======ج666666666666666666666=== ====
كتاب : زاد المعاد في هَدْي خير العباد
المؤلف : محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
فصل [ الْحَلْقُ وَالتّقْصِيرُ ]
فَلَمّا أَكْمَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَحْرَهُ اسْتَدْعَى بِالْحَلّاقِ فَحَلَقَ رَأْسَهُ فَقَال لِلْحَلّاقِ - وَهُوَ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ وَهُوَ قَائِمٌ عَلَى رَأْسِهِ بِالْمُوسَى وَنَظَرَ فِي وَجْهِهِ - وَقَالَ يَا مَعْمَرُ أَمْكَنَكَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ شَحْمَةِ أُذُنِهِ وَفِي يَدِكَ الْمُوسَى فَقَالَ مَعْمَرٌ أَمَا وَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ ذَلِكَ لَمِنْ نِعْمَةِ اللّهِ عَلَيّ وَمَنّهِ . قَالَ أَجَلْ إذًا أَقَرّ لَكَ [ ص 248 ] ذَكَرَ ذَلِكَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ . وَقَالَ الْبُخَارِيّ فِي " صَحِيحِهِ " وَزَعَمُوا أَنّ الّذِي حَلَقَ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعْمَرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ نَضْلَةَ بْنِ عَوْفٍ انْتَهَى . فَقَالَ لِلْحَلّاقِ خُذْ وَأَشَارَ إلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ ، فَلَمّا فَرَغَ مِنْهُ قَسَمَ شَعْرَهُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ ثُمّ أَشَارَ إلَى الْحَلّاقِ فَحَلَقَ جَانِبَهُ الْأَيْسَرَ ثُمّ قَالَ هَا هُنَا أَبُو طَلْحَةَ ؟ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ هَكَذَا وَقَعَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " . وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " : عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَنَسٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا حَلَقَ رَأْسَهُ كَانَ أَبُو طَلْحَة َ أَوّلَ مَنْ أَخَذَ مِنْ شَعْرِهِ وَهَذَا لَا يُنَاقِضُ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ ، لِجِوَازِ أَنْ يُصِيبَ أَبَا طَلْحَة َ مِنْ الشّقّ الْأَيْمَنِ مِثْلُ مَا أَصَابَ غَيْرَهُ وَيَخْتَصّ بِالشّقّ الْأَيْسَرِ لَكِنْ قَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ ، قَالَ لَمّا رَمَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْجَمْرَةَ وَنَحَرَ نُسُكَهُ وَحَلَقَ نَاوَلَ الْحَلّاقَ شِقّهُ الْأَيْمَنَ فَحَلَقَهُ ثُمّ دَعَا أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيّ ، فَأَعْطَاهُ إيّاهُ ثُمّ نَاوَلَهُ الشّقّ الْأَيْسَرَ فَقَالَ احْلِقْ . فَحَلَقَهُ فَأَعْطَاهُ أَبَا طَلْحَةَ ، فَقَالَ اقْسِمْهُ بَيْنَ النّاسِ . فَفِي هَذِهِ الرّوَايَةِ كَمَا تَرَى أَنّ نَصِيبَ أَبِي طَلْحَة َ كَانَ الشّقّ الْأَيْمَنَ وَفِي الْأُولَى : أَنّهُ كَانَ الْأَيْسَرَ . قَالَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللّهِ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ الْمَقْدِسِيّ ، رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ حَفْصِ بْنِ غِيَاثٍ ، وَعَبْدُ الْأَعْلَى بْنُ عَبْدِ الْأَعْلَى ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسّانٍ ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ سِيرِينَ ، عَنْ أَنَسٍ ، أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَفَعَ إلَى أَبِي طَلْحَةَ شَعْرَ شِقّهِ الْأَيْسَرِ [ ص 249 ] سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، عَنْ هِشَامِ بْنِ حَسّانٍ ، أَنّهُ دَفَعَ إلَى أَبِي طَلْحَةَ شَعْرَ شِقّهِ الْأَيْمَنِ . قَالَ وَرِوَايَةُ ابْنِ عَوْنٍ ، عَنْ ابْنِ سِيرِينَ أَرَاهَا تُقَوّي رِوَايَةَ سُفْيَانَ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . قُلْت : يُرِيدُ بِرِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ ، مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، مِنْ طَرِيقِ الْبُخَارِيّ ، وَجَعْلَ الّذِي سَبَقَ إلَيْهِ أَبُو طَلْحَةَ ، هُوَ الشّقّ الّذِي اخْتَصّ بِهِ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَاَلّذِي يَقْوَى أَنّ نَصِيبَ أَبِي طَلْحَةَ الّذِي اخْتَصّ بِهِ كَانَ الشّقّ الْأَيْسَرَ وَأَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَمّ ثُمّ خَصّ وَهَذِهِ كَانَتْ سُنّتَهُ فِي عَطَائِهِ وَعَلَى هَذَا أَكْثَرُ الرّوَايَاتِ فَإِنّ فِي بَعْضِهَا أَنّهُ قَالَ لِلْحَلّاقِ " خُذْ " وَأَشَارَ إلَى جَانِبِهِ الْأَيْمَنِ ، فَقَسَمَ شَعْرَهُ بَيْنَ مَنْ يَلِيهِ ثُمّ أَشَارَ إلَى الْحَلّاقِ إلَى الْجَانِبِ الْأَيْسَرِ فَحَلَقَهُ فَأَعْطَاهُ أُمّ سُلَيْمٍ وَلَا يُعَارِضُ هَذَا دَفْعُهُ إلَى أَبِي طَلْحَةَ ، فَإِنّهَا امْرَأَتُهُ . وَفِي لَفْظٍ آخَرَ فَبَدَأَ بِالشّقّ الْأَيْمَنِ فَوَزّعَهُ الشّعْرَةَ وَالشّعْرَتَيْنِ بَيْنَ النّاسِ ثُمّ قَالَ بِالْأَيْسَرِ فَصَنَعَ بِهِ مِثْلَ ذَلِكَ ثُمّ قَالَ هَا هُنَا أَبُو طَلْحَةَ ؟ فَدَفَعَهُ إلَيْهِ . وَفِي لَفْظٍ ثَالِثٍ دَفَعَ إلَى أَبِي طَلْحَة َ شَعْرَ شِقّ رَأْسِهِ الْأَيْسَرِ ثُمّ قَلّمَ أَظْفَارَهُ وَقَسَمَهَا بَيْنَ النّاسِ . وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ مِنْ حَدِيثِ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ زَيْدٍ ، أَنّ أَبَاهُ حَدّثَهُ أَنّهُ شَهِدَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عِنْدَ الْمَنْحَرِ وَرَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ وَهُوَ يَقْسِمُ أَضَاحِيّ فَلَمْ يُصِبْهُ شَيْءٌ وَلَا صَاحِبَهُ فَحَلَقَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَأْسَهُ فِي ثَوْبِهِ فَأَعْطَاهُ فَقَسَمَ مِنْهُ عَلَى رِجَالٍ وَقَلّمَ أَظْفَارَهُ فَأَعْطَاهُ صَاحِبَهُ قَالَ فَإِنّهُ عِنْدَنَا مَخْضُوبٌ بِالْحِنّاءِ وَالْكَتَمِ يَعْنِي شَعْرَهُ وَدَعَا لِلْمُحَلّقِينَ بِالْمَغْفِرَةِ ثَلَاثًا ، وَلِلْمُقَصّرِينَ مَرّةً وَحَلَقَ كَثِيرٌ مِنْ الصّحَابَةِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ وَقَصّرَ بَعْضُهُمْ وَهَذَا مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى : { لَتَدْخُلُنّ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ إِنْ شَاءَ اللّهُ آمِنِينَ مُحَلّقِينَ رُءُوسَكُمْ وَمُقَصّرِينَ } [ الْفَتْحُ 27 ] وَمَعَ قَوْلِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا ، طَيّبْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِإِحْرَامِهِ قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَلِإِحْلَالِهِ قَبْلَ أَنْ يَحِل [ ص 250 ]
فَصْلٌ [ تَرْجِيحُ الْمُصَنّفِ بِأَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَطُفْ غَيْرَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ بَعْدَ إفَاضَتِهِ إلَى مَكّةَ ]
ثُمّ أَفَاضَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى مَكّةَ قَبْلَ الظّهْرِ رَاكِبًا ، فَطَافَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ وَهُوَ طَوَافُ الزّيَارَةِ وَهُوَ طَوَافُ الصّدَرِ وَلَمْ يَطُفْ غَيْرَهُ وَلَمْ يَسْعَ مَعَهُ هَذَا هُوَ الصّوَابُ وَقَدْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثُ طَوَائِفَ طَائِفَةٌ زَعَمَتْ أَنّهُ طَافَ طَوَافَيْنِ طَوَافًا لِلْقُدُومِ سِوَى طَوَافِ الْإِفَاضَةِ ثُمّ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ وَطَائِفَةٌ زَعَمَتْ أَنّهُ سَعَى مَعَ هَذَا الطّوَافِ لِكَوْنِهِ كَانَ قَارِنًا ، وَطَائِفَةٌ زَعَمَتْ أَنّهُ لَمْ يَطُفْ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَإِنّمَا أَخّرَ طَوَافَ الزّيَارَةِ إلَى اللّيْلِ فَنَذْكُرُ الصّوَابَ فِي ذَلِكَ وَنُبَيّنُ مَنْشَأَ الْغَلَطِ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . قَالَ الْأَثْرَمُ قُلْتُ لِأَبِي عَبْدِ اللّهِ فَإِذَا رَجَعَ أَعْنِي الْمُتَمَتّعَ كَمْ يَطُوفُ وَيَسْعَى ؟ قَالَ يَطُوفُ وَيَسْعَى لِحَجّهِ وَيَطُوفُ طَوَافًا آخَرَ لِلزّيَارَةِ عَاوَدْنَاهُ فِي هَذَا غَيْرَ مَرّةٍ فَثَبَتَ عَلَيْهِ . قَالَ الشّيْخُ أَبُو مُحَمّدٍ الْمَقْدِسِيّ فِي " الْمُغْنِي " : وَكَذَلِكَ الْحُكْمُ فِي الْقَارِنِ وَالْمُفْرِدِ إذَا لَمْ يَكُونَا أَتَيَا مَكّةَ قَبْلَ يَوْمِ النّحْرِ وَلَا طَافَا لِلْقُدُومِ فَإِنّهُمَا يَبْدَآنِ بِطَوَافِ الْقُدُومِ قَبْلَ طَوَافِ الزّيَارَةِ نَصّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ وَاحْتَجّ بِمَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا ، قَالَتْ فَطَافَ الّذِينَ أَهَلّوا بِالْعُمْرَةِ بِالْبَيْتِ ، وَبَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ ، ثُمّ حَلّوا ، ثُمّ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجّهِمْ وَأَمّا الّذِينَ جَمَعُوا الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ فَإِنّمَا طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا ، فَحَمَلَ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ قَوْلَ عَائِشَةَ ، عَلَى أَنّ طَوَافَهُمْ لِحَجّهِمْ هُوَ طَوَافُ الْقُدُومِ ، قَالَ وَلِأَنّهُ قَدْ ثَبَتَ أَنّ طَوَافَ الْقُدُومِ مَشْرُوعٌ فَلَمْ يَكُنْ طَوَافُ الزّيَارَةِ مُسْقِطًا لَهُ كَتَحِيّةِ الْمَسْجِدِ عِنْدَ دُخُولِهِ قَبْلَ التّلَبّسِ بِالصّلَاةِ الْمَفْرُوضَةِ . وَقَالَ الْخِرَقِيّ فِي " مُخْتَصَرِهِ " وَإِنْ كَانَ مُتَمَتّعًا ، فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ سَبْعًا وَبِالصّفَا وَالْمَرْوَةِ سَبْعًا كَمَا فَعَلَ لِلْعُمْرَةِ ثُمّ يَعُودُ فَيَطُوفُ بِالْبَيْتِ طَوَافًا يَنْوِي بِهِ [ ص 251 ] { وَلْيَطّوّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } [ الْحَجّ : 29 ] فَمَنْ قَالَ إنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ مُتَمَتّعًا كَالْقَاضِي وَأَصْحَابِهِ عِنْدَهُمْ هَكَذَا فَعَلَ وَالشّيْخُ أَبُو مُحَمّدٍ عِنْدَهُ أَنّهُ كَانَ مُتَمَتّعًا التّمَتّعَ الْخَاصّ وَلَكِنْ لَمْ يَفْعَلْ هَذَا ، قَالَ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا وَافَقَ أَبَا عَبْدِ اللّهِ عَلَى هَذَا الطّوَافِ الّذِي ذَكَرَهُ الْخِرَقِيّ ، بَلْ الْمَشْرُوعُ طَوَافٌ وَاحِدٌ لِلزّيَارَةِ كَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَقَدْ أُقِيمَتْ الصّلَاةُ فَإِنّهُ يَكْتَفِي بِهَا عَنْ تَحِيّةِ الْمَسْجِدِ وَلِأَنّهُ لَمْ يُنْقَلْ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا أَصْحَابِهِ الّذِينَ تَمَتّعُوا مَعَهُ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ وَلَا أَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِهِ أَحَدًا ، قَالَ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ دَلِيلٌ عَلَى هَذَا ، فَإِنّهَا قَالَتْ طَافُوا طَوَافًا وَاحِدًا بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجّهِمْ وَهَذَا هُوَ طَوَافُ الزّيَارَةِ وَلَمْ تَذْكُرْ طَوَافًا آخَرَ . وَلَوْ كَانَ هَذَا الّذِي ذَكَرَتْهُ طَوَافَ الْقُدُومِ ، لَكَانَتْ قَدْ أَخَلّتْ بِذِكْرِ طَوَافِ الزّيَارَةِ الّذِي هُوَ رُكْنُ الْحَجّ الّذِي لَا يَتِمّ إلّا بِهِ وَذَكَرَتْ مَا يُسْتَغْنَى عَنْهُ وَعَلَى كُلّ حَالٍ فَمَا ذَكَرَتْ إلّا طَوَافًا وَاحِدًا ، فَمِنْ أَيْنَ يُسْتَدَلّ بِهِ عَلَى طَوَافَيْنِ ؟ وَأَيْضًا ، فَإِنّهَا لَمّا حَاضَتْ فَقَرَنَتْ الْحَجّ إلَى الْعُمْرَةِ بِأَمْرِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَمْ تَكُنْ طَافَتْ لِلْقُدُومِ لَمْ تَطُفْ لِلْقُدُومِ وَلَا أَمَرَهَا بِهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلِأَنّ طَوَافَ الْقُدُومِ لَوْ لَمْ يَسْقُطْ بِالطّوَافِ الْوَاجِبِ لَشُرِعَ فِي حَقّ الْمُعْتَمِرِ طَوَافُ الْقُدُومِ مَعَ طَوَافِ الْعُمْرَةِ لِأَنّهُ أَوّلُ قُدُومِهِ إلَى الْبَيْتِ ، فَهُوَ بِهِ أَوْلَى مِنْ الْمُتَمَتّعِ الّذِي يَعُودُ إلَى الْبَيْتِ بَعْدَ رُؤْيَتِهِ وَطَوَافِهِ بِهِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . قُلْت : لَمْ يَرْفَعْ كَلَامُ أَبِي مُحَمّدٍ الْإِشْكَالَ وَإِنْ كَانَ الّذِي أَنْكَرَهُ هُوَ الْحَقّ كَمَا أَنْكَرَهُ وَالصّوَابُ فِي إنْكَارِهِ فَإِنّ أَحَدًا لَمْ يَقُلْ إنّ الصّحَابَةَ لَمّا رَجَعُوا مِنْ عَرَفَةَ ، طَافُوا لِلْقُدُومِ وَسَعَوْا ، ثُمّ طَافُوا لِلْإِفَاضَةِ بَعْدَهُ وَلَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَذَا لَمْ يَقَعْ قَطْعًا ، وَلَكِنْ كَانَ مَنْشَأُ الْإِشْكَالِ أَنّ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ فَرّقَتْ بَيْنَ الْمُتَمَتّعِ وَالْقَارِنِ فَأَخْبَرَتْ أَنّ الْقَارِنِينَ طَافُوا بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى طَوَافًا وَاحِدًا ، وَأَنّ الّذِينَ أَهَلّوا بِالْعُمْرَةِ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى لِحَجّهِمْ وَهَذَا غَيْرُ طَوَافِ الزّيَارَةِ قَطْعًا ، فَإِنّهُ يَشْتَرِكُ فِيهِ الْقَارِنُ وَالْمُتَمَتّعُ فَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِيهِ وَلَكِنّ الشّيْخَ أَبَا [ ص 252 ] ، لَمّا رَأَى قَوْلَهَا فِي الْمُتَمَتّعِينَ إنّهُمْ طَافُوا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ أَنْ رَجَعُوا مِنْ مِنًى ، قَالَ لَيْسَ فِي هَذَا مَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُمْ طَافُوا طَوَافَيْنِ وَاَلّذِي قَالَهُ حَقّ ، وَلَكِنْ لَمْ يَرْفَعْ الْإِشْكَالَ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ هَذِهِ الزّيَادَةُ مِنْ كَلَامِ عُرْوَةَ أَوْ ابْنِهِ هِشَامٍ ، أُدْرِجَتْ فِي الْحَدِيثِ وَهَذَا لَا يَتَبَيّنُ وَلَوْ كَانَ فَغَايَتُهُ أَنّهُ مُرْسَلٌ وَلَمْ يَرْتَفِعْ الْإِشْكَالُ عَنْهُ بِالْإِرْسَالِ . فَالصّوَابُ أَنّ الطّوَافَ الّذِي أَخْبَرَتْ بِهِ عَائِشَةُ ، وَفَرّقَتْ بِهِ بَيْنَ الْمُتَمَتّعِ وَالْقَارِنِ هُوَ الطّوَافُ بَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ ، لَا الطّوَافُ بِالْبَيْتِ ، وَزَالَ الْإِشْكَالُ جُمْلَةً فَأَخْبَرَتْ عَنْ الْقَارِنِينَ أَنّهُمْ اكْتَفَوْا بِطَوَافٍ وَاحِدٍ بَيْنَهُمَا ، لَمْ يُضِيفُوا إلَيْهِ طَوَافًا آخَرَ يَوْمَ النّحْرِ وَهَذَا هُوَ الْحَقّ ، وَأَخْبَرَتْ عَنْ الْمُتَمَتّعِينَ أَنّهُمْ طَافُوا بَيْنَهُمَا طَوَافًا آخَرَ بَعْدَ الرّجُوعِ مِنْ مِنًى لِلْحَجّ وَذَلِك الْأَوّلُ كَانَ لِلْعُمْرَةِ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَتَنْزِيلُ الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا مُوَافِقٌ لِحَدِيثِهَا الْآخَرَ وَهُوَ قَوْلُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَسَعُكِ طَوَافُكِ بِالْبَيْتِ وَبَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ لِحَجّكِ وَعُمْرَتِكِ " ، وَكَانَتْ قَارِنَةً يُوَافِقُ قَوْلَ الْجُمْهُورِ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ لِحَجّكِ وَعُمْرَتِكِ وَكَانَتْ قَارِنَةً يُوَافِقُ قَوْلَ الْجُمْهُورِ . وَلَكِنْ يَشْكُلُ عَلَيْهِ حَدِيثُ جَابِرٍ الّذِي رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " لَمْ يَطُفْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ وَسَلّمَ وَلَا أَصْحَابُهُ بَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ إلّا طَوَافًا وَاحِدًا ، طَوَافَهُ الْأَوّلَ . هَذَا يُوَافِقُ قَوْلَ مَنْ يَقُولُ يَكْفِي الْمُتَمَتّعَ سَعْيٌ وَاحِدٌ كَمَا هُوَ إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللّهُ نَصّ عَلَيْهَا فِي رِوَايَةِ ابْنِهِ عَبْدِ اللّهِ وَغَيْرِهِ وَعَلَى هَذَا ، فَيُقَالُ عَائِشَةُ أَثْبَتَتْ وَجَابِرٌ نَفَى ، وَالْمُثْبِتُ مُقَدّمٌ عَلَى النّافِي . أَوْ يُقَالُ مُرَادُ جَابِرٍ مَنْ قَرَنَ مَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسَاقَ الْهَدْيَ كَأَبِي بَكْر ٍ وَعُمَرَ وَطَلْحَةَ وَعَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَذَوِي الْيَسَارِ فَإِنّهُمْ إنّمَا سَعَوْا سَعْيًا وَاحِدًا . وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ عُمُومَ الصّحَابَةِ أَوْ يُعَلّلُ حَدِيثُ عَائِشَةَ ، بِأَنّ تِلْكَ الزّيَادَةَ فِيهِ مُدْرَجَةٌ مِنْ قَوْلِ هِشَامٍ وَهَذِهِ ثَلَاثُ طُرُقٍ لِلنّاسِ فِي حَدِيثِهَا وَاَللّهُ أَعْلَمُ . [ ص 253 ]
[ رَدّ الْقَوْلِ بِالطّوَافِ وَالسّعْيِ لِلْقُدُومِ بَعْدَ إحْرَامِ الْمُتَمَتّعِ بِالْحَجّ مِنْ مَكّةَ ]
وَأَمّا مَنْ قَالَ الْمُتَمَتّعُ يَطُوفُ وَيَسْعَى لِلْقُدُومِ بَعْدَ إحْرَامِهِ بِالْحَجّ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلَى مِنًى ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْحَابِ الشّافِعِيّ ، وَلَا أَدْرِي أَهُوَ مَنْصُوصٌ عَنْهُ أَمْ لَا ؟ قَالَ أَبُو مُحَمّدٍ فَهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الصّحَابَةِ أَلْبَتّةَ وَلَا أَمَرَهُمْ بِهِ وَلَا نَقَلَهُ أَحَدٌ ، قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ لَا أَرَى لِأَهْلِ مَكّةَ أَنْ يَطُوفُوا ، وَلَا أَنْ يَسْعَوْا بَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ بَعْدَ إحْرَامِهِمْ بِالْحَجّ حَتّى يَرْجِعُوا مِنْ مِنًى . وَعَلَى قَوْلِ ابْنِ عَبّاسٍ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَمَالِكٍ ، وَأَحْمَدَ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ . وَاَلّذِينَ اسْتَحَبّوهُ قَالُوا : لَمّا أَحْرَمَ بِالْحَجّ صَارَ كَالْقَادِمِ فَيَطُوفُ وَيَسْعَى لِلْقُدُومِ . قَالُوا : وَلِأَنّ الطّوَافَ الْأَوّلَ وَقَعَ عَنْ الْعُمْرَةِ فَيَبْقَى طَوَافُ الْقُدُومِ ، وَلَمْ يَأْتِ بِهِ فَاسْتُحِبّ لَهُ فِعْلُهُ عَقِيبَ الْإِحْرَامِ بِالْحَجّ وَهَاتَانِ الْحُجّتَانِ وَاهِيَتَانِ فَإِنّهُ إنّمَا كَانَ قَارِنًا لَمّا طَافَ لِلْعُمْرَةِ فَكَانَ طَوَافُهُ لِلْعُمْرَةِ مُغْنِيًا عَنْ طَوَافِ الْقُدُومِ ، كَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَرَأَى الصّلَاةَ قَائِمَةً فَدَخَلَ فِيهَا ، فَقَامَتْ مَقَامَ تَحِيّةِ الْمَسْجِدِ وَأَغْنَتْهُ عَنْهَا . وَأَيْضًا فَإِنّ الصّحَابَةَ لَمّا أَحْرَمُوا بِالْحَجّ مَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَطُوفُوا عَقِيبَهُ وَكَانَ أَكْثَرُهُمْ مُتَمَتّعًا . وَرَوَى مُحَمّدُ بْنُ الْحَسَنِ ، عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ ، أَنّهُ إنْ أَحْرَمَ يَوْمَ التّرْوِيَةِ قَبْلَ الزّوَالِ طَافَ وَسَعَى لِلْقُدُومِ وَإِنْ أَحْرَمَ بَعْدَ الزّوَالِ لَمْ يَطُفْ وَفَرّقَ بَيْنَ الْوَقْتَيْنِ بِأَنّهُ بَعْدَ الزّوَالِ يَخْرُجُ مِنْ فَوْرِهِ إلَى مِنًى ، فَلَا يَشْتَغِلُ عَنْ الْخُرُوجِ [ ص 254 ] ابْنِ عَبّاسٍ وَالْجُمْهُورِ هُوَ الصّحِيحُ الْمُوَافِقُ لِعَمَلِ الصّحَابَةِ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ .
فَصْلٌ [ الرّدّ عَلَى مَنْ قَالَ إنّ الْقَارِنَ يَحْتَاجُ إلَى سَعْيَيْنِ ]
وَالطّائِفَةُ الثّانِيَةُ قَالَتْ إنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَعَى مَعَ هَذَا الطّوَافِ وَقَالُوا : هَذَا حُجّةٌ فِي أَنّ الْقَارِنَ يَحْتَاجُ إلَى سَعْيَيْنِ كَمَا يَحْتَاجُ إلَى طَوَافَيْنِ وَهَذَا غَلَطٌ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدّمَ وَالصّوَابُ أَنّهُ لَمْ يَسْعَ إلّا سَعْيَهُ الْأَوّلَ كَمَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ ، وَجَابِرٌ ، وَلَمْ يَصِحّ عَنْهُ فِي السّعْيَيْنِ حَرْفٌ وَاحِدٌ بَلْ كُلّهَا بَاطِلَةٌ كَمَا تَقَدّمَ فَعَلَيْك بِمُرَاجَعَتِهِ . وَالطّائِفَةُ الثّالِثَةُ الّذِينَ قَالُوا : أَخّرَ طَوَافَ الزّيَارَةِ إلَى اللّيْلِ وَهُمْ طَاوُوسٌ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعُرْوَةُ ، فَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُد " ، وَالنّسَائِيّ ، وَابْنِ مَاجَهْ ، مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزّبَيْرِ الْمَكّيّ ، عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَخّرَ طَوَافَهُ يَوْمَ النّحْرِ إلَى اللّيْلِ وَفِي لَفْظٍ طَوَافُ الزّيَارَةِ قَالَ التّرْمِذِيّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَهَذَا الْحَدِيثُ غَلَطٌ بَيّنٌ خِلَافُ الْمَعْلُومِ مِنْ فِعْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الّذِي لَا يَشُكّ فِيهِ أَهْلُ الْعِلْمِ بِحَجّتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَنَحْنُ نَذْكُرُ كَلَامَ النّاسِ فِيهِ قَالَ التّرْمِذِيّ فِي كِتَابِ " الْعِلَلِ " لَهُ سَأَلْت مُحَمّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَقُلْت لَهُ أَسَمِعَ أَبُو الزّبَيْرِ مِنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبّاسٍ ؟ قَالَ أَمّا مِنْ ابْنِ عَبّاسٍ ، فَنَعَمْ وَفِي سَمَاعِهِ مِنْ عَائِشَةَ [ ص 255 ] وَقَالَ أَبُو الْحَسَنِ الْقَطّانُ : عِنْدِي أَنّ هَذَا الْحَدِيثَ لَيْسَ بِصَحِيحٍ إنّمَا طَافَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَئِذٍ نَهَارًا ، وَإِنّمَا اخْتَلَفُوا : هَلْ صَلّى الظّهْرَ بِمَكّةَ أَوْ رَجَعَ إلَى مِنًى ، فَصَلّى الظّهْرَ بِهَا بَعْدَ أَنْ فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ ؟ فَابْنُ عُمَرَ يَقُولُ إنّهُ رَجَعَ إلَى مِنًى ، فَصَلّى الظّهْرَ بِهَا ، وَجَابِرٌ يَقُول : إنّهُ صَلّى الظّهْرَ بِمَكّةَ ، وَهُوَ ظَاهِرُ حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ أَبِي الزّبَيْرِ هَذِهِ الّتِي فِيهَا أَنّهُ أَخّرَ الطّوَافَ إلَى اللّيْلِ وَهَذَا شَيْءٌ لَمْ يُرْوَ إلّا مِنْ هَذَا الطّرِيقِ وَأَبُو الزّبَيْرِ مُدَلّسٌ لَمْ يَذْكُرْ هَا هُنَا سَمَاعًا مِنْ عَائِشَةَ وَقَدْ عَهِدَ أَنّهُ يَرْوِي عَنْهَا بِوَاسِطَةٍ وَلَا عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَيْضًا ، فَقَدْ عَهِدَ كَذَلِكَ أَنّهُ يَرْوِي عَنْهُ بِوَاسِطَةٍ وَإِنْ كَانَ قَدْ سَمِعَ مِنْهُ فَيَجِبُ التّوَقّفُ فِيمَا يَرْوِيهِ أَبُو الزّبِيرِ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبّاسٍ مِمّا لَا يَذْكُرُ فِيهِ سَمَاعَهُ مِنْهُمَا ، لِمَا عُرِفَ بَهْ مِنْ التّدْلِيسِ لَوْ عُرِفَ سَمَاعُهُ مِنْهَا لِغَيْرِ هَذَا ، فَأَمّا وَلَمْ يَصِحّ لَنَا أَنّهُ سَمِعَ مِنْ عَائِشَةَ فَالْأَمْرُ بَيّنٌ فِي وُجُوبِ التّوَقّفِ فِيهِ وَإِنّمَا يَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِي قَبُولِ حَدِيثِ الْمُدَلّسِ إذَا كَانَ عَمّنْ قَدْ عُلِمَ لِقَاؤُهُ لَهُ وَسَمَاعُهُ مِنْهُ هَا هُنَا . يَقُولُ قَوْمٌ يُقْبَلُ وَيَقُولُ آخَرُونَ يُرَدّ مَا يُعَنْعِنُهُ عَنْهُمْ حَتّى يَتَبَيّنَ الِاتّصَالُ فِي حَدِيثٍ حَدِيثٍ وَأَمّا مَا يُعَنْعِنُهُ الْمُدَلّسُ عَمّنْ لَمْ يُعْلَمْ لِقَاؤُهُ لَهُ وَلَا سَمَاعُهُ مِنْهُ فَلَا أَعْلَمُ الْخِلَافَ فِيهِ بِأَنّهُ لَا يُقْبَلُ . وَلَوْ كُنّا نَقُولُ بِقَوْلِ مُسْلِمٍ بِأَنّ مُعَنْعَنَ الْمُتَعَاصِرِينَ مَحْمُولٌ عَلَى الِاتّصَالِ وَلَوْ لَمْ يُعْلَمْ الْتِقَاؤُهُمَا ، فَإِنّمَا ذَلِكَ فِي غَيْرِ الْمُدَلّسِينَ . وَأَيْضًا فَلَمّا قَدّمْنَاهُ مِنْ صِحّةِ طَوَافِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَئِذٍ نَهَارًا . وَالْخِلَافُ فِي رِدّ حَدِيثِ الْمُدَلّسِينَ حَتّى يُعْلَمَ اتّصَالُهُ أَوْ قَبُولُهُ حَتّى يُعْلَمَ انْقِطَاعُهُ إنّمَا هُوَ إذَا لَمْ يُعَارِضْهُ مَا لَا شَكّ فِي صِحّتِهِ وَهَذَا قَدْ عَارَضَهُ مَا لَا شَكّ فِي صِحّتِهِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَيَدُلّ عَلَى غَلَطِ أَبِي الزّبَيْرِ عَلَى عَائِشَةَ أَنّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرّحْمَنِ رَوَى عَنْ عَائِشَةَ أَنّهَا قَالَتْ حَجَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَفَضْنَا يَوْمَ النّحْرِ وَرَوَى مُحَمّدُ بْنُ إسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا ، أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 256 ] أَذِنَ لِأَصْحَابِهِ فَزَارُوا الْبَيْتَ يَوْمَ النّحْرِ ظَهِيرَةً وَزَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعَ نِسَائِهِ لَيْلًا وَهَذَا غَلَطٌ أَيْضًا . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَأَصَحّ هَذِهِ الرّوَايَاتِ حَدِيثُ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثُ جَابِرٍ وَحَدِيثُ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ يَعْنِي : أَنّهُ طَافَ نَهَارًا . قُلْتُ إنّمَا نَشَأَ الْغَلَطُ مِنْ تَسْمِيَةِ الطّوَافِ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَخّرَ طَوَافَ الْوَدَاعِ إلَى اللّيْلِ كَمَا ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ . قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . .. فَذَكَرْت الْحَدِيثَ إلَى أَنْ قَالَتْ فَنَزَلْنَا الْمُحَصّبَ ، فَدَعَا عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ اُخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنْ الْحَرَمِ ، ثُمّ اُفْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا ، ثُمّ ائْتِيَانِي هَا هُنَا بِالْمُحَصّبِ . قَالَتْ فَقَضَى اللّهُ الْعُمْرَةَ وَفَرَغْنَا مِنْ طَوَافِنَا فِي جَوْفِ اللّيْلِ فَأَتَيْنَاهُ بِالْمُحَصّبِ فَقَالَ " فَرَغْتُمَا " ؟ قُلْنَا : نَعَمْ . فَأَذّنَ فِي النّاسِ بِالرّحِيلِ فَمَرّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ ثُمّ ارْتَحَلَ مُتَوَجّهًا إلَى الْمَدِينَةِ . فَهَذَا هُوَ الطّوَافُ الّذِي أَخّرَهُ إلَى اللّيْلِ بِلَا رَيْبٍ فَغَلِطَ فِيهِ أَبُو الزّبَيْرِ أَوْ مَنْ حَدّثَهُ بِهِ وَقَالَ طَوَافُ الزّيَارَةِ وَاَللّهُ الْمُوَفّقُ . وَلَمْ يَرْمُلْ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي هَذَا الطّوَافِ وَلَا فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ وَإِنّمَا رَمَلَ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ [ ص 257 ]
فَصْلٌ [ تَعْلِيلُ شُرْبِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَائِمًا ]
ثُمّ أَتَى زَمْزَمَ بَعْدَ أَنْ قَضَى طَوَافَهُ وَهُمْ يَسْقُونَ فَقَالَ " لَوْلَا أَنْ يَغْلِبَكُمْ النّاسُ لَنَزَلْتُ فَسَقَيْتُ مَعَكُمْ " ، ثُمّ نَاوَلُوهُ الدّلْوَ فَشَرِبَ وَهُوَ قَائِم فَقِيلَ هَذَا نَسْخٌ لِنَهْيِهِ عَنْ الشّرْبِ قَائِمًا ، وَقِيلَ بَلْ بَيَانٌ مِنْهُ أَنّ النّهْيَ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَارِ وَتَرْكِ الْأَوْلَى ، وَقِيلَ بَلْ لِلْحَاجَةِ وَهَذَا أَظْهَرُ .
[ طَافَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ طَوَافَ الْإِفَاضَةِ عَلَى رَاحِلَتِهِ ]
وَهَلْ كَانَ فِي طَوَافِهِ هَذَا رَاكِبًا أَوْ مَاشِيًا ؟ فَرَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " ، عَنْ جَابِرٍ قَالَ طَافَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْبَيْتِ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ عَلَى رَاحِلَتِهِ يَسْتَلِمُ الرّكْنَ بِمِحْجَنِهِ لِأَنْ يَرَاهُ النّاسُ وَلِيُشْرِفَ وَلِيَسْأَلُوهُ فَإِنّ النّاسَ غَشُوهُ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ طَافَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ عَلَى بَعِيرٍ يَسْتَلِمُ الرّكْنَ بِمِحْجَن وَهَذَا الطّوَافُ لَيْسَ بِطَوَافِ الْوَدَاعِ فَإِنّهُ كَانَ لَيْلًا ، وَلَيْسَ بِطَوَافِ الْقُدُومِ لِوَجْهَيْنِ . أَحَدُهُمَا : أَنّهُ قَدْ صَحّ عَنْهُ الرّمَلُ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ ، وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ قَطّ : رَمَلَتْ بَهْ رَاحِلَتُهُ وَإِنّمَا قَالُوا : رَمَلَ نَفْسُهُ . [ ص 258 ] وَالثّانِي : قَوْلُ الشّرِيدِ بْنِ سُوَيْدٍ : أَفَضْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَمَا مَسّتْ قَدَمَاهُ الْأَرْضَ حَتّى أَتَى جَمْعًا وَهَذَا ظَاهِرُهُ أَنّهُ مِنْ حِينِ أَفَاضَ مَعَهُ مَا مَسّتْ قَدَمَاهُ الْأَرْضَ إلَى أَنْ رَجَعَ وَلَا يَنْتَقِضُ هَذَا بِرَكْعَتَيْ الطّوَافِ فَإِنّ شَأْنَهُمَا مَعْلُومٌ . قُلْت : وَالظّاهِرُ أَنّ الشّرِيدَ بْنَ سُوَيْدٍ ، إنّمَا أَرَادَ الْإِفَاضَةَ مَعَهُ مِنْ عَرَفَةَ ، وَلِهَذَا قَالَ حَتّى أَتَى جَمْعًا وَهِيَ مُزْدَلِفَةُ ، وَلَمْ يُرِدْ الْإِفَاضَةَ إلَى الْبَيْتِ يَوْمَ النّحْرِ وَلَا يَنْتَقِضُ هَذَا بِنُزُولِهِ عِنْدَ الشّعْبِ حَيْنَ بَالَ ثُمّ رَكِبَ لِأَنّهُ لَيْسَ بِنُزُولٍ مُسْتَقِرّ وَإِنّمَا مَسّتْ قَدَمَاهُ الْأَرْضَ مَسّا عَارِضًا . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ أَيْنَ صَلّى صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الظّهْرَ حِينَ رُجُوعِهِ إلَى مِنًى ]
ثُمّ رَجَعَ إلَى مِنًى ، وَاخْتُلِفَ أَيْنَ صَلّى الظّهْرَ يَوْمَئِذٍ فَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَفَاضَ يَوْمَ النّحْرِ ثُمّ رَجَعَ فَصَلّى الظّهْرَ بِمِنًى . وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " : عَنْ جَابِرٍ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَلّى الظّهْرَ بِمَكّةَ وَكَذَلِك قَالَتْ عَائِشَةُ . وَاخْتُلِفَ فِي تَرْجِيحِ أَحَدِ هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ عَلَى الْآخَرِ فَقَالَ أَبُو مُحَمّدٍ ابْنُ حَزْمٍ [ ص 259 ] عَائِشَةَ وَجَابِرٍ أَوْلَى وَتَبِعَهُ عَلَى هَذَا جَمَاعَةٌ وَرَجّحُوا هَذَا الْقَوْلَ بِوُجُوهٍ . أَحَدُهَا : أَنّهُ رِوَايَةُ اثْنَيْنِ وَهُمَا أَوْلَى مِنْ الْوَاحِدِ . الثّانِي : أَنّ عَائِشَةَ أَخَصّ النّاسِ بِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَهَا مِنْ الْقُرْبِ وَالِاخْتِصَاصِ بِهِ وَالْمِزْيَةِ مَا لَيْسَ لِغَيْرِهَا . الثّالِثُ أَنّ سِيَاقَ جَابِرٍ لِحُجّةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ أَوّلِهَا إلَى آخِرِهَا ، أَتَمّ سِيَاقٍ وَقَدْ حَفِظَ الْقِصّةَ وَضَبَطَهَا ، حَتّى ضَبَطَ جُزْئِيّاتِهَا . حَتّى ضَبَطَ مِنْهَا أَمْرًا لَا يَتَعَلّقُ بِالْمَنَاسِكِ وَهُوَ نُزُولُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَيْلَةَ جَمْعٍ فِي الطّرِيقِ فَقَضَى حَاجَتَهُ عِنْدَ الشّعْبِ ثُمّ تَوَضّأَ وُضُوءًا خَفِيفًا ، فَمَنْ ضَبَطَ هَذَا الْقَدْرَ فَهُوَ بِضَبْطِ مَكَانِ صَلَاتِهِ يَوْمَ النّحْرِ أَوْلَى . الرّابِعُ أَنّ حَجّةَ الْوَدَاعِ كَانَتْ فِي آذَارٍ وَهُوَ تَسَاوِي اللّيْلِ وَالنّهَارِ وَقَدْ دَفَعَ مِنْ مُزْدَلِفَةَ قَبْلَ طُلُوعِ الشّمْسِ إلَى مِنًى ، وَخَطَبَ بِهَا النّاسَ وَنَحَرَ بُدْنًا عَظِيمَةً وَقَسَمَهَا ، وَطُبِخَ لَهُ مِنْ لَحْمِهَا ، وَأَكَلَ مِنْهُ وَرَمَى الْجَمْرَةَ وَحَلَقَ رَأْسَهُ وَتَطَيّبَ ثُمّ أَفَاضَ فَطَافَ وَشَرِبَ مِنْ مَاءِ زَمْزَمَ ، وَمِنْ نَبِيذِ السّقَايَةِ وَوَقَفَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ يَسْقُونَ وَهَذِهِ أَعْمَالُ تَبْدُو فِي الْأَظْهَرِ أَنّهَا لَا تَنْقَضِي فِي مِقْدَارٍ يُمْكِنُ مَعَهُ الرّجُوعُ إلَى مِنًى ، بِحَيْثُ يُدْرِكُ وَقْتَ الظّهْرِ فِي فَصْلِ آذَارٍ . الْخَامِسُ أَنّ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ جَارِيَانِ مَجْرَى النّاقِلِ وَالْمُبْقِي ، فَقَدْ كَانَتْ عَادَتُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي حَجّتِهِ الصّلَاةَ فِي مَنْزِلِهِ الّذِي هُوَ نَازِلٌ فِيهِ بِالْمُسْلِمِينَ فَجَرَى ابْنُ عُمَرَ عَلَى الْعَادَةِ وَضَبَطَ جَابِرٌ وَعَائِشَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا الْأَمْرَ الّذِي هُوَ خَارِجٌ عَنْ عَادَتِهِ فَهُوَ أَوْلَى بِأَنْ يَكُونَ هُوَ الْمَحْفُوظَ . وَرَجّحَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ لِوُجُوهٍ . أَحَدُهَا : أَنّهُ لَوْ صَلّى الظّهْرَ بِمَكّةَ ، لَمْ تُصَلّ الصّحَابَةُ بِمِنًى وُحْدَانًا [ ص 260 ] أَحَدٌ قَطّ ، وَلَا يَقُولُ أَحَدٌ : إنّهُ اسْتَنَابَ مَنْ يُصَلّي بِهِمْ وَلَوْلَا عِلْمُهُ أَنّهُ يَرْجِعُ إلَيْهِمْ فَيُصَلّي بِهِمْ . لَقَالَ إنْ حَضَرَتْ الصّلَاةُ وَلَسْتُ عِنْدَكُمْ فَلِيُصَلّ بِكُمْ فُلَانٌ وَحَيْثُ لَمْ يَقَعْ هَذَا وَلَا هَذَا ، وَلَا صَلّى الصّحَابَةُ هُنَاكَ وُحْدَانًا قَطْعًا ، وَلَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ إذَا اجْتَمَعُوا أَنْ يُصَلّوا عِزِينَ عُلِمَ أَنّهُمْ صَلّوا مَعَهُ عَلَى عَادَتِهِمْ . الثّانِي : أَنّهُ لَوْ صَلّى بِمَكّةَ لَكَانَ خَلْفَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْبَلَدِ وَهُمْ مُقِيمُونَ وَكَانَ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُتِمّوا صَلَاتَهُمْ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنّهُمْ قَامُوا فَأَتَمّوا بَعْدَ سَلَامِهِ صَلَاتَهُمْ وَحَيْثُ لَمْ يُنْقَلْ هَذَا وَلَا هَذَا ، بَلْ هُوَ مَعْلُومُ الِانْتِفَاءِ قَطْعًا ، عُلِمَ أَنّهُ لَمْ يُصَلّ حِينَئِذٍ بِمَكّةَ . وَمَا يَنْقُلُهُ بَعْضُ مَنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُ أَنّهُ قَالَ يَا أَهْلَ مَكّةَ أَتِمّوا صَلَاتَكُمْ فَإِنّا قَوْمٌ سَفْرٌ فَإِنّمَا قَالَهُ عَامَ الْفَتْحِ لَا فِي حَجّتِهِ . الثّالِثُ أَنّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنّهُ لَمّا طَافَ رَكَعَ رَكْعَتَيْ الطّوَافِ وَمَعْلُومٌ أَنّ كَثِيرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا خَلْفَهُ يَقْتَدُونَ بِهِ فِي أَفْعَالِهِ وَمَنَاسِكِهِ فَلَعَلّهُ لَمّا رَكَعَ رَكْعَتَيْ الطّوَافِ وَالنّاسُ خَلْفَهُ يَقْتَدُونَ بِهِ ظَنّ الظّانّ أَنّهَا صَلَاةُ الظّهْرِ وَلَا سِيّمَا إذَا كَانَ ذَلِكَ فِي وَقْتِ الظّهْرِ وَهَذَا الْوَهْمُ لَا يُمْكِنُ رَفْعُ احْتِمَالِهِ بِخِلَافِ صَلَاتِهِ بِمِنًى ، فَإِنّهَا لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَ الْفَرْضِ . الرّابِعُ أَنّهُ لَا يُحْفَظُ عَنْهُ فِي حَجّهِ أَنّهُ صَلّى الْفَرْضَ بِجَوْفِ مَكّةَ ، بَلْ إنّمَا كَانَ يُصَلّي بِمَنْزِلِهِ بِ الْأَبْطَحِ بِالْمُسْلِمِينَ مُدّةَ مُقَامِهِ كَانَ يُصَلّي بِهِمْ أَيْنَ نَزَلُوا لَا يُصَلّي فِي مَكَانٍ آخَرَ غَيْرِ الْمَنْزِلِ الْعَامّ . الْخَامِسُ أَنّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ مُتّفَقٌ عَلَيْهِ وَحَدِيثُ جَابِرٍ مِنْ أَفْرَادِ مُسْلِمٍ . فَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ أَصَحّ مِنْهُ وَكَذَلِك هُوَ فِي إسْنَادِهِ فَإِنّ رُوَاتَهُ أَحْفَظُ وَأَشْهَرُ وَأَتْقَنُ فَأَيْنَ يَقَعُ حَاتِمُ بْنُ إسْمَاعِيلَ مِنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ الْعُمَرِيّ ، وَأَيْنَ يَقَعُ حِفْظُ جَعْفَرٍ مِنْ حِفْظِ نَافِعٍ ؟ السّادِسُ أَنّ حَدِيثَ عَائِشَةَ قَدْ اضْطَرَبَ فِي وَقْتِ طَوَافِهِ فَرُوِيَ عَنْهَا عَلَى [ ص 261 ] طَافَ نَهَارًا ، الثّانِي : أَنّهُ أَخّرَ الطّوَافَ إلَى اللّيْلِ الثّالِثُ أَنّهُ أَفَاضَ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ فَلَمْ يَضْبِطْ فِيهِ وَقْتَ الْإِفَاضَةِ وَلَا مَكَانَ الصّلَاةِ بِخِلَافِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ . السّابِعُ أَنّ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ أَصَحّ مِنْهُ بِلَا نِزَاعٍ فَإِنّ حَدِيثَ عَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا ، وَابْنِ إسْحَاقَ مُخْتَلَفٌ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ وَلَمْ يُصَرّحْ بِالسّمَاعِ بَلْ عَنْعَنَهُ فَكَيْفَ يُقَدّمُ عَلَى قَوْلِ عُبَيْدِ اللّهِ حَدّثَنِي نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ . الثّامِنُ أَنّ حَدِيثَ عَائِشَةَ لَيْسَ بِالْبَيّنِ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَلّى الظّهْرَ بِمَكّةَ ، فَإِنّ لَفْظَهُ هَكَذَا : أَفَاضَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ حِينَ صَلّى الظّهْرَ ثُمّ رَجَعَ إلَى مِنًى ، فَمَكَثَ بِهَا لَيَالِيَ أَيّامِ التّشْرِيقِ يَرْمِي الْجَمْرَةَ إذَا زَالَتْ الشّمْسُ كُلّ جَمْرَةٍ بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ . فَأَيْنَ دَلَالَةُ هَذَا الْحَدِيثِ الصّرِيحَةُ عَلَى أَنّهُ صَلّى الظّهْرَ يَوْمَئِذٍ بِمَكّةَ وَأَيْنَ هَذَا فِي صَرِيحِ الدّلَالَةِ إلَى قَوْلِ ابْنِ عُمَرَ أَفَاضَ يَوْمَ النّحْرِ ثُمّ صَلّى الظّهْرَ بِمِنًى ، يَعْنِي رَاجِعًا . وَأَيْنَ حَدِيثٌ اتّفَقَ أَصْحَابُ الصّحِيحِ عَلَى إخْرَاجِهِ إلَى حَدِيثٍ اُخْتُلِفَ فِي الِاحْتِجَاجِ بِهِ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ ذِكْرُ طَوَافِ أُمّ سَلَمَةَ ]
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَطَافَتْ أُمّ سَلَمَةَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ عَلَى بَعِيرِهَا مِنْ وَرَاءِ النّاسِ وَهِيَ شَاكِيَةٌ اسْتَأْذَنَتْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَأَذِنَ لَهَا ، وَاحْتَجّ عَلَيْهِ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ زَيْنَبَ بِنْتِ أُمّ سَلَمَةَ ، عَنْ أُمّ سَلَمَةَ قَالَتْ شَكَوْتُ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّي أَشْتَكِي ، فَقَالَ " طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ " قَالَتْ فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَئِذٍ يُصَلّي إلَى جَنْبِ الْبَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ { وَالطّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ } وَلَا يَتَبَيّنُ أَنّ هَذَا الطّوَافَ هُوَ طَوَافُ الْإِفَاضَةِ لِأَنّ [ ص 262 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَقْرَأْ فِي رَكْعَتَيْ ذَلِكَ الطّوَافِ بِالطّورِ وَلَا جَهَرَ بِالْقِرَاءَةِ بِالنّهَارِ بِحَيْثُ تَسْمَعُهُ أُمّ سَلَمَةَ مِنْ وَرَاءِ النّاسِ وَقَدْ بَيّنَ أَبُو مُحَمّدٍ غَلَطَ مَنْ قَالَ إنّهُ أَخّرَهُ إلَى اللّيْلِ فَأَصَابَ فِي ذَلِكَ . وَقَدْ صَحّ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَرْسَلَ بِأُمّ سَلَمَةَ لَيْلَةَ النّحْرِ ، فَرَمَتْ الْجَمْرَةَ قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمّ مَضَتْ فَأَفَاضَت فَكَيْفَ يَلْتَئِمُ هَذَا مَعَ طَوَافِهَا يَوْمَ النّحْرِ وَرَاءَ النّاسِ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى جَانِبِ الْبَيْتِ يُصَلّي وَيَقْرَأُ فِي صَلَاتِهِ { وَالطّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ } ؟ هَذَا مِنْ الْمُحَالِ فَإِنّ هَذِهِ الصّلَاةَ وَالْقِرَاءَةَ كَانَتْ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ أَوْ الْمَغْرِبِ أَوْ الْعِشَاءِ وَأُمّا أَنّهَا كَانَتْ يَوْمَ النّحْرِ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ الْوَقْتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَكّةَ قَطْعًا ، فَهَذَا مِنْ وَهْمِهِ رَحِمَهُ اللّهُ .
[طَوَافُ عَائِشَةَ ]
فَطَافَتْ عَائِشَةُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ طَوَافًا وَاحِدًا ، وَسَعَتْ سَعْيًا وَاحِدًا أَجْزَأَهَا عَنْ حَجّهَا وَعُمْرَتِهَا ، وَطَافَتْ صَفِيّةُ ذَلِكَ الْيَوْمَ ثُمّ حَاضَتْ فَأَجْزَأَهَا طَوَافُهَا ذَلِكَ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَلَمْ تُوَدّعْ فَاسْتَقَرّتْ سُنّتُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْمَرْأَةِ الطّاهِرَةِ إذَا حَاضَتْ قَبْلَ الطّوَافِ - أَوْ قَبْلَ الْوُقُوفِ - أَنْ تَقْرِنَ وَتَكْتَفِيَ بِطَوَافٍ وَاحِدٍ وَسَعْيٍ وَاحِدٍ وَإِنْ حَاضَتْ بَعْدَ طَوَافِ الْإِفَاضَةِ اجْتَزَأَتْ بِهِ عَنْ طَوَافِ الْوَدَاعِ . [ ص 263 ]
فَصْلٌ [ رَمْيُ الْجِمَارِ ]
ثُمّ رَجَعَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى مِنًى مِنْ يَوْمِهِ ذَلِكَ فَبَاتَ بِهَا ، فَلَمّا أَصْبَحَ انْتَظَرَ زَوَالَ الشّمْسِ فَلَمّا زَالَتْ مَشَى مِنْ رَحْلِهِ إلَى الْجِمَارِ وَلَمْ يَرْكَبْ فَبَدَأَ بِالْجَمْرَةِ الْأُولَى الّتِي تَلِي مَسْجِدَ الْخَيْفِ ، فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ وَاحِدَةً بَعْدَ وَاحِدَةٍ يَقُولُ مَعَ كُلّ حَصَاةٍ " اللّهُ أَكْبَرُ " ، ثُمّ تَقَدّمَ عَلَى الْجَمْرَةِ أَمَامَهَا حَتّى أَسْهَلَ فَقَامَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ ثُمّ رَفَعَ يَدَيْهِ وَدَعَا دُعَاءً طَوِيلًا بِقَدْرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ ثُمّ أَتَى إلَى الْجَمْرَةِ الْوُسْطَى ، فَرَمَاهَا كَذَلِكَ ثُمّ انْحَدَرَ ذَاتَ الْيَسَارِ مِمّا يَلِي الْوَادِيَ فَوَقَفَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ رَافِعًا يَدَيْهِ يَدْعُو قَرِيبًا مِنْ وُقُوفِهِ الْأَوّلِ ثُمّ أَتَى الْجَمْرَةَ الثّالِثَةَ وَهِيَ جَمْرَةُ الْعَقَبَةِ ، فَاسْتَبْطَنَ الْوَادِيَ وَاسْتَعْرَضَ الْجَمْرَةَ فَجَعَلَ الْبَيْتَ عَنْ يَسَارِهِ وَمِنًى عَنْ يَمِينِهِ فَرَمَاهَا بِسَبْعِ حَصَيَاتٍ كَذَلِكَ .
[ التّعْلِيلُ لِتَرْكِ الدّعَاءِ بَعْدَ الْعَقَبَةِ ]
وَلَمْ يَرْمِهَا مِنْ أَعْلَاهَا كَمَا يَفْعَلُ الْجُهّالُ وَلَا جَعَلَهَا عَنْ يَمِينِهِ وَاسْتَقْبَلَ الْبَيْتَ وَقْتَ الرّمْيَ كَمَا ذَكَرَهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْفُقَهَاءِ . فَلَمّا أَكْمَلَ الرّمْيَ رَجَعَ مِنْ فَوْرِهِ وَلَمْ يَقِفْ عِنْدَهَا ، فَقِيلَ لِضِيقِ الْمَكَانِ بِالْجَبَلِ وَقِيلَ وَهُوَ أَصَحّ : إنّ دُعَاءَهُ كَانَ فِي نَفْسِ الْعِبَادَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا ، فَلَمّا رَمَى جَمْرَةَ الْعَقَبَةِ ، فَرَغَ الرّمْيُ وَالدّعَاءُ فِي صُلْبِ الْعِبَادَةِ قَبْلَ الْفَرَاغِ مِنْهَا أَفْضَلُ مِنْهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا ، وَهَذَا كَمَا كَانَتْ سُنّتُهُ فِي دُعَائِهِ فِي الصّلَاةِ إذْ كَانَ يَدْعُو فِي صُلْبِهَا ، فَأَمّا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا ، فَلَمْ يَثْبُت عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَعْتَادُ الدّعَاءَ وَمَنْ رَوَى عَنْهُ ذَلِكَ فَقَدْ غَلِطَ عَلَيْهِ وَإِنْ رُوِيَ فِي غَيْرِ الصّحِيحِ أَنّهُ كَانَ أَحْيَانًا يَدْعُو بِدُعَاءٍ عَارِضٍ بَعْدَ السّلَامِ وَفِي صِحّتِهِ نَظَرٌ . [ ص 264 ] رِيبَ أَنّ عَامّةَ أَدْعِيَتِهِ الّتِي كَانَ يَدْعُو بِهَا ، وَعَلّمَهَا الصّدّيقَ إنّمَا هِيَ فِي صُلْبِ الصّلَاةِ وَأَمّا حَدِيثُ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ : لَا تَنْسَ أَنْ تَقُولَ دُبُرَ كُلّ صَلَاةٍ : اللّهُمّ أَعِنّي عَلَى ذِكْرِكَ وَشُكْرِك ، وَحُسْنِ عِبَادَتِك فَدُبُرُ الصّلَاةِ يُرَادُ بِهِ آخِرُهَا قَبْلَ السّلَامِ مِنْهَا ، كَدُبُرِ الْحَيَوَانِ وَيُرَادُ بِهِ مَا بَعْدَ السّلَامِ كَقَوْلِهِ تُسَبّحُونَ اللّهَ وَتُكَبّرُونَ وَتَحْمَدُونَ دُبُرَ كُلّ صَلَاةٍ الْحَدِيثُ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ مَيْلُ الْمُصَنّفِ بِأَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَمَى قَبْلَ الصّلَاةِ ]
وَلَمْ يَزَلْ فِي نَفْسِي ، هَلْ كَانَ يَرْمِي قَبْلَ صَلَاةِ الظّهْرِ أَوْ بَعْدَهَا ؟ وَاَلّذِي يَغْلِبُ عَلَى الظّنّ أَنّهُ كَانَهُ يَرْمِي قَبْلَ الصّلَاةِ ثُمّ يَرْجِعُ فَيُصَلّي ، لِأَنّ جَابِرًا وَغَيْرَهُ قَالُوا : كَانَ يَرْمِي إذَا زَالَتْ الشّمْسُ فَعَقّبُوا زَوَالَ الشّمْسِ بِرَمْيِهِ . وَأَيْضًا ، فَإِنّ وَقْتَ الزّوَالِ لِلرّمْيِ أَيّامَ مِنًى ، كَطُلُوعِ الشّمْسِ لِرَمْيِ يَوْمِ النّحْرِ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ النّحْرِ لَمّا دَخَلَ وَقْتُ الرّمْيِ لَمْ يُقَدّمْ عَلَيْهِ شَيْئًا مِنْ عِبَادَاتِ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَيْضًا فَإِنّ التّرْمِذِيّ وَابْنَ مَاجَهْ ، رَوَيَا فِي " سُنَنِهِمَا " عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا : كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَرْمِي الْجِمَارَ إذَا زَالَتْ الشّمْسُ زَادَ ابْنُ مَاجَهْ : قَدْرَ مَا إذَا فَرَغَ مِنْ رَمْيِهِ صَلّى الظّهْرَ . وَقَالَ التّرْمِذِيّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ وَلَكِنْ فِي إسْنَادِ حَدِيثِ التّرْمِذِيّ الْحَجّاجُ بْنُ أَرْطَاةَ ، وَفِي إسْنَادِ حَدِيثِ ابْنِ مَاجَهْ إبْرَاهِيمُ بْنُ عُثْمَانَ أَبُو [ ص 265 ] وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ أَنّهُ كَانَ يَرْمِي يَوْمَ النّحْرِ رَاكِبًا ، وَأَيّامَ مِنًى مَاشِيًا فِي ذَهَابِهِ وَرُجُوعِهِ .
فَصْلٌ [ وَقَفَاتُ الدّعَاءِ فِي الْحَجّ ]
فَقَدْ تَضَمّنَتْ حَجّتُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سِتّ وَقَفَاتٍ لِلدّعَاءِ . الْمَوْقِفُ الْأَوّلُ عَلَى الصّفَا ، وَالثّانِي : عَلَى الْمَرْوَةِ ، وَالثّالِثُ بِعَرَفَةَ ، وَالرّابِعُ بِمُزْدَلِفَةَ ، وَالْخَامِسُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الْأُولَى ، وَالسّادِسُ عِنْدَ الْجَمْرَةِ الثّانِيَةِ .
فَصْلٌ [ خُطْبَتَا مِنًى ]
وَخَطَبَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ النّاسَ بِمِنًى خُطْبَتَيْنِ خُطْبَةً يَوْمَ النّحْرِ وَقَدْ تَقَدّمَتْ وَالْخُطْبَةَ الثّانِيَةَ فِي أَوْسَطِ أَيّامِ التّشْرِيقِ فَقِيلَ هُوَ ثَانِي يَوْمِ النّحْرِ وَهُوَ أَوْسَطُهَا ، أَيْ خِيَارُهَا ، وَاحْتَجّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ سَرّاءَ بِنْتِ نَبْهَانَ ، قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُول : أَتَدْرُونَ أَيّ يَوْمٍ هَذَا ؟ قَالَتْ وَهُوَ الْيَوْمُ الّذِي تَدْعُونَ يَوْمَ الرّءُوسِ . قَالُوا : اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ هَذَا أَوْسَطُ أَيّامِ التّشْرِيقِ . هَلْ تَدْرُونَ أَيّ بَلَدٍ هَذَا ؟ قَالُوا : اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ هَذَا الْمَشْعَرُ الْحَرَامُ . ثُمّ قَال : إنّي لَا أَدْرِي لَعَلّي لَا أَلْقَاكُمْ بَعْدَ عَامِي هَذَا ، أَلَا وَإِنّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا ، فِي شَهْرِكُمْ هَذَا ، فِي بَلَدِكُمْ هَذَا ، حَتّى تَلْقَوْا رَبّكُمْ فَيَسْأَلَكُمْ عَنْ أَعْمَالِكُمْ أَلَا فَلْيُبَلّغْ أَدْنَاكُمْ أَقْصَاكُمْ أَلَا هَلْ بَلّغْتُ " فَلَمّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ ، لَمْ يَلْبَثْ إلّا قَلِيلًا حَتّى مَاتَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد [ ص 266 ] ثَانِي يَوْمِ النّحْرِ بِالِاتّفَاقِ . وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ ، مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عيْدَةَ الرّبَذِيّ ، عَنْ صَدَقَةَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ أُنْزِلَتْ هَذِهِ السّورَةُ { إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللّهِ وَالْفَتْحُ } عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي وَسَطِ أَيّامِ التّشْرِيقِ وَعُرِفَ أَنّهُ الْوَدَاعُ فَأَمَرَ بِرَاحِلَتِهِ الْقَصْوَاءِ فَرُحِلَتْ وَاجْتَمَعَ النّاسُ فَقَالَ " يَا أَيّهَا النّاسُ " ثُمّ ذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي خُطْبَتِهِ .
فَصْلٌ [ تَرْخِيصُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِمَنْ لَهُ عُذْرٌ بِالْمَبِيتِ خَارِجَ مِنًى وَبِجَمْعِ رَمْيِ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النّحْرِ فِي أَحَدِهِمَا ]
وَاسْتَأْذَنَهُ الْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أَنْ يَبِيتَ بِمَكّةَ لَيَالِيَ مِنًى مِنْ أَجْلِ سِقَايَتِهِ فَأَذِنَ لَهُ . وَاسْتَأْذَنَهُ رِعَاءُ الْإِبِلِ فِي الْبَيْتُوتَةِ خَارِجَ مِنًى عِنْدَ الْإِبِلِ فَأَرْخَصَ لَهُمْ أَنْ يَرْمُوا يَوْمَ النّحْرِ ثُمّ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ بَعْدَ يَوْمِ النّحْرِ يَرْمُونَهُ فِي أَحَدِهِمَا . [ ص 267 ] قَالَ مَالِكٌ : ظَنَنْتُ أَنّهُ قَالَ فِي أَوّلِ يَوْمٍ مِنْهُمَا ، ثُمّ يَرْمُونَ يَوْمَ النّفْرِ . وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ رَخّصَ لِلرّعَاءِ أَنْ يَرْمُوا يَوْمًا ، وَيَدَعُوا يَوْمًا فَيَجُوزُ لِلطّائِفَتَيْنِ بِالسّنّةِ تَرْكُ الْمَبِيتِ بِمِنًى ، وَأَمّا الرّمْيُ فَإِنّهُمْ لَا يَتْرُكُونَهُ بَلْ لَهُمْ أَنْ يُؤَخّرُوهُ إلَى اللّيْلِ فَيَرْمُونَ فِيهِ وَلَهُمْ أَنْ يَجْمَعُوا رَمْيَ يَوْمَيْنِ فِي يَوْمٍ وَإِذَا كَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ رَخّصَ لِأَهْلِ السّقَايَةِ وَلِلرّعَاءِ فِي الْبَيْتُوتَةِ فَمَنْ لَهُ مَالٌ يَخَافُ ضَيَاعَهُ أَوْ مَرِيضٌ يَخَافُ مِنْ تَخَلّفِهِ عَنْهُ أَوْ كَانَ مَرِيضًا لَا تُمْكِنُهُ الْبَيْتُوتَةُ سَقَطَتْ عَنْهُ بِتَنْبِيهِ النّصّ عَلَى هَؤُلَاءِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ أَيْنَ لَقِيَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَائِشَةَ بَعْدَ رُجُوعِهَا مِنْ عُمْرَةِ التّنْعِيمِ ]
وَلَمْ يَتَعَجّلْ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي يَوْمَيْنِ بَلْ تَأَخّرَ حَتّى أَكْمَلَ رَمْيَ أَيّامِ التّشْرِيقِ الثّلَاثَةِ وَأَفَاضَ يَوْمَ الثّلَاثَاءِ بَعْدَ الظّهْرِ إلَى الْمُحَصّبِ ، وَهُوَ الْأَبْطَحُ ، وَهُوَ خَيْفُ بَنِي كِنَانَةَ ، فَوَجَدَ أَبَا رَافِعٍ قَدْ ضَرَبَ لَهُ فِيهِ قُبّةٍ هُنَاكَ وَكَانَ عَلَى ثَقَلِهِ تَوْفِيقًا مِنْ اللّهِ عَزّ وَجَلّ دُونَ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَصَلّى الظّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَرَقَدَ رَقْدَةً ثُمّ نَهَضَ إلَى مَكّةَ ، فَطَافَ لِلْوَدَاعِ لَيْلًا سَحَرًا ، وَلَمْ يَرْمُلْ فِي هَذَا الطّوَافِ ، وَأَخْبَرَتْهُ صَفِيّةُ أَنّهَا حَائِضٌ فَقَالَ " أَحَابِسَتُنَا هِيَ ؟ " فَقَالُوا لَهُ إنّهَا قَدْ أَفَاضَتْ قَالَ " فَلْتَنْفِرْ إذًا " وَرَغِبَتْ إلَيْهِ عَائِشَةُ تَلِك اللّيْلَةَ أَنْ يُعْمِرَهَا عُمْرَةً مُفْرَدَةً فَأَخْبَرَهَا أَنّ طَوَافَهَا بِالْبَيْتِ وَبِالصّفَا وَالْمَرْوَةِ قَدْ أَجْزَأَ عَنْ حَجّهَا وَعُمْرَتِهَا ، فَأَبَتْ إلّا أَنْ تَعْتَمِرَ عُمْرَةً مُفْرَدَةً فَأَمَرَ أَخَاهَا عَبْدَ الرّحْمَنِ أَنْ يُعْمِرَهَا مِنْ التّنْعِيمِ ، فَفَرَغَتْ مِنْ عُمْرَتِهَا لَيْلًا ثُمّ وَافَتْ الْمُحَصّبَ مَعَ أَخِيهَا ، فَأَتَيَا فِي جَوْفِ اللّيْلِ فَقَالَ [ ص 268 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " فَرَغْتُمَا " ؟ قَالَتْ نَعَمْ فَنَادَى بِالرّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ فَارْتَحَلَ النّاسُ ثُمّ طَافَ بِالْبَيْتِ قَبْلَ صَلَاةِ الصّبْحِ . هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيّ . فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ تَجْمَعُونَ بَيْنَ هَذَا ، وَبَيْنَ حَدِيثِ الْأَسْوَدِ عَنْهَا الّذِي فِي " الصّحِيحِ " أَيْضًا ؟ قَالَتْ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَمْ نَرَ إلّا الْحَجّ . . . فَذَكَرْت الْحَدِيثَ وَفِيهِ فَلَمّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْحَصْبَةِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ يَرْجِعُ النّاسُ بِحَجّةٍ وَعُمْرَةٍ وَأَرْجِعُ أَنَا بِحَجّةٍ ؟ قَالَ أَوَمَا كُنْتِ طُفْتِ لَيَالِيَ قَدِمْنَا مَكّةَ ؟ قَالَتْ قُلْتُ لَا . قَالَ " فَاذْهَبِي مَعَ أَخِيكِ إلَى التّنْعِيمِ ، فَأَهِلّي بِعُمْرَةٍ ثُمّ مَوْعِدُكِ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا " ، قَالَتْ عَائِشَةُ فَلَقِيَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكّةَ ، وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا ، أَوْ أَنَا مُصْعِدَةٌ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنّهُمَا تَلَاقَيَا فِي الطّرِيقِ وَفِي الْأَوّلِ أَنّهُ انْتَظَرَهَا فِي مَنْزِلِهِ فَلَمّا جَاءَتْ نَادَى بِالرّحِيلِ فِي أَصْحَابِهِ . ثُمّ فِيهِ إشْكَالٌ آخَرُ وَهُوَ قَوْلُهَا : لَقِيَنِي وَهُوَ مُصْعِدٌ مِنْ مَكّةَ وَأَنَا مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا ، أَوْ بِالْعَكْسِ فَإِنْ كَانَ الْأَوّلُ فَيَكُونُ قَدْ لَقِيَهَا مُصْعِدًا مِنْهَا رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ ، وَهِيَ مُنْهَبِطَةٌ عَلَيْهَا لِلْعُمْرَةِ وَهَذَا يُنَافِي انْتِظَارَهُ لَهَا بِالْمُحَصّبِ . قَالَ أَبُو مُحَمّدٍ ابْنُ حَزْمٍ : الصّوَابُ الّذِي لَا شَكّ فِيهِ أَنّهَا كَانَتْ مُصْعِدَةً مِنْ مَكّةَ ، وَهُوَ مُنْهَبِطٌ لِأَنّهَا تَقَدّمَتْ إلَى الْعُمْرَةِ وَانْتَظَرَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى جَاءَتْ ثُمّ نَهَضَ إلَى طَوَافِ الْوَدَاعِ فَلَقِيَهَا مُنْصَرِفَةً إلَى الْمُحَصّبِ عَنْ مَكّةَ ، وَهَذَا لَا يَصِحّ ، فَإِنّهَا قَالَتْ وَهُوَ مُنْهَبِطٌ مِنْهَا ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ بَعْدَ الْمُحَصّبِ ، وَالْخُرُوجِ مِنْ مَكّةَ ، فَكَيْفَ يَقُولُ أَبُو مُحَمّدٍ : إنّهُ نَهَضَ إلَى طَوَافِ [ ص 269 ] مَكّةَ ؟ هَذَا مُحَالٌ . وَأَبُو مُحَمّدٍ ، لَمْ يَحُجّ . وَحَدِيثُ الْقَاسِمِ عَنْهَا صَرِيحٌ كَمَا تَقَدّمَ فِي أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . انْتَظَرَهَا فِي مَنْزِلِهِ بَعْدَ النّفْرِ حَتّى جَاءَتْ فَارْتَحَلَ وَأَذّنَ فِي النّاسِ بِالرّحِيلِ فَإِنْ كَانَ حَدِيثُ الْأَسْوَدِ هَذَا مَحْفُوظًا ، فَصَوَابُهُ لَقِيَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَنَا مُصْعِدَةٌ مِنْ مَكّةَ ، وَهُوَ مُنْهَبِطٌ إلَيْهَا ، فَإِنّهَا طَافَتْ وَقَضَتْ عُمْرَتَهَا ، ثُمّ أُصْعِدَتْ لِمِيعَادِهِ فَوَافَتْهُ قَدْ أَخَذَ فِي الْهُبُوطِ إلَى مَكّةَ لِلْوَدَاعِ فَارْتَحَلَ وَأَذّنَ فِي النّاسِ بِالرّحِيلِ وَلَا وَجْهَ لِحَدِيثِ الْأَسْوَدِ غَيْرُ هَذَا ، وَقَدْ جُمِعَ بَيْنَهُمَا بِجَمْعَيْنِ آخَرِينَ وَهُمَا وَهْمٌ . أَحَدُهُمَا : أَنّهُ طَافَ لِلْوَدَاعِ مَرّتَيْنِ مَرّةً بَعْدَ أَنْ بَعَثَهَا ، وَقَبْلَ فَرَاغِهَا ، وَمَرّةً بَعْدَ فَرَاغِهَا لِلْوَدَاعِ وَهَذَا مَعَ أَنّهُ وَهْمٌ بَيّنٌ فَإِنّهُ لَا يَرْفَعُ الْإِشْكَالَ بَلْ يَزِيدُهُ فَتَأَمّلْهُ . الثّانِي : أَنّهُ انْتَقَلَ مِنْ الْمُحَصّبِ إلَى ظَهْرِ الْعَقَبَةِ خَوْفَ الْمَشَقّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي التّحْصِيبِ فَلَقِيَتْهُ وَهِيَ مُنْهَبِطَةٌ إلَى مَكّةَ ، وَهُوَ مُصْعَدٌ إلَى الْعَقَبَةِ ، وَهَذَا أَقْبَحُ مِنْ الْأَوّلِ لِأَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَخْرُجْ مِنْ الْعَقَبَةِ أَصْلًا ، وَإِنّمَا خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكّةَ مِنْ الثّنِيّةِ السّفْلَى بِالِاتّفَاقِ . وَأَيْضًا : فَعَلَى تَقْدِيرِ ذَلِكَ لَا يَحْصُلُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ . وَذَكَرَ أَبُو مُحَمّدٍ ابْنُ حَزْم ٍ أَنّهُ رَجَعَ بَعْدَ خُرُوجِهِ مِنْ أَسْفَلِ مَكّةَ إلَى الْمُحَصّبِ ، وَأَمَرَ بِالرّحِيلِ وَهَذَا وَهْمٌ أَيْضًا ، لَمْ يَرْجِعْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعْدَ وَدَاعِهِ إلَى الْمُحَصّبِ ، وَإِنّمَا مَرّ مِنْ فَوْرِهِ إلَى الْمَدِينَةِ . وَذَكَرَ فِي بَعْضِ تَآلِيفِهِ أَنّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيَكُونَ كَالْمُحَلّقِ عَلَى مَكّةَ بِدَائِرَةٍ فِي دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ فَإِنّهُ بَاتَ بِذِي طُوًى ، ثُمّ دَخَلَ مِنْ أَعْلَى مَكّةَ ، ثُمّ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا ، ثُمّ رَجَعَ إلَى الْمُحَصّبِ ، وَيَكُونُ هَذَا الرّجُوعُ مِنْ يَمَانِي مَكّةَ حَتّى تَحْصُلَ الدّائِرَةُ فَإِنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا جَاءَ نَزَلَ بِذِي طُوًى ، ثُمّ أَتَى مَكّةَ مِنْ كَدَاءٍ ، ثُمّ نَزَلَ بِهِ لَمّا فَرَغَ مِنْ الطّوَافِ ثُمّ لَمّا فَرَغَ مِنْ جَمِيعِ النّسُكِ نَزَلَ بِهِ ثُمّ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكّةَ [ ص 270 ] وَأَخَذَ مِنْ يَمِينِهَا حَتّى أَتَى الْمُحَصّبَ ، وَيَحْمِلُ أَمْرَهُ بِالرّحِيلِ ثَانِيًا عَلَى أَنّهُ لَقِيَ فِي رُجُوعِهِ ذَلِكَ إلَى الْمُحَصّبِ قَوْمًا لَمْ يُرَحّلُوا ، فَأَمَرَهُمْ بِالرّحِيلِ وَتَوَجّهَ مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ إلَى الْمَدِينَةِ . وَلَقَدْ شَانَ أَبُو مُحَمّدٍ نَفْسَهُ وَكِتَابَهُ بِهَذَا الْهَذَيَانِ الْبَارِدِ السّمِجِ الّذِي يُضْحَكُ مِنْهُ وَلَوْلَا التّنْبِيهُ عَلَى أَغْلَاطِ مَنْ غَلِطَ عَلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَرَغِبْنَا عَنْ ذِكْرِ مِثْلِ هَذَا الْكَلَامِ . وَاَلّذِي كَأَنّك تَرَاهُ مِنْ فِعْلِهِ أَنّهُ نَزَلَ بِالْمُحَصّبِ وَصَلّى بِهِ الظّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَرَقَدَ رَقْدَةً ثُمّ نَهَضَ إلَى مَكّةَ ، وَطَافَ بِهَا طَوَافَ الْوَدَاعِ لَيْلًا ، ثُمّ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا إلَى الْمَدِينَةِ ، وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى الْمُحَصّبِ ، وَلَا دَارَ دَائِرَةً فَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " : عَنْ أَنَسٍ ، أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَلّى الظّهْرَ وَالْعَصْرَ وَالْمَغْرِبَ ، وَالْعِشَاءَ وَرَقَدَ رَقْدَةً بِالْمُحَصّبِ ثُمّ رَكِبَ إلَى الْبَيْتِ وَطَافَ بِهِ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَنْ عَائِشَةَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ ثُمّ قَالَتْ حِينَ قَضَى اللّهُ الْحَجّ وَنَفَرْنَا مِنْ مِنًى ، فَنَزَلْنَا بِالْمُحَصّبِ فَدَعَا عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ أَبِي بَكْرٍ فَقَالَ لَهُ " اُخْرُجْ بِأُخْتِكَ مِنْ الْحَرَمِ ، ثُمّ اُفْرُغَا مِنْ طَوَافِكُمَا ، ثُمّ ائِتيَانِي هَا هُنَا بِالْمُحَصّبِ " . قَالَتْ فَقَضَى اللّهُ الْعُمْرَةَ وَفَرَغْنَا مِنْ طَوَافِنَا فِي جَوْفِ اللّيْلِ فَأَتَيْنَاهُ بِالْمُحَصّبِ . فَقَالَ فَرْغْتُمَا ؟ قُلْنَا : نَعَمْ . فَأَذّنَ فِي النّاسِ بِالرّحِيلِ فَمَرّ بِالْبَيْتِ فَطَافَ بِهِ ثُمّ ارْتَحَلَ مُتَوَجّهًا إلَى الْمَدِينَةِ فَهَذَا مِنْ أَصَحّ حَدِيثٍ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَأَدَلّهِ عَلَى فَسَادِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ وَغَيْرُهُ مِنْ تِلْكَ التّقْدِيرَاتِ الّتِي لَمْ يَقَعْ شَيْءٌ مِنْهَا ، وَدَلِيلٌ عَلَى أَنّ حَدِيثَ الْأَسْوَدِ غَيْرُ مَحْفُوظٍ ، وَإِنْ كَانَ مَحْفُوظًا ، فَلَا وَجْهَ لَهُ غَيْرُ مَا ذَكَرْنَا وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ .
[ هَلْ التّحْصِيبُ سُنّةٌ ؟ ]
وَقَدْ اخْتَلَفَ السّلَفُ فِي التّحْصِيبِ هَلْ هُوَ سُنّةٌ أَوْ مَنْزِلُ اتّفَاقٍ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ . فَقَالَتْ طَائِفَةٌ هُوَ مِنْ سُنَنِ الْحَجّ فَإِنّ فِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، [ ص 271 ] أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْفِرَ مِنْ مِنًى : نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا إنْ شَاءَ اللّهُ بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ . يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصّبَ وَذَلِك أَنّ قُرَيْشًا وَبَنِي كِنَانَةَ تَقَاسَمُوا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطّلِبِ أَلّا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ شَيْءٌ حَتّى يُسَلّمُوا إلَيْهِمْ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَصَدَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إظْهَارَ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فِي الْمَكَانِ الّذِي أَظَهَرُوا فِيهِ شَعَائِرَ الْكُفْرِ وَالْعَدَاوَةَ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَتُهُ صَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ شِعَارَ التّوْحِيدِ فِي مَوَاضِعِ شَعَائِرِ الْكُفْرِ وَالشّرْكِ كَمَا أَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُبْنَى مَسْجِدُ الطّائِفِ مَوْضِعَ اللّاتِ وَالْعُزّى بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ حَيْثُ تَقَاسَمُوا عَلَى الْكُفْرِ يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُحَصّبَ ، وَذَلِك أَنّ قُرَيْشًا وَبَنِي كِنَانَةَ ، تَقَاسَمُوا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ ، وَبَنِي الْمُطّلِبِ ، أَلّا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يَكُونَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُمْ شَيْءٌ حَتّى يُسَلّمُوا إلَيْهِمْ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَصَدَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إظْهَارَ شَعَائِرِ الْإِسْلَامِ فِي الْمَكَانِ الّذِي أَظَهَرُوا فِيهِ شَعَائِرَ الْكُفْرِ وَالْعَدَاوَةَ لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَهَذِهِ كَانَتْ عَادَتُهُ صَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ أَنْ يُقِيمَ شِعَارَ التّوْحِيدِ فِي مَوَاضِعِ شَعَائِرِ الْكُفْرِ وَالشّرْكِ كَمَا أَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُبْنَى مَسْجِدُ الطّائِفِ مَوْضِعَ اللّاتِ وَالْعُزّى . قَالُوا : وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " : عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبَا بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، كَانُوا يَنْزِلُونَهُ . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَرَى التّحْصِيبَ سُنّةً . وَقَالَ الْبُخَارِيّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ كَانَ يُصَلّي بِهِ الظّهْرَ وَالْعَصْرَ ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ وَيَهْجَعُ وَيُذْكَرُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَعَلَ ذَلِك وَذَهَبَ آخَرُونَ مِنْهُمْ ابْنُ عَبّاسٍ ، وَعَائِشَةُ إلَى أَنّهُ لَيْسَ بِسُنّةٍ وَإِنّمَا هُوَ مَنْزِلُ اتّفَاقٍ فَفِي " الصّحِيحَيْنِ " : عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ، لَيْسَ الْمُحَصّبُ بِشَيْءٍ ، وَإِنّمَا هُوَ مَنْزِلٌ نَزَلَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِيَكُونَ أَسْمَحَ لِخُرُوجِهِ وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " : عَنْ أَبِي رَافِعٍ لَمْ يَأْمُرْنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ أَنْزِلَ بِمَنْ مَعِي بِالْأَبْطَحِ وَلَكِنْ أَنَا ضَرَبْتُ قُبّتَهُ ثُمّ جَاءَ فَنَزَلَ . فَأَنْزَلَ اللّهُ فِيهِ بِتَوْفِيقِهِ تَصْدِيقًا لِقَوْلِ رَسُولِهِ " نَحْنُ نَازِلُونَ غَدًا بِخَيْفِ بَنِي كِنَانَةَ " ، وَتَنْفِيذًا لِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ وَمُوَافَقَةً مِنْهُ لِرَسُولِهِ صَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ [ ص 272 ]
فَصْلٌ
هَا هُنَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ هَلْ دَخَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْبَيْتَ فِي حَجّتِهِ أَمْ لَا ؟ وَهَلْ وَقَفَ فِي الْمُلْتَزَمِ بَعْدَ الْوَدَاعِ ، أَمْ لَا ؟ وَهَلْ صَلّى الصّبْحَ لَيْلَةَ الْوَدَاعِ بِمَكّةَ أَوْ خَارِجًا مِنْهَا ؟
[ هَلْ دَخَلَ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْبَيْتَ ؟ ]
فَأَمّا الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى ، فَزَعَمَ كَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ وَغَيْرِهِمْ أَنّهُ دَخَلَ الْبَيْتَ فِي حَجّتِهِ وَيَرَى كَثِيرٌ مِنْ النّاسِ أَنّ دُخُولَ الْبَيْتِ مِنْ سُنَنِ الْحَجّ اقْتِدَاءً بِالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَاَلّذِي تَدُلّ عَلَيْهِ سُنّتُهُ أَنّهُ لَمْ يَدْخُلْ الْبَيْتَ فِي حَجّتِهِ وَلَا فِي عُمْرَتِهِ وَإِنّمَا دَخَلَهُ عَامَ الْفَتْحِ فَفِي " الصّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ دَخَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ فَتْحِ مَكّةَ عَلَى نَاقَةٍ لِأُسَامَةَ حَتّى أَنَاخَ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ ، فَدَعَا عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ بِالْمِفْتَاحِ فَجَاءَهُ بِهِ فَفَتَحَ فَدَخَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأُسَامَةُ ، وَبِلَالٌ ، وَعُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ ، فَأَجَافُوا عَلَيْهِمْ الْبَابَ مَلِيّا ، ثُمّ فَتَحُوهُ . قَالَ عَبْدُ اللّهِ فَبَادَرْتُ النّاسَ فَوَجَدْتُ بِلَالًا عَلَى الْبَابِ . فَقُلْت : أَيْنَ صَلّى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ؟ قَالَ بَيْنَ الْعَمُودَيْنِ الْمُقَدّمَيْنِ . قَالَ وَنَسِيتُ أَنْ أَسْأَلَهُ كَمْ صَلّى وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ، أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا قَدِمَ مَكّةَ ، أَبَى أَنْ يَدْخُلَ الْبَيْتَ وَفِيهِ الْآلِهَةُ قَالَ فَأَمَرَ بِهَا فَأُخْرِجَتْ فَأَخْرَجُوا صُورَةَ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ فِي أَيْدِيهِمَا الْأَزْلَامُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " قَاتَلَهُمْ اللّهُ أَمَا وَاَللّهِ لَقَدْ عَلِمُوا أَنّهُمَا لَمْ يَسْتَقْسِمَا بِهَا قَطّ " . قَالَ فَدَخَلَ الْبَيْتَ فَكَبّرَ فِي نَوَاحِيهِ وَلَمْ يُصَلّ فِيهِ [ ص 273 ] فَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ دُخُولَيْنِ صَلّى فِي أَحَدِهِمَا ، وَلَمْ يُصَلّ فِي الْآخَرِ . وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ضُعَفَاءِ النّقْدِ كُلّمَا رَأَوْا اخْتِلَافَ لَفْظٍ جَعَلُوهُ قِصّةً أُخْرَى ، كَمَا جَعَلُوا الْإِسْرَاءَ مِرَارًا لِاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ وَجَعَلُوا اشْتِرَاءَهُ مِنْ جَابِرٍ بَعِيرَهُ مِرَارًا لِاخْتِلَافِ أَلْفَاظِهِ وَجَعَلُوا طَوَافَ الْوَدَاعِ مَرّتَيْنِ لِاخْتِلَافِ سِيَاقِهِ وَنَظَائِرُ ذَلِكَ . وَأَمّا الْجَهَابِذَةُ النّقّادُ فَيَرْغَبُونَ عَنْ هَذِهِ الطّرِيقَةِ وَلَا يَجْبُنُونَ عَنْ تَغْلِيطِ مَنْ لَيْسَ مَعْصُومًا مِنْ الْغَلَطِ وَنِسْبَتُهُ إلَى الْوَهْمِ قَالَ الْبُخَارِيّ وَغَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمّةِ وَالْقَوْلُ قَوْلُ بِلَالٍ لِأَنّهُ مُثْبِتٌ شَاهِدَ صَلَاتِهِ بِخِلَافِ ابْنِ عَبّاسٍ . وَالْمَقْصُودُ أَنّ دُخُولَهُ الْبَيْتَ إنّمَا كَانَ فِي غَزْوَةِ الْفَتْحِ ، لَا فِي حَجّهِ وَلَا عُمَرِهِ وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " ، عَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ ، قَالَ قُلْتُ لِعَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى : أَدَخَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عُمْرَتِهِ الْبَيْتَ ؟ قَالَ لَا . وَقَالَتْ عَائِشَةُ خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ عِنْدِي وَهُوَ قَرِيرُ الْعَيْنِ طَيّبُ النّفْسِ ثُمّ رَجَعَ إلَيّ وَهُوَ حَزِينُ الْقَلْبِ فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ خَرَجْتَ مِنْ عِنْدِي وَأَنْتَ كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ إنّي دَخَلْتُ الْكَعْبَةَ وَوَدِدْتُ أَنّي لَمْ أَكُن فَعَلْتُ إنّي أَخَافُ أَنْ أَكُونَ قَدْ أَتْعَبْتُ أُمّتِي مِنْ بَعْدِي فَهَذَا لَيْسَ فِيهِ أَنّهُ كَانَ فِيهِ حَجّتُهُ بَلْ [ ص 274 ] حَقّ التّأَمّلِ أَطْلَعَكَ التّأَمّلُ عَلَى أَنّهُ كَانَ فِي غَزَاةِ الْفَتْحِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ وَسَأَلَتْهُ عَائِشَةُ أَنْ تَدْخُلَ الْبَيْتَ فَأَمَرَهَا أَنْ تُصَلّيَ فِي الْحِجْرِ رَكْعَتَيْنِ .
فَصْلٌ [ هَلْ وَقَفَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْمُلْتَزَمِ بَعْدَ الْوَدَاعِ ]
وَأَمّا الْمَسْأَلَةُ الثّانِيَةُ وَهِيَ وُقُوفُهُ فِي الْمُلْتَزَمِ ، فَاَلّذِي رُوِيَ عَنْهُ أَنّهُ فَعَلَهُ يَوْمَ الْفَتْحِ فَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُد " ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ أَبِي صَفْوَانَ ، قَالَ لَمّا فَتَحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَكّةَ ، انْطَلَقْتُ فَرَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ خَرَجَ مِنْ الْكَعْبَةِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ وَقَدْ اسْتَلَمُوا الرّكْنَ مِنْ الْبَابِ إلَى الْحَطِيمِ ، وَوَضَعُوا خُدُودَهُمْ عَلَى الْبَيْتِ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسَطَهُمْ . وَرَوَى أَبُو دَاوُد أَيْضًا : مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ قَالَ طُفْتُ مَعَ عَبْدِ اللّهِ فَلَمّا حَاذَى دُبُرَ الْكَعْبَةِ قُلْتُ أَلَا تَتَعَوّذُ ؟ قَالَ نَعُوذُ بِاَللّهِ مِنْ النّارِ ، ثُمّ مَضَى حَتّى اسْتَلَمَ الْحَجَرَ ، فَقَامَ بَيْنَ الرّكْنِ وَالْبَابِ فَوَضَعَ صَدْرَهُ وَوَجْهَهُ وَذِرَاعَيْهِ هَكَذَا ، وَبَسَطَهُمَا بَسْطًا ، وَقَالَ هَكَذَا رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَفْعَلُه فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتِ الْوَدَاعِ وَأَنْ يَكُونَ فِي غَيْرِهِ وَلَكِنْ قَالَ مُجَاهِدٌ وَالشّافِعِيّ بَعْدَهُ وَغَيْرُهُمَا : إنّهُ يُسْتَحَبّ أَنْ يَقِفَ فِي الْمُلْتَزَمِ بَعْدَ طَوَافِ الْوَدَاعِ وَيَدْعُو ، وَكَانَ ابْنُ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا يَلْتَزِمُ مَا بَيْنَ الرّكْنِ وَالْبَابِ وَكَانَ يَقُولُ لَا يَلْتَزِمُ مَا بَيْنَهُمَا أَحَدٌ يَسْأَلُ اللّهَ تَعَالَى شَيْئًا إلّا أَعْطَاهُ إيّاهُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ أَيْنَ صَلّى صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الصّبْحَ لَيْلَةَ الْوَدَاعِ ؟]
وَأَمّا الْمَسْأَلَةُ الثّالِثَةُ وَهِيَ مَوْضِعُ صَلَاتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَلَاةَ الصّبْحِ صَبِيحَةَ لَيْلَةِ [ ص 275 ] الصّحِيحَيْنِ " : عَنْ أُمّ سَلَمَةَ ، قَالَتْ شَكَوْتُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّي أَشْتَكِي ، فَقَالَ طُوفِي مِنْ وَرَاءِ النّاسِ وَأَنْتِ رَاكِبَةٌ . قَالَتْ فَطُفْتُ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَئِذٍ يُصَلّي إلَى جَنْبِ الْبَيْتِ وَهُوَ يَقْرَأُ ب وَالطّورِ وَكِتَابٍ مَسْطُورٍ فَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي الْفَجْرِ وَفِي غَيْرِهَا ، وَأَنْ يَكُونَ فِي طَوَافِ الْوَدَاعِ وَغَيْرِهِ فَنَظَرْنَا فِي ذَلِكَ فَإِذَا الْبُخَارِيّ قَدْ رَوَى فِي " صَحِيحِهِ " فِي هَذِهِ الْقِصّةِ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا أَرَادَ الْخُرُوجَ وَلَمْ تَكُنْ أُمّ سَلَمَةَ طَافَتْ بِالْبَيْتِ وَأَرَادَتْ الْخُرُوجَ فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا أُقِيمَتْ صَلَاةُ الصّبْحِ ، فَطُوفِي عَلَى بَعِيرِكِ وَالنّاسُ يُصَلّونَ فَفَعَلَتْ ذَلِكَ فَلَمْ تُصَلّ حَتّى خَرَجَتْ وَهَذَا مَحَالٌ قَطْعًا أَنْ يَكُونَ يَوْمَ النّحْرِ فَهُوَ طَوَافُ الْوَدَاعِ بِلَا رَيْبٍ فَظَهَرَ أَنّهُ صَلّى الصّبْحَ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ الْبَيْتِ وَسَمِعَتْهُ أُمّ سَلَمَةَ يَقْرَأُ فِيهَا بِالطّورِ .
فَصْل [ ارْتِحَالُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمَدِينَةِ ]
ثُمّ ارْتَحَلَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ ، فَلَمّا كَانَ بِالرّوْحَاءِ ، لَقِيَ رَكْبًا ، فَسَلّمَ عَلَيْهِمْ وَقَالَ مَنْ الْقَوْمُ ؟ فَقَالُوا : الْمُسْلِمُونَ قَالُوا : فَمَنْ الْقَوْمُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرَفَعَتْ امْرَأَةٌ صَبِيّا لَهَا مِنْ مِحَفّتِهَا ، فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ أَلِهَذَا حَجّ ؟ قَالَ نَعَمْ وَلَكِ أَجْر فَلَمّا أَتَى ذَا الْحُلَيْفَةِ ، بَاتَ بِهَا ، فَلَمّا رَأَى الْمَدِينَةَ ، كَبّرَ ثَلَاثَ مَرّاتٍ وَقَالَ لَا إلَه إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ سَاجِدُونَ لِرَبّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ [ ص 276 ] دَخَلَهَا نَهَارًا مِنْ طَرِيقِ الْمُعَرّسِ ، وَخَرَجَ مِنْ طَرِيقِ الشّجَرَةِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ فِي الْأَوْهَامِ
[ وَهِمَ ابْنُ حَزْمٍ فِي قَوْلِهِ إنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَعْلَمَ النّاسَ وَقْتَ خُرُوجِهِ أَنّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجّةً ]
فَمِنْهَا : وَهْمٌ لِأَبِي مُحَمّدٍ ابْنِ حَزْمٍ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ حَيْثُ قَالَ إنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَعْلَمَ النّاسَ وَقْتَ خُرُوجِهِ أَنّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَعْدِلُ حَجّةً وَهَذَا وَهْمٌ ظَاهِرٌ فَإِنّهُ إنّمَا قَالَ ذَلِكَ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى الْمَدِينَةِ مِنْ حَجّتِهِ إذْ قَالَ لِأُمّ سِنَانٍ الْأَنْصَارِيّةِ : مَا مَنَعَكِ أَنْ تَكُونِي حَجَجْتِ مَعَنَا ؟ قَالَتْ لَمْ يَكُنْ لَنَا إلّا نَاضِحَانِ فَحَجّ أَبُو وَلَدِي وَابْنِي عَلَى نَاضِحٍ وَتَرَكَ لَنَا نَاضِحًا نَنْضَحُ عَلَيْهِ . قَالَ فَإِذَا جَاءَ رَمَضَانُ فَاعْتَمِرِي ، فَإِنّ عُمْرَةً فِي رَمَضَانَ تَقْضِي حَجّةً هَكَذَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " . وَكَذَلِكَ أَيْضًا قَالَ هَذَا لِأُمّ مَعْقِلٍ بَعْدَ رُجُوعِهِ إلَى الْمَدِينَةِ ، كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، مِنْ حَدِيثِ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ سَلَامٍ ، عَنْ جَدّتِهِ أُمّ مَعْقِلٍ ، قَالَتْ لَمّا حَجّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَجّةَ الْوَدَاعِ وَكَانَ لَنَا جَمَلٌ فَجَعَلَهُ أَبُو مَعْقِلٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَأَصَابَنَا مَرَضٌ فَهَلَكَ أَبُو مَعْقِلٍ ، وَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمّا فَرَغَ مِنْ حَجّهِ جِئْتُهُ فَقَالَ مَا مَنَعَكِ أَنْ تَخْرُجِي مَعَنَا " ؟ فَقَالَتْ لَقَدْ تَهَيّأْنَا ، فَهَلَكَ أَبُو مَعْقِلٍ ، وَكَانَ لَنَا جَمَلٌ وَهُوَ الّذِي نَحُجّ عَلَيْهِ فَأَوْصَى بِهِ أَبُو مَعْقِلٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ . قَالَ" فَهَلّا خَرَجْتِ عَلَيْهِ ؟ فَإِنّ الْحَجّ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَأَمّا إذْ فَاتَتْكِ هَذِهِ الْحَجّةُ مَعَنَا فَاعْتَمِرِي فِي رَمَضَانَ فَإِنّهَا كَحَجّةٍ [ ص 277 ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا وَهْمٌ آخَرُ لَهُ وَهُوَ أَنّ خُرُوجَهُ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ لِسِتّ بَقِينَ مِنْ ذِي الْقَعْدَةِ وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّهُ خَرَجَ لِخَمْسٍ وَأَنّ خُرُوجَهُ كَانَ يَوْمَ السّبْتِ .
فَصْل [ وَهِمَ مُحِبّ الدّينِ الطّبَرِيّ بِقَوْلِهِ خَرَجَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصّلَاةِ ]
وَمِنْهَا وَهْمٌ آخَرُ لِبَعْضِهِمْ ذَكَرَ الطّبَرِيّ فِي " حَجّةِ الْوَدَاعِ " أَنّهُ خَرَجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصّلَاةِ . وَاَلّذِي حَمَلَهُ عَلَى هَذَا الْوَهْمِ الْقَبِيحِ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ خَرَجَ لِسِتّ بَقِينَ فَظَنّ أَنّ هَذَا لَا يُمْكِنُ إلّا أَنْ يَكُونَ الْخُرُوجُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذْ تَمَامُ السّتّ يَوْمَ الْأَرْبِعَاءِ وَأَوّلُ ذِي الْحِجّةِ كَانَ يَوْمَ الْخَمِيسِ بِلَا رَيْبٍ وَهَذَا خَطَأٌ فَاحِشٌ فَإِنّهُ مِنْ الْمَعْلُومِ الّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ أَنّهُ صَلّى الظّهْرَ يَوْمَ خُرُوجِهِ بِالْمَدِينَةِ أَرْبَعًا ، وَالْعَصْرَ بِذِي الْحُلَيْفَة ِ رَكْعَتَيْنِ ثَبَتَ ذَلِكَ فِي " الصّحِيحَيْن ِ " . وَحَكَى الطّبَرِيّ فِي حَجّتِهِ قَوْلًا ثَالِثًا : إنّ خُرُوجَهُ كَانَ يَوْمَ السّبْتِ وَهُوَ اخْتِيَارُ الْوَاقِدِيّ ، وَهُوَ الْقَوْلُ الّذِي رَجّحْنَاهُ أَوّلًا ، لَكِنّ الْوَاقِدِيّ ، وَهِمَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَوْهَامٍ أَحَدُهَا : أَنّهُ زَعَمَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَلّى يَوْمَ خُرُوجِهِ الظّهْرَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ رَكْعَتَيْنِ الْوَهْمُ الثّانِي : أَنّهُ أَحْرَمَ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَقِيبَ صَلَاةِ الظّهْرِ وَإِنّمَا أَحْرَمَ مِنْ الْغَدِ بَعْدَ أَنْ بَاتَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ الْوَهْمُ الثّالِثُ أَنّ الْوَقْفَةَ كَانَتْ يَوْمَ السّبْتِ وَهَذَا لَمْ يَقُلْهُ غَيْرُهُ وَهُوَ وَهْمٌ بَيّنٌ .
فَصْلٌ [ وَهِمَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَطَيّبَ قَبْلَ غَسْلِهِ ثُمّ غَسَلَ الطّيبَ عَنْهُ لَمّا اغْتَسَلَ ]
وَمِنْهَا وَهْمٌ لِلْقَاضِي عِيَاضٍ رَحِمَهُ اللّهُ وَغَيْرِهِ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَطَيّبَ هُنَاكَ قَبْلَ [ ص 278 ] وَمَنْشَأُ هَذَا الْوَهْمِ مِنْ سِيَاقِ مَا وَقَعَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا أَنّهَا قَالَتْ طَيّبْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ طَافَ عَلَى نِسَائِهِ بَعْدَ ذَلِك ، ثُمّ أَصْبَحَ مُحْرِمًا وَاَلّذِي يَرُدّ هَذَا الْوَهْمَ قَوْلُهَا : طَيّبْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِإِحْرَامِهِ وَقَوْلُهَا : كَأَنّي أَنْظُرُ إلَى وَبِيصِ الطّيبِ أَيْ بَرِيقِهِ فِي مَفَارِقِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَفِي لَفْظٍ وَهُوَ يُلَبّي بَعْدَ ثَلَاثٍ مِنْ إحْرَامِهِ وَفِي لَفْظٍ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُحْرِمَ تَطَيّبَ بِأَطْيَبِ مَا يَجِدُ ثُمّ أَرَى وَبِيصَ الطّيبِ فِي رَأْسِهِ وَلِحْيَتِهِ بَعْدَ ذَلِكَ وَكُلّ هَذِهِ الْأَلْفَاظِ أَلْفَاظُ الصّحِيحِ وَأَمّا الْحَدِيثُ الّذِي احْتَجّ بِهِ فَإِنّهُ حَدِيثُ إبْرَاهِيمَ بْنِ مُحَمّدِ بْنِ الْمُنْتَشِرِ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا : كُنْتُ أُطَيّبُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ يَطُوفُ عَلَى نِسَائِهِ ثُمّ يُصْبِحُ مُحْرِمًا وَهَذَا لَيْسَ فِيهِ مَا يَمْنَعُ الطّيبَ الثّانِيَ عِنْدَ إحْرَامِهِ .
فَصْلٌ
[ وَهِمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَحْرَمَ قَبْلَ الظّهْرِ ]
وَمِنْهَا : وَهْمٌ آخَرُ لِأَبِي مُحَمّدٍ ابْنِ حَزْمٍ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَحْرَمَ قَبْلَ الظّهْرِ وَهُوَ وَهْمٌ ظَاهِرٌ لَمْ يُنْقَلْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَإِنّمَا أَهَلّ عَقِيبَ صَلَاةِ الظّهْرِ فِي مَوْضِعِ مُصَلّاهُ ثُمّ رَكِبَ نَاقَتَهُ وَاسْتَوَتْ بِهِ عَلَى الْبَيْدَاءِ وَهُوَ يُهِلّ ، وَهَذَا يَقِينًا كَانَ بَعْدَ صَلَاةِ الظّهْرِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ وَهِمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَاقَ الْهَدْيَ مَعَ نَفْسِهِ وَكَانَ هَدْيَ تَطَوّعٍ]
وَمِنْهَا وَهْمٌ آخَرُ لَهُ وَهُوَ قَوْلُهُ وَسَاقَ الْهَدْيَ مَعَ نَفْسِهِ وَكَانَ هَدْيَ تَطَوّعٍ وَهَذَا بِنَاءٌ مِنْهُ عَلَى أَصْلِهِ الّذِي انْفَرَدَ بِهِ عَنْ الْأَئِمّةِ أَنّ الْقَارِنَ لَا يَلْزَمُهُ هَدْيٌ وَإِنّمَا [ ص 279 ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : وَهْمٌ آخَرُ لِمَنْ قَالَ إنّهُ لَمْ يُعَيّنْ فِي إحْرَامِهِ نُسُكًا ، بَلْ أَطْلَقَهُ وَوَهِمَ مَنْ قَالَ إنّهُ عَيّنَ عُمْرَةً مُفْرَدَةً كَانَ مُتَمَتّعًا بِهَا ، كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى ، وَصَاحِبُ " الْمُغْنِي " وَغَيْرِهِمَا ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ إنّهُ عَيّنَ حَجّا مُفْرَدًا مُجَرّدًا لَمْ يَعْتَمِرْ مَعَهُ وَوَهِمَ مَنْ قَالَ إنّهُ عَيّنَ عُمْرَةً ثُمّ أَدْخَلَ عَلَيْهَا الْحَجّ وَوَهِمَ مَنْ قَالَ إنّهُ عَيّنَ حَجّا مُفْرَدًا ، ثُمّ أَدْخَلَ عَلَيْهِ الْعُمْرَةَ بَعْدَ ذَلِكَ وَكَانَ مِنْ خَصَائِصِهِ وَقَدْ تَقَدّمَ بَيَانُ مُسْتَنَدِ ذَلِكَ وَوَجْهُ الصّوَابِ فِيهِ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : وَهْمٌ لِأَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ الطّبَرِيّ فِي " حَجّةِ الْوَدَاعِ " لَهُ أَنّهُمْ لَمّا كَانُوا بِبَعْضِ الطّرِيقِ صَادَ أَبُو قَتَادَةَ حِمَارًا وَحْشِيّا وَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا ، فَأَكَلَ مِنْهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهَذَا إنّمَا كَانَ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ ، كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيّ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : وَهْمٌ آخَرُ لِبَعْضِهِمْ حَكَاهُ الطّبَرِيّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ دَخَلَ مَكّةَ يَوْمَ الثّلَاثَاءِ وَهُوَ غَلَطٌ فَإِنّمَا دَخَلَهَا يَوْمَ الْأَحَدِ صُبْحَ رَابِعَةٍ مِنْ ذِي الْحِجّةِ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : وَهْمُ مَنْ قَالَ إنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَلّ بَعْدَ طَوَافِهِ وَسَعْيِهِ كَمَا قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَأَصْحَابُهُ وَقَدْ بَيّنّا أَنّ مُسْتَنَدَ هَذَا الْوَهْمِ وَهُمْ مُعَاوِيَةُ ، أَوْ مَنْ رَوَى عَنْهُ أَنّهُ قَصّرَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمِشْقَصٍ عَلَى الْمَرْوَةِ فِي حَجّتِهِ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : وَهْمُ مَنْ زَعَمَ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يُقَبّلُ الرّكْنَ الْيَمَانِيّ فِي طَوَافِهِ وَإِنّمَا [ ص 280 ] الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ ، وَسَمّاهُ الْيَمَانِيّ لِأَنّهُ يُطْلَقُ عَلَيْهِ وَعَلَى الْآخَرِ الْيَمَانِيّيْنِ . فَعَبّرَ بَعْضُ الرّوَاةِ عَنْهُ بِالْيَمَانِيّ مُنْفَرِدًا .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : وَهْمٌ فَاحِشٌ لِأَبِي مُحَمّدٍ ابْنِ حَزْمٍ أَنّهُ رَمَلَ فِي السّعْيِ ثَلَاثَةَ أَشْوَاطٍ وَمَشَى أَرْبَعَةً وَأَعْجَبُ مِنْ هَذَا الْوَهْمِ وَهْمُهُ فِي حِكَايَةِ الِاتّفَاقِ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ الّذِي لَمْ يَقُلْهُ أَحَدٌ سِوَاهُ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : وَهْمُ مَنْ زَعَمَ أَنّهُ طَافَ بَيْنَ الصّفَا وَالْمَرْوَةِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ شَوْطًا ، وَكَانَ ذَهَابُهُ وَإِيَابُهُ مَرّةً وَاحِدَةً وَقَدْ تَقَدّمَ بَيَانُ بُطْلَانِهِ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : وَهْمُ مَنْ زَعَمَ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَلّى الصّبْحَ يَوْمَ النّحْرِ قَبْلَ الْوَقْتِ وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْوَهْمِ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَلّى الْفَجْرَ يَوْمَ النّحْرِ قَبْلَ مِيقَاتِهَا وَهَذَا إنّمَا أَرَادَ بِهِ قَبْلَ مِيقَاتِهَا الّذِي كَانَتْ عَادَتُهُ أَنْ يُصَلّيَهَا فِيهِ فَعَجّلَهَا عَلَيْهِ يَوْمَئِذٍ وَلَا بُدّ مِنْ هَذَا التّأْوِيلِ وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ ، إنّمَا يَدُلّ عَلَى هَذَا ، فَإِنّهُ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " عَنْهُ أَنّهُ قَالَ هُمَا صَلَاتَانِ تُحَوّلَانِ عَنْ وَقْتِهِمَا : صَلَاةُ الْمَغْرِبِ بَعْدَمَا يَأْتِي النّاسُ الْمُزْدَلِفَةَ وَالْفَجْرِ حِينَ يَبْزُغُ الْفَجْرُ وَقَالَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ فَصَلّى الصّبْحَ حِينَ تَبَيّنَ لَهُ الصّبْحُ بِأَذَانٍ وَإِقَامَةٍ [ ص 281 ]
فَصْلٌ وَمِنْهَا وَهْمُ مَنْ وَهِمَ فِي أَنّهُ صَلّى الظّهْرَ وَالْعَصْرَ يَوْمَ عَرَفَةَ ، وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ تِلْكَ اللّيْلَةَ بِأَذَانَيْنِ وَإِقَامَتَيْنِ
وَوَهِمَ مَنْ قَالَ صَلّاهُمَا بِإِقَامَتَيْنِ بِلَا أَذَانٍ أَصْلًا ، وَوَهِمَ مَنْ قَالَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا بِإِقَامَةٍ وَاحِدَةٍ وَالصّحِيحُ أَنّهُ صَلّاهُمَا بِأَذَانٍ وَاحِدٍ وَإِقَامَةٍ لِكُلّ صَلَاةٍ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : وَهْمُ مَنْ زَعَمَ أَنّهُ خَطَبَ بِعَرَفَةَ خُطْبَتَيْنِ جَلَسَ بَيْنَهُمَا ، ثُمّ أَذّنَ الْمُؤَذّنُ فَلَمّا فَرَغَ أَخَذَ فِي الْخُطْبَةِ الثّانِيَةِ فَلَمّا فَرَغَ مِنْهَا ، أَقَامَ الصّلَاةَ وَهَذَا لَمْ يَجِئْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَحَادِيثِ الْبَتّةَ وَحَدِيثُ جَابِرٍ صَرِيحٌ فِي أَنّهُ لَمّا أَكْمَلَ خُطْبَتَهُ أَذّنَ بِلَالٌ ، وَأَقَامَ الصّلَاةَ فَصَلّى الظّهْرَ بَعْدَ الْخُطْبَةِ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : وَهْمٌ لِأَبِي ثَوْرٍ أَنّهُ لَمّا صَعِدَ أَذّنَ الْمُؤَذّنُ فَلَمّا فَرَغَ قَامَ فَخَطَبَ وَهَذَا وَهْمٌ ظَاهِرٌ فَإِنّ الْأَذَانَ إنّمَا كَانَ بَعْدَ الْخُطْبَةِ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : وَهْمُ مَنْ رَوَى ، أَنّهُ قَدّمَ أُمّ سَلَمَة َ لَيْلَةَ النّحْرِ وَأَمَرَهَا أَنْ تُوَافِيَهُ صَلَاةَ الصّبْحِ بِمَكّة َ وَقَدْ تَقَدّمَ بَيَانُهُ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : وَهْمُ مَنْ زَعَمَ أَنّهُ أَخّرَ طَوَافَ الزّيَارَةِ يَوْمَ النّحْرِ إلَى اللّيْلِ وَقَدْ تَقَدّمَ بَيَانُ ذَلِكَ وَأَنّ الّذِي أَخّرَهُ إلَى اللّيْلِ إنّمَا هُوَ طَوَافُ الْوَدَاعِ وَمُسْتَنَدُ هَذَا [ ص 282 ] أَعْلَمُ - أَنّ عَائِشَةَ قَالَتْ أَفَاضَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ آخِرِ يَوْمِهِ كَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْهَا ، فَحَمَلَ عَنْهَا عَلَى الْمَعْنَى ، وَقِيلَ أَخّرَ طَوَافَ الزّيَارَةِ إلَى اللّيْلِ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : وَهْمُ مَنْ وَهِمَ وَقَالَ إنّهُ أَفَاضَ مَرّتَيْنِ مَرّةً بِالنّهَارِ وَمَرّةً مَعَ نِسَائِهِ بِاللّيْلِ وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْوَهْمِ مَا رَوَاهُ عُمَرُ بْنُ قَيْسٍ ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَذِنَ لِأَصْحَابِهِ فَزَارُوا الْبَيْتَ يَوْمَ النّحْرِ ظَهِيرَةً وَزَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعَ نِسَائِهِ لَيْلًا وَهَذَا غَلَطٌ وَالصّحِيحُ عَنْ عَائِشَةَ خِلَافُ هَذَا : أَنّهُ أَفَاضَ نَهَارًا إفَاضَةً وَاحِدَةً وَهَذِهِ طَرِيقَةٌ وَخِيمَةٌ جِدّا ، سَلَكَهَا ضِعَافُ أَهْلِ الْعِلْمِ الْمُتَمَسّكُونَ بِأَذْيَالِ التّقْلِيدِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : وَهْمُ مَنْ زَعَمَ أَنّهُ طَافَ لِلْقُدُومِ يَوْمَ النّحْرِ ثُمّ طَافَ بَعْدَهُ لِلزّيَارَةِ وَقَدْ تَقَدّمَ مُسْتَنَدُ ذَلِكَ وَبُطْلَانُهُ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا وَهْمُ مَنْ زَعَمَ أَنّهُ يَوْمَئِذٍ سَعَى مَعَ هَذَا الطّوَافِ . وَاحْتَجّ بِذَلِكَ عَلَى أَنّ الْقَارِنَ يَحْتَاجُ إلَى سَعْيَيْنِ وَقَدْ تَقَدّمَ بُطْلَانُ ذَلِكَ عَنْهُ وَأَنّهُ لَمْ يَسَعْ إلّا سَعْيًا وَاحِدًا ، كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ وَجَابِرٌ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا . [ ص 283 ]
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : عَلَى الْقَوْلِ الرّاجِحِ وَهْم مَنْ قَالَ إنّهُ صَلّى الظّهْرَ يَوْمَ النّحْرِ بِمَكّةَ ، وَالصّحِيحُ أَنّهُ صَلّاهَا بِمِنًى كَمَا تَقَدّمَ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : وَهْمُ مَنْ زَعَمَ أَنّهُ لَمْ يُسْرِعْ فِي وَادِي مُحَسّر ٍ حِينَ أَفَاضَ مِنْ جَمْعٍ إلَى مِنًى ، وَأَنّ ذَلِكَ إنّمَا هُوَ فِعْلُ الْأَعْرَابِ ، وَمُسْتَنَدُ هَذَا الْوَهْمِ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ : إنّمَا كَانَ بَدْءُ الْإِيضَاعِ مِنْ قِبَلِ أَهْلِ الْبَادِيَةِ كَانُوا يَقِفُونَ حَافّتَيْ النّاسِ حَتّى قَدْ عَلّقُوا الْقِعَابَ وَالْعِصِيّ وَالْجِعَابَ فَإِذَا أَفَاضُوا ، تَقَعْقَعَتْ تِلْكَ فَنَفَرُوا بِالنّاسِ وَلَقَدْ رُئِيَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَإِنّ ذِفْرَى نَاقَتِهِ لَيَمَسّ حَارِكَهَا وَهُوَ يَقُولُ يَا أَيّهَا النّاسُ عَلَيْكُمْ السّكِينَة وَفِي رِوَايَةٍ إنّ الْبِرّ لَيْسَ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالْإِبِلِ ، فَعَلَيْكُمْ بِالسّكِينَةِ فَمَا رَأَيْتُهَا رَافِعَةً يَدَيْهَا حَتّى أَتَى مِنًى رَوَاهُ أَبُو دَاوُد " . وَلِذَلِكَ أَنْكَرَهُ طَاوُوسٌ وَالشّعْبِيّ ، قَالَ الشّعْبِيّ : حَدّثَنِي أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ أَنّهُ أَفَاضَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ عَرَفَةَ ، فَلَمْ تَرْفَعْ رَاحِلَتُهُ رِجْلَهَا عَادِيَةً حَتّى بَلَغَ جَمْعًا . قَالَ وَحَدّثَنِي الْفَضْلُ بْنُ عَبّاسٍ ، أَنّهُ كَانَ رَدِيفَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي جَمْعٍ ، فَلَمْ تَرْفَعْ رَاحِلَتُهُ رِجْلَهَا عَادِيَةً حَتّى رَمَى الْجَمْرَةَ . وَقَالَ عَطَاءٌ إنّمَا أَحْدَثَ هَؤُلَاءِ الْإِسْرَاعَ [ ص 284 ] وَمَنْشَأُ هَذَا الْوَهْمِ اشْتِبَاهُ الْإِيضَاعِ وَقْتَ الدّفْعِ مِنْ عَرَفَةَ الّذِي يَفْعَلُهُ الْأَعْرَابُ وَجُفَاةُ النّاسِ بِالْإِيضَاعِ فِي وَادِي مُحَسّرٍ ، فَإِنّ الْإِيضَاعَ هُنَاكَ بِدْعَةٌ لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَلْ نَهَى عَنْهُ وَالْإِيضَاعُ فِي وَادِي مُحَسّرٍ سُنّةٌ نَقَلَهَا عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَابِرٌ وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَالْعَبّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَفَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَكَانَ ابْنُ الزّبَيْرِ يُوضِعُ أَشَدّ الْإِيضَاعِ وَفَعَلَتْهُ عَائِشَةُ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصّحَابَةِ وَالْقَوْلُ فِي هَذَا قَوْلُ مَنْ أَثْبَتَ لَا قَوْلُ مَنْ نَفَى . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا وَهِمَ طَاوُوس ٌ وَغَيْرُهُ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يُفِيضُ كُلّ لَيْلَةٍ مِنْ لَيَالِي مِنًى إلَى الْبَيْتِ وَقَالَ الْبُخَارِيّ فِي " صَحِيحِهِ " وَيُذْكَرُ عَنْ أَبِي حَسّانَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يَزُورُ الْبَيْتَ أَيّامَ مِنًى وَرَوَاهُ ابْنُ عَرْعَرَةَ قَالَ دَفَعَ إلَيْنَا مُعَاذُ بْنُ هِشَامٍ كِتَابًا قَالَ سَمِعْتُهُ مِنْ أَبِي وَلَمْ يَقْرَأْهُ قَالَ وَكَانَ فِيهِ عَنْ أَبِي حَسّانَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يَزُورُ الْبَيْتَ كُلّ لَيْلَةٍ مَا دَامَ بِمِنًى قَالَ وَمَا رَأَيْتُ أَحَدًا وَاطَأَهُ عَلَيْهِ انْتَهَى . وَرَوَاهُ الثّوْرِيّ فِي " جَامِعِهِ " عَنْ ابْنِ طَاوُوسٍ عَنْ أَبِيهِ [ ص 285 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَرْجِعْ إلَى مَكّةَ بَعْدَ أَنْ طَافَ لِلْإِفَاضَةِ وَبَقِيَ فِي مِنًى إلَى حِينِ الْوَدَاعِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا وَهْمُ مَنْ قَالَ إنّهُ وَدّعَ مَرّتَيْنِ . وَوَهْمُ مَنْ قَالَ إنّهُ جَعَلَ مَكّةَ دَائِرَةً فِي دُخُولِهِ وَخُرُوجِهِ فَبَاتَ بِذِي طُوًى ، ثُمّ دَخَلَ مِنْ أَعْلَاهَا ، ثُمّ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِهَا ، ثُمّ رَجَعَ إلَى الْمُحَصّبِ عَنْ يَمِينِ مَكّةَ ، فَكَمُلَتْ الدّائِرَةُ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا وَهْمُ مَنْ زَعَمَ أَنّهُ انْتَقَلَ مِنْ الْمُحَصّبِ إلَى ظَهْرِ الْعَقَبَةِ ، فَهَذِهِ كُلّهَا مِنْ الْأَوْهَامِ نَبّهْنَا عَلَيْهَا مُفَصّلًا وَمُجْمَلًا وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ .
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْهَدَايَا وَالضّحَايَا وَالْعَقِيقَةِ
وَهِيَ مُخْتَصّةٌ بِالْأَزْوَاجِ الثّمَانِيَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي سُورَةِ ( الْأَنْعَامِ ) وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا عَنْ الصّحَابَةِ هَدْيٌ وَلَا أُضْحِيّةٌ وَلَا عَقِيقَةٌ مِنْ غَيْرِهَا ، وَهَذَا مَأْخُوذٌ مِنْ الْقُرْآنِ مِنْ مَجْمُوعِ أَرْبَعِ آيَاتٍ . إحْدَاهَا : قَوْلُهُ تَعَالَى : { أُحِلّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ } [ الْمَائِدَةُ 1 ] . وَالثّانِيَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَيَذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ فِي أَيّامٍ مَعْلُومَاتٍ عَلَى مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ } [ الْحَجّ : 28 ] . وَالثّالِثَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمّا رَزَقَكُمُ اللّهُ وَلَا تَتّبِعُوا خُطُوَاتِ الشّيْطَانِ إِنّهُ لَكُمْ عَدُوّ مُبِينٌ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } [ ص 286 ] ذَكَرَهَا . الرّابِعَةُ قَوْلُهُ تَعَالَى : { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } [ الْمَائِدَةُ 95 ] . فَدَلّ عَلَى أَنّ الّذِي يَبْلُغُ الْكَعْبَةَ مِنْ الْهَدْيِ هُوَ هَذِهِ الْأَزْوَاجُ الثّمَانِيَةُ وَهَذَا اسْتِنْبَاطُ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ . وَالذّبَائِحُ الّتِي هِيَ قُرْبَةٌ إلَى اللّهِ وَعِبَادَةٌ هِيَ ثَلَاثَةٌ الْهَدْيُ وَالْأُضْحِيّةُ وَالْعَقِيقَةُ . فَأَهْدَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْغَنَمَ وَأَهْدَى الْإِبِلَ وَأَهْدَى عَنْ نِسَائِهِ الْبَقَرَ وَأَهْدَى فِي مَقَامِهِ وَفِي عُمْرَتِهِ وَفِي حَجّتِهِ وَكَانَتْ سُنّتُهُ تَقْلِيدَ الْغَنَمِ دُونَ إشْعَارِهَا . وَكَانَ إذَا بَعَثَ بِهَدْيِهِ وَهُوَ مُقِيمٌ لَمْ يَحْرُمْ عَلَيْهِ شَيْءٌ كَانَ مِنْهُ حَلَالًا . وَكَانَ إذَا أَهْدَى الْإِبِلَ قَلّدَهَا وَأَشْعَرَهَا ، فَيَشُقّ صَفْحَةَ سَنَامِهَا الْأَيْمَنِ يَسِيرًا حَتّى يَسِيلَ الدّمُ . قَالَ الشّافِعِيّ : وَالْإِشْعَارُ فِي الصّفْحَةِ الْيُمْنَى ، كَذَلِكَ أَشْعَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَكَانَ إذَا بَعَثَ بِهَدْيِهِ أَمَرَ رَسُولَهُ إذَا أَشْرَفَ عَلَى عَطَبٍ شَيْءٌ مِنْهُ أَنْ يَنْحَرَهُ ثُمّ يَصْبُغَ نَعْلَهُ فِي دَمِهِ ثُمّ يَجْعَلَهُ عَلَى صَفْحَتِهِ وَلَا يَأْكُلُ مِنْهُ هُوَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ رُفْقَتِهِ ثُمّ يَقْسِمُ لَحْمَهُ وَمَنَعَهُ مِنْ هَذَا الْأَكْلِ سَدّا لِلذّرِيعَةِ فَإِنّهُ لَعَلّهُ رُبّمَا [ ص 287 ] وَشَرّكَ بَيْنَ أَصْحَابِهِ فِي الْهَدْيِ كَمَا تَقَدّمَ الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةُ كَذَلِكَ . وَأَبَاحَ لِسَائِقِ الْهَدْيِ رُكُوبَهُ بِالْمَعْرُوفِ إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ حَتّى يَجِدَ ظَهْرًا غَيْرَه وَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ يَشْرَبُ مِنْ لَبَنِهَا مَا فَضَلَ عَنْ وَلَدِهَا وَكَانَ هَدْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَحْرَ الْإِبِلِ قِيَامًا ، مُقَيّدَةً مَعْقُولَةَ الْيُسْرَى ، عَلَى ثَلَاثٍ وَكَانَ يُسَمّي اللّهَ عِنْدَ نَحْرِهِ وَيُكَبّرُ وَكَانَ يَذْبَحُ نُسُكَهُ بِيَدِهِ وَرُبّمَا وَكّلَ فِي بَعْضِهِ كَمَا أَمَرَ عَلِيّا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنْ يَذْبَحَ مَا بَقِيَ مِنْ الْمِائَةِ . وَكَانَ إذَا ذَبَحَ الْغَنَمَ وَضَعَ قَدَمَهُ عَلَى صِفَاحِهَا ثُمّ سَمّى ، وَكَبّرَ وَذَبَحَ وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّهُ نَحَرَ بِمِنًى وَقَالَ إنّ فِجَاجَ مَكّةَ كُلّهَا مَنْحَر وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : مَنَاحِرُ الْبُدْنِ بِمَكّةَ ، وَلَكِنّهَا نُزّهَتْ عَنْ الدّمَاءِ وَمِنًى مِنْ مَكّةَ ، وَكَانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَنْحَرُ بِمَكّةَ . وَأَبَاحَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأُمّتِهِ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْ هَدَايَاهُمْ وَضَحَايَاهُمْ وَيَتَزَوّدُوا مِنْهَا ، [ ص 288 ] وَنَهَاهُمْ مَرّةً أَنْ يَدّخِرُوا مِنْهَا بَعْدَ ثَلَاثٍ لِدَافّةٍ دَفّتْ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ الْعَامَ مِنْ النّاسِ فَأُحِبّ أَنْ يُوَسّعُوا عَلَيْهِم وَذَكَرَ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ نُفَيْرٍ عَنْ ثَوْبَانَ قَالَ ضَحّى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ قَالَ يَا ثَوْبَانُ أَصْلِحْ لَنَا لَحْمَ هَذِهِ الشّاةِ قَالَ فَمَا زِلْتُ أُطْعِمُهُ مِنْهَا حَتّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ . وَرَوَى مُسْلِمٌ هَذِهِ الْقِصّةَ وَلَفْظُهُ فِيهَا : إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَهُ فِي حَجّةِ الْوَدَاعِ أَصْلِحْ هَذَا اللّحْمَ " قَالَ فَأَصْلَحْتُهُ فَلَمْ يَزَلْ يَأْكُلُ مِنْهُ حَتَى بَلَغَ الْمَدِينَة وَكَانَ رُبّمَا قَسَمَ لُحُومَ الْهَدْيِ وَرُبّمَا قَالَ مَنْ شَاءَ اقْتَطَعَ فَعَلَ هَذَا ، [ ص 289 ] وَنَحْوِهِ وَفُرّقَ بَيْنَهُمَا بِمَا لَا يَتَبَيّنُ .
فَصْلٌ [هَدْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ذَبْحِ هَدْيِ الْعُمْرَةِ وَالْقِرَانِ ]
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَبْحُ هَدْيِ الْعُمْرَةِ عِنْدَ الْمَرْوَةِ ، وَهَدْيِ الْقِرَانِ بِمِنًى ، وَكَذَلِك كَانَ ابْنُ عُمَر َ يَفْعَلُ وَلَمْ يَنْحَرْ هَدْيَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَطّ إلّا بَعْدَ أَنْ حَلّ وَلَمْ يَنْحَرْهُ قَبْلَ يَوْمِ النّحْرِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الصّحَابَةِ الْبَتّةَ وَلَمْ يَنْحَرْهُ أَيْضًا إلّا بَعْدَ طُلُوعِ الشّمْسِ وَبَعْدَ الرّمْيِ فَهِيَ أَرْبَعَةُ أُمُورٍ مُرَتّبَةٍ يَوْمَ النّحْرِ أَوّلُهَا : الرّمْيُ ثُمّ النّحْرُ ثُمّ الْحَلْقُ ثُمّ الطّوَافُ وَهَكَذَا رَتّبَهَا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَمْ يُرَخّصْ فِي النّحْرِ قَبْلَ طُلُوعِ الشّمْسِ الْبَتّةَ وَلَا رِيبَ أَنّ ذَلِكَ مُخَالِفٌ لِهَدْيِهِ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْأُضْحِيّةِ إذَا ذُبِحَتْ قَبْلَ طُلُوعِ الشّمْسِ .
فَصْلٌ وَأَمّا هَدْيُهُ فِي الْأَضَاحِيّ
[ وَقْتُ الذّبْحِ ]
فَإِنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَكُنْ يَدَعُ الْأُضْحِيّةَ وَكَانَ يُضَحّي بِكَبْشَيْنِ وَكَانَ يَنْحَرُهُمَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعِيدِ وَأَخْبَرَ أَنّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَ الصّلَاةِ ، فَلَيْسَ مِنْ النّسُكِ فِي شَيْءٍ وَإِنّمَا هُوَ لَحْمٌ قَدّمَهُ لِأَهْلِهِ هَذَا الّذِي دَلّتْ عَلَيْهِ سُنّتُهُ وَهَدْيُهُ لَا الِاعْتِبَارُ بِوَقْتِ الصّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ بَلْ بِنَفْسِ فِعْلِهَا ، وَهَذَا هُوَ الّذِي نَدِينُ اللّهَ بِهِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَذْبَحُوا الْجَذَعَ مِنْ الضّأْنِ وَالثّنِيّ مِمّا سِوَاهُ وَهِيَ الْمُسِنّةُ . [ ص 290 ] وَرُوِيَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ كُلّ أَيّامِ التّشْرِيقِ ذَبْحٌ لَكِنّ الْحَدِيثَ مُنْقَطِعٌ لَا يَثْبُتُ وَصْلُهُ . وَأَمّا نَهْيُهُ عَنْ ادّخَارِ لُحُومِ الْأَضَاحِيّ فَوْقَ ثَلَاثٍ فَلَا يَدُلّ عَلَى أَنّ أَيّامَ الذّبْحِ ثَلَاثَةٌ فَقَطْ لِأَنّ الْحَدِيثَ دَلِيلٌ عَلَى نَهْيِ الذّابِحِ أَنْ يَدّخِرَ شَيْئًا فَوْقَ ثَلَاثَةِ أَيّامٍ مِنْ يَوْمِ ذَبْحِهِ فَلَوْ أَخّرَ الذّبْحَ إلَى الْيَوْمِ الثّالِثِ لَجَازَ لَهُ الِادّخَارُ وَقْتَ النّهْيِ مَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ ثَلَاثَةِ أَيّامٍ وَاَلّذِينَ حَدّدُوهُ بِالثّلَاثِ [ ص 291 ] فَهِمُوا مِنْ نَهْيِهِ عَنْ الِادّخَارِ فَوْقَ ثَلَاثٍ أَنّ أَوّلَهَا مِنْ يَوْمِ النّحْرِ قَالُوا : وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الذّبْحُ مَشْرُوعًا فِي وَقْتٍ يَحْرُمُ فِيهِ الْأَكْلُ قَالُوا : ثُمّ نُسِخَ تَجْرِيمُ الْأَكْلِ فَبَقِيَ وَقْتُ الذّبْحِ بِحَالِهِ . فَيُقَالُ لَهُمْ إنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَنْهَ إلّا عَنْ الِادّخَارِ فَوْقَ ثَلَاثٍ لَمْ يَنْهَ عَنْ التّضْحِيَةِ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَأَيْنَ أَحَدُهُمَا مِنْ الْآخَرِ وَلَا تَلَازُمَ بَيْنَ مَا نَهَى عَنْهُ وَبَيْنَ اخْتِصَاصِ الذّبْحِ بِثَلَاثٍ لِوَجْهَيْنِ . أَحَدُهُمَا : أَنّهُ يَسُوغُ الذّبْحُ فِي الْيَوْمِ الثّانِي وَالثّالِثِ فَيَجُوزُ لَهُ الِادّخَارُ إلَى تَمَامِ الثّلَاثِ مِنْ يَوْمِ الذّبْحِ وَلَا يَتِمّ لَكُمْ الِاسْتِدْلَالُ حَتّى يَثْبُتَ النّهْيُ عَنْ الذّبْحِ بَعْدَ يَوْمِ النّحْرِ وَلَا سَبِيلَ لَكُمْ إلَى هَذَا . الثّانِي : أَنّهُ لَوْ ذَبَحَ فِي آخِرِ جُزْءٍ مِنْ يَوْمِ النّحْرِ لَسَاغَ لَهُ حِينَئِذٍ الِادّخَارُ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ بَعْدَهُ بِمُقْتَضَى الْحَدِيثِ وَقَدْ قَالَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَيّامُ النّحْرِ يَوْمُ الْأَضْحَى ، وَثَلَاثَةُ أَيّامٍ بَعْدَهُ وَهُوَ مَذْهَبُ إمَامِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ الْحَسَنِ ، وَإِمَامِ أَهْلِ مَكّةَ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ ، وَإِمَامِ أَهْلِ الشّامِ الْأَوْزَاعِيّ ، وَإِمَامِ فُقَهَاءِ أَهْلِ الْحَدِيثِ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ ، وَلِأَنّ الثّلَاثَةَ تَخْتَصّ بِكَوْنِهَا أَيّامَ مِنًى ، وَأَيّامَ الرّمْيِ وَأَيّامَ التّشْرِيقِ وَيَحْرُمُ صِيَامُهَا ، فَهِيَ إخْوَةٌ فِي هَذِهِ الْأَحْكَامِ فَكَيْفَ تَفْتَرِقُ فِي جَوَازِ الذّبْحِ بِغَيْرِ نَصّ وَلَا إجْمَاعٍ . وَرُوِيَ مِنْ وَجْهَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ يَشُدّ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ كُلّ مِنًى مَنْحَرٌ ، و كُلّ أَيّامِ التّشْرِيقِ ذَبْحٌ َرُوِيَ مِنْ حَدِيثِ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ وَفِيهِ انْقِطَاعٌ وَمِنْ حَدِيثِ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، عَنْ عَطَاءٍ عَنْ جَابِرٍ . [ ص 292 ] قَالَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ : أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ عِنْدَ أَهْلِ الْمَدِينَة ِ ثِقَةٌ مَأْمُونٌ . وَفِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ هَذَا أَحَدُهَا .
وَالثّانِي : أَنّ وَقْتَ الذّبْحِ يَوْمُ النّحْرِ وَيَوْمَانِ بَعْدَهُ وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَة َ رَحِمَهُمْ اللّهُ قَالَ أَحْمَدُ هُوَ قَوْلُ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ أَصْحَابِ مُحَمّد ٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَذَكَرَهُ الْأَثْرَمُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ . الثّالِثُ أَنّ وَقْتَ النّحْرِ يَوْمٌ وَاحِدٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ ، لِأَنّهُ اُخْتُصّ بِهَذِهِ التّسْمِيَةِ فَدَلّ عَلَى اخْتِصَاصِ حُكْمِهَا بِهِ وَلَوْ جَازَ فِي الثّلَاثَةِ لَقِيلَ لَهَا : أَيّامُ النّحْرِ كَمَا قِيلَ لَهَا : أَيّامُ الرّمْيِ وَأَيّامُ مِنًى ، وَأَيّامُ التّشْرِيقِ وَلِأَنّ الْعِيدَ يُضَافُ إلَى النّحْرِ وَهُوَ يَوْمٌ وَاحِدٌ كَمَا يُقَالُ عِيدُ الْفِطْرِ . الرّابِعُ قَوْلُ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ : أَنّهُ يَوْمٌ وَاحِدٌ فِي الْأَمْصَارِ وَثَلَاثَةُ أَيّامٍ فِي مِنًى ، لِأَنّهَا هُنَاكَ أَيّامُ أَعْمَالِ الْمَنَاسِكِ مِنْ الرّمْيِ وَالطّوَافِ وَالْحَلْقِ فَكَانَتْ أَيّامًا لِلذّبْحِ بِخِلَافِ أَهْلِ الْأَمْصَارِ .
فَصْلٌ [ مَسَائِلُ تَتَعَلّقُ بِالْأُضْحِيّةِ ]
وَمِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ مَنْ أَرَادَ التّضْحِيَةَ وَدَخَلَ يَوْمُ الْعَشْرِ ، فَلَا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ وَبَشَرِهِ شَيْئًا ثَبَتَ النّهْيُ عَنْ ذَلِكَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " . وَأَمّا الدّارَقُطْنِيّ [ ص 293 ] فَقَالَ الصّحِيحُ عِنْدِي أَنّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى أُمّ سَلَمَة .
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اخْتِيَارُ الْأُضْحِيّةِ وَاسْتِحْسَانُهَا ، وَسَلَامَتُهَا مِنْ الْعُيُوبِ وَنَهَى أَنْ يُضَحّى بِعَضْبَاءِ الْأُذُنِ وَالْقَرْنِ أَيْ مَقْطُوعَةِ الْأُذُنِ وَمَكْسُورَةِ الْقَرْنِ النّصْفُ فَمَا زَادَ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد وَأَمَرَ أَنْ تُسْتَشْرَفَ الْعَيْنُ وَالْأُذُن أَيْ يُنْظَرُ إلَى سِلَامَتِهَا ، وَأَنْ لَا يُضَحّى بِعَوْرَاءَ وَلَا مُقَابَلَةٍ وَلَا مُدَابَرَةٍ وَلَا شَرْقَاءَ وَلَا خَرْقَاءَ . وَالْمُقَابَلَةُ هِيَ الّتِي قُطِعَ مُقَدّمُ أُذُنِهَا ، وَالْمُدَابَرَةُ الّتِي قُطِعَ مُؤَخّرُ أُذُنِهَا ، وَالشّرْقَاءُ الّتِي شُقّتْ أُذُنُهَا ، وَالْخَرْقَاءُ الّتِي خُرِقَتْ أُذُنُهَا . ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد . وَذَكَرَ عَنْهُ أَيْضًا أَرْبَعٌ لَا تُجْزِئُ فِي الْأَضَاحِيّ : الْعَوْرَاءُ الْبَيّنُ عَوَرُهَا ، وَالْمَرِيضَةُ الْبَيّنُ مَرَضُهَا ، وَالْعَرْجَاءُ الْبَيّنُ عَرَجُهَا ، وَالْكَسِيرَةُ الّتِي لَا تُنْقِي ، وَالْعَجْفَاءُ الّتِي لَا تُنْقِي أَيْ مِنْ هُزَالِهَا لَا مُخّ فِيهَا . وَذَكَرَ أَيْضًا أَنّ [ ص 294 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَهَى عَنْ الْمُصْفَرّةِ وَالْمُسْتَأْصَلَةِ ، وَالْبَخْقَاءِ وَالْمُشَيّعَةِ وَالْكَسْرَاءِ فَالْمُصْفَرّةُ الّتِي تُسْتَأْصَلُ أُذُنُهَا حَتّى يَبْدُوَ صِمَاخُهَا ، وَالْمُسْتَأْصَلَةُ الّتِي اُسْتُوْصِلَ قَرْنُهَا مِنْ أَصْلِهِ وَالْبَخْقَاءُ الّتِي بُخِقَتْ عَيْنُهَا ، وَالْمُشَيّعَةُ الّتِي لَا تَتْبَعُ الْغَنَمَ عَجَفًا وَضَعْفًا ، وَالْكَسْرَاءُ الْكَسِيرَةُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ كَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُضَحّي بِالْمُصَلّى ]
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُضَحّيَ بِالْمُصَلّى ، ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرٍ أَنّهُ شَهِدَ مَعَهُ الْأَضْحَى بِالْمُصَلّى ، فَلَمّا قَضَى خُطْبَتَهُ نَزَلَ مِنْ مِنْبَرِهِ وَأُتِيَ بِكَبْشٍ فَذَبَحَهُ بِيَدِهِ وَقَالَ بِسْمِ اللّهِ وَاَللّهُ أَكْبَرُ هَذَا عَنّي وَعَمّنْ لَمْ يُضَحّ مِنْ أُمّتِي وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يَذْبَحُ وَيَنْحَرُ بِالْمُصَلّى [ ص 295 ]
[ دُعَاؤُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَبْلَ الذّبْحِ ]
وَذَكَرَ أَبُو دَاوُد عَنْهُ أَنّهُ ذَبَحَ يَوْمَ النّحْرِ كَبْشَيْنِ أَقْرَنَيْنِ أَمْلَحَيْنِ مَوْجُوءَيْنِ فَلَمّا وَجّهَهُمَا قَالَ وَجّهْتُ وَجْهِي لِلّذِي فَطَرَ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا ، وَمَا أَنَا مِنْ الْمُشْرِكِينَ إنّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوّلُ الْمُسْلِمِينَ اللّهُمّ مِنْكَ وَلَكَ عَنْ مُحَمّدٍ وَأُمّتِهِ بِسْمِ اللّهِ وَاَللّهُ أَكْبَرُ ثُمّ ذَبَحَ . وَأَمَرَ النّاسَ إذَا ذَبَحُوا أَنْ يُحْسِنُوا ، وَإِذَا قَتَلُوا أَنْ يُحْسِنُوا الْقِتْلَةَ وَقَالَ إنّ اللّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ
[ تُجْزِئُ الشّاةِ عَنْ الرّجُلِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ ]
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ الشّاةَ تُجْزِئُ عَنْ الرّجُلِ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَلَوْ كَثُرَ عَدَدُهُمْ كَمَا قَالَ عَطَاءُ بْنُ يَسَارٍ : سَأَلْتُ أَبَا أَيّوبٍ الْأَنْصَارِيّ : كَيْفَ كَانَتْ الضّحَايَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ؟ فَقَالَ إنْ كَانَ الرّجُلُ يُضَحّي بِالشّاةِ عَنْهُ وَعَنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فَيَأْكُلُونَ وَيُطْعِمُونَ قَالَ التّرْمِذِيّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . [ ص 296 ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْعَقِيقَةِ
فِي " الْمُوَطّأِ " أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سُئِلَ عَنْ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ لَا أُحِبّ الْعُقُوقَ كَأَنّهُ كَرِهَ الِاسْمَ ذَكَرَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ ، عَنْ أَبِيهِ . قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ : وَأَحْسَنُ أَسَانِيدِهِ مَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرّزّاقِ : أَنْبَأَ دَاوُد بْنُ قَيْسٍ ، قَالَ [ ص 297 ] عَمْرَو بْنَ شُعَيْبٍ يُحَدّثُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ قَالَ سُئِلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ الْعَقِيقَةِ فَقَالَ لَا أُحِبّ الْعُقُوقَ وَكَأَنّهُ كَرِهَ الِاسْمَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ يَنْسُكُ أَحَدُنَا عَنْ وَلَدِهِ ؟ فَقَالَ مَنْ أَحَبّ مِنْكُمْ أَنْ يَنْسُكَ عَنْ وَلَدِهِ فَلْيَفْعَلْ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ وصح عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ
[ مَعْنَى كُلّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ ]
" وَقَالَ كُلّ غُلَامٍ رَهِينَةٌ بِعَقِيقَتِهِ تُذْبَحُ عَنْهُ يَوْمَ السّابِعِ وَيُحْلَقُ رَأْسُهُ وَيُسَمّى قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَد ُ مَعْنَاهُ أَنّهُ مَحْبُوسٌ عَنْ الشّفَاعَةِ فِي أَبَوَيْهِ وَالرّهْنُ فِي اللّغَةِ الْحَبْسُ قَالَ تَعَالَى : { كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ رَهِينَةٌ } [ الْمُدّثّرُ 38 ] وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنّهُ رَهِينَةٌ فِي نَفْسِهِ مَمْنُوعٌ مَحْبُوسٌ عَنْ خَيْرٍ يُرَادُ بِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذَلِكَ أَنْ يُعَاقَبَ عَلَى ذَلِكَ فِي الْآخِرَةِ وَإِنْ حُبِسَ بِتَرْكِ أَبَوَيْهِ الْعَقِيقَةَ عَمّا يَنَالُهُ مَنْ عَقّ عَنْهُ أَبَوَاهُ وَقَدْ يَفُوتُ الْوَلَدَ خَيْرٌ بِسَبَبِ تَفْرِيطِ الْأَبَوَيْنِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ كَسْبِهِ كَمَا أَنّهُ عِنْدَ الْجِمَاعِ إذَا سَمّى أَبُوهُ لَمْ يَضُرّ الشّيْطَانُ وَلَدَهُ وَإِذَا تَرَكَ التّسْمِيَةَ لَمْ يَحْصُلْ لِلْوَلَدِ هَذَا الْحِفْظُ . وَأَيْضًا فَإِنّ هَذَا إنّمَا يَدُلّ عَلَى أَنّهَا لَازِمَةٌ لَا بُدّ مِنْهَا ، فَشَبّهَ لُزُومَهَا وَعَدَمَ [ ص 298 ] كَاللّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيّ ، وَأَهْلِ الظّاهِرِ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
[ هَلْ التّدْمِيَةُ مِنْ الْعَقِيقَةِ صَحِيحَةٌ أَوْ غَلَطٌ ؟]
فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ فِي رِوَايَةِ هَمّامٍ عَنْ قَتَادَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ " وَيُدَمّى " قَالَ هَمّامٌ سُئِلَ قَتَادَةُ عَنْ قَوْلِهِ و " يُدَمّى " كَيْفَ يَصْنَعُ بِالدّمِ ؟ فَقَالَ إذَا ذُبِحَتْ الْعَقِيقَةُ أُخِذَتْ مِنْهَا صُوفَةٌ وَاسْتُقْبِلَتْ بِهَا أَوْدَاجُهَا ، ثُمّ تُوضَعُ عَلَى يَافُوخِ الصّبِيّ حَتّى تَسِيلَ عَلَى رَأْسِهِ مِثْلَ الْخَيْطِ ثُمّ يُغْسَلُ رَأْسُهُ بَعْدُ وَيُحْلَقُ قِيلَ اخْتَلَفَ النّاسُ فِي ذَلِكَ فَمِنْ قَائِلٍ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ وَلَا يَصِحّ سَمَاعُهُ عَنْهُ وَمِنْ قَائِلٍ سَمَاعٌ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ هَذَا صَحِيحٌ صَحّحَهُ التّرْمِذِي ّ وَغَيْرُهُ وَقَدْ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ حَبِيبِ بْنِ الشّهِيدِ قَالَ قَالَ لِي مُحَمّدُ بْنُ سِيرِينَ : اذْهَبْ فَسَلْ الْحَسَنَ مِمّنْ سَمِعَ حَدِيثَ الْعَقِيقَةِ ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ سَمِعْته مِنْ سَمُرَةَ . ثُمّ اُخْتُلِفَ فِي التّدْمِيَةِ بَعْدُ هَلْ هِيَ صَحِيحَةٌ أَوْ غَلَطٌ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ . فَقَالَ أَبُو دَاوُد فِي " سُنَنِهِ " : هِيَ وَهْمٌ مِنْ هَمّامِ بْنِ يَحْيَى . وَقَوْلُهُ وَيُدَمّى ، إنّمَا هُوَ " وَيُسَمّى " وَقَالَ غَيْرُهُ كَانَ فِي لِسَانِ هَمّامٍ لُثْغَةٌ فَقَالَ " وَيُدَمّى " وَإِنّمَا أَرَادَ أَنْ يُسَمّى ، وَهَذَا لَا يَصِحّ ، فَإِنّ هَمّامًا وَإِنْ كَانَ وَهْم فِي اللّفْظِ وَلَمْ يُقِمْهُ لِسَانُهُ فَقَدْ حَكَى عَنْ قَتَادَةَ صِفّةَ التّدْمِيَةِ وَأَنّهُ سُئِلَ عَنْهَا فَأَجَابَ بِذَلِكَ وَهَذَا لَا تَحْتَمِلُهُ اللّثْغَةُ بِوَجْهٍ . فَإِنْ كَانَ لَفْظُ التّدْمِيَةِ هُنَا وَهْمًا ، فَهُوَ مِنْ قَتَادَةَ ، أَوْ مِنْ الْحَسَنِ وَاَلّذِينَ أَثْبَتُوا لَفْظَ التّدْمِيَةِ قَالُوا : إنّهُ مِنْ سُنّةِ الْعَقِيقَةِ وَهَذَا مَرْوِيّ عَنْ الْحَسَنِ وَقَتَادَةَ ، وَاَلّذِينَ مَنَعُوا التّدْمِيَةَ كَمَالِكٍ ، وَالشّافِعِيّ ، وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ ، قَالُوا : " وَيُدَمّى " غَلَطٌ وَإِنّمَا هُوَ " وَيُسَمّى " قَالُوا : وَهَذَا كَانَ مِنْ عَمَلِ أَهْلِ الْجَاهِلِيّةِ فَأَبْطَلَهُ الْإِسْلَامُ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، عَنْ بُرَيْدَةَ بْنِ الْحُصَيْبِ قَالَ كُنّا فِي الْجَاهِلِيّةِ إذَا وُلِدَ لِأَحَدِنَا غُلَامٌ ذَبَحَ شَاةً وَلَطّخَ رَأْسَهُ بِدَمِهَا ، فَلَمّا جَاءَ اللّهُ بِالْإِسْلَامِ كُنّا نَذْبَحُ شَاةً وَنَحْلِقُ رَأْسَهُ وَنُلَطّخُهُ بِزَعْفَرَانٍ [ ص 299 ] قَالُوا : وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِي إسْنَادِهِ الْحُسَيْنُ بْنُ وَاقِدٍ ، وَلَا يُحْتَجّ بِهِ فَإِذَا انْضَافَ إلَى قَوْلِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمِيطُوا عَنْهُ الْأَذَى وَالدّمُ أَذًى ، فَكَيْفَ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يُلَطّخُوهُ بِالْأَذَى ؟ قَالُوا : وَمَعْلُومٌ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَقّ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ بِكَبْشٍ كَبْشٍ وَلَمْ يُدَمّهِمَا ، وَلَا كَانَ ذَلِكَ مِنْ هَدْيِهِ وَهَدْيِ أَصْحَابِهِ قَالُوا : وَكَيْفَ يَكُونُ مِنْ سُنّتِهِ تَنْجِيسُ رَأْسِ الْمَوْلُودِ وَأَيْنَ لِهَذَا شَاهِدٌ وَنَظِيرٌ فِي سُنّتِهِ وَإِنّمَا يَلِيقُ هَذَا بِأَهْلِ الْجَاهِلِيّةِ .
فَصْلٌ [ هَلْ عَقِيقَةُ الْغُلَامِ شَاتَانِ ؟ ]
فَإِنْ قِيلَ عَقّهُ عَنْ الْحَسَن ِ وَالْحُسَيْن ِ بِكَبْشٍ كَبْشٍ يَدُلّ عَلَى أَنّ هَدْيَهُ أَنّ عَلَى الرّأْسِ رَأْسًا ، وَقَدْ صَحّحَ عَبْدُ الْحَقّ الْإِشْبِيلِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبّاسٍ وَأَنَسٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَقّ عَنْ الْحَسَنِ بِكَبْشٍ ، وَعَنْ الْحُسَيْنِ بِكَبْشٍ وَكَانَ مَوْلِدُ الْحَسَنِ عَامَ أُحُدٍ وَالْحُسَيْنِ فِي الْعَامِ الْقَابِلِ مِنْهُ . [ ص 300 ] وَرَوَى التّرْمِذِي ّ مِنْ حَدِيثِ عَلِي ّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ عَقّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ الْحَسَنِ شَاةً وَقَالَ يَا فَاطِمَةُ احْلِقِي رَأْسَهُ ، وَتَصَدّقِي بِزِنَةِ شَعْرِهِ فِضّةً فَوَزَنّاهُ فَكَانَ وَزْنُهُ دِرْهَمًا أَوْ بَعْضَ دِرْهَمٍ وَهَذَا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ إسْنَادُهُ مُتّصِلًا فَحَدِيثُ أَنَسٍ وَابْنِ عَبّاسٍ يَكْفِيَانِ . قَالُوا : لِأَنّهُ نُسُكٌ فَكَانَ عَلَى الرّأْسِ مِثْلُهُ كَالْأُضْحِيّةِ وَدَمِ التّمَتّعِ . فَالْجَوَابُ أَنّ أَحَادِيثَ الشّاتَيْنِ عَنْ الذّكَرِ وَالشّاةُ عَنْ الْأُنْثَى ، أَوْلَى أَنْ يُؤْخَذَ بِهَا لِوُجُوهٍ . أَحَدُهَا : كَثْرَتُهَا ، فَإِنّ رُوَاتَهَا : عَائِشَةُ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرٍو ، وَأُمّ كُرْزٍ الْكَعْبِيّةُ ، وَأَسْمَاءُ . فَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أُمّ كُرْزٍ قَالَتْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَسَمِعْتُ أَحْمَد َ يَقُولُ مُكَافِئَتَانِ مُسْتَوِيَتَانِ أَوْ مُقَارِبَتَانِ قُلْت : هُوَ مُكَافَأَتَانِ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَمُكَافِئَتَانِ بِكَسْرِهَا ، وَالْمُحَدّثُونَ يَخْتَارُونَ الْفَتْحَ قَالَ الزّمَخْشَرِيّ لَا فَرْقَ بَيْنَ الرّوَايَتَيْنِ لِأَنّ كُلّ مَنْ كَافَأْته ، فَقَدْ كَافَأَك . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْهَا تَرْفَعُهُ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ أَقِرّوا الطّيْرَ عَلَى مَكِنَاتِهَا [ ص 301 ] عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ لَا يَضُرّكُمْ أَذُكْرَانًا كُنّ أَمْ إنَاثًا وَعَنْهَا أَيْضًا تَرْفَعُهُ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مِثْلَانِ ، وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ وَقَالَ التّرْمِذِيّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَقَدْ تَقَدّمَ حَدِيثُ عَمْرِو بْنِ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ فِي ذَلِكَ وَعَنْ عَائِشَةَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَهُمْ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ . قَالَ التّرْمِذِيّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَرَوَى إسْمَاعِيلُ بْنُ عَيّاشٍ عَنْ ثَابِتِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ أَسْمَاءَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ يُعَقّ عَنْ الْغُلَامِ شَاتَانِ مُكَافِئَتَانِ وَعَنْ الْجَارِيَةِ شَاةٌ . قَالَ مُهَنّا قُلْتُ لِأَحْمَدَ مَنْ أَسْمَاءُ ؟ فَقَالَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ أَسْمَاءَ بِنْتَ أَبِي بَكْرٍ . وَفِي كِتَابِ الْخَلّالِ قَالَ مُهَنّا قُلْتُ لِأَحْمَدَ حَدّثَنَا خَالِدُ بْنُ خِدَاشٍ ، قَالَ حَدّثْنَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ وَهْبٍ ، قَالَ حَدّثَنَا عَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ أَنّ أَيّوبَ بْنَ مُوسَى حَدّثَهُ أَنّ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الْمُزَنِيّ حَدّثَهُ عَنْ أَبِيهِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ يُعَقّ عَنْ الْغُلَامِ وَلَا يُمَسّ رَأْسُهُ بِدَمٍ وَقَالَ فِي الْإِبِلِ الْفَرَعُ ، وَفِي الْغَنَمِ الْفَرَعُ فَقَالَ [ ص 302 ] أَحْمَدُ مَا أَعْرِفُهُ وَلَا أَعْرِفُ عَبْدَ بْنَ يَزِيدَ الْمُزَنِيّ ، وَلَا هَذَا الْحَدِيثَ . فَقُلْتُ لَهُ أَتُنْكِرُهُ ؟ فَقَالَ لَا أَعْرِفُهُ وَقِصّةُ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا حَدِيثٌ وَاحِدٌ . الثّانِي : أَنّهَا مِنْ فِعْلِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَحَادِيثُ الشّاتَيْنِ مِنْ قَوْلِهِ وَقَوْلُهُ عَامّ ، وَفِعْلُهُ يَحْتَمِلُ الِاخْتِصَاصَ . الثّالِثُ أَنّهَا مُتَضَمّنَةٌ لِزِيَادَةٍ فَكَانَ الْأَخَذُ بِهَا أَوْلَى . الرّابِعُ أَنّ الْفِعْلَ يَدُلّ عَلَى الْجَوَازِ وَالْقَوْلُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَالْأَخَذُ بِهِمَا مُمْكِنٌ فَلَا وَجْهَ لِتَعْطِيلِ أَحَدِهِمَا . الْخَامِسُ أَنّ قِصّةَ الذّبْحِ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ كَانَتْ عَامَ أُحُدٍ وَالْعَامَ الّذِي بَعْدَهُ وَأُمّ كُرْزٍ سَمِعَتْ مِنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا رَوَتْهُ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ سَنَةَ سِتّ بَعْدَ الذّبْحِ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ قَالَهُ النّسَائِيّ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ . السّادِسُ أَنّ قِصّةَ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا بَيَانُ جَنْسِ الْمَذْبُوحِ وَأَنّهُ مِنْ الْكِبَاشِ لَا تَخْصِيصُهُ بِالْوَاحِدِ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ ضَحّى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ نِسَائِهِ بَقَرَةً وَكُنّ تِسْعًا ، وَمُرَادُهَا : الْجَنْسُ لَا التّخْصِيصُ بِالْوَاحِدَةِ . السّابِعُ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ فَضّلَ الذّكَرَ عَلَى الْأُنْثَى ، كَمَا قَالَ { وَلَيْسَ الذّكَرُ كَالْأُنْثَى } [ آلُ عِمْرَانَ 37 ] وَمُقْتَضَى هَذَا التّفَاضُلِ تَرْجِيحُهُ عَلَيْهَا فِي الْأَحْكَامِ وَقَدْ جَاءَتْ الشّرِيعَةُ بِهَذَا التّفْضِيلِ فِي جَعْلِ الذّكَرِ كَالْأُنْثَيَيْنِ فِي الشّهَادَةِ وَالْمِيرَاثِ وَالدّيَةِ فَكَذَلِكَ أُلْحِقَتْ الْعَقِيقَةُ بِهَذِهِ الْأَحْكَامِ . الثّامِنُ أَنّ الْعَقِيقَةَ تُشْبِهُ الْعِتْقَ عَنْ الْمَوْلُودِ فَإِنّهُ رَهِينٌ بِعَقِيقَتِهِ فَالْعَقِيقَةُ تَفُكّهُ وَتُعْتِقُهُ وَكَانَ الْأَوْلَى أَنْ يُعَقّ عَنْ الذّكَرِ بِشَاتَيْنِ وَعَنْ الْأُنْثَى بِشَاةٍ كَمَا أَنّ عِتْقَ الْأُنْثَيَيْنِ يَقُومُ مَقَامَ عِتْقَ الذّكَرِ . كَمَا فِي " جَامِعِ التّرْمِذِيّ " وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 303 ] أَيّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَءًا مُسْلِمًا ، كَانَ فِكَاكَهُ مِنْ النّارِ يُجْزِي كُلّ عُضْوٍ مِنْهُ عُضْوًا مِنْهُ وَأَيّمَا امْرِئٍ مُسْلِمٍ أَعْتَقَ امْرَأَتَيْنِ مُسْلِمَتَيْنِ كَانَتَا فِكَاكَهُ مِنْ النّارِ يُجْزِي كُلّ عُضْوٍ مِنْهُمَا عُضْوًا مِنْهُ وَأَيّمَا امْرَأَةٍ مُسْلِمَةٍ أَعْتَقَتْ امْرَأَةً مُسْلِمَةً كَانَتْ فِكَاكَهَا مِنْ النّار ، يُجْزِي كُلّ عُضْوٍ مِنْهَا عُضْوًا مِنْهَا وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ . فَصْلٌ ذَكَرَ أَبُو دَاوُد فِي " الْمَرَاسِيلِ " عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ فِي الْعَقِيقَةِ الّتِي عَقّتْهَا فَاطِمَةُ عَنْ الْحَسَنِ وَالْحُسَيْنِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا ، أَنْ ابْعَثُوا إلَى بَيْتِ الْقَابِلَةِ بِرِجْلٍ وَكُلُوا وَأَطْعِمُوا وَلَا تَكْسِرُوا مِنْهَا عَظْماً .
فَصْلٌ [ هَلْ عَقّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ نَفْسِهِ ؟ ]
وَذَكَرَ ابْنُ أَيْمَنَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَقّ عَنْ نَفْسِهِ بَعْدَ أَنْ جَاءَتْهُ النّبُوّةُ وَهَذَا الْحَدِيثُ قَالَ أَبُو دَاوُد فِي " مَسَائِلِه ِ " : سَمِعْتُ أَحْمَدَ حَدّثَهُمْ بِحَدِيثِ الْهَيْثَمِ بْنِ جَمِيلٍ ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الْمُثَنّى صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ ثُمَامَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَقّ عَنْ نَفْسِهِ فَقَالَ أَحْمَدُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مُحَرّرٍ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَنَسٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَقّ عَنْ نَفْسِهِ قَالَ مُهَنّا قَالَ أَحْمَدُ هَذَا مُنْكَرٌ وَضَعّفَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ الْمُحَرّرِ .
فَصْلٌ [ الْأَذَانُ فِي أُذُنِ الْمَوْلُودِ ]
ذَكَرَ أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي رَافِعٍ قَالَ رَأَيْتُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَذّنَ فِي أُذُنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيّ حِينَ وَلَدَتْهُ أُمّهُ فَاطِمَةُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا بِالصّلَاةِ . [ ص 304 ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ وَخِتَانِهِ
قَدْ تَقَدّمَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَة َ فِي الْعَقِيقَةِ تُذْبَحُ يَوْمَ سَابِعِهِ وَيُسَمّى قَالَ الْمَيْمُونِيّ : تَذَاكَرْنَا لِكَمْ يُسَمّى الصّبِيّ ؟ قَالَ لَنَا أَبُو عَبْدِ اللّهِ يُرْوَى عَنْ أَنَسٍ أَنّهُ يُسْمَى لِثَلَاثَةٍ وَأَمّا سَمُرَةُ فَقَالَ يُسَمّى فِي الْيَوْمِ السّابِعِ . فَأَمّا الْخِتَانُ فَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : كَانُوا لَا يَخْتِنُونَ الْغُلَامَ حَتّى يُدْرِكَ . قَالَ الْمَيْمُونِيّ : سَمِعْتُ أَحْمَدَ يَقُولُ كَانَ الْحَسَنُ يَكْرَهُ أَنْ يُخْتَنَ الصّبِيّ يَوْمَ سَابِعِهِ وَقَالَ حَنْبَلٌ إنّ أَبَا عَبْدِ اللّهِ قَالَ وَإِنْ خُتِنَ يَوْمَ السّابِعِ فَلَا بَأْسَ وَإِنّمَا كَرِهَ الْحَسَنُ ذَلِكَ لِئَلّا يَتَشَبّهَ بِالْيَهُودِ وَلَيْسَ فِي هَذَا شَيْءٌ . قَالَ مَكْحُولٌ : خَتَنَ إبْرَاهِيمُ ابْنَهُ إسْحَاقَ لِسَبْعَةِ أَيّامٍ وَخَتَنَ إسْمَاعِيل َ لِثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً ذَكَرَهُ الْخَلّالُ . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيّةَ : فَصَارَ خِتَانُ إسْحَاقَ سُنّةً فِي وَلَدِهِ وَخِتَانُ إسْمَاعِيلَ سُنّةً فِي وَلَدِهِ وَقَدْ تَقَدّمَ الْخِلَافُ فِي خِتَانِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَتَى كَانَ ذَلِكَ . [ ص 305 ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْأَسْمَاءِ وَالْكُنَى
ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ إنّ أَخْنَعَ اسْمٍ عِنْدَ اللّهِ رَجُلٌ تَسَمّى مَلِكَ الْأَمْلَاكِ لَا مَلِكَ إلّا اللّهُ وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ أَحَبّ الْأَسْمَاءِ إلَى اللّهِ عَبْدُ اللّهِ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ وَأَصْدَقُهَا حَارِثٌ وَهَمّامٌ وَأَقْبَحُهَا حَرْبٌ وَمُرّةُ وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لَا تُسَمّيَن غُلَامَكَ يَسَارًا وَلَا رَبَاحًا وَلَا نَجِيحًا وَلَا أَفْلَحَ فَإِنّكَ تَقُولُ أَثَمّتَ هُوَ ؟ فَلَا يَكُونُ فَيُقَالُ لَا [ ص 306 ] وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ غَيّرَ اسْمَ عَاصِيَةَ وَقَالَ أَنْتِ جَمِيلَةٌ وَكَانَ اسْمُ جُوَيْرِيَةَ بَرّةً فَغَيّرَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِاسْمِ جُوَيْرِيَةَ . وَقَالَتْ زَيْنَبُ بِنْتُ أُمّ سَلَمَةَ : نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُسَمّى بِهَذَا الِاسْمِ فَقَالَ لَا تُزَكّوا أَنْفُسَكُمْ اللّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرّ مِنْكُمْ . وَغَيّرَ اسْمَ أَصْرَمَ بِزُرْعَةَ وَغَيّرَ اسْمَ أَبِي الْحَكَمِ بِأَبِي شُرَيْحٍ وَغَيّرَ اسْمَ حَزْنٍ جَدّ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ وَجَعَلَهُ سَهْلًا فَأَبَى ، وَقَالَ " السّهْلُ يُوطَأُ وَيُمْتَهَنُ " . قَالَ أَبُو دَاوُد : وَغَيّرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اسْمَ الْعَاصِ وَعَزِيزٍ وَعَتْلَةَ وَشَيْطَانٍ وَالْحَكَمِ وَغُرَابٍ وَحُبَابٍ وَشِهَابٍ ، فَسَمّاهُ هِشَامًا ، وَسَمّى حَرْبًا سِلْمًا ، وَسَمّى الْمُضْطَجِعَ الْمُنْبَعِثَ وَأَرْضًا عَفْرَةً سَمّاهَا خَضِرَةً ، وَشِعْبُ الضّلَالَةِ سَمّاهُ شِعْبَ الْهُدَى ، وَبَنُو الزّنْيَةِ سَمّاهُمْ بَنِي الرّشْدَةِ ، وَسَمّى بَنِي مُغْوِيَةَ بَنِي رِشْدَةَ [ ص 307 ]
فَصْلٌ فِي فِقْهِ هَذَا الْبَاب
[ اخْتِيَارُ الْأَسْمَاءِ الْحَسَنَةِ لِأَنّ الْأَسْمَاءَ قَوَالِبُ لِلْمَعَانِي ]
لَمّا كَانَتْ الْأَسْمَاءُ قَوَالِبَ لِلْمَعَانِي ، وَدَالّةً عَلَيْهَا ، اقْتَضَتْ الْحِكْمَةُ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهَا وَبَيْنَهَا ارْتِبَاطٌ وَتَنَاسُبٌ وَأَنْ لَا يَكُونَ الْمَعْنَى مَعَهَا بِمَنْزِلَةِ الْأَجْنَبِيّ الْمَحْضِ الّذِي لَا تَعَلّقَ لَهُ بِهَا ، فَإِنّ حِكْمَةَ الْحَكِيمِ تَأْبَى ذَلِكَ وَالْوَاقِعُ يَشْهَدُ بِخِلَافِهِ بَلْ لِلْأَسْمَاءِ تَأْثِيرٌ فِي الْمُسَمّيَاتِ وَلِلْمُسَمّيَاتِ تَأَثّرٌ عَنْ أَسْمَائِهَا فِي الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَالْخِفّةِ وَالثّقَلِ وَاللّطَافَةِ وَالْكَثَافَةِ كَمَا قِيلَ
وَقَلّمَا أَبْصَرَتْ عَيْنَاكَ ذَا لَقَب
إلّا وَمَعْنَاهُ إنْ فَكّرْتَ فِي لَقَبِهِ
وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَسْتَحِبّ الِاسْمَ الْحَسَنِ وَأَمَرَ إذَا أَبْرَدُوا إلَيْهِ بَرِيدًا أَنْ يَكُونَ حَسَنَ الِاسْمِ حَسَنَ الْوَجْهِ وَكَانَ يَأْخُذُ الْمَعَانِيَ مِنْ أَسْمَائِهَا فِي الْمَنَامِ وَالْيَقَظَةِ كَمَا رَأَى أَنّهُ وَأَصْحَابَهُ فِي دَارِ عُقْبَةَ بْنِ رَافِعٍ فَأُتُوا بِرُطَبٍ مِنْ رُطَبِ ابْنِ طَابَ فَأَوّلَهُ بِأَنّ لَهُمْ الرّفْعَةَ فِي الدّنْيَا ، وَالْعَاقِبَةَ فِي الْآخِرَةِ وَأَنّ الدّينَ الّذِي قَدْ اخْتَارَهُ اللّهُ لَهُمْ قَدْ أُرْطِبَ وَطَابَ وَتَأَوّلَ سُهُولَةَ أَمْرِهِمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ مَجِيءِ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو إلَيْهِ [ ص 308 ] وَنَدَبَ جَمَاعَةً إلَى حَلْبِ شَاةٍ فَقَامَ رَجُلٌ يَحْلُبُهَا ، فَقَالَ " مَا اسْمُكَ ؟ " قَالَ " مُرّةُ فَقَالَ اجْلِسْ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ " مَا اسْمُكَ ؟ " قَالَ أَظُنّهُ حَرْبٌ فَقَالَ اجْلِسْ فَقَامَ آخَرُ فَقَالَ " مَا اسْمُكَ ؟ " فَقَالَ يَعِيشُ فَقَالَ " اُحْلُبْهَا " وَكَانَ يَكْرَهُ الْأَمْكِنَةَ الْمُنْكَرَةَ الْأَسْمَاءِ وَيَكْرَهُ الْعُبُورَ فِيهَا ، كَمَا مَرّ فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِ بَيْنَ جَبَلَيْنِ فَسَأَلَ عَنْ اسْمَيْهِمَا فَقَالُوا : فَاضِحٌ وَمُخْزٍ ، فَعَدَلَ عَنْهُمَا ، وَلَمْ يَجُزْ بَيْنَهُمَا . وَلَمّا كَانَ بَيْنَ الْأَسْمَاءِ وَالْمُسَمّيَاتِ مِنْ الِارْتِبَاطِ وَالتّنَاسُبِ وَالْقَرَابَةِ مَا بَيْنَ قَوَالِبِ الْأَشْيَاءِ وَحَقَائِقِهَا ، وَمَا بَيْنَ الْأَرْوَاحِ وَالْأَجْسَامِ عَبَرَ الْعَقْلُ مِنْ كُلّ مِنْهُمَا إلَى الْآخَرِ كَمَا كَانَ إيَاسُ بْنُ مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُ يَرَى الشّخْصَ فَيَقُولُ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ اسْمُهُ كَيْتَ وَكَيْتَ فَلَا يَكَادُ يُخْطِئُ وَضِدّ هَذَا الْعَبُورِ مِنْ الِاسْمِ إلَى مُسَمّاهُ كَمَا سَأَلَ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ رَجُلًا عَنْ اسْمِهِ فَقَالَ جَمْرَةُ فَقَالَ وَاسْمُ أَبِيك ؟ قَالَ شِهَابٌ ، قَالَ مِمّنْ ؟ قَالَ مِنْ الْحُرَقَةِ ، قَالَ فَمَنْزِلُك ؟ قَالَ بِحَرّةِ النّارِ قَالَ فَأَيْنَ مَسْكَنُكَ ؟ قَالَ بِذَاتِ لَظَى : قَالَ اذْهَبْ فَقَدْ احْتَرَقَ مَسْكَنُك ، فَذَهَبَ فَوَجَدَ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فَعَبَرَ عُمَرُ مِنْ الْأَلْفَاظِ إلَى أَرْوَاحِهَا وَمَعَانِيهَا ، كَمَا عَبَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ اسْمِ سُهَيْلٍ إلَى سُهُولَةِ أَمْرِهِمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ ، فَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَقَدْ أَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُمّتَهُ بِتَحْسِينِ أَسْمَائِهِمْ وَأَخْبَرَ أَنّهُمْ يُدْعَوْنَ يَوْمَ [ ص 309 ] الْقِيَامَةِ بِهَا ، وَفِي هَذَا - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - تَنْبِيهٌ عَلَى تَحْسِينِ الْأَفْعَالِ الْمُنَاسِبَةِ لِتَحْسِينِ الْأَسْمَاءِ لِتَكُونَ الدّعْوَةُ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ بِالِاسْمِ الْحَسَنِ وَالْوَصْفِ الْمُنَاسِبِ لَهُ . وَتَأَمّلْ كَيْفَ اُشْتُقّ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ وَصْفِهِ اسْمَانِ مُطَابِقَانِ لِمَعْنَاهُ وَهُمَا أَحْمَدُ وَمُحَمّدٌ فَهُوَ لِكَثْرَةِ مَا فِيهِ مِنْ الصّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ مُحَمّدٌ وَلِشَرَفِهَا وَفَضْلِهَا عَلَى صِفَاتِ غَيْرِهِ أَحْمَدُ فَارْتَبَطَ الِاسْمُ بِالْمُسَمّى ارْتِبَاطَ الرّوحِ بِالْجَسَدِ وَكَذَلِك تَكْنِيَتُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَبِي الْحَكَمِ بْنِ هِشَامٍ بِأَبِي جَهْلٍ كُنْيَةٌ مُطَابِقَةٌ لِوَصْفِهِ وَمَعْنَاهُ وَهُوَ أَحَقّ الْخَلْقِ بِهَذِهِ الْكُنْيَةِ ، وَكَذَلِك تَكْنِيَةُ اللّهِ عَزّ وَجَلّ لِعَبْدِ الْعُزّى بِأَبِي لَهَبٍ لَمّا كَانَ مَصِيرُهُ إلَى نَارٍ ذَاتِ لَهَبٍ كَانَتْ هَذِهِ الْكُنْيَةُ أَلْيَقَ بِهِ وَأَوْفَقَ وَهُوَ بِهَا أَحَقّ وَأَخْلَقُ . وَلَمّا قَدِمَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ ، وَاسْمُهَا يَثْرِبُ لَا تُعْرَفُ بِغَيْرِ هَذَا الِاسْمِ غَيّرَهُ بِطَيْبَة َ لَمّا زَالَ عَنْهَا مَا فِي لَفْظِ يَثْرِبَ مِنْ التّثْرِيبِ بِمَا فِي مَعْنَى طَيْبَةَ مِنْ الطّيبِ اسْتَحَقّتْ هَذَا الِاسْمَ وَازْدَادَتْ بِهِ طِيبًا آخَرَ فَأَثّرَ طِيبُهَا فِي اسْتِحْقَاقِ الِاسْمِ وَزَادَهَا طِيبًا إلَى طِيبِهَا . وَلَمّا كَانَ الِاسْمُ الْحَسَنُ يَقْتَضِي مُسَمّاهُ وَيَسْتَدْعِيهِ مِنْ قُرْبٍ قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِبَعْضِ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى اللّهِ وَتَوْحِيدِهِ يَا بَنِي عَبْدِ اللّهِ إنّ اللّهَ قَدْ حَسّنَ اسْمَكُمْ وَاسْمَ أَبِيكُمْ فَانْظُرْ كَيْفَ دَعَاهُمْ إلَى عُبُودِيّةِ اللّهِ بِحُسْنِ اسْمِ أَبِيهِمْ [ ص 310 ] الْمُقْتَضِي لِلدّعْوَةِ وَتَأَمّلْ أَسْمَاءَ السّتّةِ الْمُتَبَارِزِينَ يَوْمَ بَدْرٍ كَيْفَ اقْتَضَى الْقَدَرُ مُطَابَقَةَ أَسْمَائِهِمْ لِأَحْوَالِهِمْ يَوْمَئِذٍ فَكَانَ الْكُفّارُ شَيْبَةَ وَعُتْبَةَ وَالْوَلِيدَ ثَلَاثَةَ أَسْمَاءٍ مِنْ الضّعْفِ فَالْوَلِيدُ لَهُ بِدَايَةُ الضّعْفِ وَشَيْبَةُ لَهُ نِهَايَةُ الضّعْفِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { اللّهُ الّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوّةً ثُمّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً } [ الرّومُ : 54 ] وَعُتْبَةُ مِنْ الْعَتَبِ فَدَلّتْ أَسَمَاؤُهُمْ عَلَى عَتَبٍ يَحِلّ بِهِمْ وَضَعْفٍ يَنَالُهُمْ وَكَانَ أَقْرَانُهُمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلِيّ ، وَعُبَيْدَةُ وَالْحَارِثُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ تُنَاسِبُ أَوْصَافَهُمْ وَهِيَ الْعُلُوّ ، وَالْعُبُودِيّةُ وَالسّعْيُ الّذِي هُوَ الْحَرْثُ فَعَلَوْا عَلَيْهِمْ بِعُبُودِيّتِهِمْ وَسَعْيِهِمْ فِي حَرْثِ الْآخِرَةِ . وَلَمّا كَانَ الِاسْمَ مُقْتَضِيًا لِمُسَمّاهُ وَمُؤَثّرًا فِيهِ كَانَ أَحَبّ الْأَسْمَاءِ إلَى اللّهِ مَا اقْتَضَى أَحَبّ الْأَوْصَافِ إلَيْهِ كَعَبْدِ اللّهِ وَعَبْدِ الرّحْمَنِ وَكَانَ إضَافَةُ الْعُبُودِيّةِ إلَى اسْمِ اللّهِ وَاسْمِ الرّحْمَنِ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ إضَافَتِهَا إلَى غَيْرِهِمَا ، كَالْقَاهِرِ وَالْقَادِرِ فَعَبْدُ الرّحْمَنِ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ عَبْدِ الْقَادِرِ وَعَبْدُ اللّهِ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ عَبْدِ رَبّهِ وَهَذَا لِأَنّ التّعَلّقَ الّذِي بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ اللّهِ إنّمَا هُوَ الْعُبُودِيّةُ الْمَحْضَةُ وَالتّعَلّقُ الّذِي بَيْنَ اللّهِ وَبَيْنَ الْعَبْدِ بِالرّحْمَةِ الْمَحْضَةِ فَبِرَحْمَتِهِ كَانَ وُجُودُهُ وَكَمَالُ وُجُودِهِ وَالْغَايَةُ الّتِي أَوْجَدَهُ لِأَجْلِهَا أَنْ يَتَأَلّهَ لَهُ وَحْدَهُ مَحَبّةً وَخَوْفًا ، وَرَجَاءً وَإِجْلَالًا وَتَعْظِيمًا ، فَيَكُونُ عَبْدًا لِلّهِ وَقَدْ عَبَدَهُ لِمَا فِي اسْمِ اللّهِ مِنْ مَعْنَى الْإِلَهِيّةِ الّتِي يَسْتَحِيلُ أَنْ تَكُونَ لِغَيْرِهِ وَلَمّا غَلَبَتْ رَحْمَتُهُ غَضَبَهُ وَكَانَتْ الرّحْمَةُ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ الْغَضَبِ كَانَ عَبْدُ الرّحْمَنِ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ عَبْدِ الْقَاهِرِ .
فَصْلٌ
وَلَمّا كَانَ كُلّ عَبْدٍ مُتَحَرّكًا بِالْإِرَادَةِ وَالْهَمّ مَبْدَأُ الْإِرَادَةِ وَيَتَرَتّبُ عَلَى إرَادَتِهِ حَرَكْتُهُ وَكَسْبُهُ كَانَ أَصْدَقَ الْأَسْمَاءِ اسْمُ هَمّامٍ وَاسْمُ حَارِثٍ إذْ لَا يَنْفَكّ مُسَمّاهُمَا [ ص 311 ] حَقِيقَةِ مَعْنَاهُمَا ، وَلَمّا كَانَ الْمُلْكُ الْحَقّ لِلّهِ وَحْدَهُ وَلَا مَلِكَ عَلَى الْحَقِيقَةِ سِوَاهُ كَانَ أَخْنَعَ اسْمٍ وَأَوْضَعَهُ عِنْدَ اللّهِ وَأَغْضَبَهُ لَهُ اسْمُ " شاهان شاه " أَيْ مَلِكُ الْمُلُوكِ وَسُلْطَانُ السّلَاطِينِ فَإِنّ ذَلِكَ لَيْسَ لِأَحَدٍ غَيْرِ اللّهِ فَتَسْمِيَةُ غَيْرِهِ بِهَذَا مِنْ أَبْطَلِ الْبَاطِلِ وَاَللّهُ لَا يُحِبّ الْبَاطِلَ . وَقَدْ أَلْحَقَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ بِهَذَا " قَاضِي الْقُضَاةِ " وَقَالَ لَيْسَ قَاضِي الْقُضَاةِ إلّا مَنْ يَقْضِي الْحَقّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصِلِينَ الّذِي إذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ . وَيَلِي هَذَا الِاسْمَ فِي الْكَرَاهَةِ وَالْقُبْحِ وَالْكَذِبِ سَيّدُ النّاسِ وَسَيّدُ الْكُلّ وَلَيْسَ ذَلِكَ إلّا لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَاصّةً كَمَا قَالَ أَنَا سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا فَخْرَ فَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ قَطّ أَنْ يَقُولَ عَنْ غَيْرِهِ إنّهُ سَيّدُ النّاسِ وَسَيّدُ الْكُلّ كَمَا لَا يَجُوزُ أَنْ يَقُولَ إنّهُ سَيّدُ وَلَدِ آدَمَ .
فَصْلٌ
وَلَمّا كَانَ مُسَمّى الْحَرْبِ وَالْمُرّةِ أَكْرَهَ شَيْءٍ لِلنّفُوسِ وَأَقْبَحَهَا عِنْدَهَا ، كَانَ أَقْبَحُ الْأَسْمَاءِ حَرْبًا وَمُرّةَ وَعَلَى قِيَاسِ هَذَا حَنْظَلَةُ وَحَزْنٌ وَمَا أَشَبَهُهُمَا ، وَمَا أَجْدَرَ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ بِتَأْثِيرِهَا فِي مُسَمّيَاتِهَا ، كَمَا أَثّرَ اسْمُ " حَزْنٍ " الْحُزُونَةَ فِي سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ [ ص 312 ]
فَصْلٌ
وَلَمّا كَانَ الْأَنْبِيَاءُ سَادَاتِ بَنِي آدَمَ وَأَخْلَاقُهُمْ أَشْرَفُ الْأَخْلَاقِ وَأَعْمَالُهُمْ أَصَحّ الْأَعْمَالِ كَانَتْ أَسَمَاؤُهُمْ أَشْرَفَ الْأَسْمَاءِ فَنَدَبَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُمّتَهُ إلَى التّسَمّي بِأَسْمَائِهِمْ كَمَا فِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُد " وَالنّسَائِيّ عَنْهُ تَسَمّوْا بِأَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاء وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ إلّا أَنّ الِاسْمَ يُذْكَرُ بِمُسَمّاهُ وَيَقْتَضِي التّعَلّقَ بِمَعْنَاهُ لَكَفَى بِهِ مَصْلَحَةً مَعَ مَا فِي ذَلِكَ مِنْ حِفْظِ أَسْمَاءِ الْأَنْبِيَاءِ وَذِكْرِهَا ، وَأَنْ لَا تُنْسَى ، وَأَنْ تُذَكّرَ أَسَمَاؤُهُمْ بِأَوْصَافِهِمْ وَأَحْوَالِهِمْ .
فَصْلٌ [عِلّةُ النّهْيِ عَنْ التّسْمِيَةِ بِيَسَارٍ وَأَفْلَحَ وَنَجِيحٍ وَرَبَاحٍ ]
وَأَمّا النّهْيُ عَنْ تَسْمِيَةِ الْغُلَامِ ب : يَسَارٍ وَأَفْلَحَ وَنَجِيحٍ وَرَبَاحٍ فَهَذَا لِمَعْنًى آخَرَ قَدْ أَشَارَ إلَيْهِ فِي الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ فَإِنّك تَقُولُ أَثَمّتَ هُوَ ؟ فَيُقَال : لَا - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - هَلْ هَذِهِ الزّيَادَةُ مِنْ تَمَامِ الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ أَوْ مُدْرَجَةٌ مِنْ قَوْلِ الصّحَابِيّ وَبِكُلّ حَالٍ فَإِنّ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ لَمّا كَانَتْ قَدْ تُوجِبُ تَطَيّرًا تَكْرَهُهُ النّفُوسُ وَيَصُدّهَا عَمّا هِيَ بِصَدَدِهِ كَمَا إذَا قُلْت لِرَجُلٍ أَعِنْدَك يَسَارٌ أَوْ رَبَاحٌ أَوْ أَفْلَحُ ؟ قَالَ لَا ، تَطَيّرْت أَنْتَ وَهُوَ مِنْ ذَلِك ، وَقَدْ تَقَعُ الطّيَرَةُ لَا سِيّمَا عَلَى الْمُتَطَيّرِينَ فَقَلّ مَنْ تَطَيّرَ إلّا وَوَقَعَتْ بَهْ طِيَرَتُهُ وَأَصَابَهُ طَائِرُهُ كَمَا قِيلَ تَعَلّمْ أَنّهُ لَا طَيْرَ إلّا عَلَى مُتَطَيّرٍ فَهُوَ الثّبُورُ
[ ص 313 ] بِأُمّتِهِ الرّحِيمِ بِهِمْ أَنْ يَمْنَعَهُمْ مِنْ أَسِبَابٍ تُوجِبُ لَهُمْ سَمَاعَ الْمَكْرُوهِ أَوْ وُقُوعَهُ وَأَنْ يَعْدِلَ عَنْهَا إلَى أَسْمَاءٍ تُحَصّلُ الْمَقْصُودَ مِنْ غَيْرِ مَفْسَدَةٍ هَذَا أَوْلَى ، مَعَ مَا يَنْضَافُ إلَى ذَلِك مِنْ تَعْلِيقِ ضِدّ الِاسْمِ عَلَيْهِ بِأَنْ يُسَمّى يَسَارًا مَنْ هُوَ مِنْ أَعْسَرِ النّاسِ وَنَجِيحًا مَنْ لَا نَجَاحَ عِنْدَهُ وَرَبَاحًا مَنْ هُوَ مِنْ الْخَاسِرِينَ فَيَكُونُ قَدْ وَقَعَ فِي الْكَذِبِ عَلَيْهِ وَعَلَى اللّهِ وَأَمْرٌ آخَرُ أَيْضًا وَهُوَ أَنْ يُطَالَبَ الْمُسَمّى بِمُقْتَضَى اسْمِهِ فَلَا يُوجَدُ عِنْدَهُ فَيُجْعَلُ ذَلِكَ سَبَبًا لِذَمّهِ وَسَبّهِ كَمَا قِيلَ سَمّوْكَ مِنْ جَهْلِهِمْ سَدِيدًا وَاَللّهِ مَا فِيكَ مِنْ سَدَادِ
أَنْتَ الّذِي كَوْنُهُ فَسَادًا فِي عَالَمِ الْكَوْنِ وَالْفَسَادِ
فَتَوَصّلَ الشّاعِرُ بِهَذَا الِاسْمِ إلَى ذَمّ الْمُسَمّى بِهِ . وَلِي مِنْ أَبْيَاتِ وَسَمّيْتُهُ صَالِحًا فَاغْتَدَى بِضِدّ اسْمِهِ فِي الْوَرَى سَائِرًا
وَظَنّ بِأَنّ اسْمَهُ سَاتِر لِأَوْصَافِهِ فَغَدَا شَاهِرًا
وَهَذَا كَمَا أَنّ مِنْ الْمَدْحِ مَا يَكُون ذَمّا وَمُوجِبًا لِسُقُوطِ مَرْتَبَةِ الْمَمْدُوحِ عِنْدَ النّاسِ فَإِنّهُ يُمْدَحُ بِمَا لَيْسَ فِيهِ فَتُطَالِبُهُ النّفُوسُ بِمَا مُدِحَ بِهِ وَتَظُنّهُ عِنْدَهُ فَلَا تَجِدُهُ كَذَلِكَ فَتَنْقَلِبُ ذَمّا ، وَلَوْ تُرِكَ بِغَيْرِ مَدْحٍ لَمْ تَحْصُلْ لَهُ هَذِهِ الْمَفْسَدَةُ وَيُشْبِهُ حَالُهُ حَالَ مَنْ وَلِيَ وِلَايَةً سَيّئَةً ثُمّ عُزِلَ عَنْهَا ، فَإِنّهُ تَنْقُصُ مَرْتَبَتُهُ عَمّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ الْوِلَايَةِ وَيَنْقُصُ فِي نَفُوسِ النّاسِ عَمّا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَهَا ، وَفِي هَذَا قَالَ الْقَائِلُ إذَا مَا وَصَفْت امْرَءًا لِامْرِئ ٍ فَلَا تَغْلُ فِي وَصْفِهِ وَاقْصِدْ
فَإِنّكَ إنْ تَغْلُ تَغْلُ الظّنُو نُ فِيهِ إلَى الْأَمَدِ الْأَبْعَد
فَيَنْقُصُ مِنْ حَيْثُ عَظّمْتَه لِفَضْلِ الْمَغِيبِ عَنْ الْمَشْهَدِ
وَأَمْرٌ آخَرُ وَهُوَ ظَنّ الْمُسَمّى وَاعْتِقَادُهُ فِي نَفْسِهِ أَنّهُ كَذَلِكَ فَيَقَعُ فِي تَزْكِيَةِ [ ص 314 ] نَهَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَجْلِهِ أَنْ تُسَمّى " بَرّةُ " وَقَالَ لَا تُزَكّوا أَنْفُسَكُمْ اللّهُ أَعْلَمُ بِأَهْلِ الْبِرّ مِنْكُمْ وَعَلَى هَذَا فَتُكْرَهُ التّسْمِيَةُ ب : التّقِيّ وَالْمُتّقِي ، وَالْمُطِيعِ وَالطّائِعِ وَالرّاضِي ، وَالْمُحْسِنِ وَالْمُخْلِصِ وَالْمُنِيبِ وَالرّشِيدِ وَالسّدِيدِ . وَأَمّا تَسْمِيَةُ الْكُفّارِ بِذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ التّمْكِينُ مِنْهُ وَلَا دُعَاؤُهُمْ بِشَيْءٍ مِنْ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ وَلَا الْإِخْبَارُ عَنْهُمْ بِهَا ، وَاَللّهُ عَزّ وَجَلّ يَغْضَبُ مِنْ تَسْمِيَتِهِمْ بِذَلِك .
فَصْلٌ [ الْكُنْيَةُ ]
وَأَمّا الْكُنْيَةُ فَهِيَ نَوْعُ تَكْرِيمٍ لِلْمُكَنّى وَتَنْوِيهٍ بِهِ كَمَا قَالَ الشّاعِرُ أَكْنِيهِ حِينَ أُنَادِيهِ لِأُكْرِمَه وَلَا أُلَقّبُهُ وَالسّوْأَةُ اللّقَبُ
وَكَنّى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صُهَيْبًا بِأَبِي يَحْيَى ، وَكَنّى عَلِيّا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ بِأَبِي تُرَابٍ إلَى كُنْيَتِهِ بِأَبِي الْحَسَنِ وَكَانَتْ أَحَبّ كُنْيَتِهِ إلَيْهِ وَكَنّى أَخَا أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانَ صَغِيرًا دُونَ الْبُلُوغِ بِأَبِي عُمَيْرٍ
[ حُكْمُ التّكَنّي بِأَبِي الْقَاسِمِ ]
وَكَانَ هَدْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَكْنِيَةُ مَنْ لَهُ وَلَدٌ وَمَنْ لَا وَلَدَ لَهُ وَلَمْ يَثْبُتْ عَنْهُ أَنّهُ نَهَى عَنْ كُنْيَةٍ إلّا الْكُنْيَةَ بِأَبِي الْقَاسِمِ فَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ تَسَمّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكَنّوْا بِكُنْيَتِي فَاخْتَلَفَ النّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ . [ ص 315 ] سَوَاءٌ أَفْرَدَهَا عَنْ اسْمِهِ أَوْ قَرَنَهَا بِهِ وَسَوَاءٌ مَحْيَاهُ وَبَعْدَ مَمَاتِهِ وَعُمْدَتُهُمْ عُمُومُ هَذَا الْحَدِيثِ الصّحِيحِ وَإِطْلَاقُهُ وَحَكَى الْبَيْهَقِيّ ذَلِكَ عَنْ الشّافِعِيّ ، قَالُوا : لِأَنّ النّهْيَ إنّمَا كَانَ لِأَنّ مَعْنَى هَذِهِ الْكُنْيَةِ وَالتّسْمِيَةِ مُخْتَصّةٌ بِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ وَاَللّهِ لَا أُعْطِي أَحَدًا ، وَلَا أَمْنَعُ أَحَدًا ، وَإِنّمَا أَنَا قَاسِمٌ أَضَعُ حَيْثُ أُمِرْتُ قَالُوا : وَمَعْلُومٌ أَنّ هَذِهِ الصّفّةَ لَيْسَتْ عَلَى الْكَمَالِ لِغَيْرِهِ . وَاخْتَلَفَ هَؤُلَاءِ فِي جِوَازِ تَسْمِيَةِ الْمَوْلُودِ بِقَاسِمٍ فَأَجَازَهُ طَائِفَةٌ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ وَالْمُجِيزُونَ نَظَرُوا إلَى أَنّ الْعِلّةَ عَدَمُ مُشَارَكَةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيمَا اخْتَصّ بِهِ مِنْ الْكُنْيَةِ وَهَذَا غَيْرُ مَوْجُودٍ فِي الِاسْمِ وَالْمَانِعُونَ نَظَرُوا إلَى أَنّ الْمَعْنَى الّذِي نَهَى عَنْهُ فِي الْكُنْيَةِ مَوْجُودٌ مِثْلُهُ هُنَا فِي الِاسْمِ سَوَاءٌ أَوْ هُوَ أَوْلَى بِالْمَنْعِ قَالُوا : وَفِي قَوْلِهِ إنّمَا أَنَا قَاسِمٌ إشْعَارٌ بِهَذَا الِاخْتِصَاصِ . الْقَوْلُ الثّانِي : أَنّ النّهْيَ إنّمَا هُوَ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ اسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ فَإِذَا أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ فَلَا بَأْسَ . قَالَ أَبُو دَاوُد َ بَابٌ مَنْ رَأَى أَنْ لَا يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا ، ثُمّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي الزّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ مَنْ تَسَمّى بِاسْمِي فَلَا يَتَكَنّ بِكُنْيَتِي ، وَمَنْ تَكَنّى بِكُنْيَتِي فَلَا يَتَسَمّ بِاسْمِي وَرَوَاهُ التّرْمِذِي ّ وَقَالَ حَدِيثٌ [ ص 316 ] مُحَمّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَلَفْظُهُ نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَجْمَعَ أَحَدٌ بَيْنَ اسْمِهِ وَكُنْيَتِهِ وَيُسَمّي مُحَمّدًا أَبَا الْقَاسِمِ قَالَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ فَهَذَا مُقَيّدٌ مُفَسّرٌ لِمَا فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ نَهْيِهِ عَنْ التّكَنّي بِكُنْيَتِهِ قَالُوا : وَلِأَنّ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مُشَارَكَةٌ فِي الِاخْتِصَاصِ بِالِاسْمِ وَالْكُنْيَةِ فَإِذَا أُفْرِدَ أَحَدُهُمَا عَنْ الْآخَرِ زَالَ الِاخْتِصَاصُ . الْقَوْلُ الثّالِثُ جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا وَهُوَ الْمَنْقُولُ عَنْ مَالِكٍ ، وَاحْتَجّ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ وَالتّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيثِ مُحَمّدِ بْنِ الْحَنَفِيّةِ ، عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ قُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ إنْ وُلِدَ لِي وَلَدٌ مِنْ بَعْدِكَ أُسَمّيهِ بِاسْمِكَ وَأُكَنّيهِ بِكُنْيَتِك ؟ قَالَ " نَعَمْ " قَالَ التّرْمِذِيّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ جَاءَتْ امْرَأَةٌ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّي وَلَدْتُ غُلَامًا فَسَمّيْتُهُ مُحَمّدًا وَكَنّيْته أَبَا الْقَاسِمِ فَذُكِرَ لِي أَنّك تَكْرَهُ ذَلِكَ ؟ فَقَالَ مَا الّذِي أَحَلّ اسْمِي وَحَرّمَ كُنْيَتِي أَوْ " مَا الّذِي حَرّمَ كُنْيَتِي وَأَحَلّ اسْمِي قَالَ هَؤُلَاءِ وَأَحَادِيثُ الْمَنْعِ مَنْسُوخَةٌ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ . الْقَوْلُ الرّابِعُ إنّ التّكَنّي بِأَبِي الْقَاسِمِ كَانَ مَمْنُوعًا مِنْهُ فِي حَيَاةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ جَائِزٌ بَعْدَ وَفَاتِهِ قَالُوا : وَسَبَبُ النّهْيِ إنّمَا كَانَ مُخْتَصّا بِحَيَاتِهِ فَإِنّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحِ " مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ نَادَى رَجُل بِالْبَقِيعِ : يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَالْتَفَتَ إلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي لَمْ أَعْنِكَ إنّمَا دَعَوْتُ فُلَانًا ، فَقَالَ [ ص 317 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَسَمّوْا بِاسْمِي وَلَا تَكَنّوْا بِكُنْيَتِي قَالُوا : وَحَدِيثُ عَلِيّ فِيهِ إشَارَةٌ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ إنْ وُلِدَ لِي مِنْ بَعْدِك وَلَدٌ وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَمّنْ يُولَدُ لَهُ فِي حَيَاتِهِ وَلَكِنْ قَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ " وَكَانَتْ رُخْصَةً لِي " وَقَدْ شَذّ مَنْ لَا يُؤْبَهُ لِقَوْلِهِ فَمَنَعَ التّسْمِيَةَ بِاسْمِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قِيَاسًا عَلَى النّهْيِ عَنْ التّكَنّي بِكُنْيَتِهِ وَالصّوَابُ أَنّ التّسَمّيَ بِاسْمِهِ جَائِزٌ وَالتّكَنّيَ بِكُنْيَتِهِ مَمْنُوعٌ مِنْهُ وَالْمَنْعُ فِي حَيَاتِهِ أَشَدّ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مَمْنُوعٌ مِنْهُ وَحَدِيثُ عَائِشَةَ غَرِيبٌ لَا يُعَارَضُ بِمِثْلِهِ الْحَدِيثُ الصّحِيحُ وَحَدِيثُ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فِي صِحّتِهِ نَظَرٌ وَالتّرْمِذِيّ فِيهِ نَوْعُ تَسَاهُلٍ فِي التّصْحِيحِ وَقَدْ قَالَ عَلِيّ : إنّهَا رُخْصَةٌ لَهُ وَهَذَا يَدُلّ عَلَى بَقَاءِ الْمَنْعِ لِمَنْ سِوَاهُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ التّكَنّي بِأَبِي عِيسَى ]
وَقَدْ كَرِهَ قَوْمٌ مِنْ السّلَفِ وَالْخَلَفِ الْكُنْيَةَ بِأَبِي عِيسَى ، وَأَجَازَهَا آخَرُونَ فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنّ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ ضَرَبَ ابْنًا لَهُ يُكَنّى أَبَا عِيسَى ، وَأَنّ الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ تَكَنّى بِأَبِي عِيسَى ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ أَمَا يَكْفِيك أَنْ تُكَنّى بِأَبِي عَبْدِ اللّهِ ؟ فَقَالَ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَنّانِي ، فَقَالَ إنّ رَسُولَ اللّهِ قَدْ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخّرَ وَإِنّا لَفِي جَلْجَتِنَا فَلَمْ يَزَلْ يُكَنّى بِأَبِي عَبْدِ اللّهِ حَتّى هَلَكَ [ ص 318 ]
[ كُنَى أُمّهَاتِ الْمُؤْمِنِينَ ]
وَقَدْ كَنّى عَائِشَةَ بِأُمّ عَبْدِ اللّه وَكَانَ لِنِسَائِهِ أَيْضًا كُنًى كَأُمّ حَبِيبَة َ وَأُمّ سَلَمَةَ .
فَصْلٌ [ النّهْيُ عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ كَرْمًا ]
وَنَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ تَسْمِيَةِ الْعِنَبِ كَرْمًا وَقَالَ الْكَرْمُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ وَهَذَا لِأَنّ هَذِهِ اللّفْظَةَ تَدُلّ عَلَى كَثْرَةِ الْخَيْرِ وَالْمَنَافِعِ فِي الْمُسَمّى بِهَا ، وَقَلْبُ الْمُؤْمِنِ هُوَ الْمُسْتَحِقّ لِذَلِكَ دُونَ شَجَرَةِ الْعِنَبِ وَلَكِنْ هَلْ الْمُرَادُ النّهْيُ عَنْ تَخْصِيصِ شَجَرَةِ الْعِنَبِ بِهَذَا الِاسْمِ وَأَنّ قَلْبَ الْمُؤْمِنِ أَوْلَى بِهِ مِنْهُ فَلَا يُمْنَعُ مِنْ تَسْمِيَتِهِ بِالْكَرْمِ كَمَا قَالَ فِي " الْمِسْكِينِ " و " الرّقُوبِ " و " الْمُفْلِسِ " أَوْ الْمُرَادُ أَنّ [ ص 319 ] اتّخَاذِ الْخَمْرِ الْمُحَرّمِ مِنْهُ وَصْفٌ بِالْكَرْمِ وَالْخَيْرِ وَالْمَنَافِع لِأَصْلِ هَذَا الشّرَابِ الْخَبِيثِ الْمُحَرّمِ وَذَلِكَ ذَرِيعَةٌ إلَى مَدْحِ مَا حَرّمَ اللّهُ وَتَهْيِيجِ النّفُوسِ إلَيْهِ ؟ هَذَا مُحْتَمَلٌ وَاَللّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ رَسُولِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُسَمّى شَجَرُ الْعِنَبِ كَرْمًا .
فَصْلٌ [ هَلْ تَجُوزُ تَسْمِيَةُ صَلَاةِ الْعِشَاءِ بِصَلَاةِ الْعَتَمَةِ ]
[ مُحَافَظَتُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى الْأَسْمَاءِ الّتِي سَمّى اللّهُ بِهَا الْعِبَادَاتِ ]
قَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا تَغْلِبَنّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ أَلَا وَإِنّهَا الْعِشَاءُ وَإِنّهُمْ يُسَمّونَهَا الْعَتَمَةَ وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِي الْعَتَمَةِ وَالصّبْحِ ، لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًاَ فَقِيلَ هَذَا نَاسِخٌ لِلْمَنْعِ وَقِيلَ بِالْعَكْسِ وَالصّوَابُ خِلَافُ [ ص 320 ] نَهَى عَنْ أَنْ يُجْهَرَ اسْمُ الْعِشَاءِ وَهُوَ الِاسْمُ الّذِي سَمّاهَا اللّهُ بِهِ فِي كِتَابِهِ وَيَغْلِبَ عَلَيْهَا اسْمُ الْعَتَمَةِ فَإِذَا سُمّيَتْ الْعِشَاءَ وَأُطْلِقَ عَلَيْهَا أَحْيَانًا الْعَتَمَةُ فَلَا بَأْسَ وَاَللّهُ أَعْلَمُ وَهَذَا مُحَافَظَةً مِنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى الْأَسْمَاءِ الّتِي سَمّى اللّهُ بِهَا الْعِبَادَاتِ فَلَا تُهْجَرُ وَيُؤَثّرُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا ، كَمَا فَعَلَهُ الْمُتَأَخّرُونَ فِي هِجْرَانِ أَلْفَاظِ النّصُوصِ وَإِيثَارِ الْمُصْطَلَحَاتِ الْحَادِثَةِ عَلَيْهَا ، وَنَشَأَ بِسَبَبِ هَذَا مِنْ الْجَهْلِ وَالْفَسَادِ مَا اللّهُ بِهِ عَلِيمٌ وَهَذَا كَمَا كَانَ يُحَافِظُ عَلَى تَقْدِيمِ مَا قَدّمَهُ اللّهُ وَتَأْخِيرِ مَا أَخّرَهُ كَمَا بَدَأَ بِالصّفَا ، وَقَالَ أَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللّهُ بِهِ َ وَبَدَأَ فِي الْعِيدِ بِالصّلَاةِ ثُمّ جَعَلَ النّحْرَ بَعْدَهَا ، وَأَخْبَرَ أَنّ مَنْ ذَبَحَ قَبْلَهَا ، فَلَا نُسُكَ لَه تَقْدِيمًا لِمَا بَدَأَ اللّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ { فَصَلّ لِرَبّكَ وَانْحَرْ } وَبَدَأَ فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ بِالْوَجْهِ ثُمّ الْيَدَيْنِ ثُمّ الرّأْسِ ثُمّ الرّجْلَيْنِ تَقْدِيمًا لِمَا قَدّمَهُ اللّهُ وَتَأْخِيرًا لِمَا أَخّرَهُ وَتَوْسِيطًا لِمَا وَسّطَهُ وَقَدّمَ زَكَاةَ الْفِطْرِ عَلَى صَلَاةِ الْعِيدِ تَقْدِيمًا لِمَا قَدّمَهُ فِي قَوْلِهِ { قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبّهِ فَصَلّى } [ الْأَعْلَى : 13 ] وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ .
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي حِفْظِ الْمَنْطِقِ وَاخْتِيَارِ الْأَلْفَاظِ
كَانَ يَتَخَيّرُ فِي خِطَابِهِ وَيَخْتَارُ لِأُمّتِهِ أَحْسَنَ الْأَلْفَاظِ وَأَجْمَلَهَا ، وَأَلْطَفَهَا ، وَأَبْعَدَهَا مِنْ أَلْفَاظِ أَهْلِ الْجَفَاءِ وَالْغِلْظَةِ وَالْفُحْشِ فَلَمْ يَكُنْ فَاحِشًا وَلَا مُتَفَحّشًا وَلَا [ ص 321 ] وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يُسْتَعْمَلَ اللّفْظُ الشّرِيفُ الْمَصُونُ فِي حَقّ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ وَأَنْ يُسْتَعْمَلَ اللّفْظُ الْمَهِينُ الْمَكْرُوهُ فِي حَقّ مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهِ .
[ كَرَاهَةُ اسْتِعْمَالِ اللّفْظِ الشّرِيفِ فِي حَقّ مَنْ لَيْسَ كَذَلِكَ ]
فَمِنْ الْأَوّلِ مَنْعُهُ أَنْ يُقَالَ لِلْمُنَافِقِ " يَا سَيّدَنَا " وَقَالَ فَإِنّهُ إنْ يَكُ سَيّدًا فَقَدْ أَسْخَطْتُمْ رَبّكُمْ عَزّ وَجَل وَمَنْعُهُ أَنْ تُسَمّى شَجَرَةُ الْعِنَبِ كَرْمًا ، وَمَنْعُهُ تَسْمِيَةَ أَبِي جَهْلٍ بِأَبِي الْحَكَمِ وَكَذَلِكَ تَغْيِيرُهُ لِاسْمِ أَبِي الْحَكَمِ مِنْ الصّحَابَةِ بِأَبِي شُرَيْحٍ وَقَالَ إنّ اللّهَ هُوَ الْحَكَمُ وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ وَمِنْ ذَلِكَ نَهْيُهُ لِلْمَمْلُوكِ أَنْ يَقُولَ لِسَيّدِهِ أَوْ لِسَيّدَتِهِ رَبّي وَرَبّتِي ، وَلِلسّيّدِ أَنْ يَقُولَ لِمَمْلُوكِهِ عَبْدِي ، وَلَكِنْ يَقُولُ الْمَالِكُ فَتَايَ وَفَتَاتِي ، وَيَقُولُ الْمَمْلُوكُ سَيّدِي وَسَيّدَتِي ، وَقَالَ لِمَنْ ادّعَى أَنّهُ طَبِيبٌ أَنْتَ رَجُلٌ رَفِيقٌ ، وَطَبِيبُهَا الّذِي خَلَقَهَا وَالْجَاهِلُونَ يُسَمّونَ الْكَافِرَ الّذِي لَهُ عِلْمٌ بِشَيْءٍ مِنْ الطّبِيعَةِ حَكِيمًا ، وَهُوَ مِنْ أَسْفَهِ الْخَلْقِ . [ ص 322 ] قَالَ مَنْ يُطِعْ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ رَشَدَ وَمَنْ يَعْصِهِمَا فَقَدْ غَوَى بِئْسَ الْخَطِيبُ أَنْتَ وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ لَا تَقُولُوا : مَا شَاءَ اللّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ ، وَلَكِنْ قُولُوا : مَا شَاءَ اللّهُ ثُمّ مَا شَاءَ فُلَانٌ وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مَا شَاءَ اللّهُ وَشِئْتَ فَقَال : أَجَعَلْتَنِي لِلّهِ نِدّا ؟ قُلْ مَا شَاءَ اللّهُ وَحْدَه وَفِي مَعْنَى هَذَا الشّرْكِ الْمَنْهِيّ عَنْهُ قَوْلُ مَنْ لَا يَتَوَقّى الشّرْكَ أَنَا بِاَللّهِ وَبِكَ وَأَنَا فِي حَسْبِ اللّهِ وَحَسْبِكَ وَمَا لِي إلّا اللّهُ وَأَنْتَ وَأَنَا مُتَوَكّلٌ عَلَى اللّهِ وَعَلَيْك ، وَهَذَا مِنْ اللّهِ وَمِنْك ، وَاَللّهُ لِي فِي السّمَاءِ وَأَنْت لِي فِي الْأَرْضِ وَوَاللّهِ وَحَيَاتِك ، وَأَمْثَالُ هَذَا مِنْ الْأَلْفَاظِ الّتِي يَجْعَلُ فِيهَا قَائِلُهَا الْمَخْلُوقَ نِدّا لِلْخَالِقِ وَهِيَ أَشَدّ مَنْعًا وَقُبْحًا مِنْ قَوْلِهِ مَا شَاءَ اللّهُ وَشِئْتَ . فَأَمّا إذَا قَالَ أَنَا بِاَللّهِ ثُمّ بِك ، وَمَا شَاءَ اللّهُ ثُمّ شِئْت ، فَلَا بَأْسَ بِذَلِكَ كَمَا فِي حَدِيثِ الثّلَاثَةِ لَا بَلَاغَ لِيَ الْيَوْمَ إلّا بِاَللّهِ ثُمّ بِك وَكَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدّمِ الْإِذْنُ أَنْ يُقَالَ مَا شَاءَ اللّهُ ثُمّ شَاءَ فُلَانٌ . [ ص 323 ]
فَصْلٌ [ كَرَاهَةُ إطْلَاقِ أَلْفَاظِ الذّمّ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا ]
وَأَمّا الْقِسْمُ الثّانِي وَهُوَ أَنْ تُطْلَقَ أَلْفَاظُ الذّمّ عَلَى مَنْ لَيْسَ مِنْ أَهْلِهَا ، فَمِثْل نَهْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ سَبّ الدّهْرِ وَقَالَ إنّ اللّهَ هُوَ الدّهْرُ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ يَقُولُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ فَيَسُبّ الدّهْرَ وَأَنَا الدّهْرُ بِيَدِيَ الْأَمْرُ أُقَلّبُ اللّيْلَ وَالنّهَارَ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ لَا يَقُولَنّ أَحَدُكُمْ يَا خَيْبَةَ الدّهْرِ فِي هَذَا ثَلَاثُ مَفَاسِدَ عَظِيمَةٌ . إحْدَاهَا : سَبّهُ مَنْ لَيْسَ بِأَهْلٍ أَنْ يُسَبّ فَإِنّ الدّهْرَ خَلْقٌ مُسَخّرٌ مِنْ خَلْقِ اللّهِ مُنْقَادٌ لِأَمْرِهِ مُذَلّلٌ لِتَسْخِيرِهِ فَسَابّهُ أَوْلَى بِالذّمّ وَالسّبّ مِنْهُ . الثّانِيَةُ أَنّ سَبّهُ مُتَضَمّنٌ لِلشّرْكِ فَإِنّهُ إنّمَا سَبّهُ لِظَنّهِ أَنّهُ يَضُرّ وَيَنْفَعُ وَأَنّهُ مَعَ ذَلِكَ ظَالِمٌ قَدْ ضَرّ مَنْ لَا يَسْتَحِقّ الضّرَرَ وَأَعْطَى مَنْ لَا يَسْتَحِقّ الْعَطَاءَ وَرَفَعَ مَنْ لَا يَسْتَحِقّ الرّفْعَةَ وَحَرَمَ مَنْ لَا يَسْتَحِقّ الْحِرْمَانَ وَهُوَ عِنْدَ شَاتِمِيهِ مِنْ أَظْلَمِ الظّلَمَةِ وَأَشْعَارُ هَؤُلَاءِ الظّلَمَةِ الْخَوَنَةِ فِي سَبّهِ كَثِيرَةٌ جِدّا . وَكَثِيرٌ مِنْ الْجُهّالِ يُصَرّحُ بِلَعْنِهِ وَتَقْبِيحِهِ . [ ص 324 ] الثّالِثَةُ أَنّ السّبّ مِنْهُمْ إنّمَا يَقَعُ عَلَى مَنْ فَعَلَ هَذِهِ الْأَفْعَالَ الّتِي لَوْ اتّبَعَ الْحَقّ فِيهَا أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتْ السّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَإِذَا وَقَعَتْ أَهْوَاؤُهُمْ حَمِدُوا الدّهْرَ وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ . وَفِي حَقِيقَةِ الْأَمْرِ فَرَبّ الدّهْرِ تَعَالَى هُوَ الْمُعْطِي الْمَانِعُ الْخَافِضُ الرّافِعُ الْمُعِزّ الْمُذِلّ ، وَالدّهْرُ لَيْسَ لَهُ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ فَمَسَبّتُهُمْ لِلدّهْرِ مَسَبّةٌ لِلّهِ عَزّ وَجَلّ وَلِهَذَا كَانَتْ مُؤْذِيَةً لِلرّبّ تَعَالَى ، كَمَا فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ قَالَ اللّهُ تَعَالَى : يُؤْذِينِي ابْنُ آدَمَ يَسُبّ الدّهْرَ وَأَنَا الدّهْرُ فَسَابّ الدّهْرِ دَائِرٌ بَيْنَ أَمْرَيْنِ لَا بُدّ لَهُ مِنْ أَحَدِهِمَا . إمّا سَبّهُ لِلّهِ أَوْ الشّرْكُ بِهِ فَإِنّهُ إذَا اعْتَقَدَ أَنّ الدّهْرَ فَاعِلٌ مَعَ اللّهِ فَهُوَ مُشْرِكٌ وَإِنْ اعْتَقَدَ أَنّ اللّهَ وَحْدَهُ هُوَ الّذِي فَعَلَ ذَلِك وَهُوَ يَسُبّ مَنْ فَعَلَهُ فَقَدْ سَبّ اللّهَ . وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يَقُولَنّ أَحَدُكُمْ تَعِسَ الشّيْطَانُ فَإِنّهُ يَتَعَاظَمُ حَتّى يَكُونَ مِثْلَ الْبَيْتِ فَيَقُولُ بِقُوّتِي صَرَعْتُهُ وَلَكِنْ لِيَقُلْ بِسْمِ اللّهِ فَإِنّهُ يَتَصَاغَرُ حَتّى يَكُونَ مِثْلَ الذّبَابِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ إنّ الْعَبْدَ إذَا لَعَنَ الشّيْطَانَ يَقُولُ : إنّكَ لَتَلْعَنُ مُلْعَنًا وَمِثْلُ هَذَا قَوْلُ الْقَائِلِ أَخْزَى اللّهُ الشّيْطَانَ وَقَبّحَ اللّهُ الشّيْطَانَ فَإِنّ ذَلِكَ كُلّهُ يُفْرِحُهُ وَيَقُولُ عَلِمَ ابْنُ آدَمَ أَنّي قَدْ نِلْته بِقُوّتِي ، وَذَلِك مِمّا يُعِينُهُ عَلَى إغْوَائِهِ وَلَا يُفِيدُهُ شَيْئًا ، فَأَرْشَدَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ مَسّهُ شَيْءٌ مِنْ الشّيْطَانِ أَنْ يَذْكُرَ اللّهَ تَعَالَى ، وَيَذْكُرَ اسْمَهُ وَيَسْتَعِيذَ بِاَللّهِ مِنْهُ فَإِنّ ذَلِكَ أَنْفَعُ لَهُ وَأَغْيَظُ لِلشّيْطَانِ . [ ص 325 ]
فَصْلٌ
مِنْ ذَلِكَ " نَهْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَقُولَ الرّجُلُ خَبُثَتْ نَفْسِي ، وَلَكِنْ لِيَقُلْ لَقِسَتْ نَفْسِي " وَمَعْنَاهُمَا وَاحِدٌ أَيْ غَثّتْ نَفْسِي ، وَسَاءَ خُلُقُهَا ، فَكَرِهَ لَهُمْ لَفْظَ الْخُبْثِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْقُبْحِ وَالشّنَاعَةِ وَأَرْشَدَهُمْ إلَى اسْتِعْمَالِ الْحَسَنِ وَهِجْرَانِ الْقَبِيحِ وَإِبْدَالِ اللّفْظِ الْمَكْرُوهِ بِأَحْسَنَ مِنْهُ .
[ النّهْيُ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَوَانِ " لَوْ أَنّي فَعَلْت كَذَا ] "
وَمِنْ ذَلِكَ نَهْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ قَوْلِ الْقَائِلِ بَعْدَ فَوَاتِ الْأَمْرِ لَوْ أَنّي فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا ، وَقَالَ إنّ لَوْ تَفْتَحُ عَمَلَ الشّيْطَان وَأَرْشَدَهُ إلَى مَا هُوَ أَنْفَعُ لَهُ مِنْ هَذِهِ الْكَلِمَةِ وَهُوَ أَنْ يَقُولَ قَدّرَ اللّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ وَذَلِكَ لِأَنّ قَوْلَهُ لَوْ كُنْتُ فَعَلْتُ كَذَا وَكَذَا ، لَمْ يَفُتْنِي مَا فَاتَنِي ، أَوْ لَمْ أَقَعْ فِيمَا وَقَعْتُ فِيهِ كَلَامٌ لَا يُجْدِي عَلَيْهِ فَائِدَةً الْبَتّةَ فَإِنّهُ غَيْرُ مُسْتَقْبِلٍ لِمَا اسْتَدْبَرَ مِنْ أَمْرِهِ وَغَيْرُ مُسْتَقِيلٍ عَثْرَتَهُ ب " لَوْ " وَفِي ضِمْنِ " لَوْ " ادّعَاءُ أَنّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ كَمَا قَدّرَهُ فِي نَفْسِهِ لَكَانَ غَيْرَ مَا قَضَاهُ اللّهُ وَقَدّرَهُ وَشَاءَهُ فَإِنّ مَا وَقَعَ مِمّا يَتَمَنّى خِلَافَهُ إنّمَا وَقَعَ بِقَضَاءِ اللّهِ وَقَدَرِهِ وَمَشِيئَتِهِ فَإِذَا قَالَ لَوْ أَنّي فَعَلْتُ كَذَا ، لَكَانَ خِلَافُ مَا وَقَعَ فَهُوَ مُحَالٌ إذْ خِلَافُ الْمُقَدّرِ الْمَقْضِيّ مُحَالٌ فَقَدْ تَضَمّنَ كَلَامُهُ كَذِبًا وَجَهْلًا وَمُحَالًا ، وَإِنْ سَلِمَ مِنْ التّكْذِيبِ بِالْقَدَرِ لَمْ يَسْلَمْ مِنْ مُعَارَضَتِهِ بِقَوْلِهِ لَوْ أَنّي فَعَلْتُ كَذَا ، لَدَفَعْتُ مَا قَدّرَ اللّهُ عَلَيّ . [ ص 326 ] فَإِنْ قِيلَ لَيْسَ فِي هَذَا رَدّ لِلْقَدَرِ وَلَا جَحْدٌ لَهُ إذْ تِلْكَ الْأَسْبَابُ الّتِي تَمَنّاهَا أَيْضًا مِنْ الْقَدَرِ فَهُوَ يَقُولُ لَوْ وَقَفْتُ لِهَذَا الْقَدَرِ لَانْدَفَعَ بِهِ عَنّي ذَلِكَ الْقَدَرُ فَإِنّ الْقَدَرَ يُدْفَعُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ كَمَا يُدْفَعُ قَدَرُ الْمَرَضِ بِالدّوَاءِ وَقَدَرُ الذّنُوبِ بِالتّوْبَةِ وَقَدَرُ الْعَدُوّ بِالْجِهَادِ فَكِلَاهُمَا مِنْ الْقَدَرِ . قِيلَ هَذَا حَقّ ، وَلَكِنّ هَذَا يَنْفَعُ قَبْلَ وُقُوعِ الْقَدَرِ الْمَكْرُوهِ وَأَمّا إذَا وَقَعَ فَلَا سَبِيلَ إلَى دَفْعِهِ وَإِنْ كَانَ لَهُ سَبِيلٌ إلَى دَفْعِهِ أَوْ تَخْفِيفِهِ بِقَدْرٍ آخَرَ فَهُوَ أَوْلَى بِهِ مِنْ قَوْلِهِ لَوْ كُنْتُ فَعَلْته ، بَلْ وَظِيفَتُهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَنْ يَسْتَقْبِلَ فِعْلَهُ الّذِي يُدْفَعُ بِهِ أَوْ يُخَفّفُ أَثَرُ مَا وَقَعَ وَلَا يَتَمَنّى مَا لَا مَطْمَعَ فِي وُقُوعِهِ فَإِنّهُ عَجْزٌ مَحْضٌ وَاَللّهُ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ وَيُحِبّ الْكَيْسَ وَيَأْمُرُ بِهِ وَالْكَيْسُ هُوَ مُبَاشَرَةُ الْأَسْبَابِ الّتِي رَبَطَ اللّهُ بِهَا مُسَبّبَاتِهَا النّافِعَةَ لِلْعَبْدِ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ فَهَذِهِ تَفْتَحُ عَمَلَ الْخَيْرِ وَأَمّا الْعَجْزُ فَإِنّهُ يَفْتَحُ عَمَلَ الشّيْطَانِ فَإِنّهُ إذَا عَجَزَ عَمّا يَنْفَعُهُ وَصَارَ إلَى الْأَمَانِيّ الْبَاطِلَةِ بِقَوْلِهِ لَوْ كَانَ كَذَا وَكَذَا ، وَلَوْ فَعَلْتُ كَذَا ، يَفْتَحُ عَلَيْهِ عَمَلَ الشّيْطَانِ فَإِنّ بَابَهُ الْعَجْزُ وَالْكَسَلُ وَلِهَذَا اسْتَعَاذَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْهُمَا ، وَهُمَا مِفْتَاحُ كُلّ شَرّ وَيَصْدُرُ عَنْهُمَا الْهَمّ ، وَالْحَزَنُ وَالْجُبْنُ وَالْبُخْلُ وَضَلَعُ الدّيْنِ وَغَلَبَةُ الرّجَالِ فَمَصْدَرُهَا كُلّهَا عَنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَعُنْوَانُهَا " لَوْ " فَلِذَلِكَ قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَإِنّ " لَوْ " تَفْتَحُ عَمَلَ الشّيْطَان فَالْمُتَمَنّي مِنْ أَعْجَزِ النّاسِ وَأَفْلَسِهِمْ فَإِنّ التّمَنّيَ رَأْسُ أَمْوَالِ الْمَفَالِيسِ وَالْعَجْزَ مِفْتَاحُ كُلّ شَرّ . وَأَصْلُ الْمَعَاصِي كُلّهَا الْعَجْزُ فَإِنّ الْعَبْدَ يَعْجِزُ عَنْ أَسْبَابِ أَعْمَالِ الطّاعَاتِ وَعَنْ الْأَسْبَابِ الّتِي تُبْعِدُهُ عَنْ الْمَعَاصِي ، وَتَحُولُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، فَيَقَعُ فِي الْمَعَاصِي ، فَجَمَعَ هَذَا الْحَدِيثُ الشّرِيفُ فِي اسْتِعَاذَتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُصُولَ الشّرّ وَفُرُوعَهُ وَمَبَادِيهِ وَغَايَاتِهِ وَمَوَارِدَهُ وَمَصَادِرَهُ وَهُوَ مُشْتَمِلٌ عَلَى ثَمَانِي خِصَالٍ كُلّ خَصْلَتَيْنِ مِنْهَا قَرِينَتَانِ فَقَالَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمّ وَالْحَزَن وَهُمَا قَرِينَانِ فَإِنّ الْمَكْرُوهَ الْوَارِدَ [ ص 327 ] يَكُونَ سَبَبُهُ أَمْرًا مَاضِيًا ، فَهُوَ يُحْدِثُ الْحُزْنَ وَإِمّا أَنْ يَكُونَ تَوَقّعَ أَمْرٍ مُسْتَقْبَلٍ فَهُوَ يُحْدِثُ الْهَمّ وَكِلَاهُمَا مِنْ الْعَجْزِ فَإِنّ مَا مَضَى لَا يُدْفَعُ بِالْحُزْنِ بَلْ بِالرّضَى ، وَالْحَمْدِ وَالصّبْرِ وَالْإِيمَانِ بِالْقَدَرِ وَقَوْلِ الْعَبْدِ قَدّرَ اللّهُ وَمَا شَاءَ فَعَلَ . وَمَا يُسْتَقْبَلُ لَا يُدْفَعُ أَيْضًا بِالْهَمّ بَلْ إمّا أَنْ يَكُونَ لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِهِ فَلَا يَعْجِزُ عَنْهُ وَإِمّا أَنْ لَا تَكُونَ لَهُ حِيلَةٌ فِي دَفْعِهِ فَلَا يَجْزَعُ مِنْهُ وَيَلْبَسُ لَهُ لِبَاسَهُ وَيَأْخُذُ لَهُ عُدّتَهُ وَيَتَأَهّبُ لَهُ أُهْبَتَهُ اللّائِقَةَ بِهِ وَيَسْتَجِنّ بِجُنّةٍ حَصِينَةٍ مِنْ التّوْحِيدِ وَالتّوَكّلِ وَالِانْطِرَاحِ بَيْنَ يَدَيْ الرّبّ تَعَالَى ، وَالِاسْتِسْلَامِ لَهُ وَالرّضَى بِهِ رَبّا فِي كُلّ شَيْءٍ وَلَا يَرْضَى بِهِ رَبّا فِيمَا يُحِبّ دُونَ مَا يَكْرَهُ فَإِذَا كَانَ هَكَذَا ، لَمْ يَرْضَ بِهِ رَبّا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَلَا يَرْضَاهُ الرّبّ لَهُ عَبْدًا عَلَى الْإِطْلَاقِ فَالْهَمّ وَالْحَزَنُ لَا يَنْفَعَانِ الْعَبْدَ الْبَتّةَ بَلْ مَضَرّتُهُمَا أَكْثَرُ مِنْ مَنْفَعَتِهِمَا ، فَإِنّهُمَا يُضْعِفَانِ الْعَزْمَ وَيُوهِنَانِ الْقَلْبَ وَيَحُولَانِ بَيْنَ الْعَبْدِ وَبَيْنَ الِاجْتِهَادِ فِيمَا يَنْفَعُهُ وَيَقْطَعَانِ عَلَيْهِ طَرِيقَ السّيْرِ أَوْ يُنَكّسَانِهِ إلَى وَرَاءٍ أَوْ يَعُوقَانِهِ وَيَقِفَانِهِ أَوْ يَحْجُبَانِهِ عَنْ الْعِلْمِ الّذِي كُلّمَا رَآهُ شَمّرَ إلَيْهِ وَجَدّ فِي سَيْرِهِ فَهُمَا حِمْلٌ ثَقِيلٌ عَلَى ظَهْرِ السّائِرِ بَلْ إنْ عَاقَهُ الْهَمّ وَالْحُزْنُ عَنْ شَهَوَاتِهِ وَإِرَادَاتِهِ الّتِي تَضُرّهُ فِي مَعَاشِهِ وَمَعَادِهِ انْتَفَعَ بِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهَذَا مِنْ حِكْمَةِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ أَنْ سَلّطَ هَذَيْنِ الْجُنْدَيْنِ عَلَى الْقُلُوبِ الْمُعْرِضَةِ عَنْهُ الْفَارِغَةِ مِنْ مَحَبّتِهِ [ ص 328 ] أُرِيدَ بِهَا الْخَيْرُ كَانَ حَظّهَا مِنْ سِجْنِ الْجَحِيمِ فِي مَعَادِهَا ، وَلَا تَزَالُ فِي هَذَا السّجْنِ حَتّى تَتَخَلّصَ إلَى فَضَاءِ التّوْحِيدِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى اللّهِ وَالْأُنْسِ بِهِ وَجَعْلِ مَحَبّتِهِ فِي مَحِلّ دَبِيبِ خَوَاطِرِ الْقَلْبِ وَوَسَاوِسِهِ بِحَيْثُ يَكُونُ ذِكْرُهُ تَعَالَى وَحُبّهُ وَخَوْفُهُ وَرَجَاؤُهُ وَالْفَرَحُ بِهِ وَالِابْتِهَاجُ بِذِكْرِهِ هُوَ الْمُسْتَوْلِي عَلَى الْقَلْبِ الْغَالِبُ عَلَيْهِ الّذِي مَتَى فَقَدَهُ فَقَدَ قُوتَهُ الّذِي لَا قِوَامَ لَهُ إلّا بِهِ وَلَا بَقَاءَ لَهُ بِدُونِهِ وَلَا سَبِيلَ إلَى خَلَاصِ الْقَلْبِ مِنْ هَذِهِ الْآلَامِ الّتِي هِيَ أَعْظَمُ أَمْرَاضِهِ وَأَفْسَدُهَا لَهُ إلّا بِذَلِكَ وَلَا بَلَاغَ إلّا بِاَللّهِ وَحْدَهُ فَإِنّهُ لَا يُوصِلُ إلَيْهِ إلّا هُوَ وَلَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إلّا هُوَ وَلَا يَصْرِفُ السّيّئَاتِ إلّا هُوَ وَلَا يَدُلّ عَلَيْهِ إلّا هُوَ وَإِذَا أَرَادَ عَبْدَهُ لِأَمْرٍ هَيّأَهُ لَهُ فَمِنْهُ الْإِيجَادُ وَمِنْهُ الْإِعْدَامُ وَمِنْهُ الْإِمْدَادُ وَإِذَا أَقَامَهُ فِي مَقَامِ أَيّ مَقَامٍ كَانَ فَبِحَمْدِهِ أَقَامَهُ فِيهِ وَبِحِكْمَتِهِ أَقَامَهُ فِيهِ وَلَا يَلِيقُ بِهِ غَيْرُهُ وَلَا يَصْلُحُ لَهُ سِوَاهُ وَلَا مَانِعَ لِمَا أَعْطَى اللّهُ وَلَا مُعْطِيَ لِمَا مَنَعَ وَلَا يَمْنَعُ عَبْدَهُ حَقّا هُوَ لِلْعَبْدِ فَيَكُونُ بِمَنْعِهِ ظَالِمًا لَهُ بَلْ إنّمَا مَنَعَهُ لِيَتَوَسّلَ إلَيْهِ بِمَحَابّهِ لِيَعْبُدَهُ وَلِيَتَضَرّعَ إلَيْهِ وَيَتَذَلّلَ بَيْنَ يَدَيْهِ وَيَتَمَلّقَهُ وَيُعْطِي فَقْرُهُ إلَيْهِ حَقّهُ بِحَيْثُ يَشْهَدُ فِي كُلّ ذَرّةٍ مِنْ ذَرّاتِهِ الْبَاطِنَةِ وَالظّاهِرَةِ فَاقَةً تَامّةً إلَيْهِ عَلَى تَعَاقُبِ الْأَنْفَاسِ وَهَذَا هُوَ الْوَاقِعُ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَإِنْ لَمْ يَشْهَدْهُ الْعَبْدُ فَلَمْ يَمْنَعْ الرّبّ عَبْدَهُ مَا الْعَبْدُ مُحْتَاجٌ إلَيْهِ بُخْلًا مِنْهُ وَلَا نَقْصًا مِنْ خَزَائِنِهِ وَلَا اسْتِئْثَارًا عَلَيْهِ بِمَا هُوَ حَقّ لِلْعَبْدِ بَلْ مَنَعَهُ لِيَرُدّهُ إلَيْهِ وَلِيُعِزّهُ بِالتّذَلّلِ لَهُ وَلِيُغْنِيَهُ بِالِافْتِقَارِ إلَيْهِ وَلِيَجْبُرَهُ بِالِانْكِسَارِ بَيْنَ يَدَيْهِ وَلِيُذِيقَهُ بِمَرَارَةِ الْمَنْعِ حَلَاوَةَ الْخُضُوعِ لَهُ وَلَذّةَ الْفَقْرِ إلَيْهِ وَلِيُلْبِسَهُ خِلْعَةَ الْعُبُودِيّةِ وَيُوَلّيهِ بِعَزْلِهِ أَشْرَفَ الْوِلَايَاتِ وَلِيُشْهِدَهُ حِكْمَتَهُ فِي قُدْرَتِهِ وَرَحْمَتَهُ فِي عِزّتِهِ وَبِرّهُ وَلُطْفَهُ فِي قَهْرِهِ . وَأَنّ مَنْعَهُ عَطَاءٌ وَعَزْلَهُ تَوْلِيَةٌ . وَعُقُوبَتَهُ تَأْدِيبٌ وَامْتِحَانَهُ مَحَبّةٌ وَعَطِيّةٌ وَتَسْلِيطَ أَعْدَائِهِ عَلَيْهِ سَائِقٌ يَسُوقهُ بِهِ إلَيْهِ . [ ص 329 ] وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا يَلِيقُ بِالْعَبْدِ غَيْرُ مَا أُقِيمَ فِيهِ وَحِكْمَتُهُ وَحَمْدُهُ أَقَامَاهُ فِي مَقَامِهِ الّذِي لَا يَلِيقُ بِهِ سِوَاهُ وَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَتَخَطّاهُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ مَوَاقِعَ عَطَائِهِ وَفَضْلِهِ وَ { اللّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَتَهُ } { وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنّ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ } [ الْأَنْعَامُ 53 ] فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَعْلَمُ بِمَوَاقِعِ الْفَضْلِ وَمَحَالّ التّخْصِيصِ وَمَحَالّ الْحِرْمَانِ فَبِحَمْدِهِ وَحِكْمَتِهِ أَعْطَى ، وَبِحَمْدِهِ وَحِكْمَتِهِ حَرَمَ فَمَنْ رَدّهُ الْمَنْعُ إلَى الِافْتِقَارِ إلَيْهِ وَالتّذَلّلِ لَهُ وَتَمَلّقِهِ انْقَلَبَ الْمَنْعُ فِي حَقّهِ عَطَاءً وَمَنْ شَغَلَهُ عَطَاؤُهُ وَقَطَعَهُ عَنْهُ انْقَلَبَ الْعَطَاءُ فِي حَقّهِ مَنْعًا ، فَكُلّ مَا شَغَلَ الْعَبْدَ عَنْ اللّهِ فَهُوَ مَشْئُومٌ عَلَيْهِ وَكُلّ مَا رَدّهُ إلَيْهِ فَهُوَ رَحْمَةٌ بِهِ وَالرّبّ تَعَالَى يُرِيدُ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَفْعَلَ وَلَا يَقَعُ الْفِعْلُ حَتّى يُرِيدَ سُبْحَانَهُ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُعِينَهُ فَهُوَ سُبْحَانَهُ أَرَادَ مِنّا الِاسْتِقَامَةَ دَائِمًا ، وَاِتّخَاذَ السّبِيلِ إلَيْهِ وَأَخْبَرَنَا أَنّ هَذَا الْمُرَادَ لَا يَقَع حَتّى يُرِيدَ مِنْ نَفْسِهِ إعَانَتَنَا عَلَيْهَا وَمُشِيئَتَهُ لَنَا ، فَهُمَا إرَادَتَانِ إرَادَةٌ مِنْ عَبْدِهِ أَنْ يَفْعَلَ وَإِرَادَةٌ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يُعِينَهُ وَلَا سَبِيلَ لَهُ إلَى الْفِعْلِ إلّا بِهَذِهِ الْإِرَادَةِ وَلَا يَمْلِكُ مِنْهَا شَيْئًا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَمَا تَشَاءُونَ إِلّا أَنْ يَشَاءَ اللّهُ رَبّ الْعَالَمِينَ } [ التّكْوِيرُ 29 ] فَإِنْ كَانَ مَعَ الْعَبْدِ رُوحٌ أُخْرَى ، نِسْبَتُهَا إلَى رُوحِهِ كَنِسْبَةِ رُوحِهِ إلَى بَدَنِهِ يَسْتَدْعِي بِهَا إرَادَةَ اللّهِ مِنْ نَفْسِهِ أَنْ يَفْعَلَ بِهِ مَا يَكُونُ بِهِ الْعَبْدُ فَاعِلًا ، وَإِلّا فَمَحَلّهُ غَيْرُ قَابِلٍ لِلْعَطَاءِ وَلَيْسَ مَعَهُ إنَاءٌ يُوضَعُ فِيهِ الْعَطَاءُ فَمَنْ جَاءَ بِغَيْرِ إنَاءٍ رَجَعَ بِالْحِرْمَانِ وَلَا يَلُومَنّ إلّا نَفْسَهُ . وَالْمَقْصُودُ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اسْتَعَاذَ مِنْ الْهَمّ وَالْحَزَنِ وَهُمَا قَرِينَانِ وَمِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَهُمَا قَرِينَانِ فَإِنْ تَخَلّفَ كَمَالُ الْعَبْدِ وَصَلَاحُهُ عَنْهُ إمّا أَنْ يَكُونَ لِعَدَمِ قُدْرَتِهِ عَلَيْهِ فَهُوَ عَجْزٌ أَوْ يَكُونَ قَادِرًا عَلَيْهِ لَكِنْ لَا يُرِيدُ فَهُوَ كَسَلٌ وَيَنْشَأُ عَنْ هَاتَيْنِ الصّفّتَيْنِ فَوَاتُ كُلّ خَيْرٍ وَحُصُولُ كُلّ شَرّ وَمِنْ ذَلِكَ الشّرّ تَعْطِيلُهُ عَنْ النّفْعِ بِبَدَنِهِ وَهُوَ الْجُبْنُ وَعَنْ النّفْعِ بِمَالِهِ وَهُوَ الْبُخْلُ ثُمّ يَنْشَأُ لَهُ بِذَلِكَ غَلَبَتَانِ . غَلَبَةٌ بِحَقّ وَهِيَ غَلَبَةُ الدّيْنِ وَغَلَبَةٌ بِبَاطِلٍ وَهِيَ غَلَبَةُ الرّجَالِ وَكُلّ هَذِهِ الْمَفَاسِدِ ثَمَرَةُ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الصّحِيحِ لِلرّجُلِ الّذِي [ ص 330 ] قَضَى عَلَيْهِ فَقَالَ حَسْبِيَ اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل فَقَال : إنّ اللّهَ يَلُومُ عَلَى الْعَجْزِ ، وَلَكِنْ عَلَيْكَ بِالْكَيْسِ فَإِذَا غَلَبَكَ أَمْرٌ فَقُلْ حَسْبِيَ اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل فَهَذَا قَالَ حَسْبِيَ اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ بَعْدَ عَجْزِهِ عَنْ الْكَيْسِ الّذِي لَوْ قَامَ بِهِ لَقُضِيَ لَهُ عَلَى خَصْمِهِ فَلَوْ فَعَلَ الْأَسْبَابَ الّتِي يَكُونُ بِهَا كَيّسًا ، ثُمّ غُلِبَ فَقَالَ حَسْبِيَ اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ لَكَانَتْ الْكَلِمَةُ قَدْ وَقَعَتْ مَوْقِعَهَا ، كَمَا أَنّ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلَ ، لَمّا فَعَلَ الْأَسْبَابَ الْمَأْمُورَ بِهَا ، وَلَمْ يَعْجِزْ بِتَرْكِهَا ، وَلَا بِتَرْكِ شَيْءٍ مِنْهَا ، ثُمّ غَلَبَهُ عَدُوّهُ وَأَلْقَوْهُ فِي النّارِ قَالَ فِي تِلْكَ الْحَالِ حَسْبِيَ اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل فَوَقَعَتْ الْكَلِمَةُ مَوْقِعَهَا ، وَاسْتَقَرّتْ فِي مَظَانّهَا ، فَأَثّرَتْ أَثَرَهَا ، وَتَرَتّبَ عَلَيْهَا مُقْتَضَاهَا .
[ التّوَكّلُ ]
وَكَذَلِكَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ يَوْمَ أُحُد ٍ لَمّا قِيلَ لَهُمْ بَعْدَ انْصِرَافِهِمْ مِنْ أُحُدٍ : إنّ النّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَتَجَهّزُوا وَخَرَجُوا لِلِقَاءِ عَدُوّهِمْ وَأَعْطَوْهُمْ الْكَيْسَ مِنْ نُفُوسِهِمْ ثُمّ قَالُوا : { حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ } فَأَثّرَتْ الْكَلِمَةُ أَثَرَهَا ، وَاقْتَضَتْ مُوجَبَهَا ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : { وَمَنْ يَتّقِ اللّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَنْ يَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ } [ الطّلَاقُ 2 ] فَجَعَلَ التّوَكّلَ بَعْدَ التّقْوَى الّذِي هُوَ قِيَامُ الْأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا ، فَحِينَئِذٍ إنْ تَوَكّلَ عَلَى اللّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ وَكَمَا قَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ { وَاتّقُوا اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُؤْمِنُونَ } [ الْمَائِدَةُ 11 ] فَالتّوَكّلُ وَالْحَسْبُ بِدُونِ قِيَامِ [ ص 331 ] كَانَ مَشُوبًا بِنَوْعٍ مِنْ التّوَكّلِ فَهُوَ تَوَكّلُ عَجْزٍ فَلَا يَنْبَغِي لِلْعَبْدِ أَنْ يَجْعَلَ تَوَكّلَهُ عَجْزًا ، وَلَا يَجْعَلَ عَجْزَهُ تَوَكّلًا ، بَلْ يَجْعَلُ تَوَكّلَهُ مِنْ جُمْلَةِ الْأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا الّتِي لَا يَتِمّ الْمَقْصُودُ إلّا بِهَا كُلّهَا . وَمِنْ هَاهُنَا غَلِطَ طَائِفَتَانِ مِنْ النّاسِ إحْدَاهُمَا : زَعَمَتْ أَنّ التّوَكّلَ وَحْدَهُ سَبَبٌ مُسْتَقِلّ كَافٍ فِي حُصُولِ الْمُرَادِ فَعُطّلَتْ لَهُ الْأَسْبَابُ الّتِي اقْتَضَتْهَا حِكْمَةُ اللّهِ الْمُوصِلَةُ إلَى مُسَبّبَاتهَا ، فَوَقَعُوا فِي نَوْعِ تَفْرِيطٍ وَعَجْزٍ بِحَسَبِ مَا عَطّلُوا مِنْ الْأَسْبَابِ وَضَعُفَ تَوَكّلُهُمْ مِنْ حَيْثُ ظَنّوا قُوّتَهُ بِانْفِرَادِهِ عَنْ الْأَسْبَابِ فَجَمَعُوا الْهَمّ كُلّهُ وَصَيّرُوهُ هَمّا وَاحِدًا ، وَهَذَا وَإِنْ كَانَ فِيهِ قُوّةٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَفِيهِ ضَعْفٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، فَكُلّمَا قَوِيَ جَانِبُ التّوَكّلِ بِإِفْرَادِهِ أَضْعَفَهُ التّفْرِيطُ فِي السّبَبِ الّذِي هُوَ مَحَلّ التّوَكّلِ فَإِنّ التّوَكّلَ مَحَلّهُ الْأَسْبَابُ وَكَمَالُهُ بِالتّوَكّلِ عَلَى اللّهِ فِيهَا ، وَهَذَا كَتَوَكّلِ الْحَرّاثِ الّذِي شَقّ الْأَرْضَ وَأَلْقَى فِيهَا الْبَذْرَ فَتَوَكّلَ عَلَى اللّهِ فِي زَرْعِهِ وَإِنْبَاتِهِ فَهَذَا قَدْ أَعْطَى التّوَكّلَ حَقّهُ وَلَمْ يَضْعُفْ تَوَكّلُهُ بِتَعْطِيلِ الْأَرْضِ وَتَخْلِيَتِهَا بُورًا ، وَكَذَلِكَ تَوَكّلُ الْمُسَافِرِ فِي قَطْعِ الْمَسَافَةِ مَعَ جِدّهِ فِي السّيْرِ وَتَوَكّلُ الْأَكْيَاسِ مِنْ النّجَاةِ مِنْ عَذَابِ اللّهِ وَالْفَوْزِ بِثَوَابِهِ مَعَ اجْتِهَادِهِمْ فِي طَاعَتِهِ فَهَذَا هُوَ التّوَكّلُ الّذِي يَتَرَتّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ وَيَكُونُ اللّهُ حَسْبَ مَنْ قَامَ بِهِ . وَأَمّا تَوَكّلُ الْعَجْزِ وَالتّفْرِيطِ فَلَا يَتَرَتّبُ عَلَيْهِ أَثَرُهُ وَلَيْسَ اللّهُ حَسْبَ صَاحِبِهِ فَإِنّ اللّهَ إنّمَا يَكُون حَسْبَ الْمُتَوَكّلِ عَلَيْهِ إذَا اتّقَاهُ وَتَقْوَاهُ فِعْلُ الْأَسْبَابِ الْمَأْمُورِ بِهَا ، لَا إضَاعَتُهَا . وَالطّائِفَةُ الثّانِيَةُ الّتِي قَامَتْ بِالْأَسْبَابِ وَرَأَتْ ارْتِبَاطَ الْمُسَبّبَاتِ بِهَا شَرْعًا وَقَدَرًا ، وَأَعْرَضَتْ عَنْ جَانِبِ التّوَكّلِ وَهَذِهِ الطّائِفَةُ وَإِنْ نَالَتْ بِمَا فَعَلَتْهُ مِنْ الْأَسْبَابِ مَا نَالَتْهُ فَلَيْسَ لَهَا قُوّةُ أَصْحَابِ التّوَكّلِ وَلَا عَوْنُ اللّهِ لَهُمْ وَكِفَايَتُهُ إيّاهُمْ وَدِفَاعُهُ عَنْهُمْ بَلْ هِيَ مَخْذُولَةٌ عَاجِزَةٌ بِحَسَبِ مَا فَاتَهَا مِنْ التّوَكّلِ . فَالْقُوّةُ كُلّ الْقُوّةِ فِي التّوَكّلِ عَلَى اللّهِ كَمَا قَالَ بَعْضُ السّلَفِ مَنْ سَرّهُ أَنْ يَكُونَ أَقْوَى النّاسِ فَلْيَتَوَكّلْ عَلَى اللّهِ فَالْقُوّةُ مَضْمُونَةٌ لِلْمُتَوَكّلِ وَالْكِفَايَةُ وَالْحَسْبُ وَالدّفْعُ عَنْهُ وَإِنّمَا يَنْقُصُ عَلَيْهِ مِنْ ذَلِكَ بِقَدْرِ مَا يَنْقُصُ مِنْ التّقْوَى وَالتّوَكّلِ وَإِلّا [ ص 332 ] بُدّ أَنْ يَجْعَلَ اللّهُ لَهُ مَخْرَجًا مِنْ كُلّ مَا ضَاقَ عَلَى النّاسِ وَيَكُونَ اللّهُ حَسْبَه وَكَافِيَهُ . وَالْمَقْصُودُ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَرْشَدَ الْعَبْدَ إلَى مَا فِيهِ غَايَةُ كَمَالِهِ وَنَيْلُ مَطْلُوبِهِ أَنْ يَحْرِصَ عَلَى مَا يَنْفَعُهُ وَيَبْذُلَ فِيهِ جَهْدَهُ وَحِينَئِذٍ يَنْفَعُهُ التّحَسّبُ وَقَوْلُ حَسْبِيَ اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيل بِخِلَافِ مَنْ عَجَزَ وَفَرّطَ حَتّى فَاتَتْهُ مَصْلَحَتُهُ ثُمّ قَالَ حَسْبِيَ اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَإِنّ اللّهَ يَلُومُهُ وَلَا يَكُونُ فِي هَذَا الْحَالِ حَسْبَه ، فَإِنّمَا هُوَ حَسْبُ مَنْ اتّقَاهُ وَتَوَكّلَ عَلَيْهِ .
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الذّكْر
كَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَكْمَلَ الْخَلْقِ ذِكْرًا لِلّهِ عَزّ وَجَلّ بَلْ كَانَ كَلَامُهُ كُلّهُ فِي ذِكْرِ اللّهِ وَمَا وَالَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ وَنَهْيُهُ وَتَشْرِيعُهُ لِلْأُمّةِ ذِكْرًا مِنْهُ لِلّهِ وَإِخْبَارُهُ عَنْ أَسْمَاءِ الرّبّ وَصِفَاتِهِ وَأَحْكَامِهِ وَأَفْعَالِهِ وَوَعْدِهِ وَوَعِيدِهِ ذِكْرًا مِنْهُ لَهُ وَثَنَاؤُهُ عَلَيْهِ بِآلَائِهِ وَتَمْجِيدُهُ وَحَمْدُهُ وَتَسْبِيحُهُ ذِكْرًا مِنْهُ لَهُ وَسُؤَالُهُ وَدُعَاؤُهُ إيّاهُ وَرَغْبَتُهُ وَرَهْبَتُهُ ذِكْرًا مِنْهُ لَهُ وَسُكُوتُهُ وَصَمْتُهُ ذِكْرًا مِنْهُ لَهُ بِقَلْبِهِ فَكَانَ ذَاكِرًا لِلّهِ فِي كُلّ أَحْيَانِهِ وَعَلَى جَمِيعِ أَحْوَالِهِ وَكَانَ ذِكْرُهُ لِلّهِ يَجْرِي مَعَ أَنْفَاسِهِ قَائِمًا وَقَاعِدًا وَعَلَى جَنْبِهِ وَفِي مَشْيِهِ وَرُكُوبِهِ وَمَسِيرِهِ وَنُزُولهِ وَظَعْنِهِ وَإِقَامَتِهِ . وَكَانَ إذَا اسْتَيْقَظَ قَالَ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَحْيَانَا بَعْدَ مَا أَمَاتَنَا وَإِلَيْهِ النّشُورُ [ ص 333 ]
[ الذّكْرُ عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ مَنّ اللّيْلِ ]
وَقَالَتْ عَائِشَة ُ كَانَ إذَا هَبّ مِنْ اللّيْلِ كَبّرَ اللّهَ عَشْرًا ، وَحَمِدَ اللّهَ عَشْرًا ، وَقَالَ سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ عَشْرًا ، سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدّوسِ عَشْرًا ، وَاسْتَغْفَرَ اللّهَ عَشْرًا ، وَهَلّلَ عَشْرًا ثُمّ قَالَ اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مَنّ ضِيقِ الدّنْيَا ، وَضِيقِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ عَشْرًا ، ثُمّ يَسْتَفْتِحُ الصّلَاةَ . وَقَالَتْ أَيْضًا : كَانَ إذَا اسْتَيْقَظَ مِنْ اللّيْلِ قَالَ لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ اللّهُمّ أَسْتَغْفِرُكَ لِذَنْبِي ، وَأَسْأَلُكَ رَحْمَتَكَ اللّهُمّ زِدْنِي عِلْمًا وَلَا تُزِغْ قَلْبِي بَعْدَ إذْ هَدَيْتَنِي ، وَهَبْ لِي مَنّ لَدُنْكَ رَحْمَةً إنّكَ أَنْتَ الْوَهّابُ ذَكَرَهُمَا أَبُو دَاوُد َ . وَأَخْبَرَ أَنّ مَنّ اسْتَيْقَظَ مَنّ اللّيْلِ فَقَالَ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الْحَمْدُ لِلّهِ وَسُبْحَانَ اللّهِ وَلَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَاَللّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ [ الْعَلِيّ الْعَظِيمِ ] ثُمّ قَالَ " اللّهُمّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا بِدُعَاءٍ آخَرَ اُسْتُجِيبَ لَهُ فَإِنْ تَوَضّأَ وَصَلّى ، قُبِلَتْ صَلَاتُهُ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ . [ ص 334 ] وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْهُ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَيْلَةَ مَبِيتِهِ عِنْدَهُ إنّهُ لَمّا اسْتَيْقَظَ رَفَعَ رَأْسَهُ إلَى السّمَاءِ وَقَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِيمَ مَنّ سُورَةِ ( آلِ عِمْرَانَ ) { إِنّ فِي خَلْقِ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } . .. إلَى آخِرِهَا . ثُمّ قَالَ اللّهُمّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ نُورُ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ قَيّمُ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَنْ فِيهِنّ وَلَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ الْحَقّ ، وَوَعْدُكَ الْحَقّ ، وَقَوْلُكَ الْحَقّ ، وَلِقَاؤُكَ حَقّ ، وَالْجَنّةُ حَقّ ، وَالنّارُ حَقّ ، وَالنّبِيّونَ حَقّ ، وَمُحَمّدٌ حَقّ ، وَالسّاعَةُ حَقّ ، اللّهُمّ لَكَ أَسْلَمْتُ وَبِكَ آمَنْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكّلْتُ وَإِلَيْكَ أَنَبْتُ وَبِكَ خَاصَمْتُ وَإِلَيْكَ حَاكَمْتُ فَاغْفِرْ لِي مَا قَدّمْتُ وَمَا أَخّرْتُ وَمَا أَسْرَرْتُ وَمَا أَعْلَنْتُ أَنْتَ إلَهِي ، لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ الْعَلِيّ الْعَظِيمِ وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ كَانَ إذَا قَامَ مِنْ اللّيْلِ قَالَ ا للّهُمّ رَبّ جَبْرَائِيلَ وَمِيكَائِيلَ وَإِسْرَافِيلَ فَاطِرَ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ أَنْتَ تَحْكُمُ بَيْنَ عِبَادِكَ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ اهْدِنِي لِمَا اُخْتُلِفَ فِيهِ مِنْ الْحَقّ بِإِذْنِك ، إنّكَ تَهْدِي مَنّ تَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ [ ص 335 ] قَالَتْ كَانَ يَفْتَتِحُ صَلَاتَهُ بِذَلِكَ . وَكَانَ إذَا أَوْتَرَ خَتَمَ وِتْرَهُ بَعْدَ فَرَاغِهِ بِقَوْلِهِ سُبْحَانَ الْمَلِكِ الْقُدّوسِ ثَلَاثًا ، وَيَمُدّ بِالثّالِثَةِ صَوْتَهُ .
[ الذّكْرُ عِنْدَ الْخُرُوجِ مَنّ الْبَيْت ] ِ
وَكَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ بَيْتِهِ يَقُولُ بِسْمِ اللّهِ تَوَكّلْت عَلَى اللّهِ ، اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلّ أَوْ أُضَلّ أَوْ أَزِلّ أَوْ أُزَلّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيّ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنّ قَالَ إذَا خَرَجَ مَنّ بَيْتِهِ : بِسْمِ اللّهِ تَوَكّلْت عَلَى اللّهِ ، وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ يُقَالُ لَهُ هُدِيتَ وَكُفِيتَ وَوُقِيتَ وَتَنَحّى عَنْهُ الشّيْطَانُ [ ص 336 ] وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْهُ لَيْلَةَ مَبِيتِهِ عِنْدهُ إنّهُ خَرَجَ إلَى صَلَاةِ الْفَجْرِ وَهُوَ يَقُولُ اللّهُمّ اجْعَلْ فِي قَلْبِي نُورًا ، وَاجْعَلْ فِي لِسَانِي نُورًا ، وَاجْعَلْ فِي سَمْعِي نُورًا ، وَاجْعَلْ فِي بَصَرِي نُورًا ، وَاجْعَلْ مَنّ خَلْفِي نُورًا ، وَمِنْ أَمَامِي نُورًا ، وَاجْعَلْ مَنّ فَوْقِي نُورًا ، وَاجْعَلْ مِنْ تَحْتِي نُورًا ، اللّهُمّ أَعْظِمْ لِي نُورًا وقال فُضَيْلُ بْنُ مَرْزُوقٍ ، عَنْ عَطِيّةَ الْعَوْفِيّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قال : قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم : مَا خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَيْتِهِ إلى الصّلَاةِ فَقَال : اللّهُمّ إنّي أَسْأَلُكَ بِحَقّ السّائِلِينَ عَلَيْكَ وَبِحَقّ مَمْشَايَ هَذَا إلَيْكَ فَإِنّي لَمْ أَخْرُجْ بَطَرًا وَلَا أَشَرًا ، وَلَا رِيَاءً وَلَا سُمْعَةً وَإِنّمَا خَرَجْتُ اتّقَاءَ سَخَطِك ، وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِكَ أَسْأَلُكَ أَنْ تُنْقِذَنِي مِنْ النّارِ وَأَنْ تَغْفِرَ لِي ذُنُوبِي ، فَإِنّهُ لَا يَغْفِرُ الذّنُوبَ إلّا أَنْتَ إلّا وَكّلَ اللّهُ بِهِ سَبْعِينَ أَلْفَ مَلَكٍ يَسْتَغْفِرُونَ لَهُ وَأَقْبَلَ اللّهُ عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ حَتّى يَقْضِيَ صَلَاتَهُ
[ دُعَاءُ دُخُولِ الْمَسْجِد]
وَذَكَرَ أَبُو دَاوُد َ عَنْهُ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ كَانَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ قَالَ أَعُوذُ بِاَللّهِ الْعَظِيمِ وَبِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ ، وَسُلْطَانِهِ الْقَدِيمِ مِنْ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ فَإِذَا قَال ذَلِكَ قَالَ الشّيْطَانُ حُفِظَ مِنّي سَائِرَ الْيَوْم وَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيُسَلّمْ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلْيَقُلْ اللّهُمّ افْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِكَ فَإِذَا خَرَجَ فَلْيَقُلْ اللّهُمّ إنّي أَسْأَلُك مِنْ فَضْلِكَ [ ص 337 ] أَنّهُ كَانَ إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ صَلّى عَلَى مُحَمّدٍ وَآلِهِ وَسَلّمَ ثُمّ يَقُولُ اللّهُمّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ رَحْمَتِك ، فَإِذَا خَرَجَ صَلّى عَلَى مُحَمّدٍ وَآلِهِ وَسَلّمَ ثُمّ يَقُولُ اللّهُمّ اغْفِرْ لِي ذُنُوبِي وَافْتَحْ لِي أَبْوَابَ فَضْلِكَ وَكَانَ إذَا صَلّى الصّبْحَ جَلَسَ فِي مُصَلّاهُ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ يَذْكُرُ اللّهَ عَزّ وَجَلّ .
