنْك . قَالَ وَعَنّي أَيْضًا ؟ . حَرْفُ الْغَيْنِ غَيْثٌ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ فِي عِدّةِ مَوَاضِعَ وَهُوَ لَذِيذُ الِاسْمِ عَلَى السّمْعِ وَالْمُسَمّى عَلَى الرّوحِ وَالْبُدْنِ تَبْتَهِجُ الْأَسْمَاعُ بِذِكْرِهِ وَالْقُلُوبُ بِوُرُودِهِ وَمَاؤُهُ أَفْضَلُ الْمِيَاهِ وَأَلْطَفُهَا وَأَنْفَعُهَا وَأَعْظَمُهَا بَرَكَةً وَلَا سِيّمَا إذَا كَانَ مِنْ سَحَابٍ رَاعِدٍ وَاجْتَمَعَ فِي مُسْتَنْقَعَاتِ الْجِبَالِ وَهُوَ أَرْطَبُ مِنْ سَائِرِ الْمِيَاهِ لِأَنّهُ لَمْ تَطُلْ مُدّتُهُ عَلَى الْأَرْضِ فَيَكْتَسِبُ مِنْ يُبُوسَتِهَا وَلَمْ يُخَالِطْهُ جَوْهَرٌ يَابِسٌ وَلِذَلِكَ يَتَغَيّرُ وَيَتَعَفّنُ سَرِيعًا لِلَطَافَتِهِ وَسُرْعَةِ انْفِعَالِهِ وَهَلْ الْغَيْثُ الرّبِيعِيّ أَلْطَفُ مِنْ الشّتْوِيّ أَوْ بِالْعَكْسِ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ . [التّرْجِيحُ بَيْنَ الْغَيْثِ الشّتْوِيّ وَالرّبِيعِيّ ] قَالَ مَنْ رَجّحَ الْغَيْثَ الشّتْوِيّ حَرَارَةُ الشّمْسِ تَكُونُ حِينَئِذٍ أَقَلّ فَلَا تَجْتَذِبُ مِنْ مَاءِ الْبَحْرِ إلّا أَلْطَفَهُ وَالْجَوّ صَافٍ وَهُوَ خَالٍ مِنْ الْأَبْخِرَةِ الدّخّانِيّةِ وَالْغُبَارِ الْمُخَالِطِ لِلْمَاءِ وَكُلّ هَذَا يُوجِبُ لُطْفَهُ وَصَفَاءَهُ وَخُلُوّهُ مِنْ مُخَالِطٍ . قَالَ مَنْ رَجّحَ الرّبِيعِيّ الْحَرَارَةُ تُوجِبُ تَحَلّلَ الْأَبْخِرَةِ الْغَلِيظَةِ وَتُوجِبُ رِقّةَ الْهَوَاءِ وَلَطَافَتَهُ فَيَخِفّ بِذَلِكَ الْمَاءُ وَتَقِلّ أَجْزَاؤُهُ الْأَرْضِيّةُ وَتُصَادِفُ وَقْتَ حَيَاةِ النّبَاتِ وَالْأَشْجَارِ وَطِيبَ الْهَوَاءِ . [ ص 318 ] [تَبَرّكُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْمَطَرُ] وَذَكَرَ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ كُنّا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَصَابَنَا مَطَرٌ فَحَسَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثَوْبَهُ وَقَالَ إنّهُ حَدِيثُ عَهْدٍ بِرَبّهِ وَقَدْ تَقَدّمَ فِي هَدْيِهِ فِي الِاسْتِشْفَاءِ ذِكْرُ اسْتِمْطَارِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَتَبَرّكِهِ بِمَاءِ الْغَيْثِ عند أول مجيئه. حَرْفُ الْفَاءِ فَاتِحَةُ الْكِتَابِ وَأُمّ الْقُرْآنِ وَالسّبْعُ الْمَثَانِي وَالشّفَاءُ التّامّ وَالدّوَاءُ النّافِعُ وَالرّقْيَةُ التّامّةُ وَمِفْتَاحُ الْغِنَى وَالْفَلَاحِ وَحَافِظَةُ الْقُوّةِ وَدَافِعَةُ الْهَمّ وَالْغَمّ وَالْخَوْفِ وَالْحَزَنِ لِمَنْ عَرَفَ مِقْدَارَهَا وَأَعْطَاهَا حَقّهَا وَأَحْسَنَ تَنْزِيلَهَا عَلَى دَائِهِ وَعَرَفَ وَجْهَ الِاسْتِشْفَاءِ وَالتّدَاوِي بِهَا وَالسّرّ الّذِي لِأَجْلِهِ كَانَتْ كَذَلِكَ . وَلَمّا وَقَعَ بَعْضُ الصّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ رَقَى بِهَا اللّدِيغَ فَبَرَأَ لِوَقْتِهِ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَا أَدْرَاك أَنّهَا رُقْيَةٌ وَمَنْ سَاعَدَهُ التّوْفِيقُ وَأُعِينَ بِنُورِ الْبَصِيرَةِ حَتّى وَقَفَ عَلَى أَسْرَارِ هَذِهِ السّورَةِ وَمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ مِنْ التّوْحِيدِ وَمَعْرِفَةِ الذّاتِ وَالْأَسْمَاءِ وَالصّفَاتِ وَالْأَفْعَالِ وَإِثْبَاتِ الشّرْعِ وَالْقَدَرِ وَالْمَعَادِ وَتَجْرِيدِ تَوْحِيدِ الرّبُوبِيّةِ وَالْإِلَهِيّةِ وَكَمَالِ التّوَكّلِ وَالتّفْوِيضِ إلَى مَنْ لَهُ الْأَمْرُ كُلّهُ وَلَهُ الْحَمْدُ كُلّهُ وَبِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلّهُ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الْأَمْرُ كُلّهُ وَالِافْتِقَارُ إلَيْهِ فِي طَلَبِ الْهِدَايَةِ الّتِي هِيَ أَصْلُ سَعَادَةِ الدّارَيْنِ وَعَلِمَ ارْتِبَاطَ مَعَانِيهَا بِجَلْبِ مَصَالِحِهِمَا وَدَفْعِ مَفَاسِدِهِمَا وَأَنّ الْعَاقِبَةَ الْمُطْلَقَةَ التّامّةَ وَالنّعْمَةَ الْكَامِلَةَ مَنُوطَةٌ بِهَا مَوْقُوفَةٌ عَلَى التّحَقّقِ بِهَا أَغْنَتْهُ عَنْ كَثِيرٍ مِنْ الْأَدْوِيَةِ وَالرّقَى وَاسْتَفْتَحَ بِهَا مِنْ الْخَيْرِ أَبْوَابَهُ وَدَفَعَ بِهَا مِنْ الشّرّ أَسْبَابَهُ . [ ص 319 ] وَإِيمَانٍ آخَرَ وَتَاللّهِ لَا تَجِدُ مَقَالَةً فَاسِدَةً وَلَا بِدْعَةً بَاطِلَةً إلّا وَفَاتِحَةُ الْكِتَابِ مُتَضَمّنَةٌ لِرَدّهَا وَإِبْطَالِهَا بِأَقْرَبِ الطّرُقِ وَأَصَحّهَا وَأَوْضَحِهَا وَلَا تَجِدُ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْمَعَارِفِ الْإِلَهِيّةِ وَأَعْمَالِ الْقُلُوبِ وَأَدْوِيَتِهَا مِنْ عِلَلِهَا وَأَسْقَامِهَا إلّا وَفِي فَاتِحَةِ الْكِتَابِ مِفْتَاحُهُ وَمَوْضِعُ الدّلَالَةِ عَلَيْهِ وَلَا مَنْزِلًا مِنْ مَنَازِلِ السّائِرِينَ إلَى رَبّ الْعَالَمِينَ إلّا وَبِدَايَتُهُ وَنِهَايَتُهُ فِيهَا . وَلَعَمْرُ اللّهِ إنّ شَأْنَهَا لَأَعْظَمَ مِنْ ذَلِكَ وَهِيَ فَوْقَ ذَلِكَ . وَمَا تَحَقّقَ عَبْدٌ بِهَا وَاعْتَصَمَ بِهَا وَعَقَلَ عَمّنْ تَكَلّمَ بِهَا وَأَنْزَلَهَا شِفَاءً تَامّا وَعِصْمَةً بَالِغَةً وَنُورًا مُبِينًا وَفَهِمَهَا وَفَهِمَ لَوَازِمَهَا كَمَا يَنْبَغِي وَوَقَعَ فِي بِدْعَةٍ وَلَا شِرْكٍ وَلَا أَصَابَهُ مَرَضٌ مِنْ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ إلّا لِمَامًا غَيْرَ مُسْتَقِرّ . هَذَا وَإِنّهَا الْمِفْتَاحُ الْأَعْظَمُ لِكُنُوزِ الْأَرْضِ كَمَا أَنّهَا الْمِفْتَاحُ لِكُنُوزِ الْجَنّةِ وَلَكِنْ لَيْسَ كُلّ وَاحِدٍ يُحْسِنُ الْفَتْحَ بِهَذَا الْمِفْتَاحِ وَلَوْ أَنّ طُلّابَ الْكُنُوزِ وَقَفُوا عَلَى سِرّ هَذِهِ السّورَةِ وَتَحَقّقُوا بِمَعَانِيهَا وَرَكّبُوا لِهَذَا الْمِفْتَاحِ أَسْنَانًا وَأَحْسَنُوا الْفَتْحَ بِهِ لَوَصَلُوا إلَى تَنَاوُلِ الْكُنُوزِ مِنْ غَيْرِ مُعَاوِقٍ وَلَا مُمَانِعٍ . وَلَمْ نَقُلْ هَذَا مُجَازَفَةً وَلَا اسْتِعَارَةً بَلْ حَقِيقَةً وَلَكِنْ لِلّهِ تَعَالَى حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فِي إخْفَاءِ هَذَا السّرّ عَنْ نُفُوسِ أَكْثَرِ الْعَالَمِينَ كَمَا لَهُ حِكْمَةٌ بَالِغَةٌ فِي إخْفَاءِ كُنُوزِ الْأَرْضِ عَنْهُمْ وَالْكُنُوزُ الْمَحْجُوبَةُ قَدْ اُسْتُخْدِمَ عَلَيْهَا أَرْوَاحٌ خَبِيثَةٌ شَيْطَانِيّةٌ تَحُولُ بَيْنَ الْإِنْسِ وَبَيْنَهَا وَلَا تَقْهَرُهَا إلّا أَرْوَاحٌ عُلْوِيّةٌ شَرِيفَةٌ غَالِبَةٌ لَهَا بِحَالِهَا الْإِيمَانِيّ مَعَهَا مِنْهُ أَسْلِحَةٌ لَا تَقُومُ لَهَا الشّيَاطِينُ وَأَكْثَرُ نُفُوسِ النّاسِ لَيْسَتْ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَلَا يُقَاوِمُ تِلْكَ الْأَرْوَاحَ وَلَا يَقْهَرُهَا وَلَا يَنَالُ مَنْ سَلَبِهَا شَيْئًا فَإِنّ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ . فَاغِيَةٌ هِيَ نَوْرُ الْحِنّاءِ وَهِيَ مِنْ أَطْيَبِ الرّيَاحِينِ وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيّ فِي كِتَابِهِ " شُعَبُ الْإِيمَانِ " مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَرْفَعُهُ [ ص 320 ] سَيّدُ الرّيَاحِينِ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ الْفَاغِيَةُ وَرَوَى فِيهِ أَيْضًا عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ أَحَبّ الرّيَاحِينِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْفَاغِيَةُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ بِحَالِ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ فَلَا نَشْهَدُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَا لَا نَعْلَمُ صِحّتَهُ . وَهِيَ مُعْتَدِلَةٌ فِي الْحَرّ وَالْيُبْسِ فِيهَا بَعْضُ الْقَبْضِ وَإِذَا وُضِعَتْ بَيْنَ طَيّ ثِيَابِ الصّوفِ حَفِظَتْهَا مِنْ السّوسِ وَتَدْخُلُ فِي مَرَاهِمِ الْفَالِجِ وَالتّمَدّدِ وَدُهْنُهَا يُحَلّلُ الْأَعْضَاءَ وَيُلَيّنُ الْعَصَبَ . فِضّةٌ ثَبَتَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ خَاتَمُهُ مِنْ فِضّةٍ وَفَصّهُ مِنْهُ وَكَانَتْ قَبِيعَةُ سَيْفِهِ فِضّةً وَلَمْ يَصِحّ عَنْهُ فِي الْمَنْعِ مِنْ لِبَاسِ الْفِضّةِ وَالتّحَلّي بِهَا شَيْءٌ الْبَتّةَ كَمَا صَحّ عَنْهُ الْمَنْعُ مِنْ الشّرْبِ فِي آنِيَتِهَا وَبَابُ الْآنِيَةِ أَضْيَقُ مِنْ بَابِ اللّبَاسِ وَالتّحَلّي وَلِهَذَا يُبَاحُ لِلنّسَاءِ لِبَاسًا وَحِلْيَةً مَا يَحْرُمُ عَلَيْهِنّ اسْتِعْمَالُهُ آنِيَةً فَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِ الْآنِيَةِ تَحْرِيمُ اللّبَاسِ وَالْحِلْيَةِ . وَفِي " السّنَنِ " عَنْهُ وَأَمّا الْفِضّةُ فَالْعَبُوا بِهَا لَعِبًا فَالْمَنْعُ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ يُبَيّنُهُ إمّا نَصّ أَوْ إجْمَاعٌ فَإِنْ ثَبَتَ أَحَدُهُمَا وَإِلّا فَفِي الْقَلْبِ مِنْ تَحْرِيمِ ذَلِكَ عَلَى الرّجَالِ شَيْءٌ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمْسَكَ بِيَدِهِ ذَهَبًا وَبِالْأُخْرَى حَرِيرًا وَقَالَ هَذَانِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمّتِي حِلّ لِإِنَاثِهِمْ [ ص 321 ] مُجَالَسَتُهُ وَلَا مُعَاشَرَتُهُ وَلَا يُسْتَثْقَلُ مَكَانُهُ تُشِيرُ الْأَصَابِعُ إلَيْهِ وَتَعْقِدُ الْعُيُونُ نِطَاقَهَا عَلَيْهِ إنْ قَالَ سُمِعَ قَوْلُهُ وَإِنْ شَفَعَ قُبِلَتْ شَفَاعَتُهُ وَإِنْ شَهِدَ زُكّيَتْ شَهَادَتُهُ وَإِنْ خَطَبَ فَكُفْءٌ لَا يُعَابُ وَإِنْ كَانَ ذَا شَيْبَةٍ بَيْضَاءَ فَهِيَ أَجْمَلُ عَلَيْهِ مِنْ حِلْيَةِ الشّبَابِ . وَهِيَ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الْمُفْرِحَةِ النّافِعَةِ مِنْ الْهَمّ وَالْغَمّ وَالْحَزَنِ وَضَعْفِ الْقَلْبِ وَخَفَقَانهُ وَتَدْخُلُ فِي الْمَعَاجِينِ الْكِبَارِ وَتَجْتَذِبُ بِخَاصّيّتِهَا مَا يَتَوَلّدُ فِي الْقَلْبِ مِنْ الْأَخْلَاطِ الْفَاسِدَةِ خُصُوصًا إذَا أُضِيفَتْ إلَى الْعَسَلِ الْمُصَفّى وَالزّعْفَرَانِ . وَمِزَاجُهَا إلَى الْيُبُوسَةِ وَالْبُرُودَةِ وَيَتَوَلّدُ عَنْهَا مِنْ الْحَرَارَةِ وَالرّطُوبَةِ مَا يَتَوَلّدُ وَالْجِنَانُ الّتِي أَعَدّهَا اللّهُ عَزّ وَجَلّ لِأَوْلِيَائِهِ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ أَرْبَعٌ جَنّتَانِ مِنْ ذَهَبٍ وَجَنّتَانِ مِنْ فِضّةٍ آنِيَتُهُمَا وَحِلْيَتُهُمَا وَمَا فِيهِمَا . وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " الصّحِيحُ " مِنْ حَدِيثِ أُمّ سَلَمَةَ أَنّهُ قَالَ الّذِي يَشْرَبُ فِي آنِيَةِ الذّهَبِ وَالْفِضّةِ إنّمَا يُجَرْجِرُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنّمَ وَصَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ لَا تَشْرَبُوا فِي آنِيَةِ الذّهَبِ وَالْفِضّةِ وَلَا تَأْكُلُوا فِي صِحَافِهِمَا فَإِنّهَا لَهُمْ فِي الدّنْيَا وَلَكُمْ فِي الْآخِرَةِ [عِلّةُ تَحْرِيمِ الْفِضّةِ ] فَقِيلَ عِلّةُ التّحْرِيمِ تَضْيِيقُ النّقُودِ فَإِنّهَا إذَا اُتّخِذَتْ أَوَانِيَ فَاتَتْ الْحِكْمَةُ [ ص 322 ] لِأَجْلِهَا مِنْ قِيَامِ مَصَالِحِ بَنِي آدَمَ وَقِيلَ الْعِلّةُ الْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ . وَقِيلَ الْعِلّةُ كَسْرُ قُلُوبِ الْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ إذَا رَأَوْهَا وَعَايَنُوهَا . وَهَذِهِ الْعِلَلُ فِيهَا مَا فِيهَا فَإِنّ التّعْلِيلَ بِتَضْيِيقِ النّقُودِ يَمْنَعُ مِنْ التّحَلّي بِهَا وَجَعْلِهَا سَبَائِكَ وَنَحْوَهَا مِمّا لَيْسَ بِآنِيَةٍ وَلَا نَقْدٍ وَالْفَخْرُ وَالْخُيَلَاءُ حَرَامٌ بِأَيّ شَيْءٍ كَانَ وَكَسْرُ قُلُوبِ الْمَسَاكِينِ لَا ضَابِطَ لَهُ فَإِنّ قُلُوبَهُمْ تَنْكَسِرُ بِالدّورِ الْوَاسِعَةِ وَالْحَدَائِقِ الْمُعْجِبَةِ وَالْمَرَاكِبِ الْفَارِهَةِ وَالْمَلَابِسِ الْفَاخِرَةِ وَالْأَطْعِمَةِ اللّذِيذَةِ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْمُبَاحَاتِ وَكُلّ هَذِهِ عِلَلٌ مُنْتَقِضَةٌ إذْ تُوجَدُ الْعِلّةُ وَيَتَخَلّفُ مَعْلُولُهَا . [عِلّةٌ عِنْدَ الْمُصَنّفِ ] فَالصّوَابُ أَنّ الْعِلّةَ - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - مَا يُكْسِبُ اسْتِعْمَالُهَا الْقَلْبَ مِنْ الْهَيْئَةِ وَالْحَالَةِ الْمُنَافِيَةِ لِلْعُبُودِيّةِ مُنَافَاةً ظَاهِرَةً وَلِهَذَا عَلّلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِأَنّهَا لِلْكُفّارِ فِي الدّنْيَا إذْ لَيْسَ لَهُمْ نَصِيبٌ مِنْ الْعُبُودِيّةِ الّتِي يَنَالُونَ بِهَا فِي الْآخِرَةِ نَعِيمَهَا فَلَا يَصْلُحُ اسْتِعْمَالُهَا لِعَبِيدِ اللّهِ فِي الدّنْيَا وَإِنّمَا يَسْتَعْمِلُهَا مَنْ خَرَجَ عَنْ عُبُودِيّتِهِ وَرَضِيَ بِالدّنْيَا وَعَاجِلِهَا مِنْ الْآخِرَةِ . حَرْفُ الْقَافِ قُرْآنٌ قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { وَنُنَزّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ } [ الْإِسْرَاءُ : 82 ] وَالصّحِيحُ أَنّ " مِنْ " هَا هُنَا لِبَيَانِ الْجِنْسِ لَا لِلتّبْعِيضِ وَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النّاسُ قَدْ جَاءَتْكُمْ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبّكُمْ وَشِفَاءٌ لِمَا فِي الصّدُورِ } [ يُونُسُ 57 ] . فَالْقُرْآنُ هُوَ الشّفَاءُ التّامّ مِنْ جَمِيعِ الْأَدْوَاءِ الْقَلْبِيّةِ وَالْبَدَنِيّةِ وَأَدْوَاءِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمَا كُلّ أَحَدٍ يُؤَهّلُ وَلَا يُوَفّقُ لِلِاسْتِشْفَاءِ بِهِ وَإِذَا أَحْسَنَ الْعَلِيلُ التّدَاوِي بِهِ وَوَضَعَهُ عَلَى دَائِهِ بِصِدْقٍ وَإِيمَانٍ وَقَبُولٍ تَامّ وَاعْتِقَادٍ جَازِمٍ وَاسْتِيفَاءِ شُرُوطِهِ لَمْ يُقَاوِمْهُ الدّاءُ أَبَدًا . [ ص 323 ] وَكَيْفَ تُقَاوِمُ الْأَدْوَاءُ كَلَامَ رَبّ الْأَرْضِ وَالسّمَاءِ الّذِي لَوْ نَزَلَ عَلَى الْجِبَالِ لَصَدّعَهَا أَوْ عَلَى الْأَرْضِ لَقَطّعَهَا فَمَا مِنْ مَرَضٍ مِنْ أَمْرَاضِ الْقُلُوبِ وَالْأَبْدَانِ إلّا وَفِي الْقُرْآنِ سَبِيلُ الدّلَالَةِ عَلَى دَوَائِهِ وَسَبَبِهِ وَالْحَمِيّةِ مِنْهُ لِمَنْ رَزَقَهُ اللّهُ فَهْمًا فِي كِتَابِهِ وَقَدْ تَقَدّمَ فِي أَوّلِ الْكَلَامِ عَلَى الطّبّ بَيَانُ إرْشَادِ الْقُرْآنِ الْعَظِيمِ إلَى أُصُولِهِ وَمَجَامِعِهِ الّتِي هِيَ حِفْظُ الصّحّةِ وَالْحِمْيَةُ وَاسْتِفْرَاغُ الْمُؤْذِي وَالِاسْتِدْلَالُ بِذَلِكَ عَلَى سَائِرِ أَفْرَادِ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ . وَأَمّا الْأَدْوِيَةُ الْقَلْبِيّةُ فَإِنّهُ يَذْكُرُهَا مُفَصّلَةً وَيَذْكُرُ أَسْبَابَ أَدْوَائِهَا وَعِلَاجَهَا . قَالَ { أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنّا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ } [ الْعَنْكَبُوت : 51 ] فَمَنْ لَمْ يَشْفِهِ الْقُرْآنُ فَلَا شَفَاهُ اللّهُ وَمَنْ لَمْ يَكْفِهِ فَلَا كَفَاهُ اللّهُ . قِثّاءٌ فِي " السّنَنِ " : مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جَعْفَرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يَأْكُلُ الْقِثّاءَ بِالرّطَبِ وَرَوَاهُ التّرْمِذِيّ وَغَيْرُهُ الْقِثّاءُ بَارِدٌ رَطْبٌ فِي الدّرَجَةِ الثّانِيَةِ مُطْفِئٌ لِحَرَارَةِ الْمَعِدَةِ الْمُلْتَهِبَةِ بَطِيءُ الْفَسَادِ فِيهَا نَافِعٌ مِنْ وَجَعِ الْمَثَانَةِ وَرَائِحَتُهُ تَنْفَعُ مِنْ الْغَشْيِ وَبِزْرُهُ يُدِرّ الْبَوْلَ وَوَرَقُهُ إذَا اُتّخِذَ ضِمَادًا نَفَعَ مِنْ عَضّةِ الْكَلْبِ وَهُوَ بَطِيءُ الِانْحِدَارِ عَنْ الْمَعِدَةِ وَبَرْدُهُ مُضِرّ بِبَعْضِهَا فَيَنْبَغِي أَنْ يُسْتَعْمَلَ مَعَهُ مَا يُصْلِحُهُ وَيَكْسِرُ بُرُودَتَهُ وَرُطُوبَتَهُ كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذْ أَكَلَهُ بِالرّطَبِ فَإِذَا أُكِلَ بِتَمْرٍ أَوْ زَبِيبٍ أَوْ عَسَلٍ عَدّلَهُ . قُسْطٌ وَكُسْتٌ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَيْرُ مَا تَدَاوَيْتُمْ بِهِ الْحِجَامَةُ وَالْقُسْطُ الْبَحْرِيّ [ ص 324 ] أُمّ قَيْسٍ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَيْكُمْ بِهَذَا الْعُودِ الْهِنْدِيّ فَإِنّ فِيهِ سَبْعَةَ أَشْفِيَةٍ مِنْهَا ذَاتُ الْجَنْبِ الْقُسْطُ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا : الْأَبْيَضُ الّذِي يُقَالُ لَهُ الْبَحْرِيّ . وَالْآخَرُ الْهِنْدِيّ وَهُوَ أَشَدّهُمَا حَرّا وَالْأَبْيَضُ أَلْيَنُهُمَا وَمَنَافِعُهُمَا كَثِيرَةٌ جِدّا . وَهُمَا حَارّانِ يَابِسَانِ فِي الثّالِثَةِ يُنَشّفَانِ الْبَلْغَمَ قَاطِعَانِ لِلزّكَامِ وَإِذَا شُرِبَا نَفَعَا مِنْ ضَعْفِ الْكَبِدِ وَالْمَعِدَةِ وَمِنْ بَرْدِهِمَا وَمِنْ حُمّى الدّوْرِ وَالرّبْعِ وَقَطَعَا وَجَعَ الْجَنْبِ وَنَفَعَا مِنْ السّمُومِ وَإِذَا طُلِيَ بِهِ الْوَجْهُ مَعْجُونًا بِالْمَاءِ وَالْعَسَلِ قَلَعَ الْكَلَفَ وَقَالَ جَالِينُوسُ : يَنْفَعُ مِنْ الْكُزَازِ وَوَجَعِ الْجَنْبَيْنِ وَيَقْتُلُ حَبّ الْقَرَعِ . [الرّدّ عَلَى مَنْ أَنْكَرَ نَفْعَهُ لِلْمَجْنُوبِ ] وَقَدْ خَفِيَ عَلَى جُهّالِ الْأَطِبّاءِ نَفْعُهُ مِنْ وَجَعِ ذَاتِ الْجَنْبِ فَأَنْكَرُوهُ وَلَوْ ظَفِرَ هَذَا الْجَاهِلُ بِهَذَا النّقْلِ عَنْ جَالِينُوسَ لِنُزُولِهِ مَنْزِلَةَ النّصّ كَيْفَ وَقَدْ نَصّ كَثِيرٌ مِنْ الْأَطِبّاءِ الْمُتَقَدّمِينَ عَلَى أَنّ الْقُسْطَ يَصْلُحُ لِلنّوْعِ الْبَلْغَمِيّ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ ذَكَرَهُ الْخَطّابِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ الْجَهْمِ . وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّ طِبّ الْأَطِبّاءِ بِالنّسْبَةِ إلَى طِبّ الْأَنْبِيَاءِ أَقَلّ مِنْ نِسْبَةِ طِبّ الطّرُقِيّةِ وَالْعَجَائِزِ إلَى طِبّ الْأَطِبّاءِ وَأَنّ بَيْنَ مَا يُلْقَى بِالْوَحْيِ وَبَيْنَ مَا يُلْقَى بِالتّجْرِبَةِ وَالْقِيَاسِ مِنْ الْفَرْقِ أَعْظَمُ مِمّا بَيْنَ الْقَدَمِ وَالْفَرَقِ . وَلَوْ أَنّ هَؤُلَاءِ الْجُهّالَ وَجَدُوا دَوَاءً مَنْصُوصًا عَنْ بَعْضِ الْيَهُودِ وَالنّصَارَى وَالْمُشْرِكِينَ مِنْ الْأَطِبّاءِ لَتَلَقّوْهُ بِالْقَبُولِ وَالتّسْلِيمِ وَلَمْ يَتَوَقّفُوا عَلَى تَجْرِبَتِهِ . نَعَمْ نَحْنُ لَا نُنْكِرُ أَنّ لِلْعَادَةِ تَأْثِيرًا فِي الِانْتِفَاعِ بِالدّوَاءِ وَعَدَمِهِ فَمَنْ اعْتَادَ [ ص 325 ] كَانَ أَنْفَعَ لَهُ وَأَوْفَقَ مِمّنْ لَمْ يَعْتَدْهُ بَلْ رُبّمَا لَمْ يَنْتَفِعْ بِهِ مَنْ لَمْ يَعْتَدْهُ . وَكَلَامُ فُضَلَاءِ الْأَطِبّاءِ وَإِنْ كَانَ مُطْلَقًا فَهُوَ بِحَسَبِ الْأَمْزِجَةِ وَالْأَزْمِنَةِ وَالْأَمَاكِنِ وَالْعَوَائِدِ وَإِذَا كَانَ التّقْيِيدُ بِذَلِكَ لَا يَقْدَحُ فِي كَلَامِهِمْ وَمَعَارِفِهِمْ فَكَيْفَ يَقْدَحُ فِي كَلَامِ الصّادِقِ الْمَصْدُوقِ وَلَكِنّ نُفُوسَ الْبَشَرِ مُرَكّبَةٌ عَلَى الْجَهْلِ وَالظّلْمِ إلّا مَنْ أَيّدَهُ اللّهُ بِرُوحِ الْإِيمَانِ وَنَوّرَ بَصِيرَتَهُ بِنُورِ الْهُدَى . قَصَبُ السّكّرِ جَاءَ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ السّنّةِ الصّحِيحَةِ فِي الْحَوْضِ مَاؤُهُ أَحْلَى مِنْ السّكّر وَلَا أَعْرِفُ السّكّرَ فِي الْحَدِيثِ إلّا فِي هَذَا الْمَوْضِعِ . وَالسّكّرُ حَادِثٌ لَمْ يَتَكَلّمْ فِيهِ مُتَقَدّمُو الْأَطِبّاءِ وَلَا كَانُوا يَعْرِفُونَهُ وَلَا يَصِفُونَهُ فِي الْأَشْرِبَةِ وَإِنّمَا يَعْرِفُونَ الْعَسَلَ وَيُدْخِلُونَهُ فِي الْأَدْوِيَةِ وَقَصَبُ السّكّرِ حَارّ رَطْبٌ يَنْفَعُ مِنْ السّعَالِ وَيَجْلُو الرّطُوبَةَ وَالْمَثَانَةَ وَقَصَبَةَ الرّئَةِ وَهُوَ أَشَدّ تَلْيِينًا مِنْ السّكّرِ وَفِيهِ مَعُونَةٌ عَلَى الْقَيْءِ وَيُدِرّ الْبَوْلَ وَيَزِيدُ فِي [ ص 326 ] قَالَ عَفّانُ بْنُ مُسْلِمٍ الصّفّارُ : مَنْ مَصّ قَصَبَ السّكّرِ بَعْدَ طَعَامِهِ لَمْ يَزَلْ يَوْمَهُ أَجْمَعَ فِي سُرُورٍ انْتَهَى . وَهُوَ يَنْفَعُ مِنْ خُشُونَةِ الصّدْرِ وَالْحَلْقِ إذَا شُوِيَ وَيُوَلّدُ رِيَاحًا دَفَعَهَا بِأَنْ يُقَشّرَ وَيُغْسَلَ بِمَاءٍ حَارّ . وَالسّكّرُ حَارّ رَطْبٌ عَلَى الْأَصَحّ وَقِيلَ بَارِدٌ وَأَجْوَدُهُ الْأَبْيَضُ الشّفّافُ الطّبَرْزَدُ وَعَتِيقُهُ أَلْطَفُ مِنْ جَدِيدِهِ وَإِذَا طُبِخَ وَنُزِعَتْ رَغْوَتُهُ سَكّنَ الْعَطَشَ وَالسّعَالَ وَهُوَ يَضُرّ الْمَعِدَةَ الّتِي تَتَوَلّدُ فِيهَا الصّفْرَاءُ لِاسْتِحَالَتِهِ إلَيْهَا وَدَفْعُ ضَرَرِهِ بِمَاءِ اللّيْمُونِ أَوْ النّارِنْجِ أَوْ الرّمّانِ اللفان . وَبَعْضُ النّاسِ يُفَضّلُهُ عَلَى الْعَسَلِ لِقِلّةِ حَرَارَتِهِ وَلِينِهِ وَهَذَا تَحَامُلٌ مِنْهُ عَلَى الْعَسَلِ فَإِنّ مَنَافِعَ الْعَسَلِ أَضْعَافُ مَنَافِعِ السّكّرِ وَقَدْ جَعَلَهُ اللّهُ شِفَاءً وَدَوَاءً وَإِدَامًا وَحَلَاوَةً وَأَيْنَ نَفْعُ السّكّرِ مِنْ مَنَافِعِ الْعَسَلِ مِنْ تَقْوِيَةِ الْمَعِدَةِ وَتَلْيِينِ الطّبْعِ وَإِحْدَادِ الْبَصَرِ وَجَلَاءِ ظُلْمَتِهِ وَدَفْعِ الْخَوَانِيقِ بِالْغَرْغَرَةِ بِهِ وَإِبْرَائِهِ مِنْ الْفَالِجِ وَاللّقْوَةِ وَمِنْ جَمِيعِ الْعِلَلِ الْبَارِدَةِ الّتِي تَحْدُثُ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ مِنْ الرّطُوبَاتِ فَيَجْذِبُهَا مِنْ قَعْرِ الْبَدَنِ وَمِنْ جَمِيعِ الْبَدَنِ وَحِفْظِ صِحّتِهِ وَتَسْمِينِهِ وَتَسْخِينِهِ وَالزّيَادَةِ فِي الْبَاهِ وَالتّحْلِيلِ وَالْجِلَاءِ وَفَتْحِ أَفْوَاهِ الْعُرُوقِ وَتَنْقِيَةِ الْمِعَى وَإِحْدَارِ الدّودِ وَمَنْعِ التّخَمِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْعَفَنِ وَالْأُدْمِ النّافِعِ وَمُوَافَقَةِ مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الْبَلْغَمُ وَالْمَشَايِخُ وَأَهْلُ الْأَمْزِجَةِ الْبَارِدَةِ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا شَيْءَ أَنْفَعُ مِنْهُ لِلْبَدَنِ وَفِي الْعِلَاجِ وَعَجْزِ الْأَدْوِيَةِ وَحِفْظِ قُوَاهَا وَتَقْوِيَةِ الْمَعِدَةِ إلَى أَضْعَافِ هَذِهِ الْمَنَافِعِ فَأَيْنَ لِلسّكّرِ مِثْلُ هَذِهِ الْمَنَافِعِ حَرْفُ الْكَافِ كِتَابٌ لِلْحُمّى قَالَ الْمَرْوَزِيّ : بَلَغَ أَبَا عَبْدِ اللّهِ أَنّي حُمِمْت فَكَتَبَ لِي مِنْ [ ص 327 ] قُلْنَا : يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إبْرَاهِيمَ وَأَرَادُوا بِهِ كَيْدًا فَجَعَلْنَاهُمْ الْأَخْسَرِينَ اللّهُمّ رَبّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ اشْفِ صَاحِبَ هَذَا الْكِتَابِ بِحَوْلِك وَقُوّتِك وَجَبَرُوتِك إلَهَ الْحَقّ آمِينَ . [ الِاخْتِلَافُ فِي حُكْمِ التّمَائِمِ ] قَالَ الْمَرْوَزِيّ : وَقَرَأَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللّهِ - وَأَنَا أَسْمَعُ - أَبُو الْمُنْذِرِ عَمْرُو بْنُ مُجَمّعٍ حَدّثَنَا يُونُسُ بْنُ حِبّانَ قَالَ سَأَلْتُ أَبَا جَعْفَرٍ مُحَمّدَ بْنَ عَلِيّ أَنْ أُعَلّقَ التّعْوِيذَ فَقَالَ إنْ كَانَ مِنْ كِتَابِ اللّهِ أَوْ كَلَامٍ عَنْ نَبِيّ اللّهِ فَعَلّقْهُ وَاسْتَشْفِ بِهِ مَا اسْتَطَعْتَ . قُلْتُ أَكْتُبُ هَذِهِ مِنْ حُمّى الرّبْعِ بِاسْمِ اللّهِ وَبِاَللّهِ وَمُحَمّدٌ رَسُولُ اللّهِ إلَى آخِرِهِ ؟ قَالَ أَيْ نَعَمْ . وَذَكَرَ أَحْمَدُ عَنْ عَائِشَة َ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا وَغَيْرِهَا أَنّهُمْ سَهّلُوا فِي ذَلِكَ . قَالَ حَرْبٌ وَلَمْ يُشَدّدْ فِيهِ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَالَ أَحْمَدُ وَكَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَكْرَهُهُ كَرَاهَةً شَدِيدَةً جِدّا . وَقَالَ أَحْمَدُ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ التّمَائِمِ تُعَلّقُ بَعْدَ نُزُولِ الْبَلَاءِ ؟ قَالَ أَرْجُو أَنْ لَا يَكُونَ بِهِ بَأْسٌ . قَالَ الْخَلّالُ وَحَدّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَحْمَدَ قَالَ رَأَيْتُ أَبِي يَكْتُبُ التّعْوِيذَ لِلّذِي يَفْزَعُ وَلِلْحُمّى بَعْدَ وُقُوعِ الْبَلَاءِ . كِتَابٌ لِعُسْرِ الْوِلَادَةِ قَالَ الْخَلّالُ حَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَحْمَدَ : قَالَ رَأَيْتُ أَبِي يَكْتُبُ لِلْمَرْأَةِ إذَا عَسُرَ عَلَيْهَا وِلَادَتُهَا فِي جَامٍ أَبْيَضَ أَوْ شَيْءٍ نَظِيفٍ يَكْتُبُ حَدِيثَ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ الْحَلِيمُ الْكَرِيمُ سُبْحَانَ اللّهِ رَبّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ الْحَمْدُ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ { كَأَنّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَ مَا يُوعَدُونَ لَمْ يَلْبَثُوا إِلّا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ بَلَاغٌ } [ الْأَحْقَافُ 35 ] { كَأَنّهُمْ يَوْمَ يَرَوْنَهَا لَمْ يَلْبَثُوا إِلّا عَشِيّةً أَوْ ضُحَاهَا } [ النّازِعَاتُ 46 ] . قَالَ الْخَلّالُ أَنْبَأَنَا أَبُو بَكْرٍ الْمَرْوَزِيّ أَنّ أَبَا عَبْدِ اللّهِ جَاءَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَبَا عَبْدِ اللّهِ تَكْتُبُ لِامْرَأَةٍ قَدْ عَسُرَ عَلَيْهَا وَلَدُهَا مُنْذُ يَوْمَيْنِ ؟ فَقَالَ قُلْ لَهُ يَجِيءُ بِجَامٍ وَاسِعٍ وَزَعْفَرَانٍ وَرَأَيْتُهُ يَكْتُبُ لِغَيْرِ وَاحِدٍ وَيَذْكُرُ عَنْ عِكْرِمَةَ [ ص 328 ] ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ مَرّ عِيسَى صَلّى اللّهُ عَلَى نَبِيّنَا وَعَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى بَقَرَةٍ قَدْ اعْتَرَضَ وَلَدُهَا فِي بَطْنِهَا فَقَالَتْ يَا كَلِمَةَ اللّهِ اُدْعُ اللّه لِي أَنْ يُخَلّصَنِي مِمّا أَنَا فِيهِ فَقَالَ يَا خَالِقَ النّفْسِ مِنْ النّفْسِ وَيَا مُخَلّصَ النّفْسِ مِنْ النّفْسِ وَيَا مُخْرِجَ النّفْسِ مِنْ النّفْسِ خَلّصْهَا . قَالَ فَرَمَتْ بِوَلَدِهَا فَإِذَا هِيَ قَائِمَةٌ تَشُمّهُ قَالَ فَإِذَا عَسُرَ عَلَى الْمَرْأَةِ وَلَدُهَا فَاكْتُبْهُ لَهَا . وَكُلّ مَا تَقَدّمَ مِنْ الرّقَى فَإِنّ كِتَابَتَهُ نَافِعَةٌ . [ حُكْمُ كِتَابَةِ بَعْضِ الْقُرْآنِ وَشُرْبِهِ ] وَرَخّصَ جَمَاعَةٌ مِنْ السّلَفِ فِي كِتَابَةِ بَعْضِ الْقُرْآنِ وَشُرْبِهِ وَجَعَلَ ذَلِكَ مِنْ الشّفَاءِ الّذِي جَعَلَ اللّه فِيهِ . كِتَابٌ آخَرُ لِذَلِكَ يُكْتَبُ فِي إنَاءٍ نَظِيفٍ { إِذَا السّمَاءُ انْشَقّتْ وَأَذِنَتْ لِرَبّهَا وَحُقّتْ وَإِذَا الْأَرْضُ مُدّتْ وَأَلْقَتْ مَا فِيهَا وَتَخَلّتْ } [ الِانْشِقَاقُ 41 ] وَتَشْرَبُ مِنْهُ الْحَامِلُ وَيُرَشّ عَلَى بَطْنِهَا . كِتَابٌ لِلرّعَافِ كَانَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيّةَ رَحِمَهُ اللّهُ يَكْتُبُ عَلَى جَبْهَتِهِ { وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الْأَمْرُ } [ هُود : 44 ] . وَسَمِعْته يَقُولُ كَتَبْتهَا لِغَيْرِ وَاحِدٍ فَبَرَأَ فَقَالَ وَلَا يَجُوزُ كِتَابَتُهَا بِدَمِ الرّاعِفِ كَمَا يَفْعَلُهُ الْجُهّالُ فَإِنّ الدّمَ نَجِسٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُكْتَبَ بِهِ كَلَامُ اللّهِ تَعَالَى . كِتَابٌ آخَرُ لَهُ خَرَجَ مُوسَى عَلَيْهِ السّلَامُ بِرِدَاءٍ فَوَجَدَ شُعَيْبًا فَشَدّهُ بِرِدَائِهِ { يَمْحُوا اللّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمّ الْكِتَابِ } [ الرّعْدُ 39 ] . كِتَابٌ آخَرُ لِلْحَزّازِ يُكْتَبُ عَلَيْهِ { فَأَصَابَهَا إِعْصَارٌ فِيهِ نَارٌ فَاحْتَرَقَتْ } [ الْبَقَرَةُ 266 ] بِحَوْلِ اللّهِ وَقُوّتِهِ . كِتَابٌ آخَرُ لَهُ عِنْدَ اصْفِرَارِ الشّمْسِ يُكْتَبُ عَلَيْهِ { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُورًا تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ الْحَدِيدُ 28 ] . [ ص 329 ] وَرَقَاتٍ لِطَافٍ بِسْمِ اللّهِ فَرّتْ بِسْمِ اللّهِ مَرّتْ بِسْمِ اللّهِ قَلّتْ وَيَأْخُذُ كُلّ يَوْمٍ وَرَقَةً وَيَجْعَلُهَا فِي فَمِهِ وَيَبْتَلِعُهَا بِمَاءٍ . كِتَابٌ آخَرُ لِعِرْقِ النّسَا : بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ اللّهُمّ رَبّ كُلّ شَيْءٍ وَمَلِيكَ كُلّ شَيْءٍ وَخَالِقَ كُلّ شَيْءٍ أَنْتَ خَلَقْتنِي وَأَنْتَ خَلَقْت النّسَا فَلَا تُسَلّطْهُ عَلَيّ بِأَذًى وَلَا تُسَلّطْنِي عَلَيْهِ بِقَطْعٍ وَاشْفِنِي شِفَاءً لَا يُغَادِرُ سَقَمًا لَا شَافِيَ إلّا أَنْتَ . كِتَابٌ لِلْعَرَقِ الضّارِبِ رَوَى التّرْمِذِي ّ فِي " جَامِعِهِ " : مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يُعَلّمُهُمْ مِنْ الْحُمّى وَمِنْ الْأَوْجَاعِ كُلّهَا أَنْ يَقُولُوا : بِسْمِ اللّهِ الْكَبِيرِ أَعُوذُ بِاَللّهِ الْعَظِيمِ مِنْ شَرّ كُلّ عَرَقٍ نَعّارٍ وَمِنْ شَرّ حَرّ النّارِ كِتَابٌ لِوَجَعِ الضّرْسِ يُكْتَبُ عَلَى الْخَدّ الّذِي يَلِي الْوَجَعَ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ { قُلْ هُوَ الّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ } [ النّحْلُ 78 ] وَإِنْ شَاءَ كَتَبَ { وَلَهُ مَا سَكَنَ فِي اللّيْلِ وَالنّهَارِ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ } [ الْأَنْعَامُ 13 ] . كِتَابٌ لِلْخَرَاجِ يُكْتَبُ عَلَيْهِ { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبّي نَسْفًا فَيَذَرُهَا قَاعًا صَفْصَفًا لَا تَرَى فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا } [ طه : 105 ] . كَمْأَةٌ ثَبَتَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنّ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ أَخْرَجَاهُ فِي " الصّحِيحَيْن ِ " . قَالَ ابْنُ الْأَعْرَابِيّ : الْكَمْأَةُ جَمْعٌ وَاحِدُهُ كَمْءٌ وَهَذَا خِلَافُ [ ص 330 ] قِيَاسِ الْعَرَبِيّةِ فَإِنّ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ وَاحِدِهِ التّاءُ فَالْوَاحِدُ مِنْهُ التّاءُ وَإِذَا حُذِفَتْ كَانَ لِلْجَمْعِ . وَهَلْ هُوَ جَمْعٌ أَوْ اسْمُ جَمْعٍ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ مَشْهُورَيْنِ قَالُوا : وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ هَذَا إلّا حَرْفَانِ كَمْأَةٌ وَكَمْءٌ وَجَبْأَةٌ وَجَبْءٌ وَقَالَ غَيْرُ ابْنِ الْأَعْرَابِيّ : بَلْ هِيَ عَلَى الْقِيَاسِ الْكَمْأَةُ لِلْوَاحِدِ وَالْكَمْءُ لِلْكَثِيرِ وَقَالَ غَيْرُهُمَا : الْكَمْأَةُ تَكُونُ وَاحِدًا وَجَمْعًا . وَاحْتَجّ أَصْحَابُ الْقَوْلِ الْأَوّلِ بِأَنّهُمْ قَدْ جَمَعُوا كَمْئًا عَلَى أَكْمُؤٍ قَالَ الشّاعِرُ وَلَقَدْ جَنَيْتُكَ أَكْمُؤًا وَعَسَاقِلًا وَلَقَدْ نَهَيْتُكَ عَنْ بَنَاتِ الْأَوْبَرِ وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّ " كَمْئًا " مُفْرَدٌ " وَكَمْأَةً " جَمْعٌ . وَالْكَمْأَةُ تَكُونُ فِي الْأَرْضِ مِنْ غَيْرِ أَنْ تُزْرَعَ وَسُمّيَتْ كَمْأَةً لِاسْتِتَارِهَا وَمِنْهُ كَمَأَ الشّهَادَةَ إذَا سَتَرَهَا وَأَخْفَاهَا وَالْكَمْأَةُ مَخْفِيّةٌ تَحْتَ الْأَرْضِ لَا وَرَقَ لَهَا وَلَا سَاقَ وَمَادّتُهَا مِنْ جَوْهَرِ أَرْضِيّ بُخَارِيّ مُحْتَقِنٍ فِي الْأَرْضِ نَحْوَ سَطْحِهَا يَحْتَقِنُ بِبَرْدِ الشّتَاءِ وَتُنَمّيهِ أَمْطَارُ الرّبِيعِ فَيَتَوَلّدُ وَيَنْدَفِعُ نَحْوَ سَطْحِ الْأَرْضِ مُتَجَسّدًا وَلِذَلِكَ يُقَالُ لَهَا : جُدَرِيّ الْأَرْضِ تَشْبِيهًا بِالْجُدَرِيّ فِي صُورَتِهِ وَمَادّتِهِ لِأَنّ مَادّتَهُ رُطُوبَةٌ دَمَوِيّةٌ فَتَنْدَفِعُ عِنْدَ سِنّ التّرَعْرُعِ فِي الْغَالِبِ وَفِي ابْتِدَاءِ اسْتِيلَاءِ الْحَرَارَةِ وَنَمَاءِ الْقُوّةِ . وَهِيَ مِمّا يُوجَدُ فِي الرّبِيعِ وَيُؤْكَلُ نِيئًا وَمَطْبُوخًا وَتُسَمّيهَا الْعَرَبُ : نَبَاتَ الرّعْدِ لِأَنّهَا تَكْثُرُ بِكَثْرَتِهِ وَتَنْفَطِرُ عَنْهَا الْأَرْضُ وَهِيَ مِنْ أَطْعِمَةِ أَهْلِ الْبَوَادِي [ ص 331 ] الْعَرَبِ وَأَجْوَدُهَا مَا كَانَتْ أَرْضُهَا رَمْلِيّةً قَلِيلَةَ الْمَاءِ . وَهِيَ أَصْنَافٌ مِنْهَا صِنْفٌ قَتّالٌ يَضْرِبُ لَوْنُهُ إلَى الْحُمْرَةِ يُحْدِثُ الِاخْتِنَاقَ . وَهِيَ بَارِدَةٌ رَطْبَةٌ فِي الدّرَجَةِ الثّالِثَةِ رَدِيئَةٌ لِلْمَعِدَةِ بَطِيئَةُ الْهَضْمِ وَإِذَا أُدْمِنَتْ أَوْرَثَتْ الْقُولَنْجَ وَالسّكْتَةَ وَالْفَالِجَ وَوَجَعَ الْمَعِدَةِ وَعُسْرَ الْبَوْلِ وَالرّطْبَةُ أَقَلّ ضَرَرًا مِنْ الْيَابِسَةِ وَمَنْ أَكَلَهَا فَلْيَدْفِنْهَا فِي الطّينِ الرّطْبِ وَيَسْلُقْهَا بِالْمَاءِ وَالْمِلْحِ وَالصّعْتَرِ وَيَأْكُلْهَا بِالزّيْتِ وَالتّوَابِلِ الْحَارّةِ لِأَنّ جَوْهَرَهَا أَرْضِيّ غَلِيظٌ وَغِذَاؤُهَا رَدِيءٌ لَكِنْ فِيهَا جَوْهَرٌ مَائِيّ لَطِيفٌ يَدُلّ عَلَى خِفّتِهَا وَالِاكْتِحَالُ بِهَا نَافِعٌ مِنْ ظُلْمَةِ الْبَصَرِ وَالرّمَدِ الْحَارّ وَقَدْ اعْتَرَفَ فُضَلَاءُ الْأَطِبّاءِ بِأَنّ مَاءَهَا يَجْلُو الْعَيْنَ وَمِمّنْ ذَكَرَهُ الْمَسِيحِيّ وَصَاحِبُ الْقَانُونِ وَغَيْرُهُمَا . [ مَعْنَى " الْكَمْأَةِ مِنْ الْمَنّ " ] وَقَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنّ فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا : أَنّ الْمَنّ الّذِي أُنْزِلَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ لَمْ يَكُنْ هَذَا الْحُلْوَ فَقَطْ بَلْ أَشْيَاءَ كَثِيرَةً مَنّ اللّهُ عَلَيْهِمْ بِهَا مِنْ النّبَاتِ الّذِي يُوجَدُ عَفْوًا مِنْ غَيْرِ صَنْعَةٍ وَلَا عِلَاجٍ وَلَا حَرْثٍ فَإِنّ الْمَنّ مَصْدَرٌ بِمَعْنَى الْمَفْعُولِ أَيْ " مَمْنُونٌ " بِهِ فَكُلّ مَا رَزَقَهُ اللّهُ الْعَبْدَ عَفْوًا بِغَيْرِ كَسْبٍ مِنْهُ وَلَا عِلَاجٍ فَهُوَ مَنّ مَحْضٌ وَإِنْ كَانَتْ سَائِرُ نِعَمِهِ مَنّا مِنْهُ عَلَى عَبْدِهِ فَخَصّ مِنْهَا مَا لَا كَسْبَ لَهُ فِيهِ وَلَا صُنْعَ بِاسْمِ الْمَنّ فَإِنّهُ مَنّ بِلَا وَاسِطَةِ الْعَبْدِ وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ قُوّتَهُمْ بِالتّيهِ الْكَمْأَةُ وَهِيَ تَقُومُ مَقَامَ الْخَبَزِ وَجَعَلَ أُدْمَهُمْ السّلْوَى وَهُوَ يَقُومُ مَقَامَ اللّحْمِ وَجَعَلَ حَلْوَاهُمْ الطّلّ الّذِي يَنْزِلُ عَلَى الْأَشْجَارِ يَقُومُ لَهُمْ مَقَامَ الْحَلْوَى فَكَمُلَ عَيْشُهُمْ . وَتَأَمّلْ قَوْلَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْكَمْأَةُ مِنْ الْمَنّ الّذِي أَنْزَلَهُ اللّهُ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ فَجَعَلَهَا مِنْ جُمْلَتِهِ وَفَرْدًا مِنْ أَفْرَادِهِ والترنجبين الّذِي يَسْقُطُ عَلَى الْأَشْجَارِ نَوْعٌ مِنْ الْمَنّ ثُمّ غَلَبَ اسْتِعْمَالُ الْمَنّ عَلَيْهِ عُرْفًا حَادِثًا . [ ص 332 ] وَالْقَوْلُ الثّانِي : أَنّهُ شَبّهَ الْكَمْأَةَ بِالْمَنّ الْمُنَزّلِ مِنْ السّمَاءِ لِأَنّهُ يُجْمَعُ مِنْ غَيْرِ تَعَبٍ وَلَا كُلْفَةٍ وَلَا زَرْعِ بِزْرٍ وَلَا سَقْيٍ . [ مِنْ أَيْنَ أَتَى الضّرَرُ الْوَاقِعُ فِيهَا ] فَإِنْ قُلْت : فَإِنْ كَانَ هَذَا شَأْنَ الْكَمْأَةِ فَمَا بَالُ هَذَا الضّرَرِ فِيهَا وَمِنْ أَيْنَ أَتَاهَا ذَلِكَ ؟ فَاعْلَمْ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ أَتْقَنَ كُلّ شَيْءٍ صُنْعَهُ وَأَحْسَنَ كُلّ شَيْءٍ خَلْقَهُ فَهُوَ عِنْدَ مَبْدَأِ خَلْقِهِ بَرِيءٌ مِنْ الْآفَاتِ وَالْعِلَلِ تَامّ الْمَنْفَعَةِ لِمَا هُيّئَ وَخُلِقَ لَهُ وَإِنّمَا تَعْرِضُ لَهُ الْآفَاتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِأُمُورٍ أُخَرَ مِنْ مُجَاوَرَةٍ أَوْ امْتِزَاجٍ وَاخْتِلَاطٍ أَوْ أَسْبَابٍ أُخَرَ تَقْتَضِي فَسَادَهُ فَلَوْ تُرِكَ عَلَى خِلْقَتِهِ الْأَصْلِيّةِ مِنْ غَيْرِ تَعَلّقِ أَسْبَابِ الْفَسَادِ بِهِ لَمْ يَفْسُدْ . [ قِلّةُ الْبَرَكَةِ وَالْآفَاتُ جَاءَتْ مِنْ كَثْرَةِ الْفَسَادِ ] وَمَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِأَحْوَالِ الْعَالَمِ وَمَبْدَئِهِ يَعْرِفُ أَنّ جَمِيعَ الْفَسَادِ فِي جَوّهِ وَنَبَاتِهِ وَحَيَوَانِهِ وَأَحْوَالِ أَهْلِهِ حَادِثٌ بَعْدَ خَلْقِهِ بِأَسْبَابٍ اقْتَضَتْ حُدُوثَهُ وَلَمْ تَزَلْ أَعْمَالُ بَنِي آدَمَ وَمُخَالَفَتُهُمْ لِلرّسُلِ تُحْدِثُ لَهُمْ مِنْ الْفَسَادِ الْعَامّ وَالْخَاصّ مَا يَجْلِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ الْآلَامِ وَالْأَمْرَاضِ وَالْأَسْقَامِ وَالطّوَاعِينِ وَالْقُحُوطِ وَالْجُدُوبِ وَسَلْبِ بَرَكَاتِ الْأَرْضِ وَثِمَارِهَا وَنَبَاتِهَا وَسَلْبِ مَنَافِعِهَا أَوْ نُقْصَانِهَا أُمُورًا مُتَتَابِعَةً يَتْلُو بَعْضُهَا بَعْضًا فَإِنْ لَمْ يَتّسِعْ عِلْمُك لِهَذَا فَاكْتَفِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ } [ الرّومُ : 41 ] وَنَزّلْ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى أَحْوَالِ الْعَالَمِ وَطَابِقْ بَيْنَ الْوَاقِعِ وَبَيْنَهَا وَأَنْتَ تَرَى كَيْفَ تَحْدُثُ الْآفَاتُ وَالْعِلَلُ كُلّ وَقْتٍ فِي الثّمَارِ وَالزّرْعِ وَالْحَيَوَانِ وَكَيْفَ يَحْدُثُ مِنْ تِلْكَ الْآفَاتِ آفَاتٌ أُخَرُ مُتَلَازِمَةٌ بَعْضُهَا آخِذٌ بِرِقَابِ بَعْضٍ وَكُلّمَا أَحْدَثَ النّاسُ ظُلْمًا وَفُجُورًا أَحْدَثَ لَهُمْ رَبّهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى مِنْ الْآفَاتِ وَالْعِلَلِ فِي أَغْذِيَتِهِمْ وَفَوَاكِهِهِمْ وَأَهْوِيَتِهِمْ وَمِيَاهِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ وَخَلْقِهِمْ وَصُوَرِهِمْ وَأَشْكَالِهِمْ وَأَخْلَاقِهِمْ مِنْ النّقْصِ وَالْآفَاتِ مَا هُوَ مُوجَبُ أَعْمَالِهِمْ وَظُلْمِهِمْ وَفُجُورِهِمْ . وَلَقَدْ كَانَتْ الْحُبُوبُ مِنْ الْحِنْطَةِ وَغَيْرِهَا أَكْبَرَ مِمّا هِيَ الْيَوْمَ كَمَا كَانَتْ [ ص 333 ] أَعْظَمَ . وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ أَنّهُ وَجَدَ فِي خَزَائِنِ بَعْضِ بَنِي أُمَيّةَ صُرّةً فِيهَا حِنْطَةٌ أَمْثَالَ نَوَى التّمْرِ مَكْتُوبٌ عَلَيْهَا : هَذَا كَانَ يَنْبُتُ أَيّامَ الْعَدْلِ . وَهَذِهِ الْقِصّةُ ذَكَرَهَا فِي " مُسْنَدِهِ " عَلَى أَثَرِ حَدِيثٍ رَوَاهُ . وَأَكْثَرُ هَذِهِ الْأَمْرَاضِ وَالْآفَاتِ الْعَامّةِ بَقِيّةُ عَذَابٍ عُذّبَتْ بِهِ الْأُمَمُ السّالِفَةُ ثُمّ بَقِيَتْ مِنْهَا بَقِيّةٌ مُرْصَدَةٌ لِمَنْ بَقِيَتْ عَلَيْهِ بَقِيّةٌ مِنْ أَعْمَالِهِمْ حَكَمًا قِسْطًا وَقَضَاءً عَدْلًا وَقَدْ أَشَارَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى هَذَا بِقَوْلِهِ فِي الطّاعُونِ إنّهُ بَقِيّةُ رِجْزٍ أَوْ عَذَابٍ أُرْسِلَ عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ وَكَذَلِكَ سَلّطَ اللّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الرّيحَ عَلَى قَوْمٍ سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيّامٍ ثُمّ أَبْقَى فِي الْعَالَمِ مِنْهَا بَقِيّةً فِي تِلْكَ الْأَيّامِ وَفِي نَظِيرِهَا عِظَةٌ وَعِبْرَةٌ . وَقَدْ جَعَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ أَعْمَالَ الْبَرّ وَالْفَاجِرِ مُقْتَضِيَاتٍ لِآثَارِهَا فِي هَذَا الْعَالَمِ اقْتِضَاءً لَا بُدّ مِنْهُ فَجَعَلَ مَنْعَ الْإِحْسَانِ وَالزّكَاةِ وَالصّدَقَةِ سَبَبًا لِمَنْعِ الْغَيْثِ مِنْ السّمَاءِ وَالْقَحْطِ وَالْجَدْبِ وَجَعَلَ ظُلْمَ الْمَسَاكِينِ وَالْبَخْسَ فِي الْمَكَايِيلِ وَالْمَوَازِينِ وَتَعَدّي الْقَوِيّ عَلَى الضّعِيفِ سَبَبًا لِجَوْرِ الْمُلُوكِ وَالْوُلَاةِ الّذِينَ لَا يَرْحَمُونَ إنْ اُسْتُرْحِمُوا وَلَا يَعْطِفُونَ إنْ اُسْتُعْطِفُوا وَهُمْ فِي الْحَقِيقَةِ أَعْمَالُ الرّعَايَا ظَهَرَتْ فِي صُوَرِ وُلَاتِهِمْ [ ص 334 ] جَائِرِينَ وَتَارَةً بِأَمْرَاضٍ عَامّةٍ وَتَارَةً بِهُمُومٍ وَآلَامٍ وَغُمُومٍ تُحْضِرُهَا نُفُوسُهُمْ لَا يَنْفَكّونَ عَنْهَا وَتَارَةً بِمَنْعِ بَرَكَاتِ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ عَنْهُمْ وَتَارَةً بِتَسْلِيطِ الشّيَاطِينِ عَلَيْهِمْ تَؤُزّهُمْ إلَى أَسْبَابِ الْعَذَابِ أَزّا لِتَحِقّ عَلَيْهِمْ الْكَلِمَةُ وَلِيَصِيرَ كُلّ مِنْهُمْ إلَى مَا خُلِقَ لَهُ وَالْعَاقِلُ يُسَيّرُ بَصِيرَتَهُ بَيْنَ أَقْطَارِ الْعَالَمِ فَيُشَاهِدُهُ وَيَنْظُرُ مَوَاقِعَ عَدْلِ اللّهِ وَحِكْمَتِهِ وَحِينَئِذٍ يَتَبَيّنُ لَهُ أَنّ الرّسُلَ وَأَتْبَاعَهُمْ خَاصّةً عَلَى سَبِيلِ النّجَاةِ وَسَائِرُ الْخَلْقِ عَلَى سَبِيلِ الْهَلَاكِ سَائِرُونَ وَإِلَى دَارِ الْبَوَارِ صَائِرُونَ وَاَللّهُ بَالِغٌ أَمْرَهُ لَا مُعَقّبَ لِحُكْمِهِ وَلَا رَادّ لِأَمْرِهِ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . [ مَعْنَى " مَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ " ] وَقَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْكَمْأَةِ وَمَاؤُهَا شِفَاءٌ لِلْعَيْنِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا : أَنّ مَاءَهَا يُخْلَطُ فِي الْأَدْوِيَةِ الّتِي يُعَالَجُ بِهَا الْعَيْنُ لَا أَنّهُ يُسْتَعْمَلُ وَحْدَهُ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ . الثّانِي : أَنّهُ يُسْتَعْمَلُ بَحْتًا بَعْدَ شَيّهَا وَاسْتِقْطَارِ مَائِهَا لِأَنّ النّارَ تُلَطّفُهُ وَتُنْضِجُهُ وَتُذِيبُ فَضَلَاتِهِ وَرُطُوبَتَهُ الْمُؤْذِيَةَ وَتُبْقِي الْمَنَافِعَ . الثّالِثُ أَنّ الْمُرَادَ بِمَائِهَا الْمَاءُ الّذِي يَحْدُثُ بِهِ مِنْ الْمَطَرِ وَهُوَ أَوّلُ قَطْرٍ يَنْزِلُ إلَى الْأَرْضِ فَتَكُونُ الْإِضَافَةُ إضَافَةَ اقْتِرَانٍ لَا إضَافَةَ جُزْءٍ ذَكَرَهُ ابْنُ الْجَوْزِيّ وَهُوَ أَبْعَدُ الْوُجُوهِ وَأَضْعَفُهَا . وَقِيلَ إنْ اُسْتُعْمِلَ مَاؤُهَا لِتَبْرِيدِ مَا فِي الْعَيْنِ فَمَاؤُهَا مُجَرّدًا شِفَاءٌ إنْ كَانَ لِغَيْرِ ذَلِكَ فَمُرَكّبٌ مَعَ غَيْرِهِ . وَقَالَ الْغَافِقِيّ : مَاءُ الْكَمْأَةِ أَصْلَحُ الْأَدْوِيَةِ لِلْعَيْنِ إذَا عُجِنَ بِهِ الْإِثْمِدُ وَاكْتُحِلَ بِهِ وَيُقَوّي أَجْفَانَهَا وَيَزِيدُ الرّوحَ الْبَاصِرَةَ قُوّةً وَحِدّةً وَيَدْفَعُ عَنْهَا نُزُولَ النّوَازِلِ . [ ص 335 ] كَبَاثٌ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ كُنّا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَجْنِي الْكَبَاثَ فَقَالَ " عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ مِنْهُ فَإِنّهُ أَطْيَبُهُ . الْكَبَاثُ بِفَتْحِ الْكَافّ وَالْبَاءِ الْمُوَحّدَةِ الْمُخَفّفَةِ وَالثّاءِ الْمُثَلّثَةِ - ثَمَرُ الْأَرَاكِ وَهُوَ بِأَرْضِ الْحِجَازِ وَطَبْعُهُ حَارّ يَابِسٌ وَمَنَافِعُهُ كَمَنَافِعِ الْأَرَاكِ يُقَوّي الْمَعِدَةَ وَيُجِيدُ الْهَضْمَ وَيَجْلُو الْبَلْغَمَ وَيَنْفَعُ مِنْ أَوْجَاعِ الظّهْرِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَدْوَاءِ . قَالَ ابْنُ جُلْجُلٍ إذَا شُرِبَ طَحِينُهُ أَدَرّ الْبَوْلَ وَنَقّى الْمَثَانَةَ وَقَالَ ابْنُ رِضْوَانَ يُقَوّي الْمَعِدَةَ وَيُمْسِكُ الطّبِيعَةَ . كَتَم رَوَى الْبُخَارِيّ فِي " صَحِيحِهِ " : عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْن مَوْهِبٍ قَالَ دَخَلْنَا عَلَى أُمّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا فَأَخْرَجَتْ إلَيْنَا شَعْرًا مِنْ شَعْرِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَإِذَا هُوَ مَخْضُوبٌ بِالْحِنّاءِ وَالْكَتَمِ . وَفِي " السّنَنِ الْأَرْبَعَةِ " : عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ إنّ أَحْسَنَ مَا غَيّرْتُمْ بِهِ الشّيْبَ الْحِنّاءُ وَالْكَتَمُ . وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ أَبَا بَكْر رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ اخْتَضَبَ بِالْحِنّاءِ وَالْكَتَمِ . وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " : عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا [ ص 336 ] مَرّ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَجُلٌ قَدْ خَضَبَ بِالْحِنّاءِ فَقَالَ مَا أَحْسَنَ هَذَا ؟ فَمَرّ آخَرُ قَدْ خَضَبَ بِالْحِنّاءِ وَالْكَتَمِ فَقَالَ هَذَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا فَمَرّ آخَرُ قَدْ خَضَبَ بِالصّفْرَةِ فَقَالَ هَذَا أَحْسَنُ مِنْ هَذَا كُلّهِ . قَالَ الْغَافِقِيّ الْكَتَمُ نَبْتٌ يَنْبُتُ بِالسّهُولِ وَرَقُهُ قَرِيبٌ مِنْ وَرَقِ الزّيْتُونِ يَعْلُو فَوْقَ الْقَامَةِ وَلَهُ ثَمَرٌ قَدْرَ حَبّ الْفُلْفُلِ فِي دَاخِلِهِ نَوًى إذَا رُضِخَ اسْوَدّ وَإِذَا اُسْتُخْرِجَتْ عُصَارَةُ وَرَقِهِ وَشُرِبَ مِنْهَا قَدْرُ أُوقِيّةٍ قَيّأَ قَيْئًا شَدِيدًا وَيَنْفَعُ عَنْ عَضّةِ الْكَلْبِ وَأَصْلُهُ إذَا طُبِخَ بِالْمَاءِ كَانَ مِنْهُ مِدَادٌ يُكْتَبُ بِهِ . وَقَالَ الْكِنْدِيّ بَزْرُ الْكَتَمِ إذَا اُكْتُحِلَ بِهِ حَلّلَ الْمَاءَ النّازِلَ فِي الْعَيْنِ وَأَبْرَأَهَا . وَقَدْ ظَنّ بَعْضُ النّاسِ أَنّ الْكَتَمَ هُوَ الْوَسْمَةُ وَهِيَ وَرَقُ النّيلِ وَهَذَا وَهْمٌ فَإِنّ الْوَسْمَةَ غَيْرُ الْكَتَمِ . قَالَ صَاحِبُ " الصّحَاحِ " : الْكَتَمُ بِالتّحْرِيكِ نَبْتٌ يُخْلَطُ بِالْوَسْمَةِ يُخْتَضَبُ بِهِ قِيلَ وَالْوَسْمَةُ نَبَاتٌ لَهُ وَرَقٌ طَوِيلٌ يَضْرِبُ لَوْنُهُ إلَى الزّرْقَةِ أَكْبَرُ مِنْ وَرَقِ الْخِلَافِ يُشْبِهُ وَرَقَ اللّوبِيَا وَأَكْبَرُ مِنْهُ يُؤْتَى بِهِ مِنْ الْحِجَازِ وَالْيَمَنِ . [ هَلْ اخْتَضَبَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ؟ ] فَإِنْ قِيلَ قَدْ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحِ " عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لَمْ يَخْتَضِبْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . قِيلَ قَدْ أَجَابَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ هَذَا وَقَالَ قَدْ شَهِدَ بِهِ غَيْرُ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ خَضَبَ وَلَيْسَ مَنْ شَهِدَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ لَمْ يَشْهَدْ فَأَحْمَدُ أَثْبَتَ خِضَابَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَعَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُحَدّثِينَ وَمَالِكٌ أَنْكَرَهُ . فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ ثَبَتَ [ ص 337 ] صَحِيحِ مُسْلِمٍ " النّهْيُ عَنْ الْخِضَابِ بِالسّوَادِ فِي شَأْنِ أَبِي قُحَافَةَ لَمّا أُتِيَ بِهِ وَرَأْسُهُ وَلِحْيَتُهُ كَالثّغَامَةِ بَيَاضًا فَقَالَ غَيّرُوا هَذَا الشّيْبَ وَجَنّبُوهُ السّوَادَ . وَالْكَتَمُ يُسَوّدُ الشّعْرَ . [ حُكْمُ الْخِضَابِ بِالسّوَادِ ] فَالْجَوَابُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنّ النّهْيَ عَنْ التّسْوِيدِ الْبَحْتِ فَأَمّا إذَا أُضِيفَ إلَى الْحِنّاءِ شَيْءٌ آخَرُ كَالْكَتَمِ وَنَحْوِهِ فَلَا بَأْسَ بِهِ فَإِنّ الْكَتَمَ وَالْحِنّاءَ يَجْعَلُ الشّعْرَ بَيْنَ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ بِخِلَافِ الْوَسْمَةِ فَإِنّهَا تَجْعَلُهُ أَسْوَدَ فَاحِمًا وَهَذَا أَصَحّ الْجَوَابَيْنِ . الْجَوَابُ الثّانِي : أَنّ الْخِضَابَ بِالسّوَادِ الْمَنْهِيّ عَنْهُ خِضَابُ التّدْلِيسِ كَخِضَابِ شَعْرِ الْجَارِيَةِ وَالْمَرْأَةِ الْكَبِيرَةِ تَغُرّ الزّوْجَ وَالسّيّدَ بِذَلِكَ وَخِضَابِ الشّيْخِ يَغُرّ الْمَرْأَةَ بِذَلِكَ فَإِنّهُ مِنْ الْغِشّ وَالْخِدَاعِ فَأَمّا إذَا لَمْ يَتَضَمّنْ تَدْلِيسًا وَلَا خِدَاعًا فَقَدْ صَحّ عَنْ الْحَسَن وَالْحُسَيْن رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا أَنّهُمَا كَانَا يَخْضِبَانِ بِالسّوَادِ ذَكَرَ ذَلِكَ ابْنُ جَرِير عَنْهُمَا فِي كِتَابِ " تَهْذِيبُ الْآثَارِ " وَذَكَرَهُ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ وَعَبْدِ اللّهِ بْنِ جَعْفَرٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ وَعُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ وَجَرِيرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَحَكَاهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التّابِعِينَ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ عُثْمَانَ وَعَلِيّ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبّاسٍ وَأَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرّحْمَنِ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْأَسْوَد وَمُوسَى بْنُ طَلْحَةَ وَالزّهْرِيّ وَأَيّوبُ وَإِسْمَاعِيلُ بْنُ مَعْدِي كَرِبَ . وَحَكَاهُ ابْنُ الْجَوْزِيّ عَنْ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ وَيَزِيدَ وَابْنِ جُرَيْجٍ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَبِي إسْحَاقَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَزِيَادِ بْنِ عَلَاقَةَ وَغِيلَانَ بْنِ جَامِعٍ [ ص 338 ] وَنَافِعِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَمْرِو بْنِ عَلِيّ الْمُقَدّمِيّ وَالْقَاسِمِ بْنِ سَلَامٍ . كَرْمٌ شَجَرَةُ الْعِنَبِ وَهِيَ الْحَبَلَةُ وَيُكْرَهُ تَسْمِيَتُهَا كَرْمًا لِمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ لَا يَقُولَنّ أَحَدُكُمْ لِلْعِنَبِ الْكَرْمَ . الْكَرْمُ الرّجُلُ الْمُسْلِمُ . وَفِي رِوَايَةٍ إنّمَا الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ وَفِي أُخْرَى : لَا تَقُولُوا : الْكَرْمُ وَقُولُوا : الْعِنَبُ وَالْحَبَلَةُ . [ عِلّةُ النّهْيِ عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ كَرْمًا ] وَفِي هَذَا مَعْنَيَانِ أَحَدُهُمَا : أَنّ الْعَرَبَ كَانَتْ تُسَمّي شَجَرَةَ الْعِنَبِ الْكَرْمَ لِكَثْرَةِ مَنَافِعِهَا وَخَيْرِهَا فَكَرِهَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَسْمِيَتَهَا بِاسْمٍ يُهَيّجُ النّفُوسَ عَلَى مَحَبّتِهَا وَمَحَبّةِ مَا يُتّخَذُ مِنْهَا مِنْ الْمُسْكِرِ وَهُوَ أُمّ الْخَبَائِثِ فَكَرِهَ أَنْ يُسَمّى أَصْلُهُ بِأَحْسَنِ الْأَسْمَاءِ وَأَجْمَعِهَا لِلْخَيْرِ . وَالثّانِي : أَنّهُ مِنْ بَابِ قَوْلِهِ لَيْسَ الشّدِيدُ بِالصّرْعَة . وَلَيْسَ الْمِسْكِينُ بِالطّوّافِ . أَيْ أَنّكُمْ تُسَمّونَ شَجَرَةَ الْعِنَبِ كَرْمًا لِكَثْرَةِ مَنَافِعِهِ وَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ أَوْ الرّجُلِ الْمُسْلِمِ أَوْلَى بِهَذَا الِاسْمِ مِنْهُ فَإِنّ الْمُؤْمِنَ خَيْرٌ كُلّهُ [ ص 339 ] وَالْإِيمَانِ وَالنّورِ وَالْهُدَى وَالتّقْوَى وَالصّفَاتِ الّتِي يَسْتَحِقّ بِهَا هَذَا الِاسْمَ أَكْثَرَ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْحَبَلَةِ لَهُ . وَبَعْدُ فَقُوّةُ الْحَبَلَةِ بَارِدَةٌ يَابِسَةٌ وَوَرَقُهَا وَعَلَائِقُهَا وَعُرْمُوشُهَا مُبَرّدٌ فِي آخِرِ الدّرَجَةِ الْأُولَى وَإِذَا دُقّتْ وَضُمّدَ بِهَا مِنْ الصّدَاعِ سَكّنَتْهُ وَمِنْ الْأَوْرَامِ الْحَارّةِ وَالْتِهَابِ الْمَعِدَةِ . وَعُصَارَةُ قُضْبَانِهِ إذَا شُرِبَتْ سَكّنَتْ الْقَيْءَ وَعَقَلَتْ الْبَطْنَ وَكَذَلِكَ إذَا مُضِغَتْ قُلُوبُهَا الرّطْبَةُ . وَعُصَارَةُ وَرَقِهَا تَنْفَعُ مِنْ قُرُوحِ الْأَمْعَاءِ وَنَفْثِ الدّمِ وَقَيْئِهِ وَوَجَعِ الْمَعِدَةِ وَدَمْعُ شَجَرِهِ الّذِي يُحْمَلُ عَلَى الْقَضْبَانِ كَالصّمْغِ إذَا شُرِبَ أَخْرَجَ الْحَصَاةَ وَإِذَا لُطّخَ بِهِ أَبْرَأَ الْقُوَبَ وَالْجَرَبَ الْمُتَقَرّحَ وَغَيْرَهُ وَيَنْبَغِي غَسْلُ الْعُضْوِ قَبْلَ اسْتِعْمَالِهَا بِالْمَاءِ وَالنّطْرُونِ وَإِذَا تُمُسّحَ بِهَا مَعَ الزّيْتِ حَلَقَ الشّعْرَ وَرَمَادُ قُضْبَانِهِ إذَا تُضُمّدَ بِهِ مَعَ الْخَلّ وَدُهْنِ الْوَرْدِ وَالسّذَابِ نَفَعَ مِنْ الْوَرَمِ الْعَارِضِ فِي الطّحَالِ وَقُوّةُ دُهْنِ زُهْرَةِ الْكَرْمِ قَابِضَةٌ شَبِيهَةٌ بِقُوّةِ دُهْنِ الْوَرْدِ وَمَنَافِعُهَا كَثِيرَةٌ قَرِيبَةٌ مِنْ مَنَافِعَ النّخْلَةِ . كَرَفْسٌ رُوِيَ فِي حَدِيثٍ لَا يَصِحّ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ مَنْ أَكَلَهُ ثُمّ نَامَ عَلَيْهِ نَامَ وَنَكْهَتُهُ طَيّبَةٌ وَيَنَامُ آمِنًا مِنْ وَجَعِ الْأَضْرَاسِ وَالْأَسْنَانِ وَهَذَا بَاطِلٌ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَكِنّ الْبُسْتَانِيّ مِنْهُ يُطَيّبُ النّكْهَةَ جِدّا وَإِذَا عُلّقَ أَصْلُهُ فِي الرّقَبَةِ نَفَعَ مِنْ وَجَعِ الْأَسْنَانِ . وَهُوَ حَارّ يَابِسٌ وَقِيلَ رَطْبٌ مُفَتّحٌ لِسُدَادِ الْكَبِدِ وَالطّحَالِ وَوَرَقُهُ رَطْبًا يَنْفَعُ الْمَعِدَةَ وَالْكَبِدَ الْبَارِدَةَ وَيُدِرّ الْبَوْلَ وَالطّمْثَ وَيُفَتّتُ الْحَصَاةَ وَحَبّهُ أَقْوَى فِي ذَلِكَ وَيُهَيّجُ الْبَاهَ وَيَنْفَعُ مِنْ الْبَخْرِ . قَالَ الرّازِيّ وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْتَنَبَ أَكْلُهُ إذَا خِيفَ مِنْ لَدْغِ الْعَقَارِبِ . كُرّاثٌ فِيهِ حَدِيثٌ لَا يَصِحّ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَلْ هُوَ بَاطِلٌ مَوْضُوعٌ مَنْ أَكَلَ الْكُرّاثَ ثُمّ نَامَ عَلَيْهِ نَامَ آمِنًا مِنْ رِيحِ الْبَوَاسِيرِ وَاعْتَزَلَهُ الْمَلَكُ لِنَتْنِ نَكْهَتِهِ حَتّى يُصْبِحَ . [ ص 340 ] وَهُوَ نَوْعَانِ نَبَطِيّ وَشَامِيّ فَالنّبَطِيّ الْبَقْلُ الّذِي يُوضَعُ عَلَى الْمَائِدَةِ . وَالشّامِيّ الّذِي لَهُ رُءُوسٌ وَهُوَ حَارّ يَابِسٌ مُصَدّعٌ وَإِذَا طُبِخَ وَأُكِلَ أَوْ شُرِبَ مَاؤُهُ نَفَعَ مِنْ الْبَوَاسِيرِ الْبَارِدَةِ . وَإِنْ سُحِقَ بِزْرُهُ وَعُجِنَ بِقَطْرَانٍ وَبُخّرَتْ بِهِ الْأَضْرَاسُ الّتِي فِيهَا الدّودُ نَثَرَهَا وَأَخْرَجَهَا وَيُسَكّنُ الْوَجَعَ الْعَارِضَ فِيهَا وَإِذَا دُخّنَتْ الْمَقْعَدَةُ بِبِزْرِهِ خَفّتْ الْبَوَاسِيرُ هَذَا كُلّهُ فِي الْكُرّاثِ النّبَطِيّ . وَفِيهِ مَعَ ذَلِكَ فَسَادُ الْأَسْنَانِ وَاللّثَةِ وَيُصَدّعُ وَيُرِي أَحْلَامًا رَدِيئَةً وَيُظْلِمُ الْبَصَرَ وينتن النكهة، وفيه إدرار للبول والطمث، وتحريك للباه ، وهو بطيئ الهضم . حَرْفُ الْلاَم لَحْمٌ قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { وَأَمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمّا يَشْتَهُونَ } [ الطّورُ 22 ] . وَقَالَ { وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ } [ الْوَاقِعَةُ 21 ] . وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدّرْدَاءِ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَيّدُ طَعَامِ أَهْلِ الدّنْيَا وَأَهْلِ الْجَنّةِ اللّحْمُ وَمِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ يَرْفَعُهُ خَيْرُ الْإِدَامِ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللّحْمُ وَفِي " الصّحِيحِ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَضْلُ عَائِشَة عَلَى النّسَاءِ كَفَضْلِ الثّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطّعَامِ وَالثّرِيدُ الْخُبْزُ وَاللّحْمُ [ ص 341 ] قَالَ الشّاعِرُ إذَا مَا الْخُبْزُ تَأْدِمُهُ بِلَحْمٍ فَذَاكَ أَمَانَةَ اللّهِ الثّرِيدُ وَقَالَ الزّهْرِيّ : أَكْلُ اللّحْمِ يَزِيدُ سَبْعِينَ قُوّةً . وَقَالَ مُحَمّدُ بْنُ وَاسِعٍ : اللّحْمُ يَزِيدُ فِي الْبَصَرِ وَيُرْوَى عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ كُلُوا اللّحْمَ " فَإِنّهُ يُصَفّي اللّوْنَ وَيُخْمِصُ الْبَطْنَ وَيُحَسّنُ الْخُلُقَ وَقَالَ نَافِعٌ كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا كَانَ رَمَضَانُ لَمْ يَفُتْهُ اللّحْمُ وَإِذَا سَافَرَ لَمْ يَفُتْهُ اللّحْمُ وَيُذْكَرُ عَنْ عَلِيّ مَنْ تَرَكَهُ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً سَاءَ خُلُقُه وَأَمّا حَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا الّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مَرْفُوعًا : لَا تَقْطَعُوا اللّحْمَ بِالسّكّينِ فَإِنّهُ مِنْ صَنِيعِ الْأَعَاجِمِ وَانْهَسُوهُ فَإِنّهُ أَهْنَأُ وَأَمْرَأُ " فَرَدّهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِمَا صَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ قَطْعِهِ بِالسّكّينِ فِي حَدِيثَيْنِ وَقَدْ تَقَدّمَا . وَاللّحْمُ أَجْنَاسٌ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أُصُولِهِ وَطَبَائِعِهِ فَنَذْكُرُ حُكْمَ كُلّ جِنْسٍ وَطَبْعَهُ وَمَنْفَعَتَهُ وَمَضَرّتَهُ . [ لَحْمُ الضّأْنِ ] لَحْمُ الضّأْنِ حَارّ فِي الثّانِيَةِ رَطْبٌ فِي الْأُولَى جَيّدُهُ الْحَوْلِيّ يُوَلّدُ الدّمَ الْمَحْمُودَ الْقَوِيّ لِمَنْ جَادَ هَضْمُهُ يَصْلُحُ لِأَصْحَابِ الْأَمْزِجَةِ الْبَارِدَةِ وَالْمُعْتَدِلَةِ وَلِأَهْلِ الرّيَاضَاتِ التّامّةِ فِي الْمَوَاضِعِ وَالْفُصُولِ الْبَارِدَةِ نَافِعٌ لِأَصْحَابِ الْمِرّةِ السّوْدَاءِ يُقَوّي الذّهْنَ وَالْحِفْظَ . وَلَحْمٌ الْهَرِمِ وَالْعَجِيفِ رَدِيءٌ وَكَذَلِكَ لَحْمُ النّعَاجِ وَأَجْوَدُهُ لَحْمُ الذّكَرِ الْأَسْوَدِ [ ص 342 ] أَخَفّ وَأَلَذّ وَأَنْفَعُ وَالْخَصِيّ أَنْفَعُ وَأَجْوَدُ وَالْأَحْمَرُ مِنْ الْحَيَوَانِ السّمِينُ أَخَفّ وَأَجْوَدُ غِذَاءً وَالْجَذَعُ مِنْ الْمَعْزِ أَقَلّ تَغْذِيَةً وَيَطْفُو فِي الْمَعِدَةِ . وَأَفْضَلُ اللّحْمِ عَائِذُهُ بِالْعَظْمِ وَالْأَيْمَنُ أَخَفّ وَأَجْوَدُ مِنْ الْأَيْسَرِ وَالْمُقَدّمُ أَفْضَلُ مِنْ الْمُؤَخّرِ وَكَانَ أَحَبّ الشّاةِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُقَدّمُهَا وَكُلّ مَا عَلَا مِنْهُ سِوَى الرّأْسِ كَانَ أَخَفّ وَأَجْوَدَ مِمّا سَفَلَ وَأَعْطَى الْفَرَزْدَقُ رَجُلًا يَشْتَرِي لَهُ لَحْمًا وَقَالَ لَهُ خُذْ الْمُقَدّمَ وَإِيّاكَ وَالرّأْسَ وَالْبَطْنَ فَإِنّ الدّاءَ فِيهِمَا . وَلَحْمُ الْعُنُقِ جَيّدٌ لَذِيذٌ سَرِيعُ الْهَضْمِ خَفِيفٌ وَلَحْمُ الذّرَاعِ أَخَفّ اللّحْمِ وَأَلَذّهُ وَأَلْطَفُهُ وَأَبْعَدُهُ مِنْ الْأَذَى وَأَسْرَعُهُ انْهِضَامًا . وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : أَنّهُ كَانَ يُعْجِبُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَحْمُ الظّهْرِ كَثِيرُ الْغِذَاءِ يُوَلّدُ دَمًا مَحْمُودًا . وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " مَرْفُوعًا : أَطْيَبُ اللّحْمِ لَحْمُ الظّهْر [ لَحْمُ الْمَعْزِ ] لَحْمُ الْمَعْزِ قَلِيلُ الْحَرَارَةِ يَابِسٌ وَخَلْطُهُ الْمُتَوَلّدُ مِنْهُ لَيْسَ بِفَاضِلٍ وَلَيْسَ بِجَيّدِ الْهَضْمِ وَلَا مَحْمُودِ الْغِذَاءِ . وَلَحْمُ التّيْسِ رَدِيءٌ مُطْلَقًا شَدِيدُ الْيُبْسِ عَسِرُ الِانْهِضَامِ مُوَلّدٌ لِلْخَلْطِ السّوْدَاوِيّ . قَالَ الْجَاحِظُ : قَالَ لِي فَاضِلٌ مِنْ الْأَطِبّاءِ يَا أَبَا عُثْمَانَ إيّاكَ وَلَحْمَ الْمَعْزِ فَإِنّهُ يُورِثُ الْغَمّ وَيُحَرّكُ السّوْدَاءَ وَيُورِثُ النّسْيَانَ وَيُفْسِدُ الدّمَ وَهُوَ وَاَللّهِ يَخْبِلُ الْأَوْلَادَ . وَقَالَ بَعْضُ الْأَطِبّاءِ إنّمَا الْمَذْمُومُ مِنْهُ الْمُسِنّ وَلَا سِيّمَا لِلْمُسِنّينَ وَلَا رَدَاءَةَ [ ص 343 ] وَجَالِينُوسُ جَعَلَ الْحَوْلِيّ مِنْهُ مِنْ الْأَغْذِيَةِ الْمُعْتَدِلَةِ الْمُعَدّلَةِ للكيموس الْمَحْمُودِ وَإِنَاثُهُ أَنْفَعُ مِنْ ذُكُورِهِ . وَقَدْ رَوَى النّسَائِيّ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَحْسِنُوا إلَى الْمَاعِزِ وَأَمِيطُوا عَنْهَا الْأَذَى فَإِنّهَا مِنْ دَوَابّ الْجَنّةِ وَفِي ثُبُوتِ هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ . وَحُكْمُ الْأَطِبّاءِ عَلَيْهِ بِالْمَضَرّةِ حُكْمٌ جُزْئِيّ لَيْسَ بِكُلّيّ عَامّ وَهُوَ بِحَسَبِ الْمَعِدَةِ الضّعِيفَةِ وَالْأَمْزِجَةِ الضّعِيفَةِ الّتِي لَمْ تَعْتَدْهُ وَاعْتَادَتْ الْمَأْكُولَاتِ اللّطِيفَةَ وَهَؤُلَاءِ أَهْلُ الرّفَاهِيَةِ مِنْ أَهْلِ الْمُدُنِ وَهُمْ الْقَلِيلُونَ مِنْ النّاسِ . [ لَحْمُ الْجَدْي ]ِ لَحْمُ الْجَدْيِ قَرِيبٌ إلَى الِاعْتِدَالِ خَاصّةً مَا دَامَ رَضِيعًا وَلَمْ يَكُنْ قَرِيبَ الْعَهْدِ بِالْوِلَادَةِ وَهُوَ أَسْرَعُ هَضْمًا لِمَا فِيهِ مِنْ قُوّةِ اللّبَنِ مُلَيّنٌ لِلطّبْعِ مُوَافِقٍ لِأَكْثَرِ النّاسِ فِي أَكْثَرِ الْأَحْوَالِ وَهُوَ أَلْطَفُ مِنْ لَحْمِ الْجَمَلِ وَالدّمُ الْمُتَوَلّدُ عَنْهُ مُعْتَدِلٌ . [ لَحْمُ الْبَقَر ]ِ لَحْمُ الْبَقَرِ بَارِدٌ يَابِسٌ عَسِرُ الِانْهِضَامِ بَطِيءُ الِانْحِدَارِ يُوَلّدُ دَمًا سَوْدَاوِيّا لَا يَصْلُحُ إلّا لِأَهْلِ الْكَدّ وَالتّعَبِ الشّدِيدِ وَيُورِثُ إدْمَانُهُ الْأَمْرَاضَ السّوْدَاوِيّةَ كَالْبَهَقِ وَالْجَرَبِ وَالْقُوبَاءِ وَالْجُذَامِ وَدَاءِ الْفِيلِ وَالسّرَطَانِ وَالْوَسْوَاسِ وَحُمّى الرّبْعِ وَكَثِيرٍ مِنْ الْأَوْرَامِ وَهَذَا لِمَنْ لَمْ يَعْتَدْهُ أَوْ لَمْ يَدْفَعْ ضَرَرَهُ بِالْفُلْفُلِ وَالثّومِ والدارصيني وَالزّنْجَبِيلِ وَنَحْوِهِ وَذَكَرُهُ أَقَلّ بُرُودَةً وَأُنْثَاهُ أَقَلّ يُبْسًا . وَلَحْمُ الْعِجْلِ وَلَا سِيّمَا السّمِينُ مِنْ أَعْدَلِ الْأَغْذِيَةِ وَأَطْيَبِهَا وَأَلَذّهَا وَأَحْمَدِهَا وَهُوَ حَارّ رَطْبٌ وَإِذَا انْهَضَمَ غَذّى غِذَاءً قَوِيّا . [ لَحْمُ الْفَرَسِ ] لَحْمُ الْفَرَسِ : ثَبَتَ فِي " الصّحِيحِ " عَنْ أَسْمَاءَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ نَحَرْنَا فَرَسًا فَأَكَلْنَاهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ أَذِنَ فِي لُحُومِ الْخَيْلِ وَنَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُر [ ص 344 ] أَخْرَجَاهُ فِي " الصّحِيحَيْنِ " . وَلَا يَثْبُتُ عَنْهُ حَدِيثُ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِي كَرِبَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - أَنّهُ نَهَى عَنْهُ . قَالَهُ أَبُو دَاوُدَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ . [ سَبَبُ اقْتِرَانِ الْخَيْلِ مَعَ الْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ فِي الْقُرْآنِ ] وَاقْتِرَانُهُ بِالْبِغَالِ وَالْحَمِيرِ فِي الْقُرْآنِ لَا يَدُلّ عَلَى أَنّ حُكْمَ لَحْمِهِ حُكْمُ لُحُومِهَا بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ كَمَا لَا يَدُلّ عَلَى أَنّ حُكْمَهَا فِي السّهْمِ فِي الْغَنِيمَةِ حُكْمُ الْفَرَسِ وَاَللّهُ سُبْحَانَهُ يَقْرِنُ فِي الذّكْرِ بَيْنَ الْمُتَمَاثِلَاتِ تَارَةً وَبَيْنَ الْمُخْتَلِفَاتِ وَبَيْنَ الْمُتَضَادّاتِ وَلَيْسَ فِي قَوْلِهِ { لِتَرْكَبُوهَا } [ النّحْلُ 8 ] مَا يَمْنَعُ مِنْ أَكْلِهَا كَمَا لَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ مِنْ غَيْرِ الرّكُوبِ مِنْ وُجُوهِ الِانْتِفَاعِ وَإِنّمَا نَصّ عَلَى أَجَلّ مَنَافِعِهَا وَهُوَ الرّكُوبُ وَالْحَدِيثَانِ فِي حِلّهَا صَحِيحَانِ لَا مُعَارِضَ لَهُمَا وَبَعْدُ فَلَحْمُهَا حَارّ يَابِسٌ غَلِيظٌ سَوْدَاوِيّ مُضِرّ لَا يَصْلُحُ لِلْأَبْدَانِ اللّطِيفَةِ . [ لَحْمُ الْجَمَلِ ] لَحْمُ الْجَمَلِ فَرْقَ مَا بَيْنَ الرّافِضَةِ وَأَهْلِ السّنّةِ كَمَا أَنّهُ أَحَدُ الْفُرُوقِ بَيْنَ الْيَهُودِ وَأَهْلِ الْإِسْلَامِ فَالْيَهُودُ وَالرّافِضَةُ تَذُمّهُ وَلَا تَأْكُلُهُ وَقَدْ عُلِمَ بِالِاضْطِرَارِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ حِلّهُ وَطَالَمَا أَكَلَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ حَضَرًا وَسَفَرًا . [ عِلّةُ الْوُضُوءِ مَنْ أَكْلِ لَحْمِ الْجَمَل ِ ] وَلَحْمِ الْفَصِيلِ مِنْهُ مِنْ أَلَذّ اللّحُومِ وَأَطْيَبِهَا وَأَقْوَاهَا غِذَاءً وَهُوَ لِمَنْ اعْتَادَهُ بِمَنْزِلَةِ لَحْمِ الضّأْنِ لَا يَضُرّهُمْ الْبَتّةَ وَلَا يُوَلّدُ لَهُمْ دَاءً وَإِنّمَا ذَمّهُ بَعْضُ الْأَطِبّاءِ بِالنّسْبَةِ إلَى أَهْلِ الرّفَاهِيَةِ مِنْ أَهْلِ الْحَضَرِ الّذِينَ لَمْ يَعْتَادُوهُ فَإِنّ فِيهِ حَرَارَةً وَيُبْسًا وَتَوْلِيدًا لِلسّوْدَاءِ وَهُوَ عَسِرُ الِانْهِضَامِ وَفِيهِ قُوّةٌ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ لِأَجْلِهَا أَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْوُضُوءِ مِنْ أَكْلِهِ فِي حَدِيثَيْنِ صَحِيحَيْنِ لَا مُعَارِضَ لَهُمَا وَلَا يَصِحّ تَأْوِيلُهُمَا بِغَسْلِ الْيَدِ لِأَنّهُ خِلَافُ الْمَعْهُودِ مِنْ الْوُضُوءِ فِي كَلَامِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِتَفْرِيقِهِ [ ص 345 ] مَنْ مَسّ فَرْجَهُ فَلْيَتَوَضّأْ وَأَيْضًا : فَإِنّ آكِلَهَا قَدْ لَا يُبَاشِرُ أَكْلَهَا بِيَدِهِ بِأَنْ يُوضَعَ فِي فَمِهِ فَإِنْ كَانَ وُضُوءُهُ غَسْلَ يَدِهِ فَهُوَ عَبَثٌ وَحَمْلٌ لِكَلَامِ الشّارِعِ عَلَى غَيْرِ مَعْهُودِهِ وَعُرْفِهِ وَلَا يَصِحّ مُعَارَضَتُهُ بِحَدِيثٍ كَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمّا مَسّتْ النّارُ لِعِدّةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا : أَنّ هَذَا عَامّ وَالْأَمْرُ بِالْوُضُوءِ مِنْهَا خَاصّ . الثّانِي : أَنّ الْجِهَةَ مُخْتَلِفَةٌ فَالْأَمْرُ بِالْوُضُوءِ مِنْهَا بِجِهَةِ كَوْنِهَا لَحْمَ إبِلٍ سَوَاءٌ كَانَ نِيئًا أَوْ مَطْبُوخًا أَوْ قَدِيدًا وَلَا تَأْثِيرَ لِلنّارِ فِي الْوُضُوءِ وَأَمّا تَرْكُ الْوُضُوءِ مِمّا مَسّتْ النّارُ فَفِيهِ بَيَانُ أَنّ مَسّ النّارِ لَيْسَ بِسَبَبٍ لِلْوُضُوءِ فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ ؟ هَذَا فِيهِ إثْبَاتُ سَبَبِ الْوُضُوءِ وَهُوَ كَوْنُهُ لَحْمَ إبِلٍ وَهَذَا فِيهِ نَفْيٌ لِسَبَبِ الْوُضُوءِ وَهُوَ كَوْنُهُ مَمْسُوسَ النّارِ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ . الثّالِثُ أَنّ هَذَا لَيْسَ فِيهِ حِكَايَةَ لَفْظٍ عَامّ عَنْ صَاحِبِ الشّرْعِ وَإِنّمَا هُوَ إخْبَارٌ عَنْ وَاقِعَةِ فِعْلٍ فِي أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا مُتَقَدّمٌ عَلَى الْآخَرِ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ مُبَيّنًا فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ أَنّهُمْ قَرّبُوا إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَحْمًا فَأَكَلَ ثُمّ حَضَرَتْ [ ص 346 ] فَتَوَضّأَ فَصَلّى ثُمّ قَرّبُوا إلَيْهِ فَأَكَلَ ثُمّ صَلّى وَلَمْ يَتَوَضّأْ فَكَانَ آخِرُ الْأَمْرَيْنِ مِنْهُ تَرْكَ الْوُضُوءِ مِمّا مَسّتْ النّارُ هَكَذَا جَاءَ الْحَدِيثُ فَاخْتَصَرَهُ الرّاوِي لِمَكَانِ الِاسْتِدْلَالِ فَأَيْنَ فِي هَذَا مَا يَصْلُحُ لِنَسْخِ الْأَمْرِ بِالْوُضُوءِ مِنْهُ حَتّى لَوْ كَانَ لَفْظًا عَامّا مُتَأَخّرًا مُقَاوِمًا لَمْ يَصْلُحْ لِلنّسْخِ وَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْخَاصّ عَلَيْهِ وَهَذَا فِي غَايَةِ الظّهُورِ . [ لَحْمُ الضّبّ ] لَحْمُ الضّبّ تَقَدّمَ الْحَدِيثُ فِي حِلّهِ وَلَحْمُهُ حَارّ يَابِسٌ يُقَوّي شَهْوَةَ الْجِمَاعِ . [ لَحْمُ الْغَزَالِ ] لَحْمُ الْغَزَالِ الْغَزَالُ أَصْلَحُ الصّيْدِ وَأَحْمَدُهُ لَحْمًا وَهُوَ حَارّ يَابِسٌ وَقِيلَ مُعْتَدِلٌ جِدّا نَافِعٌ لِلْأَبْدَانِ الْمُعْتَدِلَةِ الصّحِيحَةِ وَجَيّدُهُ الْخِشْفُ . [ لَحْمُ الظّبْيِ ] لَحْمُ الظّبْيِ حَارّ يَابِسٌ فِي الْأَوْلَى مُجَفّفٌ لِلْبَدَنِ صَالِحٌ لِلْأَبْدَانِ الرّطْبَةِ . قَالَ صَاحِبُ " الْقَانُونِ " : وَأَفْضَلُ لُحُومِ الْوَحْشِ لَحْمُ الظّبْيِ مَعَ مَيْلِهِ إلَى السّوْدَاوِيّةِ . [ لَحْمُ الْأَرَانِبِ ] لَحْمُ الْأَرَانِبِ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ أَنْفَجْنَا أَرْنَبًا فَسَعَوْا فِي طَلَبِهَا فَأَخَذُوهَا فَبَعَثَ أَبُو طَلْحَةَ بِوَرِكِهَا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَبِلَهُ لَحْمُ الْأَرْنَبِ مُعْتَدِلٌ إلَى الْحَرَارَةِ وَالْيُبُوسَةِ وَأَطْيَبُهَا وَرِكُهَا وَأَحْمَدُهُ أَكْلُ لَحْمِهَا مَشْوِيّا وَهُوَ يُعْقِلُ الْبَطْنَ وَيُدِرّ الْبَوْلَ وَيُفَتّتُ الْحَصَى وَأَكْلُ رُءُوسِهَا يَنْفَعُ مِنْ الرّعْشَةِ . [ لَحْمُ حِمَارِ الْوَحْشِ ] لَحْمُ حِمَارِ الْوَحْشِ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَة َ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُمْ كَانُوا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي بَعْضِ عُمْرِهِ وَأَنّهُ صَادَ حِمَارَ وَحْشٍ فَأَمَرَهُمْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِأَكْلِهِ [ ص 347 ] وَكَانُوا مُحْرِمِينَ وَلَمْ يَكُنْ أَبُو قَتَادَةَ مُحْرِمًا . وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " : عَنْ جَابِرٍ قَالَ أَكَلْنَا زَمَنَ خَيْبَرَ الْخَيْلَ وَحُمُرَ الْوَحْشِ [ لَحْمُ الْوُحُوشِ ] لَحْمُهُ حَارّ يَابِسٌ كَثِيرُ التّغْذِيَةِ مُوَلّدٌ دَمًا غَلِيظًا سَوْدَاوِيّا إلّا أَنّ شَحْمَهُ نَافِعٌ مَعَ دُهْنِ الْقُسْطِ لِوَجَعِ الظّهْرِ وَالرّيحِ الْغَلِيظَةِ الْمُرْخِيَةِ لِلْكُلَى وَشَحْمُهُ جَيّدٌ لِلْكَلَفِ طِلَاءً وَبِالْجُمْلَةِ فَلُحُومُ الْوُحُوشِ كُلّهَا تُوَلّدُ دَمًا غَلِيظًا سَوْدَاوِيّا وَأَحْمَدُهُ الْغَزَالُ وَبَعْدَهُ الْأَرْنَبُ . [ لُحُومُ الْأَجِنّةِ وَحُكْمُ أَكْلِهَا ] لُحُومُ الْأَجِنّةِ غَيْرُ مَحْمُودَةٍ لِاحْتِقَانِ الدّمِ فِيهَا وَلَيْسَتْ بِحَرَامٍ لِقَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمّهِ وَمَنَعَ أَهْلُ الْعِرَاقِ مِنْ أَكْلِهِ إلّا أَنْ يُدْرِكَهُ حَيّا فَيُذَكّيَهُ وَأَوّلُوا الْحَدِيثَ عَلَى أَنّ الْمُرَادَ بِهِ أَنّ ذَكَاتَهُ كَذَكَاةِ أُمّهِ . قَالُوا : فَهُوَ حُجّةٌ عَلَى التّحْرِيمِ وَهَذَا فَاسِدٌ فَإِنّ أَوّلَ الْحَدِيثِ أَنّهُمْ سَأَلُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ نَذْبَحُ الشّاةَ فَنَجِدُ فِي بَطْنِهَا جَنِينًا أَفَنَأْكُلُهُ ؟ فَقَالَ " كُلُوهُ إنْ شِئْتُمْ فَإِنّ ذَكَاتَهُ ذَكَاةُ أُمّهِ وَأَيْضًا : فَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي حِلّهُ فَإِنّهُ مَا دَامَ حَمْلًا فَهُوَ جُزْءٌ مِنْ أَجْزَاءِ الْأُمّ فَذَكَاتُهَا ذَكَاةٌ لِجَمِيعِ أَجْزَائِهَا وَهَذَا هُوَ الّذِي أَشَارَ إلَيْهِ صَاحِبُ الشّرْعِ [ ص 348 ] سَائِرِ أَجْزَائِهَا فَلَوْ لَمْ تَأْتِ عَنْهُ السّنّةُ الصّرِيحَةُ بِأَكْلِهِ لَكَانَ الْقِيَاسُ الصّحِيحُ يَقْتَضِي حِلّهُ . [ لَحْمُ الْقَدِيدِ ] لَحْمُ الْقَدِيدِ فِي " السّنَنِ " مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ ذَبَحْت لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَاةً وَنَحْنُ مُسَافِرُونَ فَقَالَ " أَصْلِحْ لَحْمَهَا " فَلَمْ أَزَلْ أُطْعِمُهُ مِنْهُ إلَى الْمَدِينَةِ الْقَدِيدُ أَنْفَعُ مِنْ النمكسود وَيُقَوّي الْأَبْدَانَ وَيُحْدِثُ حَكّةً وَدَفْعُ ضَرَرِهِ بِالْأَبَازِيرِ الْبَارِدَةِ الرّطْبَةِ وَيُصْلِحُ الْأَمْزِجَةَ الْحَارّةَ والنمكسود : حَارّ يَابِسٌ مُجَفّفٌ جَيّدُهُ مِنْ السّمِينِ الرّطْبِ يَضُرّ بِالْقُولَنْجِ وَدَفْعُ مَضَرّتِهِ طَبْخُهُ باللبن والدهن، ويصلح للمزاج الحار الرطب . فَصْلٌ فِي لُحُومِ الطّيْر قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمّا يَشْتَهُونَ } [ الْوَاقِعَةُ 21 ] . وَفِي " مُسْنَدِ الْبَزّارِ " وَغَيْرِهِ مَرْفُوعًا إنّكَ لَتَنْظُرُ إلَى الطّيْرِ فِي الْجَنّةِ فَتَشْتَهِيهِ فَيَخِرّ مَشْوِيّا بَيْنَ يَدَيْكَ [ الْحَرَامُ مِنْ الطّيُور ]ِ وَمِنْهُ حَلَالٌ وَمِنْهُ حَرَامٌ . فَالْحَرَامُ ذُو الْمِخْلَبِ كَالصّقْرِ وَالْبَازِي [ ص 349 ] وَالشّاهِينِ وَمَا يَأْكُلُ الْجِيَفَ كَالنّسْرِ وَالرّخَمِ وَاللّقْلَقِ وَالْعَقْعَقِ وَالْغُرَابِ الْأَبْقَعِ وَالْأَسْوَدِ الْكَبِيرِ وَمَا نُهِيَ عَنْ قَتْلِهِ كَالْهُدْهُدِ وَالصّرَدِ وَمَا أُمِرَ بِقَتْلِهِ كَالْحِدَأَةِ وَالْغُرَابِ . [ لَحْمُ الدّجَاجِ ] وَالْحَلَالُ أَصْنَافٌ كَثِيرَةٌ فَمِنْهُ الدّجَاجُ فَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَكَلَ لَحْمَ الدّجَاجِ وَهُوَ حَارّ رَطْبٌ فِي الْأَوْلَى خَفِيفٌ عَلَى الْمَعِدَةِ سَرِيعُ الْهَضْمِ جَيّدُ الْخَلْطِ يَزِيدُ فِي الدّمَاغِ وَالْمَنِيّ وَيُصَفّي الصّوْتَ وَيُحَسّنُ اللّوْنَ وَيُقَوّي الْعَقْلَ وَيُوَلّدُ دَمًا جَيّدًا وَهُوَ مَائِلٌ إلَى الرّطُوبَةِ وَيُقَالُ إنّ مُدَاوَمَةَ أَكْلِهِ تُورِثُ النّقْرِسُ وَلَا يَثْبُتُ ذَلِكَ . [ لَحْمُ الدّيكِ ] وَلَحْمُ الدّيكِ أَسْخَنُ مِزَاجًا وَأَقَلّ رُطُوبَةً وَالْعَتِيقُ مِنْهُ دَوَاءٌ يَنْفَعُ الْقُولَنْجَ وَالرّبْوَ وَالرّيَاحَ الْغَلِيظَةَ إذَا طُبِخَ بِمَاءِ الْقُرْطُمِ وَالشّبْثِ وَخَصِيّهَا مَحْمُودُ الْغِذَاءِ سَرِيعُ الِانْهِضَامِ وَالْفَرَارِيجُ سَرِيعَةُ الْهَضْمِ مُلَيّنَةٌ لِلطّبْعِ وَالدّمُ الْمُتَوَلّدُ مِنْهَا دَمٌ لَطِيفٌ جَيّدٌ . [ لَحْمُ الدّرّاجِ ] لَحْمُ الدّرّاجِ حَارّ يَابِسٌ فِي الثّانِيَةِ خَفِيفٌ لَطِيفٌ سَرِيعُ الِانْهِضَامِ مُوَلّدٌ لِلدّمِ الْمُعْتَدِلِ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ يُحِدّ الْبَصَرَ . [ لَحْمُ الْحَجَلِ ] لَحْمُ الْحَجَلِ يُوَلّدُ الدّمَ الْجَيّدَ سَرِيعُ الِانْهِضَامِ . لَحْمُ الْإِوَزّ لَحْمُ الْإِوَزّ . حَارّ يَابِسٌ رَدِيءُ الْغِذَاءِ إذَا اُعْتِيدَ وَلَيْسَ بِكَثِيرِ الْفُضُولِ . [ لَحْمُ الْبَطّ ] لَحْمُ الْبَطّ حَارّ رَطْبٌ كَثِيرُ الْفُضُولِ عَسِرُ الِانْهِضَامِ غَيْرُ مُوَافِقٍ لِلْمَعِدَةِ . [ لَحْمُ الْحُبَارَى ] لَحْمُ الْحُبَارَى : فِي " السّنَنِ " . مِنْ حَدِيثِ بُرَيْهِ بْنَ عُمَرَ بْنِ سَفِينَةَ عَنْ أَبِيهِ [ ص 350 ] جَدّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ أَكَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَحْمَ حُبَارَى وَهُوَ حَارّ يَابِسٌ عَسِرُ الِانْهِضَامِ نَافِعٌ لِأَصْحَابِ الرّيَاضَةِ وَالتّعَبِ . [ لَحْمُ الْكُرْكِيّ ] لَحْمُ الْكُرْكِيّ يَابِسٌ خَفِيفٌ وَفِي حَرّهِ وَبَرْدِهِ خِلَافٌ يُوَلّدُ دَمًا سَوْدَاوِيّا وَيَصْلُحُ لِأَصْحَابِ الْكَدّ وَالتّعَبِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُتْرَكَ بَعْدَ ذَبْحِهِ يَوْمًا أَوْ يَوْمَيْنِ ثُمّ يُؤْكَلُ . [ لَحْمُ الْعَصَافِيرِ وَالْقَنَابِر ]ِ لَحْمُ الْعَصَافِيرِ وَالْقَنَابِرِ رَوَى النّسَائِيّ فِي " سُنَنِهِ " : مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ مَا مِنْ إنْسَانٍ يَقْتُلُ عُصْفُورًا فَمَا فَوْقَهُ بِغَيْرِ حَقّهِ إلّا سَأَلَهُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ عَنْهَا . قِيلَ يَا رَسُولَ اللّهِ وَمَا حَقّهُ ؟ قَالَ " تَذْبَحُهُ فَتَأْكُلَهُ وَلَا تَقْطَعُ رَأْسَهُ وَتَرْمِي بِهِ وَفِي " سُنَنِهِ " أَيْضًا : عَنْ عَمْرِو بْنِ الشّرِيدِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ مَنْ قَتَلَ عُصْفُورًا عَبَثًا عَجّ إلَى اللّهِ يَقُولُ يَا رَبّ إنّ فُلَانًا قَتَلَنِي عَبَثًا وَلَمْ يَقْتُلْنِي لِمَنْفَعَة وَلَحْمُهُ حَارّ يَابِسٌ عَاقِلٌ لِلطّبِيعَةِ يَزِيدُ فِي الْبَاهِ وَمَرَقُهُ يُلَيّنُ الطّبْعَ وَيَنْفَعُ الْمَفَاصِلَ وَإِذَا أُكِلَتْ أَدْمِغَتُهَا بِالزّنْجَبِيلِ وَالْبَصَلِ هَيّجَتْ شَهْوَةَ الْجِمَاعِ وَخَلْطُهَا غَيْرُ مَحْمُودٍ . [ لَحْمُ الْحَمَامِ ] [ ص 351 ] وَحَشْيُهُ أَقَلّ رُطُوبَةً وَفِرَاخُهُ أَرْطَبُ خَاصّيّةً وَمَا رُبّيَ فِي الدّورِ وَنَاهِضُهُ أَخَفّ لَحْمًا وَأَحْمَدُ غِذَاءً وَلَحْمُ ذُكُورِهَا شِفَاءٌ مِنْ الِاسْتِرْخَاءِ وَالْخَدَرِ وَالسّكْتَةِ وَالرّعْشَةِ وَكَذَلِكَ شَمّ رَائِحَةِ أَنْفَاسِهَا وَأَكْلُ فِرَاخِهَا مُعِينٌ عَلَى النّسَاءِ وَهُوَ جَيّدٌ لِلْكُلَى يَزِيدُ فِي الدّمِ وَقَدْ رُوِيَ فِيهَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ لَا أَصْلَ لَهُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ رَجُلًا شَكَا إلَيْهِ الْوِحْدَةَ فَقَالَ " اتّخِذْ زَوْجًا مِنْ الْحَمَامِ " . وَأَجْوَدُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَأَى رَجُلًا يَتْبَعُ حَمَامَةً فَقَالَ شَيْطَانٌ يَتْبَعُ شَيْطَانَةً وَكَانَ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فِي خُطْبَتِهِ يَأْمُرُ بِقَتْلِ الْكِلَابِ وَذَبْحِ الْحَمَامِ . [ لَحْمُ الْقَطَا ] لَحْمُ الْقَطَا : يَابِسٌ يُوَلّدُ السّوْدَاءَ وَيَحْبِسُ الطّبْعَ وَهُوَ مِنْ شَرّ الْغِذَاءِ إلّا أَنّهُ يَنْفَعُ مِنْ الِاسْتِسْقَاءِ . [ لَحْمُ السّمَانَى ] لَحْمُ السّمَانَى : حَارّ يَابِسٌ يَنْفَعُ الْمَفَاصِلَ وَيَضُرّ بِالْكَبِدِ الْحَارّ وَدَفْعُ مَضَرّتِهِ بِالْخَلّ وَالْكُسْفُرَةِ وَيَنْبَغِي أَنْ يُجْتَنَبَ مِنْ لُحُومِ الطّيْرِ مَا كَانَ فِي الْآجَامِ وَالْمَوَاضِعِ الْعَفِنَةِ وَلُحُومُ الطّيْرِ كُلّهَا أَسْرَعُ انْهِضَامًا مِنْ الْمَوَاشِي وَأَسْرَعُهَا انْهِضَامًا أَقَلّهَا غِذَاءً وَهِيَ الرّقَابُ وَالْأَجْنِحَةُ وَأَدْمِغَتُهَا أَحْمَدُ مِنْ أَدْمِغَةِ الْمَوَاشِي . الْجَرَادُ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ غَزَوْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَبْعَ غَزَوَاتٍ نَأْكُلُ الْجَرَادَ [ ص 352 ] أُحِلّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ : الْحُوتُ وَالْجَرَادُ وَالْكَبِدُ وَالطّحَالُ يُرْوَى مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا عَلَى ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ . وَهُوَ حَارّ يَابِسٌ قَلِيلُ الْغِذَاءِ وَإِدَامَةُ أَكْلِهِ تُورِثُ الْهُزَالَ وَإِذَا تُبُخّرَ بِهِ نَفَعَ مِنْ تَقْطِيرِ الْبَوْلِ وَعُسْرِهِ وَخُصُوصًا لِلنّسَاءِ وَيُتَبَخّرُ بِهِ لِلْبَوَاسِيرِ وَسِمَانُهُ يُشْوَى وَيُؤْكَلُ لِلَسْعِ الْعَقْرَبِ وَهُوَ ضَارّ لِأَصْحَابِ الصّرْعِ رَدِيءُ الْخَلْطِ وَفِي إبَاحَةِ مَيْتَتِهِ بِلَا سَبَبٍ قَوْلَانِ فَالْجُمْهُورُ عَلَى حِلّهِ وَحَرّمَهُ مَالِكٌ وَلَا خِلَافَ فِي إبَاحَةِ مَيْتَتِهِ إذَا مَاتَ بِسَبَبٍ كَالْكَبْسِ وَالتّحْرِيقِ وَنَحْوِهِ . فَصْلٌ [ ضَرَرُ الْمُدَاوَمَةِ عَلَى اللّحْمِ ] وَيَنْبَغِي أَنْ لَا يُدَاوَمَ عَلَى أَكْلِ اللّحْمِ فَإِنّهُ يُورِثُ الْأَمْرَاضَ الدّمَوِيّةَ والِامتِلائيّة وَالْحُمّيّاتِ الْحَادّةِ وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إيّاكُمْ وَاللّحْمَ فَإِنّ لَهُ ضَرَاوَةً كَضَرَاوَةِ الْخَمْرِ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي " الْمُوَطّأِ " عَنْهُ . وَقَالَ أبقراط لا تجعلوا أجوافكم مقبرة للحيوان. [ اللبن ] قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { وَإِنّ لَكُمْ فِي الْأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُسْقِيكُمْ مِمّا فِي بُطُونِهِ مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشّارِبِينَ } [ النّحْلُ 66 ] وَقَالَ فِي الْجَنّةِ { فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيّرْ طَعْمُهُ } [ مُحَمّد : 15 ] . وَفِي " السّنَنِ " مَرْفُوعًا : مَنْ أَطْعَمَهُ اللّهُ طَعَامًا فَلْيَقُلْ اللّهُمّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَارْزُقْنَا خَيْرًا مِنْهُ وَمَنْ سَقَاهُ اللّهُ لَبَنًا فَلْيَقُلْ اللّهُمّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ فَإِنّي لَا أَعْلَمُ مَا يُجْزِئُ مِنْ الطّعَامِ وَالشّرَابِ إلّا اللّبَنَ [ ص 353 ] كَانَ بَسِيطًا فِي الْحِسّ إلّا أَنّهُ مُرَكّبٌ فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ تَرْكِيبًا طَبِيعِيّا مِنْ جَوَاهِرَ ثَلَاثَةٍ الْجُبْنِيّةُ وَالسّمْنِيّةُ وَالْمَائِيّةُ ، فَالْجُبْنِيّةُ بَارِدَةٌ رَطْبَةٌ مُغَذّيَةٌ لِلْبَدَنِ ، وَالسّمْنِيّةُ مُعْتَدِلَةُ الْحَرَارَةِ وَالرّطُوبَةِ مُلَائِمَةٌ لِلْبَدَنِ الْإِنْسَانِيّ الصّحِيحِ كَثِيرَةُ الْمَنَافِعِ وَالْمَائِيّةُ حَارّةٌ رَطْبَةٌ مُطْلِقَةٌ لِلطّبِيعَةِ مُرَطّبَةٌ لِلْبَدَنِ وَاللّبَنُ عَلَى الْإِطْلَاقِ أَبْرَدُ وَأَرْطَبُ مِنْ الْمُعْتَدِلِ . وَقِيلَ قُوّتُهُ عِنْدَ حَلْبِهِ الْحَرَارَةُ وَالرّطُوبَةُ وَقِيلَ مُعْتَدِلٌ فِي الْحَرَارَةِ وَالْبُرُودَةِ . وَأَجْوَدُ مَا يَكُونُ اللّبَنُ حِينَ يُحْلَبُ ثُمّ لَا يَزَالُ تَنْقُصُ جَوْدَتُهُ عَلَى مَمَرّ السّاعَاتِ فَيَكُونُ حِينَ يُحْلَبُ أَقَلّ بُرُودَةً وَأَكْثَرَ رُطُوبَةً وَالْحَامِضُ بِالْعَكْسِ وَيُخْتَارُ اللّبَنُ بَعْدَ الْوِلَادَةِ بِأَرْبَعِينَ يَوْمًا وَأَجْوَدُهُ مَا اشْتَدّ بَيَاضُهُ وَطَابَ رِيحُهُ وَلَذّ طَعْمُهُ وَكَانَ فِيهِ حَلَاوَةٌ يَسِيرَةٌ وَدُسُومَةٌ مُعْتَدِلَةٌ وَاعْتَدَلَ قِوَامُهُ فِي الرّقّةِ وَالْغِلَظِ وَحُلِبَ مِنْ حَيَوَانٍ فَتِيّ صَحِيحٍ مُعْتَدِلِ اللّحْمِ مَحْمُودِ الْمَرْعَى وَالْمَشْرَبِ . وَهُوَ مَحْمُودٌ يُوَلّدُ دَمًا جَيّدًا وَيُرَطّبُ الْبَدَنَ الْيَابِسَ وَيَغْذُو غِذَاءً حَسَنًا وَيَنْفَعُ مِنْ الْوَسْوَاسِ وَالْغَمّ وَالْأَمْرَاضِ السّوْدَاوِيّةِ وَإِذَا شُرِبَ مَعَ الْعَسَلِ نَقّى الْقُرُوحَ الْبَاطِنَةَ مِنْ الْأَخْلَاطِ الْعَفِنَةِ وَشُرْبُهُ مَعَ السّكّرِ يُحَسّنُ اللّوْنَ جِدّا وَالْحَلِيبُ يَتَدَارَكُ ضَرَرَ الْجِمَاعِ وَيُوَافِقُ الصّدْرَ وَالرّئَةَ جَيّدٌ لِأَصْحَابِ السّلّ رَدِيءٌ لِلرّأْسِ وَالْمَعِدَةِ وَالْكَبِدِ وَالطّحَالِ وَالْإِكْثَارُ مِنْهُ مُضِرّ بِالْأَسْنَانِ وَاللّثَةِ وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُتَمَضْمَضَ بَعْدَهُ بِالْمَاءِ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَرِبَ لَبَنًا ثُمّ دَعَا بِمَاءٍ فَتَمَضْمَضَ وَقَالَ إنّ لَهُ دَسَمًا [ ص 354 ] وَالْغِشَاءَ وَوَجَعَ الْمَفَاصِلِ وَسُدّةَ الْكَبِدِ وَالنّفْخَ فِي الْمَعِدَةِ وَالْأَحْشَاءِ وَإِصْلَاحُهُ بِالْعَسَلِ وَالزّنْجَبِيلِ الْمُرَبّى وَنَحْوِهِ وَهَذَا كُلّهُ لِمَنْ لَمْ يَعْتَدْهُ . [ لَبَنُ الضّأْنِ ] لَبَنُ الضّأْنِ أَغْلَظُ الْأَلْبَانِ وَأَرْطَبُهَا وَفِيهِ مِنْ الدّسُومَةِ وَالزّهُومَةِ مَا لَيْسَ فِي لَبَنِ الْمَاعِزِ وَالْبَقَرِ يُوَلّدُ فُضُولًا بَلْغَمِيّا وَيُحْدِثُ فِي الْجِلْدِ بَيَاضًا إذَا أُدْمِنَ اسْتِعْمَالُهُ وَلِذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ يُشَابَ هَذَا اللّبَنَ بِالْمَاءِ لِيَكُونَ مَا نَالَ الْبَدَنَ مِنْهُ أَقَلّ وَتَسْكِينُهُ لِلْعَطَشِ أَسْرَعُ وَتَبْرِيدُهُ أَكْثَرُ . [لَبَنُ الْمَعْزِ ] لَبَنُ الْمَعْزِ لَطِيفٌ مُعْتَدِلٌ مُطْلِقٌ لِلْبَطْنِ مُرَطّبٌ لِلْبَدَنِ الْيَابِسِ نَافِعٌ مِنْ قُرُوحِ الْحَلْقِ وَالسّعَالِ الْيَابِسِ وَنَفْثِ الدّمِ . وَاللّبَنُ الْمُطْلِقُ أَنْفَعُ الْمَشْرُوبَاتِ لِلْبَدَنِ الْإِنْسَانِيّ لِمَا اجْتَمَعَ فِيهِ مِنْ التّغْذِيَةِ وَالدّمَوِيّةِ وَلِاعْتِيَادِهِ حَالَ الطّفُولِيّةُ وَمُوَافَقَتِهِ لِلْفِطْرَةِ الْأَصْلِيّةِ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُتِيَ لَيْلَةَ أُسْرِيَ بِهِ بِقَدَحٍ مِنْ خَمْرٍ وَقَدَحٍ مِنْ لَبَنٍ فَنَظَرَ إلَيْهِمَا ثُمّ أَخَذَ اللّبَنَ فَقَالَ جِبْرِيلُ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي هَدَاكَ لِلْفِطْرَةِ لَوْ أَخَذْتَ الْخَمْرَ غَوَتْ أُمّتُكَ وَالْحَامِضُ مِنْهُ بَطِيءُ الِاسْتِمْرَاءِ خَامُ الْخَلْطِ وَالْمَعِدَةُ الْحَارّةُ تَهْضِمُهُ وَتَنْتَفِعُ بِهِ . [ لَبَنُ الْبَقَرِ ] لَبَنُ الْبَقَرِ يَغْذُو الْبَدَنَ وَيُخَصّبُهُ وَيُطْلِقُ الْبَطْنَ بِاعْتِدَالٍ وَهُوَ مِنْ أَعْدَلِ الْأَلْبَانِ وَأَفْضَلِهَا بَيْنَ لَبَنِ الضّأْنِ وَلَبَنِ الْمَعْزِ فِي الرّقّةِ وَالْغِلَظِ وَالدّسَمِ وَفِي " السّنَنِ " : مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ يَرْفَعُهُ عَلَيْكُمْ بِأَلْبَانِ الْبَقَرِ [ ص 355 ] [ لَبَنُ الْإِبِلِ ] لَبَنُ الْإِبِلِ تَقَدّمَ ذِكْرُهُ فِي أَوّلِ الْفَصْلِ وَذِكْرُ مَنَافِعِهِ فَلَا حَاجَةَ لِإِعَادَتِهِ . لُبَانٌ [ بَيَانُ فَائِدَتِهِ لِطَرْدِ النّسْيَانِ ] هُوَ الْكُنْدُرُ قَدْ وَرَدَ فِيهِ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَخّرُوا بُيُوتَكُمْ بِاللّبَانِ وَالصّعْتَرِ وَلَا يَصِحّ عَنْهُ وَلَكِنْ يُرْوَى عَنْ عَلِيّ أَنّهُ قَالَ لِرَجُلٍ شَكَا إلَيْهِ النّسْيَانَ عَلَيْكَ بِاللّبَانِ فَإِنّهُ يُشَجّعُ الْقَلْبَ وَيَذْهَبُ بِالنّسْيَانِ وَيُذْكَرُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا أَنّ شُرْبَهُ مَعَ السّكّرِ عَلَى الرّيقِ جَيّدٌ لِلْبَوْلِ وَالنّسْيَانِ . وَيُذْكَرُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ شَكَا إلَيْهِ رَجُلٌ النّسْيَانَ فَقَالَ عَلَيْكَ بِالْكُنْدُرِ وَانْقَعْهُ مِنْ اللّيْلِ فَإِذَا أَصْبَحْت فَخُذْ مِنْهُ شَرْبَةً عَلَى الرّيقِ فَإِنّهُ جَيّدٌ لِلنّسْيَانِ . وَلِهَذَا سَبَبٌ طَبِيعِيّ ظَاهِرٌ فَإِنّ النّسْيَانَ إذَا كَانَ لِسُوءِ مِزَاجٍ بَارِدٍ رَطْبٍ يَغْلِبُ عَلَى الدّمَاغِ فَلَا يَحْفَظُ مَا يَنْطَبِعُ فِيهِ نَفَعَ مِنْهُ اللّبَانُ وَأَمّا إذَا كَانَ النّسْيَانُ لِغَلَبَةِ شَيْءٍ عَارِضٍ أَمْكَنَ زَوَالُهُ سَرِيعًا بِالْمُرَطّبَاتِ . وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنّ الْيُبُوسِيّ يَتْبَعُهُ سَهَرٌ وَحِفْظُ الْأُمُورِ الْمَاضِيَةِ دُونَ الْحَالِيّةِ وَالرّطُوبِيّ بِالْعَكْسِ . وَقَدْ يُحْدِثُ النّسْيَانَ أَشْيَاءَ بِالْخَاصّيّةِ كَحِجَامَةِ نُقْرَةِ الْقَفَا وَإِدْمَانِ أَكْلِ الْكُسْفُرَةِ الرّطْبَةِ وَالتّفّاحِ الْحَامِضِ وَكَثْرَةِ الْهَمّ وَالْغَمّ وَالنّظَرِ فِي الْمَاءِ الْوَاقِفِ وَالْبَوْلِ فِيهِ وَالنّظَرِ إلَى الْمَصْلُوبِ وَالْإِكْثَارِ مِنْ قِرَاءَةِ أَلْوَاحِ الْقُبُورِ وَالْمَشْيِ بَيْنَ جَمَلَيْنِ مَقْطُورَيْنِ وَإِلْقَاءِ الْقَمْلِ فِي الْحِيَاضِ وَأَكْلِ سُؤْرِ الْفَأْرِ وَأَكْثُرُ هَذَا مَعْرُوفٌ بِالتّجْرِبَةِ . [ ص 356 ] وَالْمَقْصُودُ أَنّ اللّبَانَ مُسَخّنٌ فِي الدّرَجَةِ الثّانِيَةِ وَمُجَفّفٌ فِي الْأُولَى وَفِيهِ قَبْضٌ يَسِيرٌ وَهُوَ كَثِيرُ الْمَنَافِعِ قَلِيلُ الْمَضَارّ فَمِنْ مَنَافِعِهِ أَنْ يَنْفَعَ مِنْ قَذْفِ الدّمِ وَنَزْفِهِ وَوَجَعِ الْمَعِدَةِ وَاسْتِطْلَاقِ الْبَطْنِ وَيَهْضِمُ الطّعَامَ وَيَطْرُدُ الرّيَاحَ وَيَجْلُو قُرُوحَ الْعَيْنِ وَيُنْبِتُ اللّحْمَ فِي سَائِرِ الْقُرُوحِ وَيُقَوّي الْمَعِدَةَ الضّعِيفَةَ وَيُسَخّنُهَا وَيُجَفّفُ الْبَلْغَمَ وَيُنَشّفُ رُطُوبَاتِ الصّدْرِ وَيَجْلُو ظُلْمَةَ الْبَصَرِ وَيَمْنَعُ الْقُرُوحَ الْخَبِيثَةَ مِنْ الِانْتِشَارِ وَإِذَا مُضِغَ وَحْدَهُ أَوْ مَعَ الصّعْتَرِ الْفَارِسِيّ جَلَبَ الْبَلْغَمَ وَنَفَعَ مِنْ اعْتِقَالِ اللّسَانِ وَيَزِيدُ فِي الذّهْنِ وَيُذَكّيهِ وَإِنْ بُخّرَ بِهِ مَاءٌ نَفَعَ مِنْ الْوَبَاءِ وَطَيّبَ رَائِحَةَ الْهَوَاءِ .