[ أَدْعِيَةُ الصّبَاحِ وَالْمَسَاءِ ]
وَكَانَ يَقُولُ إذَا أَصْبَحَ اللّهُمّ بِكَ أَصْبَحْنَا ، وَبِكَ أَمْسَيْنَا ، وَبِكَ نَحْيَا ، وَبِكَ نَمُوتُ وَإِلَيْكَ النّشُورُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَكَانَ يَقُولُ أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلّهِ . وَالْحَمْدُ لِلّهِ وَلَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ رَبّ أَسْأَلُكَ خَيْرَ مَا فِي هَذَا الْيَوْمِ وَخَيْرَ مَا بَعْدَهُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ هَذَا الْيَوْمِ وَشَرّ مَا بَعْدَهُ رَبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْكَسَلِ وَسُوءِ الْكِبَرِ رَبّ أَعُوذُ بِكَ مَنّ عَذَابٍ فِي النّارِ وَعَذَابٍ فِي الْقَبْرِ وَإِذَا أَمْسَى قَال : أَمْسَيْنَا وَأَمْسَى الْمُلْكُ لِلّهِ . .. إلَى آخِرِهِ . [ ص 338 ] ذَكَرَهُ مُسْلِم ٌ . وَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيق رَضِيَ اللّه عَنْهُ مُرْنِي بِكَلِمَاتٍ أَقُولُهُنّ إذَا أَصْبَحْتُ وَإِذَا أَمْسَيْتُ قَالَ قُلْ اللّهُمّ فَاطِرَ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ ، عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ رَبّ كُلّ شَيْءٍ وَمَلِيكَهُ وَمَالِكَهُ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ نَفْسِي ، وَمِنْ شَرّ الشّيْطَانِ وَشِرْكهِ وَأَنْ أَقْتَرِفَ عَلَى نَفْسِي سُوءًا أَوْ أَجُرّهُ إلَى مُسْلِمٍ قَالَ قُلْهَا إذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ وَإِذَا أَخَذْتَ مَضْجَعَكَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا مِنْ عَبْدٍ يَقُولُ فِي صَبَاحِ كُلّ يَوْمٍ وَمَسَاءِ كُلّ لَيْلَةٍ بِسْمِ اللّهِ الّذِي لَا يَضُرّ مَعَ اسْمِهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السّمَاءِ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ ثَلَاثَ مَرّاتٍ إلّا لَمْ يَضُرّهُ شَيْءٌ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَقَالَ مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي : رَضِيتُ بِاَللّهِ رَبّا ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ، وَبِمُحَمّدٍ نَبِيّا ، كَانَ حَقّا عَلَى اللّهِ أَنْ يُرْضِيَهُ صَحّحَهُ التّرْمِذِيّ وَالْحَاكِمُ . [ ص 339 ] وَقَالَ مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي : اللّهُمّ إنّي أَصْبَحْتُ أُشْهِدُكَ وَأُشْهِدُ حَمَلَةَ عَرْشِكَ وَمَلَائِكَتَكَ وَجَمِيعَ خَلْقِكَ أَنّكَ أَنْتَ اللّهُ الّذِي لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ " وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ أَعْتَقَ اللّهُ رُبْعَهُ مِنْ النّارِ وَإِنْ قَالَهَا مَرّتَيْنِ أَعْتَقَ اللّهُ نِصْفَهُ مِنْ النّارِ وَإِنْ قَالَهَا ثَلَاثًا ، أَعْتَقَ اللّهُ ثَلَاثَةَ أَرْبَاعِهِ مِنْ النّارِ وَإِنْ قَالَهَا أَرْبَعًا ، أَعْتَقَهُ اللّهُ مِنْ النّارِ حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَقَالَ مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ اللّهُمّ مَا أَصْبَحَ بِي مِنْ نِعْمَةٍ أَوْ بِأَحَدٍ مَنّ خَلْقِكَ فَمِنْكَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَكَ الْحَمْدُ وَلَكَ الشّكْرُ فَقَدْ أَدّى شُكْرَ يَوْمِهِ وَمَنْ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ حِينَ يُمْسِي ، فَقَدْ أَدّى شُكْرَ لَيْلَتِهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ . [ ص 340 ] وَكَانَ يَدْعُو حَيْنَ يُصْبِحُ وَحَيْنَ يُمْسِي بِهَذِهِ الدّعَوَاتِ اللّهُمّ إنّي أَسْأَلُكَ الْعَافِيَةَ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ اللّهُمّ إنّي أَسْأَلُكَ الْعَفْوَ وَالْعَافِيَةَ فِي دِينِي وَدُنْيَايَ وَأَهْلِي وَمَالِي ، اللّهُمّ اُسْتُرْ عَوْرَاتِي ، وَآمِنْ رَوْعَاتِي ، اللّهُمّ احْفَظْنِي مِنْ بَيْنَ يَدَيّ وَمِنْ خَلْفِي ، وَعَنْ يَمِينِي وَعَنْ شِمَالِي ، وَمِنْ فَوْقِي ، وَأَعُوذُ بِعَظَمَتِكَ أَنْ أُغْتَالَ مِنْ تَحْتِي صَحّحَهُ الْحَاكِمُ . وَقَالَ إذَا أَصْبَحَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ أَصْبَحْنَا وَأَصْبَحَ الْمُلْكُ لِلّهِ رَبّ الْعَالَمِينَ اللّهُمّ إنّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذَا الْيَوْمِ فَتْحَهُ وَنَصْرَهُ وَنُورَهُ وَبَرَكَتَهُ وَهِدَايَتَهُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ مَا فِيهِ وَشَرّ مَا بَعْدَهُ ثُمّ إذَا أَمْسَى ، فَلْيَقُلْ مِثْلَ ذَلِكَ حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لِبَعْضِ بَنَاتِهِ قُولِي حِينَ تُصْبِحِينَ سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ الْعَلِيّ الْعَظِيمِ مَا شَاءَ اللّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ أَعْلَمُ أَنّ اللّهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنّ اللّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَيْءٍ عِلْمًا ، فَإِنّهُ مَنْ قَالَهُنّ حِينَ يُصْبِحُ حُفِظَ حَتّى يُمْسِيَ وَمَنْ قَالَهُنّ حِينَ يُمْسِي حُفِظَ حَتّى يُصْبِحَ وَقَالَ لِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ : أَلَا أُعَلّمُك كَلَامًا إذَا قُلْتَهُ أَذْهَبَ اللّهُ هَمّكَ وَقَضَى عَنْكَ دَيْنَكَ ؟ قُلْتُ بَلَى يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ قُلْ إذَا أَصْبَحْتَ وَإِذَا أَمْسَيْتَ اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْهَمّ وَالْحَزَنِ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْعَجْزِ وَالْكَسَلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ الْجُبْنِ وَالْبُخْلِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ غَلَبَةِ الدّيْنِ وَقَهْرِ الرّجَالِ قَالَ فَقُلْتهنّ فَأَذْهَبَ اللّهُ هَمّي ، وَقَضَى عَنّي دَيْنِي [ ص 341 ] وَكَانَ إذَا أَصْبَحَ قَالَ أَصْبَحْنَا عَلَى فِطْرَةِ الْإِسْلَامِ ، وَكَلِمَةِ الْإِخْلَاصِ وَدِينِ نَبِيّنَا مُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمِلّةِ أَبِينَا إبْرَاهِيمَ حَنِيفًا مُسْلِمًا ، وَمَا كَانَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ
[ الرّسُولُ مُرْسَلٌ إلَى نَفْسِهِ وَأُمّتِهِ ]
هَكَذَا فِي الْحَدِيثِ وَدِينِ نَبِيّنَا مُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَدْ اسْتَشْكَلَهُ بَعْضُهُمْ وَلَهُ حُكْمُ نَظَائِرِهِ كَقَوْلِهِ فِي الْخُطَبِ وَالتّشَهّدِ فِي الصّلَاةِ أَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللّهِ فَإِنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُكَلّفٌ بِالْإِيمَانِ بِأَنّهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى خَلْقِهِ وَوُجُوبُ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَعْظَمُ مِنْ وُجُوبِهِ عَلَى الْمُرْسَلِ إلَيْهِمْ فَهُوَ نَبِيّ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى الْأُمّةِ الّتِي هُوَ مِنْهُمْ وَهُوَ رَسُولُ اللّهِ إلَى نَفْسِهِ وَإِلَى أُمّتِهِ . وَيُذْكَرُ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ لِفَاطِمَةَ ابْنَتِهِ مَا يَمْنَعُكِ أَنْ تَسْمَعِي مَا أُوصِيكِ بِهِ : أَنْ تَقُولِي إذَا أَصْبَحْتِ وَإِذَا أَمْسَيْتِ يَا حَيّ ، يَا قَيّومُ بِك أَسْتَغِيثُ فَأَصْلِحْ لِي شَأْنِي ، وَلَا تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْن وَيُذْكَرُ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ لِرَجُلٍ شَكَا إلَيْهِ إصَابَةَ الْآفَاتِ قُلْ إذَا أَصْبَحْتَ بِسْمِ اللّهِ عَلَى نَفْسِي ، وَأَهْلِي وَمَالِي ، فَإِنّهُ لَا يَذْهَبُ عَلَيْكَ شَيْءٌ [ ص 342 ] وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ إذَا أَصْبَحَ قَالَ اللّهُمّ إنّي أَسْأَلُكَ عِلْمًا نَافِعًا ، وَرِزْقًا طَيّبًا ، وَعَمَلًا مُتَقَبّلاً وَيُذْكَرُ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ الْعَبْدَ إذَا قَالَ حِينَ يُصْبِحُ ثَلَاثَ مَرّاتٍ اللّهُمّ إنّي أَصْبَحْتُ مِنْكَ فِي نِعْمَةٍ وَعَافِيَةٍ وَسِتْرٍ فَأَتْمِمْ عَلَيّ نِعْمَتَكَ وَعَافِيَتَك وَسِتْرَكَ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَإِذَا أَمْسَى ، قَال ذَلِك ، كَانَ حَقّا عَلَى اللّهِ أَنْ يُتِمّ عَلَيْه وَيُذْكَرُ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ مَنْ قَالَ فِي كُلّ يَوْمٍ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي : حَسْبِيَ اللّهُ لَا إلَهَ إلّا هُوَ عَلَيْهِ تَوَكّلْت وَهُوَ رَبّ الْعَرْشِ الْعَظِيمُ سَبْعَ مَرّاتٍ كَفَاهُ اللّهُ مَا أَهَمّهُ مِنْ أَمْرِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَيُذْكَرُ عَنْهُ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ مَنْ قَالَ هَذِهِ الْكَلِمَاتِ فِي أَوّلِ نَهَارِهِ ، لَمْ تُصِبْهُ مُصِيبَةٌ حَتّى يُمْسِيَ وَمَنْ قَالَهَا آخِرَ نَهَارِهِ لَمْ تُصِبْهُ مُصِيبَةٌ حَتّى يُصْبِحَ " اللّهُمّ أَنْتَ رَبّي ، لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ ، عَلَيْكَ تَوَكّلْتُ وَأَنْتَ رَبّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ مَا شَاءَ اللّهُ كَانَ وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ لَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ الْعَلِيّ الْعَظِيمِ أَعْلَمُ أَنّ اللّهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنّ اللّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلّ شَيْءٍ عِلْمًا ، اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ نَفْسِي ، وَشَرّ كُلّ دَابّةٍ أَنْتَ آخِذٌ بِنَاصِيَتِهَا ، إنّ رَبّي عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيم وَقَدْ قِيلَ لِأَبِي الدّرْدَاءِ [ ص 343 ] فَقَالَ مَا احْتَرَقَ وَلَمْ يَكُنْ اللّهُ عَزّ وَجَلّ لِيَفْعَلَ لِكَلِمَاتٍ سَمِعْتهنّ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَذَكَرَهَا . وَقَالَ سَيّدُ الِاسْتِغْفَارِ أَنْ يَقُولَ الْعَبْدُ : اللّهُمّ أَنْتَ رَبّي ، لَا إلَه إلّا أَنْتَ خَلَقْتَنِي وَأَنَا عَبْدكَ وَأَنَا عَلَى عَهْدِكَ وَوَعْدِكَ مَا اسْتَطَعْتُ أَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ مَا صَنَعْتُ أَبُوءُ لَكَ بِنِعْمَتِكَ عَلَيّ وَأَبُوءُ بِذَنْبِي ، فَاغْفِرْ لِي إنّهُ لَا يَغْفِرُ الذّنُوبَ إلّا أَنْتَ مَنْ قَالَهَا حِينَ يُصْبِحُ مُوقِنًا بِهَا فَمَاتَ مِنْ يَوْمِهِ دَخَلَ الْجَنّةَ وَمَنْ قَالَهَا حِينَ يُمْسِي مُوقِنًا بِهَا ، فَمَاتَ مِنْ لَيْلَتِهِ دَخَلَ الْجَنّةَ وَمَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ وَحِينَ يُمْسِي : سُبْحَانَ اللّهِ وَبِحَمْدِهِ مِائَةَ مَرّةٍ لَمْ يَأْتِ أَحَدٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِأَفْضَلَ مِمّا جَاءَ بِهِ إلّا أَحَدٌ قَالَ مِثْلَ مَا قَالَ أَوْ زَادَ عَلَيْهِ " . وَقَالَ " مَنْ قَالَ حَيْنَ يُصْبِحُ عَشْرَ مَرّاتٍ لَا إلَه إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ كَتَبَ اللّهُ بِهَا عَشْرَ حَسَنَاتٍ وَمَحَا عَنْهُ بِهَا عَشْرَ سَيّئَاتٍ وَكَانَتْ كَعَدْلِ عَشْرِ رِقَابٍ وَأَجَارَهُ اللّهُ يَوْمَهُ مِنْ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ وَإِذَا أَمْسَى فَمِثْلُ ذَلِكَ حَتّى يُصْبِحَ [ ص 344 ] وَقَالَ مَنْ قَالَ حِينَ يُصْبِحُ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فِي الْيَوْمِ مِائَةَ مَرّةٍ كَانَتْ لَهُ عَدْلَ عَشْرَ رِقَابٍ وَكُتِبَ لَهُ مِائَةُ حَسَنَةٍ وَمُحِيَتْ عَنْهُ مِائَةُ سَيّئَةٍ وَكَانَتْ لَهُ حِرْزًا مِنْ الشّيْطَانِ يَوْمَهُ ذَلِكَ حَتّى يُمْسِيَ وَلَمْ يَأْتِ أَحَدٌ بِأَفْضَلَ مِمّا جَاءَ بَهْ إلّا رَجُلٌ عَمِلَ أَكْثَرَ مِنْهُ وَفِي " الْمُسْنَدِ " وَغَيْرهِ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلّمَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَعَاهَدَ بِهِ أَهْلَهُ فِي كُلّ صَبَاحٍ لَبّيْكَ اللّهُمّ لَبّيْكَ لَبّيْكَ وَسَعْدَيْكَ ، وَالْخَيْرُ فِي يَدَيْكَ وَمِنْكَ وَبِكَ وَإِلَيْكَ اللّهُمّ مَا قُلْتُ مِنْ قَوْلٍ أَوْ حَلَفْتُ مِنْ حَلِفٍ أَوْ نَذَرْتُ مِنْ نَذْرٍ فَمَشِيئَتُكَ بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ كُلّهِ مَا شِئْتَ كَانَ وَمَا لَمْ تَشَأْ لَمْ يَكُنْ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِكَ إنّكَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ اللّهُمّ مَا صَلّيْتَ مِنْ صَلَاةٍ فَعَلَى مَنْ صَلّيْتَ وَمَا لَعَنْتَ مِنْ لَعْنَةٍ فَعَلَى مَنْ لَعَنْتَ أَنْتَ وَلِيّي فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ تَوَفّنِي مُسْلِمًا وَأَلْحِقْنِي بِالصّالِحِينَ اللّهُمّ فَاطِرَ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ فَإِنّي أَعْهَدُ إلَيْكَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدّنْيَا ، وَأُشْهِدُكَ - وَكَفَى بِكَ شَهِيدًا - بِأَنّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ وَحْدَكَ لَا شَرِيكَ لَكَ لَكَ الْمُلْكُ وَلَكَ الْحَمْدُ وَأَنْتَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا عَبْدُكَ وَرَسُولُكَ وَأَشْهَدُ أَنّ وَعْدَكَ حَقّ ، وَلِقَاءَكَ حَقّ ، وَالسّاعَةَ حَقّ آتِيَةٌ لَا رَيْبَ فِيهَا ، وَأَنّكَ تَبْعَثُ مَنْ فِي الْقُبُورِ وَأَشْهَدُ أَنّكَ إنْ تَكِلْنِي إلَى نَفْسِي تَكِلْنِي إلَى ضَعْفٍ وَعَوْرَةٍ وَذَنْبٍ وَخَطِيئَةٍ وَإِنّي لَا أَثِقُ إلّا بِرَحْمَتِكَ فَاغْفِرْ لِي ذُنُوبِي كُلّهَا إنّهُ لَا يَغْفِرُ الذّنُوبَ إلّا أَنْتَ وَتُبْ عَلَيّ إنّكَ أَنْتَ التّوّابُ الرّحِيمُ [ ص 345 ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الذّكْرِ عِنْدَ لُبْسِ الثّوْبِ وَنَحْوِهِ
كَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا اسْتَجَدّ ثَوْبًا سَمّاهُ بِاسْمِهِ عِمَامَةً أَوْ قَمِيصًا ، أَوْ رِدَاءً ثُمّ يَقُولُ اللّهُمّ لَكَ الْحَمْدُ أَنْتَ كَسَوْتَنِيهِ ، أَسْأَلُكَ خَيْرَهُ وَخَيْرَ مَا صُنِعَ لَهُ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّهِ وَشَرّ مَا صُنِعَ لَهُ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . [ ص 346 ] قَالَ مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا فَقَالَ : " الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي كَسَانِي هَذَا وَرَزَقَنِيهِ مَنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنّي وَلَا قُوّةٍ غَفَرَ اللّهُ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَفِي " جَامِعِ التّرْمِذِيّ " عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُول : مَنْ لَبِسَ ثَوْبًا جَدِيدًا فَقَالَ " الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي كَسَانِي مَا أُوَارِي بِهِ عَوْرَتِي ، وَأَتَجَمّلُ بِهِ فِي حَيَاتِي ، ثُمّ عَمَدَ إلَى الثّوْبِ الّذِي أَخْلَقَ فَتَصَدّقَ بِهِ كَانَ فِي حِفْظِ اللّهِ وَفِي كَنَفِ اللّهِ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ حَيّا وَمَيّتًا وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لِأُمّ خَالِدٍ لَمّا أَلْبَسَهَا الثّوْبَ الْجَدِيدَ أَبْلِي وَأَخْلِقِي ، ثُمّ أَبْلِي وَأَخْلِقِي مَرّتَيْن ِ وَفِي " سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَأَى عَلَى عُمَرَ ثَوْبًا فَقَالَ أَجَدِيدٌ هَذَا ،أَمْ غَسِيلٌ ؟ فَقَالَ بَلْ غَسِيلٌ فَقَالَ " الْبَسْ جَدِيدًا ، وَعِشْ حَمِيدًا ، وَمُتْ شَهِيدًا [ ص 347 ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عِنْدَ دُخُولِهِ إلَى مَنْزِلِهِ
لَمْ يَكُنْ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِيَفْجَأَ أَهْلَهُ بَغْتَةً يَتَخَوّنُهُمْ وَلَكِنْ كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِهِ عَلَى عِلْمٍ مِنْهُمْ بِدُخُولِهِ وَكَانَ يُسَلّمُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ إذَا دَخَلَ بَدَأَ بِالسّؤَالِ أَوْ سَأَلَ عَنْهُمْ وَرُبّمَا قَالَ هَلْ عِنْدَكُمْ مَنْ غَدَاء ؟ وَرُبّمَا سَكَتَ حَتّى يُحْضَرَ بَيْنَ يَدَيْهِ مَا تَيَسّرَ . وَيُذْكَرُ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ إذَا انْقَلَبَ إلَى بَيْتِهِ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي كَفَانِي ، وَآوَانِي ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَطْعَمَنِي وَسَقَانِي ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي مَنّ عَلَيّ فَأَفْضَلَ أَسْأَلُكَ أَنْ تُجِيرَنِي مِنْ النّارِ [ ص 348 ] وَثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ لِأَنَس ٍ إذَا دَخَلْتَ عَلَى أَهْلِكَ فَسَلّمْ يَكُنْ بَرَكَةً عَلَيْكَ وَعَلَى أَهْلِكَ قَالَ التّرْمِذِيّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَفِي " السّنَنِ " عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا وَلَجَ الرّجُلُ بَيْتَهُ فَلْيَقُلْ : اللّهُمّ إنّي أَسْأَلُكَ خَيْرَ الْمَوْلَجِ وَخَيْرَ الْمَخْرَجِ بِسْمِ اللّهِ وَلَجْنَا ، وَعَلَى اللّهِ رَبّنَا تَوَكّلْنَا ، ثُمّ لْيُسَلّمْ عَلَى أَهْلِهِ وَفِيهَا عَنْهُ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثَلَاثَةٌ كُلّهُمْ ضَامِنٌ عَلَى اللّهِ رَجُلٌ خَرَجَ غَازِيًا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللّهِ حَتّى يَتَوَفّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنّةَ أَوْ يَرُدّهُ بِمَا نَالَ مَنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ وَرَجُلٌ رَاحَ إلَى الْمَسْجِدِ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللّهِ حَتّى يَتَوَفّاهُ فَيُدْخِلَهُ الْجَنّةَ أَوْ يَرُدّهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَغَنِيمَةٍ وَرَجُلٌ دَخَلَ بَيْتَهُ بِسَلَامٍ فَهُوَ ضَامِنٌ عَلَى اللّهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَصَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا دَخَلَ الرّجُلُ بَيْتَهُ فَذَكَرَ اللّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ وَعِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ الشّيْطَانُ لَا مَبِيتَ لَكُمْ وَلَا عَشَاءَ وَإِذَا دَخَلَ فَلَمْ يَذْكُرْ اللّهَ عِنْدَ دُخُولِهِ قَالَ الشّيْطَانُ أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَإِذَا لَمْ يَذْكُرْ اللّهَ عِنْدَ طَعَامِهِ قَالَ أَدْرَكْتُمْ الْمَبِيتَ وَالْعَشَاءَ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ . [ ص 349 ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الذّكْرِ عِنْدَ دُخُولِهِ الْخَلَاءَ
ثَبَتَ عَنْهُ فِي " الصّحِيحَيْنِ " أَنّهُ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ دُخُولِهِ الْخَلَاءَ اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الْخُبْثِ وَالْخَبَائِثِ . وَذَكَرَ أَحَمْدُ عَنْهُ أَنّهُ أَمَرَ مَنْ دَخَلَ الْخَلَاءَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ . وَيُذْكَرُ عَنْهُ لَا يَعْجِزْ أَحَدُكُمْ إذَا دَخَلَ مِرْفَقَهُ أَنْ يَقُولَ اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الرّجْسِ النّجِسِ الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ . [ ص 350 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ سَتْرُ مَا بَيْنَ الْجِنّ وَعَوْرَاتِ بَنِي آدَمَ إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْكَنِيفَ أَنْ يَقُولَ بِسْمِ اللّهِ . وَثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ رَجُلًا سَلّمَ عَلَيْهِ وَهُوَ يَبُولُ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ . وَأَخْبَرَ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ يَمْقُتُ الْحَدِيثَ عَلَى الْغَائِطِ فَقَالَ لَا يَخْرُجْ الرّجُلَانِ يَضْرِبَانِ الْغَائِطَ كَاشِفَيْنِ عَنْ عَوْرَاتِهِمَا يَتَحَدّثَانِ فَإِنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ يَمْقُتُ عَلَى ذَلِكَ .
[ النّهْيُ عَنْ اسْتِقْبَالِ الْقِبْلَةِ وَاسْتِدْبَارِهَا بِبَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ ]
وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّهُ كَانَ لَا يَسْتَقْبِلُ الْقِبْلَةَ وَلَا يَسْتَدْبِرُهَا بِبَوْلٍ وَلَا بِغَائِطٍ وَأَنّهُ نَهَى عَنْ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيّوبَ وَسَلْمَانَ الْفَارِسِيّ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ ، وَمَعْقِلِ بْنِ أَبِي مَعْقِلٍ ، وَعَبْدِ اللّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جُزْءٍ الزّبَيْدِيّ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ ، وَعَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ [ ص 351 ] رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَعَامّةُ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ صَحِيحَةٌ وَسَائِرُهَا حَسَنٌ وَالْمُعَارِضُ لَهَا إمّا مَعْلُولُ السّنَدِ وَإِمّا ضَعِيفُ الدّلَالَةِ فَلَا يُرَدّ صَرِيحُ نَهْيِهِ الْمُسْتَفِيضُ عَنْهُ بِذَلِكَ كَحَدِيثِ عِرَاكٍ عَنْ عَائِشَةَ ، ذُكِرَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ أُنَاسًا يَكْرَهُونَ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا الْقِبْلَةَ بِفُرُوجِهِمْ فَقَالَ أَوَقَدْ فَعَلُوهَا حَوّلُوا مَقْعَدَتِي قِبَلَ الْقِبْلَةِ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ . وَقَالَ هُوَ أَحْسَنُ مَا رُوِيَ فِي الرّخْصَةِ وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا ، وَلَكِنّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ طَعَنَ فِيهِ الْبُخَارِيّ وَغَيْرُهُ مِنْ أَئِمّةِ الْحَدِيثِ وَلَمْ يُثْبِتُوهُ وَلَا يَقْتَضِي كَلَامُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ تَثْبِيتَهُ وَلَا تَحْسِينَهُ قَالَ التّرْمِذِيّ فِي كِتَابِ " الْعِلَلِ الْكَبِير ِ" لَهُ سَأَلْتُ أَبَا عَبْدِ اللّهِ مُحَمّدَ بْنَ إسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ فِيهِ اضْطِرَابٌ وَالصّحِيحُ عِنْدِي عَنْ عَائِشَةَ مِنْ قَوْلِهَا انْتَهَى . قُلْت : وَلَهُ عِلّةٌ أُخْرَى ، وَهِيَ انْقِطَاعُهُ بَيْنَ عِرَاك ٍ وَعَائِشَةَ ، فَإِنّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهَا ، وَقَدْ رَوَاهُ عَبْدُ الْوَهّابِ الثّقَفِيّ عَنْ خَالِدٍ الْحَذّاءِ عَنْ رَجُلٍ عَنْ عَائِشَةَ ، وَلَهُ عِلّةٌ أُخْرَى ، وَهِيَ ضَعْفُ خَالِدِ بْنِ أَبِي الصّلْتِ . وَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ جَابِرٍ : نَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ تُسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةُ بِبَوْلٍ فَرَأَيْتُهُ قَبْلَ أَنْ يُقْبَضَ بِعَامٍ يَسْتَقْبِلُهَا وَهَذَا الْحَدِيثُ اسْتَغْرَبَهُ التّرْمِذِيّ بَعْدَ تَحْسِينِهِ وَقَالَ التّرْمِذِيّ فِي كِتَابِ " الْعِلَلِ " : سَأَلْت مُحَمّدًا يَعْنِي الْبُخَارِيّ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ رَوَاهُ غَيْرُ وَاحِدٍ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ ، فَإِنْ كَانَ مُرَادُ الْبُخَارِيّ صِحّتَهُ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ ، لَمْ يَدُلّ عَلَى صِحّتِهِ فِي نَفْسِهِ وَإِنْ كَانَ مُرَادُهُ صِحّتَهُ فِي نَفْسِهِ فَهِيَ وَاقِعَةُ عَيْنٍ حُكْمُهَا حُكْمُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَر َ لَمّا رَأَى " رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقْضِي حَاجَتَهُ مُسْتَدْبِرَ الْكَعْبَةِ " ، وَهَذَا يَحْتَمِلُ وُجُوهًا سِتّةً نَسْخٌ [ ص 352 ] لِمَكَانٍ أَوْ غَيْرِهِ وَأَنْ يَكُونَ بَيَانًا ، لِأَنّ النّهْيَ لَيْسَ عَلَى التّحْرِيمِ وَلَا سَبِيلَ إلَى الْجَزْمِ بِوَاحِدٍ مَنْ هَذِهِ الْوُجُوهِ عَلَى التّعْيِينِ وَإِنْ كَانَ حَدِيثُ جَابِرٍ لَا يَحْتَمِلُ الْوَجْهَ الثّانِيَ مِنْهَا ، فَلَا سَبِيلَ إلَى تَرْكِ أَحَادِيثِ النّهْيِ الصّحِيحَةِ الصّرِيحَةِ الْمُسْتَفِيضَةِ بِهَذَا الْمُحْتَمَلِ . وَقَوْلُ ابْنِ عُمَرَ : إنّمَا نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ فِي الصّحْرَاءِ فَهْمٌ مِنْهُ لِاخْتِصَاصِ النّهْيِ بِهَا ، وَلَيْسَ بِحِكَايَةِ لَفْظِ النّهْيِ وَهُوَ مُعَارَضٌ بِفَهْمِ أَبِي أَيّوبَ لِلْعُمُومِ مَعَ سَلَامَةِ قَوْلِ أَصْحَابِ الْعُمُومِ مِنْ التّنَاقُضِ الّذِي يَلْزَمُ الْمُفَرّقِينَ بَيْنَ الْفَضَاءِ وَالْبُنْيَانِ فَإِنّهُ يُقَالُ لَهُمْ مَا حَدّ الْحَاجِزِ الّذِي يَجُوزُ ذَلِكَ مَعَهُ فِي الْبُنْيَانِ ؟ وَلَا سَبِيلَ إلَى ذِكْرِ حَدّ فَاصِلٍ وَإِنْ جَعَلُوا مُطْلَقَ الْبُنْيَانِ مُجَوّزًا لِذَلِكَ لَزِمَهُمْ جَوَازُهُ فِي الْفَضَاءِ الّذِي يَحُولُ بَيْنَ الْبَائِلِ وَبَيْنَهُ جَبَلٌ قَرِيبٌ أَوْ بَعِيدٌ كَنَظِيرِهِ فِي الْبُنْيَانِ وَأَيْضًا فَإِنّ النّهْيَ تَكْرِيمٌ لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ وَذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِفَضَاءٍ وَلَا بُنْيَانٍ وَلَيْسَ مُخْتَصّا بِنَفْسِ الْبَيْتِ فَكَمْ مِنْ جَبَلٍ وَأَكَمَةٍ حَائِلٌ بَيْنَ الْبَائِلِ وَبَيْنَ الْبَيْتِ بِمِثْلِ مَا تَحُولُ جُدْرَانُ الْبُنْيَانِ وَأَعْظَمُ وَأَمّا جِهَةُ الْقِبْلَةِ فَلَا حَائِلَ بَيْنَ الْبَائِلِ وَبَيْنَهَا ، وَعَلَى الْجِهَةِ وَقَعَ النّهْيُ لَا عَلَى الْبَيْتِ نَفْسِهِ فَتَأَمّلْهُ .
فَصْلٌ [ دُعَاءُ الْخُرُوجِ مِنْ الْخَلَاءِ ]
وَكَانَ إذَا خَرَجَ مِنْ الْخَلَاءِ قَالَ غُفْرَانَكَ وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَذْهَبَ عَنّي الْأَذَى ، وَعَافَانِي ذَكَرَهُ ابْنُ مَاجَهْ . [ ص 353 ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَذْكَارِ الْوُضُوءِ
ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ وَضَعَ يَدَيْهِ فِي الْإِنَاءِ الّذِي فِيهِ الْمَاءُ ثُمّ قَالَ لِلصّحَابَةِ تَوَضّئُوا بِسْمِ اللّهِ وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لِجَابِر ٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ نَادِ بِوَضُوءٍ " فَجِيءَ بِالْمَاءِ فَقَالَ " خُذْ يَا جَابِرُ فَصُبّ عَلَيّ وَقُلْ بِسْمِ اللّهِ " قَالَ فَصَبَبْتُ عَلَيْهِ وَقُلْتُ بِسْمِ اللّهِ قَالَ فَرَأَيْتُ الْمَاءَ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ وَذَكَرَ أَحْمَدُ عَنْهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ ، وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ لَا وُضُوءَ لِمَنْ لَمْ يَذْكُرْ اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ وَفِي أَسَانِيدِهَا لِينٌ . وَصَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ مَنْ أَسْبَغَ الْوُضُوءَ ثُمّ قَالَ : أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فُتِحَتْ لَهُ أَبْوَابُ الْجَنّةِ الثّمَانِيَةُ يَدْخُلُ مَنْ أَيّهَا شَاءَ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ . [ ص 354 ] وَزَادَ التّرْمِذِيّ بَعْدَ التّشَهّدِ اللّهُمّ اجْعَلْنِي مِنْ التّوّابِينَ وَاجْعَلْنِي مِنْ الْمُتَطَهّرِينَ وَزَادَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ : ثُمّ رَفَعَ نَظَرَهُ إلَى السّمَاءِ وَزَاد ابْنُ مَاجَهْ مَعَ أَحْمَدَ قَوْلَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرّاتٍ . وَذَكَرَ بَقِيّ بْنُ مَخْلَدٍ فِي " مُسْنَدِهِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ مَرْفُوعًا مَنْ تَوَضّأَ فَفَرَغَ مِنْ وُضُوئِهِ ، ثُمّ قَالَ سُبْحَانَكَ اللّهُمّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ كُتِبَ فِي رَقّ وَطُبِعَ عَلَيْهَا بِطَابِعٍ ثُمّ رُفِعَتْ تَحْتَ الْعَرْشِ فَلَمْ يُكْسَرْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَرَوَاهُ النّسَائِيّ فِي " كِتَابِهِ الْكَبِيرِ " مِنْ كَلَامِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِي ّ وَقَالَ النّسَائِيّ : بَابٌ مَا يَقُولُ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ وُضُوئِهِ فَذَكَرَ بَعْضَ مَا تَقَدّمَ . ثُمّ ذَكَرَ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيّ قَالَ أَتَيْتُ [ ص 355 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِوَضُوءٍ فَتَوَضّأَ فَسَمِعْتُهُ يَقُولُ وَيَدْعُو : اللّهُمّ اغْفِرْ لِي ذَنْبِي ، وَوَسّعْ لِي فِي دَارِي ، وَبَارِكْ لِي فِي رِزْقِي فَقُلْتُ يَا نَبِيّ اللّهِ سَمِعْتُك تَدْعُو بِكَذَا وَكَذَا ، قَالَ " وَهَلْ تَرَكْت مِنْ شَيْءٍ ؟ وَقَالَ ابْنُ السّنّيّ : بَابٌ مَا يَقُولُ بَيْنَ ظَهْرَانِي وُضُوئِهِ . .. فَذَكَرَهُ .
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْأَذَانِ وَأَذْكَارِهِ
[ هَدْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْأَذَانِ ]
ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ سَنّ التّأْذِينَ بِتَرْجِيعٍ وَبِغَيْرِ تَرْجِيعٍ وَشَرَعَ الْإِقَامَةَ مَثْنَى وَفُرَادَى ، وَلَكِنّ الّذِي صَحّ عَنْهُ تَثْنِيَةُ كَلِمَةِ الْإِقَامَةِ " قَدْ قَامَتْ الصّلَاةُ " وَلَمْ يَصِحّ عَنْهُ إفْرَادُهَا الْبَتّةَ وَكَذَلِكَ صَحّ عَنْهُ تَكْرَارُ لَفْظِ التّكْبِيرِ فِي أَوّلِ الْأَذَانِ أَرْبَعًا ، وَلَمْ يَصِحّ عَنْهُ الِاقْتِصَارُ عَلَى مَرّتَيْنِ وَأَمّا حَدِيثُ أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ فَلَا يُنَافِي الشّفْعَ بِأَرْبَعٍ وَقَدْ صَحّ التّرْبِيعُ صَرِيحًا فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ زَيْدٍ ، وَعُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ ، وَأَبِي مَحْذُورَةَ ، رَضِيَ اللّهُ عَنْهمُ . وَأَمّا إفْرَادُ الْإِقَامَةِ فَقَدْ صَحّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا اسْتِثْنَاءُ كَلِمَةِ الْإِقَامَةِ فَقَالَ إنّمَا كَانَ الْأَذَانُ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَرّتَيْنِ مَرّتَيْنِ وَالْإِقَامَةُ مَرّةً مَرّةً غَيْرَ أَنّهُ يَقُولُ " قَدْ قَامَتْ الصّلَاةُ قَدْ قَامَتْ الصّلَاةُ وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " عَنْ أَنَسٍ : أُمِرَ بِلَالٌ أَنْ يَشْفَعَ الْأَذَانَ ، وَيُوتِرَ الْإِقَامَةَ إلّا الْإِقَامَةَ وَصَحّ [ ص 356 ] عَبْدِ اللّهِ بْنِ زَيْدٍ وَعُمَرَ فِي الْإِقَامَةِ قَدْ قَامَتْ الصّلَاةُ قَدْ قَامَتْ الصّلَاةُ وصح مَنْ حَدِيثِ أَبِي مَحْذُورَةَ تَثْنِيَةُ كَلِمَةِ الْإِقَامَةِ مَعَ سَائِرِ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ . وَكُلّ هَذِهِ الْوُجُوهِ جَائِزَةٌ مُجْزِئَةٌ لَا كَرَاهَةَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَفْضَلَ مِنْ بَعْضٍ فَالْإِمَامُ أَحْمَد ُ أَخَذَ بِأَذَانِ بِلَالٍ وَإِقَامَتِهِ وَالشّافِعِيّ أَخَذَ بِأَذَانِ أَبِي مَحْذُورَةَ وَإِقَامَةِ بِلَالٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ أَخَذَ بِأَذَانِ بِلَالٍ وَإِقَامَةِ أَبِي مَحْذُورَةَ وَمَالِكٌ أَخَذَ بِمَا رَأَى عَلَيْهِ عَمَل َ أَهْلِ الْمَدِينَةِ مَنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى التّكْبِيرِ فِي الْأَذَانِ مَرّتَيْنِ وَعَلَى كَلِمَةِ الْإِقَامَةِ مَرّةً وَاحِدَةً رَحِمَهُمْ اللّهُ كُلّهُمْ فَإِنّهُمْ اجْتَهَدُوا فِي مُتَابَعَةِ السّنّةِ .
فَصْلٌ [ الذّكْرُ عِنْدَ الْأَذَانِ وَبَعْدَهُ ]
وَأَمّا هَدْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الذّكْرِ عِنْدَ الْأَذَانِ وَبَعْدَهُ فَشَرَعَ لِأُمّتِهِ مِنْهُ خَمْسَةَ أَنْوَاعٍ . أَحَدُهَا : أَنْ يَقُولَ السّامِعُ كَمَا يَقُول الْمُؤَذّنُ إلّا فِي لَفْظِ " حَيّ عَلَى الصّلَاةِ " " حَيّ عَلَى الْفَلَاحِ " فَإِنّهُ صَحّ عَنْهُ إبْدَالُهُمَا ب " لَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ " وَلَمْ يَجِئْ عَنْهُ الْجَمْعُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ " حَيّ عَلَى الصّلَاةِ " " حَيّ عَلَى الْفَلَاحِ " وَلَا الِاقْتِصَارُ عَلَى الْحَيْعَلَةِ وَهَدْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الّذِي صَحّ عَنْهُ إبْدَالُهُمَا بِالْحَوْقَلَةِ وَهَذَا مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ الْمُطَابِقَةِ لِحَالِ الْمُؤَذّنِ وَالسّامِعِ فَإِنّ كَلِمَاتِ الْأَذَانِ ذِكْرٌ فَسُنّ لِلسّامِعِ أَنْ يَقُولَهَا ، وَكَلِمَةُ الْحَيْعَلَةِ دُعَاءٌ إلَى الصّلَاةِ لِمَنْ سَمِعَهُ فَسُنّ لِلسّامِعِ أَنْ [ ص 357 ] الْإِعَانَةِ وَهِيَ " لَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ " الْعَلِيّ الْعَظِيمِ . الثّانِي : أَنْ يَقُولَ وَأَنَا أَشْهَدُ أَلّا إلَهَ إلّا اللّهُ ، وَأَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللّهِ رَضِيتُ بِاَللّهِ رَبّا ، وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا ، وَبِمُحَمّدٍ رَسُولًا وَأَخْبَرَ أَنّ مَنْ قَالَ ذَلِكَ غُفِرَ لَهُ ذَنْبُهُ . الثّالِثُ أَنْ يُصَلّيَ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ إجَابَةِ الْمُؤَذّنِ وَأَكْمَلُ مَا يُصَلّى عَلَيْهِ بِهِ وَيَصِلُ إلَيْهِ هِيَ الصّلَاةُ الْإِبْرَاهِيمِيّةُ كَمَا عَلّمَهُ أُمّتَهُ أَنْ يُصَلّوا عَلَيْهِ فَلَا صَلَاةَ عَلَيْهِ أَكْمَلُ مِنْهَا وَإِنْ تَحَذْلَقَ الْمُتَحَذْلِقُونَ . الرّابِعُ أَنْ يَقُولَ بَعْدَ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ اللّهُمّ رَبّ هَذِهِ الدّعْوَةِ التّامّةِ ، وَالصّلَاةِ الْقَائِمَةِ آتِ مُحَمّدًا الْوَسِيلَةَ وَالْفَضِيلَةَ وَابْعَثْهُ مَقَامًا مَحْمُودًا الّذِي وَعَدْتَهُ إنّكَ لَا تُخْلِفُ الْمِيعَادَ هَكَذَا جَاءَ بِهَذَا اللّفْظِ " مَقَامًا مَحْمُودًا " بِلَا أَلِفٍ وَلَا لَامٍ وَهَكَذَا صَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . [ ص 358 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قُلْ كَمَا يَقُولُونَ يَعْنِي الْمُؤَذّنِينَ فَإِذَا انْتَهَيْتَ فَسَلْ تُعْطَهُ وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ قَالَ حِينَ يُنَادِي الْمُنَادِي : اللّهُمّ رَبّ هَذِهِ الدّعْوَةِ التّامّةِ وَالصّلَاةِ النّافِعَةِ صَلّ عَلَى مُحَمّدٍ وَارْضَ عَنْهُ رِضًى لَا سَخَطَ بَعْدَهُ اسْتَجَابَ اللّهُ لَهُ دَعْوَتَهُ وَقَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا : عَلّمَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ أَقُولَ عِنْدَ أَذَانِ الْمَغْرِبِ اللّهُمّ إنّ هَذَا إقْبَالُ لَيْلِكَ ، وَإِدْبَارُ نَهَارِكَ وَأَصْوَاتُ دُعَاتِكَ فَاغْفِرْ لِي ذَكَرَهُ التّرْمِذِيّ . وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي " الْمُسْتَدْرَكِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ يَرْفَعُهُ أَنّهُ كَانَ إذَا سَمِعَ الْأَذَانَ قَالَ اللّهُمّ رَبّ هَذِهِ الدّعْوَةِ التّامّةِ الْمُسْتَجَابَةِ ، وَالْمُسْتَجَابِ لَهَا ، دَعْوَةِ الْحَقّ وَكَلِمَةِ التّقْوَى ، تَوَفّنِي عَلَيْهَا وَأَحْيِنِي عَلَيْهَا ، وَاجْعَلْنِي مِنْ صَالِحِي أَهْلِهَا عَمَلًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ . [ ص 359 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ كَلِمَةِ الْإِقَامَةِ أَقَامَهَا اللّهُ وَأَدَامَهَا وَفِي السّنَنِ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الدّعَاءُ لَا يُرَدّ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ " قَالُوا : فَمَا نَقُولُ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ " سَلُوا اللّهَ الْعَافِيَةَ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَفِيهَا عَنْهُ سَاعَتَانِ يَفْتَحُ اللّهُ فِيهِمَا أَبْوَابَ السّمَاءِ ، وَقَلّمَا تُرَدّ عَلَى دَاعٍ دَعْوَتُهُ عِنْدَ حُضُورِ النّدَاءِ وَالصّفّ فِي سَبِيلِ اللّهِ [ ص 360 ] أَمَرَ فِي الْكُسُوفِ بِالْفَزَعِ إلَى ذِكْرِ اللّهِ تَعَالَى ، وَأَنّهُ كَانَ يُسَبّحُ فِي صَلَاتِهَا قَائِمًا رَافِعًا يَدَيْهِ يُهَلّلُ وَيُكَبّرُ وَيَحْمَدُ وَيَدْعُو حَتّى حُسِرَ عَنْ الشّمْسِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ الدّعَاءُ فِي الْعَشْرِ ]
وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُكْثِرُ الدّعَاءَ فِي عَشْرِ ذِي الْحِجّةِ وَيَأْمُرُ فِيهِ بِالْإِكْثَارِ مَنْ التّهْلِيلِ وَالتّكْبِيرِ وَالتّحْمِيدِ .
[التّكْبِيرُ مِنْ فَجْرِ يَوْمِ عَرَفَةَ إلَى عَصْرِ ثَالِثِ أَيّامِ التّشْرِيقِ ]
وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يُكَبّرُ مِنْ صَلَاةِ الْفَجْرِ يَوْمَ عَرَفَةَ إلَى الْعَصْرِ مِنْ آخِرِ أَيّامِ التّشْرِيقِ فَيَقُولُ اللّهُ أَكْبَرُ اللّهُ أَكْبَرُ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ ، وَاَللّهُ أَكْبَرُ وَلِلّهِ الْحَمْدُ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ لَا يَصِحّ إسْنَادُهُ فَالْعَمَلُ عَلَيْهِ وَلَفْظُهُ هَكَذَا يَشْفَعُ التّكْبِيرَ وَأَمّا كَوْنُهُ ثَلَاثًا ، فَإِنّمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ وَابْنِ عَبّاسٍ مِنْ فِعْلِهِمَا ثَلَاثًا فَقَطْ وَكِلَاهُمَا [ ص 361 ] قَالَ الشّافِعِيّ : إنْ زَادَ فَقَالَ اللّهُ أَكْبَرُ كَبِيرًا ، وَالْحَمْدُ لِلّهِ كَثِيرًا ، وَسُبْحَانَ اللّهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا ، لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَلَا نَعْبُدُ إلّا إيّاهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدّينَ وَلَوْ كَرِهَ الْكَافِرُونَ لَا إلَه إلّا اللّهُ وَحْدَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ لَا إلَه إلّا اللّهُ وَاَللّهُ أَكْبَرُ كَانَ حَسَنًا .
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الذّكْرِ عِنْدَ رُؤْيَةِ الْهِلَالِ
يُذْكَرُ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ اللّهُمّ أَهِلّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ ، وَالسّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ رَبّي وَرَبّك اللّهُ قَالَ التّرْمِذِيّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ اللّهُ أَكْبَرُ اللّهُمّ أَهِلّهُ عَلَيْنَا بِالْأَمْنِ وَالْإِيمَانِ وَالسّلَامَةِ وَالْإِسْلَامِ وَالتّوْفِيقِ لِمَا يُحِبّ رَبّنَا وَيَرْضَى ، رَبّنَا وَرَبّكَ اللّهُ ذَكَرَهُ الدّارِمِيّ . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ قَتَادَةَ أَنّهُ بَلَغَهُ أَنّ نَبِيّ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ إذَا رَأَى الْهِلَالَ قَالَ هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ، هِلَالُ خَيْرٍ وَرُشْدٍ ، آمَنْتُ بِاَلّذِي خَلَقَكَ ثَلَاثَ مَرّاتٍ ثُمّ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي ذَهَبَ بِشَهْرِ كَذَا ، وَجَاءَ بِشَهْرِ كَذَا وَفِي أَسَانِيدِهَا لِينٌ . [ ص 362 ] أَبِي دَاوُدَ وَهُوَ فِي بَعْضِ نُسَخِ سُنَنِهِ أَنّهُ قَالَ لَيْسَ فِي هَذَا الْبَابِ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَدِيثٌ مُسْنَدٌ صَحِيحٌ .
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَذْكَارِ الطّعَامِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ
كَانَ إذَا وَضَعَ يَدَهُ فِي الطّعَامِ قَالَ " بِسْمِ اللّهِ " وَيَأْمُرُ الْآكِلَ بِالتّسْمِيَةِ وَيَقُول : إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ فَلْيَذْكُرْ اسْمَ اللّهِ تَعَالَى ، فَإِنْ نَسِيَ أَنْ يَذْكُرَ اسْمَ اللّهِ فِي أَوّلهِ فَلْيَقُلْ بِسْمِ اللّهِ فِي أَوّلِهِ وَآخِرِهِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَالصّحِيحُ وُجُوبُ التّسْمِيَةِ عِنْدَ الْأَكْلِ وَهُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ ، وَأَحَادِيثُ الْأَمْرِ بِهَا صَحِيحَةٌ صَرِيحَةٌ وَلَا مُعَارِضَ لَهَا ، وَلَا إجْمَاعَ يُسَوّغُ مُخَالَفَتَهَا وَيُخْرِجُهَا عَنْ ظَاهِرِهَا ، وَتَارِكُهَا شَرِيكُهُ الشّيْطَانُ فِي طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ .
فَصْلٌ [ هَلْ تَزُولُ مُشَارَكَةُ الشّيْطَانِ لِلْآكِلِينَ بِتَسْمِيَةِ أَحَدِهِمْ ] ؟
وَهَاهُنَا مَسْأَلَةٌ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَيْهَا ، وَهِيَ أَنّ الْآكِلِينَ إذَا كَانُوا جَمَاعَةً [ ص 363 ] مُشَارَكَةُ الشّيْطَانِ لَهُمْ فِي طَعَامِهِمْ بِتَسْمِيَتِهِ وَحْدَهُ أَمْ لَا تَزُولُ إلّا بِتَسْمِيَةِ الْجَمِيعِ ؟ فَنَصّ الشّافِعِيّ عَلَى إجْزَاءِ تَسْمِيَةِ الْوَاحِدِ عَنْ الْبَاقِينَ وَجَعَلَهُ أَصْحَابُهُ كَرَدّ السّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَقَدْ يُقَالُ لَا تُرْفَعُ مُشَارَكَةُ الشّيْطَانِ لِلْآكِلِ إلّا بِتَسْمِيَتِهِ هُوَ وَلَا يَكْفِيهِ تَسْمِيَةُ غَيْرِهِ وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ إنّا حَضَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ طَعَامًا ، فَجَاءَتْ جَارِيَةٌ كَأَنّمَا تُدْفَعُ فَذَهَبَتْ لِتَضَعَ يَدَهَا فِي الطّعَامِ فَأَخَذَ رَسُولُ اللّهِ صلى اللّهُ عليه وسلم بيدها ، ثُمّ جاء أَعْرَابِيّ كَأَنّمَا يُدْفَعُ فَأَخَذَ بِيَدِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ الشّيْطَانَ لَيَسْتَحِلّ الطّعَامَ أَنْ لَا يُذْكَرَ اسْمُ اللّهِ عَلَيْهِ وَإِنّهُ جَاءَ بِهَذِهِ الْجَارِيَةِ لِيَسْتَحِلّ بِهَا ، فَأَخَذْتُ بِيَدِهَا ، فَجَاءَ بِهَذَا الْأَعْرَابِيّ لِيَسْتَحِلّ بِهِ فَأَخَذْتُ بِيَدِهِ وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنّ يَدَهُ لَفِي يَدِي مَعَ يَدَيْهِمَا ثُمّ ذَكَرَ اسْمَ اللّهِ وَأَكَلَ وَلَوْ كَانَتْ تَسْمِيَةُ الْوَاحِدِ تَكْفِي ، لَمَا وَضَعَ الشّيْطَانُ يَدَهُ فِي ذَلِكَ الطّعَامِ . وَلَكِنْ قَدْ يُجَابُ بِأَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَكُنْ قَدْ وَضَعَ يَدَهُ وَسَمّى بَعْدُ وَلَكِنّ الْجَارِيَةَ ابْتَدَأَتْ بِالْوَضْعِ بِغَيْرِ تَسْمِيَةٍ وَكَذَلِكَ الْأَعْرَابِيّ ، فَشَارَكَهُمَا الشّيْطَانُ فَمِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنّ الشّيْطَانَ شَارَكَ مَنْ لَمْ يُسَمّ بَعْدَ تَسْمِيَةِ غَيْرِهِ ؟ فَهَذَا مِمّا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ لَكِنْ قَدْ رَوَى التّرْمِذِيّ وَصَحّحَهُ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَة َ قَالَتْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَأْكُلُ طَعَامًا فِي سِتّةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ فَجَاءَ أَعْرَابِيّ ، فَأَكَلَهُ بِلُقْمَتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَا إنّهُ لَوْ سَمّى لَكَفَاكُمْ وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأُولَئِكَ السّتّةَ سَمّوْا ، [ ص 364 ] فَأَكَلَ وَلَمْ يُسَمّ شَارَكَهُ الشّيْطَانُ فِي أَكْلِهِ فَأَكَلَ الطّعَامَ بِلُقْمَتَيْنِ وَلَوْ سَمّى لَكَفَى الْجَمِيعَ .
وَأَمّا مَسْأَلَةُ رَدّ السّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ
فَفِيهَا نَظَرٌ وَقَدْ صَحّ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللّهَ فَحَقّ عَلَى كُلّ مَنْ سَمِعَهُ أَنْ يُشَمّتَهُ وَإِنْ سَلِمَ الْحُكْمُ فِيهِمَا ، فَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ مَسْأَلَةِ الْأَكْلِ ظَاهِرٌ فَإِنّ الشّيْطَانَ إنّمَا يَتَوَصّلُ إلَى مُشَارَكَةِ الْآكِلِ فِي أَكْلِهِ إذَا لَمْ يُسَمّ فَإِذَا سَمّى غَيْرُهُ لَمْ تُجِزْ تَسْمِيَةُ مَنْ سَمّى عَمّنْ لَمْ يُسَمّ مِنْ مُقَارَنَةِ الشّيْطَانِ لَهُ فَيَأْكُلُ مَعَهُ بَلْ تَقِلّ مُشَارَكَةُ الشّيْطَانِ بِتَسْمِيَةِ بَعْضِهِمْ وَتَبْقَى الشّرِكَةُ بَيْنَ مَنْ لَمْ يُسَمّ وَبَيْنَهُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَيُذْكَرُ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ نَسِيَ أَنْ يُسَمّيَ عَلَى طَعَامِهِ ، فَلْيَقْرَأْ { قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ } إذَا فَرَغَ وَفِي ثُبُوتِ هَذَا الْحَدِيثِ نَظَرٌ .
وَكَانَ إذَا رُفِعَ الطّعَامُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلّهِ حَمْدًا كَثِيرًا طَيّبًا مُبَارَكًا فِيهِ غَيْرَ مَكْفِيّ وَلَا مُوَدّعٍ وَلَا مُسْتَغْنًى عَنْهُ رَبّنَا عَزّ وَجَل ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ . [ ص 365 ] كَانَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَطْعَمَنَا وَسَقَانَا وَجَعَلَنَا مُسْلِمِينَ وَكَانَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَطْعَمَ وَسَقَى وَسَوّغَهُ وَجَعَلَ لَهُ مَخْرَجًا وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي كَفَانَا وَآوَانَا وَذَكَرَ التّرْمِذِيّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ مَنْ أَكَلَ طَعَامًا فَقَالَ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَطْعَمَنِي هَذَا مِنْ غَيْرِ حَوْلٍ مِنّي وَلَا قُوّةٍ غَفَرَ اللّهُ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ إذَا قُرّبَ إلَيْهِ الطّعَامُ قَالَ بِسْمِ اللّهِ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَعَامِهِ قَالَ " اللّهُمّ أَطْعَمْتَ وَسَقَيْتَ وَأَغْنَيْتَ وَأَقْنَيْتَ وَهَدَيْتَ وَأَحْيَيْتَ فَلَك الْحَمْدُ عَلَى مَا أَعْطَيْتَ " وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ . وَفِي " السّنَنِ " عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ إذَا فَرَغَ " الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي مَنّ عَلَيْنَا وَهَدَانَا ، وَاَلّذِي أَشْبَعَنَا وَأَرْوَانَا ، وَمِنْ كُلّ الْإِحْسَانِ آتَانَا " حَدِيثٌ حَسَنٌ . [ ص 366 ] وَفِي " السّنَنِ " عَنْهُ أَيْضًا إذَا أَكَلَ أَحَدُكُمْ طَعَامًا فَلْيَقُل اللّهُمّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَأَطْعِمْنَا خَيْرًا مِنْهُ . وَمَنْ سَقَاهَ اللّهُ لَبَنًا ، فَلْيَقُلْ اللّهُمّ بَارِكْ لَنَا فِيهِ وَزِدْنَا مِنْهُ فَإِنّهُ لَيْسَ شَيْءٌ وَيُجْزِئُ عَنْ الطّعَامِ وَالشّرَابِ غَيْرُ اللّبَنِ حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ إذَا شَرِبَ فِي الْإِنَاءِ تَنَفّسَ ثَلَاثَةَ أَنْفَاسٍ وَيَحْمَدُ اللّهَ فِي كُلّ نَفَسٍ وَيَشْكُرُهُ فِي آخِرِهِنّ
فَصْلٌ [ أَحْكَامُ الدّعْوَةِ إلَى الطّعَامِ ]
وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا دَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ رُبّمَا يَسْأَلُهُمْ هَلْ عِنْدَكُمْ طَعَامٌ ؟ وَمَا عَابَ طَعَامًا قَطّ ، بَلْ كَانَ إذَا اشْتَهَاهُ أَكَلَهُ وَإِنْ كَرِهَهُ تَرَكَهُ وَسَكَتَ وَرُبّمَا قَالَ أَجِدُنِي أَعَافُهُ إنّي لَا أَشْتَهِيهِ [ ص 367 ] وَكَانَ يَمْدَحُ الطّعَامَ أَحْيَانًا ، كَقَوْلِهِ لَمّا سَأَلَ أَهْلَهُ الْإِدَامَ فَقَالُوا : مَا عِنْدَنَا إلّا خَلّ ، فَدَعَا بِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُ وَيَقُولُ نِعْمَ الْأُدْمُ الْخَلّ وَلَيْسَ فِي هَذَا تَفْضِيلٌ لَهُ عَلَى اللّبَنِ وَاللّحْمِ وَالْعَسَلِ وَالْمَرَقِ وَإِنّمَا هُوَ مَدْحٌ لَهُ فِي تِلْكَ الْحَالِ الّتِي حَضَرَ فِيهَا ، وَلَوْ حَضَرَ لَحْمٌ أَوْ لَبَنٌ كَانَ أَوْلَى بِالْمَدْحِ مِنْهُ وَقَالَ هَذَا جَبْرًا وَتَطْيِيبًا لِقَلْبِ مَنْ قَدّمَهُ لَا تَفْضِيلًا لَهُ عَلَى سَائِرِ أَنْوَاعِ الْإِدَامِ . وَكَانَ إذَا قُرّبَ إلَيْهِ طَعَامٌ وَهُوَ صَائِمٌ قَالَ إنّي صَائِمٌ وَأَمَرَ مَنْ قُرّبَ إلَيْهِ الطّعَامُ وَهُوَ صَائِمٌ أَنْ يُصَلّيَ أَيْ يَدْعُو لِمَنْ قَدّمَهُ وَإِنْ كَانَ مُفْطِرًا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهُ . وَكَانَ إذَا دُعِيَ لِطَعَامٍ وَتَبِعَهُ أَحَدٌ ، أَعْلَمَ بِهِ رَبّ الْمَنْزِلِ وَقَالَ إنّ هَذَا تَبِعَنَا ، فَإِنْ شِئْتَ أَنْ تَأْذَنَ لَهُ وَإِنْ شِئْتَ رَجَعَ وَكَانَ يَتَحَدّثُ عَلَى طَعَامِهِ كَمَا تَقَدّمَ فِي حَدِيثِ الْخَلّ وَكَمَا قَالَ لِرَبِيبِهِ عُمَرَ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَهُوَ يُؤَاكِلُهُ سَمّ اللّهَ وَكُلْ مِمّا يَلِيك . [ ص 368 ] كَانَ يُكَرّرُ عَلَى أَضْيَافِهِ عَرْضَ الْأَكْلِ عَلَيْهِمْ مِرَارًا ، كَمَا يَفْعَلُهُ أَهْلُ الْكَرَمِ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي هَرِيرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيّ فِي قِصّةِ شُرْبِ اللّبَنِ وَقَوْلِهِ لَهُ مِرَارًا : اشْرَبْ " ، فَمَا زَالَ يَقُولُ اشْرَبْ حَتّى قَالَ وَاَلّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقّ لَا أَجِدُ لَهُ مَسْلَكًا وَكَانَ إذَا أَكَلَ عِنْدَ قَوْمٍ لَمْ يَخْرُجْ حَتّى يَدْعُوَ لَهُمْ فَدَعَا فِي مَنْزِلِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ بُسْرٍ ، فَقَالَ اللّهُمّ بَارِكْ لَهُمْ فِيمَا رَزَقْتَهُمْ ، وَاغْفِرْ لَهُمْ وَارْحَمْهُمْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ . وَدَعَا فِي مَنْزِلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَقَالَ أَفْطَرَ عِنْدَكُمْ الصّائِمُونَ ، وَأَكَلَ طَعَامَكُمْ الْأَبْرَارُ وَصَلّتْ عَلَيْكُمْ الْمَلَائِكَةُ وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ لَمّا دَعَاهُ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التّيْهَانِ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَأَكَلُوا ، فَلَمّا فَرَغُوا قَالَ أَثِيبُوا أَخَاكُمْ " قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ وَمَا إثَابَتُهُ ؟ قَالَ " إنّ الرّجُلَ إذَا دُخِلَ بَيْتُهُ فَأُكِلَ طَعَامُهُ وَشُرِبَ شَرَابُهُ فَدَعَوْا لَهُ فَذَلِكَ إثَابَتُهُ . وَصَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ دَخَلَ مَنْزِلَهُ لَيْلَةً فَالْتَمَسَ طَعَامًا فَلَمْ يَجِدْهُ فَقَالَ اللّهُمّ أَطْعِمْ مَنْ أَطْعَمَنِي ، وَاسْقِ مَنْ سَقَانِي . [ ص 369 ] عَمْرَو بْنَ الْحَمِقِ سَقَاهُ لَبَنًا فَقَالَ اللّهُمّ أَمْتِعْهُ بِشَبَابِهِ فَمَرّتْ عَلَيْهِ ثَمَانُونَ سَنَةً لَمْ يَرَ شَعْرَةً بَيْضَاءَ . وَكَانَ يَدْعُو لِمَنْ يُضِيفُ الْمَسَاكِينَ وَيُثْنِي عَلَيْهِمْ فَقَالَ مَرّةً أَلَا رَجُلٌ يُضِيفُ هَذَا رَحِمَهُ اللّهُ وَقَالَ لِلْأَنْصَارِيّ وَامْرَأَتِهِ اللّذَيْنِ آثَرَا بِقُوتِهِمَا وَقُوتِ صِبْيَانِهِمَا ضَيْفَهُمَا : لَقَدْ عَجِبَ اللّهُ مِنْ صَنِيعِكُمَا بِضَيْفِكُمَا اللّيْلَةَ
[ عَدَمُ الْأَنَفَةِ مِنْ مُؤَاكَلَةِ أَيّ إنْسَانٍ ]
وَكَانَ لَا يَأْنَفُ مِنْ مُؤَاكَلَةِ أَحَدٍ صَغِيرًا كَانَ أَوْ كَبِيرًا ، حُرّا أَوْ عَبْدًا ، أَعْرَابِيّا أَوْ مُهَاجِرًا ، حَتّى لَقَدْ رَوَى أَصْحَابُ السّنَنِ عَنْهُ أَنّهُ أَخَذَ بِيَدِ مَجْذُومٍ فَوَضَعَهَا مَعَهُ فِي الْقَصْعَةِ فَقَالَ كُلْ بِسْمِ اللّهِ ثِقَةً بِاَللّهِ ، وَتَوَكّلًا عَلَيْهِ
[ الْأَكْلُ بِالْيَمِينِ ]
وَكَانَ يَأْمُرُ بِالْأَكْلِ بِالْيَمِينِ وَيَنْهَى عَنْ الْأَكْلِ بِالشّمَالِ وَيَقُولُ إنّ الشّيْطَانَ يَأْكُلُ بِشِمَالِهِ ، وَيَشْرَبُ بِشِمَالِهِ وَمُقْتَضَى هَذَا تَحْرِيمُ الْأَكْلِ بِهَا ، وَهُوَ الصّحِيحُ فَإِنّ الْآكِلَ بِهَا ، إمّا شَيْطَانٌ وَإِمّا مُشَبّهٌ بِهِ . وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لِرَجُلٍ أَكَلَ [ ص 370 ] فَأَكَلَ بِشِمَالِهِ كُلْ بِيَمِينِكَ ، فَقَالَ لَا أَسْتَطِيعُ فَقَالَ لَا اسْتَطَعْتَ فَمَا رَفَعَ يَدَهُ إلَى فِيهِ بَعْدَهَا فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا ، لَمَا دَعَا عَلَيْهِ بِفِعْلِهِ وَإِنْ كَانَ كِبْرُهُ حَمَلَهُ عَلَى تَرْكِ امْتِثَالِ الْأَمْرِ فَذَلِك أَبْلَغُ فِي الْعِصْيَانِ وَاسْتِحْقَاقِ الدّعَاءِ عَلَيْهِ . وَأَمَرَ مَنْ شَكَوْا إلَيْهِ أَنّهُمْ لَا يَشْبَعُونَ أَنْ يَجْتَمِعُوا عَلَى طَعَامِهِمْ وَلَا يَتَفَرّقُوا ، وَأَنْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللّهِ عَلَيْهِ يُبَارَكُ لَهُمْ فِيهِ وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ إنّ اللّهَ لَيَرْضَى عَنْ الْعَبْدِ يَأْكُلُ الْأَكْلَةَ يَحْمَدُه عَلَيْهَا ، وَيَشْرَبُ الشّرْبَةَ يَحْمَدُهُ عَلَيْهَا وَرُوِيَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ أَذِيبُوا طَعَامَكُمْ بِذِكْرِ اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَالصّلَاةِ وَلَا تَنَامُوا عَلَيْهِ فَتَقْسُوَ قُلُوبُكُمْ وَأَحْرَى بِهَذَا الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ صَحِيحًا وَالْوَاقِعُ فِي التّجْرِبَةِ يَشْهَدُ بِهِ . [ ص 371 ]
فَصْلٌ فِي هَدْيهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي السّلَامِ وَالِاسْتِئْذَانِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ
ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ أَفْضَلَ الْإِسْلَامِ وَخَيْرَهُ إطْعَامُ الطّعَامِ وَأَنْ تَقْرَأَ السّلَامَ عَلَى مَنْ عَرَفْتَ وَعَلَى مَنْ لَمْ تَعْرِف . وَفِيهِمَا أَنّ آدَمَ عَلَيْهِ الصّلَاةُ وَالسّلَامُ لَمّا خَلَقَهُ اللّهُ قَالَ لَهُ اذْهَبْ إلَى أُولَئِكَ النّفَرِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَسَلّمْ عَلَيْهِمْ وَاسْتَمِعْ مَا يُحَيّونَكَ بِهِ فَإِنّهَا تَحِيّتُكَ وَتَحِيّةُ ذُرّيّتِكَ فَقَالَ السّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا : السّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللّهِ فَزَادُوهُ " وَرَحْمَةُ اللّهِ . وَفِيهِمَا أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ بِإِفْشَاءِ السّلَامِ وَأَخْبَرَهُمْ أَنّهُمْ إذَا أَفْشَوْا السّلَامَ بَيْنَهُمْ تَحَابّوا ، وَأَنّهُمْ لَا يَدْخُلُونَ الْجَنّةَ حَتّى يُؤْمِنُوا ، وَلَا يُؤْمِنُونَ حَتّى يَتَحَابّوا . وَقَالَ الْبُخَارِيّ فِي " صَحِيحِهِ " قَالَ عَمّارٌ ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِكَ وَبَذْلُ السّلَامِ لِلْعَالِمِ وَالْإِنْفَاقُ مِنْ الْإِقْتَارِ [ ص 372 ]
[ فَضَائِلُ الْإِنْصَافِ ]
وَقَدْ تَضَمّنَتْ هَذِهِ الْكَلِمَاتُ أُصُولَ الْخَيْرِ وَفُرُوعَهُ فَإِنّ الْإِنْصَافَ يُوجِبُ عَلَيْهِ أَدَاءَ حُقُوقِ اللّهِ كَامِلَةً مُوَفّرَةً وَأَدَاءِ حُقُوقِ النّاسِ كَذَلِكَ وَأَنْ لَا يُطَالِبَهُمْ بِمَا لَيْسَ لَهُ وَلَا يُحَمّلَهُمْ فَوْقَ وُسْعِهِمْ وَيُعَامِلَهُمْ بِمَا يُحِبّ أَنْ يُعَامِلُوهُ بِهِ وَيُعْفِيَهُمْ مِمّا يُحِبّ أَنْ يُعْفُوهُ مِنْهُ وَيَحْكُمَ لَهُمْ وَعَلَيْهِمْ بِمَا يَحْكُمُ بِهِ لِنَفْسِهِ وَعَلَيْهَا ، وَيَدْخُلُ فِي هَذَا إنْصَافُهُ نَفْسَهُ مِنْ نَفْسِهِ فَلَا يَدّعِي لَهَا مَا لَيْسَ لَهَا ، وَلَا يُخْبِثُهَا بِتَدْنِيسِهِ لَهَا ، وَتَصْغِيرِهِ إيّاهَا ، وَتَحْقِيرِهَا بِمَعَاصِي اللّهِ وَيُنَمّيهَا وَيُكَبّرُهَا وَيَرْفَعُهَا بِطَاعَةِ اللّه وَتَوْحِيدِهِ وَحُبّهِ وَخَوْفِهِ وَرَجَائِهِ وَالتّوَكّلِ عَلَيْهِ وَالْإِنَابَةِ إلَيْهِ وَإِيثَارِ مَرْضَاتِهِ وَمُحَابّهِ عَلَى مُرَاضِي الْخَلْقِ وَمُحَابّهِمْ وَلَا يَكُونُ بِهَا مَعَ الْخَلْقِ وَلَا مَعَ اللّهِ بَلْ يَعْزِلُهَا مِنْ الْبَيْنِ كَمَا عَزَلَهَا اللّهُ وَيَكُونُ بِاَللّهِ لَا بِنَفْسِهِ فِي حُبّهِ وَبُغْضِهِ وَعَطَائِهِ وَمَنْعِهِ وَكَلَامِهِ وَسُكُوتِهِ وَمَدْخَلِهِ وَمَخْرَجِهِ فَيُنْجِي نَفْسَهُ مِنْ الْبَيْنِ وَلَا يَرَى لَهَا مَكَانَةً يَعْمَلُ عَلَيْهَا ، فَيَكُونُ مِمّنْ ذَمّهُمْ اللّهُ بِقَوْلِهِ { اعْمَلُوا عَلَى مَكَانَتِكُمْ } [ الْأَنْعَامُ 135 ] فَالْعَبْدُ الْمَحْضُ لَيْسَ لَهُ مَكَانَةٌ يَعْمَلُ عَلَيْهَا ، فَإِنّهُ مُسْتَحَقّ الْمَنَافِعِ وَالْأَعْمَالِ لِسَيّدِهِ وَنَفْسُهُ مِلْكٌ لِسَيّدِهِ فَهُوَ عَامِلٌ عَلَى أَنْ يُؤَدّيَ إلَى سَيّدِهِ [ ص 373 ] مَكَانَةٌ أَصْلًا ، بَلْ قَدْ كُوتِبَ عَلَى حُقُوقٍ مُنَجّمَةٍ كُلّمَا أَدّى نَجْمًا حَلّ عَلَيْهِ نَجْمٌ آخَرُ وَلَا يَزَالُ الْمُكَاتَبُ عَبْدًا مَا بَقِيَ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْ نُجُومِ الْكِتَابَةِ . وَالْمَقْصُودُ أَنّ إنْصَافَهُ مِنْ نَفْسِهِ يُوجِبُ عَلَيْهِ مَعْرِفَةَ رَبّهِ وَحَقّهُ عَلَيْهِ وَمَعْرِفَةَ نَفْسِهِ وَمَا خُلِقَتْ لَهُ وَأَنْ لَا يُزَاحِمَ بِهَا مَالِكَهَا ، وَفَاطِرَهَا وَيَدّعِي لَهَا الْمَلَكَةَ وَالِاسْتِحْقَاقَ وَيُزَاحِمُ مُرَادَ سَيّدِهِ وَيَدْفَعَهُ بِمُرَادِهِ هُوَ أَوْ يُقَدّمُهُ وَيُؤْثِرَهُ عَلَيْهِ أَوْ يَقْسِمُ إرَادَتَهُ بَيْنَ مُرَادِ سَيّدِهِ وَمُرَادِهِ وَهِيَ قِسْمَةٌ ضِيزَى ، مِثْلَ قِسْمَةِ الّذِينَ قَالُوا : { هَذَا لِلّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللّهِ وَمَا كَانَ لِلّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } [ الْأَنْعَامُ 136 ] . [ ص 374 ] فَكَيْفَ يَطْلُبُ الْإِنْصَافَ مِمّنْ وَصْفُهُ الظّلْمُ وَالْجَهْلُ ؟ وَكَيْفَ يُنْصِفُ الْخَلْقَ مَنْ لَمْ يُنْصِفْ الْخَالِقَ ؟ كَمَا فِي أَثَرٍ إلَهِيّ يَقُولُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ ابْنَ آدَمَ مَا أَنْصَفْتَنِي ، خَيْرِي إلَيْكَ نَازِلٌ وَشَرّكَ إلَيّ صَاعِدٌ كَمْ أَتَحَبّبُ إلَيْكَ بِالنّعَمِ وَأَنَا غَنِيّ عَنْكَ وَكَمْ تَتَبَغّضُ إلَيّ بِالْمَعَاصِي وَأَنْتَ فَقِيرٌ إلَيّ وَلَا يَزَالُ الْمَلَكُ الْكَرِيمُ يَعْرُجُ إلَيّ مِنْكَ بِعَمَلٍ قَبِيحٍ .
وَفِي أَثَرٍ آخَرَ ابْنَ آدَمَ مَا أَنْصَفْتَنِي ، خَلَقْتُكَ وَتَعْبُدُ غَيْرِي ، وَأَرْزُقُكَ وَتَشْكُرُ سِوَايَ . ثُمّ كَيْفَ يُنْصِفُ غَيْرَهُ مَنْ لَمْ يُنْصِفْ نَفْسَهُ وَظَلَمَهَا أَقْبَحَ الظّلْمِ وَسَعَى فِي ضَرَرِهَا أَعْظَمَ السّعْيِ وَمَنَعَهَا أَعْظَمَ لَذّاتِهَا مِنْ حَيْثُ ظَنّ أَنّهُ يُعْطِيهَا إيّاهَا ، فَأَتْعَبَهَا كُلّ التّعَبِ وَأَشْقَاهَا كُلّ الشّقَاءِ مِنْ حَيْثُ ظَنّ أَنّهُ يُرِيحُهَا وَيُسْعِدُهَا ، وَجَدّ كُلّ الْجِدّ فِي حِرْمَانِهَا حَظّهَا مِنْ اللّهِ وَهُوَ يَظُنّ أَنّهُ يُنِيلُهَا حُظُوظَهَا ، وَدَسّاهَا كُلّ التّدْسِيَةِ وَهُوَ يَظُنّ أَنّهُ يُكَبّرُهَا وَيُنَمّيهَا ، وَحَقّرَهَا كُلّ التّحْقِيرِ وَهُوَ يَظُنّ أَنّهُ يُعَظّمُهَا ، فَكَيْفَ يُرْجَى الْإِنْصَافُ مِمّنْ هَذَا إنْصَافُهُ لِنَفْسِهِ ؟ إذَا كَانَ هَذَا فِعْلَ الْعَبْدِ بِنَفْسِهِ فَمَاذَا تَرَاهُ بِالْأَجَانِبِ يَفْعَلُ .
وَالْمَقْصُودُ أَنّ قَوْلَ عَمّارٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ ثَلَاثٌ مَنْ جَمَعَهُنّ فَقَدْ جَمَعَ الْإِيمَانَ الْإِنْصَافُ مِنْ نَفْسِك ، وَبَذْلُ السّلَامِ لِلْعَالِمِ وَالْإِنْفَاقُ مِنْ الْإِقْتَارِ كَلَامٌ جَامِعٌ لِأُصُولِ الْخَيْرِ وَفُرُوعِهِ .
[ بَذْلُ السّلَامِ ]
وَبَذْلُ السّلَامِ لِلْعَالِمِ يَتَضَمّنُ تَوَاضُعَهُ وَأَنّهُ لَا يَتَكَبّرُ عَلَى أَحَدٍ ، بَلْ يَبْذُلُ السّلَامَ لِلصّغِيرِ وَالْكَبِيرِ وَالشّرِيفِ وَالْوَضِيعِ وَمَنْ يَعْرِفْهُ وَمَنْ لَا يَعْرِفُهُ وَالْمُتَكَبّرُ [ ص 375 ] فَكَيْفَ يَبْذُلُ السّلَامَ لِكُلّ أَحَدٍ .
[ الْإِنْفَاقُ مِنْ الْإِقْتَارِ ]
وَأَمّا الْإِنْفَاقُ مِنْ الْإِقْتَارِ فَلَا يَصْدُرُ إلّا عَنْ قُوّةِ ثِقَةٍ بِاَللّهِ وَأَنّ اللّهَ يُخْلِفُهُ مَا أَنْفَقَهُ وَعَنْ قُوّةِ يَقِينٍ وَتَوَكّلٍ وَرَحْمَةٍ وَزُهْدٍ فِي الدّنْيَا ، وَسَخَاءِ نَفْسٍ بِهَا ، وَوُثُوقٍ بِوَعْدِ مَنْ وَعَدَهُ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا ، وَتَكْذِيبًا بِوَعْدِ مَنْ يَعِدُهُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرْ بِالْفَحْشَاءِ وَاَللّهُ الْمُسْتَعَانُ .
فَصْلٌ [ السّلَامُ عَلَى الصّبْيَانِ وَالنّسْوَانِ ]
وَثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّه مَرّ بِصِبْيَانٍ فَسَلّمَ عَلَيْهِمْ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ . وَذَكَرَ التّرْمِذِيّ فِي " جَامِعِهِ " عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَرّ يَوْمًا بِجَمَاعَةِ نِسْوَةٍ فَأَلْوَى بِيَدِهِ بِالتّسْلِيمِ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ يَزِيدَ مَرّ عَلَيْنَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي نِسْوَةٍ فَسَلّمَ عَلَيْنَا وَهِيَ رِوَايَةُ حَدِيثِ التّرْمِذِيّ ، وَالظّاهِرُ أَنّ الْقِصّةَ وَاحِدَةٌ وَأَنّهُ سَلّمَ عَلَيْهِنّ بِيَدِهِ . [ ص 376 ] وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " : أَنّ الصّحَابَةَ كَانُوا يَنْصَرِفُونَ مِنْ الْجُمُعَةِ فَيَمُرّونَ عَلَى عَجُوزٍ فِي طَرِيقِهِمْ فَيُسَلّمُونَ عَلَيْهَا ، فَتُقَدّمُ لَهُمْ طَعَامًا مِنْ أُصُولِ السّلْقِ وَالشّعِيرِ وَهَذَا هُوَ الصّوَابُ فِي مَسْأَلَةِ السّلَامِ عَلَى النّسَاءِ يُسَلّمُ عَلَى الْعَجُوزِ وَذَوَاتِ الْمَحَارِمِ دُونَ غَيْرِهِنّ .
فَصْلٌ
وَثَبَتَ عَنْهُ فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " وَغَيْرِهِ تَسْلِيمُ الصّغِيرِ عَلَى الْكَبِيرِ ، وَالْمَارّ عَلَى الْقَاعِدِ وَالرّاكِبِ عَلَى الْمَاشِي ، وَالْقَلِيلِ عَلَى الْكَثِير وَفِي " جَامِعِ التّرْمِذِيّ " عَنْهُ يُسَلّمُ الْمَاشِي عَلَى الْقَائِمِ وَفِي " مُسْنَدِ الْبَزّارِ " عَنْهُ يُسَلّمُ الرّاكِبُ عَلَى الْمَاشِي ، وَالْمَاشِي عَلَى الْقَاعِدِ وَالْمَاشِيَانِ أَيّهُمَا بَدَأَ فَهُوَ أَفْضَلُ وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " عَنْهُ إنّ أَوْلَى النّاسِ بِاَللّهِ مَنْ بَدَأَهُمْ بِالسّلَام [ ص 377 ] وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ السّلَامُ عِنْدَ الْمَجِيءِ إلَى الْقَوْمِ وَالسّلَامُ عِنْدَ الِانْصِرَافِ عَنْهُمْ وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ إذَا قَعَدَ أَحَدُكُمْ فَلْيُسَلّمْ ، وَإِذَا قَامَ فَلْيُسَلّمْ وَلَيْسَتْ الْأُولَى أَحَقّ مِنْ الْآخِرَةِ وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ إذَا لَقِيَ أَحَدُكُمْ صَاحِبَهُ فَلْيُسَلّمْ عَلَيْهِ ، فَإِنْ حَالَ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ أَوْ جِدَارٌ ثُمّ لَقِيَهُ فَلْيُسَلّمْ عَلَيْهِ أَيْضًا وَقَالَ أَنَسٌ : كَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَتَمَاشَوْنَ فَإِذَا اسْتَقْبَلَتْهُمْ شَجَرَةٌ أَوْ أَكَمَةٌ تَفَرّقُوا يَمِينًا وَشِمَالًا ، وَإِذَا الْتَقَوْا مِنْ وَرَائِهَا ، سَلّمَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ .
[ تَحِيّةُ الْمَسْجِدِ قَبْلَ السّلَامِ ]
وَمِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ الدّاخِلَ إلَى الْمَسْجِدِ يَبْتَدِئُ بِرَكْعَتَيْنِ تَحِيّةَ الْمَسْجِدِ ثُمّ يَجِيءُ فَيُسَلّمُ عَلَى الْقَوْمِ فَتَكُونُ تَحِيّةُ الْمَسْجِدِ قَبْلَ تَحِيّةِ أَهْلِهِ فَإِنّ تِلْكَ حَقّ اللّهِ تَعَالَى ، وَالسّلَامُ عَلَى الْخَلْقِ هُوَ حَقّ لَهُمْ وَحَقّ اللّهِ فِي مِثْلِ هَذَا أَحَقّ بِالتّقْدِيمِ بِخِلَافِ الْحُقُوقِ الْمَالِيّةِ فَإِنّ فِيهَا نِزَاعًا مَعْرُوفًا ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا حَاجَةُ الْآدَمِيّ [ ص 378 ] وَكَانَتْ عَادَةُ الْقَوْمِ مَعَهُ هَكَذَا ، يَدْخُلُ أَحَدُهُمْ الْمَسْجِدَ فَيُصَلّي رَكْعَتَيْنِ ثُمّ يَجِيءُ فَيُسَلّمُ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلِهَذَا جَاءَ فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَمَا هُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ يَوْمًا قَالَ رِفَاعَةُ وَنَحْنُ مَعَهُ إذْ جَاءَ رَجُلٌ كَالْبَدَوِيّ فَصَلّى ، فَأَخَفّ صَلَاتَهُ ثُمّ انْصَرَفَ فَسَلّمَ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَال النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعَلَيْكَ فَارْجِعْ فَصَلّ فَإِنّكَ لَمْ تُصَلّ . .. وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ صَلَاتَهُ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ تَأْخِيرَ السّلَامِ عَلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى مَا بَعْدَ الصّلَاةِ . وَعَلَى هَذَا : فَيُسَنّ لِدَاخِلِ الْمَسْجِدِ إذَا كَانَ فِيهِ جَمَاعَةٌ ثَلَاثُ تَحِيّاتٍ مُتَرَتّبَةٌ أَنْ يَقُولَ عِنْدَ دُخُولهِ بِسْمِ اللّهِ وَالصّلَاةُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ . ثُمّ يُصَلّي رَكْعَتَيْنِ تَحِيّةَ الْمَسْجِدِ . ثُمّ يُسَلّمُ عَلَى الْقَوْمِ .
فَصْلٌ
وَكَانَ إذَا دَخَلَ عَلَى أَهْلِهِ بِاللّيْلِ يُسَلّمُ تَسْلِيمًا لَا يُوقِظُ النّائِمَ . وَيُسْمِعُ الْيَقْظَانَ ذَكَرَه مُسْلِمٌ .
فَصْلٌ
وَذَكَرَ التّرْمِذِيّ عَنْهُ عَلَيْهِ السّلَامُ السّلَامُ قَبْلَ الْكَلَام [ ص 379 ] لَا تَدْعُوا أَحَدًا إلَى الطّعَامِ حَتّى يُسَلّمَ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ إسْنَادُهُ وَمَا قَبْلَهُ ضَعِيفًا ، فَالْعَمَلُ عَلَيْهِ .
[ السّلَامُ قَبْلَ السّؤَالِ ]
وَقَدْ رَوَى أَبُو أَحْمَدَ بِإِسْنَادٍ أَحْسَنَ مِنْهُ حَدِيثَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي رَوّادٍ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَر َ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ السّلَامُ قَبْلَ السّؤَالِ ، فَمَنْ بَدَأَكُمْ بِالسّؤَالِ قَبْلَ السّلَامِ فَلَا تُجِيبُوهُ وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ لَا يَأْذَنُ لِمَنْ لَمْ يَبْدَأْ بِالسّلَامِ . وَيُذْكَرُ عنه : لا تَأْذَنُوا لِمَنْ لَمْ يَبْدَأْ بِالسّلَامِ وَأَجْوَدُ مِنْهَا مَا رَوَاهُ التّرْمِذِيّ عَنْ كَلَدَةَ بِنْ حَنْبَلٍ ، أَنّ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيّةَ بَعَثَهُ بِلَبَنٍ وَلِبَإٍ وَجَدَايَةٍ وَضَغَابِيسَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِأَعْلَى الْوَادِي قَالَ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ وَلَمْ أُسَلّمْ ، وَلَمْ أَسْتَأْذِنْ فَقَال النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ارْجِعْ فَقُلْ السّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُل ؟ قَالَ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . [ ص 380 ] وَكَانَ إذَا أَتَى بَابَ قَوْمٍ لَمْ يَسْتَقْبِلْ الْبَابَ مِنْ تِلْقَاءِ وَجْهِهِ وَلَكِنْ مِنْ رُكْنِهِ الْأَيْمَنِ أَوْ الْأَيْسَرِ فَيَقُولُ السّلَامُ عَلَيْكُمْ السّلَامُ عَلَيْكُمْ
فَصْلٌ [ تَحْمِيلُ السّلَامِ لِلْغَائِبِينَ ]
وَكَانَ يُسَلّمُ بِنَفْسِهِ عَلَى مَنْ يُوَاجِهُهُ ، وَيُحَمّلُ السّلَامَ لِمَنْ يُرِيدُ السّلَامَ عَلَيْهِ مِنْ الْغَائِبِينَ عَنْهُ وَيَتَحَمّلُ السّلَامَ لِمَنْ يُبَلّغْهُ إلَيْهِ كَمَا تَحَمّلَ السّلَامَ مِنْ اللّهِ عَزّ وَجَلّ عَلَى صِدّيقَةِ النّسَاءِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا لَمّا قَالَ لَهُ جِبْرِيلُ هَذِهِ خَدِيجَةُ قَدْ أَتَتْكَ بِطَعَامٍ ، فَاقْرَأْ [ عَلَيْهَا ] السّلَامَ مِنْ رَبّهَا ، [ وَمِنّي ] وَبَشّرْهَا بِبَيْتٍ فِي الْجَنّة وَقَالَ لِلصّدّيقَةِ الثّانِيَةِ بِنْتِ الصّدّيقِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا : هَذَا جِبْرِيلُ يَقْرَأُ عَلَيْكِ السّلَامَ " فَقَالَتْ وَعَلَيْهِ السّلَامُ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتهُ يَرَى مَا لَا أَرَى [ ص 381 ]
فَصْلٌ [ صِيغَةُ السّلَامِ ]
وَكَانَ هَدْيُهُ انْتِهَاءَ السّلَامِ إلَى " وَبَرَكَاتُهُ " فَذَكَرَ النّسَائِيّ عَنْهُ أَنّ رَجُلًا جَاءَ فَقَالَ السّلَامُ عَلَيْكُمْ فَرَدّ عَلَيْهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ " عَشْرَةٌ " ثُمّ جَلَسَ ثُمّ جَاءَ آخَرُ فَقَالَ السّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللّهِ فَرَدّ عَلَيْهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ " عِشْرُونَ " ثُمّ جَلَسَ وَجَاءَ آخَرُ فَقَالَ السّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ فَرَدّ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ " ثَلَاثُونَ " رَوَاهُ النّسَائِيّ ، وَالتّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَحَسّنَهُ . وَذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذِ بْنِ أَنَسٍ ، وَزَادَ فِيهِ ثُمّ أَتَى آخَرُ فَقَالَ السّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ فَقَالَ " أَرْبَعُونَ " فَقَالَ هَكَذَا تَكُونُ الْفَضَائِلُ . وَلَا يَثْبُتُ هَذَا الْحَدِيثُ . فَإِنّ لَهُ ثَلَاثَ عِلَلٍ إحْدَاهَا : أَنّهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي مَرْحُومٍ عَبْدِ الرّحِيمِ بْنِ مَيْمُونٍ ، وَلَا يُحْتَجّ بِهِ . الثّانِيَةُ إنّ فِيهِ أَيْضًا سَهْلَ بْنَ مُعَاذٍ وَهُوَ أَيْضًا كَذَلِكَ . الثّالِثَةُ أَنّ سَعِيدَ بْنَ أَبِي مَرْيَمَ أَحَدَ رُوَاتِهِ لَمْ يَجْزِمْ بِالرّوَايَةِ بَلْ قَالَ أَظُنّ أَنّي سَمِعْتُ نَافِعَ بْنَ يَزِيدَ . [ ص 382 ] وَأَضْعَفُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثُ الْآخَرُ عَنْ أَنَسٍ : كَانَ رَجُلٌ يَمُرّ بِالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ السّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللّهِ ، فَيَقُولُ لَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " وَعَلَيْكَ السّلَامُ وَرَحْمَةُ اللّهِ وَبَرَكَاتُهُ وَمَغْفِرَتُهُ وَرِضْوَانُهُ " فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللّهِ تُسَلّمُ عَلَى هَذَا سَلَامًا مَا تُسَلّمُهُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِك ؟ فَقَالَ " وَمَا يَمْنَعُنِي مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ يَنْصَرِفُ بِأَجْرِ بِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ، وَكَانَ يَرْعَى عَلَى أَصْحَابِه
فَصْلٌ [ السّلَامُ ثَلَاثًا ]
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُسَلّمَ ثَلَاثًا كَمَا فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا تَكَلّمَ بِكَلِمَةٍ أَعَادَهَا ثَلَاثًا حَتّى تُفْهَمَ عَنْهُ وَإِذَا أَتَى عَلَى قَوْمٍ فَسَلّمَ عَلَيْهِمْ سَلّمَ ثَلَاثًا وَلَعَلّ هَذَا كَانَ هَدْيَهُ فِي السّلَامِ عَلَى الْجَمْعِ الْكَثِيرِ الّذِينَ لَا يَبْلُغُهُمْ سَلَامٌ وَاحِدٌ أَوْ هَدْيَهُ فِي إسْمَاعِ السّلَامِ الثّانِي وَالثّالِثِ إنْ ظَنّ أَنّ الْأَوّلَ لَمْ يَحْصُلْ بِهِ الْإِسْمَاعُ كَمَا سَلّمَ لَمّا انْتَهَى إلَى مَنْزِلِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ ثَلَاثًا ، فَلَمّا لَمْ يُجِبْهُ أَحَدٌ رَجَعَ وَإِلّا فَلَوْ كَانَ هَدْيُهُ الدّائِمُ التّسْلِيمَ ثَلَاثًا لَكَانَ أَصْحَابُهُ يُسَلّمُونَ عَلَيْهِ كَذَلِكَ وَكَانَ يُسَلّمُ عَلَى كُلّ مَنْ لَقِيَهُ ثَلَاثًا ، وَإِذَا دَخَلَ بَيْتَهُ ثَلَاثًا ، وَمَنْ تَأَمّلَ هَدْيَهُ عَلِمَ أَنّ الْأَمْرَ لَيْسَ كَذَلِكَ وَأَنّ تَكْرَارَ السّلَامِ كَانَ مِنْهُ أَمْرًا عَارِضًا فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . [ ص 383 ]
فَصْلٌ [ رَدّ السّلَامِ ]
وَكَانَ يَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسّلَامِ وَإِذَا سَلّمَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، رَدّ عَلَيْهِ مِثْلَ تَحِيّتِهِ أَوْ أَفْضَلَ مِنْهَا عَلَى الْفَوْرِ مِنْ غَيْرِ تَأْخِيرٍ إلّا لِعُذْرٍ مِثْلَ حَالَةِ الصّلَاةِ وَحَالَةِ قَضَاءِ الْحَاجَةِ . وَكَانَ يُسْمِعُ الْمُسْلِمَ رَدّهُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ يَرُدّ بِيَدِهِ وَلَا رَأْسِهِ وَلَا أُصْبُعِهِ إلّا فِي الصّلَاةِ فَإِنّهُ كَانَ يَرُدّ عَلَى مَنْ سَلّمَ عَلَيْهِ إشَارَةً ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي عِدّةِ أَحَادِيثَ وَلَمْ يَجِئْ عَنْهُ مَا يُعَارِضُهَا إلّا بِشَيْءٍ بَاطِلٍ لَا يَصِحّ عَنْهُ كَحَدِيثٍ يَرْوِيهِ أَبُو غَطَفَانَ رَجُلٌ مَجْهُولٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ أَشَارَ فِي صَلَاتِهِ إشَارَةً تُفْهَمُ عَنْهُ فَلْيُعِدْ صَلَاتَهُ قَالَ الدّارَقُطْنِيّ : قَالَ لَنَا ابْنُ أَبِي دَاوُدَ أَبُو غَطَفَانَ هَذَا رَجُلٌ مَجْهُولٌ . وَالصّحِيحُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ كَانَ يُشِيرُ فِي الصّلَاةِ رَوَاهُ أَنَسٌ وَجَابِر وَغَيْرُهُمَا عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
فَصْلٌ [ كَرَاهِيَةُ قَوْلِ الْمُبْتَدِئِ " عَلَيْك السّلَامُ "]
وَكَانَ هَدْيُهُ فِي ابْتِدَاءِ السّلَامِ أَنْ يَقُولَ " السّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللّهِ " وَكَانَ يَكْرَهُ أَنْ يَقُولَ الْمُبْتَدِئُ عَلَيْك السّلَامُ . قَالَ أَبُو جَرِيّ الْهُجَيْمِيّ : أَتَيْتُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقُلْتُ عَلَيْكَ السّلَامُ يَا رَسُولَ اللّهِ فَقَالَ لَا تَقُلْ عَلَيْكَ السّلَامُ فَإِنّ عَلَيْكَ السّلَامُ تَحِيّةُ الْمَوْتَى حَدِيثٌ [ ص 384 ] وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى طَائِفَةٍ وَظَنّوهُ مُعَارَضًا لِمَا ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي السّلَامِ عَلَى الْأَمْوَاتِ بِلَفْظِ السّلَامُ عَلَيْكُمْ بِتَقْدِيمِ السّلَامِ فَظَنّوا أَنّ قَوْلَهُ فَإِنّ عَلَيْكَ السّلَامُ تَحِيّةُ الْمَوْتَى إخْبَارٌ عَنْ الْمَشْرُوعِ وَغَلِطُوا فِي ذَلِكَ غَلَطًا أَوْجَبَ لَهُمْ ظَنّ التّعَارُضِ وَإِنّمَا مَعْنَى قَوْلِهِ فَإِنّ عَلَيْكَ السّلَامُ تَحِيّةُ الْمَوْتَى إخْبَارٌ عَنْ الْوَاقِعِ لَا الْمَشْرُوعُ أَيْ إنّ الشّعَرَاءَ وَغَيْرَهُمْ يُحَيّونَ الْمَوْتَى بِهَذِهِ اللّفْظَةِ كَقَوْلِ قَائِلِهِمْ عَلَيْكَ سَلَامُ اللّهِ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ وَرَحْمَتُهُ مَا شَاءَ أَنْ يَتَرَحّمَا
فَمَا كَانَ قَيْسٌ هُلْكُه هُلْكَ وَاحِد وَلَكِنّهُ بُنْيَانُ قَوْمٍ تَهَدّمَا
صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُحَيّ بِتَحِيّةِ الْأَمْوَاتِ وَمِنْ كَرَاهَتِهِ لِذَلِكَ لَمْ يَرُدّ عَلَى الْمُسَلّمِ بِهَا . [ ص 385 ]
[ بَحْثٌ فِي الرّدّ عَلَى الْمُسَلّمِ ب " وَعَلَيْك السّلَامُ " وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الرّدّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ ]
وَكَانَ يَرُدّ عَلَى الْمُسَلّمِ " وَعَلَيْكَ السّلَامُ " بِالْوَاوِ وَبِتَقْدِيمِ " عَلَيْكَ " عَلَى لَفْظِ السّلَامِ . وَتَكَلّمَ النّاسُ هَاهُنَا فِي مَسْأَلَةٍ وَهِيَ لَوْ حَذَفَ الرّادّ " الْوَاوَ " فَقَالَ " عَلَيْكَ السّلَامُ " هَلْ يَكُونُ صَحِيحًا ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ الْمُتَوَلّي وَغَيْرُهُ لَا يَكُونُ جَوَابًا ، وَلَا يَسْقُطُ بِهِ فَرْضُ الرّدّ لِأَنّهُ مُخَالِفٌ لِسُنّةِ الرّدّ وَلِأَنّهُ لَا يُعْلَمُ هَلْ هُوَ رَدّ ، أَوْ ابْتِدَاءُ تَحِيّةٍ ؟ فَإِنّ صُورَتَهُ صَالِحَةٌ لَهُمَا ، وَلِأَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ إذَا سَلّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ، فَقُولُوا : " وَعَلَيْكُم فَهَذَا تَنْبِيهٌ مِنْهُ عَلَى وُجُوبِ الْوَاوِ فِي الرّدّ عَلَى أَهْلِ [ ص 386 ] تَقْتَضِي تَقْرِيرَ الْأَوّلِ وَإِثْبَاتَ الثّانِي ، فَإِذَا أُمِرَ بِالْوَاوِ فِي الرّدّ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ الّذِينَ يَقُولُونَ السّامُ عَلَيْكُمْ فَقَالَ إذَا سَلّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ ، فَقُولُوا : " وَعَلَيْكُمْ فَذِكْرُهَا فِي الرّدّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَوْلَى وَأَحْرَى . وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى إلَى أَنّ ذَلِكَ رَدّ صَحِيحٌ كَمَا لَوْ كَانَ بِالْوَاوِ وَنَصّ عَلَيْهِ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ فِي كِتَابِهِ الْكَبِيرِ وَاحْتَجّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ الْمُكْرَمِينَ إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ } ( الذاريات : 24 ) ، أَيْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا بُدّ مِنْ هَذَا ، وَلَكِنْ حَسُنَ الْحَذْفُ فِي الرّدّ لِأَجْلِ الْحَذْفِ فِي الِابْتِدَاءِ وَاحْتَجّوا بِمَا فِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ خَلَقَ اللّهُ آدَمَ طُولُهُ سِتّونَ ذِرَاعًا ، فَلَمّا خَلَقَهُ قَالَ لَهُ اذْهَبْ فَسَلّمْ عَلَى أُولَئِكَ النّفَرِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيّونَكَ فِإنّهَا تَحِيّتُكَ وَتَحِيّةُ ذُرّيّتِكَ فَقَالَ السّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالُوا : السّلَامُ عَلَيْكَ وَرَحْمَةُ اللّهِ فَزَادُوهُ " وَرَحْمَةُ اللّهِ فَقَدْ أَخْبَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ هَذِهِ تَحِيّتُهُ وَتَحِيّةُ ذُرّيّتِهِ قَالُوا : وَلِأَنّ الْمُسَلّمَ عَلَيْهِ مَأْمُورٌ أَنْ يُحَيّ الْمُسَلّمَ بِمِثْلِ تَحِيّتِهِ عَدْلًا ، وَبِأَحْسَنَ مِنْهَا فَضْلًا ، فَإِذَا رَدّ عَلَيْهِ بِمِثْلِ سَلَامِهِ كَانَ قَدْ أَتَى بِالْعَدْلِ . وَأَمّا قَوْلُهُ إذَا سَلّمَ عَلَيْكُمْ أَهْلُ الْكِتَابِ فَقُولُوا : وَعَلَيْكُمْ فَهَذَا الْحَدِيثُ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي لَفْظَةِ " الْوَاوِ " فِيهِ فَرُوِيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا : بِالْوَاوِ قَال َ أَبُو دَاوُدَ :
[ ص 387 ] عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَارٍ ، وَرَوَاهُ الثّوْرِيّ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَارٍ ، فَقَالَ فِيهِ فَعَلَيْكُمْ وَحَدِيثُ سُفْيَانَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " وَرَوَاهُ النّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ دِينَارٍ بِإِسْقَاطِ " الْوَاوِ " ، وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ وَالنّسَائِيّ : فَقُلْ عَلَيْك بِغَيْرِ وَاوٍ . وَقَالَ الْخَطّابِيّ : عَامّةُ الْمُحَدّثِينَ يَرْوُونَهُ وَعَلَيْكُمْ بِالْوَاوِ وَكَانَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ يَرْوِيهِ عَلَيْكُمْ بِحَذْفِ الْوَاوِ وَهُوَ الصّوَابُ وَذَلِك أَنّهُ إذَا حَذَفَ الْوَاوَ صَارَ قَوْلُهُمْ الّذِي قَالُوهُ بِعَيْنِهِ مَرْدُودًا عَلَيْهِمْ وَبِإِدْخَالِ الْوَاوِ يَقَعُ الِاشْتِرَاكُ مَعَهُمْ وَالدّخُولُ فِيمَا قَالُوا ؛ لِأَنّ الْوَاوَ حَرْفٌ لِلْعَطْفِ وَالِاجْتِمَاعِ بَيْنَ الشّيْئَيْنِ . انْتَهَى كَلَامُهُ . وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ أَمْرِ الْوَاوِ لَيْسَ بِمُشْكِلٍ فَإِنّ " السّامَ " الْأَكْثَرُونَ عَلَى أَنّهُ الْمَوْتُ وَالْمُسَلّمُ وَالْمُسَلّمُ عَلَيْهِ مُشْتَرِكُونَ فِيهِ فَيَكُونُ فِي الْإِتْيَانِ بِالْوَاوِ بَيَانٌ لِعَدَمِ الِاخْتِصَاصِ وَإِثْبَاتِ الْمُشَارَكَةِ وَفِي حَذْفِهَا إشْعَارٌ بِأَنّ الْمُسَلّمَ أَحَقّ بِهِ وَأَوْلَى مِنْ الْمُسَلّمِ عَلَيْهِ وَعَلَى هَذَا فَيَكُونُ الْإِتْيَانُ بِالْوَاوِ هُوَ الصّوَابَ وَهُوَ أَحْسَنُ مِنْ حَذْفِهَا ، كَمَا رَوَاهُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ وَلَكِنْ قَدْ فُسّرَ السّامُ بِالسّآمَةِ وَهِيَ الْمَلَالَةُ وَسَآمَةُ الدّينِ قَالُوا : وَعَلَى هَذَا فَالْوَجْهُ حَذْفُ الْوَاوِ وَلَا بُدّ وَلَكِنّ هَذَا خِلَافُ الْمَعْرُوفِ مِنْ هَذِهِ اللّفْظَةِ فِي اللّغَةِ وَلِهَذَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ إنّ الْحَبّةَ السّوْدَاءَ شِفَاءٌ مِنْ كُلّ دَاءٍ إلّا السّامَ وَلَا يَخْتَلِفُونَ أَنّهُ الْمَوْتُ . وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ الْمُتَحَذْلِقِينَ [ ص 388 ] جَمْعُ سَلِمَةَ وَرَدّ هَذَا الرّدّ مُتَعَيّنٌ .
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي السّلَامِ عَلَى أَهْلِ الْكِتَابِ
صَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ لَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسّلَامِ وَإِذَا لَقِيتُمُوهُمْ فِي الطّرِيقِ فَاضْطَرّوهُمْ إلَى أَضْيَقِ الطّرِيق لَكِنْ قَدْ قِيلَ إنّ هَذَا كَانَ فِي قَضِيّةٍ خَاصّةٍ لَمّا سَارُوا إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ قَالَ لَا تَبْدَءُوهُمْ بِالسّلَام فَهَلْ هَذَا حُكْمٌ عَامّ لِأَهْلِ الذّمّةِ مُطْلَقًا ، أَوْ يَخْتَصّ بِمَنْ كَانَتْ حَالُهُ بِمِثْلِ حَالِ أُولَئِكَ ؟ هَذَا مَوْضِعُ نَظَرٍ وَلَكِنْ قَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَا تَبْدَءُوا الْيَهُودَ وَلَا النّصَارَى بِالسّلَامِ وَإِذَا لَقِيتُمْ أَحَدَهُمْ فِي الطّرِيقِ فَاضْطَرّوهُ إلَى أَضْيَقِهِ وَالظّاهِرُ أَنّ هَذَا حُكْمٌ عَامّ . وَقَدْ اخْتَلَفَ السّلَفُ وَالْخَلَفُ فِي ذَلِكَ فَقَالَ أَكْثَرُهُمْ لَا يَبْدَءُونَ بِالسّلَامِ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى جَوَازِ ابْتِدَائِهِمْ كَمَا يُرَدّ عَلَيْهِمْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ، وَأَبِي أُمَامَةَ وَابْنِ مُحَيْرِيز ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ لَكِنْ صَاحِبُ هَذَا الْوَجْهِ قَالَ يُقَالُ لَهُ السّلَامُ عَلَيْكَ فَقَطْ بِدُونِ ذِكْرِ الرّحْمَةِ وَبِلَفْظِ الْإِفْرَادِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَجُوزُ الِابْتِدَاءُ لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ مِنْ حَاجَةٍ تَكُونُ لَهُ إلَيْهِ أَوْ خَوْفٍ مِنْ أَذَاهُ أَوْ لِقَرَابَةٍ بَيْنَهُمَا ، أَوْ لِسَبَبٍ يَقْتَضِي ذَلِكَ يُرْوَى ذَلِكَ عَنْ إبْرَاهِيمَ النّخَعِيّ ، وَعَلْقَمَةَ . وَقَالَ الْأَوْزَاعِيّ : إنْ سَلّمْتَ فَقَدْ سَلّمَ الصّالِحُونَ وَإِنْ تَرَكْتَ فَقَدْ تَرَكَ الصّالِحُونَ . [ ص 389 ] وَاخْتَلَفُوا فِي وُجُوبِ الرّدّ عَلَيْهِمْ فَالْجُمْهُورُ عَلَى وُجُوبِهِ وَهُوَ الصّوَابُ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يَجِبُ الرّدّ عَلَيْهِمْ كَمَا لَا يَجِبُ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ وَأَوْلَى ، وَالصّوَابُ الْأَوّلُ وَالْفَرْقُ أَنّا مَأْمُورُونَ بِهَجْرِ أَهْلِ الْبِدَعِ تَعْزِيرًا لَهُمْ وَتَحْذِيرًا مِنْهُمْ بِخِلَافِ أَهْلِ الذّمّةِ . فَصْلٌ وَثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ مَرّ عَلَى مَجْلِسٍ فِيهِ أَخْلَاطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْمُشْرِكِينَ عَبَدَةِ الْأَوْثَانِ وَالْيَهُودِ ، فَسَلّمَ عَلَيْهِمْ . وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ كَتَبَ إلَى هِرَقْلَ وَغَيْرِهِ السّلَامُ عَلَى مَنْ اتّبَعَ الْهُدَى
فَصْلٌ [ هَلْ رِدّ السّلَامِ فَرْضُ كِفَايَةٍ ]
؟ وَيُذْكَرُ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ يُجْزِئُ عَنْ الْجَمَاعَةِ إذَا مَرّوا أَنْ يُسَلّمَ أَحَدُهُمْ وَيُجْزِئُ عَنْ الْجُلُوسِ أَنْ يَرُدّ أَحَدُهُم فَذَهَبَ إلَى هَذَا الْحَدِيثِ مَنْ قَالَ إنّ - 390 - الرّدّ فَرْضُ كِفَايَةٍ يَقُومُ فِيهِ الْوَاحِدُ مَقَامَ الْجَمِيعِ لَكِنْ مَا أَحْسَنَهُ لَوْ كَانَ ثَابِتًا ، فَإِنّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ خَالِدٍ الْخُزَاعِيّ الْمَدَنِيّ . قَالَ أَبُو زُرْعَةَ الرّازِيّ مَدَنِيّ ضَعِيفٌ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرّازِيّ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ وَقَالَ الْبُخَارِيّ فِيهِ نَظَرٌ . وَقَالَ الدّارَقُطْنِيّ لَيْسَ بِالْقَوِيّ .
فَصْلٌ [ رَدّ السّلَامِ عَلَى الْمُرْسِلِ وَالْمُبَلّغِ ]
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا بَلّغَهُ أَحَدٌ السّلَامَ عَنْ غَيْرِهِ أَنْ يَرُدّ عَلَيْهِ وَعَلَى الْمُبَلّغِ كَمَا فِي " السّنَنِ أَنّ رَجُلًا قَالَ لَهُ إنّ أَبِي يُقْرِئُكَ السّلَامَ فَقَالَ لَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى أَبِيكَ السّلَامُ
[ تَرْكُ السّلَامِ ابْتِدَاءً وَرَدّا عَلَى مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا ]
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ تَرْكُ السّلَامِ ابْتِدَاءً وَرَدّا عَلَى مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا حَتّى يَتُوبَ مِنْهُ كَمَا هَجَرَ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ وَصَاحِبَيْهِ ، وَكَانَ كَعْبٌ يُسَلّمُ عَلَيْهِ وَلَا يَدْرِي هَلْ حَرّكَ شَفَتَيْهِ بِرَدّ السّلَامِ عَلَيْهِ أَمْ لَا ؟ [ ص 391 ] وَسَلّمَ عَلَيْهِ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ ، وَقَدْ خَلّقَهُ أَهْلُهُ بِزَعْفَرَانٍ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ فَقَالَ اذْهَبْ فَاغْسِلْ هَذَا عَنْك وَهَجَرَ زَيْنَبَ بِنْتَ جَحْشٍ شَهْرَيْنِ وَبَعْضَ الثّالِثِ لَمّا قَالَ لَهَا : أَعْطِي صَفِيّةَ ظَهْرًا لَمّا اعْتَلّ بَعِيرُهَا فَقَالَتْ أَنَا أُعْطِي تِلْكَ الْيَهُودِيّةَ ؟ ذَكَرَهُمَا أَبُو دَاوُدَ .
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الِاسْتِئْذَانِ
وَصَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثٌ فَإِنْ أُذِنَ لَكَ وَإِلّا فَارْجِعْ وَصَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ إنّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ وَصَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ أَرَادَ أَنْ يَفْقَأَ عَيْنَ الّذِي نَظَرَ إلَيْهِ مِنْ جُحْرٍ فِي حُجْرَتِهِ [ ص 392 ] وَقَالَ إنّمَا جُعِلَ الِاسْتِئْذَانُ مِنْ أَجْلِ الْبَصَرِ وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لَوْ أَنّ امْرَأً اطّلَعَ عَلَيْكَ بِغَيْرِ إذْنٍ فَحَذَفْتَهُ بِحَصَاةٍ فَفَقَأْتَ عَيْنَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْكَ جُنَاحٌ وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ مَنْ اطّلَعَ عَلَى قَوْمٍ فِي بَيْتِهِمْ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ، فَقَدْ حَلّ لَهُمْ أَنْ يَفْقَئُوا عَيْنَهُ وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ مَنْ اطّلَعَ فِي بَيْتِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ ، فَفَقَئُوا عَيْنَهُ فَلَا دِيَةَ لَهُ وَلَا قِصَاصَ
[ التّسْلِيمُ قَبْلَ الِاسْتِئْذَانِ ]
وَصَحّ عَنْهُ التّسْلِيمُ قَبْلَ الِاسْتِئْذَانِ فِعْلًا وَتَعْلِيمًا ، وَاسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَقَالَ أَأَلِجُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِرَجُلٍ اُخْرُجْ إلَى هَذَا ، فَعَلّمْهُ الِاسْتِئْذَانَ " . فَقَالَ لَهُ قُلْ السّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ ؟ فَسَمِعَهُ الرّجُلُ فَقَالَ السّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُلُ ؟ فَأَذِنَ لَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَدَخَلَ وَلَمّا اسْتَأْذَنَ عَلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَهُوَ فِي مَشْرُبَتِهِ مُؤْلِيًا مِنْ نِسَائِهِ قَالَ السّلَامُ عَلَيْكَ يَا رَسُولَ اللّهِ ، السّلَامُ عَلَيْكُمْ أَيَدْخُلُ عُمَر ؟ [ ص 393 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِكَلَدَةَ بْنِ حَنْبَلٍ لَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُسَلّمْ ارْجِعْ فَقُلْ السّلَامُ عَلَيْكُمْ أَأَدْخُل ؟ وَفِي هَذِهِ السّنَنِ رَدّ عَلَى مَنْ قَالَ وَيُقَدّمُ الِاسْتِئْذَانُ عَلَى السّلَامِ وَرَدّ عَلَى مَنْ قَالَ إنْ وَقَعَتْ عَيْنُهُ عَلَى صَاحِبِ الْمَنْزِلِ قَبْلَ دُخُولِهِ بَدَأَ بِالسّلَامِ وَإِنْ لَمْ تَقَعْ عَيْنُهُ عَلَيْهِ بَدَأَ بِالِاسْتِئْذَانِ وَالْقَوْلَانِ مُخَالِفَانِ لِلسّنّةِ .
[ الِاسْتِئْذَانُ ثَلَاثًا ]
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا اسْتَأْذَنَ ثَلَاثًا وَلَمْ يُؤْذَنْ لَهُ انْصَرَفَ وَهُوَ رَدّ عَلَى مَنْ يَقُولُ إنْ ظَنّ أَنّهُمْ لَمْ يَسْمَعُوا ، زَادَ عَلَى الثّلَاثِ وَرَدّ عَلَى مَنْ قَالَ يُعِيدُهُ بِلَفْظٍ آخَرَ وَالْقَوْلَانِ مُخَالِفَانِ لِلسّنّةِ .
فَصْلٌ [ ذِكْرُ الْمُسْتَأْذِنِ مَا يَدُلّ عَلَيْهِ ]
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ أَنّ الْمُسْتَأْذِنَ إذَا قِيلَ لَهُ مَنْ أَنْتَ ؟ يَقُول : فُلَانُ بْنُ فُلَانٍ أَوْ يَذْكُرُ كُنْيَتَهُ أَوْ لَقَبَهُ وَلَا يَقُولُ أَنَا ، كَمَا قَالَ جِبْرِيلُ لِلْمَلَائِكَةِ فِي لَيْلَةِ الْمِعْرَاجِ لَمّا اسْتَفْتَحَ بَابَ السّمَاءِ فَسَأَلُوهُ مَنْ ؟ فَقَالَ جِبْرِيلُ . وَاسْتَمَرّ ذَلِكَ فِي كُلّ سَمَاءٍ سَمَاءٍ . وَكَذَلِكَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " لَمّا جَلَسَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْبُسْتَانِ وَجَاءَ أَبُو بَكْر ٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَاسْتَأْذَنَ فَقَالَ مَنْ ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ، ثُمّ جَاءَ عُمَرُ ، فَاسْتَأْذَنَ فَقَالَ مَنْ ؟ قَالَ عُمَرُ ثُمّ عُثْمَان ُ كَذَلِك [ ص 394 ] الصّحِيحَيْنِ " ، عَنْ جَابِرٍ ، أَتَيْتُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَدَقَقْتُ الْبَابَ فَقَالَ " مَنْ ذَا ؟ " فَقُلْت : أَنَا ، فَقَالَ " أَنَا أَنَا " ، كَأَنّهُ كَرِهَهَا وَلَمّا اسْتَأْذَنَتْ أُمّ هَانِئٍ ، قَالَ لَهَا : " مَنْ هَذِهِ ؟ " قَالَتْ أُمّ هَانِئٍ فَلَمْ يَكْرَهْ ذِكْرَهَا الْكُنْيَةَ وَكَذَلِكَ لَمّا قَالَ لِأَبِي ذَرّ : " مَنْ هَذَا ؟ " قَالَ أَبُو ذَر وَكَذَلِكَ لَمّا قَالَ لِأَبِي قَتَادَةَ " مَنْ هَذَا ؟ " قَالَ أَبُو قَتَادَةَ
فَصْلٌ [ رَسُولُ الرّجُلِ إلَى الرّجُلِ إذْنُهُ ]
أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ حَدِيثِ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : رَسُولُ الرّجُلِ إلَى الرّجُلِ إذْنُهُ وَفِي لَفْظٍ إذَا دُعِيَ أَحَدُكُمْ إلَى طَعَامٍ ، ثُمّ جَاءَ مَعَ الرّسُولِ فَإِنّ ذَلِكَ إذْنٌ لَهُ وَهَذَا الْحَدِيثُ فِيهِ مَقَالٌ قَالَ أَبُو عَلِيّ اللّؤْلُؤِيّ : [ ص 395 ] أَبَا دَاوُدَ يَقُولُ قَتَادَةُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِي رَافِعٍ . وَقَالَ الْبُخَارِيّ فِي " صَحِيحِهِ " : وَقَالَ سَعِيدٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " هُوَ إذْنُهُ " فَذَكَرَهُ تَعْلِيقًا لِأَجْلِ الِانْقِطَاعِ فِي إسْنَادِهِ . وَذَكَرَ الْبُخَارِيّ فِي هَذَا الْبَابِ حَدِيثًا يَدُلّ عَلَى أَنّ اعْتِبَارَ الِاسْتِئْذَانِ بَعْدَ الدّعْوَةِ وَهُوَ حَدِيثُ مُجَاهِدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ دَخَلْتُ مَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَوَجَدْتُ لَبَنًا فِي قَدَحٍ فَقَالَ اذْهَبْ إلَى أَهْلِ الصّفّةِ فَادْعُهُمْ إلَيّ " قَالَ فَأَتَيْتُهُمْ فَدَعَوْتُهُمْ فَأَقْبَلُوا ، فَاسْتَأْذَنُوا ، فَأَذِنَ لَهُمْ فَدَخَلُوا وَقَدْ قَالَتْ طَائِفَةٌ بِأَنّ الْحَدِيثَيْنِ عَلَى حَالَيْنِ فَإِنْ جَاءَ الدّاعِي عَلَى الْفَوْرِ مِنْ غَيْرِ تَرَاخٍ لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِئْذَانٍ وَإِنْ تَرَاخَى مَجِيئُهُ عَنْ الدّعْوَةِ وَطَالَ الْوَقْتُ احْتَاجَ إلَى اسْتِئْذَانٍ . وَقَالَ آخَرُونَ إنْ كَانَ عِنْدَ الدّاعِي مَنْ قَدْ أَذِنَ لَهُ قَبْلَ مَجِيءِ الْمَدْعُوّ لَمْ يَحْتَجْ إلَى اسْتِئْذَانٍ آخَرَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ مَنْ قَدْ أَذِنَ لَهُ لَمْ يَدْخُلْ حَتّى يَسْتَأْذِنَ . وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا دَخَلَ إلَى مَكَانٍ يُحِبّ الِانْفِرَادَ فِيهِ أَمَرَ مَنْ يُمْسِكُ الْبَابَ فَلَمْ يَدْخُلْ عَلَيْهِ أَحَدٌ إلّا بِإِذْنٍ .
فَصْلٌ [ اسْتِئْذَانُ الْمَمَالِيكِ وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ فِي الْعَوْرَاتِ الثّلَاثِ ]
وَأَمّا الِاسْتِئْذَانُ الّذِي أَمَرَ اللّهُ بِهِ الْمَمَالِيكَ وَمَنْ لَمْ يَبْلُغْ الْحُلُمَ فِي الْعَوْرَاتِ الثّلَاثِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَوَقْتَ الظّهِيرَةِ وَعِنْدَ النّوْمِ فَكَانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَأْمُرُ بِهِ وَيَقُولُ تَرَكَ النّاسُ الْعَمَلَ بِهَا ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ وَلَمْ تَأْتِ بِحُجّةٍ . [ ص 396 ] وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أَمْرُ نَدْبٍ وَإِرْشَادٍ لَا حَتْمٍ وَإِيجَابٍ وَلَيْسَ مَعَهَا مَا يَدُلّ عَلَى صَرْفِ الْأَمْرِ عَنْ ظَاهِرِهِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ الْمَأْمُورُ بِذَلِكَ النّسَاءُ خَاصّةً وَأَمّا الرّجَالُ فَيَسْتَأْذِنُونَ فِي جَمِيعِ الْأَوْقَاتِ وَهَذَا ظَاهِرُ الْبُطْلَانِ فَإِنّ جَمْعَ " الّذِينَ " لَا يَخْتَصّ بِهِ الْمُؤَنّثُ وَإِنْ جَازَ إطْلَاقُهُ عَلَيْهِنّ مَعَ الذّكُورِ تَغْلِيبًا . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ عَكْسَ هَذَا : إنّ الْمَأْمُورَ بِذَلِكَ الرّجَالُ دُونَ النّسَاءِ نَظَرًا إلَى لَفْظِ " الّذِينَ " فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَلَكِنْ سِيَاقُ الْآيَةِ يَأْبَاهُ فَتَأَمّلْهُ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ كَانَ الْأَمْرُ بِالِاسْتِئْذَانِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ لِلْحَاجَةِ ثُمّ زَالَتْ وَالْحُكْمُ إذَا ثَبَتَ بِعِلّةٍ زَالَ بِزَوَالِهَا ، فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " أَنّ نَفَرًا مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ قَالُوا لِابْنِ عَبّاسٍ يَا ابْنَ عَبّاسٍ كَيْفَ تَرَى هَذِهِ الْآيَةَ الّتِي أُمِرْنَا فِيهَا بِمَا أُمِرْنَا ، وَلَا يَعْمَلُ بِهَا أَحَدٌ { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } الْآيَةُ [ النّورُ 58 ] . فَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : إنّ اللّهَ حَكِيمٌ رَحِيمٌ بِالْمُؤْمِنِينَ يُحِبّ السّتْرَ ، وَكَانَ النّاسُ لَيْسَ لِبُيُوتِهِمْ سُتُورٌ وَلَا حِجَالٌ فَرُبّمَا دَخَلَ الْخَادِمُ أَوْ الْوَلَدُ أَوْ يَتِيمَةُ الرّجُلِ وَالرّجُلُ عَلَى أَهْلِهِ فَأَمَرَهُمْ اللّهُ بِالِاسْتِئْذَانِ فِي تِلْكَ الْعَوْرَاتِ فَجَاءَهُمْ اللّهُ بِالسّتُورِ وَالْخَيْرِ فَلَمْ أَرَ أَحَدًا يَعْمَلُ بِذَلِكَ بَعْدُ وَقَدْ أَنْكَرَ بَعْضُهُمْ ثُبُوتَ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ، وَطَعَنَ فِي عِكْرِمَةَ وَلَمْ يَصْنَعْ شَيْئًا ، وَطَعَنَ فِي عَمْرِو بْنِ أَبِي عَمْرٍو مَوْلَى الْمُطّلِبِ ، وَقَدْ احْتَجّ بِهِ صَاحِبَا الصّحِيحِ فَإِنْكَارُ هَذَا تَعَنّتٌ وَاسْتِبْعَادٌ لَا وَجْهَ لَهُ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ الْآيَةُ مُحْكَمَةٌ عَامّةٌ لَا مُعَارِضَ لَهَا وَلَا دَافِعَ وَالْعَمَلُ بِهَا وَاجِبٌ وَإِنْ تَرَكَهُ أَكْثَرُ النّاسِ . [ ص 397 ] كَانَ هُنَاكَ مَا يَقُومُ مَقَامَ الِاسْتِئْذَانِ مِنْ فَتْحِ بَابٍ فَتْحُهُ دَلِيلٌ عَلَى الدّخُولِ أَوْ رَفْعِ سِتْرٍ أَوْ تَرَدّدِ الدّاخِلِ وَالْخَارِجِ وَنَحْوِهِ أَغْنَى ذَلِكَ عَنْ الِاسْتِئْذَانِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مَا يَقُومُ مَقَامَهُ فَلَا بُدّ مِنْهُ وَالْحُكْمُ مُعَلّلٌ بِعِلّةٍ قَدْ أَشَارَتْ إلَيْهَا الْآيَةُ فَإِذَا وُجِدَتْ وُجِدَ الْحُكْمُ وَإِذَا انْتَفَتْ انْتَفَى ، وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَذْكَارِ الْعُطَاسِ
ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ اللّهَ يُحِبّ الْعُطَاسَ وَيَكْرَهُ التّثَاؤُبَ ، فَإِذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ وَحَمِدَ اللّهَ كَانَ حَقّا عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ سَمِعَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللّهُ ، وَأَمّا التّثَاؤُبُ فَإِنّمَا هُوَ مِنْ الشّيْطَانِ فَإِذَا تَثَاءَبَ أَحَدُكُمْ فَلْيَرُدّهُ مَا اسْتَطَاَع ، فَإِنّ أَحَدَكُمْ إذَا تَثَاءَبَ ضَحِكَ مِنْهُ الشّيْطَانُ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ . وَثَبَتَ عَنْهُ فِي " صَحِيحِهِ " : إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلّهِ وَلْيَقُلْ لَهُ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ يَرْحَمُكَ اللّهُ ، فَإِذَا قَالَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللّهُ ، فَلْيَقُلْ يَهْدِيكُمْ اللّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُمْ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ أَنَسٍ : أَنّهُ عَطَسَ عِنْدَهُ رَجُلَانِ فَشَمّتَ أَحَدَهُمَا ، وَلَمْ يُشَمّتْ الْآخَرَ فَقَال الّذِي لَمْ يُشَمّتْهُ عَطَسَ فُلَانٌ فَشَمّتَهُ وَعَطَسْتُ فَلَمْ تُشَمّتْنِي ، فَقَالَ هَذَا حَمِدَ اللّهَ وَأَنْتَ لَمْ تَحْمَدْ اللّهَ [ ص 398 ] وَثَبَتَ عَنْهُ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " : إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَحَمِدَ اللّهَ فَشَمّتُوهُ ، فَإِنْ لَمْ يَحْمَدْ اللّهَ فَلَا تُشَمّتُوهُ وَثَبَتَ عَنْهُ فِي " صَحِيحِهِ " : مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ حَقّ الْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتّ : إذَا لَقِيته ، فَسَلّمْ عَلَيْهِ وَإِذَا دَعَاكَ فَأَجِبْهُ وَإِذَا اسْتَنْصَحَكَ فَانْصَحْ لَهُ وَإِذَا عَطَسَ وَحَمِدَ اللّهَ فَشَمّتْهُ وَإِذَا مَرِضَ فَعُدْهُ وَإِذَا مَاتَ فَاتْبَعْهُ وَرَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَقُلْ الْحَمْدُ لِلّهِ عَلَى كُلّ حَالٍ وَلْيَقُلْ أَخُوهُ أَوْ صَاحِبُهُ يَرْحَمُكَ اللّهُ ، وَلْيَقُلْ هُوَ يَهْدِيكُمْ اللّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُم وَرَوَى التّرْمِذِي ّ ، أَنّ رَجُلًا عَطَسَ عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ ، فَقَالَ الْحَمْدُ لِلّهِ وَالسّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ . فَقَال ابْنُ عُمَرَ وَأَنَا أَقُولُ الْحَمْدُ لِلّهِ وَالسّلَامُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَيْسَ هَكَذَا عَلّمَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَكِنْ عَلّمَنَا أَنْ نَقُولَ الْحَمْدُ لِلّهِ عَلَى كُلّ حَال [ ص 399 ] وَذَكَرَ مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنْ ابْنِ عُمَرَ " كَانَ إذَا عَطَسَ فَقِيلَ لَهُ يَرْحَمُكَ اللّه ، قَالَ يَرْحَمُنَا اللّهُ وَإِيّاكُمْ وَيَغْفِرُ لَنَا وَلَكُم
[ حُكْمُ التّشْمِيتِ ]
فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمَبْدُوءِ بِهِ أَنّ التّشْمِيتَ فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى كُلّ مَنْ سَمِعَ الْعَاطِسَ يَحْمَدُ اللّهَ وَلَا يُجْزِئُ تَشْمِيتُ الْوَاحِدِ عَنْهُمْ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الْعُلَمَاءِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ ، وَأَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيّ الْمَالِكِيّانِ ، وَلَا دَافِعَ لَهُ .
[ لَيْسَ مَحَلّ السّلَامِ عِنْدَ الْعُطَاسِ ]
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ : أَنّ رَجُلًا عَطَسَ عِنْدَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ السّلَامُ عَلَيْكُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعَلَيْكَ السّلَامُ وَعَلَى أُمّك َ " ثُمّ قَالَ " إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيَحْمَدْ اللّهَ " قَالَ فَذَكَرَ بَعْضَ الْمَحَامِدِ وَلْيَقُلْ لَهُ مَنْ عِنْدَهُ يَرْحَمُكَ اللّهُ ، وَلْيَرُدّ - يَعْنِي عَلَيْهِمْ - يَغْفِرُ اللّهُ لَنَا وَلَكُم وَفِي السّلَامِ عَلَى أُمّ هَذَا الْمُسَلّمِ نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ وَهِيَ إشْعَارُهُ بِأَنّ سَلَامَهُ قَدْ وَقَعَ فِي غَيْرِ مَوْقِعِهِ اللّائِقِ بِهِ كَمَا وَقَعَ هَذَا السّلَامُ عَلَى أُمّهِ فَكَمَا أَنّ سَلَامَهُ هَذَا فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ كَذَلِكَ سَلَامُهُ هُوَ .
[ مَعَانِي كَلِمَةِ أُمّي ]
وَنُكْتَةٌ أُخْرَى أَلْطَفُ مِنْهَا ، وَهِيَ تَذْكِيرُهُ بِأُمّهِ وَنَسَبِهِ إلَيْهَا ، فَكَأَنّهُ أُمّيّ مَحْضٌ [ ص 400 ] أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي الْأُمّيّ أَنّهُ الْبَاقِي عَلَى نِسْبَتِهِ إلَى الْأُمّ . وَأَمّا النّبِيّ الْأُمّيّ : فَهُوَ الّذِي لَا يُحِسنُ الْكِتَابَةَ وَلَا يَقْرَأُ الْكِتَابَ . وَأَمّا الْأُمّيّ الّذِي لَا تَصِحّ الصّلَاةُ خَلْفَهُ فَهُوَ الّذِي لَا يُصَحّحُ الْفَاتِحَةَ وَلَوْ كَانَ عَالِمًا بِعُلُومٍ كَثِيرَةٍ . وَنَظِيرُ ذِكْرِ الْأُمّ هَاهُنَا ذِكْرُ هَنِ الْأَبِ لِمَنْ تَعَزّى بِعَزَاءِ الْجَاهِلِيّةِ فَيُقَالُ لَهُ اعضُضْ هَنَ أَبِيكَ وَكَانَ ذِكْرُ هَنِ الْأَبِ هَاهُنَا أَحْسَنَ تَذْكِيرًا لِهَذَا الْمُتَكَبّرِ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ بِالْعُضْوِ الّذِي خَرَجَ مِنْهُ وَهُوَ هَنُ أَبِيهِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَعَدّى طَوْرَهُ كَمَا أَنّ ذِكْرَ الْأُمّ هَاهُنَا أَحْسَنُ تَذْكِيرًا لَهُ بِأَنّهُ بَاقٍ عَلَى أُمّيّتِهِ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ بِمُرَادِ رَسُولِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
[ عِلّةُ الْحَمْدِ بَعْدَ الْعُطَاسِ ]
[ مَعْنَى التّشْمِيتِ ]
وَلَمّا كَانَ الْعَاطِسُ قَدْ حَصَلَتْ لَهُ بِالْعُطَاسِ نِعْمَةٌ وَمَنْفَعَةٌ بِخُرُوجِ الْأَبْخِرَةِ الْمُحْتَقِنَةِ فِي دِمَاغِهِ الّتِي لَوْ بَقِيَتْ فِيهِ أَحْدَثَتْ لَهُ أَدْوَاءً عَسِرَةً شُرِعَ لَهُ حَمْدُ اللّهِ عَلَى هَذِهِ النّعْمَةِ مَعَ بَقَاءِ أَعْضَائِهِ عَلَى الْتِئَامِهَا وَهَيْئَتِهَا بَعْدَ هَذِهِ الزّلْزَلَةِ الّتِي هِيَ لِلْبَدَنِ كَزَلْزَلَةِ الْأَرْضِ لَهَا ، وَلِهَذَا يُقَالُ سَمّتَهُ وَشَمّتَهُ بِالسّينِ وَالشّينِ فَقِيلَ هُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ وَغَيْرُهُ . قَالَ وَكُلّ دَاعٍ بِخَيْرٍ فَهُوَ مُشَمّتٌ وَمُسَمّتٌ . وَقِيلَ بِالْمُهْمَلَةِ دُعَاءٌ لَهُ بِحُسْنِ السّمْتِ وَبِعَوْدِهِ إلَى حَالَتِهِ مِنْ السّكُونِ وَالدّعَةِ فَإِنّ الْعُطَاسَ يُحْدِثُ فِي الْأَعْضَاءِ حَرَكَةً وَانْزِعَاجًا . وَبِالْمُعْجَمَةِ دُعَاءٌ لَهُ بِأَنْ يَصْرِفَ اللّهُ عَنْهُ مَا يُشَمّتُ بِهِ أَعْدَاءَهُ فَشَمّتَهُ إذَا أَزَالَ عَنْهُ الشّمَاتَةَ " ك " قَرّدَ الْبَعِيرَ إذَا أَزَالَ [ ص 401 ] وَقِيلَ هُوَ دُعَاءٌ لَهُ بِثَبَاتِهِ عَلَى قَوَائِمِهِ فِي طَاعَةِ اللّهِ مَأْخُوذٌ مِنْ الشّوَامِتِ وَهِيَ الْقَوَائِمُ . وَقِيلَ هُوَ تَشْمِيتٌ لَهُ بِالشّيْطَانِ لِإِغَاظَتِهِ بِحَمْدِ اللّهِ عَلَى نِعْمَةِ الْعُطَاسِ وَمَا حَصَلَ لَهُ بِهِ مِنْ مُحَابّ اللّهِ فَإِنّ اللّهَ يُحِبّهُ فَإِذَا ذَكَرَ الْعَبْدُ اللّهَ وَحَمِدَهُ سَاءَ ذَلِكَ الشّيْطَانُ مِنْ وُجُوهٍ مِنْهَا : نَفْسُ الْعُطَاسِ الّذِي يُحِبّهُ اللّهُ وَحَمْدُ اللّهِ عَلَيْهِ وَدُعَاءُ الْمُسْلِمِينَ لَهُ بِالرّحْمَةِ وَدُعَاؤُهُ لَهُمْ بِالْهِدَايَةِ وَإِصْلَاحُ الْبَالِ وَذَلِك كُلّهُ غَائِظٌ لِلشّيْطَانِ مُحْزِنٌ لَهُ فَتَشْمِيتُ الْمُؤْمِنِ بِغَيْظِ عَدُوّهِ وَحُزْنِهِ وَكَآبَتِهِ فَسُمّيَ الدّعَاءُ لَهُ بِالرّحْمَةِ تَشْمِيتًا لَهُ لِمَا فِي ضِمْنِهِ مِنْ شَمَاتَتِهِ بِعَدُوّهِ وَهَذَا مَعْنًى لَطِيفٌ إذَا تَنَبّهَ لَهُ الْعَاطِسُ وَالْمُشَمّتُ انْتَفَعَا بِهِ وَعَظُمَتْ عِنْدَهُمَا مَنْفَعَةُ نِعْمَةِ الْعُطَاسِ فِي الْبَدَنِ وَالْقَلْبِ وَتَبَيّنَ السّرّ فِي مَحَبّةِ اللّهِ لَهُ فَلِلّهِ الْحَمْدُ الّذِي هُوَ أَهْلُهُ كَمَا يَنْبَغِي لِكَرِيمِ وَجْهِهِ وَعِزّ جَلَالِهِ .
==============================ج777777777777777777777777=========
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : زاد المعاد في هَدْي خير العباد
المؤلف : محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
فَصْلٌ [ آدَابُ الْعُطَاسِ ]
وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْعُطَاسِ مَا ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُد َ وَالتّرْمِذِيّ ، عَن ْ أَبِي هُرَيْرَةَ : كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا عَطَسَ وَضَعَ يَدَهُ أَوْ ثَوْبَهُ عَلَى فِيهِ وَخَفَضَ أَوْ غَضّ بَهْ صَوْتَه قَالَ التّرْمِذِيّ : حَدِيثٌ صَحِيحٌ . وَيُذْكَرُ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ التَثَاؤُبَ الشّدِيدَ وَالْعَطْسَةَ الشّدِيدَةَ مِنْ الشّيْطَانِ وَيُذْكَرُ عَنْهُ إنّ اللّهَ يَكْرَهُ رَفْعَ الصّوْتِ بِالتّثَاؤُبِ وَالْعُطَاسِ [ ص 402 ]
[ مَتَى يُقْطَعُ التّشْمِيتُ ]
وَصَحّ عَنْهُ إنّهُ عَطَسَ عِنْدَهُ رَجُلٌ فَقَالَ لَهُ " يَرْحَمُكَ اللّهُ " . ثُمّ عَطَسَ أُخْرَى ، فَقَالَ الرّجُلُ مَزْكُومٌ . هَذَا لَفْظُ مُسْلِمٍ أَنّهُ قَالَ فِي الْمَرّةِ الثّانِيَةِ وَأَمّا التّرْمِذِيّ : فَقَالَ فِيهِ عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ : عَطَسَ رَجُلٌ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَنَا شَاهِدٌ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " يَرْحَمُكَ اللّهُ " ، ثُمّ عَطَسَ الثّانِيَةَ وَالثّالِثَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " هَذَا رَجُلٌ مَزْكُومٌ . قَالَ التّرْمِذِيّ : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَوْقُوفًا عَلَيْهِ شَمّتْ أَخَاكَ ثَلَاثًا ، فَمَا زَادَ ، فَهُوَ زُكَامٌ وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ سَعِيدٍ قَالَ لَا أَعْلَمُهُ إلّا أَنّهُ رَفَعَ الْحَدِيثَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَعْنَاهُ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ انْتَهَى . وَمُوسَى بْنُ قَيْسٍ هَذَا الّذِي رَفَعَهُ هُوَ الْحَضْرَمِيّ الْكُوفِيّ يُعْرَفُ بِعُصْفُورِ الْجَنّةِ . قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ : ثِقَةٌ . وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرّازِيّ : لَا بَأْسَ بِهِ . وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ عُبَيْدِ بْنِ رِفَاعَةَ الزّرَقِيّ ، عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ تُشَمّتُ الْعَاطِسَ ثَلَاثًا ، فَإِنْ شِئْتَ فَشَمّتْهُ وَإِنْ شِئْتَ فَكُف وَلَكِنْ لَهُ عِلّتَانِ إحْدَاهُمَا : إرْسَالُهُ فَإِنّ عُبَيْدًا هَذَا لَيْسَتْ لَهُ صُحْبَةٌ وَالثّانِيَةُ أَنّ فِيهِ أَبَا خَالِدٍ يَزِيدَ بْنَ عَبْدِ الرّحْمَن ِ الدّالَانِيّ ، وَقَدْ تُكُلّمَ فِيهِ . [ ص 403 ] أَبِي هُرَيْرَةَ يَرْفَعُهُ إذَا عَطَسَ أَحَدُكُمْ فَلْيُشَمّتْهُ جَلِيسُهُ فَإِنْ زَادَ عَلَى الثّلَاثَةِ فَهُوَ مَزْكُومٌ وَلَا تُشَمّتْهُ بَعْدَ الثّلَاثِ وَهَذَا الْحَدِيثُ هُوَ حَدِيثُ أَبِي دَاوُدَ الّذِي قَالَ فِيهِ رَوَاهُ أَبُو نُعَيْمٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ قَيْسٍ ، عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَجْلَانَ ، عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهُوَ حَدِيثٌ حَسَنٌ . فَإِنْ قِيلَ إذَا كَانَ بَهْ زُكَامٌ فَهُوَ أَوْلَى أَنْ يُدْعَى لَهُ مِمّنْ لَا عِلّةَ بِهِ ؟ قِيلَ يُدْعَى لَهُ كَمَا يُدْعَى لِلْمَرِيضِ وَمَنْ بِهِ دَاءٌ وَوَجَعٌ . وَأَمّا سُنّةُ الْعُطَاسِ الّذِي يُحِبّهُ اللّهُ وَهُوَ نِعْمَةٌ وَيَدُلّ عَلَى خِفّةِ الْبَدَنِ وَخُرُوجِ الْأَبْخِرَةِ الْمُحْتَقِنَةِ فَإِنّمَا يَكُونُ إلَى تَمَامِ الثّلَاثِ وَمَا زَادَ عَلَيْهَا يُدْعَى لِصَاحِبِهِ بِالْعَافِيَةِ . وَقَوْلُهُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الرّجُلُ مَزْكُومٌ تَنْبِيهٌ عَلَى الدّعَاءِ لَهُ بِالْعَافِيَةِ لِأَنّ الزّكْمَةَ عِلّةٌ وَفِيهِ اعْتِذَارٌ مِنْ تَرْكِ تَشْمِيتِهِ بَعْدَ الثّلَاثِ وَفِيهِ تَنْبِيهٌ لَهُ عَلَى هَذِهِ الْعِلّةِ لِيَتَدَارَكَهَا وَلَا يُهْمِلُهَا ، فَيَصْعُبُ أَمْرُهَا ، فَكَلَامُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كُلّهُ حِكْمَةٌ وَرَحْمَةٌ وَعِلْمٌ وَهُدًى .
[ هَلْ التّشْمِيتُ عَلَى مَنْ سَمِعَ حَمْدَ الْعَاطِسِ ] ؟
وَقَدْ اخْتَلَفَ النّاسُ فِي مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا : أَنّ الْعَاطِسَ إذَا حَمِدَ اللّهَ فَسَمِعَهُ بَعْضُ الْحَاضِرِينَ دُونَ بَعْضٍ هَلْ يُسَنّ لِمَنْ لَمْ يَسْمَعْهُ تَشْمِيتُهُ ؟ فِيهِ قَوْلَانِ وَالْأَظْهَرُ أَنّهُ يُشَمّتُهُ إذَا تَحَقّقَ أَنّهُ حَمِدَ اللّهَ وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ سَمَاعَ الْمُشَمّتِ لِلْحَمْدِ وَإِنّمَا الْمَقْصُودُ نَفْسُ حَمْدِهِ فَمَتَى تَحَقّقَ تَرَتّبَ عَلَيْهِ التّشْمِيتُ كَمَا لَوْ كَانَ الْمُشَمّتُ أَخْرَسَ وَرَأَى حَرَكَةَ شَفَتَيْهِ بِالْحَمْدِ . وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ فَإِنْ حَمِدَ اللّهَ فَشَمّتُوهُ هَذَا هُوَ الصّوَابُ .
[ هَلْ يُسْتَحَبّ تَذْكِيرُ الْعَاطِسِ بِالْحَمْدِ ]
الثّانِيَةُ إذَا تَرَكَ الْحَمْدَ فَهَلْ يُسْتَحَبّ لِمَنْ حَضَرَهُ أَنْ يُذَكّرَهُ الْحَمْدَ ؟ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيّ : لَا يُذَكّرُهُ قَالَ وَهَذَا جَهْلٌ مِنْ فَاعِلِهِ . وَقَالَ النّوَوِيّ : أَخْطَأَ مَنْ زَعَمَ [ ص 404 ] إبْرَاهِيمَ النّخَعِيّ . قَالَ وَهُوَ مِنْ بَابِ النّصِيحَةِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالتّعَاوُنِ عَلَى الْبِرّ وَالتّقْوَى ، وَظَاهِرُ السّنّةِ يُقَوّي قَوْلَ ابْنِ الْعَرَبِيّ لِأَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يُشَمّتْ الّذِي عَطَسَ وَلَمْ يَحْمَدْ اللّهَ وَلَمْ يُذَكّرْهُ وَهَذَا تَعْزِيرٌ لَهُ وَحِرْمَانٌ لِبَرَكَةِ الدّعَاءِ لَمّا حَرَمَ نَفْسَهُ بَرَكَةَ الْحَمْدِ فَنَسِيَ اللّهَ فَصَرَفَ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَلْسِنَتَهُمْ عَنْ تَشْمِيتِهِ وَالدّعَاءِ لَهُ وَلَوْ كَانَ تَذْكِيرُهُ سُنّةً لَكَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَوْلَى بِفِعْلِهَا وَتَعْلِيمِهَا ، وَالْإِعَانَةِ عَلَيْهَا .
فَصْلٌ [ الرّدّ عَلَى مَنْ عَطَسَ مِنْ الْيَهُودِ ]
وَصَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ الْيَهُودَ كَانُوا يَتَعَاطَسُونَ عِنْدَهُ يَرْجُونَ أَنْ يَقُولَ لَهُمْ يَرْحَمُكُمْ اللّهُ فَكَانَ يَقُولُ يَهْدِيكُمْ اللّهُ وَيُصْلِحُ بَالَكُم
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَذْكَارِ السّفَرِ وَآدَابِهِ
[ الِاسْتِخَارَةُ ]
صَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ إذَا هَمّ أَحَدُكُمْ بِالْأَمْرِ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ الْفَرِيضَةِ ثُمّ لْيَقُلْ اللّهُمّ إنّي أَسْتَخِيرُك بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ وَأَسْأَلُكَ مِنْ فَضْلِكَ الْعَظِيمِ فَإِنّكَ تَقْدِرُ وَلَا أَقْدِرُ وَتَعْلَمُ وَلَا أَعْلَمُ وَأَنْتَ عَلّامُ الْغُيُوبِ اللّهُمّ إنْ كُنْتَ تَعْلَمُ أَنّ هَذَا الْأَمْرَ خَيْرٌ لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي ، وَعَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاقْدُرْهُ لِي ، وَيَسّرْهُ لِي ، وَبَارِكْ لِي فِيهِ وَإِنْ كُنْتَ تَعْلَمُهُ شَرّا لِي فِي دِينِي وَمَعَاشِي ، وَعَاجِلِ أَمْرِي وَآجِلِهِ فَاصْرِفْهُ عَنّي ، وَاصْرِفْنِي عَنْهُ وَاقْدُرْ لِيَ الْخَيْرَ حَيْثُ كَانَ ثُمّ رَضّنِي بِهِ " قَالَ وَيُسَمّي حَاجَتَهُ قَالَ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ . [ ص 405 ] فَعَوّضَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُمّتَهُ بِهَذَا الدّعَاءِ عَمّا كَانَ عَلَيْهِ أَهْلُ الْجَاهِلِيّةِ مِنْ زَجْرِ الطّيْرِ وَالِاسْتِقْسَامِ بِالْأَزْلَامِ الّذِي نَظِيرُهُ هَذِهِ الْقُرْعَةُ الّتِي كَانَ يَفْعَلُهَا إخْوَانُ الْمُشْرِكِينَ يَطْلُبُونَ بِهَا عِلْمَ مَا قُسِمَ لَهُمْ فِي الْغَيْبِ وَلِهَذَا سُمّيَ ذَلِكَ اسْتِقْسَامًا ، وَهُوَ اسْتِفْعَالٌ مِنْ الْقَسْمِ وَالسّينُ فِيهِ لِلطّلَبِ وَعَوّضَهُمْ بِهَذَا الدّعَاءِ الّذِي هُوَ تَوْحِيدٌ وَافْتِقَارٌ وَعُبُودِيّةٌ وَتَوَكّلٌ وَسُؤَالٌ لِمَنْ بِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلّهُ الّذِي لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إلّا هُوَ وَلَا يَصْرِفُ السّيّئَاتِ إلّا هُوَ الّذِي إِذَا فَتَحَ لِعَبْدِهِ رَحْمَةً لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ حَبْسَهَا عَنْهُ وَإِذَا أَمْسَكَهَا لَمْ يَسْتَطِعْ أَحَدٌ إرْسَالَهَا إلَيْهِ مِنْ التّطَيّرِ وَالتّنْجِيمِ وَاخْتِيَارِ الطّالِعِ وَنَحْوِهِ . فَهَذَا الدّعَاءُ هُوَ الطّالِعُ الْمَيْمُونُ السّعِيدُ طَالِعُ أَهْلِ السّعَادَةِ وَالتّوْفِيقِ الّذِينَ سَبَقَتْ لَهُمْ مِنْ اللّهِ الْحُسْنَى ، لَا طَالِعُ أَهْلِ الشّرْكِ وَالشّقَاءِ وَالْخِذْلَانِ الّذِينَ يَجْعَلُونَ مَعَ اللّهِ إلَهًا آخَرَ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ . فَتَضَمّنَ هَذَا الدّعَاءُ الْإِقْرَارَ بِوُجُودِهِ سُبْحَانَهُ وَالْإِقْرَارَ بِصِفَاتِ كَمَالِهِ مِنْ كَمَالِ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ وَالْإِقْرَارَ بِرُبُوبِيّتِهِ وَتَفْوِيضَ الْأَمْرِ إلَيْهِ وَالِاسْتِعَانَةَ بِهِ وَالتّوَكّلَ عَلَيْهِ وَالْخُرُوجَ مِنْ عُهْدَةِ نَفْسِهِ وَالتّبَرّي مِنْ الْحَوْلِ وَالْقُوّةِ إلّا بِهِ وَاعْتِرَافَ الْعَبْدِ بِعَجْزِهِ عَنْ عِلْمِهِ بِمَصْلَحَةِ نَفْسِهِ وَقُدْرَتِهِ عَلَيْهَا ، وَإِرَادَتِهِ لَهَا ، وَأَنّ ذَلِكَ كُلّهُ بِيَدِ وَلِيّهِ وَفَاطِرِهِ وَإِلَهِهِ الْحَقّ . وَفِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ ، عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ مِنْ سَعَادَةِ ابْنِ آدَمَ اسْتِخَارَةُ اللّهِ وَرِضَاهُ بِمَا قَضَى اللّهُ وَمِنْ شَقَاوَةِ ابْنِ آدَمَ تَرْكُ اسْتِخَارَةِ اللّهِ وَسَخَطُهُ بِمَا قَضَى اللّهُ [ ص 406 ] فَتَأَمّلْ كَيْفَ وَقَعَ الْمَقْدُورُ مُكْتَنِفًا بِأَمْرَيْنِ التّوَكّلِ الّذِي هُوَ مَضْمُونُ الِاسْتِخَارَةِ قَبْلَهُ وَالرّضَى بِمَا يَقْضِي اللّهُ لَهُ بَعْدَهُ وَهُمَا عِنْوَانُ السّعَادَةِ . وَعِنْوَانُ الشّقَاءِ أَنْ يَكْتَنِفَهُ تَرْكُ التّوَكّلِ وَالِاسْتِخَارَةِ قَبْلَهُ وَالسّخَطُ بَعْدَهُ وَالتّوَكّلُ قَبْلَ الْقَضَاءِ . فَإِذَا أُبْرِمَ الْقَضَاءُ وَتَمّ انْتَقَلَتْ الْعُبُودِيّةُ إلَى الرّضَى بَعْدَهُ كَمَا فِي " الْمُسْنَدِ " ، وَزَادَ النّسَائِيّ فِي الدّعَاءِ الْمَشْهُورِ وَأَسْأَلُكَ الرّضَى بَعْدَ الْقَضَاءِ وَهَذَا أَبْلَغُ مِنْ الرّضَى بِالْقَضَاءِ فَإِنّهُ قَدْ يَكُونُ عَزْمًا فَإِذَا وَقَعَ الْقَضَاءُ تَنْحَلُ الْعَزِيمَةُ فَإِذَا حَصَلَ الرّضَى بَعْدَ الْقَضَاءِ كَانَ حَالًا أَوْ مَقَامًا . وَالْمَقْصُودُ أَنّ الِاسْتِخَارَةَ تَوَكّلٌ عَلَى اللّهِ وَتَفْوِيضٌ إلَيْهِ وَاسْتِقْسَامٌ بِقُدْرَتِهِ وَعِلْمِهِ وَحُسْنُ اخْتِيَارِهِ لِعَبْدِهِ وَهِيَ مِنْ لَوَازِمِ الرّضَى بِهِ رَبّا ، الّذِي لَا يَذُوقُ طَعْمَ الْإِيمَانِ مَنْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِك ، وَإِنْ رَضِيَ بِالْمَقْدُورِ بَعْدَهَا ، فَذَلِكَ عَلَامَةُ سَعَادَتِهِ . وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ لَمْ يُرِدْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَفَرًا قَطّ إلّا قَالَ حِينَ يَنْهَضُ مِنْ جُلُوسِهِ اللّهُمّ بِكَ انْتَشَرْتُ وَإِلَيْكَ تَوَجّهْتُ ، وَبِكَ اعْتَصَمْتُ وَعَلَيْكَ تَوَكّلْتُ اللّهُمّ أَنْتَ ثِقَتِي ، وَأَنْتَ رَجَائِي ، اللّهُمّ اكْفِنِي مَا أَهَمّنِي وَمَا لَا أَهْتَمّ لَهُ وَمَا أَنْتَ أَعْلَمُ بِهِ مِنّي ، عَزّ جَارُكَ وَجَلّ ثَنَاؤُكَ وَلَا إلَهَ غَيْرُكَ اللّهُمّ زَوّدْنِي التّقْوَى ، وَاغْفِرْ لِي ذَنْبِي ، وَوَجّهْنِي لِلْخَيْرِ أَيْنَمَا تَوَجّهْتُ ثُمّ يَخْرَجُ [ ص 407 ]
فَصْلٌ [ الذّكْرُ عِنْدَ رُكُوبِ الرّاحِلَةِ ]
وَكَانَ إِذَا رَكِبَ رَاحِلَتَهُ كَبّرَ ثَلَاثًا ، ثُمّ قَالَ سُبْحَانَ الّذِي سَخّرَ لَنَا هَذَا ، وَمَا كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنّا إلَى رَبّنَا لَمُنْقَلِبُونَ . ثُمّ يَقُولُ اللّهُمّ إنّي أَسْأَلُكَ فِي سَفَرِنَا هَذَا الْبِرّ وَالتّقْوَى ، وَمِنْ الْعَمَلِ مَا تَرْضَى ، اللّهُمّ هَوّنْ عَلَيْنَا سَفَرَنَا هَذَا ، وَاطْوِ عَنّا بُعْدَهُ اللّهُمّ أَنْتَ الصّاحِبُ فِي السّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ اللّهُمّ اصْحَبْنَا فِي سَفَرِنَا ، وَاخْلُفْنَا فِي أَهْلِنَا . وَإِذَا رَجَعَ قَالَهُنّ وَزَادَ فِيهِنّ آيِبُونَ تَائِبُونَ ، عَابِدُونَ لِرَبّنَا حَامِدُونَ . وَذَكَرَ أَحْمَدُ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ أَنْتَ الصّاحِبُ فِي السّفَرِ وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَهْلِ ، اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ الضّبْنَةِ فِي السّفَرِ وَالْكَآبَةِ فِي الْمُنْقَلَبِ اللّهُمّ اقْبِضْ لَنَا الْأَرْضَ وَهَوّنْ عَلَيْنَا السّفَرَ . وَإِذَا أَرَادَ الرّجُوعَ قَالَ آيِبُونَ تَائِبُونَ عَابِدُونَ لِرَبّنَا حَامِدُونَ . وَإِذَا دَخَلَ أَهْلَهُ قَالَ تَوْبًا تَوْبًا ، لِرَبّنَا أَوْبًا ، لَا يُغَادِرُ عَلَيْنَا حَوْبًا . وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " : أَنّهُ كَانَ إِذَا سَافَرَ يَقُولُ اللّهُمّ إنّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ وَعْثَاءِ السّفَرِ ، وَكَآبَةِ الْمُنْقَلَبِ وَمِنْ الْحَوْرِ بَعْدَ الْكَوْرِ وَمِنْ دَعْوَةِ الْمَظْلُومِ وَمِنْ سُوءِ الْمَنْظَرِ فِي الْأَهْلِ وَالْمَالِ . [ ص 408 ] فَصْلٌ وَكَانَ إِذَا وَضَعَ رِجْلَهُ فِي الرّكَابِ لِرُكُوبِ دَابّتِهِ قَالَ بِسْمِ اللّهِ فَإِذَا اسْتَوَى عَلَى ظَهْرِهَا ، قَالَ الْحَمْدُ لِلّهِ ثَلَاثًا اللّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا ، ثُمّ يَقُولُ سُبْحَانَ الّذِي سَخّرَ لَنَا هَذَا ، وَمَا كُنّا لَهُ مُقْرِنِينَ وَإِنّا إلَى رَبّنَا لَمُنْقَلِبُون ثُمّ يَقُولُ الْحَمْدُ لِلّه ثَلَاثًا ، اللّهُ أَكْبَرُ ثَلَاثًا ، ثُمّ يَقُولُ سُبْحَانَ اللّهِ ثَلَاثًا ، ثُمّ يَقُولُ لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إنّي كُنْتُ مِنْ الظّالِمِينَ سُبْحَانَكَ إنّي ظَلَمْتُ نَفْسِي ، فَاغْفِرْ لِي ، إنّهُ لَا يَغْفِرُ الذّنُوبَ إلّا أَنْتَ .
[ تَوْدِيعُ الْمُسَافِرِ ]
وَكَانَ إِذَا وَدّعَ أَصْحَابَهُ فِي السّفَرِ يَقُولُ لِأَحَدِهِمْ أَسْتَوْدِعُ اللّهَ دِينَكَ وَأَمَانَتَكَ وَخَوَاتِيمَ عَمَلِكَ . وَجَاءَ إلَيْهِ رَجُلٌ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي أُرِيدُ سَفَرًا ، فَزَوّدْنِي . فَقَالَ [ ص 409 ] زَوّدَكَ اللّهُ التّقْوَى . قَالَ زِدْنِي . قَالَ وَغَفَرَ لَكَ ذَنْبَكَ . قَالَ زِدْنِي . قَالَ وَيَسّرَ لَكَ الْخَيْرَ حَيْثُمَا كُنْت .
وَقَالَ لَهُ رَجُلٌ إنّي أُرِيدُ سَفَرًا ، فَقَالَ أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللّهِ وَالتّكْبِيرِ عَلَى كُلّ شَرَفٍ " فَلَمّا وَلّى ، قَالَ " اللّهُمّ ازْوِ لَهُ الْأَرْضَ وَهَوّنْ عَلَيْهِ السّفَرَ .
[ الذّكْرُ عِنْدَ عُلُوّ الثّنَايَا وَالْهُبُوطِ ]
وَكَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ إِذَا عَلَوْا الثّنَايَا ، كَبّرُوا ، وَإِذَا هَبَطُوا ، سَبّحُوا ، فَوُضِعَتْ الصّلَاةُ عَلَى ذَلِكَ . وَقَالَ أَنَسٌ كَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إِذَا عَلَا شَرَفًا مِنْ الْأَرْضِ أَوْ نَشْزًا ، قَالَ اللّهُمّ لَكَ الشّرَفُ عَلَى كُلّ شَرَفٍ ، وَلَكَ الْحَمْدُ عَلَى كُلّ حَمْدٍ
[ كَيْفِيّةُ السّيْرِ ]
وَكَانَ سَيْرُهُ فِي حَجّهِ الْعَنَقَ فَإِذَا وَجَدَ فَجْوَةً رَفَعَ السّيْرَ فَوْقَ ذَلِكَ وَكَانَ [ ص 410 ] لَا تَصْحَبُ الْمَلَائِكَةُ رُفْقَةً فِيهَا كَلْبٌ وَلَا جَرَس .
[ كَرَاهَةُ السّفَرِ وَحِيدًا ]
وَكَانَ يُكْرَهُ لِلْمُسَافِرِ وَحْدَهُ أَنْ يَسِيرَ بِاللّيْلِ فَقَالَ لَوْ يَعْلَمُ النّاسُ مَا فِي الْوَحْدَةِ مَا سَارَ أَحَدٌ وَحْدَهُ بِلَيْلٍ . بَلْ كَانَ يَكْرَهُ السّفَرَ لِلْوَاحِدِ بِلَا رُفْقَةٍ وَأَخْبَرَ أَنّ الْوَاحِدَ شَيْطَانٌ . وَالِاثْنَانِ شَيْطَانَانِ وَالثّلَاثَةُ رَكْبٌ
[ دُعَاءُ النّزُولِ ]
وَكَانَ يَقُولُ إِذَا نَزَلَ أَحَدُكُمْ مَنْزِلًا فَلْيَقُلْ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللّهِ التّامّاتِ مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ فَإِنّهُ لَا يَضُرّهُ شَيْءٌ حَتّى يَرْتَحِلَ مِنْهُ . وَلَفْظُ مُسْلِمٍ مَنْ نَزَلَ مَنْزِلًا ثُمّ قَالَ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللّهِ التّامّاتِ مِنْ شَرّ مَا خَلَقَ لَمْ يَضُرّهُ شَيْءٌ حَتّى يَرْتَحِلَ مِنْ مَنْزِلِهِ ذَلِكَ .
[ دُعَاءُ إدْرَاكِ الْمُسَافِرِ اللّيْلُ ]
وَذَكَرَ أَحْمَدُ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ إِذَا غَزَا أَوْ سَافَرَ فَأَدْرَكَهُ اللّيْلُ قَالَ يَا أَرْضُ رَبّي وَرَبّكِ اللّهُ ، أَعُوذُ بِاَللّهِ مِنْ شَرّكِ وَشَرّ مَا فِيكِ وَشَرّ مَا خُلِقَ فِيكِ وَشَرّ مَا دَبّ عَلَيْكِ أَعُوذُ بِاَللّهِ مِنْ شَرّ كُلّ أَسَدٍ وَأَسْوَدَ وَحَيّةٍ وَعَقْرَبٍ وَمِنْ شَرّ سَاكِنِ الْبَلَدِ وَمِنْ شَرّ وَالِدٍ وَمَا وَلَدَ . [ ص 411 ]
[ التّعْرِيسُ وَالسّفَرُ فِي الْخِصْبِ ]
وَكَانَ يَقُولُ إِذَا سَافَرْتُمْ فِي الْخِصْبِ فَأَعْطُوا الْإِبِلَ حَظّهَا مِنْ الْأَرْضِ وَإِذَا سَافَرْتُمْ فِي السّنَةِ فَبَادِرُوا نِقْيَهَا . وَفِي لَفْظٍ فَأَسْرِعُوا عَلَيْهَا السّيْرَ وَإِذَا عَرّسْتُمْ ، فَاجْتَنِبُوا الطّرِيقَ فَإِنّهَا طُرُقُ الدّوَابّ وَمَأْوَى الْهَوَامّ بِاللّيْلِ .
[ دُعَاءُ الدّخُولِ إلَى قَرْيَةٍ ]
وَكَانَ إِذَا رَأَى قَرْيَةً يُرِيدُ دُخُولَهَا قَالَ حِينَ يَرَاهَا : اللّهُمّ رَبّ السّمَاوَاتِ السّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ ، وَرَبّ الْأَرَضِينَ السّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ وَرَبّ الشّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ وَرَبّ الرّيحِ وَمَا ذَرَيْنَ إنّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا ، وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّهَا وَشَرّ مَا فِيهَا .
[ دُعَاءُ بُدُوّ الْفَجْرِ فِي السّفَرِ ]
وَكَانَ إِذَا بَدَا لَهُ الْفَجْرُ فِي السّفَرِ قَالَ سَمِعَ سَامِعٌ بِحَمْدِ اللّهِ وَحُسْنِ بَلَائِهِ عَلَيْنَا ، رَبّنَا صَاحِبْنَا وَأَفْضِلْ عَلَيْنَا عَائِذًا بِاَللّهِ مِنْ النّار [ ص 412 ] وَكَانَ يَنْهَى أَنْ يُسَافَرَ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوّ مَخَافَةَ أَنْ يَنَالَهُ الْعَدُوّ . وَكَانَ يَنْهَى الْمَرْأَةَ أَنْ تُسَافِرَ بِغَيْرِ مَحْرَمٍ وَلَوْ مَسَافَةَ بَرِيدٍ .
[ السّرْعَةُ فِي الْإِيَابِ ]
وَكَانَ يَأْمُرُ الْمُسَافِرَ إِذَا قَضَى نَهْمَتَهُ مِنْ سَفَرِهِ أَنْ يُعَجّلَ الْأَوْبَةَ إلَى أَهْلِهِ . [ ص 413 ]
[ دُعَاءُ الْإِيَابِ ]
وَكَانَ إِذَا قَفَلَ مِنْ سَفَرِهِ يُكَبّرُ عَلَى كُلّ شَرَفٍ مِنْ الْأَرْضِ ثَلَاثَ تَكْبِيرَاتٍ ثُمّ يَقُولُ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ آيِبُونَ تَائِبُونَ ، عَابِدُونَ لِرَبّنَا حَامِدُونَ صَدَقَ اللّهُ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ .
[ النّهْيُ عَنْ طُرُوقِ الْأَهْلِ لَيْلًا ]
وَكَانَ يَنْهَى أَنْ يَطْرُقَ الرّجُلُ أَهْلَهُ لَيْلًا إِذَا طَالَتْ غَيْبَتُهُ عَنْهُمْ . [ ص 414 ] الصّحِيحَيْنِ " : كَانَ لَا يَطْرُقُ أَهْلَهُ لَيْلًا يَدْخُلُ عَلَيْهِنّ غُدْوَةً أَوْ عَشِيّةً .
[ مَسَائِلُ تَتَعَلّقُ بِالْقُدُومِ مِنْ السّفَرِ ]
وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرِهِ يُلَقّى بِالْوِلْدَانِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ . قَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَعْفَرٍ وَإِنّهُ قَدِمَ مَرّةً مِنْ سَفَرٍ فَسُبِقَ بِي إلَيْهِ فَحَمَلَنِي بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمّ جِيءَ بِأَحَدِ ابْنَيْ فَاطِمَةَ إمّا حَسَنٌ وَإِمّا حُسَيْنٌ فَأَرْدَفَهُ خَلْفَهُ . قَالَ فَدَخَلْنَا الْمَدِينَةَ ثَلَاثَةً عَلَى دَابّةٍ . وَكَانَ يَعْتَنِقُ الْقَادِمَ مِنْ سَفَرِهِ وَيُقَبّلُهُ إِذَا كَانَ مِنْ أَهْلِهِ . قَالَ الزّهْرِيّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَدِمَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ الْمَدِينَةَ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي بَيْتِي ، فَأَتَاهُ فَقَرَعَ الْبَابَ فَقَامَ إلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عُرْيَانًا يَجُرّ ثَوْبَهُ وَاَللّهِ مَا رَأَيْتُهُ عُرْيَانًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ فَاعْتَنَقَهُ وَقَبّلَه . [ ص 415 ] قَالَتْ عَائِشَةُ لَمّا قَدِمَ جَعْفَرٌ وَأَصْحَابُهُ تَلَقّاهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَبّلَ مَعًا بَيْنَ عَيْنَيْهِ وَاعْتَنَقَهُ . قَالَ الشّعْبِيّ وَكَانَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إِذَا قَدِمُوا مِنْ سَفَرٍ تَعَانَقُوا . وَكَانَ إِذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ بَدَأَ بِالْمَسْجِدِ ، فَرَكَعَ فِيهِ رَكْعَتَيْن
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَذْكَارِ النّكَاحِ
ثَبَتَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ عَلّمَهُمْ خُطْبَةَ الْحَاجَةِ الْحَمْدُ لِلّهِ نَحْمَدُهُ وَنَسْتَعِينُهُ وَنَسْتَغْفِرُهُ ، وَنَعُوذُ بِاَللّهِ مِنْ شُرُورِ أَنْفُسِنَا ، وَسَيّئَاتِ أَعْمَالِنَا ، مَنْ يَهْدِ اللّهُ فَلَا مُضِلّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَأَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ ، وَأَشْهَدُ أَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ ثُمّ يَقْرَأُ الْآيَاتِ الثّلَاثَ { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ حَقّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنّ إِلّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ } [ آل عِمْرَانَ 102 ] ، { يَا أَيّهَا النّاسُ اتّقُوا رَبّكُمُ الّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتّقُوا اللّهَ الّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا } [ النّسَاءِ 1 ] { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا اتّقُوا اللّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا } [ الْأَحْزَابِ 70 - 71 ] . [ ص 416 ] قَالَ شُعْبَةُ : قُلْت لِأَبِي إسْحَاقَ هَذِهِ فِي خُطْبَةِ النّكَاحِ أَوْ فِي غَيْرِهَا ؟ قَالَ فِي كُلّ حَاجَةٍ . وَقَالَ إِذَا أَفَادَ أَحَدُكُمْ امْرَأَةً أَوْ خَادِمًا ، أَوْ دَابّةً فَلْيَأْخُذْ بِنَاصِيَتِهَا ، وَلْيَدْعُ اللّهَ بِالْبَرَكَةِ وَيُسَمّي اللّهَ عَزّ وَجَلّ وَلْيَقُلْ اللّهُمّ إنّي أَسْأَلُكَ خَيْرَهَا وَخَيْرَ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّهَا وَشَرّ مَا جُبِلَتْ عَلَيْهِ وَكَانَ يَقُولُ لِلْمُتَزَوّجِ بَارَكَ اللّهُ لَكَ وَبَارَكَ عَلَيْكَ وَجَمَعَ بَيْنَكُمَا فِي خَيْرٍ . [ ص 417 ] وَقَالَ لَوْ أَنّ أَحَدَكُمْ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَأْتِيَ أَهْلَهُ ، قَالَ بِسْمِ اللّهِ اللّهُمّ جَنّبْنَا الشّيْطَانَ وَجَنّبْ الشّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا ، فَإِنّهُ إنْ يُقَدّرْ بَيْنَهُمَا وَلَدٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَضُرّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيمَا يَقُولُ مَنْ رَأَى مَا يُعْجِبُهُ مِنْ أَهْلِهِ وَمَالِهِ
يُذْكَرُ عَنْ أَنَس ٍ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ مَا أَنْعَمَ اللّهُ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً فِي أَهْلٍ وَلَا مَالٍ أَوْ وَلَدٍ فَيَقُولُ مَا شَاءَ اللّهُ لَا قُوّةَ إلّا بِاَللّهِ فَيَرَى فِيهِ آفَةً دُونَ الْمَوْتِ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَلَوْلَا إِذْ دَخَلْتَ جَنّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللّهُ لَا قُوّةَ إِلّا بِاللّهِ } [ الْكَهْفِ 39 ] .
فَصْلٌ فِيمَا يَقُولُ مَنْ رَأَى مُبْتَلًى
صَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ مَا مِنْ رَجُلٍ رَأَى مُبْتَلًى فَقَالَ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي عَافَانِي مِمّا ابْتَلَاكَ بِهِ وَفَضّلَنِي عَلَى كَثِيرٍ مِمّنْ خَلَقَ تَفْضِيلًا إلّا لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ الْبَلَاءُ كَائِنًا مَا كَانَ [ ص 418 ]
فَصْلٌ فِيمَا يَقُولُهُ مَنْ لَحِقَتْهُ الطّيَرَةُ
ذُكِرَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ ذُكِرَتْ الطّيَرَةُ عِنْدَهُ فَقَالَ أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ وَلَا تَرُدّ مُسْلِمًا ، فَإِذَا رَأَيْتَ مِنْ الطّيَرَةِ مَا تَكْرَهُ فَقُلْ اللّهُمّ لَا يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إلّا أَنْتَ وَلَا يَدْفَعُ السّيّئَاتِ إلّا أَنْتَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِكَ وَكَانَ كَعْبٌ يَقُولُ اللّهُمّ لَا طَيْرَ إلّا طَيْرُكَ ، وَلَا خَيْرَ إلّا خَيْرُكَ وَلَا رَبّ غَيْرُكَ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِكَ وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنّهَا لَرَأْسُ التّوَكّلِ وَكَنْزُ الْعَبْدِ فِي الْجَنّةِ وَلَا يَقُولُهُنّ عَبْدٌ عِنْدَ ذَلِكَ ثُمّ يَمْضِي إلّا لَمْ يَضُرّهُ شَيْءٌ [ ص 419 ]
فَصْلٌ فِيمَا يَقُولُهُ مَنْ رَأَى فِي مَنَامِهِ مَا يَكْرَهُهُ
صَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الرّؤْيَا الصّالِحَةُ مِنْ اللّهِ وَالْحُلْمُ مِنْ الشّيْطَانِ ، فَمَنْ رَأَى رُؤْيَا يَكْرَهُ مِنْهَا شَيْئًا ، فَلْيَنْفُثْ عَنْ يَسَارِهِ ثَلَاثًا ، وَلْيَتَعَوّذْ بِاَللّهِ مِنْ الشّيْطَانِ فَإِنّهَا لَا تَضُرّهُ وَلَا يُخْبِرْ بِهَا أَحَدًا . وَإِنْ رَأَى رُؤْيَا حَسَنَةً فَلْيَسْتَبْشِرْ وَلَا يُخْبِرْ بِهَا إلّا مَنْ يُحِبّ و َأَمَرَ مَنْ رَأَى مَا يَكْرَهُهُ أَنْ يَتَحَوّلَ عَنْ جَنْبِهِ الّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُصَلّيَ فَأَمَرَهُ بِخَمْسَةِ أَشْيَاءَ أَنْ يَنْفُثَ عَنْ يَسَارِهِ وَأَنْ يَسْتَعِيذَ بِاَللّهِ مِنْ الشّيْطَانِ وَأَنْ لَا يُخْبِرَ بِهَا أَحَدًا ، وَأَنْ يَتَحَوّلَ عَنْ جَنْبِهِ الّذِي كَانَ عَلَيْهِ وَأَنْ يَقُومَ يُصَلّي ، وَمَتَى فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ تَضُرّهُ الرّؤْيَا الْمَكْرُوهَةُ بَلْ هَذَا يَدْفَعُ شَرّهَا . وَقَالَ الرّؤْيَا عَلَى رِجْلِ طَائِرٍ مَا لَمْ تُعَبّرْ ، فَإِذَا عُبّرَتْ وَقَعَتْ وَلَا يَقُصّهَا إلّا عَلَى وَادّ أَوْ ذِي رَأْي [ ص 420 ] وَكَانَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إِذَا قُصّتْ عَلَيْهِ الرّؤْيَا ، قَالَ اللّهُمّ إنْ كَانَ خَيْرًا فَلَنَا ، وَإِنْ كَانَ شَرّا ، فَلِعَدُوّنَا وَيُذْكَرُ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ عُرِضَتْ عَلَيْهِ رُؤْيَا ، فَلْيَقُلْ لِمَنْ عَرَضَ عَلَيْهِ خَيْرًا وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنّهُ كَانَ يَقُولُ لِلرّائِي قَبْلَ أَنْ يَعْبُرَهَا لَهُ خَيْرًا رَأَيْتَ ، ثُمّ يَعْبُرُهَا . وَذَكَرَ عَبْدُ الرّزّاقِ ، عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ أَيّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، قَالَ كَانَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَعْبُرَ رُؤْيَا ، قَالَ إنْ صَدَقَتْ رُؤْيَاكَ يَكُونُ كَذَا وَكَذَا
فَصْلٌ فِيمَا يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ مَنْ اُبْتُلِيَ بِالْوَسْوَاسِ وَمَا يَسْتَعِينُ بِهِ عَلَى الْوَسْوَسَةِ
رَوَى صَالِحُ بْنُ كَيْسَانَ ، عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ ، عَنْ [ ص 421 ] ابْنِ مَسْعُودٍ يَرْفَعُهُ إنّ لِلْمَلَكِ الْمُوَكّلِ بِقَلْبِ ابْنِ آدَمَ لَمّةً ، وَلِلشّيْطَانِ لَمّةً فَلَمّةُ الْمَلَكِ إيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقّ وَرَجَاءُ صَالِحِ ثَوَابِهِ . وَلَمّةُ الشّيْطَانِ إيعَادٌ بِالشّرّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقّ وَقُنُوطٌ مِنْ الْخَيْرِ فَإِذَا وَجَدْتُمْ لَمّةَ الْمَلَكِ فَاحْمَدُوا اللّهَ وَسَلُوهُ مِنْ فَضْلِهِ وَإِذَا وَجَدْتُمْ لَمّةَ الشّيْطَانِ فَاسْتَعِيذُوا بِاَللّهِ فَاسْتَغْفِرُوهُ وَقَالَ لَهُ عُثْمَانُ بْنُ أَبِي الْعَاصِ : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ الشّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلَاتِي وَقِرَاءَتِي ، قَالَ ذَاكَ شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خِنْزَبٌ ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوّذْ بِاَللّهِ مِنْهُ وَاتْفُلْ عَنْ يَسَارِكَ ثَلَاثًا وَشَكَا إلَيْهِ الصّحَابَةُ أَنّ أَحَدَهُمْ يَجِدُ فِي نَفْسِهِ - يُعَرّضُ بِالشّيْءِ - لِأَنْ يَكُونَ حُمَمَةً أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ أَنْ يَتَكَلّمَ بِهِ فَقَالَ اللّهُ أَكْبَرُ اللّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي رَدّ كَيْدَهُ إلَى الْوَسْوَسَةِ [ ص 422 ] وَأَرْشَدَ مَنْ بُلِيَ بِشَيْءٍ مِنْ وَسْوَسَةِ التّسَلْسُلِ فِي الْفَاعِلِينَ إِذَا قِيلَ لَهُ هَذَا اللّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللّهَ ؟ أَنْ يَقْرَأَ { هُوَ الْأَوّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } [ الْحَدِيدِ 3 ] . كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ لِأَبِي زُمَيْلٍ سِمَاكِ بْنِ الْوَلِيدِ الْحَنَفِي ّ وَقَدْ سَأَلَهُ مَا شَيْءٌ أَجِدُهُ فِي صَدْرِي ؟ قَالَ مَا هُوَ ؟ قَالَ قُلْتُ وَاَللّهِ لَا أَتَكَلّمُ بِهِ . قَالَ فَقَالَ لِي : أَشَيْءٌ مِنْ شَكّ ؟ قُلْتُ بَلَى ، فَقَالَ لِي : مَا نَجَا مِنْ ذَلِكَ أَحَدٌ ، حَتّى أَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ { فَإِنْ كُنْتَ فِي شَكّ مِمّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الّذِينَ يَقْرَءُونَ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكَ } [ يُونُسَ 94 ] قَالَ فَقَالَ لِي : فَإِذَا وَجَدْتَ فِي نَفْسِك شَيْئًا ، فَقُلْ { هُوَ الْأَوّلُ وَالْآخِرُ وَالظّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } فَأَرْشَدَهُمْ بِهَذِهِ الْآيَةِ إلَى بُطْلَانِ التّسَلْسُلِ الْبَاطِلِ بِبَدِيهَةِ الْعَقْلِ وَأَنّ سِلْسِلَةَ الْمَخْلُوقَاتِ فِي ابْتِدَائِهَا تَنْتَهِي إلَى أَوّلٍ لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ كَمَا تَنْتَهِي فِي آخِرِهَا إلَى آخِرٍ لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ كَمَا أَنّ ظُهُورَهُ هُوَ الْعُلُوّ الّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ وَبُطُونَهُ هُوَ الْإِحَاطَةُ الّتِي لَا يَكُونُ دُونَهُ فِيهَا شَيْءٌ وَلَوْ كَانَ قَبْلَهُ شَيْءٌ يَكُونُ مُؤَثّرًا فِيهِ لَكَانَ ذَلِكَ هُوَ الرّبّ الْخَلّاقُ وَلَا بُدّ أَنْ يَنْتَهِيَ الْأَمْرُ إلَى خَالِقٍ غَيْرِ مَخْلُوقٍ وَغَنِيّ عَنْ غَيْرِهِ وَكُلّ شَيْءٍ فَقِيرٌ إلَيْهِ قَائِمٌ بِنَفْسِهِ وَكُلّ شَيْءٍ قَائِمٌ بِهِ مَوْجُودٌ بِذَاتِهِ وَكُلّ شَيْءٍ مَوْجُودٌ بِهِ . قَدِيمٌ لَا أَوّلَ لَهُ وَكُلّ مَا سِوَاهُ فَوُجُودُهُ بَعْدَ عَدَمِهِ بَاقٍ بِذَاتِهِ وَبَقَاءُ كُلّ شَيْءٍ بِهِ فَهُوَ الْأَوّلُ الّذِي لَيْسَ قَبْلَهُ شَيْءٌ وَالْآخِرُ الّذِي لَيْسَ بَعْدَهُ شَيْءٌ الظّاهِرُ الّذِي لَيْسَ فَوْقَهُ شَيْءٌ الْبَاطِنُ الّذِي لَيْسَ دُونَهُ شَيْءٌ . وَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يَزَالُ النّاسُ يَتَسَاءَلُونَ حَتّى يَقُولَ قَائِلُهُمْ هَذَا اللّهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فَمَنْ خَلَقَ اللّهَ ؟ فَمَنْ وَجَدَ مِنْ ذَلِكَ شَيْئًا فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللّهِ وَلْيَنْتَهِ [ ص 423 ] وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَإِمّا يَنْزَغَنّكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ } [ فُصّلَتْ 36 ] . وَلَمّا كَانَ الشّيْطَانُ عَلَى نَوْعَيْنِ نَوْعٍ يُرَى عِيَانًا ، وَهُوَ شَيْطَانُ الْإِنْسِ وَنَوْعٍ لَا يُرَى ، وَهُوَ شَيْطَانُ الْجِنّ ، أَمَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نَبِيّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَكْتَفِيَ مِنْ شَرّ شَيْطَانِ الْإِنْسِ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ وَالْعَفْوِ وَالدّفْعِ بِاَلّتِي هِيَ أَحْسَنُ وَمِنْ شَيْطَانِ الْجِنّ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِاَللّهِ مِنْهُ وَالْعَفْوِ وَجَمَعَ بَيْنَ النّوْعَيْنِ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ وَسُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ وَسُورَةِ فُصّلَتْ وَالِاسْتِعَاذَةِ فِي الْقِرَاءَةِ وَالذّكْرِ أَبْلَغُ فِي دَفْعِ شَرّ شَيَاطِينِ الْجِنّ ، وَالْعَفْوُ وَالْإِعْرَاضُ وَالدّفْعُ بِالْإِحْسَانِ أَبْلَغُ فِي دَفْعِ شَرّ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ . قَالَ
فَمَا هُوَ إلّا الِاسْتِعَاذَةُ ضَارِعًا
أَوْ الدّفْعُ بِالْحُسْنَى هُمَا خَيْرُ مَطْلُوبِ
فَهَذَا دَوَاءُ الدّاءِ مِنْ شَرّ مَا يُرَى
وَذَاكَ دَوَاءُ الدّاءِ مِنْ شَرّ مَحْجُوبِ
فَصْلٌ فِيمَا يَقُولُهُ وَيَفْعَلُهُ مَنْ اشْتَدّ غَضَبُهُ
أَمَرَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُطْفِئَ عَنْهُ جَمْرَةَ الْغَضَبِ بِالْوُضُوءِ وَالْقُعُودِ إنْ كَانَ قَائِمًا ، وَالِاضْطِجَاعِ إنْ كَانَ قَاعِدًا ، وَالِاسْتِعَاذَةِ بِاَللّهِ مِنْ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ . وَلَمّا كَانَ الْغَضَبُ وَالشّهْوَةُ جَمْرَتَيْنِ مِنْ نَارٍ فِي قَلْبِ ابْنِ آدَمَ أَمَرَ أَنْ يُطْفِئَهُمَا بِالْوُضُوءِ وَالصّلَاةِ وَالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : [ ص 424 ] { أَتَأْمُرُونَ النّاسَ بِالْبِرّ وَتَنْسَوْنَ أَنْفُسَكُمْ } الْآيَةَ [ الْبَقَرَةِ 44 ] . وَهَذَا إنّمَا يُحْمَلُ عَلَيْهِ شِدّةُ الشّهْوَةِ فَأَمَرَهُمْ بِمَا يُطْفِئُونَ بِهَا جَمْرَتَهَا ، وَهُوَ الِاسْتِعَانَةُ بِالصّبْرِ وَالصّلَاةِ وَأَمَرَ تَعَالَى بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْ الشّيْطَانِ عِنْدَ نَزَغَاتِهِ . وَلَمّا كَانَتْ الْمَعَاصِي كُلّهَا تَتَوَلّدُ مِنْ الْغَضَبِ وَالشّهْوَةِ وَكَانَ نِهَايَةُ قُوّةِ الْغَضَبِ الْقَتْلَ وَنِهَايَةُ قُوّةِ الشّهْوَةِ الزّنَا ، جَمَعَ اللّهُ تَعَالَى بَيْنَ الْقَتْلِ وَالزّنَا ، وَجَعَلَهُمَا قَرِينَيْنِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَسُورَةِ الْإِسْرَاءِ ، وَسُورَةِ الْفُرْقَانِ وَسُورَةِ الْمُمْتَحَنَةِ . وَالْمَقْصُودُ أَنّهُ سُبْحَانَهُ أَرْشَدَ عِبَادَهُ إلَى مَا يَدْفَعُونَ بِهِ شَرّ قُوّتَيْ الْغَضَبِ وَالشّهْوَةِ مِنْ الصّلَاةِ وَالِاسْتِعَاذَةِ .
فَصْلٌ [ الدّعَاءُ لِرُؤْيَةِ مَا يُحِبّ وَمَا يَكْرَهُ ]
وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إِذَا رَأَى مَا يُحِبّ ، قَالَ " الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي بِنِعْمَتِهِ تَتِمّ الصّالِحَاتُ . وَإِذَا رَأَى مَا يَكْرَهُ قَالَ " الْحَمْدُ لِلّهِ عَلَى كُلّ حَالٍ .
فَصْلٌ [ مَا يَفْعَلُ مَعَ مَنْ صَنَعَ إلَيْهِ مَعْرُوفًا ]
وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَدْعُو لِمَنْ تَقَرّبَ إلَيْهِ بِمَا يُحِبّ وَبِمَا يُنَاسِبُ فَلَمّا وَضَعَ لَهُ ابْنُ عَبّاسٍ وَضُوءَهُ قَالَ اللّهُمّ فَقّهْهُ فِي الدّينِ وَعَلّمْهُ التّأْوِيلَ [ ص 425 ] دَعّمَهُ أَبُو قَتَادَة فِي مَسِيرِهِ بِاللّيْلِ لَمّا مَالَ عَنْ رَاحِلَتِهِ قَالَ حَفِظَكَ اللّهُ بِمَا حَفِظْتَ بِهِ نَبِيّه وَقَالَ مَنْ صُنِعَ إلَيْهِ مَعْرُوفٌ فَقَالَ لِفَاعِلِهِ جَزَاكَ اللّهُ خَيْرًا ، فَقَدْ أَبْلَغَ فِي الثّنَاءِ وَاسْتَقْرَضَ مِنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ مَالًا ، ثُمّ وَفّاهُ إيّاهُ وَقَالَ "بَارَكَ اللّهُ لَكَ فِي أَهْلِكَ وَمَالِك ، إنّمَا جَزَاءُ السّلَفِ الْحَمْدُ وَالْأَدَاءُ وَلَمّا أَرَاحَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ الْبَجَلِيّ مِنْ ذِي الْخَلَصَةِ صَنَمِ دَوْسٍ ، بَرّكَ عَلَى خَيْلِ قَبِيلَتِهِ أَحْمَسَ وَرِجَالِهَا خَمْسَ مَرّاتٍ
[ الْإِثَابَةُ عَلَى الْهَدِيّةِ ]
وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إِذَا أُهْدِيَتْ إلَيْهِ هَدِيّةٌ فَقَبِلَهَا ، كَافَأَ عَلَيْهَا بِأَكْثَرَ [ ص 426 ] رَدّهَا اعْتَذَرَ إلَى مُهْدِيهَا ، كَقَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلصّعْبِ بْنِ جَثّامَةَ لَمّا أَهْدَى إلَيْهِ لَحْمَ الصّيْدِ " إنّا لَمْ نَرُدّهُ عَلَيْكَ إلّا أَنّا حُرُمٌ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْل
وَأَمَرَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُمّتَهُ إِذَا سَمِعُوا نَهِيقَ الْحِمَارِ أَنْ يَتَعَوّذُوا بِاَللّهِ مِنْ الشّيْطَانِ الرّجِيمِ وَإِذَا سَمِعُوا صِيَاحَ الدّيَكَةِ أَنْ يَسْأَلُوا اللّهَ مِنْ فَضْلِهِ . وَيُرْوَى عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ أَمَرَهُمْ بِالتّكْبِيرِ عَنْدَ رُؤْيَةِ الْحَرِيقِ فَإِنّ التّكْبِيرَ يُطْفِئُهُ .
[ الذّكْرُ فِي الْمَجْلِسِ ]
وَكَرِهَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَهْلِ الْمَجْلِسِ أَنْ يُخْلُوا مَجْلِسَهُمْ مِنْ ذِكْرِ اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَقَالَ مَا مِنْ قَوْمٍ يَقُومُونَ مِنْ مَجْلِسٍ لَا يَذْكُرُونَ اللّهَ فِيهِ إلّا قَامُوا عَنْ مِثْلِ جِيفَةِ الْحِمَارِ [ ص 427 ] وَقَالَ مَنْ قَعَدَ مَقْعَدًا لَمْ يَذْكُرْ اللّهَ فِيهِ كَانَتْ عَلَيْهِ مِنْ اللّهِ تِرَةٌ وَمَنْ اضْطَجَعَ مَضْجَعًا لَا يَذْكُرُ اللّهَ فِيهِ كَانَ عَلَيْهِ مِنْ اللّهِ تِرَة وَالتّرَةُ الْحَسْرَةُ . وَفِي لَفْظٍ وَمَا سَلَكَ أَحَدٌ طَرِيقًا لَمْ يَذْكُرْ اللّهَ فِيهِ ، إلّا كَانَتْ عَلَيْهِ تِرَةٌ وَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ جَلَسَ فِي مَجْلِسٍ فَكَثُرَ فِيهِ لَغَطُهُ ، فَقَالَ قَبْلَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مَجْلِسِهِ سُبْحَانَكَ اللّهُمّ وَبِحَمْدِكَ أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا أَنْتَ أَسْتَغْفِرُكَ وَأَتُوبُ إلَيْكَ إلّا غُفِرَ لَهُ مَا كَانَ فِي مَجْلِسِهِ ذَلِكَ وَفِي " سُنَنِ أَبِي دَاوُدَ " وَ " مُسْتَدْرَكِ الْحَاكِمِ " أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ إِذَا أَرَادَ أَنْ يَقُومَ مِنْ الْمَجْلِسِ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّكَ لَتَقُولُ قَوْلًا مَا كُنْتَ تَقُولُهُ فِيمَا مَضَى . قَالَ ذَلِكَ كَفّارَةٌ لِمَا يَكُونُ فِي الْمَجْلِسِ
فَصْلٌ [ الدّعَاءُ عِنْدَ الْأَرَقِ ]
وَشَكَا إلَيْهِ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ الْأَرَقَ بِاللّيْلِ فَقَالَ لَهُ " إِذَا أَوَيْتَ إلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ : اللّهُمّ رَبّ السّمَاوَاتِ السّبْعِ وَمَا أَظَلّتْ وَرَبّ الْأَرَضِينَ السّبْعِ وَمَا أَقَلّتْ وَرَبّ الشّيَاطِينِ وَمَا أَضَلّتْ كُنْ لِي جَارًا مِنْ شَرّ خَلْقِكَ كُلّهِمْ جَمِيعًا مِنْ أَنْ يَفْرُطَ أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَيّ أَوْ أَنْ يَطْغَى عَلَيّ عَزّ جَارُكَ وَجَلّ ثَنَاؤُكَ وَلَا إلَهَ إلّا أَنْتَ [ ص 428 ]
[ الدّعَاءُ عِنْدَ الْفَزَعِ ]
وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُعَلّمُ أَصْحَابَهُ مِنْ الْفَزَعِ أَعُوذُ بِكَلِمَاتِ اللّهِ التّامّةِ مِنْ غَضَبِهِ وَمِنْ شَرّ عِبَادِهِ وَمِنْ شَرّ هَمَزَاتِ الشّيَاطِينِ وَأَنْ يَحْضُرُونِ وَيُذْكَرُ أَنّ رَجُلًا شَكَا إلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ يَفْزَعُ فِي مَنَامِهِ فَقَالَ " إِذَا أَوَيْتَ إلَى فِرَاشِكَ فَقُلْ . .. " ثُمّ ذَكَرَهَا ، فَقَالَهَا فَذَهَبَ عَنْهُ
فَصْلٌ فِي أَلْفَاظٍ كَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَكْرَهُ أَنْ تُقَالَ
فَمِنْهَا : أَنْ يَقُولَ خَبُثَتْ نَفْسِي ، أَوْ جَاشَتْ نَفْسِي ، وَلْيَقُلْ لَقِسَتْ .
وَمِنْهَا : أَنْ يُسَمّيَ شَجَرُ الْعِنَبِ كَرْمًا ، نَهَى عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ لَا تَقُولُوا : الْكَرْمُ وَلَكِنْ قُولُوا : الْعِنَبُ وَالْحَبَلَةُ . وَكَرِهَ أَنْ يَقُولَ الرّجُلُ هَلَكَ النّاسُ . وَقَالَ " إِذَا قَال ذَلِكَ فَهُوَ [ ص 429 ] أَهْلَكُهُمْ . وَفِي مَعْنَى هَذَا : فَسَدَ النّاسُ وَفَسَدَ الزّمَانُ وَنَحْوُهُ . وَنَهَى أَنْ يُقَالَ مَا شَاءَ اللّهُ وَشَاءَ فُلَانٌ بَلْ يُقَالُ مَا شَاءَ اللّهُ ثُمّ شَاءَ فُلَانٌ . فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ مَا شَاءَ اللّهُ وَشِئْتَ . فَقَالَ أَجَعَلْتَنِي لِلّهِ نِدّا ؟ قُلْ مَا شَاءَ اللّهُ وَحْدَهُ . وَفِي مَعْنَى هَذَا : لَوْلَا اللّهُ وَفُلَانٌ لَمَا كَانَ كَذَا ، بَلْ وَهُوَ أَقْبَحُ وَأَنْكَرُ وَكَذَلِكَ أَنَا بِاَللّهِ وَبِفُلَانٍ وَأَعُوذُ بِاَللّهِ وَبِفُلَانٍ وَأَنَا فِي حَسْبِ اللّهِ وَحَسْبِ فُلَانٍ وَأَنَا مُتّكِلٌ عَلَى اللّهِ وَعَلَى فُلَانٍ فَقَائِلُ هَذَا ، قَدْ جَعَلَ فُلَانًا نِدّا لِلّهِ عَزّ وَجَلّ . وَمِنْهَا : أَنْ يُقَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا ، بَلْ يَقُولُ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللّهِ وَرَحْمَتِهِ .
وَمِنْهَا : أَنْ يَحْلِفَ بِغَيْرِ اللّهِ . صَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ مَنْ حَلَفَ بِغَيْرِ اللّهِ فَقَدْ أَشْرَكَ .
[ ص 430 ] نَصْرَانِيّ ، أَوْ كَافِرٌ إنْ فَعَلَ كَذَا . وَمِنْهَا : أَنْ يَقُولَ لِمُسْلِمٍ يَا كَافِرُ .
وَمِنْهَا : أَنْ يَقُولَ لِلسّلْطَانِ مَلِكُ الْمُلُوكِ . وَعَلَى قِيَاسِهِ قَاضِي الْقُضَاةِ .
وَمِنْهَا : أَنْ يَقُولَ السّيّدُ لِغُلَامِهِ وَجَارِيَتِهِ عَبْدِي ، وَأَمَتِي ، وَيَقُولَ الْغُلَامُ لِسَيّدِهِ رَبّي ، وَلْيَقُلْ السّيّدُ فَتَايَ وَفَتَاتِي ، وَلْيَقُلْ الْغُلَامُ سَيّدِي وَسَيّدَتِي .
وَمِنْهَا : سَبّ الرّيحِ إِذَا هَبّتْ بَلْ يَسْأَلُ اللّهَ خَيْرَهَا ، وَخَيْرَ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ وَيَعُوذُ بِاَللّهِ مِنْ شَرّهَا وَشَرّ مَا أُرْسِلَتْ بِهِ .
وَمِنْهَا : سَبّ الْحُمّى ، نَهَى عَنْهُ وَقَالَ إنّهَا تُذْهِبُ خَطَايَا بَنِي آدَمَ ، كَمَا يُذْهِبُ الْكِيرُ خَبَثَ الْحَدِيدِ . [ ص 431 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ لَا تَسُبّوا الدّيكَ فَإِنّهُ يُوقِظُ لِلصّلَاةِ . وَمِنْهَا : الدّعَاءُ بِدَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ وَالتّعَزّي بِعَزَائِهِمْ كَالدّعَاءِ إلَى الْقَبَائِلِ وَالْعَصَبِيّةِ لَهَا وَلِلْأَنْسَابِ وَمِثْلُهُ التّعَصّبُ لِلْمَذَاهِبِ وَالطّرَائِقِ وَالْمَشَايِخِ وَتَفْضِيلُ بَعْضِهَا عَلَى بَعْضٍ بِالْهَوَى وَالْعَصَبِيّةِ وَكَوْنُهُ مُنْتَسِبًا إلَيْهِ فَيَدْعُو إلَى ذَلِكَ وَيُوَالِي عَلَيْهِ وَيُعَادِي عَلَيْهِ وَيَزِنُ النّاسَ بِهِ كُلّ هَذَا مِنْ دَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ . وَمِنْهَا : تَسْمِيَةُ الْعِشَاءِ بِالْعَتَمَةِ تَسْمِيَةً غَالِبَةً يُهْجَرُ فِيهَا لَفْظُ الْعِشَاءِ .
وَمِنْهَا : النّهْيُ عَنْ سِبَابِ الْمُسْلِمِ وَأَنْ يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ الثّالِثِ . وَأَنْ تُخْبِرَ الْمَرْأَةُ زَوْجَهَا بِمَحَاسِنِ امْرَأَةٍ أُخْرَى .
وَمِنْهَا : أَنْ يَقُولَ فِي دُعَائِهِ " اللّهُمّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْتَ وَارْحَمْنِي إنْ شِئْتَ " . [ ص 432 ] أَحَدًا بِوَجْهِ اللّهِ .
وَمِنْهَا : أَنْ يُسَمّيَ الْمَدِينَةَ بِيَثْرِبَ .
وَمِنْهَا : أَنْ يُسْأَلَ الرّجُلُ فِيمَ ضَرَبَ امْرَأَتَهُ إلّا إِذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ .
وَمِنْهَا أَنْ يَقُولَ صُمْتُ رَمَضَانَ كُلّهُ أَوْ قُمْتُ اللّيْلَ كُلّهُ [ ص 433 ] فَصْلٌ وَمِنْ الْأَلْفَاظِ الْمَكْرُوهَةِ الْإِفْصَاحُ عَنْ الْأَشْيَاءِ الّتِي يَنْبَغِي الْكِنَايَةُ عَنْهَا بِأَسْمَائِهَا الصّرِيحَةِ .
وَمِنْهَا : أَنْ يَقُولَ أَطَالَ اللّهُ بَقَاءَك ، وَأَدَامَ أَيّامَكَ وَعِشْتَ أَلْفَ سَنَةٍ وَنَحْوَ ذَلِكَ .
وَمِنْهَا : أَنْ يَقُولَ الصّائِمُ وَحَقّ الّذِي خَاتَمُهُ عَلَى فَمِ الْكَافِرِ .
وَمِنْهَا : أَنْ يَقُولَ لِلْمُكُوسِ حُقُوقًا . وَأَنْ يَقُولَ لِمَا يُنْفِقُهُ فِي طَاعَةِ اللّهِ غَرِمْتُ أَوْ خَسِرْتُ كَذَا وَكَذَا : وَأَنْ يَقُولَ أَنْفَقْتُ فِي هَذِهِ الدّنْيَا مَالًا كَثِيرًا .
وَمِنْهَا : أَنْ يَقُولَ الْمُفْتِي : أَحَلّ اللّهُ كَذَا ، وَحَرّمَ اللّهُ كَذَا فِي الْمَسَائِلِ الِاجْتِهَادِيّةِ وَإِنّمَا يَقُولُهُ فِيمَا وَرَدَ النّصّ بِتَحْرِيمِهِ .
[ كَرَاهَةُ تَسْمِيَةِ أَدِلّةِ الْقُرْآنِ وَالسّنّةِ ظَوَاهِرَ لَفْظِيّةٍ وَمَجَازَاتٍ ]
وَمِنْهَا : أَنْ يُسَمّيَ أَدِلّةَ الْقُرْآنِ وَالسّنّةِ ظَوَاهِرَ لَفْظِيّةٍ وَمَجَازَاتٍ فَإِنّ هَذِهِ التّسْمِيَةَ تُسْقِطُ حُرْمَتَهَا مِنْ الْقُلُوبِ وَلَا سِيّمَا إِذَا أَضَافَ إلَى ذَلِكَ تَسْمِيَةَ شُبَهِ الْمُتَكَلّمِينَ وَالْفَلَاسِفَةِ قَوَاطِعَ عَقْلِيّةٍ فَلَا إلَهَ إلّا اللّهُ كَمْ حَصَلَ بِهَاتَيْنِ التّسْمِيَتَيْنِ مِنْ فَسَادٍ فِي الْعُقُولِ وَالْأَدْيَانِ وَالدّنْيَا وَالدّينِ . فَصْلٌ وَمِنْهَا : أَنْ يُحَدّثَ الرّجُلُ بِجِمَاعِ أَهْلِهِ وَمَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا ، [ ص 434 ] وَقَالُوا ، وَنَحْوَهُ .
وَمِمّا يُكْرَهُ مِنْهَا أَنْ يَقُولَ لِلسّلْطَانِ خَلِيفَةُ اللّهِ أَوْ نَائِبُ اللّهِ فِي أَرْضِهِ فَإِنّ الْخَلِيفَةَ وَالنّائِبَ إنّمَا يَكُونُ عَنْ غَائِبٍ وَاَللّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَلِيفَةُ الْغَائِبِ فِي أَهْلِهِ وَوَكِيلُ عَبْدِهِ الْمُؤْمِنِ .
فَصْلٌ [ التّحْذِيرُ مِنْ " أَنَا " وَ " لِي " و " عِنْدِي " ]
وَلْيَحْذَرْ كُلّ الْحَذَرِ مِنْ طُغْيَانِ " أَنَا " ، " وَلِي " ، " وَعِنْدِي " ، فَإِنّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ الثّلَاثَةَ اُبْتُلِيَ بِهَا إبْلِيسُ وَفِرْعَوْنُ ، وَقَارُونُ ، فَأَنَا خَيْرٌ مِنْهُ لِإِبْلِيسَ وَلِي مُلْكُ مِصْرَ لِفِرْعَوْنَ و إنّمَا أُوتِيته عَلَى عِلْمٍ عِنْدِي لِقَارُونَ . وَأَحْسَنُ مَا وُضِعَتْ " أَنَا " فِي قَوْلِ الْعَبْدِ أَنَا الْعَبْدُ الْمُذْنِبُ الْمُخْطِئُ الْمُسْتَغْفِرُ الْمُعْتَرِفُ وَنَحْوُهُ . " وَلِي " ، فِي قَوْلِهِ لِي الذّنْبُ وَلِي الْجُرْمُ وَلِي الْمَسْكَنَةُ وَلِي الْفَقْرُ [ ص 435 ] وَعِنْدِي " فِي قَوْلِهِ " اغْفِرْ لِي جِدّي ، وَهَزْلِي ، وَخَطَئِي ، وَعَمْدِي ، وَكُلّ ذَلِكَ عِنْدِي " .
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْجِهَادِ وَالْمَغَازِي وَالسّرَايَا وَالْبُعُوثِ
[ ص 5 ] كَانَ الْجِهَادُ ذِرْوَةَ سَنَامِ الْإِسْلَامِ وَقُبّتَهُ وَمَنَازِلُ أَهْلِهِ أَعْلَى الْمَنَازِلِ فِي الْجَنّةِ كَمَا لَهُمْ الرّفْعَةُ فِي الدّنْيَا فَهُمْ الْأَعْلَوْنَ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الذّرْوَةِ الْعُلْيَا مِنْهُ وَاسْتَوْلَى عَلَى أَنْوَاعِهِ كُلّهَا فَجَاهَدَ فِي اللّهِ حَقّ جِهَادِهِ بِالْقَلْبِ وَالْجِنَانِ وَالدّعْوَةِ وَالْبَيَانِ وَالسّيْفِ وَالسّنَانِ وَكَانَتْ سَاعَاتُهُ مَوْقُوفَةً عَلَى الْجِهَادِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَيَدِهِ . وَلِهَذَا كَانَ أَرْفَعَ الْعَالَمِينَ ذِكْرًا وَأَعْظَمَهُمْ عِنْدَ اللّهِ قَدْرًا .
[ كَانَ الْجِهَادُ فِي أَوّلِ الْإِسْلَامِ بِتَبْلِيغِ الْحُجّةِ ]
وَأَمَرَهُ اللّهُ تَعَالَى بِالْجِهَادِ مِنْ حِينِ بَعْثِهِ وَقَالَ { وَلَوْ شِئْنَا لَبَعَثْنَا فِي كُلّ قَرْيَةٍ نَذِيرًا فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ جِهَادًا كَبِيرًا } [ الْفُرْقَانُ : 52 ] فَهَذِهِ سُورَةٌ مَكّيّةٌ أَمَرَ فِيهَا بِجِهَادِ الْكُفّارِ بِالْحُجّةِ وَالْبَيَانِ وَتَبْلِيغِ الْقُرْآنِ وَكَذَلِكَ جِهَادُ الْمُنَافِقِينَ إنّمَا هُوَ بِتَبْلِيغِ الْحُجّةِ وَإِلّا فَهُمْ تَحْتَ قَهْرِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ قَالَ تَعَالَى : { يَا أَيّهَا النّبِيّ جَاهِدِ الْكُفّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } [ التّوْبَةُ 73 ] فَجِهَادُ الْمُنَافِقِينَ أَصْعَبُ مِنْ جِهَادِ الْكُفّارِ وَهُوَ جِهَادُ خَوَاصّ الْأُمّةِ وَوَرَثَةُ الرّسُلِ وَالْقَائِمُونَ بِهِ أَفْرَادٌ فِي الْعَالَمِ وَالْمُشَارِكُونَ فِيهِ وَالْمُعَاوِنُونَ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانُوا هُمْ الْأَقَلّينَ عَدَدًا فَهُمْ الْأَعْظَمُونَ عِنْدَ اللّهِ قَدْرًا . وَلَمّا كَانَ مِنْ أَفْضَلِ الْجِهَادِ قَوْلُ الْحَقّ مَعَ شِدّةِ الْمُعَارِضِ مِثْلَ أَنْ تَتَكَلّمَ بِهِ عِنْدَ مَنْ تَخَافُ سَطْوَتَهُ وَأَذَاهُ كَانَ لِلرّسُلِ - صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِمْ وَسَلَامُهُ - مِنْ ذَلِكَ الْحَظّ الْأَوْفَرِ وَكَانَ لِنَبِيّنَا - صَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ - مِنْ ذَلِكَ أَكْمَلُ الْجِهَادِ وَأَتَمّهُ .
[ جِهَادُ أَعْدَاءِ اللّهِ فَرْعٌ عَلَى جِهَادِ النّفْسِ ]
وَلَمّا كَانَ جِهَادُ أَعْدَاءِ اللّهِ فِي الْخَارِجِ فَرْعًا عَلَى جِهَادِ الْعَبْدِ نَفْسِهِ فِي ذَاتِ [ ص 6 ] قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمُجَاهِدُ مَنْ جَاهَدَ نَفْسَهُ فِي طَاعَةِ اللّهِ وَالْمُهَاجِرُ مَنْ هَجَرَ مَا نَهَى اللّهُ عَنْهُ كَانَ جِهَادُ النّفْسِ مُقَدّمًا عَلَى جِهَادِ الْعَدُوّ فِي الْخَارِجِ وَأَصْلًا لَهُ فَإِنّهُ مَا لَمْ يُجَاهِدْ نَفْسَهُ أَوّلًا لِتَفْعَلَ مَا أُمِرْت بِهِ وَتَتْرُكَ مَا نُهِيت عَنْهُ وَيُحَارِبُهَا فِي اللّهِ لَمْ يُمْكِنْهُ جِهَادُ عَدُوّهِ فِي الْخَارِجِ فَكَيْفَ يُمْكِنُهُ جِهَادُ عَدُوّهِ وَالِانْتِصَافُ مِنْهُ وَعَدُوّهُ الّذِي بَيْنَ جَنْبَيْهِ قَاهِرٌ لَهُ مُتَسَلّطٌ عَلَيْهِ لَمْ يُجَاهِدْهُ وَلَمْ يُحَارِبْهُ فِي اللّهِ بَلْ لَا يُمْكِنُهُ الْخُرُوجُ إلَى عَدُوّهِ حَتّى يُجَاهِدَ نَفْسَهُ عَلَى الْخُرُوجِ .
[ هُنَاكَ جِهَادٌ ثَالِثٌ هُوَ جِهَادُ الشّيْطَانِ ]
فَهَذَانِ عَدُوّانِ قَدْ اُمْتُحِنَ الْعَبْدُ بِجِهَادِهِمَا وَبَيْنَهُمَا عَدْوٌ ثَالِثٌ لَا يُمْكِنُهُ جِهَادُهُمَا إلّا بِجِهَادِهِ وَهُوَ وَاقِفٌ بَيْنَهُمَا يُثَبّطُ الْعَبْدَ عَنْ جِهَادِهِمَا وَيَخْذُلُهُ وَيَرْجُفُ بِهِ وَلَا يَزَالُ يُخَيّلُ لَهُ مَا فِي جِهَادِهِمَا مِنْ الْمَشَاقّ وَتَرْكِ الْحُظُوظِ وَفَوْتِ اللّذّاتِ وَالْمُشْتَهَيَاتِ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يُجَاهِدَ ذَيْنِكَ الْعَدُوّيْنِ إلّا بِجِهَادِهِ فَكَانَ جِهَادُهُ هُوَ الْأَصْلُ لِجِهَادِهِمَا وَهُوَ الشّيْطَانُ قَالَ تَعَالَى : { إِنّ الشّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوّ فَاتّخِذُوهُ عَدُوّا } [ فَاطِرٌ 6 ] وَالْأَمْرُ بِاِتّخَاذِهِ عَدْوًا تَنْبِيهٌ عَلَى اسْتِفْرَاغِ الْوُسْعِ فِي مُحَارَبَتِهِ وَمُجَاهَدَتِهِ كَأَنّهُ عَدُوّ لَا يَفْتُرُ وَلَا يُقَصّرُ عَنْ مُحَارَبَةِ الْعَبْدِ عَلَى عَدَدِ الْأَنْفَاسِ .
[ جِهَادُ هَؤُلَاءِ الْأَعْدَاءِ الثّلَاثَةِ لِيَمْتَحِنَ مَنْ يَتَوَلّاهُ ]
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَعْدَاءٍ أُمِرَ الْعَبْدُ بِمُحَارَبَتِهَا وَجِهَادِهَا وَقَدْ بُلِيَ بِمُحَارَبَتِهَا فِي هَذِهِ الدّارِ وَسُلّطَتْ عَلَيْهِ امْتِحَانًا مِنْ اللّهِ لَهُ وَابْتِلَاءً فَأَعْطَى اللّهُ الْعَبْدَ مَدَدًا وَعُدّةً وَأَعْوَانًا وَسِلَاحًا لِهَذَا الْجِهَادِ وَأَعْطَى أَعْدَاءَهُ مَدَدًا وَعُدّةً وَأَعْوَانًا وَسِلَاحًا وَبَلَا أَحَدَ الْفَرِيقَيْنِ بِالْآخَرِ وَجَعَلَ بَعْضَهُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً لِيَبْلُوَ أَخْبَارَهُمْ وَيَمْتَحِنَ مَنْ يَتَوَلّاهُ وَيَتَوَلّى رُسُلَهُ مِمّنْ يَتَوَلّى الشّيْطَانَ وَحِزْبَهُ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَجَعَلْنَا بَعْضَكُمْ لِبَعْضٍ فِتْنَةً أَتَصْبِرُونَ وَكَانَ رَبّكَ بَصِيرًا } [ الْفُرْقَانُ : 20 ] [ ص 7 ] وَقَالَ تَعَالَى { ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ } [ مُحَمّدٌ 4 ] وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَنَبْلُوَنّكُمْ حَتّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ } [ مُحَمّدٌ 31 ] فَأَعْطَى عِبَادَهُ الْأَسْمَاعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْعُقُولَ وَالْقُوَى وَأَنْزَلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ وَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ وَأَمَدّهُمْ بِمَلَائِكَتِهِ وَقَالَ لَهُمْ { أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُوا الّذِينَ آمَنُوا } [ الْأَنْفَالُ 12 ] وَأَمَرَهُمْ مِنْ أَمْرِهِ بِمَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ الْعَوْنِ لَهُمْ عَلَى حَرْبِ عَدُوّهِمْ وَأَخْبَرَهُمْ أَنّهُمْ إنْ امْتَثَلُوا مَا أَمَرَهُمْ بِهِ لَمْ يَزَالُوا مَنْصُورِينَ عَلَى عَدُوّهِ وَعَدُوّهِمْ وَأَنّهُ إنْ سَلّطَهُ عَلَيْهِمْ فَلِتَرْكِهِمْ بَعْضَ مَا أُمِرُوا بِهِ وَلِمَعْصِيَتِهِمْ لَهُ ثُمّ لَمْ يُؤَيّسْهُمْ وَلَمْ يُقَنّطْهُمْ بَلْ أَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَقْبِلُوا أَمْرَهُمْ وَيُدَاوُوا جِرَاحَهُمْ وَيَعُودُوا إلَى مُنَاهَضَةِ عَدُوّهِمْ فَيَنْصُرُهُمْ عَلَيْهِ وَيُظْفِرُهُمْ بِهِمْ فَأَخْبَرَهُمْ أَنّهُ مَعَ الْمُتّقِينَ مِنْهُمْ وَمَعَ الْمُحْسِنِينَ وَمَعَ الصّابِرِينَ وَمَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَأَنّهُ يُدَافِعُ عَنْ عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مَا لَا يُدَافِعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ بَلْ بِدِفَاعِهِ عَنْهُمْ انْتَصَرُوا عَلَى عَدُوّهِمْ وَلَوْلَا دِفَاعُهُ عَنْهُمْ لَتَخَطّفَهُمْ عَدُوّهُمْ وَاجْتَاحَهُمْ . وَهَذِهِ الْمُدَافَعَةُ عَنْهُمْ بِحَسْبِ إيمَانِهِمْ وَعَلَى قَدْرِهِ فَإِنْ قَوِيَ الْإِيمَانُ قَوِيَتْ الْمُدَافَعَةُ فَمَنْ وَجَدَ خَيْرًا فَلْيَحْمَدْ اللّهَ وَمَنْ وَجَدَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَا يَلُومَنّ إلّا نَفْسَهُ .
[ مَعْنَى وَجَاهِدُوا فِي اللّهِ حَقّ جِهَادِهِ ]
وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُجَاهِدُوا فِيهِ حَقّ جِهَادِهِ كَمَا أَمَرَهُمْ أَنْ يَتّقُوهُ حَقّ تُقَاتِهِ وَكَمَا أَنّ حَقّ تُقَاتِهِ أَنْ يُطَاعَ فَلَا يُعْصَى وَيُذْكَرَ فَلَا يُنْسَى وَيُشْكَرَ فَلَا يُكْفَرُ فَحَقّ جِهَادِهِ أَنْ يُجَاهِدَ الْعَبْدُ نَفْسَهُ لِيُسْلِمَ قَلْبَهُ وَلِسَانَهُ وَجَوَارِحَهُ لِلّهِ فَيَكُونُ كُلّهُ لِلّهِ وَبِاَللّهِ لَا لِنَفْسِهِ وَلَا بِنَفْسِهِ وَيُجَاهِدُ شَيْطَانَهُ بِتَكْذِيبِ وَعْدِهِ وَمَعْصِيَةِ أَمْرِهِ وَارْتِكَابِ نَهْيِهِ فَإِنّهُ يَعِدُ الْأَمَانِيّ وَيُمَنّي الْغُرُورَ وَيَعِدُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَيَنْهَى عَنْ التّقَى وَالْهُدَى وَالْعِفّةِ وَالصّبْرِ [ ص 8 ] الْإِيمَانِ كُلّهَا فَجَاهِدْهُ بِتَكْذِيبِ وَعْدِهِ وَمَعْصِيَةِ أَمْرِهِ فَيَنْشَأُ لَهُ مِنْ هَذَيْنِ الْجَهَادَيْنِ قُوّةٌ وَسُلْطَانٌ وَعُدّةٌ يُجَاهِدُ بِهَا أَعْدَاءَ اللّهِ فِي الْخَارِجِ بِقَلْبِهِ وَلِسَانِهِ وَيَدِهِ وَمَالِهِ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا . وَاخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ السّلَفِ فِي حَقّ الْجِهَادِ فَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : هُوَ اسْتِفْرَاغُ الطّاقَةِ فِيهِ وَأَلّا يَخَافَ فِي اللّهِ لَوْمَةَ لَائِمٍ . وَقَالَ مُقَاتِلٌ : اعْمَلُوا لِلّهِ حَقّ عَمَلِهِ وَاعْبُدُوهُ حَقّ عِبَادَتِهِ . وَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ : هُوَ مُجَاهَدَةُ النّفْسِ وَالْهَوَى . وَلَمْ يُصِبْ مَنْ قَالَ إنّ الْآيَتَيْنِ مَنْسُوخَتَانِ لِظَنّهِ أَنّهُمَا تَضَمّنَتَا الْأَمْرَ بِمَا لَا يُطَاقُ وَحَقّ تُقَاتِهِ وَحَقّ جِهَادِهِ هُوَ مَا يُطِيقُهُ كُلّ عَبْدٍ فِي نَفْسِهِ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ الْمُكَلّفِينَ فِي الْقُدْرَةِ وَالْعَجْزِ وَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ . فَحَقّ التّقْوَى وَحَقّ الْجِهَادِ بِالنّسْبَةِ إلَى الْقَادِرِ الْمُتَمَكّنِ الْعَالِمِ شَيْءٌ وَبِالنّسْبَةِ إلَى الْعَاجِزِ الْجَاهِلِ الضّعِيفِ شَيْءٌ وَتَأَمّلْ كَيْفَ عَقّبَ الْأَمْرَ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ { هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ } [ الْحَجّ 78 ] وَالْحَرَجُ الضّيقُ بَلْ جَعَلَهُ وَاسِعًا يَسَعُ كُلّ أَحَدٍ كَمَا جَعَلَ رِزْقَهُ يَسَعُ كُلّ حَيّ وَكَلّفَ الْعَبْدَ بِمَا يَسَعُهُ الْعَبْدُ وَرَزَقَ الْعَبْدَ مَا يَسَعُ الْعَبْدَ فَهُوَ يَسَعُ تَكْلِيفَهُ وَيَسَعُهُ رِزْقُهُ وَمَا جَعَلَ عَلَى عَبْدِهِ فِي الدّينِ مِنْ حَرَجٍ بِوَجْهِ مَا قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بُعِثْتُ بِالْحَنِيفِيّةِ السّمْحَةِ أَيْ بِالْمِلّةِ فَهِيَ حَنِيفِيّةٌ فِي التّوْحِيدِ سَمْحَةٌ فِي الْعَمَلِ . وَقَدْ وَسّعَ اللّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى عِبَادِهِ غَايَةَ التّوْسِعَةِ فِي دِينِهِ وَرِزْقِهِ وَعَفْوِهِ وَمَغْفِرَتِهِ وَبَسَطَ عَلَيْهِمْ التّوْبَةَ مَا دَامَتْ الرّوحُ فِي الْجَسَدِ وَفَتَحَ لَهُمْ بَابًا لَهَا لَا يُغْلِقُهُ عَنْهُمْ إلَى أَنْ تَطْلُعَ الشّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا وَجَعَلَ لِكُلّ سَيّئَةٍ كَفّارَةً تُكَفّرُهَا مِنْ تَوْبَةٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ حَسَنَةٍ مَاحِيَةٍ أَوْ مُصِيبَةٍ مُكَفّرَةٍ وَجَعَلَ بِكُلّ مَا حَرّمَ عَلَيْهِمْ عِوَضًا مِنْ الْحَلَالِ أَنْفَعَ لَهُمْ مِنْهُ وَأَطْيَبَ وَأَلَذّ فَيَقُومُ مَقَامَهُ لِيَسْتَغْنِيَ الْعَبْدُ [ ص 9 ] وَجَعَلَ لِكُلّ عُسْرٍ يَمْتَحِنُهُمْ بِهِ يُسْرًا قَبْلَهُ وَيُسْرًا بَعْدَهُ " فَلَنْ يَغْلِبَ عُسْرٌ يُسْرَيْنِ " فَإِذَا كَانَ هَذَا شَأْنُهُ سُبْحَانَهُ مَعَ عِبَادِهِ فَكَيْفَ يُكَلّفُهُمْ مَا لَا يَسَعُهُمْ فَضْلًا عَمّا لَا يُطِيقُونَهُ وَلَا يَقْدُرُونَ عَلَيْهِ .
فَصْلُ [ مَرَاتِبِ الْجِهَادِ ]
إذَا عُرِفَ هَذَا فَالْجِهَادُ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ جِهَادُ النّفْسِ وَجِهَادُ الشّيْطَانِ وَجِهَادُ الْكُفّارِ وَجِهَادُ الْمُنَافِقِينَ . مَرَاتِبُ جِهَادِ النّفْسِ فَجِهَادُ النّفْسِ أَرْبَعُ مَرَاتِبَ أَيْضًا : إحْدَاهَا : أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى تَعَلّمِ الْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ الّذِي لَا فَلَاحَ لَهَا وَلَا سَعَادَةَ فِي مَعَاشِهَا وَمَعَادِهَا إلّا بِهِ وَمَتَى فَاتَهَا عَلِمَهُ شَقِيَتْ فِي الدّارَيْنِ . الثّانِيَةُ أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الْعَمَلِ بِهِ بَعْدَ عِلْمِهِ وَإِلّا فَمُجَرّدُ الْعِلْمِ بِلَا عَمَلٍ إنْ لَمْ يَضُرّهَا لَمْ يَنْفَعْهَا . الثّالِثَةُ أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الدّعْوَةِ إلَيْهِ وَتَعْلِيمِهِ مَنْ لَا يَعْلَمُهُ وَإِلّا كَانَ مِنْ الّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنْزَلَ اللّهُ مِنْ الْهُدَى وَالْبَيّنَاتِ وَلَا يَنْفَعُهُ عِلْمُهُ وَلَا يُنْجِيهِ مِنْ عَذَابِ اللّهِ . الرّابِعَةُ أَنْ يُجَاهِدَهَا عَلَى الصّبْرِ عَلَى مَشَاقّ الدّعْوَةِ إلَى اللّهِ وَأَذَى الْخَلْقِ وَيَتَحَمّلُ ذَلِكَ كُلّهُ لِلّهِ . فَإِذَا اسْتَكْمَلَ هَذِهِ الْمَرَاتِبَ الْأَرْبَعَ صَارَ مِنْ الرّبّانِيّينَ فَإِنّ السّلَفَ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنّ الْعَالِمَ لَا يَسْتَحِقّ أَنْ يُسَمّى رَبّانِيّا حَتّى يَعْرِفَ الْحَقّ وَيَعْمَلَ بِهِ وَيُعَلّمَهُ فَمَنْ عَلِمَ وَعَمِلَ وَعَلّمَ فَذَاكَ يُدْعَى عَظِيمًا فِي مَلَكُوتِ السّمَاوَاتِ .
فَصْلٌ [مَرَاتِبُ جِهَادِ الشّيْطَانِ ]
[ ص 10 ] الشّيْطَانِ فَمَرْتَبَتَانِ إحْدَاهُمَا : جِهَادُهُ عَلَى دَفْعِ مَا يُلْقِي إلَى الْعَبْدِ مِنْ الشّبُهَاتِ وَالشّكُوكِ الْقَادِحَةِ فِي الْإِيمَانِ . الثّانِيَةُ جِهَادُهُ عَلَى دَفْعِ مَا يُلْقِي إلَيْهِ مِنْ الْإِرَادَاتِ الْفَاسِدَةِ وَالشّهَوَاتِ فَالْجِهَادُ الْأَوّلُ يَكُونُ بَعْدَهُ الْيَقِينُ وَالثّانِي يَكُونُ بَعْدَهُ الصّبْرُ . قَالَ تَعَالَى : { وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ } [ السّجْدَةُ 24 ] فَأَخْبَرَ أَنّ إمَامَةَ الدّينِ إنّمَا تُنَالُ بِالصّبْرِ وَالْيَقِينِ فَالصّبْرُ يَدْفَعُ الشّهَوَاتِ وَالْإِرَادَاتِ الْفَاسِدَةَ وَالْيَقِينُ يَدْفَعُ الشّكُوكَ وَالشّبُهَاتِ .
فَصْلٌ [ مَرَاتِبُ جِهَادِ الْكُفّارِ وَالْمُنَافِقِينَ ]
وَأَمّا جِهَادُ الْكُفّارِ وَالْمُنَافِقِينَ فَأَرْبَعُ مَرَاتِبَ بِالْقَلْبِ وَاللّسَانِ وَالْمَالِ وَالنّفْسِ وَجِهَادُ الْكُفّارِ أَخُصّ بِالْيَدِ وَجِهَادُ الْمُنَافِقِينَ أَخُصّ بِاللّسَانِ .
فَصْلٌ [ جِهَادُ أَرْبَابِ الظّلْمِ وَالْبِدَعِ وَالْمُنْكَرَاتِ ]
وَأَمّا جِهَادُ أَرْبَابِ الظّلْمِ وَالْبِدَعِ وَالْمُنْكَرَاتِ فَثَلَاثُ مَرَاتِبَ الْأُولَى : بِالْيَدِ إذَا قَدَرَ فَإِنْ عَجَزَ انْتَقَلَ إلَى اللّسَانِ فَإِنْ عَجَزَ جَاهَدَ بِقَلْبِهِ فَهَذِهِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ مُرَتّبَةً مِنْ الْجِهَادِ وَ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدّثْ نَفْسَهُ بِالْغَزْوِ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ النّفَاقِ
فَصْلٌ [ شَرْطُ الْجِهَادِ ]
وَلَا يَتِمّ الْجِهَادُ إلّا بِالْهِجْرَةِ وَلَا الْهِجْرَةُ وَالْجِهَادُ إلّا بِالْإِيمَانِ وَالرّاجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ هُمْ الّذِينَ قَامُوا بِهَذِهِ الثّلَاثَةِ . قَالَ تَعَالَى : { إِنّ الّذِينَ آمَنُوا وَالّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللّهِ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ الْبَقَرَةُ 218 ] وَكَمَا أَنّ الْإِيمَانَ فَرْضٌ عَلَى كُلّ أَحَدٍ فَفَرْضٌ عَلَيْهِ هِجْرَتَانِ فِي كُلّ وَقْتٍ [ ص 11 ] عَزّ وَجَلّ بِالتّوْحِيدِ وَالْإِخْلَاصِ وَالْإِنَابَةِ وَالتّوَكّلِ وَالْخَوْفِ وَالرّجَاءِ وَالْمَحَبّةِ وَالتّوْبَةِ وَهِجْرَةٌ إلَى رَسُولِهِ بِالْمُتَابَعَةِ وَالِانْقِيَادِ لِأَمْرِهِ وَالتّصْدِيقِ بِخَبَرِهِ وَتَقْدِيمِ أَمْرِهِ وَخَبَرِهِ عَلَى أَمْرِ غَيْرِهِ وَخَبَرِهِ فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ فَهِجْرَتُهُ إلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ امْرَأَةٍ يَتَزَوّجُهَا فَهِجْرَتُهُ إلَى مَا هَاجَرَ إلَيْهِ وَفَرَضَ عَلَيْهِ جِهَادَ نَفْسِهِ فِي ذَاتِ اللّهِ وَجِهَادَ شَيْطَانِهِ فَهَذَا كُلّهُ فَرْضُ عَيْنٍ لَا يَنُوبُ فِيهِ أَحَدٌ عَنْ أَحَدٍ . وَأَمّا جِهَادُ الْكُفّارِ وَالْمُنَافِقِينَ فَقَدْ يُكْتَفَى فِيهِ بِبَعْضِ الْأُمّةِ إذَا حَصَلَ مِنْهُمْ مَقْصُودُ الْجِهَادِ .
فَصْلٌ [ أَكْمَلُ الْخَلْقِ مَنْ كَمّلَ مَرَاتِبَ الْجِهَادِ وَأَكْمَلُهُمْ مُحَمّدٌ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
وَأَكْمَلُ الْخَلْقِ عِنْدَ اللّهِ مَنْ كَمّلَ مَرَاتِبَ الْجِهَادِ كُلّهَا وَالْخَلْقُ مُتَفَاوِتُونَ فِي مَنَازِلِهِمْ عِنْدَ اللّهِ تَفَاوُتُهُمْ فِي مَرَاتِبِ الْجِهَادِ وَلِهَذَا كَانَ أَكْمَلُ الْخَلْقِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَى اللّهِ خَاتِمَ أَنْبِيَائِهِ وَرُسُلِهِ فَإِنّهُ كَمّلَ مَرَاتِبَ الْجِهَادِ وَجَاهَدَ فِي اللّهِ حَقّ جِهَادِهِ وَشَرَعَ فِي الْجِهَادِ مِنْ حِينَ بُعِثَ إلَى أَنْ تَوَفّاهُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ فَإِنّهُ لَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ { يَا أَيّهَا الْمُدّثّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ وَرَبّكَ فَكَبّرْ وَثِيَابَكَ فَطَهّرْ } [ الْمُدّثّرُ ا - 4 ] شَمّرَ عَنْ سَاقِ الدّعْوَةِ وَقَامَ فِي ذَاتِ اللّهِ أَتَمّ قِيَامٍ وَدَعَا إلَى اللّهِ لَيْلًا وَنَهَارًا وَسِرّا وَجِهَارًا وَلَمّا نَزَلَ عَلَيْهِ { فَاصْدَعْ بِمَا تُؤْمَرُ } [ الْحِجْرُ : 94 ] فَصَدَعَ بِأَمْرِ اللّهِ لَا تَأْخُذُهُ فِيهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ فَدَعَا إلَى اللّهِ الصّغِيرَ وَالْكَبِيرَ وَالْحُرّ وَالْعَبْدَ وَالذّكَرَ وَالْأُنْثَى وَالْأَحْمَرَ وَالْأَسْوَدَ وَالْجِنّ وَالْإِنْسَ . وَلَمّا صَدَعَ بِأَمْرِ اللّهِ وَصَرّحَ لِقَوْمِهِ بِالدّعْوَةِ وَنَادَاهُمْ بِسَبّ آلِهَتِهِمْ وَعَيّبَ دِينَهُمْ [ ص 12 ] وَنَالُوهُ وَنَالُوهُمْ بِأَنْوَاعِ الْأَذَى وَهَذِهِ سُنّةُ اللّهِ عَزّ وَجَلّ فِي خَلْقِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { مَا يُقَالُ لَكَ إِلّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرّسُلِ مِنْ قَبْلِكَ } [ فُصّلَتْ 43 ] وَقَالَ { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَا لِكُلّ نَبِيّ عَدُوّا شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنّ } [ الْأَنْعَامُ 112 ] وَقَالَ { كَذَلِكَ مَا أَتَى الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلّا قَالُوا سَاحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أَتَوَاصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طَاغُونَ } [ الذّارِيَاتُ 52- 53 ] فَعَزّى سُبْحَانَهُ نَبِيّهُ بِذَلِكَ وَأَنّ لَهُ أُسْوَةً بِمَنْ تَقَدّمَهُ مِنْ الْمُرْسَلِينَ وَعَزّى أَتْبَاعَهُ بِقَوْلِهِ { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَمّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ مَسّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضّرّاءُ وَزُلْزِلُوا حَتّى يَقُولَ الرّسُولُ وَالّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ مَتَى نَصْرُ اللّهِ أَلَا إِنّ نَصْرَ اللّهِ قَرِيبٌ } [ الْبَقَرَةُ 214 ] وَقَوْلُهُ { الم أَحَسِبَ النّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ وَلَقَدْ فَتَنّا الّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنّ اللّهُ الّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنّ الْكَاذِبِينَ أَمْ حَسِبَ الّذِينَ يَعْمَلُونَ السّيّئَاتِ أَنْ يَسْبِقُونَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللّهِ فَإِنّ أَجَلَ اللّهِ لَآتٍ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ وَمَنْ جَاهَدَ فَإِنّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ إِنّ اللّهَ لَغَنِيّ عَنِ الْعَالَمِينَ وَالّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ لَنُكَفّرَنّ عَنْهُمْ سَيّئَاتِهِمْ وَلَنَجْزِيَنّهُمْ أَحْسَنَ الّذِي كَانُوا يَعْمَلُونَ وَوَصّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا وَإِنْ جَاهَدَاكَ لِتُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا إِلَيّ مَرْجِعُكُمْ فَأُنَبّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وَالّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصّالِحَاتِ لَنُدْخِلَنّهُمْ فِي الصّالِحِينَ وَمِنَ النّاسِ مَنْ يَقُولُ آمَنّا بِاللّهِ فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذَابِ اللّهِ وَلَئِنْ جَاءَ نَصْرٌ مِنْ رَبّكَ لَيَقُولُنّ إِنّا كُنّا مَعَكُمْ أَوَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِمَا فِي صُدُورِ الْعَالَمِينَ } [ الْعَنْكَبُوتُ 1 - 11 ] [ ص 13 ]
[ ذِكْرُ الِابْتِلَاءِ فِي أَوّلِ الدّعْوَةِ ]
فَلْيَتَأَمّلْ الْعَبْدُ سِيَاقَ هَذِهِ الْآيَاتِ وَمَا تَضَمّنَتْهُ مِنْ الْعِبَرِ وَكُنُوزِ الْحِكَمِ فَإِنّ النّاسَ إذَا أُرْسِلَ إلَيْهِمْ الرّسُلُ بَيْنَ أَمْرَيْنِ إمّا أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ آمَنّا وَإِمّا أَلّا يَقُولَ ذَلِكَ بَلْ يَسْتَمِرّ عَلَى السّيّئَاتِ وَالْكُفْرِ فَمَنْ قَالَ آمَنّا امْتَحَنَهُ رَبّهُ وَابْتَلَاهُ وَفَتَنَهُ وَالْفِتْنَةُ الِابْتِلَاءُ وَالِاخْتِبَارُ لِيَتَبَيّنَ الصّادِقُ مِنْ الْكَاذِبِ وَمَنْ لَمْ يَقُلْ آمَنّا فَلَا يَحْسِبْ أَنّهُ يُعْجِزُ اللّهَ وَيَفُوتُهُ وَيَسْبِقُهُ فَإِنّهُ إنّمَا يَطْوِي الْمَرَاحِلَ فِي يَدَيْهِ . وَكَيْفَ يَفِرّ الْمَرْءُ عَنْهُ بِذَنْبِهِ إذَا كَانَ تُطْوَى فِي يَدَيْهِ الْمَرَاحِلُ
فَمَنْ آمَنَ بِالرّسُلِ وَأَطَاعَهُمْ عَادَاهُ أَعْدَاؤُهُمْ وَآذَوْهُ فَابْتُلِيَ بِمَا يُؤْلِمُهُ وَإِنْ لَمْ يُؤْمِنْ بِهِمْ وَلَمْ يُطِعْهُمْ عُوقِبَ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَحَصَلَ لَهُ مَا يُؤْلِمُهُ وَكَانَ هَذَا الْمُؤْلِمُ لَهُ أَعْظَمَ أَلَمًا وَأَدُومَ مِنْ أَلَمِ اتّبَاعِهِمْ فَلَا بُدّ مِنْ حُصُولِ الْأَلَمِ لِكُلّ نَفْسٍ آمَنَتْ أَوْ رَغِبَتْ عَنْ الْإِيمَانِ لَكِنّ الْمُؤْمِنَ يَحْصُلُ لَهُ الْأَلَمُ فِي الدّنْيَا ابْتِدَاءً ثُمّ تَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَالْمُعْرِضُ عَنْ الْإِيمَانِ تَحْصُلُ لَهُ اللّذّةُ ابْتِدَاءً ثُمّ يَصِيرُ إلَى الْأَلَمِ الدّائِمِ . وَسُئِلَ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ أَيّمَا أَفْضَلُ لِلرّجُلِ أَنْ يُمَكّنَ أَوْ يُبْتَلَى ؟ فَقَالَ لَا يُمَكّنُ حَتّى يُبْتَلَى وَاَللّهُ تَعَالَى ابْتَلَى أُولِي الْعَزْمِ مِنْ الرّسُلِ فَلَمّا صَبَرُوا مَكّنَهُمْ فَلَا يَظُنّ أَحَدٌ أَنّهُ يَخْلُصُ مِنْ الْأَلَمِ الْبَتّةَ وَإِنّمَا يَتَفَاوَتُ أَهْلُ الْآلَامِ فِي الْعُقُولِ فَأَعْقَلُهُمْ مَنْ بَاعَ أَلَمًا مُسْتَمِرّا عَظِيمًا بِأَلَمٍ مُنْقَطِعٍ يَسِيرٍ وَأَشْقَاهُمْ مَنْ بَاعَ الْأَلَمَ الْمُنْقَطِعَ الْيَسِيرَ بِالْأَلَمِ الْعَظِيمِ الْمُسْتَمِرّ . فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ يَخْتَارُ الْعَاقِلُ هَذَا ؟ قِيلَ الْحَامِلُ لَهُ عَلَى هَذَا النّقْدُ وَالنّسِيئَةُ . و َالنّفْسُ مُوَكّلَةٌ بِحُبّ الْعَاجِل ِ
[ مَنْ أَرْضَى النّاسَ بِسَخَطِ اللّهِ لَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِنْ اللّهِ شَيْئًا ]
{ كَلّا بَلْ تُحِبّونَ الْعَاجِلَةَ وَتَذَرُونَ الْآخِرَةَ } [ الْقِيَامَةُ 20 ] { إِنّ هَؤُلَاءِ يُحِبّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا } [ الدّهْرُ 27 ] وَهَذَا يَحْصُلُ لِكُلّ أَحَدٍ فَإِنّ الْإِنْسَانَ مَدَنِيّ بِالطّبْعِ لَا بُدّ لَهُ أَنْ يَعِيشَ مَعَ النّاسِ وَالنّاسُ لَهُمْ إرَادَاتٌ وَتَصَوّرَاتٌ فَيَطْلُبُونَ مِنْهُ أَنْ يُوَافِقَهُمْ عَلَيْهَا فَإِنْ لَمْ يُوَافِقْهُمْ آذَوْهُ وَعَذّبُوهُ وَإِنْ [ ص 14 ] حَصَلَ لَهُ الْأَذَى وَالْعَذَابُ تَارَةً مِنْهُمْ وَتَارَةً مِنْ غَيْرِهِمْ كَمَنْ عِنْدَهُ دِينٌ وَتُقًى حَلّ بَيْنَ قَوْمٍ فُجّارٍ ظَلَمَةٍ وَلَا يَتَمَكّنُونَ مِنْ فُجُورِهِمْ وَظُلْمِهِمْ إلّا بِمُوَافَقَتِهِ لَهُمْ أَوْ سُكُوتِهِ عَنْهُمْ فَإِنْ وَافَقَهُمْ أَوْ سَكَتَ عَنْهُمْ سَلِمَ مِنْ شَرّهِمْ فِي الِابْتِدَاءِ ثُمّ يَتَسَلّطُونَ عَلَيْهِ بِالْإِهَانَةِ وَالْأَذَى أَضْعَافَ مَا كَانَ يَخَافُهُ ابْتِدَاءً لَوْ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ وَخَالَفَهُمْ وَإِنْ سَلِمَ مِنْهُمْ فَلَا بُدّ أَنْ يُهَانَ وَيُعَاقَبَ عَلَى يَدِ غَيْرِهِمْ فَالْحَزْمُ كُلّ الْحَزْمِ فِي الْأَخْذِ بِمَا قَالَتْ عَائِشَةُ أُمّ الْمُؤْمِنِينَ لِمُعَاوِيَةَ : مَنْ أَرْضَى اللّهَ بِسَخَطِ النّاسِ كَفَاهُ اللّهُ مُؤْنَةَ النّاسِ وَمَنْ أَرْضَى النّاسَ بِسَخَطِ اللّهِ لَمْ يُغْنُوا عَنْهُ مِنْ اللّهِ شَيْئًا وَمَنْ تَأَمّلَ أَحْوَالَ الْعَالَمِ رَأَى هَذَا كَثِيرًا فِيمَنْ يُعِينُ الرّؤَسَاءَ عَلَى أَغْرَاضِهِمْ الْفَاسِدَةِ وَفِيمَنْ يُعِينُ أَهْلَ الْبِدَعِ عَلَى بِدَعِهِمْ هَرَبًا مِنْ عُقُوبَتِهِمْ فَمَنْ هَدَاهُ اللّهُ وَأَلْهَمَهُ رُشْدَهُ وَوَقَاهُ شَرّ نَفْسِهِ امْتَنَعَ مِنْ الْمُوَافَقَةِ عَلَى فِعْلِ الْمُحَرّمِ وَصَبَرَ عَلَى عِدْوَانِهِمْ ثُمّ تَكُونُ لَهُ الْعَاقِبَةُ فِي الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ كَمَا كَانَتْ لِلرّسُلِ وَأَتْبَاعِهِمْ كَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَنْ اُبْتُلِيَ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَالْعِبَادِ وَصَالِحِي الْوُلَاةِ وَالتّجّارِ وَغَيْرِهِمْ .
[ تَعْزِيَةُ اللّهِ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ بِأَنّ الْحَيَاةَ الدّنْيَا قَصِيرَةٌ ]
وَلَمّا كَانَ الْأَلَمُ لَا مَحِيصَ مِنْهُ الْبَتّةَ عَزّى اللّهُ - سُبْحَانَهُ - مَنْ اخْتَارَ الْأَلَمَ الْيَسِيرَ الْمُنْقَطِعَ عَلَى الْأَلَمِ الْعَظِيمِ الْمُسْتَمِرّ بِقَوْلِهِ { مَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ اللّهِ فَإِنّ أَجَلَ اللّهِ لَآتٍ وَهُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ } [ الْعَنْكَبُوتُ 5 ] فَضَرَبَ لِمُدّةِ هَذَا الْأَلَمِ أَجَلًا لَا بُدّ أَنْ يَأْتِيَ وَهُوَ يَوْمُ لِقَائِهِ فَيَلْتَذّ الْعَبْدُ أَعْظَمَ اللّذّةِ بِمَا تَحَمّلَ [ ص 15 ] أَجْلِهِ وَفِي مَرْضَاتِهِ وَتَكُونُ لَذّتُهُ وَسُرُورُهُ وَابْتِهَاجُهُ بِقَدْرِ مَا تَحَمّلَ مِنْ الْأَلَمِ فِي اللّهِ وَلِلّهِ وَأَكّدَ هَذَا الْعَزَاءَ وَالتّسْلِيَةَ بِرَجَاءِ لِقَائِهِ لِيَحْمِلَ الْعَبْدُ اشْتِيَاقَهُ إلَى لِقَاءِ رَبّهِ وَوَلِيّهِ عَلَى تَحَمّلِ مَشَقّةِ الْأَلَمِ الْعَاجِلِ بَلْ رُبّمَا غَيّبَهُ الشّوْقُ إلَى لِقَائِهِ عَنْ شُهُودِ الْأَلَمِ وَالْإِحْسَاسِ بِهِ وَلِهَذَا سَأَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَبّهُ الشّوْقَ إلَى لِقَائِهِ فَقَالَ فِي الدّعَاءِ الّذِي رَوَاهُ أَحْمَدُ وَابْنُ حِبّانَ : اللّهُمّ إنّي أَسْأَلُكَ بِعِلْمِكَ الْغَيْبَ وَقُدْرَتِكَ عَلَى الْخَلْقِ أَحْيِنِي إذَا كَانَتْ الْحَيَاةُ خَيْرًا لِي وَتَوَفّنِي إذَا كَانَتْ الْوَفَاةُ خَيْرًا لِي وَأَسْأَلُكَ خَشْيَتَكَ فِي الْغَيْبِ وَالشّهَادَةِ وَأَسْأَلُك كَلِمَةَ الْحَقّ فِي الْغَضَبِ وَالرّضَى وَأَسْأَلُكَ الْقَصْدَ فِي الْفَقْرِ وَالْغِنَى وَأَسْأَلُكَ نَعِيمًا لَا يَنْفَدُ وَأَسْأَلُكَ قُرّةَ عَيْنٍ لَا تَنْقَطِعُ وَأَسْأَلُكَ الرّضَى بَعْدَ الْقَضَاءِ وَأَسْأَلُكَ بَرْدَ الْعَيْشِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَأَسْأَلُكَ لَذّةَ النّظَرِ إلَى وَجْهِك وَأَسْأَلُكَ الشّوْقَ إلَى لِقَائِكَ فِي غَيْرِ ضَرّاءَ مُضِرّةٍ وَلَا فِتْنَةٍ مُضِلّةٍ اللّهُمّ زَيّنّا بِزِينَةِ الْإِيمَانِ وَاجْعَلْنَا هُدَاةً مُهْتَدِينَ فَالشّوْقُ يَحْمِلُ الْمُشْتَاقَ عَلَى الْجِدّ فِي السّيْرِ إلَى مَحْبُوبِهِ وَيُقَرّبُ عَلَيْهِ الطّرِيقَ وَيَطْوِي لَهُ الْبَعِيدَ وَيُهَوّنُ عَلَيْهِ الْآلَامَ وَالْمَشَاقّ وَهُوَ مِنْ أَعْظَمِ نِعْمَةٍ أَنْعَمَ اللّهُ بِهَا عَلَى عَبْدِهِ وَلَكِنْ لِهَذِهِ النّعْمَةِ أَقْوَالٌ وَأَعْمَالٌ هُمَا السّبَبُ الّذِي تُنَالُ بِهِ وَاَللّهُ سُبْحَانَهُ سَمِيعٌ لِتِلْكَ الْأَقْوَالِ عَلِيمٌ بِتِلْكَ الْأَفْعَالِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِمَنْ يَصْلُحُ لِهَذِهِ النّعْمَةِ وَيَشْكُرُهَا وَيَعْرِفُ قَدْرَهَا وَيُحِبّ الْمُنْعِمَ عَلَيْهِ [ ص 16 ] قَالَ تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنّ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ } [ الْأَنْعَامُ 53 ] فَإِذَا فَاتَتْ الْعَبْدَ نَعْمَةٌ مِنْ نِعَمِ رَبّهِ فَلْيَقْرَأْ عَلَى نَفْسِهِ
{ أَلَيْسَ اللّهُ بِأَعْلَمَ بِالشّاكِرِينَ }
[ مَنْ جَاهَدَ فَإِنّمَا يُجَاهِدُ لِنَفْسِهِ ]
ثُمّ عَزّاهُمْ تَعَالَى بِعَزَاءٍ آخَرَ وَهُوَ أَنّ جِهَادَهُمْ فِيهِ إنّمَا هُوَ لِأَنْفُسِهِمْ وَثَمَرَتُهُ عَائِدَةٌ عَلَيْهِمْ وَأَنّهُ غَنِيّ عَنْ الْعَالَمِينَ وَمَصْلَحَةُ هَذَا الْجِهَادِ تَرْجِعُ إلَيْهِمْ لَا إلَيْهِ سُبْحَانَهُ ثُمّ أَخْبَرَ أَنّهُ يُدْخِلُهُمْ بِجِهَادِهِمْ وَإِيمَانِهِمْ فِي زُمْرَةِ الصّالِحِينَ .
[ مَعْنَى فَإِذَا أُوذِيَ فِي اللّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ كَعَذَابِ اللّهِ ]
ثُمّ أَخْبَرَ عَنْ حَالِ الدّاخِلِ فِي الْإِيمَانِ بِلَا بَصِيرَةٍ وَأَنّهُ إذَا أُوذِيَ فِي اللّهِ جَعَلَ فِتْنَةَ النّاسِ لَهُ كَعَذَابِ اللّهِ وَهِيَ أَذَاهُمْ لَهُ وَنَيْلُهُمْ إيّاهُ بِالْمَكْرُوهِ وَالْأَلَمِ الّذِي لَا بُدّ أَنْ يَنَالَهُ الرّسُلُ وَأَتْبَاعُهُمْ مِمّنْ خَالَفَهُمْ جَعَلَ ذَلِكَ فِي فِرَارِهِ مِنْهُمْ وَتَرْكِهِ السّبَبَ الّذِي نَالَهُ كَعَذَابِ اللّهِ الّذِي فَرّ مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ بِالْإِيمَانِ فَالْمُؤْمِنُونَ لِكَمَالِ بَصِيرَتِهِمْ فَرّوا مِنْ أَلَمِ عَذَابِ اللّهِ إلَى الْإِيمَانِ وَتَحَمّلُوا مَا فِيهِ مِنْ الْأَلَمِ الزّائِلِ الْمُفَارِقِ عَنْ قَرِيبٍ وَهَذَا لِضَعْفِ بَصِيرَتِهِ فَرّ مِنْ أَلَمِ عَذَابِ أَعْدَاءِ الرّسُلِ إلَى مُوَافَقَتِهِمْ وَمُتَابَعَتِهِمْ فَفَرّ مِنْ أَلَمِ عَذَابِهِمْ إلَى أَلَمِ عَذَابِ اللّهِ فَجَعَلَ أَلَمَ فِتْنَةِ النّاسِ فِي الْفِرَارِ مِنْهُ بِمَنْزِلَةِ أَلَمِ عَذَابِ اللّهِ وَغُبِنَ كُلّ الْغَبْنِ إذْ اسْتَجَارَ مِنْ الرّمْضَاءِ بِالنّارِ وَفَرّ مِنْ أَلَمِ سَاعَةٍ إلَى أَلَمِ الْأَبَدِ وَإِذَا نَصَرَ اللّهُ جُنْدَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ قَالَ إنّي كُنْتُ مَعَكُمْ وَاَللّهُ عَلِيمٌ بِمَا انْطَوَى عَلَيْهِ صَدْرُهُ مِنْ النّفَاقِ . وَالْمَقْصُودُ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أَنّهُ لَا بُدّ أَنْ يَمْتَحِنَ النّفُوسَ وَيَبْتَلِيَهَا فَيُظْهِرُ بِالِامْتِحَانِ طَيّبَهَا مِنْ خَبِيثِهَا وَمَنْ يَصْلُحُ لِمُوَالَاتِهِ وَكَرَامَاتِهِ وَمَنْ لَا يَصْلُحُ وَلْيُمَحّصْ النّفُوسَ الّتِي تَصْلُحُ لَهُ وَيُخَلّصُهَا بِكِيرِ الِامْتِحَانِ كَالذّهَبِ الّذِي لَا يَخْلُصُ وَلَا يَصْفُو مِنْ غِشّهِ إلّا بِالِامْتِحَانِ إذْ النّفْسُ فِي الْأَصْلِ جَاهِلَةٌ ظَالِمَةٌ وَقَدْ حَصَلَ لَهَا بِالْجَهْلِ وَالظّلْمِ مِنْ الْخُبْثِ مَا يَحْتَاجُ خُرُوجُهُ إلَى السّبْكِ وَالتّصْفِيَةِ فَإِنْ خَرَجَ فِي هَذِهِ الدّارِ وَإِلّا فَفِي كِيرِ جَهَنّمَ فَإِذَا هُذّبَ الْعَبْدُ وَنُقّيَ أُذِنَ لَهُ فِي دُخُولِ الْجَنّةِ . [ ص 17 ]
فَصْلٌ [ ذِكْرُ السّابِقِينَ إلَى الْإِسْلَامِ ]
[ أبوبكر الصديق ]
وَلَمّا دَعَا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ اسْتَجَابَ لَهُ عِبَادُ اللّهِ مِنْ كُلّ قَبِيلَةٍ فَكَانَ حَائِزَ قَصَبِ سَبْقِهِمْ صِدّيقُ الْأُمّةِ وَأَسْبَقَهَا إلَى الْإِسْلَامِ أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَآزَرَهُ فِي دِينِ اللّهِ وَدَعَا مَعَهُ إلَى اللّهِ عَلَى بَصِيرَةٍ فَاسْتَجَابَ لِأَبِي بَكْر ٍ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ وَسَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ .
[ خديجة الكبرى ]وَبَادَرَ إلَى الِاسْتِجَابَةِ لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صِدّيقَةُ النّسَاءِ خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ وَقَامَتْ بِأَعْبَاءِ الصّدّيقِيّةِ وَقَالَ لَهَا : لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِي فَقَالَتْ لَهُ أَبْشِرْ فَوَاَللّهِ لَا يُخْزِيكَ اللّهُ أَبَدًا ثُمّ اسْتَدَلّتْ بِمَا فِيهِ مِنْ الصّفَاتِ الْفَاضِلَةِ وَالْأَخْلَاقِ وَالشّيَمِ عَلَى أَنّ مَنْ كَانَ كَذَلِكَ لَا يُخْزَى أَبَدًا فَعَلِمَتْ بِكَمَالِ عَقْلِهَا وَفِطْرَتِهَا أَنّ الْأَعْمَالَ الصّالِحَةَ وَالْأَخْلَاقَ الْفَاضِلَةَ وَالشّيَمَ الشّرِيفَةَ تُنَاسِبُ أَشْكَالَهَا مِنْ كَرَامَةِ اللّهِ وَتَأْيِيدِهِ وَإِحْسَانِهِ وَلَا تُنَاسِبُ الْخِزْيَ وَالْخِذْلَانَ وَإِنّمَا يُنَاسِبُهُ أَضْدَادُهَا فَمَنْ رَكّبَهُ اللّهُ عَلَى أَحْسَنِ الصّفَاتِ وَأَحْسَنِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ إنّمَا يَلِيقُ بِهِ كَرَامَتُهُ وَإِتْمَامُ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ وَمَنْ رَكّبَهُ عَلَى أَقْبَحِ الصّفَاتِ وَأَسْوَإِ الْأَخْلَاقِ وَالْأَعْمَالِ إنّمَا يَلِيقُ بِهِ مَا يُنَاسِبُهَا وَبِهَذَا الْعَقْلِ وَالصّدّيقِيّة اسْتَحَقّتْ أَنْ يُرْسِلَ إلَيْهَا رَبّهَا بِالسّلَامِ مِنْهُ مَعَ رَسُولَيْهِ جِبْرِيلَ وَمُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
فصل [ من السابقين إلى الإسلام علي وزيد ]وَبَادَرَ إلَى الْإِسْلَامِ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَكَانَ [ ص 18 ] وَقِيلَ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَكَانَ فِي كَفَالَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَخَذَهُ مِنْ عَمّهِ أَبِي طَالِبٍ إعَانَةً لَهُ فِي سَنَةِ مَحْلٍ . وَبَادَرَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حِبّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانَ غُلَامًا لِخَدِيجَةَ فَوَهَبَتْهُ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا تَزَوّجَهَا وَقَدِمَ أَبُوهُ وَعَمّهُ فِي فِدَائِهِ فَسَأَلَا عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقِيلَ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَدَخَلَا عَلَيْهِ فَقَالَا : يَا ابْنَ عَبْدِ الْمُطّلِبِ يَا ابْنَ هَاشِمٍ يَا ابْنَ سَيّدِ قَوْمِهِ أَنْتُمْ أَهْلُ حَرَمِ اللّه وَجِيرَانِهِ تَفُكّونَ الْعَانِيَ وَتُطْعِمُونَ الْأَسِيرَ جِئْنَاكَ فِي ابْنِنَا عِنْدَك فَامْنُنْ عَلَيْنَا وَأَحْسِنْ إلَيْنَا فِي فِدَائِهِ قَالَ وَمَنْ هُوَ ؟ " قَالُوا : زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " فَهَلّا غَيْرَ ذَلِكَ " قَالُوا : مَا هُوَ ؟ قَالَ " أَدْعُوهُ فَأُخَيّرُهُ فَإِنْ اخْتَارَكُمْ فَهُوَ لَكُمْ وَإِنْ اخْتَارَنِي فَوَاَللّهِ مَا أَنَا بِاَلّذِي أَخْتَارُ عَلَى مَنْ اخْتَارَنِي أَحَدًا " قَالَا : قَدْ رَدَدْتَنَا عَلَى النّصَفِ وَأَحْسَنْت فَدَعَاهُ فَقَالَ " هَلْ تَعْرِفُ هَؤُلَاءِ ؟ " قَالَ نَعَمْ قَالَ " مَنْ هَذَا ؟ " قَالَ هَذَا أَبِي وَهَذَا عَمّي قَالَ " فَأَنَا مَنْ قَدْ عَلِمْتَ وَرَأَيْت وَعَرَفْتَ صُحْبَتِي لَك فَاخْتَرْنِي أَوْ اخْتَرْهُمَا " قَالَ مَا أَنَا بِاَلّذِي أَخْتَارُ عَلَيْك أَحَدًا أَبَدًا أَنْتَ مِنّي مَكَانُ الْأَبِ وَالْعَمّ فَقَالَا : وَيْحُكَ يَا زَيْدُ أَتَخْتَارُ الْعُبُودِيّةَ عَلَى الْحُرّيّةِ وَعَلَى أَبِيك وَعَمّك وَعَلَى أَهْلِ بَيْتِك ؟ قَالَ نَعَمْ قَدْ رَأَيْتُ مِنْ هَذَا الرّجُلِ شَيْئًا مَا أَنَا بِاَلّذِي أَخْتَارُ عَلَيْهِ أَحَدًا أَبَدًا فَلَمّا رَأَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَلِكَ أَخْرَجَهُ إلَى الْحِجْرِ فَقَالَ " أُشْهِدُكُمْ أَنّ زَيْدًا ابْنِي يَرِثُنِي وَأَرِثُهُ " فَلَمّا رَأَى ذَلِكَ أَبُوهُ وَعَمّهُ طَابَتْ نَفُوسُهُمَا فَانْصَرَفَا وَدُعِيَ زَيْدَ بْنَ مُحَمّدٍ حَتّى جَاءَ اللّهُ بِالْإِسْلَامِ فَنَزَلَتْ اُدْعُوهُمْ لِآبَائِهِمْ [ الْأَحْزَابُ 5 ] [ ص 19 ] زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ . قَالَ مَعْمَرٍ فِي " جَامِعِهِ " عَنْ الزّهْرِيّ : مَا عَلِمْنَا أَحَدًا أَسْلَمَ قَبْلَ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَهُوَ الّذِي أَخْبَرَ اللّهُ عَنْهُ فِي كِتَابِهِ أَنّهُ أَنْعَمَ عَلَيْهِ وَأَنْعَمَ عَلَيْهِ رَسُولُهُ وَسَمّاهُ بِاسْمِهِ .
[ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ ]
وَأَسْلَمَ الْقَسّ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَل ٍ وَتَمَنّى أَنْ يَكُونَ جَذَعًا إذْ يُخْرِجُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَوْمُهُ وَفِي " جَامِعِ التّرْمِذِيّ " أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَآهُ فِي الْمَنَامِ فِي هَيْئَةٍ حَسَنَةٍ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ أَنّهُ رَآهُ فِي ثِيَابِ بَيَاضٍ . وَدَخَلَ النّاسُ فِي الدّينِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ وَقُرَيْشٌ لَا تُنْكِرُ ذَلِكَ حَتّى بَادَأَهُمْ بِعَيْبِ دِينِهِمْ وَسَبّ آلِهَتَهُمْ وَأَنّهَا لَا تَضُرّ وَلَا تَنْفَعُ فَحِينَئِذٍ شَمّرُوا لَهُ وَلِأَصْحَابِهِ عَنْ سَاقِ الْعَدَاوَةِ فَحَمَى اللّهُ رَسُولَهُ بِعَمّهِ أَبِي طَالِبٍ لِأَنّهُ كَانَ شَرِيفًا مُعَظّمًا فِي قُرَيْشٍ مُطَاعًا فِي أَهْلِهِ وَأَهْلُ مَكّةَ لَا يَتَجَاسَرُونَ عَلَى مُكَاشَفَتِهِ بِشَيْءٍ مِنْ الْأَذَى . وَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ بَقَاؤُهُ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ الْمَصَالِحِ الّتِي تَبْدُو لِمَنْ تَأَمّلَهَا . [ ص 20 ] وَأَمّا أَصْحَابُهُ فَمَنْ كَانَ لَهُ عَشِيرَةٌ تَحْمِيهِ امْتَنَعَ بِعَشِيرَتِهِ وَسَائِرُهُمْ تَصَدّوْا لَهُ بِالْأَذَى وَالْعَذَابِ مِنْهُمْ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ وَأُمّهُ سُمَيّةُ وَأَهْلُ بَيْتِهِ عُذّبُوا فِي اللّهِ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا مَرّ بِهِمْ وَهُمْ يُعَذّبُونَ يَقُولُ صَبْرًا يَا آلَ يَاسِرٍ فَإِنّ مَوْعِدَكُمْ الْجَنّةُ وَمِنْهُمْ بِلَالُ بْنُ رَبَاحٍ فَإِنّهُ عُذّبَ فِي اللّهِ أَشَدّ الْعَذَابِ فَهَانَ عَلَى قَوْمِهِ وَهَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فِي اللّهِ وَكَانَ كُلّمَا اشْتَدّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ يَقُولُ أَحَدٌ أَحَدٌ فَيَمُرّ بِهِ وَرَقَةُ بْنُ نَوْفَلٍ . فَيَقُولُ إي وَاَللّهِ يَا بِلَالُ أَحَدٌ أَحَدٌ أَمَا وَاَللّهِ لَئِنْ قَتَلْتُمُوهُ لَأَتّخِذَنّهُ حَنَانًا .
فَصْلٌ
وَلَمّا اشْتَدّ أَذَى الْمُشْرِكِينَ عَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَفُتِنَ مِنْهُمْ مَنْ فُتِنَ حَتّى يَقُولُوا لِأَحَدِهِمْ اللّاتُ وَالْعُزّى إلَهُكَ مِنْ دُونِ اللّهِ ؟ فَيَقُولُ نَعَمْ وَحَتّى إنّ الْجُعَلَ لَيَمُرّ بِهِمْ فَيَقُولُونَ وَهَذَا إلَهُكَ مِنْ دُونِ اللّهِ فَيَقُولُ نَعَمْ وَمَرّ عَدُوّ اللّهِ أَبُو جَهْلٍ بِسُمَيّةَ أُمّ عَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَهِيَ تُعَذّبُ وَزَوْجُهَا وَابْنُهَا فَطَعَنَهَا بِحَرْبَةٍ فِي فَرْجِهَا حَتّى قَتَلَهَا . [ ص 21 ]
[ شِرَاءُ الصّدّيقِ لِلْعَبِيدِ الْمُعَذّبِينَ ]
كَان الصّدّيقُ إذَا مَرّ بِأَحَدٍ مِنْ الْعَبِيدِ يُعَذّبُ اشْتَرَاهُ مِنْهُمْ وَأَعْتَقَهُ مِنْهُمْ بِلَالٌ وَعَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ وَأُمّ عُبَيْسٍ وزنيرة وَالنّهْدِيّة وَابْنَتُهَا وَجَارِيَةٌ لِبَنِي عَدِي ّ كَانَ عُمَرُ يُعَذّبُهَا عَلَى الْإِسْلَامِ قَبْلَ إسْلَامِهِ وَقَالَ لَهُ أَبُوهُ يَا بُنَيّ أَرَاك تَعْتِقُ رِقَابًا ضِعَافًا فَلَوْ أَنّك إذْ فَعَلْتَ مَا فَعَلْتَ أَعْتَقْتَ قَوْمًا جِلْدًا يَمْنَعُونَك فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ إنّي أُرِيدُ مَا أُرِيدُ
[ الْهِجْرَةُ الْأُولَى إلَى الْحَبَشَةِ ]
[ هَلْ قَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ مَكّةَ مِنْ الْهِجْرَةِ الْأُولَى إلَى الْحَبَشَةِ ]
فَلَمّا اشْتَدّ الْبَلَاءُ أَذِنَ اللّهُ سُبْحَانَهُ لَهُمْ بِالْهِجْرَةِ الْأُولَى إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَكَانَ أَوّلَ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهَا عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ وَمَعَهُ زَوْجَتُهُ رُقَيّةُ بِنْتُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانَ أَهْلُ هَذِهِ الْهِجْرَةِ الْأُولَى اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا وَأَرْبَعَ نِسْوَةٍ عُثْمَانُ وَامْرَأَتُه وَأَبُو حُذَيْفَةَ وَامْرَأَتُهُ سَهْلَةُ بِنْتُ سُهَيْلٍ وَأَبُو سَلَمَةَ وَامْرَأَتُهُ أُمّ سَلَمَةَ هِنْدُ بِنْت أَبِي أُمّيّةَ وَالزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ وَمُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ وَعَامِرُ بْنُ رَبِيعَةَ وَامْرَأَتُهُ لَيْلَى بِنْتُ أَبِي حَثْمَةَ وَأَبُو سَبْرَةَ بْنُ أَبِي رُهْمٍ وَحَاطِبُ بْنُ عَمْرٍو وَسُهَيْلُ بْنُ وَهْبٍ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ . وَخَرَجُوا مُتَسَلّلِينَ سِرّا فَوَفّقَ اللّهُ لَهُمْ سَاعَةَ وُصُولِهِمْ إلَى السّاحِلِ سَفِينَتَيْنِ لِلتّجّارِ فَحَمَلُوهُمْ فِيهِمَا إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَكَانَ مَخْرَجُهُمْ فِي رَجَبٍ فِي السّنَةِ الْخَامِسَةِ مِنْ الْمَبْعَثِ وَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ فِي آثَارِهِمْ حَتّى جَاءُوا الْبَحْرَ فَلَمْ يُدْرِكُوا مِنْهُمْ أَحَدًا ثُمّ بَلَغَهُمْ أَنّ قُرَيْشًا قَدْ كَفّوا عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرَجَعُوا فَلَمّا كَانُوا دُونَ مَكّةَ بِسَاعَةٍ مِنْ نَهَارٍ بَلَغَهُمْ أَنّ قُرَيْشًا أَشَدّ مَا كَانُوا عَدَاوَةً لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَدَخَلَ مَنْ دَخَلَ بِجِوَارٍ وَفِي تِلْكَ الْمَرّةِ دَخَلَ ابْنُ مَسْعُودٍ فَسَلّمَ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ فِي الصّلَاةِ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ فَتَعَاظَمَ ذَلِكَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ حَتّى قَالَ لَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ؟ : إنّ اللّهَ قَدْ أَحْدَثَ مِنْ أَمْرِهِ أَنْ لَا تَكَلّمُوا فِي الصّلَاةِ هَذَا هُوَ الصّوَابُ وَزَعَمَ ابْنُ سَعْدٍ وَجَمَاعَةٌ أَنّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَدْخُلْ وَأَنّهُ رَجَعَ إلَى الْحَبَشَةِ [ ص 22 ] الثّانِيَةِ إلَى الْمَدِينَةِ مَعَ مَنْ قَدِمَ وَرَدّ هَذَا بِأَنّ ابْنَ مَسْعُودٍ شَهِدَ بَدْرًا وَأَجْهَزَ عَلَى أَبِي جَهْلٍ وَأَصْحَابُ هَذِهِ الْهِجْرَةِ إنّمَا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ مَعَ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابِهِ بَعْدَ بَدْرٍ بِأَرْبَعِ سِنِينَ أَوْ خَمْسٍ . قَالُوا : فَإِنْ قِيلَ بَلْ هَذَا الّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ سَعْدٍ يُوَافِقُ قَوْلَ زَيْدِ بْن أَرْقَمَ : كُنّا نَتَكَلّمُ فِي الصّلَاةِ يُكَلّمُ الرّجُلُ صَاحِبَهُ وَهُوَ إلَى جَنْبِهِ فِي الصّلَاةِ حَتّى نَزَلَتْ { وَقُومُوا لِلّهِ قَانِتِينَ } [ الْبَقَرَةُ 238 ] فَأُمِرْنَا بِالسّكُوتِ وَنُهِينَا عَنْ الْكَلَامِ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ مِنْ الْأَنْصَارِ وَالسّورَةُ مَدَنِيّةٌ وَحِينَئِذٍ فَابْنُ مَسْعُودٍ سَلّمَ عَلَيْهِ لَمّا قَدِمَ وَهُوَ فِي الصّلَاةِ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ حَتّى سَلّمَ وَأَعْلَمَهُ بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ فَاتّفَقَ حَدِيثُهُ وَحَدِيثُ ابْنِ أَرْقَمَ . قِيلَ يُبْطِلُ هَذَا شُهُودُ ابْنِ مَسْعُودٍ بَدْرًا وَأَهْلُ الْهِجْرَةِ الثّانِيَةِ إنّمَا قَدِمُوا عَامَ خَيْبَرَ مَعَ جَعْفَر ٍ وَأَصْحَابِهِ وَلَوْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِمّنْ قَدِمَ قَبْلَ بَدْرٍ لَكَانَ لِقُدُومِهِ ذِكْرٌ وَلَمْ يَذْكُرْ أَحَدٌ قُدُومَ مُهَاجِرِي الْحَبَشَةِ إلّا فِي الْقَدْمَةِ الْأَوْلَى بِمَكّةَ وَالثّانِيَةُ عَامَ خَيْبَرَ مَعَ جَعْفَرٍ فَمَتَى قَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ فِي غَيْرِ هَاتَيْنِ الْمَرّتَيْنِ وَمَعَ مَنْ ؟ وَبِنَحْوِ [ ص 23 ] قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ قَالَ وَبَلَغَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الّذِينَ خَرَجُوا إلَى الْحَبَشَةِ إسْلَامُ أَهْلِ مَكّةَ فَأَقْبَلُوا لَمّا بَلَغَهُمْ مِنْ ذَلِكَ حَتّى إذَا دَنَوْا مِنْ مَكّةَ بَلَغَهُمْ أَنّ إسْلَامَ أَهْلِ مَكّةَ كَانَ بَاطِلًا فَلَمْ يَدْخُلْ مِنْهُمْ أَحَدٌ إلّا بِجِوَارٍ أَوْ مُسْتَخْفِيًا . فَكَانَ مِمّنْ قَدِمَ مِنْهُمْ فَأَقَامَ بِهَا حَتّى هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ فَشَهِدَ بَدْرًا وَأُحُدًا فَذَكَرَ مِنْهُمْ عَبْدَ اللّهِ بْنَ مَسْعُودٍ . فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَصْنَعُونَ بِحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ ؟ قِيلَ قَدْ أُجِيبَ عَنْهُ بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ النّهْيُ عَنْهُ قَدْ ثَبَتَ بِمَكّةَ ثُمّ أُذِنَ فِيهِ بِالْمَدِينَةِ ثُمّ نُهِيَ عَنْهُ . وَالثّانِي : أَنّ زَيْدَ بْنَ أَرْقَمَ كَانَ مِنْ صِغَارِ الصّحَابَةِ وَكَانَ هُوَ وَجَمَاعَةٌ يَتَكَلّمُونَ فِي الصّلَاةِ عَلَى عَادَتِهِمْ وَلَمْ يَبْلُغْهُمْ النّهْيُ فَلَمّا بَلَغَهُمْ انْتَهَوْا وَزَيْدٌ لَمْ يُخْبِرْ عَنْ جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ كُلّهِمْ بِأَنّهُمْ كَانُوا يَتَكَلّمُونَ فِي الصّلَاةِ إلَى حِينِ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ وَلَوْ قُدّرَ أَنّهُ أَخْبَرَ بِذَلِكَ لَكَانَ وَهْمًا مِنْهُ .
[ الْهِجْرَةُ الثّانِيَةُ إلَى الْحَبَشَةِ ]
ثُمّ اشْتَدّ الْبَلَاءُ مِنْ قُرَيْشٍ عَلَى مَنْ قَدِمَ مِنْ مُهَاجِرِي الْحَبَشَةِ وَغَيْرِهِمْ وَسَطَتْ بِهِمْ عَشَائِرُهُمْ وَلَقُوا مِنْهُمْ أَذًى شَدِيدًا فَأَذِنَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْخُرُوجِ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مَرّةً ثَانِيَةً وَكَانَ خُرُوجُهُمْ الثّانِي أَشَقّ عَلَيْهِمْ وَأَصْعَبَ وَلَقُوا مِنْ قُرَيْشٍ تَعْنِيفًا شَدِيدًا وَنَالُوهُمْ بِالْأَذَى وَصَعُبَ عَلَيْهِمْ مَا بَلَغَهُمْ عَنْ النّجَاشِيّ مِنْ حُسْنِ جِوَارِهِ لَهُمْ وَكَانَ عِدّةُ مَنْ خَرَجَ فِي هَذِهِ الْمَرّةِ ثَلَاثَةً وَثَمَانِينَ رَجُلًا إنْ كَانَ فِيهِمْ عَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَإِنّهُ يُشَكّ فِيهِ قَالَهُ ابْنُ إسْحَاقَ وَمِنْ النّسَاءِ تِسْعَ عَشْرَةَ امْرَأَةً . قُلْتُ قَدْ ذُكِرَ فِي هَذِهِ الْهِجْرَةِ الثّانِيَةِ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ وَجَمَاعَةٌ مِمّنْ شَهِدَ بَدْرًا فَإِمّا أَنْ يَكُونَ هَذَا وَهْمًا وَإِمّا أَنْ يَكُونَ لَهُمْ قَدْمَةٌ أُخْرَى قَبْلَ بَدْرٍ فَيَكُونُ لَهُمْ ثَلَاثُ قَدَمَاتٍ قَدْمَةٌ قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَقَدْمَةٌ قَبْلَ بَدْرٍ وَقَدْمَةٌ عَامَ خَيْبَرَ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُ إنّهُمْ لَمّا سَمِعُوا مُهَاجَرَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمَدِينَةِ رَجَعَ مِنْهُمْ ثَلَاثَةٌ وَثَلَاثُونَ رَجُلًا وَمِنْ النّسَاءِ ثَمَانِ نِسْوَةٍ فَمَاتَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ بِمَكّةَ وَحُبِسَ بِمَكّةَ سَبْعَةٌ وَشَهِدَ بَدْرًا مِنْهُمْ أَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ رَجُلًا . [ ص 24 ] كَانَ شَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوّلِ سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ هِجْرَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمَدِينَة كَتَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كِتَابًا إلَى النّجَاشِيّ يَدْعُوهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَبَعَثَ بِهِ مَعَ عَمْرِو بْنِ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ فَلَمّا قُرِئَ عَلَيْهِ الْكِتَابُ أَسْلَمَ وَقَالَ لَئِنْ قَدَرْتُ أَنْ آتِيَهُ لَآتِيَنّهُ . وَكَتَبَ إلَيْهِ أَنْ يُزَوّجَهُ أُمّ حَبِيبَةَ بِنْتَ أَبِي سُفْيَانَ وَكَانَتْ فِيمَنْ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ مَعَ زَوْجِهَا عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ جَحْشٍ فَتَنَصّرَ هُنَاكَ وَمَاتَ فَزَوّجَهُ النّجَاشِيّ إيّاهَا وَأَصْدَقَهَا عَنْهُ أَرْبَعَمِائَةِ دِينَارٍ وَكَانَ الّذِي وَلِيَ تَزْوِيجَهَا خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ . وَكَتَبَ إلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِ مَنْ بَقِيَ عِنْدَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ وَيَحْمِلُهُمْ فَفَعَلَ وَحَمَلَهُمْ فِي سَفِينَتَيْنِ مَعَ عَمْرو بْنِ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ فَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِخَيْبَرَ فَوَجَدُوهُ قَدْ فَتَحَهَا فَكَلّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَدْخُلُوهُمْ فِي سِهَامِهِمْ فَفَعَلُوا . [ ص 25 ] ابْنِ مَسْعُودٍ وَزَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَيَكُونُ ابْنُ مَسْعُودٍ قَدِمَ فِي الْمَرّةِ الْوُسْطَى بَعْدَ الْهِجْرَةِ قَبْلَ بَدْرٍ إلَى الْمَدِينَةِ وَسَلّمَ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ وَكَانَ الْعَهْدُ حَدِيثًا بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ كَمَا قَالَ زَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ وَيَكُونُ تَحْرِيمُ الْكَلَامِ بِالْمَدِينَةِ لَا بِمَكّةَ وَهَذَا أَنْسَبُ بِالنّسْخِ الّذِي وَقَعَ فِي الصّلَاةِ وَالتّغْيِيرُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ كَجَعْلِهَا أَرْبَعًا بَعْدَ أَنْ كَانَتْ رَكْعَتَيْنِ وَوُجُوبِ الِاجْتِمَاعِ لَهَا . فَإِنْ قِيلَ مَا أَحْسَنَهُ مِنْ جَمْعٍ وَأَثْبَتَهُ لَوْلَا أَنّ مُحَمّدَ بْنَ إسْحَاقَ قَدْ قَالَ مَا حَكَيْتُمْ عَنْهُ أَنّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَقَامَ بِمَكّةَ بَعْدَ رُجُوعِهِ مِنْ الْحَبَشَةِ حَتّى هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ وَشَهِدَ بَدْرًا وَهَذَا يَدْفَعُ مَا ذُكِرَ . قِيلَ إنْ كَانَ مُحَمّدُ بْنُ إسْحَاقَ قَدْ قَالَ هَذَا فَقَدْ قَالَ مُحَمّدُ بْنُ سَعْدٍ فِي " طَبَقَاتِهِ " : إنّ ابْنَ مَسْعُودٍ مَكَثَ يَسِيرًا بَعْدَ مَقْدَمِهِ ثُمّ رَجَعَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ لِأَنّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَكُنْ لَهُ بِمَكّةَ مَنْ يَحْمِيهِ وَمَا حَكَاهُ ابْنُ سَعْدٍ قَدْ تَضَمّنَ زِيَادَةَ أَمْرٍ خَفِيَ عَلَى ابْنِ إسْحَاقَ وَابْنُ إسْحَاقَ لَمْ يَذْكُرْ مَنْ حَدّثَهُ وَمُحَمّدُ بْنُ سَعْدٍ أَسْنَدَ مَا حَكَاهُ إلَى الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ حَنْطَبٍ فَاتّفَقَتْ الْأَحَادِيثُ وَصَدّقَ بَعْضُهَا بَعْضًا وَزَالَ عَنْهَا الْإِشْكَالُ و لِلّهِ الْحَمْدُ وَالْمِنّةُ . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي هَذِهِ الْهِجْرَةِ إلَى الْحَبَشَةِ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ قَيْس ٍ وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ أَهْلُ السّيَرِ مِنْهُمْ مُحَمّدُ بْنُ عُمَرَ الْوَاقِدِيّ وَغَيْرُهُ وَقَالُوا : كَيْفَ يَخْفَى ذَلِكَ عَلَى ابْنِ إسْحَاقَ أَوْ عَلَى مَنْ دُونَهُ ؟ قُلْتُ وَلَيْسَ ذَلِكَ مِمّا يَخْفَى عَلَى مَنْ دُونَ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ فَضْلًا عَنْهُ وَإِنّمَا نَشَأَ الْوَهْمُ أَنّ أَبَا مُوسَى هَاجَرَ مِنْ الْيَمَنِ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ إلَى عِنْدِ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ لَمّا سَمِعَ بِهِمْ ثُمّ قَدِمَ مَعَهُمْ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِخَيْبَرَ كَمَا جَاءَ مُصَرّحًا بِهِ فِي " الصّحِيحِ " فَعَدّ ذَلِكَ ابْنُ إسْحَاقَ لِأَبِي مُوسَى هِجْرَةً وَلَمْ يَقُلْ إنّهُ هَاجَرَ مِنْ مَكّةَ إلَى أَرْضِ الْحَبَشَةِ لِيُنْكِرَ عَلَيْهِ .
فَصْلٌ [ مُحَاوَلَةُ الْمُشْرِكِينَ رَدّ النّجَاشِيّ الْمُهَاجِرِينَ ]
[ ص 26 ] الْمُهَاجِرُونَ إلَى مَمْلَكَةِ أَصْحَمَةَ النّجَاشِيّ آمِنِينَ فَلَمّا عَلِمَتْ قُرَيْشٌ بِذَلِكَ بَعَثَتْ فِي أَثَرِهِمْ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَعَمْرَو بْنَ الْعَاصِ بِهَدَايَا وَتُحَفٍ مِنْ بَلَدِهِمْ إلَى النّجَاشِيّ لِيَرُدّهُمْ عَلَيْهِمْ فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِمْ وَشَفَعُوا إلَيْهِ بِعُظَمَاءِ بِطَارِقَتِهِ فَلَمْ يُجِبْهُمْ إلَى مَا طَلَبُوا فَوَشَوْا إلَيْهِ إنّ هَؤُلَاءِ يَقُولُونَ فِي عِيسَى قَوْلًا عَظِيمًا يَقُولُونَ إنّهُ عَبْدُ اللّهِ فَاسْتَدْعَى الْمُهَاجِرِينَ إلَى مَجْلِسِهِ وَمُقَدّمُهُمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فَلَمّا أَرَادُوا الدّخُولَ عَلَيْهِ قَالَ جَعْفَرٌ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْك حِزْبَ اللّهِ فَقَالَ لِلْآذِنِ قُلْ لَهُ يُعِيدُ اسْتِئْذَانَهُ فَأَعَادَهُ عَلَيْهِ فَلَمّا دَخَلُوا عَلَيْهِ قَالَ مَا تَقُولُونَ فِي عِيسَى ؟ فَتَلَا عَلَيْهِ جَعْفَرٌ صَدْرًا مِنْ سُورَةِ " كهيعص " فَأَخَذَ النّجَاشِيّ عُودًا مِنْ الْأَرْضِ فَقَالَ مَا زَادَ عِيسَى عَلَى هَذَا وَلَا هَذَا الْعُودُ فَتَنَاخَرَتْ بَطَارِقَتُهُ عِنْدَهُ فَقَالَ وَإِنْ نَخَرْتُمْ قَالَ اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ سُيُومٌ بِأَرْضِي مَنْ سَبّكُمْ غُرّم وَالسّيُومُ الْآمِنُونَ فِي لِسَانِهِمْ ثُمّ قَالَ لِلرّسُولَيْنِ لَوْ أَعْطَيْتُمُونِي دَبَرًا مِنْ ذَهَبٍ يَقُولُ جَبَلًا مِنْ ذَهَبٍ مَا أَسْلَمْتهمْ إلَيْكُمَا ثُمّ أَمَرَ فَرُدّتْ عَلَيْهِمَا هَدَايَاهُمَا وَرَجَعَا مَقْبُوحِينَ .
فَصْلٌ [ مُقَاطَعَةُ قُرَيْشٍ لِبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطّلِبِ ]
ثُمّ أَسْلَمَ حَمْزَةُ عَمّهُ وَجَمَاعَةٌ كَثِيرُونَ وَفَشَا الْإِسْلَامُ فَلَمّا رَأَتْ قُرَيْشٌ أَمْرَ [ ص 27 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَعْلُو وَالْأُمُورُ تَتَزَايَدُ أَجْمَعُوا عَلَى أَنْ يَتَعَاقَدُوا عَلَى بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطّلِبِ وَبَنِي عَبْدِ مَنَافٍ أَنْ لَا يُبَايِعُوهُمْ وَلَا يُنَاكِحُوهُمْ وَلَا يُكَلّمُوهُمْ وَلَا يُجَالِسُوهُمْ حَتّى يُسَلّمُوا إلَيْهِمْ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَتَبُوا بِذَلِكَ صَحِيفَةً وَعَلّقُوهَا فِي سَقْفِ الْكَعْبَةِ يُقَالُ كَتَبَهَا مَنْصُورُ بْنُ عِكْرِمَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ هَاشِمٍ وَيُقَالُ النّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ وَالصّحِيحُ أَنّهُ بَغِيضُ بْنُ عَامِرِ بْنِ هَاشِمٍ فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَشُلّتْ يَدُهُ فَانْحَازَ بَنُو هَاشِمٍ وَبَنُو الْمُطّلِبِ مُؤْمِنُهُمْ وَكَافِرُهُمْ إلّا أَبَا لَهَبٍ فَإِنّهُ ظَاهَرَ قُرَيْشًا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطّلِبِ وَحُبِسَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَنْ مَعَهُ فِي الشّعْبِ شِعْبِ أَبِي طَالِبٍ لَيْلَةَ هِلَالِ الْمُحَرّمِ سَنَةَ سَبْعٍ مِنْ الْبَعْثَةِ وَعُلّقَتْ الصّحِيفَةُ فِي جَوْفِ الْكَعْبَةِ وَبَقُوا مَحْبُوسِينَ وَمَحْصُورِينَ مُضَيّقًا عَلَيْهِمْ جِدّا مَقْطُوعًا عَنْهُمْ الْمِيرَةُ وَالْمَادّةُ نَحْوَ ثَلَاثِ سِنِينَ حَتّى بَلَغَهُمْ الْجَهْدُ وَسُمِعَ أَصْوَاتُ صِبْيَانِهِمْ بِالْبُكَاءِ مِنْ وَرَاءِ الشّعْبِ وَهُنَاكَ عَمِلَ أَبُو طَالِب ٍ قَصِيدَتَهُ اللّامِيّةَ الْمَشْهُورَةَ أَوّلُهَا : جَزَى اللّهُ عَنّا عَبْدَ شَمْسٍ وَنَوْفَلًا عُقُوبَةَ شَرّ عَاجِلًا غَيْرَ آجِلِ
[ نَقْضُ الصّحِيفَةِ ]
وَكَانَتْ قُرَيْشٌ فِي ذَلِكَ بَيْنَ رَاضٍ وَكَارِهٍ فَسَعَى فِي نَقْضِ الصّحِيفَةِ مَنْ كَانَ كَارِهًا لَهَا وَكَانَ الْقَائِمُ بِذَلِكَ هِشَامُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ بْنِ حَبِيبِ بْنِ نَصْرِ بْنِ مَالِكٍ مَشَى فِي ذَلِكَ إلَى الْمُطْعِمِ بْنِ عَدِيّ وَجَمَاعَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَجَابُوهُ إلَى ذَلِكَ ثُمّ أَطْلَعَ اللّهُ رَسُولَهُ عَلَى أَمْرِ صَحِيفَتِهِمْ وَأَنّهُ أَرْسَلَ عَلَيْهَا الْأَرَضَةَ فَأَكَلَتْ جَمِيعَ مَا فِيهَا مِنْ جَوْرٍ وَقَطِيعَةٍ وَظُلْمٍ إلّا ذِكْرَ اللّهِ عَزّ وَجَلّ فَأَخْبَرَ بِذَلِكَ عَمّهُ فَخَرَجَ إلَى قُرَيْشٍ فَأَخْبَرَهُمْ أَنّ ابْنَ أَخِيهِ قَدْ قَالَ كَذَا وَكَذَا فَإِنْ كَانَ كَاذِبًا خَلّيْنَا بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ وَإِنْ كَانَ صَادِقًا رَجَعْتُمْ عَنْ قَطِيعَتِنَا وَظُلِمْنَا قَالُوا : قَدْ أَنْصَفْت فَأَنْزَلُوا الصّحِيفَةَ فَلَمّا رَأَوْا الْأَمْرَ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ازْدَادُوا كُفْرًا إلَى كُفْرِهِمْ وَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الشّعْبِ . [ ص 28 ] قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ : بَعْدَ عَشْرَةِ أَعْوَامٍ مِنْ الْمَبْعَثِ وَمَاتَ أَبُو طَالِبٍ بَعْدَ ذَلِكَ بِسِتّةِ أَشْهُرٍ وَمَاتَتْ خَدِيجَةُ بَعْدَهُ بِثَلَاثَةِ أَيّامٍ وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ .
فَصْل ٌ[ الْخُرُوجُ إلَى الطّائِفِ ]
فَلَمّا نُقِضَتْ الصّحِيفَةُ وَافَقَ مَوْتَ أَبِي طَالِبٍ وَمَوْتَ خَدِيجَةَ وَبَيْنَهُمَا يَسِيرٌ فَاشْتَدّ الْبَلَاءُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ سُفَهَاءِ قَوْمِهِ وَتَجَرّءُوا عَلَيْهِ فَكَاشَفُوهُ بِالْأَذَى فَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صلى الله عليه وسلم إلَى الطّائِفِ رَجَاءَ أَنْ يُؤْوُوهُ وَيَنْصُرُوهُ عَلَى قَوْمِهِ وَيَمْنَعُوهُ مِنْهُمْ وَدَعَاهُمْ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ فَلَمْ يَرَ مَنْ يُؤْوِي وَلَمْ يَرَ نَاصِرًا وَآذَوْهُ مَعَ ذَلِكَ أَشَدّ الْأَذَى وَنَالُوا مِنْهُ مَا لَمْ يَنَلْهُ قَوْمُهُ وَكَانَ مَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ مَوْلَاهُ فَأَقَامَ بَيْنَهُمْ عَشَرَةَ أَيّامٍ لَا يَدَعُ أَحَدًا مِنْ أَشْرَافِهِمْ إلّا جَاءَهُ وَكَلّمَهُ فَقَالُوا : اُخْرُجْ مِنْ بَلَدِنَا وَأَغْرَوْا بِهِ سُفَهَاءَهُمْ فَوَقَفُوا لَهُ سِمَاطَيْنِ وَجَعَلُوا يَرْمُونَهُ بِالْحِجَارَةِ حَتّى دَمِيَتْ قَدَمَاهُ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ يَقِيهِ بِنَفْسِهِ حَتّى أَصَابَهُ شِجَاجٌ فِي رَأْسِهِ فَانْصَرَفَ رَاجِعًا مِنْ الطّائِفِ إلَى مَكّةَ مَحْزُونًا وَفِي مَرْجِعِهِ ذَلِكَ دَعَا بِالدّعَاءِ الْمَشْهُورِ دُعَاءِ الطّائِفِ : اللّهُمّ إلَيْكَ أَشْكُو ضَعْفَ قُوّتِي وَقِلّةَ حِيلَتِي وَهَوَانِي عَلَى النّاسِ يَا أَرْحَمَ الرّاحِمِينَ أَنْتَ رَبّ الْمُسْتَضْعَفِينَ وَأَنْتَ رَبّي إلَى مَنْ تَكِلُنِي إلَى بَعِيدٍ يَتَجَهّمُنِي ؟ أَوْ إلَى عَدُوّ مَلّكْتَهُ أَمْرِي إنْ لَمْ يَكُنْ بِكَ غَضَبٌ عَلَيّ فَلَا أُبَالِي غَيْرَ أَنّ عَافِيَتَكَ هِيَ أَوْسَعُ لِي أَعُوذُ بِنُورِ وَجْهِكَ الّذِي أَشْرَقَتْ لَهُ الظّلُمَاتُ وَصَلُحَ عَلَيْهِ أَمْرُ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَنْ يَحِلّ عَلَيّ غَضَبُك أَوْ أَنْ يَنْزِلَ بِي سَخَطُك لَك الْعُتْبَى حَتّى تَرْضَى وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوّةَ إلّا بِكَ . فَأَرْسَلَ رَبّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إلَيْهِ مَلَكَ الْجِبَالِ يَسْتَأْمِرُهُ أَنْ يُطْبِقَ الْأَخْشَبَيْنِ عَلَى أَهْلِ مَكّةَ وَهُمَا جَبَلَاهَا اللّذَانِ هِيَ بَيْنَهُمَا فَقَالَ لَا بَلْ أَسْتَأْنِي بِهِمْ لَعَلّ اللّهَ يُخْرِجُ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مَنْ يَعْبُدُهُ لَا يُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا [ ص 29 ]
[ اسْتِمَاعُ الْجِنّ لِقِرَاءَتِهِ صلى الله عليه وسلم ]
فَلَمّا نَزَلَ بِنَخْلَةَ مَرْجِعَهُ قَامَ يُصَلّي مِنْ اللّيْلِ فَصُرِفَ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ الْجِنّ فَاسْتَمَعُوا قِرَاءَتَهُ وَلَمْ يَشْعُرْ بِهِمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى نَزَلَ عَلَيْهِ { وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ فَلَمّا حَضَرُوهُ قَالُوا أَنْصِتُوا فَلَمّا قُضِيَ وَلّوْا إِلَى قَوْمِهِمْ مُنْذِرِينَ قَالُوا يَا قَوْمَنَا إِنّا سَمِعْنَا كِتَابًا أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسَى مُصَدّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقّ وَإِلَى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ يَا قَوْمَنَا أَجِيبُوا دَاعِيَ اللّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ وَمَنْ لَا يُجِبْ دَاعِيَ اللّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَولِيَاءُ أُولَئِكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ } [ الْأَحْقَافُ 29 - 32 ] . [ ص 30 ] وَأَقَامَ بِنَخْلَةَ أَيّامًا فَقَالَ لَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ : كَيْفَ تَدْخُلُ عَلَيْهِمْ وَقَدْ أَخْرَجُوك ؟ يَعْنِي قُرَيْشًا فَقَالَ يَا زَيْدُ إنّ اللّهَ جَاعِلٌ لِمَا تَرَى فَرْجًا وَمَخْرَجًا وَإِنّ اللّهَ نَاصِرٌ دِينَهُ وَمُظْهِرٌ نَبِيّهُ
[ دُخُولُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَكّةَ بِجِوَارِ الْمُطْعِمِ ]
ثُمّ انْتَهَى إلَى مَكّةَ فَأَرْسَلَ رَجُلًا مِنْ خُزَاعَةَ إلَى مُطْعِمِ بْنِ عَدِيّ أَدَخَلَ فِي جِوَارِكَ ؟ فَقَالَ نَعَمْ وَدَعَا بَنِيهِ وَقَوْمَهُ فَقَالَ الْبِسُوا السّلَاحَ وَكُونُوا عِنْدَ أَرْكَانِ الْبَيْتِ فَإِنّي قَدْ أَجَرْتُ مُحَمّدًا فَدَخَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَعَهُ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ حَتّى انْتَهَى إلَى الْمَسْجِدِ الْحِرَامِ فَقَامَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيّ عَلَى رَاحِلَتِهِ فَنَادَى : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنّي قَدْ أَجَرْتُ مُحَمّدًا فَلَا يَهْجُهُ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَانْتَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الرّكْنِ فَاسْتَلَمَهُ وَصَلّى رَكْعَتَيْنِ وَانْصَرَفَ إلَى بَيْتِهِ وَالْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيّ وَوَلَدُهُ مُحْدِقُونَ بِهِ بِالسّلَاحِ حَتّى دَخَلَ بَيْتَهُ .
فَصْل ٌ[ الْإِسْرَاءُ ]
ثُمّ أُسْرِيَ بِرَسُولِ اللّهِ صلى الله عليه وسلم بِجَسَدِهِ عَلَى الصّحِيحِ مِنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ رَاكِبًا عَلَى الْبُرَاقِ صُحْبَة جِبْرِيلَ عَلَيْهِمَا الصّلَاةُ وَالسّلَامُ فَنَزَلَ [ ص 31 ] وَصَلّى بِالْأَنْبِيَاءِ إمَامًا وَرَبَطَ الْبُرَاقَ بِحَلْقَةِ بَابِ الْمَسْجِدِ . وَقَدْ قِيلَ إنّهُ نَزَلَ بِبَيْتِ لَحْمٍ وَصَلّى فِيهِ وَلَمْ يَصِحّ ذَلِكَ عَنْهُ الْبَتّةَ .
[الْمِعْرَاجُ ]
ثُمّ عُرِجَ بِهِ تِلْكَ اللّيْلَةَ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ إلَى السّمَاءِ الدّنْيَا فَاسْتَفْتَحَ لَهُ جِبْرِيلُ فَفُتِحَ لَهُ فَرَأَى هُنَالِكَ آدَمَ أَبَا الْبَشَرِ فَسَلّمَ عَلَيْهِ فَرَدّ عَلَيْهِ السّلَامَ وَرَحّبَ بِهِ وَأَقَرّ بِنُبُوّتِهِ وَأَرَاهُ اللّهُ أَرْوَاحَ السّعَدَاءِ عَنْ يَمِينِهِ وَأَرْوَاحَ الْأَشْقِيَاءِ عَنْ يَسَارِهِ ثُمّ عُرِجَ بِهِ إلَى السّمَاءِ الثّانِيَةِ فَاسْتَفْتَحَ لَهُ فَرَأَى فِيهَا يَحْيَى بْنَ زَكَرِيّا وَعِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ فَلَقِيَهُمَا وَسَلّمَ عَلَيْهِمَا فَرَدّا عَلَيْهِ وَرَحّبَا بِهِ وَأَقَرّا بِنُبُوّتِهِ ثُمّ عُرِجَ بِهِ إلَى السّمَاءِ الثّالِثَةِ فَرَأَى فِيهَا يُوسُفَ فَسَلّمَ عَلَيْهِ فَرَدّ عَلَيْهِ وَرَحّبَ بِهِ وَأَقَرّ بِنُبُوّتِهِ ثُمّ عُرِجَ بِهِ إلَى السّمَاءِ الرّابِعَةِ فَرَأَى فِيهَا إدْرِيسَ فَسَلّمَ عَلَيْهِ وَرَحّبَ بِهِ وَأَقَرّ بِنُبُوّتِهِ ثُمّ عُرِجَ بِهِ إلَى السّمَاءِ الْخَامِسَةِ فَرَأَى فِيهَا هَارُونَ بْنَ عِمْرَانَ فَسَلّمَ عَلَيْهِ وَرَحّبَ بِهِ وَأَقَرّ بِنُبُوّتِهِ ثُمّ عُرِجَ بِهِ إلَى السّمَاءِ السّادِسَةِ فَلَقِيَ فِيهَا مُوسَى بْنَ عِمْرَانَ فَسَلّمَ عَلَيْهِ وَرَحّبَ بِهِ وَأَقَرّ بِنُبُوّتِهِ فَلَمّا جَاوَزَهُ بَكَى مُوسَى فَقِيلَ لَهُ مَا يُبْكِيكَ ؟ فَقَالَ أَبْكِي لِأَنّ غُلَامًا بُعِثَ مِنْ بَعْدِي يَدْخُلُ الْجَنّةَ مِنْ أُمّتِهِ أَكْثَرُ مِمّا يَدْخُلُهَا مِنْ أُمّتِي ثُمّ عُرِجَ بِهِ إلَى السّمَاءِ السّابِعَةِ فَلَقِيَ فِيهَا إبْرَاهِيمَ فَسَلّمَ عَلَيْهِ وَرَحّبَ بِهِ وَأَقَرّ بِنُبُوّتِهِ ثُمّ رُفِعَ إلَى سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى ثُمّ رُفِعَ لَهُ الْبَيْتُ الْمَعْمُورُ ثُمّ عُرِجَ بِهِ إلَى الْجَبّارِ جَلّ جَلَالُهُ فَدَنَا مِنْهُ حَتّى كَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَوْحَى إلَى عَبْدِهِ مَا [ ص 32 ] مَرّ عَلَى مُوسَى فَقَالَ لَهُ بِمَ أُمِرْتَ ؟ قَالَ بِخَمْسِينَ صَلَاةً قَالَ إنّ أُمّتَكَ لَا تُطِيقُ ذَلِكَ ارْجِعْ إلَى رَبّك فَاسْأَلْهُ التّخْفِيفَ لِأُمّتِك فَالْتَفَتَ إلَى جِبْرِيلَ كَأَنّهُ يَسْتَشِيرُهُ فِي ذَلِكَ فَأَشَارَ أَنْ نَعَمْ إنْ شِئْت فَعَلَا بِهِ جِبْرِيلُ حَتّى أَتَى بِهِ الْجَبّارَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى وَهُوَ فِي مَكَانِهِ . هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيّ فِي بَعْضِ الطّرُقِ فَوَضَعَ عَنْهُ عَشْرًا ثُمّ أَنْزَلَ حَتَى مَرّ بِمُوسَى فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ ارْجِعْ إلَى رَبّك فَاسْأَلْهُ التّخْفِيفَ فَلَمْ يَزَلْ يَتَرَدّدُ بَيْنَ مُوسَى وَبَيْنَ اللّهِ عَزّ وَجَلّ حَتَى جَعَلَهَا خَمْسًا فَأَمَرَهُ مُوسَى بِالرّجُوعِ وَسُؤَالِ التّخْفِيفِ فَقَالَ قَدْ اسْتَحْيَيْتُ مِنْ رَبّي وَلَكِنْ أَرْضَى وَأُسَلّمُ فَلَمّا بَعُدَ نَادَى مُنَادٍ قَدْ أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفّفْتُ عَنْ عِبَادِي .
[ هَلْ رَأَى صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَبّهُ لَيْلَةَ الْمِعْرَاجِ ]
[ ص 33 ] رَأَى رَبّهُ تِلْكَ اللّيْلَةَ أَمْ لَا ؟ فَصَحّ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ رَأَى رَبّهُ وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ رَآهُ بِفُؤَادِهِ وَصَحّ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ إنْكَارُ ذَلِكَ وَقَالَا : إنّ قَوْلَهُ { وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى } [ النّجْمُ 13 ] إنّمَا هُوَ جِبْرِيلُ . وَصَحّ عَنْ أَبِي ذَرّ أَنّهُ سَأَلَهُ هَلْ رَأَيْتَ رَبّك ؟ فَقَالَ نُورٌ أَنّى أَرَاهُ أَيْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ رُؤْيَتِهِ النّورُ كَمَا قَالَ فِي لَفْظٍ آخَرَ رَأَيْتُ نُورًا وَقَدْ حَكَى عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدّارِمِيّ اتّفَاقَ الصّحَابَةِ عَلَى أَنّهُ لَمْ يَرَهُ . قَالَ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيّةَ قَدّسَ اللّهُ رُوحَهُ وَلَيْسَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ : " إنّهُ رَآهُ " مُنَاقِضًا لِهَذَا وَلَا قَوْلُهُ رَآهُ بِفُؤَادِهِ وَقَدْ صَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ " رَأَيْتُ رَبّي تَبَارَكَ وَتَعَالَى " وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ هَذَا فِي الْإِسْرَاءِ وَلَكِنْ كَانَ فِي الْمَدِينَةِ لَمّا اُحْتُبِسَ عَنْهُمْ فِي صَلَاةِ الصّبْحِ ثُمّ أَخْبَرَهُمْ [ ص 34 ] رَبّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى تِلْكَ اللّيْلَةَ فِي مَنَامِهِ وَعَلَى هَذَا بَنَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ تَعَالَى وَقَالَ نَعَمْ رَآهُ حَقّا فَإِنّ رُؤْيَا الْأَنْبِيَاءِ حَقّ وَلَا بُدّ وَلَكِنْ لَمْ يَقُلْ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ تَعَالَى : إنّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ يَقَظَةً وَمَنْ حَكَى عَنْهُ ذَلِكَ فَقَدْ وَهِمَ عَلَيْهِ وَلَكِنْ قَالَ مَرّةً رَآهُ وَمَرّةً قَالَ رَآهُ بِفُؤَادِهِ فَحُكِيَتْ عَنْهُ رِوَايَتَانِ وَحُكِيَتْ عَنْهُ الثّالِثَةُ مِنْ تَصَرّفِ بَعْضِ أَصْحَابِهِ أَنّهُ رَآهُ بِعَيْنَيْ رَأْسِهِ وَهَذِهِ نُصُوصُ أَحْمَدَ مَوْجُودَةٌ لَيْسَ فِيهَا ذَلِكَ . وَأَمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ : أَنّهُ رَآهُ بِفُؤَادِهِ مَرّتَيْنِ فَإِنْ كَانَ اسْتِنَادُهُ إلَى قَوْلِهِ تَعَالَى : { مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى } [ النّجْمُ 11 ] ثُمّ قَالَ { وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى } [ النّجْمُ 13 ] وَالظّاهِرُ أَنّهُ مُسْتَنَدُهُ فَقَدْ صَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ هَذَا الْمَرْئِيّ جِبْرِيلُ رَآهُ مَرّتَيْنِ فِي صُورَتِهِ الّتِي خُلِقَ عَلَيْهَا وَقَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ هَذَا هُوَ مُسْتَنَدُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي قَوْلِهِ رَآهُ بِفُؤَادِهِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَأَمّا قَوْلُهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ النّجْمِ { ثُمّ دَنَا فَتَدَلّى } [ النّجْمُ 8 ] فَهُوَ غَيْرُ الدّنُوّ وَالتّدَلّي فِي قِصّةِ الْإِسْرَاءِ فَإِنّ الّذِي فِي ( سُورَةِ النّجْمِ هُوَ دُنُوّ جِبْرِيلَ وَتَدَلّيهِ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَالسّيَاقُ يَدُلّ عَلَيْهِ فَإِنّهُ قَالَ { عَلّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى } [ النّجْمُ 5 ] وَهُوَ جِبْرِيل { ذُو مِرّةٍ فَاسْتَوَى وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمّ دَنَا فَتَدَلّى } [ النّجْمُ 6 - 8 ] فَالضّمَائِرُ كُلّهَا رَاجِعَةٌ إلَى هَذَا الْمُعَلّمِ الشّدِيدِ الْقُوَى وَهُوَ ذُو الْمِرّةِ أَيْ الْقُوّةُ وَهُوَ الّذِي اسْتَوَى بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى وَهُوَ الّذِي دَنَى فَتَدَلّى فَكَانَ مِنْ مُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْرَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى فَأَمّا الدّنُوّ وَالتّدَلّي الّذِي فِي حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ فَذَلِكَ صَرِيحٌ فِي أَنّهُ دُنُوّ الرّبّ تَبَارَكَ وَتَدَلّيهِ وَلَا تَعَرّضَ فِي ( سُورَةِ النّجْمِ لِذَلِكَ بَلْ فِيهَا أَنّهُ رَآهُ نَزْلَةً [ ص 35 ] سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَهَذَا هُوَ جِبْرِيلُ رَآهُ مُحَمّدٌ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى صُورَتِهِ مَرّتَيْنِ مَرّةً فِي الْأَرْضِ وَمَرّةً عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ إخْبَارُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِقُرَيْشٍ بِالْإِسْرَاءِ ]
فَلَمّا أَصْبَحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي قَوْمِهِ أَخْبَرَهُمْ بِمَا أَرَاهُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ مِنْ آيَاتِهِ الْكُبْرَى فَاشْتَدّ تَكْذِيبُهُمْ لَهُ وَأَذَاهُمْ وَضَرَاوَتُهُمْ عَلَيْهِ وَسَأَلُوهُ أَنْ يَصِفَ لَهُمْ بَيْتَ الْمَقْدِسِ فَجَلّاهُ اللّهُ لَهُ حَتّى عَايَنَهُ فَطَفِقَ يُخْبِرُهُمْ عَنْ آيَاتِهِ وَلَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَرُدّوا عَلَيْهِ شَيْئًا . وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ عِيرِهِمْ فِي مَسْرَاهُ وَرُجُوعِهِ وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ وَقْتِ قُدُومِهَا وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ الْبَعِيرِ الّذِي يَقْدُمُهَا وَكَانَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ فَلَمْ يَزِدْهُمْ ذَلِكَ إلّا نُفُورًا وَأَبَى الظّالِمُونَ إلّا كُفُورًا . [ ص 36 ]
فِصَلٌ [ الْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ قَالَ كَانَ الْإِسْرَاءُ بِالرّوحِ وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ كَانَ الْإِسْرَاءُ مَنَامًا ]
وَقَدْ نَقَلَ ابْنُ إسْحَاقَ عَنْ عَائِشَةَ وَمُعَاوِيَةَ أَنّهُمَا قَالَا : إنّمَا كَانَ الْإِسْرَاءُ بِرُوحِهِ وَلَمْ يَفْقِدْ جَسَدَهُ وَنُقِلَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيّ نَحْوُ ذَلِكَ وَلَكِنْ يَنْبَغِي أَنْ يُعْلَمَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُقَالَ كَانَ الْإِسْرَاءُ مَنَامًا وَبَيْنَ أَنْ يُقَالَ كَانَ بِرُوحِهِ دُونَ جَسَدِهِ وَبَيْنَهُمَا فَرْقٌ عَظِيمٌ وَعَائِشَةُ وَمُعَاوِيَةُ لَمْ يَقُولَا : كَانَ مَنَامًا وَإِنّمَا قَالَا : أُسْرِيَ بِرُوحِهِ وَلَمْ يَفْقِدْ جَسَدَهُ وَفَرْقٌ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ فَإِنّ مَا يَرَاهُ النّائِمُ قَدْ يَكُونُ أَمْثَالًا مَضْرُوبَةً لِلْمَعْلُومِ فِي الصّوَرِ الْمَحْسُوسَةِ فَيَرَى كَأَنّهُ قَدْ عُرِجَ بِهِ إلَى السّمَاءِ أَوْ ذُهِبَ بِهِ إلَى مَكّةَ وَأَقْطَارِ الْأَرْضِ وَرُوحُهُ لَمْ تَصْعَدْ وَلَمْ تَذْهَبْ وَإِنّمَا مَلَكُ الرّؤْيَا ضَرَبَ لَهُ الْمِثَالَ وَاَلّذِينَ قَالُوا : عُرِجَ بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ طَائِفَتَانِ طَائِفَةٌ قَالَتْ عُرِجَ بِرُوحِهِ وَبَدَنِهِ وَطَائِفَةٌ قَالَتْ عُرِجَ بِرُوحِهِ وَلَمْ يَفْقِدْ بَدَنَهُ وَهَؤُلَاءِ لَمْ يُرِيدُوا أَنّ الْمِعْرَاجَ كَانَ مَنَامًا وَإِنّمَا أَرَادُوا أَنّ الرّوحَ ذَاتَهَا أُسْرِيَ بِهَا وَعُرِجَ بِهَا حَقِيقَةً وَبَاشَرَتْ مِنْ جِنْسِ مَا تُبَاشِرُ بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ وَكَانَ حَالُهَا فِي ذَلِكَ كَحَالِهَا بَعْدَ الْمُفَارَقَةِ فِي صُعُودِهَا إلَى السّمَاوَاتِ سَمَاءً سَمَاءً حَتّى يُنْتَهَى بِهَا إلَى السّمَاءِ السّابِعَةِ فَتَقِفُ بَيْنَ يَدَيْ اللّهِ عَزّ وَجَلّ فَيَأْمُرُ فِيهَا بِمَا يَشَاءُ ثُمّ تَنْزِلُ إلَى الْأَرْضِ وَاَلّذِي كَانَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ أَكْمَلُ مِمّا يَحْصُلُ لِلرّوحِ عِنْدَ الْمُفَارَقَةِ . وَمَعْلُومٌ أَنّ هَذَا أَمْرٌ فَوْقَ مَا يَرَاهُ النّائِمُ لَكِنْ لَمّا كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي مَقَامِ خَرْقِ الْعَوَائِدِ حَتّى شُقّ بَطْنُهُ وَهُوَ حَيّ لَا يَتَأَلّمُ بِذَلِكَ عُرِجَ بِذَاتِ رُوحِهِ الْمُقَدّسَةِ حَقِيقَةً مِنْ غَيْرِ إمَاتَةٍ وَمَنْ سِوَاهُ لَا يَنَالُ بِذَاتِ رُوحِهِ الصّعُودَ إلَى السّمَاءِ إلّا بَعْدَ الْمَوْتِ وَالْمُفَارَقَةِ فَالْأَنْبِيَاءُ إنّمَا اسْتَقَرّتْ أَرْوَاحُهُمْ هُنَاكَ بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْأَبَدَانِ وَرَوْحُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ [ ص 37 ] حَالِ الْحَيَاةِ ثُمّ عَادَتْ وَبَعْدَ وَفَاتِهِ اسْتَقَرّتْ فِي الرّفِيقِ الْأَعْلَى مَعَ أَرْوَاحِ الْأَنْبِيَاءِ - عَلَيْهِمْ الصّلَاةُ وَالسّلَامُ - وَمَعَ هَذَا فَلَهَا إشْرَافٌ عَلَى الْبَدَنِ وَإِشْرَاقٌ وَتَعَلّقٌ بِهِ بِحَيْثُ يَرُدّ السّلَامَ عَلَى مَنْ سَلّمَ عَلَيْهِ وَبِهَذَا التّعَلّقِ رَأَى مُوسَى قَائِمًا يُصَلّي فِي قَبْرِهِ وَرَآهُ فِي السّمَاءِ السّادِسَةِ . وَمَعْلُومٌ أَنّهُ لَمْ يُعْرَجْ بِمُوسَى مِنْ قَبْرِهِ ثُمّ رُدّ إلَيْهِ وَإِنّمَا ذَلِكَ مَقَامُ رُوحِهِ وَاسْتِقْرَارِهَا وَقَبْرُهُ مَقَامُ بَدَنِهِ وَاسْتِقْرَارُهُ إلَى يَوْمِ مَعَادِ الْأَرْوَاحِ إلَى أَجْسَادِهَا فَرَآهُ يُصَلّي فِي قَبْرِهِ وَرَآهُ فِي السّمَاءِ السّادِسَةِ كَمَا أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَرْفَعِ مَكَانٍ فِي الرّفِيقِ الْأَعْلَى مُسْتَقَرّا هُنَاكَ وَبَدَنُهُ فِي ضَرِيحِهِ غَيْرُ مَفْقُودٍ وَإِذَا سَلّمَ عَلَيْهِ الْمُسَلّمُ رَدّ اللّهُ عَلَيْهِ رُوحَهُ حَتّى يَرُدّ عَلَيْهِ السّلَامَ وَلَمْ يُفَارِقْ الْمَلَأُ الْأَعْلَى وَمَنْ كَثُفَ إدْرَاكُهُ وَغَلُظَتْ طِبَاعُهُ عَنْ إدْرَاكِ هَذَا فَلْيُنْظَرْ إلَى الشّمْسِ فِي عُلُوّ مَحِلّهَا وَتَعَلّقِهَا وَتَأْثِيرِهَا فِي الْأَرْضِ وَحَيَاةِ النّبَاتِ وَالْحَيَوَانِ بِهَا هَذَا وَشَأْنُ الرّوحِ فَوْقَ هَذَا فَلَهَا شَأْنٌ وَلِلْأَبْدَانِ شَأْنٌ وَهَذِهِ النّارُ تَكُونُ فِي مَحِلّهَا وَحَرَارَتُهَا تُؤَثّرُ فِي الْجِسْمِ الْبَعِيدِ عَنْهَا مَعَ أَنّ الِارْتِبَاطَ وَالتّعَلّقَ الّذِي بَيْنَ الرّوحِ وَالْبَدَنِ أَقْوَى وَأَكْمَلُ مِنْ ذَلِكَ وَأَتَمّ فَشَأْنُ الرّوحِ أَعْلَى مِنْ ذَلِكَ وَأَلْطَفُ .
فَقُلْ لِلْعُيُونِ الرّمْدِ إيّاكِ أَنْ تَرِي ... سَنَا الشّمْسِ فَاسْتَغْشِي ظَلَامَ اللّيَالِيَا
فَصْلٌ [ الصّحِيحُ أَنّ الْإِسْرَاءَ كَانَ مَرّةً ]
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ الزّهْرِيّ : عُرِجَ بِرُوحِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَإِلَى السّمَاءِ قَبْلَ خُرُوجِهِ إلَى الْمَدِينَةِ بِسَنَةٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ وَغَيْرُهُ كَانَ بَيْنَ الْإِسْرَاءِ وَالْهِجْرَةِ سَنَةٌ وَشَهْرَانِ انْتَهَى . وَكَانَ الْإِسْرَاءُ مَرّةً وَاحِدَةً . وَقِيلَ مَرّتَيْنِ مَرّةً يَقَظَةً وَمَرّةً مَنَامًا وَأَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ كَأَنّهُمْ أَرَادُوا أَنْ يَجْمَعُوا بَيْنَ حَدِيثِ شَرِيكٍ [ ص 38 ] سَائِرِ الرّوَايَاتِ وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ بَلْ كَانَ هَذَا مَرّتَيْنِ مَرّةً قَبْلَ الْوَحْيِ لِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ شَرِيكٍ " وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُوحَى إلَيْهِ " وَمَرّةً بَعْدَ الْوَحْي كَمَا دَلّتْ عَلَيْهِ سَائِرُ الْأَحَادِيثِ . مِنْهُمْ مَنْ قَالَ بَلْ ثَلَاثُ مَرّاتٍ مَرّةً قَبْلَ الْوَحْيِ وَمَرّتَيْنِ بَعْدَهُ وَكُلّ هَذَا خَبْطٌ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ ضُعَفَاءِ الظّاهِرِيّةِ مِنْ أَرْبَابِ النّقْلِ الّذِينَ إذَا رَأَوْا فِي الْقِصّةِ لَفْظَةً تُخَالِفُ سِيَاقَ بَعْضِ الرّوَايَاتِ جَعَلُوهُ مَرّةً أُخْرَى فَكُلّمَا اخْتَلَفَتْ عَلَيْهِمْ الرّوَايَاتُ عَدّدُوا الْوَقَائِعَ وَالصّوَابُ الّذِي عَلَيْهِ أَئِمّةُ النّقْلِ أَنّ الْإِسْرَاءِ كَانَ مَرّةً وَاحِدَةً بِمَكّةَ بَعْدَ الْبَعْثَةِ . وَيَا عَجَبًا لِهَؤُلَاءِ الّذِينَ زَعَمُوا أَنّهُ مِرَارًا كَيْفَ سَاغَ لَهُمْ أَنْ يَظُنّوا أَنّهُ فِي كُلّ مَرّةٍ تُفْرَضُ عَلَيْهِ الصّلَاةُ خَمْسِينَ ثُمّ يَتَرَدّدُ بَيْنَ رَبّهِ وَبَيْنَ مُوسَى حَتّى تَصِيرَ خَمْسًا ثُمّ يَقُولُ " أَمْضَيْتُ فَرِيضَتِي وَخَفّفْتُ عَنْ عِبَادِي " ثُمّ يُعِيدُهَا فِي الْمَرّةِ الثّانِيَةِ إلَى خَمْسِينَ ثُمّ يَحُطّهَا عَشْرًا عَشْرًا وَقَدْ غَلّطَ الْحُفّاظُ شَرِيكًا فِي أَلْفَاظٍ مِنْ حَدِيثِ الْإِسْرَاءِ وَمُسْلِمٌ أَوْرَدَ الْمُسْنَدَ مِنْهُ ثُمّ قَالَ فَقَدّمَ وَأَخّرَ وَزَادَ وَنَقّصَ وَلَمْ يَسْرُدْ الْحَدِيثَ فَأَجَادَ رَحِمَهُ اللّهُ .
فَصْلٌ فِي مَبْدَأِ الْهِجْرَةِ الّتِي فَرّقَ اللّهُ فِيهَا بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ
وَجَعَلَهَا مَبْدَأً لِإِعْزَازِ دِينِهِ وَنَصْرِ عَبْدِهِ وَرَسُولِهِ
[ دَعْوَتُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْقَبَائِلَ ]
[ ص 39 ] قَالَ الْوَاقِدِيّ : حَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ صَالِح ٍ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ وَغَيْرُهُمَا قَالُوا : أَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَكّةَ ثَلَاثَ سِنِينَ مِنْ أَوّلِ نُبُوّتِهِ مُسْتَخْفِيًا ثُمّ أَعْلَنَ فِي الرّابِعَةِ فَدَعَا النّاسَ إلَى الْإِسْلَامِ عَشْرَ سِنِينَ يُوَافِي الْمَوْسِمَ كُلّ عَامٍ يَتّبِعُ الْحَاجّ فِي مَنَازِلِهِمْ وَفِي الْمَوَاسِمِ بِعُكَاظٍ وَمَجَنّةَ وَذِي الْمَجَاز ِ يَدْعُوهُمْ إلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ حَتّى يُبَلّغْ رِسَالَاتِ رَبّهِ وَلَهُمْ الْجَنّةُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَنْصُرُهُ وَلَا يُجِيبُهُ حَتّى إنّهُ لَيَسْأَلُ عَنْ الْقَبَائِلِ وَمَنَازِلِهَا قَبِيلَةً قَبِيلَةً وَيَقُولُ يَا أَيّهَا النّاسُ قُولُوا : لَا إلَهَ إلَا اللّهُ تُفْلِحُوا وَتَمْلِكُوا بِهَا الْعَرَبَ وَتَذِلّ لَكُمْ بِهَا الْعَجَمُ فَإِذَا آمَنْتُمْ كُنْتُمْ مُلُوكًا فِي الْجَنّةِ وَأَبُو لَهَب ٍ وَرَاءَهُ يَقُولُ لَا تُطِيعُوهُ فَإِنّهُ صَابِئٌ كَذّابٌ فَيَرُدّونَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَقْبَحَ الرّدّ وَيُؤْذُونَهُ وَيَقُولُونَ أُسْرَتُك وَعَشِيرَتُكَ أَعْلَمُ بِكَ حَيْثُ لَمْ يَتّبِعُوك وَهُوَ يَدْعُوهُمْ إلَى اللّهِ وَيَقُولُ اللّهُمّ لَوْ شِئْتَ لَمْ يَكُونُوا هَكَذَا قَالَ وَكَانَ مِمّنْ يُسَمّى لَنَا مِنْ الْقَبَائِلِ الّذِينَ أَتَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَدَعَاهُمْ وَعَرَضَ نَفْسَهُ عَلَيْهِمْ بَنُو عَامِرِ بْنِ صَعْصَعَة وَمُحَارِبُ بْنُ حصفة وَفَزَارَةُ وَغَسّانُ وَمُرّةُ وَحَنِيفَةُ وَسُلَيْمٌ وَعَبْسُ وَبَنُو النّضْر ِ وَبَنُو الْبَكّاءِ وَكِنْدَةُ وَكَلْبٌ وَالْحَارِثُ بْنُ كَعْبٍ وَعُذْرَةُ وَالْحَضَارِمَةُ فَلَمْ يَسْتَجِبْ مِنْهُمْ أَحَدٌ
فَصْلٌ [ لُقْيَاهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِمَنْ قَدِمَ مِنْ الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ ]
وَكَانَ مِمّا صَنَعَ اللّهُ لِرَسُولِهِ أَنّ الْأَوْسَ وَالْخَزْرَجَ كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ حُلَفَائِهِمْ مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ أَنّ نَبِيّا مِنْ الْأَنْبِيَاءِ مَبْعُوثٌ [ ص 40 ] عَادٍ وَإِرَمٍ وَكَانَتْ الْأَنْصَارُ يَحُجّونَ الْبَيْتَ كَمَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَحُجّهُ دُونَ الْيَهُودِ فَلَمّا رَأَى الْأَنْصَارُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَدْعُو النّاسَ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَتَأَمّلُوا أَحْوَالَهُ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ تَعْلَمُونَ وَاَللّهِ يَا قَوْمِ أَنّ هَذَا الّذِي تَوَعّدَكُمْ بِهِ يَهُودُ فَلَا يَسْبِقُنّكُمْ إلَيْهِ . وَكَانَ سُوِيدُ بْنُ الصّامِتِ مِنْ الْأَوْسِ قَدْ قَدِمَ مَكّةَ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمْ يُبْعِدْ وَلَمْ يُجِبْ حَتّى قَدِمَ أَنَسُ بْنُ رَافِعٍ أَبُو الحيسر فِي فِتْيَةٍ مِنْ قَوْمِهِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ يَطْلُبُونَ الْحِلْفَ فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْإِسْلَامِ فَقَالَ إيَاسُ بْنُ مُعَاذٍ وَكَانَ شَابّا حَدَثًا : يَا قَوْمِ هَذَا وَاَللّهِ خَيْرٌ مِمّا جِئْنَا لَهُ فَضَرَبَهُ أَبُو الحيسر وَانْتَهَرَهُ فَسَكَتَ ثُمّ لَمْ يَتِمّ لَهُمْ الْحِلْفَ فَانْصَرَفُوا إلَى الْمَدِينَةِ
[ فَصْلٌ لَقِيَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سِتّةَ نَفَرٍ مِنْ الْخَزْرَجِ ]
ثُمّ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَقِيَ عِنْدَ الْعَقَبَةِ فِي الْمَوْسِمِ سِتّةَ نَفَرٍ مِنْ الْأَنْصَارِ كُلّهُمْ مِنْ الْخَزْرَجِ وَهُمْ أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَعَوْفُ بْنُ الْحَارِثِ وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ وَقُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ وَعُقْبَةُ بْنُ عَامِر ٍ وَجَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ رِئَابٍ فَدَعَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَسْلَمُوا
[ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ الْأُولَى ]
ثُمّ رَجَعُوا إلَى الْمَدِينَةِ فَدَعَوْهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَفَشَا الْإِسْلَامُ فِيهَا حَتَى لَمْ يَبْقَ دَارٌ إلّا وَقَدْ دَخَلَهَا الْإِسْلَامُ فَلَمّا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ جَاءَ مِنْهُمْ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا السّتّةُ الْأُوَلُ خَلَا جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ وَمَعَهُمْ مُعَاذُ بْنُ الْحَارِثِ بْنِ رِفَاعَةَ أَخُو عَوْفٍ الْمُتَقَدّمِ وَذَكْوَانُ بْنُ عَبْدِ الْقَيْسِ وَقَدْ أَقَامَ ذَكْوَانُ بِمَكّةَ حَتّى هَاجَرَ إلَى الْمَدِينَةِ فَيُقَالُ إنّهُ مُهَاجِرِيّ أَنْصَارِيّ وَعُبَادَة بْنُ الصّامِتِ وَيَزِيدُ بْنُ ثَعْلَبَةَ وَأَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التّيْهَانِ [ ص 41 ] وَعُوَيْمِرُ بْنُ مَالِكٍ هُمْ اثْنَا عَشَرَ . وَقَالَ أَبُو الزّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ إنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَبِثَ بِمَكّةَ عَشْرَ سِنِينَ يَتّبِعُ النّاسَ فِي مَنَازِلِهِمْ فِي الْمَوَاسِمِ وَمَجَنّةَ وَعُكَاظَ يَقُولُ مَنْ يُؤْوِينِي ؟ مَنْ يَنْصُرُنِي ؟ حَتَى أُبَلّغَ رِسَالَاتِ رَبّي وَلَهُ الْجَنّةُ فَلَا يَجِدُ أَحَدًا يَنْصُرُهُ وَلَا يُؤْوِيهِ حَتّى إنّ الرّجُلَ لَيَرْحَلُ مِنْ مُضَرَ أَوْ الْيَمَنِ إلَى ذِي رَحِمِهِ فَيَأْتِيهِ قَوْمُهُ فَيَقُولُونَ لَهُ احْذَرْ غُلَامَ قُرَيْشٍ لَا يَفْتِنْك وَيَمْشِي بَيْنَ رِجَالِهِمْ يَدْعُوهُمْ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَهُمْ يُشِيرُونَ إلَيْهِ بِالْأَصَابِعِ حَتّى بَعَثَنَا اللّهُ مِنْ يَثْرِبَ فَيَأْتِيهِ الرّجُلُ مِنّا فَيُؤْمِنُ بِهِ وَيُقْرِئُهُ الْقُرْآنَ فَيَنْقَلِبُ إلَى أَهْلِهِ فَيُسْلِمُونَ بِإِسْلَامِهِ حَتّى لَمْ يَبْقَ دَارٌ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلّا وَفِيهَا رَهْطٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يُظْهِرُونَ الْإِسْلَامَ وَبَعَثَنَا اللّهُ إلَيْهِ فَائْتَمَرْنَا وَاجْتَمَعْنَا وَقُلْنَا : حَتّى مَتَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُطَرّدُ فِي جِبَالِ مَكّةَ وَيَخَافُ فَرَحَلْنَا حَتّى قَدِمْنَا عَلَيْهِ فِي الْمَوْسِمِ فَوَاعَدَنَا بَيْعَةَ الْعُقْبَةِ فَقَالَ لَهُ عَمّهُ الْعَبّاسُ يَا ابْنَ أَخِي مَا أَدْرِي مَا هَؤُلَاءِ الْقَوْمُ الّذِينَ جَاءُوك إنّي ذُو مَعْرِفَةٍ بِأَهْلِ يَثْرِبَ فَاجْتَمَعْنَا عَنْدَهُ مِنْ رَجُلٍ وَرَجُلَيْنِ فَلَمّا نَظَرَ الْعَبّاسُ فِي وُجُوهِنَا قَالَ هَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا نَعْرِفُهُمْ هَؤُلَاءِ أَحْدَاثٌ فَقُلْنَا : يَا رَسُولَ اللّهِ عَلَامَ نُبَايِعُكَ ؟ قَالَ " تُبَايِعُونِي عَلَى السّمْعِ وَالطّاعَةِ فِي النّشَاطِ وَالْكَسَلِ وَعَلَى النّفَقَةِ فِي الْعُسْرِ وَالْيُسْرِ وَعَلَى الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ وَعَلَى أَنْ تَقُولُوا فِي اللّهِ لَا تَأْخُذْكُمْ لَوْمَةُ لَائِمٍ وَعَلَى أَنْ تَنْصُرُونِي إذَا قَدِمْتُ عَلَيْكُمْ وَتَمْنَعُونِي مِمّا تَمْنَعُونَ مِنْهُ أَنْفُسَكُمْ وَأَزْوَاجَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَلَكُمْ الْجَنّةُ فَقُمْنَا نُبَايِعُهُ فَأَخَذَ بِيَدِهِ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ وَهُوَ أَصْغَرُ السّبْعِينَ فَقَالَ رُوَيْدًا يَا أَهْلَ يَثْرِبَ إنّا لَمْ نَضْرِبْ إلَيْهِ أَكْبَادَ الْمَطِيّ إلّا وَنَحْنُ نَعْلَمُ أَنّهُ رَسُولُ اللّهِ وَإِنّ إخْرَاجَهُ الْيَوْمَ مُفَارَقَةُ الْعَرَبِ كَافّةً وَقَتْلُ خِيَارِكُمْ وَأَنْ تَعَضّكُمْ السّيُوفُ فَإِمّا أَنْتُمْ تَصْبِرُونَ عَلَى ذَلِكَ فَخُذُوهُ وَأَجْرُكُمْ عَلَى اللّهِ وَإِمّا أَنْتُمْ تَخَافُونَ مِنْ أَنْفُسِكُمْ خِيفَةً فَذَرُوهُ فَهُوَ أَعْذَرُ لَكُمْ عِنْدَ اللّهِ فَقَالُوا : يَا أَسْعَدُ أَمِطْ عَنّا يَدَك فَوَاَللّهِ لَا نَذَرُ هَذِهِ الْبَيْعَةَ وَلَا نَسْتَقِيلُهَا فَقُمْنَا إلَيْهِ رَجُلًا رَجُلًا [ ص 42 ] فَأَخَذَ عَلَيْنَا وَشَرَطَ يُعْطِينَا بِذَلِكَ الْجَنّةَ ثُمّ انْصَرَفُوا إلَى الْمَدِينَةِ وَبَعَثَ مَعَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَمْرَو بْنَ أُمّ مَكْتُومٍ وَمُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ يُعَلّمَانِ مَنْ أَسْلَمَ مِنْهُمْ الْقُرْآنَ وَيَدْعُوَانِ إلَى اللّهِ عَزّ وَجَلّ فَنَزَلَا عَلَى أَبِي أُمَامَةَ أَسْعَدَ بْنِ زُرَارَة َ وَكَانَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ يَؤُمّهُمْ وَجَمَعَ بِهِمْ لَمّا بَلَغُوا أَرْبَعِينَ فَأَسْلَمَ عَلَى يَدَيْهِمَا بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنْهُمْ أُسَيْد بْنُ الْحُضَيْرِ وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَأَسْلَمَ بِإِسْلَامِهِمَا يَوْمئِذٍ جَمِيعُ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ الرّجَالُ وَالنّسَاءُ إلّا أُصَيْرِم عَمْرَو بْنَ ثَابِتِ بْنِ وَقْش ٍ فَإِنّهُ تَأَخّرَ إسْلَامُهُ إلَى يَوْمِ أُحُدٍ وَأَسْلَمَ حِينَئِذٍ وَقَاتَلَ فَقُتِلَ قَبْلَ أَنْ يَسْجُدَ لِلّهِ سَجْدَةً فَأُخْبِرَ عَنْهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ عَمِلَ قَلِيلًا وَأُجِرَ كَثِيرًا
[ بَيْعَةُ الْعَقَبَةِ الثّانِيَةُ ]
[ ص 43 ] بِالْمَدِينَةِ وَظَهَرَ ثُمّ رَجَعَ مُصْعَبُ إلَى مَكّةَ وَوَافَى الْمَوْسِمَ ذَلِكَ الْعَامَ خَلْقٌ كَثِيرٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَزَعِيمُ الْقَوْمِ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ فَلَمّا كَانَتْ لَيْلَةُ الْعَقَبَةِ الثّلُثُ الْأَوّلُ مِنْ اللّيْلِ تَسَلّلَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثَلَاثَةٌ وَسَبْعُونَ رَجُلًا وَامْرَأَتَانِ فَبَايَعُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خِفْيَةً مِنْ قَوْمِهِمْ وَمِنْ كُفّارِ مَكّةَ عَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ مِمّا يَمْنَعُونَ مِنْهُ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ وَأُزُرَهُمْ فَكَانَ أَوّلَ مَنْ بَايَعَهُ لَيْلَتئِذٍ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ وَكَانَتْ لَهُ الْيَدُ الْبَيْضَاءُ إذْ أَكّدَ الْعِقْدَ وَبَادَرَ إلَيْهِ وَحَضَرَ الْعَبّاسُ عَمّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُؤَكّدًا لِبَيْعَتِهِ كَمَا تَقَدّمَ وَكَانَ إذْ ذَاكَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ وَاخْتَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْهُمْ تِلْكَ اللّيْلَةَ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَهُمْ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَة وَسَعْدُ بْنُ الرّبِيعِ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَرَافِعُ بْنُ مَالِكٍ وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ
وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَالِدُ جَابِر ٍ وَكَانَ إسْلَامُهُ تِلْكَ اللّيْلَةَ وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو وَعُبَادَة بْنُ الصّامِتِ فَهَؤُلَاءِ تِسْعَةٌ مِنْ الْخَزْرَجِ وَثَلَاثَةٌ مِنْ الْأَوْسِ : أُسَيْد بْنُ الْحُضَيْرِ وَسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ وَرِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ . وَقِيلَ بَلْ أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التّيْهَانِ مَكَانَهُ . وَأَمّا الْمَرْأَتَانِ فَأُمّ عُمَارَةَ نَسِيبَةُ بِنْتُ كَعْبِ بْنِ عَمْرٍو وَهِيَ الّتِي قَتَلَ مُسَيْلِمَةُ ابْنَهَا حَبِيبَ بْنَ زَيْدٍ وَأَسْمَاءُ بِنْتُ عَمْرِو بْنِ عَدِيّ . فَلَمّا تَمّتْ هَذِهِ الْبَيْعَةُ اسْتَأْذَنُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَمِيلُوا عَلَى أَهْلِ الْعَقَبَةِ بِأَسْيَافِهِمْ فَلَمْ يَأْذَنْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَصَرَخَ الشّيْطَانُ عَلَى الْعَقَبَةِ بِأَنْفَذِ صَوْتٍ سُمِعَ يَا أَهْلَ الْجَبَاجِبِ هَلْ لَكَمَ فِي مُذَمّمٍ وَالصّبَاةُ مَعَهُ قَدْ اجْتَمَعُوا عَلَى حَرْبِكُمْ ؟ فَقَالَ [ ص 44 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَذَا أَزَبّ الْعَقَبَةِ هَذَا ابْنُ أَزْيَبَ أَمَا وَاَللّهِ يَا عَدُوّ اللّهِ لَأَتَفَرّغَنّ لَكَ ثُمّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَنْفَضّوا إلَى رِحَالِهِمْ فَلَمّا أَصْبَحَ الْقَوْمُ غَدَتْ عَلَيْهِمْ جِلّةُ قُرَيْشٍ وَأَشْرَافُهُمْ حَتّى دَخَلُوا شِعْبَ الْأَنْصَارِ فَقَالُوا : يَا مَعْشَرَ الْخَزْرَجِ إنّهُ بَلَغَنَا أَنّكُمْ لَقِيتُمْ صَاحِبَنَا الْبَارِحَةَ وَوَاعَدْتُمُوهُ أَنْ تُبَايِعُوهُ عَلَى حَرْبِنَا وَاَيْمُ اللّهِ مَا حَيّ مِنْ الْعَرَبِ أَبْغَضَ إلَيْنَا مِنْ أَنْ يَنْشَبَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ الْحَرْبُ مِنْكُمْ فَانْبَعَثَ مَنْ كَانَ هُنَاكَ مِنْ الْخَزْرَجِ مِنْ الْمُشْرِكِينَ يَحْلِفُونَ لَهُمْ بِاَللّهِ مَا كَانَ هَذَا وَمَا عَلِمْنَا وَجَعَلَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُول َ يَقُولُ هَذَا بَاطِلٌ وَمَا كَانَ هَذَا وَمَا كَانَ قَوْمِي لِيَفْتَاتُوا عَلَيّ مِثْلَ هَذَا لَوْ كُنْتُ بِيَثْرِبَ مَا صَنَعَ قَوْمِي هَذَا حَتّى يُؤَامِرُونِي فَرَجَعَتْ قُرَيْشٌ مِنْ عِنْدَهُمْ وَرَحَلَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ فَتَقَدّمَ إلَى بَطْنِ يَأْجَج وَتَلَاحَقَ أَصْحَابُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَتَطَلّبَتْهُمْ قُرَيْشٌ فَأَدْرَكُوا سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ فَرَبَطُوا يَدَيْهِ إلَى عُنُقِهِ بِنِسْعِ رَحْلِهِ وَجَعَلُوا يَضْرِبُونَهُ وَيَجُرّونَهُ وَيَجْذِبُونَهُ بِجُمّتِهِ حَتّى أَدْخَلُوهُ مَكّةَ فَجَاءَ مُطْعِمُ بْنُ عَدِيّ وَالْحَارِثُ بْنُ حَرْبِ بْنِ أُمَيّةَ فَخَلّصَاهُ مِنْ أَيْدِيهِمْ وَتَشَاوَرَتْ الْأَنْصَارُ حِينَ فَقَدُوهُ أَنْ يَكِرّوا إلَيْهِ فَإِذَا سَعْدٌ قَدْ طَلَعَ عَلَيْهِمْ فَوَصَلَ الْقَوْمُ جَمِيعًا إلَى الْمَدِينَةِ .
[ بَدْءُ الْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِينَةِ ]
فَأَذِنَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْهِجْرَةِ إلَى الْمَدِينَةِ فَبَادَرَ النّاسُ إلَى ذَلِكَ فَكَانَ أَوّلَ مَنْ خَرَجَ إلَى الْمَدِينَةِ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الْأَسَدِ وَامْرَأَتُهُ أُمّ سَلَمَةَ وَلَكِنّهَا احْتَبَسَتْ دُونَهُ وَمُنِعَتْ مِنْ اللّحَاقِ بِهِ سَنَةً [ ص 45 ] وَحِيلَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ وَلَدِهَا سَلَمَةَ ثُمّ خَرَجَتْ بَعْدَ السّنَةِ بِوَلَدِهَا إلَى الْمَدِينَةِ وَشَيّعَهَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ . ثُمّ خَرَجَ النّاسُ أَرْسَالًا يَتْبَعُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَلَمْ يَبْقَ بِمَكّةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلّا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبُو بَكْرٍ وَعَلِيّ أَقَامَا بِأَمْرِهِ لَهُمَا وَإِلّا مَنْ احْتَبَسَهُ الْمُشْرِكُونَ كَرْهًا وَقَدْ أَعَدّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جِهَازَهُ يَنْتَظِرُ مَتَى يُؤْمَرُ بِالْخُرُوجِ وَأَعَدّ أَبُو بَكْرٍ جَهَازَهُ .
فَصْلٌ [ ائْتِمَارُ قُرَيْشٍ بِه ِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِقَتْلِهِ ]
فَلَمّا رَأَى الْمُشْرِكُونَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ تَجَهّزُوا وَخَرَجُوا وَحَمَلُوا وَسَاقُوا الذّرَارِيّ وَالْأَطْفَالَ وَالْأَمْوَالَ إلَى الْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَعَرَفُوا أَنّ الدّارَ دَارُ مَنَعَةٍ وَأَنّ الْقَوْمَ أَهْلُ حَلْقَةٍ وَشَوْكَةٍ وَبَأْسٍ فَخَافُوا خُرُوجَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَيْهِمْ وَلُحُوقَهُ بِهِمْ فَيَشْتَدّ عَلَيْهِمْ أَمْرُهُ فَاجْتَمَعُوا فِي دَارِ النّدْوَةِ وَلَمْ يَتَخَلّفْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الرّأْيِ وَالْحِجَا مِنْهُمْ لِيَتَشَاوَرُوا فِي أَمْرِهِ وَحَضَرَهُمْ وَلِيّهُمْ وَشَيْخُهُمْ إبْلِيسُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ كَبِيرٍ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ مُشْتَمِلٌ الصّمّاءَ فِي كِسَائِهِ فَتَذَاكَرُوا أَمْرَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَشَارَ كُلّ أَحَدٍ مِنْهُمْ بِرَأْيٍ وَالشّيْخُ يَرُدّهُ وَلَا يَرْضَاهُ إلَى أَنْ قَالَ أَبُو جَهْلٍ : قَدْ فُرِقَ لِي فِيهِ رَأْيٌ مَا أَرَاكُمْ قَدْ وَقَعْتُمْ عَلَيْهِ قَالُوا : مَا هُوَ ؟ قَالَ أَرَى أَنْ نَأْخُذَ مِنْ كُلّ قَبِيلَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ غُلَامًا نَهْدًا جَلْدًا ثُمّ نُعْطِيهِ سَيْفًا صَارِمًا فَيَضْرِبُونَهُ [ ص 46 ] ضَرْبَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَيَتَفَرّقُ دَمُهُ فِي الْقَبَائِلِ فَلَا تَدْرِي بَنُو عَبْدِ مَنَافٍ بَعْدَ ذَلِكَ كَيْفَ تَصْنَعُ وَلَا يُمْكِنُهَا مُعَادَاةُ الْقَبَائِلِ كُلّهَا وَنَسُوقُ إلَيْهِمْ دِيَتَهُ فَقَالَ الشّيْخُ لِلّهِ دَرّ الْفَتَى هَذَا وَاَللّهِ الرّأْيُ قَالَ فَتَفَرّقُوا عَلَى ذَلِكَ وَاجْتَمَعُوا عَلَيْهِ فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ بِالْوَحْيِ مِنْ عِنْدِ رَبّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى فَأَخْبَرَهُ بِذَلِكَ وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَنَامَ فِي مَضْجَعِهِ تِلْكَ اللّيْلَةَ .
[ قِصّةُ هِجْرَتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
وَجَاءَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى أَبِي بَكْرٍ نِصْفَ النّهَارِ فِي سَاعَةٍ لَمْ يَكُنْ يَأْتِيهِ فِيهَا مُتَقَنّعًا فَقَالَ لَهُ " أَخْرِجْ مَنْ عِنْدَك " فَقَالَ إنّمَا هُمْ أَهْلُكَ يَا رَسُولَ اللّهِ فَقَالَ إنّ اللّهَ قَدْ أَذِنَ لِي فِي الْخُرُوجِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّحَابَةُ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَعَمْ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ فَخُذْ بِأَبِي وَأُمّي إحْدَى رَاحِلَتَيْ هَاتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالثّمَنِ
[ نَوْمُ عَلِيّ فِي مَضْجَعِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم ]
وَأَمَرَ عَلِيّا أَنْ يَبِيتَ فِي مَضْجَعِهِ تِلْكَ اللّيْلَةَ وَاجْتَمَعَ أُولَئِكَ النّفَرُ مِنْ قُرَيْشٍ يَتَطَلّعُونَ مِنْ صَيْرِ الْبَابِ وَيَرْصُدُونَهُ وَيُرِيدُونَ بَيَاتَهُ وَيَأْتَمِرُونَ أَيّهُمْ يَكُونُ أَشْقَاهَا فَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَيْهِمْ فَأَخَذَ حَفْنَةً مِنْ الْبَطْحَاءِ فَجَعَلَ يَذَرُهُ عَلَى رُءُوسِهِمْ وَهُمْ لَا يَرَوْنَهُ وَهُوَ يَتْلُو { وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لَا يُبْصِرُونَ } [ يس : 9 ] وَمَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى بَيْتِ أَبِي بَكْر ٍ فَخَرَجَا مِنْ خَوْخَةٍ فِي دَارِ أَبِي بَكْرٍ لَيْلًا وَجَاءَ رَجُلٌ وَرَأَى الْقَوْمَ بِبَابِهِ فَقَالَ مَا تَنْتَظِرُونَ ؟ قَالُوا : مُحَمّدًا قَالَ خِبْتُمْ وَخَسِرْتُمْ قَدْ وَاَللّهِ مَرّ بِكُمْ وَذَرّ عَلَى رُءُوسِكُمْ التّرَابَ قَالُوا : وَاَللّهِ مَا أَبْصَرْنَاهُ وَقَامُوا يَنْفُضُونَ التّرَابَ عَنْ رُءُوسِهِمْ وَهُمْ أَبُو جَهْل ٍ وَالْحَكَمُ بْنُ الْعَاصِ وَعُقْبَةُ بْنُ أَبِي مُعَيْطٍ وَالنّضْرُ بْنُ الْحَارِثِ [ ص 47 ] وَزَمْعَة بْنُ الْأَسْوَدِ وَطُعَيْمَة بْنُ عَدِيّ وَأَبُو لَهَبٍ وَأُبَيّ بْنُ خَلَفٍ وَنُبَيْه وَمُنَبّهُ ابْنَا الْحَجّاجِ فَلَمّا أَصْبَحُوا قَامَ عَلِيّ عَنْ الْفِرَاشِ فَسَأَلُوهُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ لَا عِلْمَ لِي بِهِ . ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبُو بَكْر ٍ إلَى غَارِ ثَوْرٍ فَدَخَلَاهُ وَضَرَبَ الْعَنْكَبُوتُ عَلَى بَابِهِ . وَكَانَا قَدْ اسْتَأْجَرَا عَبْدَ اللّهِ بْنَ أُرَيْقِط اللّيْثِي ّ وَكَانَ هَادِيًا مَاهِرًا بِالطّرِيقِ وَكَانَ عَلَى دِينِ قَوْمِهِ مِنْ قُرَيْشٍ وَأَمِنَاهُ عَلَى ذَلِكَ وَسَلّمَا إلَيْهِ رَاحِلَتَيْهِمَا وَوَاعَدَاهُ غَارَ ثَوْرٍ بَعْدَ ثَلَاثٍ وَجَدّتْ قُرَيْشٌ فِي طَلَبِهِمَا وَأَخَذُوا مَعَهُمْ الْقَافَةَ حَتّى انْتَهَوْا إلَى بَابِ الْغَارِ فَوَقَفُوا عَلَيْهِ . فَفِي " الصّحِيحَيْنِ أَنّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ لَوْ أَنّ أَحَدَهُمْ نَظَرَ إلَى مَا تَحْتَ قَدَمَيْهِ لَأَبْصَرَنَا فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ مَا ظَنّكَ بِاثْنَيْنِ اللّهُ ثَالِثُهُمَا لَا تَحْزَنْ فَإِنّ اللّهَ مَعَنَا وَكَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبُو بَكْر [ ص 48 ] يَسْمَعَانِ كَلَامَهُمْ فَوْقَ رُءُوسِهِمَا وَلَكِنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ عَمّى عَلَيْهِمْ أَمْرَهُمَا وَكَانَ عَامِرُ بْنُ فُهَيْرَةَ يَرْعَى عَلَيْهِمَا غَنَمًا لِأَبِي بَكْر ٍ وَيَتَسَمّعُ مَا يُقَالُ بِمَكّةَ ثُمّ يَأْتِيهِمَا بِالْخَبَرِ فَإِذَا كَانَ السّحَرُ سَرَحَ مَعَ النّاسِ . قَالَتْ عَائِشَة ُ وَجَهّزْنَاهُمَا أَحْسَنَ الْجَهَازِ وَوَضَعْنَا لَهُمَا سُفْرَةً فِي جِرَابٍ فَقَطَعَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ قِطْعَةً مِنْ نِطَاقِهَا فَأَوْكَتْ بِهِ الْجِرَابَ وَقَطَعَتْ الْأُخْرَى فَصَيّرَتْهَا عِصَامًا لِفَمِ الْقِرْبَةِ فَلِذَلِكَ لُقّبَتْ ذَاتَ النّطَاقَيْنِ . وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي " مُسْتَدْرَكِهِ " عَنْ عُمَرَ قَالَ خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْغَارِ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ فَجَعَلَ يَمْشِي سَاعَةً بَيْنَ يَدَيْهِ وَسَاعَةً خَلْفَهُ حَتّى فَطِنَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَسَأَلَهُ فَقَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللّهِ أَذْكُرُ الطّلَبَ فَأَمْشِي خَلْفَك ثُمّ أَذْكُرُ الرّصَدَ فَأَمْشِي بَيْنَ يَدَيْك فَقَالَ يَا أَبَا بَكْرٍ لَوْ كَانَ شَيْءٌ أَحْبَبْتَ أَنْ يَكُونَ بِكَ دُونِي ؟ [ ص 49 ] قَالَ نَعَمْ وَاَلّذِي بَعَثَك بِالْحَقّ فَلَمّا انْتَهَى إلَى الْغَارِ قَالَ أَبُو بَكْرٍ مَكَانَكَ يَا رَسُولَ اللّهِ حَتّى أَسْتَبْرِئَ لَك الْغَارَ فَدَخَلَ فَاسْتَبْرَأَهُ حَتّى إذَا كَانَ فِي أَعْلَاهُ ذَكَرَ أَنّهُ لَمْ يَسْتَبْرِئْ الْجِحَرَةَ فَقَالَ مَكَانَك يَا رَسُولَ اللّهِ حَتّى أَسْتَبْرِئَ الْجِحَرَةَ ثُمّ قَالَ انْزِلْ يَا رَسُولَ اللّهِ فَنَزَلَ فَمَكَثَا فِي الْغَارِ ثَلَاثَ لِيَالٍ حَتّى خَمَدَتْ عَنْهُمَا نَارُ الطّلَبِ فَجَاءَهُمَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُرَيْقِط بِالرّاحِلَتَيْنِ فَارْتَحَلَا وَأَرْدَفَ أَبُو بَكْرٍ عَامِرَ بْنَ فُهَيْرَة َ وَسَارَ الدّلِيلُ أَمَامَهُمَا وَعَيْنُ اللّهِ تَكْلَؤُهُمَا وَتَأْيِيدُهُ يَصْحَبُهُمَا وَإِسْعَادُهُ يُرَحّلُهُمَا وَيُنْزِلُهُمَا .
[ قِصّةُ سُرَاقَةَ ]
وَلَمّا يَئِسَ الْمُشْرِكُونَ مِنْ الظّفَرِ بِهِمَا جَعَلُوا لِمَنْ جَاءَ بِهِمَا دِيَةَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَجَدّ النّاسُ فِي الطّلَبِ وَاَللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ فَلَمّا مَرّوا بِحَيّ بَنِي مُدْلِجٍ مُصْعِدِينَ مِنْ قُدَيْد بَصُرَ بِهِمْ رَجُلٌ مِنْ الْحَيّ فَوَقَفَ عَلَى الْحَيّ فَقَالَ لَقَدْ رَأَيْتُ آنِفًا بِالسّاحِلِ أَسْوِدَةً مَا أُرَاهَا إلّا مُحَمّدًا وَأَصْحَابَهُ فَفَطِنَ بِالْأَمْرِ سُرَاقَةُ بْنُ مَالِك ٍ فَأَرَادَ أَنْ يَكُونَ الظّفَرُ لَهُ خَاصّةً وَقَدْ سَبَقَ لَهُ مِنْ الظّفَرِ مَا لَمْ يَكُنْ فِي حِسَابِهِ فَقَالَ بَلْ هُمْ فُلَانٌ وَفُلَانٌ خَرَجَا فِي طَلَبِ حَاجَةٍ لَهُمَا ثُمّ مَكَثَ قَلِيلًا ثُمّ قَامَ فَدَخَلَ خِبَاءَهُ وَقَالَ لِخَادِمِهِ اُخْرُجْ بِالْفَرَسِ مِنْ وَرَاءِ الْخِبَاءِ وَمَوْعِدُك وَرَاءَ الْأَكَمَةِ ثُمّ أَخَذَ رُمْحَهُ وَخَفَضَ عَالِيَهُ يَخُطّ بِهِ الْأَرْضَ حَتّى رَكِبَ فَرَسَهُ فَلَمّا قَرُبَ مِنْهُمْ وَسَمِعَ قِرَاءَةَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبُو بَكْر ٍ يُكْثِرُ الِالْتِفَاتَ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يَلْتَفِتُ فَقَالَ أَبُو بَكْر ٍ يَا رَسُولَ اللّهِ هَذَا سُرَاقَةُ بْنُ مَالِكٍ قَدْ رَهِقَنَا فَدَعَا عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَسَاخَتْ يَدَا فَرَسِهِ فِي الْأَرْضِ فَقَالَ قَدْ عَلِمْتُ أَنّ الّذِي أَصَابَنِي بِدُعَائِكُمَا فَادْعُوَا اللّهَ لِي وَلَكُمَا عَلَيّ أَنْ أَرُدّ النّاسَ عَنْكُمَا فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَطْلَقَ وَسَأَلَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَكْتُبَ لَهُ كِتَابًا فَكَتَبَ لَهُ أَبُو [ ص 50 ] ٍ بِأَمْرِهِ فِي أَدِيمٍ وَكَانَ الْكِتَابُ مَعَهُ إلَى يَوْمِ فَتْحِ مَكّةَ فَجَاءَهُ بِالْكِتَابِ فَوَفّاهُ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ يَوْمُ وَفَاءٍ وَبِرّ وَعَرَضَ عَلَيْهِمَا الزّادَ وَالْحِمْلَانِ فَقَالَا : لَا حَاجَةَ لَنَا بِهِ وَلَكِنْ عَمّ عَنّا الطّلَبَ فَقَالَ قَدْ كَفَيْتُمْ وَرَجَعَ فَوَجَدَ النّاسَ فِي الطّلَبِ فَجَعَلَ يَقُولُ قَدْ اسْتَبْرَأْتُ لَكُمْ الْخَبَرَ وَقَدْ كَفَيْتُمْ مَا هَا هُنَا وَكَانَ أَوّلُ النّهَارِ جَاهِدًا عَلَيْهِمَا وَآخِرُهُ حَارِسًا لَهُمَا .
فَصْلٌ [ أُمّ مَعْبَدٍ ]
ثُمّ مَرّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي مَسِيرِهِ ذَلِكَ حَتّى مَرّ بِخَيْمَتَيْ أُمّ مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيّة وَكَانَتْ امْرَأَةً بَرْزَةً جَلْدَةً تَحْتَبِي بِفَنَاءِ الْخَيْمَةِ ثُمّ تُطْعِمُ وَتَسْقِي مَنْ مَرّ بِهَا فَسَأَلَاهَا : هَلْ عِنْدَهَا شَيْءٌ ؟ فَقَالَتْ وَاَللّهِ لَوْ كَانَ عِنْدَنَا شَيْءٌ مَا أَعْوَزَكُمْ الْقِرَى وَالشّاءُ عَازِبٌ وَكَانَتْ مُسِنّةً شَهْبَاءَ فَنَظَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى شَاةٍ فِي كِسْرِ الْخَيْمَةِ فَقَالَ مَا هَذِهِ الشّاةُ يَا أُمّ مَعْبَدٍ ؟ قَالَتْ شَاةٌ خَلّفَهَا الْجَهْدُ عَنْ الْغَنَمِ فَقَالَ هَلْ بِهَا مِنْ لَبَنٍ ؟ قَالَتْ هِيَ أَجْهَدُ مِنْ ذَلِكَ فَقَالَ أَتَأْذَنِينَ لِي أَنْ أَحْلِبَهَا ؟ قَالَتْ نَعَمْ بِأَبِي وَأُمّي إنْ رَأَيْتَ بِهَا حَلْبًا فَاحْلُبْهَا فَمَسَحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِيَدِهِ ضَرْعَهَا وَسَمّى اللّهَ وَدَعَا فَتَفَاجّتْ عَلَيْهِ وَدَرّتْ فَدَعَا بِإِنَاءٍ لَهَا يُرْبِضُ الرّهْطَ فَحَلَبَ فِيهِ حَتّى عَلَتْهُ الرّغْوَةُ فَسَقَاهَا فَشَرِبَتْ حَتّى رَوَيْت وَسَقَى أَصْحَابَهُ حَتّى رَوَوْا ثُمّ شَرِبَ وَحَلَبَ فِيهِ ثَانِيًا حَتّى مَلَأَ الْإِنَاءَ ثُمّ غَادَرَهُ عِنْدَهَا فَارْتَحَلُوا فَقَلّمَا لَبِثَتْ أَنْ جَاءَ زَوْجُهَا أَبُو مَعْبَدٍ يَسُوقُ أَعْنُزًا عِجَافًا يَتَسَاوَكُنّ هُزَالًا لَا نِقْيَ بِهِنّ فَلَمّا رَأَى اللّبَنَ عَجِبَ فَقَالَ مِنْ أَيْنَ لَكَ هَذَا وَالشّاةُ عَازِبٌ ؟ وَلَا حَلُوبَةَ فِي الْبَيْتِ ؟ فَقَالَتْ لَا وَاَللّهِ إلّا أَنّهُ مَرّ بِنَا رَجُلٌ مُبَارَكٌ كَانَ مِنْ حَدِيثِهِ كَيْتَ وَكَيْتَ وَمِنْ حَالِهِ كَذَا وَكَذَا قَالَ وَاَللّهِ إنّي لَأَرَاهُ صَاحِبَ قُرَيْشٍ الّذِي تَطْلُبُهُ صِفِيهِ لِي يَا أُمّ مَعْبَدٍ قَالَتْ ظَاهِرُ الْوَضَاءَةِ أَبْلَجُ الْوَجْهِ حَسَنُ الْخَلْقِ لَمْ تَعِبْهُ ثُجْلَة وَلَمْ تُزْرِ بِهِ [ ص 51 ] صُعْلَة وَسِيمٌ قَسِيمٌ فِي عَيْنَيْهِ دَعَجٌ وَفِي أَشْفَارِهِ وَطَفٌ وَفِي صَوْتِهِ صَحَلٌ وَفِي عُنُقِهِ سَطَعٌ أَحْوَرُ أَكْحَلُ أَزَجّ أَقْرَنُ شَدِيدُ سَوَادِ الشّعْرِ إذَا صَمَتَ عَلَاهُ الْوَقَارُ وَإِنْ تَكَلّمَ عَلَاهُ الْبَهَاءُ أَجْمَلُ النّاسِ وَأَبْهَاهُمْ مِنْ بَعِيدٍ وَأَحْسَنُهُ وَأَحْلَاهُ مِنْ قَرِيبٍ حُلْوُ الْمَنْطِقِ فَصْلٌ لَا نَزْرٌ وَلَا هَذْرٌ كَأَنّ مَنْطِقَهُ خَرَزَاتُ نَظْمٍ يَتَحَدّرْنَ رَبْعَةٌ لَا تُقْحِمُهُ عَيْنٌ مِنْ قِصَرٍ وَلَا تَشْنَؤُهُ مِنْ طُولٍ غُصْنٌ بَيْنَ غُصْنَيْنِ فَهُوَ أَنْضَرُ الثّلَاثَةِ مَنْظَرًا وَأَحْسَنُهُمْ قَدْرًا لَهُ رُفَقَاءُ يَحُفّونَ بِهِ إذَا قَالَ اسْتَمَعُوا لِقَوْلِهِ وَإِذَا أَمَرَ تَبَادَرُوا إلَى أَمْرِهِ مَحْفُودٌ مَحْشُودٌ لَا عَابِسٌ وَلَا مُفْنِدٌ فَقَالَ أَبُو مَعْبَدٍ وَاَللّهِ هَذَا صَاحِبُ قُرَيْشٍ الّذِي ذَكَرُوا مِنْ أَمْرِهِ مَا ذَكَرُوا لَقَدْ هَمَمْتُ أَنْ أَصْحَبُهُ وَلَأَفْعَلَنّ إنْ وَجَدْتُ إلَى ذَلِكَ سَبِيلًا وَأَصْبَحَ صَوْتٌ بِمَكّةَ عَالِيًا يَسْمَعُونَهُ وَلَا يَرَوْنَ الْقَائِلَ
جَزَى اللّهُ رَبّ الْعَرْشِ خَيْرَ جَزَائِه ِ
رَفِيقَيْنِ حَلّا خَيْمَتَيْ أُمّ مَعْبَدٍ
هُمَا نَزَلَا بِالْبِرّ وَارْتَحَلَا بِه
وَأَفْلَحَ مَنْ أَمْسَى رَفِيقَ مُحَمّدِ
فَيَالَقُصَيّ مَا زَوَى اللّهُ عَنْكُمْ
بِهِ مِنْ فَعَالٍ لَا يُجَازَى وَسُودَدِ
لِيَهْنَ بَنِي كَعْبٍ مَكَانَ فَتَاتِهِمْ
وَمَقْعَدُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَرْصَدِ
سَلُوا أُخْتَكُمْ عَنْ شَاتِهَا وَإِنَائِهَا
فَإِنّكُمْ إنْ تَسْأَلُوا الشّاءَ تَشْهَدِ
[ ص 52 ] قَالَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ أَبِي بَكْرٍ : مَا دَرَيْنَا أَيْنَ تَوَجّهَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْجِنّ مِنْ أَسْفَلِ مَكّةَ فَأَنْشَدَ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ وَالنّاسَ يَتْبَعُونَهُ وَيَسْمَعُونَ صَوْتَهُ وَلَا يَرَوْنَهُ حَتّى خَرَجَ مِنْ أَعْلَاهَا قَالَتْ فَلَمّا سَمِعْنَا قَوْلَهُ عَرَفْنَا حَيْثُ تَوَجّهَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَنّ وَجْهَهُ إلَى الْمَدِينَةِ .
فَصْلٌ [ وُصُولُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمَدِينَةِ ]
وَبَلَغَ الْأَنْصَارَ مَخْرَجُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ مَكّةَ وَقَصْدُهُ الْمَدِينَةُ وَكَانُوا يَخْرُجُونَ كُلّ يَوْمٍ إلَى الْحَرّةِ يَنْتَظِرُونَهُ أَوّلَ النّهَارِ فَإِذَا اشْتَدّ حَرّ الشّمْسِ رَجَعُوا عَلَى عَادَتِهِمْ إلَى مَنَازِلِهِمْ فَلَمّا كَانَ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ ثَانِيَ عَشَرَ رَبِيعٍ الْأَوّلِ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ سَنَةً مِنْ النّبُوّةِ خَرَجُوا عَلَى عَادَتِهِمْ فَلَمّا حَمِيَ حَرّ الشّمْسِ رَجَعُوا وَصَعِدَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ عَلَى أُطُمٍ مِنْ آطَامِ الْمَدِينَةِ لِبَعْضِ شَأْنِهِ فَرَأَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابَهُ مُبَيّضِينَ يَزُولُ بِهِمْ السّرَابُ فَصَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا بَنِي قَيْلَةَ هَذَا صَاحِبُكُمْ قَدْ جَاءَ هَذَا جَدّكُمْ الّذِي تَنْتَظِرُونَهُ فَبَادَرَ الْأَنْصَارُ إلَى السّلَاحِ لِيَتَلَقّوْا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسُمِعَتْ الرّجّةُ وَالتّكْبِيرُ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَكَبّرَ الْمُسْلِمُونَ فَرَحًا بِقُدُومِهِ وَخَرَجُوا لِلِقَائِهِ فَتَلَقّوْهُ وَحَيّوْهُ بِتَحِيّةِ النّبُوّةِ فَأَحْدَقُوا بِهِ مُطِيفِينَ حَوْلَهُ وَالسّكِينَةُ تَغْشَاهُ وَالْوَحْيُ يَنْزِلُ عَلَيْهِ { فَإِنّ اللّهَ هُوَ مَوْلَاهُ وَجِبْرِيلُ وَصَالِحُ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهِيرٌ } [ التّحْرِيمُ 4 ] فَسَارَ حَتّى نَزَلَ بِقُبَاءَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ فَنَزَلَ عَلَى كُلْثُومِ بْنِ الْهِدْمِ وَقِيلَ بَلْ عَلَى سَعْدِ بْنِ خَيْثَمَةَ وَالْأَوّلُ أَثْبَتُ فَأَقَامَ فِي بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَأَسّسَ مَسْجِدَ قُبَاءَ وَهُوَ أَوّلُ مَسْجِدٍ أُسّسَ بَعْدَ النّبُوّةِ . [ ص 53 ] كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ رَكِبَ بِأَمْرِ اللّهِ لَهُ فَأَدْرَكَتْهُ الْجُمُعَةُ فِي بَنِي سَالِمِ بْنِ عَوْفٍ فَجَمَعَ بِهِمْ فِي الْمَسْجِدِ الّذِي فِي بَطْنِ الْوَادِي . ثُمّ رَكِبَ فَأَخَذُوا بِخِطَامِ رَاحِلَتِهِ هَلُمّ إلَى الْعَدَدِ وَالْعُدّةِ وَالسّلَاحِ وَالْمَنَعَةِ فَقَالَ خَلّوا سَبِيلَهَا فَإِنّهَا مَأْمُورَة فَلَمْ تَزَلْ نَاقَتُهُ سَائِرَةً بِهِ لَا تَمُرّ بِدَارٍ مِنْ دُورِ الْأَنْصَارِ إلّا رَغِبُوا إلَيْهِ فِي النّزُولِ عَلَيْهِمْ وَيَقُولُ دَعُوهَا فَإِنّهَا مَأْمُورَةٌ فَسَارَتْ حَتّى وَصَلَتْ إلَى مَوْضِعِ مَسْجِدِهِ الْيَوْمَ وَبَرَكَتْ وَلَمْ يَنْزِلْ عَنْهَا حَتّى نَهَضَتْ وَسَارَتْ قَلِيلًا ثُمّ الْتَفَتَتْ فَرَجَعَتْ فَبَرَكَتْ فِي مَوْضِعِهَا الْأَوّلِ فَنَزَلَ عَنْهَا وَذَلِكَ فِي بَنِي النّجّار ِ أَخْوَالِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَكَانَ مِنْ تَوْفِيقِ اللّهِ لَهَا فَإِنّهُ أَحَبّ أَنْ يَنْزِلَ عَلَى أَخْوَالِهِ يُكْرِمُهُمْ بِذَلِكَ فَجَعَلَ النّاسُ يُكَلّمُونَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي النّزُولِ عَلَيْهِمْ وَبَادَرَ أَبُو أَيّوبَ الْأَنْصَارِيّ إلَى رَحْلِهِ فَأَدْخَلَهُ بَيْتَهُ فَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ الْمَرْءُ مَعَ رَحْلِهِ وَجَاءَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ فَأَخَذَ بِزِمَامِ رَاحِلَتِهِ وَكَانَتْ عِنْدَهُ وَأَصْبَحَ كَمَا قَالَ أَبُو قَيْسٍ صِرْمَةُ الْأَنْصَارِيّ وَكَانَ ابْنُ عَبّاسٍ يَخْتَلِفُ إلَيْهِ يَتَحَفّظُ مِنْهُ هَذِهِ الْأَبْيَاتِ
ثَوَى فِي قُرَيْشٍ بِضْعَ عَشْرَةَ حِجّةً
يُذَكّرُ لَوْ يَلْقَى حَبِيبًا مُوَاتِيَا
وَيَعْرِضُ فِي أَهْلِ الْمَوَاسِمِ نَفْسَهُ
فَلَمْ يَرَ مَنْ يُؤْوِي وَلَمْ يَرَ دَاعِيَا
فَلَمّا أَتَانَا وَاسْتَقَرّتْ بِهِ النّوَى
وَأَصْبَحَ مَسْرُورًا بِطَيْبَةَ رَاضِيَا
وَأَصْبَحَ لَا يَخْشَى ظُلَامَةَ ظَالِمٍ
بَعِيدٍ وَلَا يَخْشَى مِنْ النّاسِ بَاغِيَا
بَذَلْنَا لَهُ الْأَمْوَالَ مِنْ حِلّ مَالِنَا
وَأَنْفُسَنَا عِنْدَ الْوَغَى وَالتّآسِيَا
نُعَادِي الّذِي عَادَى مِنْ النّاسِ كُلّهِمْ
جَمِيعًا وَإِنْ كَانَ الْحَبِيبَ الْمُصَافِيَا
وَنَعْلَمُ أَنّ اللّهَ لَا رَبّ غَيْرُهُ
وَأَنّ كِتَابَ اللّهِ أَصْبَحَ هَادِيَا
[ مَعْنَى أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْق ٍ ]
[ ص 54 ] قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَكّةَ فَأُمِرَ بِالْهِجْرَةِ وَأُنْزِلَ عَلَيْهِ { وَقُلْ رَبّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ وَاجْعَلْ لِي مِنْ لَدُنْكَ سُلْطَانًا نَصِيرًا } [ الْإِسْرَاءُ 80 ] . قَالَ قَتَادَةُ : أَخْرَجَهُ اللّهُ مِنْ مَكّةَ إلَى الْمَدِينَةِ مَخْرَجَ صِدْقٍ وَنَبِيّ اللّهِ يَعْلَمُ أَنّهُ لَا طَاقَةَ لَهُ بِهَذَا الْأَمْرِ إلّا بِسُلْطَانٍ فَسَأَلَ اللّهُ سُلْطَانًا نَصِيرًا وَأَرَاهُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ دَارَ الْهِجْرَةِ وَهُوَ بِمَكّةَ فَقَالَ أُرِيتُ دَارَ هِجْرَتِكُمْ بِسَبْخَةٍ ذَاتِ نَخْلٍ بَيْنَ لَابَتَيْنِ وَذَكَرَ الْحَاكِمُ فِي " مُسْتَدْرَكِهِ " عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لِجِبْرِيلَ مَنْ يُهَاجِرُ مَعِي ؟ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ قَالَ الْبَرَاءُ أَوّلُ مَنْ قَدِمَ عَلَيْنَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ وَابْنُ أُمّ مَكْتُومٍ فَجَعَلَا يُقْرِئَانِ النّاسَ الْقُرْآنَ ثُمّ جَاءَ عَمّارٌ وَبِلَالٌ وَسَعْدٌ ثُمّ جَاءَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فِي عِشْرِينَ رَاكِبًا ثُمّ جَاءَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَمَا رَأَيْتُ النّاسَ فَرِحُوا بِشَيْءٍ كَفَرَحِهِمْ بِهِ حَتّى رَأَيْتُ النّسَاءَ وَالصّبْيَانَ وَالْإِمَاءَ يَقُولُونَ هَذَا رَسُولُ اللّهِ قَدْ جَاءَ [ ص 55 ] وَقَالَ أَنَسٌ شَهِدْتُهُ يَوْمَ دَخْلَ الْمَدِينَةَ فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا قَطّ كَانَ أَحْسَنَ وَلَا أَضْوَأَ مِنْ يَوْمِ دَخَلَ الْمَدِينَةَ عَلَيْنَا وَشَهِدْتُهُ يَوْمَ مَاتَ فَمَا رَأَيْتُ يَوْمًا قَطّ كَانَ أَقْبَحَ وَلَا أَظْلَمَ مِنْ يَوْمِ مَاتَ
[ قُدُومُ أَهْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ مَكّةَ ]
فَأَقَامَ فِي مَنْزِلِ أَبِي أَيّوب َ حَتّى بَنَى حُجَرَهُ وَمَسْجِدَهُ وَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ فِي مَنْزِلِ أَبِي أَيّوبَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَأَبَا رَافِعٍ وَأَعْطَاهُمَا بَعِيرَيْنِ وَخَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ إلَى مَكّةَ فَقَدِمَا عَلَيْهِ بِفَاطِمَةَ وَأُمّ كُلْثُومٍ ابْنَتَيْهِ وَسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ زَوْجَتِهِ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْد ٍ وَأُمّهِ أُمّ أَيْمَنَ وَأَمّا زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمْ يُمَكّنْهَا زَوْجُهَا أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرّبِيعِ مِنْ الْخُرُوجِ وَخَرَجَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ مَعَهُمْ بِعِيَالِ أَبِي بَكْرٍ وَمِنْهُمْ عَائِشَةُ فَنَزَلُوا فِي بَيْتِ حَارِثَةَ بْنِ النّعْمَانِ .
فَصْلٌ فِي بِنَاءِ الْمَسْجِدِ
قَالَ الزّهْرِيّ : بَرَكَتْ نَاقَةُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَوْضِعَ مَسْجِدِهِ وَهُوَ يَوْمئِذٍ يُصَلّي فِيهِ رِجَالٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ مِرْبَدًا لِسَهْلٍ وَسُهَيْلٍ غُلَامَيْنِ يَتِيمَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَا فِي حِجْرِ أَسْعَدِ بْنِ زُرَارَةَ فَسَاوَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْغُلَامَيْنِ بِالْمِرْبَدِ لِيَتّخِذَهُ مَسْجِدًا فَقَالَا : بَلْ نَهَبُهُ لَكَ يَا رَسُولَ اللّهِ فَأَبَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَابْتَاعَهُ مِنْهُمَا بِعَشَرَةِ دَنَانِيرَ وَكَانَ جِدَارًا لَيْسَ لَهُ سَقْفٌ وَقِبْلَتُهُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَكَانَ يُصَلّي فِيهِ وَيُجَمّعُ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ قَبْلَ مَقْدَمِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانَ فِيهِ شَجَرَةُ غَرْقَدٍ وَخِرَبٌ وَنَخْلٌ وَقُبُورٌ لِلْمُشْرِكِينَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْقُبُورِ فَنُبِشَتْ وَبِالْخَرِبِ [ ص 56 ] وَجَعَلَ طُولَهُ مِمّا يَلِي الْقِبْلَةَ إلَى مُؤَخّرِهِ مِائَةَ ذِرَاعٍ وَالْجَانِبَيْنِ مِثْلَ ذَلِكَ أَوْ دُونَهُ وَجَعَلَ أَسَاسَهُ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ ثُمّ بَنَوْهُ بِاللّبِنِ وَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَبْنِي مَعَهُمْ وَيَنْقُلُ اللّبِنَ وَالْحِجَارَةَ بِنَفْسِهِ وَيَقُولُ
اللّهُمّ لَا عَيْشَ إلّا عَيْشُ الْآخِرَهْ
فَاغْفِرْ لِلْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرَهْ
وَكَانَ يَقُولُ
هَذَا الْحِمَالُ لَا حِمَالُ خَيْبَرَ
هَذَا أَبَرّ رَبّنَا وَأَطْهَر
وَجَعَلُوا يَرْتَجِزُونَ وَهُمْ يَنْقُلُونَ اللّبِنَ وَيَقُولُ بَعْضُهُمْ فِي رَجْزِهِ
لَئِنْ قَعَدْنَا وَالرّسُولُ يَعْمَلُ
لَذَاكَ مِنّا الْعَمَلُ الْمُضَلّلُ
وَجَعَلَ قِبْلَتَهُ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَجَعَلَ لَهُ ثَلَاثَةَ أَبْوَابٍ بَابًا فِي مُؤَخّرِهِ وَبَابًا يُقَالُ لَهُ بَابُ الرّحْمَةِ وَالْبَابُ الّذِي يَدْخُلُ مِنْهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَجَعَلَ عُمُدَهُ الْجُذُوعَ وَسَقْفَهُ بِالْجَرِيدِ وَقِيلَ لَهُ أَلَا تُسَقّفُهُ فَقَالَ لَا عَرِيشٌ كَعَرِيشِ مُوسَى وَبَنَى إلَى جَنْبِهِ بُيُوتَ أَزْوَاجِهِ بِاللّبِنِ وَسَقّفَهَا بِالْجَرِيدِ وَالْجُذُوعِ فَلَمّا فَرَغَ مِنْ الْبِنَاءِ بَنَى بِعَائِشَةَ فِي الْبَيْتِ الّذِي بَنَاهُ لَهَا شَرْقِيّ الْمَسْجِدِ قِبْلِيّهُ وَهُوَ مَكَانُ حُجْرَتِهِ الْيَوْمَ وَجَعَلَ لِسَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَة َ بَيْتًا آخَرَ .
فَصْلٌ [ الْمُؤَاخَاةُ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ]
ثُمّ آخَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَكَانُوا تِسْعِينَ رَجُلًا نِصْفُهُمْ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَنِصْفُهُمْ مِنْ الْأَنْصَارِ آخَى بَيْنَهُمْ عَلَى الْمُوَاسَاةِ يَتَوَارَثُونَ بَعْدَ الْمَوْتِ دُونَ ذَوِي الْأَرْحَامِ إلَى حِينِ وَقْعَةِ بَدْرٍ فَلَمّا [ ص 57 ] أَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ { وَأُولُو الْأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللّهِ } [ الْأَحْزَابُ 6 ] رَدّ التّوَارُثَ إلَى الرّحِمِ دُونَ عَقْدِ الْأُخُوّةِ . وَقَدْ قِيلَ إنّهُ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ مُؤَاخَاةً ثَانِيَةً وَاِتّخَذَ فِيهَا عَلِيّا أَخًا لِنَفْسِهِ وَالثّبْتُ الْأُوَلُ وَالْمُهَاجِرُونَ كَانُوا مُسْتَغْنِينَ بِأُخُوّةِ الْإِسْلَامِ [ ص 58 ] وَقُرَابَةِ النّسَبِ عَنْ عَقْدِ مُؤَاخَاةٍ بِخِلَافِ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ الْأَنْصَارِ وَلَوْ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ كَانَ أَحَقّ النّاسِ بِأُخُوّتِهِ أَحَبّ الْخَلْقِ إلَيْهِ وَرَفِيقُهُ فِي الْهِجْرَةِ وَأَنِيسُهُ فِي الْغَارِ وَأَفْضَلُ الصّحَابَةِ وَأَكْرَمُهُمْ عَلَيْهِ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ وَقَدْ قَالَ لَوْ كُنْتُ مُتّخِذًا مِنْ أَهْلِ الْأَرْضِ خَلِيلًا لَاِتّخَذْتُ أَبَا بَكْرٍ خَلِيلًا وَلَكِنْ أُخُوّةُ الْإِسْلَامِ أَفْضَلُ
وَفِي لَفْظٍ وَلَكِنْ أَخِي وَصَاحِبِي وَهَذِهِ الْأُخُوّةُ فِي الْإِسْلَامِ وَإِنْ كَانَتْ عَامّةً كَمَا قَالَ وَدِدْتُ أَنْ قَدْ رَأَيْنَا إخْوَانَنَا قَالُوا : أَلَسْنَا إخْوَانَكَ ؟ قَالَ أَنْتُمْ أَصْحَابِي وَإِخْوَانِي قَوْمٌ يَأْتُونَ مِنْ بَعْدِي يُؤْمِنُونَ بِي وَلَمْ يَرَوْنِي فَلِلصّدّيقِ مِنْ هَذِهِ الْأُخُوّةِ أَعْلَى مَرَاتِبِهَا كَمَا لَهُ مِنْ الصّحْبَةِ أَعْلَى مَرَاتِبِهَا فَالصّحَابَةُ لَهُمْ الْأُخُوّةُ وَمَزِيّةُ الصّحْبَةِ وَلِأَتْبَاعِهِ بَعْدَهُمْ الْأُخُوّةُ دُونَ الصّحْبَةِ .
فَصْل ٌ [ مُعَاهَدَتُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعَ الْيَهُودِ ]
وَوَادَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ بِالْمَدِينَةِ مِنْ الْيَهُودِ وَكَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا وَبَادَرَ حَبْرُهُمْ وَعَالِمُهُمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ سَلَامٍ فَدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ [ ص 59 ] وَأَبَى عَامّتُهُمْ إلّا الْكُفْرَ . وَكَانُوا ثَلَاثَ قَبَائِلَ بَنُو قَيْنُقَاعَ وَبَنُو النّضِيرِ وَبَنُو قُرَيْظَةَ وَحَارَبَهُ الثّلَاثَةُ فَمَنّ عَلَى بَنِي قَيْنُقَاعَ وَأَجْلَى بَنِي النّضِيرِ وَقَتَلَ بَنِي قُرَيْظَةَ وَسَبَى ذُرّيّتَهُمْ وَنَزَلَتْ ( سُورَةُ الْحَشْرِ ) فِي بَنِي النّضِيرِ وَ ( سُورَةُ الْأَحْزَابِ ) فِي بَنِي قُرَيْظَةَ .
فَصْلٌ [ تَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ ]
وَكَانَ يُصَلّي إلَى قِبْلَةِ بَيْتِ الْمَقْدِسِ وَيُحِبّ أَنْ يُصْرَفَ إلَى الْكَعْبَةِ وَقَالَ لِجِبْرِيلَ وَدِدْتُ أَنْ يَصْرِفَ اللّهُ وَجْهِي عَنْ قِبْلَةِ الْيَهُودِ فَقَالَ إنّمَا أَنَا عَبْدٌ فَادْعُ رَبْكَ وَاسْأَلْهُ س فَجَعَلَ يُقَلّبُ وَجْهَهُ فِي السّمَاءِ يَرْجُو ذَلِكَ حَتّى أَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْهِ { قَدْ نَرَى تَقَلّبَ وَجْهِكَ فِي السّمَاءِ فَلَنُوَلّيَنّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا فَوَلّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } [ الْبَقَرَةُ 144 ] وَذَلِكَ بَعْدَ سِتّةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْر ٍ بِشَهْرَيْنِ . قَالَ مُحَمّدُ بْنُ سَعْدٍ أَخْبَرَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ أَنْبَأَنَا أَبُو مَعْشَرٍ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ الْقُرَظِيّ قَالَ مَا خَالَفَ نَبِيّ نَبِيّا قَطّ فِي قِبْلَةٍ وَلَا فِي سُنّةٍ إلّا أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اسْتَقْبَلَ بَيْتَ الْمَقْدِسِ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ سِتّةَ عَشَرَ شَهْرًا ثُمّ قَرَأَ { شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدّينِ مَا وَصّى بِهِ نُوحًا وَالّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ } [ الشّورَى : 13 ] [ ص 60 ] وَكَانَ لِلّهِ فِي جَعْلِ الْقِبْلَةِ إلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ثُمّ تَحْوِيلِهَا إلَى الْكَعْبَةِ حِكَمٌ عَظِيمَةٌ وَمِحْنَةٌ لِلْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ . فَأَمّا الْمُسْلِمُونَ فَقَالُوا : سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَقَالُوا : { آمَنّا بِهِ كُلّ مِنْ عِنْدِ رَبّنَا } [ آلُ عِمْرَانَ 7 ] وَهُمْ الّذِينَ هَدَى اللّهُ وَلَمْ تَكُنْ كَبِيرَةً عَلَيْهِمْ . وَأَمّا الْمُشْرِكُونَ فَقَالُوا : كَمَا رَجَعَ إلَى قِبْلَتِنَا يُوشِكُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى دِينِنَا وَمَا رَجَعَ إلَيْهَا إلّا أَنّهُ الْحَقّ . وَأَمّا الْيَهُودُ فَقَالُوا : خَالَفَ قِبْلَةَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَهُ وَلَوْ كَانَ نَبِيّا لَكَانَ يُصَلّي إلَى قِبْلَةِ الْأَنْبِيَاءِ . وَأَمّا الْمُنَافِقُونَ فَقَالُوا : مَا يَدْرِي مُحَمّدٌ أَيْنَ يَتَوَجّهُ إنْ كَانَتْ الْأُولَى حَقّا فَقَدْ تَرَكَهَا وَإِنْ كَانَتْ الثّانِيَةُ هِيَ الْحَقّ فَقَدْ كَانَ عَلَى بَاطِلٍ وَكَثُرَتْ أَقَاوِيلُ السّفَهَاءِ مِنْ النّاسِ وَكَانَتْ كَمَا قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلّا عَلَى الّذِينَ هَدَى اللّهُ } [ الْبَقَرَةُ 143 ] وَكَانَتْ مِحْنَةً مِنْ اللّهِ امْتَحَنَ بِهَا عِبَادَهُ لِيَرَى مَنْ يَتّبِعُ الرّسُولَ مِنْهُمْ مِمّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ . وَلَمّا كَانَ أَمْرُ الْقِبْلَةِ وَشَأْنُهَا عَظِيمًا وَطّأَ - سُبْحَانَهُ - قَبْلَهَا أَمْرَ النّسْخِ وَقُدْرَتَهُ عَلَيْهِ وَأَنّهُ يَأْتِي بِخَيْرٍ مِنْ الْمَنْسُوخِ أَوْ مِثْلِهِ ثُمّ عَقّبَ ذَلِكَ بِالتّوْبِيخِ لِمَنْ تَعَنّتَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَمْ يَنْقَدْ لَهُ ثُمّ ذَكَرَ بَعْدَهُ اخْتِلَافَ الْيَهُودِ وَالنّصَارَى وَشَهَادَةَ بَعْضِهِمْ عَلَى بَعْضٍ بِأَنّهُمْ لَيْسُوا عَلَى شَيْءٍ وَحَذّرَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ مُوَافَقَتِهِمْ وَاتّبَاعِ أَهْوَائِهِمْ ثُمّ ذَكَرَ كُفْرَهُمْ وَشِرْكَهُمْ بِهِ وَقَوْلَهُمْ إنّ لَهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَمّا يَقُولُونَ عُلُوّا ثُمّ أَخْبَرَ أَنّ لَهُ الْمَشْرِقَ وَالْمَغْرِبَ وَأَيْنَمَا يُوَلّي عِبَادُهُ وُجُوهَهُمْ فَثَمّ [ ص 61 ] أَخْبَرَ أَنّهُ لَا يَسْأَلُ رَسُولَهُ عَنْ أَصْحَابِ الْجَحِيمِ الّذِينَ لَا يُتَابِعُونَهُ وَلَا يُصَدّقُونَهُ ثُمّ أَعْلَمَهُ أَنّ أَهْلَ الْكِتَابِ مِنْ الْيَهُودِ وَالنّصَارَى لَنْ يَرْضَوْا عَنْهُ حَتّى يَتّبِعَ مِلّتَهُمْ وَأَنّهُ إنْ فَعَلَ وَقَدْ أَعَاذَهُ اللّهُ مِنْ ذَلِكَ فَمَا لَهُ مِنْ اللّهِ مِنْ وَلِيّ وَلَا نَصِيرٍ ثُمّ ذَكّرَ أَهْلَ الْكِتَابِ بِنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ وَخَوّفَهُمْ مِنْ بَأْسِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ثُمّ ذَكَرَ خَلِيلَهُ بَانِي بَيْتِهِ الْحَرَامِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَدَحَهُ وَأَخْبَرَ أَنّهُ جَعَلَهُ إمَامًا لِلنّاسِ يَأْتَمّ بِهِ أَهْلُ الْأَرْضِ ثُمّ ذَكَرَ بَيْتَهُ الْحَرَامَ وَبِنَاءَ خَلِيلِهِ لَهُ وَفِي ضِمْنِ هَذَا أَنّ بَانِيَ الْبَيْتِ كَمَا هُوَ إمَامٌ لِلنّاسِ فَكَذَلِكَ الْبَيْتُ الّذِي بَنَاهُ إمَامٌ لَهُمْ ثُمّ أَخْبَرَ أَنّهُ لَا يَرْغَبُ عَنْ مِلّةِ هَذَا الْإِمَامِ إلّا أَسْفَهُ النّاسِ ثُمّ أَمَرَ عِبَادَهُ أَنْ يَأْتَمّوا بِرَسُولِهِ الْخَاتَمِ وَيُؤْمِنُوا بِمَا أَنْزَلَ إلَيْهِ وَإِلَى إبْرَاهِيمَ وَإِلَى سَائِرِ النّبِيّينَ ثُمّ رَدّ عَلَى مَنْ قَالَ إنّ إبْرَاهِيمَ وَأَهْلَ بَيْتِهِ كَانُوا هُودًا أَوْ نَصَارَى وَجَعَلَ هَذَا كُلّهُ تَوْطِئَةً وَمُقَدّمَةً بَيْنَ يَدَيْ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ وَمَعَ هَذَا كُلّهِ فَقَدْ كَبُرَ ذَلِكَ عَلَى النّاسِ إلّا مَنْ هَدَى اللّهُ مِنْهُمْ وَأَكّدَ سُبْحَانَهُ هَذَا الْأَمْرَ مَرّةً بَعْدَ مَرّةٍ بَعْد ثَالِثَةٍ وَأَمَرَ بِهِ رَسُولَهُ حَيْثُمَا كَانَ وَمِنْ حَيْثُ خَرَجَ وَأَخْبَرَ أَنّ الّذِي يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ هُوَ الّذِي هَدَاهُمْ إلَى هَذِهِ الْقِبْلَةِ وَأَنّهَا هِيَ الْقِبْلَةُ الّتِي تَلِيقُ بِهِمْ وَهُمْ أَهْلُهَا لِأَنّهَا أَوْسَطُ الْقِبَلِ وَأَفْضَلُهَا وَهُمْ أَوْسَطُ الْأُمَمِ وَخِيَارُهُمْ فَاخْتَارَ أَفْضَلَ الْقِبَلِ لِأَفْضَلِ الْأُمَمِ كَمَا اخْتَارَ لَهُمْ أَفْضَلَ الرّسُلِ وَأَفْضَلَ الْكُتُبِ وَأَخْرَجَهُمْ فِي خَيْرِ الْقُرُونِ وَخَصّهُمْ بِأَفْضَلِ الشّرَائِعِ وَمَنَحَهُمْ خَيْرَ الْأَخْلَاقِ وَأَسْكَنَهُمْ خَيْرَ الْأَرْضِ وَجَعَلَ مَنَازِلَهُمْ فِي الْجَنّةِ خَيْرَ الْمَنَازِلِ وَمَوْقِفُهُمْ فِي الْقِيَامَةِ خَيْرُ الْمَوَاقِفِ فَهُمْ عَلَى تَلّ عَالٍ وَالنّاسُ تَحْتَهُمْ فَسُبْحَانَ مَنْ يَخْتَصّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَذَلِكَ فَضْلُ اللّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاَللّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ . وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِئَلّا يَكُونَ لِلنّاسِ عَلَيْهِمْ حُجّةٌ وَلَكِنْ الظّالِمُونَ الْبَاغُونَ يَحْتَجّونَ عَلَيْهِمْ بِتِلْكَ الْحُجَجِ الّتِي ذُكِرَتْ وَلَا يُعَارِضُ الْمُلْحِدُونَ الرّسُلَ إلّا بِهَا [ ص 62 ] وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّهُ فَعَلَ ذَلِكَ لِيُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ وَلِيَهْدِيَهُمْ ثُمّ ذَكّرَهُمْ نِعَمَهُ عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِ رَسُولِهِ إلَيْهِمْ وَإِنْزَالِ كِتَابِهِ عَلَيْهِمْ لِيُزَكّيَهُمْ وَيُعَلّمَهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلّمَهُمْ مَا لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ ثُمّ أَمَرَهُمْ بِذِكْرِهِ وَبِشُكْرِهِ إذْ بِهَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ يَسْتَوْجِبُونَ إتْمَامَ نِعَمِهِ وَالْمَزِيدَ مِنْ كَرَامَتِهِ وَيَسْتَجْلِبُونَ ذِكْرَهُ لَهُمْ وَمَحَبّتَهُ لَهُمْ ثُمّ أَمَرَهُمْ بِمَا لَا يَتِمّ لَهُمْ ذَلِكَ إلّا بِالِاسْتِعَانَةِ بِهِ وَهُوَ الصّبْرُ وَالصّلَاةُ وَأَخْبَرَهُمْ أَنّهُ مَعَ الصّابِرِينَ .
فَصْلٌ [ الْأَذَانُ وَزِيَادَةُ الصّلَاةِ إلَى رُبَاعِيّةٍ ]
وَأَتَمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ مَعَ الْقِبْلَةِ بِأَنْ شَرَعَ لَهُمْ الْأَذَانَ فِي الْيَوْمِ وَاللّيْلَةِ خَمْسَ مَرّاتٍ وَزَادَهُمْ فِي الظّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ بَعْدَ أَنْ كَانَتْ ثُنَائِيّةً فَكُلّ هَذَا كَانَ بَعْدَ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ .
فَصْلٌ [ الْإِذْنُ بِالْقِتَالِ ]
فَلَمّا اسْتَقَرّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْمَدِينَةِ وَأَيّدَهُ اللّهُ بِنَصْرِهِ بِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ الْأَنْصَارِ وَأَلّفَ بَيْنَ قُلُوبِهِمْ بَعْدَ الْعَدَاوَةِ وَالْإِحَنِ الّتِي كَانَتْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَتْهُ أَنْصَارُ اللّهِ وَكَتِيبَةُ الْإِسْلَامِ مِنْ الْأَسْوَدِ وَالْأَحْمَرِ وَبَذَلُوا نُفُوسَهُمْ دُونَهُ وَقَدّمُوا مَحَبّتَهُ عَلَى مَحَبّةِ الْآبَاءِ وَالْأَبْنَاءِ وَالْأَزْوَاجِ وَكَانَ أَوْلَى بِهِمْ مِنْ أَنْفُسِهِمْ رَمَتْهُمْ الْعَرَبُ وَالْيَهُودُ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ وَشَمّرُوا لَهُمْ عَنْ سَاقِ الْعَدَاوَةِ وَالْمُحَارَبَةِ وَصَاحُوا بِهِمْ مِنْ كُلّ جَانِبٍ وَاَللّهُ سُبْحَانَهُ يَأْمُرُهُمْ بِالصّبْرِ وَالْعَفْوِ وَالصّفْحِ حَتّى قَوِيَتْ الشّوْكَةُ [ ص 63 ] فَقَالَ تَعَالَى : { أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنّ اللّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ } [ الْحَجّ 39 ] . وَقَدْ قَالَتْ طَائِفَةٌ إنّ هَذَا الْإِذْنَ كَانَ بِمَكّةَ وَالسّورَةُ مَكّيّةٌ وَهَذَا غَلَطٌ لِوُجُوهٍ أَحَدُهَا : أَنّ اللّهَ لَمْ يَأْذَنْ بِمَكّةَ لَهُمْ فِي الْقِتَالِ وَلَا كَانَ لَهُمْ شَوْكَةٌ يَتَمَكّنُونَ بِهَا مِنْ الْقِتَالِ بِمَكّةَ . الثّانِي : أَنّ سِيَاقَ الْآيَةِ يَدُلّ عَلَى أَنّ الْإِذْنَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ وَإِخْرَاجُهُمْ مِنْ دِيَارِهِمْ فَإِنّهُ قَالَ { الّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقّ إِلّا أَنْ يَقُولُوا رَبّنَا اللّهُ } [ الْحَجّ 40 ] وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمُهَاجِرُونَ . الثّالِثُ قَوْلُهُ تَعَالَى : { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ } [ الْحَجّ 19 ] نَزَلَتْ فِي الّذِينَ تَبَارَزُوا يَوْمَ بَدْرٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ . الرّابِعُ أَنّهُ قَدْ خَاطَبَهُمْ فِي آخِرِهَا بِقَوْلِهِ يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا وَالْخِطَابُ بِذَلِكَ كُلّهِ مَدَنِيّ فَأَمّا الْخِطَابُ ( يَا أَيّهَا النّاسُ فَمُشْتَرَكٌ . الْخَامِسُ أَنّهُ أَمَرَ فِيهَا بِالْجِهَادِ الّذِي يَعُمّ الْجِهَادَ بِالْيَدِ وَغَيْرِهِ وَلَا رَيْبَ أَنّ الْأَمْرَ بِالْجِهَادِ الْمُطْلَقِ إنّمَا كَانَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَأَمّا جِهَادُ الْحُجّةِ فَأَمَرَ بِهِ فِي مَكّةَ بِقَوْلِهِ { فَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَجَاهِدْهُمْ بِهِ } أَيْ بِالْقُرْآن { جِهَادًا كَبِيرًا } [ الْفُرْقَانُ : 52 ] فَهَذِهِ سُورَةٌ مَكّيّةٌ وَالْجِهَادُ فِيهَا هُوَ التّبْلِيغُ وَجِهَادُ الْحُجّةِ وَأَمّا الْجِهَادُ الْمَأْمُورُ بِهِ فِي ( سُورَةِ الْحَجّ فَيَدْخُلُ فِيهِ الْجِهَادُ بِالسّيْفِ . السّادِسُ أَنّ الْحَاكِمَ رَوَى فِي " مُسْتَدْرَكِهِ " مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ مُسْلِمٍ الْبَطِينِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ لَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ مَكّةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ : [ ص 64 ] إنّا لِلّهِ وَإِنّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ لَيَهْلِكُنّ فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ { أُذِنَ لِلّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنّهُمْ ظُلِمُوا } [ الْحَجّ 39 ] وَهِيَ أَوّلُ آيَةٍ نَزَلَتْ فِي الْقِتَالِ . وَإِسْنَادُهُ عَلَى شَرْطِ " الصّحِيحَيْنِ " وَسِيَاقُ السّورَةِ يَدُلّ عَلَى أَنّ فِيهَا الْمَكّيّ وَالْمَدَنِيّ فَإِنّ قِصّةَ إلْقَاءِ الشّيْطَانِ فِي أُمْنِيّةِ الرّسُولِ مَكّيّةٌ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ فَرْضُ الْقِتَالِ ]
ثُمّ فَرَضَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمَنْ قَاتَلَهُمْ دُونَ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْهُمْ فَقَالَ { وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ الّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ } [ الْبَقَرَةُ 190 ] . ثُمّ فَرَضَ عَلَيْهِمْ قِتَالَ الْمُشْرِكِينَ كَافّةً وَكَانَ مُحَرّمًا ثُمّ مَأْذُونًا بِهِ ثُمّ مَأْمُورًا بِهِ لِمَنْ بَدَأَهُمْ بِالْقِتَالِ ثُمّ مَأْمُورًا بِهِ لِجَمِيعِ الْمُشْرِكِينَ إمّا فَرْضُ عَيْنٍ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَوْ فَرْضُ كِفَايَةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ .
[ التّحْقِيقُ فِي مَسْأَلَةِ فَرْضِيّةِ الْجِهَادِ ]
وَالتّحْقِيقُ أَنّ جِنْسَ الْجِهَادِ فَرْضُ عَيْنٍ إمّا بِالْقَلْبِ وَإِمّا بِاللّسَانِ وَإِمّا بِالْمَالِ وَإِمّا بِالْيَدِ فَعَلَى كُلّ مُسْلِمٍ أَنْ يُجَاهِدَ بِنَوْعٍ مِنْ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ . أَمّا الْجِهَادُ بِالنّفْسِ فَفَرْضُ كِفَايَةٍ وَأَمّا الْجِهَادُ بِالْمَالِ فَفِي وُجُوبِهِ قَوْلَانِ وَالصّحِيحُ وُجُوبُهُ لِأَنّ الْأَمْرَ بِالْجِهَادِ بِهِ وَبِالنّفْسِ فِي الْقُرْآنِ سَوَاءٌ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ } [ التّوْبَةُ 41 ] وَعَلّقَ النّجَاةَ مِنْ النّارِ بِهِ وَمَغْفِرَةَ الذّنْبِ وَدُخُولَ الْجَنّةِ فَقَالَ { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا هَلْ أَدُلّكُمْ عَلَى تِجَارَةٍ تُنْجِيكُمْ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ تُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَرَسُولِهِ وَتُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ يَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَيُدْخِلْكُمْ جَنّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَمَسَاكِنَ طَيّبَةً فِي جَنّاتِ عَدْنٍ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } [ الصّفّ 15 ]
وَأَخْبَرَ أَنّهُمْ إنْ فَعَلُوا ذَلِكَ أَعْطَاهُمْ مَا يُحِبّونَ مِنْ النّصْرِ وَالْفَتْحِ الْقَرِيبِ فَقَالَ [ ص 65 ] { وَأُخْرَى تُحِبّونَهَا } [ الصّفّ 12 ] أَيْ وَلَكُمْ خَصْلَةٌ أُخْرَى تُحِبّونَهَا فِي الْجِهَادِ وَهِيَ { نَصْرٌ مِنَ اللّهِ وَفَتْحٌ قَرِيبٌ } وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّهُ { اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنّ لَهُمُ الْجَنّةَ } [ التّوْبَةُ 110 ] وَأَعَاضَهُمْ عَلَيْهَا الْجَنّةَ وَأَنّ هَذَا الْعَقْدَ وَالْوَعْدَ قَدْ أَوْدَعَهُ أَفْضَلَ كُتُبِهِ الْمُنَزّلَةِ مِنْ السّمَاءِ وَهِيَ التّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ وَالْقُرْآنُ ثُمّ أَكّدَ ذَلِكَ بِإِعْلَامِهِمْ أَنّهُ لَا أَحَدَ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى ثُمّ أَكّدَ ذَلِكَ بِأَنْ أَمَرَهُمْ بِأَنْ يَسْتَبْشِرُوا بِبَيْعِهِمْ الّذِي عَاقَدُوهُ عَلَيْهِ ثُمّ أَعْلَمَهُمْ أَنّ ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ. فَلْيُتَأَمّلْ الْعَاقِدُ مَعَ رَبّهِ عَقْدَ هَذَا التّبَايُعِ مَا أَعْظَمَ خَطَرَهُ وَأَجَلّهُ فَإِنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ هُوَ الْمُشْتَرِي وَالثّمَنُ جَنّاتُ النّعِيمِ وَالْفَوْزُ بِرِضَاهُ وَالتّمَتّعُ بِرُؤْيَتِهِ هُنَاكَ. وَاَلّذِي جَرَى عَلَى يَدِهِ هَذَا الْعَقْدُ أَشْرَفُ رُسُلِهِ وَأَكْرَمُهُمْ. عَلَيْهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَالْبَشَرِ وَإِنّ سِلْعَةً هَذَا شَأْنُهَا لَقَدْ هُيّئَتْ لِأَمْرٍ عَظِيمٍ وَخَطْبٍ جَسِيمٍ قَدْ هَيّئُوك لِأَمْرٍ لَوْ فَطِنْتَ لَه فَارْبَأْ بِنَفْسِكَ أَنْ تَرْعَى مَعَ الْهَمَلِ
مَهْرُ الْمُحِبّةِ وَالْجَنّةِ بَذْلُ النّفْسِ وَالْمَالِ لِمَالِكِهِمَا الّذِي اشْتَرَاهُمَا مِنْ الْمُؤْمِنِينَ فَمَا لِلْجَبَانِ الْمُعْرِضِ الْمُفْلِسِ وَسَوْمِ هِذِهِ السّلْعَةِ بِاَللّهِ مَا هَزَلَتْ فَيَسْتَامَهَا الْمُفْلِسُونَ وَلَا كَسَدَتْ فَيَبِيعَهَا بِالنّسِيئَةِ الْمُعْسِرُونَ لَقَدْ أُقِيمَتْ لِلْعَرْضِ فِي سُوقِ مَنْ يُرِيدُ فَلَمْ يَرْضَ رَبّهَا لَهَا بِثَمَنٍ دُونَ بَذْلِ النّفُوسِ فَتَأَخّرَ الْبَطّالُونَ وَقَامَ الْمُحِبّونَ يَنْتَظِرُونَ أَيّهُمْ يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ نَفْسُهُ الثّمَنَ فَدَارَتْ السّلْعَةُ بَيْنَهُمْ وَوَقَعَتْ فِي يَدِ { أَذِلّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ } [ الْمَائِدَةُ 54 ] .
[ شِرَاؤُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعِيرًا مِنْ جَابِرٍ ]
لَمّا كَثُرَ الْمُدّعُونَ لِلْمَحَبّةِ طُولِبُوا بِإِقَامَةِ الْبَيّنَةِ عَلَى صِحّةِ الدّعْوَى فَلَوْ يُعْطَى النّاسُ بِدَعْوَاهُمْ لَادّعَى الْخَلِيّ حِرْفَةَ الشّجِيّ فَتَنَوّعَ الْمُدّعُونَ فِي الشّهُودِ فَقِيلَ لَا تَثْبُتُ هَذِهِ الدّعْوَى إلّا بِبَيّنَةٍ { قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبّونَ اللّهَ فَاتّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللّهُ } [ آلُ عِمْرَانَ 31 ] فَتَأَخّرَ الْخَلْقُ كُلّهُمْ وَثَبَتَ أَتْبَاعُ الرّسُولِ فِي أَفْعَالِهِ وَأَقْوَالِهِ [ ص 66 ] وَقِيلَ لَا تُقْبَلُ الْعَدَالَةُ إلّا بِتَزْكِيَةٍ { يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ } [ الْمَائِدَةُ 54 ] فَتَأَخّرَ أَكْثَرُ الْمُدّعِينَ لِلْمَحَبّةِ وَقَامَ الْمُجَاهِدُونَ فَقِيلَ لَهُمْ إنّ نُفُوسَ الْمُحِبّينَ وَأَمْوَالَهُمْ لَيْسَتْ لَهُمْ فَسَلّمُوا مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ فَإِنّ { اللّهَ اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنّ لَهُمُ الْجَنّةَ } وَعَقْدُ التّبَايُعِ يُوجِبُ التّسْلِيمَ مِنْ الْجَانِبَيْنِ فَلَمّا رَأَى التّجّارُ عَظَمَةَ الْمُشْتَرِي وَقَدْرَ الثّمَنِ وَجَلَالَةَ قَدْرِ مَنْ جَرَى عَقْدُ التّبَايُعِ عَلَى يَدْيِهِ وَمِقْدَارَ الْكِتَابِ الّذِي أُثْبِتَ فِيهِ هَذَا الْعَقْدُ عَرَفُوا أَنّ لِلسّلْعَةِ قَدْرًا وَشَأْنًا لَيْسَ لِغَيْرِهَا مِنْ السّلَعِ فَرَأَوْا مِنْ الْخُسْرَانِ الْبَيّنِ وَالْغَبْنِ الْفَاحِشِ أَنْ يَبِيعُوهَا بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاهِمَ مَعْدُودَةٍ تَذْهَبُ لَذّتُهَا وَشَهْوَتُهَا وَتَبْقَى تَبِعَتُهَا وَحَسْرَتُهَا فَإِنّ فَاعِلَ ذَلِكَ مَعْدُودٌ فِي جُمْلَةِ السّفَهَاءِ فَعَقَدُوا مَعَ الْمُشْتَرِي بَيْعَةَ الرّضْوَانِ رِضًى وَاخْتِيَارًا مِنْ غَيْرِ ثُبُوتِ خِيَارٍ وَقَالُوا : وَاَللّهِ لَا نَقِيلُكَ وَلَا نَسْتَقِيلُكَ فَلَمّا تَمّ الْعَقْدُ وَسَلّمُوا الْمَبِيعَ قِيلَ لَهُمْ قَدْ صَارَتْ أَنْفُسُكُمْ وَأَمْوَالُكُمْ لَنَا وَالْآنَ فَقَدْ رَدَدْنَاهَا عَلَيْكُمْ أَوْفَرَ مَا كَانَتْ وَأَضْعَافَ أَمْوَالِكُمْ مَعَهَا { وَلَا تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } [ آلُ عِمْرَانَ 69 ] لَمْ نَبْتَعْ مِنْكُمْ نُفُوسَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ طَلَبًا لِلرّبْحِ عَلَيْكُمْ بَلْ لِيَظْهَرَ أَثَرُ الْجُودِ وَالْكَرَمِ فِي قَبُولِ الْمَعِيبِ وَالْإِعْطَاءِ عَلَيْهِ أَجَلّ الْأَثْمَانِ ثُمّ جَمَعْنَا لَكُمْ بَيْنَ الثّمَنِ وَالْمُثَمّنِ . تَأَمّلْ قِصّةَ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ " وَقَدْ اشْتَرَى مِنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعِيرَهُ ثُمّ وَفّاهُ الثّمَنَ وَزَادَهُ وَرَدّ عَلَيْهِ الْبَعِيرَ وَكَانَ أَبُوهُ قَدْ قُتِلَ مَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ فَذَكّرَهُ بِهَذَا الْفِعْلِ حَالَ أَبِيهِ مَعَ اللّهِ وَأَخْبَرَهُ أَنّ اللّهَ أَحْيَاهُ وَكَلّمَهُ كِفَاحًا وَقَالَ يَا عَبْدِي تَمَنّ عَلَيّ " فَسُبْحَانَ مَنْ [ ص 67 ] الْمَبِيعَ عَلَى عَيْبِهِ وَأَعَاضَ عَلَيْهِ أَجَلّ الْأَثْمَانِ وَاشْتَرَى عَبْدَهُ مِنْ نَفْسِهِ بِمَالِهِ وَجَمَعَ لَهُ بَيْنَ الثّمَنِ وَالْمُثَمّنِ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَدَحَهُ بِهَذَا الْعَقْدِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ الّذِي وَفّقَهُ لَهُ وَشَاءَهُ مِنْهُ . فَحَيّهَلَا إنْ كُنْتَ ذَا هِمّةٍ فَقَد ْ حَدَا بِكَ حَادِي الشّوْقِ فَاطْوِ الْمَرَاحِلَا
وَقُلْ لِمُنَادِي حُبّهِمْ وَرِضَاهُمْ إذَا مَا دَعَا لَبّيْكَ أَلْفًا كَوَامِلَا
وَلَا تَنْظُرْ الْأَطْلَالَ مِنْ دُونِهِمْ فَإِنْ نَظَرْتَ إلَى الْأَطْلَالِ عُدْنَ حَوَائِلَا
وَلَا تَنْتَظِرْ بِالسّيْرِ رِفْقَةَ قَاعِدٍ وَدَعْهُ فَإِنّ الشّوْقَ يَكْفِيك حَامِلَا
وَخُذْ مِنْهُمْ زَادًا إلَيْهِمْ وَسِرْ عَلَى طَرِيقِ الْهُدَى وَالْحُبّ تُصْبِحْ وَاصِلًا
وَأَحْيِي بِذِكْرَاهُمْ شِرَاكَ إذَا دَنَتْ رِكَابُكَ فَالذّكْرَى تُعِيدُك عَامِلَا
وَأَمّا تَخَافَنّ الْكلَالَ فَقُلْ لَهَا أَمَامَكِ وَرْدُ الْوَصْلِ فَابْغِي الْمَنَاهِلَا
وَخُذْ قَبَسًا مَنْ نُورِهِمْ ثُمّ سِرْ بِهِ فَنُورُهُمْ يَهْدِيكَ لَيْسَ الْمَشَاعِلَا
وَحَيّ عَلَى وَادِي الْأَرَاكِ فَقِلْ بِهِ عَسَاكَ تَرَاهُمْ ثَمّ إنْ كُنْتَ قَائِلَا
وَإِلّا فَفِي نَعْمَانَ عِنْدِي مُعَرّفُ الْ أَحِبّةِ فَاطْلُبْهُمْ إذَا كُنْتَ سَائِلَا
وَإِلّا فَفِي جَمْعٍ بِلَيْلَتِهِ فَإِنْ تَفُتْ فَمِنًى يَا وَيْحَ مَنْ كَانَ غَافِلًا
وَحَيّ عَلَى جَنّاتِ عَدْنٍ فَإِنّهَا مَنَازِلُكَ الْأُولَى بِهَا كُنْتَ نَازِلَا
وَلَكِنْ سَبَاكَ الْكَاشِحُونَ لِأَجْلِ ذَا وَقَفْت عَلَى الْأَطْلَالِ تَبْكِي الْمَنَازِلَا
وَحَيّ عَلَى يَوْمِ الْمَزِيدِ بِجَنّةِ الْ خُلُودِ فَجُدْ بِالنّفْسِ إنْ كُنْتَ بَاذِلَا
فَدَعْهَا رُسُومًا دَارِسَاتٍ فَمَا بِهَا مَقِيلٌ وَجَاوِزْهَا فَلَيْسَتْ مَنَازِلَا
رُسُومًا عَفَتْ يَنْتَابُهَا الْخَلْقُ كَمْ بِهَا قَتِيلٌ وَكَمْ فِيهَا لِذَا الْخَلْقِ قَاتِلَا
وَخُذْ يَمْنَةً عَنْهَا عَلَى الْمَنْهَجِ الّذِي عَلَيْهِ سَرى وَفْدُ الْأَحِبّةِ آهِلَا
وَقُلْ سَاعِدِي يَا نَفْسُ بِالصّبْرِ سَاعَةً فَعِنْدَ اللّقَا ذَا الْكَدّ يُصْبِحُ زَائِلَا
فَمَا هِيَ إلّا سَاعَةٌ ثُمّ تَنْقَضِي وَيُصْبِحُ ذُو الْأَحْزَانِ فَرْحَانَ جَاذِلَا
لَقَدْ حَرّكَ الدّاعِي إلَى اللّهِ وَإِلَى دَارِ السّلَامِ النّفُوسَ الْأَبِيّةَ وَالْهِمَمَ الْعَالِيَةَ [ ص 68 ] وَأَسْمَعَ مُنَادِي الْإِيمَانِ مَنْ كَانَتْ لَهُ أُذُنٌ وَاعِيَةٌ وَأَسْمَعَ اللّهُ مَنْ كَانَ حَيّا فَهَزّهُ السّمَاعُ إلَى مَنَازِلِ الْأَبْرَارِ وَحْدًا بِهِ فِي طَرِيقِ سَيْرِهِ فَمَا حَطّتْ بِهِ رِحَالُهُ إلّا بِدَارِ . الْقَرَارِ فَقَالَ انْتَدَبَ اللّهُ لِمَنْ خَرَجَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ إلّا إيمَانٌ بِي وَتَصْدِيقٌ بِرُسُلِي أَنْ أَرْجِعَهُ بِمَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ أَوْ أُدْخِلَهُ الْجَنّةَ وَلَوْلَا أَنْ أَشُقّ عَلَى أُمّتِي مَا قَعَدْتُ خَلْفَ سَرِيّةٍ وَلَوَدِدْتُ أَنّي أُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ ثُمّ أَحْيَا ثُمّ أُقْتَلُ ثُمّ أَحْيَا ثُمّ أُقْتَل وَقَالَ مَثَلُ الْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللّهِ كَمَثَلِ الصّائِمِ الْقَائِمِ الْقَانِتِ بِآيَاتِ اللّهِ لَا يَفْتُرُ مِنْ صِيَامٍ وَلَا صَلَاةٍ حَتّى يَرْجِعَ الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَتَوَكّلَ اللّهُ لِلْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِهِ بِأَنْ يَتَوَفّاهُ أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنّةَ أَوْ يُرْجِعَهُ سَالِمًا مَعَ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ وَقَالَ غَدْوَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ رَوْحَةٌ خَيْرٌ مِنْ الدّنْيَا وَمَا فِيهَا [ ص 69 ] وَقَالَ فِيمَا يَرْوِي عَنْ رَبّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أَيّمَا عَبْدٍ مِنْ عِبَادِي خَرَجَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِي ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي ضَمِنْتُ لَهُ أَنْ أَرْجِعَهُ إنْ أَرْجَعْتُهُ بِمَا أَصَابَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ وَإِنْ قَبَضْتُهُ أَنْ أَغْفِرَ لَهُ وَأَرْحَمَهُ وَأُدْخِلَهُ الْجَنّةَ " وَقَالَ جَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِنّ الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بَابٌ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنّةِ يُنَجّي اللّهُ بِهِ مِنْ الْهَمّ وَالْغَمّ وَقَالَ " أَنَا زَعِيم - وَالزّعِيمُ الْحَمِيلُ - لِمَنْ آمَنَ بِي وَأَسْلَمَ وَهَاجَرَ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنّةِ وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنّةِ وَأَنَا زَعِيمٌ لِمَنْ آمَنَ بِي وَأَسْلَمَ وَجَاهَدَ فِي سَبِيلِ اللّهِ بِبَيْتٍ فِي رَبَضِ الْجَنّةِ وَبِبَيْتٍ فِي وَسَطِ الْجَنّةِ وَبِبَيْتٍ فِي أَعْلَى غُرَفِ الْجَنّةِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ لَمْ يَدَعْ لِلْخَيْرِ مَطْلَبًا وَلَا مِنْ الشّرّ مَهْرَبًا يَمُوتُ حَيْثُ شَاءَ أَنْ يَمُوتَ وَقَالَ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ مِنْ رَجُلٍ مُسْلِمٍ فُوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنّة [ ص 70 ] وَقَالَ إنّ فِي الْجَنّةِ مِائَةَ دَرَجَةٍ أَعَدّهَا اللّهُ لِلْمُجَاهِدِينَ فِي سَبِيلِ اللّهِ مَا بَيْنَ كُلّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنَ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ فَإِذَا سَأَلْتُمُ اللّهَ فَاسْأَلُوهُ الْفِرْدَوْسَ فَإِنّهُ أَوْسَطُ الْجَنّةِ وَأَعْلَى الْجَنّةِ وَفَوْقَهُ عَرْشُ الرّحْمَنِ وَمِنْهُ تَفَجّرُ أَنْهَارُ الْجَنّةِ وَقَالَ لِأَبِي سَعِيدٍ مَنْ رَضِيَ بِاَللّهِ رَبّا وَبِالْإِسْلَامِ دِينًا وَبِمُحَمّدٍ رَسُولًا وَجَبَتْ لَهُ الْجَنّةُ " فَعَجِبَ لَهَا أَبُو سَعِيدٍ فَقَالَ أَعِدْهَا عَلَيّ يَا رَسُولَ اللّهِ فَفَعَلَ ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " وَأُخْرَى يَرْفَعُ اللّهُ بِهَا الْعَبْدَ مِائَةَ دَرَجَةٍ فِي الْجَنّةِ مَا بَيْنَ كُلّ دَرَجَتَيْنِ كَمَا بَيْنِ السّمَاءِ وَالْأَرْضِ " قَالَ وَمَا هِيَ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ " الْجِهَادُ فِي سَبِيلِ اللّه
وَقَالَ مَنْ أَنْفَقَ زَوْجَيْنِ فِي سَبِيلِ اللّهِ دَعَاهُ خَزَنَةُ الْجَنّةِ كُلّ خَزَنَةِ بَابٍ أَيْ فُلُ هَلُمّ فَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصّلَاةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصّلَاةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْجِهَادِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الْجِهَادِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصّدَقَةِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الصّدَقَةِ وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الصّيَامِ دُعِيَ مِنْ بَابِ الرّيّانِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي يَا رَسُولَ اللّهِ مَا عَلَى مَنْ دُعِيَ مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ مِنْ ضَرُورَةٍ فَهَلْ يُدْعَى أَحَد مِنْ تِلْكَ الْأَبْوَابِ كُلّهَا ؟ قَالَ " نَعَمْ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ مِنْهُمْ [ ص 71 ] وَقَالَ مَنْ أَنْفَقَ نَفَقَةً فَاضِلَةً فِي سَبِيلِ اللّهِ فَبِسَبْعِمِائَةٍ وَمَنْ أَنْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَعَادَ مَرِيضًا أَوْ أَمَاطَ الْأَذَى عَنْ طَرِيقٍ فَالْحَسَنَةُ بِعَشْرِ أَمْثَالِهَا وَالصّوْمُ جُنّةٌ مَا لَمْ يَخْرِقْهَا وَمَنْ ابْتَلَاهُ اللّهُ فِي جَسَدِهِ فَهُوَ لَهُ حِطّةٌ وَذَكَرَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ مَنْ أَرْسَلَ بِنَفَقَةٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأَقَامَ فِي بَيْتِهِ فَلَهُ بِكُلّ دِرْهَمٍ سَبْعُمِائَةِ دِرْهَمٍ وَمَنْ غَزَا بِنَفْسِهِ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأَنْفَقَ فِي وَجْهِهِ ذَلِكَ فَلَهُ بِكُلّ دِرْهَمٍ سَبْعُمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ " ثُمّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ { وَاللّهُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ } [ الْبَقَرَةُ 261 ] . وَقَالَ مَنْ أَعَانَ مُجَاهِدًا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ غَارِمًا فِي غُرْمِهِ أَوْ مُكَاتَبًا فِي رَقَبَتِهِ أَظَلّهُ اللّهُ فِي ظِلّهِ يَوْمَ لَا ظِلّ إلَا ظِلّه وَقَالَ مَنْ اغْبَرّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللّهِ حَرّمَهُ اللّهُ عَلَى النّارِ [ ص 72 ] وَقَالَ لَا يَجْتَمِعُ شُحّ وَإِيمَانٌ فِي قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَلَا يَجْتَمِعُ غُبَارٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَدُخَانُ جَهَنّمَ فِي وَجْهِ عَبْدٍ وَفِي لَفْظٍ " فِي قَلْبِ عَبْدٍ " وَفِي لَفْظٍ " فِي جَوْفِ امْرِئٍ " وَفِي لَفْظٍ " فِي مَنْخِرَيْ مُسْلِمٍ وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ تَعَالَى : مَنْ اغْبَرّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللّهِ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَهُمَا حَرَامٌ عَلَى النّارِ وَذَكَرَ عَنْهُ أَيْضًا أَنّهُ قَالَ لَا يَجْمَعُ اللّهُ فِي جَوْفِ رَجُلٍ غُبَارًا فِي سَبِيلِ اللّهِ وَدُخَانُ جَهَنّمَ وَمِنْ اغْبَرّتْ قَدَمَاهُ فِي سَبِيلِ اللّهِ حَرّمَ اللّهُ سَائِرَ جَسَدِهِ عَلَى النّارِ وَمَنْ صَامَ يَوْمًا فِي سَبِيلِ اللّهِ بَاعَدَ اللّهُ عَنْهُ النّارَ مَسِيرَةَ أَلْفِ سَنَةٍ لِلرّاكِبِ الْمُسْتَعْجِلِ وَمَنْ جُرِحَ جِرَاحَةً فِي سَبِيلِ اللّهِ خُتِمَ لَهُ بِخَاتَمِ الشّهَدَاءِ لَهُ نُورٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَوْنُهَا لَوْنُ الزّعْفَرَانِ وَرِيحُهَا رِيحُ الْمِسْكِ يَعْرِفُهُ بِهَا الْأَوّلُونَ وَالْآخِرُونَ وَيَقُولُونَ فُلَانٌ عَلَيْهِ طَابَعُ الشّهَدَاءِ وَمَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فُوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنّةُ [ ص 73 ] وَذَكَرَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ مَنْ رَاحَ رَوْحَةً فِي سَبِيلِ اللّهِ كَانَ لَهُ بِمِثْلِ مَا أَصَابَهُ مِنْ الْغُبَارِ مِسْكًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَذَكَرَ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللّهُ - عَنْهُ مَا خَالَطَ قَلْبَ امْرِئٍ رَهَجٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ إلّا حَرّمَ اللّهُ عَلَيْهِ النّارَ وَقَالَ رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ خَيْرٌ مِنْ الدّنْيَا وَمَا عَلَيْهَا وَقَالَ رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ خَيْرٌ مِنْ صِيَامِ شَهْرٍ وَقِيَامِهِ وَإِنْ مَاتَ جَرَى عَلَيْهِ عَمَلُهُ الّذِي كَانَ يَعْمَلُهُ وَأَجْرَى عَلَيْهِ رِزْقَهُ وَأَمِنَ الْفَتّان وَقَالَ كُلّ مَيّتٍ يُخْتَمُ عَلَى عَمَلِهِ إلّا الّذِي مَاتَ مُرَابِطًا فِي سَبِيلِ اللّهِ فَإِنّهُ يَنْمُو لَهُ عَمَلُهُ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَيُؤَمّنُ مِنْ فِتْنَةِ الْقَبْرِ [ ص 74 ] وَقَالَ رِبَاطُ يَوْمٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ يَوْمٍ فِيمَا سِوَاهُ مِنْ الْمَنَازِلِ وَذَكَرَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ مَنْ رَابَطَ لَيْلَةً فِي سَبِيلِ اللّهِ كَانَتْ لَهُ كَأَلْفِ لَيْلَةٍ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا وَقَالَ مُقَامُ أَحَدِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ أَحَدِكُمْ فِي أَهْلِهِ سِتّينَ سَنَةً أَمَا تُحِبّونَ أَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَكُمْ وَتَدْخُلُونَ الْجَنّةَ جَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ مَنْ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ فُوَاقَ نَاقَةٍ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنّة وَذَكَرَ أَحْمَدُ عَنْهُ مَنْ رَابَطَ فِي شَيْءٍ مِنْ سَوَاحِلِ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ أَجْزَأَتْ عَنْهُ رِبَاطَ سَنَةٍ [ ص 75 ] وَذَكَرَ عَنْهُ أَيْضًا : حَرَسُ لَيْلَةٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَفْضَلُ مِنْ أَلْفِ لَيْلَةٍ يُقَامُ لَيْلُهَا وَيُصَامُ نَهَارُهَا وَقَالَ حَرُمَتْ النّارُ عَلَى عَيْنٍ دَمَعَتْ أَوْ بَكَتْ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَحَرُمَتْ النّارُ عَلَى عَيْنٍ سَهِرَتْ فِي سَبِيلِ اللّه وَذَكَرَ أَحْمَدُ عَنْهُ مَنْ حَرَسَ مِنْ وَرَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي سَبِيلِ اللّهِ مُتَطَوّعًا لَا يَأْخُذُهُ سُلْطَانٌ لَمْ يَرَ النّارَ بِعَيْنَيْهِ إلّا تَحِلّةَ الْقَسَمِ فَإِنّ اللّهَ يَقُولُ { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلّا وَارِدُهَا } وَقَالَ لِرَجُلٍ حَرَسَ الْمُسْلِمِينَ لَيْلَةً فِي سَفَرِهِمْ مِنْ أَوّلِهَا إلَى الصّبَاحِ عَلَى ظَهْرِ فَرَسِهِ لَمْ يَنْزِلْ إلّا لِصَلَاةٍ أَوْ قَضَاءِ حَاجَةٍ قَدْ أَوْجَبْتَ فَلَا عَلَيْكَ أَلّا تَعْمَلَ بَعْدَهَا
[ فَضْلُ الرّمْيِ ]
وَقَالَ مَنْ بَلَغَ بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَلَهُ دَرَجَةٌ فِي الْجَنّةِ وَقَالَ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَهُوَ عِدْلُ مُحَرّرٍ وَمَنْ شَابَ شَيْبَةً فِي سَبِيلِ اللّهِ كَانَتْ لَهُ نُورًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَعِنْدَ النّسَائِيّ تَفْسِيرُ الدّرَجَةِ بِمِائَةِ عَامٍ . [ ص 76 ] وَقَالَ إنّ اللّهَ يُدْخِلُ بِالسّهْمِ الْوَاحِدِ الْجَنّةَ : صَانِعَهُ يَحْتَسِبُ فِي صَنْعَتِهِ الْخَيْرَ وَالْمُمِدّ بِهِ وَالرّامِيَ بِهِ وَارْمُوا وَارْكَبُوا وَأَنْ تَرْمُوا أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ تَرْكَبُوا وَكُلّ شَيْءٍ يَلْهُو بِهِ الرّجُلُ فَبَاطِلٌ إلّا رَمْيَهُ بِقَوْسِهِ أَوْ تَأْدِيبَهُ فَرَسَهُ وَمُلَاعَبَتَهُ امْرَأَتَهُ وَمَنْ عَلّمَهُ اللّهُ الرّمْيَ فَتَرَكَهُ رَغْبَةً عَنْهُ فَنِعْمَةٌ كَفَرَهَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السّنَنِ وَعِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مَنْ تَعَلّمَ الرّمْيَ ثُمّ تَرَكَهُ فَقَدَ عَصَانِي [ ص 77 ] وَذَكَرَ أَحْمَدُ عَنْهُ أَنّ رَجُلًا قَالَ لَهُ أَوْصِنِي فَقَالَ أُوصِيكَ بِتَقْوَى اللّهِ فَإِنّهُ رَأْسُ كُلّ شَيْءٍ وَعَلَيْكَ بِالْجِهَادِ فَإِنّهُ رَهْبَانِيّةُ الْإِسْلَامِ وَعَلَيْكَ بِذِكْرِ اللّهِ وَتِلَاوَةِ الْقُرْآنِ فَإِنّهُ رُوحُكَ فِي السّمَاءِ وَذَكَرَ لَكَ فِي الْأَرْضِ " . وَقَالَ ذِرْوَةُ سَنَامِ الْإِسْلَامِ الْجِهَاد وَقَالَ ثَلَاثَةٌ حَقّ عَلَى اللّهِ عَوْنُهُمْ : الْمُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُكَاتَبُ الّذِي يُرِيدُ الْأَدَاءَ وَالنّاكِحُ الّذِي يُرِيدُ الْعَفَافَ [ ص 78 ] وَقَالَ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ عَنْهُ مَنْ لَمْ يَغْزُ أَوْ يُجَهّزْ غَازِيًا أَوْ يُخَلّفْ غَازِيًا فِي أَهْلِهِ بِخَيْرٍ أَصَابَهُ اللّهُ بِقَارِعَةٍ قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَقَالَ إذَا ضَنّ النّاسُ بِالدّينَارِ وَالدّرْهَمِ وَتَبَايَعُوا بِالْعِينَةِ وَاتّبَعُوا أَذْنَابَ الْبَقَرِ وَتَرَكُوا الْجِهَادَ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَنْزَلَ اللّهُ بِهِمْ بَلَاءً فَلَمْ يَرْفَعْهُ عَنْهُمْ حَتّى يُرَاجِعُوا دِينَهُم [ ص 79 ] وَذَكَرَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْهُ مَنْ لَقِيَ اللّهَ عَزّ وَجَلّ وَلَيْسَ لَهُ أَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ لَقِيَ اللّهَ وَفِيهِ ثُلْمَةٌ وَقَالَ تَعَالَى : { وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التّهْلُكَةِ } [ الْبَقَرَةُ 195 ] وَفَسّرَ أَبُو أَيّوبَ الْأَنْصَارِيّ الْإِلْقَاءَ بِالْيَدِ إلَى التّهْلُكَةِ بِتَرْكِ الْجِهَادِ وَصَحّ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ أَبْوَابَ الْجَنّةِ تَحْتَ ظِلَالِ السّيُوفِ [ ص 80 ] مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللّه وَصَحّ عَنْهُ إنّ النّارَ أَوّلُ مَا تُسَعّرُ بِالْعَالِمِ وَالْمُنَفّقِ وَالْمَقْتُولِ فِي الْجِهَادِ إذَا فَعَلُوا ذَلِكَ لِيُقَالَ وَصَحّ عَنْهُ أَنّ مَنْ جَاهَدَ يَبْتَغِي عَرَضَ الدّنْيَا فَلَا أَجْرَ لَهُ وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لِعَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو : إنْ قَاتَلْتَ صَابِرًا مُحْتَسَبًا بَعَثَكَ اللّهُ صَابِرًا مُحْتَسَبًا وَإِنْ قَاتَلْتَ مُرَائِيًا مُكَاثِرًا بَعَثَكَ اللّهُ مُرَائِيًا مُكَاثِرًا يَا عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَمْرٍو عَلَى أَيّ وَجْهٍ قَاتَلْتَ أَوْ قُتِلْت بَعَثَك اللّهُ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ
فَصْلٌ
[ ص 81 ] وَكَانَ يَسْتَحِبّ الْقِتَالَ أَوّلَ النّهَارِ كَمَا يَسْتَحِبّ الْخُرُوجَ لِلسّفَرِ أَوّلَهُ فَإِنْ لَمْ يُقَاتِلْ أَوّلَ النّهَارِ أَخّرَ الْقِتَالَ حَتّى تَزُولَ الشّمْسُ وَتَهُبّ الرّيَاحُ وَيَنْزِلَ النّصْرُ .
فَصْلٌ
قَالَ وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يُكْلَمُ أَحَدٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ - وَاَللّهُ أَعْلَمُ بِمَنْ يُكْلَمُ فِي سَبِيلِهِ - إلّا جَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ اللّوْنُ لَوْنُ الدّمِ وَالرّيحُ رِيحُ الْمِسْك وَفِي التّرْمِذِيّ عَنْهُ لَيْسَ شَيْءٌ أَحَبّ إلَى اللّهِ مِنْ قَطْرَتَيْنِ أَوْ أَثَرَيْنِ قَطْرَةِ دَمْعَةٍ مِنْ خَشْيَةِ اللّهِ وَقَطْرَةِ دَمٍ تُهْرَاقُ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأَمّا الْأَثَرَانِ فَأَثَرٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَأَثَرٌ فِي فَرِيضَةٍ مِنْ فَرَائِضِ اللّه
[ فَضْلُ الشّهِيدِ ]
وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ لَهُ عِنْدَ اللّهِ خَيْرٌ لَا يَسُرّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدّنْيَا وَأَنّ لَهُ الدّنْيَا وَمَا فِيهَا إلّا الشّهِيدُ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشّهَادَةِ فَإِنّهُ يَسُرّهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى الدّنْيَا فَيُقْتَلَ مَرّةً أُخْرَى وَفِي لَفْظٍ فَيُقْتَلَ عَشْرَ مَرّاتٍ لِمَا يَرَى مِنْ الْكَرَامَةِ [ ص 82 ] وَقَالَ لِأُمّ حَارِثَةَ بِنْتِ النّعْمَان ِ وَقَدْ قُتِلَ ابْنُهَا مَعَهُ يَوْمَ بَدْر ٍ فَسَأَلَتْهُ أَيْنَ هُوَ ؟
قَالَ إنّهُ فِي الْفِرْدَوْسِ الْأَعْلَى وَقَالَ إنّ أَرْوَاحَ الشّهَدَاءِ فِي جَوْفِ طَيْرٍ خُضْرٍ لَهَا قَنَادِيلُ مُعَلّقَةٌ بِالْعَرْشِ تَسْرَحُ مِنْ الْجَنّةِ حَيْثُ شَاءَتْ ثُمّ تَأْوِي إلَى تِلْكَ الْقَنَادِيلِ فَاطّلَعَ إلَيْهِمْ رَبّهُمْ اطّلَاعَةً فَقَالَ هَلْ تَشْتَهُونَ شَيْئًا ؟ فَقَالُوا : أَيّ شَيْءٍ نَشْتَهِي وَنَحْنُ نَسْرَحُ مِنْ الْجَنّةِ حَيْثُ شِئْنَا فَفَعَلَ بِهِمْ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرّاتٍ فَلَمّا رَأَوْا أَنّهُمْ لَنْ يُتْرَكُوا مِنْ أَنْ يَسْأَلُوا قَالُوا : يَا رَبّ نُرِيدُ أَنْ تَرُدّ أَرْوَاحَنَا فِي أَجْسَادِنَا حَتّى نُقْتَلَ فِي سَبِيلِك مَرّةً أُخْرَى فَلَمّا رَأَى أَنْ لَيْسَ لَهُمْ حَاجَةٌ تُرِكُوا وَقَالَ إنّ لِلشّهِيدِ عِنْدَ اللّهِ خِصَالًا أَنْ يُغْفَرَ لَهُ مِنْ أَوّلِ دَفْعَةٍ مِنْ دَمِهِ وَيُرَى مَقْعَدُهُ مِنْ الْجَنّةِ وَيُحَلّى حِلْيَةَ الْإِيمَانِ وَيُزَوّجَ مِنْ الْحُورِ الْعَيْنِ وَيُجَارَ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَيَأْمَنَ مِنْ الْفَزَعِ الْأَكْبَرِ وَيُوضَعَ عَلَى رَأْسِهِ تَاجُ الْوَقَارِ الْيَاقُوتَةُ مِنْهُ خَيْرٌ مِنْ الدّنْيَا وَمَا فِيهَا . وَيُزَوّجَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ مِنْ الْحُورِ الْعَيْنِ وَيُشَفّعَ فِي سَبْعِينَ إنْسَانًا مِنْ أَقَارِبِهِ ذَكَرَهُ أَحْمَد وَصَحّحَهُ التّرْمِذِيّ . وَقَال لِجَابِرٍ : أَلَا أُخْبِرُكَ مَا قَالَ اللّهُ لَأَبِيَكَ ؟ " قَالَ بَلَى قَالَ مَا كَلّمَ اللّهُ أَحَدًا إلّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَكَلّمَ أَبَاكَ كِفَاحًا فَقَالَ يَا عَبْدِي تَمَنّ عَلَيّ أُعْطِك قَالَ يَا رَبّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً قَالَ إنّهُ سَبَقَ مِنّي ( أَنّهُمْ إلَيْهَا لَا يُرْجَعُونَ قَالَ يَا رَبّ فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ { وَلَا تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ } [ آلُ عِمْرَانَ 169 ] [ ص 83 ] وَقَالَ لَمّا أُصِيبَ إخْوَانُكُمْ بِأُحُد ٍ جَعَلَ اللّهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنّةِ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَأْوِي إلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ فِي ظِلّ الْعَرْشِ فَلَمّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَحُسْنَ مَقِيلِهِمْ قَالُوا : يَا لَيْتَ إخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ اللّهُ لَنَا لِئَلّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ وَلَا يَنْكُلُوا عَنْ الْحَرْبِ فَقَالَ اللّهُ أَنَا أُبَلّغُهُمْ عَنْكُمْ فَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ هَذِهِ الْآيَاتِ { وَلَا تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا } وَفِي " الْمُسْنَد ِ مَرْفُوعًا : الشّهَدَاءُ عَلَى بَارِقِ نَهْرٍ بِبَابِ الْجَنّةِ فِي قُبّةٍ خَضْرَاءَ يَخْرُجُ عَلَيْهِمْ رِزْقُهُمْ مِنْ الْجَنّةِ بُكْرَةً وَعَشِيّةً وَقَالَ لَا تَجِفّ الْأَرْضُ مِنْ دَمِ الشّهِيدِ حَتَى يَبْتَدِرَهُ زَوْجَتَاهُ كَأَنّهُمَا طَيْرَانِ أَضَلّتَا فَصِيلَيْهِمَا بِبَرَاحٍ مِنْ الْأَرْضِ بِيَدِ كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا حُلّةٌ خَيْرٌ مِنْ الدّنْيَا وَمَا فِيهَا وَفِي " الْمُسْتَدْرَك ِ " وَالنّسَائِيّ مَرْفُوعًا : لَأَنْ أُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ يَكُونَ لِي أَهْلُ الْمَدَرِ وَالْوَبَرِ [ ص 84 ] مَا يَجِدُ الشّهِيدُ مِنْ الْقَتْلِ إلّا كَمَا يَجِدُ أَحَدُكُمْ مِنْ مَسّ الْقَرْصَةِ وَفِي " السّنَنِ " : يَشْفَعُ الشّهِيدُ فِي سَبْعِينَ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَفِي " الْمُسْنَدِ " : أَفْضَلُ الشّهَدَاءِ الّذِينَ إنْ يَلْقَوْا فِي الصّفّ لَا يَلْفِتُونَ وُجُوهَهُمْ حَتّى يَقْتُلُوا أُولَئِكَ يَتَلَبّطُونَ فِي الْغُرَفِ الْعُلَى مِنْ الْجَنّةِ وَيَضْحَكُ إلَيْهِمْ رَبّك وَإِذَا ضَحِكَ رَبّكَ إلَى عَبْدٍ فِي الدّنْيَا فَلَا حِسَابَ عَلَيْهِ وَفْيِهِ الشّهَدَاءُ أَرْبَعَةٌ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيّدُ الْإِيمَانِ لَقِيَ الْعَدُوّ فَصَدَقَ اللّهَ حَتّى قُتِلَ فَذَلِكَ الّذِي يَرْفَعُ إلَيْهِ النّاسُ أَعْنَاقَهُمْ وَرَفَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَأْسَهُ حَتّى وَقَعَتْ قَلَنْسُوَتَهُ وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيّدُ الْإِيمَانِ لَقِيَ الْعَدُوّ فَكَأَنّمَا يُضْرَبُ جِلْدُهُ بِشَوْكِ الطّلْحِ أَتَاهُ سَهْمُ غَرْبٍ فَقَتَلَهُ هُوَ فِي الدّرَجَةِ الثّانِيَةِ وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَيّدُ الْإِيمَانِ خَلَطَ عَمَلًا صَالِحًا وَآخَرَ سَيّئًا لَقِيَ الْعَدُوّ فَصَدَقَ اللّهَ حَتّى قُتِلَ فَذَاكَ فِي الدّرَجَةِ الثّالِثَةِ وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ أَسْرَفَ عَلَى نَفْسِهِ إسْرَافًا كَثِيرًا لَقِيَ الْعَدُوّ فَصَدَقَ اللّهَ حَتّى قُتِلَ فَذَلِكَ فِي الدّرَجَةِ الرّابِعَة [ ص 85 ] الْمُسْنَدِ " وَ " صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ " : الْقَتْلَى ثَلَاثَةٌ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ جَاهَدَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ فِي سَبِيلِ اللّهِ حَتّى إذَا لَقِيَ الْعَدُوّ قَاتَلَهُمْ حَتّى يُقْتَلَ فَذَاكَ الشّهِيدُ الْمُمْتَحَنُ فِي خَيْمَةِ اللّهِ تَحْتَ عَرْشِهِ لَا يَفْضُلُهُ النّبِيّونَ إلّا بِدَرَجَةِ النّبُوّةِ وَرَجُلٌ مُؤْمِنٌ فَرِقَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الذّنُوبِ وَالْخَطَايَا جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ فِي سَبِيلِ اللّهِ حَتّى إذَا لَقِيَ الْعَدُوّ قَاتَلَ حَتّى يُقْتَلَ فَتِلْكَ مُمَصْمِصَةٌ مَحَتْ ذُنُوبَهُ وَخَطَايَاهُ إنّ السّيْفَ مَحّاءُ الْخَطَايَا وَأُدْخِلَ مِنْ أَيّ أَبْوَابِ الْجَنّةِ شَاءَ فَإِنّ لَهَا ثَمَانِيَةَ أَبْوَابٍ وَلِجَهَنّمَ سَبْعَةُ أَبْوَابٍ وَبَعْضُهَا أَفْضَلُ مِنْ بَعْضٍ وَرَجُلٌ مُنَافِقٌ جَاهَدَ بِنَفْسِهِ وَمَالِهِ حَتّى إذَا لَقِيَ الْعَدُوّ قَاتَلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ حَتّى يُقْتَلَ فَإِنّ ذَلِكَ فِي النّارِ إنّ السّيْفَ لَا يَمْحُو النّفَاقَ وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ لَا يَجْتَمِعُ كَافِرٌ وَقَاتِلُهُ فِي النّارِ أَبَدًا وَسُئِلَ أَيّ الْجِهَادِ أَفْضَلُ ؟ فَقَالَ مَنْ جَاهَدَ الْمُشْرِكِينَ بِمَالِهِ وَنَفْسِهِ قِيلَ . فَأَيّ الْقَتْلِ أَفْضَلُ ؟ قَالَ مَنْ أُهْرِيقَ دَمُهُ وَعُقِرَ جَوَادُهُ فِي سَبِيلِ اللّه [ ص 86 ] سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ " : إنّ مِنْ أَعْظَمِ الْجِهَادِ كَلِمَةَ عَدْلٍ عَنْدَ سُلْطَانٍ جَائِرٍ وَهُوَ لِأَحْمَدَ وَالنّسَائِيّ مُرْسَلًا . وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ أُمّتِهِ يُقَاتِلُونَ عَلَى الْحَقّ لَا يَضُرّهُمْ مَنْ خَذَلَهُمْ وَلَا مَنْ خَالَفَهُمْ حَتّى تَقُومَ السّاعَة وَفِي لَفْظٍ حَتّى يُقَاتِلَ آخِرُهُمْ الْمَسِيحَ الدّجّال
فَصْلٌ [ مُبَايَعَتُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ ]
وَكَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُبَايِعُ أَصْحَابَهُ فِي الْحَرْبِ عَلَى أَلّا يَفِرّوا وَرُبّمَا بَايَعَهُمْ عَلَى الْمَوْتِ وَبَايَعَهُمْ عَلَى الْجِهَادِ كَمَا بَايَعَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ وَبَايَعَهُمْ عَلَى الْهِجْرَةِ قَبْلَ الْفَتْحِ وَبَايَعَهُمْ عَلَى التّوْحِيدِ وَالْتِزَامِ طَاعَةِ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَبَايَعَ نَفَرًا مِنْ أَصْحَابِهِ أَلّا يَسْأَلُوا النّاسَ شَيْئًا . [ ص 87 ] وَكَانَ السّوْطُ يَسْقُطُ مِنْ يَدِ أَحَدِهِمْ فَيَنْزِلُ عَنْ دَابّتِهِ فَيَأْخُذُهُ وَلَا يَقُولُ لِأَحَدٍ نَاوِلْنِي إيّاهُ
[ مَشُورَتُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْجِهَادِ ]
وَكَانَ يُشَاوِرُ أَصْحَابَهُ فِي أَمْرِ الْجِهَادِ وَأَمْرِ الْعَدُوّ وَتَخَيّرَ الْمَنَازِلَ وَفِي " الْمُسْتَدْرَك ِ " عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : مَا رَأَيْت أَحَدًا أَكْثَرَ مَشُورَةً لِأَصْحَابِهِ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانَ يَتَخَلّفُ فِي سَاقَتِهِمْ فِي الْمَسِيرِ فَيُزْجِي الضّعِيفَ وَيُرْدِفُ الْمُنْقَطِعَ وَكَانَ أَرْفَقَ النّاسِ بِهِمْ فِي الْمَسِير وَكَانَ إذَا أَرَادَ غَزْوَةً وَرّى بِغَيْرِهَا فَيَقُولُ مَثَلًا إذَا أَرَادَ غَزْوَةَ حُنَيْنٍ : كَيْفَ طَرِيقُ نَجْدٍ وَمِيَاهُهَا وَمَنْ بِهَا مِنْ الْعَدُوّ وَنَحْوُ ذَلِكَ . وَكَانَ يَقُولُ الْحَرْبُ خَدْعَة [ ص 88 ] وَكَانَ يَبْعَثُ الْعُيُونَ يَأْتُونَهُ بِخَبَرِ عَدُوّهِ وَيُطْلِعُ الطّلَائِعَ وَيُبَيّتُ الْحَرَسَ وَكَانَ إذَا لَقِيَ عَدُوّهُ وَقَفَ وَدَعَا وَاسْتَنْصَرَ اللّهَ وَأَكْثَرَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ مِنْ ذِكْرِ اللّهِ وَخَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ وَكَانَ يُرَتّبُ الْجَيْشَ وَالْمُقَاتِلَةَ وَيَجْعَلُ فِي كُلّ جَنَبَةٍ كُفْئًا لَهَا وَكَانَ يُبَارِزُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِأَمْرِهِ وَكَانَ يَلْبَسُ لِلْحَرْبِ عُدّتَهُ وَرُبّمَا ظَاهَرَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ وَكَانَ لَهُ الْأَلْوِيَةُ وَالرّايَات وَكَانَ إذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِعَرْصَتِهِمْ ثَلَاثًا ثُمّ قَفَل وَكَانَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُغَيّرَ انْتَظَرَ فَإِنْ سَمِعَ فِي الْحَيّ مُؤَذّنًا لَمْ يُغِرْ وَإِلّا أَغَار وَكَانَ رُبّمَا بَيّتَ عَدُوّهُ وَرُبّمَا فَاجَأَهُمْ نَهَارًا وَكَانَ يُحِبّ الْخُرُوجَ يَوْمَ الْخَمِيسِ بَكْرَةَ النّهَار وَكَانَ الْعَسْكَرُ إذَا نَزَلَ [ ص 89 ] انْضَمّ بَعْضُهُ إلَى بَعْضٍ حَتّى لَوْ بُسِطَ عَلَيْهِمْ كِسَاءٌ لَعَمّهُمْ . وَكَانَ يُرَتّبُ الصّفُوفَ وَيُعَبّئُهُمْ عِنْدَ الْقِتَالِ بِيَدِهِ وَيَقُولُ تَقَدّمْ يَا فُلَانُ تَأَخّرْ يَا فُلَانُ وَكَانَ يَسْتَحِبّ لِلرّجُلِ مِنْهُمْ أَنْ يُقَاتِلَ تَحْتَ رَايَةِ قَوْمِهِ .
[ دُعَاءُ لِقَاءِ الْعَدُوّ ]
وَكَانَ إذَا لَقِيَ الْعَدُوّ قَالَ اللّهُمّ مُنَزّلَ الْكِتَابِ وَمُجْرِيَ السّحَابِ وَهَازِمَ الْأَحْزَابِ اهْزِمْهُمْ وَانْصُرْنَا عَلَيْهِمْ وَرُبّمَا قَالَ سَيُهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلّونَ الدّبُرَ بَلْ السّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسّاعَةُ أَدْهَى وَأَمَرّ وَكَانَ يَقُولُ اللّهُمّ أَنْزِلْ نَصْرَكَ وَكَانَ يَقُولُ " اللّهُمّ أَنْتَ عَضُدِي وَأَنْتَ نَصِيرِي وَبِكَ أُقَاتِل وَكَانَ إذَا اشْتَدّ لَهُ بَأْسٌ وَحَمِيَ الْحَرْبُ وَقَصَدَهُ الْعَدُوّ يُعْلِمُ بِنَفْسِهِ وَيَقُولُ أَنَا النّبِيّ لَا كَذِبَ أَنَا ابْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ
وَكَانَ النّاسُ إذَا اشْتَدّ الْحَرْبُ اتّقَوْا بِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانَ أَقْرَبَهُمْ إلَى الْعَدُوّ . [ ص 90 ] وَكَانَ يَجْعَلُ لِأَصْحَابِهِ شِعَارًا فِي الْحَرْبِ يُعْرَفُونَ بِهِ إذَا تَكَلّمُوا وَكَانَ شِعَارُهُمْ مَرّةً أَمِتْ أَمِتْ وَمَرّةً يَا مَنْصُورُ وَمَرّةً حم لَا يُنْصَرُون
[ عُدّتُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْحَرْبِ ]
وَكَانَ يَلْبَسُ الدّرْعَ وَالْخُوذَةَ وَيَتَقَلّدُ السّيْفَ وَيَحْمِلُ الرّمْحَ وَالْقَوْسَ الْعَرَبِيّةَ وَكَانَ يَتَتَرّسُ بِالتّرْسِ وَكَانَ يُحِبّ الْخُيَلَاءَ فِي الْحَرْبِ وَقَالَ إنّ مِنْهَا مَا يُحِبّهُ اللّهُ وَمِنْهَا مَا يُبْغِضُهُ اللّهُ فَأَمّا الْخُيَلَاءُ الّتِي يُحِبّهَا اللّهُ فَاخْتِيَالُ الرّجُلِ بِنَفْسِهِ عِنْدَ اللّقَاءِ وَاخْتِيَالُهُ عِنْدَ الصّدَقَةِ وَأَمّا الّتِي يُبْغِضُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ فَاخْتِيَالُهُ فِي الْبَغْيِ وَالْفَخْرِ وَقَاتَلَ مَرّةً بِالْمَنْجَنِيقِ نَصَبَهُ عَلَى أَهْلِ الطّائِفِ . وَكَانَ يَنْهَى عَنْ قَتْلِ النّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ وَكَانَ يَنْظُرُ فِي الْمُقَاتِلَةِ ، فَمَنْ رَآهُ أَنْبَتَ قَتَلَهُ وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ اسْتَحْيَاهُ . [ ص 91 ] وَكَانَ إذَا بَعَثَ سَرِيّةً يُوصِيهِمْ بِتَقْوَى اللّهِ وَيَقُولُ سِيرُوا بِسْمِ اللّهِ وَفِي سَبِيلِ اللّهِ ، وَقَاتِلُوا مَنْ كَفَرَ بِاَللّهِ وَلَا تُمَثّلُوا ، وَلَا تَغْدُرُوا ، وَلَا تَقْتُلُوا وَلِيدًا وَكَانَ يَنْهَى عَنْ السّفَرِ بِالْقُرْآنِ إلَى أَرْضِ الْعَدُوّ .
[ الدّعْوَةُ قَبْلَ الْقَتْلِ ]
وَكَانَ يَأْمُرُ أَمِيرَ سَرِيّتِهِ أَنْ يَدْعُوَ عَدُوّهُ قَبْلَ الْقِتَالِ إمّا إلَى الْإِسْلَامِ وَالْهِجْرَةِ أَوْ إلَى الْإِسْلَامِ دُونَ الْهِجْرَةِ وَيَكُونُونَ كَأَعْرَابِ الْمُسْلِمِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْفَيْءِ نَصِيبٌ أَوْ بَذْلِ الْجِزْيَةِ فَإِنْ هُمْ أَجَابُوا إلَيْهِ قَبِلَ مِنْهُمْ وَإِلّا اسْتَعَانَ بِاَللّهِ وَقَاتَلَهُمْ .
[ الْأَسْلَابُ وَالْغَنَائِمُ ]
وَكَانَ إذَا ظَفِرَ بِعَدُوّهِ أَمَرَ مُنَادِيًا ، فَجَمَعَ الْغَنَائِمَ كُلّهَا ، فَبَدَأَ بِالْأَسْلَابِ فَأَعْطَاهَا لِأَهْلِهَا ، ثُمّ أَخْرَجَ خُمُسَ الْبَاقِي ، فَوَضَعَهُ حَيْثُ أَرَاهُ اللّهُ وَأَمَرَهُ بِهِ مِنْ مَصَالِحِ الْإِسْلَامِ ثُمّ يَرْضَخُ مِنْ الْبَاقِي لِمَنْ لَا سَهْمَ لَهُ مِنْ النّسَاءِ وَالصّبْيَانِ وَالْعَبِيدِ ثُمّ قَسَمَ الْبَاقِيَ بِالسّوِيّةِ بَيْنَ الْجَيْشِ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ سَهْمٌ لَهُ وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ وَلِلرّاجِلِ سَهْمٌ هَذَا هُوَ الصّحِيحُ الثّابِتُ عَنْهُ .
[ حُكْمُ الْأَنْفَالِ ]
وَكَانَ يُنَفّلُ مِنْ صُلْبِ الْغَنِيمَةِ بِحَسَبِ مَا يَرَاهُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَقِيلَ بَلْ كَانَ النّفَلُ مِنْ الْخُمُسِ ، وَقِيلَ وَهُوَ أَضْعَفُ الْأَقْوَالِ بَلْ كَانَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ . وَجَمَعَ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ بَيْنَ سَهْمِ الرّاجِلِ وَالْفَارِسِ فَأَعْطَاهُ [ ص 92 ] عَدَا النّفَلِ . وَكَانَ إذَا أَغَارَ فِي أَرْضِ الْعَدُوّ ، بَعَثَ سَرِيّةً بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا غَنِمَتْ أَخْرَجَ خُمُسَهُ وَنَفّلَهَا رُبُعَ الْبَاقِي ، وَقَسَمَ الْبَاقِيَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْجَيْشِ وَإِذَا رَجَعَ فَعَلَ ذَلِكَ وَنَفّلَهَا الثّلُثَ وَمَعَ ذَلِكَ فَكَانَ يَكْرَهُ النّفَلَ وَيَقُولُ لِيَرُدّ قَوِيّ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى ضَعِيفِهِمْ و كَانَ لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَهْمٌ مِنْ الْغَنِيمَةِ يُدْعَى الصّفِيّ إنْ شَاءَ عَبْدًا ، وَإِنْ شَاءَ أَمَةً وَإِنْ شَاءَ فَرَسًا يَخْتَارُهُ قَبْلَ الْخُمُسِ . [ ص 93 ] قَالَتْ عَائِشَةُ : وَكَانَتْ صَفِيّةُ مِنْ الصّفِيّ رَوَاهُ أَبُو دَاوُدَ . وَلِهَذَا جَاءَ فِي كِتَابِهِ إلَى بَنِي زُهَيْرِ بْنِ أُقَيْشٍ إنّكُمْ إنْ شَهِدْتُمْ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ ، وَأَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللّهِ وَأَقَمْتُمْ الصّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزّكَاةَ وَأَدّيْتُمْ الْخُمُسَ مِنْ الْمَغْنَمِ وَسَهْمَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسَهْمَ الصّفِيّ أَنْتُمْ آمِنُونَ بِأَمَانِ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَكَانَ سَيْفُهُ ذُو الْفَقَارِ مِنْ الصّفِيّ .
[ السّهْمُ لِمَنْ غَابَ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ ]
وَكَانَ يُسْهِمُ لِمَنْ غَابَ عَنْ الْوَقْعَةِ لِمَصْلَحَةِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا أَسْهَمَ لِعُثْمَانَ سَهْمَهُ مِنْ بَدْرٍ ، وَلَمْ يَحْضُرْهَا لِمَكَانِ تَمْرِيضِهِ لِامْرَأَتِهِ رُقَيّةَ ابْنَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ " إنّ عُثْمَانَ انْطَلَقَ فِي حَاجَةِ اللّه ِ وَحَاجَةِ رَسُولِهِ فَضَرَبَ لَهُ سَهْمَهُ وَأَجْرَهُ .
[ التّجَارَةُ فِي الْغَزْوِ ]
وَكَانُوا يَشْتَرُونَ مَعَهُ فِي الْغَزْوِ وَيَبِيعُونَ وَهُوَ يَرَاهُمْ وَلَا يَنْهَاهُمْ وَأَخْبَرَهُ رَجُلٌ أَنّهُ رَبِحَ رِبْحًا لَمْ يَرْبَحْ أَحَدٌ مِثْلَهُ فَقَالَ مَا هُوَ ؟ قَالَ مَا زِلْتُ أَبِيعُ وَأَبْتَاعُ حَتّى رَبِحْتُ ثَلَاثَمِائَةِ أُوقِيّةٍ فَقَالَ أَنَا أُنَبّئُكَ بِخَيْرِ رَجُلٍ رَبِحَ قَالَ مَا هُوَ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الصّلَاةِ وَكَانُوا يَسْتَأْجِرُونَ الْأُجَرَاءَ لِلْغَزْوِ عَلَى نَوْعَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنْ يَخْرُجَ الرّجُلُ وَيَسْتَأْجِرَ مَنْ يَخْدِمُهُ فِي سَفَرِهِ . وَالثّانِي : أَنْ يَسْتَأْجِرَ مِنْ مَالِهِ مَنْ يَخْرُجُ فِي [ ص 94 ] وَيُسَمّونَ ذَلِكَ الْجَعَائِلَ وَفِيهَا قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلْغَازِي أَجْرُهُ وَلِلْجَاعِلِ أَجْرُهُ وَأَجْرُ الْغَازِي .
[ التّشَارُكُ فِي الْغَنِيمَةِ ]
وَكَانُوا يَتَشَارَكُونَ فِي الْغَنِيمَةِ عَلَى نَوْعَيْنِ أَيْضًا . أَحَدُهُمَا : شَرِكَةُ الْأَبْدَانِ وَالثّانِي : أَنْ يَدْفَعَ الرّجُلُ بَعِيرَهُ إلَى الرّجُلِ أَوْ فَرَسَهُ يَغْزُو عَلَيْهِ عَلَى النّصْفِ مِمّا يَغْنَمُ حَتّى رُبّمَا اقْتَسَمَا السّهْمَ فَأَصَابَ أَحَدُهُمَا قِدْحَهُ وَالْآخَرُ نَصْلَهُ وَرِيشَهُ . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : اشْتَرَكْتُ أَنَا وَعَمّارٌ وَسَعْدٌ فِيمَا نُصِيبُ يَوْمَ بَدْرٍ ، فَجَاءَ سَعْدٌ بِأَسِيرَيْنِ وَلَمْ أَجِئْ أَنَا وَعَمّارٌ بِشَيْءٍ وَكَانَ يَبْعَثُ بِالسّرِيّةِ فُرْسَانًا تَارَةً وَرِجَالًا أُخْرَى ، وَكَانَ لَا يُسْهِمُ لِمَنْ قَدِمَ مِنْ الْمَدَدِ بَعْدَ الْفَتْحِ .
فَصْلٌ [ سَهْمُ ذِي الْقُرْبَى ]
وَكَانَ يُعْطِي سَهْمَ ذِي الْقُرْبَى فِي بَنِي هَاشِمٍ وَبَنِي الْمُطّلِب ِ دُونَ إخْوَتِهِمْ مِنْ بَنِي عَبْدِ شَمْسٍ وَبَنِي نَوْفَلٍ ، وَقَالَ إنّمَا بَنُو الْمُطّلِبِ وَبَنُو هَاشِمٍ شَيْءٌ وَاحِدٌ وَشَبّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ وَقَالَ إنّهُمْ لَمْ يُفَارِقُونَا فِي جَاهِلِيّةٍ وَلَا إسْلَامٍ
فَصْلٌ [ لَا يُخَمّسُ الطّعَامُ ]
[ ص 95 ] وَكَانَ الْمُسْلِمُونَ يُصِيبُونَ مَعَهُ فِي مَغَازِيهِمْ الْعَسَلَ وَالْعِنَبَ وَالطّعَامَ فَيَأْكُلُونَهُ وَلَا يَرْفَعُونَهُ فِي الْمَغَانِمِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ : إنّ جَيْشًا غَنِمُوا فِي زَمَانِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ طَعَامًا وَعَسَلًا ، وَلَمْ يُؤْخَذْ مِنْهُمْ الْخُمُس ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ . وَانْفَرَدَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الْمُغَفّل ِ يَوْمَ خَيْبَرَ بِجِرَابِ شَحْمٍ وَقَالَ لَا أُعْطِي الْيَوْمَ أَحَدًا مِنْ هَذَا شَيْئًا ، فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَتَبَسّمَ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ شَيْئًا وَقِيلَ لِابْنِ أَبِي أَوْفَى : كُنْتُمْ تُخَمّسُونَ الطّعَامَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ؟ فَقَالَ أَصَبْنَا طَعَامًا يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَكَانَ الرّجُلُ يَجِيءُ فَيَأْخُذُ مِنْهُ مِقْدَارَ مَا يَكْفِيهِ ثُمّ يَنْصَرِف وَقَالَ بَعْضُ الصّحَابَةِ " كُنّا نَأْكُلُ الْجَوْزَ فِي الْغَزْوِ ، وَلَا نَقْسِمُهُ حَتّى إنْ كُنّا لَنَرْجِعُ إلَى رِحَالِنَا وَأَجْرِبَتُنَا مِنْهُ مَمْلُوءَةٌ
فَصْلٌ [ حُكْمُ النّهْبَةِ وَالْمُثْلَةِ ]
وَكَانَ يَنْهَى فِي مَغَازِيهِ عَنْ النّهْبَةِ وَالْمُثْلَةِ وَقَالَ مَنْ انْتَهَبَ نُهْبَةً فَلَيْسَ مِنّا [ ص 96 ] وَأَمَرَ بِالْقُدُورِ الّتِي طُبِخَتْ مِنْ النّهْبَى فَأُكْفِئَتْ وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ النّاسَ حَاجَةٌ شَدِيدَةٌ وَجَهْدٌ وَأَصَابُوا غَنَمًا ، فَانْتَهَبُوهَا وَإِنّ قُدُورَنَا لَتَغْلِي إذْ جَاءَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَمْشِي عَلَى قَوْسِهِ فَأَكْفَأَ قُدُورَنَا بِقَوْسِهِ ثُمّ جَعَلَ يُرْمِلُ اللّحْمَ بِالتّرَابِ ثُمّ قَالَ " إنّ النّهْبَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلّ مِنْ الْمَيْتَةِ ، أَوْ إنّ الْمَيْتَةَ لَيْسَتْ بِأَحَلّ مِنْ النّهْبَة
[ النّهْيُ عَنْ اسْتِعْمَالِ الْفَيْءِ فِي غَيْرِ حَالِ الْحَرْبِ ]
وَكَانَ يَنْهَى أَنْ يَرْكَبَ الرّجُلُ دَابّةً مِنْ الْفَيْءِ حَتّى إذَا أَعْجَفَهَا ، رَدّهَا فِيهِ وَأَنْ يَلْبَسَ الرّجُلُ ثَوْبًا مِنْ الْفَيْءِ حَتّى إذَا أَخْلَقَهُ رَدّهُ فِيهِ وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ الِانْتِفَاعِ بِهِ حَالَ الْحَرْبِ .
فَصْلٌ [ الْغُلُولُ ]
وَكَانَ يُشَدّدُ فِي الْغُلُولِ جِدّا ، وَيَقُولُ هُوَ عَارٌ وَنَارٌ وَشَنَارٌ عَلَى أَهْلِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ [ ص 97 ] أُصِيبَ غُلَامُهُ مِدْعَمٌ قَالُوا : هَنِيئًا لَهُ الْجَنّةُ قَالَ كَلّا وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنّ الشّمْلَةَ الّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْ الْغَنَائِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا " فَجَاءَ رَجُلٌ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ لَمّا سَمِعَ ذَلِكَ فَقَالَ " شِرَاكٌ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : قَامَ فِينَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَذَكَرَ الْغُلُولَ وَعَظّمَهُ وَعَظّمَ أَمْرَهُ فَقَالَ لَا أُلْفِيَنّ أَحَدَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى رَقَبَتِهِ شَاةٌ لَهَا ثُغَاءٌ عَلَى رَقَبَتِهِ فَرَسٌ لَهُ حَمْحَمَةٌ يَقُولُ يَا رَسُولَ اللّهِ أَغِثْنِي ، فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ عَلَى رَقَبَتِهِ صَامِتٌ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللّهِ أَغِثْنِي، فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ مِنْ اللّهِ شَيْئًا ، قَدْ أَبْلَغْتُكَ عَلَى رَقَبَتِهِ رِقَاعٌ تَخْفِقُ فَيَقُولُ يَا رَسُولَ اللّهِ أَغِثْنِي ، فَأَقُولُ لَا أَمْلِكُ لَكَ شَيْئًا قَدْ أَبْلَغْتُكَ وَقَالَ لِمَنْ كَانَ عَلَى ثَقَلِهِ وَقَدْ مَاتَ هُوَ فِي النّارِ فَذَهَبُوا يَنْظُرُونَ فَوَجَدُوا عَبَاءَةً قَدْ غَلّهَا وَقَالُوا فِي بَعْضِ غَزَوَاتِهِمْ فُلَانٌ شَهِيدٌ وَفُلَانٌ شَهِيدٌ حَتّى مَرّوا عَلَى رَجُلٍ فَقَالُوا : وَفُلَانٌ شَهِيدٌ فَقَالَ كَلّا إنّي رَأَيْتُهُ فِي النّارِ فِي بُرْدَةٍ غَلّهَا أَوْ عَبَاءَةٍ ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " اذْهَبْ يَا ابْنَ الْخَطّابِ اذْهَبْ فَنَادِ فِي النّاسِ إنّهُ لَا يَدْخُلُ الْجَنّةَ إلّا الْمُؤْمِنُونَ [ ص 98 ] وَتُوُفّيَ رَجُلٌ يَوْمَ خَيْبَرَ ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ صَلّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ فَتَغَيّرَتْ وُجُوهُ النّاسِ لِذَلِكَ فَقَالَ إنّ صَاحِبَكُمْ غَلّ فِي سَبِيلِ اللّهِ شَيْئًا فَفَتّشُوا مَتَاعَهُ فَوَجَدُوا خَرْزًا مِنْ خَرْزِ يَهُودَ لَا يُسَاوِي دِرْهَمَيْنِ وَكَانَ إذَا أَصَابَ غَنِيمَةً أَمَرَ بِلَالًا ، فَنَادَى فِي النّاسِ فَيَجِيئُونَ بِغَنَائِمِهِمْ فَيُخَمّسُهُ وَيَقْسِمُهُ فَجَاءَ رَجُلٌ بَعْدَ ذَلِكَ بِزِمَامٍ مِنْ شَعْرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " سَمِعْتَ بِلَالًا نَادَى ثَلَاثًا ؟ " قَالَ نَعَمْ قَالَ " فَمَا مَنَعَكَ أَنْ تَجِيءَ بِهِ ؟ " فَاعْتَذَرَ فَقَالَ " كُنْ أَنْتَ تَجِيءُ بِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَنْ أَقْبَلَهُ مِنْكَ
فَصْلٌ [ تَحْرِيقُ مَتَاعِ الْغَالّ وَضَرْبُهُ ]
وَأَمَرَ بِتَحْرِيقِ مَتَاعِ الْغَالّ وَضَرْبِهِ ، وَحَرَقَهُ الْخَلِيفَتَانِ الرّاشِدَانِ بَعْدَهُ [ ص 99 ] فَقِيلَ هَذَا مَنْسُوخٌ بِسَائِرِ الْأَحَادِيثِ الّتِي ذَكَرْتُ فَإِنّهُ لَمْ يَجِئْ التّحْرِيقُ فِي شَيْءٍ مِنْهَا ، وَقِيلَ - وَهُوَ الصّوَابُ - إنّ هَذَا مِنْ بَابِ التّعْزِيزِ وَالْعُقُوبَاتِ الْمَالِيّةِ الرّاجِعَةِ إلَى اجْتِهَادِ الْأَئِمّةِ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ فَإِنّهُ حَرَقَ وَتَرَكَ وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ مِنْ بَعْدِهِ وَنَظِيرُ هَذَا قَتْلُ شَارِبِ الْخَمْرِ فِي الثّالِثَةِ أَوْ الرّابِعَةِ فَلَيْسَ بِحَدّ وَلَا مَنْسُوخٍ وَإِنّمَا هُوَ تَعْزِيزٌ يَتَعَلّقُ بِاجْتِهَادِ الْإِمَامِ .
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْأُسَارَى
كَانَ يَمُنّ عَلَى بَعْضِهِمْ وَيَقْتُلُ بَعْضَهُمْ وَيُفَادِي بَعْضَهُمْ بِالْمَالِ وَبَعْضَهُمْ بِأَسْرَى الْمُسْلِمِينَ وَقَدْ فَعَلَ ذَلِكَ كُلّهُ بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ فَفَادَى أُسَارَى بَدْرٍ بِمَالٍ وَقَالَ لَوْ كَانَ الْمُطْعِمُ بْنُ عَدِيّ حَيّا ، ثُمّ كَلّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النّتْنَى ، لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ [ ص 100 ] وَهَبَطَ عَلَيْهِ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ ثَمَانُونَ مُتَسَلّحُونَ يُرِيدُونَ غِرّتَهُ فَأَسَرَهُمْ ثُمّ مَنّ عَلَيْهِمْ . وَأَسَرَ ثُمَامَةَ بْنَ أَثَالٍ سَيّدَ بَنِي حَنِيفَةَ ، فَرَبَطَهُ بِسَارِيَةِ الْمَسْجِدِ ثُمّ أَطْلَقَهُ فَأَسْلَمَ .
[ أُسَارَى بَدْرٍ ]
وَاسْتَشَارَ الصّحَابَةَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ ، فَأَشَارَ عَلَيْهِ الصّدّيقُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْهُمْ فِدْيَةً تَكُونُ لَهُمْ قُوّةً عَلَى عَدُوّهِمْ وَيُطْلِقَهُمْ لَعَلّ اللّهَ أَنْ يَهْدِيَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَقَالَ عُمَرُ : لَا وَاَللّهِ مَا أَرَى الّذِي رَأَى أَبُو بَكْرٍ وَلَكِنْ أَرَى أَنْ تُمَكّنَنَا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ فَإِنّ هَؤُلَاءِ أَئِمّةُ الْكُفْرِ وَصَنَادِيدُهَا ، فَهَوِيَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا قَالَ أَبُو بَكْرٍ وَلَمْ يَهْوَ مَا قَالَ عُمَرُ فَلَمّا كَانَ مِنْ الْغَدِ أَقْبَلَ عُمَرُ فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَبْكِي هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ مِنْ أَيّ شَيْءٍ تَبْكِي أَنْتَ وَصَاحِبُكَ فَإِنْ وَجَدْتُ بُكَاءً بَكَيْتُ وَإِنْ لَمْ أَجِدْ بُكَاءً تَبَاكَيْتُ لِبُكَائِكُمَا ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبْكِي لِلّذِي عَرَضَ عَلَيّ أَصْحَابُك مِنْ أَخْذِهِمْ الْفِدَاءَ لَقَدْ عُرِضَ عَلَيّ عَذَابُهُمْ أَدْنَى مِنْ هَذِهِ الشّجَرَةِ ، وَأَنْزَلَ اللّهُ { مَا كَانَ لِنَبِيّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ } [ الْأَنْفَالُ 67 ] . [ ص 101 ] تَكَلّمَ النّاسُ فِي أَيّ الرّأْيَيْنِ كَانَ أَصْوَبَ فَرَجّحَتْ طَائِفَةٌ قَوْلَ عُمَرَ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَرَجّحَتْ طَائِفَةٌ قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ لِاسْتِقْرَارِ الْأَمْرِ عَلَيْهِ وَمُوَافَقَتِهِ الْكِتَابَ الّذِي سَبَقَ مِنْ اللّهِ بِإِحْلَالِ ذَلِكَ لَهُمْ وَلِمُوَافَقَتِهِ الرّحْمَةَ الّتِي غَلَبَتْ الْغَضَبَ وَلِتَشْبِيهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَهُ فِي ذَلِكَ بِإِبْرَاهِيمَ وَعِيسَى ، وَتَشْبِيهِهِ لِعُمَرَ بِنُوحٍ وَمُوسَى وَلِحُصُولِ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ الّذِي حَصَلَ بِإِسْلَامِ أَكْثَرِ أُولَئِكَ الْأَسْرَى ، وَلِخُرُوجِ مَنْ خَرَجَ مِنْ أَصْلَابِهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلِحُصُولِ الْقُوّةِ الّتِي حَصَلَتْ لِلْمُسْلِمِينَ بِالْفِدَاءِ وَلِمُوَافَقَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَبِي بَكْرٍ أَوّلًا ، وَلِمُوَافَقَةِ اللّهِ لَهُ آخِرًا حَيْثُ اسْتَقَرّ الْأَمْرُ عَلَى رَأْيِهِ وَلِكَمَالِ نَظَرِ الصّدّيقِ فَإِنّهُ رَأَى مَا يَسْتَقِرّ عَلَيْهِ حُكْمُ اللّهِ آخِرًا ، وَغَلّبَ جَانِبَ الرّحْمَةِ عَلَى جَانِبِ الْعُقُوبَةِ . قَالُوا : وَأَمّا بُكَاءُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَإِنّمَا كَانَ رَحْمَةً لِنُزُولِ الْعَذَابِ لِمَنْ أَرَادَ بِذَلِكَ عَرَضَ الدّنْيَا ، وَلَمْ يُرِدْ ذَلِكَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا أَبُو بَكْرٍ وَإِنْ أَرَادَهُ بَعْضُ الصّحَابَةِ فَالْفِتْنَةُ كَانَتْ تَعُمّ وَلَا تُصِيبُ مَنْ أَرَادَ ذَلِكَ خَاصّةً كَمَا هُزِمَ الْعَسْكَرُ يَوْمَ حُنَيْنٍ بِقَوْلِ أَحَدِهِمْ ( لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ مِنْ قِلّةٍ ) وَبِإِعْجَابِ كَثْرَتِهِمْ لِمَنْ أَعْجَبَتْهُ مِنْهُمْ فَهُزِمَ الْجَيْشُ بِذَلِكَ فِتْنَةً وَمِحْنَةً ثُمّ اسْتَقَرّ الْأَمْرُ عَلَى النّصْرِ وَالظّفْرِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَاسْتَأْذَنَهُ الْأَنْصَارُ أَنْ يَتْرُكُوا لِلْعَبّاسِ عَمّهِ فِدَاءَهُ فَقَالَ " لَا تَدَعُوا مِنْهُ دِرْهَمًا وَاسْتَوْهَبَ مِنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ جَارِيَةً نَفَلَهُ إيّاهَا أَبُو بَكْرٍ فِي بَعْضِ [ ص 102 ] فَوَهَبَهَا لَهُ فَبَعَثَ بِهَا إلَى مَكّةَ ، فَفَدَى بِهَا نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَفَدَى رَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِرَجُلٍ مِنْ عُقَيْلٍ وَرَدّ سَبْيَ هَوَازِنَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ الْقِسْمَةِ ، وَاسْتَطَابَ قُلُوبَ الْغَانِمِينَ فَطَيّبُوا لَهُ وَعَوّضَ مَنْ لَمْ يُطَيّبْ مِنْ ذَلِكَ بِكُلّ إنْسَانٍ سِتّ فَرَائِضَ وَقَتَلَ عُقْبَةَ بْنَ أَبِي مُعَيْطٍ مِنْ الْأَسْرَى ، وَقَتَلَ النّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ لِشِدّةِ عَدَاوَتِهِمَا لِلّهِ وَرَسُولِهِ . وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ كَانَ نَاسٌ مِنْ الْأَسْرَى لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَالٌ ، فَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِدَاءَهُمْ أَنْ يُعَلّمُوا أَوْلَادَ الْأَنْصَارِ الْكِتَابَةَ وَهَذَا يَدُلّ عَلَى جَوَازِ الْفِدَاءِ بِالْعَمَلِكَمَا يَجُوزُ بِالْمَالِ .
[ الِاسْتِرْقَاقُ ]
وَكَانَ هَدْيُهُ أَنّ مَنْ أَسْلَمَ قَبْلَ الْأَسْرِ لَمْ يُسْتَرَقّ وَكَانَ يَسْتَرِقّ سَبْيَ الْعَرَبِ ، كَمَا يَسْتَرِقّ غَيْرَهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَكَانَ عِنْدَ عَائِشَةَ سَبِيّةٌ مِنْهُمْ فَقَالَ أَعْتِقِيهَا فَإِنّهَا مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ [ ص 103 ] الطّبَرَانِيّ مَرْفُوعًا : مَنْ كَانَ عَلَيْهِ رَقَبَةٌ مِنْ وَلَدِ إسْمَاعِيلَ ، فَلْيَعْتِقْ مِنْ بَلْعَنْبَرَ وَلَمّا قَسَمَ سَبَايَا بَنِي الْمُصْطَلِقِ ، وَقَعَتْ جُوَيْرِيّةُ بِنْتُ الْحَارِثِ فِي السّبْيِ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ ، فَكَاتَبَتْهُ عَلَى نَفْسِهَا ، فَقَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كِتَابَتَهَا وَتَزَوّجَهَا ، فَأُعْتِقَ بِتَزَوّجِهِ إيّاهَا مِئَةً مِنْ أَهْلِ بَيْتِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ إكْرَامًا لِصِهْرِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَهِيَ مِنْ صَرِيحِ الْعَرَبِ ، وَلَمْ يَكُونُوا يَتَوَقّفُونَ فِي وَطْءِ سَبَايَا الْعَرَبِ عَلَى الْإِسْلَامِ بَلْ كَانُوا يَطَئُونَهُنّ بَعْدَ الِاسْتِبْرَاءِ وَأَبَاحَ اللّهُ لَهُمْ ذَلِكَ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْإِسْلَامَ بَلْ قَالَ تَعَالَى : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ النّسَاءِ إِلّا مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } [ النّسَاءُ 24 ] فَأَبَاحَ وَطْءَ مِلْكِ الْيَمِينِ وَإِنْ كَانَتْ مُحْصَنَةً إذَا انْقَضَتْ عِدّتُهَا بِالِاسْتِبْرَاءِ وَقَالَ لَهُ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ ، لَمّا اسْتَوْهَبَهُ الْجَارِيَةَ الْفَزَارِيّةَ مِنْ السّبْيِ وَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ لَقَدْ أَعْجَبَتْنِي ، وَمَا كَشَفْتُ لَهَا ثَوْبًا وَلَوْ كَانَ وَطْؤُهَا حَرَامًا قَبْلَ الْإِسْلَامِ عِنْدَهُمْ لَمْ يَكُنْ لِهَذَا الْقَوْلِ مَعْنًى ، وَلَمْ تَكُنْ قَدْ أَسْلَمَتْ لِأَنّهُ قَدْ فَدَى بِهَا نَاسًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِمَكّةَ ، وَالْمُسْلِمُ لَا يُفَادَى بِهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَلَا نَعْرِفُ فِي أَثَرٍ وَاحِدٍ قَطّ اشْتِرَاطَ الْإِسْلَامِ مِنْهُمْ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا فِي وَطْءِ الْمَسْبِيّةِ فَالصّوَابُ الّذِي كَانَ عَلَيْهِ هَدْيُهُ وَهَدْيُ أَصْحَابِهِ اسْتِرْقَاقُ الْعَرَبِ ، وَوَطْءُ إمَائِهِنّ الْمَسْبِيّاتِ بِمِلْكِ الْيَمِينِ مِنْ غَيْرِ اشْتِرَاطِ الْإِسْلَامِ .
فَصْلٌ [ لَا يُفَرّقُ فِي السّبْيِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا ]
وَكَانَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَمْنَعُ التّفْرِيقَ فِي السّبْيِ بَيْنَ الْوَالِدَةِ وَوَلَدِهَا ، وَيَقُولُ مَنْ فَرّقَ بَيْنَ وَالِدَةٍ وَوَلَدِهَا ، فَرّقَ اللّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أَحِبّتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَكَانَ يُؤْتَى بِالسّبْيِ فَيُعْطِي أَهْلَ الْبَيْتِ جَمِيعًا كَرَاهِيَةَ أَنْ يُفَرّقَ بَيْنَهُمْ . [ ص 104 ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ فِيمَنْ جَسّ عَلَيْه
ثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ قَتَلَ جَاسُوسًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ . وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ لَمْ يَقْتُلْ حَاطِبًا ، وَقَدْ جَسّ عَلَيْهِ وَاسْتَأْذَنَهُ عُمَرُ فِي قَتْلِهِ فَقَالَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلّ اللّهَ اطّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ فَاسْتَدَلّ بِهِ مَنْ لَا يَرَى قَتْلَ الْمُسْلِمِ الْجَاسُوسِ كَالشّافِعِيّ ، وَأَحْمَدَ ، وَأَبِي حَنِيفَة َ رَحِمَهُمْ اللّهُ وَاسْتَدَلّ بِهِ مَنْ يَرَى قَتْلَهُ كَمَالِكٍ ، وَابْنِ عُقَيْلٍ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللّهُ - وَغَيْرِهِمَا قَالُوا : لِأَنّهُ عُلّلَ بِعِلّةٍ مَانِعَةٍ مِنْ الْقَتْلِ مُنْتَفِيَةٍ فِي غَيْرِهِ وَلَوْ كَانَ الْإِسْلَامُ مَانِعًا مِنْ قَتْلِهِ لَمْ يُعَلّلْ بِأَخَصّ مِنْهُ لِأَنّ الْحُكْمَ إذَا عُلّلَ بِالْأَعَمّ كَانَ الْأَخَصّ عَدِيمَ التّأْثِيرِ وَهَذَا أَقْوَى . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ
[ ص 105 ] وَكَانَ هَدْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عِتْقَ عَبِيدِ الْمُشْرِكِينَ إذَا خَرَجُوا إلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَسْلَمُوا ، وَيَقُولُ هُمْ عُتَقَاءُ اللّهِ عَزّ وَجَلّ
[ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فِي يَدِهِ فَهُوَ لَهُ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى سَبَبِهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ]
وَكَانَ هَدْيُهُ أَنّ مَنْ أَسْلَمَ عَلَى شَيْءٍ فِي يَدِهِ فَهُوَ لَهُ وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى سَبَبِهِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ بَلْ يُقِرّهُ فِي يَدِهِ كَمَا كَانَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَكُنْ يُضَمّنُ الْمُشْرِكِينَ إذَا أَسْلَمُوا مَا أَتْلَفُوهُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ مِنْ نَفْسٍ أَوْ مَالٍ حَالَ الْحَرْبِ وَلَا قَبْلَهُ وَعَزَمَ الصّدّيقُ عَلَى تَضْمِينِ الْمُحَارَبِينَ مِنْ أَهْلِ الرّدّةِ دِيَاتِ الْمُسْلِمِينَ وَأَمْوَالَهُمْ فَقَالَ عُمَرُ تِلْكَ دِمَاءٌ أُصِيبَتْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ، وَأُجُورُهُمْ عَلَى اللّهِ وَلَا دِيَةَ لِشَهِيدٍ فَاتّفَقَ الصّحَابَةُ عَلَى مَا قَالَ عُمَرُ وَلَمْ يَكُنْ أَيْضًا يَرُدّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَعْيَانَ أَمْوَالِهِمْ الّتِي أَخَذَهَا مِنْهُمْ الْكُفّارُ قَهْرًا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ بَلْ كَانُوا يَرَوْنَهَا بِأَيْدِيهِمْ وَلَا يَتَعَرّضُونَ لَهَا سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ الْعَقَارُ وَالْمَنْقُولُ هَذَا هَدْيُهُ الّذِي لَا شَكّ فِيهِ . وَلَمّا فَتَحَ مَكّةَ ، قَامَ إلَيْهِ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ يَسْأَلُونَهُ أَنْ يَرُدّ عَلَيْهِمْ دُورَهُمْ الّتِي اسْتَوْلَى عَلَيْهَا الْمُشْرِكُونَ فَلَمْ يَرُدّ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمْ دَارَهُ وَذَلِكَ لِأَنّهُمْ تَرَكُوهَا لِلّهِ وَخَرَجُوا عَنْهَا ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِهِ فَأَعَاضَهُمْ عَنْهَا دُورًا خَيْرًا مِنْهَا فِي الْجَنّةِ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يَرْجِعُوا فِيمَا تَرَكُوهُ لِلّهِ بَلْ أَبْلَغُ مِنْ ذَلِكَ أَنّهُ لَمْ يُرَخّصْ لِلْمُهَاجِرِ أَنْ يُقِيمَ بِمَكّةَ بَعْدَ نُسُكِهِ أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثٍ لِأَنّهُ قَدْ تَرَكَ بَلَدَهُ لِلّهِ وَهَاجَرَ مِنْهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعُودَ يَسْتَوْطِنُهُ وَلِهَذَا رَثَى لِسَعْدِ بْنِ خَوْلَةَ ، وَسَمّاهُ بَائِسًا أَنْ مَاتَ بِمَكّةَ وَدُفِنَ بِهَا بَعْدَ هِجْرَتِهِ مِنْهَا . [ ص 106 ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ فِي الْأَرْضِ الْمَغْنُومَةِ
ثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ قَسَمَ أَرْضَ بَنِي قُرَيْظَة وَبَنِي النّضِير وَخَيْبَرَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ وَأَمّا الْمَدِينَةُ ، فَفُتِحَتْ بِالْقُرْآنِ وَأَسْلَمَ عَلَيْهَا أَهْلُهَا ، فَأُقِرّتْ بِحَالِهَا . وَأَمّا مَكّةُ ، فَفَتَحَهَا عَنْوَةً وَلَمْ يَقْسِمْهَا ، فَأَشْكَلَ عَلَى كُلّ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْجَمْعُ بَيْنَ فَتْحِهَا عَنْوَةً وَتَرْكِ قِسْمَتِهَا ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لِأَنّهَا دَارُ الْمَنَاسِكِ وَهِيَ وَقْفٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ كُلّهِمْ وَهُمْ فِيهَا سَوَاءٌ فَلَا يُمْكِنُ قِسْمَتُهَا ، ثُمّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ مَنَعَ بَيْعَهَا وَإِجَارَتَهَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَوّزَ بَيْعَ رِبَاعِهَا ، وَمَنَعَ إجَارَتَهَا ، وَالشّافِعِيّ لَمّا لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْعَنْوَةِ وَبَيْنَ عَدَمِ الْقِسْمَةِ قَالَ إنّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا ، فَلِذَلِكَ لَمْ تُقْسَمْ . قَالَ وَلَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً لَكَانَتْ غَنِيمَةً فَيَجِبُ قِسْمَتُهَا كَمَا تَجِبُ قِسْمَةُ الْحَيَوَانِ وَالْمَنْقُولِ وَلَمْ يَرَ بَأْسًا مِنْ بَيْعِ رُبَاعِ مَكّةَ ، وَإِجَارَتِهَا ، وَاحْتَجّ بِأَنّهَا مِلْكٌ لِأَرْبَابِهَا تُورَثُ عَنْهُمْ وَتُوهَبُ وَقَدْ أَضَافَهَا اللّهُ سُبْحَانَهُ إلَيْهِمْ إضَافَةَ الْمِلْكِ إلَى مَالِكِهِ وَاشْتَرَى عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ دَارًا مِنْ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ ، وَقِيلَ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا فِي دَارِك بِمَكّةَ ؟ فَقَالَ وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ أَوْ دُورٍ وَكَانَ عَقِيلٌ وَرِثَ أَبَا طَالِبٍ ، فَلَمّا كَانَ أَصْلُ الشّافِعِيّ أَنّ الْأَرْضَ مِنْ الْغَنَائِمِ وَأَنّ الْغَنَائِمَ تَجِبُ [ ص 107 ] مَكّةَ تُمْلَكُ وَتُبَاعُ وَرِبَاعُهَا وَدُورُهَا لَمْ تُقْسَمْ لَمْ يَجِدْ بُدّا مِنْ الْقَوْلِ بِأَنّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا .
[ هَلْ الْأَرْضُ تَدْخُلُ فِي الْغَنَائِمِ ]
لَكِنْ مَنْ تَأَمّلَ الْأَحَادِيثَ الصّحِيحَةَ وَجَدَهَا كُلّهَا دَالّةً عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ أَنّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً . ثُمّ اخْتَلَفُوا لِأَيّ شَيْءٍ لَمْ يَقْسِمْهَا ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ لِأَنّهَا دَارُ النّسُكِ وَمَحَلّ الْعِبَادَةِ فَهِيَ وَقْفٌ مِنْ اللّهِ عَلَى عِبَادِهِ الْمُسْلِمِينَ . وَقَالَتْ طَائِفَةٌ الْإِمَامُ مُخَيّرٌ فِي الْأَرْضِ بَيْنَ قِسْمَتِهَا وَبَيْنَ وَقْفِهَا ، وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَسَمَ خَيْبَرَ ، وَلَمْ يَقْسِمْ مَكّةَ ، فَدَلّ عَلَى جَوَازِ الْأَمْرَيْنِ . قَالُوا : وَالْأَرْضُ لَا تَدْخُلُ فِي الْغَنَائِمِ الْمَأْمُورِ بِقِسْمَتِهَا ، بَلْ الْغَنَائِمُ هِيَ الْحَيَوَانُ وَالْمَنْقُولُ لِأَنّ اللّهَ تَعَالَى لَمْ يُحِلّ الْغَنَائِمَ لِأُمّةٍ غَيْرِ هَذِهِ الْأُمّةِ وَأَحَلّ لَهُمْ دِيَارَ الْكُفْرِ وَأَرْضَهُمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللّهِ عَلَيْكُمْ } إلَى قَوْلِهِ { يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدّسَةَ الّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ } [ الْمَائِدَةُ 20 21 ، ] وَقَالَ فِي دِيَارِ فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ وَأَرْضِهِمْ { كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ } [ الشّعَرَاءُ 59 ] فَعُلِمَ أَنّ الْأَرْضَ لَا تَدْخُلُ فِي الْغَنَائِمِ وَالْإِمَامُ مُخَيّرٌ فِيهَا بِحَسَبِ الْمَصْلَحَةِ وَقَدْ قَسَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَتَرَكَ وَعُمَرُ لَمْ يَقْسِمْ بَلْ أَقَرّهَا عَلَى حَالِهَا وَضَرَبَ عَلَيْهَا خَرَاجًا مُسْتَمِرّا فِي رَقَبَتِهَا يَكُونُ لِلْمُقَاتِلَةِ فَهَذَا مَعْنَى وَقْفِهَا ، لَيْسَ مَعْنَاهُ الْوَقْفَ الّذِي يَمْنَعُ مِنْ نَقْلِ الْمِلْكِ فِي الرّقَبَةِ بَلْ يَجُوزُ بَيْعُ هَذِهِ الْأَرْضِ كَمَا هُوَ عَمَلُ الْأُمّةِ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنّهَا تُورَثُ وَالْوَقْفُ لَا يُورَثُ وَقَدْ نَصّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ - رَحِمَهُ اللّهُ تَعَالَى - عَلَى أَنّهَا يَجُوزُ أَنْ تُجْعَلَ صَدَاقًا ، وَالْوَقْفُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَهْرًا فِي النّكَاحِ وَلِأَنّ الْوَقْفَ إنّمَا امْتَنَعَ بَيْعُهُ وَنَقْلُ الْمِلْكِ فِي رَقَبَتِهِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إبْطَالِ حَقّ الْبُطُونِ الْمَوْقُوفِ عَلَيْهِمْ مِنْ مَنْفَعَتِهِ وَالْمُقَاتِلَةِ حَقّهُمْ فِي خَرَاجِ الْأَرْضِ فَمَنْ اشْتَرَاهَا صَارَتْ عِنْدَهُ خَرَاجِيّةً كَمَا كَانَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ سَوَاءً فَلَا يَبْطُلُ حَقّ أَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِهَذَا الْبَيْعِ كَمَا لَمْ يَبْطُلْ بِالْمِيرَاثِ وَالْهِبَةِ وَالصّدَاقِ وَنَظِيرُ هَذَا بَيْعُ رَقَبَةِ الْمُكَاتَبِ وَقَدْ انْعَقَدَ فِيهِ سَبَبُ الْحُرّيّةِ بِالْكِتَابَةِ فَإِنّهُ يَنْتَقِلُ إلَى الْمُشْتَرِي مُكَاتَبًا كَمَا كَانَ عِنْدَ الْبَائِعِ وَلَا يَبْطُلُ مَا انْعَقَدَ فِي حَقّهِ مِنْ سَبَبِ الْعِتْقِ بِبَيْعِهِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . [ ص 108 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَسَمَ نِصْفَ أَرْضِ خَيْبَرَ خَاصّةً وَلَوْ كَانَ حُكْمُهَا حُكْمَ الْغَنِيمَةِ لَقَسَمَهَا كُلّهَا بَعْدَ الْخُمُسِ فَفِي " السّنَنِ " و " الْمُسْتَدْرَكِ " : أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا ظَهَرَ عَلَى خَيْبَرَ قَسَمَهَا عَلَى سِتّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا ، جَمَعَ كُلّ سَهْمٍ مِائَةَ سَهْمٍ فَكَانَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلِلْمُسْلِمِينَ النّصْفُ مِنْ ذَلِكَ وَعَزَلَ النّصْفَ الْبَاقِيَ لِمَنْ نَزَلَ بِهِ مِنْ الْوُفُودِ وَالْأُمُورِ وَنَوَائِبِ النّاسِ هَذَا لَفْظُ أَبِي دَاوُدَ وَفِي لَفْظٍ عَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا ، وَهُوَ الشّطْرُ لِنَوَائِبِهِ وَمَا يَنْزِلُ بِهِ مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ ذَلِكَ الْوَطِيحَ وَالْكُتَيْبَةَ ، وَالسّلَالِمَ وَتَوَابِعَهَا . وَفِي لَفْظٍ لَهُ أَيْضًا : عَزَلَ نِصْفَهَا لِنَوَائِبِهِ وَمَا نَزَلَ بِهِ : الْوَطْحِيّةَ وَالْكُتَيْبَةَ ، وَمَا أُحِيزَ مَعَهُمَا ، وَعَزَلَ النّصْفَ الْآخَرَ فَقَسَمَهُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ الشّقّ وَالنّطَاةَ ، وَمَا أُحِيزَ مَعَهُمَا ، وَكَانَ سَهْمُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُحِيزَ مَعَهُمَا
فَصْلٌ [ الْأَدِلّةُ عَلَى أَنّ مَكّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً ]
وَاَلّذِي يَدُلّ عَلَى أَنّ مَكّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً وُجُوهٌ أَحَدُهَا : أَنّهُ لَمْ يَنْقُلْ أَحَدٌ قَطّ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَالَحَ أَهْلَهَا زَمَنَ الْفَتْحِ وَلَا جَاءَهُ أَحَدٌ مِنْهُمْ صَالَحَهُ عَلَى الْبَلَدِ وَإِنّمَا جَاءَهُ أَبُو سُفْيَانَ فَأَعْطَاهُ الْأَمَانَ لِمَنْ دَخَلَ دَارَهُ أَوْ أَغْلَقَ بَابَهُ أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ أَوْ أَلْقَى سِلَاحَهُ . وَلَوْ كَانَتْ قَدْ فُتِحَتْ صُلْحًا ، لَمْ يَقُلْ مَنْ دَخَلَ دَارَهُ أَوْ أَغْلَقَ بَابَهُ أَوْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ فَإِنّ الصّلْحَ يَقْتَضِي الْأَمَانَ الْعَامّ . [ ص 109 ] الثّانِي : أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ إنّ اللّهَ حَبَسَ عَنْ مَكّةَ الْفِيلَ ، وَسَلّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ وَإِنّهُ أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَفِي لَفْظٍ إنّهَا لَا تَحِلّ لِأَحَدٍ قَبْلِي ، وَلَنْ تَحِلّ لِأَحَدٍ بَعْدِي ، وَإِنّمَا أُحِلّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَفِي لَفْظٍ فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقُولُوا : إنّ اللّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَإِنّمَا أَذِنَ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ . وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً . وَأَيْضًا ، فَإِنّهُ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحِ أَنّهُ جَعَلَ يَوْمَ الْفَتْحِ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنّبَةِ الْيُمْنَى ، وَجَعَلَ الزّبَيْرَ عَلَى الْمُجَنّبَةِ الْيُسْرَى ، وَجَعَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْحُسّرِ وَبَطْنِ الْوَادِي ، فَقَالَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ اُدْعُ لِي الْأَنْصَارَ فَجَاءُوا يُهَرْوِلُونَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، هَلْ تَرَوْنَ أَوْبَاشَ قُرَيْشٍ ؟ قَالُوا : نَعَمْ قَالَ اُنْظُرُوا إذَا لَقِيتُمُوهُمْ غَدًا أَنْ تَحْصُدُوهُمْ حَصْدًا ، وَأَخْفَى بِيَدِهِ وَوَضَعَ يَمِينَهُ عَلَى شِمَالِهِ وَقَالَ مَوْعِدُكُمْ الصّفَا ، قَالَ فَمَا أَشْرَفَ يَوْمَئِذٍ لَهُمْ أَحَدٌ إلّا أَنَامُوهُ وَصَعِدَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الصّفَا ، وَجَاءَتْ الْأَنْصَارُ ، فَأَطَافُوا بِالصّفَا ، فَجَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أُبِيدَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ أَلْقَى السّلَاحَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ . [ ص 110 ] وَأَيْضًا ، فَإِنّ أُمّ هَانِئٍ أَجَارَتْ رَجُلًا ، فَأَرَادَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ قَتْلَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمّ هَانِئٍ وَفِي لَفْظٍ عَنْهَا : لَمّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكّةَ ، أَجَرْتُ رَجُلَيْنِ مِنْ أَحْمَائِي ، فَأَدْخَلْتهمَا بَيْتًا ، وَأَغْلَقْت عَلَيْهِمَا بَابًا ، فَجَاءَ ابْنُ أُمّي عَلِيّ فَتَفَلّتَ عَلَيْهِمَا بِالسّيْفِ فَذَكَرْتُ حَدِيثَ الْأَمَانِ وَقَوْلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمّ هَانِئٍ وَذَلِكَ ضُحًى بِجَوْفِ مَكّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ . فَإِجَارَتُهَا لَهُ وَإِرَادَةُ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَتْلَهُ وَإِمْضَاءُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إجَارَتَهَا صَرِيحٌ فِي أَنّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً . وَأَيْضًا فَإِنّهُ أَمَرَ بِقَتْلِ مَقِيسِ بْنِ صُبَابَةَ ، وَابْنِ خَطَلٍ ، وَجَارِيَتَيْنِ وَلَوْ كَانَتْ فُتِحَتْ صُلْحًا ، لَمْ يَأْمُرْ بِقَتْلِ أَحَدٍ مِنْ أَهْلِهَا ، وَلَكَانَ ذِكْرُ هَؤُلَاءِ مُسْتَثْنًى مِنْ عَقْدِ الصّلْحِ وَأَيْضًا فَفِي " السّنَنِ " بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ " أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا كَانَ يَوْمُ فَتْحِ مَكّةَ ، قَالَ أَمّنُوا النّاسَ إلّا امْرَأَتَيْنِ ، وَأَرْبَعَةَ نَفَرٍ . اُقْتُلُوهُمْ وَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمْ مُتَعَلّقِينَ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ الْإِقَامَةُ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ ]
وَمَنَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ إقَامَةِ الْمُسْلِمِ بَيْنَ الْمُشْرِكِينَ إذَا قَدَرَ عَلَى الْهِجْرَةِ مِنْ بَيْنِهِمْ وَقَالَ أَنَا بَرِيءٌ مِنْ كُلّ مُسْلِمٍ يُقِيمُ بَيْنَ أَظْهُرِ الْمُشْرِكِينَ قِيلَ يَا رَسُولَ اللّهِ وَلِمَ ؟ قَالَ لَا تَرَاءَى نَارَاهُمَا . [ ص 111 ] وَقَالَ مَنْ جَامَعَ الْمُشْرِكَ وَسَكَنَ مَعَهُ فَهُوَ مِثْلُهُ . وَقَالَ لَا تَنْقَطِعُ الْهِجْرَةُ حَتّى تَنْقَطِعَ التّوْبَةُ ، وَلَا تَنْقَطِعُ التّوْبَةُ حَتّى تَطْلُعَ الشّمْسُ مِنْ مَغْرِبِهَا وَقَالَ سَتَكُونُ هِجْرَةٌ بَعْدَ هِجْرَةٍ ، فَخِيَارُ أَهْلِ الْأَرْضِ أَلْزَمُهُمْ مُهَاجَرَ إبْرَاهِيمَ وَيَبْقَى فِي الْأَرْضِ شِرَارُ أَهْلِهَا ، تَلْفِظُهُمْ أَرَضُوهُمْ تَقْذَرُهُمْ نَفْسُ اللّهِ وَتَحْشُرُهُمْ النّارُ مَعَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ . [ ص 112 ]
فَصْلٌ فِي هَدْيِهِ فِي الْأَمَانِ وَالصّلْحِ وَمُعَامَلَةِ رُسُلِ الْكُفّارِ
وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ وَمُعَامَلَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمُنَافِقِينَ وَإِجَارَةِ مَنْ جَاءَهُ مِنْ الْكُفّارِ حَتّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللّهِ وَرَدّهِ إلَى مَأْمَنِهِ وَوَفَائِهِ بِالْعَهْدِ وَبَرَاءَتِهِ مِنْ الْغَدْرِ ثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ ذِمّةُ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدَةٌ يَسْعَى بِهَا أَدْنَاهُمْ ، فَمَنْ أَخْفَرَ مُسْلِمًا ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ لَا يَقْبَلُ اللّهُ مِنْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ وَيَسْعَى بِذِمّتِهِمْ أَدْنَاهُمْ لَا يُقْتَلُ مُؤْمِنٌ بِكَافِرٍ ، وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فَعَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا أَوْ آوَى مُحْدِثًا ، فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ [ ص 113 ] وَثَبَتَ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ مَنْ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمٍ عَهْدٌ فَلَا يَحُلّنّ عُقْدَةً وَلَا يَشُدّهَا حَتّى يَمْضِيَ أَمَدُهُ أَوْ يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ وَقَالَ مَنْ أَمّنَ رَجُلًا عَلَى نَفْسِهِ فَقَتَلَهُ ، فَأَنَا بَرِيءٌ مِنْ الْقَاتِلِ وَفِي لَفْظٍ أُعْطِي لِوَاءَ غَدْرَةُ وَقَالَ لِكُلّ غَادِرٍ لِوَاءٌ عِنْدَ اسْتِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يُعْرَفُ بِهِ يُقَالُ هَذِهِ غَدْرَهُ فُلَانِ بْنِ فُلَانٍ [ ص 114 ] وَيُذْكَرُ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ مَا نَقَضَ قَوْمٌ الْعَهْدَ إلّا أُدِيلَ عَلَيْهِمْ الْعَدُوّ
فَصْلٌ [ تَقْرِيرُ مَصِيرِ الْكُفّارِ مَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
وَلَمّا قَدِمَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ ، صَارَ الْكُفّارُ مَعَهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ قِسْمٌ صَالَحَهُمْ وَوَادَعَهُمْ عَلَى أَلّا يُحَارِبُوهُ وَلَا يُظَاهِرُوا عَلَيْهِ وَلَا يُوَالُوا عَلَيْهِ عَدُوّهُ وَهُمْ عَلَى كُفْرِهِمْ آمِنُونَ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ . وَقِسْمٌ حَارَبُوهُ وَنَصَبُوا لَهُ الْعَدَاوَةَ . وَقِسْمٌ تَارَكُوهُ فَلَمْ يُصَالِحُوهُ وَلَمْ يُحَارِبُوهُ بَلْ انْتَظَرُوا مَا يَئُولُ إلَيْهِ أَمْرُهُ وَأَمْرُ أَعْدَائِهِ ثُمّ مِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ كَانَ يُحِبّ ظُهُورَهُ وَانْتِصَارَهُ فِي الْبَاطِنِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَانَ يُحِبّ ظُهُورَ عَدُوّهِ عَلَيْهِ وَانْتِصَارَهُمْ وَمِنْهُمْ مَنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي الظّاهِرِ وَهُوَ مَعَ عَدُوّهِ فِي الْبَاطِنِ لِيَأْمَنَ الْفَرِيقَيْنِ وَهَؤُلَاءِ هُمْ الْمُنَافِقُونَ فَعَامَلَ كُلّ طَائِفَةٍ مِنْ هَذِهِ الطّوَائِفِ بِمَا أَمَرَهُ بِهِ رَبّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى .
[ مُحَارَبَةُ بَنُو قَيْنُقَاعَ لِلْمُسْلِمِينَ ]
فَصَالَحَ يَهُودَ الْمَدِينَةِ ، وَكَتَبَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ كِتَابَ أَمْنٍ وَكَانُوا ثَلَاثَ طَوَائِفَ حَوْلَ الْمَدِينَةِ : بَنِي قَيْنُقَاعَ ، وَبَنِي النّضِيرِ ، وَبَنِي قُرَيْظَةَ ، فَحَارَبَتْهُ بَنُو قَيْنُقَاعَ بَعْدَ ذَلِكَ بَعْدَ بَدْر ٍ ، وَشَرَقُوا بِوَقْعَةِ بَدْر ٍ ، [ ص 115 ] فَسَارَتْ إلَيْهِمْ جُنُودُ اللّهِ يَقْدُمُهُمْ عَبْدُ اللّهِ وَرَسُولُهُ يَوْمَ السّبْتِ لِلنّصْفِ مِنْ شَوّالٍ عَلَى رَأْسِ عِشْرِينَ شَهْرًا مِنْ مُهَاجَرِهِ وَكَانَ حُلَفَاءُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُبَيّ بْنِ سَلُولَ رَئِيسِ الْمُنَافِقِينَ وَكَانُوا أَشْجَعَ يَهُودِ الْمَدِينَةِ ، وَحَامِلُ لِوَاءِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِر ِ ، وَحَاصَرَهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ لَيْلَةً إلَى هِلَالِ ذِي الْقَعْدَةِ وَهُمْ أَوّلُ مَنْ حَارَبَ مِنْ الْيَهُودِ ، وَتَحَصّنُوا فِي حُصُونِهِمْ فَحَاصَرَهُمْ أَشَدّ الْحِصَارِ وَقَذَفَ اللّهُ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ الّذِي إذَا أَرَادَ خِذْلَانَ قَوْمٍ وَهَزِيمَتَهُمْ أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ وَقَذَفَهُ فِي قُلُوبِهِمْ فَنَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي رِقَابِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَذُرّيّتِهِمْ فَأَمَرَ بِهِمْ فَكُتّفُوا ، وَكَلّمَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ فِيهِمْ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَلَحّ عَلَيْهِ فَوَهَبَهُمْ لَهُ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ الْمَدِينَةِ ، وَلَا يُجَاوِرُوهُ بِهَا ، فَخَرَجُوا إلَى أَذْرُعَاتٍ مِنْ أَرْضِ الشّامِ ، فَقَلّ أَنْ لَبِثُوا فِيهَا حَتّى هَلَكَ أَكْثَرُهُمْ وَكَانُوا صَاغَةً وَتُجّارًا ، وَكَانُوا نَحْوَ السّتّمِائَةِ مُقَاتِلٍ وَكَانَتْ دَارُهُمْ فِي طَرَفِ الْمَدِينَةِ ، وَقَبَضَ مِنْهُمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَخَذَ مِنْهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثَلَاثَ قِسِيّ وَدِرْعَيْنِ وَثَلَاثَةَ أَسْيَافٍ وَثَلَاثَةَ رِمَاحٍ وَخَمّسَ غَنَائِمَهُمْ وَكَانَ الّذِي تَوَلّى جَمْعَ الْغَنَائِمِ مُحَمّدُ بْن مَسْلَمَةَ .
فَصْلٌ [ نَقْضُ بَنِي النّضِيرِ الْعَهْدَ ]
ثُمّ نَقَضَ الْعَهْدَ بَنُو النّضِيرِ ، قَالَ الْبُخَارِيّ : وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتّةِ أَشْهُرٍ قَالَهُ عُرْوَةُ وَسَبَبُ ذَلِكَ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَرَجَ إلَيْهِمْ فِي نَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ ، وَكَلّمَهُمْ أَنْ يُعِينُوهُ فِي دِيَةِ الْكِلَابِيّيْنِ اللّذَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ ، فَقَالُوا : نَفْعَلُ يَا أَبَا الْقَاسِمِ اجْلِسْ هَا هُنَا [ ص 116 ] نَقْضِيَ حَاجَتَك ، وَخَلَا بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ وَسَوّلَ لَهُمْ الشّيْطَانُ الشّقَاء الّذِي كُتِبَ عَلَيْهِمْ فَتَآمَرُوا بِقَتْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالُوا : أَيّكُمْ يَأْخُذُ هَذِهِ الرّحَا وَيَصْعَدُ فَيُلْقِيهَا عَلَى رَأْسِهِ يَشْدَخُهُ بِهَا ؟ فَقَالَ أَشْقَاهُمْ عَمْرُو بْنُ جِحَاشٍ : أَنَا ، فَقَالَ لَهُمْ سَلَامُ بْنُ مِشْكَمٍ : لَا تَفْعَلُوا فَوَاَللّهِ لَيُخَبّرَنّ بِمَا هَمَمْتُمْ بِهِ وَإِنّهُ لَنَقْضُ الْعَهْدِ الّذِي بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ وَجَاءَ الْوَحْيُ عَلَى الْفَوْرِ إلَيْهِ مِنْ رَبّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى بِمَا هَمّوا بِهِ فَنَهَضَ مُسْرِعًا ، وَتَوَجّهَ إلَى الْمَدِينَةِ ، وَلَحِقَهُ أَصْحَابُهُ فَقَالُوا : نَهَضْتَ وَلَمْ نَشْعُرْ بِكَ فَأَخْبَرَهُمْ بِمَا هَمّتْ يَهُودُ بِهِ وَبَعَثَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ اُخْرُجُوا مِنْ الْمَدِينَةِ ، وَلَا تُسَاكِنُونِي بِهَا ، وَقَدْ أَجّلْتُكُمْ عَشْرًا ، فَمَنْ وَجَدْتُ بَعْدَ ذَلِكَ بِهَا ، ضَرَبْتُ عُنُقَهُ فَأَقَامُوا أَيّامًا يَتَجَهّزُونَ وَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ الْمُنَافِقُ عَبْدُ اللّه بْنُ أُبَيّ : أَنْ لَا تَخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ فَإِنّ مَعِي أَلْفَيْنِ يَدْخُلُونَ مَعَكُمْ حِصْنَكُمْ فَيَمُوتُونَ دُونَكُمْ وَتَنْصُرُكُمْ قُرَيْظَةُ وَحُلَفَاؤُكُمْ مِنْ غَطَفَانَ ، وَطَمَعَ رَئِيسُهُمْ حَيّ بْنُ أَخْطَبَ فِيمَا قَالَ لَهُ وَبَعَثَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ إنّا لَا نَخْرُجُ مِنْ دِيَارِنَا ، فَاصْنَعْ مَا بَدَا لَك ، فَكَبّرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ وَنَهَضُوا إلَيْهِ وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَحْمِلُ اللّوَاءَ فَلَمّا انْتَهَى إلَيْهِمْ قَامُوا عَلَى حُصُونِهِمْ يَرْمُونَ بِالنّبْلِ وَالْحِجَارَةِ وَاعْتَزَلَتْهُمْ قُرَيْظَةُ وَخَانَهُمْ ابْنُ أُبَيّ وَحُلَفَاؤُهُمْ مِنْ غَطَفَانَ ، وَلِهَذَا شَبّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قِصّتَهُمْ وَجَعَلَ مَثَلَهُمْ { كَمَثَلِ الشّيْطَانِ إِذْ قَالَ لِلْإِنْسَانِ اكْفُرْ فَلَمّا كَفَرَ قَالَ إِنّي بَرِيءٌ مِنْكَ } [ الْحَشْرُ 16 ] ، فَإِنّ سُورَةَ الْحَشْرِ هِيَ سُورَةُ بَنِي النّضِيرِ ، وَفِيهَا مَبْدَأُ قِصّتِهِمْ وَنِهَايَتُهَا ، فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَطَعَ نَخْلَهُمْ وَحَرّقَ ، فَأَرْسَلُوا إلَيْهَا : نَحْنُ نَخْرُجُ عَنْ الْمَدِينَةِ ، فَأَنْزَلَهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجُوا عَنْهَا بِنُفُوسِهِمْ وَذَرَارِيّهِمْ وَأَنّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ الْإِبِلُ إلّا السّلَاحَ وَقَبَضَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْأَمْوَالَ وَالْحَلْقَةَ وَهِيَ السّلَاحُ وَكَانَتْ بَنُو النّضِيرِ خَالِصَةً لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِنَوَائِبِهِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يُخَمّسْهَا لِأَنّ اللّهَ أَفَاءَهَا عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُوجِفْ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهَا بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ . [ ص 117 ] وَخَمّسَ قُرَيْظَةَ . قَالَ مَالِكٌ : خَمّسَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قُرَيْظَةَ ، وَلَمْ يُخَمّسْ بَنِي النّضِيرِ . لِأَنّ الْمُسْلِمِينَ لَمْ يُوجِفُوا بِخَيْلِهِمْ وَلَا رِكَابِهِمْ عَلَى بَنِي النّضِير ِ كَمَا أَوْجَفُوا عَلَى قُرَيْظَةَ وَأَجْلَاهُمْ إلَى خَيْبَرَ ، وَفِيهِمْ حَيّ بْنُ أَخْطَبَ كَبِيرُهُمْ وَقَبَضَ السّلَاحَ وَاسْتَوْلَى عَلَى أَرْضِهِمْ وَدِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَوَجَدَ مِنْ السّلَاحِ خَمْسِينَ دِرْعًا ، وَخَمْسِينَ بَيْضَةً وَثَلَاثَمِائَةٍ وَأَرْبَعِينَ سَيْفًا ، وَقَالَ هَؤُلَاءِ فِي قَوْمِهِمْ بِمَنْزِلَةِ بَنِي الْمُغِيرَةِ فِي قُرَيْشٍ وَكَانَتْ قِصّتُهُمْ فِي رَبِيعٍ الْأَوّلِ سَنَةَ أَرْبَعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ .
فَصْلٌ [ نَقْضُ قُرَيْظَةَ الْعَهْد ]َ
وَأَمّا قُرَيْظَةُ فَكَانَتْ أَشَدّ الْيَهُودِ عَدَاوَةً لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَغْلَظَهُمْ كُفْرًا ، وَلِذَلِك جَرَى عَلَيْهِمْ مَا لَمْ يَجْرِ عَلَى إخْوَانِهِمْ . وَكَانَ سَبَبُ غَزْوِهِمْ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا خَرَجَ إلَى غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ وَالْقَوْمُ مَعَهُ صُلْحٌ جَاءَ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ إلَى بَنِي قُرَيْظَة َ فِي دِيَارِهِمْ فَقَالَ قَدْ جِئْتُكُمْ بِعِزّ الدّهْرِ جِئْتُكُمْ بِقُرَيْشٍ عَلَى سَادَتِهَا ، وَغَطَفَان ُ عَلَى قَادَتِهَا ، وَأَنْتُمْ أَهْلُ الشّوْكَةِ وَالسّلَاحِ فَهَلُمّ حَتّى نُنَاجِزَ مُحَمّدًا وَنَفْرُغَ مِنْهُ فَقَالَ لَهُ رَئِيسُهُمْ بَلْ جِئْتنِي وَاَللّهِ بِذُلّ الدّهْرِ جِئْتنِي بِسَحَابٍ قَدْ أَرَاقَ مَاءَهُ فَهُوَ يَرْعُدُ وَيَبْرُقُ فَلَمْ يَزَلْ حُيَيّ يُخَادِعُهُ وَيَعِدُهُ وَيُمَنّيهِ حَتّى أَجَابَهُ [ ص 118 ] أَصَابَهُمْ فَفَعَلَ وَنَقَضُوا عَهْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَظْهَرُوا سَبّهُ فَبَلَغَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْخَبَرُ فَأَرْسَلَ يَسْتَعْلِمُ الْأَمْرَ فَوَجَدَهُمْ قَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ فَكَبّرَ وَقَالَ أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ
[ الِاخْتِلَافُ فِي قَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يُصَلّيَن أَحَدُكُمْ الْعَصْرَ إلّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ ]
فَلَمّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمَدِينَةِ ، لَمْ يَكُنْ إلّا أَنْ وَضَعَ سِلَاحَهُ فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ فَقَالَ أَوَضَعْتَ السّلَاحَ وَاَللّهِ إنّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَضَعْ أَسْلِحَتَهَا ؟ فَانْهَضْ بِمَنْ مَعَكَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ ، فَإِنّي سَائِرٌ أَمَامَك أُزَلْزِلُ بِهِمْ حُصُونَهُمْ وَأَقْذِفُ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ فَسَارَ جِبْرِيلُ فِي مَوْكِبِهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى أَثَرِهِ فِي مَوْكِبِهِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ يَوْمَئِذٍ لَا يُصَلّيَن أَحَدُكُمْ الْعَصْرَ إلّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَبَادَرُوا إلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ وَنَهَضُوا مِنْ فَوْرِهِمْ فَأَدْرَكَتْهُمْ الْعَصْرُ فِي الطّرِيقِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لَا نُصَلّيهَا إلّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ كَمَا أُمِرْنَا ، فَصَلّوْهَا بَعْدَ عِشَاءِ الْآخِرَةِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لَمْ يُرِدْ مِنّا ذَلِكَ وَإِنّمَا أَرَادَ سُرْعَةَ الْخُرُوجِ فَصَلّوْهَا فِي الطّرِيقِ فَلَمْ يُعَنّفْ وَاحِدَةً مِنْ الطّائِفَتَيْنِ . وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ أَيّهُمَا كَانَ أَصْوَبَ ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ الّذِينَ أَخّرُوهَا هُمْ الْمُصِيبُونَ وَلَوْ كُنّا مَعَهُمْ لَأَخّرْنَاهَا كَمَا أَخّرُوهَا ، وَلَمَا صَلّيْنَاهَا إلّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ وَتَرْكًا لِلتّأْوِيلِ الْمُخَالِفِ لِلظّاهِرِ . [ ص 119 ] وَقَالَتْ طَائِفَةٌ أُخْرَى : بَلْ الّذِينَ صَلّوْهَا فِي الطّرِيقِ فِي وَقْتِهَا حَازُوا قَصَبَ السّبْقِ وَكَانُوا أَسْعَدَ بِالْفَضِيلَتَيْنِ فَإِنّهُمْ بَادَرُوا إلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ فِي الْخُرُوجِ وَبَادَرُوا إلَى مَرْضَاتِهِ فِي الصّلَاةِ فِي وَقْتِهَا ، ثُمّ بَادَرُوا إلَى اللّحَاقِ بِالْقَوْمِ فَحَازُوا فَضِيلَةَ الْجِهَادِ وَفَضِيلَةَ الصّلَاةِ فِي وَقْتِهَا ، وَفَهِمُوا مَا يُرَادُ مِنْهُمْ وَكَانُوا أَفْقَهَ مِنْ الْآخَرِينَ وَلَا سِيّمَا تِلْكَ الصّلَاةَ فَإِنّهَا كَانَتْ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَهِيَ الصّلَاةُ الْوُسْطَى بِنَصّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الصّحِيحِ الصّرِيحِ الّذِي لَا مَدْفَعَ لَهُ وَلَا مَطْعَنَ فِيهِ وَمَجِيءِ السّنّةِ بِالْمُحَافَظَةِ عَلَيْهَا ، وَالْمُبَادَرَةِ إلَيْهَا ، وَالتّبْكِيرِ بِهَا ، وَأَنّ مَنْ فَاتَتْهُ فَقَدْ وُتِرَ أَهْلَهُ وَمَالَهُ أَوْ قَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ فَاَلّذِي جَاءَ فِيهَا أَمْرٌ لَمْ يَجِئْ مِثْلُهُ فِي غَيْرِهَا ، وَأَمّا الْمُؤَخّرُونَ لَهَا ، فَغَايَتُهُمْ أَنّهُمْ مَعْذُورُونَ بَلْ مَأْجُورُونَ أَجْرًا وَاحِدًا لِتَمَسّكِهِمْ بِظَاهِرِ النّصّ وَقَصْدِهِمْ امْتِثَالَ الْأَمْرِ وَأَمّا أَنْ يَكُونُوا هُمْ الْمُصِيبِينَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ وَمَنْ بَادَرَ إلَى الصّلَاةِ وَإِلَى الْجِهَادِ مُخْطِئًا ، فَحَاشَا وَكَلّا ، وَاَلّذِينَ صَلّوْا فِي الطّرِيقِ جَمَعُوا بَيْنَ الْأَدِلّةِ وَحَصّلُوا الْفَضِيلَتَيْنِ فَلَهُمْ أَجْرَانِ وَالْآخَرُونَ مَأْجُورُونَ أَيْضًا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ . فَإِنْ قِيلَ كَانَ تَأْخِيرُ الصّلَاةِ لِلْجِهَادِ حِينَئِذٍ جَائِزًا مَشْرُوعًا ، وَلِهَذَا كَانَ عَقِبَ تَأْخِيرِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعَصْرَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ إلَى اللّيْلِ فَتَأْخِيرُهُمْ صَلَاةَ الْعَصْرِ إلَى اللّيْلِ كَتَأْخِيرِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَهَا يَوْمَ الْخَنْدَقِ إلَى اللّيْلِ سَوَاءٌ وَلَا سِيّمَا أَنّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ شُرُوعِ صَلَاةِ الْخَوْفِ . قِيلَ هَذَا سُؤَالٌ قَوِيّ وَجَوَابُهُ مِنْ وَجْهَيْنِ . أَحَدُهُمَا : أَنْ يُقَالَ لَمْ يَثْبُتْ أَنّ تَأْخِيرَ الصّلَاةِ عَنْ وَقْتِهَا كَانَ جَائِزًا بَعْدَ بَيَانِ الْمَوَاقِيتِ وَلَا دَلِيلَ عَلَى ذَلِكَ إلّا قِصّةُ الْخَنْدَق ِ ، فَإِنّهَا هِيَ الّتِي اسْتَدَلّ بِهَا مَنْ قَالَ [ ص 120 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ عَنْ عَمْدٍ بَلْ لَعَلّهُ كَانَ نِسْيَانًا ، وَفِي الْقِصّةِ مَا يُشْعِرُ بِذَلِكَ فَإِنّ عُمَرَ لَمّا قَالَ لَهُ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا كِدْت أُصَلّي الْعَصْرَ حَتّى كَادَتْ الشّمْسُ تَغْرُبُ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " وَاَللّهِ مَا صَلّيْتُهَا ثُمّ قَامَ فَصَلّاهَا . وَهَذَا مُشْعِرٌ بِأَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ نَاسِيًا بِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ الشّغُلِ وَالِاهْتِمَامِ بِأَمْرِ الْعَدُوّ الْمُحِيطِ بِهِ وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قَدْ أَخّرَهَا بِعُذْرِ النّسْيَانِ كَمَا أَخّرَهَا بِعُذْرِ النّوْمِ فِي سَفَرِهِ وَصَلّاهَا بَعْدَ اسْتِيقَاظِهِ وَبَعْدَ ذِكْرِهِ لِتَتَأَسّى أُمّتُهُ بِهِ . وَالْجَوَابُ الثّانِي : أَنّ هَذَا عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ إنّمَا هُوَ فِي حَالِ الْخَوْفِ وَالْمُسَايَفَةِ عِنْدَ الدّهْشِ عَنْ تَعَقّلِ أَفْعَالِ الصّلَاةِ وَالْإِتْيَانِ بِهَا ، وَالصّحَابَةُ فِي مَسِيرِهِمْ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ ، لَمْ يَكُونُوا كَذَلِكَ بَلْ كَانَ حُكْمُهُمْ حُكْمَ أَسْفَارِهِمْ إلَى الْعَدُوّ قَبْلَ ذَلِكَ وَبَعْدَهُ وَمَعْلُومٌ أَنّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يُؤَخّرُونَ الصّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا ، وَلَمْ تَكُنْ قُرَيْظَةُ مِمّنْ يُخَافُ فَوْتُهُمْ فَإِنّهُمْ كَانُوا مُقِيمِينَ بِدَارِهِمْ فَهَذَا مُنْتَهَى أَقْدَامِ الْفَرِيقَيْنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ .
فَصْلٌ
وَأَعْطَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الرّايَةَ عَلَيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ وَنَازَلَ حُصُونَ بَنِي قُرَيْظَة َ وَحَصَرَهُمْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَلَمّا اشْتَدّ عَلَيْهِمْ الْحِصَارُ عَرَضَ عَلَيْهِمْ رَئِيسُهُمْ كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ ثَلَاثَ خِصَالٍ إمّا أَنْ يُسْلِمُوا وَيَدْخُلُوا مَعَ مُحَمّدٍ فِي دِينِهِ وَإِمّا أَنْ يَقْتُلُوا ذَرَارِيّهُمْ وَيَخْرُجُوا إلَيْهِ بِالسّيُوفِ مُصْلَتَةً يُنَاجِزُونَهُ حَتّى يَظْفَرُوا بِهِ أَوْ يُقَتّلُوا عَنْ آخِرِهِمْ وَإِمّا أَنْ يَهْجُمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابِهِ [ ص 121 ] فَأَبَوْا عَلَيْهِ أَنْ يُجِيبُوهُ إلَى وَاحِدَةٍ مِنْهُنّ فَبَعَثُوا إلَيْهِ أَنْ أَرْسِلْ إلَيْنَا أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِر ِ نَسْتَشِيرُهُ فَلَمّا رَأَوْهُ قَامُوا فِي وَجْهِهِ يَبْكُونَ وَقَالُوا : يَا أَبَا لُبَابَة َ كَيْفَ تَرَى لَنَا أَنْ نَنْزِلَ عَلَى حُكْمِ مُحَمّدٍ ؟ فَقَالَ نَعَمْ وَأَشَارَ بِيَدِهِ إلَى حَلْقِهِ يَقُولُ إنّهُ الذّبْحُ ثُمّ عَلِمَ مِنْ فَوْرِهِ أَنّهُ قَدْ خَانَ اللّهَ وَرَسُولَهُ فَمَضَى عَلَى وَجْهِهِ وَلَمْ يَرْجِعْ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى أَتَى الْمَسْجِدَ مَسْجِدَ الْمَدِينَةِ ، فَرَبَطَ نَفْسَهُ بِسَارِيَةِ الْمَسْجِدِ وَحَلَفَ أَلّا يَحِلّهُ إلّا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِيَدِهِ وَأَنّهُ لَا يَدْخُلُ أَرْضَ بَنِي قُرَيْظَةَ أَبَدًا ، فَلَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَلِكَ قَالَ دَعُوهُ حَتّى يَتُوبَ اللّهُ عَلَيْه ثُمّ تَابَ اللّهُ عَلَيْهِ وَحَلّهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِيَدِهِ ثُمّ إنّهُمْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَامَتْ إلَيْهِ الْأَوْسُ ، فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ قَدْ فَعَلْتَ فِي بَنِي قَيْنُقَاع َ مَا قَدْ عَلِمْتَ وَهُمْ حُلَفَاءُ إخْوَانِنَا الْخَزْرَجِ ، وَهَؤُلَاءِ مَوَالِينَا ، فَأَحْسِنْ فِيهِمْ فَقَالَ أَلَا تَرْضَوْنَ أَنْ يَحْكُمَ فِيهِمْ رَجُلٌ مِنْكُم قَالُوا : بَلَى . قَال : فَذَاكَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ . قَا لُوا : قَدْ رَضِينَا ، فَأَرْسَلَ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَكَانَ فِي الْمَدِينَةِ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمْ لِجُرْحٍ كَانَ بِهِ فَأُرْكِبَ حِمَارًا وَجَاءَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَجَعَلُوا يَقُولُونَ لَهُ وَهُمْ كَنَفَتَاهُ يَا سَعْدُ أَجْمِلْ إلَى مَوَالِيك ، فَأَحْسِنْ فِيهِمْ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ حَكّمَك فِيهِمْ لِتُحْسِنَ فِيهِمْ وَهُوَ سَاكِتٌ لَا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ شَيْئًا ، فَلَمّا أَكْثَرُوا عَلَيْهِ قَال : لَقَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَلّا تَأْخُذَهُ فِي اللّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْهُ رَجَعَ بَعْضُهُمْ إلَى الْمَدِينَةِ ، فَنَعَى إلَيْهِمْ الْقَوْمَ فَلَمّا انْتَهَى سَعْدٌ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لِلصّحَابَةِ قُومُوا إلَى سَيّدِكُمْ فَلَمّا أَنْزَلُوهُ قَالُوا : يَا سَعْدُ إنّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَدْ نَزَلُوا عَلَى حُكْمِك ، قَالَ وَحُكْمِي نَافِذٌ عَلَيْهِمْ ؟ . قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ عَلَى مَنْ هَا هُنَا وَأَعْرَضَ بِوَجْهِهِ وَأَشَارَ إلَى نَاحِيَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إجْلَالًا لَهُ وَتَعْظِيمًا ؟ قَالَ نَعَمْ وَعَلَيّ . قَالَ فَإِنّي أَحْكُمُ فِيهِمْ أَنْ يُقْتَلَ الرّجَالُ وَتُسْبَى الذّرّيّةُ وَتُقْسَمَ الْأَمْوَالُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَقَدْ حَكَمْتَ فِيهِمْ بِحُكْمِ اللّهِ مِنْ فَوْقِ سَبْعِ سَمَاوَاتٍ [ ص 122 ] وَأَسْلَمَ مِنْهُمْ تِلْكَ اللّيْلَةَ نَفَرٌ قَبْلَ النّزُولِ وَهَرَبَ عَمْرُو بْنُ سَعْدٍ ، فَانْطَلَقَ فَلَمْ يُعْلَمْ أَيْنَ ذَهَبَ وَكَانَ قَدْ أَبَى الدّخُولَ مَعَهُمْ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ فَلَمّا حُكِمَ فِيهِمْ بِذَلِكَ أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقَتْلِ كُلّ مَنْ جَرَتْ عَلَيْهِ الْمُوسَى مِنْهُمْ وَمَنْ لَمْ يُنْبِتْ أُلْحِقَ بِالذّرّيّةِ فَحُفِرَ لَهُمْ خَنَادِقُ فِي سُوقِ الْمَدِينَةِ ، وَضُرِبَتْ أَعْنَاقُهُمْ وَكَانُوا مَا بَيْنَ السّتّمِائَةِ إلَى السّبْعِمِائَةِ وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ النّسَاءِ أَحَدٌ سِوَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ كَانَتْ طَرَحَتْ عَلَى رَأْسِ سُوَيْدِ بْنِ الصّامِتِ رَحَى ، فَقَتَلَتْهُ وَجُعِلَ يُذْهَبُ بِهِمْ إلَى الْخَنَادِقِ أَرْسَالًا أَرْسَالًا ، فَقَالُوا لِرَئِيسِهِمْ كَعْبِ بْنِ أَسَدٍ : يَا كَعْبُ مَا تَرَاهُ يَصْنَعُ بِنَا ؟ فَقَالَ أَفِي كُلّ مَوْطِنٍ لَا تَعْقِلُونَ ؟ أَمَا تَرَوْنَ الدّاعِيَ لَا يَنْزِعُ وَالذّاهِبُ مِنْكُمْ لَا يَرْجِعُ هُوَ وَاَللّهِ الْقَتْلُ . قَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ : قَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ل ِسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ فِي أَمْرِهِمْ إنّهُمْ أَحَدُ جَنَاحَيّ وَهُمْ ثَلَاثُمِائَةِ دَارِعٍ وَسِتّمِائَةِ حَاسِرٍ فَقَالَ قَدْ آنَ لِسَعْدٍ أَلّا تَأْخُذَهُ فِي اللّهِ لَوْمَةُ لَائِمٍ وَلَمّا جِيءَ بِحُيَيّ بْنِ أَخْطَب َ إلَى بَيْنِ يَدَيْهِ وَوَقَعَ بَصَرُهُ عَلَيْهِ قَالَ أَمَا وَاَللّهِ مَا لُمْت نَفْسِي فِي مُعَادَاتِك ، وَلَكِنْ مَنْ يُغَالِبْ اللّهَ يُغْلَبْ ثُمّ قَالَ يَا أَيّهَا النّاسُ لَا بَأْسَ قَدَرُ اللّهِ وَمَلْحَمَةٌ كُتِبَتْ عَلَى بَنِي إسْرَائِيل َ ثُمّ حُبِسَ فَضُرِبَتْ عُنُقُهُ . وَاسْتَوْهَبَ ثَابِتُ بْنُ قَيْس ٍ الزّبَيْرَ بْنَ بَاطَا وَأَهْلَهُ وَمَالَهُ مِنْ رَسُولِ اللّهِ فَوَهَبَهُمْ لَهُ فَقَالَ لَهُ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ : قَدْ وَهَبَك لِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَوَهَبَ لِي مَالَك وَأَهْلَك ، فَهُمْ لَك . فَقَالَ سَأَلْتُكَ بِيَدَيّ عِنْدَك يَا ثَابِتُ إلّا أَلْحَقْتنِي بِالْأَحِبّةِ فَضَرَبَ عُنُقَهُ وَأَلْحَقَهُ بِالْأَحِبّةِ مِنْ الْيَهُودِ ، فَهَذَا كُلّهُ فِي يَهُودِ الْمَدِينَةِ ، وَكَانَتْ غَزْوَةُ كُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ عَقِبَ كُلّ غَزْوَةٍ مِنْ الْغَزَوَاتِ الْكِبَارِ . [ ص 123 ] فَغَزْوَةُ بَنِي قَيْنُقَاع َ عَقِبَ بَدْرٍ ، وَغَزْوَةُ بَنِي النّضِيرِ عَقِبَ غَزْوَةِ أُحُدٍ ، وَغَزْوَةُ بَنِي قُرَيْظَةَ عَقِبَ الْخَنْدَقِ . وَأَمّا يَهُودُ خَيْبَرَ ، فَسَيَأْتِي ذِكْرُ قِصّتِهِمْ إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى .
فَصْلٌ [ حُكْمُ مَنْ نَقَضَ الْعَهْدَ وَأَقَرّ بِهِ الْبَاقُونَ ]
وَكَانَ هَدْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ إذَا صَالَحَ قَوْمًا فَنَقَضَ بَعْضُهُمْ عَهْدَهُ وَصُلْحَهُ وَأَقَرّهُمْ الْبَاقُونَ وَرَضُوا بِهِ غَزَا الْجَمِيعَ وَجَعَلَهُمْ كُلّهُمْ نَاقِضِينَ كَمَا فَعَلَ بِقُرَيْظَةَ ، وَالنّضِيرِ ، وَبَنِي قَيْنُقَاع َ وَكَمَا فَعَلَ فِي أَهْلِ مَكّةَ ، فَهَذِهِ سُنّتُهُ فِي أَهْلِ الْعَهْدِ وَعَلَى هَذَا يَنْبَغِي أَنْ يَجْرِيَ الْحُكْمُ فِي أَهْلِ الذّمّةِ كَمَا صَرّحَ بِهِ الْفُقَهَاءُ مِنْ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَغَيْرِهِمْ وَخَالَفَهُمْ أَصْحَابُ الشّافِعِيّ ، فَخَصّوا نَقْضَ الْعَهْدِ بِمَنْ نَقَضَهُ خَاصّةً دُونَ مَنْ رَضِيَ بِهِ وَأَقَرّ عَلَيْهِ وَفَرّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنّ عَقْدَ الذّمّةِ أَقْوَى وَآكَدُ وَلِهَذَا كَانَ مَوْضُوعًا عَلَى التّأْبِيدِ بِخِلَافِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ وَالصّلْحِ . وَالْأَوّلُونَ يَقُولُونَ لَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا ، وَعَقْدُ الذّمّةِ لَمْ يُوضَعْ لِلتّأْبِيدِ بَلْ بِشَرْطِ اسْتِمْرَارِهِمْ وَدَوَامِهِمْ عَلَى الْتِزَامِ مَا فِيهِ فَهُوَ كَعَقْدِ الصّلْحِ الّذِي وُضِعَ لِلْهُدْنَةِ بِشَرْطِ الْتِزَامِهِمْ أَحْكَامَ مَا وَقَعَ عَلَيْهِ الْعَقْدُ قَالُوا : وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يُوَقّتْ عَقْدَ الصّلْحِ وَالْهُدْنَةِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْيَهُودِ لَمّا قَدِمَ الْمَدِينَةَ ، بَلْ أَطْلَقَهُ مَا دَامُوا كَافّينَ عَنْهُ غَيْرَ مُحَارِبِينَ لَهُ فَكَانَتْ تِلْكَ ذِمّتَهُمْ غَيْرَ أَنّ الْجِزْيَةَ لَمْ يَكُنْ نَزَلَ فَرْضُهَا بَعْدُ فَلَمّا نَزَلَ فَرْضُهَا ، ازْدَادَ ذَلِكَ إلَى الشّرُوطِ الْمُشْتَرَطَةِ فِي الْعَقْدِ وَلَمْ يُغَيّرْ حُكْمَهُ وَصَارَ [ ص 124 ] نَقَضَ بَعْضُهُمْ الْعَهْدَ وَأَقَرّهُمْ الْبَاقُونَ وَرَضُوا بِذَلِكَ وَلَمْ يُعْلِمُوا بِهِ الْمُسْلِمِينَ صَارُوا فِي ذَلِكَ كَنَقْضِ أَهْلِ الصّلْحِ وَأَهْلُ الْعَهْدِ وَالصّلْحِ سَوَاءٌ فِي هَذَا الْمَعْنَى ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا فِيهِ وَإِنْ افْتَرَقَا مِنْ وَجْهٍ آخَرَ يُوَضّحُ هَذَا أَنّ الْمُقِرّ الرّاضِيَ السّاكِتَ إنْ كَانَ بَاقِيًا عَلَى عَهْدِهِ وَصُلْحِهِ لَمْ يَجُزْ قِتَالُهُ وَلَا قَتْلُهُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَإِنْ كَانَ بِذَلِكَ خَارِجًا عَنْ عَهْدِهِ وَصُلْحِهِ رَاجِعًا إلَى حَالِهِ الْأُولَى قَبْلَ الْعَهْدِ وَالصّلْحِ لَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْنَ عَقْدِ الْهُدْنَةِ وَعَقْدِ الذّمّةِ فِي ذَلِكَ فَكَيْفَ يَكُونُ عَائِدًا إلَى حَالِهِ فِي مَوْضِعٍ دُونَ مَوْضِعٍ هَذَا أَمْرٌ غَيْرُ مَعْقُولٍ . تَوْضِيحُهُ أَنّ تَجَدّدَ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُ لَا يُوجِبُ لَهُ أَنْ يَكُونَ مُوفِيًا بِعَهْدِهِ مَعَ رِضَاهُ وَمُمَالَأَتِهِ وَمُوَاطَأَتِهِ لِمَنْ نَقَضَ وَعَدَمُ الْجِزْيَةِ يُوجِبُ لَهُ أَنْ يَكُونَ نَاقِضًا غَادِرًا غَيْرَ مُوفٍ بِعَهْدِهِ هَذَا بَيّنُ الِامْتِنَاعِ . فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ النّقْضُ فِي الصّورَتَيْنِ وَهُوَ الّذِي دَلّتْ عَلَيْهِ سُنّةُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْكُفّارِ وَعَدَمِ النّقْضِ فِي الصّورَتَيْنِ وَهُوَ أَبْعَدُ الْأَقْوَالِ عَنْ السّنّةِ وَالتّفْرِيقُ بَيْنَ الصّورَتَيْنِ وَالْأُولَى أَصْوَبُهَا ، وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . وَبِهَذَا الْقَوْلِ أَفْتَيْنَا وَلِيّ الْأَمْرِ لَمّا أَحْرَقَتْ النّصَارَى أَمْوَالَ الْمُسْلِمِينَ بِالشّامِ وَدُورَهُمْ وَرَامُوا إحْرَاقَ جَامِعِهِمْ الْأَعْظَمِ حَتّى أَحْرَقُوا مَنَارَتَهُ وَكَادَ - لَوْلَا دَفْعُ اللّهِ - أَنْ يَحْتَرِقَ كُلّهُ وَعَلِمَ بِذَلِكَ مَنْ عَلِمَ مِنْ النّصَارَى ، وَوَاطَئُوا عَلَيْهِ وَأَقَرّوهُ وَرَضُوا بِهِ وَلَمْ يُعْلِمُوا وَلِيّ الْأَمْرِ فَاسْتَفْتَى فِيهِمْ وَلِيّ الْأَمْرِ مَنْ حَضَرَهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ فَأَفْتَيْنَاهُ بِانْتِقَاضِ عَهْدِ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ وَأَعَانَ عَلَيْهِ بِوَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ أَوْ رَضِيَ بِهِ وَأَقَرّ عَلَيْهِ وَأَنّ حَدّهُ الْقَتْلُ حَتْمًا ، لَا تَخْيِيرَ لِلْإِمَامِ فِيهِ كَالْأَسِيرِ بَلْ صَارَ الْقَتْلُ لَهُ حَدّا ، وَالْإِسْلَامُ لَا يُسْقِطُ الْقَتْلَ إذَا كَانَ حَدّا مِمّنْ هُوَ تَحْتَ الذّمّةِ مُلْتَزِمًا لِأَحْكَامِ اللّهِ بِخِلَافِ الْحَرْبِيّ إذَا أَسْلَمَ ، فَإِنّ الْإِسْلَامَ يَعْصِمُ دَمَهُ وَمَالَهُ وَلَا يُقْتَلُ بِمَا فَعَلَهُ قَبْلَ الْإِسْلَامِ فَهَذَا لَهُ حُكْمٌ وَالذّمّيّ النّاقِضُ لِلْعَهْدِ إذَا أَسْلَمَ لَهُ حُكْمٌ آخَرُ وَهَذَا الّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ الّذِي تَقْتَضِيهِ نُصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأُصُولُهُ وَنَصّ عَلَيْهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيّةَ قَدّسَ اللّهُ رُوحَهُ وَأَفْتَى بِهِ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .
فَصْلٌ [ مَنْ دَخَلَ فِي عَقْد الْمُصَالَحِينَ ثُمّ حَارَبَ الْمُسْلِمِينَ فَقَدْ نَقَضَ الْعَهْدَ ]
[ ص 125 ] وَكَانَ هَدْيُهُ وَسُنّتُهُ إذَا صَالَحَ قَوْمًا وَعَاهَدَهُمْ فَانْضَافَ إلَيْهِمْ عَدُوّ لَهُ سِوَاهُمْ فَدَخَلُوا مَعَهُمْ فِي عَقْدِهِمْ وَانْضَافَ إلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ فَدَخَلُوا مَعَهُ فِي عَقْدِهِ صَارَ حُكْمُ مَنْ حَارَبَ مَنْ دَخَلَ مَعَهُ فِي عَقْدِهِ مِنْ الْكُفّارِ حُكْمَ مَنْ حَارَبَهُ وَبِهَذَا السّبَبِ غَزَا أَهْلَ مَكّةَ ، فَإِنّهُ لَمّا صَالَحَهُمْ عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ عَشْرَ سِنِينَ تَوَاثَبَتْ بَنُو بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ ، فَدَخَلَتْ فِي عَهْدِ قُرَيْشٍ ، وَعَقْدِهَا ، وَتَوَاثَبَتْ خُزَاعَةُ ، فَدَخَلَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعَقْدِهِ ثُمّ عَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ فَبَيّتَتْهُمْ وَقَتَلَتْ مِنْهُمْ وَأَعَانَتْهُمْ قُرَيْشٌ فِي الْبَاطِنِ بِالسّلَاحِ فَعَدّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قُرَيْشًا نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ بِذَلِكَ وَاسْتَجَازَ غَزْوَ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ لِتَعَدّيهِمْ عَلَى حُلَفَائِهِ وَسَيَأْتِي ذِكْرُ الْقِصّةِ إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى . وَبِهَذَا أَفْتَى شَيْخُ الْإِسْلَامِ ابْنُ تَيْمِيّةَ بِغَزْوِ نَصَارَى الْمَشْرِقِ لَمّا أَعَانُوا عَدُوّ الْمُسْلِمِينَ عَلَى قِتَالِهِمْ فَأَمَدّوهُمْ بِالْمَالِ وَالسّلَاحِ وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَغْزُونَا وَلَمْ يُحَارِبُونَا ، وَرَآهُمْ بِذَلِكَ نَاقِضِينَ لِلْعَهْدِ كَمَا نَقَضَتْ قُرَيْشٌ عَهْدَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِإِعَانَتِهِمْ بَنِي بَكْرِ بْنِ وَائِلٍ عَلَى حَرْبِ حُلَفَائِهِ فَكَيْفَ إذَا أَعَانَ أَهْلُ الذّمّةِ الْمُشْرِكِينَ عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ رُسُلُ الْأَعْدَاءِ لَا يُتَعَرّضْ لَهَا ]
وَكَانَتْ تَقْدَمُ عَلَيْهِ رُسُلُ أَعْدَائِهِ وَهُمْ عَلَى عَدَاوَتِهِ فَلَا يُهِيجُهُمْ وَلَا يَقْتُلُهُمْ وَلَمّا قَدِمَ عَلَيْهِ رَسُولَا مُسَيْلِمَةَ الْكَذّابِ : وَهُمَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ النّوّاحَةِ وَابْنُ أَثَالٍ ، قَالَ لَهُمَا : فَمَا تَقُولَانِ أَنْتُمَا ؟ " قَالَا : نَقُولُ كَمَا قَالَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " لَوْلَا أَنّ الرّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَضَرَبْتُ أَعْنَاقَكُمَا فَجَرَتْ سُنّتُهُ أَلّا يُقْتَلَ رَسُولٌ . [ ص 126 ] وَكَانَ هَدْيُهُ أَيْضًا أَلّا يَحْبِسَ الرّسُولَ عِنْدَهُ إذَا اخْتَارَ دِينَهُ فَلَا يَمْنَعْهُ مِنْ اللّحَاقِ بِقَوْمِهِ بَلْ يَرُدّهُ إلَيْهِمْ كَمَا قَالَ أَبُو رَافِعٍ بَعَثَتْنِي قُرَيْشٌ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمّا أَتَيْتُهُ وَقَعَ فِي قَلْبِي الْإِسْلَامُ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللّهِ لَا أَرْجِعُ إلَيْهِمْ . فَقَالَ إنّي لَا أَخِيسُ بِالْعَهْدِ وَلَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ ارْجِعْ إلَيْهِمْ فَإِنْ كَانَ فِي قَلْبِكَ الّذِي فِيهِ الْآنَ فَارْجِعْ قَالَ أَبُو دَاوُدَ : وَكَانَ هَذَا فِي الْمُدّةِ الّتِي شَرَطَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَرُدّ إلَيْهِمْ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا ، وَأَمّا الْيَوْمَ فَلَا يَصْلُحُ هَذَا انْتَهَى . وَفِي قَوْلِهِ لَا أَحْبِسُ الْبُرُدَ إشْعَارٌ بِأَنّ هَذَا حُكْمٌ يَخْتَصّ بِالرّسُلِ مُطْلَقًا ، وَأَمّا رَدّهُ لِمَنْ جَاءَ إلَيْهِ مِنْهُمْ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا ، فَهَذَا إنّمَا يَكُونُ مَعَ الشّرْطِ كَمَا قَالَ أَبُو دَاوُدَ ، وَأَمّا الرّسُلُ فَلَهُمْ حُكْمٌ آخَرُ أَلَا تَرَاهُ لَمْ يَتَعَرّضْ لِرَسُولَيْ مُسَيْلِمَةَ وَقَدْ قَالَا لَهُ فِي وَجْهِهِ نَشْهَدُ أَنّ مُسَيْلِمَةَ رَسُولُ اللّهِ . وَكَانَ مِنْ هَدْيِهِ أَنّ أَعْدَاءَهُ إذَا عَاهَدُوا وَاحِدًا مِنْ أَصْحَابِهِ عَلَى عَهْدٍ لَا يَضُرّ بِالْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ رِضَاهُ أَمْضَاهُ لَهُمْ كَمَا عَاهَدُوا حُذَيْفَةَ وَأَبَاهُ الْحُسَيْلَ أَنْ لَا يُقَاتِلَاهُمْ مَعَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَمْضَى لَهُمْ ذَلِكَ وَقَالَ لَهُمَا : انْصَرِفَا نَفِي لَهُمْ بِعَهْدِهِمْ ، وَنَسْتَعِينُ اللّهَ عَلَيْهِمْ
فَصْلٌ [ صُلْحُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعَ قُرَيْشٍ ]
وَصَالَحَ قُرَيْشًا عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَشْرَ سِنِينَ عَلَى أَنّ مَنْ جَاءَهُ [ ص 127 ] رَدّهُ إلَيْهِمْ وَمَنْ جَاءَهُمْ مِنْ عِنْدِهِ لَا يَرُدّونَهُ إلَيْهِ وَكَانَ اللّفْظُ عَامّا فِي الرّجَالِ وَالنّسَاءِ فَنَسَخَ اللّهُ ذَلِكَ فِي حَقّ النّسَاءِ وَأَبْقَاهُ فِي حَقّ الرّجَالِ وَأَمَرَ اللّهُ نَبِيّهُ وَالْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَمْتَحِنُوا مَنْ جَاءَهُمْ مِنْ النّسَاءِ فَإِنْ عَلِمُوهَا مُؤْمِنَةً لَمْ يَرُدّوهَا إلَى الْكُفّارِ وَأَمَرَهُمْ بِرَدّ مَهْرِهَا إلَيْهِمْ لِمَا فَاتَ عَلَى زَوْجِهَا مِنْ مَنْفَعَةِ بُضْعِهَا ، وَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرُدّوا عَلَى مَنْ ارْتَدّتْ امْرَأَتُهُ إلَيْهِمْ مَهْرَهَا إذَا عَاقَبُوا ، بِأَنْ يَجِبَ عَلَيْهِمْ رَدّ مَهْرِ الْمُهَاجِرَةِ فَيَرُدّونَهُ إلَى مَنْ ارْتَدّتْ امْرَأَتُهُ وَلَا يَرُدّونَهَا إلَى زَوْجِهَا الْمُشْرِكِ فَهَذَا هُوَ الْعِقَابُ وَلَيْسَ مِنْ الْعَذَابِ فِي شَيْءٍ وَكَانَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزّوْجِ مُتَقَوّمٌ ، وَأَنّهُ مُتَقَوّمٌ بِالْمُسَمّى الّذِي هُوَ مَا أَنْفَقَ الزّوْجُ لَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ وَأَنّ أَنْكِحَةَ الْكُفّارِ لَهَا حُكْمُ الصّحّةِ لَا يُحْكَمُ عَلَيْهَا بِالْبُطْلَانِ وَأَنّهُ لَا يَجُوزُ رَدّ الْمُسْلِمَةِ الْمُهَاجِرَةِ إلَى الْكُفّارِ وَلَوْ شُرِطَ ذَلِكَ وَأَنّ الْمُسْلِمَةَ لَا يَحِلّ لَهَا نِكَاحُ الْكَافِرِ وَأَنّ الْمُسْلِمَ لَهُ أَنْ يَتَزَوّجَ الْمَرْأَةَ الْمُهَاجِرَةَ إذَا انْقَضَتْ عِدّتُهَا ، وَآتَاهَا مَهْرَهَا ، وَفِي هَذَا أَبْيَنُ دَلَالَةٍ عَلَى خُرُوجِ بُضْعِهَا مِنْ مِلْكِ الزّوْجِ وَانْفِسَاخِ نِكَاحِهَا مِنْهُ بِالْهِجْرَةِ وَالْإِسْلَامِ .
[ تَحْرِيمُ نِكَاحِ الْمُشْرِكَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ ]
وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُشْرِكَةِ عَلَى الْمُسْلِمِ كَمَا حُرّمَ نِكَاحُ الْمُسْلِمَةِ عَلَى الْكَافِرِ . وَهَذِهِ أَحْكَامٌ اُسْتُفِيدَتْ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ وَبَعْضُهَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَبَعْضُهَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ وَلَيْسَ مَعَ مَنْ ادّعَى نَسْخَهَا حُجّةٌ أَلْبَتّةَ فَإِنّ الشّرْطَ الّذِي وَقَعَ بَيْنَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبَيْنَ الْكُفّارِ فِي رَدّ مَنْ جَاءَهُ مُسْلِمًا إلَيْهِمْ إنْ كَانَ مُخْتَصّا بِالرّجَالِ لَمْ تَدْخُلْ النّسَاءُ فِيهِ وَإِنْ كَانَ عَامّا لِلرّجَالِ وَالنّسَاءِ فَاَللّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى خَصّصَ مِنْهُ رَدّ النّسَاءِ وَنَهَاهُمْ عَنْ رَدّهِنّ وَأَمَرَهُمْ بِرَدّ مُهُورِهِنّ وَأَنْ يَرُدّوا مِنْهَا عَلَى مَنْ ارْتَدّتْ امْرَأَتُهُ إلَيْهِمْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ الْمَهْرَ الّذِي أَعْطَاهَا ، ثُمّ أَخْبَرَ أَنّ ذَلِكَ حُكْمُهُ الّذِي يَحْكُمُ بِهِ بَيْنَ عِبَادِهِ وَأَنّهُ صَادِرٌ عَنْ عِلْمِهِ وَحِكْمَتِهِ وَلَمْ يَأْتِ عَنْهُ مَا يُنَافِي هَذَا الْحُكْمَ وَيَكُونُ بَعْدَهُ حَتّى يَكُونَ نَاسِخًا . [ ص 128 ] وَلَمّا صَالَحَهُمْ عَلَى رَدّ الرّجَالِ كَانَ يُمَكّنُهُمْ أَنْ يَأْخُذُوا مَنْ أَتَى إلَيْهِ مِنْهُمْ وَلَا يُكْرِهُهُ عَلَى الْعَوْدِ وَلَا يَأْمُرُهُ بِهِ وَكَانَ إذَا قَتَلَ مِنْهُمْ أَوْ أَخَذَ مَالًا ، وَقَدْ فَصَلَ عَنْ يَدِهِ وَلَمّا يَلْحَقْ بِهِمْ لَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ ذَلِكَ وَلَمْ يَضْمَنْهُ لَهُمْ لِأَنّهُ لَيْسَ تَحْتَ قَهْرِهِ وَلَا فِي قَبْضَتِهِ وَلَا أَمَرَهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَقْتَضِ عَقْدُ الصّلْحِ الْأَمَانَ عَلَى النّفُوسِ وَالْأَمْوَالِ إلّا عَمّنْ هُوَ تَحْتَ قَهْرِهِ وَفِي قَبْضَتِهِ كَمَا ضَمِنَ لِبَنِي جُذَيْمَةَ مَا أَتْلَفَهُ عَلَيْهِمْ خَالِدٌ مِنْ نُفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَنْكَرَهُ وَتَبَرّأَ مِنْهُ . وَلَمّا كَانَ إصَابَتُهُ لَهُمْ عَنْ نَوْعِ شُبْهَةٍ إذْ لَمْ يَقُولُوا : أَسْلَمْنَا ، وَإِنّمَا قَالُوا : صَبَأْنَا ، فَلَمْ يَكُنْ إسْلَامًا صَرِيحًا ، ضَمِنَهُمْ بِنِصْفِ دِيَاتِهِمْ لِأَجْلِ التّأْوِيلِ وَالشّبْهَةِ وَأَجْرَاهُمْ فِي ذَلِكَ مَجْرَى أَهْلِ الْكِتَابِ الّذِينَ قَدْ عَصَمُوا نُفُوسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِعَقْدِ الذّمّةِ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَقْتَضِ عَهْدُ الصّلْحِ أَنْ يَنْصُرَهُمْ عَلَى مَنْ حَارَبَهُمْ مِمّنْ لَيْسَ فِي قَبْضَةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَتَحْتَ قَهْرِهِ فَكَانَ فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنّ الْمُعَاهَدِينَ إذَا غَزَاهُمْ قَوْمٌ لَيْسُوا تَحْتَ قَهْرِ الْإِمَامِ وَفِي يَدِهِ وَإِنْ كَانُوا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ رَدّهُمْ عَنْهُمْ وَلَا مَنْعُهُمْ مِنْ ذَلِكَ وَلَا ضَمَانُ مَا أَتْلَفُوهُ عَلَيْهِمْ . [ ص 129 ] وَأَخْذُ الْأَحْكَامِ الْمُتَعَلّقَةِ بِالْحَرْبِ وَمَصَالِحِ الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَأَمْرِهِ وَأُمُورِ السّيَاسَاتِ الشّرْعِيّةِ مِنْ سِيَرِهِ وَمَغَازِيهِ أَوْلَى مِنْ أَخْذِهَا مِنْ آرَاءِ الرّجَالِ فَهَذَا لَوْنٌ وَتِلْكَ لَوْنٌ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ .
فَصْلٌ [ الصّلْحُ مَعَ أَهْلِ خَيْبَرَ ]
[ قِصّةُ حُيَيّ فِي تَغْيِيبِهِ الْمَسْكَ وَالْحُلِيّ ]
وَكَذَلِكَ صَالَحَ أَهْلَ خَيْبَرَ لَمّا ظَهَرَ عَلَيْهِمْ عَلَى أَنْ يُجْلِيَهُمْ مِنْهَا ، وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ وَلِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الصّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ وَالْحَلْقَةُ وَهِيَ السّلَاحُ . وَاشْتَرَطَ فِي عَقْدِ الصّلْحِ أَلّا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيّبُوا شَيْئًا ، فَإِنْ فَعَلُوا ، فَلَا ذِمّةَ لَهُمْ وَلَا عَهْدَ فَغَيّبُوا مَسْكًا فِيهِ مَالٌ وَحُلِيّ لِحُيَيّ بْنِ أَخْطَب َ كَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ إلَى خَيْبَرَ حِينَ أُجْلِيَتْ النّضِيرُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِعَمّ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ ، وَاسْمُهُ سَعْيَةُ مَا فَعَلَ مَسْكُ حُيَيّ الّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ النّضِيرِ ؟ فَقَالَ أَذْهَبَتْهُ النّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ فَقَالَ " الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ وَقَدْ كَانَ حُيَيّ قُتِلَ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ لَمّا دَخَلَ مَعَهُمْ فَدَفَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَمّهُ إلَى الزّبَيْرِ لِيَسْتَقِرّهُ فَمَسّهُ بِعَذَابٍ فَقَالَ " قَدْ رَأَيْتُ حُيَيّا يَطُوفُ فِي [ ص 130 ] خَرِبَةٍ هَا هُنَا ، فَذَهَبُوا فَطَافُوا ، فَوَجَدُوا الْمَسْكَ فِي الْخَرِبَةِ فَقَتَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ابْنَيْ أَبِي الْحَقِيق ِ وَأَحَدُهُمَا زَوْجُ صَفِيّةَ بِنْتِ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ ، وَسَبَى نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيّهُمْ وَقَسَمَ أَمْوَالَهُمْ بِالنّكْثِ الّذِي نَكَثُوا ، وَأَرَادَ أَنْ يُجْلِيَهُمْ مِنْ خَيْبَرَ ، فَقَالُوا : دَعْنَا نَكُونُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ نُصْلِحُهَا وَنَقُومُ عَلَيْهَا ، فَنَحْنُ أَعْلَمُ بِهَا مِنْكُمْ وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا لِأَصْحَابِهِ غِلْمَانٌ يَكْفُونَهُمْ مُؤْنَتَهَا ، فَدَفَعَهَا إلَيْهِمْ عَلَى أَنّ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الشّطْرَ مِنْ كُلّ شَيْءٍ يَخْرُجُ مِنْهَا مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ وَلَهُمْ الشّطْرُ وَعَلَى أَنْ يُقِرّهُمْ فِيهَا مَا شَاءَ . وَلَمْ يَعُمّهُمْ بِالْقَتْلِ كَمَا عَمّ قُرَيْظَةَ لِاشْتِرَاكِ أُولَئِكَ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ وَأَمّا هَؤُلَاءِ فَاَلّذِينَ عَلِمُوا بِالْمَسْكِ وَغَيّبُوهُ وَشَرَطُوا لَهُ إنْ ظَهَرَ فَلَا ذِمّةَ لَهُمْ وَلَا عَهْدَ فَإِنّهُ قَتَلَهُمْ بِشَرْطِهِمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَتَعَدّ ذَلِكَ إلَى سَائِرِ أَهْلِ خَيْبَرَ ، فَإِنّهُ مَعْلُومٌ قَطْعًا أَنّ جَمِيعَهُمْ لَمْ يَعْلَمُوا بِمَسْكِ حُيَيّ وَأَنّهُ مَدْفُونٌ فِي خَرِبَةٍ فَهَذَا نَظِيرُ الذّمّيّ وَالْمُعَاهَدِ إذَا نَقَضَ الْعَهْدَ وَلَمْ يُمَالِئْهُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَإِنّ حُكْمَ النّقْضِ مُخْتَصّ بِهِ .
===========================ج88888888888888888888888====================
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : زاد المعاد في هَدْي خير العباد
المؤلف : محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
[ جَوَازُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ ]
ثُمّ فِي دَفْعِهِ إلَيْهِمْ الْأَرْضَ عَلَى النّصْفِ دَلِيلٌ ظَاهِرٌ عَلَى جَوَازِ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ وَكَوْنُ الشّجَرِ نَخْلًا لَا أَثَرَ لَهُ أَلْبَتّةَ فَحُكْمُ الشّيْءِ حُكْمُ نَظِيرِهِ فَبَلَدٌ شَجَرُهُمْ الْأَعْنَابُ وَالتّينُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ الثّمَارِ فِي الْحَاجَةِ إلَى ذَلِكَ حُكْمُهُ حُكْمُ بَلَدٍ شَجَرُهُمْ النّخْلُ سَوَاءٌ وَلَا فَرْقَ . [ ص 131 ] وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُ لَا يُشْتَرَطُ كَوْنُ الْبَذْرِ مِنْ رَبّ الْأَرْضِ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَالَحَهُمْ عَنْ الشّطْرِ وَلَمْ يُعْطِهِمْ بَذْرًا أَلْبَتّةَ وَلَا كَانَ يُرْسِلُ إلَيْهِمْ بِبَذْرٍ وَهَذَا مَقْطُوعٌ بِهِ مِنْ سِيرَتِهِ حَتّى قَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ إنّهُ لَوْ قِيلَ بِاشْتِرَاطِ كَوْنِهِ مِنْ الْعَامِلِ لَكَانَ أَقْوَى مِنْ الْقَوْلِ بِاشْتِرَاطِ كَوْنِهِ مِنْ رَبّ الْأَرْضِ لِمُوَافَقَتِهِ لِسُنّةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَهْلِ خَيْبَرَ . وَالصّحِيحُ أَنّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَامِلِ وَأَنْ يَكُونَ مِنْ رَبّ الْأَرْضِ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَخْتَصّ بِهِ أَحَدُهُمَا ، وَاَلّذِينَ شَرَطُوهُ مِنْ رَبّ الْأَرْضِ لَيْسَ مَعَهُمْ حُجّةٌ أَصْلًا أَكْثَرَ مِنْ قِيَاسِهِمْ الْمُزَارَعَةَ عَلَى الْمُضَارَبَةِ قَالُوا : كَمَا يُشْتَرَطُ فِي الْمُضَارَبَةِ أَنْ يَكُونَ رَأْسُ الْمَالِ مِنْ الْمَالِكِ وَالْعَمَلُ مِنْ الْمُضَارِبِ فَهَكَذَا فِي الْمُزَارَعَةِ وَكَذَلِكَ فِي الْمُسَاقَاةِ يَكُونُ الشّجَرُ مِنْ أَحَدِهِمَا ، وَالْعَمَلُ عَلَيْهَا مِنْ الْآخَرِ وَهَذَا الْقِيَاسُ إلَى أَنْ يَكُونَ حُجّةً عَلَيْهِمْ أَقْرَبُ مِنْ أَنْ يَكُونَ حُجّةً لَهُمْ فَإِنّ فِي الْمُضَارَبَةِ يَعُودُ رَأْسُ الْمَالِ إلَى الْمَالِكِ وَيَقْتَسِمَانِ الْبَاقِيَ وَلَوْ شُرِطَ ذَلِكَ فِي الْمُزَارَعَةِ فَسَدَتْ عِنْدَهُمْ فَلَمْ يُجْرُوا الْبَذْرَ مَجْرَى رَأْسِ الْمَالِ بَلْ أَجْرَوْهُ مَجْرَى سَائِرِ الْبَقْلِ فَبَطَلَ إلْحَاقُ الْمُزَارَعَةِ بِالْمُضَارَبَةِ عَلَى أَصْلِهِمْ . وَأَيْضًا فَإِنّ الْبَذْرَ جَارٍ مَجْرَى الْمَاءِ وَمَجْرَى الْمَنَافِعِ فَإِنّ الزّرْعَ لَا يَتَكَوّنُ وَيَنْمُو بِهِ وَحْدَهُ بَلْ لَا بُدّ مِنْ السّقْيِ وَالْعَمَلِ وَالْبَذْرُ يَمُوتُ فِي الْأَرْضِ وَيُنْشِئُ اللّهُ الزّرْعَ مِنْ أَجْزَاءٍ أُخَرَ تَكُونُ مَعَهُ مِنْ الْمَاءِ وَالرّيحِ وَالشّمْسِ وَالتّرَابِ وَالْعَمَلِ فَحُكْمُ الْبَذْرِ حُكْمُ هَذِهِ الْأَجْزَاءِ . وَأَيْضًا فَإِنّ الْأَرْضَ نَظِيرُ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْقِرَاضِ وَقَدْ دَفَعَهَا مَالِكُهَا إلَى الْمُزَارِعِ وَبَذْرُهَا وَحَرْثُهَا وَسَقْيُهَا نَظِيرُ عَمَلِ الْمُضَارِبِ وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْمُزَارِعُ أَوْلَى بِالْبَذْرِ مِنْ رَبّ الْأَرْضِ تَشْبِيهًا لَهُ بِالْمُضَارِبِ فَاَلّذِي جَاءَتْ بِهِ السّنّةُ هُوَ الصّوَابُ الْمُوَافِقُ لِقِيَاسِ الشّرْعِ وَأُصُولِهِ . [ ص 132 ]
[ جَوَازُ عَقْدِ الْهُدْنَةِ ]
وَفِي الْقِصّةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ عَقْدِ الْهُدْنَةِ مُطْلَقًا مِنْ غَيْرِ تَوْقِيتٍ بَلْ مَا شَاءَ الْإِمَامُ وَلَمْ يَجِئْ بَعْدَ ذَلِكَ مَا يَنْسَخُ هَذَا الْحُكْمَ أَلْبَتّةَ فَالصّوَابُ جَوَازُهُ وَصِحّتُهُ وَقَدْ نَصّ عَلَيْهِ الشّافِعِيّ فِي رِوَايَةِ الْمُزَنِيّ ، وَنَصّ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ الْأَئِمّةِ وَلَكِنْ لَا يَنْهَضُ إلَيْهِمْ وَيُحَارِبُهُمْ حَتّى يُعْلِمَهُمْ عَلَى سَوَاءٍ لِيَسْتَوُوا هُمْ وَهُوَ فِي الْعِلْمِ بِنَقْضِ الْعَهْدِ .
[ جَوَازُ تَعْزِيرِ الْمُتّهَمِ ]
وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَعْزِيرِ الْمُتّهَمِ بِالْعُقُوبَةِ وَأَنّ ذَلِكَ مِنْ السّيَاسَاتِ الشّرْعِيّةِ فَإِنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ كَانَ قَادِرًا عَلَى أَنْ يَدُلّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى مَوْضِعِ الْكَنْزِ بِطَرِيقِ الْوَحْيِ وَلَكِنْ أَرَادَ أَنْ يَسُنّ لِلْأُمّةِ عُقُوبَةَ الْمُتّهَمِينَ وَيُوَسّعَ لَهُمْ طُرُقَ الْأَحْكَامِ رَحْمَةً بِهِمْ وَتَيْسِيرًا لَهُمْ .
[ جَوَازُ الْأَخْذِ بِالْقَرَائِنِ ]
وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى الْأَخْذِ بِالْقَرَائِنِ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى صِحّةِ الدّعْوَى وَفَسَادِهَا ، لِقَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِسَعْيَةَ لَمّا ادّعَى نَفَادَ الْمَالِ الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ
[ اعْتِبَارُ الْقَرَائِنِ ]
وَكَذَلِكَ فَعَلَ نَبِيّ اللّهِ سُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُدَ فِي اسْتِدْلَالِهِ بِالْقَرِينَةِ عَلَى تَعْيِينِ أُمّ الطّفْلِ الّذِي ذَهَبَ بِهِ الذّئْبُ وَادّعَتْ كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْ الْمَرْأَتَيْنِ أَنّهُ ابْنُهَا ، وَاخْتَصَمَتَا فِي الْآخَرِ فَقَضَى بِهِ دَاوُدُ لِلْكُبْرَى ، فَخَرَجَتَا إلَى سُلَيْمَانَ ، فَقَالَ بِمَ قَضَى بَيْنَكُمَا نَبِيّ اللّهِ ، فَأَخْبَرَتَاهُ فَقَالَ ائْتُونِي بِالسّكّينِ أَشُقّهُ بَيْنَكُمَا ، فَقَالَتْ الصّغْرَى : لَا تَفْعَلْ رَحِمَك اللّهُ هُوَ ابْنُهَا ، فَقَضَى بِهِ لِلصّغْرَى فَاسْتَدَلّ بِقَرِينَةِ الرّحْمَةِ وَالرّأْفَةِ الّتِي فِي قَلْبِهَا ، وَعَدَمِ سَمَاحَتِهَا بِقَتْلِهِ وَسَمَاحَةِ الْأُخْرَى بِذَلِكَ لِتَصِيرَ أُسْوَتُهَا فِي فَقْدِ الْوَلَدِ عَلَى أَنّهُ ابْنُ الصّغْرَى . فَلَوْ اتّفَقَتْ مِثْلُ هَذِهِ الْقَضِيّةِ فِي شَرِيعَتِنَا ، لَقَالَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ وَالشّافِعِيّ وَمَالِكٍ رَحِمَهُمْ اللّهُ عَمِلَ فِيهَا بِالْقَافَةِ وَجَعَلُوا الْقَافَةَ سَبَبًا لِتَرْجِيحِ الْمُدّعِي لِلنّسَبِ رَجُلًا كَانَ أَوْ امْرَأَةً . [ ص 133 ] قَالَ أَصْحَابُنَا : وَكَذَلِكَ لَوْ وَلَدَتْ مُسْلِمَةٌ وَكَافِرَةٌ وَلَدَيْنِ وَادّعَتْ الْكَافِرَةُ وَلَدَ الْمُسْلِمَةِ وَقَدْ سُئِلَ عَنْهَا أَحْمَدُ ، فَتَوَقّفَ فِيهَا . فَقِيلَ لَهُ تَرَى الْقَافَةَ ؟ فَقَالَ مَا أَحْسَنَهَا ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قَافَةٌ وَحَكَمَ بَيْنَهُمَا حَاكِمٌ بِمِثْلِ حُكْمِ سُلَيْمَان ، لَكَانَ صَوَابًا ، وَكَانَ أَوْلَى مِنْ الْقُرْعَةِ فَإِنّ الْقُرْعَةَ إنّمَا يُصَارُ إلَيْهَا إذَا تَسَاوَى الْمُدّعِيَانِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ وَلَمْ يَتَرَجّحْ أَحَدُهُمَا عَلَى الْآخَرِ فَلَوْ تَرَجّحَ بِيَدٍ أَوْ شَاهِدٍ وَاحِدٍ أَوْ قَرِينَةٍ ظَاهِرَةٍ مِنْ لَوْثٍ أَوْ نُكُولِ خَصْمِهِ عَنْ الْيَمِينِ أَوْ مُوَافَقَةِ شَاهِدِ الْحَالِ لِصِدْقِهِ كَدَعْوَى كُلّ وَاحِدٍ مِنْ الزّوْجَيْنِ مَا يَصْلُحُ لَهُ مِنْ قُمَاشِ الْبَيْتِ وَالْآنِيَةِ وَدَعْوَى كُلّ وَاحِدٍ مِنْ الصّانِعِينَ آلَاتِ صَنْعَتِهِ وَدَعْوَى حَاسِرِ الرّأْسِ عَنْ الْعِمَامَةِ عِمَامَةَ مَنْ بِيَدِهِ عِمَامَةٌ وَهُوَ يَشْتَدّ عَدْوًا ، وَعَلَى رَأْسِهِ أُخْرَى ، وَنَظَائِرُ ذَلِكَ قُدّمَ ذَلِكَ كُلّهُ عَلَى الْقُرْعَةِ . وَمِنْ تَرَاجِمِ أَبِي عَبْدِ الرّحْمَنِ النّسَائِيّ عَلَى قِصّةِ سُلَيْمَانَ ( هَذَا بَابُ الْحُكْمُ يُوهِمُ خِلَافَ الْحَقّ لِيَسْتَعْلِمَ بِهِ الْحَقّ ) وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَقُصّ عَلَيْنَا هَذِهِ الْقِصّةَ لِنَتّخِذَهَا سَمَرًا ، بَلْ لِنَعْتَبِرَ بِهَا فِي الْأَحْكَامِ بَلْ الْحُكْمُ بِالْقَسَامَةِ وَتَقْدِيمِ أَيْمَانِ مُدّعِي الْقَتْلِ هُوَ مِنْ هَذَا اسْتِنَادًا إلَى الْقَرَائِنِ الظّاهِرَةِ بَلْ وَمِنْ هَذَا رَجْمُ الْمُلَاعَنَةِ إذَا الْتَعَنَ الزّوْجُ وَنَكَلَتْ عَنْ الِالْتِعَانِ . فَالشّافِعِيّ وَمَالِكٌ رَحِمَهُمَا اللّهُ يَقْتُلَانِهَا بِمُجَرّدِ الْتِعَانِ الزّوْجِ وَنُكُولِهَا اسْتِنَادًا إلَى اللّوْثِ الظّاهِرِ الّذِي حَصَلَ بِالْتِعَانِهِ وَنُكُولِهَا .
[ قَبُولُ شَهَادَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْوَصِيّةِ فِي السّفَرِ ]
وَمِنْ هَذَا مَا شَرَعَهُ اللّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَنَا مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْوَصِيّةِ فِي السّفَرِ وَأَنّ وَلِيّيْ الْمَيّتِ إذَا اطّلَعَا عَلَى خِيَانَةٍ [ ص 134 ] جَازَ لَهُمَا أَنْ يَحْلِفَا وَيَسْتَحِقّا مَا حَلَفَا عَلَيْهِ وَهَذَا لَوْثٌ فِي [ ص 135 ] وَأَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْهُ وَعَلَى هَذَا إذَا اطّلَعَ الرّجُلُ الْمَسْرُوقُ مَالُهُ عَلَى بَعْضِهِ فِي يَدِ خَائِنٍ مَعْرُوفٍ بِذَلِكَ وَلَمْ يَتَبَيّنْ أَنّهُ اشْتَرَاهُ مِنْ غَيْرِهِ جَازَ لَهُ أَنْ يَحْلِفَ أَنّ بَقِيّةَ مَالِهِ عِنْدَهُ وَأَنّهُ صَاحِبُ السّرِقَةِ اسْتِنَادًا إلَى اللّوْثِ الظّاهِرِ وَالْقَرَائِنِ الّتِي تَكْشِفُ الْأَمْرَ وَتُوَضّحُهُ وَهُوَ نَظِيرُ حَلِفِ أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فِي الْقَسَامَةِ أَنّ فُلَانًا قَتَلَهُ سَوَاءٌ بَلْ أَمْرُ الْأَمْوَالِ أَسْهَلُ وَأَخَفّ وَلِذَلِكَ ثَبَتَ بِشَاهِدٍ وَيَمِينٍ وَشَاهِدٍ وَامْرَأَتَيْنِ وَدَعْوَى وَنُكُولٍ بِخِلَافِ الدّمَاءِ . فَإِذَا جَازَ إثْبَاتُهَا بِاللّوْثِ فَإِثْبَاتُ الْأَمْوَالِ بِهِ بِالطّرِيقِ الْأَوْلَى وَالْأَحْرَى . وَالْقُرْآنُ وَالسّنّةُ يَدُلّانِ عَلَى هَذَا وَهَذَا ، وَلَيْسَ مَعَ مَنْ ادّعَى نَسْخَ مَا دَلّ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ مِنْ ذَلِكَ حُجّةٌ أَصَلًا ، فَإِنّ هَذَا الْحُكْمَ فِي ( سُورَةِ الْمَائِدَةِ ) ، وَهِيَ مِنْ آخِرِ مَا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ وَقَدْ حَكَمَ بِمُوجِبِهَا أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعْدَهُ كَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِي ّ وَأَقَرّهُ الصّحَابَةُ .
[ اسْتِدْلَالُ الشّاهِدِ فِي قِصّةِ يُوسُفَ بِقَرِينَةِ قَدّ الْقَمِيصِ ]
وَمِنْ هَذَا أَيْضًا مَا حَكَاهُ اللّهُ سُبْحَانَهُ فِي قِصّةِ يُوسُفَ مِنْ اسْتِدْلَالِ الشّاهِدِ بِقَرِينَةِ قَدّ الْقَمِيصِ مِنْ دُبُرٍ عَلَى صِدْقِهِ وَكَذِبِ الْمَرْأَةِ وَأَنّهُ كَانَ هَارِبًا مُولِيًا ، فَأَدْرَكَتْهُ الْمَرْأَةُ مِنْ وَرَائِهِ فَجَبَذَتْهُ فَقَدّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ فَعَلِمَ بَعْلُهَا وَالْحَاضِرُونَ صِدْقَهُ وَقَبِلُوا هَذَا الْحُكْمَ وَجَعَلُوا الذّنْبَ ذَنْبَهَا ، وَأَمَرُوهَا بِالتّوْبَةِ وَحَكَاهُ اللّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - حِكَايَةَ مُقَرّرٍ لَهُ غَيْرِ مُنْكِرٍ وَالتّأَسّي بِذَلِكَ وَأَمْثَالِهِ فِي إقْرَارِ اللّهِ لَهُ وَعَدَمِ إنْكَارِهِ لَا فِي مُجَرّدِ حِكَايَتِهِ فَإِنّهُ إذَا أَخْبَرَ بِهِ مُقِرّا عَلَيْهِ وَمُثْنِيًا عَلَى فَاعِلِهِ وَمَادِحًا لَهُ دَلّ عَلَى رِضَاهُ بِهِ وَأَنّهُ مُوَافِقٌ لِحُكْمِهِ وَمَرْضَاتِهِ فَلْيُتَدَبّرْ هَذَا الْمَوْضِعُ فَإِنّهُ نَافِعٌ جِدّا ، وَلَوْ تَتَبّعْنَا مَا فِي الْقُرْآنِ وَالسّنّةِ وَعَمَلِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابِهِ مِنْ ذَلِكَ لَطَالَ وَعَسَى أَنْ نُفْرِدَ فِيهِ مُصَنّفًا شَافِيًا إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى . وَالْمَقْصُودُ التّنْبِيهُ عَلَى هَدْيِهِ وَاقْتِبَاسُ الْأَحْكَامِ مِنْ سِيرَتِهِ وَمَغَازِيهِ وَوَقَائِعِهِ صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ . [ ص 136 ] وَلَمّا أَقَرّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَهْلَ خَيْبَرَ فِي الْأَرْضِ كَانَ يَبْعَثُ كُلّ عَامٍ مَنْ يَخْرُصُ عَلَيْهِمْ الثّمَارَ فَيَنْظُرُ كَمْ يُجْنَى مِنْهَا ، فَيُضَمّنُهُمْ نَصِيبَ الْمُسْلِمِينَ وَيَتَصَرّفُونَ فِيهَا [ ص 137 ]
[ جَوَازُ خَرْصِ الثّمَارِ الْبَادِي صَلَاحُهَا ]
وَكَانَ يَكْتَفِي بِخَارِصٍ وَاحِدٍ . فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ خَرْصِ الثّمَارِ الْبَادِي صَلَاحُهَا كَثَمَرِ النّخْلِ وَعَلَى جَوَازِ قِسْمَةِ الثّمَارِ خَرْصًا عَلَى رُءُوسِ النّخْلِ وَيَصِيرُ نَصِيبُ أَحَدِ الشّرِيكَيْنِ مَعْلُومًا وَإِنْ لَمْ يَتَمَيّزْ بَعْدُ لِمَصْلَحَةِ النّمَاءِ وَعَلَى أَنّ الْقِسْمَةَ إفْرَازٌ لَا بَيْعٌ وَعَلَى جَوَازِ الِاكْتِفَاءِ بِخَارِصٍ وَاحِدٍ وَقَاسِمٍ وَاحِدٍ وَعَلَى أَنّ لِمَنْ الثّمَارُ فِي يَدِهِ أَنْ يَتَصَرّفَ فِيهَا بَعْدَ الْخَرْصِ وَيَضْمَنَ نَصِيبَ شَرِيكِهِ الّذِي خَرَصَ عَلَيْهِ . فَلَمّا كَانَ فِي زَمَنِ عُمَرَ ، ذَهَبَ عَبْدُ اللّه ِ ابْنُهُ إلَى مَالِهِ بِخَيْبَرَ ، فَعَدَوْا عَلَيْهِ فَأَلْقَوْهُ مِنْ فَوْقِ بَيْتٍ فَفَكّوا يَدَهُ فَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ مِنْهَا إلَى الشّامِ ، وَقَسَمَهَا بَيْنَ مَنْ كَانَ شَهِدَ خَيْبَرَ مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ .
فَصْلٌ [ عَقْدُ الذّمّةِ وَأَخْذُ الْجِزْيَةِ ]
وَأَمّا هَدْيُهُ فِي عَقْدِ الذّمّةِ وَأَخْذِ الْجِزْيَةِ فَإِنّهُ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْكُفّارِ جِزْيَةً إلّا بَعْدَ نُزُولِ ( سُورَةِ بَرَاءَةٌ ) فِي السّنَةِ الثّامِنَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الْجِزْيَةِ أَخَذَهَا مِنْ الْمَجُوسِ ، وَأَخَذَهَا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَأَخَذَهَا مِنْ النّصَارَى ، وَبَعَثَ مُعَاذًا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إلَى الْيَمَنِ ، فَعَقَدَ لِمَنْ لَمْ يُسْلِمْ مِنْ يَهُودِهَا الذّمّةَ وَضَرَبَ عَلَيْهِمْ الْجِزْيَةَ وَلَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ يَهُودِ خَيْبَرَ ، فَظَنّ بَعْضُ الْغَالِطِينَ الْمُخْطِئِينَ أَنّ هَذَا حُكْمٌ مُخْتَصّ بِأَهْلِ خَيْبَرَ ، وَأَنّهُ لَا يُؤْخَذُ مِنْهُمْ جِزْيَةٌ وَإِنْ أُخِذَتْ مِنْ سَائِرِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهَذَا مِنْ عَدَمِ فِقْهِهِ فِي السّيَرِ وَالْمَغَازِي ، فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَاتَلَهُمْ وَصَالَحَهُمْ عَلَى أَنْ يُقِرّهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا شَاءَ وَلَمْ تَكُنْ الْجِزْيَةُ نَزَلَتْ بَعْدُ فَسَبَقَ عَقْدُ صُلْحِهِمْ وَإِقْرَارُهُمْ فِي أَرْضِ خَيْبَرَ نُزُولَ الْجِزْيَةِ ثُمّ أَمَرَهُ اللّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ يُقَاتِلَ أَهْلَ الْكِتَابِ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ فَلَمْ يَدْخُلْ فِي هَذَا يَهُودُ خَيْبَرَ إذْ ذَاكَ لِأَنّ الْعَقْدَ [ ص 138 ] كَانَ قَدِيمًا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَلَى إقْرَارِهِمْ وَأَنْ يَكُونُوا عُمّالًا فِي الْأَرْضِ بِالشّطْرِ فَلَمْ يُطَالِبْهُمْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ وَطَالَبَ سِوَاهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِمّنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَقْدٌ كَعَقْدِهِمْ بِالْجِزْيَةِ كَنَصَارَى نَجْرَانَ ، وَيَهُودِ الْيَمَنِ ، وَغَيْرِهِمْ فَلَمّا أَجْلَاهُمْ عُمَرُ إلَى الشّامِ ، تَغَيّرَ ذَلِكَ الْعَقْدُ الّذِي تَضَمّنَ إقْرَارَهُمْ فِي أَرْضِ خَيْبَرَ ، وَصَارَ لَهُمْ حُكْمُ غَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ .
[ بَيَانُ تَزْوِيرِ طَائِفَةٍ مِنْ الْيَهُودِ كِتَابًا فِيهِ إسْقَاطُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْجِزْيَة ]َ
وَلَمّا كَانَ فِي بَعْضِ الدّوَلِ الّتِي خَفِيَتْ فِيهَا السّنّةُ وَأَعْلَامُهَا ، أَظْهَرَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ كِتَابًا قَدْ عَتّقُوهُ وَزَوّرُوهُ وَفِيهِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَسْقَطَ عَنْ يَهُودِ خَيْبَرَ الْجِزْيَةَ وَفِيهِ شَهَادَةُ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَسَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصّحَابَةِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ فَرَاجَ ذَلِكَ عَلَى مَنْ جَهِلَ سُنّةَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَغَازِيَهُ وَسِيَرَهُ وَتَوَهّمُوا ، بَلْ ظَنّوا صِحّتَهُ فَجَرَوْا عَلَى حُكْمِ هَذَا الْكِتَابِ الْمُزَوّرِ حَتّى أُلْقِيَ إلَى شَيْخِ الْإِسْلَامِ ابْنِ تَيْمِيّةَ - قَدّسَ اللّهُ رُوحَهُ - وَطُلِبَ مِنْهُ أَنْ يُعِينَ عَلَى تَنْفِيذِهِ وَالْعَمَلِ عَلَيْهِ فَبَصَقَ عَلَيْهِ وَاسْتَدَلّ عَلَى كَذِبِهِ بِعَشَرَةِ أَوْجُهٍ مِنْهَا : أَنّ فِيهِ شَهَادَةَ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَسَعْدٌ تُوُفّيَ قَبْلَ خَيْبَرَ قَطْعًا . وَمِنْهَا : أَنّ فِي الْكِتَابِ أَنّهُ أَسْقَطَ عَنْهُمْ الْجِزْيَةَ وَالْجِزْيَةُ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ بَعْدُ وَلَا يَعْرِفُهَا الصّحَابَةُ حِينَئِذٍ فَإِنّ نُزُولَهَا كَانَ عَامَ تَبُوكَ بَعْدَ خَيْبَرَ بِثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ . وَمِنْهَا : أَنّهُ أَسْقَطَ عَنْهُمْ الْكُلَفَ وَالسّخَرَ وَهَذَا مُحَالٌ فَلَمْ يَكُنْ فِي زَمَانِهِ كُلَفٌ وَلَا سُخَرٌ تُؤْخَذُ مِنْهُمْ وَلَا مِنْ غَيْرِهِمْ وَقَدْ أَعَاذَهُ اللّهُ وَأَعَاذَ أَصْحَابَهُ مِنْ أَخْذِ الْكُلَفِ وَالسّخَرِ وَإِنّمَا هِيَ مِنْ وَضْعِ الْمُلُوكِ الظّلَمَةِ وَاسْتَمَرّ الْأَمْرُ عَلَيْهَا . وَمِنْهَا : أَنّ هَذَا الْكِتَابَ لَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى اخْتِلَافِ أَصْنَافِهِمْ فَلَمْ يَذْكُرْهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي وَالسّيَرِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالسّنّةِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالْإِفْتَاءِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ التّفْسِيرِ وَلَا أَظْهَرُوهُ فِي زَمَانِ السّلَفِ لِعِلْمِهِمْ أَنّهُمْ إنْ زَوّرُوا مِثْلَ ذَلِكَ عَرَفُوا كَذِبَهُ وَبُطْلَانَهُ فَلَمّا اسْتَخَفّوا بَعْضَ الدّوَلِ فِي وَقْتِ فِتْنَةٍ وَخَفَاءِ بَعْضِ السّنّةِ زَوّرُوا ذَلِكَ وَعَتّقُوهُ وَأَظْهَرُوهُ وَسَاعَدَهُمْ عَلَى ذَلِكَ طَمَعُ بَعْضِ الْخَائِنِينَ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلَمْ يَسْتَمِرّ لَهُمْ ذَلِكَ حَتّى كَشَفَ اللّهُ أَمْرَهُ وَبَيّنَ خُلَفَاءُ الرّسُلِ بُطْلَانَهُ وَكَذِبَهُ . [ ص 139 ]
فَصْلٌ [ هَلْ يَجُوزُ أَخْذُ الْجِزْيَةِ مِنْ غَيْرِ الْمَجُوسِ وَالْيَهُودِ وَالنّصَارَى ]
فَلَمّا نَزَلَتْ آيَةُ الْجِزْيَةِ أَخَذَهَا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ ثَلَاثِ طَوَائِفَ مِنْ الْمَجُوسِ ، وَالْيَهُودِ ، وَالنّصَارَى ، وَلَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ عُبّادِ الْأَصْنَامِ . فَقِيلَ لَا يَجُوزُ أَخْذُهَا مِنْ كَافِرٍ غَيْرِ هَؤُلَاءِ وَمَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ اقْتِدَاءً بِأَخْذِهِ وَتَرْكِهِ . وَقِيلَ بَلْ تُؤْخَذُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ الْكُفّارِ كَعَبَدَةِ الْأَصْنَامِ مِنْ الْعَجَمِ دُونَ الْعَرَبِ ، وَالْأَوّلُ قَوْلُ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ وَأَحْمَدَ ، فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ . وَالثّانِي : قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَأَحْمَدَ رَحِمَهُمَا اللّهُ فِي الرّوَايَةِ الْأُخْرَى . وَأَصْحَابُ الْقَوْلِ الثّانِي : يَقُولُونَ إنّمَا لَمْ يَأْخُذْهَا مِنْ مُشْرِكِي الْعَرَبِ ؛ لِأَنّهَا إنّمَا نَزَلَ فَرْضُهَا بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَتْ دَارَةُ الْعَرَبِ ، وَلَمْ يَبْقَ فِيهَا مُشْرِكٌ فَإِنّهَا نَزَلَتْ بَعْدَ فَتْحِ مَكّةَ ، وَدُخُولِ الْعَرَبِ فِي دِينِ اللّهِ أَفْوَاجًا ، فَلَمْ يَبْقَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُشْرِكٌ وَلِهَذَا غَزَا بَعْدَ الْفَتْحِ تَبُوكَ ، وَكَانُوا نَصَارَى ، وَلَوْ كَانَ بِأَرْضِ الْعَرَبِ مُشْرِكُونَ لَكَانُوا يَلُونَهُ وَكَانُوا أَوْلَى بِالْغَزْوِ مِنْ الْأَبْعَدِينَ . وَمَنْ تَأَمّلَ السّيَرَ وَأَيّامَ الْإِسْلَامِ عَلِمَ أَنّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ فَلَمْ تُؤْخَذْ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ لِعَدَمِ مَنْ يُؤْخَذُ مِنْهُ لَا لِأَنّهُمْ لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهَا ، قَالُوا : وَقَدْ أَخَذَهَا مِنْ الْمَجُوسِ ، وَلَيْسُوا بِأَهْلِ كِتَابٍ وَلَا يَصِحّ أَنّهُ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ وَرُفِع وَهُوَ حَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ مِثْلُهُ وَلَا يَصِحّ سَنَدُهُ . وَلَا فَرْقَ بَيْنَ عُبّادِ النّارِ وَعُبّادِ الْأَصْنَامِ بَلْ أَهْلُ الْأَوْثَانِ أَقْرَبُ حَالًا مِنْ عُبّادِ النّارِ وَكَانَ فِيهِمْ مِنْ التّمَسّكِ بِدِينِ إبْرَاهِيمَ مَا لَمْ يَكُنْ فِي عُبّادِ النّارِ بَلْ عُبّادُ النّارِ أَعْدَاءُ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ ، فَإِذَا أُخِذَتْ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ فَأَخْذُهَا مِنْ عُبّادِ الْأَصْنَامِ أَوْلَى ، وَعَلَى ذَلِكَ تَدُلّ سُنّةُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَمَا ثَبَتَ عَنْهُ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَنّهُ قَالَ إذَا لَقِيتَ عَدُوّكَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَادْعُهُمْ إلَى إحْدَى خِلَالٍ ثَلَاثٍ فَأَيّتُهُنّ أَجَابُوكَ إلَيْهَا ، فَاقْبَلْ مِنْهُمْ وَكُفّ عَنْهُمْ " . ثُمّ أَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ أَوْ الْجِزْيَةِ أَوْ يُقَاتِلَهُمْ [ ص 140 ] وَقَالَ الْمُغِيرَةُ لِعَامِلِ كِسْرَى : أَمَرَنَا نَبِيّنَا أَنْ نُقَاتِلَكُمْ حَتّى تَعْبُدُوا اللّهَ ، أَوْ تُؤَدّوا الْجِزْيَةَ وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِقُرَيْشٍ : هَلْ لَكُمْ فِي كَلِمَةٍ تَدِينُ لَكُمْ بِهَا الْعَرَبُ ، وَتُؤَدّي الْعَجَمُ إلَيْكُمْ بِهَا الْجِزْيَةَ . قَالُوا : مَا هِيَ ؟ قَالَ " لَا إلَهَ إلّا اللّهُ
فَصْلٌ
وَلَمّا كَانَ فِي مَرْجِعِهِ مِنْ تَبُوكَ ، أَخَذَتْ خَيْلُهُ أُكَيْدِرَ دُومَةَ ، فَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ وَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ " . [ ص 141 ]
[ صُلْحُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعَ أَهْلِ نَجْرَان َ ]
وَصَالَحَ أَهْلَ نَجْرَانَ مِنْ النّصَارَى عَلَى أَلْفَيْ حُلّةٍ . النّصْف فِي صَفَرٍ وَالْبَقِيّةُ فِي رَجَبٍ يُؤَدّونَهَا إلَى الْمُسْلِمِينَ وَعَارِيّةٍ ثَلَاثِينَ دِرْعًا ، وَثَلَاثِينَ فَرَسًا ، وَثَلَاثِينَ بَعِيرًا ، وَثَلَاثِينَ مِنْ كُلّ صِنْفٍ مِنْ أَصْنَافِ السّلَاحِ يَغْزُونَ بِهَا ، وَالْمُسْلِمُونَ ضَامِنُونَ لَهَا حَتّى يَرُدّوهَا عَلَيْهِمْ إنْ كَانَ بِالْيَمَنِ كَيْدٌ أَوْ غَدْرَةٌ عَلَى أَلّا تُهْدَمَ لَهُمْ بِيعَةٌ وَلَا يُخْرَجَ لَهُمْ قَسّ وَلَا يُفْتَنُوا عَنْ دِينِهِمْ مَا لَمْ يُحْدِثُوا حَدَثًا أَوْ يَأْكُلُوا الرّبَا وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى انْتِقَاضِ عَهْدِ الذّمّةِ بِإِحْدَاثِ الْحَدَثِ وَأَكْلِ الرّبَا إذَا كَانَ مَشْرُوطًا عَلَيْهِمْ . وَلَمّا وَجّهَ مُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ ، أَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلّ مُحْتَلِمٍ دِينَارًا أَوْ قِيمَتَهُ مِنْ الْمَعَافِرِيّ وَهِيَ ثِيَابٌ تَكُونُ بِالْيَمَنِ
[ الْجِزْيَةُ تُقَدّرُ بِحَسَبِ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ ]
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنّ الْجِزْيَةَ غَيْرُ مُقَدّرَةِ الْجِنْسِ وَلَا الْقَدْرِ بَلْ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ثِيَابًا وَذَهَبًا وَحُلَلًا ، وَتَزِيدُ وَتَنْقُصُ بِحَسَبِ حَاجَةِ الْمُسْلِمِينَ وَاحْتِمَالِ مَنْ تُؤْخَذُ مِنْهُ وَحَالِهِ فِي الْمَيْسَرَةِ وَمَا عِنْدَهُ مِنْ الْمَالِ . [ ص 142 ]
[ تُؤْخَذُ الْجِزْيَةُ مِنْ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ بِغَيْرِ اعْتِبَارٍ لِآبَائِهِمْ ]
وَلَمْ يُفَرّقْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا خُلَفَاؤُهُ فِي الْجِزْيَةِ بَيْنَ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ ، بَلْ أَخَذَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ نَصَارَى الْعَرَبِ ، وَأَخَذَهَا مِنْ مَجُوسِ هَجَرٍ ، وَكَانُوا عَرَبًا ، فَإِنّ الْعَرَبَ أُمّةٌ لِي لَهَا فِي الْأَصْلِ كِتَابٌ وَكَانَتْ كُلّ طَائِفَةٍ مِنْهُمْ تَدِينُ بِدِينِ مَنْ جَاوَرَهَا مِنْ الْأُمَمِ فَكَانَتْ عَرَبُ الْبَحْرَيْنِ مَجُوسًا لِمُجَاوَرَتِهَا فَارِسَ ، وَتَنُوخَ ، وَبُهْرَةَ ، وَبَنُو تَغْلِبَ نَصَارَى لِمُجَاوَرَتِهِمْ لِلرّومِ وَكَانَتْ قَبَائِلُ مِنْ الْيَمَنِ يَهُودَ لِمُجَاوَرَتِهِمْ لِيَهُودِ الْيَمَنِ ، فَأَجْرَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَحْكَامَ الْجِزْيَةِ وَلَمْ يَعْتَبِرْ آبَاءَهُمْ وَلَا مَتَى دَخَلُوا فِي دِينِ أَهْلِ الْكِتَابِ هَلْ كَانَ دُخُولُهُمْ قَبْلَ النّسْخِ وَالتّبْدِيلِ أَوْ بَعْدَهُ وَمِنْ أَيْنَ يَعْرِفُونَ ذَلِكَ وَكَيْفَ يَنْضَبِطُ وَمَا الّذِي دَلّ عَلَيْهِ ؟ وَقَدْ ثَبَتَ فِي السّيَرِ وَالْمَغَازِي ، أَنّ مِنْ الْأَنْصَارِ مَنْ تَهَوّدَ أَبْنَاؤُهُمْ بَعْدَ النّسْخِ بِشَرِيعَةِ عِيسَى ، وَأَرَادَ آبَاؤُهُمْ إكْرَاهَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى : { لَا إِكْرَاهَ فِي الدّينِ } [ الْبَقَرَةُ 256 ] وَفِي قَوْلِهِ لِمُعَاذٍ : خُذْ مِنْ كُلّ حَالِمٍ دِينَارًا دَلِيلٌ عَلَى أَنّهَا لَا تُؤْخَذُ مِنْ صَبِيّ وَلَا امْرَأَةٍ . فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِالْحَدِيثِ الّذِي رَوَاهُ عَبْدُ الرّزّاقِ فِي " مُصَنّفِهِ " وَأَبُو عُبَيْدٍ فِي " الْأَمْوَالِ " أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْيَمَنِ الْجِزْيَةَ مِنْ كُلّ حَالِمٍ أَوْ حَالِمَةٍ زَادَ أَبُو عُبَيْدٍ : عَبْدًا أَوْ أَمَةً دِينَارًا أَوْ قِيمَتَهُ مِنْ الْمَعَافِرِيّ " فَهَذَا فِيهِ أَخْذُهَا مِنْ الرّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَالْحُرّ وَالرّقِيقِ ؟ قِيلَ [ ص 143 ] الزّيَادَةُ مُخْتَلَفٌ فِيهَا ، لَمْ يَذْكُرْهَا سَائِرُ الرّوَاةِ وَلَعَلّهَا مِنْ تَفْسِيرِ بَعْضِ الرّوَاةِ . وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، وَأَبُو دَاوُد َ وَالتّرْمِذِيّ ، وَالنّسَائِيّ ، وَابْنُ مَاجَهْ ، وَغَيْرُهُمْ هَذَا الْحَدِيثَ فَاقْتَصَرُوا عَلَى قَوْلِهِ أَمَرَهُ " أَنْ يَأْخُذَ مِنْ حَالِمٍ دِينَارًا " وَلَمْ يَذْكُرُوا هَذِهِ الزّيَادَةَ وَأَكْثَرُ مَنْ أَخَذَ مِنْهُمْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْجِزْيَةَ الْعَرَبُ مِنْ النّصَارَى وَالْيَهُودِ ، وَالْمَجُوسِ ، وَلَمْ يَكْشِفْ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ مَتَى دَخَلَ فِي دِينِهِ وَكَانَ يَعْتَبِرُهُمْ بِأَدْيَانِهِمْ لَا بِآبَائِهِمْ .
فَصْلٌ فِي تَرْتِيبِ سِيَاقِ هَدْيِهِ مَعَ الْكُفّارِ وَالْمُنَافِقِينَ
مِنْ حِينِ بُعِثَ إلَى حِينِ لَقِيَ اللّهَ عَزّ وَجَل
أَوّلَ مَا أَوْحَى إلَيْهِ رَبّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : أَنْ يَقْرَأَ بِاسْمِ رَبّهِ الّذِي خَلَقَ وَذَلِكَ أَوّلَ نُبُوّتِهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ إذْ ذَاكَ بِتَبْلِيغٍ ثُمّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ { يَا أَيّهَا الْمُدّثّرُ قُمْ فَأَنْذِرْ } [ الْمُدّثّرُ 1 ، 2 ] فَنَبّأَهُ بِقَوْلِهِ { اقْرَأْ } وَأَرْسَلَهُ ب { يَا أَيّهَا الْمُدّثّرُ } ثُمّ أَمَرَهُ أَنْ يُنْذِرَ عَشِيرَتَهُ الْأَقْرَبِينَ ثُمّ أَنْذَرَ قَوْمَهُ ثُمّ أَنْذَرَ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنْ الْعَرَبِ ، ثُمّ أَنْذَرَ الْعَرَبَ قَاطِبَةً ثُمّ أَنْذَرَ الْعَالَمِينَ فَأَقَامَ بِضْعَ عَشْرَةَ سَنَةً بَعْدَ نُبُوّتِهِ يُنْذِرُ بِالدّعْوَةِ بِغَيْرِ قِتَالٍ وَلَا جِزْيَةٍ وَيُؤْمَرُ بِالْكَفّ وَالصّبْرِ وَالصّفْحِ . ثُمّ أُذِنَ لَهُ فِي الْهِجْرَةِ وَأُذِنَ لَهُ فِي الْقِتَالِ ثُمّ أَمَرَهُ أَنْ يُقَاتِلَ مَنْ قَاتَلَهُ وَيَكُفّ عَمّنْ اعْتَزَلَهُ وَلَمْ يُقَاتِلْهُ ثُمّ أَمَرَهُ بِقِتَالِ الْمُشْرِكِينَ حَتّى يَكُونَ الدّينُ كُلّهُ لِلّهِ ثُمّ كَانَ الْكُفّارُ مَعَهُ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ أَهْلُ صُلْحٍ وَهُدْنَةٍ وَأَهْلُ حَرْبٍ وَأَهْلُ ذِمّةٍ فَأُمِرَ بِأَنْ يُتِمّ لِأَهْلِ الْعَهْدِ وَالصّلْحِ عَهْدَهُمْ وَأَنْ يُوفِيَ لَهُمْ بِهِ مَا اسْتَقَامُوا عَلَى الْعَهْدِ فَإِنْ خَافَ مِنْهُمْ خِيَانَةً نَبَذَ إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ وَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ حَتّى يُعْلِمَهُمْ بِنَقْضِ الْعَهْدِ وَأُمِرَ أَنْ يُقَاتِلَ مَنْ نَقَضَ عَهْدَهُ . وَلَمّا نَزَلَتْ ( سُورَةُ بَرَاءَةٌ ) نَزَلَتْ بِبَيَانِ حُكْمِ هَذِهِ الْأَقْسَامِ كُلّهَا ، فَأَمَرَهُ فِيهَا أَنْ " يُقَاتِلَ عَدُوّهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ حَتّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ أَوْ يَدْخُلُوا فِي الْإِسْلَامِ وَأَمَرَهُ فِيهَا بِجِهَادِ الْكُفّارِ وَالْمُنَافِقِينَ وَالْغِلْظَةِ عَلَيْهِمْ فَجَاهَدَ الْكُفّارَ بِالسّيْفِ وَالسّنَانِ وَالْمُنَافِقِينَ بِالْحُجّةِ وَاللّسَانِ . [ ص 144 ]
[ الْفَرْقُ بَيْنَ أَشْهُرِ التّسْيِيرِ الْحُرُمِ وَبَيْنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ]
وَأَمَرَهُ فِيهَا بِالْبَرَاءَةِ مِنْ عُهُودِ الْكُفّارِ وَنَبْذِ عُهُودِهِمْ إلَيْهِمْ وَجَعَلَ أَهْلَ الْعَهْدِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ قِسْمًا أَمَرَهُ بِقِتَالِهِمْ وَهُمْ الّذِينَ نَقَضُوا عَهْدَهُ وَلَمْ يَسْتَقِيمُوا لَهُ فَحَارَبَهُمْ وَظَهَرَ عَلَيْهِمْ . وَقِسْمًا لَهُمْ عَهْدٌ مُؤَقّتٌ لَمْ يَنْقُضُوهُ وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْهِ فَأَمَرَهُ أَنْ يُتِمّ لَهُمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدّتِهِمْ . وَقِسْمًا لَمْ يَكُنْ لَهُمْ عَهْدٌ وَلَمْ يُحَارِبُوهُ أَوْ كَانَ لَهُمْ عَهْدٌ مُطْلَقٌ فَأُمِرَ أَنْ يُؤَجّلَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَإِذَا انْسَلَخَتْ قَاتَلَهُمْ وَهِيَ الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ { فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ } [ التّوْبَةُ 2 ] وَهِيَ الْحُرُمُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْلِهِ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ } [ التّوْبَةُ 5 ] فَالْحُرُمُ هَا هُنَا : هِيَ أَشْهُرُ التّسْيِيرِ أَوّلُهَا يَوْمُ الْأَذَانِ وَهُوَ الْيَوْمُ الْعَاشِرُ مِنْ ذِي الْحِجّةِ وَهُوَ يَوْمُ الْحَجّ الْأَكْبَرِ الّذِي وَقَعَ فِيهِ التّأْذِينُ بِذَلِكَ وَآخِرُهَا الْعَاشِرُ مِنْ رَبِيعٍ الْآخَرِ وَلَيْسَتْ هِيَ الْأَرْبَعَةَ الْمَذْكُورَةَ فِي قَوْلِهِ { إِنّ عِدّةَ الشّهُورِ عِنْدَ اللّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللّهِ يَوْمَ خَلَقَ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ } [ التّوْبَةُ 36 ] فَإِنّ تِلْكَ وَاحِدٌ فَرْدٌ وَثَلَاثَةٌ سَرْدٌ رَجَبٌ وَذُو الْقَعْدَةِ وَذُو الْحِجّةِ وَالْمُحَرّمُ . وَلَمْ يُسَيّرْ الْمُشْرِكِينَ فِي هَذِهِ الْأَرْبَعَةِ فَإِنّ هَذَا لَا يُمْكِنُ لِأَنّهَا غَيْرُ مُتَوَالِيَةٍ وَهُوَ إنّمَا أَجّلَهُمْ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ ثُمّ أَمَرَهُ بَعْدَ انْسِلَاخِهَا أَنْ يُقَاتِلَهُمْ فَقَتَلَ النّاقِضَ لِعَهْدِهِ وَأَجّلَ مَنْ لَا عَهْدَ لَهُ أَوْ لَهُ عَهْدٌ مُطْلَقٌ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَأَمَرَهُ أَنْ يُتِمّ لِلْمُوفِي بِعَهْدِهِ عَهْدَهُ إلَى مُدّتِهِ فَأَسْلَمَ هَؤُلَاءِ كُلّهُمْ وَلَمْ يُقِيمُوا عَلَى كُفْرِهِمْ إلَى مُدّتِهِمْ وَضَرَبَ عَلَى أَهْلِ الذّمّةِ الْجِزْيَةَ . [ ص 145 ] فَاسْتَقَرّ أَمْرُ الْكُفّارِ مَعَهُ بَعْدَ نُزُولِ بَرَاءَةٌ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ مُحَارِبِينَ لَهُ وَأَهْلِ عَهْدٍ وَأَهْلِ ذِمّةٍ ثُمّ آلَتْ حَالُ أَهْلِ الْعَهْدِ وَالصّلْحِ إلَى الْإِسْلَامِ فَصَارُوا مَعَهُ قِسْمَيْنِ مُحَارِبِينَ وَأَهْلَ ذِمّةٍ وَالْمُحَارِبُونَ لَهُ خَائِفُونَ مِنْهُ فَصَارَ أَهْلُ الْأَرْضِ مَعَهُ ثَلَاثَةَ أَقْسَامٍ مُسْلِمٌ مُؤْمِنٌ بِهِ وَمُسَالِمٌ لَهُ آمِنٌ وَخَائِفٌ مُحَارِبٌ . وَأَمّا سِيرَتُهُ فِي الْمُنَافِقِينَ فَإِنّهُ أُمِرَ أَنْ يَقْبَلَ مِنْهُمْ عَلَانِيَتَهُمْ وَيَكِلَ سَرَائِرَهُمْ إلَى اللّهِ وَأَنْ يُجَاهِدَهُمْ بِالْعِلْمِ وَالْحُجّةِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ وَيُغْلِظَ عَلَيْهِمْ وَأَنْ يُبَلّغَ بِالْقَوْلِ الْبَلِيغِ إلَى نُفُوسِهِمْ وَنَهَاهُ أَنْ يُصَلّيَ عَلَيْهِمْ وَأَنْ يَقُومَ عَلَى قُبُورِهِمْ وَأَخْبَرَ أَنّهُ إنْ اسْتَغْفَرَ لَهُمْ فَلَنْ يَغْفِرَ اللّهُ لَهُمْ فَهَذِهِ سِيرَتُهُ فِي أَعْدَائِهِ مِنْ الْكُفّارِ وَالْمُنَافِقِينَ .
فَصْلٌ [ سِيرَتُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَوْلِيَائِهِ وَحِزْبِهِ ]
وَأَمّا سِيرَتُهُ فِي أَوْلِيَائِهِ وَحِزْبِهِ ، فَأَمَرَهُ أَنْ يَصْبِرَ نَفْسَهُ مَعَ الّذِينَ يَدْعُونَ رَبّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَأَلّا تَعْدُوَ عَيْنَاهُ عَنْهُمْ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَيَسْتَغْفِرَ لَهُمْ وَيُشَاوِرَهُمْ فِي الْأَمْرِ وَأَنْ يُصَلّيَ عَلَيْهِمْ . وَأَمَرَهُ بِهَجْرِ مَنْ عَصَاهُ وَتَخَلّفَ عَنْهُ حَتّى يَتُوبَ وَيُرَاجِعَ طَاعَتَهُ كَمَا هَجَرَ الثّلَاثَةَ الّذِينَ . خُلّفُوا . وَأَمَرَهُ أَنْ يُقِيمَ الْحُدُودَ عَلَى مَنْ أَتَى مُوجِبَاتِهَا مِنْهُمْ وَأَنْ يَكُونُوا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ شَرِيفُهُمْ وَدَنِيئُهُمْ .
[ مَعْنَى خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ]
وَأَمَرَهُ فِي دَفْعِ عَدُوّهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْإِنْسِ بِأَنْ يَدْفَعَ بِاَلّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَيُقَابِلَ إسَاءَةَ مَنْ أَسَاءَ إلَيْهِ بِالْإِحْسَانِ وَجَهْلَهُ بِالْحِلْمِ وَظُلْمَهُ بِالْعَفْوِ وَقَطِيعَتَهُ بِالصّلَةِ وَأَخْبَرَهُ أَنّهُ إنْ فَعَلَ ذَلِكَ عَادَ عَدُوّهُ كَأَنّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ . وَأَمَرَهُ فِي دَفْعِهِ عَدُوّهِ مِنْ شَيَاطِينِ الْجِنّ بِالِاسْتِعَاذَةِ بِاَللّهِ مِنْهُمْ وَجَمَعَ لَهُ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي ( سُورَةِ الْأَعْرَافِ ) و ( الْمُؤْمِنُونَ ) [ ص 146 ] فَقَالَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ { خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ وَإِمّا يَنْزَغَنّكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } [ الْأَعْرَافِ 199 - 200 ] فَأَمَرَهُ بِاتّقَاءِ شَرّ الْجَاهِلِينَ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُمْ وَبِاتّقَاءِ شَرّ الشّيْطَانِ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ وَجَمَعَ لَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَكَارِمَ الْأَخْلَاقِ وَالشّيَمَ كُلّهَا ، فَإِنّ وَلِيّ الْأَمْرِ لَهُ مَعَ الرّعِيّةِ ثَلَاثَةُ أَحْوَالٍ فَإِنّهُ لَا بُدّ لَهُ مِنْ حَقّ عَلَيْهِمْ يَلْزَمُهُمْ الْقِيَامُ بِهِ وَأَمْرٍ يَأْمُرُهُمْ بِهِ وَلَا بُدّ مِنْ تَفْرِيطٍ وَعُدْوَانٍ يَقَعُ مِنْهُمْ فِي حَقّهِ فَأُمِرَ بِأَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْحَقّ الّذِي عَلَيْهِمْ مَا طَوّعَتْ بِهِ أَنْفُسُهُمْ وَسَمَحَتْ بِهِ وَسَهُلَ عَلَيْهِمْ وَلَمْ يَشُقّ وَهُوَ الْعَفْوُ الّذِي لَا يَلْحَقُهُمْ بِبَذْلِهِ ضَرَرٌ وَلَا مَشَقّةٌ وَأُمِرَ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِالْعُرْفِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ الّذِي تَعْرِفُهُ الْعُقُولُ السّلِيمَةُ وَالْفِطَرُ الْمُسْتَقِيمَةُ وَتُقِرّ بِحُسْنِهِ وَنَفْعِهِ وَإِذَا أَمَرَ بِهِ يَأْمُرُ بِالْمَعْرُوفِ أَيْضًا لَا بِالْعُنْفِ وَالْغِلْظَةِ . وَأَمَرَهُ أَنْ يُقَابِلَ جَهْلَ الْجَاهِلِينَ مِنْهُمْ بِالْإِعْرَاضِ عَنْهُ دُونَ أَنْ يُقَابِلَهُ بِمِثْلِهِ فَبِذَلِكَ يَكْتَفِي شَرّهُمْ . وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ { قُلْ رَبّ إِمّا تُرِيَنّي مَا يُوعَدُونَ رَبّ فَلَا تَجْعَلْنِي فِي الْقَوْمِ الظّالِمِينَ وَإِنّا عَلَى أَنْ نُرِيَكَ مَا نَعِدُهُمْ لَقَادِرُونَ ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ السّيّئَةَ نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَا يَصِفُونَ وَقُلْ رَبّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشّيَاطِينِ وَأَعُوذُ بِكَ رَبّ أَنْ يَحْضُرُونِ } [ الْمُؤْمِنُونَ 93 - 97 ] وَقَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ حم فُصّلَتْ { وَلَا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلَا السّيّئَةُ ادْفَعْ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ وَمَا يُلَقّاهَا إِلّا الّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقّاهَا إِلّا ذُو حَظّ عَظِيمٍ وَإِمّا يَنْزَغَنّكَ مِنَ الشّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللّهِ إِنّهُ هُوَ السّمِيعُ الْعَلِيمُ } [ فُصّلَتْ 134 ] فَهَذِهِ سِيرَتُهُ مَعَ أَهْلِ الْأَرْضِ إنْسِهِمْ وَجِنّهِمْ مُؤْمِنِهِمْ وَكَافِرِهِمْ .
فَصْلٌ فِي سِيَاقِ مَغَازِيهِ وَبُعُوثِهِ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِصَار
[ سَرِيّةُ حَمْزَةَ إلَى سَيْفِ الْبَحْرِ ]
وَكَانَ أَوّلُ لِوَاءٍ عَقَدَهُ رَسُو لُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِحَمْزَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مُهَاجَرِهِ وَكَانَ لِوَاءً أَبْيَضَ وَكَانَ حَامِلُهُ أَبُو مَرْثَدٍ كَنّازُ بْنُ الْحُصَيْنِ الْغَنَوِيّ حَلِيفَ حَمْزَةَ وَبَعَثَهُ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ خَاصّةً يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ جَاءَتْ مِنْ الشّامِ ، وَفِيهَا أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ . فَبَلَغُوا سَيْفَ الْبَحْرِ مِنْ نَاحِيَةِ الْعِيصِ ، فَالْتَقَوْا وَاصْطَفّوا لِلْقِتَالِ فَمَشَى مَجْدِي بْنُ عَمْرٍو الْجُهَنِي ، وَكَانَ حَلِيفًا لِلْفَرِيقَيْنِ جَمِيعًا ، بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ حَتّى حَجَزَ بَيْنَهُمْ وَلَمْ يَقْتَتِلُوا . [ ص 147 ]
فَصْلٌ [ سَرِيّةُ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطّلِب]
[ سَعْدٌ هُوَ أَوّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللّهِ ]
ثُمّ بَعَثَ عُبَيْدَةَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ الْمُطّلِبِ فِي سَرِيّةٍ إلَى بَطْنِ رَابِغٍ فِي شَوّالٍ عَلَى رَأْسِ ثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً أَبْيَضَ وَحَمَلَهُ مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ بْنِ عَبْدِ مَنَافٍ ، وَكَانُوا فِي سِتّينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ لَيْسَ فِيهِمْ أَنْصَارِيّ فَلَقِيَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْب ٍ ، وَهُوَ فِي مِائَتَيْنِ عَلَى بَطْنِ رَابِغٍ ، عَلَى عَشَرَةِ أَمْيَالٍ مِنْ الْجُحْفَةِ ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ الرّمْيُ وَلَمْ يَسُلّوا السّيُوفَ وَلَمْ يَصْطَفّوا لِلْقِتَالِ وَإِنّمَا كَانَتْ مُنَاوَشَةً وَكَانَ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ فِيهِمْ وَهُوَ أَوّلُ مَنْ رَمَى بِسَهْمٍ فِي سَبِيلِ اللّه ثُمّ انْصَرَفَ الْفَرِيقَانِ عَلَى حَامِيَتِهِمْ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَ عَلَى الْقَوْمِ عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْل ٍ ، وَقَدّمَ سَرِيّةَ عُبَيْدَةَ عَلَى سَرِيّةِ حَمْزَةَ .
فَصْلٌ [ سَرِيّةُ سَعْدٍ إلَى بَطْنِ رَابِغٍ ]
ثُمّ بَعَثَ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقّاصٍ إلَى الْخَرّارِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ عَلَى رَأْسِ تِسْعَةِ أَشْهُرٍ وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً أَبْيَضَ وَحَمَلَهُ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو ، وَكَانُوا عِشْرِينَ رَاكِبًا يَعْتَرِضُونَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ ، وَعَهِدَ أَنْ لَا يُجَاوِزَ الْخَرّارَ ، فَخَرَجُوا عَلَى أَقْدَامِهِمْ فَكَانُوا يَكْمُنُونَ بِالنّهَارِ وَيَسِيرُونَ بِاللّيْلِ حَتّى صَبّحُوا الْمَكَانَ صَبِيحَةَ خَمْسٍ فَوَجَدُوا الْعِيرَ قَدْ مَرّتْ بِالْأَمْسِ [ ص 148 ]
فَصْلٌ [ غَزْوَةُ الْأَبْوَاءِ وَهِيَ أَوّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا بِنَفْسِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
ثُمّ غَزَا بِنَفْسِهِ غَزْوَةَ الْأَبْوَاءِ ، وَيُقَالُ لَهَا : وَدّانَ ، وَهِيَ أَوّلُ غَزْوَةٍ غَزَاهَا بِنَفْسِهِ وَكَانَتْ فِي صَفَرٍ عَلَى رَأْسِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مُهَاجَرِهِ وَحَمَلَ لِوَاءَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، وَكَانَ أَبْيَضَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سَعْدَ بْنَ عُبَادَةَ ، وَخَرَجَ فِي الْمُهَاجِرِينَ خَاصّةً يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ ، فَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا ، وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَادَعَ مَخْشِيّ بْنَ عَمْرٍو الضّمْرِيّ وَكَانَ سَيّدَ بَنِي ضَمْرَةَ فِي زَمَانِهِ عَلَى أَلّا يَغْزُو بَنِي ضَمْرَةَ ، وَلَا يَغْزُوهُ وَلَا أَنْ يُكَثّرُوا عَلَيْهِ جَمْعًا ، وَلَا يُعِينُوا عَلَيْهِ عَدُوّا ، وَكَتَبَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ كِتَابًا ، وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً .
فَصْلٌ [ غَزْوَةُ بُوَاطَ ]
ثُمّ غَزَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بُوَاطَ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مُهَاجَرِهِ وَحَمَلَ لِوَاءَهُ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ ، وَكَانَ أَبْيَضَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ، وَخَرَجَ فِي مِائَتَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ يَعْتَرِضُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ ، فِيهَا أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ الْجُمَحِيّ ، وَمِائَةُ رَجُلٍ مِنْ قُرَيْشٍ ، وَأَلْفَانِ وَخَمْسِمِائَةِ بَعِيرٍ فَبَلَغَ بُوَاطًا ، وَهُمَا جَبَلَانِ فَرْعَانِ أَصْلُهُمَا وَاحِدٌ مِنْ جِبَالِ جُهَيْنَةَ ، مِمّا يَلِي طَرِيقَ [ ص 149 ] الشّامِ ، وَبَيْنَ بُوَاطَ وَالْمَدِينَةِ نَحْوُ أَرْبَعَةِ بُرُدٍ فَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا فَرَجَعَ .
فَصْلٌ [ خُرُوجُهُ فِي طَلَبِ كُرْزٍ الْفِهْرِيّ ]
ثُمّ خَرَجَ عَلَى رَأْسِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ مُهَاجَرِهِ يَطْلُبُ كُرْزَ بْنَ جَابِرٍ الْفِهْرِيّ ، وَحَمَلَ لِوَاءَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَكَانَ أَبْيَضَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ ، وَكَانَ كُرْزٌ قَدْ أَغَارَ عَلَى سَرْحِ الْمَدِينَةِ ، فَاسْتَاقَهُ وَكَانَ يَرْعَى بِالْحِمَى ، فَطَلَبَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى بَلَغَ وَادِيًا يُقَالُ لَهُ سَفْوَانَ مِنْ نَاحِيَةِ بَدْرٍ ، وَفَاتَهُ كُرْزٌ وَلَمْ يَلْحَقْهُ فَرَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ .
فَصْلٌ [ غَزْوَةُ الْعَشِيرَةِ ]
ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ عَلَى رَأْسِ سِتّةَ عَشَرَ شَهْرًا ، وَحَمَلَ لِوَاءَهُ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، وَكَانَ أَبْيَضَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ - عَبْدِ الْأَسَدِ الْمَخْزُومِيّ ، وَخَرَجَ فِي خَمْسِينَ وَمِائَةٍ وَيُقَالُ فِي مِائَتَيْنِ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَلَمْ يُكْرِهْ أَحَدًا عَلَى الْخُرُوجِ وَخَرَجُوا عَلَى ثَلَاثِينَ بَعِيرًا يَعْتَقِبُونَهَا يَعْتَرِضُونَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ ذَاهِبَةً إلَى الشّامِ ، وَقَدْ كَانَ جَاءَهُ الْخَبَرُ بِفُصُولِهَا مِنْ مَكّةَ فِيهَا أَمْوَالٌ لِقُرَيْشٍ ، فَبَلَغَ ذَا الْعَشِيرَةِ ، وَقِيلَ الْعُشَيْرَاءُ بِالْمَدّ . وَقِيلَ الْعَسِيرَةِ بِالْمُهْمَلَةِ وَهِيَ بِنَاحِيَةِ يَنْبُعَ ، وَبَيْنَ يَنْبُعَ وَالْمَدِينَةِ تِسْعَةُ بُرُدٍ فَوَجَدَ الْعِيرَ قَدْ فَاتَتْهُ بِأَيّامٍ وَهَذِهِ هِيَ الْعِيرُ الّتِي خَرَجَ فِي طَلَبِهَا حِينَ رَجَعَتْ مِنْ الشّامِ ، وَهِيَ الّتِي وَعَدَهُ اللّهُ إيّاهَا ، أَوْ الْمُقَاتِلَةُ وَذَاتُ الشّوْكَةِ وَوَفّى لَهُ بِوَعْدِهِ . وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَادَعَ بَنِي مُدْلِج ٍ وَحُلَفَاءَهُمْ مِنْ بَنِي ضَمْرَةَ . قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ الْحَافِظُ : وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ كَنّى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلِيّا أَبَا [ ص 150 ] قَالَ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ؟ إنّمَا كَنّاهُ أَبَا تُرَابٍ بَعْدَ نِكَاحِهِ فَاطِمَةَ ، وَكَانَ نِكَاحُهَا بَعْدَ بَدْرٍ ، فَإِنّهُ لَمّا دَخَلَ عَلَيْهَا وَقَالَ " أَيْنَ ابْنُ عَمّكِ ؟ " قَالَتْ خَرَجَ مُغَاضِبًا ، فَجَاءَ إلَى الْمَسْجِدِ فَوَجَدَهُ مُضْطَجِعًا فِيهِ وَقَدْ لَصِقَ بِهِ التّرَابَ فَجَعَلَ يَنْفُضُهُ عَنْهُ وَيَقُولُ " اجْلِسْ أَبَا تُرَابٍ اجْلِسْ أَبَا تُرَابٍ وَهُوَ أَوّلُ يَوْمٍ كُنّيَ فِيهِ أَبَا تُرَابٍ .
فَصْلٌ [ سَرِيّةُ نَخْلَةَ ]
[ أَوّلُ خُمُسٍ وَأَوّلُ قَتِيلٍ وَأَوّلُ أَسِيرَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ ]
[ الْقِتَالُ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ]
[ مَعْنَى الْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنْ الْقَتْلِ ]
ثُمّ بَعَثَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ جَحْشٍ الْأَسَدِيّ إلَى نَخْلَةَ فِي رَجَبٍ عَلَى رَأْسِ سَبْعَةَ عَشَرَ شَهْرًا مِنْ الْهِجْرَةِ فِي اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ كُلّ اثْنَيْنِ يَعْتَقِبَانِ عَلَى بَعِيرٍ فَوَصَلُوا إلَى بَطْنِ نَخْلَةَ يَرْصُدُونَ عِيرًا لِقُرَيْشٍ ، وَفِي هَذِهِ السّرِيّةِ سَمّى عَبْدَ اللّهِ بْنَ جَحْشٍ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَتَبَ لَهُ كِتَابًا ، وَأَمَرَهُ أَنْ لَا يَنْظُرَ فِيهِ حَتّى يَسِيرَ يَوْمَيْنِ ثُمّ يَنْظُرَ فِيهِ وَلَمّا فَتَحَ الْكِتَابَ وَجَدَ فِيهِ " إذَا نَظَرْتَ فِي كِتَابِي هَذَا ، فَامْضِ حَتّى تَنْزِلَ نَخْلَةَ بَيْنَ مَكّةَ وَالطّائِفِ ، فَتَرْصُدَ بِهَا قُرَيْشًا ، وَتَعْلَمَ لَنَا مِنْ أَخْبَارِهِمْ فَقَالَ سَمْعًا وَطَاعَةً وَأَخْبَرَ أَصْحَابَهُ بِذَلِكَ وَبِأَنّهُ لَا يَسْتَكْرِهُهُمْ فَمَنْ أَحَبّ الشّهَادَةَ فَلْيَنْهَضْ وَمَنْ كَرِهَ الْمَوْتَ فَلْيَرْجِعْ وَأَمّا أَنَا فَنَاهِضٌ فَمَضَوْا كُلّهُمْ فَلَمّا كَانَ فِي أَثْنَاءِ الطّرِيقِ أَضَلّ سَعْدُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ ، وَعُتْبَةُ بْنُ غَزْوَانَ بَعِيرًا لَهُمَا كَانَا يَعْتَقِبَانِهِ فَتَخَلّفَا فِي طَلَبِهِ وَبَعُدَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَحْشٍ حَتّى نَزَلَ بِنَخْلَةَ فَمَرّتْ بِهِ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ تَحْمِلُ زَبِيبًا وَأَدَمًا وَتِجَارَةً فِيهَا عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيّ ، وَعُثْمَانُ وَنَوْفَلٌ ابْنَا عَبْدِ اللّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ، وَالْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ مَوْلَى بَنِي الْمُغِيرَة ِ فَتَشَاوَرَ الْمُسْلِمُونَ وَقَالُوا : نَحْنُ فِي آخِرِ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ الشّهْرِ الْحَرَامِ فَإِنْ قَاتَلْنَاهُمْ انْتَهَكْنَا الشّهْرَ الْحَرَامَ وَإِنْ تَرَكْنَاهُمْ اللّيْلَةَ دَخَلُوا الْحَرَمَ ، ثُمّ أَجْمَعُوا عَلَى مُلَاقَاتِهِمْ فَرَمَى أَحَدُهُمْ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيّ فَقَتَلَهُ [ ص 151 ] كَانَ فِي الْإِسْلَامِ وَأَوّلُ قَتِيلٍ فِي الْإِسْلَامِ وَأَوّلُ أَسِيرَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ وَأَنْكَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَيْهِمْ مَا فَعَلُوهُ وَاشْتَدّ تَعَنّتُ قُرَيْشٍ وَإِنْكَارُهُمْ ذَلِكَ وَزَعَمُوا أَنّهُمْ قَدْ وَجَدُوا مَقَالًا ، فَقَالُوا : قَدْ أَحَلّ مُحَمّدٌ الشّهْرَ الْحَرَامَ وَاشْتَدّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ذَلِكَ حَتّى أَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى : { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ ؟ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ } [ الْبَقَرَةِ 217 ] يَقُولُ سُبْحَانَهُ هَذَا الّذِي أَنْكَرْتُمُوهُ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ كَبِيرًا ، فَمَا ارْتَكَبْتُمُوهُ أَنْتُمْ مِنْ الْكُفْرِ بِاَللّهِ وَالصّدّ عَنْ سَبِيلِهِ وَعَنْ بَيْتِهِ وَإِخْرَاجِ الْمُسْلِمِينَ الّذِينَ هُمْ أَهْلُهُ مِنْهُ وَالشّرْكِ الّذِي أَنْتُمْ عَلَيْهِ وَالْفِتْنَةِ الّتِي حَصَلَتْ مِنْكُمْ بِهِ أَكْبَرُ عِنْدَ اللّهِ مِنْ قِتَالِهِمْ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ وَأَكْثَرُ السّلَفِ فَسّرُوا الْفِتْنَةَ هَا هُنَا بِالشّرْكِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ } [ الْبَقَرَةِ 193 ] وَيَدُلّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ { ثُمّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلّا أَنْ قَالُوا وَاللّهِ رَبّنَا مَا كُنّا مُشْرِكِينَ } [ الْأَنْعَامِ 23 ] أَيْ لَمْ يَكُنْ مَآلُ شِرْكِهِمْ وَعَاقِبَتُهُ وَآخِرُ أَمْرِهِمْ إلّا أَنْ تَبَرّءُوا مِنْهُ وَأَنْكَرُوهُ . وَحَقِيقَتُهَا : أَنّهَا الشّرْكُ الّذِي يَدْعُو صَاحِبُهُ إلَيْهِ وَيُقَاتِلُ عَلَيْهِ وَيُعَاقِبُ مَنْ لَمْ يَفْتَتِنْ بِهِ وَلِهَذَا يُقَالُ لَهُمْ وَقْتَ عَذَابِهِمْ بِالنّارِ وَفِتْنَتِهِمْ بِهَا : ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : تَكْذِيبَكُمْ . وَحَقِيقَتُهُ ذُوقُوا نِهَايَةَ فِتْنَتِكُمْ وَغَايَتَهَا ، وَمَصِيرَ أَمْرِهَا ، كَقَوْلِهِ { ذُوقُوا مَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ } [ الزّمَرِ 24 ] وَكَمَا فَتَنُوا عِبَادَهُ عَلَى الشّرْكِ فُتِنُوا عَلَى النّارِ وَقِيلَ لَهُمْ ذُوقُوا فِتْنَتَكُمْ وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى : { إِنّ الّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمّ لَمْ يَتُوبُوا } [ الْبُرُوجِ 10 ] فُسّرَتْ الْفِتْنَةُ هَا هُنَا بِتَعْذِيبِهِمْ الْمُؤْمِنِينَ وَإِحْرَاقِهِمْ إيّاهُمْ بِالنّارِ وَاللّفْظُ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ وَحَقِيقَتُهُ [ ص 152 ] { وَكَذَلِكَ فَتَنّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ } وَقَوْلِ مُوسَى : { إِنْ هِيَ إِلّا فِتْنَتُكَ تُضِلّ بِهَا مَنْ تَشَاءُ وَتَهْدِي مَنْ تَشَاءُ } [ الْأَعْرَافِ 155 ] فَتِلْكَ بِمَعْنًى آخَرَ وَهِيَ بِمَعْنَى الِامْتِحَانِ وَالِاخْتِبَارِ وَالِابْتِلَاءِ مِنْ اللّهِ لِعِبَادِهِ بِالْخَيْرِ وَالشّرّ بِالنّعَمِ وَالْمَصَائِبِ فَهَذِهِ لَوْنٌ وَفِتْنَةُ الْمُشْرِكِينَ لَوْنٌ وَفِتْنَةُ الْمُؤْمِنِ فِي مَالِهِ وَوَلَدِهِ وَجَارِهِ لَوْنٌ آخَرُ وَالْفِتْنَةُ الّتِي يُوقِعُهَا بَيْنَ أَهْلِ الْإِسْلَامِ كَالْفِتْنَةِ الّتِي أَوْقَعَهَا بَيْنَ أَصْحَابِ عَلِيّ وَمُعَاوِيَةَ ، وَبَيْنَ أَهْلِ الْجَمَلِ وَصِفّينَ ، وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ حَتّى يَتَقَاتَلُوا وَيَتَهَاجَرُوا لَوْنٌ آخَرُ وَهِيَ الْفِتْنَةُ الّتِي قَالَ فِيهَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَتَكُونُ فِتْنَةٌ الْقَاعِدُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْقَائِمِ ، وَالْقَائِمُ فِيهَا خَيْرٌ مِنْ الْمَاشِي ، وَالْمَاشِي فِيهَا خَيْرٌ مِنْ السّاعِي وَأَحَادِيثُ الْفِتْنَةِ الّتِي أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيهَا بِاعْتِزَالِ الطّائِفَتَيْنِ هِيَ هَذِهِ الْفِتْنَةُ . وَقَدْ تَأْتِي الْفِتْنَةُ مُرَادًا بِهَا الْمَعْصِيَةُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنّي } [ التّوْبَةِ 49 ] ، يَقُولُهُ الْجَدّ بْنُ قَيْسٍ ، لَمّا نَدَبَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى تَبُوكَ ، يَقُولُ ائْذَنْ لِي فِي الْقُعُودِ وَلَا تَفْتِنّي بِتَعَرّضِي لِبَنَاتِ بَنِي الْأَصْفَرِ فَإِنّي لَا أَصْبِرُ عَنْهُنّ قَالَ تَعَالَى : { أَلَا فِي الْفِتْنَةِ سَقَطُوا } [ التّوْبَةِ 49 ] أَيْ وَقَعُوا فِي فِتْنَةِ النّفَاقِ وَفَرّوا إلَيْهَا مِنْ فِتْنَةِ بَنَاتِ الْأَصْفَرِ . وَالْمَقْصُودُ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ حَكَمَ بَيْنَ أَوْلِيَائِهِ وَأَعْدَائِهِ بِالْعَدْلِ وَالْإِنْصَافِ وَلَمْ يُبْرِئْ أَوْلِيَاءَهُ مِنْ ارْتِكَابِ الْإِثْمِ بِالْقِتَالِ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ بَلْ أَخْبَرَ أَنّهُ كَبِيرٌ [ ص 153 ] أَكْبَرُ وَأَعْظَمُ مِنْ مُجَرّدِ الْقِتَالِ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ فَهُمْ أَحَقّ بِالذّمّ وَالْعَيْبِ وَالْعُقُوبَةِ لَا سِيّمَا وَأَوْلِيَاؤُهُ كَانُوا مُتَأَوّلِينَ فِي قِتَالِهِمْ ذَلِكَ أَوْ مُقَصّرِينَ نَوْعَ تَقْصِيرٍ يَغْفِرُهُ اللّهُ لَهُمْ فِي جَنْبِ مَا فَعَلُوهُ مِنْ التّوْحِيدِ وَالطّاعَاتِ وَالْهِجْرَةِ مَعَ رَسُولِهِ وَإِيثَارِ مَا عِنْدَ اللّهِ فَهُمْ كَمَا قِيلَ
وَإِذَا الْحَبِيبُ أَتَى بِذَنْبٍ وَاحِدٍ
جَاءَتْ مَحَاسِنُهُ بِأَلْفِ شَفِيعٍ
فَكَيْفَ يُقَاسُ بِبَغِيضٍ عَدُوّ جَاءَ بِكُلّ قَبِيحٍ وَلَمْ يَأْتِ بِشَفِيعٍ وَاحِدٍ مِنْ الْمَحَاسِنِ .
فَصْلٌ [ تَحْوِيلُ الْقِبْلَةِ ]
وَلَمّا كَانَ فِي شَعْبَانَ مِنْ هَذِهِ السّنَةِ حُوّلَتْ الْقِبْلَةُ وَقَدْ تَقَدّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ .
فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الْكُبْرَى
فَلَمّا كَانَ فِي رَمَضَانَ مِنْ هَذِهِ السّنَةِ بَلَغَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَبَرُ الْعِيرِ الْمُقْبِلَةِ مِنْ الشّامِ لِقُرَيْشٍ صُحْبَةَ أَبِي سُفْيَانَ ، وَهِيَ الْعِيرُ الّتِي خَرَجُوا فِي طَلَبِهَا لَمّا خَرَجَتْ مِنْ مَكّةَ ، وَكَانُوا نَحْوَ أَرْبَعِينَ رَجُلًا ، وَفِيهَا أَمْوَالٌ عَظِيمَةٌ لِقُرَيْشٍ ، فَنَدَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ النّاسَ لِلْخُرُوجِ إلَيْهَا ، وَأَمَرَ مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا بِالنّهُوضِ وَلَمْ يَحْتَفِلْ لَهَا احْتِفَالًا بَلِيغًا ، لِأَنّهُ خَرَجَ مُسْرِعًا فِي ثَلَاثِمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ، وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ مِنْ الْخَيْلِ إلّا فَرَسَانِ فَرَسٌ لِلزّبَيْرِ بْنِ الْعَوّامِ ، وَفَرَسٌ لِلْمِقْدَادِ بْنِ الْأَسْوَدِ الْكِنْدِي ّ ، وَكَانَ مَعَهُمْ سَبْعُونَ بَعِيرًا يَعْتَقِبُ الرّجُلَانِ وَالثّلَاثَةُ عَلَى الْبَعِيرِ الْوَاحِدِ فَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعَلِيّ ، وَمَرْثَدُ بْنُ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ ، يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا ، وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ ، وَابْنُهُ وَكَبْشَةُ مَوَالِي رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا [ ص 154 ] وَأَبُو بَكْرٍ ، وَعُمَرُ ، وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، يَعْتَقِبُونَ بَعِيرًا ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ وَعَلَى الصّلَاةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ ، فَلَمّا كَانَ بِالرّوْحَاءِ رَدّ أَبَا لُبَابَةَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِر ِ ، وَاسْتَعْمَلَهُ عَلَى الْمَدِينَةِ ، وَدَفَعَ اللّوَاءَ إلَى مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ ، وَالرّايَةَ الْوَاحِدَةَ إلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ، وَالْأُخْرَى الّتِي لِلْأَنْصَارِ إلَى سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ ، وَجَعَلَ عَلَى السّاقَةِ قَيْسَ بْنَ أَبِي صَعْصَعَةَ ، وَسَارَ فَلَمّا قَرُبَ مِنْ الصّفْرَاءِ ، بَعَثَ بَسْبَسَ بْنَ عَمْرٍو الْجُهَنِيّ ، وَعَدِيّ بْنَ أَبِي الزّغْبَاءِ إلَى بَدْرٍ يَتَجَسّسَانِ أَخْبَارَ الْعِيرِ . وَأَمّا أَبُو سُفْيَانَ ، فَإِنّهُ بَلَغَهُ مَخْرَجَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَصْدَهُ إيّاهُ فَاسْتَأْجَرَ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيّ إلَى مَكّةَ ، مُسْتَصْرِخًا لِقُرَيْشٍ بِالنّفِيرِ إلَى عِيرِهِمْ لِيَمْنَعُوهُ مِنْ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ وَبَلَغَ الصّرِيخُ أَهْلَ مَكّةَ ، فَنَهَضُوا مُسْرِعِينَ وَأَوْعَبُوا فِي الْخُرُوجِ فَلَمْ يَتَخَلّفْ مِنْ أَشْرَافِهِمْ أَحَدٌ سِوَى أَبِي لَهَبٍ ، فَإِنّهُ عَوّضَ عَنْهُ رَجُلًا كَانَ لَهُ عَلَيْهِ دَيْنٌ وَحَشَدُوا فِيمَنْ حَوْلَهُمْ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ ، وَلَمْ يَتَخَلّفْ عَنْهُمْ أَحَدٌ مِنْ بُطُونِ قُرَيْشٍ إلّا بَنِي عَدِي ّ ، فَلَمْ يَخْرُجْ مَعَهُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ ، وَخَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { بَطَرًا وَرِئَاءَ النّاسِ وَيَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ } [ الْأَنْفَالِ 47 ] وَأَقْبَلُوا كَمَا قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِحَدّهِمْ وَحَدِيدِهِمْ تُحَادّهُ وَتُحَادّ رَسُولَه وَجَاءُوا عَلَى حَرْدٍ قَادِرِينَ وَعَلَى حَمِيّةٍ وَغَضَبٍ وَحَنَقٍ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابِهِ لِمَا يُرِيدُونَ مِنْ أَخْذِ عِيرِهِمْ وَقَتْلِ مَنْ فِيهَا ، وَقَدْ أَصَابُوا بِالْأَمْسِ عَمْرَو بْنَ الْحَضْرَمِيّ ، وَالْعِيرَ الّتِي كَانَتْ مَعَهُ فَجَمَعَهُمْ اللّهُ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ كَمَا قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَادِ وَلَكِنْ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا } [ الْأَنْفَالِ 42 ] وَلَمّا بَلَغَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خُرُوجُ قُرَيْشٍ ، اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فَتَكَلّمَ الْمُهَاجِرُونَ فَأَحْسَنُوا ، ثُمّ اسْتَشَارَهُمْ ثَانِيًا ، فَتَكَلّمَ الْمُهَاجِرُونَ فَأَحْسَنُوا ، ثُمّ اسْتَشَارَهُمْ ثَالِثًا ، [ ص 155 ] الْأَنْصَارُ أَنّهُ يَعْنِيهِمْ فَبَادَرَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَأَنّك تُعَرّضُ بِنَا ؟ وَكَانَ إنّمَا يَعْنِيهِمْ لِأَنّهُمْ بَايَعُوهُ عَلَى أَنْ يَمْنَعُوهُ مِنْ الْأَحْمَرِ وَالْأَسْوَدِ فِي دِيَارِهِمْ فَلَمّا عَزَمَ عَلَى الْخُرُوجِ اسْتَشَارَهُمْ لِيَعْلَمَ مَا عِنْدَهُمْ فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ لَعَلّكَ تَخْشَى أَنْ تَكُونَ الْأَنْصَارُ تَرَى حَقّا عَلَيْهَا أَنْ لَا يَنْصُرُوك إلّا فِي دِيَارِهَا ، وَإِنّي أَقُولُ عَنْ الْأَنْصَارِ ، وَأُجِيبُ عَنْهُمْ فَاظْعَنْ حَيْثُ شِئْت ، وَصِلْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ وَاقْطَعْ حَبْلَ مَنْ شِئْتَ وَخُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا شِئْتَ وَأَعْطِنَا مَا شِئْتَ وَمَا أَخَذْتَ مِنّا كَانَ أَحَبّ إلَيْنَا مِمّا تَرَكْتَ وَمَا أَمَرْتَ فِيهِ مِنْ أَمْرٍ فَأَمْرُنَا تَبَعٌ لِأَمْرِكَ فَوَاَللّهِ لَئِنْ سِرْتَ حَتّى تَبْلُغَ الْبَرْكَ مِنْ غِمْدَانَ ، لَنَسِيرَنّ مَعَكَ وَوَاللّهِ لَئِنْ اسْتَعْرَضْتَ بِنَا هَذَا الْبَحْرَ خُضْنَاهُ مَعَكَ . وَقَالَ لَهُ الْمِقْدَادُ : لَا نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَ قَوْمُ مُوسَى لِمُوسَى : اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبّكَ فَقَاتِلَا إنّا هَا هُنَا قَاعِدُونَ وَلَكِنّا نُقَاتِلُ عَنْ يَمِينِكَ وَعَنْ شِمَالِكَ وَمِنْ بَيْنِ يَدَيْكَ وَمِنْ خَلْفِكَ . فَأَشْرَقَ وَجْهُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسُرّ بِمَا سَمِعَ مِنْ أَصْحَابِهِ وَقَالَ سِيرُوا وَأَبْشِرُوا ، فَإِنّ اللّهَ قَدْ وَعَدَنِي إحْدَى الطّائِفَتَيْنِ وَإِنّي قَدْ رَأَيْتُ مَصَارِعَ الْقَوْمِ [ ص 156 ]
[ لَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا زُهْرِيّ ]
فَسَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى بَدْرٍ ، وَخَفَضَ أَبُو سُفْيَان َ فَلَحِقَ بِسَاحِلِ الْبَحْرِ وَلَمّا رَأَى أَنّهُ قَدْ نَجَا ، وَأَحْرَزَ الْعِيرَ كَتَبَ إلَى قُرَيْشٍ : أَنْ ارْجِعُوا ، فَإِنّكُمْ إنّمَا خَرَجْتُمْ لِتُحْرِزُوا عِيرَكُمْ فَأَتَاهُمْ الْخَبَرُ وَهُمْ بِالْجُحْفَة ِ فَهَمّوا بِالرّجُوعِ فَقَالَ أَبُو جَهْلٍ : وَاَللّهِ لَا نَرْجِعُ حَتّى نَقْدَمَ بَدْرًا ، فَنُقِيمَ بِهَا ، وَنُطْعِمَ مَنْ حَضَرَنَا مِنْ الْعَرَبِ ، وَتَخَافُنَا الْعَرَبُ بَعْدَ ذَلِكَ فَأَشَارَ الْأَخْنَسُ بْنُ شُرَيْقٍ عَلَيْهِمْ بِالرّجُوعِ فَعَصَوْهُ فَرَجَعَ هُوَ وَبَنُو زُهْرَةَ ، فَلَمْ يَشْهَدْ بَدْرًا زُهْرِيّ فَاغْتَبَطَتْ بَنُو زُهْرَةَ بَعْدُ بِرَأْيِ الْأَخْنَسِ فَلَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مُطَاعًا مُعَظّمًا ، وَأَرَادَتْ بَنُو هَاشِمٍ الرّجُوعَ فَاشْتَدّ عَلَيْهِمْ أَبُو جَهْلٍ وَقَالَ لَا تُفَارِقُنَا هَذِهِ الْعِصَابَةُ حَتّى نَرْجِعَ فَسَارُوا ، وَسَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى نَزَلَ عَشِيّا أَدْنَى مَاءٍ مِنْ مِيَاهِ بَدْرٍ ، فَقَالَ أَشِيرُوا عَلَيّ فِي الْمَنْزِلِ فَقَالَ الْحُبَابُ بْنُ الْمُنْذِرِ : يَا رَسُولَ اللّهِ أَنَا عَالِمٌ بِهَا وَبِقُلُبِهَا ، إنْ رَأَيْتَ أَنْ نَسِيرَ إلَى قُلُبٍ قَدْ عَرَفْنَاهَا ، فَهِيَ كَثِيرَةُ الْمَاءِ عَذْبَةٌ فَنَنْزِلَ عَلَيْهَا وَنَسْبِقَ الْقَوْمَ إلَيْهَا وَنُغَوّرَ مَا سِوَاهَا مِنْ الْمِيَاهِ . وَسَارَ الْمُشْرِكُونَ سِرَاعًا يُرِيدُونَ الْمَاءَ وَبَعَثَ عَلِيّا وَسَعْدًا وَالزّبَيْرَ إلَى بَدْرٍ يَلْتَمِسُونَ الْخَبَرَ فَقَدِمُوا بِعَبْدَيْنِ لِقُرَيْشٍ ، وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَائِمٌ يُصَلّي ، فَسَأَلَهُمَا أَصْحَابُهُ مَنْ أَنْتُمَا ؟ قَالَا : نَحْنُ سُقَاةٌ لِقُرَيْشٍ ، فَكَرِهَ ذَلِكَ أَصْحَابُهُ وَوَدّوا لَوْ كَانَا لِعِيرِ أَبِي سُفْيَان َ فَلَمّا سَلّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَهُمَا : أَخْبِرَانِي أَيْنَ قُرَيْشٌ ؟ قَالَا : [ ص 157 ] وَرَاءَ هَذَا الْكَثِيبِ . فَقَالَ كَمْ الْقَوْمُ ؟ فَقَالَا : لَا عِلْمَ لَنَا ، فَقَالَ كَمْ يَنْحَرُونَ كُلّ يَوْمٍ ؟ فَقَالَا : يَوْمًا عَشَرًا ، وَيَوْمًا تِسْعًا ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْقَوْمُ مَا بَيْنَ تِسْعِمِائَةٍ إلَى الْأَلْفِ فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ فِي تِلْكَ اللّيْلَةِ مَطَرًا وَاحِدًا ، فَكَانَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَابِلًا شَدِيدًا مَنَعَهُمْ مِنْ التّقَدّمِ وَكَانَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ طَلّا طَهّرَهُمْ بِهِ وَأَذْهَبَ عَنْهُمْ رِجْسَ الشّيْطَانِ وَوَطّأَ بِهِ الْأَرْضَ وَصَلّبَ بِهِ الرّمْلَ وَثَبّتَ الْأَقْدَامَ وَمَهّدَ بِهِ الْمَنْزِلَ وَرَبَطَ بِهِ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَسَبَقَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ إلَى الْمَاءِ فَنَزَلُوا عَلَيْهِ شَطْرَ اللّيْلِ وَصَنَعُوا الْحِيَاضَ ثُمّ غَوّرُوا مَا عَدَاهَا مِنْ الْمِيَاهِ وَنَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى الْحِيَاضِ . وَبُنِيَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَرِيشٌ يَكُونُ فِيهَا عَلَى تَلّ يُشْرِفُ عَلَى الْمَعْرَكَةِ وَمَشَى فِي مَوْضِعِ الْمَعْرَكَةِ وَجَعَلَ يُشِيرُ بِيَدِهِ هَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ ، وَهَذَا مَصْرَعُ فُلَانٍ إنْ شَاءَ اللّهُ فَمَا تَعَدّى أَحَد مِنْهُمْ مَوْضِعَ إشَارَتِهِ فَلَمّا طَلَعَ الْمُشْرِكُونَ وَتَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اللّهُمّ هَذِهِ قُرَيْشٌ جَاءَتْ بِخُيَلَائِهَا وَفَخْرِهَا ، جَاءَتْ تُحَادّك ، وَتُكَذّبُ رَسُولَكَ " ، وَقَامَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَاسْتَنْصَرَ رَبّهُ وَقَالَ اللّهُمّ أَنْجِزْ لِي مَا وَعَدْتَنِي ، اللّهُمّ إنّي أَنْشُدُكَ عَهْدَكَ وَوَعْدَكَ " ، فَالْتَزَمَهُ الصّدّيقُ مِنْ وَرَائِهِ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَبْشِرْ فَوَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَيُنْجِزَنّ اللّهُ لَكَ مَا وَعَدَك [ ص 158 ]
[ مَعْنَى مُرْدِفِينَ ]
وَاسْتَنْصَرَ الْمُسْلِمُونَ اللّهَ وَاسْتَغَاثُوهُ وَأَخْلَصُوا لَهُ وَتَضَرّعُوا إلَيْهِ فَأَوْحَى اللّهُ إلَى مَلَائِكَتِهِ { أَنّي مَعَكُمْ فَثَبّتُوا الّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الّذِينَ كَفَرُوا الرّعْبَ } [ الْأَنْفَالِ 12 ] ، وَأَوْحَى اللّهُ إلَى رَسُولِهِ { أَنّي مُمِدّكُمْ بِأَلْفٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُرْدِفِينَ } [ الْأَنْفَالِ 9 ] قُرِئَ بِكَسْرِ الدّالِ وَفَتْحِهَا ، فَقِيلَ الْمَعْنَى إنّهُمْ رِدْفٌ لَكُمْ . وَقِيلَ يُرْدِفُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا أَرْسَالًا لَمْ يَأْتُوا دَفْعَةً وَاحِدَةً . فَإِنْ قِيلَ هَا هُنَا ذَكَرَ أَنّهُ أَمَدّهُمْ بِأَلْفٍ وَفِي ( سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ) قَالَ { إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدّكُمْ رَبّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتّقُوا وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يُمْدِدْكُمْ رَبّكُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُسَوّمِينَ } [ آلِ عِمْرَانَ 124 ] فَكَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ؟
[ الِاخْتِلَافُ فِي إمْدَادِ اللّهِ لَهُمْ ]
قِيلَ قَدْ اُخْتُلِفَ فِي هَذَا الْإِمْدَادِ الّذِي بِثَلَاثَةِ آلَافٍ وَاَلّذِي بِالْخَمْسَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنّهُ كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ ، وَكَانَ إمْدَادًا مُعَلّقًا عَلَى شَرْطٍ فَلَمّا فَاتَ شَرْطُهُ فَاتَ الْإِمْدَادُ وَهَذَا قَوْلُ الضّحّاكِ وَمُقَاتِلٍ وَإِحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْ عِكْرِمَةَ . وَالثّانِي : أَنّهُ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَقَتَادَةَ . [ ص 159 ] عِكْرِمَةَ ، اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُفَسّرِينَ . وَحُجّةُ هَؤُلَاءِ أَنّ السّيَاقَ يَدُلّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلّةٌ فَاتّقُوا اللّهَ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ إِذْ تَقُولُ لِلْمُؤْمِنِينَ أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدّكُمْ رَبّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ بَلَى إِنْ تَصْبِرُوا وَتَتّقُوا } [ آلِ عِمْرَانَ 123 - 125 ] إلَى أَنْ قَالَ { وَمَا جَعَلَهُ اللّهُ } أَيّ هَذَا الْإِمْدَادَ إلّا بُشْرَى لَكُمْ وَلِتَطْمَئِنّ قُلُوبُكُمْ بِهِ قَالَ هَؤُلَاءِ فَلَمّا اسْتَغَاثُوا ، أَمَدّهُمْ بِتَمَامِ ثَلَاثَةِ آلَافٍ ثُمّ أَمَدّهُمْ بِتَمَامِ خَمْسَةِ آلَافٍ لَمّا صَبَرُوا وَاتّقُوا ، فَكَانَ هَذَا التّدْرِيجُ وَمُتَابَعَةُ الْإِمْدَادِ أَحْسَنَ مَوْقِعًا ، وَأَقْوَى لِنُفُوسِهِمْ وَأَسَرّ لَهَا مِنْ أَنْ يَأْتِيَ بِهِ مَرّةً وَاحِدَةً وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مُتَابَعَةِ الْوَحْيِ وَنُزُولِهِ مَرّةً بَعْدَ مَرّةٍ . وَقَالَتْ الْفِرْقَةُ الْأُولَى : الْقِصّةُ فِي سِيَاقِ أُحُدٍ ، وَإِنّمَا أَدْخَلَ ذِكْرَ بَدْرٍ اعْتِرَاضًا فِي أَثْنَائِهَا ، فَإِنّهُ سُبْحَانَهُ قَالَ { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ إِذْ هَمّتْ طَائِفَتَانِ مِنْكُمْ أَنْ تَفْشَلَا وَاللّهُ وَلِيّهُمَا وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكّلِ الْمُؤْمِنُونَ } [ آلِ عِمْرَانَ 121 ] ثُمّ قَالَ { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلّةٌ فَاتّقُوا اللّهَ لَعَلّكُمْ تَشْكُرُونَ } [ آلِ عِمْرَانَ 123 ] ، فَذَكّرَهُمْ نِعْمَتَهُ عَلَيْهِمْ لَمّا نَصَرَهُمْ بِبَدْرٍ وَهُمْ أَذِلّةٌ ثُمّ عَادَ إلَى قِصّةِ أُحُدٍ ، وَأَخْبَرَ عَنْ قَوْلِ رَسُولِهِ لَهُمْ { أَلَنْ يَكْفِيَكُمْ أَنْ يُمِدّكُمْ رَبّكُمْ بِثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مُنْزَلِينَ } ثُمّ وَعَدَهُمْ أَنّهُمْ إنْ صَبَرُوا وَاتّقُوا ، أَمَدّهُمْ بِخَمْسَةِ آلَافٍ فَهَذَا مِنْ قَوْلِ رَسُولِهِ وَالْإِمْدَادُ الّذِي بِبَدْرٍ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى ، وَهَذَا بِخَمْسَةِ آلَافٍ وَإِمْدَادُ بَدْرٍ بِأَلْفٍ وَهَذَا مُعَلّقٌ عَلَى شَرْطٍ وَذَلِكَ مُطْلَقٌ وَالْقِصّةُ فِي ( سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ ) هِيَ قِصّةُ أُحُدٍ مُسْتَوْفَاةٌ مُطَوّلَةٌ وَبَدْرٌ ذُكِرَتْ فِيهَا اعْتِرَاضًا ، وَالْقِصّةُ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ قِصّةُ بَدْرٍ مُسْتَوْفَاةٌ مُطَوّلَةٌ فَالسّيَاقُ فِي ( آلِ عِمْرَانَ ) غَيْرُ السّيَاقِ فِي الْأَنْفَالِ . يُوَضّحُ هَذَا أَنّ قَوْلَهُ { وَيَأْتُوكُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا } [ آلِ عِمْرَانَ 125 ] قَدْ قَالَ مُجَاهِدٌ : إنّهُ يَوْمُ أُحُدٍ ، وَهَذَا يَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ الْإِمْدَادُ الْمَذْكُورُ فِيهِ فَلَا يَصِحّ قَوْلُهُ إنّ الْإِمْدَادَ بِهَذَا الْعَدَدِ كَانَ يَوْمَ بَدْرٍ ، وَإِتْيَانُهُمْ مِنْ فَوْرِهِمْ هَذَا يَوْمَ أُحُدٍ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ . [ ص 160 ] فَصْلٌ وَبَاتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُصَلّي إلَى جِذْعِ شَجَرَةٍ هُنَاكَ وَكَانَتْ لَيْلَةَ الْجُمُعَةِ السّابِعَ عَشَرَ مِنْ رَمَضَانَ فِي السّنَةِ الثّانِيَةِ فَلَمّا أَصْبَحُوا ، أَقْبَلَتْ قُرَيْشٌ فِي كَتَائِبِهَا ، وَاصْطَفّ الْفَرِيقَانِ فَمَشَى حَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ، وَعُتْبَةُ بْنُ رَبِيعَةَ فِي قُرَيْشٍ ، أَنْ يَرْجِعُوا وَلَا يُقَاتِلُوا ، فَأَبَى ذَلِكَ أَبُو جَهْلٍ ، وَجَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ عُتْبَةَ كَلَامٌ أَحْفَظُهُ وَأَمَر َ أَبُو جَهْلٍ أَخَا عَمْرِو بْنِ الْحَضْرَمِيّ أَنْ يَطْلُبَ دَمَ أَخِيهِ عَمْرٍو ، فَكَشَفَ عَنْ اسْتِهِ وَصَرَخَ وَاعَمْرَاه ، فَحَمِيَ الْقَوْمُ وَنَشِبَتْ الْحَرْبُ وَعَدّلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الصّفُوفَ ثُمّ رَجَعَ إلَى الْعَرِيشِ هُوَ وَأَبُو بَكْرٍ خَاصّةً وَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فِي قَوْمٍ مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ يَحْمُونَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
[ طَلَبُ الْمُبَارَزَةِ ]
وَخَرَجَ عُتْبَةُ وَشَيْبَةُ ابْنَا رَبِيعَةَ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ عُتْبَةَ ، يَطْلُبُونَ الْمُبَارَزَةَ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ : عَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ ، وَعَوْفٌ وَمُعَوّذٌ ابْنَا عَفْرَاءَ ، فَقَالُوا لَهُمْ مَنْ أَنْتُمْ ؟ فَقَالُوا : مِنْ الْأَنْصَارِ . قَالُوا : أَكْفَاءٌ كِرَامٌ وَإِنّمَا نُرِيدُ بَنِي عَمّنَا ، فَبَرَزَ إلَيْهِمْ عَليّ وَعُبَيْدَةُ بْنُ الْحَارِثِ وَحَمْزَةُ ، فَقَتَلَ عَلِيّ قِرْنَهُ الْوَلِيدَ وَقَتَلَ حَمْزَةُ قِرْنَهُ عُتْبَةَ وَقِيلَ شَيْبَةُ وَاخْتَلَفَ عُبَيْدَةُ وَقِرْنُهُ ضَرْبَتَيْنِ فَكَرّ عَلِيّ وَحَمْزَةُ عَلَى قِرْنِ عُبَيْدَةَ فَقَتَلَاهُ وَاحْتَمَلَا عُبَيْدَةَ وَقَدْ قُطِعَتْ رِجْلُهُ فَلَمْ يَزَلْ ضَمِنًا حَتّى مَاتَ بِالصّفْرَاءِ . [ ص 161 ] وَكَانَ عَلِيّ يُقْسِمُ بِاَللّهِ لَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِيهِمْ { هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُوا فِي رَبّهِمْ } الْآيَةُ [ الْحَجّ 19 ] .
[ اشْتِدَادُ الْقِتَالِ ]
ثُمّ حَمِيَ الْوَطِيسُ وَاسْتَدَارَتْ رَحَى الْحَرْبِ وَاشْتَدّ الْقِتَالُ وَأَخَذَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الدّعَاءِ وَالِابْتِهَالِ وَمُنَاشَدَةِ رَبّهِ عَزّ وَجَلّ حَتّى سَقَطَ رِدَاؤُهُ عَنْ مَنْكِبَيْهِ فَرَدّهُ عَلَيْهِ الصّدّيقُ وَقَالَ بُغْضَ مُنَاشَدَتِكَ رَبّكَ فَإِنّهُ مُنْجِزٌ لَكَ مَا وَعَدَكَ فَأَغْفَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إغْفَاءَةً وَاحِدَةً وَأَخَذَ الْقَوْمَ النّعَاسُ فِي حَالِ الْحَرْبِ ثُمّ رَفَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَأْسَهُ فَقَالَ أَبْشِرْ يَا أَبَا بَكْرٍ هَذَا جِبْرِيلُ عَلَى ثَنَايَاهُ النّقْعُ وَجَاءَ النّصْرُ وَأَنْزَلَ اللّهُ جُنْدَهُ وَأَيّدَ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ وَمَنَحَهُمْ أَكْتَافَ الْمُشْرِكِينَ أَسْرًا وَقَتْلًا ، فَقَتَلُوا مِنْهُمْ سَبْعِينَ وَأَسَرُوا سَبْعِينَ . [ ص 162 ]
فَصْلٌ [ ظُهُورُ إبْلِيسَ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ الْكِنَانِيّ وَوَسْوَسَتُهُ لِقُرَيْشٍ ]
وَلَمّا عَزَمُوا عَلَى الْخُرُوجِ ذَكَرُوا مَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ بَنِي كِنَانَة َ مِنْ الْحَرْبِ فَتَبَدّى لَهُمْ إبْلِيسُ فِي صُورَةِ سُرَاقَةَ بْنِ مَالِكٍ الْمُدْلِجِيّ ، وَكَانَ مِنْ أَشْرَافِ بَنِي كِنَانَةَ ، فَقَالَ لَهُمْ لَا غَالِبَ لَكُمْ الْيَوْمَ مِنْ النّاسِ وَإِنّي جَارٌ لَكُمْ مِنْ أَنْ تَأْتِيَكُمْ كِنَانَةُ بِشَيْءٍ تَكْرَهُونَهُ فَخَرَجُوا وَالشّيْطَانُ جَارٌ لَهُمْ لَا يُفَارِقُهُمْ فَلَمّا تَعَبّئُوا لِلْقِتَالِ وَرَأَى عَدُوّ اللّهِ جُنْدَ اللّهِ قَدْ نَزَلَتْ مِنْ السّمَاءِ فَرّ وَنَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ فَقَالُوا : إلَى أَيْنَ يَا سُرَاقَةُ ؟ أَلَمْ تَكُنْ قُلْتَ إنّك جَارٌ لَنَا لَا تُفَارِقُنَا ؟ فَقَالَ إنّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إنّي أَخَافُ اللّهَ وَاَللّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَصَدَقَ فِي قَوْلِهِ إنّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ وَكَذَبَ فِي قَوْلِهِ إنّي أَخَافُ اللّهَ وَقِيلَ كَانَ خَوْفُهُ عَلَى نَفْسِهِ أَنْ يَهْلَكَ مَعَهُمْ وَهَذَا أَظْهَرُ . وَلَمّا رَأَى الْمُنَافِقُونَ وَمَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ قِلّةَ حِزْبِ اللّهِ وَكَثْرَةَ أَعْدَائِهِ ظَنّوا أَنّ الْغَلَبَةَ إنّمَا هِيَ بِالْكَثْرَةِ وَقَالُوا : { غَرّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ } [ الْأَنْفَالِ 149 ] ، فَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّ النّصْرَ بِالتّوَكّلِ عَلَيْهِ لَا بِالْكَثْرَةِ وَلَا بِالْعَدَدِ وَاَللّهُ عَزِيزٌ لَا يُغَالَبُ حَكِيمٌ يَنْصُرُ مَنْ يَسْتَحِقّ النّصْرَ وَإِنْ كَانَ ضَعِيفًا ، فَعِزّتُهُ وَحِكْمَتُهُ أَوْجَبَتْ نَصْرَ الْفِئَةِ الْمُتَوَكّلَةِ عَلَيْهِ .
[ اسْتِشْهَادُ عُمَيْرِ بْنِ الْحُمَامِ ]
وَلَمّا دَنَا الْعَدُوّ وَتَوَاجَهَ الْقَوْمُ قَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي النّاسِ فَوَعَظَهُمْ وَذَكّرَهُمْ بِمَا لَهُمْ فِي الصّبْرِ وَالثّبَاتِ مِنْ النّصْرِ وَالظّفْرِ الْعَاجِلِ وَثَوَابِ اللّهِ الْآجِلِ وَأَخْبَرَهُمْ أَنّ اللّهَ قَدْ أَوْجَبَ الْجَنّةَ لِمَنْ اُسْتُشْهِدَ فِي سَبِيلِهِ فَقَامَ عُمَيْرُ بْنُ الْحُمَامِ ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ جَنّةٌ عَرْضُهَا السّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ بَخٍ بَخٍ يَا رَسُولَ اللّهِ ، قَالَ مَا يَحْمِلُكَ عَلَى قَوْلِكَ بَخٍ بَخٍ ؟ قَالَ لَا وَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ إلّا رَجَاءَ أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِهَا ، قَالَ فَإِنّكَ مِنْ أَهْلِهَا قَالَ فَأَخْرَجَ تَمَرَاتٍ مِنْ قَرَنِهِ فَجَعَلَ يَأْكُلُ مِنْهُنّ ثُمّ قَالَ لَئِنْ حَيِيتُ حَتّى آكُلَ تَمَرَاتِي هَذِهِ إنّهَا لَحَيَاةٌ طَوِيلَةٌ فَرَمَى بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ التّمْرِ ثُمّ قَاتَلَ حَتَى قُتِلَ . فَكَانَ أَوّلَ قَتِيلٍ [ ص 163 ]
[ شَأْنُ وَمَا رَمَيْت إذْ رَمَيْت ]
وَأَخَذَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِلْءَ كَفّهِ مِنْ الْحَصْبَاءِ فَرَمَى بِهَا وُجُوهَ الْعَدُوّ فَلَمْ تَتْرُكْ رَجُلًا مِنْهُمْ إلّا مَلَأَتْ عَيْنَيْهِ وَشُغِلُوا بِالتّرَابِ فِي أَعْيُنِهِمْ وَشُغِلَ الْمُسْلِمُونَ بِقَتْلِهِمْ فَأَنْزَلَ اللّهُ فِي شَأْنِ هَذِهِ الرّمْيَةِ عَلَى رَسُولِهِ . { وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنّ اللّهَ رَمَى } [ الْأَنْفَالِ 17 ] وَقَدْ ظَنّ طَائِفَةٌ أَنّ الْآيَةَ دَلّتْ عَلَى نَفْيِ الْفِعْلِ عَنْ الْعَبْدِ وَإِثْبَاتِهِ لِلّهِ وَأَنّهُ هُوَ الْفَاعِلُ حَقِيقَةً وَهَذَا غَلَطٌ مِنْهُمْ مِنْ وُجُوهٍ عَدِيدَةٍ مَذْكُورَةٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ . وَمَعْنَى الْآيَةِ أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ أَثْبَتَ لِرَسُولِهِ ابْتِدَاءَ الرّمْيِ وَنَفَى عَنْهُ الْإِيصَالَ الّذِي لَمْ يَحْصُلْ بِرَمْيَتِهِ فَالرّمْيُ يُرَادُ بِهِ الْحَذْفُ وَالْإِيصَالُ فَأَثْبَتَ لِنَبِيّهِ الْحَذْفَ وَنَفَى عَنْهُ الْإِيصَالَ . [ ص 164 ]
[ مُشَارَكَةُ الْمَلَائِكَةِ ]
وَكَانَتْ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَئِذٍ تُبَادِرُ الْمُسْلِمِينَ إلَى قَتْلِ أَعْدَائِهِمْ قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : بَيْنَمَا رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ يَشْتَدّ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَمَامَهُ إذْ سَمِعَ ضَرْبَةً بِالسّوْطِ فَوْقَهُ وَصَوْتُ الْفَارِسِ فَوْقَهُ يَقُولُ أَقْدِمْ حَيْزُومَ إذْ نَظَرَ إلَى الْمُشْرِكِ أَمَامَهُ مُسْتَلْقِيًا ، فَنَظَرَ إلَيْهِ فَإِذَا هُوَ قَدْ خُطِمَ أَنْفُهُ وَشُقّ وَجْهُهُ كَضَرْبَةِ السّوْطِ فَاخْضَرّ ذَلِكَ أَجْمَعُ فَجَاءَ الْأَنْصَارِيّ فَحَدّثَ بِذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ صَدَقْتَ ذَلِكَ مِنْ مَدَدِ السّمَاءِ الثّالِثَةِ وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ الْمَازِنِيّ : إنّي لَأَتْبَعُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ لِأَضْرِبَهُ إذْ وَقَعَ رَأْسُهُ قَبْلَ أَنْ يَصِلَ إلَيْهِ سَيْفِي ، فَعَرَفْتُ أَنّهُ قَدْ قَتَلَهُ غَيْرِي . وَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِالْعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ أَسِيرًا ، فَقَالَ الْعَبّاسُ إنّ هَذَا وَاَللّهِ مَا أَسَرَنِي ، لَقَدْ أَسَرَنِي رَجُلٌ أَجْلَحُ مِنْ أَحْسَنِ النّاسِ وَجْهًا ، عَلَى فَرَسٍ أَبْلَقَ مَا أَرَاهُ فِي الْقَوْمِ فَقَالَ الْأَنْصَارِيّ أَنَا أَسِرْتُهُ يَا رَسُولَ اللّهِ فَقَالَ اُسْكُتْ فَقَدْ أَيّدَكَ اللّهُ بِمَلَكٍ كَرِيمٍ وَأُسِرَ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ ثَلَاثَةٌ الْعَبّاسُ وَعُقَيْلٌ وَنَوْفَلُ بْنُ الْحَارِثِ .
[ قِصّةُ إبْلِيسَ مَعَ أَبِي جَهْلٍ ]
وَذَكَرَ الطّبَرَانِيّ فِي " مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ " عَنْ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ، قَالَ [ ص 165 ] لَمّا رَأَى إبْلِيسُ مَا تَفْعَلُ الْمَلَائِكَةُ بِالْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْر ٍ ، أَشْفَقَ أَنْ يَخْلُصَ الْقَتْلُ إلَيْهِ فَتَشَبّثَ بِهِ الْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ ، وَهُوَ يَظُنّهُ سُرَاقَةَ بْنَ مَالِكٍ فَوَكَزَ فِي صَدْرِ الْحَارِثِ فَأَلْقَاهُ ثُمّ خَرَجَ هَارِبًا حَتّى أَلْقَى نَفْسَهُ فِي الْبَحْرِ وَرَفَعَ يَدَيْهِ وَقَالَ اللّهُمّ إنّي أَسْأَلُكَ نَظْرَتَك إيّايَ وَخَافَ أَنْ يَخْلُصَ إلَيْهِ الْقَتْلُ فَأَقْبَلَ أَبُو جَهْلِ بْنُ هِشَامٍ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ النّاسِ لَا ، يَهْزِمَنّكُمْ خِذْلَانُ سُرَاقَةَ إيّاكُمْ فَإِنّهُ كَانَ عَلَى مِيعَادٍ مِنْ مُحَمّدٍ وَلَا يَهُولَنّكُمْ قَتْلُ عُتْبَةَ وَشَيْبَةَ وَالْوَلِيدِ فَإِنّهُمْ قَدْ عَجّلُوا ، فَوَاللّاتِ وَالْعُزّى ، لَا نَرْجِعُ حَتّى نَقْرِنَهُمْ بِالْحِبَالِ وَلَا أُلْفِيَنّ رَجُلًا مِنْكُمْ قَتَلَ رَجُلًا مِنْهُمْ وَلَكِنْ خُذُوهُمْ أَخْذًا حَتّى نُعَرّفَهُمْ سُوءَ صَنِيعِهِمْ
[ دُعَاءُ أَبِي جَهْلٍ لِرَبّهِ ]
وَاسْتَفْتَحَ أَبُو جَهْلٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ فَقَالَ اللّهُمّ أَقْطَعْنَا لِلرّحِمِ وَآتَانَا بِمَا لَا نَعْرِفُهُ فَأَحِنْهُ الْغَدَاةَ اللّهُمّ أَيّنَا كَانَ أَحَبّ إلَيْكَ وَأَرْضَى عِنْدَكَ فَانْصُرْهُ الْيَوْمَ فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ { إِنْ تَسْتَفْتِحُوا فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ وَإِنْ تَنْتَهُوا فَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَإِنْ تَعُودُوا نَعُدْ وَلَنْ تُغْنِيَ عَنْكُمْ فِئَتُكُمْ شَيْئًا وَلَوْ كَثُرَتْ وَأَنّ اللّهَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ } [ الْأَنْفَالِ 19 ]
[ كَرَاهَةُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ لِأَسِرْ الْمُشْرِكِينَ ]
وَلَمّا وَضَعَ الْمُسْلِمُونَ أَيْدِيَهُمْ فِي الْعَدُوّ يَقْتُلُونَ وَيَأْسِرُونَ وَسَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ وَاقِفٌ عَلَى بَابِ الْخَيْمَةِ الّتِي فِيهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهِيَ الْعَرِيشُ مُتَوَشّحًا بِالسّيْفِ فِي نَاسٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، رَأَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي وَجْهِ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ الْكَرَاهِيَةَ لِمَا يَصْنَعُ النّاسُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَأَنّكَ تَكْرَهُ مَا يَصْنَعُ النّاسُ ؟ قَالَ أَجَلْ وَاَللّهِ كَانَتْ أَوّلَ وَقْعَةٍ أَوْقَعَهَا اللّهُ بِالْمُشْرِكِينَ وَكَانَ الْإِثْخَانُ فِي الْقَتْلِ أَحَبّ إلَيّ مِنْ اسْتِبْقَاءِ الرّجَالِ
[ إجْهَازُ ابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى أَبِي جَهْلٍ ]
وَلَمّا بَرَدَتْ الْحَرْبُ وَوَلّى الْقَوْمُ مُنْهَزِمِينَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ يَنْظُرُ لَنَا مَا صَنَعَ أَبُو جَهْلٍ ؟ " فَانْطَلَقَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، فَوَجَدَهُ قَدْ ضَرَبَهُ ابْنَا عَفْرَاءَ حَتّى بَرَدَ وَأَخَذَ بِلِحْيَتِهِ فَقَالَ أَنْتَ أَبُو جَهْلٍ ؟ فَقَالَ لِمَنْ الدّائِرَةُ الْيَوْمَ ؟ فَقَالَ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ وَهَلْ أَخْزَاكَ اللّهُ يَا عَدُوّ اللّهِ ؟ فَقَالَ وَهَل فَوْقَ رَجُلٍ قَتَلَهُ قَوْمُهُ ؟ فَقَتَلَهُ عَبْدُ اللّهِ ثُمّ أَتَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ قَتَلْتُهُ فَقَالَ اللّهُ الّذِي لَا إلَهَ إلّا هُوَ فَرَدّدَهَا ثَلَاثًا ، ثُمّ قَالَ اللّهُ أَكْبَرُ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ انْطَلِقْ أَرِنِيهِ " فَانْطَلَقْنَا فَأَرَيْته إيّاهُ فَقَالَ سس هَذَا فِرْعَوْنُ هَذِهِ الْأُمّةِ
[ قَتْلُ أُمَيّةَ بْنِ خَلَفٍ وَابْنِهِ ]
[ ص 166 ] وَأَسَرَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ أُمَيّةَ بْنَ خَلَف ٍ وَابْنَهُ عَلِيّا ، فَأَبْصَرَهُ بِلَالٌ وَكَانَ أُمَيّةُ يُعَذّبُهُ بِمَكّةَ فَقَالَ رَأْسُ الْكُفْرِ أُمَيّةُ بْنُ خَلَفٍ لَا نَجَوْتُ إنْ نَجَا ، ثُمّ اسْتَوْخَى جَمَاعَةً مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَاشْتَدّ عَبْدُ الرّحْمَنِ بِهِمَا يُحْرِزُهُمَا مِنْهُمْ فَأَدْرَكُوهُمْ فَشَغَلَهُمْ عَنْ أُمَيّةَ بِابْنِهِ فَفَرَغُوا مِنْهُ ثُمّ لَحِقُوهُمَا ، فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرّحْمَنِ اُبْرُكْ فَبَرَكَ فَأَلْقَى نَفْسَهُ عَلَيْهِ فَضَرَبُوهُ بِالسّيُوفِ مِنْ تَحْتِهِ حَتَى قَتَلُوهُ وَأَصَابَ بَعْضُ السّيُوف رِجْلَ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ ، قَالَ لَهُ أُمَيّةُ قَبْلَ ذَلِكَ مَنْ الرّجُلُ الْمُعَلّمُ فِي صَدْرِهِ بِرِيشَةِ نَعَامَةٍ ؟ فَقَالَ ذَلِكَ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ فَقَالَ ذَاكَ الّذِي فَعَلَ بِنَا الْأَفَاعِيلَ وَكَانَ مَعَ عَبْدِ الرّحْمَنِ أَدْرَاعٌ قَدْ اسْتَلَبَهَا ، فَلَمّا رَآهُ أُمَيّةُ قَالَ لَهُ أَنَا خَيْرٌ لَكَ مِنْ هَذِهِ الْأَدْرَاعِ فَأَلْقَاهَا وَأَخَذَهُ فَلَمّا قَتَلَهُ الْأَنْصَارُ ، كَانَ يَقُولُ يَرْحَمُ اللّهُ بِلَالًا ، فَجَعَنِي بِأَدْرَاعِي وَبِأَسِيرِي
[ انْقِطَاعُ سَيْفِ عُكّاشَةَ ]
وَانْقَطَعَ يَوْمَئِذٍ سَيْفُ عُكّاشَةَ بْنِ مِحْصَنٍ ، فَأَعْطَاهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جِذْلًا مِنْ حَطَبٍ فَقَالَ دُونَكَ هَذَا فَلَمّا أَخَذَهُ عُكّاشَةُ وَهَزّهُ عَادَ فِي يَدِهِ سَيْفًا طَوِيلًا شَدِيدًا أَبْيَضَ فَلَمْ يَزَلْ عِنْدَهُ يُقَاتِلُ بِهِ حَتّى قُتِلَ فِي الرّدّةِ أَيّامَ أَبِي بَكْرٍ . [ ص 167 ]
[ قَتْلُ الزّبَيْرِ عُبَيْدَةَ بِحَرْبَتِهِ وَمَا كَانَ مِنْ أَمْرِ هَذِهِ الْحَرْبَةِ ]
وَلَقِيَ الزّبَيْرُ عُبَيْدَةَ بْنَ سَعِيدٍ بْنِ الْعَاصِ ، وَهُوَ مُدَجّجٌ فِي السّلَاحِ لَا يُرَى مِنْهُ إلّا الْحَدَقُ فَحَمَلَ عَلَيْهِ الزّبَيْرُ بِحَرْبَتِهِ فَطَعَنَهُ فِي عَيْنِهِ فَمَاتَ فَوَضَعَ رِجْلَهُ عَلَى الْحَرْبَةِ ثُمّ تَمَطّى ، فَكَانَ الْجَهْدُ أَنْ نَزَعَهَا ، وَقَدْ انْثَنَى طَرَفَاهَا ، قَالَ عُرْوَةُ فَسَأَلَهُ إيّاهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَعْطَاهُ إيّاهَا ، فَلَمّا قُبِضَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَخَذَهَا ، ثُمّ طَلَبَهَا أَبُو بَكْرٍ فَأَعْطَاهُ إيّاهَا ، فَلَمّا قُبِضَ أَبُو بَكْرٍ سَأَلَهُ إيّاهَا عُمَرُ فَأَعْطَاهُ إيّاهَا ، فَلَمّا قُبِضَ عُمَرُ أَخَذَهَا ، ثُمّ طَلَبَهَا عُثْمَانُ فَأَعْطَاهُ إيّاهَا ، فَلَمّا قُبِضَ عُثْمَانُ وَقَعَتْ عِنْدَ آلِ عَلِيّ فَطَلَبَهَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ الزّبَيْرِ ، وَكَانَتْ عِنْدَهُ حَتّى قُتِلَ .
[ فَقْءُ عَيْنِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ ]
وَقَالَ رِفَاعَةُ بْنُ رَافِعٍ : رُمِيتُ بِسَهْمٍ يَوْمَ بَدْرٍ فَفُقِئَتْ عَيْنِي ، فَبَصَقَ فِيهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَدَعَا لِي ، فَمَا آذَانِي مِنْهَا شَيْءٌ
[ وُقُوفُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى الْقَتْلَى ]
وَلَمّا انْقَضَتْ الْحَرْبُ أَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى وَقَفَ عَلَى الْقَتْلَى فَقَالَ [ ص 168 ] بِئْسَ عَشِيرَةُ النّبِيّ كُنْتُمْ لِنَبِيّكُمْ ، كَذّبْتُمُونِي ، وَصَدّقَنِي النّاسُ وَخَذَلْتُمُونِي وَنَصَرَنِي النّاسُ وَأَخْرَجْتُمُونِي وَآوَانِي النّاسُ ثُمّ أَمَرَ بِهِمْ فَسُحِبُوا إلَى قَلِيبٍ مِنْ قُلُبِ بَدْرٍ ، فَطُرِحُوا فِيهِ ثُمّ وَقَفَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ يَا عُتْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ وَيَا شَيْبَةَ بْنَ رَبِيعَةَ ، وَيَا فُلَانُ وَيَا فُلَانُ هَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَكُمْ رَبّكُمْ حَقّا ، فَإِنّي وَجَدْت مَا وَعَدَنِي رَبّي حَقّا ، فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ : يَا رَسُولَ اللّهِ مَا تُخَاطِبُ مِنْ أَقْوَامٍ قَدْ جَيّفُوا ؟ فَقَالَ وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ وَلَكِنّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ الْجَوَابَ ثُمّ أَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْعَرْصَةِ ثَلَاثًا ، وَكَانَ إذَا ظَهَرَ عَلَى قَوْمٍ أَقَامَ بِعَرْصَتِهِمْ ثَلَاثًا
[ رُجُوعُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ بَدْرٍ ]
ثُمّ ارْتَحَلَ مُؤَيّدًا مَنْصُورًا ، قَرِيرَ الْعَيْنِ بِنَصْرِ اللّهِ لَهُ وَمَعَهُ الْأُسَارَى وَالْمَغَانِمُ فَلَمّا كَانَ بِالصّفْرَاءِ ، قَسَمَ الْغَنَائِمَ وَضَرَبَ عُنُقَ النّضْرِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ ، ثُمّ لَمّا نَزَلَ بِعِرْقِ الظّبْيَةِ ، ضَرَبَ عُنُقَ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ . وَدَخَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ مُؤَيّدًا مُظَفّرًا مَنْصُورًا قَدْ خَافَهُ كُلّ عَدُوّ لَهُ الْمَدِينَةَ وَحَوْلَهَا ، فَأَسْلَمَ بَشَرٌ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَحِينَئِذٍ دَخَلَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ الْمُنَافِقُ وَأَصْحَابُهُ فِي الْإِسْلَامِ ظَاهِرًا .
[ جُمْلَةُ مَنْ حَضَرَ بَدْرًا ]
وَجُمْلَةُ مَنْ حَضَرَ بَدْرًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ثَلَاثُمِائَةٍ وَبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ، مِنْ الْمُهَاجِرِينَ سِتّةٌ وَثَمَانُونَ وَمِنْ الْأَوْسِ أَحَدٌ وَسِتّونَ وَمِنْ الْخَزْرَجِ مِائَةٌ وَسَبْعُونَ وَإِنّمَا قَلّ عَدَدُ الْأَوْسِ عَنْ الْخَزْرَجِ ، وَإِنْ كَانُوا أَشَدّ مِنْهُمْ وَأَقْوَى شَوْكَةً وَأَصْبَرَ عِنْدَ اللّقَاءِ لِأَنّ مَنَازِلَهُمْ كَانَتْ فِي عَوَالِي الْمَدِينَةِ ، وَجَاءَ النّفِيرُ [ ص 169 ] وَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يَتْبَعُنَا إلّا مَنْ كَانَ ظَهْرُهُ حَاضِرًا فَاسْتَأْذَنَهُ رِجَالٌ ظُهُورُهُمْ فِي عُلْوِ الْمَدِينَةِ أَنْ يَسْتَأْنِيَ بِهِمْ حَتّى يَذْهَبُوا إلَى ظُهُورِهِمْ فَأَبَى وَلَمْ يَكُنْ عَزْمُهُمْ عَلَى اللّقَاءِ وَلَا أَعَدّوا لَهُ عُدّتَهُ وَلَا تَأَهّبُوا لَهُ أُهْبَتَهُ وَلَكِنْ جَمَعَ اللّهُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوّهِمْ عَلَى غَيْرِ مِيعَادٍ .
[ شُهَدَاءُ الْمُسْلِمِينَ ]
وَاسْتُشْهِدَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا : سِتّةٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَسِتّةٌ مِنْ الْخَزْرَجِ ، وَاثْنَانِ مِنْ الْأَوْسِ ، وَفَرَغَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ شَأْنِ بَدْر ٍ وَالْأُسَارَى فِي شَوّالٍ .
فَصْلٌ [ غَزْوَةُ بَنِي سُلَيْمٍ ]
ثُمّ نَهَضَ بِنَفْسِهِ صَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ بَعْدَ فَرَاغِهِ بِسَبْعَةِ أَيّامٍ إلَى غَزْوِ بَنِي سُلَيْمٍ ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عَرْفَطَةَ ، وَقِيلَ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ ، فَبَلَغَ مَاءً يُقَالُ لَهُ الْكُدْرُ ، فَأَقَامَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا ، ثُمّ انْصَرَفَ وَلَمْ يَلْقَ كَيْدًا .
فَصْلٌ [ غَزْوَةُ السّوِيقِ ]
وَلَمّا رَجَعَ فَلّ الْمُشْرِكِينَ إلَى مَكّةَ مَوْتُورِينَ مَحْزُونِينَ نَذَرَ أَبُو سُفْيَانَ أَنْ لَا يَمَسّ رَأْسَهُ مَاءٌ حَتّى يَغْزُوَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَخَرَجَ فِي مِائَتَيْ رَاكِبٍ حَتّى أَتَى الْعَرِيضَ فِي طَرَفِ الْمَدِينَةِ ، وَبَاتَ لَيْلَةً وَاحِدَةً عِنْدَ سِلَامِ بْنِ مِشْكَمٍ الْيَهُودِيّ فَسَقَاهُ الْخَمْرَ وَبَطَنَ لَهُ مِنْ خَبَرِ النّاسِ فَلَمّا أَصْبَحَ قَطَعَ أَصْوَارًا مِنْ النّخْلِ [ ص 170 ] الْأَنْصَارِ وَحَلِيفًا لَهُ ثُمّ كَرّ رَاجِعًا ، وَنَذِرَ بِهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَخَرَجَ فِي طَلَبِهِ فَبَلَغَ قَرْقَرَةَ الْكُدْرِ ، وَفَاتَهُ أَبُو سُفْيَانَ وَطَرَحَ الْكُفّارُ سَوِيقًا كَثِيرًا مِنْ أَزْوَادِهِمْ يَتَخَفّفُونَ بِهِ فَأَخَذَهَا الْمُسْلِمُونَ فَسُمّيَتْ غَزْوَةَ السّوِيقِ ، وَكَانَ ذَلِكَ بَعْدَ بَدْرٍ بِشَهْرَيْنِ . فَأَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْمَدِينَةِ بَقِيّةَ ذِي الْحِجّةِ ثُمّ غَزَا نَجْدًا يُرِيدُ غَطَفَانَ ، وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَأَقَامَ هُنَاكَ صَفَرًا كُلّهُ مِنْ السّنَةِ الثّالِثَةِ ثُمّ انْصَرَفَ وَلَمْ يَلْقَ حَرْبًا .
فَصْلٌ [ غَزْوَةُ الْفُرْعِ ]
فَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ رَبِيعًا الْأَوّلَ ثُمّ خَرَجَ يُرِيدُ قُرَيْشًا ، وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ ، فَبَلَغَ بَحْرَانَ مَعْدِنًا بِالْحِجَاز ِ مِنْ نَاحِيَةِ الْفُرْعِ ، وَلَمْ يَلْقَ حَرْبًا ، فَأَقَامَ هُنَالِكَ رَبِيعًا الْآخَرَ وَجُمَادَى الْأُولَى ، ثُمّ انْصَرَفَ إلَى الْمَدِينَةِ .
فَصْلٌ [ غَزْوَةُ بَنِي قَيْنُقَاعَ ]
ثُمّ غَزَا بَنِي قَيْنُقَاعَ ، وَكَانُوا مِنْ يَهُودِ الْمَدِينَةِ ، فَنَقَضُوا عَهْدَهُ فَحَاصَرَهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ لَيْلَةً حَتّى نَزَلُوا عَلَى حُكْمِهِ فَشَفَعَ فِيهِمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ، وَأَلَحّ عَلَيْهِ فَأَطْلَقَهُمْ لَهُ وَهُمْ قَوْمُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ سَلَامٍ ، وَكَانُوا سَبْعَمِائَةِ مُقَاتِلٍ وَكَانُوا صَاغَةً وَتُجّارًا .
فَصْلٌ فِي قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ
[ ص 171 ] وَكَانَ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ وَأُمّهُ مِنْ بَنِي النّضِير ِ وَكَانَ شَدِيدَ الْأَذَى لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانَ يُشَبّبُ فِي أَشْعَارِهِ بِنِسَاءِ الصّحَابَةِ فَلَمّا كَانَتْ وَقْعَةُ بَدْرٍ ذَهَبَ إلَى مَكّةَ وَجَعَلَ يُؤَلّبُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ ثُمّ رَجَعَ الى الْمَدِينَةِ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ لِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَف ِ فَإِنّهُ قَدْ آذَى اللّهَ وَرَسُولَهُ " فَانْتُدِبَ لَهُ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ وَعَبّادُ بْنُ بِشْر ٍ وَأَبُو نَائِلَةَ وَاسْمُهُ سلكان بْنُ سَلَامَةَ وَهُوَ أَخُو كَعْبٍ مِنْ الرّضَاعِ وَالْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ وَأَبُو عَبْسِ بْنُ جَبْر ٍ وَأَذِنَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَقُولُوا مَا شَاءُوا مِنْ كَلَامٍ يَخْدَعُونَهُ بَهْ فَذَهَبُوا إلَيْهِ فِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ وَشَيّعَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى بَقِيعِ الْغَرْقَدِ فَلَمّا انْتَهَوْا إلَيْهِ قَدّمُوا سلكان بْنَ سَلَامَةَ إلَيْهِ فَأَظْهَرَ لَهُ مُوَافَقَتَهُ عَلَى الِانْحِرَافِ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَشَكَا إلَيْهِ ضِيقَ حَالِهِ فَكَلّمَهُ فِي أَنْ يَبِيعَهُ وَأَصْحَابَهُ طَعَامًا وَيَرْهَنُونَهُ سِلَاحَهُمْ فَأَجَابَهُمْ إلَى ذَلِكَ . وَرَجَعَ سلكان إلَى أَصْحَابِهِ فَأَخْبَرَهُمْ فَأَتَوْهُ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ مِنْ حِصْنِهِ فَتَمَاشَوْا فَوَضَعُوا عَلَيْهِ سُيُوفَهُمْ وَوَضَعَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ مِغْوَلًا كَانَ مَعَهُ فِي ثِنَتِهِ فَقَتَلَهُ وَصَاحَ عَدُوّ اللّهِ صَيْحَةً شَدِيدَةً أَفْزَعَتْ مَنْ حَوْلَهُ . وَأَوْقَدُوا النّيرَانَ وَجَاءَ الْوَفْدُ حَتّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ آخِرِ اللّيْلِ وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي وَجُرِحَ الْحَارِثُ بْنُ أَوْسٍ بِبَعْضِ سُيُوفِ أَصْحَابِهِ فَتَفَلَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَبَرِئَ فَأَذِنَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي قَتْلِ مَنْ وَجَدَ مِنْ الْيَهُودِ لِنَقْضِهِمْ عَهْدَهُ وَمُحَارَبَتِهِمْ اللّهَ وَرَسُولَهُ [ ص 172 ]
فَصْلٌ فِي [ غَزْوَةِ أُحُدٍ ]
[ مَشُورَتُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ فِي الْخُرُوجِ ]
وَلَمّا قَتَلَ اللّهُ أَشْرَافَ قُرَيْشٍ بِبَدْر وَأُصِيبُوا بِمُصِيبَةٍ لَمْ يُصَابُوا بِمِثْلِهَا وَرَأَسَ فِيهِمْ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ لِذَهَابِ أَكَابِرِهِمْ وَجَاءَ كَمَا ذَكَرْنَا إلَى أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ فِي غَزْوَةِ السّوِيقُ وَلَمْ يَنَلْ مَا فِي نَفْسِهِ أَخَذَ يُؤَلّبُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ وَيَجْمَعُ الْجُمُوعَ فَجَمَعَ قَرِيبًا مِنْ ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَالْحُلَفَاءِ وَالْأَحَابِيشِ وَجَاءُوا بِنِسَائِهِمْ لِئَلّا يَفِرّوا وَلِيُحَامُوا عَنْهُنّ ثُمّ أَقْبَلَ بِهِمْ نَحْوَ الْمَدِينَةِ . فَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْ جَبَلِ أُحُدٍ بِمَكَانٍ يُقَالُ لَهُ عَيْنَيْنُ وَذَلِكَ فِي [ ص 173 ] وَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ أَيَخْرُجُ إلَيْهِمْ أَمْ يَمْكُثُ فِي الْمَدِينَةِ ؟ وَكَانَ رَأْيُهُ أَلّا يَخْرُجُوا مِنْ الْمَدِينَةِ وَأَنْ يَتَحَصّنُوا بِهَا فَإِنْ دَخَلُوهَا قَاتَلَهُمْ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَفْوَاهِ الْأَزِقّةِ وَالنّسَاءُ مِنْ فَوْقِ الْبُيُوتِ وَوَافَقَهُ عَلَى هَذَا الرّأْيِ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ وَكَانَ هُوَ الرّأْيَ فَبَادَرَ جَمَاعَةٌ مِنْ فُضَلَاءِ الصّحَابَةِ مِمّنْ فَاتَهُ الْخُرُوجُ يَوْمَ بَدْرٍ وَأَشَارُوا عَلَيْهِ بِالْخُرُوجِ وَأَلَحّوا عَلَيْهِ فِي ذَلِك وَأَشَارَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ بِالْمُقَامِ فِي الْمَدِينَةِ وَتَابَعَهُ عَلَى ذَلِكَ بَعْضُ الصّحَابَةِ فَأَلَحّ أُولَئِكَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَنَهَضَ وَدَخَلَ بَيْتَهُ وَلَبِسَ لَامَتَهُ وَخَرَجَ عَلَيْهِمْ وَقَدْ انْثَنَى عَزْمُ أُولَئِكَ وَقَالُوا : أَكْرَهَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى الْخُرُوجِ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ إنْ أَحْبَبْتَ أَنْ تَمْكُثَ فِي الْمَدِينَةِ فَافْعَلْ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا يَنْبَغِي لِنَبِيّ إذَا لَبِسَ لَامَتَهُ أَنْ يَضَعَهَا حَتّى يَحْكُمَ اللّهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ عَدُوّهِ
[ رُؤْيَاهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
فَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَلْفٍ مِنْ الصّحَابَةِ وَاسْتَعْمَلَ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ عَلَى الصّلَاةِ بِمَنْ بَقِيَ فِي الْمَدِينَةِ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ رَأَى رُؤْيَا وَهُوَ بِالْمَدِينَةِ رَأَى أَنّ فِي سَيْفِهِ ثَلْمَةً وَرَأَى أَنّ بَقَرًا تُذْبَحُ وَأَنّهُ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي دِرْعٍ حَصِينَةٍ فَتَأَوّلَ الثّلْمَةَ فِي سَيْفِهِ بِرَجُلٍ يُصَابُ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ وَتَأَوّلَ الْبَقَرَ بِنَفَرٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يُقْتَلُونَ وَتَأَوّلَ الدّرْعَ بِالْمَدِينَةِ .
[ انْخِزَالُ بْنُ أُبَيّ بِنَحْوِ ثُلُثِ الْعَسْكَرِ ]
فَخَرَجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَلَمّا صَارَ بِالشّوْطِ بَيْنَ الْمَدِينَةِ وَأُحُدٍ انْخَزَلَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ بِنَحْوِ ثُلُثِ الْعَسْكَرِ وَقَالَ تُخَالِفُنِي وَتَسْمَعُ مِنْ غَيْرِي فَتَبِعَهُمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ وَالِدُ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ يُوَبّخُهُمْ وَيَحُضّهُمْ عَلَى الْعَسْكَرِ الرّجُوعَ وَيَقُولُ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَوْ ادْفَعُوا . قَالُوا : لَوْ نَعْلَمُ أَنّكُمْ [ ص 174 ] وَسَبّهُمْ وَسَأَلَهُ قَوْمٌ مِنْ الْأَنْصَارِ أَنْ يَسْتَعِينُوا بِحُلَفَائِهِمْ مِنْ يَهُودَ فَأَبَى وَسَلَكَ حَرّةَ بَنِي حَارِثَةَ وَقَالَ مَنْ رَجُلٌ يَخْرُجُ بِنَا عَلَى الْقَوْمِ مِنْ كُثُبٍ ؟ فَخَرَجَ بِهِ بَعْضُ الْأَنْصَارِ حَتّى سَلَكَ فِي حَائِطٍ لِبَعْضِ الْمُنَافِقِينَ وَكَانَ أَعْمَى فَقَامَ يَحْثُو التّرَابَ فِي وُجُوهِ الْمُسْلِمِينَ وَيَقُولُ لَا أُحِلّ لَكَ أَنْ تَدْخُلَ فِي حَائِطِي إنْ كُنْتَ رَسُولَ اللّه فَابْتَدَرَهُ الْقَوْمُ لِيَقْتُلُوهُ فَقَالَ لَا تَقْتُلُوهُ فَهَذَا أَعْمَى الْقَلْبِ أَعْمَى الْبَصَرِ وَنَفَذَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى نَزَلَ الشّعْبَ مِنْ أُحُدٍ فِي عُدْوَةِ الْوَادِي وَجَعَلَ ظَهْرَهُ إلَى أُحُدٍ وَنَهَى النّاسَ عَنْ الْقِتَالِ حَتّى يَأْمُرَهُمْ فَلَمّا أَصْبَحَ يَوْمَ السّبْتِ تَعَبّى لِلْقِتَالِ وَهُوَ فِي سَبْعِمِائَةٍ فِيهِمْ خَمْسُونَ فَارِسًا وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الرّمَاةِ - وَكَانُوا خَمْسِينَ - عَبْدَ اللّهِ بْنَ جُبَيْرٍ وَأَمَرَهُ وَأَصْحَابَهُ أَنْ يَلْزَمُوا مَرْكَزَهُمْ وَأَلّا يُفَارِقُوهُ وَلَوْ رَأَى الطّيْرَ تَتَخَطّفُ الْعَسْكَرَ وَكَانُوا خَلْفَ الْجَيْشِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَنْضَحُوا الْمُشْرِكِينَ بِالنّبْلِ لِئَلّا يَأْتُوا الْمُسْلِمِينَ مِنْ وَرَائِهِمْ .
[ مُشَارَكَةُ الشّبَابِ ]
فَظَاهَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَ دِرْعَيْنِ يَوْمَئِذٍ وَأَعْطَى اللّوَاءَ مُصْعَبَ بْنَ عُمَيْرٍ وَجَعَلَ عَلَى إحْدَى الْمَجْنَبَتَيْنِ الزّبَيْرَ بْنَ الْعَوّامِ وَعَلَى الْأُخْرَى الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو وَاسْتَعْرَضَ الشّبَابَ يَوْمَئِذٍ فَرَدّ مَنْ اسْتَصْغَرَهُ عَنْ الْقِتَالِ وَكَانَ مِنْهُمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأُسَيْدُ بْنُ ظَهِيرٍ وَالْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَزَيْدُ بْنُ أَرْقَمَ [ ص 175 ] وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَعَرَابَةُ بْنُ أَوْسٍ وَعَمْرُو بْنُ حَزْمٍ وَأَجَازَ مَنْ رَآهُ مُطِيقًا وَكَانَ مِنْهُمْ سَمُرَةُ بْنُ جُنْدَبٍ وَرَافِعُ بْنُ خَدِيجٍ وَلَهُمَا خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً . فَقِيلَ أَجَازَ مَنْ أَجَازَ لِبُلُوغِهِ بِالسّنّ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَرَدّ مَنْ رَدّ لِصِغَرِهِ عَنْ سِنّ الْبُلُوغِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ إنّمَا أَجَازَ مَنْ أَجَازَ لِإِطَاقَتِهِ وَرَدّ مَنْ رَدّ لِعَدَمِ إطَاقَتِهِ وَلَا تَأْثِيرَ لِلْبُلُوغِ وَعَدَمِهِ فِي ذَلِكَ قَالُوا : وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَلَمّا رَآنِي مُطِيقًا أَجَازَنِي وَتَعِبَتْ قُرَيْشٌ لِلْقِتَالِ وَهُمْ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ وَفِيهِمْ مِائَتَا فَارِسٍ فَجَعَلُوا عَلَى مَيْمَنَتِهِمْ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَعَلَى الْمَيْسَرَةِ عِكْرِمَةَ بْنَ أَبِي جَهْلٍ وَدَفَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَيْفَهُ إلَى أَبِي دُجَانَةَ سِمَاكِ بْنِ خَرَشَة َ وَكَانَ شُجَاعًا بَطَلًا يَخْتَالُ عِنْدَ الْحَرْبِ .
[ خَبَرُ أَبِي عَامِرٍ الْفَاسِقِ ]
وَكَانَ أَوّلَ مَنْ بَدَرَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَبُو عَامِرٍ الْفَاسِقُ وَاسْمُهُ عَبْدُ عَمْرِو بْنِ صَيْفِيّ وَكَانَ يُسَمّى : الرّاهِبَ فَسَمّاهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْفَاسِقَ وَكَانَ رَأْسَ الْأَوْسِ فِي الْجَاهِلِيّةِ فَلَمّا جَاءَ الْإِسْلَامُ شَرّقَ بِهِ وَجَاهَرَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْعَدَاوَةِ فَخَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ وَذَهَبَ إلَى قُرَيْشٍ يُؤَلّبُهُمْ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَيَحُضّهُمْ عَلَى قِتَالِهِ وَوَعَدَهُمْ بِأَنّ قَوْمَهُ إذَا رَأَوْهُ أَطَاعُوهُ وَمَالُوا مَعَهُ فَكَانَ أَوّلَ مَنْ لَقِيَ الْمُسْلِمِينَ فَنَادَى قَوْمَهُ وَتَعَرّفَ إلَيْهِمْ فَقَالُوا لَهُ لَا أَنْعَمَ اللّهُ بِكَ عَيْنًا يَا فَاسِقُ . فَقَالَ لَقَدْ أَصَابَ قَوْمِي بَعْدِي شَرّ ثُمّ قَاتَلَ الْمُسْلِمِينَ قِتَالًا شَدِيدًا وَكَانَ شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ أَمِتْ [ ص 176 ] وَأَبْلَى يَوْمَئِذٍ أَبُو دُجَانَةَ الْأَنْصَارِيّ وَطَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ وَأَسَدُ اللّهِ وَأَسَدُ رَسُولِهِ حَمْزَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَنَسُ بْنُ النّضْرِ وَسَعْدُ بْنُ الرّبِيعِ .
عِصْيَانُ الرّمَاةِ لِأَمْرِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَانْتِهَازُ
الْمُشْرِكِينَ هَذِهِ الْفُرْصَةَ
[ مَا أُصِيبَ بِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم ]
وَكَانَتْ الدّوْلَةُ أَوّلَ النّهَارِ لِلْمُسْلِمِينَ عَلَى الْكُفّار فَانْهَزَمَ عَدُوّ اللّهِ وَوَلّوْا مُدْبِرِينَ حَتّى انْتَهَوْا إلَى نِسَائِهِمْ فَلَمّا رَأَى الرّمَاةُ هَزِيمَتَهُمْ تَرَكُوا مَرْكَزَهُمْ الّذِي أَمَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِحِفْظِهِ وَقَالُوا : يَا قَوْمُ الْغَنِيمَةُ فَذَكّرَهُمْ أَمِيرُهُمْ عَهْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمْ يَسْمَعُوا وَظَنّوا أَنْ لَيْسَ لِلْمُشْرِكِينَ رَجْعَةٌ فَذَهَبُوا فِي طَلَبِ الْغَنِيمَةِ وَأَخْلَوْ الثّغْرَ وَكَرّ فُرْسَانُ الْمُشْرِكِينَ فَوَجَدُوا الثّغْرَ خَالِيًا قَدْ خَلَا مِنْ الرّمَاةِ فَجَازُوا مِنْهُ وَتَمَكّنُوا حَتّى أَقْبَلَ آخِرُهُمْ فَأَحَاطُوا بِالْمُسْلِمِينَ فَأَكْرَمَ اللّهُ مَنْ أَكْرَمَ مِنْهُمْ بِالشّهَادَةِ وَهُمْ سَبْعُونَ وَتَوَلّى الصّحَابَةُ وَخَلَصَ الْمُشْرِكُونَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَجَرَحُوا وَجْهَهُ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ الْيُمْنَى وَكَادَتْ السّفْلَى وَهَشّمُوا الْبَيْضَةَ عَلَى رَأْسِهِ وَرَمَوْهُ بِالْحِجَارَةِ حَتّى وَقَعَ لِشِقّهِ وَسَقَطَ فِي حُفْرَةٍ مِنْ الْحُفَرِ الّتِي كَانَ أَبُو عَامِرٍ الْفَاسِقُ يَكِيدُ بِهَا الْمُسْلِمِينَ فَأَخَذَ عَلِيّ بِيَدِهِ وَاحْتَضَنَهُ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللّهِ وَكَانَ الّذِي تَوَلّى أَذَاهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَمْرُو بْنُ قَمِئَةَ وَعُتْبَةُ بْنُ أَبِي وَقّاصٍ وَقِيلَ إنّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ شِهَابٍ الزّهْرِيّ عَمّ مُحَمّدِ بْنِ مُسْلِمِ بْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ هُوَ الّذِي شَجّهُ .
[ قَتْلُ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ ]
[ شَأْنُ مَالِكِ بْنِ سِنَانٍ ]
وَقُتِلَ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ بَيْنَ يَدَيْهِ فَدَفَعَ اللّوَاءَ إلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَنَشِبَتْ حَلْقَتَانِ مِنْ حِلَقِ الْمِغْفَرِ فِي وَجْهِهِ فَانْتَزَعَهُمَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ [ ص 177 ] وَعَضّ عَلَيْهِمَا حَتّى سَقَطَتْ ثِنْيَتَاهُ مِنْ شِدّةِ غَوْصِهِمَا فِي وَجْهِهِ وَامْتَصّ مَالِكُ بْنُ سِنَانٍ وَالِدُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ الدّمَ مِنْ وَجْنَتِهِ وَأَدْرَكَهُ الْمُشْرِكُونَ يُرِيدُونَ مَا اللّهُ حَائِلٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ فَحَالَ دُونَهُ نَفَرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ نَحْوُ عَشْرَةٍ حَتّى قُتِلُوا ثُمّ جَالَدَهُمْ طَلْحَةُ حَتّى أَجْهَضَهُمْ عَنْهُ وَتَرّسَ أَبُو دُجَانَةَ عَلَيْهِ بِظَهْرِهِ وَالنّبْلُ يَقَعُ فِيهِ وَهُوَ لَا يَتَحَرّكُ وَأُصِيبَتْ يَوْمَئِذٍ عَيْنُ قَتَادَةَ بْنِ النّعْمَانِ فَأَتَى بِهَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرَدّهَا عَلَيْهِ بِيَدِهِ وَكَانَتْ أَصَحّ عَيْنَيْهِ وَأَحْسَنَهُمَا وَصَرَخَ الشّيْطَانُ بِأَعْلَى صَوْتِهِ إنّ مُحَمّدًا قَدْ قُتِلَ وَوَقَعَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِ كَثِيرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَفَرّ أَكْثَرُهُمْ وَكَانَ أَمْرُ اللّهِ قَدَرًا مَقْدُورًا .
[ ُقَتْل أَنَسِ بْنِ النّضْرِ ]
[ وَجَرْحُ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ]
وَمَرّ أَنَسُ بْنُ النّضْر ِ بِقَوْمٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَلْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ مَا تَنْتَظِرُونَ ؟ فَقَالُوا : قُتِلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ مَا تَصْنَعُونَ فِي الْحَيَاةِ بَعْدَهُ ؟ قُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ ثُمّ اسْتَقْبَلَ النّاسَ وَلَقِيَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ فَقَالَ يَا سَعْدُ إنّي لَأَجِدُ رِيحَ الْجَنّةِ مِنْ دُونِ أُحُدٍ فَقَاتَلَ حَتّى قُتِلَ وَوُجِدَ بِهِ سَبْعُونَ ضَرْبَةً وَجُرِحَ يَوْمَئِذٍ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ نَحْوًا مِنْ عِشْرِينَ جِرَاحَةً [ ص 178 ]
[ قَتْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُبَيّ بْنَ خَلَفٍ ]
وَأَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَحْوَ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ أَوّلُ مَنْ عَرَفَهُ تَحْتَ الْمِغْفَرِ كَعْبَ بْنَ مَالِكٍ فَصَاحَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أَبْشِرُوا هَذَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَشَارَ إلَيْهِ أَنْ اُسْكُتْ وَاجْتَمَعَ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَنَهَضُوا مَعَهُ إلَى الشّعْبِ الّذِي نَزَلَ فِيهِ وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَعَلِيّ وَالْحَارِثُ بْنُ الصّمّةِ الْأَنْصَارِيّ وَغَيْرُهُمْ فَلَمّا اسْتَنَدُوا إلَى الْجَبَلِ أَدْرَكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُبَيّ بْنَ خَلَفٍ عَلَى جَوَادٍ لَهُ يُقَالُ لَهُ الْعَوْذ زَعَمَ عَدُوّ اللّهِ أَنّهُ يَقْتُلُ عَلَيْهِ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمّا اقْتَرَبَ مِنْهُ تَنَاوَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْحَرْبَةَ مِنْ الْحَارِثِ بْنِ الصّمّةِ فَطَعَنَهُ بِهَا فَجَاءَتْ فِي تَرْقُوَتِهِ فَكَرّ عَدُوّ اللّهِ مُنْهَزِمًا فَقَالَ لَهُ الْمُشْرِكُونَ وَاَللّهِ مَا بِك مِنْ بَأْسٍ فَقَالَ وَاَللّهِ لَوْ كَانَ مَا بِي بِأَهْلِ ذِي الْمِجَازِ لَمَاتُوا أَجْمَعُونَ وَكَانَ يَعْلِفُ فَرَسَهُ بِمَكّةَ وَيَقُولُ أَقْتُلُ عَلَيْهِ مُحَمّدًا فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى فَلَمّا طَعَنَهُ تَذَكّرَ عَدُوّ اللّهِ قَوْلَهُ أَنَا قَاتِلُهُ فَأَيْقَنَ بِأَنّهُ مَقْتُولٌ مِنْ ذَلِكَ الْجُرْحِ فَمَاتَ مِنْهُ فِي طَرِيقِهِ بِسَرِفٍ مَرْجِعَهُ إلَى مَكّةَ . [ ص 179 ] عَلِيّ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَاءٍ لِيَشْرَبَ مِنْهُ فَوَجَدَهُ آجِنًا فَرَدّهُ وَغَسَلَ عَنْ وَجْهِهِ الدّمَ وَصَبّ عَلَى رَأْسِهِ . فَأَرَادَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَعْلُوَ صَخْرَةً هُنَالِكَ فَلَمْ يَسْتَطِعْ لِمَا بِهِ فَجَلَسَ طَلْحَةُ تَحْتَهُ حَتّى صَعِدَهَا وَحَانَتْ الصّلَاةُ فَصَلّى بِهِمْ جَالِسًا وَصَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ تَحْتَ لِوَاءِ الْأَنْصَارِ .
[ حَنْظَلَةُ غَسِيلُ الْمَلَائِكَةِ ]
وَشَدّ حَنْظَلَةُ الْغَسِيلُ وَهُوَ حَنْظَلَةُ بْنُ أَبِي عَامِرٍ عَلَى أَبِي سُفْيَانَ فَلَمّا تَمَكّنَ مِنْهُ حَمَلَ عَلَى حَنْظَلَةَ شَدّادُ بْنُ الْأَسْوَدِ فَقَتَلَه وَكَانَ جُنُبًا فَإِنّهُ سَمِعَ الصّيْحَةَ وَهُوَ عَلَى امْرَأَتِهِ فَقَامَ مِنْ فَوْرِهِ إلَى الْجِهَادِ فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ أَنّ الْمَلَائِكَةَ تُغَسّلُهُ ثُمّ قَالَ سَلُوا أَهْلَهُ ؟ مَا شَأْنُهُ ؟ فَسَأَلُوا امْرَأَتَهُ فَأَخْبَرَتْهُمْ الْخَبَر . وَجَعَلَ الْفُقَهَاءُ هَذَا حُجّةً أَنّ الشّهِيدَ إذَا قُتِلَ جُنُبًا يُغَسّلُ اقْتِدَاءً بِالْمَلَائِكَةِ .
[ أُمّ عِمَارَةَ ]
وَقَتَلَ الْمُسْلِمُونَ حَامِلَ لِوَاءِ الْمُشْرِكِينَ فَرَفَعَتْهُ لَهُمْ عَمْرَةُ بِنْتُ عَلْقَمَةَ الْحَارِثِيّهُ حَتّى اجْتَمَعُوا إلَيْهِ وَقَاتَلَتْ أُمّ عِمَارَةَ وَهِيَ نَسِيبَةُ بِنْتُ كَعْبٍ الْمَازِنِيّةُ قِتَالًا شَدِيدًا وَضَرَبَتْ عَمْرَو بْنَ قَمِئَةَ بِالسّيْفِ ضَرَبَاتٍ فَوَقَتْهُ دِرْعَانِ كَانَتَا عَلَيْهِ وَضَرَبَهَا عمرو بِالسّيْفِ فَجَرَحَهَا جُرْحًا شَدِيدًا عَلَى عَاتِقِهَا .
[ شَهَادَةُ الْأُصَيْرِمِ مَعَ أَنّهُ لَمْ يُصَلّ صَلَاةً قَطّ ]
وَكَانَ عَمْرُو بْنُ ثَابِتٍ الْمَعْرُوفُ بِالْأُصَيْرِمِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَل ِ يَأْبَى الْإِسْلَامَ فَلَمّا كَانَ يَوْمُ أُحُد ٍ قَذَفَ اللّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِهِ لِلْحُسْنَى الّتِي سَبَقَتْ [ ص 180 ] فَأَسْلَمَ وَأَخَذَ سَيْفَهُ وَلَحِقَ بِالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَاتَلَ فَأُثْبِتَ بِالْجِرَاحِ وَلَمْ يَعْلَمْ أَحَدٌ بِأَمْرِهِ فَلَمّا انْجَلَتْ الْحَرْبُ طَافَ بَنُو عَبْدِ الْأَشْهَلِ فِي الْقَتْلَى يَلْتَمِسُونَ قَتْلَاهُمْ فَوَجَدُوا الْأُصَيْرِمَ وَبِهِ رَمَقٌ يَسِيرُ فَقَالُوا : وَاَللّهِ إنّ هَذَا الْأُصَيْرِمُ مَا جَاءَ بِهِ لَقَدْ تَرَكْنَاهُ وَإِنّهُ لَمُنْكِرٌ لِهَذَا الْأَمْرِ ثُمّ سَأَلُوهُ مَا الّذِي جَاءَ بِك ؟ أَحَدَبٌ عَلَى قَوْمِك أَمْ رَغْبَةٌ فِي الْإِسْلَامِ ؟ فَقَالَ بَلْ رَغْبَةٌ فِي الْإِسْلَامِ آمَنْتُ بِاَللّهِ وَرَسُولِهِ ثُمّ قَاتَلْتُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى أَصَابَنِي مَا تَرَوْنَ وَمَاتَ مِنْ وَقْتِهِ فَذَكَرُوهُ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنّة قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : وَلَمْ يُصَلّ لِلّهِ صَلَاةً قَطّ .
[مُنَادَاةُ أَبِي سُفْيَانَ لِلْمُسْلِمِينَ ]
وَلَمّا انْقَضَتْ الْحَرْبُ أَشْرَفَ أَبُو سُفْيَانَ عَلَى الْجَبَلِ فَنَادَى : أَفِيكُمْ مُحَمّدٌ ؟ فَلَمْ يُجِيبُوهُ فَقَالَ أَفِيكُمْ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ؟ فَلَمْ يُجِيبُوهُ . فَقَالَ أَفِيكُمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ؟ فَلَمْ يُجِيبُوهُ وَلَمْ يَسْأَلْ إلّا عَنْ هَؤُلَاءِ الثّلَاثَةِ لِعِلْمِهِ وَعِلْمِ قَوْمِهِ أَنّ قِوَامَ الْإِسْلَامِ بِهِمْ فَقَالَ أَمّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ كُفِيتُمُوهُمْ فَلَمْ يَمْلِكْ عُمَرُ نَفْسَهُ أَنْ قَالَ يَا عَدُوّ اللّهِ إنّ الّذِينَ ذَكَرْتهمْ أَحْيَاءٌ وَقَدْ أَبْقَى اللّهُ لَكَ مَا يَسُوءُك فَقَالَ قَدْ كَانَ فِي الْقَوْمِ مُثْلَةٌ لَمْ آمُرْ بِهَا وَلَمْ تَسُؤْنِي ثُمّ قَالَ اُعْلُ هُبَلُ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَلَا تُجِيبُونَهُ ؟ فَقَالُوا : مَا نُقُولُ ؟ قَالَ قُولُوا : اللّهُ أَعْلَى وَأَجَلّ ثُمّ قَالَ لَنَا الْعُزّى وَلَا عُزّى لَكُمْ . قَالَ أَلَا تُجِيبُونَهُ ؟ قَالُوا : مَا نَقُولُ ؟ قَالَ قُولُوا : اللّهُ مَوْلَانَا وَلَا مَوْلَى لَكُمْ [ ص 181 ] فَأَمَرَهُمْ بِجَوَابِهِ عِنْدَ افْتِخَارِهِ بِآلِهَتِهِ وَبِشِرْكِهِ تَعْظِيمًا لِلتّوْحِيدِ وَإِعْلَامًا بِعِزّةِ مَنْ عَبَدَهُ الْمُسْلِمُونَ وَقُوّةِ جَانِبِهِ وَأَنّهُ لَا يُغْلَبُ وَنَحْنُ حِزْبُهُ وَجُنْدُهُ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِإِجَابَتِهِ حِينَ قَالَ أَفِيكُمْ مُحَمّدٌ ؟ أَفِيكُمْ ابْنُ أَبِي قُحَافَةَ ؟ أَفِيكُمْ عُمَرُ ؟ بَلْ قَدْ رُوِيَ أَنّهُ نَهَاهُمْ عَنْ إجَابَتِهِ وَقَالَ لَا تُجِيبُوهُ لِأَنّ كَلْمَهُمْ لَمْ يَكُنْ بَرَدَ بَعْدُ فِي طَلَبِ الْقَوْمِ وَنَارُ غَيْظِهِمْ بَعْدُ مُتَوَقّدَةٌ فَلَمّا قَالَ لِأَصْحَابِهِ أَمّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ كُفِيتُمُوهُمْ حَمِيَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ وَاشْتَدّ غَضَبُهُ وَقَالَ كَذَبْت يَا عَدُوّ اللّهِ فَكَانَ فِي هَذَا الْإِعْلَامُ مِنْ الْإِذْلَالِ وَالشّجَاعَةِ وَعَدَمِ الْجُبْنِ وَالتّعَرّفِ إلَى الْعَدُوّ فِي تِلْكَ الْحَالِ مَا يُؤْذِنُهُمْ بِقُوّةِ الْقَوْمِ وَبَسَالَتِهِمْ وَأَنّهُمْ لَمْ يَهِنُوا وَلَمْ يَضْعُفُوا وَأَنّهُ وَقَوْمُهُ جَدِيرُونَ بِعَدَمِ الْخَوْفِ مِنْهُمْ وَقَدْ أَبْقَى اللّهُ لَهُمْ مَا يَسُوءُهُمْ مِنْهُمْ وَكَانَ فِي الْإِعْلَامِ بِبَقَاءِ هَؤُلَاءِ الثّلَاثَةِ وَهْلَةٌ بَعْدَ ظَنّهِ وَظَنّ قَوْمِهِ أَنّهُمْ قَدْ أُصِيبُوا مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَغَيْظِ الْعَدُوّ وَحِزْبِهِ وَالْفَتّ فِي عَضُدِهِ مَا لَيْسَ فِي جَوَابِهِ حِينَ سَأَلَ عَنْهُمْ وَاحِدًا وَاحِدًا فَكَانَ سُؤَالُهُ عَنْهُمْ وَنَعْيُهُمْ لِقَوْمِهِ آخِرَ سِهَامِ الْعَدُوّ وَكَيْدِهِ فَصَبَرَ لَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى اسْتَوْفَى كَيْدَهُ ثُمّ اُنْتُدِبَ لَهُ عُمَرُ فَرَدّ سِهَامَ كَيْدِهِ عَلَيْهِ وَكَانَ تَرْكُ الْجَوَابِ أَوّلًا عَلَيْهِ أَحْسَنَ وَذِكْرُهُ ثَانِيًا أَحْسَنُ وَأَيْضًا فَإِنّ فِي تَرْكِ إجَابَتِهِ حِينَ سَأَلَ عَنْهُمْ إهَانَةً لَهُ وَتَصْغِيرًا لِشَأْنِهِ فَلَمّا مَنّتْهُ نَفْسُهُ مَوْتَهُمْ وَظَنّ أَنّهُمْ قَدْ قُتِلُوا وَحَصَلَ لَهُ بِذَلِكَ مِنْ الْكِبْرِ وَالْأَشَرِ مَا حَصَلَ كَانَ فِي جَوَابِهِ إهَانَةٌ لَهُ وَتَحْقِيرٌ وَإِذْلَالٌ وَلَمْ يَكُنْ هَذَا مُخَالِفًا لِقَوْلِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا تُجِيبُوهُ فَإِنّهُ إنّمَا نَهَى عَنْ إجَابَتِهِ حِينَ سَأَلَ أَفِيكُمْ مُحَمّد ؟ أَفِيكُمْ فُلَانٌ ؟ أَفِيكُمْ فُلَانٌ ؟ وَلَمْ يَنْهَ عَنْ إجَابَتِهِ حِينَ قَالَ أَمّا هَؤُلَاءِ فَقَدْ قُتِلُوا وَبِكُلّ حَالٍ فَلَا أَحْسَنَ مِنْ تَرْكِ إجَابَتِهِ أَوّلًا وَلَا أَحْسَنَ مِنْ إجَابَتِهِ ثَانِيًا . ثُمّ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَوْمٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ وَالْحَرْبُ سِجَالٌ فَأَجَابَهُ عُمَرُ فَقَالَ لَا سَوَاءٌ قَتْلَانَا فِي الْجَنّةِ وَقَتْلَاكُمْ فِي النّار [ ص 182 ]
[ نَصْرُ اللّهِ رَسُولَهُ يَوْمَ أُحُدٍ ]
وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : مَا نُصِرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي مَوْطِنٍ نَصْرَهُ يَوْمَ أُحُدٍ فَأُنْكِرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ فَقَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ يُنْكِرُ كِتَابُ اللّهِ إنّ اللّهَ يَقُولُ { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسّونَهُمْ بِإِذْنِهِ } [ آل عِمْرَانَ 152 ] قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : وَالْحِسّ الْقَتْلُ وَلَقَدْ كَانَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلِأَصْحَابِهِ أَوّلَ النّهَارِ حَتّى قُتِلَ مِنْ أَصْحَابِ الْمُشْرِكِينَ سَبْعَةٌ أَوْ تِسْعَة وَذَكَرَ الْحَدِيثَ .
[ النّعَاسُ فِي أُحُدٍ ]
وَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْهِمْ النّعَاسَ أَمَنَةً مِنْهُ فِي غَزَاةِ بَدْرٍ وَأُحُد ٍ وَالنّعَاسُ فِي الْحَرْبِ وَعِنْدَ الْخَوْفِ دَلِيلٌ عَلَى الْأَمْنِ وَهُوَ مِنْ اللّهِ وَفِي الصّلَاةِ وَمَجَالِسِ الذّكْرِ وَالْعِلْمِ مِنْ الشّيْطَانِ .
دِفَاعُ مَلَكَيْنِ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
وَقَاتَلَتْ الْمَلَائِكَةُ يَوْمَ أُحُدٍ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَفِي " الصّحِيحَيْن ِ " : عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ قَالَ رَأَيْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَمَعَهُ رَجُلَانِ يُقَاتِلَانِ عَنْهُ عَلَيْهِمَا ثِيَابٌ بِيضٌ كَأَشَدّ الْقِتَالِ مَا رَأَيْتُهُمَا قَبْلُ وَلَا بَعْدُ
دِفَاعُ سَبْعَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " : أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُفْرِدَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي سَبْعَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَرَجُلَيْنِ مِنْ قُرَيْشٍ فَلَمّا رَهِقُوهُ قَالَ مَنْ يَرُدّهُمْ عَنّا وَلَهُ الْجَنّةُ أَوْ هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنّةِ فَتَقَدّمَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَى قُتِلَ ثُمّ رَهِقُوهُ فَقَالَ مَنْ يَرُدّهُمْ عَنّا وَلَهُ الْجَنّةُ أَوْ هُوَ رَفِيقِي فِي الْجَنّةِ فَتَقَدّمَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَاتَلَ حَتَى قُتِلَ فَلَمْ يَزَلْ كَذَلِكَ حَتّى قُتِلَ السّبْعَةُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا أَنْصَفْنَا أَصْحَابَنَا وَهَذَا يُرْوَى عَلَى وَجْهَيْنِ بِسُكُونِ [ ص 183 ] وَوَجْهُ النّصْبِ أَنّ الْأَنْصَارَ لَمّا خَرَجُوا لِلْقِتَالِ وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ حَتّى قُتِلُوا وَلَمْ يَخْرُجْ الْقُرَشِيّانِ قَالَ ذَلِكَ أَيْ مَا أَنْصَفَتْ قُرَيْشٌ الْأَنْصَارَ . وَوَجْهُ الرّفْعِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِالْأَصْحَابِ الّذِينَ فَرّوا عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى أُفْرِدَ فِي النّفَرِ الْقَلِيلِ فَقُتِلُوا وَاحِدًا بَعْدَ وَاحِدٍ فَلَمْ يُنْصِفُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَنْ ثَبَتَ مَعَهُ .
دِفَاعُ طَلْحَةَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَنَزْعُ أَبِي عُبَيْدَةَ
حَلْقَةَ الْمِغْفَرِ مِنْ جَبِينِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
وَفِي " صَحِيحِ ابْنِ حِبّانَ " عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ : لَمّا كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ انْصَرَفَ النّاسُ كُلّهُمْ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَكُنْتُ أَوّلَ مَنْ فَاءَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرَأَيْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ رَجُلًا يُقَاتِلُ عَنْهُ وَيَحْمِيهِ قُلْتُ كُنْ طَلْحَةَ فِدَاكَ أَبِي وَأُمّي كُنْ طَلْحَةَ فِدَاكَ أَبِي وَأُمّي . فَلَمْ أَنْشِبْ أَنْ أَدْرَكَنِي أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ وَإِذَا هُوَ يَشْتَدّ كَأَنّهُ طَيْرٌ حَتّى لَحِقَنِي فَدَفَعْنَا إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَإِذَا طَلْحَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ صَرِيعًا فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دُونَكُمْ أَخَاكُمْ فَقَدْ أوجب وقد رُمِيَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي جَبِينِهِ وَرُوِيَ فِي وَجْنَتِهِ حَتَى غَابَتْ حَلْقَةٌ مِنْ حَلَقِ الْمِغْفَرِ فِي وَجْنَتِهِ فَذَهَبْتُ لِأَنْزِعَهَا عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ نَشَدْتُك بِاَللّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ إلّا تَرَكْتنِي ؟ قَالَ فَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ السّهْمَ بِفِيهِ فَجَعَلَ يُنَضْنِضُهُ كَرَاهَةَ أَنْ يُؤْذِيَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ اسْتَلّ السّهْمَ بِفِيهِ فَنَدَرَتْ ثَنِيّةُ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ ثُمّ ذَهَبْتُ لِآخُذَ الْآخَرَ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ نَشَدْتُكَ بِاَللّهِ يَا أَبَا بَكْرٍ إلّا تَرَكْتِنِي ؟ قَالَ فَأَخَذَهُ فَجَعَلَ يُنَضْنِضُهُ حَتَى اسْتَلّهُ فَنَدَرَتْ ثَنِيّةُ أَبِي عُبَيْدَةَ الْأُخْرَى ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دُونَكُمْ أَخَاكُمْ فَقَدْ أَوْجَبَ قَالَ فَأَقْبَلْنَا عَلَى طَلْحَةَ نُعَالِجُهُ وَقَدْ أَصَابَتْهُ بِضْعَةَ عَشَرَ ضَرْبَةً [ ص 184 ]
[ سَهْمٌ سَعْدٍ ]
وَفِي " مَغَازِي الْأُمَوِيّ " : أَنّ الْمُشْرِكِينَ صَعِدُوا عَلَى الْجَبَلِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِسَعْدٍ " اُجْنُبْهُمْ " يَقُولُ اُرْدُدْهُمْ . فَقَالَ كَيْفَ أَجْنُبُهُمْ وَحْدِي ؟ فَقَالَ ذَلِكَ ثَلَاثًا فَأَخَذَ سَعْدٌ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ فَرَمَى بِهِ رَجُلًا فَقَتَلَهُ قَالَ ثُمّ أَخَذْتُ سَهْمِي أَعْرِفُهُ فَرَمَيْتُ بِهِ آخَرَ فَقَتَلْته ثُمّ أَخَذْتُهُ أَعْرِفُهُ فَرَمَيْتُ بِهِ آخَرَ فَقَتَلْته فَهَبَطُوا مِنْ مَكَانِهِمْ فَقُلْتُ هَذَا سَهْمٌ مُبَارَكٌ فَجَعَلْته فِي كِنَانَتِي فَكَانَ عِنْدَ سَعْدٍ حَتّى مَاتَ ثُمّ كَانَ عِنْدَ بَنِيهِ .
[ غَسْلُ عَلِيّ وَفَاطِمَةَ جُرْحَ النّبِيّ ]
صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ أَبِي حَازِمٍ أَنّهُ سُئِلَ عَنْ جُرْحِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ وَاَللّهِ إنّي لَأَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَغْسِلُ جُرْحَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَنْ كَانَ يَسْكُبُ الْمَاءَ وَبِمَا دُووِيَ كَانَتْ فَاطِمَةُ ابْنَتُهُ تَغْسِلُهُ وَعَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ يَسْكُبُ الْمَاءَ بِالْمِجَنّ فَلَمّا رَأَتْ فَاطِمَةُ أَنّ الْمَاءَ لَا يَزِيدُ الدّمَ إلّا كَثْرَةً أَخَذَتْ قِطْعَةً مِنْ حَصِيرٍ فَأَحْرَقَتْهَا فَأَلْصَقَتْهَا فَاسْتَمْسَكَ الدّمُ
نُزُولُ قَوْلِهِ تَعَالَى { لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ }
وَفِي " الصّحِيحِ " : أَنّهُ كُسِرَتْ رَبَاعِيَتُهُ وَشُجّ فِي رَأْسِهِ فَجَعَلَ يَسْلُتُ الدّمَ عَنْهُ وَيَقُولُ كَيْفَ يُفْلِحُ قَوْمٌ شَجّوا وَجْهَ نَبِيّهِمْ وَكَسَرُوا رَبَاعِيَتَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُم فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ { لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ أَوْ يُعَذّبَهُمْ فَإِنّهُمْ ظَالِمُونَ } [ آل عِمْرَانَ 128 ] .
[ عَدَمُ انْهِزَامِ أَنَسِ بْنِ النّضْرِ عِنْدَمَا انْهَزَمَ النّاس ُ ]
وَلَمّا انْهَزَمَ النّاسُ لَمْ يَنْهَزِمْ أَنَسُ بْنُ النّضْرِ . وَقَالَ اللّهُمّ إنّي أَعْتَذِرُ إلَيْكَ مِمّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْمُسْلِمِينَ وَأَبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا صَنَعَ هَؤُلَاءِ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ ثُمّ تَقَدّمَ فَلَقِيَهُ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ أَيْنَ يَا أَبَا عُمَرَ ؟ فَقَالَ أَنَسٌ وَاهَا لِرِيحِ الْجَنّةِ يَا سَعْدُ إنّي أَجِدُهُ دُونَ أُحُدٍ ثُمّ مَضَى فَقَاتَلَ الْقَوْمَ حَتّى قُتِلَ فَمَا عُرِفَ حَتّى عَرَفَتْهُ أُخْتُهُ بِبَنَانِهِ وَبِهِ بِضْعٌ وَثَمَانُونَ مَا بَيْنَ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ وَضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ [ ص 185 ] وَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ أَوّلَ النّهَارِ كَمَا تَقَدّمَ فَصَرَخَ فِيهِمْ إبْلِيسُ أَيْ عِبَادَ اللّهِ أَخْزَاكُمْ اللّهُ فَارْجِعُوا مِنْ الْهَزِيمَةِ فَاجْتَلِدُوا .
[ قَتْلُ الْمُسْلِمِينَ وَالِدَ حُذَيْفَةَ وَهُمْ يَظُنّونَهُ مُشْرِكًا ]
وَنَظَرَ حُذَيْفَةُ إلَى أَبِيهِ وَالْمُسْلِمُونَ يُرِيدُونَ قَتْلَهُ وَهُمْ يَظُنّونَهُ مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَقَالَ أَيْ عِبَادَ اللّهِ أَبِي فَلَمْ يَفْهَمُوا قَوْلَهُ حَتّى قَتَلُوهُ فَقَالَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ فَأَرَادَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَدِيَهُ فَقَالَ قَدْ تَصَدّقْتُ بِدِيَتِهِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَزَادَ ذَلِكَ حُذَيْفَةَ خَيْرًا عِنْدَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم
[ إقْرَاؤُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ السّلَامَ لِسَعْدِ بْنِ الرّبِيعِ وَهُوَ بَيْنَ الْقَتْلَى ]
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : بَعَثَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ أُحُدٍ أَطْلُبُ سَعْدَ بْنَ الرّبِيعِ فَقَالَ لِي : إنْ رَأَيْتَهُ فَأَقْرِئْهُ مِنّي السّلَامَ وَقُلْ لَهُ يَقُولُ لَكَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ قَالَ فَجَعَلْتُ أَطُوفُ بَيْنَ الْقَتْلَى فَأَتَيْته وَهُوَ بِآخِرِ رَمَقٍ وَفِيهِ سَبْعُونَ ضَرْبَةً مَا بَيْنَ طَعْنَةٍ بِرُمْحٍ وَضَرْبَةٍ بِسَيْفٍ وَرَمْيَةٍ بِسَهْمٍ فَقُلْت : يَا سَعْدُ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقْرَأُ عَلَيْكَ السّلَامَ وَيَقُولُ لَك : أَخْبِرْنِي كَيْفَ تَجِدُكَ ؟ فَقَالَ وَعَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ السّلَامُ قُلْ لَهُ يَا رَسُولَ اللّهِ أَجِدُ رِيحَ الْجَنّةِ وَقُلْ لِقَوْمِيَ الْأَنْصَارِ : لَا عُذْرَ لَكُمْ عِنْدَ اللّهِ إنْ خُلِصَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفِيكُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ وَفَاضَتْ نَفْسُهُ مِنْ وَقْتِه [ ص 186 ]
[ نُزُولُ قَوْلِهِ تَعَالَى { وَمَا مُحَمّدٌ إِلّا رَسُولٌ } ]
وَمَرّ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ بِرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَهُوَ يَتَشَحّطُ فِي دَمِهِ فَقَالَ يَا فُلَانُ أَشَعَرْت أَنّ مُحَمّدًا قَدْ قُتِلَ ؟ فَقَالَ الْأَنْصَارِيّ إنْ كَانَ مُحَمّدٌ قَدْ قُتِلَ فَقَدْ بَلّغَ فَقَاتِلُوا عَنْ دِينِكُمْ فَنَزَلَ { وَمَا مُحَمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ } الْآيَةُ [ آل عِمْرَانَ 142 ]
[ تَعْبِيرُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رُؤْيَا وَالِدِ جَابِرٍ بِالشّهَادَةِ ]
وَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَمْرٍو بْن حَرَامٍ : رَأَيْتُ فِي النّوْمِ قَبْلَ أُحُدٍ مُبَشّرَ بْنَ عَبْدِ الْمُنْذِرِ يَقُولُ لِي : أَنْتَ قَادِمٌ عَلَيْنَا فِي أَيّامٍ فَقُلْتُ وَأَيْنَ أَنْتَ ؟ فَقَالَ فِي الْجَنّةِ نَسْرَحُ فِيهَا كَيْفَ نَشَاءُ . قُلْت لَهُ أَلَمْ تُقْتَلْ يَوْمَ بَدْرٍ ؟ قَالَ بَلَى ثُمّ أُحْيِيت فَذَكَرَ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ هَذِهِ الشّهَادَةُ يَا أَبَا جَابِرٍ
[ دُعَاؤُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِخَيْثَمَةَ بِالشّهَادَةِ ]
وَقَالَ خَيْثَمَةُ أَبُو سَعْدٍ وَكَانَ ابْنُهُ اُسْتُشْهِدَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي يَوْمِ بَدْرٍ : لَقَدْ أَخْطَأَتْنِي وَقْعَةُ بَدْرٍ وَكُنْتُ وَاَللّهِ عَلَيْهَا حَرِيصًا حَتّى سَاهَمْتُ ابْنِي فِي الْخُرُوجِ فَخَرَجَ سَهْمُهُ فَرُزِقَ الشّهَادَةَ وَقَدْ رَأَيْتُ الْبَارِحَةَ ابْنِي فِي النّوْمِ فِي أَحْسَنِ صُورَةٍ يَسْرَحُ فِي ثِمَارِ الْجَنّةِ وَأَنْهَارِهَا وَيَقُولُ الْحَقْ بِنَا تُرَافِقْنَا فِي الْجَنّةِ فَقَدْ وَجَدْتُ مَا وَعَدَنِي رَبّي حَقّا وَقَدْ وَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ أَصْبَحْتُ مُشْتَاقًا إلَى مُرَافَقَتِهِ فِي الْجَنّةِ وَقَدْ كَبِرَتْ سِنّي وَرَقّ عَظْمِي وَأَحْبَبْتُ لِقَاءَ رَبّي فَادْعُ اللّهَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَنْ يَرْزُقَنِي الشّهَادَةَ وَمُرَافَقَةَ سَعْدٍ فِي الْجَنّةِ فَدَعَا لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِذَلِكَ فَقُتِلَ بِأُحُدٍ شَهِيدًا
[ دُعَاءُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ جَحْشٍ لِنَفْسِهِ بِالشّهَادَةِ ]
وَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَحْشٍ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ اللّهُمّ إنّي أُقْسِمُ عَلَيْكَ أَنْ أَلْقَى الْعَدُوّ غَدًا فَيَقْتُلُونِي ثُمّ يَبْقُرُوا بَطْنِي وَيَجْدَعُوا أَنْفِي وَأُذُنِي ثُمّ تَسْأَلُنِي : فِيمَ ذَلِكَ فَأَقُولُ فِيكَ [ ص 187 ]
[ اسْتِشْهَادُ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ ]
وَكَانَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ أَعْرَجَ شَدِيدَ الْعَرَجِ وَكَانَ لَهُ أَرْبَعَةُ بَنِينَ شَبَابٌ يَغْزُونَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذَا غَزَا فَلَمّا تَوَجّهَ إلَى أُحُدٍ أَرَادَ أَنْ يَتَوَجّهَ مَعَهُ فَقَالَ لَهُ بَنُوهُ إنّ اللّهَ قَدْ جَعَلَ لَك رُخْصَةً فَلَوْ قَعَدْتَ وَنَحْنُ نَكْفِيك وَقَدْ وَضَعَ اللّهُ عَنْكَ الْجِهَادَ . فَأَتَى عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ بَنِيّ هَؤُلَاءِ يَمْنَعُونِي أَنْ أَخْرُجَ مَعَك وَوَاللّهِ إنّي لَأَرْجُو أَنْ أَسْتَشْهِدَ فَأَطَأَ بِعَرْجَتِي هَذِهِ فِي الْجَنّةِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمّا أَنْت فَقَدْ وَضَعَ اللّهُ عَنْكَ الْجِهَادَ وَقَالَ لِبَنِيهِ وَمَا َلَيْكُمْ أَنْ تَدَعُوهُ لَعَلّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ أَنْ يَرْزُقَهُ الشّهَادَة فَخَرَجَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقُتِلَ يَوْمَ أُحُدٍ شَهِيدًا .
[ أَنَسُ بْنُ النّضْرِ وَقِتَالُهُ ]
وَانْتَهَى أَنَسُ بْنُ النّضْر ِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللّهِ فِي رِجَالٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَقَدْ أَلْقَوْا بِأَيْدِيهِمْ فَقَالَ مَا يُجْلِسُكُمْ ؟ فَقَالُوا : قُتِلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ فَمَا تَصْنَعُونَ بِالْحَيَاةِ بَعْدَهُ ؟ فَقُومُوا فَمُوتُوا عَلَى مَا مَاتَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ اسْتَقْبَلَ الْقَوْمَ فَقَاتَلَ حَتّى قُتِلَ [ ص 188 ]
[ طَعْنُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُبَيّ بْنَ خَلَفٍ بِحَرْبَةٍ ]
وَأَقْبَلَ أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ عَدُوّ اللّهِ وَهُوَ مُقَنّعٌ فِي الْحَدِيدِ يَقُولُ لَا نَجَوْتُ إنْ نَجَا مُحَمّدٌ وَكَانَ حَلَفَ بِمَكّةَ أَنْ يَقْتُلَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَاسْتَقْبَلَهُ مُصْعَبُ بْنُ عُمَيْرٍ فَقُتِلَ مُصْعَبٌ وَأَبْصَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَرْقُوَةَ أُبَيّ بْنِ خَلَفٍ مِنْ فُرْجَةٍ بَيْنَ سَابِغَةِ الدّرْعِ وَالْبَيْضَةِ فَطَعَنَهُ بِحَرْبَتِهِ فَوَقَعَ عَنْ فَرَسِهِ فَاحْتَمَلَهُ أَصْحَابُهُ وَهُوَ يَخُورُ خُوَارَ الثّوْرِ فَقَالُوا : مَا أَجْزَعَك ؟ إنّمَا هُوَ خَدْشٌ فَذَكَرَ لَهُمْ قَوْلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَلْ أَنَا أَقْتُلُهُ إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى فَمَاتَ بِرَابِغٍ .
[ رُؤْيَةُ ابْنِ عُمَرَ أُبَيّ بْنَ خَلَفٍ ]
قَالَ ابْنُ عُمَرَ : إنّي لَأَسِيرُ بِبَطْنِ رَابِغٍ بَعْدَ هُوَيّ مِنْ اللّيْلِ إذَا نَارٌ تَأَجّجُ لِي فَيَمّمْتهَا وَإِذَا رَجُلٌ يَخْرُجُ مِنْهَا فِي سِلْسِلَةٍ يَجْتَذِبُهَا يَصِيحُ الْعَطَشَ وَإِذَا رَجُلٌ يَقُولُ لَا تَسْقِهِ هَذَا قَتِيلُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَذَا أُبَيّ بْنُ خَلَف
[ صَرْفُ اللّهِ نَظَرَ عَبْدِ اللّهِ بْنِ شِهَابٍ الزّهْرِيّ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ]
وَقَالَ نَافِعُ بْنُ جُبَيْرٍ : سَمِعْتُ رَجُلًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ يَقُولُ شَهِدْتُ أُحُدًا فَنَظَرْتُ إلَى النّبْلِ يَأْتِي مِنْ كُلّ نَاحِيَةٍ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسَطُهَا كُلّ ذَلِكَ يُصْرَفُ عَنْهُ وَلَقَدْ رَأَيْتُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ شِهَابٍ الزّهْرِيّ يَقُولُ يَوْمَئِذٍ دُلّونِي عَلَى مُحَمّدٍ لَا نَجَوْتُ إنْ نَجَا وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى جَنْبِهِ مَا مَعَهُ أَحَدٌ ثُمّ جَاوَزَهُ فَعَاتَبَهُ فِي ذَلِكَ صَفْوَانُ فَقَالَ وَاَللّهِ مَا رَأَيْته أَحْلِفُ بِاَللّهِ إنّهُ مِنّا مَمْنُوعٌ فَخَرَجْنَا أَرْبَعَةً فَتَعَاهَدْنَا وَتَعَاقَدْنَا عَلَى قَتْلِهِ فَلَمْ نَخْلُصْ إلَى ذَلِكَ .
[ مَصّ مَالِكٍ وَالِدِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ جُرْحَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
وَلَمّا مَصّ مَالِكٌ أَبُو أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ جُرْحَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى أَنْقَاهُ قَالَ لَهُ مُجّهُ " قَالَ وَاَللّهِ لَا أَمُجّهُ أَبَدًا ثُمّ أَدْبَرَ . فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ أَرَادَ أَنْ يَنْظُرَ إلَى رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْجَنّةِ فَلْيَنْظُرْ إلَى هَذَا [ ص 189 ]
[ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمُ تَمْحِيصٍ ]
قَالَ الزّهْرِيّ وَعَاصِمُ بْنُ عُمَرَ وَمُحَمّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ حِبّانَ وَغَيْرُهُمْ كَانَ يَوْمُ أُحُدٍ يَوْمَ بَلَاءٍ وَتَمْحِيصٍ اخْتَبَرَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَأَظْهَرَ بِهِ الْمُنَافِقِينَ مِمّنْ كَانَ يُظْهِرُ الْإِسْلَامَ بِلِسَانِهِ وَهُوَ مُسْتَخْفٍ بِالْكُفْرِ فَأَكْرَمَ اللّهُ فِيهِ مَنْ أَرَادَ كَرَامَتَهُ بِالشّهَادَةِ مِنْ أَهْلِ وِلَايَتِهِ فَكَانَ مِمّا نَزَلَ مِنْ الْقُرْآنِ فِي يَوْمِ أُحُدٍ سِتّونَ آيَةً مِنْ آلِ عِمْرَانَ أَوّلُهَا : { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } [ آل عِمْرَانَ 121 ] إلَى آخِرِ الْقِصّةِ .
فَصْلٌ فِيمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْغَزَاةُ مِنْ الْأَحْكَامِ وَالْفِقْهِ
[ الْجِهَادُ يَلْزَمُ بِالشّرُوعِ فِيهِ ]
مِنْهَا : أَنّ الْجِهَادَ يَلْزَمُ بِالشّرُوعِ فِيهِ حَتّى إنّ مَنْ لَبِسَ لَامَتَهُ وَشَرَعَ فِي أَسْبَابِهِ وَتَأَهّبَ لِلْخُرُوجِ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرْجِعَ عَنْ الْخُرُوجِ حَتّى يُقَاتِلَ عَدُوّهُ وَمِنْهَا : أَنّهُ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ إذَا طَرَقَهُمْ عَدُوّهُمْ فِي دِيَارِهِمْ الْخُرُوجُ إلَيْهِ بَلْ يَجُوزُ لَهُمْ أَنْ يَلْزَمُوا دِيَارَهُمْ وَيُقَاتِلُوهُمْ فِيهَا إذَا كَانَ ذَلِكَ أَنْصَرَ لَهُمْ عَلَى عَدُوّهِمْ كَمَا أَشَارَ بِهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَيْهِمْ يَوْمَ أُحُد ٍ . وَمِنْهَا : جَوَازُ سُلُوكِ الْإِمَامِ بِالْعَسْكَرِ فِي بَعْضِ أَمْلَاكِ رَعِيّتِهِ إذَا صَادَفَ ذَلِكَ طَرِيقَهُ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْمَالِكُ . وَمِنْهَا : أَنّهُ لَا يَأْذَنُ لِمَنْ لَا يُطِيقُ الْقِتَالَ مِنْ الصّبْيَانِ غَيْرِ الْبَالِغِينَ بَلْ يَرُدّهُمْ إذَا خَرَجُوا كَمَا رَدّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ابْنَ عُمَرَ وَمَنْ مَعَهُ . وَمِنْهَا : جَوَازُ الْغَزْوِ بِالنّسَاءِ وَالِاسْتِعَانَةُ بِهِنّ فِي الْجِهَادِ . وَمِنْهَا : جَوَازُ الِانْغِمَاسِ فِي الْعَدُوّ كَمَا انْغَمَسَ أَنَسُ بْنُ النّضْرِ وَغَيْرُهُ . وَمِنْهَا : أَنّ الْإِمَامَ إذَا أَصَابَتْهُ جِرَاحَةٌ صَلّى بِهِمْ قَاعِدًا وَصَلّوْا وَرَاءَهُ قُعُودًا [ ص 190 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَاسْتَمَرّتْ عَلَى ذَلِكَ سُنّتُهُ إلَى حِينِ وَفَاتِهِ
[ جَوَازُ دُعَاءِ الرّجُلِ أَنْ يُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ ]
وَمِنْهَا : جَوَازُ دُعَاءِ الرّجُلِ أَنّ يُقْتَلَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَتَمَنّيه ذَلِكَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ تَمَنّي الْمَوْتِ الْمَنْهِيّ عَنْهُ كَمَا قَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ جَحْشٍ : اللّهُمّ لَقّنِي مِنْ الْمُشْرِكِينَ رَجُلًا عَظِيمًا كُفْرُهُ شَدِيدًا حَرَدُهُ فَأُقَاتِلُهُ فَيَقْتُلُنِي فِيك وَيَسْلُبُنِي ثُمّ يَجْدَعُ أَنْفِي وَأُذُنِي فَإِذَا لَقِيتُك فَقُلْتَ يَا عَبْدَ اللّهِ بْنَ جَحْشٍ فِيمَ جُدِعْت ؟ قُلْت : فِيك يَا رَب
[ الْمُنْتَحِرُ مِنْ أَهْلِ النّارِ ]
وَمِنْهَا : أَنّ الْمُسْلِمَ إذَا قَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ مِنْ أَهْلِ النّارِ لِقَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي قُزْمَانَ الّذِي أَبْلَى يَوْمَ أُحُدٍ بَلَاءً شَدِيدًا فَلَمّا اشْتَدّتْ بِهِ الْجِرَاحُ نَحَرَ نَفْسَهُ فَقَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم هُوَ مِنْ أَهْلِ النّار [ ص 191 ]
[ لَا يُغَسّلُ الشّهِيدُ وَلَا يُكَفّنُ وَلَا يُصَلّى عَلَيْهِ ]
وَمِنْهَا : أَنّ السّنّةَ فِي الشّهِيدِ أَنّهُ لَا يُغَسّلُ وَلَا يُصَلّى عَلَيْهِ وَلَا يُكَفّنُ فِي [ ص 192 ] وَمِنْهَا : أَنّهُ إذَا كَانَ جُنُبًا غُسّلَ كَمَا غَسّلَتْ الْمَلَائِكَةُ حَنْظَلَةَ بْنَ أَبِي عَامِرٍ .
[ يُدْفَنُ الشّهَدَاءُ فِي مَصَارِعِهِمْ ]
وَمِنْهَا : أَنّ السّنّةَ فِي الشّهَدَاءِ أَنْ يُدْفَنُوا فِي مَصَارِعِهِمْ وَلَا يُنْقَلُوا إلَى مَكَانٍ آخَرَ فَإِنّ قَوْمًا مِنْ الصّحَابَةِ نَقَلُوا قَتْلَاهُمْ إلَى الْمَدِينَةِ فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْأَمْرِ بِرَدّ الْقَتْلَى إلَى مَصَارِعِهِمْ قَالَ جَابِرٌ بَيْنَا أَنَا فِي النّظّارَةِ إذْ جَاءَتْ عَمّتِي بِأَبِي وَخَالِي عَادَلَتْهُمَا عَلَى نَاضِحٍ فَدَخَلَتْ بِهِمَا الْمَدِينَةَ لِنَدْفِنَهُمَا فِي مَقَابِرِنَا وَجَاءَ رَجُلٌ يُنَادِي : أَلَا إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَرْجِعُوا بِالْقَتْلَى فَتَدْفِنُوهَا فِي مَصَارِعِهَا حَيْثُ قُتِلَتْ . قَالَ فَرَجَعْنَا بِهِمَا فَدَفَنّاهُمَا فِي الْقَتْلَى حَيْثُ قُتِلَا فَبَيْنَا أَنَا فِي خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ بْنِ أَبِي سُفْيَانَ إذْ جَاءَنِي رَجُلٌ فَقَالَ يَا جَابِرُ وَاَللّهِ لَقَدْ أَثَارَ أَبَاكَ عُمّالَ مُعَاوِيَةَ فَبَدَا فَخَرَجَ طَائِفَةٌ مِنْهُ قَالَ فَأَتَيْته فَوَجَدْتُهُ عَلَى النّحْوِ الّذِي تَرَكْتُهُ لَمْ يَتَغَيّرْ مِنْهُ شَيْءٌ . قَالَ فَوَارَيْته فَصَارَتْ سُنّةً فِي الشّهَدَاءِ أَنْ يُدْفَنُوا فِي مَصَارِعِهِمْ [ ص 193 ]
[ يَجُوزُ دَفْنُ الثّلَاثَةِ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ ]
وَمِنْهَا : جَوَازُ دَفْنِ الرّجُلَيْنِ أَوْ الثّلَاثَةِ فِي الْقَبْرِ الْوَاحِدِ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يَدْفِنُ الرّجُلَيْنِ وَالثّلَاثَةَ فِي الْقَبْرِ وَيَقُولُ أَيّهُمْ أَكْثَرُ أَخْذًا لِلْقُرْآنِ فَإِذَا أَشَارُوا إلَى رَجُلٍ قَدّمَهُ فِي اللّحْد وَدَفَنَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ حَرَام ٍ وَعَمْرَو بْنَ الْجَمُوحِ فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ لِمَا كَانَ بَيْنَهُمَا مِنْ الْمَحَبّةِ فَقَالَ ادْفِنُوا هَذَيْنَ الْمُتَحَابّيْنِ فِي الدّنْيَا فِي قَبْرٍ وَاحِدٍ [ ص 194 ]
[ حَفْرُ قَبْرِ وَالِدِ جَابِرٍ بَعْدَ سِتّ وَأَرْبَعِينَ سَنَةً ]
ثُمّ حُفِرَ عَنْهُمَا بَعْدَ زَمَنٍ طَوِيلٍ وَيَدُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ عَلَى جُرْحِهِ كَمَا وَضَعَهَا حِينَ جُرِحَ فَأُمِيطَتْ يَدُهُ عَنْ جُرْحِهِ فَانْبَعَثَ الدّمُ فَرُدّتْ إلَى مَكَانِهَا فَسَكَنَ الدّمُ . وَقَالَ جَابِرٌ رَأَيْتُ أَبِي فِي حُفْرَتِهِ حِينَ حُفِرَ عَلَيْهِ كَأَنّهُ نَائِمٌ وَمَا تَغَيّرَ مِنْ حَالِهِ قَلِيلٌ وَلَا كَثِيرٌ . وَقِيلَ لَهُ أَفَرَأَيْتَ أَكْفَانَهُ ؟ فَقَالَ إنّمَا دُفِنَ فِي نَمِرَةٍ خُمّرَ وَجْهُهُ وَعَلَى رِجْلَيْهِ الْحَرْمَلُ فَوَجَدْنَا النّمِرَةَ كَمَا هِيَ وَالْحَرْمَلُ عَلَى رِجْلَيْهِ عَلَى هَيْئَتِهِ وَبَيْنَ ذَلِكَ سِتّ وَأَرْبَعُونَ سَنَة
[ هَلْ دَفْنُ الشّهَدَاءِ فِي ثِيَابِهِمْ عَلَى الْوُجُوبِ ]
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي أَمْرِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُدْفَنَ شُهَدَاءُ أُحُدٍ فِي ثِيَابِهِمْ هَلْ هُوَ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِحْبَابِ وَالْأَوْلَوِيّهِ أَوْ عَلَى وَجْهِ الْوُجُوبِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ الثّانِي : أَظْهَرُهُمَا وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْأَوّلُ هُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ أَصْحَابِ الشّافِعِيّ وَأَحْمَد َ فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ رَوَى يَعْقُوبُ بْنُ شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ بِإِسْنَادٍ جَيّدٍ أَنّ [ ص 195 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثَوْبَيْنِ لِيُكَفّنَ فِيهِمَا حَمْزَةَ فَكَفّنَهُ فِي أَحَدِهِمَا وَكَفّنَ فِي الْآخَرِ رَجُلًا آخَرَ . قِيلَ حَمْزَةُ كَانَ الْكُفّارُ قَدْ سَلَبُوهُ وَمَثّلُوا بِهِ وَبَقَرُوا عَنْ بَطْنِهِ وَاسْتَخْرَجُوا كَبِدَهُ فَلِذَلِكَ كُفّنَ فِي كَفَنٍ آخَرَ . وَهَذَا الْقَوْلُ فِي الضّعْفِ نَظِيرُ قَوْلِ مَنْ قَالَ يُغَسّلُ الشّهِيدُ وَسُنّةُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَوْلَى بِالِاتّبَاعِ .
[ شَهِيدُ الْمَعْرَكَةِ لَا يُصَلّى عَلَيْهِ ]
وَمِنْهَا : أَنّ شَهِيدَ الْمَعْرَكَةِ لَا يُصَلّى عَلَيْهِ لِأَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يُصَلّ عَلَى شُهَدَاءِ أُحُدٍ وَلَمْ يُعْرَفْ عَنْهُ أَنّهُ صَلّى عَلَى أَحَدٍ مِمّنْ اُسْتُشْهِدَ مَعَهُ فِي مَغَازِيهِ وَكَذَلِكَ خُلَفَاؤُهُ الرّاشِدُونَ وَنُوّابُهُمْ مِنْ بَعْدِهِمْ . فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْن ِ " مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَرَجَ يَوْمًا فَصَلّى عَلَى أَهْلِ أُحُدٍ صَلَاتَهُ عَلَى الْمَيّتِ ثُمّ انْصَرَفَ إلَى الْمِنْبَرِ وَقَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : صَلّى رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى قَتْلَى أُحُدٍ قِيلَ أَمّا صَلَاتُهُ عَلَيْهِمْ فَكَانَتْ بَعْدَ ثَمَانِ سِنِينَ مِنْ قَتْلِهِمْ قُرْبَ مَوْتِهِ كَالْمُوَدّعِ لَهُمْ وَيُشْبِهُ هَذَا خُرُوجَهُ إلَى الْبَقِيعِ قَبْلَ مَوْتِهِ يَسْتَغْفِرُ لَهُمْ كَالْمُوَدّعِ لِلْأَحْيَاءِ وَالْأَمْوَاتِ فَهَذِهِ كَانَتْ تَوْدِيعًا مِنْهُ لَهُمْ لَا أَنّهَا سُنّةُ الصّلَاةِ عَلَى الْمَيّتِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ كَذَلِكَ لَمْ يُؤَخّرْهَا ثَمَانِ سِنِينَ لَا سِيّمَا عِنْدَ مَنْ [ ص 196 ] يُصَلّى عَلَى الْقَبْرِ أَوْ يُصَلّى عَلَيْهِ إلَى شَهْرٍ . وَمِنْهَا : أَنّ مَنْ عَذَرَهُ اللّهُ فِي التّخَلّفِ عَنْ الْجِهَادِ لِمَرَضٍ أَوْ عَرَجٍ يَجُوزُ لَهُ الْخُرُوجُ إلَيْهِ وَإِنْ لَمْ يَجِبْ عَلَيْهِ كَمَا خَرَجَ عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ وَهُوَ أَعْرَجُ .
[ مَنْ قُتِلَ فِي الْجِهَادِ مَظْنُونًا كُفْرُهُ فَعَلَى بَيْتِ الْمَالِ دِيَتُهُ ]
وَمِنْهَا : أَنّ الْمُسْلِمِينَ إذَا قَتَلُوا وَاحِدًا مِنْهُمْ فِي الْجِهَادِ يَظُنّونَهُ كَافِرًا فَعَلَى الْإِمَامِ دِيَتُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ لِأَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَرَادَ أَنْ يَدِيَ الْيَمَانَ أَبَا حُذَيْفَةَ فَامْتَنَعَ حُذَيْفَةُ مِنْ أَخْذِ الدّيَةِ وَتَصَدّقَ بِهَا عَلَى الْمُسْلِمِينَ .
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ بَعْضِ الْحِكَمِ وَالْغَايَاتِ الْمَحْمُودَةِ الّتِي كَانَتْ فِي وَقْعَةِ أُحُدٍ
وَقَدْ أَشَارَ اللّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - إلَى أُمّهَاتِهَا وَأُصُولِهَا فِي سُورَةِ ( آل عِمْرَانَ حَيْثُ افْتَتَحَ الْقِصّةَ بِقَوْلِهِ { وَإِذْ غَدَوْتَ مِنْ أَهْلِكَ تُبَوّئُ الْمُؤْمِنِينَ مَقَاعِدَ لِلْقِتَالِ } [ آل عِمْرَانَ 121 ] إلَى تَمَامِ سِتّينَ آيَةً .
[ تَعْرِيفُهُمْ سُوءَ عَاقِبَةِ الْمَعْصِيَةِ ]
فَمِنْهَا : تَعْرِيفُهُمْ سُوءَ عَاقِبَةِ الْمَعْصِيَةِ وَالْفَشَلِ وَالتّنَازُعِ وَأَنّ الّذِي أَصَابَهُمْ إنّمَا هُوَ بِشُؤْمِ ذَلِكَ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ إِذْ تَحُسّونَهُمْ بِإِذْنِهِ حَتّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ فِي الْأَمْرِ وَعَصَيْتُمْ مِنْ بَعْدِ مَا أَرَاكُمْ مَا تُحِبّونَ مِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الدّنْيَا وَمِنْكُمْ مَنْ يُرِيدُ الْآخِرَةَ ثُمّ صَرَفَكُمْ عَنْهُمْ لِيَبْتَلِيَكُمْ وَلَقَدْ عَفَا عَنْكُمْ } [ آلُ عِمْرَانَ 152 ] . فَلَمّا ذَاقُوا عَاقِبَةَ مَعْصِيَتِهِمْ لِلرّسُولِ وَتَنَازُعِهِمْ وَفَشَلِهِمْ كَانُوا بَعْدَ ذَلِكَ أَشَدّ حَذَرًا وَيَقَظَةً وَتَحَرّزًا مِنْ أَسْبَابِ الْخِذْلَانِ .
[ وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ ]
وَمِنْهَا : أَنّ حِكْمَةَ اللّهِ وَسُنّتَهُ فِي رُسُلِهِ وَأَتْبَاعِهِمْ جَرَتْ بِأَنْ يُدَالُوا مَرّةً وَيُدَالَ عَلَيْهِمْ أُخْرَى لَكِنْ تَكُونُ لَهُمْ الْعَاقِبَةُ فَإِنّهُمْ لَوْ انْتَصَرُوا دَائِمًا دَخَلَ مَعَهُمْ الْمُؤْمِنُونَ وَغَيْرُهُمْ وَلَمْ يَتَمَيّزْ الصّادِقُ مِنْ غَيْرِهِ وَلَوْ اُنْتُصِرَ عَلَيْهِمْ دَائِمًا لَمْ [ ص 197 ] جَمَعَ لَهُمْ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ لِيَتَمَيّزَ مَنْ يَتّبِعُهُمْ وَيُطِيعُهُمْ لِلْحَقّ وَمَا جَاءُوا بِهِ مِمّنْ يَتّبِعُهُمْ عَلَى الظّهُورِ وَالْغَلَبَةِ خَاصّةً .
[ الرّسُلُ تُبْتَلَى ثُمّ تَكُونُ لَهُمْ الْعَاقِبَةُ ]
وَمِنْهَا : أَنّ هَذَا مِنْ أَعْلَامِ الرّسُلِ كَمَا قَالَ هِرَقْلُ لِأَبِي سُفْيَانَ هَلْ قَاتَلْتُمُوهُ ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ كَيْفَ الْحَرْبُ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُ ؟ قَالَ سِجَالٌ يُدَالُ عَلَيْنَا الْمَرّةَ وَنُدَالُ عَلَيْهِ الْأُخْرَى قَالَ كَذَلِكَ الرّسُلُ تُبْتَلَى ثُمّ تَكُونُ لَهُمْ الْعَاقِبَة
[ تَمَيّزُ الْمُؤْمِنِ الصّادِقِ مِنْ الْمُنَافِقِ الْكَاذِبِ ]
وَمِنْهَا : أَنْ يَتَمَيّزَ الْمُؤْمِنُ الصّادِقُ مِنْ الْمُنَافِقِ الْكَاذِبِ فَإِنّ الْمُسْلِمِينَ لَمّا أَظْهَرَهُمْ اللّهُ عَلَى أَعْدَائِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ وَطَارَ لَهُمْ الصّيتُ دَخَلَ مَعَهُمْ فِي الْإِسْلَامِ ظَاهِرًا مَنْ لَيْسَ مَعَهُمْ فِيهِ بَاطِنًا فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللّهِ عَزّ وَجَلّ أَنْ سَبّبَ لِعِبَادِهِ مِحْنَةً مَيّزَتْ بَيْنَ الْمُؤْمِنِ وَالْمُنَافِقِ فَأَطْلَعَ الْمُنَافِقُونَ رُءُوسَهُمْ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَتَكَلّمُوا بِمَا كَانُوا يَكْتُمُونَهُ وَظَهَرَتْ مُخَبّآتُهُمْ وَعَادَ تَلْوِيحُهُمْ تَصْرِيحًا وَانْقَسَمَ النّاسُ إلَى كَافِرٍ وَمُؤْمِنٍ وَمُنَافِقٍ انْقِسَامًا ظَاهِرًا وَعَرَفَ الْمُؤْمِنُونَ أَنّ لَهُمْ عَدُوّا فِي نَفْسِ دُورِهِمْ وَهُمْ مَعَهُمْ لَا يُفَارِقُونَهُمْ فَاسْتَعَدّوا لَهُمْ وَتَحَرّزُوا مِنْهُمْ . قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { مَا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطّيّبِ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنّ اللّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ } [ آل عِمْرَانَ 179 ] أَيْ مَا كَانَ اللّهُ لِيَذَرَكُمْ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ الْتِبَاسِ الْمُؤْمِنِينَ بِالْمُنَافِقِينَ حَتّى يَمِيزَ أَهْلَ الْإِيمَانِ مِنْ أَهْلِ النّفَاقِ كَمَا مَيّزَهُمْ بِالْمِحْنَةِ يَوْمَ أُحُدٍ { وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ } الّذِي يَمِيزُ بِهِ بَيْنَ هَؤُلَاءِ وَهَؤُلَاءِ فَإِنّهُمْ مُتَمَيّزُونَ فِي غَيْبِهِ وَعِلْمِهِ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُرِيدُ أَنْ يَمِيزَهُمْ تَمْيِيزًا مَشْهُودًا فَيَقَعُ مَعْلُومُهُ الّذِي هُوَ غَيْبٌ شَهَادَةً . وَقَوْلُهُ { وَلَكِنّ اللّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ } اسْتِدْرَاكٌ لِمَا نَفَاهُ مِنْ اطّلَاعِ خَلْقِهِ عَلَى الْغَيْبِ سِوَى الرّسُلِ فَإِنّهُ يُطْلِعُهُمْ عَلَى مَا يَشَاءُ مِنْ غَيْبِهِ كَمَا قَالَ { عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ } [ الْجِنّ : 27 ] فَحَظّكُمْ أَنْتُمْ وَسَعَادَتُكُمْ فِي الْإِيمَانِ بِالْغَيْبِ الّذِي يُطْلِعُ عَلَيْهِ [ ص 198 ]
[ اسْتِخْرَاجُ عُبُودِيّةِ أَوْلِيَائِهِ فِي السّرّاءِ وَالضّرّاءِ ]
وَمِنْهَا : اسْتِخْرَاجُ عُبُودِيّةِ أَوْلِيَائِهِ وَحِزْبِهِ فِي السّرّاءِ وَالضّرّاءِ وَفِيمَا يُحِبّونَ وَمَا يَكْرَهُونَ وَفِي حَالِ ظَفَرِهِمْ وَظَفَرِ أَعْدَائِهِمْ بِهِمْ فَإِذَا ثَبَتُوا عَلَى الطّاعَةِ وَالْعُبُودِيّةِ فِيمَا يُحِبّونَ وَمَا يَكْرَهُونَ فَهُمْ عَبِيدُهُ حَقّا وَلَيْسُوا كَمَنْ يَعْبُدُ اللّهَ عَلَى حَرْفٍ وَاحِدٍ مِنْ السّرّاءِ وَالنّعْمَةِ وَالْعَافِيَةِ .
[ حِكْمَةُ تَبَدّلِ الْأَحْوَالِ ]
وَمِنْهَا : أَنّهُ سُبْحَانَهُ لَوْ نَصَرَهُمْ دَائِمًا وَأَظْفَرَهُمْ بِعَدُوّهِمْ فِي كُلّ مَوْطِنٍ وَجَعَلَ لَهُمْ التّمْكِينَ وَالْقَهْرَ لِأَعْدَائِهِمْ أَبَدًا لَطَغَتْ نُفُوسُهُمْ وَشَمَخَتْ وَارْتَفَعَتْ فَلَوْ بَسَطَ لَهُمْ النّصْرَ وَالظّفَرَ لَكَانُوا فِي الْحَالِ الّتِي يَكُونُونَ فِيهَا لَوْ بَسَطَ لَهُمْ الرّزْقَ فَلَا يُصْلِحُ عِبَادَهُ إلّا السّرّاءُ وَالضّرّاءُ وَالشّدّةُ وَالرّخَاءُ وَالْقَبْضُ وَالْبَسْطُ فَهُوَ الْمُدَبّرُ لِأَمْرِ عِبَادِهِ كَمَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ إنّهُ بِهِمْ خَبِيرٌ بَصِيرٌ .
[ الْخُضُوعُ لِجَبَرُوتِهِ تَعَالَى ]
وَمِنْهَا : أَنّهُ إذَا امْتَحَنَهُمْ بِالْغَلَبَةِ وَالْكَسْرَةِ وَالْهَزِيمَةِ ذَلّوا وَانْكَسَرُوا وَخَضَعُوا فَاسْتَوْجَبُوا مِنْهُ الْعِزّ وَالنّصْرَ فَإِنّ خُلْعَةَ النّصْرِ إنّمَا تَكُونُ مَعَ وِلَايَةِ الذّلّ وَالِانْكِسَارِ قَالَ تَعَالَى : { وَلَقَدْ نَصَرَكُمُ اللّهُ بِبَدْرٍ وَأَنْتُمْ أَذِلّةٌ } [ آل عِمْرَانَ 123 ] وَقَالَ { وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا } [ التّوْبَةُ 25 ] فَهُوَ - سُبْحَانَهُ - إذَا أَرَادَ أَنْ يُعِزّ عَبْدَهُ وَيَجْبُرَهُ وَيَنْصُرَهُ كَسَرَهُ أَوّلًا وَيَكُونُ جَبْرُهُ لَهُ وَنَصْرُهُ عَلَى مِقْدَارِ ذُلّهِ وَانْكِسَارِهِ .
[ رَفْعُ مَنَازِلِهِمْ ]
وَمِنْهَا : أَنّهُ سُبْحَانَهُ هَيّأَ لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ مَنَازِلَ فِي دَارِ كَرَامَتِهِ لَمْ تَبْلُغْهَا أَعْمَالُهُمْ وَلَمْ يَكُونُوا بَالِغِيهَا إلّا بِالْبَلَاءِ وَالْمِحْنَةِ فَقَيّضَ لَهُمْ الْأَسْبَابَ الّتِي تُوصِلُهُمْ إلَيْهَا مِنْ ابْتِلَائِهِ وَامْتِحَانِهِ كَمَا وَفّقَهُمْ لِلْأَعْمَالِ الصّالِحَةِ الّتِي هِيَ مِنْ جُمْلَةِ أَسْبَابِ وُصُولِهِمْ إلَيْهَا .
[ تَحْرِيضُهُمْ عَلَى الْجِدّ فِي الْعُبُودِيّةِ لِلّهِ ]
وَمِنْهَا : أَنّ النّفُوسَ تَكْتَسِبُ مِنْ الْعَافِيَةِ الدّائِمَةِ وَالنّصْرِ وَالْغِنَى طُغْيَانًا وَرُكُونًا إلَى الْعَاجِلَةِ وَذَلِكَ مَرَضٌ يَعُوقُهَا عَنْ جِدّهَا فِي سَيْرِهَا إلَى اللّهِ وَالدّارِ الْآخِرَةِ فَإِذَا أَرَادَ بِهَا رَبّهَا وَمَالِكُهَا وَرَاحِمُهَا كَرَامَتَهُ قَيّضَ لَهَا مِنْ الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ مَا يَكُونُ دَوَاءً لِذَلِكَ الْمَرَضِ الْعَائِقِ عَنْ السّيْرِ الْحَثِيثِ إلَيْهِ فَيَكُونُ ذَلِكَ الْبَلَاءُ وَالْمِحْنَةُ [ ص 199 ] تَرَكَهُ لَغَلَبَتْهُ الْأَدْوَاءُ حَتّى يَكُونَ فِيهَا هَلَاكُهُ . وَمِنْهَا : أَنّ الشّهَادَةَ عِنْدَهُ مِنْ أَعْلَى مَرَاتِبِ أَوْلِيَائِهِ وَالشّهَدَاءُ هُمْ خَوَاصّهُ وَالْمُقَرّبُونَ مِنْ عِبَادِهِ وَلَيْسَ بَعْدَ دَرَجَةِ الصّدّيقِيّةِ إلّا الشّهَادَةُ وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُحِبّ أَنْ يَتّخِذَ مِنْ عِبَادِهِ شُهَدَاءَ تُرَاقُ دِمَاؤُهُمْ فِي مَحَبّتِهِ وَمَرْضَاتِهِ وَيُؤْثِرُونَ رِضَاهُ وَمَحَابّهُ عَلَى نُفُوسِهِمْ وَلَا سَبِيلَ إلَى نَيْلِ هَذِهِ الدّرَجَةِ إلّا بِتَقْدِيرِ الْأَسْبَابِ الْمُفْضِيَةِ إلَيْهَا مِنْ تَسْلِيطِ الْعَدُوّ .
[ إهْلَاكُ الْأَعْدَاءِ بَعْدَ ازْدِيَادِ بَغْيِهِمْ ]
[ بَسْطُ الْآيَاتِ وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا ]
وَمِنْهَا : أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ إذَا أَرَادَ أَنْ يُهْلِكَ أَعْدَاءَهُ وَيَمْحَقَهُمْ قَيّضَ لَهُمْ الْأَسْبَابَ الّتِي يَسْتَوْجِبُونَ بِهَا هَلَاكَهُمْ وَمَحْقَهُمْ وَمِنْ أَعْظَمِهَا بَعْدَ كُفْرِهِمْ بَغْيُهُمْ وَطُغْيَانُهُمْ وَمُبَالَغَتُهُمْ فِي أَذَى أَوْلِيَائِهِ وَمُحَارَبَتِهِمْ وَقِتَالِهِمْ وَالتّسَلّطِ عَلَيْهِمْ فَيَتَمَحّصُ بِذَلِكَ أَوْلِيَاؤُهُ مِنْ ذُنُوبِهِمْ وَعُيُوبِهِمْ وَيَزْدَادُ بِذَلِكَ أَعْدَاؤُهُ مِنْ أَسْبَابِ مَحْقِهِمْ وَهَلَاكِهِمْ وَقَدْ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذَلِكَ فِي قَوْلِهِ { وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَتّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللّهُ لَا يُحِبّ الظّالِمِينَ وَلِيُمَحّصَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا وَيَمْحَقَ الْكَافِرِينَ } [ آل عِمْرَانَ 139 140 ] فَجَمَعَ لَهُمْ فِي هَذَا الْخِطَابِ بَيْنَ تَشْجِيعِهِمْ وَتَقْوِيَةِ نُفُوسِهِمْ وَإِحْيَاءِ عَزَائِمِهِمْ وَهِمَمِهِمْ وَبَيْنَ حُسْنِ التّسْلِيَةِ وَذِكْرِ الْحِكَمِ الْبَاهِرَةِ الّتِي اقْتَضَتْ إدَالَةَ الْكُفّارِ عَلَيْهِمْ فَقَالَ { إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ } [ آل عِمْرَانَ 140 ] فَقَدَ اسْتَوَيْتُمْ فِي الْقَرْحِ وَالْأَلَمِ وَتَبَايَنْتُمْ فِي الرّجَاءِ وَالثّوَابِ كَمَا قَالَ { إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللّهِ مَا لَا يَرْجُونَ } [ النّسَاءُ 104 ] فَمَا بَالُكُمْ تَهِنُونَ وَتَضْعُفُونَ عِنْدَ الْقَرْحِ وَالْأَلَمِ فَقَدْ أَصَابَهُمْ ذَلِكَ فِي سَبِيلِ الشّيْطَانِ وَأَنْتُمْ أُصِبْتُمْ فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءِ مَرْضَاتِي .
[ وَتِلْكَ الْأَيّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النّاسِ ]
ثُمّ أَخْبَرَ أَنّهُ يُدَاوِلُ أَيّامَ هَذِهِ الْحَيَاةِ الدّنْيَا بَيْنَ النّاسِ وَأَنّهَا عَرَضٌ حَاضِرٌ [ ص 200 ]
[ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا ]
ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرَى وَهِيَ أَنْ يَتَمَيّزَ الْمُؤْمِنُونَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَيَعْلَمُهُمْ عِلْمَ رُؤْيَةٍ وَمُشَاهَدَةٍ بَعْدَ أَنْ كَانُوا مَعْلُومِينَ فِي غَيْبِهِ وَذَلِكَ الْعِلْمُ الْغَيْبِيّ لَا يَتَرَتّبُ عَلَيْهِ ثَوَابٌ وَلَا عِقَابٌ وَإِنّمَا يَتَرَتّبُ الثّوَابُ وَالْعِقَابُ عَلَى الْمَعْلُومِ إذَا صَارَ مُشَاهَدًا وَاقِعًا فِي الْحِسّ .
[ حُبّ اللّهِ لِلشّهَدَاءِ ]
ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرَى وَهِيَ اتّخَاذُهُ سُبْحَانَهُ مِنْهُمْ شُهَدَاءَ فَإِنّهُ يُحِبّ الشّهَدَاءَ مِنْ عِبَادِهِ وَقَدْ أَعَدّ لَهُمْ أَعْلَى الْمَنَازِلِ وَأَفْضَلَهَا وَقَدْ اتّخَذَهُمْ لِنَفْسِهِ فَلَا بُدّ أَنْ يُنِيلَهُمْ دَرَجَةَ الشّهَادَةِ . وَقَوْلُهُ { وَاللّهُ لَا يُحِبّ الظّالِمِينَ } [ آل عِمْرَانَ 140 ] تَنْبِيهٌ لَطِيفُ الْمَوْقِعِ جِدّا عَلَى كَرَاهَتِهِ وَبُغْضِهِ لِلْمُنَافِقِينَ الّذِينَ اِنْخَذَلُوا عَنْ نَبِيّهِ يَوْمَ أُحُدٍ فَلَمْ يَشْهَدُوهُ وَلَمْ يَتّخِذْ مِنْهُمْ شُهَدَاءَ لِأَنّهُ لَمْ يُحِبّهُمْ فَأَرْكَسَهُمْ وَرَدّهُمْ لِيَحْرِمَهُمْ مَا خَصّ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَمَا أَعْطَاهُ مَنْ اُسْتُشْهِدَ مِنْهُمْ فَثَبّطَ هَؤُلَاءِ الظّالِمِينَ عَنْ الْأَسْبَابِ الّتِي وَفّقَ لَهَا أَوْلِيَاءَهُ وَحِزْبَهُ .
[ وَلِيُمَحّصَ اللّهُ الّذِينَ آمَنُوا ]
ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرَى فِيمَا أَصَابَهُمْ ذَلِكَ الْيَوْمَ وَهُوَ تَمْحِيصُ الّذِينَ آمَنُوا وَهُوَ تَنْقِيَتُهُمْ وَتَخْلِيصُهُمْ مِنْ الذّنُوبِ وَمِنْ آفَاتِ النّفُوسِ وَأَيْضًا فَإِنّهُ خَلّصَهُمْ وَمَحّصَهُمْ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَتَمَيّزُوا مِنْهُمْ فَحَصَلَ لَهُمْ تَمْحِيصَانِ تَمْحِيصٌ مِنْ نُفُوسِهِمْ وَتَمْحِيصٌ مِمّنْ كَانَ يُظْهِرُ أَنّهُ مِنْهُمْ وَهُوَ عَدُوّهُمْ .
[ وَيَمْحَقُ الْكَافِرِينَ ]
[ أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَمّا . ...]
[ ولَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنّوْنَ الْمَوْتَ . ..... ]
ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرَى وَهِيَ مَحْقُ الْكَافِرِينَ بِطُغْيَانِهِمْ وَبَغْيِهِمْ وَعُدْوَانِهِمْ ثُمّ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ حُسْبَانَهُمْ وَظَنّهُمْ أَنْ يَدْخُلُوا الْجَنّةَ بِدُونِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِهِ وَالصّبْرِ عَلَى أَذَى أَعْدَائِهِ وَإِنّ هَذَا مُمْتَنِعٌ بِحَيْثُ يُنْكَرُ عَلَى مَنْ ظَنّهُ وَحَسِبَهُ . فَقَالَ { أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنّةَ وَلَمّا يَعْلَمِ اللّهُ الّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصّابِرِينَ } [ آل عِمْرَانَ 142 ] أَيْ وَلَمّا يَقَعْ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَيَعْلَمُهُ فَإِنّهُ لَوْ وَقَعَ لَعَلِمَهُ فَجَازَاكُمْ عَلَيْهِ بِالْجَنّةِ فَيَكُونُ الْجَزَاءُ عَلَى الْوَاقِعِ الْمَعْلُومِ لَا عَلَى مُجَرّدِ الْعِلْمِ فَإِنّ اللّهَ لَا يَجْزِي الْعَبْدَ عَلَى مُجَرّدِ عِلْمِهِ فِيهِ دُونَ أَنْ يَقَعَ مَعْلُومُهُ ثُمّ وَبّخَهُمْ عَلَى [ ص 201 ] هَزِيمَتِهِمْ مِنْ أَمْرٍ كَانُوا يَتَمَنّوْنَهُ وَيَوَدّونَ لِقَاءَهُ فَقَالَ { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } [ آل عِمْرَانَ 143 ] . قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : وَلَمّا أَخْبَرَهُمْ اللّهُ تَعَالَى عَلَى لِسَانِ نَبِيّهِ بِمَا فَعَلَ بِشُهَدَاءِ بَدْرٍ مِنْ الْكَرَامَةِ رَغِبُوا فِي الشّهَادَةِ فَتَمَنّوْا قِتَالًا يَسْتَشْهِدُونَ فِيهِ فَيَلْحَقُونَ إخْوَانَهُمْ فَأَرَاهُمْ اللّهُ ذَلِكَ يَوْمَ أُحُدٍ وَسَبّبَهُ لَهُمْ فَلَمْ يَلْبَثُوا أَنْ انْهَزَمُوا إلّا مَنْ شَاءَ اللّهُ مِنْهُمْ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَعَالَى : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ }
[ وَمَا مُحَمّدٌ إلّا رَسُولٌ ...... أَفَإِنْ مَاتَ ]
[ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تَمُوتَ إلّا بِإِذْنِ اللّهِ . ...]
[ وَكَأَيّنْ مِنْ نَبِيّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبّيّونَ كَثِيرٌ . ....]
وَمِنْهَا : أَنّ وَقْعَةَ أُحُدٍ كَانَتْ مُقَدّمَةً وَإِرْهَاصًا بَيْنَ يَدَيْ مَوْتِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَثَبّتَهُمْ وَوَبّخَهُمْ عَلَى انْقِلَابِهِمْ عَلَى أَعْقَابِهِمْ إنْ مَاتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَوْ قُتِلَ بَلْ الْوَاجِبُ لَهُ عَلَيْهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا عَلَى دِينِهِ وَتَوْحِيدِهِ وَيَمُوتُوا عَلَيْهِ أَوْ يُقْتَلُوا فَإِنّهُمْ إنّمَا يَعْبُدُونَ رَبّ مُحَمّدٍ وَهُوَ حَيّ لَا يَمُوتُ فَلَوْ مَاتَ مُحَمّدٌ أَوْ قُتِلَ لَا يَنْبَغِي لَهُمْ أَنْ يَصْرِفَهُمْ ذَلِكَ عَنْ دِينِهِ وَمَا جَاءَ بِهِ فَكُلّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَمَا بُعِثَ مُحَمّدٌ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِيُخَلّدَ لَا هُوَ وَلَا هُمْ بَلْ لِيَمُوتُوا عَلَى الْإِسْلَامِ وَالتّوْحِيدِ فَإِنّ الْمَوْتَ لَا بُدّ مِنْهُ سَوَاءٌ مَاتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَوْ بَقِيَ وَلِهَذَا وَبّخَهُمْ عَلَى رُجُوعِ مَنْ رَجَعَ مِنْهُمْ عَنْ دِينِهِ لَمّا صَرَخَ الشّيْطَانُ إنّ مُحَمّدًا قَدْ قُتِلَ فَقَالَ { وَمَا مُحَمّدٌ إِلّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرّ اللّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللّهُ الشّاكِرِينَ } [ آل عِمْرَانَ 144 ] وَالشّاكِرُونَ هُمْ الّذِينَ عَرَفُوا قَدْرَ النّعْمَةِ فَثَبَتُوا عَلَيْهَا حَتّى مَاتُوا أَوْ قُتِلُوا فَظَهَرَ أَثَرُ هَذَا الْعِتَابِ وَحُكْمُ هَذَا الْخِطَابِ يَوْمَ مَاتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَارْتَدّ مَنْ ارْتَدّ عَلَى عَقِبَيْهِ وَثَبَتَ الشّاكِرُونَ عَلَى دِينِهِمْ فَنَصَرَهُمْ اللّهُ وَأَعَزّهُمْ وَظَفّرَهُمْ بِأَعْدَائِهِمْ وَجَعَلَ الْعَاقِبَةَ لَهُمْ ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّهُ جَعَلَ لِكُلّ نَفْسٍ أَجَلًا لَا بُدّ أَنْ تَسْتَوْفِيَهُ ثُمّ تَلْحَقَ بِهِ فَيَرِدُ النّاسُ كُلّهُمْ حَوْضَ الْمَنَايَا مَوْرِدًا وَاحِدًا وَإِنْ تَنَوّعَتْ أَسْبَابُهُ وَيَصْدُرُونَ عَنْ مَوْقِفِ الْقِيَامَةِ مَصَادِرَ شَتّى فَرِيقٌ فِي الْجَنّةِ وَفَرِيقٌ فِي السّعِيرِ ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّ جَمَاعَةً كَثِيرَةً مِنْ أَنْبِيَائِهِ قُتِلُوا وَقُتِلَ مَعَهُمْ أَتْبَاعٌ لَهُمْ [ ص 202 ] وَهَنَ مَنْ بَقِيَ مِنْهُمْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَمَا وَهَنُوا عِنْدَ الْقَتْلِ وَلَا ضَعُفُوا وَلَا اسْتَكَانُوا بَلْ تَلَقّوْا الشّهَادَةَ بِالْقُوّةِ وَالْعَزِيمَةِ وَالْإِقْدَامِ فَلَمْ يَسْتَشْهِدُوا مُدْبِرِينَ مُسْتَكِينِينَ أَذِلّةً بَلْ اُسْتُشْهِدُوا أَعِزّةً كِرَامًا مُقْبِلِينَ غَيْرَ مُدْبِرِينَ وَالصّحِيحُ أَنّ الْآيَةَ تَتَنَاوَلُ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا . ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَمّا اسْتَنْصَرَتْ بِهِ الْأَنْبِيَاءُ وَأُمَمُهُمْ عَلَى قَوْمِهِمْ مِنْ اعْتِرَافِهِمْ وَتَوْبَتِهِمْ وَاسْتِغْفَارِهِمْ وَسُؤَالِهِمْ رَبّهُمْ أَنْ يُثَبّتَ أَقْدَامَهُمْ وَأَنْ يَنْصُرَهُمْ عَلَى أَعْدَائِهِمْ فَقَالَ { وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلّا أَنْ قَالُوا رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبّتْ أَقْدَامَنَا وَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللّهُ ثَوَابَ الدّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الْآخِرَةِ وَاللّهُ يُحِبّ الْمُحْسِنِينَ } [ آل عِمْرَانَ 147 ] لَمّا عَلِمَ الْقَوْمُ أَنّ الْعَدُوّ إنّمَا يُدَالُ عَلَيْهِمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنّ الشّيْطَانَ إنّمَا يَسْتَزِلّهُمْ وَيَهْزِمُهُمْ بِهَا وَأَنّهَا نَوْعَانِ تَقْصِيرٌ فِي حَقّ أَوْ تَجَاوُزٌ لِحَدّ وَأَنّ النّصْرَةَ مَنُوطَةٌ بِالطّاعَةِ قَالُوا : رَبّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا ثُمّ عَلِمُوا أَنّ رَبّهُمْ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إنْ لَمْ يُثَبّتْ أَقْدَامَهُمْ وَيَنْصُرْهُمْ لَمْ يَقْدِرُوا هُمْ عَلَى تَثْبِيتِ أَقْدَامِ أَنْفُسِهِمْ وَنَصْرِهَا عَلَى أَعْدَائِهِمْ فَسَأَلُوهُ مَا يَعْلَمُونَ أَنّهُ بِيَدِهِ دُونَهُمْ وَأَنّهُ إنْ لَمْ يُثَبّتْ أَقْدَامَهُمْ وَيَنْصُرْهُمْ لَمْ يَثْبُتُوا وَلَمْ يَنْتَصِرُوا فَوَفّوْا الْمَقَامَيْنِ حَقّهُمَا : مَقَامَ الْمُقْتَضِي وَهُوَ التّوْحِيدُ وَالِالْتِجَاءُ إلَيْهِ سُبْحَانَهُ وَمَقَامَ إزَالَةِ الْمَانِعِ مِنْ النّصْرَةِ وَهُوَ الذّنُوبُ وَالْإِسْرَافُ ثُمّ حَذّرَهُمْ سُبْحَانَهُ مِنْ طَاعَةِ عَدُوّهِمْ وَأَخْبَرَ أَنّهُمْ إنْ أَطَاعُوهُمْ خَسِرُوا الدّنْيَا وَالْآخِرَةَ وَفِي ذَلِكَ تَعْرِيضٌ بِالْمُنَافِقِينَ الّذِينَ أَطَاعُوا الْمُشْرِكِينَ لَمّا انْتَصَرُوا وَظَفِرُوا يَوْمَ أُحُدٍ . ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّهُ مَوْلَى الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ خَيْرُ النّاصِرِينَ فَمَنْ وَالَاهُ فَهُوَ الْمَنْصُورُ .
[ سَنُلْقِي فِي قُلُوبِ الّذِينَ كَفَرُوا الرّعْبَ . .. ]
ثُمّ أَخْبَرَهُمْ أَنّهُ سَيُلْقِي فِي قُلُوبِ أَعْدَائِهِمْ الرّعْبَ الّذِي يَمْنَعُهُمْ مِنْ الْهُجُومِ عَلَيْهِمْ وَالْإِقْدَامِ عَلَى حَرْبِهِمْ وَأَنّهُ يُؤَيّدُ حِزْبَهُ بِجُنْدٍ مِنْ الرّعْبِ يَنْتَصِرُونَ بِهِ عَلَى [ ص 203 ] أَشَدّ شَيْءٍ خَوْفًا وَرُعْبًا وَاَلّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إيمَانَهُمْ بِالشّرْكِ لَهُمْ الْأَمْنُ وَالْهُدَى وَالْفَلَاحُ وَالْمُشْرِكُ لَهُ الْخَوْفُ وَالضّلَالُ وَالشّقَاءُ .
[ وَلَقَدْ صَدَقَكُمُ اللّهُ وَعْدَهُ ]
ثُمّ أَخْبَرَهُمْ أَنّهُ صَدَقَهُمْ وَعْدَهُ فِي نُصْرَتِهِمْ عَلَى عَدُوّهِمْ وَهُوَ الصّادِقُ الْوَعْدِ وَأَنّهُمْ لَوْ اسْتَمَرّوا عَلَى الطّاعَةِ وَلُزُومِ أَمْرِ الرّسُولِ لَاسْتَمَرّتْ نُصْرَتُهُمْ وَلَكِنْ انْخَلَعُوا عَنْ الطّاعَةِ وَفَارَقُوا مَرْكَزَهُمْ فَانْخَلَعُوا عَنْ عِصْمَةِ الطّاعَةِ فَفَارَقَتْهُمْ النّصْرَةُ فَصَرَفَهُمْ عَنْ عَدُوّهِمْ عُقُوبَةً وَابْتِلَاءً وَتَعْرِيفًا لَهُمْ بِسُوءِ عَوَاقِبِ الْمَعْصِيَةِ وَحُسْنِ عَاقِبَةِ الطّاعَةِ . ثُمّ أَخْبَرَ أَنّهُ عَفَا عَنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ كُلّهِ وَأَنّهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى عِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ . قِيلَ لِلْحَسَنِ كَيْفَ يَعْفُو عَنْهُمْ وَقَدْ سَلّطَ عَلَيْهِمْ أَعْدَاءَهُمْ حَتّى قَتَلُوا مِنْهُمْ مَنْ قَتَلُوا وَمَثّلُوا بِهِمْ وَنَالُوا مِنْهُمْ مَا نَالُوهُ ؟ فَقَالَ لَوْلَا عَفْوُهُ عَنْهُمْ لَاسْتَأْصَلَهُمْ وَلَكِنْ بِعَفْوِهِ عَنْهُمْ دَفَعَ عَنْهُمْ عَدُوّهُمْ بَعْدَ أَنْ كَانُوا مُجْمِعِينَ عَلَى اسْتِئْصَالِهِم
[ إذْ تُصْعِدُونَ وَلَا تَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ . ...]
[ شَرْحُ فَأَثَابَكُمْ غَمّا بِغَمّ ]
ثُمّ ذَكّرَهُمْ بِحَالِهِمْ وَقْتَ الْفِرَارِ مُصْعِدِينَ أَيْ جَادّينَ فِي الْهَرَبِ وَالذّهَابِ فِي الْأَرْضِ أَوْ صَاعِدِينَ فِي الْجَبَلِ لَا يَلْوُونَ عَلَى أَحَدٍ مِنْ نَبِيّهِمْ وَلَا أَصْحَابِهِمْ وَالرّسُولُ يَدْعُوهُمْ فِي أُخْرَاهُمْ إلَى عِبَادِ اللّهِ أَنَا رَسُولُ اللّهِ فَأَثَابَهُمْ بِهَذَا الْهَرَبِ وَالْفِرَارِ غَمّا بَعْدَ غَمّ غَمّ الْهَزِيمَةِ وَالْكَسْرَةِ وَغَمّ صَرْخَةِ الشّيْطَانِ فِيهِمْ بِأَنّ مُحَمّدًا قَدْ قُتِلَ . وَقِيلَ جَازَاكُمْ غَمّا بِمَا غَمَمْتُمْ رَسُولَهُ بِفِرَارِكُمْ عَنْهُ وَأَسْلَمْتُمُوهُ إلَى عَدُوّهِ فَالْغَمّ الّذِي حَصَلَ لَكُمْ جَزَاءً عَلَى الْغَمّ الّذِي أَوْقَعْتُمُوهُ بِنَبِيّهِ وَالْقَوْلُ الْأَوّلُ أَظْهَرُ لِوُجُوهٍ أَحَدُهَا : أَنّ قَوْلَهُ { لِكَيْلَا تَحْزَنُوا عَلَى مَا فَاتَكُمْ وَلَا مَا أَصَابَكُمْ } تَنْبِيهٌ عَلَى حِكْمَةِ هَذَا الْغَمّ بَعْدَ الْغَمّ وَهُوَ أَنْ يُنْسِيَهُمْ الْحُزْنَ عَلَى مَا فَاتَهُمْ مِنْ [ ص 204 ] أَصَابَهُمْ مِنْ الْهَزِيمَةِ وَالْجِرَاحِ فَنَسُوا بِذَلِكَ السّبَبَ وَهَذَا إنّمَا يَحْصُلُ بِالْغَمّ الّذِي يَعْقُبُهُ غَمّ آخَرُ . الثّانِي : أَنّهُ مُطَابِقٌ لِلْوَاقِعِ فَإِنّهُ حَصَلَ لَهُمْ غَمّ فَوَاتِ الْغَنِيمَةِ ثُمّ أَعْقَبَهُ غَمّ الْهَزِيمَةِ ثُمّ غَمّ الْجِرَاحِ الّتِي أَصَابَتْهُمْ ثُمّ غَمّ الْقَتْلِ ثُمّ غَمّ سَمَاعِهِمْ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ قُتِلَ ثُمّ غَمّ ظُهُورِ أَعْدَائِهِمْ عَلَى الْجَبَلِ فَوْقَهُمْ وَلَيْسَ الْمُرَادُ غَمّيْنَ اثْنَيْنِ خَاصّةً بَلْ غَمّا مُتَتَابِعًا لِتَمَامِ الِابْتِلَاءِ وَالِامْتِحَانِ . الثّالِثُ أَنّ قَوْلَهُ " بِغَمّ " مِنْ تَمَامِ الثّوَابِ لَا أَنّهُ سَبَبُ جَزَاءِ الثّوَابِ وَالْمَعْنَى : أَثَابَكُمْ غَمّا مُتّصِلًا بِغَمّ جَزَاءً عَلَى مَا وَقَعَ مِنْهُمْ مَنْ الْهُرُوبِ وَإِسْلَامِهِمْ نَبِيّهُمْ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابَهُ وَتَرْكِ اسْتِجَابَتِهِمْ لَهُ وَهُوَ يَدْعُوهُمْ وَمُخَالَفَتِهِمْ لَهُ فِي لُزُومِ مَرْكَزِهِمْ وَتَنَازُعِهِمْ فِي الْأَمْرِ وَفَشَلِهِمْ وَكُلّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ يُوجِبُ غَمّا يَخُصّهُ فَتَرَادَفَتْ عَلَيْهِمْ الْغُمُومُ كَمَا تَرَادَفَتْ مِنْهُمْ أَسْبَابُهَا وَمُوجِبَاتُهَا وَلَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُمْ بِعَفْوِهِ لَكَانَ أَمْرًا آخَرَ . وَمِنْ لُطْفِهِ بِهِمْ وَرَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ أَنّ هَذِهِ الْأُمُورَ الّتِي صَدَرَتْ مِنْهُمْ كَانَتْ مِنْ مُوجِبَاتِ الطّبَاعِ وَهِيَ مِنْ بَقَايَا النّفُوسِ الّتِي تَمْنَعُ مِنْ النّصْرَةِ الْمُسْتَقِرّةِ فَقَيّضَ لَهُمْ بِلُطْفِهِ أَسْبَابًا أَخْرَجَهَا مِنْ الْقُوّةِ إلَى الْفِعْلِ فَتَرَتّبَ عَلَيْهَا آثَارُهَا الْمَكْرُوهَةُ فَعَلِمُوا حِينَئِذٍ أَنّ التّوْبَةَ مِنْهَا وَالِاحْتِرَازَ مِنْ أَمْثَالِهَا وَدَفْعَهَا بِأَضْدَادِهَا أَمْرٌ مُتَعَيّنٌ لَا يَتِمّ لَهُمْ الْفَلَاحُ وَالنّصْرَةُ الدّائِمَةُ الْمُسْتَقِرّةُ إلّا بِهِ فَكَانُوا أَشَدّ حَذَرًا بَعْدَهَا وَمَعْرِفَةً بِالْأَبْوَابِ الّتِي دَخَلَ عَلَيْهِمْ مِنْهَا .
وَرُبّمَا صَحّتْ الْأَجْسَامُ بِالْعِلَلِ
[ ثُمّ أَنْزَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ بَعْدِ الْغَمّ أَمَنَةً نُعَاسًا]
[ مَعْنَى ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ ]
ثُمّ إنّهُ تَدَارَكَهُمْ سُبْحَانَهُ بِرَحْمَتِهِ وَخَفّفَ عَنْهُمْ ذَلِكَ الْغَمّ وَغَيّبَهُ عَنْهُمْ بِالنّعَاسِ الّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ أَمْنًا مِنْهُ وَرَحْمَةً وَالنّعَاسُ فِي الْحَرْبِ عَلَامَةُ النّصْرَةِ [ ص 205 ] وَالْأَمْنِ كَمَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ يَوْمَ بَدْر ٍ وَأَخْبَرَ أَنّ مَنْ لَمْ يُصِبْهُ ذَلِكَ النّعَاسُ فَهُوَ مِمّنْ أَهَمّتْهُ نَفْسُهُ لَا دِينُهُ وَلَا نَبِيّهُ وَلَا أَصْحَابُهُ وَأَنّهُمْ يَظُنّونَ بِاَللّهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ وَقَدْ فُسّرَ هَذَا الظّنّ الّذِي لَا يَلِيقُ بِاَللّهِ بِأَنّهُ سُبْحَانَهُ لَا يَنْصُرُ رَسُولَهُ وَأَنّ أَمْرَهُ سَيَضْمَحِلّ وَأَنّهُ يُسْلِمُهُ لِلْقَتْلِ وَقَدْ فُسّرَ بِظَنّهِمْ أَنّ مَا أَصَابَهُمْ لَمْ يَكُنْ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَلَا حِكْمَةَ لَهُ فِيهِ فَفُسّرَ بِإِنْكَارِ الْحِكْمَةِ وَإِنْكَارِ الْقَدَرِ وَإِنْكَارِ أَنْ يُتِمّ أَمْرَ رَسُولِهِ وَيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَهَذَا هُوَ ظَنّ السّوْءِ الّذِي ظَنّهُ الْمُنَافِقُونَ وَالْمُشْرِكُونَ بِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي ( سُورَةِ الْفَتْحِ حَيْثُ يَقُولُ { وَيُعَذّبَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ الظّانّينَ بِاللّهِ ظَنّ السّوْءِ عَلَيْهِمْ دَائِرَةُ السّوْءِ وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدّ لَهُمْ جَهَنّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا } [ الْفَتْحُ 6 ] وَإِنّمَا كَانَ هَذَا ظَنّ السّوْءِ وَظَنّ الْجَاهِلِيّةِ الْمَنْسُوبَ إلَى أَهْلِ الْجَهْلِ وَظَنّ غَيْرِ الْحَقّ لِأَنّهُ ظَنّ غَيْرِ مَا يَلِيقُ بِأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا وَذَاتِهِ الْمُبَرّأَةِ مِنْ كُلّ عَيْبٍ وَسُوءٍ بِخِلَافِ مَا يَلِيقُ بِحِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ وَتَفَرّدِهِ بِالرّبُوبِيّةِ وَالْإِلَهِيّهِ وَمَا يَلِيقُ بِوَعْدِهِ الصّادِقِ الّذِي لَا يُخْلِفُهُ وَبِكَلِمَتِهِ الّتِي سَبَقَتْ لِرُسُلِهِ أَنّهُ يَنْصُرُهُمْ وَلَا يَخْذُلُهُمْ وَلِجُنْدِهِ بِأَنّهُمْ هُمْ الْغَالِبُونَ فَمَنْ ظَنّ بِأَنّهُ لَا يَنْصُرُ رَسُولَهُ وَلَا يُتِمّ أَمْرَهُ وَلَا يُؤَيّدُهُ وَيُؤَيّدُ حِزْبَهُ وَيُعْلِيهِمْ وَيُظْفِرُهُمْ بِأَعْدَائِهِ وَيُظْهِرُهُمْ عَلَيْهِمْ وَأَنّهُ لَا يَنْصُرُ دِينَهُ وَكِتَابَهُ وَأَنّهُ يُدِيلُ الشّرْكَ عَلَى التّوْحِيدِ وَالْبَاطِلَ عَلَى الْحَقّ إدَالَةً مُسْتَقِرّةً يَضْمَحِلّ مَعَهَا التّوْحِيدُ وَالْحَقّ اضْمِحْلَالًا لَا يَقُومُ بَعْدَهُ أَبَدًا فَقَدْ ظَنّ بِاَللّهِ ظَنّ السّوْءِ وَنَسَبَهُ إلَى خِلَافِ مَا يَلِيقُ بِكَمَالِهِ وَجَلَالِهِ وَصِفَاتِهِ وَنُعُوتِهِ فَإِنّ حَمْدَهُ وَعِزّتَهُ وَحِكْمَتَهُ وَإِلَهِيّتَهُ تَأْبَى ذَلِكَ وَتَأْبَى أَنْ يُذَلّ حِزْبُهُ وَجُنْدُهُ وَأَنْ تَكُونَ النّصْرَةُ الْمُسْتَقِرّةُ وَالظّفَرُ الدّائِمُ لِأَعْدَائِهِ الْمُشْرِكِينَ بِهِ الْعَادِلِينَ بِهِ فَمَنْ ظَنّ بِهِ ذَلِكَ فَمَا عَرَفَهُ وَلَا عَرَفَ أَسَمَاءَهُ وَلَا عَرَفَ صِفَاتِهِ وَكَمَالَهُ وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ فَمَا عَرَفَهُ وَلَا عَرَفَ رُبُوبِيّتَهُ وَمُلْكَهُ وَعَظَمَتَهُ وَكَذَلِكَ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ قَدّرَ مَا قَدّرَهُ مِنْ ذَلِكَ وَغَيْرِهِ لِحِكْمَةٍ [ ص 206 ] صَدَرَ عَنْ مَشِيئَةٍ مُجَرّدَةٍ عَنْ حِكْمَةٍ وَغَايَةٍ مَطْلُوبَةٍ هِيَ أَحَبّ إلَيْهِ مِنْ فَوْتِهَا وَأَنّ تِلْكَ الْأَسْبَابَ الْمَكْرُوهَةَ الْمُفْضِيَةَ إلَيْهَا لَا يَخْرُجُ تَقْدِيرُهَا عَنْ الْحِكْمَةِ لِإِفْضَائِهَا إلَى مَا يُحِبّ وَإِنْ كَانَتْ مَكْرُوهَةً لَهُ فَمَا قَدّرَهَا سُدًى وَلَا أَنْشَأَهَا عَبَثًا وَلَا خَلَقَهَا بَاطِلًا { ذَلِكَ ظَنّ الّذِينَ كَفَرُوا فَوَيْلٌ لِلّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النّارِ } [ ص : 27 ] وَأَكْثَرُ النّاسِ يَظُنّونَ بِاَللّهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ السّوْءِ فِيمَا يَخْتَصّ بِهِمْ وَفِيمَا يَفْعَلُهُ بِغَيْرِهِمْ وَلَا يَسْلَمُ عَنْ ذَلِكَ إلّا مَنْ عَرَفَ اللّهَ وَعَرَفَ أَسْمَاءَهُ وَصِفَاتِهِ وَعَرَفَ مُوجِبَ حَمْدِهِ وَحِكْمَتِهِ فَمَنْ قَنَطَ مِنْ رَحْمَتِهِ وَأَيِسَ مِنْ رُوحِهِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ جَوّزَ عَلَيْهِ أَنْ يُعَذّبَ أَوْلِيَاءَهُ مَعَ إحْسَانِهِمْ وَإِخْلَاصِهِمْ وَيُسَوّيَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ أَعْدَائِهِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنْ يَتْرُكَ خَلْقَهُ سُدًى مُعَطّلِينَ عَنْ الْأَمْرِ وَالنّهْيِ وَلَا يُرْسِلَ إلَيْهِمْ رُسُلَهُ وَلَا يُنْزِلَ عَلَيْهِمْ كُتُبَهُ بَلْ يَتْرُكُهُمْ هَمَلًا كَالْأَنْعَامِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ أَنّهُ لَنْ يَجْمَعَ عَبِيدَهُ بَعْدَ مَوْتِهِمْ لِلثّوَابِ وَالْعِقَابِ فِي دَارٍ يُجَازِي الْمُحْسِنَ فِيهَا بِإِحْسَانِهِ وَالْمُسِيءَ بِإِسَاءَتِهِ وَيُبَيّنَ لِخَلْقِهِ حَقِيقَةَ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَيُظْهِرَ لِلْعَالَمِينَ كُلّهِمْ صِدْقَهُ وَصِدْقَ رُسُلِهِ وَأَنّ أَعْدَاءَهُ كَانُوا هُمْ الْكَاذِبِينَ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ أَنّهُ يُضِيعُ عَلَيْهِ عَمَلَهُ الصّالِحَ الّذِي عَمِلَهُ خَالِصًا لِوَجْهِهِ الْكَرِيمِ عَلَى امْتِثَالِ أَمْرِهِ وَيُبْطِلُهُ عَلَيْهِ بِلَا سَبَبٍ مِنْ الْعَبْدِ أَوْ أَنّهُ يُعَاقِبُهُ بِمَا لَا صُنْعَ فِيهِ وَلَا اخْتِيَارَ لَهُ وَلَا قُدْرَةَ وَلَا إرَادَةَ فِي حُصُولِهِ بَلْ يُعَاقِبُهُ عَلَى فِعْلِهِ هُوَ سُبْحَانَهُ بِهِ أَوْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ يَجُوزُ عَلَيْهِ أَنْ يُؤَيّدَ أَعْدَاءَهُ الْكَاذِبِينَ عَلَيْهِ بِالْمُعْجِزَاتِ الّتِي يُؤَيّدُ بِهَا أَنْبِيَاءَهُ وَرُسُلَهُ وَيُجْرِيهَا عَلَى أَيْدِيهِمْ يُضِلّونَ بِهَا عِبَادَهُ وَأَنّهُ يَحْسُنُ مِنْهُ كُلّ شَيْءٍ حَتّى تَعْذِيبُ مَنْ أَفْنَى عُمْرَهُ فِي طَاعَتِهِ فَيُخَلّدُهُ فِي [ ص 207 ] أَسْفَلَ السّافِلِينَ وَيُنَعّمُ مَنْ اسْتَنْفَدَ عُمُرَهُ فِي عَدَاوَتِهِ وَعَدَاوَةِ رُسُلِهِ وَدِينِهِ فَيَرْفَعُهُ إلَى أَعْلَى عِلّيّينَ وَكِلَا الْأَمْرَيْنِ عِنْدَهُ فِي الْحُسْنِ سَوَاءٌ وَلَا يُعْرَفُ امْتِنَاعُ أَحَدِهِمَا وَوُقُوعُ الْآخَرِ إلّا بِخَبَرٍ صَادِقٍ وَإِلّا فَالْعَقْلُ لَا يَقْضِي بِقُبْحِ أَحَدِهِمَا وَحُسْنِ الْآخَرِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ بِمَا ظَاهِرُهُ بَاطِلٌ وَتَشْبِيهٌ وَتَمْثِيلٌ وَتَرْكُ الْحَقّ لَمْ يُخْبِرْ بِهِ وَإِنّمَا رَمَزَ إلَيْهِ رُمُوزًا بَعِيدَةً وَأَشَارَ إلَيْهِ إشَارَاتٍ مُلْغِزَةً لَمْ يُصَرّحْ بِهِ وَصَرّحَ دَائِمًا بِالتّشْبِيهِ وَالتّمْثِيلِ وَالْبَاطِلِ وَأَرَادَ مِنْ خَلْقِهِ ان يُتْعِبُوا أَذْهَانَهُمْ وَقُوَاهُمْ وَأَفْكَارَهُمْ فِي تَحْرِيفِ كَلَامِهِ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَتَأْوِيلِهِ عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهِ وَيَتَطّلَبُوا لَهُ وُجُوهَ الِاحْتِمَالَاتِ الْمُسْتَكْرَهَةِ وَالتّأْوِيلَاتِ الّتِي هِيَ بِالْأَلْغَازِ وَالْأَحَاجِي أَشْبَهُ مِنْهَا بِالْكَشْفِ وَالْبَيَانِ وَأَحَالَهُمْ فِي مَعْرِفَةِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ عَلَى عُقُولِهِمْ وَآرَائِهِمْ لَا عَلَى كِتَابِهِ بَلْ أَرَادَ مِنْهُمْ أَنْ لَا يَحْمِلُوا كَلَامَهُ عَلَى مَا يَعْرِفُونَ مِنْ خِطَابِهِمْ وَلُغَتِهِمْ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَنْ يُصَرّحَ لَهُمْ بِالْحَقّ الّذِي يَنْبَغِي التّصْرِيحُ بِهِ وَيُرِيحَهُمْ مِنْ الْأَلْفَاظِ الّتِي تُوقِعُهُمْ فِي اعْتِقَادِ الْبَاطِلِ فَلَمْ يَفْعَلْ بَلْ سَلَكَ بِهِمْ خِلَافَ طَرِيقِ الْهُدَى وَالْبَيَانِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ فَإِنّهُ إنْ قَالَ إنّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى التّعْبِيرِ عَنْ الْحَقّ بِاللّفْظِ الصّرِيحَ الّذِي عَبّرَ بِهِ هُوَ وَسَلَفُهُ فَقَدْ ظَنّ بِقُدْرَتِهِ الْعَجْزَ وَإِنْ قَالَ إنّهُ قَادِرٌ وَلَمْ يُبَيّنْ وَعَدَلَ عَنْ الْبَيَانِ وَعَنْ التّصْرِيحِ بِالْحَقّ إلَى مَا يُوهِمُ بَلْ يُوقِعُ فِي الْبَاطِلِ الْمُحَالِ وَالِاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ فَقَدْ ظَنّ بِحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ ظَنّ السّوْءِ وَظَنّ أَنّهُ هُوَ وَسَلَفُهُ عَبّرُوا عَنْ الْحَقّ بِصَرِيحِهِ دُونَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَأَنّ الْهُدَى وَالْحَقّ فِي كَلَامِهِمْ وَعِبَارَاتِهِمْ . وَأَمّا كَلَامُ اللّهِ فَإِنّمَا يُؤْخَذُ مِنْ ظَاهِرِهِ التّشْبِيهُ وَالتّمْثِيلُ وَالضّلَالُ وَظَاهِرُ كَلَامِ الْمُتَهَوّكِينَ [ ص 208 ] ظَنّ السّوْءِ وَمِنْ الظّانّينَ بِهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنْ يَكُونَ فِي مُلْكِهِ مَا لَا يَشَاءُ وَلَا يَقْدِرُ عَلَى إيجَادِهِ وَتَكْوِينِهِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ كَانَ مُعَطّلًا مِنْ الْأَزَلِ إلَى الْأَبَدِ عَنْ أَنْ يَفْعَلَ وَلَا يُوصَفُ حِينَئِذٍ بِالْقُدْرَةِ عَلَى الْفِعْلِ ثُمّ صَارَ قَادِرًا عَلَيْهِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ لَا يَسْمَعُ وَلَا يُبْصِرُ وَلَا يَعْلَمُ الْمَوْجُودَاتِ وَلَا عَدَدَ السّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَا النّجُومِ وَلَا بَنِي آدَمَ وَحَرَكَاتِهِمْ وَأَفْعَالَهُمْ وَلَا يَعْلَمُ شَيْئًا مِنْ الْمَوْجُودَاتِ فِي الْأَعْيَانِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ أَنّهُ لَا سَمْعَ لَهُ وَلَا بَصَرَ وَلَا عِلْمَ لَهُ وَلَا إرَادَةَ وَلَا كَلَامَ يَقُولُ بِهِ وَأَنّهُ لَمْ يُكَلّمْ أَحَدًا مِنْ الْخَلْقِ وَلَا يَتَكَلّمُ أَبَدًا وَلَا قَالَ وَلَا يَقُولُ وَلَا لَهُ أَمْرٌ وَلَا نَهْيٌ يَقُومُ بِهِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ فَوْقَ سَمَاوَاتِهِ عَلَى عَرْشِهِ بَائِنًا مِنْ خَلْقِهِ وَأَنّ نِسْبَةَ ذَاتِهِ تَعَالَى إلَى عَرْشِهِ كَنِسْبَتِهَا إلَى أَسْفَلِ السّافِلِينَ وَإِلَى الْأَمْكِنَةِ الّتِي يُرْغَبُ عَنْ ذِكْرِهَا وَأَنّهُ أَسْفَلُ كَمَا أَنّهُ أَعْلَى فَقَدْ ظَنّ بِهِ أَقْبَحَ الظّنّ وَأَسْوَأَهُ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ لَيْسَ يُحِبّ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ وَيُحِبّ الْفَسَادَ كَمَا يُحِبّ الْإِيمَانَ وَالْبِرّ وَالطّاعَةَ وَالْإِصْلَاحَ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ لَا يُحِبّ وَلَا يَرْضَى وَلَا يَغْضَبُ وَلَا يَسْخَطُ وَلَا يُوَالِي [ ص 209 ] أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ وَلَا يَقْرُبُ مِنْهُ أَحَدٌ وَأَنّ ذَوَاتَ الشّيَاطِينِ فِي الْقُرْبِ مِنْ ذَاتِهِ كَذَوَاتِ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرّبِينَ وَأَوْلِيَائِهِ الْمُفْلِحِينَ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ أَنّهُ يُسَوّي بَيْنَ الْمُتَضَادّيْنِ أَوْ يُفَرّقُ بَيْنَ الْمُتَسَاوِيَيْنِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ أَوْ يُحْبِطُ طَاعَاتِ الْعُمْرِ الْمَدِيدِ الْخَالِصَةِ الصّوَابِ بِكَبِيرَةٍ وَاحِدَةٍ تَكُونُ بَعْدَهَا فَيَخْلُدُ فَاعِلُ تِلْكَ الطّاعَاتِ فِي النّارِ أَبَدَ الْآبِدِينَ بِتِلْكَ الْكَبِيرَةِ وَيُحْبِطُ بِهَا جَمِيعَ طَاعَاتِهِ وَيُخَلّدُهُ فِي الْعَذَابِ كَمَا يُخَلّدُ مَنْ لَا يُؤْمِنُ بِهِ طَرْفَةَ عَيْنٍ وَقَدْ اسْتَنْفَدَ سَاعَاتِ عُمْرِهِ فِي مَسَاخِطِهِ وَمُعَادَاةِ رُسُلِهِ وَدِينِهِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَبِالْجُمْلَةِ فَمَنْ ظَنّ بِهِ خِلَافَ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَهُ بِهِ رُسُلُهُ أَوْ عَطّلَ حَقَائِقَ مَا وَصَفَ بِهِ نَفْسَهُ وَوَصَفَتْهُ بِهِ رُسُلُهُ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ أَنّ لَهُ وَلَدًا أَوْ شَرِيكًا أَوْ أَنّ أَحَدًا يَشْفَعُ عِنْدَهُ بِدُونِ إذْنِهِ أَوْ أَنّ بَيْنَهُ وَبَيْنَ خَلْقِهِ وَسَائِطَ يَرْفَعُونَ حَوَائِجَهُمْ إلَيْهِ أَوْ أَنّهُ نَصَبَ لِعِبَادِهِ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِهِ يَتَقَرّبُونَ بِهِمْ إلَيْهِ وَيَتَوَسّلُونَ بِهِمْ إلَيْهِ وَيَجْعَلُونَهُمْ وَسَائِطَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ فَيَدْعُونَهُمْ وَيُحِبّونَهُمْ كَحُبّهِ وَيَخَافُونَهُمْ وَيَرْجُونَهُمْ فَقَدْ ظَنّ بِهِ أَقْبَحَ الظّنّ وَأَسْوَأَهُ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ يَنَالُ مَا عِنْدَهُ بِمَعْصِيَتِهِ وَمُخَالَفَتِهِ كَمَا يَنَالُهُ بِطَاعَتِهِ وَالتّقَرّبِ إلَيْهِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ خِلَافَ حِكْمَتِهِ وَخِلَافَ مُوجَبِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَهُوَ مِنْ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ إذَا تَرَكَ لِأَجْلِهِ شَيْئًا لَمْ يُعَوّضْهُ خَيْرًا مِنْهُ أَوْ مَنْ فَعَلَ لِأَجْلِهِ شَيْئًا لَمْ يُعْطِهِ أَفْضَلَ مِنْهُ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ يَغْضَبُ عَلَى عَبْدِهِ وَيُعَاقِبُهُ وَيَحْرِمُهُ بِغَيْرِ جُرْمٍ وَلَا [ ص 210 ] الْمَشِيئَةِ وَمَحْضِ الْإِرَادَةِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ إذَا صَدَقَهُ فِي الرّغْبَةِ وَالرّهْبَةِ وَتَضَرّعَ إلَيْهِ وَسَأَلَهُ وَاسْتَعَانَ بِهِ وَتَوَكّلَ عَلَيْهِ أَنّهُ يُخَيّبُهُ وَلَا يُعْطِيهِ مَا سَأَلَهُ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ وَظَنّ بِهِ خِلَافَ مَا هُوَ أَهْلُهُ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ يُثِيبُهُ إذَا عَصَاهُ بِمَا يُثِيبُهُ بِهِ إذَا أَطَاعَهُ وَسَأَلَهُ ذَلِكَ فِي دُعَائِهِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ خِلَافَ مَا تَقْتَضِيهِ حِكْمَتُهُ وَحَمْدُهُ وَخِلَافَ مَا هُوَ أَهْلُهُ وَمَا لَا يَفْعَلُهُ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ إذَا أَغْضَبَهُ وَأَسْخَطَهُ وَأَوْضَعَ فِي مَعَاصِيهِ ثُمّ اتّخَذَ مِنْ دُونِهِ وَلِيّا وَدَعَا مَنْ دُونِهِ مَلَكًا أَوْ بَشَرًا حَيّا أَوْ مَيّتًا يَرْجُو بِذَلِكَ أَنْ يَنْفَعَهُ عِنْدَ رَبّهِ وَيُخَلّصَهُ مِنْ عَذَابِهِ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ وَذَلِكَ زِيَادَةٌ فِي بُعْدِهِ مِنْ اللّهِ وَفِي عَذَابِهِ . وَمَنْ ظَنّ بِهِ أَنّهُ يُسَلّطُ عَلَى رَسُولِهِ مُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَعْدَاءَهُ تَسْلِيطًا مُسْتَقِرّا دَائِمًا فِي حَيَاتِهِ وَفِي مَمَاتِهِ وَابْتَلَاهُ بِهِمْ لَا يُفَارِقُونَهُ فَلَمّا مَاتَ اسْتَبَدّوا بِالْأَمْرِ دُونَ وَصِيّةٍ وَظَلَمُوا أَهْلَ بَيْتِهِ وَسَلَبُوهُمْ حَقّهُمْ وَأَذَلّوهُمْ وَكَانَتْ الْعِزّةُ وَالْغَلَبَةُ وَالْقَهْرُ لِأَعْدَائِهِ وَأَعْدَائِهِمْ دَائِمًا مِنْ غَيْرِ جُرْمٍ وَلَا ذَنْبٍ لِأَوْلِيَائِهِ وَأَهْلِ الْحَقّ وَهُوَ يَرَى قَهْرَهُمْ لَهُمْ وَغَصْبَهُمْ إيّاهُمْ حَقّهُمْ وَتَبْدِيلَهُمْ دِينَ نَبِيّهِمْ وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى نُصْرَةِ أَوْلِيَائِهِ وَحِزْبِهِ وَجُنْدِهِ وَلَا يَنْصُرُهُمْ وَلَا يُدِيلُهُمْ بَلْ يُدِيلُ أَعْدَاءَهُمْ عَلَيْهِمْ أَبَدًا أَوْ أَنّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ بَلْ حَصَلَ هَذَا بِغَيْرِ قُدْرَتِهِ وَلَا مَشِيئَتِهِ ثُمّ جَعَلَ الْمُبَدّلِينَ لِدِينِهِ مُضَاجِعِيهِ فِي حُفْرَتِهِ تُسَلّمُ أُمّتُهُ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِمْ كُلّ وَقْتٍ كَمَا تَظُنّهُ الرّافِضَةُ فَقَدْ ظَنّ بِهِ أَقْبَحَ الظّنّ وَأَسْوَأَهُ سَوَاءٌ قَالُوا : إنّهُ قَادِرٌ عَلَى أَنْ يَنْصُرَهُمْ وَيَجْعَلَ لَهُمْ الدّوْلَةَ وَالظّفَرَ أَوْ أَنّهُ غَيْرُ قَادِرٍ عَلَى ذَلِكَ فَهُمْ قَادِحُونَ فِي قُدْرَتِهِ أَوْ فِي حِكْمَتِهِ وَحَمْدِهِ وَذَلِكَ مِنْ ظَنّ السّوْءِ بِهِ وَلَا رَيْبَ أَنّ الرّبّ الّذِي فَعَلَ هَذَا بَغِيضٌ إلَى مَنْ ظَنّ بِهِ [ ص 211 ] وَكَانَ الْوَاجِبُ أَنْ يَفْعَلَ خِلَافَ ذَلِكَ لَكِنْ رَفَوْا هَذَا الظّنّ الْفَاسِدَ بِخَرْقٍ أَعْظَمَ مِنْهُ وَاسْتَجَارُوا مِنْ الرّمْضَاءِ بِالنّارِ فَقَالُوا : لَمْ يَكُنْ هَذَا بِمَشِيئَةِ اللّهِ وَلَا لَهُ قُدْرَةٌ عَلَى دَفْعِهِ وَنَصْرِ أَوْلِيَائِهِ فَإِنّهُ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَفْعَالِ عِبَادِهِ وَلَا هِيَ دَاخِلَةٌ تَحْتَ قُدْرَتِهِ فَظَنّوا بِهِ ظَنّ إخْوَانِهِمْ الْمَجُوسِ وَالثّنَوِيّةِ بِرَبّهِمْ وَكُلّ مُبْطِلٍ وَكَافِرٍ وَمُبْتَدِعٍ مَقْهُورٍ مُسْتَذَلّ فَهُوَ يَظُنّ بِرَبّهِ هَذَا الظّنّ وَأَنّهُ أَوْلَى بِالنّصْرِ وَالظّفَرِ وَالْعُلُوّ مِنْ خُصُومِهِ فَأَكْثَرُ الْخَلْقِ بَلْ كُلّهُمْ إلّا مَنْ شَاءَ اللّهُ يَظُنّونَ بِاَللّهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ السّوْءِ فَإِنّ غَالِبَ بَنِي آدَمَ يَعْتَقِدُ أَنّهُ مَبْخُوسُ الْحَقّ نَاقِصُ الْحَظّ وَأَنّهُ يَسْتَحِقّ فَوْقَ مَا أَعْطَاهُ اللّهُ وَلِسَانُ حَالِهِ يَقُولُ ظَلَمَنِي رَبّي وَمَنَعَنِي مَا أَسْتَحِقّهُ وَنَفْسُهُ تَشْهَدُ عَلَيْهِ بِذَلِكَ وَهُوَ بِلِسَانِهِ يُنْكِرُهُ وَلَا يَتَجَاسَرُ عَلَى التّصْرِيحِ بِهِ وَمَنْ فَتّشَ نَفْسَهُ وَتَغَلْغَلَ فِي مَعْرِفَةِ دَفَائِنِهَا وَطَوَايَاهَا رَأَى ذَلِكَ فِيهَا كَامِنًا كُمُونَ النّارِ فِي الزّنَادِ فَاقْدَحْ زِنَادَ مَنْ شِئْت يُنْبِئْك شَرَارُهُ عَمّا فِي زِنَادِهِ وَلَوْ فَتّشْت مَنْ فَتّشْته لَرَأَيْت عِنْدَهُ تَعَتّبًا عَلَى الْقَدَرِ وَمَلَامَةً لَهُ وَاقْتِرَاحًا عَلَيْهِ خِلَافَ مَا جَرَى بِهِ وَأَنّهُ كَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ كَذَا وَكَذَا فَمُسْتَقِلّ وَمُسْتَكْثِرٌ وَفَتّشْ نَفْسَك هَلْ أَنْتَ سَالِمٌ مِنْ ذَلِكَ .
فَإِنْ تَنْجُ مِنْهَا تَنْجُ مِنْ ذِي عَظِيمَةٍ
وَإِلّا فَإِنّي لَا إِخَالُك نَاجِيًا
فَلْيَعْتَنِ اللّبِيبُ النّاصِحُ لِنَفْسِهِ بِهَذَا الْمَوْضِعِ وَلْيَتُبْ إلَى اللّهِ تَعَالَى وَلِيَسْتَغْفِرْهُ كُلّ وَقْتٍ مِنْ ظَنّهِ بِرَبّهِ ظَنّ السّوْءِ وَلْيَظُنّ السّوءَ بِنَفْسِهِ الّتِي هِيَ مَأْوَى كُلّ سُوءٍ وَمَنْبَعُ كُلّ شَرّ الْمُرَكّبَةُ عَلَى الْجَهْلِ وَالظّلْمِ فَهِيَ أَوْلَى بِظَنّ السّوءِ مِنْ أَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ وَأَعْدَلِ الْعَادِلِينَ وَأَرْحَمِ الرّاحِمِينَ الْغَنِيّ الْحَمِيدِ الّذِي لَهُ الْغِنَى التّامّ وَالْحَمْدُ التّامّ وَالْحِكْمَةُ التّامّةُ الْمُنَزّهُ عَنْ كُلّ سُوءٍ فِي ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ وَأَسْمَائِهِ فَذَاتُهُ لَهَا الْكَمَالُ الْمُطْلَقُ مِنْ كُلّ وَجْهٍ وَصِفَاتُهُ كَذَلِكَ وَأَفْعَالُهُ كَذَلِكَ كُلّهَا حِكْمَةٌ وَمَصْلَحَةٌ وَرَحْمَةٌ وَعَدْلٌ وَأَسْمَاؤُهُ كُلّهَا حُسْنَى [ ص 212 ]
فَلَا تَظُنّنّ بِرَبّك ظَنّ سَوْءٍ فَإِنّ اللّهَ أَوْلَى بِالْجَمِيلِ
وَلَا تَظُنّنّ بِنَفْسِكَ قَطّ خَيْرًا وَكَيْفَ بِظَالِمٍ جَانٍ جَهُولِ
وَقُلْ يَا نَفْسُ مَأْوَى كُلّ سُوءٍ أَيُرْجَى الْخَيْرُ مِنْ مَيْتٍ بَخِيلِ
وَظُنّ بِنَفْسِكَ السّوآى تَجِدْهَا كَذَاكَ وَخَيْرُهَا كَالْمُسْتَحِيلِ
وَمَا بِكَ مِنْ تُقًى فِيهَا وَخَيْرٍ فَتِلْكَ مَوَاهِبُ الرّبّ الْجَلِيلِ
وَلَيْسَ بِهَا وَلَا مِنْهَا وَلَكِنْ مِنْ الرّحْمَنِ فَاشْكُرْ لِلدّلِيلِ
وَالْمَقْصُودِ مَا سَاقَنَا إلَى هَذَا الْكَلَامِ مِنْ قَوْلِهِ { وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنّونَ بِاللّهِ غَيْرَ الْحَقّ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ } [ آل عِمْرَانَ 154 ] ثُمّ أَخْبَرَ عَنْ الْكَلَامِ الّذِي صَدَرَ عَنْ ظَنّهِمْ الْبَاطِلِ وَهُوَ قَوْلُهُمْ { هَلْ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ مِنْ شَيْءٍ } [ آل عِمْرَانَ 154 ] وَقَوْلُهُمْ { لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا } [ آل عِمْرَانَ 154 ] فَلَيْسَ مَقْصُودُهُمْ بِالْكَلِمَةِ الْأُولَى وَالثّانِيَةِ إثْبَاتَ الْقَدَرِ وَرَدّ الْأَمْرِ كُلّهِ إلَى اللّهِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ مَقْصُودَهُمْ بِالْكَلِمَةِ الْأُولَى لَمَا ذُمّوا عَلَيْهِ وَلَمَا حَسُنَ الرّدّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ { قُلْ إِنّ الْأَمْرَ كُلّهُ لِلّهِ } [ سُورَةُ آلُ عِمْرَانَ ] وَلَا كَانَ مَصْدَرَ هَذَا الْكَلَامِ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ وَلِهَذَا قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْمُفَسّرِينَ إنّ ظَنّهُمْ الْبَاطِلَ هَا هُنَا : هُوَ التّكْذِيبُ بِالْقَدَرِ وَظَنّهُمْ أَنّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ إلَيْهِمْ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ تَبَعًا لَهُمْ يَسْمَعُونَ مِنْهُمْ لَمَا أَصَابَهُمْ الْقَتْلُ وَلَكَانَ النّصْرُ وَالظّفَرُ لَهُمْ فَأَكْذَبَهُمْ اللّهُ عَزّ وَجَلّ فِي هَذَا الظّنّ الْبَاطِلِ الّذِي هُوَ ظَنّ الْجَاهِلِيّةِ وَهُوَ الظّنّ الْمَنْسُوبُ إلَى أَهْلِ الْجَهْلِ الّذِينَ يَزْعُمُونَ بَعْدَ نَفَاذِ الْقَضَاءِ وَالْقَدَرِ الّذِي لَمْ يَكُنْ بُدّ مِنْ نَفَاذِهِ أَنّهُمْ كَانُوا قَادِرِينَ عَلَى دَفْعِهِ وَأَنّ الْأَمْرَ لَوْ كَانَ إلَيْهِمْ لَمَا نَفَذَ الْقَضَاءُ فَأَكْذَبَهُمْ اللّهُ بِقَوْلِهِ { قُلْ إِنّ الْأَمْرَ كُلّهُ لِلّهِ } فَلَا يَكُونُ إلّا مَا سَبَقَ بِهِ قَضَاؤُهُ وَقَدَرُهُ وَجَرَى بِهِ عِلْمُهُ وَكِتَابُهُ السّابِقُ وَمَا شَاءَ اللّهُ كَانَ وَلَا بُدّ شَاءَ النّاسُ أَمْ أَبَوْا وَمَا لَمْ يَشَأْ لَمْ يَكُنْ شَاءَهُ النّاسُ أَمْ لَمْ يَشَاءُوهُ وَمَا جَرَى عَلَيْكُمْ مِنْ الْهَزِيمَةِ وَالْقَتْلِ فَبِأَمْرِهِ الْكَوْنِيّ الّذِي لَا سَبِيلَ إلَى دَفْعِهِ سَوَاءٌ كَانَ لَكُمْ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ أَوْ لَمْ يَكُنْ لَكُمْ وَأَنّكُمْ لَوْ كُنْتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ وَقَدْ كُتِبَ الْقَتْلُ عَلَى بَعْضِكُمْ لَخَرَجَ الّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقَتْلُ مِنْ بُيُوتِهِمْ إلَى مَضَاجِعِهِمْ وَلَا بُدّ سَوَاءٌ كَانَ لَهُمْ مِنْ الْأَمْرِ [ ص 213 ] أَظْهَرِ الْأَشْيَاءِ إبْطَالًا لِقَوْلِ الْقَدَرِيّةِ النّفَاةِ الّذِينَ يُجَوّزُونَ أَنْ يَقَعَ مَا لَا يَشَاؤُهُ اللّهُ وَأَنْ يَشَاءَ مَا لَا يَقَعُ .
فَصْلٌ [ وَلِيَبْتَلِيَ اللّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ ]
ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ حِكْمَةٍ أُخْرَى فِي هَذَا التّقْدِيرِ هِيَ ابْتِلَاءُ مَا فِي صُدُورِهِمْ وَهُوَ اخْتِبَارُ مَا فِيهَا مِنْ الْإِيمَانِ وَالنّفَاقِ فَالْمُؤْمِنُ لَا يَزْدَادُ بِذَلِكَ إلّا إيمَانًا وَتَسْلِيمًا وَالْمُنَافِقُ وَمَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ لَا بُدّ أَنْ يَظْهَرَ مَا فِي قَلْبِهِ عَلَى جَوَارِحِهِ وَلِسَانِهِ .
[ وَلِيُمَحّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ ]
ثُمّ ذَكَرَ حِكْمَةً أُخْرَى : وَهُوَ تَمْحِيصُ مَا فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ تَخْلِيصُهُ وَتَنْقِيَتُهُ وَتَهْذِيبُهُ فَإِنّ الْقُلُوبَ يُخَالِطُهَا بِغَلَبَاتِ الطّبَائِعِ ؟ وَمَيْلِ النّفُوسِ وَحُكْمِ الْعَادَةِ وَتَزْيِينِ الشّيْطَانِ وَاسْتِيلَاءِ الْغَفْلَةِ مَا يُضَادّ مَا أُودِعَ فِيهَا مِنْ الْإِيمَانِ وَالْإِسْلَامِ وَالْبِرّ وَالتّقْوَى فَلَوْ تُرِكَتْ فِي عَافِيَةٍ دَائِمَةٍ مُسْتَمِرّةٍ لَمْ تَتَخَلّصْ مِنْ هَذِهِ الْمُخَالَطَةِ وَلَمْ تَتَمَحّصْ مِنْهُ فَاقْتَضَتْ حِكْمَةُ الْعَزِيزِ أَنْ قَيّضَ لَهَا مِنْ الْمِحَنِ وَالْبَلَايَا مَا يَكُونُ كَالدّوَاءِ الْكَرِيهِ لِمَنْ عَرَضَ لَهُ دَاءٌ إنْ لَمْ يَتَدَارَكْهُ طَبِيبُهُ بِإِزَالَتِهِ وَتَنْقِيَتِهِ مِنْ جَسَدِهِ وَإِلّا خِيفَ عَلَيْهِ مِنْهُ الْفَسَادُ وَالْهَلَاكُ فَكَانَتْ نِعْمَتُهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ بِهَذِهِ الْكَسْرَةِ وَالْهَزِيمَةِ وَقَتْلِ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ تُعَادِلُ نِعْمَتُهُ عَلَيْهِمْ بِنَصْرِهِمْ وَتَأْيِيدِهِمْ وَظَفَرِهِمْ بِعَدُوّهِمْ فَلَهُ عَلَيْهِمْ النّعْمَةُ التّامّةُ فِي هَذَا وَهَذَا .
[ إنّ الّذِينَ تَوَلّوْا مِنْكُمْ ]
ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَنْ تَوَلّي مَنْ تَوَلّى مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَأَنّهُ بِسَبَبِ كَسْبِهِمْ وَذُنُوبِهِمْ فَاسْتَزَلّهُمْ الشّيْطَانُ بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ حَتّى تَوَلّوْا فَكَانَتْ أَعْمَالُهُمْ جُنْدًا عَلَيْهِمْ ازْدَادَ بِهَا عَدُوّهُمْ قُوّةً فَإِنّ الْأَعْمَالَ جُنْدٌ لِلْعَبْدِ وَجُنْدٌ عَلَيْهِ وَلَا بُدّ فَلِلْعَبْدِ كُلّ وَقْتٍ سَرِيّةٌ مِنْ نَفْسِهِ تَهْزِمُهُ أَوْ تَنْصُرُهُ فَهُوَ يَمُدّ عَدُوّهُ بِأَعْمَالِهِ مِنْ حَيْثُ يَظُنّ أَنّهُ يُقَاتِلُهُ بِهَا وَيَبْعَثُ إلَيْهِ سَرِيّةً تَغْزُوهُ مَعَ عَدُوّهِ مِنْ حَيْثُ يَظُنّ أَنّهُ يَغْزُو عَدُوّهُ فَأَعْمَالُ الْعَبْدِ تَسُوقُهُ قَسْرًا إلَى مُقْتَضَاهَا مِنْ الْخَيْرِ وَالشّرّ وَالْعَبْدُ لَا يَشْعُرُ أَوْ يَشْعُرُ وَيَتَعَامَى فَفِرَارُ الْإِنْسَانِ مِنْ عَدُوّهِ وَهُوَ يُطِيقُهُ إنّمَا هُوَ بِجُنْدٍ مِنْ عَمَلِهِ بَعَثَهُ لَهُ الشّيْطَانُ وَاسْتَزَلّهُ بِهِ [ ص 214 ]
[ وَلَقَدْ عَفَا اللّهُ عَنْهُمْ ]
[ أَوَلَمّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ ]
[ إثْبَاتُ الْقَدَرِ وَالسّبَبِ ]
ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّهُ عَفَا عَنْهُمْ لِأَنّ هَذَا الْفِرَارَ لَمْ يَكُنْ عَنْ نِفَاقٍ وَلَا شَكّ وَإِنّمَا كَانَ عَارِضًا عَفَا اللّهُ عَنْهُ فَعَادَتْ شَجَاعَةُ الْإِيمَانِ وَثَبَاتُهُ إلَى مَرْكَزِهَا وَنِصَابِهَا ثُمّ كَرّرَ عَلَيْهِمْ سُبْحَانَهُ أَنّ هَذَا الّذِي أَصَابَهُمْ إنّمَا أُتُوا فِيهِ مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ وَبِسَبَبِ أَعْمَالِهِمْ فَقَالَ { أَوَلَمّا أَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةٌ قَدْ أَصَبْتُمْ مِثْلَيْهَا قُلْتُمْ أَنّى هَذَا ؟ قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ إِنّ اللّهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } [ آل عِمْرَانَ 165 ] وَذَكَرَ هَذَا بِعَيْنِهِ فِيمَا هُوَ أَعَمّ مِنْ ذَلِكَ فِي السّوَرِ الْمَكّيّةِ فَقَالَ { وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } [ الشّورَى : 30 ] وَقَالَ { مَا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللّهِ وَمَا أَصَابَكَ مِنْ سَيّئَةٍ فَمِنْ نَفْسِكَ } [ النّسَاءُ 79 ] فَالْحَسَنَةُ وَالسّيّئَةُ هَا هُنَا : النّعْمَةُ وَالْمُصِيبَةُ فَالنّعْمَةُ مِنْ اللّهِ مَنّ بِهَا عَلَيْك وَالْمُصِيبَةُ إنّمَا نَشَأَتْ مِنْ قِبَلِ نَفْسِك وَعَمَلِك فَالْأَوّلُ فَضْلُهُ وَالثّانِي عَدْلُهُ وَالْعَبْدُ يَتَقَلّبُ بَيْنَ فَضْلِهِ وَعَدْلِهِ جَارٍ عَلَيْهِ فَضْلُهُ مَاضٍ فِيهِ حُكْمُهُ عَدْلٌ فِيهِ قَضَاؤُهُ . وَخَتَمَ الْآيَةَ الْأُولَى بِقَوْلِهِ { إِنّ اللّهَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } بَعْدَ قَوْلِهِ { قُلْ هُوَ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِكُمْ } إعْلَامًا لَهُمْ بِعُمُومِ قُدْرَتِهِ مَعَ عَدْلِهِ وَأَنّهُ عَادِلٌ قَادِرٌ وَفِي ذَلِكَ إثْبَاتُ الْقَدَرِ وَالسّبَبِ فَذَكَرَ السّبَبَ وَأَضَافَهُ إلَى نُفُوسِهِمْ وَذَكَرَ عُمُومَ الْقُدْرَةِ وَأَضَافَهَا إلَى نَفْسِهِ فَالْأَوّلُ يَنْفِي الْجَبْرَ وَالثّانِي يَنْفِي الْقَوْلَ بِإِبْطَالِ الْقَدَرِ فَهُوَ يُشَاكِلُ قَوْلَهُ { لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ وَمَا تَشَاءُونَ إِلّا أَنْ يَشَاءَ اللّهُ رَبّ الْعَالَمِينَ } [ التّكْوِيرُ 30 ] .
[ وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ ]
[ وَلِيَعْلَمَ الّذِينَ نَافَقُوا ]
وَفِي ذِكْرِ قُدْرَتِهِ هَا هُنَا نُكْتَةٌ لَطِيفَةٌ وَهِيَ أَنّ هَذَا الْأَمْرَ بِيَدِهِ وَتَحْتَ قُدْرَتِهِ وَأَنّهُ هُوَ الّذِي لَوْ شَاءَ لَصَرَفَهُ عَنْكُمْ فَلَا تَطْلُبُوا كَشْفَ أَمْثَالِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَلَا تَتّكِلُوا عَلَى سِوَاهُ وَكَشَفَ هَذَا الْمَعْنَى وَأَوْضَحَهُ كُلّ الْإِيضَاحِ بِقَوْلِهِ { وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللّهِ } وَهُوَ الْإِذْنُ الْكَوْنِيّ الْقَدَرِيّ لَا الشّرْعِيّ الدّينِيّ كَقَوْلِهِ فِي السّحْرِ { وَمَا هُمْ بِضَارّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلّا بِإِذْنِ اللّهِ } [ الْبَقَرَةُ 102 ] ثُمّ أَخْبَرَ عَنْ حِكْمَةِ هَذَا التّقْدِيرِ وَهِيَ أَنْ يَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ الْمُنَافِقِينَ عِلْمَ عِيَانٍ وَرُؤْيَةٍ يَتَمَيّزُ فِيهِ أَحَدُ الْفَرِيقَيْنِ مِنْ الْآخَرِ تَمْيِيزًا ظَاهِرًا وَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ هَذَا التّقْدِيرِ [ ص 215 ] رَدّ اللّهِ عَلَيْهِمْ وَجَوَابَهُ لَهُمْ وَعَرَفُوا مُؤَدّى النّفَاقِ وَمَا يَئُولُ إلَيْهِ وَكَيْفَ يُحْرَمُ صَاحِبُهُ سَعَادَةَ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَيَعُودُ عَلَيْهِ بِفَسَادِ الدّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلَلّهِ كَمْ مِنْ حِكْمَةٍ فِي ضِمْنِ هَذِهِ الْقِصّةِ بَالِغَةٍ وَنِعْمَةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَابِغَةٍ وَكَمْ فِيهَا مِنْ تَحْذِيرٍ وَتَخْوِيفٍ وَإِرْشَادٍ وَتَنْبِيهٍ وَتَعْرِيفٍ بِأَسْبَابِ الْخَيْرِ وَالشّرّ وَمَا لَهُمَا وَعَاقِبَتُهُمَا .
[ وَلَا تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا ]
[ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنْ اللّهِ ]
[ لَقَدْ مَنّ اللّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ ]
ثُمّ عَزّى نَبِيّهُ وَأَوْلِيَاءَهُ عَمّنْ قُتِلَ مِنْهُمْ فِي سَبِيلِهِ أَحْسَنَ تَعْزِيَةٍ وَأَلْطَفَهَا وَأَدْعَاهَا إلَى الرّضَى بِمَا قَضَاهُ لَهَا فَقَالَ { وَلَا تَحْسَبَنّ الّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبّهِمْ يُرْزَقُونَ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ } [ آل عِمْرَانَ 169 - 170 ] فَجَمَعَ لَهُمْ إلَى الْحَيَاةِ الدّائِمَةِ مَنْزِلَةَ الْقُرْبِ مِنْهُ وَأَنّهُمْ عِنْدَهُ وَجَرَيَانَ الرّزْقِ الْمُسْتَمِرّ عَلَيْهِمْ وَفَرَحِهِمْ بِمَا آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَهُوَ فَوْقَ الرّضَى بَلْ هُوَ كَمَالُ الرّضَى وَاسْتِبْشَارُهُمْ بِإِخْوَانِهِمْ الّذِينَ بِاجْتِمَاعِهِمْ بِهِمْ يَتِمّ سُرُورُهُمْ وَنَعِيمُهُمْ وَاسْتِبْشَارُهُمْ بِمَا يُجَدّدُ لَهُمْ كُلّ وَقْتٍ مَنْ نِعْمَتِهِ وَكَرَامَتِهِ وَذَكّرَهُمْ سُبْحَانَهُ فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الْمِحْنَةِ بِمَا هُوَ مِنْ أَعْظَمِ مِنَنِهِ وَنِعَمِهِ عَلَيْهِمْ الّتِي إنْ قَابَلُوا بِهَا كُلّ مِحْنَةٍ تَنَالهُمْ وَبَلِيّةٍ تَلَاشَتْ فِي جَنْبِ هَذِهِ الْمِنّةِ وَالنّعْمَةِ وَلَمْ يَبْقَ لَهَا أَثَرٌ الْبَتّةَ وَهِيَ مِنّتُهُ عَلَيْهِمْ بِإِرْسَالِ رَسُولٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ إلَيْهِمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكّيهِمْ وَيُعَلّمُهُمْ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُنْقِذُهُمْ مِنْ الضّلَالِ الّذِي كَانُوا فِيهِ قَبْلَ إرْسَالِهِ إلَى الْهُدَى وَمِنْ الشّقَاءِ إلَى الْفَلَاحِ وَمِنْ الظّلْمَةِ إلَى النّورِ وَمِنْ الْجَهْلِ إلَى الْعِلْمِ فَكُلّ بَلِيّةٍ وَمِحْنَةٍ تَنَالُ الْعَبْدَ بَعْدَ حُصُولِ هَذَا الْخَيْرِ الْعَظِيمِ لَهُ أَمْرٌ يَسِيرٌ جِدّا فِي جَنْبِ الْخَيْرِ الْكَثِيرِ كَمَا يَنَالُ النّاسَ بِأَذَى الْمَطَرِ فِي جَنْبِ مَا يَحْصُلُ لَهُمْ بِهِ مِنْ الْخَيْرِ فَأَعْلَمَهُمْ أَنّ سَبَبَ الْمُصِيبَةِ مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ لِيَحْذَرُوا وَأَنّهَا بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ لِيُوَحّدُوا وَيَتّكِلُوا وَلَا يَخَافُوا غَيْرَهُ وَأَخْبَرَهُمْ بِمَا لَهُمْ فِيهَا مِنْ الْحِكَمِ لِئَلّا يَتّهِمُوهُ فِي قَضَائِهِ وَقَدَرِهِ وَلِيَتَعَرّفَ إلَيْهِمْ بِأَنْوَاعِ أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَسَلّاهُمْ بِمَا أَعْطَاهُمْ مِمّا هُوَ أَجَلّ قَدْرًا وَأَعْظَمُ خَطَرًا مِمّا فَاتَهُمْ مِنْ النّصْرِ وَالْغَنِيمَةِ وَعَزّاهُمْ [ ص 216 ] نَالُوهُ مِنْ ثَوَابِهِ وَكَرَامَتِهِ لِيُنَافِسُوهُمْ فِيهِ وَلَا يَحْزَنُوا عَلَيْهِمْ فَلَهُ الْحَمْدُ كَمَا هُوَ أَهْلُهُ وَكَمَا يَنْبَغِي لِكَرَمِ وَجْهِهِ وَعِزّ جَلَالِهِ .
فَصْلٌ [ خُرُوجُ عَلِيّ فِي آثَارِ الْمُشْرِكِينَ ]
وَلَمّا انْقَضَتْ الْحَرْبُ انْكَفَأَ الْمُشْرِكُونَ فَظَنّ الْمُسْلِمُونَ أَنّهُمْ قَصَدُوا الْمَدِينَةَ لِإِحْرَازِ الذّرَارِيّ وَالْأَمْوَالِ فَشَقّ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِعَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ اُخْرُجْ فِي آثَارِ الْقَوْمِ فَانْظُرْ مَاذَا يَصْنَعُونَ وَمَاذَا يُرِيدُونَ فَإِنْ هُمْ جَنّبُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ فَإِنّهُمْ يُرِيدُونَ مَكّةَ وَإِنْ رَكِبُوا الْخَيْلَ وَسَاقُوا الْإِبِلَ فَإِنّهُمْ يُرِيدُونَ الْمَدِينَةَ فَوَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَئِنْ أَرَادُوهَا لَأَسِيرَنّ إلَيْهِمْ ثُمّ لَأُنَاجِزَنّهُمْ فِيهَا قَالَ عَلِيّ : فَخَرَجْتُ فِي آثَارِهِمْ أَنْظُرُ مَاذَا يَصْنَعُونَ فَجَنّبُوا الْخَيْلَ وَامْتَطَوْا الْإِبِلَ وَوَجّهُوا إلَى مَكّةَ وَلَمّا عَزَمُوا عَلَى الرّجُوعِ إلَى مَكّةَ أَشْرَفَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَبُو سُفْيَانَ ثُمّ نَادَاهُمْ مَوْعِدُكُمْ الْمَوْسِمُ بِبَدْرٍ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " قُولُوا : نَعَمْ قَدْ فَعَلْنَا " قَالَ أَبُو سُفْيَانَ " فَذَلِكُمْ الْمَوْعِدُ " ثُمّ انْصَرَفَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَلَمّا كَانَ فِي بَعْضِ الطّرِيقِ تَلَاوَمُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لَمْ تَصْنَعُوا شَيْئًا أَصَبْتُمْ شَوْكَتَهُمْ وَحْدَهُمْ ثُمّ تَرَكْتُمُوهُمْ وَقَدْ بَقِيَ مِنْهُمْ رُءُوسٌ يَجْمَعُونَ لَكُمْ فَارْجِعُوا حَتّى نَسْتَأْصِلَ شَأْفَتَهُمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَنَادَى فِي النّاسِ وَنَدَبَهُمْ إلَى الْمَسِيرِ إلَى لِقَاءِ عَدُوّهِمْ وَقَالَ " لَا يَخْرُجْ مَعَنَا إلّا مَنْ شَهِدَ الْقِتَالَ " فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ : أَرْكَبُ مَعَك ؟ قَالَ " لَا فَاسْتَجَابَ لَهُ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَا بِهِمْ مِنْ الْقَرْحِ الشّدِيدِ وَالْخَوْفِ وَقَالُوا : سَمْعًا وَطَاعَةً . وَاسْتَأْذَنَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي أُحِبّ أَلّا تَشْهَدَ مَشْهَدًا إلّا كُنْتُ مَعَك وَإِنّمَا خَلّفَنِي أَبِي عَلَى بَنَاتِهِ . فَأْذَنْ لِي أَسِيرُ مَعَك فَأَذِنَ لَهُ فَسَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْمُسْلِمُونَ مَعَهُ حَتّى بَلَغُوا حَمْرَاءَ الْأَسَدِ " وَأَقْبَلَ مَعْبَدُ بْنُ أَبِي مَعْبَدٍ الْخُزَاعِيّ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَسْلَمَ فَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ بِأَبِي سُفْيَانَ فَيُخَذّلُهُ [ ص 217 ] فَقَالَ مَا وَرَاءَك يَا مَعْبَدُ ؟ فَقَالَ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ قَدْ تَحَرّقُوا عَلَيْكُمْ وَخَرَجُوا فِي جَمْعٍ لَمْ يَخْرُجُوا فِي مِثْلِهِ . وَقَدْ نَدِمَ مَنْ كَانَ تَخَلّفَ عَنْهُمْ مِنْ أَصْحَابِهِمْ فَقَالَ مَا تَقُولُ ؟ فَقَالَ مَا أَرَى أَنْ تَرْتَحِلَ حَتّى يَطْلُعَ أَوّلُ الْجَيْشِ مِنْ وَرَاءِ هَذِهِ الْأَكَمَةِ . فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ وَاَللّهِ لَقَدْ أَجْمَعْنَا الْكَرّةَ عَلَيْهِمْ لِنَسْتَأْصِلَهُمْ . قَالَ فَلَا تَفْعَلْ فَإِنّي لَك نَاصِحٌ فَرَجَعُوا عَلَى أَعْقَابِهِمْ إلَى مَكّةَ وَلَقِيَ أَبُو سُفْيَانَ بَعْضَ الْمُشْرِكِينَ يُرِيدُ الْمَدِينَةَ فَقَالَ هَلْ لَك أَنْ تُبْلِغَ مُحَمّدًا رِسَالَةً وَأُوقِرَ لَك رَاحِلَتَكَ زَبِيبًا إذَا أَتَيْتَ إلَى مَكّةَ ؟ قَالَ نَعَمْ . قَالَ أَبْلِغْ مُحَمّدًا أَنّا قَدْ أَجْمَعْنَا الْكَرّةَ لِنَسْتَأْصِلَهُ وَنَسْتَأْصِلَ أَصْحَابَهُ فَلَمّا بَلَغَهُمْ قَوْلُهُ قَالُوا : { حَسْبُنَا اللّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتّبَعُوا رِضْوَانَ اللّهِ وَاللّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ } [ آل عِمْرَانَ 174 ] [ ص 218 ]
فَصْلٌ [ سَرِيّةُ أَبِي سَلَمَةَ إلَى بَنِي أَسَدٍ ]
وَكَانَتْ وَقْعَةُ أُحُدٍ يَوْمَ السّبْتِ فِي سَابِعِ شَوّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ كَمَا تَقَدّمَ فَرَجَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمَدِينَةِ فَأَقَامَ بِهَا بَقِيّةَ شَوّالٍ وَذَا الْقِعْدَةِ وَذَا الْحِجّةِ وَالْمُحَرّمُ فَلَمّا اسْتَهَلّ هِلَالُ الْمُحَرّمِ بَلَغَهُ أَنّ طَلْحَةَ وَسَلَمَةَ ابْنَيْ خُوَيْلِدٍ قَدْ سَارَا فِي قَوْمِهِمَا وَمَنْ أَطَاعَهُمَا يَدْعُوَانِ بَنِي أَسَدِ بْنِ خُزَيْمَةَ إلَى حَرْبِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَبَعَثَ أَبَا سَلَمَةَ وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً وَبَعَثَ مَعَهُ مِائَةً وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَالْمُهَاجِرِينَ فَأَصَابُوا إبِلًا وَشَاءً وَلَمْ يَلْقَوْا كَيْدًا فَانْحَدَرَ أَبُو سَلَمَةَ بِذَلِكَ كُلّهِ إلَى الْمَدِينَةِ . فَصْلٌ بَعْثُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أُنَيْسٍ لِقَتْلِ ابْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِيّ فَلَمّا كَانَ خَامِسُ الْمُحَرّمِ بَلَغَهُ أَنّ خَالِدَ بْنَ سُفْيَانَ بْنِ نُبَيْحٍ الْهُذَلِي ّ قَدْ جَمَعَ لَهُ الْجُمُوعَ فَبَعَثَ إلَيْهِ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أُنَيْسٍ فَقَتَلَهُ قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ : وَجَاءَهُ بِرَأْسِهِ فَوَضَعَهُ بَيْنَ يَدَيْهِ فَأَعْطَاهُ عَصًا فَقَالَ هَذِهِ آيَةٌ بَيْنِي وَبَيْنَكَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَمّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ أَوْصَى أَنْ تُجْعَلَ مَعَهُ فِي أَكْفَانِهِ وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ ثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَقَدِمَ يَوْمَ السّبْتِ لِسَبْعٍ بَقِينَ مِنْ الْمُحَرّمِ [ ص 219 ]
[ يَوْمَ الرّجِيعِ ]
[ سُنّةُ صَلَاةِ الْقَتْلِ ]
فَلَمّا كَانَ صَفَرٌ قَدِمَ عَلَيْهِ قَوْمٌ مِنْ عَضَلٍ وَالْقَارَةِ وَذَكَرُوا أَنّ فِيهِمْ إسْلَامًا وَسَأَلُوهُ أَنْ يَبْعَثَ مَعَهُمْ مَنْ يُعَلّمُهُمْ الدّينَ وَيُقْرِئُهُمْ الْقُرْآنُ فَبَعَثَ مَعَهُمْ سِتّةَ نَفَرٍ فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ وَقَالَ الْبُخَارِيّ : كَانُوا عَشْرَةً وَأَمّرَ عَلَيْهِمْ مَرْثَدَ بْنَ أَبِي مَرْثَدٍ الْغَنَوِيّ وَفِيهِمْ خُبَيْبُ بْنُ عَدِيّ فَذَهَبُوا مَعَهُمْ فَلَمّا كَانُوا بِالرّجِيعِ وَهُوَ مَاءٌ لِهُذَيْلٍ بِنَاحِيَةِ الْحِجَازِ غَدَرُوا بِهِمْ وَاسْتَصْرَخُوا عَلَيْهِمْ هُذَيْلًا فَجَاءُوا حَتّى أَحَاطُوا بِهِمْ فَقَتَلُوا عَامّتَهُمْ وَاسْتَأْسَرُوا خُبَيْبَ بْنَ عَدِيّ وَزَيْدَ بْنَ الدّثِنَةِ فَذَهَبُوا بِهِمَا وَبَاعُوهُمَا بِمَكّةَ وَكَانَا قَتَلَا مِنْ رُءُوسِهِمْ يَوْمَ بَدْرٍ فَأَمّا خُبَيْبٌ فَمَكَثَ عِنْدَهُمْ مَسْجُونًا ثُمّ أَجْمَعُوا قَتْلَهُ فَخَرَجُوا بِهِ مِنْ الْحَرَمِ إلَى التّنْعِيمِ فَلَمّا أَجْمَعُوا عَلَى صَلْبِهِ قَالَ دَعُونِي حَتّى أَرْكَعَ رَكْعَتَيْنِ فَتَرَكُوهُ فَصَلّاهُمَا فَلَمّا سَلّمَ قَالَ وَاَللّهِ لَوْلَا أَنْ تَقُولُوا إنّ مَا بِي جَزَعٌ لَزِدْت ثُمّ قَالَ " اللّهُمّ أَحْصِهِمْ عَدَدًا وَاقْتُلْهُمْ بِدَدًا وَلَا تُبْقِ مِنْهُمْ أَحَدًا ثُمّ قَالَ لَقَدْ أَجْمَعَ الْأَحْزَابُ حَوْلِي وَأَلّبُوا قَبَائِلَهُمْ وَاسْتَجْمَعُوا كُلّ مَجْمَعِ
وَكُلّهُمُ مُبْدِي الْعَدَاوَةَ جَاهِدٌ عَلَيّ لِأَنّي فِي وَثَاقٍ بِمَضْيَعِ
وَقَدْ قَرّبُوا أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَقُرّبْتُ مِنْ جِذْعٍ طَوِيلٍ مُمَنّعِ
إلَى اللّهِ أَشْكُو غُرْبَتِي بَعْدَ كُرْبَتِي وَمَا أَرْصَدَ الْأَحْزَابُ لِي عِنْدَ مَصْرَعِي
فَذَا الْعَرْشِ صَبّرْنِي عَلَى مَا يُرَادُ بِي فَقَدْ بَضَعُوا لَحْمِي وَقَدْ يَاسَ مَطْمَعِي
وَقَدْ خَيّرُونِي الْكُفْرَ وَالْمَوْتُ دُونَهُ فَقَدْ ذَرَفَتْ عَيْنَايَ مِنْ غَيْرِ مَجْزَعِ
وَمَا بِي حِذَارُ الْمَوْتِ إنّي لَمَيّتٌ وَإِنّ إلَى رَبّي إيَابِي وَمَرْجِعِي
وَلَسْتُ أُبَالِي حِينَ أُقْتَلُ مُسْلِمًا عَلَى أَيّ شِقّ كَانَ فِي اللّهِ مَضْجَعِي
وَذَلِكَ فِي ذَاتِ الْإِلَهِ وَإِنْ يَشَأْ يُبَارِكْ عَلَى أَوْصَالِ شِلْوٍ مُمَزّعِ
فَلَسْتُ بِمُبْدٍ لِلْعَدُوّ تَخَشّعًا وَلَا جَزَعًا إنّي إلَى اللّهِ مَرْجِعِي
[ ص 220 ] فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ أَيَسُرّك أَنّ مُحَمّدًا عِنْدَنَا تُضْرَبُ عُنُقُهُ وَإِنّك فِي أَهْلِكُ فَقَالَ لَا وَاَللّهِ مَا يَسُرّنِي أَنّي فِي أَهْلِي وَأَنّ مُحَمّدًا فِي مَكَانِهِ الّذِي هُوَ فِيهِ تُصِيبُهُ شَوْكَةٌ تُؤْذِيهِ . وَفِي " الصّحِيحِ " : أَنّ خُبَيْبًا أَوّلُ مَنْ سَنّ الرّكْعَتَيْنِ عِنْدَ الْقَتْلِ . وَقَدْ نَقَلَ أَبُو عُمَرَ بْنُ عَبْدِ الْبَرّ عَنْ اللّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنّهُ بَلَغَهُ عَنْ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ أَنّهُ صَلّاهُمَا فِي قِصّةٍ ذَكَرَهَا وَكَذَلِكَ صَلّاهُمَا حُجْرُ بْنُ عَدِيّ حِينَ أَمَرَ مُعَاوِيَةُ بِقَتْلِهِ بِأَرْضِ عَذْرَاءَ مِنْ أَعْمَالِ دِمَشْقَ . ثُمّ صَلَبُوا خُبَيْبًا وَوَكّلُوا بِهِ مَنْ يَحْرُسُ جُثّتَهُ فَجَاءَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ فَاحْتَمَلَهُ بِجِذْعِهِ لَيْلًا فَذَهَبَ بِهِ فَدَفَنَهُ . وَرُؤِيَ خُبَيْبٌ وَهُوَ أَسِيرٌ يَأْكُلُ قِطْفًا مِنْ الْعِنَبِ وَمَا بِمَكّةَ ثَمَرَةٌ وَأَمّا زَيْدُ بْن [ ص 221 ] الدّثِنَةِ فَابْتَاعَهُ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ فَقَتَلَهُ بِأَبِيهِ . وَأَمّا مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فَذَكَرَ سَبَبَ هَذِهِ الْوَقْعَةِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعَثَ هَؤُلَاءِ الرّهْطَ يَتَحَسّسُونَ لَهُ أَخْبَارَ قُرَيْشٍ فَاعْتَرَضَهُمْ بَنُو لِحْيَانَ .
فَصْلٌ [ بِئْرُ مَعُونَةَ ]
وَفِي هَذَا الشّهْرِ بِعَيْنِهِ وَهُوَ صَفَرٌ مِنْ السّنَةِ الرّابِعَةِ كَانَتْ وَقْعَةُ بِئْرِ مَعُونَةَ وَمُلَخّصُهَا أَنّ أَبَا بَرَاءٍ عَامِرَ بْنَ مَالِك ٍ الْمَدْعُوّ مُلَاعِبَ الْأَسِنّةِ قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ فَدَعَاهُ إلَى الْإِسْلَام فَلَمْ يُسْلِمْ وَلَمْ يَبْعُدْ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَوْ بَعَثْتَ أَصْحَابَك إلَى أَهْلِ نَجْدٍ يَدْعُونَهُمْ إلَى دِينِك لَرَجَوْتُ أَنْ يُجِيبُوهُمْ . فَقَالَ إنّي أَخَافُ عَلَيْهِمْ أَهْلَ نَجْد فَقَالَ أَبُو بَرَاءٍ : أَنَا جَارٌ لَهُمْ فَبَعَثَ مَعَهُ أَرْبَعِينَ رَجُلًا فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ . وَفِي الصّحِيحِ " أَنّهُمْ كَانُوا سَبْعِينَ " وَاَلّذِي فِي الصّحِيحِ هُوَ الصّحِيحُ . وَأَمّرَ عَلَيْهِمْ الْمُنْذِرَ بْنَ عَمْرٍو - أَحَدَ بَنِي سَاعِدَةَ الْمُلَقّبَ بِالْمُعْنِقِ لِيَمُوتَ - وَكَانُوا مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ وَفُضَلَائِهِمْ وِسَادَاتِهِمْ وَقُرّائِهِمْ فَسَارُوا حَتّى نَزَلُوا بِئْرَ مَعُونَةَ وَهِيَ بَيْنَ أَرْضِ بَنِي عَامِر ٍ وَحَرّةِ بَنِي سُلَيْمٍ فَنَزَلُوا هُنَاكَ ثُمّ بَعَثُوا حَرَامَ بْنَ مِلْحَانَ أَخَا أُمّ سُلَيْمٍ بِكِتَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى عَدُوّ اللّهِ عَامِرِ بْنِ الطّفَيْلِ فَلَمْ يَنْظُرْ فِيهِ وَأَمَرَ رَجُلًا فَطَعَنَهُ بِالْحَرْبَةِ مِنْ خَلْفِهِ فَلَمّا أَنْفَذَهَا فِيهِ وَرَأَى الدّمَ قَالَ فُزْتُ وَرَبّ الْكَعْبَةِ ثُمّ اسْتَنْفَرَ عَدُوّ اللّهِ لِفَوْرِهِ بَنِي عَامِرٍ إلَى قِتَالِ الْبَاقِينَ فَلَمْ يُجِيبُوهُ لِأَجْلِ جِوَارِ أَبِي بَرَاءٍ [ ص 223 ] بَنِي سُلَيْمٍ فَأَجَابَتْهُ عُصَيّةُ وَرِعْلٌ وَذَكْوَانُ فَجَاءُوا حَتّى أَحَاطُوا بِأَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَاتَلُوا حَتّى قُتِلُوا عَنْ آخِرِهِمْ إلّا كَعْبَ بْنَ زَيْدِ بْن النّجّارِ فَإِنّهُ ارْتَثّ بَيْنَ الْقَتْلَى فَعَاشَ حَتَى قُتِلَ يَوْمَ الْخَنْدَق ِ وَكَانَ عَمْرُو بْن أُمَيّةَ الضّمْرِيّ وَالْمُنْذِرُ بْنُ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ فِي سَرْحِ الْمُسْلِمِينَ فَرَأَيَا الطّيْرَ تَحُومُ عَلَى مَوْضِعِ الْوَقْعَةِ فَنَزَلَ الْمُنْذِرُ بْنُ مُحَمّدٍ فَقَاتَلَ الْمُشْرِكِينَ حَتّى قُتِلَ مَعَ أَصْحَابِهِ وَأُسِرَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ الضّمْرِيّ فَلَمّا أَخْبَرَ أَنّهُ مِنْ مُضَرَ جَزّ عَامِرٌ نَاصِيَتَهُ وَأَعْتَقَهُ عَنْ رَقَبَةٍ كَانَتْ عَلَى أُمّهِ وَرَجَعَ عَمْرُو بْنُ أُمَيّةَ فَلَمّا كَانَ بِالْقَرْقَرَةِ مِنْ صَدْرِ قَنَاةٍ نَزَلَ فِي ظِلّ شَجَرَةٍ وَجَاءَ رَجُلَانِ مِنْ بَنِي كِلَاب ٍ فَنَزَلَا مَعَهُ فَلَمّا نَامَا فَتَكَ بِهِمَا عَمْرٌو وَهُوَ يَرَى أَنّهُ قَدْ أَصَابَ ثَأْرًا مِنْ أَصْحَابِهِ وَإِذَا مَعَهُمَا عَهْدٌ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ فَلَمّا قَدِمَ أَخْبَرَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَا فَعَلَ فَقَالَ لَقَدْ قَتَلْتَ قَتِيلَيْنِ لَأَدِيَنّهُمَا
[ غَزْوَةُ بَنِي النّضِيرِ ]
فَكَانَ هَذَا سَبَبُ غَزْوَةِ بَنِي النّضِيرِ فَإِنّهُ خَرَجَ إلَيْهِمْ لِيُعِينُوهُ فِي دِيَتِهِمَا لِمَا بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ مِنْ الْحِلْفِ فَقَالُوا : نَعَمْ وَجَلَسَ هُوَ وَأَبُو بَكْر ٍ وَعُمَرُ وَعَلِيّ وَطَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ فَاجْتَمَعَ الْيَهُودُ وَتَشَاوَرُوا وَقَالُوا : مَنْ رَجُلٌ يُلْقِي عَلَى مُحَمّدٍ هَذِهِ الرّحَى فَيَقْتُلَهُ ؟ فَانْبَعَثَ أَشْقَاهَا عَمْرُو بْنُ جِحَاشٍ لَعَنَهُ اللّهُ وَنَزَلَ جِبْرِيلُ مِنْ عِنْدِ رَبّ الْعَالَمِينَ عَلَى رَسُولِهِ يُعْلِمُهُ بِمَا هَمّوا بِهِ فَنَهَضَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ وَقْتِهِ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ ثُمّ تَجَهّزَ وَخَرَجَ بِنَفْسِهِ لِحَرْبِهِمْ فَحَاصَرَهُمْ سِتّ لَيَالٍ وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ وَذَلِكَ فِي رَبِيعٍ الْأُولَى .
[ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ ]
قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : وَحِينَئِذٍ حُرّمَتْ الْخَمْرُ وَنَزَلُوا عَلَى أَنّ لَهُمْ مَا حَمَلَتْ إبِلُهُمْ [ ص 223 ] أَكَابِرُهُمْ كَحُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ وَسَلَامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ إلَى خَيْبَرَ وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ إلَى الشّامِ وَأَسْلَمَ مِنْهُمْ رَجُلَانِ فَقَطْ يَامِينُ بْنُ عَمْرٍو وَأَبُو سَعْدِ بْنُ وَهْبٍ فَأَحْرَزَا أَمْوَالَهُمَا وَقَسّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمْوَالَ بَنِي النّضِير ِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوّلِينَ خَاصّةً لِأَنّهَا كَانَتْ مِمّا لَمْ يُوجِفْ الْمُسْلِمُونَ عَلَيْهِ بِخَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ إلّا أَنّهُ أَعْطَى أَبَا دُجَانَةَ وَسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ الْأَنْصَارِيّيْنِ لِفَقْرِهِمَا .
[ نُزُولُ سُورَةِ الْحَشْرِ ]
وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ نَزَلَتْ سُورَةُ الْحَشْرِ هَذَا الّذِي ذَكَرْنَاهُ هُوَ الصّحِيحُ عِنْدَ أَهْلِ الْمَغَازِي وَالسّيَرِ .
[ غَزَوَاتُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعَ الْيَهُودِ ]
وَزَعَمَ مُحَمّد بْنُ شِهَابٍ الزّهْرِيّ أَنّ غَزْوَةَ بَنِي النّضِيرِ كَانَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتّةِ أَشْهُرٍ وَهَذَا وَهْمٌ مِنْهُ أَوْ غَلَطٌ عَلَيْهِ بَلْ الّذِي لَا شَكّ فِيهِ أَنّهَا كَانَتْ بَعْدَ أُحُدٍ وَاَلّتِي كَانَتْ بَعْدَ بَدْرٍ بِسِتّةِ أَشْهُرٍ هِيَ غَزْوَةُ بَنِي قَيْنُقَاعٍ وَقُرَيْظَةُ بَعْدَ الْخَنْدَقِ وَخَيْبَرُ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ وَكَانَ لَهُ مَعَ الْيَهُودِ أَرْبَعُ غَزَوَاتٍ أَوّلُهَا : غَزْوَةُ بَنِي قَيْنُقَاعٍ بَعْدَ بَدْرٍ وَالثّانِيَةُ بَنِي النّضِيرِ بَعْدَ أُحُدٍ وَالثّالِثَةُ قُرَيْظَةُ بَعْدَ الْخَنْدَق ِ وَالرّابِعَةُ خَيْبَرُ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ .
فَصْلٌ
وَقَنَتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى الّذِينَ قَتَلُوا الْقُرّاءَ أَصْحَابَ بِئْرِ مَعُونَةَ بَعْدَ الرّكُوعِ ثُمّ تَرَكَهُ لَمّا جَاءُوا تَائِبِينَ مُسْلِمِينَ .
فَصْلٌ [ غَزْوَةُ ذَاتِ الرّقَاعِ ]
[ مَتَى شُرِعَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ ]
[ ص 224 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِنَفْسِهِ غَزْوَةَ ذَاتِ الرّقَاعِ وَهِيَ غَزْوَةُ نَجْدٍ فَخَرَجَ فِي جُمَادَى الْأُولَى مِنْ السّنَةِ الرّابِعَةِ وَقِيلَ فِي الْمُحَرّمِ يُرِيدُ مُحَارِبَ وَبَنِي ثَعْلَبَةَ بْنِ سَعْدِ بْنِ غَطَفَانَ وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا ذَرّ الْغِفَارِيّ وَقِيلَ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ وَخَرَجَ فِي أَرْبَعِمِائَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ . وَقِيلَ سَبْعِمِائَةٍ فَلَقِيَ جَمْعًا مِنْ غَطَفَانَ فَتَوَاقَفُوا وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ إلّا أَنّهُ صَلّى بِهِمْ يَوْمَئِذٍ صَلَاةَ الْخَوْفِ هَكَذَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ السّيَرِ وَالْمَغَازِي فِي تَارِيخِ هَذِهِ الْغَزَاةِ وَصَلَاةِ الْخَوْفِ بِهَا وَتَلَقّاهُ النّاسُ عَنْهُمْ وَهُوَ مُشْكِلٌ جِدّا فَإِنّهُ قَدْ صَحّ أَنّ الْمُشْرِكِينَ حَبَسُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ عَنْ صَلَاةِ الْعَصْرِ حَتّى غَابَتْ الشّمْسُ وَفِي " السّنَنِ " و " مُسْنَدِ أَحْمَدَ " وَالشّافِعِيّ رَحِمَهُمَا اللّهُ أَنّهُمْ حَبَسُوهُ عَنْ صَلَاةِ الظّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَصْلَاهُنّ جَمِيعًا [ ص 225 ] وَذَلِكَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَالْخَنْدَقُ بَعْد َ ذَاتِ الرّقَاعِ سَنَةَ خَمْسٍ . وَالظّاهِرُ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَوّلُ صَلَاةٍ صَلّاهَا لِلْخَوْفِ بِعُسْفَانَ كَمَا قَالَ أَبُو عَيّاشٍ الزّرَقِيّ : كُنّا مَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِعُسْفَانَ فَصَلّى بِنَا الظّهْرَ وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ يَوْمَئِذٍ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَالُوا : لَقَدْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ غَفْلَةً ثُمّ قَالُوا : إنّ لَهُمْ صَلَاةً بَعْدَ هَذِهِ هِيَ أَحَبّ إلَيْهِمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ فَنَزَلَتْ صَلَاةُ الْخَوْفِ بَيْنَ الظّهْرِ وَالْعَصْرِ فَصَلّى بِنَا الْعَصْرَ فَفَرّقَنَا فِرْقَتَيْنِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَحْمَدُ وَأَهْلُ السّنَنِ . وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَازِلًا بَيْنَ ضَجَنَانَ وَعُسْفَانَ مُحَاصِرًا لِلْمُشْرِكَيْنِ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ إنّ لِهَؤُلَاءِ صَلَاةً هِيَ أَحَبّ إلَيْهِمْ مِنْ أَبْنَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ أَجْمِعُوا أَمْرَكُمْ ثُمّ مِيلُوا عَلَيْهِمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً فَجَاءَ جِبْرِيلُ فَأَمَرَهُ أَنْ يُقَسّمَ أَصْحَابَهُ نِصْفَيْنِ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ قَالَ التّرْمِذِيّ : حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَلَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنّ غَزْوَةَ عُسْفَانَ كَانَتْ بَعْدَ الْخَنْدَقِ وَقَدْ صَحّ عَنْهُ أَنّهُ صَلّى صَلَاةَ الْخَوْفِ بِذَاتِ الرّقَاعِ فَعُلِمَ أَنّهَا بَعْدَ الْخَنْدَق ِ وَبَعْدَ عُسْفَانَ وَيُؤَيّدُ هَذَا أَنّ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيّ شَهِدَا ذَاتَ الرّقَاعِ كَمَا فِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ [ ص 226 ] أَبِي مُوسَى أَنّهُ شَهِدَ غَزْوَةَ ذَاتِ الرّقَاعِ وَأَنّهُمْ كَانُوا يَلُفّونَ عَلَى أَرْجُلِهِمْ الْخِرَقَ لَمّا نُقِبَتْ . وَأَمّا أَبُو هُرَيْرَةَ فَفِي " الْمُسْنَدِ " و " السّنَنِ " أَنّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ سَأَلَهُ هَلْ صَلّيْتَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ مَتَى ؟ قَالَ عَامَ غَزْوَةِ نَجْدٍ .
[ تَرْجِيحُ الْمُصَنّفِ أَنّ ذَاتَ الرّقَاعِ كَانَتْ بَعْدَ خَيْبَرَ ]
وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّ غَزْوَةَ ذَاتِ الرّقَاعِ بَعْدَ خَيْبَرَ وَأَنّ مَنْ جَعَلَهَا قَبْلَ الْخَنْدَقِ فَقَدْ وَهِمَ وَهْمًا ظَاهِرًا وَلَمّا لَمْ يَفْطَنْ بَعْضُهُمْ لِهَذَا ادّعَى أَنّ غَزْوَةَ ذَاتِ الرّقَاعِ كَانَتْ مَرّتَيْنِ فَمَرّةً قَبْلَ الْخَنْدَقِ وَمَرّةً بَعْدَهَا عَلَى عَادَتِهِمْ فِي تَعْدِيدِ الْوَقَائِعِ إذَا اخْتَلَفَتْ أَلْفَاظُهَا أَوْ تَارِيخُهَا وَلَوْ صَحّ لِهَذَا الْقَائِلِ مَا ذَكَرَهُ وَلَا يَصِحّ لَمْ يُمْكِنْ أَنْ يَكُونَ قَدْ صَلّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْمَرّةِ الْأُولَى لِمَا تَقَدّمَ مِنْ قِصّةِ عُسْفَانَ وَكَوْنِهَا بَعْدَ الْخَنْدَقِ وَلَهُمْ أَنْ يُجِيبُوا عَنْ هَذَا بِأَنّ تَأْخِيرَ يَوْمِ الْخَنْدَقِ جَائِزٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَأَنّ فِي حَالِ الْمُسَايَفَةَ يَجُوزُ تَأْخِيرُ الصّلَاةِ إلَى أَنْ يَتَمَكّنَ مِنْ فِعْلِهَا وَهَذَا أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللّهُ وَغَيْرِهِ لَكِنْ لَا حِيلَةَ لَهُمْ فِي قِصّةِ عُسْفَانَ أَنّ أَوّلَ صَلَاةٍ صَلّاهَا لِلْخَوْفِ بِهَا وَأَنّهَا بَعْدَ الْخَنْدَقِ . فَالصّوَابُ تَحْوِيلُ غَزْوَةِ ذَاتِ الرّقَاعِ مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ إلَى مَا بَعْدَ الْخَنْدَقِ بَلْ بَعْدَ خَيْبَرَ وَإِنّمَا ذَكَرْنَاهَا هَا هُنَا تَقْلِيدًا لِأَهْلِ الْمَغَازِي وَالسّيَرِ ثُمّ تَبَيّنَ لَنَا وَهْمُهُمْ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . وَمِمّا يَدُلّ عَلَى أَنّ غَزْوَةَ ذَاتِ الرّقَاعِ بَعْدَ الْخَنْدَقِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ جَابِرٍ قَالَ أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى إذَا كُنّا بِذَاتِ الرّقَاعِ قَالَ كُنّا إذَا أَتَيْنَا عَلَى شَجَرَةٍ ظَلِيلَةٍ تَرَكْنَاهَا لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَسَيْفُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُعَلّقٌ بِالشّجَرَةِ فَأَخَذَ السّيْفَ فَاخْتَرَطَهُ فَذَكَرَ الْقِصّةَ وَقَالَ فَنُودِيَ بِالصّلَاةِ فَصَلّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ثُمّ تَأَخّرُوا وَصَلّى بِالطّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ [ ص 227 ] وَصَلَاةُ الْخَوْفِ إنّمَا شُرِعَتْ بَعْدَ الْخَنْدَقِ بَلْ هَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّهَا بَعْدَ عُسْفَانَ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
[ قِصّةُ بَيْعِ جَابِرٍ جَمَلَهُ مِنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
وَقَدْ ذَكَرُوا أَنّ قِصّةَ بَيْعِ جَابِرٍ جَمَلَهُ مِنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَتْ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرّقَاعِ . وَقِيلَ فِي مَرْجِعِهِ مِنْ تَبُوكَ وَلَكِنْ فِي إخْبَارِهِ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي تِلْكَ الْقَضِيّةِ أَنّهُ تَزَوّجَ امْرَأَةً ثَيّبًا تَقُومُ عَلَى أَخَوَاتِهِ وَتَكْفُلُهُنّ إشْعَارٌ بِأَنّهُ بَادَرَ إلَى ذَلِكَ بَعْدَ مَقْتَلِ أَبِيهِ وَلَمْ يُؤَخّرْ إلَى عَامِ تَبُوكَ و اللّهُ أَعْلَمُ .
[ حِرْصُ الصّحَابَةِ عَلَى إتْمَامِ الصّلَاةِ ]
وَفِي مَرْجِعِهِمْ مِنْ غَزْوَةِ ذَاتِ الرّقَاعِ سَبَوْا امْرَأَةً مِنْ الْمُشْرِكِينَ فَنَذَرَ زَوْجُهَا أَلّا يَرْجِعَ حَتّى يُهْرِيقَ دَمًا فِي أَصْحَابِ مُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَجَاءَ لَيْلًا وَقَدْ أَرْصَدَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَجُلَيْنِ رَبِيئَةً لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الْعَدُوّ وَهُمَا عَبّادُ بْنُ بِشْر ٍ وَعَمّارُ بْنُ يَاسِرٍ فَضَرَبَ عَبّادًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي بِسَهْمٍ فَنَزَعَهُ وَلَمْ يُبْطِلْ صَلَاتَهُ حَتّى رَشَقَهُ بِثَلَاثَةِ أَسْهُمٍ فَلَمْ يَنْصَرِفْ مِنْهَا حَتَى سَلّمَ فَأَيْقَظَ صَاحِبَهُ فَقَالَ سُبْحَانَ [ ص 228 ] فَقَالَ إنّي كُنْتُ فِي سُورَةٍ فَكَرِهْتُ أَنْ أَقْطَعَهَا .
[ الرّدّ عَلَى مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ]
وَقَالَ مُوسَى بْنُ عقبة في " مَغَازِيهِ " : وَلَا يُدْرَى مَتَى كَانَتْ هَذِهِ الْغَزْوَةُ قَبْلَ بَدْرٍ أَوْ بَعْدَهَا أَوْ فِيمَا بَيْنَ بَدْرٍ وَأُحُد ٍ أَوْ بَعْدَ أُحُدٍ . وَلَقَدْ أَبْعَدَ جِدّا إذْ جَوّزَ أَنْ تَكُونَ قَبْلَ بَدْرٍ وَهَذَا ظَاهِرُ الْإِحَالَةِ وَلَا قَبْلَ أُحُدٍ وَلَا قَبْلَ الْخَنْدَقِ كَمَا تَقَدّمَ بَيَانُهُ .
فَصْلٌ [ غَزْوَةُ بَدْرٍ الْآخِرَةُ ]
وَقَدْ تَقَدّمَ أَنّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ عِنْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ أُحُدٍ : مَوْعِدُكُمْ وَإِيّانَا الْعَامُ الْقَابِلُ بِبَدْرٍ فَلَمّا كَانَ شَعْبَانُ وَقِيلَ ذُو الْقِعْدَةِ مِنْ الْعَامِ الْقَابِلِ خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِمَوْعِدِهِ فِي أَلْفٍ وَخَمْسِمِائَةٍ وَكَانَتْ الْخَيْلُ عَشَرَةَ أَفْرَاسٍ وَحَمّلَ لِوَاءَهُ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ عَبْدَ اللّهِ بْنَ رَوَاحَةَ فَانْتَهَى إلَى بَدْرٍ فَأَقَامَ بِهَا ثَمَانِيَةَ أَيّامٍ يَنْتَظِرُ الْمُشْرِكِينَ وَخَرَجَ أَبُو سُفْيَان َ بِالْمُشْرِكِينَ مِنْ مَكّةَ وَهُمْ أَلْفَانِ وَمَعَهُمْ خَمْسُونَ فَرَسًا فَلَمّا انْتَهَوْا إلَى مَرّ الظّهْرَانِ - عَلَى مَرْحَلَةٍ مِنْ مَكّةَ - قَالَ لَهُمْ أَبُو سُفْيَانَ : إنّ الْعَامَ عَامُ جَدْبٍ وَقَدْ رَأَيْتُ أَنّي أَرْجِعُ بِكَمْ فَانْصَرَفُوا رَاجِعِينَ وَأَخْلَفُوا الْمَوْعِدَ فَسُمّيَتْ هَذِهِ بَدْرَ الْمَوْعِدِ وَتُسَمّى بَدْرَ الثّانِيَةِ .
فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ دُومَةِ الْجَنْدَلِ
وَهِيَ بِضَمّ الدّالِ وَأَمّا دَوْمَةُ بِالْفَتْحِ فَمَكَانٌ آخَرُ . خَرَجَ إلَيْهَا [ ص 229 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي رَبِيعٍ الْأَوّلِ سَنَةَ خَمْسٍ وَذَلِكَ أَنّهُ بَلَغَهُ أَنّ بِهَا جَمْعًا كَثِيرًا يُرِيدُونَ أَنْ يَدْنُوَا مِنْ الْمَدِينَةِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً وَهِيَ مِنْ دِمَشْقَ عَلَى خَمْسِ لَيَالٍ فَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ الْغِفَارِيّ وَخَرَجَ فِي أَلْفٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَمَعَهُ دَلِيلٌ مِنْ بَنِي عُذْرَةَ يُقَالُ لَهُ مَذْكُورٌ فَلَمّا دَنَا مِنْهُمْ إذَا هُمْ مُغَرّبُونَ وَإِذَا آثَارُ النّعَمِ وَالشّاءِ فَهَجَمَ عَلَى مَاشِيَتِهِمْ وَرُعَاتِهِمْ فَأَصَابَ مَنْ أَصَابَ وَهَرَبَ مَنْ هَرَبَ وَجَاءَ الْخَبَرُ أَهْلَ دُومَةِ الْجَنْدَلِ فَتَفَرّقُوا وَنَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِسَاحَتِهِمْ فَلَمْ يَجِدْ فِيهَا أَحَدًا فَأَقَامَ بِهَا أَيّامًا وَبَثّ السّرَايَا وَفَرّقَ الْجُيُوشَ فَلَمْ يُصِبْ مِنْهُمْ أَحَدًا فَرَجَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمَدِينَةِ وَوَادَعَ فِي تِلْكَ الْغَزْوَةِ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ .
فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ
[ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ ]
وَكَانَتْ فِي شَعْبَانَ سَنَةَ خَمْسٍ وَسَبَبُهَا : أَنّهُ لَمّا بَلَغَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ الْحَارِثَ بْنَ [ ص 230 ] أَبِي ضِرَارٍ سَيّدَ بَنِي الْمُصْطَلِق ِ سَارَ فِي قَوْمِهِ وَمَنْ قَدَرَ عَلَيْهِ مِنْ الْعَرَبِ يُرِيدُونَ حَرْبَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَبَعَثَ بُرَيْدَةَ بْنَ الْحُصَيْبِ الْأَسْلَمِيّ يَعْلَمُ لَهُ ذَلِكَ فَأَتَاهُمْ وَلَقِيَ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي ضِرَارٍ وَكَلّمَهُ وَرَجَعَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرَهُ خَبَرَهُمْ فَنَدَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ النّاسَ فَأَسْرَعُوا فِي الْخُرُوجِ وَخَرَجَ مَعَهُمْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ لَمْ يَخْرُجُوا فِي غَزَاةٍ قَبْلَهَا وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَقِيلَ أَبَا ذَرّ وَقِيلَ نُمَيْلَةَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ اللّيْثِيّ وَخَرَجَ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ لِلَيْلَتَيْنِ خَلَتَا مِنْ شَعْبَانَ وَبَلَغَ الْحَارِثَ بْنَ أَبِي ضِرَارٍ وَمَنْ مَعَهُ مَسِيرَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَتْلَهُ عَيْنَهُ الّذِي كَانَ وَجّهَهُ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِهِ وَخَبَرِ الْمُسْلِمِينَ فَخَافُوا خَوْفًا شَدِيدًا وَتَفَرّقَ عَنْهُمْ مَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ الْعَرَبِ وَانْتَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمُرَيْسِيعِ وَهُوَ مَكَانُ الْمَاءِ فَضَرَبَ عَلَيْهِ قُبّتَهُ وَمَعَهُ عَائِشَةُ وَأُمّ سَلَمَةَ فَتَهَيّئُوا لِلْقِتَالِ وَصَفّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ وَرَايَةُ الْمُهَاجِرِينَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيق ِ وَرَايَةُ الْأَنْصَارِ مَعَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَتَرَامَوْا بِالنّبْلِ سَاعَةً ثُمّ أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ فَحَمَلُوا حَمْلَةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ فَكَانَتْ النّصْرَةُ وَانْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ وَقُتِلَ مَنْ قُتِلَ مِنْهُمْ وَسَبَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ النّسَاءَ وَالذّرَارِيّ وَالنّعَمَ وَالشّاءَ وَلَمْ يُقْتَلْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلّا رَجُلٌ وَاحِدٌ هَكَذَا قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ فِي " سِيرَتِهِ " وَغَيْرُهُ وَهُوَ وَهْمٌ فَإِنّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ وَإِنّمَا أَغَارَ عَلَيْهِمْ عَلَى الْمَاءِ فَسَبَى ذَرَارِيّهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ كَمَا فِي [ ص 231 ] أَغَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى بَنِي الْمُصْطَلِقِ وَهُمْ غَارُونَ وَذَكَرَ الْحَدِيثَ . .. " .
[ زَوَاجُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ جُوَيْرِيَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ ]
وَكَانَ مِنْ جُمْلَةِ السّبْيِ جُوَيْرِيَةُ بِنْتُ الْحَارِثِ سَيّدِ الْقَوْمِ وَقَعَتْ فِي سَهْمِ ثَابِتِ بْنِ قَيْسٍ فَكَاتَبَهَا فَأَدّى عَنْهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَتَزَوّجَهَا فَأَعْتَقَ الْمُسْلِمُونَ بِسَبَبِ هَذَا التّزْوِيجِ مِائَةَ أَهْلِ بَيْتٍ مَنْ بُنِيَ الْمُصْطَلِقِ قَدْ أَسْلَمُوا وَقَالُوا : أَصْهَارُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
[ فَقْدُ عَائِشَةَ الْعِقْدَ وَمَا تَلَاهُ مِنْ أُمُورٍ ]
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ سَقَطَ عِقْدٌ لِعَائِشَةَ فَاحْتَبَسُوا عَلَى طَلَبِهِ فَنَزَلَتْ آيَةُ التّيَمّمِ . وَذَكَرَ الطّبَرَانِيّ فِي " مُعْجَمِهِ " مِنْ حَدِيثِ مُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ عَنْ يَحْيَى بْنِ عَبّادِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ الزّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ وَلَمّا كَانَ مِنْ أَمْرِ عِقْدِي مَا كَانَ قَالَ أَهْلُ الْإِفْكِ مَا قَالُوا فَخَرَجْتُ مَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي غَزَاةٍ أُخْرَى فَسَقَطَ أَيْضًا عِقْدِي حَتّى حَبَسَ الْتِمَاسُهُ النّاسَ وَلَقِيتُ مِنْ أَبِي بَكْر ٍ مَا شَاءَ اللّهُ وَقَالَ لِي : يَا بُنَيّةُ فِي كُلّ سَفَرٍ تَكُونِينَ عَنَاءً وَبَلَاءً وَلَيْسَ مَعَ النّاسِ مَاءٌ فَأَنْزَلَ اللّهُ الرّخْصَةَ فِي التّيَمّمِ وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّ قِصّةَ الْعِقْدِ الّتِي نَزَلَ التّيَمّمُ لِأَجْلِهَا بَعْدَ [ ص 232 ] كَانَتْ قِصّةُ الْإِفْكِ بِسَبَبِ فَقْدِ الْعِقْدِ وَالْتِمَاسِهِ فَالْتَبَسَ عَلَى بَعْضِهِمْ إحْدَى الْقِصّتَيْنِ بِالْأُخْرَى وَنَحْنُ نُشِيرُ إلَى قِصّةِ الْإِفْكِ .
[ حَادِثَةُ الْإِفْكِ ]
اسْتِشَارَتُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ فِي فِرَاقِهَا وَذَلِكَ أَنّ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا كَانَتْ قَدْ خَرَجَ بِهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ بِقُرْعَةٍ أَصَابَتْهَا وَكَانَتْ تِلْكَ عَادَتَهُ مَعَ نِسَائِهِ فَلَمّا رَجَعُوا مِنْ الْغَزْوَةِ نَزَلُوا فِي بَعْضِ الْمَنَازِلِ فَخَرَجَتْ عَائِشَةُ لِحَاجَتِهَا ثُمّ رَجَعَتْ فَفَقَدَتْ عِقْدًا لِأُخْتِهَا كَانَتْ أَعَارَتْهَا إيّاهُ فَرَجَعَتْ تَلْتَمِسُهُ فِي الْمَوْضِعِ الّذِي فَقَدَتْهُ فِيهِ فَجَاءَ النّفَرُ الّذِينَ كَانُوا يُرَحّلُونَ هَوْدَجَهَا فَظَنّوهَا فِيهِ فَحَمَلُوا الْهَوْدَجَ وَلَا يُنْكِرُونَ خِفّتَهُ لِأَنّهَا رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا كَانَتْ فَتِيّةَ السّنّ لَمْ يَغْشَهَا اللّحْمُ الّذِي كَانَ يُثْقِلُهَا وَأَيْضًا فَإِنّ النّفَرَ لَمّا تَسَاعَدُوا عَلَى حَمْلِ الْهَوْدَجِ لَمْ يُنْكِرُوا خِفّتَهُ وَلَوْ كَانَ الّذِي حَمَلَهُ وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ لَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمَا الْحَالُ فَرَجَعَتْ عَائِشَةُ إلَى مَنَازِلِهِمْ وَقَدْ أَصَابَتْ الْعِقْدَ فَإِذَا لَيْسَ بِهَا دَاعٍ وَلَا مُجِيبٌ فَقَعَدَتْ فِي الْمَنْزِلِ وَظَنّتْ أَنّهُمْ سَيَفْقِدُونَهَا فَيَرْجِعُونَ فِي طَلَبِهَا وَاَللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ يُدَبّرُ الْأَمْرَ فَوْقَ عَرْشِهِ كَمَا يَشَاءُ فَغَلَبَتْهَا عَيْنَاهَا فَنَامَتْ فَلَمْ تَسْتَيْقِظْ إلّا بِقَوْلِ صَفْوَانَ بْنِ الْمُعَطّلِ : إنّا لِلّهِ وَإِنّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ زَوْجَةُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانَ صَفْوَانُ قَدْ عَرّسَ فِي أُخْرَيَاتِ الْجَيْشِ لِأَنّهُ كَانَ كَثِيرَ النّوْمِ كَمَا جَاءَ عَنْهُ فِي " صَحِيحِ أَبِي حَاتِمٍ " . وَفِي " السّنَنِ " : [ ص 233 ] رَآهَا عَرَفَهَا وَكَانَ يَرَاهَا قَبْلَ نُزُولِ الْحِجَابِ فَاسْتَرْجَعَ وَأَنَاخَ رَاحِلَتَهُ فَقَرّبَهَا إلَيْهَا فَرَكِبَتْهَا وَمَا كَلّمَهَا كَلِمَةً وَاحِدَةً وَلَمْ تَسْمَعْ مِنْهُ إلّا اسْتِرْجَاعَهُ ثُمّ سَارَ بِهَا يَقُودُهَا حَتّى قَدِمَ بِهَا وَقَدْ نَزَلَ الْجَيْشُ فِي نَحْرِ الظّهِيرَةِ فَلَمّا رَأَى ذَلِكَ النّاسُ تَكَلّمَ كُلّ مِنْهُمْ بِشَاكِلَتِهِ وَمَا يَلِيقُ بِهِ وَوَجَدَ الْخَبِيثُ عَدُوّ اللّهِ ابْنُ أُبَيّ مُتَنَفّسًا فَتَنَفّسَ مِنْ كَرْبِ النّفَاقِ وَالْحَسَدِ الّذِي بَيْنَ ضُلُوعِهِ فَجَعَلَ يَسْتَحْكِي الْإِفْكَ وَيَسْتَوْشِيهِ وَيُشِيعُهُ وَيُذِيعُهُ وَيَجْمَعُهُ وَيُفَرّقُهُ وَكَانَ أَصْحَابُهُ يَتَقَرّبُونَ بِهِ إلَيْهِ فَلَمّا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ أَفَاضَ أَهْلُ الْإِفْكِ فِي الْحَدِيثِ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَاكِتٌ لَا يَتَكَلّمُ ثُمّ اسْتَشَارَ أَصْحَابَهُ فِي فِرَاقِهَا فَأَشَارَ عَلَيْهِ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنْ يُفَارِقَهَا وَيَأْخُذَ غَيْرَهَا تَلْوِيحًا لَا تَصْرِيحًا وَأَشَارَ عَلَيْهِ أُسَامَةُ وَغَيْرُهُ بِإِمْسَاكِهَا وَأَلّا يَلْتَفِتَ إلَى كَلَامِ الْأَعْدَاءِ فِعْلِيّ لَمّا رَأَى أَنّ مَا قِيلَ مَشْكُوكٌ فِيهِ أَشَارَ بِتَرْكِ الشّكّ وَالرّيبَةِ إلَى الْيَقِينِ لِيَتَخَلّصَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الْهَمّ وَالْغَمّ الّذِي لَحِقَهُ مِنْ كَلَامِ النّاسِ فَأَشَارَ بِحَسْمِ الدّاءِ وَأُسَامَةُ لَمّا عَلِمَ حُبّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَهَا وَلِأَبِيهَا وَعَلِمَ مِنْ عِفّتِهَا وَبَرَاءَتِهَا وَحَصَانَتِهَا وَدِيَانَتِهَا مَا هِيَ فَوْقَ ذَلِكَ وَأَعْظَمُ مِنْهُ وَعَرَفَ مِنْ كَرَامَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى رَبّهِ وَمَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ وَدِفَاعِهِ عَنْهُ أَنّهُ لَا يَجْعَلُ رَبّةَ بَيْتِهِ وَحَبِيبَتَهُ مِنْ النّسَاءِ وَبِنْتَ صِدّيقِهِ بِالْمَنْزِلَةِ الّتِي أَنْزَلَهَا بِهِ أَرْبَابُ الْإِفْكِ وَأَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَكْرَمُ عَلَى رَبّهِ وَأَعَزّ عَلَيْهِ مِنْ أَنْ يَجْعَلَ تَحْتَهُ امْرَأَةً بَغِيّا وَعَلِمَ أَنّ الصّدّيقَةَ حَبِيبَةَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَكْرَمُ عَلَى رَبّهَا مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَهَا بِالْفَاحِشَةِ وَهِيَ تَحْتَ رَسُوله وَمَنْ قَوِيَتْ مَعْرِفَتُهُ لِلّهِ وَمَعْرِفَتُهُ لِرَسُولِهِ وَقَدْرِهِ عِنْدَ اللّهِ فِي قَلْبِهِ قَالَ كَمَا قَالَ أَبُو أَيّوب َ وَغَيْرُهُ مِنْ سَادَاتِ الصّحَابَةِ لَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } [ النّورُ 16 ] . [ ص 234 ] عَمّا لَا يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَجْعَلَ لِرَسُولِهِ وَخَلِيلِهِ وَأَكْرَمِ الْخَلْقِ عَلَيْهِ امْرَأَةً خَبِيثَةً بَغِيّا فَمَنْ ظَنّ بِهِ سُبْحَانَهُ هَذَا الظّنّ فَقَدْ ظَنّ بِهِ ظَنّ السّوْءِ وَعَرَفَ أَهْلُ الْمَعْرِفَةِ بِاَللّهِ وَرَسُولِهِ أَنّ الْمَرْأَةَ الْخَبِيثَةَ لَا تَلِيقُ إلّا بِمِثْلِهَا كَمَا قَالَ تَعَالَى : { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ } [ النّورُ 26 ] فَقَطَعُوا قَطْعًا لَا يَشُكّونَ فِيهِ أَنّ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ وَفِرْيَةٌ ظَاهِرَةٌ .
[ الْحِكَمُ مِنْ تَوَقّفِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَمْرِهَا ]
فَإِنْ قِيلَ فَمَا بَالُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَوَقّفَ فِي أَمْرِهَا وَسَأَلَ عَنْهَا وَبَحَثَ وَاسْتَشَارَ وَهُوَ أَعْرَفُ بِاَللّهِ وَبِمَنْزِلَتِهِ عِنْدَهُ وَبِمَا يَلِيقُ بِهِ وَهَلّا قَالَ { سُبْحَانَكَ هَذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ } كَمَا قَالَهُ فُضَلَاءُ الصّحَابَةِ ؟
[ الِامْتِحَانُ لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
فَالْجَوَابُ أَنّ هَذَا مِنْ تَمَامِ الْحِكَمِ الْبَاهِرَةِ الّتِي جَعَلَ اللّهُ هَذِهِ الْقِصّةَ سَبَبًا لَهَا وَامْتِحَانًا وَابْتِلَاءً لِرَسُولِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلِجَمِيعِ الْأُمّةِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لِيَرْفَعَ بِهَذِهِ الْقِصّةِ أَقْوَامًا وَيَضَعَ بِهَا آخَرِينَ وَيَزِيدُ اللّهُ الّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى وَإِيمَانًا وَلَا يَزِيدُ الظّالِمِينَ إلّا خَسَارًا وَاقْتَضَى تَمَامُ الِامْتِحَانِ وَالِابْتِلَاءِ أَنْ حُبِسَ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْوَحْيُ شَهْرًا فِي شَأْنِهَا لَا يُوحَى إلَيْهِ فِي ذَلِكَ شَيْءٌ لِتَتِمّ حِكْمَتُهُ الّتِي قَدّرَهَا وَقَضَاهَا وَتَظْهَرَ عَلَى أَكْمَلِ الْوُجُوهِ وَيَزْدَادَ الْمُؤْمِنُونَ الصّادِقُونَ إيمَانًا وَثَبَاتًا عَلَى الْعَدْلِ وَالصّدْقِ وَحُسْنِ الظّنّ بِاَللّهِ وَرَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَالصّدّيقِينَ مِنْ عِبَادِهِ وَيَزْدَادَ الْمُنَافِقُونَ إفْكًا وَنِفَاقًا وَيَظْهَرَ لِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ سَرَائِرُهُمْ وَلِتَتِمّ الْعُبُودِيّةُ الْمُرَادَةُ مِنْ الصّدّيقَةِ وَأَبَوَيْهَا وَتَتِمّ نِعْمَةُ اللّهِ عَلَيْهِمْ وَلِتَشْتَدّ الْفَاقَةُ وَالرّغْبَةُ مِنْهَا وَمِنْ أَبَوَيْهَا وَالِافْتِقَارُ إلَى اللّهِ وَالذّلّ لَهُ وَحُسْنُ الظّنّ بِهِ وَالرّجَاءُ لَهُ وَلِيَنْقَطِعَ رَجَاؤُهَا مِنْ الْمَخْلُوقِينَ وَتَيْأَسَ مِنْ حُصُولِ النّصْرَةِ وَالْفَرَجِ عَلَى يَدِ أَحَدٍ مِنْ الْخَلْقِ وَلِهَذَا وَفّتْ هَذَا الْمَقَامَ حَقّهُ لَمّا قَالَ لَهَا أَبَوَاهَا : قُومِي إلَيْهِ وَقَدْ أَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْهِ بَرَاءَتَهَا فَقَالَتْ وَاَللّهِ لَا أَقُومُ إلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُ إلّا اللّهَ هُوَ الّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي
[ حَبْسُ الْوَحْيِ لِتَمْحِيصِ الْقَضِيّةِ وَازْدِيَادِ حَاجَتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَهُ ]
وَأَيْضًا فَكَانَ مِنْ حِكْمَةِ حَبْسِ الْوَحْيِ شَهْرًا أَنّ الْقَضِيّةَ مُحّصَتْ [ ص 235 ] وَتَمَحّضَتْ وَاسْتَشْرَفَتْ قُلُوبَ الْمُؤْمِنِينَ أَعْظَمَ اسْتِشْرَافٍ إلَى مَا يُوحِيهِ اللّهُ إلَى رَسُولِهِ فِيهَا وَتَطَلّعَتْ إلَى ذَلِكَ غَايَةَ التّطَلّعِ فَوَافَى الْوَحْيُ أَحْوَجَ مَا كَانَ إلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَهْلُ بَيْتِهِ وَالصّدّيقُ وَأَهْلُهُ وَأَصْحَابُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ فَوَرَدَ عَلَيْهِمْ وُرُودَ الْغَيْثِ عَلَى الْأَرْضِ أَحْوَجَ مَا كَانَتْ إلَيْهِ فَوَقَعَ مِنْهُمْ أَعْظَمَ مَوْقِعٍ وَأَلْطَفَهُ وَسُرّوا بِهِ أَتَمّ السّرُورِ وَحَصَلَ لَهُمْ بِهِ غَايَةُ الْهَنَاءِ فَلَوْ أَطْلَعَ اللّهُ رَسُولَهُ عَلَى حَقِيقَةِ الْحَالِ مِنْ أَوّلِ وَهْلَةٍ وَأَنْزَلَ الْوَحْيَ عَلَى الْفَوْرِ بِذَلِكَ لَفَاتَتْ هَذِهِ الْحِكَمُ وَأَضْعَافُهَا بَلْ أَضْعَافُ أَضْعَافِهَا . إظْهَارُ اللّهِ مَنْزِلَتَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَهْلِ بَيْتِهِ عِنْدَهُ وَأَيْضًا فَإِنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ أَحَبّ أَنْ يُظْهِرَ مَنْزِلَةَ رَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ عِنْدَهُ وَكَرَامَتِهِمْ عَلَيْهِ وَأَنْ يُخْرِجَ رَسُولَهُ عَنْ هَذِهِ الْقَضِيّةِ وَيَتَوَلّى هُوَ بِنَفْسِهِ الدّفَاعَ وَالْمُنَافَحَةَ عَنْهُ وَالرّدّ عَلَى أَعْدَائِهِ وَذَمّهِمْ وَعَيْبِهِمْ بِأَمْرٍ لَا يَكُونُ لَهُ فِيهِ عَمَلٌ وَلَا يُنْسَبُ إلَيْهِ بَلْ يَكُونُ هُوَ وَحْدَهُ الْمُتَوَلّي لِذَلِكَ الثّائِرُ لِرَسُولِهِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ .
[ ثُبُوتُ بَرَاءَةِ عَائِشَةَ الصّدّيقَةِ ]
وَأَيْضًا فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ هُوَ الْمَقْصُودَ بِالْأَذَى وَاَلّتِي رُمِيَتْ زَوْجَتُهُ فَلَمْ يَكُنْ يَلِيقُ بِهِ أَنْ يَشْهَدَ بِبَرَاءَتِهَا مَعَ عِلْمِهِ أَوْ ظَنّهِ الظّنّ الْمُقَارِبَ لِلْعِلْمِ بِبَرَاءَتِهَا وَلَمْ يَظُنّ بِهَا سُوءًا قَطّ وَحَاشَاهُ وَحَاشَاهَا وَلِذَلِكَ لَمّا اسْتَعْذَرَ مِنْ أَهْلِ الْإِفْكِ قَالَ مَنْ يَعْذِرُنِي فِي رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي وَاَللّهِ مَا عَلِمْتُ عَلَى أَهْلِي إلّا خَيْرًا وَلَقَدْ ذَكَرُوا رَجُلًا مَا عَلِمْتُ عَلَيْهِ إلّا خَيْرًا وَمَا كَانَ يَدْخُلُ عَلَى أَهْلِي إلّا مَعِي فَكَانَ عِنْدَهُ مِنْ الْقَرَائِنِ الّتِي تَشْهَدُ بِبَرَاءَةِ الصّدّيقَةِ أَكْثَرَ مِمّا عِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنْ لِكَمَالِ صَبْرِهِ وَثَبَاتِهِ وَرِفْقِهِ وَحُسْنِ ظَنّهِ بِرَبّهِ وَثِقَتِهِ بِهِ وَفّى مَقَامَ الصّبْرِ وَالثّبَاتِ وَحُسْنِ الظّنّ بِاَللّهِ حَقّهُ حَتّى جَاءَهُ الْوَحْيُ بِمَا أَقَرّ عَيْنَهُ وَسَرّ قَلْبَهُ وَعَظّمَ قَدْرَهُ وَظَهَرَ لِأُمّتِهِ احْتِفَالُ رَبّهِ بِهِ وَاعْتِنَاؤُهُ بِشَأْنِهِ .
[ حَدّ الْقَذْفِ وَالسّبَبُ فِي عَدَمِ حَدّ ابْنِ أُبَيّ ]
وَلَمّا جَاءَ الْوَحْيُ بِبَرَاءَتِهَا أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَنْ صَرّحَ بِالْإِفْكِ فَحُدّوا ثَمَانِينَ ثَمَانِينَ وَلَمْ يَحُدّ الْخَبِيثَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أُبَيّ مَعَ أَنّهُ رَأْسُ أَهْلِ الْإِفْكِ فَقِيلَ [ ص 236 ] وَقِيلَ بَلْ كَانَ يَسْتَوْشِي الْحَدِيثَ وَيَجْمَعُهُ وَيَحْكِيهِ وَيُخْرِجُهُ فِي قَوَالِبِ مَنْ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ وَقِيلَ الْحَدّ لَا يَثْبُتُ إلّا بِالْإِقْرَارِ أَوْ بِبَيّنَةٍ وَهُوَ لَمْ يُقِرّ بِالْقَذْفِ وَلَا شَهِدَ بِهِ عَلَيْهِ أَحَدٌ فَإِنّهُ إنّمَا كَانَ يَذْكُرُهُ بَيْنَ أَصْحَابِهِ وَلَمْ يَشْهَدُوا عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ يَذْكُرُهُ بَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ . وَقِيلَ حَدّ الْقَذْفِ حَقّ الْآدَمِيّ لَا يُسْتَوْفَى إلّا بِمُطَالَبَتِهِ وَإِنْ قِيلَ إنّهُ حَقّ لِلّهِ فَلَا بُدّ مِنْ مُطَالَبَةِ الْمَقْذُوفِ وَعَائِشَةُ لَمْ تُطَالِبْ بِهِ ابْنَ أُبَيّ . وَقِيلَ بَلْ تَرَكَ حَدّهُ لِمَصْلَحَةٍ هِيَ أَعْظَمُ مِنْ إقَامَتِهِ كَمَا تَرَكَ قَتْلَهُ مَعَ ظُهُورِ نِفَاقِهِ وَتَكَلّمِهِ بِمَا يُوجِبُ قَتْلَهُ مِرَارًا وَهِيَ تَأْلِيفُ قَوْمِهِ وَعَدَمُ تَنْفِيرِهِمْ عَنْ الْإِسْلَامِ فَإِنّهُ كَانَ مُطَاعًا فِيهِمْ رَئِيسًا عَلَيْهِمْ فَلَمْ تُؤْمَنْ إثَارَةُ الْفِتْنَةِ فِي حَدّهِ وَلَعَلّهُ تُرِكَ لِهَذِهِ الْوُجُوهِ كُلّهَا .
[ مَنْ حُدّ فِي حَادِثَةِ الْإِفْكِ ]
فَجُلِدَ مِسْطَحُ بْنُ أُثَاثَة َ وَحَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ وَحَمْنَةُ بِنْتُ جَحْشٍ وَهَؤُلَاءِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ الصّادِقِينَ تَطْهِيرًا لَهُمْ وَتَكْفِيرًا وَتُرِكَ عَبْدُ اللّهِ بْن أُبَيّ إذًا فَلَيْسَ هُوَ مِنْ أَهْلِ ذَاكَ .
فَصْلٌ [ قُوّةُ إيمَانِ عَائِشَةَ ]
وَمَنْ تَأَمّلَ قَوْلَ الصّدّيقَةِ وَقَدْ نَزَلَتْ بَرَاءَتُهَا فَقَالَ لَهَا أَبَوَاهَا : قُومِي إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَتْ وَاَللّهِ لَا أَقُومُ إلَيْهِ وَلَا أَحْمَدُ إلّا اللّهَ عَلِمَ مَعْرِفَتَهَا وَقُوّةَ إيمَانِهَا وَتَوْلِيَتَهَا النّعْمَةَ لِرَبّهَا وَإِفْرَادَهُ بِالْحَمْدِ فِي ذَلِكَ الْمَقَامِ وَتَجْرِيدَهَا التّوْحِيدَ وَقُوّةَ جَأْشِهَا وَإِدْلَالَهَا بِبَرَاءَةِ سَاحَتِهَا وَأَنّهَا لَمْ تَفْعَلْ مَا يُوجِبُ قِيَامَهَا فِي مَقَامِ الرّاغِبِ فِي الصّلْحِ الطّالِبِ لَهُ وَثِقَتُهَا بِمَحَبّةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَهَا قَالَتْ مَا قَالَتْ إدْلَالًا لِلْحَبِيبِ عَلَى حَبِيبِهِ وَلَا سِيّمَا فِي مِثْلِ هَذَا الْمَقَامِ الّذِي هُوَ أَحْسَنُ مَقَامَاتِ الْإِدْلَالِ فَوَضَعْتُهُ مَوْضِعَهُ وَلَلّهِ مَا كَانَ أَحَبّهَا إلَيْهِ حِينَ قَالَتْ لَا أَحْمَدُ إلّا اللّهَ فَإِنّهُ هُوَ الّذِي أَنْزَلَ بَرَاءَتِي وَلَلّهِ ذَلِكَ الثّبَاتُ وَالرّزَانَةُ مِنْهَا وَهُوَ أَحَبّ شَيْءٍ إلَيْهَا وَلَا صَبْرَ لَهَا عَنْهُ وَقَدْ تَنَكّرَ قَلْبُ حَبِيبِهَا لَهَا شَهْرًا ثُمّ صَادَفَتْ الرّضَى [ ص 237 ] بِرِضَاهُ وَقُرْبِهِ مَعَ شِدّةِ مَحَبّتِهَا لَهُ وَهَذَا غَايَةُ الثّبَاتِ وَالْقُوّةِ .
فَصْلٌ
الِاخْتِلَافُ فِيمَنْ أَجَابَ طَلَبَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِعَذْرِهِ فِي رَجُلٍ بَلَغَهُ أَذَاهُ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَكَذَا فِي مَتَى كَانَتْ غَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ
[ نُزُولُ الْحِجَابِ ]
وَفِي هَذِهِ الْقَضِيّةِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا قَالَ مَنْ يَعْذِرُنِي فِي رَجُلٍ بَلَغَنِي أَذَاهُ فِي أَهْلِي ؟ " قَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ أَخُو بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَقَالَ أَنَا أُعْذِرُكَ مِنْهُ يَا رَسُولَ اللّهِ وَقَدْ أَشْكَلَ هَذَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فَإِنّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ لَا يَخْتَلِفُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّهُ تُوُفّيَ عُقَيْبَ حُكْمِهِ فِي بَنِي قُرَيْظَةَ عُقَيْبَ الْخَنْدَقِ وَذَلِكَ سَنَةَ خَمْسٍ عَلَى الصّحِيحِ وَحَدِيثُ الْإِفْكِ لَا شَكّ أَنّهُ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ هَذِهِ وَهِيَ غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ وَالْجُمْهُورُ عِنْدَهُمْ أَنّهَا كَانَتْ بَعْدَ الْخَنْدَقِ سَنَةَ سِتّ فَاخْتَلَفَتْ طُرُقُ النّاسِ فِي الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْإِشْكَالِ فَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : غَزْوَةُ الْمُرَيْسِيعِ كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ قَبْلَ الْخَنْدَقِ حَكَاهُ عَنْهُ الْبُخَارِيّ . وَقَالَ الْوَاقِدِيّ : كَانَتْ سَنَةَ خَمْسٍ . قَالَ وَكَانَتْ قُرَيْظَةُ وَالْخَنْدَقُ بَعْدَهَا . وَقَالَ الْقَاضِي إسْمَاعِيلُ بْنُ إسْحَاقَ : اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ وَالْأَوْلَى أَنْ تَكُونَ الْمُرَيْسِيعُ قَبْلَ الْخَنْدَقِ وَعَلَى هَذَا فَلَا إشْكَالَ وَلَكِنّ النّاسَ عَلَى خِلَافِهِ . وَفِي حَدِيثِ الْإِفْكِ مَا يَدُلّ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ أَيْضًا لِأَنّ عَائِشَةَ قَالَتْ إنّ الْقَضِيّةَ كَانَتْ بَعْدَمَا أُنْزِلَ الْحِجَابُ وَآيَةُ الْحِجَابِ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ وَزَيْنَبُ إذْ ذَاكَ كَانَتْ تَحْتَهُ فَإِنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَأَلَهَا عَنْ عَائِشَةَ فَقَالَتْ " أَحْمِي سَمْعِي وَبَصَرِي " قَالَتْ عَائِشَةُ وَهِيَ الّتِي كَانَتْ تُسَامِينِي مِنْ أَزْوَاجِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَقَدْ ذَكَرَ أَرْبَابُ التّوَارِيخِ أَنّ تَزْوِيجَهُ بِزَيْنَبَ كَانَ فِي ذِي الْقِعْدَةِ سَنَةَ خَمْسٍ وَعَلَى هَذَا فَلَا يَصِحّ قَوْلُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ . وَقَالَ مُحَمّد بْنُ إسْحَاقَ إنّ غَزْوَةَ بَنِي الْمُصْطَلِقِ كَانَتْ فِي سَنَةِ سِتّ بَعْدَ الْخَنْدَقِ وَذَكَرَ فِيهَا حَدِيثَ الْإِفْكِ إلّا أَنّهُ قَالَ [ ص 238 ] الزّهْرِيّ عَنْ عبيد الله بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ . فَقَالَ فَقَامَ أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ فَقَالَ أَنَا أَعْذِرُك مِنْهُ فَرَدّ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ . قَالَ أَبُو مُحَمّدِ بْنُ حَزْمٍ : وَهَذَا هُوَ الصّحِيحُ الّذِي لَا شَكّ فِيهِ وَذِكْرُ سَعْدِ بْنِ مُعَاذٍ وَهْمٌ لِأَنّ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ مَاتَ إثْرَ فَتْحِ بَنِي قُرَيْظَةَ بِلَا شَكّ وَكَانَتْ فِي آخِرِ ذِي الْقِعْدَةِ مِنْ السّنَةِ الرّابِعَةِ وَغَزْوَةُ بَنِي الْمُصْطَلِقِ فِي شَعْبَانَ مِنْ السّنَةِ السّادِسَةِ بَعْدَ سَنَةٍ وَثَمَانِيَةِ أَشْهُرٍ مِنْ مَوْتِ سَعْدٍ وَكَانَتْ الْمُقَاوَلَةُ بَيْنَ الرّجُلَيْنِ الْمَذْكُورَيْنِ بَعْدَ الرّجُوعِ مِنْ غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ بِأَزْيَدَ مِنْ خَمْسِينَ لَيْلَةً . قُلْت : الصّحِيحُ أَنّ الْخَنْدَقَ كَانَ فِي سَنَةِ خَمْسٍ كَمَا سَيَأْتِي .
فَصْلٌ
وَمِمّا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ أَنّ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْبُخَارِيّ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ سَأَلْتُ أُمّ رُومَانَ عَنْ حَدِيثِ الْإِفْكِ فَحَدّثَتْنِي . قَالَ غَيْرُ وَاحِدٍ وَهَذَا غَلَطٌ ظَاهِرٌ فَإِنّ أُمّ رُومَانَ مَاتَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَنَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي قَبْرِهَا وَقَالَ مَنْ سَرّهُ أَنْ يَنْظُرَ إلَى امْرَأَةٍ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ فَلْيَنْظُرْ إلَى هَذِهِ قَالُوا : وَلَوْ كَانَ مَسْرُوقٌ قَدِمَ الْمَدِينَةَ فِي حَيَاتِهَا وَسَأَلَهَا لَلَقِيَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسَمِعَ مِنْهُ وَمَسْرُوقٌ إنّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ مَوْتِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . قَالُوا : وَقَدْ رَوَى مَسْرُوقٌ عَنْ أُمّ رُومَانَ حَدِيثًا غَيْرَ هَذَا فَأَرْسَلَ الرّوَايَةَ عَنْهَا فَظَنّ بَعْضُ الرّوَاةِ أَنّهُ سَمِعَ مِنْهَا فَحَمَلَ هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى السّمَاعِ قَالُوا : وَلَعَلّ مَسْرُوقًا قَالَ سُئِلَتْ أُمّ رُومَانَ فَتَصَحّفَتْ عَلَى بَعْضِهِمْ سَأَلَتْ لِأَنّ مِنْ النّاسِ مَنْ [ ص 239 ] حَالٍ . وَقَالَ آخَرُونَ كُلّ هَذَا لَا يَرُدّ الرّوَايَةَ الصّحِيحَةَ الّتِي أَدْخَلَهَا البخاري في " صَحِيحِهِ " وَقَدْ قَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيّ وَغَيْرُهُ إنّ مَسْرُوقًا سَأَلَهَا وَلَهُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً وَمَاتَ وَلَهُ ثَمَانٍ وَسَبْعُونَ سَنَةً وَأُمّ رُومَانَ أَقْدَمُ مَنْ حَدّثَ عَنْهُ قَالُوا : وَأَمّا حَدِيثُ مَوْتِهَا فِي حَيَاةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَنُزُولِهِ فِي قَبْرِهَا فَحَدِيثٌ لَا يَصِحّ وَفِيهِ عِلّتَانِ تَمْنَعَانِ صِحّتَهُ إحْدَاهُمَا : رِوَايَةُ عَلِيّ بْنِ زَيْدِ بْنِ جُدْعَانَ لَهُ وَهُوَ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ لَا يُحْتَجّ بِحَدِيثِهِ وَالثّانِيَةُ أَنّهُ رَوَاهُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمّد عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْقَاسِمُ لَمْ يُدْرِكْ زَمَنَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَكَيْفَ يُقَدّمُ هَذَا عَلَى حَدِيثٍ إسْنَادُهُ كَالشّمْسِ يَرْوِيهِ البخاري في " صَحِيحِهِ " وَيَقُولُ فِيهِ مَسْرُوقٌ : سَأَلْتُ أُمّ رُومَانَ فَحَدّثَتْنِي وَهَذَا يَرُدّ أَنْ يَكُونَ اللّفْظُ سُئِلَتْ . وَقَدْ قَالَ أَبُو نُعَيْمٍ فِي كِتَابِ " مَعْرِفَةِ الصّحَابَةِ " : قَدْ قِيلَ إنّ أُمّ رُومَانَ تُوُفّيَتْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ وَهْمٌ .
فَصْلٌ [ هَلْ الْجَارِيَةُ الشّاهِدَةُ عَلَى عَائِشَةَ هِيَ بَرِيرَةُ ]
وَمِمّا وَقَعَ فِي حَدِيثِ الْإِفْكِ أَنّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنّ عَلِيّا قَالَ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا اسْتَشَارَهُ سَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْك فَدَعَا بَرِيرَةَ فَسَأَلَهَا فَقَالَتْ مَا عَلِمْتُ عَلَيْهَا إلّا مَا يَعْلَمُ الصّائِغُ عَلَى التّبْرِ أَوْ كَمَا قَالَتْ وَقَدْ اُسْتُشْكِلَ هَذَا فَإِنّ بَرِيرَةَ إنّمَا كَاتَبَتْ وَعَتَقَتْ بَعْدَ هَذَا بِمُدّةٍ طَوِيلَةٍ وَكَانَ الْعَبّاسُ عَمّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذْ ذَاكَ فِي الْمَدِينَةِ وَالْعَبّاسُ إنّمَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلِهَذَا قَالَ لَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَدْ شَفَعَ إلَى بَرِيرَةَ : أَنْ تُرَاجِعَ زَوْجَهَا فَأَبَتْ . أَنْ تُرَاجِعَهُ يَا عَبّاسُ " أَلّا تَعْجَبُ مِنْ بُغْضِ بَرِيرَةَ مُغِيثًا وَحُبّهِ لَهَا فَفِي قِصّةِ الْإِفْكِ لَمْ تَكُنْ بَرِيرَةُ عِنْدَ عَائِشَةَ وَهَذَا الّذِي ذَكَرُوهُ إنْ كَانَ لَازِمًا فَيَكُونُ الْوَهْمُ مِنْ تَسْمِيَتِهِ الْجَارِيَةَ بَرِيرَةَ وَلَمْ يَقُلْ لَهُ عَلِيّ سَلْ بَرِيرَةَ وَإِنّمَا [ ص 240 ] قَالَ فَسَلْ الْجَارِيَةَ تَصْدُقْك فَظَنّ بَعْضُ الرّوَاةِ أَنّهَا بَرِيرَةُ فَسَمّاهَا بِذَلِكَ وَإِنْ لَمْ يَلْزَمْ بِأَنْ يَكُونَ طَلَبُ مُغِيثٍ لَهَا اسْتَمَرّ إلَى بَعْدِ الْفَتْحِ وَلَمْ يَيْأَسْ مِنْهَا زَالَ الْإِشْكَالُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ
[ قَوْلُ ابْنِ أُبَيّ ( لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنّ الْأَعَزّ مِنْهَا الْأَذَلّ ] وَفِي مَرْجِعِهِمْ مِنْ هَذِهِ الْغَزْوَةِ قَالَ رَأْسُ الْمُنَافِقِينَ ابْنُ أُبَيّ : لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لِيُخْرِجَنّ الْأَعَزّ مِنْهَا الْأَذَلّ فَبَلّغَهَا زَيْدُ بْنُ أَرْقَم َ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَجَاءَ ابْنُ أُبَيّ يَعْتَذِرُ وَيَحْلِفُ مَا قَالَ فَسَكَتَ عَنْهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَنْزَلَ اللّهُ تَصْدِيقَ زَيْدٍ فِي سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ فَأَخَذَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِأُذُنِهِ فَقَالَ أَبْشِرْ فَقَدْ صَدَقَكَ الله ثم قَالَ هَذَا الّذِي وَفّى لِلّهِ بِأُذُنِهِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللّهِ مُرْ عَبّادَ بْنَ بِشْرٍ فَلْيَضْرِبْ عُنُقَهُ فَقَالَ " فَكَيْفَ إذَا تَحَدّثَ النّاسُ أَنّ مُحَمّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ
فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ
وَكَانَتْ فِي سَنَةِ خَمْسٍ مِنْ الْهِجْرَةِ فِي شَوّالٍ عَلَى أَصَحّ الْقَوْلَيْنِ إذْ لَا خِلَافَ أَنّ أُحُدًا كَانَتْ فِي شَوّالٍ سَنَةَ ثَلَاثٍ وَوَاعَدَ الْمُشْرِكُونَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْعَامِ الْمُقْبِلِ وَهُوَ سَنَةُ أَرْبَعٍ ثُمّ أَخْلَفُوهُ لِأَجْلِ جَدْبِ تِلْكَ السّنَةِ فَرَجَعُوا فَلَمّا كَانَتْ سَنَةُ خَمْسٍ جَاءُوا لِحَرْبِهِ هَذَا قَوْلُ أَهْلِ السّيَرِ وَالْمَغَازِي . [ ص 241 ] مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَقَالَ بَلْ كَانَتْ سَنَةَ أَرْبَعٍ . قَالَ أَبُو مُحَمّدِ بْنُ حَزْمٍ : وَهَذَا هُوَ الصّحِيحُ الّذِي لَا شَكّ فِيهِ وَاحْتُجّ عَلَيْهِ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " أَنّهُ عُرِضَ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمَ أُحُدٍ وَهُوَ ابْنُ أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً فَلَمْ يُجِزْهُ ثُمّ عُرِضَ عَلَيْهِ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَهُوَ ابْنُ خَمْسَ عَشْرَةَ سَنَةً فَأَجَازَهُ . قَالَ فَصَحّ أَنّهُ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا إلّا سَنَةٌ وَاحِدَةٌ . وَأُجِيبَ عَنْ هَذَا بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا : أَنّ ابْنَ عُمَرَ أَخْبَرَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَدّهُ لَمّا اسْتَصْغَرَهُ عَنْ الْقِتَالِ وَأَجَازَهُ لَمّا وَصَلَ إلَى السّنّ الّتِي رَآهُ فِيهَا مُطِيقًا وَلَيْسَ فِي هَذَا مَا يَنْفِي تَجَاوُزَهَا بِسَنَةٍ أَوْ نَحْوِهَا . الثّانِي : أَنّهُ لَعَلّهُ كَانَ يَوْمَ أُحُدٍ فِي أَوّلِ الرّابِعَةَ عَشْرَةَ وَيَوْمَ الْخَنْدَقِ فِي آخِرِ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ .
فَصْلٌ
وَكَانَ سَبَبُ غَزْوَةِ الْخَنْدَقِ أَنّ الْيَهُودَ لَمّا رَأَوْا انْتِصَارَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ أُحُدٍ وَعَلِمُوا بِمِيعَادِ أَبِي سُفْيَانَ لِغَزْوِ الْمُسْلِمِينَ فَخَرَجَ لِذَلِك ثُمّ رَجَعَ لِلْعَامِ الْمُقْبِلِ خَرَجَ أَشْرَافُهُمْ كَسَلَامِ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَسَلَامِ بْنِ مِشْكَمٍ وَكِنَانَةَ بْنِ الرّبِيعِ وَغَيْرِهِمْ إلَى قُرَيْشٍ بِمَكّةَ يُحَرّضُونَهُمْ عَلَى غَزْوِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 242 ] قُرَيْشٌ ثُمّ خَرَجُوا إلَى غَطَفَانَ فَدَعَوْهُمْ فَاسْتَجَابُوا لَهُمْ ثُمّ طَافُوا فِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ يَدْعُونَهُمْ إلَى ذَلِكَ فَاسْتَجَابَ لَهُمْ مَنْ اسْتَجَابَ فَخَرَجَتْ قُرَيْشٌ وَقَائِدُهُمْ أَبُو سُفْيَانُ فِي أَرْبَعَةِ آلَافٍ وَوَافَتْهُمْ بَنُو سُلَيْمٍ بِمَرّ الظّهْرَانِ وَخَرَجَتْ بَنُو أَسَدٍ وَفَزَارَةُ وَأَشْجَعُ وَبَنُو مُرّةَ وَجَاءَتْ غَطَفَانُ وَقَائِدُهُمْ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ . وَكَانَ مَنْ وَافَى الْخَنْدَقَ مِنْ الْكُفّارِ عَشَرَةَ آلَافٍ .
[ رَأْيُ سَلْمَانَ بِحَفْرِ الْخَنْدَقِ ]
فَلَمّا سَمِعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَسِيرِهِمْ إلَيْهِ اسْتَشَارَ الصّحَابَةَ فَأَشَارَ عَلَيْهِ سَلْمَانُ الْفَارِسِيّ بِحَفْرِ خَنْدَقٍ يَحُولُ بَيْنَ الْعَدُوّ وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ فَأَمَرَ بِهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَبَادَرَ إلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ وَعَمِلَ بِنَفْسِهِ فِيهِ وَبَادَرُوا هُجُومَ الْكُفّارِ عَلَيْهِمْ وَكَانَ فِي حَفْرِهِ مِنْ آيَاتِ نُبُوّتِهِ وَأَعْلَامِ رِسَالَتِهِ مَا قَدْ تَوَاتَرَ الْخَبَرُ بِهِ وَكَانَ حَفْرُ الْخَنْدَقِ أَمَامَ سِلْعٍ وَسِلْعٌ : جَبَلٌ خَلْفَ ظُهُورِ الْمُسْلِمِينَ وَالْخَنْدَقُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْكُفّارِ . وَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ثَلَاثَةِ آلَافٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَتَحَصّنَ بِالْجَبَلِ مِنْ خَلْفِهِ وَبِالْخَنْدَقِ أَمَامَهُمْ . وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : خَرَجَ فِي سَبْعِمِائَةٍ وَهَذَا غَلَطٌ مِنْ خُرُوجِهِ يَوْمَ أُحُدٍ . وَأَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالنّسَاءِ وَالذّرَارِيّ فَجُعِلُوا فِي آطَامِ الْمَدِينَةِ وَاسْتَخْلَفَ عَلَيْهَا ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ .
[ نَقْضُ بَنِي قُرَيْظَةَ الْعَهْدَ بِتَحْرِيضٍ مِنْ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ ]
وَانْطَلَقَ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَدَنَا مِنْ حِصْنِهِمْ فَأَبَى كَعْبُ بْنُ أَسَدٍ أَنْ يَفْتَحَ لَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُكَلّمُهُ حَتّى فَتَحَ لَهُ فَلَمّا دَخَلَ عَلَيْهِ قَالَ لَقَدْ جِئْتُكَ بِعِزّ الدّهْرِ جِئْتُكَ بِقُرَيْشٍ وَغَطَفَانَ وَأَسَدٍ عَلَى قَادَتِهَا لِحَرْبِ مُحَمّدٍ قَالَ كَعْبٌ جِئْتنِي وَاَللّهِ بِذُلّ الدّهْرِ وَبِجَهَامٍ قَدْ هَرَاقَ مَاؤُهُ فَهُوَ يَرْعُدُ وَيَبْرُقُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ . فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى نَقَضَ الْعَهْدَ الّذِي بَيْنَهُ وَبَيْنَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَدَخَلَ مَعَ [ ص 243 ] مُحَارَبَتِهِ فَسُرّ بِذَلِكَ الْمُشْرِكُونَ وَشَرَطَ كَعْبٌ عَلَى حُيَيّ أَنّهُ إنْ لَمْ يَظْفَرُوا بِمُحَمّدٍ أَنْ يَجِيءَ حَتّى يَدْخُلَ مَعَهُ فِي حِصْنِهِ فَيُصِيبَهُ مَا أَصَابَهُ فَأَجَابَهُ إلَى ذَلِكَ وَوَفّى لَهُ بِهِ . وَبَلَغَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَبَرُ بَنِي قُرَيْظَةَ وَنَقْضُهُمْ لِلْعَهْدِ فَبَعَثَ إلَيْهِمْ السّعْدَيْنِ وَخَوّاتَ بْنَ جُبَيْرٍ وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ رَوَاحَةَ لِيَعْرِفُوا : هَلْ هُمْ عَلَى عَهْدِهِمْ أَوْ قَدْ نَقَضُوهُ ؟ فَلَمّا دَنَوْا مِنْهُمْ فَوَجَدُوهُمْ عَلَى أَخْبَثِ مَا يَكُونُ وَجَاهَرُوهُمْ بِالسّبّ وَالْعَدَاوَةِ وَنَالُوا مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَانْصَرَفُوا عَنْهُمْ وَلَحَنُوا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَحْنًا يُخْبِرُونَهُ أَنّهُمْ قَدْ نَقَضُوا الْعَهْدَ وَغَدَرُوا فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عِنْدَ ذَلِكَ اللّهُ أَكْبَرُ أَبْشِرُوا يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ وَاشْتَدّ الْبَلَاءُ وَنَجَمَ النّفَاقُ وَاسْتَأْذَنَ بَعْضُ بَنِي حَارِثَةَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الذّهَابِ إلَى الْمَدِينَةِ وَقَالُوا : { إِنّ بُيُوتَنَا عَوْرَةٌ وَمَا هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلّا فِرَارًا } [ الْأَحْزَابُ 13 ] وَهَمّ بَنُو سَلَمَةَ بِالْفَشَلِ ثُمّ ثَبّتَ اللّهُ الطّائِفَتَيْنِ . وَأَقَامَ الْمُشْرِكُونَ مُحَاصِرِينَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَهْرًا وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ قِتَالٌ لِأَجْلِ مَا حَالَ اللّهُ بِهِ مِنْ الْخَنْدَقِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ إلّا أَنّ فَوَارِسَ مِنْ قُرَيْشٍ مِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ عَبْدِ وُدّ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ أَقْبَلُوا نَحْوَ الْخَنْدَقِ فَلَمّا وَقَفُوا عَلَيْهِ قَالُوا : إنّ هَذِهِ مَكِيدَةٌ مَا كَانَتْ الْعَرَبُ تَعْرِفُهَا ثُمّ تَيَمّمُوا مَكَانًا ضَيّقًا مِنْ الْخَنْدَقِ فَاقْتَحَمُوهُ وَجَالَتْ بِهِمْ خَيْلُهُمْ فِي السّبْخَةِ بَيْنَ الْخَنْدَقِ وَسِلْعٍ وَدَعَوْا إلَى الْبِرَازِ فَانْتُدِبَ لِعَمْرٍو عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَبَارَزَهُ فَقَتَلَهُ اللّهُ عَلَى يَدَيْهِ وَكَانَ مِنْ شُجْعَانِ الْمُشْرِكِينَ وَأَبْطَالِهِمْ وَانْهَزَمَ الْبَاقُونَ إلَى أَصْحَابِهِمْ وَكَانَ شِعَارُ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَئِذٍ " حم لَا يُنْصَرُونَ [ ص 244 ]
[هَمّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِصُلْحِ غَطَفَانَ عَلَى ثُلُثِ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ ]
وَلَمّا طَالَتْ هَذِهِ الْحَالُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَرَادَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُصَالِحَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ وَالْحَارِثَ بْنَ عَوْفٍ رَئِيسَيْ غَطَفَانَ عَلَى ثُلُثِ ثِمَارِ الْمَدِينَةِ وَيَنْصَرِفَا بِقَوْمِهِمَا وَجَرَتْ الْمُرَاوَضَةُ عَلَى ذَلِكَ فَاسْتَشَارَ السّعْدَيْنِ فِي ذَلِكَ فَقَالَا : يَا رَسُولَ اللّهِ إنْ كَانَ اللّهُ أَمَرَكَ بِهَذَا فَسَمْعًا وَطَاعَةً وَإِنْ كَانَ شَيْئًا تَصْنَعُهُ لَنَا فَلَا حَاجَةَ لَنَا فِيهِ لَقَدْ كُنّا نَحْنُ وَهَؤُلَاءِ الْقَوْمِ عَلَى الشّرْكِ بِاَللّهِ وَعِبَادَةِ الْأَوْثَانِ وَهُمْ لَا يَطْمَعُونَ أَنْ يَأْكُلُوا مِنْهَا ثَمَرَةً إلّا قَرًى أَوْ بَيْعًا فَحِينَ أَكْرَمَنَا اللّهُ بِالْإِسْلَامِ وَهَدَانَا لَهُ وَأَعَزّنَا بِك نُعْطِيهِمْ أَمْوَالَنَا ؟ وَاَللّهِ لَا نُعْطِيهِمْ إلّا السّيْفَ فَصَوّبَ رَأْيَهُمَا وَقَالَ إنّمَا هُوَ شَيْءٌ أَصْنَعُهُ لَكُمْ لَمّا رَأَيْتُ الْعَرَبَ قَدْ رَمَتْكُمْ عَنْ قَوْسٍ وَاحِدَةٍ
[خُدْعَةُ نُعَيْمِ بْنِ مَسْعُودٍ لِلْمُشْرِكِينَ وَيَهُودَ ]
[ نَصْرُ اللّهِ لِلْمُسْلِمِينَ ]
ثُمّ إنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ - وَلَهُ الْحَمْدُ - صَنَعَ أَمْرًا مِنْ عِنْدِهِ خَذَلَ بِهِ الْعَدُوّ وَهَزَمَ جُمُوعَهُمْ وَفَلّ حَدّهُمْ فَكَانَ مِمّا هَيّأَ مِنْ ذَلِكَ أَنّ رَجُلًا مِنْ غَطَفَانَ يُقَالُ لَهُ نُعَيْمُ بْنُ مَسْعُودِ بْنِ عَامِرٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ جَاءَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي قَدْ أَسْلَمْت فَمُرْنِي بِمَا شِئْتُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّمَا أَنْتَ رَجُلٌ وَاحِدٌ فَخَذّلْ عَنّا مَا اسْتَطَعْتَ فَإِنّ الْحَرْبَ خُدْعَةٌ فَذَهَبَ مِنْ فَوْرِهِ ذَلِكَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ وَكَانَ عَشِيرًا لَهُمْ فِي الْجَاهِلِيّةِ فَدَخَلَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ بِإِسْلَامِهِ فَقَالَ يَا بَنِي قُرَيْظَةَ إنّكُمْ قَدْ حَارَبْتُمْ مُحَمّدًا وَإِنّ قُرَيْشًا إنْ أَصَابُوا فُرْصَةً انْتَهَزُوهَا وَإِلّا انْشَمَرُوا إلَى بِلَادِهِمْ رَاجِعِينَ وَتَرَكُوكُمْ وَمُحَمّدًا فَانْتَقَمَ مِنْكُمْ قَالُوا : فَمَا الْعَمَلُ يَا نُعَيْمُ ؟ قَالَ لَا تُقَاتِلُوا مَعَهُمْ حَتّى يُعْطُوكُمْ رَهَائِنَ قَالُوا : لَقَدْ أَشَرْتَ بِالرّأْيِ ثُمّ مَضَى عَلَى وَجْهِهِ إلَى قُرَيْشٍ فَقَالَ لَهُمْ تَعْلَمُونَ وُدّي لَكُمْ وَنُصْحِي لَكُمْ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ إنّ يَهُودَ قَدْ نَدِمُوا عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ مَنْ نَقْضِ عَهْدِ مُحَمّد وَأَصْحَابِهِ وَإِنّهُمْ قَدْ رَاسَلُوهُ أَنّهُمْ يَأْخُذُونَ مِنْكُمْ رَهَائِنَ يَدْفَعُونَهَا إلَيْهِ ثُمّ يُمَالِئُونَهُ عَلَيْكُمْ فَإِنْ سَأَلُوكُمْ رَهَائِنَ فَلَا تُعْطُوهُمْ ثُمّ ذَهَبَ إلَى غَطَفَانَ فَقَالَ لَهُمْ مِثْلَ ذَلِكَ فَلَمّا كَانَ لَيْلَةُ السّبْتِ مِنْ شَوّالٍ بَعَثُوا إلَى الْيَهُودِ : إنّا لَسْنَا بِأَرْضِ مُقَامٍ وَقَدْ هَلَكَ الْكُرَاعُ وَالْخُفّ فَانْهَضُوا بِنَا حَتّى نُنَاجِزَ [ ص 245 ] فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ الْيَهُودُ : إنّ الْيَوْمَ يَوْمُ السّبْتِ وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَا أَصَابَ مَنْ قَبْلَنَا حِينَ أَحْدَثُوا فِيهِ وَمَعَ هَذَا فَإِنّا لَا نُقَاتِلُ مَعَكُمْ حَتّى تَبْعَثُوا إلَيْنَا رَهَائِنَ فَلَمّا جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِذَلِكَ قَالَتْ قُرَيْشُ : صَدَقَكُمْ وَاَللّهِ نُعَيْمٌ فَبَعَثُوا إلَى يَهُودَ إنّا وَاَللّهِ لَا نُرْسِلُ إلَيْكُمْ أَحَدًا فَاخْرُجُوا مَعَنَا حَتّى نُنَاجِزَ مُحَمّدًا فَقَالَتْ قُرَيْظَةُ صَدَقَكُمْ وَاَللّهِ نُعَيْمٌ فَتَخَاذَلَ الْفَرِيقَانِ وَأَرْسَلَ اللّهُ عَلَى الْمُشْرِكِينَ جُنْدًا مِنْ الرّيحِ فَجَعَلَتْ تُقَوّضُ خِيَامَهُمْ وَلَا تَدَعُ لَهُمْ قِدْرًا إلّا كَفَأَتْهَا وَلَا طُنُبًا إلّا قَلَعَتْهُ وَلَا يَقِرّ لَهُمْ قَرَارٌ وَجُنْدُ اللّهِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ يُزَلْزِلُونَهُمْ وَيُلْقُونَ فِي قُلُوبِهِمْ الرّعْبَ وَالْخَوْفَ وَأَرْسَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ يَأْتِيهِ بِخَبَرِهِمْ فَوَجَدَهُمْ عَلَى هَذِهِ الْحَالِ وَقَدْ تَهَيّئُوا لِلرّحِيلِ فَرَجَعَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرَهُ بِرَحِيلِ الْقَوْمِ فَأَصْبَحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَدْ رَدّ اللّهُ عَدُوّهُ بِغَيْظِهِ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَاهُ اللّهُ قِتَالَهُمْ فَصَدَقَ وَعْدَهُ وَأَعَزّ جُنْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ فَدَخَلَ الْمَدِينَةَ وَوَضَعَ السّلَاحَ فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ عَلَيْهِ السّلَامُ وَهُوَ يَغْتَسِلُ فِي بَيْتِ أُمّ سَلَمَةَ فَقَالَ أَوَضَعْتُمْ السّلَاحَ إنّ الْمَلَائِكَةَ لَمْ تَضَعْ بَعْدُ أَسْلِحَتَهَا انْهَضْ إلَى غَزْوَةِ هَؤُلَاءِ يَعْنِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَنَادَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ كَانَ سَامِعًا مُطِيعًا فَلَا يُصَلّيَنّ الْعَصْرَ إلّا فِي بَنِي قُرَيْظَةَ فَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ سِرَاعًا وَكَانَ [ ص 246 ] أَمْرِهِ وَأَمْرِ بَنِي قُرَيْظَةَ مَا قَدّمْنَاهُ وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ وَيَوْمَ قُرَيْظَةَ نَحْوُ عَشْرَةٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ .
فَصْلٌ [اغْتِيَالُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُنَيْسٍ أَبَا رَافِعٍ ]
وَقَدْ قَدّمْنَا أَنّ أَبَا رَافِعٍ كَانَ مِمّنْ أَلّبَ الْأَحْزَابَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَمْ يُقْتَلْ مَعَ بَنِي قُرَيْظَةَ كَمَا قُتِلَ صَاحِبُهُ حُيَيّ بْنُ أَخْطَبَ وَرَغِبَتْ الْخَزْرَجُ فِي قَتْلِهِ مُسَاوَاةً لِلْأَوْسِ فِي قَتْلِ كَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ وَكَانَ اللّهُ - سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى - قَدْ جَعَلَ هَذَيْنَ الْحَيّيْنِ يَتَصَاوَلَانِ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْخَيْرَاتِ فَاسْتَأْذَنُوهُ فِي قَتْلِهِ فَأَذِنَ لَهُمْ فَانْتُدِبَ لَهُ رِجَالٌ كُلّهُمْ مِنْ بَنِي سَلَمَةَ وَهُمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَتِيكٍ وَهُوَ أَمِيرُ الْقَوْمِ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ أُنَيْسٍ وَأَبُو قَتَادَةَ الْحَارِثُ بْنُ رَبْعِيّ وَمَسْعُودُ بْنُ سِنَانٍ وَخُزَاعِيّ بْنُ أَسْوَدَ فَسَارُوا حَتّى أَتَوْهُ فِي خَيْبَرَ فِي دَارٍ لَهُ فَنَزَلُوا عَلَيْهِ لَيْلًا فَقَتَلُوهُ وَرَجَعُوا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكُلّهُمْ ادّعَى قَتْلَهُ فَقَالَ أَرُونِي أَسْيَافَكُمْ " فَلَمّا أَرَوْهُ إيّاهَا قَالَ لَسَيْفُ عَبْدِ اللّهِ بْن أُنَيْسٍ " هَذَا الّذِي قَتَلَهُ أَرَى فِيهِ أَثَرَ الطّعَامِ
فَصْلٌ غَزْوَةُ بَنِي لِحْيَانَ
ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى بَنِي لِحْيَانَ بَعْدَ قُرَيْظَةَ بِسِتّةِ أَشْهُرٍ لِيَغْزُوَهُمْ فَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي مِائَتَيْ رَجُلٍ وَأَظْهَرَ أَنّهُ يُرِيدُ الشّامَ وَاسْتَخْلَفَ عَلَى [ ص 247 ] الْمَدِينَةَ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ ثُمّ أَسْرَعَ السّيْرَ حَتّى انْتَهَى إلَى بَطْنِ غَرّانَ وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ بِلَادِهِمْ وَهُوَ بَيْنَ أَمَجَ وَعُسْفَانَ حَيْثُ كَانَ مُصَابُ أَصْحَابِهِ فَتَرَحّمَ عَلَيْهِمْ وَدَعَا لَهُمْ وَسَمِعَتْ بَنُو لِحْيَانَ فَهَرَبُوا فِي رُءُوسِ الْجِبَالِ فَلَمْ يَقْدِرْ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ فَأَقَامَ يَوْمَيْنِ بِأَرْضِهِمْ وَبَعَثَ السّرَايَا فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَسَارَ إلَى عُسْفَانَ فَبَعَثَ عَشَرَةَ فَوَارِسَ إلَى كُرَاعِ الْغَمِيمِ لِتَسْمَعَ بِهِ قُرَيْشٌ ثُمّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ وَكَانَتْ غَيْبَتُهُ عَنْهَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً .
فَصْلٌ فِي سَرِيّةِ نَجْدٍ
[ إسْلَامُ ثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ ]
ثُمّ بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَيْلًا قِبَلَ نَجْدٍ فَجَاءَتْ بِثُمَامَةَ بْنِ أُثَالٍ الْحَنِيفِيّ سَيّدِ بَنِي حَنِيفَةَ فَرَبَطَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى سَارِيَةٍ مِنْ سَوَارِي الْمَسْجِدِ وَمَرّ بِهِ فَقَالَ " مَا عِنْدَكَ يَا ثُمَامَةُ ؟ " فَقَالَ يَا مُحَمّدُ إنْ تَقْتُلْ تَقْتُلْ ذَا دَمٍ وَإِنْ تُنْعِمْ تُنْعِمْ عَلَى شَاكِرٍ وَإِنْ كُنْتَ تُرِيدُ الْمَالَ فَسَلْ تُعْطَ مِنْهُ مَا شِئْت فَتَرَكَهُ ثُمّ مَرّ بِهِ مَرّةً أُخْرَى فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ فَرَدّ عَلَيْهِ كَمَا رَدّ عَلَيْهِ أَوّلًا ثُمّ مَرّ مَرّةً ثَالِثَةً فَقَالَ " أَطْلِقُوا ثُمَامَةَ " فَأَطْلَقُوهُ فَذَهَبَ إلَى نَخْلٍ قَرِيبٍ مِنْ الْمَسْجِدِ فَاغْتَسَلَ ثُمّ جَاءَهُ فَأَسْلَمَ وَقَالَ وَاَللّهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ وَجْهٌ أَبْغَضَ إلَيّ مِنْ وَجْهِك فَقَدْ أَصْبَحَ وَجْهُك أَحَبّ الْوُجُوهِ إلَيّ وَاَللّهِ مَا كَانَ عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ دِينٌ أَبْغَضَ عَلَيّ مِنْ دِينِك فَقَدْ أَصْبَحَ دِينُك أَحَبّ الْأَدْيَانِ إلَيّ وَإِنّ خَيْلَك أَخَذَتْنِي وَأَنَا أُرِيدُ الْعُمْرَةَ فَبَشّرَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْتَمِرَ فَلَمّا قَدِمَ عَلَى قُرَيْشٍ قَالُوا : صَبَوْتَ يَا ثُمَامَةُ ؟ قَالَ لَا وَاَللّهِ وَلَكِنّي أَسْلَمْتُ مَعَ مُحَمّدٍ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا وَاَللّهِ لَا [ ص 248 ] الْيَمَامَةِ حَبّةُ حِنْطَةٍ حَتّى يَأْذَنَ فِيهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانَتْ الْيَمَامَةُ رِيفَ مَكّةَ فَانْصَرَفَ إلَى بِلَادِهِ وَمَنَعَ الْحَمْلَ إلَى مَكّةَ حَتّى جَهِدَتْ قُرَيْشُ فَكَتَبُوا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَسْأَلُونَهُ بِأَرْحَامِهِمْ أَنْ يَكْتُبَ إلَى ثُمَامَةَ يُخَلّي إلَيْهِمْ حَمْلَ الطّعَامِ فَفَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ .
فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ الْغَابَةِ
ثُمّ أَغَارَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ الْفَزَارِيّ فِي بَنِي عَبْدِ اللّهِ بْنِ غَطَفَانَ عَلَى لِقَاحِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الّتِي بِالْغَابَةِ فَاسْتَاقَهَا وَقَتَلَ رَاعِيَهَا وَهُوَ رَجُلٌ مِنْ عُسْفَانَ وَاحْتَمَلُوا امْرَأَتَهُ قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ وَهُوَ ابْنُ أَبِي ذَرّ وَهُوَ غَرِيبٌ جِدّا فَجَاءَ الصّرِيخُ وَنُودِيَ يَا خَيْلَ اللّهِ ارْكَبِي وَكَانَ أَوّلَ مَا نُودِيَ بِهَا وَرَكِبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُقَنّعًا فِي الْحَدِيدِ فَكَانَ أَوّلَ مَنْ قَدِمَ إلَيْهِ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فِي الدّرْعِ وَالْمِغْفَرِ فَعَقَدَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اللّوَاءَ فِي رُمْحِهِ وَقَالَ " امْضِ حَتّى تَلْحَقَك الْخُيُولُ إنّا عَلَى أَثَرِكَ " وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ابْنَ أُمّ مَكْتُومٍ وَأَدْرَكَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ الْقَوْمَ وَهُوَ عَلَى رِجْلَيْهِ فَجَعَلَ يَرْمِيهِمْ بِالنّبْلِ وَيَقُولُ
خُذْهَا وَأَنَا ابْنُ الْأَكْوَعِ
وَالْيَوْمُ يَوْمُ الرّضّعِ
حَتّى انْتَهَى إلَى ذِي قَرَدٍ وَقَدْ اسْتَنْقَذَ مِنْهُمْ جَمِيعَ اللّقَاحِ وَثَلَاثِينَ بُرْدَةً قَالَ سَلَمَةُ فَلَحِقَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْخَيْلُ عِشَاءً فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ الْقَوْمَ عِطَاشٌ فَلَوْ بَعَثْتنِي فِي مِائَةِ رَجُلٍ اسْتَنْقَذْتُ مَا فِي أَيْدِيهِمْ مِنْ السّرْحِ وَأَخَذْتُ [ ص 249 ] فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَلَكْت فَأَسْجِحْ " ثُمّ قَالَ " إنّهُمْ الْآنَ لَيَقِرّونَ فِي غَطَفَانَ " . وَذَهَبَ الصّرِيخُ بِالْمَدِينَةِ إلَى بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْف ٍ فَجَاءَتْ الْأَمْدَادُ وَلَمْ تَزَلْ الْخَيْلُ تَأْتِي وَالرّجَالُ عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَعَلَى الْإِبِلِ حَتّى انْتَهَوْا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِذِي قَرَدٍ . قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ فَاسْتَنْقَذُوا عَشْرَ لِقَاحٍ وَأَفْلَتَ الْقَوْمُ بِمَا بَقِيَ وَهُوَ عَشْرٌ . قُلْت : وَهَذَا غَلَطٌ بَيّنٌ وَاَلّذِي فِي " الصّحِيحَيْنِ " : أَنّهُمْ اسْتَنْقَذُوا اللّقَاحَ كُلّهَا وَلَفْظُ مُسْلِمٍ فِي " صَحِيحِهِ " عَنْ سَلَمَةَ حَتّى مَا خَلَقَ اللّهُ مِنْ شَيْءٍ مِنْ لِقَاحِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلّا خَلّفْتُهُ وَرَاءَ ظَهْرِي وَاسْتَلَبْتُ مِنْهُمْ ثَلَاثِينَ بُرْدَةً
فَصْلٌ [ كَانَتْ هَذِهِ الْغَزْوَةُ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ وَتَوْهِيمُ مَنْ قَالَ بِخِلَافِ ذَلِكَ ]
وَهَذِهِ الْغَزْوَةُ كَانَتْ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ وَقَدْ وَهِمَ فِيهَا جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَغَازِي وَالسّيَرِ فَذَكَرُوا أَنّهَا كَانَتْ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ وَالدّلِيلُ عَلَى صِحّةِ مَا قُلْنَاهُ مَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَالْحَسَنُ بْنُ سُفْيَانَ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَالَ حَدّثَنَا هَاشِمُ بْنُ الْقَاسِمِ قَالَ حَدّثَنَا عِكْرِمَةُ بْنُ عَمّارٍ قَالَ حَدّثَنِي إيَاسُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ خَرَجْتُ أَنَا وَرَبَاحٌ بِفَرَسٍ لِطَلْحَةَ أَنْدُبُهُ مَعَ الْإِبِلِ فَلَمّا كَانَ بِغَلَسٍ أَغَارَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ عَلَى إبِلِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَتَلَ رَاعِيَهَا وَسَاقَ الْقِصّةَ رَوَاهَا مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " بِطُولِهَا [ ص 250 ] وَوَهِمَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ بْنُ خَلَفٍ فِي " سِيرَتِهِ " فِي ذَلِكَ وَهْمًا بَيّنًا فَذَكَرَ غَزَاةَ بَنِي لِحْيَانَ بَعْدَ قُرَيْظَةَ بِسِتّةِ أَشْهُرٍ ثُمّ قَالَ لَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ لَمْ يَمْكُثْ إلّا لَيَالِيَ حَتّى أَغَارَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عُيَيْنَةَ وَذَكَرَ الْقِصّةَ . وَاَلّذِي أَغَارَ عَبْدُ الرّحْمَنِ وَقِيلَ أَبُوهُ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ بْنِ بَدْرٍ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ قَوْلِ سَلَمَةَ قَدِمْت الْمَدِينَةَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ ؟ .
[ سَرَايَا سَنَةِ سِتّ ]
[ سَرِيّةُ عُكَاشَةَ بْنِ مُحْصِنٍ إلَى الْغَمْرِ ]
وَقَدْ ذَكَرَ الْوَاقِدِيّ عِدّةَ سَرَايَا فِي سَنَةِ سِتّ مِنْ الْهِجْرَةِ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَة ِ فَقَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي رَبِيعٍ الْأَوّلِ - أَوْ قَالَ الْآخِرِ - سَنَةَ سِتّ مِنْ قُدُومِهِ الْمَدِينَةَ عُكَاشَةَ بْنَ مُحْصِنٍ الْأَسَدِيّ فِي أَرْبَعِينَ رَجُلًا إلَى الْغَمْرِ وَفِيهِمْ ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ وَسِبَاعُ بْنُ وَهْبٍ فَأَجَدّ السّيْرَ وَنَذِرَ الْقَوْمُ بِهِمْ فَهَرَبُوا فَنَزَلَ عَلَى مِيَاهِهِمْ وَبَعَثَ الطّلَائِعَ فَأَصَابُوا مَنْ دَلّهُمْ عَلَى بَعْضِ مَاشِيَتِهِمْ فَوَجَدُوا مِائَتَيْ بَعِيرٍ فَسَاقُوهَا إلَى الْمَدِينَةِ .
[ سَرِيّةُ أَبِي عُبَيْدَةَ إلَى ذِي الْقَصّةِ ]
وَبَعَثَ سَرِيّةَ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ إلَى ذِي الْقَصّةِ فَسَارُوا لَيْلَتَهُمْ مُشَاةً وَوَافَوْهَا مَعَ الصّبْحِ فَأَغَارُوا عَلَيْهِمْ فَأَعْجَزُوهُمْ هَرَبًا فِي الْجِبَالِ وَأَصَابُوا رَجُلًا وَاحِدًا فَأَسْلَمَ .
[ سَرِيّةُ مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ ]
[ ص 251 ] مُحَمّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ فِي رَبِيعٍ الْأَوّلِ فِي عَشْرَةِ نَفَرٍ سَرِيّةً فَكَمَنَ الْقَوْمُ لَهُمْ حَتّى نَامُوا فَمَا شَعَرُوا إلّا بِالْقَوْمِ فَقُتِلَ أَصْحَابُ مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ وَأَفْلَتَ مُحَمّدٌ جَرِيحًا .
[ سَرِيّةُ زَيْدٍ إلَى الْجَمُومِ ]
وَفِي هَذِهِ السّنَةِ - وَهِيَ سَنَةُ سِتّ - كَانَتْ سَرِيّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ بِالْجَمُومِ فَأَصَابَ امْرَأَةً مِنْ مُزَيْنَةَ يُقَالُ لَهَا : حَلِيمَةُ فَدَلّتْهُمْ عَلَى مَحَلّةٍ مِنْ مَحَالّ بَنِي سُلَيْمٍ فَأَصَابُوا نِعَمًا وَشَاءً وَأَسْرَى وَكَانَ فِي الْأَسْرَى زَوْجُ حَلِيمَةَ فَلَمّا قَفَلَ زَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ بِمَا أَصَابَ وَهَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلْمُزَنِيّةِ نَفْسَهَا وَزَوّجَهَا .
[ سَرِيّةُ زَيْدٍ إلَى الطّرَفِ ]
وَفِيهَا - يَعْنِي : سَنَةَ سِتّ - كَانَتْ سَرِيّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إلَى الطّرَفِ فِي جُمَادَى الْأُولَى إلَى بَنِي ثَعْلَبَة فِي خَمْسَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَهَرَبَتْ الْأَعْرَابُ وَخَافُوا أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَارَ إلَيْهِمْ فَأَصَابَ مِنْ نَعَمِهِمْ عِشْرِينَ بَعِيرًا وَغَابَ أَرْبَعَ لَيَالٍ .
[ سَرِيّةُ زَيْدٍ إلَى الْعِيصِ ]
[ إجَارَةُ زَيْنَبَ بِنْتِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبَا الْعَاصِ وَهُوَ عَلَى شِرْكِهِ ]
وَفِيهَا كَانَتْ سَرِيّةُ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ إلَى الْعِيصِ فِي جُمَادَى الْأُولَى وَفِيهَا : أُخِذَتْ الْأَمْوَالُ الّتِي كَانَتْ مَعَ أَبِي الْعَاصِ بْنِ الرّبِيعِ زَوْجِ زَيْنَبَ مَرْجِعَهُ مِنْ الشّامِ وَكَانَتْ أَمْوَالُ قُرَيْشٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : حَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ مُحَمّدِ بْنِ حَزْمٍ قَالَ خَرَجَ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرّبِيعِ تَاجِرًا إلَى الشّامِ وَكَانَ رَجُلًا مَأْمُونًا وَكَانَتْ مَعَهُ بَضَائِعُ لِقُرَيْشٍ فَأَقْبَلَ قَافِلًا فَلَقِيَتْهُ سَرِيّةٌ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَاسْتَاقُوا عِيرَهُ وَأَفْلَتَ وَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَا أَصَابُوا فَقَسّمَهُ بَيْنَهُمْ وَأَتَى أَبُو الْعَاصِ الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ عَلَى زَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَاسْتَجَارَ بِهَا وَسَأَلَهَا أَنْ تَطْلُبَ لَهُ مِنْ [ ص 252 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَدّ مَالِهِ عَلَيْهِ وَمَا كَانَ مَعَهُ مِنْ أَمْوَالِ النّاس فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ السّرِيّةَ فَقَالَ إنّ هَذَا الرّجُلَ مِنّا حَيْثُ قَدْ عَلِمْتُمْ وَقَدْ أَصَبْتُمْ لَهُ مَالًا وَلِغَيْرِهِ وَهُوَ فَيْءُ اللّهِ الّذِي أَفَاءَ عَلَيْكُمْ فَإِنْ رَأَيْتُمْ أَنْ تَرُدّوا عَلَيْهِ فَافْعَلُوا وَإِنْ كَرِهْتُمْ فَأَنْتُمْ وَحَقّكُمْ فَقَالُوا : بَلْ نَرُدّهُ عَلَيْهِ يَا رَسُولَ اللّهِ فَرَدّوا عَلَيْهِ مَا أَصَابُوا حَتّى إنّ الرّجُلَ لَيَأْتِي بِالشّنّ وَالرّجُلُ بِالْإِدَاوَةِ وَالرّجُلُ بِالْحَبْلِ فَمَا تَرَكُوا قَلِيلًا أَصَابُوهُ وَلَا كَثِيرًا إلّا رَدّوهُ عَلَيْهِ ثُمّ خَرَجَ حَتّى قَدِمَ مَكّةَ فَأَدّى إلَى النّاسِ بَضَائِعَهُمْ حَتّى إذَا فَرَغَ قَالَ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَلْ بَقِيَ لِأَحَدٍ مِنْكُمْ مَعِي مَالٌ لَمْ أَرُدّهُ عَلَيْهِ ؟ قَالُوا : لَا فَجَزَاك اللّهُ خَيْرًا قَدْ وَجَدْنَاك وَفِيّا كَرِيمًا فَقَالَ أَمَا وَاَللّهِ مَا مَنَعَنِي أَنْ أُسْلِمَ قَبْلَ أَنْ أَقْدَمَ عَلَيْكُمْ إلّا تَخَوّفًا أَنْ تَظُنّوا أَنّي إنّمَا أَسْلَمْتُ لِأَذْهَبَ بِأَمْوَالِكُمْ فَإِنّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَأَنّ مُحَمّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ .
[ رِوَايَةُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ لِقِصّةِ أَبِي الْعَاصِ ]
وَهَذَا الْقَوْلُ مِنْ الْوَاقِدِيّ وَابْنِ إسْحَاقَ يَدُلّ عَلَى أَنّ قِصّةَ أَبِي الْعَاصِ كَانَتْ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ وَإِلّا فَبَعْدَ الْهُدْنَةِ لَمْ تَتَعَرّضْ سَرَايَا رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِقُرَيْشٍ . وَلَكِنْ زَعَمَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ أَنّ قِصّةَ أَبِي الْعَاصِ كَانَتْ بَعْدَ الْهُدْنَةِ وَأَنّ الّذِي أَخَذَ الْأَمْوَالَ أَبُو بَصِيرٍ وَأَصْحَابُهُ وَلَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِأَمْرِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَنّهُمْ كَانُوا مُنْحَازِينَ بِسِيفِ الْبَحْرِ وَكَانَتْ لَا تَمُرّ بِهِمْ عِيرٌ لِقُرَيْشٍ إلّا أَخَذُوهَا هَذَا قَوْلُ الزّهْرِيّ . قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ فِي قِصّةِ أَبِي بَصِيرٍ : وَلَمْ يَزَلْ أَبُو جَنْدَلٍ وَأَبُو بَصِيرٍ وَأَصْحَابُهُمَا الّذِينَ اجْتَمَعُوا إلَيْهِمَا هُنَالِكَ حَتّى مَرّ بِهِمْ أَبُو الْعَاصِ بْنُ الرّبِيعِ وَكَانَتْ تَحْتَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي نَفَرٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَخَذُوهُمْ وَمَا مَعَهُمْ وَأَسَرُوهُمْ وَلَمْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ أَحَدًا لِصِهْرِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ أَبِي الْعَاصِ وَأَبُو الْعَاصِ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ وَهُوَ ابْنُ أُخْتِ خَدِيجَةَ بِنْتِ خُوَيْلِدٍ لِأَبِيهَا وَأُمّهَا وَخَلّوْا سَبِيلَ أَبِي الْعَاصِ فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ عَلَى امْرَأَتِهِ زَيْنَبَ فَكَلّمَهَا أَبُو الْعَاصِ فِي أَصْحَابِهِ الّذِينَ أَسَرَهُمْ أَبُو جَنْدَلٍ وَأَبُو بَصِيرٍ وَمَا أَخَذُوا لَهُمْ فَكَلّمَتْ زَيْنَبُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ذَلِكَ فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَامَ فَخَطَبَ النّاسَ فَقَالَ [ ص 253 ] إنّا صَاهَرْنَا أُنَاسًا وَصَاهَرْنَا أَبَا الْعَاصِ فَنِعْمَ الصّهْرُ وَجَدْنَاهُ وَإِنّهُ أَقْبَلَ مِنْ الشّامِ فِي أَصْحَابٍ لَهُ مِنْ قُرَيْشٍ فَأَخَذَهُمْ أَبُو جَنْدَلٍ وَأَبُو بَصِيرٍ وَأَخَذُوا مَا كَانَ مَعَهُمْ وَلَمْ يَقْتُلُوا مِنْهُمْ أَحَدًا وَإِنّ زَيْنَبَ بِنْتَ رَسُولِ اللّهِ سَأَلَتْنِي أَنْ أُجِيرَهُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ مُجِيرُونَ أَبَا الْعَاصِ وَأَصْحَابَهُ ؟ " فَقَالَ النّاسُ نَعَمْ فَلَمّا بَلَغَ أَبَا جَنْدَلٍ وَأَصْحَابَهُ قَوْلُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَبِي الْعَاصِ وَأَصْحَابِهِ الّذِينَ كَانُوا عِنْدَهُ مِنْ الْأَسْرَى رَدّ إلَيْهِمْ كُلّ شَيْءٍ أَخَذَ مِنْهُمْ حَتّى الْعِقَالَ وَكَتَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى أَبِي جَنْدَلٍ وَأَبِي بَصِيرٍ يَأْمُرُهُمْ أَنْ يَقْدَمُوا عَلَيْهِ وَيَأْمُرُ مَنْ مَعَهُمَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَرْجِعُوا إلَى بِلَادِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَأَلّا يَتَعَرّضُوا لِأَحَدٍ مِنْ قُرَيْشٍ وَعِيرِهَا فَقَدِمَ كُتّابُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى أَبِي بَصِيرٍ وَهُوَ فِي الْمَوْتِ فَمَاتَ وَهُوَ عَلَى صَدْرِهِ وَدَفَنَهُ أَبُو جَنْدَلٍ مَكَانَهُ وَأَقْبَلَ أَبُو جَنْدَلٍ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَمِنَتْ عِيرُ قُرَيْشٍ وَذَكَرَ بَاقِيَ الْحَدِيثِ .
[ تَرْجِيحُ الْمُصَنّفِ لِرِوَايَةِ ابْنِ عُقْبَةَ ]
وَقَوْلُ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ : أَصْوَبُ وَأَبُو الْعَاصِ إنّمَا أَسْلَمَ زَمَنَ الْهُدْنَةِ وَقُرَيْشٌ إنّمَا انْبَسَطَتْ عِيرُهَا إلَى الشّامِ زَمَنَ الْهُدْنَةِ وَسِيَاقُ الزّهْرِيّ لِلْقِصّةِ بَيّنٌ ظَاهِرٌ أَنّهَا كَانَتْ فِي زَمَنِ الْهُدْنَةِ .
[ سَرِيّةُ زَيْدٍ إلَى حِسْمَى وَهِيَ بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ ]
قَالَ الْوَاقِدِيّ : وَفِيهَا أَقْبَلَ دِحْيَةُ بْنُ خَلِيفَةَ الْكَلْبِيّ مِنْ عِنْدِ قَيْصَرَ وَقَدْ أَجَازَهُ بِمَالٍ وَكُسْوَةٍ فَلَمّا كَانَ بِحِسْمَى لَقِيَهُ نَاسٌ مِنْ جُذَامٍ فَقَطَعُوا عَلَيْهِ الطّرِيقَ فَلَمْ يَتْرُكُوا مَعَهُ شَيْئًا فَجَاءَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ بَيْتَهُ فَأَخْبَرَهُ فَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ إلَى حِسْمَى . قُلْت : وَهَذَا بَعْدَ الْحُدَيْبِيَةِ بِلَا شَكّ .
[ سَرِيّةُ عَلِيّ إلَى فَدَكَ ]
قَالَ الْوَاقِدِيّ : وَخَرَجَ عَلِيّ فِي مِائَةِ رَجُلٍ إلَى فَدَكَ إلَى حَيّ مِنْ بَنِي سَعْدِ بْنِ بَكْرٍ وَذَلِكَ أَنّهُ بَلَغَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ بِهَا جَمْعًا يُرِيدُونَ أَنْ يَمُدّوا يَهُودَ خَيْبَرَ فَسَارَ إلَيْهِمْ يَسِيرُ اللّيْلَ وَيَكْمُنُ النّهَارَ فَأَصَابَ عَيْنًا لَهُمْ فَأَقَرّ لَهُ أَنّهُمْ بَعَثُوهُ إلَى خَيْبَرَ فَعَرَضُوا عَلَيْهِمْ نُصْرَتَهُمْ عَلَى أَنْ يَجْعَلُوا لَهُمْ ثَمَرَ خَيْبَرَ .
[ سَرِيّةُ ابْنِ عَوْفٍ إلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ ]
[ ص 254 ] قَالَ وَفِيهَا سَرِيّةُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ إلَى دُومَةِ الْجَنْدَلِ فِي شَعْبَانَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنْ أَطَاعُوك فَتَزَوّجْ ابْنَةَ مَلِكِهِمْ فَأَسْلَمَ الْقَوْمُ وَتَزَوّجَ عَبْدُ الرّحْمَنِ تَمَاضُرَ بِنْتَ الْأَصْبَغِ وَهِيَ أُمّ أَبِي سَلَمَةَ وَكَانَ أَبُوهَا رَأْسَهُمْ وَمَلِكَهُمْ .
[ سَرِيّةُ كُرْزٍ إلَى الْعُرَنِيّينَ وَكَانَتْ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ ]
قَالَ وَكَانَتْ سَرِيّةُ كُرْزِ بْنِ جَابِرٍ الْفِهْرِيّ إلَى الْعُرَنِيّينَ الّذِينَ قَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاسْتَاقُوا الْإِبِلَ فِي شَوّالٍ سَنَةَ سِتّ وَكَانَتْ السّرِيّةُ عِشْرِينَ فَارِسًا . قُلْت : وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّهَا كَانَتْ قَبْلَ الْحُدَيْبِيَةِ كَانَتْ فِي ذِي الْقِعْدَةِ كَمَا سَيَأْتِي وَقِصّةُ الْعُرَنِيّينَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنّ رَهْطًا مِنْ عُكْلٍ وَعُرَيْنَةَ أَتَوْا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّا أَهْلُ ضَرْعٍ وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ فَاسْتَوْخَمْنَا الْمَدِينَةَ فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِذَوْدٍ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهَا فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا فَلَمّا صَحّوا قَتَلُوا رَاعِيَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاسْتَاقُوا الذّوْدَ وَكَفَرُوا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ . وَفِي لَفْظٍ لِمُسْلِمٍ سَمَلُوا عَيْنَ الرّاعِي فَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي طَلَبِهِمْ فَأَمَرَ بِهِمْ فَقَطَعَ أَيْدِيَهُمْ وَأَرْجُلَهُمْ وَتَرَكَهُمْ فِي نَاحِيَةِ الْحَرّةِ حَتّى مَاتُوا [ ص 255 ] أَبِي الزّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اللّهُمّ عَمّ عَلَيْهِمْ الطّرِيقَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ أَضْيَقَ مِنْ مَسْكِ جَمَلٍ فَعَمّى اللّهُ عَلَيْهِمْ السّبِيلَ فَأُدْرِكُوا . وَذَكَرَ الْقِصّةَ .
[ الْفِقْهُ الْمُسْتَنْبَطُ مِنْ حَدِيثِ الْعُرَنِيّينَ ]
وَفِيهَا مِنْ الْفِقْهِ جَوَازُ شُرْبِ أَبْوَالِ الْإِبِلِ وَطَهَارَةُ بَوْلِ مَأْكُولِ اللّحْمِ وَالْجَمْعُ لِلْمُحَارِبِ إذَا أَخَذَ الْمَالَ وَقَتَلَ بَيْنَ قَطْعِ يَدِهِ وَرِجْلِهِ وَقَتْلِهِ وَأَنّهُ يُفْعَلُ بِالْجَانِي كَمَا فَعَلَ فَإِنّهُمْ لَمّا سَمَلُوا عَيْنَ الرّاعِي سَمَلَ أَعْيُنَهُمْ وَقَدْ ظَهَرَ بِهَذَا أَنّ الْقِصّةَ مُحْكَمَةٌ لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً وَإِنْ كَانَتْ قَبْلَ أَنْ تَنْزِلَ الْحُدُودُ وَالْحُدُودُ نَزَلَتْ بِتَقْرِيرِهَا لَا بِإِبْطَالِهَا . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
==================================ج999999999999999999999999================
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : زاد المعاد في هَدْي خير العباد
المؤلف : محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
فَصْلٌ فِي قِصّةِ الْحُدَيْبِيَةِ
[ مَتَى حَدَثَتْ ]
قَالَ نَافِعٌ : كَانَتْ سَنَةُ سِتّ فِي ذِي الْقِعْدَةِ وَهَذَا هُوَ الصّحِيحُ وَهُوَ قَوْلُ الزّهْرِيّ وَقَتَادَةَ وَمُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَمُحَمّدِ بْنِ إسْحَاقَ وَغَيْرِهِمْ . وَقَالَ هِشَامُ بْنُ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْحُدَيْبِيَةِ فِي رَمَضَانَ وَكَانَتْ فِي شَوّالٍ وَهَذَا وَهْمٌ وَإِنّمَا كَانَتْ غَزَاةُ الْفَتْحِ فِي رَمَضَانَ وَقَدْ قَالَ أَبُو الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ إنّهَا كَانَتْ فِي ذِي الْقِعْدَةِ عَلَى الصّوَابِ .
[ كَمْ اعْتَمَرَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي حَيَاتِهِ ]
[ ص 256 ] الصّحِيحَيْنِ " عَنْ أَنَسٍ أَنّ النّبِيّ . صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اعْتَمَرَ أَرْبَعَ عُمَرٍ كُلّهُنّ فِي ذِي الْقِعْدَةِ فَذَكَرَ مِنْهَا عُمْرَةَ الْحُدَيْبِيَةِ .
[ كَمْ كَانَ مَعَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم ]
وَكَانَ مَعَهُ أَلْفٌ وَخَمْسُمِائَةٍ هَكَذَا فِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ جَابِرٍ وَعَنْهُ فِيهِمَا : كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَة وَفِيهِمَا : عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى : " كُنّا أَلْفًا وَثَلَاثَمِائَةٍ " قَالَ قَتَادَةُ : قُلْتُ لِسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ : كَمْ كَانَ الّذِينَ شَهِدُوا بَيْعَةَ الرّضْوَانِ ؟ قَالَ خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةٍ . قَالَ قُلْتُ فَإِنّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ قَالَ كَانُوا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِائَةٍ قَالَ يَرْحَمُهُ اللّهُ أَوْهَمَ هُوَ حَدّثَنِي أَنّهُمْ كَانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةٍ . قُلْت : وَقَدْ صَحّ عَنْ جَابِرٍ الْقَوْلَانِ وَصَحّ عَنْهُ أَنّهُمْ نَحَرُوا عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ سَبْعِينَ بَدَنَةً الْبَدَنَةُ عَنْ سَبْعَةٍ فَقِيلَ لَهُ كَمْ كُنْتُمْ ؟ قَالَ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ بِخَيْلِنَا وَرَجْلِنَا يَعْنِي فَارِسَهُمْ وَرَاجِلَهُمْ وَالْقَلْبُ إلَى هَذَا أَمْيَلُ وَهُوَ قَوْلُ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ وَمَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ فِي أَصَحّ [ ص 257 ] الْمُسَيّبِ بْنِ حَزْنٍ قَالَ شُعْبَةُ : عَنْ قَتَادَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ عَنْ أَبِيهِ كُنّا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَحْتَ الشّجَرَةِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ . وَغَلِطَ غَلَطًا بَيّنًا مَنْ قَالَ كَانُوا سَبْعَمِائَةٍ وَعُذْرُهُ أَنّهُمْ نَحَرُوا يَوْمَئِذٍ سَبْعِينَ بدنه وَالْبَدَنَةُ قَدْ جَاءَ إجْزَاؤُهَا عَنْ سَبْعَةٍ وَعَنْ عَشْرَةٍ وَهَذَا لَا يَدُلّ عَلَى مَا قَالَهُ هَذَا الْقَائِلُ فَإِنّهُ قَدْ صَرّحَ بِأَنّ الْبَدَنَةَ كَانَتْ فِي هَذِهِ الْعُمْرَةِ عَنْ سَبْعَةٍ فَلَوْ كَانَتْ السّبْعُونَ عَنْ جَمِيعِهِمْ لَكَانُوا أَرْبَعَمِائَةٍ وَتِسْعِينَ رَجُلًا وَقَدْ قَالَ فِي تَمَامِ الْحَدِيثِ بِعَيْنِهِ إنّهُمْ كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ
فَصْلٌ [ تَقْلِيدُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْهَدْيَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَبَعْثُهُ
عَيْنًا لَهُ ابْنَ خُزَاعَةَ إلَى قُرَيْشٍ ]
[ اسْتِشَارَتُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ فِيمَا يَفْعَلُهُ ]
[ رُؤْيَتُهُمْ لِخَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ وَفِرَارُهُ مِنْهُمْ ]
[ بِرَوْكِ الْقَصْوَاءِ ]
[ نُزُولُهُمْ بِالْحُدَيْبِيَةِ ]
فَلَمّا كَانُوا بِذِي الْحُلَيْفَةِ قَلّدَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْهَدْيَ وَأَشْعَرَهُ وَأَحْرَمَ بِالْعُمْرَةِ وَبَعَثَ بَيْنَ يَدَيْهِ عَيْنًا لَهُ مِنْ خُزَاعَةَ يُخْبِرُهُ عَنْ قُرَيْشٍ حَتّى إذَا كَانَ قَرِيبًا مِنْ عُسْفَانَ أَتَاهُ عَيْنُهُ فَقَالَ إنّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيّ قَدْ جَمَعُوا لَك الْأَحَابِيشَ وَجَمَعُوا لَك جُمُوعًا وَهُمْ مُقَاتِلُوك وَصَادّوك عَنْ الْبَيْتِ وَمَانِعُوك وَاسْتَشَارَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ وَقَالَ أَتَرَوْنَ أَنْ نَمِيلَ إلَى ذَرَارِيّ هَؤُلَاءِ الّذِينَ أَعَانُوهُمْ فَنُصِيبَهُمْ فَإِنْ قَعَدُوا قَعَدُوا مَوْتُورِينَ مَحْرُوبِينَ وَإِنْ يَجِيئُوا تَكُنْ عُنُقًا قَطَعَهَا اللّهُ أَمْ تَرَوْنَ أَنْ نَؤُمّ الْبَيْتَ فَمَنْ صَدّنَا عَنْهُ قَاتَلْنَاهُ ؟ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ إنّمَا جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ وَلِمَ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ وَلَكِنْ مَنْ حَالَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ قَاتَلْنَاهُ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرُوحُوا إذًا فَرَاحُوا حَتّى إذَا كَانُوا بِبَعْضِ الطّرِيقِ قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " إنّ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ بِالْغَمِيمِ فِي خَيْلٍ لِقُرَيْشٍ طَلِيعَةً [ ص 258 ] شَعَرَ بِهِمْ خَالِدٌ حَتّى إذَا هُمْ بِقَتَرَةِ الْجَيْشِ فَانْطَلَقَ يَرْكُضُ نَذِيرًا لِقُرَيْشٍ وَسَارَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى إذَا كَانَ بِالثّنِيّةِ الّتِي يَهْبِطُ عَلَيْهِمْ مِنْهَا بَرَكَتْ بِهِ رَاحِلَتُهُ فَقَالَ النّاسُ حَلْ حَلْ فَأَلَحّتْ فَقَالُوا : خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ ثُمّ قَالَ وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطّةً يُعَظّمُونَ فِيهَا حُرُمَاتِ اللّه إلّا أَعْطَيْتُهُمْ إيّاهَا ثُمّ زَجَرَهَا فَوَثَبَتْ بِهِ فَعَدَلَ حَتّى نَزَلَ بِأَقْصَى الْحُدَيْبِيَةِ عَلَى ثَمَدٍ قَلِيلِ الْمَاءُ إنّمَا يَتَبَرّضُهُ النّاسُ تَبَرّضًا فَلَمْ يُلْبِثْهُ النّاسُ أَنْ نَزَحُوهُ فَشَكَوْا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعَطَشَ فَانْتَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ ثُمّ أَمَرَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوهُ فِيهِ قَالَ فَوَاَللّهِ مَا زَالَ يَجِيشُ لَهُمْ بِالرّيّ حَتّى صَدَرُوا عَنْهُ .
[ إرْسَالُ عُثْمَانَ إلَى قُرَيْشٍ ]
وَفَزِعَتْ قُرَيْشٌ لِنُزُولِهِ عَلَيْهِمْ فَأَحَبّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ أَصْحَابِهِ فَدَعَا عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ لِيَبْعَثَهُ إلَيْهِمْ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ لَيْسَ لِي بِمَكّةَ أَحَدٌ مِنْ بَنِي كَعْبٍ يَغْضَبُ لِي إنْ أُوذِيت فَأَرْسِلْ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ فَإِنّ عَشِيرَتَهُ بِهَا وَإِنّهُ مُبَلّغٌ مَا أَرَدْت فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عُثْمَانَ بْنَ عَفّانَ فَأَرْسَلَهُ إلَى قُرَيْشٍ وَقَالَ أَخْبِرْهُمْ أَنّا لَمْ نَأْتِ لِقِتَالٍ وَإِنّمَا جِئْنَا عُمّارًا وَادْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ رِجَالًا بِمَكّةَ مُؤْمِنِينَ وَنِسَاءً مُؤْمِنَاتٍ فَيَدْخُلَ عَلَيْهِمْ وَيُبَشّرُهُمْ بِالْفَتْحِ وَيُخْبِرَهُمْ أَنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ مُظْهِرٌ دِينَهُ بِمَكّةَ حَتّى لَا يُسْتَخْفَى فِيهَا بِالْإِيمَانِ فَانْطَلَقَ عُثْمَانُ فَمَرّ عَلَى قُرَيْشٍ بِبَلْدَحَ فَقَالُوا : أَيْنَ تُرِيدُ ؟ فَقَالَ [ ص 259 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَدْعُوكُمْ إلَى اللّهِ وَإِلَى الْإِسْلَامِ وَأُخْبِرُكُمْ أَنّا لِمَ نَأْتِ لِقِتَالٍ وَإِنّمَا جِئْنَا عُمّارًا فَقَالُوا : قَدْ سَمِعْنَا مَا تَقُولُ فَانْفُذْ لِحَاجَتِك وَقَامَ إلَيْهِ أَبَانُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ فَرَحّبَ بِهِ وَأَسْرَجَ فَرَسَهُ فَحَمَلَ عُثْمَانَ عَلَى الْفَرَسِ وَأَجَارَهُ وَأَرْدَفَهُ أَبَانُ حَتّى جَاءَ مَكّةَ وَقَالَ الْمُسْلِمُونَ قَبْلَ أَنْ يَرْجِعَ عُثْمَانُ ؟ خَلَصَ عُثْمَانُ قَبْلَنَا إلَى الْبَيْتِ وَطَافَ بِهِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا أَظُنّهُ طَافَ بِالْبَيْتِ وَنَحْنُ مَحْصُورُونَ " فَقَالُوا : وَمَا يَمْنَعُهُ يَا رَسُولَ اللّهِ وَقَدْ خَلَصَ ؟ قَالَ " ذَاكَ ظَنّي بِهِ أَلّا يَطُوفَ بِالْكَعْبَةِ حَتَى نَطُوفَ مَعَهُ
[ بَيْعَةُ الرّضْوَانِ ]
وَاخْتَلَطَ الْمُسْلِمُونَ بِالْمُشْرِكِينَ فِي أَمْرِ الصّلْحِ فَرَمَى رَجُلٌ مِنْ أَحَدِ الْفَرِيقَيْنِ رَجُلًا مِنْ الْفَرِيقِ الْآخَرِ وَكَانَتْ مَعْرَكَةً وَتَرَامَوْا بِالنّبْلِ وَالْحِجَارَةِ وَصَاحَ الْفَرِيقَانِ كِلَاهُمَا وَارْتَهَنَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ بِمَنْ فِيهِمْ وَبَلَغَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ عُثْمَانَ قَدْ قُتِلَ فَدَعَا إلَى الْبَيْعَةِ فَثَارَ الْمُسْلِمُونَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ تَحْتَ الشّجَرَةِ فَبَايَعُوهُ عَلَى أَلّا يَفِرّوا فَأَخَذَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِيَدِ نَفْسِهِ وَقَالَ هَذِهِ عَنْ عُثْمَان
[ رُجُوعُ عُثْمَانَ ]
وَلَمّا تَمّتْ الْبَيْعَةُ رَجَعَ عُثْمَانُ فَقَالَ لَهُ الْمُسْلِمُونَ اشْتَفَيْتَ يَا أَبَا عَبْدِ اللّهِ مِنْ الطّوَافِ بِالْبَيْتِ فَقَالَ بِئْسَ مَا ظَنَنْتُمْ بِي وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ مَكَثْتُ بِهَا سَنَةً وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُقِيمٌ بِالْحُدَيْبِيَةِ مَا طُفْتُ بِهَا حَتّى يَطُوفَ بِهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَقَدْ دَعَتْنِي قُرَيْشٌ إلَى الطّوَافِ بِالْبَيْتِ فَأَبَيْت فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ أَعْلَمَنَا بِاَللّهِ وَأَحْسَنَنَا ظَنّا وَكَانَ عُمَرُ آخِذًا بِيَدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلْبَيْعَةِ تَحْتَ الشّجَرَةِ فَبَايَعَهُ الْمُسْلِمُونَ كُلّهُمْ إلّا الْجَدّ بْنَ قَيْسٍ [ ص 260 ] وَكَانَ مَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ آخِذًا بِغُصْنِهَا يَرْفَعُهُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانَ أَوّلَ مَنْ بَايَعَهُ أَبُو سِنَانٍ الْأَسَدِيّ وَبَايَعَهُ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ ثَلَاثَ مَرّاتٍ فِي أَوّلِ النّاسِ وَأَوْسَطِهِمْ وَآخِرِهِمْ .
[ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ ]
فَبَيْنَمَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ جَاءَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيّ فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَةَ وَكَانُوا عَيْبَةَ نُصْحِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ أَهْلِ تِهَامَةَ فَقَالَ إنّي تَرَكْتُ كَعْبَ بْنَ لُؤَيّ وَعَامِرَ بْنَ لُؤَيّ نَزَلُوا أَعْدَادَ مِيَاهِ الْحُدَيْبِيَةِ مَعَهُمْ الْعُوذُ الْمَطَافِيلُ وَهُمْ مُقَاتِلُوك وَصَادّوك عَنْ الْبَيْتِ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّا لَمْ نَجِئْ لِقِتَالِ أَحَدٍ وَلَكِنْ جِئْنَا مُعْتَمِرِينَ وَإِنّ قُرَيْشًا قَدْ نَهَكَتْهُمْ الْحَرْبُ وَأَضَرّتْ بِهِمْ فَإِنْ شَاءُوا مَادَدْتهمْ وَيُخَلّوا بَيْنِي وَبَيْنَ النّاسِ وَإِنْ شَاءُوا أَنْ يَدْخُلُوا فِيمَا دَخَلَ فِيهِ النّاسُ فَعَلُوا وَإِلّا فَقَدْ جَمّوا وَإِنْ هُمْ أَبَوْا إلّا الْقِتَالَ فَوَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأُقَاتِلَنهُمْ عَلَى أَمْرِي هَذَا حَتّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي أَوْ لَيُنْفِذَنّ اللّهُ أَمْرَه
[ إرْسَالُ عُرْوَةَ الثّقَفِيّ إلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
قَالَ بُدَيْلُ سَأَبْلُغُهُمْ مَا تَقُولُ فَانْطَلَقَ حَتّى أَتَى قُرَيْشًا فَقَالَ إنّي قَدْ جِئْتُكُمْ مِنْ عِنْدِ هَذَا الرّجُلِ وَقَدْ سَمِعْتُهُ يَقُولُ قَوْلًا فَإِنْ شِئْتُمْ عَرَضْتُهُ عَلَيْكُمْ . فَقَالَ سُفَهَاؤُهُمْ لَا حَاجَةَ لَنَا أَنْ تُحَدّثَنَا عَنْهُ بِشَيْءٍ . وَقَالَ ذَوُو الرّأْيِ مِنْهُمْ هَاتِ مَا سَمِعْته قَالَ سَمِعْتُهُ يَقُولُ كَذَا وَكَذَا . فَحَدّثَهُمْ بِمَا قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَقَالَ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ الثّقَفِيّ : إنّ هَذَا قَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا وَدَعُونِي آتِهِ فَقَالُوا : ائْتِهِ فَأَتَاهُ فَجَعَلَ يُكَلّمُهُ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِهِ لِبُدَيْلٍ فَقَالَ لَهُ عُرْوَةُ عِنْدَ ذَلِكَ أَيْ مُحَمّدٌ أَرَأَيْتَ لَوْ اسْتَأْصَلْتَ قَوْمَك هَلْ سَمِعْتَ بِأَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ اجْتَاحَ أَهْلَهُ قَبْلَك ؟ وَإِنْ تَكُنْ الْأُخْرَى فَوَاَللّهِ إنّي لَأَرَى وُجُوهًا وَأَرَى أَوْشَابًا مِنْ النّاسِ خَلِيقًا أَنْ يَفِرّوا وَيَدَعُوك فَقَالَ لَهُ أَبُو بَكْرٍ اُمْصُصْ بَظْرَ اللّاتِ أَنَحْنُ نَفِرّ عَنْهُ وَنَدَعُهُ . قَالَ مَنْ ذَا ؟ قَالُوا : أَبُو بَكْرٍ . قَالَ أَمَا وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْلَا يَدٌ كَانَتْ لَكَ عِنْدِي لَمْ أَجْزِكَ بِهَا لَأَجَبْتُك وَجَعَلَ يُكَلّمُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكُلّمَا [ ص 261 ] أَخَذَ بِلِحْيَتِهِ وَالْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ عِنْدَ رَأْسِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَعَهُ السّيْفُ وَعَلَيْهِ الْمِغْفَرُ فَكُلّمَا أَهْوَى عُرْوَةُ إلَى لِحْيَةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ضَرَبَ يَدَهُ بِنَعْلِ السّيْفِ وَقَالَ أَخّرْ يَدَكَ عَنْ لِحْيَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرَفَعَ عُرْوَةُ رَأْسَهُ وَقَالَ مَنْ ذَا ؟ قَالُوا : الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ . فَقَالَ أَيْ غُدَرُ أَوَلَسْت أَسْعَى فِي غَدْرَتِك ؟ وَكَانَ الْمُغِيرَةُ صَحِبَ قَوْمًا فِي الْجَاهِلِيّةِ فَقَتَلَهُمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ ثُمّ جَاءَ فَأَسْلَمَ . فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمّا الْإِسْلَامُ فَأَقْبَلُ وَأَمّا الْمَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْء
[ إرْسَالُ مِكْرَزٍ إلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
[ رَدّ أَبِي جَنْدَلٍ إلَى الْمُشْرِكِينَ ]
ثُمّ إنّ عُرْوَةَ جَعَلَ يَرْمُقُ أَصْحَابَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِعَيْنَيْهِ فَوَاَللّهِ مَا تَنَخّمَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نُخَامَةً إلّا وَقَعَتْ فِي كَفّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلّكَ بِهَا جِلْدَهُ وَوَجْهَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وَضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدّونَ إلَيْهِ النّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ فَرَجَعَ عُرْوَةُ إلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ أَيْ قَوْمُ وَاَللّهِ لَقَدْ وَفَدْتُ عَلَى الْمُلُوكِ عَلَى كِسْرَى وَقَيْصَرَ وَالنّجَاشِيّ وَاَللّهِ مَا رَأَيْتُ مَلِكًا يُعَظّمُهُ أَصْحَابُهُ مَا يُعَظّمُ أَصْحَابُ مُحَمّدٍ مُحَمّدًا وَاَللّهِ إنْ تَنَخّمَ نُخَامَةً إلّا وَقَعَتْ فِي كَفّ رَجُلٍ مِنْهُمْ فَدَلّكَ بِهَا وَجْهَهُ وَجِلْدَهُ وَإِذَا أَمَرَهُمْ ابْتَدَرُوا أَمْرَهُ وَإِذَا تَوَضّأَ كَادُوا يَقْتَتِلُونَ عَلَى وُضُوئِهِ وَإِذَا تَكَلّمَ خَفَضُوا أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَهُ وَمَا يُحِدّونَ إلَيْهِ النّظَرَ تَعْظِيمًا لَهُ وَقَدْ عَرَضَ عَلَيْكُمْ خُطّةَ رُشْدٍ فَاقْبَلُوهَا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي كِنَانَةَ دَعُونِي آتِهِ فَقَالُوا : ائْتِهِ فَلَمّا أَشْرَفَ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابِهِ . قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَذَا فُلَانٌ " وَهُوَ مِنْ قَوْمٍ يُعَظّمُونَ الْبُدْنَ فَابْعَثُوهَا لَهُ فَبَعَثُوهَا لَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ الْقَوْمُ يُلَبّونَ فَلَمّا رَأَى ذَلِكَ قَالَ " سُبْحَانَ اللّهِ مَا يَنْبَغِي لِهَؤُلَاءِ أَنْ يُصَدّوا عَنْ الْبَيْتِ فَرَجَعَ إلَى أَصْحَابِهِ فَقَالَ رَأَيْتُ الْبُدْنَ قَدْ قُلّدَتْ وَأُشْعِرَتْ وَمَا أَرَى أَنْ يُصَدّوا عَنْ الْبَيْتِ فَقَامَ مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ فَقَالَ دَعُونِي آتِهِ . فَقَالُوا : ائْتِهِ فَلَمّا أَشْرَفَ عَلَيْهِمْ قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَذَا مِكْرَزُ بْنُ حَفْصٍ وَهُوَ رَجُلٌ فَاجِرٌ فَجَعَلَ يُكَلّمُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَبَيْنَا هُوَ يُكَلّمُهُ إذْ جَاءَ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ سُهّلَ لَكُمْ مِنْ أَمْرِكُمْ فَقَالَ هَاتِ اُكْتُبْ بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمْ كِتَابًا فَدَعَا الْكَاتِبَ فَقَالَ " اُكْتُبْ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ " . فَقَالَ [ ص 262 ] كُنْتَ تَكْتُبُ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ وَاَللّهِ لَا نَكْتُبُهَا إلّا بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اُكْتُبْ بِاسْمِكَ اللّهُمّ " ثُمّ قَالَ اُكْتُبْ هَذَا مَا قَاضَى عَلَيْهِ مُحَمّدٌ رَسُولُ اللّهِ فَقَالَ سُهَيْلٌ فَوَاَللّهِ لَوْ كُنّا نَعْلَمُ أَنّك رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا صَدَدْنَاكَ عَنْ الْبَيْتِ وَلَا قَاتَلْنَاك وَلَكِنْ اُكْتُبْ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّي رَسُولُ اللّهِ وَإِنْ كَذّبْتُمُونِي اُكْتُبْ مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّه فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى أَنْ تُخَلّوا بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْبَيْتِ فَنَطُوفَ بِهِ " فَقَالَ سُهَيْلٌ وَاَللّهِ لَا تَتَحَدّثُ الْعَرَبُ أَنّا أُخِذْنَا ضَغْطَةً وَلَكِنْ ذَلِكَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ فَكَتَبَ فَقَالَ سُهَيْلٌ عَلَى أَنْ لَا يَأْتِيكَ مِنّا رَجُلٌ وَإِنْ كَانَ عَلَى دِينِك إلّا رَدَدْتَهُ إلَيْنَا فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ سُبْحَانَ اللّهِ كَيْفَ يُرَدّ إلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جَاءَ مُسْلِمًا بَيْنَا هُمْ كَذَلِكَ إذْ جَاءَ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو يَرْسُفُ فِي قُيُودِهِ قَدْ خَرَجَ مِنْ أَسْفَلِ مَكّةَ حَتّى رَمَى بِنَفْسِهِ بَيْنَ ظُهُورِ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ سُهَيْلٌ هَذَا يَا مُحَمّدُ أَوّلُ مَا أُقَاضِيكَ عَلَيْهِ أَنْ تَرُدّهُ إلَيّ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " إنّا لَمْ نَقْضِ الْكِتَابَ بَعْدُ فَقَالَ فَوَاَللّهِ إذًا لَا أُصَالِحُك عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " فَأَجِزْهُ لِي " قَالَ مَا أَنَا بِمُجِيزِهِ لَك . قَالَ " بَلَى فَافْعَلْ " قَالَ مَا أَنَا بِفَاعِلٍ . قَالَ مِكْرَزٌ بَلَى قَدْ أَجَزْنَاهُ فَقَالَ أَبُو جَنْدَلٍ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ أُرَدّ إلَى الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ جِئْتُ مُسْلِمًا أَلَا تَرَوْنَ مَا لَقِيتُ وَكَانَ قَدْ عُذّبَ فِي اللّهِ عَذَابًا شَدِيدًا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ : وَاَللّهِ مَا شَكَكْتُ مُنْذُ أَسْلَمْتُ إلّا يَوْمَئِذٍ فَأَتَيْتُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَلَسْت نَبِيّ اللّهِ حَقّا ؟ قَالَ بَلَى قُلْتُ أَلَسْنَا عَلَى الْحَقّ وَعَدُوّنَا عَلَى الْبَاطِلِ ؟ قَالَ بَلَى . فَقُلْتُ عَلَامَ نُعْطِيَ الدّنِيّةَ فِي دِينِنَا إذًا وَنَرْجِعُ وَلَمّا يَحْكُمُ اللّهُ بَيْنَنَا وَبَيْنَ أَعْدَائِنَا ؟ فَقَالَ إنّي رَسُولُ اللّهِ وَهُوَ نَاصِرِي وَلَسْتُ أَعْصِيهِ قُلْتُ أَوَلَسْت كُنْتَ تُحَدّثُنَا أَنّا سَنَأْتِي الْبَيْتَ وَنَطُوفُ بِهِ ؟ قَالَ " بَلَى أَفَأَخْبَرْتُكَ أَنّكَ تَأْتِيهِ الْعَامَ ؟ " قُلْتُ لَا . قَالَ " فَإِنّكَ آتِيهِ وَمُطّوّفٌ بِهِ " . قَالَ فَأَتَيْتُ أَبَا بَكْرٍ فَقُلْتُ لَهُ كَمَا قُلْتُ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَرَدّ عَلَيّ أَبُو بَكْرٍ كَمَا رَدّ عَلَيّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَوَاءً وَزَادَ فَاسْتَمْسِكْ بِغَرْزِهِ حَتّى تَمُوتَ فَوَاَللّهِ إنّهُ لَعَلَى [ ص 263 ] قَالَ عُمَرُ فَعَمِلْت لِذَلِكَ أَعْمَالًا . فَلَمّا فَرَغَ مِنْ قَضِيّةِ الْكِتَابِ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قُومُوا فَانْحَرُوا ثُمّ احْلِقُوا فَوَاَللّهِ مَا قَامَ مِنْهُمْ رَجُلٌ وَاحِدٌ حَتّى قَالَ ذَلِكَ ثَلَاثَ مَرّاتٍ فَلَمّا لَمْ يَقُمْ مِنْهُمْ أَحَدٌ قَامَ فَدَخَلَ عَلَى أُمّ سَلَمَة َ فَذَكَرَ لَهَا مَا لَقِيَ مِنْ النّاسِ فَقَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَتُحِبّ ذَلِكَ ؟ اُخْرُجْ ثُمّ لَا تُكَلّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ كَلِمَةً حَتّى تَنْحَرَ بُدْنَك وَتَدْعُوَ حَالِقَك فَيَحْلِقَكَ فَقَامَ فَخَرَجَ فَلَمْ يُكَلّمْ أَحَدًا مِنْهُمْ حَتّى فَعَلَ ذَلِكَ نَحَرَ بُدْنَهُ وَدَعَا حَالِقَهُ فَحَلَقَهُ فَلَمّا رَأَى النّاسُ ذَلِكَ قَامُوا فَنَحَرُوا وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يَحْلِقُ بَعْضًا حَتّى كَادَ بَعْضُهُمْ يَقْتُلُ بَعْضًا غَمّا ثُمّ جَاءَهُ نِسْوَةٌ مُؤْمِنَاتٌ فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ فَامْتَحِنُوهُنّ } حَتّى بَلَغَ { بِعِصَمِ الْكَوَافِرِ } [ الْمُمْتَحِنَةُ 10 ] فَطَلّقَ عُمَرُ يَوْمئِذٍ امْرَأَتَيْنِ كَانَتَا لَهُ فِي الشّرْكِ فَتَزَوّجَ إحْدَاهُمَا مُعَاوِيَةُ وَالْأُخْرَى صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ ثُمّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ وَفِي مَرْجِعِهِ أَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْهِ { إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا لِيَغْفِرَ لَكَ اللّهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخّرَ وَيُتِمّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَيَهْدِيَكَ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا وَيَنْصُرَكَ اللّهُ نَصْرًا عَزِيزًا } [ الْفَتْحُ 31 ] فَقَالَ عُمَرُ أَوَفَتْحٌ هُوَ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ الصّحَابَةُ هَنِيئًا لَكَ يَا رَسُولَ اللّهِ فَمَا لَنَا ؟ فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ { هُوَ الّذِي أَنْزَلَ السّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ } [ الْفَتْحُ 4 ]
[ قِصّةُ أَبِي بَصِير]
وَلَمّا رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ جَاءَهُ أَبُو بَصِيرٍ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ مُسْلِمًا فَأَرْسَلُوا فِي طَلَبِهِ رَجُلَيْنِ وَقَالُوا : الْعَهْدَ الّذِي جَعَلْت لَنَا فَدَفَعَهُ إلَى الرّجُلَيْنِ فَخَرَجَا بِهِ حَتّى بَلَغَا ذَا الْحُلَيْفَة ِ فَنَزَلُوا يَأْكُلُونَ مِنْ تَمْرٍ لَهُمْ فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ لِأَحَدِ الرّجُلَيْنِ وَاَللّهِ إنّي لَأَرَى سَيْفَكَ هَذَا جَيّدًا فَاسْتَلّهُ الْآخَرُ فَقَالَ أَجَلْ وَاَللّهِ إنّهُ لَجَيّدٌ لَقَدْ جَرّبْتُ بِهِ ثُمّ جَرّبْت فَقَالَ أَبُو بَصِيرٍ : أَرِنِي أَنْظُرْ إلَيْهِ فَأَمْكَنَهُ مِنْهُ فَضَرَبَهُ بِهِ حَتّى [ ص 264 ] بَرَدَ وَفَرّ الْآخَرُ يَعْدُو حَتّى بَلَغَ الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ رَآهُ " لَقَدْ رَأَى هَذَا ذُعْرًا " فَلَمّا انْتَهَى إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ قُتِلَ وَاَللّهِ صَاحِبِي وَإِنّي لَمَقْتُولٌ فَجَاءَ أَبُو بَصِيرٍ فَقَالَ يَا نَبِيّ اللّهِ قَدْ وَاَللّهِ أَوْفَى اللّهُ ذِمّتَك قَدْ رَدَدْتنِي إلَيْهِمْ فَأَنْجَانِي اللّهُ مِنْهُمْ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " وَيْلُ أُمّهِ مِسْعَرَ حَرْبٍ لَوْ كَانَ لَهُ أَحَدٌ " فَلَمّا سَمِعَ ذَلِكَ عَرَفَ أَنّهُ سَيَرُدّهُ إلَيْهِمْ فَخَرَجَ حَتّى أَتَى سِيفَ الْبَحْرِ وَيَنْفَلِتُ مِنْهُمْ أَبُو جَنْدَلِ بْنُ سُهَيْلٍ فَلَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ فَلَا يَخْرُجُ مِنْ قُرَيْشٍ رَجُلٌ قَدْ أَسْلَمَ إلّا لَحِقَ بِأَبِي بَصِيرٍ حَتّى اجْتَمَعَتْ مِنْهُمْ عِصَابَةٌ فَوَاَللّهِ لَا يَسْمَعُونَ بِعِيرٍ لِقُرَيْشٍ خَرَجَتْ إلَى الشّامِ إلّا اعْتَرَضُوا لَهَا فَقَتَلُوهُمْ وَأَخَذُوا أَمْوَالَهُمْ فَأَرْسَلَتْ قُرَيْشٌ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تُنَاشِدُهُ اللّهَ وَالرّحِمَ لَمّا أَرْسَلَ إلَيْهِمْ فَمَنْ أَتَاهُ مِنْهُمْ فَهُوَ آمِنٌ فَأَنْزَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ { وَهُوَ الّذِي كَفّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ عَنْهُمْ بِبَطْنِ مَكّةَ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَكُمْ عَلَيْهِمْ } حَتّى بَلَغَ حَمِيّةَ الْجَاهِلِيّةِ [ الْفَتْحُ 24 ] وَكَانَتْ حَمِيّتُهُمْ أَنّهُمْ لَمْ يُقِرّوا أَنّهُ نَبِيّ اللّهِ وَلَمْ يُقِرّوا بِبِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وَحَالُوا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْبَيْتِ .
[ فَوْرُ بِئْرِ الْحُدَيْبِيَةِ بِالْمَاءِ بِبَرَكَتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
قُلْتُ فِي " الصّحِيحِ " : أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَوَضّأَ وَمَجّ فِي بِئْرِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ فَمِهِ فَجَاشَتْ بِالْمَاء كَذَلِكَ قَالَ الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَسَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ فِي " الصّحِيحَيْنِ " . [ ص 265 ] وَقَالَ عُرْوَةُ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنّهُ غَرَزَ فِيهَا سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِه وَهُوَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " أَيْضًا . وَفِي مَغَازِي أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ تَوَضّأَ فِي الدّلْوِ وَمَضْمَضَ فَاهُ ثُمّ مَجّ فِيهِ وَأَمَرَ أَنْ يُصَبّ فِي الْبِئْرِ وَنَزَعَ سَهْمًا مِنْ كِنَانَتِهِ وَأَلْقَاهُ فِي الْبِئْرِ وَدَعَا اللّهَ تَعَالَى فَفَارَتْ بِالْمَاءِ حَتّى جَعَلُوا يَغْتَرِفُونَ بِأَيْدِيهِمْ مِنْهَا وَهُمْ جُلُوسٌ عَلَى شِقّهَا فَجَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ وَهَذَا أَشْبَهُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
[ فَوْرُ الْمَاءِ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
وَفِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " : عَنْ جَابِرٍ قَالَ عَطِشَ النّاسُ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَ يَدَيْهِ رَكْوَةٌ يَتَوَضّأُ مِنْهَا إذْ جَهَشَ النّاسُ نَحْوَهُ فَقَالَ مَا لَكُمْ ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ مَا عِنْدَنَا مَاءٌ نَشْرَبُ وَلَا مَا نَتَوَضّأُ إلّا مَا بَيْنَ يَدَيْك فَوَضَعَ يَدَهُ فِي الرّكْوَةِ فَجَعَلَ الْمَاءُ يَفُورُ مِنْ بَيْنِ أَصَابِعِهِ أَمْثَالَ الْعُيُونِ فَشَرِبُوا وَتَوَضّئُوا وَكَانُوا خَمْسَ عَشْرَةَ مِائَةٍ وَهَذِهِ غَيْرُ قِصّةِ الْبِئْرِ .
[ هُطُولُ الْمَطَرِ ]
وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَصَابَهُمْ لَيْلَةً مَطَرٌ فَلَمّا صَلّى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الصّبْحَ قَالَ أَتَدْرُونَ مَاذَا قَالَ رَبّكُمْ اللّيْلَةَ ؟ " قَالُوا : اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ " أَصْبَحَ مِنْ عِبَادِي مُؤْمِنٌ بِي وَكَافِرٌ فَأَمّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِفَضْلِ اللّهِ وَرَحْمَتِهِ فَذَلِكَ مُؤْمِنٌ بِي كَافِرٌ بِالْكَوْكَبِ وَأَمّا مَنْ قَالَ مُطِرْنَا بِنَوْءِ كَذَا وَكَذَا فَذَلِكَ كَافِرٌ بِي مُؤْمِنٌ بِالْكَوْكَب
فَصْلٌ [ مَا جَرَى عَلَيْهِ الصّلْحُ ]
[ ص 266 ] مَكّةَ عَلَى وَضْعِ الْحَرْبِ عَشْرَ سِنِينَ وَأَنْ يَأْمَنَ النّاسُ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ وَأَنْ يَرْجِعَ عَنْهُمْ عَامَهُ ذَلِكَ حَتّى إذَا كَانَ الْعَامُ الْمُقْبِلُ قَدِمَهَا وَخَلّوْا بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَكّةَ فَأَقَامَ بِهَا ثَلَاثًا وَأَنْ لَا يَدْخُلَهَا إلّا بِسِلَاحِ الرّاكِبِ وَالسّيُوفِ فِي الْقِرَبِ وَأَنّ مَنْ أَتَانَا مِنْ أَصْحَابِكَ لَمْ نَرُدّهُ عَلَيْك وَمَنْ أَتَاكَ مِنْ أَصْحَابِنَا رَدّدَتْهُ عَلَيْنَا وَأَنّ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ عَيْبَةً مَكْفُوفَةً وَأَنّهُ لَا إسْلَالَ وَلَا إغْلَالَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ نُعْطِيهِمْ هَذَا ؟ فَقَالَ مَنْ أَتَاهُمْ مِنّا فَأَبْعَدَهُ اللّهُ وَمَنْ أَتَانَا مِنْهُمْ فَرَدَدْنَاهُ إلَيْهِمْ جَعَلَ اللّهُ لَهُ فَرَجًا وَمَخْرَجًا
[ فِدْيَةُ الْأَذَى لِمَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ ]
وَفِي قِصّةِ الْحُدَيْبِيَةِ أَنْزَلَ اللّهُ - عَزّ وَجَلّ - فِدْيَةَ الْأَذَى لِمَنْ حَلَقَ رَأْسَهُ بِالصّيَامِ أَوْ الصّدَقَةِ أَوْ النّسُكِ فِي شَأْنِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ . وَفِيهَا دَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلْمُحَلّقِينَ بِالْمَغْفِرَةِ ثَلَاثًا وَلِلْمُقَصّرِينَ مَرّةً . وَفِيهَا نَحَرُوا الْبَدَنَةَ عَنْ سَبْعَةٍ وَالْبَقَرَةَ عَنْ سَبْعَةٍ . وَفِيهَا أَهْدَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي جُمْلَةِ هَدْيِهِ جَمَلًا كَانَ لِأَبِي جَهْلٍ كَانَ فِي أَنْفِهِ بُرّةٌ مِنْ فِضّةٍ لِيَغِيظَ بِهِ الْمُشْرِكِينَ . وَفِيهَا أُنْزِلَتْ سُورَةُ الْفَتْحِ وَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعَهْدِهِ وَدَخَلَتْ بَنُو بَكْرٍ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ وَكَانَ فِي الشّرْطِ أَنّ مَنْ شَاءَ أَنْ يَدْخُلَ [ ص 267 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَخَلَ وَمَنْ شَاءَ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ دَخَلَ .
[ عَدَمُ رَدّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُمّ كُلْثُوم ٍ بِنْتَ عُقْبَةَ إلَى الْمُشْرِكِينَ ]
وَلَمّا رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ جَاءَهُ نِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ مِنْهُنّ أُمّ كُلْثُومٍ بِنْتُ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ فَجَاءَ أَهْلُهَا يَسْأَلُونَهَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالشّرْطِ الّذِي كَانَ بَيْنَهُمْ فَلَمْ يُرْجِعْهَا إلَيْهِمْ وَنَهَاهُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ عَنْ ذَلِكَ فَقِيلَ هَذَا نَسْخٌ لِلشّرْطِ فِي النّسَاءِ . وَقِيلَ تَخْصِيصٌ لِلسّنّةِ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ عَزِيزٌ جِدّا . وَقِيلَ لَمْ يَقَعْ الشّرْطُ إلّا عَلَى الرّجَالِ خَاصّةً وَأَرَادَ الْمُشْرِكُونَ أَنْ يُعَمّمُوهُ فِي الصّنْفَيْنِ فَأَبَى اللّهُ ذَلِكَ .
فَصْلٌ فِي بَعْضِ مَا فِي قِصّةِ الْحُدَيْبِيَةِ مِنْ الْفَوَائِدِ الْفِقْهِيّةِ
فَمِنْهَا : اعْتِمَارُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَشْهُرِ الْحَجّ فَإِنّهُ خَرَجَ إلَيْهَا فِي ذِي الْقِعْدَةِ .
[ الْإِحْرَامُ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ ]
وَمِنْهَا : أَنّ الْإِحْرَامَ بِالْعُمْرَةِ مِنْ الْمِيقَاتِ أَفْضَلُ كَمَا أَنّ الْإِحْرَامَ بِالْحَجّ كَذَلِكَ فَإِنّهُ أَحْرَمَ بِهِمَا مِنْ ذِي الْحُلَيْفَةِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ مَيْلٌ أَوْ نَحْوُهُ وَأَمّا حَدِيثُ مَنْ أَحْرَمَ بِعُمْرَةٍ مِنْ بَيْتِ الْمَقْدِسِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخّر وَفِي لَفْظٍ كَانَتْ كَفّارَةً لِمَا قَبْلَهَا مِنْ الذّنُوبِ فَحَدِيثٌ لَا يَثْبُتُ وَقَدْ اُضْطُرِبَ فِيهِ إسْنَادًا وَمَتْنًا اضْطِرَابًا شَدِيدًا . وَمِنْهَا : أَنّ سَوْقَ الْهَدْيِ مَسْنُونٌ فِي الْعُمْرَةِ الْمُفْرَدَةِ كَمَا هُوَ مَسْنُونٌ فِي الْقِرَانِ . وَمِنْهَا : أَنّ إشْعَارَ الْهَدْيِ سُنّةٌ لَا مُثْلَةٌ مَنْهِيّ عَنْهَا . [ ص 268 ]
[ اسْتِحْبَابُ مُغَايَظَةِ أَعْدَاءِ اللّهِ ]
وَمِنْهَا : اسْتِحْبَابُ مُغَايَظَةِ أَعْدَاءِ اللّهِ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَهْدَى فِي جُمْلَةِ هَدْيِهِ جَمَلًا لِأَبِي جَهْلٍ فِي أَنْفِهِ بُرّةٌ مِنْ فِضّةٍ يَغِيظُ بِهِ الْمُشْرِكِينَ وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي صِفَةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابِهِ { وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزّرّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفّارَ } [ الْفَتْحُ 29 ] وَقَالَ عَزّ وَجَلّ { ذَلِكَ بِأَنّهُمْ لَا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلَا نَصَبٌ وَلَا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَلَا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفّارَ وَلَا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوّ نَيْلًا إِلّا كُتِبَ لَهُمْ بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنّ اللّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [ التّوْبَةُ 120 ] . وَمِنْهَا : أَنّ أَمِيرَ الْجَيْشِ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبْعَثَ الْعُيُونَ أَمَامَهُ نَحْوَ الْعَدُوّ .
[ الِاسْتِعَانَةُ بِالْمُشْرِكِ ]
وَمِنْهَا : أَنّ الِاسْتِعَانَةَ بِالْمُشْرِكِ الْمَأْمُونِ فِي الْجِهَادِ جَائِزَةٌ عِنْدَ الْحَاجَةِ لِأَنّ عَيْنَهُ الْخُزَاعِيّ كَانَ كَافِرًا إذْ ذَاكَ وَفِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ أَنّهُ أَقْرَبُ إلَى اخْتِلَاطِهِ بِالْعَدُوّ وَأَخْذِهِ أَخْبَارَهُمْ .
[ اسْتِحْبَابُ الشّورَى ]
وَمِنْهَا : اسْتِحْبَابُ مَشُورَةِ الْإِمَامِ رَعِيّتَهُ وَجَيْشَهُ اسْتِخْرَاجًا لِوَجْهِ الرّأْيِ وَاسْتِطَابَةً لِنَفُوسِهِمْ وَأَمْنًا لِعَتَبِهِمْ وَتَعَرّفًا لِمَصْلَحَةٍ يَخْتَصّ بِعِلْمِهَا بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ وَامْتِثَالًا لِأَمْرِ الرّبّ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ } [ آل عِمْرَانَ 159 ] وَقَدْ مَدَحَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عِبَادَهُ بِقَوْلِهِ { وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ } [ الشّورَى : 38 ] .
[ رَدّ الْكَلَامِ الْبَاطِلِ وَلَوْ نُسِبَ إلَى غَيْرِ الْمُكَلّفِ ]
وَمِنْهَا : جَوَازُ سَبْيِ ذَرَارِيّ الْمُشْرِكِينَ إذَا انْفَرَدُوا عَنْ رِجَالِهِمْ قَبْلَ مُقَاتَلَةِ الرّجَالِ . وَمِنْهَا : رَدّ الْكَلَامِ الْبَاطِلِ وَلَوْ نُسِبَ إلَى غَيْرِ مُكَلّفٍ فَإِنّهُمْ لَمّا قَالُوا : خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ يَعْنِي حَرَنَتْ وَأَلَحّتْ فَلَمْ تَسِرْ وَالْخِلَاءُ فِي الْإِبِلِ بِكَسْرِ الْخَاءِ وَالْمَدّ نَظِيرُ الْحِرَانِ فِي الْخَيْلِ فَلَمّا نَسَبُوا إلَى النّاقَةِ مَا لَيْسَ مِنْ خُلُقِهَا وَطَبْعِهَا رَدّهُ عَلَيْهِمْ وَقَالَ مَا خَلَأَتْ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُق ثُمّ أَخْبَرَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ سَبَبِ بُرُوكِهَا وَأَنّ الّذِي حَبَسَ الْفِيلَ عَنْ مَكّةَ حَبَسَهَا لِلْحِكْمَةِ الْعَظِيمَةِ الّتِي ظَهَرَتْ بِسَبَبِ حَبْسِهَا وَمَا جَرَى بَعْدَهُ . [ ص 269 ] وَمِنْهَا : أَنّ تَسْمِيَةَ مَا يُلَابِسُهُ الرّجُلُ مِنْ مَرَاكِبِهِ وَنَحْوِهَا سُنّةٌ .
[ اسْتِحْبَابُ الْحَلِفِ عَلَى الْخَبَرِ الدّينِيّ الّذِي يُرَادُ تَأْكِيدُهُ ]
وَمِنْهَا : جَوَازُ الْحَلِفِ بَلْ اسْتِحْبَابُهُ عَلَى الْخَبَرِ الدّينِيّ الّذِي يُرِيدُ تَأْكِيدَهُ وَقَدْ حُفِظَ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْحَلِفُ فِي أَكْثَرَ مِنْ ثَمَانِينَ مَوْضِعًا وَأَمَرَهُ اللّهُ تَعَالَى بِالْحَلِفِ عَلَى تَصْدِيقِ مَا أَخْبَرَ بِهِ فِي ثَلَاثَةِ مَوَاضِعَ فِي ( سُورَةِ يُونُسَ ) و ( سَبَأٍ ) و ( التّغَابُنِ ) .
إذَا طَلَبَ الْمُشْرِكُونَ وَأَهْلُ الْبِدَعِ وَالْفُجُورِ وَالْبُغَاةُ وَالظّلَمَةُ أَمْرًا يُعَظّمُونَ فِيهِ حُرْمَةً مِنْ حُرُمَاتِ اللّهِ أُعِينُوا عَلَيْهِ
وَمِنْهَا : أَنّ الْمُشْرِكِينَ وَأَهْلَ الْبِدَعِ وَالْفُجُورِ وَالْبُغَاةِ وَالظّلَمَةِ إذَا طَلَبُوا أَمْرًا يُعَظّمُونَ فِيهِ حُرْمَةً مِنْ حُرُمَاتِ اللّهِ تَعَالَى أُجِيبُوا إلَيْهِ وَأُعْطُوهُ وَأُعِينُوا عَلَيْهِ وَإِنْ مَنَعُوا غَيْرَهُ فَيُعَاوَنُونَ عَلَى مَا فِيهِ تَعْظِيمُ حُرُمَاتِ اللّهِ تَعَالَى لَا عَلَى كُفْرِهِمْ وَبَغْيِهِمْ وَيُمْنَعُونَ مِمّا سِوَى ذَلِكَ فَكُلّ مَنْ الْتَمَسَ الْمُعَاوَنَةَ عَلَى مَحْبُوبٍ لِلّهِ تَعَالَى مُرْضٍ لَهُ أُجِيبَ إلَى ذَلِكَ كَائِنًا مَنْ كَانَ مَا لَمْ يَتَرَتّبْ عَلَى إعَانَتِهِ عَلَى ذَلِكَ الْمَحْبُوبِ مَبْغُوضٌ لِلّهِ أَعْظَمَ مِنْهُ وَهَذَا مِنْ أَدَقّ الْمَوَاضِعِ وَأَصْعَبِهَا وَأَشَقّهَا عَلَى النّفُوسِ وَلِذَلِكَ ضَاقَ عَنْهُ مِنْ الصّحَابَةِ مَنْ ضَاقَ وَقَالَ عُمَرُ مَا قَالَ حَتّى عَمِلَ لَهُ أَعْمَالًا بَعْدَهُ وَالصّدّيقُ تَلَقّاهُ بِالرّضَى وَالتّسْلِيمِ حَتّى كَانَ قَلْبُهُ فِيهِ عَلَى قَلْبِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَجَابَ عُمَرَ عَمّا سَأَلَ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ بِعَيْنِ جَوَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَذَلِكَ يَدُلّ عَلَى أَنّ الصّدّيقَ رَضِيَ اللّه عَنْهُ أَفْضَلُ الصّحَابَةِ وَأَكْمَلُهُمْ وَأَعْرَفُهُمْ بِاَللّهِ تَعَالَى وَرَسُولِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَعْلَمُهُمْ بِدِينِهِ وَأَقْوَمُهُمْ بِمَحَابّهِ وَأَشَدّهُمْ مُوَافَقَةً لَهُ وَلِذَلِكَ لَمْ يَسْأَلْ عُمَرَ عَمّا عَرَضَ لَهُ إلّا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَصِدّيقَهُ خَاصّةً دُونَ سَائِرِ أَصْحَابِهِ . [ ص 270 ] وَمِنْهَا : أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَدَلَ ذَاتَ الْيَمِينِ إلَى الْحُدَيْبِيَةِ . قَالَ الشّافِعِيّ : بَعْضُهَا مِنْ الْحِلّ وَبَعْضُهَا مِنْ الْحَرَمِ .
[ مُضَاعَفَةُ الصّلَاةِ بِمَكّةَ تَتَعَلّقُ بِجَمِيعِ الْحَرَمِ لَا يُخَصّ بِهَا الْمَسْجِدُ ]
وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي هَذِهِ الْقِصّةِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ يُصَلّي فِي الْحَرَمِ وَهُوَ مُضْطَرِبٌ فِي الْحِل وَفِي هَذَا كَالدّلَالَةِ عَلَى أَنّ مُضَاعَفَةَ الصّلَاةِ بِمَكّةَ تَتَعَلّقُ بِجَمِيعِ الْحَرَمِ لَا يُخَصّ بِهَا الْمَسْجِدُ الّذِي هُوَ مَكَانُ الطّوَافِ وَأَنّ قَوْلَهُ صَلَاةٌ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَفْضَلُ مِنْ مِائَةِ صَلَاةٍ فِي مَسْجِدِي كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ } [ التّوْبَةُ 28 ] وَقَوْلِهِ تَعَالَى : { سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } [ الْإِسْرَاءُ : 1 ] وَكَانَ الْإِسْرَاءُ مِنْ بَيْتِ أُمّ هَانِئٍ . وَمِنْهَا : أَنّ مَنْ نَزَلَ قَرِيبًا مِنْ مَكّةَ فَإِنّهُ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَنْزِلَ فِي الْحِلّ وَيُصَلّيَ فِي الْحَرَمِ وَكَذَلِكَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يَصْنَعُ . وَمِنْهَا : جَوَازُ ابْتِدَاءِ الْإِمَامِ بِطَلَبِ صُلْحِ الْعَدُوّ إذَا رَأَى الْمَصْلَحَةَ لِلْمُسْلِمِينَ فِيهِ وَلَا يَتَوَقّفُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَكُونَ ابْتِدَاءُ الطّلَبِ مِنْهُمْ .