حَرْفُ الْمِيمِ مَاءٌ مَادّةُ الْحَيَاةِ وَسَيّدُ الشّرَابِ وَأَحَدُ أَرْكَانِ الْعَالَمِ بَلْ رُكْنُهُ الْأَصْلِيّ فَإِنّ السّمَاوَاتِ خُلِقَتْ مِنْ بُخَارِهِ وَالْأَرْضَ مِنْ زَبَدِهِ وَقَدْ جَعَلَ اللّهُ مِنْهُ كُلّ شَيْءٍ حَيّ . وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ يَغْذُو أَوْ يُنْفِذُ الْغِذَاءَ فَقَطْ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَقَدْ تَقَدّمَا وَذَكَرْنَا الْقَوْلَ الرّاجِحَ وَدَلِيلَهُ . وَهُوَ بَارِدٌ رَطْبٌ يَقْمَعُ الْحَرَارَةَ وَيَحْفَظُ عَلَى الْبَدَنِ رُطُوبَاتِهِ وَيَرُدّ عَلَيْهِ بَدَلَ مَا تَحَلّلَ مِنْهُ وَيُرَقّقُ الْغِذَاءَ وَيُنْفِذُهُ فِي الْعُرُوقِ . [اخْتِبَارُ جَوْدَةِ الْمَاءِ ] وَتُعْتَبَرُ جَوْدَةُ الْمَاءِ مِنْ عَشَرَةِ طُرُقٍ أَحَدُهَا : مِنْ لَوْنِهِ بِأَنْ يَكُونَ صَافِيًا . الثّانِي : مِنْ رَائِحَتِهِ بِأَنْ لَا تَكُونَ لَهُ رَائِحَةٌ الْبَتّةَ . [ ص 357 ] يَكُونَ عَذْبَ الطّعْمِ حُلْوَهُ كَمَاءِ النّيلِ وَالْفُرَاتِ . الرّابِعُ مِنْ وَزْنِهِ بِأَنْ يَكُونَ خَفِيفًا رَقِيقَ الْقِوَامِ . الْخَامِسُ مِنْ مَجْرَاهُ . بِأَنْ يَكُونَ طَيّبَ الْمَجْرَى وَالْمَسْلَكَ . السّادِسُ مِنْ مَنْبَعِهِ بِأَنْ يَكُونَ بَعِيدَ الْمَنْبَعِ . السّابِعُ مِنْ بُرُوزِهِ لِلشّمْسِ وَالرّيحِ بِأَنْ لَا يَكُونَ مُخْتَفِيًا تَحْتَ الْأَرْضِ فَلَا تَتَمَكّنُ الشّمْسُ وَالرّيحُ مِنْ قُصَارَتِهِ . الثّامِنُ مِنْ حَرَكَتِهِ بِأَنْ يَكُونَ سَرِيعَ الْجَرْيِ وَالْحَرَكَةِ . التّاسِعُ مِنْ كَثْرَتِهِ بِأَنْ يَكُونَ لَهُ كَثْرَةٌ يَدْفَعُ الْفَضَلَاتِ الْمُخَالِطَةِ لَهُ . الْعَاشِرُ مِنْ مَصَبّهِ بِأَنْ يَكُونَ آخِذًا مِنْ الشّمَالِ إلَى الْجَنُوبِ أَوْ مِنْ الْمَغْرِبِ إلَى الْمَشْرِقِ . وَإِذَا اعْتَبَرْت هَذِهِ الْأَوْصَافَ لَمْ تَجِدْهَا بِكَمَالِهَا إلّا فِي الْأَنْهَارِ الْأَرْبَعَةِ النّيلِ وَالْفُرَاتِ وَسَيْحُونَ وَجَيْحُونَ . وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة َ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَيْحَانُ وَجَيْحَانُ وَالنّيلُ وَالْفُرَاتُ كُلّ مِنْ أَنْهَارِ الْجَنّةِ [اخْتِبَارُ خِفّةِ الْمَاءِ ] وَتُعْتَبَرُ خِفّةُ الْمَاءِ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا : سُرْعَةُ قَبُولِهِ لِلْحَرّ وَالْبَرْدِ قَالَ أبقراط : الْمَاءُ الّذِي يَسْخَنُ سَرِيعًا وَيَبْرُدُ سَرِيعًا أَخَفّ الْمِيَاهِ . الثّانِي : بِالْمِيزَانِ الثّالِثُ أَنْ تُبَلّ قُطْنَتَانِ مُتَسَاوِيَتَا الْوَزْنِ بِمَاءَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ثُمّ يُجَفّفَا بَالِغًا ثُمّ تُوزَنَا فَأَيّتُهُمَا كَانَتْ أَخَفّ فَمَاؤُهَا كَذَلِكَ . [ ص 358 ] وَالْمَاءُ وَإِنْ كَانَ فِي الْأَصْلِ بَارِدًا رَطْبًا فَإِنّ قُوّتَهُ تَنْتَقِلُ وَتَتَغَيّرُ لِأَسْبَابٍ عَارِضَةٍ تُوجِبُ انْتِقَالَهَا فَإِنّ الْمَاءَ الْمَكْشُوفَ لِلشّمَالِ الْمَسْتُورَ عَنْ الْجِهَاتِ الْأُخَرِ يَكُونُ بَارِدًا وَفِيهِ يُبْسٌ مُكْتَسَبٌ مِنْ رِيحِ الشّمَالِ وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ عَلَى سَائِرِ الْجِهَاتِ الْأُخَرِ . وَالْمَاءُ الّذِي يَنْبُعُ مِنْ الْمَعَادِنِ يَكُونُ عَلَى طَبِيعَةِ ذَلِكَ الْمَعْدِنِ وَيُؤَثّرُ فِي الْبَدَنِ تَأْثِيرَهُ وَالْمَاءُ الْعَذْبُ نَافِعٌ لِلْمَرْضَى وَالْأَصِحّاءِ وَالْبَارِدُ مِنْهُ أَنْفَعُ وَأَلَذّ وَلَا يَنْبَغِي شُرْبُهُ عَلَى الرّيقِ وَلَا عُقَيْبَ الْجِمَاعِ وَلَا الِانْتِبَاهِ مِنْ النّوْمِ وَلَا عُقَيْبَ الْحَمّامِ وَلَا عُقَيْبَ أَكْلِ الْفَاكِهَةِ وَقَدْ تَقَدّمَ . وَأَمّا عَلَى الطّعَامِ فَلَا بَأْسَ بِهِ إذَا اُضْطُرّ إلَيْهِ بَلْ يَتَعَيّنُ وَلَا يُكْثِرُ مِنْهُ بَلْ يَتَمَصّصُهُ مَصّا فَإِنّهُ لَا يَضُرّهُ الْبَتّةَ بَلْ يُقَوّي الْمَعِدَةَ وَيُنْهِضُ الشّهْوَةَ وَيُزِيلُ الْعَطَشَ . وَالْمَاءُ الْفَاتِرُ يَنْفُخُ وَيَفْعَلُ ضِدّ مَا ذَكَرْنَاهُ وَبَائِتُهُ أَجْوَدُ مِنْ طَرِيّهِ وَقَدْ تَقَدّمَ . وَالْبَارِدُ يَنْفَعُ مِنْ دَاخِلٍ أَكْثَرَ مِنْ نَفْعِهِ مِنْ خَارِجٍ وَالْحَارّ بِالْعَكْسِ وَيَنْفَعُ الْبَارِدُ مِنْ عُفُونَةِ الدّمِ وَصُعُودِ الْأَبْخِرَةِ إلَى الرّأْسِ وَيَدْفَعُ الْعُفُونَاتِ وَيُوَافِقُ الْأَمْزِجَةَ وَالْأَسْنَانَ وَالْأَزْمَانَ وَالْأَمَاكِنَ الْحَارّةَ وَيَضُرّ عَلَى كُلّ حَالَةٍ تَحْتَاجُ إلَى نُضْجٍ وَتَحْلِيلٍ كَالزّكَامِ وَالْأَوْرَامِ وَالشّدِيدُ الْبُرُودَةِ مِنْهُ يُؤْذِي الْأَسْنَانَ وَالْإِدْمَانُ عَلَيْهِ يُحْدِثُ انْفِجَارَ الدّمِ وَالنّزَلَاتِ وَأَوْجَاعَ الصّدْرِ . وَالْبَارِدُ وَالْحَارّ بِإِفْرَاطٍ ضَارّانِ لِلْعَصَبِ وَلِأَكْثَرِ الْأَعْضَاءِ لِأَنّ أَحَدَهُمَا مُحَلّلٌ وَالْآخَرُ مُكَثّفٌ وَالْمَاءُ الْحَارّ يُسَكّنُ لَذْعَ الْأَخْلَاطِ الْحَادّةِ وَيُحَلّلُ وَيُنْضِجُ وَيُخْرِجُ الْفُضُولَ وَيُرَطّبُ وَيُسَخّنُ وَيُفْسِدُ الْهَضْمَ شُرْبُهُ وَيَطْفُو بِالطّعَامِ إلَى أَعْلَى الْمَعِدَةِ وَيُرْخِيهَا وَلَا يُسْرِعُ فِي تَسْكِينِ الْعَطَشِ وَيُذْبِلُ الْبَدَنَ وَيُؤَدّي إلَى أَمْرَاضٍ رَدِيئَةٍ وَيَضُرّ فِي أَكْثَرِ الْأَمْرَاضِ عَلَى أَنّهُ صَالِحٌ لِلشّيُوخِ وَأَصْحَابِ الصّرْعِ وَالصّدَاعِ الْبَارِدِ وَالرّمَدِ . وَأَنْفَعُ مَا اُسْتُعْمِلَ مِنْ خَارِجٍ . [الْمَاءُ الْمُشَمّسُ ] وَلَا يَصِحّ فِي الْمَاءِ الْمُسَخّنِ بِالشّمْسِ حَدِيثٌ وَلَا أَثَرٌ وَلَا كَرِهَهُ أَحَدٌ مِنْ [ ص 359 ] عَابُوهُ وَالشّدِيدُ السّخُونَةِ يُذِيبُ شَحْمَ الْكُلَى وَقَدْ تَقَدّمَ الْكَلَامُ عَلَى مَاءِ الْأَمْطَارِ فِي حَرْفِ الْعَيْنِ . مَاءُ الثّلْجِ وَالْبَرَدِ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ كَانَ يَدْعُو فِي الِاسْتِفْتَاحِ وَغَيْرِهِ اللّهُمّ اغْسِلْنِي مِنْ خَطَايَايَ بِمَاءِ الثّلْجِ وَالْبَرَدِ الثّلْجُ لَهُ فِي نَفْسِهِ كَيْفِيّةٌ حَادّةٌ دُخّانِيّةٌ فَمَاؤُهُ كَذَلِكَ وَقَدْ تَقَدّمَ وَجْهُ الْحِكْمَةِ فِي طَلَبِ الْغَسْلِ مِنْ الْخَطَايَا بِمَائِهِ لِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْقَلْبُ مِنْ التّبْرِيدِ وَالتّصْلِيبِ وَالتّقْوِيَةِ وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا أَصْلُ طِبّ الْأَبْدَانِ وَالْقُلُوبِ وَمُعَالَجَةِ أَدْوَائِهَا بِضِدّهَا . وَمَاءُ الْبَرَدِ أَلْطَفُ وَأَلَذّ مِنْ مَاءِ الثّلْجِ وَأَمّا مَاءُ الْجُمْدِ وَهُوَ الْجَلِيدُ فَبِحَسَبِ أَصْلِهِ . وَالثّلْجُ يَكْتَسِبُ كَيْفِيّةَ الْجِبَالِ وَالْأَرْضِ الّتِي يَسْقُطُ عَلَيْهَا فِي الْجَوْدَةِ وَالرّدَاءَةِ وَيَنْبَغِي تَجَنّبُ شُرْبِ الْمَاءِ الْمَثْلُوجِ عُقَيْبَ الْحَمّامِ وَالْجِمَاعِ وَالرّيَاضَةِ وَالطّعَامِ الْحَارّ وَلِأَصْحَابِ السّعَالِ وَوَجَعِ الصّدْرِ وَضَعْفِ الْكَبِدِ وَأَصْحَابِ الْأَمْزِجَةِ الْبَارِدَةِ . [ مَاءُ الْآبَارِ وَالْقُنِيّ ] مِيَاهُ الْآبَارِ قَلِيلَةُ اللّطَافَةِ وَمَاءُ الْقُنِيّ الْمَدْفُونَةِ تَحْتَ الْأَرْضِ ثَقِيلٌ لِأَنّ أَحَدَهُمَا مُحْتَقِنٌ لَا يَخْلُو عَنْ تَعَفّنٍ وَالْآخَرَ مَحْجُوبٌ عَنْ الْهَوَاءِ وَيَنْبَغِي أَلّا يُشْرَبَ عَلَى الْفَوْرِ حَتّى يُصْمَدَ لِلْهَوَاءِ وَتَأْتِيَ عَلَيْهِ لَيْلَةٌ وَأَرْدَؤُهُ مَا كَانَتْ مَجَارِيهِ مِنْ رَصَاصٍ أَوْ كَانَتْ بِئْرُهُ مُعَطّلَةً وَلَا سِيّمَا إذَا كَانَتْ تُرْبَتُهَا رَدِيئَةً فَهَذَا الْمَاءُ وَبِيءٌ وَخِيمٌ . مَاءُ زَمْزَمَ سَيّدُ الْمِيَاهِ وَأَشْرَفُهَا وَأَجَلّهَا قَدْرًا وَأَحَبّهَا إلَى النّفُوسِ وَأَغْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ النّاسِ وَهُوَ هَزْمَةُ جِبْرِيلَ وَسُقِيَا اللّهِ إسْمَاعِيلَ . [ ص 360 ] وَثَبَتَ فِي " الصّحِيحِ " عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ لِأَبِي ذَرّ وَقَدْ أَقَامَ بَيْنَ الْكَعْبَةِ وَأَسْتَارِهَا أَرْبَعِينَ مَا بَيْنَ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ لَيْسَ لَهُ طَعَامٌ غَيْرَهُ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " إنّهَا طَعَامُ طُعْمٍ وَزَادَ غَيْرُ مُسْلِمٍ بِإِسْنَادِهِ وَشِفَاءُ سُقْمٍ تَحْسِينُ الْمُصَنّفِ لِحَدِيثِ مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " . مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ وَقَدْ ضَعّفَ هَذَا الْحَدِيثَ طَائِفَةٌ بِعَبْدِ اللّهِ بْنِ الْمُؤَمّلِ رَاوِيهِ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ . وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ أَنّهُ لَمّا حَجّ أَتَى زَمْزَمَ فَقَالَ اللّهُمّ إنّ ابْنَ أَبِي الْمَوَالِي حَدّثَنَا عَنْ مُحَمّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ عَنْ [ ص 361 ] جَابِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَنْ نَبِيّك صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ مَاءُ زَمْزَمَ لِمَا شُرِبَ لَهُ وَإِنّي أَشْرَبَهُ لِظَمَإِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَابْنُ أَبِي الْمَوَالِي ثِقَةٌ فَالْحَدِيثُ إذًا حَسَنٌ وَقَدْ صَحّحَهُ بَعْضُهُمْ وَجَعَلَهُ بَعْضُهُمْ مَوْضُوعًا وَكِلَا الْقَوْلَيْنِ فِيهِ مُجَازَفَةٌ . [ تَجْرِيبُ الْمُصَنّفِ لَهُ فِي الِاسْتِشْفَاءِ ] وَقَدْ جَرّبْتُ أَنَا وَغَيْرِي مِنْ الِاسْتِشْفَاءِ بِمَاءِ زَمْزَمَ أُمُورًا عَجِيبَةً وَاسْتَشْفَيْتُ بِهِ مِنْ عِدّةِ أَمْرَاضٍ فَبَرَأْت بِإِذْنِ اللّهِ وَشَاهَدْتُ مَنْ يَتَغَذّى بِهِ الْأَيّامَ ذَوَاتِ الْعَدَدِ قَرِيبًا مِنْ نِصْفِ الشّهْرِ أَوْ أَكْثَرَ وَلَا يَجِدُ جُوعًا وَيَطُوفُ مَعَ النّاسِ كَأَحَدِهِمْ وَأَخْبَرَنِي أَنّهُ رُبّمَا بَقِيَ عَلَيْهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَكَانَ لَهُ قُوّةً يُجَامِعُ بِهَا أَهْلَهُ وَيَصُومُ وَيَطُوفُ مِرَارًا . مَاءُ النّيلِ أَحَدُ أَنْهَارِ الْجَنّةِ أَصْلُهُ مِنْ وَرَاءِ جِبَالِ الْقَمَرِ فِي أَقْصَى بِلَادِ الْحَبَشَةِ مِنْ أَمْطَارٍ تَجْتَمِعُ هُنَاكَ وَسُيُولٍ يَمُدّ بَعْضُهَا بَعْضًا فَيَسُوقُهُ اللّهُ تَعَالَى إلَى الْأَرْضِ الْجُرْزِ الّتِي لَا نَبَاتَ لَهَا فَيُخْرِجُ بِهِ زَرْعًا تَأْكُلُ مِنْهُ الْأَنْعَامُ وَالْأَنَامُ وَلَمّا كَانَتْ الْأَرْضُ الّتِي يَسُوقُهُ إلَيْهَا إِبْلِيزًا صُلْبَةً إنْ أُمْطِرَتْ مَطَرَ الْعَادَةِ لَمْ تُرْوَ وَلَمْ تَتَهَيّأْ لِلنّبَاتِ وَإِنْ أُمْطِرَتْ فَوْقَ الْعَادَةِ ضَرّتْ الْمَسَاكِنَ وَالسّاكِنَ وَعَطّلَتْ الْمَعَايِشَ وَالْمَصَالِحَ فَأَمْطَرَ الْبِلَادَ الْبَعِيدَةَ ثُمّ سَاقَ تِلْكَ الْأَمْطَارَ إلَى هَذِهِ الْأَرْضِ فِي نَهْرٍ عَظِيمٍ وَجَعَلَ سُبْحَانَهُ زِيَادَتَهُ فِي أَوْقَاتٍ مَعْلُومَةٍ عَلَى قَدْرِ رَيّ الْبِلَادِ وَكِفَايَتِهَا فَإِذَا أَرْوَى الْبِلَادَ وَعَمّهَا أَذِنَ سُبْحَانَهُ بِتَنَاقُصِهِ وَهُبُوطِهِ لِتَتِمّ الْمَصْلَحَةُ بِالتّمَكّنِ مِنْ الزّرْعِ وَاجْتَمَعَ فِي هَذَا الْمَاءِ الْأُمُورُ الْعَشْرَةُ الّتِي تَقَدّمَ ذِكْرُهَا وَكَانَ مِنْ أَلْطَفِ الْمِيَاهِ وَأَخَفّهَا وَأَعْذَبِهَا وَأَحْلَاهَا . مَاءُ الْبَحْرِ ثَبَتَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ فِي الْبَحْرِ هُوَ الطّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلّ مَيْتَتُهُ وَقَدْ جَعَلَهُ اللّهُ سُبْحَانَهُ مِلْحًا أُجَاجًا مُرّا زُعَاقًا لِتَمَامِ مَصَالِحَ مَنْ هُوَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مِنْ الْآدَمِيّينَ وَالْبَهَائِمِ فَإِنّهُ دَائِمٌ رَاكِدٌ كَثِيرُ الْحَيَوَانِ وَهُوَ يَمُوتُ فِيهِ [ ص 362 ] كَانَ حُلْوًا لَأَنْتَنَ مِنْ إقَامَتِهِ وَمَوْتِ حَيَوَانَاتِهِ فِيهِ وَأَجَافَ وَكَانَ الْهَوَاءُ الْمُحِيطُ بِالْعَالَمِ يَكْتَسِبُ مِنْهُ ذَلِكَ وَيَنْتُنُ وَيُجِيفُ فَيَفْسُدُ الْعَالَمُ فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الرّبّ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ جَعَلَهُ كَالْمَلّاحَةِ الّتِي لَوْ أُلْقِيَ فِيهِ جِيَفُ الْعَالِمِ كُلّهَا وَأَنْتَانُهُ وَأَمْوَاتُهُ لَمْ تُغَيّرْهُ شَيْئًا وَلَا يَتَغَيّرُ عَلَى مُكْثِهِ مِنْ حِينِ خُلِقَ وَإِلَى أَنْ يَطْوِيَ اللّهُ الْعَالَمَ فَهَذَا هُوَ السّبَبُ الْغَائِيّ الْمُوجِبُ لِمُلُوحَتِهِ وَأَمّا الْفَاعِلِيّ فَكَوْنُ أَرْضِهِ سَبِخَةً مَالِحَةً . [فَوَائِدُ الِاغْتِسَالِ بِهِ ] [مَا يُدْفَعُ بِهِ مَضَرّةُ الشّرْبِ مِنْهُ ] وَبَعْدُ فَالِاغْتِسَالُ بِهِ نَافِعٌ مِنْ آفَاتٍ عَدِيدَةٍ فِي ظَاهِرِ الْجِلْدِ وَشُرْبُهُ مُضِرّ بِدَاخِلِهِ وَخَارِجِهِ فَإِنّهُ يُطْلِقُ الْبَطْنَ وَيُهْزِلُ وَيُحْدِثُ حَكّةً وَجَرَبًا وَنَفْخًا وَعَطَشًا وَمَنْ اُضْطُرّ إلَى شُرْبِهِ فَلَهُ طُرُقٌ مِنْ الْعِلَاجِ يَدْفَعُ بِهَا مَضَرّتَهُ . مِنْهَا : أَنْ يُجْعَلَ فِي قِدْرٍ وَيُجْعَلَ فَوْقَ الْقِدْرِ قَصَبَاتٌ وَعَلَيْهَا صُوفٌ جَدِيدٌ مَنْفُوشٌ وَيُوقَدَ تَحْتَ الْقِدْرِ حَتّى يَرْتَفِعَ بُخَارُهَا إلَى الصّوفِ فَإِذَا كَثُرَ عَصَرَهُ وَلَا يَزَالُ يَفْعَلُ ذَلِكَ حَتّى يَجْتَمِعَ لَهُ مَا يُرِيدُ فَيَحْصُلُ فِي الصّوفِ مِنْ الْبُخَارِ مَا عَذُبَ وَيَبْقَى فِي الْقِدْرِ الزّعَاقُ . وَمِنْهَا : أَنْ يُحْفَرَ عَلَى شَاطِئِهِ حُفْرَةٌ وَاسِعَةٌ يُرَشّحُ مَاؤُهُ إلَيْهَا ثُمّ إلَى جَانِبِهَا قَرِيبًا مِنْهَا أُخْرَى تُرَشّحُ هِيَ إلَيْهَا ثُمّ ثَالِثَةٌ إلَى أَنْ يَعْذُبَ الْمَاءُ . وَإِذَا أَلْجَأَتْهُ الضّرُورَةُ إلَى شُرْبِ الْمَاءِ الْكَدِرِ فَعِلَاجُهُ أَنْ يُلْقِيَ فِيهِ نَوَى الْمِشْمِشِ أَوْ قِطْعَةٌ مِنْ خَشَبِ السّاجِ أَوْ جَمْرًا مُلْتَهِبًا يُطْفَأُ فِيهِ أَوْ طِينًا أَرْمَنِيّا أَوْ سَوِيقَ حِنْطَةٍ فَإِنّ كُدْرَتَهُ تُرَسّبُ إلَى أَسْفَلَ ====================ج15.=============== اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : زاد المعاد في هَدْي خير العباد المؤلف : محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية مِسْكٌ ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللّه عَنْهُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ أَطْيَبُ الطّيبِ الْمِسْكُ . وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا : كُنْتُ أُطَيّبُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَبْلَ [ ص 363 ] . الْمِسْكُ مَلِكُ أَنْوَاعِ الطّيبِ وَأَشْرَفُهَا وَأَطْيَبُهَا ، وَهُوَ الّذِي تُضْرَبُ بِهِ الْأَمْثَالُ وَيُشَبّهُ بِهِ غَيْرُهُ وَلَا يُشَبّهُ بِغَيْرِهِ وَهُوَ كُثْبَانُ الْجَنّةِ وَهُوَ حَارّ يَابِسٌ فِي الثّانِيَةِ يَسُرّ النّفْسَ وَيُقَوّيهَا ، وَيُقَوّي الْأَعْضَاءَ الْبَاطِنَةَ جَمِيعَهَا شُرْبًا وَشَمّا ، وَالظّاهِرَةَ إذَا وُضِعَ عَلَيْهَا . نَافِعٌ لِلْمَشَايِخِ وَالْمَبْرُودِينَ لَا سِيّمَا زَمَنَ الشّتَاءِ جَيّدٌ لِلْغَشْيِ وَالْخَفَقَانِ وَضَعْفِ الْقُوّةِ بِإِنْعَاشِهِ لِلْحَرَارَةِ الْغَرِيزِيّةِ وَيَجْلُو بَيَاضَ الْعَيْنِ وَيُنَشّفُ رُطُوبَتَهَا ، وَيَفُشّ الرّيَاحَ مِنْهَا وَمِنْ جَمِيعِ الْأَعْضَاءِ وَيُبْطِلُ عَمَلَ السّمُومِ وَيَنْفَعُ مِنْ نَهْشِ الْأَفَاعِي ، وَمَنَافِعُهُ كَثِيرَةٌ جِدّا ، وَهُوَ مِنْ أَقْوَى الْمُفَرّحَاتِ . مَرْزَنْجُوش وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ لَا نَعْلَمُ صِحّتَهُ عَلَيْكُمْ بالمَرْزَنْجُوش فَإِنّهُ جَيّدٌ لِلْخُشَامِ . وَالْخُشَامُ الزّكَامُ . وَهُوَ حَارّ فِي الثّالِثَةِ يَابِسٌ فِي الثّانِيَةِ يَنْفَعُ شَمّهُ مِنْ الصّدَاعِ الْبَارِدِ وَالْكَائِنِ عَنْ الْبَلْغَمِ وَالسّوْدَاءِ وَالزّكَامِ وَالرّيَاحِ الْغَلِيظَةِ وَيَفْتَحُ السّدُدَ الْحَادِثَةَ فِي الرّأْسِ وَالْمَنْخِرَيْنِ وَيُحَلّلُ أَكْثَرَ الْأَوْرَامِ الْبَارِدَةِ فَيَنْفَعُ مِنْ أَكْثَرِ الْأَوْرَامِ وَالْأَوْجَاعِ الْبَارِدَةِ الرّطْبَةِ وَإِذَا اُحْتُمِلَ أَدَرّ الطّمْثَ وَأَعَانَ عَلَى الْحَبَلِ وَإِذَا دُقّ وَرَقُهُ الْيَابِسُ وَكُمِدَ بِهِ أَذْهَبَ آثَارَ الدّمِ الْعَارِضِ تَحْتَ الْعَيْنِ وَإِذَا ضُمّدَ بِهِ مَعَ الْخَلّ نَفَعَ لَسْعَةَ الْعَقْرَبِ . وَدُهْنُهُ نَافِعٌ لِوَجَعِ الظّهْرِ وَالرّكْبَتَيْنِ وَيُذْهِبُ بِالْإِعْيَاءِ وَمَنْ أَدْمَنَ شَمّهُ لَمْ يَنْزِلْ فِي عَيْنَيْهِ الْمَاءُ وَإِذَا اُسْتُعِطَ بِمَائِهِ مَعَ دُهْنِ اللّوْزِ الْمُرّ فَتَحَ سُدُدَ الْمَنْخِرَيْنِ وَنَفَعَ مِنْ الرّيحِ الْعَارِضَةِ فِيهَا ، وَفِي الرّأْسِ . [ ص 364 ] مِلْحٌ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِه " : مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ يَرْفَعُهُ سَيّدُ إدَامِكُمْ الْمِلْحُ . وَسَيّدُ الشّيْءِ هُوَ الّذِي يُصْلِحُهُ وَيَقُومُ عَلَيْهِ وَغَالِبُ الْإِدَامِ إنّمَا يَصْلُحُ بِالْمِلْحِ وَفِي " مُسْنَدِ الْبَزّارِ " مَرْفُوعًا : سَيُوشِكُ أَنْ تَكُونُوا فِي النّاسِ مِثْلَ الْمِلْحِ فِي الطّعَامِ وَلَا يَصْلُحُ الطّعَامُ إلّا بِالْمِلْحِ . وَذَكَر الْبَغَوِيّ فِي " تَفْسِيرِه " : عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا مَرْفُوعًا : إنّ اللّهَ أَنْزَلَ أَرْبَعَ بَرَكَاتٍ مِنْ السّمَاءِ إلَى الْأَرْضِ الْحَدِيدَ وَالنّارَ وَالْمَاءَ وَالْمِلْحَ . وَالْمَوْقُوفُ أَشْبَهُ . الْمِلْحُ يُصْلِحُ أَجْسَامَ النّاسِ وَأَطْعِمَتَهُمْ وَيُصْلِحُ كُلّ شَيْءٍ يُخَالِطُهُ حَتّى الذّهَبَ وَالْفِضّةَ وَذَلِكَ أَنّ فِيهِ قُوّةً تَزِيدُ الذّهَبَ صُفْرَةً وَالْفِضّةَ بَيَاضًا ، وَفِيهِ جِلَاءٌ وَتَحْلِيلٌ وَإِذْهَابٌ لِلرّطُوبَاتِ الْغَلِيظَةِ وَتَنْشِيفٌ لَهَا ، وَتَقْوِيَةٌ لِلْأَبْدَانِ وَمَنْعٌ مِنْ عُفُونَتِهَا وَفَسَادِهَا ، وَنَفْعٌ مِنْ الْجَرَبِ الْمُتَقَرّحِ . وَإِذَا اُكْتُحِلَ بِهِ قَلَعَ اللّحْمَ الزّائِدَ مِنْ الْعَيْنِ وَمَحَقَ الظّفَرَة . والأندراني أَبْلَغُ فِي ذَلِكَ وَيَمْنَعُ الْقُرُوحَ الْخَبِيثَةَ مِنْ الِانْتِشَارِ وَيُحْدِرُ الْبَرَازَ وَإِذَا دُلِكَ بِهِ بُطُونُ أَصْحَابِ الِاسْتِسْقَاءِ نَفَعَهُمْ وَيُنَقّي الْأَسْنَانَ وَيَدْفَعُ عَنْهَا الْعُفُونَةَ وَيَشُدّ اللّثَةَ وَيُقَوّيهَا ، وَمَنَافِعُهُ كَثِيرَةٌ جِدّا . حَرْفُ النّونِ نَخْلٌ مَذْكُورٌ فِي الْقُرْآنِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " [ ص 365 ] ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ بَيْنَا نَحْنُ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذْ أُتِيَ بِجُمّارِ نَخْلَةٍ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " إنّ مِنْ الشّجَرِ شَجَرَةً مَثَلُهَا مَثَلُ الرّجُلِ الْمُسْلِمِ لَا يَسْقُطُ وَرَقُهَا أَخْبِرُونِي مَا هِيَ ؟ فَوَقَعَ النّاسُ فِي شَجَرِ الْبَوَادِي فَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنّهَا النّخْلَةُ فَأَرَدْتُ أَنْ أَقُولَ هِيَ النّخْلَةُ ثُمّ نَظَرْتُ فَإِذَا أَنَا أَصْغُرُ الْقَوْمِ سِنّا فَسَكَتّ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " هِيَ النّخْلَةُ " فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِعُمَرَ فَقَالَ لَأَنْ تَكُونَ قُلْتَهَا أَحَبّ إلَيّ مِنْ كَذَا وَكَذَا . [فَوَائِدُ حَدِيثِ النّخْلَةِ ] فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ إلْقَاءُ الْعَالِمِ الْمَسَائِلَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَتَمْرِينُهُمْ وَاخْتِبَارُ مَا عِنْدَهُمْ . وَفِيهِ ضَرْبُ الْأَمْثَالِ وَالتّشْبِيهُ . وَفِيهِ مَا كَانَ عَلَيْهِ الصّحَابَةُ مِنْ الْحَيَاءِ مِنْ أَكَابِرِهِمْ وَإِجْلَالِهِمْ وَإِمْسَاكِهِمْ عَنْ الْكَلَامِ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ . وَفِيهِ فَرَحُ الرّجُلِ بِإِصَابَةِ وَلَدِهِ وَتَوْفِيقِهِ لِلصّوَابِ . وَفِيهِ أَنّهُ لَا يُكْرَهُ لِلْوَلَدِ أَنْ يُجِيبَ بِمَا يَعْرِفُ بِحَضْرَةِ أَبِيهِ وَإِنْ لَمْ يَعْرِفْهُ الْأَبُ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ إسَاءَةُ أَدَبٍ عَلَيْهِ . وَفِيهِ مَا تَضَمّنَهُ تَشْبِيهُ الْمُسْلِمِ بِالنّخْلَةِ مِنْ كَثْرَةِ خَيْرِهَا وَدَوَامِ ظِلّهَا وَطِيبِ ثَمَرِهَا وَوُجُودِهِ عَلَى الدّوَامِ . وَثَمَرُهَا يُؤْكَلُ رَطْبًا وَيَابِسًا وَبَلَحًا وَيَانِعًا وَهُوَ غِذَاءٌ وَدَوَاءٌ وَقُوتٌ وَحَلْوَى وَشَرَابٌ وَفَاكِهَةٌ وَجُذُوعُهَا لِلْبِنَاءِ وَالْآلَاتِ وَالْأَوَانِي وَيُتّخَذُ مِنْ خُوصِهَا الْحُصُرُ وَالْمَكَاتِلُ وَالْأَوَانِي وَالْمَرَاوِحُ وَغَيْرُ ذَلِكَ وَمِنْ لِيفِهَا الْحِبَالُ [ ص 366 ] نَوَاهَا عَلَفٌ لِلْإِبِلِ وَيَدْخُلُ فِي الْأَدْوِيَةِ وَالْأَكْحَالِ ثُمّ جَمَالُ ثَمَرَتِهَا وَنَبَاتِهَا وَحُسْنُ هَيْئَتِهَا وَبَهْجَةُ مَنْظَرِهَا وَحُسْنُ نَضْدِ ثَمَرِهَا وَصَنْعَتِهِ وَبَهْجَتُهُ وَمَسَرّةُ النّفُوسِ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ فَرُؤْيَتُهَا مُذَكّرَةٌ لِفَاطِرِهَا وَخَالِقِهَا وَبَدِيعِ صَنْعَتِهِ وَكَمَالِ قُدْرَتِهِ وَتَمَامِ حِكْمَتِهِ وَلَا شَيْءَ أَشْبَهُ بِهَا مِنْ الرّجُلِ الْمُؤْمِنِ إذْ هُوَ خَيْرٌ كُلّهُ وَنَفْعٌ ظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ . وَهِيَ الشّجَرَةُ الّتِي حَنّ جِذْعُهَا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا فَارَقَهُ شَوْقًا إلَى قُرْبِهِ وَسَمَاعِ كَلَامِهِ وَهِيَ الّتِي نَزَلَتْ تَحْتَهَا مَرْيَمُ لَمّا وَلَدَتْ عِيسَى عَلَيْهِ السّلَامُ . وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ فِي إسْنَادِهِ نَظَرٌ أَكْرِمُوا عَمّتَكُمْ النّخْلَةَ فَإِنّهَا خُلِقَتْ مِنْ الطّينِ الّذِي خُلِقَ مِنْهُ آدَمُ [اخْتِلَافُ النّاسِ فِي تَفْضِيلِهَا عَلَى الْحَبَلَةِ ] وَقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ فِي تَفْضِيلِهَا عَلَى الْحَبَلَةِ أَوْ بِالْعَكْسِ عَلَى قَوْلَيْنِ وَقَدْ قَرَنَ اللّهُ بَيْنَهُمَا فِي كِتَابِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ وَمَا أَقْرَبَ أَحَدِهِمَا مِنْ صَاحِبِهِ وَإِنْ كَانَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فِي مَحَلّ سُلْطَانِهِ وَمَنْبَتِهِ وَالْأَرْضِ الّتِي تُوَافِقُهُ أَفْضَلَ وَأَنْفَعَ . نَرْجِسُ فِيهِ حَدِيثٌ لَا يَصِحّ عَلَيْكُمْ بِشَمّ النّرْجِسِ فَإِنّ فِي الْقَلْبِ حَبّةَ الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ لَا يَقْطَعُهَا إلّا شَمّ النّرْجِسِ وَهُوَ حَارّ يَابِسٌ فِي الثّانِيَةِ وَأَصْلُهُ يُدْمِلُ الْقُرُوحَ الْغَائِرَةَ إلَى الْعَصَبِ وَلَهُ قُوّةُ غُسَالَةٍ جَالِيَةٌ جَابِذَةٌ وَإِذَا طُبِخَ وَشُرِبَ مَاؤُهُ أَوْ أُكِلَ مَسْلُوقًا هَيّجَ الْقَيْءَ وَجَذَبَ الرّطُوبَةَ مِنْ قَعْرِ الْمَعِدَةِ وَإِذَا طُبِخَ مَعَ الْكِرْسِنّةِ وَالْعَسَلِ نَقّى أَوْسَاخَ الْقُرُوحِ وَفَجّرَ الدّبَيْلَاتِ الْعَسِرَةِ النّضْجِ . [ ص 367 ] شُقّ بَصَلُهُ صَلِيبًا وَغُرِسَ صَارَ مُضَاعَفًا وَمَنْ أَدْمَنَ شَمّهُ فِي الشّتَاءِ أَمِنَ مِنْ الْبِرْسَامِ فِي الصّيْفِ وَيَنْفَعُ مِنْ أَوْجَاعِ الرّأْسِ الْكَائِنَةِ مِنْ الْبَلْغَمِ وَالْمِرّةِ السّوْدَاءِ وَفِيهِ مِنْ الْعِطْرِيّةِ مَا يُقَوّي الْقَلْبَ وَالدّمَاغَ وَيَنْفَعُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْ أَمْرَاضِهَا . وَقَالَ صَاحِبُ التّيْسِيرِ : شَمّهُ يُذْهِبُ بِصَرْعِ الصّبْيَانِ . نُورَةٌ رَوَى ابْنُ مَاجَهْ : مِنْ حَدِيثِ أُمّ سَلَمَة َ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم كَانَ إذَا اطّلَى بَدَأَ بِعَوْرَتِهِ فَطَلَاهَا بِالنّورَةِ وَسَائِرَ جَسَدِهِ أَهْلُهُ وَقَدْ وَرَدَ فِيهَا عِدّةُ أَحَادِيثَ هَذَا أَمْثَلُهَا . قِيلَ إنّ أَوّلَ مَنْ دَخَلَ الْحَمّامَ وَصُنِعَتْ لَهُ النّورَةُ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ وَأَصْلُهَا : كِلْسٌ جُزْءَانِ وَزَرْنِيخٌ جُزْءٌ يُخْلَطَانِ بِالْمَاءِ وَيُتْرَكَانِ فِي الشّمْسِ أَوْ الْحَمّامِ بِقَدْرِ مَا تَنْضَجُ وَتَشْتَدّ زُرْقَتُهُ ثُمّ يُطْلَى بِهِ وَيَجْلِسُ سَاعَةً رَيْثَمَا يَعْمَلُ وَلَا يُمَسّ بِمَاءٍ ثُمّ يُغْسَلُ وَيُطْلَى مَكَانُهَا بِالْحِنّاءِ لِإِذْهَابِ نَارِيّتِهَا . نَبْقٌ ذَكَر َ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِهِ " الطّبّ النّبَوِيّ " مَرْفُوعًا : إنّ آدَمَ لَمّا أُهْبِطَ إلَى الْأَرْضِ كَانَ أَوّلَ شَيْءٍ أَكَلَ مِنْ ثِمَارِهَا النّبْقُ وَقَدْ ذَكَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ النّبْقَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتّفَقِ عَلَى صِحّتِهِ أَنّهُ رَأَى سِدْرَةَ الْمُنْتَهَى لَيْلَة أُسْرِيَ بِهِ وَإِذَا نَبْقُهَا مِثْلَ قِلَالِ هَجَرَ وَالنّبْقُ ثَمَرُ شَجَرِ السّدْرِ يُعْقِلُ الطّبِيعَةَ وَيَنْفَعُ مِنْ الْإِسْهَالِ وَيَدْبُغُ الْمَعِدَةَ وَيُسَكّنُ الصّفْرَاءَ وَيَغْذُو الْبَدَنَ وَيُشَهّي الطّعَامَ وَيُوَلّدُ بَلْغَمًا وَيَنْفَعُ [ ص 368 ] وَاخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ رَطْبٌ أَوْ يَابِسٌ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ . وَالصّحِيحُ أَنّ رَطْبُهُ بَارِدٌ رَطْبٌ وَيَابِسَهُ بَارِدٌ يَابِسٌ حَرْفُ الْهَاءِ هِنْدَبَا وَرَدَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَحَادِيثَ لَا تَصِحّ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا يَثْبُتُ مِثْلُهَا بَلْ هِيَ مَوْضُوعَةٌ أَحَدُهَا : كُلُوا الْهِنْدَبَاءَ وَلَا تَنْفُضُوهُ فَإِنّهُ لَيْسَ يَوْمٌ مِنْ الْأَيّامِ إلّا وَقَطَرَاتٌ مِنْ الْجَنّةِ تَقْطُرُ عَلَيْهِ . الثّانِي : مَنْ أَكَلَ الْهِنْدَبَاءَ ثُمّ نَامَ عَلَيْهَا لَمْ يَحُلّ فِيهِ سُمّ وَلَا سِحْرٌ . الثّالِثُ مَا مِنْ وَرَقَةٍ مِنْ وَرَق ِ الْهِنْدَبَاءِ إلّا وَعَلَيْهَا قَطْرَةٌ مِنْ الْجَنّةِ . وَبَعْدُ فَهِيَ مُسْتَحِيلَةُ الْمِزَاجِ مُنْقَلِبَةٌ بِانْقِلَابِ فُصُولِ السّنَةِ فَهِيَ فِي الشّتَاءِ بَارِدَةٌ رَطْبَةٌ وَفِي الصّيْفِ حَارّةٌ يَابِسَةٌ وَفِي الرّبِيعِ وَالْخَرِيفِ مُعْتَدِلَةٌ وَفِي الْغَالِبِ أَحْوَالُهَا تَمِيلُ إلَى الْبُرُودَةِ وَالْيُبْسِ وَهِيَ قَابِضَةٌ مُبَرّدَةٌ جَيّدَةٌ لِلْمَعِدَةِ وَإِذَا طُبِخَتْ وَأُكِلَتْ بِخَلّ عَقَلَتْ الْبَطْنَ وَخَاصّةً الْبَرّيّ مِنْهَا فَهِيَ أَجْوَدُ لِلْمَعِدَةِ وَأَشَدّ قَبْضًا وَتَنْفَعُ مِنْ ضَعْفِهَا . وَإِذَا تُضُمّدَ بِهَا سَلَبَتْ الِالْتِهَابَ الْعَارِضَ فِي الْمَعِدَةِ وَتَنْفَعُ مِنْ النّقْرِسِ وَمِنْ أَوْرَامِ الْعَيْنِ الْحَارّةِ وَإِذَا تُضُمّدَ بِوَرَقِهَا وَأُصُولِهَا نَفَعَتْ مِنْ لَسْعِ الْعَقْرَبِ وَهِيَ تُقَوّي الْمَعِدَةَ وَتَفْتَحُ السّدَدَ الْعَارِضَةَ فِي الْكَبِدِ وَتَنْفَعُ مِنْ أَوْجَاعِهَا حَارّهَا وَبَارِدُهَا وَتَفْتَحُ سُدَدَ الطّحَالِ وَالْعُرُوقِ وَالْأَحْشَاءِ وَتُنَقّي مَجَارِيَ الْكُلَى . [ ص 369 ] وَأَنْفَعُهَا لِلْكَبِدِ أَمَرّهَا وَمَاؤُهَا الْمُعْتَصَرُ يَنْفَعُ مِنْ الْيَرَقَانِ السّدَدِيّ وَلَا سِيّمَا إذَا خُلِطَ بِهِ مَاءُ الرازيانج الرّطْبُ وَإِذَا دُقّ وَرَقُهَا وَوُضِعَ عَلَى الْأَوْرَامِ الْحَارّةِ بَرّدَهَا وَحَلّلَهَا وَيَجْلُو مَا فِي الْمَعِدَةِ وَيُطْفِئُ حَرَارَةَ الدّمِ وَالصّفْرَاءَ وَأَصْلَحَ مَا أُكِلَتْ غَيْرَ مَغْسُولَةٍ وَلَا مَنْفُوضَةٍ لِأَنّهَا مَتَى غُسِلَتْ أَوْ نُفِضَتْ فَارَقَتْهَا قُوّتُهَا وَفِيهَا مَعَ ذَلِكَ قُوّةٌ تِرْيَاقِيّةٌ تَنْفَعُ مِنْ جَمِيعِ السّمُومِ . وَإِذَا اُكْتُحِلَ بِمَائِهَا نَفَعَ مِنْ الْعَشَا وَيَدْخُلُ وَرَقُهَا فِي التّرْيَاقِ وَيَنْفَعُ مِنْ لَدْغِ الْعَقْرَبِ وَيُقَاوِمُ أَكْثَرَ السّمُومِ وَإِذَا اُعْتُصِرَ مَاؤُهَا وَصُبّ عَلَيْهِ الزّيْتُ خَلّصَ مِنْ الْأَدْوِيَةِ الْقَتّالَةِ وَإِذَا اُعْتُصِرَ أَصْلُهَا وَشُرِبَ مَاؤُهُ نَفَعَ مِنْ لَسْعِ الْأَفَاعِي وَلَسْعِ الْعَقْرَبِ وَلَسْعِ الزّنْبُورِ وَلَبَنُ أَصْلِهَا يَجْلُو بَيَاضَ الْعَيْنِ . حَرْفُ الْوَاوِ وَرْسٌ ذَكَرَ التّرْمِذِيّ فِي " جَامِعِه " : مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ كَانَ يَنْعَتُ الزّيْتَ وَالْوَرْسَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ قَالَ قَتَادَةُ يُلَدّ بِهِ وَيُلَدّ مِنْ الْجَانِبِ الّذِي يَشْتَكِيهِ . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَيْضًا قَالَ نَعَتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ ذَاتِ الْجَنْبِ وَرْسًا وَقُسْطًا وَزَيْتًا يُلَدّ بِهِ . وَصَحّ عَنْ أُمّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ كَانَتْ النّفَسَاءُ تَقْعُدُ بَعْدَ نِفَاسِهَا [ ص 370 ] وَكَانَتْ إحْدَانَا تَطْلِي الْوَرْسَ عَلَى وَجْهِهَا مِنْ الْكَلَف . قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ اللّغَوِيّ الْوَرْسُ يُزْرَعُ زَرْعًا وَلَيْسَ بِبَرّيّ وَلَسْتُ أَعْرِفُهُ بِغَيْرِ أَرْضِ الْعَرَبِ وَلَا مِنْ أَرْضِ الْعَرَبِ بِغَيْرِ بِلَادِ الْيَمَنِ . وَقُوّتُهُ فِي الْحَرَارَةِ وَالْيُبُوسَةِ فِي أَوّلِ الدّرَجَةِ الثّانِيَةِ وَأَجْوَدُهُ الْأَحْمَرُ اللّيّنُ فِي الْيَدِ الْقَلِيلُ النّخَالَةِ يَنْفَعُ مِنْ الْكَلَفِ وَالْحَكّةِ وَالْبُثُورِ الْكَائِنَةِ فِي سَطْحِ الْبَدَنِ إذَا طُلِيَ بِهِ وَلَهُ قُوّةٌ قَابِضَةٌ صَابِغَةٌ وَإِذَا شُرِبَ نَفَعَ مِنْ الْوَضَحِ وَمِقْدَارُ الشّرْبَةِ مِنْهُ وَزْنُ دِرْهَمٍ . وَهُوَ فِي مِزَاجِهِ وَمَنَافِعِهِ قَرِيبٌ مِنْ مَنَافِعِ الْقُسْطِ الْبَحْرِيّ وَإِذَا لُطّخَ بِهِ عَلَى الْبَهَقِ وَالْحَكّةِ وَالْبُثُورِ وَالسّفْعَةِ نَفَعَ مِنْهَا وَالثّوْبُ الْمَصْبُوغُ بِالْوَرْسِ يُقَوّي عَلَى الْبَاهِ . وَسْمَةٌ هِيَ وَرَقُ النّيلِ وَهِيَ تُسَوّدُ الشّعْرَ وَقَدْ تَقَدّمَ قَرِيبًا ذِكْرُ الْخِلَافِ فِي جَوَازِ الصّبْغِ بِالسّوَادِ وَمَنْ فَعَلَهُ . حَرْفُ الْيَاءِ يَقْطِينٌ وَهُوَ الدّبّاءُ وَالْقَرْعُ وَإِنْ كَانَ الْيَقْطِينُ أَعَمّ فَإِنّهُ فِي اللّغَةِ كُلّ شَجَرٍ لَا تَقُومُ عَلَى سَاقُ كَالْبِطّيخِ وَالْقِثّاءِ وَالْخِيَارِ قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { وَأَنْبَتْنَا عَلَيْهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ } [ الصّافّاتُ 146 ] . [السّبَبُ فِي إطْلَاقِ الْقُرْآنِ عَلَى الْيَقْطِينِ اسْمَ الشّجَرِ ] فَإِنْ قِيلَ مَا لَا يَقُومُ عَلَى سَاقٍ يُسَمّى نَجْمًا لَا شَجَرًا وَالشّجَرُ مَا لَهُ سَاقٌ قَالَهُ أَهْلُ اللّغَةِ فَكَيْفَ قَالَ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ ؟ . [ ص 371 ] أُطْلِقَ كَانَ مَا لَهُ سَاقٌ يَقُومُ عَلَيْهِ وَإِذَا قُيّدَ بِشَيْءٍ تَقَيّدَ بِهِ فَالْفَرْقُ بَيْنَ الْمُطْلَقِ وَالْمُقَيّدِ فِي الْأَسْمَاءِ بَابٌ مُهِمّ عَظِيمُ النّفْعِ فِي الْفَهْمِ وَمَرَاتِبِ اللّغَةِ . وَالْيَقْطِينُ الْمَذْكُورُ فِي الْقُرْآنِ هُوَ نَبَاتُ الدّبّاءِ وَثَمَرُهُ يُسَمّى الدّبّاءَ وَالْقَرْعَ وَشَجَرَةَ الْيَقْطِينِ . وَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : مِنْ حَدِيثِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنّ خَيّاطًا دَعَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِطَعَامٍ صَنَعَهُ قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَذَهَبْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَرّبَ إلَيْهِ خُبْزًا مِنْ شَعِيرٍ وَمَرَقًا فِيهِ دُبّاءٌ وَقَدِيدٌ قَالَ أَنَسٌ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَتَتَبّعُ الدّبّاءَ مِنْ حَوَالَيْ الصّحْفَةِ فَلَمْ أَزَلْ أُحِبّ الدّبّاءَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ . وَقَالَ أَبُو طَالُوتَ دَخَلْتُ عَلَى أَنَسِ بْنِ مَالِك ٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَهُوَ يَأْكُلُ الْقَرْعَ وَيَقُولُ يَا لَك مِنْ شَجَرَةٍ مَا أَحَبّكِ إلَيّ لِحُبّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إيّاكَ . وَفِي " الْغَيْلَانِيّاتِ " : مِنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَة رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا قَالَتْ قَالَ لِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " يَا عَائِشَةُ إذَا طَبَخْتُمْ قِدْرًا فَأَكْثِرُوا فِيهَا مِنْ الدّبّاءِ فَإِنّهَا تَشُدّ قَلْبَ الْحَزِينِ . الْيَقْطِينُ بَارِدٌ رَطْبٌ يَغْذُو غِذَاءً يَسِيرًا وَهُوَ سَرِيعُ الِانْحِدَارِ وَإِنْ لَمْ يَفْسُدْ قَبْلَ الْهَضْمِ تَوَلّدَ مِنْهُ خَلْطٌ مَحْمُودٌ وَمِنْ خَاصّيّتِهِ أَنّهُ يَتَوَلّدُ مِنْهُ خَلْطٌ مَحْمُودٌ مُجَانِسٌ لِمَا يَصْحَبُهُ فَإِنْ أُكِلَ بِالْخَرْدَلِ تَوَلّدَ مِنْهُ خَلْطٌ حِرّيفٌ وَبِالْمَلْحِ خَلْطٌ مَالِحٌ وَمَعَ الْقَابِضِ قَابِضٌ وَإِنْ طُبِخَ بِالسّفَرْجَلِ غَذَا الْبَدَنَ غِذَاءً جَيّدًا . وَهُوَ لَطِيفٌ مَائِيّ يَغْذُو غِذَاءً رَطْبًا بَلْغَمِيّا وَيَنْفَعُ الْمَحْرُورِينَ وَلَا يُلَائِمُ الْمَبْرُودِينَ وَمَنْ الْغَالِبُ عَلَيْهِمْ الْبَلْغَمُ وَمَاؤُهُ يَقْطَعُ الْعَطَشَ وَيُذْهِبُ الصّدَاعَ [ ص 372 ] كَيْفَ اُسْتُعْمِلَ وَلَا يَتَدَاوَى الْمَحْرُورُونَ بِمِثْلِهِ وَلَا أَعْجَلَ مِنْهُ نَفْعًا . وَمِنْ مَنَافِعِهِ أَنّهُ إذَا لُطّخَ بِعَجِينٍ وَشُوِيَ فِي الْفُرْنِ أَوْ التّنّورِ وَاسْتُخْرِجَ مَاؤُهُ وَشُرِبَ بِبَعْضِ الْأَشْرِبَةِ اللّطِيفَةِ سَكّنَ حَرَارَةَ الْحُمّى الْمُلْتَهِبَةَ وَقَطَعَ الْعَطَشَ وَغَذّى غِذَاءً حَسَنًا وَإِذَا شُرِبَ بترنجبين وَسَفَرْجَلٍ مُرَبّى أَسْهَلَ صَفْرَاءَ مَحْضَةً . وَإِذَا طُبِخَ الْقَرْعُ وَشُرِبَ مَاؤُهُ بِشَيْءٍ مِنْ عَسَلٍ وَشَيْءٍ مِنْ نَطْرُونٍ أَحْدَرَ بَلْغَمًا وَمِرّةً مَعًا وَإِذَا دُقّ وَعُمِلَ مِنْهُ ضِمَادٌ عَلَى الْيَافُوخِ نَفَعَ مِنْ الْأَوْرَامِ الْحَارّةِ فِي الدّمَاغِ . وَإِذَا عُصِرَتْ جُرَادَتُهُ وَخُلِطَ مَاؤُهَا بِدُهْنِ الْوَرْدِ وَقُطِرَ مِنْهَا فِي الْأُذُنِ نَفَعَتْ مِنْ الْأَوْرَامِ الْحَارّةِ وَجُرَادَتُهُ نَافِعَةٌ مِنْ أَوْرَامِ الْعَيْنِ الْحَارّةِ وَمِنْ النّقْرِسِ الْحَارّ وَهُوَ شَدِيدُ النّفْعِ لِأَصْحَابِ الْأَمْزِجَةِ الْحَارّةِ وَالْمَحْمُومِينَ وَمَتَى صَادَفَ فِي الْمَعِدَةِ خَلْطًا رَدِيئًا اسْتَحَالَ إلَى طَبِيعَتِهِ وَفَسَدَ وَوَلّدَ فِي الْبَدَنِ خَلْطًا رَدِيئًا وَدَفْعُ مَضَرّتِهِ بِالْخَلّ وَالْمُرّيّ . وَبِالْجُمْلَةِ فَهُوَ مِنْ أَلْطَفِ الْأَغْذِيَةِ وَأَسْرَعِهَا انْفِعَالًا وَيُذْكَرُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يُكْثِرُ مِنْ أَكْلِهِ . فَصْلٌ الوصايا الكلية لحفظ الصحة [ مَحَاذِرُ طِبّيّةٌ لِابْنِ مَاسَوَيْهِ ] وَقَدْ رَأَيْتُ أَنّ أَخْتِمَ الْكَلَامَ فِي هَذَا الْبَابِ بِفَصْلٍ مُخْتَصَرٍ عَظِيمِ النّفْعِ فِي الْمَحَاذِرِ وَالْوَصَايَا الْكُلّيّةِ النّافِعَةِ لِتَتِمّ مَنْفَعَةُ الْكِتَابِ وَرَأَيْتُ لِابْن ِ مَاسُوَيْهِ فَصْلًا فِي كِتَابِ " الْمَحَاذِيرِ " نَقَلْتُهُ بِلَفْظِهِ قَالَ [ ص 373 ] أَكَلَ الْبَصَلَ أَرْبَعِينَ يَوْمًا وَكَلِفَ فَلَا يَلُومَنّ إلّا نَفْسَهُ . وَمَنْ افْتَصَدَ فَأَكَلَ مَالِحًا فَأَصَابَهُ بَهَقٌ أَوْ جَرَبٌ فَلَا يَلُومَنّ إلّا نَفْسَهُ . وَمَنْ جَمَعَ فِي مَعِدَتِهِ الْبَيْضَ وَالسّمَكَ فَأَصَابَهُ فَالِجٌ أَوْ لَقْوَةٌ فَلَا يَلُومَنّ إلّا نَفْسَهُ . وَمَنْ دَخَلَ الْحَمّامَ وَهُوَ مُمْتَلِئٌ فَأَصَابَهُ فَالِجٌ فَلَا يَلُومَنّ إلّا نَفْسَهُ . وَمَنْ جَمَعَ فِي مَعِدَتِهِ اللّبَنَ وَالسّمَكَ فَأَصَابَهُ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ أَوْ نِقْرِسٌ فَلَا يَلُومَنّ إلّا نَفْسَهُ . وَمَنْ جَمَعَ فِي مَعِدَتِهِ اللّبَنَ وَالنّبِيذَ فَأَصَابَهُ بَرَصٌ أَوْ نِقْرِسٌ فَلَا يَلُومَنّ إلّا نَفْسَهُ . وَمَنْ احْتَلَمَ فَلَمْ يَغْتَسِلْ حَتّى وَطِئَ أَهْلَهُ فَوَلَدَتْ مَجْنُونًا أَوْ مُخْبَلًا فَلَا يَلُومَنّ إلّا نَفْسَهُ . وَمَنْ أَكَلَ بَيْضًا مَسْلُوقًا بَارِدًا وَامْتَلَأَ مِنْهُ فَأَصَابَهُ رَبْوٌ فَلَا يَلُومَنّ إلّا نَفْسَهُ . وَمَنْ جَامَعَ فَلَمْ يَصْبِرْ حَتّى يَفْرُغَ فَأَصَابَهُ حَصَاةٌ فَلَا يَلُومَنّ إلّا نَفْسَهُ . وَمَنْ نَظَرَ فِي الْمِرْآةِ لَيْلًا فَأَصَابَهُ لَقْوَةٌ أَوْ أَصَابَهُ دَاءٌ فَلَا يَلُومَنّ إلّا نَفْسَهُ . فَصْلٌ [ مَحَاذِرُ طِبّيّةٌ لِابْنِ بَخْتَيْشُوعَ ] وَقَالَ ابْنُ بَخْتَيْشُوعَ احْذَرْ أَنْ تَجْمَعَ الْبَيْضَ وَالسّمَكَ فَإِنّهُمَا يُورِثَانِ الْقُولَنْجَ وَالْبَوَاسِيرَ وَوَجَعَ الْأَضْرَاسِ . وَإِدَامَةُ أَكْلِ الْبَيْضِ يُوَلّدُ الْكَلَفَ فِي الْوَجْهِ وَأَكْلُ الْمُلُوحَةِ وَالسّمَكِ الْمَالِحِ وَالِافْتِصَادُ بَعْدَ الْحَمّامِ يُوَلّدُ الْبَهَقَ وَالْجَرَبَ . [ ص 374 ] أَكْلِ كُلَى الْغَنَمِ يَعْقِرُ الْمَثَانَةَ . الِاغْتِسَالُ بِالْمَاءِ الْبَارِدِ بَعْدَ أَكْلِ السّمَكِ الطّرِيّ يُوَلّدُ الْفَالِجَ . وَطْءُ الْمَرْأَةِ الْحَائِضِ يُوَلّدُ الْجُذَامَ الْجِمَاعُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يُهْرِيقَ الْمَاءَ عُقَيْبَهُ يُوَلّدُ الْحَصَاةَ طُولُ الْمُكْثِ فِي الْمَخْرَجِ يُوَلّدُ الدّاءَ الدّوِيّ . [ وَصَايَا أبقراط ] قَالَ أبقراط : الْإِقْلَالُ مِنْ الضّارّ خَيْرٌ مِنْ الْإِكْثَارِ مِنْ النّافِعِ . وَقَالَ اسْتَدِيمُوا الصّحّةَ بِتَرْكِ التّكَاسُلِ عَنْ التّعَبِ وَبِتَرْكِ الِامْتِلَاءِ مِنْ الطّعَامِ وَالشّرَابِ . [وَصَايَا لِلْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ وَغَيْرِه] وَقَالَ بَعْضُ الْحُكَمَاءِ مَنْ أَرَادَ الصّحّةَ فَلْيُجَوّدْ الْغِذَاءَ وَلْيَأْكُلْ عَلَى نَقَاءٍ وَلْيَشْرَبْ عَلَى ظَمَأٍ وَلْيُقْلِلْ مِنْ شُرْبِ الْمَاءِ وَيَتَمَدّدْ بَعْدَ الْغَدَاءِ وَيَتَمَشّ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَلَا يَنَمْ حَتّى يَعْرِضَ نَفْسَهُ عَلَى الْخَلَاءِ وَلْيَحْذَرْ دُخُولَ الْحَمّامِ عُقَيْبَ الِامْتِلَاءِ وَمَرّةً فِي الصّيْفِ خَيْرٌ مِنْ عَشْرٍ فِي الشّتَاءِ وَأَكْلُ الْقَدِيدِ الْيَابِسِ بِاللّيْل ِ مُعِينٌ عَلَى الْفِنَاءِ وَمُجَامَعَةُ الْعَجَائِزِ تُهْرِمُ أَعْمَارَ الْأَحْيَاءِ وَتُسْقِمُ أَبْدَانَ الْأَصِحّاءِ وَيُرْوَى هَذَا عَنْ عَلِي رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَلَا يَصِحّ عَنْهُ وَإِنّمَا بَعْضُهُ مِنْ كَلَامِ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ طَبِيبِ الْعَرَبِ وَكَلَامِ غَيْرِهِ . وَقَالَ الْحَارِثُ : مَنْ سَرّهُ الْبَقَاءُ - وَلَا بَقَاءَ - فَلْيُبَاكِرْ الْغَدَاءَ وَلْيُعَجّلْ الْعِشَاءَ وَلْيُخَفّفْ الرّدَاءَ وَلْيُقْلِلْ غَشَيَانَ النّسَاءِ . وَقَالَ الْحَارِثُ : أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ تَهْدِمُ الْبَدَنَ الْجِمَاعُ عَلَى الْبِطْنَةِ وَدُخُولُ الْحَمّامِ عَلَى الِامْتِلَاءِ وَأَكْلُ الْقَدِيدِ وَجِمَاعُ الْعَجُوزِ . وَلَمّا احْتَضَرَ الْحَارِثُ اجْتَمَعَ إلَيْهِ النّاسُ فَقَالُوا : مُرْنَا بِأَمْرٍ نَنْتَهِي إلَيْهِ مِنْ بَعْدِ ك فَقَالَ لَا تَتَزَوّجُوا مِنْ النّسَاءِ إلّا شَابّةً وَلَا تَأْكُلُوا مِنْ الْفَاكِهَةِ إلّا فِي أَوَانِ نُضْجِهَا وَلَا يَتَعَالَجَنّ أَحَدُكُمْ مَا احْتَمَلَ بَدَنُهُ الدّاءَ وَعَلَيْكُمْ بِتَنْظِيفِ الْمَعِدَةِ فِي كُلّ شَهْرٍ فَإِنّهَا مُذِيبَةٌ لِلْبَلْغَمِ مُهْلِكَةٌ لِلْمِرّةِ مُنْبِتَةٌ لِلّحْمِ وَإِذَا تَغَدّى أَحَدُكُمْ فَلْيَنَمْ [ ص 375 ] [وَصَايَا لِطَبِيبٍ] وَقَالَ بَعْضُ الْمُلُوكِ لِطَبِيبِهِ لَعَلّك لَا تَبْقَى لِي فَصِفْ لِي صِفَةً آخُذُهَا عَنْكُ فَقَالَ لَا تَنْكِحْ إلّا شَابّةً وَلَا تَأْكُلْ مِنْ اللّحْمِ إلّا فَتِيّا وَلَا تَشْرَبْ الدّوَاءَ إلّا مِنْ عِلّةٍ وَلَا تَأْكُلْ الْفَاكِهَةَ إلّا فِي نُضْجِهَا وَأَجِدْ مَضْغَ الطّعَامِ . وَإِذَا أَكَلْت نَهَارًا فَلَا بَأْسَ أَنْ تَنَامَ وَإِذَا أَكَلْت لَيْلًا فَلَا تَنَمْ حَتّى تَمْشِيَ وَلَوْ خَمْسِينَ خُطْوَةً وَلَا تَأْكُلَنّ حَتّى تَجُوعَ وَلَا تَتَكَارَهَنّ عَلَى الْجِمَاعِ وَلَا تَحْبِسْ الْبَوْلَ وَخُذْ مِنْ الْحَمّامِ قَبْلَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْك وَلَا تَأْكُلَنّ طَعَامًا وَفِي مَعِدَتِك طَعَامٌ وَإِيّاكَ أَنْ تَأْكُلَ مَا تَعْجِزُ أَسْنَانُك عَنْ مَضْغِهِ فَتَعْجِزَ مَعِدَتُك عَنْ هَضْمِهِ وَعَلَيْك فِي كُلّ أُسْبُوعٍ بِقَيْئَةٍ تُنَقّي جِسْمَك وَنِعْمَ الْكَنْزُ الدّمُ فِي جَسَدِك فَلَا تُخْرِجْهُ إلّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَعَلَيْكَ بِدُخُولِ الْحَمّامِ فَإِنّهُ يُخْرِجُ مِنْ الْأَطْبَاقِ مَا لَا تَصِلُ الْأَدْوِيَةُ إلَى إخْرَاجِهِ . [وَصَايَا لِلشّافِعِيّ] وَقَالَ الشّافِعِيّ : أَرْبَعَةٌ تُقَوّي الْبَدَنَ أَكْلُ اللّحْمِ وَشَمّ الطّيبِ وَكَثْرَةُ الْغُسْلِ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَلُبْسُ الْكَتّانِ . وَأَرْبَعَةٌ تُوهِنُ الْبَدَنَ كَثْرَةُ الْجِمَاعِ وَكَثْرَةُ الْهَمّ وَكَثْرَةُ شُرْبِ الْمَاءِ عَلَى الرّيقِ وَكَثْرَةُ أَكْلِ الْحَامِضِ . وَأَرْبَعَةٌ تُقَوّي الْبَصَرَ الْجُلُوسُ حِيَالَ الْكَعْبَةِ وَالْكُحْلُ عِنْدَ النّوْمِ وَالنّظَرُ إلَى الْخُضْرَةِ وَتَنْظِيفُ الْمَجْلِسِ . وَأَرْبَعَةٌ تُوهِنُ الْبَصَرَ النّظَرُ إلَى الْقَذَرِ وَإِلَى الْمَصْلُوبِ وَإِلَى فَرْجِ الْمَرْأَةِ وَالْقُعُودُ مُسْتَدْبِرَ الْقِبْلَةِ . وَأَرْبَعَةٌ تَزِيدُ فِي الْجِمَاعِ أَكْلُ الْعَصَافِيرِ والإطريفل وَالْفُسْتُقِ وَالْخَرّوبِ . [ ص 376 ] تَرْكُ الْفُضُولِ مِنْ الْكَلَامِ وَالسّوَاكُ وَمُجَالَسَةُ الصّالِحِينَ وَمُجَالَسَةُ الْعُلَمَاءِ . [ مَحَاذِرُ أَفْلَاطُونَ ] وَقَالَ أَفْلَاطُونُ : خَمْسٌ يُذِبْنَ الْبَدَنَ وَرُبّمَا قَتَلْنَ قِصَرُ ذَاتِ الْيَدِ وَفِرَاقُ الْأَحِبّةِ وَتَجَرّعُ الْمَغَايِظِ وَرَدّ النّصْحِ وَضَحِكُ ذَوِي الْجَهْلِ بِالْعُقَلَاءِ . [ مَحَاذِرُ لِطَبِيبِ الْمَأْمُونِ ] وَقَالَ طَبِيبُ الْمَأْمُونِ : عَلَيْك بِخِصَالٍ مَنْ حَفِظَهَا فَهُوَ جَدِيرٌ أَنْ لَا يَعْتَلّ إلّا عِلّةَ الْمَوْتِ لَا تَأْكُلْ طَعَامًا وَفِي مَعِدَتِك طَعَامٌ وَإِيّاكَ أَنْ تَأْكُلَ طَعَامًا يُتْعِبُ أَضْرَاسَك فِي مَضْغِهِ فَتَعْجِزَ مَعِدَتُك عَنْ هَضْمِهِ وَإِيّاكَ وَكَثْرَةَ الْجِمَاعِ فَإِنّهُ يُطْفِئُ نُورَ الْحَيَاةِ وَإِيّاكَ وَمُجَامَعَةَ الْعَجُوزِ فَإِنّهُ يُورِثُ مَوْتَ الْفَجْأَةِ وَإِيّاكَ وَالْفَصْدَ إلّا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَعَلَيْك بِالْقَيْءِ فِي الصّيْفِ . [ وَصِيّةٌ لأبقراط ] وَمِنْ جَوَامِعِ كَلِمَاتِ أبقراط قَوْلُهُ كُلّ كَثِيرٍ فَهُوَ مُعَادٍ لِلطّبِيعَةِ . [ وَصِيّةٌ لِجَالِينُوسَ ] وَقِيلَ لِجَالِينُوسَ مَا لَك لَا تَمْرَضُ ؟ فَقَالَ لِأَنّي لَمْ أَجْمَعْ بَيْنَ طَعَامَيْنِ رَدِيئَيْنِ وَلَمْ أُدْخِلْ طَعَامًا عَلَى طَعَامٍ وَلَمْ أَحْبِسْ فِي الْمَعِدَةِ طَعَامًا تَأَذّيْت بِهِ . فَصْلٌ [أَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ تُمْرِضُ الْبَدَنَ ] وَأَرْبَعَةُ أَشْيَاءَ تُمْرِضُ الْجِسْمَ الْكَلَامُ الْكَثِيرُ وَالنّوْمُ الْكَثِيرُ وَالْأَكْلُ الْكَثِيرُ وَالْجِمَاعُ الْكَثِيرُ . [مَضَارّ الْكَلَامِ الْكَثِيرِ ] فَالْكَلَامُ الْكَثِير: يُقَلّلُ مُخّ الدّمَاغِ وَيُضْعِفُهُ وَيُعَجّلُ الشّيْبَ . [مَضَارّ النّوْمِ الْكَثِيرِ ] وَالنّوْمُ الْكَثِيرُ يُصَفّرُ الْوَجْهَ وَيُعْمِي الْقَلْبَ وَيُهَيّجُ الْعَيْنَ وَيُكْسِلُ عَنْ الْعَمَلِ وَيُوَلّدُ الرّطُوبَاتِ فِي الْبَدَنِ . [ ص 377 ] [مَضَارّ الْأَكْلِ الْكَثِيرِ ] وَالْأَكْلُ الْكَثِيرُ يُفْسِدُ فَمَ الْمَعِدَةِ وَيُضْعِفُ الْجِسْمَ وَيُوَلّدُ الرّيَاحَ الْغَلِيظَةَ وَالْأَدْوَاءَ الْعَسِرَةَ . [مَضَارّ الْجِمَاعِ الْكَثِيرِ] وَالْجِمَاعُ الْكَثِيرُ يَهُدّ الْبُدْنَ وَيُضْعِفُ الْقُوَى وَيُجَفّفُ رُطُوبَاتِ الْبَدَنِ وَيُرْخِي الْعَصَبَ وَيُورِثُ السّدَدَ وَيَعُمّ ضَرَرُهُ جَمِيعَ الْبَدَنِ وَيَخُصّ الدّمَاغَ لِكَثْرَةِ مَا يَتَحَلّلُ بِهِ مِنْ الرّوحِ النّفْسَانِيّ وَإِضْعَافِهِ أَكْثَرَ مِنْ إضْعَافِ جَمِيعِ الْمُسْتَفْرِغَاتِ وَيَسْتَفْرِغُ مِنْ جَوْهَرِ الرّوحِ شَيْئًا كَثِيرًا . [ أَنْفَعُ الْجِمَاعِ ] وَأَنْفَعَ مَا يَكُونُ إذَا صَادَفَ شَهْوَةً صَادِقَةً مِنْ صُورَةٍ جَمِيلَةٍ حَدِيثَةِ السّنّ حَلَالًا مَعَ سِنّ الشّبُوبِيّةِ وَحَرَارَةِ الْمِزَاجِ وَرُطُوبَتِهِ وَبُعْدِ الْعَهْدِ بِهِ وَخَلَاءِ الْقَلْبِ مِنْ الشّوَاغِلِ النّفْسَانِيّةِ وَلَمْ يُفَرّطْ فِيهِ وَلَمْ يُقَارِنْهُ مَا يَنْبَغِي تَرْكُهُ مَعَهُ مِنْ امْتِلَاءٍ مُفْرِطٍ أَوْ خَوَاءٍ أَوْ اسْتِفْرَاغٍ أَوْ رِيَاضَةٍ تَامّةٍ أَوْ حَرّ مُفْرِطٍ أَوْ بَرْدٍ مُفْرِطٍ فَإِذَا رَاعَى فِيهِ هَذِهِ الْأُمُورَ الْعَشْرَةَ انْتَفَعَ بِهِ جِدّا وَأَيّهَا فَقَدَ فَقَدْ حَصَلَ لَهُ مِنْ الضّرَرِ بِحَسَبِهِ وَإِنْ فُقِدَتْ كُلّهَا أَوْ أَكْثَرُهَا فَهُوَ الْهَلَاكُ الْمُعَجّلُ . فَصْلٌ [الْحِمْيَةُ ] [وَصَايَا جَالِينُوسَ ] وَالْحِمْيَةُ الْمُفْرِطَةُ فِي الصّحّةِ كَالتّخْلِيطِ فِي الْمَرَضِ وَالْحِمْيَةُ الْمُعْتَدِلَةُ نَافِعَةٌ وَقَالَ جَالِينُوسُ لِأَصْحَابِهِ اجْتَنِبُوا ثَلَاثًا وَعَلَيْكُمْ بِأَرْبَعٍ وَلَا حَاجَةَ بِكُمْ إلَى طَبِيبٍ اجْتَنِبُوا الْغُبَارَ وَالدّخَانَ وَالنّتْنَ وَعَلَيْك بِالدّسَمِ وَالطّيبِ وَالْحَلْوَى وَالْحَمّامِ وَلَا تَأْكُلُوا فَوْقَ شِبَعِكُمْ وَلَا تَتَخَلّلُوا بالباذروج وَالرّيْحَانِ وَلَا تَأْكُلُوا الْجَوْزَ عِنْدَ الْمَسَاءِ وَلَا يَنَمْ مَنْ بِهِ زُكْمَةٌ عَلَى قَفَاهُ وَلَا يَأْكُلْ مَنْ بِهِ غَمّ حَامِضًا وَلَا يُسْرِعْ الْمَشْيَ مَنْ افْتَصَدَ فَإِنّهُ مُخَاطَرَةُ الْمَوْتِ وَلَا يَتَقَيّأُ مَنْ تُؤْلِمُهُ عَيْنُهُ وَلَا تَأْكُلُوا فِي الصّيْفِ لَحْمًا كَثِيرًا وَلَا يَنَمْ صَاحِبُ الْحُمّى الْبَارِدَةِ فِي الشّمْسِ وَلَا تَقْرُبُوا الْبَاذِنْجَانَ الْعَتِيقَ الْمُبَزّرَ وَمَنْ شَرِبَ كُلّ يَوْمٍ فِي الشّتَاءِ [ ص 378 ] مَاءٍ حَارّ أَمِنَ مِنْ الْأَعْلَالِ وَمَنْ دَلّكَ جِسْمَهُ فِي الْحَمّامِ بِقُشُورِ الرّمّانِ أَمِنَ مِنْ الْجَرَبِ وَالْحَكّةِ وَمَنْ أَكَلَ خَمْسَ سَوْسَنَاتٍ مَعَ قَلِيلٍ مَصْطَكَا رُومِيّ وَعُودٍ خَامٍ وَمِسْكٍ بَقِيَ طُولَ عُمْرِهِ لَا تَضْعُفَ مَعِدَتُهُ وَلَا تَفْسُدُ وَمَنْ أَكَلَ بِزْرَ الْبِطّيخِ مَعَ السّكّرِ نَظّفَ الْحَصَى مِنْ مَعِدَتِهِ وَزَالَتْ عَنْهُ حُرْقَةُ الْبَوْلِ . فَصْلٌ [ وَصَايَا عَامّةٌ ] أَرْبَعَةٌ تَهْدِمُ الْبَدَنَ الْهَمّ وَالْحُزْنُ وَالْجُوعُ وَالسّهَرُ . وَأَرْبَعَةٌ تُفْرِحُ النّظَرُ إلَى الْخُضْرَةِ وَإِلَى الْمَاءِ الْجَارِي وَالْمَحْبُوبِ وَالثّمَارِ . وَأَرْبَعَةٌ تُظْلِمُ الْبَصَرَ الْمَشْيُ حَافِيًا وَالتّصَبّحُ وَالتّمَسّي بِوَجْهِ الْبَغِيضِ وَالثّقِيلِ وَالْعَدُوّ وَكَثْرَةُ الْبُكَاءِ وَكَثْرَةُ النّظَرِ فِي الْخَطّ الدّقِيقِ . وَأَرْبَعَةٌ تُقَوّي الْجِسْمَ لُبْسُ الثّوْبِ النّاعِمِ وَدُخُولُ الْحَمّامِ الْمُعْتَدِلُ وَأَكْلُ الطّعَامِ الْحُلْوِ وَالدّسِمِ وَشَمّ الرّوَائِحِ الطّيّبَةِ . وَأَرْبَعَةٌ تُيَبّسُ الْوَجْهَ وَتُذْهِبُ مَاءَهُ وَبَهْجَتَهُ وَطَلَاوَتَهُ الْكَذِبُ وَالْوَقَاحَةُ وَكَثْرَةُ السّؤَالِ عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَكَثْرَةُ الْفُجُورِ . وَأَرْبَعَةٌ تَزِيدُ فِي مَاءِ الْوَجْهِ وَبَهْجَتِهِ الْمُرُوءَةُ وَالْوَفَاءُ وَالْكَرَمُ وَالتّقْوَى . وَأَرْبَعَةٌ تَجْلِبُ الْبَغْضَاءَ وَالْمَقْتَ الْكِبْرُ وَالْحَسَدُ وَالْكَذِبُ وَالنّمِيمَةُ . وَأَرْبَعَةٌ تَجْلِبُ الرّزْقَ قِيَامُ اللّيْلِ وَكَثْرَةُ الِاسْتِغْفَارِ بِالْأَسْحَارِ وَتَعَاهُدُ الصّدَقَةِ وَالذّكْرُ أَوّلَ النّهَارِ وَآخِرَهُ . وَأَرْبَعَةٌ تَمْنَعُ الرّزْقَ نَوْمُ الصّبْحَةِ وَقِلّةُ الصّلَاةِ وَالْكَسَلُ وَالْخِيَانَةُ . وَأَرْبَعَةٌ تَضُرّ بِالْفَهْمِ وَالذّهْنِ إدْمَانُ أَكْلِ الْحَامِضِ وَالْفَوَاكِهِ وَالنّوْمُ عَلَى الْقَفَا وَالْهَمّ وَالْغَمّ . [ ص 379 ] وَمِمّا يَضُرّ بِالْعَقْلِ إدْمَانُ أَكْلِ الْبَصَلِ وَالْبَاقِلّا وَالزّيْتُونِ وَالْبَاذِنْجَانِ وَكَثْرَةُ الْجِمَاعِ وَالْوَحْدَةُ وَالْأَفْكَارُ وَالسّكّرُ وَكَثْرَةُ الضّحِكِ وَالْغَمّ . قَالَ بَعْضُ أَهْلِ النّظَرِ قُطِعَتْ فِي ثَلَاثِ مَجَالِسَ فَلَمْ أَجِدْ لِذَلِكَ عِلّةً إلّا أَنّي أَكْثَرْتُ مِنْ أَكْلِ الْبَاذِنْجَانِ فِي أَحَدِ تِلْكَ الْأَيّامِ وَمِنْ الزّيْتُونِ فِي الْآخَرِ وَمِنْ الْبَاقِلّا فِي الثّالِثِ . فَصْلٌ [ فَضْلُ الطّبّ النّبَوِيّ ] قَدْ أَتَيْنَا عَلَى جُمْلَةٍ نَافِعَةٍ مِنْ أَجْزَاءِ الطّبّ الْعِلْمِيّ وَالْعَمَلِيّ لَعَلّ النّاظِرَ لَا يَظْفَرُ بِكَثِيرٍ مِنْهَا إلّا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَأَرَيْنَاكَ قُرْبَ مَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الشّرِيعَةِ وَأَنّ الطّبّ النّبَوِيّ نِسْبَةُ طِبّ الطّبَائِعِيّينَ إلَيْهِ أَقَلّ مِنْ نِسْبَةِ طِبّ الْعَجَائِزِ إلَى طِبّهِمْ . وَالْأَمْرُ فَوْقَ مَا ذَكَرْنَاهُ وَأَعْظَمُ مِمّا وَصَفْنَاهُ بِكَثِيرٍ وَلَكِنْ فِيمَا ذَكَرْنَاهُ تَنْبِيهٌ بِالْيَسِيرِ عَلَى مَا وَرَاءَهُ وَمَنْ لَمْ يَرْزُقْهُ اللّهُ بَصِيرَةً عَلَى التّفْصِيلِ فَلْيَعْلَمْ مَا بَيْنَ الْقُوّةِ الْمُؤَيّدَةِ بِالْوَحْيِ مِنْ عِنْدِ اللّهِ وَالْعُلُومِ الّتِي رَزَقَهَا اللّهُ الْأَنْبِيَاءَ وَالْعُقُولِ وَالْبَصَائِرِ الّتِي مَنَحَهُمْ اللّهُ إيّاهَا وَبَيْنَ مَا عِنْدَ غَيْرِهِمْ . وَلَعَلّ قَائِلًا يَقُولُ مَا لِهَدْيِ الرّسُولِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَا لِهَذَا الْبَابِ وَذِكْرِ قُوَى الْأَدْوِيَةِ وَقَوَانِينِ الْعِلَاجِ وَتَدْبِيرِ أَمْرِ الصّحّةِ ؟ . وَهَذَا مِنْ تَقْصِيرِ هَذَا الْقَائِلِ فِي فَهْمِ مَا جَاءَ بِهِ الرّسُولُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَإِنّ هَذَا وَأَضْعَافَهُ وَأَضْعَافَ أَضْعَافِهِ مِنْ فَهْمِ بَعْضِ مَا جَاءَ بِهِ وَإِرْشَادِهِ إلَيْهِ وَدِلَالَتِهِ عَلَيْهِ وَحُسْنُ الْفَهْمِ عَنْ اللّهِ وَرَسُولِهِ مَنّ يَمُنّ اللّهُ بِهِ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ . [ ص 380 ] الطّبّ الثّلَاثَةِ فِي الْقُرْآنِ وَكَيْفَ تُنْكِرُ أَنْ تَكُونَ شَرِيعَةُ الْمَبْعُوثِ بِصَلَاحِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ مُشْتَمِلَةً عَلَى صَلَاحِ الْأَبْدَانِ كَاشْتِمَالِهَا عَلَى صَلَاحِ الْقُلُوبِ وَأَنّهَا مُرْشِدَةٌ إلَى حِفْظِ صِحّتِهَا وَدَفْعِ آفَاتِهَا بِطُرُقٍ كُلّيّةٍ قَدْ وُكِلَ تَفْصِيلُهَا إلَى الْعَقْلِ الصّحِيحِ وَالْفِطْرَةِ السّلِيمَةِ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ وَالتّنْبِيهِ وَالْإِيمَاءِ كَمَا هُوَ فِي كَثِيرٍ مِنْ مَسَائِلِ فُرُوعِ الْفِقْهِ وَلَا تَكُنْ مِمّنْ إذَا جَهِلَ شَيْئًا عَادَاهُ . وَلَوْ رُزِقَ الْعَبْدُ تَضَلّعًا مِنْ كِتَابِ اللّهِ وَسُنّةِ رَسُولِهِ وَفَهْمًا تَامّا فِي النّصُوصِ وَلَوَازِمِهَا لَاسْتَغْنَى بِذَلِكَ عَنْ كُلّ كَلَامٍ سِوَاهُ وَلَاسْتَنْبَطَ جَمِيعَ الْعُلُومِ الصّحِيحَةِ مِنْهُ . فَمَدَارُ الْعُلُومِ كُلّهَا عَلَى مَعْرِفَةِ اللّهِ وَأَمْرِهِ وَخَلْقِهِ وَذَلِكَ مُسَلّمٌ إلَى الرّسُلِ صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ فَهُمْ أَعْلَمُ الْخَلْقِ بِاَللّهِ وَأَمْرِهِ وَخَلْقِهِ وَحِكْمَتِهِ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ . وَطِبّ أَتْبَاعِهِمْ أَصَحّ وَأَنْفَعُ مِنْ طِبّ غَيْرِهِمْ . وَطِبّ أَتْبَاعِ خَاتَمِهِمْ وَسَيّدِهِمْ وَإِمَامِهِمْ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ صَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ أَكْمَلُ الطّبّ وَأَصَحّهُ وَأَنْفَعُهُ وَلَا يَعْرِفُ هَذَا إلّا مَنْ عَرَفَ طِبّ النّاسِ سِوَاهُمْ وَطِبّهُمْ ثُمّ وَازَنَ بَيْنَهُمَا فَحِينَئِذٍ يَظْهَرُ لَهُ التّفَاوُتُ وَهُمْ أَصَحّ الْأُمَمِ عُقُولًا وَفِطَرًا وَأَعْظَمُهُمْ عِلْمًا وَأَقْرَبُهُمْ فِي كُلّ شَيْءٍ إلَى الْحَقّ لِأَنّهُمْ خِيرَةُ اللّهِ مِنْ الْأُمَمِ كَمَا أَنّ رَسُولَهُمْ خِيرَتُهُ مِنْ الرّسُلِ . وَالْعِلْمُ الّذِي وَهَبَهُمْ إيّاهُ وَالْحِلْمُ وَالْحِكْمَةُ أَمْرٌ لَا يُدَانِيهِمْ فِيهِ غَيْرُهُمْ وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " : مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْتُمْ تُوفُونَ سَبْعِينَ أُمّةً أَنْتُمْ خَيْرُهَا وَأَكْرَمُهَا عَلَى اللّهِ فَظَهَرَ أَثَرُ كَرَامَتِهَا عَلَى اللّهِ سُبْحَانَهُ فِي عُلُومِهِمْ وَعُقُولِهِمْ وَأَحْلَامِهِمْ وَفِطَرِهِمْ وَهُمْ الّذِينَ عُرِضَتْ عَلَيْهِمْ عُلُومُ الْأُمَمِ قَبْلَهُمْ وَعُقُولُهُمْ وَأَعْمَالُهُمْ وَدَرَجَاتُهُمْ فَازْدَادُوا بِذَلِكَ عِلْمًا وَحِلْمًا وَعُقُولًا إلَى مَا [ ص 381 ] أَفَاضَ اللّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَيْهِمْ مِنْ عِلْمِهِ وَحِلْمِهِ . [ غَلَبَ عَلَى النّصَارَى الْبَلَادَةُ وَعَلَى الْيَهُودِ الْهَمّ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ الْعَقْلُ وَالشّجَاعَةُ . . ] وَلِذَلِكَ كَانَتْ الطّبِيعَةُ الدّمَوِيّةُ لَهُمْ وَالصّفْرَاوِيّةُ لِلْيَهُودِ وَالْبَلْغَمِيّةُ لِلنّصَارَى وَلِذَلِكَ غَلَبَ عَلَى النّصَارَى الْبَلَادَةُ وَقِلّةُ الْفَهْمِ وَالْفِطْنَةِ وَغَلَبَ عَلَى الْيَهُودِ الْحُزْنُ وَالْهَمّ وَالْغَمّ وَالصّغَارُ وَغَلَبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ الْعَقْلُ وَالشّجَاعَةُ وَالْفَهْمُ وَالنّجْدَةُ وَالْفَرَحُ وَالسّرُورُ . وَهَذِهِ أَسْرَارٌ وَحَقَائِقُ إنّمَا يُعْرَفُ مِقْدَارُهَا مِنْ حُسْنِ فَهْمِهِ وَلُطْفِ ذِهْنِهِ وَغُزْرِ عِلْمِهِ وَعَرَفَ مَا عِنْدَ النّاسِ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . بِعَوْنِهِ تَعَالَى تَمّ الْجُزْءُ الرّابِعُ مِنْ زَادِ الْمَعَادِ فِي هَدْيِ خَيْرِ الْعِبَادِ وَيَلِيهِ الْجُزْءُ الْخَامِسُ وَأَوّلُهُ فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَقْضِيَتِهِ وَأَحْكَامِهِ فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْأَقْضِيَةِ وَالْأَنْكِحَةِ وَالْبُيُوعِ [ ص 5 ] كَانَتْ أَقْضِيَتُهُ الْخَاصّةُ تَشْرِيعًا عَامّا وَإِنّمَا الْغَرَضُ ذِكْرُ هَدْيِهِ فِي الْحُكُومَاتِ الْجُزْئِيّةِ الّتِي فَصَلَ بِهَا بَيْنَ الْخُصُومِ وَكَيْفَ كَانَ هَدْيُهُ فِي الْحُكْمِ بَيْنَ النّاسِ وَنَذْكُرُ مَعَ ذَلِكَ قَضَايَا مِنْ أَحْكَامِهِ الْكُلّيّةِ . فَصْلٌ [ جَوَازُ الْحَبْسِ ] ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ حَدِيثِ بَهْزِ بْنِ حَكِيمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَبَسَ رَجُلًا فِي تُهْمَةٍ قَالَ أَحْمَدُ وَعَلِيّ بْنُ الْمَدِينِيّ : هَذَا إسْنَادٌ صَحِيحٌ . وَذَكَرَ ابْنُ زِيَادٍ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي " أَحْكَامِهِ " : أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَجَنَ رَجُلًا أَعْتَقَ شِرْكًا لَهُ فِي عَبْدٍ فَوَجَبَ عَلَيْهِ اسْتِتْمَامَ عِتْقِهِ حَتّى بَاعَ غُنَيْمَةً لَهُ فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ فِيمَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ رَوَى الْأَوْزَاعِيّ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ أَنّ رَجُلًا قَتَلَ عَبْدَهُ مُتَعَمّدًا فَجَلَدَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَنَفَاهُ سَنَةً وَأَمَرَهُ أَنْ يُعْتِقَ رَقَبَةً وَلَمْ يُقِدْهُ بِهِ [ ص 6 ] أَحْمَدُ : مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةً رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ قَتَلَ عَبْدَهُ قَتَلْنَاهُ فَإِنْ كَانَ هَذَا مَحْفُوظًا وَقَدْ سَمِعَهُ مِنْهُ الْحَسَنُ كَانَ قَتْلُهُ تَعْزِيرًا إلَى الْإِمَامِ بِحَسْبِ مَا يَرَاهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ . وَأَمَرَ رَجُلًا بِمُلَازَمَةِ غَرِيمِهِ كَمَا ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ النّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ عَنْ الْهِرْمَاسِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ أَتَيْتُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِغَرِيمٍ لِي فَقَالَ لِي : الْزَمْهُ " ثُمّ قَالَ لِي " يَا أَخَا بَنِي سَهْمٍ مَا تُرِيدُ أَنْ تَفْعَلَ بِأَسِيرِك " وَرَوَى أَبُو عُبَيْدٍ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْقَاتِل وَصَبْرِ الصّابِر قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : أَيْ بِحَبْسِهِ لِلْمَوْتِ حَتّى يَمُوتَ . وَذَكَرَ عَبْدُ الرّزّاقِ فِي " مُصَنّفِهِ " عَنْ عَلِيّ : يُحْبَسُ الْمُمْسَكُ فِي السّجْنِ حَتّى يَمُوت فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ فِي الْمُحَارِبِينَ حَكَمَ بِقَطْعِ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلِهِمْ وَسَمْلِ أَعْيُنِهِمْ كَمَا سَمَلُوا عَيْنَ الرّعَاءِ [ ص 7 ] وَتَرَكَهُمْ حَتّى مَاتُوا جَوْعًا وَعَطَشًا كَمَا فَعَلُوا بِالرّعَاءِ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ بَيْنَ الْقَاتِلِ وَوَلِيّ الْمَقْتُولِ ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " : عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ رَجُلًا ادّعَى عَلَى آخَرَ أَنّهُ قَتَلَ أَخَاهُ فَاعْتَرَفَ فَقَالَ دُونَكَ صَاحِبَكَ " فَلَمّا وَلّى قَالَ إنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ فَرَجَعَ فَقَالَ إنّمَا أَخَذْتُهُ بِأَمْرِك فَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَا تُرِيدُ أَنْ يَبُوءَ بِإِثْمِكَ وَإِثْمِ صَاحِبِكَ ؟ فَقَالَ بَلَى فَخَلّى سَبِيلَهُ وَفِي قَوْلِهِ " فَهُوَ مِثْلُهُ " قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا : أَنّ الْقَاتِلَ إذَا قِيدَ مِنْهُ سَقَطَ مَا عَلَيْهِ فَصَارَ هُوَ وَالْمُسْتَقِيدُ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ وَهُوَ لَمْ يَقُلْ إنّهُ بِمَنْزِلَتِهِ قَبْلَ الْقَتْلِ وَإِنّمَا قَالَ إنْ قَتَلَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ " وَهَذَا يَقْتَضِي الْمُمَاثَلَةَ بَعْدَ قَتْلِهِ فَلَا إشْكَالَ فِي الْحَدِيثِ وَإِنّمَا فِيهِ التّعْرِيضُ لِصَاحِبِ الْحَقّ بِتَرْكِ الْقَوَدِ وَالْعَفْوِ . وَالثّانِي : أَنّهُ إنْ كَانَ لَمْ يُرِدْ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ بَهْ فَهُوَ مُتَعَدّ مِثْلَهُ إذْ كَانَ الْقَاتِلُ مُتَعَدّيًا بِالْجِنَايَةِ وَالْمُقْتَصّ مُتّعَدٍ بِقَتْلِ مَنْ لَمْ يَتَعَمّدْ الْقَتْلَ وَيَدُلّ عَلَى هَذَا التّأْوِيلِ مَا رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " مَسْنَدِهِ " : مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ قُتِلَ رَجُلٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرُفِعَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَدَفَعَهُ إلَى وَلِيّ الْمَقْتُولِ فَقَالَ الْقَاتِلُ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا أَرَدْتُ قَتْلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلْوَلِيّ [ ص 8 ] أَمَا إنّهُ إذَا كَانَ صَادِقًا ثُمّ قَتَلْتَهُ دَخَلْتَ النّارَ فَخَلّى سَبِيلَه وَفِي كِتَابِ ابْنِ حَبِيبٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ زِيَادَةٌ وَهِيَ قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَمْدُ يَدٍ وَخَطَأُ قَلْبٍ فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ بِالْقَوَدِ عَلَى مَنْ قَتَلَ جَارِيَةً وَأَنّهُ يُفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " أَنّ يَهُودِيّا رَضّ رَأْسَ جَارِيَةٍ بَيْنَ حَجَرَيْنِ عَلَى أَوْضَاحٍ لَهَا أَيْ حُلِيّ فَأُخِذَ فَاعْتَرَفَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُرَضّ رَأْسُهُ بَيْنَ حَجَرَيْنِ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى قَتْلِ الرّجُلِ بِالْمَرْأَةِ وَعَلَى أَنّ الْجَانِيَ يُفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ وَأَنّ الْقَتْلَ غِيلَةً لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ إذْنُ الْوَلِيّ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَدْفَعْهُ إلَى أَوْلِيَائِهَا وَلَمْ يَقُلْ إنْ شِئْتُمْ فَاقْتُلُوهُ وَإِنْ شِئْتُمْ فَاعْفُوا عَنْهُ بَلْ قَتَلَهُ حَتْمًا وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِك ٍ وَاخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيّةَ وَمَنْ قَالَ إنّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِنَقْضِ الْعَهْدِ لَمْ يَصِحّ فَإِنّ نَاقِضَ الْعَهْدِ لَا تُرْضَخُ رَأْسُهُ بِالْحِجَارَةِ بَلْ يُقْتَلُ بِالسّيْفِ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيمَنْ ضَرَبَ امْرَأَةً حَامِلًا فَطَرَحَهَا فِي " الصّحِيحَيْن ِ " أَنّ امْرَأَتَيْنِ مِنْ هُذَيْلٍ رَمَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى بِحَجَرٍ فَقَتَلَتْهَا وَمَا فِي بَطْنِهَا فَقَضَى فِيهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِغُرّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ فِي الْجَنِينِ وَجَعَلَ دِيَةَ الْمَقْتُولَةِ عَلَى عَصَبَةِ الْقَاتِلَةِ [ ص 9 ] الصّحِيحَيْنِ " . وَفِي النّسَائِيّ فَقَضَى فِي حَمْلِهَا بِغُرّةٍ وَأَنْ تُقْتَلَ بِهَا وَكَذَلِك قَالَ غَيْرُهُ أَيْضًا : إنّهُ قَتَلَهَا مَكَانَهَا وَالصّحِيحُ أَنّهُ لَمْ يَقْتُلْهَا لِمَا تَقَدّمَ . وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيّ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَضَى فِي جَنِينِ امْرَأَةٍ مَنْ بَنِي لَحْيَانَ بِغُرّةٍ عَبْدٍ أَوْ وَلِيدَةٍ ثُمّ إنّ الْمَرْأَةَ الّتِي قَضَى عَلَيْهَا بِالْغُرّةِ تُوُفّيَتْ فَقَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ مِيرَاثَهَا لِبَنِيهَا وَزَوْجِهَا وَأَنّ الْعَقْلَ عَلَى عَصَبَتِهَا وَفِي هَذَا الْحُكْمِ أَنّ شِبْهَ الْعَمْدِ لَا يُوجِبُ الْقَوَدَ وَأَنّ الْعَاقِلَةَ تَحْمِلُ الْغُرّةَ تَبَعًا لِلدّيَةِ وَأَنّ الْعَاقِلَةَ هُمْ الْعَصَبَةُ وَأَنّ زَوْجَ الْقَاتِلَةِ لَا يَدْخُلُ مَعَهُمْ وَأَنّ أَوْلَادَهَا أَيْضًا لَيْسُوا مِنْ الْعَاقِلَةِ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْقَسَامَةِ فِيمَنْ لَمْ يُعْرَفْ قَاتِلُهُ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَكَمَ بِهَا بَيْنَ الْأَنْصَارِ وَالْيَهُودِ وَقَالَ لِحُوَيّصَةَ وَمُحَيّصَةَ وَعَبْدِ الرّحْمَنِ أَتَحْلِفُونَ وَتَسْتَحِقّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ وَقَالَ [ ص 10 ] الْبُخَارِيّ : وَتَسْتَحِقّونَ قَاتِلَكُمْ أَوْ صَاحِبَكُمْ " فَقَالُوا : أَمْرٌ لَمْ نَشْهَدْهُ وَلَمْ نَرَهُ فَقَالَ " فَتُبْرِئُكُمْ يَهُودُ بِأَيْمَانٍ خَمْسِينَ " فَقَالُوا : كَيْفَ نَقْبَلُ أَيْمَانَ قَوْمٍ كُفّارٍ ؟ فَوَدَاهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ عِنْدِهِ وَفِي لَفْظٍ وَيُقْسِمُ خَمْسُونَ مِنْكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْهُمْ فَيُدْفَعُ بِرُمّتِهِ إلَيْه ِ وَاخْتَلَفَ لَفْظُ الْأَحَادِيثِ الصّحِيحَةِ فِي مَحَلّ الدّيَةِ فَفِي بَعْضِهَا أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ وَفِي بَعْضِهَا وَدَاهُ مِنْ إبِلِ الصّدَقَةِ . وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " : أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَلْقَى دِيَتَهُ عَلَى الْيَهُودِ لِأَنّهُ وُجِدَ بَيْنَهُمْ وَفِي " مُصَنّفِ عَبْدِ الرّزّاقِ " : أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَدَأَ بِيَهُودَ فَأَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا فَرَدّ الْقَسَامَةَ عَلَى الْأَنْصَارِ فَأَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا فَجَعَلَ عَقْلَهُ عَلَى يَهُودَ [ مَا تَضَمّنَهُ هَذَا الْحُكْمُ مِنْ الْأُمُورِ ] وَفِي " سُنَنِ النّسَائِيّ " : فَجَعَلَ عَقْلَهُ عَلَى الْيَهُودِ وَأَعَانَهُمْ بِبَعْضِهَا وَقَدْ تَضَمّنَتْ هَذِهِ الْحُكُومَةُ أُمُورًا : دمِنْهَا : الْحُكْمُ بِالْقَسَامَةِ وَأَنّهَا مِنْ دِينِ اللّهِ وَشَرْعِهِ . [ ص 11 ] وَمِنْهَا : الْقَتْلُ بِهَا لِقَوْلِهِ فَيُدْفَعُ بِرُمّتِهِ إلَيْهِ وَقَوْلُهُ فِي لَفْظٍ آخَرَ وَتَسْتَحِقّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ فَظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالسّنّةِ الْقَتْلُ بِأَيْمَانِ الزّوْجِ الْمُلَاعِنِ وَأَيْمَانِ الْأَوْلِيَاءِ فِي الْقَسَامَةِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ . الْمَدِينَةِ . وَأَمّا أَهْلُ الْعِرَاقِ فَلَا يَقْتُلُونَ فِي وَاحِدٍ مِنْهُمَا وَأَحْمَدُ يَقْتُلُ فِي الْقَسَامَةِ دُونَ اللّعَانِ وَالشّافِعِيّ عَكْسُهُ . وَمِنْهَا : أَنّهُ يَبْدَأُ بِأَيْمَانِ الْمُدّعِينَ فِي الْقَسَامَةِ بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الدّعَاوَى . وَمِنْهَا : أَنّ أَهْلَ الذّمّةِ إذَا مَنَعُوا حَقّا عَلَيْهِمْ انْتَقَضَ عَهْدُهُمْ لِقَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إمّا أَنْ تَدُوهُ وَإِمّا أَنْ تَأْذَنُوا بِحَرْبٍ وَمِنْهَا : أَنّ الْمُدّعَى عَلَيْهِ إذَا بَعُدَ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ كَتَبَ إلَيْهِ وَلَمْ يُشْخِصْهُ . وَمِنْهَا : جَوَازُ الْعَمَلِ وَالْحُكْمِ بِكِتَابِ الْقَاضِي وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِ . وَمِنْهَا : الْقَضَاءُ عَلَى الْغَائِبِ . وَمِنْهَا : أَنّهُ لَا يُكْتَفَى فِي الْقَسَامَةِ بِأَقَلّ مِنْ خَمْسِينَ إذَا وُجِدُوا . وَمِنْهَا : الْحُكْمُ عَلَى أَهْلِ الذّمّةِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ لَمْ يَتَحَاكَمُوا إلَيْنَا إذَا كَانَ الْحُكْمُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ . [ الْإِشْكَالُ فِي مَحَلّ الدّيَةِ ] وَمِنْهَا : - وَهُوَ الّذِي أَشْكَلَ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النّاسِ - إعْطَاؤُهُ الدّيَةَ مِنْ إبِلِ الصّدَقَةِ وَقَدْ ظَنّ بَعْضُ النّاسِ أَنّ ذَلِكَ مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ وَهَذَا لَا يَصِحّ فَإِنّ غَارِمَ أَهْلِ الذّمّةِ لَا يُعْطَى مِنْ الزّكَاةِ وَظَنّ بَعْضُهُمْ أَنّ ذَلِكَ مِمّا فَضَلَ مِنْ الصّدَقَةِ عَنْ أَهْلِهَا فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَصْرِفَهُ فِي الْمَصَالِحِ وَهَذَا أَقْرَبُ مِنْ الْأَوّلِ وَأَقْرَبُ مِنْهُ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ وَاقْتَرَضَ الدّيَةَ مِنْ إبِلِ الصّدَقَةِ وَيَدُلّ عَلَيْهِ " فَوَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ " وَأَقْرَبُ مِنْ هَذَا كُلّهِ أَنْ يُقَالَ لَمّا تَحَمّلَهَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ بَيْنَ الطّائِفَتَيْنِ كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْقَضَاءِ عَلَى الْغَارِمِ لِمَا غَرّمَهُ لِإِصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ وَلَعَلّ هَذَا مُرَادُ مَنْ قَالَ إنّهُ قَضَاهَا مِنْ سَهْمِ الْغَارِمِينَ وَهُوَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَأْخُذْ مِنْهَا [ ص 12 ] أَعْلَمُ . فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِقَوْلِهِ " فَجَعَلَ عَقْلَهُ عَلَى الْيَهُودِ " ؟ فَيُقَالُ هَذَا مُجْمَلٌ لَمْ يَحْفَظْ رَاوِيهِ كَيْفِيّةَ جَعْلِهِ عَلَيْهِمْ فَإِنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا كَتَبَ إلَيْهِمْ أَنْ يَدُوا الْقَتِيلَ أَوْ يَأْذَنُوا بِحَرْبٍ كَانَ هَذَا كَالْإِلْزَامِ لَهُمْ بِالدّيَةِ وَلَكِنّ الّذِي حَفِظُوا أَنّهُمْ أَنْكَرُوا أَنْ يَكُونُوا قَتَلُوا وَحَلَفُوا عَلَى ذَلِكَ وَأَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَدَاهُ مِنْ عِنْدِهِ حَفِظُوا زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ فَهُمْ أَوْلَى بِالتّقْدِيمِ . فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِرِوَايَةِ النّسَائِيّ : أَنّهُ قَسّمَهَا عَلَى الْيَهُودِ وَأَعَانَهُمْ بِبَعْضِهَا ؟ قِيلَ هَذَا لَيْسَ بِمَحْفُوظٍ قَطْعًا فَإِنّ الدّيَةَ لَا تُلْزِمُ الْمُدّعَى عَلَيْهِمْ بِمُجَرّدِ دَعْوَى أَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ بَلْ لَا بُدّ مِنْ إقْرَارٍ أَوْ بَيّنَةٍ أَوْ أَيْمَانِ الْمُدّعِينَ وَلَمْ يُوجَدْ هُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِك وَقَدْ عَرَضَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَيْمَانَ الْقَسَامَةِ عَلَى الْمُدّعِينَ فَأَبَوْا أَنْ يَحْلِفُوا فَكَيْفَ يُلْزِمُ الْيَهُودَ بِالدّيَةِ بِمُجَرّدِ الدّعْوَى . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَرْبَعَةٍ سَقَطُوا فِي بِئْرٍ فَتَعَلّقَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ فَهَلَكُوا ذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْبَزّارُ وَغَيْرُهُمَا أَنّ قَوْمًا احْتَفَرُوا بِئْرًا بِالْيَمَنِ فَسَقَطَ فِيهَا رَجُلٌ فَتَعَلّقَ بِآخَرَ وَالثّانِي بِالثّالِثِ وَالثّالِثُ بِالرّابِعِ فَسَقَطُوا جَمِيعًا فَمَاتُوا فَارْتَفَعَ أَوْلِيَاؤُهُمْ إلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَقَالَ اجْمَعُوا مَنْ حَفَرَ الْبِئْرَ مِنْ النّاسِ وَقَضَى لِلْأَوّلِ بِرُبْعِ الدّيَةِ لِأَنّهُ هَلَكَ فَوْقَهُ ثَلَاثَةٌ وَلِلثّانِي بِثُلُثِهَا لِأَنّهُ هَلَكَ فَوْقَهُ اثْنَانِ وَلِلثّالِثِ بِنِصْفِهَا لِأَنّهُ هَلَكَ فَوْقَهُ وَاحِدٌ وَلِلرّابِعِ بِالدّيَةِ تَامّةً فَأَتَوْا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعَامَ الْمُقْبِلَ فَقَصّوا عَلَيْهِ الْقِصّةَ فَقَالَ " هُوَ مَا قَضَى بَيْنَكُمْ هَكَذَا سِيَاقُ الْبَزّارِ . وَسِيَاقُ أَحْمَدَ نَحْوُهُ وَقَالَ إنّهُمْ أَبَوْا أَنْ يَرْضَوْا بِقَضَاءِ عَلِيّ فَأَتَوْا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ عِنْدَ مَقَامِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السّلَامُ فَقَصّوا عَلَيْهِ الْقِصّةَ فَأَجَازَهُ [ ص 13 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَجَعَلَ الدّيَةَ عَلَى قَبَائِلِ الّذِينَ ازْدَحَمُوا . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيمَنْ تَزَوّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَد وَالنّسَائِيّ وَغَيْرُهُمَا : عَنْ الْبَرَاءِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ لَقِيتُ خَالِي أَبَا بُرْدَةَ وَمَعَهُ الرّايَةُ فَقَالَ أَرْسَلَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى رَجُلٍ تَزَوّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ أَنْ أَقْتُلَهُ وَآخُذَ مَالَهُ وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ فِي " تَارِيخِهِ " مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرّةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعَثَهُ إلَى رَجُلٍ أَعْرَسَ بِامْرَأَةِ أَبِيهِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ وَخَمّسَ مَالَهُ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوه [ ص 14 ] وَذَكَرَ الْجُوزَجَانِيّ أَنّهُ رُفِعَ إلَى الْحَجّاجِ رَجُلٌ اغْتَصَبَ أُخْتَه عَلَى نَفْسِهَا فَقَالَ احْبِسُوهُ وَسَلُوا مَنْ هَاهُنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَسَأَلُوا عَبْدَ اللّهِ بْنَ أَبِي مُطَرّفٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَقَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ مَنْ تَخَطّى حَرَمَ الْمُؤْمِنِينَ فَخُطّوا وَسَطَهُ بِالسّيْفِ وَقَدْ نَصّ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ إسْمَاعِيلَ بْنِ سَعِيدٍ فِي رَجُلٍ تَزَوّجَ امْرَأَةَ أَبِيهِ أَوْ بِذَاتِ مَحْرَمٍ فَقَالَ يُقْتَلُ وَيَدْخُلُ مَالُهُ فِي بَيْتِ الْمَال وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الصّحِيحُ وَهُوَ مُقْتَضَى حُكْمِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ الشّافِعِيّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : حَدّهُ حَدّ الزّانِي ثُمّ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ وَطِئَهَا بِعِقْدٍ عُزّرَ وَلَا حَدّ عَلَيْهِ وَحُكْمُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَضَاؤُهُ أَحَقّ وَأَوْلَى . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقَتْلِ مَنْ اُتّهِمَ بِأُمّ وَلَدِهِ فَلَمّا ظَهَرَتْ بَرَاءَتُهُ أَمْسَكَ عَنْهُ رَوَى ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ وَابْنُ السّكَنِ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ ابْنَ عَمّ مَارِيَةَ كَانَ يُتّهَمُ بِهَا فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِب ٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ اذْهَبْ فَإِنْ وَجَدْتَهُ عِنْدَ مَارِيَةَ فَاضْرِبْ عُنُقَهُ " فَأَتَاهُ عَلِيّ فَإِذَا هُوَ فِي رَكِيّ يَتَبَرّدُ فِيهَا فَقَالَ لَهُ عَلِيّ : اُخْرُجْ فَنَاوَلَهُ يَدهُ فأخرجه فَإِذَا هُوَ مَجْبُوبٌ لَيْسَ لَهُ ذَكَرَ فَكَفّ عَنْهُ علي ثُمّ أَتَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا رَسُول اللّهِ إنّهُ مَجْبُوبُ مَا لَهُ ذَكَرَ وَفِي لَفْظٍ آخَرَ أَنّهُ وَجَدَهُ فِي نَخْلَةٍ يَجْمَعُ تَمْرًا وَهُوَ [ ص 15 ] ذَكَرَ لَهُ وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْقَضَاءُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النّاسِ فَطَعَنَ بَعْضُهُمْ فِي الْحَدِيثِ وَلَكِنْ لَيْسَ فِي إسْنَادِهِ مَنْ يُتَعَلّقُ عَلَيْهِ وَتَأَوّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يُرِدْ حَقِيقَةَ الْقَتْلِ إنّمَا أَرَادَ تَخْوِيفَهُ لِيَزْدَجِرَ عَنْ مَجِيئِهِ إلَيْهَا . قَالَ وَهَذَا كَمَا قَالَ سُلَيْمَانُ لِلْمَرْأَتَيْنِ اللّتَيْنِ اخْتَصَمَتَا إلَيْهِ فِي الْوَلَدِ " عَلَيّ بِالسّكّينِ حَتّى أَشُقّ الْوَلَدَ بَيْنَهُمَا " وَلَمْ يُرِدْ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ بَلْ قَصَدَ اسْتِعْلَامَ الْأَمْرِ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ وَلِذَلِكَ كَانَ مِنْ تَرَاجِمِ الْأَئِمّةِ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بَابُ الْحَاكِمِ يُوهِمُ خِلَافَ الْحَقّ لَيُتَوَصّلَ بِهِ إلَى مَعْرِفَةِ الْحَقّ فَأَحَبّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَعْرِفَ الصّحَابَةُ بَرَاءَتَهُ وَبَرَاءَةَ مَارِيَةَ وَعُلِمَ أَنّهُ إذَا عَايَنَ السّيْفَ كَشَفَ عَنْ حَقِيقَةِ حَالِهِ فَجَاءَ الْأَمْرُ كَمَا قَدّرَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا أَنْ يُقَالَ إنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ عَلِيّا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ بِقَتْلِهِ تَعْزِيرًا لِإِقْدَامِهِ وَجُرْأَتِهِ عَلَى خَلْوَتِهِ بِأُمّ وَلَدِهِ فَلَمّا تَبَيّنَ لِعَلِيّ حَقِيقَةُ الْحَالِ وَأَنّهُ بَرِيءٌ مِنْ الرّيبَةِ كَفّ عَنْ قَتْلِهِ وَاسْتَغْنَى عَنْ الْقَتْلِ بِتَبْيِينِ الْحَالِ وَالتّعْزِيرُ بِالْقَتْلِ لَيْسَ بِلَازِمٍ كَالْحَدّ بَلْ هُوَ تَابِعٌ لِلْمَصْلَحَةِ دَائِرٌ مَعَهَا وُجُودًا وَعَدَمًا . فَصْلٌ فِي قَضَائِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْقَتِيلِ يُوجَدُ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي ّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ وُجِدَ قَتِيلٌ بَيْنَ قَرْيَتَيْنِ فَأَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَذُرِعَ مَا بَيْنَهُمَا فَوُجِدَ إلَى أَحَدِهِمَا أَقْرَبَ فَكَأَنّي أَنْظُرُ إلَى شِبْرِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَلْقَاهُ عَلَى أَقْرَبِهِمَا [ ص 16 ] وَفِي " مُصَنّفِ عَبْدِ الرّزّاقِ " قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ : قَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيمَا بَلَغَنَا فِي الْقَتِيلِ يُوجَدُ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ دِيَارِ قَوْمٍ أَنّ الْأَيْمَانَ عَلَى الْمُدّعَى عَلَيْهِمْ فَإِنْ نَكَلُوا حُلّفَ الْمُدّعُونَ وَاسْتَحَقّوا فَإِنْ نَكَلَ الْفَرِيقَانِ كَانَتْ الدّيَةُ نِصْفُهَا عَلَى الْمُدّعَى عَلَيْهِمْ وَبَطَلَ النّصْفُ إذَا لَمْ يَحْلِفُوا وَقَدْ نَصّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ الْمَرْوَزِيّ عَلَى الْقَوْلِ بِمِثْلِ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ فَقَالَ قُلْت لِأَبِي عَبْدِ اللّهِ الْقَوْمُ إذَا أُعْطُوا الشّيْءَ فَتَبَيّنُوا أَنّهُ ظُلِمَ فِيهِ قَوْمٌ ؟ فَقَالَ يُرَدّ عَلَيْهِمْ إنْ عُرِفَ الْقَوْمُ . قُلْت : فَإِنْ لَمْ يُعْرَفُوا ؟ قَالَ يُفَرّقُ عَلَى مَسَاكِينِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فَقُلْت : فَمَا الْحُجّةُ فِي أَنْ يُفَرّقَ عَلَى مَسَاكِينِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ؟ فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ جَعَلَ الدّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْمَكَانِ يَعْنِي الْقَرْيَةَ الّتِي وُجِدَ فِيهَا الْقَتِيلُ فَأَرَاهُ قَالَ كَمَا أَنّ عَلَيْهِمْ الدّيَةَ هَكَذَا يُفَرّقُ فِيهِمْ يَعْنِي : إذَا ظُلِمَ قَوْمٌ مِنْهُمْ وَلَمْ يُعْرَفُوا فَهَذَا عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَدْ قَضَى بِمُوجِبِ هَذَا الْحَدِيثِ وَجَعَلَ الدّيَةَ عَلَى أَهْلِ الْمَكَانِ الّذِي وُجِدَ فِيهِ الْقَتِيلُ وَاحْتَجّ بِهِ أَحْمَدُ وَجَعَلَ هَذَا أَصْلًا فِي تَفْرِيقِ الْمَالِ الّذِي ظُلِمَ فِيهِ أَهْلُ ذَلِكَ الْمَكَانِ عَلَيْهِمْ إذَا لَمْ يُعْرَفُوا بِأَعْيَانِهِمْ . وَأَمّا الْأَثَرُ الْآخَرُ فَمُرْسَلٌ لَا تَقُومُ بِمِثْلِهِ حُجّةٌ وَلَوْ صَحّ تَعَيّنَ الْقَوْلُ بِمِثْلِهِ وَلَمْ تَجُزْ مُخَالَفَتُهُ وَلَا يُخَالِفُ بَابَ الدّعَاوَى وَلَا بَابَ الْقَسَامَةِ فَإِنّهُ لَيْسَ فِيهِمْ لَوْثٌ ظَاهِرٌ يُوجِبُ تَقْدِيمَ الْمُدّعِينَ فَيُقَدّمُ الْمُدّعَى عَلَيْهِمْ فِي الْيَمِينِ فَإِذَا نَكَلُوا قَوِيَ جَانِبُ الْمُدّعِينَ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : وُجُودُ الْقَتِيلِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْهِمْ . وَالثّانِي : نُكُولُهُمْ عَنْ بَرَاءَةِ سَاحَتِهِمْ بِالْيَمِينِ وَهَذَا يَقُومُ مَقَامَ اللّوْثِ الظّاهِرِ فَيَحْلِفُ الْمُدّعُونَ وَيَسْتَحِقّونَ فَإِذَا نَكَلَ الْفَرِيقَانِ كِلَاهُمَا أَوْرَثَ ذَلِكَ شُبْهَةً مُرَكّبَةً مِنْ نُكُولِ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَمْ يَنْهَضْ ذَلِكَ سَبَبًا لِإِيجَابِ كَمَالِ الدّيَةِ عَلَيْهِمْ [ ص 17 ] وَوَجَبَ نِصْفُهَا عَلَى الْمُدّعَى عَلَيْهِمْ لِثُبُوتِ الشّبْهَةِ فِي حَقّهِمْ بِتَرْكِ الْيَمِينِ وَلَمْ تَجِبْ عَلَيْهِمْ بِكَمَالِهَا لِأَنّ خُصُومَهُمْ لَمْ يَحْلِفُوا فَلَمّا كَانَ اللّوْثُ مُتَرَكّبًا مِنْ يَمِينِ الْمُدّعِينَ وَنُكُولِ الْمُدّعَى عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَتِمّ سَقَطَ مَا يُقَابِلُ أَيْمَانَ الْمُدّعِينَ وَهُوَ النّصْفُ وَوَجَبَ مَا يُقَابِلُ نُكُولَ الْمُدّعَى عَلَيْهِمْ وَهُوَ النّصْفُ وَهَذَا مِنْ أَحْسَنِ الْأَحْكَامِ وَأَعْدَلِهَا وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . فَصْلٌ فِي قَضَائِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِتَأْخِيرِ الْقِصَاصِ مِنْ الْجُرْحِ حَتّى يَنْدَمِلَ ذَكَرَ عَبْدُ الرّزّاقِ فِي " مُصَنّفِه ِ " وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ قَالَ قَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي رَجُلٍ طَعَنَ آخَرَ بِقَرْنٍ فِي رِجْلِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَقِدْنِي فَقَالَ حَتّى تَبْرَأَ جِرَاحُكَ " فَأَبَى الرّجُلُ إلّا أَنْ يَسْتَقِيدَهُ فَأَقَادَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَصَحّ الْمُسْتَقَادُ مِنْهُ وَعَرِجَ الْمُسْتَقِيدُ فَقَالَ عَرِجْتُ وَبَرَأَ صَاحِبِي فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " أَلَمْ آمُرْكَ أَنْ لَا تَسْتَقِيدَ حَتّى تَبْرَأَ جِرَاحُكَ فَعَصَيْتنِي فَأَبْعَدَكَ اللّهُ وَبَطَلَ عَرَجُك " ثُمّ أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ كَانَ بِهِ جُرْحٌ بَعْدَ الرّجُلِ الّذِي عَرِجَ أَنْ لَا يُسْتَقَادَ مِنْهُ حَتّى يَبْرَأَ جُرْحُ صَاحِبِهِ فَالْجِرَاحُ عَلَى مَا بَلَغَ حَتّى يَبْرَأَ فَمَا كَانَ مِنْ عَرَجٍ أَوْ شَلَلٍ فَلَا قَوَدَ فِيهِ وَهُوَ عَقْلٌ وَمَنْ اسْتَقَادَ جُرْحًا فَأُصِيبَ الْمُسْتَقَادُ مِنْهُ فَعَقَلَ مَا فَضَلَ مِنْ دِيَتِهِ عَلَى جُرْحِ صَاحِبِهِ لَهُ . قُلْت : الْحَدِيثُ فِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ مُتّصِلٌ أَنّ رَجُلًا طُعِنَ بِقَرْنٍ فِي رُكْبَتِهِ فَجَاءَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ أَقِدْنِي . فَقَالَ " حَتّى تَبْرَأَ " فَقَالَ أَقِدْنِي . فَأَقَادَهُ ثُمّ جَاءَ إلَيْهِ فَقَالَ يَا [ ص 18 ] فَقَالَ " قَدْ نَهَيْتُكَ فَعَصَيْتنِي فَأَبْعَدَكَ اللّهُ وَبَطّلَ عَرْجَتَكَ " ثُمّ نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُقْتَصّ مِنْ جُرْحٍ حَتّى يَبْرَأَ صَاحِبُهُ وَفِي سُنَنِ الدّارَقُطْنِيّ : عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ رَجُلًا جُرِحَ فَأَرَادَ أَنْ يَسْتَقِيدَ فَنَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُسْتَقَادَ مِنْ الْجَارِحِ حَتّى يَبْرَأَ الْمَجْرُوحُ وَقَدْ تَضَمّنَتْ هَذِهِ الْحُكُومَةُ أَنّهُ لَا يَجُوزُ الِاقْتِصَاصُ مِنْ الْجُرْحِ حَتّى يَسْتَقِرّ أَمْرُهُ إمّا بِانْدِمَالٍ أَوْ بِسِرَايَةٍ مُسْتَقِرّةٍ وَأَنّ سِرَايَةَ الْجِنَايَةِ مَضْمُونَةٌ بِالْقَوَدِ وَجَوَازِ الْقِصَاصِ فِي الضّرْبَةِ بِالْعَصَا وَالْقَرْنِ وَنَحْوِهِمَا وَلَا نَاسِخَ لِهَذِهِ الْحُكُومَةِ وَلَا مُعَارِضَ لَهَا وَاَلّذِي نَسَخَ بِهَا تَعْجِيلَ الْقِصَاصِ قَبْلَ الِانْدِمَالِ لَا نَفْسَ الْقِصَاصِ فَتَأَمّلْهُ وَأَنّ الْمَجْنِيّ عَلَيْهِ إذَا بَادَرَ وَاقْتَصّ مِنْ الْجَانِي ثُمّ سَرَتْ الْجِنَايَةُ إلَى عُضْوٍ مِنْ أَعْضَائِهِ أَوْ إلَى نَفْسِهِ بَعْدَ الْقِصَاصِ فَالسّرَايَةُ هَدَرٌ . وَأَنّهُ يُكْتَفَى بِالْقِصَاصِ وَحْدَهُ دُونَ تَعْزِيرِ الْجَانِي وَحَبْسِهِ قَالَ عَطَاءٌ : الْجُرُوحُ قِصَاصٌ وَلَيْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَضْرِبَهُ وَلَا يَسْجُنَهُ إنّمَا هُوَ الْقِصَاصُ { وَمَا كَانَ رَبّكَ نَسِيّا } وَلَوْ شَاءَ لَأَمَرَ بِالضّرْبِ وَالسّجْنِ . وَقَالَ مَالِكٌ : يُقْتَصّ مِنْهُ بِحَقّ الْآدَمِيّ وَيُعَاقَبُ لِجُرْأَتِهِ . وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ الْقِصَاصُ يُغْنِي عَنْ الْعُقُوبَةِ الزّائِدَةِ فَهُوَ كَالْحَدّ إذَا أُقِيمَ عَلَى الْمَحْدُودِ لَمْ يَحْتَجْ مَعَهُ إلَى عُقُوبَةٍ أُخْرَى . [ أَنْوَاعُ الْمَعَاصِي مِنْ حَيْثُ الْعُقُوبَةُ ] وَالْمَعَاصِي ثَلَاثَةُ أَنْوَاعٍ نَوْعٌ عَلَيْهِ حَدّ مُقَدّرٌ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ [ ص 19 ] وَنَوْعٌ لَا حَدّ فِيهِ وَلَا كَفّارَةَ فَهَذَا يُرْدَعُ فِيهِ بِالتّعْزِيرِ وَنَوْعٌ فِيهِ كَفّارَةٌ وَلَا حَدّ فِيهِ كَالْوَطْءِ فِي الْإِحْرَامِ وَالصّيَامِ فَهَلْ يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الْكَفّارَةِ وَالتّعْزِيرِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْعُلَمَاءِ وَهُمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ وَالْقِصَاصُ يَجْرِي مَجْرَى الْحَدّ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ التّعْزِيرِ . فَصْلٌ فِي قَضَائِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْقِصَاصِ فِي كَسْرِ السّنّ فِي " الصّحِيحَيْن ِ " : مِنْ حَدِيثِ أَنَس ٍ أَنّ ابْنَةَ النّضْرِ أُخْتَ الرّبِيعِ لَطَمَتْ جَارِيَةً فَكَسَرَتْ سِنّهَا فَاخْتَصَمُوا إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَمَرَ بِالْقِصَاصِ فَقَالَتْ أُمّ الرّبِيعِ يَا رَسُولَ اللّهِ أَيُقْتَصّ مِنْ فُلَانَةَ لَا وَاَللّهِ لَا يُقْتَصّ مِنْهَا فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " سُبْحَانَ اللّهِ يَا أُمّ الرّبِيعِ كِتَابُ اللّهِ الْقِصَاصُ " فَقَالَتْ لَا وَاَللّهِ لَا يُقْتَصّ مِنْهَا أَبَدًا فَعَفَا الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الدّيَةَ . فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " إنّ مِنْ عِبَادِ اللّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللّهِ لَأَبَرّهُ . فًصْلُ فِي قَضَائِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيمَنْ عَضّ يَدَ رَجُلٍ فَانْتَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ فَسَقَطَتْ ثَنِيّةُ الْعَاضّ بِإِهْدَارِهَا ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ أَنّ رَجُلًا عَضّ يَدَ رَجُلٍ فَنَزَعَ يَدَهُ مِنْ فِيهِ فَوَقَعَتْ ثَنَايَاهُ فَاخْتَصَمُوا إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ " يَعَضّ أَحَدُكُمْ أَخَاهُ كَمَا يَعَضّ الْفَحْلُ لَا دِيَةَ لَكَ وَقَدْ تَضَمّنَتْ هَذِهِ الْحُكُومَةُ أَنّ مَنْ خَلّصَ نَفْسَهُ مِنْ يَدِ ظَالِمٍ لَهُ فَتَلِفَتْ نَفْسُ [ ص 20 ] مَالِهِ بِذَلِكَ فَهُوَ هَدَرٌ غَيْرُ مَضْمُونٍ . فَصْلٌ فِي قَضَائِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيمَنْ اطّلَعَ فِي بَيْتِ رَجُلٍ بِغَيْرِ إذْنِهِ فَحَذَفَهُ بِحَصَاةٍ أَوْ عُودٍ فَفَقَأَ عَيْنَهُ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَوْ أَنّ امْرَأً اطّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةِ فَفَقَأَتْ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ وَفِي لَفْظٍ فِيهِمَا : مَنْ اطّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَلَا دِيَةَ لَهُ وَلَا قِصَاص وَفِيهِمَا : أَنّ رَجُلًا اطّلَعَ مِنْ جُحْرٍ فِي بَعْضِ حُجَرِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَامَ إلَيْهِ بِمِشْقَصٍ وَجَعَلَ يَخْتِلُهُ لِيَطْعَنَهُ فَذَهَبَ إلَى الْقَوْلِ بِهَذِهِ الْحُكُومَةِ وَإِلَى الّتِي قَبْلَهَا فُقَهَاءُ الْحَدِيثِ مِنْهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالشّافِعِيّ وَلَمْ يَقُلْ بِهَا أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ . فَصْلٌ [ مَا يُفْعَلُ بِالْحَامِلِ إذَا قَتَلَتْ عَمْدًا ] وَقَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ الْحَامِلَ إذَا قَتَلَتْ عَمْدًا لَا تُقْتَلُ حَتّى تَضَعَ مَا فِي بَطْنِهَا وَحَتّى تُكَفّلَ وَلَدَهَا . ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي " سُنَنِه ِ " . [ ص 21 ] وَقَضَى أَنْ لَا يُقْتَلَ الْوَالِدُ بِالْوَلَدِ ذَكَرَهُ النّسَائِيّ وَأَحْمَدُ . وَقَضَى أَنّ الْمُؤْمِنِينَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَلَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ [ ص 22 ] وَقَضَى أَنّ مَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيرَتَيْنِ إمّا أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَأْخُذُوا الْعَقْل وَقَضَى أَنّ فِي دِيَةِ الْأَصَابِعِ مِنْ الْيَدَيْنِ وَالرّجْلَيْنِ فِي كُلّ وَاحِدَةٍ عَشْرًا مِنْ الْإِبِلِ . وَقَضَى فِي الْأَسْنَانِ فِي كُلّ سِنّ بِخَمْسٍ مِنْ الْإِبِلِ وَأَنّهَا كُلّهَا سَوَاءٌ وَقَضَى فِي الْمَواضِحِ بِخَمْسٍ خَمْسٍ وَقَضَى فِي الْعَيْنِ السّادَةِ لِمَكَانِهَا إذَا طُمِسَتْ بِثُلُثِ دِيَتِهَا وَفِي الْيَدِ الشّلّاءِ إذَا قُطِعَتْ بِثُلُثِ دِيَتِهَا وَفِي السّنّ السّوْدَاءِ إذَا نُزِعَتْ بِثُلُثِ دِيَتِهَا [ ص 23 ] وَقَضَى فِي الْأَنْفِ إذَا جُدِعَ كُلّهُ بِالدّيَةِ كَامِلَةً وَإِذَا جُدِعَتْ أَرْنَبَتُهُ بِنِصْفِ الدّيَةِ وَقَضَى فِي الْمَأْمُومَةِ بِثُلُثِ الدّيَةِ وَفِي الْجَائِفَةِ بِثُلُثِهَا وَفِي الْمُنَقّلَةِ بِخَمْسَةَ عَشَرَ مِنْ الْإِبِلِ وَقَضَى فِي اللّسَانِ بِالدّيَةِ وَفِي الشّفَتَيْنِ بِالدّيَةِ وَفِي الْبَيْضَتَيْنِ بِالدّيَةِ وَفِي الذّكَرِ بِالدّيَةِ وَفِي الصّلْبِ بِالدّيَةِ وَفِي الْعَيْنَيْنِ بِالدّيَةِ وَفِي إحْدَاهُمَا بِنِصْفِهَا وَفِي الرّجْلِ الْوَاحِدَةِ بِنِصْفِ الدّيَةِ وَفِي الْيَدِ بِنِصْفِ الدّيَةِ وَقَضَى أَنّ الرّجُلَ يُقْتَلُ بِالْمَرْأَة [ دِيَةُ الْخَطَإِ ] وَقَضَى أَنّ دِيَةَ الْخَطَإِ عَلَى الْعَاقِلَةِ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ وَاخْتَلَفَتْ الرّوَايَةُ عَنْهُ فِي أَسْنَانِهَا فَفِي السّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ ثَلَاثُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَثَلَاثُونَ بِنْتَ لَبُونٍ وَثَلَاثُونَ حِقّةً وَعَشَرَةُ بَنِي لَبُونٍ ذَكَرٍ [ ص 24 ] قَالَ الْخَطّابِيّ : وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ الْفُقَهَاءِ قَالَ بِهَذَا . وَفِيهَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ : أَنّهَا أَخْمَاسٌ عِشْرُونَ بِنْتَ مَخَاضٍ وَعِشْرُونَ بِنْتَ لَبَوْنٍ وَعِشْرُونَ ابْنَ مَخَاصٍ وَعِشْرُونَ حِقّةً وَعِشْرُونَ جَذَعَةً [ دِيَةُ الْعُمَدِ إذَا رَضِيَهَا أَهْلُهُ ] وَقَضَى فِي الْعَمْدِ إذَا رَضُوا بِالدّيَةِ ثَلَاثِينَ حِقّةً وَثَلَاثِينَ جَذَعَةً وَأَرْبَعِينَ خَلِفَةً وَمَا صُولِحُوا عَلَيْهِ فَهُوَ لَهُمْ فَذَهَبَ أَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى الْقَوْلِ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا وَجَعَلَ الشّافِعِيّ وَمَالِكٌ بَدَلَ ابْنِ مَخَاضٍ ابْنَ لَبُونٍ وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ . وَفَرَضَهَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى أَهْلِ الْإِبِلِ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ وَعَلَى أَهْلِ الشّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَيْ حُلّةٍ . وَقَالَ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَعَلَهَا ثَمَانَمِائَةِ دِينَارٍ أَوْ ثَمَانَمِائَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ ذَكَرَ أَهْلُ السّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا أَنّ رَجُلًا قُتِلَ فَجُعِلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دِيَتَهُ اثْنَيْ [ ص 25 ] عَشَرَ أَلْفًا . وَثَبَتَ عَنْ عُمَر َ أَنّهُ خَطَبَ فَقَالَ إنّ الْإِبِلَ قَدْ غَلَتْ فَفَرَضَهَا عَلَى أَهْلِ الذّهَبِ أَلْفَ دِينَارٍ وَعَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا وَعَلَى أَهْلِ الْبَقَرِ مِائَتَيْ بَقَرَةٍ وَعَلَى أَهْلِ الشّاءِ أَلْفَيْ شَاةٍ وَعَلَى أَهْلِ الْحُلَلِ مِائَتَيْ حُلّةٍ وَتَرَكَ دِيَةَ أَهْلِ الذّمّةِ فَلَمْ يَرْفَعْهَا فِيمَا رَفَعَ مِنْ الدّيَةِ . [ دِيَةُ الْمُعَاهِدِ ] وَقَدْ رَوَى أَهْلُ السّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دِيَةُ الْمُعَاهَدِ نِصْفُ دِيَةِ الْحُرّ وَلَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ قَضَى أَنّ عَقْلَ أَهْلِ الْكِتَابَيْنِ نِصْفُ عَقْلِ الْمُسْلِمِينَ وَهُمْ الْيَهُودُ وَالنّصَارَى وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ : دِيَتُهُمْ نِصْفُ دِيَةِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْخَطَإِ وَالْعَمْدِ وَقَالَ الشّافِعِيّ : ثُلُثُهَا فِي الْخَطَإِ وَالْعَمْدِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : بَلْ كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ فِي الْخَطَإِ وَالْعَمْدِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : مِثْلُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ فِي الْعَمْدِ . وَعَنْهُ فِي الْخَطَإِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا : نِصْفُ الدّيَةِ وَهِيَ ظَاهِرُ مَذْهَبِهِ . وَالثّانِيَةُ ثُلُثُهَا [ ص 26 ] فَأَخَذَ مَالِكٌ بِظَاهِرِ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ وَأَخَذَ الشّافِعِيّ بِأَنّ عُمَر جَعَلَ دِيَتَهُ أَرْبَعَةَ آلَافٍ وَهِيَ ثُلُثُ دِيَةِ الْمُسْلِمِ وَأَخَذَ أَحْمَدُ بِحَدِيثِ عَمْرِو إلّا أَنّهُ فِي الْعَمْدِ ضِعْفُ الدّيَةِ عُقُوبَةً لِأَجْلِ سُقُوطِ الْقِصَاصِ وَهَكَذَا عِنْدَهُ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ الْقِصَاصُ ضُعّفَتْ عَلَيْهِ الدّيَةُ عُقُوبَةً نَصّ عَلَيْهِ تَوْقِيفًا وَأَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ بِمَا هُوَ أَصْلُهُ مِنْ جَرَيَانِ الْقِصَاصِ بَيْنَهُمَا فَتَتَسَاوَى دِيَتُهُمَا . [ عَقْلُ الْمَرْأَةِ ] وَقَضَى صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ عَقْلَ الْمَرْأَةِ مِثْلُ عَقْلِ الرّجُلِ إلَى الثّلُثِ مِنْ دِيَتِهَا ذَكَرَهُ النّسَائِيّ . فَتَصِيرُ عَلَى النّصْفِ مِنْ دِيَتِهِ وَقَضَى بِالدّيَةِ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَبَرَأَ مِنْهَا الزّوْجُ وَوَلَدُ الْمَرْأَةِ الْقَاتِلَةِ [ الدّيَةُ عَلَى مَنْ قَتَلَ الْمَكَاتِبَ ] وَقَضَى فِي الْمَكَاتِبِ أَنّهُ إذَا قُتِلَ يُودَى بِقَدْرِ مَا أَدّى مِنْ كِتَابَتِهِ دِيَةَ الْحُرّ وَمَا بَقِيَ فَدِيَةُ الْمَمْلُوكِ قُلْت : يَعْنِي قِيمَتَهُ . وَقَضَى بِهَذَا الْقَضَاءِ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَإِبْرَاهِيمُ النّخَعِيّ وَيُذْكَرُ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَال َ عُمَر : إذَا أَدّى شَطْرَ كِتَابَتِهِ كَانَ غَرِيمًا وَلَا يَرْجِعُ رَقِيقًا وَبِهِ قَضَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ مَرْوَانَ . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إذَا أَدَى الثّلُثَ وَقَالَ عَطَاءٌ : إذَا أَدّى ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِ الْكِتَابَةِ فَهُوَ غَرِيمٌ وَالْمَقْصُودُ أَنّ هَذَا الْقَضَاءَ النّبَوِيّ لَمْ تُجْمِعْ الْأُمّةُ عَلَى تَرْكِهِ وَلَمْ يُعْلَمْ نَسْخُهُ . وَأَمّا حَدِيثُ الْمَكَاتِبِ عَبْدٌ مَا بَقِيَ عَلَيْهِ دِرْهَمٌ فَلَا مُعَارَضَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ هَذَا الْقَضَاءِ فَإِنّهُ فِي الرّقّ بَعْدُ وَلَا تَحْصُلُ حُرّيّتُهُ التّامّةُ إلّا بِالْأَدَاءِ . فَصْلٌ فِي قَضَائِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى مَنْ أَقَرّ بِالزّنَى ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِمٍ أَنّ رَجُلًا مِنْ أَسْلَمَ جَاءَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 27 ] فَأَعْرَضَ عَنْهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرّاتٍ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم : أَبِكَ جُنُونٌ ؟ " قَالَ لَا . قَالَ " أَحْصَنْتَ " ؟ قَالَ نَعَمْ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ فِي الْمُصَلّى فَلَمّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ فَرّ فَأُدْرِكَ فَرُجِمَ حَتّى مَاتَ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَيْرًا وَصَلّى عَلَيْهِ وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا : أَنّهُ قَالَ لَهُ أَحَقّ مَا بَلَغَنِي عَنْكَ " قَالَ وَمَا بَلَغَك عَنّي قَالَ " بَلَغَنِي أَنّكَ وَقَعْتَ بِجَارِيَةِ بَنِي فُلَانٍ " فَقَالَ نَعَمْ قَالَ فَشَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ ثُمّ دَعَاهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ " أَبِكَ جُنُونٌ " قَالَ لَا قَالَ " أَحْصَنْتَ " قَالَ نَعَمْ ثُمّ أَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ وَفِي لَفْظٍ لَهُمَا : فَلَمّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ أَبِكَ جُنُونٌ " قَالَ لَا . قَالَ " أَحْصَنْتَ " ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ اذْهَبُوا بَهْ فَارْجُمُوه وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيّ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَعَلّكَ قَبّلْتَ أَوْ غَمَزْت أَوْ نَظَرْتَ " قَالَ لَا يَا رَسُولَ اللّهِ . قَالَ " أَنِكْتَهَا " لَا يَكُنّي قَالَ نَعَمْ فَعِنْدَ ذَلِكَ أَمَرَ بِرَجْمِهِ وَفِي لَفْظٍ لِأَبِي دَاوُدَ : أَنّهُ شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرّاتٍ كُلّ ذَلِكَ يُعْرِضُ عَنْهُ فَأَقْبَلَ فِي الْخَامِسَةِ قَالَ أَنِكْتَهَا ؟ " قَالَ نَعَمْ . قَالَ " حَتّى غَابَ ذَلِكَ مِنْكَ فِي ذَلِكَ مِنْهَا ؟ " قَالَ نَعَمْ . قَالَ " كَمَا يَغِيبُ الْمِيلُ فِي الْمُكْحُلَةِ وَالرّشَاءُ فِي الْبِئْرِ ؟ " قَالَ نَعَمْ . قَالَ " فَهَلْ تَدْرِي مَا الزّنَى ؟ " قَالَ نَعَمْ أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرّجُلُ مِنْ امْرَأَتِهِ حَلَالًا . قَالَ " فَمَا تُرِيدُ بِهَذَا الْقَوْلِ ؟ " قَالَ أُرِيدُ أَنْ تُطَهّرَنِي قَالَ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ [ ص 28 ] مَسّ الْحِجَارَةِ قَالَ يَا قَوْمِ رُدّونِي إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَإِنّ قَوْمِي قَتَلُونِي وَغَرّونِي مِنْ نَفْسِي وَأَخْبَرُونِي أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ غَيْرُ قَاتِلِي . وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " : فَجَاءَتْ الْغَامِدِيّة فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي قَدْ زَنَيْتُ فَطَهّرْنِي وَأَنّهُ رَدّهَا فَلَمّا كَانَ مِنْ الْغَدِ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ لِمَ تَرُدّنِي لَعَلّك أَنْ تَرُدّنِي كَمَا رَدَدْتَ مَاعِزًا ؟ فَوَاَللّهِ إنّي لَحُبْلَى قَالَ إمّا لَا فَاذْهَبِي حَتّى تَلِدِي " فَلَمّا وَلَدَتْ أَتَتْهُ بِالصّبِيّ فِي خِرْقَةٍ قَالَتْ هَذَا قَدْ وَلَدْته قَالَ " اذْهَبِي فَأَرْضِعِيهِ حَتّى تَفْطِمِيهِ " فَلَمّا فَطَمَتْهُ أَتَتْهُ بِالصّبِيّ فِي يَدِهِ كِسْرَةُ خُبْزٍ فَقَالَتْ هَذَا يَا نَبِيّ اللّهِ قَدْ فَطَمْته وَقَدْ أَكَلَ الطّعَامَ فَدَفَعَ الصّبِيّ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثُمّ أَمَرَ بِهَا فَحُفِرَ لَهَا إلَى صَدْرِهَا وَأَمَرَ النّاسَ فَرَجَمُوهَا فَأَقْبَلَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ بِحَجَرٍ فَرَمَى رَأْسَهَا فَانْتَضَحَ الدّمُ عَلَى وَجْهِهِ فَسَبّهَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " مَهْلًا يَا خَالِدُ فَوَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ تَابَتْ تَوْبَةً لَوْ تَابَهَا صَاحِبُ مَكْسٍ لَغُفِرَ لَهُ " ثُمّ أَمَرَ بِهَا فَصَلّى عَلَيْهَا وَدُفِنَتْ وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " : أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَضَى فِيمَنْ زَنَى وَلَمْ يُحْصِنْ [ ص 29 ] عَامٍ وَإِقَامَةِ الْحَدّ عَلَيْه وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : أَنّ رَجُلًا قَالَ لَهُ أَنْشُدُكَ بِاَللّهِ إلّا قَضَيْتَ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللّهِ فَقَامَ خَصْمُهُ وَكَانَ أَفْقَهَ مِنْهُ فَقَالَ صَدَقَ اقْضِ بَيْنَنَا بِكِتَابِ اللّهِ وَأْذَنْ لِي فَقَال : قُلْ " قَالَ إنّ ابْنِي كَانَ عَسِيفًا عَلَى هَذَا فَزَنَى بِامْرَأَتِهِ فَافْتَدَيْتُ مِنْهُ بِمِائَةِ شَاةٍ وَخَادِمٍ وَإِنّي سَأَلْتُ أَهْلَ الْعِلْمِ فَأَخْبَرُونِي أَنّ عَلَى ابْنِي جَلْدَ مِائَةٍ وَتَغْرِيبَ عَامٍ وَأَنّ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا الرّجْمَ فَقَالَ " وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لِأَقْضِيَنّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللّهِ الْمِائَةُ وَالْخَادِمُ رَدّ عَلَيْك وَعَلَى ابْنِكَ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ وَاغْدُ يَا أُنَيْسُ عَلَى امْرَأَةِ هَذَا فَاسْأَلْهَا فَإِنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا " فَاعْتَرَفَتْ فَرَجَمَهَا وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الثّيّبُ بِالثّيّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرّجْمُ وَالْبِكْرُ بِالْبِكْرِ جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ [ ص 30 ] أَرْبَعَ مَرّاتٍ وَأَنّهُ إذَا أَقَرّ دُونَ الْأَرْبَعِ لَمْ يَلْزَمْ بِتَكْمِيلِ نِصَابِ الْإِقْرَارِ بَلْ لِلْإِمَامِ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُ وَيَعْرِضَ لَهُ بِعَدَمِ تَكْمِيلِ الْإِقْرَارِ . وَأَنّ إقْرَارَ زَائِلِ الْعَقْلِ بِجُنُونٍ أَوْ سُكْرٍ مُلْغًى لَا عِبْرَةَ بِهِ وَكَذَلِكَ طَلَاقُهُ وَعِتْقُهُ وَأَيْمَانُهُ وَوَصِيّتُهُ . وَجَوَازُ إقَامَةِ الْحَدّ فِي الْمُصَلّى وَهَذَا لَا يُنَاقِضُ نَهْيَهُ أَنْ تُقَامَ الْحُدُودُ فِي الْمَسَاجِدِ . وَأَنّ الْحُرّ الْمُحْصَنَ إذَا زَنَى بِجَارِيَةٍ فَحَدّهُ الرّجْمُ كَمَا لَوْ زَنَى بِحُرّةٍ . وَأَنّ الْإِمَامَ يُسْتَحَبّ لَهُ أَنْ يُعْرِضَ لِلْمُقِرّ بِأَنْ لَا يُقِرّ وَأَنّهُ يَجِبُ اسْتِفْسَارُ الْمُقِرّ فِي مَحَلّ الْإِجْمَالِ لِأَنّ الْيَدَ وَالْفَمَ وَالْعَيْنَ لَمّا كَانَ اسْتِمْتَاعُهَا زِنًى اسْتَفْسَرَ عَنْهُ دَفْعًا لِاحْتِمَالِهِ . وَأَنّ الْإِمَامَ لَهُ أَنْ يُصَرّحَ بِاسْمِ الْوَطْءِ الْخَاصّ بِهِ عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهِ كَالسّؤَالِ عَنْ الْفِعْلِ . وَأَنّ الْحَدّ لَا يَجِبُ عَلَى جَاهِلٍ بِالتّحْرِيمِ لِأَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَأَلَهُ عَنْ حُكْمِ الزّنَى فَقَالَ أَتَيْتُ مِنْهَا حَرَامًا مَا يَأْتِي الرّجُلُ مِنْ أَهْلِهِ حَلَالًا . وَأَنّ الْحَدّ لَا يُقَامُ عَلَى الْحَامِلِ وَأَنّهَا إذَا وَلَدَتْ الصّبِيّ أُمْهِلَتْ حَتّى تُرْضِعَهُ وَتَفْطِمَهُ وَأَنّ الْمَرْأَةَ يُحْفَرُ لَهَا دُونَ الرّجُلِ وَأَنّ الْإِمَامَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَبْدَأَ بِالرّجْمِ . وَأَنّهُ لَا يَجُوزُ سَبّ أَهْلِ الْمَعَاصِي إذَا تَابُوا وَأَنّهُ يُصَلّى عَلَى مَنْ قُتِلَ فِي حَدّ الزّنَى وَأَنّ الْمُقِرّ إذَا اسْتَقَالَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدّ وَفَرّ تُرِكَ وَلَمْ يُتَمّمْ عَلَيْهِ الْحَدّ [ ص 31 ] فَقِيلَ لِأَنّهُ رُجُوعٌ . وَقِيلَ لِأَنّهُ تَوْبَةٌ قَبْلَ تَكْمِيلِ الْحَدّ فَلَا يُقَامُ عَلَيْهِ كَمَا لَوْ تَابَ قَبْلَ الشّرُوعِ فِيهِ . وَهَذَا اخْتِيَارُ شَيْخِنَا . وَأَنّ الرّجُلَ إذَا أَقَرّ أَنّهُ زَنَى بِفُلَانَةَ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ حَدّ الْقَذْفِ مَعَ حَدّ الزّنَى . وَأَنّ مَا قُبِضَ مِنْ الْمَالِ بِالصّلْحِ الْبَاطِلِ بَاطِلٌ يَجِبُ رَدّهُ . وَأَنّ الْإِمَامَ لَهُ أَنْ يُوَكّلَ فِي اسْتِيفَاءِ الْحَدّ . [ لَا يُجْمَعُ عَلَى الثّيّبِ الْجَلْدُ وَالرّجْمُ ] وَأَنّ الثّيّبَ لَا يُجْمَعُ عَلَيْهِ بَيْنَ الْجَلْدِ وَالرّجْمِ لِأَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " لَمْ يَجْلِدْ مَاعِزًا وَلَا الْغَامِدِيّة وَلَمْ يَأْمُرْ أُنَيْسًا أَنْ يَجْلِدَ الْمَرْأَةَ الّتِي أَرْسَلَهُ إلَيْهَا وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَحَدِيثُ عُبَادَةَ خُذُوا عَنّي قَدْ جَعَلَ اللّهُ لَهُنّ سَبِيلًا الثّيّبُ بِالثّيّبِ جَلْدُ مِائَةٍ وَالرّجْمُ مَنْسُوخٌ . فَإِنّ هَذَا كَانَ فِي أَوّلِ الْأَمْرِ عِنْدَ نُزُولِ حَدّ الزّانِي ثُمّ رَجَمَ مَاعِزًا وَالْغَامِدِيّة وَلَمْ يَجْلِدْهُمَا وَهَذَا كَانَ بَعْدَ حَدِيثِ عُبَادَةَ بِلَا شَكّ وَأَمّا حَدِيثُ جَابِرٍ فِي " السّنَنِ " : أَنّ رَجُلًا زَنَى فَأَمَرَ بِهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَجُلِدَ الْحَدّ ثُمّ أَقَرّ أَنّهُ مُحْصَنٌ فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ . فَقَدْ قَالَ جَابِرٌ فِي الْحَدِيثِ نَفْسِهِ إنّهُ لَمْ يُعْلَمْ بِإِحْصَانِهِ فَجُلِدَ ثُمّ عُلِمَ بِإِحْصَانِهِ فَرُجِمَ . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . [ لَا يُسْقِطُ الْجَهْلُ بِالْعُقُوبَةِ الْحَدّ ] وَفِيهِ أَنّ الْجَهْلَ بِالْعُقُوبَةِ لَا يُسْقِطُ الْحَدّ إذَا كَانَ عَالِمًا بِالتّحْرِيمِ فَإِنّ مَاعِزًا لَمْ يَعْلَمْ أَنّ عُقُوبَتَهُ الْقَتْلُ وَلَمْ يُسْقِطْ هَذَا الْجَهْلُ الْحَدّ عَنْهُ . [ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْإِقْرَارِ فِي مَجْلِسِهِ دُونَ شَاهِدَيْنِ ] وَفِيهِ أَنّهُ يَجُوزُ لِلْحَاكِمِ أَنْ يَحْكُمَ بِالْإِقْرَارِ فِي مَجْلِسِهِ وَإِنْ لَمْ يَسْمَعْهُ مَعَهُ شَاهِدَانِ نَصّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَقُلْ لِأُنَيْسٍ فَإِنْ اعْتَرَفَتْ بِحَضْرَةِ شَاهِدَيْنِ فَارْجُمْهَا . وَأَنّ الْحُكْمَ إذَا كَانَ حَقّا مَحْضًا لِلّهِ لَمْ يُشْتَرَطْ الدّعْوَى بِهِ عِنْدَ الْحَاكِمِ . وَأَنّ الْحَدّ إذَا وَجَبَ عَلَى امْرَأَةٍ جَازَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهَا مَنْ يُقِيمُهُ عَلَيْهَا وَلَا [ ص 32 ] النّسَائِيّ عَلَى ذَلِكَ صَوْنًا لِلنّسَاءِ عَنْ مَجْلِسِ الْحُكْمِ . وَأَنّ الْإِمَامَ وَالْحَاكِمَ وَالْمُفْتِيَ يَجُوزُ لَهُ الْحَلِفُ عَلَى أَنّ هَذَا حُكْمُ اللّهِ عَزّ وَجَلّ إذَا تَحَقّقَ ذَلِكَ وَتَيَقّنَهُ بِلَا رَيْبٍ وَأَنّهُ يَجُوزُ التّوْكِيلُ فِي إقَامَةِ الْحُدُودِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنّ هَذَا اسْتِنَابَةٌ مِنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَتَضَمّنَ تَغْرِيبَ الْمَرْأَةِ كَمَا يُغَرّبُ الرّجُلِ لَكِنْ يُغَرّبُ مَعَهَا مَحْرَمُهَا إنْ أَمْكَنَ وَإِلّا فَلَا وَقَالَ مَالِك ٌ : لَا تَغْرِيبَ عَلَى النّسَاءِ . لِأَنّهُنّ عَوْرَةٌ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ فِي الْحُدُودِ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " وَ " الْمَسَانِيدِ " : أَنّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَذَكَرُوا لَهُ أَنّ رَجُلًا مِنْهُمْ وَامْرَأَةً زَنَيَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا تَجِدُونَ فِي التّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرّجْمِ " ؟ قَالُوا : نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ سَلَامٍ : كَذَبْتُمْ إنّ فِيهَا الرّجْمَ فَأَتَوْا بِالتّوْرَاةِ فَنَشَرُوهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرّجْمِ فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللّه بْنُ سَلَامٍ : ارْفَعْ يَدَك فَرَفَعَ يَدَهُ فَإِذَا فِيهَا آيَةُ الرّجْمِ فَقَالُوا : صَدَقَ يَا مُحَمّدُ إنّ فِيهَا الرّجْمَ فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرُجِمَا فَتَضَمّنَتْ هَذِهِ الْحُكُومَةُ أَنّ الْإِسْلَامَ لَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الْإِحْصَانِ وَأَنّ الذّمّيّ يُحَصّنُ الذّمّيّةَ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَحْمَد وَالشّافِعِيّ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ بِذَلِكَ اخْتَلَفُوا فِي [ ص 33 ] فَقَالَ مَالِكٌ فِي غَيْرِ " الْمُوَطّأِ " : لَمْ يَكُنْ الْيَهُودُ بِأَهْلِ ذِمّةٍ . وَاَلّذِي فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " : أَنّهُمْ أَهْلُ ذِمّةٍ وَلَا شَكّ أَنّ هَذَا كَانَ بَعْدَ الْعَهْدِ الّذِي وَقَعَ بَيْنَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبَيْنَهُمْ وَلَمْ يَكُونُوا إذْ ذَاكَ حَرْبًا كَيْفَ وَقَدْ تَحَاكَمُوا إلَيْهِ وَرَضُوا بِحُكْمِهِ ؟ وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنّهُمْ قَالُوا : اذْهَبُوا بِنَا إلَى هَذَا النّبِيّ فَإِنّهُ بُعِثَ بِالتّخْفِيف وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنّهُمْ دَعَوْهُ إلَى بَيْتِ مِدْرَاسِهِمْ فَأَتَاهُمْ وَحَكَمَ بَيْنَهُمْ فَهُمْ كَانُوا أَهْلَ عَهْدٍ وَصَلَحَ بِلَا شَكّ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : إنّمَا رَجَمَهُمَا بِحُكْمِ التّوْرَاةِ . قَالُوا : وَسِيَاقُ الْقِصّةِ صَرِيحٌ فِي ذَلِكَ وَهَذَا مِمّا لَا يُجْدِي عَلَيْهِمْ شَيْئًا الْبَتّةَ فَإِنّهُ حَكَمَ بَيْنِهِمْ بِالْحَقّ الْمَحْضِ فَيَجِبُ اتّبَاعُهُ بِكُلّ حَالٍ فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقّ إلّا الضّلَالُ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ رَجَمَهُمَا سِيَاسَةً وَهَذَا مِنْ أَقْبَحِ الْأَقْوَالِ بَلْ رَجَمَهُمَا بِحُكْمِ اللّهِ الّذِي لَا حُكْمَ سِوَاهُ . وَتَضَمّنَتْ هَذِهِ الْحُكُومَةُ أَنّ أَهْلَ الذّمّةِ إذَا تَحَاكَمُوا إلَيْنَا لَا نَحْكُمُ بَيْنَهُمْ إلّا بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ . [ قَبُولُ شَهَادَةِ الذّمّيّينَ عَلَى بَعْضِهِمْ ] وَتَضَمّنَتْ قَبُولَ شَهَادَةِ أَهْلِ الذّمّةِ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ لِأَنّ الزّانِيَيْنِ لَمْ يُقِرّا وَلَمْ يَشْهَدْ عَلَيْهِمَا الْمُسْلِمُونَ فَإِنّهُمْ لَمْ يَحْضُرُوا زِنَاهُمَا كَيْفَ وَفِي " السّنَنِ " فِي هَذِهِ الْقِصّةِ فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالشّهُودِ فَجَاءُوا أَرْبَعَةُ فَشَهِدُوا أَنّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ . [ ص 34 ] فَقَال لِلْيَهُودِ : ائْتُونِي بِأَرْبَعَةٍ مِنْكُمْ [ لَا يُجْمَعُ بَيْنَ الرّجْمِ وَالْجَلْدِ ] وَتَضَمّنَتْ الِاكْتِفَاءِ بِالرّجْمِ وَأَنْ لَا يُجْمَعَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجَلْدِ قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : الرّجْمُ فِي كِتَابِ اللّهِ لَا يَغُوصُ عَلَيْهِ إلّا غَوّاصٌ وَهُوَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتَابِ } [ الْمَائِدَةُ 15 ] وَاسْتَنْبَطَهُ غَيْرُهُ مِنْ قَوْلِهِ { إِنّا أَنْزَلْنَا التّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النّبِيّونَ الّذِينَ أَسْلَمُوا لِلّذِينَ هَادُوا } [ الْمَائِدَةُ 44 ] . قَالَ الزّهْرِيّ فِي حَدِيثِهِ فَبَلَغَنَا أَنّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ { إِنّا أَنْزَلْنَا التّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النّبِيّونَ الّذِينَ أَسْلَمُوا } كَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْهُمْ . فَصْلٌ فِي قَضَائِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الرّجُلِ يَزْنِي بِجَارِيَةِ امْرَأَتِهِ فِي " الْمُسْنَدِ " وَ " السّنَنِ " الْأَرْبَعَةُ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ أَنّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ حُنَيْنٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ فَرُفِعَ إلَى النّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ وَهُوَ أَمِيرٌ عَلَى الْكُوفَةِ فَقَالَ لَأَقْضِيَنّ فِيكَ بِقَضِيّةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنْ كَانَتْ أَحَلّتْهَا لَك جَلَدْتُك مِائَةَ جَلْدَةٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَحَلّتْهَا رَجَمْتُك بِالْحِجَارَةِ فَوَجَدُوهُ أَحَلّتْهَا لَهُ فَجَلَدَهُ مِائَةً قَالَ التّرْمِذِيّ : فِي إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ اضْطِرَابٌ سَمِعْتُ مُحَمّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيّ يَقُولُ لَمْ يَسْمَعُ قَتَادَةُ مِنْ حَبِيبِ بْنِ سَالِمٍ هَذَا الْحَدِيثَ إنّمَا رَوَاهُ عَنْ خَالِدِ بْنِ عُرْفُطَةَ وَأَبُو بِشْرٍ لَمْ يَسْمَعْهُ [ ص 35 ] عُرْفُطَةَ وَسَأَلْت مُحَمّدًا عَنْهُ ؟ فَقَالَ أَنَا أَنْفِي هَذَا الْحَدِيثَ . وَقَالَ النّسَائِيّ : هُوَ مُضْطَرِبٌ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرّازِيّ : خَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ مَجْهُولٌ . وَفِي " الْمُسْنَدِ " وَ " السّنَنِ " عَنْ قَبِيصَةَ بْنِ حُرَيْثٍ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبّقِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَضَى فِي رَجُلٍ وَقَعَ عَلَى جَارِيَةِ امْرَأَتِهِ إنْ كَانَ اسْتَكْرَهَهَا فَهِيَ حُرّةٌ وَعَلَيْهِ لِسَيّدَتِهَا مِثْلُهَا " وَإِنْ كَانَتْ طَاوَعَتْهُ فَهِيَ لَهُ وَعَلَيْهِ لِسَيّدَتِهَا مِثْلُهَا فَاخْتَلَفَ النّاسُ فِي الْقَوْلِ بِهَذَا الْحُكْمِ فَأَخَذَ بِهِ أَحْمَدُ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ فَإِنّ الْحَدِيثَ حَسَنٌ وَخَالِدُ بْنُ عُرْفُطَةَ قَدْ رَوَى عَنْهُ ثِقَتَانِ قَتَادَةُ وَأَبُو بِشْرٍ وَلَمْ يُعْرَفْ فِيهِ قَدْحٌ وَالْجَهَالَةُ تَرْتَفِعُ عَنْهُ بِرِوَايَةِ ثِقَتَيْنِ وَالْقِيَاسُ وَقَوَاعِدُ الشّرِيعَةِ يَقْتَضِي الْقَوْلَ بِمُوجِبِ هَذِهِ الْحُكُومَةِ فَإِنّ إحْلَالَ الزّوْجَةِ شُبْهَةٌ تُوجِبُ سُقُوطَ الْحَدّ وَلَا تُسْقِطُ التّعْزِيرَ فَكَانَتْ الْمِائَةُ تَعْزِيرًا فَإِذَا لَمْ تَكُنْ أَحَلّتْهَا كَانَ زِنًى لَا شُبْهَةَ فِيهِ فَفِيهِ الرّجْمُ فَأَيّ شَيْءٍ فِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ مِمّا يُخَالِفُ الْقِيَاسَ . [ ص 36 ] قَالَ النّسَائِيّ : لَا يَصِحّ هَذَا الْحَدِيثُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ الّذِي رَوَاهُ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبّقِ شَيْخٌ لَا يُعْرَفُ وَلَا يُحَدّثُ عَنْهُ غَيْرُ الْحَسَنِ يَعْنِي قَبِيصَةَ بْنَ حُرَيْثٍ . وَقَالَ الْبُخَارِيّ فِي " التّارِيخِ " : قَبِيصَةُ بْنُ حُرَيْثٍ سَمِعَ سَلَمَةَ بْنَ الْمُحَبّقِ فِي حَدِيثِهِ نَظَرٌ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : لَا يَثْبُتُ خَبَرُ سَلَمَةَ بْنِ الْمُحَبّقِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقَبِيصَةُ بْنُ حُرَيْثٍ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَقَالَ الْخَطّابِيّ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَقَبِيصَةُ غَيْرُ مَعْرُوفٍ وَالْحُجّةُ لَا تَقُومُ بِمِثْلِهِ وَكَانَ الْحَسَنُ لَا يُبَالِي أَنْ يَرْوِيَ الْحَدِيثَ مِمّنْ سَمِعَ . وَطَائِفَةٌ أُخْرَى قَبِلَتْ الْحَدِيثَ ثُمّ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ هُوَ مَنْسُوخٌ وَكَانَ هَذَا قَبْلَ نُزُولِ الْحُدُودِ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بَلْ وَجْهُهُ أَنّهُ إذَا اسْتَكْرَهَهَا فَقَدْ أَفْسَدَهَا عَلَى سَيّدَتِهَا وَلَمْ تَبْقَ مِمّنْ تَصْلُحُ لَهَا وَلَحِقَ بِهَا الْعَارَ وَهَذَا مُثْلَةٌ مَعْنَوِيّةٌ فَهِيَ كَالْمُثْلَةِ الْحِسّيّةِ أَوْ أَبْلَغُ مِنْهَا وَهُوَ قَدْ تَضَمّنَ أَمْرَيْنِ إتْلَافُهَا عَلَى سَيّدَتِهَا وَالْمُثْلَةُ الْمَعْنَوِيّةُ بِهَا فَيَلْزَمُهُ غَرَامَتُهَا لِسَيّدَتِهَا وَتَعْتِقُ عَلَيْهِ وَأَمّا إنْ طَاوَعَتْهُ فَقَدْ أَفْسَدَهَا عَلَى سَيّدَتِهَا فَتَلْزَمُهُ قِيمَتُهَا لَهَا وَيَمْلِكُهَا لِأَنّ الْقِيمَةَ قَدْ اسْتَحَقّتْ عَلَيْهِ وَبِمُطَاوَعَتِهَا وَإِرَادَتِهَا خَرَجَتْ عَنْ شُبْهَةِ الْمُثْلَةِ . قَالُوا : وَلَا بُعْدَ فِي تَنْزِيلِ الْإِتْلَافِ الْمَعْنَوِيّ مَنْزِلَةُ الْإِتْلَافِ الْحِسّيّ إذْ كِلَاهُمَا يَحُولُ بَيْنَ الْمَالِكِ وَبَيْنَ الِانْتِفَاعِ بِمِلْكِهِ وَلَا رَيْبَ أَنّ جَارِيَةَ الزّوْجَةِ إذَا صَارَتْ مَوْطُوءَةً لَزَوْجِهَا فَإِنّهَا لَا تَبْقَى لِسَيّدَتِهَا كَمَا كَانَتْ قَبْلَ الْوَطْءِ فَهَذَا الْحُكْمُ مِنْ أَحْسَنِ الْأَحْكَامِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِلْقِيَاسِ الْأُصُولِيّ . وَبِالْجُمْلَةِ فَالْقَوْلُ بِهِ مَبْنِيّ عَلَى قَبُولِ الْحَدِيثِ وَلَا تَضُرّ كَثْرَةُ الْمُخَالِفِينَ لَهُ وَلَوْ كَانُوا أَضْعَافَ أَضْعَافِهِمْ . فَصْلٌ [ الْحُكْم فِي اللّوَاطِ ] وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَضَى فِي اللّوَاطِ بِشَيْءِ لِأَنّ هَذَا لَمْ تَكُنْ تَعْرِفُهُ [ ص 37 ] الْعَرَبُ وَلَمْ يُرْفَعْ إلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَكِنْ ثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ اُقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ رَوَاهُ أَهْلُ السّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَقَالَ التّرْمِذِيّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَحَكَمَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ وَكَتَبَ بِهِ إلَى خَالِدٍ بَعْدَ مُشَاوَرَةِ الصّحَابَةِ وَكَانَ عَلِي أَشَدّهُمْ فِي ذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ الْقَصّارِ وَشَيْخُنَا : أَجْمَعَتْ الصّحَابَةُ عَلَى قَتْلِهِ وَإِنّمَا اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيّةِ قَتْلِهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ : يُرْمَى مِنْ شَاهِق وَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يُهْدَمُ عَلَيْهِ حَائِطٌ وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : يُقْتَلَانِ بِالْحِجَارَةِ فَهَذَا اتّفَاقٌ مِنْهُمْ عَلَى قَتْلِهِ وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيّتِهِ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِحُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيمَنْ وَطِئَ ذَاتَ مَحْرَمٍ لِأَنّ الْوَطْءَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ لَا يُبَاحُ لِلْوَاطِئِ بِحَالٍ وَلِهَذَا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا فَإِنّهُ رَوَى عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوهُ وَرَوَى أَيْضًا عَنْهُ مَنْ وَقَعَ عَلَى ذَاتِ مَحْرَمٍ فَاقْتُلُوه وَفِي حَدِيثِهِ أَيْضًا بِالْإِسْنَادِ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوهَا مَعَهُ [ ص 38 ] تَغَلّظَتْ تَغَلّظَتْ عُقُوبَاتُهَا وَوَطْءُ مَنْ لَا يُبَاحُ بِحَالٍ أَعْظَمُ جُرْمًا مِنْ وَطْءِ مَنْ يُبَاحُ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ فَيَكُونُ حَدّهُ أَغْلَظَ وَقَدْ نَصّ أَحْمَدُ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْهُ أَنّ حُكْمَ مَنْ أَتَى بَهِيمَةً حُكْمُ اللّوَاطِ سَوَاءٌ فَيُقْتَلُ بِكُلّ حَالٍ أَوْ يَكُونُ حَدّهُ حَدّ الزّانِي . وَاخْتَلَفَ السّلَفُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْحَسَنُ حَدّهُ حَدّ الزّانِي . وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ عَنْهُ يُقْتَلُ بِكُلّ حَالٍ وَقَالَ الشّعْبِيّ وَالنّخَعِيّ : يُعَزّرُ وَبِهِ أَخَذَ الشّافِعِيّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَد فِي رِوَايَةٍ فَإِنّ ابْنَ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَفْتَى بِذَلِكَ وَهُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ . فَصْلٌ [ الْحُكْمُ فِيمَنْ أَقَرّ بِالزّنَى بِامْرَأَةٍ مُعَيّنَةٍ ] وَحَكَمَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى مَنْ أَقَرّ بِالزّنَى بِامْرَأَةٍ مُعَيّنَةٍ بِحَدّ الزّنَى دُونَ حَدّ الْقَذْفِ فَفِي " السّنَنِ " : مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنّ رَجُلًا أَتَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَقَرّ عِنْدَهُ أَنّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ سَمّاهَا فَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمَرْأَةِ فَسَأَلَهَا عَنْ ذَلِكَ فَأَنْكَرَتْ أَنْ تَكُونَ زَنَتْ فَجَلَدَهُ الْحَدّ وَتَرَكَهَا . فَتَضَمّنَتْ هَذِهِ الْحُكُومَةُ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا : وُجُوبُ الْحَدّ عَلَى الرّجُلِ وَإِنْ كَذّبَتْهُ الْمَرْأَةُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَة وَأَبِي يُوسُفَ أَنّهُ لَا يُحَدّ . الثّانِي : أَنّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ حَدّ الْقَذْفِ لِلْمَرْأَةِ . وَأَمّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " : مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ رَجُلًا أَتَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَقَرّ أَنّهُ زَنَى بِامْرَأَةٍ أَرْبَعَ مَرّاتٍ فَجَلَدَهُ مِائَةَ جَلْدَةٍ وَكَانَ بِكْرًا ثُمّ سَأَلَهُ الْبَيّنَةَ عَلَى الْمَرْأَةِ فَقَالَتْ كَذَبَ وَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ فَجُلِدَ حَدّ الْفِرْيَةِ [ ص 39 ] فَقَالَ النّسَائِيّ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ . انْتَهَى وَفِي إسْنَادِهِ الْقَاسِمُ بْنُ فَيّاضٍ الْأَنْبَارِيّ الصّنْعَانِيّ تَكَلّمَ فِيهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَقَالَ ابْنُ حِبّانَ : بَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِهِ . فَصْلٌ [ الْحُكْمُ فى الْأَمَةِ الزّانِيَةِ ] وَحَكَمَ فِي الْأَمَةِ إذَا زَنَتْ وَلَمْ تُحْصَنْ بِالْجَلْدِ . وَأَمّا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي الْإِمَاءِ { فَإِذَا أُحْصِنّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ } [ النّسَاءُ 25 ] فَهُوَ نَصّ فِي أَنّ حَدّهَا بَعْدَ التّزْوِيجِ نِصْفُ حَدّ الْحُرّةِ مِنْ الْجَلْدِ وَأَمّا قَبْلَ التّزْوِيجِ فَأَمَرَ بِجَلْدِهَا . وَفِي هَذَا الْجَلْدِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا : أَنّهُ الْحَدّ وَلَكِنْ يَخْتَلِفُ الْحَالُ قَبْلَ التّزْوِيجِ وَبَعْدَهُ فَإِنّ لِلسّيّدِ إقَامَتَهُ قَبْلَهُ وَأَمّا بَعْدَهُ فَلَا يُقِيمُهُ إلّا الْإِمَامُ . وَالْقَوْلُ الثّانِي : أَنّ جَلْدَهَا قَبْلَ الْإِحْصَانِ تَعْزِيرٌ لَا حَدّ وَلَا يُبْطِلُ هَذَا مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " : مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَة رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَرْفَعُهُ إذَا زَنَتْ أَمَةُ أَحَدِكُمْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُعَيّرْهَا ثَلَاثَ مَرّاتٍ فَإِنْ عَادَتْ فِي الرّابِعَةِ فَلْيَجْلِدْهَا وَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِضَفِيرٍ وَفِي لَفْظٍ فَلْيَضْرِبْهَا كِتَابُ اللّهِ [ ص 40 ] عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ أَيّهَا النّاسُ أَقِيمُوا عَلَى أَرِقّائِكُمْ الْحَدّ مَنْ أَحْصَنَ مِنْهُنّ وَمَنْ لَمْ يُحْصَنْ فَإِنّ أَمَةً لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ زَنَتْ فَأَمَرَنِي أَنْ أَجْلِدَهَا فَإِذَا هِيَ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِنِفَاسٍ فَخَشِيتُ إنْ أَنَا جَلَدْتُهَا أَنْ أَقْتُلَهَا فَذَكَرْت ذَلِكَ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ " أَحْسَنْتَ فَإِنّ التّعْزِيرَ يَدْخُلُ تَحْتَهُ لَفْظُ الْحَدّ فِي لِسَانِ الشّارِعِ كَمَا فِي قَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يُضْرَبُ فَوْقَ عَشَرَةِ أَسْوَاطٍ إلّا فِي حَدّ مِنْ حُدُودِ اللّهِ تَعَالَى وَقَدْ ثَبَتَ التّعْزِيرُ بِالزّيَادَةِ عَلَى الْعَشَرَةِ جِنْسًا وَقَدْرًا فِي مَوَاضِعَ عَدِيدَةٍ لَمْ يَثْبُتْ نَسْخُهَا وَلَمْ تُجْمِعْ الْأُمّةُ عَلَى خِلَافِهَا . وَعَلَى كُلّ حَالٍ فَلَا بُدّ أَنْ يُخَالِفَ حَالُهَا بَعْدَ الْإِحْصَانِ حَالَهَا قَبْلَهُ وَإِلّا لَمْ يَكُنْ لِلتّقْيِيدِ فَائِدَةٌ فَإِمّا أَنْ يُقَالَ قَبْلَ الْإِحْصَانِ لَا حَدّ عَلَيْهَا وَالسّنّةُ الصّحِيحَةُ تُبْطِلُ ذَلِكَ وَإِمّا أَنْ يُقَالَ حَدّهَا قَبْلَ الْإِحْصَانِ حَدّ الْحُرّةِ وَبَعْدَهُ نِصْفُهُ وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا مُخَالِفٌ لِقَوَاعِدِ الشّرْعِ وَأُصُولِهِ وَإِمّا أَنْ يُقَالَ جَلْدُهَا قَبْلَ الْإِحْصَانِ تَعْزِيرٌ وَبَعْدَهُ حَدّ وَهَذَا أَقْوَى وَإِمّا أَنْ يُقَالَ الِافْتِرَاقُ بَيْنَ الْحَالَتَيْنِ فِي إقَامَةِ الْحَدّ لَا فِي قَدْرِهِ وَأَنّهُ فِي إحْدَى الْحَالَتَيْنِ لِلسّيّدِ وَفِي الْأُخْرَى لِلْإِمَامِ وَهَذَا أَقْرَبُ مَا يُقَالُ . وَقَدْ يُقَالُ إنّ تَنْصِيصَهُ عَلَى التّنْصِيفِ بَعْدَ الْإِحْصَانِ لِئَلّا يَتَوَهّمَ مُتَوَهّمٌ أَنّ بِالْإِحْصَانِ يَزُولُ التّنْصِيفُ وَيَصِيرُ حَدّهَا حَدّ الْحُرّةِ كَمَا أَنّ الْجَلْدَ زَالَ عَنْ الْبِكْرِ بِالْإِحْصَانِ وَانْتَقَلَ إلَى الرّجْمِ فَبَقِيَ عَلَى التّنْصِيفِ فِي أَكْمَلِ حَالَتَيْهَا وَهِيَ [ ص 41 ] أَوْلَى وَأَحْرَى وَاَللّهُ أَعْلَمُ . [ فِيمَنْ لَمْ يَحْتَمِلْ الْحَدّ ] وَقَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي مَرِيضٍ زَنَى وَلَمْ يَحْتَمِلْ إقَامَةَ الْحَدّ بِأَنْ يُؤْخَذَ لَهُ عِثْكَالٌ فِيهِ مِائَةُ شِمْرَاخٍ فَيُضْرَبُ بِهَا ضَرْبَةً وَاحِدَةً . فَصْلٌ [ مَتَى نَزَلَ حَدّ الْقَذْفِ ] وَحَكَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِحَدّ الْقَذْفِ لَمّا أَنْزَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ بَرَاءَةَ زَوْجَتِهِ مِنْ السّمَاءِ فَجَلَدَ رَجُلَيْنِ وَامْرَأَةً . وَهُمَا : حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَمِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ . قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النّفَيْلِيّ : وَيَقُولُونَ الْمَرْأَةُ حَمْنَة بِنْتُ جَحْشٍ . [ حُكْمُ الْمُرْتَدّ ] [ وَحَكَمَ فِيمَنْ بَدّلَ دِينَهُ بِالْقَتْلِ ] وَلَمْ يَخُصّ رَجُلًا مِنْ امْرَأَةٍ وَقَتَلَ الصّدّيقُ امْرَأَةً ارْتَدّتْ بَعْدَ إسْلَامِهَا يُقَالُ لَهَا : أُمّ قِرْفَةَ [ ص 42 ] [حُكْمُ شُرْبِ الْخَمْرِ ] وَحَكَمَ فِي شَارِبِ الْخَمْرِ بِضَرْبِهِ بِالْجَرِيدِ وَالنّعَالِ وَضَرْبِهِ أَرْبَعِينَ وَتَبِعَهُ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَلَى الْأَرْبَعِين وَفِي " مُصَنّفِ عَبْدِ الرّزّاقِ " : أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَلَدَ فِي الْخَمْرِ ثَمَانِينَ وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لَمْ يُوَقّتْ فِيهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَيْئًا . وَقَالَ عَلِي رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ جَلَدَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْخَمْرِ أَرْبَعِينَ وَأَبُو بَكْرٍ أَرْبَعِينَ وَكَمّلَهَا عُمَرُ ثَمَانِينَ وَكُلّ سُنّةٌ [ حُكْمُ مَنْ شَرِبَ فِي الرّابِعَةِ ] وَصَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ فِي الرّابِعَةِ أَوْ الْخَامِسَةِ . وَاخْتَلَفَ النّاسُ فِي ذَلِكَ فَقِيلَ هُوَ مَنْسُوخٌ وَنَاسِخُهُ [ ص 43 ] لَا يَحِلّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلّا بِإِحْدَى ثَلَاث وَقِيلَ هُوَ مُحْكَمٌ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْخَاصّ وَالْعَامّ وَلَا سِيّمَا إذَا لَمْ يُعْلَمْ تَأَخّرُ الْعَامّ . وَقِيلَ نَاسِخُهُ حَدِيثُ عَبْدِ اللّهِ حِمَارٍ فَإِنّهُ أُتِيَ بِهِ مِرَارًا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَجَلَدَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ . وَقِيلَ قَتْلُهُ تَعْزِيرٌ بِحَسْبِ الْمَصْلَحَةِ فَإِذَا كَثُرَ مِنْهُ وَلَمْ يَنْهَهُ الْحَدّ وَاسْتَهَانَ بِهِ فَلِلْإِمَامِ قَتْلُهُ تَعْزِيرًا لَا حَدّا وَقَدْ صَحّ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ ائْتُونِي بِهِ فِي الرّابِعَةِ فَعَلَيّ أَنْ أَقْتُلَهُ لَكُمْ وَهُوَ أَحَدُ رُوَاةِ الْأَمْرِ بِالْقَتْلِ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُمْ مُعَاوِيَة وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرٍو وَقَبِيصَةُ بْنُ ذُؤَيْبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ . [ ص 44 ] قَبِيصَةَ : فِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنّ الْقَتْلَ لَيْسَ بِحَدّ أَوْ أَنّهُ مَنْسُوخٌ فَإِنّهُ قَالَ فِيهِ فَأُتِيَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِرَجُلٍ قَدْ شَرِبَ فَجَلَدَهُ ثُمّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ ثُمّ أُتِيَ بِهِ فَجَلَدَهُ وَرُفِعَ الْقَتْلُ وَكَانَتْ رُخْصَةً . رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَدِيثِ الْمُتّفَقِ عَلَيْهِ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ مَا كُنْت لِأَدِيَ مَنْ أَقَمْتُ عَلَيْهِ الْحَدّ إلّا شَارِبَ الْخَمْرِ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَسُنّ فِيهِ شَيْئًا إنّمَا هُوَ شَيْءٌ قُلْنَاهُ نَحْن لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ . وَلَفْظُهُمَا : فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَاتَ وَلَمْ يَسُنّه قِيلَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يُقَدّرْ فِيهِ بِقَوْلِهِ تَقْدِيرًا لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُصُ كَسَائِرِ الْحُدُودِ وَإِلّا فَعَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَدْ شَهِدَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ ضَرَبَ فِيهَا أَرْبَعِينَ . وَقَوْلُهُ إنّمَا هُوَ شَيْءٌ قُلْنَاهُ نَحْنُ يَعْنِي التّقْدِيرَ بِثَمَانِينَ فَإِنّ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ جَمَعَ الصّحَابَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَاسْتَشَارَهُمْ فَأَشَارُوا بِثَمَانِينَ فَأَمْضَاهَا ثُمّ جَلَدَ عَلِيّ فِي خِلَافَتِهِ أَرْبَعِينَ وَقَالَ هَذَا أَحَبّ إلَي وَمَنْ تَأَمّلَ الْأَحَادِيثَ رَآهَا تَدُلّ عَلَى أَنّ الْأَرْبَعِينَ حَدّ وَالْأَرْبَعُونَ الزّائِدَةُ عَلَيْهَا تَعْزِيرٌ اتّفَقَ عَلَيْهِ الصّحَابَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَالْقَتْلُ إمّا مَنْسُوخٌ وَإِمّا أَنّهُ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ بِحَسْبِ تَهَالُكِ النّاسِ فِيهَا وَاسْتِهَانَتِهِمْ بِحَدّهَا فَإِذَا رَأَى قَتْلَ وَاحِدٍ لِيَنْزَجِرَ الْبَاقُونَ فَلَهُ ذَلِكَ وَقَدْ حَلَقَ فِيهَا عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَغَرّبَ وَهَذَا مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلّقَةِ بِالْأَئِمّةِ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي السّارِقِ [ ص 45 ] قَطَعَ سَارِقًا فِي مِجَنّ قِيمَتُهُ ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ وَقَضَى أَنّهُ لَا تُقْطَعُ الْيَدُ فِي أَقَلّ مِنْ رُبُعِ دِينَارٍ وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ اقْطَعُوا فِي رُبُعِ دِينَارٍ وَلَا تَقْطَعُوا فِيمَا هُوَ أَدْنَى مِنْ ذَلِك َ ذَكَرَهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ . وَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا : لَمْ تَكُنْ تُقْطَعُ يَدُ السّارِقِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَدْنَى مِنْ ثَمَنِ الْمِجَنّ تُرْسٍ أَوْ جُحْفَةٍ وَكَانَ كُلّ مِنْهُمَا ذَا ثَمَنٍ وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لَعَنَ اللّهُ السّارِقَ يَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ فَقِيلَ هَذَا حَبْلُ السّفِينَةِ وَبَيْضَةُ الْحَدِيدِ وَقِيلَ بَلْ كُلّ حَبْلٍ وَبَيْضَةٍ وَقِيلَ هُوَ إخْبَارٌ بِالْوَاقِعِ أَيْ إنّهُ يَسْرِقُ هَذَا فَيَكُونُ سَبَبًا لِقَطْعِ يَدِهِ [ ص 46 ] أَكْبَرُ مِنْهُ . قَالَ الْأَعْمَشُ : كَانُوا يَرَوْنَ أَنّهُ بَيْضُ الْحَدِيدِ وَالْحَبْلُ كَانُوا يَرَوْنَ أَنّ مِنْهُ مَا يُسَاوِي دَرَاهِمَ . وَحَكَمَ فِي امْرَأَةٍ كَانَتْ تَسْتَعِيرُ الْمَتَاعَ وَتَجْحَدُهُ بِقَطْعِ يَدِهَا وَقَالَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ بِهَذِهِ الْحُكُومَةِ وَلَا مُعَارِضَ لَهَا . وَحَكَمَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِإِسْقَاطِ الْقَطْعِ عَنْ الْمُنْتَهِبِ وَالْمُخْتَلِسِ وَالْخَائِن وَالْمُرَادُ بِالْخَائِنِ خَائِنُ الْوَدِيعَةِ . [ جَحْدُ الْعَارِيَةِ كَالسّرِقَةِ ] وَأَمّا جَاحِدُ الْعَارِيَةِ فَيَدْخُلُ فِي اسْمِ السّارِقِ شَرْعًا لِأَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا كَلّمُوهُ فِي شَأْنِ الْمُسْتَعِيرَةِ الْجَاحِدَةِ قَطَعَهَا وَقَالَ وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا فَإِدْخَالُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَاحِدَ الْعَارِيَةِ فِي اسْمِ السّارِقِ كَإِدْخَالِهِ سَائِرَ أَنْوَاعِ الْمُسْكِرِ فِي اسْمِ الْخَمْرِ فَتَأَمّلْهُ وَذَلِكَ تَعْرِيفٌ لِلْأُمّةِ بِمُرَادِ اللّهِ مِنْ كَلَامِهِ . وَأَسْقَطَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْقَطْعَ عَنْ سَارِقِ الثّمَرِ وَالْكَثَرِ وَحَكَمَ أَنّ مَنْ أَصَابَ مِنْهُ شَيْئًا [ ص 47 ] مُحْتَاجٌ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ وَمَنْ خَرَجَ مِنْهُ بِشَيْءٍ فَعَلَيْهِ غَرَامَةُ مِثْلَيْهِ وَالْعُقُوبَةُ وَمَنْ سَرَقَ مِنْهُ شَيْئًا فِي جَرِينِهِ هُوَ بَيْدَرُهُ فَعَلَيْهِ الْقَطْعُ إذَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَنّ فَهَذَا قَضَاؤُهُ الْفَصْلُ وَحُكْمُهُ الْعَدْلُ . وَقَضَى فِي الشّاةِ الّتِي تُؤْخَذُ مِنْ مَرَاتِعِهَا بِثَمَنِهَا مَرّتَيْنِ وَضَرْبِ نَكَالٍ وَمَا أُخِذَ مِنْ عَطَنِهِ فَفِيهِ الْقَطْعُ إذَا بَلَغَ ثَمَنَ الْمِجَن وَقَضَى بِقَطْعِ سَارِقِ رِدَاءِ صَفْوَانَ بْنِ أُمّيّةَ وَهُوَ نَائِمٌ عَلَيْهِ فِي الْمَسْجِدِ . فَأَرَادَ صَفْوَانُ أَنْ يَهَبَهُ إيّاهُ أَوْ يَبِيعَهُ مِنْهُ فَقَالَ " هَلّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِه وَقَطَعَ سَارِقًا سَرَقَ تُرْسًا مِنْ صُفّةِ النّسَاءِ فِي الْمَسْجِد وَدَرَأَ الْقَطْعَ عَنْ عَبْدٍ مِنْ رَقِيقِ الْخُمُسِ سَرَقَ مِنْ الْخُمُسِ . وَقَالَ " مَالُ اللّهِ سَرَقَ بَعْضُهُ بَعْضًا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ . وَرُفِعَ إلَيْهِ سَارِقٌ فَاعْتَرَفَ وَلَمْ يُوجَدْ مَعَهُ مَتَاعٌ فَقَالَ لَهُ " مَا إخَالُهُ [ ص 48 ] سَرَقَ " ؟ قَالَ بَلَى فَأَعَادَ عَلَيْهِ مَرّتَيْنِ أَوْ ثَلَاثًا فَأَمَرَ بِهِ فَقُطِع وَرُفِعَ إلَيْهِ آخَرُ فَقَالَ مَا إخَالُهُ سَرَقَ " ؟ فَقَالَ بَلَى فَقَالَ " اذْهَبُوا بِهِ فَاقْطَعُوهُ ثُمّ احْسِمُوهُ ثُمّ ائْتُونِي بِهِ " فَقَطَعَ ثُمّ أُتِيَ بِهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ لَهُ " تُبْ إلَى اللّهِ " فَقَالَ تُبْتُ إلَى اللّهِ فَقَالَ تَابَ اللّهُ عَلَيْكَ وَفِي التّرْمِذِيّ عَنْهُ أَنّهُ قَطَعَ سَارِقًا وَعَلّقَ يَدَهُ فِي عُنُقِهِ قَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى مَنْ اتّهَمَ رَجُلًا بِسَرِقَةٍ رَوَى أَبُو دَاوُدَ : عَنْ أَزْهَرَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ أَنّ قَوْمًا سُرِقَ لَهُمْ مَتَاعٌ فَاتّهَمُوا نَاسًا مِنْ الْحَاكَةِ فَأَتَوْا النّعْمَانَ بْنَ بَشِيرٍ صَاحِبَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَحَبَسَهُمْ أَيّامًا ثُمّ خَلّى سَبِيلَهُمْ فَأَتَوْهُ فَقَالُوا : خَلّيْتَ سَبِيلَهُمْ بِغَيْرِ ضَرْبٍ وَلَا امْتِحَانٍ فَقَالَ مَا شِئْتُمْ إنْ شِئْتُمْ أَنْ أَضْرِبَهُمْ فَإِنْ خَرَجَ مَتَاعُكُمْ فَذَاكَ وَإِلّا أَخَذْتُ مِنْ ظُهُورِكُمْ مِثْلَ الّذِي أَخَذْتُ مِنْ ظُهُورِهِمْ . فَقَالُوا : هَذَا حُكْمُكَ ؟ فَقَالَ حُكْمُ اللّهِ وَحُكْمُ رَسُولِهِ فَصْلٌ [ مَا تَضَمّنَتْهُ الْأَقْضِيَةُ السّابِقَةُ فِي السّرِقَةِ مِنْ الْأُمُورِ ] [ ص 49 ] أَحَدُهَا : أَنّهُ لَا يَقْطَعُ فِي أَقَلّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ رُبُعِ دِينَارٍ . [ جَوَازُ لَعْنِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ بِأَنْوَاعِهِمْ دُونَ أَعْيَانِهِمْ ] الثّانِي : جَوَازُ لَعْنِ أَصْحَابِ الْكَبَائِرِ بِأَنْوَاعِهِمْ دُونَ أَعْيَانِهِمْ كَمَا لَعَنَ السّارِقَ وَلَعَنَ آكِلَ الرّبَا وَمُوكِلَهُ وَلَعَنَ شَارِبَ الْخَمْرِ وَعَاصِرَهَا وَلَعَنَ مَنْ عَمِلَ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ وَنَهَى عَنْ لَعْنِ عَبْدِ اللّهِ حِمَارٍ وَقَدْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَلَا تَعَارُضَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَإِنّ الْوَصْفَ الّذِي عُلّقَ عَلَيْهِ اللّعْنُ مُقْتَضٍ . وَأَمّا الْمُعَيّنُ فَقَدْ يَقُومُ بِهِ مَا يَمْنَعُ لُحُوقَ اللّعْنِ بِهِ مِنْ حَسَنَاتٍ مَاحِيَةٍ أَوْ تَوْبَةٍ أَوْ مَصَائِبَ مُكَفّرَةٍ أَوْ عَفْوٍ مِنْ اللّهِ عَنْهُ فَتُلْعَنُ الْأَنْوَاعُ دُونَ الْأَعْيَانِ . الثّالِثُ الْإِشَارَةُ إلَى سَدّ الذّرَائِعِ فَإِنّهُ أَخْبَرَ أَنّ سَرِقَةَ الْحَبْلِ وَالْبَيْضَةِ لَا تَدَعُهُ حَتّى تُقْطَعُ يَدُهُ . الرّابِعُ قَطْعُ جَاحِدِ الْعَارِيَةِ وَهُوَ سَارِقٌ شَرْعًا كَمَا تَقَدّمَ . [ مُضَاعَفَةُ الْغُرْمِ ] الْخَامِسُ أَنّ مَنْ سَرَقَ مَالًا قُطِعَ فِيهِ ضُوعِفَ عَلَيْهِ الْغُرْمُ وَقَدْ نَصّ عَلَيْهِ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّه فَقَالَ كُلّ مَنْ سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ ضُوعِفَ عَلَيْهِ الْغُرْمُ وَقَدْ تَقَدّمَ الْحُكْمُ النّبَوِيّ بِهِ فِي صُورَتَيْنِ سَرِقَةُ الثّمَارِ الْمُعَلّقَةُ وَالشّاةُ مِنْ الْمَرْتَعِ . [ ص 50 ] [ اعْتِبَارُ الْحِرْزِ فِي إقَامَةِ الْحَدّ ] السّابِعُ اعْتِبَارُ الْحَرَزِ فَإِنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَسْقَطَ الْقَطْعَ عَنْ سَارِقِ الثّمَارِ مِنْ الشّجَرَةِ وَأَوْجَبَهُ عَلَى سَارِقِهِ مِنْ الْجَرِينِ وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنّ هَذَا لِنُقْصَانِ مَالِيّتِهِ لِإِسْرَاعِ الْفَسَادِ إلَيْهِ وَجَعَلَ هَذَا أَصْلًا فِي كُلّ مَا نَقَصَتْ مَالِيّتُهُ بِإِسْرَاعِ الْفَسَادِ إلَيْهِ . وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ أَصَحّ فَإِنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَعَلَ لَهُ ثَلَاثَةَ أَحْوَالٍ حَالَةٌ لَا شَيْءَ فِيهَا وَهُوَ مَا إذَا أَكَلَ مِنْهُ بِفِيهِ . وَحَالَةٌ يُغَرّمُ مِثْلَيْهِ وَيُضْرَبُ مِنْ غَيْرِ قَطْعٍ وَهُوَ مَا إذَا أَخَذَهُ مِنْ شَجَرِهِ وَأَخْرَجَهُ . وَحَالَةٌ يُقْطَعُ فِيهَا وَهُوَ مَا إذَا سَرَقَهُ مِنْ بَيْدَرِهِ سَوَاءٌ كَانَ قَدْ انْتَهَى جَفَافُهُ أَوْ لَمْ يَنْتَهِ فَالْعِبْرَةُ لِلْمَكَانِ وَالْحِرْزِ لَا لِيُبْسِهِ وَرُطُوبَتِهِ وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَسْقَطَ الْقَطْعَ عَنْ سَارِقِ الشّاةِ مِنْ مَرْعَاهَا وَأَوْجَبَهُ عَلَى سَارِقِهَا مِنْ عَطَنِهَا فَإِنّهُ حِرْزُهَا . [ إثْبَاتُ الْعُقُوبَاتِ الْمَالِيّةِ ] الثّامِنُ إثْبَاتُ الْعُقُوبَاتِ الْمَالِيّةِ وَفِيهِ عِدّةُ سُنَنٍ ثَابِتَةٌ لَا مُعَارِضَ لَهَا وَقَدْ عَمِلَ بِهَا الْخُلَفَاءُ الرّاشِدُونَ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصّحَابَةِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَأَكْثَرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ . التّاسِعُ أَنّ الْإِنْسَانَ حِرْزٌ لِثِيَابِهِ وَلِفِرَاشِهِ الّذِي هُوَ نَائِمٌ عَلَيْهِ أَيْنَ كَانَ سَوَاءٌ كَانَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي غَيْرِهِ . الْعَاشِرُ أَنّ الْمَسْجِدَ حِرْزٌ لِمَا يَعْتَادُ وَضْعُهُ فِيهِ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَطَعَ مَنْ سَرَقَ مِنْهُ تُرْسًا وَعَلَى هَذَا فَيُقْطَعُ مَنْ سَرَقَ مِنْ حَصِيرِهِ وَقَنَادِيلِهِ وَبُسُطِهِ وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ . وَمَنْ لَمْ يَقْطَعْهُ قَالَ لَهُ فِيهَا حَقّ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِيهَا حَقّ قُطِعَ كَالذّمّيّ . [ الْمُطَالَبَةُ فِي الْمَسْرُوقِ شَرْطٌ فِي الْقَطْعِ ] الْحَادِيَ عَشَرَ أَنّ الْمُطَالَبَةَ فِي الْمَسْرُوقِ شَرْطٌ فِي الْقَطْعِ فَلَوْ وَهَبَهُ إيّاهُ أَوْ بَاعَهُ قَبْلَ رَفْعِهِ إلَى الْإِمَامِ سَقَطَ عَنْهُ الْقَطْعُ كَمَا صَرّحَ بِهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ هَلّا كَانَ قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ [ ص 51 ] [ لَا تَسْقُطُ الْحُدُودُ بَعْدَ رَفْعِهَا لِلْإِمَامِ ] الثّانِيَ عَشَرَ أَنّ ذَلِكَ لَا يُسْقِطُ الْقَطْعَ بَعْدَ رَفْعِهِ إلَى الْإِمَامِ وَكَذَلِكَ كُلّ حَدّ بَلَغَ الْإِمَامَ وَثَبَتَ عِنْدَهُ لَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ وَفِي " السّنَنِ " : عَنْهُ إذَا بَلَغَتْ الْحُدُودُ الْإِمَامَ فَلَعَنَ اللّهُ الشّافِعَ وَالْمُشَفّع الثّالِثَ عَشَرَ أَنّ مَنْ سَرَقَ مِنْ شَيْءٍ لَهُ فِيهِ حَقّ لَمْ يُقْطَعْ . لَا يُقْطَعُ إلّا الْإِقْرَارِ مَرّتَيْنِ أَوْ لِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ الرّابِعَ عَشَرَ أَنّهُ لَا يُقْطَعُ إلّا بِالْإِقْرَارِ مَرّتَيْنِ أَوْ بِشَهَادَةِ شَاهِدَيْنِ لِأَنّ السّارِقَ أَقَرّ عِنْدَهُ مَرّةً فَقَالَ مَا إِخَالُكَ سَرَقْت ؟ فَقَالَ بَلَى فَقَطَعَهُ حِينَئِذٍ وَلَمْ يَقْطَعْهُ حَتّى أَعَادَ عَلَيْهِ مَرّتَيْنِ التّعْرِيضُ لِلسّارِقِ بِعَدَمِ الْإِقْرَارِ الْخَامِسَ عَشَرَ التّعْرِيضُ لِلسّارِقِ بِعَدَمِ الْإِقْرَارِ وَبِالرّجُوعِ عَنْهُ وَلَيْسَ هَذَا حُكْمَ كُلّ سَارِقٍ بَلْ مِنْ السّرّاقِ مَنْ يُقِرّ بِالْعُقُوبَةِ وَالتّهْدِيدِ كَمَا سَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى . [ الْحَسْمُ بَعْدَ الْقَطْعِ ] السّادِسَ عَشَرَ أَنّهُ يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ حَسْمُهُ بَعْدَ الْقَطْعِ لِئَلّا يَتْلَفَ . وَفِي قَوْلِهِ " احْسِمُوهُ " دَلِيلٌ عَلَى أَنّ مُؤْنَةَ الْحَسْمِ لَيْسَتْ عَلَى السّارِقِ . السّابِعَ عَشَرَ تَعْلِيقُ يَدِ السّارِقِ فِي عُنُقِهِ تَنْكِيلًا لَهُ وَبِهِ لِيَرَاهُ غَيْرُهُ . الثّامِنَ عَشَرَ ضَرْبُ الْمُتّهَمِ إذَا ظَهَرَ مِنْهُ أَمَارَاتُ الرّيبَةِ وَقَدْ عَاقَبَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي تُهْمَةٍ وَحَبَسَ فِي تُهْمَةٍ . [ ص 52 ] التّاسِعَ عَشَرَ وُجُوبُ تَخْلِيَةِ الْمُتّهَمِ إذَا لَمْ يَظْهَرْ عِنْدَهُ شَيْءٌ مِمّا اُتّهِمَ بِهِ وَأَنّ الْمُتّهَمَ إذَا رَضِيَ بِضَرْبِ الْمُتّهَمِ فَإِنْ خَرَجَ مَالُهُ عِنْدَهُ وَإِلّا ضُرِبَ هُوَ مِثْلَ ضَرْبِ مَنْ اتّهَمَهُ إنْ أُجِيبَ إلَى ذَلِكَ وَهَذَا كُلّهُ مَعَ أَمَارَاتِ الرّيبَةِ كَمَا قَضَى بِهِ النّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَأَخْبَرَ أَنّهُ قَضَاءُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . الْعِشْرُونَ ثُبُوتُ الْقِصَاصِ فِي الضّرْبَةِ بِالسّوْطِ وَالْعَصَا وَنَحْوِهِمَا . فَصْلٌ [ مَنْ تَكَرّرَ مِنْهُ الْحَدّ فِي السّرِقَةِ ] وَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَبُو دَاوُدَ : أَنّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ سَارِقٍ فَقَالُوا : إنّمَا سَرَقَ فَقَالَ " اقْطَعُوهُ " ثُمّ جِيءَ بِهِ ثَانِيًا فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ فَقَالُوا : إنّمَا سَرَقَ فَقَالَ " اقْطَعُوهُ " ثُمّ جِيءَ بِهِ فِي الثّالِثَةِ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ فَقَالُوا : إنّمَا سَرَقَ فَقَالَ " اقْطَعُوهُ " ثُمّ جِيءَ بِهِ رَابِعَةً فَقَالَ " اُقْتُلُوهُ " فَقَالُوا : إنّمَا سَرَقَ فَقَالَ " اقْطَعُوهُ " فَأُتِيَ بِهِ فِي الْخَامِسَةِ فَأَمَرَ بِقَتْلِهِ فَقَتَلُوهُ فَاخْتَلَفَ النّاسُ فِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ فَالنّسَائِيّ وَغَيْرُهُ لَا يُصَحّحُونَ هَذَا الْحَدِيثَ . قَالَ النّسَائِيّ : هَذَا حَدِيثٌ مُنْكَرٌ وَمَصْعَبُ بْنُ ثَابِتٍ لَيْسَ بِالْقَوِيّ وَغَيْرُهُ يُحَسّنُهُ وَيَقُولُ هَذَا حُكْمٌ خَاصّ بِذَلِكَ الرّجُلِ وَحْدَهُ لِمَا عَلِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الْمَصْلَحَةِ فِي قَتْلِهِ وَطَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ تَقْبَلُهُ وَتَقُولُ بِهِ وَأَنّ السّارِقَ إذَا سَرَقَ خَمْسَ مَرّاتٍ قُتِلَ فِي الْخَامِسَةِ وَمِمّنْ ذَهَبَ إلَى هَذَا الْمَذْهَبِ أَبُو مُصْعَبٍ مِنْ الْمَالِكِيّةِ . وَفِي هَذِهِ الْحُكُومَةِ الْإِتْيَانُ عَلَى أَطْرَافِ السّارِقِ الْأَرْبَعَةِ . وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرّزّاقِ فِي " مُصَنّفِهِ " : أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُتِيَ بِعَبْدٍ سَرَقَ فَأُتِيَ بِهِ أَرْبَعَ مَرّاتٍ فَتَرَكَهُ ثُمّ أُتِيَ بِهِ الْخَامِسَةَ فَقَطَعَ يَدَهُ ثُمّ السّادِسَةَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ ثُمّ السّابِعَةَ فَقَطَعَ يَدَهُ ثُمّ الثّامِنَةَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ [ ص 53 ] يُؤْتَى عَلَى أَطْرَافِهِ كُلّهَا أَمْ لَا ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ . فَقَالَ الشّافِعِيّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ يُؤْتَى عَلَيْهَا كُلّهَا وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ لَا يُقْطَعُ مِنْهُ أَكْثَرُ مِنْ يَدٍ وَرِجْلٍ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَهَلْ الْمَحْذُورُ تَعْطِيلُ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ أَوْ ذَهَابُ عُضْوَيْنِ مِنْ شَقّ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ يَظْهَرُ أَثَرُهُمَا فِيمَا لَوْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدِ الْيُمْنَى فَقَطْ أَوْ أَقْطَعَ الرّجْلِ الْيُسْرَى فَقَطْ فَإِنْ قُلْنَا : يُؤْتَى عَلَى أَطْرَافِهِ لَمْ يُؤْثَرْ ذَلِكَ وَإِنْ قُلْنَا : لَا يُؤْتَى عَلَيْهَا قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى فِي الصّورَةِ الْأُولَى وَيَدُهُ الْيُمْنَى فِي الثّانِيَةِ عَلَى الْعِلّتَيْنِ وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدِ الْيُسْرَى مَعَ الرّجْلِ الْيُمْنَى لَمْ يُقْطَعْ عَلَى الْعِلّتَيْنِ وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدِ الْيُسْرَى فَقَطْ لَمْ تُقْطَعْ يُمْنَاهُ عَلَى الْعِلّتَيْنِ وَفِيهِ نَظَرٌ فَتَأَمّلْ . وَهَلْ قَطْعُ رِجْلِهِ الْيُسْرَى يَبْتَنِي عَلَى الْعِلّتَيْنِ ؟ فَإِنْ عَلّلْنَا بِذَهَابِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ قُطِعَتْ رِجْلُهُ وَإِنْ عَلّلْنَا بِذَهَابِ عُضْوَيْنِ مِنْ شَقّ لَمْ تُقْطَعْ . وَإِنْ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ فَقَطْ وَعَلّلْنَا بِذَهَابِ مَنْفَعَةِ الْجِنْسِ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى وَإِنْ عَلّلْنَا بِذَهَابِ عُضْوَيْنِ مِنْ شَقّ لَمْ تُقْطَعْ هَذَا طَرْدُ هَذِهِ الْقَاعِدَةِ . وَقَالَ صَاحِبُ " الْمُحَرّرِ " فِيهِ تُقْطَعُ يُمْنَى يَدَيْهِ عَلَى الرّوَايَتَيْنِ وَفَرْقٌ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ مَقْطُوعِ الْيَدَيْنِ وَاَلّذِي يُقَالُ فِي الْفَرْقِ إنّهُ إذَا كَانَ أَقْطَعَ الرّجْلَيْنِ فَهُوَ كَالْمُقْعَدِ وَإِذَا قُطِعَتْ إحْدَى يَدَيْهِ انْتَفَعَ بِالْأُخْرَى فِي الْأَكْلِ وَالشّرْبِ وَالْوُضُوءِ وَالِاسْتِجْمَارِ وَغَيْرِهِ وَإِذَا كَانَ أَقْطَعَ الْيَدَيْنِ لَمْ يَنْتَفِعْ إلّا بِرِجْلَيْهِ فَإِذَا ذَهَبَتْ إحْدَاهُمَا لَمْ يُمْكِنْهُ الِانْتِفَاعُ بِالرّجْلِ الْوَاحِدَةِ بِلَا يَدٍ وَمِنْ الْفَرْقِ أَنّ الْيَدَ الْوَاحِدَةَ [ ص 54 ] فَصْلٌ فِي قَضَائِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيمَنْ سَبّهُ مِنْ مُسْلِمٍ أَوْ ذِمّيّ أَوْ مُعَاهَدٍ ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَضَى بِإِهْدَارِ دَمِ أُمّ وَلَدٍ الْأَعْمَى لَمّا قَتَلَهَا مَوْلَاهَا عَلَى السّبّ وَقَتَلَ جَمَاعَةً مِنْ الْيَهُودِ عَلَى سَبّهِ وَأَذَاهُ وَأَمّنَ النّاسَ يَوْمَ الْفَتْحِ إلّا نَفَرًا مِمّنْ كَانَ يُؤْذِيهِ وَيَهْجُوهُ وَهُمْ أَرْبَعَةُ رِجَالٍ وَامْرَأَتَان وَقَالَ مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ فَإِنّهُ قَدْ آذَى اللّهَ وَرَسُولَهُ وَأَهْدَرَ دَمَهُ وَدَمَ أَبِي رَافِعٍ . وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لِأَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيّ وَقَدْ أَرَادَ قَتْلَ مَنْ [ ص 55 ] سَبّهُ لَيْسَ هَذَا لِأَحَدٍ بَعْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَهَذَا قَضَاؤُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَضَاءُ خُلَفَائِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ مِنْ الصّحَابَةِ وَقَدْ أَعَاذَهُمْ اللّهُ مِنْ مُخَالَفَةِ هَذَا الْحُكْمِ . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " : عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ يَهُودِيّةً كَانَتْ تَشْتِمُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَتَقَعُ فِيهِ فَخَنَقَهَا رَجُلٌ حَتّى مَاتَتْ فَأَبْطَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَمَهَا وَذَكَرَ أَصْحَابُ السّيَرِ وَالْمَغَازِي عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا قَالَ هَجَتْ امْرَأَةٌ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ " مَنْ لِي بِهَا " ؟ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ قَوْمِهَا : أَنَا فَنَهَضَ فَقَتَلَهَا فَأُخْبِرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ " لَا يَنْتَطِحُ فِيهَا عَنْزَانِ وَفِي ذَلِكَ بِضْعَةَ عَشَرَ حَدِيثًا مَا بَيْنَ صِحَاحٍ وَحِسَانٍ وَمَشَاهِيرَ وَهُوَ إجْمَاعُ الصّحَابَةِ . وَقَدْ ذَكَرَ حَرْبٌ فِي " مَسَائِلِهِ " : عَنْ مُجَاهِدٍ قَالَ أُتِيَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ بِرَجُلٍ سَبّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَتَلَهُ ثُمّ قَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ مَنْ سَبّ اللّهَ وَرَسُولَهُ أَوْ سَبّ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَاقْتُلُوهُ ثُمّ قَالَ مُجَاهِدٌ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا : أَيّمَا مُسْلِمٍ سَبّ اللّهَ وَرَسُولَهُ أَوْ سَبّ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ فَقَدْ كَذّبَ بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهِيَ رِدّةٌ يُسْتَتَابُ فَإِنْ رَجَعَ وَإِلّا قُتِلَ وَأَيّمَا مُعَاهَدٍ عَانَدَ فَسَبّ اللّهَ أَوْ سَبّ أَحَدًا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ أَوْ جَهَرَ بِهِ فَقَدْ نَقَضَ الْعَهْدَ فَاقْتُلُوهُ وَذَكَرَ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا أَنّهُ مَرّ بِهِ رَاهِبٌ فَقِيلَ لَهُ هَذَا يَسُبّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لَوْ سَمِعْته لَقَتَلْتُهُ إنّا لَمْ نُعْطِهِمْ الذّمّةَ عَلَى أَنْ يَسُبّوا نَبِيّنَا وَالْآثَارُ عَنْ الصّحَابَةِ بِذَلِكَ كَثِيرَةٌ وَحَكَى غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمّةِ الْإِجْمَاعَ عَلَى قَتْلِهِ . قَالَ شَيْخُنَا : وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى إجْمَاعِ الصّدْرِ الْأَوّلِ مِنْ [ ص 56 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَضَائِهِ فِيمَنْ سَبّهُ . [ لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعَفْوُ عَمّنْ سَبّهُ فِي حَيَاتِهِ ] وَأَمّا تَرْكُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَتْلَ مَنْ قَدَحَ فِي عَدْلِهِ بِقَوْلِهِ " اعْدِلْ فَإِنّكَ لَمْ تَعْدِلْ " وَفِي حُكْمِهِ بِقَوْلِهِ " أَنْ كَانَ ابْنَ عَمّتِكَ " وَفِي قَصْدِهِ بِقَوْلِهِ " إنّ هَذِهِ قِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللّهِ " أَوْ فِي خَلْوَتِهِ بِقَوْلِهِ " يَقُولُونَ إنّكَ تَنْهَى عَنْ الْغَيّ وَتَسْتَخْلِي بِه وَغَيْرُ ذَلِكَ فَذَلِكَ أَنّ الْحَقّ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ . وَلَهُ أَنْ يَتْرُكَهُ وَلَيْسَ لِأُمّتِهِ تَرْكُ اسْتِيفَاءِ حَقّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَأَيْضًا فَإِنّ هَذَا كَانَ فِي أَوّلِ الْأَمْرِ حَيْثُ كَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَأْمُورًا بِالْعَفْوِ وَالصّفْحِ . وَأَيْضًا فَإِنّهُ كَانَ يَعْفُو عَنْ حَقّهِ لِمَصْلَحَةِ التّأْلِيفِ وَجَمْعِ الْكَلِمَةِ وَلِئَلّا يُنَفّرَ النّاسَ عَنْهُ وَلِئَلّا يَتَحَدّثُوا أَنّهُ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ وَكُلّ هَذَا يَخْتَصّ بِحَيَاتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيمَنْ سَمّهُ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْن " : أَنّ يَهُودِيّةً سَمّتْهُ فِي شَاةٍ فَأَكَلَ مِنْهَا لُقْمَةً ثُمّ لَفَظَهَا وَأَكَلَ مَعَهُ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاء فَعَفَا عَنْهَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَمْ يُعَاقِبْهَا [ ص 57 ] الصّحِيحَيْنِ " . وَعِنْدَ أَبِي دَاوُدَ أَنّهُ أَمَرَ بِقَتْلِهَا فَقِيلَ إنّهُ عَفَا عَنْهَا فِي حَقّهِ فَلَمّا مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ قَتَلَهَا بِهِ . وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ مَنْ قَدّمَ لِغَيْرِهِ طَعَامًا مَسْمُومًا يُعْلَمُ بِهِ دُونَ آكِلِهِ فَمَاتَ بِهِ أُقِيدَ مِنْهُ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي السّاحِر فِي التّرْمِذِيّ . عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَدّ السّاحِرِ ضَرْبَةٌ بِالسّيْف وَالصّحِيحُ أَنّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى جُنْدُبِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ . وَصَحّ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِ وَصَحّ عَنْ حَفْصَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا أَنّهَا قَتَلَتْ مُدَبّرَةً سَحَرَتْهَا فَأَنْكَرَ عَلَيْهَا عُثْمَانُ إذْ فَعَلَتْهُ دُونَ أَمْرِهِ وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا أَيْضًا أَنّهَا قَتَلَتْ مُدَبّرَةً سَحَرَتْهَا وَرُوِيَ أَنّهَا بَاعَتْهَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَغَيْرُهُ . وَقَدْ صَحّ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَقْتُلْ مَنْ سَحَرَهُ مِنْ الْيَهُودِ فَأَخَذَ بِهَذَا الشّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَةَ رَحِمَهُمَا اللّهُ وَأَمّا مَالِكٌ وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمَا اللّهُ فَإِنّهُمَا يَقْتُلَانِهِ وَلَكِنْ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللّه أَنّ سَاحِرَ أَهْلِ الذّمّةِ لَا يُقْتَلُ وَاحْتَجّ [ ص 58 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَقْتُلْ لَبِيدَ بْنَ الْأَعْصَمِ الْيَهُودِيّ حِينَ سَحَرَهُ وَمَنْ قَالَ بِقَتْلِ سَاحِرِهِمْ يُجِيبُ عَنْ هَذَا بِأَنّهُ لَمْ يُقِرّ وَلَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ بَيّنَةٌ وَبِأَنّهُ خَشِيَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُثِيرَ عَلَى النّاسِ شَرّا بِتَرْكِ إخْرَاجِ السّحْرِ مِنْ الْبِئْرِ فَكَيْفَ لَوْ قَتَلَهُ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَوّلِ غَنِيمَةٍ كَانَتْ فِي الْإِسْلَامِ وَأَوّلِ قَتِيلٍ لَمّا بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ جَحْشٍ وَمَنْ مَعَهُ سَرِيّةً إلَى نَخْلَةَ تَرَصّدَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ وَأَعْطَاهُ كِتَابًا مَخْتُومًا وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَقْرَأْهُ إلّا بَعْدَ يَوْمَيْنِ فَقَتَلُوا عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيّ وَأَسَرُوا عُثْمَانَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ وَالْحَكَمَ بْنَ كَيْسَانَ وَكَانَ ذَلِكَ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ فَعَنّفَهُمْ الْمُشْرِكُونَ وَوَقَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْغَنِيمَةَ وَالْأَسِيرَيْنِ حَتّى أَنْزَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { يَسْأَلُونَكَ عَنْ الشّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحِرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللّهِ } [ الْبَقَرَةُ 217 ] فَأَخَذَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعِيرَ وَالْأَسِيرَيْنِ وَبَعَثَتْ إلَيْهِ قُرَيْشٌ فِي فِدَائِهِمَا فَقَالَ لَا حَتّى يَقْدَمَ صَاحِبَانَا - يَعْنِي سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ - فَإِنّا نَخْشَاكُمْ عَلَيْهِمَا فَإِنْ تَقْتُلُوهُمَا نَقْتُلْ صَاحِبَيْكُمْ فَلَمّا قَدِمَا فَادَاهُمَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِعُثْمَانَ وَالْحَكَمِ وَقَسَمَ الْغَنِيمَةَ . وَذَكَرَ ابْنُ وَهْبٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَدّ الْغَنِيمَةَ وَوَدَى الْقَتِيلَ . وَالْمَعْرُوفُ فِي السّيَرِ خِلَافُ هَذَا . [ إجَازَةُ الشّهَادَةِ عَلَى الْوَصِيّةِ الْمَخْتُومَةِ ] وَفِي هَذِهِ الْقِصّةِ مِنْ الْفِقْهِ إجَازَةُ الشّهَادَةِ عَلَى الْوَصِيّةِ الْمَخْتُومَةِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَكَثِيرٍ مِنْ السّلَفِ وَيَدُلّ عَلَيْهِ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا فِي " الصّحِيحَيْنِ " : مَا حَقّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ لَهُ شَيْءٌ يُوصِي بِهِ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلّا وَوَصِيّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ . [ عَدَمُ مَعْرِفَةِ حَامِلِ الْكِتَابِ بِمَضْمُونِهِ ] [ ص 59 ] وَالْحَاكِمِ الْبَيّنَةُ وَلَا أَنْ يَقْرَأَهُ الْإِمَامُ وَالْحَاكِمُ عَلَى الْحَامِلِ لَهُ وَكُلّ هَذَا لَا أَصْلَ لَهُ فِي كِتَابٍ وَلَا سُنّةٍ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَدْفَعُ كُتُبَهُ مَعَ رُسُلِهِ وَيُسَيّرُهَا إلَى مَنْ يَكْتُبُ إلَيْهِ وَلَا يَقْرَؤُهَا عَلَى حَامِلِهَا وَلَا يُقِيمُ عَلَيْهَا شَاهِدَيْنِ وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالضّرُورَةِ مِنْ هَدْيِهِ وَسُنّتِهِ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْجَاسُوس ثَبَتَ أَنّ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ لَمّا جَسّ عَلَيْهِ سَأَلَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ ضَرْبَ عُنُقَهُ فَلَمْ يُمْكِنْهُ وَقَالَ " مَا يُدْرِيكَ لَعَلّ اللّهَ اطّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَقَدْ تَقَدّمَ حُكْمُ الْمَسْأَلَةِ مُسْتَوْفًى . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ سَحْنُونٌ إذَا كَاتَبَ الْمُسْلِمُ أَهْلَ الْحَرْبِ قُتِلَ وَلَمْ يُسْتَتَبْ وَمَالُهُ لِوَرَثَتِهِ وَقَالَ غَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ مَالِك ٍ رَحِمَهُ اللّهُ يُجْلَدُ جَلْدًا وَجِيعًا وَيُطَالُ حَبْسُهُ وَيُنْفَى مِنْ مَوْضِعٍ يَقْرُبُ مِنْ الْكُفّارِ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : يُقْتَلُ وَلَا يُعْرَفُ لِهَذَا تَوْبَةٌ وَهُوَ كَالزّنْدِيقِ . وَقَالَ الشّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ رَحِمَهُمْ اللّهُ لَا يُقْتَلُ وَالْفَرِيقَانِ احْتَجّوا بِقِصّةِ حَاطِبٍ وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُ وَجْهِ احْتِجَاجِهِمْ وَوَافَقَ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ مَالِكًا وَأَصْحَابَهُ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ فِي الْأَسْرَى ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْأَسْرَى أَنّهُ قَتَلَ بَعْضَهُمْ وَمَنْ عَلَى بَعْضِهِمْ وَفَادَى [ ص 60 ] بِمَالٍ وَبَعْضَهُمْ بِأَسْرَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَاسْتَرَقّ بَعْضَهُمْ وَلَكِنّ الْمَعْرُوفَ أَنّهُ لَمْ يَسْتَرِقْ رَجُلًا بَالِغًا . فَقَتَلَ يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ الْأَسْرَى عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ وَالنّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ . وَقَتَلَ مِنْ يَهُودَ جَمَاعَةً كَثِيرِينَ مِنْ الْأَسْرَى وَفَادَى أَسْرَى بَدْرٍ بِالْمَالِ بِأَرْبَعَةِ آلَافٍ إلَى أَرْبَعِمِائَةٍ وَفَادَى بَعْضَهُمْ عَلَى تَعْلِيمِ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْكِتَابَةَ وَمَنّ عَلَى أَبِي عَزّةَ الشّاعِرِ يَوْمَ بَدْرٍ وَقَالَ فِي أَسَارَى بِدْرٍ : لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيّ حَيّا ثُمّ كَلّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النّتْنَى لَأَطْلَقْتُهُمْ لَهُ وَفَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَفَدَى رِجَالًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِامْرَأَةٍ مِنْ السّبْيِ اسْتَوْهَبَهَا مِنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَمَنّ عَلَى ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ وَأَطْلَقَ يَوْمَ فَتْحِ مَكّةَ جَمَاعَةً مِنْ قُرَيْشٍ فَكَانَ يُقَالُ لَهُمْ الطّلَقَاءُ . وَهَذِهِ أَحْكَامٌ لَمْ يُنْسَخْ مِنْهَا شَيْءٌ بَلْ يُخَيّرُ الْإِمَامُ فِيهَا بِحَسْبِ الْمَصْلَحَةِ [ ص 61 ] وَاسْتَرَقّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ فَسَبَايَا أَوْطَاسٍ وَبَنِي الْمُصْطَلِقِ لَمْ يَكُونُوا كِتَابِيّينَ وَإِنّمَا كَانُوا عَبَدَةَ أَوْثَانٍ مِنْ الْعَرَبِ . وَاسْتَرَقّ الصّحَابَةُ مِنْ سَبْيِ بَنِي حَنِيفَةَ وَلَمْ يَكُونُوا كِتَابِيّينَ . قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا : خَيّرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْأَسْرَى بَيْنَ الْفِدَاءِ وَالْمَنّ وَالْقَتْلِ وَالِاسْتِعْبَادِ يَفْعَلُ مَا شَاءَ وَهَذَا هُوَ الْحَقّ الّذِي لَا قَوْلَ سِوَاهُ . فَصْلٌ [ حُكْمُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْيَهُود ] وَحَكَمَ فِي الْيَهُودِ بِعِدّةِ قَضَايَا فَعَاهَدَهُمْ أَوّلَ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَة ثُمّ حَارَبَهُ بَنُو قَيْنُقَاعَ فَظَفَرَ بِهِمْ وَمَنّ عَلَيْهِمْ ثُمّ حَارَبَهُ بَنُو النّضِيرِ فَظَفَرَ بِهِمْ وَأَجَلَاهُمْ ثُمّ حَارَبَهُ بَنُو قُرَيْظَةَ فَظَفَرَ بِهِمْ وَقَتَلَهُمْ ثُمّ حَارَبَهُ أَهْلُ خَيْبَرَ فَظَفَرَ بِهِمْ وَأَقَرّهُمْ فِي أَرْضِ خَيْبَرَ مَا شَاءَ سِوَى مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ . وَلَمّا حَكَمَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ بِأَنْ تُقْتَلَ مُقَاتِلَتُهُمْ وَتُسْبَى ذَرَارِيّهُمْ وَتُغْنَمَ أَمْوَالُهُمْ أَخْبَرَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ هَذَا حُكْمُ اللّهِ عَزّ وَجَلّ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَوَاتٍ وَتَضَمّنَ هَذَا الْحُكْمُ أَنّ نَاقِضِي الْعَهْدِ يَسْرِي نَقْضُهُمْ إلَى نِسَائِهِمْ وَذُرّيّتِهِمْ إذَا كَانَ نَقْضُهُمْ بِالْحَرْبِ وَيَعُودُونَ أَهْلَ حَرْبٍ وَهَذَا عَيْنُ حُكْمِ اللّهِ عَزّ وَجَلّ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي فَتْحِ خَيْبَرَ حَكَمَ يَوْمئِذٍ بِإِقْرَارِ يَهُودَ فِيهَا عَلَى شَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ [ ص 62 ] وَحَكَمَ بِقَتْلِ ابْنَيْ أَبِي الْحَقِيقِ لَمّا نَقَضُوا الصّلْحَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ عَلَى أَنْ لَا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيّبُوا شَيْئًا مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَكَتَمُوا وَغَيّبُوا وَحَكَمَ بِعُقُوبَةِ الْمُتّهَمِ بِتَغْيِيبِ الْمَالِ حَتّى أَقَرّ بِهِ وَقَدْ تَقَدّمَ ذَلِكَ مُسْتَوْفًى فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ . وَكَانَتْ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ خَاصّةً وَلَمْ يَغِبْ عَنْهَا إلّا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ فَقَسَمَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَهْمَهُ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي فَتْحِ مَكّةَ حَكَمَ بِأَنّ مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ أَوْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَوْ وَضَعَ السّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ وَحَكَمَ بِقَتْلِ نَفَرٍ سِتّةٍ مِنْهُمْ مِقْيَسُ بْنُ صَبَابَةَ وَابْنُ خَطَلٍ وَمُغَنّيَتَانِ كَانَتَا تُغَنّيَانِ بِهِجَائِهِ وَحَكَمَ بِأَنّهُ لَا يُجْهَزُ عَلَى جَرِيحٍ وَلَا يُتْبَعُ مُدَبّرٌ وَلَا يُقْتَلُ أَسِيرٌ ذَكَرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ " . وَحَكَمَ لِخُزَاعَةَ أَنْ يَبْذُلُوا سُيُوفَهُمْ فِي بَنِي بَكْرٍ إلَى صَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمّ قَالَ لَهُمْ يَا مَعْشَرَ خُزَاعَةَ ارْفَعُوا أَيْدِيَكُمْ عَنْ الْقَتْل فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي قِسْمَةِ الْغَنَائِمِ [ الْفَارِسُ وَالرّاجِلُ ] حَكَمَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ وَلِلرّاجِلِ سَهْمٌ هَذَا حُكْمُهُ الثّابِتُ عَنْهُ فِي مُغَازِيهِ كُلّهَا وَبِهِ أَخَذَ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ . [ ص 63 ] وَحَكَمَ أَنّ السّلَبَ لِلْقَاتِلِ . الْخُمُسُ وَأَمّا حُكْمُهُ بِإِخْرَاجِ الْخُمُسِ فَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : كَانَتْ الْخَيْلُ يَوْمَ بَنِي قُرَيْظَةَ سِتّةً وَثَلَاثِينَ فَرَسًا وَكَانَ أَوّلَ فَيْءٍ وَقَعَتْ فِيهِ السّهْمَانِ وَأَخْرَجَ مِنْهُ الْخُمُسَ وَمَضَتْ بِهِ السّنّةُ وَوَافَقَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ بْنُ إسْحَاقَ فَقَالَ إسْمَاعِيلُ وَأَحْسِبُ أَنّ بَعْضَهُمْ قَالَ تَرَكَ أَمْرَ الْخُمْسِ بَعْدَ ذَلِكَ وَلَمْ يَأْتِ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَدِيثِ مَا فِيهِ بَيَانٌ شَافٍ وَإِنّمَا جَاءَ ذِكْرُ الْخُمُسِ يَقِينًا فِي غَنَائِمِ حُنَيْنٍ . وَقَالَ الْوَاقِدِيّ : أَوّلُ خُمُسٍ خُمّسَ فِي غَزْوَةِ بَنِي قَيْنُقَاعَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرٍ وَثَلَاثَةِ أَيّامٍ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ فَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنّ لَهُ أَمْوَالَهُمْ وَلَهُمْ النّسَاءَ وَالذّرّيّةَ وَخَمّسَ أَمْوَالَهُمْ . وَقَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصّامِتِ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى بَدْرٍ فَلَمّا هَزَمَ اللّهُ الْعَدُوّ تَبِعَتْهُمْ طَائِفَةٌ يَقْتُلُونَهُمْ وَأَحْدَقَتْ طَائِفَةٌ بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَطَائِفَةٌ اسْتَوْلَتْ عَلَى الْعَسْكَرِ وَالْغَنِيمَةِ فَلَمّا رَجَعَ الّذِينَ طَلَبُوهُمْ قَالُوا : لَنَا النّفَلُ نَحْنُ طَلَبْنَا الْعَدُوّ وَقَالَ الّذِينَ أَحْدَقُوا بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَحْنُ أَحَقّ بِهِ لِأَنّا أَحْدَقْنَا بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ لَا يَنَالَ الْعَدُوّ غِرّتَهُ وَقَالَ الّذِينَ اسْتَوْلَوْا عَلَى الْعَسْكَرِ هُوَ لَنَا نَحْنُ حَوَيْنَاهُ . فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلّهِ وَالرّسُولِ } [ الْأَنْفَالُ 1 ] . فَقَسّمَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ بَوَاءٍ قَبْلَ أَنْ يَنْزِلَ { وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنّ لِلّهِ خُمُسَهُ } [ الْأَنْفَالُ 41 ] . [ الْعِلّةُ فِي قَسْمِ أَمْوَالِ بَنِي النّضِيرِ فِي الْمُهَاجِرِينَ ] [ ص 64 ] وَقَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ إنّمَا قَسَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمْوَالَ بَنِي النّضِيرِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَثَلَاثَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ : سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَأَبِي دُجَانَةَ وَالْحَارِثِ بْنِ الصّمَةِ لِأَنّ الْمُهَاجِرِينَ حِينَ قَدِمُوا الْمَدِينَةَ شَاطَرَهُمْ الْأَنْصَارُ ثِمَارَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنْ شِئْتُمْ قَسَمْتُ أَمْوَالَ بَنِي النّضِيرِ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ وَأَقَمْتُمْ عَلَى مُوَاسَاتِهِمْ فِي ثِمَارِكُمْ وَإِنْ شِئْتُمْ أَعْطَيْنَاهَا لِلْمُهَاجِرِينَ دُونَكُمْ وَقَطَعْتُمْ عَنْهُمْ مَا كُنْتُمْ تُعْطُونَهُمْ مِنْ ثِمَارِكُمْ فَقَالُوا : بَلْ تُعْطِيهِمْ دُونَنَا وَنُمْسِكُ ثِمَارَنَا فَأَعْطَاهَا رَسُولُ اللّهِ الْمُهَاجِرِينَ فَاسْتَغْنَوْا بِمَا أَخَذُوا وَاسْتَغْنَى الْأَنْصَارُ بِمَا رَجَعَ إلَيْهِمْ مِنْ ثِمَارِهِمْ وَهَؤُلَاءِ الثّلَاثَةُ مِنْ الْأَنْصَارِ شَكَوْا حَاجَة [ ص 65 ] [ مَنْ ضُرِبَ لَهُ سَهْمٌ وَلَمْ يَحْضُرْ ] وَكَانَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ وَسَعِيدُ بْنُ زَيْدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا بِالشّام ِ لَمْ يَشْهَدَا بَدْرًا فَقَسَمَ لَهُمَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَهْمَيْهِمَا فَقَالَا : وَأُجُورُنَا يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ فَقَالَ " وَأُجُورُكُمَا " . وَذَكَرَ ابْنُ هِشَامٍ وَابْنُ حَبِيبٍ أَنّ أَبَا لُبَابَة َ وَالْحَارِثَ بْنَ حَاطِبٍ وَعَاصِمَ بْنَ عَدِيّ خَرَجُوا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرَدّهُمْ وَأَمّرَ أَبَا لُبَابَةَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ عَلَى الصّلَاةِ وَأَسْهَمَ لَهُمْ وَالْحَارِثُ بْنُ الصّمَةِ كُسِرَ بِالرّوْحَاءِ فَضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِسَهْمِهِ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : وَخَوّات بْنُ جُبَيْرٍ ضَرَبَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِسَهْمِهِ . وَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ أَنّ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ تَخَلّفَ عَلَى امْرَأَتِهِ رُقَيّةَ بِنْتِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَضَرَبَ لَهُ بِسَهْمِهِ فَقَالَ وَأَجْرِي يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ وَأَجْرُكَ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَهَذَا خَاصّ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ أَنْ لَا يُقْسَمَ لِغَائِبٍ . قُلْتُ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ وَمَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ مِنْ السّلَفِ وَالْخَلَفِ إنّ الْإِمَامَ إذَا بَعَثَ أَحَدًا فِي مَصَالِحِ الْجَيْشِ فَلَهُ سَهْمُهُ . قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَلَمْ يَكُنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُسْهِمُ لِلنّسَاءِ وَالصّبْيَانِ وَالْعَبِيدِ وَلَكِنْ كَانَ يَحْذِيهِمْ مِنْ الْغَنِيمَةِ فَصْلٌ [ مَا يَعْدِلُ الْبَعِيرُ مِنْ الْغَنَمِ وَالْبَقَرِ ] [ ص 66 ] وَعَدَلَ فِي قِسْمَةِ الْإِبِلِ وَالْغَنَمِ كُلّ عَشْرَةٍ مِنْهَا بِبَعِيرٍ فَهَذَا فِي التّقْوِيمِ وَقِسْمَةِ الْمَالِ الْمُشْتَرَكِ . وَأَمّا فِي الْهَدْيِ فَقَدْ قَالَ جَابِرٌ نَحَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ . فَهَذَا فِي الْحُدَيْبِيَةِ . وَأَمّا فِي حِجّةِ الْوَدَاعِ فَقَالَ جَابِرٌ أَيْضًا : أَمَرَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ نَشْتَرِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ كُلّ سَبْعَةٍ مِنّا فِي بَدَنَةٍ وَكِلَاهُمَا فِي الصّحِيحِ . وَفِي " السّنَنِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ رَجُلًا : أَتَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ إنّ عَلَيّ بَدَنَةً وَأَنَا مُوسِرٌ بِهَا وَلَا أَجِدُهَا فَأَشْتَرِيَهَا فَأَمَرَهُ أَنْ يَبْتَاعَ سَبْعَ شِيَاهٍ فَيَذْبَحُهُنّ . فَصْلٌ [هَلْ السّلَبِ مِنْ الْخُمُسِ ] حَكَمَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالسّلَبِ كُلّهِ لِلْقَاتِلِ وَلَمْ يُخَمّسْهُ وَلَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ الْخُمُسِ بَلْ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ وَهَذَا حُكْمُهُ وَقَضَاؤُهُ . قَالَ الْبُخَارِيّ فِي " صَحِيحِهِ " : السّلَبُ لِلْقَاتِلِ إنّمَا هُوَ مِنْ غَيْرِ الْخُمُسِ وَحَكَمَ بِهِ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ وَحَكَمَ بِهِ بَعْدَ الْقَتْلِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَحْكَامٍ تَضَمّنَهَا حُكْمُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالسّلَبِ لِمَنْ قَتَلَ قَتِيلًا . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ السّلَبُ لَا يَكُونُ إلّا مِنْ الْخُمُسِ وَحُكْمُهُ حُكْمُ [ ص 67 ] قَالَ مَالِكٌ : وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ ذَلِكَ وَلَا فَعَلَهُ فِي غَيْرِ يَوْمِ حُنَيْن ٍ وَلَا فَعَلَهُ أَبُو بَكْر ٍ وَلَا عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا . قَالَ ابْنُ الْمَوّازِ : وَلَمْ يُعْطِ غَيْرَ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ سَلَبَ قَتِيلِهِ وَخَمّسَهُ . قَالَ أَصْحَابُهُ قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنّ لِلّهِ خُمُسَهُ } فَجَعَلَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ لِمَنْ غَنِمَهَا فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ شَيْءٌ مِمّا جَعَلَهُ اللّهُ لَهُمْ بِالِاحْتِمَالِ . وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ إنّمَا هِيَ فِي غَيْرِ الْأَسْلَابِ لَمْ يُؤَخّرْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حُكْمَهَا إلَى حُنَيْنٍ وَقَدْ نَزَلَتْ فِي قِصّةِ بَدْرٍ وَأَيْضًا إنّمَا قَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُه بَعْدَ أَنْ بَرُدَ الْقِتَالُ . وَلَوْ كَانَ أَمْرًا مُتَقَدّمًا لِعِلْمِهِ أَبُو قَتَادَةَ فَارِسُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَحَدُ أَكَابِرِ أَصْحَابِهِ وَهُوَ لَمْ يَطْلُبْهُ حَتّى سَمِعَ مُنَادِيَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ ذَلِكَ . قَالُوا : وَأَيْضًا فَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَعْطَاهُ إيّاهُ بِشَهَادَةِ وَاحِدٍ بِلَا يَمِينٍ فَلَوْ كَانَ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ لَمْ يَخْرُجْ حَقّ مَغْنَمٌ إلّا بِمَا تُخْرَجُ بِهِ الْأَمْلَاكُ مِنْ الْبَيّنَات أَوْ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ . قَالُوا : وَأَيْضًا فَلَوْ وَجَبَ لِلْقَاتِلِ وَلَمْ يَجِدْ بَيّنَةً لَكَانَ يُوقَفُ كَاللّقَطَةِ وَلَا يَقْسِمْ وَهُوَ إذَا لَمْ تَكُنْ بَيّنَةً يَقْسِمُ فَخَرَجَ مِنْ مَعْنَى الْمُلْكِ وَدَلّ عَلَى أَنّهُ إلَى اجْتِهَادِ الْإِمَامِ يَجْعَلُهُ مِنْ الْخُمُسِ الّذِي يُجْعَلُ فِي غَيْرِهِ هَذَا مَجْمُوعُ مَا اُحْتُجّ بِهِ لِهَذَا الْقَوْلِ . قَالَ الْآخَرُونَ قَدْ قَالَ ذَلِكَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفَعَلَهُ قَبْلَ حُنَيْنٍ بِسِتّةِ أَعْوَامٍ فَذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي " صَحِيحِه " : أَنّ مُعَاذَ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ وَمُعَاذَ بْنَ عَفْرَاءَ الْأَنْصَارِيّيْنِ ضَرَبَا أَبَا جَهْلِ بْنِ هِشَامٍ يَوْمَ بَدْرٍ بِسَيْفَيْهِمَا حَتّى قَتَلَاهُ فَانْصَرَفَا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرَاهُ فَقَالَ أَيّكُمَا قَتَلَهُ ؟ فَقَالَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا : أَنَا قَتَلْته فَقَالَ هَلْ مَسَحْتُمَا سَيْفَيْكُمَا ؟ قَالَا : لَا فَنَظَرَ إلَى السّيْفَيْنِ فَقَالَ كِلَاكُمَا قَتَلَهُ وَسَلَبُهُ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ [ ص 68 ] حُنَيْنٍ الْإِعْلَامُ الْعَامّ وَالْمُنَادَاةُ بِهِ لَا شَرْعِيّتُهُ . وَأَمّا قَوْلُ ابْنِ الْمَوّازِ : إنّ أَبَا بَكْرٍ وَ عُمَرَ لَمْ يَفْعَلَاهُ فَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنّ هَذَا شَهَادَةٌ عَلَى النّفْيِ فَلَا تُسْمَعُ الثّانِي : أَنّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَرْكُ الْمُنَادَاةِ بِذَلِكَ عَلَى عَهْدِهِمَا اكْتِفَاءً بِمَا تَقَرّرَ وَثَبَتَ مِنْ حُكْمِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَضَائِهِ وَحَتّى لَوْ صَحّ عَنْهُمَا تَرْكُ ذَلِكَ تَرْكًا صَحِيحًا لَا احْتِمَالَ فِيهِ لَمْ يُقَدّمْ عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَأَمّا قَوْلُهُ وَلَمْ يُعْطِ غَيْرَ الْبَرَاءِ بْنِ مَالِكٍ سَلَبَ قَتِيلِهِ فَقَدْ أَعْطَى السّلَبَ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ وَلِمُعَاذِ بْنِ عَمْرٍو وَلِأَبِي طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيّ قَتَلَ عِشْرِينَ يَوْمَ حُنَيْن ٍ فَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ وَهَذِهِ كُلّهَا وَقَائِعُ صَحِيحَةٌ مُعْظَمُهَا فِي الصّحِيحِ فَالشّهَادَةُ عَلَى النّفْيِ لَا تَكَادُ تَسْلَمُ مِنْ النّقْضِ . وَأَمّا قَوْلُهُ " وَخَمّسَهُ " فَهَذَا لَمْ يُحْفَظْ بِهِ أَثَرٌ الْبَتّةَ بَلْ الْمَحْفُوظُ خِلَافُهُ فَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " : عَنْ خَالِدٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يُخَمّسْ السّلَبَ وَأَمّا قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَاعْلَمُوا أَنّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنّ لِلّهِ خُمُسَهُ } فَهَذَا [ ص 69 ] وَقَوْلُهُ " لَا يُجْعَلُ شَيْءٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ لِغَيْرِ أَهْلِهَا بِالِاحْتِمَالِ " جَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنّا لَمْ نَجْعَلْ السّلَبَ لِغَيْرِ الْغَانِمِينَ . الثّانِي : إنّمَا جَعَلْنَاهُ لِلْقَاتِلِ بِقَوْلِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا بِالِاحْتِمَالِ وَلَمْ يُؤَخّرْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حُكْمَ الْآيَةِ إلَى يَوْمِ حُنَيْنٍ كَمَا ذَكَرْتُمْ بَلْ قَدْ حَكَمَ بِذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ وَلَا يَمْنَعُ كَوْنَهُ قَالَهُ بَعْدَ الْقِتَالِ مِنْ اسْتِحْقَاقِهِ بِالْقَتْلِ . وَأَمّا كَوْنُ أَبِي قَتَادَةَ لَمْ يَطْلُبْهُ حَتّى سَمِعَ مُنَادِيَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُهُ فَلَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُ لَمْ يَكُنْ مُتَقَرّرًا مَعْلُومًا وَإِنّمَا سَكَتَ عَنْهُ أَبُو قَتَادَةَ لِأَنّهُ لَمْ يَكُنْ يَأْخُذُهُ بِمُجَرّدِ دَعْوَاهُ فَلَمّا شَهِدَ لَهُ بِهِ شَاهِدٌ أَعْطَاهُ . وَالصّحِيحُ أَنّهُ يُكْتَفَى فِي هَذَا بِالشّاهِدِ الْوَاحِدِ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى شَاهِدٍ آخَرَ وَلَا يَمِينٍ كَمَا جَاءَتْ بِهِ السّنّةُ الصّحِيحَةُ الصّرِيحَةُ الّتِي لَا مُعَارِضَ لَهَا وَقَدْ تَقَدّمَ هَذَا فِي مَوْضِعِهِ . وَأَمّا قَوْلُهُ " إنّهُ لَوْ كَانَ لِلْقَاتِلِ لَوَقَفَ وَلَمْ يُقَسّمْ كَاللّقَطَةِ " فَجَوَابُهُ أَنّهُ لِلْغَانِمِينَ وَإِنّمَا لِلْقَاتِلِ حَقّ التّقْدِيمِ فَإِذَا لَمْ تُعْلَمْ عَيْنُ الْقَاتِلِ اشْتَرَكَ فِيهِ الْغَانِمُونَ فَإِنّهُ حَقّهُمْ وَلَمْ يَظْهَرْ مُسْتَحِقّ التّقْدِيمِ مِنْهُمْ فَاشْتَرَكُوا فِيهِ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيمَا حَازَهُ الْمُشْرِكُونَ مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ ثُمّ ظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ أَوْ أَسْلَمَ عَلَيْهِ الْمُشْرِكُونَ فِي " الْبُخَارِيّ " : أَنّ فَرَسًا لِابْنِ عُمَر رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ ذَهَبَ وَأَخَذَهُ الْعَدُوّ فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَرُدّ عَلَيْهِ فِي زَمَنِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبِقَ لَهُ عَبْدٌ فَلَحِقَ بِالرّومِ فَظَهَرَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ فَرَدّهُ عَلَيْهِ خَالِدٌ فِي زَمَنِ أَبِي بَكْر ٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ . [ ص 70 ] سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " : أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هُوَ الّذِي رَدّ عَلَيْهِ الْغُلَامَ وَفِي " الْمُدَوّنَةِ " وَ " الْوَاضِحَةِ أَنّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَجَدَ بَعِيرًا لَهُ فِي الْمَغَانِمِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنْ وَجَدْتَهُ لَمْ يُقْسَمْ فَخُذْهُ وَإِنْ وَجَدْتَهُ قَدْ قُسِمَ فَأَنْتَ أَحَقّ بِهِ بِالثّمَنِ إنْ أَرَدْتَهُ وَصَحّ عَنْهُ أَنّ الْمُهَاجِرِينَ طَلَبُوا مِنْهُ دُورَهُمْ يَوْمَ الْفَتْحِ بِمَكّةَ فَلَمْ يَرُدّ عَلَى أَحَدٍ دَارَهُ . وَقِيلَ لَهُ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا مِنْ دَارِك بِمَكّةَ ؟ فَقَالَ وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا وَذَلِكَ أَنّ الرّسُولَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ وَثَبَ عَقِيلٌ عَلَى رِبَاعِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَكّةَ فَحَازَهَا كُلّهَا وَحَوَى عَلَيْهَا ثُمّ أَسْلَمَ وَهِيَ فِي يَدِهِ وَقَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ وَلَمْ يَرِثْهُ عَلِيّ لِتَقَدّمِ إسْلَامِهِ عَلَى مَوْتِ أَبِيهِ وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِيرَاثٌ مِنْ عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَإِنّ أَبَاهُ عَبْدَ اللّهِ مَاتَ وَأَبَوْهُ عَبْدُ الْمُطّلِبِ حَيّ ثُمّ مَاتَ عَبْدُ الْمُطّلِبِ فَوَرِثَهُ أَوْلَادُهُ وَهُمْ أَعْمَامُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَاتَ أَكْثَرُ أَوْلَادِهِ وَلَمْ يُعْقِبُوا فَحَازَ أَبُو طَالِبٍ رِبَاعَهُ ثُمّ مَاتَ فَاسْتَوْلَى عَلَيْهَا عَقِيلٌ دُونَ عَلِيّ لِاخْتِلَافِ الدّينِ ثُمّ هَاجَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَاسْتَوْلَى عَقِيلٌ عَلَى دَارِهِ فَلِذَلِكَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مَنْزِلًا وَكَانَ الْمُشْرِكُونَ يَعْمِدُونَ إلَى مَنْ هَاجَرَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَحِقَ بِالْمَدِينَةِ فَيَسْتَوْلُونَ عَلَى دَارِهِ وَعَقَارِهِ فَمَضَتْ السّنّةُ أَنّ الْكُفّارَ الْمُحَارِبِينَ إذَا أَسْلَمُوا لَمْ يَضْمَنُوا مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ وَلَمْ يَرُدّوا عَلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ الّتِي غَصَبُوهَا عَلَيْهِمْ بَلْ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فَهُوَ لَهُ هَذَا حُكْمُهُ وَقَضَاؤُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيمَا كَانَ يُهْدَى إلَيْهِ [ ص 71 ] كَانَ أَصْحَابُهُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ يُهْدُونَ إلَيْهِ الطّعَامَ وَغَيْرَهُ فَيَقْبَلُ مِنْهُمْ وَيُكَافِئُهُمْ أَضْعَافَهَا . وَكَانَتْ الْمُلُوكُ تُهْدِي إلَيْهِ فَيَقْبَلُ هَدَايَاهُمْ وَيَقْسِمُهَا بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَيَأْخُذُ مِنْهَا لِنَفَسِهِ مَا يَخْتَارُهُ فَيَكُونُ كَالصّفِيّ الّذِي لَهُ مِنْ الْمَغْنَمِ . وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " : أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُهْدِيَتْ إلَيْهِ أَقْبِيَةُ دِيبَاجٍ مُزَرّرَةٌ بِالذّهَبِ فَقَسَمَهَا فِي نَاسٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَعَزَلَ مِنْهَا وَاحِدًا لِمَخْرَمَةَ بْنِ نَوْفَلٍ فَجَاءَ وَمَعَهُ الْمِسْوَرُ ابْنُهُ فَقَامَ عَلَى الْبَابِ فَقَالَ اُدْعُهُ لِي فَسَمِعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَوْتَهُ فَتَلَقّاهُ بِهِ فَاسْتَقْبَلَهُ وَقَالَ يَا أَبَا الْمِسْوَرِ خَبَأْتُ هَذَا لَكَ وَأَهْدَى لَهُ الْمُقَوْقَسُ مَارِيَةَ أُمّ وَلَدِهِ وَسِيرِينَ الّتِي وَهَبَهَا لِحَسّانَ وَبَغْلَةً شَهْبَاءَ وَحِمَارًا . وَأَهْدَى لَهُ النّجَاشِيّ هَدِيّةً فَقَبِلَهَا مِنْهُ وَبَعَثَ إلَيْهِ هَدِيّةً عِوَضَهَا وَأَخْبَرَ أَنّهُ مَاتَ قَبْلَ أَنْ تَصِلَ إلَيْهِ وَأَنّهَا تَرْجِعُ فَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ . وَأَهْدَى لَهُ فَرْوَةُ بْنُ نُفَاثَةَ الْجُذَامِيّ بَغْلَةً بَيْضَاءَ رَكِبَهَا يَوْمَ حُنَيْنٍ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ . [ ص 72 ] وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ : أَنّ مَلِكَ أَيْلَةَ أَهْدَى لَهُ بَغْلَةً بَيْضَاءَ فَكَسَاهُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بُرْدَةً وَكَتَبَ لَهُ بِبَحْرِهِمْ . وَأَهْدَى لَهُ أَبُو سُفْيَانَ هَدِيّةً فَقَبِلَهَا . وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ : أَنّ عَامِرَ بْنَ مَالِكٍ مُلَاعِبَ الْأَسِنّةِ أَهْدَى لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرَسًا فَرَدّهُ وَقَالَ إنّا لَا نَقْبَلُ هَدِيّةَ مُشْرِكٍ وَكَذَلِكَ قَالَ لِعِيَاضٍ الْمُجَاشِعِيّ إنّا لَا نَقْبَلُ زَبَدَ الْمُشْرِكِينَ يَعْنِي : رِفْدَهُمْ . إنّا لَا نَقْبَلُ هَدِيّةَ مُشْرِكٍ وَكَذَلِكَ قَالَ لِعِيَاضٍ الْمُجَاشِعِيّ إنّا لَا نَقْبَلُ زَبَدَ الْمُشْرِكِين يَعْنِي : رِفْدَهُمْ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : وَإِنّمَا قَبِلَ هَدِيّةَ أَبِي سُفْيَانَ لِأَنّهَا كَانَتْ فِي مُدّةِ الْهُدْنَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَهْلِ مَكّةَ وَكَذَلِكَ الْمُقَوْقَسُ صَاحِبُ الْإسْكَنْدَريّة إنّمَا قَبِلَ هَدِيّتَهُ لِأَنّهُ أَكْرَمَ حَاطِبَ بْنَ أَبِي بَلْتَعَةَ رَسُولَهُ إلَيْهِ وَأَقَرّ بِنُبُوّتِهِ وَلَمْ يُؤَيّسْهُ مِنْ إسْلَامِهِ وَلَمْ يَقْبَلْ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَدِيّةَ مُشْرِكٍ مُحَارِبٍ لَهُ قَطّ . فَصْلٌ [حُكْمُ الْمُهْدَى لِلْأَئِمّةِ ] وَأَمّا حُكْمُ هَدَايَا الْأَئِمّةِ بَعْدَهُ فَقَالَ سَحْنُونٌ مِنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ إذَا أَهْدَى أَمِيرُ الرّومِ هَدِيّةً إلَى الْإِمَامِ فَلَا بَأْسَ بِقَبُولِهَا وَتَكُونُ لَهُ خَاصّةً وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : تَكُونُ لِلْمُسْلِمِينَ وَيُكَافِئُهُ عَلَيْهَا مِنْ بَيْتِ الْمَالِ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ وَأَصْحَابُهُ مَا أَهْدَاهُ الْكُفّارُ لِلْإِمَامِ أَوْ لِأَمِيرِ الْجَيْشِ أَوْ قُوّادِهِ فَهُوَ غَنِيمَةٌ حُكْمُهَا حُكْمُ الْغَنَائِمِ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي قِسْمَةِ الْأَمْوَالِ [ ص 73 ] كَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقْسِمُهَا ثَلَاثَةٌ الزّكَاةُ وَالْغَنَائِمُ وَالْفَيْءُ . فَأَمّا الزّكَاةُ وَالْغَنَائِمُ فَقَدْ تَقَدّمَ حُكْمُهُمَا وَبَيّنّا أَنّهُ لَمْ يَكُنْ يَسْتَوْعِبُ الْأَصْنَافَ الثّمَانِيَةَ وَأَنّهُ كَانَ رُبّمَا وَضَعَهَا فِي وَاحِدٍ . [الْحُكْمُ فِي الْفَيْءِ ] وَأَمّا حُكْمُهُ فِي الْفَيْءِ فَثَبَتَ فِي الصّحِيحِ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَسَمَ يَوْمَ حُنَيْن ٍ فِي الْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ الْفَيْءِ وَلَمْ يُعْطِ الْأَنْصَارَ شَيْئًا فَعَتَبُوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ أَلّا تَرْضَوْنَ أَنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِالشّاءِ وَالْبَعِيرِ وَتَنْطَلِقُونَ بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَقُودُونَهُ إلَى رِحَالِكُمْ فَوَاَللّهِ لِمَا تَنْقَلِبُونَ بِهِ خَيْرٌ مِمّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُ الْقِصّةِ وَفَوَائِدُهَا فِي مَوْضِعِهَا . وَالْقِصّةُ هُنَا أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ أَبَاحَ لِرَسُولِهِ مِنْ الْحُكْمِ فِي مَالِ الْفَيْءِ مَا لَمْ يُبِحْهُ لِغَيْرِهِ وَفِي " الصّحِيحِ " عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّي لَأُعْطِي أَقْوَامًا وَأَدَعُ غَيْرَهُمْ وَاَلّذِي أَدَعُ أَحَبّ إلَيّ مِنْ الّذِي أُعْطِي وَفِي " الصّحِيحِ " عَنْهُ إنّي لَأُعْطِي أَقْوَامًا أَخَافُ ظَلْعَهُمْ وَجَزَعَهُمْ وَأَكِلُ أَقْوَامًا إلَى مَا جَعَلَ اللّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْغِنَى وَالْخَيْرِ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ قَالَ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ فَمَا أُحِبّ أَنّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حُمْرَ النّعَمِ . [ ص 74 ] أَنّ عَلِيّا بُعِثَ إلَيْهِ بِذُهَيْبَةٍ مِنْ الْيَمَنِ فَقَسَمَهَا أَرْبَاعًا فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ وَأَعْطَى زَيْدَ الْخَيْرِ وَأَعْطَى عَلْقَمَةَ بْنَ عُلَاثَةَ وَعُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ غَائِرُ الْعَيْنَيْنِ نَاتِئُ الْجَبْهَةِ كَثّ اللّحْيَةِ مَحْلُوقُ الرّأْسِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ اتّقِ اللّهَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَيْلك أَوَلَسْت أَحَقّ أَهْلِ الْأَرْضِ أَنْ يَتّقِيَ اللّهَ ؟ الْحَدِيثَ . [سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى ] وَفِي " السّنَنِ " : أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَضَعَ سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى فِي بَنِي هَاشِمٍ وَفِي بَنِي الْمُطّلِبِ وَتَرَكَ بَنِي نَوْفَلٍ وَبَنِي عَبْدِ شَمْسٍ فَانْطَلَقَ جُبَيْرُ بْنُ مُطْعِمٍ وَعُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ إلَيْهِ فَقَالَا : يَا رَسُولَ اللّهِ لَا نُنْكِرُ فَضْلَ بَنِي هَاشِمٍ لِمَوْضِعِهِمْ مِنْك فَمَا بَالُ إخْوَانِنَا بَنِي الْمُطّلِبِ أَعْطَيْتهمْ وَتَرَكَتْنَا وَإِنّمَا نَحْنُ وَهُمْ بِمَنْزِلَةٍ وَاحِدَةٍ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّا وَبَنُو الْمُطّلِبِ لَا نَفْتَرِقُ فِي جَاهِلِيّةٍ وَلَا إسْلَامٍ إنّمَا نَحْنُ وَهُمْ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَشَبّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَذَكَرَ بَعْضُ النّاسِ أَنّ هَذَا الْحُكْمَ خَاصّ بِالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَنّ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى يُصْرَفُ بَعْدَهُ فِي بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَل ٍ كَمَا يُصْرَفُ فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطّلِب ِ قَالَ لِأَنّ عَبْدَ شَمْسٍ وَهَاشِم ًا وَالْمُطّلِب َ وَنَوْفَلًا إخْوَةٌ وَهُمْ أَوْلَادُ عَبْدِ مَنَافٍ . وَيُقَالُ إنّ عَبْدَ شَمْسٍ وَهَاشِمًا تَوْأَمَانِ . وَالصّوَابُ اسْتِمْرَارُ هَذَا الْحُكْمِ النّبَوِيّ وَأَنّ سَهْمَ ذَوِي الْقُرْبَى لِبَنِي هَاشِم ٍ وَبَنِي الْمُطّلِب ِ حَيْثُ خَصّهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِهِمْ وَقَوْلُ هَذَا الْقَائِلِ إنّ هَذَا خَاصّ بِالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَاطِلٌ فَإِنّهُ بَيّنَ مَوَاضِعَ الْخُمُسِ الّذِي جَعَلَهُ اللّهُ لِذَوِي الْقُرْبَى فَلَا [ ص 75 ] السّوَاءِ بَيْنَ أَغْنِيَائِهِمْ وَفُقَرَائِهِمْ وَلَا كَانَ يَقْسِمُهُ قِسْمَةَ الْمِيرَاثِ لِلذّكَرِ مِثْلُ حَظّ الْأُنْثَيَيْنِ بَلْ كَانَ يَصْرِفُهُ فِيهِمْ بِحَسْبِ الْمَصْلَحَةِ وَالْحَاجَةِ فَيُزَوّجُ مِنْهُ عَزَبَهُمْ وَيَقْضِي مِنْهُ عَنْ غَارِمِهِمْ وَيُعْطِي مِنْهُ فَقِيرَهُمْ كِفَايَتَهُ . وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " : عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ وَلّانِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خُمُسَ الْخُمُسِ فَوَضَعْتُهُ مَوَاضِعَهُ حَيَاةَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَحَيَاةَ أَبِي بَكْر ٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَحَيَاةَ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ . وَقَدْ اُسْتُدِلّ بِهِ عَلَى أَنّهُ كَانَ يُصْرَفُ فِي مَصَارِفِهِ الْخَمْسَةِ وَلَا يَقْوَى هَذَا الِاسْتِدْلَالُ إذْ غَايَةُ مَا فِيهِ أَنّهُ صَرَفَهُ فِي مَصَارِفِهِ الّتِي كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَصْرِفُهُ فِيهَا وَلَمْ يَعْدُهَا إلَى سِوَاهَا فَأَيْنَ تَعْمِيمُ الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ بِهِ ؟ وَاَلّذِي يَدُلّ عَلَيْهِ هَدْيُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَحْكَامُهُ أَنّهُ كَانَ يَجْعَلُ مَصَارِفَ الْخُمُسِ كَمَصَارِفِ الزّكَاةِ وَلَا يَخْرُجُ بِهَا عَنْ الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ لَا أَنّهُ يَقْسِمُهُ بَيْنَهُمْ كَقِسْمَةِ الْمِيرَاثِ وَمَنْ تَأَمّلَ سِيرَتَهُ وَهَدْيَهُ حَقّ التّأَمّلِ لَمْ يَشُكّ فِي ذَلِكَ . وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَتْ أَمْوَالُ بَنِي النّضِيرِ مِمّا أَفَاءَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِمّا لَمْ يُوجِفْ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَاصّةً يُنْفِقُ مِنْهَا عَلَى أَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَةٍ وَفِي لَفْظٍ " يَحْبِسُ لِأَهْلِهِ قُوتَ سَنَتِهِمْ وَيَجْعَلُ مَا بَقِيَ فِي الْكُرَاعِ وَالسّلَاحِ عُدّةً فِي سَبِيلِ اللّهِ . وَفِي " السّنَنِ " : عَنْ عَوْفِ بْنِ مَالِك ٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللّهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إذَا أَتَاهُ الْفَيْءُ قَسَمَهُ مِنْ يَوْمِهِ فَأَعْطَى الْآهِلَ حَظّيْنِ وَأَعْطَى الْعَزَبَ [ ص 76 ] [هَلْ كَانَ الْفَيْءُ مِلْكًا لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ] وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الْفَيْءِ هَلْ كَانَ مِلْكًا لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَتَصَرّفُ فِيهِ كَيْفَ يُشَاءُ أَوْ لَمْ يَكُنْ مِلْكًا لَهُ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِ . وَاَلّذِي تَدُلّ عَلَيْهِ سُنّتُهُ وَهَدْيُهُ أَنّهُ كَانَ يَتَصَرّفُ فِيهِ بِالْأَمْرِ فَيَضَعُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ اللّهُ وَيَقْسِمُهُ عَلَى مَنْ أُمِرَ بِقِسْمَتِهِ عَلَيْهِمْ فَلَمْ يَكُنْ يَتَصَرّفُ فِيهِ تَصَرّفَ الْمَالِكِ بِشَهْوَتِهِ وَإِرَادَتِهِ يُعْطِي مَنْ أَحَبّ وَيَمْنَعُ مَنْ أَحَبّ وَإِنّمَا كَانَ يَتَصَرّفُ فِيهِ تَصَرّفَ الْعَبْدِ الْمَأْمُورِ يُنَفّذُ مَا أَمَرَهُ بِهِ سَيّدُهُ وَمَوْلَاهُ فَيُعْطِي مَنْ أُمِرَ بِإِعْطَائِهِ وَيَمْنَعُ مَنْ أُمِرَ بِمَنْعِهِ . وَقَدْ صَرّحَ رَسُول اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِهَذَا فَقَالَ وَاَللّهِ إنّي لَا أُعْطِي أَحَدًا وَلَا أَمْنَعُهُ إنّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ فَكَانَ عَطَاؤُهُ وَمَنْعُهُ وَقَسَمُهُ بِمُجَرّدِ الْأَمْرِ فَإِنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ خَيّرَهُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ مَلِكًا رَسُولًا فَاخْتَارَ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا رَسُولًا . [الْفَرْقُ بَيْنَ الْعَبْدِ الرّسُولِ وَبَيْنَ الْمَلِكِ الرّسُولِ] وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنّ الْعَبْدَ الرّسُولَ لَا يَتَصَرّفُ إلّا بِأَمْرِ سَيّدِهِ وَمُرْسِلِهِ وَالْمَلِكُ الرّسُولُ لَهُ أَنْ يُعْطِي مَنْ يُشَاءُ وَيَمْنَعُ مَنْ يَشَاءُ كَمَا قَالَ تَعَالَى لِلْمَلِكِ الرّسُولِ سُلَيْمَان : { هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ } [ ص : 39 ] . أَيْ أَعْطِ مَنْ شِئْت وَامْنَعْ مَنْ شِئْتُ لَا نُحَاسِبُك وَهَذِهِ الْمَرْتَبَةُ هِيَ الّتِي عُرِضَتْ عَلَى نَبِيّنَا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرَغِبَ عَنْهَا إلَى مَا هُوَ أَعْلَى مِنْهَا وَهِيَ مَرْتَبَةُ الْعُبُودِيّةِ الْمَحْضَةِ الّتِي تَصَرّفَ صَاحِبُهَا فِيهَا مَقْصُورٌ عَلَى أَمْرِ السّيّدِ فِي كُلّ دَقِيقٍ وَجَلِيلٍ . وَالْمَقْصُودُ أَنّ تَصَرّفَهُ فِي الْفَيْءِ بِهَذِهِ الْمَثَابَةِ فَهُوَ مَلِكٌ يُخَالِفُ حُكْمَ [ ص 77 ] كَانَ يُنْفِقُ مِمّا أَفَاءَ اللّهُ عَلَيْهِ مِمّا لَمْ يُوجِفْ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بَخِيلٍ وَلَا رِكَابٍ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ نَفَقَةَ سَنَتِهِمْ وَيَجْعَلُ الْبَاقِيَ فِي الْكُرَاعِ وَالسّلَاحِ عُدّةً فِي سَبِيلِ اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَهَذَا النّوْعُ مِنْ الْأَمْوَالِ هُوَ السّهْمُ الّذِي وَقَعَ بَعْدَهُ فِيهِ مِنْ النّزَاعِ مَا وَقَعَ إلَى الْيَوْمِ . [مَصَارِفُ الْفَيْءِ ] فَأَمّا الزّكَوَاتُ وَالْغَنَائِمُ وَقِسْمَةُ الْمَوَارِيثِ فَإِنّهَا مُعَيّنَةٌ لِأَهْلِهَا لَا يَشْرُكُهُمْ غَيْرُهُمْ فِيهَا فَلَمْ يُشْكِلْ عَلَى وُلَاةِ الْأَمْرِ بَعْدَهُ مِنْ أَمْرِهَا مَا أَشْكَلَ عَلَيْهِمْ مِنْ الْفَيْءِ وَلَمْ يَقَعْ فِيهَا مِنْ النّزَاعِ مَا وَقَعَ فِيهِ وَلَوْلَا إشْكَالٌ أَمْرِهِ عَلَيْهِمْ لَمَا طَلَبَتْ فَاطِمَةُ بِنْتُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِيرَاثَهَا مِنْ تَرِكَتِهِ وَظَنّتْ أَنّهُ يُورَثُ عَنْهُ مَا كَانَ مَلِكًا لَهُ كَسَائِرِ الْمَالِكِينَ وَخَفِيَ عَلَيْهَا رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا حَقِيقَةُ الْمَلِكِ الّذِي لَيْسَ مِمّا يُورَثُ عَنْهُ بَلْ هُوَ صَدَقَةٌ بَعْدَهُ وَلَمّا عَلِمَ ذَلِكَ خَلِيفَتُهُ الرّاشِدُ الْبَارّ الصّدّيقُ وَمَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْخُلَفَاءِ الرّاشِدِينَ لَمْ يَجْعَلُوا مَا خَلّفَهُ مِنْ الْفَيْءِ مِيرَاثًا يُقْسَمُ بَيْنَ وَرَثَتِهِ بَلْ دَفَعُوهُ إلَى عَلِيّ وَالْعَبّاسِ يَعْمَلَانِ فِيهِ عَمَلَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى تَنَازَعَا فِيهِ وَتَرَافَعَا إلَى أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ وَعُمَرَ وَلَمْ يَقْسِمْ أَحَدٌ مِنْهُمَا ذَلِكَ مِيرَاثًا وَلَا مَكّنَا مِنْهُ عَبّاسًا وَعَلِي ا . وَقَدْ قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { مَا أَفَاءَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلّهِ وَلِلرّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السّبِيلِ كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ وَمَا آتَاكُمُ الرّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتّقُوا اللّهَ إِنّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصّادِقُونَ وَالّذِينَ تَبَوّءُوا الدّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ } إلَى قَوْلِهِ { وَالّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ [ الْحَشْرُ 7 - 10 ] . فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّ مَا أَفَاءَ عَلَى رَسُولِهِ بِجُمْلَتِهِ لِمَنْ ذَكَرَ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ وَلَمْ يَخُصّ مِنْهُ خُمُسَهُ بِالْمَذْكُورِينَ بَلْ عَمّمَ وَأَطْلَقَ وَاسْتَوْعَبَ . وَيُصْرَفُ عَلَى الْمَصَارِفِ الْخَاصّةِ وَهُمْ أَهْلُ الْخُمُسِ ثُمّ عَلَى الْمَصَارِفِ الْعَامّةِ وَهُمْ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَتْبَاعُهُمْ إلَى [ ص 78 ] فَاَلّذِي عَمِلَ بِهِ هُوَ وَخُلَفَاؤُهُ الرّاشِدُونَ هُوَ الْمُرَادُ مِنْ هَذِهِ الْآيَاتِ وَلِذَلِكَ قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ وَغَيْرُهُ عَنْهُ مَا أَحَدٌ أَحَقّ بِهَذَا الْمَالِ مِنْ أَحَدٍ وَمَا أَنَا أَحَقّ بِهِ مِنْ أَحَدٍ وَاَللّهِ مَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ إلّا وَلَهُ فِي هَذَا الْمَالِ نَصِيبٌ إلّا عَبْدٌ مَمْلُوكٌ وَلَكِنّا عَلَى مَنَازِلِنَا مِنْ كِتَابِ اللّهِ وَقَسَمِنَا مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَالرّجُلُ وَبَلَاؤُهُ فِي الْإِسْلَامِ وَالرّجُلُ وَقِدَمُهُ فِي الْإِسْلَامِ وَالرّجُلُ وَغِنَاؤُهُ فِي الْإِسْلَامِ وَالرّجُلُ وَحَاجَتُهُ وَوَاللّهِ لَئِنْ بَقِيَتْ لَهُمْ لَيَأْتِيَنّ الرّاعِيَ بِجَبَلِ صَنْعَاءَ حَظّهُ مِنْ هَذَا الْمَالِ وَهُوَ يَرْعَى مَكَانَهُ فَهَؤُلَاءِ الْمُسَمّوْنَ فِي آيَةِ الْفَيْءِ هُمْ الْمُسَمّوْنَ فِي آيَةِ الْخُمُسِ وَلَمْ يَدْخُلْ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ وَأَتْبَاعُهُمْ فِي آيَةِ الْخُمُسِ لِأَنّهُمْ الْمُسْتَحَقّونَ لِجُمْلَةِ الْفَيْءِ وَأَهْلُ الْخُمُسِ لَهُمْ اسْتِحْقَاقَانِ اسْتِحْقَاقٌ خَاصّ مِنْ الْخُمُسِ وَاسْتِحْقَاقٌ عَامّ مِنْ جُمْلَةِ الْفَيْءِ فَإِنّهُمْ دَاخِلُونَ فِي النّصِيبَيْنِ . وَكَمَا أَنّ قِسْمَتَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْفَيْءِ بَيْنَ مَنْ جُعِلَ لَهُ لَيْسَ قِسْمَةَ الْأَمْلَاكِ الّتِي يَشْتَرِكُ فِيهَا الْمَالِكُونَ كَقِسْمَةِ الْمَوَارِيثِ وَالْوَصَايَا وَالْأَمْلَاكِ الْمُطْلَقَةِ بَلْ بِحَسْبِ الْحَاجَةِ وَالنّفْعِ وَالْغِنَاءِ فِي الْإِسْلَامِ وَالْبَلَاءِ فِيهِ فَكَذَلِكَ قِسْمَةُ الْخُمُسِ فِي أَهْلِهِ فَإِنّ مَخْرَجَهُمَا وَاحِدٌ فِي كِتَابِ اللّهِ وَالتّنْصِيصُ عَلَى الْأَصْنَافِ الْخَمْسَةِ يُفِيدُ تَحْقِيقَ إدْخَالِهِمْ وَأَنّهُمْ لَا يَخْرُجُونَ مِنْ أَهْلِ الْفَيْءِ بِحَالٍ وَأَنّ الْخُمُسَ لَا يَعْدُوهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ كَأَصْنَافِ الزّكَاةِ لَا تَعْدُوهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ كَمَا أَنّ الْفَيْءَ الْعَامّ فِي آيَةِ الْحَشْرِ لِلْمَذْكُورِينَ فِيهَا لَا يَتَعَدّاهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ وَلِهَذَا أَفْتَى أَئِمّةُ الْإِسْلَامِ كَمَالِكٍ وَالْإِمَام أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمَا أَنّ الرّافِضَةَ لَا حَقّ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ لِأَنّهُمْ لَيْسُوا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَلَا مِنْ الْأَنْصَارِ وَلَا مِنْ الّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَانِنَا الّذِي سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَاخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيّةَ وَعَلَيْهِ يَدُلّ الْقُرْآنُ وَفِعْلُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَخُلَفَائِهِ الرّاشِدِينَ . [هَلْ تُقْسَمُ الزّكَاةُ وَالْفَيْءُ عَلَى الْأَصْنَافِ كُلّهَا ] [ ص 79 ] فَقَالَ الشّافِعِيّ : تَجِبُ قِسْمَةُ الزّكَاةِ وَالْخُمُسِ عَلَى الْأَصْنَافِ كُلّهَا وَيُعْطِي مِنْ كُلّ صِنْفٍ مَنْ يُطْلَقُ عَلَيْهِ اسْمُ الْجَمْعِ . وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللّهُ وَأَهْلُ الْمَدِينَةِ : بَلْ يُعْطِي فِي الْأَصْنَافِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِمَا وَلَا يَعْدُوهُمْ إلَى غَيْرِهِمْ وَلَا تَجِبُ قِسْمَةُ الزّكَاةِ وَلَا الْفَيْءُ فِي جَمِيعِهِمْ . وَقَالَ الْإِمَام أَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ : بِقَوْلِ مَالِكٍ رَحِمَهُمْ اللّهُ فِي آيَةِ الزّكَاةِ وَبِقَوْلِ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ فِي آيَةِ الْخُمُسِ . وَمَنْ تَأَمّلَ النّصُوصَ وَعَمَلَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَخُلَفَائِهِ وَجَدَهُ يَدُلّ عَلَى قَوْلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ فَإِنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ أَهْلَ الْخُمُسِ هُمْ أَهْلُ الْفَيْءِ وَعَيّنَهُمْ اهْتِمَامًا بِشَأْنِهِمْ وَتَقْدِيمًا لَهُمْ وَلِمَا كَانَتْ الْغَنَائِمُ خَاصّةً بِأَهْلِهَا لَا يَشْرُكُهُمْ فِيهَا سِوَاهُمْ نَصّ عَلَى خُمُسِهَا لِأَهْلِ الْخُمُسِ وَلَمّا كَانَ الْفَيْءُ لَا يَخْتَصّ بِأَحَدٍ دُونَ أَحَدٍ جَعَلَ جُمْلَتَهُ لَهُمْ وَلِلْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَتَابِعِيهِمْ فَسَوّى بَيْنَ الْخُمُسِ وَبَيْنَ الْفَيْءِ فِي الْمَصْرِفِ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَصْرِفُ سَهْمَ اللّهِ وَسَهْمَهُ فِي مَصَالِحِ الْإِسْلَامِ وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْخُمُسِ فِي أَهْلِهَا مُقَدّمًا لِلْأَهَمّ فَالْأَهَمّ وَالْأَحْوَجِ فَالْأَحْوَجِ فَيُزَوّجُ مِنْهُ عُزّابَهُمْ وَيَقْضِي مِنْهُ دُيُونَهُمْ وَيُعِينُ ذَا الْحَاجَةِ مِنْهُمْ وَيُعْطِي عَزَبَهُمْ حَظّا وَمُتَزَوّجَهُمْ حَظّيْنِ وَلَمْ يَكُنْ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ خُلَفَائِهِ يَجْمَعُونَ الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَأَبْنَاءَ السّبِيلِ وَذَوِي الْقُرْبَى وَيَقْسِمُونَ أَرْبَعَةَ أَخْمَاسِ الْفَيْءِ بَيْنَهُمْ عَلَى السّوِيّةِ وَلَا عَلَى التّفْضِيلِ كَمَا لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ فِي الزّكَاةِ فَهَذَا هَدْيُهُ وَسِيرَتُهُ وَهُوَ فَصْلُ الْخُطّابِ وَمَحْضُ الصّوَابِ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ لِعَدُوّهِ وَفِي رُسُلِهِمْ أَنْ لَا يُقْتَلُوا وَلَا يُحْبَسُوا وَفِي النّبْذِ إلَى مَنْ عَاهَدَهُ عَلَى سَوَاءٍ إذَا خَافَ مِنْهُ نَقْضَ الْعَهْدِ [ ص 80 ] ثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لِرَسُولَيْ مُسَيْلِمَةَ الْكَذّابِ لَمّا قَالَا : نَقُولُ إنّهُ رَسُولُ اللّهِ لَوْلَا أَنّ الرّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمَا وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لِأَبِي رَافِعٍ وَقَدْ أَرْسَلَتْهُ إلَيْهِ قُرَيْشٌ فَأَرَادَ الْمَقَامَ عِنْدَهُ وَأَنّهُ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ فَقَالَ إنّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ وَلَكِنْ ارْجِعْ إلَى قَوْمِك فَإِنْ كَانَ فِي نَفْسِكَ الّذِي فِيهَا الْآنَ فَارْجِعْ وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ رَدّ إلَيْهِمْ أَبَا جَنْدَلٍ لِلْعَهْدِ الّذِي كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ أَنْ يَرُدّ إلَيْهِمْ مَنْ جَاءَهُ مِنْهُمْ مُسْلِمًا وَلَمْ يَرُدّ النّسَاءَ وَجَاءَتْ سُبَيْعَةُ الْأَسْلَمِيّةُ مُسْلِمَةً فَخَرَجَ زَوْجُهَا فِي طَلَبِهَا فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنّ اللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِهِنّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنّ إِلَى الْكُفّارِ } الْآيَةُ [ الْمُمْتَحِنَةُ 10 ] فَاسْتَحْلَفَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ لَمْ يُخْرِجْهَا إلّا الرّغْبَةُ فِي الْإِسْلَامِ وَأَنّهَا لَمْ تَخْرُجْ لِحَدَثٍ أَحْدَثَتْهُ فِي قَوْمِهَا وَلَا بُغْضًا لَزَوْجِهَا فَحَلَفَتْ فَأَعْطَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ زَوْجَهَا مَهْرَهَا وَلَمْ يَرُدّهَا عَلَيْهِ . فَهَذَا حُكْمُهُ الْمُوَافِقُ لِحُكْمِ اللّهِ وَلَمْ يَجِئْ شَيْءٌ يَنْسَخُهُ الْبَتّةَ . وَمَنْ زَعَمَ أَنّهُ مَنْسُوخٌ فَلَيْسَ [ ص 81 ] الْحُدَيْبِيَةِ . وَقَالَ تَعَالَى : { وَإِمّا تَخَافَنّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنّ اللّهَ لَا يُحِبّ الْخَائِنِينَ } [ الْأَنْفَالُ 58 ] . وَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلّنّ عَقْدًا وَلَا يَشُدّنّهُ حَتّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ أَوْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ قَالَ التّرْمِذِيّ ُ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَلَمّا أَسَرَتْ قُرَيْشٌ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ وَأَبَاهُ أَطْلَقُوهُمَا وَعَاهَدُوهُمَا أَنْ لَا يُقَاتِلَاهُمْ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانُوا خَارِجِينَ إلَى بَدْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ وَنَسْتَعِينُ اللّهَ عَلَيْهِمْ فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْأَمَانِ الصّادِرِ مِنْ الرّجَالِ وَالنّسَاءِ ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ وَيَسْعَى بِذِمّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّه أَجَارَ رَجُلَيْنِ أَجَارَتْهُمَا أُمّ هَانِئٍ ابْنَةُ عَمّهِ وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ [ ص 82 ] أَجَارَ أَبَا الْعَاصِ بْنَ الرّبِيعِ لَمّا أَجَارَتْهُ ابْنَتُهُ زَيْنَبُ ثُمّ قَالَ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ وَيَرُدّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ فَهَذِهِ أَرْبَعُ قَضَايَا كُلّيّةٌ أَحَدُهَا : تَكَافُؤُ دِمَائِهِمْ وَهُوَ يَمْنَعُ قَتْلَ مُسْلِمِهِمْ بِكَافِرِهِمْ . وَالثّانِيَةُ أَنّهُ يَسْعَى بِذِمّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ وَهُوَ يُوجِبُ قَبُولَ أَمَانِ الْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ . وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ . لَا يَجُوزُ الْأَمَانُ إلّا لِوَالِي الْجَيْشِ أَوْ وَالِي السّرِيّةِ . قَالَ ابْنُ شَعْبَانَ وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِ النّاسِ كُلّهِمْ . وَالثّالِثَةُ أَنّ الْمُسْلِمِينَ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَهَذَا يَمْنَعُ مِنْ تَوْلِيَةِ الْكُفّارِ شَيْئًا مِنْ الْوِلَايَاتِ فَإِنّ لِلْوَالِي يَدًا عَلَى الْمَوْلَى عَلَيْهِ . وَالرّابِعَةُ أَنّهُ يَرُدّ عَلَيْهِمْ أَقْصَاهُمْ وَهَذَا يُوجِبُ أَنّ السّرِيّةَ إذَا غَنِمَتْ غَنِيمَةً بِقُوّةِ جَيْشِ الْإِسْلَامِ كَانَتْ لَهُمْ وَلِلْقَاصِي مِنْ الْجَيْشِ إذْ بِقُوّتِهِ غَنِمُوهَا وَأَنّ مَا صَارَ فِي بَيْتِ الْمَالِ مِنْ الْفَيْءِ كَانَ لِقَاصِيهِمْ وَدَانِيهِمْ وَإِنْ كَانَ سَبَبُ أَخْذِهِ دَانِيهِمْ فَهَذِهِ الْأَحْكَامُ وَغَيْرُهَا مُسْتَفَادَةٌ مِنْ كَلِمَاتِهِ الْأَرْبَعَةِ صَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْجِزْيَةِ وَمِقْدَارِهَا وَمِمّنْ تُقْبَلُ [الْأَمْرُ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ ] قَدْ تَقَدّمَ أَنّ أَوّلَ مَا بَعَثَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ بِهِ نَبِيّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الدّعْوَةَ إلَيْهِ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا جِزْيَةٍ فَأَقَامَ عَلَى ذَلِكَ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً بِمَكّةَ ثُمّ أُذِنَ لَهُ فِي الْقِتَالِ لَمّا هَاجَرَ مِنْ [ ص 83 ] أَمَرَهُ بِقِتَالِ مَنْ قَاتَلَهُ وَالْكَفّ عَمّنْ لَمْ يُقَاتِلْهُ ثُمّ لَمّا نَزَلَتْ ( بَرَاءَةُ ) سَنَةَ ثَمَانٍ أَمَرَهُ بِقِتَالِ جَمِيعِ مَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْ الْعَرَبِ : مَنْ قَاتَلَهُ أَوْ كَفّ عَنْ قِتَالِهِ إلّا مَنْ عَاهَدَهُ وَلَمْ يَنْقُصْهُ مِنْ عَهْدِهِ شَيْئًا فَأَمَرَهُ أَنْ يَفِيَ لَهُ بِعَهْدِهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَحَارَبَ الْيَهُودَ مِرَارًا وَلَمْ يُؤْمَرْ بِأَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ . ثُمّ أَمَرَهُ بِقِتَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ كُلّهِمْ حَتّى يُسْلِمُوا أَوْ يُعْطُوا الْجِزْيَةَ فَامْتَثَلَ أَمْرَ رَبّهِ فَقَاتَلَهُمْ فَأَسْلَمَ بَعْضُهُمْ وَأَعْطَى بَعْضَهُمْ الْجِزْيَةَ وَاسْتَمَرّ بَعْضُهُمْ عَلَى مُحَارَبَتِهِ فَأَخَذَهَا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ أَهْلِ نَجْرَانَ وَأَيْلَةَ وَهُمْ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَمِنْ أَهْلِ دَوْمَةِ الْجَنْدَلِ وَأَكْثَرُهُمْ عَرَبٌ وَأَخَذَهَا مِنْ الْمَجُوسِ وَمِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ بِالْيَمَنِ وَكَانُوا يَهُودًا . [ هَلْ تَقْبَلُ الْجِزْيَةُ مِنْ غَيْرِ الْيَهُودِ وَالنّصَارَى وَالْمَجُوسِ وَهَلْ تُقْبَلُ مِنْ الْعَرَبِ ] وَلَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ فَقَالَ أَحْمَد ُ وَالشّافِعِيّ : لَا تُؤْخَذُ إلّا مِنْ الطّوَائِفِ الثّلَاثِ الّتِي أَخَذَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْهُمْ وَهُمْ الْيَهُودُ وَالنّصَارَى وَالْمَجُوسُ . وَمَنْ عَدَاهُمْ فَلَا يُقْبَلُ مِنْهُمْ إلّا الْإِسْلَامُ أَوْ الْقَتْلُ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ فِي الْأُمَمِ كُلّهَا إذَا بَذَلُوا الْجِزْيَةَ قُبِلَتْ مِنْهُمْ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ بِالْقُرْآنِ وَالْمَجُوسُ بِالسّنّةِ وَمَنْ عَدَاهُمْ مُلْحَقٌ بِهِمْ لِأَنّ الْمَجُوسَ أَهْلُ شِرْكٍ لَا كِتَابَ لَهُمْ فَأَخْذُهَا مِنْهُمْ دَلِيلٌ عَلَى أَخْذِهَا مِنْ جَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ وَإِنّمَا لَمْ يَأْخُذْهَا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ مِنْ الْعَرَبِ لِأَنّهُمْ أَسْلَمُوا كُلّهُمْ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ الْجِزْيَةِ فَإِنّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ تَبُوكَ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ فَرَغَ مِنْ قِتَالِ الْعَرَبِ وَاسْتَوْثَقَتْ كُلّهَا لَهُ بِالْإِسْلَامِ وَلِهَذَا لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ الْيَهُودِ الّذِينَ حَارَبُوهُ لِأَنّهَا لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ بَعْدُ فَلَمّا نَزَلَتْ أَخَذَهَا مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ وَمِنْ الْمَجُوسِ وَلَوْ بَقِيَ حِينَئِذٍ أَحَدٌ مِنْ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ بَذَلَهَا لِقِبَلِهَا مِنْهُ كَمَا قَبِلَهَا مِنْ عَبَدَةِ الصّلْبَانِ وَالنّيرَانِ وَلَا فَرْقَ وَلَا تَأْثِيرَ لِتَغْلِيظِ كُفْرِ بَعْضِ الطّوَائِفِ عَلَى بَعْضٍ ثُمّ إنّ كُفْرَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لَيْسَ أَغْلَظَ مِنْ كُفْرِ الْمَجُوسِ وَأَيّ فَرْقٍ بَيْنَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالنّيرَانِ بَلْ كُفْرُ الْمَجُوسِ أَغْلَظُ وَعُبّادُ الْأَوْثَانِ كَانُوا يُقِرّونَ بِتَوْحِيدِ الرّبُوبِيّةِ وَأَنّهُ لَا خَالِقَ إلّا اللّهُ وَأَنّهُمْ إنّمَا يَعْبُدُونَ آلِهَتَهُمْ لِتَقَرّبِهِمْ إلَى اللّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى وَلَمْ يَكُونُوا يُقِرّونَ بِصَانِعَيْنِ لِلْعَالَمِ أَحَدُهُمَا : خَالِقٌ لِلْخَيْرِ [ ص 84 ] الْمَجُوسُ وَلَمْ يَكُونُوا يَسْتَحِلّونَ نِكَاحَ الْأُمّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَكَانُوا عَلَى بَقَايَا مِنْ دِينِ إبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ . وَأَمّا الْمَجُوسُ فَلَمْ يَكُونُوا عَلَى كِتَابٍ أَصْلًا وَلَا دَانُوا بِدِينِ أَحَدٍ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ لَا فِي عَقَائِدِهِمْ وَلَا فِي شَرَائِعِهِمْ وَالْأَثَرُ الّذِي فِيهِ أَنّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ فَرُفِعَ وَرُفِعَتْ شَرِيعَتُهُمْ لَمّا وَقَعَ مَلِكُهُمْ عَلَى ابْنَتِهِ لَا يَصِحّ الْبَتّةَ وَلَوْ صَحّ لَمْ يَكُونُوا بِذَلِكَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنّ كِتَابَهُمْ رُفِعَ وَشَرِيعَتُهُمْ بَطَلَتْ فَلَمْ يَبْقَوْا عَلَى شَيْءٍ مِنْهَا . وَمَعْلُومٌ أَنّ الْعَرَبَ كَانُوا عَلَى دِينِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السّلَامُ وَكَانَ لَهُ صُحُفٌ وَشَرِيعَةٌ وَلَيْسَ تَغْيِيرُ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ لِدِينِ إبْرَاهِيمَ عَلَيْهِ السّلَامُ وَشَرِيعَتِهِ بِأَعْظَمَ مِنْ تَغْيِيرِ الْمَجُوسِ لِدِينِ نَبِيّهِمْ وَكِتَابِهِمْ لَوْ صَحّ فَإِنّهُ لَا يُعْرَفُ عَنْهُمْ التّمَسّكُ بِشَيْءٍ مِنْ شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ عَلَيْهِمْ الصّلَوَاتُ وَالسّلَامُ بِخِلَافِ الْعَرَبِ فَكَيْفَ يَجْعَلُ الْمَجُوسُ الّذِينَ دِينُهُمْ أَقْبَحُ الْأَدْيَانِ أَحْسَنَ حَالًا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ وَهَذَا الْقَوْلُ أَصَحّ فِي الدّلِيلِ كَمَا تَرَى . وَفَرّقَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ بَيْنَ الْعَرَبِ وَغَيْرِهِمْ فَقَالُوا : تُؤْخَذُ مِنْ كُلّ كَافِرٍ إلّا مُشْرِكِي الْعَرَبِ . وَرَابِعَةٌ فَرّقَتْ بَيْنَ قُرَيْشٍ وَغَيْرِهِمْ وَهَذَا لَا مَعْنًى لَهُ فَإِنّ قُرَيْشًا لَمْ يَبْقَ فِيهِمْ كَافِرٌ يَحْتَاجُ إلَى قِتَالِهِ وَأَخَذَ الْجِزْيَةَ مِنْهُ الْبَتّة وَقَدْ كَتَبَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى أَهْلِ هَجَرَ وَإِلَى الْمُنْذِرِ بْنِ سَاوَى وَإِلَى مُلُوكِ الطّوَائِفِ يَدْعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ أَوْ الْجِزْيَةِ وَلَمْ يُفَرّقْ بَيْنَ عَرَبِيّ وَغَيْرِهِ . [مِقْدَارُ الْجِزْيَةِ ] وَأَمّا حُكْمُهُ فِي قَدْرِهَا فَإِنّهُ بَعَثَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلّ حَالِمٍ دِينَارًا أَوْ قِيمَتَهُ مَعَافِرَ وَهِيَ ثِيَابٌ مَعْرُوفَةٌ بِالْيَمَنِ . ثُمّ زَادَ فِيهَا عُمَرُ [ ص 85 ] رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَجَعَلَهَا أَرْبَعَةَ دَنَانِيرَ عَلَى أَهْلِ الذّهَبِ وَأَرْبَعِينَ دِرْهَمًا عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ فِي كُلّ سَنَةٍ فَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلِمَ ضَعْفَ أَهْلِ الْيَمَنِ وَعُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَلِمَ غِنَى أَهْلِ الشّامِ وَقُوّتَهُمْ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْهُدْنَةِ وَمَا يَنْقُضُهَا [مُصَالَحَتُهُ أَهْلَ مَكّة َ] ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ صَالَحَ أَهْلَ مَكّةَ عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ وَدَخَلَ حُلَفَاؤُهُمْ مِنْ بَنِي بَكْرٍ مَعَهُمْ وَحُلَفَاؤُهُ مِنْ خُزَاعَةَ مَعَهُ فَعَدَتْ حُلَفَاءُ قُرَيْشٍ عَلَى حُلَفَائِهِ فَغَدَرُوا بِهِمْ فَرَضِيَتْ قُرَيْشٌ وَلَمْ تُنْكِرْهُ فَجَعَلَهُمْ بِذَلِكَ نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ وَاسْتَبَاحَ غَزْوَهُمْ مِنْ غَيْرِ نَبْذِ عَهْدِهِمْ إلَيْهِمْ لِأَنّهُمْ صَارُوا مُحَارِبِينَ لَهُ نَاقِضِينَ لِعَهْدِهِ بِرِضَاهُمْ وَإِقْرَارِهِمْ لِحُلَفَائِهِمْ عَلَى الْغَدْرِ بِحُلَفَائِهِ وَأَلْحَقَ رِدْأَهُمْ فِي ذَلِكَ بِمُبَاشِرِهِمْ . [ مُصَالَحَتُهُ الْيَهُودَ ] وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ صَالَحَ الْيَهُودَ وَعَاهَدَهُمْ لَمّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَغَدَرُوا بِهِ وَنَقَضُوا عَهْدَهُ مِرَارًا وَكُلّ ذَلِكَ يُحَارِبُهُمْ وَيَظْفَرُ بِهِمْ وَآخَرُ مَا صَالَحَ يَهُودَ خَيْبَرَ عَلَى أَنّ الْأَرْضَ لَهُ وَيُقِرّهُمْ فِيهَا عُمّالًا لَهُ مَا شَاءَ وَكَانَ هَذَا الْحُكْمُ مِنْهُ فِيهِمْ حُجّةً عَلَى جَوَازِ صُلْحِ الْإِمَامِ لِعَدُوّهِ مَا شَاءَ مِنْ الْمُدّةِ فَيَكُونُ الْعَقْدُ جَائِزًا لَهُ فَسْخُهُ مَتَى شَاءَ وَهَذَا هُوَ الصّوَابُ وَهُوَ مُوجِبُ حُكْمِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الّذِي لَا نَاسِخَ لَهُ . فَصْلٌ [مَا كَانَ فِي صُلْحِهِ لِأَهْلِ مَكّةَ مِنْ دُخُولِ بَعْضِهِمْ فِي عَهْدِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم] [ ص 86 ] وَكَانَ فِي صُلْحِهِ لِأَهْلِ مَكّةَ أَنّ مَنْ أَحَبّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ مُحَمّدٍ ، وَعَقْدِهِ دَخَلَ وَمَنْ أَحَبّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ وَعَقْدِهِمْ دَخَلَ وَأَنّ مَنْ جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِهِ لَا يَرُدّونَهُ إلَيْهِ وَمَنْ جَاءَهُ مِنْهُمْ رَدّهُ إلَيْهِمْ وَأَنّهُ يَدْخُلُ الْعَامَ الْقَابِلَ إلَى مَكّةَ فَيُخَلّونَهَا لَهُ ثَلَاثًا وَلَا يَدْخُلُهَا إلّا بِجُلْبَانِ السّلَاحِ وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُ هَذِهِ الْقِصّةِ وَفِقْهُهَا فِي مَوْضِعِهِ . ذِكْرُ أَقْضِيَتِهِ وَأَحْكَامِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي النّكَاحِ وَتَوَابِعِهِ فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الثّيّبِ وَالْبِكْرِ يُزَوّجُهُمَا أَبُوهُمَا [إذْنُ الْبِكْرِ وَالثّيّبِ ] [ ص 87 ] ثَبَتَ عَنْهُ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : أَنّ خَنْسَاءَ بِنْتَ خِدَامٍ زَوّجَهَا أَبُوهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ وَكَانَتْ ثَيّبًا فَأَتَتْ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرَدّ نِكَاحَهَا وَفِي " السّنَنِ " : مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ : أَنّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَذَكَرَتْ لَهُ أَنّ أَبَاهَا زَوّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ فَخَيّرَهَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَهَذِهِ غَيْرُ خَنْسَاءَ [ ص 88 ] قَضَى فِي إحْدَاهُمَا بِتَخْيِيرِ الثّيّبِ وَقَضَى فِي الْأُخْرَى بِتَخْيِيرِ الْبِكْرِ . وَثَبَتَ عَنْهُ فِي " الصّحِيحِ " أَنّهُ قَالَ لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتّى تُسْتَأْذَنَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ وَكَيْفَ إذْنُهَا ؟ قَالَ أَنْ تَسْكُتَ . وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " : الْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ فِي نَفْسِهَا وَإِذْنُهَا صُمَاتُهَا وَمُوجِبُ هَذَا الْحُكْمِ أَنّهُ لَا تُجْبِرُ الْبِكْرَ الْبَالِغَ عَلَى النّكَاحِ وَلَا تُزَوّجُ إلّا بِرِضَاهَا وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ السّلَفِ وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرّوَايَاتِ عَنْهُ وَهُوَ الْقَوْلُ الّذِي نَدِينُ اللّهَ بِهِ وَلَا نَعْتَقِدُ سِوَاهُ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِحُكْمِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ وَقَوَاعِدِ شَرِيعَتِهِ وَمَصَالِحِ أُمّتِهِ . [مُوَافَقَةُ الْإِذْنِ لِحُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ] أَمّا مُوَافَقَتُهُ لِحُكْمِهِ فَإِنّهُ حَكَمٌ بِتَخْيِيرِ الْبِكْرِ الْكَارِهَةِ وَلَيْسَ رِوَايَةُ هَذَا الْحَدِيثِ مُرْسَلَةً بِعِلّةٍ فِيهِ فَإِنّهُ قَدْ رُوِيَ مُسْنَدًا وَمُرْسَلًا فَإِنْ قُلْنَا بِقَوْلِ الْفُقَهَاءِ إنّ الِاتّصَالَ زِيَادَةٌ وَمَنْ وَصَلَهُ مُقَدّمٌ عَلَى مَنْ أَرْسَلَهُ فَظَاهِرٌ وَهَذَا تَصَرّفُهُمْ فِي غَالِبِ الْأَحَادِيثِ فَمَا بَالُ هَذَا خَرَجَ عَنْ حُكْمِ أَمْثَالِهِ وَإِنْ حَكَمْنَا بِالْإِرْسَالِ كَقَوْلِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُحَدّثِينَ فَهَذَا مُرْسَلٌ قَوِيّ قَدْ عَضّدَتْهُ الْآثَارُ الصّحِيحَةُ الصّرِيحَةُ وَالْقِيَاسُ وَقَوَاعِدُ الشّرْعِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فَيَتَعَيّنُ الْقَوْلُ بِهِ . [مُوَافَقَةُ الْإِذْنِ لِأَمْرِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ] [ ص 89 ] مُوَافَقَةُ هَذَا الْقَوْلِ لِأَمْرِهِ فَإِنْ قَالَ " وَالْبِكْرُ تُسْتَأْذَنُ وَهَذَا أَمْرٌ مُؤَكّدٌ لِأَنّهُ وَرَدَ بِصِيغَةِ الْخَبَرِ الدّالّ عَلَى تَحَقّقِ الْمُخْبِرِ بِهِ وَثُبُوتِهِ وَلُزُومِهِ وَالْأَصْلُ فِي أَوَامِرِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ تَكُونَ لِلْوُجُوبِ مَا لَمْ يَقُمْ إجْمَاعٌ عَلَى خِلَافِهِ . [مُوَافَقَةُ الْإِذْنِ لِنَهْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ] وَأَمّا مُوَافَقَتُهُ لِنَهْيِهِ فَلِقَوْلِهِ لَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتّى تُسْتَأْذَنَ فَأَمَرَ وَنَهَى وَحَكَمَ بِالتّخْيِيرِ وَهَذَا إثْبَاتٌ لِلْحُكْمِ بِأَبْلَغَ الطّرُقِ . [مُوَافَقَةُ الْإِذْنِ لِقَوَاعِدِ الشّرْعِ ] وَأَمّا مُوَافَقَتُهُ لِقَوَاعِدِ شِرْعِهِ فَإِنّ الْبِكْرَ الْبَالِغَةَ الْعَاقِلَةَ الرّشِيدَةَ لَا يَتَصَرّفُ أَبُوهَا فِي أَقَلّ شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا إلّا بِرِضَاهَا وَلَا يُجْبِرُهَا عَلَى إخْرَاجِ الْيَسِيرِ مِنْهُ بِدُونِ رِضَاهَا فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُرِقّهَا وَيُخْرِجَ بُضْعَهَا مِنْهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا إلَى مَنْ يُرِيدُهُ هُوَ وَهِيَ مِنْ أَكْرَهِ النّاسِ فِيهِ أَبْغَضِ شَيْءٍ إلَيْهَا ؟ وَمَعَ هَذَا فَيُنْكِحُهَا إيّاهُ قَهْرًا بِغَيْرِ رِضَاهَا إلَى مَنْ يُرِيدُهُ وَيَجْعَلُهَا أَسِيرَةً عِنْدَهُ كَمَا قَالَ النّبِيّ اتّقُوا اللّهَ فِي النّسَاءِ فَإِنّهُنّ عَوَانٍ عِنْدَكُمْ أَيْ أَسْرَى وَمَعْلُومٌ أَنّ إخْرَاجَ مَالِهَا كُلّهِ بِغَيْرِ رِضَاهَا أَسْهَلُ عَلَيْهَا مِنْ تَزْوِيجِهَا بِمَنْ لَا تَخْتَارُهُ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَلَقَدْ أَبْطَلَ مَنْ قَالَ إنّهَا إذَا عَيّنَتْ كُفْئًا تُحِبّهُ وَعَيّنّ أَبُوهَا كُفْئًا فَالْعِبْرَةُ بِتَعْيِينِهِ وَلَوْ كَانَ بَغِيضًا إلَيْهَا قَبِيحَ الْخِلْقَةِ . [ مُوَافَقَةُ الْإِذْنِ لِمَصَالِحِ الْأُمّةِ ] وَأَمّا مُوَافَقَتُهُ لِمَصَالِحِ الْأُمّةِ فَلَا يَخْفَى مَصْلَحَةُ الْبِنْتِ فِي تَزْوِيجِهَا بِمَنْ تَخْتَارُهُ وَتَرْضَاهُ وَحُصُولُ مَقَاصِدِ النّكَاحِ لَهَا بِهِ وَحُصُولُ ضِدّ ذَلِكَ بِمَنْ تُبْغِضُهُ وَتَنْفِرُ عَنْهُ فَلَوْ لَمْ تَأْتِ السّنّةُ الصّرِيحَةُ بِهَذَا الْقَوْلِ لَكَانَ الْقِيَاسُ الصّحِيحُ وَقَوَاعِدُ الشّرِيعَةِ لَا تَقْتَضِي غَيْرَهُ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . [ الْحُجّةُ عَلَى مَنْ اسْتَمْسَكَ بِحَدِيثِ " الْأَيّمُ أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا " فِي إجْبَارِ الْبِكْرِ ] فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ حَكَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْبِكْرِ وَالثّيّبِ وَقَالَ وَلَا تُنْكَحُ الْأَيّمُ حَتّى تُسْتَأْمَرَ وَلَا تُنْكَحُ الْبِكْرُ حَتّى تُسْتَأْذَنَ [ ص 90 ] وَقَالَ الْأَيّمُ أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا فَجَعَلَ الْأَيّمَ أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا فَعُلِمَ أَنّ وَلِيّ الْبِكْرِ أَحَقّ بِهَا مِنْ نَفْسِهَا وَإِلّا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ الْأَيّمِ بِذَلِكَ مَعْنًى . وَأَيْضًا فَإِنّهُ فَرّقَ بَيْنَهُمَا فِي صِفَةِ الْإِذْنِ فَجَعَلَ إذْنَ الثّيّبِ النّطْقَ وَإِذْنَ الْبِكْرِ الصّمْتَ وَهَذَا كُلّهُ يَدُلّ عَلَى عَدَمِ اعْتِبَارِ رِضَاهَا وَأَنّهَا لَا حَقّ لَهَا مَعَ أَبِيهَا . فَالْجَوَابُ أَنّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلّ عَلَى جَوَازِ تَزْوِيجِهَا بِغَيْرِ رِضَاهَا مَعَ بُلُوغِهَا وَعَقْلِهَا وَرُشْدِهَا وَأَنْ يُزَوّجَهَا بِأَبْغَضِ الْخَلْقِ إلَيْهَا إذَا كَانَ كُفْئًا وَالْأَحَادِيثُ الّتِي احْتَجَجْتُمْ بِهَا صَرِيحَةٌ فِي إبْطَالِ هَذَا الْقَوْلِ وَلَيْسَ مَعَكُمْ أَقْوَى مِنْ قَوْلِهِ الْأَيّمُ أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا هَذَا إنّمَا يَدُلّ بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ وَمُنَازِعُوكُمْ يُنَازِعُونَكُمْ فِي كَوْنِهِ حُجّةً وَلَوْ سَلّمَ أَنّهُ حُجّةٌ فَلَا يَجُوزُ تَقْدِيمُهُ عَلَى الْمَنْطُوقِ الصّرِيحِ وَهَذَا أَيْضًا إنّمَا يَدُلّ إذَا قُلْت : إنّ لِلْمَفْهُومِ عُمُومًا وَالصّوَابُ أَنّهُ لَا عُمُومَ لَهُ إذْ دَلَالَتُهُ تَرْجِعُ إلَى أَنّ التّخْصِيصَ بِالْمَذْكُورِ لَا بُدّ لَهُ مِنْ فَائِدَةٍ وَهِيَ نَفْيُ الْحُكْمِ عَمّا عَدَاهُ وَمَعْلُومٌ أَنّ انْقِسَامَ مَا عَدَاهُ إلَى ثَابِتِ الْحُكْمِ وَمُنَتّفِيهِ فَائِدَةٌ وَأَنّ إثْبَاتَ حُكْمٍ آخَرَ لِلْمَسْكُوتِ عَنْهُ فَائِدَةٌ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ ضِدّ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ وَأَنّ تَفْصِيلَهُ فَائِدَةٌ كَيْفَ وَهَذَا مَفْهُومٌ مُخَالِفٌ لِلْقِيَاسِ الصّرِيحِ بَلْ قِيَاسُ الْأَوْلَى كَمَا تَقَدّمَ وَيُخَالِفُ النّصُوصَ الْمَذْكُورَةَ . وَتَأَمّلْ قَوْلَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْبِكْرُ يَسْتَأْذِنُهَا أَبُوهَا عَقِيبَ قَوْلِهِ الْأَيّمُ أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا قَطْعًا لِتَوَهّمِ هَذَا الْقَوْلِ وَأَنّ الْبِكْرَ تُزَوّجُ بِغَيْرِ رِضَاهَا وَلَا إذْنِهَا فَلَا حَقّ لَهَا فِي نَفْسِهَا الْبَتّةَ فَوَصَلَ إحْدَى الْجُمْلَتَيْنِ بِالْأُخْرَى دَفْعًا لِهَذَا التّوَهّمِ . وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الثّيّبِ أَحَقّ بِنَفْسِهَا مِنْ وَلِيّهَا أَنْ لَا يَكُونَ لِلْبِكْرِ فِي نَفْسِهَا حَقّ الْبَتّةَ . [ مَنَاطُ الْإِجْبَارِ ] وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي مَنَاطِ الْإِجْبَارِ عَلَى سِتّةِ أَقْوَالٍ [ ص 91 ] أَحَدُهَا : أَنّهُ يُجْبَرُ بِالْبَكَارَةِ وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ . الثّانِي : أَنّهُ يُجْبَرُ بِالصّغَرِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي الرّوَايَةِ الثّانِيَةِ . الثّالِثُ أَنّهُ يُجْبَرُ بِهِمَا مَعًا وَهُوَ الرّوَايَةُ الثّالِثَةُ عَنْ أَحْمَدَ . الرّابِعُ أَنّهُ يُجْبَرُ بِأَيّهِمَا وُجِدَ وَهُوَ الرّوَايَةُ الرّابِعَةُ عَنْهُ . الْخَامِسُ أَنّهُ يُجْبَرُ بِالْإِيلَادِ فَتُجْبَرُ الثّيّبُ الْبَالِغُ حَكَاهُ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصَرِيّ قَالَ وَهُوَ خِلَافُ الْإِجْمَاعِ . قَالَ وَلَهُ وَجْهٌ حَسَنٌ مِنْ الْفِقْهِ فَيَا لَيْتَ شِعْرِي مَا هَذَا الْوَجْهُ الْأَسْوَدُ الْمُظْلِمُ ؟ السّادِسُ أَنّهُ يُجْبَرُ من يَكُونُ فِي عياله وَلَا يَخْفَى عَلَيْك الرّاجِحُ مِنْ هَذِهِ الْمَذَاهِبِ . فَصْلٌ [ إذْنُ الْبِكْرِ الصّمَاتُ وَإِذْنُ الثّيّبِ الْكَلَامُ ] وَقَضَى صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِأَنّ إذْنَ الْبِكْرِ الصّمَاتُ وَإِذْنَ الثّيّبِ الْكَلَامُ فَإِنْ نَطَقَتْ الْبِكْرُ بِالْإِذْنِ بِالْكَلَامِ فَهُوَ آكَدُ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ : لَا يَصِحّ أَنْ تُزَوّجَ إلّا بِالصّمَاتِ وَهَذَا هُوَ اللّائِقُ بِظَاهِرِيّتِهِ . فَصْلٌ [ جَوَازُ نِكَاحِ الْيَتِيمَةِ قَبْلَ الْبُلُوغِ ] وَقَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ الْيَتِيمَةَ تُسْتَأْمَرُ فى نَفْسِهَا وَلَا يَتِمّ بَعْدَ احْتِلَامٍ فَدَلّ ذَلِكَ عَلَى جَوَازِ نِكَاحِ الْيَتِيمَةِ قَبْلَ الْبُلُوغ وَهَذَا مَذْهَبُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا وَعَلَيْهِ يَدُلّ الْقُرْآنُ وَالسّنّةُ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُمَا . قَالَ تَعَالَى [ ص 92 ] { وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النّسَاءِ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النّسَاءِ اللّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنّ مَا كُتِبَ لَهُنّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنّ } [ النّسَاءُ 127 ] . قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا : هِيَ الْيَتِيمَةُ تَكُونُ فِي حِجْرِ وَلِيّهَا فَيَرْغَبُ فِي نِكَاحِهَا وَلَا يُقْسِطُ لَهَا سُنّةَ صَدَاقِهَا فَنُهُوا عَنْ نِكَاحِهِنّ إلّا أَنْ يُقْسِطُوا لَهُنّ سُنّةَ صَدَاقِهِنّ وَفِي السّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْيَتِيمَةُ تُسْتَأْمَرُ فِي نَفْسِهَا فَإِنْ صَمَتَتْ فَهُوَ إذْنُهَا وَإِنْ أَبَتْ فَلَا جَوَازَ عَلَيْهَا فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي النّكَاحِ بِلَا وَلِيّ فِي " السّنَنِ " عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا : أَيّمَا امْرَأَةٍ نَكَحَتْ نَفْسَهَا بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيّهَا فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَنِكَاحُهَا بَاطِلٌ فَإِنْ أَصَابَهَا فَلَهَا مَهْرُهَا بِمَا أَصَابَ مِنْهَا فَإِنْ اشْتَجَرُوا فَالسّلْطَانُ وَلِيّ مَنْ لَا وَلِيّ لَهُ قَالَ التّرْمِذِيّ حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَفِي السّنَنِ الْأَرْبَعَةِ عَنْهُ لَا نِكَاحَ إلّا بِوَلِي [ ص 93 ] لَا تُزَوّجُ الْمَرْأَةُ الْمَرْأَةَ وَلَا تُزَوّجُ الْمَرْأَةُ نَفْسَهَا فَإِنّ الزّانِيَةَ هِيَ الّتِي تُزَوّجُ نَفْسَهَا فَصْلٌ [ إذَا زَوّجَ الْمَرْأَةَ الْوَلِيّانِ فَهِيَ لِلْأَوّلِ مِنْهُمَا ] وَحَكَمَ أَنّ الْمَرْأَةَ إذَا زَوّجَهَا الْوَلِيّانِ فَهِيَ لِلْأَوّلِ مِنْهُمَا وَأَنّ الرّجُلَ إذَا بَاعَ لِلرّجُلَيْنِ فَالْبَيْعُ لِلْأَوّلِ مِنْهُمَا . فَصْلٌ فِي قَضَائِهِ فِي نِكَاحِ التّفْوِيض ثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ [ ص 94 ] قَضَى فِي رَجُلٍ تَزَوّجَ امْرَأَةً وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يَدْخُلْ بِهَا حَتّى مَاتَ أَنّ لَهَا مَهْرَ مِثْلِهَا وَلَا وَكْسَ وَلَا شَطَطَ وَلَهَا الْمِيرَاثُ وَعَلَيْهَا الْعِدّةُ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ وَعَشْرًا وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لِرَجُلٍ أَتَرْضَى أَنْ أُزَوّجَكَ فُلَانَةَ ؟ قَالَ نَعَمْ وَقَالَ لِلْمَرْأَةِ أَتَرْضَيْنَ أَنْ أُزَوّجَكِ فُلَانًا ؟ قَالَتْ نَعَمْ فَزَوّجَ أَحَدَهُمَا صَاحِبَهُ فَدَخَلَ بِهَا الرّجُلُ وَلَمْ يَفْرِضْ لَهَا صَدَاقًا وَلَمْ يُعْطِهَا شَيْئًا فَلَمّا كَانَ عِنْدَ مَوْتِهِ عَوّضَهَا مِنْ صَدَاقِهَا سَهْمًا لَهُ بِخَيْبَرَ وَقَدْ تَضَمّنَتْ هَذِهِ الْأَحْكَامُ جَوَازَ النّكَاحِ مِنْ غَيْرِ تَسْمِيَةِ صَدَاقٍ وَجَوَازَ الدّخُولِ قَبْلَ التّسْمِيَةِ وَاسْتِقْرَارَ مَهْرِ الْمِثْلِ بِالْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا وَوُجُوبَ عِدّةِ الْوَفَاةِ بِالْمَوْتِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا الزّوْجُ وَبِهَذَا أَخَذَ ابْنُ مَسْعُودٍ وَفُقَهَاءُ الْعِرَاقِ وَعُلَمَاءُ الْحَدِيثِ مِنْهُمْ أَحْمَد ُ وَالشّافِعِيّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ . [ ص 95 ] وَقَالَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا : لَا صَدَاقَ لَهَا وَبِهِ أَخَذَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَمَالِك وَالشّافِعِيّ فِي قَوْلِهِ الْآخَرِ . وَتَضَمّنَتْ جَوَازَ تَوَلّي الرّجُلِ طَرَفَيْ الْعَقْدِ كَوَكِيلٍ مِنْ الطّرَفَيْنِ أَوْ وَلِيّ فِيهِمَا أَوْ وَلِيّ وَكّلَهُ الزّوْجُ أَوْ زَوْجٍ وَكّلَهُ الْوَلِيّ وَيَكْفِي أَنْ يَقُولَ زَوّجْتُ فُلَانًا فُلَانَةَ مُقْتَصِرًا عَلَى ذَلِكَ أَوْ تَزَوّجْتُ فُلَانَةَ إذَا كَانَ هُوَ الزّوْجُ وَهَذَا ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ . وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا لِلْوَلِيّ الْمُجْبِرِ كَمَنْ زَوّجَ أَمَتَهُ أَوْ ابْنَتَهُ الْمُجْبَرَةَ بِعَبْدِهِ الْمُجْبَرِ وَوَجْهُ هَذِهِ الرّوَايَةِ أَنّهُ لَا يُعْتَبَرُ رِضَى وَاحِدٍ مِنْ الطّرَفَيْنِ . وَفِي مَذْهَبِهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ أَنّهُ يَجُوزُ ذَلِكَ إلّا لِلزّوْجِ خَاصّةً فَإِنّهُ لَا يَصِحّ مِنْهُ تَوَلّي الطّرَفَيْنِ لِتَضَادّ أَحْكَامِ الطّرَفَيْنِ فِيهِ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيمَنْ تَزَوّجَ امْرَأَةً فَوَجَدَهَا فِي الْحَبَلِ فِي " السّنَنِ " وَ " الْمُصَنّفِ " : عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ عَنْ بُصْرَةَ بْنِ أَكْثَمَ قَالَ تَزَوّجْتُ امْرَأَةً بِكْرًا فِي سِتْرِهَا فَدَخَلْتُ عَلَيْهَا فَإِذَا هِيَ حُبْلَى فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَهَا الصّدَاقُ بِمَا اسْتَحْلَلْتَ مِنْ فَرْجِهَا وَالْوَلَدُ عَبْدٌ لَك وَإِذَا وَلَدَتْ فَاجْلِدُوهَا وَفَرّقَ بَيْنَهُمَا . [ ص 96 ] أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ وَجُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَوُجُوبُ الْمَهْرِ الْمُسَمّى فِي النّكَاحِ الْفَاسِدِ وَهَذَا هُوَ الصّحِيحُ مِنْ الْأَقْوَالِ الثّلَاثَةِ . وَالثّانِي : يَجِبُ مَهْرُ الْمِثْلِ وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ . وَالثّالِثُ يَجِبُ أَقَلّ الْأَمْرَيْنِ . وَتَضَمّنَتْ وُجُوبَ الْحَدّ بِالْحَبَلِ وَإِنْ لَمْ تَقُمْ بَيّنَةٌ وَلَا اعْتِرَافٌ وَالْحَبَلُ مِنْ أَقْوَى الْبَيّنَاتِ وَهَذَا مَذْهَبُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَأَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْهُ . وَأَمّا حُكْمُهُ بِكَوْنِ الْوَلَدِ عَبْدًا لِلزّوْجِ فَقَدْ قِيلَ إنّهُ لَمّا كَانَ وَلَدَ زِنًى لَا أَبَ لَهُ وَقَدْ غَرّتْهُ مِنْ نَفْسِهَا وَغَرِمَ صَدَاقَهَا أَخْدَمَهُ وَلَدَهَا وَجَعَلَهُ لَهُ بِمَنْزِلَةِ الْعَبْدِ لَا أَنّهُ أَرَقّهُ فَإِنّهُ انْعَقَدَ حُرّا تَبَعًا لِحُرّيّةِ أُمّهِ وَهَذَا مُحْتَمَلٌ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَرَقّهُ عُقُوبَةً لِأُمّهِ عَلَى زِنَاهَا وَتَغْرِيرِهَا لِلزّوْجِ وَيَكُونُ هَذَا خَاصّا بِالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبِذَلِكَ الْوَلَدِ لَا يَتَعَدّى الْحُكْمُ إلَى غَيْرِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ هَذَا مَنْسُوخًا . وَقَدْ قِيلَ إنّهُ [ ص 97 ] كَانَ فِي أَوّلِ الْإِسْلَامِ يُسْتَرَقّ الْحُرّ فِي الدّينِ وَعَلَيْهِ حِمْلُ بَيْعِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِيُسْتَرَقّ فِي دِينِهِ . وَاَللّهُ أَعْلَم . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الشّرُوطِ فِي النّكَاحِ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ أَحَقّ الشّرُوطِ أَنْ تُوَفّوا مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ وَفِيهِمَا عَنْهُ لَا تَسْأَلْ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا لِتَسْتَفْرِغَ صَحْفَتَهَا وَلِتَنْكِحَ فَإِنّمَا لَهَا مَا قُدّرَ لَهَا وَفِيهِمَا : أَنّهُ نَهَى أَنْ تَشْتَرِطَ الْمَرْأَةُ طَلَاقَ أُخْتِهَا وَفِي " مُسْنَدِ أَحْمَدَ " : عَنْهُ لَا يَحِلّ أَنْ تُنْكَحَ امْرَأَةٌ بِطَلَاقِ أُخْرَى فَتَضَمّنَ هَذَا الْحُكْمُ وُجُوبَ الْوَفَاءِ بِالشّرُوطِ الّتِي شُرِطَتْ فِي الْعَقْدِ إذَا لَمْ تَتَضَمّنْ تَغْيِيرًا لِحُكْمِ اللّهِ وَرَسُولِهِ . وَقَدْ اُتّفِقَ عَلَى وُجُوبِ الْوَفَاءِ بِتَعْجِيلِ الْمَهْرِ أَوْ تَأْجِيلِهِ وَالضّمِينُ وَالرّهْنُ بِهِ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَعَلَى عَدَمِ الْوَفَاءِ بِاشْتِرَاطِ تَرْكِ الْوَطْءِ وَالْإِنْفَاقِ وَالْخُلُوّ عَنْ الْمَهْرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ . [ ص 98 ] الْإِقَامَةِ فِي بَلَدِ الزّوْجَةِ وَشَرْطِ دَارِ الزّوْجَةِ وَأَنْ لَا يَتَسَرّى عَلَيْهَا وَلَا يَتَزَوّجَ عَلَيْهَا فَأَوْجَبَ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ الْوَفَاءَ بِهِ وَمَتَى لَمْ يَفِ بِهِ فَلَهَا الْفَسْخُ عِنْدَ أَحْمَدَ . وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِرَاطِ الْبَكَارَةِ وَالنّسَبِ وَالْجَمَالِ وَالسّلَامَةِ مِنْ الْعُيُوبِ الّتِي لَا يُفْسَخُ بِهَا النّكَاحُ وَهَلْ يُؤَثّرُ عَدَمُهَا فِي فَسْخِهِ ؟ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ . ثَالِثُهَا : الْفَسْخُ عِنْدَ عَدَمِ النّسَبِ خَاصّةً . [ بُطْلَانُ اشْتِرَاطِ الْمَرْأَةِ طَلَاقَ أُخْتِهَا ] وَتَضَمّنَ حُكْمُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بُطْلَانَ اشْتِرَاطِ الْمَرْأَةِ طَلَاقَ أُخْتِهَا وَأَنّهُ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ فَإِنْ قِيلَ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ اشْتِرَاطِهَا أَنْ لَا يَتَزَوّجَ عَلَيْهَا حَتّى صَحّحْتُمْ هَذَا وَأَبْطَلْتُمْ شَرْطَ طَلَاقِ الضّرّةِ ؟ قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنّ فِي اشْتِرَاطِ طَلَاقِ الزّوْجَةِ مِنْ الْإِضْرَارِ بِهَا وَكَسْرِ قَلْبِهَا وَخَرَابِ بَيْتِهَا وَشَمَاتَةِ أَعْدَائِهَا مَا لَيْسَ فِي اشْتِرَاطِ عَدَمِ نِكَاحِهَا وَنِكَاحِ غَيْرِهَا وَقَدْ فَرّقَ النّصّ بَيْنَهُمَا فَقِيَاسُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ فَاسِدٌ . فَصْلٌ فِي حُكْمه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي نِكَاحِ الشّغَارِ وَالْمُحَلّلِ وَالْمُتْعَةِ وَنِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَنِكَاحِ الزّانِيَةِ [ النّهْيُ عَنْ نِكَاحِ الشّغَارِ ] أَمّا الشّغَارُ فَصَحّ النّهْيُ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَمُعَاوِيَةَ . وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " : عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا لَا شِغَارَ فِي الْإِسْلَام وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَالشّغَارُ أَنْ يُزَوّجَ الرّجُلُ ابْنَتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوّجَهُ الْآخَرُ ابْنَتَهُ وَلَيْسَ بَيْنَهُمَا صَدَاقٌ [ ص 99 ] أَبِي هُرَيْرَةَ وَالشّغَارُ أَنْ يَقُولَ الرّجُلُ لِلرّجُلِ : زَوّجْنِي ابْنَتَك وَأُزَوّجُك ابْنَتِي أَوْ زَوّجْنِي أُخْتَك وَأُزَوّجُك أُخْتِي وَفِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ أَنّ الْعَبّاسَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبّاسٍ أَنْكَحَ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ الْحَكَمِ ابْنَتَهُ وَأَنْكَحَهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ ابْنَتَهُ وَكَانَا جَعَلَا صَدَاقًا فَكَتَبَ مُعَاوِيَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إلَى مَرْوَانَ يَأْمُرُهُ بِالتّفْرِيقِ بَيْنهمَا وَقَالَ هَذَا الشّغَارُ الّذِي نَهَى عَنْهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : الشّغَارُ الْبَاطِلُ أَنْ يُزَوّجَهُ وَلِيّتَهُ عَلَى أَنْ يُزَوّجَهُ الْآخَرُ وَلِيّتَهُ وَلَا مَهْرَ بَيْنَهُمَا عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَإِنْ سَمّوْا مَعَ ذَلِكَ مَهْرًا صَحّ الْعَقْدُ بِالْمُسَمّى عِنْدَهُ . وَقَالَ الْخِرَقِيّ لَا يَصِحّ وَلَوْ سَمّوْا مَهْرًا عَلَى حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ . وَقَالَ أَبُو الْبَرَكَاتِ ابْنُ تَيْمِيّةَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ إنْ سَمّوْا مَهْرًا وَقَالُوا : مَعَ ذَلِكَ بُضْعُ كُلّ وَاحِدَةٍ مَهْرُ الْأُخْرَى لَمْ يَصِحّ وَإِنْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ صَحّ . [ عِلّةُ النّهْيِ عَنْهُ ] وَاخْتُلِفَ فِي عِلّةِ النّهْيِ فَقِيلَ هِيَ جَعْلُ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ الْعَقْدَيْنِ شَرْطًا فِي الْآخَرِ وَقِيلَ الْعِلّةُ التّشْرِيكُ فِي الْبُضْعِ وَجَعْلُ بُضْعِ كُلّ وَاحِدَةٍ مَهْرًا لِلْأُخْرَى وَهِيَ لَا تَنْتَفِعُ بِهِ فَلَمْ يَرْجِعْ إلَيْهَا الْمَهْرُ بَلْ عَادَ الْمُهْرُ إلَى الْوَلِيّ وَهُوَ مِلْكُهُ لِبُضْعِ زَوْجَتِهِ بِتَمْلِيكِهِ لِبُضْعِ مُوَلّيَتِهِ وَهَذَا ظُلْمٌ لِكُلّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَرْأَتَيْنِ وَإِخْلَاءٌ لِنِكَاحِهِمَا عَنْ مَهْرٍ تَنْتَفِعُ بِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِلُغَةِ الْعَرَبِ فَإِنّهُمْ يَقُولُونَ بَلَدٌ شَاغِرٌ مِنْ أَمِيرٍ وَدَارٌ شَاغِرَةٌ مِنْ أَهْلِهَا : إذَا خَلَتْ وَشَغَرَ الْكَلْبُ إذَا رَفَعَ رِجْلَهُ وَأَخْلَى مَكَانَهَا . فَإِذَا سَمّوْا مَهْرًا مَعَ ذَلِكَ زَالَ الْمَحْذُورُ وَلَمْ يَبْقَ إلّا اشْتِرَاطُ كُلّ [ ص 100 ] أَحْمَدَ . وَأَمّا مَنْ فَرّقَ فَقَالَ إنْ قَالُوا مَعَ التّسْمِيَةِ إنّ بُضْعَ كُلّ وَاحِدَةٍ مَهْرٌ لِلْأُخْرَى فَسَدَ لِأَنّهَا لَمْ يَرْجِعْ إلَيْهَا مَهْرُهَا وَصَارَ بُضْعُهَا لِغَيْرِ الْمُسْتَحِقّ وَإِنْ لَمْ يَقُولُوا ذَلِكَ صَحّ وَاَلّذِي يَجِيءُ عَلَى أَصْلِهِ أَنّهُمْ مَتَى عَقَدُوا عَلَى ذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَقُولُوهُ بِأَلْسِنَتِهِمْ أَنّهُ لَا يَصِحّ لِأَنّ الْقُصُودَ فِي الْعُقُودِ مُعْتَبِرَةٌ وَالْمَشْرُوطُ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا فَيَبْطُلُ الْعَقْدُ بِشَرْطِ ذَلِكَ وَالتّوَاطُؤِ عَلَيْهِ وَنِيّتِهِ فَإِنْ سَمّى لِكُلّ وَاحِدَةٍ مَهْرَ مِثْلِهَا صَحّ وَبِهَذَا تَظْهَرُ حِكْمَةُ النّهْيِ وَاتّفَاقُ الْأَحَادِيثِ فِي هَذَا الْبَابِ . فَصْلٌ [ نِكَاحُ التّحْلِيلِ ] وَأَمّا نِكَاحُ الْمُحَلّلِ فَفِي " الْمُسْنَدِ " وَالتّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ لَعَنَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمُحَلّلَ وَالْمُحَلّلَ لَهُ قَالَ التّرْمِذِيّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَفِي " الْمُسْنَدِ " : مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا : لَعَنَ اللّهُ الْمُحَلّلَ وَالْمُحَلّلَ لَهُ وَإِسْنَادُهُ حَسَنٌ . وَفِيهِ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِثْلُهُ . وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " : مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ [ ص 101 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَلَا أُخْبِرُكُمْ بِالتّيْسِ الْمُسْتَعَارِ ؟ قَالُوا : بَلَى يَا رَسُولَ اللّهِ . قَالَ هُوَ الْمُحَلّلُ لَعَنَ اللّهُ الْمُحَلّلَ وَالْمُحَلّلَ لَهُ فَهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ مِنْ سَادَاتِ الصّحَابَةِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَقَدْ شَهِدُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِلَعْنِهِ أَصْحَابَ التّحْلِيلِ وَهُمْ الْمُحَلّلُ وَالْمُحَلّلُ لَهُ وَهَذَا إمّا خَبَرٌ عَنْ اللّهِ فَهُوَ خَبَرُ صِدْقٍ وَإِمّا دُعَاءٌ فَهُوَ دُعَاءٌ مُسْتَجَابٌ قَطْعًا وَهَذَا يُفِيدُ أَنّهُ مِنْ الْكَبَائِرِ الْمَلْعُونُ فَاعِلُهَا وَلَا فَرْقَ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَأَهْلِ الْحَدِيثِ وَفُقَهَائِهِمْ بَيْنَ اشْتِرَاطِ ذَلِكَ بِالْقَوْلِ أَوْ بِالتّوَاطُؤِ وَالْقَصْدِ فَإِنّ الْقُصُودَ فِي الْعُقُودِ عِنْدَهُمْ مُعْتَبِرَةٌ وَالْأَعْمَالُ بِالنّيّاتِ وَالشّرْطُ الْمُتَوَاطَأُ عَلَيْهِ الّذِي دَخَلَ عَلَيْهِ الْمُتَعَاقِدَانِ كَالْمَلْفُوظِ عِنْدَهُمْ وَالْأَلْفَاظُ لَا تُرَادُ لَعَيْنِهَا بَلْ لِلدّلَالَةِ عَلَى الْمَعَانِي فَإِذْ ظَهَرَتْ الْمَعَانِي وَالْمَقَاصِدُ فَلَا عِبْرَةَ بِالْأَلْفَاظِ لِأَنّهَا وَسَائِلُ وَقَدْ تَحَقّقَتْ غَايَاتُهَا فَتَرَتّبَتْ عَلَيْهَا أَحْكَامُهَا . فَصْلٌ [ النّهْيُ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ] وَأَمّا نِكَاحُ الْمُتْعَةِ فَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ أَحَلّهَا عَامَ الْفَتْحِ وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ نَهَى عَنْهَا عَامَ الْفَتْحِ وَاخْتُلِفَ هَلْ نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَالصّحِيحُ أَنّ النّهْيَ إنّمَا كَانَ عَامَ الْفَتْحِ وَأَنّ النّهْيَ يَوْمَ خَيْبَرَ إنّمَا كَانَ عَنْ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ وَإِنّمَا قَالَ عَلِيّ لِابْنِ عَبّاسٍ : إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَهَى يَوْمَ خَيْبَرَ عَنْ مُتْعَةِ النّسَاءِ وَنَهَى عَنْ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ [ ص 102 ] مُحْتَجّا عَلَيْهِ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ فَظَنّ بَعْضُ الرّوَاةِ أَنّ التّقْيِيدَ بِيَوْمِ خَيْبَرَ رَاجِعٌ إلَى الْفَصْلَيْنِ فَرَوَاهُ بِالْمَعْنَى ثُمّ أَفْرَدَ بَعْضُهُمْ أَحَدَ الْفَصْلَيْنِ وَقَيّدَهُ بِيَوْمِ خَيْبَرَ وَقَدْ تَقَدّمَ بَيَانُ الْمَسْأَلَةِ فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ . وَظَاهِرُ كَلَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ إبَاحَتُهَا فَإِنّ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَنْهُ كُنّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَيْسَ مَعَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللّهِ أَلَا نَسْتَخْصِي ؟ فَنَهَانَا عَنْ ذَلِكَ ثُمّ رَخّصَ لَنَا بَعْدَ أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثّوْبِ إلَى أَجَلٍ ثُمّ قَرَأَ عَبْدُ اللّهِ { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرّمُوا طَيّبَاتِ مَا أَحَلّ اللّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنّ اللّهَ لَا يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ } [ الْمَائِدَةُ 87 ] وَلَكِنْ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَنْ عَلِي ّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَرّمَ مُتْعَةَ النّسَاءِ وَهَذَا التّحْرِيمُ إنّمَا كَانَ بَعْدَ الْإِبَاحَةِ وَإِلّا لَزِمَ مِنْهُ النّسْخُ مَرّتَيْنِ وَلَمْ يَحْتَجّ بِهِ عَلَى عَلِيّ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَلَكِنّ النّظَرَ هَلْ هُوَ تَحْرِيمُ بَتَاتٍ أَوْ تَحْرِيمٌ مِثْلُ تَحْرِيمِ الْمَيْتَةِ وَالدّمِ وَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْأَمَةِ فَيُبَاحُ عِنْدَ الضّرُورَةِ وَخَوْفِ الْعَنَتِ ؟ هَذَا هُوَ الّذِي لَحِظَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وَأَفْتَى بِحَلّهَا لِلضّرُورَةِ فَلَمّا تَوَسّعَ النّاسُ فِيهَا وَلَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى مَوْضِعِ الضّرُورَةِ أَمْسَكَ عَنْ فُتْيَاهُ وَرَجَعَ عَنْهَا . فَصْلٌ نِكَاحُ الْمُحرمِ فِي حَجّ أَوْ عُمْرَةٍ وَأَمّا نِكَاحُ الْمُحْرِمِ فَثَبَتَ عَنْهُ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " مِنْ رِوَايَةِ عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَح [هَلْ تَزَوّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ] وَاخْتُلِفَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَلْ تَزَوّجَ مَيْمُونَةَ حَلَالًا أَوْ حَرَامًا ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : [ ص 103 ] تَزَوّجَهَا مُحْرِمًا وَقَالَ أَبُو رَافِعٍ تَزَوّجَهَا حَلَالًا وَكُنْتُ الرّسُولَ بَيْنَهُمَا . وَقَوْلُ أَبِي رَافِعٍ أَرْجَحُ لِعِدّةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا : أَنّهُ إذْ ذَاكَ كَانَ رَجُلًا بَالِغًا وَابْنُ عَبّاسٍ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ مِمّنْ بَلَغَ الْحُلُمَ بَلْ كَانَ لَهُ نَحْوُ الْعَشْرِ سِنِينَ فَأَبُو رَافِعٍ إذْ ذَاكَ كَانَ أَحْفَظَ مِنْهُ . الثّانِي : أَنّهُ كَانَ الرّسُولَ بَيْنَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبَيْنَهَا وَعَلَى يَدِهِ دَارَ الْحَدِيثُ فَهُوَ أَعْلَمُ بِهِ مِنْهُ بِلَا شَكّ وَقَدْ أَشَارَ بِنَفْسِهِ إلَى هَذَا إشَارَةَ مُتَحَقّقٍ لَهُ وَمُتَيَقّنٍ وَلَمْ يَنْقُلْهُ عَنْ غَيْرِهِ بَلْ بَاشَرَهُ بِنَفْسِهِ . الثّالِثُ أَنّ ابْنَ عَبّاسٍ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ فِي تِلْكَ الْعُمْرَةِ فَإِنّهَا كَانَتْ عُمْرَةَ الْقَضِيّةِ وَكَانَ ابْنُ عَبّاسٍ إذْ ذَاكَ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ الّذِينَ عَذَرَهُمْ اللّهُ مِنْ الْوِلْدَانِ وَإِنّمَا سَمِعَ الْقِصّةَ مِنْ غَيْرِ حُضُورٍ مِنْهُ لَهَا . الرّابِعُ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ دَخَلَ مَكّةَ بَدَأَ بِالطّوَافِ بِالْبَيْتِ ثُمّ سَعَى بَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ وَحَلَقَ ثُمّ حَلّ . وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنّهُ لَمْ يَتَزَوّجْ بِهَا فِي طَرِيقِهِ وَلَا بَدَأَ بِالتّزْوِيجِ بِهَا قَبْلَ الطّوَافِ بِالْبَيْتِ وَلَا تَزَوّجَ فِي حَالِ طَوَافِهِ هَذَا مِنْ الْمَعْلُومِ أَنّهُ لَمْ يَقَعْ فَصَحّ قَوْلُ أَبِي رَافِعٍ يَقِينًا . الْخَامِسُ أَنّ الصّحَابَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ غَلّطُوا ابْنَ عَبّاسٍ وَلَمْ يُغَلّطُوا أَبَا رَافِعٍ . السّادِسُ أَنّ قَوْلَ أَبِي رَافِعٍ مُوَافِقٌ لِنَهْيِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ نِكَاحِ الْمُحْرِمِ وَقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ يُخَالِفُهُ وَهُوَ مُسْتَلْزِمٌ لِأَحَدِ أَمْرَيْنِ إمّا لِنَسْخِهِ وَإِمّا لِتَخْصِيصِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِجَوَازِ النّكَاحِ مُحْرِمًا وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ مُخَالِفٌ لِلْأَصْلِ لَيْسَ عَلَيْهِ دَلِيلٌ فَلَا يُقْبَلُ . [ ص 104 ] السّابِعُ أَنّ ابْنَ أُخْتِهَا يَزِيدَ بْنَ الْأَصَمّ شَهِدَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَزَوّجَهَا حَلَالًا قَالَ وَكَانَتْ خَالَتِي وَخَالَةَ ابْنِ عَبّاسٍ . ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ . فَصْلٌ [ تَحْرِيمُ نِكَاحِ الزّانِيَةِ ] وَأَمّا نِكَاحُ الزّانِيَةِ فَقَدْ صَرّحَ اللّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِتَحْرِيمِهِ فِي سُورَةِ النّورِ وَأَخْبَرَ أَنّ مَنْ نَكَحَهَا فَهُوَ إمّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ فَإِنّهُ إمّا أَنْ يَلْتَزِمَ حُكْمَهُ سُبْحَانَهُ وَيَعْتَقِدَ وُجُوبَهُ عَلَيْهِ أَوَلَا فَإِنْ لَمْ يَلْتَزِمْهُ وَلَمْ يَعْتَقِدْهُ فَهُوَ مُشْرِكٌ . وَإِنْ الْتَزَمَهُ وَاعْتَقَدَ وُجُوبَهُ وَخَالَفَهُ فَهُوَ زَانٍ ثُمّ صَرّحَ بِتَحْرِيمِهِ فَقَالَ { وَحُرّمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ } [ النّورُ 3 ] وَلَا يَخْفَى أَنّ دَعْوَى نَسْخِ الْآيَةِ بِقَوْلِهِ { وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ } [ النّورُ 34 ] مِنْ أَضْعَفِ مَا يُقَالُ وَأَضْعَفُ مِنْهُ حَمْلُ النّكَاحِ عَلَى الزّنَى إذْ يَصِيرُ مَعْنَى الْآيَةِ الزّانِي لَا يَزْنِي إلّا بِزَانِيَةٍ أَوْ مُشْرِكَةٍ وَالزّانِيَةُ لَا يَزْنِي بِهَا إلّا زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَكَلَامُ اللّهِ يَنْبَغِي أَنْ يُصَانَ عَنْ مِثْلِ هَذَا . [ الرّدّ عَلَى مَنْ حَمَلَ مَعْنَى الزّانِيَةِ فِي الْآيَةِ عَلَى بَغْيِ مُشْرِكَةٍ ] وَكَذَلِكَ حَمْلُ الْآيَةِ عَلَى امْرَأَةٍ بَغِيّ مُشْرِكَةٍ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ عَنْ لَفْظِهَا وَسِيَاقِهَا كَيْفَ وَهُوَ سُبْحَانَهُ إنّمَا أَبَاحَ نِكَاحَ الْحَرَائِرِ وَالْإِمَاءِ بِشَرْطِ الْإِحْصَانِ وَهُوَ الْعِفّةُ فَقَالَ { فَانْكِحُوهُنّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنّ وَآتُوهُنّ أُجُورَهُنّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلَا مُتّخِذَاتِ أَخْدَانٍ } [ النّسَاءُ 25 ] فَإِنّمَا أَبَاحَ نِكَاحَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ دُونَ غَيْرِهَا وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ دَلَالَةِ الْمَفْهُومِ فَإِنّ الْأَبْضَاعَ فِي الْأَصْلِ عَلَى التّحْرِيمِ فَيُقْتَصَرُ فِي إبَاحَتِهَا عَلَى مَا وَرَدَ بِهِ الشّرْعُ وَمَا عَدَاهُ فَعَلَى أَصْلِ التّحْرِيمِ . وَأَيْضًا فَإِنّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ وَالْخَبِيثُونَ لِلْخَبِيثَاتِ } [ ص 105 ] تَزَوّجَ بِهِنّ فَهُوَ خَبِيثٌ مِثْلُهُنّ . وَأَيْضًا . فَمِنْ أَقْبَحِ الْقَبَائِحِ أَنْ يَكُونَ الرّجُلُ زَوْجَ بَغِيّ وَقُبْحُ هَذَا مُسْتَقِرّ فِي فِطَرِ الْخَلْقِ وَهُوَ عِنْدَهُمْ غَايَةُ الْمَسَبّةِ . وَأَيْضًا : فَإِنّ الْبَغِيّ لَا يُؤْمَنُ أَنْ تُفْسِدَ عَلَى الرّجُلِ فِرَاشَهُ وَتُعَلّقَ عَلَيْهِ أَوْلَادًا مِنْ غَيْرِهِ وَالتّحْرِيمُ يَثْبُتُ بِدُونِ هَذَا . وَأَيْضًا : فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرّقَ بَيْنَ الرّجُلِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ الّتِي وَجَدَهَا حُبْلَى مِنْ الزّنَى . وَأَيْضًا فَإِنّ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ اسْتَأْذَنَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَتَزَوّجَ عَنَاقَ وَكَانَتْ بَغِيّا فَقَرَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ آيَةَ النّورِ وَقَالَ لَا تَنْكِحْهَا . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيمَنْ أَسْلَمَ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِ نِسْوَةٍ أَوْ عَلَى أُخْتَيْنِ فِي التّرْمِذِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا : أَنّ غَيْلَانَ أَسْلَمَ وَتَحْتَهُ عَشْرُ نِسْوَةٍ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اخْتَرْ مِنْهُنّ أَرْبَعًا . وَفِي طَرِيقٍ أُخْرَى : وَفَارِقْ سَائِرَهُنّ . [ ص 106 ] وَأَسْلَمَ فَيْرُوزُ الدّيْلَمِيّ وَتَحْتَهُ أُخْتَانِ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اخْتَرْ أَيّتَهُمَا شِئْتَ . فَتَضَمّنَ هَذَا الْحُكْمُ صِحّةَ نِكَاحِ الْكُفّارِ وَأَنّهُ لَهُ أَنْ يَخْتَارَ مَنْ شَاءَ مِنْ السّوَابِقِ وَاللّوَاحِقِ لِأَنّهُ جَعَلَ الْخِيرَةَ إلَيْهِ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إنْ تَزَوّجَهُنّ فِي عَقْدٍ وَاحِدٍ فَسَدَ نِكَاحُ الْجَمِيعِ وَإِنْ تَزَوّجَهُنّ مُتَرَتّبَاتٍ ثَبَتَ [ ص 107 ] فَصْلٌ [ إذَا تَزَوّجَ الْعَبْدُ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ ] وَحَكَمَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ الْعَبْدَ إذَا تَزَوّجَ بِغَيْرِ إذْنِ مَوَالِيهِ فَهُوَ عَاهِرٌ قَالَ التّرْمِذِيّ حَدِيثٌ حَسَنٌ . فَصْلٌ [ مَنْعُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلِيّا أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ فَاطِمَةَ وَبِنْتِ أَبِي جَهْلٍ ] وَاسْتَأْذَنَهُ بَنُو هِشَامِ بْنِ الْمُغِيرَةِ أَنْ يُزَوّجُوا عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ فَلَمْ يَأْذَنْ فِي ذَلِكَ وَقَالَ إلّا أَنْ يُرِيدَ ابْنُ أَبِي طَالِبٍ أَنْ يُطَلّقَ ابْنَتِي وَيَنْكِحَ ابْنَتَهُمْ فَإِنّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا إنّي أَخَافُ أَنْ تُفْتَنَ فَاطِمَةُ فِي دِينِهَا وَإِنّي لَسْتُ أُحَرّمُ حَلَالًا وَلَا أُحِلّ حَرَامًا وَلَكِنْ وَاَللّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللّهِ وَبِنْتُ عَدُوّ اللّهِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ أَبَدًا . وَفِي لَفْظٍ فَذَكَرَ صِهْرًا لَهُ فَأَثْنَى عَلَيْهِ وَقَالَ حَدّثَنِي فَصَدّقَنِي وَوَعَدَنِي فَوَفَى لِي . [ إذَا شَرَطَ الرّجُلُ لِزَوْجَتِهِ أَنْ لَا يَتَزَوّجَ عَلَيْهَا لَزِمَهُ الْوَفَاءُ ] فَتَضَمّنَ هَذَا الْحُكْمُ أُمُورًا : أَحَدُهَا : أَنّ الرّجُلَ إذَا شَرَطَ لِزَوْجَتِهِ أَنْ لَا يَتَزَوّجَ عَلَيْهَا لَزِمَهُ الْوَفَاءُ بِالشّرْطِ وَمَتَى تَزَوّجَ عَلَيْهَا فَلَهَا الْفَسْخُ وَوَجْهُ تَضَمّنِ الْحَدِيثِ لِذَلِكَ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَخْبَرَ أَنّ ذَلِكَ يُؤْذِي فَاطِمَةَ وَيُرِيبُهَا وَأَنّهُ يُؤْذِيهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَيُرِيبُهُ وَمَعْلُومٌ قَطْعًا أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّمَا زَوّجَهُ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا عَلَى أَنْ لَا يُؤْذِيَهَا وَلَا يُرِيبَهَا وَلَا يُؤْذِيَ أَبَاهَا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا يَرِيبهُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا مُشْتَرَطًا فِي صُلْبِ الْعَقْدِ فَإِنّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ بِالضّرُورَةِ أَنّهُ إنّمَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَفِي ذِكْرِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صِهْرَهُ الْآخَرَ وَثَنَاءَهُ عَلَيْهِ بِأَنّهُ حَدّثَهُ فَصَدّقَهُ [ ص 108 ] بِعَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَتَهْيِيجٌ لَهُ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَهَذَا يُشْعِرُ بِأَنّهُ جَرَى مِنْهُ وَعْدٌ لَهُ بِأَنّهُ لَا يَرِيبُهَا وَلَا يُؤْذِيهَا فَهَيّجَهُ عَلَى الْوَفَاءِ لَهُ كَمَا وَفَى لَهُ صِهْرُهُ الْآخَرُ . [ الْمَشْرُوطُ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا ] فَيُؤْخَذُ مِنْ هَذَا أَنّ الْمَشْرُوطَ عُرْفًا كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا وَأَنّ عَدَمَهُ يُمَلّكُ الْفَسْخَ لِمُشْتَرِطِهِ فَلَوْ فُرِضَ مِنْ عَادَةِ قَوْمٍ أَنّهُمْ لَا يُخْرِجُونَ نِسَاءَهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ وَلَا يُمَكّنُونَ أَزْوَاجَهُمْ مِنْ ذَلِكَ الْبَتّةُ وَاسْتَمَرّتْ عَادَتُهُمْ بِذَلِكَ كَانَ كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا وَهُوَ مُطّرِدٌ عَلَى قَوَاعِدِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَقَوَاعِدِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللّهُ أَنّ الشّرْطَ الْعُرْفِيّ كَاللّفْظِيّ سَوَاءٌ وَلِهَذَا أَوْجَبُوا الْأُجْرَةَ عَلَى مَنْ دَفَعَ ثَوْبَهُ إلَى غَسّالٍ أَوْ قَصّارٍ أَوْ عَجِينَهُ إلَى خَبّازٍ أَوْ طَعَامَهُ إلَى طَبّاخٍ يَعْمَلُونَ بِالْأُجْرَةِ أَوْ دَخَلَ الْحَمّامَ أَوْ اسْتَخْدَمَ مَنْ يَغْسِلُهُ مِمّنْ عَادَتُهُ يَغْسِلُ بِالْأُجْرَةِ وَنَحْوَ ذَلِكَ وَلَمْ يَشْرُطْ لَهُمْ أُجْرَةَ أَنّهُ يَلْزَمُهُ أُجْرَةُ الْمِثْلِ . وَعَلَى هَذَا فَلَوْ فُرِضَ أَنّ الْمَرْأَةَ مِنْ بَيْتٍ لَا يَتَزَوّجُ الرّجُلُ عَلَى نِسَائِهِمْ ضَرّةً وَلَا يُمَكّنُونَهُ مِنْ ذَلِكَ وَعَادَتُهُمْ مُسْتَمِرّةٌ بِذَلِكَ كَانَ كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا . وَكَذَلِكَ لَوْ كَانَتْ مِمّنْ يَعْلَمُ أَنّهَا لَا تُمَكّنُ إدْخَالَ الضّرّةِ عَلَيْهَا عَادَةً لِشَرَفِهَا وَحَسَبِهَا وَجَلَالَتِهَا كَانَ تَرْكُ التّزَوّجِ عَلَيْهَا كَالْمَشْرُوطِ لَفْظًا سَوَاءٌ . وَعَلَى هَذَا فَسَيّدَةُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ وَابْنَةُ سَيّدِ وَلَدِ آدَمَ أَجْمَعِينَ أَحَقّ النّسَاءِ بِهَذَا فَلَوْ شَرَطَهُ عَلِيّ فِي صُلْبِ الْعَقْدِ كَانَ تَأْكِيدًا لَا تَأْسِيسًا . وَفِي مَنْعِ عَلِيّ مِنْ الْجَمْعِ بَيْنَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا وَبَيْنَ بِنْتِ أَبِي جَهْلٍ حِكْمَةٌ بَدِيعَةٌ وَهِيَ أَنّ الْمَرْأَةَ مَعَ زَوْجِهَا فِي دَرَجَتِهِ تَبَعٌ لَهُ فَإِنْ كَانَتْ فِي نَفْسِهَا ذَاتَ دَرَجَة عَالِيَةٍ وَزَوْجُهَا كَذَلِكَ كَانَتْ فِي دَرَجَةٍ عَالِيَةٍ بِنَفْسِهَا وَبِزَوْجِهَا وَهَذَا شَأْنُ فَاطِمَةَ وَعَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا وَلَمْ يَكُنْ اللّهُ عَزّ وَجَلّ لِيَجْعَلَ ابْنَةَ أَبِي جَهْلٍ مَعَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ لَا بِنَفْسِهَا وَلَا تَبَعًا وَبَيْنَهُمَا مِنْ الْفَرْقِ مَا بَيْنَهُمَا فَلَمْ يَكُنْ نِكَاحُهَا عَلَى سَيّدَةِ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ مُسْتَحْسَنًا لَا شَرْعًا وَلَا قَدْرًا [ ص 109 ] أَشَارَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى هَذَا بِقَوْلِهِ وَاَللّهِ لَا تَجْتَمِعُ بِنْتُ رَسُولِ اللّهِ وَبِنْتُ عَدُوّ اللّهِ فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ أَبَدًا فَهَذَا إمّا أَنْ يَتَنَاوَلَ دَرَجَةَ الْآخَرِ بِلَفْظِهِ أَوْ إشَارَتِهِ . فَصْلٌ فِيمَا حَكَمَ اللّهُ سُبْحَانَهُ بِتَحْرِيمِهِ مِنْ النّسَاءِ عَلَى لِسَانِ نَبِيّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ تَحْرِيمُ الْأُمّهَاتِ ] حَرّمَ الْأُمّهَاتِ وَهُنّ كُلّ مَنْ بَيْنَك وَبَيْنَهُ إيلَادٌ مِنْ جِهَةِ الْأُمُومَةِ أَوْ الْأُبُوّةِ كَأُمّهَاتِهِ وَأُمّهَاتِ آبَائِهِ وَأَجْدَادِهِ مِنْ جِهَةِ الرّجَالِ وَالنّسَاءِ وَإِنْ عَلَوْنَ . [ تَحْرِيمُ الْبَنَاتِ ] وَحَرّمَ الْبَنَاتِ وَهُنّ كُلّ مَنْ انْتَسَبَ إلَيْهِ بِإِيلَادٍ كَبَنَاتِ صُلْبِهِ وَبَنَاتِ بَنَاتِهِ وَأَبْنَائِهِنّ وَإِنْ سَفُلْنَ . [ تَحْرِيمُ الْأَخَوَاتِ وَالْعَمّاتِ ] وَحَرّمَ الْأَخَوَاتِ مِنْ كُلّ جِهَةٍ وَحَرّمَ الْعَمّاتِ وَهُنّ أَخَوَاتُ آبَائِهِ وَإِنْ عَلَوْنَ مِنْ كُلّ جِهَةٍ . [ التّفْصِيلُ فِي عَمّةِ الْعَمّ ] وَأَمّا عَمّةُ الْعَمّ فَإِنْ كَانَ الْعَمّ لِأَبٍ فَهِيَ عَمّةُ أَبِيهِ وَإِنْ كَانَ لَأُمّ فَعَمّتُهُ أَجْنَبِيّةٌ مِنْهُ فَلَا تَدْخُلُ فِي الْعَمّاتِ وَأَمّا عَمّةُ الْأُمّ فَهِيَ دَاخِلَةٌ فِي عَمّاتِهِ كَمَا دَخَلَتْ عَمّةُ أَبِيهِ فِي عَمّاتِهِ . [ تَحْرِيمُ الْخَالَاتِ ] [ التّفْصِيلُ فِي خَالَةِ الْعَمّةِ وَعَمّةِ الْخَالَةِ ] وَحَرّمَ الْخَالَاتِ وَهُنّ أَخَوَاتُ أُمّهَاتِهِ وَأُمّهَاتُ آبَائِهِ وَإِنْ عَلَوْنَ وَأَمّا خَالَةُ الْعَمّةِ فَإِنْ كَانَتْ الْعَمّةُ لِأَبٍ فَخَالَتُهَا أَجْنَبِيّةٌ وَإِنْ كَانَتْ لِأُمّ فَخَالَتُهَا حَرَامٌ لِأَنّهَا خَالَةٌ وَأَمّا عَمّةُ الْخَالَةِ فَإِنْ كَانَتْ الْخَالَةُ لِأُمّ فَعَمّتُهَا أَجْنَبِيّةٌ وَإِنْ كَانَتْ لِأَبٍ فَعَمّتُهَا حَرَامٌ لِأَنّهَا عَمّةُ الْأُمّ . [ تَحْرِيمُ بَنَاتِ الْأَخِ وَبَنَاتِ الْأُخْتِ ] وَحَرّمَ بَنَاتِ الْأَخِ وَبَنَاتِ الْأُخْتِ فَيَعُمّ الْأَخُ وَالْأُخْتُ مِنْ كُلّ جِهَةٍ وَبَنَاتِهِمَا وَإِنْ نَزَلَتْ دَرَجَتُهُنّ . [ التّفْصِيلُ فِي تَحْرِيمِ الرّضَاعَةِ ] وَحَرّمَ الْأُمّ مِنْ الرّضَاعَةِ فَيَدْخُلُ فِيهِ أُمّهَاتُهَا مِنْ قِبَلِ الْآبَاءِ وَالْأُمّهَاتِ وَإِنْ عَلَوْنَ وَإِذَا صَارَتْ الْمُرْضِعَةُ أُمّهُ صَارَ صَاحِبَ اللّبَنِ - وَهُوَ الزّوْجُ أَوْ السّيّدُ إنْ كَانَتْ جَارِيَةً - أَبَاهُ وَآبَاؤُهُ أَجْدَادُهُ فَنَبّهَ بِالْمُرْضِعَةِ صَاحِبَةَ اللّبَنِ الّتِي هِيَ مُودَعٌ [ ص 110 ] أَبًا بِطَرِيقِ الْأَوْلَى لِأَنّ اللّبَنَ لَهُ وَبِوَطْئِهِ ثَابَ وَلِهَذَا حَكَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِتَحْرِيمِ لَبَنِ الْفَحْلِ فَثَبَتَ بِالنّصّ وَإِيمَائِهِ انْتِشَارُ حُرْمَةِ الرّضَاعِ إلَى أُمّ الْمُرْتَضِعِ وَأَبِيهِ مِنْ الرّضَاعَةِ وَأَنّهُ قَدْ صَارَ ابْنًا لَهُمَا وَصَارَا أَبَوَيْنِ لَهُ فَلَزِمَ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ إخْوَتُهُمَا وَأَخَوَاتُهُمَا خَالَاتٍ لَهُ وَعَمّاتٍ وَأَبْنَاؤُهُمَا وَبَنَاتُهُمَا إخْوَةً لَهُ وَأَخَوَاتٍ فَنَبّهَ بِقَوْلِهِ { وَأَخَوَاتُكُمْ مِنَ الرّضَاعَةِ } [ النّسَاءُ 22 ] عَلَى انْتِشَارِ حُرْمَةِ الرّضَاعِ إلَى إخْوَتِهِمَا وَأَخَوَاتِهِمَا كَمَا انْتَشَرَتْ مِنْهُمَا إلَى أَوْلَادِهِمَا فَكَمَا صَارُوا إخْوَةً وَأَخَوَاتٍ لِلْمُرْتَضِعِ فَأَخْوَالُهُمَا وَخَالَاتُهُمَا أَخْوَالٌ وَخَالَاتٌ لَهُ وَأَعْمَامٌ وَعَمّاتٌ لَهُ الْأَوّلُ بِطَرِيقِ النّصّ وَالْآخَرُ بِتَنْبِيهِهِ كَمَا أَنّ الِانْتِشَارَ إلَى الْأُمّ بِطَرِيقِ النّصّ وَإِلَى الْأَبِ بِطَرِيقِ تَنْبِيهِهِ . وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ عَجِيبَةٌ مُطّرِدَةٌ فِي الْقُرْآنِ لَا يَقَعُ عَلَيْهَا إلّا كُلّ غَائِصٍ عَلَى مَعَانِيهِ وَوُجُوهِ دَلَالَاتِهِ وَمِنْ هُنَا قَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ يَحْرُمُ مِنْ الرّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النّسَبِ وَلَكِنّ الدّلَالَةَ دَلَالَتَانِ خَفِيّةٌ وَجَلِيّةٌ فَجَمَعَهُمَا لِلْأُمّةِ لِيَتِمّ الْبَيَانُ وَيَزُولَ الِالْتِبَاسُ وَيَقَعَ عَلَى الدّلَالَةِ الْجَلِيّةِ الظّاهِرَةِ مَنْ قَصُرَ فَهْمُهُ عَنْ الْخُفْيَةِ . [ تَحْرِيمُ أُمّهَاتِ الزّوْجَاتِ ] وَحَرّمَ أُمّهَاتِ النّسَاءِ فَدَخَلَ فِي ذَلِكَ أُمّ الْمَرْأَةِ وَإِنْ عَلَتْ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رِضَاعٍ دَخَلَ بِالْمَرْأَةِ أَوْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا لِصِدْقِ الِاسْمِ عَلَى هَؤُلَاءِ كُلّهِنّ . [ تَحْرِيمُ بَنَاتِ الزّوْجَاتِ ] وَحَرّمَ الرّبَائِبَ اللّاتِي فِي حُجُورِ الْأَزْوَاجِ وَهُنّ بَنَاتُ نِسَائِهِمْ الْمَدْخُولِ بِهِنّ فَتَنَاوَلَ بِذَلِكَ بَنَاتِهِنّ وَبَنَاتِ بَنَاتِهِنّ وَبَنَاتِ أَبْنَائِهِنّ فَإِنّهُنّ دَاخِلَاتٌ فِي اسْمِ الرّبَائِبِ وَقَيّدَ التّحْرِيمَ بِقَيْدَيْنِ أَحَدُهُمَا : كَوْنُهُنّ فِي حُجُورِ الْأَزْوَاجِ . وَالثّانِي : [ ص 111 ] وَسَوَاءٌ حَصَلَتْ الْفُرْقَةُ بِمَوْتٍ أَوْ طَلَاقٍ هَذَا مُقْتَضَى النّصّ . وَذَهَبَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَمَنْ وَافَقَهُ وَأَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إلَى أَنّ مَوْتَ الْأُمّ فِي تَحْرِيمِ الرّبِيبَةِ كَالدّخُولِ بِهَا لِأَنّهُ يُكْمِلُ الصّدَاقَ وَيُوجِبُ الْعِدّةَ وَالتّوَارُثَ فَصَارَ كَالدّخُولِ وَالْجُمْهُورُ أَبَوْا ذَلِكَ وَقَالُوا : الْمَيّتَةُ غَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا فَلَا تَحْرُمُ ابْنَتُهَا وَاَللّهُ تَعَالَى قَيّدَ التّحْرِيمَ بِالدّخُولِ وَصَرّحَ بِنَفْيِهِ عِنْدَ عَدَمِ الدّخُولِ . وَأَمّا كَوْنُهَا فِي حِجْرِهِ فَلَمّا كَانَ الْغَالِبُ ذَلِكَ ذَكَرَهُ لَا تَقْيِيدًا لِلتّحْرِيمِ بِهِ بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ { وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلَاقٍ } [ الْإِسْرَاءُ : 31 ] وَلَمّا كَانَ مِنْ شَأْنِ بِنْتِ الْمَرْأَةِ أَنْ تَكُونَ عِنْدَ أُمّهَا فَهِيَ فِي حِجْرِ الزّوْجِ وُقُوعًا وَجَوَازًا فَكَأَنّهُ قَالَ اللّاتِي مِنْ شَأْنِهِنّ أَنْ يَكُنّ فِي حُجُورِكُمْ فَفِي ذِكْرِ هَذَا فَائِدَةٌ شَرِيفَةٌ وَهِيَ جَوَازُ جَعْلِهَا فِي حِجْرِهِ وَأَنّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ إبْعَادُهَا عَنْهُ وَتَجَنّبُ مُؤَاكَلَتِهَا وَالسّفَرُ وَالْخَلْوَةُ بِهَا فَأَفَادَ هَذَا الْوَصْفُ عَدَمَ الِامْتِنَاعِ مِنْ ذَلِكَ . وَلَمّا خَفِيَ هَذَا عَلَى بَعْضِ أَهْلِ الظّاهِرِ شَرَطَ فِي تَحْرِيمِ الرّبِيبَةِ أَنْ تَكُونَ فِي حِجْرِ الزّوْجِ وَقَيّدَ تَحْرِيمَهَا بِالدّخُولِ بِأُمّهَا وَأَطْلَقَ تَحْرِيمَ أُمّ الْمَرْأَةِ وَلَمْ يُقَيّدْهُ بِالدّخُولِ فَقَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدِهِمْ إنّ الْأُمّ تَحْرُمُ بِمُجَرّدِ الْعَقْدِ عَلَى الْبِنْتِ دَخَلَ بِهَا أَوْ لَمْ يَدْخُلْ وَلَا تَحْرُمُ الْبِنْتُ إلّا بِالدّخُولِ بِالْأُمّ وَقَالُوا : أَبْهِمُوا مَا أَبْهَمَ اللّهُ . وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى أَنّ قَوْلَهُ { اللّاتِي دَخَلْتُمْ بِهِنّ } وَصْفٌ لِنِسَائِكُمْ الْأُولَى وَالثّانِيَةِ وَأَنّهُ لَا تَحْرُمُ الْأُمّ إلّا بِالدّخُولِ بِالْبِنْتِ وَهَذَا يَرُدّهُ نَظْمُ الْكَلَامِ وَحَيْلُولَةُ الْمَعْطُوفِ بَيْنَ الصّفَةِ وَالْمَوْصُوفِ وَامْتِنَاعُ جَعْلِ الصّفَةِ لِلْمُضَافِ إلَيْهِ دُونَ الْمُضَافِ إلّا عِنْدَ الْبَيَانِ فَإِذَا قُلْت : مَرَرْت بِغُلَامِ زَيْدٍ الْعَاقِلِ فَهُوَ صِفَةٌ لِلْغُلَامِ لَا لِزَيْدٍ إلّا عِنْدَ زَوَالِ اللّبْسِ كَقَوْلِك : مَرَرْت بِغُلَامِ هِنْدٍ الْكَاتِبَةِ وَيَرُدّهُ أَيْضًا جَعْلُهُ صِفَةً وَاحِدَةً لِمَوْصُوفَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْحُكْمِ وَالتّعَلّقِ وَالْعَامِلِ وَهَذَا لَا يُعْرَفُ فِي اللّغَةِ الّتِي نَزَلَ بِهَا الْقُرْآنُ . [ ص 112 ] أَوْلَى بِهَا لِجِوَارِهِ وَالْجَارُ أَحَقّ بِصَقْبِهِ مَا لَمْ تَدْعُ ضَرُورَةٌ إلَى نَقْلِهَا عَنْهُ أَوْ تَخَطّيهَا إيّاهُ إلَى الْأَبْعَدِ . [ وَجْهُ دُخُولِ بِنْتِ جَارِيَتِهِ فِي التّحْرِيمِ ] فَإِنْ قِيلَ فَمِنْ أَيْنَ أَدْخَلْتُمْ رَبِيبَتَهُ الّتِي هِيَ بِنْتُ جَارِيَتِهِ الّتِي دَخَلَ بِهَا وَلَيْسَتْ مِنْ نِسَائِهِ ؟ . قُلْنَا : السّرِيّةُ قَدْ تَدْخُلُ فِي جُمْلَةِ نِسَائِهِ كَمَا دَخَلَتْ فِي قَوْلِهِ { نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنّى شِئْتُمْ } [ الْبَقَرَةُ 223 ] وَدَخَلَتْ فِي قَوْلِهِ { أُحِلّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصّيَامِ الرّفَثُ إِلَى نِسَائِكُمْ } [ الْبَقَرَةُ 187 ] وَدَخَلَتْ فِي قَوْلِهِ { وَلَا تَنْكِحُوا مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِنَ النّسَاءِ } [ النّسَاءُ 22 ] [ دُخُولُ أُمّ الْجَارِيَةِ الْمَدْخُولِ بِهَا فِي التّحْرِيمِ ] فَإِنْ قِيلَ فَيَلْزَمُكُمْ عَلَى هَذَا إدْخَالُهَا فِي قَوْلِهِ { وَأُمّهَاتُ نِسَائِكُمْ } [ النّسَاءُ 23 ] فَتَحْرُمُ عَلَيْهِ أُمّ جَارِيَتِهِ ؟ . قُلْنَا : نَعَمْ وَكَذَلِكَ نَقُولُ إذَا وَطِئَ أَمَتَهُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمّهَا وَابْنَتُهَا . فَإِنْ قِيلَ فَأَنْتُمْ قَدْ قَرّرْتُمْ أَنّهُ لَا يُشْتَرَطُ الدّخُولُ بِالْبِنْتِ فِي تَحْرِيمِ أُمّهَا فَكَيْفَ تَشْتَرِطُونَهُ هَا هُنَا ؟ . قُلْنَا : لِتَصِيرَ مِنْ نِسَائِهِ فَإِنّ الزّوْجَةَ صَارَتْ مِنْ نِسَائِهِ بِمُجَرّدِ الْعَقْدِ وَأَمّا الْمَمْلُوكَةُ فَلَا تَصِيرُ مِنْ نِسَائِهِ حَتّى يَطَأَهَا فَإِذَا وَطِئَهَا صَارَتْ مِنْ نِسَائِهِ فَحَرُمَتْ عَلَيْهِ أُمّهَا وَابْنَتُهَا . [ وَجْهُ عَدَمِ دُخُولِ الْجَوَارِي فِي الظّهَارِ وَالْإِيلَاءِ ] فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ أَدْخَلْتُمْ السّرّيّةَ فِي نِسَائِهِ فِي آيَةِ التّحْرِيمِ وَلَمْ تُدْخِلُوهَا فِي نِسَائِهِ فِي آيَةِ الظّهَارِ وَالْإِيلَاءِ ؟ . قِيلَ السّيَاقُ وَالْوَاقِعُ يَأْبَى ذَلِكَ فَإِنّ الظّهَارَ كَانَ عِنْدَهُمْ طَلَاقًا وَإِنّمَا مَحَلّهُ الْأَزْوَاجُ لَا الْإِمَاءُ فَنَقَلَهُ اللّهُ سُبْحَانَهُ مِنْ الطّلَاقِ إلَى التّحْرِيمِ الّذِي تُزِيلُهُ الْكَفّارَةُ [ ص 113 ] وَنَقَلَ حُكْمَهُ وَأَبْقَى مَحِلّهُ وَأَمّا الْإِيلَاءُ فَصَرِيحٌ فِي أَنّ مَحِلّهُ الزّوْجَاتُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لِلّذِينَ يُؤْلُونَ مِنْ نِسَائِهِمْ تَرَبّصُ أَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ فَإِنْ فَاءُوا فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وَإِنْ عَزَمُوا الطّلَاقَ فَإِنّ اللّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [ الْبَقَرَةُ 226 - 227 ] [ تَحْرِيمُ حَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ ] وَحَرّمَ سُبْحَانَهُ حَلَائِلَ الْأَبْنَاءِ وَهُنّ مَوْطُوآتُ الْأَبْنَاءِ بِنِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ فَإِنّهَا حَلِيلَةٌ بِمَعْنَى مُحَلّلَةٍ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ ابْنُ صُلْبِهِ وَابْنُ ابْنِهِ وَابْنُ ابْنَتِهِ وَيَخْرُجُ بِذَلِكَ ابْنُ التّبَنّي وَهَذَا التّقْيِيدُ قُصِدَ بِهِ إخْرَاجُهُ . [ الِاخْتِلَافُ فِي حَلَائِلِ الْأَبْنَاءِ مِنْ الرّضَاعِ ] وَأَمّا حَلِيلَةُ ابْنِهِ مِنْ الرّضَاعِ فَإِنّ الْأَئِمّةَ الْأَرْبَعَةَ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِمْ يُدْخِلُونَهَا فِي قَوْلِهِ { وَحَلَائِلُ أَبْنَائِكُمُ } [ النّسَاءُ 23 ] وَلَا يُخْرِجُونَهَا بِقَوْلِهِ { الّذِينَ مِنْ أَصْلَابِكُمْ } [ النّسَاءُ 23 ] وَيَحْتَجّونَ بِقَوْلِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَرّمُوا مِنْ الرّضَاعِ مَا تُحَرّمُونَ مِنْ النّسَب قَالُوا : وَهَذِهِ الْحَلِيلَةُ تَحْرُمُ إذَا كَانَتْ لِابْنِ النّسَبِ فَتَحْرُمُ إذَا كَانَتْ لِابْنِ الرّضَاعِ . قَالُوا : وَالتّقْيِيدُ لِإِخْرَاجِ ابْنِ التّبَنّي لَا غَيْرُ وَحَرّمُوا مِنْ الرّضَاعِ بِالصّهْرِ نَظِيرَ مَا يَحْرُمُ بِالنّسَبِ . وَنَازَعَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ وَقَالُوا : لَا تَحْرُمُ حَلِيلَةُ ابْنِهِ مِنْ الرّضَاعَةِ لِأَنّهُ لَيْسَ مِنْ صُلْبِهِ وَالتّقْيِيدُ كَمَا يُخْرِجُ حَلِيلَةَ ابْنِ التّبَنّي يُخْرِجُ حَلِيلَةَ ابْنِ الرّضَاعِ سَوَاءٌ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا . قَالُوا : وَأَمّا قَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَحْرُمُ مِنْ الرّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النّسَب فَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ أَدِلّتِنَا وَعُمْدَتِنَا فِي الْمَسْأَلَةِ فَإِنّ تَحْرِيمَ حَلَائِلِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ إنّمَا هُوَ بِالصّهْرِ لَا بِالنّسَبِ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ قَصَرَ تَحْرِيمَ الرّضَاعِ عَلَى نَظِيرِهِ مِنْ النّسَبِ لَا عَلَى شَقِيقِهِ مِنْ الصّهْرِ فَيَجِبُ الِاقْتِصَارُ بِالتّحْرِيمِ عَلَى مَوْرِدِ النّصّ . قَالُوا : وَالتّحْرِيمُ بِالرّضَاعِ فَرْعٌ عَلَى تَحْرِيمِ النّسَبِ لَا عَلَى تَحْرِيمِ الْمُصَاهَرَةِ فَتَحْرِيمُ الْمُصَاهَرَةِ أَصْلٌ قَائِمٌ بِذَاتِهِ وَاَللّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَنُصّ فِي كِتَابِهِ [ ص 114 ] إيمَاءٍ وَلَا إشَارَةٍ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ أَنْ يُحَرّمَ بِهِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النّسَبِ وَفِي ذَلِكَ إرْشَادٌ وَإِشَارَةٌ إلَى أَنّهُ لَا يَحْرُمُ بِهِ مَا يَحْرُمُ بِالصّهْرِ وَلَوْلَا أَنّهُ أَرَادَ الِاقْتِصَارَ عَلَى ذَلِكَ لَقَالَ " حَرّمُوا مِنْ الرّضَاعِ مَا يَحْرُمُ مِنْ النّسَبِ وَالصّهْرِ " . قَالُوا : وَأَيْضًا فَالرّضَاعَ مُشَبّهٌ بِالنّسَبِ وَلِهَذَا أَخَذَ مِنْهُ بَعْضَ أَحْكَامِهِ وَهُوَ الْحُرْمَةُ وَالْمَحْرَمِيّةُ فَقَطْ دُونَ التّوَارُثِ وَالْإِنْفَاقِ وَسَائِرِ أَحْكَامِ النّسَبِ فَهُوَ نَسَبٌ ضَعِيفٌ فَأَخَذَ بِحَسَبِ ضَعْفِهِ بَعْضَ أَحْكَامِ النّسَبِ وَلَمْ يَقْوَ عَلَى سَائِرِ أَحْكَامِ النّسَبِ وَهُوَ أَلْصَقُ بِهِ مِنْ الْمُصَاهَرَةِ فَكَيْفَ يَقْوَى عَلَى أَخْذِ أَحْكَامِ الْمُصَاهَرَةِ مَعَ قُصُورِهِ عَنْ أَحْكَامٍ مُشْبِهَةٍ وَشَقِيقَةٍ ؟ وَأَمّا الْمُصَاهَرَةُ وَالرّضَاعُ فَإِنّهُ لَا نَسَبَ بَيْنَهُمَا وَلَا شُبْهَةَ نَسَبٍ وَلَا بَعْضِيّةَ وَلَا اتّصَالَ . قَالُوا : وَلَوْ كَانَ تَحْرِيمُ الصّهْرِيّةِ ثَابِتًا لَبَيّنَهُ اللّهُ وَرَسُولُهُ بَيَانًا شَافِيًا يُقِيمُ الْحُجّةَ وَيَقْطَعُ الْعُذْرَ فَمِنْ اللّهِ الْبَيَانُ وَعَلَى رَسُولِهِ الْبَلَاغُ وَعَلَيْنَا التّسْلِيمُ وَالِانْقِيَادُ فَهَذَا مُنْتَهَى النّظَرِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَمَنْ ظَفِرَ فِيهَا بِحُجّةٍ فَلْيُرْشِدْ إلَيْهَا وَلْيُدِلّ عَلَيْهَا فَإِنّا لَهَا مُنْقَادُونَ وَبِهَا مُعْتَصِمُونَ وَاَللّهُ الْمُوَفّقُ لِلصّوَابِ . فَصْلٌ [ تَحْرِيمُ نِكَاحِ مَنْ نَكَحَهُنّ الْآبَاءُ ] وَحَرّمَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نِكَاحَ مَنْ نَكَحَهُنّ الْآبَاءُ وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَنْكُوحَاتِهِمْ بِمِلْكِ الْيَمِينِ أَوْ عَقْدِ نِكَاحٍ وَيَتَنَاوَلُ آبَاءَ الْآبَاءِ وَآبَاءَ الْأُمّهَاتِ وَإِنْ عَلَوْنَ وَالِاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ { إِلّا مَا قَدْ سَلَفَ } مِنْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ النّهْيِ وَهُوَ التّحْرِيمُ الْمُسْتَلْزِمُ لِلتّأْثِيمِ وَالْعُقُوبَةِ فَاسْتَثْنَى مِنْهُ مَا سَلَفَ قَبْلَ إقَامَةِ الْحُجّةِ بِالرّسُولِ وَالْكِتَابِ . فَصْلٌ [ تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ والِاخْتِلَافُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ ] وَحَرّمَ سُبْحَانَهُ الْجَمْعَ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي عَقْدِ النّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ كَسَائِرِ مُحَرّمَاتِ الْآيَةِ وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الصّحَابَةِ وَمَنْ [ ص 115 ] طَائِفَةٌ فِي تَحْرِيمِهِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ لِمُعَارَضَةِ هَذَا الْعُمُومِ بِعُمُومِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ { وَالّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } [ الْمُؤْمِنُونَ 5 ، 6 ] و [ الْمَعَارِجُ 29 30 ] وَلِهَذَا قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَحَلّتْهُمَا آيَةٌ وَحَرّمَتْهُمَا آيَة وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ لَا أَقُولُ هُوَ حَرَامٌ وَلَكِنْ نَنْهَى عَنْهُ فَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ جَعَلَ الْقَوْلَ بِإِبَاحَتِهِ رِوَايَةً عَنْهُ . وَالصّحِيحُ أَنّهُ لَمْ يُبِحْهُ وَلَكِنْ تَأَدّبَ مَعَ الصّحَابَةِ أَنْ يُطْلِقَ لَفْظَ الْحَرَامِ عَلَى أَمْرٍ تَوَقّفَ فِيهِ عُثْمَانُ بَلْ قَالَ نَنْهَى عَنْهُ . وَاَلّذِينَ جَزَمُوا بِتَحْرِيمِهِ رَجّحُوا آيَةَ التّحْرِيمِ مِنْ وُجُوهٍ . [ أَدِلّةُ مَنْ رَجّحَ تَحْرِيمَ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ مِنْ مِلْكِ الْيَمِينِ ] أَحَدُهَا : أَنّ سَائِرَ مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ الْمُحَرّمَاتِ عَامّ فِي النّكَاحِ وَمِلْكِ الْيَمِينِ فَمَا بَالُ هَذَا وَحْدَهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنْهَا فَإِنْ كَانَتْ آيَةُ الْإِبَاحَةِ مُقْتَضِيَةً لِحِلّ الْجَمْعِ بِالْمِلْكِ فَلْتَكُنْ مُقْتَضِيَةً لِحِلّ أُمّ مَوْطُوءَتِهِ بِالْمِلْكِ وَلِمَوْطُوءَةِ أَبِيهِ وَابْنِهِ بِالْمِلْكِ إذْ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا الْبَتّةَ وَلَا يَعْلَمُ بِهَذَا قَائِلٌ . الثّانِي : أَنّ آيَةَ الْإِبَاحَةِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مَخْصُوصَةٌ قَطْعًا بِصُوَرٍ عَدِيدَةٍ لَا يَخْتَلِفُ فِيهَا اثْنَانِ كَأُمّهِ وَابْنَتِهِ وَأُخْتِهِ وَعَمّتِهِ وَخَالَتِهِ مِنْ الرّضَاعَةِ بَلْ كَأُخْتِهِ وَعَمّتِهِ مِنْ النّسَبِ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَى عِتْقَهُنّ بِالْمِلْكِ كَمَالِكٍ وَالشّافِعِيّ وَلَمْ يَكُنْ عُمُومُ قَوْلِهِ { أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } مُعَارِضًا لِعُمُومِ تَحْرِيمِهِنّ بِالْعَقْدِ وَالْمِلْكِ فَهَذَا حُكْمُ الْأُخْتَيْنِ سَوَاءٌ . الثّالِثُ أَنّ حِلّ الْمِلْكِ لَيْسَ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ بَيَانِ جِهَةِ الْحِلّ وَسَبَبِهِ وَلَا تَعَرّضَ فِيهِ لِشُرُوطِ الْحِلّ وَلَا لِمَوَانِعِهِ وَآيَةُ التّحْرِيمِ فِيهَا بَيَانُ مَوَانِعِ الْحِلّ مِنْ النّسَبِ وَالرّضَاعِ وَالصّهْرِ وَغَيْرِهِ فَلَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا الْبَتّةَ وَإِلّا كَانَ كُلّ مَوْضِعٍ ذُكِرَ فِيهِ شَرْطُ الْحِلّ وَمَوَانِعِهِ مُعَارِضًا لِمُقْتَضَى الْحِلّ وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا بَلْ هُوَ بَيَانٌ لِمَا [ ص 116 ] الرّابِعُ أَنّهُ لَوْ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ الْمَمْلُوكَتَيْنِ فِي الْوَطْءِ جَازَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأُمّ وَابْنَتِهَا الْمَمْلُوكَتَيْنِ فَإِنّ نَصّ التّحْرِيمِ شَامِلٌ لِلصّورَتَيْنِ شُمُولًا وَاحِدًا وَأَنّ إبَاحَةَ الْمَمْلُوكَاتِ إنْ عَمّتْ الْأُخْتَيْنِ عَمّتْ الْأُمّ وَابْنَتُهَا . الْخَامِسُ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَجْمَعْ مَاءَهُ فِي رَحِمِ أُخْتَيْنِ وَلَا رَيْبَ أَنّ جَمْعَ الْمَاءِ كَمَا يَكُونُ بِعَقْدِ النّكَاحِ يَكُونُ بِمِلْكِ الْيَمِينِ وَالْإِيمَانُ يَمْنَعُ مِنْهُ . فَصْلٌ [ تَحْرِيمُ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمّتِهَا وَالْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا ] وَقَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِتَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمّتِهَا وَالْمَرْأَةِ وَخَالَتِهَا وَهَذَا التّحْرِيمُ مَأْخُوذٌ مِنْ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ لَكِنْ بِطَرِيقٍ خَفِيّ وَمَا حَرّمَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِثْلُ مَا حَرّمَهُ اللّهُ وَلَكِنْ هُوَ مُسْتَنْبَطٌ مِنْ دَلَالَةِ الْكِتَابِ . [ حِرْصُ الصّحَابَةِ عَلَى اسْتِنْبَاطِ الْأَحَادِيثِ مِنْ الْقُرْآنِ ] وَكَانَ الصّحَابَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ أَحْرَصَ شَيْءٍ عَلَى اسْتِنْبَاطِ أَحَادِيثِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الْقُرْآنِ وَمَنْ أَلْزَمَ نَفْسَهُ ذَلِكَ وَقَرَعَ بَابَهُ وَوَجّهَ قَلْبَهُ إلَيْهِ وَاعْتَنَى بِهِ بِفِطْرَةٍ سَلِيمَةٍ وَقَلْبٍ ذَكِيّ رَأَى السّنّةَ كُلّهَا تَفْصِيلًا لِلْقُرْآنِ وَتَبْيِينًا [ ص 117 ] أَعْلَى مَرَاتِبِ الْعِلْمِ فَمَنْ ظَفِرَ بِهِ فَلْيَحْمَدْ اللّهَ وَمَنْ فَاتَهُ فَلَا يَلُومَنّ إلّا نَفْسَهُ وَهِمّتَهُ وَعَجْزَهُ . وَاسْتُفِيدَ مِنْ تَحْرِيمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْأُخْتَيْنِ وَبَيْنَ الْمَرْأَةِ وَعَمّتِهَا وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ خَالَتِهَا أَنّ كُلّ امْرَأَتَيْنِ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ لَوْ كَانَ أَحَدُهُمَا ذَكَرًا حَرُمَ عَلَى الْآخَرِ فَإِنّهُ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا صُورَةٌ وَاحِدَةٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا قَرَابَةٌ لَمْ يَحْرُمْ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا وَهَلْ يُكْرَهُ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ وَهَذَا كَالْجَمْعِ بَيْنَ امْرَأَةِ رَجُلٍ وَابْنَتِهِ مِنْ غَيْرِهَا . [ تَحْرِيمُ نِكَاحِ امْرَأَةٍ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ إلّا إمَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ ] وَاسْتُفِيدَ مِنْ عُمُومِ تَحْرِيمِهِ سُبْحَانَهُ الْمُحَرّمَاتِ الْمَذْكُورَةَ أَنّ كُلّ امْرَأَةٍ حَرُمَ نِكَاحُهَا حَرُمَ وَطْؤُهَا بِمِلْكِ الْيَمِينِ إلّا إمَاءَ أَهْلِ الْكِتَابِ فَإِنّ نِكَاحَهُنّ حَرَامٌ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ وَوَطْؤُهُنّ بِمِلْكِ الْيَمِينِ جَائِزٌ وَسَوّى أَبُو حَنِيفَةَ بَيْنَهُمَا فَأَبَاحَ نِكَاحَهُنّ كَمَا يُبَاحُ وَطْؤُهُنّ بِالْمِلْكِ . وَالْجُمْهُورُ احْتَجّوا عَلَيْهِ بِأَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إنّمَا أَبَاحَ نِكَاحَ الْإِمَاءِ بِوَصْفِ الْإِيمَانِ . فَقَالَ تَعَالَى : { وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ مِنْكُمْ طَوْلًا أَنْ يَنْكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ } [ النّسَاءُ 25 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تَنْكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتّى يُؤْمِنّ } [ الْبَقَرَةُ 221 ] . خَصّ ذَلِكَ بِحَرَائِرِ أَهْلِ الْكِتَابِ بَقِيَ الْإِمَاءُ عَلَى قَضِيّةِ التّحْرِيمِ وَقَدْ فَهِمَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَغَيْرُهُ مِنْ الصّحَابَةِ إدْخَالَ الْكِتَابِيّاتِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ لَا أَعْلَمُ شِرْكًا أَعْظَمَ مِنْ أَنْ تَقُولَ إنّ الْمَسِيحَ إلَهُهَا وَأَيْضًا فَالْأَصْلُ فِي الْأَبْضَاعِ الْحُرْمَةُ وَإِنّمَا أُبِيحَ نِكَاحُ الْإِمَاءِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمَنْ عَدَاهُنّ عَلَى أَصْلِ التّحْرِيمِ وَلَيْسَ تَحْرِيمُهُنّ مُسْتَفَادًا مِنْ الْمَفْهُومِ . وَاسْتُفِيدَ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ وَمَدْلُولِهَا أَنّ كُلّ امْرَأَةٍ حَرُمَتْ حَرُمَتْ ابْنَتُهَا إلّا الْعَمّةُ وَالْخَالَةُ وَحَلِيلَةُ الِابْنِ وَحَلِيلَةُ الْأَبِ وَأُمّ الزّوْجَةِ وَأَنّ كُلّ الْأَقَارِبِ [ ص 118 ] فَصْلٌ [ الْإِشْكَالُ الْوَارِدُ فِي اسْتِثْنَاءِ مِلْكِ الْيَمِينِ مِنْ تَحْرِيمِ الْمُتَزَوّجَاتِ ] وَمِمّا حَرّمَهُ النّصّ نِكَاحُ الْمُزَوّجَاتِ وَهُنّ الْمُحْصَنَاتُ وَاسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ مِلْكَ الْيَمِينِ فَأَشْكَلَ هَذَا الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى كَثِيرٍ مِنْ النّاسِ فَإِنّ الْأَمَةَ الْمُزَوّجَةَ يَحْرُمُ وَطْؤُهَا عَلَى مَالِكِهَا فَأَيْنَ مَحَلّ الِاسْتِثْنَاءِ ؟ . [ شَرْحٌ لِمَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ وَضَوَابِطِهِ وَالرّدّ عَلَى مَنْ قَالَ بِأَنّ الْآيَةَ مِنْ هَذَا النّوْعِ ] فَقَالَتْ طَائِفَةٌ هُوَ مُنْقَطِعٌ أَيْ لَكِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَرُدّ هَذَا لَفْظًا وَمَعْنًى أَمّا اللّفْظُ فَإِنّ الِانْقِطَاعَ إنّمَا يَقَعُ حَيْثُ يَقَعُ التّفْرِيغُ وَبَابُهُ غَيْرَ الْإِيجَابِ مِنْ النّفْيِ وَالنّهْيِ وَالِاسْتِفْهَامِ فَلَيْسَ الْمَوْضِعُ مَوْضِعَ انْقِطَاعٍ وَأَمّا الْمَعْنَى : فَإِنّ الْمُنْقَطِعَ لَا بُدّ فِيهِ مَنْ رَابِطٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ بِحَيْثُ يَخْرُجُ مَا تُوُهّمَ دُخُولُهُ فِيهِ بِوَجْهٍ مَا فَإِنّك إذَا قُلْت : مَا بِالدّارِ مِنْ أَحَدٍ دَلّ عَلَى انْتِفَاءِ مَنْ بِهَا بِدَوَابّهِمْ وَأَمْتِعَتِهِمْ فَإِذَا قُلْت : إلّا حِمَارًا أَوْ إلّا الْأَثَافِيّ وَنَحْوَ ذَلِكَ أَزَلْت تَوَهّمَ دُخُولِ الْمُسْتَثْنَى فِي حُكْمِ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ . وَأَبْيَنُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : { لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إِلّا سَلَامًا } [ مَرْيَمُ : 62 ] فَاسْتِثْنَاءُ السّلَامِ أَزَالَ تَوَهّمَ نَفْيِ السّمَاعِ الْعَامّ فَإِنّ عَدَمَ سَمَاعِ اللّغْوِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ سَمَاعِ كَلَامٍ مَا وَأَنْ يَكُونَ مَعَ سَمَاعِ غَيْرِهِ وَلَيْسَ فِي تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُزَوّجَةِ مَا يُوهِمُ تَحْرِيمَ وَطْءِ الْإِمَاءِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ حَتّى يُخْرِجَهُ . [ مَنْ قَالَ بِأَنّ مِلْكَ الرّجُلِ الْأَمَةَ الْمُزَوّجَةَ طَلَاقٌ لَهَا ] وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بَلْ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى بَابِهِ وَمَتَى مَلَكَ الرّجُلُ الْأَمَةَ الْمُزَوّجَةَ كَانَ مِلْكُهُ طَلَاقًا لَهَا وَحَلّ لَهُ وَطْؤُهَا وَهِيَ مَسْأَلَةُ بَيْعِ الْأَمَةِ هَلْ يَكُونُ طَلَاقًا لَهَا أَمْ لَا ؟ فِيهِ مَذْهَبَانِ لِلصّحَابَةِ فَابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَرَاهُ طَلَاقًا وَيَحْتَجّ لَهُ بِالْآيَةِ وَغَيْرُهُ يَأْبَى ذَلِكَ وَيَقُولُ كَمَا يُجَامِعُ الْمِلْكَ السّابِقَ لِلنّكَاحِ اللّاحِقَ اتّفَاقًا وَلَا يَتَنَافَيَانِ كَذَلِكَ الْمِلْكُ اللّاحِقُ لَا يُنَافِي النّكَاحَ السّابِقَ قَالُوا : وَقَدْ خَيّرَ [ ص 119 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَرِيرَةَ لَمّا بِيعَتْ وَلَوْ انْفَسَخَ نِكَاحُهَا لَمْ يُخَيّرْهَا . قَالُوا : وَهَذَا حُجّةٌ عَلَى ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَإِنّهُ هُوَ رَاوِي الْحَدِيثِ وَالْأَخْذُ بِرِوَايَةِ الصّحَابِيّ لَا بِرَأْيِهِ . [ مَنْ قَالَ إنْ كَانَ الْمُشْتَرِي امْرَأَةً لَمْ يَنْفَسِخْ النّكَاحُ ] وَقَالَتْ طَائِفَةٌ ثَالِثَةٌ إنّ كَانَ الْمُشْتَرِي امْرَأَةً لَمْ يَنْفَسِخْ النّكَاحُ لِأَنّهَا لَمْ تَمْلِكْ الِاسْتِمْتَاعَ بِبُضْعِ الزّوْجَةِ وَإِنْ كَانَ رَجُلًا انْفَسَخَ لِأَنّهُ يَمْلِكُ الِاسْتِمْتَاعَ بِهِ وَمِلْكُ الْيَمِينِ أَقْوَى مِنْ مِلْكِ النّكَاحِ وَهَذَا الْمِلْكُ يُبْطِلُ النّكَاحَ دُونَ الْعَكْسِ قَالُوا : وَعَلَى هَذَا فَلَا إشْكَالَ فِي حَدِيثِ بِرَيْرَةَ . وَأَجَابَ الْأَوّلُونَ عَنْ هَذَا بِأَنّ الْمَرْأَةَ وَإِنْ لَمْ تَمْلِكْ الِاسْتِمْتَاعَ بِبُضْعِ أَمَتِهَا فَهِيَ تَمْلِكُ الْمُعَاوَضَةَ عَلَيْهِ وَتَزْوِيجَهَا وَأَخْذَ مَهْرِهَا وَذَلِكَ كَمِلْكِ الرّجُلِ وَإِنْ لَمْ تَسْتَمْتِعْ بِالْبُضْعِ . وَقَالَتْ فِرْقَةٌ أُخْرَى : الْآيَةُ خَاصّةٌ بِالْمَسْبِيّاتِ فَإِنّ الْمَسْبِيّةَ إذَا سُبِيَتْ حَلّ وَطْؤُهَا لِسَابِيهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ وَإِنْ كَانَتْ مُزَوّجَةً وَهَذَا قَوْلُ الشّافِعِيّ وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ وَهُوَ الصّحِيحُ كَمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعَثَ جَيْشًا إلَى أَوْطَاسٍ فَلَقِيَ عَدُوّا فَقَاتَلُوهُمْ فَظَهَرُوا عَلَيْهِمْ وَأَصَابُوا سَبَايَا وَكَأَنّ نَاسًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَحَرّجُوا مِنْ غِشْيَانِهِنّ مِنْ أَجْلِ أَزْوَاجِهِنّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ فِي ذَلِكَ { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النّسَاءِ إِلّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } [ النّسَاءُ 24 ] أَيْ فَهُنّ لَكُمْ حَلَالٌ إذَا انْقَضَتْ عِدّتُهُنّ . [ ص 120 ] كَانَ لَهَا زَوْجٌ مِنْ الْكُفّارِ وَهَذَا يَدُلّ عَلَى انْفِسَاخِ نِكَاحِهِ وَزَوَالِ عِصْمَةِ بُضْعِ امْرَأَتِهِ وَهَذَا هُوَ الصّوَابُ لِأَنّهُ قَدْ اسْتَوْلَى عَلَى مَحَلّ حَقّهِ وَعَلَى رَقَبَةِ زَوْجَتِهِ وَصَارَ سَابِيهَا أَحَقّ بِهَا مِنْهُ فَكَيْفَ يَحْرُمُ بُضْعُهَا عَلَيْهِ فَهَذَا الْقَوْلُ لَا يُعَارِضُهُ نَصّ وَلَا قِيَاسٌ . [ الرّدّ عَلَى مَنْ قَالَ بِأَنّ وَطْأَهَا إنّمَا يُبَاحُ إذَا سُبِيَتْ وَحْدَهَا ] وَاَلّذِينَ قَالُوا مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ إنّ وَطْأَهَا إنّمَا يُبَاحُ إذَا سُبِيَتْ وَحْدَهَا . قَالُوا : لِأَنّ الزّوْجَ يَكُونُ بَقَاؤُهُ مَجْهُولًا وَالْمَجْهُولُ كَالْمَعْدُومِ فَيَجُوزُ وَطْؤُهَا بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ فَإِذَا كَانَ الزّوْجُ مَعَهَا لَمْ يَجُزْ وَطْؤُهَا مَعَ بَقَائِهِ فَأَوْرَدَ عَلَيْهِمْ مَا لَوْ سُبِيَتْ وَحْدَهَا وَتَيَقّنّا بَقَاءَ زَوْجِهَا فِي دَارِ الْحَرْبِ فَإِنّهُمْ يُجَوّزُونَ وَطْأَهَا فَأَجَابُوا بِمَا لَا يُجْدِي شَيْئًا وَقَالُوا : الْأَصْلُ إلْحَاقُ الْفَرْدِ بِالْأَعَمّ الْأَغْلَبِ فَيُقَالُ لَهُمْ الْأَعَمّ الْأَغْلَبُ بَقَاءُ أَزْوَاجِ الْمَسْبِيّاتِ إذَا سُبِينَ مُنْفَرِدَاتٍ وَمَوْتُهُمْ كُلّهُمْ نَادِرٌ جِدّا ثُمّ يُقَالُ . إذَا صَارَتْ رَقَبَةُ زَوْجِهَا وَأَمْلَاكُهُ مِلْكًا لِلسّابِي وَزَالَتْ الْعِصْمَةُ عَنْ سَائِرِ أَمْلَاكِهِ وَعَنْ رَقَبَتِهِ فَمَا الْمُوجِبُ لِثُبُوتِ الْعِصْمَةِ فِي فَرْجِ امْرَأَتِهِ خَاصّةً وَقَدْ صَارَتْ هِيَ وَهُوَ وَأَمْلَاكُهُمَا لِلسّابِي ؟ . [ جَوَازُ وَطْءِ الْوَثَنِيّاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ ] وَدَلّ هَذَا الْقَضَاءُ النّبَوِيّ عَلَى جَوَازِ وَطْءِ الْإِمَاءِ الْوَثَنِيّاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ فَإِنّ سَبَايَا أَوْطَاسٍ لَمْ يَكُنّ كِتَابِيّاتٍ وَلَمْ يَشْتَرِطْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي وَطْئِهِنّ إسْلَامَهُنّ وَلَمْ يَجْعَلْ الْمَانِعَ مِنْهُ إلّا الِاسْتِبْرَاءَ فَقَطْ وَتَأْخِيرُ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتِ الْحَاجَةِ مُمْتَنِعٌ مَعَ أَنّهُمْ حَدِيثُو عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ حَتّى خَفِيَ عَلَيْهِمْ حُكْمُ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَحُصُولُ الْإِسْلَامِ مِنْ جَمِيعِ السّبَايَا وَكَانُوا عِدّةَ آلَافٍ بِحَيْثُ لَمْ يَتَخَلّفْ مِنْهُمْ عَنْ الْإِسْلَامِ جَارِيَةٌ وَاحِدَةٌ مِمّا يُعْلَمُ أَنّهُ فِي غَايَةِ الْبُعْدِ فَإِنّهُنّ لَمْ [ ص 121 ] الْبَصِيرَةِ وَالرّغْبَةِ وَالْمَحَبّةِ فِي الْإِسْلَامِ مَا يَقْتَضِي مُبَادَرَتُهُنّ إلَيْهِ جَمِيعًا فَمُقْتَضَى السّنّةِ وَعَمَلِ الصّحَابَةِ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبَعْدَهُ جَوَازُ وَطْءِ الْمَمْلُوكَاتِ عَلَى أَيّ دِينٍ كُنّ وَهَذَا مَذْهَبُ طَاوُوسٍ وَغَيْرِهِ وَقَوّاهُ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " فِيهِ وَرَجّحَ أَدِلّتَهُ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . وَمِمّا يَدُلّ عَلَى عَدَمِ اشْتِرَاطِ إسْلَامِهِنّ مَا رَوَى التّرْمِذِيّ فِي " جَامِعِهِ " عَنْ عِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَرّمَ وَطْءَ السّبَايَا حَتّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنّ فَجُعِلَ لِلتّحْرِيمِ غَايَةٌ وَاحِدَةٌ وَهِيَ وَضْعُ الْحَمْلِ وَلَوْ كَانَ مُتَوَقّفًا عَلَى الْإِسْلَامِ لَكَانَ بَيَانُهُ أَهَمّ مِنْ بَيَانِ الِاسْتِبْرَاءِ . وَفِي " السّنَنِ " و " الْمُسْنَدِ " عَنْهُ لَا يَحِلّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَقَعَ عَلَى امْرَأَةٍ مِنْ السّبْيِ حَتّى يَسْتَبْرِئَهَا وَلَمْ يَقُلْ حَتّى تُسْلِمَ وَلِأَحْمَدَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَنْكِحَنّ شَيْئًا مِنْ السّبَايَا حَتّى تَحِيضَ وَلَمْ يَقُلْ وَتُسْلِمَ . وَفِي " السّنَنِ " عَنْهُ أَنّهُ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ : لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ حَامِلٍ حَتّى تَحِيضَ حَيْضَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَقُلْ وَتُسْلِمَ فَلَمْ يَجِئْ عَنْهُ اشْتِرَاطُ إسْلَامِ الْمَسْبِيّةِ فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ الْبَتّةَ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الزّوْجَيْنِ يُسْلِمُ أَحَدُهُمَا قَبْلَ الْآخَرِ قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا : رَدّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ زَيْنَبَ ابْنَتَهُ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرّبِيعِ بِالنّكَاحِ الْأَوّلِ وَلَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا [ ص 122 ] أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُد وَالتّرْمِذِيّ . وَفِي لَفْظٍ بَعْدَ سِتّ سِنِينَ وَلَمْ يُحْدِثْ نِكَاحًا قَالَ التّرْمِذِيّ لَيْسَ بِإِسْنَادِهِ بَأْسٌ وَفِي لَفْظٍ وَكَانَ إسْلَامُهَا قَبْلَ إسْلَامِهِ بِسِتّ سِنِينَ وَلَمْ يُحْدِثْ شَهَادَةً وَلَا صَدَاقًا وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا [ ص 123 ] أَسْلَمَتْ امْرَأَةٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَتَزَوّجَتْ فَجَاءَ زَوْجُهَا إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي كُنْتُ أَسْلَمْت وَعَلِمَتْ بِإِسْلَامِي فَانْتَزَعَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ زَوْجِهَا الْآخَرِ وَرَدّهَا عَلَى زَوْجِهَا الْأَوّلِ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد . وَقَالَ أَيْضًا : إنّ رَجُلًا جَاءَ مُسْلِمًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ جَاءَتْ امْرَأَتُهُ مُسْلِمَةً بَعْدَهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّهَا أَسْلَمَتْ مَعِي فَرَدّهَا عَلَيْهِ قَالَ التّرْمِذِيّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ مَالِكٌ إنّ أُمّ حَكِيمٍ بِنْتَ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ أَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ بِمَكّةَ وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ مِنْ الْإِسْلَامِ حَتّى قَدِمَ الْيَمَنَ فَارْتَحَلَتْ أُمّ حَكِيمٍ حَتّى قَدِمَتْ عَلَيْهِ بِالْيَمَنِ فَدَعَتْهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ فَقَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَامَ الْفَتْحِ فَلَمّا قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَثَبَ إلَيْهِ فَرَحًا وَمَا عَلَيْهِ رِدَاءٌ حَتّى بَايَعَهُ فَثَبَتَا عَلَى نِكَاحِهِمَا ذَلِكَ قَالَ وَلَمْ يَبْلُغْنَا أَنّ امْرَأَةً هَاجَرَتْ إلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَزَوْجُهَا كَافِرٌ مُقِيمٌ بِدَارِ الْكُفْرِ إلّا فَرّقَتْ هِجْرَتُهَا بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ إلّا أَنْ يَقْدَمَ زَوْجُهَا مُهَاجِرًا قَبْلَ أَنْ تَنْقَضِيَ عِدّتُهَا ذَكَرَهُ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللّهُ فِي " الْمُوَطّأِ " فَتَضَمّنَ هَذَا الْحُكْمُ أَنّ الزّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَا مَعًا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا وَلَا يُسْأَلُ عَنْ كَيْفِيّةِ وُقُوعِهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ هَلْ وَقَعَ صَحِيحًا أَمْ لَا ؟ مَا لَمْ يَكُنْ الْمُبْطِلُ قَائِمًا كَمَا إذَا أَسْلَمَا وَقَدْ نَكَحَهَا وَهِيَ فِي عِدّةٍ مِنْ غَيْرِهِ أَوْ تَحْرِيمًا مُجْمَعًا عَلَيْهِ أَوْ مُؤَبّدًا كَمَا إذَا كَانَتْ مَحْرَمًا لَهُ بِنَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ كَانَتْ مِمّا لَا يَجُوزُ لَهُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا [ ص 124 ] وَالْخَمْسِ وَمَا فَوْقَهُنّ فَهَذِهِ ثَلَاثُ صُوَرٍ أَحْكَامُهَا مُخْتَلِفَةٌ . فَإِذَا أَسْلَمَا وَبَيْنَهَا وَبَيْنَهُ مَحْرَمِيّةٌ مِنْ نَسَبٍ أَوْ رَضَاعٍ أَوْ صَهْرٍ أَوْ كَانَتْ أُخْتَ الزّوْجَةِ أَوْ عَمّتِهَا أَوْ خَالَتِهَا أَوْ مَنْ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا فُرّقَ بَيْنَهُمَا بِإِجْمَاعِ الْأُمّةِ لَكِنْ إنْ كَانَ التّحْرِيمُ لِأَجْلِ الْجَمْعِ خُيّرَ بَيْنَ إمْسَاكِ أَيّتهِمَا شَاءَ وَإِنْ كَانَتْ بِنْتَه مِنْ زِنًى فَرّقَ بَيْنَهُمَا أَيْضًا عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَإِنْ كَانَ يَعْتَقِدُ ثُبُوتَ النّسَبِ بِالزّنَى فُرّقَ بَيْنَهُمَا اتّفَاقًا وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا وَهِيَ فِي عِدّةٍ مِنْ مُسْلِمٍ مُتَقَدّمَةٍ عَلَى عَقْدِهِ فُرّقَ بَيْنَهُمَا اتّفَاقًا وَإِنْ كَانَتْ الْعِدّةُ مِنْ كَافِرٍ فَإِنْ اعْتَبَرْنَا دَوَامَ الْمُفْسِدِ أَوْ الْإِجْمَاعَ عَلَيْهِ لَمْ يُفَرّقْ بَيْنَهُمَا لِأَنّ عِدّةَ الْكَافِرِ لَا تَدُومُ وَلَا تَمْنَعُ النّكَاحَ عِنْدَ مَنْ يُبْطِلُ أَنْكِحَةَ الْكُفّارِ وَيَجْعَلُ حُكْمَهَا حُكْمَ الزّنَى . وَإِنْ أَسْلَمَ أَحَدُهُمَا وَهِيَ حُبْلَى مِنْ زِنًى قَبْلَ الْعَقْدِ فَقَوْلَانِ مَبْنِيّانِ عَلَى اعْتِبَارِ قِيَامِ الْمُفْسِدِ أَوْ كَوْنِهِ مُجْمَعًا عَلَيْهِ . وَإِنْ أَسْلَمَا وَقَدْ عَقَدَاهُ بِلَا وَلِيّ أَوْ بِلَا شُهُودٍ أَوْ فِي عِدّةٍ وَقَدْ انْقَضَتْ أَوْ عَلَى أُخْتٍ وَقَدْ مَاتَتْ أَوْ عَلَى خَامِسَةٍ كَذَلِكَ أَقَرّا عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ إنْ قَهَرَ حَرْبِيّ حَرْبِيّةً وَاعْتَقَدَاهُ نِكَاحًا ثُمّ أَسْلَمَا أَقَرّا عَلَيْهِ . [إذَا أَسْلَمَ أَحَدُ الزّوْجَيْنِ قَبْلَ الْآخَرِ لَمْ يَنْفَسِخْ النّكَاحُ بِإِسْلَامِهِ ] وَتَضَمّنَ أَنّ أَحَدَ الزّوْجَيْنِ إذَا أَسْلَمَ قَبْلَ الْآخَرِ لَمْ يَنْفَسِخْ النّكَاحُ بِإِسْلَامِهِ فَرّقَتْ الْهِجْرَةُ بَيْنَهُمَا أَوْ لَمْ تُفَرّقْ فَإِنّهُ لَا يُعْرَفُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَدّدَ نِكَاحَ زَوْجَيْنِ سَبَقَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ بِإِسْلَامِهِ قَطّ وَلَمْ يَزَلْ الصّحَابَةُ يُسْلِمُ الرّجُلُ قَبْلَ امْرَأَتِهِ وَامْرَأَتُهُ قَبْلَهُ وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ الْبَتّةَ أَنّهُ تَلَفّظَ بِإِسْلَامِهِ هُوَ وَامْرَأَتُهُ وَتَسَاوَقَا فِيهِ حَرْفًا بِحَرْفٍ هَذَا مِمّا يُعْلَمُ أَنّهُ لَمْ يَقَعْ الْبَتّةَ وَقَدْ رَدّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ابْنَتَهُ زَيْنَبَ عَلَى أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرّبِيعِ وَهُوَ إنّمَا أَسْلَمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ أَسْلَمَتْ مِنْ أَوّلِ الْبَعْثَةِ فَبَيْنَ إسْلَامِهِمَا أَكْثَرُ مِنْ ثَمَانِي عَشْرَةَ سَنَةً . وَأَمّا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ كَانَ بَيْنَ إسْلَامِهَا وَإِسْلَامِهِ سِتّ سِنِينَ فَوَهْمٌ إنّمَا أَرَادَ بَيْنَ هِجْرَتِهَا وَإِسْلَامِهِ . [ ص 125 ] قِيلَ وَعَلَى ذَلِكَ فَالْعِدّةُ تَنْقَضِي فِي هَذِهِ الْمُدّةِ فَكَيْفَ لَمْ يُجَدّدْ نِكَاحَهَا ؟ قِيلَ تَحْرِيمُ الْمُسْلِمَاتِ عَلَى الْمُشْرِكِينَ إنّمَا نَزَلَ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ لَا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَمْ يَنْفَسِخْ النّكَاحُ فِي تِلْكَ الْمُدّةِ لِعَدَمِ شَرْعِيّةِ هَذَا الْحُكْمِ فِيهَا وَلَمّا نَزَلَ تَحْرِيمُهُنّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ أَسْلَمَ أَبُو العاصي فَرُدّتْ عَلَيْهِ . [لَا دَلِيلَ لِمَنْ قَالَ بِمُرَاعَاةِ زَمَنِ الْعِدّةِ ] وَأَمّا مُرَاعَاةُ زَمَنِ الْعِدّةِ فَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ مِنْ نَصّ وَلَا إجْمَاعٍ . وَقَدْ ذَكَرَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ فِي الزّوْجَيْنِ الْكَافِرَيْنِ يُسْلِمُ أَحَدُهُمَا : هُوَ أَمْلَكُ بِبُضْعِهَا مَا دَامَتْ فِي دَارِ هِجْرَتِهَا . ذَكَرَ سُفْيَانُ بْن عُيَيْنَة عَنْ مُطَرّفِ بْنِ طَرِيفٍ عَنْ الشّعْبِيّ عَنْ عَلِيّ هُوَ أَحَقّ بِهَا مَا لَمْ يَخْرُجْ مِنْ مِصْرِهَا . وَذَكَر َ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ مُعْتَمِرِ بْنِ سُلَيْمَانَ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الزّهْرِيّ إنْ أَسْلَمَتْ وَلَمْ يُسْلِمْ زَوْجُهَا فَهُمَا عَلَى نِكَاحِهِمَا إلّا أَنْ يُفَرّقَ بَيْنَهُمَا سُلْطَانٌ . وَلَا يُعْرَفُ اعْتِبَار الْعِدّةِ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَلَا كَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَسْأَلُ الْمَرْأَةَ هَلْ انْقَضَتْ عِدّتُهَا أَمْ لَا وَلَا رَيْبَ أَنّ الْإِسْلَامَ لَوْ كَانَ بِمُجَرّدِهِ فُرْقَةً لَمْ تَكُنْ فُرْقَةً رَجْعِيّةً بَلْ بَائِنَةً فَلَا أَثَرَ لِلْعِدّةِ فِي بَقَاءِ النّكَاحِ وَإِنّمَا أَثَرُهَا فِي مَنْعِ نِكَاحِهَا لِلْغَيْرِ فَلَوْ كَانَ الْإِسْلَامُ قَدْ نَجّزَ الْفُرْقَةَ بَيْنَهُمَا لَمْ يَكُنْ أَحَقّ بِهَا فِي الْعِدّةِ وَلَكِنْ الّذِي دَلّ عَلَيْهِ حُكْمُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ النّكَاحَ مَوْقُوفٌ فَإِنْ أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدّتِهَا فَهِيَ زَوْجَتُهُ وَإِنْ انْقَضَتْ عِدّتُهَا فَلَهَا أَنْ تَنْكِحَ مَنْ شَاءَتْ وَإِنْ أَحَبّتْ انْتَظَرَتْهُ فَإِنْ أَسْلَمَ كَانَتْ زَوْجَتَهُ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَى تَجْدِيدِ النّكَاحِ . وَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا جَدّدَ لِلْإِسْلَامِ نِكَاحَهُ الْبَتّةَ بَلْ كَانَ الْوَاقِعُ أَحَدَ أَمْرَيْنِ إمّا افْتِرَاقُهُمَا وَنِكَاحُهَا غَيْرَهُ وَإِمّا بَقَاؤُهَا عَلَيْهِ وَإِنْ تَأَخّرَ إسْلَامُهَا أَوْ إسْلَامُهُ وَإِمّا [ ص 126 ] مُرَاعَاةُ الْعِدّةِ فَلَا نَعْلَمُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَضَى بِوَاحِدَةٍ مِنْهُمَا مَعَ كَثْرَةِ مَنْ أَسْلَمَ فِي عَهْدِهِ مِنْ الرّجَالِ وَأَزْوَاجِهِنّ وَقُرْبِ إسْلَامِ أَحَدِ الزّوْجَيْنِ مِنْ الْآخَرِ وَبُعْدِهِ مِنْهُ وَلَوْلَا إقْرَارُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الزّوْجَيْنِ عَلَى نِكَاحِهِمَا وَإِنْ تَأَخّرَ إسْلَامُ أَحَدِهِمَا عَنْ الْآخَرِ بَعْدَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَزَمَنِ الْفَتْحِ لَقُلْنَا بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ غَيْرِ اعْتِبَارِ عِدّةٍ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَا هُنّ حِلّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلّونَ لَهُنّ } وَقَوْلِهِ { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } [ الْمُمْتَحَنَةُ 10 ] وَأَنّ الْإِسْلَامَ سَبَبُ الْفُرْقَةِ وَكُلّ مَا كَانَ سَبَبًا لِلْفُرْقَةِ تَعْقُبُهُ الْفُرْقَةُ كَالرّضَاعِ وَالْخُلْعِ وَالطّلَاقِ وَهَذَا اخْتِيَارُ الْخَلّالِ وَأَبِي بَكْرٍ صَاحِبِهِ وَابْنِ الْمُنْذِر وَابْنِ حَزْمٍ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ وَطَاوُوسٍ وَعِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وَالْحَكَمِ . قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَهُوَ قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّه وَابْنِ عَبّاسٍ وَبِهِ قَالَ حَمّادُ بْنُ زَيْد ٍ وَالْحَكَمُ بْنُ عُتَيْبَةَ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر ٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَعُدَيّ بْنُ عُدَيّ الْكِنْدِيّ وَالشّعْبِيّ وَغَيْرُهُمْ . قُلْت : وَهُوَ أَحَدُ الرّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَلَكِنْ الّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى :وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ وَقَوْلُهُلَا هُنّ حِلّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلّونَ لَهُنّ لَمْ يَحْكُمْ بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ فَرَوَى مَالِكٌ فِي " مَوْطِئِهِ " عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ كَانَ بَيْنَ إسْلَامِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ وَبَيْنَ إسْلَامِ امْرَأَتِهِ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ نَحْوٌ مِنْ شَهْرٍ أَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ وَبَقِيَ صَفْوَانُ حَتّى شَهِدَ حُنَيْنًا وَالطّائِفَ وَهُوَ كَافِرٌ ثُمّ أَسْلَمَ وَلَمْ يُفَرّقْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَهُمَا وَاسْتَقَرّتْ عِنْدَهُ امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ النّكَاحِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ وَشُهْرَةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَقْوَى مِنْ إسْنَادِهِ . وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْر ٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيز وَعُدَيّ بْنُ عُدَيّ الْكِنْدِي ّ وَالشّعْبِيّ وَغَيْرُهُمْ . قُلْت : وَهُوَ أَحَدُ الرّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَد َ وَلَكِنْ الّذِي أُنْزِلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَلَا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } وَقَوْلُهُ { لَا هُنّ حِلّ لَهُمْ وَلَا هُمْ يَحِلّونَ لَهُنّ } لَمْ يَحْكُمْ بِتَعْجِيلِ الْفُرْقَةِ فَرَوَى مَالِكٌ فِي " مَوْطِئِهِ " عَنْ ابْنِ شِهَابٍ قَالَ كَانَ بَيْنَ إسْلَامِ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّة َ وَبَيْنَ إسْلَامِ امْرَأَتِهِ بِنْتِ الْوَلِيدِ بْنِ الْمُغِيرَةِ نَحْوٌ مِنْ شَهْرٍ أَسْلَمَتْ يَوْمَ الْفَتْحِ وَبَقِيَ صَفْوَانُ حَتّى شَهِدَ حُنَيْنًا وَالطّائِفَ وَهُوَ كَافِرٌ ثُمّ أَسْلَمَ وَلَمْ يُفَرّقْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَهُمَا وَاسْتَقَرّتْ عِنْدَهُ امْرَأَتُهُ بِذَلِكَ النّكَاحِ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَر ّ : وَشُهْرَةُ هَذَا الْحَدِيثِ أَقْوَى مِنْ إسْنَادِهِ . وَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : أَسْلَمَتْ أُمّ حَكِيمٍ يَوْمَ الْفَتْحِ وَهَرَبَ زَوْجُهَا عِكْرِمَةُ حَتّى أَتَى الْيَمَنَ فَدَعَتْهُ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمَ وَقَدِمَ فَبَايَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَبَقِيَا عَلَى نِكَاحِهِمَا . [ ص 127 ] أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْب ٍ خَرَجَ فَأَسْلَمَ عَامَ الْفَتْحِ قَبْلَ دُخُولِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَكّةَ وَلَمْ تُسْلِمْ هِنْدٌ امْرَأَتُهُ حَتّى فَتَحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَكّةَ فَبَقِيَا عَلَى نِكَاحِهِمَا وَأَسْلَمَ حَكِيمُ بْنُ حِزَام ٍ قِبَلَ امْرَأَتِهِ وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِث ِ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي أُمَيّة َ عَامَ الْفَتْحِ فَلَقِيَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْأَبْوَاءِ فَأَسْلَمَا قَبْلَ مَنْكُوحَتَيْهِمَا فَبَقِيَا عَلَى نِكَاحِهِمَا وَلَمْ يَعْلَمْ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرّقَ بَيْنَ أَحَدٍ مِمّنْ أَسْلَمَ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ . ==================ج16.====== اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : زاد المعاد في هَدْي خير العباد المؤلف : محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية [ بُطْلَانُ مَنْ أَجَابَ بِتَجْدِيدِ نِكَاحِ مَنْ أَسْلَمَ ] وَجَوَابُ مَنْ أَجَابَ بِتَجْدِيدِ نِكَاحِ مَنْ أَسْلَمَ فِي غَايَةِ الْبُطْلَانِ وَمِنْ الْقَوْلِ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِلَا عِلْمٍ وَاتّفَاقُ الزّوْجَيْنِ فِي التّلَفّظِ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ مَعًا فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ مَعْلُومُ الِانْتِفَاءِ . [الرّدّ عَلَى مَنْ يَقِفُ الْفُرْقَةَ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدّةِ ] وَيَلِي هَذَا الْقَوْلَ مَذْهَبُ مَنْ يَقِفُ الْفُرْقَةَ عَلَى انْقِضَاءِ الْعِدّةِ مَعَ مَا فِيهِ إذْ فِيهِ آثَارٌ وَإِنْ كَانَتْ مُنْقَطِعَةً وَلَوْ صَحّتْ لَمْ يَجُزْ الْقَوْلُ بِغَيْرِهَا . قَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ كَانَ النّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُسْلِمُ الرّجُلُ قَبْلَ الْمَرْأَةِ وَالْمَرْأَةُ قَبْلَ الرّجُلِ فَأَيّهُمَا أَسْلَمَ قَبْلَ انْقِضَاءِ عِدّةِ الْمَرْأَةِ فَهِيَ امْرَأَتُهُ وَإِنْ أَسْلَمَ بَعْدَ الْعِدّةِ فَلَا نِكَاحَ بَيْنَهُمَا وَقَدْ تَقَدّمَ قَوْلُ التّرْمِذِيّ فِي أَوّلِ الْفَصْلِ وَمَا حَكَاهُ ابْنُ حَزْم ٍ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَمَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ حَكَاهُ ؟ وَالْمَعْرُوفُ عَنْهُ خِلَافُهُ فَإِنّهُ ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقِ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ أَيّوبَ وَقَتَادَةَ كِلَاهُمَا عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ يَزِيدَ الْخَطْمِيّ أَنّ نَصْرَانِيّا أَسْلَمَتْ امْرَأَتُهُ فَخَيّرَهَا عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ وَإِنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ عَلَيْهِ . وَمَعْلُومٌ بِالضّرُورَةِ أَنّهُ إنّمَا خَيّرَهَا بَيْنَ انْتِظَارِهِ إلَى أَنْ يُسْلِمَ فَتَكُونَ زَوْجَتُهُ كَمَا هِيَ أَوْ تُفَارِقَهُ وَكَذَلِكَ صَحّ عَنْهُ أَنّ نَصْرَانِيّا أَسْلَمَتْ امْرَأَتُهُ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إنْ أَسْلَمَ فَهِيَ امْرَأَتُهُ وَإِنْ لَمْ يُسْلِمْ فُرّقَ بَيْنَهُمَا فَلَمْ يُسْلِمْ فَفُرّقَ بَيْنَهُمَا [ ص 128 ] قَالَ لِعُبَادَةَ بْنِ النّعْمَانِ التّغْلِبِيّ وَقَدْ أَسْلَمَتْ امْرَأَتُهُ إمّا أَنْ تُسْلِمَ وَإِلّا نَزَعْتهَا مِنْك فَأَبَى فَنَزَعَهَا مِنْهُ . فَهَذِهِ الْآثَارُ صَرِيحَةٌ فِي خِلَافِ مَا حَكَاهُ أَبُو مُحَمّدِ ابْنُ حَزْم ٍ عَنْهُ وَهُوَ حَكَاهَا وَجَعَلَهَا رِوَايَاتٍ أُخَرَ وَإِنّمَا تَمَسّكَ أَبُو مُحَمّدٍ بِآثَارٍ فِيهَا أَنّ عُمَرَ وَابْنَ عَبّاسٍ وَجَابِرًا فَرّقُوا بَيْنَ الرّجُلِ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ بِالْإِسْلَامِ وَهِيَ آثَارٌ مُجْمَلَةٌ لَيْسَتْ بِصَرِيحَةٍ فِي تَعْجِيلِ التّفْرِقَةِ وَلَوْ صَحّتْ فَقَدْ صَحّ عَنْ عُمَرَ مَا حَكَيْنَاهُ وَعَنْ عَلِيّ مَا تَقَدّمَ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْعَزْل ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَنْ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ أَصَبْنَا سَبْيًا فَكُنّا نَعْزِلُ فَسَأَلْنَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ " وَإِنّكُمْ لَتَفْعَلُونَ ؟ " قَالَهَا ثَلَاثًا . " مَا مِنْ نَسَمَةٍ كَائِنَةٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ إلّا وَهِيَ كَائِنَةٌ وَفِي السّنَنِ عَنْهُ أَنّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ لِي جَارِيَةً وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرّجَالُ وَإِنْ الْيَهُودَ تُحَدّثُ أَنّ الْعَزْلَ الْمَوْءُودَةُ الصّغْرَى قَالَ " كَذَبَتْ يَهُودُ لَوْ أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ [ ص 129 ] الصّحِيحَيْنِ " : عَنْ جَابِرٍ قَالَ كُنّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " عَنْهُ كُنّا نَعْزِلُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمْ يَنْهَنَا وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَيْضًا : عَنْهُ قَالَ سَأَلَ رَجُلٌ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ إنّ عِنْدِي جَارِيَةً وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " إنّ ذَلِكَ لَا يَمْنَعُ شَيْئًا أَرَادَهُ اللّهُ " قَالَ فَجَاءَ الرّجُلُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ الْجَارِيَةَ الّتِي كُنْتُ ذَكَرْتُهَا لَك حَمَلَتْ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " أَنَا عَبْدُ اللّهِ وَرَسُولُهُ وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَيْضًا : عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنّ رَجُلًا جَاءَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي أَعْزِلُ عَنْ امْرَأَتِي فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " لِمَ تَفْعَلُ ذَلِكَ ؟ " فَقَالَ الرّجُلُ أُشْفِقُ عَلَى وَلَدِهَا أَوْ قَالَ عَلَى أَوْلَادِهَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " لَوْ كَانَ ضَارّا ضَرّ فَارِسَ وَالرّومَ وَفِي " مُسْنَدِ أَحْمَدَ " و " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُعْزَلَ عَنْ الْحُرّةِ إلّا بِإِذْنِهَا وَقَالَ أَبُو دَاوُد : سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللّهِ ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ لَهِيعَةَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ الْمُحَرّرِ بْنِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ [ ص 130 ] قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يُعْزَلُ عَنْ الْحُرّةِ إلّا بِإِذْنِهَا فَقَالَ مَا أَنْكَرَهُ . فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ صَرِيحَةٌ فِي جَوَازِ الْعَزْلِ وَقَدْ رُوِيَتْ الرّخْصَةُ فِيهِ عَنْ عَشَرَةٍ مِنْ الصّحَابَةِ عَلِيّ ٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ وَأَبِي أَيّوبَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَجَابِرٍ وَابْنِ عَبّاسٍ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيّ وَخَبّابِ بْنِ الْأَرَتّ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ . قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : وَجَاءَتْ الْإِبَاحَةُ لِلْعَزْلِ صَحِيحَةً عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبّاسٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَهَذَا هُوَ الصّحِيحُ . [مَنْ قَالَ بِتَحْرِيمِهِ مَنْ جَوّزَهُ بِإِذْنِ الْحُرّةِ ] وَحَرّمَهُ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ أَبُو مُحَمّدٍ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ . وَفَرّقَتْ طَائِفَةٌ بَيْنَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ الْحُرّةُ فَيُبَاحُ أَوْ لَا تَأْذَنُ فَيَحْرُمُ وَإِنْ كَانَتْ زَوْجَتُهُ أَمَةً أُبِيحَ بِإِذْنِ سَيّدِهَا وَلَمْ يُبَحْ بِدُونِ إذْنِهِ وَهَذَا مَنْصُوصُ أَحْمَدَ وَمِنْ أَصْحَابِهِ مَنْ قَالَ لَا يُبَاحُ بِحَالٍ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُبَاحُ بِكُلّ حَالٍ . وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يُبَاحُ بِإِذْنِ الزّوْجَةِ حُرّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً وَلَا يُبَاحُ بِدُونِ إذْنِهَا حُرّةً كَانَتْ أَوْ أَمَةً . [مَا احْتَجّ بِهِ الْمُبِيحُونَ ] [رَدّ الْمُحَرّمِينَ عَلَى الْمُبِيحِينَ ] فَمَنْ أَبَاحَهُ مُطْلَقًا احْتَجّ بِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَحَادِيثِ وَبِأَنّ حَقّ الْمَرْأَةِ فِي ذَوْقِ الْعُسَيْلَةِ لَا فِي الْإِنْزَالِ وَمَنْ حَرّمَهُ مُطْلَقًا احْتَجّ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِه ِ " مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة َ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا عَنْ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ أُخْتِ عُكّاشَةَ قَالَ حَضَرْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - فِي أُنَاسٍ فَسَأَلُوهُ عَنْ الْعَزْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيّ " وَهِيَ { وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ } قَالُوا : وَهَذَا نَاسِخٌ لِأَخْبَارِ الْإِبَاحَةِ فَإِنّهُ نَاقِلٌ عَنْ الْأَصْلِ وَأَحَادِيثُ الْإِبَاحَةِ عَلَى وَفْقِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيّةِ وَأَحْكَامُ الشّرْعِ نَاقِلَةٌ عَنْ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيّةِ . قَالُوا : وَقَوْلُ جَابِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ كُنّا نَعْزِلُ وَالْقُرْآنُ يَنْزِلُ فَلَوْ كَانَ شَيْئًا يَنْهَى عَنْهُ لَنَهَى عَنْهُ الْقُرْآنُ [ ص 131 ] فَيُقَالُ قَدْ نَهَى عَنْهُ مَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ بِقَوْلِهِ إنّهُ الْمَوْءُودَةُ الصّغْرَى وَالْوَأْدُ كُلّهُ حَرَامٌ . قَالُوا : وَقَدْ فَهِمَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيّ النّهْيَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي ّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لَمّا ذَكَرَ الْعَزْلَ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَا عَلَيْكُمْ أَلّا تَفْعَلُوا ذَاكُمْ فَإِنّمَا هُوَ الْقَدَرُ قَالَ ابْنُ عَوْنٍ : فَحَدّثْتُ بِهِ الْحَسَنَ فَقَالَ وَاَللّهِ لَكَأَنّ هَذَا زَجْرٌ . قَالُوا : وَلِأَنّ فِيهِ قَطْعَ النّسْلِ الْمَطْلُوبِ مِنْ النّكَاحِ وَسُوءِ الْعِشْرَةِ وَقَطْعِ اللّذّةِ عِنْدَ اسْتِدْعَاءِ الطّبِيعَةِ لَهَا . قَالُوا : وَلِهَذَا كَانَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لَا يَعْزِلُ وَقَالَ لَوْ عَلِمْتُ أَنّ أَحَدًا مِنْ وَلَدِي يَعْزِلُ لَنَكّلْته وَكَانَ عَلِيّ يَكْرَهُ الْعَزْلَ ذَكَرَهُ شُعْبَةُ عَنْ عَاصِمٍ عَنْ زِرّ عَنْهُ . وَصَحّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ فِي الْعَزْلِ هُوَ الْمَوْءُودَةُ الصّغْرَى . وَصَحّ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ أَنّهُ سُئِلَ عَنْهُ فَقَالَ مَا كُنْتُ أَرَى مُسْلِمًا يَفْعَلُهُ وَقَالَ نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ضَرَبَ عُمَرُ عَلَى الْعَزْلِ بَعْضَ بَنِيهِ وَقَالَ يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ قَالَ كَانَ عُمَرُ وَعُثْمَانُ يَنْهَيَانِ عَنْ الْعَزْلِ [التّوْفِيقُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ الْمَظْنُونُ بِهَا التّعَارُضُ ] وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يُعَارِضُ أَحَادِيثَ الْإِبَاحَةِ مَعَ صَرَاحَتِهَا وَصِحّتِهَا أَمّا حَدِيثُ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ فَإِنّهُ وَإِنْ كَانَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فَإِنّ الْأَحَادِيثَ الْكَثِيرَةَ عَلَى خِلَافِهِ وَقَدْ قَالَ أَبُو دَاوُد : حَدّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ حَدّثَنَا أَبَانُ حَدّثَنَا يَحْيَى أَنّ مُحَمّدَ بْنَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ حَدّثَهُ أَنّ رِفَاعَةَ حَدّثَهُ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي ّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ رَجُلًا قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ لِي جَارِيَةً وَأَنَا أَعْزِلُ عَنْهَا وَأَنَا أَكْرَهُ أَنْ تَحْمِلَ وَأَنَا أُرِيدُ مَا يُرِيدُ الرّجَالُ وَإِنّ الْيَهُودَ تُحَدّثُ أَنّ الْعَزْلَ الْمَوْءُودَةُ الصّغْرَى قَالَ " كَذَبَتْ يَهُودُ لَوْ أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ مَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ وَحَسْبُك بِهَذَا الْإِسْنَادِ صِحّةً فَكُلّهُمْ ثِقَاتٌ حُفّاظٌ وَقَدْ أَعَلّهُ بَعْضُهُمْ بِأَنّهُ [ ص 132 ] يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ فَقِيلَ عَنْهُ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ وَمِنْ هَذِهِ الطّرِيقِ أَخْرَجَهُ التّرْمِذِيّ وَالنّسَائِيّ . وَقِيلَ فِيهِ عَنْ أَبِي مُطِيعِ بْنِ رِفَاعَةَ وَقِيلَ عَنْ أَبِي رِفَاعَةَ وَقِيلَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهَذَا لَا يَقْدَحُ فِي الْحَدِيثِ فَإِنّهُ قَدْ يَكُونُ عِنْدَ يَحْيَى عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ عَنْ جَابِرٍ وَعِنْدَهُ عَنْ ابْنِ ثَوْبَانَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعِنْدَهُ عَنْ ابْنِ ثَوْبَانَ عَنْ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِي سَعِيد ٍ . وَيَبْقَى الِاخْتِلَافُ فِي اسْمِ أَبِي رِفَاعَةَ هَلْ هُوَ أَبُو رَافِعٍ أَوْ ابْنُ رِفَاعَةَ أَوْ أَبُو مُطِيعٍ ؟ وَهَذَا لَا يَضُرّ مَعَ الْعِلْمِ بِحَالِ رِفَاعَةَ . وَلَا رَيْبَ أَنّ أَحَادِيثَ جَابِرٍ صَرِيحَةٌ صَحِيحَةٌ فِي جَوَازِ الْعَزْلِ وَقَدْ قَالَ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ وَنَحْنُ نَرْوِي عَنْ عَدَدٍ مِنْ أَصْحَابِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُمْ رَخّصُوا فِي ذَلِكَ وَلَمْ يَرَوْا بِهِ بَأْسًا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَقَدْ رُوّينَا الرّخْصَةَ فِيهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ وَأَبِي أَيّوبَ الْأَنْصَارِيّ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ عَبّاسٍ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشّافِعِيّ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ . [قَوْلُ مَنْ حَمَلَهُ عَلَى التّنْزِيهِ وَرَدّ بَعْضِهِمْ عَلَيْهِ ] وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ حَدِيثِ جُدَامَةَ بِأَنّهُ عَلَى طَرِيقِ التّنْزِيهِ وَضَعّفَتْهُ طَائِفَةٌ وَقَالُوا : كَيْفَ يَصِحّ أَنْ يَكُونَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَذّبَ الْيَهُودَ فِي ذَلِكَ ثُمّ يُخْبِرُ بِهِ كَخَبَرِهِمْ ؟ هَذَا مِنْ الْمُحَالِ الْبَيّنِ وَرَدّتْ عَلَيْهِ طَائِفَةٌ أُخْرَى وَقَالُوا : حَدِيثُ تَكْذِيبِهِمْ فِيهِ اضْطِرَابٌ وَحَدِيثُ جُدَامَةَ فِي " الصّحِيحِ " . [مَنْ جَعَلَ التّكْذِيبَ لِمَنْعِ الْحَمْل]ِ وَجَمَعَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَقَالَتْ إنّ الْيَهُودَ كَانَتْ تَقُولُ إنّ الْعَزْلَ لَا يَكُونُ مَعَهُ حِمْلٌ أَصْلًا فَكَذّبَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ذَلِكَ وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَوْ أَرَادَ اللّهُ أَنْ يَخْلُقَهُ لَمَا اسْتَطَعْتَ أَنْ تَصْرِفَهُ وَقَوْلُهُ إنّهُ الْوَأْدُ الْخَفِيّ " فَإِنّهُ وَإِنْ لَمْ يَمْنَعْ الْحَمْلَ بِالْكُلّيّةِ كَتَرْكِ الْوَطْءِ فَهُوَ مُؤَثّرٌ فِي تَقْلِيلِهِ . [مَنْ قَالَ بِأَنّ حَدِيثَ التّحْرِيمِ نَاسِخٌ وَالرّدّ عَلَيْهِ ] [ ص 133 ] وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : الْحَدِيثَانِ صَحِيحَانِ وَلَكِنْ حَدِيثُ التّحْرِيمِ نَاسِخٌ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ أَبِي مُحَمّدٍ ابْنِ حَزْمٍ وَغَيْرِهِ . قَالُوا : لِأَنّهُ نَاقِلٌ عَنْ الْأَصْلِ وَالْأَحْكَامُ كَانَتْ قَبْلَ التّحْرِيمِ عَلَى الْإِبَاحَةِ وَدَعْوَى هَؤُلَاءِ تَحْتَاجُ إلَى تَارِيخٍ مُحَقّقٍ يُبَيّنُ تَأَخّرَ أَحَدِ الْحَدِيثَيْنِ عَنْ الْآخَرِ وَأَنّى لَهُمْ بِهِ وَقَدْ اتّفَقَ عُمَرُ وَعَلِيّ ٌ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا عَلَى أَنّهَا لَا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتّى تَمُرّ عَلَيْهَا التّارّاتُ السّبْعُ فَرَوَى الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ جَلَسَ إلَى عُمَرَ عَلِيّ وَالزّبَيْرُ وَسَعْدٌ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَتَذَاكَرُوا الْعَزْلَ فَقَالُوا : لَا بَأْسَ بِهِ فَقَالَ رَجُلٌ إنّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنّهَا الْمَوْءُودَةُ الصّغْرَى فَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لَا تَكُونُ مَوْءُودَةٌ حَتّى تَمُرّ عَلَيْهَا التّارّاتُ السّبْعُ حَتّى تَكُونَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ ثُمّ تَكُونَ نُطْفَةً ثُمّ تَكُونُ عَلَقَةً ثُمّ تَكُونُ مُضْغَةً ثُمّ تَكُونُ عِظَامًا ثُمّ تَكُونُ لَحْمًا ثُمّ تَكُونُ خَلْقًا آخَرَ فَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ صَدَقْتَ أَطَالَ اللّهُ بَقَاءَك وَبِهَذَا احْتَجّ مَنْ احْتَجّ عَلَى جَوَازِ الدّعَاءِ لِلرّجُلِ بِطُولِ الْبَقَاءِ . [ ذِكْرُ مَنْ جَوّزَهُ بِإِذْنِ الْحُرّةِ ] وَأَمّا مَنْ جَوّزَهُ بِإِذْنِ الْحُرّةِ فَقَالَ لِلْمَرْأَةِ حَقّ فِي الْوَلَدِ كَمَا لِلرّجُلِ حَقّ فِيهِ وَلِهَذَا كَانَتْ أَحَقّ بِحَضَانَتِهِ قَالُوا : وَلَمْ يُعْتَبَرْ إذْنُ السّرّيّةِ فِيهِ لِأَنّهَا لَا حَقّ لَهَا فِي الْقَسْمِ وَلِهَذَا لَا تُطَالِبُهُ بِالْفَيْئَةِ . وَلَوْ كَانَ لَهَا حَقّ فِي الْوَطْءِ لَطُولِبَ الْمُؤْلِي مِنْهَا بِالْفَيْئَةِ . قَالُوا : وَأَمّا زَوْجَتُهُ الرّقِيقَةُ فَلَهُ أَنْ يَعْزِلَ عَنْهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا صِيَانَةً لِوَلَدِهِ عَنْ الرّقّ وَلَكِنْ يُعْتَبَرُ إذْنُ سَيّدِهَا لِأَنّ لَهُ حَقًا فِي الْوَلَدِ فَاعْتُبِرَ إذْنُهُ فِي الْعَزْلِ كَالْحُرّةِ وَلِأَنّ بَدَلَ الْبُضْعِ يَحْصُلُ لِلسّيّدِ كَمَا يَحْصُلُ لِلْحُرّةِ فَكَانَ إذْنُهُ فِي الْعَزْلِ كَإِذْنِ الْحُرّةِ . قَالَ أَحْمَد ُ رَحِمَهُ اللّهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي الْأَمَةِ إذَا نَكَحَهَا : يَسْتَأْذِنُ أَهْلَهَا يَعْنِي فِي الْعَزْلِ لِأَنّهُمْ يُرِيدُونَ الْوَلَدَ وَالْمَرْأَةُ لَهَا حَقّ تُرِيدُ الْوَلَدَ وَمِلْكُ يَمِينِهِ لَا يَسْتَأْذِنُهَا . [ ص 134 ] وَقَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ وَابْنِ مَنْصُورٍ وَحَنْبَلٍ وَأَبِي الْحَارِثِ وَالْفَضْلِ ابْنِ زِيَادٍ وَالْمَرْوَذِيّ : يَعْزِلُ عَنْ الْحُرّةِ بِإِذْنِهَا وَالْأَمَةِ بِغَيْرِ إذْنِهَا يَعْنِي أَمَتَهُ وَقَالَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ هَانِئٍ إذَا عَزَلَ عَنْهَا لَزِمَهُ الْوَلَدُ قَدْ يَكُونُ الْوَلَدُ مَعَ الْعَزْلِ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ مَنْ قَالَ مَا لِي وَلَدٌ إلّا مِنْ الْعَزْلِ . وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ الْمَرْوَذِيّ : فِي الْعَزْلِ عَنْ أُمّ الْوَلَدِ إنْ شَاءَ فَإِنْ قَالَتْ لَا يَحِلّ لَك ؟ لَيْسَ لَهَا ذَلِكَ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْغَيْلِ وَهُوَ وَطْءُ الْمُرْضِعَةِ ثَبَتَ عَنْهُ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " : أَنّهُ قَالَ لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغَيْلَةِ حَتّى ذَكَرْتُ أَنّ الرّومَ وَفَارِسَ يَصْنَعُونَ ذَلِكَ فَلَا يَضُرّ أَوْلَادَهُمْ وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُد " عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ : لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ سِرّا فَوَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنّهُ لَيُدْرِكُ الْفَارِسَ فَيُدَعْثِرُهُ قَالَ قُلْت : مَا يَعْنِي ؟ قَالَتْ الْغَيْلَةُ يَأْتِي الرّجُلُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ تُرْضِعُ . قُلْت : أَمّا الْحَدِيثُ الْأَوّلُ فَهُوَ حَدِيثُ جُدَامَةَ بِنْتِ وَهْبٍ وَقَدْ تَضَمّنَ [ ص 135 ] لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَنْهَى عَنْ الْغَيْلَةِ وَقَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ أَسْمَاءَ وَعَجُزُهُ ثُمّ سَأَلُوهُ عَنْ الْعَزْلِ فَقَالَ ذَلِكَ الْوَأْدُ الْخَفِيّ وَقَدْ عَارَضَهُ حَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ كَذَبَتْ يَهُود وَقَدْ يُقَالُ إنّ قَوْلَهُ لَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ سِرّا نَهْيٌ أَنْ يَتَسَبّبَ إلَى ذَلِكَ فَإِنّهُ شَبّهَ الْغَيْلَ بِقَتْلِ الْوَلَدِ وَلَيْسَ بِقَتْلٍ حَقِيقَةً وَإِلّا كَانَ مِنْ الْكَبَائِرِ وَكَانَ قَرِينَ الْإِشْرَاكِ بِاَللّهِ وَلَا رَيْبَ أَنّ وَطْءَ الْمَرَاضِعِ مِمّا تَعُمّ بِهِ الْبَلْوَى وَيَتَعَذّرُ عَلَى الرّجُلِ الصّبْرُ عَنْ امْرَأَتِهِ مُدّةَ الرّضَاعِ وَلَوْ كَانَ وَطْؤُهُنّ حَرَامًا لَكَانَ مَعْلُومًا مِنْ الدّينِ وَكَانَ بَيَانُهُ مِنْ أَهَمّ الْأُمُورِ وَلَمْ تُهْمِلْهُ الْأُمّةُ وَخَيْرُ الْقُرُونِ وَلَا يُصَرّحُ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِتَحْرِيمِهِ فَعُلِمَ أَنّ حَدِيثَ أَسْمَاءَ عَلَى وَجْهِ الْإِرْشَادِ وَالِاحْتِيَاطِ لِلْوَلَدِ وَأَنْ لَا يُعَرّضَهُ لِفَسَادِ اللّبَنِ بِالْحَمْلِ الطّارِئِ عَلَيْهِ وَلِهَذَا كَانَ عَادَةُ الْعَرَبِ أَنْ يَسْتَرْضِعُوا لِأَوْلَادِهِمْ غَيْرَ أُمّهَاتِهِمْ وَالْمَنْعُ مِنْهُ غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ سَدّ الذّرَائِعِ الّتِي قَدْ تُفْضِي إلَى الْإِضْرَارِ بِالْوَلَدِ وَقَاعِدَةُ بَابِ سَدّ الذّرَائِعِ إذَا عَارَضَهُ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ قُدّمَتْ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدّمَ بَيَانُهُ مِرَارًا وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي قَسْمِ الِابْتِدَاءِ وَالدّوَامِ بَيْنَ الزّوْجَاتِ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَنْ أَنَس ٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ مِنْ السّنّةِ إذَا تَزَوّجَ الرّجُلُ الْبِكْرَ عَلَى الثّيّبِ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَقَسَمَ وَإِذَا تَزَوّجَ الثّيّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمّ قَسَمَ . قَالَ أَبُو قِلَابَةَ : وَلَوْ شِئْت لَقُلْتُ إنّ أَنَسًا رَفَعَهُ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَهَذَا الّذِي قَالَهُ أَبُو قِلَابَةَ قَدْ جَاءَ مُصَرّحًا بِهِ عَنْ أَنَس ٍ كَمَا رَوَاهُ الْبَزّارُ فِي " مُسْنَدِهِ " مِنْ طَرِيقِ أَيّوبَ السّخْتِيَانِيّ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ [ ص 136 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَعَلَ لِلْبِكْرِ سَبْعًا وَلِلثّيّبِ ثَلَاثًا وَرَوَى الثّوْرِيّ عَنْ أَيّوبَ وَخَالِدٍ الْحَذّاءِ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَنَس ٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ إذَا تَزَوّجَ الْبِكْرَ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا وَإِذَا تَزَوّجَ الثّيّبَ أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " : عَنْ أُمّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا لَمّا تَزَوّجَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَدَخَلَ عَلَيْهَا أَقَامَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا ثُمّ قَالَ " إنّهُ لَيْسَ بِكِ عَلَى أَهْلِكِ هَوَانٌ إنْ شِئْتِ سَبّعْتُ لَك وَإِنْ سَبّعْتُ لَك سَبّعْتُ لِنِسَائِي وَلَهُ فِي لَفْظٍ " لَمّا أَرَادَ أَنْ يَخْرَجَ أَخَذَتْ بِثَوْبِهِ فَقَالَ إنْ شِئْتِ زِدْتُكِ وَحَاسَبْتُكِ بِهِ لِلْبِكْرِ سَبْعٌ وَلِلثّيّبِ ثَلَاثٌ وَفِي " السّنَنِ " : عَنْ عَائِشَة َ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقْسِمُ فَيَعْدِلُ وَيَقُولُ اللّهُمّ إنّ هَذَا قَسْمِي فِيمَا أَمْلِكُ فَلَا تَلُمْنِي فِيمَا تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ يَعْنِي الْقَلْبَ . وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ إذَا أَرَادَ سَفَرًا أَقْرَعَ بَيْنَ نِسَائِهِ فَأَيّتُهُنّ خَرَجَ سَهْمُهَا خَرَجَ بِهَا مَعَهُ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ أَنّ سَوْدَةَ وَهَبَتْ يَوْمَهَا لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا وَكَانَ [ ص 137 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقْسِمُ لِعَائِشَةَ يَوْمَهَا وَيَوْمَ سَوْدَةَ وَفِي " السّنَنِ " : عَنْ عَائِشَة َ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا كَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يُفَضّلُ بَعْضَنَا عَلَى بَعْضٍ فِي الْقَسْمِ مِنْ مُكْثِهِ عِنْدَنَا وَكَانَ قَلّ يَوْمٌ إلّا وَهُوَ يَطُوفُ عَلَيْنَا جَمِيعًا فَيَدْنُو مِنْ كُلّ امْرَأَةٍ مِنْ غَيْرِ مَسِيسٍ حَتّى يَبْلُغَ إلَى الّتِي هُوَ يَوْمُهَا فَيَبِيتُ عِنْدَهَا . وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " : إنّهُنّ كُنّ يَجْتَمِعْنَ كُلّ لَيْلَةٍ فِي بَيْتِ الّتِي يَأْتِيهَا . وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَن عَائِشَة َ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا فِي قَوْلِهِ { وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا } أُنْزِلَتْ فِي الْمَرْأَةِ تَكُونُ عِنْدَ الرّجُل ِ فَتَطُولُ صُحْبَتُهَا فَيُرِيدُ طَلَاقَهَا فَتَقُولُ لَا تُطَلّقْنِي وَأَمْسِكْنِي وَأَنْتَ فِي حِلّ مِنْ النّفَقَةِ عَلَيّ وَالْقَسْمِ لِي فَذَلِكَ قَوْلُهُ { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصّلْحُ خَيْرٌ } وَقَضَى خَلِيفَتُهُ الرّاشِدُ وَابْنُ عَمّهِ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ إذَا تَزَوّجَ الْحُرّةَ عَلَى الْأَمَةِ قَسَمَ لِلْأَمَةِ لَيْلَةً وَلِلْحُرّةِ لَيْلَتَيْنِ . وَقَضَاءُ خُلَفَائِهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مُسَاوِيًا لِقَضَائِهِ فَهُوَ كَقَضَائِهِ فِي وُجُوبِهِ عَلَى الْأَمَةِ وَقَدْ احْتَجّ الْإِمَامُ أَحْمَد ُ بِهَذَا الْقَضَاءِ عَنْ عَلِي ّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَقَدْ ضَعّفَهُ أَبُو مُحَمّدٍ ابْنُ حَزْمٍ بِالْمِنْهَالِ بْنِ عَمْرٍو وَبِابْنِ أَبِي لَيْلَى وَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا فَإِنّهُمَا ثِقَتَانِ حَافِظَانِ جَلِيلَانِ وَلَمْ يَزَلْ النّاسُ يَحْتَجّونَ بِابْنِ أَبِي لَيْلَى عَلَى شَيْءٍ مَا فِي حِفْظِهِ يُتّقَى مِنْهُ مَا خَالَفَ فِيهِ [ ص 138 ] الْأَثْبَاتَ وَمَا تَفَرّدَ بِهِ عَنْ النّاسِ وَإِلّا فَهُوَ غَيْرُ مَدْفُوعٍ عَنْ الْأَمَانَةِ وَالصّدْقِ فَتَضَمّنَ هَذَا الْقَضَاءُ أُمُورًا . [ وُجُوبُ قَسْمِ الِابْتِدَاءِ ] مِنْهَا وُجُوبُ قَسْمِ الِابْتِدَاءِ وَهُوَ أَنّهُ إذَا تَزَوّجَ بِكْرًا عَلَى ثَيّبٍ أَقَامَ عِنْدَهَا سَبْعًا ثُمّ سَوّى بَيْنَهُمَا وَإِنْ كَانَتْ ثَيّبًا خَيّرَهَا بَيْنَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا سَبْعًا ثُمّ يَقْضِيهَا لِلْبَوَاقِي وَبَيْنَ أَنْ يُقِيمَ عِنْدَهَا ثَلَاثًا وَلَا يُحَاسِبُهَا هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَخَالَفَ فِيهِ إمَامُ أَهْلِ الرّأْيِ وَإِمَامُ أَهْلِ الظّاهِرِ وَقَالُوا : لَا حَقّ لِلْجَدِيدَةِ غَيْرَ مَا تَسْتَحِقّهُ الّتِي عِنْدَهُ فَيَجِبُ عَلَيْهِ التّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا . [إذَا اخْتَارَتْ الثّيّبُ السّبْعَ قَضّاهُنّ لِلْبَوَاقِي ] وَمِنْهَا . أَنّ الثّيّبَ إذَا اخْتَارَتْ السّبْعَ قَضَاهُنّ لِلْبَوَاقِي وَاحْتَسَبَ عَلَيْهَا بِالثّلَاثِ وَلَوْ اخْتَارَتْ الثّلَاثَ لَمْ يَحْتَسِبْ عَلَيْهَا بِهَا وَعَلَى هَذَا مَنْ سُومِحَ بِثَلَاثٍ دُونَ مَا فَوْقَهَا فَفَعَلَ أَكْثَرَ مِنْهَا دَخَلَتْ الثّلَاثُ فِي الّذِي لَمْ يُسَامِحْ بِهِ بِحَيْثُ لَوْ تَرَتّبَ عَلَيْهِ إثْمٌ أَثِمَ عَلَى الْجَمِيعِ وَهَذَا كَمَا رَخّصَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بَعْدَ قَضَاءِ نُسُكِهِ ثَلَاثًا . فَلَوْ أَقَامَ أَبَدًا ذُمّ عَلَى الْإِقَامَةِ كُلّهَا . [ لَا تَجِبُ التّسْوِيَةُ بَيْنَ النّسَاءِ فِي الْمَحَبّةِ وَالِاخْتِلَافِ فِي الْوَطْءِ ] وَمِنْهَا : أَنّهُ لَا تَجِبُ التّسْوِيَةُ بَيْنَ النّسَاءِ فِي الْمَحَبّةِ فَإِنّهَا لَا تُمْلَكُ وَكَانَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا أَحَبّ نِسَائِهِ إلَيْهِ . وَأُخِذَ مِنْ هَذَا أَنّهُ لَا تَجِبُ التّسْوِيَةُ بَيْنَهُنّ فِي الْوَطْءِ لِأَنّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى الْمَحَبّةِ وَالْمَيْلِ وَهِيَ بِيَدِ مُقَلّبِ الْقُلُوبِ . وَفِي هَذَا تَفْصِيلٌ وَهُوَ أَنّهُ إنْ تَرَكَهُ لِعَدَمِ الدّاعِي إلَيْهِ وَعَدَمِ الِانْتِشَارِ فَهُوَ مَعْذُورٌ وَإِنْ تَرَكَهُ مَعَ الدّاعِي إلَيْهِ وَلَكِنْ دَاعِيهِ إلَى الضّرّةِ أَقْوَى فَهَذَا مِمّا يَدْخُلُ تَحْتَ قُدْرَتِهِ وَمِلْكِهِ فَإِنْ أَدّى الْوَاجِبَ عَلَيْهِ مِنْهُ لَمْ يَبْقَ لَهَا حَقّ وَلَمْ يَلْزَمْهُ التّسْوِيَةُ وَإِنْ تَرَكَ الْوَاجِبَ مِنْهُ فَلَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ . [ الْإِقْرَاعُ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي السّفَرِ وَأَنّهُ لَا يَقْضِي لِلْبَوَاقِي إذَا قَدِمَ ] وَمِنْهَا : إذَا أَرَادَ السّفَرَ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يُسَافِرَ بِإِحْدَاهُنّ إلّا بِقُرْعَةٍ . وَمِنْهَا : أَنّهُ لَا يَقْضِي لِلْبَوَاقِي إذَا قَدِمَ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَكُنْ يَقْضِي لِلْبَوَاقِي . [ ص 139 ] أَحَدُهَا : أَنّهُ لَا يَقْضِي سَوَاءٌ أَقْرَعَ أَوْ لَمْ يُقْرِعْ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ . وَالثّانِي : أَنّهُ يَقْضِي لِلْبَوَاقِي أَقْرَعَ أَوْ لَمْ يُقْرِعْ وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الظّاهِرِ . وَالثّالِثُ أَنّهُ إنْ أَقْرَعَ لَمْ يَقْضِ وَإِنْ لَمْ يُقْرِعْ قَضَى وَهَذَا قَوْل ُ أَحْمَد َ وَالشّافِعِيّ . [لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ لَيْلَتَهَا لِضَرّتِهَا ] وَمِنْهَا : أَنّ لِلْمَرْأَةِ أَنْ تَهَبَ لَيْلَتَهَا لِضَرّتِهَا فَلَا يَجُوزُ لَهُ جَعْلُهَا لِغَيْرِ الْمَوْهُوبَةِ وَإِنْ وَهَبَتْهَا لِلزّوْجِ فَلَهُ جَعْلُهَا لِمَنْ شَاءَ مِنْهُنّ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنّ اللّيْلَةَ حَقّ لِلْمَرْأَةِ فَإِذَا أَسَقَطَتْهَا وَجَعَلَتْهَا لِضَرّتِهَا تَعَيّنَتْ لَهَا وَإِذَا جَعَلَتْهَا لِلزّوْجِ جَعَلَهَا لِمَنْ شَاءَ مِنْ نِسَائِهِ فَإِذَا اتّفَقَ أَنْ تَكُونَ لَيْلَةُ الْوَاهِبَةِ تَلِي لَيْلَةَ الْمَوْهُوبَةِ قَسَمَ لَهَا لَيْلَتَيْنِ مُتَوَالِيَتَيْنِ وَإِنْ كَانَتْ لَا تَلِيهَا فَهَلْ لَهُ نَقْلُهَا إلَى مُجَاوَرَتِهَا فَيَجْعَلُ اللّيْلَتَيْنِ مُتَجَاوِرَتَيْنِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ لِلْفُقَهَاءِ وَهُمَا فِي مَذْهَبِ أَحْمَد َ وَالشّافِعِيّ . وَمِنْهَا : أَنّ الرّجُلَ لَهُ أَنْ يَدْخُلَ عَلَى نِسَائِهِ كُلّهِنّ فِي يَوْمِ إحْدَاهُنّ وَلَكِنْ لَا يَطَؤُهَا فِي غَيْرِ نَوْبَتِهَا . وَمِنْهَا : أَنّ لِنِسَائِهِ كُلّهِنّ أَنْ يَجْتَمِعْنَ فِي بَيْتِ صَاحِبَةِ النّوْبَةِ يَتَحَدّثْنَ إلَى أَنْ يَجِيءَ وَقْتُ النّوْمِ فَتَؤُوبُ كُلّ وَاحِدَةٍ إلَى مَنْزِلِهَا . [إنْ رَضِيَتْ الزّوْجَةُ بِالْإِقَامَةِ عِنْدَ الزّوْجِ وَلَا حَقّ لَهَا فِي الْقَسْمِ وَالْوَطْءِ وَالنّفَقَةِ فَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ] وَمِنْهَا : أَنّ الرّجُلَ إذَا قَضَى وَطَرًا مِنْ امْرَأَتِهِ وَكَرِهَتْهَا نَفْسُهُ أَوْ عَجَزَ عَنْ حُقُوقِهَا فَلَهُ أَنْ يُطَلّقَهَا وَلَهُ أَنْ يُخَيّرَهَا إنْ شَاءَتْ أَقَامَتْ عِنْدَهُ وَلَا حَقّ لَهَا فِي الْقَسْمِ وَالْوَطْءِ وَالنّفَقَةِ أَوْ فِي بَعْضِ ذَلِكَ بِحَسَبِ مَا يَصْطَلِحَانِ عَلَيْهِ فَإِذَا رَضِيَتْ بِذَلِكَ لَزِمَ وَلَيْسَ لَهَا الْمُطَالَبَةُ بِهِ بَعْدَ الرّضَى . هَذَا مُوجَبُ السّنّةِ وَمُقْتَضَاهَا وَهُوَ الصّوَابُ الّذِي لَا يَسُوغُ غَيْرُهُ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إنّ حَقّهَا يَتَجَدّدُ فَلَهَا الرّجُوعُ فِي ذَلِكَ مَتَى شَاءَتْ فَاسِدٌ فَإِنّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْمُعَاوَضَةِ وَقَدْ سَمّاهُ اللّهُ تَعَالَى صُلْحًا فَيَلْزَمُ كَمَا يَلْزَمُ مَا صَالَحَ عَلَيْهِ مِنْ [ ص 140 ] لَكَانَ فِيهِ تَأْخِيرُ الضّرَرِ إلَى أَكْمَلِ حَالَتَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ صُلْحًا بَلْ كَانَ مِنْ أَقْرَبِ أَسْبَابِ الْمُعَادَاةِ وَالشّرِيعَةُ مُنَزّهَةٌ عَنْ ذَلِكَ وَمِنْ عَلَامَاتِ الْمُنَافِقِ أَنّهُ إذَا وَعَدَ أَخْلَفَ وَإِذَا عَاهَدَ غَدَرَ وَالْقَضَاءُ النّبَوِيّ يَرُدّ هَذَا . [الْأَمَةُ الْمُزَوّجَةُ عَلَى النّصْفِ مِنْ الْحُرّةِ ] وَمِنْهَا : أَنّ الْأَمَةَ الْمُزَوّجَةَ عَلَى النّصْفِ مِنْ الْحُرّةِ كَمَا قَضَى بِهِ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عَلِي رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ فِي الصّحَابَةِ مُخَالِفٌ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ إلّا رِوَايَةً عَنْ مَالِكٍ أَنّهُمَا سَوَاءٌ وَبِهَا قَالَ أَهْلُ الظّاهِرِ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ هُوَ الّذِي يَقْتَضِيهِ الْعَدْلُ فَإِنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُسَوّ بَيْنَ الْحُرّةِ وَالْأَمَةِ لَا فِي الطّلَاقِ وَلَا فِي الْعِدّةِ وَلَا فِي الْحَدّ وَلَا فِي الْمِلْكِ وَلَا فِي الْمِيرَاثِ وَلَا فِي الْحَجّ وَلَا فِي مُدّةِ الْكَوْنِ عِنْدَ الزّوْجِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَلَا فِي أَصْلِ النّكَاحِ بَلْ جَعَلَ نِكَاحَهَا بِمَنْزِلَةِ الضّرُورَةِ وَلَا فِي عَدَدِ الْمَنْكُوحَاتِ فَإِنّ الْعَبْدَ لَا يَتَزَوّجُ أَكْثَرَ مِنْ اثْنَتَيْنِ هَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَد بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ يَتَزَوّجُ الْعَبْدُ ثِنْتَيْنِ وَيُطَلّقُ ثِنْتَيْنِ وَتَعْتَدّ امْرَأَتُهُ حَيْضَتَيْنِ وَاحْتَجّ بِهِ أَحْمَد وَرَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ يَحِلّ لِلْعَبْدِ مِنْ النّسَاءِ إلّا ثِنْتَانِ . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ سَأَلَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ النّاسَ كَمْ يَتَزَوّجُ الْعَبْدُ ؟ فَقَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ ثِنْتَيْنِ وَطَلَاقُهُ ثِنْتَيْنِ . فَهَذَا عُمَرُ وَعَلِيّ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ فِي الصّحَابَةِ مَعَ انْتِشَارِ هَذَا الْقَوْلِ وَظُهُورِهِ وَمُوَافَقَتِهِ لِلْقِيَاسِ . فَصْلٌ فِي قَضَائِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي تَحْرِيمِ وَطْءِ الْمَرْأَةِ الْحُبْلَى مِنْ غَيْرِ الْوَاطِئِ ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " : مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدّرْدَاءِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ [ ص 141 ] أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَتَى بِامْرَأَةِ مُجِحّ عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ فَقَالَ " لَعَلّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمّ بِهَا " . فَقَالُوا : نَعَمْ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَلْعَنَهُ لَعْنًا يَدْخُلُ مَعَهُ قَبْرَهُ كَيْفَ يُوَرّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلّ لَهُ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلّ لَهُ [الِاخْتِلَافُ فِي نِكَاحِ الْحَامِلِ مِنْ زِنًى] قَالَ أَبُو مُحَمّدٍ ابْنُ حَزْمٍ : لَا يَصِحّ فِي تَحْرِيمِ وَطْءِ الْحَامِلِ خَبَرٌ غَيْرُ هَذَا . انْتَهَى وَقَدْ رَوَى أَهْلُ " السّنَنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيد ٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ فِي سَبَايَا أَوْطَاسٍ : " لَا تُوطَأُ حَامِلٌ حَتّى تَضَعَ وَلَا غَيْرُ حَامِلٍ حَتَى تَحِيضَ حَيْضَةً وَفِي التّرْمِذِيّ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ رُوَيْفِعِ بْنِ ثَابِت ٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَسْقِ مَاءَهُ وَلَدَ غَيْرِهِ قَالَ التّرْمِذِيّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . .. وَفِيهِ عَنْ الْعِرْبَاضِ بْنِ سَارِيَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَرّمَ وَطْءَ السّبَايَا حَتّى يَضَعْنَ مَا فِي بُطُونِهِنّ وَقَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَيْفَ يُوَرّثُهُ وَهُوَ لَا يَحِلّ لَهُ كَيْفَ يَسْتَخْدِمُهُ وَهُوَ لَا يَحِلّ لَهُ كَانَ شَيْخُنَا يَقُولُ فِي مَعْنَاهُ كَيْفَ يَجْعَلُهُ عَبْدًا مَوْرُوثًا عَنْهُ وَيَسْتَخْدِمُهُ اسْتِخْدَامَ الْعَبِيدِ وَهُوَ وَلَدُهُ لِأَنّ وَطْأَهُ زَادَ فِي خَلْقِهِ ؟ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : الْوَطْءُ يَزِيدُ فِي سَمْعِهِ وَبَصَرِهِ . قَالَ فِيمَنْ اشْتَرَى جَارِيَةً حَامِلًا مِنْ غَيْرِهِ فَوَطِئَهَا قَبْلَ وَضْعِهَا فَإِنّ الْوَلَدَ لَا يَلْحَقُ بِالْمُشْتَرِي وَلَا يَتْبَعُهُ لَكِنْ يُعْتِقُهُ لِأَنّهُ قَدْ شَرِكَ فِيهِ لِأَنّ الْمَاءَ يَزِيدُ فِي [ ص 142 ] أَبِي الدّرْدَاءِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَرّ بِامْرَأَةِ مُجِحّ عَلَى بَابِ فُسْطَاطٍ فَقَالَ " لَعَلّهُ يُرِيدُ أَنْ يُلِمّ بِهَا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . يَعْنِي : أَنّهُ إنْ اسْتَلْحَقَهُ وَشَرِكَهُ فِي مِيرَاثِهِ لَمْ يَحِلّ لَهُ لِأَنّهُ لَيْسَ بِوَلَدِهِ وَإِنْ أَخْذَهُ مَمْلُوكًا يَسْتَخْدِمُهُ لَمْ يَحِلّ لَهُ لِأَنّهُ قَدْ شَرِكَ فِيهِ لِكَوْنِ الْمَاءِ يَزِيدُ فِي الْوَلَدِ . وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ ظَاهِرَةٌ عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْحَامِلِ سَوَاءٌ كَانَ حَمْلُهَا مِنْ زَوْجٍ أَوْ سَيّدٍ أَوْ شُبْهَةٍ أَوْ زِنًى وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ إلّا فِيمَا إذَا كَانَ الْحَمْلُ مِنْ زِنًى فَفِي صِحّةِ الْعَقْدِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا : بُطْلَانُهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَد َ وَمَالِكٍ وَالثّانِي : صِحّتُهُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَة َ وَالشّافِعِيّ ثُمّ اخْتَلَفَا فَمَنَعَ أَبُو حَنِيفَةَ مِنْ الْوَطْءِ حَتّى تَنْقَضِيَ الْعِدّةُ وَكَرِهَهُ الشّافِعِيّ وَقَالَ أَصْحَابُهُ لَا يَحْرُمُ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الرّجُلِ يُعْتِقُ أَمَتَهُ وَيَجْعَلُ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي " الصّحِيحِ " : أَنّهُ أَعْتَقَ صَفِيّةَ وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا . قِيلَ لِأَنَسٍ مَا أَصْدَقَهَا ؟ قَالَ أَصْدَقَهَا نَفْسَهَا وَذَهَبَ إلَى جَوَازِ ذَلِكَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَفَعَلَهُ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَعْلَمِ التّابِعِينَ وَسَيّدِهِمْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَن ِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيّ وَالزّهْرِيّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ . وَعَنْ أَحْمَد َ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنّهُ لَا يَصِحّ حَتّى يَسْتَأْنِفَ نِكَاحَهَا بِإِذْنِهَا فَإِنْ أَبَتْ ذَلِكَ فَعَلَيْهَا قِيمَتُهَا . وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنّهُ يُوكِلُ رَجُلًا يُزَوّجُهُ إيّاهَا . وَالصّحِيحُ هُوَ الْقَوْلُ الْأَوّلُ الْمُوَافِقُ لِلسّنّةِ وَأَقْوَالِ الصّحَابَةِ وَالْقِيَاسِ فَإِنّهُ كَانَ يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا فَأَزَالَ مِلْكَهُ عَنْ رَقَبَتِهَا وَأَبْقَى مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ بِعَقْدِ النّكَاحِ [ ص 143 ] أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِمّا لَوْ أَعْتَقَهَا وَاسْتَثْنَى خِدْمَتَهَا وَقَدْ تَقَدّمَ تَقْرِيرُ ذَلِكَ فِي غَزَاةِ خَيْبَرَ . فَصْلٌ فِي قَضَائِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي صِحّةِ النّكَاحِ الْمَوْقُوفِ عَلَى الْإِجَازَةِ [ تَخْيِيرُ الْكَارِهَةِ ] فِي " السّنَنِ " : عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا أَنّ جَارِيَةً بِكْرًا أَتَتْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَذَكَرَتْ أَنّ أَبَاهَا زَوّجَهَا وَهِيَ كَارِهَةٌ فَخَيّرَهَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ تَخْيِيرُ الصّغِيرِ ] [ تَخْيِيرُ الْيَتِيمَةِ عِنْدَ الْبُلُوغِ ] وَقَدْ نَصّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى الْقَوْلِ بِمُقْتَضَى هَذَا فَقَالَ فِي رِوَايَةِ صَالِحٍ فِي صَغِيرٍ زَوّجَهُ عَمّهُ قَالَ إنْ رَضِيَ بِهِ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ جَازَ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فَسَخَ وَنَقَلَ عَنْهُ ابْنُهُ عَبْدُ اللّهِ إذَا زُوّجَتْ الْيَتِيمَةُ فَإِذَا بَلَغَتْ فَلَهَا الْخِيَارُ وَكَذَلِكَ نَقَلَ ابْنُ مَنْصُورٍ عَنْهُ حُكِيَ لَهُ قَوْلُ سُفْيَانَ فِي يَتِيمَةٍ زُوّجَتْ وَدَخَلَ بِهَا الزّوْجُ ثُمّ حَاضَتْ عِنْدَ الزّوْجِ بَعْدُ قَالَ تُخَيّرُ فَإِنْ اخْتَارَتْ نَفْسَهَا لَمْ يَقَعْ التّزْوِيجُ وَهِيَ أَحَقّ بِنَفْسِهَا وَإِنْ قَالَتْ اخْتَرْتُ زَوْجِي ؟ فَلْيَشْهَدُوا عَلَى نِكَاحِهِمَا . قَالَ أَحْمَدُ جَيّدٌ . [ تَخْيِيرُ السّيّدِ بِزَوَاجِ عَبْدِهِ ] وَقَالَ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ فِي الْعَبْدِ إذَا تَزَوّجَ بِغَيْرِ إذْنِ سَيّدِهِ ثُمّ عَلِمَ السّيّدُ بِذَلِكَ فَإِنْ شَاءَ يُطَلّقُ عَلَيْهِ فَالطّلَاقُ بِيَدِ السّيّدِ وَإِذَا أَذِنَ لَهُ فِي التّزْوِيجِ فَالطّلَاقُ بِيَدِ الْعَبْدِ وَمَعْنَى قَوْلِهِ يُطَلّقُ أَيْ يُبْطِلُ الْعَقْدَ وَيَمْنَعُ تَنْفِيذَهُ وَإِجَازَتَهُ هَكَذَا أَوّلَهُ الْقَاضِي وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ النّصّ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي مَذْهَبِهِ وَالْقِيَاسُ يَقْتَضِي صِحّةَ هَذَا الْقَوْلِ فَإِنّ الْإِذْنَ إذَا جَازَ أَنْ يَتَقَدّمَ الْقَبُولَ وَالْإِيجَابَ جَازَ أَنْ يَتَرَاخَى عَنْهُ . وَأَيْضًا فَإِنّهُ كَمَا يَجُوزُ وَقْفُهُ عَلَى الْفَسْخِ يَجُوزُ وَقْفُهُ عَلَى الْإِجَازَةِ كَالْوَصِيّةِ [ ص 144 ] ثَانِي الْحَالِ كَحُصُولِهِ فِي الْأَوّلِ وَلِأَنّ إثْبَاتَ الْخِيَارِ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ هُوَ وَقْفٌ لِلْعَقْدِ فِي الْحَقِيقَةِ عَلَى إجَازَةِ مَنْ لَهُ الْخِيَارُ وَرَدّهُ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْكَفَاءَةِ فِي النّكَاحِ قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ } [ الْحُجُرَاتُ 13 ] . وَقَالَ تَعَالَى . { إِنّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } [ الْحُجُرَاتُ 10 ] . وَقَالَ { وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ } [ التّوْبَةُ 71 ] وَقَالَ تَعَالَى : { فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبّهُمْ أَنّي لَا أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِنْكُمْ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى بَعْضُكُمْ مِنْ بَعْضٍ } [ آلُ عِمْرَانَ 195 ] . وَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا فَضْلَ لِعَرَبِيّ عَلَى عَجَمِيّ وَلَا لِعَجَمِيّ عَلَى عَرَبِيّ وَلَا لِأَبْيَضَ عَلَى أَسْوَدَ . وَلَا لِأَسْوَدَ عَلَى أَبْيَضَ إلّا بِالتّقْوَى النّاسُ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ وَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ آلَ بَنِي فُلَانٍ لَيْسُوا لِي بِأَوْلِيَاءَ إنّ أَوْلِيَائِي الْمُتّقُونَ حَيْثُ كَانُوا وَأَيْنَ كَانُوا [ ص 145 ] التّرْمِذِيّ : عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ إلّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسَادٌ كَبِيرٌ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ وَإِنْ كَانَ فِيهِ ؟ فَقَالَ إذَا جَاءَكُمْ مَنْ تَرْضَوْنَ دِينَهُ وَخُلُقَهُ فَأَنْكِحُوهُ ثَلَاثَ مَرّاتٍ . وَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِبَنِي بَيَاضَةَ أَنْكِحُوا أَبَا هِنْدٍ وَأَنْكِحُوا إلَيْهِ وَكَانَ حَجّامًا وَزَوّجَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ الْقُرَشِيّةَ مِنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ مَوْلَاهُ وَزَوّجَ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ الْفِهْرِيّةَ الْقُرَشِيّةَ مِنْ أُسَامَةَ ابْنِهِ وَتَزَوّجَ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ بِأُخْتِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَقَدْ قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { وَالطّيّبَاتُ لِلطّيّبِينَ وَالطّيّبُونَ لِلطّيّبَاتِ } [ النّورُ 26 ] وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النّسَاءِ } [ النّسَاءُ 3 ] [ لَمْ يَعْتَبِرْ الْقُرْآنُ وَالسّنّةُ فِي الْكَفَاءَةِ إلّا الدّينَ ] فَاَلّذِي يَقْتَضِيهِ حُكْمُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اعْتِبَارُ الدّينِ فِي الْكَفَاءَةِ أَصْلًا وَكَمَالًا فَلَا تُزَوّجُ مُسْلِمَةٌ بِكَافِرٍ وَلَا عَفِيفَةٌ بِفَاجِرٍ وَلَمْ يَعْتَبِرْ الْقُرْآنُ وَالسّنّةُ فِي الْكَفَاءَةِ أَمْرًا وَرَاءَ ذَلِكَ فَإِنّهُ حَرّمَ عَلَى الْمُسْلِمَةِ نِكَاحَ الزّانِي الْخَبِيثِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ نَسَبًا وَلَا صِنَاعَةٌ وَلَا غِنًى وَلَا حُرّيّةً فَجَوّزَ لِلْعَبْدِ الْقِنّ نِكَاحَ الْحُرّةِ النّسِيبَةِ الْغَنِيّةِ إذَا كَانَ عَفِيفًا مُسْلِمًا وَجَوّزَ لِغَيْرِ الْقُرَشِيّينَ نِكَاحَ الْقُرَشِيّات وَلِغَيْرِ الْهَاشِمِيّينَ نِكَاحَ الْهَاشِمِيّاتِ وَلِلْفُقَرَاءِ نِكَاحَ الْمُوسِرَاتِ . [ مَذْهَبُ مَالِكٍ ] وَقَدْ تَنَازَعَ الْفُقَهَاءُ فِي أَوْصَافِ الْكَفَاءَةِ فَقَالَ مَالِكٌ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ إنّهَا [ ص 146 ] [ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ] وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ النّسَبُ وَالدّينُ . [ مَذْهَبُ أَحْمَدَ ] وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ هِيَ الدّينُ وَالنّسَبُ خَاصّةً . وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : هِيَ خَمْسَةٌ الدّينُ وَالنّسَبُ وَالْحُرّيّةُ وَالصّنَاعَةُ وَالْمَالُ . وَإِذَا اُعْتُبِرَ فِيهَا النّسَبُ فَعَنْهُ فِيهِ رِوَايَتَانِ . إحْدَاهُمَا : أَنّ الْعَرَبَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَكْفَاءٌ . الثّانِيَةُ أَنّ قُرَيْشًا لَا يُكَافِئُهُمْ إلّا قُرَشِيّ وَبَنُو هَاشِمٍ لَا يُكَافِئُهُمْ إلّا هَاشِمِيّ . [ مَذْهَبُ أَصْحَابِ الشّافِعِيّ ] وَقَالَ أَصْحَابُ الشّافِعِيّ : يُعْتَبَرُ فِيهَا الدّينُ وَالنّسَبُ وَالْحُرّيّةُ وَالصّنَاعَةُ وَالسّلَامَةُ مِنْ الْعُيُوبِ الْمُنَفّرَةِ . وَلَهُمْ فِي الْيَسَارِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ اعْتِبَارُهُ فِيهَا وَإِلْغَاؤُهُ وَاعْتِبَارُهُ فِي أَهْلِ الْمُدُنِ دُونَ أَهْلِ الْبَوَادِي فَالْعَجَمِيّ لَيْسَ عِنْدَهُمْ كُفْئًا لِلْعَرَبِيّ وَلَا غَيْرُ الْقُرَشِيّ لِلْقُرَشِيّةِ وَلَا غَيْرُ الْهَاشِمِيّ لِلْهَاشِمِيّةِ وَلَا غَيْرُ الْمُنْتَسِبَةِ إلَى الْعُلَمَاءِ وَالصّلَحَاءِ الْمَشْهُورِينَ كُفْئًا لِمَنْ لَيْسَ مُنْتَسِبًا إلَيْهِمَا وَلَا الْعَبْدُ كُفْئًا لِلْحُرّةِ وَلَا الْعَتِيقُ كُفْئًا لِحُرّةِ الْأَصْلِ وَلَا مَنْ مَسّ الرّقّ أَحَدَ آبَائِهِ كُفْئًا لِمَنْ لَمْ يَمَسّهَا رِقّ وَلَا أَحَدًا مِنْ آبَائِهَا وَفِي تَأْثِيرِ رِقّ الْأُمّهَاتِ وَجْهَانِ وَلَا مَنْ بِهِ عَيْبٌ مُثْبِتٌ لِلْفَسْخِ كُفْئًا لِلسّلِيمَةِ مِنْهُ فَإِنْ لَمْ يَثْبُتْ الْفَسْخُ وَكَانَ مُنَفّرًا كَالْعَمَى وَالْقَطْعِ وَتَشْوِيهِ الْخِلْقَةِ فَوَجْهَانِ . وَاخْتَارَ الرّويَانِيّ أَنّ صَاحِبَهُ لَيْسَ بِكُفْءٍ وَلَا الْحَجّامُ وَالْحَائِكُ وَالْحَارِسُ كُفْئًا لِبِنْتِ التّاجِرِ وَالْخَيّاطِ وَنَحْوِهِمَا وَلَا الْمُحْتَرِفُ لِبِنْتِ الْعَالِمِ وَلَا الْفَاسِقُ كُفْئًا لِلْعَفِيفَةِ وَلَا الْمُبْتَدِعُ لِلسّنّيّةِ وَلَكِنْ الْكَفَاءَةُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ هِيَ حَقّ لِلْمَرْأَةِ وَالْأَوْلِيَاءِ . [ لِمَنْ حَقّ الْكَفَاءَةِ ] ثُمّ اخْتَلَفُوا فَقَالَ أَصْحَابُ الشّافِعِيّ : هِيَ لِمَنْ لَهُ وِلَايَةٌ فِي الْحَالِ . وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ حَقّ لِجَمِيعِ الْأَوْلِيَاءِ قَرِيبُهُمْ وَبَعِيدُهُمْ فَمَنْ لَمْ يَرْضَ مِنْهُمْ فَلَهُ الْفَسْخُ . وَقَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ ثَالِثَةٍ إنّهَا حَقّ اللّهِ فَلَا يَصِحّ رِضَاهُمْ بِإِسْقَاطِهِ وَلَكِنْ عَلَى هَذِهِ الرّوَايَةِ لَا تُعْتَبَرُ الْحُرّيّةُ وَلَا الْيَسَارُ وَلَا الصّنَاعَةُ وَلَا النّسَبُ إنّمَا يُعْتَبَرُ الدّينُ فَقَطْ فَإِنّهُ لَمْ يَقُلْ أَحْمَدُ وَلَا أَحَدٌ مِنْ [ ص 147 ] أَحَدٌ : إنّ نِكَاحَ الْهَاشِمِيّةِ لِغَيْرِ الْهَاشِمِيّ وَالْقُرَشِيّةِ لِغَيْرِ الْقُرَشِيّ بَاطِلٌ وَإِنّمَا نَبّهْنَا عَلَى هَذَا لِأَنّ كَثِيرًا مِنْ أَصْحَابِنَا يَحْكُونَ الْخِلَافَ فِي الْكِفَاءَةِ هَلْ هِيَ حَقّ لِلّهِ أَوْ لِلْآدَمِيّ ؟ وَيُطْلِقُونَ مَعَ قَوْلِهِمْ إنّ الْكَفَاءَةَ هِيَ الْخِصَالُ الْمَذْكُورَةُ وَفِي هَذَا مِنْ التّسَاهُلِ وَعَدَمِ التّحْقِيقِ مَا فِيهِ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ثُبُوتِ الْخِيَارِ لِلْمُعْتَقَةِ تَحْتَ الْعَبْدِ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " و " السّنَنِ " : أَنّ بَرِيرَةَ كَاتَبَتْ أَهْلَهَا وَجَاءَتْ تَسْأَلُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي كِتَابَتِهَا فَقَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا : إنْ أَحَبّ أَهْلُك أَنْ أَعُدّهَا لَهُمْ وَيَكُونَ وَلَاؤُك لِي فَعَلْت فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِأَهْلِهَا فَأَبَوْا إلّا أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا : اشْتَرِيهَا وَاشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ فَإِنّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ ثُمّ خَطَبَ النّاسَ فَقَالَ " مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللّهِ مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ مِائَةَ شَرْطٍ قَضَاءُ اللّهِ أَحَقّ وَشَرْطُ اللّهِ أَوْثَقُ وَإِنّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ " ثُمّ خَيّرَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَ أَنْ تَبْقَى عَلَى نِكَاحِ زَوْجِهَا وَبَيْنَ أَنْ تَفْسَخَهُ فَاخْتَارَتْ نَفْسَهَا فَقَالَ لَهَا : " إنّهُ زَوْجُكِ وَأَبُو وَلَدِكِ " فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَأْمُرُنِي بِذَلِكَ ؟ قَالَ " لَا إنّمَا أَنَا شَافِعٌ قَالَتْ فَلَا حَاجَةَ لِي فِيهِ وَقَالَ لَهَا إذْ خَيّرَهَا : إنْ قَرُبَك فَلَا خِيَارَ لَك " وَأَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدّ وَتُصُدّقَ عَلَيْهَا بِلَحْمٍ فَأَكَلَ مِنْهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ " هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيّةٌ [ ص 148 ] [ جَوَازُ مُكَاتَبَةِ الْمَرْأَةِ وَبَيْعِ الْمُكَاتَبِ وَإِنْ لَمْ يُعْجِزْهُ سَيّدُهُ ] وَكَانَ فِي قِصّةِ بَرِيرَةَ مِنْ الْفِقْهِ جَوَازُ مُكَاتَبَةِ الْمَرْأَةِ وَجَوَازُ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ وَإِنْ لَمْ يُعْجِزْهُ سَيّدُهُ وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ الْمَشْهُورُ عَنْهُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ نُصُوصِهِ . وَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ لَا يَطَأُ مُكَاتَبَتَهُ أَلَا تَرَى أَنّهُ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَبِيعَهَا . وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشّافِعِيّ . وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَقَرّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا عَلَى شِرَائِهَا وَأَهْلَهَا عَلَى بَيْعِهَا وَلَمْ يَسْأَلْ أَعَجَزَتْ أَمْ لَا وَمَجِيئُهَا تَسْتَعِينُ فِي كِتَابَتِهَا لَا يَسْتَلْزِمُ عَجْزَهَا وَلَيْسَ فِي بَيْعِ الْمُكَاتَبِ مَحْذُورٌ فَإِنّ بَيْعَهُ لَا يُبْطِلُ كِتَابَتَهُ فَإِنّهُ يَبْقَى عِنْدَ الْمُشْتَرِي كَمَا كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ إنْ أَدّى إلَيْهِ عَتَقَ وَإِنْ عَجَزَ عَنْ الْأَدَاءِ فَلَهُ أَنْ يُعِيدَهُ إلَى الرّقّ كَمَا كَانَ عِنْدَ بَائِعِهِ فَلَوْ لَمْ تَأْتِ السّنّةُ بِجَوَازِ بَيْعِهِ لَكَانَ الْقِيَاسُ يَقْتَضِيهِ . وَقَدْ ادّعَى غَيْرُ وَاحِدٍ الْإِجْمَاعَ الْقَدِيمَ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ . قَالُوا : لِأَنّ قِصّةَ بَرِيرَةَ وَرَدَتْ بِنَقْلِ الْكَافّةِ وَلَمْ يَبْقَ بِالْمَدِينَةِ مَنْ لَمْ يَعْرِفْ ذَلِكَ لِأَنّهَا صَفْقَةٌ جَرَتْ بَيْنَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ وَبَيْنَ بَعْضِ الصّحَابَةِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَهُمْ مَوَالِي بَرِيرَةَ ثُمّ خَطَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ النّاسَ فِي أَمْرِ بَيْعِهَا خُطْبَةً فِي غَيْرِ وَقْتِ الْخُطْبَةِ وَلَا يَكُونُ شَيْءٌ أَشْهَرَ مِنْ هَذَا ثُمّ كَانَ مِنْ مَشْيِ زَوْجِهَا خَلْفَهَا بَاكِيًا فِي أَزِقّةِ الْمَدِينَةِ مَا زَادَ الْأَمْرَ شُهْرَةً عِنْدَ النّسَاءِ وَالصّبْيَانِ قَالُوا : فَظَهَرَ يَقِينًا أَنّهُ إجْمَاعٌ مِنْ الصّحَابَةِ إذْ لَا يُظَنّ بِصَاحِبٍ أَنّهُ يُخَالِفُ مِنْ سُنّةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِثْلَ هَذَا الْأَمْرِ الظّاهِرِ الْمُسْتَفِيضِ . قَالُوا : وَلَا يُمْكِنُ أَنْ تُوجِدُوا عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصّحَابَةِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ الْمَنْعَ مِنْ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ إلّا رِوَايَةً شَاذّةً عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ لَا يُعْرَفُ لَهَا إسْنَادٌ . [ مُسْتَمْسِك مِنْ مَنْعِ بَيْعِ الْمُكَاتَبِ ] وَاعْتَذَرَ مَنْ مَنَعَ بَيْعَهُ بِعُذْرَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنّ بَرِيرَةَ كَانَتْ قَدْ عَجَزَتْ وَهَذَا [ ص 149 ] الشّافِعِيّ . وَالثّانِي : أَنّ الْبَيْعَ وَرَدَ عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ لَا عَلَى رَقَبَتِهَا وَهَذَا عُذْرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ . [ الرّدّ عَلَى مَنْ ادّعَى عَجْزَ بَرِيرَةَ عَنْ تَأْدِيَةِ الْمُكَاتَبِ عَلَيْهِ ] وَهَذَانِ الْعُذْرَانِ أَحْوَجُ إلَى أَنْ يُعْتَذَرَ عَنْهُمَا مِنْ الْحَدِيثِ وَلَا يَصِحّ وَاحِدٌ مِنْهُمَا أَمّا الْأَوّلُ فَلَا رَيْبَ أَنّ هَذِهِ الْقِصّةَ كَانَتْ بِالْمَدِينَةِ وَقَدْ شَهِدَهَا الْعَبّاسُ وَابْنُهُ عَبْدُ اللّهِ وَكَانَتْ الْكِتَابَةُ تِسْعَ سِنِينَ فِي كُلّ سَنَةٍ أُوقِيّةٌ وَلَمْ تَكُنْ بَعْدُ أَدّتْ شَيْئًا وَلَا خِلَافَ أَنّ الْعَبّاسَ وَابْنَهُ إنّمَا سَكَنَا الْمَدِينَةَ بَعْدَ فَتْحِ مَكّةَ وَلَمْ يَعِشْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعْدَ ذَلِكَ إلّا عَامَيْنِ وَبَعْضَ الثّالِثِ فَأَيْنَ الْعَجْزُ وَحُلُولُ النّجُومِ ؟ وَأَيْضًا فَإِنّ بَرِيرَةَ لَمْ تَقُلْ عَجَزْت وَلَا قَالَتْ لَهَا عَائِشَةُ أَعَجَزْت ؟ وَلَا اعْتَرَفَ أَهْلُهَا بِعَجْزِهَا وَلَا حَكَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِعَجْزِهَا وَلَا وَصَفَهَا بِهِ وَلَا أَخْبَرَ عَنْهَا الْبَتّةَ فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ هَذَا الْعَجْزُ الّذِي تَعْجِزُونَ عَنْ إثْبَاتِهِ ؟ وَأَيْضًا فَإِنّهَا إنّمَا قَالَتْ لِعَائِشَةَ : كَاتَبْت أَهْلِي عَلَى تِسْعِ أَوَاقٍ فِي كُلّ سَنَةٍ أُوقِيّةً وَإِنّي أُحِبّ أَنْ تُعِينِينِي وَلَمْ تَقُلْ لَمْ أُؤَدّ لَهُمْ شَيْئًا وَلَا مَضَتْ عَلَيّ نُجُومٌ عِدّةٌ عَجَزْت عَنْ الْأَدَاءِ فِيهَا وَلَا قَالَتْ عَجّزَنِي أَهْلِي . وَأَيْضًا فَإِنّهُمْ لَوْ عَجَزُوهَا لَعَادَتْ فِي الرّقّ وَلَمْ تَكُنْ حِينَئِذٍ لِتَسْعَى فِي كِتَابَتِهَا وَتَسْتَعِينَ بِعَائِشَةَ عَلَى أَمْرٍ قَدْ بَطَلَ . فَإِنْ قِيلَ الّذِي يَدُلّ عَلَى عَجْزِهَا قَوْلُ عَائِشَةَ إنْ أَحَبّ أَهْلُك أَنْ أَشْتَرِيَك وَأَعْتِقَك وَيَكُونَ وَلَاؤُكِ لِي فَعَلْت . وَقَوْلُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا : " اشْتَرِيهَا فَأَعْتِقِيهَا " وَهَذَا يَدُلّ عَلَى إنْشَاءِ عِتْقٍ مِنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا وَعِتْقُ الْمُكَاتَبِ بِالْأَدَاءِ لَا بِإِنْشَاءٍ مِنْ السّيّدِ . قِيلَ هَذَا هُوَ الّذِي أَوْجَبَ لَهُمْ الْقَوْلَ بِبُطْلَانِ الْكِتَابَةِ . قَالُوا : وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنّهَا لَا تَبْطُلُ إلّا بِعَجْزِ الْمُكَاتَبِ أَوْ تَعْجِيزِهِ نَفْسَهُ وَحِينَئِذٍ فَيَعُودُ فِي الرّقّ فَإِنّمَا وَرَدَ الْبَيْعُ عَلَى رَقِيقٍ لَا عَلَى مُكَاتَبٍ . وَجَوَابُ هَذَا : أَنّ تَرْتِيبَ الْعِتْقِ عَلَى الشّرَاءِ لَا يَدُلّ عَلَى إنْشَائِهِ فَإِنّهُ تَرْتِيبٌ لِلْمُسَبّبِ عَلَى سَبَبِهِ وَلَا سِيّمَا فَإِنّ عَائِشَةَ لَمّا أَرَادَتْ أَنْ تُعَجّلَ كِتَابَتَهَا جُمْلَةً [ ص 150 ] وَاحِدَةً كَانَ هَذَا سَبَبًا فِي إعْتَاقِهَا وَقَدْ قُلْتُمْ أَنْتُمْ إنّ قَوْلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يَجْزِي وَلَدٌ وَالِدَهُ إلّا أَنْ يَجِدَهُ مَمْلُوكًا فَيَشْتَرِيَهُ فَيُعْتِقَهُ [ الرّدّ عَلَى مَنْ قَالَ إنّ الْبَيْعَ وَرَدَ عَلَى مَالِ الْكِتَابَةِ لَا عَلَى رَقَبَتِهَا ] إنّ هَذَا مِنْ تَرْتِيبِ الْمُسَبّبِ عَلَى سَبَبِهِ وَأَنّهُ بِنَفْسِ الشّرَاءِ يُعْتِقُ عَلَيْهِ لَا يَحْتَاجُ إلَى إنْشَاءِ عِتْقٍ . وَأَمّا الْعُذْرُ الثّانِي : فَأَمْرُهُ أَظْهَرُ وَسِيَاقُ الْقِصّةِ يُبْطِلُهُ فَإِنّ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ اشْتَرَتْهَا فَأَعْتَقَتْهَا وَكَانَ وَلَاؤُهَا لَهَا وَهَذَا مِمّا لَا رَيْبَ فِيهِ وَلَمْ تَشْتَرِ الْمَالَ وَالْمَالُ كَانَ تِسْعَ أَوَاقٍ مُنَجّمَةٍ فَعَدّتْهَا لَهُمْ جُمْلَةً وَاحِدَةً وَلَمْ تَتَعَرّضْ لِلْمَالِ الّذِي فِي ذِمّتِهَا وَلَا كَانَ غَرَضُهَا بِوَجْهٍ مَا وَلَا كَانَ لِعَائِشَةَ غَرَضٌ فِي شِرَاءِ الدّرَاهِمِ الْمُؤَجّلَةِ بِعَدَدِهَا حَالّةً . [ لَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ مَا يُخَالِفُ حُكْمَ اللّهِ ] وَفِي الْقِصّةِ جَوَازُ الْمُعَامَلَةِ بِالنّقُودِ عَدَدًا إذَا لَمْ يَخْتَلِفْ مِقْدَارُهَا وَفِيهَا أَنّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ الْمُتَعَاقِدَيْنِ أَنْ يَشْتَرِطَ عَلَى الْآخَرِ شَرْطًا يُخَالِفُ حُكْمَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ " لَيْسَ فِي كِتَابِ اللّهِ " أَيْ لَيْسَ فِي حُكْمِ اللّهِ جَوَازُهُ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنّهُ لَيْسَ فِي الْقُرْآنِ ذِكْرُهُ وَإِبَاحَتُهُ وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ كِتَابُ اللّهِ أَحَقّ وَشَرْطُ اللّهِ أَوْثَقُ [ هَلْ يَصِحّ الْعَقْدُ الّذِي فِيهِ شَرْطٌ فَاسِدٌ ] وَقَدْ اسْتَدَلّ بِهِ مَنْ صَحّحَ الْعَقْدَ الّذِي شُرِطَ فِيهِ شَرْطٌ فَاسِدٌ وَلَمْ يَبْطُلْ الْعَقْدُ بِهِ وَهَذَا فِيهِ نِزَاعٌ وَتَفْصِيلٌ يَظْهَرُ الصّوَابُ مِنْهُ فِي تَبْيِينِ مَعْنَى الْحَدِيثِ فَإِنّهُ قَدْ أَشْكَلَ عَلَى النّاسِ قَوْلُهُ " اشْتَرِطِي لَهُمْ الْوَلَاءَ فَإِنّ الْوَلَاءَ لِمَنْ أَعْتَقَ " فَأَذِنَ لَهَا فِي هَذَا الِاشْتِرَاطِ وَأَخْبَرَ أَنّهُ لَا يُفِيدُ . وَالشّافِعِيّ طَعَنَ فِي هَذِهِ اللّفْظَةِ وَقَالَ إنّ هِشَامَ بْنَ عُرْوَةَ انْفَرَدَ بِهَا وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فَرَدّهَا الشّافِعِيّ وَلَمْ يُثْبِتْهَا وَلَكِنْ أَصْحَابُ " الصّحِيحَيْنِ " وَغَيْرُهُمْ أَخْرَجُوهَا وَلَمْ يَطْعَنُوا فِيهَا وَلَمْ يُعَلّلْهَا أَحَدٌ سِوَى الشّافِعِيّ فِيمَا نَعْلَمُ . [ ص 151 ] [ مَعْنَى اللّامِ فِي " اشْتَرِطِي لَهُمْ ] ثُمّ اخْتَلَفُوا فِي مَعْنَاهَا فَقَالَتْ طَائِفَةٌ اللّامُ لَيْسَتْ عَلَى بَابِهَا بَلْ هِيَ بِمَعْنَى " عَلَى " كَقَوْلِهِ { إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لِأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا } [ الْإِسْرَاءُ : 7 ] أَيْ فَعَلَيْهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى : { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا } [ فُصّلَتْ 46 ] . وَرَدّتْ طَائِفَةٌ هَذَا الِاعْتِذَارَ بِخِلَافِهِ لِسِيَاقِ الْقِصّةِ وَلِمَوْضُوعِ الْحَرْفِ وَلَيْسَ نَظِيرَ الْآيَةِ فَإِنّهَا قَدْ فَرّقَتْ بَيْنَ مَا لِلنّفْسِ وَبَيْنَ مَا عَلَيْهَا بِخِلَافِ قَوْلِهِ اشْتَرِطِي لَهُمْ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بَلْ اللّامُ عَلَى بَابِهَا وَلَكِنْ فِي الْكَلَامِ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ اشْتَرِطِي لَهُمْ أَوْ لَا تَشْتَرِطِي فَإِنّ الِاشْتِرَاطَ لَا يُفِيدُ شَيْئًا لِمُخَالَفَتِهِ لِكِتَابِ اللّهِ . وَرَدّ غَيْرُهُمْ هَذَا الِاعْتِذَارَ لِاسْتِلْزَامِهِ إضْمَارَ مَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَالْعِلْمُ بِهِ مِنْ نَوْعِ عِلْمِ الْغَيْبِ . [ مَنْ قَالَ بِأَنّ الْأَمْرَ أَمْرُ تَهْدِيدٍ ] وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : بَلْ هَذَا أَمْرُ تَهْدِيدٍ لَا إبَاحَةٍ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ } [ فُصّلَتْ 40 ] وَهَذَا فِي الْبُطْلَانِ مِنْ جِنْسِ مَا قَبْلَهُ وَأَظْهَرُ فَسَادًا فَمَا لِعَائِشَةَ وَمَا لِلتّهْدِيدِ هُنَا ؟ وَأَيْنَ فِي السّيَاقِ مَا يَقْتَضِي التّهْدِيدَ لَهَا ؟ نَعَمْ هُمْ أَحَقّ بِالتّهْدِيدِ لَا أُمّ الْمُؤْمِنِينَ . [ مَنْ قَالَ بِأَنّ الْأَمْرَ أَمْرُ إبَاحَةٍ ] وَقَالَتْ طَائِفَةٌ بَلْ هُوَ أَمْرُ إبَاحَةٍ وَإِذْنٍ وَأَنّهُ يَجُوزُ اشْتِرَاطُ مِثْلِ هَذَا وَيَكُونُ وَلَاءُ الْمُكَاتَبِ لِلْبَائِعِ قَالَهُ بَعْضُ الشّافِعِيّةِ وَهَذَا أَفْسَدُ مِنْ جَمِيعِ مَا تَقَدّمَ وَصَرِيحُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي بُطْلَانَهُ وَرَدّهُ . [ مَنْ قَالَ هُوَ وَسِيلَةٌ لِإِظْهَارِ بُطْلَانِ هَذَا الشّرْطِ ] وَقَالَتْ طَائِفَةٌ إنّمَا أَذِنَ لَهَا فِي الِاشْتِرَاطِ لِيَكُونَ وَسِيلَةً إلَى ظُهُورِ بُطْلَانِ هَذَا الشّرْطِ وَعِلْمِ الْخَاصّ وَالْعَامّ بِهِ وَتَقَرّرَ حُكْمُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانَ الْقَوْمُ قَدْ عَلِمُوا حُكْمَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَقْنَعُوا دُونَ أَنْ يَكُونَ الْوَلَاءُ لَهُمْ فَعَاقَبَهُمْ بِأَنْ أَذِنَ لِعَائِشَةَ فِي الِاشْتِرَاطِ ثُمّ خَطَبَ النّاسَ فَأَذّنَ فِيهِمْ بِبُطْلَانِ هَذَا الشّرْطِ وَتَضَمّنَ حُكْمًا مِنْ [ ص 152 ] فَسَادَ هَذَا الْحُكْمِ وَهُوَ كَوْنُ الْوَلَاءِ لِغَيْرِ الْمُعْتَقِ . وَأَمّا بُطْلَانُهُ إذَا شُرِطَ فَإِنّمَا اُسْتُفِيدَ مِنْ تَصْرِيحِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِبُطْلَانِهِ بَعْدَ اشْتِرَاطِهِ وَلَعَلّ الْقَوْمَ اعْتَقَدُوا أَنّ اشْتِرَاطَهُ يُفِيدُ الْوَفَاءَ بِهِ وَإِنْ كَانَ خِلَافَ مُقْتَضَى الْعَقْدِ الْمُطْلَقِ فَأَبْطَلَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَإِنْ شُرِطَ كَمَا أَبْطَلَهُ بِدُونِ الشّرْطِ . فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا فَاتَ مَقْصُودُ الْمُشْتَرِطِ بِبُطْلَانِ الشّرْطِ فَإِنّهُ إمّا أَنْ يُسَلّطَ عَلَى الْفَسْخِ أَوْ يُعْطَى مِنْ الْأَرْشِ بِقَدْرِ مَا فَاتَ مِنْ غَرَضِهِ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَقْضِ بِوَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ . قِيلَ هَذَا إنّمَا يُثْبِتُ إذَا كَانَ الْمُشْتَرِطُ جَاهِلًا بِفَسَادِ الشّرْطِ . فَأَمّا إذَا عَلِمَ بُطْلَانَهُ وَمُخَالَفَتَهُ لِحُكْمِ اللّهِ كَانَ عَاصِيًا آثِمًا بِإِقْدَامِهِ عَلَى اشْتِرَاطِهِ فَلَا فَسْخَ لَهُ وَلَا أَرْشَ وَهَذَا أَظْهَرُ الْأَمْرَيْنِ فِي مَوَالِي بَرِيرَةَ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . فَصْلٌ [ مَا فِي إنّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ مِنْ الْعُمُومِ ] وَفِي قَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " إنّمَا الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ " مِنْ الْعُمُومِ مَا يَقْتَضِي ثُبُوتَهُ لِمَنْ أَعْتَقَ سَائِبَةً أَوْ فِي زَكَاةٍ أَوْ كَفّارَةٍ أَوْ عِتْقٍ وَاجِبٍ وَهَذَا قَوْلُ الشّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرّوَايَاتِ وَقَالَ فِي الرّوَايَةِ الْأُخْرَى : لَا وَلَاءَ عَلَيْهِ وَقَالَ فِي الثّالِثَةِ يُرَدّ وَلَاؤُهُ فِي عِتْقِ مِثْلِهِ وَيَحْتَجّ بِعُمُومِهِ أَحْمَدُ وَمَنْ وَافَقَهُ فِي أَنّ الْمُسْلِمَ إذَا أَعْتَقَ عَبْدًا ذِمّيّا ثُمّ مَاتَ الْعَتِيقُ وَرِثَهُ بِالْوَلَاءِ وَهَذَا الْعُمُومُ أَخَصّ مِنْ قَوْلِهِ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ فَيُخَصّصُهُ أَوْ يُقَيّدُهُ وَقَالَ الشّافِعِيّ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرِثُهُ بِالْوَلَاءِ إلّا أَنْ يَمُوتَ الْعَبْدُ مُسْلِمًا وَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا : إنّ عُمُومَ قَوْلِهِ " الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ " مَخْصُوصٌ بِقَوْلِهِ لَا يَرِثُ الْمُسْلِمُ الْكَافِرَ [ ص 153 ] فَصْلٌ [ تَخْيِيرُ الْأَمَةِ الْمُزَوّجَةِ إذَا أُعْتِقَتْ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ ] وَفِي الْقِصّةِ مِنْ الْفِقْهِ تَخْيِيرُ الْأَمَةِ الْمُزَوّجَةِ إذَا أُعْتِقَتْ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الرّوَايَةُ فِي زَوْجِ بَرِيرَةَ هَلْ كَانَ عَبْدًا أَوْ حُرّا ؟ فَقَالَ الْقَاسِمُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا : كَانَ عَبْدًا وَلَوْ كَانَ حُرّا لَمْ يُخَيّرْهَا وَقَالَ عُرْوَةُ عَنْهَا : كَانَ حُرّا . وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : كَانَ عَبْدًا أَسْوَدَ يُقَالُ لَهُ مُغِيثُ عَبْدًا لِبَنِي فُلَانٍ كَأَنّي أَنْظُرُ إلَيْهِ يَطُوفُ وَرَاءَهَا فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ وَكُلّ هَذَا فِي الصّحِيحِ . وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُد " عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ كَانَ عَبْدًا لِآلِ أَبِي أَحْمَدَ فَخَيّرَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ لَهَا : إنْ قَرُبَك فَلَا خِيَارَ لَكِ وَفِي " مُسْنَدِ أَحْمَدَ " عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا : أَنّ بَرِيرَةَ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَلَمّا أَعْتَقَتْهَا قَالَ لَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اخْتَارِي فَإِنْ شِئْتِ أَنْ تَمْكُثِي تَحْتَ هَذَا الْعَبْدِ وَإِنْ شِئْتِ أَنْ تُفَارِقِيهِ وَقَدْ رَوَى فِي " الصّحِيحِ " : أَنّهُ كَانَ حُرّا . وَأَصَحّ الرّوَايَاتِ وَأَكْثَرُهَا : أَنّهُ كَانَ عَبْدًا وَهَذَا الْخَبَرُ رَوَاهُ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا ثَلَاثَةٌ الْأَسْوَدُ وَعُرْوَةُ وَالْقَاسِمُ أَمّا الْأَسْوَدُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ عَنْ عَائِشَةَ أَنّهُ كَانَ حُرّا وَأَمّا عُرْوَةُ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ مُتَعَارِضَتَانِ إحْدَاهُمَا : أَنّهُ كَانَ حُرّا وَالثّانِيَةُ أَنّهُ كَانَ عَبْدًا وَأَمّا عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ فَعَنْهُ رِوَايَتَانِ صَحِيحَتَانِ إحْدَاهُمَا : أَنّهُ كَانَ حُرّا وَالثّانِيَةُ الشّكّ . قَالَ دَاوُد بْنُ مُقَاتِلٍ وَلَمْ تَخْتَلِفْ الرّوَايَةُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ كَانَ عَبْدًا . [اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي تَخْيِيرِ الْأَمَةِ إذَا أُعْتِقَتْ وَزَوْجُهَا حُرّ ] [ مَآخِذُ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ فِي إثْبَاتِ الْخِيَارِ لِلْمُعْتَقَةِ ] وَاتّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى تَخْيِيرِ الْأَمَةِ إذَا أُعْتِقَتْ وَزَوْجُهَا عَبْدٌ وَاخْتَلَفُوا إذَا كَانَ حُرّا فَقَالَ الشّافِعِيّ وَمَالِكٌ وَأَحْمَدُ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْهُ لَا تَخْيِيرَ وَقَالَ [ ص 154 ] أَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي الرّوَايَةِ الثّانِيَةِ تُخَيّرُ . وَلَيْسَتْ الرّوَايَتَانِ مَبْنِيّتَيْنِ عَلَى كَوْنِ زَوْجِهَا عَبْدًا أَوْ حُرّا بَلْ عَلَى تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ فِي إثْبَاتِ الْخِيَارِ لَهَا وَفِيهِ ثَلَاثَةُ مَآخِذَ لِلْفُقَهَاءِ أَحَدُهَا : زَوَالُ الْكَفَاءَةِ وَهُوَ الْمُعَبّرُ عَنْهُ بِقَوْلِهِمْ كَمُلَتْ تَحْتَ نَاقِصٍ الثّانِي : أَنّ عِتْقَهَا أَوْجَبَ لِلزّوْجِ مِلْكَ طَلْقَةٍ ثَالِثَةٍ عَلَيْهَا لَمْ تَكُنْ مَمْلُوكَةً لَهُ بِالْعَقْدِ وَهَذَا مَأْخَذُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ وَبَنَوْا عَلَى أَصْلِهِمْ أَنْ الطّلَاقَ مُعْتَبَرٌ بِالنّسَاءِ لَا بِالرّجَالِ . الثّالِثُ مِلْكُهَا نَفْسَهَا وَنَحْنُ نُبَيّنُ مَا فِي هَذِهِ . [ الرّدّ عَلَى الْمَأْخَذِ الْأَوّلِ وَهُوَ كَمَالُهَا تَحْتَ نَاقِصٍ ] الْمَأْخَذُ الْأَوّلُ وَهُوَ كَمَالُهَا تَحْتَ نَاقِصٍ فَهَذَا يَرْجِعُ إلَى أَنّ الْكَفَاءَةَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الدّوَامِ كَمَا هِيَ مُعْتَبَرَةٌ فِي الِابْتِدَاءِ فَإِذَا زَالَتْ خُيّرَتْ الْمَرْأَةُ كَمَا تُخَيّرُ إذَا بَانَ الزّوْجُ غَيْرَ كُفْءٍ لَهَا وَهَذَا ضَعِيفٌ مِنْ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنّ شُرُوطَ النّكَاحِ لَا يُعْتَبَرُ دَوَامُهَا وَاسْتِمْرَارُهَا وَكَذَلِكَ تَوَابِعُهُ الْمُقَارِنَةُ لِعَقْدِهِ لَا يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ تَوَابِعَ فِي الدّوَامِ فَإِنّ رِضَى الزّوْجَةِ غَيْرِ الْمُجْبَرَةِ شَرْطٌ فِي الِابْتِدَاءِ دُونَ الدّوَامِ وَكَذَلِكَ الْوَلِيّ وَالشّاهِدَانِ وَكَذَلِكَ مَانِعُ الْإِحْرَامِ وَالْعِدّةِ وَالزّنَى عِنْدَ مَنْ يَمْنَعُ نِكَاحَ الزّانِيَةِ إنّمَا يَمْنَعُ ابْتِدَاءَ الْعَقْدِ دُونَ اسْتِدَامَتِهِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ اشْتِرَاطِ الْكَفَاءَةِ ابْتِدَاءُ اشْتِرَاطِ اسْتِمْرَارِهَا وَدَوَامِهَا . الثّانِي : أَنّهُ لَوْ زَالَتْ الْكَفَاءَةُ فِي أَثْنَاءِ النّكَاحِ بِفِسْقِ الزّوْجِ أَوْ حُدُوثِ عَيْبٍ مُوجِبٍ لِلْفَسْخِ لَمْ يَثْبُتْ الْخِيَارُ عَلَى ظَاهِرِ الْمَذْهَبِ وَهُوَ اخْتِيَارُ قُدَمَاءِ الْأَصْحَابِ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ . وَأَثْبَتَ الْقَاضِي الْخِيَارَ بِالْعَيْبِ الْحَادِثِ وَيَلْزَمُهُ إثْبَاتُهُ بِحُدُوثِ فِسْقِ الزّوْجِ وَقَالَ الشّافِعِيّ إنْ حَدَثَ بِالزّوْجِ ثَبَتَ الْخِيَارُ وَإِنْ حَدَث بِالزّوْجَةِ فَعَلَى قَوْلَيْنِ . [الرّدّ عَلَى الْمَأْخَذِ الثّانِي وَهُوَ أَنّ عِتْقَهَا أَوْجَبَ لِلزّوْجِ عَلَيْهَا مِلْكَ طَلْقَةٍ ثَالِثَة ] وَأَمّا الْمَأْخَذُ الثّانِي وَهُوَ أَنّ عِتْقَهَا أَوْجَبَ لِلزّوْجِ عَلَيْهَا مِلْكَ طَلْقَةٍ ثَالِثَةٍ فَمَأْخَذٌ ضَعِيفٌ جِدّا فَأَيّ مُنَاسَبَةٍ بَيْنَ ثُبُوتِ طَلْقَةٍ ثَالِثَةٍ وَبَيْنَ ثُبُوتِ الْخِيَارِ لَهَا ؟ وَهَلْ نَصَبَ الشّارِعُ مِلْكَ الطّلْقَةِ الثّالِثَةِ سَبَبًا لِمِلْكِ الْفَسْخِ وَمَا يُتَوَهّمُ - مِنْ أَنّهَا كَانَتْ تَبِينُ مِنْهُ بِاثْنَتَيْنِ فَصَارَتْ لَا تَبِينُ إلّا بِثَلَاثٍ وَهُوَ زِيَادَةُ إمْسَاكٍ وَحَبْسٍ لَمْ [ ص 155 ] فَكَيْفَ يَسْلُبُهُ إيّاهُ مِلْكَهُ عَلَيْهَا طَلْقَةً ثَالِثَةً وَهَذَا لَوْ كَانَ الطّلَاقُ مُعْتَبَرًا بِالنّسَاءِ فَكَيْفَ وَالصّحِيحُ أَنّهُ مُعْتَبِرٌ بِمَنْ هُوَ بِيَدِهِ وَإِلَيْهِ وَمَشْرُوعٌ فِي جَانِبِهِ . [ تَرْجِيحُ الْمُصَنّفِ لِلْمَأْخَذِ الثّالِثِ وَهُوَ مِلْكُهَا نَفْسَهَا ] وَأَمّا الْمَأْخَذُ الثّالِثُ وَهُوَ مَلِكُهَا نَفْسَهَا فَهُوَ أَرْجَحُ الْمَآخِذِ وَأَقْرَبُهَا إلَى أُصُولِ الشّرْعِ وَأَبْعَدُهَا مِنْ التّنَاقُضِ وَسِرّ هَذَا الْمَأْخَذِ أَنّ السّيّدَ عَقَدَ عَلَيْهَا بِحُكْمِ الْمِلْكِ حَيْثُ كَانَ مَالِكًا لِرَقَبَتِهَا وَمَنَافِعِهَا وَالْعِتْقُ يَقْتَضِي تَمْلِيكَ الرّقَبَةِ وَالْمَنَافِعِ لِلْمُعْتِقِ وَهَذَا مَقْصُودُ الْعِتْقِ وَحِكْمَتُهُ فَإِذَا مَلَكَتْ رَقَبَتَهَا مَلَكَتْ بُضْعَهَا وَمَنَافِعَهَا وَمِنْ جُمْلَتِهَا مَنَافِعُ الْبُضْعِ فَلَا يُمَلّك عَلَيْهَا إلّا بِاخْتِيَارِهَا فَخَيّرَهَا الشّارِعُ بَيْنَ أَنْ تُقِيمَ مَعَ زَوْجِهَا وَبَيْنَ أَنْ تَفْسَخَ نِكَاحَهُ إذْ قَدْ مَلَكَتْ مَنَافِعَ بُضْعِهَا وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ بَرِيرَةَ أَنّهُ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَهَا : مَلَكْتِ نَفْسَكِ فَاخْتَارِي فَإِنْ قِيلَ هَذَا يَنْتَقِضُ بِمَا لَوْ زَوّجَهَا ثُمّ بَاعَهَا فَإِنّ الْمُشْتَرِيَ قَدْ مَلَكَ رَقَبَتَهَا وَبُضْعَهَا وَمَنَافِعَهُ وَلَا تُسَلّطُونَهُ عَلَى فَسْخِ النّكَاحِ . قُلْنَا : لَا يَرِدُ هَذَا نَقْضًا فَإِنّ الْبَائِعَ نَقَلَ إلَى الْمُشْتَرِي مَا كَانَ مَمْلُوكًا لَهُ فَصَارَ الْمُشْتَرِي خَلِيفَتهُ وَهُوَ لَمّا زَوّجَهَا أَخْرَجَ مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ عَنْ مِلْكِهِ إلَى الزّوْجِ ثُمّ نَقَلَهَا إلَى الْمُشْتَرِي مَسْلُوبَةً مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ فَصَارَ كَمَا لَوْ آجَرَ عَبْدَهُ مُدّةً ثُمّ بَاعَهُ . فَإِنْ قِيلَ فَهَبْ أَنّ هَذَا يَسْتَقِيمُ لَكُمْ فِيمَا إذَا بَاعَهَا فَهَلّا قُلْتُمْ ذَلِكَ إذَا أَعْتَقَهَا وَأَنّهَا مَلَكَتْ نَفْسَهَا مَسْلُوبَةً مَنْفَعَةَ الْبُضْعِ كَمَا لَوْ آجَرَهَا ثُمّ أَعْتَقَهَا وَلِهَذَا يَنْتَقِضُ عَلَيْكُمْ هَذَا الْمَأْخَذُ ؟ . قِيلَ الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا : أَنّ الْعِتْقَ فِي تَمْلِيكِ الْعَتِيقِ رَقَبَتَهُ وَمَنَافِعَهُ أَقْوَى مِنْ الْبَيْعِ وَلِهَذَا يَنْفُذُ فِيمَا لَمْ يُعْتِقْهُ وَيَسْرِي فِي حِصّةِ الشّرِيكِ بِخِلَافِ الْبَيْعِ فَالْعِتْقُ إسْقَاطُ مَا كَانَ السّيّدُ يَمْلِكُهُ مِنْ عَتِيقِهِ وَجَعَلَهُ لَهُ مُحَرّرًا وَذَلِكَ يَقْتَضِي إسْقَاطَ مِلْكِ نَفْسِهِ وَمَنَافِعِهَا كُلّهَا . وَإِذَا كَانَ الْعِتْقُ يَسْرِي فِي مِلْكِ الْغَيْرِ الْمَحْضِ الّذِي لَا [ ص 156 ] حَقّ لَهُ فِيهِ الْبَتّةَ فَكَيْفَ لَا يَسْرِي إلَى مَلِكِهِ الّذِي تَعَلّقَ بِهِ حَقّ الزّوْجِ فَإِذَا سَرَى إلَى نَصِيبِ الشّرِيكِ الّذِي حَقّ لِلْمُعْتِقِ فِيهِ فَسَرَيَانُهُ إلَى مِلْكِ الّذِي يَتَعَلّقُ بِهِ حَقّ الزّوْجِ أَوْلَى وَأَحْرَى فَهَذَا مَحْضُ الْعَدْلِ وَالْقِيَاسِ الصّحِيحِ . فَإِنْ قِيلَ فَهَذَا فِيهِ إبْطَالُ حَقّ الزّوْجِ مِنْ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ بِخِلَافِ الشّرِيكِ فَإِنّهُ يَرْجِعُ إلَى الْقِيمَةِ . قِيلَ الزّوْجُ قَدْ اسْتَوْفَى الْمَنْفَعَةَ بِالْوَطْءِ فَطَرَيَانُ مَا يُزِيلُ دَوَامَهَا لَا يُسْقِطُ لَهُ حَقّا كَمَا لَوْ طَرَأَ مَا يُفْسِدُهُ أَوْ يَفْسَخُهُ بِرَضَاعٍ أَوْ حُدُوثِ عَيْبٍ أَوْ زَوَالِ كَفَاءَةٍ عِنْدَ مَنْ يَفْسَخُ بِهِ . [إشْكَالَانِ عَلَى تَخْيِيرِ الْمُعْتَقَةِ إذَا كَانَتْ مُتَزَوّجَةً بِحُرّ ] فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُونَ فِيمَا رَوَاهُ النّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَوْهِبٍ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ قَالَ كَانَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا غُلَامٌ وَجَارِيَةٌ قَالَتْ فَأَرَدْت أَنْ أُعْتِقَهُمَا فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ ابْدَئِي بِالْغُلَامِ قَبْلَ الْجَارِيَةِ وَلَوْلَا أَنّ التّخْيِيرَ يُمْنَعُ إذَا كَانَ الزّوْجُ حُرّا لَمْ يَكُنْ لِلْبُدَاءَةِ بِعِتْقِ الْغُلَامِ فَائِدَةٌ فَإِذَا بَدَأَتْ بِهِ عَتَقَتْ تَحْتَ حُرّ فَلَا يَكُونُ لَهَا اخْتِيَارٌ . وَفِي " سُنَنِ النّسَائِيّ " أَيْضًا : أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ أَيّمَا أَمَةٍ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدٍ فَعَتَقَتْ فَهِيَ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَطَأْهَا زَوْجُهَا قِيلَ أَمّا الْحَدِيثُ الْأَوّلُ فَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ الْعُقَيْلِيّ وَقَدْ رَوَاهُ هَذَا خَبَرٌ لَا يُعْرَفُ إلّا بِعُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ مَوْهِبٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ . وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ هُوَ [ ص 157 ] كَانَا زَوْجَيْنِ بَلْ قَالَ كَانَ لَهَا عَبْدٌ وَجَارِيَةٌ . ثُمّ لَوْ كَانَا زَوْجَيْنِ لَمْ يَكُنْ فِي أَمْرِهِ لَهَا بِعِتْقِ الْعَبْدِ أَوّلًا مَا يُسْقِطُ خِيَارَ الْمُعْتَقَةِ تَحْتَ الْحُرّ وَلَيْسَ فِي الْخَبَرِ أَنّهُ أَمَرَهَا بِالِابْتِدَاءِ بِالزّوْجِ لِهَذَا الْمَعْنَى بَلْ الظّاهِرُ أَنّهُ أَمَرَهَا بِأَنْ تَبْتَدِئَ بِالذّكَرِ لِفَضْلِ عِتْقِهِ عَلَى الْأُنْثَى وَأَنّ عِتْقَ أُنْثَيَيْنِ يَقُومُ مَقَامَ عِتْقِ ذَكَرٍ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصّحِيحِ مُبَيّنًا . وَأَمّا الْحَدِيثُ الثّانِي : فَضُعّفَ لِأَنّهُ مِنْ رِوَايَةِ الْفَضْلِ بْنِ حَسَنِ بْنِ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ وَهُوَ مَجْهُولٌ . فَإِذَا تَقَرّرَ هَذَا وَظَهَرَ حُكْمُ الشّرْعِ فِي إثْبَاتِ الْخِيَارِ لَهَا فَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا أُعْتِقَتْ الْأَمَةُ فَهِيَ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَطَأْهَا إنْ شَاءَتْ فَارَقَتْهُ وَإِنْ وَطِئَهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا وَلَا تَسْتَطِيعُ فِرَاقَهُ وَيُسْتَفَادُ مِنْ هَذَا قَضِيّتَانِ . [خِيَارُ الْمُعْتَقَةِ عَلَى التّرَاخِي ] إحْدَاهُمَا : أَنّ خِيَارَهَا عَلَى التّرَاخِي مَا لَمْ تُمَكّنْهُ مِنْ وَطِئَهَا وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ . وَالشّافِعِيّ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ . هَذَا أَحَدُهَا . وَالثّانِي : أَنّهُ عَلَى الْفَوْرِ وَالثّالِثُ أَنّهُ إلَى ثَلَاثَةِ أَيّامٍ . [ التّمْكِينُ مِنْ الْوَطْءِ يَسْقُطُ ] الثّانِيَةُ أَنّهَا إذَا مَكّنَتْهُ مِنْ نَفْسِهَا فَوَطِئَهَا سَقَطَ خِيَارُهَا وَهَذَا إذَا عَلِمَتْ بِالْعِتْقِ وَثُبُوتِ الْخِيَارِ بِهِ فَلَوْ جَهِلَتْهُمَا لَمْ يَسْقُطْ خِيَارُهَا بِالتّمْكِينِ مِنْ الْوَطْءِ . وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ أَنّهَا لَا تُعْذَرُ بِجَهْلِهَا بِمِلْكِ الْفَسْخِ بَلْ إذَا عَلِمَتْ بِالْعِتْقِ وَمَكّنَتْهُ مِنْ وَطِئَهَا سَقَطَ خِيَارُهَا وَلَوْ لَمْ تَعْلَمْ أَنّ لَهَا الْفَسْخَ وَالرّوَايَةُ الْأُولَى أَصَحّ فَإِنْ عَتَقَ الزّوْجُ قَبْلَ أَنْ تَخْتَارَ - وَقُلْنَا : إنّهُ لَا خِيَارَ لِلْمُعْتَقَةِ تَحْتَ حُرّ - بَطَلَ خِيَارُهَا لِمُسَاوَاةِ الزّوْجِ لَهَا وَحُصُولِ الْكَفَاءَةِ قَبْلَ الْفَسْخِ . قَالَ الشّافِعِيّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ - وَلَيْسَ هُوَ الْمَنْصُورَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ لَهَا الْفَسْخُ لِتَقَدّمِ مِلْكِ الْخِيَارِ عَلَى الْعِتْقِ فَلَا يُبْطِلُهُ وَالْأَوّلُ أَقْيَسُ لِزَوَالِ سَبَبِ الْفَسْخِ بِالْعِتْقِ وَكَمَا لَوْ زَالَ الْعَيْبُ [ ص 158 ] زَالَ الْإِعْسَارُ فِي زَمَنِ مِلْكِ الزّوْجَةِ الْفَسْخَ بِهِ . وَإِذَا قُلْنَا : الْعِلّةُ مِلْكُهَا نَفْسِهَا فَلَا أَثَرَ لِذَلِكَ فَإِنْ طَلّقَهَا طَلَاقًا رَجْعِيّا فَعَتَقَتْ فِي عِدّتِهَا فَاخْتَارَتْ الْفَسْخَ بَطَلَتْ الرّجْعَةُ وَإِنْ اخْتَارَتْ الْمَقَامَ مَعَهُ صَحّ وَسَقَطَ اخْتِيَارُهَا لِلْفَسْخِ لِأَنّ الرّجْعِيّةَ كَالزّوْجَةِ . وَقَالَ الشّافِعِيّ وَبَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ : لَا يَسْقُطُ خِيَارُهَا إذَا رَضِيَتْ بِالْمَقَامِ دُونَ الرّجْعَةِ وَلَهَا أَنْ تَخْتَارَ نَفْسَهَا بَعْدَ الِارْتِجَاعِ وَلَا يَصِحّ اخْتِيَارُهَا فِي زَمَنِ الطّلَاقِ فَإِنّ الِاخْتِيَارَ فِي زَمَنٍ هِيَ فِيهِ صَائِرَةٌ إلَى بَيْنُونَةِ مُمْتَنِعٍ . فَإِذَا رَاجَعَهَا صَحّ حِينَئِذٍ أَنْ تَخْتَارَهُ وَتُقِيمَ مَعَهُ لِأَنّهَا صَارَتْ زَوْجَةً وَعَمِلَ الِاخْتِيَارُ عَمَلَهُ وَتَرَتّبَ أَثَرُهُ عَلَيْهِ . وَنَظِيرُ هَذَا إذَا ارْتَدّ زَوْجُ الْأَمَةِ بَعْدَ الدّخُولِ ثُمّ عَتَقَتْ فِي زَمَنِ الرّدّةِ فَعَلَى الْقَوْلِ الْأَوّلِ لَهَا الْخِيَارُ قَبْلَ إسْلَامِهِ فَإِنْ اخْتَارَتْهُ ثُمّ أَسْلَمَ سَقَطَ مِلْكُهَا لِلْفَسْخِ وَعَلَى قَوْلِ الشّافِعِيّ : لَا يَصِحّ لَهَا خِيَارٌ قَبْلَ إسْلَامِهِ لِأَنّ الْعَقْدَ صَائِرٌ إلَى الْبُطْلَانِ . فَإِذَا أَسْلَمَ صَحّ خِيَارُهَا . فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُونَ إذَا طَلّقَهَا قَبْلَ أَنْ تَفْسَخَ هَلْ يَقَعُ الطّلَاقُ أَمْ لَا ؟ . قِيلَ نَعَمْ يَقَعُ لِأَنّهَا زَوْجَةٌ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرُهُمْ يُوقَفُ الطّلَاقُ فَإِنْ فَسَخَتْ تَبَيّنّا أَنّهُ لَمْ يَقَعْ وَإِنْ اخْتَارَتْ زَوْجَهَا تَبَيّنّا وُقُوعَهُ . فَإِنْ قِيلَ فَمَا حُكْمُ الْمَهْرِ إذَا اخْتَارَتْ الْفَسْخَ ؟ . قِيلَ إمّا أَنْ تَفْسَخَ قَبْلَ الدّخُولِ أَوْ بَعْدَهُ . فَإِنْ فَسَخَتْ بَعْدَهُ لَمْ يَسْقُطْ الْمَهْرَ وَهُوَ لِسَيّدِهَا سَوَاءٌ فَسَخَتْ أَوْ أَقَامَتْ وَإِنْ فَسَخَتْ قَبْلَهُ فَفِيهِ قَوْلَانِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ . إحْدَاهُمَا : لَا مَهْرَ لِأَنّ الْفُرْقَةَ مِنْ جِهَتِهَا وَالثّانِيَةُ يَجِبُ نِصْفُهُ وَيَكُونُ لِسَيّدِهَا لَا لَهَا . فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُونَ فِي الْمُعْتَقِ نِصْفُهَا هَلْ لَهَا خِيَارٌ ؟ قِيلَ فِيهَا قَوْلَانِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ فَإِنْ قُلْنَا : لَا خِيَارَ لَهَا كَزَوْجِ مُدَبّرَةٍ لَهُ لَا يَمْلِكُ غَيْرَهَا وَقِيمَتُهَا مِائَةٌ فَعَقَدَ عَلَى مِائَتَيْنِ مَهْرًا ثُمّ مَاتَ عَتَقَتْ وَلَمْ تَمْلِكْ الْفَسْخَ قَبْلَ [ ص 159 ] سَقَطَ الْمَهْرُ أَوْ انْتَصَفَ فَلَمْ تَخْرُجْ مِنْ الثّلُثِ فَيَرِقّ بَعْضُهَا فَيَمْتَنِعُ الْفَسْخُ قَبْلَ الدّخُولِ بِخِلَافِ مَا إذَا لَمْ تَمْلِكْهُ فَإِنّهَا تَخْرُجُ مِنْ الثّلُثِ فَيَعْتِقُ جَمِيعُهَا . فَصْلٌ فِي قَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَوْ رَاجَعْتِهِ فَقَالَتْ أَتَأْمُرُنِي ؟ فَقَالَ لَا إنّمَا أَنَا شَافِعٌ فَقَالَتْ لَا حَاجَةَ لِي فِيهِ فِيهِ ثَلَاثُ قَضَايَا . [ الْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ ] إحْدَاهَا : أَنّ أَمْرَهُ عَلَى الْوُجُوبِ وَلِهَذَا فَرّقَ بَيْنَ أَمْرِهِ وَشَفَاعَتِهِ وَلَا رَيْبَ أَنّ امْتِثَالَ شَفَاعَتِهِ مِنْ أَعْظَمِ الْمُسْتَحَبّاتِ . [لَا يَحْرُمُ عِصْيَانُ شَفَاعَتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ] الثّانِيَةُ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَغْضَبْ عَلَى بَرِيرَةَ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهَا إذْ لَمْ تَقْبَلْ شَفَاعَتُهُ لِأَنّ الشّفَاعَةَ فِي إسْقَاطِ الْمَشْفُوعِ عِنْدَهُ حَقّهُ وَذَلِكَ إلَيْهِ إنْ شَاءَ أَسْقَطَهُ وَإِنْ شَاءَ أَبْقَاهُ فَلِذَلِكَ لَا يَحْرُمُ عِصْيَانُ شَفَاعَتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَيَحْرُمُ عِصْيَانُ أَمْرِهِ . [ مَعْنَى الْمُرَاجَعَةِ فِي لِسَانِ الشّارِعِ ] الثّالِثَةُ أَنّ اسْمَ الْمُرَاجَعَةِ فِي لِسَانِ الشّارِعِ قَدْ يَكُونُ مَعَ زَوَالِ عَقْدِ النّكَاحِ بِالْكُلّيّةِ فَيَكُونُ ابْتِدَاءَ عَقْدٍ وَقَدْ يَكُونُ مَعَ تَشَعّثِهِ فَيَكُونُ إمْسَاكًا وَقَدْ سَمّى سُبْحَانَهُ ابْتِدَاءَ النّكَاحِ لِلْمُطَلّقِ ثَلَاثًا بَعْدَ الزّوْجِ الثّانِي مُرَاجَعَةً فَقَالَ فَإِنْ طَلّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا [ الْبَقَرَةُ 230 ] أَيْ إنْ طَلّقَهَا الثّانِي فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهَا وَعَلَى الْأَوّلِ أَنْ يَتَرَاجَعَا نِكَاحًا مُسْتَأْنَفًا . فَصْلٌ [مَا يُسْتَنْبَطُ مِنْ أَكْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ اللّحْمِ الّذِي تُصُدّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ ] وَفِي أَكْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ اللّحْمِ الّذِي تُصُدّقَ بِهِ عَلَى بَرِيرَةَ وَقَالَ هُوَ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَلَنَا هَدِيّةٌ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ الْغَنِيّ وَبَنِي هَاشِم ٍ وَكُلّ مَنْ تَحْرُمُ عَلَيْهِ الصّدَقَةُ مِمّا يُهْدِيهِ إلَيْهِ الْفَقِيرُ مِنْ الصّدَقَةِ لِاخْتِلَافِ جِهَةِ الْمَأْكُولِ وَلِأَنّهُ قَدْ بَلَغَ مَحِلّهُ وَكَذَلِكَ يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهُ مِنْهُ بِمَالِهِ . هَذَا إذَا لَمْ تَكُنْ صَدَقَةَ نَفْسِهِ فَإِنْ كَانَتْ صَدَقَتُهُ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَشْتَرِيَهَا وَلَا يَهَبَهَا وَلَا يَقْبَلَهَا هَدِيّةً . كَمَا نَهَى [ ص 160 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَنْ شِرَاءِ صَدَقَتِهِ وَقَالَ لَا تَشْتَرِهِ وَإِنْ أَعْطَاكَهُ بِدِرْهَمٍ فَصْلٌ فِي قَضَائِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الصّدَاقِ بِمَا قَلّ وَكَثُرَ وَقَضَائِهِ بِصِحّةِ النّكَاحِ عَلَى مَا مَعَ الزّوْجِ مِنْ الْقُرْآنِ ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " : عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا : كَانَ صَدَاقُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَزْوَاجِهِ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيّةً وَنَشَا فَذَلِكَ خَمْسُمِائَةٍ . وَقَالَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ مَا عَلِمْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَكَحَ شَيْئًا مِنْ نِسَائِهِ وَلَا أَنْكَحَ شَيْئًا مِنْ بَنَاتِهِ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ أُوقِيّة . قَالَ التّرْمِذِيّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . انْتَهَى . وَالْأُوقِيّةُ أَرْبَعُونَ دِرْهَمًا . وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " : مِنْ حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لِرَجُلٍ تَزَوّجْ وَلَوْ بِخَاتَمٍ مِنْ حَدِيدٍ . وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُد " : مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ مَنْ أَعْطَى فِي صَدَاقٍ مِلْءَ كَفّيْهِ سَوِيقًا أَوْ تَمْرًا فَقَدْ اسْتَحَلّ . [ ص 161 ] أَنّ امْرَأَةً مِنْ بَنِي فَزَارَةَ تَزَوّجَتْ عَلَى نَعْلَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَضِيت مِنْ نَفْسِكِ وَمَالِك بِنَعْلَيْنِ ؟ قَالَتْ نَعَمْ فَأَجَازَهُ . قَالَ التّرْمِذِيّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَفِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " : مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ أَعْظَمَ النّكَاحِ بَرَكَةً أَيْسَرُهُ مَؤُونَةً . وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : أَنّ امْرَأَةً جَاءَتْ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي قَدْ وَهَبْتُ نَفْسِي لَك فَقَامَتْ طَوِيلًا فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ زَوّجْنِيهَا إنْ لَمْ تَكُنْ لَكَ بِهَا حَاجَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَهَلْ عِنْدَكَ مِنْ شَيْءٍ تُصْدِقُهَا إيّاهُ ؟ قَالَ مَا عِنْدِي إلّا إزَارِي هَذَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " إنّكَ إنْ أَعْطَيْتَهَا إزَارَكَ جَلَسْتَ وَلَا إزَارَ لَك فَالْتَمِسْ شَيْئًا " قَالَ لَا أَجِدُ شَيْئًا قَالَ " فَالْتَمِسْ وَلَوْ خَاتَمًا مِنْ حَدِيدٍ " فَالْتَمَسَ فَلَمْ يَجِدْ شَيْئًا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " هَلْ مَعَكَ شَيْءٌ مِنْ الْقُرْآنِ ؟ قَالَ نَعَمْ سُورَةُ كَذَا وَسُورَةُ كَذَا لِسُورٍ سَمّاهَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " قَدْ زَوّجْتُكَهَا بِمَا مَعَكَ مِنْ الْقُرْآنِ . [ ص 162 ] النّسَائِيّ أَنّ أَبَا طَلْحَةَ خَطَبَ أُمّ سُلَيْمٍ فَقَالَتْ وَاَللّهِ يَا أَبَا طَلْحَةَ مَا مِثْلُكَ يُرَدّ وَلَكِنّك رَجُلٌ كَافِرٌ وَأَنَا امْرَأَةٌ مُسْلِمَةٌ وَلَا يَحِلّ لِي أَنْ أَتَزَوّجَك فَإِنْ تُسْلِمْ فَذَاكَ مَهْرِي وَمَا أَسَالُك غَيْرَهُ فَأَسْلَمَ فَكَانَ ذَلِكَ مَهْرَهَا . قَالَ ثَابِتٌ فَمَا سَمِعْنَا بِامْرَأَةٍ قَطّ كَانَتْ أَكْرَمَ مَهْرًا مِنْ أُمّ سُلَيْمٍ فَدَخَلَ بِهَا فَوَلَدَتْ لَهُ . فَتَضَمّنَ هَذَا الْحَدِيثُ أَنّ الصّدَاقَ لَا يَتَقَدّرُ أَقَلّهُ وَأَنّ قَبْضَةَ السّوِيقِ وَخَاتَمَ الْحَدِيدِ وَالنّعْلَيْنِ يَصِحّ تَسْمِيَتُهَا مَهْرًا وَتَحِلّ بِهَا الزّوْجَةُ . وَتَضَمّنَ أَنّ الْمُغَالَاةَ فِي الْمَهْرِ مَكْرُوهَةٌ فِي النّكَاحِ وَأَنّهَا مِنْ قِلّةِ بَرَكَتِهِ وَعُسْرِهِ . وَتَضَمّنَ أَنّ الْمَرْأَةَ إذَا رَضِيَتْ بِعِلْمِ الزّوْجِ وَحِفْظِهِ لِلْقُرْآنِ أَوْ بَعْضِهِ مِنْ مَهْرِهَا جَازَ ذَلِكَ وَكَانَ مَا يَحْصُلُ لَهَا مِنْ انْتِفَاعِهَا بِالْقُرْآنِ وَالْعِلْمِ هُوَ صَدَاقُهَا كَمَا إذَا جَعَلَ السّيّدُ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا وَكَانَ انْتِفَاعُهَا بِحُرّيّتِهَا وَمِلْكِهَا لِرَقَبَتِهَا هُوَ صَدَاقَهَا وَهَذَا هُوَ الّذِي اخْتَارَتْهُ أُمّ سُلَيْمٍ مِنْ انْتِفَاعِهَا بِإِسْلَامِ أَبِي طَلْحَةَ وَبَذْلِهَا نَفْسَهَا لَهُ إنْ أَسْلَمَ وَهَذَا أَحَبّ إلَيْهَا مِنْ الْمَالِ الّذِي يَبْذُلُهُ الزّوْجُ فَإِنّ الصّدَاقَ شُرِعَ فِي الْأَصْلِ حَقّا لِلْمَرْأَةِ تَنْتَفِعُ بِهِ فَإِذَا رَضِيَتْ بِالْعِلْمِ وَالدّينِ وَإِسْلَامِ الزّوْجِ وَقِرَاءَتِهِ لِلْقُرْآنِ كَانَ هَذَا مِنْ أَفْضَلِ الْمُهُورِ وَأَنْفَعِهَا وَأَجَلّهَا فَمَا خَلَا الْعَقْدُ عَنْ مَهْرٍ وَأَيْنَ الْحُكْمُ بِتَقْدِيرِ الْمَهْرِ بِثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ أَوْ عَشَرَةٍ مِنْ النّصّ ؟ وَالْقِيَاسُ إلَى الْحُكْمِ بِصِحّةِ كَوْنِ الْمَهْرِ مَا ذَكَرْنَا نَصّا وَقِيَاسًا وَلَيْسَ هَذَا مُسْتَوِيًا بَيْنَ هَذِهِ الْمَرْأَةِ وَبَيْنَ الْمَوْهُوبَةِ الّتِي وَهَبَتْ نَفْسَهَا لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهِيَ خَالِصَةٌ لَهُ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ فَإِنّ تِلْكَ وَهَبَتْ نَفْسَهَا هِبَةً مُجَرّدَةً عَنْ وَلِيّ وَصَدَاقٍ بِخِلَافِ مَا نَحْنُ فِيهِ فَإِنّهُ نِكَاحٌ بِوَلِيّ وَصَدَاقٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ مَالِيّ فَإِنّ الْمَرْأَةَ جَعَلَتْهُ عِوَضًا عَنْ الْمَالِ لَمّا يَرْجِعُ إلَيْهَا مِنْ نَفْعِهِ وَلَمْ تَهَبْ نَفْسَهَا لِلزّوْجِ هِبَةً مُجَرّدَةً كَهِبَةِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهَا بِخِلَافِ [ ص 163 ] خَصّ اللّهُ بِهَا رَسُولَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَذَا مُقْتَضَى هَذِهِ الْأَحَادِيثِ . وَقَدْ خَالَفَ فِي بَعْضِهِ مَنْ قَالَ لَا يَكُونُ الصّدَاقُ إلّا مَالًا وَلَا تَكُونُ مَنَافِعَ أُخْرَى وَلَا عِلْمُهُ وَلَا تَعْلِيمُهُ صَدَاقًا كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ . وَمَنْ قَالَ لَا يَكُونُ أَقَلّ مِنْ ثَلَاثَةِ دَرَاهِمَ كَمَالِكٍ وَعَشَرَةِ دَرَاهِمَ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ شَاذّةٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهَا مِنْ كِتَابٍ وَلَا سُنّةٍ وَلَا إجْمَاعٍ وَلَا قِيَاسٍ وَلَا قَوْلِ صَاحِبٍ . وَمَنْ ادّعَى فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الّتِي ذَكَرْنَاهَا اخْتِصَاصَهَا بِالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَوْ أَنّهَا مَنْسُوخَةٌ أَوْ أَنْ عَمِلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ عَلَى خِلَافِهَا فَدَعْوَى لَا يَقُومُ عَلَيْهَا دَلِيلٌ . وَالْأَصْلُ يَرُدّهَا وَقَدْ زَوّجَ سَيّدُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مِنْ التّابِعِينَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ ابْنَتَهُ عَلَى دِرْهَمَيْنِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ أَحَدٌ بَلْ عُدّ ذَلِكَ فِي مَنَاقِبِهِ وَفَضَائِلِهِ وَقَدْ تَزَوّجَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ عَلَى صَدَاقِ خَمْسَةِ دَرَاهِمَ وَأَقَرّهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا سَبِيلَ إلَى إثْبَاتِ الْمَقَادِيرِ إلّا مِنْ جِهَةِ صَاحِبِ الشّرْعِ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَخُلَفَائِهِ فِي أَحَدِ الزّوْجَيْنِ يَجِدُ بِصَاحِبِهِ بَرَصًا أَوْ جُنُونًا أَوْ جُذَامًا أَوْ يَكُونُ الزّوْجُ عِنّينًا فِي " مُسْنَدِ أَحْمَدَ " : مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَزَوّجَ امْرَأَةً مَنْ بَنِي غِفَارٍ فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهَا وَوَضَعَ ثَوْبَهُ وَقَعَدَ عَلَى الْفِرَاشِ أَبْصَرَ بِكَشْحِهَا بَيَاضًا فَامّازَ عَنْ الْفِرَاشِ ثُمّ قَالَ خُذِي عَلَيْكِ ثِيَابَكِ " وَلَمْ يَأْخُذْ مِمّا آتَاهَا شَيْئًا وَفِي " الْمُوَطّأِ " : عَنْ عُمَرَ أَنّهُ قَالَ أَيّمَا امْرَأَةٍ غَرّ بِهَا رَجُلٌ بِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا أَصَابَ مِنْهَا وَصَدَاقُ الرّجُلِ عَلَى مَنْ غَرّهُ [ ص 164 ] قَضَى عُمَرُ فِي الْبَرْصَاءِ وَالْجَذْمَاءِ وَالْمَجْنُونَةِ إذَا دَخَلَ بِهَا فَرّقَ بَيْنَهُمَا وَالصّدَاقُ لَهَا بِمَسِيسِهِ إيّاهَا وَهُوَ لَهُ عَلَى وَلِيّهَا وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُد " : مِنْ حَدِيث عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا : طَلّقَ عَبْدُ يَزِيدَ أَبُو رُكَانَةَ زَوْجَتَهُ أُمّ رُكَانَةَ وَنَكَحَ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ فَجَاءَتْ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَتْ مَا يُغْنِي عَنّي إلّا كَمَا تُغْنِي هَذِهِ الشّعْرَةُ لِشَعْرَةٍ أَخَذَتْهَا مِنْ رَأْسِهَا فَفَرّقَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَأَخَذَتْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَمِيّةٌ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . وَفِيهِ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَهُ " طَلّقْهَا " فَفَعَلَ ثُمّ قَالَ " رَاجِعْ امْرَأَتَك أُمّ رُكَانَةَ " فَقَالَ إنّي طَلّقْتُهَا ثَلَاثًا يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ " قَدْ عَلِمْتُ ارْجِعْهَا " وَتَلَا : { يَا أَيّهَا النّبِيّ إِذَا طَلّقْتُمُ النّسَاءَ فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ } [ الطّلَاقُ 1 ] . وَلَا عِلّةَ لِهَذَا الْحَدِيثِ إلّا رِوَايَةُ ابْنِ جُرَيْجٍ لَهُ عَنْ بَعْضِ بَنِي أَبِي رَافِعٍ وَهُوَ مَجْهُولٌ وَلَكِنْ هُوَ تَابِعِيّ وَابْنُ جُرَيْجٍ مِنْ الْأَئِمّةِ الثّقَاتِ الْعُدُولِ وَرِوَايَةُ الْعَدْلِ عَنْ غَيْرِهِ تَعْدِيلٌ لَهُ مَا لَمْ يُعْلَمْ فِيهِ جَرْحٌ وَلَمْ يَكُنْ الْكَذِبُ ظَاهِرًا فِي التّابِعِينَ وَلَا سِيّمَا التّابِعِينَ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَلَا سِيّمَا مَوَالِي رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا سِيّمَا مِثْلُ هَذِهِ السّنّةِ الّتِي تَشْتَدّ حَاجَةُ النّاسِ إلَيْهَا لَا يُظَنّ بِابْنِ جُرَيْجٍ أَنّهُ حَمَلَهَا عَنْ كَذّابٍ وَلَا عَنْ غَيْرِ ثِقَةٍ عِنْدَهُ وَلَمْ يُبَيّنْ حَالَهُ . [ التّفْرِيقُ بِالْعُنّةِ ] وَجَاءَ التّفْرِيقُ بِالْعُنّةِ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ وَعَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَسَمُرَةَ بْنِ جُنْدُبٍ [ ص 165 ] وَمُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ وَالْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ لَكِنّ عُمَرَ وَابْنَ مَسْعُودٍ وَالْمُغِيرَةَ أَجّلُوهُ سَنَةً وَعُثْمَانُ وَمُعَاوِيَةُ وَسَمُرَةُ لَمْ يُؤَجّلُوهُ وَالْحَارِثُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ أَجّلَهُ عَشَرَةَ أَشْهُرٍ . [ التّفْرِيقُ بِالْعُقْمِ ] وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ حَدّثَنَا هُشَيْمٌ أَنْبَأَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَوْفٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ بَعَثَ رَجُلًا عَلَى بَعْضِ السّعَايَةِ فَتَزَوّجَ امْرَأَةً وَكَانَ عَقِيمًا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَعْلَمْتَهَا أَنّك عَقِيمٌ ؟ . قَالَ لَا قَالَ فَانْطَلِقْ فَأَعْلِمْهَا ثُمّ خَيّرْهَا . [ التّفْرِيقُ بِالْجُنُونِ اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِيمَا سَبَقَ ] وَأَجّلَ مَجْنُونًا سَنَةً فَإِنْ أَفَاقَ وَإِلّا فَرّقَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ امْرَأَتِهِ . فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ دَاوُد وَابْنُ حَزْمٍ وَمَنْ وَافَقَهُمَا : لَا يُفْسَخُ النّكَاحُ بِعَيْبٍ الْبَتّةَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لَا يُفْسَخُ إلّا بِالْجَبّ وَالْعُنّةِ خَاصّةً . وَقَالَ الشّافِعِيّ وَمَالِكٌ يُفْسَخُ بِالْجُنُونِ وَالْبَرَصِ وَالْجُذَامِ وَالْقَرَنِ وَالْجَبّ وَالْعُنّةِ خَاصّةً وَزَادَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَيْهِمَا : أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ فَتْقَاءَ مُنْخَرِقَةَ مَا بَيْنَ السّبِيلَيْنِ وَلِأَصْحَابِهِ فِي نَتْنِ الْفَرْجِ وَالْفَمِ وَانْخِرَاقِ مَخْرَجَيْ الْبَوْلِ وَالْمَنِيّ فِي الْفَرْجِ وَالْقُرُوحِ السّيّالَةِ فِيهِ وَالْبَوَاسِيرِ وَالنّاصُورِ وَالِاسْتِحَاضَةِ وَاسْتِطْلَاقِ الْبَوْلِ وَالنّجْوِ وَالْخَصْيِ وَهُوَ قَطْعُ الْبَيْضَتَيْنِ وَالسّلّ وَهُوَ سَلّ الْبَيْضَتَيْنِ وَالْوَجْءِ وَهُوَ رَضّهُمَا وَكَوْنِ أَحَدِهِمَا خُنْثَى مُشْكِلًا وَالْعَيْبِ الّذِي بِصَاحِبِهِ مِثْلُهُ مِنْ الْعُيُوبِ السّبْعَةِ وَالْعَيْبِ الْحَادِثِ بَعْدَ الْعَقْدِ وَجْهَانِ . وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشّافِعِيّ إلَى رَدّ الْمَرْأَةِ بِكُلّ عَيْبٍ تُرَدّ بِهِ الْجَارِيَةُ فِي الْبَيْعِ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْرِفُ هَذَا الْوَجْهَ وَلَا مَظِنّتَهُ وَلَا مَنْ قَالَهُ . وَمِمّنْ حَكَاهُ أَبُو عَاصِمٍ الْعَبَادَانِيّ فِي كِتَابِ طَبَقَاتِ أَصْحَابِ الشّافِعِيّ وَهَذَا الْقَوْلُ هُوَ الْقِيَاسُ أَوْ قَوْلُ ابْنِ حَزْمٍ وَمَنْ وَافَقَهُ . وَأَمّا الِاقْتِصَارُ عَلَى عَيْبَيْنِ أَوْ سِتّةٍ أَوْ سَبْعَةٍ أَوْ ثَمَانِيَةٍ دُونَ مَا هُوَ أَوْلَى مِنْهَا أَوْ مُسَاوٍ لَهَا فَلَا وَجْهَ لَهُ فَالْعَمَى وَالْخَرَسُ وَالطّرَشُ وَكَوْنُهَا مَقْطُوعَةَ الْيَدَيْنِ أَوْ الرّجْلَيْنِ أَوْ إحْدَاهُمَا أَوْ كَوْنُ الرّجُلِ كَذَلِكَ مِنْ أَعْظَمِ الْمُنَفّرَاتِ وَالسّكُوتُ عَنْهُ مِنْ أَقْبَحِ التّدْلِيسِ وَالْغِشّ وَهُوَ مُنَافٍ لِلدّينِ وَالْإِطْلَاقُ إنّمَا يَنْصَرِفُ إلَى السّلَامَةِ فَهُوَ كَالْمَشْرُوطِ عُرْفًا وَقَدْ قَالَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لِمَنْ تَزَوّجَ امْرَأَةً وَهُوَ لَا يُولَدُ لَهُ أَخْبِرْهَا أَنّكَ عَقِيمٌ وَخَيّرْهَا فَمَاذَا يَقُولُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فِي الْعُيُوبِ الّتِي هَذَا عِنْدَهَا كَمَالٌ لَا نَقْصٌ ؟ وَالْقِيَاسُ أَنّ كُلّ عَيْبٍ يُنَفّرُ الزّوْجَ الْآخَرَ مِنْهُ وَلَا يَحْصُلُ بِهِ مَقْصُودُ النّكَاحِ مِنْ الرّحْمَةِ وَالْمَوَدّةِ يُوجِبُ الْخِيَارَ وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْبَيْعِ كَمَا أَنّ الشّرُوطَ الْمُشْتَرَطَةَ فِي النّكَاحِ أَوْلَى بِالْوَفَاءِ مِنْ شُرُوطِ الْبَيْعِ وَمَا أَلْزَمَ اللّهُ وَرَسُولُهُ مَغْرُورًا قَطّ وَلَا مَغْبُونًا بِمَا غُرّ بِهِ وَغُبِنَ بِهِ وَمَنْ تَدَبّرَ مَقَاصِدَ الشّرْعِ فِي مَصَادِرِهِ وَمَوَارِدِهِ وَعَدْلِهِ وَحِكْمَتِهِ وَمَا اشْتَمَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْمَصَالِحِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِ رُجْحَانُ هَذَا الْقَوْلِ وَقُرْبُهُ مِنْ قَوَاعِدِ الشّرِيعَةِ . وَقَدْ رَوَى يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيّبِ قَالَ قَالَ عُمَرُ أَيّمَا امْرَأَةٍ زُوّجَتْ وَبِهَا جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ بَرَصٌ فَدَخَلَ بِهَا ثُمّ اطّلَعَ عَلَى ذَلِكَ فَلَهَا مَهْرُهَا بِمَسِيسِهِ إيّاهَا وَعَلَى الْوَلِيّ الصّدَاقُ بِمَا دَلّسَ كَمَا غَرّهُ وَرَدّ هَذَا بِأَنّ ابْنَ الْمُسَيّبِ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ عُمَرَ مِنْ بَابِ الْهَذَيَانِ الْبَارِدِ الْمُخَالِفِ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ الْحَدِيثِ قَاطِبَةً قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : إذَا لَمْ يَقْبَلْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ عَنْ عُمَرَ فَمَنْ يَقْبَلْ وَأَئِمّةُ الْإِسْلَامِ وَجُمْهُورُهُمْ يَحْتَجّونَ بِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ : قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَكَيْفَ بِرِوَايَتِهِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَكَانَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ يُرْسِلُ إلَى سَعِيدٍ يَسْأَلُهُ عَنْ قَضَايَا عُمَرَ فَيُفْتِي بِهَا وَلَمْ يَطْعَنْ أَحَدٌ قَطّ مِنْ أَهْلِ [ ص 167 ] سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ عَنْ عُمَرَ وَلَا عِبْرَةَ بِغَيْرِهِمْ . وَرَوَى الشّعْبِيّ عَنْ عَلِيّ : أَيّمَا امْرَأَةٍ نُكِحَتْ وَبِهَا بَرَصٌ أَوْ جُنُونٌ أَوْ جُذَامٌ أَوْ قَرَنٌ فَزَوْجُهَا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَمَسّهَا إنْ شَاءَ أَمْسَكَ وَإِنْ شَاءَ طَلّقَ وَإِنْ مَسّهَا فَلَهَا الْمَهْرُ بِمَا اسْتَحَلّ مِنْ فَرْجِهَا وَقَالَ وَكِيعٌ : عَنْ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ عَنْ عُمَرَ قَالَ إذَا تَزَوّجَهَا بَرْصَاءَ أَوْ عَمْيَاءَ فَدَخَلَ بِهَا فَلَهَا الصّدَاقُ وَيَرْجِعُ بِهِ عَلَى مَنْ غَرّهُ وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّ عُمَرَ لَمْ يَذْكُرْ تِلْكَ الْعُيُوبَ الْمُتَقَدّمَةَ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَاصِ وَالْحَصْرِ دُونَ مَا عَدَاهَا وَكَذَلِكَ حَكَمَ قَاضِي الْإِسْلَامِ حَقّا الّذِي يُضْرَبُ الْمَثَلُ بِعَلَمِهِ وَدِينِهِ وَحُكْمِهِ شُرَيْحٌ قَالَ عَبْدُ الرّزّاقِ : عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ خَاصَمَ رَجُلٌ إلَى شُرَيْحٍ فَقَالَ إنّ هَؤُلَاءِ قَالُوا لِي : إنّا نُزَوّجُك بِأَحْسَنِ النّاسِ فَجَاءُونِي بِامْرَأَةٍ عَمْشَاءَ فَقَالَ شُرَيْحٌ إنْ كَانَ دُلّسَ لَك بِعَيْبٍ لَمْ يَجُزْ فَتَأَمّلْ هَذَا الْقَضَاءَ وَقَوْلُهُ إنْ كَانَ دُلّسَ لَك بِعَيْبٍ كَيْفَ يَقْتَضِي أَنّ كُلّ عَيْبٍ دُلّسَتْ بِهِ الْمَرْأَةُ فَلِلزّوْجِ الرّدّ بِهِ ؟ وَقَالَ الزّهْرِيّ يُرَدّ النّكَاحُ مِنْ كُلّ دَاءٍ عُضَالٍ . [ تَرْجِيحُ الْمُصَنّفِ الرّدّ بِكُلّ عَيْبٍ ] وَمَنْ تَأَمّلَ فَتَاوَى الصّحَابَةِ وَالسّلَفِ عَلِمَ أَنّهُمْ لَمْ يَخُصّوا الرّدّ بِعَيْبٍ دُونَ عَيْبٍ إلّا رِوَايَةً رُوِيَتْ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لَا تُرَدّ النّسَاءُ إلّا مِنْ الْعُيُوبِ الْأَرْبَعَةِ : الْجُنُونِ وَالْجُذَامِ وَالْبَرَصِ وَالدّاءِ فِي الْفَرْجِ وَهَذِهِ الرّوَايَةُ لَا نَعْلَمُ لَهَا إسْنَادًا أَكْثَرَ مِنْ أَصْبَغَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيّ . رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ذَلِكَ بِإِسْنَادٍ مُتّصِلٍ ذَكَرَهُ سُفْيَانُ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْهُ . هَذَا كُلّهُ إذَا أَطْلَقَ الزّوْجُ [ ص 168 ] فَبَانَتْ شَوْهَاءَ أَوْ شَرْطَهَا شَابّةً حَدِيثَةَ السّنّ فَبَانَتْ عَجُوزًا شَمْطَاءَ أَوْ شَرَطَهَا بَيْضَاءَ فَبَانَتْ سَوْدَاءَ أَوْ بِكْرًا فَبَانَتْ ثَيّبًا فَلَهُ الْفَسْخُ فِي ذَلِكَ كُلّهِ . فَإِنْ كَانَ قَبْلَ الدّخُولِ فَلَا مَهْرَ لَهَا وَإِنْ كَانَ بَعْدَهُ فَلَهَا الْمَهْرُ وَهُوَ غُرْمٌ عَلَى وَلِيّهَا إنْ كَانَ غَرّهُ وَإِنْ كَانَتْ هِيَ الْغَارّةُ سَقَطَ مَهْرُهَا أَوْ رَجَعَ عَلَيْهَا بِهِ إنْ كَانَتْ قَبَضَتْهُ وَنَصّ عَلَى هَذَا أَحْمَدُ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْهُ وَهُوَ أَقْيَسُهُمَا وَأَوْلَاهُمَا بِأُصُولِهِ فِيمَا إذَا كَانَ الزّوْجُ هُوَ الْمُشْتَرِطَ . وَقَالَ أَصْحَابُهُ إذَا شَرَطَتْ فِيهِ صِفَةً فَبَانَ بِخِلَافِهَا فَلَا خِيَارَ لَهَا إلّا فِي شَرْطِ الْحُرّيّةِ إذَا بَانَ عَبْدًا فَلَهَا الْخِيَارُ وَفِي شَرْطِ النّسَبِ إذَا بَانَ بِخِلَافِهِ وَجْهَانِ وَاَلّذِي يَقْتَضِيهِ مَذْهَبُهُ وَقَوَاعِدُهُ أَنّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ اشْتِرَاطِهِ وَاشْتِرَاطِهَا بَلْ إثْبَاتُ الْخِيَارِ لَهَا إذَا فَاتَ مَا اشْتَرَطَتْهُ أَوْلَى لِأَنّهَا لَا تَتَمَكّنُ مِنْ الْمُفَارَقَةِ بِالطّلَاقِ فَإِذَا جَازَ لَهُ الْفَسْخُ مَعَ تَمَكّنِهِ مِنْ الْفِرَاقِ بِغَيْرِهِ فَلَأَنْ يَجُوزَ لَهَا الْفَسْخُ مَعَ عَدَمِ تَمَكّنِهَا أَوْلَى وَإِذَا جَازَ لَهَا الْفَسْخُ إذَا ظَهَرَ الزّوْجُ ذَا صِنَاعَةٍ دَنِيئَةٍ لَا تَشِينُهُ فِي دِينِهِ وَلَا فِي عِرْضِهِ وَإِنّمَا تَمْنَعُ كَمَالَ لَذّتِهَا وَاسْتِمْتَاعِهَا بِهِ فَإِذَا شَرَطَتْهُ شَابّا جَمِيلًا صَحِيحًا فَبَانَ شَيْخًا مُشَوّهًا أَعْمَى أَطْرَشَ أَخْرَسَ أَسْوَدَ فَكَيْفَ تُلْزَمُ بِهِ وَتُمْنَعُ مِنْ الْفَسْخِ ؟ هَذَا فِي غَايَةِ الِامْتِنَاعِ وَالتّنَاقُضِ وَالْبُعْدِ عَنْ الْقِيَاسِ وَقَوَاعِدِ الشّرْعِ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . وَكَيْفَ يُمَكّنُ أَحَدُ الزّوْجَيْنِ مِنْ الْفَسْخِ بِقَدْرِ الْعَدَسَةِ مِنْ الْبَرَصِ وَلَا يُمَكّنُ مِنْهُ بِالْجَرَبِ الْمُسْتَحْكَمِ الْمُتَمَكّنِ وَهُوَ أَشَدّ إعْدَاءً مِنْ ذَلِكَ الْبَرَصِ الْيَسِيرِ وَكَذَلِكَ غَيْرُهُ مِنْ أَنْوَاعِ الدّاءِ الْعُضَالِ ؟ . وَإِذَا كَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَرّمَ عَلَى الْبَائِعِ كِتْمَانَ عَيْبِ سِلْعَتِهِ وَحَرّمَ عَلَى مَنْ عَلّمَهُ أَنْ يَكْتُمَهُ مِنْ الْمُشْتَرِي فَكَيْفَ بِالْعُيُوبِ فِي النّكَاحِ وَقَدْ قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِفَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ حِينَ اسْتَشَارَتْهُ فِي نِكَاحِ مُعَاوِيَةَ أَوْ أَبِي الْجَهْمِ أَمّا مُعَاوِيَةُ فَصُعْلُوكٌ لَا مَالَ لَهُ وَأَمّا أَبُو جَهْمٍ فَلَا يَضَعُ عَصَاهُ عَنْ عَاتِقِهِ [ ص 169 ] أَوْلَى وَأَوْجَبُ فَكَيْفَ يَكُونُ كِتْمَانُهُ وَتَدْلِيسُهُ وَالْغِشّ الْحَرَامُ بِهِ سَبَبًا لِلُزُومِهِ وَجَعَلَ ذَا الْعَيْبِ غُلّا لَازِمًا فِي عُنُقِ صَاحِبِهِ مَعَ شِدّةِ نُفْرَتِهِ عَنْهُ وَلَا سِيّمَا مَعَ شَرْطِ السّلَامَةِ مِنْهُ وَشَرْطِ خِلَافِهِ وَهَذَا مِمّا يُعْلَمُ يَقِينًا أَنّ تَصَرّفَاتِ الشّرِيعَةِ وَقَوَاعِدَهَا وَأَحْكَامَهَا تَأْبَاهُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ ذَهَبَ أَبُو مُحَمّدٍ ابْنُ حَزْمٍ إلَى أَنّ الزّوْجَ إذَا شَرَطَ السّلَامَةَ مِنْ الْعُيُوبِ فَوُجِدَ أَيّ عَيْبٍ كَانَ فَالنّكَاحُ بَاطِلٌ مِنْ أَصْلِهِ غَيْرُ مُنْعَقِدٍ وَلَا خِيَارَ لَهُ فِيهِ وَلَا إجَازَةَ وَلَا نَفَقَةَ وَلَا مِيرَاثَ . قَالَ لِأَنّ الّتِي أُدْخِلَتْ عَلَيْهِ غَيْرُ الّتِي تَزَوّجَ إذْ السّالِمَةُ غَيْرُ الْمَعِيبَةِ بِلَا شَكّ فَإِذَا لَمْ يَتَزَوّجْهَا فَلَا زَوْجِيّةَ بَيْنَهُمَا . فَصْلٌ فِي حُكْمِ النّبِيّ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي خِدْمَةِ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ فِي " الْوَاضِحَةِ " : حَكَمَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَبَيْنَ زَوْجَتِهِ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا حِينَ اشْتَكَيَا إلَيْهِ الْخِدْمَةَ فَحَكَمَ عَلَى فَاطِمَةَ بِالْخِدْمَةِ الْبَاطِنَةِ خِدْمَةِ الْبَيْتِ وَحَكَمَ عَلَى عَلِيّ بِالْخِدْمَةِ الظّاهِرَةِ ثُمّ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَالْخِدْمَةُ الْبَاطِنَةُ الْعَجِينُ وَالطّبْخُ وَالْفَرْشُ وَكَنْسُ الْبَيْتِ وَاسْتِقَاءُ الْمَاءِ وَعَمَلُ الْبَيْتِ كُلّهِ . وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : أَنّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا أَتَتْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَشْكُو إلَيْهِ مَا تَلْقَى فِي يَدَيْهَا مِنْ الرّحَى وَتَسْأَلُهُ خَادِمًا فَلَمْ تَجِدْهُ فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِعَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا فَلَمّا جَاءَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَخْبَرَتْهُ . قَالَ عَلِيّ فَجَاءَنَا وَقَدْ أَخَذْنَا مَضَاجِعَنَا فَذَهَبْنَا نَقُومُ فَقَالَ مَكَانَكُمَا " فَجَاءَ فَقَعَدَ بَيْنَنَا حَتّى وَجَدْت بَرْدَ قَدَمَيْهِ عَلَى بَطْنِي فَقَالَ " أَلَا أَدُلّكُمَا عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِمّا سَأَلْتُمَا إذَا أَخَذْتُمَا مَضَاجِعَكُمَا فَسَبّحَا اللّهَ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَاحْمَدَا ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبّرَا أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمَا مِنْ خَادِمٍ " . قَالَ عَلِيّ فَمَا تَرَكْتُهَا بَعْدُ قِيلَ وَلَا لَيْلَةَ صِفّينَ ؟ قَالَ وَلَا لَيْلَةَ صِفّينَ [ ص 170 ] قَالَتْ كُنْت أَخْدِمُ الزّبَيْرَ خِدْمَةَ الْبَيْتِ كُلّهِ وَكَانَ لَهُ فَرَسٌ وَكُنْتُ أَسُوسُهُ وَكُنْت أَحْتَشّ لَهُ وَأَقُومُ عَلَيْهِ وَصَحّ عَنْهَا أَنّهَا كَانَتْ تَعْلِفُ فَرَسَهُ وَتَسْقِي الْمَاءَ وَتَخْرِزُ الدّلْوَ وَتَعْجِنُ وَتَنْقُلُ النّوَى عَلَى رَأْسِهَا مِنْ أَرْضٍ لَهُ عَلَى ثُلُثَيْ فَرْسَخٍ . فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ فَأَوْجَبَ طَائِفَةٌ مِنْ السّلَفِ وَالْخَلَفِ خِدْمَتَهَا لَهُ فِي مَصَالِحِ الْبَيْتِ وَقَالَ أَبُو ثَوْرٍ : عَلَيْهَا أَنْ تَخْدِمَ زَوْجَهَا فِي كُلّ شَيْءٍ وَمَنَعَتْ طَائِفَةٌ وُجُوبَ خِدْمَتِهِ عَلَيْهَا فِي شَيْءٍ وَمِمّنْ ذَهَبَ إلَى ذَلِكَ مَالِكٌ وَالشّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَهْلُ الظّاهِر ِ قَالُوا : لِأَنّ عَقْدَ النّكَاحِ إنّمَا اقْتَضَى الِاسْتِمْتَاعَ لَا الِاسْتِخْدَامَ وَبَذْلَ الْمَنَافِعِ قَالُوا : وَالْأَحَادِيثُ الْمَذْكُورَةُ إنّمَا تَدُلّ عَلَى التّطَوّعِ وَمَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ فَأَيْنَ الْوُجُوبُ مِنْهَا ؟ . وَاحْتَجّ مَنْ أَوْجَبَ الْخِدْمَةَ بِأَنّ هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ عِنْدَ مَنْ خَاطَبَهُمْ اللّهُ سُبْحَانَهُ بِكَلَامِهِ وَأَمّا تَرْفِيهُ الْمَرْأَةِ وَخِدْمَةُ الزّوْجِ وَكَنْسُهُ وَطَحْنُهُ [ ص 171 ] { وَلَهُنّ مِثْلُ الّذِي عَلَيْهِنّ بِالْمَعْرُوفِ } [ الْبَقَرَةُ 228 ] وَقَالَ { الرّجَالُ قَوّامُونَ عَلَى النّسَاءِ } [ النّسَاءُ 34 ] وَإِذَا لَمْ تَخْدِمْهُ الْمَرْأَةُ بَلْ يَكُونُ هُوَ الْخَادِمَ لَهَا فَهِيَ الْقَوّامَةُ عَلَيْهِ . وَأَيْضًا : فَإِنّ الْمَهْرَ فِي مُقَابَلَةِ الْبُضْعِ وَكُلّ مِنْ الزّوْجَيْنِ يَقْضِي وَطَرَهُ مِنْ صَاحِبِهِ فَإِنّمَا أَوْجَبَ اللّهُ سُبْحَانَهُ نَفَقَتَهَا وَكُسْوَتَهَا وَمَسْكَنَهَا فِي مُقَابَلَةِ اسْتِمْتَاعِهِ بِهَا وَخِدْمَتِهَا وَمَا جَرَتْ بِهِ عَادَةُ الْأَزْوَاجِ . وَأَيْضًا فَإِنّ الْعُقُودَ الْمُطْلَقَةَ إنّمَا تَنْزِلُ عَلَى الْعُرْفِ وَالْعُرْفُ خِدْمَةُ الْمَرْأَةِ وَقِيَامُهَا بِمَصَالِحِ الْبَيْتِ الدّاخِلَةِ وَقَوْلُهُمْ إنّ خِدْمَةَ فَاطِمَةَ وَأَسْمَاءَ كَانَتْ تَبَرّعًا وَإِحْسَانًا يَرُدّهُ أَنّ فَاطِمَةَ كَانَتْ تَشْتَكِي مَا تَلْقَى مِنْ الْخِدْمَةِ فَلَمْ يَقُلْ لِعَلِيّ : لَا خِدْمَةَ عَلَيْهَا وَإِنّمَا هِيَ عَلَيْك وَهُوَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يُحَابِي فِي الْحُكْمِ أَحَدًا وَلَمّا رَأَى أَسْمَاءَ وَالْعَلَفَ عَلَى رَأْسِهَا وَالزّبَيْرُ مَعَهُ لَمْ يَقُلْ لَهُ لَا خِدْمَةَ عَلَيْهَا وَأَنّ هَذَا ظُلْمٌ لَهَا بَلْ أَقَرّهُ عَلَى اسْتِخْدَامِهَا وَأَقَرّ سَائِرَ أَصْحَابِهِ عَلَى اسْتِخْدَامِ أَزْوَاجِهِمْ مَعَ عِلْمِهِ بِأَنّ مِنْهُنّ الْكَارِهَةَ وَالرّاضِيَةَ هَذَا أَمْرٌ لَا رَيْبَ فِيهِ . وَلَا يَصِحّ التّفْرِيقُ بَيْنَ شَرِيفَةٍ وَدَنِيئَةٍ وَفَقِيرَةٍ وَغَنِيّةٍ فَهَذِهِ أَشْرَفُ نِسَاءِ الْعَالَمِينَ كَانَتْ تَخْدِمُ زَوْجَهَا وَجَاءَتْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَشْكُو إلَيْهِ الْخِدْمَةَ فَلَمْ يَشْكُهَا وَقَدْ سَمّى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْحَدِيثِ الصّحِيحِ الْمَرْأَةَ عَانِيَةً فَقَالَ اتّقُوا اللّهَ فِي النّسَاءِ فَإِنّهُنّ عَوَانٌ عِنْدَكُمْ وَالْعَانِي : الْأَسِيرُ وَمَرْتَبَةُ الْأَسِيرِ خِدْمَةُ مَنْ هُوَ تَحْتَ يَدِهِ وَلَا رَيْبَ أَنّ النّكَاحِ نَوْعٌ مِنْ الرّقّ كَمَا قَالَ بَعْضُ السّلَفِ النّكَاحُ رِقّ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ عِنْدَ مَنْ يُرِقّ كَرِيمَتَهُ وَلَا يَخْفَى عَلَى الْمُنْصِفِ الرّاجِحُ مِنْ الْمَذْهَبَيْنِ وَالْأَقْوَى مِنْ الدّلِيلَيْنِ . [ ص 172 ] حُكْمُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَ الزّوْجَيْنِ يَقَعُ الشّقَاقُ بَيْنَهُمَا رَوَى أَبُو دَاوُد فِي " سُنَنِهِ " : مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا أَنّ حَبِيبَةَ بِنْتَ سَهْلٍ كَانَتْ عِنْدَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ فَضَرَبَهَا فَكَسَرَ بَعْضَهَا فَأَتَتْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعْدَ الصّبْحِ فَدَعَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثَابِتًا فَقَالَ خُذْ بَعْضَ مَالِهَا وَفَارِقْهَا " فَقَالَ وَيَصْلُحُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ فَإِنّي أَصَدَقْتُهَا حَدِيقَتَيْنِ وَهُمَا بِيَدِهَا فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خُذْهُمَا وَفَارِقْهَا فَفَعَلَ وَقَدْ حَكَمَ اللّهُ تَعَالَى بَيْنَ الزّوْجَيْنِ يَقَعُ الشّقَاقُ بَيْنَهُمَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا فَابْعَثُوا حَكَمًا مِنْ أَهْلِهِ وَحَكَمًا مِنْ أَهْلِهَا إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا إِنّ اللّهَ كَانَ عَلِيمًا خَبِيرًا } [ النّسَاءُ 35 ] [ هَلْ الْحَكَمَانِ حَاكِمَانِ أَوْ وَكِيلَانِ ؟] وَقَدْ اخْتَلَفَ السّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي الْحَكَمَيْنِ هَلْ هُمَا حَاكِمَانِ أَوْ وَكِيلَانِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنّهُمَا وَكِيلَانِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشّافِعِيّ فِي قَوْلٍ وَأَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ . وَالثّانِي : أَنّهُمَا حَاكِمَانِ وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَمَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي الرّوَايَةِ الْأُخْرَى وَالشّافِعِيّ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ وَهَذَا هُوَ الصّحِيحُ . [ أَدِلّةُ الْمُصَنّفِ فِي تَرْجِيحِ كَوْنِ الْحَكَمَيْنِ حَاكِمَيْنِ ] وَالْعَجَبُ كُلّ الْعَجَبِ مِمّنْ يَقُولُ هُمَا وَكِيلَانِ لَا حَاكِمَانِ وَاَللّهُ تَعَالَى قَدْ نَصّبَهُمَا حَكَمَيْنِ وَجَعَلَ نَصْبَهُمَا إلَى غَيْرِ الزّوْجَيْنِ وَلَوْ كَانَا وَكِيلَيْنِ لَقَالَ فَلْيَبْعَثْ وَكِيلًا مِنْ أَهْلِهِ وَلْتَبْعَثْ وَكِيلًا مِنْ أَهْلِهَا . وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَا وَكِيلَيْنِ لَمْ يَخْتَصّا بِأَنْ يَكُونَا مِنْ الْأَهْلِ . [ ص 173 ] جَعَلَ الْحُكْمَ إلَيْهِمَا فَقَالَ { إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفّقِ اللّهُ بَيْنَهُمَا } وَالْوَكِيلَانِ لَا إرَادَةَ لَهُمَا إنّمَا يَتَصَرّفَانِ بِإِرَادَةِ مُوَكّلَيْهِمَا . وَأَيْضًا فَإِنّ الْوَكِيلَ لَا يُسَمّى حَكَمًا فِي لُغَةِ الْقُرْآنِ وَلَا فِي لِسَانِ الشّارِعِ وَلَا فِي الْعُرْفِ الْعَامّ وَلَا الْخَاصّ . وَأَيْضًا فَالْحَكَمُ مَنْ لَهُ وِلَايَةُ الْحُكْمِ وَالْإِلْزَامِ وَلَيْسَ لِلْوَكِيلِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ . وَأَيْضًا فَإِنّ الْحَكَمَ أَبْلَغُ مِنْ حَاكِمٍ لِأَنّهُ صِفَةٌ مُشَبّهَةٌ بِاسْمِ الْفَاعِلِ دَالّةٌ عَلَى الثّبُوتِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ الْعَرَبِيّةِ فِي ذَلِكَ فَإِذَا كَانَ اسْمُ الْحَاكِمِ لَا يَصْدُقُ عَلَى الْوَكِيلِ الْمَحْضِ فَكَيْفَ بِمَا هُوَ أَبْلَغُ مِنْهُ . وَأَيْضًا فَإِنّهُ سُبْحَانَهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ غَيْرَ الزّوْجَيْنِ وَكَيْفَ يَصِحّ أَنْ يُوَكّلَ عَنْ الرّجُلِ وَالْمَرْأَةِ غَيْرَهُمَا وَهَذَا يُحْوِجُ إلَى تَقْدِيرِ الْآيَةِ هَكَذَا : { وَإِنْ خِفْتُمْ شِقَاقَ بَيْنِهِمَا } فَمُرُوهُمَا أَنْ يُوَكّلَا وَكِيلَيْنِ وَكِيلًا مِنْ أَهْلِهِ وَوَكِيلًا مِنْ أَهْلِهَا وَمَعْلُومٌ بُعْدُ لَفْظِ الْآيَةِ وَمَعْنَاهَا عَنْ هَذَا التّقْدِيرِ وَأَنّهَا لَا تَدُلّ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ بَلْ هِيَ دَالّةٌ عَلَى خِلَافِهِ وَهَذَا بِحَمْدِ اللّهِ وَاضِحٌ . وَبَعَثَ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَبّاسٍ وَمُعَاوِيَةَ حَكَمَيْنِ بَيْنَ عَقِيلِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَامْرَأَتِهِ فَاطِمَةَ بِنْتِ عُتْبَةَ بْنِ رَبِيعَةَ فَقِيلَ لَهُمَا : إنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرّقَا فَرّقْتُمَا وَصَحّ عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنّهُ قَالَ لِلْحَكَمَيْنِ بَيْنَ الزّوْجَيْنِ عَلَيْكُمَا إنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تُفَرّقَا فَرّقْتُمَا وَإِنْ رَأَيْتُمَا أَنْ تَجْمَعَا جَمَعْتُمَا [ ص 174 ] وَعَلِيّ وَابْنُ عَبّاسٍ وَمُعَاوِيَةُ جَعَلُوا الْحُكْمَ إلَى الْحَكَمَيْنِ وَلَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْ الصّحَابَةِ مُخَالِفٌ وَإِنّمَا يُعْرَفُ الْخِلَافُ بَيْنَ التّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَإِذَا قُلْنَا : إنّهُمَا وَكِيلَانِ فَهَلْ يُجْبَرُ الزّوْجَانِ عَلَى تَوْكِيلِ الزّوْجِ فِي الْفُرْقَةِ بِعِوَضٍ وَغَيْرِهِ وَتَوْكِيلِ الزّوْجَةِ فِي بَذْلِ الْعِوَضِ أَوْ لَا يُجْبَرَانِ ؟ عَلَى رِوَايَتَيْنِ فَإِنْ قُلْنَا : يُجْبَرَانِ فَلِمَ يُوَكّلَا جَعَلَ الْحَاكِمُ ذَلِكَ إلَى الْحَكَمَيْنِ بِغَيْرِ رِضَى الزّوْجَيْنِ وَإِنْ قُلْنَا : إنّهُمَا حَكَمَانِ لَمْ يَحْتَجْ إلَى رِضَى الزّوْجَيْنِ . وَعَلَى هَذَا النّزَاعِ يَنْبَنِي مَا لَوْ غَابَ الزّوْجَانِ أَوْ أَحَدُهُمَا فَإِنْ قِيلَ إنّهُمَا وَكِيلَانِ لَمْ يَنْقَطِعْ نَظَرُ الْحَكَمَيْنِ وَإِنْ قِيلَ حَكَمَانِ انْقَطَعَ نَظَرُهُمَا لِعَدَمِ الْحُكْمِ عَلَى الْغَائِبِ وَقِيلَ يَبْقَى نَظَرُهُمَا عَلَى الْقَوْلَيْنِ لِأَنّهُمَا يَتَطَرّفَانِ لِحَظّهِمَا فَهُمَا كَالنّاظِرَيْنِ . وَإِنْ جُنّ الزّوْجَانِ انْقَطَعَ نَظَرُ الْحَكَمَيْنِ إنْ قِيلَ إنّهُمَا وَكِيلَانِ لِأَنّهُمَا فَرْعُ الْمُوَكّلِينَ وَلَمْ يَنْقَطِعْ إنْ قِيلَ إنّهُمَا حَكَمَانِ لِأَنّ الْحَاكِمَ يَلِي عَلَى الْمَجْنُونِ . وَقِيلَ يَنْقَطِعُ أَيْضًا لِأَنّهُمَا مَنْصُوبَانِ عَنْهُمَا فَكَأَنّهُمَا وَكِيلَانِ وَلَا رَيْبَ أَنّهُمَا حَكَمَانِ فِيهِمَا شَائِبَةُ الْوَكَالَةِ وَوَكِيلَانِ مَنْصُوبَانِ لِلْحُكْمِ فَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ رَجّحَ جَانِبَ الْحُكْمِ وَمِنْهُمْ مَنْ رَجّحَ جَانِبَ الْوَكَالَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ اعْتَبَرَ الْأَمْرَيْنِ . حُكْمُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْخُلْعِ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " : عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ أَتَتْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ مَا أَعِيبُ عَلَيْهِ فِي خُلُقٍ وَلَا دِينٍ وَلَكِنّي أَكْرَهُ الْكُفْرَ فِي الْإِسْلَامِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " تَرُدّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ ؟ " قَالَتْ نَعَمْ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " اقْبَلْ الْحَدِيقَةَ وَطَلّقْهَا تَطْلِيقَةً [ ص 175 ] سُنَنِ النّسَائِيّ " عَنْ الرّبَيّعِ بِنْتِ مُعَوّذٍ أَنّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ فَكَسَرَ يَدَهَا وَهِيَ جَمِيلَةُ بِنْتُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُبَيّ فَأَتَى أَخُوهَا يَشْتَكِيهِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَرْسَلَ إلَيْهِ فَقَالَ " خُذْ الّذِي لَهَا عَلَيْكَ وَخَلّ سَبِيلَهَا " قَالَ نَعَمْ فَأَمَرَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ تَتَرَبّصَ حَيْضَةً وَاحِدَةً وَتَلْحَقَ بِأَهْلِهَا . وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُد " : عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ امْرَأَةَ ثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا فَأَمَرَهَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ تَعْتَدّ حَيْضَةً . وَفِي " سُنَنِ الدّارَقُطْنِيّ " فِي هَذِهِ الْقِصّةِ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَتَرُدّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ الّتِي أَعْطَاكِ " ؟ قَالَتْ نَعَمْ وَزِيَادَةً فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " أَمّا الزّيَادَةُ فَلَا وَلَكِنْ حَدِيقَتَهُ " قَالَتْ نَعَمْ فَأَخَذَ مَالَهُ وَخَلّى سَبِيلَهَا فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ قَالَ قَدْ قَبِلْتُ قَضَاءَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . قَالَ الدّارَقُطْنِيّ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ . فَتَضَمّنَ هَذَا الْحُكْمُ النّبَوِيّ عِدّةَ أَحْكَامٍ [ جَوَازُ الْخُلْعِ ] أَحَدُهَا : جَوَازُ الْخُلْعِ كَمَا دَلّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ قَالَ تَعَالَى : { وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنّ شَيْئًا إِلّا أَنْ يَخَافَا أَلّا يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّا يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } [ الْبَقَرَةُ 229 ] [ ص 176 ] طَائِفَةٌ شَاذّةٌ مِنْ النّاسِ خَالَفَتْ النّصّ وَالْإِجْمَاعَ . [ حُصُولُ الْبَيْنُونَةِ بِالْخُلْعِ ] وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِهِ مُطْلَقًا بِإِذْنِ السّلْطَانِ وَغَيْرِهِ وَمَنَعَهُ طَائِفَةٌ بِدُونِ إذْنِهِ وَالْأَئِمّةُ الْأَرْبَعَةُ وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ . وَفِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى حُصُولِ الْبَيْنُونَةِ بِهِ لِأَنّهُ سُبْحَانَهُ سَمّاهُ فِدْيَةً وَلَوْ كَانَ رَجْعِيّا كَمَا قَالَهُ بَعْضُ النّاسِ لَمْ يَحْصُلْ لِلْمَرْأَةِ الِافْتِدَاءُ مِنْ الزّوْجِ بِمَا بَذَلَتْهُ لَهُ وَدَلّ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ { فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } عَلَى جَوَازِهِ بِمَا قَلّ وَكَثُرَ وَأَنّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمّا أَعْطَاهَا . وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ عُقَيْلٍ أَنّ الرّبَيّعَ بِنْتَ مُعَوّذِ بْنِ عَفْرَاءَ حَدّثَتْهُ أَنّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا بِكُلّ شَيْءٍ تَمْلِكُهُ فَخُوصِمَ فِي ذَلِكَ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ فَأَجَازَهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عِقَاصَ رَأْسِهَا فَمَا دُونَهُ . وَذَكَرَ أَيْضًا عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ أَنّ ابْنَ عُمَرَ جَاءَتْهُ مَوْلَاةٌ لِامْرَأَتِهِ اخْتَلَعَتْ مِنْ كُلّ شَيْءٍ لَهَا وَكُلّ ثَوْبٍ لَهَا حَتّى نُقْبَتِهَا . وَرَفَعَتْ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ امْرَأَةٌ نَشَزَتْ عَنْ زَوْجِهِمَا فَقَالَ ا خْلَعْهَا وَلَوْ مِنْ قُرْطِهَا ذَكَرَهُ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَيّوبَ عَنْ كَثِيرِ بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْهُ . [ ص 177 ] وَذَكَرَ عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ لَيْثٍ عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لَا يَأْخُذُ مِنْهَا فَوْقَ مَا أَعْطَاهَا . وَقَالَ طَاوُوسٌ لَا يَحِلّ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمّا أَعْطَاهَا وَقَالَ عَطَاءٌ إنْ أَخَذَ زِيَادَةً عَلَى صَدَاقِهَا فَالزّيَادَةُ مَرْدُودَةٌ إلَيْهَا . وَقَالَ الزّهْرِيّ لَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمّا أَعْطَاهَا . وَقَالَ مَيْمُونُ بْنُ مَهْرَانَ إنْ أَخَذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمّا أَعْطَاهَا لَمْ يُسَرّحْ بِإِحْسَانٍ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ كَانَتْ الْقُضَاةُ لَا تُجِيزُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا شَيْئًا إلّا مَا سَاقَ إلَيْهَا . وَاَلّذِينَ جَوّزُوهُ احْتَجّوا بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَآثَارِ الصّحَابَةِ وَاَلّذِينَ مَنَعُوهُ احْتَجّوا بِحَدِيثِ أَبِي الزّبَيْرِ أَنّ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ لَمّا أَرَادَ خَلْعَ امْرَأَتِهِ قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَتَرُدّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ " ؟ قَالَتْ نَعَمْ وَزِيَادَةً فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمّا الزّيَادَةُ فَلَا . قَالَ الدّارَقُطْنِيّ سَمِعَهُ أَبُو الزّبَيْرِ مِنْ غَيْرِ وَاحِدٍ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . قَالُوا : وَالْآثَارُ مِنْ الصّحَابَةِ مُخْتَلِفَةٌ فَمِنْهُمْ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ تَحْرِيمُ الزّيَادَةِ وَمِنْهُمْ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ إبَاحَتُهَا وَمِنْهُمْ مَنْ رُوِيَ عَنْهُ كَرَاهَتُهَا كَمَا رَوَى وَكِيعٌ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ عَنْ عَمّارِ بْنِ عِمْرَانَ الْهَمْدَانِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ كَرِهَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهَا أَكْثَرَ مِمّا أَعْطَاهَا وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ أَخَذَ بِهَذَا الْقَوْلِ وَنَصّ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَأَبُو بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ حَرّمَ الزّيَادَةَ وَقَالَ تَرُدّ عَلَيْهَا . وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ قَالَ لِي عَطَاءٌ أَتَتْ امْرَأَةٌ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّي أُبْغِضُ زَوْجِي وَأُحِبّ فِرَاقَهُ قَالَ [ ص 178 ] فَتَرُدّينَ عَلَيْهِ حَدِيقَتَهُ الّتِي أَصْدَقَكِ " ؟ قَالَتْ نَعَمْ وَزِيَادَةً مِنْ مَالِي فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " أَمّا الزّيَادَةُ مِنْ مَالِك فَلَا وَلَكِنْ الْحَدِيقَةُ " قَالَتْ نَعَمْ فَقَضَى بِذَلِكَ عَلَى الزّوْجِ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَحَدِيثُ أَبِي الزّبَيْرِ مُقَوّ لَهُ وَقَدْ رَوَاهُ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْهُمَا . فَصْلٌ حُكْمُ الرّجْعَةِ مِنْ الْخُلْعِ فِي الْعِدّةِ وَفِي تَسْمِيَتِهِ سُبْحَانَهُ الْخُلْعَ فِدْيَةً دَلِيلٌ عَلَى أَنّ فِيهِ مَعْنَى الْمُعَاوَضَةِ وَلِهَذَا اُعْتُبِرَ فِيهِ رِضَى الزّوْجَيْنِ فَإِذَا تَقَايَلَا الْخُلْعَ وَرَدّ عَلَيْهَا مَا أَخَذَ مِنْهَا وَارْتَجَعَهَا فِي الْعِدّةِ فَهَلْ لَهُمَا ذَلِكَ ؟ مَنَعَهُ الْأَئِمّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ وَقَالُوا : قَدْ بَانَتْ مِنْهُ بِنَفْسِ الْخُلْعِ وَذَكَرَ عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّهُ قَالَ فِي الْمُخْتَلِعَةِ إنْ شَاءَ أَنْ يُرَاجِعَهَا فَلْيَرُدّ عَلَيْهَا مَا أَخَذَ مِنْهَا فِي الْعِدّةِ وَلْيَشْهَدْ عَلَى رَجْعَتِهَا قَالَ مَعْمَرٌ وَكَانَ الزّهْرِيّ يَقُولُ مِثْلَ ذَلِكَ . قَالَ قَتَادَةُ : وَكَانَ الْحَسَنُ يَقُولُ لَا يُرَاجِعُهَا إلّا بِخُطْبَةٍ . وَلِقَوْلِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ وَالزّهْرِيّ وَجْهٌ دَقِيقٌ مِنْ الْفِقْهِ لَطِيفُ الْمَأْخَذِ تَتَلَقّاهُ قَوَاعِدُ الْفِقْهِ وَأُصُولُهُ بِالْقَبُولِ وَلَا نَكَارَةَ فِيهِ غَيْرَ أَنّ الْعَمَلَ عَلَى خِلَافِهِ فَإِنّ الْمَرْأَةَ مَا دَامَتْ فِي الْعِدّةِ فَهِيَ فِي حَبْسِهِ وَيَلْحَقُهَا صَرِيحُ طَلَاقِهِ الْمُنَجّزِ عِنْدَ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ فَإِذَا تَقَايَلَا عَقْدَ الْخُلْعِ وَتَرَاجَعَا إلَى مَا كَانَا عَلَيْهِ بِتَرَاضِيهِمَا لَمْ تَمْنَعْ قَوَاعِدُ الشّرْعِ ذَلِكَ وَهَذَا بِخِلَافِ مَا بَعْدَ الْعِدّةِ فَإِنّهَا قَدْ صَارَتْ مِنْهُ أَجْنَبِيّةً مَحْضَةً فَهُوَ خَاطِبٌ مِنْ الْخُطّابِ وَيَدُلّ عَلَى هَذَا أَنّ لَهُ أَنْ يَتَزَوّجَهَا فِي عِدّتِهَا مِنْهُ بِخِلَافِ غَيْرِهِ . فَصْلٌ [ مَا يُسْتَنْبَطُ مِنْ أَمْرِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمُخْتَلِعَةَ أَنْ تَعْتَدّ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ ] [ ص 179 ] أَمْرِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمُخْتَلِعَةَ . أَنْ تَعْتَدّ بِحَيْضَةٍ وَاحِدَةٍ دَلِيلٌ عَلَى حُكْمَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهَا ثَلَاثُ حِيَضٍ بَلْ تَكْفِيهَا حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ وَهَذَا كَمَا أَنّهُ صَرِيحُ السّنّةِ فَهُوَ مَذْهَبُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ وَعَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّاب وَالرّبَيّعِ بِنْتِ مُعَوّذٍ وَعَمّهَا وَهُوَ مِنْ كِبَارِ الصّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مُخَالِفٌ مِنْهُمْ كَمَا رَوَاهُ اللّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَر َ أَنّهُ سَمِعَ الرّبَيّعَ بِنْتَ مُعَوّذِ بْنِ عَفْرَاءَ وَهِيَ تُخْبِرُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهَا اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا عَلَى عَهْدِ عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ فَجَاءَ عَمّهَا إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ فَقَالَ لَهُ إنّ ابْنَةَ مُعَوّذٍ اخْتَلَعَتْ مِنْ زَوْجِهَا الْيَوْمَ أَفَتَنْتَقِلُ ؟ فَقَالَ عُثْمَانُ لِتَنْتَقِلْ وَلَا مِيرَاثَ بَيْنَهُمَا وَلَا عِدّةَ عَلَيْهَا إلّا أَنّهَا لَا تَنْكِحُ حَتّى تَحِيضَ حَيْضَةً خَشْيَةَ أَنْ يَكُونَ بِهَا حَبَلٌ فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ : فَعُثْمَانُ خَيْرُنَا وَأَعْلَمُنَا وَذَهَبَ إلَى هَذَا الْمَذْهَبِ إسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ اخْتَارَهَا شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيّةَ . قَالَ مَنْ نَصَرَ هَذَا الْقَوْلَ هُوَ مُقْتَضَى قَوَاعِدِ الشّرِيعَةِ فَإِنّ الْعِدّةَ إنّمَا جُعِلَتْ ثَلَاثَ حِيَضٍ لِيَطُولَ زَمَنُ الرّجْعَةِ فَيَتَرَوّى الزّوْجُ وَيَتَمَكّنُ مِنْ الرّجْعَةِ فِي مُدّةِ الْعِدّةِ فَإِذَا لَمْ تَكُنْ عَلَيْهَا رَجْعَةٌ فَالْمَقْصُودُ مُجَرّدُ بَرَاءَةِ رَحِمِهَا مِنْ الْحَمْلِ وَذَلِكَ يَكْفِي فِيهِ . قَالُوا : وَلَا يَنْتَقِضُ هَذَا عَلَيْنَا بِالْمُطَلّقَةِ ثَلَاثًا فَإِنّ بَابَ الطّلَاقِ جَعَلَ حُكْمَ الْعِدّةِ فِيهِ وَاحِدًا بَائِنَةً وَرَجْعِيّةً . [ الْخُلْعُ فَسْخٌ ] قَالُوا : وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنّ الْخُلْعَ فَسْخٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ وَعُثْمَان وَابْنِ عُمَرَ وَالرّبَيّعِ وَعَمّهَا وَلَا يَصِحّ عَنْ صَحَابِيّ أَنّهُ طَلَاقٌ [ ص 180 ] أَحْمَدُ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُوسٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ أَنّهُ قَالَ الْخُلْعُ تَفْرِيقٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ وَذَكَرَ عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَمْرٍو عَنْ طَاوُوسٍ أَنّ إبْرَاهِيمَ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ سَأَلَهُ عَنْ رَجُلٍ طَلّقَ امْرَأَتَهُ تَطْلِيقَتَيْنِ ثُمّ اخْتَلَعَتْ مِنْهُ أَيَنْكِحُهَا ؟ قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : نَعَمْ ذَكَرَ اللّهُ الطّلَاقَ فِي أَوّلِ الْآيَةِ وَآخِرِهَا و الْخُلْعَ بَيْنَ ذَلِك فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ تَقُولُونَ إنّهُ لَا مُخَالِفَ لِمَنْ ذَكَرْتُمْ مِنْ الصّحَابَةِ وَقَدْ رَوَى حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جُمْهَانَ أَنّ أُمّ بَكْرَةَ الْأَسْلَمِيّةَ كَانَتْ تَحْتَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُسَيْدٍ وَاخْتَلَعَتْ مِنْهُ فَنَدِمَا فَارْتَفَعَا إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ فَأَجَازَ ذَلِكَ وَقَالَ هِيَ وَاحِدَةٌ إلّا أَنْ تَكُونَ سَمّتْ شَيْئًا فَهُوَ عَلَى مَا سَمّتْ وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ : حَدّثَنَا عَلِيّ بْنُ هَاشِمٍ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ طَلْحَةَ بْنِ مُصَرّفٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النّخَعِيّ عَنْ عَلْقَمَةَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ لَا تَكُونُ تَطْلِيقَةٌ بَائِنَةٌ إلّا فِي فِدْيَةٍ أَوْ إيلَاءٍ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ مِنْ أَجِلّاءِ الصّحَابَةِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ . قِيلَ لَا يَصِحّ هَذَا عَنْ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَمّا أَثَرُ عُثْمَانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَطَعَنَ فِيهِ الْإِمَامُ أَحْمَد وَالْبَيْهَقِيّ وَغَيْرُهُمَا قَالَ شَيْخُنَا : وَكَيْفَ يَصِحّ عَنْ عُثْمَانَ وَهُوَ لَا يَرَى فِيهِ عِدّةً وَإِنّمَا يَرَى الِاسْتِبْرَاءَ فِيهِ بِحَيْضَةٍ ؟ فَلَوْ كَانَ عِنْدَهُ طَلَاقًا لَأَوْجَبَ فِيهِ الْعِدّةَ وَجُمْهَانُ الرّاوِي لِهَذِهِ الْقِصّةِ عَنْ عُثْمَانَ لَا نَعْرِفُهُ بِأَكْثَرَ مِنْ أَنّهُ مَوْلَى الْأَسْلَمِيّينَ . [ الدّلِيلُ عَلَى أَنّ الْخُلْعَ لَيْسَ بِطَلَاقٍ ] وَأَمّا أَثَرُ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ أَبُو مُحَمّدٍ ابْنُ حَزْمٍ رُوّينَاهُ مِنْ طَرِيقٍ لَا [ ص 181 ] عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ . وَأَمْثَلُهَا : أَثَرُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى سُوءِ حِفْظِ ابْنِ أَبِي لَيْلَى ثُمّ غَايَتُهُ إنْ كَانَ مَحْفُوظًا أَنْ يَدُلّ عَلَى أَنّ الطّلْقَةَ فِي الْخُلْعِ تَقَعُ بَائِنَةً لَا أَنّ الْخُلْعَ يَكُونُ طَلَاقًا بَائِنًا وَبَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَرْقٌ ظَاهِرٌ . وَاَلّذِي يَدُلّ عَلَى أَنّهُ لَيْسَ بِطَلَاقٍ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى رَتّبَ عَلَى الطّلَاقِ بَعْدَ الدّخُولِ الّذِي لَمْ يَسْتَوْفِ عَدَدَهُ ثَلَاثَةَ أَحْكَامٍ كُلّهَا مُنْتَفِيَةٌ عَنْ الْخُلْعِ أَحَدُهَا : أَنّ الزّوْجَ أَحَقّ بِالرّجْعَةِ فِيهِ . الثّانِي : أَنّهُ مَحْسُوبٌ مِنْ الثّلَاثِ فَلَا تَحِلّ بَعْدَ اسْتِيفَاءِ الْعَدَدِ إلّا بَعْدَ زَوْجٍ وَإِصَابَةٍ . الثّالِثُ أَنّ الْعِدّةَ فِيهِ ثَلَاثَةُ قُرُوءٍ . وَقَدْ ثَبَتَ بِالنّصّ وَالْإِجْمَاعِ أَنّهُ لَا رَجْعَةَ فِي الْخُلْعِ وَثَبَتَ بِالسّنّةِ وَأَقْوَالِ الصّحَابَةِ أَنّ الْعِدّةَ فِيهِ حَيْضَةٌ وَاحِدَةٌ وَثَبَتَ بِالنّصّ جَوَازُهُ بَعْدَ طَلْقَتَيْنِ وَوُقُوعِ ثَالِثَةٍ بَعْدَهُ وَهَذَا ظَاهِرٌ جِدّا فِي كَوْنِهِ لَيْسَ بِطَلَاقٍ فَإِنّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ { الطّلَاقُ مَرّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلَا يَحِلّ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا مِمّا آتَيْتُمُوهُنّ شَيْئًا إِلّا أَنْ يَخَافَا أَلّا يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلّا يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ } [ الْبَقَرَةُ 229 ] وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَخْتَصّ بِالْمُطَلّقَةِ تَطْلِيقَتَيْنِ فَإِنّهُ يَتَنَاوَلُهَا وَغَيْرَهُمَا وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ الضّمِيرُ إلَى مَنْ لَمْ يَذْكُرْ وَيُخْلَى مِنْهُ الْمَذْكُورُ بَلْ إمّا أَنْ يَخْتَصّ بِالسّابِقِ أَوْ يَتَنَاوَلَهُ وَغَيْرَهُ . ثُمّ قَالَ { فَإِنْ طَلّقَهَا فَلَا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ } وَهَذَا يَتَنَاوَلُ مَنْ طَلُقَتْ بَعْدَ فِدْيَةٌ وَطَلْقَتَيْنِ قَطْعًا لِأَنّهَا هِيَ الْمَذْكُورَةُ فَلَا بُدّ مِنْ دُخُولِهَا تَحْتَ اللّفْظِ وَهَكَذَا فَهِمَ تُرْجُمَانُ الْقُرْآنِ الّذِي دَعَا لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُعَلّمَهُ اللّهُ تَأْوِيلَ الْقُرْآنِ وَهِيَ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ بِلَا شَكّ . وَإِذَا كَانَتْ أَحْكَامُ الْفِدْيَةِ غَيْرَ أَحْكَامِ الطّلَاقِ دَلّ عَلَى أَنّهَا مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ فَهَذَا مُقْتَضَى النّصّ وَالْقِيَاسِ وَأَقْوَالِ الصّحَابَةِ ثُمّ مَنْ نَظَرَ إلَى حَقَائِقِ الْعُقُودِ وَمَقَاصِدِهَا دُونَ أَلْفَاظِهَا يَعُدّ الْخُلْعَ فَسْخًا بِأَيّ لَفْظٍ كَانَ حَتّى بِلَفْظِ الطّلَاقِ وَهَذَا أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا . قَالَ وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ وَكَلَامِ ابْنِ عَبّاسٍ وَأَصْحَابِهِ . قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ أَنّهُ سَمِعَ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ يَقُولُ مَا أَجَازَهُ الْمَالُ فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ . قَالَ [ ص 182 ] عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَحْمَدَ رَأَيْتُ أَبِي كَانَ يَذْهَبُ إلَى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ . وَقَالَ عَمْرٌو عَنْ طَاوُوسٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ الْخُلْعُ تَفْرِيقٌ وَلَيْسَ بِطَلَاقٍ وَقَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُوسٍ كَانَ أَبِي لَا يَرَى الْفِدَاءَ طَلَاقًا وَيُخَيّرُهُ . وَمَنْ اعْتَبَرَ الْأَلْفَاظَ وَوَقَفَ مَعَهَا وَاعْتَبَرَهَا فِي أَحْكَامِ الْعُقُودِ جَعَلَهُ بِلَفْظِ الطّلَاقِ طَلَاقًا وَقَوَاعِدُ الْفِقْهِ وَأُصُولُهُ تَشْهَدُ أَنّ الْمَرْعِيّ فِي الْعُقُودِ حَقَائِقُهَا وَمَعَانِيهَا لَا صُوَرُهَا وَأَلْفَاظُهَا وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . وَمِمّا يَدُلّ عَلَى هَذَا أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسٍ أَنْ يُطَلّقَ امْرَأَتَهُ فِي الْخُلْعِ تَطْلِيقَةً وَمَعَ هَذَا أَمَرَهَا أَنْ تَعْتَدّ بِحَيْضَةٍ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنّهُ فَسْخٌ وَلَوْ وَقَعَ بِلَفْظِ الطّلَاقِ . وَأَيْضًا فَإِنّهُ سُبْحَانَهُ عَلّقَ عَلَيْهِ أَحْكَامَ الْفِدْيَةِ بِكَوْنِهِ فِدْيَةً وَمَعْلُومٌ أَنّ الْفِدْيَةَ لَا تَخْتَصّ بِلَفْظٍ وَلَمْ يُعَيّنْ اللّهُ سُبْحَانَهُ لَهَا لَفْظًا مُعَيّنًا وَطَلَاقُ الْفِدَاءِ طَلَاقٌ مُقَيّدٌ وَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ أَحْكَامِ الطّلَاقِ الْمُطَلّقُ كَمَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَهَا فِي ثُبُوتِ الرّجْعَةِ وَالِاعْتِدَادِ بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ بِالسّنّةِ الثّابِتَةِ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . ذِكْرُ أَحْكَامِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الطّلَاقِ ذِكْرُ حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي طَلَاقِ الْهَازِلِ وَزَائِلِ الْعَقْلِ وَالْمُكْرَهِ وَالتّطْلِيقِ فِي نَفْسِهِ فِي " السّنَنِ " : مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ ثَلَاثٌ جِدّهُنّ جِدّ وَهَزْلُهُنّ جِدّ النّكَاحُ وَالطّلَاقُ وَالرّجْعَةُ . [ ص 183 ] ابْنِ عَبّاسٍ " : إنّ اللّهَ وَضَعَ عَنْ أُمّتِي الْخَطَأَ وَالنّسْيَانَ وَمَا اُسْتُكْرِهُوا عَلَيْهِ . وَفِيهَا : عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا طَلَاقَ وَلَا عَتَاقَ فِي إغْلَاق . وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لِلْمُقِرّ بِالزّنَى : أَبِكَ جُنُونٌ ؟ . وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ أَمَرَ بِهِ أَنْ يُسْتَنْكَهَ . وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي " صَحِيحِهِ " : عَنْ عَلِيّ أَنّهُ قَالَ لِعُمَرَ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ الْقَلَمَ رُفِعَ عَنْ ثَلَاثٍ عَنْ الْمَجْنُونِ حَتّى يُفِيقَ وَعَنْ الصّبِيّ حَتّى يُدْرِكَ وَعَنْ النّائِمِ حَتّى يَسْتَيْقِظَ . [ ص 184 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ اللّهَ تَجَاوَزَ لِأُمّتِي عَمّا حَدّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَكَلّمْ أَوْ تَعْمَلْ بِهِ . [ النّيّةُ وَالْقَصْدُ عَفْوٌ غَيْرُ لَازِمٍ إنْ لَمْ يَنْطِقْ بِهَا اللّسَانُ ] فَتَضَمّنَتْ هَذِهِ السّنَنُ أَنّ مَا لَمْ يَنْطِقْ بِهِ اللّسَانُ مِنْ طَلَاقٍ أَوْ عَتَاقٍ أَوْ يَمِينٍ أَوْ نَذْرٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ عَفْوٌ غَيْرُ لَازِمٍ بِالنّيّةِ وَالْقَصْدِ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ آخَرَانِ . أَحَدُهُمَا : التّوَقّفُ فِيهَا قَالَ عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ سُئِلَ ابْنُ سِيرِينَ عَمّنْ طَلّقَ فِي نَفْسِهِ فَقَالَ أَلَيْسَ قَدْ عَلِمَ اللّهُ مَا فِي نَفْسِك ؟ قَالَ بَلَى قَالَ فَلَا أَقُولُ فِيهَا شَيْئًا . وَالثّانِي : وُقُوعُهُ إذَا جَزَمَ عَلَيْهِ وَهَذَا رِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ وَرُوِيَ عَنْ الزّهْرِيّ وَحُجّةُ هَذَا الْقَوْلِ قَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّمَا الْأَعْمَالُ بِالنّيّاتِ وَأَنّ مَنْ كَفَرَ فِي نَفْسِهِ فَهُوَ كَفَرَ وَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ } [ الْبَقَرَةُ 248 ] وَأَنّ الْمُصِرّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَاسِقٌ مُؤَاخَذٌ وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْهَا [ ص 185 ] وَالْمُوَالَاةِ وَالْمُعَادَاةِ فِي اللّهِ وَعَلَى التّوَكّلِ وَالرّضَى وَالْعَزْمِ عَلَى الطّاعَةِ وَيُعَاقَبُ عَلَى الْكِبْرِ وَالْحَسَدِ وَالْعُجْبِ وَالشّكّ وَالرّيَاءِ وَظَنّ السّوءِ بِالْأَبْرِيَاءِ . وَلَا حُجّةَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا عَلَى وُقُوعِ الطّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِمُجَرّدِ النّيّةِ مِنْ غَيْرِ تَلَفّظٍ أَمّا حَدِيثُ الْأَعْمَالِ بِالنّيّاتِ فَهُوَ حُجّةٌ عَلَيْهِمْ لِأَنّهُ أَخْبَرَ فِيهِ أَنّ الْعَمَلَ مَعَ النّيّةِ هُوَ الْمُعْتَبَرُ لَا النّيّةُ وَحْدَهَا وَأَمّا مَنْ اعْتَقَدَ الْكُفْرَ بِقَلْبِهِ أَوْ شَكّ فَهُوَ كَافِرٌ لِزَوَالِ الْإِيمَانِ الّذِي هُوَ عَقْدُ الْقَلْبِ مَعَ الْإِقْرَارِ فَإِذَا زَالَ الْعَقْدُ الْجَازِمُ كَانَ نَفْسُ زَوَالِهِ كُفْرًا فَإِنّ الْإِيمَانَ أَمْرٌ وُجُودِيّ ثَابِتٌ قَائِمٌ بِالْقَلْبِ فَمَا لَمْ يَقُمْ بِالْقَلْبِ حَصَلَ ضِدّهُ وَهُوَ الْكُفْرُ وَهَذَا كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ إذَا فَقَدَ الْعِلْمُ حَصَلَ الْجَهْلُ وَكَذَلِكَ كُلّ نَقِيضَيْنِ زَالَ أَحَدُهُمَا خَلّفَهُ الْآخَرُ . وَأَمّا الْآيَةُ فَلَيْسَ فِيهَا أَنّ الْمُحَاسَبَةَ بِمَا يُخْفِيهِ الْعَبْدُ إلْزَامُهُ بِأَحْكَامِهِ بِالشّرْعِ وَإِنّمَا فِيهَا مُحَاسَبَتُهُ بِمَا يُبْدِيهِ أَوْ يُخْفِيهِ ثُمّ هُوَ مَغْفُورٌ لَهُ أَوْ مُعَذّبٌ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ وُقُوعِ الطّلَاقِ بِالنّيّةِ . وَأَمّا أَنّ الْمُصِرّ عَلَى الْمَعْصِيَةِ فَاسِقٌ مُؤَاخَذٌ فَهَذَا إنّمَا هُوَ فِيمَنْ عَمِلَ الْمَعْصِيَةَ ثُمّ أَصَرّ عَلَيْهَا فَهُنَا عَمَلٌ اتّصَلَ بِهِ الْعَزْمُ عَلَى مُعَاوَدَتِهِ فَهَذَا هُوَ الْمُصِرّ وَأَمّا مَنْ عَزَمَ عَلَى الْمَعْصِيَةِ وَلَمْ يَعْمَلْهَا فَهُوَ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إمّا أَنْ لَا تُكْتَبَ عَلَيْهِ وَإِمّا أَنْ تُكْتَبَ لَهُ حَسَنَةً إذَا تَرَكَهَا لِلّهِ عَزّ وَجَلّ . وَإِمّا الثّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى أَعْمَالِ الْقُلُوبِ فَحَقّ وَالْقُرْآنُ وَالسّنّةُ مَمْلُوءَانِ بِهِ وَلَكِنّ وُقُوعَ الطّلَاقِ وَالْعَتَاقِ بِالنّيّةِ مِنْ غَيْرِ تَلَفّظٍ أَمْرٌ خَارِجٌ عَنْ الثّوَابِ وَالْعِقَابِ وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَإِنّ مَا يُعَاقِبُ عَلَيْهِ مِنْ أَعْمَالِ الْقُلُوبِ هُوَ مَعَاصٍ قَلْبِيّةٌ يَسْتَحِقّ الْعُقُوبَةَ عَلَيْهَا كَمَا يَسْتَحِقّهُ عَلَى الْمَعَاصِي الْبَدَنِيّةِ إذْ هِيَ مُنَافِيَةٌ لِعُبُودِيّةِ الْقَلْبِ فَإِنّ الْكِبَرَ وَالْعُجْبَ وَالرّيَاءَ وَظَنّ السّوْءِ مُحَرّمَاتٌ عَلَى الْقَلْبِ وَهِيَ أُمُورٌ اخْتِيَارِيّةٌ يُمْكِنُ اجْتِنَابُهَا فَيَسْتَحِقّ الْعُقُوبَةَ عَلَى فِعْلِهَا وَهِيَ أَسْمَاءٌ لِمَعَانٍ مُسَمّيَاتِهَا قَائِمَةٌ بِالْقَلْبِ . وَأَمّا الْعَتَاقُ وَالطّلَاقُ فَاسْمَانِ لِمُسَمّيَيْنِ قَائِمَيْنِ بِاللّسَانِ أَوْ مَا نَابَ عَنْهُ مِنْ [ ص 186 ] كِتَابَةٍ وَلَيْسَا اسْمَيْنِ لِمَا فِي الْقَلْبِ مُجَرّدًا عَنْ النّطْقِ . [ كَلَامُ الْهَازِلِ بِالطّلَاقِ وَالنّكَاحِ وَالرّجْعَةِ مُعْتَبَرٌ ] وَتَضَمّنَتْ أَنّ الْمُكَلّفَ إذَا هَزَلَ بِالطّلَاقِ أَوْ النّكَاحِ أَوْ الرّجْعَةِ لَزِمَهُ مَا هَزَلَ بِهِ فَدَلّ ذَلِكَ عَلَى أَنّ كَلَامَ الْهَازِلِ مُعْتَبَرٌ وَإِنْ لَمْ يُعْتَبَرْ كَلَامُ النّائِمِ وَالنّاسِي وَزَائِلِ الْعَقْلِ وَالْمُكْرَهِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنّ الْهَازِلَ قَاصِدٌ لِلّفْظِ غَيْرُ مُرِيدٍ لِحُكْمِهِ وَذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِ فَإِنّمَا إلَى الْمُكَلّفَ الْأَسْبَابِ وَأَمّا تَرَتّبُ مُسَبّبَاتِهَا وَأَحْكَامِهَا فَهُوَ إلَى الشّارِعِ قَصَدَهُ الْمُكَلّفُ أَوْ لَمْ يَقْصِدْهُ وَالْعِبْرَةُ بِقَصْدِهِ السّبَبَ اخْتِيَارًا فِي حَالِ عَقْلِهِ وَتَكْلِيفِهِ فَإِذَا قَصَدَهُ رَتّبَ الشّارِعُ عَلَيْهِ حُكْمَهُ جَدّ بِهِ أَوْ هَزَلَ وَهَذَا بِخِلَافِ النّائِمِ وَالْمُبَرْسَمِ وَالْمَجْنُونِ وَالسّكْرَانِ وَزَائِلِ الْعَقْلِ فَإِنّهُمْ لَيْسَ لَهُمْ قَصْدٌ صَحِيحٌ وَلَيْسُوا مُكَلّفِينَ فَأَلْفَاظُهُمْ لَغْوٌ بِمَنْزِلَةِ أَلْفَاظِ الطّفْلِ الّذِي لَا يَعْقِلُ مَعْنَاهَا وَلَا يَقْصِدُهُ . وَسِرّ الْمَسْأَلَةِ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ قَصَدَ اللّفْظَ وَهُوَ عَالِمٌ بِهِ وَلَمْ يُرِدْ حُكْمَهُ وَبَيْنَ مَنْ لَمْ يَقْصِدْ اللّفْظَ وَلَمْ يَعْلَمْ مَعْنَاهُ فَالْمَرَاتِبُ الّتِي اعْتَبَرَهَا الشّارِعُ أَرْبَعَةٌ إحْدَاهَا : أَنْ لَا يَقْصِدَ الْحُكْمَ وَلَا يَتَلَفّظَ بِهِ . الثّانِيَةُ . أَنْ لَا يَقْصِدَ اللّفْظَ وَلَا حُكْمَهُ . الثّالِثَةُ أَنْ يَقْصِدَ اللّفْظَ دُونَ حُكْمِهِ . [ مَا يُبَاحُ لِلْمُكْرَهِ وَمَا لَا يُبَاحُ ] الرّابِعَةُ أَنْ يَقْصِدَ اللّفْظَ وَالْحُكْمَ فَالْأَوّلِيّانِ لَغْوٌ وَالْآخِرَتَانِ مُعْتَبِرَتَانِ . هَذَا الّذِي اُسْتُفِيدَ مِنْ مَجْمُوعِ نُصُوصِهِ وَأَحْكَامِهِ وَعَلَى هَذَا فَكَلَامُ الْمُكْرَهِ كُلّهُ لَغْوٌ لَا عِبْرَةَ بِهِ وَقَدْ دَلّ الْقُرْآنُ عَلَى أَنّ مَنْ أُكْرِهَ عَلَى التّكَلّمِ بِكَلِمَةِ الْكُفْرِ لَا يَكْفُرُ وَمَنْ أُكْرِهَ عَلَى الْإِسْلَامِ لَا يَصِيرُ بِهِ مُسْلِمًا وَدَلّتْ السّنّةُ عَلَى أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ تَجَاوَزَ عَنْ الْمُكْرَهِ فَلَمْ يُؤَاخِذْهُ بِمَا أُكْرِهَ عَلَيْهِ وَهَذَا يُرَادُ بِهِ كَلَامُهُ قَطْعًا وَأَمّا أَفْعَالُهُ فَفِيهَا تَفْصِيلٌ فَمَا أُبِيحَ مِنْهَا بِالْإِكْرَاهِ فَهُوَ مُتَجَاوِزٌ عَنْهُ كَالْأَكْلِ فِي نَهَارِ رَمَضَانَ وَالْعَمَلِ فِي الصّلَاةِ وَلُبْسِ الْمَخِيطِ فِي الْإِحْرَامِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَمَا لَا يُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ فَهُوَ مُؤَاخَذٌ بِهِ كَقَتْلِ الْمَعْصُومِ وَإِتْلَافِ مَالِهِ وَمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ كَشُرْبِ الْخَمْرِ [ ص 187 ] حَدّهُ بِهِ وَمَنْ أَبَاحَهُ بِالْإِكْرَاهِ لَمْ يُحِدّهُ وَفِيهِ قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ . [ عَدَمُ وُقُوعِ الطّلَاقِ بِلَفْظٍ لَمْ يَقْصِدْ بِهِ الطّلَاقَ ] وَالْفَرْقُ بَيْنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ فِي الْإِكْرَاهِ أَنّ الْأَفْعَالَ إذَا وَقَعَتْ لَمْ تَرْتَفِعْ مَفْسَدَتُهَا بَلْ مَفْسَدَتُهَا مَعَهَا بِخِلَافِ الْأَقْوَالِ فَإِنّهَا يُمْكِنُ إلْغَاؤُهَا . وَجَعْلُهَا بِمَنْزِلَةِ أَقْوَالِ النّائِمِ وَالْمَجْنُونِ فَمَفْسَدَةُ الْفِعْلِ الّذِي لَا يُبَاحُ بِالْإِكْرَاهِ ثَابِتَةٌ بِخِلَافِ مَفْسَدَةِ الْقَوْلِ فَإِنّهَا إنّمَا تُثْبِتُ إذَا كَانَ قَائِلُهُ عَالِمًا بِهِ مُخْتَارًا لَهُ . وَقَدْ رَوَى وَكِيعٌ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ الْحَكَمِ بْنِ عُتَيْبَةَ عَنْ خَيْثَمَةَ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ قَالَ قَالَتْ امْرَأَةٌ لِزَوْجِهَا : سَمّنِي فَسَمّاهَا الظّبْيَةُ فَقَالَتْ مَا قُلْت شَيْئًا قَالَ فَهَاتِ مَا أُسَمّيك بِهِ قَالَتْ سَمّنِي خَلِيّةً طَالِقًا قَالَ أَنْتِ خَلِيّةٌ طَالِقٌ فَأَتَتْ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ فَقَالَتْ إنّ زَوْجِي طَلّقَنِي فَجَاءَ زَوْجُهَا فَقَصّ عَلَيْهِ الْقِصّةَ فَأَوْجَعَ عُمَرُ رَأْسَهَا وَقَالَ لِزَوْجِهَا : خُذْ بِيَدِهَا وَأَوْجِعْ رَأْسَهَا فَهَذَا الْحُكْمُ مِنْ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ بِعَدَمِ الْوُقُوعِ لَمّا لَمْ يَقْصِدْ الزّوْجُ اللّفْظَ الّذِي يَقَعُ بِهِ الطّلَاقُ بَلْ قَصَدَ لَفْظًا لَا يُرِيدُ بِهِ الطّلَاقَ فَهُوَ كَمَا لَوْ قَالَ لِأَمَتِهِ أَوْ غُلَامِهِ إنّهَا حُرّةٌ وَأَرَادَ أَنّهَا لَيْسَتْ بِفَاجِرَةٍ أَوْ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَنْتِ مُسَرّحَةٌ أَوْ سَرّحْتُك وَمُرَادُهُ تَسْرِيحُ الشّعْرِ وَنَحْوُ ذَلِكَ فَهَذَا لَا يَقَعُ عِتْقُهُ وَلَا طَلَاقُهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللّهِ تَعَالَى وَإِنْ قَامَتْ قَرِينَةٌ أَوْ تَصَادَقَا فِي الْحُكْمِ لَمْ يَقَعْ بِهِ . [الْحَلِفُ بِالطّلَاقِ ] فَإِنْ قِيلَ فَهَذَا مِنْ أَيّ الْأَقْسَامِ ؟ فَإِنّكُمْ جَعَلْتُمْ الْمَرَاتِبَ أَرْبَعَةً وَمَعْلُومٌ أَنّ هَذَا لَيْسَ بِمُكْرَهٍ وَلَا زَائِلِ الْعَقْلِ وَلَا هَازِلٍ وَلَا قَاصِدٍ لِحُكْمِ اللّفْظِ ؟ قِيلَ هَذَا مُتَكَلّمٌ بِاللّفْظِ مُرِيدٌ بِهِ أَحَدَ مَعْنَيَيْهِ فَلَزِمَ حُكْمُ مَا أَرَادَهُ بِلَفْظِهِ دُونَ مَا لَمْ يُرِدْهُ فَلَا يَلْزَمُ بِمَا لَمْ يُرِدْهُ بِاللّفْظِ إذَا كَانَ صَالِحًا لَمّا أَرَادَهُ وَقَدْ اسْتَحْلَفَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رُكَانَةَ لَمّا طَلّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتّةَ [ ص 188 ] فَقَالَ مَا أَرَدْتَ ؟ قَالَ وَاحِدَةً قَالَ آللّهِ قَالَ آللّهِ قَالَ هُوَ مَا أَرَدْتَ فَقَبِلَ مِنْهُ نِيّتَهُ فِي اللّفْظِ الْمُحْتَمَلِ . وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ الْبَتّةَ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَحْلِفَ عَلَى شَيْءٍ ثُمّ بَدَا لَهُ فَتَرَكَ الْيَمِينَ فَلَيْسَتْ طَالِقًا لِأَنّهُ لَمْ يُرِدْ أَنْ يُطَلّقَهَا وَبِهَذَا أَفْتَى اللّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَالْإِمَامُ أَحْمَدُ حَتّى إنّ أَحْمَدَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ يُقْبَلُ مِنْهُ ذَلِكَ فِي الْحُكْمِ . وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ لَهَا ثَلَاثُ صُوَرٍ إحْدَاهَا : أَنْ يَرْجِعَ عَنْ يَمِينِهِ وَلَمْ يَكُنْ التّنْجِيزُ مُرَادَهُ فَهَذِهِ لَا تَطْلُقُ عَلَيْهِ فِي الْحَالِ وَلَا يَكُونُ حَالِفًا . الثّانِيَةُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ الْيَمِينَ لَا التّنْجِيزَ فَيَقُولُ أَنْتِ طَالِقٌ وَمَقْصُودُهُ إنْ كَلّمْت زَيْدًا . الثّالِثَةُ أَنْ يَكُونَ مَقْصُودُهُ الْيَمِينَ مِنْ أَوّلِ كَلَامِهِ ثُمّ يَرْجِعُ عَنْ الْيَمِينِ فِي أَثْنَاءِ الْكَلَامِ وَيَجْعَلُ الطّلَاقَ مُنَجّزًا فَهَذَا لَا يَقَعُ بِهِ لِأَنّهُ لَمْ يَنْوِ بِهِ الْإِيقَاعَ وَإِنّمَا نَوَى بِهِ التّعْلِيقَ فَكَانَ قَاصِرًا عَنْ وُقُوعِ الْمُنَجّزِ فَإِذَا نَوَى التّنْجِيزَ بَعْدَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ قَدْ أَتَى فِي التّنْجِيزِ بِغَيْرِ النّيّةِ الْمُجَرّدَةِ وَهَذَا قَوْلُ أَصْحَابِ أَحْمَدَ . وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ } [ الْبَقَرَةُ 225 ] [ اللّغْوُ فِي الْيَمِينِ ] وَاللّغْوُ نَوْعَانِ أَحَدُهُمَا : أَنْ يَحْلِفَ عَلَى الشّيْءِ يَظُنّهُ كَمَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَيَتَبَيّنُ بِخِلَافِهِ . وَالثّانِي : أَنْ تَجْرِيَ الْيَمِينُ عَلَى لِسَانِهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِلْحَلِفِ كَلّا وَاَللّهِ وَبَلَى وَاَللّهِ فِي أَثْنَاءِ كَلَامِهِ وَكِلَاهُمَا رَفَعَ اللّهُ الْمُؤَاخَذَةَ بِهِ لِعَدَمِ [ ص 189 ] وَحَقِيقَتِهَا وَهَذَا تَشْرِيعٌ مِنْهُ سُبْحَانَهُ لِعِبَادِهِ أَلّا يُرَتّبُوا الْأَحْكَامَ عَلَى الْأَلْفَاظِ الّتِي لَمْ يَقْصِدْ الْمُتَكَلّمُ بِهَا حَقَائِقَهَا وَمَعَانِيهَا وَهَذَا غَيْرُ الْهَازِلِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا . [ لَا يَقَعُ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ وَإِقْرَارُهُ ] وَقَدْ أَفْتَى الصّحَابَةُ بِعَدَمِ وُقُوعِ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ وَإِقْرَارِهِ فَصَحّ عَنْ عُمَرَ أَنّهُ قَالَ لَيْسَ الرّجُلُ بِأَمِينٍ عَلَى نَفْسِهِ إذَا أَوْجَعَتْهُ أَوْ ضَرَبَتْهُ أَوْ أَوْثَقَتْهُ وَصَحّ عَنْهُ أَنّ رَجُلًا تَدَلّى بِحَبْلٍ لِيَشْتَارَ عَسَلًا فَأَتَتْ امْرَأَتُهُ فَقَالَتْ لَأُقَطّعَن الْحَبْلَ أَوْ لَتُطَلّقَنّي فَنَاشَدَهَا اللّهَ فَأَبَتْ فَطَلّقَهَا فَأَتَى عُمَرُ فَذُكِرَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ ارْجِعْ إلَى امْرَأَتِك فَإِنّ هَذَا لَيْسَ بِطَلَاقٍ . وَكَانَ عَلِيّ لَا يُجِيزُ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ وَقَالَ ثَابِتٌ الْأَعْرَجُ : سَأَلْت ابْنَ عُمَرَ وَابْنَ الزّبَيْرِ عَنْ طَلَاقِ الْمُكْرَهِ فَقَالَا جَمِيعًا : لَيْسَ بِشَيْءٍ . فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَصْنَعُونَ بِمَا رَوَاهُ الْغَازِي بْنُ جَبَلَةَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عِمْرَانَ الْأَصَمّ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ رَجُلًا جَلَسَتْ امْرَأَتُهُ عَلَى صَدْرِهِ وَجَعَلَتْ السّكّينَ عَلَى حَلْقِهِ وَقَالَتْ لَهُ طَلّقْنِي أَوْ لَأَذْبَحَنك فَنَاشَدَهَا فَأَبَتْ فَطَلّقَهَا ثَلَاثًا فَذُكِرَ ذَلِكَ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ لَا قَيْلُولَةَ فِي الطّلَاقِ رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي " سُنَنِهِ " . وَرَوَى عَطَاءُ بْنُ عَجْلَانَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ كُلّ الطّلَاقِ جَائِزٌ إلّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ وَالْمَغْلُوبِ عَلَى عَقْلِهِ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ : حَدّثَنَا فَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ حَدّثَنِي عَمْرُو بْنُ شَرَاحِيلَ الْمَعَافِرِيّ أَنّ امْرَأَةً اسْتَلّتْ سَيْفًا فَوَضَعَتْهُ عَلَى بَطْنِ زَوْجِهَا وَقَالَتْ وَاَللّهِ لَأُنْفِذَنّكَ أَوْ لِتُطَلّقَنّي فَطَلّقَهَا ثَلَاثًا فَرُفِعَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ فَأَمْضَى طَلَاقَهَا . وَقَالَ عَلِيّ كُلّ الطّلَاقِ جَائِزٌ إلّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ [ ص 190 ] قِيلَ أَمّا خَبَرُ الْغَازِي بْنِ جَبَلَةَ فَفِيهِ ثَلَاثُ عِلَلٍ . إحْدَاهَا : ضَعْفُ صَفْوَانَ بْنِ عَمْرٍو وَالثّانِيَةُ لِينُ الْغَازِي بْنِ جَبَلَةَ وَالثّالِثَةُ تَدْلِيسُ بَقِيّةِ الرّاوِي عَنْهُ وَمِثْلُ هَذَا لَا يَحْتَجّ بِهِ . قَالَ أَبُو مُحَمّدٍ ابْنُ حَزْمٍ : وَهَذَا خَبَرٌ فِي غَايَةِ السّقُوطِ . وَأَمّا حَدِيثُ ابْنِ عَبّاسٍ : كُلّ الطّلَاقِ جَائِز فَهُوَ مِنْ رِوَايَةِ عَطَاءِ بْنِ عَجْلَانَ وَضَعْفُهُ مَشْهُورٌ وَقَدْ رُمِيَ بِالْكَذِبِ . قَالَ أَبُو مُحَمّدٍ ابْنُ حَزْمٍ : وَهَذَا الْخَبَرُ شَرّ مِنْ الْأَوّلِ . وَأَمّا أَثَرُ عُمَرَ فَالصّحِيحُ عَنْهُ خِلَافُهُ كَمَا تَقَدّمَ وَلَا يُعْلَمُ مُعَاصَرَةُ الْمَعَافِرِيّ لِعُمَرَ وَفَرَجُ بْنُ فَضَالَةَ فِيهِ ضَعْفٌ . وَأَمّا أَثَرُ عَلِيّ فَاَلّذِي رَوَاهُ عَنْهُ النّاسُ أَنّهُ كَانَ لَا يُجِيزُ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ وَرَوَى عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ عَنْ حَمّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ حُمَيْدٍ عَنْ الْحَسَنِ أَنّ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ كَانَ لَا يُجِيزُ طَلَاقَ الْمُكْرَهِ . فَإِنْ صَحّ عَنْهُ مَا ذَكَرْتُمْ فَهُوَ عَامّ مَخْصُوصٌ بِهَذَا . فَصْلٌ [ طَلَاقُ السّكْرَانِ ] وَأَمّا طَلَاقُ السّكْرَانِ فَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ } [ النّسَاءُ 43 ] فَجَعَلَ سُبْحَانَهُ قَوْلَ السّكْرَانِ غَيْرَ مُعْتَبِرٍ لِأَنّهُ لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ أَمَرَ بِالْمُقِرّ بِالزّنَى أَنْ يُسْتَنْكَهَ لِيُعْتَبَرَ قَوْلُهُ الّذِي أَقَرّ بِهِ أَوْ يُلْغَى . وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " فِي قِصّةِ حَمْزَةَ لَمّا عَقَرَ بَعِيرَيْ عَلِيّ فَجَاءَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ يَلُومُهُ فَصَعّدَ فِيهِ النّظَرَ وَصَوّبَهُ وَهُوَ سَكْرَانُ ثُمّ قَالَ هَلْ [ ص 191 ] عَبِيدٌ لِأَبِي فَنَكَصَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى عَقِبَيْهِ . وَهَذَا الْقَوْلُ لَوْ قَالَهُ غَيْرُ سَكْرَانَ لَكَانَ رِدّةً وَكُفْرًا وَلَمْ يُؤَاخَذْ بِذَلِكَ حَمْزَةٌ . وَصَحّ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لَيْسَ لِمَجْنُونٍ وَلَا سَكْرَانَ طَلَاقٌ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ وَكِيعٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ أَبَانَ بْنِ عُثْمَانَ عَنْ أَبِيهِ . وَقَالَ عَطَاءٌ طَلَاقُ السّكْرَانِ لَا يَجُوزُ وَقَالَ ابْنُ طَاوُوسٍ عَنْ أَبِيهِ طَلَاقُ السّكْرَانِ لَا يَجُوزُ وَقَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمّدٍ : لَا يَجُوزُ طَلَاقُهُ . وَصَحّ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنّهُ أُتِيَ بِسَكْرَانَ طَلّقَ فَاسْتَحْلَفَهُ بِاَللّهِ الّذِي لَا إلَهَ إلّا هُوَ لَقَدْ طَلّقَهَا وَهُوَ لَا يَعْقِلُ فَحَلَفَ فَرَدّ إلَيْهِ امْرَأَتَهُ وَضَرَبَهُ الْحَدّ . وَهُوَ مَذْهَبُ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيّ وَحُمَيْدِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ وَرَبِيعَةَ وَاللّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَعَبْدِ اللّهِ بْنِ الْحَسَنِ وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَأَبِي ثَوْرٍ وَالشّافِعِيّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَاخْتَارَهُ الْمُزَنِيّ وَغَيْرُهُ مِنْ الشّافِعِيّةِ وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ فِي إحْدَى الرّوَايَاتِ عَنْهُ وَهِيَ الّتِي اسْتَقَرّ عَلَيْهَا مَذْهَبُهُ وَصَرّحَ بِرُجُوعِهِ إلَيْهَا فَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ الّذِي لَا يَأْمُرُ بِالطّلَاقِ إنّمَا أَتَى خَصْلَةً وَاحِدَةً وَاَلّذِي يَأْمُرُ بِالطّلَاقِ فَقَدْ أَتَى خَصْلَتَيْنِ حَرّمَهَا عَلَيْهِ وَأَحَلّهَا لِغَيْرِهِ فَهَذَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا وَأَنَا أَتّقِي جَمِيعًا . وَقَالَ فِي رِوَايَةِ الْمَيْمُونِيّ : قَدْ كُنْتُ أَقُولُ إنّ طَلَاقَ السّكْرَانِ يَجُوزُ حَتّى تَبَيّنْته فَغَلَبَ عَلَيّ أَنّهُ لَا يَجُوزُ طَلَاقُهُ لِأَنّهُ لَوْ أَقَرّ لَمْ يَلْزَمْهُ وَلَوْ بَاعَ لَمْ [ ص 192 ] قَالَ وَأَلْزَمَهُ الْجِنَايَةَ وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا يَلْزَمُهُ . قَالَ أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ الْعَزِيزِ وَبِهَذَا أَقُولُ وَهَذَا مَذْهَبُ أَهْلِ الظّاهِرِ كُلّهِمْ وَاخْتَارَهُ مِنْ الْحَنَفِيّةِ أَبُو جَعْفَرٍ الطّحَاوِيّ وَأَبُو الْحَسَنِ الْكَرْخِيّ . [ حُجَجُ مَنْ أَوْقَعَ طَلَاقَ السّكْرَانِ ] وَاَلّذِينَ أَوْقَعُوهُ لَهُمْ سَبْعَةُ مَآخِذَ أَحَدُهَا : أَنّهُ مُكَلّفٌ وَلِهَذَا يُؤَاخَذُ بِجِنَايَاتِهِ . وَالثّانِي : أَنّ إيقَاعَ الطّلَاقِ عُقُوبَةٌ لَهُ . وَالثّالِثُ أَنّ تَرَتّبَ الطّلَاقِ عَلَى التّطْلِيقِ مِنْ بَابِ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِأَسْبَابِهَا فَلَا يُؤَثّرُ فِيهِ السّكْرُ . وَالرّابِعُ أَنّ الصّحَابَةَ أَقَامُوهُ مَقَامَ الصّاحِي فِي كَلَامِهِ فَإِنّهُمْ قَالُوا : إذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى وَإِذَا هَذَى افْتَرَى وَحَدّ الْمُفْتَرِي ثَمَانُونَ . وَالْخَامِسُ حَدِيثُ لَا قَيْلُولَةَ فِي الطّلَاقِ وَقَدْ تَقَدّمَ . السّادِسُ حَدِيثُ كُلّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إلّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ وَقَدْ تَقَدّمَ . وَالسّابِعُ أَنّ الصّحَابَةَ أَوْقَعُوا عَلَيْهِ الطّلَاقَ فَرَوَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ عَنْ عُمَرَ وَمُعَاوِيَةَ وَرَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ . قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ : حَدّثْنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ الزّبَيْرِ بْنِ الْحَارِثِ عَنْ أَبِي لَبِيدٍ أَنّ رَجُلًا طَلّقَ امْرَأَتَهُ وَهُوَ سَكْرَانُ فَرُفِعَ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ وَشَهِدَ عَلَيْهِ أَرْبَعُ نِسْوَةٍ فَفَرّقَ عُمَرُ بَيْنَهُمَا . قَالَ وَحَدّثَنَا ابْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ نَافِعِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ جَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ أَنّ مُعَاوِيَةَ أَجَازَ طَلَاقَ السّكْرَانِ . هَذَا جَمِيعُ مَا احْتَجّوا بِهِ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهُ حُجّةٌ أَصْلًا . [ الرّدّ عَلَى حُجَجِ مَنْ أَوْقَعَ طَلَاقَ السّكْرَانِ ] [ ص 193 ] وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ مُكَلّفًا لَوَجَبَ أَنْ يَقَعَ طَلَاقُهُ إذَا كَانَ مُكْرَهًا عَلَى شُرْبِهَا أَوْ غَيْرَ عَالِمٍ بِأَنّهَا خَمْرٌ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ . وَأَمّا خِطَابُهُ فَيَجِبُ حَمْلُهُ عَلَى الّذِي يَعْقِلُ الْخِطَابَ أَوْ عَلَى الصّاحِي وَأَنّهُ نُهِيَ عَنْ السّكْرِ إذَا أَرَادَ الصّلَاةَ وَأَمّا مَنْ لَا يَعْقِلُ فَلَا يُؤْمَرُ وَلَا يَنْهَى . وَأَمّا إلْزَامُهُ بِجِنَايَاتِهِ فَمَحِلّ نِزَاعٍ لَا مَحِلّ وِفَاقٍ فَقَالَ عُثْمَانُ الْبَتّيّ : لَا يَلْزَمُهُ عَقْدٌ وَلَا بَيْعٌ وَلَا حَدّ إلّا حَدّ الْخَمْرِ فَقَطْ وَهَذَا إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ أَنّهُ كَالْمَجْنُونِ فِي كُلّ فِعْلٍ يُعْتَبَرُ لَهُ الْعَقْلُ . وَاَلّذِينَ اعْتَبَرُوا أَفْعَالَهُ دُونَ أَقْوَالِهِ فَرّقُوا بِفَرْقَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنّ إسْقَاطَ أَفْعَالِهِ ذَرِيعَةٌ إلَى تَعْطِيلِ الْقِصَاصِ إذْ كُلّ مَنْ أَرَادَ قَتْلَ غَيْرِهِ أَوْ الزّنَى أَوْ السّرِقَةَ أَوْ الْحِرَابَ سَكِرَ وَفَعَلَ ذَلِكَ فَيُقَامُ عَلَيْهِ الْحَدّ إذَا أَتَى جُرْمًا وَاحِدًا فَإِذَا تَضَاعَفَ جُرْمُهُ بِالسّكْرِ كَيْفَ يَسْقُطُ عَنْهُ الْحَدّ ؟ هَذَا مِمّا تَأْبَاهُ قَوَاعِدُ الشّرِيعَةِ وَأُصُولُهَا وَقَالَ أَحْمَدُ مُنْكِرًا عَلَى مَنْ قَالَ ذَلِكَ وَبَعْضُ مَنْ يَرَى طَلَاقَ السّكْرَانِ لَيْسَ بِجَائِزٍ يَزْعُمُ أَنّ السّكْرَانَ لَوْ جَنَى جِنَايَةً أَوْ أَتَى حَدّا أَوْ تَرَكَ الصّيَامَ أَوْ الصّلَاةَ كَانَ بِمَنْزِلَةِ الْمُبَرْسَمِ وَالْمَجْنُونِ هَذَا كَلَامُ سُوءٍ . وَالْفَرْقُ الثّانِي : أَنّ إلْغَاءَ أَقْوَالِهِ لَا يَتَضَمّنُ مَفْسَدَةً لِأَنّ الْقَوْلَ الْمُجَرّدَ مِنْ غَيْرِ الْعَاقِلِ لَا مَفْسَدَةَ فِيهِ بِخِلَافِ الْأَفْعَالِ فَإِنّ مَفَاسِدَهَا لَا يُمْكِنُ إلْغَاؤُهَا إذَا وَقَعَتْ فَإِلْغَاءُ أَفْعَالِهِ ضَرَرٌ مَحْضٌ وَفَسَادٌ مُنْتَشِرٌ بِخِلَافِ أَقْوَالِهِ فَإِنْ صَحّ هَذَانِ الْفَرْقَانِ بَطَلَ الْإِلْحَاقُ وَإِنْ لَمْ يَصِحّا كَانَتْ التّسْوِيَةُ بَيْنَ أَقْوَالِهِ وَأَفْعَالِهِ مُتَعَيّنَةً . وَأَمّا الْمَأْخَذُ الثّانِي - وَهُوَ أَنّ إيقَاعَ الطّلَاقِ بِهِ عُقُوبَةٌ لَهُ - فَفِي غَايَةِ الضّعْفِ فَإِنّ الْحَدّ يَكْفِيهِ عُقُوبَةً وَقَدْ حَصَلَ رِضَى اللّهِ سُبْحَانَهُ مِنْ هَذِهِ الْعُقُوبَةِ [ ص 194 ] وَأَمّا الْمَأْخَذُ الثّالِثُ أَنّ إيقَاعَ الطّلَاقِ بِهِ مِنْ رَبْطِ الْأَحْكَامِ بِالْأَسْبَابِ فَفِي غَايَةِ الْفَسَادِ وَالسّقُوطِ فَإِنّ هَذَا يُوجِبُ إيقَاعَ الطّلَاقِ مِمّنْ سَكِرَ مُكْرَهًا أَوْ جَاهِلًا بِأَنّهَا خَمْرٌ وَبِالْمَجْنُونِ وَالْمُبَرْسَمِ بَلْ وَبِالنّائِمِ ثُمّ يُقَالُ وَهَلْ ثَبَتَ لَكُمْ أَنّ طَلَاقَ السّكْرَانِ سَبَبٌ حَتّى يُرْبَطَ الْحُكْمُ بِهِ وَهَلْ النّزَاعُ إلّا فِي ذَلِكَ ؟ . وَأَمّا الْمَأْخَذُ الرّابِعُ وَهُوَ أَنّ الصّحَابَةَ جَعَلُوهُ كَالصّاحِي فِي قَوْلِهِمْ إذَا شَرِبَ سَكِرَ وَإِذَا سَكِرَ هَذَى . فَهُوَ خَبَرٌ لَا يَصِحّ الْبَتّةَ . قَالَ أَبُو مُحَمّدٍ ابْنُ حَزْمٍ وَهُوَ خَبَرٌ مَكْذُوبٌ قَدْ نَزّهَ اللّهُ عَلِيّا وَعَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ مِنْهُ وَفِيهِ مِنْ الْمُنَاقَضَةِ مَا يَدُلّ عَلَى بُطْلَانِهِ فَإِنّ فِيهِ إيجَابَ الْحَدّ عَلَى مَنْ هَذَى وَالْهَاذِي لَا حَدّ عَلَيْهِ . وَأَمّا الْمَأْخَذُ الْخَامِسُ وَهُوَ حَدِيثُ لَا قَيْلُولَةَ فِي الطّلَاقِ فَخَبَرٌ لَا يَصِحّ وَلَوْ صَحّ لَوَجَبَ حَمْلُهُ عَلَى طَلَاقِ مُكَلّفٍ يَعْقِلُ دُونَ مَنْ لَا يَعْقِلُ وَلِهَذَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ طَلَاقُ الْمَجْنُونِ وَالْمُبَرْسَمِ وَالصّبِيّ . وَأَمّا الْمَأْخَذُ السّادِسُ وَهُوَ خَبَرُ كُلّ طَلَاقٍ جَائِزٌ إلّا طَلَاقَ الْمَعْتُوهِ فَمِثْلُهُ سَوَاءٌ لَا يَصِحّ وَلَوْ صَحّ لَكَانَ فِي الْمُكَلّفِ وَجَوَابٌ ثَالِثٌ أَنّ السّكْرَانَ الّذِي لَا يَعْقِلُ إمّا مَعْتُوهٌ وَإِمّا مُلْحَقٌ بِهِ وَقَدْ ادّعَتْ طَائِفَةٌ أَنّهُ مَعْتُوهٌ . قَالُوا : الْمَعْتُوهُ فِي اللّغَةِ الّذِي لَا عَقْلَ لَهُ وَلَا يَدْرِي مَا يَتَكَلّمُ بِهِ . وَأَمّا الْمَأْخَذُ السّابِعُ وَهُوَ أَنّ الصّحَابَةَ أَوْقَعُوا عَلَيْهِ الطّلَاقَ فَالصّحَابَةُ [ ص 195 ] وَأَمّا أَثَرُ ابْنِ عَبّاسٍ فَلَا يَصِحّ عَنْهُ لِأَنّهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا الْحَجّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ وَفِي الثّانِيَةِ إبْرَاهِيمُ بْنُ أَبِي يَحْيَى وَأَمّا ابْنُ عُمَر َ وَمُعَاوِيَةُ فَقَدْ خَالَفَهُمَا عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ . فَصْلٌ [ طَلَاقُ الْإِغْلَاقِ ] وَأَمّا طَلَاقُ الْإِغْلَاقِ فَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا : سَمِعْت النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ لَا طَلَاقَ وَلَا عِتَاقَ فِي إغْلَاقٍ يَعْنِي الْغَضَبَ هَذَا نَصّ أَحْمَدَ حَكَاهُ عَنْهُ الْخَلّالُ وَأَبُو بَكْرٍ فِي " الشّافِي " و " زَادِ الْمُسَافِرِ " . فَهَذَا تَفْسِيرُ أَحْمَدَ . وَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي " سُنَنِهِ " : أَظُنّهُ الْغَضَبَ وَتَرْجَمَ عَلَيْهِ " بَابُ الطّلَاقِ عَلَى غَلَطٍ " . وَفَسّرَهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَغَيْرُهُ بِأَنّهُ الْإِكْرَاهُ وَفَسّرَهُ غَيْرُهُمَا : بِالْجُنُونِ وَقِيلَ هُوَ نَهْيٌ عَنْ إيقَاعِ الطّلَقَاتِ الثّلَاثِ دَفْعَةً وَاحِدَةً فَيُغْلَقُ عَلَيْهِ الطّلَاقُ حَتّى لَا يَبْقَى مِنْهُ شَيْءٌ كَغَلْقِ الرّهْنِ حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ الْهَرَوِيّ . قَالَ شَيْخُنَا وَحَقِيقَةُ الْإِغْلَاقِ أَنْ يُغْلَقَ عَلَى الرّجُلِ قَلْبُهُ فَلَا يَقْصِدُ الْكَلَامَ أَوْ لَا يَعْلَمُ بِهِ كَأَنّهُ انْغَلَقَ عَلَيْهِ قَصْدُهُ وَإِرَادَتُهُ . قُلْت : قَالَ أَبُو الْعَبّاسِ الْمُبَرّدُ : الْغَلْقُ ضِيقُ الصّدْرِ وَقِلّةُ الصّبْرِ بِحَيْثُ لَا يَجِدُ مُخَلّصًا قَالَ شَيْخُنَا : وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ طَلَاقُ الْمُكْرَهِ وَالْمَجْنُونِ وَمَنْ زَالَ عَقْلُهُ بِسُكْرٍ أَوْ غَضَبٍ وَكُلّ مَنْ لَا قَصْدَ لَهُ وَلَا مَعْرِفَةَ لَهُ بِمَا قَالَ . وَالْغَضَبُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ . [ ص 196 ] قَالَ وَهَذَا لَا يَقَعُ طَلَاقُهُ بِلَا نِزَاعٍ . وَالثّانِي : مَا يَكُونُ فِي مُبَادِيهِ بِحَيْثُ لَا يَمْنَعُ صَاحِبَهُ مِنْ تَصَوّرِ مَا يَقُولُ وَقَصَدَهُ فَهَذَا يَقَعُ طَلَاقُهُ . الثّالِثُ أَنْ يَسْتَحْكِمَ وَيَشْتَدّ بِهِ فَلَا يُزِيلُ عَقْلَهُ بِالْكُلّيّةِ وَلَكِنْ يَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نِيّتِهِ بِحَيْثُ يَنْدَمُ عَلَى مَا فَرّطَ مِنْهُ إذَا زَالَ فَهَذَا مَحِلّ نَظَرٍ وَعَدَمُ الْوُقُوعِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ قَوِيّ مُتّجِهٌ . حُكْمُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الطّلَاقِ قَبْلَ النّكَاحِ فِي " السّنَنِ " : مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا نَذْرَ لِابْنِ آدَمَ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَا عِتْقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِكُ وَلَا طَلَاقَ لَهُ فِيمَا لَا يَمْلِك قَالَ التّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ وَهُوَ أَحْسَنُ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَسَأَلْت مُحَمّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ فَقُلْت : أَيّ شَيْءٍ أَصَحّ فِي الطّلَاقِ قَبْلَ النّكَاحِ ؟ فَقَالَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ . وَرَوَى أَبُو دَاوُد : لَا بَيْعَ إلّا فِيمَا يَمْلِكُ وَلَا وَفَاءَ نَذْرٍ إلّا فِيمَا يَمْلِكُ وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " : عَنْ الْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَا طَلَاقَ قَبْلَ النّكَاحِ وَلَا عِتْقَ قَبْلَ مِلْكٍ وَقَالَ وَكِيعٌ : حَدّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي [ ص 197 ] كِلَاهُمَا عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ يَرْفَعُهُ لَا طَلَاقَ قَبْلَ نِكَاحٍ وَذَكَرَ عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ سَمِعْتُ عَطَاءً يَقُولُ قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لَا طَلَاقَ إلّا مِنْ بَعْدِ نِكَاحٍ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : بَلَغَ ابْنَ عَبّاسٍ أَنّ ابْنَ مَسْعُودٍ يَقُولُ إنْ طَلّقَ مَا لَمْ يَنْكِحْ فَهُوَ جَائِزٌ فَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : أَخْطَأَ فِي هَذَا إنّ اللّهَ تَعَالَى يَقُول : { إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمّ طَلّقْتُمُوهُنّ } [ الْأَحْزَابُ 49 ] وَلَمْ يَقُلْ إذَا طَلّقْتُمْ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمّ نَكَحْتُمُوهُنّ . وَذَكَرَ أَبُو عُبَيْدٍ : عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ سُئِلَ عَنْ رَجُلٍ قَالَ إنْ تَزَوّجْت فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ فَقَالَ عَلِيّ لَيْسَ طَلَاقٌ إلّا مِنْ بَعْدِ مِلْكٍ وَثَبَتَ عَنْهُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لَا طَلَاقَ إلّا مِنْ بَعْدِ نِكَاحٍ وَإِنْ سَمّاهَا وَهَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ الشّافِعِيّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَصْحَابُهُمْ وَداَوُد وَأَصْحَابُهُ وَجُمْهُورُ أَهْلِ الْحَدِيثِ . وَمِنْ حُجّةِ هَذَا الْقَوْلِ أَنّ الْقَائِلَ إنْ تَزَوّجْتُ فُلَانَةَ فَهِيَ طَالِقٌ مُطَلّقٌ لِأَجْنَبِيّةٍ وَذَلِكَ مُحَالٌ فَإِنّهَا حِينَ الطّلَاقِ الْمُعَلّقِ أَجْنَبِيّةٌ وَالْمُتَجَدّدُ هُوَ نِكَاحُهَا وَالنّكَاحُ لَا يَكُونُ طَلَاقًا فَعُلِمَ أَنّهَا لَوْ طَلُقَتْ فَإِنّمَا يَكُونُ ذَلِكَ اسْتِنَادًا إلَى الطّلَاقِ الْمُتَقَدّمِ مُعَلّقًا وَهِيَ إذْ ذَاكَ أَجْنَبِيّةٌ وَتَجَدّدُ الصّفَةِ لَا يَجْعَلُهُ مُتَكَلّمًا بِالطّلَاقِ عِنْدَ وُجُودِهَا فَإِنّهُ عِنْدَ وُجُودِهَا مُخْتَارٌ لِلنّكَاحِ غَيْرُ مُرِيدٍ لِلطّلَاقِ فَلَا يَصِحّ كَمَا لَوْ [ ص 198 ] قَالَ لِأَجْنَبِيّةٍ إنْ دَخَلْت الدّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ فَدَخَلَتْ وَهِيَ زَوْجَتُهُ لَمْ تَطْلُقْ بِغَيْرِ خِلَافٍ . [ الْفَرْقُ بَيْنَ تَعْلِيقِ الطّلَاقِ وَتَعْلِيقِ الْعِتْقِ ] فَإِنْ قِيلَ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَ تَعْلِيقِ الطّلَاقِ وَتَعْلِيقِ الْعِتْقِ ؟ فَإِنّهُ لَوْ قَالَ إنْ مَلَكْتُ فُلَانًا فَهُوَ حُرّ صَحّ التّعْلِيقُ وَعَتَقَ بِالْمِلْكِ ؟ . قِيلَ فِي تَعْلِيقِ الْعِتْقِ قَوْلَانِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ كَمَا عَنْهُ رِوَايَتَانِ فِي تَعْلِيقِ الطّلَاقِ وَالصّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ الّذِي عَلَيْهِ أَكْثَرُ نُصُوصِهِ وَعَلَيْهِ أَصْحَابُهُ صِحّةُ تَعْلِيقِ الْعِتْقِ دُونَ الطّلَاقِ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنّ الْعِتْقَ لَهُ قُوّةٌ وَسِرَايَةٌ وَلَا يَعْتَمِدُ نُفُوذَ الْمِلْكِ فَإِنّهُ يَنْفُذُ فِي مِلْكِ الْغَيْرِ وَيَصِحّ أَنْ يَكُونَ الْمِلْكُ سَبَبًا لِزَوَالِهِ بِالْعِتْقِ عَقْلًا وَشَرْعًا كَمَا يَزُولُ مِلْكُهُ بِالْعِتْقِ عَنْ ذِي رَحِمِهِ الْمُحَرّمِ بِشِرَائِهِ وَكَمَا لَوْ اشْتَرَى عَبْدًا لِيُعْتِقَهُ فِي كَفّارَةٍ أَوْ نَذْرٍ أَوْ اشْتَرَاهُ بِشَرْطِ الْعِتْقِ وَكُلّ هَذَا يُشْرَعُ فِيهِ جَعْلُ الْمِلْكِ سَبَبًا لِلْعِتْقِ فَإِنّهُ قُرْبَةٌ مَحْبُوبَةٌ لِلّهِ تَعَالَى فَشَرَعَ اللّهُ سُبْحَانَهُ التّوَسّلَ إلَيْهِ بِكُلّ وَسِيلَةٍ مُفْضِيَةٍ إلَى مَحْبُوبِهِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ الطّلَاقُ فَإِنّهُ بَغِيضٌ إلَى اللّهِ وَهُوَ أَبْغَضُ الْحَلَالِ إلَيْهِ وَلَمْ يَجْعَلْ مِلْكَ الْبُضْعِ بِالنّكَاحِ سَبَبًا لِإِزَالَتِهِ الْبَتّةَ وَفَرْقٌ ثَانٍ أَنّ تَعْلِيقَ الْعِتْقِ بِالْمِلْكِ مِنْ بَابِ نَذْرِ الْقُرَبِ وَالطّاعَاتِ وَالتّبَرّرِ كَقَوْلِهِ لَئِنْ آتَانِي اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ لَأَتَصَدّقَن بِكَذَا وَكَذَا فَإِذَا وُجِدَ الشّرْطُ لَزِمَهُ مَا عَلّقَهُ بِهِ مِنْ الطّاعَةِ الْمَقْصُودَةِ فَهَذَا لَوْنٌ وَتَعْلِيقُ الطّلَاقِ عَلَى الْمِلْكِ لَوْنٌ آخَرُ . حَكَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي تَحْرِيمِ طَلَاقِ الْحَائِضِ وَالنّفَسَاءِ وَالْمَوْطُوءَةِ فِي طُهْرِهَا وَتَحْرِيمِ إيقَاعِ الثّلَاثِ جُمْلَةً فِي " الصّحِيحَيْنِ " أَنّ ابْنَ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ طَلّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَسَأَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمّ لِيُمْسِكْهَا حَتّى تَطْهُرَ ثُمّ تَحِيضَ ثُمّ تَطْهُرَ ثُمّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ شَاءَ يُطَلّقُ قَبْلَ أَنْ يَمَسّ فَتِلْكَ الْعِدّةُ الّتِي أَمَرَ اللّهُ أَنْ تَطْلُقَ لَهَا النّسَاءُ . [ ص 199 ] مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمّ لِيُطَلّقْهَا طَاهِرًا أَوْ حَامِلًا . وَفِي لَفْظٍ إنْ شَاءَ طَلّقَهَا طَاهِرًا قَبْلَ أَنْ يَمَسّ فَذَلِكَ الطّلَاقُ لِلْعِدّةِ كَمَا أَمَرَهُ اللّهُ تَعَالَى . وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيّ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمّ لِيُطَلّقْهَا فِي قُبُلِ عِدّتِهَا . وَفِي لَفْظٍ لِأَحْمَدَ وَأَبِي دَاوُد وَالنّسَائِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا : قَالَ طَلّقَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَرَدّهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا وَقَالَ إذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ . وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَرَأَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " يَا أَيّهَا النّبِيّ إذَا طَلّقْتُمْ النّسَاءَ فَطَلّقُوهُنّ فِي قُبُلِ عِدّتِهِنّ " [ الطّلَاقُ 1 ] . [ أَنْوَاعُ الطّلَاقِ مِنْ حَيْثُ الْحِلّ وَالْحُرْمَةِ ] فَتَضَمّنَ هَذَا الْحُكْمُ أَنّ الطّلَاقَ عَلَى أَرْبَعِهِ أَوْجُهٍ وَجْهَانِ حَلَالٌ وَوَجْهَانِ حَرَامٌ . فَالْحَلَالَانِ أَنْ يُطَلّقَ امْرَأَتَهُ طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ أَوْ يُطَلّقَهَا حَامِلًا مُسْتَبِينًا حَمْلُهَا . [ ص 200 ] وَالْحَرَامَانِ أَنْ يُطَلّقَهَا وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ يُطَلّقَهَا فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ هَذَا فِي طَلَاقِ الْمَدْخُولِ بِهَا . وَأَمّا مَنْ لَمْ يَدْخُلْ بِهَا فَيَجُوزُ طَلَاقُهَا حَائِضًا وَطَاهِرًا كَمَا قَالَ تَعَالَى : { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلّقْتُمُ النّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسّوهُنّ أَوْ تَفْرِضُوا لَهُنّ فَرِيضَةً } [ الْبَقَرَةُ 236 ] . وَقَالَ تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمّ طَلّقْتُمُوهُنّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسّوهُنّ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنّ مِنْ عِدّةٍ تَعْتَدّونَهَا } [ الْأَحْزَابُ 49 ] وَقَدْ دَلّ عَلَى هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى : { فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ } [ الطّلَاقُ ا ] وَهَذِهِ لَا عِدّةَ لَهَا وَنَبّهَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقَوْلِهِ فَتِلْكَ الْعِدّةُ الّتِي أَمَرَ اللّهُ أَنْ تَطْلُقَ لَهَا النّسَاءُ وَلَوْلَا هَاتَانِ الْآيَتَانِ اللّتَانِ فِيهِمَا إبَاحَةُ الطّلَاقِ قَبْلَ الدّخُولِ لَمَنَعَ مِنْ طَلَاقِ مَنْ لَا عِدّةَ لَهُ عَلَيْهَا . وَفِي " سُنَنِ النّسَائِيّ " وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ قَالَ أُخْبِرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ رَجُلٍ طَلّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا فَقَامَ غَضْبَانُ فَقَالَ أَيَلْعَبُ بِكِتَابِ اللّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ حَتّى قَامَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَفَلَا أَقْتُلُهُ . وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ الطّلَاقِ قَالَ أَمّا أَنْتَ إنْ طَلّقْتَ امْرَأَتَكَ مَرّةً أَوْ مَرّتَيْنِ " فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَنِي بِهَذَا وَإِنْ كُنْتَ طَلّقْتهَا ثَلَاثًا فَقَدْ حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَك وَعَصَيْتَ [ ص 201 ] أَمَرَك مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ فَتَضَمّنَتْ هَذِهِ النّصُوصُ أَنّ الْمُطَلّقَةَ نَوْعَانِ مَدْخُولٌ بِهَا وَغَيْرُ مَدْخُولٍ بِهَا وَكِلَاهُمَا لَا يَجُوزُ تَطْلِيقُهَا ثَلَاثًا مَجْمُوعَةً وَيَجُوزُ تَطْلِيقُ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا طَاهِرًا وَحَائِضًا . وَأَمّا الْمَدْخُولُ بِهَا فَإِنْ كَانَتْ حَائِضًا أَوْ نُفَسَاءَ حَرّمَ طَلَاقَهَا وَإِنْ كَانَتْ طَاهِرًا فَإِنْ كَانَتْ مُسْتَبِينَةَ الْحَمْلِ جَازَ طَلَاقُهَا بَعْدَ الْوَطْءِ وَقَبْلَهُ وَإِنْ كَانَتْ حَائِلًا لَمْ يَجُزْ طَلَاقُهَا بَعْدَ الْوَطْءِ فِي طُهْرِ الْإِصَابَةِ وَيَجُوزُ قَبْلَهُ . هَذَا الّذِي شَرَعَهُ اللّهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مِنْ الطّلَاقِ وَأَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى وُقُوعِ الطّلَاقِ الّذِي أَذِنَ اللّهُ فِيهِ وَأَبَاحَهُ إذَا كَانَ مِنْ مُكَلّفٍ مُخْتَارٍ عَالِمٍ بِمَدْلُولِ اللّفْظِ قَاصِدٍ لَهُ . [الِاخْتِلَافُ فِي وُقُوعِ الْمُحَرّمِ مِنْ الطّلَاقِ ] وَاخْتَلَفُوا فِي وُقُوعِ الْمُحَرّمِ مِنْ ذَلِكَ وَفِيهِ مَسْأَلَتَانِ . الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الطّلَاقُ فِي الْحَيْضِ أَوْ فِي الطّهْرِ الّذِي وَاقَعَهَا فِيهِ . الْمَسْأَلَةُ الثّانِيَةُ فِي جَمْعِ الثّلَاثِ وَنَحْنُ نَذْكُرُ الْمَسْأَلَتَيْنِ تَحْرِيرًا وَتَقْرِيرًا كَمَا ذَكَرْنَاهُمَا تَصْوِيرًا وَنَذْكُرُ حُجَجَ الْفَرِيقَيْنِ وَمُنْتَهَى أَقْدَامِ الطّائِفَتَيْنِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنّ الْمُقَلّدَ الْمُتَعَصّبَ لَا يَتْرُكُ مَنْ قَلّدَهُ وَلَوْ جَاءَتْهُ كُلّ آيَةٍ وَأَنّ طَالِبَ الدّلِيلِ لَا يَأْتَمّ بِسِوَاهُ وَلَا يُحَكّمُ إلّا إيّاهُ وَلِكُلّ مِنْ النّاسِ مَوْرِدٌ لَا يَتَعَدّاهُ وَسَبِيلٌ لَا يَتَخَطّاهُ وَلَقَدْ عُذِرَ مَنْ حَمَلَ مَا انْتَهَتْ إلَيْهِ قُوَاهُ وَسَعَى إلَى حَيْثُ انْتَهَتْ إلَيْهِ خُطَاهُ . [هَلْ يَقَعُ الطّلَاقُ فِي الْحَيْضِ أَوْ فِي الطّهْرِ الّذِي وَاقَعَهَا فِيهِ ] فَأَمّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فَإِنّ الْخِلَافَ فِي وُقُوعِ الطّلَاقِ الْمُحَرّمِ لَمْ يَزَلْ ثَابِتًا بَيْنَ السّلَفِ وَالْخَلَفِ وَقَدْ وَهِمَ مَنْ ادّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى وُقُوعِهِ وَقَالَ بِمَبْلَغِ عِلْمِهِ وَخَفِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْخِلَافِ مَا اطّلَعَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : [ ص 202 ] كَيْفَ وَالْخِلَافُ بَيْنَ النّاسِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعْلُومُ الثّبُوتِ عَنْ الْمُتَقَدّمِينَ وَالْمُتَأَخّرِينَ ؟ قَالَ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ السّلَامِ الْخُشَنِيّ : حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ بَشّارٍ حَدّثَنَا عَبْدُ الْوَهّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثّقَفِيّ حَدّثَنَا عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ فِي رَجُلٍ طَلّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ . قَالَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُعْتَدّ بِذَلِك ذَكَرَه ُ أَبُوُ مُحَمّدُ بْنُ حَزْمٍ فِي " الْمُحَلّى " بِإِسْنَادِهِ إلَيْهِ . وَقَالَ عَبْدُ الرّزّاقِ فِي " مُصَنّفِهِ " : عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُوسٍ عَنْ أَبِيهِ أَنّهُ قَالَ كَانَ لَا يَرَى طَلَاقًا مَا خَالَفَ وَجْهَ الطّلَاقِ وَوَجْهَ الْعِدّةِ وَكَانَ يَقُولُ وَجْهُ الطّلَاقِ أَنْ يُطَلّقَهَا طَاهِرًا مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ وَإِذَا اسْتَبَانَ حَمْلُهَا وَقَالَ الْخُشَنِيّ حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ الْمُثَنّى حَدّثَنَا عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ حَدّثَنَا هَمّامُ بْنُ يَحْيَى عَنْ قَتَادَةَ عَنْ خِلَاسِ بْنِ عَمْرٍو أَنّهُ قَالَ فِي الرّجُلِ يُطَلّقُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ لَا يُعْتَدّ بِهَا قَالَ أَبُو مُحَمّدٍ بْنُ حَزْمٍ : وَالْعَجَبُ مِنْ جُرْأَةِ مَنْ ادّعَى الْإِجْمَاعَ عَلَى خِلَافِ هَذَا وَهُوَ لَا يَجِدُ فِيمَا يُوَافِقُ قَوْلَهُ فِي إمْضَاءِ الطّلَاقِ فِي الْحَيْضِ أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ كَلِمَةً عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصّحَابَةِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ غَيْرَ رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَدْ عَارَضَهَا مَا هُوَ أَحْسَنُ مِنّا عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَرِوَايَتَيْنِ سَاقِطَتَيْنِ عَنْ عُثْمَانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا . إحْدَاهُمَا : رَوَيْنَاهَا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ سَمْعَانَ عَنْ رَجُلٍ أَخْبَرَهُ أَنّ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ كَانَ يَقْضِي فِي الْمَرْأَةِ الّتِي يُطَلّقُهَا زَوْجُهَا وَهِيَ حَائِضٌ أَنّهَا لَا تَعْتَدّ بِحَيْضَتِهَا تِلْكَ وَتَعْتَدّ بَعْدَهَا بِثَلَاثَةِ قُرُوءٍ . [ ص 203 ] قَالَ أَبُو مُحَمّدٍ : وَالْأُخْرَى مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرّزّاقِ عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسّانٍ عَنْ قَيْسِ بْنِ سَعْدٍ مَوْلَى أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ رَجُلٍ سَمّاهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ أَنّهُ قَالَ فِيمَنْ طَلّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ يَلْزَمُهُ الطّلَاقُ وَتَعْتَدّ بِثَلَاثِ حِيَضٍ سِوَى تِلْكَ الْحَيْضَةِ قَالَ أَبُو مُحَمّد ٍ بَلْ نَحْنُ أَسْعَدُ بِدَعْوَى الْإِجْمَاعِ هَا هُنَا لَوْ اسْتَجَزْنَا مَا يَسْتَجِيزُونَ وَنَعُوذُ بِاَللّهِ مِنْ ذَلِكَ وَذَلِكَ أَنّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ قَاطِبَةً وَمِنْ جُمْلَتِهِمْ جَمِيعُ الْمُخَالِفِينَ لَنَا فِي ذَلِكَ أَنّ الطّلَاقَ فِي الْحَيْضِ أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ بِدْعَةٌ نَهَى عَنْهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُخَالِفَةٌ لِأَمْرِهِ فَإِذَا كَانَ لَا شَكّ فِي هَذَا عِنْدَهُمْ فَكَيْفَ يَسْتَجِيزُونَ الْحُكْمَ بِتَجْوِيزِ الْبِدْعَةِ الّتِي يُقِرّونَ أَنّهَا بِدْعَةٌ وَضَلَالَةٌ أَلَيْسَ بِحُكْمِ الْمُشَاهَدَةِ مُجِيزُ الْبِدْعَةِ مُخَالِفًا لِإِجْمَاعِ الْقَائِلِينَ بِأَنّهَا بِدْعَةٌ ؟ قَالَ أَبُو مُحَمّدٍ : وَحَتّى لَوْ لَمْ يَبْلُغْنَا الْخِلَافُ لَكَانَ الْقَاطِعُ عَلَى جَمِيعِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ بِمَا لَا يَقِينَ عِنْدَهُ وَلَا بَلَغَهُ عَنْ جَمِيعِهِمْ كَاذِبًا عَلَى جَمِيعِهِمْ . [أَدِلّةُ الْمَانِعِينَ مِنْ وُقُوعِ الطّلَاقِ الْمُحَرّمِ ] قَالَ الْمَانِعُونَ مِنْ وُقُوعِ الطّلَاقِ الْمُحَرّمِ لَا يُزَالُ النّكَاحُ الْمُتَيَقّنُ إلّا بِيَقِينٍ مِثْلِهِ مِنْ كِتَابٍ أَوْ سُنّةٍ أَوْ إجْمَاعٍ مُتَيَقّنٍ . فَإِذَا أَوَجَدْتُمُونَا وَاحِدًا مِنْ هَذِهِ الثّلَاثَةِ رَفَعْنَا حُكْمَ النّكَاحِ لَا سَبِيلَ إلَى رَفْعِهِ بِغَيْرِ ذَلِكَ . قَالُوا : وَكَيْفَ وَالْأَدِلّةُ الْمُتَكَاثِرَةُ تَدُلّ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهِ فَإِنّ هَذَا الطّلَاقَ لَمْ يَشْرَعْهُ اللّهُ تَعَالَى الْبَتّةَ وَلَا أَذِنَ فِيهِ فَلَيْسَ فِي شَرْعِهِ فَكَيْفَ يُقَالُ بِنُفُوذِهِ وَصِحّتِهِ ؟ . قَالُوا : وَإِنّمَا يَقَعُ مِنْ الطّلَاقِ الْمُحَرّمِ مَا مَلّكَهُ اللّهُ تَعَالَى لِلْمُطَلّقِ وَلِهَذَا لَا يَقَعُ بِهِ الرّابِعَةُ لِأَنّهُ لَمْ يُمَلّكْهَا إيّاهُ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنّهُ لَمْ يُمَلّكْهُ الطّلَاقَ الْمُحَرّمَ وَلَا أَذِنَ لَهُ فِيهِ فَلَا يَصِحّ وَلَا يَقَعُ . قَالُوا : وَلَوْ وَكّلَ وَكِيلًا أَنْ يُطَلّقَ امْرَأَتَهُ طَلَاقًا جَائِزًا فَطَلّقَ طَلَاقًا [ ص 204 ] فَكَيْفَ كَانَ إذْنُ الْمَخْلُوقِ مُعْتَبَرًا فِي صِحّةِ إيقَاعِ الطّلَاقِ دُونَ إذْنِ الشّارِعِ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنّ الْمُكَلّفَ إنّمَا يَتَصَرّفُ بِالْإِذْنِ فَمَا لَمْ يَأْذَنْ بِهِ اللّهُ وَرَسُولُهُ لَا يَكُونُ مَحَلّا لِلتّصَرّفِ الْبَتّةَ . قَالُوا : وَأَيْضًا فَالشّارِعُ قَدْ حَجَرَ عَلَى الزّوْجِ أَنْ يُطَلّقَ فِي حَالِ الْحَيْضِ أَوْ بَعْدَ الْوَطْءِ فِي الطّهْرِ فَلَوْ صَحّ طَلَاقُهُ لَمْ يَكُنْ لِحَجْرِ الشّارِعِ مَعْنًى وَكَانَ حَجْرُ الْقَاضِي عَلَى مَنْ مَنَعَهُ التّصَرّفَ أَقْوَى مِنْ حَجْرِ الشّارِعِ حَيْثُ يَبْطُلُ التّصَرّفُ بِحَجْرِهِ . قَالُوا : وَبِهَذَا أَبْطَلْنَا الْبَيْعَ وَقْتَ النّدَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِأَنّهُ بَيْعٌ حَجَرَ الشّارِعُ عَلَى بَائِعِهِ هَذَا الْوَقْتَ فَلَا يَجُوزُ تَنْفِيذُهُ وَتَصْحِيحُهُ . قَالُوا : وَلِأَنّهُ طَلَاقٌ مُحَرّمٌ مَنْهِيّ عَنْهُ فَالنّهْيُ يَقْتَضِي فَسَادَ الْمَنْهِيّ عَنْهُ فَلَوْ صَحّحْنَاهُ لَكَانَ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمَنْهِيّ عَنْهُ وَالْمَأْذُونِ فِيهِ مِنْ جِهَةِ الصّحّةِ وَالْفَسَادِ . قَالُوا : وَأَيْضًا فَالشّارِعُ إنّمَا نَهَى عَنْهُ وَحَرّمَهُ لِأَنّهُ يُبْغِضُهُ وَلَا يُحِبّ وُقُوعَهُ بَلْ وُقُوعُهُ مَكْرُوهٌ إلَيْهِ فَحَرّمَهُ لِئَلّا يَقَعَ مَا يُبْغِضُهُ وَيَكْرَهُهُ وَفِي تَصْحِيحِهِ وَتَنْفِيذِهِ ضِدّ هَذَا الْمَقْصُودِ . قَالُوا : وَإِذَا كَانَ النّكَاحُ الْمَنْهِيّ عَنْهُ لَا يَصِحّ لِأَجْلِ النّهْيِ فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطّلَاقِ وَكَيْفَ أَبْطَلْتُمْ مَا نَهَى اللّهُ عَنْهُ مِنْ النّكَاحِ وَصَحّحْتُمْ مَا حَرّمَهُ وَنَهَى عَنْهُ مِنْ الطّلَاقِ وَالنّهْيُ يَقْتَضِي الْبُطْلَانَ فِي الْمَوْضِعَيْنِ ؟ . قَالُوا : وَيَكْفِينَا مِنْ هَذَا حُكْمُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعَامّ الّذِي لَا تَخْصِيصَ فِيهِ بِرَدّ مَا خَالَفَ أَمْرَهُ وَإِبْطَالَهُ وَإِلْغَاءَهُ كَمَا فِي " الصّحِيحِ " عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا : كُلّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ وَفِي رِوَايَةٍ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ [ ص 205 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَرْدُودٌ بَاطِلٌ فَكَيْفَ يُقَالُ إنّهُ صَحِيحٌ لَازِمٌ نَافِذٌ ؟ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ الْحُكْمِ بِرَدّهِ ؟ . قَالُوا : وَأَيْضًا فَإِنّهُ طَلَاقٌ لَمْ يَشْرَعْهُ اللّهُ أَبَدًا وَكَانَ مَرْدُودًا بَاطِلًا كَطَلَاقِ الْأَجْنَبِيّةِ وَلَا يَنْفَعُكُمْ الْفَرْقُ بِأَنّ الْأَجْنَبِيّةَ لَيْسَتْ مَحَلّا لِلطّلَاقِ بِخِلَافِ الزّوْجَةِ فَإِنّ هَذِهِ الزّوْجَةَ لَيْسَتْ مَحَلّا لِلطّلَاقِ الْمُحَرّمِ وَلَا هُوَ مِمّا مَلّكَهُ الشّارِعُ إيّاهُ . قَالُوا : وَأَيْضًا فَإِنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ إنّمَا أَمَرَ بِالتّسْرِيحِ بِإِحْسَانٍ وَلَا أَشَرّ مِنْ التّسْرِيحِ الّذِي حَرّمَهُ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَمُوجَبُ عَقْدِ النّكَاحِ أَحَدُ أَمْرَيْنِ إمّا إمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَالتّسْرِيحُ الْمُحَرّمُ أَمْرٌ ثَالِثٌ غَيْرُهُمَا فَلَا عِبْرَةَ بِهِ الْبَتّةَ . قَالُوا : وَقَدْ قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النّبِيّ إِذَا طَلّقْتُمُ النّسَاءَ فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ } وَصَحّ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمُبَيّنِ عَنْ اللّهِ مُرَادَهُ مِنْ كَلَامِهِ أَنّ الطّلَاقَ الْمَشْرُوعَ الْمَأْذُونَ فِيهِ هُوَ الطّلَاقُ فِي زَمَنِ الطّهْرِ الّذِي لَمْ يُجَامِعْ فِيهِ أَوْ بَعْدَ اسْتِبَانَةِ الْحَمْلِ وَمَا عَدَاهُمَا فَلَيْسَ بِطَلَاقٍ لِلْعِدّةِ فِي حَقّ الْمَدْخُولِ بِهَا فَلَا يَكُونُ طَلَاقًا فَكَيْفَ تَحْرُمُ الْمَرْأَةُ بِهِ ؟ . قَالُوا : وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { الطّلَاقُ مَرّتَانِ } [ الْبَقَرَةُ 269 ] وَمَعْلُومٌ أَنّهُ إنّمَا أَرَادَ الطّلَاقَ الْمَأْذُونَ فِيهِ وَهُوَ الطّلَاقُ لِلْعِدّةِ فَدَلّ عَلَى أَنّ مَا عَدَاهُ لَيْسَ مِنْ الطّلَاقِ فَإِنّهُ حَصَرَ الطّلَاقَ الْمَشْرُوعَ الْمَأْذُونَ فِيهِ الّذِي يَمْلِكُ بِهِ الرّجْعَةَ فِي مَرّتَيْنِ فَلَا يَكُونُ مَا عَدَاهُ طَلَاقًا . قَالُوا : وَلِهَذَا كَانَ الصّحَابَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ يَقُولُونَ إنّهُمْ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِالْفَتْوَى فِي الطّلَاقِ الْمُحَرّمِ كَمَا رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ عَنْ الْأَعْمَشِ أَنّ ابْنَ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ [ ص 206 ] مَنْ طَلّقَ كَمَا أَمَرَهُ اللّهُ فَقَدْ بَيّنَ اللّهُ لَهُ وَمَنْ خَالَفَ فَإِنّا لَا نُطِيقُ خِلَافَهُ وَلَوْ وَقَعَ طَلَاقُ الْمُخَالِفِ لَمْ يَكُنْ الْإِفْتَاءُ بِهِ غَيْرَ مُطَاقٍ لَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لِلتّفْرِيقِ مَعْنًى إذْ كَانَ النّوْعَانِ وَاقِعَيْنِ نَافِذَيْنِ وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَيْضًا : مَنْ أَتَى الْأَمْرَ عَلَى وَجْهِهِ فَقَدْ بَيّنَ اللّهُ لَهُ وَإِلّا فَوَاَللّهِ مَا لَنَا طَاقَةٌ بِكُلّ مَا تُحْدِثُونَ وَقَالَ بَعْضُ الصّحَابَةِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْ الطّلَاقِ الثّلَاثِ مَجْمُوعَةً مَنْ طَلّقَ كَمَا أُمِرَ فَقَدْ بُيّنَ لَهُ وَمَنْ لَبّسَ تَرَكْنَاهُ وَتَلْبِيسَهُ قَالُوا : وَيَكْفِي مِنْ ذَلِكَ كُلّهِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ بِالسّنَدِ الصّحِيحِ الثّابِتِ حَدّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدّثَنَا عَبْدُ الرّزّاقِ حَدّثَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ قَالّ أَخْبَرَنِي أَبُو الزّبَيْرِ أَنّهُ سَمِعَ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ أَيْمَنَ مَوْلَى عُرْوَةَ يَسْأَلُ ابْنَ عُمَرَ قَالَ أَبُو الزّبَيْرِ وَأَنَا أَسْمَعُ كَيْفَ تَرَى فِي رَجُلٍ طَلّقَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا ؟ فَقَالَ طَلّقَ ابْنُ عُمَرَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَسَأَلَ عُمَرُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ إنّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عُمَرَ طَلّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ عَبْدُ اللّهِ فَرَدّهَا عَلَيّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا وَقَالَ إذَا طَهُرَتْ فَلْيُطَلّقْ أَوْ لِيُمْسِكْ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَقَرَأَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " يَا أَيّهَا النّبِيّ إذَا طَلّقْتُمْ النّسَاءَ فَطَلّقُوهُنّ فِي قُبُلِ عِدّتِهِنّ قَالُوا : وَهَذَا إسْنَادٌ فِي غَايَةِ الصّحّةِ فَإِنّ أَبَا الزّبَيْرِ غَيْرُ مَرْفُوعٍ عَنْ الْحِفْظِ وَالثّقَةِ وَإِنّمَا يُخْشَى مِنْ تَدْلِيسِهِ فَإِذَا قَالَ سَمِعْت أَوْ حَدّثَنِي زَالَ مَحْذُورُ التّدْلِيسِ وَزَالَتْ الْعِلّةُ الْمُتَوَهّمَةُ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَحْتَجّونَ بِهِ إذَا قَالَ " عَنْ " وَلَمْ يُصَرّحْ بِالسّمَاعِ وَمُسْلِمٌ يُصَحّحُ ذَلِكَ مِنْ حَدِيثِهِ فَأَمّا إذَا صَرّحَ بِالسّمَاعِ فَقَدْ زَالَ الْإِشْكَالُ وَصَحّ الْحَدِيثُ وَقَامَتْ الْحُجّةُ . قَالُوا : وَلَا نَعْلَمُ فِي خَبَرِ أَبِي الزّبَيْرِ هَذَا مَا يُوجِبُ رَدّهُ وَإِنّمَا رَدّهُ مَنْ [ ص 207 ] رَدّهُ اسْتِبْعَادًا وَاعْتِقَادًا أَنّهُ خِلَافُ الْأَحَادِيثِ الصّحِيحَةِ وَنَحْنُ نَحْكِي كَلَامَ مَنْ رَدّهُ وَنُبَيّنُ أَنّهُ لَيْسَ فِيهِ مَا يُوجِبُ الرّدّ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَالْأَحَادِيثُ كُلّهَا عَلَى خِلَافِ مَا قَالَ أَبُو الزّبَيْرِ . وَقَالَ الشّافِعِيّ : وَنَافِعٌ أَثْبَتُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ أَبِي الزّبَيْرِ وَالْأَثْبَتُ مِنْ الْحَدِيثَيْنِ أَوْلَى أَنْ يُقَالَ بِهِ إذَا خَالَفَهُ . وَقَالَ الْخَطّابِيّ : حَدِيثُ يُونُسَ بْنِ جُبَيْرٍ أَثْبَتُ مِنْ هَذَا يَعْنِي قَوْلَهُ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا " وَقَوْلُهُ " أَرَأَيْتَ إنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ " ؟ قَالَ فَمَه قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ : وَهَذَا لَمْ يَنْقُلْهُ عَنْهُ أَحَدٌ غَيْرُ أَبِي الزّبَيْرِ وَقَدْ رَوَاهُ عَنْهُ جَمَاعَةٌ أَجِلّةٌ فَلَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَأَبُو الزّبَيْرِ لَيْسَ بِحُجّةٍ فِيمَا خَالَفَهُ فِيهِ مِثْلُهُ فَكَيْفَ بِخِلَافِ مَنْ هُوَ أَثْبَتُ مِنْهُ . وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ لَمْ يَرْوِ أَبُو الزّبَيْرِ حَدِيثًا أَنْكَرَ مِنْ هَذَا . فَهَذَا جُمْلَةُ مَا رُدّ بِهِ خَبَرُ أَبِي الزّبَيْرِ وَهُوَ عِنْدَ التّأَمّلِ لَا يُوجِبُ رَدّهُ وَلَا بُطْلَانَهُ . [الرّدّ عَلَى مَنْ ضَعّفَ حَدِيثَ أَبِي الزّبَيْرِ ] أَمّا قَوْلُ أَبِي دَاوُدَ الْأَحَادِيثُ كُلّهَا عَلَى خِلَافِهِ فَلَيْسَ بِأَيْدِيكُمْ سِوَى تَقْلِيدِ أَبِي دَاوُدَ وَأَنْتُمْ لَا تَرْضَوْنَ ذَلِكَ وَتَزْعُمُونَ أَنّ الْحُجّةَ مِنْ جَانِبِكُمْ فَدَعُوا التّقْلِيدَ وَأَخْبِرُونَا أَيْنَ فِي الْأَحَادِيثِ الصّحِيحَةِ مَا يُخَالِفُ حَدِيثَ أَبِي الزّبَيْرِ ؟ فَهَلْ فِيهَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ احْتَسَبَ عَلَيْهِ تِلْكَ الطّلْقَةَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَدّ بِهَا فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فَنَعَمْ وَاَللّهِ هَذَا خِلَافٌ صَرِيحٌ لِحَدِيثِ أَبِي الزّبَيْرِ وَلَا تَجِدُونَ إلَى ذَلِكَ سَبِيلًا وَغَايَةُ مَا بِأَيْدِيكُمْ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا وَالرّجْعَةُ تَسْتَلْزِمُ وُقُوعَ الطّلَاقِ . وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ . وَقَدْ سُئِلَ أَتَعْتَدّ بِتِلْكَ التّطْلِيقَةِ ؟ فَقَالَ " أَرَأَيْت إنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ " وَقَوْلُ نَافِعٍ أَوْ مَنْ دُونَهُ " فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا وَلَيْسَ وَرَاءَ ذَلِكَ حَرْفٌ وَاحِدٌ يَدُلّ عَلَى وُقُوعِهَا [ ص 208 ] مُعَارَضَتِهَا لِقَوْلِهِ فَرَدّهَا عَلَيّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا وَتَقْدِيمُهَا عَلَيْهِ وَمُعَارَضَتُهَا لِتِلْكَ الْأَدِلّةِ الْمُتَقَدّمَةِ الّتِي سُقْنَاهَا وَعِنْدَ الْمُوَازَنَةِ يَظْهَرُ التّفَاوُتُ وَعَدَمُ الْمُقَاوَمَةِ وَنَحْنُ نَذْكُرُ مَا فِي كَلِمَةٍ كَلِمَةٍ مِنْهَا . [مَعْنَى الْمُرَاجَعَةِ فِي كَلَامِ اللّهِ وَرَسُولِهِ ] أَمّا قَوْلُهُ مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا فَالْمُرَاجَعَةُ عَلَى ثَلَاثِ مَعَانٍ . أَحَدُهَا : ابْتِدَاءُ النّكَاحِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ طَلّقَهَا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا إِنْ ظَنّا أَنْ يُقِيمَا حُدُودَ اللّهِ } [ الْبَقَرَةُ 230 ] وَلَا خِلَافَ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْقُرْآنِ أَنّ الْمُطَلّقَ هَا هُنَا : هُوَ الزّوْجُ الثّانِي وَأَنّ التّرَاجُعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الزّوْجِ الْأَوّلِ وَذَلِكَ نِكَاحٌ مُبْتَدَأٌ . وَثَانِيهِمَا : الرّدّ الْحِسّيّ إلَى الْحَالَةِ الّتِي كَانَ عَلَيْهَا أَوّلًا كَقَوْلِهِ لِأَبِي النّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ لَمّا نَحَلَ ابْنَهُ غُلَامًا خَصّهُ بِهِ دُونَ وَلَدِهِ رَدّهُ فَهَذَا رَدّ مَا لَمْ تَصِحّ فِيهِ الْهِبَةُ الْجَائِزَةُ الّتِي سَمّاهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَوْرًا وَأَخْبَرَ أَنّهَا لَا تَصْلُحُ وَأَنّهَا خِلَافُ الْعَدْلِ كَمَا سَيَأْتِي تَقْرِيرُهُ إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى . وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ لِمَنْ فَرّقَ بَيْنَ جَارِيَةٍ وَوَلَدِهَا فِي الْبَيْعِ فَنَهَاهُ عَنْ ذَلِكَ وَرَدّ الْبَيْعَ وَلَيْسَ هَذَا الرّدّ مُسْتَلْزِمًا لِصِحّةِ الْبَيْعِ فَإِنّهُ بَيْعٌ بَاطِلٌ بَلْ هُوَ رَدّ شَيْئَيْنِ إلَى حَالَةِ اجْتِمَاعِهِمَا كَمَا كَانَا وَهَكَذَا الْأَمْرُ بِمُرَاجَعَة ِ ابْنِ عُمَرَ امْرَأَتَهُ ارْتِجَاعٌ وَرَدّ إلَى حَالَةِ الِاجْتِمَاعِ كَمَا كَانَا قَبْلَ الطّلَاقِ وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَقْتَضِي وُقُوعَ الطّلَاقِ فِي الْحَيْضِ الْبَتّةَ . وَأَمّا قَوْلُهُ أَرَأَيْتَ إنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ فَيَا سُبْحَانَ اللّهِ أَيْنَ الْبَيَانُ فِي هَذَا اللّفْظِ بِأَنّ تِلْكَ الطّلْقَةَ حَسَبَهَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْأَحْكَامُ لَا تُؤْخَذُ بِمِثْلِ هَذَا وَلَوْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ حَسَبَهَا عَلَيْهِ وَاعْتَدّ عَلَيْهِ بِهَا لَمْ يَعْدِلْ عَنْ الْجَوَابِ بِفِعْلِهِ وَشَرْعِهِ إلَى : أَرَأَيْت وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ أَكْرَهُ مَا إلَيْهِ " أَرَأَيْت " [ ص 209 ] فَكَيْفَ يَعْدِلُ لِلسّائِلِ عَنْ صَرِيحِ السّنّةِ إلَى لَفْظَةِ " أَرَأَيْت " الدّالّةِ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الرّأْيِ سَبَبُهُ عَجْزُ الْمُطَلّقِ وَحُمْقُهُ عَنْ إيقَاعِ الطّلَاقِ عَلَى الْوَجْهِ الّذِي أَذِنَ اللّهُ لَهُ فِيهِ وَالْأَظْهَرُ فِيمَا هَذِهِ صِفَتُهُ أَنّهُ لَا يُعْتَدّ بِهِ وَأَنّهُ سَاقِطٌ مِنْ فِعْلِ فَاعِلِهِ لِأَنّهُ لَيْسَ فِي دِينِ اللّهِ تَعَالَى حُكْمٌ نَافِذٌ سَبَبُهُ الْعَجْزُ وَالْحُمْقُ عَنْ امْتِثَالِ الْأَمْرِ إلّا أَنْ يَكُونَ فِعْلًا لَا يُمْكِنُ رَدّهُ بِخِلَافِ الْعُقُودِ الْمُحَرّمَةِ الّتِي مَنْ عَقَدَهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمُحَرّمِ فَقَدْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ وَحِينَئِذٍ فَيُقَالُ هَذَا أَدَلّ عَلَى الرّدّ مِنْهُ عَلَى الصّحّةِ وَاللّزُومِ فَإِنّهُ عَقْدُ عَاجِزٍ أَحْمَقَ عَلَى خِلَافِ أَمْرِ اللّهِ وَرَسُولِهِ فَيَكُونُ مَرْدُودًا بَاطِلًا فَهَذَا الرّأْيُ وَالْقِيَاسُ أَدَلّ عَلَى بُطْلَانِ طَلَاقِ مَنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ مِنْهُ عَلَى صِحّتِهِ وَاعْتِبَارِهِ . وَأَمّا قَوْلُهُ فَحُسِبَتْ مِنْ طَلَاقِهَا . فَفِعْلٌ مَبْنِيّ لِمَا لَمْ يُسَمّ فَاعِلُهُ فَإِذَا سُمّيَ فَاعِلُهُ ظَهَرَ وَتَبَيّنَ هَلْ فِي حُسْبَانِهِ حُجّةٌ أَوْ لَا ؟ وَلَيْسَ فِي حُسْبَانِ الْفَاعِلِ الْمَجْهُولِ دَلِيلٌ الْبَتّةَ . وَسَوَاءٌ كَانَ الْقَائِلُ " فَحُسِبَتْ " ابْنَ عُمَر َ أَوْ نَافِعًا أَوْ مَنْ دُونَهُ وَلَيْسَ فِيهِ بَيَانٌ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هُوَ الّذِي حَسَبَهَا حَتّى تَلْزَمَ الْحُجّةُ بِهِ وَتَحْرُمُ مُخَالَفَتُهُ فَقَدْ تَبَيّنَ أَنّ سَائِرَ الْأَحَادِيثِ لَا تُخَالِفُ حَدِيثَ أَبِي الزّبَيْرِ وَأَنّهُ صَرِيحٌ فِي أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَرَهَا شَيْئًا وَسَائِرُ الْأَحَادِيثِ مُجْمَلَةٌ لَا بَيَانَ فِيهَا . [رَدّ الْمُوقِعِينَ لِلطّلَاقِ عَلَى الْمَانِعِينَ ] قَالَ الْمُوقِعُونَ لَقَدْ ارْتَقَيْتُمْ أَيّهَا الْمَانِعُونَ مُرْتَقًى صَعْبًا وَأَبْطَلْتُمْ أَكْثَرَ طَلَاقِ الْمُطَلّقِينَ فَإِنّ غَالِبَهُ طَلَاقٌ بِدْعِيّ وَجَاهَرْتُمْ بِخِلَافِ الْأَئِمّةِ وَلَمْ تَتَحَاشَوْا خِلَافَ الْجُمْهُورِ وَشَذَذْتُمْ بِهَذَا الْقَوْلِ الّذِي أَفْتَى جُمْهُورُ الصّحَابَةِ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بِخِلَافِهِ وَالْقُرْآنُ وَالسّنَنُ تَدُلّ عَلَى بُطْلَانِهِ . قَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ طَلّقَهَا فَلَا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } وَهَذَا يَعُمّ كُلّ طَلَاقٍ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ { وَالْمُطَلّقَاتُ يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } [ الْبَقَرَةُ 228 ] وَلَمْ يُفَرّقْ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { الطّلَاقُ مَرّتَانِ } وَقَوْلُهُ { وَلِلْمُطَلّقَاتِ مَتَاعٌ } [ ص 210 ] عُمُومَاتٌ لَا يَجُوزُ تَخْصِيصُهَا إلّا بِنَصّ أَوْ إجْمَاعٍ . قَالُوا : وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ دَلِيلٌ عَلَى وُقُوعِ الطّلَاقِ الْمُحَرّمِ مِنْ وُجُوهٍ . أَحَدُهَا : الْأَمْرُ بِالْمُرَاجَعَةِ وَهِيَ لَمّ شَعَثِ النّكَاحِ وَإِنّمَا شَعَثُهُ وُقُوعُ الطّلَاقِ . الثّانِي : قَوْلُ ابْنِ عُمَر َ فَرَاجَعْتهَا وَحَسِبْت لَهَا التّطْلِيقَةَ الّتِي طَلّقَهَا وَكَيْفَ يُظَنّ بِابْنِ عُمَرَ أَنّهُ يُخَالِفُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَيَحْسَبُهَا مِنْ طَلَاقِهَا وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَرَهَا شَيْئًا . الثّالِثُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ لَمّا قِيلَ لَهُ أَيُحْتَسَبُ بِتِلْكَ التّطْلِيقَةِ ؟ قَالَ أَرَأَيْتَ إنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ أَيْ عَجْزُهُ وَحُمْقُهُ لَا يَكُونُ عُذْرًا لَهُ فِي عَدَمِ احْتِسَابِهِ بِهَا . الرّابِعُ أَنّ ابْنَ عُمَر َ قَالَ وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَعْتَدّ بِهَا وَهَذَا إنْكَارٌ مِنْهُ لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِهَا وَهَذَا يُبْطِلُ تِلْكَ اللّفْظَةَ الّتِي رَوَاهَا عَنْهُ أَبُو الزّبَيْرِ إذْ كَيْفَ يَقُولُ ابْنُ عُمَرَ : وَمَا يَمْنَعُنِي أَنْ أَعْتَدّ بِهَا ؟ وَهُوَ يَرَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ رَدّهَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا . الْخَامِسُ أَنّ مَذْهَبَ ابْنِ عُمَرَ الِاعْتِدَادُ بِالطّلَاقِ فِي الْحَيْضِ وَهُوَ صَاحِبُ الْقِصّةِ وَأَعْلَمُ النّاسِ بِهَا وَأَشَدّهُمْ اتّبَاعًا لِلسّنَنِ وَتَحَرّجًا مِنْ مُخَالَفَتِهَا . قَالُوا : وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ فِي " جَامِعِهِ " حَدّثَنَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ أَنّ نَافِعًا أَخْبَرَهُمْ عَن ابْنِ عُمَر َ أَنّهُ طَلّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ فَسَأَلَ عُمَرُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ " مُرْهُ فَلْيُرَاجِعْهَا ثُمّ لِيُمْسِكْهَا حَتّى تَطْهُرَ ثُمّ تَحِيضَ ثُمّ تَطْهُرَ ثُمّ إنْ شَاءَ أَمْسَكَ بَعْدَ ذَلِكَ وَإِنْ شَاءَ طَلّقَ قَبْلَ أَنْ يَمَسّ فَتِلْكَ الْعِدّةُ الّتِي أَمَرَ اللّهُ أَنْ تُطَلّقَ لَهَا النّسَاءُ وَهِيَ وَاحِدَةٌ هَذَا لَفْظُ حَدِيثِهِ . [ ص 211 ] قَالُوا : وَرَوَى عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ قَالَ أَرْسَلْنَا إلَى نَافِعٍ وَهُوَ يَتَرَجّلُ فِي دَارِ النّدْوَةِ ذَاهِبًا إلَى الْمَدِينَةِ وَنَحْنُ مَعَ عَطَاءٍ هَلْ حُسِبَتْ تَطْلِيقَةُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ امْرَأَتَهُ حَائِضًا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ؟ قَالَ نَعَمْ قَالُوا : وَرَوَى حَمّادُ بْنُ زَيْدٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ صُهَيْبٍ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ طَلّقَ فِي بِدْعَةٍ أَلْزَمْنَاهُ بِدْعَتَهُ رَوَاهُ عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ عَنْ زَكَرِيّا السّاجِي حَدّثَنَا إسْمَاعِيلُ بْنُ أُمَيّةَ الذّارِعُ حَدّثَنَا حَمّادٌ فَذَكَرَهُ . قَالُوا : وَقَدْ تَقَدّمَ مَذْهَبُ عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فِي فَتْوَاهُمَا بِالْوُقُوعِ . قَالُوا : وَتَحْرِيمُهُ لَا يَمْنَعُ تَرَتّبَ أَثَرِهِ وَحُكْمِهِ عَلَيْهِ كَالظّهَارِ فَإِنّهُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزَوْرٌ وَهُوَ مُحَرّمٌ بِلَا شَكّ وَتَرَتّبَ أَثَرُهُ عَلَيْهِ وَهُوَ تَحْرِيمُ الزّوْجَةِ إلَى أَنْ يُكَفّرَ فَهَكَذَا الطّلَاقُ الْبِدْعِيّ مُحَرّمٌ وَيَتَرَتّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ إلَى أَنْ يُرَاجِعَ وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا . قَالُوا : وَهَذَا ابْنُ عُمَرَ يَقُولُ لِلْمُطَلّقِ ثَلَاثًا : حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَك وَعَصَيْتَ رَبّك فِيمَا أَمَرَك بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِك فَأَوْقَعَ عَلَيْهِ الطّلَاقَ الّذِي عَصَى بِهِ الْمُطَلّقُ رَبّهُ عَزّ وَجَلّ . [ ص 212 ] قَالُوا : وَكَذَلِكَ الْقَذْفُ مُحَرّمٌ وَتَرَتّبَ عَلَيْهِ أَثَرُهُ مِنْ الْحَدّ وَرَدّ الشّهَادَةِ وَغَيْرِهِمَا . قَالُوا : وَالْفَرْقُ بَيْنَ النّكَاحِ الْمُحَرّمِ وَالطّلَاقِ الْمُحَرّمِ أَنّ النّكَاحَ عَقْدٌ يَتَضَمّنُ حِلّ الزّوْجَةِ وَمِلْكَ بُضْعِهَا فَلَا يَكُونُ إلّا عَلَى الْوَجْهِ الْمَأْذُونِ فِيهِ شَرْعًا فَإِنّ الْأَبْضَاعَ فِي الْأَصْلِ عَلَى التّحْرِيمِ وَلَا يُبَاحُ مِنْهَا إلّا مَا أَبَاحَهُ الشّارِعُ بِخِلَافِ الطّلَاقِ فَإِنّهُ إسْقَاطٌ لِحَقّهِ وَإِزَالَةٌ لِمِلْكِهِ وَذَلِكَ لَا يَتَوَقّفُ عَلَى كَوْنِ السّبَبِ الْمُزِيلِ مَأْذُونًا فِيهِ شَرْعًا كَمَا يَزُولُ مِلْكُهُ عَنْ الْعَيْنِ بِالْإِتْلَافِ الْمُحَرّمِ وَبِالْإِقْرَارِ الْكَاذِبِ وَبِالتّبَرّعِ الْمُحَرّمِ كَهِبَتِهَا لِمَنْ يَعْلَمُ أَنّهُ يَسْتَعِينُ بِهَا عَلَى الْمَعَاصِي وَالْآثَامِ . قَالُوا : وَالْإِيمَانُ أَصْلُ الْعُقُودِ وَأَجَلّهَا وَأَشْرَفُهَا يَزُولُ بِالْكَلَامِ الْمُحَرّمِ إذَا كَانَ كُفْرًا فَكَيْفَ لَا يَزُولُ عَقْدُ النّكَاحِ بِالطّلَاقِ الْمُحَرّمِ الّذِي وُضِعَ لِإِزَالَتِهِ . قَالُوا : وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَنَا فِي الْمَسْأَلَةِ إلّا طَلَاقُ الْهَازِلِ فَإِنّهُ يَقَعُ مَعَ تَحْرِيمِهِ لِأَنّهُ لَا يَحِلّ لَهُ الْهَزْلُ بِآيَاتِ اللّهِ وَقَدْ قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَتّخِذُونَ آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا : طَلّقْتُك رَاجَعْتُك طَلّقْتُك رَاجَعْتُك فَإِذَا وَقَعَ طَلَاقُ الْهَازِلِ مَعَ تَحْرِيمِهِ فَطَلَاقُ الْجَادّ أَوْلَى أَنْ يَقَعَ مَعَ تَحْرِيمِهِ . قَالُوا : وَفَرْقٌ آخَرُ بَيْنَ النّكَاحِ الْمُحَرّمِ وَالطّلَاقِ الْمُحَرّمِ أَنّ النّكَاحَ نِعْمَةٌ فَلَا تُسْتَبَاحُ بِالْمُحَرّمَاتِ وَإِزَالَتُهُ وَخُرُوجُ الْبُضْعِ عَنْ مِلْكِهِ نِقْمَةٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهَا مُحَرّمًا . قَالُوا : وَأَيْضًا فَإِنّ الْفُرُوجَ يُحْتَاطُ لَهَا وَالِاحْتِيَاطُ يَقْتَضِي وُقُوعَ الطّلَاقِ وَتَجْدِيدَ الرّجْعَةِ وَالْعَقْدِ . قَالُوا : وَقَدْ عَهِدْنَا النّكَاحَ لَا يُدْخَلُ فِيهِ إلّا بِالتّشْدِيدِ وَالتّأْكِيدِ مِنْ الْإِيجَابِ وَالْقَبُولِ وَالْوَلِيّ وَالشّاهِدَيْنِ وَرِضَى الزّوْجَةِ الْمُعْتَبَرِ رِضَاهَا [ ص 213 ] يُقَاسَ عَلَيْهِ . قَالُوا : وَلَوْ لَمْ يَكُنْ بِأَيْدِينَا إلّا قَوْلُ حَمَلَةِ الشّرْعِ كُلّهِمْ قَدِيمًا وَحَدِيثًا : طَلّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ وَالطّلَاقُ نَوْعَانِ طَلَاقُ سُنّةٍ وَطَلَاقُ بِدْعَةٍ وَقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ الطّلَاقُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : وَجْهَانِ حَلَالٌ وَوَجْهَانِ حَرَامٌ فَهَذَا الْإِطْلَاقُ وَالتّقْسِيمُ دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُ عِنْدَهُمْ طَلَاقٌ حَقِيقَةً وَشُمُولُ اسْمِ الطّلَاقِ لَهُ كَشُمُولِهِ لِلطّلَاقِ الْحَلَالِ وَلَوْ كَانَ لَفْظًا مُجَرّدًا لَغْوًا لَمْ يَكُنْ لَهُ حَقِيقَةٌ وَلَا قِيلَ طَلّقَ امْرَأَتَهُ فَإِنّ هَذَا اللّفْظَ إذَا كَانَ لَغْوًا كَانَ وَجُودُهُ كَعَدَمِهِ وَمِثْلُ هَذَا لَا يُقَالُ فِيهِ طَلّقَ وَلَا يُقَسّمُ الطّلَاقُ - وَهُوَ غَيْرُ وَاقِعٍ - إلَيْهِ وَإِلَى الْوَاقِعِ فَإِنّ الْأَلْفَاظَ اللّاغِيَةَ الّتِي لَيْسَ لَهَا مَعَانٍ ثَابِتَةٌ لَا تَكُونُ هِيَ وَمَعَانِيهَا قِسْمًا مِنْ الْحَقِيقَةِ الثّابِتَةِ لَفْظًا فَهَذَا أَقْصَى مَا تَمَسّكَ بِهِ الْمُوقِعُونَ وَرُبّمَا ادّعَى بَعْضُهُمْ الْإِجْمَاعَ لِعَدَمِ عِلْمِهِ بِالنّزَاعِ . [رَدّ الْمَانِعِينَ عَلَى الْمُوقِعِينَ ] قَالَ الْمَانِعُونَ مِنْ الْوُقُوعِ الْكَلَامُ مَعَكُمْ فِي ثَلَاثِ مَقَامَاتٍ بِهَا يَسْتَبِينُ الْحَقّ فِي الْمَسْأَلَةِ . الْمَقَامُ الْأَوّلُ بُطْلَانُ مَا زَعَمْتُمْ مِنْ الْإِجْمَاعِ وَأَنّهُ لَا سَبِيلَ لَكُمْ إلَى إثْبَاتِهِ الْبَتّةَ بَلْ الْعِلْمُ بِانْتِفَائِهِ مَعْلُومٌ . الْمَقَامُ الثّانِي أَنّ فَتْوَى الْجُمْهُورِ بِالْقَوْلِ لَا يَدُلّ عَلَى صِحّتِهِ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ لَيْسَ بِحُجّةٍ . [ ص 214 ] الْمَقَامُ الثّالِثُ أَنّ الطّلَاقَ الْمُحَرّمَ لَا يَدْخُلُ تَحْتَ نُصُوصِ الطّلَاقِ الْمُطْلَقَةِ الّتِي رَتّبَ الشّارِعُ عَلَيْهَا أَحْكَامَ الطّلَاقِ فَإِنْ ثَبَتَتْ لَنَا هَذِهِ الْمَقَامَاتُ الثّلَاثُ كُنّا أَسْعَدَ بِالصّوَابِ مِنْكُمْ فِي الْمَسْأَلَةِ . فَنَقُولُ أَمّا الْمَقَامُ الْأَوّلُ فَقَدْ تَقَدّمَ مِنْ حِكَايَةِ النّزَاعِ مَا يُعْلَمُ مَعَهُ بُطْلَانُ دَعْوَى الْإِجْمَاعِ كَيْفَ وَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ سَبِيلٌ إلَى إثْبَاتِ الْإِجْمَاعِ الّذِي تَقُومُ بِهِ الْحُجّةُ وَتَنْقَطِعُ مَعَهُ الْمَعْذِرَةُ وَتَحْرُمُ مَعَهُ الْمُخَالَفَةُ فَإِنّ الْإِجْمَاعَ الّذِي يُوجِبُ ذَلِكَ هُوَ الْإِجْمَاعُ الْقَطْعِيّ الْمَعْلُومُ . وَأَمّا الْمَقَامُ الثّانِي : وَهُوَ أَنّ الْجُمْهُورَ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ فَأَوْجِدُونَا فِي الْأَدِلّةِ الشّرْعِيّةِ أَنّ قَوْلَ الْجُمْهُورِ حُجّةٌ مُضَافَةٌ إلَى كِتَابِ اللّهِ وَسُنّةِ رَسُولِهِ وَإِجْمَاعِ أُمّتِهِ . وَمَنْ تَأَمّلَ مَذَاهِبَ الْعُلَمَاءِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا مِنْ عَهْدِ الصّحَابَةِ وَإِلَى الْآنَ وَاسْتَقْرَأَ أَحْوَالَهُمْ وَجَدَهُمْ مُجْمِعِينَ عَلَى تَسْوِيغِ خِلَافِ الْجُمْهُورِ وَوَجَدَ لِكُلّ مِنْهُمْ أَقْوَالًا عَدِيدَةً انْفَرَدَ بِهَا عَنْ الْجُمْهُورِ وَلَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ قَطّ وَلَكِنْ مُسْتَقِلّ وَمُسْتَكْثِرٌ فَمَنْ شِئْتُمْ سَمّيْتُمُوهُ مِنْ الْأَئِمّةِ تَتَبّعُوا مَا لَهُ مِنْ الْأَقْوَالِ الّتِي خَالَفَ فِيهَا الْجُمْهُورَ وَلَوْ تَتَبّعْنَا ذَلِكَ وَعَدَدْنَاهُ لَطَالَ الْكِتَابُ بِهِ جِدّا وَنَحْنُ نُحِيلُكُمْ عَلَى الْكُتُبِ الْمُتَضَمّنَةِ لِمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَاخْتِلَافِهِمْ وَمَنْ لَهُ مَعْرِفَةٌ بِمَذَاهِبِهِمْ وَطَرَائِقِهِمْ يَأْخُذُ إجْمَاعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ مِنْ اخْتِلَافِهِمْ وَلَكِنْ هَذَا فِي الْمَسَائِلِ الّتِي يَسُوغُ فِيهَا الِاجْتِهَادُ وَلَا تَدْفَعُهَا السّنّةُ الصّحِيحَةُ الصّرِيحَةُ وَأَمّا مَا كَانَ هَذَا سَبِيلُهُ فَإِنّهُمْ كَالْمُتّفِقِينَ عَلَى إنْكَارِهِ وَرَدّهِ وَهَذَا هُوَ الْمَعْلُومُ مِنْ مَذَاهِبِهِمْ فِي الْمَوْضِعَيْنِ . وَأَمّا الْمَقَامُ الثّالِثُ وَهُوَ دَعْوَاكُمْ دُخُولَ الطّلَاقِ الْمُحَرّمِ تَحْتَ نُصُوصِ الطّلَاقِ وَشُمُولَهَا لِلنّوْعَيْنِ إلَى آخِرِ كَلَامِكُمْ فَنَسْأَلُكُمْ مَا تَقُولُونَ فِيمَنْ ادّعَى دُخُولَ أَنْوَاعِ الْبَيْعِ الْمُحَرّمِ وَالنّكَاحِ الْمُحَرّمِ تَحْتَ نُصُوصِ الْبَيْعِ [ ص 215 ] وَقَالَ شُمُولُ الِاسْمِ لِلصّحِيحِ مِنْ ذَلِكَ وَالْفَاسِدِ سَوَاءٌ بَلْ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الْعُقُودِ الْمُحَرّمَةِ إذَا ادّعَى دُخُولَهَا تَحْتَ أَلْفَاظِ الْعُقُودِ الشّرْعِيّةِ وَكَذَلِكَ الْعِبَادَاتُ الْمُحَرّمَةُ الْمَنْهِيّ عَنْهَا إذَا ادّعَى دُخُولَهَا تَحْتَ الْأَلْفَاظِ الشّرْعِيّةِ وَحَكَمَ لَهَا بِالصّحّةِ لِشُمُولِ الِاسْمِ لَهَا هَلْ تَكُونُ دَعْوَاهُ صَحِيحَةً أَوْ بَاطِلَةً ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ صَحِيحَةٌ وَلَا سَبِيلَ لَكُمْ إلَى ذَلِكَ كَانَ قَوْلًا مَعْلُومَ الْفَسَادِ بِالضّرُورَةِ مِنْ الدّينِ وَإِنْ قُلْتُمْ دَعْوَاهُ بَاطِلَةٌ تَرَكْتُمْ قَوْلَكُمْ وَرَجَعْتُمْ إلَى مَا قُلْنَاهُ وَإِنْ قُلْتُمْ تُقْبَلُ فِي مَوْضِعٍ وَتُرَدّ فِي مَوْضِعٍ قِيلَ لَكُمْ فَفَرّقُوا بِفُرْقَانٍ صَحِيحٍ مُطّرِدٍ مُنْعَكِسٍ مَعَكُمْ بِهِ بُرْهَانٌ مِنْ اللّهِ بَيْنَ مَا يَدْخُلُ مِنْ الْعُقُودِ الْمُحَرّمَةِ تَحْتَ أَلْفَاظِ النّصُوصِ فَيَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الصّحّةِ وَبَيْنَ مَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَهَا فَيَثْبُتُ لَهُ حُكْمُ الْبُطْلَانِ وَإِنْ عَجَزْتُمْ عَنْ ذَلِكَ فَاعْلَمُوا أَنّهُ لَيْسَ بِأَيْدِيكُمْ سِوَى الدّعْوَى الّتِي يُحْسِنُ كُلّ أَحَدٍ مُقَابَلَتَهَا بِمِثْلِهَا أَوْ الِاعْتِمَادَ عَلَى مَنْ يُحْتَجّ لِقَوْلِهِ لَا بِقَوْلِهِ وَإِذَا كُشِفَ الْغِطَاءُ عَمّا قَرّرْتُمُوهُ فِي هَذِهِ الطّرِيقِ وُجِدَ عَيْنُ مَحَلّ النّزَاعِ فَقَدْ جَعَلْتُمُوهُ مُقَدّمَةً فِي الدّلِيلِ وَذَلِكَ عَيْنُ الْمُصَادَرَةِ عَلَى الْمَطْلُوبِ فَهَلْ وَقَعَ النّزَاعُ إلّا فِي دُخُولِ الطّلَاقِ الْمُحَرّمِ الْمَنْهِيّ عَنْهُ تَحْتَ قَوْلِهِ { وَلِلْمُطَلّقَاتِ مَتَاعٌ } وَتَحْتَ قَوْلِهِ { وَالْمُطَلّقَاتُ يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } وَأَمْثَالَ ذَلِكَ وَهَلْ سَلّمَ لَكُمْ مُنَازِعُوكُمْ قَطّ ذَلِكَ حَتّى تَجْعَلُوهُ مُقَدّمَةً لِدَلِيلِكُمْ ؟ . قَالُوا : وَأَمّا اسْتِدْلَالُكُمْ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَهُوَ إلَى أَنْ يَكُونَ حُجّةً عَلَيْكُمْ أَقْرَبَ مِنْهُ إلَى أَنْ يَكُونَ حُجّةً لَكُمْ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا : صَرِيحُ قَوْلِهِ فَرَدّهَا عَلَيّ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا وَقَدْ تَقَدّمَ بَيَانُ صِحّتِهِ . قَالُوا : فَهَذَا الصّرِيحُ الصّحِيحُ لَيْسَ بِأَيْدِيكُمْ مَا يُقَاوِمُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ بَلْ جَمِيعُ تِلْكَ الْأَلْفَاظِ إمّا صَحِيحَةٌ غَيْرُ صَرِيحَةٍ وَإِمّا صَرِيحَةٌ غَيْرُ صَحِيحَةٍ كَمَا سَتَقِفُونَ عَلَيْهِ . الثّانِي : أَنّهُ قَدْ صَحّ عَنْ ابْنِ عُمَر رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ كَالشّمْسِ مِنْ [ ص 216 ] عُبَيْدِ اللّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْهُ فِي الرّجُلِ يُطَلّقُ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ قَالَ لَا يُعْتَدّ بِذَلِكَ وَقَدْ تَقَدّمَ . الثّالِثُ أَنّهُ لَوْ كَانَ صَرِيحًا فِي الِاعْتِدَادِ بِهِ لَمَا عَدَلَ بِهِ إلَى مُجَرّدِ الرّأْيِ . وَقَوْلُهُ لِلسّائِلِ أَرَأَيْتَ ؟ الرّابِعُ أَنّ الْأَلْفَاظَ قَدْ اضْطَرَبَتْ عَنْ ابْنِ عُمَر فِي ذَلِكَ اضْطِرَابًا شَدِيدًا وَكُلّهَا صَحِيحَةٌ عَنْهُ وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ نَصّ صَرِيحٌ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي وُقُوعِ تِلْكَ الطّلْقَةِ وَالِاعْتِدَادِ بِهَا وَإِذَا تَعَارَضَتْ تِلْكَ الْأَلْفَاظُ نَظَرْنَا إلَى مَذْهَبِ ابْنِ عُمَر وَفَتْوَاهُ فَوَجَدْنَاهُ صَرِيحًا فِي عَدَمِ الْوُقُوعِ وَوَجَدْنَا أَحَدَ أَلْفَاظِ حَدِيثِهِ صَرِيحًا فِي ذَلِكَ فَقَدْ اجْتَمَعَ صَرِيحُ رِوَايَتِهِ وَفَتْوَاهُ عَلَى عَدَمِ الِاعْتِدَادِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَلْفَاظٌ مُجْمَلَةٌ مُضْطَرِبَةٌ كَمَا تَقَدّمَ بَيَانُهُ . وَأَمّا قَوْلُ ابْنِ عُمَر رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَمَا لِي لَا أَعْتَدّ بِهَا وَقَوْلُهُ أَرَأَيْت إنْ عَجَزَ وَاسْتَحْمَقَ فَغَايَةُ هَذَا أَنْ يَكُونَ رِوَايَةً صَرِيحَةً عَنْهُ بِالْوُقُوعِ وَيَكُونَ عَنْهُ رِوَايَتَانِ . وَقَوْلُكُمْ . كَيْفَ يُفْتِي بِالْوُقُوعِ وَهُوَ يَعْلَمُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ رَدّهَا عَلَيْهِ وَلَمْ يَعْتَدّ عَلَيْهِ بِهَا ؟ فَلَيْسَ هَذَا بِأَوّلِ حَدِيثٍ خَالَفَهُ رَاوِيهِ وَلَهُ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الّتِي خَالَفَهَا رَاوِيهَا أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي تَقْدِيمِ رِوَايَةِ الصّحَابِيّ وَمَنْ بَعْدَهُ عَلَى رَأْيِهِ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبّاسٍ حَدِيثَ بَرِيرَةَ وَأَنّ بَيْعَ الْأَمَةِ لَيْسَ بِطَلَاقِهَا وَأَفْتَى بِخِلَافِهِ فَأَخَذَ النّاسُ بِرِوَايَتِهِ وَتَرَكُوا رَأْيَهُ وَهَذَا هُوَ الصّوَابُ فَإِنّ الرّوَايَةَ مَعْصُومَةٌ عَنْ مَعْصُومٍ وَالرّأْيُ بِخِلَافِهَا كَيْفَ وَأَصْرَحُ الرّوَايَتَيْنِ عَنْهُ مُوَافَقَتُهُ لِمَا رَوَاهُ مِنْ عَدَمِ الْوُقُوعِ عَلَى أَنّ فِي هَذَا فِقْهًا دَقِيقًا إنّمَا يَعْرِفُهُ مَنْ لَهُ غَوْرٌ عَلَى أَقْوَالِ الصّحَابَةِ وَمَذَاهِبِهِمْ وَفَهْمِهِمْ عَنْ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَاحْتِيَاطِهِمْ لِلْأُمّةِ [ ص 217 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي إيقَاعِ الطّلَاقِ الثّلَاثِ جُمْلَةً . وَأَمّا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ فِي آخِرِهِ وَهِيَ وَاحِدَةٌ فَلَعَمْرُ اللّهِ لَوْ كَانَتْ هَذِهِ اللّفْظَةُ مِنْ كَلَامِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا قَدّمْنَا عَلَيْهَا شَيْئًا وَلَصِرْنَا إلَيْهَا بِأَوّلِ وَهْلَةٍ وَلَكِنْ لَا نَدْرِي أَقَالَهَا ابْنُ وَهْبٍ مِنْ عِنْدِهِ أَمْ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ أَمْ نَافِعٌ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُضَافَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا لَا يُتَيَقّنُ أَنّهُ مِنْ كَلَامِهِ وَيَشْهَدُ بِهِ عَلَيْهِ وَتُرَتّبُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامُ وَيُقَالُ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللّهِ بِالْوَهْمِ وَالِاحْتِمَالِ وَالظّاهِرُ أَنّهَا مِنْ قَوْلِ مَنْ دُونَ ابْنِ عُمَر رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَمُرَادُهُ بِهَا أَنّ ابْنَ عُمَرَ إنّمَا طَلّقَهَا طَلْقَةً وَاحِدَةً وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مِنْهُ ثَلَاثًا أَيْ طَلّقَ ابْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ امْرَأَتَهُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَذَكَرَهُ . وَأَمّا حَدِيثُ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ عَطَاءٍ عَنْ نَافِعٍ أَنّ تَطْلِيقَةَ عَبْدِ اللّهِ حُسِبَتْ عَلَيْهِ فَهَذَا غَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ مِنْ كَلَامِ نَافِعٍ وَلَا يُعْرَفُ مَنْ الّذِي حَسَبَهَا أَهُوَ عَبْدُ اللّهِ نَفْسُهُ أَوْ أَبُوهُ عُمَرُ أَوْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ؟ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَشْهَدَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْوَهْمِ وَالْحُسْبَانِ وَكَيْفَ يُعَارَضُ صَرِيحِ قَوْلِهِ وَلَمْ يَرَهَا شَيْئًا بِهَذَا الْمُجْمَلِ ؟ وَاَللّهُ يَشْهَدُ - وَكَفَى بِاَللّهِ شَهِيدًا - أَنّا لَوْ تَيَقّنّا أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هُوَ الّذِي حَسَبَهَا عَلَيْهِ لَمْ نَتَعَدّ ذَلِكَ وَلَمْ نَذْهَبْ إلَى سِوَاهُ . وَأَمّا حَدِيثُ أَنَسٍ مَنْ طَلّقَ فِي بِدْعَةٍ أَلْزَمْنَاهُ بِدْعَتَهُ فَحَدِيثٌ بَاطِلٌ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَنَحْنُ نَشْهَدُ بِاَللّهِ أَنّهُ حَدِيثٌ بَاطِلٌ عَلَيْهِ وَلَمْ يَرْوِهِ أَحَدٌ مِنْ الثّقَاتِ مِنْ أَصْحَابِ حَمّادِ بْنِ زَيْدٍ وَإِنّمَا هُوَ مِنْ حَدِيثِ إسْمَاعِيلَ بْنِ أُمَيّةَ الذّارِعِ الْكَذّابِ الّذِي يَذْرَعُ وَيُفَصّلُ ثُمّ الرّاوِي لَهُ عَنْهُ عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ وَقَدْ ضَعّفَهُ الْبَرْقَانِيّ وَغَيْرُهُ وَكَانَ قَدْ اُخْتُلِطَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ وَقَالَ [ ص 218 ] الدّارَقُطْنِيّ : يُخْطِئُ كَثِيرًا وَمِثْلُ هَذَا إذَا تَفَرّدَ بِحَدِيثٍ لَمْ يَكُنْ حَدِيثُهُ حُجّةً . وَأَمّا إفْتَاءُ عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا بِالْوُقُوعِ فَلَوْ صَحّ ذَلِكَ وَلَا يَصِحّ أَبَدًا فَإِنّ أَثَرَ عُثْمَانَ فِيهِ كَذّابٌ عَنْ مَجْهُولٍ لَا يُعْرَفُ عَيْنُهُ وَلَا حَالُهُ فَإِنّهُ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سَمْعَانَ عَنْ رَجُلٍ وَأَثَرُ زَيْدٍ فِيهِ مَجْهُولٌ عَنْ مَجْهُولٍ قَيْسُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ رَجُلٍ سَمّاهُ عَنْ زَيْدٍ فَيَالِلّهِ الْعَجَبُ أَيْنَ هَاتَانِ الرّوَايَتَانِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَهّابِ بْنِ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثّقَفِيّ عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ حَافِظِ الْأُمّةِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَر َ أَنّهُ قَالَ لَا يُعْتَدّ بِهَا . فَلَوْ كَانَ هَذَا الْأَثَرُ مِنْ قِبَلِكُمْ لَصُلْتُمْ بِهِ وَجُلْتُمْ . وَأَمّا قَوْلُكُمْ إنّ تَحْرِيمَهُ لَا يَمْنَعُ تَرَتّبَ أَثَرِهِ عَلَيْهِ كَالظّهَارِ فَيُقَالُ أَوّلًا : هَذَا قِيَاسٌ يَدْفَعُهُ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ النّصّ وَسَائِرُ تِلْكَ الْأَدِلّةِ الّتِي هِيَ أَرْجَحُ مِنْهُ ثُمّ يُقَالُ ثَانِيًا : هَذَا مُعَارَضٌ بِمِثْلِهِ سَوَاءٌ مُعَارَضَةُ الْقَلْبِ بِأَنْ يُقَالَ تَحْرِيمُهُ يَمْنَعُ تَرَتّبَ أَثَرِهِ عَلَيْهِ كَالنّكَاحِ وَيُقَالُ ثَالِثًا : لَيْسَ لِلظّهَارِ جِهَتَانِ جِهَةُ حِلّ وَجِهَةُ حُرْمَةٍ بَلْ كُلّهُ حَرَامٌ فَإِنّهُ مُنْكَرٌ مِنْ الْقَوْلِ وَزَوْرٌ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَنْقَسِمَ إلَى حَلَالٍ جَائِزٍ وَحَرَامٍ بَاطِلٍ بَلْ هُوَ بِمَنْزِلَةِ الْقَذْفِ مِنْ الْأَجْنَبِيّ وَالرّدّةِ فَإِذَا وُجِدَ لَمْ يُوجَدْ إلّا مَعَ مَفْسَدَتِهِ فَلَا يُتَصَوّرُ أَنْ يُقَالَ مِنْهُ حَلَالٌ صَحِيحٌ وَحَرَامٌ بَاطِلٌ بِخِلَافِ النّكَاحِ وَالطّلَاقِ وَالْبَيْعِ فَالظّهَارُ نَظِيرُ الْأَفْعَالِ الْمُحَرّمَةِ الّتِي إذَا وَقَعَتْ قَارَنَتْهَا مَفَاسِدُهَا فَتَرَتّبَتْ عَلَيْهَا أَحْكَامُهَا وَإِلْحَاقُ الطّلَاقِ بِالنّكَاحِ وَالْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ وَالْعُقُودِ الْمُنْقَسِمَةِ إلَى حَلَالٍ وَحَرَامٍ وَصَحِيحٍ وَبَاطِلٍ أَوْلَى . وَأَمّا قَوْلُكُمْ إنّ النّكَاحَ عَقْدٌ يُمَلّكُ بِهِ الْبُضْعُ وَالطّلَاقُ عَقْدٌ يَخْرُجُ بِهِ فَنَعَمْ . مِنْ أَيْنَ لَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ اللّهِ وَرَسُولِهِ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْعَقْدَيْنِ فِي اعْتِبَارِ حُكْمِ أَحَدِهِمَا وَالْإِلْزَامِ بِهِ وَتَنْفِيذِهِ وَإِلْغَاءِ الْآخَرِ وَإِبْطَالِهِ ؟ . وَأَمّا زَوَالُ مِلْكِهِ عَنْ الْعَيْنِ بِالْإِتْلَافِ الْمُحَرّمِ فَذَلِكَ مِلْكٌ قَدْ زَالَ حِسّا [ ص 219 ] فَأَبْعَدُ . وَأَبْعَدُ فَإِنّا صَدّقْنَاهُ ظَاهِرًا فِي إقْرَارِهِ وَأَزَلْنَا مِلْكَهُ بِالْإِقْرَارِ الْمُصَدّقِ فِيهِ وَإِنْ كَانَ كَاذِبًا . وَأَمّا زَوَالُ الْإِيمَانِ بِالْكَلَامِ الّذِي هُوَ كُفْرٌ فَقَدْ تَقَدّمَ جَوّابُهُ وَأَنّهُ لَيْسَ فِي الْكُفْرِ حَلَالٌ وَحَرَامٌ . وَأَمّا طَلَاقُ الْهَازِلِ فَإِنّمَا وَقَعَ لِأَنّهُ صَادَفَ مَحَلّا وَهُوَ طُهْرٌ لَمْ يُجَامِعْ فِيهِ فَنَفَذَ وَكَوْنُهُ هَزَلَ بِهِ إرَادَةً مِنْهُ أَنْ لَا يَتَرَتّبَ أَثَرُهُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِ بَلْ إلَى الشّارِعِ فَهُوَ قَدْ أَتَى بِالسّبَبِ التّامّ وَأَرَادَ أَلّا يَكُونَ سَبَبَهُ فَلَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ بِخِلَافِ مَنْ طَلّقَ فِي غَيْرِ زَمَنِ الطّلَاقِ فَإِنّهُ لَمْ يَأْتِ بِالسّبَبِ الّذِي نَصّبَهُ اللّهُ سُبْحَانَهُ مُفْضِيًا إلَى وُقُوعِ الطّلَاقِ وَإِنّمَا أَتَى بِسَبَبٍ مِنْ عِنْدِهِ وَجَعَلَهُ هُوَ مُفْضِيًا إلَى حُكْمِهِ وَذَلِكَ لَيْسَ إلَيْهِ . وَأَمّا قَوْلُكُمْ إنْ النّكَاحَ نِعْمَةٌ فَلَا يَكُونُ سَبَبُهُ إلّا طَاعَةً بِخِلَافِ الطّلَاقِ فَإِنّهُ مِنْ بَابِ إزَالَةِ النّعَمِ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ مَعْصِيَةً فَيُقَالُ قَدْ يَكُونُ الطّلَاقُ مِنْ أَكْبَرِ النّعَمِ الّتِي يَفُكّ بِهَا الْمُطَلّقُ الْغُلّ مِنْ عُنُقِهِ وَالْقَيْدَ مِنْ رِجْلِهِ فَلَيْسَ كُلّ طَلَاقٍ نِقْمَةً بَلْ مِنْ تَمَامِ نِعْمَةِ اللّهِ عَلَى عِبَادِهِ أَنْ مَكّنَهُمْ مِنْ الْمُفَارَقَةِ بِالطّلَاقِ إذَا أَرَادَ أَحَدُهُمْ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ وَالتّخَلّصَ مِمّنْ لَا يُحِبّهَا وَلَا يُلَائِمُهَا فَلَمْ يُرَ لِلْمُتَحَابّيْنِ مِثْلُ النّكَاحِ وَلَا لِلْمُتَبَاغِضَيْنِ مِثْلُ الطّلَاقِ ثُمّ كَيْفَ يَكُونُ نِقْمَةً وَاَللّهُ تَعَالَى يَقُولُ { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلّقْتُمُ النّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسّوهُنّ } [ الْبَقَرَةُ 236 ] وَيَقُولُ { يَا أَيّهَا النّبِيّ إِذَا طَلّقْتُمُ النّسَاءَ فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ } [ الطّلَاقُ 1 ] ؟ . وَأَمّا قَوْلُكُمْ إنّ الْفُرُوجَ يُحْتَاطُ لَهَا فَنَعَمْ وَهَكَذَا قُلْنَا سَوَاءٌ فَإِنّا احْتَطْنَا وَأَبْقَيْنَا الزّوْجَيْنِ عَلَى يَقِينِ النّكَاحِ حَتّى يَأْتِيَ مَا يُزِيلُهُ بِيَقِينٍ فَإِذَا أَخْطَأْنَا فَخَطَؤُنَا فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ أَصَبْنَا فَصَوَابُنَا فِي جِهَتَيْنِ جِهَةِ الزّوْجِ الْأَوّلِ وَجِهَةِ الثّانِي وَأَنْتُمْ تَرْتَكِبُونَ أَمْرَيْنِ تَحْرِيمَ الْفَرَجِ عَلَى مَنْ [ ص 220 ] كَانَ حَلَالًا لَهُ بِيَقِينٍ وَإِحْلَالُهُ لِغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ خَطَأً فَهُوَ خَطَأٌ مِنْ جِهَتَيْنِ فَتَبَيّنَ أَنّا أَوْلَى بِالِاحْتِيَاطِ مِنْكُمْ وَقَدْ قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ فِي طَلَاقِ السّكْرَانِ نَظِيرُ هَذَا الِاحْتِيَاطِ سَوَاءٌ فَقَالَ الّذِي لَا يَأْمُرُ بِالطّلَاقِ إنّمَا أَتَى خَصْلَةً وَاحِدَةً وَاَلّذِي يَأْمُرُ بِالطّلَاقِ أَتَى خَصْلَتَيْنِ حَرّمَهَا عَلَيْهِ وَأَحَلّهَا لِغَيْرِهِ فَهَذَا خَيْرٌ مِنْ هَذَا . وَأَمّا قَوْلُكُمْ إنّ النّكَاحَ يُدْخَلُ فِيهِ بِالْعَزِيمَةِ وَالِاحْتِيَاطِ وَيُخْرَجُ مِنْهُ بِأَدْنَى شَيْءٍ قُلْنَا : وَلَكِنْ لَا يُخْرَجُ مِنْهُ إلّا بِمَا نَصّبَهُ اللّهُ سَبَبًا يُخْرَجُ بِهِ مِنْهُ وَأَذِنَ فِيهِ وَأَمّا مَا يُنَصّبُهُ الْمُؤْمِنُ عِنْدَهُ وَيَجْعَلُهُ هُوَ سَبَبًا لِلْخُرُوجِ مِنْهُ فَكَلّا . فَهَذَا مُنْتَهَى أَقْدَامِ الطّائِفَتَيْنِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الضّيّقَةِ الْمُعْتَرَكِ الْوَعِرَةِ الْمَسْلَكِ الّتِي يَتَجَاذَبُ أَعِنّةَ أَدِلّتِهَا الْفُرْسَانُ وَتَتَضَاءَلُ لَدَى صَوْلَتِهَا شَجَاعَةُ الشّجْعَانِ وَإِنّمَا نَبّهْنَا عَلَى مَأْخَذِهَا وَأَدِلّتِهَا لِيَعْلَمَ الْغِرّ الّذِي بِضَاعَتُهُ مِنْ الْعِلْمِ مُزْجَاةٌ أَنّ هُنَاكَ شَيْئًا آخَرَ وَرَاءَ مَا عِنْدَهُ وَأَنّهُ إذَا كَانَ مِمّنْ قَصّرَ فِي الْعِلْمِ بَاعَهُ فَضَعُفَ خَلْفَ الدّلِيلِ وَتَقَاصَرَ عَنْ جَنَى ثِمَارِهِ ذِرَاعَهُ فَلْيَعْذُرْ مَنْ شَمّرَ عَنْ سَاقِ عَزْمِهِ وَحَامَ حَوْلَ آثَارِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَتَحْكِيمِهَا وَالتّحَاكُمِ إلَيْهَا بِكُلّ هِمّةٍ وَإِنْ كَانَ غَيْرَ عَاذِرٍ لِمُنَازِعِهِ فِي قُصُورِهِ وَرَغْبَتِهِ عَنْ هَذَا الشّأْنِ الْبَعِيدِ فَلْيَعْذُرْ مُنَازِعَهُ فِي رَغْبَتِهِ عَمّا ارْتَضَاهُ لِنَفْسِهِ مِنْ مَحْضِ التّقْلِيدِ وَلْيَنْظُرْ مَعَ نَفْسِهِ أَيّهُمَا هُوَ الْمَعْذُورُ وَأَيّ السّعْيَيْنِ أَحَقّ بِأَنْ يَكُونَ هُوَ السّعْيَ الْمَشْكُورَ وَاَللّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التّكْلَانُ وَهُوَ الْمُوَفّقُ لِلصّوَابِ الْفَاتِحُ لِمَنْ أَمّ بَابَهُ طَالِبًا لِمَرْضَاتِهِ مِنْ الْخَيْرِ كُلّ بَابٍ . فَصْلٌ فِي حُكْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيمَنْ طَلّقَ ثَلَاثًا بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ قَدْ تَقَدّمَ حَدِيثُ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَخْبَرَ عَنْ رَجُلٍ طَلّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثَ تَطْلِيقَاتٍ جَمِيعًا فَقَامَ مُغْضَبًا ثُمّ قَالَ " أَيُلْعَبُ بِكِتَابِ اللّهِ وَأَنَا بَيْنَ أَظْهُرِكُمْ ؟ " وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ فَإِنّ ابْنَ وَهْبٍ قَدْ رَوَاهُ عَنْ [ ص 221 ] مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرِ بْنِ الْأَشَجّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْت مَحْمُودَ بْنَ لَبِيدٍ فَذَكَرَهُ وَمَخْرَمَةُ ثِقَةٌ بِلَا شَكّ وَقَدْ احْتَجّ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " بِحَدِيثِهِ عَنْ أَبِيهِ . وَاَلّذِينَ أَعَلّوهُ قَالُوا : لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ وَإِنّمَا هُوَ كِتَابٌ . . قَالَ أَبُو طَالِبٍ سَأَلْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ مَخْرَمَةَ بْن بُكَيْرٍ ؟ فَقَالَ هُوَ ثِقَةٌ وَلَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ إنّمَا هُوَ كِتَابُ مَخْرَمَةَ فَنَظَرَ فِيهِ كُلّ شَيْءٍ يَقُولُ بَلَغَنِي عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ فَهُوَ مِنْ كِتَابِ مَخْرَمَةَ . وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنِ أَبِي خَيْثُمَةَ سَمِعْتُ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ يَقُولُ مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ وَقَعَ إلَيْهِ كِتَابُ أَبِيهِ وَلَمْ يَسْمَعْهُ . وَقَالَ فِي رِوَايَةِ عَبّاسٍ الدّورِيّ : هُوَ ضَعِيفٌ وَحَدِيثُهُ عَنْ أَبِيهِ كِتَابٌ وَلَمْ يَسْمَعْهُ مِنْهُ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ إلّا حَدِيثًا وَاحِدًا حَدِيثَ الْوِتْرِ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ عَنْ خَالِهِ مُوسَى بْنِ سَلَمَةَ أَتَيْتُ مَخْرَمَةَ فَقُلْت : حَدّثَك أَبُوك ؟ قَالَ لَمْ أُدْرِكْ أَبِي وَلَكِنْ هَذِهِ كُتُبُهُ . وَالْجَوَابُ عَنْ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ . أَحَدُهُمَا : أَنّ كِتَابَ أَبِيهِ كَانَ عِنْدَهُ مَحْفُوظًا مَضْبُوطًا فَلَا فَرْقَ فِي قِيَامِ الْحُجّةِ بِالْحَدِيثِ بَيْنَ مَا حَدّثَهُ بِهِ أَوْ رَآهُ فِي كِتَابِهِ بَلْ الْأَخْذُ عَنْ النّسْخَةِ أَحْوَطُ إذَا تَيَقّنَ الرّاوِي أَنّهَا نُسْخَةُ الشّيْخِ بِعَيْنِهَا وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الصّحَابَةِ وَالسّلَفِ وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَبْعَثُ كُتُبَهُ إلَى الْمُلُوكِ وَتَقُومُ عَلَيْهِمْ بِهَا الْحُجّةُ وَكَتَبَ كُتُبَهُ إلَى عُمّالِهِ فِي بِلَادِ الْإِسْلَامِ فَعَمِلُوا بِهَا وَاحْتَجّوا بِهَا وَدَفَعَ الصّدّيقُ كِتَابَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الزّكَاةِ إلَى أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَحَمَلَهُ وَعَمِلَتْ بِهِ الْأُمّةُ وَكَذَلِكَ كِتَابُهُ إلَى عَمْرِو بْنِ حَزْمٍ فِي الصّدَقَاتِ الّذِي كَانَ عِنْدَ آلِ عَمْرٍو وَلَمْ يَزَلْ السّلَفُ وَالْخَلَفُ يَحْتَجّونَ بِكِتَابِ بَعْضِهِمْ إلَى بَعْضٍ وَيَقُولُ الْمَكْتُوبُ إلَيْهِ كَتَبَ إلَيّ فُلَانٌ أَنّ فُلَانًا أَخْبَرَهُ وَلَوْ بَطَلَ الِاحْتِجَاجُ بِالْكُتُبِ لَمْ يَبْقَ بِأَيْدِي الْأُمّةِ إلّا أَيْسَرُ الْيَسِيرِ فَإِنّ الِاعْتِمَادَ إنّمَا هُوَ عَلَى النّسْخِ لَا عَلَى الْحِفْظِ وَالْحِفْظُ خَوّانٌ وَالنّسْخَةُ لَا تَخُونُ وَلَا يُحْفَظُ فِي زَمَنٍ مِنْ الْأَزْمَانِ الْمُتَقَدّمَةِ أَنّ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ رَدّ الِاحْتِجَاجَ بِالْكِتَابِ وَقَالَ لَمْ يُشَافِهْنِي بِهِ الْكَاتِبُ فَلَا أَقَبْلُهُ بَلْ كُلّهُمْ [ ص 222 ] الْجَوَابُ الثّانِي : أَنّ قَوْلَ مَنْ قَالَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ مُعَارَضٌ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ سَمِعَ مِنْهُ وَمَعَهُ زِيَادَةُ عِلْمٍ وَإِثْبَاتٌ قَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ أَبِي حَاتِمٍ : سُئِلَ أَبِي عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ ؟ فَقَالَ صَالِحُ الْحَدِيثِ . قَالَ وَقَالَ ابْنُ أَبِي أُوَيْسٍ وَجَدْت فِي ظَهْرِ كِتَابِ مَالِكٍ سَأَلْت مَخْرَمَةَ عَمّا يُحَدّثُ بِهِ عَنْ أَبِيهِ سَمِعَهَا مِنْ أَبِيهِ ؟ فَحَلَفَ لِي : وَرَبّ هَذِهِ الْبِنْيَةِ - يَعْنِي الْمَسْجِدَ - سَمِعْتُ مِنْ أَبِي . وَقَالَ عَلِيّ بْنُ الْمَدِينِيّ : سَمِعْتُ مَعْنَ بْنَ عِيسَى يَقُولُ مَخْرَمَةُ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ وَعَرَضَ عَلَيْهِ رَبِيعَةُ أَشْيَاءَ مِنْ رَأْيِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ وَقَالَ عَلِيّ وَلَا أَظُنّ مَخْرَمَةَ سَمِعَ مِنْ أَبِيهِ كِتَابَ سُلَيْمَانَ لَعَلّهُ سَمِعَ مِنْهُ الشّيْءَ الْيَسِيرَ وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا بِالْمَدِينَةِ يُخْبِرُنِي عَنْ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْرٍ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ فِي شَيْءٍ مِنْ حَدِيثِهِ سَمِعْت أَبِي وَمَخْرَمَةُ ثِقَةٌ . انْتَهَى . وَيَكْفِي أَنّ مَالِكًا أَخَذَ كِتَابَهُ فَنَظَرَ فِيهِ وَاحْتَجّ بِهِ فِي " مُوَطّئِهِ " وَكَانَ يَقُولُ حَدّثَنِي مَخْرَمَةُ وَكَانَ رَجُلًا صَالِحًا . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ سَأَلْت إسْمَاعِيلَ بْنَ أَبِي أُوَيْسٍ قُلْت : هَذَا الّذِي يَقُولُ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : حَدّثَنِي الثّقَةُ مَنْ هُوَ ؟ قَالَ مَخْرَمَةُ بْنُ بُكَيْرٍ . وَقِيلَ لِأَحْمَدَ بْنِ صَالِحٍ الْمِصْرِيّ كَانَ مَخْرَمَةُ مِنْ ثِقَاتِ الرّجَالِ ؟ قَالَ نَعَمْ وَقَالَ ابْنُ عَدِيّ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ وَمَعْنُ بْنُ عِيسَى عَنْ مَخْرَمَةَ أَحَادِيثُ حِسَانٌ مُسْتَقِيمَةٌ وَأَرْجُو أَنّهُ لَا بَأْسَ بِهِ . وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ لِلْمُطَلّقِ ثَلَاثًا : " حَرُمَتْ عَلَيْكَ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَك وَعَصَيْتَ رَبّكَ فِيمَا أَمَرَكَ بِهِ مِنْ طَلَاقِ امْرَأَتِكَ وَهَذَا تَفْسِيرٌ مِنْهُ لِلطّلَاقِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَتَفْسِيرُ الصّحَابِيّ حُجّةٌ. وَقَالَ الْحَاكِمُ : هُوَ عِنْدَنَا مَرْفُوعٌ . [ ص 223 ] حَقّ التّأَمّلِ تَبَيّنَ لَهُ ذَلِكَ وَعَرَفَ أَنّ الطّلَاقَ الْمَشْرُوعَ بَعْدَ الدّخُولِ هُوَ الطّلَاقُ الّذِي يَمْلِكُ بِهِ الرّجْعَةَ وَلَمْ يَشْرَعْ اللّهُ سُبْحَانَهُ إيقَاعَ الثّلَاثِ جُمْلَةً وَاحِدَةً الْبَتّةَ قَالَ تَعَالَى : { الطّلَاقُ مَرّتَانِ } وَلَا تَعْقِلُ الْعَرَبُ فِي لُغَتِهَا وُقُوعَ الْمَرّتَيْنِ إلّا مُتَعَاقِبَتَيْنِ كَمَا قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ سَبّحَ اللّهَ دُبُرَ كُلّ صَلَاةٍ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَحَمِدَهُ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَكَبّرَهُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ وَنَظَائِرُهُ فَإِنّهُ لَا يُعْقَلُ مِنْ ذَلِكَ إلّا تَسْبِيحٌ وَتَكْبِيرٌ وَتَحْمِيدٌ مُتَوَالٍ يَتْلُو بَعْضُهُ بَعْضًا فَلَوْ قَالَ سُبْحَانَ اللّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَالْحَمْدُ لِلّهِ ثَلَاثًا وَثَلَاثِينَ وَاَللّهُ أَكْبَرُ أَرْبَعًا وَثَلَاثِينَ بِهَذَا اللّفْظِ لَكَانَ ثَلَاثَ مَرّاتٍ فَقَطْ . وَأَصْرَحُ مِنْ هَذَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ { وَالّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللّهِ } [ النّورُ 6 ] فَلَوْ قَالَ أَشْهَدُ بِاَللّهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ إنّي لَمِنْ الصّادِقِينَ كَانَتْ مَرّةً وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ { وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللّهِ إِنّهُ لَمِنَ الْكَاذِبِينَ } [ النّورُ 8 ] فَلَوْ قَالَتْ أَشْهَدُ بِاَللّهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ إنّهُ لَمِنْ الْكَاذِبِينَ كَانَتْ وَاحِدَةً وَأَصْرَحُ مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { سَنُعَذّبُهُمْ مَرّتَيْنِ } [ التّوْبَةُ 101 ] فَهَذَا مَرّةً بَعْدَ مَرّةٍ وَلَا يَنْتَقِضُ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { نُؤْتِهَا أَجْرَهَا مَرّتَيْنِ } [ الْأَحْزَابُ 31 ] [ ص 224 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثَلَاثَةٌ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرّتَيْنِ فَإِنّ الْمَرّتَيْنِ هُنَا هُمَا الضّعْفَانِ وَهُمَا الْمِثْلَانِ وَهُمَا مِثْلَانِ فِي الْقَدْرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ } [ الْأَحْزَابُ 30 ] وَقَوْلِهِ { فَآتَتْ أُكُلَهَا ضِعْفَيْنِ } [ الْبَقَرَةُ 265 ] أَيْ ضِعْفَيْ مَا يُعَذّبُ بِهِ غَيْرُهَا وَضِعْفَيْ مَا كَانَتْ تُؤْتِي وَمِنْ هَذَا قَوْلُ أَنَسٍ انْشَقّ الْقَمَرُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَرّتَيْنِ أَيْ شَقّتَيْنِ وَفِرْقَتَيْنِ كَمَا قَالَ فِي اللّفْظِ الْآخَرِ انْشَقّ الْقَمَرُ فِلْقَتَيْنِ وَهَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ قَطْعًا أَنّهُ إنّمَا انْشَقّ الْقَمَرُ مَرّةً وَاحِدَةً وَالْفَرْقُ مَعْلُومٌ بَيْنَ مَا يَكُونُ مَرّتَيْنِ فِي الزّمَانِ وَبَيْنَ مَا يَكُونُ مِثْلَيْنِ وَجُزْأَيْنِ وَمَرّتَيْنِ فِي الْمُضَاعَفَةِ . فَالثّانِي : يُتَصَوّرُ فِيهِ اجْتِمَاعُ الْمَرّتَيْنِ فِي آنٍ وَاحِدٍ وَالْأَوّلُ لَا يُتَصَوّرُ فِيهِ ذَلِكَ . وَمِمّا يَدُلّ عَلَى أَنّ اللّهَ لَمْ يَشْرَعْ الثّلَاثَ جُمْلَةً أَنّهُ قَالَ تَعَالَى : { وَالْمُطَلّقَاتُ يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } إلَى أَنْ قَالَ { وَبُعُولَتُهُنّ أَحَقّ بِرَدّهِنّ فِي ذَلِكَ إِنْ أَرَادُوا إِصْلَاحًا } [ الْبَقَرَةُ 228 ] فَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّ كُلّ طَلَاقٍ بَعْدَ الدّخُولِ فَالْمُطَلّقُ أَحَقّ فِيهِ بِالرّجْعَةِ سِوَى الثّالِثَةِ الْمَذْكُورَةِ بَعْدَ هَذَا وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النّبِيّ إِذَا طَلّقْتُمُ النّسَاءَ فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ } إلَى قَوْلِهِ { فَإِذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنّ فَأَمْسِكُوهُنّ بِمَعْرُوفٍ أَوْ فَارِقُوهُنّ بِمَعْرُوفٍ } فَهَذَا هُوَ الطّلَاقُ الْمَشْرُوعُ وَقَدْ ذَكَرَ اللّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَقْسَامَ الطّلَاقِ كُلّهَا فِي الْقُرْآنِ وَذَكَرَ أَحْكَامَهَا فَذَكَرَ [ ص 225 ] عِدّةَ فِيهِ وَذَكَرَ الطّلْقَةَ الثّالِثَةَ وَأَنّهَا تُحَرّمُ الزّوْجَةَ عَلَى الْمُطَلّق { حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } وَذَكَرَ طَلَاقَ الْفِدَاءِ الّذِي هُوَ الْخُلْعُ وَسَمّاهُ فِدْيَةً وَلَمْ يَحْسِبْهُ مِنْ الثّلَاثِ كَمَا تَقَدّمَ وَذَكَرَ الطّلَاقَ الرّجْعِيّ الّذِي الْمُطَلّقُ أَحَقّ فِيهِ بِالرّجْعَةِ وَهُوَ مَا عَدَا هَذِهِ الْأَقْسَامِ الثّلَاثَةِ . وَبِهَذَا احْتَجّ أَحْمَد ُ وَالشّافِعِيّ وَغَيْرُهُمَا عَلَى أَنّهُ لَيْسَ فِي الشّرْعِ طَلْقَةٌ وَاحِدَةٌ بَعْدَ الدّخُولِ بِغَيْرِ عِوَضٍ بَائِنَةً وَأَنّهُ إذَا قَالَ لَهَا : أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً بَائِنَةً كَانَتْ رَجْعِيّةً وَيَلْغُو وَصْفُهَا بِالْبَيْنُونَةِ وَأَنّهُ لَا يَمْلِكُ إبَانَتَهَا إلّا بِعِوَضٍ . وَأَمّا أَبُو حَنِيفَةُ فَقَالَ تَبِينُ بِذَلِكَ لِأَنّ الرّجْعَةَ حَقّ لَهُ وَقَدْ أَسْقَطَهَا وَالْجُمْهُورُ يَقُولُونَ وَإِنْ كَانَتْ الرّجْعَةُ حَقّا لَهُ لَكِنْ نَفَقَةُ الرّجْعِيّةِ وَكُسْوَتُهَا حَقّ عَلَيْهِ فَلَا يَمْلِكُ إسْقَاطَهُ إلّا بِاخْتِيَارِهَا وَبَذْلِهَا الْعِوَضَ أَوْ سُؤَالِهَا أَنْ تَفْتَدِيَ نَفْسَهَا مِنْهُ بِغَيْرِ عِوَضٍ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ جَوَازُ الْخُلْعِ بِغَيْرِ عِوَضٍ . وَأَمّا إسْقَاطُ حَقّهَا مِنْ الْكِسْوَةِ وَالنّفَقَةِ بِغَيْرِ سُؤَالِهَا وَلَا بَذْلِهَا الْعِوَضَ فَخِلَافُ النّصّ وَالْقِيَاسِ . قَالُوا : وَأَيْضًا فَاَللّهُ سُبْحَانَهُ شَرَعَ الطّلَاقَ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ وَأَنْفَعِهَا لِلرّجُلِ وَالْمَرْأَةِ فَإِنّهُمْ كَانُوا يُطَلّقُونَ فِي الْجَاهِلِيّةِ بِغَيْرِ عَدَدٍ فَيُطَلّقُ أَحَدُهُمْ الْمَرْأَةَ كُلّمَا شَاءَ وَيُرَاجِعُهَا وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ رِفْقٌ بِالرّجُلِ فَفِيهِ إضْرَارٌ بِالْمَرْأَةِ فَنَسَخَ سُبْحَانَهُ ذَلِكَ بِثَلَاثٍ وَقَصَرَ الزّوْجَ عَلَيْهَا وَجَعَلَهُ أَحَقّ بِالرّجْعَةِ مَا لَمْ تَنْقَضِ عِدّتُهَا فَإِذَا اسْتَوْفَى الْعَدَدَ الّذِي مُلّكَهُ حَرُمَتْ عَلَيْهِ فَكَانَ فِي هَذَا رِفْقٌ بِالرّجُلِ إذْ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ بِأَوّلِ طَلْقَةٍ وَبِالْمَرْأَةِ حَيْثُ لَمْ يَجْعَلْ إلَيْهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ فَهَذَا شَرْعُهُ وَحِكْمَتُهُ وَحُدُودُهُ الّتِي حَدّهَا لِعِبَادِهِ فَلَوْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِأَوّلِ طَلْقَةٍ يُطَلّقُهَا كَانَ خِلَافَ شَرْعِهِ وَحِكْمَتِهِ وَهُوَ لَمْ يَمْلِكْ إيقَاعَ الثّلَاثِ جُمْلَةً بَلْ إنّمَا مُلّكَ وَاحِدَةً فَالزّائِدُ عَلَيْهَا غَيْرُ مَأْذُونٍ لَهُ فِيهِ . قَالُوا : وَهَذَا كَمَا أَنّهُ لَمْ يَمْلِكْ إبَانَتَهَا بِطَلْقَةٍ وَاحِدَةٍ إذْ هُوَ خِلَافُ مَا شَرَعَهُ [ ص 226 ] وَنُكْتَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنّ اللّهَ لَمْ يَجْعَلْ لِلْأُمّةِ طَلَاقًا بَائِنًا قَطّ إلّا فِي مَوْضِعَيْنِ . أَحَدُهُمَا : طَلَاقُ غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا . وَالثّانِي : الطّلْقَةُ الثّالِثَةُ وَمَا عَدَاهُ مِنْ الطّلَاقِ فَقَدْ جَعَلَ لِلزّوْجِ فِيهِ الرّجْعَةَ هَذَا مُقْتَضَى الْكِتَابِ كَمَا تَقَدّمَ تَقْرِيرُهُ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْهُمْ الْإِمَامُ أَحْمَد ُ وَالشّافِعِيّ وَأَهْلُ الظّاهِرِ قَالُوا : لَا يَمْلِكُ إبَانَتَهَا بِدُونِ الثّلَاثِ إلّا فِي الْخَلْعِ . وَلِأَصْحَابِ مَالِكٍ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ فِيمَا إذَا قَالَ أَنْتِ طَالِقٌ طَلْقَةً لَا رَجْعَةَ فِيهَا . أَحَدُهَا : أَنّهَا ثَلَاثٌ قَالَهُ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لِأَنّهُ قَطَعَ حَقّهُ مِنْ الرّجْعَةِ وَهِيَ لَا تَنْقَطِعُ إلّا بِثَلَاثٍ فَجَاءَتْ الثّلَاثُ ضَرُورَةً . الثّانِي : أَنّهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ كَمَا قَالَ هَذَا قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ لِأَنّهُ يَمْلِكُ إبَانَتَهَا بِطَلْقَةٍ بِعِوَضٍ فَمَلَكَهَا بِدُونِهِ وَالْخُلْعُ عِنْدَهُ طَلَاقٌ . الثّالِثُ أَنّهَا وَاحِدَةٌ رَجْعِيّةٌ وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ وَهْبٍ وَهُوَ الّذِي يَقْتَضِيهِ الْكِتَابُ وَالسّنّةُ وَالْقِيَاسُ وَعَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ . فَصْلٌ [هَلْ يَقَعُ الطّلَاقُ ثَلَاثًا فِيمَنْ قَالَهُ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ ] وَأَمّا الْمَسْأَلَةُ الثّانِيَةُ وَهِيَ وُقُوعُ الثّلَاثِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فَاخْتَلَفَ النّاسُ فِيهَا عَلَى أَرْبَعَةِ مَذَاهِبَ أَحَدُهَا : أَنّهَا تَقَعُ وَهَذَا قَوْلُ الْأَئِمّةِ الْأَرْبَعَةِ وَجُمْهُورُ التّابِعِينَ وَكَثِيرٍ مِنْ الصّحَابَةِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ . الثّانِي : أَنّهَا لَا تَقَعُ بَلْ تُرَدّ لِأَنّهَا بِدْعَةٌ مُحَرّمَةٌ وَالْبِدْعَةُ مَرْدُودَةٌ لِقَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدّ وَهَذَا الْمَذْهَبُ حَكَاهُ أَبُو مُحَمّدٍ ابْنُ حَزْمٍ وَحُكِيَ لِلْإِمَامِ أَحْمَد فَأَنْكَرَهُ وَقَالَ هُوَ قَوْلُ الرّافِضَةِ . [ ص 227 ] وَاحِدَةٌ رَجْعِيّةٌ وَهَذَا ثَابِتٌ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ إسْحَاقَ يَقُولُ خَالَفَ السّنّةَ فَيُرَدّ إلَى السّنّةِ انْتَهَى وَهُوَ قَوْلُ طَاوُوسٍ وَعِكْرِمَةَ وَهُوَ اخْتِيَارُ شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيّةَ . الرّابِعُ أَنّهُ يُفَرّقُ بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا فَتَقَعُ الثّلَاثُ بِالْمَدْخُولِ بِهَا وَيَقَعُ بِغَيْرِهَا وَاحِدَةٌ وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ عَبّاسٍ وَهُوَ مَذْهَبُ إسْحَاقَ بْنِ رَاهَوَيْهِ فِيمَا حَكَاهُ عَنْهُ مُحَمّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيّ فِي كِتَابِ " اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ " . [حُجَجُ مَنْ لَمْ يَعْتَدّهَا شَيْئًا ] فَأَمّا مَنْ لَمْ يُوقِعْهَا جُمْلَةً فَاحْتَجّوا بِأَنّهُ طَلَاقُ بِدْعَةٍ مُحَرّمٌ وَالْبِدْعَةُ مَرْدُودَةٌ وَقَدْ اعْتَرَفَ أَبُو مُحَمّدٍ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنّهَا لَوْ كَانَتْ بِدْعَةٌ مُحَرّمَةٌ لَوَجَبَ أَنْ تُرَدّ وَتَبْطُلَ وَلَكِنّهُ اخْتَارَ مَذْهَبَ الشّافِعِيّ أَنّ جَمْعَ الثّلَاثِ جَائِزٌ غَيْرُ مُحَرّمٍ وَسَتَأْتِي حُجّةُ هَذَا الْقَوْلِ . [حُجَجُ مَنْ جَعَلَهَا وَاحِدَةً ] وَأَمّا مَنْ جَعَلَهَا وَاحِدَةً فَاحْتَجّ بِالنّصّ وَالْقِيَاسِ فَأَمّا النّصّ فَمَا رَوَاهُ مَعْمَرٌ وَابْنُ جُرَيْجٍ عَنْ ابْنِ طَاوُوسَ عَنْ أَبِيهِ أَنّ أَبَا الصّهْبَاءِ قَالَ لِابْنِ عَبّاسٍ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ الثّلَاثَ كَانَتْ تُجْعَلُ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ إمَارَةِ عُمَرَ ؟ قَالَ نَعَمْ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " . وَفِي لَفْظٍ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّ الثّلَاثَ كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ تُرَدّ إلَى وَاحِدَةٍ ؟ قَالَ نَعَمْ [ ص 228 ] وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ صَالِحٍ حَدّثَنَا عَبْدُ الرّزّاقِ أَنّ ابْنَ جُرَيْجٍ قَالَ أَخْبَرَنِي بَعْضُ بَنِي أَبِي رَافِعٍ مَوْلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ طَلّقَ عَبْدُ يَزِيدَ - أَبُو رُكَانَةَ وَإِخْوَتُهُ - أُمّ رُكَانَةَ وَنَكَحَ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ فَجَاءَتْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَتْ مَا يُغْنِي عَنّي إلّا كَمَا تُغْنِي هَذِهِ الشّعْرَةُ لِشَعْرَةٍ أَخَذَتْهَا مِنْ رَأْسِهَا فَفَرّقْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فَأَخَذَتْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَمِيّةٌ فَدَعَا بِرُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ ثُمّ قَالَ لِجُلَسَائِهِ " أَلَا تَرَوْنَ أَنّ فُلَانًا يُشْبِهُ مِنْهُ كَذَا وَكَذَا مِنْ عَبْدِ يَزِيدَ وَفُلَانًا مِنْهُ كَذَا وَكَذَا ؟ قَالُوا : نَعَمْ قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِعَبْدِ يَزِيدَ " طَلّقْهَا " فَفَعَلَ ثُمّ قَالَ " رَاجِعِ امْرَأَتَكَ أُمّ رُكَانَةَ وَإِخْوَتِهِ " فَقَالَ إنّى طَلّقْتهَا ثَلَاثًا يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ قَدْ عَلِمْتُ رَاجِعْهَا وَتَلَا : { يَا أَيّهَا النّبِيّ إِذَا طَلّقْتُمُ النّسَاءَ فَطَلّقُوهُنّ لِعِدّتِهِنّ } [ ص 229 ] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : حَدّثَنَا سَعْدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ قَالَ حَدّثَنَا أَبِي عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ قَالَ حَدّثَنِي دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبّاسٍ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبّاسٍ قَالَ طَلّقَ رُكَانَةُ بْنُ عَبْدِ يَزِيدَ أَخُو بَنِي الْمُطّلِبِ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ فَحَزِنَ عَلَيْهَا حُزْنًا شَدِيدًا قَالَ فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " كَيْفَ طَلّقْتَهَا " : فَقَالَ طَلّقْتهَا ثَلَاثًا فَقَالَ " فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ ؟ " قَالَ نَعَمْ قَالَ " فَإِنّمَا تِلْكَ وَاحِدَةٌ فَارْجِعْهَا إنْ شِئْتَ ؟ قَالَ فَرَاجَعَهَا فَكَانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَرَى أَنّمَا الطّلَاقُ عِنْدَ كُلّ طُهْرٍ . قَالُوا : وَأَمّا الْقِيَاسُ فَقَدْ تَقَدّمَ أَنّ جَمْعَ الثّلَاثِ مُحَرّمٌ وَبِدْعَةٌ وَالْبِدْعَةُ مَرْدُودَةٌ لِأَنّهَا لَيْسَتْ عَلَى أَمْرِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالُوا : وَسَائِرُ مَا تَقَدّمَ فِي بَيَانِ التّحْرِيمِ يَدُلّ عَلَى عَدَمِ وُقُوعِهَا جُمْلَةً . قَالُوا : وَلَوْ لَمْ يَكُنْ مَعَنَا إلّا قَوْلُهُ تَعَالَى : { فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللّهِ } [ النّورُ 6 ] وَقَوْلُهُ { وَيَدْرَأُ عَنْهَا الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ بِاللّهِ } [ النّورُ 8 ] قَالُوا : وَكَذَلِكَ كُلّ مَا يُعْتَبَرُ لَهُ التّكْرَارُ مِنْ حَلِفٍ أَوْ إقْرَارٍ أَوْ شَهَادَةٍ وَقَدْ قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَحْلِفُونَ خَمْسِينَ يَمِينًا وَتَسْتَحِقّونَ دَمَ صَاحِبِكُمْ فَلَوْ قَالُوا : نَحْلِفُ بِاَللّهِ خَمْسِينَ يَمِينًا : إنّ فُلَانًا قَتَلَهُ كَانَتْ يَمِينًا وَاحِدَةً . قَالُوا : وَكَذَلِكَ الْإِقْرَارُ بِالزّنَى كَمَا فِي الْحَدِيثِ أَنّ بَعْضَ الصّحَابَةِ قَالَ لِمَاعِزٍ إنْ أَقْرَرْت أَرْبَعًا رَجَمَك رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَهَذَا لَا يُعْقَلُ أَنْ تَكُونَ الْأَرْبَعُ فِيهِ مَجْمُوعَةً بِفَمٍ وَاحِدٍ . [حُجَجُ مَنْ فَرّقَ بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا ] وَأَمّا الّذِينَ فَرّقُوا بَيْنَ الْمَدْخُولِ بِهَا وَغَيْرِهَا فَلَهُمْ حُجّتَانِ [ ص 230 ] أَبُو دَاوُدَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَن طَاوُوسٍ أَنّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ أَبُو الصّهْبَاءِ كَانَ كَثِيرَ السّؤَالِ لِابْنِ عَبّاسٍ قَالَ لَهُ أَمَا عَلِمْت أَنّ الرّجُلَ كَانَ إذَا طَلّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ إمَارَةِ عُمَرَ ؟ فَلَمّا رَأَى عُمَرُ النّاسَ قَدْ تَتَايَعُوا فِيهَا قَالَ أَجِيزُوهُنّ عَلَيْهِمْ الْحُجّةُ الثّانِيَةُ أَنّهَا تَبِينُ بِقَوْلِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فَيُصَادِفُهَا ذِكْرُ الثّلَاثِ وَهِيَ بَائِنٌ فَتَلْغُو وَرَأَى هَؤُلَاءِ أَنّ إلْزَامَ عُمَرَ بِالثّلَاثِ هُوَ فِي حَقّ الْمَدْخُولِ بِهَا وَحَدِيثُ أَبِي الصّهْبَاءِ فِي غَيْرِ الْمَدْخُولِ بِهَا . قَالُوا : فَفِي هَذَا التّفْرِيقِ مُوَافَقَةُ الْمَنْقُولِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَمُوَافَقَةُ الْقِيَاسِ وَقَالَ بِكُلّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْفَتْوَى كَمَا حَكَاهُ أَبُو مُحَمّدٍ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ وَلَكِنْ عَدَمُ الْوُقُوعِ جُمْلَةً هُوَ مَذْهَبُ الْإِمَامِيّةِ وَحَكَوْهُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْبَيْتِ . [حُجَجُ مَنْ أَوْقَعَهَا ثَلَاثًا ] قَالَ الْمُوقِعُونَ لِلثّلَاثِ الْكَلَامُ مَعَكُمْ فِي مَقَامَيْنِ أَحَدُهُمَا : تَحْرِيمُ جَمْعِ الثّلَاثِ . وَالثّانِي : وُقُوعُهَا جُمْلَةً وَلَوْ كَانَتْ مُحَرّمَةً . وَنَحْنُ نَتَكَلّمُ مَعَكُمْ فِي الْمَقَامَيْنِ فَأَمّا الْأَوّلُ فَقَدْ قَالَ الشّافِعِيّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي إحْدَى الرّوَايَاتِ عَنْهُ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الظّاهِرِ إنّ جَمْعَ الثّلَاثِ سُنّةٌ وَاحْتَجّوا عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ طَلّقَهَا فَلَا تَحِلّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ } [ الْبَقَرَةُ 236 ] وَلَمْ يُفَرّقْ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الثّلَاثُ مَجْمُوعَةً أَوْ مُفَرّقَةً وَلَا يَجُوزُ أَنْ نُفَرّقَ بَيْنَ مَا جَمَعَ اللّهُ بَيْنَهُ كَمَا لَا نَجْمَعُ بَيْنَ مَا فَرّقَ اللّهُ بَيْنَهُ . وَقَالَ تَعَالَى : { وَإِنْ طَلّقْتُمُوهُنّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسّوهُنّ } [ الْبَقَرَةُ 227 ] وَلَمْ يُفَرّقْ وَقَالَ { لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلّقْتُمُ النّسَاءَ مَا لَمْ تَمَسّوهُنّ } الْآيَةُ وَلَمْ يُفَرّقْ وَقَالَ [ ص 231 ] { وَلِلْمُطَلّقَاتِ مَتَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ } [ الْبَقَرَةُ 241 ] وَقَالَ { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا نَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَاتِ ثُمّ طَلّقْتُمُوهُنّ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَمَسّوهُنّ } [ الْأَحْزَابُ 49 ] وَلَمْ يُفَرّقْ . قَالُوا : وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " أَنّ عُوَيْمِرًا الْعَجْلَانِيّ طَلّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا بِحَضْرَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَبْلَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِطَلَاقِهَا قَالُوا : فَلَوْ كَانَ جَمْعُ الثّلَاثِ مَعْصِيَةً لَمَا أَقَرّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا يَخْلُو طَلَاقُهَا أَنْ يَكُونَ قَدْ وَقَعَ وَهِيَ امْرَأَتُهُ أَوْ حِينَ حَرُمَتْ عَلَيْهِ بِاللّعَانِ . فَإِنْ كَانَ الْأَوّلَ فَالْحُجّةُ مِنْهُ ظَاهِرَةٌ وَإِنْ كَانَ الثّانِيَ فَلَا شَكّ أَنّهُ طَلّقَهَا وَهُوَ يَظُنّهَا امْرَأَتَهُ فَلَوْ كَانَ حَرَامًا لَبَيّنَهَا لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَإِنْ كَانَتْ قَدْ حَرُمَتْ عَلَيْهِ . قَالُوا : وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " مِنْ حَدِيثِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّدٍ عَنْ عَائِشَةَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ أَنّ رَجُلًا طَلّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوّجَتْ فَطَلُقَتْ فَسُئِلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَتَحِلّ لِلْأَوّلِ ؟ قَالَ " لَا حَتّى يَذُوقَ عُسَيْلَتَهَا كَمَا ذَاقَ الْأَوّلُ فَلَمْ يُنْكِرْ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَلِكَ وَهَذَا يَدُلّ عَلَى إبَاحَةِ جَمْعِ الثّلَاثِ وَعَلَى وُقُوعِهَا إذْ لَوْ لَمْ تَقَعْ لَمْ يُوَقّفْ رُجُوعَهَا إلَى الْأَوّلِ عَلَى ذَوْقِ الثّانِي عُسَيْلَتَهَا . قَالُوا : وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ أَنّ فَاطِمَةَ بِنْتَ قَيْسٍ أَخْبَرَتْهُ أَنّ زَوْجَهَا أَبَا حَفْصٍ بْنَ الْمُغِيرَةِ الْمَخْزُومِيّ طَلّقَهَا ثَلَاثًا ثُمّ انْطَلَقَ إلَى الْيَمَنِ فَانْطَلَقَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فِي نَفَرٍ فَأَتَوْا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي بَيْتِ مَيْمُونَةَ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ فَقَالُوا : إنّ أَبَا حَفْصٍ طَلّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَهَلْ لَهَا مِنْ نَفَقَةٍ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " لَيْسَ لَهَا نَفَقَةٌ وَعَلَيْهَا الْعِدّةُ [ ص 232 ] صَحِيحِ مُسْلِمٍ " فِي هَذِهِ الْقِصّةِ قَالَتْ فَاطِمَةُ فَأَتَيْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ " كَمْ طَلّقَكِ " ؟ قُلْت : ثَلَاثًا فَقَالَ " صَدَقَ لَيْسَ لَكِ نَفَقَةٌ وَفِي لَفْظٍ لَهُ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ زَوْجِي طَلّقَنِي ثَلَاثًا وَإِنّي أَخَافُ أَنْ يُقْتَحَمَ عَلَيّ وَفِي لَفْظٍ لَهُ عَنْهَا أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ فِي الْمُطَلّقَةِ ثَلَاثًا : " لَيْسَ لَهَا سُكْنَى وَلَا نَفَقَةٌ قَالُوا : وَقَدْ رَوَى عَبْدُ الرّزّاقِ فِي " مُصَنّفِهِ " عَنْ يَحْيَى بْنِ الْعَلَاءِ عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ الْوَلِيدِ الْوَصّافِي عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ عَنْ دَاوُدَ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ قَالَ طَلّقَ جَدّي امْرَأَةً لَهُ أَلْفَ تَطْلِيقَةٍ فَانْطَلَقَ أَبِي إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَذَكَرَ لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " مَا اتّقَى اللّهَ جَدّك أَمّا ثَلَاثٌ فَلَهُ وَأَمّا تِسْعُمِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُونَ فَعُدْوَانٌ وَظُلْمٌ إنْ شَاءَ اللّهُ عَذّبَهُ وَإِنْ شَاءَ غَفَرَ لَهُ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عَنْ صَدَقَةَ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ قَالَ طَلّقَ بَعْضُ آبَائِي امْرَأَتَهُ فَانْطَلَقَ بَنُوهُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ أَبَانَا طَلّقَ أُمّنَا أَلْفًا فَهَلْ لَهُ مِنْ مَخْرَجٍ ؟ فَقَالَ إنّ أَبَاكُمْ لَمْ يَتّقِ اللّهَ فَيَجْعَلَ لَهُ مَخْرَجًا بَانَتْ مِنْهُ بِثَلَاثٍ عَلَى غَيْرِ السّنّةِ وَتِسْعُمِائَةٍ وَسَبْعَةٌ وَتِسْعُونَ إثْمٌ فِي عُنُقِهِ [ ص 233 ] قَالُوا : وَرَوَى مُحَمّدُ بْنُ شَاذَانَ عَنْ مُعَلّى بْنِ مَنْصُورٍ عَنْ شُعَيْبِ بْنِ زُرَيْقٍ أَنّ عَطَاءَ الْخُرَاسَانِيّ حَدّثَهُمْ عَنْ الْحَسَنِ قَالَ حَدّثَنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا أَنّهُ طَلّقَ امْرَأَتَهُ وَهِيَ حَائِضٌ ثُمّ أَرَادَ أَنْ يُتْبِعَهَا بِطَلْقَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ عِنْدَ الْقُرْأَيْنِ الْبَاقِيَيْنِ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ " يَا ابْنَ عُمَرَ مَا هَكَذَا أَمَرَكَ اللّهُ أَخْطَأْت السّنّةَ . .. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ لَوْ كُنْت طَلّقْتهَا ثَلَاثًا أَكَانَ لِي أَنْ أَجْمَعَهَا قَالَ " لَا كَانَتْ تَبِينُ وَتَكُونُ مَعْصِيَةً قَالُوا : وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " : عَنْ نَافِعِ بْنِ عُجَيْرِ بْنِ عَبْدِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ أَنّ رُكَانَةَ بْنَ عَبْدِ يَزِيدَ طَلّقَ امْرَأَتَهُ سُهَيْمَةَ الْبَتّةَ فَأُخْبِرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاَللّهِ مَا أَرَدْتَ إلّا وَاحِدَةً " ؟ فَقَالَ رُكَانَةُ وَاَللّهِ مَا أَرَدْتُ إلّا وَاحِدَةً فَرَدّهَا إلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَطَلّقَهَا الثّانِيَةَ فِي زَمَنِ عُمَرَ وَالثّالِثَةَ فِي زَمَنِ عُثْمَانَ وَفِي " جَامِعِ التّرْمِذِيّ " : عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَلِيّ بْنِ يَزِيدَ بْنِ رُكَانَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ أَنّهُ طَلّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتّةَ فَأَتَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ " أَرَدْتَ بِهَا ؟ قَالَ وَاحِدَةً قَالَ " آللّهِ " قَالَ آللّهِ قَالَ " هُوَ عَلَى مَا أَرَدْتَ قَالَ التّرْمِذِيّ لَا نَعْرِفُهُ إلّا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَسَأَلْتُ مُحَمّدًا - يَعْنِي الْبُخَارِيّ - عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ ؟ فَقَالَ فِيهِ اضْطِرَابٌ . وَوَجْهُ الِاسْتِدْلَالِ بِالْحَدِيثِ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَحْلَفَهُ أَنّهُ أَرَادَ بِالْبَتّةِ وَاحِدَةً فَدَلّ عَلَى أَنّهُ لَوْ أَرَادَ بِهَا أَكْثَرَ لَوَقَعَ مَا أَرَادَهُ وَلَوْ لَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ لَمْ يُحَلّفْهُ . [ ص 234 ] قَالُوا : وَهَذَا أَصَحّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ جُرَيْجٍ عَنْ بَعْضِ بَنِي أَبِي رَافِعٍ عَنْ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ طَلّقَهَا ثَلَاثًا . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : لِأَنّهُمْ وَلَدُ الرّجُلِ وَأَهْلُهُ أَعْلَمُ بِهِ أَنّ رُكَانَةَ إنّمَا طَلّقَهَا الْبَتّةَ . قَالُوا : وَابْنُ جُرَيْجٍ إنّمَا رَوَاهُ عَنْ بَعْضِ بَنِي أَبِي رَافِعٍ . فَإِنْ كَانَ عُبَيْدَ اللّهِ فَهُوَ ثِقَةٌ مَعْرُوفٌ وَإِنْ كَانَ غَيْرَهُ مِنْ إخْوَتِهِ فَمَجْهُولُ الْعَدَالَةِ لَا تَقُومُ بِهِ حُجّةٌ . قَالُوا : وَأَمّا طَرِيقُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فَفِيهَا ابْنُ إسْحَاقَ وَالْكَلَامُ فِيهِ مَعْرُوفٌ وَقَدْ حَكَى الْخَطّابِيّ أَنّ الْإِمَامَ أَحْمَدَ كَانَ يُضَعّفُ طُرُقَ هَذَا الْحَدِيثِ كُلّهَا . قَالُوا : وَأَصَحّ مَا مَعَكُمْ حَدِيثُ أَبِي الصّهْبَاءِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ وَقَدْ قَالَ الْبَيْهَقِيّ : هَذَا الْحَدِيثُ أَحَدُ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ الْبُخَارِيّ وَمُسْلِمُ فَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَتَرَكَهُ الْبُخَارِيّ وَأَظُنّهُ تَرَكَهُ لِمُخَالَفَتِهِ سَائِرَ الرّوَايَاتِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ثُمّ سَاقَ الرّوَايَاتِ عَنْهُ بِوُقُوعِ الثّلَاثِ ثُمّ قَالَ فَهَذِهِ رِوَايَةُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَمَالِكِ بْنِ الْحَارِثِ وَمُحَمّدِ بْنِ إيَاسِ بْنِ الْبُكَيْرِ قَالَ وَرَوَيْنَاهُ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي عَيّاشٍ الْأَنْصَارِيّ كُلّهُمْ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ أَجَازَ الثّلَاثَ وَأَمْضَاهُنّ . وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : فَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يُظَنّ بِابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ يَحْفَظُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَيْئًا ثُمّ يُفْتِي بِخِلَافِهِ . وَقَالَ الشّافِعِيّ : فَإِنْ كَانَ مَعْنَى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ : إنّ الثّلَاثَ كَانَتْ تُحْسَبُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاحِدَةً يَعْنِي أَنّهُ بِأَمْرِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَاَلّذِي يُشْبِهُ - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - أَنْ يَكُونَ ابْنُ عَبّاسٍ قَدْ عَلِمَ أَنّهُ كَانَ شَيْئًا فَنُسِخَ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَرِوَايَةُ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ فِيهَا تَأْكِيدٌ لِصِحّةِ هَذَا التّأْوِيلِ - يُرِيدُ الْبَيْهَقِيّ - مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالنّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ عِكْرِمَةَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْمُطَلّقَاتُ يَتَرَبّصْنَ بِأَنْفُسِهِنّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ } الْآيَةُ . .. [ ص 235 ] وَذَلِكَ أَنّ الرّجُلَ كَانَ إذَا طَلّقَ امْرَأَتَهُ فَهُوَ أَحَقّ بِرَجْعَتِهَا وَإِنْ طَلّقَهَا ثَلَاثًا فَنُسِخَ ذَلِكَ فَقَالَ الطّلَاقُ مَرّتَانِ قَالُوا : فَيُحْتَمَلُ أَنّ الثّلَاثَ كَانَتْ تُجْعَلُ وَاحِدَةً مِنْ هَذَا الْوَقْتِ بِمَعْنَى أَنّ الزّوْجَ كَانَ يَتَمَكّنُ مِنْ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَهَا كَمَا يَتَمَكّنُ مِنْ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَ الْوَاحِدَةِ ثُمّ نُسِخَ ذَلِكَ . وَقَالَ ابْنُ سُرَيْجٍ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ إنّمَا جَاءَ فِي نَوْعٍ خَاصّ مِنْ الطّلَاقِ الثّلَاثِ وَهُوَ أَنْ يُفَرّقَ بَيْنَ الْأَلْفَاظِ كَأَنْ يَقُولَ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَكَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعَهْدِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ النّاسُ عَلَى صِدْقِهِمْ وَسَلَامَتِهِمْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ الْخِبّ وَالْخِدَاعُ فَكَانُوا يُصَدّقُونَ أَنّهُمْ أَرَادُوا بِهِ التّأْكِيدَ وَلَا يُرِيدُونَ بِهِ الثّلَاثَ فَلَمّا رَأَى عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فِي زَمَانِهِ أُمُورًا ظَهَرَتْ وَأَحْوَالًا تَغَيّرَتْ مَنَعَ مَنْ حَمَلَ اللّفْظَ عَلَى التّكْرَارِ وَأَلْزَمَهُمْ الثّلَاثَ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مَعْنَى الْحَدِيثِ أَنّ النّاسَ كَانَتْ عَادَتُهُمْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إيقَاعَ الْوَاحِدَةِ ثُمّ يَدَعُهَا حَتّى تَنْقَضِيَ عِدّتُهَا ثُمّ اعْتَادُوا الطّلَاقَ الثّلَاثَ جُمْلَةً وَتَتَايَعُوا فِيهِ وَمَعْنَى الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا : كَانَ الطّلَاقُ الّذِي يُوقِعُهُ الْمُطَلّقُ الْآنَ ثَلَاثًا يُوقِعُهُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَاحِدَةً فَهُوَ إخْبَارٌ عَنْ الْوَاقِعِ لَا عَنْ الْمَشْرُوعِ . [ ص 236 ] وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بَيَانٌ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هُوَ الّذِي كَانَ يَجْعَلُ الثّلَاثَ وَاحِدَةً وَلَا أَنّهُ أُعْلِمَ بِذَلِكَ فَأَقَرّ عَلَيْهِ وَلَا حُجّةَ إلّا فِيمَا قَالَهُ أَوْ فَعَلَهُ أَوْ عَلِمَ بِهِ فَأَقَرّ عَلَيْهِ وَلَا يُعْلَمُ صِحّةُ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ فِي حَدِيثِ أَبِي الصّهْبَاءِ . قَالُوا : وَإِذَا اخْتَلَفَتْ عَلَيْنَا الْأَحَادِيثُ نَظَرْنَا إلَى مَا عَلَيْهِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَإِنّهُمْ أَعْلَمُ بِسُنّتِهِ فَنَظَرْنَا فَإِذَا الثّابِتُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ الّذِي لَا يَثْبُتُ عَنْهُ غَيْرُهُ مَا رَوَاهُ عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ كُهَيْلٍ حَدّثَنَا زَيْدُ بْنُ وَهْبٍ أَنّهُ رَوَاهُ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَجُلٌ طَلّقَ امْرَأَتَهُ أَلْفًا فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَطَلّقْتَ امْرَأَتَك ؟ فَقَالَ إنّمَا كُنْتُ أَلْعَبُ فَعَلَاهُ عُمَرُ بِالدّرّةِ وَقَالَ إنّمَا يَكْفِيك مِنْ ذَلِكَ ثَلَاثٌ وَرَوَى وَكِيعٌ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ فَقَالَ إنّي طَلّقْتُ امْرَأَتِي أَلْفًا فَقَالَ لَهُ عَلِيّ بَانَتْ مِنْك بِثَلَاثٍ وَاقْسِمْ سَائِرَهُنّ بَيْنَ نِسَائِك وَرَوَى وَكِيعٌ أَيْضًا عَنْ جَعْفَرِ بْنِ بَرْقَانَ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي يَحْيَى قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ فَقَالَ طَلّقْتُ امْرَأَتِي أَلْفًا فَقَالَ بَانَتْ مِنْك بِثَلَاثٍ وَرَوَى عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ سُفْيَانَ الثّوْرِيّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مُرّةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ قَالَ رَجُلٌ لِابْنِ عَبّاسٍ طَلّقْتُ امْرَأَتِي أَلْفًا فَقَالَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ : ثَلَاثٌ تُحَرّمُهَا عَلَيْك وَبَقِيّتُهَا عَلَيْك وِزْرٌ اتّخَذْت آيَاتِ اللّهِ هُزُوًا [ ص 237 ] عَبْدُ الرّزّاقِ أَيْضًا عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ جَاءَ رَجُلٌ إلَى ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ إنّي طَلّقْتُ امْرَأَتِي تِسْعًا وَتِسْعِينَ فَقَالَ لَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ : ثَلَاثٌ تَبِينُهَا مِنْك وَسَائِرُهُنّ عُدْوَان وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ مُحَمّدِ بْنِ إيَاسٍ أَنّ ابْنَ عَبّاسٍ وَأَبَا هُرَيْرَةَ وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ سُئِلُوا عَنْ الْبِكْرِ يُطَلّقُهَا زَوْجُهَا ثَلَاثًا فَكُلّهُمْ قَالَ لَا تَحِلّ لَهُ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجَا غَيْرَهُ قَالُوا : فَهَؤُلَاءِ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَمَا تَسْمَعُونَ قَدْ أَوْقَعُوا الثّلَاثَ جُمْلَةً وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِمْ إلّا عُمَرُ الْمُحَدّثُ الْمُلْهَمُ وَحْدَهُ لَكَفَى فَإِنّهُ لَا يُظَنّ بِهِ تَغْيِيرُ مَا شَرَعَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الطّلَاقِ الرّجْعِيّ فَيَجْعَلُهُ مُحَرّمًا وَذَلِكَ يَتَضَمّنُ تَحْرِيمَ فَرْجِ الْمَرْأَةِ عَلَى مَنْ لَمْ تَحْرُمْ عَلَيْهِ وَإِبَاحَتُهُ لِمَنْ لَا تَحِلّ لَهُ وَلَوْ فَعَلَ ذَلِكَ عُمَرُ لَمَا أَقَرّهُ عَلَيْهِ الصّحَابَةُ فَضْلًا عَنْ أَنْ يُوَافِقُوهُ وَلَوْ كَانَ عِنْدَ ابْنِ عَبّاسٍ حُجّةٌ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ الثّلَاثَ وَاحِدَةٌ لَمْ يُخَالِفْهَا . وَيُفْتِي بِغَيْرِهَا مُوَافَقَةً لِعُمَرَ وَقَدْ عُلِمَ مُخَالَفَتُهُ لَهُ فِي الْعَوْلِ وَحَجْبِ الْأُمّ بِالِاثْنَيْنِ مِنْ الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ وَغَيْرِ ذَلِكَ . قَالُوا : وَنَحْنُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ تَبَعٌ لِأَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَهُمْ أَعْلَمُ بِسُنّتِهِ وَشَرْعِهِ وَلَوْ كَانَ مُسْتَقِرّا مِنْ شَرِيعَتِهِ أَنّ الثّلَاثَ وَاحِدَةٌ وَتُوُفّيَ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ وَيَعْلَمُهُ مَنْ بَعْدَهُمْ وَلَمْ يُحَرّمُوا الصّوَابَ فِيهِ وَيُوَفّقُ لَهُ مَنْ بَعْدَهُمْ وَيَرْوِي حَبْرُ الْأُمّةِ وَفَقِيهُهَا خَبَرَ كَوْنِ الثّلَاثِ وَاحِدَةً وَيُخَالِفُهُ . [حُجَجُ الْمَانِعِينَ مِنْ وُقُوعِ الثّلَاثِ ] قَالَ الْمَانِعُونَ مِنْ وُقُوعِ الثّلَاثِ التّحَاكُمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَغَيْرِهَا إلَى مَنْ أَقْسَمَ اللّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَصْدَقَ قَسَمٍ وَأَبَرّهُ أَنّا لَا نُؤْمِنُ حَتّى نُحَكّمَهُ [ ص 238 ] شَجَرَ بَيْنَنَا ثُمّ نَرْضَى بِحُكْمِهِ وَلَا يَلْحَقُنَا فِيهِ حَرَجٌ وَنُسَلّمُ لَهُ تَسْلِيمًا لَا إلَى غَيْرِهِ كَائِنًا مَنْ كَانَ اللّهُمّ إلّا أَنْ تُجْمِعَ أُمّتُهُ إجْمَاعًا مُتَيَقّنًا لَا نَشُكّ فِيهِ عَلَى حُكْمٍ فَهُوَ الْحَقّ الّذِي لَا يَجُوزُ خِلَافُهُ وَيَأْبَى اللّهُ أَنْ تَجْتَمِعَ الْأُمّةُ عَلَى خِلَافِ سُنّةٍ ثَابِتَةٍ عَنْهُ أَبَدًا وَنَحْنُ قَدْ أَوَجَدْنَاكُمْ مِنْ الْأَدِلّةِ مَا تَثْبُتُ الْمَسْأَلَةُ بِهِ بَلْ وَبِدُونِهِ وَنَحْنُ نُنَاظِرُكُمْ فِيمَا طَعَنْتُمْ بِهِ فِي تِلْكَ الْأَدِلّةِ وَفِيمَا عَارَضْتُمُونَا بِهِ عَلَى أَنّا لَا نَحْكُمُ عَلَى أَنْفُسِنَا إلّا نَصّا عَنْ اللّهِ أَوْ نَصّا ثَابِتًا عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَوْ إجْمَاعًا مُتَيَقّنًا لَا شَكّ فِيهِ وَمَا عَدَا هَذَا فَعُرْضَةٌ لِنِزَاعٍ وَغَايَتُهُ أَنْ يَكُونَ سَائِغَ الِاتّبَاعِ لَا لَازِمَهُ فَلْتَكُنْ هَذِهِ الْمُقَدّمَةُ سَلَفًا لَنَا عِنْدَكُمْ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدّوهُ إِلَى اللّهِ وَالرّسُولِ } [ النّسَاءُ 59 ] فَقَدْ تَنَازَعْنَا نَحْنُ وَأَنْتُمْ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَلَا سَبِيلَ إلَى رَدّهَا إلَى غَيْرِ اللّهِ وَرَسُولِهِ الْبَتّةَ وَسَيَأْتِي أَنّنَا أَحَقّ بِالصّحَابَةِ وَأَسْعَدُ بِهِمْ فِيهَا فَنَقُولُ أَمّا مَنْعُكُمْ لِتَحْرِيمِ جَمْعِ الثّلَاثِ فَلَا رَيْبَ أَنّهَا مَسْأَلَةُ نِزَاعٍ وَلَكِنّ الْأَدِلّةَ الدّالّةَ عَلَى التّحْرِيمِ حُجّةٌ عَلَيْكُمْ . أَمّا قَوْلُكُمْ إنّ الْقُرْآنَ دَلّ عَلَى جَوَازِ الْجَمْعِ فَدَعْوَى غَيْرُ مَقْبُولَةٍ بَلْ بَاطِلَةٌ وَغَايَةُ مَا تَمَسّكْتُمْ بِهِ إطْلَاقُ الْقُرْآنِ لِلَفْظِ الطّلَاقِ وَذَلِكَ لَا يَعُمّ جَائِزَهُ وَمُحَرّمَهُ كَمَا لَا يَدْخُلُ تَحْتَهُ طَلَاقُ الْحَائِضِ وَطَلَاقُ الْمَوْطُوءَةِ فِي طُهْرِهَا وَمَا مَثَلُكُمْ فِي ذَلِكَ إلّا كَمَثَلِ مَنْ عَارَضَ السّنّةَ الصّحِيحَةَ فِي تَحْرِيمِ الطّلَاقِ الْمُحَرّمِ بِهَذِهِ الْإِطْلَاقَاتِ سَوَاءٌ وَمَعْلُومٌ أَنّ الْقُرْآنَ لَمْ يَدُلّ عَلَى جَوَازِ كُلّ طَلَاقٍ حَتّى تُحَمّلُوهُ مَا لَا يُطِيقُهُ وَإِنّمَا دَلّ عَلَى أَحْكَامِ الطّلَاقِ وَالْمُبَيّنُ عَنْ اللّهِ عَزّ وَجَلّ بَيّنَ حَلَالَهُ وَحَرَامَهُ وَلَا رَيْبَ أَنّا أَسْعَدُ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ كَمَا بَيّنّا فِي صَدْرِ الِاسْتِدْلَالِ وَأَنّهُ سُبْحَانَهُ لَمْ يَشْرَعْ قَطّ طَلَاقًا بَائِنًا بِغَيْرِ عِوَضٍ لِمَدْخُولٍ بِهَا إلّا أَنْ يَكُونَ آخِرَ الْعِدَدِ وَهَذَا كِتَابُ اللّهِ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ وَغَايَةُ مَا تَمَسّكْتُمْ بِهِ أَلْفَاظٌ مُطْلَقَةٌ قَيّدَتْهَا السّنّةُ وَبَيّنَتْ شُرُوطَهَا وَأَحْكَامَهَا . [ ص 239 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَمَا أَصَحّهُ مِنْ حَدِيثٍ وَمَا أَبْعَدَهُ مِنْ اسْتِدْلَالِكُمْ عَلَى جَوَازِ الطّلَاقِ الثّلَاثِ بِكَلِمَةٍ وَاحِدَةٍ فِي نِكَاحٍ يُقْصَدُ بَقَاؤُهُ وَدَوَامُهُ ثُمّ الْمُسْتَدِلّ بِهَذَا إنْ كَانَ مِمّنْ يَقُولُ إنّ الْفُرْقَةَ وَقَعَتْ عَقِيبَ لِعَانِ الزّوْجِ وَحْدَهُ كَمَا يَقُولُهُ الشّافِعِيّ أَوْ عَقِيبَ لِعَانِهِمَا وَإِنْ لَمْ يُفَرّقْ الْحَاكِمُ كَمَا يَقُولُهُ أَحْمَدُ فِي إحْدَى الرّوَايَاتِ عَنْهُ فَالِاسْتِدْلَالُ بِهِ بَاطِلٌ لِأَنّ الطّلَاقَ الثّلَاثَ حِينَئِذٍ لَغْوٌ لَمْ يَفِدْ شَيْئًا وَإِنْ كَانَ مِمّنْ يُوَقّفُ الْفُرْقَةَ عَلَى تَفْرِيقِ الْحَاكِمِ لَمْ يَصِحّ الِاسْتِدْلَالُ بِهِ أَيْضًا لِأَنّ هَذَا النّكَاحَ لَمْ يَبْقَ سَبِيلٌ إلَى بَقَائِهِ وَدَوَامِهِ بَلْ هُوَ وَاجِبُ الْإِزَالَةِ وَمُؤَبّدُ التّحْرِيمِ فَالطّلَاقُ الثّلَاثُ مُؤَكّدٌ لِمَقْصُودِ اللّعَانِ وَمُقَرّرٌ لَهُ فَإِنّ غَايَتَهُ أَنْ يُحَرّمَهَا عَلَيْهِ حَتّى تَنْكِحَ زَوْجًا غَيْرَهُ وَفِرْقَةُ اللّعَانِ تُحَرّمُهَا عَلَيْهِ عَلَى الْأَبَدِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ نُفُوذِ الطّلَاقِ فِي نِكَاحٍ قَدْ صَارَ مُسْتَحِقّ التّحْرِيمِ عَلَى التّأْبِيدِ نُفُوذُهُ فِي نِكَاحٍ قَائِمٍ مَطْلُوبِ الْبَقَاءِ وَالدّوَامِ وَلِهَذَا لَوْ طَلّقَهَا فِي هَذَا الْحَالِ وَهِيَ حَائِضٌ أَوْ نُفَسَاءُ أَوْ فِي طُهْرٍ جَامَعَهَا فِيهِ لَمْ يَكُنْ عَاصِيًا لِأَنّ هَذَا النّكَاحَ مَطْلُوبُ الْإِزَالَةِ مُؤَبّدُ التّحْرِيمِ وَمِنْ الْعَجَبِ أَنّكُمْ مُتَمَسّكُونَ بِتَقْرِيرِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى هَذَا الطّلَاقِ الْمَذْكُورِ وَلَا تَتَمَسّكُونَ بِإِنْكَارِهِ وَغَضَبِهِ لِلطّلَاقِ الثّلَاثِ مِنْ غَيْرِ الْمُلَاعِنِ وَتَسْمِيَتُهُ لَعِبًا بِكِتَابِ اللّهِ كَمَا تَقَدّمَ فَكَمْ بَيْنَ هَذَا الْإِقْرَارِ وَهَذَا الْإِنْكَارِ ؟ وَنَحْنُ بِحَمْدِ اللّهِ قَائِلُونَ بِالْأَمْرَيْنِ مُقِرّونَ لِمَا أَقَرّهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُنْكِرُونَ لِمَا أَنْكَرَهُ . وَأَمّا اسْتِدْلَالُكُمْ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا أَنّ رَجُلًا طَلّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا فَتَزَوّجَتْ فَسُئِلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَلْ تَحِلّ لِلْأَوّلِ ؟ قَالَ " لَا حَتّى تَذُوقَ الْعُسَيْلَةَ فَهَذَا لَا نُنَازِعُكُمْ فِيهِ نَعَمْ هُوَ حُجّةٌ عَلَى مَنْ اكْتَفَى بِمُجَرّدِ عَقْدِ الثّانِي وَلَكِنْ أَيْنَ فِي الْحَدِيثِ أَنّهُ طَلّقَ الثّلَاثَ بِفَمٍ وَاحِدٍ بَلْ الْحَدِيثُ حُجّةٌ لَنَا فَإِنّهُ لَا يُقَالُ فَعَلَ ذَلِكَ ثَلَاثًا وَقَالَ ثَلَاثًا إلّا مَنْ فَعَلَ وَقَالَ مَرّةً بَعْدَ [ ص 240 ] يُقَالُ قَذَفَهُ ثَلَاثًا وَشَتَمَهُ ثَلَاثًا وَسَلّمَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا . قَالُوا : وَأَمّا اسْتِدْلَالُكُمْ بِحَدِيثِ فَاطِمَةَ بِنْتِ قَيْسٍ فَمِنْ الْعَجَبِ الْعُجَابِ فَإِنّكُمْ خَالَفْتُمُوهُ فِيمَا هُوَ صَرِيحٌ فِيهِ لَا يَقْبَلُ تَأْوِيلًا صَحِيحًا وَهُوَ سُقُوطُ النّفَقَةِ وَالْكِسْوَةِ لِلْبَائِنِ مَعَ صِحّتِهِ وَصَرَاحَتِهِ وَعَدَمِ مَا يُعَارِضُهُ مُقَاوِمًا لَهُ وَتَمَسّكْتُمْ بِهِ فِيمَا هُوَ مُجْمَلٌ بَلْ بَيَانُهُ فِي نَفْسِ الْحَدِيثِ مِمّا يُبْطِلُ تَعَلّقَكُمْ بِهِ فَإِنّ قَوْلَهُ طَلّقَهَا ثَلَاثًا لَيْسَ بِصَرِيحٍ فِي جَمْعِهَا بَلْ كَمَا تَقَدّمَ كَيْفَ وَفِي " الصّحِيحِ " فِي خَبَرِهَا نَفْسِهِ مِنْ رِوَايَةِ الزّهْرِيّ عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُتْبَةَ أَنّ زَوْجَهَا أَرْسَلَ إلَيْهَا بِتَطْلِيقَةٍ كَانَتْ بَقِيَتْ لَهَا مِنْ طَلَاقِهَا . وَفِي لَفْظٍ فِي " الصّحِيحِ " : أَنّهُ طَلّقَهَا آخِرَ ثَلَاثِ تَطْلِيقَاتٍ وَهُوَ سَنَدٌ صَحِيحٌ مُتّصِلٌ مِثْلُ الشّمْسِ فَكَيْفَ سَاغَ لَكُمْ تَرْكُهُ إلَى التّمَسّكِ بِلَفْظٍ مُجْمَلٍ وَهُوَ أَيْضًا حُجّةٌ عَلَيْكُمْ كَمَا تَقَدّمَ ؟ . قَالُوا : وَأَمّا اسْتِدْلَالُكُمْ بِحَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ الّذِي رَوَاهُ عَبْدُ الرّزّاقِ فَخَبَرٌ فِي غَايَةِ السّقُوطِ لِأَنّ فِي طَرِيقِهِ يَحْيَى بْنَ الْعَلَاءِ عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ الْوَلِيدِ الْوَضَافِيّ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدِ اللّهِ - ضَعِيفٌ عَنْ هَالِكٍ عَنْ مَجْهُولٍ ثُمّ الّذِي يَدُلّ عَلَى كَذِبِهِ وَبُطْلَانِهِ أَنّهُ لَمْ يُعْرَفْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْآثَارِ صَحِيحِهَا وَلَا سَقِيمِهَا وَلَا مُتّصَلِهَا وَلَا مُنْقَطِعِهَا أَنّ وَالِدَ عُبَادَةَ بْنِ الصّامِتِ أَدْرَكَ الْإِسْلَامَ فَكَيْفَ بِجَدّهِ فَهَذَا مُحَالٌ بِلَا شَكّ وَأَمّا حَدِيثُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ فَأَصْلُهُ صَحِيحٌ بِلَا شَكّ لَكِنّ هَذِهِ الزّيَادَةَ وَالْوَصْلَةَ الّتِي فِيهِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ لَوْ طَلّقْتُهَا ثَلَاثًا أَكَانَتْ تَحِلّ لِي ؟ إنّمَا جَاءَتْ مِنْ رِوَايَةِ شُعَيْبِ بْنِ زُرَيْقٍ وَهُوَ الشّامِيّ وَبَعْضُهُمْ يَقْلِبُهُ فَيَقُولُ زُرَيْقُ بْنُ شُعَيْبٍ [ ص 241 ] كَانَ فَهُوَ ضَعِيفٌ وَلَوْ صَحّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجّةٌ لِأَنّ قَوْلَهُ لَوْ طَلّقْتهَا ثَلَاثًا بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ لَوْ سَلّمْت ثَلَاثًا أَوْ أَقْرَرْت ثَلَاثًا أَوْ نَحْوَهُ مِمّا لَا يُعْقَلُ جَمْعُهُ . وَأَمّا حَدِيثُ نَافِعِ بْنِ عُجَيْرٍ الّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ أَنّ رُكَانَةَ طَلّقَ امْرَأَتَهُ الْبَتّةَ فَأَحْلَفَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا أَرَادَ إلّا وَاحِدَةً فَمِنْ الْعَجَبِ تَقْدِيمُ نَافِعِ بْنِ عُجَيْرٍ الْمَجْهُولِ الّذِي لَا يُعْرَفُ حَالُهُ الْبَتّةَ وَلَا يُدْرَى مَنْ هُوَ وَلَا مَا هُوَ عَلَى ابْنِ جُرَيْجٍ وَمَعْمَرٍ وَعَبْدِ اللّهِ بْنِ طَاوُوسٍ فِي قِصّةِ أَبِي الصّهْبَاءِ وَقَدْ شَهِدَ إمَامُ أَهْلِ الْحَدِيثِ مُحَمّدُ بْنُ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيّ بِأَنّ فِيهِ اضْطِرَابًا هَكَذَا قَالَ التّرْمِذِيّ فِي " الْجَامِعِ " وَذَكَرَ عَنْهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ أَنّهُ مُضْطَرِبٌ . فَتَارَةً يَقُولُ طَلّقَهَا ثَلَاثًا وَتَارَةً يَقُولُ وَاحِدَةً وَتَارَةً يَقُولُ الْبَتّةَ . وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَطُرُقُهُ كُلّهَا ضَعِيفَةٌ وَضَعّفَهُ أَيْضًا الْبُخَارِيّ حَكَاهُ الْمُنْذِرِيّ عَنْهُ . ثُمّ كَيْفَ يُقَدّمُ هَذَا الْحَدِيثُ الْمُضْطَرِبُ الْمَجْهُولُ رِوَايَةً عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ الرّزّاقِ عَنْ ابْنِ جُرَيْجٍ لِجَهَالَةِ بَعْضِ بَنِي أَبِي رَافِعٍ هَذَا وَأَوْلَادُهُ تَابِعِيّونَ وَإِنْ كَانَ عُبَيْدُ اللّهِ أَشْهَرَهُمْ وَلَيْسَ فِيهِمْ مُتّهَمٌ بِالْكَذِبِ وَقَدْ رَوَى عَنْهُ ابْنُ جُرَيْجٍ وَمَنْ يَقْبَلُ رِوَايَةَ الْمَجْهُولِ أَوْ يَقُولُ رِوَايَةُ الْعَدْلِ عَنْهُ تَعْدِيلٌ لَهُ فَهَذَا حُجّةٌ عِنْدَهُ فَأَمّا أَنْ يُضَعّفَهُ وَيُقَدّمَ عَلَيْهِ رِوَايَةَ مَنْ هُوَ مِثْلُهُ فِي الْجَهَالَةِ أَوْ أَشَدّ فَكَلّا فَغَايَةُ الْأَمْرِ أَنْ تَتَسَاقَطَ رِوَايَتَا هَذَيْنِ الْمَجْهُولَيْنِ وَيُعْدَلُ إلَى غَيْرِهِمَا وَإِذَا فَعَلْنَا ذَلِكَ نَظَرْنَا فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ فَوَجَدْنَاهُ صَحِيحَ الْإِسْنَادِ وَقَدْ زَالَتْ عِلّةُ تَدْلِيسِ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ بِقَوْلِهِ حَدّثَنِي دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ وَقَدْ احْتَجّ أَحْمَدُ بِإِسْنَادِهِ فِي مَوَاضِعَ وَقَدْ صَحّحَ هُوَ وَغَيْرُهُ بِهَذَا [ ص 242 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَدّ زَيْنَبَ عَلَى زَوْجِهَا أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرّبِيعِ بِالنّكَاحِ الْأَوّلِ وَلَمْ يُحْدِثْ شَيْئًا . وَأَمّا دَاوُدُ بْنُ الْحُصَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ فَلَمْ تَزَلْ الْأَئِمّةُ تَحْتَجّ بِهِ وَقَدْ احْتَجّوا بِهِ فِي حَدِيثِ الْعَرَايَا فِيمَا شَكّ فِيهِ وَلَمْ يَجْزِمْ بِهِ مِنْ تَقْدِيرِهَا بِخَمْسَةِ أَوْسُقٍ أَوْ دُونَهَا مَعَ كَوْنِهَا عَلَى خِلَافِ الْأَحَادِيثِ الّتِي نَهَى فِيهَا عَنْ بَيْعِ الرّطَبِ بِالتّمْرِ فَمَا ذَنْبُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سِوَى رِوَايَةِ مَا لَا يَقُولُونَ بِهِ وَإِنْ قَدَحْتُمْ فِي عِكْرِمَةَ - وَلَعَلّكُمْ فَاعِلُونَ - جَاءَكُمْ مَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ مِنْ التّنَاقُضِ فِيمَا احْتَجَجْتُمْ بِهِ أَنْتُمْ وَأَئِمّةُ الْحَدِيثِ مِنْ رِوَايَتِهِ وَارْتِضَاءِ الْبُخَارِيّ لِإِدْخَالِ حَدِيثِهِ فِي " صَحِيحِهِ " . فَصْلٌ وَأَمّا تِلْكَ الْمَسَالِكُ الْوَعِرَةُ الّتِي سَلَكْتُمُوهَا فِي حَدِيثِ أَبِي الصّهْبَاءِ فَلَا يَصِحّ شَيْءٌ مِنْهَا أَمّا الْمَسْلَكُ الْأَوّلُ وَهُوَ انْفِرَادُ مُسْلِمٍ بِرِوَايَتِهِ وَإِعْرَاضُ الْبُخَارِيّ عَنْهُ فَتِلْكَ شَكَاةٌ ظَاهِرٌ عَنْك عَارُهَا وَمَا ضَرّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ انْفِرَادُ مُسْلِمٍ بِهِ شَيْئًا ثُمّ هَلْ تَقْبَلُونَ أَنْتُمْ أَوْ أَحَدٌ مِثْلَ هَذَا فِي كُلّ حَدِيثٍ يَنْفَرِدُ بِهِ مُسْلِمٌ عَنْ الْبُخَارِيّ وَهَلْ قَالَ الْبُخَارِيّ قَطّ إنّ كُلّ حَدِيثٍ لَمْ أُدْخِلْهُ فِي كِتَابِيّ فَهُوَ بَاطِلٌ أَوْ لَيْسَ بِحُجّةٍ أَوْ ضَعِيفٌ وَكَمْ قَدْ احْتَجّ الْبُخَارِيّ بِأَحَادِيثَ خَارِجَ الصّحِيحِ لَيْسَ لَهَا ذِكْرٌ فِي " صَحِيحِهِ " وَكَمْ صَحّحَ مِنْ حَدِيثٍ خَارِجٍ عَنْ صَحِيحِهِ فَأَمّا مُخَالَفَةُ سَائِرِ الرّوَايَاتِ لَهُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ فَلَا رَيْبَ أَنّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رِوَايَتَيْنِ صَحِيحَتَيْنِ بِلَا شَكّ إحْدَاهُمَا : تُوَافِقُ هَذَا الْحَدِيثَ وَالْأُخْرَى : تُخَالِفُهُ فَإِنْ أَسْقَطْنَا رِوَايَةً [ ص 243 ] سَلِمَ الْحَدِيثُ عَلَى أَنّهُ بِحَمْدِ اللّهِ سَالِمٌ . وَلَوْ اتّفَقَتْ الرّوَايَاتُ عَنْهُ عَلَى مُخَالَفَتِهِ فَلَهُ أُسْوَةُ أَمْثَالِهِ وَلَيْسَ بِأَوّلِ حَدِيثٍ خَالَفَهُ رَاوِيهِ فَنَسْأَلُكُمْ هَلْ الْأَخْذُ بِمَا رَوَاهُ الصّحَابِيّ عِنْدَكُمْ أَوْ بِمَا رَآهُ ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ الْأَخْذُ بِرِوَايَتِهِ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِكُمْ بَلْ جُمْهُورُ الْأُمّةِ عَلَى هَذَا كَفَيْتُمُونَا مَئُونَةَ الْجَوَابِ . وَإِنْ قُلْتُمْ الْأَخْذُ بِرَأْيِهِ أَرَيْنَاكُمْ مِنْ تُنَاقِضُكُمْ مَا لَا حِيلَةَ لَكُمْ فِي دَفْعِهِ وَلَا سِيّمَا عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ نَفْسِهِ فَإِنّهُ رَوَى حَدِيثَ بَرِيرَةَ وَتَخْيِيرَهَا وَلَمْ يَكُنْ بَيْعُهَا طَلَاقًا وَرَأَى خِلَافَهُ وَأَنّ بَيْعَ الْأَمَةِ طَلَاقُهَا فَأَخَذْتُمْ - وَأَصَبْتُمْ - بِرِوَايَتِهِ وَتَرَكْتُمْ رَأْيَهُ فَهَلّا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ فِيمَا نَحْنُ فِيهِ وَقُلْتُمْ الرّوَايَةُ مَعْصُومَةٌ وَقَوْلُ الصّحَابِيّ غَيْرُ مَعْصُومٍ وَمُخَالَفَتُهُ لِمَا رَوَاهُ يَحْتَمِلُ احْتِمَالَاتٍ عَدِيدَةً مِنْ نِسْيَانٍ أَوْ تَأْوِيلٍ أَوْ اعْتِقَادٍ مُعَارِضٍ رَاجِحٍ فِي ظَنّهِ أَوْ اعْتِقَادٍ أَنّهُ مَنْسُوخٌ أَوْ مَخْصُوصٌ أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الِاحْتِمَالَاتِ فَكَيْفَ يَسُوغُ تَرْكُ رِوَايَتِهِ مَعَ قِيَامِ هَذِهِ الِاحْتِمَالَاتِ ؟ وَهَلْ هَذَا إلّا تَرْكُ مَعْلُومٍ لِمَظْنُونٍ بَلْ مَجْهُولٍ ؟ قَالُوا : وَقَدْ رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ حَدِيثَ التّسْبِيعِ مِنْ وُلُوغِ الْكَلْبِ وَأَفْتَى بِخِلَافِهِ فَأَخَذْتُمْ بِرِوَايَتِهِ وَتَرَكْتُمْ فَتْوَاهُ . وَلَوْ تَتَبّعْنَا مَا أَخَذْتُمْ فِيهِ بِرِوَايَةِ الصّحَابِيّ دُونَ فَتْوَاهُ لَطَالَ . قَالُوا : وَأَمّا دَعْوَاكُمْ نَسْخَ الْحَدِيثِ فَمَوْقُوفَةٌ عَلَى ثُبُوتِ مُعَارِضٍ مُقَاوِمٍ مُتَرَاخٍ فَأَيْنَ هَذَا ؟ وَأَمّا حَدِيثُ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ فِي نَسْخِ الْمُرَاجَعَةِ بَعْدَ الطّلَاقِ الثّلَاثِ فَلَوْ صَحّ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حُجّةٌ فَإِنّهُ إنّمَا فِيهِ أَنّ الرّجُلَ كَانَ يُطَلّقُ امْرَأَتَهُ وَيُرَاجِعُهَا بِغَيْرِ عَدَدٍ فَنُسِخَ ذَلِكَ وَقُصِرَ عَلَى ثَلَاثٍ فِيهَا تَنْقَطِعُ الرّجْعَةُ فَأَيْنَ فِي ذَلِكَ الْإِلْزَامُ بِالثّلَاثِ بِفَمٍ وَاحِدٍ ثُمّ كَيْفَ يَسْتَمِرّ الْمَنْسُوخُ [ ص 244 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ لَا تَعْلَمُ بِهِ الْأَمَةُ وَهُوَ مِنْ أَهَمّ الْأُمُورِ الْمُتَعَلّقَةِ بِحِلّ الْفُرُوجِ ثُمّ كَيْفَ يَقُولُ عُمَرُ إنّ النّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي شَيْءٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ وَهَلْ لِلْأَمَةِ أَنَاةٌ فِي الْمَنْسُوخِ بِوَجْهٍ مَا ؟ ثُمّ كَيْفَ يُعَارَضُ الْحَدِيثُ الصّحِيحُ بِهَذَا الّذِي فِيهِ عَلِيّ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنُ وَاقِدٍ وَضَعْفُهُ مَعْلُومٌ ؟ . وَأَمّا حَمْلُكُمْ الْحَدِيثَ عَلَى قَوْلِ الْمُطَلّقِ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ أَنْتِ طَالِقٌ وَمَقْصُودُهُ التّأْكِيدُ بِمَا بَعْدَ الْأَوّلِ فَسِيَاقُ الْحَدِيثِ مِنْ أَوّلِهِ إلَى آخِرِهِ يَرُدّهُ فَإِنّ هَذَا الّذِي أَوّلْتُمْ الْحَدِيثَ عَلَيْهِ لَا يَتَغَيّرُ بِوَفَاةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا يَخْتَلِفُ عَلَى عَهْدِهِ وَعَهْدِ خُلَفَائِهِ وَهَلُمّ جَرّا إلَى آخِرِ الدّهْرِ وَمَنْ يَنْوِيهِ فِي قَصْدِ التّأْكِيدِ لَا يُفَرّقُ بَيْنَ بَرّ وَفَاجِرٍ وَصَادِقٍ وَكَاذِبٍ بَلْ يَرُدّهُ إلَى نِيّتِهِ وَكَذَلِكَ مَنْ لَا يَقْبَلُهُ فِي الْحُكْمِ لَا يَقْبَلُهُ مُطْلَقًا بَرّا كَانَ أَوْ فَاجِرًا . وَأَيْضًا فَإِنّ قَوْلَهُ إنّ النّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا وَتَتَايَعُوا فِي شَيْءٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَلَوْ أَنّا أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِم إخْبَارٌ مِنْ عُمَرَ بِأَنّ النّاسَ قَدْ اسْتَعْجَلُوا مَا جَعَلَهُمْ اللّهُ فِي فُسْحَةٍ مِنْهُ وَشَرَعَهُ مُتَرَاخِيًا بَعْضُهُ عَنْ بَعْضٍ رَحْمَةً بِهِمْ وَرِفْقًا وَأَنَاةً لَهُمْ لِئَلّا يَنْدَمَ مُطَلّقٌ فَيَذْهَبَ حَبِيبُهُ مِنْ يَدَيْهِ مِنْ أَوّلِ وَهْلَةٍ فَيَعِزّ عَلَيْهِ تَدَارُكُهُ فَجُعِلَ لَهُ أَنَاةً وَمُهْلَةً يَسْتَعْتِبُهُ فِيهَا وَيُرْضِيهِ وَيَزُولُ مَا أَحْدَثَهُ الْعَتَبُ الدّاعِي إلَى الْفِرَاقِ وَيُرَاجِعُ كُلّ مِنْهُمَا الّذِي عَلَيْهِ بِالْمَعْرُوفِ فَاسْتَعْجَلُوا فِيمَا جُعِلَ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ وَمُهْلَةٌ وَأَوْقَعُوهُ بِفَمٍ وَاحِدٍ فَرَأَى عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ يَلْزَمُهُمْ مَا الْتَزَمُوهُ عُقُوبَةً لَهُمْ فَإِذَا عَلِمَ الْمُطَلّقُ أَنّ زَوْجَتَهُ وَسَكَنَهُ تَحْرُمُ عَلَيْهِ مِنْ أَوّلِ مَرّةٍ بِجَمْعِهِ الثّلَاثَ كَفّ عَنْهَا وَرَجَعَ إلَى الطّلَاقِ الْمَشْرُوعِ الْمَأْذُونِ فِيهِ وَكَانَ هَذَا مِنْ تَأْدِيبِ عُمَرَ لِرَعِيّتِهِ لَمّا أَكْثَرُوا مِنْ الطّلَاقِ الثّلَاثِ كَمَا سَيَأْتِي مَزِيدُ تَقْرِيرِهِ عِنْدَ الِاعْتِذَارِ عَنْ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فِي إلْزَامِهِ بِالثّلَاثِ [ ص 245 ] وَأَمّا قَوْلُ مَنْ قَالَ إنّ مَعْنَاهُ كَانَ وُقُوعَ الطّلَاقِ الثّلَاثِ الْآنَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاحِدَةً فَإِنّ حَقِيقَةَ هَذَا التّأْوِيلِ كَانَ النّاسُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُطَلّقُونَ وَاحِدَةً وَعَلَى عَهْدِ عُمَرَ صَارُوا يُطَلّقُونَ ثَلَاثًا وَالتّأْوِيلُ إذَا وَصَلَ إلَى هَذَا الْحَدّ كَانَ مِنْ بَابِ الْإِلْغَازِ وَالتّحْرِيفِ لَا مِنْ بَابِ بَيَانِ الْمُرَادِ وَلَا يَصِحّ ذَلِكَ بِوَجْهٍ مَا فَإِنّ النّاسَ مَا زَالُوا يُطَلّقُونَ وَاحِدَةً وَثَلَاثًا وَقَدْ طَلّقَ رِجَالٌ نِسَاءَهُمْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثَلَاثًا فَمِنْهُمْ مَنْ رَدّهَا إلَى وَاحِدَةٍ كَمَا فِي حَدِيثِ عِكْرِمَةَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ وَمِنْهُمْ مَنْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ وَغَضِبَ وَجَعَلَهُ مُتَلَاعِبًا بِكِتَابِ اللّهِ وَلَمْ يُعْرَفْ مَا حَكَمَ بِهِ عَلَيْهِمْ وَفِيهِمْ مَنْ أَقَرّهُ لِتَأْكِيدِ التّحْرِيمِ الّذِي أَوْجَبَهُ اللّعَانُ وَمِنْهُمْ مَنْ أَلْزَمَهُ بِالثّلَاثِ لِكَوْنِ مَا أَتَى بِهِ مِنْ الطّلَاقِ آخِرَ الثّلَاثِ فَلَا يَصِحّ أَنْ يُقَالَ إنّ النّاسَ مَا زَالُوا يُطَلّقُونَ وَاحِدَةً إلَى أَثْنَاءِ خِلَافَةِ عُمَرَ فَطَلّقُوا ثَلَاثًا وَلَا يَصِحّ أَنْ يُقَالَ إنّهُمْ قَدْ اسْتَعْجَلُوا فِي شَيْءٍ كَانَتْ لَهُمْ فِيهِ أَنَاةٌ فَنُمْضِيهِ عَلَيْهِمْ وَلَا يُلَائِمُ هَذَا الْكَلَامُ الْفَرْقَ بَيْنَ عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبَيْنَ عَهْدِهِ بِوَجْهٍ مَا فَإِنّهُ مَاضٍ مِنْكُمْ عَلَى عَهْدِهِ وَبَعْدَ عَهْدِهِ . ثُمّ إنّ فِي بَعْضِ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ الصّحِيحَةِ أَلَمْ تَعْلَمْ أَنّهُ مَنْ طَلّقَ ثَلَاثًا جُعِلَتْ وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَفِي لَفْظٍ أَمَا عَلِمْتَ أَنّ الرّجُلَ كَانَ إذَا طَلّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ فَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : بَلَى كَانَ الرّجُلُ إذَا طَلّقَ امْرَأَتَهُ ثَلَاثًا قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بِهَا جَعَلُوهَا وَاحِدَةً عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ إمَارَةِ عُمَرَ فَلَمّا رَأَى النّاسَ - يَعْنِي عُمَرَ - قَدْ تَتَايَعُوا فِيهَا قَالَ أَجِيزُوهُنّ عَلَيْهِم [ ص 246 ] جَعَلَ الْأَدِلّةَ تَبَعًا لِلْمَذْهَبِ فَاعْتَقَدَ ثُمّ اسْتَدَلّ . وَأَمّا مَنْ جَعَلَ الْمَذْهَبَ تَبَعًا لِلدّلِيلِ وَاسْتَدَلّ ثُمّ اعْتَقَدَ لَمْ يُمْكِنْهُ هَذَا الْعَمَلُ . وَأَمّا قَوْلُ مَنْ قَالَ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ بَيَانٌ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ هُوَ الّذِي يَجْعَلُ ذَلِكَ وَلَا أَنّهُ عَلِمَ بِهِ وَأَقَرّهُ عَلَيْهِ فَجَوَابُهُ أَنْ يُقَالَ سُبْحَانَك هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ أَنْ يَسْتَمِرّ هَذَا الْجَعْلُ الْحَرَامُ الْمُتَضَمّنُ لِتَغْيِيرِ شَرْعِ اللّهِ وَدِينِهِ وَإِبَاحَةُ الْفَرْجِ لِمَنْ هُوَ عَلَيْهِ حَرَامٌ وَتَحْرِيمُهُ عَلَى مَنْ هُوَ عَلَيْهِ حَلَالٌ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابِهِ خَيْرِ الْخَلْقِ وَهُمْ يَفْعَلُونَهُ وَلَا يَعْلَمُونَهُ وَلَا يَعْلَمُهُ هُوَ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ وَهُوَ يُقِرّهُمْ عَلَيْهِ فَهَبْ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَكُنْ يَعْلَمُهُ وَكَانَ الصّحَابَةُ يَعْلَمُونَهُ وَيُبَدّلُونَ دِينَهُ وَشَرْعَهُ وَاَللّهُ يَعْلَمُ ذَلِكَ وَلَا يُوحِيهِ إلَى رَسُولِهِ وَلَا يُعْلِمُهُ بِهِ ثُمّ يَتَوَفّى اللّهُ رَسُولَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فَيَسْتَمِرّ هَذَا الضّلَالُ الْعَظِيمُ وَالْخَطَأُ الْمُبِينُ عِنْدَكُمْ مُدّةَ خِلَافَةِ الصّدّيقِ كُلّهَا يُعْمَلُ بِهِ وَلَا يُغَيّرُ إلَى أَنْ فَارَقَ الصّدّيقُ الدّنْيَا وَاسْتَمَرّ الْخَطَأُ وَالضّلَالُ الْمُرَكّبُ صَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ حَتّى رَأَى بَعْدَ ذَلِكَ بِرَأْيِهِ أَنْ يُلْزِمَ النّاسَ بِالصّوَابِ فَهَلْ فِي الْجَهْلِ بِالصّحَابَةِ وَمَا كَانُوا عَلَيْهِ فِي عَهْدِ نَبِيّهِمْ وَخُلَفَائِهِ أَقْبَحُ مِنْ هَذَا وَتَاللّهِ لَوْ كَانَ جَعْلُ الثّلَاثِ وَاحِدَةً خَطَأً مَحْضًا لَكَانَ أَسْهَلَ مِنْ هَذَا الْخَطَأِ الّذِي ارْتَكَبْتُمُوهُ وَالتّأْوِيلِ الّذِي تَأَوّلْتُمُوهُ وَلَوْ تَرَكْتُمْ الْمَسْأَلَةَ بِهَيْئَتِهَا لَكَانَ أَقْوَى لِشَأْنِهَا مِنْ هَذِهِ الْأَدِلّةِ وَالْأَجْوِبَةِ . قَالُوا : وَلَيْسَ التّحَاكُمُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إلَى مُقَلّدٍ مُتَعَصّبٍ وَلَا هَيّابٍ لِلْجُمْهُورِ وَلَا مُسْتَوْحِشٍ مِنْ التّفَرّدِ إذَا كَانَ الصّوَابُ فِي جَانِبِهِ وَإِنّمَا [ ص 247 ] بِنَيْلِهِ ذِرَاعُهُ وَفَرّقَ بَيْنَ الشّبْهَةِ وَالدّلِيلِ وَتَلَقّى الْأَحْكَامَ مِنْ نَفْسِ مِشْكَاةِ الرّسُولِ وَعَرَفَ الْمَرَاتِبَ وَقَامَ فِيهَا بِالْوَاجِبِ وَبَاشَرَ قَلْبُهُ أَسْرَارَ الشّرِيعَةِ وَحِكَمَهَا الْبَاهِرَةَ وَمَا تَضَمّنَتْهُ مِنْ الْمَصَالِحِ الْبَاطِنَةِ وَالظّاهِرَةِ وَخَاضَ فِي مِثْلِ هَذِهِ الْمَضَايِقِ لُجَجَهَا وَاسْتَوْفَى مِنْ الْجَانِبَيْنِ حُجَجَهَا وَاَللّهُ الْمُسْتَعَانُ وَعَلَيْهِ التّكْلَانُ . قَالُوا : وَأَمّا قَوْلُكُمْ إذَا اخْتَلَفَتْ عَلَيْنَا الْأَحَادِيثُ نَظَرْنَا فِيمَا عَلَيْهِ الصّحَابَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ فَنَعَمْ وَاَللّهِ وَحَيّهَلَا بِيَرَكِ الْإِسْلَامِ وَعِصَابَةِ الْإِيمَانِ . فَلَا تَطَلّبْ لِي الْأَعْوَاضَ بَعْدَهُم فَإِنّ قَلْبِي لَا يَرْضَى بِغَيْرِهِمْ وَلَكِنْ لَا يَلِيقُ بِكُمْ أَنْ تَدْعُونَا إلَى شَيْءٍ وَتَكُونُوا أَوّلَ نَافِرٍ عَنْهُ وَمُخَالِفٍ لَهُ فَقَدْ تُوُفّيَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ أَكْثَرِ مِنْ مِائَةِ أَلْفِ عَيْنٍ كُلّهُمْ قَدْ رَآهُ وَسَمِعَ مِنْهُ فَهَلْ صَحّ لَكُمْ عَنْ هَؤُلَاءِ كُلّهِمْ أَوْ عُشْرِهِمْ أَوْ عُشْرِ عُشْرِهِمْ أَوْ عُشْرِ عُشْرِ عُشْرِهِمْ الْقَوْلُ بِلُزُومِ الثّلَاثِ بِفَمٍ وَاحِدٍ ؟ هَذَا وَلَوْ جَهَدْتُمْ كُلّ الْجَهْدِ لَمْ تُطِيقُوا نَقْلَهُ عَنْ عِشْرِينَ نَفْسًا مِنْهُمْ أَبَدًا مَعَ اخْتِلَافٍ عَنْهُمْ فِي ذَلِكَ فَقَدَ صَحّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ الْقَوْلَانِ وَصَحّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ الْقَوْلُ بِاللّزُومِ وَصَحّ عَنْهُ التّوَقّفُ وَلَوْ كَاثَرْنَاكُمْ بِالصّحَابَةِ الّذِينَ كَانَ الثّلَاثُ عَلَى عَهْدِهِمْ وَاحِدَةً لَكَانُوا أَضْعَافَ مَنْ نُقِلَ عَنْهُ خِلَافُ ذَلِكَ وَنَحْنُ نُكَاثِرُكُمْ بِكُلّ صَحَابِيّ مَاتَ إلَى صَدْرٍ مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ وَيَكْفِينَا مُقَدّمُهُمْ وَخَيْرُهُمْ وَأَفْضَلُهُمْ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ مِنْ الصّحَابَةِ عَلَى عَهْدِهِ بَلْ لَوْ شِئْنَا لَقُلْنَا وَلَصَدَقْنَا : إنّ هَذَا كَانَ إجْمَاعًا قَدِيمًا لَمْ يَخْتَلِفْ فِيهِ عَلَى عَهْدِ الصّدّيقِ اثْنَانِ وَلَكِنْ لَا يَنْقَرِضُ عَصْرُ الْمُجْمِعِينَ حَتّى حَدَثَ الِاخْتِلَافُ فَلَمْ يَسْتَقِرّ الْإِجْمَاعُ الْأَوّلُ حَتّى صَارَ الصّحَابَةُ عَلَى قَوْلَيْنِ وَاسْتَمَرّ الْخِلَافُ بَيْنَ الْأُمّةِ فِي ذَلِكَ إلَى الْيَوْمِ ثُمّ نَقُولُ لَمْ يُخَالِفْ عُمَرُ إجْمَاعَ مَنْ تَقَدّمَهُ بَلْ رَأَى إلْزَامَهُمْ [ ص 248 ] وَتَتَايَعُوا فِيهِ وَلَا رَيْبَ أَنّ هَذَا سَائِغٌ لِلْأَئِمّةِ أَنْ يُلْزِمُوا النّاسَ بِمَا ضَيّقُوا بِهِ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَقْبَلُوا فِيهِ رُخْصَةَ اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَتَسْهِيلَهُ بَلْ اخْتَارُوا الشّدّةَ وَالْعُسْرَ فَكَيْفَ بِأَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَكَمَالِ نَظَرِهِ لِلْأُمّةِ وَتَأْدِيبِهِ لَهُمْ وَلَكِنّ الْعُقُوبَةَ تَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَشْخَاصِ وَالتّمَكّنِ مِنْ الْعِلْمِ بِتَحْرِيمِ الْفِعْلِ الْمُعَاقَبِ عَلَيْهِ وَخَفَائِهِ وَأَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لَمْ يَقُلْ لَهُمْ إنّ هَذَا عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَإِنّمَا هُوَ رَأْيٌ رَآهُ مَصْلَحَةً لِلْأُمّةِ يَكُفّهُمْ بَهْ عَنْ التّسَارُعِ إلَى إيقَاعِ الثّلَاثِ وَلِهَذَا قَالَ فَلَوْ أَنّا أَمْضَيْنَاهُ عَلَيْهِمْ وَفِي لَفْظٍ آخَرَ " فَأَجِيزُوهُنّ عَلَيْهِمْ أَفَلَا يُرَى أَنّ هَذَا رَأْيٌ مِنْهُ رَآهُ لِلْمَصْلَحَةِ لَا إخْبَارٌ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَمّا عَلِمَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ تِلْكَ الْأَنَاةَ وَالرّخْصَةَ نِعْمَةٌ مِنْ اللّهِ عَلَى الْمُطَلّقِ وَرَحْمَةٌ بِهِ وَإِحْسَانٌ إلَيْهِ وَأَنّهُ قَابَلَهَا بِضِدّهَا وَلَمْ يَقْبَلْ رُخْصَةَ اللّهِ وَمَا جَعَلَهُ لَهُ مِنْ الْأَنَاةِ عَاقَبَهُ بِأَنْ حَالَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَأَلْزَمَهُ مَا أَلْزَمَهُ مِنْ الشّدّةِ وَالِاسْتِعْجَالِ وَهَذَا مُوَافِقٌ لِقَوَاعِدِ الشّرِيعَةِ بَلْ هُوَ مُوَافِقٌ لِحِكْمَةِ اللّهِ فِي خَلْقِهِ قَدَرًا وَشَرْعًا فَإِنّ النّاسَ إذَا تَعَدّوْا حُدُودَهُ وَلَمْ يَقِفُوا عِنْدَهَا ضَيّقَ عَلَيْهِمْ مَا جَعَلَهُ لِمَنْ اتّقَاهُ مِنْ الْمَخْرَجِ وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذَا الْمَعْنَى بِعَيْنِهِ مَنْ قَالَ مِنْ الصّحَابَةِ لِلْمُطَلّقِ ثَلَاثًا : إنّك لَوْ اتّقَيْتَ اللّهَ لَجَعَلَ لَك مَخْرَجًا كَمَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبّاسٍ . فَهَذَا نَظَرُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الصّحَابَةِ لَا أَنّهُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ غَيّرَ أَحْكَامَ اللّهِ وَجَعَلَ حَلَالَهَا حَرَامًا فَهَذَا غَايَةُ التّوْفِيقِ بَيْنَ النّصُوصِ وَفِعْلُ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ مَعَهُ وَأَنْتُمْ لَمْ يُمْكِنْكُمْ ذَلِكَ إلّا بِإِلْغَاءِ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فَهَذَا نِهَايَةُ أَقْدَامِ الْفَرِيقَيْنِ فِي هَذَا الْمَقَامِ الضّنْكِ وَالْمُعْتَرَكِ الصّعْبِ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ .
  أقسام الكتاب 1 2 3 4 5 6 7 8 9 10 11 12 13 14 15 16 17 18 19 20 21 ///جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين ========

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ج1.الي اخر/ح4.كتاب : حاشية ابن القيم على سنن أبي داود المؤلف : محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية

أقسام الكتاب/// 1 2 3 4 ////. | جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين     ج1.الي اخر / ح4.كتاب : حاشية ابن القيم على سنن أبي داود المؤلف : مح...