[ سُنّيّةُ الْقِيَامِ بِالسّيْفِ عَلَى رَأْسِ الْقَائِدِ عِنْدَ قُدُومِ رُسُلِ الْعَدُوّ ]
وَفِي قِيَامِ الْمُغِيرَةِ بْنِ شُعْبَةَ عَلَى رَأْسِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالسّيْفِ وَلَمْ يَكُنْ عَادَتَهُ أَنْ يُقَامَ عَلَى رَأْسِهِ وَهُوَ قَاعِدٌ سُنّةٌ يُقْتَدَى بِهَا عِنْدَ قُدُومِ رُسُلِ الْعَدُوّ مِنْ إظْهَارِ الْعِزّ وَالْفَخْرِ وَتَعْظِيمِ الْإِمَامِ وَطَاعَتِهِ وَوِقَايَتِهِ بِالنّفُوسِ وَهَذِهِ هِيَ الْعَادَةُ الْجَارِيَةُ عِنْدَ قُدُومِ رُسُلِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ وَقُدُومِ رُسُلِ الْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ هَذَا النّوْعِ الّذِي ذَمّهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقَوْلِهِ مَنْ أَحَبّ أَنْ يَتَمَثّلَ لَهُ الرّجَالُ قِيَامًا فَلْيَتَبَوّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النّارِ كَمَا أَنّ الْفَخْرَ وَالْخُيَلَاءَ فِي الْحَرْبِ [ ص 271 ]
[ مَالُ المشّرْكِ الْمُعَاهَدِ مَعْصُومٌ ]
وَفِي قَوْلِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلْمُغِيرَةِ أَمّا الْإِسْلَامُ فَأَقْبَلُ وَأَمّا الْمَالُ فَلَسْتُ مِنْهُ فِي شَيْءٍ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ مَالَ الْمُشْرِكِ الْمُعَاهَدِ مَعْصُومٌ وَأَنّهُ لَا يُمْلَكُ بَلْ يُرَدّ عَلَيْهِ فَإِنّ الْمُغِيرَةَ كَانَ قَدْ صَحِبَهُمْ عَلَى الْأَمَانِ ثُمّ غَدَرَ بِهِمْ وَأَخَذَ أَمْوَالَهُمْ فَلَمْ يَتَعَرّضْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِأَمْوَالِهِمْ وَلَا ذَبّ عَنْهَا وَلَا ضَمِنَهَا لَهُمْ لِأَنّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ إسْلَامِ الْمُغِيرَةِ .
[ جَوَازُ التّصْرِيحِ بِاسْمِ الْعَوْرَةِ إذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ ]
وَفِي قَوْلِ الصّدّيقِ لِعُرْوَةَ اُمْصُصْ بَظْرَ اللّات دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ التّصْرِيحِ بِاسْمِ الْعَوْرَةِ إذَا كَانَ فِيهِ مَصْلَحَةٌ تَقْتَضِيهَا تِلْكَ الْحَالُ كَمَا أَذِنَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُصَرّحَ لِمَنْ ادّعَى دَعْوَى الْجَاهِلِيّةِ بِهُنّ أَبِيهِ وَيُقَالُ لَهُ اعْضَضْ أَيْرَ أَبِيك وَلَا يُكَنّى لَهُ فَلِكُلّ مَقَامٍ مَقَالٌ .
[ احْتِمَالُ قِلّةِ أَدَبِ رَسُولِ الْكُفّارِ ]
وَمِنْهَا : احْتِمَالُ قِلّةِ أَدَبِ رَسُولِ الْكُفّارِ وَجَهْلُهُ وَجَفْوَتُهُ وَلَا يُقَابَلُ عَلَى ذَلِكَ لِمَا فِيهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْعَامّةِ وَلَمْ يُقَابِلْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عُرْوَةَ عَلَى أَخْذِهِ بِلِحْيَتِهِ وَقْتَ خِطَابِهِ وَإِنْ كَانَتْ تِلْكَ عَادَةَ الْعَرَبِ لَكِنّ الْوَقَارَ وَالتّعْظِيمَ خِلَافُ ذَلِكَ . وَكَذَلِكَ لَمْ يُقَابِلْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَسُولَيْ مُسَيْلِمَةَ حِينَ قَالَا : نَشْهَدُ أَنّهُ رَسُولُ اللّهِ وَقَالَ لَوْلَا أَنّ الرّسُلَ لَا تُقْتَلُ لَقَتَلْتُكُمَا وَمِنْهَا : طَهَارَةُ النّخَامَةِ سَوَاءٌ كَانَتْ مِنْ رَأْسٍ أَوْ صَدْرٍ . وَمِنْهَا : طَهَارَةُ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ . وَمِنْهَا : اسْتِحْبَابُ التّفَاؤُلِ وَأَنّهُ لَيْسَ مِنْ الطّيَرَةِ الْمَكْرُوهَةِ لِقَوْلِهِ لَمّا جَاءَ سُهَيْلٌ " سُهّلَ أَمْرُكُمْ " . [ ص 272 ]
[ يُغْنِي فِي الْمَشْهُودِ عَلَيْهِ إذَا عُرِفَ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ عَنْ ذِكْرِ الْجَدّ ]
وَمِنْهَا : أَنّ الْمَشْهُودَ عَلَيْهِ إذَا عُرِفَ بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ أَغْنَى ذَلِكَ عَنْ ذِكْرِ الْجَدّ لِأَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَزِدْ عَلَى مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ وَقَنِعَ مِنْ سُهَيْلٍ بِذِكْرِ اسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ خَاصّةً وَاشْتِرَاطُ ذِكْرِ الْجَدّ لَا أَصْلَ لَهُ وَلَمّا اشْتَرَى الْعَدّاءُ بْنُ خَالِدٍ مِنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْغُلَامَ فَكَتَبَ لَهُ هَذَا مَا اشْتَرَى الْعَدّاءُ بْنُ خَالِدِ بْنِ هَوْذَة فَذَكَرَ جَدّهُ فَهُوَ زِيَادَةُ بَيَانٍ تَدُلّ عَلَى أَنّهُ جَائِزٌ لَا بَأْسَ بِهِ وَلَا تَدُلّ عَلَى اشْتِرَاطِهِ وَلَمّا لَمْ يَكُنْ فِي الشّهْرَةِ بِحَيْثُ يُكْتَفَى بِاسْمِهِ وَاسْمِ أَبِيهِ ذَكَرَ جَدّهُ فَيُشْتَرَطُ ذِكْرُ الْجَدّ عِنْدَ الِاشْتِرَاكِ فِي الِاسْمِ وَاسْمِ الْأَبِ وَعِنْدَ عَدَمِ الِاشْتِرَاكِ اُكْتُفِيَ بِذِكْرِ الِاسْمِ وَاسْمِ الْأَبِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَمِنْهَا : أَنّ مُصَالَحَةَ الْمُشْرِكِينَ بِبَعْضِ مَا فِيهِ ضَيْمٌ عَلَى الْمُسْلِمِينَ جَائِزَةٌ لِلْمَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ وَدَفْعِ مَا هُوَ شَرّ مِنْهُ فَفِيهِ دَفْعُ أَعْلَى الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا . وَمِنْهَا : أَنّ مَنْ حَلَفَ عَلَى فِعْلِ شَيْءٍ أَوْ نَذَرَهُ أَوْ وَعَدَ غَيْرَهُ بِهِ وَلَمْ يُعَيّنْ وَقْتًا لَا بِلَفْظِهِ وَلَا بِنِيّتِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى الْفَوْرِ بَلْ عَلَى التّرَاخِي . وَمِنْهَا : أَنّ الْحِلَاقَ نُسُكٌ وَأَنّهُ أَفْضَلُ مِنْ التّقْصِيرِ وَأَنّهُ نُسُكٌ فِي الْعُمْرَةِ كَمَا هُوَ نُسُكٌ فِي الْحَجّ وَأَنّهُ نُسُكٌ فِي عُمْرَةِ الْمَحْصُورِ كَمَا هُوَ نُسُكٌ فِي عُمْرَةِ غَيْرِهِ .
[ لَا يَجِبُ عَلَى الْمُحْصَرِ الْقَضَاءُ ]
وَمِنْهَا : أَنّ الْمُحْصَرَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ حَيْثُ أُحْصِرَ مِنْ الْحِلّ أَوْ الْحَرَمِ وَأَنّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يُوَاعِدَ مَنْ يَنْحَرُهُ فِي الْحَرَمِ إذَا لَمْ يَصِلْ إلَيْهِ وَأَنّهُ لَا يَتَحَلّلُ حَتّى [ ص 273 ] { وَالْهَدْيَ مَعْكُوفًا أَنْ يَبْلُغَ مَحِلّهُ } [ الْفَتْحُ 25 ] . وَمِنْهَا : أَنّ الْمَوْضِعَ الّذِي نَحَرَ فِيهِ الْهَدْيَ كَانَ مِنْ الْحِلّ لَا مِنْ الْحَرَمِ لِأَنّ الْحَرَمَ كُلّهُ مَحِلّ الْهَدْيِ . وَمِنْهَا : أَنّ الْمُحْصَرَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْقَضَاءُ لِأَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَهُمْ بِالْحَلْقِ وَالنّحْرِ وَلَمْ يَأْمُرْ أَحَدًا مِنْهُمْ بِالْقَضَاءِ وَالْعُمْرَةُ مِنْ الْعَامِ الْقَابِلِ لَمْ تَكُنْ وَاجِبَةً وَلَا قَضَاءً عَنْ عُمْرَةِ الْإِحْصَارِ فَإِنّهُمْ كَانُوا فِي عُمْرَةِ الْإِحْصَارِ أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَكَانُوا فِي عُمْرَةِ الْقَضِيّةِ دُونَ ذَلِكَ وَإِنّمَا سُمّيَتْ عُمْرَةَ الْقَضِيّةِ وَالْقَضَاءِ لِأَنّهَا الْعُمْرَةُ الّتِي قَاضَاهُمْ عَلَيْهَا فَأُضِيفَتْ الْعُمْرَةُ إلَى مَصْدَرِ فِعْلِهِ .
[ الْأَمْرُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْفَوْرِ ]
وَمِنْهَا : أَنّ الْأَمْرَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْفَوْرِ وَإِلّا لَمْ يَغْضَبْ لِتَأْخِيرِهِمْ الِامْتِثَالَ عَنْ وَقْتِ الْأَمْرِ وَقَدْ اُعْتُذِرَ عَنْ تَأْخِيرِهِمْ الِامْتِثَالَ بِأَنّهُمْ كَانُوا يَرْجُونَ النّسْخَ فَأَخّرُوا مُتَأَوّلِينَ لِذَلِكَ وَهَذَا الِاعْتِذَارُ أَوْلَى أَنْ يُعْتَذَرَ عَنْهُ وَهُوَ بَاطِلٌ فَإِنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَوْ فَهِمَ مِنْهُمْ ذَلِكَ لَمْ يَشْتَدّ غَضَبُهُ لِتَأْخِيرِ أَمْرِهِ وَيَقُولُ مَا لِي لَا أَغْضَبُ وَأَنَا آمُرُ بِالْأَمْرِ فَلَا أُتّبَعُ وَإِنّمَا كَانَ تَأْخِيرُهُمْ مِنْ السّعْيِ الْمَغْفُورِ لَا الْمَشْكُورِ وَقَدْ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَغَفَرَ لَهُمْ وَأَوْجَبَ لَهُمْ الْجَنّةَ .
[ الْأَصْلُ مُشَارَكَةُ أُمّتِهِ لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْأَحْكَامِ إلّا مَا خَصّهُ الدّلِيلُ ]
وَمِنْهَا : أَنّ الْأَصْلَ مُشَارَكَةُ أُمّتِهِ لَهُ فِي الْأَحْكَامِ إلّا مَا خَصّهُ الدّلِيلُ وَلِذَلِكَ قَالَتْ أُمّ سَلَمَةَ اُخْرُجْ وَلَا تُكَلّمْ أَحَدًا حَتّى تَحْلِقَ رَأْسَك وَتَنْحَرَ هَدْيَك وَعَلِمَتْ أَنّ النّاسَ سَيُتَابِعُونَهُ . فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ فَعَلُوا ذَلِكَ اقْتِدَاءً بِفِعْلِهِ وَلَمْ يَمْتَثِلُوهُ حِينَ أَمَرَهُمْ بِهِ ؟ قِيلَ هَذَا هُوَ السّبَبُ الّذِي لِأَجْلِهِ ظَنّ مَنْ ظَنّ أَنّهُمْ أَخّرُوا الِامْتِثَالَ طَمَعًا فِي النّسْخِ فَلَمّا فَعَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَلِكَ عَلِمُوا حِينَئِذٍ أَنّهُ حُكْمٌ مُسْتَقِرّ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَقَدْ تَقَدّمَ فَسَادُ هَذَا الظّنّ وَلَكِنْ لَمّا تَغَيّظَ عَلَيْهِمْ وَخَرَجَ وَلَمْ يُكَلّمْهُمْ وَأَرَاهُمْ أَنّهُ بَادَرَ إلَى امْتِثَالِ مَا أُمِرَ بِهِ وَأَنّهُ لَمْ يُؤَخّرْ كَتَأْخِيرِهِمْ وَأَنّ اتّبَاعَهُمْ لَهُ وَطَاعَتَهُمْ تُوجِبُ اقْتِدَاءَهُمْ بِهِ بَادَرُوا حِينَئِذٍ إلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ وَامْتِثَالِ أَمْرِهِ . [ ص 274 ] وَمِنْهَا : جَوَازُ صُلْحِ الْكُفّارِ عَلَى رَدّ مَنْ جَاءَ مِنْهُمْ إلَى الْمُسْلِمِينَ وَأَلّا يُرَدّ مَنْ ذَهَبَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ هَذَا فِي غَيْرِ النّسَاءِ وَأَمّا النّسَاءُ فَلَا يَجُوزُ اشْتِرَاطُ رَدّهِنّ إلَى الْكُفّارِ وَهَذَا مَوْضِعُ النّسْخِ خَاصّةً فِي هَذَا الْعَقْدِ بِنَصّ الْقُرْآنِ وَلَا سَبِيلَ إلَى دَعْوَى النّسْخِ فِي غَيْرِهِ بِغَيْرِ مُوجِبٍ .
[ خُرُوجُ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزّوْجِ مُتَقَوّمٌ ]
وَمِنْهَا : أَنّ خُرُوجَ الْبُضْعِ مِنْ مِلْكِ الزّوْجِ مُتَقَوّمٌ وَلِذَلِكَ أَوْجَبَ اللّهُ سُبْحَانَهُ رَدّ الْمَهْرِ عَلَى مَنْ هَاجَرَتْ امْرَأَتُهُ وَحِيلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَعَلَى مَنْ ارْتَدّتْ امْرَأَتُهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ إذَا اسْتَحَقّ الْكُفّارُ عَلَيْهِمْ رَدّ مُهُورِ مَنْ هَاجَرَ إلَيْهِمْ مِنْ أَزْوَاجِهِمْ وَأَخْبَرَ أَنّ ذَلِكَ حُكْمُهُ الّذِي حَكَمَ بِهِ بَيْنَهُمْ ثُمّ لَمْ يَنْسَخْهُ شَيْءٌ وَفِي إيجَابِهِ رَدّ مَا أَعْطَى الْأَزْوَاجُ مِنْ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى تَقَوّمِهِ بِالْمُسَمّى لَا بِمَهْرِ الْمِثْلِ . وَمِنْهَا : أَنّ رَدّ مَنْ جَاءَ مِنْ الْكُفّارِ إلَى الْإِمَامِ لَا يَتَنَاوَلُ مَنْ خَرَجَ مِنْهُمْ مُسْلِمًا إلَى غَيْرِ بَلَدِ الْإِمَامِ وَأَنّهُ إذَا جَاءَ إلَى بَلَدِ الْإِمَامِ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ رَدّهُ بِدُونِ الطّلَبِ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَرُدّ أَبَا بَصِيرٍ حِينَ جَاءَهُ وَلَا أَكْرَهَهُ عَلَى الرّجُوعِ وَلَكِنْ لَمّا جَاءُوا فِي طَلَبِهِ مَكّنَهُمْ مِنْ أَخْذِهِ وَلَمْ يُكْرِهْهُ عَلَى الرّجُوعِ . وَمِنْهَا أَنّ الْمُعَاهَدِينَ إذَا تَسَلّمُوهُ وَتَمَكّنُوا مِنْهُ فَقَتَلَ أَحَدًا مِنْهُمْ لَمْ يَضْمَنْهُ بِدِيَةٍ وَلَا قَوَدٍ وَلَمْ يَضْمَنْهُ الْإِمَامُ بَلْ يَكُونُ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ حُكْمَ قَتْلِهِ لَهُمْ فِي دِيَارِهِمْ حَيْثُ لَا حُكْمَ لِلْإِمَامِ عَلَيْهِمْ فَإِنّ أَبَا بَصِيرٍ قَتَلَ أَحَدَ الرّجُلَيْنِ الْمُعَاهَدَيْنِ بِذِي الْحُلَيْفَةِ وَهِيَ مِنْ حُكْمِ الْمَدِينَةِ وَلَكِنْ كَانَ قَدْ تَسَلّمُوهُ وَفُصِلَ عَنْ يَدِ الْإِمَامِ وَحُكْمِهِ . وَمِنْهَا : أَنّ الْمُعَاهَدِينَ إذَا عَاهَدُوا الْإِمَامَ فَخَرَجَتْ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ فَحَارَبَتْهُمْ وَغَنِمَتْ أَمْوَالَهُمْ وَلَمْ يَتَحَيّزُوا إلَى الْإِمَامِ لَمْ يَجِبْ عَلَى الْإِمَامِ دَفْعُهُمْ عَنْهُمْ وَمَنْعُهُمْ مِنْهُمْ وَسَوَاءٌ دَخَلُوا فِي عَقْدِ الْإِمَامِ وَعَهْدِهِ وَدِينِهِ أَوْ لَمْ يَدْخُلُوا وَالْعَهْدُ الّذِي كَانَ بَيْنَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ لَمْ يَكُنْ عَهْدًا [ ص 275 ] أَبِي بَصِيرٍ وَأَصْحَابِهِ وَبَيْنَهُمْ وَعَلَى هَذَا فَإِذَا كَانَ بَيْنَ بَعْضِ مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ وَبَعْضِ أَهْلِ الذّمّةِ مِنْ النّصَارَى وَغَيْرِهِمْ عَهْدٌ جَازِ لِمَلِكٍ آخَرَ مِنْ مُلُوكِ الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَغْزُوَهُمْ وَيَغْنَمَ أَمْوَالَهُمْ إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ كَمَا أَفْتَى بِهِ شَيْخُ الْإِسْلَامِ فِي نَصَارَى مَلَطْيَةَ وَسَبْيِهِمْ مُسْتَدِلّا بِقِصّةِ أَبِي بَصِيرٍ مَعَ الْمُشْرِكِينَ .
فَصْلٌ فِي الْإِشَارَةِ إلَى بَعْضِ الْحِكَمِ الّتِي تَضَمّنَتْهَا هَذِهِ الْهُدْنَةُ
وَهِيَ أَكْبَرُ وَأَجَلّ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهَا إلّا اللّهُ الّذِي أَحْكَمَ أَسْبَابَهَا فَوَقَعَتْ الْغَايَةُ عَلَى الْوَجْهِ الّذِي اقْتَضَتْهُ حِكْمَتُهُ وَحَمْدُهُ .
[ مُقَدّمَةٌ لِلْفَتْحِ ]
فَمِنْهَا : أَنّهَا كَانَتْ مُقَدّمَةً بَيْنَ يَدَيْ الْفَتْحِ الْأَعْظَمِ الّذِي أَعَزّ اللّهُ بِهِ رَسُولَهُ وَجُنْدَهُ وَدَخَلَ النّاسُ بِهِ فِي دِينِ اللّهِ أَفْوَاجًا فَكَانَتْ هَذِهِ الْهُدْنَةُ بَابًا لَهُ وَمِفْتَاحًا وَمُؤْذِنًا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهَذِهِ عَادَةُ اللّهِ سُبْحَانَهُ فِي الْأُمُورِ الْعِظَامِ الّتِي يَقْضِيهَا قَدَرًا وَشَرْعًا أَنْ يُوَطّئَ لَهَا بَيْنَ يَدَيْهَا مُقَدّمَاتٍ وَتَوْطِئَاتٍ تُؤْذِنُ بِهَا وَتَدُلّ عَلَيْهَا .
[ هِيَ مِنْ أَعْظَمِ الْفُتُوحِ ]
وَمِنْهَا : أَنّ هَذِهِ الْهُدْنَةَ كَانَتْ مِنْ أَعْظَمِ الْفُتُوحِ فَإِنّ النّاسَ أَمِنَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَاخْتَلَطَ الْمُسْلِمُونَ بِالْكُفّارِ وَبَادَءُوهُمْ بِالدّعْوَةِ وَأَسْمَعُوهُمْ الْقُرْآنَ وَنَاظَرُوهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ جَهْرَةً آمِنِينَ وَظَهَرَ مَنْ كَانَ مُخْتَفِيًا بِالْإِسْلَامِ وَدَخَلَ فِيهِ فِي مُدّةَ الْهُدْنَةِ مَنْ شَاءَ اللّهُ أَنْ يَدْخُلَ وَلِهَذَا سَمّاهُ اللّهُ فَتْحًا مُبِينًا . قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : قَضَيْنَا لَك قَضَاءً عَظِيمًا وَقَالَ مُجَاهِدٌ : هُوَ مَا قَضَى اللّهُ لَهُ بِالْحُدَيْبِيَةِ . وَحَقِيقَةُ الْأَمْرِ أَنّ الْفَتْحَ - فِي اللّغَةِ - فَتْحُ الْمُغْلَقِ وَالصّلْحُ الّذِي حَصَلَ مَعَ الْمُشْرِكِينَ بِالْحُدَيْبِيَةِ كَانَ مَسْدُودًا مُغْلَقًا حَتّى فَتَحَهُ اللّهُ وَكَانَ مِنْ أَسْبَابِ فَتْحِهِ صَدّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابِهِ عَنْ الْبَيْتِ وَكَانَ فِي الصّورَةِ الظّاهِرَةِ ضَيْمًا وَهَضْمًا لِلْمُسْلِمِينَ وَفِي الْبَاطِنِ عِزّا وَفَتْحًا وَنَصْرًا وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَنْظُرُ إلَى مَا وَرَاءَهُ مِنْ الْفَتْحِ الْعَظِيمِ وَالْعِزّ وَالنّصْرِ مِنْ وَرَاءِ سِتْرٍ رَقِيقٍ وَكَانَ يُعْطِي الْمُشْرِكِينَ كُلّ [ ص 276 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَعْلَمُ مَا فِي ضِمْنِ هَذَا الْمَكْرُوهِ مِنْ مَحْبُوبٍ { وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ } [ الْبَقَرَةُ 216 ] .
وَرُبّمَا كَانَ مَكْرُوهُ النّفُوسِ إلَى
مَحْبُوبِهَا سَبَبًا مَا مِثْلُهُ سَبَبٌ
فَكَانَ يَدْخُلُ عَلَى تِلْكَ الشّرُوطِ دُخُولَ وَاثِقٍ بِنَصْرِ اللّهِ لَهُ وَتَأْيِيدِهِ وَأَنّ الْعَاقِبَةَ لَهُ وَأَنّ تِلْكَ الشّرُوطَ وَاحْتِمَالَهَا هُوَ عَيْنُ النّصْرَةِ وَهُوَ مِنْ أَكْبَرِ الْجُنْدِ الّذِي أَقَامَهُ الْمُشْتَرِطُونَ وَنَصَبُوهُ لِحَرْبِهِمْ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ فَذَلّوا مِنْ حَيْثُ طَلَبُوا الْعِزّ وَقُهِرُوا مِنْ حَيْثُ أَظْهَرُوا الْقُدْرَةَ وَالْفَخْرَ وَالْغَلَبَةَ وَعَزّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعَسَاكِرُ الْإِسْلَامِ مِنْ حَيْثُ انْكَسَرُوا لِلّهِ وَاحْتَمَلُوا الضّيْمَ لَهُ وَفِيهِ فَدَارَ الدّوْرُ وَانْعَكَسَ الْأَمْرُ وَانْقَلَبَ الْعِزّ بِالْبَاطِلِ ذُلّا بِحَقّ وَانْقَلَبَتْ الْكَسْرَةُ لِلّهِ عِزّا بِاَللّهِ وَظَهَرَتْ حِكْمَةُ اللّهِ وَآيَاتُهُ وَتَصْدِيقُ وَعْدِهِ وَنُصْرَةُ رَسُولِهِ عَلَى أَتَمّ الْوُجُوهِ وَأَكْمَلِهَا الّتِي لَا اقْتِرَاحَ لِلْعُقُولِ وَرَاءَهَا .
[زِيَادَةُ الْإِيمَانِ وَالْإِذْعَانِ ]
وَمِنْهَا : مَا سَبّبَهُ سُبْحَانَهُ لِلْمُؤْمِنِينَ مِنْ زِيَادَةِ الْإِيمَانِ وَالْإِذْعَانِ وَالِانْقِيَادِ عَلَى مَا أَحَبّوا وَكَرِهُوا وَمَا حَصَلَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ مِنْ الرّضَى بِقَضَاءِ اللّهِ وَتَصْدِيقِ مَوْعُودِهِ وَانْتِظَارِ مَا وُعِدُوا بِهِ وَشُهُودِ مِنّةِ اللّهِ وَنِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِالسّكِينَةِ الّتِي أَنْزَلَهَا فِي قُلُوبِهِمْ أَحْوَجَ مَا كَانُوا إلَيْهَا فِي تِلْكَ الْحَالِ الّتِي تُزَعْزَعُ لَهَا الْجِبَالُ فَأَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ سَكِينَتِهِ مَا اطْمَأَنّتْ بِهِ قُلُوبُهُمْ وَقَوِيَتْ بِهِ نُفُوسُهُمْ وَازْدَادُوا بِهِ إيمَانًا . وَمِنْهَا : أَنّهُ سُبْحَانَهُ جَعَلَ هَذَا الْحُكْمَ الّذِي حَكَمَ بِهِ لِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ سَبَبًا لِمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْمَغْفِرَةِ لِرَسُولِهِ مَا تَقَدّمَ مِنْ ذَنْبِهِ وَمَا تَأَخّرَ وَلِإِتْمَامِ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ وَلِهِدَايَتِهِ الصّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ وَنَصْرِهِ النّصْرَ الْعَزِيزَ وَرِضَاهُ بِهِ وَدُخُولِهِ تَحْتَهُ وَانْشِرَاحِ صَدْرِهِ بِهِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الضّيْمِ وَإِعْطَاءِ مَا سَأَلُوهُ كَانَ مِنْ الْأَسْبَابِ الّتِي نَالَ بِهَا الرّسُولُ وَأَصْحَابُهُ ذَلِكَ وَلِهَذَا ذَكَرَهُ اللّهُ سُبْحَانَهُ جَزَاءً وَغَايَةً وَإِنّمَا يَكُونُ ذَلِكَ عَلَى فِعْلٍ قَامَ بِالرّسُولِ وَالْمُؤْمِنِينَ عِنْدَ حُكْمِهِ تَعَالَى وَفَتْحِهِ . وَتَأَمّلْ كَيْفَ وَصَفَ - سُبْحَانَهُ - النّصْرَ بِأَنّهُ عَزِيزٌ فِي هَذَا الْمَوْطِنِ ثُمّ ذَكَرَ [ ص 277 ] أَشَدّ الْقَلَقِ فَهِيَ أَحْوَجَ مَا كَانَتْ إلَى السّكِينَةِ فَازْدَادُوا بِهَا إيمَانًا إلَى إيمَانِهِمْ ثُمّ ذَكَرَ سُبْحَانَهُ بَيْعَتَهُمْ لِرَسُولِهِ وَأَكّدَهَا بِكَوْنِهَا بَيْعَةً لَهُ سُبْحَانَهُ وَأَنّ يَدَهُ تَعَالَى كَانَتْ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ إذْ كَانَتْ يَدُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَذَلِكَ وَهُوَ رَسُولُهُ وَنَبِيّهُ فَالْعَقْدُ مَعَهُ عَقْدٌ مَعَ مُرْسِلِهِ وَبَيْعَتُهُ بَيْعَتُهُ فَمَنْ بَايَعَهُ فَكَأَنّمَا بَايَعَ اللّهَ وَيَدُ اللّهِ فَوْقَ يَدِهِ وَإِذَا كَانَ الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينَ اللّهِ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ صَافَحَهُ وَقَبّلَهُ فَكَأَنّمَا صَافَحَ اللّهَ وَقَبّلَ يَمِينَهُ فَيَدُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ - أَوْلَى بِهَذَا مِنْ الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ ثُمّ أَخْبَرَ أَنّ نَاكِثَ هَذِهِ الْبَيْعَةِ إنّمَا يَعُودُ نَكْثُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَأَنّ لِلْمُوفِي بِهَا أَجْرًا عَظِيمًا فَكُلّ مُؤْمِنٍ فَقَدْ بَايَعَ اللّهَ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ بَيْعَةً عَلَى الْإِسْلَامِ وَحُقُوقِهِ فَنَاكِثٌ وَمُوفٍ . ثُمّ ذَكَرَ حَالَ مَنْ تَخَلّفَ عَنْهُ مِنْ الْأَعْرَابِ وَظَنّهُمْ أَسْوَأَ الظّنّ بِاَللّهِ أَنّهُ يَخْذُلُ رَسُولَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ وَجُنْدَهُ وَيُظْفِرُ بِهِمْ عَدُوّهُمْ فَلَنْ يَنْقَلِبُوا إلَى أَهْلِيهِمْ وَذَلِكَ مِنْ جَهْلِهِمْ بِاَللّهِ وَأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَمَا يَلِيقُ بِهِ وَجَهْلِهِمْ بِرَسُولِهِ وَمَا هُوَ أَهْلٌ أَنْ يُعَامِلَهُ بِهِ رَبّهُ وَمَوْلَاهُ . ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَنْ رِضَاهُ عَنْ الْمُؤْمِنِينَ بِدُخُولِهِمْ تَحْتَ الْبَيْعَةِ لِرَسُولِهِ وَأَنّهُ [ ص 278 ] وَكَمَالِ الِانْقِيَادِ وَالطّاعَةِ وَإِيثَارِ اللّهِ وَرَسُولِهِ عَلَى مَا سِوَاهُ فَأَنْزَلَ اللّهُ السّكِينَةَ وَالطّمَأْنِينَةَ وَالرّضَى فِي قُلُوبِهِمْ وَأَثَابَهُمْ عَلَى الرّضَى بِحُكْمِهِ وَالصّبْرِ لِأَمْرِهِ فَتْحًا قَرِيبًا وَمَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَكَانَ أَوّلُ الْفَتْحِ وَالْمَغَانِمِ فَتْحَ خَيْبَرَ وَمَغَانِمَهَا ثُمّ اسْتَمَرّتْ الْفُتُوحُ وَالْمَغَانِمُ إلَى انْقِضَاءِ الدّهْرِ .
[ مَعْنَى فَعَجّلَ لَكُمْ هَذِهِ ]
وَوَعَدَهُمْ سُبْحَانَهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَهَا وَأَخْبَرَهُمْ أَنّهُ عَجّلَ لَهُمْ هَذِهِ الْغَنِيمَةَ وَفِيهَا قَوْلَانِ . أَحَدُهُمَا : أَنّهُ الصّلْحُ الّذِي جَرَى بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ عَدُوّهِمْ وَالثّانِي : أَنّهَا فَتْحُ خَيْبَرَ وَغَنَائِمُهَا ثُمّ قَالَ { وَكَفّ أَيْدِيَ النّاسِ عَنْكُمْ } [ الْفَتْحُ 20 ] فَقِيلَ أَيْدِيَ أَهْلِ مَكّةَ أَنْ يُقَاتِلُوهُمْ وَقِيلَ أَيْدِيَ الْيَهُودِ حِينَ هَمّوا بِأَنْ يَغْتَالُوا مَنْ بِالْمَدِينَةِ بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَنْ مَعَهُ مِنْ الصّحَابَةِ مِنْهَا . وَقِيلَ هَمّ أَهْلِ خَيْبَرَ وَحُلَفَاؤُهُمْ الّذِينَ أَرَادُوا نَصْرَهُمْ مِنْ أَسَدٍ وَغَطَفَانَ . وَالصّحِيحُ تَنَاوُلُ الْآيَةِ لِلْجَمِيعِ . وَقَوْلُهُ { وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ } قِيلَ هَذِهِ الْفِعْلَةُ الّتِي فَعَلَهَا بِكُمْ وَهِيَ كَفّ أَيْدِي أَعْدَائِكُمْ عَنْكُمْ مَعَ كَثْرَتِهِمْ فَإِنّهُمْ حِينَئِذٍ كَانَ أَهْلُ مَكّةَ وَمَنْ حَوْلَهَا وَأَهْلُ خَيْبَرَ وَمَنْ حَوْلَهَا وَأَسَدٌ وَغَطَفَانُ وَجُمْهُورُ قَبَائِلِ الْعَرَبِ أَعْدَاءً لَهُمْ وَهُمْ بَيْنَهُمْ كَالشّامَةِ فَلَمْ يَصِلُوا إلَيْهِمْ بِسُوءٍ فَمِنْ آيَاتِ اللّهِ سُبْحَانَهُ كَفّ أَيْدِي أَعْدَائِهِمْ عَنْهُمْ فَلَمْ يَصِلُوا إلَيْهِمْ بِسُوءٍ مَعَ كَثْرَتِهِمْ وَشِدّةِ عَدَاوَتِهِمْ وَتَوَلّي حِرَاسَتِهِمْ وَحِفْظِهِمْ فِي مَشْهَدِهِمْ وَمَغِيبِهِمْ وَقِيلَ هِيَ فَتْحُ خَيْبَرَ جَعَلَهَا آيَةً لِعِبَادِهِ الْمُؤْمِنِينَ وَعَلَامَةً عَلَى مَا بَعْدَهَا مِنْ الْفُتُوحِ فَإِنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ وَعَدَهُمْ مَغَانِمَ كَثِيرَةً وَفُتُوحًا عَظِيمَةً فَعَجّلَ لَهُمْ فَتْحَ خَيْبَرَ وَجَعَلَهَا آيَةً لِمَا بَعْدَهَا وَجَزَاءً لِصَبْرِهِمْ وَرِضَاهُمْ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ وَشُكْرَانًا وَلِهَذَا خَصّ بِهَا وَبِغَنَائِمِهَا مَنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَةَ . ثُمّ قَالَ { وَيَهْدِيَكُمْ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا } فَجَمَعَ لَهُمْ إلَى النّصْرَ وَالظّفَرَ وَالْغَنَائِمَ وَالْهِدَايَةَ فَجَعَلَهُمْ مَهْدِيّينَ مَنْصُورِينَ غَانِمِينَ ثُمّ وَعَدَهُمْ مَغَانِمَ كَثِيرَةً وَفُتُوحًا أُخْرَى لَمْ يَكُونُوا ذَلِكَ الْوَقْتَ قَادِرِينَ عَلَيْهَا فَقِيلَ هِيَ مَكّةُ وَقِيلَ هِيَ فَارِسُ وَالرّومُ [ ص 279 ] وَقِيلَ الْفُتُوحُ الّتِي بَعْدَ خَيْبَرَ مِنْ مَشَارِقِ الْأَرْضِ وَمَغَارِبهَا . ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّ الْكُفّارَ لَوْ قَاتَلُوا أَوْلِيَاءَهُ لَوَلّى الْكُفّارُ الْأَدْبَارَ غَيْرَ مَنْصُورِينَ وَأَنّ هَذِهِ سُنّتُهُ فِي عِبَادِهِ قَبْلَهُمْ وَلَا تَبْدِيلَ لِسُنّتِهِ . فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ قَاتَلُوهُمْ يَوْمَ أُحُدٍ وَانْتَصَرُوا عَلَيْهِمْ وَلَمْ يُوَلّوا الْأَدْبَارَ ؟ قِيلَ هَذَا وَعْدٌ مُعَلّقٌ بِشَرْطٍ مَذْكُورٍ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَهُوَ الصّبْرُ وَالتّقْوَى وَفَاتَ هَذَا الشّرْطُ يَوْمَ أُحُدٍ بِفَشَلِهِمْ الْمُنَافِي لِلصّبْرِ وَتَنَازُعِهِمْ وَعِصْيَانِهِمْ الْمُنَافِي لِلتّقْوَى فَصَرَفَهُمْ عَنْ عَدُوّهِمْ وَلَمْ يَحْصُلْ الْوَعْدُ لِانْتِفَاءِ شَرْطِهِ . ثُمّ ذَكَرَ - سُبْحَانَهُ - أَنّهُ هُوَ الّذِي كَفّ أَيْدِيَ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ مِنْ بَعْدِ أَنْ أَظْفَرَ الْمُؤْمِنِينَ بِهِمْ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحِكَمِ الْبَالِغَةِ الّتِي مِنْهَا : أَنّهُ كَانَ فِيهِمْ رِجَالٌ وَنِسَاءٌ قَدْ آمَنُوا وَهُمْ يَكْتُمُونَ إيمَانَهُمْ لَمْ يَعْلَمْ بِهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَلَوْ سَلّطَكُمْ عَلَيْهِمْ لَأَصَبْتُمْ أُولَئِكَ بِمَعَرّةِ الْجَيْشِ وَكَانَ يُصِيبُكُمْ مِنْهُمْ مَعَرّةُ الْعُدْوَانِ وَالْإِيقَاعِ بِمَنْ لَا يَسْتَحِقّ الْإِيقَاعَ بِهِ وَذَكَرَ سُبْحَانَهُ حُصُولَ الْمَعَرّةِ بِهِمْ مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُسْتَضْعَفِينَ الْمُسْتَخْفِينَ بِهِمْ لِأَنّهَا مُوجَبُ الْمَعَرّةِ الْوَاقِعَةِ مِنْهُمْ بِهِمْ وَأَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّهُمْ لَوْ زَايَلُوهُمْ وَتَمَيّزُوا مِنْهُمْ لَعَذّبَ أَعْدَاءَهُ عَذَابًا أَلِيمًا فِي الدّنْيَا إمّا بِالْقَتْلِ وَالْأَسْرِ وَإِمّا بِغَيْرِهِ وَلَكِنْ دَفَعَ عَنْهُمْ هَذَا الْعَذَابَ لِوُجُودِ هَؤُلَاءِ الْمُؤْمِنِينَ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ كَمَا كَانَ يَدْفَعُ عَنْهُمْ عَذَابَ الِاسْتِئْصَالِ وَرَسُولُهُ بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ . ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ عَمّا جَعَلَهُ الْكُفّارُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ حَمِيّةِ الْجَاهِلِيّةِ الّتِي مَصْدَرُهَا الْجَهْلُ وَالظّلْمُ الّتِي لِأَجْلِهَا صَدّوا رَسُولَهُ وَعِبَادَهُ عَنْ بَيْتِهِ وَلَمْ يُقِرّوا بِبِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وَلَمْ يُقِرّوا لِمُحَمّدٍ بِأَنّهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعَ تَحَقّقِهِمْ صِدْقَهُ وَتَيَقّنِهِمْ صِحّةَ رِسَالَتِهِ بِالْبَرَاهِينِ الّتِي شَاهَدُوهَا وَسَمِعُوا بِهَا فِي مُدّةِ عِشْرِينَ سَنَةً وَأَضَافَ هَذَا الْجَعْلَ إلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ بِقَضَائِهِ وَقَدَرِهِ كَمَا يُضَافُ إلَيْهِمْ سَائِرُ أَفْعَالِهِمْ الّتِي هِيَ بِقُدْرَتِهِمْ وَإِرَادَتِهِمْ . ثُمّ أَخْبَرَ - سُبْحَانَهُ - أَنّهُ أَنْزَلَ فِي قَلْبِ رَسُولِهِ وَأَوْلِيَائِهِ مِنْ السّكِينَةِ مَا هُوَ [ ص 280 ] حَمِيّةِ الْجَاهِلِيّةِ فَكَانَتْ السّكِينَةُ حَظّ رَسُولِهِ وَحِزْبِهِ وَحَمِيّةُ الْجَاهِلِيّةِ حَظّ الْمُشْرِكِينَ وَجُنْدِهِمْ ثُمّ أَلْزَمَ عِبَادَهُ الْمُؤْمِنِينَ كَلِمَةَ التّقْوَى وَهِيَ جِنْسٌ يَعُمّ كُلّ كَلِمَةٍ يُتّقَى اللّهُ بِهَا وَأَعْلَى نَوْعِهَا كَلِمَةُ الْإِخْلَاصِ وَقَدْ فُسّرَتْ بِبِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ وَهِيَ الْكَلِمَةُ الّتِي أَبَتْ قُرَيْشٌ أَنْ تَلْتَزِمَهَا فَأَلْزَمَهَا اللّهُ أَوْلِيَاءَهُ وَحِزْبَهُ وَإِنّمَا حَرَمَهَا أَعْدَاءَهُ صِيَانَةً لَهَا عَنْ غَيْرِ كُفْئِهَا وَأَلْزَمَهَا مَنْ هُوَ أَحَقّ بِهَا وَأَهْلُهَا فَوَضَعَهَا فِي مَوْضِعَهَا وَلَمْ يُضَيّعْهَا بِوَضْعِهَا فِي غَيْرِ أَهْلِهَا وَهُوَ الْعَلِيمُ بِمَحَالّ تَخْصِيصِهِ وَمَوَاضِعِهِ . ثُمّ أَخْبَرَ سُبْحَانَهُ أَنّهُ صَدَقَ رَسُولَهُ رُؤْيَاهُ فِي دُخُولِهِمْ الْمَسْجِدَ آمِنِينَ وَأَنّهُ سَيَكُونُ وَلَا بُدّ وَلَكِنْ لَمْ يَكُنْ قَدْ آنَ وَقْتُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْعَامِ وَاَللّهُ سُبْحَانَهُ عَلِمَ مِنْ مَصْلَحَةِ تَأْخِيرِهِ إلَى وَقْتِهِ مَا لَمْ تَعْلَمُوا أَنْتُمْ فَأَنْتُمْ أَحْبَبْتُمْ اسْتِعْجَالَ ذَلِكَ وَالرّبّ تَعَالَى يَعْلَمُ مِنْ مَصْلَحَةِ التّأْخِيرِ وَحِكْمَتِهِ مَا لَمْ تَعْلَمُوهُ فَقَدّمَ بَيْنَ يَدَيْ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا تَوْطِئَةً لَهُ وَتَمْهِيدًا . ثُمّ أَخْبَرَهُمْ بِأَنّهُ هُوَ الّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ فَقَدْ تَكَفّلَ اللّهُ لِهَذَا الْأَمْرِ بِالتّمَامِ وَالْإِظْهَارِ عَلَى جَمِيعِ أَدْيَانِ أَهْلِ الْأَرْضِ فَفِي هَذَا تَقْوِيَةٌ لِقُلُوبِهِمْ وَبِشَارَةٌ لَهُمْ وَتَثْبِيتٌ وَأَنْ يَكُونُوا عَلَى ثِقَةٍ مِنْ هَذَا الْوَعْدِ الّذِي لَا بُدّ أَنْ يُنْجِزَهُ فَلَا تَظُنّوا أَنّ مَا وَقَعَ مِنْ الْإِغْمَاضِ وَالْقَهْرِ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ نُصْرَةً لِعَدُوّهِ وَلَا تَخَلّيًا عَنْ رَسُولِهِ وَدِينِهِ كَيْفَ وَقَدْ أَرْسَلَهُ بِدِينِهِ الْحَقّ وَوَعْدِهِ أَنْ يُظْهِرَهُ عَلَى كُلّ دِينٍ سِوَاهُ . ثُمّ ذَكَرَ - سُبْحَانَهُ - رَسُولَهُ وَحِزْبَهُ الّذِينَ اخْتَارَهُمْ لَهُ وَمَدَحَهُمْ بِأَحْسَنِ الْمَدْحِ وَذَكَرَ صِفَاتِهِمْ فِي التّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ فَكَانَ فِي هَذَا أَعْظَمُ الْبَرَاهِينِ عَلَى صِدْقِ مَنْ جَاءَ بِالتّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَأَنّ هَؤُلَاءِ هُمْ الْمَذْكُورُونَ فِي الْكُتُبِ الْمُتَقَدّمَةِ بِهَذِهِ الصّفَاتِ الْمَشْهُورَةِ فِيهِمْ لَا كَمَا يَقُولُ الْكُفّارُ عَنْهُمْ إنّهُمْ مُتَغَلّبُونَ طَالِبُو مُلْكٍ وَدُنْيَا وَلِهَذَا لَمّا رَآهُمْ نَصَارَى الشّامِ وَشَاهَدُوا هَدْيَهُمْ وَسِيرَتَهُمْ وَعَدْلَهُمْ وَعِلْمَهُمْ وَرَحْمَتَهُمْ وَزُهْدَهُمْ فِي الدّنْيَا وَرَغْبَتَهُمْ فِي الْآخِرَةِ قَالُوا : مَا [ ص 281 ] الْمَسِيحَ بِأَفْضَلَ مِنْ هَؤُلَاءِ وَكَانَ هَؤُلَاءِ النّصَارَى أَعْرَفَ بِالصّحَابَةِ وَفَضْلِهِمْ مِنْ الرّافِضَةِ أَعْدَائِهِمْ وَالرّافِضَهُ تَصِفُهُمْ بِضِدّ مَا وَصَفَهُمْ اللّهُ بِهِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَغَيْرِهَا و : { مَنْ يَهْدِ اللّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيّا مُرْشِدًا } [ الْكَهْفُ 17 ] .
فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : وَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ مَكَثَ بِهَا عِشْرِينَ لَيْلَةً أَوْ قَرِيبًا مِنْهَا ثُمّ خَرَجَ غَازِيًا إلَى خَيْبَرَ وَكَانَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ وَعَدَهُ إيّاهَا وَهُوَ بِالْحُدَيْبِيَةِ . وَقَالَ مَالِكٌ : كَانَ فَتْحُ خَيْبَرَ فِي السّنَةِ السّادِسَةِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنّهَا فِي السّابِعَةِ . وَقَطَعَ أَبُو مُحَمّدِ بْنُ حَزْمٍ : بِأَنّهَا كَانَتْ فِي السّادِسَةِ بِلَا شَكّ وَلَعَلّ الْخِلَافَ مَبْنِيّ عَلَى أَوّلِ التّارِيخِ هَلْ هُوَ شَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوّلِ شَهْرُ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ أَوْ مِنْ الْمُحَرّمِ فِي أَوّلِ السّنَةِ ؟ وَلِلنّاسِ فِي هَذَا طَرِيقَانِ . فَالْجُمْهُورُ عَلَى أَنّ التّارِيخَ وَقَعَ مِنْ الْمُحَرّمِ وَأَبُو مُحَمّدِ بْنُ حَزْمٍ : يَرَى أَنّهُ مِنْ شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوّلِ حِينَ قَدِمَ وَكَانَ أَوّلُ مَنْ أَرّخَ بِالْهِجْرَةِ يَعْلَى بْنُ أُمَيّةَ بِالْيَمَنِ كَمَا رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَقِيلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ سَنَةَ سِتّ عَشْرَةٍ مِنْ الْهِجْرَةِ . وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : حَدّثَنِي الزّهْرِيّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الْحَكَمِ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ أَنّهُمَا حَدّثَاهُ جَمِيعًا قَالَا : انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ فَنَزَلَتْ عَلَيْهِ سُورَةُ الْفَتْحِ فِيمَا بَيْنَ مَكّةَ وَالْمَدِينَةِ فَأَعْطَاهُ اللّهُ عَزّ وَجَلّ فِيهَا خَيْبَرَ { وَعَدَكُمُ اللّهُ مَغَانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَهَا فَعَجّلَ لَكُمْ هَذِهِ } [ الْفَتْحُ 20 ] خَيْبَرُ فَقَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ فِي ذِي الْحِجّةِ فَأَقَامَ بِهَا [ ص 282 ] سَارَ إلَى خَيْبَرَ فِي الْمُحَرّمِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالرّجِيعِ وَادٍ بَيْنَ خَيْبَرَ وَغَطَفَانَ فَتَخَوّفَ أَنْ تَمُدّهُمْ غَطَفَانُ فَبَاتَ بِهِ حَتَى أَصْبَحَ فَغَدَا إلَيْهِمْ انْتَهَى
[ قُدُومُ أَبِي هُرَيْرَةَ ]
وَاسْتَخْلَفَ عَلَى الْمَدِينَةِ سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَة َ وَقَدِمَ أَبُو هُرَيْرَةَ حِينَئِذٍ الْمَدِينَةَ فَوَافَى سِبَاعَ بْنَ عُرْفُطَةَ فِي صَلَاةِ الصّبْحِ فَسَمِعَهُ يَقْرَأُ فِي الرّكْعَةِ الْأُولَى - كهيعص وَفِي الثّانِيَةِ وَيْلٌ لِلْمُطَفّفِينَ فَقَالَ فِي نَفْسِهِ وَيْلٌ لِأَبِي فُلَانٍ لَهُ مِكْيَالَانِ إذَا اكْتَالَ اكْتَالَ بِالْوَافِي وَإِذَا كَالَ كَالَ بِالنّاقِصِ فَلَمّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ أَتَى سِبَاعًا فَزَوّدَهُ حَتّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَلّمَ الْمُسْلِمِينَ فَأَشْرَكُوهُ وَأَصْحَابَهُ فِي سُهْمَانِهِمْ .
[ قِصّةُ عَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ ]
وَقَالَ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ : " خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى خَيْبَرَ فَسِرْنَا لَيْلًا فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ لِعَامِرِ بْنِ الْأَكْوَعِ : أَلَا تُسْمِعُنَا مِنْ هُنَيْهَاتِكَ وَكَانَ عَامِرٌ رَجُلًا شَاعِرًا ؟ فَنَزَلَ يَحْدُو بِالْقَوْمِ يَقُولُ
اللّهُمّ لَوْلَا أَنْتَ مَا اهْتَدَيْنَا
وَلَا تَصَدّقْنَا وَلَا صَلّيْنَا
فَاغْفِرْ فِدَاءً لَكَ مَا اقْتَفَيْنَا
وَثَبّتْ الْأَقْدَامَ إنْ لَاقَيْنَا
وَأَنْزِلَنْ سَكِينَةً عَلَيْنَا
إنّا إذَا صِيحَ بِنَا أَتَيْنَا
صّيَاحِ عَوّلُوا عَلَيْنَا
وَبِالوَإِنْ أَرَادُوا فِتْنَةً أَبَيْنَا
فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ هَذَا السّائِقُ " ؟ قَالُوا : عَامِرٌ . فَقَالَ " رَحِمَهُ اللّهُ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : وَجَبَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ لَوْلَا أَمْتَعَتْنَا بِهِ . قَالَ فَأَتَيْنَا خَيْبَرَ فَحَاصَرْنَاهُمْ حَتّى أَصَابَتْنَا مَخْمَصَةٌ شَدِيدَةٌ ثُمّ إنّ اللّهَ تَعَالَى فَتَحَ عَلَيْهِمْ فَلَمّا أَمْسَوْا أَوْقَدُوا نِيرَانًا كَثِيرَةً فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 283 ] مَا هَذِهِ النّيرَانُ عَلَى أَيّ شَيْءٍ تُوقِدُونَ ؟ " قَالُوا : عَلَى لَحْمٍ . قَالَ " عَلَى أَيّ لَحْمٍ ؟ قَالُوا : عَلَى لَحْمِ حُمْرٍ إنْسِيّةٍ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " أَهْرِيقُوهَا وَاكْسِرُوهَا " فَقَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللّهِ أَوَنُهْرِيقُهَا وَنَغْسِلُهَا ؟ فَقَالَ " أَوْ ذَاكَ فَلَمّا تَصَافّ الْقَوْمُ خَرَجَ مَرْحَبٌ يَخْطُرُ بِسَيْفِهِ وَهُوَ يَقُولُ
قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنّي مَرْحَب ُ
شَاكِي السّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرّبُ
إذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهّبُ
فَنَزَلَ إلَيْهِ عَامِرٌ وَهُوَ يَقُولُ قَدْ عَلِمَتْ خَيْبَرُ أَنّي عَامِر ُ شَاكِي السّلَاحِ بَطَلٌ مُغَامِرُ
فَاخْتَلَفَا ضَرْبَتَيْنِ فَوَقَعَ سَيْفُ مَرْحَبٍ فِي تُرْسِ عَامِرٍ فَذَهَبَ عَامِرٌ يَسْفُلُ لَهُ وَكَانَ سَيْفُ عَامِرٍ فِيهِ قِصَرٌ فَرَجَعَ عَلَيْهِ ذُبَابُ سَيْفِهِ فَأَصَابَ عَيْنَ رُكْبَتِهِ فَمَاتَ مِنْهُ فَقَالَ سَلَمَةُ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ زَعَمُوا أَنّ عَامِرًا حَبِطَ عَمَلُهُ فَقَالَ كَذَبَ مَنْ قَالَهُ إنّ لَهُ أَجْرَيْنِ وَجَمَعَ بَيْنَ أُصْبُعَيْهِ إنّهُ لَجَاهِدٌ مُجَاهِدٌ قَلّ عَرَبِيّ مَشَى بِهَا مِثْلَهُ " .
فَصْلٌ [ الْقُدُومُ إلَى خَيْبَرَ ]
وَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَيْبَرَ صَلّى بِهَا الصّبْحَ وَرَكِبَ الْمُسْلِمُونَ فَخَرَجَ أَهْلُ خَيْبَرَ بِمَسَاحِيهِمْ وَمَكَاتِلِهِمْ وَلَا يَشْعُرُونَ بَلْ خَرَجُوا لِأَرْضِهِمْ فَلَمّا رَأَوْا الْجَيْشَ قَالُوا : مُحَمّدٌ وَاَللّهِ مُحَمّدٌ وَالْخَمِيسُ ثُمّ رَجَعُوا هَارِبِينَ إلَى حُصُونِهِمْ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اللّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ اللّهُ أَكْبَرُ خَرِبَتْ خَيْبَرُ إنّا إذَا نَزَلْنَا بِسَاحَةِ قَوْمٍ فَسَاءَ صَبَاحُ الْمُنْذَرِينَ [ ص 284 ] وَلَمّا دَنَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَشْرَفَ عَلَيْهَا قَالَ " قِفُوا " فَوَقَفَ الْجَيْشُ فَقَالَ اللّهُمّ رَبّ السّمَاوَاتِ السّبْعِ وَمَا أَظْلَلْنَ وَرَبّ الْأَرَضِينَ السّبْعِ وَمَا أَقْلَلْنَ وَرَبّ الشّيَاطِينِ وَمَا أَضْلَلْنَ فَإِنّا نَسْأَلُكَ خَيْرَ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَخَيْرَ أَهْلِهَا وَخَيْرَ مَا فِيهَا وَنَعُوذُ بِكَ مِنْ شَرّ هَذِهِ الْقَرْيَةِ وَشَرّ أَهْلِهَا وَشَرّ مَا فِيهَا أَقْدِمُوا بِسْمِ اللّهِ
[ إعْطَاءُ الرّايَةِ لِعَلِيّ ]
وَلَمّا كَانَتْ لَيْلَةُ الدّخُولِ قَالَ لَأُعْطِيَنّ هِذّ الرّايَةَ غَدًا رَجُلًا يُحِبّ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيُحِبّهُ اللّهُ وَرَسُولُهُ يَفْتَحُ اللّهُ عَلَى يَدَيْهِ فَبَاتَ النّاسُ يَدُوكُونَ أَيّهُمْ يُعْطَاهَا فَلَمّا أَصْبَحَ النّاسُ غَدَوْا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كُلّهُمْ يَرْجُو أَنْ يُعْطَاهَا فَقَالَ أَيْنَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ؟ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ هُوَ يَشْتَكِي عَيْنَيْهِ قَالَ فَأَرْسِلُوا إلَيْهِ فَأُتِيَ بَهْ فَبَصَقَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عَيْنَيْهِ وَدَعَا لَهُ فَبَرَأَ حَتّى كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ وَجَعٌ فَأَعْطَاهُ الرّايَةَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أُقَاتِلُهُمْ حَتّى يَكُونُوا مِثْلَنَا ؟ قَالَ اُنْفُذْ عَلَى رِسْلِكَ حَتّى تَنْزِلَ بِسَاحَتِهِمْ ثُمّ اُدْعُهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبِرْهُمْ بِمَا يَجِبُ عَلَيْهِمْ مِنْ حَقّ اللّهِ فِيهِ فَوَاَللّهِ لَأَنْ يَهْدِيَ اللّهُ بِكَ رَجُلًا وَاحِدًا خَيْرٌ مِنْ أَنْ يَكُونَ لَكَ حُمْرُ النّعَمِ [ ص 285 ]
[ مَنْ قَتَلَ مَرْحَبًا الْيَهُودِيّ ]
فَخَرَجَ مَرْحَبٌ وَهُوَ يَقُولُ
أَنَا الّذِي سَمّتْنِي أُمّي مَرْحَبُ
شَاكِي السّلَاحِ بَطَلٌ مُجَرّبُ
إذَا الْحُرُوبُ أَقْبَلَتْ تَلَهّبُ
فَبَرَزَ إلَيْهِ عَلِيّ وَهُوَ يَقُولُ أَنَا الّذِي سَمّتْنِي أُمّي حَيْدَرَهْ كَلَيْثِ غَابَاتٍ كَرِيهِ الْمَنْظَرَهْ
أُوفِيهِمُ بِالصّاعِ كَيْلَ السّنْدَرَهْ
فَضَرَبَ مَرْحَبًا فَفَلَقَ هَامَتَهُ وَكَانَ الْفَتْحُ . وَلَمّا دَنَا عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ مِنْ حُصُونِهِمْ اطّلَعَ يَهُودِيّ مِنْ رَأْسِ الْحِصْنِ فَقَالَ مَنْ أَنْتَ ؟ فَقَالَ أَنَا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ . فَقَالَ الْيَهُودِيّ عَلَوْتُمْ وَمَا أُنْزِلَ عَلَى مُوسَى . هَكَذَا فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَنّ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ هُوَ الّذِي قَتَلَ مَرْحَبًا [ ص 286 ] وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : عَنْ الزّهْرِيّ وَأَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ عُرْوَةَ . وَيُونُسَ بْنِ بُكَيْرٍ عَنْ ابْنِ إسْحَاقَ : حَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ سَهْلٍ أَحَدِ بَنِي حَارِثَة َ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ أَنّ مُحَمّدَ بْنَ مَسْلَمَة َ هُوَ الّذِي قَتَلَهُ قَالَ جَابِرٌ فِي حَدِيثِهِ خَرَجَ مَرْحَبٌ الْيَهُودِيّ مِنْ حِصْنِ خَيْبَرَ قَدْ جَمَعَ سِلَاحَهُ وَهُوَ يَرْتَجِزُ وَيَقُولُ مَنْ يُبَارِزُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ لِهَذَا ؟ فَقَالَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : أَنَا لَهُ يَا رَسُولَ اللّهِ أَنَا وَاَللّهِ الْمَوْتُورُ الثّائِرُ قَتَلُوا أَخِي بِالْأَمْسِ يَعْنِي مَحْمُودَ بْنَ مَسْلَمَةَ وَكَانَ قُتِلَ بِخَيْبَرَ فَقَالَ قُمْ إلَيْهِ اللّهُمّ أَعِنْهُ عَلَيْهِ فَلَمّا دَنَا أَحَدُهُمَا مِنْ صَاحِبِهِ دَخَلَتْ بَيْنَهُمَا شَجَرَةٌ فَجَعَلَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَلُوذُ بِهَا مِنْ صَاحِبِهِ كُلّمَا لَاذَ بِهَا مِنْهُ اقْتَطَعَ صَاحِبُهُ بِسَيْفِهِ مَا دُونَهُ مِنْهَا حَتّى بَرَزَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِصَاحِبِهِ وَصَارَتْ بَيْنَهُمَا كَالرّجُلِ الْقَائِمِ مَا فِيهَا فَنَنٌ ثُمّ حَمَلَ عَلَى مُحَمّدٍ فَضَرَبَهُ فَاتّقَاهُ بِالدّرَقَةِ فَوَقَعَ سَيْفُهُ فِيهَا فَعَضّتْ بَهْ فَأَمْسَكَتْهُ وَضَرَبَهُ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ فَقَتَلَهُ وَكَذَلِكَ قَالَ سَلَمَةُ بْنُ سَلّامَةَ ومجمع بْنُ حَارِثَةَ : إنّ مُحَمّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ قَتَلَ مَرْحَبًا . قَالَ الْوَاقِدِيّ : وَقِيلَ إن ّ مُحَمّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ ضَرَبَ سَاقَيْ مَرْحَبٍ فَقَطَعَهُمَا فَقَالَ مَرْحَبٌ : أَجْهِزْ عَلَيّ يَا مُحَمّدُ فَقَالَ مُحَمّدٌ : ذُقْ الْمَوْتَ كَمَا ذَاقَهُ أَخِي مَحْمُودٌ وَجَاوَزَهُ وَمَرّ بِهِ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ وَأَخَذَ سَلَبَهُ فَاخْتَصَمَا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي سَلَبِهِ فَقَالَ مُحَمّدُ بْنُ مَسْلَمَة َ : يَا رَسُولَ اللّهِ مَا قَطَعْتُ رِجْلَيْهِ ثُمّ تَرَكْتُهُ إلّا لِيَذُوقَ الْمَوْتَ وَكُنْت قَادِرًا أَنْ أُجْهِزَ عَلَيْهِ فَقَالَ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ صَدَقَ ضَرَبْتُ عُنُقَهُ بَعْدَ أَنْ قَطَعَ رِجْلَيْهِ فَأَعْطَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُحَمّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ سَيْفَهُ وَرُمْحَهُ وَمِغْفَرَهُ وَبَيْضَتَهُ وَكَانَ عِنْدَ آلِ مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ سَيْفُهُ فِيهِ كِتَابٌ لَا يُدْرَى مَا فِيهِ حَتّى قَرَأَهُ يَهُودِيّ فَإِذَا فِيهِ
هَذَا سَيْفُ مَرْحَبْ
مَنْ يَذُقْهُ يَعْطَبْ
[قَتْل الزّبَيْرِ أَخَا مَرْحَبٍ ]
[ ص 287 ] خَرَجَ [ بَعْدَ مَرْحَبٍ أَخُوهُ ] يَاسِرُ فَبَرَزَ إلَيْهِ الزّبَيْرُ فَقَالَت صَفِيّةُ أُمّهُ يَا رَسُولَ اللّهِ يَقْتُلُ ابْنِي ؟ قَالَ " بَلْ ابْنُكِ يَقْتُلُهُ إنْ شَاءَ اللّهُ " فَقَتَلَهُ الزّبَيْرُ .
[ حِصَارُ حِصْنِ الْقَمُوصِ وَفِيهِ النّهْيُ عَنْ أَكْلِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ ]
[ قِصّةُ الْعَبْدِ الّذِي أَسْلَمَ ثُمّ اُسْتُشْهِدَ وَلَمْ يُصَلّ سَجْدَةً قَطّ ]
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : ثُمّ دَخَلَ الْيَهُودُ حِصْنًا لَهُمْ مَنِيعًا يُقَالُ لَهُ الْقَمُوصُ فَحَاصَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَرِيبًا مِنْ عِشْرِينَ لَيْلَةً وَكَانَتْ أَرْضًا وَخْمَةً شَدِيدَةَ الْحَرّ فَجَهِدَ الْمُسْلِمُونَ جَهْدًا شَدِيدًا فَذَبَحُوا الْحُمُرَ فَنَهَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ أَكْلِهَا وَجَاءَ عَبْدٌ أَسْوَدُ حَبَشِيّ مِنْ أَهْلِ خيبر كان فِي غَنَمٍ لِسَيّدِهِ فَلَمّا رَأَى أَهْلَ خَيْبَرَ قَدْ أَخَذُوا السّلَاحَ سَأَلَهُمْ مَا تُرِيدُونَ ؟ قَالُوا : نُقَاتِلُ هَذَا الّذِي يَزْعُمُ أَنّهُ نَبِيّ فَوَقَعَ فِي نَفْسِهِ ذِكْرُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأ َقْبَلَ بِغَنَمِهِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ مَاذَا تَقُولُ وَمَا تَدْعُو إلَيْهِ ؟ قَالَ أَدْعُو إلَى الْإِسْلَامِ وَأَنْ تَشْهَدَ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَأَنّي رَسُولُ اللّهِ وَأَنْ لَا تَعْبُدَ إلّا اللّهَ . قَالَ الْعَبْدُ فَمَا لِي إنْ شَهِدْتُ وَآمَنْتُ بِاَللّهِ عَزّ وَجَلّ ؟ قَالَ لَكَ الْجَنّةُ إنْ مِتّ عَلَى ذَلِكَ فَأَسْلَمَ ثُمّ قَالَ يَا نَبِيّ اللّهِ إنّ هَذِهِ الْغَنَمَ عِنْدِي أَمَانَةٌ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَخْرِجْهَا مِنْ عِنْدِكَ وَارْمِهَا بِالْحَصْبَاءِ فَإِنّ اللّهَ سَيُؤَدّي عَنْكَ أَمَانَتَكَ فَفَعَلَ فَرَجَعَتْ الْغَنَمُ إلَى سَيّدِهَا فَعَلِمَ الْيَهُودِيّ أَنّ غُلَامَهُ قَدْ أَسْلَم فَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي النّاسِ فَوَعَظَهُمْ وَحَضّهُمْ عَلَى الْجِهَادِ فَلَمّا الْتَقَى الْمُسْلِمُونَ وَالْيَهُودُ قُتِلَ فِيمَنْ قُتِلَ الْعَبْدُ الْأَسْوَدُ فَاحْتَمَلَهُ الْمُسْلِمُونَ إلَى مُعَسْكَرِهِمْ فَأُدْخِلَ فِي الْفُسْطَاطِ فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اطّلَعَ فِي الْفُسْطَاطِ ثُمّ أَقْبَلَ عَلَى أَصْحَابِهِ وَقَالَ لَقَدْ أَكْرَمَ اللّهُ هَذَا الْعَبْدَ وَسَاقَهُ إلَى خَيْرٍ وَلَقَدْ رَأَيْتُ عِنْدَ رَأْسِهِ اثْنَتَيْنِ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ وَلَمْ يُصَلّ لِلّهِ سَجْدَةً قَطّ
[ قِصّةُ اسْتِشْهَادِ رَجُلٍ ]
قَالَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ : عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَنَسٍ أ َتَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَجُلٌ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي رَجُلٌ أَسْوَدُ اللّوْنِ قَبِيحُ الْوَجْهِ مُنْتِنُ الرّيحِ لَا مَالَ لِي فَإِنْ قَاتَلْتُ هَؤُلَاءِ حَتّى أُقْتَلَ أَأَدْخُلُ الْجَنّةَ ؟ قَالَ نَعَمْ فَتَقَدّمَ فَقَاتَلَ حَتّى قتل فأتى عَلَيْهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ مَقْتُولٌ فَقَالَ لَقَدْ أَحْسَنَ اللّهُ وَجْهَك وَطَيّبَ ريحك وكثر مَالَكَ ثُمّ قَالَ لَقَدْ رَأَيْتُ زَوْجَتَيْهِ مِنْ الْحُورِ الْعِينِ يَنْزِعَانِ جُبّتَهُ عَنْهُ يَدْخُلَانِ فِيمَا بَيْنَ جِلْدِهِ وَجُبّتِهِ [ ص 288 ]
[ قِصّةُ أَعْرَابِيّ اُسْتُشْهِدَ ]
وَقَالَ شَدّادُ بْنُ الْهَادِ : جَاءَ رَجُلٌ مِنْ الأعراب إلى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَآمَنَ بِهِ وَاتّبَعَهُ فَقَالَ أُهَاجِرُ مَعَك فَأَوْصَى بِهِ بَعْضَ أَصْحَابِهِ فَلَمّا كَانَتْ غَزْوَةُ خَيْبَرَ غَنِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَيْئًا فَقَسَمَهُ وَقَسَمَ لِلْأَعْرَابِيّ فَأَعْطَى أَصْحَابَهُ مَا قَسَمَهُ لَهُ وَكَانَ يَرْعَى ظَهْرَهُمْ فَلَمّا جَاءَ دَفَعُوهُ إلَيْهِ فَقَالَ مَا هَذَا ؟ قَالُوا : قَسْمٌ قَسَمَهُ لَكَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخَذَهُ فَجَاءَ بِهِ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ مَا هَذَا يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ قَالَ قَسْمٌ قَسَمْتُهُ لَكَ قَالَ مَا عَلَى هَذَا اتّبَعْتُك وَلَكِنْ اتّبَعْتُك عَلَى أَنْ أُرْمَى هَا هُنَا وَأَشَارَ إلَى حَلْقِهِ بِسَهْمٍ فَأَمُوتَ فَأَدْخُلَ الْجَنّةَ فَقَالَ إنْ تَصْدُقْ اللّهَ يَصْدُقْكَ ثُمّ نَهَضَ إلَى قِتَالِ الْعَدُوّ فَأُتِيَ بِهِ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ مَقْتُولٌ فَقَالَ أَهْوَ هُوَ ؟ قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ صَدَقَ اللّهَ فَصَدَقَهُ فَكَفّنَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي جُبّتِهِ ثُمّ قَدّمَهُ فَصَلّى عَلَيْهِ وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ لَهُ اللّهُمّ هَذَا عَبْدُكَ خَرَجَ مُهَاجِرًا فِي سَبِيلِك قُتِلَ شَهِيدًا وَأَنَا عَلَيْهِ شَهِيدٌ
[ فَتْحُ قَلْعَةِ الزّبَيْرِ ]
[ الصّلْحُ مَعَ مَنْ كَانَ فِي حِصْنِ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ
ثُمّ نَكْثُهُمْ الْعَهْدَ بِتَغْيِيبِ مَسْكِ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ ]
قَالَ الْوَاقِدِيّ [ ص 289 ] وَتَحَوّلَتْ الْيَهُودُ إلَى قَلْعَةِ الزّبَيْرِ : حِصْنٍ مَنِيعٍ فِي رَأْسِ قُلّةٍ فَأَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثَلَاثَةَ أَيّامٍ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ الْيَهُودِ يُقَالُ لَهُ عزال فَقَالَ يَا أَبَا الْقَاسِمِ إنّك لَوْ أَقَمْتَ شَهْرًا مَا بَالَوْا إنّ لَهُمْ شَرَابًا وَعُيُونًا تَحْتَ الْأَرْضِ يَخْرُجُونَ بِاللّيْلِ فَيَشْرَبُونَ مِنْهَا ثُمّ يَرْجِعُونَ إلَى قَلْعَتِهِمْ فَيَمْتَنِعُونَ مِنْك فَإِنْ قَطَعْت مَشْرَبَهُمْ عَلَيْهِمْ أَصْحَرُوا لَك فَسَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى مَائِهِمْ فَقَطَعَهُ عَلَيْهِمْ فَلَمّا قُطِعَ عَلَيْهِمْ خَرَجُوا فَقَاتَلُوا أَشَدّ الْقِتَالِ وَقُتِلَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ نَفَرٌ وَأُصِيبَ نَحْوُ الْعَشَرَةِ مِنْ الْيَهُودِ وَافْتَتَحَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ تَحَوّلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى أَهْلِ الْكُتَيْبَةِ وَالْوَطِيحِ وَالسّلَالِمِ حِصْنِ ابْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ فَتَحَصّنَ أَهْلُهُ أَشَدّ التّحَصّنِ وَجَاءَهُمْ كُلّ فَلّ كَانَ انْهَزَمَ مِنْ النّطَاةِ وَالشّقّ فَإِنّ خَيْبَرَ كَانَتْ جَانِبَيْنِ الْأَوّلُ الشّقّ وَالنّطَاةُ وَهُوَ الّذِي افْتَتَحَهُ أَوّلًا وَالْجَانِبُ الثّانِي : الْكُتَيْبَةُ وَالْوَطِيحُ وَالسّلَالِمُ فَجَعَلُوا لَا يَخْرُجُونَ مِنْ حُصُونِهِمْ حَتّى هَمّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَنْصِبَ عَلَيْهِمْ الْمَنْجَنِيقَ فَلَمّا أَيْقَنُوا بِالْهَلَكَةِ وَقَدْ حَصَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ يَوْمًا سَأَلُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الصّلْحَ وَأَرْسَلَ ابْنُ أَبِي الْحُقَيْقِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ انْزِلْ فَأُكَلّمَك ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " نَعَمْ " فَنَزَلَ ابْنُ أَبِي الحقيق فصالح رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى حَقْنِ دِمَاءِ مَنْ فِي حُصُونِهِمْ مِنْ الْمُقَاتِلَةِ وَتَرْكِ الذّرّيّةِ لَهُمْ وَيَخْرُجُونَ مِنْ خَيْبَرَ وَأَرْضِهَا بِذَرَارِيّهِمْ وَيُخَلّونَ بَيْنَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبَيْنَ مَا كَانَ لَهُمْ مِنْ مَالٍ وَأَرْضٍ وَعَلَى الصّفْرَاءِ وَالْبَيْضَاءِ وَالْكُرَاعِ وَالْحَلْقَةِ إلّا ثَوْبًا عَلَى ظَهْرِ إنْسَانٍ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " وَبَرِئَتْ مِنْكُمْ ذِمّةُ اللّهِ وَذِمّةُ رسوله إن كَتَمْتُمُونِي شَيْئًا " فَصَالَحُوهُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ : أَنْبَأَنَا عُبَيْدُ اللّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ [ ص 290 ] أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَاتَلَ أَهْلَ خَيْبَرَ حَتّى أَلْجَأَهُمْ إلَى قَصْرِهِمْ فَغَلَبَ عَلَى الزّرْعِ وَالنّخْلِ وَالْأَرْضِ فَصَالَحُوهُ عَلَى أَنْ يُجْلُوا مِنْهَا وَلَهُمْ مَا حَمَلَتْ رِكَابُهُمْ وَلِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الصّفْرَاءُ وَالْبَيْضَاءُ وَاشْتَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يَكْتُمُوا وَلَا يُغَيّبُوا شَيْئًا فَإِنْ فَعَلُوا فَلَا ذِمّةَ لَهُمْ وَلَا عَهْدَ فَغَيّبُوا مَسْكًا فِيهِ مَالٌ وَحُلِيّ لِحُيَيّ بْنِ أَخْطَب َ كَانَ احْتَمَلَهُ مَعَهُ إلَى خَيْبَرَ حِينَ أُجْلِيَتْ النّضِيرُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِعَمّ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ : مَا فَعَلَ مَسْكُ حُيَيّ الّذِي جَاءَ بِهِ مِنْ النّضِيرِ؟ . قَالَ أَذْهَبَتْهُ النّفَقَاتُ وَالْحُرُوبُ فَقَالَ الْعَهْدُ قَرِيبٌ وَالْمَالُ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ " فَدَفَعَهُ رَسُولُ اللّهِ إلَى الزّبَيْرِ فَمَسّهُ بِعَذَابٍ وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ دَخَلَ خَرِبَةً فَقَالَ " قَدْ رَأَيْتُ حُيَيّا يَطُوفُ فِي خَرِبَةٍ هَا هُنَا فَذَهَبُوا فَطَافُوا فَوَجَدُوا الْمَسْكَ فِي الْخَرِبَةِ فَقَتَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ابْنَيْ أَبِي الْحُقَيْقِ وَأَحَدُهُمَا زَوْجُ صَفِيّةَ بِنْتِ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ وَسَبَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيّهُمْ وَقَسَمَ أَمْوَالَهُمْ بِالنّكْثِ الّذِي نَكَثُوا وَأَرَادَ أَنْ يُجْلِيَهُمْ مِنْهَا فَقَالُوا : يَا مُحَمّدُ دَعْنَا نَكُونُ فِي هَذِهِ الْأَرْضِ نُصْلِحُهَا وَنَقُومُ عَلَيْهَا فَنَحْنُ أَعْلَمُ بِهَا مِنْكُمْ وَلَمْ يَكُنْ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا لِأَصْحَابِهِ غِلْمَانٌ يَقُومُونَ عَلَيْهَا وَكَانُوا لَا يَفْرُغُونَ يَقُومُونَ عَلَيْهَا فَأَعْطَاهُمْ خيبر على أَنّ لَهُمْ الشّطْرَ مِنْ كُلّ زَرْعٍ وَكُلّ ثَمَرٍ مَا بَدَا لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُقِرّهُمْ . وَكَانَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ كَمَا تَقَدّمَ . وَلَمْ يَقْتُلْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعْدَ الصّلْحِ إلّا ابْنَيْ أَبِي الْحُقَيْقِ لِلنّكْثِ الّذِي نَكَثُوا فَإِنّهُمْ شَرَطُوا إنْ غَيّبُوا أَوْ كَتَمُوا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمّةُ اللّهِ وَذِمّةُ رَسُولِهِ فَغَيّبُوا فَقَالَ لَهُمْ أَيْنَ الْمَالُ الّذِي خَرَجْتُمْ بِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ حِينَ أَجْلَيْنَاكُمْ ؟ قَالُوا : ذَهَبَ فَحَلَفُوا عَلَى ذَلِكَ فَاعْتَرَفَ ابْنُ عَمّ كِنَانَةَ عَلَيْهِمَا بِالْمَالِ حِينَ دَفَعَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الزّبَيْرِ يُعَذّبُهُ فَدَفَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كِنَانَةَ إلَى مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَقَتَلَهُ وَيُقَالُ إنّ كِنَانَةَ هُوَ كَانَ قَتَلَ أَخَاهُ مَحْمُودَ بْنَ مَسْلَمَةَ خَيْبَرَ عَلَى أَنّ لَهُمْ الشّطْرَ مِنْ كُلّ زَرْعٍ وَكُلّ ثَمَرٍ مَا بَدَا لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُقِرّهُمْ [ ص 290 ] وَكَانَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ يَخْرُصُهُ عَلَيْهِمْ كَمَا تَقَدّمَ . وَلَمْ يَقْتُلْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعْدَ الصّلْحِ إلّا ابْنَيْ أَبِي الْحُقَيْقِ لِلنّكْثِ الّذِي نَكَثُوا فَإِنّهُمْ شَرَطُوا إنْ غَيّبُوا أَوْ كَتَمُوا فَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُمْ ذِمّةُ اللّهِ وَذِمّةُ رَسُولِهِ فَغَيّبُوا فَقَالَ لَهُمْ أَيْنَ الْمَالُ الّذِي خَرَجْتُمْ بِهِ مِنْ الْمَدِينَةِ حِينَ أَجْلَيْنَاكُمْ ؟ قَالُوا : ذَهَبَ فَحَلَفُوا عَلَى ذَلِكَ فَاعْتَرَفَ ابْنُ عَمّ كِنَانَةَ عَلَيْهِمَا بِالْمَالِ حِينَ دَفَعَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الزّبَيْرِ يُعَذّبُهُ فَدَفَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كِنَانَةَ إلَى مُحَمّدِ بْنِ مَسْلَمَةَ فَقَتَلَهُ وَيُقَالُ إنّ كِنَانَةَ هُوَ كَانَ قَتَلَ أَخَاهُ مَحْمُودَ بْنَ مَسْلَمَةَ .
[ زَوَاجُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِصَفِيّةَ ]
وَسَبَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَفِيّةَ بِنْتَ حُيَيّ بْنِ أَخْطَبَ وَابْنَةَ عَمّتِهَا وَكَانَتْ صَفِيّةُ تَحْتَ كِنَانَةَ بْنِ أَبِي الْحُقَيْقِ وَكَانَتْ عَرُوسًا حَدِيثَةَ عَهْدٍ بِالدّخُولِ فَأَمَرَ بِلَالًا أَنْ يَذْهَبَ بِهَا إلَى رَحْلِهِ فَمَرّ بِهَا بِلَالٌ وَسْطَ الْقَتْلَى فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ أَذَهَبَتْ الرّحْمَةُ مِنْكَ يَا بَلَالُ وَعَرَضَ عَلَيْهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْإِسْلَامَ فَأَسْلَمَتْ فَاصْطَفَاهَا لِنَفْسِهِ وَأَعْتَقَهَا وَجَعَلَ عِتْقَهَا صَدَاقَهَا وَبَنَى بِهَا فِي الطّرِيقِ وَأَوْلَمَ عَلَيْهَا وَرَأَى بِوَجْهِهَا خُضْرَةً فَقَالَ مَا هَذَا ؟ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ أُرِيتُ قَبْلَ قُدُومِك عَلَيْنَا كَأَنّ الْقَمَرَ زَالَ مِنْ مَكَانِهِ فَسَقَطَ فِي حَجْرِي وَلَا وَاَللّهِ مَا أَذْكُرُ مِنْ شَأْنِك شَيْئًا فَقَصَصْتهَا عَلَى زَوْجِي فَلَطَمَ وَجْهِي وَقَالَ تُمَنّينَ هَذَا الْمَلِكَ الّذِي بِالْمَدِينَةِ [ ص 291 ] وَشَكّ الصّحَابَةُ هَلْ اتّخَذَهَا سُرّيّةً أَوْ زَوْجَةً ؟ فَقَالُوا : اُنْظُرُوا إنْ حَجّبَهَا فَهِيَ إحْدَى نِسَائِهِ وَإِلّا فَهِيَ مِمّا مَلَكَتْ يَمِينُهُ فَلَمّا رَكِبَ جَعَلَ ثَوْبَهُ الّذِي ارْتَدَى بِهِ عَلَى ظَهْرِهَا وَوَجْهِهَا ثُمّ شَدّ طَرَفَهُ تَحْتَهُ فَتَأَخّرُوا عَنْهُ فِي الْمَسِيرِ وَعَلِمُوا أَنّهَا إحْدَى نِسَائِهِ وَلِمَا قَدِمَ لِيَحْمِلهَا عَلَى الرّحْلِ أَجَلّتْهُ أَنْ تَضَعَ قَدَمَهَا عَلَى فَخِذِهِ فَوَضَعَتْ رُكْبَتَهَا عَلَى فَخِذِهِ ثُمّ رَكِبَتْ . وَلَمّا بَنَى بِهَا بَاتَ أَبُو أَيّوبَ لَيْلَتَهُ قَائِمًا قَرِيبًا مِنْ قُبّتِهِ آخِذًا بِقَائِمِ السّيْفِ حَتّى أَصْبَحَ فَلَمّا رَأَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَبّرَ أَبُو أَيّوب َ حِينَ رَآهُ قَدْ خَرَجَ فَسَأَلَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا لَك يَا أَبَا أَيّوبَ ؟ فَقَالَ لَهُ أَرِقْتُ لَيْلَتِي هَذِهِ يَا رَسُولَ اللّهِ لَمّا دَخَلْتَ بِهَذِهِ الْمَرْأَةِ ذَكَرْتُ أَنّك قَتَلْتَ أَبَاهَا وَأَخَاهَا وَزَوْجَهَا وَعَامّةَ عَشِيرَتِهَا فَخِفْتُ أَنْ تَغْتَالَك فَضَحِكَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ لَهُ مَعْرُوفًا
فَصْلٌ [ قَسْمُ خَيْبَرَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ ]
[هَلْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ صُلْحًا أَمْ عَنْوَةً ؟]
وَقَسَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَيْبَرَ عَلَى سِتّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا جَمَعَ كُلّ سَهْمٍ مِائَةَ سَهْمٍ فَكَانَتْ ثَلَاثَةَ آلَافٍ وَسِتّمِائَةِ سَهْمٍ فَكَانَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلِلْمُسْلِمِينَ النّصْفُ مِنْ ذَلِكَ وَهُوَ أَلْفٌ وَثَمَانُمِائَةِ سَهْمٍ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَهْمٌ كَسَهْمِ أَحَدِ الْمُسْلِمِينَ وَعَزَلَ النّصْفَ الْآخَرَ وَهُوَ أَلْفٌ وَثَمَانُمِائَةِ سَهْمٍ لِنَوَائِبِهِ وَمَا يَنْزِلُ بِهِ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَهَذَا لِأَنّ خَيْبَرَ فُتِحَ شَطْرُهَا عَنْوَةً وَشَطْرُهَا صُلْحًا فَقَسَمَ مَا فُتِحَ عَنْوَةً بَيْنَ أَهْلِ الْخُمُسِ وَالْغَانِمِينَ وَعَزَلَ مَا فُتِحَ صُلْحًا لِنَوَائِبِهِ وَمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ . [ ص 292 ] أَصْلِ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ أَنّهُ يَجِبُ قَسْمُ الْأَرْضِ الْمُفْتَتَحَةِ عَنْوَةً كَمَا تُقْسَمُ سَائِرُ الْمَغَانِمِ فَلَمّا لَمْ يَجِدْهُ قَسَمَ النّصْفَ مِنْ خَيْبَرَ قَالَ إنّهُ فُتِحَ صُلْحًا . وَمَنْ تَأَمّلَ السّيَرَ وَالْمَغَازِيَ حَقّ التّأَمّلِ تَبَيّنَ لَهُ أَنّ خَيْبَرَ إنّمَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَأَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اسْتَوْلَى عَلَى أَرْضِهَا كُلّهَا بِالسّيْفِ عَنْوَةً وَلَوْ فُتِحَ شَيْءٌ مِنْهَا صُلْحًا لَمْ يُجْلِهِمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْهَا فَإِنّهُ لَمّا عَزَمَ عَلَى إخْرَاجِهِمْ مِنْهَا قَالُوا : نَحْنُ أَعْلَمُ بِالْأَرْضِ مِنْكُمْ دَعُونَا نَكُونُ فِيهَا وَنَعْمُرُهَا لَكُمْ بِشَطْرِ مَا يَخْرُجُ مِنْهَا وَهَذَا صَرِيحٌ جِدّا فِي أَنّهَا إنّمَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَقَدْ حَصَلَ بَيْنَ الْيَهُودِ وَالْمُسْلِمِينَ بِهَا مِنْ الْحِرَابِ وَالْمُبَارَزَةِ وَالْقَتْلِ مِنْ الْفَرِيقَيْنِ مَا هُوَ مَعْلُومٌ وَلَكِنْ لَمّا أُلْجِئُوا إلَى حِصْنِهِمْ نَزَلُوا عَلَى الصّلْحِ الّذِي بَذَلُوهُ أَنّ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ الصّفْرَاءَ وَالْبَيْضَاءَ وَالْحَلْقَةَ وَالسّلَاحَ وَلَهُمْ رِقَابُهُمْ وَذُرّيّتُهُمْ وَيُجْلُوا مِنْ الْأَرْضِ فَهَذَا كَانَ الصّلْحَ وَلَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ صُلْحٌ أَنّ شَيْئًا مِنْ أَرْضِ خَيْبَرَ لِلْيَهُودِ وَلَا جَرَى ذَلِكَ الْبَتّةَ وَلَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يَقُلْ نُقِرّكُمْ مَا شِئْنَا فَكَيْفَ يُقِرّهُمْ فِي أَرْضِهِمْ مَا شَاءَ ؟ وَلَمّا كَانَ عُمَرُ أَجْلَاهُمْ كُلّهُمْ مِنْ الْأَرْضِ وَلَمْ يُصَالِحْهُمْ أَيْضًا عَلَى أَنّ الْأَرْضَ لِلْمُسْلِمِينَ وَعَلَيْهَا خَرَاجٌ يُؤْخَذُ مِنْهُمْ هَذَا لَمْ يَقَعْ فَإِنّهُ لَمْ يَضْرِبْ عَلَى خَيْبَرَ خَرَاجًا الْبَتّةَ .
[ تَرْجِيحُ الْمُصَنّفِ فَتْحَهَا عَنْوَةً وَبَيَانُ حُكْمِ الْأَرْضِ الْمَفْتُوحَةِ عَنْوَةً ]
فَالصّوَابُ الّذِي لَا شَكّ فِيهِ أَنّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَالْإِمَامُ مُخَيّرٌ فِي أَرْضِ الْعَنْوَةِ بَيْنَ قَسْمِهَا وَوَقْفِهَا أَوْ قَسْمِ بَعْضِهَا وَوَقْفِ الْبَعْضِ وَقَدْ فَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْأَنْوَاعَ الثّلَاثَةَ فَقَسَمَ قُرَيْظَةَ وَالنّضِيرَ وَلَمْ يَقْسِمْ مَكّةَ وَقَسَمَ شَطْرَ خَيْبَرَ وَتَرَكَ شَطْرَهَا وَقَدْ تَقَدّمَ تَقْرِيرُ كَوْنِ مَكّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً بِمَا لَا مَدْفَعَ لَهُ .
[ لَمْ يَغِبْ عَنْ خَيْبَرَ مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ إلّا جَابِرٌ ]
وَإِنّمَا قُسِمَتْ عَلَى أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةِ سَهْمٍ لِأَنّهَا كَانَتْ طُعْمَةً مِنْ اللّهِ لِأَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ مَنْ شَهِدَ مِنْهُمْ وَمَنْ غَابَ وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَكَانَ مَعَهُمْ مِائَتَا فَرَسٍ لِكُلّ فَرَسٍ سَهْمَانِ فَقُسِمَتْ عَلَى أَلْفٍ وَثَمَانِمِائَةِ سَهْمٍ وَلَمْ يَغِبْ عَنْ خَيْبَرَ مِنْ أَهْلِ الْحُدَيْبِيَةِ إلّا جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ فَقَسَمَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَسَهْمِ مَنْ حَضَرَهَا . [ ص 293 ]
[ الِاخْتِلَافُ فِي أَسْهُمِ الرّاجِلِ وَالْفَارِسِ ]
وَقَسَمَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ وَلِلرّاجِلِ سَهْمًا وَكَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَفِيهِمْ مِائَتَا فَارِسٍ هَذَا هُوَ الصّحِيحُ الّذِي لَا رَيْبَ فِيهِ . وَرَوَى عَبْدُ اللّهِ الْعُمَرِيّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَر َ أَنّهُ أَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ وَالرّاجِلَ سَهْمًا قَالَ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ كَأَنّهُ سَمِعَ نَافِعًا يَقُولُ لِلْفَرَسِ سَهْمَيْنِ وَلِلرّاجِلِ سَهْمًا فَقَالَ لِلْفَارِسِ وَلَيْسَ يَشُكّ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي تَقَدّمِ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ عَلَى أَخِيهِ فِي الْحِفْظِ وَقَدْ أَنْبَأَنَا الثّقَةُ مِنْ أَصْحَابِنَا عَنْ إسْحَاقَ الْأَزْرَقِ الْوَاسِطِيّ عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَر َ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ضَرَبَ لِلْفَرَسِ بِسَهْمَيْنِ وَلِلْفَارِسِ بِسَهْمٍ . ثُمّ رَوَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَسْهَمَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُمٍ سَهْمُ لَهُ وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ وَهُوَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الثّوْرِيّ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ .
ضَرَبَ لِلْفَرَسِ بِسَهْمَيْنِ وَلِلْفَارِسِ بِسَهْمٍ ثُمّ رَوَى مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُعَاوِيَةَ عَنْ عُبَيْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ا بْنِ عُمَرَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم َ أَسْهَمَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةَ أَسْهُم : سَهْمُ لَهُ وَسَهْمَانِ لِفَرَسِهِ وَهُوَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الثّوْرِيّ وَأَبُو أُسَامَةَ عَنْ عبيد الله . قَالَ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ وَرَوَى مُجَمّعُ بْنُ جَارِيَةَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَسَمَ سِهَامَ خَيْبَرَ عَلَى ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَكَانَ الْجَيْشُ أَلْفًا وَخَمْسَمِائَةٍ مِنْهُمْ ثَلَاثُمِائَةِ فَارِسٍ فَأَعْطَى الْفَارِسَ سَهْمَيْنِ وَالرّاجِلَ سَهْمًا [ ص 294 ] قَالَ الشّافِعِيّ رَحِمَهُ اللّهُ وَمُجَمّعُ بْنُ يَعْقُوبَ يَعْنِي رَاوِيَ هَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَمّهِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ يَزِيدَ عَنْ عَمّهِ مُجَمّعِ بْنِ جَارِيَةَ شَيْخٌ لَا يُعْرَفُ فَأَخَذْنَا فِي ذَلِكَ بِحَدِيثِ عُبَيْدِ اللّهِ وَلَمْ نَرَ لَهُ مِثْلَهُ خَبَرًا يُعَارِضُهُ وَلَا يَجُوزُ رَدّ خَبَرٍ إلّا بِخَبَرٍ مِثْلِهِ . قَالَ الْبَيْهَقِيّ : وَاَلّذِي رَوَاهُ مُجَمّعُ بْنُ يَعْقُوبَ بِإِسْنَادِهِ فِي عَدَدِ الْجَيْشِ وَعَدَدِ الْفُرْسَانِ قَدْ خُولِفَ فِيهِ فَفِي رِوَايَةِ جَابِرٍ وَأَهْلِ الْمَغَازِي : أَنّهُمْ كَانُوا أَلْفًا وَأَرْبَعَمِائَةٍ وَهُمْ أَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ عَبّاسٍ وَصَالِحِ بْنِ كَيْسَانَ وَبَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ وَأَهْلِ الْمَغَازِي : أَنّ الْخَيْلَ كَانَتْ مِائَتَيْ فَرَسٍ وَكَانَ لِلْفَرَسِ سَهْمَانِ وَلِصَاحِبِهِ سَهْمٌ وَلِكُلّ رَاجِلٍ سَهْمٌ . وَقَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدِيثُ أَبِي مُعَاوِيَةَ أَصَحّ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ وَأَرَى الْوَهْمَ فِي حَدِيثِ مُجَمّعٍ أَنّهُ قَالَ ثَلَاثَمِائَةِ فَارِسٍ وَإِنّمَا كَانُوا مِائَتَيْ فَارِسٍ . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي عَمْرَةَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَرْبَعَةَ نَفَرٍ وَمَعَنَا فَرَسٌ فَأَعْطَى كُلّ إنْسَانٍ مِنّا سَهْمًا وَأَعْطَى الْفَرَسَ سَهْمَيْنِ وَهَذَا الْحَدِيثُ فِي إسْنَادِهِ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مسعود وهو الْمَسْعُودِيّ وَفِيهِ ضَعْفٌ . وَقَدْ رُوِيَ الْحَدِيثُ عَنْهُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ فَقَالَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ مَعَنَا فَرَسٌ فَكَانَ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ أَيْضًا .
فَصْلُ [ قُدُومِ جَعْفَرِ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَالْأَشْعَرِيّينَ ]
وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ قَدِمَ عَلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ابْنُ عَمّهِ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابُهُ [ ص 295 ] الْأَشْعَرِيّونَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ قيس أبو مُوسَى وَأَصْحَابُهُ وَكَانَ فِيمَنْ قَدِمَ مَعَهُمْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ . قَالَ أَبُو مُوسَى : بَلَغَنَا مَخْرَجُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَنَحْنُ بِالْيَمَنِ فَخَرَجْنَا مُهَاجِرِينَ أَنَا وَأَخَوَانِ لِي أَنَا أَصْغَرُهُمَا أحدهما أبو رُهْمٍ وَالْآخَرُ أَبُو بُرْدَةَ فِي بِضْعٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ قَوْمِي فَرَكِبْنَا سَفِينَةً فَأَلْقَتْنَا سَفِينَتُنَا إلَى النّجَاشِيّ بِالْحَبَشَةِ فَوَافَقْنَا جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَأَصْحَابَهُ عِنْدَهُ فَقَالَ جَعْفَرٌ : إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعَثَنَا وَأَمَرَنَا بِالْإِقَامَةِ فَأَقِيمُوا مَعَنَا فَأَقَمْنَا مَعَهُ حَتْي قَدِمْنَا جَمِيعًا فَوَافَقْنَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ فَأَسْهَمَ لَنَا وَمَا قَسَمَ لِأَحَدٍ غَابَ عَنْ فَتْحِ خَيْبَرَ شَيْئًا إلّا لِمَنْ شَهِدَ مَعَهُ إلّا لِأَصْحَابِ سَفِينَتِنَا مَعَ جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ قَسَمَ لَهُمْ مَعَهُمْ وَكَانَ نَاسٌ يَقُولُونَ لَنَا : سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ قَالَ وَدَخَلَتْ أَسْمَاءُ بِنْتُ عُمَيْسٍ عَلَى حَفْصَةَ فَدَخَلَ عَلَيْهَا عُمَرُ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ ؟ قَالَتْ أَسْمَاءُ . فَقَالَ عُمَرُ : سَبَقْنَاكُمْ بِالْهِجْرَةِ نَحْنُ أَحَقّ بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْكُمْ فَغَضِبَتْ وَقَالَتْ يَا عُمَر ُ كَلّا وَاَللّهِ لَقَدْ كُنْتُمْ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُطْعِمُ جَائِعَكُمْ وَيَعِظُ جَاهِلَكُمْ وَكُنّا فِي أَرْض الْبُعَدَاءِ الْبُغَضَاءِ وَذَلِكَ فِي اللّهِ وَفِي رَسُولِهِ وَاَيْمُ اللّهِ لَا أَطْعَمُ طَعَامًا وَلَا أَشْرَبُ شَرَابًا حَتّى أَذْكُرَ مَا قُلْتَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَنَحْنُ كُنّا نُؤْذَى وَنَخَافُ وَسَأَذْكُرُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاَللّهِ لَا أَكْذِبُ وَلَا أَزِيغُ وَلَا أَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ فَلَمّا جَاءَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ عُمَرَ قَالَ كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا قُلْتِ لَهُ ؟ قَالَت : قُلْت لَهُ كَذَا وَكَذَا . فَقَالَ لَيْسَ بِأَحَقّ بِي منكم وله وَلِأَصْحَابِهِ هِجْرَةٌ وَاحِدَةٌ وَلَكُمْ أَنْتُمْ أَهْلَ السّفِينَةِ هِجْرَتَانِ وَكَانَ أَبُو مُوسَى وَأَصْحَابُ السّفِينَةِ يَأْتُونَ أَسْمَاءَ أَرْسَالًا يَسْأَلُونَهَا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ مَا مِنْ الدّنْيَا شَيْءٌ هُمْ بِهِ أَفْرَحُ وَلَا أَعْظَمُ فِي أَنْفُسِهِمْ مِمّا قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " . [ ص 296 ] جَعْفَرٌ عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَلَقّاهُ وَقَبّلَ جَبْهَتَهُ وَقَالَ وَاَللّهِ مَا أَدْرِي بِأَيّهِمَا أَفْرَحُ بِفَتْحِ خَيْبَرَ أَمْ بِقُدُومِ جَعْفَرٍ ؟ .
[ ضَعْفُ قِصّةِ حَجَلَانِ جَعْفَرٍ إعْظَامًا لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
وَبُطْلَانُ جَعْلِهَا مُسْتَنَدًا لِلرّقْصِ ]
وَأَمّا مَا رُوِيَ فِي هَذِهِ الْقِصّةِ أَنّ جَعْفَرًا لَمّا نَظَرَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَجَلَ يَعْنِي : مَشَى عَلَى رِجْلٍ وَاحِدَةٍ إعْظَامًا لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَجَعَلَهُ أَشْبَاهُ الدّبَابِ الرّقّاصُونَ أَصْلًا لَهُمْ فِي الرّقْصِ فَقَالَ الْبَيْهَقِيّ وَقَدْ رَوَاهُ مِنْ طَرِيق الثّوْرِيّ عَنْ أَبِي الزّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ وَفِي إسْنَادِهِ إلَى الثّوْرِيّ مَنْ لَا يُعْرَفُ . قُلْت : وَلَوْ صَحّ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا حُجّةٌ عَلَى جَوَازِ التّشَبّهِ بِالدّبَابِ وَالتّكَسّرِ وَالتّخَنّثِ فِي الْمَشْيِ الْمُنَافِي لِهَدْيِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَإِنّ هَذَا لَعَلّهُ كَانَ مِنْ عَادَةِ الْحَبَشَةِ تَعْظِيمًا لِكُبَرَائِهَا كَضَرْبِ الْجُوكِ عِنْدَ التّرْكِ وَنَحْوِ ذَلِك فَجَرَى جَعْفَرٌ عَلَى تِلْكَ الْعَادَةِ وَفَعَلَهَا مَرّةً ثُمّ تَرَكَهَا لِسُنّةِ الْإِسْلَامِ فَأَيْنَ هَذَا مِنْ الْقَفْزِ وَالتّكَسّرِ وَالتّثَنّي وَالتّخَنّثِ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ .
[ عَدَمُ إعَانَةِ بَنِي فَزَارَةَ أَهْلَ خَيْبَرَ اتّفَاقًا مَعَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : كَانَتْ بَنُو فَزَارَةَ مِمّنْ قَدِمَ عَلَى أَهْلِ خَيْبَر لِيُعِينُوهُمْ فَرَاسَلَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَلّا يُعِينُوهُمْ وَأَنْ يَخْرُجُوا عَنْهُمْ وَلَكُمْ مِنْ خيبر كذا وَكَذَا فَأَبَوْا عَلَيْهِ فَلَمّا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْهِ خَيْبَرَ أَتَاهُ مَنْ كَانَ ثَمّ مِنْ بَنِي فَزَارَةَ فَقَالُوا : وَعْدَك الّذِي وَعَدْتنَا فَقَالَ لَكُمْ ذُو الرّقَيْبَةِ جَبَلٌ مِنْ جِبَالِ خَيْبَرَ فَقَالُوا : إذًا نُقَاتِلُك . فَقَالَ مَوْعِدُكُمْ كَذَا فَلَمّا سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَرَجُوا هَارِبِينَ
[ قِصّةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ ]
وَقَالَ الْوَاقِدِيّ : قَالَ أَبُو شُيَيْمٍ الْمُزَنِيّ - وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ - لَمّا نَفَرْنَا إلَى أَهْلِنَا مَعَ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْن ٍ رَجَعَ بِنَا عُيَيْنَةُ فَلَمّا كَانَ دُونَ خَيْبَرَ عَرّسْنَا مِنْ اللّيْلِ فَفَزِعْنَا . فَقَالَ عُيَيْنَةُ : أَبْشِرُوا إنّي أَرَى اللّيْلَةَ فِي النّوْمِ أَنّنِي أُعْطِيت ذَا الرّقَيْبَةِ جَبَلًا بِخَيْبَرَ قَدْ وَاَللّهِ أَخَذْتُ بِرَقَبَةِ مُحَمّدٍ فَلَمّا قَدِمْنَا خَيْبَرَ قَدِمَ عُيَيْنَةُ فَوَجَدَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ فَتَحَ خَيْبَرَ . فَقَالَ يَا مُحَمّدُ أَعْطِنِي مَا غَنِمْتَ مِنْ حُلَفَائِي فَإِنّي انْصَرَفْتُ عَنْكُ وَقَدْ فَرَغْنَا لَك فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَذَبْتَ وَلَكِنّ الصّيَاحَ الّذِي سَمِعْتَ نَفّرَكَ إلَى أَهْلِكَ " . قَالَ أَجْزِنِي : يَا مُحَمّدُ ؟ قَالَ " لَك ذُو الرّقَيْبَةِ . قَالَ وَمَا ذُو الرّقَيْبَةِ ؟ قَالَ الْجَبَلُ الّذِي رَأَيْتَ فِي النّوْمِ أَنّك أَخَذْته [ ص 297 ] عُيَيْنَةُ فَلَمّا رَجَعَ إلَى أَهْلِهِ جَاءَهُ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ فَقَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَك : إنّك تُوضِعُ فِي غَيْرِ شَيْءٍ وَاَللّهِ لَيَظْهَرَنّ مُحَمّدٌ عَلَى مَا بَيْنَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ يَهُودُ كَانُوا يُخْبِرُونَنَا بِهَذَا أَشْهَدَ لَسَمِعْتُ أَبَا رَافِعٍ سَلّامَ بْنَ أَبِي الْحُقَيْقِ يَقُولُ إنّا نَحْسُدُ مُحَمّدًا عَلَى النّبُوّةِ حَيْثُ خَرَجَتْ مِنْ بَنِي هَارُونَ وَهُوَ نَبِيّ مُرْسَلٌ وَيَهُودُ لَا تُطَاوِعُنِي عَلَى هَذَا وَلَنَا مِنْهُ ذِبْحَانِ وَاحِدٌ بِيَثْرِبَ وَآخَرُ بِخَيْبَرَ قَالَ الْحَارِثُ : قُلْت لِسَلّامٍ : يَمْلِكُ الْأَرْضَ جَمِيعًا ؟ قَالَ نَعَمْ وَالتّوْرَاةِ الّتِي أُنْزِلَتْ عَلَى مُوسَى وَمَا أُحِبّ أَنْ تَعْلَمَ يَهُودُ بِقَوْلِي فِيهِ .
فَصْلٌ [ قِصّةُ سَمّ يَهُودِيّةٍ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
وَفِي هَذِهِ الْغَزَاةِ سُمّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَهْدَتْ لَهُ زَيْنَبُ بِنْتُ الْحَارِثِ الْيَهُودِيّةُ امْرَأَةُ سَلّامِ بْنِ مِشْكَمٍ شَاةً مَشْوِيّةً قَدْ سَمّتْهَا وَسَأَلَتْ أَيّ اللّحْمِ أَحَبّ إلَيْهِ ؟ فَقَالُوا : الذّرَاعُ فَأَكْثَرَتْ مِنْ السّمّ فِي الذّرَاعِ فَلَمّا انْتَهَشَ مِنْ ذِرَاعِهَا أَخْبَرَهُ الذّرَاعُ بِأَنّهُ مَسْمُومٌ فَلَفَظَ الْأَكْلَةَ ثُمّ قَالَ " اجْمَعُوا لِي مِنْ هَا هُنَا مِنْ الْيَهُودِ فَجَمَعُوا لَهُ فَقَالَ لَهُمْ " إنّي سَائِلُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَهَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيّ فِيهِ ؟ " قَالُوا : نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " مَنْ أَبُوكُمْ ؟ " قَالُوا : أَبُونَا فُلَانٌ . قَالَ " كَذَبْتُمْ أَبُوكُمْ فُلَانٌ " . قَالُوا : صَدَقْتَ وَبَرِرْت قَالَ " هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيّ عَنْ شَيْءٍ إنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ ؟ " قَالُوا : نَعَمْ يَا أَبَا الْقَاسِمِ وَإِنْ كَذَبْنَاك عَرَفْتَ كَذِبَنَا كَمَا عَرَفْتَهُ فِي أَبِينَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " مَنْ أَهْلُ النّارِ ؟ " فَقَالُوا : نَكُونُ فِيهَا يَسِيرًا ثُمّ تَخْلُفُونَنَا فِيهَا . فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " اخْسَئُوا فِيهَا فَوَاَللّهِ لَا نَخْلُفُكُمْ فِيهَا أَبَدًا " ثُمّ قَالَ " هَلْ أَنْتُمْ صَادِقِيّ عَنْ شَيْءٍ إنْ سَأَلْتُكُمْ عَنْهُ ؟ " قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ " أَجَعَلْتُمْ فِي هَذِهِ الشّاةِ سُمّا ؟ " قَالُوا : نَعَمْ . قَالَ " فَمَا حَمَلَكُمْ عَلَى ذَلِكَ ؟ " قَالُوا : أَرَدْنَا إنْ كُنْت كَاذِبًا نَسْتَرِيحُ مِنْك وَإِنْ كُنْت نَبِيّا لَمْ يَضُرّك [ ص 298 ]
[ قَتْلُ الْيَهُودِيّةِ لَمّا مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ ]
وَجِيءَ بِالْمَرْأَةِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَتْ أَرَدْتُ قَتْلَكَ . فَقَالَ مَا كَانَ اللّهُ لِيُسَلّطَكِ عَلَيّ " قَالُوا : أَلَا نَقْتُلُهَا ؟ قَالَ لَا وَلَمْ يَتَعَرّضْ لَهَا وَلَمْ يُعَاقِبْهَا وَاحْتَجَمَ عَلَى الْكَاهِلِ وَأَمَرَ مَنْ أَكَلَ مِنْهَا فَاحْتَجَمَ فَمَاتَ بَعْضُهُمْ وَاخْتُلِفَ فِي قَتْلِ الْمَرْأَةِ فَقَالَ الزّهْرِيّ : أَسْلَمَتْ فَتَرَكَهَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْهُ ثُمّ قَالَ مَعْمَرٌ وَالنّاسُ تَقُولُ قَتَلَهَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . قَالَ أَبُو دَاوُدَ : حَدّثَنَا وَهْبُ بْنُ بَقِيّة َ قَالَ حَدّثَنَا خَالِدٌ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَهْدَتْ لَهُ يَهُودِيّةٌ بِخَيْبَرَ شَاةً مَصْلِيّةً وَذَكَرَ الْقِصّةَ وَقَالَ فَمَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ بْنِ مَعْرُورٍ فَأَرْسَلَ إلَى الْيَهُودِيّةِ مَا حَمَلَك عَلَى الّذِي صَنَعْتِ ؟ قَالَ جَابِرٌ فَأَمَرَ بِهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقُتِلَت قُلْت : كِلَاهُمَا مُرْسَلٌ وَرَوَاهُ حَمّادُ بْنُ سَلَمَةَ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مُتّصِلًا " أَنّهُ قَتَلَهَا لَمّا مَاتَ بِشْرُ بْنُ الْبَرَاءِ " . وَقَدْ وُفّقَ بَيْنَ الرّوَايَتَيْنِ بِأَنّهُ لَمْ يَقْتُلْهَا أَوّلًا فَلَمّا مَاتَ بِشْرٌ قَتَلَهَا . وَقَدْ اُخْتُلِفَ هَلْ أَكَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْهَا أَوْ لَمْ يَأْكُلْ ؟ وَأَكْثَرُ الرّوَايَاتِ أَنّهُ أَكَلَ مِنْهَا وَبَقِيَ بَعْدَ ذَلِكَ ثَلَاثَ سِنِينَ حَتّى قَالَ فِي وَجَعِهِ الّذِي مَاتَ فِيهِ مَا زِلْتُ أَجِدُ مِنْ الْأُكْلَةِ الّتِي أَكَلْتُ مِنْ الشّاةِ يَوْمَ خَيْبَرَ فَهَذَا أَوَانُ انْقِطَاعِ الْأَبْهَرِ مِنّي [ ص 299 ] قَالَ الزّهْرِيّ : فَتُوُفّيَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَهِيدًا .
[ التّرَاهُنُ بَيْنَ قُرَيْشٍ فِيمَنْ يَنْتَصِرُ فِي خَيْبَرَ ]
قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُ وَكَانَ بَيْنَ قُرَيْشٍ حِينَ سَمِعُوا بِخُرُوجِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى خَيْبَرَ تَرَاهُنٌ عَظِيمٌ وَتَبَايُعٌ فَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ يَظْهَرُ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ وَمِنْهُمْ يَقُولُ يَظْهَرُ الْحَلِيفَانِ وَيَهُودُ خَيْبَرُ وَكَانَ الْحَجّاجُ بْن عِلَاطٍ السّلَمِيّ قَدْ أَسْلَمَ وَشَهِدَ فَتْحَ خَيْبَرَ وَكَانَتْ تَحْتَهُ أُمّ شَيْبَةَ أُخْتُ بَنِي عَبْدِ الدّارِ بْنِ قُصَيّ وَكَانَ الْحَجّاجُ مُكْثِرًا مِنْ الْمَالِ كَانَتْ لَهُ مَعَادِنُ بِأَرْضِ بَنِي سُلَيْمٍ فَلَمّا ظَهَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى خَيْبَرَ قَالَ الْحَجّاجُ بْنُ عِلَاطٍ : إنّ لِي ذَهَبًا عِنْدَ امْرَأَتِي وَإِنْ تَعْلَمْ هِيَ وَأَهْلُهَا بِإِسْلَامِي فَلَا مَالَ لِي فَأْذَنْ لِي فَلَأُسْرِعُ السّيْرَ وَأَسْبِقُ الْخَبَرَ وَلَأُخْبِرَنّ أَخْبَارًا إذَا قَدِمْت أَدْرَأُ بِهَا عَنْ مَالِي وَنَفْسِي فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمّا قَدِمَ مَكّةَ قَالَ لِامْرَأَتِهِ أَخْفِي عَلَيّ وَاجْمَعِي مَا كَانَ لِي عِنْدَك مِنْ مَالٍ فَإِنّي أُرِيدُ أَنْ أَشْتَرِيَ مِنْ غَنَائِمِ مُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ فَإِنّهُمْ قَدْ اُسْتُبِيحُوا وَأُصِيبَتْ أَمْوَالُهُمْ وَإِنّ مُحَمّدًا قَدْ أُسِرَ وَتَفَرّقَ عَنْهُ أَصْحَابُهُ وَإِنّ الْيَهُودَ قَدْ أَقْسَمُوا : لَتَبْعَثَنّ بِهِ إلَى مَكّةَ ثُمّ لَتَقْتُلَنّهُ بِقَتْلَاهُمْ بِالْمَدِينَةِ وَفَشَا ذَلِكَ بِمَكّةَ وَاشْتَدّ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَبَلَغَ مِنْهُمْ وَأَظْهَرَ الْمُشْرِكُونَ الْفَرَحَ وَالسّرُورَ فَبَلَغَ الْعَبّاسَ عَمّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ زَجَلَةُ النّاسِ وَجَلَبَتُهُمْ وَإِظْهَارُهُمْ السّرُورَ فَأَرَادَ أَنْ يَقُومَ وَيَخْرُجَ فَانْخَزَلَ ظَهْرُهُ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِيَامِ فَدَعَا ابْنًا لَهُ يُقَالُ لَهُ قُثَمُ وَكَانَ يُشْبِهُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَجَعَلَ الْعَبّاسُ يَرْتَجِزُ وَيَرْفَعُ صَوْتَهُ لِئَلّا يَشْمَتَ بِهِ أَعْدَاءُ اللّهِ حِبّي قُثَمْ حِبّي قُثَم ْ شَبِيهُ ذِي الْأَنْفِ الْأَشَم
نَبِيّ رَبّي ذِي النّعَم بِرَغْمِ أَنْفِ مَنْ رَغَمْ
[ ص 300 ] دَارِهِ رِجَالٌ كَثِيرُونَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ مِنْهُمْ الْمُظْهِرُ لِلْفَرَحِ وَالسّرُورِ وَمِنْهُمْ الشّامِتُ الْمُغْرِي وَمِنْهُمْ مَنْ بِهِ مِثْلُ الْمَوْتِ مِنْ الْحُزْنِ وَالْبَلَاءِ فَلَمّا سَمِعَ الْمُسْلِمُونَ رَجَزَ الْعَبّاسِ وَتَجَلّدَهُ طَابَتْ نَفُوسُهُمْ وَظَنّ الْمُشْرِكُونَ أَنّهُ قَدْ أَتَاهُ مَا لَمْ يَأْتِهِمْ ثُمّ أَرْسَلَ الْعَبّاسُ غُلَامًا لَهُ إلَى الْحَجّاجِ وَقَالَ لَهُ اُخْلُ بَهْ وَقُلْ لَهُ وَيْلَك مَا جِئْتَ بَهْ وَمَا تَقُولُ فَاَلّذِي وَعَدَ اللّهُ خَيْرٌ مِمّا جِئْتَ بِهِ ؟ فَلَمّا كَلّمَهُ الْغُلَامُ قَالَ لَهُ اقْرَأْ عَلَى أَبِي الْفَضْلِ السّلَامَ وَقُلْ لَهُ فَلْيَخْلُ بِي فِي بَعْضِ بُيُوتِهِ حَتّى آتِيَهُ فَإِنّ الْخَبَرَ عَلَى مَا يَسُرّهُ فَلَمّا بَلَغَ الْعَبْدُ بَابَ الدّارِ قَالَ أَبْشِرْ يَا أَبَا الْفَضْلِ فَوَثَبَ الْعَبّاسُ فَرَحًا كَأَنّهُ لَمْ يُصِبْهُ بَلَاءٌ قَطّ حَتّى جَاءَهُ وَقَبّلَ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ فَأَخْبَرَهُ بِقَوْلِ الْحَجّاجِ فَأَعْتَقَهُ ثُمّ قَالَ أَخْبِرْنِي . قَالَ يَقُولُ لَك الْحَجّاجُ : اُخْلُ بِهِ فِي بَعْضِ بُيُوتِك حَتّى يَأْتِيَكَ ظُهْرًا فَلَمّا جَاءَهُ الْحَجّاجُ وَخَلَا بَهْ أَخَذَ عَلَيْهِ لَتَكْتُمَنّ خَبَرِي فَوَافَقَهُ عَبّاسٌ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ لَهُ الْحَجّاجُ : جِئْتُ وَقَدْ افْتَتَحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَيْبَرَ وَغَنِمَ أَمْوَالَهُمْ وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ اللّهِ وَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ اصْطَفَى صَفِيّةَ بِنْتَ حُيَيّ لِنَفْسِهِ وَأَعْرَسَ بِهَا وَلَكِنْ جِئْتُ لِمَالِي أَرَدْت أَنْ أَجْمَعَهُ وَأَذْهَبَ بَهْ وَإِنّي اسْتَأْذَنْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ أَقُولَ فَأَذِنَ لِي أَنْ أَقُولَ مَا شِئْت فَأَخْفِ عَلَيّ ثَلَاثًا ثُمّ اُذْكُرْ مَا شِئْت . قَالَ فَجَمَعَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ مَتَاعَهُ ثُمّ انْشَمَرَ رَاجِعًا فَلَمّا كَانَ بَعْدَ ثَلَاثٍ أَتَى الْعَبّاسُ امْرَأَةَ الْحَجّاجِ فَقَالَ مَا فَعَلَ زَوْجُكِ ؟ قَالَتْ ذَهَبَ وَقَالَتْ لَا يَحْزُنْك اللّهُ يَا أَبَا الْفَضْلِ لَقَدْ شَقّ عَلَيْنَا الّذِي بَلَغَك . فَقَالَ أَجَلْ لَا يَحْزُنُنِي اللّهُ وَلَمْ يَكُنْ بِحَمْدِ اللّهِ إلّا مَا أُحِبّ فَتَحَ اللّهُ عَلَى رَسُولِهِ خَيْبَرَ وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ اللّهِ وَاصْطَفَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم َ صَفِيّةَ لِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ لَكِ فِي زَوْجِك حَاجَةٌ فَالْحَقِي بِهِ . قَالَتْ أَظُنّك وَاَللّهِ صَادِقًا . قَالَ فَإِنّي وَاَللّهِ صَادِقٌ وَالْأَمْرُ عَلَى مَا أَقُولُ لَك . قَالَتْ فَمَنْ أَخْبَرَك بِهَذَا ؟ قَالَ الّذِي أَخْبَرَكِ بِمَا أَخْبَرَك ثُمّ ذَهَبَ حَتَى أَتَى مَجَالِسَ قُرَيْشٍ فَلَمّا رَأَوْهُ قَالُوا : هَذَا وَاَللّهِ التّجَلّدُ يَا أَبَا الْفَضْلِ وَلَا يُصِيبُك إلّا خَيْرٌ . قَالَ أَجَلْ لَمْ يُصِبْنِي إلّا خَيْرٌ وَالْحَمْدُ لِلّهِ أَخْبَرَنِي الْحَجّاجُ بِكَذَا وَكَذَا وَقَدْ سَأَلَنِي أَنْ أَكْتُمَ [ ص 301 ] فَرَدّ اللّهُ مَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ كَآبَةٍ وَجَزَعٍ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَخَرَجَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ مَوَاضِعِهِمْ حَتّى دَخَلُوا عَلَى الْعَبّاسِ فَأَخْبَرَهُمْ الْخَبَرَ فَأَشْرَقَتْ وُجُوهُ الْمُسْلِمِينَ .
فَصْلٌ فِيمَا كَانَ فِي غَزْوَةِ خَيْبَرَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْفِقْهِيّةِ
[جَوَازُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ]
فَمِنْهَا مُحَارَبَةُ الْكُفّارِ وَمُقَاتَلَتُهُمْ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَجَعَ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ فِي ذِي الْحِجّةِ فَمَكَثَ بِهَا أَيّامًا ثُمّ سَارَ إلَى خَيْبَرَ فِي الْمُحَرّمِ كَذَلِكَ قَالَ الزّهْرِيّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ مَرْوَانَ وَالْمِسْوَرِ بْنِ مَخْرَمَةَ وَكَذَلِكَ قَالَ الْوَاقِدِيّ : خَرَجَ فِي أَوّلِ سَنَةِ سَبْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَلَكِنْ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِذَلِكَ نَظَرٌ فَإِنّ خُرُوجَهُ كَانَ فِي أَوَاخِرِ الْمُحَرّمِ لَا فِي أَوّلِهِ وَفَتْحُهَا إنّمَا كَانَ فِي صَفَرَ . وَأَقْوَى مِنْ هَذَا الِاسْتِدْلَالِ بَيْعَةُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ عِنْدَ الشّجَرَةِ بَيْعَةَ الرّضْوَانِ عَلَى الْقِتَالِ وَأَلّا يَفِرّوا وَكَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَلَكِنْ لَا دَلِيلَ فِي ذَلِكَ لِأَنّهُ إنّمَا بَايَعَهُمْ عَلَى ذَلِكَ لَمّا بَلَغَهُ أَنّهُمْ قَدْ قَتَلُوا عُثْمَانَ وَهُمْ يُرِيدُونَ قِتَالَهُ فَحِينَئِذٍ بَايَعَ الصّحَابَةَ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ الْقِتَالِ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ إذَا بَدَأَ الْعَدُوّ إنّمَا الْخِلَافُ أَنْ يُقَاتَلَ فِيهِ ابْتِدَاءً فَالْجُمْهُورُ جَوّزُوهُ وَقَالُوا : تَحْرِيمُ الْقِتَالِ فِيهِ مَنْسُوخٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَئِمّةِ الْأَرْبَعَةِ رَحِمَهُمْ اللّهُ . وَذَهَبَ عَطَاءٌ وَغَيْرُهُ إلَى أَنّهُ ثَابِتٌ غَيْرُ مَنْسُوخٍ وَكَانَ عَطَاءٌ يَحْلِفُ بِاَللّهِ مَا يَحِلّ الْقِتَالُ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ وَلَا نَسَخَ تَحْرِيمَهُ شَيْءٌ . وَأَقْوَى مِنْ هَذَيْنِ الِاسْتِدْلَالَيْنِ الِاسْتِدْلَالُ بِحِصَارِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلطّائِفِ فَإِنّهُ خَرَجَ إلَيْهَا فِي أَوَاخِرِ شَوّالٍ فَحَاصَرَهُمْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً فَبَعْضُهَا كَانَ فِي ذِي [ ص 302 ] فَتَحَ مَكّةَ لِعَشَرٍ بَقِينَ مِنْ رَمَضَانَ وَأَقَامَ بِهَا بَعْدَ الْفَتْحِ تِسْعَ عَشْرَةَ يَقْصُرُ الصّلَاة فَخَرَجَ إلَى هَوَازِنَ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ شَوّالٍ عِشْرُونَ يَوْمًا فَفَتَحَ اللّهُ عَلَيْهِ هَوَازِنَ وَقَسَمَ غَنَائِمَهَا ثُمّ ذَهَبَ مِنْهَا إلَى الطّائِفِ فَحَاصَرَهَا بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً وَهَذَا يَقْتَضِي أَنّ بَعْضَهَا فِي ذِي الْقَعْدَةِ بِلَا شَكّ . وَقَدْ قِيلَ إنّمَا حَاصَرَهُمْ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً . قَالَ ابْنُ حَزْمٍ : وَهُوَ الصّحِيحُ بِلَا شَكّ وَهَذَا عَجِيبٌ مِنْهُ فَمِنْ أَيْنَ لَهُ هَذَا التّصْحِيحُ وَالْجَزْمُ بِهِ ؟ وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فِي قِصّةِ الطّائِفِ قَالَ فَحَاصَرْنَاهُمْ أَرْبَعِينَ يَوْمًا فَاسْتَعْصَوْا وَتَمَنّعُوا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَهَذَا الْحِصَارُ وَقَعَ فِي ذِي الْقَعْدَةِ بِلَا رَيْبٍ وَمَعَ هَذَا فَلَا دَلِيلَ فِي الْقِصّةِ لِأَنّ غَزْوَ الطّائِفِ كَانَ مِنْ تَمَامِ غَزْوَةِ هَوَازِنَ وَهُمْ بَدَءُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْقِتَالِ وَلَمّا انْهَزَمُوا دَخَلَ مَلِكُهُمْ وَهُوَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النّضْرِيّ مَعَ ثَقِيفٍ فِي حِصْنِ الطّائِفِ مُحَارِبِينَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَكَانَ غَزْوُهُمْ مِنْ تَمَامِ الْغَزْوَةِ الّتِي شَرَعَ فِيهَا وَاَللّه أَعْلَمُ .
[ لَيْسَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ مَنْسُوخٌ ]
وَقَالَ اللّهُ تَعَالَى فِي ( سُورَةِ الْمَائِدَةِ وَهِيَ مِنْ آخِرِ الْقُرْآنِ نُزُولًا وَلَيْسَ فِيهَا مَنْسُوخٌ { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلّوا شَعَائِرَ اللّهِ وَلَا الشّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ } [ الْمَائِدَةَ 2 ] . وَقَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدّ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ } [ الْبَقَرَةَ 217 ] فَهَاتَانِ آيَتَانِ مَدَنِيّتَانِ بَيْنَهُمَا فِي النّزُولِ نَحْوُ ثَمَانِيَةِ أَعْوَامٍ وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللّهِ وَلَا سُنّةِ رَسُولِهِ نَاسِخٌ لِحُكْمِهِمَا وَلَا أَجْمَعَتْ الْأُمّةُ عَلَى نَسْخِهِ وَمَنْ اسْتَدَلّ عَلَى نَسْخِهِ [ ص 303 ] { وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافّةً } [ التّوْبَةَ 36 ] وَنَحْوِهَا مِنْ الْعُمُومَاتِ فَقَدْ اسْتَدَلّ عَلَى النّسْخِ بِمَا لَا يَدُلّ عَلَيْهِ وَمَنْ اسْتَدَلّ عَلَيْهِ بِأَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعَثَ أَبَا عَامِرٍ فِي سِرّيّةٍ إلَى أَوْطَاسٍ فِي ذِي الْقَعْدَةِ فَقَدْ اسْتَدَلّ بِغَيْرِ دَلِيلٍ لِأَنّ ذَلِكَ كَانَ مِنْ تَمَامِ الْغَزْوَةِ الّتِي بَدَأَ فِيهَا الْمُشْرِكُونَ بِالْقِتَالِ وَلَمْ يَكُنْ ابْتِدَاءٌ مِنْهُ لِقِتَالِهِمْ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : قِسْمَةُ الْغَنَائِمِ لِلْفَارِسِ ثَلَاثَةُ أَسْهُمٍ وَلِلرّاجِلِ سَهْمٌ وَقَدْ تَقَدّمَ تَقْرِيرُهُ . وَمِنْهَا : أَنّهُ يَجُوزُ لِآحَادِ الْجَيْشِ إذَا وَجَدَ طَعَامًا أَنْ يَأْكُلَهُ وَلَا يُخَمّسَهُ كَمَا أَخَذَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ الْمُغَفّلِ جِرَابَ الشّحْمِ الّذِي دُلّيَ يَوْمَ خَيْبَرَ وَاخْتُصّ بِهِ بِمَحْضَرِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَمِنْهَا : أَنّهُ إذَا لَحِقَ مَدَدٌ بِالْجَيْشِ بَعْد تَقَضّي الْحَرْبِ فَلَا سَهْمَ لَهُ إلّا بِإِذْنِ الْجَيْشِ وَرِضَاهُمْ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَلّمَ أَصْحَابَهُ فِي أَهْلِ السّفِينَةِ حِينَ قَدِمُوا عَلَيْهِ بِخَيْبَرَ - جَعْفَرٍ وَأَصْحَابِهِ - أَنْ يُسْهِمَ لَهُمْ فَأَسْهَمَ لَهُمْ .
فَصْلُ [ تَحْرِيمِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيّةِ ]
وَمِنْهَا تَحْرِيمُ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيّةِ صَحّ عَنْهُ تَحْرِيمُهَا يَوْمَ خَيْبَرَ وَصَحّ عَنْهُ تَعْلِيلُ التّحْرِيمِ بِأَنّهَا رِجْسٌ وَهَذَا مُقَدّمٌ عَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ مِنْ الصّحَابَةِ إنّمَا حَرّمَهَا لِأَنّهَا كَانَتْ ظَهْرَ الْقَوْمِ وَحَمُولَتَهُمْ فَلَمّا قِيلَ لَهُ فَنِيَ الظّهْرُ وَأُكِلَتْ الْحُمُرُ حَرّمَهَا وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنّمَا حَرّمَهَا لِأَنّهَا لَمْ تُخَمّسْ وَعَلَى قَوْلِ مَنْ قَالَ إنّمَا حَرّمَهَا لِأَنّهَا كَانَتْ حَوْلَ الْقَرْيَةِ وَكَانَتْ تَأْكُلُ الْعَذِرَةَ وَكُلّ هَذَا فِي " الصّحِيحِ " لَكِنّ قَوْلَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّهَا رِجْسٌ مُقَدّمٌ عَلَى هَذَا كُلّهِ لِأَنّهُ مِنْ ظَنّ الرّاوِي وَقَوْلِهِ بِخِلَافِ التّعْلِيلِ بِكَوْنِهَا رِجْسًا . [ ص 304 ] { قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيّ مُحَرّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلّ لِغَيْرِ اللّهِ } [ الْأَنْعَام : 145 ] فَإِنّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ حُرّمَ حِينَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ مِنْ الْمَطَاعِمِ إلّا هَذِهِ الْأَرْبَعَةُ وَالتّحْرِيمُ كَانَ يَتَجَدّدُ شَيْئًا فَشَيْئًا فَتَحْرِيمُ الْحُمُرِ بَعْدَ ذَلِكَ تَحْرِيمٌ مُبْتَدَأٌ لِمَا سَكَتَ عَنْهُ النّصّ لَا أَنّهُ رَافِعٌ لِمَا أَبَاحَهُ الْقُرْآنُ وَلَا مُخَصّصَ لِعُمُومِهِ فَضْلًا عَنْ أَنْ يَكُونَ نَاسِخًا . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلُ [ تَرْجِيحِ الْمُصَنّفِ تَحْرِيمَ الْمُتْعَةِ عَامَ الْفَتْحِ ]
وَلَمْ تُحَرّمْ الْمُتْعَةُ يَوْمَ خَيْبَرَ وَإِنّمَا كَانَ تَحْرِيمُهَا عَامَ الْفَتْحِ هَذَا هُوَ الصّوَابُ وَقَدْ ظَنّ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنّهُ حَرّمَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ وَاحْتَجّوا بِمَا فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ " أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيّةِ . وَفِي " الصّحِيحَيْنِ " أَيْضًا : أَن عَلِيّا رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ سَمِعَ ابْنَ عَبّاسٍ يُلَيّنُ فِي مُتْعَةِ النّسَاءِ فَقَالَ مَهْلًا يَا ابْنَ عَبّاسٍ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " نَهَى عَنْهَا يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيّةِ وَفِي لَفْظٍ لِلْبُخَارِيّ عَنْهُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيّةِ . [ ص 305 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبَاحَهَا عَامَ الْفَتْحِ ثُمّ حَرّمَهَا قَالُوا : حُرّمَتْ ثُمّ أُبِيحَتْ ثُمّ حُرّمَتْ . قَالَ الشّافِعِيّ : لَا أَعْلَمُ شَيْئًا حُرّمَ ثُمّ أُبِيحَ ثُمّ حُرّمَ إلّا الْمُتْعَةَ قَالُوا : نُسِخَتْ مَرّتَيْنِ وَخَالَفَهُمْ فِي ذَلِكَ آخَرُونَ وَقَالُوا : لَمْ تُحَرّمْ إلّا عَامَ الْفَتْحِ وَقَبْلَ ذَلِكَ كَانَتْ مُبَاحَةً . قَالُوا : وَإِنّمَا جَمَعَ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ بَيْنَ الْإِخْبَارِ بِتَحْرِيمِهَا وَتَحْرِيمِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ لِأَنّ ابْنَ عَبّاسٍ كَانَ يُبِيحُهُمَا فَرَوَى لَهُ عَلِيّ تَحْرِيمَهُمَا عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَدّا عَلَيْهِ وَكَانَ تَحْرِيمُ الْحُمُرِ يَوْمَ خَيْبَرَ بِلَا شَكّ وَقَدْ ذَكَرَ يَوْمَ خَيْبَرَ ظَرْفًا لِتَحْرِيمِ الْحُمُرِ وَأَطْلَقَ تَحْرِيمَ الْمُتْعَةِ وَلَمْ يُقَيّدْهُ بِزَمَنٍ كَمَا جَاءَ ذَلِكَ فِي " مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ " بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَرّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ وَحَرّمَ مُتْعَةَ النّسَاءِ وَفِي لَفْظٍ حَرّمَ مُتْعَةَ النّسَاءِ وَحَرّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ هَكَذَا رَوَاهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ مُفَصّلًا مُمَيّزًا فَظَنّ بَعْضُ الرّوَاةِ أَنّ يَوْمَ خَيْبَرَ زَمَنٌ لِلتّحْرِيمَيْنِ فَقَيّدَهُمَا بَهْ ثُمّ جَاءَ بَعْضُهُمْ فَاقْتَصَرَ عَلَى أَحَدِ الْمُحَرّمَيْنِ وَهُوَ تَحْرِيمُ الْحُمُرِ وَقَيّدَهُ بِالظّرْفِ فَمِنْ هَا هُنَا نَشَأَ الْوَهْمُ . وَقِصّةُ خَيْبَرَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا الصّحَابَةُ يَتَمَتّعُونَ بِالْيَهُودِيّاتِ وَلَا اسْتَأْذَنُوا فِي ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا نَقَلَهُ أَحَدٌ قَطّ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَلَا كَانَ لِلْمُتْعَةِ فِيهَا ذِكْرٌ الْبَتّةَ لَا فِعْلًا وَلَا تَحْرِيمًا بِخِلَافِ غَزَاةِ الْفَتْحِ فَإِنّ قِصّةَ الْمُتْعَةِ كَانَتْ فِيهَا فِعْلًا وَتَحْرِيمًا مَشْهُورَةً وَهَذِهِ الطّرِيقَةُ أَصَحّ الطّرِيقَتَيْنِ . وَفِيهَا طَرِيقَةٌ ثَالِثَةٌ وَهِيَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يُحَرّمْهَا تَحْرِيمًا عَامًا الْبَتّةَ بَلْ حَرّمَهَا عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا وَأَبَاحَهَا عِنْدَ الْحَاجَةِ إلَيْهَا وَهَذِهِ كَانَتْ طَرِيقَةَ ابْنِ عَبّاسٍ حَتّى كَانَ يُفْتِي بِهَا وَيَقُولُ هِيَ كَالْمَيْتَةِ وَالدّمِ وَلَحْمِ الْخِنْزِيرِ تُبَاحُ عِنْدَ الضّرُورَةِ وَخَشْيَةِ الْعَنَتِ فَلَمْ يَفْهَمْ عَنْهُ أَكْثَرُ النّاسِ ذَلِكَ وَظَنّوا أَنّهُ أَبَاحَهَا إبَاحَةً مُطْلَقَةً وَشَبّبُوا فِي ذَلِكَ بِالْأَشْعَارِ فَلَمّا رَأَى ابْنُ عَبّاسٍ ذَلِك رَجَعَ إلَى الْقَوْلِ بِالتّحْرِيمِ .
فَصْلٌ [جَوَازُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ بِجُزْءٍ مِمّا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ ]
[ ص 306 ] جَوَازُ الْمُسَاقَاةِ وَالْمُزَارَعَةِ بِجُزْءٍ مِمّا يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ مِنْ ثَمَرٍ أَوْ زَرْعٍ كَمَا عَامَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَهْلَ خَيْبَرَ عَلَى ذَلِكَ وَاسْتَمَرّ ذَلِكَ إلَى حِينِ وَفَاتِهِ لَمْ يُنْسَخْ الْبَتّةَ وَاسْتَمَرّ عَمَلُ خُلَفَائِهِ الرّاشِدِينَ عَلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ الْمُؤَاجَرَةِ فِي شَيْءٍ بَلْ مِنْ بَابِ الْمُشَارَكَةِ وَهُوَ نَظِيرُ الْمُضَارَبَةِ سَوَاءً فَمَنْ أَبَاحَ الْمُضَارَبَةَ وَحَرّمَ ذَلِكَ فَقَدْ فَرّقَ بَيْنَ مُتَمَاثِلَيْنِ .
فَصْلٌ [عَدَمُ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْبَذْرِ مِنْ رَبّ الْأَرْضِ ]
وَمِنْهَا أَنّهُ دَفَعَ إلَيْهِمْ الْأَرْضَ عَلَى أَنْ يَعْمَلُوهَا مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَلَمْ يَدْفَعْ إلَيْهِمْ الْبَذْرَ وَلَا كَانَ يَحْمِلُ إلَيْهِمْ الْبَذْرَ مِنْ الْمَدِينَةِ قَطْعًا فَدَلّ عَلَى أَنّ هَدْيَهُ عَدَمُ اشْتِرَاطِ كَوْنِ الْبَذْرِ مِنْ رَبّ الْأَرْضِ وَأَنّهُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْعَامِلِ وَهَذَا كَانَ هَدْيَ خُلَفَائِهِ الرّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ وَكَمَا أَنّهُ هُوَ الْمَنْقُولُ فَهُوَ الْمُوَافِقُ لِلْقِيَاسِ فَإِنّ الْأَرْضَ بِمَنْزِلَةِ رَأْسِ الْمَالِ فِي الْقِرَاضِ وَالْبَذْرُ يَجْرِي مَجْرَى سَقْيِ الْمَاءِ وَلِهَذَا يَمُوتُ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُرْجَعُ إلَى صَاحِبِهِ وَلَوْ كَانَ بِمَنْزِلَةِ رَأْسِ مَالِ الْمُضَارَبَةِ لَاشْتُرِطَ عَوْدُهُ إلَى صَاحِبِهِ وَهَذَا يُفْسِدُ الْمُزَارَعَةَ فَعُلِمَ أَنّ الْقِيَاسَ الصّحِيحَ هُوَ الْمُوَافِقُ لِهَدْيِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَخُلَفَائِهِ الرّاشِدِينَ فِي ذَلِكَ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : خَرْصُ الثّمَارِ عَلَى رُءُوسِ النّخْلِ وَقِسْمَتُهَا كَذَلِكَ وَأَنّ الْقِسْمَةَ لَيْسَتْ بَيْعًا . وَمِنْهَا : الِاكْتِفَاءُ بِخَارِصٍ وَاحِدٍ وَقَاسِمٍ وَاحِدٍ . وَمِنْهَا : جَوَازُ عَقْدِ الْمُهَادَنَةِ عَقْدًا جَائِزًا لِلْإِمَامِ فَسْخُهُ مَتَى شَاءَ . وَمِنْهَا : جَوَازُ تَعْلِيقِ عَقْدِ الصّلْحِ وَالْأَمَانِ بِالشّرْطِ كَمَا عَقَدَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِشَرْطِ أَنْ لَا يُغَيّبُوا وَلَا يَكْتُمُوا . [ ص 307 ]
[جَوَازُ نَسْخِ الْأَمْرِ قَبْلَ فِعْلِهِ ]
وَمِنْهَا : الْأَخْذُ في الْأَحْكَامِ بِالْقَرَائِنِ وَالْأَمَارَاتِ كَمَا قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِكِنَانَةَ الْمَالُ كَثِيرٌ وَالْعَهْدُ قَرِيبٌ فَاسْتَدَلّ بِهَذَا عَلَى كَذِبِهِ فِي قَوْلِهِ أَذْهَبَتْهُ الْحُرُوبُ وَالنّفَقَةُ . وَمِنْهَا : أَنّ مَنْ كَانَ الْقَوْلُ قَوْلَهُ إذَا قَامَتْ قَرِينَةٌ عَلَى كَذِبِهِ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَى قَوْلِهِ وَنُزّلَ مَنْزِلَةَ الْخَائِنِ .
[إذَا خَالَفَ أَهْلُ الذّمّةِ شَيْئًا مِمّا شُرِطَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ ذِمّةٌ ]
وَمِنْهَا : أَنّ أَهْلَ الذّمّةِ إذَا خَالَفُوا شَيْئًا مِمّا شُرِطَ عَلَيْهِمْ لَمْ يَبْقَ لَهُمْ ذِمّةٌ وَحَلّتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ لِأَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَقَدَ لِهَؤُلَاءِ الْهُدْنَةَ وَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنْ لَا يُغَيّبُوا وَلَا يَكْتُمُوا فَإِنْ فَعَلُوا حَلّتْ دِمَاؤُهُمْ وَأَمْوَالُهُمْ فَلَمّا لَمْ يَفُوا بِالشّرْطِ اسْتَبَاحَ دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَبِهَذَا اقْتَدَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ فِي الشّرُوطِ الّتِي اشْتَرَطَهَا عَلَى أَهْلِ الذّمّةِ فَشَرَطَ عَلَيْهِمْ أَنّهُمْ مَتَى خَالَفُوا شَيْئًا مِنْهَا فَقَدْ حَلّ لَهُ مِنْهُمْ مَا يَحِلّ مِنْ أَهْلِ الشّقَاقِ وَالْعَدَاوَةِ .
[جَوَازُ الْأَخْذِ فِي الْأَحْكَامِ بِالْقَرَائِنِ ]
وَمِنْهَا : جَوَازُ نَسْخِ الْأَمْرِ قَبْلَ فِعْلِهِ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَهُمْ بِكَسْرِ الْقُدُورِ ثُمّ نَسَخَهُ عَنْهُمْ بِالْأَمْرِ بِغَسْلِهَا . وَمِنْهَا : أَنّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا يَطْهُرُ بِالذّكَاةِ لَا جِلْدُهُ وَلَا لَحْمُهُ وَأَنّ ذَبِيحَتَهُ بِمَنْزِلَةِ مَوْتِهِ وَأَنّ الذّكَاةَ إنّمَا تَعْمَلُ فِي مَأْكُولِ اللّحْمِ .
[الْغُلُولُ قَبْلَ الْقَسْمِ لَا يَمْلِكُ وَإِنْ كَانَ دُونَ الْحَقّ ]
وَمِنْهَا : أَنّ مَنْ أَخَذَ مِنْ الْغَنِيمَةِ شَيْئًا قَبْلَ قِسْمَتِهَا لَمْ يَمْلِكْهُ وَإِنْ كَانَ دُونَ حَقّهِ وَأَنّهُ إنّمَا يَمْلِكُهُ بِالْقِسْمَةِ وَلِهَذَا قَالَ فِي صَاحِبِ الشّمْلَةِ الّتِي غَلّهَا : إنّهَا تَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا وَقَالَ لِصَاحِبِ الشّرَاكِ الّذِي غَلّهُ شِرَاكٌ مِنْ نَار [ ص 308 ] أَرْضِ الْعَنْوَةِ بَيْنَ قِسْمَتِهَا وَتَرْكِهَا وَقَسْمِ بَعْضِهَا وَتَرْكِ بَعْضِهَا .
[اسْتِحْبَابُ التّفَاؤُلِ ]
وَمِنْهَا : جَوَازُ التّفَاؤُلِ بَلْ اسْتِحْبَابُهُ بِمَا يَرَاهُ أَوْ يَسْمَعُهُ مِمّا هُوَ مِنْ أَسْبَابِ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ وَإِعْلَامِهِ كَمَا تَفَاءَلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِرُؤْيَةِ الْمَسَاحِي وَالْفُؤُوسِ وَالْمَكَاتِلِ مَعَ أَهْلِ خَيْبَرَ فَإِنّ ذَلِكَ فَأْلٌ فِي خَرَابِهَا .
[جَوَازُ إجْلَاءِ أَهْلِ الذّمّةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا اُسْتُغْنِيَ عَنْهُمْ ]
وَمِنْهَا : جَوَازُ إجْلَاءِ أَهْلِ الذّمّةِ مِنْ دَارِ الْإِسْلَامِ إذَا اُسْتُغْنِيَ عَنْهُمْ كَمَا قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نُقِرّكُمْ مَا أَقَرّكُمْ اللّه وَقَالَ لِكَبِيرِهِمْ كَيْفَ بِكَ إذَا رَقَصَتْ بِكَ رَاحِلَتُكَ نَحْوَ الشّامِ يَوْمًا ثُمّ يَوْمًا وَأَجْلَاهُمْ عُمَرُ بَعْدَ مَوْتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهَذَا مَذْهَبُ مُحَمّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطّبَرِيّ وَهُوَ قَوْلٌ قَوِيّ يَسُوغُ الْعَمَلُ بِهِ إذَا رَأَى الْإِمَامُ فِيهِ الْمَصْلَحَةَ . وَلَا يُقَالُ أَهْلُ خَيْبَرَ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ ذِمّةٌ بَلْ كَانُوا أَهْلَ هُدْنَةٍ فَهَذَا كَلَامٌ لَا حَاصِلَ تَحْتَهُ فَإِنّهُمْ كَانُوا أَهْلَ ذِمّةٍ قَدْ أَمِنُوا بِهَا عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ أَمَانًا مُسْتَمِرّا نَعَمْ لَمْ تَكُنْ الْجِزْيَةُ قَدْ شُرِعَتْ وَنَزَلَ فَرْضُهَا وَكَانُوا أَهْلَ ذِمّةٍ بِغَيْرِ جِزْيَةٍ فَلَمّا نَزَلَ فَرْضُ الْجِزْيَةِ اُسْتُؤْنِفَ ضَرْبُهَا عَلَى مَنْ يُعْقَدُ لَهُ الذّمّةُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ وَالْمَجُوسِ فَلَمْ يَكُنْ عَدَمُ أَخْذِ الْجِزْيَةِ مِنْهُمْ لِكَوْنِهِمْ لَيْسُوا أَهْلَ ذِمّةٍ بَلْ لِأَنّهَا لَمْ تَكُنْ نَزَلَ فَرْضُهَا بَعْدُ . وَأَمّا كَوْنُ الْعَقْدِ غَيْرَ مُؤَبّدٍ فَذَاكَ لِمُدّةِ إقْرَارِهِمْ فِي أَرْضِ خَيْبَرَ لَا لِمُدّةِ حَقْنِ دِمَائِهِمْ ثُمّ يَسْتَبِيحُهَا الْإِمَامُ مَتَى شَاءَ فَلِهَذَا قَالَ نُقِرّكُمْ مَا أَقَرّكُمْ اللّهُ أَوْ مَا شِئْنَا وَلَمْ يَقُلْ نَحْقِنُ دِمَاءَكُمْ مَا شِئْنَا وَهَكَذَا كَانَ عَقْدُ الذّمّةِ لِقُرَيْظَةَ وَالنّضِيرِ عَقْدًا مَشْرُوطًا بِأَنْ لَا يُحَارِبُوهُ وَلَا يُظَاهِرُوا عَلَيْهِ وَمَتَى فَعَلُوا فَلَا ذِمّةَ لَهُمْ وَكَانُوا أَهْلَ ذِمّةٍ بِلَا جِزْيَةٍ إذْ لَمْ يَكُنْ نَزَلَ فَرْضُهَا إذْ ذَاكَ وَاسْتَبَاحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَبْيَ نِسَائِهِمْ وَذَرَارِيّهِمْ وَجَعَلَ نَقْضَ الْعَهْدِ سَارِيًا فِي حَقّ النّسَاءِ وَالذّرّيّةِ وَجَعَلَ حُكْمَ السّاكِتِ وَالْمُقِرّ حُكْمَ النّاقِضِ وَالْمُحَارِبِ وَهَذَا مُوجَبُ هَدْيِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي أَهْلِ الذّمّةِ بَعْدَ الْجِزْيَةِ أَيْضًا أَنْ يَسْرِي نَقْضُ الْعَهْدِ فِي [ ص 309 ] وَنِسَائِهِمْ وَلَكِنْ هَذَا إذَا كَانَ النّاقِضُونَ طَائِفَةً لَهُمْ شَوْكَةٌ وَمَنَعَةٌ أَمّا إذَا كَانَ النّاقِضُ وَاحِدًا مِنْ طَائِفَةٍ لَمْ يُوَافِقْهُ بَقِيّتُهُمْ فَهَذَا لَا يَسْرِي النّقْضُ إلَى زَوْجَتِهِ وَأَوْلَادِهِ كَمَا أَنّ مَنْ أَهْدَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دِمَاءَهُمْ مِمّنْ كَانَ يَسُبّهُ لَمْ يَسُبّ نِسَاءَهُمْ وَذُرّيّتَهُمْ فَهَذَا هَدْيُهُ فِي هَذَا وَهُوَ الّذِي لَا مَحِيدَ عَنْهُ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ .
[جَوَازُ جَعْلِ عِتْقِ الرّجُلِ أَمَتَهُ صَدَاقًا لَهَا بِغَيْرِ إذْنِهَا وَبِلَا شُهُودٍ وَلَا وَلِيّ غَيْرِهِ ]
وَمِنْهَا : جَوَازُ عِتْقِ الرّجُلِ أَمَتَهُ وَجَعْلِ عِتْقِهَا صَدَاقًا لَهَا وَيَجْعَلُهَا زَوْجَتَهُ بِغَيْرِ إذْنِهَا وَلَا شُهُودٍ وَلَا وَلِيّ غَيْرِهِ وَلَا لَفْظِ إنْكَاحٍ وَلَا تَزْوِيجٍ كَمَا فَعَلَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِصَفِيّةَ وَلَمْ يَقِلْ قَطّ هَذَا خَاصّ بِي وَلَا أَشَارَ إلَى ذَلِك مَعَ عِلْمِهِ بِاقْتِدَاءِ أُمّتِهِ بَهْ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ الصّحَابَةِ إنّ هَذَا لَا يَصْلُحُ لِغَيْرِهِ بَلْ رَوَوْا الْقِصّةَ وَنَقَلُوهَا إلَى الْأُمّةِ وَلَمْ يَمْنَعُوهُمْ وَلَا رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي ذَلِكَ وَاَللّهُ سُبْحَانَهُ لَمّا خَصّهُ فِي النّكَاحِ بِالْمَوْهُوبَةِ قَالَ { خَالِصَةً لَكَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } [ الْأَحْزَابَ 50 ] ؛ فَلَوْ كَانَتْ هَذِهِ خَالِصَةً لَهُ مِنْ دُونِ أُمّتِهِ لَكَانَ هَذَا التّخْصِيصُ أَوْلَى بِالذّكْرِ لِكَثْرَةِ ذَلِكَ مِنْ السّادَاتِ مَعَ إمَائِهِمْ بِخِلَافِ الْمَرْأَةِ الّتِي تَهَبُ نَفْسَهَا لِلرّجُلِ لِنُدْرَتِهِ وَقِلّتِهِ أَوْ مِثْلُهُ فِي الْحَاجَةِ إلَى الْبَيَانِ وَلَا سِيّمَا وَالْأَصْلُ مُشَارَكَةُ الْأُمّةِ لَهُ وَاقْتِدَاؤُهَا بَهْ فَكَيْفَ يَسْكُتُ عَنْ مَنْعِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ الّذِي لَا يَجُوزُ مَعَ قِيَامِ مُقْتَضَى الْجَوَازِ هَذَا شِبْهُ الْمُحَالِ وَلَمْ تَجْتَمِعْ الْأُمّةُ عَلَى عَدَمِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ فِي ذَلِكَ فَيَجِبُ الْمَصِيرُ إلَى إجْمَاعِهِمْ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . وَالْقِيَاسُ الصّحِيحُ يَقْتَضِي جَوَازَ ذَلِكَ فَإِنّهُ يَمْلِكُ رَقَبَتَهَا وَمَنْفَعَةَ وَطْئِهَا وَخِدْمَتِهَا فَلَهُ أَنْ يُسْقِطَ حَقّهُ مِنْ مِلْكِ الرّقَبَةِ وَيَسْتَبْقِيَ مِلْكَ الْمَنْفَعَةِ أَوْ نَوْعًا مِنْهَا كَمَا لَوْ أَعْتَقَ عَبْدَهُ وَشَرَطَ عَلَيْهِ أَنْ يَخْدِمَهُ مَا عَاشَ فَإِذَا أَخْرَجَ الْمَالِكُ رَقَبَةَ مِلْكِهِ وَاسْتَثْنَى نَوْعًا مِنْ مَنْفَعَتِهِ لَمْ يُمْنَعْ مِنْ ذَلِكَ فِي عَقْدِ الْبَيْعِ فَكَيْفَ يُمْنَعُ مِنْهُ فِي عَقْدِ النّكَاحِ وَلَمّا كَانَتْ مَنْفَعَةُ الْبُضْعِ لَا تُسْتَبَاحُ إلّا بِعَقْدِ نِكَاحٍ أَوْ مِلْكِ يَمِينٍ وَكَانَ إعْتَاقُهَا يُزِيلُ مِلْكَ الْيَمِينِ عَنْهَا كَانَ مِنْ ضَرُورَةِ اسْتِبَاحَةِ هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ جَعْلُهَا زَوْجَةً وَسَيّدُهَا كَانَ يَلِي [ ص 310 ] شَاءَ بِغَيْرِ رِضَاهَا فَاسْتَثْنَى لِنَفْسِهِ مَا كَانَ يَمْلِكُهُ مِنْهَا وَلَمّا كَانَ مِنْ ضَرُورَتِهِ عَقْدُ النّكَاحِ مَلَكَهُ لِأَنّ بَقَاءَ مِلْكِهِ الْمُسْتَثْنَى لَا يَتِمّ إلّا بِهِ فَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ الصّحِيحِ الْمُوَافِقِ لِلسّنَةِ الصّحِيحَةِ وَاَللّهِ أَعْلَمُ .
[جَوَازُ كَذِبِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ إذَا كَانَ يَتَوَصّلُ بِالْكَذِبِ إلَى حَقّهِ مَا لَمْ يَتَضَمّنْ ضَرَرَ ذَلِكَ الْغَيْرِ ]
وَمِنْهَا : جَوَازُ كَذِبِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَعَلَى غَيْرِهِ إذَا لَمْ يَتَضَمّنْ ضَرَرَ ذَلِكَ الْغَيْرِ إذَا كَانَ يَتَوَصّلُ بِالْكَذِبِ إلَى حَقّهِ كَمَا كَذَبَ الْحَجّاجُ بْنُ عِلَاطٍ عَلَى الْمُسْلِمِينَ حَتّى أَخَذَ مَالَهُ مِنْ مَكّةَ مِنْ غَيْرِ مَضَرّةٍ لَحِقَتْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ ذَلِكَ الْكَذِبِ وَأَمّا مَا نَالَ مَنْ بِمَكّةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ الْأَذَى وَالْحُزْنِ فَمَفْسَدَةٌ يَسِيرَةٌ فِي جَنْبِ الْمَصْلَحَةِ الّتِي حَصَلَتْ بِالْكَذِبِ وَلَا سِيّمَا تَكْمِيلُ الْفَرَحِ وَالسّرُورِ وَزِيَادَةُ الْإِيمَانِ الّذِي حَصَلَ بِالْخَبَرِ الصّادِقِ بَعْدَ هَذَا الْكَذِبِ فَكَانَ الْكَذِبُ سَبَبًا فِي حُصُولِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ وَنَظِيرُ هَذَا الْإِمَامُ وَالْحَاكِمُ يُوهِمُ الْخَصْمَ خِلَافَ الْحَقّ لِيَتَوَصّلَ بِذَلِكَ إلَى اسْتِعْلَامِ الْحَقّ كَمَا أَوْهَمَ سُلَيْمَانُ بْنُ دَاوُدَ إحْدَى الْمَرْأَتَيْنِ بِشَق الْوَلَدِ نِصْفَيْنِ حَتّى تَوَصّلَ بِذَلِكَ إلَى مَعْرِفَةِ عَيْنِ الْأُمّ وَمِنْهَا : جَوَازُ بِنَاءِ الرّجُلِ بِامْرَأَتِهِ فِي السّفَرِ وَرُكُوبِهَا مَعَهُ عَلَى دَابّةٍ بَيْنَ الْجَيْشِ . وَمِنْهَا : أَنّ مَنْ قَتَلَ غَيْرَهُ بِسُمّ يَقْتُلُ مِثْلُهُ قُتِلَ بِهِ قِصَاصًا كَمَا قُتِلَتْ الْيَهُودِيّةُ بِبِشْرِ بْن الْبَرَاءِ . وَمِنْهَا : جَوَازُ الْأَكْلِ مِنْ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَحِلّ طَعَامِهِمْ .
[الِاخْتِلَافُ فِي مُوجِبِ قَتْلِ الْيَهُودِيّةِ ]
وَمِنْهَا : قَبُولُ هَدِيّةِ الْكَافِرِ . فَإِنْ قِيلَ فَلَعَلّ الْمَرْأَةَ قُتِلَتْ لِنَقْضِ الْعَهْدِ لِحِرَابِهَا بِالسّمّ لَا قِصَاصًا قِيلَ لَوْ كَانَ قَتْلُهَا لِنَقْضِ الْعَهْدِ لَقُتِلَتْ مِنْ حِينِ أَقَرّتْ أَنّهَا سَمّتْ الشّاةَ وَلَمْ يَتَوَقّفْ قَتْلُهَا عَلَى مَوْتِ الْآكِلِ مِنْهَا . [ ص 311 ] قِيلَ فَهَلّا قُتِلَتْ بِنَقْضِ الْعَهْدِ ؟ قِيلَ هَذَا حَجّةُ مَنْ قَالَ إنّ الْإِمَامَ مُخَيّرٌ فِي نَاقِضِ الْعَهْدِ كَالْأَسِيرِ . فَإِنْ قِيلَ فَأَنْتُمْ تُوجِبُونَ قَتْلَهُ حَتْمًا كَمَا هُوَ مَنْصُوصُ أَحْمَدَ وَإِنّمَا الْقَاضِي أَبُو يَعْلَى وَمَنْ تَبِعَهُ قَالُوا : يُخَيّرُ الْإِمَامُ فِيهِ قِيلَ إنْ كَانَتْ قِصّةُ الشّاةِ قَبْلَ الصّلْحِ فَلَا حُجّةَ فِيهَا وَإِنْ كَانَتْ بَعْدَ الصّلْحِ فَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي نَقْضِ الْعَهْدِ بِقَتْلِ الْمُسْلِمِ عَلَى قَوْلَيْنِ فَمَنْ لَمْ يَرَ النّقْضَ بِهِ فَظَاهِرٌ وَمَنْ رَأَى النّقْضَ بِهِ فَهَلْ يَتَحَتّمُ قَتْلُهُ أَوْ يُخَيّرُ فِيهِ أَوْ يُفْصَلُ بَيْنَ بَعْضِ الْأَسْبَابِ النّاقِضَةِ وَبَعْضِهَا فَيَتَحَتّمُ قَتْلُهُ بِسَبَبِ السّبَبِ وَيُخَيّرُ فِيهِ إذَا نَقَضَهُ بِحِرَابِهِ وَلُحُوقِهِ بِدَارِ الْحَرْبِ وَإِنْ نَقَضَهُ بِسِوَاهُمَا كَالْقَتْلِ وَالزّنَى بِالْمُسْلِمَةِ وَالتّجَسّسِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَإِطْلَاعِ الْعَدُوّ عَلَى عَوْرَاتِهِمْ ؟ فَالْمَنْصُوصُ تَعَيّنُ الْقَتْلِ وَعَلَى هَذَا فَهَذِهِ الْمَرْأَةُ لَمّا سَمّتْ الشّاةَ صَارَتْ بِذَلِكَ مُحَارِبَةً وَكَانَ قَتْلُهَا مُخَيّرًا فِيهِ فَلَمّا مَاتَ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ السّمّ قُتِلَتْ حَتْمًا إمّا قِصَاصًا وَإِمّا لِنَقْضِ الْعَهْدِ بِقَتْلِهَا الْمُسْلِمَ فَهَذَا مُحْتَمَلٌ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
[هَلْ فُتِحَتْ خَيْبَرُ عَنْوَةً أَمْ صُلْحًا ؟ وَالْأَحْكَامُ الْمُتَرَتّبَةُ عَلَى ذَلِكَ ]
وَاخْتُلِفَ فِي فَتْحِ خَيْبَرَ : هَلْ كَانَ عَنْوَةً أَوْ كَانَ بَعْضُهَا صُلْحًا وَبَعْضُهَا عَنْوَةً ؟ فَرَوَى أَبُو دَاوُدَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ غَزَا خَيْبَرَ فَأَصَبْنَاهَا عَنْوَةً فَجُمِعَ السّبْيُ وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : سَأَلْتُ ابْنَ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ عَنْوَةً بَعْدَ الْقِتَالِ وَذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ : بَلَغَنِي أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ افْتَتَحَ خَيْبَرَ عَنْوَةً بَعْدَ الْقِتَالِ وَنَزَلَ مَنْ نَزَلَ مَنْ أَهْلِهَا عَلَى الْجَلَاءِ بَعْدَ الْقِتَالِ [ ص 312 ] قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرّ : هَذَا هُوَ الصّحِيحُ فِي أَرْضِ خَيْبَرَ أَنّهَا كَانَتْ عَنْوَةً كُلّهَا مَغْلُوبًا عَلَيْهَا بِخِلَافِ فَدَكٍ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَسَمَ جَمِيعَ أَرْضِهَا عَلَى الْغَانِمِينَ لَهَا الْمُوجِفِينَ عَلَيْهَا بِالْخَيْلِ وَالرّكَابِ وَهُمْ أَهْلُ الْحُدَيْبِيَةِ وَلَمْ يَخْتَلِفْ الْعُلَمَاءُ أَنّ أَرْضَ خَيْبَرَ مَقْسُومَةٌ وَإِنّمَا اخْتَلَفُوا : هَلْ تُقْسَمُ الْأَرْضُ إذَا غُنِمَتْ الْبِلَادُ أَوْ تُوقَفُ ؟ فَقَالَ الْكُوفِيّونَ : الْإِمَامُ مُخَيّرٌ بَيْنَ قِسْمَتِهَا كَمَا فَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِأَرْضِ خَيْبَرَ وَمِنْ إيقَافِهَا كَمَا فَعَلَ عُمَرُ بِسَوَادِ الْعِرَاقِ . وَقَالَ الشّافِعِيّ : تُقْسَمُ الْأَرْضُ كُلّهَا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَيْبَرَ لِأَنّ الْأَرْضَ غَنِيمَةٌ كَسَائِرِ أَمْوَالِ الْكُفّارِ . وَذَهَبَ مَالِكٌ إلَى إيقَافِهَا اتّبَاعًا لِعُمَرَ لِأَنّ الْأَرْضَ مَخْصُوصَةٌ مِنْ سَائِرِ الْغَنِيمَةِ بِمَا فَعَلَ عُمَرُ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ الصّحَابَةِ مِنْ إيقَافِهَا لِمَنْ يَأْتِي بَعْدَهُ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ سَمِعْتُ عُمَرَ يَقُولُ لَوْلَا أَنْ يُتْرَكَ آخِرُ النّاسِ لَا شَيْءَ لَهُمْ مَا افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ قَرْيَةً إلّا قَسَمْتُهَا سُهْمَانًا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خيبر سهمانا وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّ أَرْضَ خَيْبَرَ قُسِمَتْ كُلّهَا سُهْمَانًا كَمَا قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ . وَأَمّا مَنْ قَالَ إنّ خَيْبَرَ كَانَ بَعْضُهَا صُلْحًا وَبَعْضُهَا عَنْوَةً فَقَدْ وَهِمَ وَغَلِطَ وَإِنّمَا دَخَلَتْ عَلَيْهِمْ الشّبْهَةُ بِالْحِصْنَيْنِ اللّذَيْنِ أَسْلَمَهُمَا أَهْلُهُمَا فِي حَقْنِ دِمَائِهِمْ فَلَمّا لَمْ يَكُنْ أَهْلٌ ذَيْنِكَ الْحِصْنَيْنِ مِنْ الرّجَالِ وَالنّسَاءِ وَالذّرّيّةِ [ ص 313 ] وَلَعَمْرِي إنّ ذَلِكَ فِي الرّجَالِ وَالنّسَاءِ وَالذّرّيّةِ كَضَرْبٍ مِنْ الصّلْحِ وَلَكِنّهُمْ لَمْ يَتْرُكُوا أَرْضَهُمْ إلّا بِالْحِصَارِ وَالْقِتَالِ فَكَانَ حُكْمُ أَرْضِهِمَا حُكْمَ سَائِرِ أَرْضِ خَيْبَرَ كُلّهَا عَنْوَةً غَنِيمَةً مَقْسُومَةً بَيْنَ أَهْلِهَا . وَرُبّمَا شُبّهَ عَلَى مَنْ قَالَ إنّ نِصْفَ خَيْبَرَ صُلْحٌ وَنِصْفَهَا عَنْوَةٌ بِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ : أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَسَمَ خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ : نِصْفًا لَهُ وَنِصْفًا لِلْمُسْلِمِينَ قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَلَوْ صَحّ هَذَا لَكَانَ مَعْنَاهُ أَنّ النّصْفَ لَهُ مَعَ سَائِرِ مَنْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ النّصْفِ مَعَهُ لِأَنّهَا قُسِمَتْ عَلَى سِتّةٍ وَثَلَاثِينَ سَهْمًا فَوَقَعَ السّهْمُ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَطَائِفَةٍ مَعَهُ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا وَوَقَعَ سَائِرُ النّاسِ فِي بَاقِيهَا وَكُلّهُمْ مِمّنْ شَهِدَ الْحُدَيْبِيَة َ ثُمّ خَيْبَرَ وَلَيْسَتْ الْحُصُونُ الّتِي أَسْلَمَهَا أَهْلُهَا بَعْدَ الْحِصَارِ وَالْقِتَالِ صُلْحًا وَلَوْ كَانَتْ صُلْحًا لَمَلَكَهَا أَهْلُهَا كَمَا يَمْلِكُ أَهْلُ الصّلْحِ أَرْضَهُمْ وَسَائِرَ أَمْوَالِهِمْ فَالْحَقّ فِي هَذَا مَا قَالَهُ ابْنُ إسْحَاقَ دُونَ مَا قَالَهُ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ هَذَا آخِرُ كَلَامِ أَبِي عُمَرَ . قُلْت : ذَكَرَ مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَاب ٍ أَنّ خَيْبَرَ كَانَ بَعْضُهَا عَنْوَةً وَبَعْضُهَا صُلْحًا وَالْكُتَيْبَةُ أَكْثَرُهَا عَنْوَةً وَفِيهَا صُلْحٌ . قَالَ مَالِكٌ : وَالْكُتَيْبَةُ أَرْضُ خَيْبَرَ وَهُوَ أَرْبَعُونَ أَلْفَ عَذْقٍ . وَقَالَ مَالِكٌ : عَنْ الزّهْرِيّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيّبِ : أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ افْتَتَحَ بَعْضَ خَيْبَرَ عَنْوَةً
فَصْلٌ [ الِانْصِرَافُ إلَى وَادِي الْقُرَى ]
ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ خَيْبَرَ إلَى وَادِي الْقُرَى وَكَانَ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ [ ص 314 ]
[ قَتْلُ مِدْعَمٍ عَبْدِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبَيَانُ أَنّهُ كَانَ غَالّا]
الْيَهُودِ وَقَدْ انْضَافَ إلَيْهِمْ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعَرَبِ فَلَمّا نَزَلُوا اسْتَقْبَلَهُمْ يَهُودُ بِالرّمْيِ وَهُمْ عَلَى غَيْرِ تَعْبِئَةٍ فَقُتِلَ مِدْعَمٌ عَبْدُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ النّاسُ هَنِيئًا لَهُ الْجَنّةُ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَلّا وَاَلّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنّ الشّمْلَةَ الّتِي أَخَذَهَا يَوْمَ خَيْبَرَ مِنْ الْمَغَانِمِ لَمْ تُصِبْهَا الْمَقَاسِمُ لَتَشْتَعِلُ عَلَيْهِ نَارًا فَلَمّا سَمِعَ بِذَلِكَ النّاسُ جَاءَ رَجُلٌ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِشِرَاكٍ أَوْ شِرَاكَيْنِ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شِرَاكٌ مِنْ نَارٍ أَوْ شِرَاكَانِ مِنْ نَارٍ
[ فَتْحُ وَادِي الْقُرَى ]
[ مُصَالَحَةُ يَهُودِ تَيْمَاءَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
[ إخْرَاجُ عُمَرَ يَهُودَ خَيْبَرَ وَفَدَكٍ مِنْ جَزِيرَةِ الْعَرَبِ ]
فَعَبّأَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَصْحَابَهُ لِلْقِتَالِ وَصَفّهُمْ وَدَفَعَ لِوَاءَهُ إلَى سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ وَرَايَةً إلَى الْحُبَابِ بْنِ الْمُنْذِرِ وَرَايَةً إلَى سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ وَرَايَةً إلَى عَبّادِ بْنِ بِشْرٍ ثُمّ دَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَأَخْبَرَهُمْ أَنّهُمْ إنْ أَسْلَمُوا أَحْرَزُوا أَمْوَالَهُمْ وَحَقَنُوا دِمَاءَهُمْ وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللّهِ فَبَرَزَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَبَرَزَ إلَيْهِ الزّبَيْرُ بْنُ الْعَوّامِ فَقَتَلَهُ ثُمّ بَرَزَ آخَرُ فَقَتَلَهُ ثُمّ بَرَزَ آخَرُ فَبَرَزَ إلَيْهِ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَقَتَلَهُ حَتّى قَتَلَ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا كُلّمَا قُتِلَ مِنْهُمْ رَجُلٌ دَعَا مَنْ بَقِيَ إلَى الْإِسْلَامِ وَكَانَتْ الصّلَاةُ تَحْضُرُ ذَلِكَ الْيَوْمَ فَيُصَلّي بِأَصْحَابِهِ ثُمّ يَعُودُ فَيَدَعُوهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَإِلَى اللّهِ وَرَسُولِهِ فَقَاتَلَهُمْ حَتّى أَمْسَوْا وَغَدَا عَلَيْهِمْ فَلَمْ تَرْتَفِعْ الشّمْسُ قَيْدَ رُمْحٍ حَتّى أَعْطَوْا مَا بِأَيْدِيهِمْ وَفَتَحَهَا عَنْوَةً وَغَنّمَهُ اللّهُ أَمْوَالَهُمْ وَأَصَابُوا أَثَاثًا وَمَتَاعًا كَثِيرًا وَأَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِوَادِي الْقُرَى أَرْبَعَةَ أَيّامٍ وَقَسَمَ مَا أَصَابَ عَلَى أَصْحَابِهِ بِوَادِي الْقُرَى وَتَرَكَ الْأَرْضَ وَالنّخْلَ بِأَيْدِي الْيَهُودِ وَعَامَلَهُمْ عَلَيْهَا فَلَمّا بَلَغَ يَهُودَ تَيْمَاءَ مَا وَاطَأَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَهْلَ خَيْبَرَ وَفَدَكٍ وَوَادِي الْقُرَى صَالَحُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَقَامُوا بِأَمْوَالِهِمْ فَلَمّا كَانَ زَمَنُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَخْرَجَ يَهُودَ خَيْبَرَ وَفَدَكٍ وَلَمْ يُخْرِجْ أَهْلَ تَيْمَاءَ
[ الرّجُوعُ إلَى الْمَدِينَةِ ]
[ ص 315 ] وَوَادِي الْقُرَى لِأَنّهُمَا دَاخِلَتَانِ فِي أَرْضِ الشّامِ وَيُرَى أَنّ مَا دُونَ وَادِي الْقُرَى إلَى الْمَدِينَةِ حِجَازٌ وَأَنّ مَا وَرَاءَ ذَلِكَ مِنْ الشّامِ وَانْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ .
[ نَوْمُ الْمُسْلِمِينَ عَنْ الْفَجْرِ ]
فَلَمّا كَانَ بِبَعْضِ الطّرِيقِ سَارَ لَيْلَهُ حَتّى إذَا كَانَ بِبَعْضِ الطّرِيقِ أَدْرَكَهُمْ الْكَرَى عَرّسَ وَقَالَ لِبِلَالٍ : اكْلَأْ لَنَا اللّيْلَ [ فَصَلّى بِلَالٌ مَا قُدّرَ لَهُ وَنَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ فَلَمّا تَقَارَبَ الْفَجْرُ اسْتَنَدَ بِلَالٌ إلَى رَاحِلَتِهِ مُوَاجِهَ الْفَجْرِ ] فَغَلَبَتْ بِلَالًا عَيْنَاهُ وَهُوَ مُسْتَنِدٌ إلَى رَاحِلَتِهِ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا بِلَالٌ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ حَتّى ضَرَبَتْهُمْ الشّمْسُ فَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَوّلَهُمْ اسْتِيقَاظًا فَفَزِعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ " أَيْ بِلَال " ؟ فَقَالَ أَخَذَ بِنَفْسِي الّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي يَا رَسُولَ اللّهِ فَاقْتَادُوا رَوَاحِلَهُمْ شَيْئًا حَتّى خَرَجُوا مِنْ ذَلِكَ الْوَادِي ثُمّ قَالَ هَذَا وَادٍ بِهِ شَيْطَانٌ فَلَمّا جَاوَزَهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَنْزِلُوا وَأَنْ يَتَوَضّئُوا ثُمّ صَلّى سُنّةَ الْفَجْرِ ثُمّ أَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصّلَاةَ وَصَلّى بِالنّاسِ ثُمّ انْصَرَفَ إلَيْهِمْ وَقَدْ رَأَى مِنْ فَزَعِهِمْ وَقَالَ يَا أَيّهَا النّاسُ إنّ اللّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا وَلَوْ شَاءَ لَرَدّهَا إلَيْنَا فِي حِينٍ غَيْرِ هَذَا فَإِذَا رَقَدَ أَحَدُكُمْ عَنْ الصّلَاةِ أَوْ نَسِيَهَا ثُمّ فَزِعَ إلَيْهَا فَلْيُصَلّهَا كَمَا كَانَ يُصَلّيهَا فِي وَقْتِهَ ا ثُمّ الْتَفَتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى أَبِي بَكْر ٍ فَقَالَ إنّ الشّيْطَانَ أَتَى بِلَالًا وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلّي فَأَضْجَعَهُ فَلَمْ يَزَلْ يُهَدّئُهُ كَمَا يُهَدّأُ الصّبِيّ حَتّى نَامَ ثُمّ دَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِلَالًا فَأَخْبَرَهُ بِمِثْلِ مَا أَخْبَرَ بِهِ أَبَا بَكْرٍ .
[ الِاخْتِلَافُ فِي زَمَنِ هَذِهِ الْقِصّةِ ]
وَقَدْ رُوِيَ أَنّ هَذِهِ الْقِصّةَ كَانَتْ فِي مَرْجِعِهِمْ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ وَرُوِيَ أَنّهَا كَانَتْ [ ص 316 ] غَزْوَةِ تَبُوكَ وَقَدْ رَوَى قِصّةَ النّوْمِ عَنْ صَلَاةِ الصّبْحِ عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ وَلَمْ يُوَقّتْ مُدّتَهَا وَلَا ذَكَرَ فِي أَيّ غَزْوَةٍ كَانَتْ وَكَذَلِكَ رَوَاهَا أَبُو قَتَادَةَ كِلَاهُمَا فِي قِصّةٍ طَوِيلَةٍ مَحْفُوظَةٍ . وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنّ ذَلِكَ كَانَ بِطَرِيقِ مَكّةَ وَهَذَا مُرْسَلٌ . وَقَدْ رَوَى شُعْبَةُ عَنْ جَامِعِ بْنِ شَدّادٍ قَالَ سَمِعْتُ عَبْدَ الرّحْمَنِ بْنَ أَبِي عَلْقَمَةَ قَالَ سَمِعْت عَبْدَ اللّهِ بْنَ مَسْعُودٍ قَالَ أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ يَكْلَؤُنَا ؟ فَقَالَ بِلَالٌ أَنَا فَذَكَرَ الْقِصّةَ . لَكِنْ قَدْ اضْطَرَبَتْ الرّوَاةُ فِي هَذِهِ الْقِصّةِ فَقَالَ عَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيّ عَنْ شُعْبَةَ عَنْ جَامِعٍ إنّ الْحَارِسَ فِيهَا كَانَ ابْنَ مَسْعُودٍ وَقَالَ غُنْدَرٌ عَنْهُ إنّ الْحَارِسَ كَانَ بِلَالًا وَاضْطَرَبَتْ الرّوَايَةُ فِي تَارِيخِهَا فَقَالَ الْمُعْتَمِرُ بْنُ سُلَيْمَانَ : عَنْ شُعْبَةَ عَنْهُ إنّهَا كَانَتْ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ وَقَالَ غَيْرُهُ عَنْهُ إنّهَا كَانَتْ فِي مَرْجِعِهِمْ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ فَدَلّ عَلَى وَهْمٍ وَقَعَ فِيهَا وَرِوَايَةُ الزّهْرِيّ عَنْ سَعِيدٍ سَالِمَةٌ مِنْ ذَلِكَ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ .
فَصْلٌ فِي فِقْهِ هَذِهِ الْقِصّةِ
فِيهَا : أَنّ مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَوَقْتُهَا حِينَ يَسْتَيْقِظُ أَوْ يَذْكُرُهَا . [ ص 317 ]
[ السّنَنُ الرّوَاتِبُ تُقْضَى ]
وَفِيهَا : أَنّ السّنَنَ الرّوَاتِبَ تُقْضَى كَمَا تُقْضَى الْفَرَائِضُ وَقَدْ قَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سُنّةَ الْفَجْرِ مَعَهَا وَقَضَى سُنّةَ الظّهْرِ وَحْدَهَا وَكَانَ هَدْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَضَاءَ السّنَنِ الرّوَاتِبِ مَعَ الْفَرَائِضِ .
[ الْفَائِتَةُ يُؤَذّنُ لَهَا وَيُقَامُ ]
وَفِيهَا : أَنّ الْفَائِتَةَ يُؤَذّنُ لَهَا وَيُقَامُ فَإِنّ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذِهِ الْقِصّةِ أَنّهُ أَمَرَ بِلَالًا فَنَادَى بِالصّلَاةِ وَفِي بَعْضِهَا فَأَمَرَ بِلَالًا فَأَذّنَ وَأَقَامَ ذَكَرَهُ أَبُو دَاوُدَ . وَفِيهَا : قَضَاءُ الْفَائِتَةِ جَمَاعَةً .
[ الْقَضَاءُ عَلَى الْفَوْرِ ]
وَفِيهَا : قَضَاؤُهَا عَلَى الْفَوْرِ لِقَوْلِهِ فَلْيُصَلّهَا إذَا ذَكَرَهَا وَإِنّمَا أَخّرَهَا عَنْ مَكَانِ مُعَرّسِهِمْ قَلِيلًا لِكَوْنِهِ مَكَانًا فِيهِ شَيْطَانٌ فَارْتَحَلَ مِنْهُ إلَى مَكَانٍ خَيْرٍ مِنْهُ وَذَلِكَ لَا يُفَوّتُ الْمُبَادَرَةَ إلَى الْقَضَاءِ فَإِنّهُمْ فِي شُغْلِ الصّلَاةِ وَشَأْنِهَا .
[ اجْتِنَابُ الصّلَاةِ فِي أَمْكِنَةِ الشّيْطَانِ ]
وَفِيهَا : تَنْبِيهٌ عَلَى اجْتِنَابِ الصّلَاةِ فِي أَمْكِنَةِ الشّيْطَانِ كَالْحَمّامِ وَالْحُشّ بِطَرِيقِ الْأَوْلَى فَإِنّ هَذِهِ مَنَازِلُهُ الّتِي يَأْوِي إلَيْهَا وَيَسْكُنُهَا فَإِذَا كَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَرَكَ الْمُبَادَرَةَ إلَى الصّلَاةِ فِي ذَلِكَ الْوَادِي وَقَالَ إنّ بِهِ شَيْطَانًا فَمَا الظّنّ بِمَأْوَى الشّيْطَانِ وَبَيْتِهِ .
فَصْلٌ [ رَدّ الْمُهَاجِرِينَ مَنَائِحَ الْأَنْصَارِ ]
وَلَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمَدِينَةِ رَدّ الْمُهَاجِرُونَ إلَى الْأَنْصَارِ مَنَائِحَهُمْ الّتِي كَانُوا مَنَحُوهُمْ إيّاهَا مِنْ النّخِيلِ حِينَ صَارَ لَهُمْ بِخَيْبَرَ مَالٌ وَنَخِيلٌ فَكَانَتْ أُمّ سُلَيْمٍ - وَهِيَ أُمّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ - أَعْطَتْ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عِذَاقًا فَأَعْطَاهُنّ أُمّ أَيْمَنَ مَوْلَاتَهُ وَهِيَ أُمّ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ فَرَدّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى أُمّ سُلَيْمٍ عِذَاقَهَا وَأَعْطَى أُمّ أَيْمَنَ مَكَانَهُنّ مِنْ حَائِطِهِ مَكَانَ كُلّ عَذْقٍ عَشَرَةً " .
فَصْلٌ [السّرَايَا بَيْنَ مَقْدَمِهِ مِنْ خَيْبَرَ إلَى شَوّالٍ ]
وَأَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْمَدِينَةِ بَعْدَ مَقْدَمِهِ مِنْ خَيْبَرَ إلَى شَوّالٍ وَبَعَثَ فِي [ ص 318 ] السّرَايَا .
[سَرِيّةُ الصّدّيقِ إلَى بَنِي فَزَارَةَ ]
فَمِنْهَا : " سَرِيّةُ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيق ِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ إلَى نَجْدٍ قِبَلَ بَنِي فَزَارَةَ وَمَعَهُ سَلَمَةُ بْنُ الْأَكْوَعِ فَوَقَعَ فِي سَهْمِهِ جَارِيَةٌ حَسْنَاءُ فَاسْتَوْهَبَهَا مِنْهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفَادَى بِهَا أَسْرَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا بِمَكّةَ " .
[سَرِيّةُ عُمَرَ نَحْوَ هَوَازِنَ ]
وَمِنْهَا : سَرِيّةُ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا نَحْوَ هَوَازِنَ فَجَاءَهُمْ الْخَبَرُ فَهَرَبُوا وَجَاءُوا مَحَالّهُمْ فَلَمْ يَلْقَ مِنْهُمْ أَحَدًا فَانْصَرَفَ رَاجِعًا إلَى الْمَدِينَةِ فَقَالَ لَهُ الدّلِيلُ هَلْ لَك فِي جَمْعٍ مِنْ خَثْعَمَ جَاءُوا سَائِرِينَ وَقَدْ أَجْدَبَتْ بِلَادُهُمْ ؟ فَقَالَ عُمَرُ لَمْ يَأْمُرْنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِهِمْ وَلَمْ يَعْرِضْ لَهُمْ .
[سَرِيّةُ ابْنِ رَوَاحَةَ إلَى يَسِيرِ بْنِ رِزَامَ الْيَهُودِيّ ]
وَمِنْهَا : سَرِيّةُ عَبْدِ اللّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فِي ثَلَاثِينَ رَاكِبًا فِيهِمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُنَيْسٍ إلَى يَسِيرِ بْنِ رِزَامَ الْيَهُودِيّ فَإِنّهُ بَلَغَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ يَجْمَعُ غَطَفَانَ لِيَغْزُوَهُ بِهِمْ فَأَتَوْهُ بِخَيْبَرَ فَقَالُوا : أَرْسَلَنَا إلَيْك رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِيَسْتَعْمِلَك عَلَى خَيْبَرَ فَلَمْ يَزَالُوا - حَتّى تَبِعَهُمْ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا مَعَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ رَدِيفٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَلَمّا بَلَغُوا قَرْقَرَة نِيَارٍ - وَهِيَ مِنْ خَيْبَرَ عَلَى سِتّةِ أَمْيَالٍ - نَدِمَ يَسِيرُ فَأَهْوَى بِيَدِهِ إلَى سَيْفِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُنَيْسٍ فَفَطِنَ لَهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُنَيْسٍ فَزَجَرَ بَعِيرَهُ ثُمّ اقْتَحَمَ عَنْ الْبَعِيرِ يَسُوقُ الْقَوْمَ حَتّى إذَا اسْتَمْكَنَ مِنْ يَسِيرَ ضَرَبَ رِجْلَهُ فَقَطَعَهَا وَاقْتَحَمَ يَسِيرُ وَفِي يَدِهِ مِخْرَشٌ مِنْ شَوْحَطٍ فَضَرَبَ بِهِ وَجْهَ عَبْدِ اللّهِ فَشَجّهُ مَأْمُومَةً فَانْكَفَأَ كُلّ رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَدِيفِهِ فَقَتَلَهُ غَيْرَ رَجُلٍ مِنْ الْيَهُودِ أَعْجَزَهُمْ شَدّا وَلَمْ يُصَبْ مِنْ الْمُسْلِمِينَ أَحَدٌ وَقَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَبَصَقَ فِي شَجّةِ [ ص 319 ] عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُنَيْسٍ فَلَمْ تَقِحْ وَلَمْ تُؤْذِهِ حَتّى مَاتَ .
[سَرِيّةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيّ إلَى بَنِي مُرّةَ بِفَدَكٍ ]
وَمِنْهَا : سَرِيّةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ الْأَنْصَارِيّ إلَى بَنِي مُرّةَ بِفَدَكٍ فِي ثَلَاثِينَ رَجُلًا فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَلَقِيَ رِعَاءَ الشّاءِ فَاسْتَاقَ الشّاءَ وَالنّعَمَ وَرَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ فَأَدْرَكَهُ الطّلَبُ عِنْدَ اللّيْلِ فَبَاتُوا يَرْمُونَهُمْ بِالنّبْلِ حَتّى فَنِيَ نَبْلُ بَشِيرٍ وَأَصْحَابِهِ فَوَلّى مِنْهُمْ مَنْ وَلّى وَأُصِيبَ مِنْهُمْ مَنْ أُصِيبَ وَقَاتَلَ بَشِيرٌ قِتَالًا شَدِيدًا وَرَجَعَ الْقَوْمُ بِنَعَمِهِمْ وَشَائِهِمْ وَتَحَامَلَ بَشِيرٌ حَتّى انْتَهَى إلَى فَدَكٍ فَأَقَامَ عِنْدَ يَهُودَ حَتّى بَرِئَتْ جِرَاحُهُ فَرَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ .
[سَرِيّةُ أُسَامَةَ إلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ ]
ثُمّ بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَرِيّةً إلَى الْحُرَقَةِ مِنْ جُهَيْنَةَ وَفِيهِمْ أُسَامَةُ بْن زَيْدٍ فَلَمّا دَنَا مِنْهُمْ بَعَثَ الْأَمِيرُ الطّلَائِعَ فَلَمّا رَجَعُوا بِخَبَرِهِمْ أَقْبَلَ حَتّى إذَا دَنَا مِنْهُمْ لَيْلًا وَقَدْ احْتَلَبُوا وَهَدَءُوا قَامَ فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمّ قَالَ أُوصِيكُمْ بِتَقْوَى اللّهِ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ وَأَنْ تُطِيعُونِي وَلَا تَعْصُونِي وَلَا تُخَالِفُوا أَمْرِي فَإِنّهُ لَا رَأْيَ لِمَنْ لَا يُطَاعُ ثُمّ رَتّبَهُمْ وَقَالَ يَا فُلَانُ أَنْتَ وَفُلَانٌ وَيَا فُلَانُ أَنْتَ وَفُلَانٌ لَا يُفَارِقْ كُلّ مِنْكُمَا صَاحِبَهُ وَزَمِيلَهُ وَإِيّاكُمْ أَنْ يَرْجِعَ أَحَدٌ مِنْكُمْ فَأَقُولُ أَيْنَ صَاحِبُك ؟ فَيَقُولُ لَا أَدْرِي فَإِذَا كَبّرْت فَكَبّرُوا وَجَرّدُوا السّيُوفَ ثُمّ كَبّرُوا وَحَمَلُوا حَمْلَةً وَاحِدَةً وَأَحَاطُوا بِالْقَوْمِ وَأَخَذَتْهُمْ سُيُوفُ اللّهِ فَهُمْ يَضَعُونَهَا مِنْهُمْ حَيْثُ شَاءُوا وَشِعَارُهُمْ أَمِتْ أَمِتْ
[قَتَلَ أُسَامَةُ رَجُلًا قَالَ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ عِنْدَمَا لَحَمَهُ بِالسّيْفِ ]
وَخَرَجَ أُسَامَةُ فِي أَثَرِ رَجُلٍ مِنْهُمْ يُقَالُ لَهُ مِرْدَاسُ بْنُ نَهِيكَ فَلَمّا دَنَا مِنْهُ وَلَحَمَهُ بِالسّيْفِ قَالَ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ فَقَتَلَهُ ثُمّ اسْتَاقُوا الشّاءَ وَالنّعَمَ وَالذّرّيّةَ وَكَانَتْ سُهْمَانُهُمْ عَشَرَةَ أَبْعِرَةٍ لِكُلّ رَجُلٍ أَوْ عِدْلَهَا مِنْ النّعَمِ فَلَمّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أُخْبِرَ بِمَا صَنَعَ أُسَامَةُ فَكَبُرَ ذَلِكَ عَلَيْهِ وَقَالَ أَقَتَلْته بَعْدَ مَا قَالَ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ ؟ فَقَالَ إنّمَا قَالَهَا مُتَعَوّذًا قَالَ فَهَلّا شَقَقْت عَنْ قَلْبِهِ " ثُمّ قَالَ مَنْ لَكَ بِلَا إلَهَ إلّا اللّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَا زَالَ يُكَرّرُ ذَلِكَ عَلَيْهِ حَتّى تَمَنّى أَنْ يَكُونَ أَسْلَمَ يَوْمَئِذٍ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أُعْطِي اللّهَ عَهْدًا أَلّا أَقْتُلَ رَجُلًا يَقُولُ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعْدِي فَقَالَ أُسَامَةُ بَعْدَك [ ص 320 ]
فَصْلٌ [سَرِيّةُ غَالِبٍ الْكَلْبِيّ إلَى بَنِي الْمُلَوّحِ ]
وَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ غَالِبَ بْنَ عَبْدِ اللّهِ الْكَلْبِيّ إلَى بَنِي الْمُلَوّحِ بِالْكَدِيدِ وَأَمَرَهُ أَنْ يُغِيرَ عَلَيْهِمْ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَحَدّثَنِي يَعْقُوبُ بْنُ عُتْبَةَ عَنْ مُسْلِمِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ الْجُهَنِيّ عَنْ جُنْدُبِ بْنِ مَكِيثٍ الْجُهَنِيّ قَالَ كُنْتُ فِي سَرِيّتِهِ فَمَضَيْنَا حَتّى إذَا كُنّا بِقُدَيْدٍ لَقِينَا بِهِ الْحَارِثَ بْنَ مَالِكِ بْنِ الْبَرْصَاءِ اللّيْثِيّ فَأَخَذْنَاهُ فَقَالَ إنّمَا جِئْتُ لِأُسْلِمَ فَقَالَ لَهُ غَالِبُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ إنْ كُنْتَ إنّمَا جِئْتَ لِتُسْلِمَ فَلَا يَضُرّك رِبَاطُ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ وَإِنْ كُنْتَ عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ اسْتَوْثَقْنَا مِنْك فَأَوْثَقَهُ رِبَاطًا وَخَلّفَ عَلَيْهِ رُوَيْجِلًا أَسْوَدَ وَقَالَ لَهُ اُمْكُثْ مَعَهُ حَتّى نَمُرّ عَلَيْك فَإِذَا عَازّكَ فَاحْتَزّ رَأْسَهُ فَمَضَيْنَا حَتّى أَتَيْنَا بَطْنَ الْكَدِيدِ فَنَزَلْنَاهُ عَشِيّةً بَعْدَ الْعَصْرِ فَبَعَثَنِي أَصْحَابِي إلَيْهِ فَعَمَدْتُ إلَى تَلّ يُطْلِعُنِي عَلَى الْحَاضِرِ فَانْبَطَحْتُ عَلَيْهِ وَذَلِكَ قَبْلَ غُرُوبِ الشّمْسِ فَخَرَجَ رَجُلٌ مِنْهُمْ فَنَظَرَ فَرَآنِي مُنْبَطِحًا عَلَى التّلّ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ إنّي لَأَرَى سَوَادًا عَلَى هَذَا التّلّ مَا رَأَيْتُهُ فِي أَوّلِ النّهَارِ فَانْظُرِي لَا تَكُونُ الْكِلَابُ اجْتَرّتْ بَعْضَ أَوْعِيَتِك فَنَظَرَتْ فَقَالَتْ لَا وَاَللّهِ لَا أَفْقِدُ شَيْئًا . قَالَ فَنَاوِلِينِي قَوْسِي وَسَهْمَيْنِ مِنْ نَبْلِي [ ص 321 ] فَرَمَانِي بِسَهْمٍ فَوَضَعَهُ فِي جَنْبِي فَنَزَعْتُهُ فَوَضَعْتُهُ وَلَمْ أَتَحَرّكْ ثُمّ رَمَانِي بِالْآخَرِ فَوَضَعَهُ فِي رَأْسِ مَنْكِبِي فَنَزَعْته فَوَضَعْتُهُ وَلَمْ أَتَحَرّكْ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ أَمَا وَاَللّهِ لَقَدْ خَالَطَهُ سِهَامِي وَلَوْ كَانَ رَبِيئَةً لَتَحَرّكَ فَإِذَا أَصْبَحْت فَابْتَغِي سَهْمَيّ فَخُذِيهِمَا لَا تَمْضُغْهُمَا الْكِلَابُ عَلَيّ قَالَ فَأَمْهَلْنَاهُمْ حَتّى إذَا رَاحَتْ رَوَائِحُهُمْ وَاحْتَلَبُوا وَسَكَنُوا وَذَهَبَتْ عَتَمَةُ اللّيْلِ شَنَنّا عَلَيْهِمْ الْغَارَةَ فَقَتَلْنَا مَنْ قَتَلْنَا وَاسْتَقْنَا النّعَمَ فَوَجّهْنَا قَافِلِينَ بِهِ وَخَرَجَ صَرِيخُهُمْ إلَى قَوْمِهِمْ وَخَرَجْنَا سِرَاعًا حَتّى نَمُرّ بِالْحَارِثِ بْنِ مَالِكٍ وَصَاحِبِهِ فَانْطَلَقْنَا بِهِ مَعَنَا وَأَتَانَا صَرِيخُ النّاسِ فَجَاءَنَا مَا لَا قِبَلَ لَنَا بِهِ حَتّى إذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ إلّا بَطْنُ الْوَادِي مِنْ قُدَيْدٍ أَرْسَلَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ مِنْ حَيْثُ شَاءَ سَيْلًا لَا وَاَللّهِ مَا رَأَيْنَا قَبْلَ ذَلِكَ مَطَرًا فَجَاءَ بِمَا لَا يَقْدِرُ أَحَدٌ يَقْدَمُ عَلَيّ فَلَقَدْ رَأَيْتُهُمْ وُقُوفًا يَنْظُرُونَ إلَيْنَا مَا يَقْدِرُ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَنْ يَقْدَمَ عَلَيْهِ وَنَحْنُ نَحْدُوهَا فَذَهَبْنَا سِرَاعًا حَتّى أَسْنَدْنَاهَا فِي الْمُشَلّلِ ثُمّ حَدَرْنَاهَا عَنْهُ فَأَعْجَزْنَا الْقَوْمَ بِمَا فِي أَيْدِينَا . وَقَدْ قِيلَ إنّ هَذِهِ السّرِيّةَ هِيَ السّرِيّةُ الّتِي قَبْلَهَا . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [سَرِيّةُ بَشِيرِ بْنِ سَعْدٍ إلَى جَمْعِ يَمَنَ وَغَطَفَانَ وَحَيّانَ ]
ثُمّ قَدِمَ حُسَيْلُ بْنُ نُوَيْرَةَ وَكَانَ دَلِيلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى خَيْبَرَ فَقَالَ لَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " مَا وَرَاءَك ؟ " قَالَ تَرَكْتُ جَمْعًا مِنْ يَمَنَ وَغَطَفَانَ وَحَيّانَ وَقَدْ بَعَثَ إلَيْهِمْ عُيَيْنَةُ إمّا أَنْ تَسِيرُوا إلَيْنَا وَإِمّا أَنْ نَسِيرَ إلَيْكُمْ فَأَرْسَلُوا إلَيْهِ أَنْ سِرْ إلَيْنَا وَهُمْ يُرِيدُونَك أَوْ بَعْضَ أَطْرَافِك فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ فَذَكَرَ لَهُمَا ذَلِكَ فَقَالَا جَمِيعًا : ابْعَثْ بَشِيرَ بْنَ سَعْدٍ فَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً وَبَعَثَ مَعَهُ ثَلَاثَمِائَةِ [ ص 322 ] وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسِيرُوا اللّيْلَ وَيَكْمُنُوا النّهَارَ وَخَرَجَ مَعَهُمْ حُسَيْلٌ دَلِيلًا فَسَارُوا اللّيْلَ وَكَمَنُوا النّهَارَ حَتّى أَتَوْا أَسْفَلَ خَيْبَرَ حَتّى دَنَوْا مِنْ الْقَوْمِ فَأَغَارُوا عَلَى سَرْحِهِمْ وَبَلَغَ الْخَبَرُ جَمْعَهُمْ فَتَفَرّقُوا فَخَرَجَ بَشِيرٌ فِي أَصْحَابِهِ حَتّى أَتَى مَحَالّهُمْ فَيَجِدُهَا لَيْسَ بِهَا أَحَدٌ فَرَجَعَ بِالنّعَمِ فَلَمّا كَانُوا بِسِلَاحٍ لَقُوا عَيْنًا لِعُيَيْنَةَ فَقَتَلُوهُ ثُمّ لَقُوا جَمْعَ عُيَيْنَةَ وَعُيَيْنَةُ لَا يَشْعُرُ بِهِمْ فَنَاوَشُوهُمْ ثُمّ انْكَشَفَ جَمْعُ عُيَيْنَةَ وَتَبِعَهُمْ أَصْحَابُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَصَابُوا مِنْهُمْ رَجُلَيْنِ فَقَدِمُوا بِهِمَا عَلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَسْلَمَا فَأَرْسَلَهُمَا . وَقَالَ الْحَارِثُ بْنُ عَوْفٍ لِعُيَيْنَةَ وَقَدْ لَقِيَهُ مُنْهَزِمًا تَعْدُو بِهِ فَرَسُهُ قِفْ . قَالَ لَا أَقْدِرُ خَلْفِي الطّلَبُ فَقَالَ لَهُ الْحَارِثُ أَمَا آنَ لَك أَنْ تُبْصِرَ بَعْضَ مَا أَنْتَ عَلَيْهِ وَأَنّ مُحَمّدًا قَدْ وَطِئَ الْبِلَادَ وَأَنْتَ تُوضِعُ فِي غَيْرِ شَيْءٍ ؟ قَالَ الْحَارِثُ فَأَقَمْتُ مِنْ حِينِ زَالَتْ الشّمْسُ إلَى اللّيْلِ وَمَا أَرَى أَحَدًا وَلَا طَلَبُوهُ إلّا الرّعْبَ الّذِي دَخَلَهُ .
فَصْلٌ [سَرِيّةُ ابْنِ أَبِي حَدْرَدٍ ]
وَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ابْنَ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيّ فِي سَرِيّةٍ وَكَانَ مِنْ قِصّتِهِ مَا ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّ رَجُلًا مِنْ جُشْمِ بْنِ مُعَاوِيَةَ يُقَالُ لَهُ قَيْسُ بْنُ رِفَاعَةَ أَوْ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ أَقْبَلَ فِي عَدَدٍ كَثِيرٍ حَتّى نَزَلُوا بِالْغَابَةِ يُرِيدُ أَنْ يَجْمَعَ قَيْسًا عَلَى مُحَارَبَةِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكَانَ ذَا اسْمٍ وَشَرَفٍ فِي جُشْمٍ قَالَ فَدَعَانِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَرَجُلَيْنِ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ اُخْرُجُوا إلَى هَذَا الرّجُلِ حَتّى تَأْتُوا مِنْهُ بِخَبَرٍ وَعِلْمٍ فَقَدّمَ إلَيْنَا شَارِفًا عَجْفَاءَ فَحَمَلَ عَلَيْهَا أَحَدَنَا فَوَاَللّهِ مَا قَامَتْ بِهِ ضَعْفًا حَتّى دَعّمَهَا الرّجَالُ مِنْ خَلْفِهَا بِأَيْدِيهِمْ حَتّى اسْتَقَلّتْ وَمَا كَادَتْ وَقَالَ تَبْلُغُوا عَلَى هَذِهِ فَخَرَجْنَا وَمَعَنَا سِلَاحُنَا مِنْ النّبْلِ وَالسّيُوفِ حَتّى إذَا جِئْنَا قَرِيبًا مِنْ الْحَاضِرِ مَعَ غُرُوبِ الشّمْسِ فَكَمَنْتُ فِي نَاحِيَةٍ وَأَمَرْتُ صَاحِبَيّ فَكَمَنّا فِي نَاحِيَةٍ أُخْرَى مِنْ حَاضِرِ الْقَوْمِ قُلْت لَهُمَا : إذَا سَمِعْتُمَانِي قَدْ كَبّرْت وَشَدَدْتُ فِي [ ص 323 ] نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ فَكَبّرَا وَشِدّا مَعِي فَوَاَللّهِ إنّا كَذَلِكَ نَنْتَظِرُ أَنْ نَرَى غِرّةً أَوْ نَرَى شَيْئًا وَقَدْ غَشِيَنَا اللّيْلُ حَتّى ذَهَبَتْ فَحْمَةُ الْعِشَاءِ وَقَدْ كَانَ لَهُمْ رَاعٍ قَدْ سَرَحَ فِي ذَلِكَ الْبَلَدِ فَأَبْطَأَ عَلَيْهِمْ حَتّى تَخَوّفُوا عَلَيْهِ فَقَامَ صَاحِبُهُمْ رِفَاعَةُ بْنُ قَيْسٍ فَأَخَذَ سَيْفَهُ فَجَعَلَهُ فِي عُنُقِهِ وَقَالَ وَاَللّهِ لَأَتْبَعَنّ أَثَرَ رَاعِينَا هَذَا وَاَللّهِ لَقَدْ أَصَابَهُ شَرّ فَقَالَ نَفَرٌ مِمّنْ مَعَهُ وَاَللّهِ لَا تَذْهَبُ نَحْنُ نَكْفِيك فَقَالَ وَاَللّهِ لَا يَذْهَبُ إلّا أَنَا . قَالُوا : فَنَحْنُ مَعَك وَقَالَ وَاَللّهِ لَا يَتْبَعُنِي مِنْكُمْ أَحَدٌ وَخَرَجَ حَتّى يَمُرّ بِي فَلَمّا أَمْكَنَنِي نَفَحْته بِسَهْمٍ فَوَضَعْتُهُ فِي فُؤَادِهِ فَوَاَللّهِ مَا تَكَلّمَ فَوَثَبْتُ إلَيْهِ فَاحْتَزَزْتُ رَأْسَهُ ثُمّ شَدَدْتُ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ وَكَبّرْت وَشَدّ صَاحِبَايَ فَكَبّرَا فَوَاَللّهِ مَا كَانَ إلّا النّجَاءُ مِمّنْ كَانَ فِيهِ عِنْدَك عِنْدَك بِكُلّ مَا قَدَرُوا عَلَيْهِ مِنْ نِسَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ وَمَا خَفّ مَعَهُمْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَاسْتَقْنَا إبِلًا عَظِيمَةً وَغَنَمًا كَثِيرَةً فَجِئْنَا بِهَا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَجِئْتُ بِرَأْسِهِ أَحْمِلُهُ مَعِي فَأَعْطَانِي مِنْ تِلْكَ الْإِبِلِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ بَعِيرًا فِي صَدَاقِي فَجَمَعْتُ إلَيّ أَهْلِي وَكُنْتُ قَدْ تَزَوّجْتُ امْرَأَةً مِنْ قَوْمِي فَأَصْدَقْتهَا مِائَتَيْ دِرْهَمٍ فَجِئْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَسْتَعِينُهُ عَلَى نِكَاحِي فَقَالَ وَاَللّهِ مَا عِنْدِي مَا أُعِينُك فَلَبِثْتُ أَيّامًا ثُمّ ذَكَرَ هَذِهِ السّرِيّةَ .
فَصْلٌ [سَرِيّةٌ إلَى إِضَمٍ وَقَتْلُ عَامِرِ بْنِ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيّ مِنْ قِبَلِ مُحَلّمِ بْنِ جَثّامَةَ بَعْدَ سَلَامِهِ عَلَيْهِمْ بِتَحِيّةِ الْإِسْلَامِ ]
وَبَعَثَ سَرِيّةً إلَى إِضَمٍ وَكَانَ فِيهِمْ أَبُو قَتَادَةَ وَمُحَلّمُ بْنُ جَثّامَةَ فِي نَفَرٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَمَرّ بِهِمْ عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيّ عَلَى قَعُودٍ لَهُ مَعَهُ مُتَيّعٌ لَهُ وَوَطْبٌ مِنْ لَبَنٍ فَسَلّمَ عَلَيْهِمْ بِتَحِيّةِ الْإِسْلَامِ فَأَمْسَكُوا عَنْهُ وَحَمَلَ عَلَيْهِ مُحَلّمُ بْنُ جَثّامَةَ فَقَتَلَهُ لِشَيْءٍ كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ وَأَخَذَ بَعِيرَهُ وَمُتَيّعَهُ فَلَمّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَخْبَرُوهُ الْخَبَرَ فَنَزَلَ فِيهِمْ الْقُرْآنُ { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدّنْيَا فَعِنْدَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيّنُوا إِنّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } [ ص 324 ] النّسَاء : 94 ] فَلَمّا قَدِمُوا أُخْبِرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَقَتَلْتَهُ بَعْدَمَا قَالَ آمَنْتُ بِاَللّهِ ؟ وَلَمّا كَانَ عَامُ خَيْبَرَ جَاءَ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ يَطْلُبُ بِدَمِ عَامِرِ بْنِ الْأَضْبَطِ الْأَشْجَعِيّ وَهُوَ سَيّدُ قَيْسٍ وَكَانَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ يَرُدّ عَنْ مُحَلّمِ وَهُوَ سَيّدٌ خِنْدِفٍ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِقَوْمِ عَامِرٍ هَلْ لَكُمْ أَنْ تَأْخُذُوا الْآنَ مِنّا خَمْسِينَ بَعِيرًا وَخَمْسِينَ إذَا رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ ؟ فَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ بَدْرٍ : وَاَللّهِ لَا أَدَعُهُ حَتّى أُذِيقَ نِسَاءَهُ مِنْ الْحُرْقَةِ مِثْلَ مَا أَذَاقَ نِسَائِي فَلَمْ يَزَلْ بِهِ حَتّى رَضُوا بِالدّيَةِ فَجَاءُوا بِمُحَلّمٍ حَتّى يَسْتَغْفِرَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمّا قَامَ بَيْنَ يَدَيْهِ قَالَ اللّهُمّ لَا تَغْفِرْ لِمُحَلّمٍ وَقَالَهَا ثَلَاثًا فَقَامَ وَإِنّهُ لَيَتَلَقّى دُمُوعَهُ بِطَرَفِ ثَوْبِه قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَزَعَمَ قَوْمُهُ أَنّهُ اسْتَغْفَرَ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي سَالِمٌ أَبُو النّضْرِ قَالَ لَمْ يَقْبَلُوا الدّيَةَ حَتّى قَامَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ فَخَلَا بِهِمْ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ قَيْسٍ سَأَلَكُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَتِيلًا تَتْرُكُونَهُ لِيُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ النّاسِ فَمَنَعْتُمُوهُ إيّاهُ . أَفَأَمِنْتُمْ أَنْ يَغْضَبَ عَلَيْكُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَيَغْضَبَ اللّهُ عَلَيْكُمْ لِغَضَبِهِ أَوْ يَلْعَنَكُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَيَلْعَنَكُمْ اللّهُ بِلَعْنَتِهِ وَاَللّهِ لَتُسْلِمُنّهُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَوْ لَآتِيَنّ بِخَمْسِينَ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ كُلّهُمْ يَشْهَدُونَ أَنّ الْقَتِيلَ مَا صَلّى قَطّ فَلَأَطُلّنّ دَمَهُ فَلَمّا قَالَ ذَلِكَ أَخَذُوا الدّيَةَ . [ ص 325 ]
فَصْلٌ فِي سَرِيّةِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ حُذَافَةَ السّهْمِيّ
ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ نَزَلَ قَوْلُهُ تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } [ النّسَاءَ 59 ] فِي عَبْدِ اللّهِ بْنِ حُذَافَةَ السّهْمِيّ بَعَثَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي سَرِيّةٍ .
[ أَمْرُ ابْنِ حُذَافَةَ مَنْ مَعَهُ دُخُولَ النّارِ ]
وَثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ الْأَعْمَشِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عُبَيْدَةَ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرّحْمَنِ السّلَمِيّ عَنْ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ اسْتَعْمَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى سَرِيّةٍ بَعَثَهُمْ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا قَالَ فَأَغْضَبُوهُ فِي شَيْءٍ فَقَالَ اجْمَعُوا لِي حَطَبًا فَجَمَعُوا فَقَالَ أَوْقِدُوا نَارًا فَأَوْقَدُوا ثُمّ قَالَ أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ تَسْمَعُوا لِي وَتُطِيعُوا ؟ قَالُوا : بَلَى قَالَ فَادْخُلُوهَا قَالَ فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ وَقَالُوا : إنّمَا فَرَرْنَا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ النّارِ فَسَكَنَ غَضَبُهُ وَطُفِئَتْ النّارُ فَلَمّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَكَرُوا ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا إنّمَا الطّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ وَهَذَا هُوَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ حُذَافَةَ السّهْمِيّ . [ ص 326 ]
[مَعْنَى قَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا ]
فَإِنْ قِيلَ فَلَوْ دَخَلُوهَا دَخَلُوهَا طَاعَةً لِلّهِ وَرَسُولِهِ فِي ظَنّهِمْ فَكَانُوا مُتَأَوّلِينَ مُخْطِئِينَ فَكَيْفَ يُخَلّدُونَ فِيهَا ؟ قِيلَ لَمّا كَانَ إلْقَاءُ نُفُوسِهِمْ فِي النّارِ مَعْصِيَةً يَكُونُونَ بِهَا قَاتِلِي أَنْفُسِهِمْ فَهَمّوا بِالْمُبَادَرَةِ إلَيْهَا مِنْ غَيْرِ اجْتِهَادٍ مِنْهُمْ هَلْ هُوَ طَاعَةٌ وَقُرْبَةٌ أَوْ مَعْصِيَةٌ ؟ كَانُوا مُقْدِمِينَ عَلَى مَا هُوَ مُحَرّمٌ عَلَيْهِمْ وَلَا تَسُوغُ طَاعَةُ وَلِيّ الْأَمْرِ فِيهِ لِأَنّهُ لَا طَاعَةَ لِمَخْلُوقٍ فِي مَعْصِيَةِ الْخَالِقِ فَكَانَتْ طَاعَةُ مَنْ أَمَرَهُمْ بِدُخُولِ النّارِ مَعْصِيَةً لِلّهِ وَرَسُولِهِ فَكَانَتْ هَذِهِ الطّاعَةُ هِيَ سَبَبَ الْعُقُوبَةِ لِأَنّهَا نَفْسُ الْمَعْصِيَةِ فَلَوْ دَخَلُوهَا لَكَانُوا عُصَاةً لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَإِنْ كَانُوا مُطِيعِينَ لِوَلِيّ الْأَمْرِ فَلَمْ تَدْفَعْ طَاعَتُهُمْ لِوَلِيّ الْأَمْرِ مَعْصِيَتَهُمْ لِلّهِ وَرَسُولِهِ لِأَنّهُمْ قَدْ عَلِمُوا أَنّ مَنْ قَتَلَ نَفْسَهُ فَهُوَ مُسْتَحِقّ لِلْوَعِيدِ وَاَللّهُ قَدْ نَهَاهُمْ عَنْ قَتْلِ أَنْفُسِهِمْ فَلَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُقْدِمُوا عَلَى هَذَا النّهْيِ طَاعَةً لِمَنْ لَا تَجِبُ طَاعَتُهُ إلّا فِي الْمَعْرُوفِ . فَإِذَا كَانَ هَذَا حُكْمَ مَنْ عَذّبَ نَفْسَهُ طَاعَةً لِوَلِيّ الْأَمْرِ فَكَيْفَ مَنّ عَذّبَ مُسْلِمًا لَا يَجُوزُ تَعْذِيبُهُ طَاعَةً لِوَلِيّ الْأَمْرِ . وَأَيْضًا فَإِذَا كَانَ الصّحَابَةُ الْمَذْكُورُونَ لَوْ دَخَلُوهَا لَمَا خَرَجُوا مِنْهَا مَعَ قَصْدِهِمْ طَاعَةَ اللّهِ وَرَسُولِهِ بِذَلِكَ الدّخُولِ فَكَيْفَ بِمَنْ حَمَلَهُ عَلَى مَا لَا يَجُوزُ مِنْ الطّاعَةِ الرّغْبَةُ وَالرّهْبَةُ الدّنْيَوِيّةُ . وَإِذَا كَانَ هَؤُلَاءِ لَوْ دَخَلُوهَا لَمَا خَرَجُوا مِنْهَا مَعَ كَوْنِهِمْ قَصَدُوا طَاعَةَ الْأَمِيرِ وَظَنّوا أَنّ ذَلِكَ طَاعَةٌ لِلّهِ وَرَسُولِهِ فَكَيْفَ بِمَنْ دَخَلَهَا مِنْ هَؤُلَاءِ الْمُلَبّسِينَ [ ص 327 ] الشّيَاطِينِ وَأَوْهَمُوا الْجُهّالَ أَنّ ذَلِكَ مِيرَاثٌ مِنْ إبْرَاهِيمَ الْخَلِيلِ وَأَنّ النّارَ قَدْ تَصِيرُ عَلَيْهِمْ بَرْدًا وَسَلَامًا كَمَا صَارَتْ عَلَى إبْرَاهِيمَ وَخِيَارُ هَؤُلَاءِ مَلْبُوسٌ عَلَيْهِ يَظُنّ أَنّهُ دَخَلَهَا بِحَالٍ رَحْمَانِيّ وَإِنّمَا دَخَلَهَا بِحَالٍ شَيْطَانِيّ فَإِذَا كَانَ لَا يَعْلَمُ بِذَلِكَ فَهُوَ مَلْبُوسٌ عَلَيْهِ وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ بِهِ فَهُوَ مُلَبّسٌ عَلَى النّاسِ يُوهِمُهُمْ أَنّهُ مِنْ أَوْلِيَاءِ الرّحْمَنِ وَهُوَ مِنْ أَوْلِيَاءِ الشّيْطَانِ وَأَكْثَرُهُمْ يَدْخُلُهَا بِحَالٍ بُهْتَانِيّ وَتَحَيّلٍ إنْسَانِيّ فَهُمْ فِي دُخُولِهَا فِي الدّنْيَا ثَلَاثَةُ أَصْنَافٍ مَلْبُوسٌ عَلَيْهِ وَمُلَبّسٌ وَمُتَحَيّلٌ وَنَارُ الْآخِرَةِ أَشَدّ عَذَابًا وَأَبْقَى .
فَصْلٌ فِي عُمْرَةِ الْقَضِيّةِ
قَالَ نَافِعٌ كَانَتْ فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَقَالَ سُلَيْمَانُ التّيْمِيّ : لَمّا رَجَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ خَيْبَرَ بَعَثَ السّرَايَا وَأَقَامَ بِالْمَدِينَةِ حَتّى اسْتَهَلّ ذُو الْقَعْدَةِ ثُمّ نَادَى فِي النّاسِ بِالْخُرُوجِ . قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ مِنْ عَامِ الْحُدَيْبِيَةِ مُعْتَمِرًا فِي ذِي الْقَعْدَةِ سَنَةَ سَبْعٍ وَهُوَ الشّهْرُ الّذِي صَدّهُ فِيهِ الْمُشْرِكُونَ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتّى إذَا بَلَغَ يَأْجُجَ وَضَعَ الْأَدَاةَ كُلّهَا الْحَجَفَ وَالْمَجَانّ وَالنّبْلَ وَالرّمَاحَ وَدَخَلُوا بِسِلَاحِ الرّاكِبِ السّيُوفِ وَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَعْفَرَ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بَيْنَ يَدَيْهِ إلَى مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ بْنِ حَزْنٍ الْعَامِرِيّةِ فَخَطَبَهَا إلَيْهِ فَجَعَلَتْ أَمْرَهَا إلَى الْعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ وَكَانَتْ أُخْتُهَا أُمّ الْفَضْلِ تَحْتَهُ فَزَوّجَهَا الْعَبّاسُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ اكْشِفُوا عَنْ الْمَنَاكِبِ وَاسْعَوْا فِي الطّوَافِ لِيَرَى الْمُشْرِكُونَ جَلَدَهُمْ وَقُوّتَهُمْ . وَكَانَ يُكَايِدُهُمْ بِكُلّ مَا اسْتَطَاعَ فَوَقَفَ أَهْلُ مَكّةَ : الرّجَالُ وَالنّسَاءُ [ ص 328 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابِهِ وَهُمْ يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَرْتَجِزُ مُتَوَشّحًا بِالسّيْفِ يَقُولُ
خَلّوا بَنِي الْكُفّارِ عَنْ سَبِيلِهِ
قَدْ أَنْزَلَ الرّحْمَنُ فِي تَنْزِيلِهِ
فِي صُحُفٍ تُتْلَى عَلَى رَسُولِهِ
يَا رَبّ إنّي مُؤْمِنٌ بِقِيلِهِ
إنّي رَأَيْتُ الْحَقّ فِي قَبُولِهِ
الْيَوْمَ نَضْرِبْكُمْ عَلَى تَأْوِيلِهِ
ضَرْبًا يُزِيلُ الْهَامَ عَنْ مَقِيلِهِ
وَيُذْهِلُ الْخَلِيلَ عَنْ خَلِيلِهِ
وَتَغَيّبَ رِجَالٌ مِنْ الْمُشْرِكِينَ كَرَاهِيَةَ أَنْ يَنْظُرُوا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَنَقًا وَغَيْظًا فَأَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَكّةَ ثَلَاثًا فَلَمّا أَصْبَحَ مِنْ الْيَوْمِ الرّابِعِ أَتَاهُ سُهَيْلُ بْنُ عَمْرٍو وَحُوَيْطِبُ بْنُ عَبْدِ الْعُزّى وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي مَجْلِسِ الْأَنْصَارِ يَتَحَدّثُ مَعَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَصَاحَ حُوَيْطِبٌ نُنَاشِدُك اللّهَ وَالْعَقْدَ لَمَا خَرَجْتَ مِنْ أَرْضِنَا فَقَدْ مَضَتْ الثّلَاثُ فَقَالَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ : كَذَبْتَ لَا أُمّ لَك لَيْسَتْ بِأَرْضِكَ وَلَا أَرْضِ آبَائِك وَاَللّهِ لَا نَخْرُجُ ثُمّ نَادَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حُوَيْطِبًا أَوْ سُهَيْلًا فَقَالَ إنّي قَدْ نَكَحْتُ مِنْكُمْ امْرَأَةً فَمَا يَضُرّكُمْ أَنْ أَمْكُثَ حَتّى أَدْخُلَ بِهَا وَنَضَعَ الطّعَامَ فَنَأْكُلُ وَتَأْكُلُونَ مَعَنَا فَقَالُوا : نُنَاشِدُك اللّهَ وَالْعَقْدَ إلّا خَرَجْتَ عَنّا فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبَا رَافِعٍ فَأَذّنَ بِالرّحِيلِ وَرَكِبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى نَزَلَ بَطْنَ سَرِفَ فَأَقَامَ بِهَا وَخَلّفَ أَبَا رَافِعٍ لِيَحْمِلَ مَيْمُونَةَ إلَيْهِ حِين يُمْسِي فَأَقَامَ حَتّى قَدِمَتْ مَيْمُونَةُ وَمَنْ مَعَهَا وَقَدْ لَقُوا أَذًى وَعَنَاءً مِنْ سُفَهَاءِ الْمُشْرِكِينَ وَصِبْيَانِهِمْ [ ص 329 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَيْمُونَةَ بِسَرِفَ فَبَنَى بِهَا بِسَرِفَ ثُمّ أَدْلَجَ وَسَارَ حَتّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَقَدّرَ اللّهُ أَنْ يَكُونَ قَبْرُ مَيْمُونَةَ بِسَرِفَ حَيْثُ بَنَى بِهَا .
[فَصْلٌ بَيَانُ خَطَإِ مَنْ قَالَ تَزَوّجَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ ]
وَأَمّا قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ : " إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَزَوّجَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ مُحْرِمٌ وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ فَمِمّا اُسْتُدْرِكَ عَلَيْهِ وَعُدّ مِنْ وَهْمِهِ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ : وَوَهِمَ ابْنُ عَبّاسٍ وَإِنْ كَانَتْ خَالَتَهُ مَا تَزَوّجَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلّا بَعْدَ مَا حَلّ ذَكَرَهُ الْبُخَارِيّ . وَقَالَ يَزِيدُ بْنُ الْأَصَمّ عَنْ مَيْمُونَةَ تَزَوّجَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَنَحْنُ حَلَالَانِ بِسَرِفَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ . وَقَالَ أَبُو رَافِعٍ تَزَوّجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَيْمُونَةَ وَهُوَ حَلَالٌ وَبَنَى بِهَا وَهُوَ حَلَالٌ وَكُنْت الرّسُولَ بَيْنَهُمَا صَحّ ذَلِكَ عَنْهُ . وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ : هَذَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ عَبّاسٍ يَزْعُمُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَكَحَ [ ص 330 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَكّةَ وَكَانَ الْحِلّ وَالنّكَاحُ جَمِيعًا فَشُبّهَ ذَلِكَ عَلَى النّاسِ . وَقَدْ قِيلَ إنّهُ تَزَوّجَهَا قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ وَفِي هَذَا نَظَرٌ إلّا أَنْ يَكُونَ وَكّلَ فِي الْعَقْدِ عَلَيْهَا قَبْلَ إحْرَامِهِ وَأَظُنّ الشّافِعِيّ ذَكَرَ ذَلِكَ قَوْلًا فَالْأَقْوَالُ ثَلَاثَةٌ . أَحَدُهَا : أَنّهُ تَزَوّجَهَا بَعْدَ حِلّهِ مِنْ الْعُمْرَةِ وَهُوَ قَوْلُ مَيْمُونَةَ نَفْسِهَا وَقَوْلُ السّفِيرِ بَيْنَهَا وَبَيْنَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ أَبُو رَافِعٍ وَقَوْلُ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيّبِ وَجُمْهُورِ أَهْلِ النّقْلِ . وَالثّانِي : أَنّهُ تَزَوّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ وَأَهْلِ الْكُوفَةِ وَجَمَاعَةٍ . وَالثّالِثُ أَنّهُ تَزَوّجَهَا قَبْلَ أَنْ يُحْرِمَ . وَقَدْ حُمِلَ قَوْلُ ابْنِ عَبّاسٍ أَنّهُ تَزَوّجَهَا وَهُوَ مُحْرِمٌ عَلَى أَنّهُ تَزَوّجَهَا فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ لَا فِي حَالِ الْإِحْرَامِ قَالُوا : وَيُقَالُ أَحْرَمَ الرّجُلُ إذَا عَقَدَ الْإِحْرَامَ وَأَحْرَمَ إذَا دَخَلَ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ وَإِنْ كَانَ حَلَالًا بِدَلِيلِ قَوْلِ الشّاعِرِ
قَتَلُوا ابْنَ عَفّانَ الْخَلِيفَةَ مُحْرِمًا
وَرِعًا فَلَمْ أَرَ مِثْلَهُ مَقْتُولَا
وَإِنّمَا قَتَلُوهُ فِي الْمَدِينَةِ حَلَالًا فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ . وَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ عَفّانَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ لَا يَنْكِحُ الْمُحْرِمُ وَلَا يُنْكَحُ وَلَا يَخْطُبُ وَلَوْ قُدّرَ تَعَارُضُ الْقَوْلِ وَالْفِعْلِ هَا هُنَا لَوَجَبَ تَقْدِيمُ الْقَوْلِ لِأَنّ الْفِعْلَ مُوَافِقٌ [ ص 331 ] لَكَانَ رَافِعًا لِمُوجَبِ الْقَوْلِ وَالْقَوْلُ رَافِعٌ لِمُوجَبِ الْبَرَاءَةِ الْأَصْلِيّةِ فَيَلْزَمُ تَغْيِيرُ الْحُكْمِ مَرّتَيْنِ وَهُوَ خِلَافُ قَاعِدَةِ الْأَحْكَامِ وَاَللّه أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ اخْتِلَافُ عَلِيّ وَزَيْدٍ وَجَعْفَرٍ فِي حَضَانَةِ بِنْتِ حَمْزَةَ ]
وَلَمّا أَرَادَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْخُرُوجَ مِنْ مَكّةَ تَبِعَتْهُمْ ابْنَةُ حَمْزَةَ تُنَادِي : يَا عَمّ يَا عَمّ فَتَنَاوَلَهَا عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَأَخَذَ بِيَدِهَا وَقَالَ لِفَاطِمَةَ دُونَكِ ابْنَةَ عَمّك فَحَمَلَتْهَا فَاخْتَصَمَ فِيهَا عَلِيّ وَزَيْدٌ وَجَعْفَرٌ فَقَالَ عَلِيّ أَنَا أَخَذْتهَا وَهِيَ ابْنَةُ عَمّي وَقَالَ جَعْفَرٌ ابْنَةُ عَمّي وَخَالَتُهَا تَحْتِي وَقَالَ زَيْدٌ ابْنَةُ أَخِي فَقَضَى بِهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِخَالَتِهَا : وَقَالَ الْخَالَةُ بِمَنْزِلَةِ الْأُمّ وَقَالَ لِعَلِيّ أَنْتَ مِنّي وَأَنَا مِنْكَ وَقَالَ لِجَعْفَرٍ أَشْبَهْتَ خَلْقِي وَخُلُقِي وَقَالَ لِزَيْدٍ أَنْتَ أَخُونَا وَمَوْلَانَا مُتّفَقٌ عَلَى صِحّتِهِ .
[الْفِقْهُ الْمُسْتَنْبَطُ مِنْ هَذِهِ الْقِصّةِ الْخَالَةُ مُقَدّمَةٌ فِي الْحَضَانَةِ ]
وَفِي هَذِهِ الْقِصّةِ مِنْ الْفِقْهِ أَنّ الْخَالَةَ مُقَدّمَةٌ فِي الْحَضَانَةِ عَلَى سَائِرِ الْأَقَارِبِ بَعْدَ الْأَبَوَيْنِ .
[ تَزَوّجُ الْحَاضِنَةِ بِقَرِيبٍ مِنْ الطّفْلِ لَا يُسْقِطُ حَضَانَتَهَا ]
وَأَنّ تَزَوّجَ الْحَاضِنَةِ بِقَرِيبٍ مِنْ الطّفْلِ لَا يُسْقِطُ حَضَانَتَهَا . نَصّ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ تَعَالَى فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ عَلَى أَنّ تَزْوِيجَهَا لَا يُسْقِطُ حَضَانَتَهَا فِي الْجَارِيَةِ خَاصّةً وَاحْتَجّ بِقِصّةِ بِنْتِ حَمْزَةَ هَذِهِ وَلَمّا كَانَ ابْنُ الْعَمّ لَيْسَ مَحْرَمًا لَمْ يُفَرّقْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْأَجْنَبِيّ فِي ذَلِكَ وَقَالَ تَزَوّجُ الْحَاضِنَةِ لَا يُسْقِطُ حَضَانَتَهَا لِلْجَارِيَةِ وَقَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيّ : لَا يَكُونُ تَزَوّجُهَا مُسْقِطًا لِحَضَانَتِهَا بِحَالٍ ذَكَرًا كَانَ الْوَلَدُ أَوْ أُنْثَى .
[ الِاخْتِلَافُ فِي سُقُوطِ الْحَضَانَةِ بِالنّكَاحِ ]
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي سُقُوطِ الْحَضَانَةِ بِالنّكَاحِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ . [ ص 332 ] كَانَ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشّافِعِيّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرّوَايَاتِ عَنْهُ . وَالثّانِي : لَا تَسْقُطُ بِحَالٍ وَهُوَ قَوْلُ الْحَسَنِ وَابْنِ حَزْمٍ . وَالثّالِثُ إنْ كَانَ الطّفْلُ بِنْتًا لَمْ تَسْقُطْ الْحَضَانَةُ وَإِنْ كَانَ ذَكَرًا سَقَطَتْ وَهَذِهِ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللّهُ تَعَالَى وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مُهَنّا : إذَا تَزَوّجَتْ الْأُمّ وَابْنُهَا صَغِيرٌ أُخِذَ مِنْهَا قِيلَ لَهُ وَالْجَارِيَةُ مِثْلُ الصّبِيّ ؟ قَالَ لَا الْجَارِيَةُ تَكُونُ مَعَهَا إلَى سَبْعِ سِنِينَ وَحَكَى ابْنُ أَبِي مُوسَى رِوَايَةً أُخْرَى عَنْهُ أَنّهَا أَحَقّ بِالْبِنْتِ وَإِنْ تَزَوّجَتْ إلَى أَنْ تَبْلُغَ . وَالرّابِعُ أَنّهَا إذَا تَزَوّجَتْ بِنَسِيبٍ مِنْ الطّفْلِ لَمْ تَسْقُطْ حَضَانَتُهَا وَإِنْ تَزَوّجَتْ بِأَجْنَبِيّ سَقَطَتْ ثُمّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ هَذَا الْقَوْلِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا : أَنّهُ يَكْفِي كَوْنُهُ نَسِيبًا فَقَطْ مَحْرَمًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مَحْرَمٍ وَهَذَا ظَاهِرُ كَلَامِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَإِطْلَاقِهِمْ . الثّانِي : أَنّهُ يُشْتَرَطُ كَوْنُهُ مَعَ ذَلِكَ ذَا رَحِمٍ مَحْرَمٍ وَهُوَ قَوْلُ الْحَنَفِيّةِ . الثّالِثُ أَنّهُ يُشْتَرَطُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الطّفْلِ وِلَادَةٌ بِأَنْ يَكُونَ جَدّا لِلطّفْلِ وَهَذَا قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَالشّافِعِيّ .
[ الِاخْتِلَافُ فِي تَقْدِيمِ الْخَالَةِ عَلَى الْعَمّةِ ]
وَفِي الْقِصّةِ حُجّةٌ لِمَنْ قَدّمَ الْخَالَةَ عَلَى الْعَمّةِ وَقَرَابَةَ الْأُمّ عَلَى قَرَابَةِ الْأَبِ فَإِنّهُ قَضَى بِهَا لِخَالَتِهَا وَقَدْ كَانَتْ صَفِيّةُ عَمّتُهَا مَوْجُودَةً إذْ ذَاكَ وَهَذَا قَوْلُ الشّافِعِيّ وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ فِي إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْهُ .
[ حُجّةُ مَنْ قَدّمَ الْعَمّةَ عَلَى الْخَالَةِ ]
وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ أَنّ الْعَمّةَ مُقَدّمَةٌ عَلَى الْخَالَةِ - وَهِيَ اخْتِيَارُ شَيْخِنَا - وَكَذَلِكَ نِسَاءُ الْأَبِ يُقَدّمْنَ عَلَى نِسَاءِ الْأُمّ لِأَنّ الْوِلَايَةَ عَلَى الطّفْلِ فِي الْأَصْلِ لِلْأَبِ وَإِنّمَا قُدّمَتْ عَلَيْهِ الْأُمّ لِمَصْلَحَةِ الطّفْلِ وَكَمَالِ تَرْبِيَتِهِ وَشَفَقَتِهَا وَحُنُوّهَا وَالْإِنَاثُ أَقْوَمُ بِذَلِكَ مِنْ الرّجَالِ فَإِذَا صَارَ الْأَمْرُ إلَى النّسَاءِ فَقَطْ أَوْ الرّجَالِ فَقَطْ كَانَتْ قَرَابَةُ الْأَبِ أَوْلَى مِنْ قَرَابَةِ الْأُمّ كَمَا يَكُونُ الْأَبُ أَوْلَى مِنْ كُلّ ذَكَرٍ سِوَاهُ وَهَذَا قَوِيّ جِدّا . [ ص 333 ] وَيُجَابُ عَنْ تَقْدِيمِ خَالَةِ ابْنَةِ حَمْزَةَ عَلَى عَمّتِهَا بِأَنّ الْعَمّةَ لَمْ تَطْلُبْ الْحَضَانَةَ وَالْحَضَانَةُ حَقّ لَهَا يُقْضَى لَهَا بِهِ بِطَلَبِهِ بِخِلَافِ الْخَالَةِ فَإِنّ جَعْفَرًا كَانَ نَائِبًا عَنْهَا فِي طَلَبِ الْحَضَانَةِ وَلِهَذَا قَضَى بِهَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَهَا فِي غَيْبَتِهَا . وَأَيْضًا فَكَمَا أَنّ لِقَرَابَةِ الطّفْلِ أَنْ يَمْنَعَ الْحَاضِنَةَ مِنْ حَضَانَةِ الطّفْلِ إذَا تَزَوّجَتْ فَلِلزّوْجِ أَنْ يَمْنَعَهَا مِنْ أَخْذِهِ وَتَفَرّغِهَا لَهُ فَإِذَا رَضِيَ الزّوْجُ بِأَخْذِهِ حَيْثُ لَا تَسْقُطُ حَضَانَتُهَا لِقَرَابَتِهِ أَوْ لِكَوْنِ الطّفْلِ أُنْثَى عَلَى رِوَايَةٍ مُكّنَتْ مِنْ أَخْذِهِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فَالْحَقّ لَهُ وَالزّوْجُ هَا هُنَا قَدْ رَضِيَ وَخَاصَمَ فِي الْقِصّةِ وَصَفِيّةُ لَمْ يَكُنْ مِنْهَا طَلَبٌ . وَأَيْضًا فَابْنُ الْعَمّ لَهُ حَضَانَةُ الْجَارِيَةِ الّتِي لَا تُشْتَهَى فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ بَلْ وَإِنْ كَانَتْ تُشْتَهَى فَلَهُ حَضَانَتُهَا أَيْضًا وَتُسَلّمُ إلَى امْرَأَةٍ ثِقَةٍ يَخْتَارُهَا هُوَ أَوْ إلَى مَحْرَمِهِ وَهَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ لِأَنّهُ قَرِيبٌ مِنْ عَصَبَاتِهَا وَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْأَجَانِبِ وَالْحَاكِمِ وَهَذِهِ إنْ كَانَتْ طِفْلَةً فَلَا إشْكَالَ وَإِنْ كَانَتْ مِمّنْ يُشْتَهَى فَقَدْ سُلّمَتْ إلَى خَالَتِهَا فَهِيَ وَزَوْجُهَا مَنْ أَهْلِ الْحَضَانَةِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
[مَعْنَى قَوْلِ زَيْدٍ ابْنَةُ أَخِي وَبَيَانُ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ مَرّةً وَبَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْأَنْصَارِ فِي الْمَرّةِ الثّانِيَةِ]
وَقَوْلُ زَيْدٍ ابْنَةُ أَخِي يُرِيدُ الْإِخَاءَ الّذِي عَقَدَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَهُ وَبَيْن حَمْزَةَ لَمّا وَاخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ فَإِنّهُ وَاخَى بَيْنَ أَصْحَابِهِ مَرّتَيْنِ فَوَاخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ قَبْلَ الْهِجْرَةِ عَلَى الْحَقّ وَالْمُوَاسَاةِ وَآخَى بَيْن أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَبَيْنَ حَمْزَةَ وَزَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ وَبَيْنَ عُثْمَانَ وَعَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَبَيْنَ الزّبَيْرِ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَبَيْنَ عُبَيْدَةَ بْنِ الْحَارِثِ وَبِلَالٍ وَبَيْنَ مُصْعَبِ بْنِ عُمَيْرٍ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقّاصٍ وَبَيْنَ أَبِي عُبَيْدَةَ وَسَالِمٍ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ وَبَيْنَ سَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَطَلْحَةَ بْنِ عُبَيْدِ اللّهِ . وَالْمَرّةُ الثّانِيَةُ آخَى بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ فِي دَارِ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ بَعْدَ مَقْدَمِهِ الْمَدِينَةَ .
فَصْلٌ [ الِاخْتِلَافُ فِي تَسْمِيَتِهَا بِعُمْرَةِ الْقَضَاءِ هَلْ مِنْ الْقَضَاءِ أَوْ مِنْ الْمُقَاضَاةِ ]
وَاخْتُلِفَ فِي تَسْمِيَةِ هَذِهِ الْعُمْرَةِ بِعُمْرَةِ الْقَضَاءِ هَلْ هُوَ لِكَوْنِهَا قَضَاءً لِلْعُمْرَةِ الّتِي صُدّوا عَنْهَا أَوْ مِنْ الْمُقَاضَاةِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ تَقَدّمَا قَالَ الْوَاقِدِيّ : حَدّثَنِي [ ص 334 ] عَبْدُ اللّهِ بْنُ نَافِعٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْعُمْرَةُ قَضَاءً وَلَكِنْ كَانَ شَرْطًا عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَعْتَمِرُوا فِي الشّهْرِ الّذِي حَاصَرَهُمْ فِيهِ الْمُشْرِكُونَ .
[ اخْتِلَافُ الْفُقَهَاءِ فِيمَا يَتَرَتّبُ عَلَى مَنْ أُحْصِرَ عَنْ الْعُمْرَةِ وَبَيَانُ حُجَجِهِمْ ]
وَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا : أَنّ مَنْ أُحْصِرَ عَنْ الْعُمْرَةِ يَلْزَمُهُ الْهَدْيُ وَالْقَضَاءُ وَهَذَا إحْدَى الرّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ بَلْ أَشْهَرُهَا عَنْهُ . وَالثّانِي : لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَعَلَيْهِ الْهَدْيُ وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ وَمَالِكٍ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ وَرِوَايَةِ أَبِي طَالِبٍ عَنْ أَحْمَدَ . وَالثّالِثُ يَلْزَمُهُ الْقَضَاءُ وَلَا هَدْيَ عَلَيْهِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ . وَالرّابِعُ لَا قَضَاءَ عَلَيْهِ وَلَا هَدْيَ وَهُوَ إحْدَى الرّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ . فَمَنْ أَوْجَبَ عَلَيْهِ الْقَضَاءَ وَالْهَدْيَ احْتَجّ بِأَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابَهُ نَحَرُوا الْهَدْيَ حِينَ صُدّوا عَنْ الْبَيْتِ ثُمّ قَضَوْا مِنْ قَابِلٍ قَالُوا : وَالْعُمْرَةُ تَلْزَمُ بِالشّرُوعِ فِيهَا وَلَا يَسْقُطُ الْوُجُوبُ إلّا بِفِعْلِهَا وَنَحْرِ الْهَدْيِ لِأَجْلِ التّحَلّلِ قَبْلَ تَمَامِهَا وَقَالُوا : وَظَاهِرُ الْآيَةِ يُوجِبُ الْهَدْيَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } [ الْبَقَرَةَ 196 ] . وَمَنْ لَمْ يُوجِبْهُمَا قَالُوا : لَمْ يَأْمُرْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الّذِينَ أُحْصِرُوا مَعَهُ بِالْقَضَاءِ وَلَا أَحَدًا مِنْهُمْ وَلَا وَقَفَ الْحِلّ عَلَى نَحْرِهِمْ الْهَدْيَ بَلْ أَمَرَهُمْ أَنْ يَحْلِقُوا رُءُوسَهُمْ وَأَمَرَ مَنْ كَانَ مَعَهُ هَدْيٌ أَنْ يَنْحَرَ هَدْيَهُ . وَمَنْ أَوْجَبَ الْهَدْيَ دُونَ الْقَضَاءِ احْتَجّ بِقَوْلِهِ { فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنَ الْهَدْيِ } وَمَنْ أَوْجَبَ الْقَضَاءَ دُونَ الْهَدْيِ احْتَجّ بِأَنّ الْعُمْرَةَ تَلْزَمُ بِالشّرُوعِ فَإِذَا أُحْصِرَ جَازَ لَهُ تَأْخِيرُهَا لِعُذْرِ الْإِحْصَارِ فَإِذَا زَالَ الْحَصْرُ أَتَى بِهَا بِالْوُجُوبِ السّابِقِ وَلَا يُوجِبُ تَخَلّلُ التّحَلّلِ بَيْنَ الْإِحْرَامِ بِهَا أَوّلًا وَبَيْنَ فِعْلِهَا فِي وَقْتِ الْإِمْكَانِ شَيْئًا وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَرُدّ هَذَا الْقَوْلَ وَيُوجِبُ الْهَدْيَ دُونَ الْقَضَاءِ لِأَنّهُ جَعَلَ الْهَدْيَ هُوَ جَمِيعُ مَا عَلَى الْمُحْصَرِ فَدَلّ عَلَى أَنّهُ يُكْتَفَى بِهِ مِنْهُ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ الِاخْتِلَافُ فِي وَقْتِ النّحْرِ لِلْمُحْصَرِ ]
[ ص 335 ] نَحْرِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا أُحْصِرَ بِالْحُدَيْبِيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ الْمُحْصَرَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ وَقْتَ حَصْرِهِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ إذَا كَانَ مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ وَإِنْ كَانَ مُفْرِدًا أَوْ قَارِنًا فَفِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا : أَنّ الْأَمْرَ كَذَلِكَ وَهُوَ الصّحِيحُ لِأَنّهُ أَحَدُ النّسُكَيْنِ فَجَازَ الْحِلّ مِنْهُ وَنَحْرُ هَدْيِهِ وَقْتَ حَصْرِهِ كَالْعُمْرَةِ لِأَنّ الْعُمْرَةَ لَا تَفُوتُ وَجَمِيعُ الزّمَانِ وَقْتٌ لَهَا فَإِذَا جَازَ الْحِلّ مِنْهَا وَنَحْرُ هَدْيِهَا مِنْ غَيْرِ خَشْيَةِ فَوَاتِهَا فَالْحَجّ الّذِي يُخْشَى فَوَاتُهُ أَوْلَى وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةِ حَنْبَلٍ إنّهُ لَا يَحِلّ وَلَا يَنْحَرُ الْهَدْيَ إلَى يَوْمِ النّحْرِ وَوَجْهُ هَذَا أَنّ لِلْهَدْيِ مَحِلّ زَمَانٍ وَمَحِلّ مَكَانٍ فَإِذَا عَجَزَ عَنْ مَحِلّ الْمَكَانِ لَمْ يَسْقُطْ عَنْهُ مَحِلّ الزّمَانِ لِتَمَكّنِهِ مِنْ الْإِتْيَانِ بِالْوَاجِبِ فِي مَحِلّهِ الزّمَانِيّ وَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ لَا يَجُوزُ لَهُ التّحَلّلُ قَبْلَ يَوْمِ النّحْرِ لِقَوْلِهِ { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلّهُ } [ الْبَقَرَةَ 196 ] .
فَصْلٌ [ هَلْ يَتَحَلّلُ الْمُحْصَرُ بِعُمْرَةٍ ]
وَفِي نَحْرِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَحِلّهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ الْمُحْصَرَ بِالْعُمْرَةِ يَتَحَلّلُ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ . وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللّهُ أَنّ الْمُعْتَمِرَ لَا يَتَحَلّلُ لِأَنّهُ لَا يَخَافُ الْفَوْتَ وَهَذَا تَبْعُدُ صِحّتُهُ عَنْ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللّهُ لِأَنّ الْآيَةَ إنّمَا نَزَلَتْ فِي الْحُدَيْبِيَة ِ وَكَانَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابُهُ كُلّهُمْ مُحْرِمِينَ بِعُمْرَةٍ وَحَلّوا كُلّهُمْ وَهَذَا مِمّا لَا يَشُكّ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .
فَصْلٌ [ هَلْ يَنْحَرُ الْمُحْصَرُ هَدْيَهُ حَيْثُ أُحْصِرَ مِنْ حِلّ أَوْ حَرَمٍ ؟ ]
وَفِي ذَبْحِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْحُدَيْبِيَةِ وَهِيَ مِنْ الْحِلّ بِالِاتّفَاقِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ الْمُحْصَرَ يَنْحَرُ هَدْيَهُ حَيْثُ أُحْصِرَ مِنْ حِلّ أَوْ حَرَمٍ وَهَذَا قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَأَحْمَدَ وَمَالِكٍ وَالشّافِعِيّ . وَعَنْ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللّهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنّهُ لَيْسَ لَهُ نَحْرُ هَدْيِهِ إلّا فِي الْحَرَمِ فَيَبْعَثُهُ إلَى الْحَرَمِ وَيُوَاطِئُ رَجُلًا عَلَى أَنْ يَنْحَرَهُ فِي وَقْتٍ يَتَحَلّلُ فِيهِ [ ص 336 ] ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التّابِعِينَ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ . وَهَذَا إنْ صَحّ عَنْهُمْ فَيَنْبَغِي حَمْلُهُ عَلَى الْحَصْرِ الْخَاصّ وَهُوَ أَنْ يَتَعَرّضَ ظَالِمٌ لِجَمَاعَةٍ أَوْ لِوَاحِدٍ وَأَمّا الْحَصْرُ الْعَامّ فَالسّنّةُ الثّابِتَةُ عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَدُلّ عَلَى خِلَافِهِ وَالْحُدَيْبِيَةُ مِنْ الْحِلّ بِاتّفَاقِ النّاسِ وَقَدْ قَالَ الشّافِعِيّ : بَعْضُهَا مِنْ الْحِلّ وَبَعْضُهَا مِنْ الْحَرَمِ قُلْت : وَمُرَادُهُ أَنّ أَطْرَافَهَا مِنْ الْحَرَمِ وَإِلّا فَهِيَ مِنْ الْحِلّ بِاتّفَاقِهِمْ . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللّهُ فِي الْمُحْصَرِ إذَا قَدَرَ عَلَى أَطْرَافِ الْحَرَمِ هَلْ يَلْزَمُهُ أَنْ يَنْحَرَ فِيهِ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ لَهُمْ . وَالصّحِيحُ أَنّهُ لَا يَلْزَمُهُ لِأَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَحَرَ هَدْيَهُ فِي مَوْضِعِهِ مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى أَطْرَافِ الْحَرَمِ وَقَدْ أَخْبَرَ اللّهُ سُبْحَانَهُ أَنّ الْهَدْيَ كَانَ مَحْبُوسًا عَنْ بُلُوغِ مَحِلّهِ وَنَصَبَ الْهَدْيَ بِوُقُوعِ فِعْلِ الصّدّ عَلَيْهِ أَيْ صَدّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَصَدّوا الْهَدْيَ عَنْ بُلُوغِ مَحِلّهِ وَمَعْلُومٌ أَنّ صَدّهُمْ وَصَدّ الْهَدْيِ اسْتَمَرّ ذَلِكَ الْعَامَ وَلَمْ يَزُلْ فَلَمْ يَصِلُوا فِيهِ إلَى مَحِلّ إحْرَامِهِمْ وَلَمْ يَصِلْ الْهَدْيُ إلَى مَحِلّ نَحْرِهِ وَاَللّه أَعْلَمُ .
فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ مُؤْتَةَ
وَهِيَ بِأَدْنَى الْبَلْقَاءِ مِنْ أَرْضِ الشّامِ وَكَانَتْ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ ثَمَانٍ وَكَانَ سَبَبُهَا أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعَثَ الْحَارِثَ بْنَ عُمَيْرٍ الْأَزْدِيّ أَحَدَ بَنِي لِهْبٍ بِكِتَابِهِ إلَى الشّامِ إلَى مَلِكِ الرّومِ أَوْ بُصْرَى فَعَرَضَ لَهُ شُرَحْبِيلُ بْنُ عَمْرٍو الْغَسّانِيّ فَأَوْثَقَهُ رِبَاطًا ثُمّ قَدّمَهُ فَضَرَبَ عُنُقَهُ وَلَمْ يُقْتَلْ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَسُولٌ غَيْرُهُ فَاشْتَدّ ذَلِكَ عَلَيْهِ حِينَ بَلَغَهُ الْخَبَرُ فَبَعَثَ الْبُعُوثَ وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ زَيْدَ بْنَ حَارِثَةَ وَقَالَ إنْ أُصِيبَ فَجَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ عَلَى النّاسِ فَإِنْ أُصِيبَ جَعْفَرٌ [ ص 337 ] فَعَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَتَجَهّزَ النّاسُ وَهُمْ ثَلَاثَةُ آلَافٍ فَلَمّا حَضَرَ خُرُوجُهُمْ وَدّعَ النّاسُ أُمَرَاءَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسَلّمُوا عَلَيْهِمْ فَبَكَى عَبْدُ اللّه بْنُ رَوَاحَةَ فَقَالُوا : مَا يُبْكِيك ؟ فَقَالَ أَمَا وَاَللّهِ مَا بِي حُبّ الدّنْيَا وَلَا صَبَابَةٌ بِكُمْ وَلَكِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقْرَأُ آيَةً مِنْ كِتَابِ اللّهِ يَذْكُرُ فِيهَا النّار { وَإِنْ مِنْكُمْ إِلّا وَارِدُهَا كَانَ عَلَى رَبّكَ حَتْمًا مَقْضِيّا } [ مَرْيَمَ : 71 ] فَلَسْت أَدْرِي كَيْفَ لِي بِالصّدَرِ بَعْدَ الْوُرُودِ ؟ فَقَالَ الْمُسْلِمُونَ صَحِبَكُمْ اللّهُ بِالسّلَامَةِ وَدَفَعَ عَنْكُمْ وَرَدّكُمْ إلَيْنَا صَالِحِينَ فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ : لَكِنّنِي أَسْأَلُ الرّحْمَنَ مَغْفِرَةً وَضَرْبَةً ذَاتَ فَرْغٍ تَقْذِفُ الزّبَدَا
أَوْ طَعْنَةً بِيَدَيْ حَرّانَ مُجْهِزَةً بِحَرْبَةٍ تُنْفِذُ الْأَحْشَاءَ وَالْكَبِدَا
حَتّى يُقَالَ إذَا مَرّوا عَلَى جَدَثِي يَا أَرْشَدَ اللّهُ مِنْ غَازٍ وَقَدْ رَشَدَا
ثُمّ مَضَوْا حَتّى نَزَلُوا مَعَانَ فَبَلَغَ النّاسَ أَنّ هِرَقْلَ بِالْبَلْقَاءِ فِي مِائَةِ أَلْفٍ مِنْ الرّومِ وَانْضَمّ إلَيْهِمْ مِنْ لَخْمٍ وَجُذَامَ وَبَلْقَيْنِ وَبَهْرَاءَ وَبَلِيّ مِائَةُ أَلْفٍ فَلَمّا بَلَغَ ذَلِكَ الْمُسْلِمِينَ أَقَامُوا عَلَى مَعَانَ لَيْلَتَيْنِ يَنْظُرُونَ فِي أَمْرِهِمْ وَقَالُوا : نَكْتُبُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَنُخْبِرُهُ بِعَدَدِ عَدُوّنَا فَإِمّا أَنْ يُمِدّنَا بِالرّجَالِ وَإِمّا أَنْ يَأْمُرَنَا بِأَمْرِهِ فَنَمْضِيَ لَهُ فَشَجّعَ النّاسَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ فَقَالَ يَا قَوْمِ وَاَللّهِ إنّ الّذِي تَكْرَهُونَ لَلّتِي خَرَجْتُمْ تَطْلُبُونَ الشّهَادَةُ وَمَا نُقَاتِلُ النّاسَ بِعَدَدٍ وَلَا قُوّةٍ وَلَا كَثْرَةٍ مَا نُقَاتِلُهُمْ إلّا بِهَذَا الدّينِ الّذِي أَكْرَمَنَا بِهِ اللّهُ فَانْطَلِقُوا فَإِنّمَا هِيَ إحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ إمّا ظَفَرٌ وَإِمّا شَهَادَةٌ . فَمَضَى النّاسُ حَتّى إذَا كَانُوا بِتُخُومِ الْبَلْقَاءِ لَقِيَتْهُمْ الْجُمُوعُ بِقَرْيَةٍ يُقَالُ لَهَا : [ ص 338 ] فَدَنَا الْعَدُوّ وَانْحَازَ الْمُسْلِمُونَ إلَى مُؤْتَةَ فَالْتَقَى النّاسُ عِنْدَهَا فَتَعَبّى الْمُسْلِمُونَ ثُمّ اقْتَتَلُوا وَالرّايَةُ فِي يَدِ زَيْدِ بْنِ حَارِثَةَ فَلَمْ يَزَلْ يُقَاتِلُ بِهَا حَتّى شَاطَ فِي رِمَاحِ الْقَوْمِ وَخَرّ صَرِيعًا وَأَخَذَهَا جَعْفَرٌ فَقَاتَلَ بِهَا حَتّى إذَا أَرْهَقَهُ الْقِتَالُ اقْتَحَمَ عَنْ فَرَسِهِ فَعَقَرَهَا ثُمّ قَاتَلَ حَتّى قُتِلَ فَكَانَ جَعْفَرٌ أَوّلَ مَنْ عَقَرَ فَرَسَهُ فِي الْإِسْلَامِ عِنْدَ الْقِتَالِ فَقُطِعَتْ يَمِينُهُ فَأَخَذَ الرّايَةَ بِيَسَارِهِ . فَقُطِعَتْ يَسَارُهُ فَاحْتَضَنَ الرّايَةَ حَتّى قُتِلَ وَلَهُ ثَلَاثٌ وَثَلَاثُونَ سَنَةً ثُمّ أَخَذَهَا عَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ وَتَقَدّمَ بِهَا وَهُوَ عَلَى فَرَسِهِ فَجَعَلَ يَسْتَنْزِلُ نَفْسَهُ وَيَتَرَدّدُ بَعْضَ التّرَدّدِ ثُمّ نَزَلَ فَأَتَاهُ ابْنُ عَمّ لَهُ بِعَرْقٍ مِنْ لَحْمٍ فَقَالَ شُدّ بِهَا صُلْبَك فَإِنّك قَدْ لَقِيت فِي أَيّامِكَ هَذِهِ مَا لَقِيت فَأَخَذَهَا مِنْ يَدِهِ فَانْتَهَسَ مِنْهَا نَهْسَةً ثُمّ سَمِعَ الْحَطْمَةَ فِي نَاحِيَةِ النّاسِ فَقَالَ وَأَنْتَ فِي الدّنْيَا ثُمّ أَلْقَاهُ مِنْ يَدِهِ ثُمّ أَخَذَ سَيْفَهُ وَتَقَدّمَ فَقَاتَلَ حَتّى قُتِلَ ثُمّ أَخَذَ الرّايَةَ ثَابِتُ بْنُ أَقْرَمَ أَخُو بَنِي عَجْلَانَ فَقَالَ يَا مَعْشَرَ الْمُسْلِمِينَ اصْطَلِحُوا عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ قَالُوا : أَنْتَ قَالَ مَا أَنَا بِفَاعِلٍ فَاصْطَلَحَ النّاسُ عَلَى خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَلَمّا أَخَذَ الرّايَةَ دَافَعَ الْقَوْمَ وَحَاشَ بِهِمْ ثُمّ انْحَازَ بِالْمُسْلِمِينَ وَانْصَرَفَ بِالنّاسِ .
[ مَنْ الْمُنْتَصِرُ ؟ ]
وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ أَنّ الْهَزِيمَةَ كَانَتْ عَلَى الْمُسْلِمِينَ . وَاَلّذِي فِي " صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " أَنّ الْهَزِيمَةَ كَانَتْ عَلَى الرّومِ . وَالصّحِيحُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ أَنّ كُلّ فِئَةٍ انْحَازَتْ عَنْ الْأُخْرَى .
[ إطْلَاعُ اللّهِ رَسُولَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِخَبَرِ أَصْحَابِهِ ]
[ إخْبَارُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ دُخُولِ الْأُمَرَاءِ الثّلَاثَةِ الْجَنّةَ ]
وَأَطْلَعَ اللّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى ذَلِكَ رَسُولَهُ مِنْ يَوْمِهِمْ ذَلِكَ فَأَخْبَرَ بِهِ أَصْحَابَهُ وَقَالَ لَقَدْ رُفِعُوا إلَيّ فِي الْجَنّةِ فِيمَا يَرَى النّائِمُ عَلَى سُرُرٍ مِنْ ذَهَبٍ فَرَأَيْتُ فِي [ ص 339 ] عَبْدِ اللّهِ بْنِ رَوَاحَةَ ازْوِرَارًا عَنْ سَرِيرِ صَاحِبَيْهِ " فَقُلْت : " عَمّ هَذَا ؟ " فَقِيلَ لِي : مَضَيَا وَتَرَدّدَ عَبْدُ اللّهِ بَعْضَ التّرَدّدِ ثُمّ مَضَى . وَذَكَرَ عَبْدُ الرّزّاقِ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ ابْنِ جُدْعَانَ عَنْ ابْنِ الْمُسَيّبِ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُثّلَ لِي جَعْفَرٌ وَزَيْدٌ وَابْنُ رَوَاحَةَ فِي خَيْمَةٍ مِنْ دُرّ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى سَرِيرٍ فَرَأَيْتُ زَيْدًا وَابْنَ رَوَاحَةَ فِي أَعْنَاقِهِمَا صُدُودٌ وَرَأَيْتُ جَعْفَرًا مُسْتَقِيمًا لَيْسَ فِيهِ صُدُودٌ قَالَ فَسَأَلْتُ أَوْ قِيلَ لِي : إنّهُمَا حِينَ غَشِيَهُمَا الْمَوْتُ أَعْرَضَا أَوْ كَأَنّهُمَا صَدّا بِوُجُوهِهِمَا وَأَمّا جَعْفَرٌ فَإِنّهُ لَمْ يَفْعَلْ وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي جَعْفَرٍ إنّ اللّهَ أَبْدَلَهُ بِيَدَيْهِ جَنَاحَيْنِ يَطِيرُ بِهِمَا فِي الْجَنّةِ حَيْثُ شَاءَ
[ جِرَاحَاتُ جَعْفَرٍ ]
قَالَ أَبُو عُمَرَ وَرَوَيْنَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنّهُ قَالَ وَجَدْنَا مَا بَيْنَ صَدْرِ جَعْفَرٍ وَمَنْكِبَيْهِ وَمَا أَقْبَلَ مِنْهُ تِسْعِينَ جِرَاحَةً مَا بَيْنَ ضَرْبَةٍ بِالسّيْفِ وَطَعْنَةٍ بِالرّمْحِ
[ إخْبَارُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَسُولَ مُؤْتَةَ عَمّا حَدَثَ فِيهَا ]
وَقَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : قَدِمَ يَعْلَى بْنُ منية عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِخَبَرِ أَهْلِ مُؤْتَةَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنْ شِئْتَ فَأَخْبِرْنِي وَإِنْ شِئْتَ أَخْبَرْتُكَ قَالَ أَخْبِرْنِي يَا رَسُولَ اللّهِ فَأَخْبَرَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَبَرَهُمْ كُلّهُ وَوَصَفَهُمْ لَهُ فَقَالَ وَاَلّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقّ مَا تَرَكْتَ مِنْ حَدِيثِهِمْ حَرْفًا وَاحِدًا لَمْ تَذْكُرْهُ وَإِنّ أَمْرَهُمْ لَكَمَا ذَكَرْت فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " إنّ اللّهَ رَفَعَ لِي الْأَرْضَ حَتّى رَأَيْتُ مُعْتَرَكَهُمْ
[ شُهَدَاءُ مُؤْتَةَ ]
وَاسْتُشْهِدَ يَوْمَئِذٍ جَعْفَرٌ وَزَيْدُ بْنُ حَارِثَةَ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ [ ص 340 ] وَمَسْعُودُ بْنُ الْأَوْسِ وَوَهْبُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ وَعَبّادُ بْنُ قَيْسٍ وَحَارِثَةُ بْنُ النّعْمَانِ وَسُرَاقَةُ بْنُ عَمْرِو بْنِ عَطِيّةَ وَأَبُو كُلَيْبٍ وَجَابِرٌ ابْنَا عَمْرِو بْنِ زَيْدٍ وَعَامِرٌ وَعَمْرٌو ابْنَا سَعِيدِ بْنِ الْحَارِثِ وَغَيْرُهُمْ .
[ إنْشَادُ ابْنِ رَوَاحَةَ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي عَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي بَكْرٍ أَنّهُ حُدّثَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ قَالَ كُنْتُ يَتِيمًا لِعَبْدِ اللّهِ بْنِ رَوَاحَةَ فِي حِجْرِهِ فَخَرَجَ بِي فِي سَفَرِهِ ذَلِكَ مُرْدِفِي عَلَى حَقِيبَةِ رَحْلِهِ فَوَاَللّهِ إنّهُ لَيَسِيرُ لَيْلَةً إذْ سَمِعْتُهُ وَهُوَ يُنْشِدُ
إذَا أَدْنَيْتِنِي وَحَمَلْتِ رَحْلِي
مَسِيرَةَ أَرْبَعٍ بَعْدَ الْحِسَاءِ
فَشَأْنَكِ فَانْعَمِي وَخَلَاكِ ذَمّ
وَلَا أَرْجِعْ إلَى أَهْلِي وَرَائِي
وَجَاءَ الْمُسْلِمُونَ وَغَادَرُونِي
بِأَرْضِ الشّامِ مُسْتَنْهَى الثّوَاءِ
فَصْلٌ [ وَهْمٌ فِي التّرْمِذِيّ بِإِنْشَادِ ابْنِ رَوَاحَةَ يَوْمَ الْفَتْحِ ]
وَقَدْ وَقَعَ فِي التّرْمِذِيّ وَغَيْرِهِ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَخَلَ مَكّةَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ رَوَاحَةَ بَيْنَ يَدَيْهِ يُنْشِدُ . خَلّوا بَنِي الْكُفّارِ عَنْ سَبِيلِهِ
الْأَبْيَاتَ . وَهَذَا وَهْمٌ فَإِنّ ابْنَ رَوَاحَةَ قُتِلَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ وَهِيَ قَبْلَ الْفَتْحِ بِأَرْبَعَةِ أَشْهُرٍ وَإِنّمَا كَانَ يُنْشَدُ بَيْنَ يَدَيْهِ شِعْرُ ابْنِ رَوَاحَةَ وَهَذَا مِمّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ أَهْلِ النّقْلِ .
فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ السّلَاسِلِ
وَهِيَ وَرَاءَ وَادِي الْقُرَى بِضَمّ السّينِ الْأُولَى وَفَتْحِهَا لُغَتَانِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ [ ص 341 ] الْمَدِينَةِ عَشَرَةُ أَيّامٍ وَكَانَتْ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ سَنَةَ ثَمَانٍ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : بَلَغَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ جَمْعًا مِنْ قُضَاعَةَ قَدْ تَجَمّعُوا يُرِيدُونَ أَنْ يُدْنُوا إلَى أَطْرَافِ الْمَدِينَةِ فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ فَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً أَبْيَضَ وَجَعَلَ مَعَهُ رَايَةً سَوْدَاءَ وَبَعَثَهُ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ مِنْ سَرَاةِ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَمَعَهُمْ ثَلَاثُونَ فَرَسًا وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَعِينَ بِمَنْ مَرّ بِهِ مِنْ بَلِيّ وَعُذْرَةَ وَبَلْقَيْنِ فَسَارَ اللّيْلَ وَكَمَنَ النّهَارَ فَلَمّا قَرُبَ مِنْ الْقَوْمِ بَلَغَهُ أَنّ لَهُمْ جَمْعًا كَثِيرًا فَبَعَثَ رَافِعَ بْنَ مَكِيثٍ الْجُهَنِيّ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَسْتَمِدّهُ فَبَعَثَ إلَيْهِ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرّاحِ فِي مِائَتَيْنِ وَعَقَدَ لَهُ لِوَاءً وَبَعَثَ لَهُ سَرَاةَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَلْحَقَ بِعَمْرٍو وَأَنْ يَكُونَا جَمِيعًا وَلَا يَخْتَلِفَا فَلَمّا لَحِقَ بِهِ أَرَادَ أَبُو عُبَيْدَةَ أَنْ يَؤُمّ النّاسَ فَقَالَ عَمْرٌو : إنّمَا قَدِمْتَ عَلَيّ مَدَدًا وَأَنَا الْأَمِيرُ فَأَطَاعَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ فَكَانَ عَمْرٌو يُصَلّي بِالنّاسِ وَسَارَ حَتّى وَطِئَ بِلَادَ قُضَاعَةَ فَدَوّخَهَا حَتّى أَتَى إلَى أَقْصَى بِلَادِهِمْ . وَلَقِيَ فِي آخِرِ ذَلِكَ جَمْعًا فَحَمَلَ عَلَيْهِمْ الْمُسْلِمُونَ فَهَرَبُوا فِي الْبِلَادِ وَتَفَرّقُوا وَبَعَثَ عَوْفُ بْنُ مَالِكٍ الْأَشْجَعِيّ بَرِيدًا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرَهُ بِقُفُولِهِمْ وَسَلَامَتِهِمْ وَمَا كَانَ فِي غَزَاتِهِمْ . وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ نُزُولَهُمْ عَلَى مَاءٍ لِجُذَامَ يُقَالُ لَهُ السّلْسَلُ قَالَ وَبِذَلِكَ سُمّيَتْ ذَاتَ السّلَاسِلِ . قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدّثَنَا مُحَمّدُ بْنُ أَبِي عَدِيّ عَنْ دَاوُدَ عَنْ عَامِرٍ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَيْشَ ذَاتِ السّلَاسِلِ فَاسْتَعْمَلَ أَبَا عُبَيْدَةَ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ وَاسْتَعْمَلَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ عَلَى الْأَعْرَابِ وَقَالَ لَهُمَا : " تَطَاوَعَا " قَالَ وَكَانُوا أُمِرُوا أَنْ يُغِيرُوا عَلَى بَكْرٍ فَانْطَلَقَ عَمْرٌو وَأَغَارَ عَلَى قُضَاعَةَ لِأَنّ بَكْرًا أَخْوَالُهُ قَالَ فَانْطَلَقَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ إلَى أَبِي عُبَيْدَةَ فَقَالَ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اسْتَعْمَلَك عَلَيْنَا وَإِنّ ابْنَ فُلَانٍ قَدْ اتّبَعَ أَمْرَ الْقَوْمِ فَلَيْسَ لَك [ ص 342 ] فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ : إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَنَا أَنْ نَتَطَاوَعَ فَأَنَا أُطِيعُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَإِنْ عَصَاهُ عَمْرٌو .
فَصْلٌ [ قِصّةُ تَيَمّمِ ابْنِ الْعَاصِ مِنْ الْجَنَابَةِ ]
وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ احْتَلَمَ أَمِيرُ الْجَيْشِ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَكَانَتْ لَيْلَةً بَارِدَةً فَخَافَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ الْمَاءِ فَتَيَمّمَ وَصَلّى بِأَصْحَابِهِ الصّبْحَ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ يَا عَمْرُو صَلّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ ؟ " . فَأَخْبَرَهُ بِاَلّذِي مَنَعَهُ مِنْ الِاغْتِسَالِ وَقَالَ إنّي سَمِعْتُ اللّهَ يَقُولُ { وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا } [ النّسَاءَ 29 ] فَضَحِكَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَمْ يَقُلْ شَيْئًا وَقَدْ احْتَجّ بِهَذِهِ الْقِصّةِ مَنْ قَالَ إنّ التّيَمّمَ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ لِأَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَمّاهُ جُنُبًا بَعْدَ تَيَمّمِهِ وَأَجَابَ مَنْ نَازَعَهُمْ فِي ذَلِكَ بِثَلَاثَةِ أَجْوِبَةٍ أَحَدُهَا : أَنّ الصّحَابَةَ لَمّا شَكَوْهُ قَالُوا : صَلّى بِنَا الصّبْحَ وَهُوَ جُنُبٌ فَسَأَلَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ ذَلِكَ وَقَالَ صَلّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ ؟ اسْتِفْهَامًا وَاسْتِعْلَامًا فَلَمّا أَخْبَرَهُ بِعُذْرِهِ وَأَنّهُ تَيَمّمَ لِلْحَاجَةِ أَقَرّهُ عَلَى ذَلِكَ . الثّانِي : أَنّ الرّوَايَةَ اخْتَلَفَتْ عَنْهُ فَرُوِيَ عَنْهُ فِيهَا أَنّهُ غَسَلَ مَغَابِنَهُ وَتَوَضّأَ وُضُوءَهُ لِلصّلَاةِ ثُمّ صَلّى بِهِمْ وَلَمْ يُذْكَرْ التّيَمّمُ وَكَأَنّ هَذِهِ الرّوَايَةَ أَقْوَى مِنْ رِوَايَةِ التّيَمّمِ قَالَ عَبْدُ الْحَقّ وَقَدْ ذَكَرَهَا وَذَكَرَ رِوَايَةَ التّيَمّمِ قَبْلَهَا ثُمّ قَالَ وَهَذَا أَوْصَلُ مِنْ الْأَوّلِ لِأَنّهُ عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ الْمِصْرِيّ عَنْ أَبِي الْقَيْسِ مَوْلَى [ ص 343 ] وَالْأُولَى الّتِي فِيهَا التّيَمّمُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ جُبَيْرٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ لَمْ يَذْكُرْ بَيْنَهُمَا أَبَا قَيْسٍ . الثّالِثُ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَرَادَ أَنْ يَسْتَعْلِمَ فِقْهَ عَمْرٍو فِي تَرْكِهِ الِاغْتِسَالَ فَقَالَ لَهُ صَلّيْتَ بِأَصْحَابِكَ وَأَنْتَ جُنُبٌ ؟ فَلَمّا أَخْبَرَهُ أَنّهُ تَيَمّمَ لِلْحَاجَةِ عَلِمَ فِقْهَهُ فَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَنّ مَا فَعَلَهُ عَمْرٌو مِنْ التّيَمّمِ - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - خَشْيَةَ الْهَلَاكِ بِالْبَرْدِ كَمَا أَخْبَرَ بِهِ وَالصّلَاةُ بِالتّيَمّمِ فِي هَذِهِ الْحَالِ جَائِزَةٌ غَيْرُ مُنْكَرٍ عَلَى فَاعِلِهَا فَعُلِمَ أَنّهُ أَرَادَ اسْتِعْلَامَ فِقْهِهِ وَعِلْمِهِ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ فِي سَرِيّةِ الْخَبَطِ
وَكَانَ أَمِيرُهَا أَبَا عُبَيْدَةَ بْنِ الْجَرّاحِ وَكَانَتْ فِي رَجَبَ سَنَةَ ثَمَانٍ فِيمَا أَنْبَأَنَا بِهِ الْحَافِظُ أَبُو الْفَتْحِ مُحَمّدُ بْنُ سَيّدِ النّاسِ فِي كِتَابِ " عُيُونِ الْأَثَرِ " لَهُ وَهُوَ عِنْدِي وَهْمٌ كَمَا سَنَذْكُرُهُ إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى . قَالُوا : بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبَا عُبَيْدَةَ بْنَ الْجَرّاحِ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَجُلٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَفِيهِمْ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ إلَى حَيّ مِنْ جُهَيْنَةَ بِالْقِبْلِيّةِ مِمّا يَلِي سَاحِلَ الْبَحْرِ وَبَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَدِينَةِ خَمْسُ لَيَالٍ فَأَصَابَهُمْ فِي الطّرِيقِ جُوعٌ شَدِيدٌ فَأَكَلُوا الْخَبَطَ وَأَلْقَى إلَيْهِمْ الْبَحْرُ حُوتًا عَظِيمًا فَأَكَلُوا مِنْهُ ثُمّ انْصَرَفُوا وَلَمْ يَلْقَوْا كَيْدًا وَفِي هَذَا نَظَرٌ فَإِنّ فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ " بَعَثَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ثَلَاثِمِائَةِ رَاكِبٍ أَمِيرُنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرّاحِ نَرْصُدُ عِيرًا لِقُرَيْشٍ فَأَصَابَنَا جُوعٌ شَدِيدٌ حَتّى أَكَلْنَا الْخَبَطَ فَسُمّيَ جَيْشَ الْخَبَطِ فَنَحَرَ رَجُلٌ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ثُمّ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ثُمّ نَحَرَ ثَلَاثَ جَزَائِرَ ثُمّ إنّ أَبَا عُبَيْدَةَ نَهَاهُ فَأَلْقَى إلَيْنَا الْبَحْرُ دَابّةً يُقَالُ لَهَا : الْعَنْبَرُ فَأَكَلْنَا مِنْهَا نِصْفَ شَهْرٍ وَادّهَنّا مِنْ وَدَكِهَا حَتّى [ ص 344 ] وَأَخَذَ أَبُو عُبَيْدَةَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ فَنَظَرَ إلَى أَطْوَلِ رَجُلٍ فِي الْجَيْشِ وَأَطْوَلِ جَمَلٍ فَحُمِلَ عَلَيْهِ وَمَرّ تَحْتَهُ وَتَزَوّدْنَا مِنْ لَحْمِهِ وَشَائِقَ فَلَمّا قَدِمْنَا الْمَدِينَةَ أَتَيْنَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَذَكَرْنَا لَهُ ذَلِكَ فَقَالَ هُوَ رِزْقٌ أَخْرَجَهُ اللّهُ لَكُمْ فَهَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ تُطْعِمُونَا ؟ فَأَرْسَلْنَا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْهُ فَأَكَلَ .
[ تَرْجِيحُ الْمُصَنّفِ أَنّهَا قَبْلَ عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ وَلَيْسَتْ سَنَةَ ثَمَانٍ ]
قُلْتُ وَهَذَا السّيَاقُ يَدُلّ عَلَى أَنّ هَذِهِ الْغَزْوَةَ كَانَتْ قَبْلَ الْهُدْنَةِ وَقَبْلَ عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ فَإِنّهُ مِنْ حِينِ صَالَحَ أَهْلَ مَكّة َ بِالْحُدَيْبِيَةِ لَمْ يَكُنْ يَرْصُدُ لَهُمْ عِيرًا بَلْ كَانَ زَمَنَ أَمْنٍ وَهُدْنَةٍ إلَى حِينِ الْفَتْحِ وَيَبْعُدُ أَنْ تَكُونَ سَرِيّةُ الْخَبَطِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ مَرّتَيْنِ مَرّةً قَبْلَ الصّلْحِ وَمَرّةً بَعْدَهُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ فِي فِقْهِ هَذِهِ الْقِصّةِ
لَمْ يُحْفَظْ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ غَزَا فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ
وَلَا أَغَارَ فِيهِ وَلَا بَعَثَ فِيه
سَرِيّةً فَفِيهَا جَوَازُ الْقِتَالِ فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ إنْ كَانَ ذِكْرُ التّارِيخِ فِيهَا بِرَجَبَ مَحْفُوظًا وَالظّاهِرُ - وَاَللّهُ أَعْلَمُ - أَنّهُ وَهْمٌ غَيْرُ مَحْفُوظٍ إذْ لَمْ يُحْفَظْ عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ غَزَا فِي الشّهْرِ الْحَرَامِ وَلَا أَغَارَ فِيهِ وَلَا بَعَثَ فِيهِ سَرِيّةً وَقَدْ عَيّرَ الْمُشْرِكُونَ الْمُسْلِمِينَ بِقِتَالِهِمْ فِي أَوّلِ رَجَبَ فِي قِصّةِ الْعَلَاءِ بْنِ الْحَضْرَمِيّ فَقَالُوا : اسْتَحَلّ مُحَمّدٌ الشّهْرَ الْحَرَامَ وَأَنْزَلَ اللّهُ فِي ذَلِكَ { يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ } الْآيَةَ [ الْبَقَرَةَ 217 ] وَلَمْ يَثْبُتْ نَسْخُ هَذَا بِنَصّ [ ص 345 ] الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَلَا أَجْمَعَتْ الْأُمّةُ عَلَى نَسْخِهِ وَقَدْ اُسْتُدِلّ عَلَى تَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } [ التّوْبَةَ 5 ] وَلَا حُجّةَ فِي هَذَا لِأَنّ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ هَا هُنَا هِيَ أَشْهُرُ التّسْيِيرِ الْأَرْبَعَةِ الّتِي سَيّرَ اللّهُ فِيهَا الْمُشْرِكِينَ فِي الْأَرْضِ يَأْمَنُونَ فِيهَا وَكَانَ أَوّلُهَا يَوْمَ الْحَجّ الْأَكْبَرِ عَاشِرَ ذِي الْحِجّةِ وَآخِرُهَا عَاشِرَ رَبِيعٍ الْآخِرِ هَذَا هُوَ الصّحِيحُ فِي الْآيَةِ لِوُجُوهٍ عَدِيدَةٍ لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَهَا . وَفِيهَا : جَوَازُ أَكْلِ وَرَقِ الشّجَرِ عِنْدَ الْمَخْمَصَةِ وَكَذَلِكَ عُشْبُ الْأَرْضِ . وَفِيهَا : جَوَازُ نَهْيِ الْإِمَامِ وَأَمِيرِ الْجَيْشِ لِلْغُزَاةِ عَنْ نَحْرِ ظُهُورِهِمْ وَإِنْ احْتَاجُوا إلَيْهِ خَشْيَةَ أَنْ يَحْتَاجُوا إلَى ظَهْرِهِمْ عِنْدَ لِقَاءِ عَدُوّهِمْ وَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الطّاعَةُ إذَا نَهَاهُمْ .
[ جَوَازُ أَكْلِ مَيْتَةِ الْبَحْرِ ]
وَفِيهَا : جَوَازُ أَكْلِ مَيْتَةِ الْبَحْرِ وَأَنّهَا لَمْ تَدْخُلْ فِي قَوْلِهِ عَزّ وَجَلّ { حُرّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدّمُ } [ الْمَائِدَةَ 3 ] وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { أُحِلّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ } [ الْمَائِدَةَ 5 ] وَقَدْ صَحّ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصّدّيقِ وَعَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصّحَابَةِ أَنّ صَيْدَ الْبَحْرِ مَا صِيدَ مِنْهُ وَطَعَامَهُ مَا مَاتَ فِيهِ وَفِي السّنَنِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا وَمَوْقُوفًا : أُحِلّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمّا الْمَيْتَتَانِ فَالسّمَكُ وَالْجَرَادُ وَأَمّا الدّمَانِ فَالْكَبِدُ وَالطّحَالُ حَدِيثٌ حَسَنٌ . وَهَذَا الْمَوْقُوفُ فِي حُكْمِ الْمَرْفُوعِ لِأَنّ قَوْلَ الصّحَابِيّ أُحِلّ لَنَا كَذَا وَحُرّمَ [ ص 346 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَتَحْرِيمِهِ . فَإِنْ قِيلَ فَالصّحَابَةُ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ كَانُوا مُضْطَرّينَ وَلِهَذَا لَمّا هَمّوا بِأَكْلِهَا قَالُوا : إنّهَا مَيْتَةٌ وَقَالُوا : نَحْنُ رُسُلُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَنَحْنُ مُضْطَرّونَ فَأَكَلُوا وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُمْ لَوْ كَانُوا مُسْتَغْنِينَ عَنْهَا لَمَا أَكَلُوا مِنْهَا . قِيلَ لَا رَيْبَ أَنّهُمْ كَانُوا مُضْطَرّينَ وَلَكِنْ هَيّأَ اللّهُ لَهُمْ مِنْ الرّزْقِ أَطْيَبَهُ وَأَحَلّهُ وَقَدْ قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَهُمْ بَعْدَ أَنْ قَدِمُوا : " هَلْ بَقِيَ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ ؟ " قَالُوا : نَعَمْ فَأَكَلَ مِنْهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ " إنّمَا هُوَ رِزْقٌ سَاقَهُ اللّهُ لَكُمْ " وَلَوْ كَانَ هَذَا رِزْقَ مُضْطَرّ لَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ ثُمّ لَوْ كَانَ أَكْلُهُمْ مِنْهَا لِلضّرُورَةِ فَكَيْفَ سَاغَ لَهُمْ أَنْ يَدّهِنُوا مِنْ وَدَكِهَا وَيُنَجّسُوا بِهِ ثِيَابَهُمْ وَأَبْدَانَهُمْ وَأَيْضًا فَكَثِيرٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ لَا يُجَوّزُ الشّبَعَ مِنْ الْمَيْتَةِ إنّمَا يُجَوّزُونَ مِنْهَا سَدّ الرّمَقِ وَالسّرِيّةُ أَكَلَتْ مِنْهَا حَتّى ثَابَتْ إلَيْهِمْ أَجْسَامُهُمْ وَسَمِنُوا وَتَزَوّدُوا مِنْهَا . فَإِنْ قِيلَ إنّمَا يَتِمّ لَكُمْ الِاسْتِدْلَالُ بِهَذِهِ الْقِصّةِ إذَا كَانَتْ تِلْكَ الدّابّةُ قَدْ مَاتَتْ فِي الْبَحْرِ ثُمّ أَلْقَاهَا مَيْتَةً وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنّهُ كَمَا يَحْتَمِلُ ذَلِكَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْبَحْرُ قَدْ جَزَرَ عَنْهَا وَهِيَ حَيّةٌ فَمَاتَتْ بِمُفَارَقَةِ الْمَاءِ وَذَلِكَ ذَكَاتُهَا وَذَكَاةُ حَيَوَانِ الْبَحْرِ وَلَا سَبِيلَ إلَى دَفْعِ هَذَا الِاحْتِمَالِ كَيْفَ وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فَجَزَرَ الْبَحْرُ عَنْ حُوتٍ كَالظّرِبِ قِيلَ هَذَا الِاحْتِمَالُ مَعَ بُعْدِهِ جِدّا فَإِنّهُ يَكَادُ يَكُونُ خَرْقًا لِلْعَادَةِ فَإِنّ مِثْلَ هَذِهِ الدّابّةِ إذَا كَانَتْ حَيّةً إنّمَا تَكُونُ فِي لُجّةِ الْبَحْرِ وَثَبَجِهِ دُونَ سَاحِلِهِ وَمَا رَقّ مِنْهُ وَدَنَا مِنْ الْبَرّ وَأَيْضًا فَإِنّهُ لَا يَكْفِي ذَلِكَ فِي الْحِلّ لِأَنّهُ إذَا شُكّ فِي السّبَبِ الّذِي مَاتَ بِهِ الْحَيَوَانُ هَلْ هُوَ سَبَبٌ مُبِيحٌ لَهُ أَوْ غَيْرُ مُبِيحٍ ؟ لَمْ يَحِلّ الْحَيَوَانُ كَمَا قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الصّيْدِ يُرْمَى بِالسّهْمِ ثُمّ يُوجَدُ فِي الْمَاءِ وَإِنْ وَجَدْتَهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ فَلَا تَأْكُلْهُ فَإِنّكَ لَا تَدْرِي الْمَاءُ قَتَلَهُ أَوْ سَهْمُك فَلَوْ كَانَ الْحَيَوَانُ الْبَحْرِيّ حَرَامًا إذَا مَاتَ فِي الْبَحْرِ لَمْ يُبَحْ . وَهَذَا مِمّا لَا يُعْلَمُ فِيهِ خِلَافٌ بَيْنِ الْأَئِمّةِ . وَأَيْضًا فَلَوْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ النّصُوصُ مَعَ الْمُبِيحِينَ لَكَانَ الْقِيَاسُ الصّحِيحُ [ ص 347 ] الْمَيْتَةَ إنّمَا حُرّمَتْ لِاحْتِقَانِ الرّطُوبَاتِ وَالْفَضَلَاتِ وَالدّمِ الْخَبِيثِ فِيهَا وَالذّكَاةُ لَمّا كَانَتْ تُزِيلُ ذَلِكَ الدّمَ وَالْفَضَلَاتِ كَانَتْ سَبَبَ الْحِلّ وَإِلّا فَالْمَوْتُ لَا يَقْتَضِي التّحْرِيمَ فَإِنّهُ حَاصِلٌ بِالذّكَاةِ كَمَا يَحْصُلُ بِغَيْرِهَا وَاذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْحَيَوَانِ دَمٌ وَفَضَلَاتٌ تُزِيلُهَا الذّكَاةُ لَمْ يُحَرّمْ بِالْمَوْتِ وَلَمْ يُشْتَرَطْ لِحِلّهِ ذَكَاةٌ كَالْجَرَادِ وَلِهَذَا لَا يُنَجّسُ بِالْمَوْتِ مَا لَا نَفْسَ لَهُ سَائِلَةٌ كَالذّبَابِ وَالنّحْلَةِ وَنَحْوِهِمَا وَالسّمَكُ مِنْ هَذَا الضّرْبِ فَإِنّهُ لَوْ كَانَ لَهُ دَمٌ وَفَضَلَاتٌ تَحْتَقِنُ بِمَوْتِهِ لَمْ يَحِلّ لِمَوْتِهِ بِغَيْرِ ذَكَاةٍ وَلَمْ يَكُنْ فَرْقٌ بَيْنَ مَوْتِهِ فِي الْمَاءِ وَمَوْتِهِ خَارِجَهُ إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنّ مَوْتَهُ فِي الْبَرّ لَا يُذْهِبُ تِلْكَ الْفَضَلَاتِ الّتِي تُحَرّمُهُ عِنْدَ الْمُحَرّمِينَ إذَا مَاتَ فِي الْبَحْرِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْأَلَةِ نُصُوصٌ لَكَانَ هَذَا الْقِيَاسُ كَافِيًا وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ جَوَازُ الِاجْتِهَادِ فِي الْوَقَائِعِ فِي حَيَاتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
وَفِيهَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ الِاجْتِهَادِ فِي الْوَقَائِعِ فِي حَيَاةِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَإِقْرَارِهِ عَلَى ذَلِكَ لَكِنّ هَذَا كَانَ فِي حَالِ الْحَاجَةِ إلَى الِاجْتِهَادِ وَعَدَمِ تَمَكّنِهِمْ مِنْ مُرَاجَعَةِ النّصّ وَقَدْ اجْتَهَدَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَر ُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمَا بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي عِدّةٍ مِنْ الْوَقَائِعِ وَأَقَرّهُمَا عَلَى ذَلِكَ لَكِنْ فِي قَضَايَا جُزْئِيّةٍ مُعَيّنَةٍ لَا فِي أَحْكَامٍ عَامّةٍ وَشَرَائِعَ كُلّيّةٍ فَإِنّ هَذَا لَمْ يَقَعْ مِنْ أَحَدٍ مِنْ الصّحَابَةِ فِي حُضُورِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْبَتّةَ .
فَصْلٌ فِي الْفَتْحِ الْأَعْظَمِ
الّذِي أَعَزّ اللّهُ بِهِ دِينَهُ وَرَسُولَهُ وَجُنْدَهُ وَحِزْبَهُ الْأَمِينَ وَاسْتَنْقَذَ بِهِ بَلَدَهُ وَبَيْتَهُ الّذِي جَعَلَهُ هُدًى لِلْعَالَمِينَ مِنْ أَيْدِي الْكُفّارِ وَالْمُشْرِكِينَ وَهُوَ الْفَتْحُ الّذِي اسْتَبْشَرَ بِهِ أَهْلُ السّمَاءِ وَضَرَبَتْ أَطْنَابُ عِزّهِ عَلَى مَنَاكِبِ الْجَوْزَاءِ وَدَخَلَ النّاسُ بِهِ فِي دِينِ اللّهِ أَفْوَاجًا وَأَشْرَقَ بِهِ وَجْهُ الْأَرْضِ ضِيَاءً وَابْتِهَاجًا خَرَجَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِكَتَائِبِ الْإِسْلَامِ وَجُنُودِ الرّحْمَنِ سَنَةَ ثَمَانٍ لِعَشَرٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ وَاسْتَعْمَلَ عَلَى الْمَدِينَةِ أَبَا رُهْمٍ كُلْثُوم َ بْنَ حُصَيْنٍ الْغِفَارِيّ . وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : بَلْ اسْتَعْمَلَ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أُمّ مَكْتُومٍ [ ص 348 ]
[سَبَبُهُ هُوَ إعَانَةُ قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَى خُزَاعَةَ الدّاخِلَةِ فِي عَهْدِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ]
وَكَانَ السّبَبُ الّذِي جَرّ إلَيْهِ وَحَدَا إلَيْهِ فِيمَا ذَكَرَ إمَامُ أَهْلِ السّيَرِ وَالْمَغَازِي وَالْأَخْبَارِ مُحَمّدُ بْنُ إسْحَاقَ بْنِ يَسَارٍ أَنّ بَنِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ مَنَاةَ ابْنِ كِنَانَةَ عَدَتْ عَلَى خُزَاعَةَ وَهُمْ عَلَى مَاءٍ يُقَالُ لَهُ الْوَتِيرُ : فَبَيّتُوهُمْ وَقَتَلُوا مِنْهُمْ وَكَانَ الّذِي هَاجَ ذَلِكَ أَنّ رَجُلًا مِنْ بَنِي الْحَضْرَمِيّ يُقَالُ لَهُ مَالِكُ بْنُ عَبّادٍ خَرَجَ تَاجِرًا فَلَمّا تَوَسّطَ أَرْضَ خُزَاعَةَ عَدَوْا عَلَيْهِ فَقَتَلُوهُ وَأَخَذُوا مَالَهُ فَعَدَتْ بَنُو بَكْرٍ عَلَى رَجُلٍ مِنْ بَنِي خُزَاعَةَ فَقَتَلُوهُ فَعَدَتْ خُزَاعَةُ عَلَى بَنِي الْأَسْوَدِ وَهُمْ سَلْمَى وَكُلْثُومٌ وَذُؤَيْبٌ فَقَتَلُوهُمْ بِعَرَفَةَ عِنْدَ أَنْصَابِ الْحَرَمِ هَذَا كُلّهُ قَبْلَ الْمَبْعَثِ فَلَمّا بُعِثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَجَاءَ الْإِسْلَامُ حَجَزَ بَيْنَهُمْ وَتَشَاغَلَ النّاسُ بِشَأْنِهِ فَلَمّا كَانَ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ بَيْنَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَبَيْنَ قُرَيْشٍ وَقَعَ الشّرْطُ أَنّهُ مَنْ أَحَبّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعَهْدِهِ فَعَلَ وَمَنْ أَحَبّ أَنْ يَدْخُلَ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ فَعَلَ فَدَخَلَتْ بَنُو بَكْر ٍ فِي عَقْدِ قُرَيْشٍ وَعَهْدِهِمْ وَدَخَلَتْ خُزَاعَةُ فِي عَقْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَعَهْدِهِ فَلَمّا اسْتَمَرّتْ الْهُدْنَةُ اغْتَنَمَهَا بَنُو بَكْرٍ مِنْ خُزَاعَةَ وَأَرَادُوا أَنْ يُصِيبُوا مِنْهُمْ الثّأْرَ الْقَدِيمَ
[ خُرُوجُ عَمْرٍو الْخُزَاعِيّ لِطَلَبِ النّصْرَةِ مِنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّم]
فَخَرَجَ نَوْفَلُ بْنُ مُعَاوِيَةَ الدّيْلِيّ فِي جَمَاعَةٍ مِنْ بَنِي بَكْر ٍ فَبَيّتَ خُزَاعَةَ وَهُمْ عَلَى الْوَتِيرِ فَأَصَابُوا مِنْهُمْ رِجَالًا وَتَنَاوَشُوا وَاقْتَتَلُوا وَأَعَانَتْ قُرَيْشٌ بَنِي بَكْرٍ بِالسّلَاحِ وَقَاتَلَ مَعَهُمْ مِنْ قُرَيْشٍ مَنْ قَاتَلَ مُسْتَخْفِيًا لَيْلًا ذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ مِنْهُمْ صَفْوَانَ بْنَ أُمَيّةَ وَحُوَيْطِبَ بْنَ عَبْدِ الْعُزّى وَمِكْرَزَ بْنَ حَفْصٍ حَتّى حَازَوْا خُزَاعَةَ إلَى الْحَرَمِ فَلَمّا انْتَهَوْا إلَيْهِ قَالَتْ بَنُو بَكْر ٍ يَا نَوْفَلُ إنّا قَدْ دَخَلْنَا الْحَرَمَ إلَهَك إلَهَك . فَقَالَ كَلِمَةً عَظِيمَةً لَا إلَهَ لَهُ الْيَوْمَ يَا بَنِي بَكْرٍ أَصِيبُوا ثَأْرَكُمْ فَلَعَمْرِي إنّكُمْ لَتُسْرَقُونَ فِي الْحَرَمِ أَفَلَا تُصِيبُونَ ثَأْرَكُمْ فِيهِ ؟ فَلَمّا دَخَلَتْ خُزَاعَةُ مَكّةَ لَجَئُوا إلَى دَارِ بُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ الْخُزَاعِيّ وَدَارِ مَوْلًى لَهُمْ يُقَالُ لَهُ رَافِعٌ وَيَخْرُجُ عَمْرُو بْنُ سَالِمٍ الْخُزَاعِيّ حَتّى قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ فَوَقَفَ عَلَيْهِ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ أَصْحَابِهِ فَقَالَ
يَا رَبّ إنّي نَاشِدٌ مُحَمّدًا
حِلْفَ أَبِينَا وَأَبِيهِ الْأَتْلَدَا
قَدْ كُنْتُمُ وُلْدًا وَكُنّا وَالِدَا
ثُمّتَ أَسْلَمْنَا وَلَمْ نَنْزِعْ يَدَا
فَانْصُرْ هَدَاكَ اللّهُ نَصْرًا أَبَدَا
وَادْعُ عِبَادَ اللّهِ يَأْتُوا مَدَدَا
فِيهِمْ رَسُولُ اللّهِ قَدْ تَجَرّدَا
أَبْيَضَ مِثْلَ الْبَدْرِ يَسْمُو صُعُدَا
إنْ سِيمَ خَسْفًا وَجْهُهُ تَرَبّدَا فِي فَيْلَقٍ كَالْبَحْرِ يَجْرِي مُزْبِدَا
إنّ قُرَيْشًا أَخْلَفُوكَ الْمَوْعِدَا
وَنَقَضُوا مِيثَاقَكَ الْمُؤَكّدَا
وَجَعَلُوا لِي فِي كَدَاءٍ رَصَدَا
وَزَعَمُوا أَنْ لَسْتَ تَدْعُو أَحَدَا
وَهُمْ أَذَلّ وَأَقَلّ عَدَدَا
هُمْ بَيّتُونَا بِالْوَتِيرِ هُجّدَا
وَقَتَلُونَا رُكّعًا وَسُجّدَا [ ص 349 ] فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نُصِرْتَ يَا عَمْرُو بْنَ سَالِمٍ ثُمّ عَرَضَتْ سَحَابَةٌ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ إنّ هَذِهِ السّحَابَةَ لَتَسْتَهِلّ بِنَصْرِ بَنِي كَعْبٍ ثُمّ خَرَجَ بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ فِي نَفَرٍ مِنْ خُزَاعَةَ حَتّى قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرُوهُ بِمَا أُصِيبَ مِنْهُمْ وَبِمُظَاهَرَةِ قُرَيْشٍ بَنِي بَكْرٍ عَلَيْهِمْ ثُمّ رَجَعُوا إلَى مَكّةَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِلنّاسِ كَأَنّكُمْ بِأَبِي سُفْيَانَ وَقَدْ جَاءَ لِيَشُدّ الْعَقْدَ وَيَزِيدَ فِي الْمُدّةِ . وَمَضَى بُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ فِي أَصْحَابِهِ حَتّى لَقُوا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ بِعُسْفَانَ وَقَدْ بَعَثَتْهُ قُرَيْشٌ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِيَشُدّ الْعَقْدَ وَيَزِيدَ فِي الْمُدّةِ وَقَدْ رَهِبُوا الّذِي صَنَعُوا فَلَمّا لَقِيَ أَبُو سُفْيَانَ بُدَيْلَ بْنَ وَرْقَاءَ قَالَ مِنْ أَيْنَ أَقْبَلْت يَا بُدَيْلُ ؟ فَظَنّ أَنّهُ أَتَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ سِرْتُ فِي خُزَاعَةَ فِي هَذَا السّاحِلِ وَفِي بَطْنِ هَذَا الْوَادِي قَالَ أَوَمَا جِئْتَ مُحَمّدًا ؟ قَالَ لَا فَلَمّا رَاحَ بُدَيْلٌ إلَى مَكّةَ قَالَ أَبُو سُفْيَانَ : لَئِنْ كَانَ جَاءَ الْمَدِينَةَ لَقَدْ عَلَفَ بِهَا النّوَى فَأَتَى مَبْرَكَ رَاحِلَتِهِ فَأَخَذَ مِنْ بَعْرِهَا فَفَتّهُ فَرَأَى فِيهَا النّوَى فَقَالَ أَحْلِفُ بِاَللّهِ لَقَدْ جَاءَ بُدَيْلٌ مُحَمّدًا .
[خُرُوجُ أَبِي سُفْيَانَ إلَى الْمَدِينَةِ لِيُثَبّتَ الْعَقْدَ وَرُجُوعُهُ بِالْخَيْبَةِ ]
[ ص 350 ] خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ حَتّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَدَخَلَ عَلَى ابْنَتِهِ أُمّ حَبِيبَةَ فَلَمّا ذَهَبَ لِيَجْلِسَ عَلَى فِرَاشِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ طَوَتْهُ عَنْهُ فَقَالَ يَا بُنَيّةُ مَا أَدْرِي أَرَغِبْت بِي عَنْ هَذَا الْفِرَاشِ أَمْ رَغِبْت بِهِ عَنّي ؟ قَالَتْ بَلْ هُوَ فِرَاشُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَنْتَ مُشْرِكٌ نَجَسٌ فَقَالَ وَاَللّهِ لَقَدْ أَصَابَك بَعْدِي شَرّ . ثُمّ خَرَجَ حَتّى أَتَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَكَلّمَهُ فَلَمْ يَرُدّ عَلَيْهِ شَيْئًا ثُمّ ذَهَبَ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَكَلّمَهُ أَنْ يُكَلّمَ لَهُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ مَا أَنَا بِفَاعِلٍ ثُمّ أَتَى عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ فَكَلّمَهُ فَقَالَ أَنَا أَشْفَعُ لَكُمْ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ؟ فَوَاَللّهِ لَوْ لَمْ أَجِدْ إلّا الذّرّ لَجَاهَدْتُكُمْ بِهِ ثُمّ جَاءَ فَدَخَلَ عَلَى عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ وَعِنْدَهُ فَاطِمَةُ وَحَسَنٌ غُلَامٌ يَدِبّ بَيْنَ يَدَيْهِمَا فَقَالَ يَا عَلِيّ إنّك أَمَسّ الْقَوْمِ بِي رَحِمًا وَإِنّي قَدْ جِئْتُ فِي حَاجَةٍ فَلَا أَرْجِعَنّ كَمَا جِئْتُ خَائِبًا اشْفَعْ لِي إلَى مُحَمّدٍ فَقَالَ وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ وَاَللّهِ لَقَدْ عَزَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى أَمْرٍ مَا نَسْتَطِيعُ أَنْ نُكَلّمَهُ فِيهِ فَالْتَفَتَ إلَى فَاطِمَةَ فَقَالَ " هَلْ لَكِ أَنْ تَأْمُرِي ابْنَك هَذَا فَيُجِيرُ بَيْنَ النّاسِ فَيَكُونَ سَيّدَ الْعَرَبِ إلَى آخِرِ الدّهْرِ ؟ قَالَتْ وَاَللّهِ مَا يَبْلُغُ ابْنِي ذَاكَ أَنْ يُجِيرَ بَيْنَ النّاسِ وَمَا يُجِيرُ أَحَدٌ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ يَا أَبَا الْحَسَن ِ إنّي أَرَى الْأُمُورَ قَدْ اشْتَدّتْ عَلَيّ فَانْصَحْنِي قَالَ وَاَللّهِ مَا أَعْلَمُ لَك شَيْئًا يُغْنِي عَنْك وَلَكِنّك سَيّدُ بَنِي كِنَانَة َ فَقُمْ فَأَجِرْ بَيْنَ النّاسِ ثُمّ الْحَقْ بِأَرْضِك قَالَ أَوَتَرَى ذَلِكَ مُغْنِيًا عَنّي شَيْئًا قَالَ لَا وَاَللّهِ مَا أَظُنّهُ وَلَكِنّي مَا أَجِدُ لَك غَيْرَ ذَلِكَ فَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ أَيّهَا النّاسُ إنّي قَدْ أَجَرْت بَيْنَ النّاسِ ثُمّ رَكِبَ بَعِيرَهُ فَانْطَلَقَ فَلَمّا قَدِمَ عَلَى قُرَيْشٍ قَالُوا : مَا وَرَاءَك ؟ قَالَ جِئْت مُحَمّدًا فَكَلّمْته فَوَاَللّهِ مَا رَدّ عَلَيّ شَيْئًا ثُمّ جِئْتُ ابْنَ أَبِي قُحَافَةَ فَلَمْ أَجِدْ فِيهِ خَيْرًا ثُمّ جِئْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ فَوَجَدْته أَعْدَى الْعَدُوّ ثُمّ جِئْت عَلِيّا فَوَجَدْته أَلْيَنَ الْقَوْمِ قَدْ أَشَارَ عَلَيّ بِشَيْءٍ صَنَعْته فَوَاَللّهِ مَا أَدْرِي هَلْ يُغْنِي عَنّي شَيْئًا أَمْ لَا ؟ قَالُوا : وَبِمَ أَمَرَك ؟ قَالَ أَمَرَنِي أَنْ أُجِيرَ بَيْنَ النّاسِ فَفَعَلْت فَقَالُوا : فَهَلْ أَجَازَ ذَلِكَ مُحَمّدٌ ؟ قَالَ لَا . قَالُوا : وَيْلَك [ ص 351 ] زَادَ الرّجُلُ عَلَى أَنْ لَعِبَ بِك قَالَ لَا وَاَللّهِ مَا وَجَدْت غَيْرَ ذَلِكَ .
[ تَجْهِيزُ الْجَيْشِ ]
وَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ النّاسَ بِالْجَهَازِ وَأَمَرَ أَهْلَهُ أَنْ يُجَهّزُوهُ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى ابْنَتِهِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهَا وَهِيَ تُحَرّكُ بَعْضَ جَهَازِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ أَيْ بُنَيّةَ أَمَرَكُنّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِتَجْهِيزِهِ ؟ قَالَتْ نَعَمْ فَتَجَهّزَ قَالَ فَأَيْنَ تَرَيْنَهُ يُرِيدُ قَالَتْ لَا وَاَللّهِ مَا أَدْرِي . ثُمّ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَعْلَمَ النّاسَ أَنّهُ سَائِرٌ إلَى مَكّةَ فَأَمَرَهُمْ بِالْجِدّ وَالتّجْهِيزِ وَقَالَ اللّهُمّ خُذْ الْعُيُونَ وَالْأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ حَتّى نَبْغَتَهَا فِي بِلَادِهَا فَتَجَهّزَ النّاسُ .
كِتَابَةُ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إلَى قُرَيْشٍ بِمَسِيرِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَيْهِمْ
وَإِخْبَارُ الْوَحْيِ لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِذَلِكَ
فَكَتَبَ حَاطِبُ بْنُ أَبِي بَلْتَعَةَ إلَى قُرَيْشٍ كِتَابًا يُخْبِرُهُمْ بِمَسِيرِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَيْهِمْ ثُمّ أَعْطَاهُ امْرَأَةً وَجَعَلَ لَهَا جُعْلًا عَلَى أَنْ تُبَلّغَهُ قُرَيْشًا فَجَعَلَتْهُ فِي قُرُونٍ فِي رَأْسِهَا ثُمّ خَرَجَتْ بِهِ وَأَتَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْخَبَرُ مِنْ السّمَاءِ بِمَا صَنَعَ حَاطِبٌ فَبَعَثَ عَلِيّا وَالزّبَيْرَ . وَغَيْرُ ابْنِ إسْحَاقَ يَقُولُ بَعَثَ عَلِيّا وَالْمِقْدَادَ وَالزّبَيْرَ فَقَالَ انْطَلِقَا حَتّى تَأْتِيَا رَوْضَةَ خَاخٍ فَإِنّ بِهَا ظَعِينَةً مَعَهَا كِتَابٌ إلَى قُرَيْشٍ فَانْطَلَقَا تَعَادَى بِهِمَا خَيْلُهُمَا حَتّى وَجَدَا الْمَرْأَةَ بِذَلِكَ الْمَكَانِ فَاسْتَنْزَلَاهَا وَقَالَا : مَعَكِ كِتَابٌ ؟ فَقَالَتْ مَا مَعِي كِتَابٌ فَفَتّشَا رَحْلَهَا فَلَمْ يَجِدَا شَيْئًا فَقَالَ لَهَا عَلِيّ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - أَحْلِفُ بِاَللّهِ مَا كَذَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا كَذَبْنَا وَاَللّهِ لَتُخْرِجِنّ الْكِتَابَ أَوْ لَنُجَرّدَنّكِ فَلَمّا رَأَتْ الْجِدّ مِنْهُ قَالَتْ أَعْرِضْ فَأَعْرَضَ فَحَلّتْ قُرُونَ رَأْسِهَا فَاسْتَخْرَجَتْ الْكِتَابَ مِنْهَا فَدَفَعَتْهُ إلَيْهِمَا فَأَتَيَا بِهِ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَإِذَا فِيهِ مِنْ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ إلَى قُرَيْشٍ يُخْبِرُهُمْ بِمَسِيرِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَيْهِمْ فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَاطِبًا فَقَالَ مَا هَذَا يَا حَاطِبُ ؟ فَقَالَ لَا تَعْجَلْ عَلَيّ يَا رَسُولَ اللّهِ وَاَللّهِ إنّي لَمُؤْمِنٌ بِاَللّهِ وَرَسُولِهِ وَمَا ارْتَدَدْت وَلَا بَدّلْت وَلَكِنّي كُنْتُ امْرَءًا مُلْصَقًا [ ص 352 ] قُرَيْشٍ لَسْت مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَلِي فِيهِمْ أَهْلٌ وَعَشِيرَةٌ وَوَلَدٌ وَلَيْسَ لِي فِيهِمْ قَرَابَةٌ يَحْمُونَهُمْ وَكَانَ مَنْ مَعَك لَهُمْ قَرَابَاتٌ يَحْمُونَهُمْ فَأَحْبَبْتُ إذْ فَاتَنِي ذَلِكَ أَنْ أَتّخِذَ عِنْدَهُمْ يَدًا يَحْمُونَ بِهَا قَرَابَتِي فَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ : دَعْنِي يَا رَسُولَ اللّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ فَإِنّهُ قَدْ خَانَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَقَدْ نَافَقَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّهُ قَدْ شَهِدَ بَدْرًا وَمَا يُدْرِيكَ يَا عُمَرُ لَعَلّ اللّهَ قَدْ اطّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ فَذَرَفَتْ عَيْنَا عُمَرَ وَقَالَ اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ صَائِمٌ وَالنّاسُ صِيَامٌ حَتّى إذَا كَانُوا بِالْكَدِيدِ - وَهُوَ الّذِي تُسَمّيهِ النّاسُ الْيَوْمَ قُدَيْدًا - أَفْطَرَ وَأَفْطَرَ النّاسُ مَعَهُ .
[ لِقَاؤُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعَبّاسَ وَأَبَا سُفْيَانَ بْنَ الْحَارِثِ ابْنَ عَمّهِ وَعَبْدَ اللّهِ ابْنَ أَبِي أُمَيّةَ ابْنَ عَمّتِهِ ]
ثُمّ مَضَى حَتّى نَزَلَ مَرّ الظّهْرَانِ وَهُوَ بَطْنُ مَرّ وَمَعَهُ عَشَرَةُ آلَافٍ وَعَمّى اللّهُ الْأَخْبَارَ عَنْ قُرَيْشٍ فَهُمْ عَلَى وَجَلٍ وَارْتِقَابٍ وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ يَخْرُجُ يَتَحَسّسُ الْأَخْبَارَ فَخَرَجَ هُوَ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ وَبُدَيْلُ بْنُ وَرْقَاءَ يَتَحَسّسُونَ الْأَخْبَارَ وَكَانَ الْعَبّاسُ قَدْ خَرَجَ قَبْلَ ذَلِكَ بِأَهْلِهِ وَعِيَالِهِ مُسْلِمًا مُهَاجِرًا فَلَقِيَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْجُحْفَةِ وَقِيلَ فَوْقَ ذَلِكَ وَكَانَ مِمّنْ لَقِيَهُ فِي الطّرِيقِ ابْنُ عَمّهِ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ أَبِي أُمَيّةَ لَقِيَاهُ بِالْأَبْوَاءِ وَهُمَا ابْنُ عَمّهِ وَابْنُ عَمّتِهِ فَأَعْرَضَ عَنْهُمَا لِمَا كَانَ يَلْقَاهُ مِنْهُمَا مِنْ شِدّةِ الْأَذَى وَالْهَجْوِ فَقَالَتْ لَهُ أُمّ سَلَمَةَ لَا يَكُنْ ابْنُ عَمّكَ وَابْنُ عَمّتِك أَشْقَى النّاسِ بِك وَقَالَ عَلِيّ لِأَبِي سُفْيَانَ فِيمَا حَكَاهُ أَبُو عُمَرَ ائْتِ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ قِبَلِ وَجْهِهِ فَقُلْ لَهُ مَا قَالَ إخْوَةُ يُوسُفَ لِيُوسُفَ { تَاللّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنّا لَخَاطِئِينَ } [ يُوسُفَ 91 ] [ ص 353 ] يَكُونَ أَحَدٌ أَحْسَنَ مِنْهُ قَوْلًا فَفَعَلَ ذَلِكَ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ { لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرّاحِمِينَ } [ يُوسُفَ 92 ] فَأَنْشَدَهُ أَبُو سُفْيَانَ أَبْيَاتًا مِنْهَا :
لَعَمْرُك إنّي حِينَ أَحْمِلُ رَايَةً
لِتَغْلِبَ خَيْلُ اللّاتِ خَيْلَ مُحَمّد
لَكَالْمُدْلِجِ الْحَيْرَانِ أَظْلَمَ لَيْلُهُ
فَهَذَا أَوَانِي حِينَ أُهْدَى فَأَهْتَدِي
هَدَانِي هَادٍ غَيْرُ نَفْسِي وَدَلّنِي
عَلَى اللّهِ مَنْ طَرّدْتُ كُلّ مُطَرّد
فَضَرَبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَدْرَهُ وَقَالَ أَنْتَ طَرّدْتَنِي كُلّ مُطَرّدٍ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ بَعْدَ ذَلِكَ . وَيُقَالُ إنّهُ مَا رَفَعَ رَأْسَهُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُنْذُ أَسْلَمَ حَيَاءً مِنْهُ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُحِبّهُ وَشَهِدَ لَهُ بِالْجَنّةِ وَقَالَ أَرْجُو أَنْ يَكُونَ خَلَفًا مِنْ حَمْزَةَ وَلَمّا حَضَرَتْهُ الْوَفَاةُ قَالَ لَا تَبْكُوا عَلَيّ فَوَاَللّهِ مَا نَطَقْت بِخَطِيئَةٍ مُنْذُ أَسْلَمْتُ
[إيقَادُ النّيرَانِ بِمَرّ الظّهْرَانِ ]
فَلَمّا نَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَرّ الظّهْرَانِ نَزَلَهُ عِشَاءً فَأَمَرَ الْجَيْشَ فَأَوْقَدُوا النّيرَانَ فَأُوقِدَتْ عَشَرَةُ آلَافِ نَارٍ وَجَعَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى الْحَرَسِ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ
[ لِقَاء الْعَبّاسِ أَبَا سُفْيَانَ وَرُكُوبُهُ مَعَهُ إلَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
وَرَكِبَ الْعَبّاسُ بَغْلَةَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْبَيْضَاءَ وَخَرَجَ يَلْتَمِسُ لَعَلّهُ يَجِدُ بَعْضَ الْحَطّابَةِ أَوْ أَحَدًا يُخْبِرُ قُرَيْشًا لِيَخْرُجُوا يَسْتَأْمِنُونَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَهَا عَنْوَةً قَالَ وَاَللّهِ إنّي لَأَسِيرُ عَلَيْهَا إذْ سَمِعْتُ كَلَامَ أَبِي سُفْيَانَ وَبُدَيْلِ بْنِ وَرْقَاءَ وَهُمَا يَتَرَاجَعَانِ وَأَبُو سُفْيَانَ يَقُولُ مَا رَأَيْتُ كَاللّيْلَةِ [ ص 354 ] نِيرَانًا قَطّ وَلَا عَسْكَرًا قَالَ يَقُولُ بُدَيْلٌ هَذِهِ وَاَللّهِ خُزَاعَةُ حَمَشَتْهَا الْحَرْبُ فَيَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ خُزَاعَةُ أَقَلّ وَأَذَلّ مِنْ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ نِيرَانَهَا وَعَسْكَرَهَا قَالَ فَعَرَفْتُ صَوْتَهُ فَقُلْت : أَبَا حَنْظَلَةَ فَعَرَفَ صَوْتِي فَقَالَ أَبَا الْفَضْل ِ ؟ قُلْتُ نَعَمْ قَالَ مَا لَك فِدَاك أَبِي وَأُمّي ؟ قَالَ قُلْتُ هَذَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي النّاسِ وَاصَبَاحَ قُرَيْشٍ وَاَللّهِ قَالَ فَمَا الْحِيلَةُ فِدَاك أَبِي وَأُمّي ؟ قُلْت : وَاَللّهِ لَئِنْ ظَفِرَ بِك لَيَضْرِبَنّ عُنُقَك فَارْكَبْ فِي عَجُزِ هَذِهِ الْبَغْلَةِ حَتّى آتِيَ بِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَسْتَأْمِنُهُ لَك فَرَكِبَ خَلْفِي وَرَجَعَ صَاحِبَاهُ قَالَ فَجِئْتُ بِهِ فَكُلّمَا مَرَرْتُ بِهِ عَلَى نَارٍ مِنْ نِيرَانِ الْمُسْلِمِينَ قَالُوا : " مَنْ هَذَا ؟ " فَإِذَا رَأَوْا بَغْلَةَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَنَا عَلَيْهَا قَالُوا : عَمّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى بَغْلَتِهِ حَتّى مَرَرْتُ بِنَارِ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ فَقَالَ مَنْ هَذَا ؟ وَقَامَ إلَيّ فَلَمّا رَأَى أَبَا سُفْيَانَ عَلَى عَجُزِ الدّابّةِ قَالَ أَبُو سُفْيَان َ عَدُوّ اللّهِ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي أَمْكَنَ مِنْكَ بِغَيْرِ عَقْدٍ وَلَا عَهْدٍ ثُمّ خَرَجَ يَشْتَدّ نَحْوَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَرَكَضْتُ الْبَغْلَةَ فَسَبَقَتْ فَاقْتَحَمْتُ عَنْ الْبَغْلَةِ فَدَخَلْتُ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَدَخَلَ عَلَيْهِ عُمَرُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ هَذَا أَبُو سُفْيَانَ فَدَعْنِي أَضْرِبْ عُنُقَهُ قَالَ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّي قَدْ أَجَرْته ثُمّ جَلَسْتُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخَذْتُ بِرَأْسِهِ فَقُلْتُ وَاَللّهِ لَا يُنَاجِيهِ اللّيْلَةَ أَحَدٌ دُونِي فَلَمّا أَكْثَرَ عُمَرُ فِي شَأْنِهِ قُلْتُ مَهْلًا يَا عُمَرُ فَوَاَللّهِ لَوْ كَانَ مِنْ رِجَالِ بَنِي عَدِيّ بْنِ كَعْب ٍ مَا قُلْتَ مِثْلَ هَذَا قَالَ مَهْلًا يَا عَبّاس ُ " فَوَاَللّهِ لَإِسْلَامُكَ كَانَ أَحَبّ إلَيّ مِنْ إسْلَامِ الْخَطّابِ لَوْ أَسْلَمَ وَمَا بِي إلّا أَنّي قَدْ عَرَفْتُ أَنّ إسْلَامَكَ كَانَ أَحَبّ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ إسْلَامِ الْخَطّابِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اذْهَبْ بِهِ يَا عَبّاسُ إلَى رَحْلِك فَإِذَا أَصْبَحْتَ فَأْتِنِي بِهِ فَذَهَبْت فَلَمّا أَصْبَحْت غَدَوْتُ بِهِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمّا رَآهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ " وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ ؟ " قَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي مَا أَحْلَمَك وَأَكْرَمَك وَأَوْصَلَك لَقَدْ ظَنَنْتُ أَنْ لَوْ كَانَ مَعَ اللّهِ إلَهٌ غَيْرُهُ لَقَدْ أَغْنَى شَيْئًا بَعْدُ قَالَ وَيْحَكَ يَا أَبَا سُفْيَانَ أَلَمْ يَأْنِ لَكَ أَنْ تَعْلَمَ أَنّي رَسُولُ اللّهِ ؟ " قَالَ بِأَبِي أَنْتَ وَأُمّي مَا أَحْلَمَك وَأَكْرَمَك وَأَوْصَلَك أَمّا هَذِهِ فَإِنّ فِي النّفْسِ حَتّى الْآنَ مِنْهَا شَيْئًا فَقَالَ لَهُ الْعَبّاسُ وَيْحَكَ أَسْلِمْ وَاشْهَدْ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَأَنّ مُحَمّدًا رَسُولُ اللّهِ قَبْلَ أَنْ تُضْرَبَ عُنُقُك فَأَسْلَمَ وَشَهِدَ شَهَادَةَ الْحَقّ [ ص 355 ] الْعَبّاسُ : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ أَبَا سُفْيَانَ رَجُلٌ يُحِبّ الْفَخْرَ فَاجْعَلْ لَهُ شَيْئًا قَالَ نَعَم مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَهُوَ آمِنٌ وَأَمَرَ الْعَبّاسَ أَنْ يَحْبِسَ أَبَا سُفْيَانَ بِمَضِيقِ الْوَادِي عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ حَتّى تَمُرّ بِهِ جُنُودُ اللّهِ فَيَرَاهَا فَفَعَلَ فَمَرّتْ الْقَبَائِلُ عَلَى رَايَاتِهَا كُلّمَا مَرّتْ بِهِ قَبِيلَةٌ قَالَ يَا عَبّاسُ مَنْ هَذِهِ ؟ فَأَقُولُ سُلَيْمٌ قَالَ فَيَقُولُ مَا لِي وَلِسُلَيْمٍ ثُمّ تَمُرّ بِهِ الْقَبِيلَةُ فَيَقُولُ يَا عَبّاسُ مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ فَأَقُولُ مُزَيْنَةُ فَيَقُولُ مَا لِي وَلِمُزَيْنَةَ حَتّى نَفِدَتْ الْقَبَائِلُ مَا تَمُرّ بِهِ قَبِيلَةٌ إلّا سَأَلَنِي عَنْهَا فَإِذَا أَخْبَرْتُهُ بِهِمْ قَالَ مَا لِي وَلِبَنِي فُلَانٍ حَتّى مَرّ بِهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي كَتِيبَتِهِ الْخَضْرَاءِ فِيهَا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ لَا يُرَى مِنْهُمْ إلّا الْحَدَقُ مِنْ الْحَدِيدِ قَالَ سُبْحَانَ اللّهِ يَا عَبّاسُ مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ قُلْتُ هَذَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ قَالَ مَا لِأَحَدٍ بِهَؤُلَاءِ قِبَلٌ وَلَا طَاقَةٌ ثُمّ قَالَ وَاَللّهِ يَا أَبَا الْفَضْلِ لَقَدْ أَصْبَحَ مُلْكُ ابْنِ أَخِيك الْيَوْمَ عَظِيمًا قَالَ قُلْتُ يَا أَبَا سُفْيَانَ إنّهَا النّبُوّةُ قَالَ فَنَعَمْ إذًا قَالَ قُلْتُ النّجَاءُ إلَى قَوْمِك . وَكَانَتْ رَايَةُ الْأَنْصَارِ مَعَ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ فَلَمّا مَرّ بِأَبِي سُفْيَانَ قَالَ لَهُ الْيَوْمَ يَوْمُ الْمَلْحَمَةِ الْيَوْمَ تُسْتَحَلّ الْحُرْمَةُ الْيَوْمَ أَذَلّ اللّهُ قُرَيْشًا . فَلَمّا حَاذَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالَ سَعْدٌ ؟ قَالَ وَمَا قَالَ فَقَالَ كَذَا وَكَذَا فَقَالَ عُثْمَانُ وَعَبْدُ الرّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ : يَا رَسُولَ اللّهِ مَا نَأْمَنُ أَنْ يَكُونَ لَهُ فِي قُرَيْشٍ صَوْلَةٌ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَلْ الْيَوْمَ يَوْمٌ تُعَظّمُ فِيهِ الْكَعْبَةُ الْيَوْمَ يَوْمٌ أَعَزّ اللّهُ فِيهِ قُرَيْشًا . ثُمّ أَرْسَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 356 ] سَعْدٍ فَنَزَعَ مِنْهُ اللّوَاءَ وَدَفَعَهُ إلَى قَيْسٍ ابْنِهِ وَرَأَى أَنّ اللّوَاءَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ سَعْدٍ إذْ صَارَ إلَى ابْنِهِ قَالَ أَبُو عُمَرَ وَرُوِيَ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا نَزَعَ مِنْهُ الرّايَةَ دَفَعَهَا إلَى الزّبَيْرِ .
[رُجُوعُ أَبِي سُفْيَانَ إلَى قُرَيْشٍ ]
وَمَضَى أَبُو سُفْيَان َ حَتّى إذَا جَاءَ قُرَيْشًا صَرَخَ بِأَعْلَى صَوْتِهِ يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ هَذَا مُحَمّدٌ قَدْ جَاءَكُمْ فِيمَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ فَمَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَان َ فَهُوَ آمِنٌ فَقَامَتْ إلَيْهِ هِنْدُ بِنْتُ عُتْبَةَ فَأَخَذَتْ بِشَارِبِهِ فَقَالَتْ اُقْتُلُوا الْحَمِيتَ الدّسِمَ الْأَحْمَشَ السّاقَيْنِ قُبّحَ مِنْ طَلِيعَةِ قَوْمٍ قَالَ وَيْلَكُمْ لَا تَغُرّنّكُمْ هَذِهِ مِنْ أَنْفُسِكُمْ فَإِنّهُ قَدْ جَاءَكُمْ مَا لَا قِبَلَ لَكُمْ بِهِ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ قَالُوا : قَاتَلَك اللّهُ وَمَا تُغْنِي عَنّا دَارُك قَالَ وَمَنْ أَغْلَقَ عَلَيْهِ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَمَنْ دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَهُوَ آمِنٌ فَتَفَرّقَ النّاسُ إلَى دُورِهِمْ وَإِلَى الْمَسْجِدِ .
[دُخُولُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَكّةَ ]
وَسَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَدَخَلَ مَكّةَ مِنْ أَعْلَاهَا وَضُرِبَتْ لَهُ هُنَالِكَ قُبّةٌ وَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ أَنْ يَدْخُلَهَا مِنْ أَسْفَلِهَا وَكَانَ عَلَى الْمُجَنّبَةِ الْيُمْنَى وَفِيهَا أَسْلَمُ وَسُلَيْمٌ وَغِفَارٌ وَمُزَيْنَةُ وَجُهَيْنَةُ وَقَبَائِلُ مِنْ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَكَانَ أَبُو عُبَيْدَةَ عَلَى الرّجّالَةِ وَالْحُسّرِ وَهُمْ الّذِينَ لَا سِلَاحَ مَعَهُمْ وَقَالَ لِخَالِدٍ وَمَنْ مَعَهُ إنْ عَرَضَ لَكُمْ أَحَدٌ مِنْ قُرَيْشٍ فَاحْصُدُوهُمْ حَصْدًا حَتّى تُوَافُونِي عَلَى الصّفَا فَمَا عَرَضَ لَهُمْ أَحَدٌ إلّا أَنَامُوهُ .
[مُقَاتَلَةُ الْمُسْلِمِينَ بَعْضَ سُفَهَاءِ قُرَيْشٍ ]
وَتَجَمّعَ سُفَهَاءُ قُرَيْشٍ وَأَخِفّاؤُهَا مَعَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ وَصَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو بِالْخَنْدَمَةِ لِيُقَاتِلُوا الْمُسْلِمِينَ وَكَانَ حِمَاسُ بْنُ قَيْسِ بْنِ خَالِدٍ أَخُو بَنِي بَكْر ٍ يُعِدّ سِلَاحًا قَبْلَ دُخُولِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ لِمَاذَا تُعِدّ مَا أَرَى ؟ قَالَ لِمُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ قَالَتْ وَاَللّهِ مَا يَقُومُ لِمُحَمّدٍ وَأَصْحَابِهِ شَيْءٌ قَالَ إنّي وَاَللّهِ لَأَرْجُو أَنْ أُخْدِمَك بَعْضَهُمْ ثُمّ قَالَ
إنْ يُقْبِلُوا الْيَوْمَ فَمَالِي عِلّه
هَذَا سِلَاحٌ كَامِلٌ وَأَلّهْ
وَذُو غِرَارَيْنِ سَرِيعُ السّلّه [ ص 357 ] الْخَنْدَمَةَ مَعَ صَفْوَانَ وَعِكْرِمَةَ وَسُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو فَلَمّا لَقِيَهُمْ الْمُسْلِمُونَ نَاوَشُوهُمْ شَيْئًا مِنْ قِتَالٍ فَقُتِلَ كُرْزُ بْنُ جَابِرٍ الْفِهْرِيّ وَخُنَيْسُ بْنُ خَالِدِ بْنِ رَبِيعَةَ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَكَانَا فِي خَيْلِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ فَشَذّا عَنْهُ فَسَلَكَا طَرِيقًا غَيْرَ طَرِيقِهِ فَقُتِلَا جَمِيعًا وَأُصِيبَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ نَحْوُ اثْنَيْ عَشَرَ رَجُلًا ثُمّ انْهَزَمُوا وَانْهَزَمَ حِمَاسٌ صَاحِبُ السّلَاحِ حَتّى دَخَلَ بَيْتَهُ فَقَالَ لِامْرَأَتِهِ أَغْلِقِي عَلَيّ بَابِي فَقَالَتْ وَأَيْنَ مَا كُنْت تَقُولُ ؟ فَقَالَ
إنّكِ لَوْ شَهِدْتِ يَوْمَ الْخَنْدَمَهْ
إذْ فَرّ صَفْوَانُ وَفَرّ عِكْرِمَهْ
وَاسْتَقْبَلَتْنَا بِالسّيُوفِ الْمُسْلِمَهْ
يَقْطَعْنَ كُلّ سَاعِدٍ وَجُمْجُمَهْ
ضَرْبًا فَلَا نَسْمَعُ إلّا غَمْغَمَهْ
لَهُمْ نَهِيتٌ حَوْلَنَا وَهَمْهَمَهْ
لَمْ تَنْطِقِي فِي اللّوْمِ أَدْنَى كَلِمَهْ وَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ : أَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَدَخَلَ مَكّةَ فَبَعَثَ الزّبَيْرَ عَلَى إحْدَى الْمُجَنّبَتَيْنِ وَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ عَلَى الْمُجَنّبَةِ الْأُخْرَى وَبَعَثَ أَبَا عُبَيْدَة بْنَ الْجَرّاحِ عَلَى الْحُسّرِ وَأَخَذُوا بَطْنَ الْوَادِي وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي كَتِيبَتِهِ قَالَ وَقَدْ وَبّشَتْ قُرَيْشٌ أَوْبَاشًا لَهَا فَقَالُوا : نُقَدّمُ هَؤُلَاءِ فَإِنْ كَانَ لِقُرَيْشٍ شَيْءٌ كُنّا مَعَهُمْ وَإِنْ أُصِيبُوا أَعْطَيْنَا الّذِي سُئِلْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ فَقُلْتُ لَبّيْكَ رَسُولَ اللّهِ وَسَعْدَيْكَ فَقَالَ اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ وَلَا يَأْتِينِي إلّا أَنْصَارِي فَهَتَفَ بِهِمْ فَجَاءُوا فَأَطَافُوا بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ " أَتَرَوْنَ إلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ " ثُمّ قَالَ بِيَدَيْهِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى : " اُحْصُدُوهُمْ حَصْدًا حَتّى تُوَافُونِي بِالصّفَا " فَانْطَلَقْنَا فَمَا يَشَاءُ أَحَدٌ مِنّا أَنْ يَقْتُلَ مِنْهُمْ إلّا شَاءَ وَمَا أَحَدٌ مِنْهُمْ وَجّهَ إلَيْنَا شَيْئًا [ ص 358 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْحَجُونِ عِنْدَ مَسْجِدِ الْفَتْحِ .
[ دُخُولُ الْمَسْجِدِ ]
ثُمّ نَهَضَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ بَيْنَ يَدَيْهِ وَخَلْفَهُ وَحَوْلَهُ حَتّى دَخَلَ الْمَسْجِدَ فَأَقْبَلَ إلَى الْحَجَرِ الْأَسْوَدِ فَاسْتَلَمَهُ ثُمّ طَافَ بِالْبَيْتِ وَفِي يَدِهِ قَوْسٌ وَحَوْلَ الْبَيْتِ وَعَلَيْهِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتّونَ صَنَمًا فَجَعَلَ يَطْعَنُهَا بِالْقَوْسِ وَيَقُولُ { جَاءَ الْحَقّ وَزَهَقَ الْبَاطِلُ إِنّ الْبَاطِلَ كَانَ زَهُوقًا } الْإِسْرَاءَ : 81 ] { جَاءَ الْحَقّ وَمَا يُبْدِئُ الْبَاطِلُ وَمَا يُعِيدُ } [ سَبَأَ 49 ] وَالْأَصْنَامُ تَتَسَاقَطُ عَلَى وُجُوهِهَا .
[دُخُولُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْكَعْبَةَ ]
وَكَانَ طَوَافُهُ عَلَى رَاحِلَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ مُحْرِمًا يَوْمَئِذٍ فَاقْتَصَرَ عَلَى الطّوَافِ فَلَمّا أَكْمَلَهُ دَعَا عُثْمَانَ بْنَ طَلْحَةَ فَأَخَذَ مِنْهُ مِفْتَاحَ الْكَعْبَةِ فَأَمَرَ بِهَا فَفُتِحَتْ فَدَخَلَهَا فَرَأَى فِيهَا الصّوَرَ وَرَأَى فِيهَا صُورَةَ إبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ يَسْتَقْسِمَانِ بِالْأَزْلَامِ فَقَالَ قَاتَلَهُمْ اللّهُ وَاَللّهِ إنْ اسْتَقْسَمَا بِهَا قَطّ وَرَأَى فِي الْكَعْبَةِ حَمَامَةً مِنْ عَيْدَانٍ فَكَسَرَهَا بِيَدِهِ وَأَمَرَ بِالصّوَرِ فَمُحِيَتْ . ثُمّ أَغْلَقَ عَلَيْهِ الْبَابَ وَعَلَى أُسَامَةَ وَبِلَالٍ فَاسْتَقْبَلَ الْجِدَارَ الّذِي يُقَابِلُ الْبَابَ حَتّى إذَا كَانَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ قَدْرُ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ وَقَفَ وَصَلّى هُنَاكَ ثُمّ دَارَ فِي الْبَيْتِ وَكَبّرَ فِي نَوَاحِيهِ وَوَحّدَ اللّهَ ثُمّ فَتَحَ الْبَابَ وَقُرَيْشٌ قَدْ مَلَأَتْ الْمَسْجِدَ صُفُوفًا يَنْتَظِرُونَ مَاذَا يَصْنَعُ فَأَخَذَ بِعِضَادَتَيْ الْبَابِ وَهُمْ تَحْتَهُ [ ص 359 ] فَقَالَ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ صَدَقَ وَعْدَهُ وَنَصَرَ عَبْدَهُ وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ أَلَا كُلّ مَأْثُرَةٍ أَوْ مَالٍ أَوْ دَمٍ فَهُوَ تَحْتَ قَدَمَيّ هَاتَيْنِ إلّا سِدَانَةَ الْبَيْتِ وَسِقَايَةَ الْحَاجّ أَلَا وَقَتْلُ الْخَطَإِ شِبْهُ الْعَمْدِ السّوْطُ وَالْعَصَا فَفِيهِ الدّيَةُ مُغَلّظَةً مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ أَرْبَعُونَ مِنْهَا فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ إنّ اللّهَ قَدْ أَذْهَبَ عَنْكُمْ نَخْوَةَ الْجَاهِلِيّةِ وَتَعَظّمَهَا بِالْآبَاءِ النّاسُ مِنْ آدَمَ وَآدَمُ مِنْ تُرَابٍ " ثُمّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ { يَا أَيّهَا النّاسُ إِنّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللّهِ أَتْقَاكُمْ إِنّ اللّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } [ الْحُجُرَاتِ 13 ] ثُمّ قَالَ " يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ مَا تَرَوْنَ أَنّي فَاعِلٌ بِكُمْ ؟ " قَالُوا : خَيْرًا أَخٌ كَرِيمٌ وَابْنُ أَخٍ كَرِيمٍ قَالَ " فَإِنّي أَقُولُ لَكُمْ كَمَا قَالَ يُوسُفُ لِإِخْوَتِهِ { لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ } اذْهَبُوا فَأَنْتُمْ الطّلَقَاءُ . [ ص 360 ]
[إبْقَاءُ مِفْتَاحِ الْكَعْبَةِ فِي آلِ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ ]
ثُمّ جَلَسَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَامَ إلَيْهِ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَمِفْتَاحُ الْكَعْبَةِ فِي يَدِهِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ اجْمَعْ لَنَا الْحِجَابَةَ مَعَ السّقَايَةِ صَلّى اللّهُ عَلَيْك فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " أَيْنَ عُثْمَانُ بْنُ طَلْحَةَ " ؟ فَدُعِيَ لَهُ فَقَالَ لَهُ " هَاكَ مِفْتَاحَكَ يَا عُثْمَانُ الْيَوْمَ يَوْمُ بِرّ وَوَفَاءٍ . وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ فِي الطّبَقَاتِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ قَالَ كُنّا نَفْتَحُ الْكَعْبَةَ فِي الْجَاهِلِيّةِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ وَالْخَمِيسِ فَأَقْبَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَوْمًا يُرِيدُ أَنْ يَدْخُلَ الْكَعْبَةَ مَعَ النّاسِ فَأَغْلَظْتُ لَهُ وَنِلْتُ مِنْهُ فَحَلُمَ عَنّي ثُمّ قَالَ " يَا عُثْمَانُ لَعَلّك سَتَرَى هَذَا الْمِفْتَاحَ يَوْمًا بِيَدِي أَضَعُهُ حَيْثُ شِئْت فَقُلْتُ لَقَدْ هَلَكَتْ قُرَيْشٌ يَوْمَئِذٍ وَذَلّتْ فَقَالَ بَلْ عَمَرَتْ وَعَزّتْ يَوْمَئِذٍ وَدَخَلَ الْكَعْبَةَ فَوَقَعَتْ كَلِمَتُهُ مِنّي مَوْقِعًا ظَنَنْتُ يَوْمَئِذٍ أَنّ الْأَمْرَ سَيَصِيرُ إلَى مَا قَالَ فَلَمّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ قَالَ يَا عُثْمَانُ ائْتِنِي بِالْمِفْتَاحِ فَأَتَيْتُهُ بِهِ فَأَخَذَهُ مِنّي ثُمّ دَفَعَهُ إلَيّ وَقَالَ خُذُوهَا خَالِدَةً تَالِدَةً لَا يَنْزِعُهَا مِنْكُمْ إلّا ظَالِمٌ يَا عُثْمَانُ إنّ اللّهَ اسْتَأْمَنَكُمْ عَلَى بَيْتِهِ فَكُلُوا مِمّا يَصِلُ إلَيْكُمْ مِنْ هَذَا الْبَيْتِ بِالْمَعْرُوفِ " قَالَ فَلَمّا وَلّيْت نَادَانِي فَرَجَعْتُ إلَيْهِ فَقَالَ " أَلَمْ يَكُنْ الّذِي قُلْتُ لَكَ ؟ " قَالَ فَذَكَرْت قَوْلَهُ لِي بِمَكّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ لَعَلّك سَتَرَى هَذَا الْمِفْتَاحَ بِيَدِي أَضَعُهُ حَيْثُ شِئْت فَقُلْتُ بَلَى أَشْهَدُ أَنّكَ رَسُولُ اللّهِ [ ص 361 ] وَذَكَرَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيّبِ أَنّ الْعَبّاسَ تَطَاوَلَ يَوْمَئِذٍ لِأَخْذِ الْمِفْتَاحِ فِي رِجَالٍ مِنْ بَنِي هَاشِمٍ فَرَدّهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى عُثْمَانَ بْنِ طَلْحَةَ
[أَذَانُ بِلَالٍ عَلَى الْكَعْبَةِ ]
وَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِلَالًا أَنْ يَصْعَدَ فَيُؤَذّنَ عَلَى الْكَعْبَةِ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْب ٍ وَعَتّابُ بْنُ أَسِيدٍ وَالْحَارِثُ بْنُ هِشَامٍ وَأَشْرَافُ قُرَيْشٍ جُلُوسٌ بِفِنَاءِ الْكَعْبَةِ فَقَالَ عَتّابٌ لَقَدْ أَكْرَمَ اللّهُ أَسِيدًا أَلّا يَكُونَ سَمِعَ هَذَا فَيَسْمَعَ مِنْهُ مَا يُغِيظُهُ فَقَالَ الْحَارِثُ أَمَا وَاَللّهِ لَوْ أَعْلَمُ أَنّهُ حَقّ لَاتّبَعْته فَقَالَ أَبُو سُفْيَان َ أَمَا وَاَللّهِ لَا أَقُولُ شَيْئًا لَوْ تَكَلّمْت لَأَخْبَرَتْ عَنّي هَذِهِ الْحَصْبَاءُ فَخَرَجَ عَلَيْهِمْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ لَهُمْ " قَدْ عَلِمْتُ الّذِي قُلْتُمْ " ثُمّ ذَكَرَ ذَلِكَ لَهُمْ فَقَالَ الْحَارِثُ وَعَتّابٌ نَشْهَدُ أَنّك رَسُولُ اللّهِ وَاَللّهِ مَا اطّلَعَ عَلَى هَذَا أَحَدٌ كَانَ مَعَنَا فَنَقُولَ أَخْبَرَك
فَصْلٌ [صَلَاةُ الْفَتْحِ ]
ثُمّ دَخَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَارَ أُمّ هَانِئِ بِنْتِ أَبِي طَالِبٍ فَاغْتَسَلَ وَصَلّى ثَمَانَ رَكَعَاتٍ فِي بَيْتِهَا وَكَانَتْ ضُحًى فَظَنّهَا مَنْ ظَنّهَا صَلَاةَ الضّحَى وَإِنّمَا هَذِهِ صَلَاةُ الْفَتْحِ وَكَانَ أُمَرَاءُ الْإِسْلَامِ إذَا فَتَحُوا حِصْنًا أَوْ بَلَدًا صَلّوْا عَقِيبَ الْفَتْحِ هَذِهِ الصّلَاةَ اقْتِدَاءً بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفِي الْقِصّةِ مَا يَدُلّ عَلَى أَنّهَا بِسَبَبِ الْفَتْحِ شُكْرًا لِلّهِ عَلَيْهِ فَإِنّهَا قَالَتْ مَا رَأَيْتُهُ صَلّاهَا قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا .
[إجَارَةُ أُمّ هَانِئٍ حَمَوَيْنِ لَهَا ]
وَأَجَارَتْ أُمّ هَانِئٍ حَمَوَيْنِ لَهَا فَقَالَ لَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ أَجَرْنَا مَنْ أَجَرْتِ يَا أُمّ هَانِئٍ [ ص 362 ]
فَصْلٌ [ مَنْ أَمَرَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقَتْلِهِمْ ]
ولَمّا اسْتَقَرّ الْفَتْحُ أَمّنَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ النّاسَ كُلّهُمْ إلّا تِسْعَةَ نَفَرٍ فَإِنّهُ أَمَرَ بِقَتْلِهِمْ وَإِنْ وُجِدُوا تَحْتَ أَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَهُمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ وَعَبْدُ الْعُزّى بْنُ خَطَلٍ وَالْحَارِثُ بْنُ نُفَيْلِ بْنِ وَهْبِ وَمَقِيسُ بْنُ صُبَابَةَ وَهَبّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ وَقَيْنَتَانِ لِابْنِ خَطَلٍ كَانَتَا تُغَنّيَانِ بِهِجَاءِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسَارَةُ مَوْلَاةٌ لِبَعْضِ بَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ .
[ابْنُ أَبِي السّرْحِ ]
فَأَمّا ابْنُ أَبِي سَرْحٍ فَأَسْلَمَ فَجَاءَ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ فَاسْتَأْمَنَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَبِلَ مِنْهُ بَعْدَ أَنْ أَمْسَكَ عَنْهُ رَجَاءَ أَنْ يَقُومَ إلَيْهِ بَعْضُ الصّحَابَةِ فَيَقْتُلُهُ وَكَانَ قَدْ أَسْلَمَ قَبْلَ ذَلِكَ وَهَاجَرَ ثُمّ ارْتَدّ وَرَجَعَ إلَى مَكّةَ .
[عكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ ]
وَأَمّا عِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فَاسْتَأْمَنَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ بَعْدَ أَنْ فَرّ فَأَمّنَهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَدِمَ وَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ . أَمّا ابْنُ خَطَلٍ وَالْحَارِثُ وَمَقِيسٌ وَإِحْدَى الْقَيْنَتَيْنِ فَقُتِلُوا وَكَانَ مَقِيسٌ قَدْ أَسْلَمَ ثُمّ ارْتَدّ وَقَتَلَ وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ وَأَمَا هَبّارُ بْنُ الْأَسْوَدِ فَهُوَ الّذِي عَرَضَ لِزَيْنَبَ بِنْتِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ هَاجَرَتْ فَنَخَسَ بِهَا حَتّى سَقَطَتْ عَلَى صَخْرَةٍ وَأَسْقَطَتْ جَنِينَهَا فَفَرّ ثُمّ أَسْلَمَ وَحَسُنَ إسْلَامُهُ . وَاسْتُؤْمِنَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِسَارَةَ وَلِإِحْدَى الْقَيْنَتَيْنِ فَأَمّنَهُمَا فَأَسْلَمَتَا .
[خُطْبَةُ الْفَتْحِ ]
فَلَمّا كَانَ الْغَدُ مِنْ يَوْمِ الْفَتْحِ قَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي النّاسِ خَطِيبًا فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ وَمَجّدَهُ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمّ قَالَ يَا أَيّهَا النّاسُ إنّ اللّهَ حَرّمَ مَكّةَ يَوْمَ خَلَقَ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ فَهِيَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللّهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَلَا يَحِلّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ فِيهَا دَمًا أَوْ يَعْضُدَ بِهَا شَجَرَةً فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخّصَ لِقِتَالِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقُولُوا : إنّ اللّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَإِنّمَا حَلّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ فَلْيُبَلّغْ الشّاهِدُ الْغَائِبَ [ ص 363 ]
[إيثَارُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ عَلَى مَكّةَ ]
وَلَمّا فَتَحَ اللّهُ مَكّةَ عَلَى رَسُولِهِ وَهِيَ بَلَدُهُ وَوَطَنُهُ وَمَوْلِدُهُ قَالَ الْأَنْصَارُ فِيمَا بَيْنَهُمْ أَتَرَوْنَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذْ فَتَحَ اللّهُ عَلَيْهِ أَرْضَهُ وَبَلَدَهُ أَنْ يُقِيمَ بِهَا وَهُوَ يَدْعُو عَلَى الصّفَا رَافِعًا يَدَيْهِ ؟ فَلَمّا فَرَغَ مِنْ دُعَائِهِ قَالَ مَاذَا قُلْتُمْ ؟ قَالُوا : لَا شَيْءَ يَا رَسُولَ اللّهِ فَلَمْ يَزَلْ بِهِمْ حَتّى أَخْبَرُوهُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعَاذَ اللّهِ الْمَحْيَا مَحْيَاكُمْ وَالْمَمَاتُ مَمَاتُكُمْ
[ مَنْ هَمّ بِقَتْلِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
وَهُمْ فَضَالَةُ بْنُ عُمَيْرِ بْنِ الْمُلَوّحِ أَنْ يَقْتُلَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ فَلَمّا دَنَا مِنْهُ قَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَفَضَالَةُ ؟ قَالَ نَعَمْ فَضَالَةُ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ مَاذَا كُنْتَ تُحَدّثُ بِهِ نَفْسَك ؟ قَالَ لَا شَيْءَ كُنْتُ أَذْكُرُ اللّهَ فَضَحِكَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ " اسْتَغْفِرْ اللّهَ " ثُمّ وَضَعَ يَدَهُ عَلَى صَدْرِهِ فَسَكَنَ قَلْبُهُ وَكَانَ فَضَالَةُ يَقُولُ وَاَللّهِ مَا رَفَعَ يَدَهُ عَنْ صَدْرِي حَتّى مَا خَلَقَ اللّهُ شَيْئًا أَحَبّ إلَيّ مِنْه قَالَ فَضَالَةُ فَرَجَعْتُ إلَى أَهْلِي فَمَرَرْتُ بِامْرَأَةٍ كُنْتُ أَتَحَدّثُ إلَيْهَا فَقَالَتْ هَلُمّ إلَى الْحَدِيثِ فَقُلْت : لَا وَانْبَعَثَ فَضَالَةُ يَقُولُ
قَالَتْ هَلُمّ إلَى الْحَدِيثِ فَقُلْتُ لَا
يَأْبَى عَلَيْك اللّهُ وَالْإِسْلَامُ
لَوْ قَدْ رَأَيْتِ مُحَمّدًا وَقَبِيلَهُ
بِالْفَتْحِ يَوْمَ تُكَسّرُ الْأَصْنَامُ
لَرَأَيْتِ دِينَ اللّهِ أَضْحَى بَيّنًا
وَالشّرْكُ يَغْشَى وَجْهَهُ الْإِظْلَامُ
[فِرَارُ صَفْوَانَ وَعِكْرِمَةَ ]
[ ص 364 ] وَفَرّ يَوْمَئِذٍ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ وَعِكْرِمَةُ بْنُ أَبِي جَهْلٍ فَأَمّا صَفْوَانُ فَاسْتَأْمَنَ لَهُ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَمّنَهُ وَأَعْطَاهُ عِمَامَتَهُ الّتِي دَخَلَ بِهَا مَكّةَ فَلَحِقَهُ عُمَيْرٌ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَرْكَبَ الْبَحْرَ فَرَدّهُ فَقَالَ اجْعَلْنِي فِيهِ بِالْخِيَارِ شَهْرَيْنِ فَقَالَ أَنْتَ بِالْخِيَارِ فِيهِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ .
[إسْلَامُ زَوْجَةِ عِكْرِمَةَ ]
وَكَانَتْ أُمّ حَكِيمٍ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ هِشَامٍ تَحْتَ عِكْرِمَةَ بْنِ أَبِي جَهْلٍ فَأَسْلَمَتْ وَاسْتَأْمَنَتْ لَهُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَمّنَهُ فَلَحِقَتْ بِهِ بِالْيَمَنِ فَأَمّنَتْهُ فَرَدّتْهُ وَأَقَرّهُمَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هُوَ وَصَفْوَانُ عَلَى نِكَاحِهِمَا الْأَوّلِ . ثُمّ أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَمِيمَ بْنَ أَسِيدٍ الْخُزَاعِيّ فَجَدّدَ أَنْصَابَ الْحَرَمِ .
[كَسْرُ الْأَوْثَانِ ]
وَبَثّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَرَايَاهُ إلَى الْأَوْثَانِ الّتِي كَانَتْ حَوْلَ الْكَعْبَةِ فَكُسّرَتْ كُلّهَا مِنْهَا اللّاتُ وَالْعُزّى وَمَنَاةُ الثّالِثَةُ الْأُخْرَى وَنَادَى مُنَادِيهِ بِمَكّةَ مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلَا يَدَعْ فِي بَيْتِهِ صَنَمًا إلّا كَسَرَهُ
[هَدْمُ خَالِدٍ لِلْعُزّى ]
فَبَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلَى الْعُزّى لِخَمْسِ لَيَالٍ بَقِينَ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ لِيَهْدِمَهَا فَخَرَجَ إلَيْهَا فِي ثَلَاثِينَ فَارِسًا مِنْ أَصْحَابِهِ حَتّى انْتَهَوْا إلَيْهَا فَهَدَمَهَا ثُمّ رَجَعَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ هَلْ رَأَيْتَ شَيْئًا ؟ " قَالَ لَا قَالَ " فَإِنّكَ لَمْ تَهْدِمْهَا فَارْجِعْ إلَيْهَا فَاهْدِمْهَا فَرَجَعَ خَالِدٌ وَهُوَ مُتَغَيّظٌ فَجَرّدَ سَيْفَهُ فَخَرَجَتْ إلَيْهِ امْرَأَةٌ عَجُوزٌ عُرْيَانَةُ سَوْدَاءُ نَاشِرَةُ الرّأْسِ فَجَعَلَ السّادِنُ يَصِيحُ بِهَا فَضَرَبَهَا خَالِدٌ فَجَزَلَهَا بِاثْنَتَيْنِ وَرَجَعَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ " نَعَمْ تِلْكَ الْعُزّى وَقَدْ أَيِسَتْ أَنْ تُعْبَدَ فِي بِلَادِكُمْ أَبَدًا " وَكَانَتْ بِنَخْلَةَ وَكَانَتْ لِقُرَيْشٍ وَجَمِيعِ بَنِي كِنَانَة َ [ ص 365 ] وَكَانَتْ أَعْظَمَ أَصْنَامِهِمْ وَكَانَ سَدَنَتُهَا بَنِي شَيْبَانَ .
[هَدْمُ ابْنِ الْعَاصِ لِسُوَاعٍ ]
ثُمّ بَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إلَى سُوَاعٍ وَهُوَ صَنَمٌ لِهُذَيْلٍ لِيَهْدِمَهُ قَالَ عَمْرٌو : فَانْتَهَيْتُ إلَيْهِ وَعِنْدَهُ السّادِنُ فَقَالَ مَا تُرِيدُ ؟ قُلْتُ أَمَرَنِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ أَهْدِمَهُ فَقَالَ لَا تَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ قُلْت : لِمَ ؟ قَالَ تُمْنَعُ . قُلْتُ حَتّى الْآنَ أَنْتَ عَلَى الْبَاطِلِ وَيْحَك فَهَلْ يَسْمَعُ أَوْ يُبْصِرُ ؟ قَالَ فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَكَسَرْته وَأَمَرْتُ أَصْحَابِي فَهَدَمُوا بَيْتَ خِزَانَتِهِ فَلَمْ نَجِدْ فِيهِ شَيْئًا ثُمّ قُلْتُ لِلسّادِنِ كَيْفَ رَأَيْتَ ؟ قَالَ أَسْلَمْتُ لِلّهِ .
[هَدْمُ سَعْدِ بْنِ زَيْدٍ الْأَشْهَلِيّ لِمَنَاةَ]
ثُمّ بَعَثَ سَعْدَ بْنَ زَيْدٍ الْأَشْهَلِيّ إلَى مَنَاةَ وَكَانَتْ بِالْمُشَلّلِ عِنْد قُدَيْدٍ لِلْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَغَسّانَ وَغَيْرِهِمْ فَخَرَجَ فِي عِشْرِينَ فَارِسًا حَتّى انْتَهَى إلَيْهَا وَعِنْدَهَا سَادِنٌ فَقَالَ السّادِنُ مَا تُرِيدُ ؟ قُلْتُ هَدْمَ مَنَاةَ قَالَ أَنْتَ وَذَاكَ فَأَقْبَلَ سَعْدٌ يَمْشِي إلَيْهَا وَتَخْرُجُ إلَيْهِ امْرَأَةٌ عُرْيَانَةُ سَوْدَاءُ ثَائِرَةُ الرّأْسِ تَدْعُو بِالْوَيْلِ وَتَضْرِبُ صَدْرَهَا فَقَالَ لَهَا السّادِنُ مَنَاةُ دُونَك بَعْضَ عُصَاتِك فَضَرَبَهَا سَعْدٌ فَقَتَلَهَا وَأَقْبَلَ إلَى الصّنَمِ وَمَعَهُ أَصْحَابُهُ فَهَدَمَهُ وَكَسَرُوهُ وَلَمْ يَجِدُوا فِي خِزَانَتِهِ شَيْئًا .
ذِكْرُ سَرِيّةِ خَالِدِ بْنِ الْوَلِيدِ إلَى بَنِي جُذَيْمَة َ
قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : وَلَمّا رَجَعَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ مِنْ هَدْمِ الْعُزّى وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مُقِيمٌ بِمَكّةَ بَعَثَهُ إلَى بَنِي جُذَيْمَةَ دَاعِيًا إلَى الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَبْعَثْهُ مُقَاتِلًا فَخَرَجَ فِي ثَلَاثمِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَبَنِي سُلَيْمٍ فَانْتَهَى إلَيْهِمْ فَقَالَ مَا أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : مُسْلِمُونَ قَدْ صَلّيْنَا وَصَدّقْنَا بِمُحَمّدٍ وَبَنَيْنَا الْمَسَاجِدَ فِي سَاحَتِنَا وَأَذّنّا فِيهَا قَالَ فَمَا بَالُ السّلَاحِ عَلَيْكُمْ ؟ قَالُوا : إنّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ مِنْ [ ص 366 ] الْعَرَبِ عَدَاوَةً فَخِفْنَا أَنْ تَكُونُوا هُمْ وَقَدْ قِيلَ إنّهُمْ قَالُوا صَبَأْنَا وَلَمْ يُحْسِنُوا أَنْ يَقُولُوا : أَسْلَمْنَا قَالَ فَضَعُوا السّلَاحَ فَوَضَعُوهُ فَقَالَ لَهُمْ اسْتَأْسِرُوا فَاسْتَأْسَرَ الْقَوْمُ فَأَمَرَ بَعْضَهُمْ فَكَتّفَ بَعْضًا وَفَرّقَهُمْ فِي أَصْحَابِهِ فَلَمّا كَانَ فِي السّحَرِ نَادَى خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ : مَنْ كَانَ مَعَهُ أَسِيرٌ فَلْيَضْرِبْ عُنُقَهُ فَأَمّا بَنُو سُلَيْمٍ فَقَتَلُوا مَنْ كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ وَأَمّا الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ فَأَرْسَلُوا أَسْرَاهُمْ فَبَلَغَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا صَنَعَ خَالِدٌ فَقَالَ اللّهُمّ إنّي أَبْرَأُ إلَيْكَ مِمّا صَنَعَ خَالد " وَبَعَثَ عَلِيّا يُودِي لَهُمْ قَتْلَاهُمْ وَمَا ذَهَبَ مِنْهُمْ وَكَانَ بَيْنَ خَالِدٍ وَعَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ كَلَامٌ وَشَرّ فِي ذَلِكَ فَبَلَغَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ مَهْلًا يَا خَالِدُ دَعْ عَنْكَ أَصْحَابِي فَوَاَللّهِ لَوْ كَانَ لَكَ أُحُدٌ ذَهَبًا ثُمّ أَنْفَقْتَهُ فِي سَبِيلِ اللّهِ مَا أَدْرَكْتَ غَدْوَةَ رَجُلٍ مِنْ أَصْحَابِي وَلَا رَوْحَتَهُ
============================ج10.===============
اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية
مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة
كتاب : زاد المعاد في هَدْي خير العباد
المؤلف : محمد بن أبي بكر بن أيوب بن سعد شمس الدين ابن قيم الجوزية
فَصْل [ إنْشَادُ حَسّانَ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ ]
وَكَانَ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ قَدْ قَالَ فِي عُمْرَةِ الْحُدَيْبِيَةِ : عَفَتْ ذَاتُ الْأَصَابِعِ فَالْجِوَاءُ
إلَى عَذْرَاءَ مَنْزِلُهَا خَلَاءُ
دِيَارٌ مِنْ بَنِي الْحَسْحَاسِ قَفْرٌ
تُعَفّيهَا الرّوَامِسُ وَالسّمَاءُ
وَكَانَتْ لَا يَزَالُ بِهَا أَنِيسٌ
خِلَالَ مُرُوجِهَا نَعَمٌ وَشَاءُ
فَدَعْ هَذَا وَلَكِنْ مَنْ لِطَيْفٍ
يُؤَرّقُنِي إذَا ذَهَبَ الْعِشَاءُ
لَشَعْثَاءَ الّتِي قَدْ تَيّمَتْهُ
فَلَيْسَ لِقَلْبِهِ مِنْهَا شِفَاءُ
كَأَنّ خَبِيئَةً مِنْ بَيْتِ رَأْسٍ
يَكُونُ مِزَاجَهَا عَسَلٌ وَمَاءُ
إذَا مَا الْأَشْرِبَاتُ ذُكِرْنَ يَوْمًا
فَهُنّ لِطَيّبِ الرّاحِ الْفِدَاءُ
نُوَلّيهَا الْمَلَامَةَ إنْ أَلَمْنَا
إذَا مَا كَانَ مَغْثٌ أَوْ لِحَاءُ
وَنَشْرَبُهَا فَتَتْرُكُنَا مُلُوكًا
وَأُسْدًا مَا يُنَهْنِهُنَا اللّقَاءُ
عَدِمْنَا خَيْلَنَا إنْ لَمْ تَرَوْهَا
تُثِيرُ النّقْعَ مَوْعِدُهَا كَدَاءُ
يُنَازِعْنَ الْأَعِنّةَ مُصْعِدَاتٍ
عَلَى أَكْتَافِهَا الْأَسَلُ الظّمَاءُ
تَظَلّ جِيَادُنَا مُتَمَطّرَاتٍ
تُلَطّمُهُنّ بِالْخُمُرِ النّسَاءُ
فَإِمّا تُعْرِضُوا عَنّا اعْتَمَرْنَا
وَكَانَ الْفَتْحُ وَانْكَشَفَ الْغِطَاءُ
وَإِلّا فَاصْبِرُوا لِجِلَادِ يَوْمٍ
يُعِزّ اللّهُ فِيهِ مَنْ يَشَاءُ
وجِبْرِيلٌ رَسُولُ اللّهِ فِينَا وَرُوحُ الْقُدْسِ لَيْسَ لَهُ كِفَاءُ
وَقَالَ اللّهُ قَدْ أَرْسَلْتُ عَبْدًا
يَقُولُ الْحَقّ إنْ نَفَعَ الْبَلَاءُ
شَهِدْتُ بِهِ فَقُومُوا صَدّقُوهُ فَقُلْتُمْ لَا نَقُومُ وَلَا نَشَاءُ
وَقَالَ اللّهُ قَدْ سَيّرْت جُنْدًا
هُمْ الْأَنْصَارُ عُرْضَتُهَا اللّقَاءُ
لَنَا فِي كُلّ يَوْمٍ مِنْ مَعَدّ
سِبَابٌ أَوْ قِتَالٌ أَوْ هِجَاءُ
فَنُحْكِمُ بِالْقَوَافِي مَنْ هَجَانَا
وَنَضْرِبُ حِينَ تَخْتَلِطُ الدّمَاءُ
أَلَا أَبْلِغْ أَبَا سُفْيَانَ عَنّي
مُغَلْغَلَةً فَقَدْ بَرِحَ الْخَفَاءُ
بِأَنّ سُيُوفَنَا تَرَكَتْكَ عَبْدًا
وَعَبْدُ الدّارِ سَادَتُهَا الْإِمَاءُ
هَجَوْتَ مُحَمّدًا فَأَجَبْتُ عَنْهُ
وَعِنْدَ اللّهِ فِي ذَاكَ الْجَزَاءُ
أَتَهْجُوهُ وَلَسْتَ لَهُ بِكُفْءٍ
فَشَرّكُمَا لِخَيْرِكُمَا الْفِدَاءُ
هَجَوْتَ مُبَارَكًا بَرّا حَنِيفًا
أَمِينَ اللّهِ شِيمَتُهُ الْوَفَاءُ
أَمَنْ يَهْجُو رَسُولَ اللّهِ مِنْكُمْ
وَيَمْدَحُهُ وَيَنْصُرُهُ سَوَاءُ
فَإِنّ أَبِي وَوَالِدَهُ وَعِرْضِي
لِعِرْضِ مُحَمّدٍ . مِنْكُمْ وِقَاءُ
لِسَانِي صَارِمٌ لَا عَيْبَ فِيهِ
وَبَحْرِي لَا تُكَدّرُهُ الدّلَاءُ
فَصْلٌ فِي الْإِشَارَةِ إلَى مَا فِي الْغَزْوَةِ مِنْ الْفِقْهِ وَاللّطَائِفِ
[ مِنْ شَأْنِهِ سُبْحَانَهُ تَقْدِيمُ مُقَدّمَاتٍ بَيْنَ يَدَيْ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ تَكُونُ كَالْمَدْخَلِ إلَيْهَا الْمُنَبّهَةِ لَهَا كَقِصّةِ الْمَسِيحِ وَنَسْخِ الْقِبْلَةِ وَغَيْرِهِمَا ]
كَانَتْ صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ مُقَدّمَةً وَتَوْطِئَةً بَيْنَ يَدَيْ هَذَا الْفَتْحِ الْعَظِيمِ أَمِنَ النّاسُ بِهِ وَكَلّمَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا وَنَاظَرَهُ فِي الْإِسْلَامِ وَتَمَكّنَ مَنْ اخْتَفَى مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِمَكّةَ مِنْ إظْهَارِ دِينِهِ وَالدّعْوَةِ إلَيْهِ وَالْمُنَاظَرَةِ عَلَيْهِ وَدَخَلَ بِسَبَبِهِ بَشَرٌ كَثِيرٌ فِي الْإِسْلَامِ وَلِهَذَا سَمّاهُ اللّهُ فَتْحًا فِي قَوْلِهِ { إِنّا فَتَحْنَا لَكَ فَتْحًا مُبِينًا } [ الْفَتْح : 1 ] ، نَزَلَتْ فِي شَأْنِ الْحُدَيْبِيَةِ ، فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللّهِ أَوَفَتْحٌ هُوَ ؟ قَالَ " نَعَمْ " . وَأَعَادَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ذِكْرَ كَوْنِهِ فَتْحًا ، فَقَالَ { لَقَدْ صَدَقَ اللّهُ رَسُولَهُ الرّؤْيَا بِالْحَقّ } إلَى قَوْلِهِ { فَعَلِمَ مَا لَمْ تَعْلَمُوا فَجَعَلَ مِنْ دُونِ ذَلِكَ فَتْحًا قَرِيبًا } [ الْفَتْحِ 27 ] وَهَذَا شَأْنُهُ - سُبْحَانَهُ - أَنْ يُقَدّمَ بَيْنَ يَدَيْ الْأُمُورِ الْعَظِيمَةِ مُقَدّمَاتٍ تَكُونُ كَالْمَدْخَلِ إلَيْهَا ، الْمُنَبّهَةِ عَلَيْهَا ، كَمَا قَدّمَ بَيْنَ يَدَيْ قِصّةِ الْمَسِيحِ وَخَلْقِهِ مِنْ غَيْرِ أَبٍ قِصّةِ زَكَرِيّا ، وَخَلْقِ الْوَلَدِ لَهُ مَعَ كَوْنِهِ كَبِيرًا لَا يُولَدُ لِمِثْلِهِ وَكَمَا قَدّمَ بَيْنَ يَدَيْ نَسْخِ الْقِبْلَةِ قِصّةَ الْبَيْتِ وَبِنَائِهِ وَتَعْظِيمِهِ وَالتّنْوِيهِ بِهِ وَذِكْرِ بَانِيهِ وَتَعْظِيمِهِ وَمَدْحِهِ وَوَطّأَ قَبْلَ ذَلِك كُلّهِ بِذِكْرِ النّسْخِ وَحِكْمَتِهِ الْمُقْتَضِيَةِ لَهُ وَقُدْرَتِهِ الشّامِلَةِ لَهُ وَهَكَذَا مَا قَدّمَ بَيْنَ يَدَيْ مَبْعَثِ رَسُولِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ قِصّةِ الْفِيلِ وَبِشَارَاتِ الْكُهّانِ بِهِ وَغَيْرِ ذَلِك ، وَكَذَلِك الرّؤْيَا الصّالِحَةُ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَتْ مُقَدّمَةً بَيْنَ يَدَيْ [ ص 370 ] كَانَتْ مُقَدّمَةً بَيْنَ يَدَيْ الْأَمْرِ بِالْجِهَادِ وَمَنْ تَأَمّلَ أَسْرَارَ الشّرْعِ وَالْقَدَرِ رَأَى مِنْ ذَلِك مَا تَبْهَرُ حِكْمَتُهُ الْأَلْبَابَ .
فَصْلٌ
وَفِيهَا : أَنّ أَهْلَ الْعَهْدِ إذَا حَارَبُوا مَنْ هُمْ فِي ذِمّةِ الْإِمَامِ وَجِوَارِهِ وَعَهْدِهِ صَارُوا حَرْبًا لَهُ بِذَلِكَ وَلَمْ يَبْقَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ عَهْدٌ فَلَهُ أَنْ يُبَيّتَهُمْ فِي دِيَارِهِمْ وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يُعْلِمَهُمْ عَلَى سَوَاءٍ وَإِنّمَا يَكُونُ الْإِعْلَامُ إذَا خَافَ مِنْهُمْ الْخِيَانَةَ فَإِذَا تَحَقّقَهَا ، صَارُوا نَابِذِينَ لِعَهْدِهِ .
فَصْلٌ [ انْتِقَاضُ عَهْدِ الرّدْءِ وَالْمُبَاشِرِينَ إذَا رَضُوا بِذَلِك ]
وَفِيهَا : انْتِقَاضُ عَهْدِ جَمِيعِهِمْ بِذَلِك ، رِدْئِهِمْ وَمُبَاشِرِيهِمْ إذَا رَضُوا بِذَلِكَ وَأَقَرّوا عَلَيْهِ وَلَمْ يُنْكِرُوهُ فَإِنّ الّذِينَ أَعَانُوا بَنِي بَكْرٍ مِنْ قُرَيْشٍ بَعْضُهُمْ لَمْ يُقَاتِلُوا كُلّهُمْ مَعَهُمْ وَمَعَ هَذَا فَغَزَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كُلّهُمْ وَهَذَا كَمَا أَنّهُمْ دَخَلُوا فِي عَقْدِ الصّلْحِ تَبَعًا ، وَلَمْ يَنْفَرِدْ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ بِصُلْحٍ إذْ قَدْ رَضُوا بِهِ وَأَقَرّوا عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ حُكْمُ نَقْضِهِمْ لِلْعَهْدِ هَذَا هَدْيُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الّذِي لَا شَكّ فِيهِ كَمَا تَرَى . وَطَرْدُ هَذَا جَرَيَانُ هَذَا الْحُكْمِ عَلَى نَاقِضِي الْعَهْدِ مِنْ أَهْلِ الذّمّةِ إذَا رَضِيَ جَمَاعَتُهُمْ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُبَاشِرْ كُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَا يَنْقُضُ عَهْدَهُ كَمَا أَجْلَى عُمَرُ يَهُودَ خَيْبَرٍ لَمّا عَدَا بَعْضُهُمْ عَلَى ابْنِهِ وَرَمَوْهُ مِنْ ظَهْرِ دَارٍ فَفَدَعُوا يَدَهُ بَلْ قَدْ قَتَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَمِيعَ مُقَاتِلَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ ، وَلَمْ يَسْأَلْ عَنْ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ هَلْ نَقَضَ الْعَهْدَ أَمْ لَا ؟ وَكَذَلِك أَجْلَى بَنِي النّضِيرِ كُلّهُمْ وَإِنّمَا كَانَ الّذِي هَمّ بِالْقَتْلِ رَجُلَانِ وَكَذَلِك فَعَلَ بِبَنِي قَيْنُقَاعَ حَتّى اسْتَوْهَبَهُمْ مِنْهُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ، فَهَذِهِ سِيرَتُهُ وَهَدْيُهُ الّذِي لَا شَكّ فِيهِ وَقَدْ أَجَمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنّ حُكْمَ الرّدْءِ حُكْمُ الْمُبَاشِرِ فِي الْجِهَادِ وَلَا يُشْتَرَطُ فِي قِسْمَةِ الْغَنِيمَةِ وَلَا فِي الثّوَابِ مُبَاشَرَةُ كُلّ وَاحِدٍ وَاحِدٍ الْقِتَالَ . وَهَذَا حُكْمُ قُطّاعِ الطّرِيقِ حُكْمُ رِدْئِهِمْ حُكْمُ مُبَاشِرِهِمْ لِأَنّ الْمُبَاشِرَ إنّمَا [ ص 371 ] شَكّ فِيهِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ ، وَمَالِكٍ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَغَيْرِهِمْ .
فَصْلٌ
وَفِيهَا : جَوَازُ صُلْحِ أَهْلِ الْحَرْبِ عَلَى وَضْعِ الْقِتَالِ عَشْرَ سِنِينَ وَهَلْ يَجُوزُ فَوْقَ ذَلِك ؟ الصّوَابُ أَنّهُ يَجُوزُ لِلْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ كَمَا إذَا كَانَ بِالْمُسْلِمِينَ ضَعْفٌ وَعَدُوّهُمْ أَقْوَى مِنْهُمْ وَفِي الْعَقْدِ لَمّا زَادَ عَنْ الْعَشْرِ مَصْلَحَةٌ لِلْإِسْلَامِ .
فَصْلٌ
وَفِيهَا : أَنّ الْإِمَامَ وَغَيْرَهُ إذَا سُئِلَ مَا لَا يَجُوزُ بَذْلُهُ أَوْ لَا يَجِبُ فَسَكَتَ عَنْ بِذَلِهِ لَمْ يَكُنْ سُكُوتُهُ بَذْلًا لَهُ فَإِنّ أَبَا سُفْيَانَ سَأَلَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَجْدِيدَ الْعَهْدِ فَسَكَتَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَمْ يُجِبْهُ بِشَيْءٍ وَلَمْ يَكُنْ بِهَذَا السّكُوتِ مُعَاهِدًا لَهُ .
فَصْلٌ [ رَسُولُ الْكُفّارِ لَا يُقْتَلُ ]
وَفِيهَا : أَنّ رَسُولَ الْكُفّارِ لَا يُقْتَلُ فَإِنّ أَبَا سُفْيَانَ كَانَ مِمّنْ جَرَى عَلَيْهِ حُكْمُ انْتِقَاضِ الْعَهْدِ وَلَمْ يَقْتُلْهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إذْ كَانَ رَسُولَ قَوْمِهِ إلَيْهِ .
فَصْلٌ
وَفِيهَا : جَوَازُ تَبْيِيتِ الْكُفّارِ وَمُغَافَضَتُهُمْ فِي دِيَارِهِمْ إذَا كَانَتْ قَدْ بَلَغَتْهُمْ الدّعْوَةُ وَقَدْ كَانَتْ سَرَايَا رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُبَيّتُونَ الْكُفّارَ وَيُغِيرُونَ عَلَيْهِمْ بِإِذْنِهِ بَعْدَ أَنْ بَلَغَتْهُمْ دَعْوَتُهُ .
فَصْلٌ [ جَوَازُ قَتْلِ الْجَاسُوسِ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا ]
وَفِيهَا : جَوَازُ قَتْلِ الْجَاسُوسِ وَإِنْ كَانَ مُسْلِمًا لِأَنّ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ سَأَلَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَتْلَ حَاطِبِ بْنِ أَبِي بَلْتَعَةَ لَمّا بَعَثَ يُخْبِرُ أَهْلَ مَكّةَ بِالْخَبَرِ وَلَمْ يَقُلْ [ ص 372 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يَحِلّ قَتْلُهُ إنّهُ مُسْلِمٌ بَلْ قَالَ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلّ اللّهَ قَدْ اطّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ ، فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ بَدْرٍ ، فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ فَأَجَابَ بِأَنّ فِيهِ مَانِعًا مِنْ قَتْلِهِ وَهُوَ شُهُودُهُ بَدْرًا ، وَفِي الْجَوَابِ بِهَذَا كَالتّنْبِيهِ عَلَى جَوَازِ قَتْلِ جَاسُوسٍ لَيْسَ لَهُ مِثْلُ هَذَا الْمَانِعِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ ، وَأَحَدُ الْوَجْهَيْنِ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ ، وَقَالَ الشّافِعِيّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُقْتَلُ وَهُوَ ظَاهِرُ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَالْفَرِيقَانِ يَحْتَجّونَ بِقِصّةِ حَاطِبٍ وَالصّحِيحُ أَنّ قَتْلَهُ رَاجِعٌ إلَى رَأْيِ الْإِمَامِ فَإِنْ رَأَى فِي قَتْلِهِ مَصْلَحَةً لِلْمُسْلِمِينَ قَتَلَهُ وَإِنْ كَانَ اسْتِبْقَاؤُهُ أَصْلَحَ اسْتَبَقَاهُ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ جَوَازُ تَجْرِيدِ الْمَرْأَةِ لِلْمَصْلَحَةِ الْعَامّةِ ]
وَفِيهَا : جَوَازُ تَجْرِيدِ الْمَرْأَةِ كُلّهَا وَتَكْشِيفِهَا لِلْحَاجَةِ وَالْمَصْلَحَةِ الْعَامّةِ فَإِنّ عَلِيّا وَالْمِقْدَادَ قَالَا لِلظّعِينَةِ لتُخْرِجِنّ الْكِتَابَ أَوْ لِنَكْشِفَنّك ، وَإِذَا جَازَ تَجْرِيدُهَا لِحَاجَتِهَا إلَى ذَلِكَ حَيْثُ تَدْعُو إلَيْهَا ، فَتَجْرِيدُهَا لِمَصْلَحَةِ الْإِسْلَامِ وَالْمُسْلِمِينَ أَوْلَى .
فَصْلٌ
وَفِيهَا : أَنّ الرّجُلَ إذَا نَسَبَ الْمُسْلِمَ إلَى النّفَاقِ وَالْكُفْرِ مُتَأَوّلًا وَغَضَبًا لِلّهِ وَرَسُولِهِ وَدِينِهِ لَا لِهَوَاهُ وَحَظّهِ فَإِنّهُ لَا يَكْفُرُ بِذَلِكَ بَلْ لَا يَأْثَمُ بِهِ بَلْ يُثَابُ عَلَى نِيّتِهِ وَقَصْدِهِ وَهَذَا بِخِلَافِ أَهْلِ الْأَهْوَاءِ وَالْبِدَعِ فَإِنّهُمْ يُكَفّرُونَ وَيُبَدّعُونَ لِمُخَالَفَةِ أَهْوَائِهِمْ وَنِحَلِهِمْ وَهُمْ أَوْلَى بِذَلِكَ مِمّنْ كَفّرُوهُ وَبَدّعُوهُ .
فَصْلٌ
[ الْكَبِيرَةُ الْعَظِيمَةُ مِمّا دُونَ الشّرْكِ قَدْ تُكَفّرُ بِالْحَسَنَةِ الْكَبِيرَةِ الْمَاحِيَةِ ٌ]
وَفِيهَا : أَنّ الْكَبِيرَةَ الْعَظِيمَةَ مِمّا دُونَ الشّرْكِ قَدْ تُكَفّرُ بِالْحَسَنَةِ الْكَبِيرَةِ الْمَاحِيَةِ كَمَا وَقَعَ الْجَسّ مِنْ حَاطِبٍ مُكَفّرًا بِشُهُودِهِ بَدْرًا ، فَإِنّ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْحَسَنَةُ الْعَظِيمَةُ مِنْ الْمَصْلَحَةِ وَتَضَمّنَتْهُ مِنْ مَحَبّةِ اللّهِ لَهَا وَرِضَاهُ بِهَا ، وَفَرَحِهِ بِهَا ، وَمُبَاهَاتِهِ لِلْمَلَائِكَةِ بِفَاعِلِهَا ، أَعْظَمُ مِمّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ سَيّئَةُ الْجَسّ مِنْ الْمَفْسَدَةِ وَتَضَمّنَتْهُ مِنْ بُغْضِ اللّهِ لَهَا ، فَغُلّبَ الْأَقْوَى عَلَى الْأَضْعَفِ فَأَزَالَهُ [ ص 373 ] وَأَبْطَلَ مُقْتَضَاهُ وَهَذِهِ حِكْمَةُ اللّهِ فِي الصّحّةِ وَالْمَرَضِ النّاشِئَيْنِ مِنْ الْحَسَنَاتِ وَالسّيّئَاتِ الْمُوجِبَيْنِ لِصِحّةِ الْقَلْبِ وَمَرَضِهِ وَهِيَ نَظِيرُ حِكْمَتِهِ تَعَالَى فِي الصّحّةِ وَالْمَرَضِ اللّاحِقَيْنِ لِلْبَدَنِ فَإِنّ الْأَقْوَى مِنْهُمَا يَقْهَرُ الْمَغْلُوبَ وَيَصِيرُ الْحُكْمُ لَهُ حَتّى يَذْهَبَ أَثَرُ الْأَضْعَفِ فَهَذِهِ حِكْمَتُهُ فِي خَلْقِهِ وَقَضَائِهِ وَتِلْكَ حِكْمَتُهُ فِي شِرْعِهِ وَأَمْرِهِ . وَهَذَا كَمَا أَنّهُ ثَابِتٌ فِي مَحْوِ السّيّئَاتِ بِالْحَسَنَاتِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السّيّئَاتِ } [ هُودٍ : 14 ] ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفّرْ عَنْكُمْ سَيّئَاتِكُمْ } [ النّسَاءِ 3ُ1 ] ، وَقَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَتْبِعْ السّيّئَةَ الْحَسَنَةَ تَمْحُهَا فَهُوَ ثَابِتٌ فِي عَكْسِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَا تُبْطِلُوا صَدَقَاتِكُمْ بِالْمَنّ وَالْأَذَى } [ الْبَقَرَةِ 264 ] ، وَقَوْلِهِ { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النّبِيّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ } [ الْحُجُرَاتِ 2 ] . وَقَوْلِ عَائِشَةَ ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ أَنّهُ لَمّا بَاعَ بِالْعِينَةِ إنّهُ قَدْ أَبْطَلَ جِهَادَهُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلّا أَنْ يَتُوب وَكَقَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْحَدِيثِ الّذِي رَوَاهُ الْبُخَارِيّ فِي " صَحِيحِهِ " [ ص 374 ] مَنْ تَرَكَ صَلَاةَ الْعَصْرِ حَبِطَ عَمَلُه إلَى غَيْرِ ذَلِك مِنْ النّصُوصِ وَالْآثَارِ الدّالّةِ عَلَى تَدَافُعِ الْحَسَنَاتِ وَالسّيّئَاتِ وَإِبْطَالِ بَعْضِهَا بَعْضًا ، وَذَهَابِ أَثَرِ الْقَوِيّ مِنْهَا بِمَا دُونَهُ وَعَلَى هَذَا مَبْنَى الْمُوَازَنَةِ وَالْإِحْبَاطِ . وَبِالْجُمْلَةِ فَقُوّةُ الْإِحْسَانِ وَمَرَضُ الْعِصْيَانِ مُتَصَاوِلَانِ وَمُتَحَارِبَانِ وَلِهَذَا الْمَرَضِ مَعَ هَذِهِ الْقُوّةِ حَالَةُ تَزَايُدٍ وَتَرَامٍ إلَى الْهَلَاكِ وَحَالَةُ انْحِطَاطٍ وَتَنَاقُصٍ وَهِيَ خَيْرُ حَالَاتِ الْمَرِيضِ وَحَالَةُ وُقُوفٍ وَتَقَابُلٍ إلَى أَنْ يَقْهَرَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ وَإِذَا دَخَلَ وَقْتُ الْبُحْرَانِ وَهُوَ سَاعَةُ الْمُنَاجَزَةِ فَحَظّ الْقَلْبِ أَحَدُ الْخُطّتَيْنِ إمّا السّلَامَةُ وَإِمّا الْعَطَبُ وَهَذَا الْبُحْرَانُ يَكُونُ وَقْتَ فِعْلِ الْوَاجِبَاتِ الّتِي تُوجِبُ رِضَى الرّبّ تَعَالَى وَمَغْفِرَتَهُ أَوْ تُوجِبُ سُخْطَهُ وَعُقُوبَتَهُ وَفِي الدّعَاءِ النّبَوِيّ أَسْأَلُكَ مُوجِبَاتِ رَحْمَتِك وَقَالَ عَنْ طَلْحَةَ يَوْمئِذٍ أَوْجَبَ طَلْحَةُ وَرُفِعَ إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَجُلٌ وَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ إنّهُ قَدْ أَوَجَبَ فَقَالَ أَعْتِقُوا عَنْه وَفِي الْحَدِيثِ الصّحِيحِ أَتَدْرُونَ مَا الْمُوجِبَتَانِ ؟ " قَالُوا : اللّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ . قَالَ " مَنْ مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاَللّهِ شَيْئًا دَخَلَ الْجَنّةَ ، وَمَنْ مَاتَ يُشْرِكُ بِاَللّهِ شَيْئًا دَخَلَ النّارَ [ ص 375 ] الْمُنَجّي قَطْعًا . وَكَمَا أَنّ الْبَدَنَ قَدْ تَعْرِضُ لَهُ أَسْبَابٌ رَدِيئَةٌ لَازِمَةٌ تُوهِنُ قُوّتَهُ وَتُضْعِفُهَا ، فَلَا يَنْتَفِعُ مَعَهَا بِالْأَسْبَابِ الصّالِحَةِ وَالْأَغْذِيَةِ النّافِعَةِ بَلْ تُحِيلُهَا تِلْكَ الْمَوَادّ الْفَاسِدَةُ إلَى طَبْعِهَا وَقُوّتِهَا ، فَلَا يَزْدَادُ بِهَا إلّا مَرَضًا ، وَقَدْ تَقُومُ بِهِ مَوَادّ صَالِحَةٌ وَأَسْبَابٌ مُوَافِقَةٌ تُوجِبُ قُوّتَهُ وَتُمَكّنُهُ مِنْ الصّحّةِ وَأَسْبَابِهَا ، فَلَا تَكَادُ تَضُرّهُ الْأَسْبَابُ الْفَاسِدَةُ بَلْ تُحِيلُهَا تِلْكَ الْمَوَادّ الْفَاضِلَةُ إلَى طَبْعِهَا ، فَهَكَذَا مَوَادّ صِحّةِ الْقَلْبِ وَفَسَادِهِ .
[ قُوّةُ إيمَانِ حَاطِبٍ فِي شُهُودِ بَدْرٍ مَحَتْ مَا صَنَع ]
فَتَأَمّلْ قُوّةَ إيمَانِ حَاطِبٍ الّتِي حَمَلَتْهُ عَلَى شُهُودِ بَدْر ٍ ، وَبَذْلِهِ نَفْسَهُ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَإِيثَارِهِ اللّهَ وَرَسُولَهُ عَلَى قَوْمِهِ وَعَشِيرَتِهِ وَقَرَابَتِهِ وَهُمْ بَيْنَ ظَهْرَانَيْ الْعَدُوّ وَفِي بَلَدِهِمْ وَلَمْ يَثْنِ ذَلِكَ عِنَانَ عَزْمِهِ وَلَا فَلّ مِنْ حَدّ إيمَانِهِ وَمُوَاجَهَتِهِ لِلْقِتَالِ لِمَنْ أَهْلُهُ وَعَشِيرَتُهُ وَأَقَارِبُهُ عِنْدَهُمْ فَلَمّا جَاءَ مَرَضُ الْجَسّ بَرَزَتْ إلَيْهِ هَذِهِ الْقُوّةُ وَكَانَ الْبُحْرَانُ صَالِحًا فَانْدَفَعَ الْمَرَضُ وَقَامَ الْمَرِيضُ كَأَنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ قَلَبَةٌ وَلَمّا رَأَى الطّبِيبُ قُوّةَ إيمَانِهِ قَدْ اسْتَعْلَتْ عَلَى مَرَضِ جَسّهِ وَقَهَرَتْهُ قَالَ لِمَنْ أَرَادَ فَصْدَهُ لَا يَحْتَاجُ هَذَا الْعَارِضُ إلَى فِصَادٍ وَمَا يُدْريِكَ لَعَلّ اللّهَ اطّلَعَ عَلَى أَهْلِ بَدْرٍ ، فَقَالَ اعْمَلُوا مَا شِئْتُمْ ، فَقَدْ غَفَرْتُ لَكُمْ وَعَكَسَ هَذَا ذُو الْخُوَيْصِرَةِ التّمِيمِيّ وَأَضْرَابُهُ مِنْ الْخَوَارِجِ الّذِينَ بَلَغَ اجْتِهَادُهُمْ فِي الصّلَاةِ وَالصّيَامِ وَالْقِرَاءَةِ إلَى حَدّ يَحْقِرُ أَحَدُ الصّحَابَةِ عَمَلَهُ مَعَهُ كَيْفَ قَالَ فِيهِمْ " لَئِنْ أَدْرَكْتُهُمْ لَأَقْتُلَنهُمْ قَتْلَ عَادٍ وَقَالَ اُقْتُلُوهُمْ فَإِنّ فِي قَتْلِهِمْ أَجْرًا عِنْدَ اللّهِ لِمَنْ قَتَلَهُمْ . وَقَالَ شَرّ قَتْلَى تَحْتَ أَدِيمِ السّمَاءِ فَلَمْ يَنْتَفِعُوا بِتِلْكَ الْأَعْمَالِ الْعَظِيمَةِ مَعَ تِلْكَ الْمَوَادّ الْفَاسِدَةِ الْمُهْلِكَةِ وَاسْتَحَالَتْ فَاسِدَةً . [ ص 376 ] حَالِ إبْلِيسَ لَمّا كَانَتْ الْمَادّةُ الْمُهْلِكَةُ كَامِنَةً فِي نَفْسِهِ لَمْ يَنْتَفِعْ مَعَهَا بِمَا سَلَفَ مِنْ طَاعَاتِهِ وَرَجَعَ إلَى شَاكِلَتِهِ وَمَا هُوَ أَوْلَى بِهِ وَكَذَلِكَ الّذِي آتَاهُ اللّهُ آيَاتِهِ فَانْسَلَخَ مِنْهَا ، فَأَتْبَعَهُ الشّيْطَانُ فَكَانَ مِنْ الْغَاوِينَ وَأَضْرَابُهُ وَأَشْكَالُهُ فَالْمُعَوّلُ عَلَى السّرَائِرِ وَالْمَقَاصِدِ وَالنّيّاتِ وَالْهِمَمِ فَهِيَ الْإِكْسِيرُ الّذِي يَقْلِبُ نُحَاسَ الْأَعْمَالِ ذَهَبًا ، أَوْ يَرُدّهَا خَبَثًا ، وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . وَمَنْ لَهُ لُبّ وَعَقْلٌ يَعْلَمُ قَدْرَ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَشِدّةَ حَاجَتِهِ إلَيْهَا ، وَانْتِفَاعَهُ بِهَا ، وَيَطّلِعُ مِنْهَا عَلَى بَابٍ عَظِيمٍ مِنْ أَبْوَابِ مَعْرِفَةِ اللّهِ سُبْحَانَهُ وَحِكْمَتِهِ فِي خَلْقِهِ وَأَمْرِهِ وَثَوَابِهِ وَعِقَابِهِ وَأَحْكَامِ الْمُوَازَنَةِ وَإِيصَالِ اللّذّةِ وَالْأَلَمِ إلَى الرّوحِ وَالْبَدَنِ فِي الْمَعَاشِ وَالْمَعَادِ وَتَفَاوُتُ الْمَرَاتِبِ فِي ذَلِكَ بِأَسْبَابٍ مُقْتَضِيَةٍ بَالِغَةٍ مِمّنْ هُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبَتْ .
فَصْلٌ [ جَوَازُ مُبَاغَتَةِ الْمُعَاهِدِينَ إذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ ]
وَفِي هَذِهِ الْقِصّةِ جَوَازُ مُبَاغَتَةِ الْمُعَاهِدِينَ إذَا نَقَضُوا الْعَهْدَ وَالْإِغَارَةُ عَلَيْهِمْأَلّا يُعْلِمَهُمْ بِمَسِيرِهِ إلَيْهِمْ وَأَمّا مَا دَامُوا قَائِمِينَ بِالْوَفَاءِ بِالْعَهْدِ فَلَا يَجُوزُ ذَلِك حَتّى يَنْبِذَ إلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ .
فَصْلٌ [ اسْتِحْبَابُ كَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ لِرُسُلِ الْعَدُوّ إذَا جَاءُوا إلَى الْإِمَامِ ]
وَفِيهَا : جَوَازُ بَلْ اسْتِحْبَابُ كَثْرَةِ الْمُسْلِمِينَ وَقُوّتُهُمْ وَشَوْكَتُهُمْ وَهَيْئَتُهُمْ لِرُسُلِ الْعَدُوّ إذَا جَاءُوا إلَى الْإِمَامِ كَمَا يَفْعَلُ مُلُوكُ الْإِسْلَامِ كَمَا أَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِإِيقَادِ النّيرَانِ لَيْلَةَ الدّخُولِ إلَى مَكّةَ ، وَأَمَرَ الْعَبّاس ُ أَنْ يَحْبِسَ أَبَا سُفْيَانَ عِنْدَ خَطْمِ الْجَبَلِ وَهُوَ مَا تَضَايَقَ مِنْهُ حَتّى عُرِضَتْ عَلَيْهِ عَسَاكِرُ الْإِسْلَامِ وَعِصَابَةُ التّوْحِيدِ وَجُنْدُ اللّهِ وَعُرِضَتْ عَلَيْهِ خَاصِكِيّةُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُمْ فِي السّلَاحِ مِنْهُمْ إلّا الْحَدَقُ ثُمّ أَرْسَلَهُ فَأَخْبَرَ قُرَيْشًا بِمَا رَأَى .
فَصْلٌ [ جَوَازُ دُخُولِ مَكّةَ لِلْقِتَالِ الْمُبَاحِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ ]
[ هَلْ يَجُوزُ دُخُولُ مَكّةَ بِغَيْرِ إحْرَامٍ لِمَنْ لَمْ يُرِدْ الْحَجّ وَالْعُمْرَةَ ]
[ ص 377 ] مَكّةَ لِلْقِتَالِ الْمُبَاحِ بِغَيْرِ إحْرَامٍ كَمَا دَخَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْمُسْلِمُونَ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ وَلَا خِلَافَ أَنّهُ لَا يَدْخُلُهَا مَنْ أَرَادَ الْحَجّ أَوْ الْعُمْرَةَ إلّا بِإِحْرَامٍ وَاخْتُلِفَ فِيمَا سِوَى ذَلِكَ إذَا لَمْ يَكُنْ الدّخُولُ لِحَاجَةٍ مُتَكَرّرَةٍ كَالْحَشّاشِ وَالْحَطّابِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا : لَا يَجُوزُ دُخُولُهَا إلّا بِإِحْرَامٍ وَهَذَا مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ وَأَحْمَدَ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِ وَالشّافِعِيّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ . وَالثّانِي : أَنّهُ كَالْحَشّاشِ وَالْحَطّابِ فَيَدْخُلُهَا بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَهَذَا الْقَوْلُ الْآخَرُ لِلشّافِعِيّ وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ . وَالثّالِثُ أَنّهُ إنْ كَانَ دَاخِلَ الْمَوَاقِيتِ جَازَ دُخُولُهُ بِغَيْرِ إحْرَامٍ وَإِنْ كَانَ خَارِجَ الْمَوَاقِيتِ لَمْ يَدْخُلْ إلّا بِإِحْرَامٍ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَهَدْيُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعْلُومٌ فِي الْمُجَاهِدِ وَمُرِيدِ النّسُكِ وَأَمّا مَنْ عَدَاهُمَا فَلَا وَاجِبَ إلّا مَا أَوْجَبَهُ اللّهُ وَرَسُولُهُ أَوْ أَجْمَعَتْ عَلَيْهِ الْأُمّةُ .
فَصْلٌ [ فُتِحَتْ مَكّةُ عَنْوَةً وَالْخِلَافُ فِي قَسْمِ الْغَنَائِمِ ]
وَفِيهَا الْبَيَانُ الصّرِيحُ بِأَنّ مَكّةَ فُتِحَتْ عَنْوَةً كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ جُمْهُورُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا يُعْرَفُ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ إلّا عَنْ الشّافِعِيّ وَأَحْمَدَ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَسِيَاقُ الْقِصّةِ أَوْضَحُ شَاهِدٍ لِمَنْ تَأَمّلَهُ لِقَوْلِ الْجُمْهُورِ وَلَمّا اسْتَهْجَنَ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيّ الْقَوْلَ بِأَنّهَا فُتِحَتْ صُلْحًا ، حَكَى قَوْلَ الشّافِعِيّ أَنّهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً فِي " وَسِيطِهِ " ، وَقَالَ هَذَا مَذْهَبُهُ . قَالَ أَصْحَابُ الصّلْحِ لَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً لَقَسَمَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّه عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَيْنَ الْغَانِمِينَ كَمَا قَسَمَ خَيْبَرَ ، وَكَمَا قَسَمَ سَائِرَ الْغَنَائِمِ مِنْ الْمَنْقُولَاتِ فَكَانَ يُخَمّسُهَا وَيَقْسِمُهَا ، قَالُوا : وَلَمّا اسْتَأْمَنَ أَبُو سُفْيَانَ لِأَهْلِ مَكّةَ لَمّا أَسْلَمَ ، فَأَمّنَهُمْ كَانَ هَذَا عَقْدَ صُلْحٍ مَعَهُمْ قَالُوا : وَلَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً لَمَلَكَ الْغَانِمُونَ رِبَاعَهَا وَدُورَهَا ، وَكَانُوا أَحَقّ بِهَا [ ص 378 ] وَجَازَ إخْرَاجُهُمْ مِنْهَا ، فَحَيْثُ لَمْ يَحْكُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيهَا بِهَذَا الْحُكْمِ بَلْ لَمْ يَرُدّ عَلَى الْمُهَاجِرِينَ دُورَهُمْ الّتِي أُخْرِجُوا مِنْهَا ، وَهِيَ بِأَيْدِي الّذِينَ أَخْرَجُوهُمْ وَأَقَرّهُمْ عَلَى بَيْعِ الدّورِ وَشِرَائِهَا وَإِجَارَتِهَا وَسُكْنَاهَا ، وَالِانْتِفَاعِ بِهَا ، وَهَذَا مُنَافٍ لِأَحْكَامِ فُتُوحِ الْعَنْوَةِ وَقَدْ صَرّحَ بِإِضَافَةِ الدّورِ إلَى أَهْلِهَا ، فَقَالَ مَنْ دَخَلَ دَارَ أَبِي سُفْيَانَ فَهُوَ آمِنٌ ، وَمَنْ دَخَلَ دَارَهُ فَهُوَ آمِنٌ قَالَ أَرْبَابُ الْعَنْوَةِ لَوْ كَانَ قَدْ صَالَحَهُمْ لَمْ يَكُنْ لِأَمَانِهِ الْمُقَيّدِ بِدُخُولِ كُلّ وَاحِدٍ دَارَهُ وَإِغْلَاقِهِ بَابَهُ وَإِلْقَائِهِ سِلَاحَهُ فَائِدَةٌ وَلَمْ يُقَاتِلْهُمْ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ حَتّى قَتَلَ مِنْهُمْ جَمَاعَةً وَلَمْ يُنْكَرْ عَلَيْهِ وَلَمَا قَتَلَ مَقِيسَ بْنَ صُبَابَةَ وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ خَطَلٍ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُمَا ، فَإِنّ عَقْدَ الصّلْحِ لَوْ كَانَ قَدْ وَقَعَ لَاسْتُثْنِيَ فِيهِ هَؤُلَاءِ قَطْعًا ، وَلَنُقِلَ هَذَا وَهَذَا ، وَلَوْ فُتِحَتْ صُلْحًا ، لَمْ يُقَاتِلْهُمْ وَقَدْ قَالَ فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقُولُوا : إنّ اللّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ وَمَعْلُومٌ أَنّ هَذَا الْإِذْنَ الْمُخْتَصّ بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّمَا هُوَ الْإِذْنُ فِي الْقِتَالِ لَا فِي الصّلْحِ فَإِنّ الْإِذْنَ فِي الصّلْحِ عَامّ . وَأَيْضًا فَلَوْ كَانَ فَتْحُهَا صُلْحًا ، لَمْ يَقُلْ إنّ اللّهَ قَدْ أَحَلّهَا لَهُ سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ فَإِنّهَا إذَا فُتِحَتْ صُلْحًا كَانَتْ بَاقِيَةً عَلَى حُرْمَتِهَا ، وَلَمْ تَخْرُجْ بِالصّلْحِ عَنْ الْحُرْمَةِ وَقَدْ أَخْبَرَ بِأَنّهَا فِي تِلْكَ السّاعَةِ لَمْ تَكُنْ حَرَامًا ، وَأَنّهَا بَعْدَ انْقِضَاءِ سَاعَةِ الْحَرْبِ عَادَتْ إلَى حُرْمَتِهَا الْأُولَى . وَأَيْضًا فَإِنّهَا لَوْ فُتِحَتْ صُلْحًا لَمْ يُعَبّئْ جَيْشَهُ خَيّالَتَهُمْ وَرَجّالَتَهُمْ مَيْمَنَةً وَمَيْسَرَةً وَمَعَهُمْ السّلَاحُ وَقَالَ لِأَبِي هُرَيْرَةَ : اهْتِفْ لِي بِالْأَنْصَارِ " ، فَهَتَفَ بِهِمْ فَجَاءُوا ، فَأَطَافُوا بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ " أَتَرْونَ إلَى أَوْبَاشِ قُرَيْشٍ وَأَتْبَاعِهِمْ " ، ثُمّ قَالَ بِيَدَيْهِ إحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى : " اُحْصُدُوهُمْ حَصْدًا حَتّى تُوَافُونِي عَلَى الصّفَا " ، حَتّى قَالَ أَبُو سُفْيَانَ يَا رَسُولَ اللّهِ أُبِيحَتْ خَضْرَاءُ قُرَيْشٍ ، لَا قُرَيْشَ بَعْدَ الْيَوْمِ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " مَنْ أَغْلَقَ بَابَهُ فَهُوَ آمِنٌ وَهَذَا مُحَالٌ أَنْ يَكُونَ مَعَ الصّلْحِ فَإِنْ كَانَ قَدْ تَقَدّمَ صُلْحٌ - وَكَلّا - فَإِنّهُ يَنْتَقِضُ بِدُونِ هَذَا . [ ص 379 ] فَكَيْفَ يَكُونُ صُلْحًا ، وَإِنّمَا فُتِحَتْ بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالرّكَابِ وَلَمْ يَحْبِسْ اللّهُ خَيْلَ رَسُولِهِ وَرِكَابَهُ عَنْهَا ، كَمَا حَبَسَهَا يَوْمَ صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ ، فَإِنّ ذَلِكَ الْيَوْمَ كَانَ يَوْمَ الصّلْحِ حَقًا ، فَإِنّ الْقَصْوَاءَ لَمّا بَرَكَتْ بِهِ قَالُوا : خَلَأَتْ الْقَصْوَاءُ قَالَ مَا خَلَأَتْ وَمَا ذَاكَ لَهَا بِخُلُقٍ وَلَكِنْ حَبَسَهَا حَابِسُ الْفِيلِ ثُمّ قَالَ وَاَللّهِ لَا يَسْأَلُونِي خُطّةً يُعَظّمُونَ فِيهَا حُرْمَةً مِنْ حُرُمَاتِ اللّهِ إلّا أَعْطَيْتُهُمُوهَا وَكَذَلِكَ جَرَى عَقْدُ الصّلْحِ بِالْكِتَابِ وَالشّهُودِ وَمَحْضَرِ مَلَإٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُسْلِمُونَ يَوْمَئِذٍ أَلْفٌ وَأَرْبَعُمِائَةٍ فَجَرَى مِثْلُ هَذَا الصّلْحِ فِي يَوْمِ الْفَتْحِ وَلَا يُكْتَبُ وَلَا يُشْهَدُ عَلَيْهِ وَلَا يَحْضُرُهُ أَحَدٌ ، وَلَا يُنْقَلُ كَيْفِيّتُهُ وَالشّرُوطُ فِيهِ هَذَا مِنْ الْمُمْتَنِعِ الْبَيّنِ امْتِنَاعُهُ وَتَأَمّلْ قَوْلَهُ إنّ اللّهَ حَبَسَ عَنْ مَكّةَ الْفِيلَ ، وَسَلّطَ عَلَيْهَا رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ كَيْفَ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنّ قَهْرَ رَسُولِهِ وَجَنَدِهِ الْغَالِبِينَ لِأَهْلِهَا أَعْظَمُ مِنْ قَهْرِ الْفِيلِ الّذِي كَانَ يَدْخُلُهَا عَلَيْهِمْ عَنْوَةً فَحَبَسَهُ عَنْهُمْ وَسَلّطَ رَسُولَهُ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَيْهِمْ حَتّى فَتَحُوهَا عَنْوَةً بَعْدَ الْقَهْرِ وَسُلْطَانِ الْعَنْوَةِ وَإِذْلَالِ الْكُفْرِ وَأَهْلِهِ وَكَانَ ذَلِكَ أَجَلّ قَدْرًا ، وَأَعْظَمَ خَطَرًا ، وَأَظْهَرَ آيَةً وَأَتَمّ نُصْرَةً وَأَعْلَى كَلِمَةً مِنْ أَنْ يُدْخِلَهُمْ تَحْتَ رِقّ الصّلْحِ وَاقْتِرَاحِ الْعَدُوّ وَشُرُوطِهِمْ وَيَمْنَعُهُمْ سُلْطَانَ الْعَنْوَةِ وَعِزّهَا وَظَفَرَهَا فِي أَعْظَمِ فَتْحٍ فَتَحَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَأَعَزّ بِهِ دِينَهُ وَجَعَلَهُ آيَةً لِلْعَالَمِينَ . قَالُوا : وَأَمّا قَوْلُكُمْ إنّهَا لَوْ فُتِحَتْ عَنْوَةً لَقُسِمَتْ بَيْنَ الْغَانِمِينَ فَهَذَا مَبْنِيّ عَلَى أَنّ الْأَرْضَ دَاخِلَةٌ فِي الْغَنَائِمِ الّتِي قَسَمَهَا اللّهُ سُبْحَانَهُ بَيْنَ الْغَانِمِينَ بَعْدَ تَخْمِيسِهَا ، وَجُمْهُورُ الصّحَابَةِ وَالْأَئِمّةِ بَعْدَهُمْ عَلَى خِلَافِ ذَلِكَ وَأَنّ الْأَرْضَ لَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي الْغَنَائِمِ الّتِي تَجِبُ قِسْمَتُهَا ، وَهَذِهِ كَانَتْ سِيرَةَ الْخُلَفَاءِ الرّاشِدِينَ فَإِنّ بِلَالًا وَأَصْحَابَهُ لَمّا طَلَبُوا مِنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنْ يَقْسِمَ بَيْنَهُمْ الْأَرْضَ الّتِي افْتَتَحُوهَا عَنْوَةً وَهِيَ الشّامُ وَمَا حَوْلَهَا ، وَقَالُوا لَهُ خُذْ خُمُسَهَا وَاقْسِمْهَا ، فَقَالَ عُمَرُ هَذَا غَيْرُ الْمَالِ وَلَكِنْ أَحْبِسُهُ فَيْئًا يَجْرِي عَلَيْكُمْ وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ بِلَالٌ وَأَصْحَابُهُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ اقْسِمْهَا بَيْنَنَا ، فَقَالَ عُمَرُ [ ص 380 ] اللّهُمّ اكْفِنِي بِلَالًا وَذَوِيهِ فَمَا حَالَ الْحَوْلُ وَمِنْهُمْ عَيْنٌ تَطْرِفُ ثُمّ وَافَقَ سَائِرُ الصّحَابَةِ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ - عُمَرَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - عَلَى ذَلِكَ وَكَذَلِك جَرَى فِي فُتُوحِ مِصْرَ وَالْعِرَاقِ ، وَأَرْضِ فَارِسَ ، وَسَائِرِ الْبِلَادِ الّتِي فُتِحَتْ عَنْوَةً لَمْ يَقْسِمْ مِنْهَا الْخُلَفَاءُ الرّاشِدُونَ قَرْيَةً وَاحِدَةً . وَلَا يَصِحّ أَنْ يُقَالَ إنّهُ اسْتَطَابَ نُفُوسَهُمْ وَوَقَفَهَا بِرِضَاهُمْ فَإِنّهُمْ قَدْ نَازَعُوهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ يَأْبَى عَلَيْهِمْ وَدَعَا عَلَى بِلَالٍ وَأَصْحَابِهِ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ - وَكَانَ الّذِي رَآهُ وَفَعَلَهُ عَيْنَ الصّوَابِ وَمَحْضَ التّوْفِيقِ إذْ لَوْ قُسِمَتْ لَتَوَارَثَهَا وَرَثَةُ أُولَئِكَ وَأَقَارِبُهُمْ فَكَانَتْ الْقَرْيَةُ وَالْبَلَدُ تَصِيرُ إلَى امْرَأَةٍ وَاحِدَةٍ أَوْ صَبِيّ صَغِيرٍ وَالْمُقَاتِلَةُ لَا شَيْءَ بِأَيْدِيهِمْ فَكَانَ فِي ذَلِكَ أَعْظَمُ الْفَسَادِ وَأَكْبَرُهُ وَهَذَا هُوَ الّذِي خَافَ عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ مِنْهُ فَوَفّقَهُ اللّهُ سُبْحَانَهُ لِتَرْكِ قِسْمَةِ الْأَرْضِ وَجَعَلَهَا وَقْفًا عَلَى الْمُقَاتِلَةِ تَجْرِي عَلَيْهِمْ فَيْئًا حَتّى يَغْزُوَ مِنْهَا آخِرُ الْمُسْلِمِينَ وَظَهَرَتْ بَرَكَةُ رَأْيِهِ وَيُمْنُهُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ وَوَافَقَهُ جُمْهُورُ الْأَئِمّةِ . وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيّةِ إبْقَائِهَا بِلَا قِسْمَةٍ فَظَاهِرُ مَذْهَبِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ وَأَكْثَرُ نُصُوصِهِ عَلَى أَنّ الْإِمَامَ مُخَيّرٌ فِيهَا تَخْيِيرَ مَصْلَحَةٍ لَا تَخْيِيرَ شَهْوَةٍ فَإِنْ كَانَ الْأَصْلَحُ لِلْمُسْلِمِينَ قِسْمَتَهَا ، قَسَمَهَا ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلَحُ أَنْ يَقِفَهَا عَلَى جَمَاعَتِهِمْ وَقَفَهَا ، وَإِنْ كَانَ الْأَصْلَحُ قِسْمَةَ الْبَعْضِ وَوَقْفَ الْبَعْضِ فَعَلَهُ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَعَلَ الْأَقْسَامَ الثّلَاثَةَ فَإِنّهُ قَسَمَ أَرْضَ قُرَيْظَةَ وَالنّضِيرِ وَتَرَكَ قِسْمَةَ مَكّةَ ، وَقَسَمَ بَعْضَ خَيْبَرَ ، وَتَرَكَ بَعْضَهَا لِمَا يَنُوبُهُ مِنْ مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ . وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ ثَانِيَةٌ أَنّهَا تَصِيرُ وَقْفًا بِنَفْسِ الظّهُورِ وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُنْشِئَ الْإِمَامُ وَقْفَهَا ، وَهِيَ مَذْهَبُ مَالِكٍ . وَعَنْهُ رِوَايَةٌ ثَالِثَةٌ أَنّهُ يَقْسِمُهَا بَيْنَ الْغَانِمِينَ كَمَا يَقْسِمُ بَيْنَهُمْ الْمَنْقُولَ إلّا أَنْ يَتْرُكُوا حُقُوقَهُمْ مِنْهَا ، وَهِيَ مَذْهَبُ الشّافِعِيّ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْإِمَامُ مُخَيّرٌ بَيْنَ الْقِسْمَةِ وَبَيْنَ أَنْ يُقِرّ أَرْبَابَهَا فِيهَا بِالْخَرَاجِ وَبَيْنَ أَنْ يُجْلِيَهُمْ عَنْهَا وَيُنْفِذَ إلَيْهَا قَوْمًا آخَرِينَ يَضْرِبُ عَلَيْهِمْ الْخَرَاجَ . [ ص 381 ] رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - بِمُخَالِفٍ لِلْقُرْآنِ فَإِنّ الْأَرْضَ لَيْسَتْ دَاخِلَةً فِي الْغَنَائِمِ الّتِي أَمَرَ اللّهُ بِتَخْمِيسِهَا وَقِسْمَتِهَا ، وَلِهَذَا قَالَ عُمَرُ إنّهَا غَيْرُ الْمَالِ وَيَدُلّ عَلَيْهِ أَنّ إبَاحَةَ الْغَنَائِمِ لَمْ تَكُنْ لِغَيْرِ هَذِهِ الْأُمّةِ بَلْ هُوَ مِنْ خَصَائِصِهَا ، كَمَا قَالَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمُتّفَقِ عَلَى صِحّتِهِ وَأُحِلّتْ لِي الْغَنَائِمُ ، وَلَمْ تَحِلّ لِأَحَدٍ قَبْلِي وَقَدْ أَحَلّ اللّهُ سُبْحَانَهُ الْأَرْضَ الّتِي كَانَتْ بِأَيْدِي الْكُفّارِ لِمَنْ قَبْلَنَا مِنْ أَتْبَاعِ الرّسُلِ إذَا اسْتَوْلَوْا عَلَيْهَا عَنْوَةً كَمَا أَحَلّهَا لِقَوْمِ مُوسَى ، فَلِهَذَا قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ { يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدّسَةَ الّتِي كَتَبَ اللّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ } [ الْمَائِدَةَ 21 ] فَمُوسَى وَقَوْمُهُ قَاتَلُوا الْكُفّارَ وَاسْتَوْلَوْا عَلَى دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ فَجَمَعُوا الْغَنَائِمَ ثُمّ نَزَلَتْ النّارُ مِنْ السّمَاءِ فَأَكَلَتْهَا ، وَسَكَنُوا الْأَرْضَ وَالدّيَارَ وَلَمْ تُحَرّمْ عَلَيْهِمْ فَعُلِمَ أَنّهَا لَيْسَتْ مِنْ الْغَنَائِمِ وَأَنّهَا لِلّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ .
فَصْلٌ [ يُمْنَعُ قِسْمَةُ مَكّةَ لِأَنّهَا دَارُ نُسُكٍ ]
وَأَمّا مَكّةُ ، فَإِنّ فِيهَا شَيْئًا آخَرَ يَمْنَعُ مِنْ قِسْمَتِهَا وَلَوْ وَجَبَتْ قِسْمَةُ مَا عَدَاهَا مِنْ الْقُرَى ، وَهِيَ أَنّهَا لَا تُمْلَكُ فَإِنّهَا دَارُ النّسُكِ وَمُتَعَبّدُ الْخَلْقِ وَحَرَمُ الرّبّ تَعَالَى الّذِي جَعَلَهُ لِلنّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ فَهِيَ وَقْفٌ مِنْ اللّهِ عَلَى الْعَالَمِينَ وَهُمْ فِيهَا سَوَاءٌ وَمِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ قَالَ تَعَالَى : { إِنّ الّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدّونَ عَنْ سَبِيلِ اللّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِي وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } [ الْحَجّ 25 ] ، وَالْمَسْجِدُ الْحَرَامُ هُنَا ، الْمُرَادُ بِهِ الْحَرَمُ كُلّهُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إِنّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا } [ التّوْبَةَ 28 ] ، فَهَذَا الْمُرَادُ بِهِ الْحَرَمُ كُلّهُ وَقَوْلُهُ سُبْحَانَهُ { سُبْحَانَ الّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى } [ الْإِسْرَاءَ : 1 ] ، وَفِي الصّحِيحِ إنّهُ أُسْرِيَ بِهِ مِنْ بَيْتِ أُمّ هَانِئٍ وَقَالَ [ ص 382 ] { ذَلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حَاضِرِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ } [ الْبَقَرَةَ 196 ] ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ بِهِ حُضُورَ نَفْسِ مَوْضِعِ الصّلَاةِ اتّفَاقًا ، وَإِنّمَا هُوَ حُضُورُ الْحَرَمِ وَالْقُرْبُ مِنْهُ وَسِيَاقُ آيَةِ الْحَجّ تَدُلّ عَلَى ذَلِكَ فَإِنّهُ قَالَ { وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ } وَهَذَا لَا يَخْتَصّ بِمَقَامِ الصّلَاةِ قَطْعًا ، بَلْ الْمُرَادُ بِهِ الْحَرَمُ كُلّهُ فَاَلّذِي جَعَلَهُ لِلنّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ هُوَ الّذِي تَوَعّدَ مَنْ صَدّ عَنْهُ وَمَنْ أَرَادَ الْإِلْحَادَ بِالظّلْمِ فِيهِ فَالْحَرَمُ وَمَشَاعِرُهُ كَالصّفَا وَالْمَرْوَةِ ، وَالْمَسْعَى وَمِنًى ، وَعَرَفَةَ ، وَمُزْدَلِفَةَ ، لَا يَخْتَصّ بِهَا أَحَدٌ دُونَ أَحَدٍ ، بَلْ هِيَ مُشْتَرَكَةٌ بَيْنَ النّاسِ إذْ هِيَ مَحَلّ نُسُكِهِمْ وَمُتَعَبّدِهِمْ فَهِيَ مَسْجِدٌ مِنْ اللّهِ وَقَفَهُ وَوَضَعَهُ لِخَلْقِهِ وَلِهَذَا امْتَنَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُبْنَى لَهُ بَيْتٌ بِمِنًى يُظِلّهُ مِنْ الْحَرّ وَقَالَ مِنًى مُنَاخُ مَنْ سَبَقَ
[ جُمْهُورُ الْأَئِمّةِ عَلَى عَدَمِ جَوَازِ بَيْعِ أَرَاضِي مَكّةَ وَلَا إجَارَةِ بُيُوتِهَا ]
وَلِهَذَا ذَهَبَ جُمْهُورُ الْأَئِمّةِ مِنْ السّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَى أَنّهُ لَا يَجُوزُ بَيْعُ أَرَاضِي مَكّةَ ، وَلَا إجَارَةُ بُيُوتِهَا ، هَذَا مَذْهَبُ مُجَاهِدٍ وَعَطَاء ٍ فِي أَهْلِ مَكّةَ ، وَمَالِكٍ فِي أَهْلِ الْمَدِينَةِ ، وَأَبِي حَنِيفَةَ فِي أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَسُفْيَانَ الثّوْرِيّ ، وَالْإِمَامِ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ ، وَإِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ . وَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ رَحِمَهُ اللّهُ عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ نَضْلَةَ ، قَالَ كَانَتْ رِبَاعُ مَكّةَ تُدْعَى السّوَائِبَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مَنْ احْتَاجَ سَكَنَ وَمَنْ اسْتَغْنَى أَسْكَنَ . وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ : مَنْ أَكَلَ أُجُورَ بُيُوتِ مَكّةَ ، فَإِنّمَا يَأْكُلُ فِي بَطْنِهِ نَارَ جَهَنّمَ رَوَاهُ الدّارَقُطْنِيّ مَرْفُوعًا إلَى النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَفِيهِ إنّ اللّهَ حَرّمَ مَكّةَ ، فَحَرَامٌ بَيْعُ رِبَاعِهَا وَأَكْلُ ثَمَنِهَا . [ ص 383 ] وَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ حَدّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ لَيْثٍ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُوسٍ وَمُجَاهِدٍ ، أَنّهُمْ قَالُوا : يُكْرَهُ أَنْ تُبَاعَ رِبَاعُ مَكّةَ أَوْ تُكْرَى بُيُوتُهَا . وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ الْقَاسِمِ بْنِ عَبْدِ الرّحْمَنِ ، قَالَ مَنْ أَكَلَ مِنْ كِرَاءِ بُيُوتِ مَكّةَ ، فَإِنّمَا يَأْكُلُ فِي بَطْنِهِ نَارًا . وَقَالَ أَحْمَدُ حَدّثَنَا هُشَيْمٌ ، حَدّثَنَا حَجّاجٌ عَنْ مُجَاهِدٍ ، عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ ، قَالَ نُهِيَ عَنْ إجَارَةِ بُيُوتِ مَكّةَ وَعَنْ بَيْعِ رِبَاعِهَا . وَذَكَرَ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ نُهِيَ عَنْ إجَارَةِ بُيُوتِ مَكّةَ . وَقَالَ أَحْمَدَ حَدّثَنَا إسْحَاقُ بْنُ يُوسُفَ قَالَ حَدّثَنَا عَبْدُ الْمَلِكِ قَالَ كَتَبَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ إلَى أَمِيرِ أَهْلِ مَكّةَ يَنْهَاهُمْ عَنْ إجَارَةِ بُيُوتِ مَكّةَ ، وَقَالَ إنّهُ حَرَامٌ . وَحَكَى أَحْمَدُ عَن ْ عُمَر َ أَنّهُ نَهَى أَنْ يَتّخِذَ أَهْلُ مَكّةَ لِلدّورِ أَبْوَابًا ، لِيَنْزِل الْبَادِي حَيْثُ شَاءَ وَحَكَى عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ ، عَنْ أَبِيهِ أَنّهُ نَهَى أَنْ تُغْلَقَ أَبْوَابُ دُورِ مَكّةَ ، فَنَهَى مَنْ لَا بَابَ لِدَارِهِ أَنْ يَتّخِذَ لَهَا بَابًا ، وَمَنْ لِدَارِهِ بَابٌ أَنْ يُغْلِقَهُ وَهَذَا فِي أَيّامِ الْمَوْسِمِ . قَالَ الْمُجَوّزُونَ لِلْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ الدّلِيلُ عَلَى جَوَازِ ذَلِكَ كِتَابُ اللّهِ وَسُنّةُ رَسُولِهِ وَعَمَلُ أَصْحَابِهِ وَخُلَفَائِهِ الرّاشِدِينَ . قَالَ اللّهُ تَعَالَى : { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ } [ الْحَشْرَ 8 ] ، وَقَالَ { فَالّذِينَ هَاجَرُوا وَأُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ } [ آلَ عِمْرَانَ 195 ] ، وَقَالَ { إِنّمَا يَنْهَاكُمُ اللّهُ عَنِ الّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ } [ الْمُمْتَحِنَةَ 9 ] فَأَضَافَ الدّورَ إلَيْهِمْ وَهَذِهِ إضَافَةُ تَمْلِيكٍ وَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَدْ قِيلَ لَهُ أَيْنَ تَنْزِلُ غَدًا بِدَارِك بِمَكّةَ ؟ فَقَالَ وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ رِبَاعٍ وَلَمْ يَقُلْ إنّهُ لَا دَارَ لِي ، بَلْ أَقَرّهُمْ عَلَى الْإِضَافَةِ وَأَخْبَرَ أَنّ عَقِيلًا اسْتَوْلَى عَلَيْهَا وَلَمْ يَنْزِعْهَا مِنْ يَدِهِ وَإِضَافَةُ دُورِهِمْ إلَيْهِمْ فِي الْأَحَادِيثِ أَكْثَرُ مِنْ أَنْ تُذْكَرَ كَدَارِ أُمّ هَانِئٍ ، وَدَارِ خَدِيجَةَ ، وَدَارِ أَبِي أَحْمَدَ بْنِ جَحْش ٍ
[ ص 384 ] وَكَانُوا يَتَوَارَثُونَهَا كَمَا يَتَوَارَثُونَ الْمَنْقُولَ وَلِهَذَا قَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهَلْ تَرَكَ لَنَا عَقِيلٌ مِنْ مَنْزِل وَكَانَ عَقِيلٌ هُوَ وَرِثَ دُورَ أَبِي طَالِبٍ فَإِنّهُ كَانَ كَافِرًا ، وَلَمْ يَرِثْهُ عَلِيّ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ لِاخْتِلَافِ الدّينِ بَيْنَهُمَا ، فَاسْتَوْلَى عَقِيلٌ عَلَى الدّورِ . وَلَمْ يَزَالُوا قَبْلَ الْهِجْرَةِ وَبَعْدَهَا ، بَلْ قَبْل الْمَبْعَثِ وَبَعْدَهُ مَنْ مَاتَ وَرِثَتْهُ دَارُهُ إلَى الْآنَ وَقَدْ بَاعَ صَفْوَانُ بْنُ أُمَيّةَ دَارًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - بِأَرْبَعَةِ آلَافِ دِرْهَمٍ فَاِتّخَذَهَا سِجْنًا ، وَإِذَا جَازَ الْبَيْعُ وَالْمِيرَاثُ فَالْإِجَارَةُ أَجْوَزُ وَأَجْوَزُ فَهَذَا مَوْقِفُ أَقْدَامِ الْفَرِيقَيْنِ كَمَا تَرَى ، وَحُجَجُهُمْ فِي الْقُوّةِ وَالظّهُورِ لَا تُدْفَعُ وَحُجَجُ اللّهِ وَبَيّنَاتُهُ لَا يُبْطِلُ بَعْضُهَا بَعْضًا بَلْ يُصَدّقُ بَعْضُهَا بَعْضًا ، وَيَجِبُ الْعَمَلُ بِمُوجَبِهَا كُلّهَا ، وَالْوَاجِبُ اتّبَاعُ الْحَقّ أَيْنَ كَانَ .
[ تَرْجِيحُ الْمُصَنّفِ مَنْعَ الْإِجَارَةِ وَجَوَازَ الْبَيْعِ ]
فَالصّوَابُ الْقَوْلُ بِمُوجَبِ الْأَدِلّةِ مِنْ الْجَانِبَيْنِ وَأَنّ الدّورَ تُمْلَكُ وَتُوهَبُ وَتُوَرّثُ وَتُبَاعُ وَيَكُونُ نَقْلُ الْمِلْكِ فِي الْبِنَاءِ لَا فِي الْأَرْضِ وَالْعَرْصَةِ فَلَوْ زَالَ بِنَاؤُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يَبِيعَ الْأَرْضَ وَلَهُ أَنْ يَبْنِيَهَا وَيُعِيدَهَا كَمَا كَانَتْ وَهُوَ أَحَقّ بِهَا يَسْكُنُهَا وَيُسْكِنُ فِيهَا مَنْ شَاءَ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُعَاوِضَ عَلَى مَنْفَعَةِ السّكْنَى بِعَقْدِ الْإِجَارَةِ فَإِنّ هَذِهِ الْمَنْفَعَةَ إنّمَا يَسْتَحِقّ أَنْ يُقَدّمَ فِيهَا عَلَى غَيْرِهِ وَيَخْتَصّ بِهَا لِسَبْقِهِ وَحَاجَتِهِ فَإِذَا اسْتَغْنَى عَنْهَا ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعَاوِضَ عَلَيْهَا ، كَالْجُلُوسِ فِي الرّحَابِ وَالطّرُقِ الْوَاسِعَةِ وَالْإِقَامَةِ عَلَى الْمَعَادِنِ وَغَيْرِهَا مِنْ الْمَنَافِعِ وَالْأَعْيَانِ الْمُشْتَرَكَةِ الّتِي مَنْ سَبَقَ إلَيْهَا ، فَهُوَ أَحَقّ بِهَا مَا دَامَ يَنْتَفِعُ فَإِذَا اسْتَغْنَى ، لَمْ يَكُنْ لَهُ أَنْ يُعَاوِضَ وَقَدْ صَرّحَ أَرْبَابُ هَذَا الْقَوْلِ بِأَنّ الْبَيْعَ وَنَقْلَ الْمِلْكِ فِي رِبَاعِهَا إنّمَا يَقَعُ عَلَى الْبِنَاءِ لَا عَلَى الْأَرْضِ ذَكَرَهُ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ .
[ نَظَائِرُ فِي الشّرِيعَةِ لِمَنْعِ الْإِجَارَةِ وَجَوَازِ الْبَيْعِ ]
فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ مَنَعْتُمْ الْإِجَارَةَ وَجَوّزْتُمْ الْبَيْعَ فَهَلْ لِهَذَا نَظِيرٌ فِي الشّرِيعَةِ وَالْمَعْهُودُ فِي الشّرِيعَةِ أَنّ الْإِجَارَةَ أَوْسَعُ مِنْ الْبَيْعِ فَقَدْ يَمْتَنِعُ الْبَيْعُ وَتَجُوزُ الْإِجَارَةُ كَالْوَقْفِ وَالْحُرّ فَأَمّا الْعَكْسُ فَلَا عَهْدَ لَنَا بِهِ ؟ قِيلَ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ الْبَيْعِ وَالْإِجَارَةِ عَقْدٌ مُسْتَقِلّ غَيْرُ مُسْتَلْزِمٍ لِلْآخَرِ فِي جَوَازِهِ وَامْتِنَاعِهِ وَمَوْرِدُهُمَا مُخْتَلِفٌ وَأَحْكَامُهُمَا مُخْتَلِفَةٌ وَإِنّمَا جَازَ الْبَيْعُ لِأَنّهُ وَارِدٌ عَلَى الْمَحَلّ الّذِي كَانَ الْبَائِعُ [ ص 385 ] أَخَصّ بِهِ مِنْ غَيْرِهِ وَهُوَ الْبِنَاءُ وَأَمّا الْإِجَارَةُ فَإِنّمَا تَرِدُ عَلَى الْمَنْفَعَةِ وَهِيَ مُشْتَرَكَةٌ وَلِلسّابِقِ إلَيْهَا حَقّ التّقَدّمِ دُونَ الْمُعَاوَضَةِ فَلِهَذَا أَجَزْنَا الْبَيْعَ دُونَ الْإِجَارَةِ فَإِنْ أَبَيْتُمْ إلّا النّظِيرَ قِيلَ هَذَا الْمُكَاتَبُ يَجُوزُ لِسَيّدِهِ بَيْعُهُ وَيَصِيرُ مُكَاتَبًا عِنْدَ مُشْتَرِيهِ وَلَا يَجُوزُ لَهُ إجَارَتُهُ إذْ فِيهَا إبْطَالُ مَنَافِعِهِ وَأَكْسَابِهِ الّتِي مَلَكَهَا بِعَقْدِ الْكِتَابَةِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ . عَلَى أَنّهُ لَا يُمْنَعُ الْبَيْعُ وَإِنْ كَانَتْ مَنَافِعُ أَرْضِهَا وَرِبَاعِهَا مُشْتَرَكَةً بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَإِنّهَا تَكُونُ عِنْدَ الْمُشْتَرِي كَذَلِك مُشْتَرَكَةَ الْمَنْفَعَةِ إنْ احْتَاجَ سَكَنَ وَإِنْ اسْتَغْنَى ، أَسْكَنَ كَمَا كَانَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ فَلَيْسَ فِي بَيْعِهَا إبْطَالُ اشْتِرَاكِ الْمُسْلِمِينَ فِي هَذِهِ الْمَنْفَعَةِ كَمَا أَنّهُ لَيْسَ فِي بَيْعِ الْمُكَاتَبِ إبْطَالُ مِلْكِهِ لِمَنَافِعِهِ الّتِي مَلَكَهَا بِعَقْدِ الْمُكَاتَبَةِ وَنَظِيرُ هَذَا جَوَازُ بَيْعِ أَرْضِ الْخَرَاجِ الّتِي وَقَفَهَا عُمَرُ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ عَلَى الصّحِيحِ الّذِي اسْتَقَرّ الْحَالُ عَلَيْهِ مِنْ عَمَلِ الْأُمّةِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، فَإِنّهَا تَنْتَقِل إلَى الْمُشْتَرِي خَرَاجِيّةً كَمَا كَانَتْ عِنْدَ الْبَائِعِ وَحَقّ الْمُقَاتِلَةِ إنّمَا هُوَ فِي خَرَاجِهَا ، وَهُوَ لَا يَبْطُلُ بِالْبَيْعِ وَقَدْ اتّفَقَتْ الْأُمّةُ عَلَى أَنّهَا تُورَثُ فَإِنْ كَانَ بُطْلَانُ بَيْعِهَا لِكَوْنِهَا وَقْفًا ، فَكَذَلِكَ يَنْبَغِي أَنْ تَكُونَ وَقْفِيّتُهَا مُبْطِلَةً لِمِيرَاثِهَا ، وَقَدْ نَصّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِ جَعْلِهَا صَدَاقًا فِي النّكَاحِ فَإِذَا جَازَ نَقْلُ الْمِلْكِ فِيهَا بِالصّدَاقِ وَالْمِيرَاثِ وَالْهِبَةِ جَازَ الْبَيْعُ فِيهَا قِيَاسًا وَعَمَلًا ، وَفِقْهًا . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ هَلْ يُضْرَبُ الْخَرَاجُ عَلَى مَزَارِعِ مَكّةَ كَسَائِرِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ ؟ ]
فَإِذَا كَانَتْ مَكّةُ قَدْ فُتِحَتْ عَنْوَةً فَهَلْ يُضْرَبُ الْخَرَاجُ عَلَى مَزَارِعِهَا كَسَائِرِ أَرْضِ الْعَنْوَةِ وَهَلْ يَجُوزُ لَكُمْ أَنْ تَفْعَلُوا ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ قِيلَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ لِأَصْحَابِ الْعَنْوَةِ أَحَدُهُمَا : الْمَنْصُوصُ الْمَنْصُورُ الّذِي لَا يَجُوزُ الْقَوْلُ بِغَيْرِهِ أَنّهُ لَا خَرَاجَ عَلَى مَزَارِعِهَا وَإِنْ فُتِحَتْ عَنْوَةً فَإِنّهَا أَجَلّ وَأَعْظَمُ مِنْ أَنْ يُضْرَبَ عَلَيْهَا الْخَرَاجُ لَا سِيمَا وَالْخَرَاجُ هُوَ جِزْيَةُ الْأَرْضِ وَهُوَ عَلَى الْأَرْضِ كَالْجِزْيَةِ عَلَى الرّءُوسِ وَحَرَمُ الرّبّ أَجَلّ قَدْرًا وَأَكْبَرُ مِنْ أَنْ تُضْرَبَ عَلَيْهِ جِزْيَةٌ وَمَكّةُ بِفَتْحِهَا عَادَتْ إلَى مَا [ ص 386 ] وَضَعَهَا اللّهُ عَلَيْهِ مِنْ كَوْنِهَا حَرَمًا آمِنًا يَشْتَرِكُ فِيهِ أَهْلُ الْإِسْلَامِ إذْ هُوَ مَوْضِعُ مَنَاسِكِهِمْ وَمُتَعَبّدِهِمْ وَقِبْلَةُ أَهْلِ الْأَرْضِ . وَالثّانِي - وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ أَصْحَابِ أَحْمَدَ - أَنّ عَلَى مَزَارِعِهَا الْخَرَاجُ كَمَا هُوَ عَلَى مَزَارِعِ غَيْرِهَا مِنْ أَرْضِ الْعَنْوَةِ وَهَذَا فَاسِدٌ مُخَالِفٌ لِنَصّ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللّهُ وَمَذْهَبِهِ وَلِفِعْلِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَخُلَفَائِهِ الرّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِهِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ فَلَا الْتِفَاتَ إلَيْهِ وَاَللّه أَعْلَمُ . وَقَدْ بَنَى بَعْضُ الْأَصْحَابِ تَحْرِيمَ بَيْعِ رِبَاعِ مَكّةَ عَلَى كَوْنِهَا فُتِحَتْ عَنْوَةً وَهَذَا بِنَاءٌ غَيْرُ صَحِيحٍ فَإِنّ مَسَاكِنَ أَرْضِ الْعَنْوَةِ تُبَاعُ قَوْلًا وَاحِدًا ، فَظَهَرَ بُطْلَانُ هَذَا الْبِنَاءِ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
[ تَعْيِينُ قَتْلِ السّابّ لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
وَفِيهَا : تَعْيِينُ قَتْلِ السّابّ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَنّ قَتْلَهُ حَدّ لَا بُدّ مِنْ اسْتِيفَائِهِ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يُؤَمّنْ مَقِيسَ بْنَ صُبَابَةَ ، وَابْنَ خَطَلٍ ، وَالْجَارِيَتَيْنِ اللّتَيْنِ كَانَتَا تُغَنّيَانِ بِهِجَائِهِ مَعَ أَنّ نِسَاءَ أَهْلِ الْحَرْبِ لَا يُقْتَلْنَ كَمَا لَا تُقْتَلُ الذّرّيّةُ وَقَدْ أَمَرَ بِقَتْلِ هَاتَيْنِ الْجَارِيَتَيْنِ وَأَهْدَرَ دَمَ أُمّ وَلَدِ الْأَعْمَى لَمّا قَتَلَهَا سَيّدُهَا لِأَجْلِ سِبّهَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَتَلَ كَعْبَ بْنَ الْأَشْرَفِ الْيَهُودِيّ ، وَقَالَ مَنْ لِكَعْبٍ فَإِنّهُ قَدْ آذَى اللّهَ وَرَسُولَهُ " وَكَانَ يَسُبّهُ وَهَذَا إجْمَاعٌ مِنْ الْخُلَفَاءِ الرّاشِدِينَ وَلَا يُعْلَمُ لَهُمْ فِي الصّحَابَةِ مُخَالِفٌ فَإِنّ الصّدّيقَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - قَالَ لِأَبِي بَرْزَةَ الْأَسْلَمِيّ وَقَدْ هَمّ بِقَتْلِ مَنْ سَبّهُ لَمْ يَكُنْ هَذَا لِأَحَدٍ غَيْرِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَرّ عُمَرُ - رَضِيَ اللّه عَنْهُ - بِرَاهِبٍ فَقِيلَ لَهُ هَذَا يَسُبّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَقَالَ لَوْ سَمِعْتُهُ لَقَتَلْتُهُ ، إنّا لَمْ نُعْطِهِمْ الذّمّةَ عَلَى أَنْ يَسُبّوا نَبِيّنَا صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 387 ] الْمُحَارَبَةَ بِسَبّ نَبِيّنَا أَعْظَمُ أَذِيّةً وَنِكَايَةً لَنَا مِنْ الْمُحَارَبَةِ بِالْيَدِ وَمَنْعِ دِينَارِ جِزْيَةٍ فِي السّنَةِ فَكَيْفَ يُنْقَضُ عَهْدُهُ وَيُقْتَلُ بِذَلِكَ دُونَ السّبّ وَأَيّ نِسْبَةٍ لِمَفْسَدَةِ مَنْعِهِ دِينَارًا فِي السّنَةِ إلَى مَفْسَدَةِ مَنْعِ مُجَاهَرَتِهِ بِسَبّ نَبِيّنَا أَقْبَحَ سَبّ عَلَى رُءُوسِ الْأَشْهَادِ بَلْ لَا نِسْبَةَ لِمَفْسَدَةِ مُحَارَبَتِهِ بِالْيَدِ إلَى مَفْسَدَةِ مُحَارَبَتِهِ بِالسّبّ فَأَوْلَى مَا انْتَقَضَ بِهِ عَهْدُهُ وَأَمَانُهُ سَبّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا يَنْتَقِضُ عَهْدُهُ بِشَيْءٍ أَعْظَمَ مِنْهُ إلّا سِبّهُ الْخَالِقَ سُبْحَانَهُ فَهَذَا مَحْضُ الْقِيَاسِ وَمُقْتَضَى النّصُوصِ وَإِجْمَاعُ الْخُلَفَاءِ الرّاشِدِينَ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ - وَعَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ أَكْثَرُ مِنْ أَرْبَعِينَ دَلِيلًا .
[لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْخِيَارُ فِي حَيَاتِهِ لِقَتْلِ مَنْ سَبّهُ ]
فَإِنْ قِيلَ فَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَقْتُلْ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أُبَيّ وَقَدْ قَالَ لَئِنْ رَجَعْنَا إلَى الْمَدِينَةِ لِيُخْرِجَنّ الْأَعَزّ مِنْهَا الْأَذَلّ وَلَمْ يَقْتُلْ ذَا الْخُوَيْصِرَةِ التّمِيمِيّ وَقَدْ قَالَ لَهُ اعْدِلْ فَإِنّكَ لَمْ تَعْدِلْ وَلَمْ يَقْتُلْ مَنْ قَالَ لَهُ يَقُولُونَ إنّك تَنْهَى عَنْ الْغَيّ وَتَسْتَخْلِي بِهِ وَلَمْ يَقْتُلْ الْقَائِلَ لَهُ إنّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللّهِ وَلَمْ يَقْتُلْ مَنْ قَالَ لَهُ لَمّا حَكَمَ لِلزّبَيْرِ بِتَقْدِيمِهِ فِي السّقْيِ أَنْ كَانَ ابْنَ عَمّتِك ، وَغَيْرُ هَؤُلَاءِ مِمّنْ كَانَ يَبْلُغُهُ عَنْهُمْ أَذًى لَهُ وَتَنَقّصٌ .
مِنْ أَسْبَابِ عَدَمِ قَتْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ سَبّهُ تَأْلِيفُ النّاسِ
وَعَدَمُ بُلُوغِهِمْ أَنّهُ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ
قِيلَ الْحَقّ كَانَ لَهُ فَلَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَهُ وَلَهُ أَنْ يُسْقِطَهُ وَلَيْسَ لِمَنْ بَعْدَهُ أَنْ يُسْقِطَ حَقّهُ كَمَا أَنّ الرّبّ تَعَالَى لَهُ أَنْ يَسْتَوْفِيَ حَقّهُ وَلَهُ أَنْ يُسْقِطَ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ أَنْ يُسْقِطَ حَقّهُ تَعَالَى بَعْدَ وُجُوبِهِ كَيْفَ وَقَدْ كَانَ فِي تَرْكِ قَتْلِ مَنْ ذَكَرْتُمْ وَغَيْرِهِمْ مَصَالِحُ عَظِيمَةٌ فِي حَيَاتِهِ زَالَتْ بَعْدَ مَوْتِهِ مِنْ تَأْلِيفِ النّاسِ وَعَدَمِ تَنْفِيرِهِمْ عَنْهُ فَإِنّهُ لَوْ بَلَغَهُمْ أَنّهُ يَقْتُلُ أَصْحَابَهُ لَنَفَرُوا ، وَقَدْ أَشَارَ إلَى هَذَا بِعَيْنِهِ وَقَالَ لِعُمَرَ لَمّا أَشَارَ عَلَيْهِ بِقَتْلِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ أُبَيّ : لَا يَبْلُغُ النّاسَ أَنّ مُحَمّدًا يَقْتُلُ أَصْحَابَه [ ص 388 ] وَجَمْعِ الْقُلُوبِ عَلَيْهِ كَانَتْ أَعْظَمَ عِنْدَهُ وَأَحَبّ إلَيْهِ مِنْ الْمَصْلَحَةِ الْحَاصِلَةِ بِقَتْلِ مَنْ سَبّهُ وَآذَاهُ وَلِهَذَا لَمّا ظَهَرَتْ مَصْلَحَةُ الْقَتْلِ وَتَرَجّحَتْ جِدّا ، قَتَلَ السّابّ كَمَا فَعَلَ بِكَعْبِ بْنِ الْأَشْرَفِ ، فَإِنّهُ جَاهَرَ بِالْعَدَاوَةِ وَالسّبّ فَكَانَ قَتْلُهُ أَرْجَحَ مِنْ إبْقَائِهِ وَكَذَلِك قَتْلُ ابْنِ خَطَلٍ ، وَمَقِيسٍ وَالْجَارِيَتَيْنِ وَأُمّ وَلَدِ الْأَعْمَى ، فَقَتَلَ لِلْمَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ وَكَفّ لِلْمَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ فَإِذَا صَارَ الْأَمْرُ إلَى نُوّابِهِ وَخُلَفَائِهِ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ أَنْ يُسْقِطُوا حَقّهُ .
فَصْلٌ فِيمَا فِي خُطْبَتِهِ الْعَظِيمَةِ ثَانِيَ يَوْمِ الْفَتْحِ مِنْ أَنْوَاعِ الْعِلْمِ
[ تَحْرِيمُ اللّهِ لِمَكّةَ ]
فَمِنْهَا قَوْلُهُ إنّ مَكّةَ حَرّمَهَا اللّهُ ، وَلَمْ يُحَرّمْهَا النّاسُ فَهَذَا تَحْرِيمٌ شَرْعِيّ قَدَرِيّ سَبَقَ بِهِ قَدَرُهُ يَوْمَ خَلَقَ هَذَا الْعَالَمَ ثُمّ ظَهَرَ بِهِ عَلَى لِسَانِ خَلِيلِهِ إبْرَاهِيمَ وَمُحَمّدٍ صَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِمَا كَمَا فِي " الصّحِيحِ " عَنْهُ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ اللّهُمّ إنّ إبْرَاهِيمَ خَلِيلَكَ حَرّمَ مَكّةَ ، وَإِنّي أُحَرّمُ الْمَدِينَةَ فَهَذَا إخْبَارٌ عَنْ ظُهُورِ التّحْرِيمِ السّابِقِ يَوْمَ خَلَقَ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ عَلَى لِسَانِ إبْرَاهِيمَ وَلِهَذَا لَمْ يُنَازِعْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْإِسْلَامِ فِي تَحْرِيمِهَا ، وَإِنْ تَنَازَعُوا فِي تَحْرِيمِ الْمَدِينَةِ ، وَالصّوَابُ الْمَقْطُوعُ بِهِ تَحْرِيمُهَا ، إذْ قَدْ صَحّ فِيهِ بِضْعَةٌ وَعِشْرُونَ حَدِيثًا عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا مَطْعَنَ فِيهَا بِوَجْهٍ . [ ص 389 ]
[ تَحْرِيمُ سَفْكِ الدّمِ فِيهَا ]
وَمِنْهَا : قَوْلُهُ فَلَا يَحِلّ لِأَحَدٍ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا هَذَا التّحْرِيمُ لِسَفْكِ الدّمِ الْمُخْتَصّ بِهَا ، وَهُوَ الّذِي يُبَاحُ فِي غَيْرِهَا ، وَيَحْرُمُ فِيهَا لِكَوْنِهَا حَرَمًا ، كَمَا أَنّ تَحْرِيمَ عَضْدِ الشّجَرِ بِهَا ، وَاخْتِلَاءِ خَلَائِهَا ، وَالْتِقَاطِ لُقَطَتِهَا ، هُوَ أَمْرٌ مُخْتَصّ بِهَا ، وَهُوَ مُبَاحٌ فِي غَيْرِهَا ، إذْ الْجَمِيعُ فِي كَلَامٍ وَاحِدٍ وَنِظَامٍ وَاحِدٍ وَإِلّا بَطَلَتْ فَائِدَةُ التّخْصِيصِ وَهَذَا أَنْوَاعٌ
[ لَا تُقَاتَلُ الطّائِفَةُ الْمُمْتَنِعَةُ بِهَا مِنْ مُبَايَعَةِ الْإِمَامِ ]
أَحَدُهَا - وَهُوَ الّذِي سَاقَهُ أَبُو شُرَيْحٍ الْعَدَوِيّ لِأَجْلِهِ - أَنّ الطّائِفَةَ الْمُمْتَنِعَةَ بِهَا مِنْ مُبَايَعَةِ الْإِمَامِ لَا تُقَاتَلُ لَا سِيمَا إنْ كَانَ لَهَا تَأْوِيلٌ كَمَا امْتَنَعَ أَهْلُ مَكّةَ مِنْ مُبَايَعَةِ يَزِيدَ وَبَايَعُوا ابْنَ الزّبِيرِ ، فَلَمْ يَكُنْ قِتَالُهُمْ وَنَصْبُ الْمَنْجَنِيقِ عَلَيْهِمَا ، وَإِحْلَالُ حَرَمِ اللّهِ جَائِزًا بِالنّصّ وَالْإِجْمَاعِ وَإِنّمَا خَالَفَ فِي ذَلِكَ عَمْرُو بْنُ سَعِيدٍ الْفَاسِقُ وَشِيعَتُهُ وَعَارَضَ نَصّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِرَأْيِهِ وَهَوَاهُ فَقَالَ إنّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا ، فَيُقَالُ لَهُ هُوَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا مِنْ عَذَابِ اللّهِ وَلَوْ لَمْ يُعِذْهُ مِنْ سَفْكِ دَمِهِ لَمْ يَكُنْ حَرَمًا بِالنّسْبَةِ إلَى الْآدَمِيّينَ وَكَانَ حَرَمًا بِالنّسْبَةِ إلَى الطّيْرِ وَالْحَيَوَانِ الْبَهِيمِ وَهُوَ لَمْ يَزَلْ يُعِيذُ الْعُصَاةَ مِنْ عَهْدِ إبْرَاهِيمَ صَلَوَاتُ اللّهِ عَلَيْهِ وَسَلَامُهُ وَقَامَ الْإِسْلَامُ عَلَى ذَلِكَ وَإِنّمَا لَمْ يُعِذْ مَقِيسَ بْنَ صُبَابَةَ ، وَابْنَ خَطَلٍ ، وَمَنْ سُمّيَ مَعَهُمَا ، لِأَنّهُ فِي تِلْكَ السّاعَةِ لَمْ يَكُنْ حَرَمًا ، بَلْ حِلّا ، فَلَمّا انْقَضَتْ سَاعَةُ الْحَرْبِ عَادَ إلَى مَا وُضِعَ عَلَيْهِ يَوْمَ خَلَقَ اللّهُ السّمَوَاتِ وَالْأَرْضَ . وَكَانَتْ الْعَرَبُ فِي [ ص 390 ] أَبِيهِ أَوْ ابْنِهِ فِي الْحَرَمِ ، فَلَا يَهِيجُهُ وَكَانَ ذَلِكَ بَيْنَهُمْ خَاصّيّةَ الْحَرَمِ الّتِي صَارَ بِهَا حَرَمًا ، ثُمّ جَاءَ الْإِسْلَامُ فَأَكّدَ ذَلِكَ وَقَوّاهُ وَعَلِمَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ مِنْ الْأُمّةِ مَنْ يَتَأَسّى بِهِ فِي إحْلَالِهِ بِالْقِتَالِ وَالْقَتْلِ فَقَطَعَ الْإِلْحَاقَ وَقَالَ لِأَصْحَابِهِ فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخّصَ لِقَتَالِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقُولُوا : " إنّ اللّهَ أَذِنَ لِرَسُولِهِ وَلَمْ يَأْذَنْ لَكَ وَعَلَى هَذَا فَمَنْ أَتَى حَدّا أَوْ قِصَاصًا خَارِجَ الْحَرَمِ يُوجِبُ الْقَتْلَ ثُمّ لَجَأَ إلَيْهِ لَمْ يَجُزْ إقَامَتُهُ عَلَيْهِ فِيهِ . وَذَكَرَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطّابِ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ أَنّهُ قَالَ لَوْ وَجَدْتُ فِيهِ قَاتِلَ الْخَطّابِ مَا مَسِسْتُهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنْهُ وَذُكِرَ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عُمَرَ أَنّهُ قَالَ لَوْ لَقِيتُ فِيهِ قَاتِلَ عُمَرَ مَا نَدَهْتُهُ وَعَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ، أَنّهُ قَالَ لَوْ لَقِيتُ قَاتِلَ أَبِي فِي الْحَرَمِ مَا هِجْتُهُ حَتّى يَخْرُجَ مِنْهُ وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ التّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ بَلْ لَا يُحْفَظُ عَنْ تَابِعِيّ وَلَا صَحَابِيّ خِلَافُهُ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ ، وَالْإِمَامُ أَحْمَد ُ وَمَنْ وَافَقَهُ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ . وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشّافِعِيّ إلَى أَنّهُ يُسْتَوْفَى مِنْهُ فِي الْحَرَمِ ، كَمَا يُسْتَوْفَى مِنْهُ فِي الْحِلّ وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْمُنْذِرِ ، وَاحْتُجّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِعُمُومِ النّصُوصِ الدّالّةِ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فِي كُلّ مَكَانٍ وَزَمَانٍ وَبِأَن النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَتَلَ ابْنَ خَطَلٍ ، وَهُوَ مُتَعَلّقٌ بِأَسْتَارِ الْكَعْبَةِ وَبِمَا يُرْوَى عَنْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّهُ قَالَ إنّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا وَلَا فَارّا بِدَمٍ وَلَا بِخَرْبَةٍ وَبِأَنّهُ لَوْ كَانَ الْحُدُودُ وَالْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النّفْسِ لَمْ يُعِذْهُ الْحَرَمُ ، وَلَمْ يَمْنَعْهُ مِنْ إقَامَتِهِ عَلَيْهِ وَبِأَنّهُ لَوْ أَتَى فِيهِ بِمَا يُوجِبُ حَدّا أَوْ قِصَاصًا ، لَمْ يُعِذْهُ الْحَرَمُ ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ إقَامَتِهِ عَلَيْهِ فَكَذَلِكَ إذَا أَتَاهُ خَارِجَهُ ثُمّ لَجَأَ إلَيْهِ إذْ كَوْنُهُ حَرَمًا بِالنّسْبَةِ إلَى عِصْمَتِهِ لَا يَخْتَلِفُ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ [ ص 391 ] أُبِيحَ قَتْلُهُ لِفَسَادِهِ فَلَمْ يَفْتَرِقْ الْحَالُ بَيْنَ قَتْلِهِ لَاجِئًا إلَى الْحَرَمِ ، وَبَيْنَ كَوْنِهِ قَدْ أَوْجَبَ مَا أُبِيحَ قَتْلُهُ فِيهِ كَالْحَيّةِ وَالْحِدَأَةِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَلِأَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ خَمْسٌ فَوَاسِقُ يُقْتَلْنَ فِي الْحِلّ وَالْحَرَمِ فَنَبّهَ بِقَتْلِهِنّ فِي الْحِلّ وَالْحَرَمِ عَلَى الْعِلّةِ وَهِيَ فِسْقُهُنّ وَلَمْ يَجْعَلْ الْتِجَاءَهُنّ إلَى الْحَرَمِ مَانِعًا مِنْ قَتْلِهِنّ وَكَذَلِك فَاسِقُ بَنِي آدَمَ الّذِي قَدْ اسْتَوْجَبَ الْقَتْلَ . قَالَ الْأَوّلُونَ لَيْسَ فِي هَذَا مَا يُعَارِضُ مَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَدِلّةِ وَلَا سِيمَا قَوْلُهُ تَعَالَى : { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } [ آلَ عِمْرَانَ 97 ] ، وَهَذَا إمّا خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ لِاسْتِحَالَةِ الْخُلْفِ فِي خَبَرِهِ تَعَالَى ، وَإِمّا خَبَرٌ عَنْ شَرْعِهِ وَدِينِهِ الّذِي شَرَعَهُ فِي حَرَمِهِ وَإِمّا إخْبَارٌ عَنْ الْأَمْرِ الْمَعْهُودِ الْمُسْتَمِرّ فِي حَرَمِهِ فِي الْجَاهِلِيّةِ وَالْإِسْلَامِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطّفُ النّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } [ الْعَنْكَبُوتَ 67 ] ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَقَالُوا إِنْ نَتّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلّ شَيْءٍ } [ الْقَصَصَ 57 ] وَمَا عَدَا هَذَا مِنْ الْأَقْوَالِ الْبَاطِلَةِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ كَقَوْلِ بَعْضِهِمْ { وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا } مِنْ النّارِ وَقَوْلِ بَعْضِهِمْ كَانَ آمِنًا مِنْ الْمَوْتِ عَلَى غَيْرِ الْإِسْلَامِ وَنَحْوَ ذَلِكَ فَكَمْ مِمّنْ دَخَلَهُ وَهُوَ فِي قَعْرِ الْجَحِيمِ . وَأَمّا الْعُمُومَاتُ الدّالّةُ عَلَى اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ فِي كُلّ زَمَانٍ وَمَكَانٍ فَيُقَالُ أَوّلًا : لَا تَعَرّضَ فِي تِلْكَ الْعُمُومَاتِ لِزَمَانِ الِاسْتِيفَاءِ وَلَا مَكَانِهِ كَمَا لَا تَعَرّضَ فِيهَا لِشُرُوطِهِ وَعَدَمِ مَوَانِعِهِ فَإِنّ اللّفْظَ لَا يَدُلّ عَلَيْهَا بِوَضْعِهِ وَلَا بِتَضَمّنِهِ فَهُوَ مُطْلَقٌ بِالنّسْبَةِ إلَيْهَا ، وَلِهَذَا إذَا كَانَ لِلْحُكْمِ شَرْطٌ أَوْ مَانِعٌ لَمْ يَقُلْ إنّ تَوَقّفَ الْحُكْمِ عَلَيْهِ تَخْصِيصٌ لِذَلِكَ الْعَامّ فَلَا يَقُولُ مُحَصّلٌ إنّ قَوْلَهُ تَعَالَى : { وَأُحِلّ لَكُمْ مَا وَرَاءَ ذَلِكُمْ } [ النّسَاءَ 24ُ ] مَخْصُوصٌ بِالْمَنْكُوحَةِ فِي عِدّتِهَا ، أَوْ بِغَيْرِ إذْنِ وَلِيّهَا ، أَوْ بِغَيْرِ شُهُودٍ فَهَكَذَا النّصُوصُ الْعَامّةُ فِي اسْتِيفَاءِ الْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ لَا تَعَرّضَ فِيهَا لِزَمَنِهِ وَلَا مَكَانِهِ وَلَا شَرْطِهِ وَلَا مَانِعِهِ وَلَوْ قُدّرَ تَنَاوُلُ اللّفْظِ [ ص 392 ] لَوَجَبَ تَخْصِيصُهُ بِالْأَدِلّةِ الدّالّةِ عَلَى الْمَنْعِ لِئَلّا يَبْطُلَ مُوجَبُهَا ، وَوَجَبَ حَمْلُ اللّفْظِ الْعَامّ عَلَى مَا عَدَاهَا كَسَائِرِ نَظَائِرِهِ وَإِذَا خَصّصْتُمْ تِلْكَ الْعُمُومَاتِ بِالْحَامِلِ وَالْمُرْضِعِ وَالْمَرِيضِ الّذِي يُرْجَى بُرْؤُهُ وَالْحَالِ الْمُحَرّمَةِ لِلِاسْتِيفَاءِ كَشِدّةِ الْمَرَضِ أَوْ الْبَرْدِ أَوْ الْحَرّ فَمَا الْمَانِعُ مِنْ تَخْصِيصِهَا بِهَذِهِ الْأَدِلّةِ ؟ وَإِنْ قُلْتُمْ لَيْسَ ذَلِكَ تَخْصِيصًا ، بَلْ تَقْيِيدًا لِمُطْلَقِهَا ، كِلْنَا لَكُمْ بِهَذَا الصّاعِ سَوَاءً بِسَوَاءٍ . وَأَمّا قَتْلُ ابْنِ خَطَلٍ ، فَقَدْ تَقَدّمَ أَنّهُ كَانَ فِي وَقْتِ الْحِلّ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَطَعَ الْإِلْحَاقَ وَنَصّ عَلَى أَنّ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ وَقَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَإِنّمَا أُحِلّتْ لِي سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ صَرِيحٌ فِي أَنّهُ إنّمَا أُحِلّ لَهُ سَفْكُ دَمٍ حَلَالٍ فِي غَيْرِ الْحَرَمِ فِي تِلْكَ السّاعَةِ خَاصّةً إذْ لَوْ كَانَ حَلَالًا فِي كُلّ وَقْتٍ لَمْ يَخْتَصّ بِتِلْكَ السّاعَةِ وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنّ الدّمَ الْحَلَالَ فِي غَيْرِهَا حَرَامٌ فِيهَا ، فِيمَا عَدَا تِلْكَ السّاعَةَ وَأَمّا قَوْلُهُ الْحَرَمُ لَا يُعِيذُ عَاصِيًا فَهُوَ مِنْ كَلَامِ لْفَاسِقِ عَمْرِو بْنِ سَعِيدٍ الْأَشْدَقِ ، يَرُدّ بِهِ حَدِيثَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ رَوَى لَهُ أَبُو شُرَيْحٍ الْكَعْبِيّ هَذَا الْحَدِيثَ كَمَا جَاءَ مُبَيّنًا فِي " الصّحِيحِ " فَكَيْفَ يُقَدّمُ عَلَى قَوْلِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَأَمّا قَوْلُكُمْ لَوْ كَانَ الْحَدّ وَالْقِصَاصُ فِيمَا دُونَ النّفْسِ لَمْ يُعِذْهُ الْحَرَمُ مِنْهُ فَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ فِيهَا قَوْلَانِ لِلْعُلَمَاءِ وَهُمَا رِوَايَتَانِ مَنْصُوصَتَانِ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ ، فَمَنْ مَنَعَ الِاسْتِيفَاءَ نَظَرَ إلَى عُمُومِ الْأَدِلّةِ الْعَاصِمَةِ بِالنّسْبَةِ إلَى النّفْسِ وَمَا دُونَهَا ، وَمَنْ فَرّقَ قَالَ سَفْكُ الدّمِ إنّمَا يَنْصَرِفُ إلَى الْقَتْلِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ تَحْرِيمِهِ فِي الْحَرَمِ تَحْرِيمُ مَا دُونَهُ لِأَنّ حُرْمَةَ النّفْسِ أَعْظَمُ وَالِانْتِهَاكَ بِالْقَتْلِ أَشَدّ قَالُوا : وَلِأَنّ الْحَدّ بِالْجَلْدِ أَوْ الْقَطْعِ يَجْرِي مَجْرَى التّأْدِيبِ فَلَمْ يُمْنَعْ مِنْهُ كَتَأْدِيبِ السّيّدِ عَبْدَهُ وَظَاهِرُ هَذَا الْمَذْهَبِ أَنّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ النّفْسِ وَمَا دُونَهَا فِي ذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ هَذِهِ مَسْأَلَةٌ وَجَدْتهَا لِحَنْبَلٍ عَنْ عَمّهِ أَنّ الْحُدُودَ كُلّهَا تُقَامُ فِي الْحَرَمِ إلّا الْقَتْلَ قَالَ وَالْعَمَلُ عَلَى أَنّ كُلّ جَانٍ دَخَلَ الْحَرَمَ لَمْ يُقَمْ عَلَيْهِ الْحَدّ حَتّى يَخْرُجَ مِنْهُ قَالُوا : وَحِينَئِذٍ فَنُجِيبُكُمْ بِالْجَوَابِ الْمُرَكّبِ وَهُوَ أَنّهُ إنْ كَانَ بَيْنَ النّفْسِ وَمَا دُونَهَا فِي ذَلِكَ فَرْقٌ مُؤَثّرٌ بَطَلَ الْإِلْزَامُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ مُؤَثّرٌ سَوّيْنَا [ ص 393 ] وَبَطَلَ الِاعْتِرَاضُ فَتَحَقّقَ بُطْلَانُهُ عَلَى التّقْدِيرَيْنِ . قَالُوا : وَأَمّا قَوْلُكُمْ إنّ الْحَرَمَ لَا يُعِيذُ مَنْ انْتَهَكَ فِيهِ الْحُرْمَةَ إذْ أَتَى فِيهِ مَا يُوجِبُ الْحَدّ فَكَذَلِكَ اللّاجِئُ إلَيْهِ فَهُوَ جَمْعٌ بَيْنَ مَا فَرّقَ اللّهُ وَرَسُولُهُ وَالصّحَابَةُ بَيْنَهُمَا ، فَرَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ ، حَدّثَنَا عَبْدُ الرّزّاقِ ، حَدّثَنَا مَعْمَرٌ عَنْ ابْنِ طَاوُوسٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ قَالَ مَنْ سَرَقَ أَوْ قَتَلَ فِي الْحِلّ ثُمّ دَخَلَ الْحَرَمَ ، فَإِنّهُ لَا يُجَالَسُ وَلَا يُكَلّمُ وَلَا يُؤْوَى ، وَلَكِنّهُ يُنَاشَدُ حَتّى يَخْرُجَ فَيُؤْخَذَ فَيُقَامَ عَلَيْهِ الْحَدّ وَإِنْ سَرَقَ أَوْ قَتَلَ فِي الْحَرَمِ ، أُقِيمَ عَلَيْهِ فِي الْحَرَمِ وَذَكَرَ الْأَثْرَمُ ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ أَيْضًا : مَنْ أَحْدَثَ حَدَثًا فِي الْحَرَمِ ، أُقِيمَ عَلَيْهِ مَا أَحْدَثَ فِيهِ مِنْ شَيْءٍ وَقَدْ أَمَرَ اللّهُ سُبْحَانَهُ بِقَتْلِ مَنْ قَاتَلَ فِي الْحَرَمِ ، فَقَالَ { وَلَا تُقَاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ حَتّى يُقَاتِلُوكُمْ فِيهِ فَإِنْ قَاتَلُوكُمْ فَاقْتُلُوهُمْ } [ الْبَقَرَةَ 191 ] .
[ الْفَرَقُ بَيْنَ اللّاجِئِ وَالْمُنْتَهِكِ ]
وَالْفَرَقُ بَيْنَ اللّاجِئِ وَالْمُنْتَهِكِ فِيهِ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا : أَنّ الْجَانِيَ فِيهِ هَاتِكٌ لِحُرْمَتِهِ بِإِقْدَامِهِ عَلَى الْجِنَايَةِ فِيهِ بِخِلَافِ مَنْ جَنَى خَارِجَهُ ثُمّ لَجَأَ إلَيْهِ فَإِنّهُ مُعَظّمٌ لِحُرْمَتِهِ مُسْتَشْعِرٌ بِهَا بِالْتِجَائِهِ إلَيْهِ فَقِيَاسُ أَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ بَاطِلٌ . الثّانِي : أَنّ الْجَانِيَ فِيهِ بِمَنْزِلَةِ الْمُفْسِدِ الْجَانِي عَلَى بِسَاطِ الْمَلِكِ فِي دَارِهِ وَحَرَمِهِ وَمَنْ جَنَى خَارِجَهُ ثُمّ لَجَأَ إلَيْهِ فَإِنّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ جَنَى خَارِجَ بِسَاطِ السّلْطَانِ وَحَرَمِهِ ثُمّ دَخَلَ إلَى حَرَمِهِ مُسْتَجِيرًا . الثّالِثُ أَنّ الْجَانِيَ فِي الْحَرَمِ قَدْ انْتَهَكَ حُرْمَةَ اللّهِ سُبْحَانَهُ وَحُرْمَةَ بَيْتِهِ وَحَرَمِهِ فَهُوَ هَاتِكٌ لِحُرْمَتَيْنِ بِخِلَافِ غَيْرِهِ . الرّابِعُ أَنّهُ لَوْ لَمْ يُقَمْ الْحَدّ عَلَى الْجُنَاةِ فِي الْحَرَمِ ، لَعَمّ الْفَسَادُ وَعَظُمَ الشّرّ فِي حَرَمِ اللّهِ فَإِنّ أَهْلَ الْحَرَمِ كَغَيْرِهِمْ فِي الْحَاجَةِ إلَى صِيَانَةِ نَفُوسِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَعْرَاضِهِمْ وَلَوْ لَمْ يُشْرَعْ الْحَدّ فِي حَقّ مَنْ ارْتَكَبَ الْجَرَائِمَ فِي الْحَرَمِ ، لَتَعَطّلَتْ حُدُودُ اللّهِ وَعَمّ الضّرَرُ لِلْحَرَمِ وَأَهْلِهِ . [ ص 394 ] الْحَرَمِ بِمَنْزِلَةِ التّائِبِ الْمُتَنَصّلِ اللّاجِئِ إلَى بَيْتِ الرّبّ تَعَالَى ، الْمُتَعَلّقِ بِأَسْتَارِهِ فَلَا يُنَاسِبُ حَالُهُ وَلَا حَالُ بَيْتِهِ وَحَرَمِهِ أَنْ يُهَاجَ بِخِلَافِ الْمُقْدِمِ عَلَى انْتِهَاكِ حُرْمَتِهِ فَظَهَرَ سِرّ الْفَرْقِ وَتَبَيّنَ أَنّ مَا قَالَهُ ابْنُ عَبّاسٍ هُوَ مَحْضُ الْفِقْهِ . وَأَمّا قَوْلُكُمْ إنّهُ حَيَوَانٌ مُفْسِدٌ فَأُبِيحَ قَتْلُهُ فِي الْحِلّ وَالْحَرَمِ كَالْكَلْبِ الْعَقُورِ فَلَا يَصِحّ الْقِيَاسُ فَإِنّ الْكَلْبَ الْعَقُورَ طَبْعُهُ الْأَذَى ، فَلَمْ يُحَرّمْهُ الْحَرَمُ لِيَدْفَعَ أَذَاهُ عَنْ أَهْلِهِ وَأَمّا الْآدَمِيّ فَالْأَصْلُ فِيهِ الْحُرْمَةُ وَحُرْمَتُهُ عَظِيمَةٌ وَإِنّمَا أُبِيحَ لِعَارِضٍ فَأَشْبَهَ الصّائِلَ مِنْ الْحَيَوَانَاتِ الْمُبَاحَةِ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ فَإِنّ الْحَرَمَ يَعْصِمُهَا . وَأَيْضًا فَإِنّ حَاجَةَ أَهْلِ الْحَرَمِ إلَى قَتْلِ الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالْحَيّةِ وَالْحِدَأَةِ كَحَاجَةِ أَهْلِ الْحِلّ سَوَاءً فَلَوْ أَعَاذَهَا الْحَرَمُ لَعَظُمَ عَلَيْهِمْ الضّرَرُ بِهَا .
فَصْلٌ [ هَلْ يَجُوزُ قَلْعُ شَجَرِ مَكّةَ الّذِي أَنْبَتَهُ الْآدَمِيّ ؟]
وَمِنْهَا : قَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا يُعْضَدُ بِهَا شَجَرٌ وَفِي اللّفْظِ الْآخَرِ وَلَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا وَفِي لَفْظٍ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " : وَلَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا لَا خِلَافَ بَيْنَهُمْ أَنّ الشّجَرَ الْبَرّيّ الّذِي لَمْ يُنْبِتْهُ الْآدَمِيّ عَلَى اخْتِلَافِ أَنْوَاعِهِ مُرَادٌ مِنْ هَذَا اللّفْظِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا أَنْبَتَهُ الْآدَمِيّ مِنْ الشّجَرِ فِي الْحَرَمِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ وَهِيَ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ : أَحَدُهَا : أَنّ لَهُ قَلْعَهُ وَلَا ضَمَانَ عَلَيْهِ وَهَذَا اخْتِيَارُ ابْنِ عَقِيلٍ ، وَأَبِي الْخَطّابِ وَغَيْرِهِمَا . وَالثّانِي : أَنّهُ لَيْسَ لَهُ قَلْعُهُ وَإِنْ فَعَلَ فَفِيهِ الْجَزَاءُ بِكُلّ حَالٍ وَهُوَ قَوْلُ [ ص 395 ] الشّافِعِيّ ، وَهُوَ الّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ الْبَنّاءِ فِي " خِصَالِهِ " . الثّالِثُ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا أَنْبَتَهُ فِي الْحِلّ ثُمّ غَرَسَهُ فِي الْحَرَمِ ، وَبَيْنَ مَا أَنْبَتَهُ فِي الْحَرَمِ أَوّلًا ، فَالْأَوّلُ لَا جَزَاءَ فِيهِ وَالثّانِي : لَا يُقْلَعُ وَفِيهِ الْجَزَاءُ بِكُلّ حَالٍ وَهَذَا قَوْلُ الْقَاضِي . وَفِيهِ قَوْلٌ رَابِعٌ وَهُوَ الْفَرْقُ بَيْنَ مَا يُنْبِتُ الْآدَمِيّ جِنْسَهُ كَاللّوْزِ وَالْجَوْزِ وَالنّخْلِ وَنَحْوِهِ وَمَا لَا يُنْبِتُ الْآدَمِيّ جِنْسَهُ كَالدّوْحِ وَالسّلَمِ وَنَحْوِهِ فَالْأَوّلُ يَجُوزُ قَلْعُهُ وَلَا جَزَاءَ فِيهِ وَالثّانِي : لَا يَجُوزُ وَفِيهِ الْجَزَاءُ . قَالَ صَاحِبُ " الْمُغْنِي " : وَالْأَوْلَى الْأَخْذُ بِعُمُومِ الْحَدِيثِ فِي تَحْرِيمِ الشّجَرِ كُلّهِ إلّا مَا أَنْبَتَ الْآدَمِيّ مِنْ جِنْسِ شَجَرِهِمْ بِالْقِيَاسِ عَلَى مَا أَنْبَتُوهُ مِنْ الزّرْعِ وَالْأَهْلِيّ مِنْ الْحَيَوَانِ فَإِنّنَا إنّمَا أَخْرَجَنَا مِنْ الصّيْدِ مَا كَانَ أَصْلُهُ إنْسِيّا دُونَ مَا تَأَنّسَ مِنْ الْوَحْشِيّ كَذَا هَا هُنَا ، وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِاخْتِيَارِ هَذَا الْقَوْلِ الرّابِعِ فَصَارَ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ . وَالْحَدِيثُ ظَاهِرٌ جِدّا فِي تَحْرِيمِ قَطْعِ الشّوْكِ وَالْعَوْسَجِ وَقَالَ الشّافِعِيّ : لَا يَحْرُمُ قَطْعُهُ لِأَنّهُ يُؤْذِي النّاسَ بِطَبْعِهِ فَأَشْبَهَ السّبَاعَ وَهَذَا اخْتِيَارُ أَبِي الْخَطّابِ وَابْنِ عَقِيلٍ ، وَهُوَ مَرْوِيّ عَنْ عَطَاءٍ وَمُجَاهَدٍ وَغَيْرِهِمَا . وَقَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يُعْضَدُ شَوْكُهَا وَفِي اللّفْظِ الْآخَرِ لَا يُخْتَلَى شَوْكُهَا صَرِيحٌ فِي الْمَنْعِ وَلَا يَصِحّ قِيَاسُهُ عَلَى السّبَاعِ الْعَادِيَةِ فَإِنّ تِلْكَ تَقْصِدُ بِطَبْعِهَا الْأَذَى ، وَهَذَا لَا يُؤْذِي مَنْ لَمْ يَدْنُ مِنْهُ . وَالْحَدِيثُ لَمْ يُفَرّقْ بَيْنَ الْأَخْضَرِ وَالْيَابِسِ وَلَكِنْ قَدْ جَوّزُوا قَطْعَ الْيَابِسِ قَالُوا : لِأَنّهُ بِمَنْزِلَةِ الْمَيّتِ وَلَا يُعْرَفُ فِيهِ خِلَافٌ وَعَلَى هَذَا فَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَدُلّ عَلَى أَنّهُ إنّمَا أَرَادَ الْأَخْضَرَ فَإِنّهُ جَعَلَهُ بِمَنْزِلَةِ تَنْفِيرِ الصّيْدِ وَلَيْسَ فِي أَخْذِ الْيَابِسِ انْتِهَاكُ حُرْمَةِ الشّجَرَةِ الْخَضْرَاءِ الّتِي تُسَبّحُ بِحَمْدِ رَبّهَا ، وَلِهَذَا غَرَسَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى [ ص 396 ] وَقَالَ لَعَلّهُ يُخَفّفُ عَنْهُمَا مَا لَمْ يَيْبَسَا
[ هَلْ يَجُوزُ الِانْتِفَاعُ بِمَا انْقَلَعَ بِنَفْسِهِ أَوْ بِقَلْعِ قَالِعٍ ؟ ]
وَفِي الْحَدِيثِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّهُ إذَا انْقَلَعَتْ الشّجَرَةُ بِنَفْسِهَا ، أَوْ انْكَسَرَ الْغُصْنُ جَازَ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِأَنّهُ لَمْ يَعْضُدْهُ هُوَ وَهَذَا لَا نِزَاعَ فِيهِ . فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُونَ فِيمَا إذَا قَلَعَهَا قَالِعٌ ثُمّ تَرَكَهَا ، فَهَلْ يَجُوزُ لَهُ أَوْ لِغَيْرِهِ أَنْ يَنْتَفِعَ بِهَا ؟ قِيلَ قَدْ سُئِلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَنْ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ مَنْ شَبّهَهُ بِالصّيْدِ لَمْ يَنْتَفِعْ بِحَطَبِهَا ، وَقَالَ لَمْ أَسْمَعْ إذَا قَطَعَهُ يَنْتَفِعُ بِهِ . وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنّهُ يَجُوزُ لِغَيْرِ الْقَاطِعِ الِانْتِفَاعُ بِهِ لِأَنّهُ قُطِعَ بِغَيْرِ فِعْلِهِ فَأُبِيحَ لَهُ الِانْتِفَاعُ بِهِ كَمَا لَوْ قَلَعَتْهُ الرّيحُ وَهَذَا بِخِلَافِ الصّيْدِ إذَا قَتَلَهُ مُحْرِمٌ حَيْثُ يَحْرُمُ عَلَى غَيْرِهِ فَإِنّ قَتْلَ الْمُحْرِمِ لَهُ جَعَلَهُ مَيْتَةً . وَقَوْلُهُ فِي اللّفْظِ الْآخَرِ وَلَا يُخْبَطُ شَوْكُهَا صَرِيحٌ أَوْ كَالصّرِيحِ فِي تَحْرِيمِ قَطْعِ الْوَرَقِ وَهَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ - رَحِمَهُ اللّهُ - وَقَالَ الشّافِعِيّ : لَهُ أَخْذُهُ وَيُرْوَى عَنْ عَطَاءٍ وَالْأَوّلُ أَصَحّ لِظَاهِرِ النّصّ وَالْقِيَاسِ فَإِنّ مَنْزِلَتَهُ مِنْ الشّجَرَةِ مَنْزِلَةُ رِيشِ الطّائِرِ مِنْهُ وَأَيْضًا فَإِنّ أَخْذَ الْوَرَقِ ذَرِيعَةٌ إلَى يُبْسِ الْأَغْصَانِ فَإِنّهُ لِبَاسُهَا وَوِقَايَتُهَا .
[ لَا يُقْلَعُ حَشِيشُ مَكّةَ مَا دَامَ رَطْبًا ]
وَقَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا يُخْتَلَى خَلَاهَا لَا خِلَافَ أَنّ الْمُرَادَ مِنْ ذَلِكَ مَا يَنْبُتُ بِنَفْسِهِ دُونَ مَا أَنْبَتَهُ الْآدَمِيّونَ وَلَا يَدْخُلُ الْيَابِسُ فِي الْحَدِيثِ بَلْ هُوَ لِلرّطْبِ خَاصّةً فَإِنّ الْخَلَا بِالْقَصْرِ الْحَشِيشُ الرّطْبُ مَا دَامَ رَطْبًا ، فَإِذَا يَبِسَ فَهُوَ حَشِيشٌ وَأَخْلَتْ الْأَرْضُ كَثُرَ خَلَاهَا ، وَاخْتِلَاءُ الْخَلَى : قَطْعُهُ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ كَانَ ابْنُ عُمَر َ يَخْتَلِي لِفَرَسِهِ أَيْ يَقْطَعُ لَهَا الْخَلَى ، وَمِنْهُ سُمّيَتْ الْمِخْلَاةُ وَهِيَ وِعَاءُ الْخَلَى ، وَالْإِذْخِرُ مُسْتَثْنًى بِالنّصّ وَفِي تَخْصِيصِهِ بِالِاسْتِثْنَاءِ دَلِيلٌ عَلَى إرَادَةِ [ ص 397 ] فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ يَتَنَاوَلُ الْحَدِيثُ الرّعْيَ أَمْ لَا ؟ قِيلَ هَذَا فِيهِ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا : لَا يَتَنَاوَلُهُ فَيَجُوزُ الرّعْيُ وَهَذَا قَوْلُ الشّافِعِيّ . وَالثّانِي : يَتَنَاوَلُهُ بِمَعْنَاهُ وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُ بِلَفْظِهِ فَلَا يَجُوزُ الرّعْيُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَالْقَوْلَانِ لِأَصْحَابِ أَحْمَدَ . قَالَ الْمُحَرّمُونَ وَأَيّ فَرْقٍ بَيْنَ اخْتِلَائِهِ وَتَقْدِيمِهِ لِلدّابّةِ وَبَيْنَ إرْسَالِ الدّابّةِ عَلَيْهِ تَرْعَاهُ ؟ قَالَ الْمُبِيحُونَ لَمّا كَانَتْ عَادَةُ الْهَدَايَا أَنْ تَدْخُلَ الْحَرَمَ ، وَتَكْثُرَ فِيهِ وَلَمْ يُنْقَلْ قَطّ أَنّهَا كَانَتْ تُسَدّ أَفْوَاهُهَا ، دَلّ عَلَى جَوَازِ الرّعْيِ . قَالَ الْمُحَرّمُونَ الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُرْسِلَهَا تَرْعَى ، وَيُسَلّطَهَا عَلَى ذَلِكَ وَبَيْنَ أَنْ تَرْعَى بِطَبْعِهَا مِنْ غَيْرِ أَنْ يُسَلّطَهَا صَاحِبُهَا ، وَهُوَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسُدّ أَفْوَاهَهَا ، كَمَا لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَسُدّ أَنْفَهُ فِي الْإِحْرَامِ عَنْ شَمّ الطّيبِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَتَعَمّدَ شَمّهُ وَكَذَلِكَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ السّيْرِ خَشْيَةَ أَنْ يُوطِئَ صَيْدًا فِي طَرِيقِهِ وَإِنْ لَمْ يَجُزْ لَهُ أَنْ يَقْصِدَ ذَلِكَ وَكَذَلِكَ نَظَائِرُهُ . فَإِنْ قِيلَ فَهَلْ يَدْخُلُ فِي الْحَدِيثِ أَخْذُ الْكَمْأَةِ وَالْفَقْعِ وَمَا كَانَ مُغَيّبًا فِي الْأَرْضِ ؟ قِيلَ لَا يَدْخُلُ فِيهِ لِأَنّهُ بِمَنْزِلَةِ الثّمَرَةِ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ : يُؤْكَلُ مِنْ شَجَرِ الْحَرَمِ الضّغَابِيسُ وَالْعِشْرِقُ .
فَصْلٌ [ لَا يُنَفّرُ صَيْدُهَا ]
وَقَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا يُنَفّرُ صَيْدُهَا صَرِيحٌ فِي تَحْرِيمِ التّسَبّبِ إلَى قَتْلِ الصّيْدِ وَاصْطِيَادِهِ بِكُلّ سَبَبٍ حَتّى إنّهُ لَا يُنَفّرُهُ عَنْ مَكَانِهِ لِأَنّهُ حَيَوَانٌ مُحْتَرَمٌ فِي هَذَا [ ص 398 ] الْمَكَانِ قَدْ سَبَقَ إلَى مَكَانٍ فَهُوَ أَحَقّ بِهِ فَفِي هَذَا أَنّ الْحَيَوَانَ الْمُحْتَرَمَ إذَا سَبَقَ إلَى مَكَانٍ لَمْ يُزْعَجْ عَنْهُ .
فَصْلٌ [ لَا تُمْلَكُ لُقَطَةُ الْحَرَمِ ]
وَقَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا يُلْتَقَطُ سَاقِطَتُهَا إلّا مَنْ عَرّفَهَا وَفِي لَفْظٍ وَلَا تَحِلّ سَاقِطَتُهَا إلّا لِمُنْشِدٍ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ لُقَطَةَ الْحَرَمِ لَا تُمْلَكُ بِحَالٍ وَأَنّهَا لَا تُلْتَقَط إلّا لِلتّعْرِيفِ لَا لِلتّمْلِيكِ وَإِلّا لَمْ يَكُنْ لِتَخْصِيصِ مَكّةَ بِذَلِكَ فَائِدَةٌ أَصْلًا ، وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ فَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَة َ لُقَطَةُ الْحِلّ وَالْحَرَمِ سَوَاءٌ وَهَذَا إحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ ، وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشّافِعِيّ ، وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عُمَرَ ، وَابْنِ عَبّاسٍ ، وَعَائِشَةَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُمْ وَقَالَ أَحْمَدُ فِي الرّوَايَةِ الْأُخْرَى ، وَالشّافِعِيّ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ لَا يَجُوزُ الْتِقَاطُهَا لِلتّمْلِيكِ وَإِنّمَا يَجُوزُ لِحِفْظِهَا لِصَاحِبِهَا ، فَإِنْ الْتَقَطَهَا ، عَرّفَهَا أَبَدًا حَتّى يَأْتِيَ صَاحِبُهَا ، وَهَذَا قَوْلُ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيّ ، وَأَبِي عُبَيْدٍ ، وَهَذَا هُوَ الصّحِيحُ وَالْحَدِيثُ صَرِيحٌ فِيهِ وَالْمُنْشِدُ الْمُعَرّفُ وَالنّاشِدُ الطّالِبُ وَمِنْهُ قَوْلُهُ إصَاخَةُ النّاشِدِ لِلْمُنْشِدِ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُدَ فِي " سُنَنِهِ " : أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَهَى عَنْ لُقَطَةِ الْحَاجّ وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : يَعْنِي يَتْرُكُهَا حَتّى يَجِدَهَا صَاحِبُهَا . قَالَ شَيْخُنَا : وَهَذَا مِنْ خَصَائِصِ مَكّةَ ، وَالْفَرْقُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سَائِرِ الْآفَاقِ فِي ذَلِكَ أَنّ النّاسَ يَتَفَرّقُونَ عَنْهَا إلَى الْأَقْطَارِ الْمُخْتَلِفَةِ فَلَا يَتَمَكّنُ صَاحِبُ الضّالّةِ مِنْ طَلَبِهَا وَالسّؤَالِ عَنْهَا ، بِخِلَافِ غَيْرِهَا مِنْ الْبِلَادِ .
فَصْلٌ [ لَا يَتَعَيّنُ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ الْقِصَاصُ ]
[ ص 399 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْخُطْبَةِ وَمَنْ قُتِلَ لَهُ قَتِيلٌ فَهُوَ بِخَيْرِ النّظَرَيْنِ ، إمّا أَنْ يَقْتُلَ وَإِمّا أَنْ يَأْخُذَ الدّيَةَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ الْوَاجِبَ بِقَتْلِ الْعَمْدِ لَا يَتَعَيّنُ فِي الْقِصَاصِ بَلْ هُوَ أَحَدُ شَيْئَيْنِ إمّا الْقِصَاصُ وَإِمّا الدّيَةُ . وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ وَهِيَ رِوَايَاتٌ عَنْ الْإِمَامِ أَحْمَدَ . أَحَدُهَا : أَنّ الْوَاجِبَ أَحَدُ شَيْئَيْنِ إمّا الْقِصَاصُ وَإِمّا الدّيَةُ وَالْخِيرَةُ فِي ذَلِكَ إلَى الْوَلِيّ بَيْنَ أَرْبَعَةِ أَشْيَاءَ الْعَفْوِ مَجّانًا ، وَالْعَفْوِ إلَى الدّيَةِ وَالْقِصَاصِ وَلَا خِلَافَ فِي تَخْيِيرِهِ بَيْنَ هَذِهِ الثّلَاثَةِ . وَالرّابِعُ الْمُصَالَحَةُ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ الدّيَةِ فِيهِ وَجْهَانِ . أَشْهَرُهُمَا مَذْهَبًا : جَوَازُهُ . وَالثّانِي : لَيْسَ لَهُ الْعَفْوُ عَلَى مَالٍ إلّا الدّيَةَ أَوْ دُونَهَا ، وَهَذَا أَرْجَحُ دَلِيلًا ، فَإِنْ اخْتَارَ الدّيَةَ سَقَطَ الْقَوَدُ وَلَمْ يَمْلِكْ طَلَبَهُ بَعْدُ وَهَذَا مَذْهَبُ الشّافِعِيّ ، وَإِحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْ مَالِكٍ . وَالْقَوْلُ الثّانِي : أَنّ مُوجَبَهُ الْقَوَدُ عَيْنًا ، وَأَنّهُ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْفُوَ إلَى الدّيَةِ إلّا بِرِضَى الْجَانِي ، فَإِنْ عَدَلَ إلَى الدّيَةِ وَلَمْ يَرْضَ الْجَانِي ، فَقَوَدُهُ بِحَالِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي الرّوَايَةِ الْأُخْرَى وَأَبِي حَنِيفَةَ . وَالْقَوْلُ الثّالِثُ أَنّ مُوجَبَهُ الْقَوَدُ عَيْنًا مَعَ التّخْيِيرِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الدّيَةِ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ الْجَانِي ، فَإِذَا عَفَا عَنْ الْقِصَاصِ إلَى الدّيَةِ فَرَضِيَ الْجَانِي ، فَلَا إشْكَالَ وَإِنْ لَمْ يَرْضَ فَلَهُ الْعَوْدُ إلَى الْقِصَاصِ عَيْنًا ، فَإِنْ عَفَا عَنْ الْقَوَدِ مُطْلَقًا ، فَإِنْ قُلْنَا : الْوَاجِبُ أَحَدُ الشّيْئَيْنِ فَلَهُ الدّيَةُ وَإِنْ قُلْنَا : الْوَاجِبُ الْقِصَاصُ عَيْنًا ، سَقَطَ حَقّهُ مِنْهَا . فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُونَ فِيمَا لَوْ مَاتَ الْقَاتِلُ ؟ قُلْنَا : فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ أَحَدُهُمَا : تَسْقُطُ الدّيَةُ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ لِأَنّ الْوَاجِبَ عِنْدَهُمْ الْقِصَاصُ عَيْنًا ، وَقَدْ زَالَ مَحَلّ اسْتِيفَائِهِ بِفِعْلِ اللّهِ تَعَالَى ، فَأَشْبَهَ مَا لَوْ مَاتَ الْعَبْدُ الْجَانِي ، فَإِنّ أَرْشَ الْجِنَايَةِ لَا يَنْتَقِلُ إلَى ذِمّةِ السّيّدِ وَهَذَا بِخِلَافِ تَلَفِ الرّهْنِ وَمَوْتِ الضّامِنِ حَيْثُ [ ص 400 ] ذِمّةِ الرّاهِنِ وَالْمَضْمُونِ عَنْهُ فَلَمْ يَسْقُطْ بِتَلَفِ الْوَثِيقَةِ . وَقَالَ الشّافِعِيّ وَأَحْمَدُ تَتَعَيّنُ الدّيَةُ فِي تَرِكَتِهِ لِأَنّهُ تَعَذّرَ اسْتِيفَاءُ الْقِصَاصِ مِنْ غَيْرِ إسْقَاطٍ فَوَجَبَ الدّيَةُ لِئَلّا يَذْهَبَ الْوَرَثَةُ مِنْ الدّمِ وَالدّيَةِ مَجّانًا . فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَقُولُونَ لَوْ اخْتَارَ الْقِصَاصَ ثُمّ اخْتَارَ بَعْدَهُ الْعَفْوَ إلَى الدّيَةِ هَلْ لَهُ ذَلِكَ ؟ قُلْنَا : هَذَا فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا : أَنّ لَهُ ذَلِكَ لِأَنّ الْقِصَاصَ أَعْلَى ، فَكَانَ لَهُ الِانْتِقَالُ إلَى الْأَدْنَى . وَالثّانِي : لَيْسَ لَهُ ذَلِكَ لِأَنّهُ لَمّا اخْتَارَ الْقِصَاصَ فَقَدْ أَسْقَطَ الدّيَةَ بِاخْتِيَارِهِ لَهُ فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعُودَ إلَيْهَا بَعْدَ إسْقَاطِهَا . فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ تَجْمَعُونَ بَيْنَ هَذَا الْحَدِيثِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ قَتَلَ عَمْدًا ، فَهُوَ قَوَدٌ قِيلَ لَا تَعَارُضَ بَيْنَهُمَا بِوَجْهٍ فَإِنّ هَذَا يَدُلّ عَلَى وُجُوبِ الْقَوَدِ بِقَتْلِ الْعَمْدِ وَقَوْلُهُ " فَهُوَ بِخَيْرِ النّظَرَيْنِ " يَدُلّ عَلَى تَخْيِيرِهِ بَيْنَ اسْتِيفَاءِ هَذَا الْوَاجِبِ لَهُ وَبَيْنَ أَخْذِ بَدَلِهِ وَهُوَ الدّيَةُ فَأَيّ تَعَارُضٍ ؟ وَهَذَا الْحَدِيثُ نَظِيرُ قَوْلِهِ تَعَالَى : { كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ } [ الْبَقَرَةَ 178 ] ، وَهَذَا لَا يَنْفِي تَخْيِيرَ الْمُسْتَحِقّ لَهُ بَيْنَ مَا كُتِبَ لَهُ وَبَيْنَ بَدَلِهِ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ إبَاحَةُ قَطْعِ الْإِذْخِرِ ]
وَقَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْخُطْبَةِ " إلّا الْإِذْخِرَ " ، بَعْدَ قَوْلِ الْعَبّاسِ لَهُ إلّا الْإِذْخِرَ يَدُلّ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ إحْدَاهُمَا : إبَاحَةُ قَطْعِ الْإِذْخِرِ . [ ص 401 ]
[ لَا يُشْتَرَطُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ نِيّتُهُ مِنْ أَوّلِ الْكَلَامِ وَلَا قَبْلَ فَرَاغِهِ ]
وَالثّانِيَةُ أَنّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الِاسْتِثْنَاءِ أَنْ يَنْوِيَهُ مِنْ أَوّلِ الْكَلَامِ وَلَا قَبْلَ فَرَاغِهِ لِأَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَوْ كَانَ نَاوِيًا لِاسْتِثْنَاءِ الْإِذْخِرِ مِنْ أَوّلِ كَلَامِهِ أَوْ قَبْلَ تَمَامِهِ لَمْ يَتَوَقّفْ اسْتِثْنَاؤُهُ لَهُ عَلَى سُؤَالِ الْعَبّاسِ لَهُ ذَلِكَ وَإِعْلَامِهِ أَنّهُمْ لَا بُدّ لَهُمْ مِنْهُ لِقَيْنِهِمْ وَبُيُوتِهِمْ وَنَظِيرُ هَذَا اسْتِثْنَاؤُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِسُهَيْلِ بْنِ بَيْضَاءَ مِنْ أُسَارَى بَدْرٍ بَعْدَ أَنْ ذَكّرَهُ بِهِ ابْنُ مَسْعُودٍ ، فَقَالَ لَا يَنْفَلِتَنّ أَحَدٌ مِنْهُمْ إلّا بِفِدَاءٍ أَوْ ضَرْبَةِ عُنُقٍ فَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ ، فَإِنّي سَمِعْتُهُ يَذْكُرُ الْإِسْلَامَ فَقَالَ " إلّا سُهَيْلَ بْنَ بَيْضَاءَ " وَمِنْ الْمَعْلُومِ أَنّهُ لَمْ يَكُنْ قَدْ نَوَى الِاسْتِثْنَاءَ فِي الصّورَتَيْنِ مِنْ أَوّلِ كَلَامِهِ . وَنَظِيرُهُ أَيْضًا قَوْلُ الْمَلَكِ لِسُلَيْمَانَ لَمّا قَالَ لَأَطُوفَنّ اللّيْلَةَ عَلَى مِائَةِ امْرَأَةٍ تَلِدُ كُلّ امْرَأَةٍ غُلَامًا يُقَاتِلُ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَقَالَ لَهُ الْمَلَكُ قُلْ إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى ، فَلَمْ يَقُلْ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَوْ قَالَ إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى ، لَقَاتَلُوا فِي سَبِيلِ اللّهِ أَجْمَعُونَ وَفِي لَفْظٍ لَكَانَ دَرَكًا لِحَاجَتِهِ فَأَخْبَرَ أَنّ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ لَوْ وَقَعَ مِنْهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَنَفَعَهُ وَمَنْ يَشْتَرِطُ النّيّةَ يَقُولُ لَا يَنْفَعُهُ . وَنَظِيرُ هَذَا قَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاَللّهِ لَأَغْزُوَنّ قُرَيْشًا ، وَاَللّهِ لَأَغْزُوَنّ قُرَيْشًا ثَلَاثًا ، ثُمّ سَكَتَ ثُمّ قَالَ إنْ شَاءَ اللّهُ فَهَذَا اسْتِثْنَاءٌ بَعْدَ سُكُوتٍ وَهُوَ يَتَضَمّنُ إنْشَاءَ الِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْكَلَامِ وَالسّكُوتِ عَلَيْهِ وَقَدْ نَصّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِهِ وَهُوَ الصّوَابُ بِلَا رَيْبٍ وَالْمُصِيرُ إلَى مُوجَبِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصّحِيحَةِ الصّرِيحَةِ أَوْلَى . وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ . [ ص 402 ]
فَصْلٌ [ الدّلِيلُ عَلَى كِتَابَةِ الْعِلْمِ ]
وَفِي الْقِصّةِ أَنّ رَجُلًا مِنْ الصّحَابَةِ يُقَال لَهُ أَبُو شَاهٍ ، قَامَ فَقَالَ اُكْتُبُوا لِي ، فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اُكْتُبُوا لِأَبِي شَاهٍ يُرِيدُ خُطْبَتَهُ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كِتَابَةِ الْعِلْمِ وَنَسْخِ النّهْيِ عَنْ كِتَابَةِ الْحَدِيثِ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ مَنْ كَتَبَ عَنّي شَيْئًا غَيْرَ الْقُرْآنِ فَلْيَمْحُهُ وَهَذَا كَانَ فِي أَوّلِ الْإِسْلَامِ خَشْيَةَ أَنْ يَخْتَلِطَ الْوَحْيُ الّذِي يُتْلَى بِالْوَحْيِ الّذِي لَا يُتْلَى ، ثُمّ أَذِنَ فِي الْكِتَابَةِ لِحَدِيثِهِ . وَصَحّ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو أَنّهُ كَانَ يَكْتُبُ حَدِيثَهُ وَكَانَ مِمّا كَتَبَهُ صَحِيفَةٌ تُسَمّى الصّادِقَةَ وَهِيَ الّتِي رَوَاهَا حَفِيدُهُ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ ، عَنْ أَبِيهِ عَنْهُ وَهِيَ مِنْ أَصَحّ الْأَحَادِيثِ وَكَانَ بَعْضُ أَئِمّةِ أَهْلِ الْحَدِيثِ يَجْعَلُهَا فِي دَرَجَةِ أَيّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْأَئِمّةُ الْأَرْبَعَةُ وَغَيْرُهُمْ احْتَجّوا بِهَا .
فَصْلٌ [ الصّلَاةُ فِي الْمَكَانِ الْمُصَوّرِ أَشَدّ كَرَاهَةً مِنْ الصّلَاةِ فِي الْحَمّامِ ]
وَفِي الْقِصّةِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَخَلَ الْبَيْتَ وَصَلّى فِيهِ وَلَمْ يَدْخُلْهُ حَتّى مُحِيَتْ الصّوَرُ مِنْهُ . فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى كَرَاهَةِ الصّلَاةِ فِي الْمَكَانِ الْمُصَوّرِ وَهَذَا أَحَقّ بِالْكَرَاهَةِ مِنْ الصّلَاةِ فِي الْحَمّامِ لِأَنّ كَرَاهَةَ الصّلَاةِ فِي الْحَمّامِ إمّا لِكَوْنِهِ مَظِنّةَ النّجَاسَةِ وَإِمّا لِكَوْنِهِ بَيْتَ الشّيْطَانِ وَهُوَ الصّحِيحُ وَأَمّا مَحَلّ الصّوَرِ فَمَظِنّةُ الشّرْكِ غَالِبُ شِرْكِ الْأُمَمِ كَانَ مِنْ جِهَةِ الصّوَرِ وَالْقُبُورِ .
فَصْلٌ [ جَوَازُ لُبْسِ السّوَادِ ]
وَفِي الْقِصّةِ أَنّهُ دَخَلَ مَكّةَ وَعَلَيْهِ عِمَامَةٌ سَوْدَاءُ ، فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ لُبْسِ [ ص 403 ] جَعَلَ خُلَفَاءُ بَنِي الْعَبّاسِ لُبْسَ السّوَادِ شِعَارًا لَهُمْ وَلِوُلَاتِهِمْ وَقُضَاتِهِمْ وَخُطَبَائِهِمْ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَلْبَسْهُ لِبَاسًا رَاتِبًا ، وَلَا كَانَ شِعَارَهُ فِي الْأَعْيَادِ وَالْجُمَعِ وَالْمَجَامِعِ الْعِظَامِ الْبَتّةَ وَإِنّمَا اتّفَقَ لَهُ لُبْسُ الْعِمَامَةِ السّوْدَاءِ يَوْمَ الْفَتْحِ دُونَ سَائِرِ الصّحَابَةِ وَلَمْ يَكُنْ سَائِرُ لِبَاسِهِ يَوْمَئِذٍ السّوَادَ بَلْ كَانَ لِوَاؤُهُ أَبْيَضَ .
فَصْلٌ [ مَتَى حُرّمَتْ مُتْعَةُ النّسَاءِ ؟]
وَمِمّا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ إبَاحَةُ مُتْعَةِ النّسَاءِ ثُمّ حَرّمَهَا قَبْلَ خُرُوجِهِ مِنْ مَكّةَ ، وَاخْتُلِفَ فِي الْوَقْتِ الّذِي حُرّمَتْ فِيهِ الْمُتْعَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا : أَنّهُ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَهَذَا قَوْلُ طَائِفَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ . مِنْهُمْ الشّافِعِيّ وَغَيْرُهُ . وَالثّانِي : أَنّهُ عَامَ فَتْحِ مَكّةَ ، وَهَذَا قَوْلُ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَطَائِفَةٍ . وَالثّالِثُ أَنّهُ عَامَ حُنَيْنٍ ، وَهَذَا فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ الْقَوْلُ الثّانِي ، لِاتّصَالِ غَزَاةِ حُنَيْنٍ بِالْفَتْحِ . وَالرّابِعُ أَنّهُ عَامَ حَجّةِ الْوَدَاعِ وَهُوَ وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ الرّوَاةِ سَافَرَ فِيهِ وَهْمُهُ مِنْ فَتْحِ مَكّةَ إلَى حَجّةِ الْوَدَاعِ كَمَا سَافَرَ وَهْمُ مُعَاوِيَةَ مِنْ عُمْرَةِ الْجِعِرّانَةِ إلَى حَجّةِ الْوَدَاعِ حَيْثُ قَالَ قَصّرْت عَنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمِشْقَصٍ عَلَى الْمَرْوَةِ فِي حَجّتِهِ وَقَدْ تَقَدّمَ فِي الْحَجّ وَسَفَرُ الْوَهْمِ مِنْ زَمَانٍ إلَى زَمَانٍ وَمِنْ مَكَانٍ إلَى مَكَانٍ وَمِنْ وَاقِعَةٍ إلَى وَاقِعَةٍ كَثِيرًا مَا يَعْرِضُ لِلْحُفّاظِ فَمَنْ دُونَهُمْ .
[ تَرْجِيحُ الْمُصَنّفِ تَحْرِيمَ الْمُتْعَةِ عَامَ الْفَتْحِ ]
وَالصّحِيحُ أَنّ الْمُتْعَةَ إنّمَا حُرّمَتْ عَامَ الْفَتْحِ لِأَنّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَنّهُمْ اسْتَمْتَعُوا عَامَ الْفَتْحِ مَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِإِذْنِهِ وَلَوْ كَانَ التّحْرِيمُ زَمَنَ خَيْبَرَ ، لَزِمَ النّسْخُ مَرّتَيْنِ وَهَذَا لَا عَهْدَ بِمِثْلِهِ فِي الشّرِيعَةِ الْبَتّةَ وَلَا يَقَعُ مِثْلُهُ فِيهَا ، وَأَيْضًا : فَإِنّ خَيْبَرَ لَمْ يَكُنْ فِيهَا مُسْلِمَاتٌ وَإِنّمَا كُنّ يَهُودِيّاتٍ وَإِبَاحَةُ نِسَاءِ أَهْلِ [ ص 404 ] أُبِحْنَ بَعْدَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ بِقَوْلِهِ { الْيَوْمَ أُحِلّ لَكُمُ الطّيّبَاتُ وَطَعَامُ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنَ الّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } [ الْمَائِدَةَ 5 ] ، وَهَذَا مُتّصِلٌ بِقَوْلِهِ { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ } [ الْمَائِدَةَ 3 ] ، وَبِقَوْلِهِ { الْيَوْمَ يَئِسَ الّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ } [ الْمَائِدَةَ 3 ] ، وَهَذَا كَانَ فِي آخِرِ الْأَمْرِ بَعْدَ حَجّةِ الْوَدَاعِ أَوْ فِيهَا ، فَلَمْ تَكُنْ إبَاحَةُ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ ثَابِتَةً زَمَنَ خَيْبَرَ ، وَلَا كَانَ لِلْمُسْلِمِينَ رَغْبَةٌ فِي الِاسْتِمْتَاعِ بِنِسَاءِ عَدُوّهِمْ قَبْلَ الْفَتْحِ وَبَعْدَ الْفَتْحِ اُسْتُرِقّ مَنْ اُسْتُرِقّ مِنْهُنّ وَصِرْنَ إمَاءً لِلْمُسْلِمِينَ . فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَصْنَعُونَ بِمَا ثَبَتَ فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : " أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَهَى عَنْ مُتْعَةِ النّسَاءِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، وَعَنْ أَكْلِ لُحُومِ الْحُمُرِ الْإِنْسِيّةِ " وَهَذَا صَحِيحٌ صَرِيحٌ ؟ . قِيلَ هَذَا الْحَدِيثُ قَدْ صَحّتْ رِوَايَتُهُ بِلَفْظَيْنِ هَذَا أَحَدُهُمَا . وَالثّانِي : الِاقْتِصَارُ عَلَى نَهْيِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَعَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ ، هَذِهِ رِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزّهْرِيّ . قَالَ قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ : قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ : يَعْنِي أَنّهُ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ زَمَنَ خَيْبَرَ ، لَا عَنْ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ ذَكَرَهُ أَبُو عُمَرَ وَفِي " التّمْهِيدِ " : ثُمّ قَالَ عَلَى هَذَا أَكْثَرُ النّاسِ انْتَهَى ، فَتَوَهّمَ بَعْضُ الرّوَاةِ أَنّ يَوْمَ خَيْبَرَ ظَرْفٌ لِتَحْرِيمِهِنّ فَرَوَاهُ حَرّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمُتْعَةَ زَمَنَ خَيْبَرَ ، وَالْحُمُرَ الْأَهْلِيّةَ وَاقْتَصَرَ بَعْضُهُمْ عَلَى رِوَايَةِ بَعْضِ الْحَدِيثِ فَقَالَ حَرّمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمُتْعَةَ زَمَنَ خَيْبَرَ ، فَجَاءَ بِالْغَلَطِ الْبَيّنِ . فَإِنْ قِيلَ فَأَيّ فَائِدَةٍ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ التّحْرِيمَيْنِ إذَا لَمْ يَكُونَا قَدْ وَقَعَا فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ وَأَيْنَ الْمُتْعَةُ مِنْ تَحْرِيمِ الْحُمُرِ ؟ قِيلَ هَذَا الْحَدِيثُ رَوَاهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - مُحْتَجّا بِهِ عَلَى ابْنِ عَمّهِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَبّاسٍ فِي [ ص 405 ] كَانَ يُبِيحُ الْمُتْعَةَ وَلُحُومَ الْحُمُرِ فَنَاظَرَهُ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ فِي الْمَسْأَلَتَيْنِ وَرَوَى لَهُ التّحْرِيمَيْنِ وَقَيّدَ تَحْرِيمَ الْحُمُرِ بِزَمَنِ خَيْبَرَ ، وَأَطْلَقَ تَحْرِيمَ الْمُتْعَةِ وَقَالَ إنّك امْرُؤٌ تَائِهٌ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَرّمَ الْمُتْعَةَ وَحَرّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيّةِ يَوْمَ خَيْبَرَ كَمَا قَالَهُ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ النّاسِ فَرَوَى الْأَمْرَيْنِ مُحْتَجّا عَلَيْهِ بِهِمَا ، لَا مُقَيّدًا لَهُمَا بِيَوْمِ خَيْبَرَ وَاَللّهُ الْمُوَفّقُ . وَلَكِنْ هَاهُنَا نَظَرٌ آخَرُ وَهُوَ أَنّهُ هَلْ حَرّمَهَا تَحْرِيمَ الْفَوَاحِشِ الّتِي لَا تُبَاحُ بِحَالٍ أَوْ حَرّمَهَا عِنْدَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْهَا ، وَأَبَاحَهَا لِلْمُضْطَرّ ؟ هَذَا هُوَ الّذِي نَظَرَ فِيهِ ابْنُ عَبّاسٍ وَقَالَ أَنَا أَبَحْتُهَا لِلْمُضْطَرّ كَالْمَيْتَةِ وَالدّمِ فَلَمّا تَوَسّعَ فِيهَا مَنْ تَوَسّعَ وَلَمْ يَقِفْ عِنْدَ الضّرُورَةِ أَمْسَكَ ابْنُ عَبّاسٍ عَنْ الْإِفْتَاءِ بِحِلّهَا ، وَرَجَعَ عَنْهُ . وَقَدْ كَانَ ابْنُ مَسْعُودٍ يَرَى إبَاحَتَهَا وَيَقْرَأُ { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرّمُوا طَيّبَاتِ مَا أَحَلّ اللّهُ لَكُمْ } [ الْمَائِدَةَ 8ُ7 ] ، فَفِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْهُ قَالَ كُنّا نَغْزُو مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَيْسَ لَنَا نِسَاءٌ فَقُلْنَا : أَلَا نَخْتَصِي ؟ فَنَهَانَا ، ثُمّ رَخّصَ لَنَا أَنْ نَنْكِحَ الْمَرْأَةَ بِالثّوْبِ إلَى أَجَلٍ ثُمّ قَرَأَ عَبْدُ اللّهِ { يَا أَيّهَا الّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرّمُوا طَيّبَاتِ مَا أَحَلّ اللّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنّ اللّهَ لَا يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ } [ الْمَائِدَةَ 8ُ7 ] . وَقِرَاءَةُ عَبْدِ اللّهِ هَذِهِ الْآيَةَ عَقِيبَ هَذَا الْحَدِيثِ يَحْتَمِلُ أَمْرَيْنِ أَحَدُهُمَا : الرّدّ عَلَى مَنْ يُحَرّمُهَا ، وَأَنّهَا لَوْ لَمْ تَكُنْ مِنْ الطّيّبَاتِ لَمَا أَبَاحَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . وَالثّانِي : أَنْ يَكُونَ أَرَادَ آخِرَ هَذِهِ الْآيَةِ وَهُوَ الرّدّ عَلَى مَنْ أَبَاحَهَا مُطْلَقًا ، وَأَنّهُ مُعْتَدّ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّمَا رَخّصَ فِيهَا لِلضّرُورَةِ وَعِنْدَ الْحَاجَةِ فِي الْغَزْوِ وَعِنْدَ عَدَمِ النّسَاءِ وَشِدّةِ الْحَاجَةِ إلَى الْمَرْأَةِ . فَمَنْ رَخّصَ فِيهَا فِي الْحَضَرِ مَعَ كَثْرَةِ النّسَاءِ وَإِمْكَانِ النّكَاحِ الْمُعْتَادِ فَقَدْ اعْتَدَى ، وَاَللّهُ لَا يُحِبّ الْمُعْتَدِينَ . فَإِنْ قِيلَ فَكَيْفَ تَصْنَعُونَ بِمَا رَوَى مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ [ ص 406 ] وَسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ ، قَالَا : خَرَجَ عَلَيْنَا مُنَادِي رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَدْ أَذِنَ لَكُمْ أَنْ تَسْتَمْتِعُوا يَعْنِي : مُتْعَةَ النّسَاءِ قِيلَ هَذَا كَانَ زَمَنَ الْفَتْحِ قَبْلَ التّحْرِيمِ ثُمّ حَرّمَهَا بَعْدَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " ، عَنْ سَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ قَالَ رَخّصَ لَنَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَامَ أَوْطَاسٍ فِي الْمُتْعَةِ ثَلَاثًا ، ثُمّ نَهَى عَنْهَا . وَعَامُ أَوْطَاسٍ : هُوَ عَامُ الْفَتْحِ لِأَنّ غَزَاةَ أَوْطَاسٍ مُتّصِلَةٌ بِفَتْحِ مَكّةَ . فَإِنْ قِيلَ فَمَا تَصْنَعُونَ بِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي " صَحِيحِهِ " ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ ، قَالَ كُنّا نَسْتَمْتِعُ بِالْقَبْضَةِ مِنْ التّمْرِ وَالدّقِيقِ الْأَيّامَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَبِي بَكْرٍ حَتّى نَهَى عَنْهَا عُمَرُ فِي شَأْنِ عَمْرِو بْنِ حُرَيْثٍ وَفِيمَا ثَبَتَ عَنْ عُمَرَ أَنّهُ قَالَ مُتْعَتَانِ كَانَتَا عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنَا أَنْهَى عَنْهُمَا : مُتْعَةُ النّسَاءِ وَمُتْعَةُ الْحَجّ قِيلَ النّاسُ فِي هَذَا طَائِفَتَانِ طَائِفَةٌ تَقُولُ إنّ عُمَرَ هُوَ الّذِي حَرّمَهَا وَنَهَى عَنْهَا ، وَقَدْ أَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِاتّبَاعِ مَا سَنّهُ الْخُلَفَاءُ الرّاشِدُونَ وَلَمْ تَرَ هَذِهِ الطّائِفَةُ تَصْحِيحَ حَدِيثِ سَبْرَةَ بْنِ مَعْبَدٍ فِي تَحْرِيمِ الْمُتْعَةِ عَامَ الْفَتْحِ فَإِنّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الرّبِيعِ بْنِ سَبْرَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدّهِ وَقَدْ تَكَلّمَ فِيهِ ابْنُ مَعِينٍ ، وَلَمْ يَرَ الْبُخَارِيّ إخْرَاجَ حَدِيثٍ فِي " صَحِيحِهِ " مَعَ شِدّةِ الْحَاجَةِ إلَيْهِ وَكَوْنِهِ أَصْلًا مِنْ أُصُولِ الْإِسْلَامِ وَلَوْ صَحّ عِنْدَهُ لَمْ يَصْبِرْ عَنْ إخْرَاجِهِ وَالِاحْتِجَاجِ بِهِ قَالُوا : وَلَوْ [ ص 407 ] يَخْفَ عَلَى ابْنِ مَسْعُودٍ حَتّى يَرْوِيَ أَنّهُمْ فَعَلُوهَا ، وَيَحْتَجّ بِالْآيَةِ وَأَيْضًا وَلَوْ صَحّ لَمْ يَقُلْ عُمَرُ إنّهَا كَانَتْ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَنَا أَنْهَى عَنْهَا ، وَأُعَاقِبُ عَلَيْهَا ، بَلْ كَانَ يَقُولُ إنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَرّمَهَا وَنَهَى عَنْهَا . قَالُوا : وَلَوْ صَحّ لَمْ تُفْعَلْ عَلَى عَهْدِ الصّدّيقِ وَهُوَ عَهْدُ خِلَافَةِ النّبُوّةِ حَقّا . وَالطّائِفَةُ الثّانِيَةُ رَأَتْ صِحّةَ حَدِيثِ سَبْرَةَ وَلَوْ لَمْ يَصِحّ فَقَدْ صَحّ حَدِيثُ عَلِيّ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَرّمَ مُتْعَةَ النّسَاءِ فَوَجَبَ حَمْلُ حَدِيثِ جَابِرٍ عَلَى أَنّ الّذِي أَخْبَرَ عَنْهَا بِفِعْلِهَا لَمْ يَبْلُغْهُ التّحْرِيمُ وَلَمْ يَكُنْ قَدْ اشْتَهَرَ حَتّى كَانَ زَمَنُ عُمَرَ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ فَلَمّا وَقَعَ فِيهَا النّزَاعُ ظَهَرَ تَحْرِيمُهَا وَاشْتَهَرَ وَبِهَذَا تَأْتَلِفُ الْأَحَادِيثُ الْوَارِدَةُ فِيهَا . وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ .
فَصْلٌ [ جَوَازُ إجَارَةِ الْمَرْأَةِ وَأَمَانِهَا لِلرّجُلَيْنِ ]
وَفِي قِصّةِ الْفَتْحِ مِنْ الْفِقْهِ جَوَازُ إجَارَةِ الْمَرْأَةِ وَأَمَانِهَا لِلرّجُلِ وَالرّجُلَيْنِ كَمَا أَجَازَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَانَ أُمّ هَانِئٍ لِحَمَوَيْهَا .
[ جَوَازُ قَتْلِ الْمُرْتَدّ الّذِي تَغَلّظَتْ رِدّتُهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ ]
وَفِيهَا مِنْ الْفِقْهِ جَوَازُ قَتْلِ الْمُرْتَدّ الّذِي تَغَلّظَتْ رِدّتُهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِتَابَةٍ فَإِنّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَهَاجَرَ ، وَكَانَ يَكْتُبُ الْوَحْيَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ ارْتَدّ وَلَحِقَ بِمَكّةَ ، فَلَمّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ أَتَى بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِيُبَايِعَهُ فَأَمْسَكَ عَنْهُ طَوِيلًا ، ثُمّ بَايَعَهُ وَقَالَ إنّمَا أَمْسَكْت عَنْهُ لِيَقُومَ إلَيْهِ بَعْضُكُمْ ، فَيَضْرِبَ عُنُقَهُ فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ هَلّا أَوْمَأْت إلَيّ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ فَقَالَ مَا يَنْبَغِي لِنَبِيّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُنِ فَهَذَا كَانَ قَدْ تَغَلّظَ كُفْرُهُ بِرِدّتِهِ بَعْدَ إيمَانِهِ وَهِجْرَتِهِ وَكِتَابَةِ الْوَحْيِ ثُمّ ارْتَدّ وَلَحِقَ بِالْمُشْرِكِينَ يَطْعَنُ عَلَى الْإِسْلَامِ وَيَعِيبُهُ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُرِيدُ قَتْلَهُ فَلَمّا جَاءَ بِهِ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ [ ص 408 ] وَكَانَ أَخَاهُ مِنْ الرّضَاعَةِ لَمْ يَأْمُرْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقَتْلِهِ حَيَاءً مِنْ عُثْمَانَ وَلَمْ يُبَايِعْهُ لِيَقُومَ إلَيْهِ بَعْضُ أَصْحَابِهِ فَيَقْتُلَهُ فَهَابُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يُقْدِمُوا عَلَى قَتْلِهِ بِغَيْرِ إذْنِهِ وَاسْتَحَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ عُثْمَانَ وَسَاعَدَ الْقَدَرُ السّابِقُ لِمَا يُرِيدُ اللّهُ سُبْحَانَهُ بِعَبْدِ اللّهِ مِمّا ظَهَرَ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ الْفُتُوحِ فَبَايَعَهُ وَكَانَ مِمّنْ اسْتَثْنَى اللّهُ بِقَوْلِهِ { كَيْفَ يَهْدِي اللّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنّ الرّسُولَ حَقّ وَجَاءَهُمُ الْبَيّنَاتُ وَاللّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظّالِمِينَ أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنّاسِ أَجْمَعِينَ خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ إِلّا الّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنّ اللّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ آلَ عِمْرَانَ 86 - 89 ] ، وَقَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا يَنْبَغِي لِنَبِيّ أَنْ تَكُونَ لَهُ خَائِنَةُ الْأَعْيُن أَيْ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يُخَالِفُ ظَاهِرُهُ بَاطِنَهُ وَلَا سِرّهُ عَلَانِيَتَهُ وَإِذَا نُفّذَ حُكْمُ اللّهِ وَأَمْرُهُ لَمْ يُومِ بِهِ بَلْ صَرّحَ بِهِ وَأَعْلَنَهُ وَأَظْهَرَهُ .
فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ حُنَيْنٍ
وَتُسَمّى غَزْوَةَ أَوْطَاسٍ وَهُمَا مَوْضِعَانِ بَيْنَ مَكّةَ وَالطّائِفِ ، فَسُمّيَتْ الْغَزْوَةُ بِاسْمِ مَكَانِهَا ، وَتُسَمّى غَزْوَةَ هَوَازِنَ ، لِأَنّهُمْ الّذِينَ أَتَوْا لِقِتَالِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَلَمّا سَمِعَتْ هَوَازِنُ بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَمَا فَتَحَ اللّهُ عَلَيْهِ مِنْ مَكّةَ ، جَمَعَهَا مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ النّصْرِيّ ، وَاجْتَمَعَ إلَيْهِ مَعَ هَوَازِنَ ثَقِيفٌ كُلّهَا ، وَاجْتَمَعَتْ إلَيْهِ مُضَرُ وَجُشَمُ كُلّهَا ، وَسَعْدُ بْنُ بَكْرٍ ، وَنَاسٌ مِنْ بَنِي هِلَالٍ ، وَهُمْ قَلِيلٌ وَلَمْ يَشْهَدْهَا مِنْ قَيْسِ عَيْلَانَ إلّا هَؤُلَاءِ وَلَمْ يَحْضُرْهَا مِنْ هَوَازِنَ كَعْبٌ وَلَا [ ص 409 ] دُرَيْدُ بْنُ الصّمّةِ شَيْخٌ كَبِيرٌ لَيْسَ فِيهِ إلّا رَأْيُهُ وَمُعْرِفَتُهُ بِالْحَرْبِ وَكَانَ شُجَاعًا مُجَرّبًا ، وَفِي ثَقِيفٍ سَيّدَانِ لَهُمْ وَفِي الْأَحْلَافِ قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ ، وَفِي بَنِي مَالِكٍ سُبَيْعُ بْنُ الْحَارِثِ وَأَخُوهُ أَحْمَرُ بْنُ الْحَارِثِ وَجِمَاعُ أَمْرِ النّاسِ إلَى مَالِكِ بْنِ عَوْفٍ النّصْرِيّ ، فَلَمّا أَجْمَعَ السّيْرَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَاقَ مَعَ النّاسِ أَمْوَالَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ فَلَمّا نَزَلَ بِأَوْطَاسٍ اجْتَمَعَ إلَيْهِ النّاسُ وَفِيهِمْ دُرَيْدُ بْنُ الصّمّةِ ، فَلَمّا نَزَلَ قَالَ بِأَيّ وَادٍ أَنْتُمْ ؟ قَالُوا : بِأَوْطَاسٍ . قَالَ نِعْمَ مَجَالُ الْخَيْلِ لَا حَزْنٌ ضِرْسٌ وَلَا سَهْلٌ دَهْسٌ مَا لِي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ وَنُهَاقَ الْحَمِيرِ وَبُكَاءَ الصّبِيّ وَيُعَارَ الشّاءِ ؟ قَالُوا : سَاقَ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ مَعَ النّاسِ نِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ . قَالَ أَيْنَ مَالِكٌ ؟ قِيلَ هَذَا مَالِكٌ وَدُعِيَ لَهُ . قَالَ يَا مَالِكُ إنّك قَدْ أَصْبَحْتَ رَئِيسَ قَوْمِك ، وَإِنّ هَذَا يَوْمٌ كَائِنٌ لَهُ مَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَيّامِ مَا لِي أَسْمَعُ رُغَاءَ الْبَعِيرِ وَنُهَاقَ الْحَمِيرِ وَبُكَاءَ الصّغِيرِ وَيُعَارَ الشّاءِ ؟ قَالَ سُقْتُ مَعَ النّاسِ أَبْنَاءَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ . قَالَ وَلِمَ ؟ قَالَ أَرَدْت أَنْ أَجْعَلَ خَلْفَ كُلّ رَجُلٍ أَهْلَهُ وَمَالَهُ لِيُقَاتِلَ عَنْهُمْ . فَقَالَ رَاعِي ضَأْنٍ وَاَللّهِ وَهَلْ يَرُدّ الْمُنْهَزِمَ شَيْءٌ إنّهَا إنْ كَانَتْ لَك لَمْ يَنْفَعْك إلّا رَجُلٌ بِسَيْفِهِ وَرُمْحِهِ وَإِنْ كَانَتْ عَلَيْكَ فُضِحْتَ فِي أَهْلِك وَمَالِك ، ثُمّ قَالَ مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَاب ٌ ؟ قَالُوا : لَمْ يَشْهَدْهَا أَحَدٌ مِنْهُمْ . قَالَ غَابَ الْحَدّ وَالْجِدّ لَوْ كَانَ يَوْمَ عَلَاءٍ وَرِفْعَةٍ لَمْ تَغِبْ عَنْهُ كَعْبٌ وَلَا كِلَابٌ وَلَوَدِدْت أَنّكُمْ فَعَلْتُمْ مَا فَعَلَتْ كَعْبٌ وَكِلَابٌ فَمَنْ شَهِدَهَا مِنْكُمْ ؟ قَالُوا : عَمْرُو بْنُ عَامِرٍ ، وَعَوْفُ بْنُ عَامِرٍ ؟ قَالَ ذَانِكَ الْجَذَعَانِ مِنْ عَامِرٍ لَا يَنْفَعَانِ وَلَا يَضُرّانِ . يَا مَالِكُ إنّك لَمْ تَصْنَعْ بِتَقْدِيمِ الْبَيْضَةِ بَيْضَةِ هَوَازِنَ [ ص 410 ] كَانَتْ لَك ، لَحِقَ بِك مَنْ وَرَاءَك ، إنْ كَانَتْ عَلَيْك ، أَلْفَاك ذَلِكَ وَقَدْ أَحْرَزْتَ أَهْلَك وَمَالَك . قَالَ وَاَللّهِ لَا أَفْعَلُ إنّك قَدْ كَبِرْت وَكَبِرَ عَقْلُكَ وَاَللّهِ لَتُطِيعُنّنِي يَا مَعْشَرَ هَوَازِنَ ، أَوْ لَأَتّكِئَنّ عَلَى هَذَا السّيْفِ حَتّى يَخْرُجَ مِنْ ظَهْرِي ، وَكَرِهَ أَنْ يَكُونَ لِدُرَيْدٍ فِيهَا ذِكْرٌ وَرَأْيٌ فَقَالُوا : أَطَعْنَاك ، فَقَالَ دُرَيْدٌ هَذَا يَوْمٌ لَمْ أَشْهَدْهُ وَلَمْ يَفُتْنِي . يَا لَيْتَنِي فِيهَا جَذَعْ أَخُبّ فِيهَا وَأَضَع
أَقُودُ وَطْفَاءَ الزّمَعْ كَأَنّهَا شَاةٌ صَدَعْ
ثُمّ قَالَ مَالِكٌ لِلنّاسِ إذَا رَأَيْتُمُوهُمْ فَاكْسِرُوا جُفُونَ سُيُوفِكُمْ ثُمّ شُدّوا شَدّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَبَعَثَ عُيُونًا مِنْ رِجَالِهِ فَأَتَوْهُ وَقَدْ تَفَرّقَتْ أَوْصَالُهُمْ قَالَ وَيْلَكُمْ مَا شَأْنُكُمْ ؟ قَالُوا : رَأَيْنَا رِجَالًا بِيضًا عَلَى خَيْلٍ بُلْقٍ وَاَللّهِ مَا تَمَاسَكْنَا أَنْ أَصَابَنَا مَا تَرَى ، فَوَاَللّهِ مَا رَدّهُ ذَلِكَ عَنْ وَجْهِهِ أَنْ مَضَى عَلَى مَا يُرِيدُ . وَلَمّا سَمِعَ بِهِمْ نَبِيّ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعَثَ إلَيْهِمْ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أَبِي حَدْرَدٍ الْأَسْلَمِيّ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْخُلَ فِي النّاسِ فَيُقِيمَ فِيهِمْ حَتّى يَعْلَمَ عِلْمَهُمْ ثُمّ يَأْتِيَهُ بِخَبَرِهِمْ فَانْطَلَقَ ابْنُ أَبِي حَدْرَدٍ فَدَخَلَ فِيهِمْ حَتّى سَمِعَ وَعَلِمَ مَا قَدْ جَمَعُوا لَهُ مِنْ حَرْبِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسَمِعَ مِنْ مَالِكٍ وَأَمْرِ هَوَازِنَ مَا هُمْ عَلَيْهِ ثُمّ أَقْبَلَ حَتّى أَتَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرَهُ الْخَبَرَ . فَلَمّا أَجْمَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ السّيْرَ إلَى هَوَازِنَ ، ذُكِرَ لَهُ أَنّ عِنْدَ صَفْوَانَ بْنِ أُمَيّةَ أَدْرَاعًا وَسِلَاحًا ، فَأَرْسَلَ إلَيْهِ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ فَقَالَ يَا أَبَا أُمَيّةَ أَعِرْنَا سِلَاحَك هَذَا نَلْقَى فِيهِ عَدُوّنَا غَدًا ، فَقَالَ صَفْوَانُ أَغَصْبًا يَا مُحَمّدُ ؟ قَالَ " بَلْ عَارِيّةٌ مَضْمُونَةٌ حَتّى نُؤَدّيَهَا إلَيْكَ " ، فَقَالَ لَيْسَ بِهَذَا بَأْسٌ فَأَعْطَاهُ مِائَةَ دِرْعٍ بِمَا يَكْفِيهَا مِنْ السّلَاحِ فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَأَلَهُ أَنْ يَكْفِيَهُمْ حَمْلَهَا ، فَفَعَلَ [ ص 411 ] خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعَهُ أَلْفَانِ مِنْ أَهْلِ مَكّةَ ، مَعَ عَشَرَةِ آلَافٍ مِنْ أَصْحَابِهِ الّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ فَفَتَحَ اللّهُ بِهِمْ مَكّةَ ، وَكَانُوا اثْنَيْ عَشَرَ أَلْفًا ، وَاسْتَعْمَلَ عَتّابَ بْنَ أَسِيدٍ عَلَى مَكّةَ أَمِيرًا ، ثُمّ مَضَى يُرِيدُ لِقَاءَ هَوَازِنَ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ عَبْدِ الرّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ ، عَنْ أَبِيهِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ ، قَالَ لَمّا اسْتَقْبَلْنَا وَادِيَ حُنَيْنٍ ، انْحَدَرْنَا فِي وَادٍ مِنْ أَوْدِيَةِ تِهَامَةَ أَجْوَفَ حَطُوطٍ إنّمَا نَنْحَدِرُ فِيهِ انْحِدَارًا . قَالَ وَفِي عَمَايَةِ الصّبْحِ وَكَانَ الْقَوْمُ سَبَقُونَا إلَى الْوَادِي ، فَكَمَنُوا لَنَا فِي شِعَابِهِ وَأَحْنَائِهِ وَمَضَايِقِهِ قَدْ أَجْمَعُوا ، وَتَهَيّئُوا ، وَأَعَدّوا فَوَاَللّهِ مَا رَاعَنَا - وَنَحْنُ مُنْحَطّونَ - إلّا الْكَتَائِبُ قَدْ شَدّوا عَلَيْنَا شَدّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَانْشَمَرَ النّاسُ رَاجِعِينَ لَا يَلْوِي أَحَدٌ مِنْهُمْ عَلَى أَحَدٍ ، وَانْحَازَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَاتَ الْيَمِينِ ثُمّ قَالَ إلَى أَيْنَ أَيّهَا النّاسُ ؟ هَلُمّ إلَيّ أَنَا رَسُولُ اللّهِ أَنَا مُحَمّدُ بْنُ عَبْدِ اللّهِ وَبَقِيَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَفَرٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَأَهْلِ بَيْتِهِ وَفِيمَنْ ثَبَتَ مَعَهُ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، وَمِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ عَلِيّ وَالْعَبّاسُ وَأَبُو سُفْيَانَ بْنُ الْحَارِثِ وَابْنُهُ وَالْفَضْلُ بْنُ الْعَبّاسِ ، وَرَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَأُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وَأَيْمَنُ ابْنُ أُمّ أَيْمَنَ ، وَقُتِلَ يَوْمَئِذٍ . قَالَ وَرَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ عَلَى جَمَلٍ لَهُ أَحْمَرَ بِيَدِهِ رَايَةٌ سَوْدَاءُ فِي رَأْسِ رُمْحٍ طَوِيلٍ أَمَامَ هَوَازِنَ ، وَهَوَازِنُ خَلْفَهُ إذَا أَدْرَكَ طَعَنَ بِرُمْحِهِ وَإِذَا فَاتَهُ النّاسُ رَفَعَ رُمْحَهُ لِمَنْ وَرَاءَهُ فَاتّبَعُوهُ فَبَيْنَا هُوَ كَذَلِكَ [ ص 412 ] أَهْوَى عَلَيْهِ عَلِيّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، وَرَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ يُرِيدَانِهِ قَالَ فَأَتَى عَلِيّ مِنْ خَلْفِهِ فَضَرَبَ عُرْقُوبَيْ الْجَمَلِ فَوَقَعَ عَلَى عَجُزِهِ وَوَثَبَ الْأَنْصَارِيّ عَلَى الرّجُلِ فَضَرَبَهُ ضَرْبَةً أَطَنّ قَدَمَهُ بِنِصْفِ سَاقِهِ فَانْجَعَفَ عَنْ رَحْلِهِ قَالَ فَاجْتَلَدَ النّاسُ . قَالَ فَوَاَللّهِ مَا رَجَعَتْ رَاجِعَةُ النّاسِ مِنْ هَزِيمَتِهِمْ حَتّى وَجَدُوا الْأُسَارَى عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَلَمّا انْهَزَمَ الْمُسْلِمُونَ وَرَأَى مَنْ كَانَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ جُفَاةِ أَهْلِ مَكّةَ الْهَزِيمَةَ تَكَلّمَ رِجَالٌ مِنْهُمْ بِمَا فِي أَنْفُسِهِمْ مِنْ الضّغْنِ فَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ بْنُ حَرْبٍ : لَا تَنْتَهِي هَزِيمَتُهُمْ دُونَ الْبَحْرِ وَإِنّ الْأَزْلَامَ لَمَعَهُ فِي كِنَانَتِهِ وَصَرَخَ جَبَلَةُ بْنُ الْحَنْبَلِ - وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ : صَوَابُهُ كَلَدَةُ - أَلَا بَطَلَ السّحْرُ الْيَوْمَ فَقَالَ لَهُ صَفْوَانُ أَخُوهُ لِأُمّهِ وَكَانَ بَعْدُ مُشْرِكًا : اُسْكُتْ فَضّ اللّهُ فَاك ، فَوَاَللّهِ لَأَنْ يَرُبّنِي رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ ، أَحَبّ إلَيّ مِنْ أَنْ يَرُبّنِي رَجُلٌ مِنْ هَوَازِنَ . وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ عَنْ شَيْبَةَ بْنِ عُثْمَانَ الْحَجَبِيّ ، قَالَ لَمّا كَانَ عَامُ الْفَتْحِ دَخَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَكّةَ عَنْوَةً قُلْت : أَسِيرُ مَعَ قُرَيْشٍ إلَى هَوَازِنَ بِحُنَيْنٍ فَعَسَى إنْ اخْتَلَطُوا أَنْ أُصِيبَ مِنْ مُحَمّدٍ غِرّةً فَأَثْأَرَ مِنْهُ فَأَكُونَ أَنَا الّذِي قُمْتُ بِثَأْرِ قُرَيْشٍ كُلّهَا ، وَأَقُولُ لَوْ لَمْ يَبْقَ مِنْ الْعَرَبِ وَالْعَجَمِ أَحَدٌ إلّا اتّبَعَ مُحَمّدًا ، مَا تَبِعْتُهُ أَبَدًا ، وَكُنْت مُرْصِدًا لَمّا خَرَجْتُ لَهُ لَا يَزْدَادُ الْأَمْرُ فِي نَفْسِي إلّا قُوّةً فَلَمّا اخْتَلَطَ النّاسُ اقْتَحَمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ بَغْلَتِهِ فَأَصْلَتَ السّيْفَ فَدَنَوْتُ أُرِيدُ مَا أُرِيدُ مِنْهُ وَرَفَعْتُ سَيْفِي حَتّى كِدْتُ أُشْعِرَهُ إيّاهُ فَرُفِعَ لِي شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ كَالْبَرْقِ كَادَ يَمْحَشُنِي ، فَوَضَعْتُ يَدَيّ عَلَى بَصَرِي خَوْفًا عَلَيْهِ فَالْتَفَتَ إلَيّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَنَادَانِي : يَا شَيْبُ اُدْنُ مِنّي " فَدَنَوْتُ مِنْهُ فَمَسَحَ صَدْرِي ، ثُمّ قَالَ " اللّهُمّ أَعِذْهُ مِنْ الشّيْطَانِ " قَالَ فَوَاَللّهِ لَهُوَ كَانَ سَاعَتَئِذٍ أَحَبّ إلَيّ مِنْ سَمْعِي ، وَبَصَرِي ، وَنَفْسِي ، وَأَذْهَبَ اللّهُ مَا كَانَ فِي نَفْسِي ، ثُمّ قَالَ " اُدْنُ فَقَاتِل [ ص 413 ] بِنَفْسِي كُلّ شَيْءٍ وَلَوْ لَقِيتُ تِلْكَ السّاعَةَ أَبِي لَوْ كَانَ حَيّا لَأَوْقَعْتُ بِهِ السّيْفَ فَجَعَلْت أَلْزَمُهُ فِيمَنْ لَزِمَهُ حَتّى تَرَاجَعَ الْمُسْلِمُونَ فَكَرّوا كَرّةَ رَجُلٍ وَاحِدٍ وَقُرّبَتْ بَغْلَةُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَاسْتَوَى عَلَيْهَا ، وَخَرَجَ فِي أَثَرِهِمْ حَتّى تَفَرّقُوا فِي كُلّ وَجْهٍ وَرَجَعَ إلَى مُعَسْكَرِهِ فَدَخَلَ خِبَاءَهُ فَدَخَلْتُ عَلَيْهِ مَا دَخَلَ عَلَيْهِ أَحَدٌ غَيْرِي حُبّا لِرُؤْيَةِ وَجْهِهِ وَسُرُورًا بِهِ فَقَالَ يَا شَيْبُ الّذِي أَرَادَ اللّهُ بِكَ خَيْرٌ مِمّا أَرَدْتَ لِنَفْسِكَ " ، ثُمّ حَدّثَنِي بِكُلّ مَا أَضْمَرْتُ فِي نَفْسِي مَا لَمْ أَكُنْ أَذْكُرُهُ لِأَحَدٍ قَطّ قَالَ فَقُلْتُ فَإِنّي أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ ، وَأَنّكَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ قُلْت : اسْتَغْفِرْ لِي . فَقَالَ " غَفَرَ اللّهُ لَكَ وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي الزّهْرِيّ ، عَنْ كَثِيرِ بْنِ الْعَبّاسِ ، عَنْ أَبِيهِ الْعَبّاسِ بْنِ عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، قَالَ إنّي لَمَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ آخِذٌ بِحَكَمَةِ بَغْلَتِهِ الْبَيْضَاءِ قَدْ شَجَرْتُهَا بِهَا ، وَكُنْت امْرَءًا جَسِيمًا شَدِيدَ الصّوْتِ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ حَيْنَ رَأَى مَا رَأَى مِنْ النّاسِ إلَى أَيْنَ أَيّهَا النّاسُ ؟ " قَالَ فَلَمْ أَرَ النّاسَ يَلْوُونَ عَلَى شَيْءٍ فَقَالَ " يَا عَبّاسُ اُصْرُخْ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ، يَا مَعْشَرَ أَصْحَابِ السّمُرَةِ " ، فَأَجَابُوا : لَبّيْكَ لَبّيْكَ قَالَ فَيَذْهَبُ الرّجُلُ لِيُثْنِيَ بَعِيرَهُ فَلَا يَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ فَيَأْخُذُ دِرْعَهُ فَيَقْذِفُهَا فِي عُنُقِهِ وَيَأْخُذُ سَيْفَهُ وَقَوْسَهُ وَتُرْسَهُ وَيَقْتَحِمُ عَنْ بَعِيرِهِ وَيُخَلّي سَبِيلَهُ وَيَؤُمّ الصّوْتَ حَتّى يَنْتَهِيَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى إذَا اجْتَمَعَ إلَيْهِ مِنْهُمْ مِائَةٌ اسْتَقْبَلُوا النّاسَ فَاقْتَتَلُوا فَكَانَتْ الدّعْوَةُ أَوّلَ مَا كَانَتْ يَا لَلْأَنْصَارِ ثُمّ خَلَصَتْ آخِرًا : يَا لَلْخَزْرَجِ وَكَانُوا صُبُرًا عِنْدَ الْحَرْبِ فَأَشْرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي رَكَائِبِهِ فَنَظَرَ إلَى مُجْتَلَدِ الْقَوْمِ وَهُمْ يَجْتَلِدُونَ فَقَالَ الْآنَ حَمِيَ الْوَطِيسُ وَزَادَ غَيْرُهُ . [ ص 414 ] أَنَا النّبِيّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطّلِبْ
وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " : ثُمّ أَخَذَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَصَيَاتٍ فَرَمَى بِهَا . فِي وُجُوهِ الْكُفّارِ ثُمّ قَالَ انْهَزَمُوا وَرَبّ مُحَمّدٍ فَمَا هُوَ إلّا أَنْ رَمَاهُمْ فَمَا زِلْتُ أَرَى حَدّهُمْ كَلِيلًا ، وَأَمْرَهُمْ مُدْبِرًا . وَفِي لَفْظٍ لَهُ إنّهُ نَزَلَ عَنْ الْبَغْلَةِ ثُمّ قَبَضَ قَبْضَةً مِنْ تُرَابِ الْأَرْضِ ثُمّ اسْتَقْبَلَ بِهَا وُجُوهَهُمْ وَقَالَ شَاهَتْ الْوُجُوهُ فَمَا خَلَقَ اللّهُ مِنْهُمْ إنْسَانًا إلّا مَلَأَ عَيْنَيْهِ تُرَابًا بِتِلْكَ الْقَبْضَةِ فَوَلّوْا مُدْبِرِينَ . وَذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ عَنْ جُبَيْرِ بْنِ مُطْعِمٍ ، قَالَ لَقَدْ رَأَيْت - قَبْلَ هَزِيمَةِ الْقَوْمِ وَالنّاسُ يَقْتَتِلُونَ يَوْمَ حُنَيْنٍ - مِثْلَ الْبِجَادِ الْأَسْوَدِ أَقْبَلَ مِنْ السّمَاءِ حَتّى سَقَطَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ فَنَظَرْتُ فَإِذَا نَمْلٌ أَسْوَدُ مَبْثُوثٌ قَدْ مَلَأَ الْوَادِيَ فَلَمْ يَكُنْ إلّا هَزِيمَةَ الْقَوْمِ فَلَمْ أَشُكّ أَنّهَا الْمَلَائِكَةُ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَلَمّا انْهَزَمَ الْمُشْرِكُونَ أَتَوْا الطّائِفَ ، وَمَعَهُمْ مَالِكُ بْنُ عَوْفٍ وَعَسْكَرَ بَعْضُهُمْ بِأَوْطَاسٍ وَتَوَجّهَ بَعْضُهُمْ نَحْوَ نَخْلَةَ ، وَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي آثَارِ مَنْ تَوَجّهَ قِبَلَ أَوْطَاسٍ أَبَا عَامِرٍ الْأَشْعَرِيّ فَأَدْرَكَ مِنْ النّاسِ بَعْضَ مَنْ انْهَزَمَ فَنَاوَشُوهُ الْقِتَالَ فَرُمِيَ بِسَهْمٍ فَقُتِلَ فَأَخَذَ الرّايَةَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيّ وَهُوَ ابْنُ أَخِيهِ فَقَاتَلَهُمْ فَفَتَحَ اللّهُ عَلَيْهِ فَهَزَمَهُمْ اللّهُ وَقَتَلَ قَاتِلَ أَبِي عَامِرٍ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ اللّهُمّ اغْفِرْ لِعُبَيْدٍ أَبِي عَامِرٍ وَأَهْلِهِ وَاجْعَلْهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَوْقَ كَثِيرٍ مِنْ خَلْقِكَ وَاسْتَغْفَرَ لِأَبِي مُوسَى . [ ص 415 ] ثَقِيفٍ ، وَأَمَرَ رَسُولُ اللّه صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالسّبْيِ وَالْغَنَائِمِ أَنْ تُجْمَعَ فَجُمِعَ ذَلِكَ كُلّهُ وَوَجّهُوهُ إلَى الْجِعِرّانَةِ ، وَكَانَ السّبْيُ سِتّةَ آلَافِ رَأْسٍ وَالْإِبِلُ أَرْبَعَةً وَعِشْرِينَ أَلْفًا ، وَالْغَنَمُ أَكْثَرَ مِنْ أَرْبَعِينَ أَلْفَ شَاةٍ وَأَرْبَعَةَ آلَافِ أُوقِيّةً فِضّةً فَاسْتَأْنَى بِهِمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَقْدَمُوا عَلَيْهِ مُسْلِمِينَ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً .
[ أَعْطَى صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمُؤَلّفَةَ قُلُوبُهُمْ
أَوّلَ النّاسِ مِنْهُمْ أَبُو سُفْيَانَ وَحَكِيمُ بْنُ حِزَامٍ ]
ثُمّ بَدَأَ بِالْأَمْوَالِ فَقَسَمَهَا ، وَأَعْطَى الْمُؤَلّفَةَ قُلُوبُهُمْ أَوّلَ النّاسِ فَأَعْطَى أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ أَرْبَعِينَ أُوقِيّةً وَمِائَةً مِنْ الْإِبِلِ فَقَالَ ابْنِي يَزِيدُ ؟ فَقَالَ " أعْطوُهُ أَرْبَعِينَ أُوقِيّةً وَمِائَةً مِنْ الْإِبِلِ " ، فَقَالَ ابْنِي مُعَاوِيَةُ ؟ قَالَ " أَعْطُوهُ أَرْبَعِينَ أُوقِيّةً وَمِائَةً مِنْ الْإِبِلِ " ، وَأَعْطَى حَكِيمَ بْنَ حِزَامٍ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ ثُمّ سَأَلَهُ مِائَةً أُخْرَى فَأَعْطَاهُ وَأَعْطَى النّضْرَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ كَلَدَةَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ وَأَعْطَى الْعَلَاءَ بْنَ حَارِثَةَ الثّقَفِيّ خَمْسِينَ وَذَكَرَ أَصْحَابَ الْمِائَةِ - وَأَصْحَابَ الْخَمْسِينَ - وَأَعْطَى الْعَبّاسَ بْنَ مِرْدَاسٍ أَرْبَعِينَ فَقَالَ فِي ذَلِكَ شِعْرًا ، فَكَمّلَ لَهُ الْمِائَةَ . ثُمّ أَمَرَ زَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ بِإِحْصَاءِ الْغَنَائِمِ وَالنّاسِ ثُمّ فَضّهَا عَلَى النّاسِ فَكَانَتْ سِهَامُهُمْ لِكُلّ رَجُلٍ أَرْبَعًا مِنْ الْإِبِلِ وَأَرْبَعِينَ شَاةً . فَإِنْ كَانَ فَارِسًا أَخَذَ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا وَعِشْرِينَ وَمِائَةَ شَاةٍ .
[ إرْضَاؤُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْأَنْصَارَ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ ، عَنْ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيّ قَالَ لَمّا أَعْطَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَا أَعْطَى مِنْ تِلْكَ الْعَطَايَا فِي قُرَيْشٍ ، وَفِي قَبَائِلِ الْعَرَبِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ وَجَدَ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتّى كَثُرَتْ فِيهِمْ الْقَالَةُ حَتّى قَالَ قَائِلُهُمْ لَقِيَ وَاَللّهِ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَوْمَهُ فَدَخَلَ عَلَيْهِ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ قَدْ وَجَدُوا عَلَيْك فِي أَنْفُسِهِمْ لِمَا صَنَعْتَ فِي هَذَا الْفَيْءِ الّذِي [ ص 416 ] الْعَرَبِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْهَا شَيْءٌ . قَالَ فَأَيْنَ أَنْتَ مِنْ ذَلِكَ يَا سَعْدُ " قَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ مَا أَنَا إلّا مِنْ قَوْمِي . قَالَ فَاجْمَعْ لِي قَوْمَكَ فِي هَذِهِ الْحَظِيرَةِ ؟ قَالَ فَجَاءَ رِجَالٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ فَتَرَكَهُمْ فَدَخَلُوا ، وَجَاءَ آخَرُونَ فَرَدّهُمْ فَلَمّا اجْتَمَعُوا ، أَتَى سَعْدٌ فَقَالَ قَدْ اجْتَمَعَ لَك هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَأَتَاهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمّ قَالَ " يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ مَا قَالَةٌ بَلَغَتْنِي عَنْكُمْ وَجِدَةٌ وَجَدْتُمُوهَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَلَمْ آتِكُمْ ضُلّالًا فَهَدَاكُمْ اللّهُ بِي ، وَعَالَةً فَأَغْنَاكُمْ اللّهُ بِي ، وَأَعْدَاءً فَأَلّفَ اللّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ ؟ " قَالُوا : اللّهُ وَرَسُولُهُ أَمَنّ وَأَفْضَلُ . ثُمّ قَالَ " أَلَا تُجِيبُونِي يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ ؟ قَالُوا : بِمَاذَا نُجِيبُك يَا رَسُولَ اللّهِ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ الْمَنّ وَالْفَضْلُ . قَالَ " أَمَا وَاَللّهِ لَوْ شِئْتُمْ لَقُلْتُمْ فَلَصَدَقْتُمْ وَلَصُدّقْتُمْ أَتَيْتَنَا مُكَذّبًا فَصَدّقْنَاكَ وَمَخْذُولًا فَنَصَرْنَاكَ وَطَرِيدًا فَآوَيْنَاكَ وَعَائِلًا فَآسَيْنَاكَ أَوَجَدْتُمْ عَلَيّ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ فِي أَنْفُسِكُمْ فِي لُعَاعَةٍ مِنْ الدّنْيَا تَأَلّفْتُ بِهَا قَوْمًا لِيُسْلِمُوا ، وَوَكَلْتُكُمْ إلَى إسْلَامِكُمْ أَلَا تَرْضَوْنَ يَا مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ أَنْ يَذْهَبَ النّاسُ بِالشّاءِ وَالْبَعِيرِ وَتَرْجِعُونَ بِرَسُولِ اللّهِ إلَى رِحَالِكُمْ فَوَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ لَمَا تَنْقَلِبُونَ بَهْ خَيْرٌ مِمّا يَنْقَلِبُونَ بِهِ وَلَوْلَا الْهِجْرَةُ لَكُنْتُ امْرَءًا مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَلَوْ سَلَكَ النّاسُ شِعْبًا وَوَادِيًا ، وَسَلَكَتْ الْأَنْصَارُ شِعْبًا وَوَادِيًا لَسَلَكْتُ شِعْبَ الْأَنْصَارِ وَوَادِيَهَا ، الْأَنْصَارُ شِعَارٌ وَالنّاسُ دِثَارٌ اللّهُمّ ارْحَمْ الْأَنْصَارَ وَأَبْنَاءَ الْأَنْصَارِ ، وَأَبْنَاءَ أَبْنَاءِ الْأَنْصَارِ " قَالَ فَبَكَى الْقَوْمُ حَتّى أَخْضَلُوا لِحَاهُمْ وَقَالُوا : رَضِينَا بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَسْمًا وَحَظّا ، ثُمّ انْصَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَتَفَرّقُوا
[ قُدُومُ أُخْتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الرّضَاعَةِ ]
وَقَدِمَتْ الشّيْمَاءُ بِنْتُ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْعُزّى أُخْتُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ [ ص 417 ] فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّي أُخْتُك مِنْ الرّضَاعَةِ قَالَ وَمَا عَلَامَةُ ذَلِكَ ؟ قَالَتْ عَضّةٌ عَضَضْتَنِيهَا فِي ظَهْرِي ، وَأَنَا مُتَوَرّكَتُك . قَالَ فَعَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعَلَامَةَ فَبَسَطَ لَهَا رِدَاءَهُ وَأَجْلَسَهَا عَلَيْهِ وَخَيّرَهَا ، فَقَالَ إنْ أَحْبَبْتِ الْإِقَامَةَ فَعِنْدِي مُحَبّبَةً مُكَرّمَةً وَإِنْ أَحْبَبْتِ أَنْ أُمَتّعَكِ فَتَرْجِعِي إلَى قَوْمِكِ " ؟ قَالَتْ بَلْ تُمَتّعُنِي وَتَرُدّنِي إلَى قَوْمِي ، فَفَعَلَ فَزَعَمَتْ بَنُو سَعْدٍ أَنّهُ أَعْطَاهَا غُلَامًا يُقَالُ لَهُ مَكْحُولٌ وَجَارِيَةً فَزَوّجَتْ إحْدَاهُمَا مِنْ الْآخَرِ فَلَمْ يَزَلْ فِيهِمْ مِنْ نَسْلِهِمَا بَقِيّةٌ . وَقَالَ أَبُو عُمَرَ فَأَسْلَمَتْ فَأَعْطَاهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثَلَاثَةَ أَعْبُدٍ وَجَارِيَةً وَنَعَمًا ، وَشَاءً وَسَمّاهَا حُذَافَةَ . وَقَالَ وَالشّيْمَاءُ لَقَبٌ .
فَصْلٌ [ قُدُومُ وَفْدِ هَوَازِنَ ]
وَقَدِمَ وَفْدُ هَوَازِنَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُمْ أَرْبَعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ، وَرَأْسُهُمْ زُهَيْرُ بْنُ صُرَدٍ ، وَفِيهِمْ أَبُو بُرْقَانَ عَمّ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الرّضَاعَةِ فَسَأَلُوهُ أَنْ يَمُنّ عَلَيْهِمْ بِالسّبْيِ وَالْأَمْوَالِ فَقَالَ إنّ مَعِي مَنْ تَرَوْنَ ، وَإِنّ أَحَبّ الْحَدِيثِ إلَيّ أَصْدَقُهُ فَأَبْنَاؤُكُمْ وَنِسَاؤُكُمْ أَحَبّ إلَيْكُمْ أَمْ أَمْوَالُكُمْ ؟ " قَالُوا : مَا كُنّا نَعْدِلُ بِالْأَحْسَابِ شَيْئًا فَقَالَ إذَا صَلّيْتُ الْغَدَاةَ فَقُومُوا فَقُولُوا : إنّا نَسْتَشْفِعُ بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمُؤْمِنِينَ وَنَسْتَشْفِعُ بِالْمُؤْمِنِينَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَرُدّوا عَلَيْنَا سَبْيَنَا " ، فَلَمّا صَلّى الْغَدَاةَ قَامُوا فَقَالُوا ذَلِكَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمّا مَا كَانَ لِي وَلِبَنِي عَبْدِ الْمُطّلِبِ ، فَهُوَ لَكُمْ وَسَأَسْأَلُ لَكُمْ النّاسَ فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ وَالْأَنْصَارُ : مَا كَانَ لَنَا فَهُوَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ أَمّا أَنَا وَبَنُو تَمِيمٍ ، فَلَا ، وَقَالَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنٍ أَمّا أَنَا وَبَنُو فَزَارَةَ فَلَا وَقَالَ الْعَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ : أَمَا أَنَا وَبَنُو سُلَيْمٍ ، فَلَا ، فَقَالَتْ بَنُو سُلَيْمٍ : مَا كَانَ لَنَا ، فَهُوَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ الْعَبّاسُ بْنُ مِرْدَاسٍ : وَهّنْتُمُونِي ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " إنّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ قَدْ جَاءُوا مُسْلِمِينَ وَقَدْ كُنْتُ اسْتَأْنَيْتُ سَبْيَهُمْ وَقَدْ خَيّرْتُهُمْ فَلَمْ يَعْدِلُوا بِالْأَبْنَاءِ وَالنّسَاءِ شَيْئًا ، فَمَنْ كَانَ عِنْدَهُ مِنْهُنّ شَيْءٌ فَطَابَتْ نَفْسُهُ بِأَنْ يَرُدّهُ فَسَبِيلُ ذَلِكَ وَمَنْ أَحَبّ أَنْ يَسْتَمْسِكَ بِحَقّهِ فَلْيَرُدّ عَلَيْهِمْ وَلَهُ بِكُلّ فَرِيضَةٍ سِتّ فَرَائِضَ مِنْ أَوّلِ مَا يَفِيءُ اللّهُ عَلَيْنَا ، فَقَالَ النّاسُ قَدْ طَيّبْنَا لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ . فَقَالَ إنّا لَا نَعْرِفُ مَنْ رَضِيَ مِنْكُمْ مِمّنْ لَمْ يَرْضَ فَارْجِعُوا حَتّى يَرْفَعَ إلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ فَرَدّوا عَلَيْهِمْ نِسَاءَهُمْ وَأَبْنَاءَهُمْ [ ص 418 ] أَحَدٌ غَيْرُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ فَإِنّهُ أَبَى أَنْ يَرُدّ عَجُوزًا صَارَتْ فِي يَدَيْهِ ثُمّ رَدّهَا بَعْدَ ذَلِكَ وَكَسَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ السّبْيَ قُبْطِيّةً قُبْطِيّةً .
فَصْلٌ فِي الْإِشَارَةِ إلَى بَعْضِ مَا تَضَمّنَتْهُ هَذِهِ الْغَزْوَةُ مِنْ الْمَسَائِلِ الْفِقْهِيّةِ وَالنّكَتِ الْحِكْمِيّةِ
[ تَسَبّبَتْ حَرْبُ هَوَازِنَ لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي إظْهَارِ أَمْرِ اللّهِ ]
كَانَ اللّهُ عَزّ وَجَلّ قَدْ وَعَدَ رَسُولَهُ وَهُوَ صَادِقُ الْوَعْدِ أَنّهُ إذَا فَتَحَ مَكّةَ ، دَخَلَ النّاسُ فِي دِينِهِ أَفْوَاجًا ، وَدَانَتْ لَهُ الْعَرَبُ بِأَسْرِهَا ، فَلَمّا تَمّ لَهُ الْفَتْحُ الْمُبِينُ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعَالَى أَنْ أَمْسَكَ قُلُوبَ هَوَازِنَ وَمَنْ تَبِعَهَا عَنْ الْإِسْلَامِ وَأَنْ يَجْمَعُوا وَيَتَأَلّبُوا لِحَرْبِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْمُسْلِمِينَ لِيَظْهَرَ أَمْرُ اللّهِ وَتَمَامُ إعْزَازِهِ لِرَسُولِهِ وَنَصْرِهِ لِدِينِهِ وَلِتَكُونَ غَنَائِمُهُمْ شُكْرَانًا لِأَهْلِ الْفَتْحِ وَلِيُظْهِرَ اللّهُ - سُبْحَانَهُ - رَسُولَهُ وَعِبَادَهُ وَقَهْرَهُ لِهَذِهِ الشّوْكَةِ الْعَظِيمَةِ الّتِي لَمْ يَلْقَ الْمُسْلِمُونَ مِثْلَهَا ، فَلَا يُقَاوِمُهُمْ بَعْدُ أَحَدٌ مِنْ الْعَرَبِ ، وَلِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحِكَمِ الْبَاهِرَةِ الّتِي تَلُوحُ لِلْمُتَأَمّلِينَ وَتَبْدُو لِلْمُتَوَسّمِينَ . وَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ سُبْحَانَهُ أَنْ أَذَاقَ الْمُسْلِمِينَ أَوّلًا مَرَارَةَ الْهَزِيمَةِ وَالْكَسْرَةِ مَعَ كَثْرَةِ عَدَدِهِمْ وَعُدَدِهِمْ وَقُوّةِ شَوْكَتِهِمْ لِيُطامِنَ رُءُوسًا رُفِعَتْ بِالْفَتْحِ وَلَمْ تَدْخُلْ [ ص 419 ] بَلَدَهُ وَحَرَمَهُ كَمَا دَخَلَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَاضِعًا رَأْسَهُ مُنْحَنِيًا عَلَى فَرَسِهِ حَتّى إنّ ذَقْنَهُ تَكَادُ تَمَسّ سُرُجَهُ تَوَاضُعًا لِرَبّهِ وَخُضُوعًا لِعَظَمَتِهِ وَاسْتِكَانَةً لِعِزّتِهِ أَنْ أَحَلّ لَهُ حَرَمَهُ وَبَلَدَهُ وَلَمْ يَحِلّ لِأَحَدٍ قَبْلَهُ وَلَا لِأَحَدٍ بَعْدَهُ وَلِيُبَيّنَ سُبْحَانَهُ لِمَنْ قَالَ لَنْ نُغْلَبَ الْيَوْمَ عَنْ قِلّةٍ أَنّ النّصْرَ إنّمَا هُوَ مِنْ عِنْدِهِ وَأَنّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ فَلَا غَالِبَ لَهُ وَمَنْ يَخْذُلُهُ فَلَا نَاصِرَ لَهُ غَيْرُهُ وَأَنّهُ سُبْحَانَهُ هُوَ الّذِي تَوَلّى نَصْرَ رَسُولِهِ وَدِينِهِ لَا كَثْرَتُكُمْ الّتِي أَعْجَبَتْكُمْ فَإِنّهَا لَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا ، فَوَلّيْتُمْ مُدْبِرِينَ فَلَمّا انْكَسَرَتْ قُلُوبُهُمْ أُرْسِلَتْ إلَيْهَا خِلَعُ الْجَبْرِ مَعَ بَرِيدِ النّصْرِ { ثُمّ أَنْزَلَ اللّهُ سَكِينَتَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَعَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَأَنْزَلَ جُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا } وَقَدْ اقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ أَنّ خِلَعَ النّصْرِ وَجَوَائِزَهُ إنّمَا تَفِيضُ عَلَى أَهْلِ الِانْكِسَارِ { وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنّ عَلَى الّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ وَنُمَكّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُمْ مَا كَانُوا يَحْذَرُونَ } [ الْقَصَصَ 6 ] .
[ الْإِكْرَامُ بِالْغَنَائِمِ الْكَثِيرَةِ بَعْدَ أَنْ مُنِعُوا غَنَائِمَ مَكّةَ ]
وَمِنْهَا : أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ لَمّا مَنَعَ الْجَيْشَ غَنَائِمَ مَكّةَ ، فَلَمْ يَغْنَمُوا مِنْهَا ذَهَبًا ، وَلَا فِضّةً وَلَا مَتَاعًا ، وَلَا سَبْيًا ، وَلَا أَرْضًا كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُدَ ، عَنْ وَهْبِ بْنِ مُنَبّهٍ ، قَالَ سَأَلْت جَابِرًا : هَلْ غَنِمُوا يَوْمَ الْفَتْحِ شَيْئًا ؟ قَالَ لَا وَكَانُوا قَدْ فَتَحُوهَا بِإِيجَافِ الْخَيْلِ وَالرّكَابِ وَهُمْ عَشَرَةُ آلَافٍ وَفِيهِمْ حَاجَةٌ إلَى مَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ الْجَيْشُ مِنْ أَسْبَابِ الْقُوّةِ فَحَرّكَ سُبْحَانَهُ قُلُوبَ الْمُشْرِكِينَ لِغَزْوِهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمْ إخْرَاجَ أَمْوَالِهِمْ وَنَعَمِهِمْ وَشَائِهِمْ وَسَبْيِهِمْ مَعَهُمْ نُزُلًا ، وَضِيَافَةً وَكَرَامَةً لِحِزْبِهِ وَجُنْدِهِ وَتَمّمَ تَقْدِيرَهُ سُبْحَانَهُ بِأَنْ أَطْمَعَهُمْ فِي الظّفَرِ وَأَلَاحَ لَهُمْ مَبَادِئَ النّصْرِ لِيَقْضِيَ اللّهُ أَمْرًا كَانَ مَفْعُولًا ، فَلَمّا أَنْزَلَ اللّهُ نَصْرَهُ عَلَى رَسُولِهِ وَأَوْلِيَائِهِ وَبَرَدَتْ الْغَنَائِمُ لِأَهْلِهَا ، وَجَرَتْ فِيهَا سِهَامُ اللّهِ وَرَسُولِهِ قِيلَ لَا حَاجَةَ لَنَا فِي دِمَائِكُمْ وَلَا فِي نِسَائِكُمْ وَذَرَارِيّكُمْ فَأَوْحَى اللّهُ سُبْحَانَهُ إلَى قُلُوبِهِمْ التّوْبَةَ وَالْإِنَابَةَ فَجَاءُوا مُسْلِمِينَ . فَقِيلَ إنّ مِنْ شُكْرِ إسْلَامِكُمْ وَإِتْيَانِكُمْ أَنْ نَرُدّ عَلَيْكُمْ [ ص 420 ] نِسَاءَكُمْ وَأَبْنَاءَكُمْ وَسَبْيَكُمْ وَ { إِنْ يَعْلَمِ اللّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْرًا يُؤْتِكُمْ خَيْرًا مِمّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ الْأَنْفَالَ 70 ] .
[ اشْتِرَاكُ الْمَلَائِكَةِ فِي غَزْوَتَيْ بَدْرٍ وَحُنَيْنٍ ]
وَمِنْهَا : أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ افْتَتَحَ غَزْوَ الْعَرَبِ بِغَزْوَةِ بَدْرٍ ، وَخَتَمَ غَزْوَهُمْ بِغَزْوَةِ حُنَيْنٍ ، وَلِهَذَا يُقْرَنُ بَيْنَ هَاتَيْنِ الْغَزَاتَيْنِ بِالذّكْرِ فَيُقَالُ بَدْرٌ وَحُنَيْنٌ ، وَإِنْ كَانَ بَيْنَهُمَا سَبْعُ سِنِينَ وَالْمَلَائِكَةُ قَاتَلَتْ بِأَنْفُسِهَا مَعَ الْمُسْلِمِينَ فِي هَاتَيْنِ الْغَزَاتَيْنِ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَمَى فِي وُجُوهِ الْمُشْرِكِينَ بِالْحَصْبَاءِ فِيهِمَا ، وَبِهَاتَيْنِ الْغَزَاتَيْنِ طُفِئَت جَمْرَةُ الْعَرَبِ لِغَزْوِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَالْمُسْلِمِينَ فَالْأُولَى : خَوّفَتْهُمْ وَكَسَرَتْ مِنْ حَدّهِمْ وَالثّانِيَةُ اسْتَفْرَغَتْ قُوَاهُمْ وَاسْتَنْفَدَتْ سِهَامَهُمْ وَأَذَلّتْ جَمْعَهُمْ حَتّى لَمْ يَجِدُوا بُدّا مِنْ الدّخُولِ فِي دِينِ اللّهِ . وَمِنْهَا : أَنّ اللّهَ سُبْحَانَهُ جَبَرَ بِهَا أَهْلَ مَكّةَ ، وَفَرّحَهُمْ بِمَا نَالُوهُ مِنْ النّصْرِ وَالْمَغْنَمِ فَكَانَتْ كَالدّوَاءِ لِمَا نَالَهُمْ مِنْ كَسْرِهِمْ وَإِنْ كَانَ عَيْنَ جَبْرِهِمْ وَعَرّفَهُمْ تَمَامَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِمْ بِمَا صَرَفَ عَنْهُمْ مِنْ شَرّ هَوَازِنَ ، فَإِنّهُ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ بِهِمْ طَاقَةٌ وَإِنّمَا نُصِرُوا عَلَيْهِمْ بِالْمُسْلِمِينَ وَلَوْ أُفْرِدُوا عَنْهُمْ لَأَكَلَهُمْ عَدُوّهُمْ إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْحِكَمِ الّتِي لَا يُحِيطُ بِهَا إلّا اللّهُ تَعَالَى .
فَصْلٌ [ إيجَابُ بَعْثِ الْعُيُونِ وَالسّيْرِ إلَى الْعَدُوّ إذَا سَمِعَ بِقَصْدِهِ لَهُ ]
وَفِيهَا : مِنْ الْفِقْهِ أَنّ الْإِمَامَ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَبْعَثَ الْعُيُونَ وَمَنْ يَدْخُلُ بَيْنَ عَدُوّهِ لِيَأْتِيَهُ بِخَبَرِهِمْ وَأَنّ الْإِمَامَ إذَا سَمِعَ بِقَصْدِ عَدُوّهِ لَهُ وَفِي جَيْشِهِ قُوّةٌ وَمَنَعَةٌ لَا يَقْعُدُ يَنْتَظِرُهُمْ بَلْ يَسِيرُ إلَيْهِمْ كَمَا سَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى هَوَازِنَ حَتّى لَقِيَهُمْ بِحُنَيْنٍ .
[ جَوَازُ اسْتِعَارَةِ سِلَاحِ الْمُشْرِكِينَ ]
وَمِنْهَا : أَنّ الْإِمَامَ لَهُ أَنْ يَسْتَعِيرَ سِلَاحَ الْمُشْرِكِينَ وَعُدّتَهُمْ لِقِتَالِ عَدُوّهِ كَمَا اسْتَعَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَدْرَاعَ صَفْوَانَ وَهُوَ يَوْمَئِذٍ مُشْرِكٌ .
[ مِنْ تَمَامِ التّوَكّلِ اسْتِعْمَالُ الْأَسْبَابِ ]
وَمِنْهَا : أَنّ مِنْ تَمَامِ التّوَكّلِ اسْتِعْمَالَ الْأَسْبَابِ الّتِي نَصَبَهَا اللّهُ لِمُسَبّبَاتِهَا قَدَرًا وَشَرْعًا ، فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَصْحَابَهُ أَكْمَلُ الْخَلْقِ تَوَكّلًا ، وَإِنّمَا كَانُوا يَلْقَوْنَ عَدُوّهُمْ وَهُمْ مُتَحَصّنُونَ بِأَنْوَاعِ السّلَاحِ وَدَخَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَكّةَ ، وَالْبَيْضَةُ [ ص 421 ] أَنْزَلَ اللّهُ عَلَيْهِ { وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ } [ الْمَائِدَةَ 67 ] . وَكَثِيرٌ مِمّنْ لَا تَحْقِيقَ عِنْدَهُ وَلَا رُسُوخَ فِي الْعِلْمِ يَسْتَشْكِلُ هَذَا ، وَيَتَكَايَسُ فِي الْجَوَابِ تَارَةً بِأَنّ هَذَا فَعَلَهُ تَعْلِيمًا لِلْأُمّةِ وَتَارَةً بِأَنّ هَذَا كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ . وَوَقَعَتْ فِي مِصْرَ مَسْأَلَةٌ سَأَلَ عَنْهَا بَعْضُ الْأُمَرَاءِ وَقَدْ ذُكِرَ لَهُ حَدِيثٌ ذَكَرَهُ أَبُو الْقَاسِمِ بْنُ عَسَاكِرَ فِي " تَارِيخِهِ الْكَبِيرِ " أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ بَعْدَ أَنْ أَهْدَتْ لَهُ الْيَهُودِيّةُ الشّاةَ الْمَسْمُومَةَ لَا يَأْكُلُ طَعَامًا قُدّمَ لَهُ حَتّى يَأْكُلَ مِنْهُ مَنْ قَدّمَهُ . قَالُوا : وَفِي هَذَا أُسْوَةٌ لِلْمُلُوكِ فِي ذَلِكَ . فَقَالَ قَائِلٌ كَيْفَ يُجْمَعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ قَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاللّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّاسِ } فَإِذَا كَانَ اللّهُ سُبْحَانَهُ قَدْ ضَمِنَ لَهُ الْعِصْمَةَ فَهُوَ يَعْلَمُ أَنّهُ لَا سَبِيلَ لِبَشَرٍ إلَيْهِ . وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ بِأَنّ هَذَا يَدُلّ عَلَى ضَعْفِ الْحَدِيثِ وَبَعْضُهُمْ بِأَنّ هَذَا كَانَ قَبْلَ نُزُولِ الْآيَةِ فَلَمّا نَزَلَتْ لَمْ يَكُنْ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ بَعْدَهَا . وَلَوْ تَأَمّلَ هَؤُلَاءِ أَنّ ضَمَانَ اللّهِ لَهُ الْعِصْمَةَ لَا يُنَافِي تَعَاطِيَهُ لِأَسْبَابِهَا ، لَأَغْنَاهُمْ عَنْ هَذَا التّكَلّفِ فَإِنّ هَذَا الضّمَانَ لَهُ مِنْ رَبّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى لَا يُنَاقِضُ احْتِرَاسَهُ مِنْ النّاسِ وَلَا يُنَافِيهِ كَمَا أَنّ إخْبَارَ اللّهِ سُبْحَانَهُ لَهُ بِأَنّهُ يُظْهِرُ دِينَهُ عَلَى الدّينِ كُلّهِ وَيُعْلِيهِ لَا يُنَاقِضُ أَمْرَهُ بِالْقِتَالِ وَإِعْدَادِ الْعُدّةِ وَالْقُوّةِ وَرِبَاطِ الْخَيْلِ وَالْأَخْذِ بِالْجِدّ وَالْحَذَرِ وَالِاحْتِرَاسِ مِنْ عَدُوّهِ وَمُحَارَبَتِهِ بِأَنْوَاعِ الْحَرْبِ وَالتّوْرِيَةِ فَكَانَ إذَا أَرَادَ الْغَزْوَةَ وَرّى بِغَيْرِهَا ، وَذَلِكَ لِأَنّ هَذَا إخْبَارٌ مِنْ اللّهِ سُبْحَانَهُ عَنْ عَاقِبَةِ حَالِهِ وَمَآلِهِ بِمَا يَتَعَاطَاهُ مِنْ الْأَسْبَابِ الّتِي جَعَلَهَا اللّهُ مُفْضِيَةً إلَى ذَلِكَ مُقْتَضِيَةً لَهُ وَهُوَ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَعْلَمُ بِرَبّهِ وَأَتْبَعُ لِأَمْرِهِ مِنْ أَنْ يُعَطّلَ الْأَسْبَابَ الّتِي جَعَلَهَا اللّهُ لَهُ بِحِكْمَتِهِ مُوجِبَةً لِمَا وَعَدَهُ بِهِ مِنْ النّصْرِ وَالظّفَرِ إظْهَارِ دِينِهِ وَغَلَبَتِهِ لِعَدُوّهِ وَهَذَا كَمَا أَنّهُ سُبْحَانَهُ ضَمِنَ لَهُ حَيَاتَهُ حَتّى يُبَلّغَ رِسَالَاتِهِ وَيُظْهِرَ دِينَهُ وَهُوَ يَتَعَاطَى أَسْبَابَ الْحَيَاةِ مِنْ الْمَأْكَلِ وَالْمَشْرَبِ وَالْمَلْبَسِ وَالْمَسْكَنِ وَهَذَا مَوْضِعٌ يَغْلَطُ فِيهِ كَثِيرٌ مِنْ النّاسِ حَتّى آلَ ذَلِكَ بِبَعْضِهِمْ إلَى أَنّ تَرْكَ الدّعَاءِ وَزَعَمَ أَنّهُ لَا فَائِدَةَ فِيهِ لِأَنّ الْمَسْئُولَ إنْ كَانَ قَدْ قُدّرَ نَالَهُ وَلَا بُدّ وَإِنْ لَمْ يُقَدّرْ لَمْ يَنَلْهُ فَأَيّ فَائِدَةٍ فِي الِاشْتِغَالِ بِالدّعَاءِ ؟ [ ص 422 ] تَكَايَسَ فِي الْجَوَابِ بِأَنْ قَالَ الدّعَاءُ عِبَادَةٌ فَيُقَالُ لِهَذَا الْغَالِطِ بَقِيَ عَلَيْك قِسْمٌ آخَرُ - وَهُوَ الْحَقّ - أَنّهُ قَدْ قَدّرَ لَهُ مَطْلُوبَهُ بِسَبَبٍ إنْ تَعَاطَاهُ حَصَلَ لَهُ الْمَطْلُوبُ وَإِنْ عَطّلَ السّبَبَ فَاتَهُ الْمَطْلُوبُ وَالدّعَاءُ مِنْ أَعْظَمِ الْأَسْبَابِ فِي حُصُولِ الْمَطْلُوبِ وَمَا مِثْلُ هَذَا الْغَالِطِ إلّا مِثْلُ مَنْ يَقُولُ وَإِنْ كَانَ اللّهُ قَدْ قَدّرَ لِي الشّبَعَ فَأَنَا أَشْبَعُ أَكَلْتُ أَوْ لَمْ آكُلْ إنْ لَمْ يُقَدّرْ لِي الشّبَعَ لَمْ أَشْبَعْ أَكَلْتُ أَوْ لَمْ آكُلْ فَمَا فَائِدَةُ الْأَكْلِ ؟ وَأَمْثَالُ هَذِهِ التّرّهَاتِ الْبَاطِلَةِ الْمُنَافِيَةِ لِحِكْمَةِ اللّهِ تَعَالَى وَشَرْعِهِ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ .
فَصْلٌ [ هَلْ الْعَارِيّةُ مَضْمُونَةٌ ]
؟ وَفِيهَا : أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَرَطَ لِصَفْوَانَ فِي الْعَارِيّةِ الضّمَانَ فَقَالَ بَلْ عَارِيّةٌ مَضْمُونَةٌ فَهَلْ هَذَا إخْبَارٌ عَنْ شَرْعِهِ فِي الْعَارِيّةِ وَوَصْفٌ لَهَا بِوَصْفٍ شَرَعَهُ اللّهُ فِيهَا ، وَأَنّ حُكْمَهَا الضّمَانُ كَمَا يُضْمَنُ الْمَغْصُوبُ أَوْ إخْبَارٌ عَنْ ضَمَانِهَا بِالْأَدَاءِ بِعَيْنِهَا ، وَمَعْنَاهُ أَنّي ضَامِنٌ لَك تَأْدِيَتَهَا ، وَأَنّهَا لَا تَذْهَبُ بَلْ أَرُدّهَا إلَيْك بِعَيْنِهَا ؟ هَذَا مِمّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ . فَقَالَ الشّافِعِيّ وَأَحْمَدُ بِالْأَوّلِ وَأَنّهَا مَضْمُونَةٌ بِالتّلَفِ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ بِالثّانِي ، وَأَنّهَا مَضْمُونَةٌ بِالرّدّ عَلَى تَفْصِيلٍ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ وَهُوَ أَنّ الْعَيْنَ إنْ كَانَتْ مِمّا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالْحَيَوَانِ وَالْعَقَارِ لَمْ تُضْمَنْ بِالتّلَفِ إلّا أَنْ يَظْهَرَ كَذِبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِمّا يُغَابُ عَلَيْهِ كَالْحُلِيّ وَنَحْوِهِ ضُمِنَتْ بِالتّلَفِ إلّا أَنْ يَأْتِيَ بِبَيّنَةٍ تَشْهَدُ عَلَى التّلَفِ وَسِرّ مَذْهَبِهِ أَنّ الْعَارِيّةَ أَمَانَةٌ غَيْرُ مَضْمُونَةٍ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إلّا أَنّهُ لَا يُقْبَلُ قَوْلُهُ فِيمَا يُخَالِفُ الظّاهِرَ فَلِذَلِكَ فُرّقَ بَيْنَ مَا يُغَابُ عَلَيْهِ وَمَا لَا يُغَابُ عَلَيْهِ . وَمَأْخَذُ الْمَسْأَلَةِ أَنّ قَوْلَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِصَفْوَانَ " بَلْ عَارِيّةٌ مَضْمُونَةٌ هَلْ أَرَادَ بِهِ أَنّهَا مَضْمُونَةٌ بِالرّدّ أَوْ بِالتّلَفِ ؟ أَيْ أَضْمَنُهَا إنْ تَلِفَتْ أَوْ أَضْمَنُ لَك رَدّهَا ، وَهُوَ يَحْتَمِلُ الْأَمْرَيْنِ وَهُوَ فِي ضَمَانِ الرّدّ أَظْهَرُ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ أَحَدُهَا : أَنّ فِي اللّفْظِ الْآخَرِ " بَلْ عَارِيّةٌ مُؤَدّاةٌ " ، فَهَذَا يُبَيّنُ أَنّ قَوْلَهُ [ ص 423 ] الثّانِي : أَنّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ تَلَفِهَا ، وَإِنّمَا سَأَلَهُ هَلْ تَأْخُذُهَا مِنّي أَخْذَ غَصْبٍ تَحُولُ بَيْنِي وَبَيْنَهَا ؟ فَقَالَ " لَا بَلْ أَخْذَ عَارِيّةٍ أُؤَدّيهَا إلَيْك " . وَلَوْ كَانَ سَأَلَهُ عَنْ تَلَفِهَا وَقَالَ أَخَافُ أَنْ تَذْهَبَ لَنَاسَبَ أَنْ يَقُولَ أَنَا ضَامِنٌ لَهَا إنْ تَلِفَتْ . الثّالِثُ أَنّهُ جَعَلَ الضّمَانَ صِفَةً لَهَا نَفْسِهَا ، وَلَوْ كَانَ ضَمَانَ تَلَفٍ لَكَانَ الضّمَانُ لِبَدَلِهَا ، فَلَمّا وَقَعَ الضّمَانُ عَلَى ذَاتِهَا ، دَلّ عَلَى أَنّهُ ضَمَانُ أَدَاءٍ . فَإِنْ قِيلَ فَفِي الْقِصّةِ أَنّ بَعْضَ الدّرُوعِ ضَاعَ فَعَرَضَ عَلَيْهِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَضْمَنَهَا ، فَقَالَ أَنَا الْيَوْمَ فِي الْإِسْلَامِ أَرْغَبُ قِيلَ هَلْ عَرَضَ عَلَيْهِ أَمْرًا وَاجِبًا أَوْ أَمْرًا جَائِزًا مُسْتَحَبّا الْأَوْلَى فِعْلُهُ وَهُوَ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ وَالشّيَمِ وَمِنْ مَحَاسِنِ الشّرِيعَةِ ؟ وَقَدْ يَتَرَجّحُ الثّانِي بِأَنّهُ عَرَضَ عَلَيْهِ الضّمَانَ وَلَوْ كَانَ الضّمَانُ وَاجِبًا ، لَمْ يَعْرِضْهُ عَلَيْهِ بَلْ كَانَ يَفِي لَهُ بِهِ وَيَقُول : هَذَا حَقّك ، كَمَا لَوْ كَانَ الذّاهِبُ بِعَيْنِهِ مَوْجُودًا ، فَإِنّهُ لَمْ يَكُنْ لِيَعْرِضَ عَلَيْهِ رَدّهُ فَتَأَمّلْهُ .
فَصْلٌ [ جَوَازُ عَقْرِ مَرْكُوبِ الْعَدُوّ إذَا كَانَ عَوْنًا عَلَى قَتْلِهِ ]
وَفِيهَا : جَوَازُ عَقْرِ فَرَسِ الْعَدُوّ وَمَرْكُوبِهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ عَوْنًا عَلَى قَتْلِهِ كَمَا عَقَرَ عَلِيّ - رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ - جَمَلَ حَامِلِ رَايَةِ الْكُفّارِ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ تَعْذِيبِ الْحَيَوَانِ الْمَنْهِيّ عَنْهُ .
[ عَفْوُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَمّنْ هَمّ بِقَتْلِهِ ]
وَفِيهَا : عَفْوُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَمّنْ هَمّ بِقَتْلِهِ وَلَمْ يُعَاجِلْهُ بَلْ دَعَا لَهُ وَمَسَحَ صَدْرَهُ حَتّى عَادَ ، كَأَنّهُ وَلِيّ حَمِيمٌ .
[ إخْبَارُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ شَيْبَةَ بِمَا أَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ وَثَبَاتِهِ وَقَدْ تَوَلّى عَنْهُ النّاسُ ]
وَمِنْهَا : مَا ظَهَرَ فِي هَذِهِ الْغَزَاةِ مِنْ مُعْجِزَاتِ النّبُوّةِ وَآيَاتِ الرّسَالَةِ مِنْ إخْبَارِهِ لِشَيْبَةَ بِمَا أَضْمَرَ فِي نَفْسِهِ وَمِنْ ثَبَاتِهِ وَقَدْ تَوَلّى عَنْهُ النّاسُ وَهُوَ يَقُولُ أَنَا النّبِيّ لَا كَذِبْ أَنَا ابْنُ عَبْدِ المُطّلِبْ
وَقَدْ اسْتَقْبَلَتْهُ كَتَائِبُ الْمُشْرِكِينَ . وَمِنْهَا : إيصَالُ اللّهِ قَبْضَتَهُ الّتِي رَمَى بِهَا إلَى عُيُونِ أَعْدَائِهِ عَلَى الْبُعْدِ مِنْهُ [ ص 424 ] رَآهُمْ الْعَدُوّ جَهْرَةً وَرَآهُمْ بَعْضُ الْمُسْلِمِينَ .
[ جَوَازُ انْتِظَارِ إسْلَامِ الْكُفّارِ حَتّى تُرَدّ عَلَيْهِمْ أَمْوَالُهُمْ قَبْلَ قَسْمِهَا ]
وَمِنْهَا : جَوَازُ انْتِظَارِ الْإِمَامِ بِقَسْمِ الْغَنَائِمِ إسْلَامَ الْكُفّارِ وَدُخُولَهُمْ فِي الطّاعَةِ فَيَرُدّ عَلَيْهِمْ غَنَائِمَهُمْ وَسَبْيَهُمْ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ لِمَنْ يَقُولُ إنّ الْغَنِيمَةَ إنّمَا تُمْلَكُ بِالْقِسْمَةِ لَا بِمُجَرّدِ الِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا ، إذْ لَوْ مَلَكَهَا الْمُسْلِمُونَ بِمُجَرّدِ الِاسْتِيلَاءِ لَمْ يَسْتَأْنِ بِهِمْ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِيَرُدّهَا عَلَيْهِمْ وَعَلَى هَذَا فَلَوْ مَاتَ أَحَدٌ مِنْ الْغَانِمِينَ قَبْلَ الْقِسْمَةِ أَوْ إحْرَازِهَا بِدَارِ الْإِسْلَامِ رُدّ نَصِيبُهُ عَلَى بَقِيّةِ الْغَانِمِينَ دُونَ وَرَثَتِهِ وَهَذَا مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ ، لَوْ مَاتَ قَبْلَ الِاسْتِيلَاءِ لَمْ يَكُنْ لِوَرَثَتِهِ شَيْءٌ وَلَوْ مَاتَ بَعْدَ الْقِسْمَةِ فَسَهْمُهُ لِوَرَثَتِهِ .
فَصْلٌ [ هَلْ الْعَطَاءُ الّذِي أَعْطَاهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِقُرَيْشٍ وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ أَوْ مِنْ الْخُمُسِ أَوْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ ]
؟ وَهَذَا الْعَطَاءُ الّذِي أَعْطَاهُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِقُرَيْشٍ ، وَالْمُؤَلّفَةِ قُلُوبُهُمْ هَلْ هُوَ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ أَوْ مِنْ الْخُمُسِ أَوْ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ ؟ فَقَالَ الشّافِعِيّ وَمَالِكٌ : هُوَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ وَهُوَ سَهْمُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الّذِي جَعَلَهُ اللّهُ لَهُ مِنْ الْخُمُسِ وَهُوَ غَيْرُ الصّفِيّ وَغَيْرُ مَا يُصِيبُهُ مِنْ الْمَغْنَمِ لِأَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمْ يَسْتَأْذِنْ الْغَانِمِينَ فِي تِلْكَ الْعَطِيّةِ . وَلَوْ كَانَ الْعَطَاءُ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ لَاسْتَأْذَنَهُمْ لِأَنّهُمْ مَلَكُوهَا بِحَوْزِهَا وَالِاسْتِيلَاءِ عَلَيْهَا ، وَلَيْسَ مِنْ أَصْلِ الْخُمُسِ لِأَنّهُ مَقْسُومٌ عَلَى خَمْسَةٍ فَهُوَ إذًا مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ . وَقَدْ نَصّ الْإِمَامُ أَحْمَدُ عَلَى أَنّ النّفْلَ يَكُونُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَخْمَاسِ الْغَنِيمَةِ وَهَذَا الْعَطَاءُ هُوَ مِنْ النّفْلِ نَفّلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِهِ رُءُوسَ الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ لِيَتَأَلّفَهُمْ بِهِ وَقَوْمَهُمْ عَلَى الْإِسْلَامِ فَهُوَ أَوْلَى بِالْجَوَازِ مِنْ تَنْفِيلِ الثّلُثِ بَعْدَ الْخُمُسِ وَالرّبُعِ بَعْدَهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَقْوِيَةِ الْإِسْلَامِ وَشَوْكَتِهِ وَأَهْلِهِ وَاسْتِجْلَابِ عَدُوّهِ إلَيْهِ هَكَذَا وَقَعَ سَوَاءٌ كَمَا قَالَ بَعْضُ هَؤُلَاءِ الّذِي نَفّلَهُمْ لَقَدْ أَعْطَانِي رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَإِنّهُ لَأَبْغَضُ الْخَلْقِ إلَيّ فَمَا زَالَ يُعْطِينِي حَتّى إنّهُ لَأَحَبّ الْخَلْقِ إلَيّ فَمَا ظَنّك بِعَطَاءٍ قَوّى الْإِسْلَامَ وَأَهْلَهُ وَأَذَلّ الْكُفْرَ وَحِزْبَهُ وَاسْتَجْلَبَ بِهِ قُلُوبَ رُءُوسِ الْقَبَائِلِ وَالْعَشَائِرِ الّذِينَ إذَا غَضِبُوا ، غَضِبَ لِغَضَبِهِمْ أَتْبَاعُهُمْ وَإِذَا [ ص 425 ] لِرِضَاهُمْ . فَإِذَا أَسْلَمَ هَؤُلَاءِ لَمْ يَتَخَلّفْ عَنْهُمْ أَحَدٌ مِنْ قَوْمِهِمْ فَلِلّهِ مَا أَعْظَمَ مَوْقِعَ هَذَا الْعَطَاءِ وَمَا أَجْدَاهُ وَأَنْفَعَهُ لِلْإِسْلَامِ وَأَهْلِهِ . وَمَعْلُومٌ أَنّ الْأَنْفَالَ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ يَقْسِمُهَا رَسُولُهُ حَيْثُ أَمَرَهُ لَا يَتَعَدّى الْأَمْرَ فَلَوْ وَضَعَ الْغَنَائِمَ بِأَسْرِهَا فِي هَؤُلَاءِ لِمَصْلَحَةِ الْإِسْلَامِ الْعَامّةِ لَمَا خَرَجَ عَنْ الْحِكْمَةِ وَالْمَصْلَحَةِ وَالْعَدْلِ وَلَمَا عَمِيَتْ أَبْصَارُ ذِي الْخُوَيْصِرَةِ التّمِيمِيّ وَأَضْرَابِهِ عَنْ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ وَالْحِكْمَةِ . قَالَ لَهُ قَائِلُهُمْ اعْدِلْ فَإِنّكَ لَمْ تَعْدِلْ . وَقَالَ مُشَبّهُهُ إنّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهُ اللّهِ وَلَعَمْرُ اللّهِ إنّ هَؤُلَاءِ مِنْ أَجْهَلِ الْخَلْقِ بِرَسُولِهِ وَمَعْرِفَتِهِ بِرَبّهِ وَطَاعَتِهِ لَهُ وَتَمَامِ عَدْلِهِ وَإِعْطَائِهِ لِلّهِ وَمَنْعِهِ لِلّهِ وَلِلّهِ - سُبْحَانَهُ - أَنْ يَقْسِمَ الْغَنَائِمَ كَمَا يُحِبّ وَلَهُ أَنْ يَمْنَعَهَا الْغَانِمِينَ جُمْلَةً كَمَا مَنَعَهُمْ غَنَائِمَ مَكّةَ ، وَقَدْ أَوْجَفُوا عَلَيْهَا بِخَيْلِهِمْ وَرِكَابِهِمْ وَلَهُ أَنْ يُسَلّطَ عَلَيْهَا نَارًا مِنْ السّمَاءِ تَأْكُلُهَا ، وَهُوَ فِي ذَلِكَ كُلّهِ أَعْدَلُ الْعَادِلِينَ وَأَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ وَمَا فَعَلَ مَا فَعَلَهُ مِنْ ذَلِكَ عَبَثًا ، وَلَا قَدّرَهُ سُدًى ، بَلْ هُوَ عَيْنُ الْمَصْلَحَةِ وَالْحِكْمَةِ وَالْعَدْلِ وَالرّحْمَةِ مَصْدَرُهُ كَمَالُ عِلْمِهِ وَعِزّتِهِ وَحِكْمَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَلَقَدْ أَتَمّ نِعْمَتَهُ عَلَى قَوْمٍ رَدّهُمْ إلَى مَنَازِلِهِمْ بِرَسُولِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُودُونَهُ إلَى دِيَارِهِمْ وَأَرْضَى مَنْ لَمْ يَعْرِفْ قَدْرَ هَذِهِ النّعْمَةِ بِالشّاةِ وَالْبَعِيرِ كَمَا يُعْطَى الصّغِيرُ مَا يُنَاسِبُ عَقْلَهُ وَمَعْرِفَتَهُ وَيُعْطَى الْعَاقِلُ اللّبِيبُ مَا يُنَاسِبُهُ وَهَذَا فَضْلُهُ وَلَيْسَ هُوَ سُبْحَانَهُ تَحْتَ حَجْرِ أَحَدٍ مِنْ خَلْقِهِ فَيُوجِبُونَ عَلَيْهِ بِعُقُولِهِمْ وَيُحَرّمُونَ وَرَسُولُهُ مُنَفّذٌ لِأَمْرِهِ . فَإِنْ قِيلَ فَلَوْ دَعَتْ حَاجَةُ الْإِمَامِ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ إلَى مِثْلِ هَذَا مَعَ عَدُوّهِ هَلْ يَسُوغُ لَهُ ذَلِكَ ؟ قِيلَ الْإِمَامُ نَائِبٌ عَنْ الْمُسْلِمِينَ يَتَصَرّفُ لِمَصَالِحِهِمْ وَقِيَامِ الدّينِ . فَإِنْ تَعَيّنَ ذَلِكَ لِلدّفْعِ عَنْ الْإِسْلَامِ وَالذّبّ عَنْ حَوْزَتِهِ وَاسْتِجْلَابِ رُءُوسِ أَعْدَائِهِ إلَيْهِ لِيَأْمَنَ الْمُسْلِمُونَ شَرّهُمْ سَاغَ لَهُ ذَلِكَ بَلْ تَعَيّنَ عَلَيْهِ وَهَلْ تُجَوّزُ الشّرِيعَةُ غَيْرَ هَذَا ، فَإِنّهُ وَإِنْ كَانَ فِي الْحِرْمَانِ مَفْسَدَةٌ فَالْمَفْسَدَةُ الْمُتَوَقّعَةُ مِنْ فَوَاتِ تَأْلِيفِ هَذَا الْعَدُوّ أَعْظَمُ وَمَبْنَى الشّرِيعَةِ عَلَى دَفْعِ أَعْلَى الْمَفْسَدَتَيْنِ بِاحْتِمَالِ أَدْنَاهُمَا ، [ ص 426 ] أَدْنَاهُمَا ، بَلْ بِنَاءُ مَصَالِحِ الدّنْيَا وَالدّينِ عَلَى هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ . وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ .
فَصْلٌ [ جَوَازُ بَيْعِ الرّقِيقِ وَالْحَيَوَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ نَسِيئَةً وَمُتَفَاضِلًا ]
وَفِيهَا : أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ مَنْ لَمْ يُطَيّبْ نَفْسَهُ فَلَهُ بِكُلّ فَرِيضَةٍ سِتّ فَرَائِضَ مِنْ أَوّلِ مَا يَفِيءُ اللّهُ عَلَيْنَا . فَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ بَيْعِ الرّقِيقِ بَلْ الْحَيَوَانِ بَعْضِهِ بِبَعْضٍ نَسِيئَةً وَمُتَفَاضِلًا . وَفِي " السّنَنِ " مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ عَمْرٍو ، أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمَرَهُ أَنْ يُجَهّزَ جَيْشًا ، فَنَفِدَتْ الْإِبِلُ فَأَمَرَهُ أَنْ يَأْخُذَ عَلَى قَلَائِصِ الصّدَقَةِ وَكَانَ يَأْخُذُ الْبَعِيرَ بِالْبَعِيرَيْنِ إلَى إبِلِ الصّدَقَةِ وَفِي " السّنَنِ " عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّه نَهَى عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً وَرَوَاهُ التّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ وَصَحّحَهُ . وَفِي التّرْمِذِيّ مِنْ حَدِيثِ الْحَجّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ أَبِي الزّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْحَيَوَانُ اثْنَانِ بِوَاحِدٍ لَا يَصْلُحُ نَسِيئًا ، وَلَا بَأْسَ بِهِ يَدًا بِيَدٍ قَالَ التّرْمِذِيّ حَدِيثٌ حَسَنٌ . [ ص 427 ] أَحْمَدَ . أَحَدُهَا : جَوَازُ ذَلِكَ مُتَفَاضِلًا ، وَمُتَسَاوِيًا نَسِيئَةً وَيَدًا بِيَدٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَالشّافِعِيّ . وَالثّانِي : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ نَسِيئَةً وَلَا مُتَفَاضِلًا . وَالثّالِثُ يَحْرُمُ الْجَمْعُ بَيْنَ النّسَاءِ وَالتّفَاضُلِ وَيَجُوزُ الْبَيْعُ مَعَ أَحَدِهِمَا ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ - رَحِمَهُ اللّهُ - وَالرّابِعُ إنْ اتّحَدَ الْجِنْسُ جَازَ التّفَاضُلُ وَحَرُمَ النّسَاءُ وَإِنْ اخْتَلَفَ الْجِنْسُ جَازَ التّفَاضُلُ وَالنّسَاءُ . وَلِلنّاسِ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَالتّأْلِيفِ بَيْنَهَا ثَلَاثَةُ مَسَالِكَ أَحَدُهَا : تَضْعِيفُ حَدِيثِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ لِأَنّهُ لَمْ يَسْمَعْ مِنْهُ سِوَى حَدِيثَيْنِ لَيْسَ هَذَا مِنْهُمَا ، وَتَضْعِيفُ حَدِيثِ الْحَجّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ . وَالْمَسْلَكُ الثّانِي : دَعْوَى النّسْخِ وَإِنْ لَمْ يَتَبَيّنْ الْمُتَأَخّرُ مِنْهَا مِنْ الْمُتَقَدّمِ وَلِذَلِكَ وَقَعَ الِاخْتِلَافُ . وَالْمَسْلَكُ الثّالِثُ حَمْلُهَا عَلَى أَحْوَالٍ مُخْتَلِفَةٍ وَهُوَ أَنّ النّهْيَ عَنْ بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً إنّمَا كَانَ لِأَنّهُ ذَرِيعَةٌ إلَى النّسِيئَةِ فِي الرّبَوِيّاتِ فَإِنّ الْبَائِعَ إذَا رَأَى مَا فِي هَذَا الْبَيْعِ مِنْ الرّبْحِ لَمْ تَقْتَصِرْ نَفْسُهُ عَلَيْهِ بَلْ تَجُرّهُ إلَى بَيْعِ الرّبَوِيّ كَذَلِك ، فَسَدّ عَلَيْهِمْ الذّرِيعَةَ وَأَبَاحَهُ يَدًا بِيَدٍ وَمَنَعَ مِنْ النّسَاءِ فِيهِ وَمَا حَرُمَ لِلذّرِيعَةِ يُبَاحُ لِلْمَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ كَمَا أَبَاحَ مِنْ الْمُزَابَنَةِ الْعَرَايَا لِلْمَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ وَأَبَاحَ مَا تَدْعُو إلَيْهِ الْحَاجَةُ مِنْهَا ، وَكَذَلِكَ بَيْعُ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً مُتَفَاضِلًا فِي هَذِهِ الْقِصّةِ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إنّمَا وَقَعَ فِي الْجِهَادِ وَحَاجَةُ [ ص 428 ] تَجْهِيزِ الْجَيْشِ ، وَمَعْلُومٌ أَنّ مَصْلَحَةَ تَجْهِيزِهِ أَرْجَحُ مِنْ الْمَفْسَدَةِ فِي بَيْعِ الْحَيَوَانِ بِالْحَيَوَانِ نَسِيئَةً وَالشّرِيعَةُ لَا تُعَطّلُ الْمَصْلَحَةَ الرّاجِحَةَ لِأَجْلِ الْمَرْجُوحَةِ وَنَظِيرُ هَذَا جَوَازُ لُبْسِ الْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ وَجَوَازُ الْخُيَلَاءِ فِيهَا ، إذْ مَصْلَحَةُ ذَلِكَ أَرْجَحُ مِنْ مَفْسَدَةِ لُبْسِهِ وَنَظِيرُ ذَلِكَ لِبَاسُهُ الْقَبَاءَ الْحَرِيرَ الّذِي أَهْدَاهُ لَهُ مَلِكُ أَيْلَةَ سَاعَةً ثُمّ نَزْعُهُ لِلْمَصْلَحَةِ الرّاجِحَةِ فِي تَأْلِيفِهِ وَجَبْرِهِ وَكَانَ هَذَا بَعْدَ النّهْيِ عَنْ لِبَاسِ الْحَرِيرِ كَمَا بَيّنّاهُ مُسْتَوْفًى فِي كِتَابِ " التّخْيِيرِ فِيمَا يَحِلّ وَيَحْرُمُ مِنْ لِبَاسِ الْحَرِيرِ " وَبَيّنّا أَنّ هَذَا كَانَ عَامَ الْوُفُودِ سَنَةَ تِسْعٍ وَأَنّ النّهْيَ عَنْ لِبَاسِ الْحَرِيرِ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ بِدَلِيلِ أَنّهُ نَهَى عُمَرَ عَنْ لُبْسِ الْحُلّةِ الْحَرِيرِ الّتِي أَعْطَاهُ إيّاهَا ، فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكّةَ وَهَذَا كَانَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَلِبَاسُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَدِيّةَ مَلِكِ أَيْلَةَ كَانَ بَعْدَ ذَلِكَ وَنَظِيرُ هَذَا نَهْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ الصّلَاةِ قَبْلَ طُلُوعِ الشّمْسِ وَبَعْدَ الْعَصْرِ سَدّا لِذَرِيعَةِ التّشَبّهِ بِالْكُفّارِ وَأَبَاحَ مَا فِيهِ مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ مِنْ قَضَاءِ الْفَوَائِتِ وَقَضَاءِ السّنَنِ وَصَلَاةِ الْجِنَازَةِ وَتَحِيّةِ الْمَسْجِدِ لِأَنّ مَصْلَحَةَ فِعْلِهَا أَرْجَحُ مِنْ مَفْسَدَةِ النّهْيِ . وَاَللّهُ أَعْلَمُ . وَفِي الْقِصّةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنّ الْمُتَعَاقِدَيْنِ إذَا جَعَلَا بَيْنَهُمَا أَجَلًا غَيْرَ مَحْدُودٍ جَازَ إذَا اتّفَقَا عَلَيْهِ وَرَضِيَا بِهِ وَقَدْ نَصّ أَحْمَدُ عَلَى جَوَازِهِ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ فِي الْخِيَارِ مُدّةً غَيْرَ مَحْدُودَةٍ أَنّهُ يَكُون جَائِزًا حَتّى يَقْطَعَاهُ وَهَذَا هُوَ الرّاجِحُ إذْ لَا مَحْذُورَ فِي ذَلِكَ وَلَا عُذْرَ وَكُلّ مِنْهُمَا قَدْ دَخَلَ عَلَى بَصِيرَةٍ وَرِضًى بِمُوجَبِ الْعَقْدِ فَكِلَاهُمَا فِي الْعِلْمِ بِهِ سَوَاءٌ فَلَيْسَ لِأَحَدِهِمَا مَزِيّةٌ عَلَى الْآخَرِ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ ظُلْمًا .
فَصْلٌ [ هَلْ الْأَسْلَابُ مُسْتَحَقّةٌ بِالشّرْعِ أَوْ بِالشّرْطِ ؟ ]
وَفِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ أَنّهُ قَالَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا ، لَهُ عَلَيْهِ بَيّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ وَقَالَهُ فِي غَزْوَةٍ أُخْرَى قَبْلَهَا ، فَاخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ هَلْ هَذَ السّلَبُ مُسْتَحَقّ بِالشّرْعِ أَوْ بِالشّرْطِ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ هُمَا رِوَايَتَانِ عَنْ أَحْمَدَ . [ ص 429 ] شَرَطَهُ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَشْرِطْهُ وَهُوَ قَوْلُ الشّافِعِيّ . وَالثّانِي : أَنّهُ لَا يُسْتَحَقّ إلّا بِشَرْطِ الْإِمَامِ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ . وَقَالَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللّهُ لَا يُسْتَحَقّ إلّا بِشَرْطِ الْإِمَامِ بَعْدَ الْقِتَالِ . فَلَوْ نَصّ قَبْلَهُ لَمْ يَجُزْ . قَالَ مَالِكٌ وَلَمْ يَبْلُغْنِي أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ ذَلِكَ إلّا يَوْمَ حُنَيْنٍ ، وَإِنّمَا نَفّلَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعْدَ أَنْ بَرَدَ الْقِتَالُ . وَمَأْخَذُ النّزَاعِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ هُوَ الْإِمَامَ وَالْحَاكِمَ ، وَالْمُفْتِيَ وَهُوَ الرّسُولُ فَقَدْ يَقُولُ الْحُكْمَ بِمَنْصِبِ الرّسَالَةِ فَيَكُونُ شَرْعًا عَامّا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَقَوْلِهِ مَنْ أَحْدَثَ فِي أَمْرِنَا هَذَا مَا لَيْسَ مِنْهُ فَهُوَ رَدّ وَقَوْلِهِ مَنْ زَرَعَ فِي أَرْضِ قَوْمٍ بِغَيْرِ إذْنِهِمْ فَلَيْسَ لَهُ مِنْ الزّرْعِ شَيْءٌ وَلَهُ نَفَقَتُهُ وَكَحُكْمِهِ بِالشّاهِدِ وَالْيَمِينِ وَبِالشّفْعَةِ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ وَقَدْ يَقُولُ بِمَنْصِبِ الْفَتْوَى ، كَقَوْلِهِ لِهِنْدِ بِنْتِ عُتْبَةَ امْرَأَةِ أَبِي سُفْيَانَ ، وَقَدْ شَكَتْ إلَيْهِ شُحّ زَوْجِهَا ، وَأَنّهُ لَا يُعْطِيهَا مَا يَكْفِيهَا : خُذِي مَا يَكْفِيكِ وَوَلَدَكِ بِالْمَعْرُوفِ فَهَذِهِ فُتْيَا لَا حُكْمٌ إذْ لَمْ يَدْعُ بِأَبِي سُفْيَانَ وَلَمْ يَسْأَلْهُ عَنْ جَوَابِ الدّعْوَى ، وَلَا سَأَلَهَا الْبَيّنَةَ . وَقَدْ يَقُولُهُ بِمَنْصِبِ الْإِمَامَةِ فَيَكُونُ مَصْلَحَةً لِلْأُمّةِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ وَذَلِكَ الْمَكَانِ وَعَلَى تِلْكَ الْحَالِ فَيَلْزَمُ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ الْأَئِمّةِ مُرَاعَاةُ ذَلِكَ عَلَى حَسَبِ الْمَصْلَحَةِ الّتِي رَاعَاهَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ زَمَانًا وَمَكَانًا وَحَالًا ، وَمِنْ هَا هُنَا تَخْتَلِفُ الْأَئِمّةُ فِي [ ص 430 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَقَوْلِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَلَهُ سَلَبُهُ هَلْ قَالَهُ بِمَنْصِبِ الْإِمَامَةِ فَيَكُونُ حُكْمُهُ مُتَعَلّقًا بِالْأَئِمّةِ أَوْ بِمَنْصِبِ الرّسَالَةِ وَالنّبُوّةِ فَيَكُونَ شَرْعًا عَامّا ؟ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ مَنْ أَحْيَا أَرْضًا مَيْتَةً فَهِيَ لَهُ هَلْ هُوَ شَرْعٌ عَامّ لِكُلّ أَحَدٍ ، أَذِنَ فِيهِ الْإِمَامُ أَوْ لَمْ يَأْذَنْ أَوْ هُوَ رَاجِعٌ إلَى الْأَئِمّةِ فَلَا يُمْلَكُ بِالْإِحْيَاءِ إلّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ ؟ عَلَى الْقَوْلَيْنِ فَالْأَوّلُ لِلشّافِعِيّ وَأَحْمَدَ فِي ظَاهِرِ مَذْهَبِهِمَا . وَالثّانِي : لِأَبِي حَنِيفَةَ وَفَرّقَ مَالِكٌ بَيْنَ الْفَلَوَاتِ الْوَاسِعَةِ وَمَا لَا يَتَشَاحّ فِيهِ النّاسُ وَبَيْنَ مَا يَقَعُ فِيهِ التّشَاحّ فَاعْتُبِرَ إذْنُ الْإِمَامِ فِي الثّانِي دُونَ الْأَوّلِ .
فَصْلٌ [الِاكْتِفَاءُ فِي الْأَسْلَابِ بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ ]
وَقَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " لَهُ عَلَيْهِ بَيّنَةٌ " دَلِيلٌ عَلَى مَسْأَلَتَيْنِ . إحْدَاهُمَا : أَنّ دَعْوَى الْقَاتِلِ أَنّهُ قَتَلَ هَذَا الْكَافِرَ لَا تُقْبَلُ فِي اسْتِحْقَاقِ سَلَبِهِ . الثّانِيَةُ الِاكْتِفَاءُ فِي ثُبُوتِ هَذِهِ الدّعْوَى بِشَاهِدٍ وَاحِدٍ مِنْ غَيْرِ يَمِينٍ لِمَا ثَبَتَ فِي الصّحِيحِ عَنْ أَبِي قَتَادَةَ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَامَ حُنَيْنٍ ، فَلَمّا الْتَقَيْنَا ، كَانَتْ لِلْمُسْلِمِينَ جَوْلَةٌ فَرَأَيْتُ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَدْ عَلَا رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَاسْتَدَرْت إلَيْهِ حَتّى أَتَيْتُهُ مِنْ وَرَائِهِ فَضَرَبْتُهُ عَلَى حَبْلِ عَاتِقِهِ وَأَقْبَلَ عَلَيّ فَضَمّنِي ضَمّةً وَجَدْتُ مِنْهَا رِيحَ الْمَوْتِ ثُمّ أَدْرَكَهُ الْمَوْتُ فَأَرْسَلَنِي ، فَلَحِقْتُ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ فَقَالَ مَا لِلنّاسِ ؟ فَقُلْت : أَمْرُ اللّهِ ثُمّ إنّ النّاسَ رَجَعُوا ، وَجَلَسَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ " مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ " ، قَالَ فَقُمْتُ فَقُلْت : مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ ثُمّ جَلَسْت ، ثُمّ قَالَ مِثْلَ ذَلِكَ قَالَ فَقُمْت فَقُلْت : مَنْ يَشْهَدُ لِي ؟ ثُمّ قَالَ ذَلِكَ الثّالِثَةَ فَقُمْت ، فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " مَا لَكَ يَا أَبَا قَتَادَةَ ؟ " فَقَصَصْتُ عَلَيْهِ " الْقِصّةَ فَقَالَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ : صَدَقَ يَا رَسُولَ اللّهِ وَسَلَبُ ذَلِكَ الْقَتِيلِ عِنْدِي ، فَأَرْضِهِ مِنْ حَقّهِ فَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الصّدّيقُ : لَاهَا اللّهِ إذًا لَا يَعْمِدُ إلَى أَسَدٍ مِنْ [ ص 431 ] أُسْدِ اللّهِ يُقَاتِلُ عَنْ اللّهِ وَرَسُولِهِ فَيُعْطِيك سَلَبَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " صَدَقَ فَأَعْطِهِ إيّاهُ " ، فَأَعْطَانِي ، فَبِعْتُ الدّرْعَ فَابْتَعْت بِهِ مَخْرَفًا فِي بَنِي سَلِمَةَ فَإِنّهُ لَأَوّلُ مَالٍ تَأَثّلْتُهُ فِي الْإِسْلَامِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ هَذَا أَحَدُهَا ، وَهُوَ وَجْهٌ فِي مَذْهَبِ أَحْمَدَ . وَالثّانِي : أَنّهُ لَا بُدّ مِنْ شَاهِدٍ وَيَمِينٍ كَإِحْدَى الرّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ . وَالثّالِثُ - وَهُوَ مَنْصُوصُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ - أَنّهُ لَا بُدّ مِنْ شَاهِدَيْنِ لِأَنّهَا دَعْوَى قَتْلٍ فَلَا تُقْبَلُ إلّا بِشَاهِدَيْنِ .
[ لَا يُشْتَرَطُ فِي الشّهَادَةِ التّلَفّظُ بِلَفْظِ أَشْهَدُ ]
وَفِي الْقِصّةِ دَلِيلٌ عَلَى مَسْأَلَةٍ أُخْرَى ، وَهِيَ أَنّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الشّهَادَةِ التّلَفّظُ بِلَفْظِ " أَشْهَدُ " وَهَذَا أَصَحّ الرّوَايَاتِ عَنْ أَحْمَدَ فِي الدّلِيلِ وَإِنْ كَانَ الْأَشْهَرُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ الِاشْتِرَاطَ وَهِيَ مَذْهَبُ مَالِكٍ . قَالَ شَيْخُنَا : وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصّحَابَةِ وَالتّابِعِينَ اشْتِرَاطُ لَفْظِ الشّهَادَةِ وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبّاسٍ : شَهِدَ عِنْدِي رِجَالٌ مَرْضِيّونَ وَأَرْضَاهُمْ عِنْدِي عُمَرُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَهَى عَنْ الصّلَاةِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الصّبْحِ . وَمَعْلُومٌ أَنّهُمْ لَمْ يَتَلَفّظُوا لَهُ بِلَفْظِ أَشْهَدُ إنّمَا كَانَ مُجَرّدَ إخْبَارٍ . وَفِي حَدِيثِ مَاعِزٍ فَلَمّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ رَجَمَهُ وَإِنّمَا كَانَ مِنْهُ مُجَرّدُ إخْبَارٍ عَنْ نَفْسِهِ وَهُوَ إقْرَارٌ وَكَذَلِك قَوْلُهُ تَعَالَى : { قُلْ أَيّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنّ مَعَ اللّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ } [ الْأَنْعَامَ 19 ] ، وَقَوْلُهُ { قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ } [ الْأَنْعَامَ 130 ] . وَقَوْلُهُ { لَكِنِ اللّهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللّهِ شَهِيدًا } [ النّسَاءَ 166 ] . وَقَوْلُهُ { أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُوا أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُوا وَأَنَا مَعَكُمْ مِنَ الشّاهِدِينَ } [ آلَ عِمْرَانَ 81 ] ، وَقَوْلُهُ { شَهِدَ اللّهُ أَنّهُ لَا إِلَهَ إِلّا هُوَ وَالْمَلَائِكَةُ وَأُولُو الْعِلْمِ قَائِمًا بِالْقِسْطِ } [ آلَ عِمْرَانَ 18 ] ، إلَى [ ص 432 ] وَقَدْ تَنَازَعَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَعَلِيّ بْنُ الْمَدِينِيّ فِي الشّهَادَةِ لِلْعَشَرَةِ بِالْجَنّةِ فَقَالَ عَلِيّ أَقُولُ هُمْ فِي الْجَنّةِ ، وَلَا أَقُولُ أَشْهَدُ أَنّهُمْ فِي الْجَنّةِ . فَقَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ مَتَى قُلْتَ هُمْ فِي الْجَنّةِ فَقَدْ شَهِدْتَ وَهَذَا تَصْرِيحٌ مِنْهُ بِأَنّهُ لَا يُشْتَرَطُ فِي الشّهَادَةِ لَفْظُ أَشْهَدُ . وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ مِنْ أَبْيَنِ الْحُجَجِ فِي ذَلِكَ . فَإِنْ قِيلَ إخْبَارُ مَنْ كَانَ عِنْدَهُ السّلَبُ إنّمَا كَانَ إقْرَارًا بِقَوْلِهِ هُوَ عِنْدِي ، وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ الشّهَادَةِ فِي شَيْءٍ . قِيلَ تَضَمّنَ كَلَامُهُ شَهَادَةً وَإِقْرَارًا بِقَوْلِهِ " صَدَقَ " ، شَهَادَةً لَهُ بِأَنّهُ قَتَلَهُ وَقَوْلُهُ هُوَ " عِنْدِي " إقْرَارٌ مِنْهُ بِأَنّهُ عِنْدَهُ وَالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّمَا قَضَى بِالسّلَبِ بَعْدَ الْبَيّنَةِ وَكَانَ تَصْدِيقُ هَذَا هُوَ الْبَيّنَةَ .
فَصْلٌ [ جَمِيعُ السّلَبِ لِلْقَاتِلِ وَلَا يُخَمّسُ ]
وَقَوْلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " فَلَهُ سَلَبُهُ " دَلِيلٌ عَلَى أَنّ لَهُ سَلَبَهُ كُلّهُ غَيْرَ مُخَمّسٍ وَقَدْ صَرّحَ بِهَذَا فِي قَوْلِهِ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ لَمّا قَتَلَ قَتِيلًا : لَهُ سَلَبُهُ أَجْمَعُ وَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ مَذَاهِبَ هَذَا أَحَدُهَا . وَالثّانِي : أَنّهُ يُخَمّسُ كَالْغَنِيمَةِ وَهَذَا قَوْلُ الْأَوْزَاعِيّ وَأَهْلِ الشّامِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبّاسٍ لِدُخُولِهِ فِي آيَةِ الْغَنِيمَةِ . وَالثّالِثُ أَنّ الْإِمَامَ إنْ اسْتَكْثَرَهُ خَمّسَهُ وَإِنْ اسْتَقَلّهُ لَمْ يُخَمّسْهُ وَهُوَ قَوْلُ إسْحَاقَ وَفَعَلَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطّابِ ، فَرَوَى سَعِيدٌ فِي " سُنَنِهِ " عَنْ ابْنِ سِيرِينَ ، أَنّ الْبَرَاءَ بْنَ مَالِكٍ بَارَزَ مَرْزُبَانَ الْمَرَازِبَةِ بِالْبَحْرَيْنِ فَطَعَنَهُ فَدَقّ صُلْبَهُ وَأَخَذَ سِوَارَيْهِ وَسَلَبَهُ فَلَمّا صَلّى عُمَرُ الظّهْرَ أَتَى الْبَرَاءَ فِي دَارِهِ فَقَالَ إنّا كُنّا لَا نُخَمّسُ السّلَبَ ، وَإِنّ سَلَبَ الْبَرَاءِ قَدْ بَلَغَ مَالًا ، وَأَنَا خَامِسُهُ فَكَانَ أَوّلَ سَلَبٍ خُمّسَ فِي الْإِسْلَامِ سَلَبُ الْبَرَاءِ وَبَلَغَ ثَلَاثِينَ أَلْفًا . وَالْأَوّلُ أَصَحّ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 433 ] لَمْ يُخَمّسْ السّلَبَ وَقَالَ هُوَ لَهُ أَجْمَعُ وَمَضَتْ عَلَى ذَلِكَ سُنّتُهُ وَسُنّةُ الصّدّيقِ بَعْدَهُ وَمَا رآَه عُمَرُ اجْتِهَادٌ مِنْهُ أَدّاهُ إلَيْهِ رَأْيُهُ . وَالْحَدِيثُ يَدُلّ عَلَى أَنّهُ مِنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَضَى بِهِ لِلْقَاتِلِ وَلَمْ يَنْظُرْ فِي قِيمَتِهِ وَقَدْرِهِ وَاعْتِبَارِ خُرُوجِهِ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ وَقَالَ مَالِكٌ هُوَ مِنْ خُمُسِ الْخُمُسِ وَيَدُلّ عَلَى أَنّهُ يَسْتَحِقّهُ مَنْ يُسْهَمُ لَهُ وَمَنْ لَا يُسْهَمُ لَهُ مِنْ صَبِيّ وَامْرَأَةٍ وَعَبْدٍ وَمُشْرِكٍ وَقَالَ الشّافِعِيّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ لَا يَسْتَحِقّ السّلَبَ إلّا مَنْ يَسْتَحِقّ السّهْمَ لِأَنّ السّهْمَ الْمُجْمَعَ عَلَيْهِ إذَا لَمْ يَسْتَحِقّهُ الْعَبْدُ وَالصّبِيّ وَالْمَرْأَةُ وَالْمُشْرِكُ فَالسّلَبُ أَوْلَى ، وَالْأَوّلُ أَصَحّ لِلْعُمُومِ وَلِأَنّهُ جَارٍ مَجْرَى قَوْلِ الْإِمَامِ مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا ، أَوْ دَلّ عَلَى حِصْنٍ أَوْ جَاءَ بِرَأْسٍ فَلَهُ كَذَا مِمّا فِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى الْجِهَادِ وَالسّهْمُ مُسْتَحَقّ بِالْحُضُورِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ فِعْلٌ وَالسّلَبُ مُسْتَحَقّ بِالْفِعْلِ فَجَرَى مَجْرَى الْجَعَالَةِ .
فَصْلٌ [ يَسْتَحِقّ الْقَاتِلُ سَلَبَ جَمِيعِ مَنْ قَتَلَهُ وَإِنْ كَثُرُوا ]
وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنّهُ يَسْتَحِقّ سَلَبَ جَمِيعِ مَنْ قَتَلَهُ وَإِنْ كَثُرُوا . وَقَدْ ذَكَرَ أَبُو دَاوُدَ أَنّ أَبَا طَلْحَةَ قَتَلَ يَوْمَ حُنَيْنٍ عِشْرِينَ رَجُلًا ، فَأَخَذَ أَسْلَابَهُمْ .
فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ الطّائِفِ
فِي شَوّالٍ سَنَةَ ثَمَانٍ قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : قَالُوا : وَلَمّا أَرَادَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَسِيرَ إلَى الطّائِفِ ، بَعَثَ الطّفَيْلَ بْنَ عَمْرٍو إلَى ذِي الْكَفّيْنِ صَنَمِ عَمْرِو بْنِ حُمَمَةَ الدّوْسِيّ ، يَهْدِمُهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَسْتَمِدّ قَوْمَهُ وَيُوَافِيَهُ بِالطّائِفِ فَخَرَجَ سَرِيعًا إلَى قَوْمِهِ فَهَدَمَ ذَا الْكَفّيْنِ وَجَعَلَ يَحُشّ النّارَ فِي وَجْهِهِ وَيُحَرّقُهُ وَيَقُولُ [ ص 434 ]
يَا ذَا الْكَفّيْنِ لَسْتُ مِنْ عُبّادِكَا
مِيلَادُنَا أَقْدَمُ مِنْ مِيلَادِكَا
إنّي حَشَشْتُ النّارَ فِي فُؤَادِكَا
وَانْحَدَرَ مَعَهُ مِنْ قَوْمِهِ أَرْبَعُمِائَةٍ سِرَاعًا ، فَوَافَوْا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالطّائِفِ بَعْدَ مَقْدَمِهِ بِأَرْبَعَةِ أَيّامٍ وَقَدِمَ بِدَبّابَةٍ وَمَنْجَنِيقٍ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : وَلَمّا خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ حُنَيْنٍ يُرِيدُ الطّائِفَ ، قَدِمَ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ عَلَى مُقَدّمَتِهِ وَكَانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ رَمّوا حِصْنَهُمْ وَأَدْخَلُوا فِيهِ مَا يَصْلُحُ لَهُمْ لِسَنَةٍ فَلَمّا انْهَزَمُوا مِنْ أَوْطَاسٍ ، دَخَلُوا حِصْنَهُمْ وَأَغْلَقُوهُ عَلَيْهِمْ وَتَهَيّئُوا لِلْقِتَالِ وَسَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَنَزَلَ قَرِيبًا مِنْ حِصْنِ الطّائِفِ ، وَعَسْكَرَ هُنَاكَ فَرَمَوْا الْمُسْلِمِينَ بِالنّبْلِ رَمْيًا شَدِيدًا ، كَأَنّهُ رِجْلُ جَرَادٍ حَتّى أُصِيبَ نَاسٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بِجِرَاحَةٍ وَقُتِلَ مِنْهُمْ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا ، فَارْتَفَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى مَوْضِعِ مَسْجِدِ الطّائِفِ الْيَوْمَ وَكَانَ مَعَهُ مِنْ نِسَائِهِ أُمّ سَلَمَةَ وَزَيْنَبُ فَضَرَبَ لَهُمَا قُبّتَيْنِ وَكَانَ يُصَلّي بَيْنَ الْقُبّتَيْنِ مُدّةَ حِصَارِ الطّائِفِ ، فَحَاصَرَهُمْ ثَمَانِيَةَ عَشَرَ يَوْمًا ، وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً .
[ أَوّلُ مَنْجَنِيقٍ رُمِيَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ ]
وَنَصَبَ عَلَيْهِمْ الْمَنْجَنِيقَ وَهُوَ أَوّلُ مَا رُمِيَ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ . وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : حَدّثَنَا قَبِيصَةُ ، حَدّثَنَا سُفْيَانُ عَنْ ثَوْرِ بْنِ يَزِيدَ ، عَنْ مَكْحُولٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَصَبَ الْمَنْجَنِيقَ عَلَى أَهْلِ الطّائِفِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا [ ص 435 ]
[ قَطْعُ أَعْنَابِ ثَقِيفٍ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : حَتّى إذَا كَانَ يَوْمُ الشّدْخَةِ عِنْدَ جِدَارِ الطّائِفِ ، دَخَلَ نَفَرٌ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَحْتَ دَبّابَةٍ ثُمّ دَخَلُوا بِهَا إلَى جِدَارِ الطّائِفِ لِيُحْرِقُوهُ فَأَرْسَلَتْ عَلَيْهِمْ ثَقِيفٌ سِكَكَ الْحَدِيدِ مُحْمَاةً بِالنّارِ فَخَرَجُوا مِنْ تَحْتِهَا ، فَرَمَتْهُمْ ثَقِيفٌ بِالنّبْلِ فَقَتَلُوا مِنْهُمْ رِجَالًا ، فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقَطْعِ أَعْنَابِ ثَقِيفٍ ، فَوَقَعَ النّاسُ فِيهَا يَقْطَعُونَ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : فَسَأَلُوهُ أَنْ يَدَعَهَا لِلّهِ وَلِلرّحِمِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " فَإِنّي أَدَعُهَا لِلّهِ وَلِلرّحِمِ " فَنَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَيّمَا عَبْدٍ نَزَلَ مِنْ الْحِصْنِ وَخَرَجَ إلَيْنَا فَهُوَ حُرّ فَخَرَجَ مِنْهُمْ بَضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا ، مِنْهُمْ أَبُو بَكْرَةَ ، فَأَعْتَقَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَدَفَعَ كُلّ رَجُلٍ مِنْهُمْ إلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَمُونُهُ فَشَقّ ذَلِكَ عَلَى أَهْلِ الطّائِفِ مَشَقّةً شَدِيدَةً .
[ رَحِيلُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الطّائِفِ دُونَ فَتْحِهَا ]
وَلَمْ يُؤْذَنْ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي فَتْحِ الطّائِفِ ، وَاسْتَشَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَوْفَلَ بْنَ مُعَاوِيَةَ الدّيلِيّ ، فَقَالَ مَا تَرَى ؟ فَقَالَ ثَعْلَبٌ فِي جُحْرٍ إنْ أَقَمْتَ عَلَيْهِ أَخَذْتَهُ وَإِنْ تَرَكْتَهُ لَمْ يَضُرّك . فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ ، فَأَذّنَ فِي النّاسِ بِالرّحِيلِ فَضَجّ النّاسُ مِنْ ذَلِكَ وَقَالُوا : نَرْحَلُ وَلَمْ يُفْتَحْ عَلَيْنَا الطّائِفُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَاغْدُوا عَلَى الْقِتَالِ فَغَدَوْا فَأَصَابَتْ الْمُسْلِمِينَ جِرَاحَاتٌ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّا قَافِلُونَ غَدًا إنْ شَاءَ اللّهُ فَسُرّوا بِذَلِكَ وَأَذْعَنُوا ، وَجَعَلُوا يَرْحَلُونَ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَضْحَكُ فَلَمّا ارْتَحَلُوا وَاسْتَقَلّوا ، قَالَ قُولُوا : آيِبُونَ تَائِبُونَ ، عَابِدُونَ لِرَبّنَا حَامِدُونَ وَقِيلَ يَا رَسُولَ اللّهِ اُدْعُ اللّهَ عَلَى ثَقِيفٍ . فَقَالَ اللّهُمّ اهْدِ ثَقِيفًا وائْتِ بِهِمْ [ ص 436 ]
[ عُمْرَةُ الْجِعِرّانَةِ ]
وَاسْتُشْهِدَ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالطّائِفِ جَمَاعَةٌ ثُمّ خَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الطّائِفِ إلَى الْجِعِرّانَةِ ، ثُمّ دَخَلَ مِنْهَا مُحْرِمًا بِعُمْرَةٍ فَقَضَى عُمْرَتَهُ ثُمّ رَجَعَ إلَى الْمَدِينَةِ .
فَصْلٌ [ وَفْدُ ثَقِيفٍ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَقَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ مِنْ تَبُوكَ فِي رَمَضَانَ وَقَدِمَ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الشّهْرِ وَفْدُ ثَقِيفٍ وَكَانَ مِنْ حَدِيثِهِمْ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا انْصَرَفَ عَنْهُمْ اتّبَعَ أَثَرَهُ عُرْوَةُ بْنُ مَسْعُودٍ حَتّى أَدْرَكَهُ قَبْلَ أَنْ يَدْخُلَ الْمَدِينَةَ ، فَأَسْلَمَ وَسَأَلَهُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى قَوْمِهِ بِالْإِسْلَامِ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَمَا يَتَحَدّثُ قَوْمُك أَنّهُمْ قَاتِلُوك ، وَعَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ فِيهِمْ نَخْوَةَ الِامْتِنَاعِ الّذِي كَانَ مِنْهُمْ فَقَالَ عُرْوَةُ يَا رَسُولَ اللّهِ ؟ أَنَا أَحَبّ إلَيْهِمْ مِنْ أَبْكَارِهِمْ وَكَانَ فِيهِمْ كَذَلِكَ مُحَبّبًا مُطَاعًا ، فَخَرَجَ يَدْعُو قَوْمَهُ إلَى الْإِسْلَامِ رَجَاءَ أَلّا يُخَالِفُوهُ لِمَنْزِلَتِهِ فِيهِمْ فَلَمّا أَشْرَفَ لَهُمْ عَلَى عُلّيّةٍ لَهُ وَقَدْ دَعَاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَأَظْهَرَ لَهُمْ دِينَهُ رَمَوْهُ بِالنّبْلِ مِنْ كُلّ وَجْهٍ فَأَصَابَهُ سَهْمٌ فَقَتَلَهُ فَقِيلَ لِعُرْوَةَ مَا تَرَى فِي دَمِك ؟ قَالَ كَرَامَةٌ أَكْرَمَنِي اللّهُ بِهَا ، وَشَهَادَةٌ سَاقَهَا اللّهُ إلَيّ فَلَيْسَ فِيّ إلّا مَا فِي الشّهَدَاءِ الّذِينَ قُتِلُوا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ عَنْكُمْ فَادْفِنُونِي مَعَهُمْ فَدَفَنُوهُ مَعَهُمْ فَزَعَمُوا أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ فِيهِ إنّ مَثَلَهُ فِي قَوْمِهِ كَمَثَلِ صَاحِبِ يس فِي قَوْمِهِ ثُمّ أَقَامَتْ ثَقِيفٌ بَعْدَ قَتْلِ عُرْوَةَ أَشْهُرًا ، ثُمّ إنّهُمْ ائْتَمَرُوا بَيْنَهُمْ وَرَأَوْا أَنّهُ لَا طَاقَةَ لَهُمْ بِحَرْبِ مَنْ حَوْلَهُمْ مِنْ الْعَرَبِ ، وَقَدْ بَايَعُوا وَأَسْلَمُوا ، فَأَجْمَعُوا أَنْ يُرْسِلُوا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَجُلًا ، كَمَا أَرْسَلُوا عُرْوَةَ فَكَلّمُوا عَبْدَ يَالَيْلَ بْنَ عَمْرِو بْنِ عُمَيْرٍ ، وَكَانَ فِي سِنّ عُرْوَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وَعَرَضُوا عَلَيْهِ ذَلِكَ فَأَبَى أَنْ يَفْعَلَ وَخَشِيَ [ ص 437 ] فَقَالَ لَسْت بِفَاعِلٍ حَتّى تُرْسِلُوا مَعِي رِجَالًا ، فَأَجْمَعُوا أَنْ يَبْعَثُوا مَعَهُ رَجُلَيْنِ مِنْ الْأَحْلَافِ وَثَلَاثَةً مِنْ بَنِي مَالِكٍ فَيَكُونُونَ سِتّةً فَبَعَثُوا مَعَهُ الْحَكَمَ بْنَ عَمْرِو بْنِ وَهْبٍ ، وَشُرَحْبِيلَ بْنَ غَيْلَانَ ، وَمِنْ بَنِي مَالِكٍ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ ، وَأَوْسَ بْنَ عَوْفٍ ، وَنُمَيْرَ بْنَ خَرَشَةَ ، فَخَرَجَ بِهِمْ فَلَمّا دَنَوْا مِنْ الْمَدِينَةِ ، وَنَزَلُو قَنَاةً لَقُوا بِهَا الْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ ، فَاشْتَدّ لِيُبَشّرَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقُدُومِهِمْ عَلَيْهِ فَلَقِيَهُ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ أَقْسَمَتْ عَلَيْك بِاَللّهِ لَا تَسْبِقْنِي إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى أَكُونَ أَنَا أُحَدّثُهُ فَفَعَلَ فَدَخَلَ أَبُو بَكْرٍ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخْبَرَهُ بِقُدُومِهِمْ عَلَيْهِ ثُمّ خَرَجَ الْمُغِيرَةُ إلَى أَصْحَابِهِ فَرَوّحَ الظّهْرَ مَعَهُمْ وَأَعْلَمَهُمْ كَيْفَ يُحَيّونَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمْ يَفْعَلُوا إلّا بِتَحِيّةِ الْجَاهِلِيّةِ فَلَمّا قَدِمُوا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ضَرَبَ عَلَيْهِمْ قُبّةً فِي نَاحِيَةِ مَسْجِدِهِ كَمَا يَزْعُمُونَ . وَكَانَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ هُوَ الّذِي يَمْشِي بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى اكْتَتَبُوا كِتَابَهُمْ وَكَانَ خَالِدٌ هُوَ الّذِي كَتَبَهُ وَكَانُوا لَا يَأْكُلُونَ طَعَامًا يَأْتِيهِمْ مِنْ عِنْدِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى يَأْكُلَ مِنْهُ خَالِدٌ حَتّى أَسْلَمُوا .
[ بَعْثُ الْمُغِيرَةِ وَأَبِي سُفْيَانَ لِهَدْمِ اللّاتِ ]
وَقَدْ كَانَ فِيمَا سَأَلُوا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَدَعَ لَهُمْ الطّاغِيَةَ ، وَهِيَ اللّاتُ لَا يَهْدِمُهَا ثَلَاثَ سِنِينَ فَأَبَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَيْهِمْ فَمَا بَرِحُوا يَسْأَلُونَهُ سَنَةً سَنَةً وَيَأْبَى عَلَيْهِمْ حَتّى سَأَلُوهُ شَهْرًا وَاحِدًا بَعْدَ قُدُومِهِمْ فَأَبَى عَلَيْهِمْ أَنْ يَدَعَهَا شَيْئًا مُسَمّى ، وَإِنّمَا يُرِيدُونَ بِذَلِكَ فِيمَا يُظْهِرُونَ أَنْ يَسْلَمُوا بِتَرْكِهَا مِنْ سُفَهَائِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَذَرَارِيّهِمْ وَيَكْرَهُونَ أَنْ يُرَوّعُوا قَوْمَهُمْ بِهَدْمِهَا حَتّى يَدْخُلَهُمْ الْإِسْلَامُ فَأَبَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلّا أَنْ يَبْعَثَ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ يَهْدِمَانِهَا ، وَقَدْ كَانُوا يَسْأَلُونَهُ مَعَ تَرْكِ الطّاغِيَةِ أَنْ يُعْفِيَهُمْ مِنْ الصّلَاةِ وَأَنْ لَا يَكْسِرُوا أَوْثَانَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمّا كَسْرُ أَوْثَانِكُمْ بِأَيْدِيكُمْ ، فَسَنُعْفِيكُمْ مِنْهُ وَأَمّا الصّلَاةُ فَلَا خَيْرَ فِي دِينٍ لَا صَلَاةَ فِيهِ فَلَمّا أَسْلَمُوا وَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كِتَابًا ، أَمّرَ عَلَيْهِمْ عُثْمَانَ بْنَ أَبِي الْعَاصِ ، [ ص 438 ] وَكَانَ مِنْ أَحْدَثِهِمْ سِنّا ، وَذَلِك أَنّهُ كَانَ مِنْ أَحْرَصِهِمْ عَلَى التّفَقّهِ فِي الْإِسْلَامِ وَتَعَلّمِ الْقُرْآنِ . فَلَمّا فَرَغُوا مِنْ أَمْرِهِمْ وَتَوَجّهُوا إلَى بِلَادِهِمْ رَاجِعِينَ بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَعَهُمْ أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ وَالْمُغِيرَةَ بْنَ شُعْبَةَ فِي هَدْمِ الطّاغِيَةِ ، فَخَرَجَا مَعَ الْقَوْمِ حَتّى إذَا قَدِمُوا الطّائِفَ ، أَرَادَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ أَنْ يُقَدّمَ أَبَا سُفْيَانَ فَأَبَى ذَلِكَ عَلَيْهِ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ اُدْخُلْ أَنْتَ عَلَى قَوْمِك ، وَأَقَامَ أَبُو سُفْيَانَ بِمَالِهِ بِذِي الْهَدْمِ فَلَمّا دَخَلَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ ، عَلَاهَا يَضْرِبُهَا بِالْمِعْوَلِ وَقَامَ دُونَهُ بَنُو مُعَتّبٍ خَشْيَةَ أَنْ يُرْمَى أَوْ يُصَابَ كَمَا أُصِيبَ عُرْوَةُ وَخَرَجَ نِسَاءُ ثَقِيفٍ حُسّرًا يَبْكِينَ عَلَيْهَا ، وَيَقُولُ أَبُو سُفْيَانَ - وَالْمُغِيرَةُ يَضْرِبُهَا بِالْفَأْسِ - " واهًا لَك واهًا لَك " فَلَمّا هَدَمَهَا الْمُغِيرَةُ وَأَخَذَ مَالَهَا وَحُلِيّهَا ، أَرْسَلَ إلَى أَبِي سُفْيَانَ مَجْمُوعَ مَالِهَا مِنْ الذّهَبِ وَالْفِضّةِ وَالْجَزْعِ .
[ قُدُومُ رَجُلَيْنِ مِنْ ثَقِيفٍ وَقَضَاءُ الدّيْنِ عَنْهُمَا ]
وَقَدْ كَانَ أَبُو مَلِيحِ بْنُ عُرْوَةَ وَقَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ قَدِمَا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَبْلَ وَفْدِ ثَقِيفٍ حَيْنَ قُتِلَ عُرْوَةُ يُرِيدَانِ فِرَاقَ ثَقِيفٍ ، وَأَنْ لَا يُجَامِعَاهُمْ عَلَى شَيْءٍ أَبَدًا ، فَأَسْلَمَا ، فَقَالَ لَهُمَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَوَلّيَا مَنْ شِئْتُمَا " قَالَا : نَتَوَلّى اللّهَ وَرَسُولَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ " وَخَالَكُمَا أَبَا سُفْيَانَ بْنَ حَرْبٍ " فَقَالَا : وَخَالَنَا أَبَا سُفْيَانَ فَلَمّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطّائِف ِ ، سَأَلَ أَبُو مَلِيحٍ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَقْضِيَ عَنْ أَبِيهِ عُرْوَةَ دَيْنًا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ مَالِ الطّاغِيَةِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَعَمْ فَقَالَ لَهُ قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ : وَعَنْ الْأَسْوَدِ يَا رَسُولَ اللّهِ فَاقْضِهِ - وَعُرْوَةُ وَالْأَسْوَدُ أَخَوَانِ لِأَبٍ وَأُمّ - فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ الْأَسْوَدَ مَاتَ مُشْرِكًا فَقَالَ قَارِبُ بْنُ الْأَسْوَدِ : يَا رَسُولَ اللّهِ لَكِنْ تَصِلُ مُسْلِمًا ذَا قَرَابَةٍ يَعْنِي نَفْسَهُ وَإِنّمَا الدّيْنُ [ ص 439 ] فَأَمَرَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبَا سُفْيَانَ أَنْ يَقْضِيَ دَيْنَ عُرْوَةَ وَالْأَسْوَدِ مِنْ مَالِ الطّاغِيَةِ ، فَفَعَلَ . وَكَانَ كِتَابُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الّذِي كَتَبَ لَهُمْ بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ مِنْ مُحَمّدٍ النّبِيّ رَسُولِ اللّهِ إلَى الْمُؤْمِنِينَ ، إنّ عِضَاهَ وَجّ وَصَيْدَهُ حَرَامٌ لَا يُعْضَدُ مَنْ وُجِدَ يَصْنَعُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَإِنّهُ يُجْلَدُ وَتُنْزَعُ ثِيَابُهُ فَإِنْ تَعَدّى ذَلِكَ فَإِنّهُ يُؤْخَذُ فَيُبْلَغُ بِهِ إلَى النّبِيّ مُحَمّدٍ وَإِنّ هَذَا أَمْرُ النّبِيّ مُحَمّدٍ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَكَتَبَ خَالِدُ بْنُ سَعِيدٍ بِأَمْرِ الرّسُولِ مُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ فَلَا يَتَعَدّاهُ أَحَدٌ ، فَيَظْلِمَ نَفْسَهُ فِيمَا أَمَرَ بِهِ مُحَمّدٌ رَسُولُ اللّهِ . فَهَذِهِ قِصّةُ ثَقِيفٍ مِنْ أَوّلِهَا إلَى آخِرِهَا ، سُقْنَاهَا كَمَا هِيَ وَإِنْ تَخَلّلَ بَيْنَ غَزْوِهَا وَإِسْلَامِهَا غَزَاةُ تَبُوك َ وَغَيْرُهَا ، لَكِنْ آثَرْنَا أَنْ لَا نَقْطَعَ قِصّتَهُمْ وَأَنْ يَنْتَظِمَ أَوّلُهَا بِآخِرِهَا لِيَقَعَ الْكَلَامُ عَلَى فِقْهِ هَذِهِ الْقِصّةِ وَأَحْكَامِهَا فِي مَوْضِعٍ وَاحِدٍ .
[ جَوَازُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ]
فَنَقُولُ فِيهَا مِنْ الْفِقْهِ جَوَازُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ، وَنَسْخُ تَحْرِيمِ ذَلِكَ فَإِنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَةِ إلَى مَكّةَ فِي أَوَاخِرِ شَهْرِ رَمَضَانَ بَعْدَ مُضِيّ ثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً مِنْهُ وَالدّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " حَدّثَنَا إسْمَاعِيلُ عَنْ خَالِدٍ الْحَذّاءِ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ عَنْ أَبِي الْأَشْعَثِ عَنْ شَدّادِ بْنِ أَوْسٍ أَنّهُ مَرّ مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ زَمَنَ الْفَتْحِ عَلَى رَجُلٍ يَحْتَجِمُ بِالْبَقِيعِ لِثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ وَهُوَ آخِذٌ بِيَدَيّ فَقَالَ أَفْطَرَ الْحَاجِمُ وَالْمَحْجُومُ وَهَذَا أَصَحّ مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ إنّهُ خَرَجَ لِعَشْرٍ خَلَوْنَ مِنْ [ ص 440 ] إنّ اللّهَ كَتَبَ الْإِحْسَانَ عَلَى كُلّ شَيْءٍ وَأَقَامَ بِمَكّةَ تِسْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصّلَاةَ ثُمّ خَرَجَ إلَى هَوَازِنَ ، فَقَاتَلَهُمْ وَفَرَغَ مِنْهُمْ ثُمّ قَصَدَ الطّائِفَ ، فَحَاصَرَهُمْ بِضْعًا وَعِشْرِينَ لَيْلَةً فِي قَوْلِ ابْنِ إسْحَاقَ وَثَمَانِ عَشْرَةَ لَيْلَةً فِي قَوْلِ ابْنِ سَعْدٍ ، وَأَرْبَعِينَ لَيْلَةً فِي قَوْلِ مَكْحُولٍ . فَإِذَا تَأَمّلْت ذَلِكَ عَلِمْت أَنّ بَعْضَ مُدّةِ الْحِصَارِ فِي ذِي الْقَعْدَةِ وَلَا بُدّ وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ لَمْ يَبْتَدِئْ الْقِتَالَ إلّا فِي شَوّالٍ فَلَمّا شَرَعَ فِيهِ لَمْ يَقْطَعْهُ لِلشّهْرِ الْحَرَامِ وَلَكِنْ مِنْ أَيْنَ لَكُمْ أَنّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ابْتَدَأَ قِتَالًا فِي شَهْرٍ حَرَامٍ وَفُرّقَ بَيْنَ الِابْتِدَاءِ وَالِاسْتِدَامَةِ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : جَوَازُ غَزْوِ الرّجُلِ وَأَهْلُهُ مَعَهُ فَإِنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ مَعَهُ فِي هَذِهِ الْغَزْوَةِ أُمّ سَلَمَةَ وَزَيْنَبُ . وَمِنْهَا : جَوَازُ نَصْبِ الْمَنْجَنِيقِ عَلَى الْكُفّارِ وَرَمْيِهِمْ بِهِ وَإِنْ أَفْضَى إلَى قَتْلِ مَنْ لَمْ يُقَاتِلْ مِنْ النّسَاءِ وَالذّرّيّةِ . وَمِنْهَا : جَوَازُ قَطْعِ شَجَرِ الْكُفّارِ إذَا كَانَ ذَلِكَ يُضْعِفُهُمْ وَيَغِيظُهُمْ وَهُوَ أَنْكَى فِيهِمْ .
[ إذَا أَبَقَ الْعَبْدُ مِنْ مُشْرِكٍ وَلَحِقَ بِالْمُسْلِمِينَ صَارَ حُرّا ] ؟
وَمِنْهَا : أَنّ الْعَبْدَ إذَا أَبَقَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ وَلَحِقَ بِالْمُسْلِمِينَ صَارَ حُرّا . قَالَ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ : حَدّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ، عَنْ الْحَجّاجِ عَنْ مِقْسَمٍ ، عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ ، قَالَ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُعْتِقُ الْعَبِيدَ إذَا جَاءُوا قَبْلَ مَوَالِيهِمْ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ أَيْضًا ، قَالَ قَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الْعَبْدِ وَسَيّدِهِ [ ص 441 ] قَضَى أَنّ الْعَبْدَ إذَا خَرَجَ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ قَبْلَ سَيّدِهِ أَنّهُ حُرّ فَإِنْ خَرَجَ سَيّدُهُ بَعْدَهُ لَمْ يُرَدّ عَلَيْهِ وَقَضَى أَنّ السّيّدَ إذَا خَرَجَ قَبْلَ الْعَبْدِ ثُمّ خَرَجَ الْعَبْدُ رُدّ عَلَى سَيّدِهِ . وَعَنْ الشّعْبِيّ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ ثَقِيفٍ ، قَالَ سَأَلْنَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ يَرُدّ عَلَيْنَا أَبَا بَكْرَةَ وَكَانَ عَبْدًا لَنَا أَتَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ مُحَاصِرٌ ثَقِيفًا ، فَأَسْلَمَ فَأَبَى أَنْ يَرُدّهُ عَلَيْنَا ، فَقَالَ هُوَ طَلِيقُ اللّهِ ، ثُمّ طَلِيقُ رَسُولِهِ فَلَمْ يَرُدّهُ عَلَيْنَا . قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ : وَهَذَا قَوْلُ كُلّ مَنْ يُحْفَظُ عَنْهُ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : أَنّ الْإِمَامَ إذَا حَاصَرَ حِصْنًا ، وَلَمْ يُفْتَحْ عَلَيْهِ وَرَأَى مَصْلَحَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي الرّحِيلِ عَنْهُ لَمْ يَلْزَمْهُ مُصَابَرَتُهُ وَجَازَ لَهُ تَرْكُ مُصَابَرَتِهِ وَإِنّمَا تَلْزَمُ الْمُصَابَرَةُ إذَا كَانَ فِيهَا مَصْلَحَةٌ رَاجِحَةٌ عَلَى مَفْسَدَتِهَا .
فَصْلٌ
وَمِنْهَا : أَنّهُ أَحْرَمَ مِنْ الْجِعِرّانَةِ بِعُمْرَةٍ وَكَانَ دَاخِلًا إلَى مَكّةَ ، وَهَذِهِ هِيَ السّنّةُ لِمَنْ دَخَلَهَا مِنْ طَرِيقِ الطّائِفِ وَمَا يَلِيهِ وَأَمّا مَا يَفْعَلُهُ كَثِيرٌ مِمّنْ لَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ مِنْ الْخُرُوجِ مِنْ مَكّةَ إلَى الْجِعِرّانَةِ لِيُحْرِمَ مِنْهَا بِعُمْرَةٍ ثُمّ يَرْجِعُ إلَيْهَا ، فَهَذَا لَمْ يَفْعَلْهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ الْبَتّةَ وَلَا اسْتَحَبّهُ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنّمَا يَفْعَلُهُ عَوَامّ النّاسِ زَعَمُوا أَنّهُ اقْتِدَاءٌ بِالنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَغَلِطُوا ، فَإِنّهُ إنّمَا أَحْرَمَ مِنْهَا دَاخِلًا إلَى مَكّةَ ، وَلَمْ يَخْرُجْ مِنْهَا إلَى الْجِعِرّانَةِ لِيُحْرِمَ مِنْهَا ، فَهَذَا لَوْنٌ وَسُنّتُهُ لَوْنٌ وَبِاَللّهِ التّوْفِيقُ .
فَصْلٌ [ اسْتِجَابَةُ دُعَائِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِإِسْلَامِ ثَقِيفٍ ]
وَمِنْهَا : اسْتِجَابَةُ اللّهِ لِرَسُولِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دُعَاءَهُ لِثَقِيفٍ أَنْ يَهْدِيَهُمْ وَيَأْتِيَ بِهِمْ وَقَدْ [ ص 442 ] أَرْسَلَهُ إلَيْهِمْ يَدْعُوهُمْ إلَى اللّهِ وَمَعَ هَذَا كُلّهِ فَدَعَا لَهُمْ وَلَمْ يَدْعُ عَلَيْهِمْ وَهَذَا مِنْ كَمَالِ رَأْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ وَنَصِيحَتِهِ صَلَوَاتُ اللّهِ وَسَلَامُهُ عَلَيْهِ .
فَصْلٌ [ كَمَالُ مَحَبّةِ الصّدّيقِ لَهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
وَمِنْهَا : كَمَالُ مَحَبّةِ الصّدّيقِ لَهُ وَقَصْدُهُ التّقَرّبَ إلَيْهِ وَالتّحَبّبَ بِكُلّ مَا يُمْكِنُهُ وَلِهَذَا نَاشَدَ الْمُغِيرَةَ أَنْ يَدَعَهُ هُوَ يُبَشّرُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقُدُومِ وَفْدِ الطّائِفِ ، لِيَكُونَ هُوَ الّذِي بَشّرَهُ وَفَرّحَهُ بِذَلِكَ وَهَذَا يَدُلّ عَلَى أَنّهُ يَجُوزُ لِلرّجُلِ أَنْ يَسْأَلَ أَخَاهُ أَنْ يُؤْثِرَهُ بِقُرْبَةٍ مِنْ الْقُرَبِ وَأَنّهُ يَجُوزُ لِلرّجُلِ أَنْ يُؤْثِرَ بِهَا أَخَاهُ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ مِنْ الْفُقَهَاءِ لَا يَجُوزُ الْإِيثَارُ بِالْقُرَبِ لَا يَصِحّ . وَقَدْ آثَرَتْ عَائِشَةُ عُمَرَ بْنَ الْخَطّابِ بِدَفْنِهِ فِي بَيْتِهَا جِوَارَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَسَأَلَهَا عُمَرُ ذَلِكَ فَلَمْ تَكْرَهْ لَهُ السّؤَالَ وَلَا لَهَا الْبَذْلَ وَعَلَى هَذَا ، فَإِذَا سَأَلَ الرّجُلُ غَيْرَهُ أَنْ يُؤْثِرَهُ بِمَقَامِهِ فِي الصّفّ الْأَوّلِ لَمْ يُكْرَهُ لَهُ السّؤَالُ وَلَا لِذَلِكَ الْبَذْلُ وَنَظَائِرُهُ . وَمَنْ تَأَمّلَ سِيرَةَ الصّحَابَةِ وَجَدَهُمْ غَيْرَ كَارِهِينَ لِذَلِكَ وَلَا مُمْتَنِعِينَ مِنْهُ وَهَلْ هَذَا إلّا كَرَمٌ وَسَخَاءٌ وَإِيثَارٌ عَلَى النّفْسِ بِمَا هُوَ أَعْظَمُ مَحْبُوبَاتِهَا تَفْرِيحًا لِأَخِيهِ الْمُسْلِمِ وَتَعْظِيمًا لِقَدْرِهِ وَإِجَابَةً لَهُ إلَى مَا سَأَلَهُ وَتَرْغِيبًا لَهُ فِي الْخَيْرِ وَقَدْ يَكُونُ ثَوَابُ كُلّ وَاحِدٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ رَاجِحًا عَلَى ثَوَابِ تِلْكَ الْقُرْبَةِ فَيَكُونُ الْمُؤْثِرُ بِهَا مِمّنْ تَاجَرَ فَبَذَلَ قُرْبَةً وَأَخَذَ أَضْعَافَهَا ، وَعَلَى هَذَا فَلَا يَمْتَنِعُ أَنْ يُؤْثِرَ صَاحِبُ الْمَاءِ بِمَائِهِ أَنْ يَتَوَضّأَ بِهِ وَيَتَيَمّمَ هُوَ إذَا كَانَ لَا بُدّ مِنْ تَيَمّمِ أَحَدِهِمَا ، فَآثَرَ أَخَاهُ وَحَازَ فَضِيلَةَ الْإِيثَارِ وَفَضِيلَةَ الطّهْرِ بِالتّرَابِ وَلَا يَمْنَعُ هَذَا كِتَابٌ وَلَا سُنّةٌ وَلَا مَكَارِمُ أَخْلَاقٍ وَعَلَى هَذَا فَإِذَا اشْتَدّ الْعَطَشُ بِجَمَاعَةٍ وَعَايَنُوا التّلَفَ وَمَعَ بَعْضِهِمْ مَاءٌ فَآثَرَ عَلَى نَفْسِهِ وَاسْتَسْلَمَ لِلْمَوْتِ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا ، وَلَمْ يُقَلْ إنّهُ قَاتِلٌ لِنَفْسِهِ وَلَا أَنّهُ فَعَلَ مُحَرّمًا ، بَلْ هَذَا غَايَةُ الْجُودِ وَالسّخَاءِ كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ } [ الْحَشْرَ 9 ] ، وَقَدْ جَرَى هَذَا بِعَيْنِهِ لِجَمَاعَةٍ مِنْ الصّحَابَةِ فِي فُتُوحِ الشّامِ ، وَعُدّ ذَلِكَ مِنْ مَنَاقِبِهِمْ وَفَضَائِلِهِمْ وَهَلْ إهْدَاءُ الْقُرَبِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا [ ص 443 ]
فَصْلٌ [ لَا يَجُوزُ إبْقَاءُ مَوَاضِعِ الشّرْكِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى هَدْمِهَا ]
وَمِنْهَا : أَنّهُ لَا يَجُوزُ إبْقَاءُ مَوَاضِعِ الشّرْكِ وَالطّوَاغِيتِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ عَلَى هَدْمِهَا وَإِبْطَالِهَا يَوْمًا وَاحِدًا ، فَإِنّهَا شَعَائِرُ الْكُفْرِ وَالشّرْكِ وَهِيَ أَعْظَمُ الْمُنْكَرَاتِ فَلَا يَجُوزُ الْإِقْرَارُ عَلَيْهَا مَعَ الْقُدْرَةِ الْبَتّةَ وَهَذَا حُكْمُ الْمَشَاهِدِ الّتِي بُنِيَتْ عَلَى الْقُبُورِ الّتِي اُتّخِذَتْ أَوْثَانًا وَطَوَاغِيتَ تُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللّهِ وَالْأَحْجَارُ الّتِي تُقْصَدُ لِلتّعْظِيمِ وَالتّبَرّكِ وَالنّذْرِ وَالتّقْبِيلِ لَا يَجُوزُ إبْقَاءُ شَيْءٍ مِنْهَا عَلَى وَجْهِ الْأَرْضِ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى إزَالَتِهِ وَكَثِيرٌ مِنْهَا بِمَنْزِلَةِ اللّاتِ وَالْعُزّى ، وَمَنَاةَ الثّالِثَةِ الْأُخْرَى ، أَوْ أَعْظَمُ شِرْكًا عِنْدَهَا ، وَبِهَا ، وَاَللّهُ الْمُسْتَعَانُ . وَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنْ أَرْبَابِ هَذِهِ الطّوَاغِيتِ يَعْتَقِدُ أَنّهَا تَخْلُقُ وَتَرْزُقُ وَتُمِيتُ وَتُحْيِي ، وَإِنّمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ عِنْدَهَا وَبِهَا مَا يَفْعَلُهُ إخْوَانُهُمْ مِنْ الْمُشْرِكِينَ الْيَوْمَ عِنْدَ طَوَاغِيتِهِمْ فَاتّبَعَ هَؤُلَاءِ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ وَسَلَكُوا سَبِيلَهُمْ حَذْوَ الْقُذّةِ بِالْقُذّةِ وَأَخَذُوا مَأْخَذَهُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ وَغَلَبَ الشّرْكُ عَلَى أَكْثَرِ النّفُوسِ لِظُهُورِ الْجَهْلِ وَخَفَاءِ الْعِلْمِ فَصَارَ الْمَعْرُوفُ مُنْكَرًا ، وَالْمُنْكَرُ مَعْرُوفًا ، وَالسّنّةُ بِدْعَةً وَالْبِدْعَةُ سُنّةً وَنَشَأَ فِي ذَلِكَ الصّغِيرُ وَهَرِمَ عَلَيْهِ الْكَبِيرُ وَطُمِسَتْ الْأَعْلَامُ وَاشْتَدّتْ غَرْبَةُ الْإِسْلَامِ وَقَلّ الْعُلَمَاءُ وَغَلَبَ السّفَهَاءُ وَتَفَاقَمَ الْأَمْرُ وَاشْتَدّ الْبَأْسُ وَظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النّاسِ وَلَكِنْ لَا تَزَالُ طَائِفَةٌ مِنْ الْعِصَابَةِ الْمُحَمّدِيّةِ بِالْحَقّ قَائِمِينَ وَلِأَهْلِ الشّرْكِ وَالْبِدَعِ مُجَاهِدِينَ إلَى أَنْ يَرِثَ اللّهُ سُبْحَانَهُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْهَا ، وَهُوَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ .
فَصْلٌ [ جَوَازُ صَرْفِ الْأَمْوَالِ الّتِي فِي مَوَاضِعِ الشّرْكِ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ ]
وَمِنْهَا : جَوَازُ صَرْفِ الْإِمَامِ الْأَمْوَالَ الّتِي تَصِيرُ إلَى هَذِهِ الْمَشَاهِدِ وَالطّوَاغِيتِ فِي الْجِهَادِ وَمَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَيَجُوزُ لِلْإِمَامِ بَلْ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَأْخُذَ أَمْوَالَ هَذِهِ [ ص 444 ] أَخَذَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَمْوَالَ اللّاتِ ، وَأَعْطَاهَا لِأَبِي سُفْيَانَ يَتَأَلّفُهُ بِهَا ، وَقَضَى مِنْهَا دَيْنَ عُرْوَةَ وَالْأَسْوَدِ وَكَذَلِك يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَهْدِمَ هَذِهِ الْمَشَاهِدَ الّتِي بُنِيَتْ عَلَى الْقُبُورِ الّتِي اُتّخِذَتْ أَوْثَانًا ، وَلَهُ أَنْ يُقْطِعَهَا لِلْمُقَاتِلَةِ أَوْ يَبِيعَهَا وَيَسْتَعِينَ بِأَثْمَانِهَا عَلَى مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ وَكَذَلِك الْحُكْمُ فِي أَوْقَافِهَا ، فَإِنْ وَقَفَهَا ، فَالْوَقْفُ عَلَيْهَا بَاطِلٌ وَهُوَ مَالٌ ضَائِعٌ فَيُصْرَفُ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ فَإِنّ الْوَقْفَ لَا يَصِحّ إلّا فِي قُرْبَةٍ وَطَاعَةٍ لِلّهِ وَرَسُولِهِ فَلَا يَصِحّ الْوَقْفُ عَلَى مَشْهَدٍ وَلَا قَبْرٍ يُسْرَجُ عَلَيْهِ وَيُعَظّمُ وَيُنْذَرُ لَهُ وَيُحَجّ إلَيْهِ وَيُعْبَدُ مِنْ دُونِ اللّهِ وَيُتّخَذُ وَثَنًا مِنْ دُونِهِ وَهَذَا مِمّا لَا يُخَالِفْ فِيهِ أَحَدٌ مِنْ أَئِمّةِ الْإِسْلَامِ وَمَنْ اتّبَعَ سَبِيلَهُمْ .
فَصْلٌ [ وَادِي وَجّ حَرَمٌ ]
وَمِنْهَا : أَنّ وَادِيَ وَجّ - وَهُوَ وَادٍ بِالطّائِفِ - حَرَمٌ يَحْرُمُ صَيْدُهُ وَقَطْعُ شَجَرِهِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي ذَلِكَ وَالْجُمْهُورُ قَالُوا : لَيْسَ فِي الْبِقَاعِ حَرَمٌ إلّا مَكّةُ وَالْمَدِينَةُ ، وَأَبُو حَنِيفَةَ خَالَفَهُمْ فِي حَرَمِ الْمَدِينَةِ ، وَقَالَ الشّافِعِيّ - رَحِمَهُ اللّهُ - فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَجّ حَرَمٌ يَحْرُمُ صَيْدُهُ وَشَجَرُهُ وَاحْتَجّ لِهَذَا الْقَوْلِ بِحَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا الّذِي تَقَدّمَ وَالثّانِي : حَدِيثُ عُرْوَةَ بْنِ الزّبِيرِ ، عَنْ أَبِيهِ الزّبِيرِ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ إنّ صَيْدَ وَجّ وَعِضَاهَهُ حَرَمٌ مُحَرّمٌ لِلّهِ رَوَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَأَبُو دَاوُدَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ يُعْرَفُ بِمُحَمّدِ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ إنْسَانٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُرْوَةَ . قَالَ الْبُخَارِيّ فِي " تَارِيخِهِ " : لَا يُتَابَعُ عَلَيْهِ . قُلْت : وَفِي سَمَاعِ عُرْوَةَ مِنْ أَبِيهِ نَظَرٌ وَإِنْ كَانَ قَدْ رَآهُ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ [ بَعْثُ الْمُصَدّقِينَ لِجَلْبِ الصّدَقَاتِ ]
[ ص 445 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمَدِينَةَ وَدَخَلَتْ سَنَةُ تِسْعٍ بَعَثَ الْمُصَدّقِينَ يَأْخُذُونَ الصّدَقَاتِ مِنْ الْأَعْرَابِ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : ثُمّ بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمُصَدّقِينَ قَالُوا : لَمّا رَأَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هِلَالَ الْمُحَرّمِ سَنَةَ تِسْعٍ بَعَثَ الْمُصَدّقِينَ يُصَدّقُونَ الْعَرَبَ فَبَعَثَ عُيَيْنَةَ بْنَ حِصْنٍ إلَى بَنِي تَمِيمٍ وَبَعَثَ يَزِيدَ بْنَ الْحُصَيْنِ إلَى أَسْلَمَ وَغِفَارٍ وَبَعَثَ عَبّادَ بْنَ بِشْرٍ الْأَشْهَلِيّ إلَى سُلَيْمٍ وَمُزَيْنَةَ وَبَعَثَ رَافِعَ بْنَ مُكَيْثٍ إلَى جُهَيْنَةَ وَبَعَثَ عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ إلَى بَنِي فَزَارَةَ وَبَعَثَ الضّحّاكَ بْنَ سُفْيَانَ إلَى بَنِي كِلَاب ٍ وَبَعَثَ بِشْرَ بْنَ سُفْيَانَ إلَى بَنِي كَعْبٍ وَبَعَثَ ابْنَ اللّتْبِيّةِ الْأَزْدِيّ إلَى بَنِي ذُبْيَان َ وَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْمُصَدّقِينَ أَنْ يَأْخُذُوا الْعَفْوَ مِنْهُمْ وَيَتَوَقّوْا كَرَائِمَ أَمْوَالِهِمْ . قِيلَ وَلَمّا قَدِمَ ابْنُ اللّتْبِيّةِ حَاسَبَهُ وَكَانَ فِي هَذَا حُجّةٌ عَلَى مُحَاسَبَةِ الْعُمّالِ وَالْأُمَنَاءِ فَإِنْ ظَهَرَتْ خِيَانَتُهُمْ عَزَلَهُمْ وَوَلّى أَمِينًا . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَبَعَثَ الْمُهَاجِرَ بْنَ أَبِي أُمَيّةَ إلَى صَنْعَاءَ فَخَرَجَ عَلَيْهِ الْعَنْسِيّ وَهُوَ بِهَا وَبَعَثَ زِيَادَ بْنَ لَبِيدٍ إلَى حَضْرَمَوْتَ وَبَعَثَ عَدِيّ بْنَ حَاتِمٍ إلَى طَيّئٍ وَبَنِي أَسَدٍ وَبَعَثَ مَالِكَ بْنَ نُوَيْرَةَ عَلَى صَدَقَاتِ بَنِي حَنْظَلَةَ وَفَرّقَ صَدَقَاتِ بَنِي سَعْدٍ عَلَى رَجُلَيْنِ فَبَعَثَ الزّبْرِقَانَ بْنَ بَدْرٍ عَلَى نَاحِيَةٍ وَقَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ عَلَى نَاحِيَةٍ وَبَعَثَ الْعَلَاءَ بْنَ الْحَضْرَمِيّ عَلَى الْبَحْرَيْنِ وَبَعَثَ عَلِيّا - رِضْوَانُ اللّهِ [ ص 446 ] نَجْرَانَ لِيَجْمَعَ صَدَقَاتِهِمْ وَيَقْدَمَ عَلَيْهِ بِجِزْيَتِهِمْ .
فَصْلٌ فِي السّرَايَا وَالْبُعُوثِ فِي سَنَةِ تِسْعٍ
[ سَرِيّةُ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيّ إلَى بَنِي تَمِيمٍ ]
[ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ ]
ذِكْرُ سَرِيّةِ عُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ الْفَزَارِيّ إلَى بَنِي تَمِيمٍ وَذَلِكَ فِي الْمُحَرّمِ مِنْ هَذِهِ السّنَةِ بَعَثَهُ إلَيْهِمْ فِي سَرِيّةِ لِيَغْزُوَهُمْ فِي خَمْسِينَ فَارِسًا لَيْسَ فِيهِمْ مُهَاجِرِيّ وَلَا أَنْصَارِيّ فَكَانَ يَسِيرُ اللّيْلَ وَيَكْمُنُ النّهَارَ فَهَجَمَ عَلَيْهِمْ فِي صَحْرَاءَ وَقَدْ سَرّحُوا مَوَاشِيَهُمْ فَلَمّا رَأَوْا الْجَمْعَ وَلّوْا فَأُخِذَ مِنْهُمْ أَحَدَ عَشَرَ رَجُلًا وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ امْرَأَةً وَثَلَاثِينَ صَبِيّا فَسَاقَهُمْ إلَى الْمَدِينَةِ فَأُنْزِلُوا فِي دَارِ رَمْلَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ فَقَدِمَ فِيهِمْ عِدّةٌ مِنْ رُؤَسَائِهِمْ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ وَالزّبْرِقَانُ بْنُ بَدْرٍ وَقَيْسُ بْنُ عَاصِمٍ وَالْأَقْرَعُ بْنُ حَابِس ٍ وَقَيْسُ بْنُ الْحَارِثِ وَنُعَيْمُ بْنُ سَعْدٍ وَعَمْرُو بْنُ الْأَهْتَمِ وَرَبَاحُ بْنُ الْحَارِثِ فَلَمّا رَأَوْا نِسَاءَهُمْ وَذَرَارِيّهُمْ بَكَوْا إلَيْهِمْ فَعَجِلُوا فَجَاءُوا إلَى بَابِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَنَادَوْا : يَا مُحَمّدُ اُخْرُجْ إلَيْنَا فَخَرَجَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَقَامَ بِلَالٌ الصّلَاةَ وَتَعَلّقُوا بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُكَلّمُونَهُ فَوَقَفَ مَعَهُمْ ثُمّ مَضَى فَصَلّى الظّهْرَ ثُمّ جَلَسَ فِي صَحْنِ الْمَسْجِدِ فَقَدّمُوا عُطَارِدَ بْنَ حَاجِبٍ فَتَكَلّمَ وَخَطَبَ فَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثَابِتَ بْنَ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ فَأَجَابَهُمْ وَأَنْزَلَ اللّهُ فِيهِمْ { إِنّ الّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ وَلَوْ أَنّهُمْ صَبَرُوا حَتّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ } [ الْحُجُرَاتُ 45 ] فَرَدّ عَلَيْهِمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْأَسْرَى وَالسّبْيَ فَقَامَ الزّبْرِقَانُ شَاعِرُ بَنِي تَمِيمٍ فَأَنْشَدَ مُفَاخِرًا : نَحْنُ الْكِرَامُ فَلَا حَيّ يُعَادِلُنَا مِنّا الْمُلُوكُ وَفِينَا تُنْصَبُ الْبِيَعُ
وَكَمْ قَسَرْنَا مِنْ الْأَحْيَاءِ كُلّهِمْ عِنْدَ النّهَابِ وَفَضْلُ الْعِزّ يُتّبَعُ
وَنَحْنُ يُطْعِمُ عِنْدَ الْقَحْطِ مُطْعِمُنَا مِنْ الشّوَاءِ إذَا لَمْ يُؤْنَسْ الْقَزَعُ
بِمَا تَرَى النّاسَ تَأْتِينَا سَرَاتُهُمْ مِنْ كُلّ أَرْضٍ هُوِيّا ثُمّ نَصْطَنِعُ
فَنَنْحَرُ الْكُومَ عُبْطًا فِي أَرُومَتِنَا لِلنّازِلِينَ إذَا مَا أُنْزِلُوا شَبِعُوا
فَلَا تَرَانَا إلَى حَيّ نُفَاخِرُهُمْ إلّا اسْتَفَادُوا فَكَانُوا الرّأْسَ يُقْتَطَع
فَمَنْ يُفَاخِرُنَا فِي ذَاكَ نَعْرِفُهُ فَيَرْجِعُ الْقَوْمُ وَالْأَخْبَارُ تُسْتَمَعُ
إنّا أَبَيْنَا وَلَا يَأْبَى لَنَا أَحَدٌ إنّا كَذَلِكَ عِنْدَ الْفَخْرِ نَرْتَفِعُ
[ ص 447 ] فَقَامَ شَاعِرُ الْإِسْلَامِ حَسّانُ بْنُ ثَابِتٍ فَأَجَابَهُ عَلَى الْبَدِيهَةِ إنّ الذّوَائِبَ مِنْ فِهْرٍ وَإِخْوَتِهِمْ قَدْ بَيّنُوا سُنّةً لِلنّاسِ تُتّبَعُ
يَرْضَى بِهَا كُلّ مَنْ كَانَتْ سَرِيرَتُهُ تَقْوَى الْإِلَهَ وَكُلّ الْخَيْرِ مُصْطَنَعُ
قَوْمٌ إذَا حَارَبُوا ضَرّوا عَدُوّهُمُ أَوْ حَاوَلُوا النّفْعَ فِي أَشْيَاعِهِمْ نَفَعُوا
سَجِيّةٌ تِلْكَ فِيهِمْ غَيْرُ مُحْدَثَةٍ إنّ الْخَلَائِقَ فَاعْلَمْ شَرّهَا الْبِدَعُ
إنْ كَانُوا فِي النّاسِ سَبّاقُونَ بَعْدَهُمْ فَكُلّ سَبْقٍ لِأَدْنَى سَبْقِهِمْ تَبَعٌ
لَا يَرْقَعُ النّاسُ مَا أَوْهَتْ أَكُفّهُمُ عِنْدَ الدّفَاعِ وَلَا يُوهُونَ مَا رَقَعُوا
إنْ سَابَقُوا النّاسَ يَوْمًا فَازَ سَبْقُهُمْ أَوْ وَزَنُوا أَهْلَ مَجْدٍ بِالنّدَى مَتَعُوا
أَعِفّةٌ ذُكِرَتْ فِي الْوَحِيّ عِفّتُهُمْ لَا يَطْبَعُونَ وَلَا يُرْدِيهِمْ الطّمَعُ
لَا يَبْخَلُونَ عَلَى جَارٍ بِفَضْلِهِمْ وَلَا يَمَسّهُمْ مِنْ مَطْمَعٍ طَبَعٌ
إذَا نَصَبْنَا لِحَيّ لَمْ نَدِبّ لَهُمْ كَمَا يَدِبّ إلَى الْوَحْشِيّةِ الذّرُعُ
نَسْمُوا إذَا الْحَرْبُ نَالَتْنَا مَخَالِبُهَا إذَا الزّعَانِفُ مِنْ أَظْفَارِهَا خَشَعُوا
لَا يَفْخَرُونَ إذَا نَالُوا عَدُوّهُمُ وَإِنْ أُصِيبُوا فَلَا جَوْرٌ وَلَا هَلَعُ
كَأَنّهُمْ فِي الْوَغَى وَالْمَوْتُ مُكْتَنِعٌ أُسْدٌ بِحِلْيَةٍ فِي أَرْسَاغِهَا فَدَعُ
خُذْ مِنْهُمْ مَا أَتَوْا عَفْوًا إذَا غَضِبُوا وَلَا يَكُنْ هَمّكَ الْأَمْرَ الّذِي مَنَعُوا
فَإِنّ فِي حَرْبِهِمْ فَاتْرُكْ عَدَاوَتَهُمْ شَرّا يُخَاضُ عَلَيْهِ السّمّ وَالسّلَعُ
أَكْرِمْ بِقَوْمٍ رَسُولُ اللّهِ شِيعَتُهُمْ إذَا تَفَاوَتَتْ الْأَهْوَاءُ وَالشّيَعُ
أَهْدَى لَهُمْ مِدْحَتِي قَلْبٌ يُوَازِرُهُ فِيمَا أَحَبّ لِسَانٌ حَائِكٌ صَنَعُ
فَإِنّهُمْ أَفْضَلُ الْأَحْيَاءِ كُلّهِمْ إنْ جَدّ بِالنّاسِ جِدّ الْقَوْلِ أَوْ شَمَعُوا
[ ص 448 ] فَلَمّا فَرَغَ حَسّانُ قَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِسٍ إنّ هَذَا الرّجُلَ لَمُؤَتّى لَهُ لَخَطِيبُهُ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا وَلَشَاعِرُهُ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا وَلَأَصْوَاتُهُمْ أَعْلَى مِنْ أَصْوَاتِنَا ثُمّ أَسْلَمُوا فَأَجَازَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَحْسَنَ جَوَائِزَهُمْ .
فَصْلٌ [ رِوَايَةُ ابْنِ إسْحَاقَ لِوَفْدِ بَنِي تَمِيمٍ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَلَمّا قَدِمَ وَفْدُ بَنِي تَمِيمٍ دَخَلُوا الْمَسْجِدَ وَنَادَوْا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ اُخْرُجْ إلَيْنَا يَا مُحَمّدُ فَآذَى ذَلِكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ صِيَاحِهِمْ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ فَقَالُوا : جِئْنَا لِنُفَاخِرَك فَأْذَنْ لِشَاعِرِنَا وَخَطِيبِنَا قَالَ نَعَمْ قَدْ أَذِنْتُ لِخَطِيبِكُمْ فَلْيَقُمْ فَقَامَ عُطَارِدُ بْنُ حَاجِبٍ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي جَعَلَنَا مُلُوكًا الّذِي لَهُ الْفَضْلُ عَلَيْنَا وَاَلّذِي وَهَبَ لَنَا أَمْوَالًا عِظَامًا نَفْعَلُ فِيهَا الْمَعْرُوفَ وَجَعَلَنَا أَعَزّ أَهْلِ الْمَشْرِقِ وَأَكْثَرَهُ عَدَدًا وَأَيْسَرَهُ عُدّةً فَمَنْ مِثْلُنَا فِي النّاسِ ؟ أَلَسْنَا رُءُوسَ النّاسِ وَأُولِي فَضْلِهِمْ فَمَنْ فَاخَرَنَا فَلْيُعِدّ مِثْلَ مَا عَدَدْنَا فَلَوْ شِئْنَا لَأَكْثَرْنَا مِنْ [ ص 449 ] تَأْتُوا بِمِثْلِ قَوْلِنَا أَوْ أَمْرٍ أَفْضَلَ مِنْ أَمْرِنَا ثُمّ جَلَسَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِثَابِتِ بْنِ قَيْسِ بْنِ شَمّاسٍ : " قُمْ فَأَجِبْهُ " فَقَامَ فَقَالَ الْحَمْدُ لِلّهِ الّذِي السّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ خَلْقُهُ قَضَى فِيهِنّ أَمْرَهُ وَوَسِعَ كُرْسِيّهُ عِلْمُهُ وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ قَطّ إلّا مِنْ فَضْلِهِ ثُمّ كَانَ مِنْ فَضْلِهِ أَنْ جَعَلَنَا مُلُوكًا وَاصْطَفَى مِنْ خَيْرِ خَلْقِهِ رَسُولًا أَكْرَمَهُ نَسَبًا وَأَصْدَقَهُ حَدِيثًا وَأَفْضَلَهُ حَسَبًا فَأَنْزَلَ عَلَيْهِ كِتَابًا وَائْتَمَنَهُ عَلَى خَلْقِهِ وَكَانَ خِيرَةَ اللّهِ مِنْ الْعَالَمِينَ ثُمّ دَعَا النّاسَ إلَى الْإِيمَانِ بِاَللّهِ فَآمَنَ بِهِ الْمُهَاجِرُونَ مِنْ قَوْمِهِ ذَوِي رَحَمِهِ أَكْرَمُ النّاسِ أَحْسَابًا وَأَحْسَنُهُمْ وُجُوهًا وَخَيْرُ النّاسِ فِعْلًا ثُمّ كَانَ أَوّلَ الْخَلْقِ إجَابَةً وَاسْتِجَابَةً لِلّهِ حِينَ دَعَاهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَحْنُ فَنَحْنُ أَنْصَارُ اللّهِ وَوُزَرَاءُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نُقَاتِلُ النّاسَ حَتّى يُؤْمِنُوا فَمَنْ آمَنَ بِاَللّهِ وَرَسُولِهِ مَنَعَ مَالَهُ وَدَمَهُ وَمَنْ نَكَثَ جَاهَدْنَاهُ فِي اللّهِ أَبَدًا وَكَانَ قَتْلُهُ عَلَيْنَا يَسِيرًا أَقُولُ هَذَا وَأَسْتَغْفِرُ اللّهَ الْعَظِيمَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالسّلَامُ عَلَيْكُمْ ثُمّ ذَكَرَ قِيَامَ الزّبْرِقَانِ وَإِنْشَادَهُ وَجَوَابَ حَسّانَ لَهُ بِالْأَبْيَاتِ الْمُتَقَدّمَةِ فَلَمّا فَرَغَ حَسّانُ مِنْ قَوْلِهِ قَالَ الْأَقْرَعُ بْنُ حَابِس ٍ إنّ هَذَا الرّجُلَ خَطِيبُهُ أَخْطَبُ مِنْ خَطِيبِنَا وَشَاعِرُهُ أَشْعَرُ مِنْ شَاعِرِنَا وَأَقْوَالُهُمْ أَعْلَى مِنْ أَقْوَالِنَا ثُمّ أَجَازَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَحْسَنَ جَوَائِزَهُمْ .
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ سَرِيّةِ قُطْبَةَ بْنِ عَامِرِ بْنِ حديدة إلَى خَثْعَمٍ
وَكَانَتْ فِي صَفَرَ سَنَةَ تِسْعٍ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : قَالُوا : بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ قُطْبَةَ بْنَ عَامِرٍ فِي عِشْرِينَ رَجُلًا إلَى حَيّ مِنْ خَثْعَمٍ بِنَاحِيَةِ تَبَالَةَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَشُنّ الْغَارَةَ فَخَرَجُوا عَلَى عَشَرَةِ أَبْعِرَةٍ يَعْتَقِبُونَهَا فَأَخَذُوا رَجُلًا فَسَأَلُوهُ فَاسْتَعْجَمَ عَلَيْهِمْ فَجَعَلَ يَصِيحُ بِالْحَاضِرَةِ وَيُحَذّرُهُمْ فَضَرَبُوا عُنُقَهُ ثُمّ أَقَامُوا حَتّى نَامَ الْحَاضِرَةُ [ ص 450 ] قُطْبَةُ بْنُ عَامِرٍ مَنْ قَتَلَ وَسَاقُوا النّعَمَ وَالنّسَاءَ وَالشّاءَ إلَى الْمَدِينَةِ وَفِي الْقِصّةِ أَنّهُ اجْتَمَعَ الْقَوْمُ وَرَكِبُوا فِي آثَارِهِمْ فَأَرْسَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ سَيْلًا عَظِيمًا حَالَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَسَاقُوا النّعَمَ وَالشّاءَ وَالسّبْيَ وَهُمْ يَنْظُرُونَ لَا يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَعْبُرُوا إلَيْهِمْ حَتّى غَابُوا عَنْهُمْ .
فَصْلٌ ذِكْرُ سَرِيّةِ الضّحّاكِ بْنِ سُفْيَانَ الْكِلَابِيّ إلَى
بَنِي كِلَابٍ فِي رَبِيعٍ الْأَوّلِ سَنَةَ تِسْعٍ
قَالُوا : بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَيْشًا إلَى بَنِي كِلَابٍ وَعَلَيْهِمْ الضّحّاكُ بْنُ سُفْيَانَ بْنِ عَوْفٍ الطّائِيّ وَمَعَهُ الْأَصْيَدُ بْنُ سَلَمَةَ فَلَقُوهُمْ بِالزّجّ زُجّ لَاوَةَ فَدَعَوْهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَوْا فَقَاتَلُوهُمْ فَهَزَمُوهُمْ فَلَحِقَ الْأَصْيَدُ أَبَاهُ سَلَمَةُ وَسَلَمَةُ عَلَى فَرَسٍ لَهُ فِي غَدِيرٍ بِالزّجّ فَدَعَاهُ إلَى الْإِسْلَامِ وَأَعْطَاهُ الْأَمَانَ فَسَبّهُ وَسَبّ دِينَهُ فَضَرَبَ الْأَصْيَدُ عُرْقُوبَيْ فَرَسِ أَبِيهِ فَلَمّا وَقَعَ الْفَرَسُ عَلَى عُرْقُوبَيْهِ ارْتَكَزَ سَلَمَةُ عَلَى الرّمْحِ فِي الْمَاءِ ثُمّ اسْتَمْسَكَ حَتّى جَاءَ أَحَدُهُمْ فَقَتَلَهُ وَلَمْ يَقْتُلْهُ ابْنُهُ .
فَصْلٌ ذِكْرُ سَرِيّةِ عَلْقَمَةَ بْنِ مُجَزّزٍ الْمُدْلِجِيّ إلَى
الْحَبَشَةِ سَنَةَ تِسْعٍ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْآخَر
قَالُوا : فَلَمّا بَلَغَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ نَاسًا مِنْ الْحَبَشَةِ تَرَايَاهُمْ أَهْلُ جَدّةَ فَبَعَثَ إلَيْهِمْ عَلْقَمَةَ بْنَ مُجَزّزٍ فِي ثَلَاثِمِائَةٍ فَانْتَهَى إلَى جَزِيرَةٍ فِي الْبَحْرِ وَقَدْ خَاضَ إلَيْهِمْ الْبَحْرُ فَهَرَبُوا مِنْهُ فَلَمّا رَجَعَ تَعَجّلَ بَعْضُ الْقَوْمِ إلَى أَهْلِيهِمْ فَأَذِنَ لَهُمْ فَتَعَجّلَ [ ص 451 ] عَبْدُ اللّهِ بْنُ حُذَافَةَ السّهْمِيّ فَأَمّرَهُ عَلَى مَنْ تَعَجّلَ وَكَانَتْ فِيهِ دُعَابَةٌ فَنَزَلُوا بِبَعْضِ الطّرِيقِ وَأَوْقَدُوا نَارًا يَصْطَلُونَ عَلَيْهَا فَقَالَ عَزَمْتُ عَلَيْكُمْ إلّا تَوَاثَبْتُمْ فِي هَذِهِ النّارِ فَقَامَ بَعْضُ الْقَوْمِ فَتَجَهّزُوا حَتّى ظَنّ أَنّهُمْ وَاثِبُونَ فِيهَا فَقَالَ اجْلِسُوا إنّمَا كُنْتُ أَضْحَكُ مَعَكُمْ فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ مَنْ أَمَرَكُمْ بِمَعْصِيَةٍ فَلَا تُطِيعُوهُ قُلْت : فِي " الصّحِيحَيْنِ " عَنْ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ قَالَ بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَرِيّةً وَاسْتَعْمَلَ عَلَيْهِمْ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْمَعُوا لَهُ وَيُطِيعُوا فَأَغْضَبُوهُ فَقَالَ اجْمَعُوا لِي حَطَبًا فَجَمَعُوا فَقَالَ أَوْقِدُوا نَارًا ثُمّ قَالَ أَلَمْ يَأْمُرْكُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنْ تَسْمَعُوا لِي ؟ قَالُوا : بَلَى . قَالَ فَادْخُلُوهَا فَنَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ وَقَالُوا : إنّمَا فَرَرْنَا إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ النّارِ فَكَانُوا كَذَلِكَ حَتّى سَكَنَ غَضَبُهُ وَطُفِئَتْ النّارُ فَلَمّا رَجَعُوا ذَكَرُوا ذَلِكَ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا أَبَدًا وَقَالَ لَا طَاعَةَ فِي مَعْصِيَةِ اللّهِ إنّمَا الطّاعَةُ فِي الْمَعْرُوف فَهَذَا فِيهِ أَنّ الْأَمِيرَ كَانَ مِنْ الْأَنْصَارِ وَأَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هُوَ الّذِي أَمَرَهُ وَأَنّ الْغَضَبَ حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ . وَقَدْ رَوَى الْإِمَامُ أَحْمَدُ فِي " مُسْنَدِهِ " عَنْ ابْنِ عَبّاسٍ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى : { أَطِيعُوا اللّهَ وَأَطِيعُوا الرّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } [ النّسَاءُ 99 ] قَالَ نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللّهِ بْنِ حُذَافَةَ بْنِ قَيْسِ بْنِ عَدِيّ بَعَثَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي سَرِيّةٍ فَإِمّا أَنْ [ ص 452 ] يَكُونَ حَدِيثُ عَلِيّ هُوَ الْمَحْفُوظَ وَاَللّهُ أَعْلَمُ .
فَصْلٌ فِي ذِكْرِ سَرِيّةِ عَلِيّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ رَضِيَ اللّهُ عَنْهُ
إلَى صَنَمِ طَيّئٍ لِيَهْدِمَهُ فِي هَذِهِ السّنَةِ
[ قِصّةُ عَدِيّ بْنِ حَاتِمٍ الطّائِيّ ]
قَالُوا : وَبَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ فِي مِائَةٍ وَخَمْسِينَ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ عَلَى مِائَةِ بَعِيرٍ وَخَمْسِينَ فَرَسًا وَمَعَهُ رَايَةٌ سَوْدَاءُ لِوَاءٌ أَبْيَضُ إلَى الْفُلُسِ وَهُوَ صَنَمُ طَيّئٍ لِيَهْدِمَهُ فَشَنّوا الْغَارَةَ عَلَى مَحَلّةِ آلِ حَاتِمٍ مَعَ الْفَجْرِ فَهَدَمُوهُ وَمَلَئُوا أَيْدِيَهُمْ مِنْ السّبْيِ وَالنّعَمِ وَالشّاءِ وَفِي السّبْيِ أُخْتُ عَدِيّ بْنِ حَاتِمٍ وَهَرَبَ عَدِيّ إلَى الشّامِ وَوَجَدُوا فِي خِزَانَتِهِ ثَلَاثَةَ أَسْيَافٍ وَثَلَاثَةَ أَدْرَاعٍ فَاسْتَعْمَلَ عَلَى السّبْيِ أَبَا قَتَادَةَ وَعَلَى الْمَاشِيَةِ وَالرّثّةِ عَبْدَ اللّهِ بْنَ عَتِيكٍ وَقَسَمَ الْغَنَائِمَ فِي الطّرِيقِ وَعَزَلَ الصّفِيّ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَلَمْ يَقْسِمْ عَلَى آلِ حَاتِمٍ حَتّى قَدِمَ بِهِمْ الْمَدِينَةَ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : قَالَ عَدِيّ بْنُ حَاتِمٍ : مَا كَانَ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ أَشَدّ كَرَاهِيَةً لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنّي حِينَ سَمِعْتُ بِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَكُنْت امْرَءًا شَرِيفًا وَكُنْت نَصْرَانِيّا وَكُنْت أَسِيرُ فِي قَوْمِي بِالْمِرْبَاعِ وَكُنْت فِي نَفْسِي عَلَى دِينٍ وَكُنْت مَلِكًا فِي قَوْمِي فَلَمّا سَمِعْتُ بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَرِهْته فَقُلْت لِغُلَامٍ عَرَبِيّ كَانَ لِي وَكَانَ رَاعِيًا لِإِبِلِي : لَا أَبَا لَك اُعْدُدْ لِي مِنْ إبِلِي أَجْمَالًا ذُلُلًا سِمَانًا فَاحْبِسْهَا قَرِيبًا مِنّي فَإِذَا سَمِعْتَ بِجَيْشٍ لِمُحَمّدٍ قَدْ وَطِئَ هَذِهِ الْبِلَادَ فَآذِنّي فَفَعَلَ ثُمّ إنّهُ أَتَانِي ذَاتَ غَدَاةٍ فَقَالَ يَا عَدِيّ مَا كُنْتَ صَانِعًا إذَا غَشِيَتْك خَيْلُ مُحَمّدٍ فَاصْنَعْهُ الْآنَ فَإِنّي قَدْ رَأَيْتُ رَايَاتٍ فَسَأَلْت عَنْهَا فَقَالُوا : هَذِهِ جُيُوشُ مُحَمّدٍ قَالَ فَقُلْت : فَقَرّبْ إلَيّ أَجْمَالِي فَقَرّبَهَا فَاحْتَمَلْتُ بِأَهْلِي وَوَلَدِي ثُمّ قُلْت : أَلْحَقُ بِأَهْلِ دِينِي مِنْ النّصَارَى [ ص 453 ] بِالشّامِ وَخَلّفْتُ بِنْتًا لِحَاتِمٍ فِي الْحَاضِرَةِ فَلَمّا قَدِمَتْ الشّامَ أَقَمْت بِهَا وَتَحَالَفَنِي خَيْلُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَتُصِيبُ ابْنَةَ حَاتِمٍ فِيمَنْ أَصَابَتْ فَقَدِمَ بِهَا عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي سَبَايَا مِنْ طَيّئٍ وَقَدْ بَلَغَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَرَبِي إلَى الشّامِ فَمَرّ بِهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَتْ يَا رَسُولَ اللّهِ غَابَ الْوَافِدُ وَانْقَطَعَ الْوَالِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ كَبِيرَةٌ مَا بِي مِنْ خِدْمَةٍ فَمُنّ عَلَيّ مَنّ اللّهُ عَلَيْك قَالَ " مَنْ وَافِدُك ؟ " قَالَتْ عَدِيّ بْنُ حَاتِمٍ . قَالَ " الّذِي فَرّ مِنْ اللّهِ وَرَسُولِهِ ؟ " قَالَتْ فَمُنّ عَلَيّ . قَالَ فَلَمّا رَجَعَ وَرَجُلٌ إلَى جَنْبِهِ يَرَى أَنّهُ عَلِيّ قَالَ سَلِيهِ الْحَمْلَانِ قَالَتْ فَسَأَلْته فَأَمَرَ لَهَا بِه قَالَ عَدِيّ فَأَتَتْنِي أُخْتِي فَقَالَتْ لَقَدْ فَعَلَ فِعْلَةً مَا كَانَ أَبُوك يَفْعَلُهَا ائْتِهِ رَاغِبًا أَوْ رَاهِبًا فَقَدْ أَتَاهُ فُلَانٌ فَأَصَابَ مِنْهُ وَأَتَاهُ فُلَانٌ فَأَصَابَ مِنْهُ . قَالَ عَدِيّ فَأَتَيْتُهُ وَهُوَ جَالِسٌ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ الْقَوْمُ هَذَا عَدِيّ بْنُ حَاتِمٍ وَجِئْتُ بِغَيْرِ أَمَانٍ وَلَا كِتَابٍ فَلَمّا دُفِعْتُ إلَيْهِ أَخَذَ بِيَدَيّ وَقَدْ كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ قَالَ إنّي أَرْجُو أَنْ يَجْعَلَ اللّهُ يَدَهُ فِي يَدِي قَالَ فَقَامَ لِي فَلَقِيَتْهُ امْرَأَةٌ وَمَعَهَا صَبِيّ فَقَالَا : إنّ لَنَا إلَيْكَ حَاجَةً فَقَامَ مَعَهُمَا حَتّى قَضَى حَاجَتَهُمَا ثُمّ أَخَذَ بِيَدَيّ حَتّى أَتَى دَارَهُ فَأَلْقَتْ لَهُ الْوَلِيدَةُ وِسَادَةً فَجَلَسَ عَلَيْهَا وَجَلَسَتْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ثُمّ قَالَ مَا يُفِرّكَ أَيُفِرّكَ أَنْ تَقُولَ لَا إلَهَ إلّا اللّهُ فَهَلْ تَعْلَمُ مَنْ إلَهٍ سِوَى اللّهِ ؟ " قَالَ قُلْت : لَا . قَالَ ثُمّ تَكَلّمَ سَاعَةً ثُمّ قَالَ " إنّمَا تَفِرّ أَنْ يُقَالَ اللّهُ أَكْبَرُ وَهَلْ تَعْلَمُ شَيْئًا أَكْبَرُ مِنْ اللّهِ ؟ " قَالَ قُلْت : لَا . قَالَ " فَإِنّ الْيَهُودَ مَغْضُوبٌ عَلَيْهِمْ وَإِنّ النّصَارَى ضَالّونَ " قَالَ فَقُلْت : إنّي حَنِيفٌ مُسْلِمٌ . قَالَ فَرَأَيْتُ وَجْهَهُ يَنْبَسِطُ فَرَحًا . قَالَ ثُمّ أَمَرَنِي فَأَنْزَلْتُ عِنْدَ رَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ وَجَعَلْت أَغْشَاهُ آتِيهِ طَرَفَيْ النّهَارِ قَالَ فَبَيْنَا أَنَا عِنْدَهُ إذْ جَاءَ قَوْمٌ فِي ثِيَابٍ مِنْ الصّوفِ مِنْ هَذِهِ النّمَارِ قَالَ فَصَلّى وَقَامَ فَحَثّ عَلَيْهِمْ ثُمّ قَالَ " يَا أَيّهَا النّاسُ ارْضَخُوا مِنْ الْفَضْلِ وَلَوْ بِصَاعٍ وَلَوْ بِنِصْفِ صَاعٍ وَلَوْ بِقَبْضَةٍ وَلَوْ بِبَعْضِ قَبْضَةٍ يَقِي أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ حَرّ جَهَنّمَ أَوْ النّارَ وَلَوْ بِتَمْرَةٍ وَلَوْ بِشِقّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَبِكَلِمَةٍ طَيّبَةٍ فَإِنّ أَحَدَكُمْ لَاقِي اللّهَ وَقَائِلٌ لَهُ مَا أَقُولُ لَكُمْ أَلَمْ أَجْعَلْ لَكَ مَالًا وَوَلَدًا ؟ فَيَقُولُ بَلَى [ ص 454 ] حَرّ جَهَنّمَ لِيَقِ أَحَدُكُمْ وَجْهَهُ النّارَ وَلَوْ بِشِقّ تَمْرَةٍ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَبِكَلِمَةٍ طَيّبَةٍ فَإِنّي لَا أَخَافُ عَلَيْكُمْ الْفَاقَةَ فَإِنّ اللّهَ نَاصِرُكُمْ وَمُعْطِيكُمْ حَتّى تَسِيرَ الظّعِينَةُ مَا بَيْنَ يَثْرِبَ وَالْحَيْرَةِ وَأَكْثَرَ مَا يُخَافُ عَلَى مَطِيّتِهَا السّرَقَ قَالَ [ ص 455 ] نَفْسِي : فَأَيْنَ لُصُوصُ طَيّئٍ
زاد المعاد-الجزء الثالث
فَصْلٌ ذِكْرُ قِصّةِ كَعْبِ بْنِ زُهَيْرٍ مَعَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ
وَكَانَتْ فِيمَا بَيْنَ رُجُوعِهِ مِنْ الطّائِفِ وَغَزْوَةِ تَبُوكَ . قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَلَمّا قَدِمَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ الطّائِفِ كَتَبَ بُجَيْرُ بْنُ زُهَيْرٍ إلَى أَخِيهِ كَعْبٍ يُخْبِرُهُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَتَلَ رِجَالًا بِمَكّةَ مِمّنْ كَانَ يَهْجُوهُ وَيُؤْذِيهِ وَأَنّ مَنْ بَقِيَ مِنْ شُعَرَاءِ قُرَيْشٍ ابْنُ الزّبَعْرَى وَهُبَيْرَةُ بْنُ أَبِي وَهْبٍ قَدْ هَرَبُوا فِي كُلّ وَجْهٍ فَإِنْ كَانَتْ لَك فِي نَفْسِك حَاجَةٌ فَطِرْ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَإِنّهُ لَا يَقْتُلُ أَحَدًا جَاءَهُ تَائِبًا مُسْلِمًا وَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَانْجُ إلَى نَجَائِك [ ص 456 ] كَعْبٌ قَدْ قَالَ أَلَا أَبْلِغَا عَنّي بُجَيْرًا رِسَالَةً فَهَلْ لَكَ فِيمَا قُلْتَ وَيْحَكَ هَلْ لَكَا
فَبَيّنْ لَنَا إنْ كُنْتَ لَسْتَ بِفَاعِلٍ عَلَى أَيّ شَيْءٍ غَيْرَ ذَلِكَ دَلّكَا
عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمّا وَلَا أَبًا عَلَيْهِ وَلَمْ تُدْرِكْ عَلَيْهِ أَخًا لَكَا
فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَلَسْتُ بِآسِفٍ وَلَا قَائِلٍ إمّا عَثَرْتَ لَعًا لَكَا
سَقَاكَ بِهَا الْمَأْمُونُ كَأْسًا رَوِيّةً فَأَنْهَلَكَ الْمَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلّكَا
قَالَ وَبُعِثَ بِهَا إلَى بُجَيْرٍ فَلَمّا أَتَتْ بُجَيْرًا كَرِهَ أَنْ يَكْتُمَهَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَنْشَدَهُ إيّاهَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَقَاكَ الْمَأْمُونُ صَدَقَ وَإِنّهُ لَكَذُوبٌ أَنَا الْمَأْمُونُ وَلَمّا سَمِعَ عَلَى خُلُقٍ لَمْ تُلْفِ أُمّا وَلَا أَبًا عَلَيْهِ " فَقَالَ أَجَلْ . قَالَ لَمْ يُلْفِ عَلَيْهِ أَبَاهُ وَلَا أُمّه ثُمّ قَالَ بُجَيْرٌ لِكَعْبٍ مَنْ مُبْلِغٌ كَعْبًا فَهَلْ لَكَ فِي الّتِي تَلُومُ عَلَيْهَا بَاطِلًا وَهِيَ أَحْزَمُ
إلَى اللّهِ لَا الْعُزّى وَلَا اللّاتِ وَحْدَهُ فَتَنْجُو إذَا كَانَ النّجَاءُ وَتَسْلَمُ
لَدَى يَوْمَ لَا يَنْجُو وَلَيْسَ بِمُفْلِتٍ مِنْ النّاسِ إلّا طَاهِرُ الْقَلْبِ مُسْلِمُ
فَدِينُ زُهَيْرٍ وَهُوَ لَا شَيْءَ دِينُهُ وَدِينُ أَبِي سُلْمَى عَلَيّ مُحَرّمُ
فَلَمّا بَلَغَ كَعْبًا الْكِتَابَ ضَاقَتْ بِهِ الْأَرْضُ وَأَشْفَقَ عَلَى نَفْسِهِ وَأَرْجَفَ بِهِ مَنْ كَانَ فِي حَاضِرِهِ مِنْ عَدُوّهِ فَقَالَ هُوَ مَقْتُولٌ فَلَمّا لَمْ يَجِدْ مِنْ شَيْءٍ بُدّا قَالَ قَصِيدَتَهُ الّتِي يَمْدَحُ فِيهَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَذَكَرَ خَوْفَهُ وَإِرْجَافَ الْوُشَاةِ بِهِ مِنْ عَدُوّهِ ثُمّ خَرَجَ حَتّى قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَنَزَلَ عَلَى رَجُلٍ كَانَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ مَعْرِفَةٌ مِنْ جُهَيْنَةَ كَمَا ذُكِرَ لِي فَغَدَا بِهِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ صَلّى الصّبْحُ فَصَلّى مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ أَشَارَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ هَذَا رَسُولُ اللّهِ فَقُمْ إلَيْهِ فَاسْتَأْمِنْهُ فَذُكِرَ لِي أَنّهُ قَامَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى جَلَسَ إلَيْهِ فَوَضَعَ يَدَهُ فِي يَدِهِ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَا يَعْرِفُهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ كَعْبَ بْنَ زُهَيْرٍ قَدْ جَاءَ لِيَسْتَأْمِنَك تَائِبًا مُسْلِمًا فَهَلْ أَنْتَ قَابِلٌ مِنْهُ إنْ أَنَا جِئْتُك بِهِ ؟ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَعَمْ . قَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللّهِ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ . [ ص 457 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَحَدّثَنِي عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ أَنّهُ وَثَبَ عَلَيْهِ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ دَعْنِي وَعَدُوّ اللّهِ أَضْرِبْ عُنُقَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ دَعْهُ عَنْكُ فَقَدْ جَاءَ تَائِبًا نَازِعًا عَمّا كَانَ عَلَيْهِ قَالَ فَغَضِبَ كَعْبٌ عَلَى هَذَا الْحَيّ مِنْ الْأَنْصَارِ لِمَا صَنَعَ بِهِ صَاحِبُهُمْ وَذَلِكَ أَنّهُ لَمْ يَتَكَلّمْ فِيهِ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ إلّا بِخَيْرٍ [ ص 458 ] فَقَالَ قَصِيدَتَهُ اللّامِيّةَ الّتِي يَصِفُ فِيهَا مَحْبُوبَتَهُ وَنَاقَتَهُ الّتِي أَوّلُهَا : بَانَتْ سُعَادُ فَقَلْبِي الْيَوْمَ مَتْبُولُ مُتَيّمٌ إثْرَهَا لَمْ يُفْدَ مَكْبُولُ
يَسْعَى الْغُوَاةُ جَنَابَيْهَا وَقَوْلُهُمْ إنّكَ يَا ابْنَ أَبِي سُلْمَى لَمَقْتُولُ
وَقَالَ كُلّ صَدِيقٍ كُنْتُ آمُلُهُ لَا أُلْهِيَنّكَ إنّي عَنْكَ مَشْغُولُ
فَقُلْتُ خَلّوا طَرِيقِي لَا أَبَا لَكُمْ فَكُلّ مَا قَدّرَ الرّحْمَنُ مَفْعُولُ
كُلّ ابْنِ أُنْثَى وَإِنْ طَالَتْ سَلَامَتُهُ يَوْمًا عَلَى آلَةٍ حَدْبَاءَ مَحْمُولُ
نُبّئْتُ أَنّ رَسُولَ اللّهِ أَوْعَدَنِي وَالْعَفْوُ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ مَأْمُولُ
مَهْلًا هَدَاكَ الّذِي أَعْطَاكَ نَافِلَةَ الْ قُرْآنِ فِيهَا مَوَاعِيظُ وَتَفْصِيلُ
لَا تَأْخُذَنّي بِأَقْوَالِ الْوُشَاةِ وَلَمْ أُذْنِبْ وَلَوْ كَثُرَتْ فِيّ الْأَقَاوِيلُ
لَقَدْ أَقُومُ مَقَامًا لَوْ يَقُومُ بِهِ أَرَى وَأَسْمَعُ مَا لَوْ يَسْمَعُ الْفِيلُ
لَظَلّ تُرْعَدُ مِنْ خَوْفٍ بَوَادِرُهُ إنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ رَسُولِ اللّهِ تَنْوِيلُ
حَتّى وَضَعْتُ يَمِينِي مَا أُنَازِعُهَا فِي كَفّ ذِي نَقِمَاتٍ قَوْلُهُ الْقِيل
فَلَهْوَ أَخْوَفُ عِنْدِي إذْ أُكَلّمُهُ وَقِيلَ إنّكَ مَنْسُوبٌ وَمَسْئُولُ
مِنْ ضَيْغَمٍ بِضَرّاءِ الْأَرْضِ مُخْدَرُهُ فِي بَطْنِ عَثّرَ غَيْلٌ دُونَهُ غَيْلُ
يَغْدُو فَيُلْحِمُ ضِرْغَامَيْنِ عَيْشُهُمَا لَحْمٌ مِنْ النّاسِ مَعْفُورٌ خَرَادِيلُ
إذَا يُسَاوِرُ قِرْنًا لَا يَحِلّ لَهُ أَنْ يَتْرُكَ الْقَرْنَ إلّا وَهُوَ مَفْلُولُ
مِنْهُ تَظَلّ سِبَاعُ الْجَوّ نَافِرَةً وَلَا تَمَشّى بِوَادِيهِ الْأَرَاجِيلُ
وَلَا يَزَالُ بِوَادِيهِ أَخُو ثِقَة مُضَرّجُ الْبَزّ وَالدّرْسَانِ مَأْكُولُ
إنّ الرّسُولَ لَنُورٌ يُسْتَضَاءُ بِهِ مُهَنّدٌ مِنْ سُيُوفِ اللّهِ مَسْلُولُ
فِي عُصْبَةٍ مِنْ قُرَيْشٍ قَالَ قَائِلُهُمْ بِبَطْنِ مَكّةَ لَمّا أَسْلَمُوا زُولُوا
زَالُوا فَمَا زَالَ أَنْكَاسٌ وَلَا كُشُفٌ عِنْدَ اللّقَاءِ وَلَا مِيلٌ مَعَازِيلُ
يَمْشُونَ مَشْيَ الْجِمَالِ الزّهْرِ يَعْصِمُهُمْ ضَرْبٌ إذَا عَرّدَ السّودُ التّنَابِيلُ
شُمّ الْعَرَانِينِ أَبْطَالٌ لَبُوسُهُمُ مِنْ نَسْجِ دَاوُد فِي الْهَيْجَا سَرَابِيلُ
بِيضٌ سَوَابِغُ قَدْ شُكّتْ لَهَا حَلَقٌ كَأَنّهَا حَلَقُ الْقَفْعَاءِ مَجْدُولُ
لَيْسُوا مَفَارِيحَ إنْ نَالَتْ رِمَاحُهُمْ قَوْمًا وَلَيْسُوا مَجَازِيعًا إذَا نِيلُوا
لَا يَقَعُ الطّعْنُ إلّا فِي نُحُورِهِمُ وَمَا لَهُمْ عَنْ حِيَاضِ الْمَوْتِ تَهْلِيلُ
[ ص 459 ] قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : قَالَ عَاصِمُ بْنُ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ : فَلَمّا قَالَ كَعْبٌ : " إذَا عَرّدَ السّودُ التّنَابِيلُ " وَإِنّمَا عَنَى مَعْشَرَ الْأَنْصَارِ لَمّا كَانَ صَاحِبُنَا صُنِعَ بِهِ مَا صُنِعَ وَخَصّ الْمُهَاجِرِينَ بِمِدْحَتِهِ غَضِبَتْ عَلَيْهِ الْأَنْصَارُ فَقَالَ بَعْدَ أَنْ أَسْلَمَ يَمْدَحُ الْأَنْصَارَ فِي قَصِيدَتِهِ الّتِي يَقُولُ فِيهَا : مَنْ سَرّهُ كَرَمُ الْحَيَاةِ فَلَا يَزَلْ فِي مِقْنَبٍ مِنْ صَالِحِي الْأَنْصَارِ
وَرِثُوا الْمَكَارِمَ كَابِرًا عَنْ كَابِرٍ إنّ الْخِيَارَ هُمْ بَنُو الْأَخْيَار
الْبَاذِلِينَ نُفُوسَهُمْ لِنَبِيّهِمْ يَوْمَ الْهِيَاجِ وَسَطْوَةِ الْجَبّارِ
وَالذّائِدِينَ النّاسَ عَنْ أَدْيَانِهِمْ بِالْمَشْرَفِيّ وَبِالْقَنَا الْخَطّارِ
وَالْبَائِعِينَ نَفُوسَهُمْ لِنَبِيّهِمْ لِلْمَوْتِ يَوْمَ تَعَانُقٍ وَكِرَارِ
يَتَطَهّرُونَ يَرَوْنَهُ نُسُكًا لَهُمْ بِدِمَاءِ مَنْ عَلِقُوا مِنْ الْكُفّارِ
وَإِذَا حَلَلْتَ لِيَمْنَعُوكَ إلَيْهِمْ أَصْبَحْتَ عِنْدَ مَعَاقِلِ الْأَعْفَار
قَوْمٌ إذَا خَوَتْ النّجُومُ فَإِنّهُمْ لِلطّارِقِينَ النّازِلِينَ مَقَارِي
[ ص 460 ] وَكَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ مِنْ فُحُولِ الشّعَرَاءِ هُوَ وَأَبُوهُ وَابْنُهُ عُقْبَةُ وَابْنُ ابْنِهِ الْعَوّامُ بْنُ عُقْبَةَ وَمِمّا يُسْتَحْسَنُ لِكَعْبٍ قَوْلُهُ لَوْ كُنْتُ أَعْجَبُ مِنْ شَيْءٍ لَأَعْجَبَنِي سَعْيُ الْفَتَى وَهُوَ مَخْبُوءٌ لَهُ الْقَدَرُ
يَسْعَى الْفَتَى لِأُمُورٍ لَيْسَ يُدْرِكُهَا فَالنّفْسُ وَاحِدَةٌ وَالْهَمّ مُنْتَشِرُ
وَالْمَرْءُ مَا عَاشَ مَمْدُودٌ لَهُ أَمَلٌ لَا تَنْتَهِي الْعَيْنُ حَتّى يَنْتَهِيَ الْأَثَرُ
وَمِمّا يُسْتَحْسَنُ لَهُ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تُحْدَى بِهِ النّاقَةُ الْأَدْمَاءُ مُعْتَجِرًا لِلْبُرْدِ كَالْبَدْرِ جُلّيَ لَيْلَةَ الظّلْمِ
فَفِي عِطَافَيْهِ أَوْ أَثْنَاءِ بُرْدَتِهِ مَا يَعْلَمُ اللّهُ مِنْ دِينٍ وَمِنْ كَرَمِ
فَصْلٌ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ
وَكَانَتْ فِي شَهْرِ رَجَبٍ سَنَةَ تِسْعٍ قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَكَانَتْ فِي زَمَنِ عُسْرَةٍ [ ص 461 ] وَجِدْبٍ مِنْ الْبِلَادِ وَحِينَ طَابَتْ الثّمَارُ وَالنّاسُ يُحِبّونَ الْمُقَامَ فِي ثِمَارِهِمْ وَظِلَالِهِمْ وَيَكْرَهُونَ شُخُوصَهُمْ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ وَكَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَلّمَا يَخْرُجُ فِي غَزْوَةٍ إلّا كَنّى عَنْهَا وَوَرّى بِغَيْرِهَا إلّا مَا كَانَ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ لِبُعْدِ الشّقّةِ وَشِدّةِ الزّمَانِ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ذَاتَ يَوْمٍ وَهُوَ فِي جَهَازِهِ لِلْجَدّ بْنِ قَيْسٍ أَحَدِ بَنِي سَلَمَةَ : يَا جَدّ هَلْ لَكَ الْعَامَ فِي جِلَادِ بَنِي الْأَصْفَرِ ؟ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ أَوَتَأْذَنُ لِي وَلَا تَفْتِنّي ؟ فَوَاَللّهِ لَقَدْ عَرَفَ قَوْمِي أَنّهُ مَا مِنْ رَجُلٍ بِأَشَدّ عَجَبًا بِالنّسَاءِ مِنّي وَإِنّي أَخْشَى إنْ رَأَيْتُ نِسَاءَ بَنِي الْأَصْفَرِ أَنْ لَا أَصْبِرَ فَأَعْرَضَ عَنْهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ قَدْ أَذِنْتُ لَكَ فَفِيهِ نَزَلَتْ الْآيَةُ { وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ ائْذَنْ لِي وَلَا تَفْتِنّي } [ التّوْبَةُ 49 ] . وَقَالَ قَوْمٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرّ فَأَنْزَلَ اللّهُ فِيهِمْ { وَقَالُوا لَا تَنْفِرُوا فِي الْحَرّ } الْآيَةَ [ التّوْبَةُ 81 ] . ثُمّ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ جَدّ فِي سَفَرِهِ وَأَمَرَ النّاس بِالْجَهَازِ وَحَضّ أَهْلَ الْغِنَى عَلَى النّفَقَةِ وَالْحُمْلَانِ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَحَمَلَ رِجَالٌ مِنْ أَهْلِ الْغِنَى وَاحْتَسَبُوا وَأَنْفَقَ عُثْمَانُ بْنُ عَفّانَ فِي ذَلِكَ نَفَقَةً عَظِيمَةً لَمْ يُنْفِقْ أَحَدٌ مِثْلَهَا . قُلْت : كَانَتْ ثَلَاثُمِائَةِ بَعِيرٍ بِأَحْلَاسِهَا وَأَقْتَابِهَا وَعُدّتِهَا وَأَلْفَ دِينَارٍ عَيْنًا . [ ص 462 ]
[ اسْتِحْمَالُ الْبَكّائِينَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ]
وَذَكَرَ ابْنُ سَعْدٍ قَالَ بَلَغَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَنّ الرّومَ قَدْ جَمَعَتْ جُمُوعًا كَثِيرَةً بِالشّامِ وَأَنّ هِرَقْلَ قَدْ رَزَقَ أَصْحَابَهُ لِسَنَةٍ وَأَجْلَبَتْ مَعَهُ لَخْمٌ وَجُذَامٌ وَعَامِلَةُ وَغَسّانُ وَقَدّمُوا مُقَدّمَاتِهِمْ إلَى الْبَلْقَاءِ وَجَاءَ الْبَكّاءُونَ وَهُمْ سَبْعَةٌ يَسْتَحْمِلُونَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ لَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ فَتَوَلّوْا وَأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنْ الدّمْعِ حَزَنًا أَنْ لَا يَجِدُوا مَا يُنْفِقُونَ . وَهُمْ سَالِمُ بْنُ عُمَيْرٍ وَعُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ وَأَبُو لَيْلَى الْمَازِنِيّ وَعَمْرُو بْنُ عَنَمَةَ وَسَلَمَةُ بْنُ صَخْرٍ وَالْعِرْبَاضُ بْنُ سَارِيَةَ . وَفِي بَعْضِ الرّوَايَاتِ وَعَبْدُ اللّهِ بْنُ مُغَفّلٍ : وَمَعْقِلُ بْنُ يَسَارٍ وَبَعْضُهُمْ يَقُولُ الْبَكّاءُونَ بَنُو مُقَرّنٍ السّبْعَةُ وَهُمْ مِنْ مُزَيْنَةَ وَابْنُ إسْحَاقَ : يُعَدّ فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ الْحُمَامِ بْنِ الْجَمُوحِ . وَأَرْسَلَ أَبَا مُوسَى أَصْحَابُهُ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِيَحْمِلَهُمْ فَوَافَاهُ غَضْبَانُ فَقَالَ وَاَللّهِ لَا أَحْمِلُكُمْ وَلَا أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ ثُمّ أَتَاهُ إبِلٌ فَأَرْسَلَ إلَيْهِمْ ثُمّ قَالَ مَا أَنَا حَمَلْتُكُمْ وَلَكِنّ اللّهَ حَمَلَكُمْ وَإِنّي وَاَللّهِ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلّا كَفّرْتُ عَنْ يَمِينِي وَأَتَيْتُ الّذِي هُوَ خَيْرٌ
فَصْلٌ [ قِصّةُ عُلْبَةَ بْنِ زَيْدٍ ]
وَقَامَ عُلْبَةُ بْنُ زَيْدٍ فَصَلّى مِنْ اللّيْلِ وَبَكَى وَقَالَ اللّهُمّ إنّك قَدْ أَمَرْتَ [ ص 463 ] عِنْدِي مَا أَتَقَوّى بِهِ مَعَ رَسُولِك وَلَمْ تَجْعَلْ فِي يَدِ رَسُولِك مَا يَحْمِلُنِي عَلَيْهِ وَإِنّي أَتَصَدّقُ عَلَى كُلّ مُسْلِمٍ بِكُلّ مَظْلِمَةٍ أَصَابَنِي فِيهَا مِنْ مَالٍ أَوْ جَسَدٍ أَوْ عِرْضٍ ثُمّ أَصْبَحَ مَعَ النّاسِ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَيْنَ الْمُتَصَدّقُ هَذِهِ اللّيْلَةَ . فَلَمْ يَقُمْ إلَيْهِ أَحَدٌ ثُمّ قَالَ أَيْنَ الْمُتَصَدّقُ فَلْيَقُمْ فَقَامَ إلَيْهِ فَأَخْبَرَهُ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَبْشِرْ فَوَاَلّذِي نَفْسُ مُحَمّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ كُتِبَتْ فِي الزّكَاةِ الْمُتَقَبّلَةِ
[ الْمُعَذّرُونَ مِنْ الْأَعْرَابِ ]
وَجَاءَ الْمُعَذّرُونَ مِنْ الْأَعْرَابِ لِيُؤْذَنَ لَهُمْ فَلَمْ يَعْذِرْهُمْ . قَالَ ابْنُ سَعْدٍ : وَهُمْ اثْنَانِ وَثَمَانُونَ رَجُلًا وَكَانَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ ابْنُ سَلُول َ قَدْ عَسْكَرَ عَلَى ثَنِيّةِ الْوَدَاعِ فِي حُلَفَائِهِ مِنْ الْيَهُودِ وَالْمُنَافِقِينَ فَكَانَ يُقَالُ لَيْسَ عَسْكَرُهُ بِأَقَلّ الْعَسْكَرَيْنِ . وَاسْتَخْلَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى الْمَدِينَةِ مُحَمّدَ بْنَ مَسْلَمَةَ الْأَنْصَارِيّ . وَقَالَ ابْنُ هِشَامٍ : سِبَاعُ بْنُ عُرْفُظَةَ وَالْأَوّلُ أَثْبَتُ .
[ تَخَلّفُ جَمْعِ ابْنِ أُبَيّ وَبَعْضِ الصّحَابَةِ ]
فَلَمّا سَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَخَلّفَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُ وَتَخَلّفَ نَفَرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ مِنْ غَيْرِ شَكّ وَلَا ارْتِيَابٍ مِنْهُمْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ وَهِلَالُ بْنُ أُمَيّةَ وَمُرَارَةُ بْنُ الرّبِيعِ وَأَبُو خَيْثَمَةَ السّالِمِيّ وَأَبُو ذَرّ ثُمّ لَحِقَهُ أَبُو خَيْثَمَةَ وَأَبُو ذَرّ وَشَهِدَهَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي ثَلَاثِينَ أَلْفًا مِنْ النّاسِ وَالْخَيْلُ عَشَرَةُ آلَافِ فَرَسٍ وَأَقَامَ بِهَا عِشْرِينَ لَيْلَةً يَقْصُرُ الصّلَاةَ وَهِرَقْلُ يَوْمَئِذٍ بِحِمْصٍ .
[ اسْتِخْلَافُ عَلِيّ عَلَى الْمَدِينَةِ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : [ ص 464 ] وَلَمّا أَرَادَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْخُرُوجَ خَلّفَ عَلِيّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ عَلَى أَهْلِهِ فَأَرْجَفَ بِهِ الْمُنَافِقُونَ وَقَالُوا : مَا خَلّفَهُ إلّا اسْتِثْقَالًا وَتَخَفّفًا مِنْهُ فَأَخَذَ عَلِيّ رَضِيَ اللّه عَنْهُ سِلَاحَهُ ثُمّ خَرَجَ حَتّى أَتَى رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ نَازِلٌ بِالْجُرُف ِ فَقَالَ يَا نَبِيّ اللّهِ زَعَمَ الْمُنَافِقُونَ أَنّك إنّمَا خَلّفْتنِي لِأَنّك اسْتَثْقَلْتنِي وَتَخَفّفْتَ مِنّي فَقَالَ كَذَبُوا وَلَكِنّي خَلّفْتُكَ لِمَا تَرَكْتُ وَرَائِي فَارْجِعْ فَاخْلُفْنِي فِي أَهْلِي وَأَهْلِك أَفَلَا تَرْضَى أَنْ تَكُونَ مِنّي بِمَنْزِلَةِ هَارُونَ مِنْ مُوسَى ؟ إلّا أَنّهُ لَا نَبِيّ بَعْدِي فَرَجَعَ عَلِيّ إلَى الْمَدِينَة
[ لِحَاقُ أَبِي خَيْثَمَةَ بِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ]
ثُمّ إنّ أَبَا خَيْثَمَةَ رَجَعَ بَعْدَ أَنْ سَارَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَيّامًا إلَى أَهْلِهِ فِي يَوْمٍ حَارّ فَوَجَدَ امْرَأَتَيْنِ لَهُ فِي عَرِيشَيْنِ لَهُمَا فِي حَائِطِهِ قَدْ رَشّتْ كُلّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا عَرِيشَهَا وَبَرّدَتْ لَهُ مَاءً وَهَيّأَتْ لَهُ فِيهِ طَعَامًا فَلَمّا دَخَلَ قَامَ عَلَى بَابِ الْعَرِيشِ فَنَظَرَ إلَى امْرَأَتَيْهِ وَمَا صَنَعَتَا لَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي الضّحّ وَالرّيحِ وَالْحَرّ وَأَبُو خَيْثَمَةَ فِي ظِلّ بَارِدٍ وَطَعَامٍ مُهَيّأٍ وَامْرَأَةٍ حَسْنَاءَ فِي مَالِهِ مُقِيمٌ ؟ مَا هَذَا بِالنّصْفِ ثُمّ قَالَ وَاَللّهِ لَا أَدْخُلُ عَرِيشَ وَاحِدَةٍ مِنْكُمَا حَتّى أَلْحَقَ بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَهَيّئَا لِي زَادًا فَفَعَلَتَا ثُمّ قَدّمَ نَاضِحَهُ فَارْتَحَلَهُ ثُمّ خَرَجَ فِي طَلَبِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حَتّى أَدْرَكَهُ حِينَ نَزَلَ تَبُوكَ وَقَدْ كَانَ أَدْرَكَ أَبَا خَيْثَمَةَ عُمَيْرُ بْنُ وَهْبٍ الْجُمَحِيّ فِي الطّرِيقِ يَطْلُبُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَتَرَافَقَا حَتّى إذَا دَنَوْا مِنْ تَبُوكَ قَالَ أَبُو خَيْثَمَةَ لِعُمَيْرِ بْنِ وَهْبٍ إنّ لِي ذَنْبًا فَلَا عَلَيْك أَنْ تَتَخَلّفَ عَنّي حَتّى آتِيَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَفَعَلَ حَتّى إذَا دَنَا مِنْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ نَازِلٌ بِتَبُوكَ قَالَ النّاسُ هَذَا رَاكِبٌ عَلَى الطّرِيقِ مُقْبِلٌ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كُنْ أَبَا خَيْثَمَةَ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ هُوَ وَاَللّهِ أَبُو خَيْثَمَةَ . فَلَمّا أَنَاخَ أَقْبَلَ فَسَلّمَ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَوْلَى لَكَ يَا أَبَا خَيْثَمَةَ فَأَخْبَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَبَرَهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَيْرًا وَدَعَا لَهُ بِخَيْر [ ص 465 ]
[ الْمُرُورُ بِدِيَارِ ثَمُودَ وَالنّهْيُ عَنْ شُرْبِ مَائِهِ وَاسْتِعْمَالِهِ لِلْوُضُوءِ وَالْأَكْلِ ]
وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ مَرّ بِالْحِجْرِ بِدِيَارِ ثَمُودَ قَالَ لَا تَشْرَبُوا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا وَلَا تَتَوَضّئُوا مِنْهُ لِلصّلَاةِ وَمَا كَانَ مِنْ عَجِينٍ عَجَنْتُمُوهُ فَاعْلِفُوهُ الْإِبِلَ وَلَا تَأْكُلُوا مِنْهُ شَيْئًا وَلَا يَخْرُجَنّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إلّا وَمَعَهُ صَاحِبٌ لَهُ فَفَعَلَ النّاسُ إلّا أَنّ رَجُلَيْنِ مِنْ بَنِي سَاعِدَةَ خَرَجَ أَحَدُهُمَا لِحَاجَتِهِ وَخَرَجَ الْآخَرُ فِي طَلَبِ بَعِيرِهِ فَأَمّا الّذِي خَرَجَ لِحَاجَتِهِ فَإِنّهُ خُنِقَ عَلَى مَذْهَبِهِ وَأَمّا الّذِي خَرَجَ فِي طَلَبِ بَعِيرِهِ فَاحْتَمَلَتْهُ الرّيحُ حَتّى طَرَحَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيّئٍ فَأُخْبِرَ بِذَلِكَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ أَلَمْ أَنْهَكُمْ أَنْ لَا يَخْرُجَ أَحَدٌ مِنْكُمْ إلّا وَمَعَهُ صَاحِبُهُ ثُمّ دَعَا لِلّذِي خُنِقَ عَلَى مَذْهَبِهِ فَشُفِيَ وَأَمّا الْآخَرُ فَأَهْدَتْهُ طَيّئٌ لِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ قُلْت : وَاَلّذِي فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ : انْطَلَقْنَا حَتّى قَدِمْنَا تَبُوكَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَتَهُبّ عَلَيْكُمْ اللّيْلَةَ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَلَا يَقُمْ مِنْكُمْ أَحَدٌ فَمَنْ كَانَ لَهُ بَعِيرٌ فَلْيَشُدّ عِقَالَهُ فَهَبّتْ رِيحٌ شَدِيدَةٌ فَقَامَ رَجُلٌ فَحَمَلَتْهُ الرّيحُ حَتّى أَلْقَتْهُ بِجَبَلَيْ طَيّئ قَالَ ابْنُ هِشَامٍ : بَلَغَنِي عَنْ الزّهْرِيّ أَنّهُ قَالَ لَمّا مَرّ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِالْحَجَرِ سَجّى ثَوْبَهُ عَلَى وَجْهِهِ وَاسْتَحَثّ رَاحِلَتَهُ ثُمّ قَالَ لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ الّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ إلّا وَأَنْتُمْ بَاكُونَ خَوْفًا أَنْ يُصِيبَكُمْ مَا أَصَابَهُمْ قُلْت : فِي " الصّحِيحَيْنِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَا تَدْخُلُوا عَلَى هَؤُلَاءِ الْقَوْمِ الْمُعَذّبِينَ إلّا أَنْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَإِنْ لَمْ تَكُونُوا بَاكِينَ فَلَا تَدْخُلُوا عَلَيْهِمْ لَا يُصِيبُكُمْ مِثْلُ مَا أَصَابَهُمْ [ ص 466 ] صَحِيحِ الْبُخَارِيّ " : أَنّهُ أَمَرَهُمْ بِإِلْقَاءِ الْعَجِينِ وَطَرْحِهِ وَفِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " : أَنّهُ أَمَرَهُمْ أَنْ يَعْلِفُوا الْإِبِلَ الْعَجِينَ وَأَنْ يُهَرِيقُوا الْمَاءَ وَيَسْتَقُوا مِنْ الْبِئْرِ الّتِي كَانَتْ تَرِدُهَا النّاقَةُ وَقَدْ رَوَاهُ الْبُخَارِيّ أَيْضًا وَقَدْ حَفِظَ رَاوِيهِ مَا لَمْ يَحْفَظْهُ مَنْ رَوَى الطّرْحَ . وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ أَنّهُ نَادَى فِيهِمْ الصّلَاةُ جَامِعَةٌ فَلَمّا اجْتَمَعُوا قَالَ عَلَامَ تَدْخُلُونَ عَلَى قَوْمٍ غَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِمْ " فَنَادَاهُ رَجُلٌ فَقَالَ نَعْجَبُ مِنْهُمْ يَا رَسُولَ اللّهِ فَقَالَ أَلَا أُنْبِئُكُمْ بِمَا هُوَ أَعْجَبُ مِنْ ذَلِكَ ؟ رَجُلٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ يُنَبّئُكُمْ بِمَا كَانَ قَبْلَكُمْ وَمَا هُوَ كَائِنٌ بَعْدَكُمْ اسْتَقِيمُوا وَسَدّدُوا فَإِنّ اللّهَ عَزّ وَجَلّ لَا يَعْبَأُ بِعَذَابِكُمْ شَيْئًا وَسَيَأْتِي اللّهُ بِقَوْمٍ لَا يَدْفَعُونَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ شَيْئًا
فَصْلٌ [اسْتِسْقَاؤُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : وَأَصْبَحَ النّاسُ وَلَا مَاءَ مَعَهُمْ فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَرْسَلَ اللّهُ سُبْحَانَهُ سَحَابَةً فَأَمْطَرَتْ حَتّى ارْتَوَى النّاسُ وَاحْتَمَلُوا حَاجَتَهُمْ مِنْ الْمَاءِ .
[إخْبَارُ اللّهِ نَبِيّهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَكَانِ نَاقَتِهِ ]
[ ص 467 ] صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ سَارَ حَتّى إذَا كَانَ بِبَعْضِ الطّرِيقِ ضَلّتْ نَاقَتُهُ فَقَالَ زَيْدُ بْنُ اللّصَيْتِ وَكَانَ مُنَافِقًا : أَلَيْسَ يَزْعُمُ أَنّهُ نَبِيّ وَيُخْبِرُكُمْ عَنْ خَبَرِ السّمَاءِ وَهُوَ لَا يَدْرِي أَيْنَ نَاقَتُهُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إنّ رَجُلًا يَقُولُ وَذَكَرَ مَقَالَتَهُ وَإِنّي وَاَللّهِ لَا أَعْلَمُ إلّا مَا عَلّمَنِي اللّهُ وَقَدْ دَلّنِي اللّهُ عَلَيْهَا وَهِيَ فِي الْوَادِي فِي شِعْبِ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ حَبَسَتْهَا شَجَرَةٌ بِزِمَامِهَا فَانْطَلِقُوا حَتّى تَأْتُونِي بِهَا فَذَهَبُوا فَأَتَوْهُ بِهَا وَفِي طَرِيقِهِ تِلْكَ خَرَصَ حَدِيقَةَ الْمَرْأَةِ بِعَشَرَةِ أَوْسُقٍ
[ تَخَلّفَ بَعْضُهُمْ فِي الطّرِيقِ ]
ثُمّ مَضَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَجَعَلَ يَتَخَلّفُ عَنْهُ الرّجُلُ فَيَقُولُونَ تَخَلّفَ فُلَانٌ . فَيَقُولُ دَعُوهُ فَإِنْ يَكُ فِيهِ خَيْرٌ فَسَيُلْحِقُهُ اللّهُ بِكُمْ وَإِنْ يَكُ غَيْرَ ذَلِكَ فَقَدْ أَرَاحَكُمْ اللّهُ مِنْهُ
[إبْطَاءُ بَعِيرِ أَبِي ذَرّ ]
وَتَلَوّمَ عَلَى أَبِي ذَرّ بَعِيرُهُ فَلَمّا أَبْطَأَ عَلَيْهِ أَخَذَ مَتَاعَهُ عَلَى ظَهْرِهِ ثُمّ خَرَجَ يَتْبَعُ أَثَرَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَاشِيًا وَنَزَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي بَعْضِ مَنَازِلِهِ فَنَظَرَ نَاظِرٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنّ هَذَا الرّجُلَ يَمْشِي عَلَى الطّرِيقِ وَحْدَهُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كُنْ أَبَا ذَرّ فَلَمّا تَأَمّلَهُ الْقَوْمُ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ وَاَللّهِ هُوَ أَبُو ذَرّ . فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ رَحِمَ اللّهُ أَبَا ذَرّ يَمْشِي وَحْدَهُ وَيَمُوتُ وَحْدَهُ وَيُبْعَثُ وَحْدَهُ
[ مَوْتُ أَبِي ذَرّ وَحْدَهُ ]
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَحَدّثَنِي بُرَيْدَةُ بْنُ سُفْيَانَ الْأَسْلَمِيّ عَنْ مُحَمّدِ بْنِ كَعْبٍ [ ص 468 ] الْقُرَظِيّ عَنْ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ لَمّا نَفَى عُثْمَانُ أَبَا ذَرّ إلَى الرّبَذَةِ وَأَصَابَهُ بِهَا قَدَرُهُ لَمْ يَكُنْ مَعَهُ أَحَدٌ إلّا امْرَأَتُهُ وَغُلَامُهُ فَأَوْصَاهُمَا : أَنْ غَسّلَانِي وَكَفّنَانِي ثُمّ ضَعَانِي عَلَى قَارِعَةِ الطّرِيقِ فَأَوّلُ رَكْبٍ يَمُرّ بِكُمْ فَقُولُوا : هَذَا أَبُو ذَرّ صَاحِبُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ فَلَمّا مَاتَ فَعَلَا ذَلِكَ بِهِ ثُمّ وَضَعَاهُ عَلَى قَارِعَةِ الطّرِيقِ وَأَقْبَلَ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ فِي رَهْطٍ مَعَهُ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عُمّارًا فَلَمْ يَرُعْهُمْ إلّا بِالْجِنَازَةِ عَلَى ظَهْرِ الطّرِيقِ قَدْ كَادَتْ الْإِبِلُ تَطَؤُهَا وَقَامَ إلَيْهِمْ الْغُلَامُ فَقَالَ هَذَا أَبُو ذَرّ صَاحِبُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَعِينُونَا عَلَى دَفْنِهِ قَالَ فَاسْتَهَلّ عَبْدُ اللّهِ يَبْكِي وَيَقُولُ صَدَقَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ تَمْشِي وَحْدَك وَتَمُوتُ وَحْدَك وَتُبْعَثُ وَحْدَكَ ثُمّ نَزَلَ هُوَ وَأَصْحَابُهُ فَوَارَوْهُ ثُمّ حَدّثَهُمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ حَدِيثَهُ وَمَا قَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي مَسِيرِهِ إلَى تَبُوكَ . قُلْت : وَفِي هَذِهِ الْقِصّةِ نَظَرٌ فَقَدْ ذَكَرَ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبّانَ فِي " صَحِيحِهِ " وَغَيْرُهُ فِي قِصّةِ وَفَاتِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْأَشْتَرِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أُمّ ذَرّ قَالَتْ لَمّا حَضَرَتْ أَبَا ذَرّ الْوَفَاةُ بَكَيْت فَقَالَ مَا يُبْكِيك ؟ فَقُلْت : مَا لِي لَا أَبْكِي وَأَنْتَ تَمُوتُ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ وَلَيْسَ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُك كَفَنًا وَلَا يَدَانِ لِي فِي تَغْيِيبِك ؟ قَالَ أَبْشِرِي وَلَا تَبْكِي فَإِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ لِنَفَرٍ أَنَا فِيهِمْ لَيَمُوتَنّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلَيْسَ أَحَدٌ مِنْ أُولَئِكَ النّفَرِ إلّا وَقَدْ مَاتَ فِي قَرْيَةٍ وَجَمَاعَةٍ فَأَنَا ذَلِكَ الرّجُلُ فَوَاَللّهِ مَا كَذَبْتُ وَلَا كُذِبْت فَأَبْصِرِي الطّرِيقَ . فَقُلْت : أَنّى وَقَدْ ذَهَبَ الْحَاجّ وَتَقَطّعَتْ الطّرُقُ ؟ فَقَالَ اذْهَبِي فَتَبَصّرِي . قَالَتْ فَكُنْتُ أُسْنِدُ إلَى الْكَثِيبِ أَتَبَصّرُ ثُمّ أَرْجِعُ فَأُمَرّضُهُ فَبَيْنَا أَنَا وَهُوَ كَذَلِكَ إذْ أَنَا بِرِجَالٍ عَلَى رِحَالِهِمْ كَأَنّهُمْ الرّخَمُ تَخُبّ بِهِمْ رَوَاحِلُهُمْ قَالَتْ فَأَشَرْتُ إلَيْهِمْ فَأَسْرِعُوا إلَيّ حَتّى وَقَفُوا عَلَيّ فَقَالُوا : يَا أَمَةَ اللّهِ مَا لَك ؟ قُلْت : امْرُؤٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ يَمُوتُ تُكَفّنُونَهُ قَالُوا : وَمَنْ هُوَ ؟ قُلْت : أَبُو ذَرّ . قَالُوا : صَاحِبُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ؟ قُلْت : نَعَمْ فَفَدّوْهُ بِآبَائِهِمْ وَأُمّهَاتِهِمْ وَأَسْرَعُوا إلَيْهِ حَتّى دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالَ لَهُمْ أَبْشِرُوا فَإِنّي سَمِعْتُ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَقُولُ لِنَفَرٍ أَنَا فِيهِمْ لَيَمُوتَنّ رَجُلٌ مِنْكُمْ بِفَلَاةٍ مِنْ الْأَرْضِ يَشْهَدُهُ عِصَابَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ النّفَرِ رَجُلٌ إلّا وَقَدْ هَلَكَ فِي جَمَاعَةٍ . وَاَللّهِ مَا كَذَبْتُ وَلَا كُذِبْت إنّهُ لَوْ كَانَ عِنْدِي ثَوْبٌ يَسَعُنِي كَفَنًا لِي أَوْ لِامْرَأَتِي لَمْ أُكَفّنْ إلّا فِي ثَوْبٍ هُوَ لِي أَوْ لَهَا فَإِنّي أَنْشُدُكُمْ اللّهَ أَنْ لَا يُكَفّنَنِي رَجُلٌ مِنْكُمْ كَانَ أَمِيرًا أَوْ عَرِيفًا أَوْ بَرِيدًا أَوْ نَقِيبًا وَلَيْسَ مِنْ أُولَئِكَ النّفَرِ أَحَدٌ إلّا وَقَدْ قَارَفَ بَعْضَ مَا قَالَ إلّا فَتًى مِنْ الْأَنْصَارِ قَالَ أَنَا يَا عَمّ أُكَفّنُك فِي رِدَائِي هَذَا وَفِي ثَوْبَيْنِ مِنْ عَيْبَتِي مِنْ غَزْلِ أُمّي . قَالَ أَنْتَ فَكَفّنّي فَكَفّنَهُ الْأَنْصَارِيّ وَقَامُوا عَلَيْهِ وَدَفَنُوهُ فِي نَفَرٍ كُلّهُمْ يَمَانٍ [ ص 469 ]
[ قِصّةُ رَهْطٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ ]
رَجَعْنَا إلَى قِصّةِ تَبُوكَ وَقَدْ كَانَ رَهْطٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ مِنْهُمْ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ أَخُو بَنِي عَمْرِو بْنِ عَوْفٍ وَمِنْهُمْ رَجُلٌ مِنْ أَشْجَعَ حَلِيفٌ لِبَنِي سَلَمَةَ يُقَالُ لَهُ مَخْشِيّ بْنُ حُمَيّرٍ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ أَتَحْسَبُونَ جَلّادَ بَنِي الْأَصْفَرِ كَقِتَالِ الْعَرَبِ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ ؟ وَاَللّهِ لَكَأَنّا بِكُمْ غَدًا مُقَرّنِينَ فِي الْحِبَالِ إرْجَافًا وَتَرْهِيبًا لِلْمُؤْمِنِينَ . فَقَالَ مَخْشِيّ بْنُ حُمَيّرٍ : وَاَللّهِ لَوَدِدْت أَنّي أُقَاضَى عَلَى أَنْ يُضْرَبَ كُلّ مِنّا مِائَةَ جَلْدَةٍ وَإِنّا نَنْفَلِتُ أَنْ يَنْزِلَ فِينَا قُرْآنٌ لِمَقَالَتِكُمْ هَذِهِ . وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِعَمّارِ بْنِ يَاسِرٍ : أَدْرِكْ الْقَوْمَ فَإِنّهُمْ قَدْ احْتَرَقُوا فَسَلْهُمْ عَمّا قَالُوا ؟ فَإِنْ أَنْكَرُوا فَقُلْ بَلْ قُلْتُمْ كَذَا وَكَذَا فَانْطَلَقَ إلَيْهِمْ عَمّارٌ فَقَالَ لَهُمْ ذَلِكَ فَأَتَوْا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يَعْتَذِرُونَ إلَيْهِ فَقَالَ وَدِيعَةُ بْنُ ثَابِتٍ : كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ فَأَنْزَلَ اللّهُ فِيهِمْ { وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنّ إِنّمَا كُنّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ } [ التّوْبَةُ 65 ] فَقَالَ مَخْشِيّ بْنُ حُمَيّرٍ : يَا رَسُولَ اللّهِ قَعَدَ بِي اسْمِي وَاسْمُ أَبِي فَكَانَ الّذِي عُفِيَ عَنْهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ وَتَسَمّى عَبْدَ الرّحْمَنِ وَسَأَلَ اللّهَ أَنْ يُقْتَلَ شَهِيدًا لَا يُعْلَمُ بِمَكَانِهِ فَقُتِلَ
يَوْمَ الْيَمَامَة ِ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أَثَرٌ .
الْيَمَامَةِ ِ فَلَمْ يُوجَدْ لَهُ أَثَرٌ . [ ص 470 ] وَذَكَرَ ابْنُ عَائِذٍ فِي " مَغَازِيهِ " أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَزَلَ تَبُوكَ فِي زَمَانٍ قَلّ مَاؤُهَا فِيهِ فَاغْتَرَفَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ غَرْفَةً بِيَدِهِ مِنْ مَاءٍ فَمَضْمَضَ بِهَا فَاهُ ثُمّ بَصَقَهُ فِيهَا فَفَارَتْ عَيْنُهَا حَتّى امْتَلَأَتْ فَهِيَ كَذَلِكَ حَتّى السّاعَةَ .
[ نَهْيُهُ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَنْ مَسّ عَيْنِ تَبُوكَ حَتّى يَأْتِيَ ]
قُلْت : فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " إنّهُ قَالَ قَبْلَ وُصُولِهِ إلَيْهَا : إنّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا إنْ شَاءَ اللّهُ تَعَالَى عَيْنَ تَبُوكَ وَإِنّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتّى يُضْحِيَ النّهَارُ فَمَنْ جَاءَهَا فَلَا يَمَسّن مِنْ مَائِهَا شَيْئًا حَتّى آتِيَ قَالَ فَجِئْنَاهَا وَقَدْ سَبَقَ إلَيْهَا رَجُلَانِ وَالْعَيْنُ مِثْلُ الشّرَاكِ تَبِضّ بِشَيْءٍ مِنْ مَاءٍ فَسَأَلَهُمَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَلْ مَسِسْتُمَا مِنْ مَائِهَا شَيْئًا ؟ قَالَا : نَعَمْ فَسَبّهُمَا النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ لَهُمَا مَا شَاءَ اللّهُ أَنْ يَقُولَ ثُمّ غَرَفُوا مِنْ الْعَيْنِ قَلِيلًا قَلِيلًا حَتّى اجْتَمَعَ فِي شَيْءٍ وَغَسَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِيهِ وَجْهَهُ وَيَدَيْهِ ثُمّ أَعَادَهُ فِيهَا فَجَرَتْ الْعَيْنُ بِمَاءٍ مُنْهَمِرٍ حَتّى اسْتَقَى النّاسُ ثُمّ قَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ يُوشِكُ يَا مُعَاذُ إنْ طَالَتْ بِكَ حَيَاةٌ أَنْ تُرَى مَا هَا هُنَا قَدْ مُلِئَ جِنَانًا
فَصْلٌ [ الصّلْحُ مَعَ صَاحِبِ أَيْلَةَ ]
وَلَمّا انْتَهَى رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى تَبُوكَ أَتَاهُ صَاحِبُ أَيْلَةَ فَصَالَحَهُ وَأَعْطَاهُ الْجِزْيَةَ وَأَتَاهُ أَهْلُ جَرْبَا وَأَذْرُحَ فَأَعْطَوْهُ الْجِزْيَةَ وَكَتَبَ لَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كِتَابًا فَهُوَ عِنْدَهُمْ وَكَتَبَ لِصَاحِبِ أَيْلَةَ : بِسْمِ اللّهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ هَذَا أَمَنَةٌ مِنْ اللّهِ وَمُحَمّدٍ النّبِيّ رَسُولِ اللّهِ لِيُحَنّةَ بْنِ رُؤْبَة َ وَأَهْلِ أَيْلَةَ سُفُنِهِمْ وَسَيّارَتِهِمْ فِي الْبَرّ وَالْبَحْرِ لَهُمْ ذِمّةُ اللّهِ وَمُحَمّدٌ النّبِيّ وَمَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِنْ أَهْلِ الشّام ِ وَأَهْلِ الْيَمَنِ وَأَهْلِ الْبَحْرِ فَمَنْ أَحْدَثَ مِنْهُمْ حَدَثًا فَإِنّهُ لَا يَحُولُ مَالُهُ دُونَ نَفْسِهِ وَإِنّهُ لِمَنْ أَخَذَهُ مِنْ النّاسِ وَإِنّهُ لَا يَحِلّ أَنْ يَمْنَعُوا مَاءً يَرِدُونَهُ وَلَا طَرِيقًا يَرِدُونَهُ مِنْ بَحْرٍ أَوْ بَرّ . [ ص 471 ]
فَصْلٌ فِي بَعْثِ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ
قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : ثُمّ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بَعَثَ خَالِدَ بْنَ الْوَلِيدِ إلَى أُكَيْدِرِ دُومَةَ وَهُوَ أُكَيْدِرُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ رَجُلٌ مِنْ كِنْدَةَ وَكَانَ نَصْرَانِيّا وَكَانَ مَلِكًا عَلَيْهَا فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِخَالِدٍ إنّكَ سَتَجِدُهُ يَصِيدُ الْبَقَرَ فَخَرَجَ خَالِدٌ حَتّى إذَا كَانَ مِنْ حِصْنِهِ بِمَنْظَرِ الْعَيْنِ وَفِي لَيْلَةٍ مُقْمِرَةٍ صَافِيَةٍ وَهُوَ عَلَى سَطْحٍ لَهُ وَمَعَهُ امْرَأَتُهُ فَبَاتَتْ الْبَقَرُ تَحُكّ بِقُرُونِهَا بَابَ الْقَصْرِ فَقَالَتْ لَهُ امْرَأَتُهُ هَلْ رَأَيْتَ مِثْلَ هَذَا قَطّ ؟ قَالَ لَا وَاَللّهِ . قَالَتْ فَمَنْ يَتْرُكُ هَذِهِ ؟ قَالَ لَا أَحَدَ فَنَزَلَ فَأَمَرَ بِفَرَسِهِ فَأُسْرِجَ لَهُ وَرَكِبَ مَعَهُ نَفَرٌ مِنْ أَهْلِ بَيْتِهِ فِيهِمْ أَخٌ لَهُ يُقَالُ لَهُ حَسّانُ فَرَكِبَ وَخَرَجُوا مَعَهُ بِمَطَارِدِهِمْ فَلَمّا خَرَجُوا تَلَقّتْهُمْ خَيْلُ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَأَخَذَتْهُ وَقَتَلُوا أَخَاهُ وَقَدْ كَانَ عَلَيْهِ قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ مُخَوّصٍ بِالذّهَبِ فَاسْتَلَبَهُ خَالِدٌ فَبَعَثَ بِهِ إلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَبْلَ قُدُومِهِ عَلَيْهِ ثُمّ إنّ خَالِدًا قَدِمَ بِأُكَيْدِرٍ عَلَى رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَحَقَنَ لَهُ دَمَهُ وَصَالَحَهُ عَلَى الْجِزْيَةِ ثُمّ خَلّى سَبِيلَهُ فَرَجَعَ إلَى قَرْيَتِهِ . وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ : بَعَثَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ خَالِدًا فِي أَرْبَعِمِائَةٍ وَعِشْرِينَ فَارِسًا فَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدّمَ . قَالَ وَأَجَارَ خَالِدٌ أُكَيْدِرًا مِنْ الْقَتْلِ حَتّى يَأْتِيَ بِهِ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى أَنْ يَفْتَحَ لَهُ دُومَةَ الْجَنْدَلِ فَفَعَلَ وَصَالَحَهُ عَلَى أَلْفَيْ بَعِيرٍ وَثَمَانِمِائَةِ رَأْسٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ دِرْعٍ وَأَرْبَعِمِائَةِ رُمْحٍ فَعَزَلَ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ صَفِيّةُ خَالِصًا ثُمّ قَسَمَ الْغَنِيمَةَ فَأَخْرَجَ الْخُمُسَ فَكَانَ لِلنّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ ثُمّ قَسَمَ مَا بَقِيَ فِي أَصْحَابِهِ فَصَارَ لِكُلّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ خُمُسُ فَرَائِضَ . وَذَكَرَ ابْنُ عَائِذٍ فِي هَذَا الْخَبَرِ أَنّ أُكَيْدِرًا قَالَ عَنْ الْبَقَرِ وَاَللّهِ مَا رَأَيْتهَا قَطّ [ ص 472 ] أَتَتْنَا إلّا الْبَارِحَةَ وَلَقَدْ كُنْتُ أُضْمِرُ لَهَا الْيَوْمَيْنِ وَالثّلَاثَةَ وَلَكِنْ قَدّرَ اللّهُ . قَالَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ : وَاجْتَمَعَ أُكَيْدِرٌ وَيُحَنّةُ عِنْدَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَدَعَاهُمَا إلَى الْإِسْلَامِ فَأَبَيَا وَأَقَرّا بِالْجِزْيَةِ فَقَاضَاهُمَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى قَضِيّةِ دَوْمَةَ وَعَلَى تَبُوكَ وَعَلَى أَيْلَةَ وَعَلَى تَيْمَاءَ وَكَتَبَ لَهُمَا كِتَابًا .
[ الرّجُوعُ مِنْ تَبُوكَ ]
[ هَلْ قِصّةُ النّهْيِ عَنْ الشّرْبِ مِنْ وَادِي الْمُشَقّقِ وَعَيْنِ تَبُوكَ قِصّةٌ وَاحِدَةٌ ]
رَجَعْنَا إلَى قِصّةِ تَبُوكَ : قَالَ ابْنُ إسْحَاقَ : فَأَقَامَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِتَبُوكَ بِضْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً لَمْ يُجَاوِزْهَا ثُمّ انْصَرَفَ قَافِلًا إلَى الْمَدِينَةِ وَكَانَ فِي الطّرِيقِ مَاءٌ يَخْرُجُ مِنْ وَشَلٍ يُرْوِي الرّاكِبَ وَالرّاكِبَيْنِ وَالثّلَاثَةَ بِوَادٍ يُقَالُ لَهُ وَادِي الْمُشَقّقِ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَنْ سَبَقَنَا إلَى ذَلِكَ الْمَاءِ فَلَا يَسْتَقِيَنّ مِنْهُ شَيْئًا حَتّى نَأْتِيَهُ قَالَ فَسَبَقَهُ إلَيْهِ نَفَرٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَاسْتَقَوْا فَلَمْ يَرَ فِيهِ شَيْئًا فَقَالَ مَنْ سَبَقَنَا إلَى هَذَا الْمَاءِ ؟ فَقِيلَ لَهُ يَا رَسُولَ اللّهِ فُلَانٌ وَفُلَانٌ . فَقَالَ أَوَلَمْ أَنْهَهُمْ أَنْ يَسْتَقُوا مِنْهُ شَيْئًا حَتّى آتِيَهُ ثُمّ لَعَنَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَدَعَا عَلَيْهِمْ ثُمّ نَزَلَ فَوَضَعَ يَدَهُ تَحْتَ الْوَشَلِ فَجَعَلَ يَصُبّ فِي يَدِهِ مَا شَاءَ اللّهُ أَنْ يَصُبّ ثُمّ نَضَحَهُ بِهِ وَمَسَحَهُ بِيَدِهِ وَدَعَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِمَا شَاءَ اللّهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهِ فَانْخَرَقَ مِنْ الْمَاءِ - كَمَا يَقُولُ مِنْ سَمْعِهِ - مَا إنّ لَهُ حِسّا كَحِسّ الصّوَاعِقِ فَشَرِبَ النّاسُ وَاسْتَقَوْا حَاجَتَهُمْ مِنْهُ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَئِنْ بَقِيتُمْ أَوْ مَنْ بَقِيَ مِنْكُمْ لَيَسْمَعَنّ بِهَذَا الْوَادِي وَهُوَ أَخْصَبُ مَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَمَا خَلْفَهُ قُلْت : ثَبَتَ فِي " صَحِيحِ مُسْلِمٍ " أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَالَ لَهُمْ إنّكُمْ سَتَأْتُونَ غَدًا إنْ شَاءَ اللّهُ عَيْنَ تَبُوكَ وَإِنّكُمْ لَنْ تَأْتُوهَا حَتّى يُضْحِيَ النّهَارُ فَمَنْ جَاءَهَا فَلَا يَمَسّ مِنْ مَائِهَا شَيْئًا الْحَدِيثُ وَقَدْ تَقَدّمَ .
فَإِنْ كَانَتْ الْقِصّةُ وَاحِدَةً فَالْمَحْفُوظُ حَدِيثُ مُسْلِمٍ وَإِنْ كَانَتْ قِصّتَيْنِ فَهُوَ مُمْكِنٌ .
[ قِصّةُ ذِي الْبِجَادَيْنِ ]
قَالَ وَحَدّثَنِي مُحَمّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَارِثِ التّيْمِيّ أَنّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ مَسْعُودٍ كَانَ يُحَدّثُ قَالَ قُمْت مِنْ جَوْفِ اللّيْلِ وَأَنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَرَأَيْت شُعْلَةً مِنْ نَارٍ فِي نَاحِيَةِ الْعَسْكَرِ فَاتّبَعْتُهَا أَنْظُرُ إلَيْهَا فَإِذَا رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ [ ص 473 ] وَأَبُو بَكْر ٍ وَعُمَرُ وَإِذَا عَبْدُ اللّهِ ذُو الْبِجَادَيْنِ الْمُزَنِيّ قَدْ مَاتَ وَإِذَا هُمْ قَدْ حَفَرُوا لَهُ وَرَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي حُفْرَتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ يُدْلِيَانِهِ إلَيْهِ وَهُوَ يَقُولُ أَدْنِيَا إلَيّ أَخَاكُمَا فَدَلّيَاهُ إلَيْهِ فَلَمّا هَيّأَهُ لِشِقّهِ قَالَ اللّهُمّ إنّي قَدْ أَمْسَيْتُ رَاضِيًا عَنْهُ فَارْضَ عَنْهُ قَالَ يَقُولُ عَبْدُ اللّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : يَا لَيْتَنِي كُنْتُ صَاحِبَ الْحُفْرَةِ .
[ ثَوَابُ مَنْ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ ]
وَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَرْجِعَهُ مِنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ : إنّ بِالْمَدِينَةِ لَأَقْوَامًا مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إلّا كَانُوا مَعَكُمْ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُمْ بِالْمَدِينَةِ ؟ قَالَ " نَعَمْ حَبَسَهُمْ الْعُذْرُ
فَصْلٌ فِي خُطْبَتِهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِتَبُوكَ وَصَلَاتِهِ
ذَكَرَ الْبَيْهَقِيّ فِي " الدّلَائِلِ " وَالْحَاكِمُ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَاسْتَرْقَدَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَيْلَةً لَمّا كَانَ مِنْهَا عَلَى لَيْلَةٍ فَلَمْ يَسْتَيْقِظْ فِيهَا حَتّى كَانَتْ الشّمْسُ قِيدَ رُمْحٍ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكَ يَا بِلَالُ أكلأ لَنَا الْفَجْرَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ ذَهَبَ بِي مِنْ النّوْمِ الّذِي ذَهَبَ بِك فَانْتَقَلَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ ذَلِكَ الْمَنْزِلِ غَيْرَ بَعِيدٍ ثُمّ صَلّى ثُمّ ذَهَبَ بَقِيّةَ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ فَأَصْبَحَ بِتَبُوكَ فَحَمِدَ اللّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ ثُمّ قَالَ أَمّا بَعْدُ فَإِنّ أَصْدَقَ الْحَدِيثِ كِتَابُ اللّهِ وَأَوْثَقَ الْعُرَى كَلِمَةُ التّقْوَى وَخَيْرَ الْمِلَلِ مِلّةُ إبْرَاهِيمَ وَخَيْرَ السّنَنِ سُنّةُ مُحَمّدٍ وَأَشْرَفَ الْحَدِيثِ ذِكْرُ اللّهِ وَأَحْسَنَ الْقَصَصِ هَذَا الْقُرْآنُ وَخَيْرَ الْأُمُورِ عَوَازِمُهَا وَشَرّ الْأُمُورِ مُحْدَثَاتُهَا وَأَحْسَنَ الْهَدْيِ هَدْيُ الْأَنْبِيَاءِ وَأَشْرَفَ الْمَوْتِ قَتْلُ الشّهَدَاءِ وَأَعْمَى الْعَمَى الضّلَالَةُ بَعْدَ الْهُدَى وَخَيْرَ الْأَعْمَالِ مَا نَفَعَ وَخَيْرَ الْهُدَى مَا اُتّبِعَ وَشَرّ الْعَمَى عَمَى الْقَلْبِ وَالْيَدَ الْعُلْيَا خَيْرٌ مِنْ الْيَدِ السّفْلَى وَمَا قَلّ وَكَفَى خَيْرٌ مِمّا كَثُرَ وَأَلْهَى وَشَرّ الْمَعْذِرَةِ حِينَ يَحْضُرُ الْمَوْتُ وَشَرّ النّدَامَةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ النّاسِ مَنْ لَا يَأْتِي الْجُمُعَةَ إلّا دُبُرًا وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَذْكُرُ اللّهَ إلّا هَجْرًا وَمِنْ أَعْظَمِ الْخَطَايَا اللّسَانُ الْكَذّابُ وَخَيْرُ الْغِنَى غِنَى النّفْسِ وَخَيْرُ الزّادِ التّقْوَى وَرَأْسُ الْحُكْمِ مَخَافَةُ اللّهِ عَزّ وَجَلّ وَخَيْرُ مَا وَقَرَ فِي الْقُلُوبِ الْيَقِينُ وَالِارْتِيَابُ مِنْ الْكُفْرِ وَالنّيَاحَةُ مِنْ عَمَلِ الْجَاهِلِيّةِ وَالْغُلُولُ مِنْ جُثَا جَهَنّمَ وَالسّكْرُ كَيّ مِنْ النّارِ وَالشّعْرُ مِنْ إبْلِيسَ وَالْخَمْرُ جِمَاعُ الْإِثْمِ وَشَرّ الْمَأْكَلِ مَالُ الْيَتِيمُ وَالسّعِيدُ مَنْ وُعِظَ بِغَيْرِهِ وَالشّقِيّ مَنْ شَقِيَ فِي بَطْنِ أُمّهِ وَإِنّمَا يَصِيرُ أَحَدُكُمْ إلَى مَوْضِعِ أَرْبَعَةِ أَذْرُعٍ وَالْأَمْرُ إلَى الْآخِرَةِ وَمَلَاكُ الْعَمَلِ خَوَاتِمُهُ وَشَرّ الرّوَايَا رَوَايَا الْكَذِبِ وَكُلّ مَا هُوَ آتٍ قَرِيبٌ وَسِبَابُ الْمُؤْمِنِ فُسُوقٌ وَقِتَالُهُ كُفْرٌ وَأَكْلُ لَحْمِهِ مِنْ مَعْصِيَةِ اللّهِ وَحُرْمَةُ مَالِهِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ وَمَنْ يَتَأَلّ عَلَى اللّهِ يُكَذّبْهُ وَمَنْ يَغْفِرْ يُغْفَرْ لَهُ وَمَنْ يَعْفُ يَعْفُ اللّهُ عَنْهُ وَمَنْ يَكْظِمْ الْغَيْظَ يَأْجُرْهُ اللّهُ وَمَنْ يَصْبِرْ عَلَى الرّزِيّةِ يُعَوّضُهُ اللّهُ وَمَنْ يَبْتَغِ السّمْعَةَ يُسَمّعْ اللّهُ بِهِ وَمَنْ يَتَصَبّرْ يُضْعِفْ اللّهُ لَهُ وَمَنْ يَعْصِ اللّهَ يُعَذّبْهُ اللّهُ ثُمّ اسْتَغْفَرَ ثَلَاثًا [ ص 474 ]
[ قِصّةُ رَجُلٍ مَرّ بَيْنَ يَدَيْهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُوَ يُصَلّي فَدَعَا بِقَطْعِ أَثَرِهِ ]
[ ص 475 ] وَذَكَرَ أَبُو دَاوُد فِي " سُنَنِهِ " مِنْ حَدِيثِ ابْنِ وَهْبٍ : أَخْبَرَنِي مُعَاوِيَةُ عَنْ سَعِيدِ بْنِ غَزْوَانَ عَنْ أَبِيهِ أَنّهُ نَزَلَ بِتَبُوكَ وَهُوَ حَاجّ فَإِذَا رَجُلٌ مُقْعَدٌ فَسَأَلْتُهُ عَنْ أَمْرِهِ قَالَ سَأُحَدّثُك حَدِيثًا فَلَا تُحَدّثْ بِهِ مَا سَمِعْت أَنّي حَيّ إنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَزَلَ بِتَبُوكَ إلَى نَخْلَةٍ فَقَالَ هَذِهِ قِبْلَتُنَا ثُمّ صَلّى إلَيْهَا قَالَ فَأَقْبَلْتُ وَأَنَا غُلَامٌ أَسْعَى حَتّى مَرَرْتُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا فَقَالَ قَطَعَ صَلَاتَنَا قَطْعَ اللّهُ أَثَرَهُ قَالَ فَمَا قُمْتُ عَلَيْهِمَا إلَى يَوْمِي هَذَا ثُمّ سَاقَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ وَكِيعٍ عَنْ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ مَوْلًى لِيَزِيدَ بْنِ نِمْرَانَ عَن يَزِيدَ بْنِ نِمْرَانَ قَالَ رَأَيْت رَجُلًا بِتَبُوكَ مُقْعَدًا فَقَالَ مَرَرْتُ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَلَى حِمَارٍ وَهُوَ يُصَلّي فَقَالَ اللّهُمّ اقْطَعْ أَثَرَهُ فَمَا مَشَيْتُ عَلَيْهِمَا بَعْدُ وَفِي هَذَا الْإِسْنَادِ وَاَلّذِي قَبْلَهُ ضَعْفٌ .
فَصْلٌ فِي جَمْعِهِ بَيْنَ الصّلَاتَيْنِ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ
قَالَ أَبُو دَاوُد : حَدّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ حَدّثَنَا اللّيْثُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الطّفَيْلِ عَنْ عَامِرِ بْنِ وَاثِلَةَ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشّمْسُ أَخّرَ الظّهْرَ حَتّى يَجْمَعَهَا إلَى الْعَصْرِ فَيُصَلّيهِمَا جَمِيعًا وَإِذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَخّرَ الْمَغْرِبَ حَتّى يُصَلّيَهَا مَعَ الْعِشَاءِ وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ عَجّلَ الْعِشَاءَ فَصَلّاهَا مَعَ الْمَغْرِبِ وَقَالَ التّرْمِذِيّ : إذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشّمْسِ عَجّلَ الْعَصْرَ إلَى الظّهْرِ وَصَلّى الظّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ؛ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ . وَقَالَ أَبُو دَاوُد : هَذَا [ ص 476 ] وَقَالَ أَبُو مُحَمّدٍ ابْنُ حَزْمٍ : لَا يَعْلَمُ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ لِيَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ سَمَاعًا مِنْ أَبِي الطّفَيْلِ . . وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي حَدِيثِ أَبِي الطّفَيْلِ هَذَا : هُوَ حَدِيثٌ رُوَاتُهُ أَئِمّةٌ ثِقَاتٌ وَهُوَ شَاذّ الْإِسْنَادِ وَالْمَتْنُ لَا نَعْرِفُ لَهُ عِلّةٌ نُعَلّلُهُ بِهَا فَنَظَرْنَا فَإِذَا الْحَدِيثُ مَوْضُوعٌ وَذَكَرَ عَنْ الْبُخَارِيّ : قُلْت لِقُتَيْبَةَ بْنِ سَعِيدٍ : مَعَ مَنْ كَتَبْتَ عَنْ اللّيْثِ حَدِيثَ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الطّفَيْلِ ؟ قَالَ كَتَبْتُهُ مَعَ خَالِدٍ الْمَدَائِنِيّ وَكَانَ خَالِدٌ الْمَدَائِنِيّ يُدْخِلُ الْأَحَادِيثَ عَلَى الشّيُوخِ . وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا : حَدّثَنَا يَزِيدُ بْنُ خَالِدِ بْنِ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللّهِ بْنِ مَوْهِبٍ الرّمْلِيّ حَدّثَنَا مُفَضّلُ بْن فَضَالَةَ وَاللّيْثُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِي الزّبَيْرِ عَنْ أَبِي الطّفَيْلِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ أَنّ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إذَا زَاغَتْ الشّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الظّهْرِ وَالْعَصْرِ وَفِي الْمَغْرِبِ مِثْلَ ذَلِكَ إنْ غَابَتْ الشّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَإِنْ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَغِيبَ الشّمْسُ أَخّرَ الْمَغْرِبَ حَتّى يَنْزِلَ لِلْعِشَاءِ ثُمّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا . وَهِشَامُ بْنُ سَعْدٍ : ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ ضَعّفَهُ الْإِمَامُ أَحْمَد ُ وَابْنُ مَعِينٍ وَأَبُو حَاتِمٍ وَأَبُو زُرْعَةَ وَيَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ وَكَانَ لَا يُحَدّثُ عَنْهُ وَضَعّفَهُ النّسَائِيّ أَيْضًا وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ الْبَزّارُ : لَمْ أَرَ أَحَدًا تَوَقّفَ عَنْ حَدِيثِ هِشَامِ بْنِ سَعْدٍ وَلَا اعْتَلّ عَلَيْهِ بِعِلّةٍ تُوجِبُ التّوَقّفَ عَنْهُ . وَقَالَ أَبُو دَاوُد : حَدِيثُ الْمُفَضّلِ وَاللّيْثِ حَدِيثٌ مُنْكَرٌ [ ص 477 ]
فَصْلٌ فِي رُجُوعِ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مِنْ تَبُوكَ وَمَا هَمّ الْمُنَافِقُونَ بِهِ مِنْ الْكَيْدِ بِهِ وَعِصْمَةُ اللّهِ إيّاهُ
ذَكَرَ أَبُو الْأُسُودِ فِي " مَغَازِيهِ " عَنْ عُرْوَةَ قَالَ وَرَجَعَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ قَافِلًا مِنْ تَبُوكَ إلَى الْمَدِينَةِ حَتّى إذَا كَانَ بِبَعْضِ الطّرِيق مَكَرَ بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ نَاسٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ فَتَآمَرُوا أَنْ يَطْرَحُوهُ مِنْ رَأْسِ عَقَبَةٍ فِي الطّرِيقِ فَلَمّا بَلَغُوا الْعَقَبَةَ أَرَادُوا أَنْ يَسْلُكُوهَا مَعَهُ فَلَمّا غَشِيَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَخْبَرَ خَبَرَهُمْ فَقَالَ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَأْخُذَ بِبَطْنِ الْوَادِي فَإِنّهُ أَوْسَعُ لَكُمْ وَأَخَذَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْعَقَبَةَ وَأَخَذَ النّاسُ بِبَطْنِ الْوَادِي إلّا النّفَرَ الّذِينَ هَمّوا بِالْمَكْرِ بِرَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لَمّا سُمِعُوا بِذَلِكَ اسْتَعَدّوا وَتَلَثّمُوا وَقَدْ هَمّوا بِأَمْرٍ عَظِيمٍ وَأَمَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ حُذَيْفَةَ بْنَ الْيَمَانِ وَعَمّارَ بْنَ يَاسِرٍ فَمَشَيَا مَعَهُ وَأَمَرَ عَمّارًا أَنْ يَأْخُذَ بِزِمَامِ النّاقَةِ وَأَمَرَ حُذَيْفَةَ أَنْ يَسُوقَهَا فَبَيْنَا هُمْ يَسِيرُونَ إذْ سَمِعُوا وَكْزَةَ الْقَوْمِ مِنْ وَرَائِهِمْ قَدْ غَشَوْهُ فَغَضِبَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَأَمَرَ حُذَيْفَةَ أَنْ يَرُدّهُمْ وَأَبْصَرَ حُذَيْفَةُ غَضَبَ رَسُولِ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَرَجَعَ وَمَعَهُ مِحْجَنٌ وَاسْتَقْبَلَ وُجُوهَ رَوَاحِلِهِمْ فَضَرَبَهَا ضَرْبًا بِالْمِحْجَنِ وَأَبْصَرَ الْقَوْمَ وَهُمْ مُتَلَثّمُونَ وَلَا يَشْعُرُ إلّا أَنّ ذَلِكَ فِعْلُ الْمُسَافِرِ فَأَرْعَبَهُمْ اللّهُ سُبْحَانَهُ حِينَ أَبْصَرُوا حُذَيْفَةَ وَظَنّوا أَنّ مَكْرَهُمْ قَدْ ظَهَرَ عَلَيْهِ فَأَسْرَعُوا حَتّى خَالَطُوا النّاسَ وَأَقْبَلَ حُذَيْفَةُ حَتّى أَدْرَكَ رَسُولَ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَلَمّا أَدْرَكَهُ قَالَ اضْرِبْ الرّاحِلَةَ يَا حُذَيْفَةُ وَامْشِ أَنْتَ يَا عَمّارُ فَأَسْرَعُوا حَتّى اسْتَوَوْا بِأَعْلَاهَا فَخَرَجُوا مِنْ الْعَقَبَةِ يَنْتَظِرُونَ النّاسَ فَقَالَ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ لِحُذَيْفَةَ هَلْ عَرَفْتَ مِنْ هَؤُلَاءِ الرّهْطِ أَوْ الرّكْبِ أَحَدًا ؟ قَالَ حُذَيْفَةُ عَرَفْتُ رَاحِلَةَ فُلَانٍ وَفُلَانٍ وَقَالَ كَانَتْ ظُلْمَةُ اللّيْلِ وَغَشِيَتْهُمْ وَهُمْ مُتَلَثّمُونَ فَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ هَلْ عَلِمْتُمْ مَا كَانَ شَأْنُ الرّكْبِ وَمَا أَرَادُوا ؟ قَالُوا : لَا وَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ قَالَ فَإِنّهُمْ مَكَرُوا لِيَسِيرُوا مَعِي حَتّى إذَا اطّلَعْتُ فِي الْعَقَبَةِ طَرَحُونِي مِنْهَا قَالُوا : أَوَلَا تَأْمُرُ بِهِمْ يَا رَسُولَ اللّهِ إذًا فَنَضْرِبَ أَعْنَاقَهُمْ قَالَ أَكْرَهُ أَنْ يَتَحَدّثَ النّاسُ وَيَقُولُوا : إنّ مُحَمّدًا قَدْ وَضَعَ يَدَهُ فِي أَصْحَابِهِ فَسَمّاهُمْ لَهُمَا وَقَالَ اُكْتُمَاهُمْ [ ص 478 ] وَقَالَ ابْنُ إسْحَاقَ فِي هَذِهِ الْقِصّةِ إنّ اللّهَ قَدْ أَخْبَرَنِي بِأَسْمَائِهِمْ وَأَسْمَاءِ آبَائِهِمْ وَسَأُخْبِرُك بِهِمْ إنْ شَاءَ اللّهُ غَدًا عِنْدَ وَجْهِ الصّبْحِ فَانْطَلِقْ حَتّى إذَا أَصْبَحْتُ فَاجْمَعْهُمْ فَلَمّا أَصْبَحَ قَالَ اُدْعُ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أُبَيّ وَسَعْدَ بْنَ أَبِي سَرْحٍ وَأَبَا خَاطِرٍ الْأَعْرَابِيّ وَعَامِرًا وَأَبَا عَامِرٍ وَالْجُلَاسَ بْنَ سُوَيْدِ بْنِ الصّامِتِ وَهُوَ الّذِي قَالَ لَا نَنْتَهِي حَتّى نَرْمِيَ مُحَمّدًا مِنْ الْعَقَبَةِ اللّيْلَةَ وَإِنْ كَانَ مُحَمّدٌ وَأَصْحَابُهُ خَيْرًا مِنّا إنّا إذًا لَغَنَمٌ وَهُوَ الرّاعِي وَلَا عَقْلَ لَنَا وَهُوَ الْعَاقِلُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ مُجَمّعَ بْنَ حَارِثَةَ وَمُلَيْحًا التّيْمِيّ وَهُوَ الّذِي سَرَقَ طِيبَ الْكَعْبَةِ وَارْتَدّ عَنْ الْإِسْلَامِ وَانْطَلَقَ هَارِبًا فِي الْأَرْضِ فَلَا يُدْرَى أَيْنَ ذَهَبَ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ حِصْنَ بْنَ نُمَيْرٍ الّذِي أَغَارَ عَلَى تَمْرِ الصّدَقَةِ فَسَرَقَهُ وَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَيْحَكَ مَا حَمَلَكَ عَلَى هَذَا ؟ فَقَالَ حَمَلَنِي عَلَيْهِ أَنّي ظَنَنْتُ أَنّ اللّهَ لَا يُطْلِعُك عَلَيْهِ فَأَمّا إذَا أَطْلَعَك اللّهُ عَلَيْهِ وَعَلِمْته فَأَنَا أَشْهَدُ الْيَوْمَ أَنّك رَسُولُ اللّهِ وَإِنّي لَمْ أُؤْمِنْ بِك قَطّ قَبْلَ هَذِهِ السّاعَةِ فَأَقَالَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَثْرَتَهُ وَعَفَا عَنْهُ وَأَمَرَهُ أَنْ يَدْعُوَ طُعَيْمَةَ بْنَ أُبَيْرِقٍ وَعَبْدَ اللّهِ بْنَ عُيَيْنَةَ وَهُوَ الّذِي قَالَ لِأَصْحَابِهِ اسْهَرُوا هَذِهِ اللّيْلَةَ تَسْلَمُوا الدّهْرَ كُلّهُ فَوَاَللّهِ مَا لَكَمَ أَمْرٌ دُونَ أَنْ تَقْتُلُوا هَذَا الرّجُلَ فَدَعَاهُ [ ص 479 ] فَقَالَ وَيْحَكَ مَا كَانَ يَنْفَعُكَ مِنْ قَتْلِي لَوْ أَنّي قُتِلْتُ ؟ فَقَالَ عَبْدُ اللّهِ فَوَاَللّهِ يَا رَسُولَ اللّهِ لَا نَزَالُ بِخَيْرِ مَا أَعْطَاك اللّهُ النّصْرَ عَلَى عَدُوّك إنّمَا نَحْنُ بِاَللّهِ وَبِك فَتَرَكَهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَقَالَ اُدْعُ مُرّةَ بْنَ الرّبِيعِ وَهُوَ الّذِي قَالَ نَقْتُلُ الْوَاحِدَ الْفَرْدَ فَيَكُونُ النّاسُ عَامّةً بِقَتْلِهِ مُطْمَئِنّينَ فَدَعَاهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ فَقَالَ وَيْحَكَ مَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ تَقُولَ الّذِي قُلْت ؟ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللّهِ إنْ كُنْتُ قُلْتُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ إنّك لَعَالِمٌ بِهِ وَمَا قُلْتُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَجَمَعَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ وَهُمْ اثْنَا عَشَرَ رَجُلًا الّذِينَ حَارَبُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ وَأَرَادُوا قَتْلَهُ فَأَخْبَرَهُمْ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ بِقَوْلِهِمْ وَمَنْطِقِهِمْ وَسِرّهِمْ وَعَلَانِيَتِهِمْ وَأَطْلَعَ اللّهُ سُبْحَانَهُ نَبِيّهُ عَلَى ذَلِكَ بِعِلْمِهِ وَمَاتَ الِاثْنَا عَشَرَ مُنَافِقِينَ مُحَارِبِينَ لِلّهِ وَلِرَسُولِهِ وَذَلِكَ قَوْلُهُ عَزّ وَجَلّ { وَهَمّوا بِمَا لَمْ يَنَالُوا } [ التّوْبَةُ 74 ] وَكَانَ أَبُو عَامِرٍ رَأْسَهُمْ وَلَهُ بَنَوْا مَسْجِدَ الضّرَارِ وَهُوَ الّذِي كَانَ يُقَالُ لَهُ الرّاهِبُ فَسَمّاهُ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ الْفَاسِقَ وَهُوَ أَبُو حَنْظَلَةَ غَسِيلُ الْمَلَائِكَةِ فَأَرْسَلُوا إلَيْهِ فَقَدِمَ عَلَيْهِمْ فَلَمّا قَدِمَ عَلَيْهِمْ أَخْزَاهُ اللّهُ وَإِيّاهُمْ فَانْهَارَتْ تِلْكَ الْبُقْعَةُ فِي نَارِ جَهَنّمَ .
فَصْلٌ [ بَيَانُ وَهْمِ ابْنِ إسْحَاقَ فِي رِوَايَتِهِ هَذِهِ ]
قُلْت : وَفِي سِيَاقِ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ إسْحَاقَ وَهُمْ مِنْ وُجُوهٍ أَحَدُهَا : أَنّ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ أَسَرّ إلَى حُذَيْفَةَ أَسْمَاءَ أُولَئِكَ الْمُنَافِقِينَ وَلَمْ يُطْلِعْ عَلَيْهِمْ أَحَدًا غَيْرَهُ وَبِذَلِكَ كَانَ يُقَالُ لِحُذَيْفَةَ إنّهُ صَاحِبُ السّرّ الّذِي لَا يَعْلَمُهُ غَيْرُهُ وَلَمْ يَكُنْ عُمَرُ وَلَا غَيْرُهُ يَعْلَمُ أَسْمَاءَهُمْ وَكَانَ إذَا مَاتَ الرّجُلُ وَشَكّوا فِيهِ يَقُولُ عُمَرُ اُنْظُرُوا فَإِنْ صَلّى عَلَيْهِ حُذَيْفَةُ وَإِلّا فَهُوَ مُنَافِقٌ مِنْهُمْ الثّانِي : مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ فِيهِمْ عَبْدُ اللّهِ بْنُ أُبَيّ وَهُوَ وَهْمٌ ظَاهِرٌ وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ إسْحَاقَ نَفْسُهُ أَنّ عَبْدَ اللّهِ بْنَ أُبَيّ تَخَلّفَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ . [ ص 480 ] الثّالِثُ أَنّ قَوْلَهُ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ وَهْمٌ أَيْضًا وَخَطَأٌ ظَاهِرٌ فَإِنّ سَعْدَ بْنَ أَبِي سَرْحٍ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ إسْلَامٌ الْبَتّةَ وَإِنّمَا ابْنُهُ عَبْدُ اللّهِ كَانَ قَدْ أَسْلَمَ وَهَاجَرَ ثُمّ ارْتَدّ وَلَحِقَ بِمَكّةَ حَتّى اسْتَأْمَنَ لَهُ عُثْمَانُ النّبِيّ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ عَامَ الْفَتْحِ فَأَمّنَهُ وَأَسْلَمَ فَحَسُنَ إسْلَامُهُ وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ شَيْءٌ يُنْكَرُ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ مَعَ هَؤُلَاءِ الِاثْنَيْ عَشَرَ الْبَتّةَ فَمَا أَدْرِي مَا هَذَا الْخَطَأُ الْفَاحِشُ . الرّابِعُ قَوْلُهُ وَكَانَ أَبُو عَامِرٍ رَأْسَهُمْ وَهَذَا وَهْمٌ ظَاهِرٌ لَا يَخْفَى عَلَى مَنْ دُونَ ابْنِ إسْحَاقَ بَلْ هُوَ نَفْسُهُ قَدْ ذَكَرَ قِصّةَ أَبِي عَامِرٍ هَذَا فِي قِصّةِ الْهِجْرَةِ عَنْ عَاصِمِ بْنِ عُمَرَ بْنِ قَتَادَةَ أَنّ أَبَا عَامِرٍ لَمّا هَاجَرَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ إلَى الْمَدِينَةِ خَرَجَ إلَى مَكّةَ بِبِضْعَةَ عَشَرَ رَجُلًا فَلَمّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللّهِ صَلّى اللّهُ عَلَيْهِ وَسَلّمَ مَكّةَ خَرَجَ إلَى الطّائِفِ فَلَمّا أَسْلَمَ أَهْلُ الطّائِفِ خَرَجَ إلَى الشّامِ فَمَاتَ بِهَا طَرِيدًا وَحِيدًا غَرِيبًا فَأَيْنَ كَانَ الْفَاسِقُ وَغَزْوَةُ تَبُوكَ ذَهَابًا وَإِيَابًا .
===========
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق