السبت، 21 فبراير 2026

ومن ج6 ابي اخر ج10. كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ

ج66666666666666666666

  كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ 

 

  وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَالنُّعْمَانُ بْنُ أَبِي عَيَّاشٍ وَالْحَسَنُ وَابْنُ سِيرِينَ وَطَاوُسٌ وَمَكْحُولٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ دِينَارٍ وَنَافِعٌ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَالْحَسَنُ بْنُ مُسْلِمٍ وَقَيْسُ بْنُ سَعْدٍ وَغَيْرُهُمْ عِدَّةٌ كَثِيرَةٌ انْتَهَى . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ رَوَيْنَاهُ عَنْ أَبِي قِلَابَةَ وَأَبِي الزُّبَيْرِ ثُمَّ عَنْ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَاللَّيْثِ وَابْنِ عُيَيْنَةَ ثُمَّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَيَحْيَى الْقَطَّانِ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ الْحَنْظَلِيِّ وَعِدَّةٍ كَثِيرَةٍ مِنْ أَهْلِ الْآثَارِ بِالْبُلْدَانِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ لَا يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِيمَا سِوَى الِافْتِتَاحِ ، وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَالْحَسَنِ بْنِ صَالِحِ بْنِ حَيٍّ وَهُوَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَتَعَلَّقَ بِهَذِهِ الرِّوَايَةِ عَنْ مَالِكٍ أَكْثَرُ الْمَالِكِيِّينَ . وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِ مَالِكٍ وَالْمَعْمُولُ بِهِ عِنْدَ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْهُمْ انْتَهَى . وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ الْحَكَمِ لَمْ يَرْوِ أَحَدٌ عَنْ مَالِكٍ مِثْلَ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ قَالَ مُحَمَّدٌ وَاَلَّذِي آخُذُ بِهِ أَنْ أَرْفَعَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ الرَّفْعَ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ فَقَطْ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَالْأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَخَيْثَمَةَ وَقَيْسِ بْنِ أَبِي حَازِمٍ وَأَبِي إِسْحَاقَ السَّبِيعِيِّ . وَحَكَاهُ عَنْ أَصْحَابِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَحَكَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ عُمَرَ ، وَذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّهُ لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ وَهُوَ عَجِيبٌ فَإِنَّ الْمَعْرُوفَ عَنْهُ الرَّفْعُ فِي الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ هَذَا هُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ أَنَّ الرَّفْعَ فِي الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ هُوَ آخِرُ أَقْوَالِهِ وَأَصَحُّهَا . وَالْمَعْرُوفُ مِنْ عَمَلِ الصَّحَابَةِ وَمَذْهَبِ كَافَّةِ الْعُلَمَاءِ إلَّا مَنْ ذَكَرَ انْتَهَى . وَكَذَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ إنَّهُ قَوْلُ مَالِكٍ فِي آخِرِ أَمْرِهِ وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ لَا يَعْلَمُ مِصْرًا مِنْ الْأَمْصَارِ تَرَكُوا بِأَجْمَعِهِمْ رَفْعَ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْخَفْضِ وَالرَّفْعِ فِي الصَّلَاةِ إلَّا أَهْلَ الْكُوفَةِ فَكُلُّهُمْ لَا يَرْفَعُ إلَّا فِي الْإِحْرَامِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : لَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ تَرْكُ الرَّفْعِ عِنْدَ كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ مِمَّنْ لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ فِيهِ إلَّا ابْنُ مَسْعُودٍ وَحْدُهُ . وَرَوَى الْكُوفِيُّونَ عَنْ عَلِيٍّ مِثْلَ ذَلِكَ وَرَوَى الْمَدَنِيُّونَ عَنْهُ الرَّفْعَ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَافِعٍ انْتَهَى . وَذَكَرَ عُثْمَانُ بْنُ سَعِيدٍ الدَّارِمِيُّ أَنَّ الطَّرِيقَ عَنْ عَلِيٍّ فِي تَرْكِ الرَّفْعِ وَاهِيَةٌ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ الزَّعْفَرَانِيِّ عَنْهُ وَلَا يَثْبُتُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَلَوْ كَانَ ثَابِتًا عَنْهُمَا لَا يُثْبِتُهُ أَنْ يَكُونَ رَآهُمَا مَرَّةً أَغْفَلَا رَفْعَ الْيَدَيْنِ وَلَوْ قَالَ قَائِلٌ : ذَهَبَ عَنْهُمَا حِفْظُ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَفِظَهُ ابْنُ عُمَرَ لَكَانَتْ لَهُ الْحُجَّةُ انْتَهَى . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ وَكِيعٍ قَالَ صَلَّيْت فِي مَسْجِدِ الْكُوفَةِ فَإِذَا أَبُو حَنِيفَةَ قَائِمٌ يُصَلِّي وَابْنُ الْمُبَارَكِ إلَى جَنْبِهِ يُصَلِّي فَإِذَا عَبْدُ اللَّهِ يَرْفَعُ يَدَيْهِ كُلَّمَا رَكَعَ وَكُلَّمَا رَفَعَ وَأَبُو حَنِيفَةَ لَا يَرْفَعُ فَلَمَّا فَرَغُوا مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ لِعَبْدِ اللَّهِ يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ رَأَيْتُك تُكْثِرُ رَفْعَ الْيَدَيْنِ أَرَدْت أَنْ تَطِيرَ فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ يَا أَبَا حَنِيفَةَ قَدْ رَأَيْتُك تَرْفَعُ يَدَيْك حِينَ افْتَتَحْت الصَّلَاةَ فَأَرَدْتَ أَنْ تَطِيرَ فَسَكَتَ أَبُو حَنِيفَةَ قَالَ وَكِيعٌ : مَا رَأَيْت جَوَابًا أَحْضَرَ مِنْ جَوَابِ عَبْدِ اللَّهِ لِأَبِي حَنِيفَةَ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ قَالَ اجْتَمَعَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ بِمِنًى فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ لِلثَّوْرِيِّ : لِمَ لَا تَرْفَعُ يَدَيْك فِي خَفْضِ الرُّكُوعِ وَرَفْعِهِ ؟ . فَقَالَ الثَّوْرِيُّ حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ أَبِي زِيَادٍ فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ أَرْوِي لَك عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتُعَارِضُنِي بِيَزِيدَ بْنِ أَبِي زِيَادٍ وَيَزِيدُ رَجُلٌ ضَعِيفُ الْحَدِيثِ وَحَدِيثُهُ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ قَالَ فَاحْمَارَّ وَجْهُ سُفْيَانَ فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ كَأَنَّك كَرِهْتَ مَا قُلْتُ قَالَ الثَّوْرِيُّ نَعَمْ فَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ قُمْ بِنَا إلَى الْمَقَامِ نَلْتَعِنُ أَيُّنَا عَلَى الْحَقِّ قَالَ فَتَبَسَّمَ الثَّوْرِيُّ لَمَّا رَأَى الْأَوْزَاعِيَّ قَدْ احْتَدَّ . ( الثَّانِيَةُ ) الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ فِعْلُ الرَّفْعِ فِي الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ وَلَا دَلَالَةَ لَهُ عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ وَلَا اسْتِحْبَابِهِ فَإِنَّ الْفِعْلَ مُحْتَمِلٌ لَهُمَا وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ وَقِيلَ بِالْوُجُوبِ وَسَنُوَضِّحُ ذَلِكَ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَجْمَعَتْ الْأَمَةُ عَلَى اسْتِحْبَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَاخْتَلَفُوا فِيمَا سِوَاهَا انْتَهَى . وَفِي حِكَايَةِ هَذَا الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ ، أَحَدُهُمَا : أَنَّ بَعْضَ الْعُلَمَاءِ يَقُولُ بِوُجُوبِهِ وَقَدْ قَالَ النَّوَوِيُّ بَعْدَ ذَلِكَ بِأَسْطُرٍ أَجْمَعُوا أَنَّهُ لَا يَجِبُ شَيْءٌ مِنْ الرَّفْعِ وَحُكِيَ عَنْ دَاوُد إيجَابُهُ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَبِهَذَا قَالَ الْإِمَامُ أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ سَيَّارٍ السَّيَّارِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَصْحَابِ الْوُجُوهِ انْتَهَى . ( قُلْت ) وَحَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي تَعْلِيقِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كُلُّ مَنْ رَأَى الرَّفْعَ وَعَمِلَ بِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ لَا يُبْطِلُ صَلَاةَ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ إلَّا الْحُمَيْدِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِ دَاوُد وَرِوَايَةٌ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ ثُمَّ حُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ ذَكَرَ الرَّفْعَ فِي الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ فَقِيلَ لَهُ فَإِنْ نَقَصَ مِنْ ذَلِكَ ؟ قَالَ ذَلِكَ نَقْصٌ مِنْ صَلَاتِهِ ثُمَّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَوْلُ الْحُمَيْدِيِّ وَمَنْ تَابَعَهُ شُذُوذٌ عَنْ الْجُمْهُورِ وَخَطَأٌ لَا يَلْتَفِتُ إلَيْهِ أَهْلُ الْعِلْمِ انْتَهَى . وَحَكَى الطَّحَاوِيُّ إيجَابَهُ عِنْدَ الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ وَالْقِيَامِ مِنْ السُّنَنِ عَنْ قَوْمٍ وَاعْتَرَضَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ لَا نَعْلَمُ أَحَدًا يُوجِبُ الرَّفْعَ وَحَكَى صَاحِبُ الْمُفْهِمِ عَنْ بَعْضِهِمْ وُجُوبَ الرَّفْعِ كُلِّهِ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى : وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ لِلتَّكْبِيرِ مِنْ الْإِحْرَامِ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ فَرْضٌ لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ إلَّا بِهِ ثُمَّ قَالَ وَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَهُوَ قَوْلُ بَعْضِ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ أَصْحَابِنَا انْتَهَى . وَقَدْ ثَبَتَ بِذَلِكَ وُجُودُ الْخِلَافِ فِي وُجُوبِ الرَّفْعِ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ بَلْ فِي وُجُوبِ الرَّفْعِ كُلِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( ثَانِيهِمَا ) أَنَّ بَعْضَهُمْ لَا يَسْتَحِبُّ الرَّفْعَ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ حَكَاهَا عَنْهُ ابْنُ شَعْبَانَ وَابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ وَابْنُ الْقَصَّارِ وَلِهَذَا حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى جَوَازِ الرَّفْعِ عِنْدَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَكَأَنَّهُ عَدَلَ عَنْ حِكَايَةِ الْإِجْمَاعِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ إلَى الْجَوَازِ لِهَذِهِ الْقَوْلَةِ لَكِنَّهَا رِوَايَةٌ شَاذَّةٌ لَا مُعَوَّلَ عَلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ { إذَا افْتَتَحَ الصَّلَاةَ رَفَعَ يَدَيْهِ } ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنَّمَا رَفَعَ يَدَيْهِ بَعْدَ فَرَاغِ التَّكْبِيرِ ؛ لِأَنَّ افْتِتَاحَ الصَّلَاةِ هُوَ التَّكْبِيرُ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِهِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ شَرَعَ فِي الرَّفْعِ عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي التَّكْبِيرِ فَأَتَى بِالرَّفْعِ وَالتَّكْبِيرِ مُقْتَرِنَيْنِ وَهَذَا مَذْهَبٌ سَنَحْكِيهِ وَحَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَيْهِ أَوْلَى ، وَفِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ رَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى تَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ ثُمَّ كَبَّرَ وَهُمَا كَذَلِكَ } وَهِيَ صَرِيحَةٌ فِي تَقْدِيمِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى التَّكْبِيرِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَلِأَصْحَابِنَا فِيهَا خَمْسَةُ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ يَرْفَعُ غَيْرَ مُكَبِّرٍ ثُمَّ يَبْتَدِئُ التَّكْبِيرَ مَعَ إرْسَالِ الْيَدَيْنِ وَيُنْهِيهِ مَعَ انْتِهَائِهِ . ( وَالثَّانِي ) يَرْفَعُ غَيْرَ مُكَبِّرٍ ثُمَّ يُكَبِّرُ وَيَدَاهُ قَارَّتَانِ ثُمَّ يُرْسِلُهُمَا وَيَدُلُّ لَهُ رِوَايَةُ أَبِي دَاوُد الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يُنْسَبُ إلَى رِوَايَةِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ وَالرِّوَايَةُ الَّتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ ظَاهِرُهَا مُخَالِفٌ لَهُ وَكَأَنَّ الشَّيْخَ رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ يَسْتَحْضِرْ رِوَايَةَ أَبِي دَاوُد هَذِهِ الَّتِي ذَكَرْنَاهَا . ( وَالثَّالِثُ ) يَبْتَدِئُ الرَّفْعَ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ وَيُنْهِيهِمَا مَعًا وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالتَّحْقِيقِ وَقَالَ فِي شَرْحِ الْوَسِيطِ الْمُسَمَّى بِالتَّنْقِيحِ إنَّهُ الْأَصَحُّ وَقَوْلُ الْجُمْهُورِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَالرَّابِعُ يَبْتَدِئُهُمَا مَعًا وَيُنْهِي التَّكْبِيرَ مَعَ انْتِهَاءِ الْإِرْسَالِ . ( وَالْخَامِسُ ) يَبْتَدِئُ الرَّفْعَ مَعَ ابْتِدَاءِ التَّكْبِيرِ وَلَا اسْتِحْبَابَ فِي الِانْتِهَاءِ فَإِنْ فَرَغَ مِنْ التَّكْبِيرِ قَبْلَ تَمَامِ الرَّفْعِ أَوْ بِالْعَكْسِ تَمَّمَ الْبَاقِيَ وَإِنْ فَرَغَ مِنْهُمَا حَطَّ يَدَيْهِ وَلَمْ يَسْتَدِمْ الرَّفْعَ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ فِي بَقِيَّةِ كُتُبِهِ تَبَعًا لِنَقْلِ الرَّافِعِيِّ لَهُ عَنْ تَرْجِيحِ الْأَكْثَرِينَ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ فِي الْوَسِيطِ قَالَ الْمُحَقِّقُونَ : لَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا بَلْ صَحَّتْ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا فَلْنَقْبَلْ الْكُلَّ وَلْنُجَوِّزْهَا عَلَى نَسَقٍ وَاحِدٍ وَتَبِعَ فِي ذَلِكَ الْإِمَامُ فَإِنَّهُ حَكَى عَنْ وَالِدِهِ أَنَّ الْكَيْفِيَّاتِ كُلَّهَا عَلَى السَّوَاءِ وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ هَذَا تَفْصِيلُ مَذْهَبِنَا . وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ وَإِذَا شَرَعَ فِي التَّكْبِيرِ رَفَعَ يَدَيْهِ مَعَهُ عَلَى الْمَعْرُوفِ مِنْ الْمَذْهَبِ وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ فِي شَرْحِهِ لِقَوْلِهِ فِي الْبِدَايَةِ وَيَرْفَعُ يَدَيْهِ مَعَ التَّكْبِيرِ : هَذَا اللَّفْظُ يُشِيرُ إلَى اشْتِرَاطِ الْمُقَارَنَةِ وَهُوَ الْمَرْوِيُّ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَالْمَحْكِيُّ عَنْ الطَّحَاوِيِّ وَالْأَصَحُّ أَنَّهُ يَرْفَعُ أَوَّلًا ثُمَّ يُكَبِّرُ ؛ لِأَنَّ فِي فِعْلِهِ نَفْيَ الْكِبْرِيَاءِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ ، وَالنَّفْيُ مُقَدَّمٌ انْتَهَى . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { حَتَّى يُحَاذِيَ مَنْكِبَيْهِ } بِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتٍ أَوَّلِهِ أَيْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَعُودَ الضَّمِيرُ عَلَى الرَّفْعِ الْمَفْهُومِ مِنْ قَوْلِهِ { رَفَعَ } أَيْ حَتَّى يُحَاذِيَ الرَّفْعُ مَنْكِبَيْهِ وَفِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ { حَتَّى حَاذَتَا أُذُنَيْهِ } وَهُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ فَأَخَذَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ بِحَدِيثِ وَائِلٍ نَاسٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ . وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ : الْمُصَلِّي بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ رَفَعَ يَدَيْهِ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ وَإِنْ شَاءَ إلَى الْأُذُنَيْنِ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَهَذَا مَذْهَبٌ حَسَنٌ وَأَنَا إلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَمِيلُ انْتَهَى . وَأَخَذَ بِحَدِيثِ وَائِلٍ فِي ذَلِكَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالْحَنَفِيَّةُ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فَإِذَا اخْتَلَفَتْ هَذِهِ الرِّوَايَاتُ فَإِمَّا أَنْ يُؤْخَذَ بِالْجَمِيعِ فَيُخَيَّرُ بَيْنَهُمَا وَإِمَّا أَنْ تُتْرَكَ رِوَايَةُ مَنْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَلَيْهِ وَيُؤْخَذُ بِرِوَايَةِ مَنْ لَمْ يُخْتَلَفْ عَلَيْهِ يَعْنِي رِوَايَةَ الرَّفْعِ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ ؛ لِأَنَّهَا أَثْبَتُ إسْنَادًا وَأَنَّهَا حَدِيثُ عَدَدٍ وَالْعَدَدُ أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنْ وَاحِدٍ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اخْتَلَفَتْ الْآثَارُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَيْفِيَّةِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي الصَّلَاةِ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ مَا فَوْقَ أُذُنَيْهِ مَعَ رَأْسِهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ أُذُنَيْهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُهُمَا إلَى صَدْرِهِ وَكُلُّهَا آثَارٌ مَعْرُوفَةٌ مَشْهُورَةٌ وَأَثْبَتُ مَا فِي ذَلِكَ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ هَذَا وَفِيهِ { حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ } وَعَلَيْهِ جُمْهُورُ التَّابِعِينَ وَفُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ وَأَهْلُ الْحَدِيثِ . وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْفَع يَدَيْهِ فِي الْإِحْرَامِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَفِي غَيْرِ الْإِحْرَامِ دُونَ ذَلِكَ قَلِيلًا وَكُلُّ ذَلِكَ وَاسِعٌ حَسَنٌ وَابْنُ عُمَرَ رَوَى الْحَدِيثَ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَخْرَجِهِ وَتَأْوِيلِهِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ مَعْمُولٌ بِهِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ انْتَهَى . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيُّ فِي صِفَةِ الرَّفْعِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : قِيلَ : حَذْوَ الصَّدْرِ ، وَقِيلَ حَذْوَ الْمَنْكِبِ ، وَقِيلَ حَذْوَ الْأُذُنِ فَأَمَّا حِيَالَ الصَّدْرِ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ وَأَمَّا حِيَالَ الْمَنْكِبِ وَالْأُذُنِ فَقَدْ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا أَنْ تَكُونَ أَطْرَافُ الْأَصَابِعِ بِإِزَاءِ الْأُذُنَيْنِ وَآخِرُ الْكَفِّ بِإِزَاءِ الْمَنْكِبَيْنِ فَذَلِكَ جَمْعٌ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ الْجَمَاهِيرِ أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ بِحَيْثُ يُحَاذِي أَطْرَافُ أَصَابِعِهِ فُرُوعَ أُذُنَيْهِ أَيْ أَعْلَى أُذُنَيْهِ وَإِبْهَامَاهُ شَحْمَتِي أُذُنَيْهِ وَرَاحَتَاهُ مَنْكِبَيْهِ فَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِمْ حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ وَبِهَذَا جَمَعَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بَيْنَ رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ فَاسْتَحْسَنَ النَّاسُ ذَلِكَ مِنْهُ وَحَكَى الْغَزَالِيُّ فِي الْوَجِيزِ فِي قَدْرِ الرَّفْعِ ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ لِلشَّافِعِيِّ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَى حَذْوِ الْمَنْكِبَيْنِ ( وَالثَّانِي ) إلَى أَنْ تُحَاذِيَ رُءُوسُ أَصَابِعِهِ أُذُنَيْهِ ( وَالثَّالِثُ ) إلَى أَنْ تُحَاذِيَ أَطْرَافُ أَصَابِعِهِ أُذُنَيْهِ وَإِبْهَامَاهُ شَحْمَةَ أُذُنَيْهِ وَكَفَّاهُ مَنْكِبَيْهِ قَالَ الرَّافِعِيُّ : وَالْمُرَادُ مِنْ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ أَنْ لَا يُجَاوِزَ بِأَصَابِعِهِ مَنْكِبَيْهِ وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ . وَأَمَّا الثَّانِي فَكَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْأُذُنِ هُوَ شَحْمَتَهُ وَأَسَافِلَهُ لَا أَعْلَاهُ وَإِلَّا اتَّحَدَ مَعَ الْقَوْلِ الثَّالِثِ وَظَاهِرُ الْمَذْهَبِ الْقَوْلُ الثَّالِثِ وَلَمْ يَنْقُلْ مُعْظَمُ الْأَصْحَابِ فِي ذَلِكَ خِلَافًا وَلَمْ أَرَ حِكَايَةَ الْخِلَافِ إلَّا لِابْنِ كَجٍّ وَإِمَامِ الْحَرَمَيْنِ لَكِنَّهُمَا لَمْ يَذْكُرَا إلَّا الْقَوْلَ الْأَوَّلَ وَالثَّالِثَ فَظَهَرَ تَفَرُّدُ الْغَزَالِيِّ بِمَا نَقَلَ مِنْ حِكَايَةِ الْأَقْوَالِ الثَّلَاثَةِ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ قَالَ الْقَاضِي أَبُو مُحَمَّدٍ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ لَا إلَى الْأُذُنَيْنِ وَاخْتَارَ الْمُتَأَخِّرُونَ أَنْ يُحَاذِيَ بِالْكُوعِ الصَّدْرَ وَبِطَرَفِ الْكَفِّ الْمَنْكِبَ وَبِأَطْرَافِ الْأَصَابِعِ الْأُذُنَيْنِ وَهَذَا إنَّمَا يَتَهَيَّأُ إذَا كَانَتْ يَدَاهُ قَائِمَتَيْنِ ، رُءُوسُ أَصَابِعِهِمَا مِمَّا يَلِي السَّمَاءَ وَهُوَ صِفَةُ الْعَابِدِ وَقَالَ سَحْنُونٌ يَكُونَانِ مَبْسُوطَتَيْنِ بُطُونُهُمَا مِمَّا يَلِي الْأَرْضَ وَظُهُورُهُمَا مِمَّا يَلِي السَّمَاءَ وَهِيَ صِفَةُ الرَّاهِبِ وَقَالَ الطَّحَاوِيُّ إنَّمَا كَانَ الرَّفْعُ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { وَقَتَ كَانَتْ يَدَاهُ فِي ثِيَابِهِ } بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ { فَرَأَيْته يَرْفَعُ يَدَيْهِ حِذَاءَ أُذُنَيْهِ } وَفِيهِ { ثُمَّ أَتَيْتُهُ مِنْ الْعَامِ الْمُقْبِلِ وَعَلَيْهِمْ الْأَكْسِيَةُ وَالْبَرَانِسُ فَكَانُوا يَرْفَعُونَ أَيْدِيَهُمْ فِيهِ وَأَشَارَ شَرِيكٌ إلَى صَدْرِهِ } انْتَهَى . وَاعْتَرَضَهُ الْبَيْهَقِيُّ بِأَنَّهُ قَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ وَائِلٍ { الرَّفْعُ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ } أَيْضًا وَهُوَ أَوْلَى لِمُوَافَقَتِهِ بَقِيَّةَ الرِّوَايَاتِ قَالَ : مَعَ أَنَّهُ قَدْ يُسْتَطَاعُ الرَّفْعُ فِي الثِّيَابِ إلَى الْأُذُنَيْنِ وَفِي زَعْمِهِ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ وَلَمْ يَرْفَعْهُمَا فِي رِوَايَتِهِ إلَّا إلَى صَدْرِهِ فَكَيْفَ حَمَلَ سَائِرَ الْأَخْبَارِ عَلَى خَبَرِهِ وَلَيْسَ فِيهِ مَا حَمَلَهَا عَلَيْهِ ا هـ . ( الْخَامِسَةُ ) قَالَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ لَا فَرْقَ فِي مُنْتَهَى الرَّفْعِ بَيْنَ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةِ وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ يَرْفَعُ الرَّجُلُ إلَى الْأُذُنَيْنِ وَالْمَرْأَةُ إلَى الْمَنْكِبَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَسْتَرُ لَهَا وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ أُمِّ الدَّرْدَاءِ أَنَّهَا كَانَتْ تَرْفَعُ يَدَيْهَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهَا وَعَنْ الزُّهْرِيِّ تَرْفَعُ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهَا وَعَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ أَنَّهُمَا قَالَا : تَرْفَعُ الْمَرْأَةُ يَدَيْهَا فِي الصَّلَاةِ حَذْوَ ثَدْيَيْهَا وَعَنْ حَفْصَةَ بِنْتِ سِيرِينَ أَنَّهَا رَفَعَتْ يَدَيْهَا فِي الصَّلَاةِ حَذْوَ ثَدْيَيْهَا وَقَالَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ إنَّ لِلْمَرْأَةِ هَيْئَةٌ لَيْسَتْ لِلرِّجَالِ وَإِنْ تَرَكَتْ ذَلِكَ فَلَا حَرَجَ . ( السَّادِسَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ اخْتَلَفَتْ عِبَارَاتُ الْعُلَمَاءِ فِي الْحِكْمَةِ فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَعَلْتُهُ إعْظَامًا لِلَّهِ تَعَالَى وَاتِّبَاعًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ غَيْرُهُ : هُوَ اسْتِكَانَةٌ وَاسْتِسْلَامٌ وَانْقِيَادٌ وَكَانَ الْأَسِيرُ إذَا غُلِبَ مَدَّ يَدَيْهِ إعْلَامًا بِاسْتِسْلَامِهِ وَقِيلَ : هُوَ إشَارَةٌ إلَى اسْتِعْظَامِ مَا دَخَلَ فِيهِ وَقِيلَ : إشَارَةٌ إلَى طَرْحِ أُمُورِ الدُّنْيَا وَالْإِقْبَالِ بِكُلِّيَّتِهِ عَلَى صَلَاتِهِ وَمُنَاجَاةِ رَبِّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَمَا تَضَمَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُ : اللَّهُ أَكْبَرُ فَتَطَابَقَ فِعْلُهُ وَقَوْلُهُ وَقِيلَ : إشَارَةٌ إلَى دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا الْأَخِيرُ يَخْتَصُّ بِالرَّفْعِ لِتَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ وَقِيلَ : غَيْرُ ذَلِكَ وَفِي أَكْثَرِهَا نَظَرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ا هـ . وَهَذَا الْمَعْنَى الْأَخِيرُ وَهُوَ الْإِشَارَةُ إلَى دُخُولِهِ فِي الصَّلَاةِ قَدْ ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ مَعَ زِيَادَةٍ فِيهِ وَهُوَ إعْلَامُ الْأَصَمِّ وَنَحْوِهِ بِذَلِكَ وَذَكَرَهُ أَيْضًا الْمُهَلَّبِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَذَكَرَ الْحَنَفِيَّةُ أَيْضًا فِي رَفْعِ الْيَدَيْنِ مَعْنًى آخَرَ وَهُوَ الْإِشَارَةُ إلَى نَفْيِ الْكِبْرِيَاءِ عَنْ غَيْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ قِيلَ : فِيهِ أَقْوَالٌ أَنْسَبُهَا مُطَابِقَةُ قَوْلِهِ : اللَّهُ أَكْبَرُ لِفِعْلِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مَعْنَى رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الِافْتِتَاحِ وَغَيْرِهِ خُضُوعٌ وَاسْتِكَانَةٌ وَابْتِهَالٌ وَتَعْظِيمٌ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَاتِّبَاعٌ لِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إنَّهُ مِنْ زِينَةِ الصَّلَاةِ ثُمَّ حُكِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةٌ وَزِينَةُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ وَرَفْعُ الْأَيْدِي فِيهَا وَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ أَبِي عَيَّاشٍ قَالَ كَانَ يُقَالُ : لِكُلِّ شَيْءٍ زِينَةٌ وَزِينَةُ الصَّلَاةِ التَّكْبِيرُ وَرَفْعُ الْأَيْدِي عِنْدَ الِافْتِتَاحِ وَحِينَ تُرِيدُ أَنْ تَرْكَعَ وَحِينَ تُرِيدُ أَنْ تَرْفَعَ وَقَالَ عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ لَهُ بِكُلِّ إشَارَةٍ عَشْرُ حَسَنَاتٍ بِكُلِّ أُصْبُعٍ حَسَنَةٌ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ الرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ قَالَ قُلْت لِلشَّافِعِيِّ مَا مَعْنَى رَفْعِ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الرُّكُوعِ فَقَالَ : مِثْلُ مَعْنَى رَفْعِهِمَا عِنْدَ الِافْتِتَاحِ تَعْظِيمُ اللَّهِ وَسُنَّةٌ مُتَّبَعَةٌ يُرْجَى فِيهَا ثَوَابُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَمِثْلُ رَفْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَغَيْرِهِمَا . ( السَّابِعَةُ ) ذَكَرَ الْإِمَام أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ شَيْخِهِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ أَنَّ أَكْثَرَ مَا كَانَ يَقُولُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ { وَبَعْدَ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ } وَأَنَّهُ قَالَ مَرَّةً { وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ } وَاَلَّذِي رَوَاهُ غَيْرُ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ { وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ } كَذَلِكَ رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَأَبِي بَكْرِ بْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَسَعِيدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَعَمْرِ وَالنَّاقِدِ وَزُهَيْرِ بْنِ حَرْبٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ نُمَيْرٍ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ قُتَيْبَةَ وَابْنِ أَبِي عُمَرَ وَالْفَضْلِ بْنِ الصَّبَّاحِ الْبَغْدَادِيِّ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ قُتَيْبَةَ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ وَهِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ وَأَبِي عُمَرَ حَفْصِ بْنِ عُمَرَ الضَّرِيرِ الْمُقْرِئِ كُلِّهِمْ وَهُمْ اثْنَا عَشَرَ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ { وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ } وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ { وَبَعْدَ الرُّكُوعِ } . وَمَعْنَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ ، وَإِذَا أَرَادَ الرَّفْعَ أَوْ إذَا شَرَعَ فِيهِ وَبِهَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا فَذَكَرُوا أَنَّ ابْتِدَاءَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ يَكُونُ مَعَ ابْتِدَاءِ رَفْعِ الرَّأْسِ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ لِأَبِي دَاوُد { ثُمَّ إذَا أَرَادَ أَنْ يَرْفَعَ صُلْبَهُ رَفَعَهُمَا حَتَّى يَكُونَا حَذْوَ مَنْكِبَيْهِ } فَهِيَ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ رَفَعَ مَعْنَاهُ أَرَادَ الرَّفْعَ وَيُمْكِنُ أَنْ تُرَدَّ إلَيْهَا رِوَايَةُ أَحْمَدَ الْأُخْرَى بِأَنْ يَكُونَ مَعْنَى قَوْلِهِ { وَبَعْدَ مَا يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ } بَعْدَ مَا يَشْرَعُ فِي رَفْعِ رَأْسِهِ فَتُتَّفَقُ الرِّوَايَاتُ كُلُّهَا عَلَى أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ مُقَارِنٌ لِرَفْعِ الرَّأْسِ مِنْ الرُّكُوعِ . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهُ { وَلَا يَرْفَعُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ { وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي السُّجُودِ } وَهُوَ أَعَمُّ لِتَنَاوُلِهِ النُّزُولَ لِلسَّجْدَةِ الْأُولَى وَرَفْعَ الرَّأْسِ مِنْ السَّجْدَةِ الثَّانِيَةِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي لَفْظٍ آخَرَ { وَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ حِينَ يَسْجُدُ وَلَا حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { وَلَا يَفْعَلُهُ حِينَ يَرْفَعُ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ } وَوَهَّمَ بَعْضُهُمْ رَاوِيَ اللَّفْظِ الْأَوَّلِ وَهُوَ قَوْلُهُ { بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ } وَصَوَّبَ بَقِيَّةَ الْأَلْفَاظِ لِعُمُومِهَا . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ إنَّ قَوْلَ بُنْدَارٍ { بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ } وَهْمٌ وَقَوْلَ ابْنِ سِنَانٍ { فِي السُّجُودِ } أَصَحُّ وَيُعَارِضُ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ لِلطَّبَرَانِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَيْضًا { كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا كَبَّرَ وَإِذَا رَفَعَ وَإِذَا سَجَدَ } وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { وَحِينَ يَرْكَعُ وَحِينَ يَسْجُدُ } وَلِأَبِي دَاوُد { وَإِذَا رَفَعَ لِلسُّجُودِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ } . وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ { وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ السُّجُودِ } وَلِلنَّسَائِيِّ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ { وَإِذَا سَجَدَ وَإِذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ سُجُودِهِ } . وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ وَائِلٍ { كُلَّمَا كَبَّرَ وَرَفَعَ وَوَضَعَ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ } وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عُمَيْرِ بْنِ حَبِيبٍ { مَعَ كُلِّ تَكْبِيرَةٍ فِي الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ } وَلِلطَّحَاوِيِّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَرُكُوعٍ وَسُجُودٍ وَقِيَامٍ وَقُعُودٍ وَبَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ } وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةِ شَاذَّةٌ وَصَحَّحَهَا ابْنُ الْقَطَّانِ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي الْعِلَلِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ } وَقَالَ الصَّحِيحُ { يُكَبِّرُ } . وَصَحَّحَ ابْنُ حَزْمٍ وَابْنُ الْقَطَّانِ حَدِيثَ الرَّفْعِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَأَعَلَّهُ الْجُمْهُورُ وَقَدْ ذَكَرَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ كُلَّهَا فِي الْأَصْلِ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى . فَتَمَسَّكَ الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ بِالرِّوَايَاتِ الَّتِي فِيهَا نَفْيَ الرَّفْعِ فِي السُّجُودِ لِكَوْنِهَا أَصَحَّ وَضَعَّفُوا مَا عَارَضَهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَأَخَذَ آخَرُونَ بِالْأَحَادِيثِ الَّتِي فِيهَا الرَّفْعُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَصَحَّحُوهَا وَقَالُوا : هِيَ مُثْبِتَةٌ فَهِيَ مُقَدَّمَةٌ عَلَى النَّفْيِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ وَقَالَ : إنَّ أَحَادِيثَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ مُتَوَاتِرَةٌ تُوجِبُ يَقِينَ الْعِلْمِ وَنُقِلَ هَذَا الْمَذْهَبُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَطَاوُسٍ وَابْنِهِ عَبْدِ اللَّهِ وَنَافِعٍ مَوْلَى ابْنِ عُمْر وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَقَالَ بِهِ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَأَبُو عَلِيٍّ الطَّبَرِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَهُوَ قَوْلٌ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فَحَكَى ابْنُ خُوَيْزِ مَنْدَادٍ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَةً أَنَّهُ يَرْفَعُ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَفِي أَوَاخِرِ الْبُوَيْطِيِّ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ الرَّفْعَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ عَنْ أَنَسٍ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ . ( التَّاسِعَةُ ) قَدْ يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ { وَلَا يَرْفَعُ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ } عَلَى أَنَّهُ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ فِي الْقِيَامِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ اقْتَصَرَ عَلَى الرَّفْعِ فِي الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ ذَكَرُهَا لَمْ يَكُنْ لِلنَّفْيِ فِي السُّجُودِ مَعْنًى لِوُجُودِ النَّفْيِ فِي غَيْرِ السُّجُودِ أَيْضًا فَدَلَّ النَّفْيُ عَنْ السُّجُودِ عَلَى ثُبُوتِ الرَّفْعِ فِي غَيْرِ الْمَوَاطِنِ الثَّلَاثَةِ وَمَا هُوَ إلَّا الْقِيَامُ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْأَعْلَى عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { وَإِذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ } وَيَرْفَعُ ذَلِكَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وَقَالَ أَبُو دَاوُد الصَّحِيحُ قَوْلُ ابْنِ عُمَرَ لَيْسَ بِمَرْفُوعٍ وَرَجَّحَ الدَّارَقُطْنِيُّ الرَّفْعَ فَقَالَ : إنَّهُ أَشْبَهُ بِالصَّوَابِ وَيُوَافِقُهُ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ السَّاعِدِيِّ فِي عَشَرَةٍ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَةِ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { ثُمَّ إذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ كَبَّرَ وَرَفَعَ يَدَيْهِ حَتَّى يُحَاذِيَ بِهِمَا مَنْكِبَيْهِ كُلَّمَا كَبَّرَ عِنْدَ افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ } . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ هُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَقَدْ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَلَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ وَالْقَوْلُ بِهِ لَازِمٌ عَلَى أَصْلِهِ فِي قَبُولِ الزِّيَادَاتِ . وَحَكَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ أَنَّهُ كَانَ إذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ رَفَعَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : وَرَفْعُ الْيَدَيْنِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ سُنَّةٌ وَإِنْ لَمْ يَذْكُرْهُ الشَّافِعِيُّ فَإِنَّ إسْنَادَهُ صَحِيحٌ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ قَوْلُهُ إذَا وَجَدْتُمْ فِي كِتَابِي بِخِلَافِ سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُولُوا بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدَعُوا مَا قُلْت . وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ : اقْتَصَرَ الشَّافِعِيُّ عَلَى الرَّفْعِ فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الثَّلَاثَةِ وَقَدْ ثَبَتَ الرَّفْعُ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ وَقِيَاسُ نَظَرِهِ أَنْ يُسَنَّ الرَّفْعُ فِي ذَلِكَ الْمَكَانِ أَيْضًا ؛ لِأَنَّهُ كَمَا قَالَ بِإِثْبَاتِ الرَّفْعِ فِي الرُّكُوعِ وَالرَّفْعِ مِنْهُ لِكَوْنِهِ زَائِدًا عَلَى مَنْ رَوَى الرَّفْعَ فِي التَّكْبِيرِ ، قَطُّ وَجَبَ أَيْضًا أَنْ يُثْبِتَ الرَّفْعَ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ زَائِدٌ عَلَى مَنْ أَثْبَتَ الرَّفْعَ فِي هَذِهِ الْأَمَاكِنِ الثَّلَاثَةِ وَالْحُجَّةُ وَاحِدَةٌ فِي الْمَوْضِعَيْنِ وَأَوَّلُ رَاضٍ سِيرَةَ مَنْ يَسِيرُهَا وَالصَّوَابُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ اسْتِحْبَابُ الرَّفْعِ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ لِثُبُوتِهِ فِي الْحَدِيثِ ، أَمَّا كَوْنُهُ مَذْهَبًا لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي أَوْ مَا هَذَا مَعْنَاهُ فَفِي ذَلِكَ نَظَرٌ انْتَهَى . وَقَوْلُهُمْ إنَّ الشَّافِعِيَّ لَمْ يَذْكُرْ الرَّفْعَ عِنْدَ الْقِيَامِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ فِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ وَبِهَذَا نَقُولُ وَفِيهِ رَفْعُ الْيَدَيْنِ إذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ : هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ وَبِهِ أَقُولُ وَلِقَوْلِهِ إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي ؛ وَلِذَلِكَ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ وَقَالَ : إنَّهُ الصَّحِيحُ أَوْ الصَّوَابُ وَأَطْنَبَ فِي ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَاعْتَمَدَ الْبُخَارِيُّ رِوَايَةَ ابْنِ عُمَرَ هَذِهِ وَبَوَّبَ عَلَيْهَا فِي صَحِيحِهِ رَفْعُ الْيَدَيْنِ إذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : الرَّفْعُ عِنْدَ الْقِيَامِ زِيَادَةٌ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى مَا رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ عَنْ سَالِمٍ فِيهِ يَجِبُ قَبُولُهَا لِمَنْ يَقُولُ بِالرَّفْعِ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ مَا يَدْفَعُهَا بَلْ فِيهِ مَا يُثْبِتُهَا وَهُوَ قَوْلُهُ { وَكَانَ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ } فَدَلِيلُهُ أَنَّهُ كَانَ يَفْعَلُهَا فِي كُلِّ خَفْضٍ وَرَفْعٍ مَا عَدَا السُّجُودِ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ مَا زَادَهُ ابْنُ عُمَرَ وَعَلِيٌّ وَأَبُو حُمَيْدٍ فِي عَشَرَةِ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَرْفَعُ يَدَيْهِ إذَا قَامَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ } كُلُّهُ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْكُوا صَلَاةً وَاحِدَةً وَيَخْتَلِفُونَ فِيهَا مَعَ أَنَّهُ لَا اخْتِلَافَ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا زَادَ بَعْضُهُمْ وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ مِنْ الثِّقَةِ . ( الْعَاشِرَةُ ) مَا ذَكَرَهُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأَصْلِ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى مِنْ أَنَّ رَفْعَ الْيَدَيْنِ رُوِيَ مِنْ حَدِيثِ خَمْسِينَ مِنْ الصَّحَابَةِ ذَكَرَهُ أَيْضًا فِي شَرْحِ أَلْفِيَّتِهِ فَقَالَ : وَقَدْ جَمَعْت رُوَاتَهُ فَبَلَغُوا نَحْوَ الْخَمْسِينَ لَكِنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ اقْتَصَرَ عَلَى ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَالسَّلَفِيُّ قَالَ : رَوَاهُ سَبْعَةَ عَشَرَ ، وَمَنْ عَلِمَ حُجَّةً عَلَى مَنْ لَمْ يَعْلَمْ ، وَقَوْلُهُ إنَّ مِنْهُمْ الْعَشَرَةَ سَبَقَهُ إلَيْهِ غَيْرُ وَاحِدٍ فَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ سَمِعْتُ الْحَاكِمَ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الْحَافِظِ يَقُولُ : لَا نَعْلَمُ سُنَّةً اتَّفَقَ عَلَى رِوَايَتِهَا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ ثُمَّ الْعَشَرَةُ الَّذِينَ شَهِدَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَنَّةِ فَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ أَكَابِرِ الصَّحَابَةِ عَلَى تَفَرُّقِهِمْ فِي الْبِلَادِ الشَّاسِعَةِ غَيْرَ هَذِهِ السُّنَّةِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهُوَ كَمَا قَالَ أُسْتَاذُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي الْإِلْمَامِ جَزْمُهُ لَيْسَ بِجَيِّدٍ فَإِنَّمَا الْجَزْمُ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الصِّحَّةِ وَلَعَلَّهُ لَا يَصِحُّ عَنْ جُمْلَةِ الْعَشَرَةِ . ( قُلْت ) وَلِذَلِكَ أَتَى وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ فَقَالَ رُوِيَ وَمِمَّنْ ذَكَرَ أَنَّ حَدِيثَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ رَوَاهُ الْعَشَرَةُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْدَهْ فِي كِتَابٍ لَهُ سَمَّاهُ الْمُسْتَخْرَجَ مِنْ كُتُبِ النَّاسِ ، لَكِنْ فِي تَخْصِيصِ الْحَاكِمِ وَالْبَيْهَقِيِّ رِوَايَةُ الْعَشَرَةِ بِحَدِيثِ رَفْعِ الْيَدَيْنِ نَظَرٌ فَقَدْ شَارَكَهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ { مَنْ كَذَبَ عَلَيَّ مُتَعَمِّدًا فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنْ النَّارِ } ذَكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ رَوَاهُ الْعَشَرَةُ فَحَكَى ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي مُقَدَّمَةِ الْمَوْضُوعَاتِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ الْوَهَّابِ الْإسْفَرايِينِيّ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الدُّنْيَا حَدِيثٌ اجْتَمَعَ عَلَيْهِ الْعَشَرَةُ غَيْرُهُ . وَحَكَى ابْنُ الصَّلَاحِ ذَلِكَ عَنْ بَعْضِ الْحُفَّاظِ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ هَذَا وَفِي هَذَا الْحَصْرِ نَظَرٌ أَيْضًا لِمَا عَرَفْت وَقَدْ شَارَكَهُمَا فِي ذَلِكَ حَدِيثُ مَسْحِ الْخُفَّيْنِ فَقَدْ رَوَاهُ أَكْثَرُ مِنْ سِتِّينَ مِنْ الصَّحَابَةِ وَمِنْهُمْ الْعَشَرَةُ كَمَا ذَكَرَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَنْدَهْ فِي الْمُسْتَخْرَجِ مِنْ كُتُبِ النَّاسِ . بَابُ التَّأْمِينِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا قَالَ الْإِمَامُ آمِينَ وَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ فَوَافَقَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِينَ وَالْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ فَتُوَافِقُ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } . زَادَ مُسْلِمٌ { إذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ } وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } وَلَمْ يَقُلْ مُسْلِمٌ { فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ } وَلَهُ { إذَا قَالَ الْقَارِئُ { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } فَقَالَ مَنْ خَلْفَهُ : آمِينَ فَوَافَقَ قَوْلُهُ قَوْلَ أَهْلِ السَّمَاءِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } وَلِلْبُخَارِيِّ { إذَا قَالَ الْإِمَامُ { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } فَقُولُوا آمِينَ } الْحَدِيثَ . بَابُ التَّأْمِينِ وَهُوَ مَصْدَرٌ لِقَوْلِهِ { أَمَّنَ } وَمَعْنَى أَمَّنَ قَالَ آمِينَ ، وَفِي آمِينَ ثَلَاثُ لُغَاتٍ : الْمَدُّ وَالْقَصْرُ مَعَ تَخْفِيفِ الْمِيمِ وَلَمْ يَحْكِ جُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ غَيْرَهُمَا ، وَأَشْهَرُهُمَا الْمَدُّ وَالثَّالِثَةُ تَشْدِيدُ الْمِيمِ مَعَ الْقَصْرِ وَهِيَ ضَعِيفَةٌ قَالَ الْجَوْهَرِيُّ : وَتَشْدِيدُ الْمِيمِ خَطَأٌ وَآمِينَ اسْمٌ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ كَأَيْنَ وَكَيْفَ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهَا فَقِيلَ : الْمَعْنَى اللَّهُمَّ اسْتَجِبْ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقِيلَ : مَعْنَاهُمَا لِيَكُنْ كَذَلِكَ وَبِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ تَبَعًا لِلْغَزَالِيِّ وَقِيلَ : هُوَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى وَقِيلَ : اسْمُ قَبِيلَةٍ مِنْ الْمَلَائِكَةِ . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي زُهَيْرٍ النُّمَيْرِيِّ أَحَدِ الصَّحَابَةِ أَنَّ آمِينَ مِثْلُ الطَّابَعِ عَلَى الصَّحِيفَةِ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنْ خَتَمَ بِآمِينَ فَقَدْ أَوْجَبَ } عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { : إذَا قَالَ الْإِمَامُ آمِينَ وَقَالَتْ الْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ آمِينَ فَوَافَقَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) فِيهِ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ التَّأْمِينُ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ وَخَالَفَ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ فَلَمْ يَسْتَحِبَّ لِلْإِمَامِ التَّأْمِينَ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَأَوَّلُوا قَوْلَهُ { إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ } عَلَى بُلُوغِهِ مَوْضِعَ التَّأْمِينِ وَهُوَ خَاتِمَةُ الْفَاتِحَةِ كَمَا يُقَالُ : أَنْجَدَ إذَا بَلَغَ نَجْدًا وَأَتْهَمَ إذَا بَلَغَ تِهَامَةَ وَأَحْرَمَ إذَا بَلَغَ الْحَرَمَ قَالَ : وَهَذَا مَجَازٌ فَإِنْ وُجِدَ دَلِيلٌ يُرَجِّحُهُ عَلَى ظَاهِرِ هَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ قَوْلُهُ { إذَا أَمَّنَ } وَهُوَ حَقِيقَةٌ فِي التَّأْمِينِ عُمِلَ بِهِ وَإِلَّا فَالْأَصْلُ عَدَمُ الْمَجَازِ قَالَ وَلَعَلَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ اعْتَمَدَ عَلَى عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إنْ كَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ عَمَلٌ وَرَجَّحَ بِهِ مَذْهَبَهُ انْتَهَى . ( قُلْت ) وَمَا حَكَاهُ مِنْ التَّأْوِيلِ عَنْهُمْ لَا يَحْتَمِلُهُ لَفْظُ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ وَهِيَ رِوَايَةُ مَالِكٍ فِي الْمُوَطَّإِ ؛ لِأَنَّ لَفْظَهَا { إذَا قَالَ الْإِمَامُ آمِينَ } فَهَذِهِ لَا تَحْتَمِلُ الْمَحْمَلَ الَّذِي أَوَّلُوا عَلَيْهِ { إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ } وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَأَيْضًا يُنَافِي تَأْوِيلُهُمْ قَوْلَهُ { فَوَافَقَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى جَعَلَ لِلْمَلَائِكَةِ قُوَّةَ الْإِدْرَاكِ بِالسَّمْعِ وَهُمْ فِي السَّمَاءِ لِمَا يَنْطِقُ بِهِ بَنُو آدَمَ فِي الْأَرْضِ أَوْ لِبَعْضِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ مَكَانَ تَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ فِي السَّمَاءِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِالسَّمَاءِ الْعُلُوُّ وَالْأَوْلَى حَمْلُهُ عَلَى مَا تَقَدَّمَ . ( الثَّالِثَةُ ) ظَاهِرُهُ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةَ غَيْرُ الْحَفَظَةِ لِتَقْيِيدِ تَأْمِينِهِمْ بِالسَّمَاءِ وَالْحَفَظَةُ مَعَ بَنِي آدَمَ وَقَدْ حَكَى الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ خِلَافًا هَلْ هُمْ الْحَفَظَةُ أَوْ غَيْرُهُمْ . ( الرَّابِعَةُ ) اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِقَوْلِهِ { فَوَافَقَتْ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى } فَالصَّحِيحُ أَنَّ الْمُرَادَ الْمُوَافَقَةُ فِي الزَّمَنِ بِحَيْثُ يَقَعُ تَأْمِينُ ابْنِ آدَمَ وَتَأْمِينُ الْمَلَائِكَةِ مَعًا وَهُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْمُوَافَقَةُ فِي صِفَةِ التَّأْمِينِ مِنْ كَوْنِهِ بِإِخْلَاصٍ وَخُشُوعٍ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ : وَهَذَا بَعِيدٌ وَقِيلَ : مَنْ وَافَقَ الْمَلَائِكَةَ فِي اسْتِجَابَةِ الدُّعَاءِ غُفِرَ لَهُ وَقِيلَ : مَنْ وَافَقَهُمْ فِي لَفْظِ الدُّعَاءِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ . ( الْخَامِسَةُ ) الضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ { غُفِرَ لَهُ } رَاجِعٌ إلَى الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى ذِكْرٌ لِلْمَأْمُومِ أَصْلًا فَتَعَيَّنَ حَمْلُهُ عَلَى الْإِمَامِ . ( السَّادِسَةُ ) ظَاهِرُ الْحَدِيثِ مَغْفِرَةُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الذُّنُوبِ سَوَاءٌ فِيهِ الصَّغَائِرُ وَالْكَبَائِرُ وَقَدْ خَصَّ الْعُلَمَاءُ هَذَا وَأَشْبَاهَهُ بِتَكْفِيرِ الصَّغَائِرِ فَقَطْ وَقَالُوا : إنَّمَا يُكَفِّرُ الْكَبَائِرَ التَّوْبَةُ وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا رَأَوْا التَّقْيِيدَ فِي بَعْضِ ذَلِكَ بِالصَّغَائِرِ حَمَلُوا مَا أُطْلِقَ فِي غَيْرِهَا عَلَيْهَا كَالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { : الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ وَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ مُكَفِّرَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ } وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْإِمَامِيَّةِ فِي دَعْوَاهُمْ أَنَّ التَّأْمِينَ فِي الصَّلَاةِ مُبْطِلٌ لَهَا وَهُمْ فِي ذَلِكَ خَارِقُونَ لِإِجْمَاعِ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ لَا صَحِيحَةً وَلَا سَقِيمَةً . ( الطَّرِيقُ الثَّانِي لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ ) { إذَا قَالَ أَحَدُكُمْ آمِينَ وَالْمَلَائِكَةُ فِي السَّمَاءِ فَتُوَافِقُ إحْدَاهُمَا الْأُخْرَى غَفَرَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } . وَفِيهَا فَائِدَتَانِ الْأُولَى ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّأْمِينِ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْمَأْمُومِ أَيْضًا مِنْ قَوْلِهِ { أَحَدُكُمْ } قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ : وَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْفَذَّ يُؤَمِّنُ مُطْلَقًا وَالْإِمَامُ وَالْمَأْمُومُ فِيمَا يُسِرَّانِ فِيهِ يُؤَمِّنَانِ . ( الثَّانِيَةُ ) أَطْلَقَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ التَّأْمِينَ وَلَمْ يُقَيِّدْهَا بِالصَّلَاةِ فَمَنْ قَالَ : يُعْمَلُ بِالْمُطْلَقِ كَالْحَنَفِيَّةِ وَالظَّاهِرِيَّةِ يَقُولُونَ : إنَّ هَذَا الثَّوَابَ لَا يَتَقَيَّدُ بِالصَّلَاةِ بَلْ التَّأْمِينُ فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ حُكْمُهُ هَكَذَا وَيُقَالُ لَهُمْ : إنَّ الثَّوَابَ مُتَرَتِّبٌ عَلَى مُوَافَقَةِ تَأْمِينِ ابْنِ آدَمَ لِتَأْمِينِ الْمَلَائِكَةِ وَإِنَّمَا نُقِلَ لَنَا تَأْمِينُ الْمَلَائِكَةِ لِتَأْمِينِ الْمُصَلِّي كَمَا سَيَأْتِي فِي الطَّرِيقِ الثَّالِثِ وَأَمَّا مَنْ حَمَلَ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ فَإِنَّهُ يَخُصُّهُ بِالصَّلَاةِ لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ { إذَا قَالَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ آمِينَ } . ( الطَّرِيقُ الثَّالِثُ ) { إذَا أَمَّنَ الْقَارِئُ فَأَمِّنُوا فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ تُؤَمِّنُ فَمَنْ وَافَقَ تَأْمِينُهُ تَأْمِينَ الْمَلَائِكَةِ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } . فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ إنَّمَا شُرِعَ التَّأْمِينُ لِلْمَأْمُومِ إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ ؛ لِأَنَّهُ رَتَّبَهُ عَلَى تَأْمِينِهِ فَإِنْ تَرَكَ الْإِمَامُ التَّأْمِينَ لَمْ يُؤَمِّنْ الْمَأْمُومُ وَهَذَا وَجْهٌ ضَعِيفٌ بَلْ ادَّعَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الِاتِّفَاقَ عَلَى خِلَافِهِ وَأَنَّهُ إذَا لَمْ يُؤَمِّنْ الْإِمَامُ فَيُسْتَحَبُّ لِلْمَأْمُومِ الْجَهْرُ بِهِ سَوَاءٌ تَرَكَهُ الْإِمَامُ عَمْدًا أَوْ سَهْوًا وَنَقَلَهُ عَنْ النَّصِّ وَقَالَ إنَّهُمْ اتَّفَقُوا عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ خِلَافٌ انْتَهَى . وَظَاهِرُهُ إطْلَاقُ الرَّافِعِيِّ يَقْتَضِي جَرَيَانَ الْخِلَافِ فِيهِ وَبِهِ صَرَّحَ الْقَاضِي مُجَلِّي فِي الذَّخَائِرِ . ( الثَّانِيَةُ ) قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّ تَأْمِينَ الْمَأْمُومِ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ تَأْمِينِ الْإِمَامِ ؛ لِأَنَّهُ رَتَّبَهُ عَلَيْهِ بِالْفَاءِ وَقَدْ جَزَمَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ بِاسْتِحْبَابِ مُقَارَنَةِ الْإِمَامِ فِيهِ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ : وَالْأَحَبُّ أَنْ يَكُونَ تَأْمِينُ الْمَأْمُومِ مَعَ تَأْمِينِ الْإِمَامِ لَا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ : إنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ مُسَاوَاتُهُ فِيمَا عَدَاهُ مِنْ الصَّلَاةِ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَيُمْكِنُ تَعْلِيلُهُ بِأَنَّ التَّأْمِينَ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ لَا لِتَأْمِينِهِ . ( قُلْت ) وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهَا وَقَدْ ذَكَرْتهَا فِي آخَرِ الْبَابِ { إذَا قَالَ الْإِمَامُ { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } فَقُولُوا آمِينَ } الْحَدِيثَ وَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ بِلَالٍ أَنَّهُ قَالَ { يَا رَسُولَ اللَّهِ : لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ } وَإِسْنَادُهُ ثِقَاتٌ إلَّا أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ صَحَّحَ رِوَايَةَ مَنْ جَعَلَهُ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ مُرْسَلًا ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ بِلَالٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ } قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فَكَأَنَّ بِلَالًا كَانَ يُؤَمِّنُ قَبْلَ تَأْمِينِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ { لَا تَسْبِقْنِي بِآمِينَ } كَمَا قَالَ { إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا } . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ يَجْهَرُ بِالتَّأْمِينِ فِيمَا يَجْهَرُ بِهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ ، وَإِلَّا لَمَا عَلَّقَ تَأْمِينَهُمْ عَلَى تَأْمِينِهِ وَإِنَّمَا يَطَّلِعُ عَلَيْهِ بِالسَّمَاعِ وَهَذَا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ إلَى أَنَّهُ يُسِرُّ بِهِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ : وَدَلَالَةُ الْحَدِيثِ عَلَى الْجَهْرِ بِالتَّأْمِينِ أَضْعَفُ مِنْ دَلَالَتِهِ عَلَى نَفْسِ التَّأْمِينِ قَلِيلًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ يَدُلُّ دَلِيلٌ عَلَى تَأْمِينِ الْإِمَامِ مِنْ غَيْرِ جَهْرٍ . ( قُلْت ) قَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِالْجَهْرِ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ { صَلَّيْت خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَهَرَ بِآمِينَ } وَفِي لَفْظٍ لَهُ { وَرَفَعَ بِهَا صَوْتَهُ } وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ بِلَفْظٍ { وَمَدَّ بِهَا صَوْتَهُ } وَأَخْرَجَهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَأَمَّا رِوَايَةُ شُعْبَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ { وَخَفَضَ بِهَا صَوْتَهُ } فَهِيَ خَطَأٌ خَطَّأَهُ فِيهَا الْبُخَارِيُّ وَأَبُو زُرْعَةَ وَغَيْرُهُمَا وَلِأَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مَرْفُوعًا { كَانَ إذَا قَالَ { وَلَا الضَّالِّينَ } قَالَ آمِينَ حَتَّى يُسْمِعَنَا أَهْلَ الصَّفِّ الْأَوَّلِ فَيَرْتَجُّ بِهَا الْمَسْجِدُ } لَفْظُ ابْنِ مَاجَهْ وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { هَذَا جَهْرُ الْمَأْمُومِينَ } أَيْضًا بِالتَّأْمِينِ ، وَهُوَ الْقَوْلُ الْقَدِيمُ لِلشَّافِعِيِّ وَعَلَيْهِ الْفَتْوَى وَفِي الْجَدِيدِ لَا يَجْهَرُونَ قَالَ الرَّافِعِيُّ قَالَ الْأَكْثَرُونَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَجْهَرُ . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ التَّأْمِينُ لِقِرَاءَةِ الْقَارِئِ مُطْلَقًا ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ تَخْصِيصُهُ بِكَوْنِهِ إمَامًا لَكِنَّ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ الَّتِي فِي آخَرِ الْبَابِ تَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ الْإِمَامُ فَإِنَّهُ قَالَ { إذَا قَالَ الْقَارِئُ { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } فَقَالَ مَنْ خَلْفَهُ آمِينَ } الْحَدِيثَ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ { إذَا قَالَ الْإِمَامُ } الْحَدِيثَ . ( الْخَامِسَةُ ) اسْتَدَلَّ الْقُرْطُبِيُّ فِي الْمُفْهِمِ بِقَوْلِهِ { إذَا قَالَ الْإِمَامُ { وَلَا الضَّالِّينَ } فَقُولُوا آمِينَ } عَلَى تَعْيِينِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ لِلْإِمَامِ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى الْوُجُوبِ نَظَرٌ وَالْأَدِلَّةُ عَلَى الْوُجُوبِ قَائِمَةٌ صَحِيحَةٌ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ . ( السَّادِسَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ لَيْسَ عَلَيْهِ أَنْ يَقْرَأَ الْفَاتِحَةَ فِيمَا جَهَرَ بِهِ إمَامُهُ وَمَا أَدْرِي مَا وَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ وَالْأَدِلَّةُ الصَّحِيحَةُ قَائِمَةٌ عَلَى وُجُوبِ الْقِرَاءَةِ عَلَى الْمَأْمُومِ مُطْلَقًا . ( السَّابِعَةُ ) فِي مُطْلَقِ الْأَمْرِ بِتَأْمِينِ الْمَأْمُومِ لِتَأْمِينِ الْإِمَامِ أَنَّ الْمَأْمُومَ يُؤَمِّنُ وَإِنْ كَانَ يَقْرَأُ فِي أَثْنَاءِ فَاتِحَةِ نَفْسِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ الْوَجْهَيْنِ كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ وَلَكِنْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ تَنْقَطِعُ الْمُوَالَاةُ بِذَلِكَ حَتَّى يَجِبَ اسْتِئْنَافُهَا أَمْ لَا تَنْقَطِعُ وَيُبْنَى عَلَيْهَا عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا كَمَا قَالَ الرَّافِعِيُّ الثَّانِي ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِذَلِكَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ بَلْ زَادَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِقِيُّ صَاحِبُ الشَّيْخِ أَبِي إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيِّ عَلَى هَذَا بِأَنَّ الْمَأْمُومَ لَوْ قَرَأَ بَعْضَ الْفَاتِحَةِ فِي السَّكْتَةِ الْأُولَى ثُمَّ قَرَأَ الْإِمَامُ اسْتَمَعَ الْمَأْمُومُ فَإِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ وَسَكَتَ فِي الثَّانِيَةِ أَتَمَّهَا وَلَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ ؛ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ بِهَذَا السُّكُوتِ فَكَأَنَّ الْفَارِقِيَّ لَحَظَ كَوْنَ الْفَصْلِ مِنْ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَكِنْ قَالَ الْمُحِبُّ الطَّبَرِيُّ فِي شَرْحِ التَّنْبِيهِ وَهَذَا لَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ مِنْ الْأَصْحَابِ انْتَهَى . وَذَلِكَ بِخِلَافِ الْمَنْدُوبِ الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِالصَّلَاةِ كَالْعَاطِسِ يَحْمَدُ اللَّهَ فِي أَثْنَاءِ الْفَاتِحَةِ فَإِنَّهُ يَجِبُ اسْتِئْنَافُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) الْمُسْتَحَبُّ الِاقْتِصَارُ عَلَى التَّأْمِينِ عَقِبَ الْفَاتِحَةِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهِ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ وَأَمَّا مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ وَائِلِ بْنِ حُجْرٌ أَنَّهُ { سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ قَالَ { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي آمِينَ } فَإِنَّ فِي إسْنَادِهِ أَبَا بَكْرٍ النَّهْشَلِيَّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَفِي الْأُمِّ لِلشَّافِعِيِّ فَإِنْ قَالَ آمِينَ رَبِّ الْعَالَمِينَ كَانَ حَسَنًا وَنَقَلَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ زَوَائِدِهِ فِي الرَّوْضَةِ . بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ عَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَأَشْبَاهِهَا مِنْ السُّوَرِ } رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَدِيثٌ حَسَنٌ . . بَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ . ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ بُرَيْدَةَ أَنَّ { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ فِي صَلَاةِ الْعِشَاءِ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَأَشْبَاهِهَا مِنْ السُّوَرِ } فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْقِرَاءَةِ فِي الْعِشَاءِ بِأَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ ؛ لِأَنَّ السُّورَةَ الْمَذْكُورَةَ مِنْهُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ السُّورَةَ مِنْ أَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ سُلَيْمَانَ بْنِ يَسَارٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { مَا صَلَّيْت وَرَاءَ أَحَدٍ أَشْبَهِ صَلَاةً بِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ فُلَانٍ قَالَ سُلَيْمَانُ كَانَ يُطِيلُ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ } الْحَدِيثَ وَفِيهِ { وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِوَسَطِ الْمُفَصَّلِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ { وَيَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَبِأَشْبَاهِهَا } وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { فِي قِصَّةِ تَطْوِيلِ مُعَاذٍ الْعِشَاءَ وَأَمْرِهِ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ الْمُفَصَّلِ } وَلِمُسْلِمٍ أَنَّهُ { أَمَرَهُ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالضُّحَى } وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ مِنْ هَذَا الْبَابِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى . وَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْعِشَاءِ بِسُورَتَيْنِ مِنْ الْمُفَصَّلِ نَحْوِ سُورَةِ الْمُنَافِقِينَ وَأَشْبَاهِهَا . ( الثَّانِيَةُ ) الْمُرَادُ { بِأَشْبَاهِهَا مِنْ السُّوَرِ } وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى وَسَبِّحْ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى وَالضُّحَى وَإِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمَّاهَا مَعَهَا فِي قِصَّةِ تَطْوِيلِ مُعَاذٍ الصَّلَاةَ فَأَمَّا وَاللَّيْلِ وَسَبِّحْ فَهِيَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَأَمَّا الضُّحَى فَهِيَ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَسَيَأْتِي ذِكْرُهَا فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَهَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ ذَكَرَ { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك } وَأَمَّا إذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ فَرَوَاهَا النَّسَائِيّ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ يَقْرَأُ فِي عِشَاءِ الْآخِرَةِ بِالسَّمَاءِ يَعْنِي ، ذَاتِ الْبُرُوجِ وَالسَّمَاءِ وَالطَّارِقِ } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّهُ { قَرَأَ فِي الْعِشَاءِ بِالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ } فَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ { كَانَ فِي سَفَرٍ } وَفِي رِوَايَةٍ إطْلَاقُ ذَلِكَ وَفِي كَوْنِ سُورَةِ التِّينِ وَالزَّيْتُونِ وَسُورَةِ اقْرَأْ مِنْ أَوْسَاطِ الْمُفَصَّلِ اخْتِلَافٌ ، فَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ مَعِينٍ فِي التَّنْقِيبِ أَنَّ أَوْسَاطَهُ مِنْ عَمَّ إلَى الضُّحَى وَلَا أَدْرِي مِنْ أَيْنَ لَهُ هَذَا التَّحْدِيدُ وَقَدْ تَقَدَّمَ تَمْثِيلُ التِّرْمِذِيِّ أَوْسَاطَهُ بِالْمُنَافِقِينَ وَذَكَرَ أَبُو مَنْصُورٍ التَّمِيمِيُّ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ تَمْثِيلَ قِصَارِهِ بِالْعَادِيَاتِ وَنَحْوِهَا فَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَلَا شَكَّ أَنَّ الْأَوْسَاطَ مُخْتَلِفَةٌ كَمَا أَنَّ قِصَارَهُ مُخْتَلِفَةٌ كَمَا أَنَّ طِوَالَهُ فِيهَا مَا هُوَ أَطْوَلُ مِنْ بَعْضٍ . ( الثَّالِثَةُ ) أَطْلَقَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ ذِكْرَ { الْعِشَاءِ } وَهَكَذَا عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ النَّسَائِيّ فِي رِوَايَتِهِ { الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ } وَإِنَّمَا وَصَفَهَا بِكَوْنِهَا الْآخِرَةَ ؛ لِأَنَّ الْأَعْرَابَ كَانُوا يُسَمُّونَ الْمَغْرِبَ عِشَاءً وَقَدْ نُهِيَ عَنْ ذَلِكَ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ الْمُزَنِيّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا تَغْلِبَنَّكُمْ الْأَعْرَابُ عَلَى اسْمِ صَلَاتِكُمْ الْمَغْرِبِ قَالَ : وَتَقُولُ الْأَعْرَابُ هِيَ الْعِشَاءُ } . ( الرَّابِعَةُ ) تَعَلَّقَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَتَعَيَّنُ الْفَاتِحَةُ فِي الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ فِيهِ إنَّهُ كَانَ يَقْرَؤُهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ فَظَاهِرُهُ أَنَّهُ كَانَ يَقْتَصِرُ عَلَيْهَا وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بُرَيْدَةَ بَيَانَ مَا كَانَ يَقْرَؤُهُ فِيهَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ وَقَدْ بَيَّنَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مَا كَانَ يَبْدَأُ بِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي صَلَاتِهِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَا بَكْرٍ وَعُمَرَ كَانُوا يَفْتَتِحُونَ الصَّلَاةَ بِالْحَمْدِ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ { بِأُمِّ الْقُرْآنِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ { فَافْتَتَحُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ } وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْتَتِحُ الصَّلَاةَ بِالتَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ بِالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْرَأُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ مِنْ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ وَسُورَةِ سَجْدَةَ } الْحَدِيثِ . وَلَهُمَا أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ { لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَا يَقْرَأُ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ } وَفِي رِوَايَةِ الدَّارَقُطْنِيِّ { لَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ لَا يَقْرَأُ الرَّجُلُ فِيهَا بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ } وَقَالَ : إسْنَادُهُ حَسَنٌ وَرِجَالُهُ ثِقَاتٌ كُلُّهُمْ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا هَكَذَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَعَنْهُ أَنَّ { مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَقَرَأَ فِيهَا اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ ، فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَفْرُغَ فَصَلَّى وَذَهَبَ فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ قَوْلًا شَدِيدًا فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَذَرَ إلَيْهِ فَقَالَ : إنِّي كُنْت أَعْمَلُ فِي نَخْلٍ وَخِفْت عَلَى الْمَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلِّ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَنَحْوِهَا مِنْ السُّوَرِ } رَوَاهُ أَحْمَدُ . . الْحَدِيثُ الثَّانِي وَعَنْهُ أَنَّ { مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ صَلَاةَ الْعِشَاءِ فَقَرَأَ فِيهَا اقْتَرَبَتْ السَّاعَةُ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَفْرُغَ فَصَلَّى وَذَهَبَ فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ قَوْلًا شَدِيدًا فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاعْتَذَرَ إلَيْهِ فَقَالَ : إنِّي كُنْت أَعْمَلُ فِي نَخْلٍ وَخِفْت عَلَى الْمَاءِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلِّ بِالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَنَحْوِهَا مِنْ السُّوَرِ } . فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) حَدِيثُ بُرَيْدَةَ هَذَا لَمْ يُخَرِّجْهُ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ السِّتَّةِ وَانْفَرَدَ بِهِ أَحْمَدُ وَعَزَوْتُهُ إلَيْهِ وَإِنْ كَانَ عُرِفَ أَنَّهُ فِيهِ لِئَلَّا أَسْكُتَ عَلَيْهِ فَيُظَنُّ أَنَّهُ مِمَّا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ كَمَا نَبَّهْت عَلَى ذَلِكَ فِي الْخُطْبَةِ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ أَنَّ أَحَقَّ الْجَمَاعَةِ بِالْإِمَامَةِ أَفْقَهُهُمْ ؛ لِأَنَّ مُعَاذًا كَانَ أَفْقَهُ قَوْمِهِ فَكَانَ يَؤُمُّهُمْ بَلْ كَانَ أَعْلَمَ الْأُمَّةِ كَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : أَرْحَمُ أُمَّتِي أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ } الْحَدِيثَ . وَفِيهِ { وَأَعْلَمُهُمْ بِالْحَلَالِ وَالْحَرَامِ مُعَاذُ بْنُ جَبَلٍ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ لِلْإِمَامِ مُرَاعَاةً لِحَالِ الْمَأْمُومِينَ وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنْ كَانُوا مَحْصُورِينَ وَعُلِمَ أَنَّهُمْ يُؤْثِرُونَ التَّطْوِيلَ فَلَا بَأْسَ حِينَئِذٍ وَإِنَّمَا نَهَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَا عَرَضَ لِبَعْضِ الْمَأْمُومِينَ مِنْ الشُّغْلِ كَمَا فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْمَأْمُومِ أَنْ يُخْرِجَ نَفْسَهُ مِنْ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ فَإِنَّ الرَّجُلَ ذَكَرَ أَنَّهُ خَافَ عَلَى الْمَاءِ وَلَمْ يُنْكِرْ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَالْحُكْمُ كَذَلِكَ وَمِمَّا يُسْتَدَلُّ بِهِ أَيْضًا عَلَى ذَلِكَ قَضِيَّةُ صَلَاةِ الْخَوْفِ فَإِنَّهُمْ يُخْرِجُونَ أَنْفُسَهُمْ مِنْ الْجَمَاعَةِ وَيُتِمُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ عَلَى إحْدَى الْهَيْئَاتِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَمُفَارَقَتُهُمْ لِعُذْرٍ وَأَمَّا الْمُفَارَقَةُ لِغَيْرِ عُذْرٍ فَفِيهَا قَوْلَانِ ؛ لِأَنَّ لِلشَّافِعِيِّ أَحَدَهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ وَتَبْطُلُ صَلَاتُهُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { : إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ } وَالْقَوْلُ الثَّانِي : جَوَازُهُ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ مُسْتَحَبٌّ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ الْخُرُوجِ مِنْ النَّافِلَةِ . ( الْخَامِسَةُ ) فِيهِ حُجَّةٌ لِأَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ مُفَارَقَةَ الْمَأْمُومِ لِكَوْنِهِ لَا يَصْبِرُ عَلَى طُولِ الْقِرَاءَةِ لِضَعْفٍ أَوْ شُغْلٍ عُذْرٌ مُجَوِّزٌ لِلْخُرُوجِ مِنْهَا وَفِيهِ وَجْهٌ آخَرُ أَنَّهُ لَيْسَ بِعُذْرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) اسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنْ جَوَازِ الْخُرُوجِ مِنْ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ وَهُوَ الْفَقِيهُ نَجْمُ الدِّينِ بْنُ الرِّفْعَةِ فَقَالَ فِي الْكِفَايَةِ : إنَّ الِانْتِقَالَ مِنْ الْجُمُعَةِ إلَى الِانْفِرَادِ لَا يَجُوزُ وَلَوْ كَانَ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ هَكَذَا جَزَمَ بِهِ وَهُوَ قَضِيَّةُ تَعْلِيلِهِمْ جَوَازَ الْخُرُوجِ مِنْ الْجَمَاعَةِ لِغَيْرِ عُذْرٍ بِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ مُسْتَحَبٌّ ، فَاقْتَضَى وُجُوبُ الِاقْتِدَاءِ فِي الْجُمُعَةِ أَنْ لَا يَجُوزَ الْخُرُوجُ مِنْهُ وَلَكِنَّ الَّذِي جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ تَبَعًا لَهُ أَنَّ الْجُمُعَةَ كَغَيْرِهَا فَقَالَ فِي الرَّوْضَةِ لَوْ صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ ثُمَّ فَارَقَهُ بِعُذْرٍ أَوْ بِغَيْرِهِ وَقُلْنَا لَا تَبْطُلُ الصَّلَاةُ بِالْمُفَارَقَةِ أَتَمَّهَا جُمُعَةً كَمَا إذَا أَحْدَثَ الْإِمَامُ وَزَادَ عَلَى هَذَا فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَقَالَ : إنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ وَالْمَسْأَلَةُ مَحَلُّ نَظَرٍ لِاشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ فِي الْجُمُعَةِ بِخِلَافِ سَائِرِ الصَّلَوَاتِ . وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا جُعِلَ إدْرَاكُهَا بِرَكْعَةٍ لِأَجْلِ الْمَسْبُوقِينَ لَا لِمَنْ خَرَجَ مِنْ الْجَمَاعَةِ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ { مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنْ الْجُمُعَةِ فَلْيُضِفْ إلَيْهَا أُخْرَى وَقَدْ تَمَّتْ صَلَاتُهُ } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ إلَّا أَنَّ فِي إسْنَادِهِ ضَعْفًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) وَقَوْلُهُ فِيهِ { فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ قَبْلِ أَنْ يَفْرُغَ فَصَلَّى وَذَهَبَ } هَلْ الْمُرَادُ بِهِ أَنَّهُ بَقِيَ عَلَى إحْرَامِهِ وَإِنَّمَا أَخْرَجَ نَفْسَهُ مِنْ الْجَمَاعَةِ فَقَطْ كَمَا تَقَدَّمَ أَوْ أَنَّهُ أَبْطَلَ إحْرَامَهُ مَعَهُ ثُمَّ أَنْشَأَ إحْرَامًا مُنْفَرِدًا ؟ وَلَفْظُ هَذَا الْحَدِيثِ مُحْتَمِلٌ لِكُلٍّ مِنْ الْأَمْرَيْنِ لَكِنْ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ التَّصْرِيحُ بِالِاحْتِمَالِ الثَّانِي فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ { فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ } فَإِنْ كَانَتْ الْقِصَّةُ وَاحِدَةً فَإِنَّهُ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ رَأْسًا وَإِنْ كَانَا وَاقِعَتَيْنِ وَهُوَ الْأَظْهَرُ كَمَا سَيَأْتِي فِي آخَرِ الْبَابِ فَالْأَمْرُ فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ عَلَى الِاحْتِمَالِ وَقَدْ أَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إلَى أَنَّ رِوَايَةَ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سَلَّمَ شَاذَّةٌ ضَعِيفَةٌ فَقَالَ : لَا أَدْرِي هَلْ حُفِظَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ أَمْ لَا لِكَثْرَةِ مَنْ رَوَاهُ عَنْ سُفْيَانَ بِدُونِهَا ؟ وَانْفَرَدَ بِهَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبَّادٍ عَنْ سُفْيَانَ . ( الثَّامِنَةُ ) وَقَوْلُهُ فِيهِ { فَقَالَ لَهُ مُعَاذٌ قَوْلًا شَدِيدًا } أَبْهَمَ قَوْلَ مُعَاذٍ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ قَالَ فِيهِ { إنَّهُ مُنَافِقٌ } . ( التَّاسِعَةُ ) فِيهِ اعْتِذَارُ مَنْ وَقَعَ مِنْهُ خَطَأٌ أَوْ مَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خَطَأً وَإِظْهَارُهُ عُذْرَهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى يُعْلَمَ بِعُذْرِهِ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَدْ اخْتَلَفَ بَيَانُ عُذْرِهِ الَّذِي اعْتَذَرَهُ فِي طُرُقِ الْحَدِيثِ فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ قَالَ { كُنْت أَعْمَلُ فِي نَخْلٍ وَخِفْت عَلَى الْمَاءِ } وَفِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ أَنَّهُ قَالَ { إنَّمَا نَحْنُ أَصْحَابُ نَوَاضِحَ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا } وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ { كَانَ مَعَ الرَّجُلِ نَاضِحَانِ وَقَدْ نَضَحَ اللَّيْلَ فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي فَتَرَكَ نَاضِحَيْهِ وَأَقْبَلَ إلَى مُعَاذٍ } الْحَدِيثَ وَفِي رِوَايَةٍ لِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ الرَّجُلِ صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ أَنَّ { مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يَأْتِينَا بَعْدَ مَا نَنَامُ وَنَكُونُ فِي أَعْمَالِنَا بِالنَّهَارِ فَيُنَادِي بِالصَّلَاةِ فَنَخْرُجُ فَيُطَوِّلُ عَلَيْنَا } ، الْحَدِيثَ ، وَلَا مُنَافَاةَ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِمْ أَصْحَابَ نَوَاضِحَ أَنْ لَا يَكُونَ مَعَهُ نَاضِحَانِ حِينَئِذٍ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ ذِكْرِ هَذَيْنِ أَنْ لَا يَكُونَ خَافَ عَلَى الْمَاءِ ، وَقَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ { : إنَّهُ يَأْتِيهِمْ بَعْدَ مَا يَنَامُونَ } لَعَلَّهُ أَرَادَ فِي بَعْضِ اللَّيَالِيِ غَيْرِ تِلْكَ اللَّيْلَةِ الَّتِي جَاءَ فِيهَا بِالنَّاضِحَيْنِ أَوْ أَرَادَ بَعْدَ مَا يَدْخُلُ وَقْتُ نَوْمِهِمْ أَوْ بَعْدَ أَنْ نَامَ غَيْرُ صَاحِبِ الْوَاقِعَةِ أَوْ يَكُونَ ذَلِكَ وَاقِعَتَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي آخَرِ الْبَابِ . ( الْحَادِيَةَ عَشَرَ ) هَذَا الرَّجُلُ الْمُبْهَمُ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَحَدِيثِ جَابِرٍ اسْمُهُ سُلَيْمٌ جَاءَ مُبَيَّنًا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ رِوَايَةِ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ الْأَنْصَارِيِّ عَنْ { رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ يُقَالُ لَهُ : سُلَيْمٌ أَتَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ مُعَاذَ بْنَ جَبَلٍ يَأْتِينَا بَعْدَ مَا نَنَامُ وَنَكُونُ فِي أَعْمَالِنَا بِالنَّهَارِ } الْحَدِيثَ . وَقِيلَ : إنَّ الرَّجُلَ الْمَذْكُورَ اسْمُهُ حَزْمُ بْنُ أَبِي كَعْبٍ فَقَدْ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ جَابِرٍ عَنْ حَزْمِ بْنِ أَبِي كَعْبٍ أَنَّهُ { أَتَى مُعَاذًا وَهُوَ يُصَلِّي بِقَوْمٍ صَلَاةَ الْمَغْرِبِ } فِي هَذَا الْخَبَرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ كَمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَرِوَايَةُ أَبِي دَاوُد هَذِهِ فِيهَا طَالِبُ بْنُ حَبِيبٍ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِيهِ نَظَرٌ انْتَهَى . وَطَرِيقُ أَحْمَدَ فِي كَوْنِهِ اسْمَهُ سُلَيْمٌ أَصَحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ قِيلَ : إنَّهُ حَرَامٌ بِالرَّاءِ وَقِيلَ : حَازِمٌ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَحَدِيثِ جَابِرٍ بَعْدَهُ أَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي طَوَّلَ فِيهَا مُعَاذٌ هِيَ الْعِشَاءُ وَوَقَعَ فِي سُنَنِ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ { مَرَّ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ بِنَاضِحَيْنِ عَلَى مُعَاذٍ وَهُوَ يُصَلِّي الْمَغْرِبَ فَافْتَتَحَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ فَصَلَّى الرَّجُلُ ثُمَّ ذَهَبَ } الْحَدِيثَ هَكَذَا فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةَ فِي الْمَغْرِبِ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ هَكَذَا ثُمَّ قَالَ كَذَا قَالَ مُحَارِبُ بْنُ دِثَارٍ عَنْ جَابِرٍ { الْمَغْرِبُ } قَالَ وَقَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ وَأَبُو الزُّبَيْرِ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مِقْسَمٍ عَنْ جَابِرٍ { : الْعِشَاءُ } ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ حَدِيثِ حَزْمِ بْنِ أَبِي كَعْبٍ وَقَالَ فِيهِ { الْمَغْرِبُ } ثُمَّ قَالَ وَالرِّوَايَاتُ الْمُتَقَدِّمَةُ فِي الْعِشَاءِ أَصَحُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَرِوَايَةُ مُحَارِبِ بْنِ دِثَارٍ عَنْ جَابِرٍ { الْمَغْرِبُ } عِنْدَ الْبُخَارِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَمْ يَذْكُرْ فِيهَا الْمَغْرِبَ وَلَا الْعِشَاءَ وَإِنَّمَا قَالَ { فَوَافَقَ مُعَاذًا يُصَلِّي } وَرِوَايَةُ النَّسَائِيّ هَذِهِ وَهْمٌ مِنْ بَعْضِ رُوَاةِ الْحَدِيثِ فَإِنَّهَا شَاذَّةٌ مُخَالِفَةٌ لِبَقِيَّةِ الطُّرُقِ الصَّحِيحَةِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فِي رِوَايَةِ مُحَارِبٍ هَذِهِ { أَنَّهُ مَرَّ ، وَقَدْ جَنَحَ اللَّيْلُ } وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ جُنْحَ اللَّيْلِ أَوَّلُهُ وَقِيلَ : قِطْعَةٌ مِنْهُ نِصْفُ النِّصْفِ حَكَاهُمَا صَاحِبُ النِّهَايَةِ قَالَ وَالْأَوَّلُ أَشْبَهُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ هَذَا أَنَّ { مُعَاذًا قَرَأَ بِاقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ } وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ الَّذِي بَعْدَهُ { أَنَّهُ قَرَأَ الْبَقَرَةَ } وَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ مُحَارِبٍ عَنْ جَابِرٍ { فَقَرَأَ بِسُورَةِ الْبَقَرَةِ أَوْ النِّسَاءِ } وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَاتِ أَنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ الَّتِي قَالَ فِيهَا { أَوْ النِّسَاءِ } شَكٌّ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ . وَقَدْ جَزَمَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّهَا الْبَقَرَةُ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَى قَوْلِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ حَفِظُوا مَا شَكَّ فِيهِ مَنْ شَكَّ وَأَمَّا رِوَايَةُ { اقْتَرَبَتْ } فَإِنْ أَمْكَنَ الْجَمْعُ بِكَوْنِهِمَا وَاقِعَتَيْنِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي آخِرِ الْبَابِ فَلَا تَعَارُضَ وَإِنْ تَعَذَّرَ الْجَمْعُ بِذَلِكَ عَلَى مَا سَيَأْتِي فِي الْفَائِدَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ وَجَبَ الْعَمَلُ بِالْأَرْجَحِ ، وَلَا شَكَّ أَنَّ رِوَايَةَ جَابِرٍ أَصَحُّ لِكَثْرَةِ طُرُقِهَا وَلِكَوْنِهَا اتَّفَقَ عَلَيْهَا الشَّيْخَانِ فَهِيَ أَوْلَى بِالْقَبُولِ مِنْ رِوَايَةِ بُرَيْدَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) قَدْ يُسْتَشْكَلُ مَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَجَابِرٍ لِكَوْنِهِمَا وَاقِعَتَيْنِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا يُظَنُّ بِمُعَاذٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنْ يَأْمُرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّخْفِيفِ وَقِرَاءَةِ مَا سَمَّى لَهُ مِنْ السُّوَرِ فِي وَاقِعَةٍ ثُمَّ يَصْنَعُ ذَلِكَ مَرَّةً أُخْرَى فَهَذَا بَعِيدٌ عَنْ مُعَاذٍ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْوَاقِعَةَ الْأُولَى كَانَ قَرَأَ فِيهَا الْبَقَرَةَ كَمَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَلِهَذَا { تَغَيَّظَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ لَهُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ فَنَهَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ وَأَمَرَهُ بِمَا سَمَّى لَهُ مِنْ السُّوَرِ وَهِيَ مِنْ الْمُفَصَّلِ } وَإِنْ كَانَتْ مِنْ أَوْسَاطِهِ فَلَعَلَّهُ ظَنَّ أَنَّهُ لَا حَرَجَ فِي قِرَاءَةِ مَا شَاءَ مِنْ الْمُفَصَّلِ وَإِنَّمَا سَمَّى لَهُ غَيْرَ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ لِيَكُونَ أَبْلَغَ فِي تَحْقِيقِهِ فَاتَّفَقَ أَنَّهُ صَلَّى مَرَّةً أُخْرَى بِاقْتَرَبَتْ وَهِيَ مِنْ الْمُفَصَّلِ فَلَمَّا بَلَغَهُ أَمَرَهُ أَيْضًا بِأَوْسَاطِهِ فَائْتَمَرَ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ نَهْيُهُ لَهُ عَنْ قِرَاءَةِ الْبَقَرَةِ فِي الْإِمَامَةِ لَمَّا كَانَ فِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ وَأَنَّهُ يَخْشَى مِنْ تَنْفِيرِ بَعْضِ مَنْ دَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ فَإِنَّ سُلَيْمًا صَاحِبَ الْوَاقِعَةِ قُتِلَ بِأُحُدٍ كَمَا وَقَعَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ { وَطَالَ عَهْدُ النَّاسِ بِالْإِسْلَامِ وَوَقَرَ فِي نُفُوسِهِمْ وَشَاهَدَ مُعَاذٌ مِنْ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّطْوِيلَ فِي بَعْضِ الْأَحْيَانِ حَتَّى فِي الْمَغْرِبِ فَقَرَأَ فِيهَا بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ كَالطُّورِ } { بَلْ قَرَأَ فِيهَا بِالْأَعْرَافِ } كَمَا فِي الصَّحِيحِ { ظَنَّ مُعَاذٌ زَوَالَ مَا كَانَ يَخْشَى مِنْ التَّطْوِيلِ فَعَدَلَ إلَى التَّوَسُّطِ فَوَافَقَ صَاحِبَ شُغْلٍ أَيْضًا فَنَهَاهُ ثَانِيًا } ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّ مُعَاذًا فِي الْمَرَّةِ الثَّانِيَةِ عَرَفَ مِنْ قَوْمِهِ إيثَارَ التَّطْوِيلِ فَلِذَلِكَ قَرَأَ بِاقْتَرَبَتْ فَصَادَفَهُ صَاحِبُ شُغْلٍ فَنَهَاهُ ثَانِيًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ وَلَعَلَّهُ قَرَأَ الْبَقَرَةَ فِي رَكْعَةٍ فَانْصَرَفَ رَجُلٌ وَقَرَأَ اقْتَرَبَتْ فِي رَكْعَةٍ أُخْرَى فَانْصَرَفَ آخَرُ . وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ { كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّنَا ، وَقَالَ مَرَّةً ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّي بِقَوْمِهِ ، فَأَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً قَالَ مَرَّةً : الصَّلَاةَ وَقَالَ مَرَّةً : الْعِشَاءَ ، فَصَلَّى مُعَاذٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ جَاءَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَصَلَّى فَقِيلَ : نَافَقْت يَا فُلَانُ ؟ قَالَ مَا نَافَقْت ، فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إنَّ مُعَاذًا يُصَلِّي مَعَك ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّمَا نَحْنُ أَصْحَابُ نَوَاضِحَ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا وَإِنَّهُ جَاءَ يَؤُمُّنَا فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَقَالَ يَا مُعَاذُ ، أَفَتَّانٌ أَنْتَ ؟ أَفَتَّانٌ أَنْتَ ؟ اقْرَأْ بِكَذَا ، وَكَذَا ، قَالَ أَبُو الزُّبَيْرِ بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى فَذَكَرْنَا لِعَمْرٍو فَقَالَ أَرَاهُ فَذَكَرَهُ } . وَقَالَ مُسْلِمٍ { فَانْحَرَفَ رَجُلٌ فَسَلَّمَ ثُمَّ صَلَّى وَحْدَهُ وَانْصَرَفَ } ، وَزَادَ فِي قَوْلِ أَبِي الزُّبَيْرِ { وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا وَالضُّحَى } ، وَفِيهِ قَالَ عَمْرٌو نَحْوَ هَذَا وَلَمْ يَذْكُرْ الْبُخَارِيُّ قَوْلَ أَبِي الزُّبَيْرِ ، وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ { وَأَمَرَهُ بِسُورَتَيْنِ مِنْ أَوْسَطِ الْمُفَصَّلِ قَالَ عَمْرٌو وَلَا أَحْفَظُهُمَا } ، وَلَهُ مِنْ غَيْرِ رِوَايَةِ عَمْرٍو { فَلَوْلَا صَلَّيْت بِسَبِّحْ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى وَالشَّمْسِ وَاللَّيْلِ إذَا يَغْشَى } ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { اقْرَأْ } فَذَكَرَهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { وَاقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك وَلَهُ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ } وَلَمْ يَقُلْ الْبُخَارِيُّ { تِلْكَ } ، وَلَهُ فِي نُسْخَةٍ { الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ } ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّافِعِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ { فَيُصَلِّيهَا لَهُمْ هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ وَلَهُمْ مَكْتُوبَةٌ الْعِشَاءَ } . قَالَ الشَّافِعِيُّ هَذِهِ الزِّيَادَةُ صَحِيحَةٌ وَصَحَّحَهَا الْبَيْهَقِيُّ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَجَابِرٍ فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ . . الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ { كَانَ مُعَاذٌ يُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّنَا وَقَالَ مَرَّةً : ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلِّي بِقَوْمِهِ فَأَخَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً قَالَ مَرَّةً : الصَّلَاةَ وَقَالَ مَرَّةً : الْعِشَاءَ فَصَلَّى مُعَاذٌ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ جَاءَ يَؤُمُّ قَوْمَهُ فَقَرَأَ الْبَقَرَةَ فَاعْتَزَلَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ فَصَلَّى فَقِيلَ : نَافَقْت يَا فُلَانُ قَالَ مَا نَافَقْت فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ إنَّ مُعَاذًا يُصَلِّي مَعَك ثُمَّ رَجَعَ فَيَؤُمُّنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ وَإِنَّمَا نَحْنُ أَصْحَابُ نَوَاضِحَ نَعْمَلُ بِأَيْدِينَا وَإِنَّهُ جَاءَ يَؤُمُّنَا فَقَرَأَ سُورَةَ الْبَقَرَةِ فَقَالَ يَا مُعَاذُ أَفَتَّانٌ أَنْتَ ؟ أَفَتَّانٌ أَنْتَ ؟ اقْرَأْ بِكَذَا ، وَكَذَا } ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ أَبِي الزُّبَيْرِ وَقَوْلَ عَمْرٍو أَرَاهُ قَدْ ذَكَرَهُ . فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) فِيهِ حُجَّةٌ لِلشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَنَّهُ تَصِحُّ صَلَاةُ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ كَمَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمُتَنَفِّلِ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ ؛ لِأَنَّ مُعَاذًا كَانَ قَدْ سَقَطَ فَرْضُهُ بِصَلَاتِهِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَتْ صَلَاتُهُ بِقَوْمِهِ نَافِلَةً وَهُمْ مُفْتَرِضُونَ وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ وَالْبَيْهَقِيِّ { هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ وَلَهُمْ مَكْتُوبَةٌ الْعِشَاءُ } قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ : وَهَذِهِ الزِّيَادَةُ صَحِيحَةٌ ، وَكَذَا فِي مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ وَصَحَّحَهَا الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا وَغَيْرُهُ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ رَبِيعَةُ وَمَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ فَقَالُوا : لَا تَصِحُّ صَلَاةُ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ } . وَأَجَابَ عَنْهُ الْقَائِلُونَ بِالصِّحَّةِ : بِأَنَّ الْمُرَادَ الِاخْتِلَافُ فِي الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ لَا فِي النِّيَّاتِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ بِهِ تَرْتِيبُ الصَّلَاةِ وَأَيْضًا إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيَّنَ مُرَادَ الْحَدِيثِ بِقَوْلِهِ فِي بَقِيَّتِهِ { فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا : رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ } . فَهَذَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ { لَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ } وَمَعَ هَذَا فَقَدْ نَسَخَ بَعْضَ وُجُوهِ الْمُخَالَفَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ { بِصَلَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ جَالِسًا وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ قِيَامٌ } وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةُ ) أَجَابَ الْمُخَالِفُونَ لِقِصَّةِ مُعَاذٍ بِأَجْوِبَةٍ ( فَمِنْهَا ) أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْضَ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةِ ثُمَّ يَرْجِعُ إلَى قَوْمِهِ فَيَؤُمُّهُمْ فِي صَلَاةٍ أُخْرَى بَعْدَ ذَلِكَ وَهَذَا عِيٌّ مِنْ الْقَوْلِ ، وَتَرُدُّهُ الرِّوَايَةُ الْمَذْكُورَةُ فِي آخَرِ الْبَابِ مِنْ عِنْدِ مُسْلِمٍ فَيُصَلِّي بِهِمْ تِلْكَ الصَّلَاةَ . ( وَمِنْهَا ) أَنَّ مُعَاذًا كَانَتْ صَلَاتُهُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَافِلَةً وَكَانَتْ صَلَاتُهُ بِقَوْمِهِ هِيَ الْفَرِيضَةُ قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ وَلَيْسَ هَذَا الِاحْتِمَالُ بِأَوْلَى مِمَّا صَارُوا إلَيْهِ فَلَحِقَ بِالْمُجْمَلَاتِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ حُجَّةٌ . ثُمَّ اسْتَدَلَّ بِمَا فِي مُسْنَدِ الْبَزَّارِ عَنْ عَمْرِو بْنِ يَحْيَى الْمَازِنِيِّ عَنْ مُعَاذِ بْنِ رِفَاعَةَ عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ يُقَالُ لَهُ : سُلَيْمٌ أَنَّهُ { أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نَظَلُّ فِي أَعْمَالِنَا فَنَأْتِي حِينَ نُمْسِي فَيَأْتِي مُعَاذٌ فَيُطَوِّلُ عَلَيْنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا مُعَاذُ لَا تَكُنْ فَتَّانًا إمَّا أَنْ تُخَفِّفَ بِقَوْمِك أَوْ تَجْعَلَ صَلَاتَك مَعِي } . قَالَ : وَظَاهِرُ هَذَا يَدُلُّ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي الْفَرِيضَةَ مَعَ قَوْمِهِ انْتَهَى . وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَقَالَ فِيهِ { إمَّا أَنْ تُصَلِّيَ مَعِي وَإِمَّا أَنْ تُخَفِّفَ عَلَى قَوْمِكَ } . وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يُظَنُّ بِمُعَاذٍ أَنَّهُ يَتْرُكُ فَضِيلَةَ صَلَاةِ الْفَرْضِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ لَمْ يَقَعْ نَهْيٌ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَكَيْفَ وَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ } فَلَمْ يَكُنْ مُعَاذٌ لِيُخَالِفَ أَمْرَهُ وَيُصَلِّي نَافِلَةً بَعْدَ إقَامَةِ الصَّلَاةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ الَّذِي عِنْدَ أَحْمَدَ وَالْبَزَّارِ فَمُرَادُهُ إمَّا أَنْ تُصَلِّيَ مَعِي مُقْتَصِرًا عَلَى ذَلِكَ وَلَا تَؤُمَّ قَوْمَكَ ، وَكَذَا قَوْلُهُ { أَوْ تَجْعَلَ صَلَاتَك مَعِي } . وَهَذَا هُوَ الْمُرَادُ وَإِلَّا فَهُوَ كَانَ يُصَلِّي مَعَهُ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ تَقْتَصِرُ عَلَى صَلَاتِك مَعِي وَلَيْسَ فِيهِ كَوْنُ الْفَرْضِ هِيَ الَّتِي كَانَتْ مَعَ قَوْمِهِ وَإِذَا كَانَ هَذَا مُحْتَمِلًا لِلتَّأْوِيلِ وَقَوْلُ جَابِرٍ { هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ } لَا يَحْتَمِلُ التَّأْوِيلَ وَجَابِرٌ مِمَّنْ كَانَ يُصَلِّي مَعَ مُعَاذٍ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَقَدْ اعْتَرَضَ الطَّحَاوِيُّ عَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ ابْنَ عُيَيْنَةَ لَمْ يَذْكُرْهَا . وَذَكَرَهَا ابْنُ جُرَيْجٍ فَيَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ مِنْ قَوْلِهِ أَوْ قَوْلِ مَنْ رَوَى عَنْهُ أَوْ قَوْلِ جَابِرٍ وَالْجَوَابُ أَنْ لَا نَحْكُمَ عَلَيْهَا بِأَنَّهَا مُدْرَجَةٌ بِالِاحْتِمَالِ وَإِذَا كَانَتْ مُتَّصِلَةً بِالْحَدِيثِ فَهِيَ مِنْ كَلَامِ الَّذِي رَوَى الْقِصَّةَ وَهُوَ جَابِرٌ وَهُوَ مِمَّنْ حَضَرَ الصَّلَاةَ مَعَ مُعَاذٍ فَهُوَ أَعْلَمُ بِهَا فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( وَمِنْهَا ) أَنَّ الِاحْتِجَاجَ بِقِصَّةِ مُعَاذٍ إنَّمَا هُوَ مِنْ تَرْكِ إنْكَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ وَلَعَلَّهُ لَمْ يَكُنْ عَلِمَ بِهَا وَالْجَوَابُ أَنَّهُ يَبْعُدُ بَلْ يَمْتَنِعُ عَادَةً أَنْ يَتَرَافَعُوا فِي قِصَّةٍ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا . ( وَمِنْهَا ) أَنَّ حَدِيثَ { فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ } نَاسِخٌ لِقِصَّةِ مُعَاذٍ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ قَبْلَ أُحُدٍ بِدَلِيلِ أَنَّ صَاحِبَ الْوَاقِعَةِ مَعَ مُعَاذٍ قُتِلَ شَهِيدًا بِأُحُدٍ كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَحَدِيثُ النَّهْيِ عَنْ الِاخْتِلَافِ رَوَاهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَإِنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَ خَيْبَرَ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يُصَارُ إلَى النَّسْخِ مَعَ إمْكَانِ الْجَمْعِ فَحُمِلَ النَّهْيُ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِي الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ ، فِيهِ إعْمَالٌ لِلْحَدِيثَيْنِ فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الْمَصِيرِ إلَى النَّسْخِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( وَمِنْهَا ) أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ غَيْرَ مَرَّةٍ بَعْدَ سَنَتَيْنِ مِنْ الْهِجْرَةِ } عَلَى وَجْهٍ فِيهِ مُخَالَفَةٌ ظَاهِرَةٌ بِالْأَفْعَالِ الْمُنَافِيَةِ لِلصَّلَاةِ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْخَوْفِ فَلَوْ جَازَتْ صَلَاةُ الْمُفْتَرِضِ خَلْفَ الْمُتَنَفِّلِ لَصَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ صَلَاةً عَلَى وَجْهٍ لَا يَقَعُ فِيهِ مُنَافَاةٌ وَكَانَ إسْلَامُ مُعَاذٍ مُتَقَدِّمًا عَلَى هَذَا وَفِي هَذَا أَيْضًا إشَارَةٌ إلَى النَّسْخِ . وَالْجَوَابُ : أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُصَلِّ بِكُلِّ طَائِفَةٍ مُنْفَرِدَةً فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ قَالَ { صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَوْفٍ الظُّهْرَ فَصَفَّ بَعْضَهُمْ خَلْفَهُ وَبَعْضَهُمْ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ فَانْطَلَقَ الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَهُ فَوَقَفُوا مَوْقِفَ أَصْحَابِهِمْ ، ثُمَّ جَاءَ أُولَئِكَ فَصَلُّوا خَلْفَهُ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ سَلَّمَ } . فَفِي هَذَا التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ مَرَّتَيْنِ ، وَالطُّرُقُ الَّتِي لَيْسَ فِيهَا ذِكْرُ التَّسْلِيمِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ مَحْمُولَةٌ عَلَى هَذِهِ فَهَذِهِ زِيَادَةُ ثِقَةٍ مَقْبُولَةٌ وَإِنَّمَا لَمْ يُصَلِّهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَامِلَةً أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ؛ لِأَنَّهُ يَلْزَمُ مِنْهُ إتْمَامُ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَوْ أَتَمَّ لَتَشَوَّفَ أَصْحَابُهُ إلَى الْإِتْمَامِ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَحْرِصُونَ عَلَى الِاقْتِدَاءِ بِهِ كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ فِي صِيَامِهِ فِي السَّفَرِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ أَنَّهُ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ } وَفِيهِ { أَنَّهُ سَلَّمَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ } . ( الثَّالِثَةُ ) أُبْهِمَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْقَائِلُ لَهُ { نَافَقْت } وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ { مُعَاذًا هُوَ الَّذِي قَالَ إنَّهُ مُنَافِقٌ } وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالْقَائِلِ الْمُبْهَمِ الَّذِي بَلَّغَهُ عَنْ مُعَاذٍ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ لَمْ يُوَاجِهْهُ وَفِي قَوْلِهِ { قِيلَ لَهُ : نَافَقْت } خِطَابُهُ بِذَلِكَ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي أَظْهَرُ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { فَأُخْبِرَ مُعَاذٌ عَنْهُ فَقَالَ : إنَّهُ مُنَافِقٌ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ الرَّجُلَ دَخَلَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } الْحَدِيثَ . وَيُحْتَمَلُ أَنَّ قَوْلَهُ { فَقِيلَ لَهُ نَافَقْت } لَيْسَ خَبَرًا وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِفْهَامٌ بِغَيْرِ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ قَوْلُ غَيْرِ مُعَاذٍ لَهُ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الْأُولَى { فَقَالُوا لَهُ : أَنَافَقْت يَا فُلَانُ ؟ قَالَ : لَا وَاَللَّهِ وَلَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَأُخْبِرَنَّهُ } الْحَدِيثَ . وَهَذَا صَرِيحٌ فِي أَنَّ جَمَاعَةً اسْتَفْهَمُوهُ بِهَذَا اللَّفْظِ وَكَأَنَّهُمْ لَمَّا سَمِعُوا قَوْلَ مُعَاذٍ فِيهِ إنَّهُ مُنَافِقٌ سَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ مُسْتَفْهِمِينَ حَتَّى يَنْظُرُوا جَوَابَهُ وَهَذَا أَوْلَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) إنْ قِيلَ : كَيْفَ أَطْلَقَ مُعَاذٌ الْقَوْلَ فِي هَذَا إنَّهُ مُنَافِقٌ وَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّرِ عِنْدَهُمْ مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ التَّخَلُّفُ عَنْ الْجَمَاعَةِ فِي الْعِشَاءِ حَتَّى قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ شُهُودُ الْعَتَمَةِ } فَلَمَّا وُجِدَتْ مِنْهُ أَمَارَةُ النِّفَاقِ وَهُوَ تَرْكُ الْجَمَاعَةِ فِيهَا مَعَ كَوْنِهِ قَدْ حَضَرَ الْمَسْجِدَ أُطْلِقَ عَلَيْهِ اسْمُ النِّفَاقِ بِاعْتِبَارِ أَمَارَتِهِ عَلَيْهِ وَلَمْ يَكُنْ مُعَاذٌ عَلِمَ عُذْرَهُ فِي ذَلِكَ حَتَّى أَبْدَى الصَّحَابِيُّ الْمَذْكُورُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عُذْرَهُ فِي صَلَاتِهِ وَحْدَهُ فَعُرِفَ حِينَئِذٍ أَنَّهُ غَيْرُ مُنَافِقٍ . وَقَالَ أَحْمَدُ فِي آخَرِ حَدِيثِهِ قَالَ سُلَيْمٌ { سَتَرَوْنَ غَدًا إذَا الْتَقَى الْقَوْمُ إنْ شَاءَ اللَّهُ قَالَ وَالنَّاسُ يَتَجَهَّزُونَ إلَى أُحُدٍ فَخَرَجَ فَكَانَ فِي الشُّهَدَاءِ } انْتَهَى فَأَرَادَ سُلَيْمٌ بِهَذَا الْكَلَامِ عَقِبَ هَذَا أَنْ يُبَيِّنَ لَهُمْ بَرَاءَتَهُ مِمَّا اُتُّهِمَ بِهِ مِنْ النِّفَاقِ بِشَهَادَتِهِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ { قَالَ الْفَتَى : وَلَكِنْ سَيَعْلَمُ مُعَاذٌ إذَا قَدِمَ الْقَوْمُ } وَزَادَ فِي آخِرِهِ { فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ لِمُعَاذٍ مَا فَعَلَ خَصْمِي وَخَصْمُك قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبْتُ ، اُسْتُشْهِدَ } . ( الْخَامِسَةُ ) كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ قِصَّةِ مُعَاذٍ هَذِهِ وَبَيْنَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ سَلْمَانَ مَوْلَى مَيْمُونَةَ قَالَ أَتَيْت ابْنَ عُمَرَ وَهُمْ يُصَلُّونَ فَقُلْت أَلَا تُصَلِّي مَعَهُمْ فَقَالَ قَدْ صَلَّيْت إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { لَا تُصَلُّوا الصَّلَاةَ فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ ؟ } وَأَجَابَ عَنْهُ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ بِأَنْ قَالَ : قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ : مَعْنَاهُ لَا تَجِبُ الصَّلَاةُ فِي الْيَوْمِ مَرَّتَيْنِ فَلَا يَكُونُ مُخَالِفًا لِمَا سَبَقَ مِنْ اسْتِحْبَابِ إعَادَتِهَا قَالَ وَأَمَّا ابْنُ عُمَرَ فَلَمْ يُعِدْهَا ؛ لِأَنَّهُ كَانَ صَلَّاهَا جَمَاعَةً وَمَذْهَبُهُ إعَادَةُ الْمُنْفَرِدِ كَمَا سَبَقَ عَنْهُ وَأَرَادَ بِمَا سَبَقَ مَا رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّأ عَنْ نَافِعٍ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِابْنِ عُمَرَ إنِّي أُصَلِّي فِي بَيْتِي ، ثُمَّ أُدْرِكُ الصَّلَاةَ مَعَ الْإِمَامِ أَفَأُصَلِّي مَعَهُ ؟ قَالَ : نَعَمْ فَقَالَ أَيَّتُهُمَا أَجْعَلُ صَلَاتِي ؟ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَوَ ذَلِكَ إلَيْك إنَّمَا ذَلِكَ إلَى اللَّهِ تَعَالَى يَجْعَلُ أَيَّتَهُمَا شَاءَ فَتَبَيَّنَ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَكُنْ يَرَى تَرْكَ إعَادَةِ الصَّلَاةِ مُطْلَقًا . وَالْأَحَادِيثُ فِي الْإِعَادَةِ أَكْثَرُ وَأَصَحُّ ( مِنْهَا ) حَدِيثُ الْبَابِ فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ ( وَمِنْهَا ) حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ { كَيْفَ أَنْتَ إذَا كَانَتْ عَلَيْك أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ ؟ قُلْت فَمَا تَأْمُرُنِي ؟ قَالَ صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا ، فَإِنْ أَدْرَكْتهَا مَعَهُمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَك نَافِلَةٌ } . وَحَدِيثُ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ { إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ، ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَحَسَّنَهُ { جَاءَ رَجُلٌ وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَيُّكُمْ يَأْتَجِرُ عَلَى هَذَا فَقَامَ رَجُلٌ مَعَهُ } وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ { أَنَّ الَّذِي صَلَّى مَعَهُ أَبُو بَكْرٍ } . وَحَدِيثُ مِحْجَنٍ الدِّيلِيِّ فِي الْمُوَطَّأ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ { : إذَا جِئْت فَصَلِّ مَعَ النَّاسِ وَإِنْ كُنْت قَدْ صَلَّيْت } فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ أَكْثَرُ فِي إعَادَةِ الصَّلَاةِ لِمَصْلَحَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) وَفِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الشَّافِعِيِّ { هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ صَلَّى صَلَاةً وَاحِدَةً مَرَّتَيْنِ تَكُونُ الْفَرِيضَةُ هِيَ الْأُولَى ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْجَدِيدِ لِلْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ وَذَهَبَ فِي الْقَدِيمِ إلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَحْتَسِبُ بِأَيَّتِهِمَا شَاءَ لِأَثَرِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي فِي الْمُوَطَّإِ وَقَدْ تَقَدَّمَ وَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ كِلْتَيْهِمَا فَرْضٌ وَقَالَ بَعْضُهُمْ الْفَرْضُ أَكْمَلُهُمَا ، وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِنَا إنَّ الْفَرْضَ هِيَ النَّاقِصَةُ وَلَا شَكَّ أَنَّ صَلَاةَ مُعَاذٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْمَلُ مِنْ صَلَاتِهِ بِقَوْمِهِ فَلَا يُتَّجَهُ أَنْ يُقَالَ : إنَّ فَرْضَهُ الثَّانِيَةُ هَكَذَا أَطْلَقَ أَصْحَابُنَا هَذَا الْخِلَافَ وَفِي هَذَا الْإِطْلَاقِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا صَلَّى فَرْضَ الْوَقْتِ كَيْفَ كَانَ جَمَاعَةً أَوْ مُنْفَرِدًا مُسْتَجْمِعًا لِشُرُوطِ الصِّحَّةِ وَنَوَى بِهِ الْفَرْضَ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يَنْقَلِبَ نَفْلًا بَعْدَ تَمَامِهِ عَلَى الصِّحَّةِ وَالْفَرْضِيَّةِ ، أَوْ كَيْفَ يُوصَفُ الثَّانِي بِالْفَرِيضَةِ أَيْضًا ، وَإِنَّمَا الْفَرْضُ صَلَاةٌ وَاحِدَةٌ . نَعَمْ الْخِلَافُ لَهُ وَجْهٌ فِيمَا إذَا صَلَّى وَفِي نِيَّتِهِ أَنْ يُصَلِّيَهَا مَرَّةً أُخْرَى كَقِصَّةِ مُعَاذٍ هَذِهِ وَيَنْبَغِي أَيْضًا أَنْ يُعَلَّقَ الْحُكْمُ بِاعْتِبَارِ نِيَّتِهِ فَإِنْ لَمْ يَنْوِ بِالْأُولَى الْفَرْضَ فَالْفَرْضُ هِيَ الثَّانِيَةُ قَطْعًا وَإِنْ نَوَى بِالْأُولَى الْفَرْضَ فَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ وُقُوعُ الثَّانِيَةِ فَرْضًا وَالْفَرْضُ وَاحِدٌ ، . ( السَّابِعَةُ ) فِي قَوْلِهِ { هِيَ لَهُ تَطَوُّعٌ } دَلِيلٌ لِمَنْ قَالَ لَا يَنْوِي بِالثَّانِيَةِ الْفَرْضَ بَلْ يَنْوِي الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ مَثَلًا وَهُوَ اخْتِيَارُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ وَرَجَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَاَلَّذِي حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْ الْأَكْثَرِينَ أَنَّهُ يَنْوِي الْفَرِيضَةَ مَعَ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْفَرْضَ الْأَوَّلُ لَا جَرَمَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّ هَذِهِ هَفْوَةٌ . ( الثَّامِنَةُ ) فِي قِصَّةِ مُعَاذٍ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي إعَادَةِ الصَّلَاةِ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ مِمَّا يُكْرَهُ الصَّلَاةُ بَعْدَهَا بِأَنْ تَكُونَ صُبْحًا أَوْ عَصْرًا أَوْ لَا لِإِطْلَاقِ جَابِرٍ أَنَّهُ { كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ يَرْجِعُ فَيَؤُمُّ قَوْمَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ } وَفِي وَجْهٍ لِأَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَا يُعِيدُ الْعَصْرَ وَالصُّبْحَ ؛ لِأَنَّ الْإِعَادَةَ وَإِنْ كَانَتْ مُسْتَحَبَّةً ، فَالصَّلَاةُ مَكْرُوهَةً فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ كَرَاهِيَةَ تَحْرِيمٍ ، وَفِي وَجْهٍ آخَرَ يُعِيدُ الظُّهْرَ وَالْعِشَاءَ وَلَا يُعِيدُ بَقِيَّةَ الصَّلَوَاتِ وَكِلَاهُمَا ضَعِيفٌ . بَابُ التَّطْبِيقِ فِي الرُّكُوعِ وَنَسْخِهِ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ عَنْ { عَبْدِ اللَّهِ قَالَ إذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْرِشْ ذِرَاعَيْهِ فَخِذَيْهِ وَلْيَجْنَأْ ، ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ كَفِيهِ فَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى اخْتِلَافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ كَفَّيْهِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَزَادَ فِي أَوَّلِهِ " قَالَا : أَتَيْنَا عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ فِي دَارِهِ فَقَالَ أَصَلَّى هَؤُلَاءِ خَلْفَكُمْ ؟ فَقُلْنَا لَا ، قَالَ قُومُوا فَصَلُّوا ، فَلَمْ يَأْمُرْنَا بِأَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ ، قَالَ وَذَهَبْنَا لِنَقُومَ خَلْفَهُ فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا فَجَعَلَ أَحَدَنَا عَنْ يَمِينِهِ وَالْآخَرَ عَنْ شِمَالِهِ ، قَالَ فَلَمَّا رَكَعْنَا وَضَعْنَا أَيْدِيَنَا عَلَى رُكَبِنَا ، قَالَ فَضَرَبَ أَيْدِيَنَا وَطَبَّقَ بَيْنَ كَفَّيْهِ ، ثُمَّ أَدْخَلَهَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ إنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ مِيقَاتِهَا وَيَخْنُقُونَهَا إلَى شَرَقِ الْمَوْتَى ، فَإِذَا رَأَيْتُمُوهُمْ قَدْ فَعَلُوا ذَلِكَ فَصَلُّوا الصَّلَاةَ لِمِيقَاتِهَا وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً ، وَإِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَصَلُّوا صَفًّا وَإِذَا كُنْتُمْ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ " الْحَدِيثَ . وَالتَّطْبِيقُ مَنْسُوخٌ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ { صَلَّيْت إلَى جَنْبِ أَبِي فَطَبَّقْت بَيْنَ كَفَّيَّ ، ثُمَّ وَضَعَتْهُمَا بَيْنَ فَخِذَيَّ فَنَهَانِي أَبِي قَالَ : كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ وَأُمِرْنَا أَنْ نَضَعَ أَيْدِيَنَا عَلَى الرُّكَبِ } . وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي حُمَيْدٍ فِي أَصْحَابِهِ { أَمْكَنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ } وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَقَالَ : حَسَنٌ صَحِيحٌ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ عُمَرَ قَالَ " إنَّ الرُّكَبَ سُنَّتْ لَكُمْ فَخُذُوا بِالرُّكَبِ . وَقَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ " إذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَصَلُّوا صَفًّا " رَفَعَهُ أَبُو دَاوُد وَفِيهِ ضَعْفٌ وَتَأَوَّلَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِحَدِيثِ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ { صَلَّيْت أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمِّي خَلْفَنَا } وَقَالَ النَّوَوِيُّ الْمُخْتَارُ لَوْ ثَبَتَ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى فِعْلِهِ مَرَّةً لِبَيَانِ الْجَوَازِ . . بَابُ التَّطْبِيقِ فِي الرُّكُوعِ وَنَسْخِهِ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ عَنْ { عَبْدِ اللَّهِ قَالَ إذَا رَكَعَ أَحَدُكُمْ فَلْيُفْرِشْ ذِرَاعَيْهِ فَخِذَيْهِ وَلْيَجْنَأْ ، ثُمَّ طَبَّقَ بَيْنَ كَفَّيْهِ فَلَكَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى اخْتِلَافِ أَصَابِعِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَبَّقَ بَيْنَ كَفَّيْهِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ . فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَنَّ الْأَسْوَدَ لَيْسَ مِنْ الْأَسَانِيدِ الَّتِي ذَكَرْتهَا فِي هَذَا الْكِتَابِ وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي الْمُسْنَدِ رِوَايَةُ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ عَنْ عَلْقَمَةَ وَالْأَسْوَدِ مَعًا فَذَكَرْتُهُ مَعَهُ فَهُوَ عَلَى هَذَا مُتَّصِلُ الْإِسْنَادِ فِيمَا بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ وَإِنَّمَا ذَكَرْته وَلَمْ أَحْذِفْهُ لِمَا تَقَرَّرَ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْحَدِيثَ إذَا كَانَ عَنْ رَجُلَيْنِ فَلَا يَحْسُنُ حَذْفُ أَحَدِهِمَا وَإِبْقَاءُ الْآخَرِ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ لِأَحَدِهِمَا وَحُمِلَ لَفْظُ الْآخَرِ عَلَيْهِ وَيَجُوزُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْمَحْذُوفُ هُوَ الَّذِي لَهُ لَفْظُ الْحَدِيثِ فَالِاقْتِصَارُ عَلَيْهِ لَيْسَ بِجَيِّدٍ وَحَذْفُهُ فِي حَالَةِ كَوْنِهِمَا ثِقَتَيْنِ أَقْرَبُ وَأَخَفُّ ضَرَرًا مِمَّا إذَا كَانَ أَحَدُهُمَا ضَعِيفًا وَحَذَفَ الضَّعِيفَ وَأَبْقَى الثِّقَةَ فَإِنَّهُ رُبَّمَا أَدَّى إلَى أَنْ يُذْكَرَ لَفْظُ الضَّعِيفِ مَعْزُوًّا إلَى الثِّقَةِ . وَقَدْ أَرَادَ مُسْلِمٌ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي كِتَابِهِ الصَّحِيحِ الِاحْتِرَازَ عَنْ هَذَا فَمَا أَدَّاهُ ذَلِكَ إلَى الِاحْتِرَازِ وَالِاحْتِيَاطِ فَيَقُولُ مَثَلًا عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَذَكَرَ آخَرَ مَعَهُ وَيَكُونُ الَّذِي ذَكَرَ مَعَهُ وَحَذَفَهُ مُسْلِمٌ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ لَهِيعَةَ فَلَا يُسَمِّيهِ مُسْلِمٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَرْطِهِ وَلَا يُحِبُّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الثِّقَةِ فَيُشِيرُ إلَى أَنَّ مَعَهُ آخَرَ ، وَأَكْثَرُ مَا يُفِيدُ ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ لَهُ اطِّلَاعٌ عَلَى طُرُقِ الْحَدِيثِ أَنْ يَتَنَبَّهَ بِذِكْرِ الْآخَرِ مُبْهَمًا عَلَى أَنَّهُ ابْنُ لَهِيعَةَ فَيَصِيرُ ذَلِكَ الْحَدِيثَ مَحَلَّ نَظَرٍ لِاحْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ اللَّفْظُ لِابْنِ لَهِيعَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةُ ) فِي غَرِيبِهِ ( قَوْلُهُ فَلْيُفْرِشْ ) هُوَ بِضَمِّ الْيَاءِ ؛ لِأَنَّ فِعْلَهُ رُبَاعِيٌّ لِكَوْنِهِ عَدَّاهُ إلَى مَفْعُولَيْنِ تَقُولُ فَرَشْت الثَّوْبَ أَفْرُشُهُ وَأَفْرَشْت الضَّيْفَ بُسُطًا إذَا عَدَّيْتَهُ إلَى اثْنَيْنِ ( وَقَوْلُهُ وَلْيَجْنَأْ ) هُوَ بِفَتْحِ الْيَاءِ وَبِالْجِيمِ وَالنُّونِ مَهْمُوزٌ عَلَى أَنَّهُ ثُلَاثِيٌّ هَكَذَا فِي الْأُصُولِ الصَّحِيحَةِ وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِضَمِّ الْيَاءِ فَجَعَلَهُ رُبَاعِيًّا وَهُوَ الْمَيْلُ بِالرَّأْسِ وَالْإِكْبَابُ فَكَأَنَّهُ خَشِيَ مِنْ التَّقَعُّسِ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ عِنْدَ مُسْلِمٍ وَلِيَحْنِ بِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ غَيْرَ مَهْمُوزٍ مِنْ الِانْحِنَاءِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ . ( وَقَوْلُهُ : ثُمَّ طَبَّقَ ) وَالتَّطْبِيقُ هُوَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ أَصَابِعِ يَدَيْهِ ، ثُمَّ يَجْعَلُهَا بَيْنَ رُكْبَتَيْهِ فِي الرُّكُوعِ وَقَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ فِي الرُّكُوعِ وَالتَّشَهُّدِ وَعُلِمَ أَنَّهُ أَدْخَلَهُمَا بَيْنَ فَخِذَيْهِ كَمَا ذَكَرْته فِي بَقِيَّةِ الْبَابِ . . ( وَقَوْلُهُ فِي الزِّيَادَةِ الَّتِي عِنْدَ مُسْلِمٍ : وَيَخْنُقُونَهَا إلَى شَرَقِ الْمَوْتَى ) هُوَ مِنْ خَنَقَ يَخْنُقُ وَيَخْنُقُ خَنْقًا وَالْمُرَادُ تَضْيِيقُ وَقْتِهَا وَمِنْهُ خِنَاقُ الْمَوْتِ وَشَرَقُ الْمَوْتَى بِفَتْحِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالرَّاءِ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهُ فَقِيلَ : هُوَ مِنْ شَرَقَ الْمَيِّتُ بِرِيقِهِ إذَا غَصَّ بِهِ فَكَأَنَّهُ شَبَّهَ مَا بَقِيَ مِنْ وَقْتِ الصَّلَاةِ بِمَا بَقِيَ مِنْ حَيَاةِ مَنْ شَرَقَ بِرِيقِهِ وَقِيلَ : شَرَقُ الْمَوْتَى : هُوَ أَنْ تَرْتَفِعَ الشَّمْسُ عَنْ الْحِيطَانِ فَصَارَتْ بَيْنَ الْقُبُورِ كَأَنَّهَا لُجَّةٌ وَحُكِيَ ذَلِكَ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَيُقَالُ : شَرَقَتْ الشَّمْسُ شَرَقًا إذَا ضَعُفَ ضَوْءُهَا وَالسُّبْحَةُ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَسُكُونِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ النَّافِلَةُ وَأَصْلُ التَّسْبِيحِ التَّنْزِيهُ وَالتَّقْدِيسُ وَأُطْلِقَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الْأَذْكَارِ مَجَازًا وَأُطْلِقَ عَلَى صَلَاةِ التَّطَوُّعِ دُونَ الْفَرِيضَةِ . قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَإِنَّمَا خُصَّتْ النَّافِلَةُ بِالسُّبْحَةِ وَإِنْ شَارَكَتْهَا الْفَرِيضَةُ فِي مَعْنَى التَّسْبِيحِ ؛ لِأَنَّ التَّسْبِيحَاتِ فِي الْفَرَائِضِ نَوَافِلُ فَقِيلَ : لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ سُبْحَةٌ ؛ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ كَالتَّسْبِيحَاتِ وَالْأَذْكَارِ فِي أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ انْتَهَى كَلَامُهُ وَفِيهِ نَظَرٌ . ( الثَّالِثَةُ ) دَلَّتْ فَتْوَى ابْنِ مَسْعُودٍ بِالتَّطْبِيقِ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَخْفَى عَلَى الْعَالِمِ وَإِنْ كَانَ كَبِيرَ الْمَحَلِّ فِي الْعِلْمِ بَعْضُ الْأَحْكَامِ مِنْ النَّسْخِ وَنَحْوِهَا مِمَّا لَعَلَّهُ عِنْدَ غَيْرِهِ مِمَّنْ هُوَ مِثْلُهُ أَوْ دُونَهُ أَوْ فَوْقَهُ فِي الْعِلْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) وَفِي قَوْلِهِ وَلْيَجْنَأْ بَيَانٌ لِهَيْئَةِ الرُّكُوعِ وَأَنَّهُ الِانْحِنَاءُ وَمَيْلُ الرَّأْسِ وَالِانْكِبَابُ فَلَوْ لَمْ يَنْحَنِ وَإِنَّمَا تَقَاعَسَ وَانْخَنَسَ حَتَّى بَلَغَتْ يَدَاهُ رُكْبَتَيْهِ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِرُكُوعٍ جَزَمَ بِهِ أَصْحَابُنَا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ : وَلَوْ مُزِجَ الِانْحِنَاءُ بِهَذِهِ الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ وَكَانَ التَّمَكُّنُ مِنْ وَضْعِ الرَّاحَتَيْنِ عَلَى الرُّكْبَتَيْنِ بِهِمَا جَمِيعًا لَمْ يَكُنْ أَيْضًا رُكُوعًا . ( الْخَامِسَةُ ) وَقَدْ ثَبَتَ النَّسْخُ لِلتَّطْبِيقِ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ الْمَذْكُورِ فِي بَقِيَّةِ الْبَابِ { كُنَّا نَفْعَلُهُ فَنُهِينَا عَنْهُ وَأُمِرْنَا بِالرُّكَبِ } ، وَقَوْلُ الصَّحَابِيِّ أُمِرْنَا وَنُهِينَا حُكْمُهُ الرَّفْعُ عِنْدَ جُمْهُورِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ الْمُحَدِّثِينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْأُصُولِيِّينَ ، وَالْمَسْأَلَةُ مُقَرَّرَةٌ فِي مَوَاضِعِهَا ، وَكَذَا قَوْلُ عُمَرَ إنَّ الرُّكَبَ سُنَّتْ لَكُمْ حُكْمُهُ أَيْضًا حُكْمُ الْمَرْفُوعِ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ . وَحَدِيثُ أَبِي حُمَيْدٍ مُصَرِّحٌ بِالرَّفْعِ فِي قَوْلِهِ { أَمْكَنَ يَدَيْهِ مِنْ رُكْبَتَيْهِ } وَقَدْ كَانَ فِي عَشَرَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ فَثَبَتَ النَّسْخُ بِذَلِكَ وَعَلَيْهِ عَمَلُ النَّاسِ وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ أَبَا سَبْرَةَ الْجُعْفِيَّ مِنْ أَصْحَابِ ابْنِ مَسْعُودٍ تَرَكَ التَّطْبِيقَ حِينَ قَدِمَ الْمَدِينَةَ وَذَكَرُوا لَهُ نَسْخَ ذَلِكَ فَكَانَ لَا يُطَبِّقُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَفِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ أَعْرَفُ بِالنَّاسِخِ وَالْمَنْسُوخِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) فِي زِيَادَةِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَضْلُ التَّعْجِيلِ بِالصَّلَاةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا فِي الظُّهْرِ فِي شِدَّةِ الْحَرِّ لِصِحَّةِ الْأَحَادِيثِ بِالْإِبْرَادِ كَمَا تَقَدَّمَ . ( السَّابِعَةُ ) فِيهِ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِأَذَانٍ وَلَا إقَامَةٍ وَإِنَّمَا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ؛ لِأَنَّ الْأَئِمَّةَ حِينَئِذٍ كَانُوا يُنْكِرُونَ أَنْ يَتَقَدَّمَ أَحَدٌ بِالصَّلَاةِ قَبْلَهُمْ وَكَانَ ذَلِكَ بِالْكُوفَةِ وَكَانَ الْأَمِيرُ بِهَا يَوْمَئِذٍ الْوَلِيدَ بْنَ عُقْبَةَ فَكَأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ خَشِيَ مِنْ إظْهَارِ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ مُخَالَفَةَ الْأَمِيرِ وَفِعْلَ مَا أُمِرَ بِهِ مِنْ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْأَئِمَّةِ إذَا أَخَّرُوا الصَّلَاةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) مَا قَالَهُ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنْ كَوْنِ الِاثْنَيْنِ يَصْطَفَّانِ مَعَ الْإِمَامِ هُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَلَا حُجَّةَ فِي الْمَوْقُوفَاتِ مَعَ وُجُودِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَرْفُوعَةِ وَقَدْ رَفَعَ أَبُو دَاوُد هَذَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ فِيهِ ، ثُمَّ { قَامَ فَصَلَّى بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَ } وَهَذَا ضَعِيفٌ فَإِنَّ فِي إسْنَادِهِ هَارُونَ بْنَ عَنْتَرَةَ وَقَدْ قَالَ فِيهِ الدَّارَقُطْنِيُّ : إنَّهُ مَتْرُوكٌ يَكْذِبُ وَهَذَا جَرْحٌ مُفَسَّرٌ فَهُوَ مُقَدَّمٌ عَلَى تَوْثِيقِ أَحْمَدَ وَابْنِ مَعِينٍ وَقَدْ تَابَعَهُ عَلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ فِيمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ إلَّا أَنَّهُ عَنْعَنَهُ وَهُوَ مُدَلِّسٌ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ : وَهُوَ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ الْمُدَلِّسَ إذَا قَالَ عَنْ ؛ لَا يُحْتَجُّ بِهِ بِالِاتِّفَاقِ . ( قُلْت ) : كَأَنَّهُ أَرَادَ اتِّفَاقَ مَنْ لَا يَحْتَجُّ بِالْمُرْسَلِ وَأَمَّا الَّذِينَ يَحْتَجُّونَ بِالْمُرْسَلِ فَإِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَحْتَجُّونَ بِخَبَرِ الْمُدَلِّسِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخَطِيبُ فِي الْكِفَايَةِ وَإِذَا تَقَرَّرَ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ مَرْفُوعًا وَإِنَّمَا يَصِحُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قَوْلِهِ فَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الْمَرْفُوعَةُ دَالَّةٌ عَلَى أَنَّ الِاثْنَيْنِ يَقِفَانِ صَفًّا خَلْفَ الْإِمَامِ مِنْ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحَيْنِ حَدِيثُ أَنَسٍ { صَلَّيْت أَنَا وَيَتِيمٌ فِي بَيْتِنَا خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُمْت عَنْ يَسَارِهِ فَأَخَذَ بِيَدِي فَأَدَارَنِي حَتَّى أَقَامَنِي عَنْ يَمِينِهِ ، ثُمَّ جَاءَ جَبَّارُ بْنُ صَخْرٍ فَقَامَ عَنْ يَسَارِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخَذَ بِأَيْدِينَا جَمِيعًا فَدَفَعْنَا حَتَّى أَقَامَنَا خَلْفَهُ } . وَلِلشَّيْخَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ { فَغَدَا عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَعَهُ أَبُو بَكْرٍ فَاسْتَأْذَنَا فَأُذِنَ لَهُمَا فَمَا جَلَسَ حَتَّى قَالَ أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّي فِي مَنْزِلِك ؟ فَأَشَرْت لَهُ إلَى نَاحِيَةٍ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَصَفَّنَا خَلْفَهُ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ } الْحَدِيثَ . ( التَّاسِعَةُ ) اخْتَلَفَ عَمَلُ عُلَمَائِنَا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي رَفَعَهُ أَبُو دَاوُد إنْ صَحَّ أَوْ قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَبَيْنَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ فَذَهَبَ الْبَيْهَقِيُّ وَآخَرُونَ إلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَحَادِيثَ الصَّحِيحَةَ نَاسِخَةٌ لِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَذَهَبَ الْحُمَيْدِيُّ شَيْخُ الْبُخَارِيِّ إلَى أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ اشْتَبَهَ عَلَيْهِ ذَلِكَ بِقَضِيَّةٍ أُخْرَى ذَكَرَهَا بِإِسْنَادِهِ وَذَهَبَ ابْنُ سِيرِينَ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا صَفَّ الِاثْنَيْنِ مَعَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَسْجِدَ كَانَ ضَيِّقًا وَذَهَبَ النَّوَوِيُّ إلَى أَنَّهُ يُحْمَلُ عَلَى فِعْلِهِ عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ مَرَّةً لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَقَالَ إنَّ هَذَا هُوَ الْمُخْتَارُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) وَفِيهِ صِحَّةُ صَلَاةِ الْمُتَنَفِّلِ خَلْفَ الْمُفْتَرِضِ عَكْسَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ : وَاجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ سُبْحَةً وَهُوَ كَذَلِكَ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ أَنَّ مَنْ صَلَّى صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ كَانَتْ فَرْضُهُ هِيَ الْأُولَى وَقَدْ تَقَدَّمَتْ الْمَسْأَلَةُ فِي الْبَابِ الَّذِي قَبْلَهُ . ( الثَّانِيَةَ عَشَرَ ) قَوْلُ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ { إنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ } قَدْ صَحَّ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ { قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ أَنْتَ إذَا كَانَتْ عَلَيْك أُمَرَاءُ يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا أَوْ يُمِيتُونَ الصَّلَاةَ عَنْ وَقْتِهَا قَالَ فَمَا تَأْمُرُنِي قَالَ صَلِّ الصَّلَاةَ لِوَقْتِهَا فَإِنْ أَدْرَكْت الصَّلَاةَ مَعَهُمْ فَصَلِّ فَإِنَّهَا لَك نَافِلَةٌ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَجَاءَ أَيْضًا مِنْ غَيْرِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) فِي قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَفِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ الْمَذْكُورِ أَنَّ مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ عَمْدًا ، ثُمَّ صَلَّاهَا بَعْدَ الْوَقْتِ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَأَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ قَضَاؤُهَا كَمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ تَرَكَهَا بِعُذْرٍ كَالنَّاسِي وَالنَّائِمِ ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَهُ بِالصَّلَاةِ مَعَهُمْ بَعْدَ خُرُوجِ الْوَقْتِ فَلَوْلَا أَنَّ الصَّلَاةَ صَحِيحَةٌ لَمَا أَمَرَهُ بِالِاقْتِدَاءِ بِهِمْ وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ عَلَى هَذَا وَحَكَى الِاتِّفَاقَ عَلَيْهِ وَأَنَّهُ لَمْ يُخَالِفْ فِيهِ إلَّا بَعْضُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَأَغْرَبُ مِنْ هَذَا أَنَّ ابْنَ حَزْمٍ ادَّعَى فِي كِتَابِ الْأَعْرَابِ : الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهَا لَا تُقْضَى وَأَنَّ الْأَحَادِيثَ إنَّمَا دَلَّتْ عَلَى قَضَاءِ الْمَعْذُورِ مِنْ قَوْلِهِ { مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا } فَلَمْ يَأْمُرْ التَّارِكَ لَهَا عَمْدًا بِالْقَضَاءِ وَذَهَبَ إلَى أَنَّهَا لَا تُقْضَى وَإِنْ قَضَاهَا لَمْ يَصِحَّ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِأَقْوَالِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ فَقَدْ اتَّفَقُوا عَلَى وُجُوبِ قَضَائِهَا وَصِحَّةِ الْقَضَاءِ ؛ لِأَنَّهُ إذَا وَجَبَ الْقَضَاءُ فِي النَّاسِي مَعَ عُذْرِهِ فَالْمُتَعَمِّدُ أَوْلَى بِوُجُوبِ الْقَضَاءِ وَبِالْقِيَاسِ أَيْضًا عَلَى الصَّوْمِ فَإِنَّ الْمُجَامِعَ فِي رَمَضَانَ جَامَعَ عَامِدًا وَأَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقَضَاءِ وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ الصَّوْمِ وَالصَّلَاةِ وَابْنُ حَزْمٍ مُوَافِقٌ فِي الصَّوْمِ أَنَّهُ يُقْضَى وَلَكِنَّهُ لَا يَحْتَجُّ بِالْقِيَاسِ وَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ ابْنُ حَزْمٍ شَاذٌّ مُخَالِفٌ لِأَئِمَّةِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) وَمَعْنَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَإِذَا كُنْتُمْ ثَلَاثَةً فَلْيَؤُمَّكُمْ أَحَدُكُمْ أَيْ فَلِيُصَلِّ إمَامُكُمْ وَلَيْسَ مُرَادُهُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي بِهِمْ أَحَدُهُمْ إلَّا إذَا كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ثَلَاثَةٍ فَإِنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ وَغَيْرَهُ مُتَّفِقُونَ عَلَى صِحَّةِ الْجَمَاعَةِ بِدُونِ ذَلِكَ وَهَذَا وَاضِحٌ ، وَقَوْلُ أَنَسٍ فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ فِي آخَرِ الْبَابِ { وَأُمِّي خَلْفَنَا } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَقِفُ مَعَ صَفِّ الرِّجَالِ بَلْ تَقِفُ خَلْفَهُمْ وَكَذَلِكَ تَقِفُ خَلْفَ الصِّبْيَانِ أَيْضًا وَلَا تُصَفُّ مَعَهُمْ لِكَوْنِهِمْ ذُكُورًا . بَابُ الْقُنُوتِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { لَمَّا رَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَالَ اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتَك عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا { قَنَتَ بَعْدِ الرُّكُوعِ فِي صَلَاتِهِ شَهْرًا يَدْعُو لِفُلَانٍ وَفُلَانٍ ، ثُمَّ تَرَكَ الدُّعَاءَ لَهُمْ } ، وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ أَحْيَاءِ الْعَرَبِ ، ثُمَّ تَرَكَهُ } زَادَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَصَحَّحُوهُ { فَأَمَّا فِي الصُّبْحِ فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا } . بَابُ الْقُنُوتِ عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { لَمَّا رَفَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأْسَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ قَالَ : اللَّهُمَّ أَنْجِ الْوَلِيدَ بْنَ الْوَلِيدِ وَسَلَمَةَ بْنَ هِشَامٍ وَعَيَّاشَ بْنَ أَبِي رَبِيعَةَ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ بِمَكَّةَ اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتَك عَلَى مُضَرَ وَاجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ } . فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) : الْقُنُوتُ يُطْلَقُ بِإِزَاءِ مَعَانٍ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } فَقِيلَ : الْمُرَادُ الطَّاعَةُ وَقِيلَ : الدُّعَاءُ وَيُطْلَقُ بِمَعْنَى طُولِ الْقِيَامِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ } وَيُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى السُّكُوتِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ { كُنَّا نَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ حَتَّى نَزَلَتْ { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } } قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقِيلَ : أَصْلُهُ الدَّوَامُ عَلَى الشَّيْءِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَإِذَا كَانَ هَذَا أَصْلُهُ فَمُدِيمُ الطَّاعَةِ قَانِتٌ وَكَذَلِكَ الدَّاعِي وَالْقَائِمُ فِي الصَّلَاةِ وَالْمُخْلِصُ فِيهَا وَالسَّاكِتُ فِيهَا كُلُّهُمْ فَاعِلُونَ لِلْقُنُوتِ قَالَ وَفِي كَلَامِ بَعْضِهِمْ مَا يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِلْمُشْتَرَكِ قَالَ وَهَذِهِ طَرِيقَةُ الْمُتَأَخِّرِينَ يَقْصِدُونَ دَفْعَ الِاشْتِرَاكِ وَالْمَجَازِ وَلَا بَأْسَ بِهَا إنْ لَمْ يَقُمْ دَلِيلٌ خَاصٌّ عَلَى أَنَّ اللَّفْظَ حَقِيقَةٌ فِي مَعْنًى مُعَيَّنٍ أَوْ مَعَانٍ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ اسْتَحَبَّ الْقُنُوتَ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ إلَّا أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ حَكَوْا عَنْ مَالِكٍ فِيهِ رِوَايَتَيْنِ هَلْ هُوَ مُسْتَحَبٌّ أَوْ سُنَّةٌ بِنَاءً عَلَى قَاعِدَتِهِمْ أَنَّ تَرْكَ السُّنَّةِ عَمْدًا تُعَادُ لَهُ الصَّلَاةُ وَحَكَى مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ تَرْكَهُ غَيْرُ مُفْسِدٍ لِلصَّلَاةِ وَجَعَلَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ مِنْ أَبْعَاضِ الصَّلَاةِ الَّتِي يُشْرَعُ لِتَرْكِهَا سُجُودُ السَّهْوِ وَرُوِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَيْضًا أَنَّ فِي تَرْكِهِ سُجُودُ السَّهْوِ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَاللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ وَيَحْيَى بْنُ يَحْيَى مِنْ الْمَالِكِيَّةِ : أَنَّهُ لَا قُنُوتَ فِي الْفَجْرِ وَلَا فِي غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ وَلَا فِي الْوِتْرِ أَيْضًا وَاسْتَدَلُّوا بِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ شَهْرًا ، ثُمَّ تَرَكَهُ } كَمَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ فِي بَقِيَّةِ الْبَابِ وَأَجَابَ مَنْ اسْتَحَبَّهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ تَرْكُ الدُّعَاءِ لِمَنْ سَمَّى وَتَرَكَ الدُّعَاءَ عَلَى مَنْ سَمَّاهُ لَا أَنَّهُ تَرَكَ أَصْلَ الْقُنُوتِ بِدَلِيلِ الزِّيَادَةِ الَّتِي رَوَاهَا الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ { فَأَمَّا فِي الصُّبْحِ فَلَمْ يَزَلْ يَقْنُتُ حَتَّى فَارَقَ الدُّنْيَا } وَفِي إسْنَادِهِ أَبُو جَعْفَرٍ الرَّازِيّ وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ فَوَثَّقَهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَعَلِيُّ بْنُ الْمَدِينِيِّ وَأَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ وَقَالَ الْفَلَّاسُ سَيِّئُ الْحِفْظِ وَقَالَ النَّسَائِيّ لَيْسَ بِالْقَوِيِّ وَقَدْ صَحَّحَ هَذَا الْحَدِيثَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ الْبَجَلِيُّ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ وَالدَّارَقُطْنِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمْ وَمِمَّنْ قَالَ بِاسْتِحْبَابِهِ فِي الصُّبْحِ الْخُلَفَاءُ الْأَرْبَعَةُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ بِإِسْنَادَيْنِ جَيِّدَيْنِ . وَجَاءَ عَنْهُمْ أَيْضًا تَرْكُهُ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ عَنْ أَبِيهِ قَالَ { صَلَّيْت خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَقْنُتْ } وَصَلَّيْت خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَلَمْ يَقْنُتْ وَصَلَّيْت خَلْفَ عُمَرَ فَلَمْ يَقْنُتْ وَصَلَّيْت خَلْفَ عُثْمَانَ فَلَمْ يَقْنُتْ وَصَلَّيْت خَلْفَ عَلِيٍّ فَلَمْ يَقْنُتْ ، ثُمَّ قَالَ يَا بُنَيَّ إنَّهَا بِدْعَةٌ . لَفْظُ رِوَايَةِ النَّسَائِيّ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ إنَّهُ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ قَالَ : أَصْحَابُنَا الَّذِينَ رَوَوْا إثْبَاتَ الْقُنُوتِ أَكْثَرُ وَمَعَهُمْ زِيَادَةُ عِلْمٍ فَتُقَدَّمُ رِوَايَتُهُمْ انْتَهَى وَبِالْجُمْلَةِ فَمَسْأَلَةُ الْقُنُوتِ مِنْ مَسَائِلِ الِاخْتِلَافِ الَّتِي تَعَارَضَتْ فِيهَا الْأَدِلَّةُ وَأَفْرَدَهَا النَّاسُ بِالتَّصْنِيفِ فَصَنَّفَ ابْنُ مَنْدَهْ تَصْنِيفًا فِي إنْكَارِهِ وَأَنَّهُ بِدْعَةٌ وَصَنَّفَ الْحَافِظُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ تَصْنِيفًا فِي اسْتِحْبَابِهِ وَأَنَّهُ سُنَّةٌ وَالْأَدِلَّةُ مُتَعَادِلَةٌ ، وَمَنْ أَثْبَتَ مُقَدَّمٌ عَلَى مَنْ نَفَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَهَبَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ إلَى أَنَّهُ لَا يَقْنُتُ فِي الْفَجْرِ إلَّا عِنْدَ نَازِلَةٍ تَنْزِلُ بِالْمُسْلِمِينَ وَلَمْ يَرَ ابْنُ الْمُبَارَكِ الْقُنُوتَ فِي الْفَجْرِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إنْ قَنَتَ فِي الْفَجْرِ فَحَسَنٌ وَإِنْ لَمْ يَقْنُتْ فَحَسَنٌ وَاخْتَارَ أَلَّا يَقْنُتَ وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ فِي الْجَامِعِ أَنَّ الْعَمَلَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْجَعِيِّ . ( الثَّالِثَةُ ) اقْتَصَرَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ فِي رِوَايَتِهِ لِهَذَا الْحَدِيثِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ وَرَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَقَالَ { : الْعِشَاءُ } بَدَلُ { الصُّبْحِ } وَاتَّفَقَا عَلَيْهِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ أَيْضًا أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ { وَاَللَّهِ لَأُقَرِّبَنَّ بِكُمْ صَلَاةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ أَبُو هُرَيْرَةَ يَقْنُتُ فِي الظُّهْرِ وَالْعِشَاءِ الْآخِرَةِ وَالصُّبْحِ يَدْعُو لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَلْعَنُ الْكُفَّارَ } . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْنُتُ فِي الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ } . وَلِلْبَيْهَقِيِّ مِنْ حَدِيثِهِ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يُصَلِّي صَلَاةً مَكْتُوبَةً إلَّا قَنَتَ فِيهَا } . وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا مُتَتَابِعًا فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ يَدْعُو عَلَى أَحْيَاءٍ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ } الْحَدِيثَ زَادَ الْبَيْهَقِيُّ فِيهِ قَالَ عِكْرِمَةُ هَذَا مِفْتَاحُ الْقُنُوتِ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الْقُنُوتِ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ فَقَالَ الرَّافِعِيُّ إنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ الْمُعْظَمِ أَنَّهُ إنْ نَزَلَتْ بِالْمُسْلِمِينَ نَازِلَةٌ قَنَتُوا وَإِلَّا فَلَا وَقِيلَ : لَا يُقْنَتُ فِيهَا وَقِيلَ يُتَخَيَّرُ فِي غَيْرِ النَّازِلَةِ وَقِيلَ يَقْنُتُ مُطْلَقًا وَقِيلَ : يَقْنُتُ فِي الْجَهْرِيَّةِ دُونَ السِّرِّيَّةِ فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْوَالِ اقْتَصَرَ الرَّافِعِيُّ مِنْهَا عَلَى الثَّلَاثَةِ الْأُوَلِ وَحَكَى ابْنُ يُونُسَ الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ قَالَ الرَّافِعِيُّ ، ثُمَّ مُقْتَضَى كَلَامِ الْأَكْثَرِينَ أَنَّ الْخِلَافَ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ إنَّمَا هُوَ فِي الْجَوَازِ قَالَ مِنْهُمْ مَنْ يَشْعُرُ إيرَادَهُ بِالِاسْتِحْبَابِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : الْأَصَحُّ أَنَّ الْخِلَافَ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ مَحَلَّ الْقُنُوتِ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَرِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَقَدْ ثَبَتَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ { سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ فِي الرَّكْعَةِ الْأَخِيرَةِ يَقُولُ : اللَّهُمَّ الْعَنْ فُلَانًا بَعْدَ مَا يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ } الْحَدِيثَ وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ خُفَافِ بْنِ إيمَاءَ { رَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ فَقَالَ غِفَارٌ غَفَرَ اللَّهُ لَهَا } الْحَدِيثَ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَقَدْ ذَكَرْته فِي الْأَصْلِ فِي آخِرِ الْبَابِ . وَذَهَبَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ إلَى أَنَّ مَحَلَّهُ قَبْلَ الرُّكُوعِ وَاسْتَدَلَّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمٍ قَالَ سَأَلْت أَنَسًا عَنْ الْقُنُوتِ أَكَانَ قَبْلَ الرُّكُوعِ أَمْ بَعْدَهُ قَالَ قَبْلَهُ قُلْت فَإِنَّ فُلَانًا أَخْبَرَنِي عَنْك أَنَّك قُلْت بَعْدَهُ قَالَ كَذَبَ { إنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الرُّكُوعِ شَهْرًا } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَقَالَ مُسْلِمٌ { قُلْت فَإِنَّ نَاسًا يَزْعُمُونَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَنَتَ بَعْدَ الرُّكُوعِ فَقَالَ إنَّمَا قَنَتَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَى أُنَاسٍ قَتَلُوا أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِهِ يُقَالُ لَهُمْ الْقُرَّاءُ } هَكَذَا رَوَاهُ عَاصِمٌ الْأَحْوَلُ . وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ عَاصِمٍ عَنْ أَنَسٍ قَالَ { إنَّمَا قَنَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا فَقُلْت كَيْفَ الْقُنُوتُ ؟ قَالَ بَعْدَ الرُّكُوعِ } قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : فَهُوَ ذَا قَدْ أَخْبَرَ أَنَّ الْقُنُوتَ الْمُطْلَقَ الْمُعْتَادَ بَعْدَ الرُّكُوعِ وَقَوْلُهُ { إنَّمَا قَنَتَ شَهْرًا يُرِيدُ بِهِ اللَّعْنَ } قَالَ وَرُوَاةُ الْقُنُوتِ بَعْدَ الرُّكُوعِ أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ فَهُوَ أَوْلَى قَالَ وَعَلَى هَذَا دَرَجَ الْخُلَفَاءُ الرَّاشِدُونَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فِي أَشْهَرِ الرِّوَايَاتِ عَنْهُمْ وَأَكْثَرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ ذَهَبَ جَمَاعَةٌ إلَى التَّخْيِيرِ بَيْنَ الْقُنُوتِ قَبْلَهُ أَوْ بَعْدَهُ حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ . ( الْخَامِسَةُ ) فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي مَنْعِهِ أَنْ يُدْعَى لِمُعَيَّنٍ أَوْ عَلَى مُعَيَّنٍ فِي الصَّلَاةِ وَخَالَفَهُ الْجُمْهُورُ فَجَوَّزُوا ذَلِكَ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ أَيْضًا فِي مَنْعِهِ مَا لَيْسَ بِلَفْظِ الْقُرْآنِ مِنْ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ وَخَالَفَهُ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ . ( السَّابِعَةُ ) فِيهِ جَوَازُ الدُّعَاءِ عَلَى الْكُفَّارِ وَلَعْنَتِهِمْ قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ وَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِ لَعْنِ الْكَفَرَةِ وَالدُّعَاءِ عَلَيْهِمْ قَالَ وَاخْتَلَفُوا فِي جَوَازِ الدُّعَاءِ عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي فَأَجَازَهُ قَوْمٌ وَمَنَعَهُ آخَرُونَ . ( قُلْت ) أَمَّا الدُّعَاءُ عَلَى أَهْلِ الْمَعَاصِي وَلَعْنِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَعْيِينٍ فَلَا خِلَافَ فِي جَوَازِهِ لِقَوْلِهِ { لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ } . { لَعَنَ اللَّهُ مَنْ غَيَّرَ مَنَارَ الْأَرْضِ } وَنَحْوُ ذَلِكَ وَأَمَّا مَعَ التَّعْيِينِ فَوَقَعَ كَثِيرًا فِي الْأَحَادِيثِ كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اللَّهُمَّ لَا تَغْفِرْ لِمُحَلِّمِ بْنِ جَثَّامَةَ } وَلِهَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْأَذْكَارِ إنَّ ظَوَاهِرَ الْأَحَادِيثِ تَدُلُّ عَلَى جَوَازِ لَعْنِ أَهْلِ الْمَعَاصِي مَعَ التَّعْيِينِ . ( قُلْت ) وَقَدْ يُقَالُ : هَذَا مِنْ خَوَاصِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اللَّهُمَّ إنِّي اتَّخَذْت عِنْدَك عَهْدًا أَيُّمَا مُسْلِمٍ سَبَبْتُهُ أَوْ لَعَنْتُهُ وَلَيْسَ لَهَا بِأَهْلٍ فَاجْعَلْهَا لَهُ صَلَاةً } الْحَدِيثَ . وَهَذَا لَيْسَ لِغَيْرِهِ فَلِهَذَا كَانَ الْمَنْقُولُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لَعْنُ الْعَاصِي الْمُعَيَّنِ وَأَمَّا لَعْنُ الْكَافِرِ الْمُعَيَّنِ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُهُ ، وَلَكِنْ هَلْ لَنَا أَنْ نَتَعَاطَى ذَلِكَ فَمَنَعَ مِنْهُ أَبُو حَامِدٍ الْغَزَالِيُّ إلَّا أَنْ يُقَيِّدَ ذَلِكَ بِأَنْ يَمُوتَ عَلَى كُفْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهُ { اللَّهُمَّ اُشْدُدْ وَطْأَتَك } هُوَ بِفَتْحِ الْوَاوِ وَسُكُونِ الطَّاءِ الْمُهْمَلَةِ وَبِالْهَمْزِ وَالْمَعْنَى خُذْهُمْ أَخَذَا شَدِيدًا قَالَهُ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَمِنْ حَدِيثِ خَوْلَةَ بِنْتِ حَكِيمٍ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ { آخَرُ وَطْأَةٍ وَطِئَهَا اللَّهُ بِوَجٍّ } قَالَ وَالْوَطْءُ فِي الْأَصْلِ الدَّوْسُ بِالْقَدَمِ فَسُمِّيَ بِهِ الْغَزْوُ وَالْقَتْلُ قَالَ وَالْمَعْنَى أَنَّ آخِرَ أَخْذَةٍ وَوَقْعَةٍ أَوْقَعَهَا اللَّهُ بِالْكُفَّارِ كَانَتْ بِوَجٍّ وَكَانَتْ غَزْوَةُ الطَّائِفِ آخِرَ غَزَوَاتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ لَمْ يَغْزُ بَعْدَهَا إلَّا غَزْوَةَ تَبُوكَ وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا قِتَالٌ انْتَهَى . ( التَّاسِعَةُ ) الْمُرَادُ { بِسِنِي يُوسُفَ } السَّبْعُ الشِّدَادُ الْمَذْكُورَةُ فِي قَوْله تَعَالَى { ثُمَّ يَأْتِي مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ سَبْعٌ شِدَادٌ } وَالْمُرَادُ بِهِ الْغَلَاءُ وَالْقَحْطُ وَقَدْ أَوَّلَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ هَذَا الدُّعَاءَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ { وَاسْتُجِيبَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ فَأَجْدَبُوا سَبْعًا أَكَلُوا فِيهَا كُلَّ شَيْءٍ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِيهِ { حَتَّى جَاءَ أَبُو سُفْيَانَ فَكَلَّمَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَا لَهُمْ فَسُقُوا } عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ انْتَهَى كَلَامُ الْقُرْطُبِيِّ ، وَفِيهِ أَوْهَامٌ أَحَدُهَا فِي قَوْلِهِ { فَأَجْدَبُوا سَبْعًا } وَلَيْسَ فِي وَاحِدٍ مِنْ الصَّحِيحَيْنِ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ أَيْضًا فَإِنَّهُ كُشِفَ عَنْهُمْ قَبْلَ بَدْرٍ وَكَانَتْ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنْ الْهِجْرَةِ وَأَيْضًا فَأَبُو هُرَيْرَةَ رَاوِي الْحَدِيثِ شَهِدَ قُنُوتَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَدُعَاءَهُ عَلَيْهِمْ بِذَلِكَ وَإِنَّمَا أَسْلَمَ أَبُو هُرَيْرَةَ بَعْدَ خَيْبَرَ فَلَا يَصِحُّ حَمْلُهُ عَلَى دُعَائِهِ عَلَى قُرَيْشٍ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ . وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّ { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا رَأَى قُرَيْشًا اسْتَعْصَوْا عَلَيْهِ قَالَ اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ فَأَخَذَتْهُمْ السَّنَةُ حَتَّى خَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ حَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ وَالْجُلُودَ } وَفِي رِوَايَةٍ { الْمَيْتَةَ } بَدَلَ الْعِظَامِ { وَجَعَلَ يَخْرُجُ مِنْ الْأَرْضِ كَهَيْئَةِ الدُّخَانِ فَأَتَاهُ أَبُو سُفْيَانَ فَقَالَ أَيْ مُحَمَّدٌ إنَّ قَوْمَك هَلَكُوا فَادْعُ اللَّهَ أَنْ يَكْشِفَ عَنْهُمْ فَدَعَا } وَفِي رِوَايَةٍ { فَدَعَا رَبَّهُ فَكَشَفَ عَنْهُمْ فَعَادُوا فَانْتَقَمَ اللَّهُ مِنْهُمْ يَوْمَ بَدْرٍ } ، فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ دُعَاءَهُ عَلَى قُرَيْشٍ قَبْلَ وَقْعَةِ بَدْرٍ وَهَذَا لَمْ يَشْهَدْهُ أَبُو هُرَيْرَةَ وَاَلَّذِي أَوْقَعَ الْقُرْطُبِيَّ فِي ذَلِكَ أَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ ذِكْرُ { مُضَرَ } فَذَكَرَ أَوَّلَ الْحَدِيثِ إلَى قَوْلِهِ { وَحَتَّى أَكَلُوا الْعِظَامَ فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلٌ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ اسْتَسْقِ اللَّهَ لِمُضَرَ فَإِنَّهُمْ قَدْ هَلَكُوا فَقَالَ لِمُضَرَ إنَّك لَجَرِيءٌ قَالَ فَدَعَا لَهُمْ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { إنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إنَّكُمْ عَائِدُونَ } } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَظَنَّ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ أَنَّهَا قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَقِصَّةُ الدُّعَاءِ عَلَى قُرَيْشٍ كَانَتْ قَبْلَ بَدْرٍ وَلَمْ يُنْقَلْ فِيهَا قُنُوتٌ وَلَمْ يَشْهَدْهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَقُرَيْشٌ هِيَ مِنْ مُضَرَ وَقِصَّةُ الْقُنُوتِ كَانَتْ بَعْدَ خَيْبَرَ بَعْدَ إسْلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَكَانَ دُعَاؤُهُ فِيهَا عَلَى مُضَرَ وَهُوَ اسْمٌ جَامِعٌ لِقُرَيْشٍ وَغَيْرِهَا وَكَانَ سَبَبُ الْقُنُوتِ { قِصَّةُ بِئْرِ مَعُونَةَ الَّتِي فِيهَا السَّبْعُونَ مِنْ الْقُرَّاءِ فَقَنَتَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَهْرًا يَدْعُو عَلَيْهِمْ وَعَمَّمَ الدُّعَاءَ عَلَى مُضَرَ } وَلَيْسَ بِدُعَائِهِ عَلَيْهِمْ قَبْلَ بَدْرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَجَاءَ قَوْلُهُ { كَسِنِي يُوسُفَ } عَلَى إحْدَى اللُّغَتَيْنِ فِي أَنَّ سِنِينَ جَمْعُ سَنَةِ يُعَامَلُ مُعَامَلَةَ الْجَمْعِ فَحُذِفَ مِنْهُ النُّونُ لِلْإِضَافَةِ وَهِيَ لُغَةٌ ، وَاللُّغَةُ الْفَصِيحَةُ بِإِثْبَاتِ النُّونِ دَائِمًا وَبِالْيَاءِ فَقَطْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ { ، ثُمَّ تَرَكَ الدُّعَاءَ لَهُمْ } يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا تَرَكَ الدُّعَاءَ لِلْمُسْتَضْعَفَيْنِ الَّذِينَ كَانُوا يَدْعُو لَهُمْ لَا أَصْلَ الْقُنُوتِ وَفِي رِوَايَةِ لِمُسْلِمٍ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ قَالَ فَقُلْت { أُرَى رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ تَرَكَ الدُّعَاءَ لَهُمْ قَالَ فَقِيلَ : وَمَا تَرَاهُمْ قَدْ قَدِمُوا ، أَيْ إنَّ الَّذِينَ كَانَ يَدْعُو لَهُمْ بِالنَّجَاةِ مِنْ الْمُسْتَضْعَفِينَ نَجَّاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى فَلَحِقُوا بِأَبِي بَصِيرٍ فَكَانُوا بِسَيْفِ الْبَحْرِ يَأْخُذُونَ مَا وَجَدُوا لِقُرَيْشٍ حَتَّى بَعَثَتْ قُرَيْشٌ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَسْأَلُهُ أَنْ يُرْسِلَ إلَيْهِمْ لِيَأْتُوهُ } كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي السِّيَرِ فَأَمَّا أَصْلُ الْقُنُوتِ فَلَمْ يَتْرُكْهُ كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ فِي آخِرِ الْبَابِ . ( الْحَادِيَةَ عَشَرَ ) اخْتَلَفَ الْقَائِلُونَ بِاسْتِحْبَابِ الْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ فِي كَيْفِيَّةِ الْقُنُوتِ فَقَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي الْقُنُوتِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ فِي تَخْصِيصِهِمْ بِقُنُوتِ مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ الْمَرْوِيِّ أَنَّ { جِبْرِيلَ عَلَّمَهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك وَنَسْتَغْفِرُك } إلَى آخِرِهِ وَأَنَّهُ لَا يُصَلِّي خَلْفَ مَنْ لَا يَقْنُتُ بِذَلِكَ وَاسْتَحَبَّهُ مَالِكٌ وَاسْتَحَبَّ الشَّافِعِيُّ الْقُنُوتَ بِالدُّعَاءِ الْمَرْوِيِّ عَنْ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت } إلَى آخِرِهِ . قَالَ وَقَدْ اخْتَارَ بَعْضُ شُيُوخنَا الْبَغْدَادِيِّينَ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا وَهُوَ قَوْلُ إِسْحَاقَ وَالْحَسَنِ بْنِ حَيٍّ وَسَبَبُ الْخِلَافِ فِيمَا ذُكِرَ اخْتِلَافُ الْأَحَادِيثِ وَهَلْ كَانَ ذَلِكَ مَخْصُوصًا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ لَا انْتَهَى كَلَامُهُ وَمَا حَكَاهُ مِنْ الِاتِّفَاقِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِيهِ دُعَاءٌ مُؤَقَّتٌ إلَّا مَا حَكَاهُ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ الْحَدِيثِ مِنْ تَعَيُّنِ قُنُوتِ أُبَيٍّ لَيْسَ بِجَيِّدٍ فَإِنَّ الْخِلَافَ عِنْدَنَا فِي تَعَيُّنِ الْقُنُوتِ الْمَرْوِيِّ فِي حَدِيثِ الْحَسَنِ فَقَدْ حَكَى فِيهِ الرَّافِعِيُّ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ كَكَلِمَاتِ التَّشَهُّدِ وَالثَّانِي وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فَأَمَّا قُنُوتُ الْحَسَنِ فَرَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ بِلَفْظِ { عَلَّمَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلِمَاتٍ أَقُولُهُنَّ فِي الْوِتْرِ } وَفِي رِوَايَةٍ { فِي قُنُوتِ الْوِتْرِ اللَّهُمَّ اهْدِنِي فِيمَنْ هَدَيْت وَعَافَنِي فِيمَنْ عَافَيْت وَتَوَلَّنِي فِيمَنْ تَوَلَّيْت وَبَارِكْ لِي فِيمَا أَعْطَيْت وَقِنِي شَرَّ مَا قَضَيْت إنَّك تَقْضِي وَلَا يُقْضَى عَلَيْك وَإِنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْت تَبَارَكْت رَبَّنَا وَتَعَالَيْت } لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ { فَإِنَّك تَقْضِي } وَقَالَ ابْنُ مَاجَهْ { سُبْحَانَك رَبَّنَا وَتَعَالَيْت } . وَزَادَ فِيهِ الْبَيْهَقِيُّ بَعْدَ قَوْلِهِ { إنَّهُ لَا يَذِلُّ مَنْ وَالَيْت وَلَا يَعِزُّ مَنْ عَادَيْت } وَزَادَ فِيهِ ابْنُ أَبِي عَاصِمٍ فِي كِتَابِ التَّوْبَةِ وَالْمَتَابَةِ { نَسْتَغْفِرُك اللَّهُمَّ وَنَتُوبُ إلَيْك } وَزَادَ فِيهِ النَّسَائِيّ فِي آخِرِهِ { وَصَلَّى اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ } وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ عَلِيًّا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا فِي قُنُوتِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طُرُقٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ هَذَا الدُّعَاءَ لِيَدْعُوا بِهِ فِي الْقُنُوتِ فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَدْعُو بِهَذَا فِي صَلَاةِ الصُّبْحِ وَفِي وِتْرِ اللَّيْلِ } قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فَدَلَّ هَذَا كُلُّهُ أَنَّ تَعْلِيمَ هَذَا الدُّعَاءِ وَقَعَ لِقُنُوتِ الصُّبْحِ وَالْوِتْرِ وَأَمَّا الْقُنُوتُ الَّذِي ذُكِرَ أَنَّهُ رُوِيَ أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَّمَهُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ رِوَايَةِ خَالِدِ بْنِ أَبِي عِمْرَانَ قَالَ { بَيْنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو عَلَى مُضَرَ } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ { ، ثُمَّ عَلَّمَهُ هَذَا الْقُنُوتَ اللَّهُمَّ إنَّا نَسْتَعِينُك وَنَسْتَغْفِرُك وَنُؤْمِنُ بِك وَنَخْضَعُ لَك وَنَخْلَعُ وَنَتْرُكُ مَنْ يَكْفُرُك اللَّهُمَّ إيَّاكَ نَعْبُدُ وَلَك نُصَلِّي وَنَسْجُدُ وَإِلَيْك نَسْعَى وَنَحْفِدُ نَرْجُو رَحْمَتَك وَنَخَافُ عَذَابَك الْجِدَّ إنَّ عَذَابَك بِالْكَافِرِينَ مُلْحَقٌ } قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا مُرْسَلٌ قَالَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ صَحِيحًا مُوصَلًا ، ثُمَّ رَوَاهُ مَعَ تَقْدِيمٍ وَتَأْخِيرٍ وَزِيَادَةٍ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْجَهْرِ بِالْقُنُوتِ لِلْإِمَامِ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَهَرَ بِهِ وَإِلَّا لَمَا سَمِعُوهُ أَصْحَابُهُ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ لَهُ { يَجْهَرُ بِذَلِكَ } فَصَرَّحَ بِالظَّاهِرِ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَقَدِّمِ فِي قُنُوتِهِ فِي الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ { وَيُؤَمِّنُ مَنْ خَلْفَهُ } وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى الْجَهْرِ أَيْضًا وَأَخْرُجهُ الْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَمَا دَلَّ عَلَيْهِ الْحَدِيثَ مِنْ جَهْرِ الْإِمَامِ بِالْقُنُوتِ هُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَفِي وَجْهٍ يُسِرُّ كَسَائِرِ الْأَذْكَارِ وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَجَزَمَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ وَالْبَغَوِيُّ وَالْمَاوَرْدِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُسِرُّ بِالْقُنُوتِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي التَّحْقِيقِ إنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ انْتَهَى . وَكَلَامُ الْبَنْدَنِيجِيِّ يَدُلُّ عَلَى الْجَهْرِ فَإِنَّهُ عَبَّرَ بِقَوْلِهِ وَيَجْهَرُ بِهِ الْمُصَلِّي . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ { قَنَتَ شَهْرًا بَعْدَ الرُّكُوعِ } هَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ فِي قِصَّةِ قَتْلِ الْقُرَّاءِ بِبِئْرِ مَعُونَةَ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ رِوَايَةِ حُمَيْدٍ عَنْ أَنَسٍ { دَعَا عَلَى مَنْ قَتَلَهُمْ خَمْسَ عَشْرَةَ لَيْلَةً } قَالَ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَلْقَمَةُ بْنُ أَبِي عَلْقَمَةَ عَنْ أَنَسٍ قَالَ { فَدَعَا عَلَى مَنْ قَتَلَهُمْ خَمْسَةَ عَشَرَ يَوْمًا } قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَالرِّوَايَةُ فِي الشَّهْرِ أَشْهَرُ وَأَكْثَرُ وَأَصَحُّ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِالْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ عَلَى أَنَّهَا الصَّلَاةُ الْوُسْطَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَ ذِكْرِ الصَّلَاةِ الْوُسْطَى { وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ } وَفِيهِ نَظَرٌ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى عَلَى سَبْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا حَكَاهَا الْحَافِظُ شَرَفُ الدِّينِ الدِّمْيَاطِيُّ فِي كِتَابِهِ كَشْفِ الْمُغَطَّى وَقَدْ تَقَدَّمَ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ فِي أَوَائِلِ الصَّلَاةِ . بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَالْمَشْيِ إلَيْهَا عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً } وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعْدٍ { بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً } ، زَادَ أَبُو دَاوُد { فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا بَلَغَتْ خَمْسِينَ صَلَاةً } ، وَرَوَاهَا ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ ، وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا } ، وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا { خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً } ، وَلَهُمَا : { صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تُضَعَّفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ } . قَالَ الْبُخَارِيُّ { خَمْسًا وَعِشْرِينَ ضِعْفًا } ، وَقَالَ مُسْلِمٌ { بِضْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إلَّا الصَّلَاةُ لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إلَّا رُفِعَ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ وَحُطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ } ، الْحَدِيثَ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ { أَوْ حُطَّ } . قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَعَامَّةُ مَنْ رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا قَالُوا { خَمْسَةً وَعِشْرِينَ } إلَّا ابْنَ عُمَرَ فَإِنَّهُ قَالَ { بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ } ( قُلْت ) بَلْ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ } . . ( بَابُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَالْمَشْيِ إلَيْهَا ) ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاةِ الْفَذِّ بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً } . فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) فِيهِ تَأَكُّدُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَفَضْلِهَا وَالْحَضُّ عَلَيْهَا . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ أَنَّ أَقَلَّ الْجَمَاعَةِ اثْنَانِ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ هَذَا الْفَضْلَ لِغَيْرِ الْفَذِّ وَمَا زَادَ عَلَى الْفَذِّ فَهُوَ جَمَاعَةٌ وَقَدْ يُقَالُ : إنَّمَا رَتَّبَ هَذَا الْفَضْلَ لِصَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَلَيْسَ فِيهِ تَعَرُّضٌ لِنَفْيِ دَرَجَةٍ مُتَوَسِّطَةٍ بَيْنَ الْفَذِّ وَالْجَمَاعَةِ كَصَلَاةِ الِاثْنَيْنِ مَثَلًا وَلَكِنْ قَدْ وَرَدَ فِي غَيْرِ حَدِيثٍ التَّصْرِيحُ بِكَوْنِ الِاثْنَيْنِ جَمَاعَةٌ فَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ } وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَفِيهِمَا ضَعْفٌ لَكِنْ اُسْتُدِلَّ لِذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ مَالِكِ بْنِ الْحُوَيْرِثِ { إذَا حَضَرَتْ الصَّلَاةُ فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا ، ثُمَّ لِيَؤُمَّكُمَا أَكْبَرُكُمَا } بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ بَابُ اثْنَانِ فَمَا فَوْقَهُمَا جَمَاعَةٌ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ وَيُسْتَدَلُّ فِيهِ أَيْضًا بِالْإِجْمَاعِ قُلْت وَفِي الْإِجْمَاعِ نَظَرٌ وَقَدْ حَكَى ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ خِلَافًا فِي أَنَّ أَقَلَّ الْجَمَاعَةِ ثَلَاثَةٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَحَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى دَاوُد الظَّاهِرِيِّ وَأَبِي ثَوْرٍ وَابْنِ الْمُنْذِرِ وَابْنِ خُزَيْمَةَ فِيمَا ذَهَبُوا إلَيْهِ مِنْ أَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ أَحْمَدَ وَعَزَاهُ بَعْضُهُمْ قَوْلًا لِلشَّافِعِيِّ فِيمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ إلَّا أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَائِلِينَ بِوُجُوبِهِ أَكْثَرُهُمْ يَجْعَلُهُ فَرْضًا وَلَيْسَ بِشَرْطٍ فِي الصِّحَّةِ وَبَعْضُهُمْ يَجْعَلُهُ شَرْطٌ فِي الصِّحَّةِ وَهُوَ دَاوُد وَرِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَأَظْهَرُ الرِّوَايَتَيْنِ عَنْهُ : أَنَّهَا وَاجِبَةٌ وَلَيْسَتْ بِشَرْطٍ وَوَجْهُ الدَّلَالَةِ مِنْهُ : أَنَّ صِيغَةَ أَفْعَلَ تَقْتَضِي الْمُشَارَكَةَ فِي الْفَضِيلَةِ لِصَلَاةِ الْفَذِّ وَإِذَا كَانَتْ الْجَمَاعَةُ فَرْضَ عَيْنٍ لَمْ تَصِحَّ الصَّلَاةُ بِدُونِهَا فَلَا يَكُونُ فِيهَا فَضِيلَةٌ وَأَيْضًا فَلَا يُقَالُ : الْإِتْيَانُ بِالْوَاجِبِ أَفْضَلُ مِنْ تَرْكِهِ قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ لَا يُقَالُ : إنَّ لَفْظَةَ أَفْعَلَ قَدْ تَرِدُ لِإِثْبَاتِ صِفَةٍ فِي إحْدَى الْجِهَتَيْنِ وَنَفْيِهَا عَنْ الْأُخْرَى ، وَأَفْضَلُ الْمُضَافَةُ إلَى صَلَاةِ الْفَذِّ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّمَا يَصِحُّ ذَلِكَ فِي أَفْعَلَ مُطْلَقًا غَيْرَ مَقْرُونٍ بِمِنْ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { تَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ } انْتَهَى . وَفِي بَعْضِ أَلْفَاظِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ { تَزِيدُ عَنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ } وَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ وَحْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) لِلْقَائِلِ بِاشْتِرَاطِ الْجَمَاعَةِ أَنْ يُجِيبَ عَمَّا اسْتَدَلَّ بِهِ مِنْ الِاشْتِرَاكِ فِي الْفَضِيلَةِ بَيْنَ الْجَمَاعَةِ وَالْفَذِّ بِأَنْ يُحْمَلَ ذَلِكَ عَلَى صَلَاةِ الْفَذِّ الصَّحِيحَةِ عِنْدَهُمْ كَمَنْ لَهُ عُذْرٌ مِنْ مَرَضٍ وَيَجُوزُ . وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَعْذُورَ لَا يُكْتَبُ لَهُ التَّضْعِيفُ الْمَجْعُولُ لِلْجَمَاعَةِ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ { إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ أَوْ سَافَرَ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مَا كَانَ يَعْمَلُهُ صَحِيحًا مُقِيمًا } وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ، ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلُّوا أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَجْرَ مَنْ صَلَّاهَا وَحَضَرَهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَجْرِهِمْ شَيْئًا } . وَأَمَّا قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ إنَّ أَصْحَابَ الْأَعْذَارِ لَا يَحْصُلُ لَهُمْ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ بِلَا شَكٍّ فَهُوَ مَرْدُودٌ اسْتِدْلَالًا بِمَا ذَكَرْنَاهُ وَمَرْدُودٌ نَقْلًا بِمَا ذَكَرَهُ الْقَفَّالُ وَالرُّويَانِيُّ وَالْغَزَالِيُّ مِنْ حُصُولِ ثَوَابِ الْجَمَاعَةِ لَهُمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَدْ اخْتَلَفَ الْأَحَادِيثُ فِي الْعَدَدِ الَّذِي تَفْضُلُ بِهِ صَلَاةُ الْجَمَاعَةِ عَلَى الِانْفِرَادِ فَفِي حَدِيثِ الْبَابِ { بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ } وَفِي الرِّوَايَاتِ الْمَذْكُورَةِ فِي بَقِيَّةِ الْبَابِ { بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ } وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ { أَرْبَعًا وَعِشْرِينَ أَوْ خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً } فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ ؟ وَقَدْ أُجِيبَ عَنْ ذَلِكَ بِأَجْوِبَةٍ : ( أَحَدُهَا مَا قِيلَ ) إنَّ الدَّرَجَةَ أَصْغَرُ مِنْ الْجُزْءِ فَكَأَنَّ الْخَمْسَةَ وَعِشْرِينَ جُزْءًا إذَا جُزِّئَتْ دَرَجَاتٌ كَانَتْ سَبْعًا وَعِشْرِينَ حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ وَغَيْرُهُ وَهَذَا الْجَوَابُ يَرُدُّهُ مَا ذُكِرَ فِي بَقِيَّةِ الْبَابِ مِنْ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { خَمْسًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً } ، وَكَذَا مَا ذُكِرَ مِنْ عِنْدِ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ { بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً } . ( وَالثَّانِي ) أَنَّ اللَّهَ كَتَبَ فِيهَا أَنَّهَا أَفْضَلُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ جُزْءًا ، ثُمَّ تَفْضُلُ بِزِيَادَةِ دَرَجَتَيْنِ . ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ أَحْوَالِ الْمُصَلِّينَ فَيَحْصُلُ التَّضْعِيفُ لِبَعْضِهِمْ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَلِبَعْضِهِمْ بِسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ بِحَسَبِ مُحَافَظَتِهِمْ عَلَى آدَابِ الْجَمَاعَةِ . ( وَالرَّابِعُ ) أَنَّ ذَلِكَ يَرْجِعُ إلَى أَعْيَانِ الصَّلَوَاتِ فَيَفْضُلُ بَعْضُهَا بِخَمْسٍ وَبَعْضُهَا بِسَبْعٍ حَكَاهَا كُلَّهَا صَاحِبُ الْمُفْهِمِ فَذَكَرَ حَدِيثَ أُبَيٍّ فَهُوَ شَكٌّ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَقَدْ حَفِظَ غَيْرُهُ خَمْسًا وَعِشْرِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) ذَكَرَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ أَنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ بِثَمَانِيَةٍ وَعِشْرِينَ صَلَاةً أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ { صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً } فَقَالَ وَقَدْ أَفَادَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ أَنَّ الْمُصَلِّيَ فِي جَمَاعَةٍ يَكُونُ لَهُ ثَمَانٍ وَعِشْرُونَ بِاعْتِبَارِ الْأَصْلِ الَّذِي زِيدَ عَلَيْهِ سَبْعٌ وَعِشْرُونَ وَيَكُونُ لِلْمُصَلِّي وَحْدَهُ جُزْءٌ وَاحِدٌ . ( السَّابِعَةُ ) هَلْ هَذَا الْفَضْلُ الْمَذْكُورُ لِلْجَمَاعَةِ مُقَيَّدٌ بِكَوْنِهَا فِي الْمَسْجِدِ أَوْ التَّضْعِيفُ حَاصِلٌ بِمُطْلَقِ الْجَمَاعَةِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانَتْ حَكَى صَاحِبُ الْمُفْهِمِ فِيهِ خِلَافًا قَالَ وَالظَّاهِرُ الْإِطْلَاقُ ؛ لِأَنَّ الْجَمَاعَةَ هُوَ الْوَصْفُ الَّذِي عُلِّقَ عَلَيْهِ الْحُكْمُ . ( قُلْت ) وَلَكِنْ ظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الْمَذْكُورَةِ مِنْ الصَّحِيحَيْنِ فِي آخَرِ الْبَابِ يَقْتَضِي التَّقْيِيدَ بِالْمَسْجِدِ لِمَا فِيهِ مِنْ الْإِشَارَةِ إلَى الْعِلَّةِ فَإِنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ أَنَّهَا { تَفْضُلُ بِخَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ ضِعْفًا أَوْ بِبِضْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً } قَالَ { وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ، ثُمَّ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ لَا يُخْرِجُهُ إلَّا الصَّلَاةُ } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَعَلَّلَ مَا ذَكَرَ مِنْ الثَّوَابِ أَوَّلًا بِمَا ذَكَرَهُ ثَانِيًا وَفِيهِ الْخُرُوجُ إلَى الْمَسْجِدِ ، وَكَذَا قَوْلُهُ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ { تَزِيدُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي بَيْتِهِ وَفِي سُوقِهِ } وَرُبَّمَا كَانَتْ صَلَاتُهُ فِي بَيْتِهِ أَوْ فِي سُوقِهِ جَمَاعَةً فَرَتَّبَ عَلَيْهَا الْفَضْلَ بِالتَّضْعِيفِ الْمَذْكُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) تَكَلَّفَ بَعْضُ شَارِحِي الْبُخَارِيِّ وَهُوَ ابْنُ بَطَّالٍ بِأَنْ عَيَّنَ الدَّرَجَاتِ السَّبْعَ وَعِشْرِينَ مِنْ أَحَادِيثَ ذَكَرَهَا هِيَ نِيَّةُ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ وَالْخُطَى إلَى الْمَسْجِدِ وَصَلَاةُ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ وَكَوْنُهُ فِي صَلَاةٍ مَا انْتَظَرَ الصَّلَاةَ وَإِدْرَاكُ النِّدَاءِ وَالصَّفِّ الْأَوَّلِ وَالتَّهْجِيرُ وَاجْتِمَاعُ مَلَائِكَةِ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةِ النَّهَارِ فِي الصُّبْحِ وَالْعَصْرِ وَإِجَابَةُ دَاعِيَ اللَّهِ وَالسَّكِينَةُ فِي إتْيَانِ الصَّلَاةِ وَالذِّكْرُ فِي طَرِيقِهِ إلَيْهَا وَالصَّلَاةُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالدُّعَاءُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَعِنْدَ الْخُرُوجِ مِنْهُ وَالسَّلَامُ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ وَتَرْكُ الْخَوْضِ فِي الدُّنْيَا فِي الْمَسْجِدِ وَإِجَابَةُ الدُّعَاءِ بِحَضْرَةِ النِّدَاءِ وَاعْتِدَالُ الصُّفُوفِ وَالتَّرَاصُّ فِيهَا وَاسْتِمَاعُ قِرَاءَةِ الْإِمَامِ وَقَوْلُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ بَعْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ، وَمُوَافَقَةُ الْمَلَائِكَةِ فِي التَّأْمِينِ وَشَهَادَةُ الْمَلَائِكَةِ لِمَنْ حَضَرَ الْجَمَاعَةَ وَتَحَرَّى مُوَافَقَةَ الْإِمَامِ وَفَضْلُ تَسْلِيمِهِ عَلَى الْإِمَامِ وَعَلَى مَنْ بِجَنْبِهِ وَفَضْلُ دُعَاءِ الْجَمَاعَةِ ، وَالِاعْتِصَامِ بِالْجَمَاعَةِ مِنْ سَهْوِ الشَّيْطَانِ ، قَالَ فَتَمَّتْ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً . ( التَّاسِعَةُ ) قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ عِنْدَ أَبِي دَاوُد { فَإِذَا صَلَّاهَا فِي فَلَاةٍ } هَلْ الْمُرَادُ مِنْهُ صَلَّاهَا فِي الْفَلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ أَوْ مُنْفَرِدًا أَوْ أَعَمُّ مِنْ ذَلِكَ حَكَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ بَعْدَ تَخْرِيجِهِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ مَعَ الِانْفِرَادِ فَقَالَ قَالَ عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ { : صَلَاةُ الرَّجُلِ فِي الْفَلَاةِ تُضَاعَفُ عَلَى صَلَاتِهِ فِي الْجَمَاعَةِ } وَسَاقَ الْحَدِيثَ . ( قُلْت ) وَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي كَوْنَهُ مُنْفَرِدًا أَوْ فِي جَمَاعَةٍ بَلْ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ الْجَمَاعَةَ فِي الْفَلَاةِ فَإِنَّمَا ضُعِّفَتْ عَلَى الْجَمَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ ؛ لِأَنَّ الْمُسَافِرَ لَا يَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِ الْجَمَاعَةُ كَمَا تَتَأَكَّدُ عَلَى الْمُقِيمِ حَتَّى ادَّعَى النَّوَوِيُّ أَنَّهُ لَا يَجْرِي فِي الْمُسَافِرِ الْخِلَافُ الَّذِي فِي كَوْنِهَا فَرْضَ كِفَايَةٍ أَوْ فَرْضَ عَيْنٍ لِشُغْلِهِ . بِالسَّفَرِ فَإِذَا أَقَامَهَا جَمَاعَةً فِي السَّفَرِ وَمَعَ وُجُودِ مَشَقَّةِ السَّفَرِ ضُوعِفَتْ لَهُ عَلَى الْإِقَامَةِ فَكَانَتْ بِخَمْسِينَ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ فِعْلَهَا مُنْفَرِدًا فَلَمَّا وَرَدَ أَنَّ { مَنْ أَذَّنَ فِي فَلَاةٍ وَأَقَامَ وَصَلَّى صَلَّى مَعَهُ صَفٌّ مِنْ الْمَلَائِكَةِ لَا يُرَى طَرَفَاهُمْ } فَضُوعِفَتْ صَلَاتُهُ لِأَفْضَلِيَّةِ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ صَلَّوْا مَعَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) مَا ذَكَرْنَاهُ عَنْ الْحَاكِمِ مِنْ جَعْلِ هَذِهِ الزِّيَادَةِ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَقَعَ لِلْحَاكِمِ فِيهِ وَهَمٌ وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ اتَّفَقَا عَلَى الْحُجَّةِ بِرِوَايَاتِ هِلَالِ بْنِ أَبِي هِلَالٍ وَيُقَالُ ابْنُ أَبِي مَيْمُونَةَ وَيُقَالُ ابْنُ عَلِيٍّ وَيُقَالُ ابْنُ أُسَامَةَ كُلُّهُ وَاحِدٌ انْتَهَى كَلَامُهُ وَهُوَ وَهَمٌ فَإِنَّ هِلَالَ بْنَ مَيْمُونٍ الْمَذْكُورَ فِي سَنَدِ هَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ هُوَ هِلَالٌ الَّذِي احْتَجَّ بِهِ الشَّيْخَانِ ذَاكَ أَقْدَمُ مِنْ هَذَا وَهُوَ مَدَنِيٌّ قُرَشِيٌّ عَامِرِيٌّ مَوْلَاهُمْ مِنْ التَّابِعِينَ وَرَاوِي هَذَا الْحَدِيثِ مِنْ جُهَيْنَةَ وَيُقَالُ مِنْ هُذَيْلٍ فِلَسْطِينِيٌّ رَمْلِيٌّ مِنْ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا الْبُخَارِيُّ فِي التَّارِيخِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ فِي الْجَرْحِ وَالتَّعْدِيلِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي الثِّقَاتِ فَذَكَرَ ذَاكَ فِي طَبَقَةِ التَّابِعِينَ وَهَذَا فِي طَبَقَةِ أَتْبَاعِ التَّابِعِينَ وَذَاكَ مُتَّفَقٌ عَلَى عَدَالَتِهِ وَهَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ تَكَلَّمَ فِيهِ أَبُو حَاتِمٍ وَوَثَّقَهُ الْجُمْهُورُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) ذَكَرْنَا فِي الْأَصْلِ عَنْ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ عَامَّةَ مَنْ رَوَاهُ قَالُوا { خَمْسَةً وَعِشْرِينَ } إلَّا ابْنَ عُمَرَ وَذَكَرْنَا مِنْ حَدِيثِ أَحْمَدَ { سَبْعٌ وَعِشْرِينَ } مِنْ غَيْرِ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ هَكَذَا ثَنَا أَبُو النَّضْرِ ثَنَا شَرِيكٌ عَنْ الْأَشْعَثِ بْنِ سُلَيْمٍ عَنْ أَبِي الْأَحْوَصِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَضْلُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَى الْوَاحِدَةِ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً } وَشَرِيكٌ هَذَا هُوَ النَّخَعِيّ تَكَلَّمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ وَعَلَّقَ عَنْهُ الْبُخَارِيُّ وَرَوَى لَهُ مُسْلِمٌ فِي الْمُتَابَعَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ لِلْمَشْهُورِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا فَضْلَ لِجَمَاعَةٍ عَلَى جَمَاعَةٍ ؛ لِأَنَّهُ جَعَلَ الْجَمَاعَاتِ كُلَّهَا بِسَبْعٍ وَعِشْرِينَ وَخَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ جَمَاعَةٍ وَجَمَاعَةٍ وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْجَمَاعَاتِ تَتَفَاوَتُ لِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { صَلَاةُ الرَّجُلِ مَعَ الرَّجُلِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ وَحْدَهُ وَصَلَاتُهُ مَعَ الرَّجُلَيْنِ أَزْكَى مِنْ صَلَاتِهِ مَعَ الرَّجُلِ وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ تَعَالَى } . وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ حُجَّةٌ لِمَنْ تَعَلَّقَ بِهِ فِي تَسَاوِي الْجَمَاعَاتِ ؛ لِأَنَّا نَقُولُ : أَقَلُّ مَا تَحْصُلُ بِهِ الْجَمَاعَةُ مُحَصِّلٌ لِلتَّضْعِيفِ وَلَا مَانِعَ مِنْ تَضْعِيفٍ آخَرَ بِسَبَبٍ آخَرَ مِنْ كَثْرَةِ الْجَمَاعَةِ أَوْ شَرَفِ الْمَسْجِدِ أَوْ بُعْدِ طَرِيقِ الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { لَمْ يَخْطُ خُطْوَةً إلَّا رَفَعَ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً } الْمَشْهُورُ فِي الْخَطْوَةِ فَتْحُ الْخَاءِ وَقَيَّدَهُ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ بِضَمِّهَا وَقَالَ إنَّهُ الرِّوَايَةُ كَذَا قَالَ وَهِيَ وَاحِدَةُ الْخُطَا وَهِيَ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ قَالَ فَأَمَّا الْخَطْوَةُ بِفَتْحِ الْخَاءِ فَهِيَ لِلْمَصْدَرِ وَالضَّمُّ لِلِاسْمِ وَالْفَتْحُ لِلْمَصْدَرِ وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ الْخُطْوَةُ بِالضَّمِّ بُعْدُ مَا بَيْنَ الْقَدَمَيْنِ فِي الْمَشْيِ وَبِالْفَتْحِ الْمَرَّةُ الْوَاحِدَةُ وَمِمَّا يُسْأَلُ عَنْهُ هَلْ الْمُرَادُ بِهَذِهِ الْخُطَا مَا كَانَ فِي الذَّهَابِ إلَى الْمَسْجِدِ فَقَطْ أَوْ فِي الذَّهَابِ وَالرُّجُوعِ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ . وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ تَعَلُّقُهُ بِالذَّهَابِ فَقَطْ لِقَوْلِهِ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ { حَتَّى يَدْخُلَ الْمَسْجِدَ } وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِالِاحْتِمَالِ الثَّانِي فِيمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ رَاحَ إلَى مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ فَخُطْوَةٌ تَمْحُو سَيِّئَةً وَخُطْوَةٌ تَكْتُبُ لَهُ حَسَنَةً ذَاهِبًا وَرَاجِعًا } وَفِي إسْنَادِهِ ابْنُ لَهِيعَةَ وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ عِنْدَ أَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ { يُكْتَبُ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ يَخْطُوهَا إلَى الْمَسْجِدِ عَشْرُ حَسَنَاتٍ } وَالْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا قَبْلَهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَسَنَةِ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ حَسَنَةٌ مُضَاعَفَةٌ وَلَا اخْتِلَافَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ سُلَامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ الشَّمْسُ قَالَ تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ تَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ مَتَاعَهُ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَقَالَ الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ صَدَقَةٌ وَقَالَ كُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ } . الْحَدِيثُ الثَّانِي عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ سُلَامَى مِنْ النَّاسِ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ الشَّمْسُ قَالَ تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ صَدَقَةٌ وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ تَحْمِلُهُ عَلَيْهَا أَوْ تَرْفَعُ لَهُ مَتَاعَهُ عَلَيْهَا صَدَقَةٌ وَقَالَ : الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةِ صَدَقَةٌ وَقَالَ كُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ وَتُمِيطُ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ } . فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) السُّلَامَى بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَفَتْحِ الْمِيمِ مَقْصُورٌ وَهُوَ جَمْعُ سَلَامِيَّةَ وَقِيلَ : وَاحِدَهُ وَجَمْعُهُ سَوَاءٌ وَيُجْمَعُ عَلَى سُلَامَيَاتٍ وَاخْتُلِفَ فِي مَعْنَاهَا فَقِيلَ : السُّلَامِيَّةُ الْأُنْمُلَةُ مِنْ أَنَامِلِ الْأَصَابِعِ وَقِيلَ السُّلَامَى كُلُّ عَظْمٍ مُجَوَّفٍ مِنْ صِغَارِ الْعِظَامِ وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ هُوَ عَظْمٌ يَكُونُ فِي فِرْسِنِ الْبَعِيرِ . ( قُلْت ) وَالصَّوَابُ أَنَّ السُّلَامَى هِيَ الْمَفَاصِلُ وَأَنَّهَا ثَلَاثُمِائَةٍ وَسِتُّونَ مَفْصِلًا كَمَا ثَبَتَ ذَلِكَ مُبَيَّنًا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّهُ خُلِقَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةِ مَفْصِلٍ فَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَسَبَّحَ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْمًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ وَأَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلَاثمِائَةِ السُّلَامَى فَإِنَّهُ يَمْشِي يَوْمَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنْ النَّارِ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { يُمْسِي } فَبَيَّنَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هَذَا أَنَّ السُّلَامَى هِيَ الْمَفَاصِلُ . ( الثَّانِيَةُ ) مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ كُلَّ عَظْمٍ أَوْ مَفْصِلٍ مِنْ ابْنِ آدَمَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَظَاهِرُ التَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْوَاجِبَاتِ ؛ لِأَنَّ السُّنَنَ لَا تُوصَفُ بِأَنَّهَا عَلَى الْمُكَلَّفِ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا قَدْ يُطْلَقُ فِي الْفِعْلِ الْمُتَأَكِّدِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ وَاجِبًا كَقَوْلِهِ { لِلْمُسْلِمِ عَلَى الْمُسْلِمِ سِتُّ خِصَالٍ يُسَلِّمُ عَلَيْهِ إذَا لَقِيَهُ } الْحَدِيثَ . وَمَعْلُومٌ أَنَّ الْبُدَاءَةَ بِالسَّلَامِ سُنَّةٌ وَإِنَّمَا لَمْ يَجْعَلْ مَجْمُوعَ هَذِهِ الْخِصَالِ وَاجِبَةً وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَاتِ لِمَا وَرَدَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ { يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرَةِ { وَيُجْزِي مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى } وَمَعْلُومٌ أَنَّ النَّوَافِلَ لَا تُجْزِي عَنْ الْوَاجِبَاتِ مَعَ الِاتِّفَاقِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ صَلَاةِ الضُّحَى عَلَى عُمُومِ النَّاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . عَلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ تُؤَوَّلَ هَذِهِ الْأَفْعَالُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْبَابِ عَلَى الْوُجُوبِ كَمَا سَيَأْتِي . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ أَنَّ الْعِبَادَةَ وَالنَّوَافِلَ يُدَاوِمُ عَلَيْهَا كُلَّ يَوْمٍ وَأَنَّ الْعِبَادَةَ إذَا وَقَعَتْ فِي يَوْمٍ لَا تُغْنِي عَنْ يَوْمٍ آخَرَ فَلَا يَقُولُ مَثَلًا قَدْ فَعَلْت أَمْسُ فَأَجْزَأَ عَنِّي الْيَوْمَ لِقَوْلِهِ { كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ الشَّمْسُ } . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { تَعْدِلُ بَيْنَ اثْنَيْنِ } يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْعَدْلُ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ الْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِصْلَاحُ بَيْنَ النَّاسِ وَإِنْ كَانَ مِنْ غَيْرِ مَنْ لَهُ وِلَايَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَلَا تَسْلِيطٌ وَهُوَ الظَّاهِرُ ؛ لِأَنَّ عَدْلَ الْقُضَاةِ وَالْأُمَرَاءِ وَاجِبٌ لَا تَطَوُّعٌ وَقَدْ أَدْخَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ فِي بَابِ الْإِصْلَاحِ بَيْنَ النَّاسِ وَإِنْ أُرِيدَ حَمْلُهُ عَلَى الْوَاجِبِ حَقِيقَةً فَيُحْمَلُ عَلَى عَدْلِ الْحُكَّامِ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { وَتُعِينُ الرَّجُلَ فِي دَابَّتِهِ تَحْمِلُهُ عَلَيْهَا } هُوَ أَنْ تُرْكِبَ الْعَاجِزَ عَنْ الرُّكُوبِ عَلَى دَابَّتِهِ وَهَكَذَا أَنْ تَحْمِلَ مَعَهُ عَلَى دَابَّتِهِ مَتَاعَهُ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ بَابُ فَضْلِ مَنْ حَمَلَ مَتَاعَ صَاحِبِهِ فِي السَّفَرِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُجْعَلَ عَلَى الْوُجُوبِ فَيْءُ الْمُكَارِي فَإِنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ إرْكَابُ الشَّيْخِ لِعَجْزِهِ عَنْ الرُّكُوبِ وَحْدَهُ وَيَجِبُ عَلَيْهِ إبْرَاكُ الْجَمَلِ لِلْمَرْأَةِ لِعَجْزِهَا أَوْ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهَا فِي رُكُوبِ الْبَعِيرِ قَائِمًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْمُخَاطَبَةُ لِلنَّاسِ كَأَنْ يُجِيبَ السَّائِلَ بِكَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ مِنْ غَيْرِ إفْحَاشٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ ، وَهُوَ الظَّاهِرُ كَمَا قَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ { تَبَسُّمُك فِي وَجْهِ أَخِيك صَدَقَةٌ } وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ { وَلَوْ أَنْ تَلْقَى أَخَاك وَوَجْهُك مُنْبَسِطٌ إلَيْهِ } وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْكَلِمَةُ مِنْ الْأَذْكَارِ كَالتَّهْلِيلِ وَالتَّسْبِيحِ وَالتَّحْمِيدِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ مِنْ عِنْدِ مُسْلِمٍ فِي ذِكْرِ السُّلَامَى { فَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَهَلَّلَ اللَّهَ وَسَبَّحَ اللَّهَ } الْحَدِيثَ وَهُوَ أَحَدُ الْأَقْوَالِ فِي قَوْله تَعَالَى { وَمَثَلُ كَلِمَةٍ طَيِّبَةٍ } أَنَّ الْمُرَادَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، وَكَذَا قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى { : إلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } . ( السَّابِعَةُ ) فِي قَوْلِهِ { كُلُّ خُطْوَةٍ تَمْشِيهَا إلَى الصَّلَاةِ صَدَقَةٌ } مَا يَقْتَضِي أَنَّ ثَوَابَ الْخُطَا إنَّمَا هُوَ الذَّهَابُ إلَى الْمَسْجِدِ دُونَ الرُّجُوعِ وَهُوَ مُحْتَمَلٌ لَكِنْ قَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ بِقَوْلِهِ { ذَاهِبًا وَرَاجِعًا } وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي آخِرِ الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ وَإِنْ حَمَلْنَاهُ عَلَى الْوُجُوبِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُحْمَلَ عَلَى السَّعْيِ الْوَاجِبِ كَالسَّعْيِ لِلْجُمُعَةِ إلَّا أَنَّهُ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ { كُلَّ يَوْمٍ تَطْلُعُ الشَّمْسُ } فَإِنَّمَا يَجِبُ السَّعْيُ مَرَّةً فِي الْجُمُعَةِ نَعَمْ يُحْمَلُ عَلَى قَوْلِ مَنْ أَوْجَبَ الْجَمَاعَةَ فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) الْأَلْفُ وَاللَّامُ فِي الصَّلَاةِ هَلْ هِيَ لِلْعَهْدِ أَوْ لِلْجِنْسِ ، الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ فَيَكُونُ الْمُرَادُ مِنْهُ الصَّلَوَاتِ الْمَكْتُوبَةَ وَإِنْ أُرِيدَ الْجِنْسُ فَيَدْخُلُ فِيهِ كُلُّ صَلَاةٍ يُشْرَعُ الْمَشْيُ إلَيْهَا كَالْعِيدِ وَالْجِنَازَةِ أَيْضًا وَهُوَ بَعِيدٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( التَّاسِعَةُ ) الْمُرَادُ بِإِمَاطَةِ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ إزَالَةُ مَا يُؤْذِي الْمَارَّةَ مِنْ حَجَرٍ أَوْ شَوْكٍ ، وَكَذَا قَطْعُ الْأَحْجَارِ مِنْ الْأَمَاكِنِ الْوَعِرَةِ كَمَا يُفْعَلُ فِي طَرِيقٍ ، وَكَذَا كَنْسُ الطَّرِيقِ مِنْ التُّرَابِ الَّذِي يَتَأَذَّى بِهِ الْمَارُّ وَرَدْمُ مَا فِيهِ مِنْ حُفْرَةٍ أَوْ وَهْدَةٍ وَقَطْعُ شَجَرَةٍ تَكُونُ فِي الطَّرِيقِ وَفِي مَعْنَاهُ تَوْسِيعُ الطُّرُقِ الَّتِي تَضِيقُ عَلَى الْمَارَّةِ وَإِقَامَةُ مَنْ يَبِيعُ أَوْ يَشْتَرِي فِي وَسَطِ الطُّرُقِ الْعَامَّةِ كَمَحَلِّ السَّعْيِ بَيْنَ الصَّفَا وَالْمَرْوَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَكُلُّهُ مِنْ بَابِ إمَاطَةِ الْأَذَى عَنْ الطَّرِيقِ وَمِنْ ذَلِكَ مَا يَرْتَفِعُ إلَى دَرَجَةِ الْوُجُوبِ كَالْبِئْرِ الَّتِي فِي وَسَطِ الطَّرِيقِ الَّتِي يُخْشَى أَنْ يَسْقُطَ فِيهَا الْأَعْمَى وَالصَّغِيرُ وَالدَّابَّةُ فَإِنَّهُ يَجِبُ طَمُّهَا أَوْ التَّحْوِيطُ عَلَيْهَا إنْ لَمْ يَضُرَّ ذَلِكَ بِالْمَارَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَزَادَ الْبُخَارِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ { وَدَلُّ الطَّرِيقِ صَدَقَةٌ } وَهُوَ أَنْ يَدُلَّ مَنْ لَا يَعْرِفُ الطَّرِيقَ عَلَيْهَا وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ، ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي ؟ فَيَقُولُونَ : تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ } فَذَكَرَهُ وَلَمْ يَقُلْ { بِهِمْ } وَقَالَ { فَقَالُوا } مَوْضِعٌ { فَيَقُولُونَ } . ( الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ) . عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الْعَصْرِ ، ثُمَّ يَرْجِعُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ فَيَسْأَلُهُمْ وَهُوَ أَعْلَمُ بِهِمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي ؟ فَيَقُولُونَ : تَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَأَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ } ، وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمَلَائِكَةُ يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ } الْحَدِيثَ . فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) التَّعَاقُبُ هُوَ أَنْ يَأْتِيَ هَذَا فِي عَقِبِ هَذَا وَهَذَا فِي عَقِبِ هَذَا عَلَى بَابِ الْمُفَاعَلَةِ وَقَوْلُهُ { يَتَعَاقَبُونَ } جَاءَ عَلَى لُغَةِ بَنِي الْحَارِثِ وَهِيَ أَنَّهُمْ يُلْحِقُونَ عَلَامَةَ الْفَاعِلِ لِلْجَمْعِ وَالتَّثْنِيَةِ مَعَ تَقَدُّمِ الْفِعْلُ وَهُمْ الْقَائِلُونَ أَكَلُونِي الْبَرَاغِيثُ وَهِيَ لُغَةٌ مَعْرُوفَةٌ وَعَلَيْهَا حَمَلَ الْأَخْفَشُ قَوْله تَعَالَى { وَأَسَرُّوا النَّجْوَى الَّذِينَ ظَلَمُوا } وَلَمْ يَحْمِلْ بَعْضُهُمْ الْآيَةَ الْكَرِيمَةَ عَلَى هَذِهِ اللُّغَةِ ، بَلْ جَعَلَ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ { وَأَسَرُّوا } عَائِدًا إلَى النَّاسِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ وَجَعَلَ { الَّذِينَ ظَلَمُوا } بَدَلًا مِنْ الضَّمِيرِ فَيَكُونُ هَذَا بَدَلَ الْبَعْضِ مِنْ الْكُلِّ ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْحَدِيثَ أَسْقَطَ مِنْهُ بَعْضُ الرُّوَاةِ ذِكْرَ الْمَلَائِكَةِ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ فَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ زِيَادَتُهَا الْمَلَائِكَةَ { يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ } وَهَذَا وَاضِحٌ وَأَبْعَدَ الشَّيْخُ أَثِيرُ الدِّينِ أَبُو حَيَّانَ النُّجَعَةُ فَنَسَبَ هَذِهِ الرِّوَايَةَ إلَى مُسْنَدِ الْبَزَّارِ وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ كَمَا ذَكَرْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةُ ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرَادِ بِهَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةِ هَلْ هُمْ الْحَفَظَةُ أَوْ غَيْرُهُمْ ؟ فَحَكَى صَاحِبُ الْمُفْهِمِ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّهُمْ الْحَفَظَةُ وَقَالَ : إنَّ الْأَظْهَرَ عِنْدَهُ أَنَّهُمْ غَيْرُ الْحَفَظَةِ وَمَا ذَكَرَ أَنَّهُ الْأَظْهَرُ هُوَ الَّذِي لَا يُتَّجَهُ غَيْرُهُ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ حَفَظَةَ اللَّيْلِ غَيْرُ حَفَظَةِ النَّهَارِ وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا يَدُلُّ لِمَا حَكَاهُ عَنْ الْجُمْهُورِ . ( الثَّالِثَةُ ) بَنَى صَاحِبُ الْمُفْهِمِ عَلَى هَذَا الْخِلَافِ مَا هُوَ الْمَعْنَى الْمَقْصُودُ فِي سُؤَالِ الْمَلَائِكَةِ فَإِنْ كَانُوا هُمْ الْحَفَظَةُ فَسُؤَالُهُ لَهُمْ عَنْ كِتَابَةِ أَعْمَالِهِمْ وَحِفْظِهَا عَلَيْهِمْ ، وَإِنْ كَانُوا غَيْرَهُمْ فَسُؤَالُهُ لَهُمْ إنَّمَا هُوَ عَلَى جِهَةِ التَّوْبِيخِ لِمَنْ قَالَ { أَتَجْعَلُ فِيهَا } وَإِظْهَارٌ لِمَا سَبَقَ فِي مَعْلُومِهِ إذْ قَالَ لَهُمْ { إنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ } قَالَ أَوْ يَكُونُ سُؤَالُهُ لَهُمْ اسْتِدْعَاءً لِشَهَادَتِهِمْ لَهُمْ ؛ وَلِذَلِكَ قَالُوا : { أَتَيْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَتَرَكْنَاهُمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ } . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ فَضِيلَةُ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَالصُّبْحِ بِاجْتِمَاعِ الْمَلَائِكَةِ فِيهِمَا وَهُمَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّك قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } كَمَا قَالَهُ جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ حِين رَوَى عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِنْ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ لَا تُغْلَبُوا عَلَى صَلَاةٍ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا يَعْنِي الْعَصْرَ وَالْفَجْرَ ، ثُمَّ قَرَأَ جَرِيرٌ الْآيَةَ } أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عُمَارَةَ بْنِ رُؤَيْبَةَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { لَنْ يَلِجَ النَّارَ أَحَدٌ صَلَّى قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا يَعْنِي الْفَجْرَ وَالْعَصْرَ } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى { مَنْ صَلَّى الْبَرْدَيْنِ دَخَلَ الْجَنَّةَ } . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ } وَلَمْ يَذْكُرْ عُرُوجَ الْمَلَائِكَةِ الَّذِينَ كَانُوا بِالنَّهَارِ وَلَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَسْأَلُهُمْ كَيْفَ تَرَكْتُمْ عِبَادِي كَمَا يَسْأَلُ مَلَائِكَةَ اللَّيْلِ فَهَلْ يَظْهَرُ لِذَلِكَ مَعْنًى أَمْ لَا ؟ وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّ اللَّيْلَ مَحَلُّ اخْتِفَاءٍ وَاسْتِتَارٍ عَنْ الْأَعْيُنِ وَإِغْلَاقِ النَّاسِ أَبْوَابَهُمْ عَلَى مَا يَبِيتُونَ عَلَيْهِ فَكَانَ سُؤَالُ مَلَائِكَةِ اللَّيْلِ أَبْلَغَ فِي أَنَّهُمْ لَمْ يَرَوْا إلَّا خَيْرًا مِنْ مَجِيئِهِمْ إلَيْهِمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ وَتَرْكِهِمْ وَهُمْ يُصَلُّونَ بِخِلَافِ النَّهَارِ ، فَإِنَّهُ مَحَلُّ الِانْتِشَارِ وَالْإِظْهَارِ وَإِنْ أَمْكَنَ الِاخْتِفَاءُ فِيهِ وَالْإِظْهَارُ فِي اللَّيْلِ وَلَكِنْ جَرَى ذَلِكَ عَلَى غَالِبِ الْأَحْوَالِ . ( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) أَنَّ مَلَائِكَةَ اللَّيْلِ إذَا صَلُّوا مَعَهُمْ الصُّبْحَ عَرَجُوا فَحَسُنَ سُؤَالُهُمْ لِيُجِيبُوا بِمَا فَارَقُوهُمْ عَلَيْهِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ قَدْ لَا يَعْرُجُونَ بَعْدَ الصَّلَاةِ بَلْ يَسْتَكْمِلُونَ فِي الْأَرْضِ بَقِيَّةَ النَّهَارِ ؛ لِأَنَّهُمْ يَضْبِطُونَ مَا وَقَعَ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ الْحَفَظَةُ وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِمْ غَيْرَ الْحَفَظَةِ فَقَدْ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ { مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ } وَالظَّاهِرُ مِنْهُمْ اسْتِيعَابُ النَّهَارِ وَإِذَا لَمْ يُفَارِقُوا بَنِي آدَمَ عَقِبَ الصَّلَاةِ أَمْكَنَ أَنْ يَطْرَأَ بَعْدَ الصَّلَاةِ مَا لَا يُرِيدُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهُمْ الْإِخْبَارَ بِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ أَوْ مَا لَا يُرِيدُونَ هُمْ أَنْ يَشْهَدُوا بِهِ فَلَمْ يَسْأَلْهُمْ عَنْ ذَلِكَ . ( وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ ) أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا تَعْرُجُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ فَقَطْ ، وَأَنَّهُمْ الَّذِينَ يَعْرُجُونَ وَيَنْزِلُونَ وَأَنَّ مَلَائِكَةَ النَّهَارِ هُمْ الْحَفَظَةُ لَا يُفَارِقُونَ بَنِي آدَمَ وَيُقَوِّي هَذَا الثَّالِثَ أَنَّهُ لَمْ يُنْقَلْ لَنَا عُرُوجُ مَلَائِكَةِ النَّهَارِ ، وَفِيهِ مُوَافَقَةُ الْجُمْهُورِ فِي أَنَّ الْمُرَادَ الْحَفَظَةُ فَيُحْمَلُ عَلَى أَنَّ الْحَفَظَةَ مَلَائِكَةُ النَّهَارِ وَأَنَّهُمْ مُقِيمُونَ مَعَ بَنِي آدَمَ وَأَنَّ مَلَائِكَةَ اللَّيْلِ غَيْرُ الْحَفَظَةِ يَنْزِلُونَ مِنْ الْعَصْرِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَا يَضُرُّ فِي ذَلِكَ قَوْلُهُ { يَتَعَاقَبُونَ } إذْ التَّعَاقُبُ يَقْتَضِي الِاشْتِرَاكَ فَقَدْ يَرِدُ التَّفَاعُلُ عَلَى غَيْرِ بَابِهِ كَقَوْلِهِمْ طَارَقَتْ النَّعْلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ اقْتَصَرَ الشَّيْخَانِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عَلَى اجْتِمَاعِ الْمَلَائِكَةِ فِي الصُّبْحِ فَقَالَ { وَيَجْتَمِعُ مَلَائِكَةُ اللَّيْلِ وَمَلَائِكَةُ النَّهَارِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ ، ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ فَاقْرَءُوا إنْ شِئْتُمْ { إنَّ قُرْآنَ الْفَجْرِ كَانَ مَشْهُودًا } } . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ بَيَانُ لُطْفِ اللَّهِ تَعَالَى بِعِبَادِهِ وَإِظْهَارُ جَمِيلِ أَفْعَالِهِمْ وَسَتْرِ قَبِيحِهَا إذْ جَعَلَ اجْتِمَاعَ الْمَلَائِكَةِ مَعَ بَنِي آدَمَ فِي حَالَةِ عِبَادَتِهِمْ وَلَمْ يَجْعَلْ اجْتِمَاعَهُمْ مَعَهُمْ فِي حَالِ خَلَوَاتِهِمْ بِلَذَّاتِهِمْ وَانْهِمَاكِهِمْ عَلَى شَهَوَاتِهِمْ فَلَهُ الْحَمْدُ عَلَى تَوْفِيقِهِ لِلْخَيْرِ وَإِظْهَارِهِ وَالْإِثَابَةِ عَلَيْهِ وَعَلَى سَتْرِهِ لِلْقَبِيحِ وَمَحَبَّةِ سَتْرِهِ وَكَرَاهَةِ إشَاعَتِهِ حَتَّى { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهُزَالٍ لَوْ سَتَرْتَهُ بِثَوْبِك كَانَ خَيْرًا لَك } . وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ فِتْيَانِي أَنْ يَسْتَعِدُّوا لِي بِحُزَمٍ مِنْ حَطَبٍ ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ، ثُمَّ نُحَرِّقَ بُيُوتًا عَلَى مَنْ فِيهَا } وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ بِحَطَبٍ فَيُحْطَبَ ، ثُمَّ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَيُنَادَى بِهَا ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يَؤُمَّ النَّاسَ ، ثُمَّ أُخَالِفَ إلَى رِجَالٍ فَأُحَرِّقَ عَلَيْهِمْ بُيُوتَهُمْ وَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ } زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ لَهُ فِي أَوَّلِ الْحَدِيثِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَقَدَ نَاسًا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ } وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبَيْهَقِيِّ { فَأُحَرِّقَ عَلَى قَوْمٍ بُيُوتَهُمْ لَا يَشْهَدُونَ الْجُمُعَةَ } قَالَ كَذَا قَالَ الْجُمُعَةَ ، قَالَ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ سَائِرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ عَبَّرَ بِالْجُمُعَةِ عَنْ الْجَمَاعَةِ وَلِأَبِي دَاوُد فِي هَذَا الْحَدِيثِ { قُلْت لِيَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ يَا أَبَا عَوْفٍ الْجُمُعَةَ عَنِيَ أَوْ غَيْرَهَا ؟ فَقَالَ صُمَّتَا أُذُنَايَ إنْ لَمْ أَكُنْ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَذْكُرُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا ذَكَرَ جُمُعَةً وَلَا غَيْرَهَا } قُلْت وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْحَدِيثِ { : إنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا وَلَقَدْ هَمَمْت } فَذَكَرَهُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْجَمَاعَةُ . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ : لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ ، ثُمَّ أُحَرِّقَ عَلَى رِجَالٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ } . ( الْحَدِيثُ الرَّابِعُ ) وَعَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَقَدْ هَمَمْت أَنْ آمُرَ فِتْيَانِي أَنْ يَسْتَعِدُّوا لِي بِحُزَمٍ مِنْ حَطَبٍ ، ثُمَّ آمُرَ رَجُلًا يُصَلِّيَ بِالنَّاسِ ، ثُمَّ نُحَرِّقَ بُيُوتًا عَلَى مَنْ فِيهَا } ، وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ نَحْوَهُ بِزِيَادَةٍ فِيهِ ذُكِرَتْ فِي الْأَصْلِ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) فِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْحَلِفِ فِيمَا يُرِيدُ الْمُخْبِرُ أَنْ يُخْبِرَ بِهِ لِلتَّأْكِيدِ وَالِاهْتِمَامِ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ أَنْ لَا بَأْسَ لِلْإِمَامِ أَنْ يَسْتَنِيبَ عَنْهُ فِي الْإِمَامَةِ لِحَاجَةٍ تَعْرِضُ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ جَوَازُ الْعُقُوبَةِ بِالْمَالِ مِنْ قَوْلِهِ { نُحَرِّقُ بُيُوتًا } وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَحْمَدُ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْعُقُوبَاتِ بِالْمَالِ مَنْسُوخَةٌ بِنَهْيِهِ عَنْ إضَاعَةِ الْمَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَقَدْ يُقَالُ : هَذَا مِنْ بَابِ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ ؛ لِأَنَّهُمْ قَدْ يَخْتَفُونَ فِي مَكَان لَا يُعْلَمُ فَأَرَادَ التَّوَصُّلَ إلَيْهِمْ بِتَحْرِيقِ الْبُيُوتِ . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ تَأَكُّدُ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ وَالْحَضُّ عَلَيْهَا وَالتَّهْدِيدُ لِمَنْ تَرَكَهَا . ( الْخَامِسَةُ ) احْتَجَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ وَأَنَّهَا لَوْ كَانَتْ سُنَّةً أَوْ فَرْضَ كِفَايَةٍ لَمَا هَمَّ بِتَحْرِيقِهِمْ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ ( بَابُ وُجُوبِ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ ) وَأَجَابَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالْقُرْطُبِيُّ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّهُ هَمَّ وَلَمْ يَفْعَلْ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَهَذَا ضَعِيفٌ جِدًّا ؛ لِأَنَّهُ لَا يَهُمُّ إلَّا بِمَا يَجُوزُ لَهُ فِعْلُهُ لَوْ فَعَلَهُ إنْ سَلَّمَ الْمُجِيبُ بِهَذَا أَنَّ هَذَا فِي حَقِّ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَإِنَّمَا مَخْرَجُهُ مَخْرَجُ التَّهْدِيدِ وَالْوَعِيدِ لِلْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجَمَاعَةِ وَالْجُمُعَةِ وَقَدْ كَانَ التَّخَلُّفُ عَنْ صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ عَلَامَةً مِنْ عَلَامَاتِ النِّفَاقِ عِنْدَهُمْ كَمَا قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ لَقَدْ رَأَيْتنَا وَمَا يَتَخَلَّفُ عَنْهَا إلَّا مُنَافِقٌ مَعْلُومُ النِّفَاقِ وَكَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْمُنَافِقِينَ شُهُودُ الْعَتَمَةِ وَالصُّبْحِ لَا يَسْتَطِيعُونَهُمَا } قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ؛ وَلِأَنَّهُ لَمْ يُخْبِرْهُمْ أَنَّ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْ الْجَمَاعَةِ فَصَلَاتُهُ بَاطِلَةٌ غَيْرُ مُجْزِئَةٍ وَهُوَ مَوْضِعُ الْبَيَانِ وَأَجَابَ عَنْهُ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بِمَا حَاصِلُهُ أَنَّ الْبَيَانَ لَا يُشْتَرَطُ فِيهِ أَنْ يَكُونَ نَصًّا قَدْ يَكُونُ بِالدَّلَالَةِ ، وَذِكْرُهُ لَهُمْ بِذَلِكَ دَلَّ عَلَى وُجُوبِ الْحُضُورِ إنْ دَلَّ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا وَجَبَ فِي الْعِبَادَةِ كَانَ شَرْطًا فِيهَا كَمَا هُوَ الْغَالِبُ . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ تَقْدِيمُ الْوَعِيدِ وَالتَّهْدِيدِ عَلَى الْعُقُوبَةِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَسِرُّهُ أَنَّ الْمَفْسَدَةَ إذَا ارْتَفَعَتْ بِالْأَهْوَنِ مِنْ الزَّوَاجِرِ اُكْتُفِيَ بِهِ عَنْ الْأَعْلَى . ( السَّابِعَةُ ) اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ وَالْعُلَمَاءُ فِي تَعْيِينِ الصَّلَاةِ الْمُتَوَعَّدِ عَلَى تَرْكِهَا بِالتَّخْوِيفِ هَلْ هِيَ الْعِشَاءُ أَوْ هِيَ الصُّبْحُ أَوْ الْجُمُعَةُ ؟ فَظَاهِرُ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ الْمُرَادَ الْعِشَاءُ لِقَوْلِهِ فِي آخِرِهِ { لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَظْمًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ } . وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِيمَا رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ عَجْلَانَ مَوْلَى الْمُشْمَعِلِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَيَنْتَهِيَنَّ رِجَالٌ مِمَّنْ حَوْلَ الْمَسْجِدِ لَا يَشْهَدُونَ الْعِشَاءَ أَوْ لَأُحَرِّقَنَّ حَوْلَ بُيُوتِهِمْ } . وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَقِيلَ : هِيَ الْعِشَاءُ وَالصُّبْحُ مَعًا وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ فِي بَعْضِ طُرُقِ هَذَا الْحَدِيثِ { : إنَّ أَثْقَلَ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الْفَجْرِ وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا وَلَقَدْ هَمَمْت } . فَذَكَرَهُ وَقِيلَ : هِيَ الْجُمُعَةُ وَيَدُلُّ لَهُ رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيّ الْمَذْكُورَةُ فِي الْأَصْلِ { فَأُحَرِّقُ عَلَى قَوْمٍ بُيُوتَهُمْ لَا يَشْهَدُونَ الْجُمُعَةَ } . وَيَدُلُّ لَهُ أَيْضًا مَا ذَكَرْته فِي الْأَصْلِ مِنْ كِتَابِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِقَوْمٍ يَتَخَلَّفُونَ عَنْ الْجُمُعَةِ لَقَدْ هَمَمْت } . فَذَكَرَهُ وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعَنْ ابْنِ مَعِينٍ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْجُمُعَةِ لَا فِي غَيْرِهَا انْتَهَى . وَهَذَا مِمَّا يُضَعِّفُ قَوْلَ مَنْ احْتَجَّ بِالْحَدِيثِ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ فَرْضُ عَيْنٍ ؛ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ الْمُرَادُ الْجُمُعَةَ فَالْجَمَاعَةُ فِيهَا شَرْطٌ فَلَا يَبْقَى فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الْجَمَاعَةِ فِي غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَيُحْتَاجُ أَنْ يُنْظَرَ فِي تِلْكَ الْأَحَادِيثِ الَّتِي ثَبَتَتْ فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ أَنَّهَا الْجُمُعَةُ أَوْ الْعِشَاءُ أَوْ الْفَجْرُ فَإِنْ كَانَتْ أَحَادِيثَ مُخْتَلِفَةً قِيلَ : بِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ حَدِيثًا وَاحِدًا اخْتَلَفَ فِيهِ بَعْضُ الطُّرُقِ وَعُدِمَ التَّرْجِيحُ وَقَفَ الِاسْتِدْلَال هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ ( قُلْت ) رِوَايَةُ الْبَيْهَقِيّ فِي كَوْنِهَا الْجُمُعَةَ وَرِوَايَةُ كَوْنِهَا الْعِشَاءَ وَالصُّبْحَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي كَوْنِهَا الْجُمُعَةَ حَدِيثٌ آخَرُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ، فَعَلَى هَذَا لَا يَقْدَحُ حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَيُنْظَرُ فِي اخْتِلَافِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَدْ رَجَّحَ الْبَيْهَقِيُّ رِوَايَةَ الْجَمَاعَةِ فِيهِ عَلَى رِوَايَةِ الْجُمُعَةِ فَقَالَ بَعْدَ رِوَايَةِ الْجُمُعَةِ فِيهِ وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ سَائِرُ الرِّوَايَاتِ أَنَّهُ عَبَّرَ بِالْجُمُعَةِ عَنْ الْجَمَاعَةِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ بَعْدَ حِكَايَةِ كَلَامِ الْبَيْهَقِيّ بَلْ هُمَا رِوَايَتَانِ رِوَايَةٌ فِي الْجُمُعَةِ وَرِوَايَةٌ فِي الْجَمَاعَةِ فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ . ( الثَّامِنَةُ ) اعْتَرَضَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ عَلَى مَنْ احْتَجَّ لِلظَّاهِرِيَّةِ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى شَرْطِيَّةِ الْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا بِأَنَّ هَذَا الْوَعِيدَ إذَا وَرَدَ بِالتَّخْوِيفِ فِي صَلَاةٍ مُعَيَّنَةٍ وَهِيَ الْعِشَاءُ أَوْ الْجُمُعَةُ أَوْ الْفَجْرُ فَإِنَّمَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْجَمَاعَةِ فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ فَمُقْتَضَى مَذْهَبِ الظَّاهِرِيَّةِ أَنَّهُ لَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهَا فِي غَيْرِ هَذِهِ الصَّلَاةِ عَمَلًا بِالظَّاهِرِ وَتَرْكِ اتِّبَاعِ الْمَعْنَى اللَّهُمَّ إلَّا أَنْ نَأْخُذَ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَنْ آمُرَ بِالصَّلَاةِ فَتُقَامَ } عَلَى عُمُومِ الصَّلَاةِ فَحِينَئِذٍ يُحْتَاجُ فِي ذَلِكَ إلَى اعْتِبَارِ لَفْظِ ذَلِكَ الْحَدِيثِ وَسِيَاقِهِ وَمَا يَدُلُّ عَلَيْهِ فَيُحْمَلُ لَفْظُ الصَّلَاةِ عَلَيْهِ إنْ أُرِيدَ التَّحْقِيقُ بِطَلَبِ الْحَقِّ . ( التَّاسِعَةُ ) اُخْتُلِفَ أَيْضًا فِي هَمِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا هَمَّ بِهِ مِنْ التَّخْوِيفِ هَلْ هُوَ لِكَوْنِهِمْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُمْ صَلَّوْا أَصْلًا فَهُوَ مِنْ بَابِ التَّخْوِيفِ عَلَى تَرْكِ الصَّلَاةِ رَأْسًا أَوْ هُوَ لِتَرْكِ الْجَمَاعَةِ وَإِنْ عَلِمَ أَنَّهُمْ صَلُّوا فِي بُيُوتِهِمْ وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَظْهَرُ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ لَا يَشْهَدُونَ الصَّلَاةَ وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَقَالَ فِيهِ { ، ثُمَّ آتِي قَوْمًا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ لَيْسَتْ بِهِمْ عِلَّةٌ فَأُحَرِّقُهَا عَلَيْهِمْ قُلْت لِيَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ يَا أَبَا عَوْفٍ الْجُمُعَةَ عَنِيَ أَوْ غَيْرَهَا ؟ } فَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْقِصَّةِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَصْلِ مِنْ عِنْدِ أَبِي دَاوُد قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَعَلَى هَذَا تَكُونُ هَذِهِ الْجَمَاعَةُ الْمُهَدَّدُ عَلَى التَّخَلُّفِ عَنْهَا هِيَ الْجُمُعَةُ كَمَا قَدْ نَصَّ عَلَيْهِ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ مِنْهُمَا عَلَى الْمُقَيَّدِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) اُخْتُلِفَ أَيْضًا فِي الَّذِينَ تَوَعَّدَهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّحْرِيقِ هَلْ هُمْ مُنَافِقُونَ أَوْ قَوْمٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ ؟ وَمِمَّنْ حَكَى الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَاسْتَدَلَّ ابْنُ بَطَّالٍ لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ مُنَافِقُونَ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَقْسَمَ أَنَّهُ لَوْ يَعْلَمُ أَحَدُهُمْ أَنَّهُ يَجِدُ عَرْقًا سَمِينًا أَوْ مِرْمَاتَيْنِ حَسَنَتَيْنِ لَشَهِدَ الْعِشَاءَ وَلَيْسَ هَذَا مِنْ صِفَاتِ الْمُؤْمِنِينَ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَيَشْهَدُ لَهُ سِيَاقُ الْحَدِيثِ مِنْ أَوَّلِهِ وَهُوَ قَوْلُهُ { أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ } وَرَجَّحَهُ أَيْضًا بِأَنَّ هَمَّهُ بِالتَّحْرِيقِ يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَتَرْكَهُ لِلتَّحْرِيقِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ التَّرْكِ وَهَذَا لَا يَكُونُ فِي الْمُؤْمِنِينَ وَقَالَ قَبْلَ ذَلِكَ تَرَكَ عِقَابَ الْمُنَافِقِينَ ، وَعِقَابُهُمْ كَانَ مُبَاحًا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخَيَّرًا فِيهِ وَاسْتَدَلَّ الْقُرْطُبِيُّ لِلْقَوْلِ بِأَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ بِحَدِيثِ أَبِي دَاوُد الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي قَالَ فِيهِ { يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ } قَالَ وَالْمُنَافِقُونَ لَا يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ إنَّمَا يُصَلُّونَ فِي الْجَمَاعَةِ رِيَاءً وَسُمْعَةً . ( قُلْت ) وَلَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِذَلِكَ فَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ قَامَ فَنَقَرَ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا } وَقَدْ تَكُونُ الصَّلَاةُ الْمُشَارُ إلَيْهَا فِي بُيُوتِهِمْ ؛ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّهُمْ لَا يُرَاءُونَ بِمِثْلِ هَذِهِ الصَّلَاةِ الْمَذْمُومَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا تَجِبُ عَلَى النِّسَاءِ وَلَا تَتَأَكَّدُ فِي حَقِّهِنَّ مِنْ قَوْلِهِ { ، ثُمَّ أُخَالِفُ إلَى رِجَالٍ } وَهُوَ كَذَلِكَ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) الْمُرَادُ بِالْعَظْمِ السَّمِينِ هُوَ أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ لَحْمٌ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ { عَرْقًا سَمِينًا } وَالْعَرْقُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ وَهُوَ الْعَظْمُ إذَا كَانَ عَلَيْهِ لَحْمٌ فَإِنْ كَانَ الْعَظْمُ لَا لَحْمَ عَلَيْهِ فَهُوَ عُرَاقُ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَزِيَادَةِ الْأَلْفِ هَكَذَا فِي كِتَابِ الْعَيْنِ وَلَمْ يُفَرِّقْ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ بَيْنَ الْعَرْقِ وَالْعُرَاقِ وَقَالَ : إنَّهُمَا الْعَظْمُ الَّذِي عَلَيْهِ لَحْمٌ وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ إنَّ الْعُرَاقَ جَمْعُ عَرْقٍ قَالَ وَهُوَ جَمْعٌ نَادِرٌ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) الْمِرْمَاتَانِ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِهَا أَيْضًا وَاحِدَتُهُمَا مِرْمَاةٌ وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِهِمَا فَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ يُقَالُ : إنَّ الْمِرْمَاتَيْنِ ظِلْفَيْ الشَّاةِ قَالَ : وَهَذَا حَرْفٌ لَا أَدْرِي مَا وَجْهُهُ وَقَالَ إبْرَاهِيمُ الْحَرْبِيُّ : إنَّهُ قَوْلُ الْخَلِيلِ أَيْضًا قَالَ الْحَرْبِيُّ وَلَا أَحْسِبُ هَذَا مَعْنَى الْحَدِيثِ وَلَكِنَّهُ كَمَا أَخْبَرَنِي أَبُو نَصْرٍ عَنْ الْأَصْمَعِيِّ قَالَ : الْمِرْمَاةُ سَهْمُ الْهَدَفِ قَالَ الْحَرْبِيُّ وَيُصَدِّقُ هَذَا مَا حَدَّثَنِي بِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ عَنْ مُعَاذٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ إذَا شَهِدَ الصَّلَاةَ مَعِي كَانَ لَهُ عَظْمٌ مِنْ شَاةٍ سَمِينَةٍ أَوْ سُهْمَانٍ لَفَعَلَ } وَقَالَ أَبُو عُمَرَ وَمِرْمَاةٌ وَمَرَامٍ وَهِيَ الدِّقَاقُ مِنْ السِّهَامِ الْمُسْتَوِيَةِ وَقَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَقِيلَ الْمِرْمَاةُ بِالْكَسْرِ هُوَ السَّهْمُ الصَّغِيرُ الَّذِي يُتَعَلَّمُ بِهِ الرَّمْيُ وَهُوَ أَحْقَرُ السِّهَامِ وَأَرْذَلُهَا أَيْ لَوْ دُعِيَ إلَى أَنْ يُعْطَى سَهْمَيْنِ مِنْ هَذِهِ السِّهَامِ لَأَسْرَعَ الْإِجَابَةَ . قَالَ الزَّمَخْشَرِيّ وَهَذَا لَيْسَ بِوَجْهٍ وَتَدْفَعُهُ الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى { لَوْ دُعِيَ إلَى مِرْمَاتَيْنِ أَوْ عَرْقٍ } انْتَهَى . وَقِيلَ : إنَّ الْمِرْمَاةَ ظِلْفُ الشَّاةِ نَفْسُهُ وَبِهِ صَدَّرَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ كَلَامَهُ وَقَالَ الْأَخْفَشُ : الْمِرْمَاةُ لُعْبَةٌ كَانُوا يَلْعَبُونَهَا بِنِصَالٍ مُحَدَّدَةٍ يَرْمُونَهَا فِي كَوْمٍ مِنْ تُرَابٍ فَأَيُّهُمْ أَثْبَتَهَا فِي الْكَوْمِ غَلَبَ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) وَفِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { فَقَدْنَا نَاسًا فِي بَعْضِ الصَّلَوَاتِ فَقَالَ } إشَارَةً إلَى سَبَبِ الْحَدِيثِ فَلِذَلِكَ ذَكَرَ فِي الزِّيَادَاتِ وَعِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ مَا يَقْتَضِي أَنَّ الصَّلَاةَ الْمُبْهَمَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ هِيَ الصُّبْحُ فَقَالَ { صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا الصُّبْحَ فَقَالَ : أَشَاهِدٌ فُلَانٌ ؟ قَالُوا لَا قَالَ أَشَاهِدٌ فُلَانٌ ؟ قَالُوا لَا قَالَ أَشَاهِدٌ فُلَانٌ ؟ قَالُوا لَا قَالَ : إنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ } . الْحَدِيثَ ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُ يَزِيدَ بْنِ الْأَصَمِّ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد { صُمَّتَا أُذُنَايَ } كَذَا وَقَعَ فِي سَمَاعِنَا مِنْ الْمُسْنَدِ وَهُوَ لُغَةُ بَنِي الْحَارِثِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ { يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ } فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { أَثْقَلُ الصَّلَاةِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ صَلَاةُ الْعِشَاءِ وَصَلَاةُ الصُّبْحِ } وَإِنَّمَا كَانَتْ هَاتَانِ الصَّلَاتَانِ ثَقِيلَتَيْنِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ لِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهَا لِلْمَشَقَّةِ الْمَوْجُودَةِ فِي حُضُورِ الْمَسَاجِدِ فِيهِمَا مِنْ الظُّلْمَةِ وَكَوْنِ وَقْتِهِمَا وَقْتَ رَاحَةٍ أَوْ غَلَبَةَ نَوْمٍ أَوْ خَلْوَةٍ بِأَهَالِيِهِمْ فَلَا يَتَجَشَّمُ تِلْكَ الْمَشَاقَّ إلَّا مَنْ وُفِّقَ بِثَوَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَالْمُنَافِقُ إمَّا شَاكٌّ فِي ذَلِكَ أَوْ لَا يُصَدِّقُ فَيَشُقُّ عَلَيْهِ ذَلِكَ . وَالْمَعْنَى الثَّانِي أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلَّا قَلِيلًا } وَهَاتَانِ الصَّلَاتَانِ فِي لَيْلٍ فَرُبَّمَا خَفِيَ مَنْ غَابَ عَنْهُمَا وَاسْتَتَرَ حَالُهُ بِخِلَافِ بَاقِي الصَّلَوَاتِ فَإِنَّهَا بِحَيْثُ يَرَاهُ النَّاسُ وَيَتَفَقَّدُونَ غَيْبَتَهُ فَكَانَ رِيَاؤُهُ يَحُضُّهُ عَلَى حُضُورِهَا لِيَرَاهُ النَّاسُ وَالْمَعْنَى الْأَوَّلُ أَظْهَرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى فِي أَوَّلِ الْآيَةِ { وَإِذَا قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى } وَلَا مَانِعَ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرَانِ الْمَذْكُورَانِ فِي الْآيَةِ كِلَاهُمَا حَامِلٌ لَهُمْ عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ فِي الصَّلَاتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ { لَا يَشْهَدُونَ الْجُمُعَةَ } ، وَكَذَا فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّهُ جَعَلَ الْمُكَلَّفَ مُخَيَّرًا بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالظُّهْرِ بِغَيْرِ عُذْرٍ إذْ لَوْ كَانُوا مُخَيَّرِينَ لَمَا هَمَّ بِتَحْرِيقِهِمْ قِيلَ : إنَّ حُضُورَ الْجُمُعَةِ فَرْضُ عَيْنٍ إلَّا لِأَصْحَابِ الْأَعْذَارِ الشَّرْعِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا } أَيْ يَزْحَفُونَ عَلَى أَلْيَاتِهِمْ مِنْ مَرَضٍ أَوْ آفَةٍ قَالَهُ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ وَفِيهِ نَظَرٌ وَالْحَبْوُ غَالِبًا إنَّمَا يُطْلَقُ عَلَى الْحَبْوِ عَلَى الرُّكَبِ وَإِنْ كَانَ قَدْ يُطْلَقُ أَيْضًا عَلَى الزَّحْفِ فَالْمُرَادُ هُنَا الزَّحْفُ عَلَى الرُّكَبِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ { وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الرُّكَبِ } وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ حُضُورِ الْجَمَاعَةِ لِأَصْحَابِ الْأَعْذَارِ مِنْ مَرِيضٍ أَوْ نَحْوِهِ وَإِنْ لَمْ يَتَأَكَّدْ فِي حَقِّهِ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ وَلَقَدْ كَانَ الرَّجُلُ يُؤْتَى بِهِ بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ يُهَادَى بَيْنَ الرَّجُلَيْنِ حَتَّى يُقَامَ فِي الصَّفِّ . ( التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ حُجَّةٌ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي أَنَّهُ يُقَاتَلُ أَهْلُ بَلَدٍ تَمَالَئُوا عَلَى تَرْكِ السُّنَنِ ظَاهِرًا بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْجَمَاعَةَ سُنَّةٌ لَا فَرْضٌ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالصَّحِيحُ قِتَالُهُمْ ؛ لِأَنَّ فِي التَّمَالُؤ عَلَيْهَا إمَاتَتَهَا انْتَهَى . وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُمُ اللَّهُ فِي قِتَالِ أَهْلِ بَلَدٍ اتَّفَقُوا عَلَى تَرْكِ الْجَمَاعَةِ بِنَاءً عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا سُنَّةٌ وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ لَا يُقَاتَلُونَ عَلَى ذَلِكَ إنَّمَا يُقَاتَلُونَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا فَرْضُ كِفَايَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْفَائِدَةُ الْعِشْرُونَ ) فِيهِ أَخْذُ أَهْلِ الْجَرَائِمِ عَلَى غِرَّةٍ قَالَهُ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي الْأَحْكَامِ ( بَابُ إخْرَاجِ الْخُصُومِ وَأَهْلِ الذَّنْبِ مِنْ الْبُيُوتِ ) . ( الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) اسْتَدَلَّ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ بِقَوْلِهِ { نُحَرِّقُ بُيُوتًا عَلَى مَنْ فِيهَا } عَلَى أَنَّ تَارِكَ الصَّلَاةِ مُتَهَاوِنًا يُقْتَلُ وَفِيهِ نَظَرٌ ؛ لِأَنَّهُ تَقَدَّمَ أَنَّ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد { يُصَلُّونَ فِي بُيُوتِهِمْ } فَلَمْ يَتْرُكُوهَا رَأْسًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) إنْ قَالَ قَائِلٌ إذَا كَانَ الْمُرَادُ بِهَذَا تَرْكَ الْجُمُعَةِ كَمَا فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَهَلْ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ أَوْ نَائِبِهِ تَرْكُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ لِأَجْلٍ أَخْذِ مَنْ فِي الْبُيُوتِ لَا يُصَلِّي الْجُمُعَةَ أَوْ يَرْتَكِبُ مَا يَجِبُ إزَالَتُهُ أَوْ يَكُونُ هَذَا خَاصًّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ لِأَحَدٍ فِعْلُ هَذَا الْيَوْمَ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَهِيَ لَا تُعَادُ ؟ ( فَالْجَوَابُ ) أَنَّ أَصْحَابَنَا ذَكَرُوا مِنْ الْأَعْذَارِ فِي الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ مَنْ لَهُ غَرِيمٌ يَخَافُ فَوْتَهُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ أَرْبَابَ الْجَرَائِمِ فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَنَائِبِهِ كَالْغُرَمَاءِ حَتَّى إذَا خَشِيَ أَنْ يَفُوتُوهُ إنْ شَهِدَ الْجَمَاعَةَ أَوْ الْجُمُعَةَ كَانَ لَهُ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ ) التَّحْرِيقُ بِالنَّارِ مَنْسُوخٌ بِمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { بَعَثَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْثٍ فَقَالَ : إنْ وَجَدْتُمْ فُلَانًا وَفُلَانًا فَأَحْرِقُوهُمَا بِالنَّارِ ، ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ أَرَدْنَا الْخُرُوجَ إنِّي أَمَرْتُكُمْ أَنْ تُحَرِّقُوا فُلَانًا وَفُلَانًا وَإِنَّ النَّارَ لَا يُعَذِّبُ بِهَا إلَّا اللَّهُ فَإِنْ وَجَدْتُمُوهُمَا فَاقْتُلُوهُمَا } . وَرَوَى الْجَمَاعَةَ الْمَذْكُورِينَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ قَالَ أَتَى عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِزَنَادِقَةٍ فَأَحْرَقَهُمْ فَبَلَغَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ فَقَالَ : لَوْ كُنْت أَنَا لَمْ أُحَرِّقْهُمْ لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا تُعَذِّبُوا بِعَذَابِ اللَّهِ } وَلَقَتَلْتُهُمْ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ } زَادَ التِّرْمِذِيُّ فَبَلَغَ ذَلِكَ عَلِيًّا فَقَالَ صَدَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ حَمْزَةَ بْنِ عَمْرٍو أَنَّهُ { لَا يُعَذِّبُ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ } وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ { لَا يَنْبَغِي أَنْ يُعَذِّبَ بِالنَّارِ إلَّا رَبُّ النَّارِ } ، فَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ دَالَّةٌ أَنَّ مَا كَانَ هَمَّ بِهِ مِنْ التَّحْرِيقِ مَنْسُوخٌ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ . وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمْ امْرَأَتُهُ إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا { إذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ } وَلِمُسْلِمٍ { لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ الْمَسَاجِدَ وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ } وَلِأَبِي دَاوُد فِيهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ { وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ } وَلِمُسْلِمٍ { أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ } وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةِ { إذَا شَهِدَتْ إحْدَاكُنَّ الْعِشَاءَ فَلَا تَطَيَّبْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ } . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمْ امْرَأَتُهُ إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعْهَا } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ . ( الْأُولَى ) فِيهِ جَوَازُ خُرُوجِ النِّسَاءِ إلَى مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَمْنُوعًا عَلَيْهِنَّ لَمْ يُؤْمَرْ الرِّجَالُ بِالْإِذْنِ لَهُنَّ إذَا اسْتَأْذَنَّ وَلَكِنَّهُ مَشْرُوطٌ بِشُرُوطٍ تَأْتِي فِي بَقِيَّةِ فَوَائِدِ الْحَدِيثِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي شُهُودِهَا لِلْجَمَاعَةِ هَلْ هُوَ مَنْدُوبٌ أَوْ مُبَاحٌ فَقَطْ ؟ فَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ : إنَّ إطْلَاقَ الْخُرُوجِ لَهُنَّ إلَى الْمَسَاجِدِ إبَاحَةٌ لَا نَدْبٌ وَلَا فَرْضٌ وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الشَّابَّةِ وَالْعَجُوزِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَائِدَةِ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ أَنَّ الزَّوْجَ مَأْمُورٌ أَنْ لَا يَمْنَعَهَا مِنْ الْمَسَاجِدِ إذَا اسْتَأْذَنَتْهُ وَلَكِنْ بِالشُّرُوطِ الْآتِي ذِكْرُهَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ الْأَغْلَبُ مِنْ حَالِ أَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِلنِّسَاءِ أَنْ يَخْرُجْنَ إلَى الْمَسَاجِدِ إذَا حَدَثَ فِي النَّاسِ الْفَسَادُ . ( الثَّالِثَةُ ) هَذَا الْأَمْرُ لِلْأَزْوَاجِ هَلْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ أَوْ عَلَى سَبِيلِ النَّدْبِ ؟ حَمَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَلَى النَّدْبِ وَاسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِمَا رَوَاهُ بِإِسْنَادِهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ الْمُنْذِرِ بْنِ أَبِي حُمَيْدٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدَّتِهِ أُمِّ حُمَيْدٍ أَنَّهَا { قَالَتْ : يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّا نُحِبُّ الصَّلَاةَ تَعْنِي مَعَك فَيَمْنَعُنَا أَزْوَاجُنَا فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَلَاتُكُنَّ فِي بُيُوتِكُنَّ خَيْرٌ مِنْ صَلَاتِكُنَّ فِي دُورِكُنَّ وَصَلَاتُكُنَّ فِي دُورِكُنَّ أَفْضَلُ مِنْ صَلَاتِكُنَّ فِي مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ } قَالَ الْبَيْهَقِيُّ : وَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِأَنْ لَا يُمْنَعْنَ أَمْرُ نَدْبٍ وَاسْتِحْبَابٍ لَا أَمْرُ فَرْضٍ وَإِيجَابٍ ، قَالَ وَهُوَ قَوْلُ الْعَامَّةِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ انْتَهَى . وَكَذَا جَزَمَ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ فَقَالَ إنَّ نَهْيَهُ عَنْ مَنْعِهَا مِنْ الصَّلَاةِ فِي الْمَسَاجِدِ نَهْيُ أَدَبٍ لَا أَنَّهُ وَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَمْنَعَهَا . ( الرَّابِعَةُ ) أُطْلِقَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ مَنْعِهِنَّ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَيَّدَهُ فِي بَعْضِهَا بِاللَّيْلِ فَقَالَ { إذَا اسْتَأْذَنَكُمْ نِسَاؤُكُمْ بِاللَّيْلِ إلَى الْمَسْجِدِ فَأْذَنُوا لَهُنَّ } وَهِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ كَمَا ذَكَرْته فِي الْأَصْلِ ، وَالتَّقْيِيدُ بِالطُّرُقِ مِمَّا يُخَصَّصُ بِهِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّهَارَ بِخِلَافِ ذَلِكَ لِنَصِّهِ عَلَى اللَّيْلِ قَالَ : وَهَذَا الْحَدِيثُ يَقْضِي عَلَى الْمُطْلَقِ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِ عَائِشَةَ مَا يَعْرِفُهُنَّ أَحَدٌ مِنْ الْغَلَسِ . ( الْخَامِسَةُ ) إنْ قِيلَ ظَاهِرُ رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِاللَّيْلِ مُدْرَجٌ مِنْ قَوْلِ سُفْيَانَ فَإِنَّهُ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِهِ { إذَا اسْتَأْذَنَتْ أَحَدَكُمْ امْرَأَتُهُ إلَى الْمَسْجِدِ فَلَا يَمْنَعُهَا } ، ثُمَّ قَالَ زَادَ الْعَلَوِيُّ فِي رِوَايَتِهِ قَالَ سُفْيَانُ { إذَا كَانَ ذَلِكَ لَيْلًا ؟ } . وَالْجَوَابُ أَنَّ رِوَايَةَ سُفْيَانَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهِمَا مُطْلَقَةٌ لَيْسَ فِيهَا التَّقْيِيدُ بِاللَّيْلِ فَلَا يَضُرُّنَا زِيَادَةُ سُفْيَانَ فِيهَا اشْتِرَاطُهُ ذَلِكَ وَالرِّوَايَةُ الَّتِي فِيهَا التَّقْيِيدُ بِاللَّيْلِ لَيْسَتْ مِنْ طَرِيقِهِ إنَّمَا هِيَ مِنْ رِوَايَةِ حَنْظَلَةَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَاتَّفَقَ عَلَيْهَا الشَّيْخَانِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَلَيْسَتْ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ وَلَيْسَتْ عَلَى هَذَا مُدْرَجَةٌ وَإِنَّمَا هِيَ مِنْ أَصْلِ الْحَدِيثِ . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْمَرْأَةَ لَا تَخْرُجُ إلَى الْمَسْجِدِ إلَّا بِإِذْنِ زَوْجِهَا أَوْ غَيْرِهِ مِنْ أَوْلِيَائِهَا قَالَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ وَقَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ قِيلَ : إنَّ فِيهِ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ لِلزَّوْجِ مَنْعُ امْرَأَتِهِ مِنْ الْخُرُوجِ إلَّا بِإِذْنِهِ قَالَ وَهَذَا إنْ أُخِذَ مِنْ تَخْصِيصِ النَّهْيِ بِالْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ فَإِنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي بِطَرِيقِ الْمَفْهُومِ جَوَازَ الْمَنْعِ فِي غَيْرِ الْمَسَاجِدِ فَقَدْ يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ بِأَنَّ هَذَا تَخْصِيصٌ لِلْحُكْمِ بِاللَّقَبِ وَمَفْهُومُ اللَّقَبِ ضَعِيفٌ عِنْدَ أَهْلِ الْأُصُولِ قَالَ وَيُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ فِي هَذَا إنَّ مَنْعَ الرِّجَالِ لِلنِّسَاءِ مِنْ الْخُرُوجِ مَشْهُورٌ مَعْلُومٌ وَإِنَّمَا عُلِّقَ الْحُكْمُ بِالْمَسَاجِدِ لِبَيَانِ مَحَلِّ الْجَوَازِ عَلَى الْمَنْعِ الْمُسْتَمِرِّ الْمَعْلُومِ فَبَقِيَ مَا عَدَاهُ عَلَى الْمَنْعِ الْمَعْلُومِ وَعَلَى هَذَا فَلَا يَكُونُ مَنْعُ الرَّجُلِ بِخُرُوجِ امْرَأَتِهِ لِغَيْرِ الْمَسْجِدِ مَأْخُوذًا مِنْ تَقْيِيدِ الْحُكْمِ بِالْمَسْجِدِ . ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { لَا تَمْنَعُوا إمَاءَ اللَّهِ مَسَاجِدَ اللَّهِ } قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ إنَّ التَّعْبِيرَ بِإِمَاءِ اللَّهِ أَوْقَعُ فِي النَّفْسِ مِنْ التَّعْبِيرِ بِالنِّسَاءِ لَوْ قِيلَ : فَفِيهِ مُنَاسَبَةٌ تَقْتَضِي الْإِبَاحَةَ أَعْنِي بِكَوْنِهِنَّ إمَاءَ اللَّهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى خُرُوجِهِنَّ إلَى الْمَسَاجِدِ وَإِذَا كَانَ مُنَاسِبًا أَمْكَنَ أَنْ يَكُونَ عِلَّةَ الْجَوَازِ فَإِذَا انْتَفَى انْتَفَى الْحُكْمُ ؛ لِأَنَّ الْحُكْمَ يَزُولُ بِزَوَالِ عِلَّتِهِ قَالَ وَالْمُرَادُ بِالِانْتِفَاءِ هُنَا انْتِفَاءُ الْخُرُوجِ إلَى الْمَسَاجِدِ انْتَهَى . يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَقْتَضِي أَنَّ لِلزَّوْجِ مَنْعَهَا مِنْ غَيْرِ الْمَسَاجِدِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَائِدَةِ السَّادِسَةِ . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { وَلْيَخْرُجْنَ تَفِلَاتٍ } هُوَ بِفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقٍ وَكَسْرِ الْفَاءِ جَمْعُ تَفِلَةٍ ، مَأْخُوذٌ مِنْ التَّفَلِ بِفَتْحِهِمَا وَهُوَ الرِّيحُ الْكَرِيهَةُ وَالْمُرَادُ بِهِ لِيَخْرُجْنَ تَارِكَاتٍ لِلطَّيِّبِ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ { الْحَاجُّ الشُّعْثُ التُّفْلُ } . ( التَّاسِعَةُ ) فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { أَيُّمَا امْرَأَةٍ أَصَابَتْ بَخُورًا فَلَا تَشْهَدْ مَعَنَا الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ } حُجَّةٌ عَلَى أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى الْمَرْأَةِ الطِّيبُ لِلْخُرُوجِ إلَى الْمَسْجِدِ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ زَيْنَبَ الثَّقَفِيَّةِ عِنْدَ مُسْلِمٍ { إذَا شَهِدَتْ إحْدَاكُنَّ الْعِشَاءَ فَلَا تَطَيَّبْ تِلْكَ اللَّيْلَةَ } وَهُوَ كَذَلِكَ وَالْبَخُورُ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مَا يُتَبَخَّرُ بِهِ مِنْ عُودٍ أَوْ لِبَانٍ أَوْ غَيْرِهِمَا . ( الْعَاشِرَةُ ) قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ يَلْتَحِقُ بِالطِّيبِ مَا فِي مَعْنَاهُ فَإِنَّ الطِّيبَ إنَّمَا مُنِعَ مِنْهُ لِمَا فِيهِ مِنْ تَحْرِيكِ دَاعِيَةِ الرِّجَالِ وَشَهْوَتِهِمْ قَالَ وَقَدْ أُلْحِقَ بِهِ حُسْنُ الْمَلَابِسِ وَلُبْسُ الْحُلِيِّ الَّذِي يَظْهَرُ أَثَرُهُ فِي الزِّينَةِ وَحَمَلَ عَلَيْهِ بَعْضُهُمْ قَوْلَ عَائِشَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ لَوْ أَدْرَكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحْدَثَ النِّسَاءُ بَعْدَهُ لَمَنَعَهُنَّ الْمَسْجِدَ كَمَا مُنِعَتْ نِسَاءُ بَنِي إسْرَائِيلَ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد { وَبُيُوتُهُنَّ خَيْرٌ لَهُنَّ حُجَّةٌ } لِمَنْ لَمْ يُسْتَحَبَّ لَهُنَّ شُهُودَ الْجَمَاعَةِ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَكَانَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ يَمْنَعُ نِسَاءَهُ الْجُمُعَةَ وَالْجَمَاعَةَ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ أَكْرَهُ لِلنِّسَاءِ شُهُودَ الْجُمُعَةِ وَالصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ وَقَدْ أُرَخِّصُ لِلْعَجُوزِ أَنْ تَشْهَدَ الْعِشَاءَ وَالْفَجْرَ وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا وَقَالَ الثَّوْرِيُّ لَيْسَ لِلْمَرْأَةِ خَيْرٌ مِنْ بَيْتِهَا وَإِنْ كَانَتْ عَجُوزًا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ أَكْرَهُهُ لِلشَّابَّةِ وَلَا بَأْسَ أَنْ تَخْرُجَ الْعَجُوزُ فِي الصَّلَوَاتِ كُلِّهَا . وَكَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا إنْ أَرَدْنَ حُضُورَ الْمَسْجِدِ مَعَ الرِّجَالِ كُرِهَ لِلشَّوَابِّ دُونَ الْعَجَائِزِ وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ قَالَ وَلِلْمُتَجَالَّةِ أَنْ تَخْرُجَ إلَى الْمَسْجِدِ وَلَا تُكْثِرَ التَّرَدُّدَ إلَيْهِ وَلِلشَّابَّةِ أَنْ تَخْرُجَ الْمَرَّةَ بَعْدَ الْمَرَّةِ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنْ الْكَرَاهَةِ مَسْجِدَيْ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ لِمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ : وَاَلَّذِي لَا إلَهَ غَيْرُهُ مَا صَلَّتْ امْرَأَةٌ صَلَاةً خَيْرًا لَهَا مِنْ صَلَاةٍ تُصَلِّيهَا فِي بَيْتِهَا إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ أَوْ مَسْجِدَ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا عَجُوزٌ فِي مِنْقَلَيْهَا وَفِي إسْنَادِهِ الْمَسْعُودِيُّ تُكُلِّمَ فِي حِفْظِهِ وَالْمِنْقَلَانِ الْخُفَّانِ وَقِيلَ الْخُفَّانِ الْخَلَقَانِ ضَبَطَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَالْهَرَوِيُّ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَضَبَطَهُ الْجَوْهَرِيُّ بِالْكَسْرِ وَذَكَرَهُ ابْنُ مَالِكٍ فِي الْمُثَلَّثِ وَقَالَ هُوَ بِالْكَسْرِ وَالْفَتْحِ الْخُفُّ وَبِالضَّمِّ الْخُفُّ الْمُصْلَحُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَيَخْرُجُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا اسْتَأْذَنَتْهُ امْرَأَتُهُ إلَى الْحَجِّ لَا يَمْنَعُهَا فَيَكُونُ وَجْهُ نَهْيِهِ عَنْ مَسْجِدِ اللَّهِ الْحَرَامِ لِأَدَاءِ فَرِيضَةِ الْحَجِّ نَهْيَ إيجَابٍ قَالَ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ فِي أَنَّ الْمَرْأَةَ لَيْسَ لِزَوْجِهَا مَنْعُهَا مِنْ الْحَجِّ انْتَهَى . ( قُلْت ) وَمَا نَقَلَهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ هُوَ أَحَدُ قَوْلَيْهِ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ وَهُوَ الْأَظْهَرُ عِنْدَ أَصْحَابِهِ أَنَّ لَهُ مَنْعَهَا مِنْ حَجِّ الْفَرْضِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْإِذْنِ لَهَا فِي الْمَسْجِدِ الْقَرِيبِ الْإِذْنُ فِي الْحَجِّ الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى سَفَرٍ وَنَفَقَةٍ وَأَعْمَالٍ كَثِيرَةٍ . وَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ فَقَالَ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ، ثُمَّ قَالَ إنَّ { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ يَقُولُ : أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ فِي السَّفَرِ } وَقَالَ الْبُخَارِيُّ { فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوْ الْمَطِيرَةِ فِي السَّفَرِ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا : أَنَّ أَذَانَ ابْنِ عُمَرَ كَانَ بِضَجَنَانَ وَلَهُمَا أَنَّ { ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ : إذَا قُلْت أَشْهَدُ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ قَالَ فَكَأَنَّ النَّاسَ اسْتَنْكَرُوا ذَلِكَ ، فَقَالَ أَتَعْجَبُونَ مِنْ ذَا ؟ قَدْ فَعَلَ ذَلِكَ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا أَنَّهُ { كَانَ يَوْمَ جُمُعَةٍ وَفِيهِ فَعَلَهُ مَنْ هُوَ خَيْرٌ مِنِّي يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } . الْحَدِيثُ السَّادِسُ وَعَنْ نَافِعٍ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ أَذَّنَ بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ بَرْدٍ وَرِيحٍ فَقَالَ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ ، ثُمَّ قَالَ إنَّ { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ الْمُؤَذِّنَ إذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ يَقُولُ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) فِيهِ الرُّخْصَةُ فِي التَّخَلُّفِ عَنْ مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ لِعُذْرٍ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ التَّخَلُّفَ عَنْ الْجَمَاعَةِ فِي شِدَّةِ الْمَطَرِ وَالظُّلْمَةِ وَالرِّيحِ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مُبَاحٌ . ( الثَّانِيَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَيْسَتْ بِوَاجِبَةٍ وَتَقْدِيرُهُ : أَنَّ الَّذِي رَخَّصَ فِيهِ لِلْمَطَرِ إتْيَانُ الْجَمَاعَةِ . وَأَمَّا الْجَمَاعَةُ فِي الْبُيُوتِ وَالرِّحَالِ فَلَيْسَ الْمَطَرُ عُذْرًا فِيهَا فَلَمَّا قَالَ { صَلُّوا فِي الرِّحَالِ } وَأَطْلَقَ ذَلِكَ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا تَجِبُ إذْ لَوْ وَجَبَ ذَلِكَ بَيَّنَهُ لَهُمْ ؛ لِأَنَّهُ وَقْتُ الْبَيَانِ . ( الثَّالِثَةُ ) { أَمْرُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُؤَذِّنِ أَنْ يَقُولَ : أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ } لَيْسَ هُوَ أَمْرُ عَزِيمَةٍ حَتَّى يُشْرَعَ لَهُمْ الْخُرُوجُ إلَى الْجَمَاعَةِ وَإِنَّمَا هُوَ رَاجِعٌ إلَى مَشِيئَتِهِمْ فَمَنْ شَاءَ صَلَّى فِي رَحْلِهِ ، وَمَنْ شَاءَ خَرَجَ إلَى الْجَمَاعَةِ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَفَرٍ فَمُطِرْنَا فَقَالَ : لِيُصَلِّ مَنْ شَاءَ مِنْكُمْ فِي رَحْلِهِ } فَوَكَلَ ذَلِكَ إلَى مَشِيئَتِهِمْ . ( الرَّابِعَةُ ) أَطْلَقَ مَالِكٌ فِي رِوَايَتِهِ الْمَوْضِعَ الَّذِي يَقُولُ فِيهِ الْمُؤَذِّنُ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ هَلْ يَقُولُهَا بَعْدَ فَرَاغِهِ أَمْ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ ؟ لَكِنَّ الْإِتْيَانَ بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ { فَقَالَ أَلَا صَلُّوا } يَقْتَضِي تَعْقِيبَهُ لِلْأَذَانِ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْعُمَرِيُّ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ نَادَى بِالصَّلَاةِ فِي لَيْلَةٍ ذَاتِ مَطَرٍ وَرِيحٍ وَبَرْدٍ فَقَالَ فِي آخَرِ نِدَائِهِ : أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ لَفْظُ مُسْلِمٍ فَقَيَّدَهَا فِي أَذَانِ ابْنِ عُمَرَ بِآخِرِ نِدَائِهِ وَأَطْلَقَهَا فِي الْمَرْفُوعِ . وَقَدْ قَيَّدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الرُّكُوعِ فَقَالَ وَأُخْبِرْنَا أَنَّ { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ مُؤَذِّنًا يُؤَذِّنُ ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أَثَرِهِ أَلَا صَلُّوا فِي الرِّحَالِ } . ( الْخَامِسَةُ ) قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ مَحَلَّ قَوْلِ الْمُؤَذِّنِ صَلُّوا فِي الرِّحَالِ بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْ الْأَذَانِ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ الْمَذْكُورِ فِي بَقِيَّةِ الْبَابِ أَنَّهُ { يَقُولُهَا مَوْضِعَ حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ } . وَقَدْ أَشَارَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ إلَى الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا بِأَنْ قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي آخَرِ رِوَايَةٍ قَبْلَ الْفَرَاغِ وَيَكُونُ هَذَا مِثْلُ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ ( قُلْت ) هَذَا الْجَمْعُ الَّذِي ذَكَرَهُ وَإِنْ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَإِنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ فَإِنَّهُ قَالَ { ، ثُمَّ يَقُولُ عَلَى أَثَرِهِ } . وَأَيْضًا فَقَدْ وَرَدَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ التَّصْرِيحُ بِكَوْنِهِ بَعْدَ الْأَذَانِ وَهُوَ مَا رَوَاهُ أَبُو أَحْمَدَ بْنُ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِهِ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ أَوْ مَطِيرَةٌ أَمَرَ الْمُؤَذِّنَ فَأَذَّنَ الْأَذَانَ الْأَوَّلَ فَإِذَا فَرَغَ نَادَى : الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ أَوْ فِي رِحَالِكُمْ } . ( السَّادِسَةُ ) ذَهَبَ جَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْمُؤَذِّنَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يَقُولَ ذَلِكَ بَعْدَ الْأَذَانِ أَوْ بَعْدَ الْحَيْعَلَةِ نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ زَوَائِدِهِ فَقَالَ قَالَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ : إذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ مَطِيرَةٌ وَذَاتُ رِيحٍ وَظُلْمَةٍ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقُولَ إذَا فَرَغَ مِنْ أَذَانِهِ أَلَا صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ فَإِنْ قَالَهُ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ بَعْدَ الْحَيْعَلَةِ فَلَا بَأْسَ ، وَكَذَا قَالَهُ الصَّيْدَلَانِيُّ وَالْبَنْدَنِيجِيّ وَالشَّاشِيُّ وَغَيْرُهُمْ ، قَالَ وَاسْتَبْعَدَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ . قَوْلَهُ فِي أَثْنَاءِ الْأَذَانِ وَلَيْسَ هُوَ بِبَعِيدٍ بَلْ هُوَ الْحَقُّ وَالسُّنَّةُ فَقَدْ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي آخَرِ أَبْوَابِ الْأَذَانِ فِي الْأُمِّ وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ قَالَ لِمُؤَذِّنِهِ فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ : إذَا قُلْت أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَقُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ فَذَكَرَ بَقِيَّةَ الْحَدِيثِ . ( السَّابِعَةُ ) مَا اسْتَدَلَّ عَلَيْهِ النَّوَوِيُّ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ مُطَابِقًا لَهُ ؛ لِأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ مَكَانَ حَيِّ عَلَى الصَّلَاةِ وَاَلَّذِي . قَالَهُ أَصْحَابُنَا أَنَّهُ يَقُولُهَا بَعْدَ الْحَيْعَلَةِ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَا اقْتَضَاهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ مِنْ كَوْنِهِ يَجْعَلُهَا مَكَانَ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ هُوَ الْمُنَاسِبُ مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ يُخَالِفُ قَوْلَهُ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَحْسُنُ أَنْ يَقُولَ الْمُؤَذِّنُ تَعَالَوْا ، ثُمَّ يَقُولُ لَا تَجِيئُوا وَلَكِنَّ الْبُخَارِيَّ قَدْ بَوَّبَ عَلَى بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ : بَابُ الْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ . وَإِذَا حَمَلْنَاهُ عَلَى أَنَّهُ أَذَانٌ كَامِلٌ زَادَ فِيهِ صَلُّوا فِي رِحَالِكُمْ فَيَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ إذَا قُلْت أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ فَلَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ أَيْ لَا تَقُلْهَا بَعْدَ الشَّهَادَتَيْنِ بَلْ قُلْ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ أَوَّلًا وَأَتِمَّ الْأَذَانَ بَعْدَ ذَلِكَ وَفِيهِ نَظَرٌ . ( الثَّامِنَةُ ) قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ اسْتَدَلَّ بِهَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ يُرِيدُ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ وَحَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ مَنْ أَجَازَ الْكَلَامَ فِي الْأَذَانِ وَهُمْ أَحْمَدُ وَالْحَسَنُ وَعُرْوَةُ وَقَتَادَةُ وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَبِي سَلَمَةَ وَابْنُ أَبِي حَازِمٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ قَالَ : وَلَا حُجَّةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ ، ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ مِنْ عِنْدِ ابْنِ عَدِيٍّ فِي التَّصْرِيحِ بِكَوْنِهَا تُقَالُ بَعْدَ الْأَذَانِ قَالَ وَالْحَدِيثَ الثَّانِي أَيْ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ لَمْ يَسْلُكْ فِيهِ مَسْلَكَ الْأَذَانِ أَلَا تَرَاهُ قَالَ لَا تَقُلْ حَيَّ عَلَى الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ إشْعَارَ النَّاسِ بِالتَّخْفِيفِ عَنْهُمْ لِلْعُذْرِ كَمَا فَعَلَ مِنْ التَّثْوِيبِ لِلْأُمَرَاءِ قَالَ وَقَدْ كَرِهَ الْكَلَامَ فِي الْأَذَانِ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَعَامَّةُ الْفُقَهَاءِ انْتَهَى . وَمَا أَوَّلَ الْقُرْطُبِيُّ بِهِ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ يَبْطُلُ الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى الْكَلَامِ فِي الْأَذَانِ فَإِنَّهُ لَمْ يَجْعَلْهُ أَذَانًا وَحَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ صَرَّحَ فِيهِ أَنَّ ذَلِكَ بَعْدَ الْأَذَانِ . ( التَّاسِعَةُ ) فِي قَوْلِهِ { لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ } مَا يَقْتَضِي أَنَّ التَّرَخُّصَ بِاجْتِمَاعِ الْبَرْدِ وَالْمَطَرِ فَلَا يَكُونُ فِيهِ أَنَّ أَحَدَهُمَا رُخْصَةٌ وَلَكِنْ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ الَّتِي تَلِيهَا { أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ } ، وَكَذَا فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ { فِي اللَّيْلَةِ الْبَارِدَةِ أَوْ الْمَطِيرَةِ } وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ أَحَدَهُمَا عُذْرٌ وَلَكِنْ كِلَا الرِّوَايَتَيْنِ الَّتِي أَتَى فِيهَا بِأَوْ مُقَيَّدَةٌ بِالسَّفَرِ وَفِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ { إذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ أَوْ ذَاتُ مَطَرٍ أَوْ ذَاتُ رِيحٍ فِي سَفَرٍ } الْحَدِيثَ . فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَمَّا كَانَ السَّفَرُ لَا تَتَأَكَّدُ فِيهِ الْجَمَاعَةُ وَيَشُقُّ الِاجْتِمَاعُ لِأَجْلِهَا اكْتَفَى فِيهِ بِأَحَدِ الْأُمُورِ بِخِلَافِ الْحَضَرِ فَإِنَّ الْمَشَقَّةَ فِيهِ أَخَفُّ مِنْ السَّفَرِ وَالْجَمَاعَةُ فِيهِ آكَدُ وَلَكِنْ لَا أَعْلَمُ قَائِلًا بِالْفَرْقِ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ فَتُحْمَلُ رِوَايَةُ الْوَاوِ عَلَى رِوَايَةِ أَوْ لِزِيَادَةِ الْفَائِدَةِ فِيهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) ظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ مَحَلَّ الرُّخْصَةِ فِي الْمَطَرِ وَالْبَرْدِ وَالرِّيحِ إنَّمَا هُوَ اللَّيْلُ فَقَطْ دُونَ النَّهَارِ مِنْ قَوْلِهِ { إذَا كَانَتْ لَيْلَةٌ بَارِدَةٌ ذَاتُ مَطَرٍ } . أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ قَائِلُونَ بِالتَّفْرِقَةِ بَيْنَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي الرِّيحِ فَقَطْ دُونَ الْمَطَرِ وَالْبَرْدِ فَقَالُوا فِي الْمَطَرِ وَالْبَرْدِ : إنَّ كُلًّا مِنْهُمَا عُذْرٌ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَقَالُوا فِي الرِّيحِ الْعَاصِفَةِ : إنَّهَا عُذْرٌ فِي اللَّيْلِ دُونَ النَّهَارِ هَكَذَا جَزَمَ الرَّافِعِيُّ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ وَحَكَى ابْنُ الرِّفْعَةِ وَجْهًا آخَرَ فِي الرِّيحِ أَنَّهَا عُذْرٌ فِي النَّهَارِ وَلِلْأَصْحَابِ أَنْ يُجِيبُوا عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ التَّقْيِيدَ بِاللَّيْلِ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عَلَى الْمَشْهُورِ وَالْعِلَّةُ إنَّمَا هِيَ الْبَرْدُ وَالْمَطَرُ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ { فِي يَوْمٍ مَطِيرٍ } . وَقَدْ ذَكَرْته بَعْدَ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي الْأَصْلِ وَأَمَّا الْبَرْدُ فِي النَّهَارِ فَرَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَالْغَدَاةِ الْقَارَّةِ فَفِيهِ التَّصْرِيحُ بِأَنَّ الْبَرْدَ عُذْرٌ فِي النَّهَارِ وَلَكِنْ قَدْ يُقَالُ : قَيَّدَهُ بِالْغَدَاةِ دُونَ بَقِيَّةِ النَّهَارِ لِمَا فِي الْغَدَاةِ مِنْ الْبَرْدِ دُونَ وَسَطِ النَّهَارِ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ هَكَذَا بِالْعَنْعَنَةِ وَهُوَ مُدَلِّسٌ فَلَا يُحْتَجُّ بِهَا . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) إنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ ذَكَرْتُمْ أَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ التَّقْيِيدَ بِكَوْنِهِ فِي السَّفَرِ ، وَكَذَا حَدِيثُ جَابِرٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ { أَنَّهُمْ كَانُوا فِي سَفَرٍ } . وَقَدْ تَقَدَّمَ وَهَكَذَا حَدِيثُ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ عِنْدَ أَصْحَابِ السُّنَنِ { أَنَّهُمْ كَانُوا فِي سَفَرٍ } فَكَانَ يَنْبَغِي حَمْلُ الرِّوَايَةِ الْمُطْلَقَةِ عَلَى الْمُقَيَّدَةِ بِالسَّفَرِ حَتَّى إنَّهُ لَا يَكُونُ الْمَطَرُ وَالْبَرْدُ وَالرِّيحُ رُخْصَةً فِي التَّخَلُّفِ عَنْ الْجَمَاعَةِ فِي الْحَضَرِ وَلَمْ يَقُولُوا بِهِ فَمَا الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ ؟ ( وَالْجَوَابُ ) أَنَّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد { نَادَى مُنَادِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فِي الْمَدِينَةِ فِي اللَّيْلَةِ الْمَطِيرَةِ وَالْغَدَاةِ الْقَارَّةِ } فَصَرَّحَ بِأَنَّ ذَلِكَ بِالْمَدِينَةِ لَيْسَ فِي سَفَرٍ وَلَكِنَّ هَذِهِ الطُّرُقَ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ عَنْ نَافِعٍ بِالْعَنْعَنَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَكِنَّ قِصَّةَ عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ تَدُلُّ عَلَى التَّرْخِيصِ بِالْمَطَرِ فِي الْحَضَرِ أَنَّهُ { قَالَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّهَا تَكُونُ الظُّلْمَةُ وَالسَّيْلُ وَأَنَا رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ فَصَلِّ يَا رَسُولَ اللَّهِ فِي بَيْتِي مَكَانًا أَتَّخِذُهُ مُصَلًّى فَجَاءَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَيْنَ تُحِبُّ أَنْ أُصَلِّيَ ؟ فَأَشَارَ إلَى مَكَان مِنْ الْبَيْتِ فَصَلَّى فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ رَخَّصَ لِعِتْبَانَ فِي ذَلِكَ التَّرْخِيصُ لِغَيْرِهِ فَإِنَّهُ عَلَّلَ أَيْضًا بِكَوْنِهِ ضَرِيرَ الْبَصَرِ فَلَعَلَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْعِلَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) ضَجْنَانُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بِفَتْحِ الضَّادِ الْمُعْجَمَةِ وَسُكُونِ الْجِيمِ وَبِنُونَيْنِ بَيْنَهُمَا أَلِفٌ قَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي ذَيْلِهِ عَلَى كِتَابِ الْغَرِيبَيْنِ لِلْهَرَوِيِّ : إنَّهُ مَوْضِعٌ أَوْ جَبَلٌ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ أَنَّ الْأَعْذَارَ الْمَذْكُورَةَ رُخْصَةٌ فِي مُطْلَقِ الْجَمَاعَةِ سَوَاءٌ فِيهِ الْجُمُعَةُ وَغَيْرُهَا وَقَدْ صَرَّحَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ { فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ } وَلَمْ يُفَرِّقْ أَصْحَابُنَا فِي أَصْحَابِ الْأَعْذَارِ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ إلَّا مَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْعُدَّةِ عَنْ أَئِمَّةِ طَبَرِسْتَانَ أَنَّهُمْ أَفْتَوْا أَنَّ الْوَحَلَ الشَّدِيدَ عُذْرٌ فِي الْجَمَاعَةِ دُونَ الْجُمُعَةِ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عُذْرٌ فِيهِمَا مَعًا ، وَمَنْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا مَحْجُوجٌ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ قَالَ خَطَبَنَا ابْنُ عَبَّاسٍ فِي يَوْمٍ ذِي رَدَغٍ الْحَدِيثَ . فِي أَمْرِهِ مُؤَذِّنَهُ أَنْ يَقُولَ صَلُّوا فِي بُيُوتِكُمْ وَالرَّدَغُ وَالرَّزَغُ الطِّينُ وَقَالَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ : إنَّ الْجُمُعَةَ عَزْمَةٌ وَإِنِّي كَرِهْت أَنْ أُخْرِجَكُمْ فَتَمْشُونَ فِي الطِّينِ وَالدَّحَضِ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى رِوَايَةِ مَالِكٍ حَيْثُ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْمَطَرَ وَالْوَحْلَ لَيْسَا بِعُذْرٍ فِي الْجُمُعَةِ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أَنَّ الْمَطَرَ الشَّدِيدَ وَالْوَحْلَ عُذْرٌ فِيهَا . وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ إنَّ الْمَطَرَ الْوَابِلَ عُذْرٌ ، وَقَيَّدَ أَصْحَابُنَا الْوَحَلَ بِالشَّدِيدِ وَأَطْلَقَ أَكْثَرُهُمْ الْمَطَرَ وَلَمْ يُقَيِّدُوهُ بِالشَّدِيدِ وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ بِمَا يَحْصُلُ بِهِ أَذًى وَقَدْ أُطْلِقَ الْمَطَرُ وَالرَّدَغُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ لَكِنْ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ كَرِهْت أَنْ أَؤُمَّكُمْ فَتَجِيئُونَ تَدُوسُونَ الطِّينَ إلَى رُكَبِكُمْ ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى شِدَّةِ الْوَحَلِ وَالْمَطَرِ ، لَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ بَعْدَ انْقِطَاعِ الْمَطَرِ وَهُوَ الظَّاهِرُ مِنْ سِيَاقِ الْحَدِيثِ وَيُسْتَدَلُّ لِمَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا مِنْ إطْلَاقِهِمْ الْمَطَرَ فِي عُذْرِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي الْمَلِيحِ عَنْ أَبِيهِ أَنَّهُ { شَهِدَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَمَنَ الْحُدَيْبِيَةِ فِي يَوْمِ جُمُعَةٍ وَأَصَابَهُمْ مَطَرٌ لَمْ يَبُلَّ أَسْفَلَ نِعَالِهِمْ فَأَمَرَهُمْ أَنْ يُصَلُّوا فِي رِحَالِهِمْ } لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد : إنَّ { ذَلِكَ كَانَ يَوْمَ حُنَيْنٍ } وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَمْ يَكُونُوا مُقِيمِينَ وَلَمْ يُنْقَلْ أَنَّهُمْ صَلُّوا الْجُمُعَةَ فَيَكُونُ ظُهْرًا فَلَا يَبْقَى فِيهَا دَلَالَةٌ عَلَى الْجُمُعَةِ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) حَكَى ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ الْمُهَلَّبِ أَنَّ قَوْلَهُ { الصَّلَاةُ فِي الرِّحَالِ } أَبَاحَ التَّخَلُّفَ عَنْ الْجَمَاعَةِ ، وَقَوْلُهُ إنَّهَا عَزْمَةٌ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ صَلَّى الْجُمُعَةَ وَحْدَهَا وَلَمْ يُصَلِّ بَعْدَهَا الْعَصْرَ قَالَ فَفِيهِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعُذْرِ الْمَطَرِ انْتَهَى . وَلَيْسَ كَمَا قَالَ مِنْ كَوْنِهِ حُجَّةً عَلَى مَا ذَكَرَهُ فَإِنَّ الْجُمُعَةَ لَا تُجْمَعُ مَعَ الْعَصْرِ إنَّمَا يُجْمَعُ مَعَهَا الظُّهْرُ ، فَاسْتِدْلَالُهُ بِعَدَمِ جَمْعِ الْعَصْرِ مَعَ الْجُمُعَةِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ عَلَى أَنَّا نَقُولُ : لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ نَقْلِ الْجَمْعِ عَدَمُ وُقُوعِهِ لَوْ كَانَ جَائِزًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْأَذَانِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَسُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ مَالِكٌ لَا أَذَانَ عَلَى مُسَافِرٍ وَإِنَّمَا الْأَذَانُ عَلَى مَنْ يَجْتَمِعُ إلَيْهِ لِتَأْدِيَتِهِ وَرُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ أَنَّهُ يُقِيمُ الْمُسَافِرُ وَلَا يُؤَذِّنُ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مَكْحُولٍ وَالْحَسَنِ وَالْقَاسِمِ . وَالْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ حُجَّةٌ لِمَنْ اسْتَحَبَّ الْأَذَانَ لِلْمُسَافِرِ مِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ الطَّوِيلُ عِنْدَ مُسْلِمٍ { فِي نَوْمِهِمْ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْوَادِي } . وَحَدِيثُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ { إنِّي أَرَاك تُحِبُّ الْغَنَمَ وَالْبَادِيَةَ فَإِذَا كُنْتَ فِي غَنَمِك أَوْ فِي بَادِيَتِك فَأَذَّنْت فَارْفَعْ صَوْتَك بِالنِّدَاءِ فَإِنَّهُ لَا يَسْمَعُ مَدَّ صَوْتِ الْمُؤَذِّنِ جِنٌّ وَلَا إنْسٌ وَلَا شَيْءٌ إلَّا شَهِدَ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } . وَحَدِيثُ مَالِكٍ أَبُو الْحُوَيْرِثِ فِي الصَّحِيحَيْنِ { وَإِذَا خَرَجْتُمَا فَأَذِّنَا وَأَقِيمَا } الْحَدِيثَ بَلْ زَادَ بَعْضُهُمْ عَلَى هَذَا وَقَالَ بِوُجُوبِ الْأَذَانِ فِي السَّفَرِ وَهُوَ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ فَقَالَ : إذَا كُنْت فِي سَفَرٍ وَلَمْ تُؤَذِّنْ وَلَمْ تُقِمْ فَأَعِدْ الصَّلَاةَ . وَقَالَ مُجَاهِدٌ إذَا نَسِيَ الْإِقَامَةَ فِي السَّفَرِ أَعَادَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَالْحُجَّةُ لَهُمَا قَوْلُهُ { أَذِّنَا وَأَقِيمَا } وَأَمْرُهُ عَلَى الْوُجُوبِ قَالَ وَالْعُلَمَاءُ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ عَطَاءٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْأَمْرُ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ . بَابُ الْإِمَامَةِ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ إقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ } وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { فَإِنَّ تَسْوِيَةَ الصَّفِّ مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ } وَقَالَ الْبُخَارِيُّ { مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { فَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ } ( بَابُ الْإِمَامَةِ ) ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَقِيمُوا الصَّفَّ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّ إقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) فِيهِ الْأَمْرُ بِإِقَامَةِ الصُّفُوفِ فِي الصَّلَاةِ وَالْمُرَادُ بِالصَّفِّ الْجِنْسُ وَيَدْخُلُ فِي إقَامَةِ الصَّفِّ اسْتِوَاءُ الْقَائِمِينَ عَلَى سَمْتٍ وَاحِدٍ وَالْتِصَاقُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ بَيْنَهُمْ خَلَلٌ وَتَتْمِيمُ الصُّفُوفِ الْمُقَدَّمَةِ أَوَّلًا فَأَوَّلًا وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَوِّي صُفُوفَنَا حَتَّى كَأَنَّمَا يُسَوِّي بِهَا الْقِدَاحَ حَتَّى رَأَى أَنْ قَدْ عَقَلْنَا عَنْهُ ثُمَّ خَرَجَ يَوْمًا فَقَامَ حَتَّى كَادَ أَنْ يُكَبِّرَ فَرَأَى رَجُلًا بَادِيًا صَدْرُهُ مِنْ الصَّفِّ فَقَالَ : عِبَادَ اللَّهِ لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ } وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ عَنْ النُّعْمَانِ { أَقْبَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّاسِ بِوَجْهِهِ فَقَالَ أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ ثَلَاثًا وَاَللَّهِ لَتُقِيمُنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ قَالَ فَرَأَيْت الرَّجُلَ يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَرُكْبَتَهُ بِرُكْبَةِ صَاحِبِهِ وَكَعْبَهُ بِكَعْبِهِ } . فَهَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ دَالَّتَانِ بِمَجْمُوعِهِمَا عَلَى أَنَّهُ يَدْخُلُ فِي إقَامَةِ الصَّفِّ اسْتِوَاءُ الْقَائِمِينَ بِهِ وَانْضِمَامُ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَقِيمُوا صُفُوفَكُمْ فَإِنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي وَكَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ } وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَلَا تَصُفُّونَ كَمَا تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا ؟ قُلْنَا وَكَيْفَ تَصُفُّ الْمَلَائِكَةُ عِنْدَ رَبِّهَا قَالَ يُتِمُّونَ الصُّفُوفَ الْمُقَدَّمَةَ وَيَتَرَاصُّونَ فِي الصَّفِّ } وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { أَقِيمُوا الصُّفُوفَ وَحَاذُوا بَيْنَ الْمَنَاكِبِ وَسُدُّوا الْخَلَلَ وَلِينُوا ، وَلَا تَذَرُوا فُرُجَاتٍ لِلشَّيْطَانِ وَمَنْ وَصَلَ صَفًّا وَصَلَهُ اللَّهُ وَمَنْ قَطَعَ صَفًّا قَطَعَهُ اللَّهُ } وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ عَنْ أَنَسٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { رُصُّوا صُفُوفَكُمْ وَقَارِبُوا بَيْنَهُمَا وَحَاذُوا بِالْأَعْنَاقِ فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ إنِّي لَأَرَى الشَّيْطَانَ يَدْخُلُ مِنْ خَلَلِ الصَّفِّ كَأَنَّهَا الْحَذَفُ } . وَالْأَحَادِيثُ فِي هَذَا الْمَعْنَى كَثِيرَةٌ ( الثَّانِيَةُ ) هَذَا الْأَمْرُ لِلِاسْتِحْبَابِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي تَعْلِيلِهِ { فَإِنَّ إقَامَةَ الصَّفِّ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ } قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ إقَامَةَ الصُّفُوفِ سُنَّةٌ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ فَرْضًا لَمْ يَجْعَلْهُ مِنْ حُسْنِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ حُسْنَ الشَّيْءِ زِيَادَةٌ عَلَى تَمَامِهِ وَذَلِكَ زِيَادَةٌ عَلَى الْوُجُوبِ قَالَ وَدَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ { تَسْوِيَةُ الصَّفِّ مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ أَنَّ إقَامَةَ الصَّلَاةِ } . تَقَعُ عَلَى السُّنَّةِ كَمَا تَقَعُ عَلَى الْفَرِيضَةِ لِمَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي قَوْلِ أَنَسٍ مَا أَنْكَرْت شَيْئًا إلَّا أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ لِمَا كَانَ تَسْوِيَةُ الصَّفِّ مِنْ السُّنَّةِ الَّتِي يَسْتَحِقُّ فَاعِلُهَا الْمَدْحَ عَلَيْهَا دَلَّ ذَلِكَ أَنَّ تَارِكَهَا يَسْتَحِقُّ الذَّمَّ وَالْعَتْبَ كَمَا قَالَ أَنَسٌ رَحِمَهُ اللَّهُ غَيْرَ أَنَّ مَنْ لَمْ يُقِمْ الصُّفُوفَ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَنَسًا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ انْتَهَى . وَهَذَا اللَّفْظُ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَهُوَ قَوْلُهُ { مِنْ إقَامَةِ الصَّلَاةِ } . هُوَ لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ { مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ } وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ قَدْ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ { مِنْ تَمَامِ الصَّلَاةِ } أَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لِأَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ مِنْ أَرْكَانِهَا وَلَا وَاجِبَاتِهَا وَتَمَامُ الشَّيْءِ أَمْرٌ زَائِدٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ الَّتِي لَا يَتَحَقَّقُ إلَّا بِهَا فِي مَشْهُورِ الِاصْطِلَاحِ قَالَ وَقَدْ يَنْطَلِقُ بِحَسَبِ الْوَضْعِ عَلَى بَعْضِ مَا لَا تَتِمُّ الْحَقِيقَةُ إلَّا بِهِ انْتَهَى . وَهَذَا مَذْهَبُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ . وَذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ إلَى وُجُوبِهِ فَقَالَ وَفُرِضَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ تَعْدِيلُ الصُّفُوفِ الْأُوَلِ وَالتَّرَاصُّ فِيهَا وَالْمُحَاذَاةُ بِالْمَنَاكِبِ وَالْأَرْجُلِ فَإِنْ كَانَ نَقْصٌ كَانَ فِي آخِرِهَا وَمَنْ صَلَّى وَأَمَامَهُ فِي الصَّفِّ فُرْجَةٌ يُمْكِنُهُ سَدُّهَا بِنَفْسِهِ فَلَمْ يَفْعَلْ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فِي الصَّفِّ مَدْخَلًا فَلْيَجْذِبْ إلَى نَفْسِهِ رَجُلًا يُصَلِّي مَعَهُ فَإِنْ لَمْ يَقْدِرْ فَلْيَرْجِعْ وَلَا يُصَلِّ وَحْدَهُ خَلْفَ الصَّفِّ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَمْنُوعًا فَيُصَلِّيَ وَيَجْزِيهِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ النُّعْمَانِ بْنِ بَشِيرٍ { لَتُسَوُّنَّ صُفُوفَكُمْ أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ وُجُوهِكُمْ } . قَالَ وَهَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ وَالْوَعِيدُ لَا يَكُونُ إلَّا فِي كَبِيرَةٍ مِنْ الْكَبَائِرِ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ أَنَسٍ كَانَ أَحَدُنَا يُلْزِقُ مَنْكِبَهُ بِمَنْكِبِ صَاحِبِهِ وَقَدَمَهُ بِقَدَمِهِ وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ثُمَّ قَالَ هَذَا إجْمَاعٌ مِنْهُمْ ثُمَّ قَالَ وَبِقَوْلِنَا يَقُولُ السَّلَفُ الطَّيِّبُ رَوَيْنَا بِأَصَحِّ إسْنَادٍ عَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ قَالَ كُنْت فِيمَنْ ضَرَبَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ قَدَمَهُ لِإِقَامَةِ الصَّفِّ فِي الصَّلَاةِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ مَا كَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِيَضْرِبَ أَحَدًا وَيَسْتَبِيحَ بَشَرَةً مُحَرَّمَةً عَلَيْهِ عَلَى غَيْرِ فَرْضٍ ثُمَّ حَكَى ابْنُ حَزْمٍ بَعَثَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ رَجُلًا لِذَلِكَ وَأَنَّهُ لَا يُكَبِّرُ حَتَّى يُخْبِرُوهُ بِاسْتِوَائِهَا ثُمَّ قَالَ : فَهَذَا فِعْلُ الْخَلِيفَتَيْنِ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ لَا يُخَالِفُهُمْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ ثُمَّ حَكَى عَنْ سُوَيْد بْنِ غَفَلَةَ قَالَ كَانَ بِلَالٌ هُوَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَضْرِبُ أَقْدَامَنَا فِي الصَّلَاةِ وَيُسَوِّي مَنَاكِبَنَا . ثُمَّ قَالَ فَهَذَا بِلَالٌ مَا كَانَ لِيَضْرِبَ أَحَدًا عَلَى غَيْرِ الْفَرْضِ ثُمَّ حَكَى قَوْلَهُمْ لِأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَتُنْكِرُ شَيْئًا مِمَّا كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَا ، إلَّا أَنَّكُمْ لَا تُقِيمُونَ الصُّفُوفَ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ الْمُبَاحُ لَيْسَ مُنْكَرًا انْتَهَى . وَقَدْ اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ بِكَلَامِ أَنَسٍ هَذَا عَلَى الْوُجُوبِ فَبَوَّبَ عَلَيْهِ فِي صَحِيحِهِ ، بَابَ إثْمِ مَنْ لَمْ يُتِمَّ الصُّفُوفَ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذَا الْوَعِيدُ يَعْنِي الَّذِي فِي حَدِيثِ النُّعْمَانِ لَا يَكُونُ إلَّا فِي تَرْكِ وَاجِبٍ وَهَذَا كَانَ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ إلَّا أَنَّ الشَّرْعَ سَمَحَ فِي ذَلِكَ . ا هـ ( الثَّالِثَةُ ) ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ فِي مَعْنَى إقَامَةِ الصَّفِّ أُمُورًا : ( أَحَدُهَا ) حُصُولُ الِاسْتِقَامَةِ وَالِاعْتِدَالِ ظَاهِرٌ كَمَا هُوَ الْمَطْلُوبُ بَاطِنًا . ( ثَانِيهَا ) لِئَلَّا يَتَخَلَّلَهُمْ الشَّيْطَانُ فَيُفْسِدَ صَلَاتَهُمْ بِالْوَسْوَسَةِ كَمَا جَاءَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ . ( ثَالِثُهَا ) مَا فِي ذَلِكَ مِنْ حُسْنِ الْهَيْئَةِ . ( رَابِعُهَا ) أَنَّ فِي ذَلِكَ تَمَكُّنَهُمْ مِنْ صَلَاتِهِمْ مَعَ كَثْرَةِ جَمْعِهِمْ فَإِذَا تَرَاصُّوا وَسِعَ جَمِيعَهُمْ الْمَسْجِدُ وَإِذَا لَمْ يَفْعَلُوا ذَلِكَ ضَاقَ عَنْهُمْ . ( خَامِسُهَا ) أَنْ لَا يَشْغَلَ بَعْضُهُمَا بَعْضًا بِالنَّظَرِ إلَى مَا يَشْغَلُهُ مِنْهُ إذَا كَانُوا مُخْتَلِفِينَ وَإِذَا اصْطَفُّوا غَابَتْ وُجُوهُ بَعْضِهِمْ عَنْ بَعْضٍ وَكَثِيرٌ مِنْ حَرَكَاتِهِمْ وَإِنَّمَا يَلِي بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضٍ ظُهُورَهُمْ ( الرَّابِعَةُ ) وَجْهُ إيرَادِ الْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ الْإِمَامَةِ أَنَّ الصُّفُوفَ إنَّمَا تَحْصُلُ مَعَ الْجَمَاعَةِ وَذَلِكَ بِالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِينَ فَهِيَ مِنْ الْأَحْكَامِ الْمُتَرَتِّبَةِ عَلَى الْإِمَامَةِ وَأَيْضًا فَتَسْوِيَةُ الصُّفُوفِ مِنْ وَظَائِفِ الْإِمَامَةِ . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَخَلَّلُ الصَّفَّ مِنْ نَاحِيَةٍ إلَى نَاحِيَةٍ يَمْسَحُ صُدُورَنَا وَمَنَاكِبَنَا وَيَقُولُ لَا تَخْتَلِفُوا فَتَخْتَلِفَ قُلُوبُكُمْ وَكَانَ يَقُولُ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَمَلَائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى الصُّفُوفِ الْأُوَلِ } . وَرُوِيَ عَنْ كُلٍّ مِنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { أَنَّهُ كَانَ يَبْعَثُ رِجَالًا يُسَوُّونَ الصُّفُوفَ فَإِذَا أَخْبَرُوهُ بِتَسْوِيَتِهَا كَبَّرَ } وَكَانَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَتَعَاهَدُ ذَلِكَ أَيْضًا وَيَقُولُ تَقَدَّمْ يَا فُلَانُ تَأَخَّرْ يَا فُلَانُ . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا الْإِمَامُ لِيُؤْتَمّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبَّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَأُرْكِعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلَّوْا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ } زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَة { وَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا } وَفِي رِوَايَة { لَا تُبَادِرُوا الْإِمَامَ وَفِيهَا وَإِذَا قَالَ وَلَا الضَّالِّينَ فَقُولُوا آمِينَ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { فَلَا تَرْفَعُوا قَبْلَهُ } الْحَدِيثُ الثَّانِي ) وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ } . فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يَمْتَنِعُ اقْتِدَاءُ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ لِاخْتِلَافِ نِيَّتِهِمَا وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِهِ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فِي الْأَفْعَالِ وَالنِّيَّاتِ فَلَا تَخْتَلِفُوا عَلَيْهِ أَيْ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَآخَرُونَ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَآخَرُونَ مَعْنَاهُ فِي الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ دُونَ النِّيَّاتِ فَإِنَّهُ لَا اطِّلَاعَ لِأَحَدٍ عَلَيْهَا فَيَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَ الْفَرْضَ خَلْفَ النَّفْلِ وَعَكْسَهُ وَالظُّهْرَ خَلْفَ الْعَصْرِ وَعَكْسَهُ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّهُ عَقَّبَهُ بِذِكْرِ الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ حَيْثُ قَالَ { فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا } إلَى آخِرِهِ وَيَدُلُّ لِلشَّافِعِيِّ وَمُوَافِقِيهِ حَدِيثُ مُعَاذٍ { أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ يَرْجِعُ فَيُصَلَّى بِقَوْمِهِ } وَقَدْ ذَكَرَهُ الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي بَابِ الْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ تَكَلَّمَ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ هُنَاكَ بِمَا أَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ هُنَا . ( الثَّانِيَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَتَقَدَّمَ الْمَأْمُومُ عَلَى الْإِمَامِ فِي الْمَوْقِفِ لِأَنَّهُ إذَا تَقَدَّمَ عَلَيْهِ فَهُوَ حِينَئِذٍ غَيْرُ مُؤْتَمٍّ بِهِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَالْكُوفِيُّونَ وَجَوَّزَهُ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَطَائِفَةٌ وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيثِ بِأَنَّ الْمُرَادَ الِائْتِمَامُ بِهِ فِي الْأَفْعَالِ لَا فِي الْمَوْقِفِ وَهُوَ تَقْيِيدٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَقَدْ أَنْكَرُوا عَلَى الشَّافِعِيَّةِ تَقْيِيدَ الِائْتِمَامِ بِالْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ وَقَيَّدُوهُ هُنَا ثُمَّ إنَّ إخْرَاجَ الشَّافِعِيَّةِ النِّيَّاتِ عَنْ ذَلِكَ سَاعَدَهُ كَوْنُهُ بَيَّنَ فِي الْحَدِيثِ مَا أَمَرَ بِالِائْتِمَامِ بِهِ فِيهِ فَلَمْ يَذْكُرْ مِنْ ذَلِكَ النِّيَّاتِ وَأَنَّ النِّيَّاتِ لَا يُمْكِنْ الْأَمْرُ بِالْمُتَابَعَةِ فِيهَا لِكَوْنِهِ لَا يَطَّلِعُ عَلَيْهَا وَأَمَّا إخْرَاجُ الْمَالِكِيَّةِ الْمَوْقِفَ عَنْ ذَلِكَ فَهُمْ مُطَالَبُونَ بِالدَّلِيلِ عَلَيْهِ . ( الثَّالِثَةُ ) قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ عَلَى صِحَّةِ صَلَاةِ الْإِمَامِ إذَا بَانَ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثًا أَوْ عَلَيْهِ نَجَاسَةٌ لِكَوْنِهِ حَضَرَ الْإِمَامَ فِي الِاقْتِدَاءِ بِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُعْتَبَرُ فِيهِ أَمْرٌ آخَرُ سِوَى ذَلِكَ وَالِاقْتِدَاءُ بِهِ فِي هَذِهِ الصُّوَرِ مُمْكِنٌ مَعَ الْجَهْلِ بِحَالِهِ وَبِهَذَا صَرَّحَ أَصْحَابُنَا وَقَيَّدَ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ النَّجَاسَةَ بِالْخَفِيَّةِ وَفِي النَّجَاسَةِ الظَّاهِرَةِ احْتِمَالٌ لِلْإِمَامِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنَّمَا يَصِحُّ الِاقْتِدَاءُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ هُوَ بِحَدَثِ نَفْسِهِ فَإِنْ عَلِمَ فَفِيهِ قَوْلَانِ أَمَّا إذَا عَلِمَ الْمَأْمُومُ بِحَدَثِ الْإِمَامِ ثُمَّ نَسِيَهُ فَاقْتَدَى بِهِ فَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ لِتَفْرِيطِهِ . وَإِذَا صَحَّحْنَا الِاقْتِدَاءَ بِالْإِمَامِ الْمُحْدِثِ حَصَلَ لِلْمَأْمُومِ الْجَمَاعَةُ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ ائْتَمَّ بِإِمَامٍ يَظُنُّهُ مُتَطَهِّرًا فَلَا يَضُرُّ كَوْنُهُ فِي الْبَاطِنِ مُحْدِثًا أَمَّا إذَا ظَهَرَ الْإِمَامُ كَافِرًا أَوْ امْرَأَةً أَوْ خُنْثَى أَوْ مَجْنُونًا فَإِنَّهُ تَجِبُ الْإِعَادَةُ خِلَافًا لِلْمُزَنِيِّ فِي الْكَافِرِ وَصَحَّحَ الْبَغَوِيّ وَجَمَاعَةٌ أَنَّهُ إنْ كَانَ يَسِيرَ الْكُفْرِ لَمْ تَجِبْ الْإِعَادَةُ وَهُوَ أَقْوَى دَلِيلًا كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ . ( الرَّابِعَةُ ) اسْتَدَلَّ الْبُخَارِيُّ بِقَوْلِهِ إذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا عَلَى إيجَابِ تَكْبِيرِ الْإِحْرَامِ فَبَوَّبَ عَلَيْهِ بَابَ إيجَابِ التَّكْبِيرِ وَافْتِتَاحِ الصَّلَاةِ فَرَدَّ بِذَلِكَ عَلَى مَنْ يَقُولُ مِنْ السَّلَفِ أَنَّهُ يَجُوزُ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ بِغَيْرِ لَفْظٍ بَلْ بِالنِّيَّةِ فَقَطْ وَعَلَى أَبِي حَنِيفَةَ فِي قَوْلِهِ أَنَّهُ يَجُوزُ الدُّخُولُ فِي الصَّلَاةِ بِكُلِّ لَفْظٍ يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالتَّكْبِيرِ وَقَدْ يُقَالُ أَنَّ فِي دَلَالَتِهِ عَلَى ذَلِكَ نَظَرٌ لِأَنَّ غَايَةَ مَا دَلَّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِمُتَابَعَةِ الْإِمَامِ فِي التَّكْبِيرِ فَأَمَّا كَوْنُ التَّكْبِيرِ وَاجِبًا أَوْ غَيْرَ وَاجِبٍ فَلَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَلَا شَكَّ أَنَّ قَوْلَهُ { فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا } يَتَنَاوَلُ تَكْبِيرَاتِ الِانْتِقَالَاتِ أَيْضًا وَهِيَ غَيْرُ وَاجِبَةٍ قَطْعًا . وَقَدْ ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ قَوْلُ الْمَأْمُومِ رَبّنَا لَك الْحَمْدُ عِنْدَ قَوْلِ الْإِمَامِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَهُمَا غَيْرُ وَاجِبَيْنِ ثُمَّ لَوْ كَانَتْ جَمِيعُ الْأُمُورِ الْمَذْكُورَةِ فِيهِ وَاجِبَةً لَمْ يَدُلَّ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَنَّ التَّكْبِيرَ وَاجِبٌ لِضَعْفِ دَلَالَةِ الِاقْتِرَانِ كَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ . ( الْخَامِسَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ أَفْعَالَ الْمَأْمُومِ تَكُونُ مُتَأَخِّرَةً عَنْ أَفْعَالِ الْإِمَامِ فَيُكَبِّرُ لِلْإِحْرَامِ بَعْدَ فَرَاغِ الْإِمَامِ مِنْ التَّكْبِيرِ وَيَرْكَعُ بَعْدَ شُرُوعِ الْإِمَامِ فِي الرُّكُوعِ وَقَبْلَ رَفْعِهِ مِنْهُ وَكَذَا سَائِرُ الْأَفْعَالِ وَبِهَذَا صَرَّحَ أَصْحَابُنَا فَقَالُوا إنْ قَارَنَهُ فِي تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ لَمْ تَنْعَقِدْ صَلَاتُهُ أَوْ فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَفْعَالِ فَهُوَ مَكْرُوهٌ وَتَفُوتُ بِهِ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ وَفِي الْمُقَارَنَةِ فِي السَّلَامِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ لَا يَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ هَلْ يَكُونُ عَمَلُ الْمَأْمُومِ وَالْإِمَامِ مَعًا أَوْ بَعْدَهُ ؟ فَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ قَالَ مَالِكٌ وَيَفْعَلُ الْمَأْمُومُ مَعَ الْإِمَامِ إلَّا فِي الْإِحْرَامِ وَالْقِيَامِ مِنْ اثْنَتَيْنِ وَالسَّلَامِ فَلَا يَفْعَلُهُ إلَّا بَعْدُهُ وَرَوَى سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ إنْ أَحْرَمَ مَعَهُ أَجْزَأَهُ وَبَعْدَهُ أَصْوَبُ وَهُوَ قَوْلُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ أَبِي سَلَمَةَ وَفِي الْمَجْمُوعَةِ عَنْ مَالِكٍ إنْ أَحْرَمَ مَعَهُ أَوْ سَلَّمَ يُعِيدُ الصَّلَاةَ قَالَهُ أَصْبَغُ وَقَالَ ابْنُ أَبِي زَيْدٍ وَالْعَمَلُ بَعْدَهُ فِي كُلِّ شَيْءٍ أَحْسَنُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا } . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَزُفَرُ وَمُحَمَّدٌ وَالثَّوْرِيُّ يُكَبِّرُ فِي الْإِحْرَامِ مَعَ الْإِمَامِ وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالشَّافِعِيُّ لَا يُكَبِّرُ الْمَأْمُومُ حَتَّى يَفْرُغَ الْإِمَامُ مِنْ التَّكْبِيرِ وَتَوْجِيهُ قَوْلِ مَنْ جَوَّزَ تَكْبِيرَهُ مَعَهُ أَنَّ الِائْتِمَامَ مَعْنَاهُ الِامْتِثَالُ لِفِعْلِ الْإِمَامِ فَهُوَ إذَا فَعَلَ مِثْلَ فِعْلِهِ فَسَوَاءٌ أَوْقَعَهُ مَعَهُ أَوْ بَعْدَهُ فَقَدْ حَصَلَ مُمْتَثِلًا لِفِعْلِهِ انْتَهَى . وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّهُ مَتَى فَارَقَ الْإِمَامَ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَفْعَالِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ انْتَهَى . وَوَجْهُ الدَّلِيلِ مِنْ الْحَدِيثِ عَلَى تَأَخُّرِ أَفْعَالِ الْمَأْمُومِ عَنْ أَفْعَالِ الْإِمَامِ أَنَّهُ رَتَّبَ فِعْلَهُ عَلَى فِعْلِ الْإِمَامِ بِالْفَاءِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرْتِيبِ وَالتَّعْقِيبِ كَذَا ذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ . وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ الْفَاءَ الْمُقْتَضِيَةَ لِلتَّعْقِيبِ هِيَ الْعَاطِفَةُ أَمَّا الْوَاقِعَةُ فِي جَوَابِ الشَّرْطِ فَإِنَّمَا هِيَ لِلرَّبْطِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا دَلَالَةَ لَهَا عَلَى التَّعْقِيبِ عَلَى أَنَّ فِي دَلَالَتِهَا عَلَى التَّعْقِيبِ مَذْهَبَيْنِ حَكَاهُمَا الشَّيْخُ أَبُو حَيَّانَ الْأَنْدَلُسِيُّ فِي شَرْحِ التَّسْهِيلِ وَلَعَلَّ أَصْلَهَا أَنَّ الشَّرْطَ مَعَ الْجَزَاءِ أَوْ مُتَقَدِّمٌ عَلَيْهِ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّعْقِيبَ إنْ قُلْنَا بِهِ فَلَيْسَ مِنْ الْفَاءِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ ضَرُورَةِ تَقَدُّمِ الشَّرْطِ عَلَى الْجَزَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فَإِنْ قِيلَ قَدْ قُلْتُمْ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إذَا أَمَّنَ الْإِمَامُ فَأَمِّنُوا } . أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ أَنْ يُؤَمِّنَ مَعَ الْإِمَامِ مُقَارِنًا لَهُ مَعَ كَوْنِهِ بِالْفَاءِ أَيْضًا فِي جَوَابِ الشَّرْطِ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَالْجَوَابُ أَنَّ الَّذِي صَرَفَنَا عَنْ التَّعْقِيبِ هُنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا قَالَ الْإِمَامُ { غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ } فَقُولُوا آمِينَ } فَعَقَّبَ قَوْلَ الْإِمَامِ { وَلَا الضَّالِّينَ } بِتَأْمِينِ الْمَأْمُومِ وَهُوَ مَحَلُّ تَأْمِينِ الْإِمَامِ وَصَرَفَنَا مِنْ الْقَوْلِ بِمِثْلِ هَذَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد { فَإِذَا كَبَّرَ فَكَبِّرُوا وَلَا تُكَبِّرُوا حَتَّى يُكَبِّرَ } وَكَذَا قَالَ فِي الرُّكُوعِ { وَلَا تَرْكَعُوا حَتَّى يَرْكَعَ } وَقَالَ فِي السُّجُودِ { وَلَا تَسْجُدُوا حَتَّى يَسْجُدَ } وَفَائِدَةُ هَذِهِ الزِّيَادَةِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد نَفْيُ احْتِمَالِ إرَادَةِ الْمُقَارَنَةِ انْتَهَى . ( السَّادِسَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ الْجَهْرُ بِقَوْلِهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ لِأَنَّهُ رَتَّبَ عَلَيْهِ قَوْلَ الْمَأْمُومِينَ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجْهَرُ بِهِ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ الْمَأْمُومُ وَبِهَذَا صَرَّحَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ ( السَّابِعَةُ ) وَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْإِمَامَ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَأَنَّ الْمَأْمُومَ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ . وَفِيهِ قَوْلٌ ثَانٍ أَنَّ الْإِمَامَ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا وَالْمَأْمُومُ يَقْتَصِرُ عَلَى قَوْلِهِ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُمَا صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَإِنَّهُمَا قَالَا فِي قَوْلِهِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ أَنَّ الْإِمَامَ يَقُولُهَا فِي نَفْسِهِ وَهُوَ قَوْلٌ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ أَيْضًا حَكَاهُ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ أَعْنِي جَمْعَ الْإِمَامِ بَيْنَهُمَا وَاقْتِصَارَ الْمَأْمُومِ عَلَى قَوْلِهِ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ جَمْعُ الْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ بَيْنَ اللَّفْظَيْنِ مَعًا فَقَوْلُهُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ ذِكْرُ الِانْتِقَالِ وَقَوْلُهُ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ ذِكْرُ الِاعْتِدَالِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } . وَغَايَةُ مَا فِي حَدِيثِ الْبَابِ السُّكُوتُ عَنْ قَوْلِ الْمَأْمُومِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَعَنْ قَوْلِ الْإِمَامِ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ فَيُسْتَفَادُ ذَلِكَ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ فَأَمَّا جَمْعُ الْإِمَامِ بَيْنَهُمَا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ يُكَبِّرُ حِينَ يَقُومُ ثُمَّ يُكَبِّرُ حِينَ يَرْكَعُ ثُمَّ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ حِينَ يَرْفَعُ صُلْبَهُ مِنْ الرَّكْعَةِ ثُمَّ يَقُولُ وَهُوَ قَائِمٌ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ } . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي أَوْفَى قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ } . وَفِي الْبَابِ أَحَادِيثُ أُخَرُ وَفِي هَذِهِ كِفَايَةٌ وَقَدْ وَرَدَ فِي جَمْعِ الْمَأْمُومِ بَيْنَهُمَا أَحَادِيثُ فِي إسْنَادِهَا ضَعْفٌ فَنَذْكُرُهَا مَعَ أَنَّ الِاعْتِمَادَ عَلَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } فَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { كُنَّا إذَا صَلَّيْنَا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ مَنْ وَرَاءَهُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ } قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْمَحْفُوظُ بِهَذَا الْإِسْنَادِ { إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَلْيَقُلْ مَنْ وَرَاءَهُ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ } وَرَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ { قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا بُرَيْدَةَ إذَا رَفَعَتْ رَأْسَك مِنْ الرُّكُوعِ فَقُلْ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ } وَهَذَا عَامٌ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِ إمَامًا كَانَ أَوْ مَأْمُومًا أَوْ مُنْفَرِدًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِهِ وَمَنْ دُونَهُ أَكْثَرُهُمْ ضَعْفًا وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ اخْتَلَفُوا فِي الْمَأْمُومِ إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ كَذَلِكَ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَأَبُو بُرْدَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَيَعْقُوبُ وَمُحَمَّدٌ وَقَالَ عَطَاءٌ يَجْمَعُهُمَا مَعَ الْإِمَامِ أَحَبُّ إلَيَّ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ إذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَلْيَقُلْ مَنْ خَلْفَهُ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ هَذَا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَالشَّعْبِيِّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَقَالَ أَحْمَدُ إلَى هَذَا انْتَهَى أَمْرُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ أَقُولُ ( قُلْت ) لَمْ يَحْكِ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ أَنَّ الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي حَقِّ الْمَأْمُومِ وَإِنَّمَا حَكَى عَنْهُمَا الْجَمْعَ بَيْنَهُمَا فِي حَقِّ الْإِمَامِ وَهُوَ أَعْرَفُ بِمَذْهَبِهِ . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عَلِيٍّ { أَنَّهُ كَانَ إذَا رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ بِحَوْلِك وَقُوَّتِك أَقُومُ وَأَقْعُدُ } وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَهُوَ إمَامٌ لِلنَّاسِ فِي الصَّلَاةِ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ اللَّهُ أَكْبَرُ يَرْفَعُ بِذَلِكَ صَوْتَهُ وَيُتَابِعُهُ مَعًا وَعَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ فَإِذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ قَالَ مَنْ خَلْفَهُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ اللَّهُمَّ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ قَالَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ خَلْفَ الْإِمَامِ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَقَالَ عَطَاءٌ يَجْمَعُهُمَا مَعَ الْإِمَامِ أَحَبُّ إلَيَّ وَحَكَى بَعْضُهُمْ عَنْ الْقَاضِي مُجَلِّي أَنَّهُ قَالَ فِي الذَّخَائِرِ ادَّعَى ابْنُ الْمُنْذِرِ أَنَّ الشَّافِعِيَّ خَرَقَ الْإِجْمَاعَ فِي جَمْعِ الْمَأْمُومِ بَيْنَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ وَرَبَّنَا لَك الْحَمْدُ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَقَدْ قَالَ بِقَوْلِهِ عَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ وَابْنُ سِيرِينَ وَإِسْحَاقُ وَغَيْرُهُمْ قُلْت وَفِي هَذَا النَّقْلِ عَنْ ابْنِ الْمُنْذِرِ نَظَرٌ فَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّهُ فِي الْإِشْرَافِ حَكَى ذَلِكَ عَنْ غَيْرِ الشَّافِعِيِّ كَمَا تَقَدَّمَ وَمَعْنَى حَدِيثِ الْبَابِ عَلَى مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ إذَا قَالَ الْإِمَامُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فِي انْتِقَالِهِ فَقُولُوا رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ فِي اعْتِدَالِكُمْ بَلْ نَزِيدُ عَلَى هَذَا وَنَقُولُ إنَّ فِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّ الْمَأْمُومَ يَقُولُ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ مِنْ قَوْلِهِ إنَّمَا الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا الْمُنْفَرِدُ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا كَالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ فَكُلُّ مُصَلٍّ كَذَلِكَ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ وَعَزَاهُ لِطَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ وَمِمَّنْ قَالَ يَجْمَعُ الْمُنْفَرِدُ بَيْنَهُمَا مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِنَّ مَا يَقُولَانِ ذَلِكَ فِي الْمَأْمُومِ وَقَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمُنْفَرِدُ يَجْمَعُ بَيْنَهُمَا فِي الْأَصَحِّ وَإِنْ كَانَ يُرْوَى الِاكْتِفَاءُ بِالتَّسْمِيعِ وَيُرْوَى بِالتَّحْمِيدِ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي جَمْعِ الْمُنْفَرِدِ بَيْنَهُمَا . ( الثَّامِنَةُ ) فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ بِغَيْرِ وَاوٍ وَفِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمَذْكُورِ بَعْدَهُ وَلَك الْحَمْدُ بِإِثْبَاتِ الْوَاوِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ كَأَنَّ إثْبَاتَ الْوَاوِ دَالٌّ عَلَى مَعْنًى زَائِدٍ لِأَنَّهُ يَكُونُ التَّقْدِيرُ رَبَّنَا اسْتَجِبْ أَوْ مَا قَارَبَ ذَلِكَ وَلَك الْحَمْدُ فَيَكُونُ الْكَلَامُ مُشْتَمِلًا عَلَى مَعْنَى الدُّعَاءِ وَمَعْنَى الْخَبَرِ وَإِذَا قِيلَ بِإِسْقَاطِ الْوَاوِ دَلَّ عَلَى أَحَدِ هَذَيْنِ انْتَهَى وَإِسْقَاطُ الْوَاوِ قَدْ حُكِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ قُدَامَةَ وَقَالَ لِأَنَّ الْوَاوَ لِلْعَطْفِ وَلَيْسَ هُنَا شَيْءٌ هُنَا يُعْطَفُ عَلَيْهِ وَعَنْ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ فِي ذَلِكَ خِلَافٌ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأَفْضَلَ إثْبَاتُهَا وَرَوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ زِيَادٍ أَنَّ الْأَفْضَلَ إسْقَاطُهَا وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ الْأَثْرَمُ سَمِعْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يُثْبِتُ الْوَاوَ فِي رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَقَالَ رَوَى الْأَزْهَرِيُّ فِيهِ ثَلَاثَةَ أَحَادِيثَ أَحَدُهَا عَنْ أَنَسٍ وَالثَّانِي عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالثَّالِثُ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ يَعْنِي حَدِيثَ رَفْعِ الْيَدَيْنِ وَقَالَ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ الطَّوِيلِ رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ بِالْوَاوِ وَنَقَلَ فِيهِ ابْنُ قُدَامَةَ خِلَافًا عَنْ أَحْمَدَ وَقَالَ النَّوَوِيُّ كِلَاهُمَا جَاءَتْ بِهِ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ وَالْمُخْتَارُ أَنَّهُ عَلَى وَجْهِ الْجَوَازِ وَإِنَّ الْأَمْرَيْنِ جَائِزَانِ وَلَا تَرْجِيحَ لِأَحَدِهِمَا عَلَى الْآخَرِ . ========ج7777777777777777777777777.======================= اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ ( التَّاسِعَةُ ) قَوْلُهُ { وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ } كَذَا فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَكَذَا هُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِلضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ { فَصَلُّوا } وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ أَجْمَعِينَ وَهُوَ تَأْكِيدٌ لِلْحَالِ وَهُوَ قَوْلُهُ { جُلُوسًا } ( الْعَاشِرَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إذَا صَلَّى قَاعِدًا لِعُذْرٍ صَلَّى الْمَأْمُومُونَ وَرَاءَهُ قُعُودًا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِمْ مَانِعٌ يَمْنَعُهُمْ مِنْ الْقِيَامِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَقَالَ كَذَا قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفَعَلَهُ أَرْبَعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ ذَهَبَ إلَيْهِ بَعْضُ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ وَأُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُمْ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ هَؤُلَاءِ الثَّلَاثَةِ . وَعَنْ قَيْسِ بْنِ قَهْدٍ بِالْقَافِ قَالَ كَانَ لَنَا إمَامٌ فَمَرِضَ فَصَلَّيْنَا بِصَلَاتِهِ قُعُودًا وَهُوَ الصَّحَابِيُّ الرَّابِعُ الَّذِي عَنَاهُ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ بَعْدَ حِكَايَتِهِ هَذَا الْمَذْهَبُ عَنْ الصَّحَابَةِ الثَّلَاثَةِ الْأَوَّلِينَ وَحِكَايَتُهُ كَلَامَ أَحْمَدَ الرَّابِعُ وَهُوَ فِي الْخَبَرِ الَّذِي رَوَيْنَاهُ عَنْ قَيْسِ بْنِ مِهْرَانَ أَنَّ إمَامًا لَهُمْ اشْتَكَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يَؤُمُّنَا جَالِسًا وَنَحْنُ جُلُوسٌ انْتَهَى . وَكَذَلِكَ رَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي مُصَنَّفِهِ إلَّا أَنَّهُ قَالَ قَيْسُ بْنُ قَهْدٍ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ فَهِمَ أَنَّ الصَّحَابِيَّ هُوَ الَّذِي كَانَ إمَامًا فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَيْسَ فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ هَذَا كَانَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيَكُونُ الصَّحَابِيُّ قَيْسُ بْنُ قَهْدٍ وَيَجْتَمِعُ مِنْ مَجْمُوعِ هَذَا خَمْسَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّزَّاقِ . رَوَاهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ فَهُوَ صَحَابِيٌّ سَادِسٌ وَحَكَاهُ ابْنُ حِبَّانَ عَنْ الصَّحَابَةِ الْمَذْكُورِينَ سِوَى أَنَسٍ وَعَنْ أَبِي الشَّعْثَاءِ جَابِرُ بْنِ زَيْدٍ مِنْ التَّابِعِينَ وَعَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ وَسُلَيْمَانَ بْنِ دَاوُد الْهَاشِمِيِّ وَأَبِي خَيْثَمَةَ وَابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ إسْمَاعِيلَ وَمَنْ تَبِعَهُمْ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ مِثْلُ مُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ خُزَيْمَةَ . ( قُلْت ) وَلَمْ أَرَ مَنْ حَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ سِوَاهُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ وَهُوَ عِنْدِي ضَرْبٌ مِنْ الْإِجْمَاعِ الَّذِي أَجْمَعُوا عَلَى إجَازَتِهِ لِأَنَّ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعَةٌ أَفْتَوْا بِهِ وَالْإِجْمَاعُ عِنْدَنَا إجْمَاعُ الصَّحَابَةِ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ خِلَافٌ لِهَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةِ لَا بِإِسْنَادٍ مُتَّصِلٍ وَلَا مُنْقَطِعٍ فَكَأَنَّ الصَّحَابَةَ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إذَا صَلَّى قَاعِدًا كَانَ عَلَى الْمَأْمُومِينَ أَنْ يُصَلُّوا قُعُودًا وَقَدْ أَفْتَى بِهِ مِنْ التَّابِعِينَ جَابِرُ بْنُ زَيْدٍ أَبُو الشَّعْثَاءِ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ أَصْلًا خِلَافُهُ لَا بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَلَا وَاهٍ فَكَأَنَّ التَّابِعِينَ أَجْمَعُوا عَلَى إجَازَتِهِ وَأَوَّلُ مَنْ أَبْطَلَ صَلَاةَ الْمَأْمُومِ قَاعِدًا إذَا صَلَّى إمَامُهُ جَالِسًا الْمُغِيرَةُ بْنُ مِقْسَمٍ صَاحِبُ النَّخَعِيّ وَأَخَذَ عَنْهُ حَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ ثُمَّ أَخَذَ عَنْ حَمَّادٍ أَبُو حَنِيفَةَ وَتَبِعَهُ عَلَيْهِ مَنْ تَبِعَهُ مِنْ أَصْحَابِهِ ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ حِبَّانَ أَنَّ هَذَا هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ لِقَوْلِهِ إذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فَهُوَ مَذْهَبِي وَهُوَ مَرْدُودٌ لِأَنَّ الشَّافِعِيَّ صَرَّحَ بِأَنَّ النَّاسَ فِي قِصَّةِ مَرَضِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانُوا قِيَامًا مَعَ جُلُوسِهِ وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ فِي رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ . فَكَيْفَ يَلْزَمُهُ الْقَوْلُ بِالْجُلُوسِ وَكَيْفَ يَجْعَلُ مَذْهَبَهُ وَهُوَ قَدْ ذَكَرَ أَنَّهُ مَنْسُوخٌ وَبِهَذَا الْمَذْهَبِ قَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَابْنُ الْمُنْذِرِ وَدَاوُد وَأَهْلُ الظَّاهِرِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَبِهَذَا نَأْخُذُ إلَّا فِيمَنْ يُصَلِّي إلَى جَنْبِ الْإِمَامِ يُذَكِّرُ النَّاسَ وَيُعْلَمُهُمْ تَكْبِيرَ الْإِمَامِ فَإِنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ قَاعِدًا وَبَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ قَائِمًا ثُمَّ قَالَ وَبِمِثْلِ قَوْلِنَا يَقُولُ جُمْهُورُ السَّلَفِ ثُمَّ حَكَاهُ عَنْ الصَّحَابَةِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمْ ثُمَّ قَالَ فَهَؤُلَاءِ أَبُو هُرَيْرَةَ وَجَابِرٌ وَأُسَيْدُ وَكُلُّ مَنْ مَعَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ مَسْجِدِهِ وَلَا مُخَالِفَ لَهُمْ يُعْرَفُ مِنْ الصَّحَابَةِ أَصْلًا كُلُّهُمْ يَرَى إمَامَةَ الْجَالِسِ لِلْأَصِحَّاءِ وَلَمْ يُرْوَ عَنْ أَحَدٍ مِنْهُمْ خِلَافٌ لِأَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ فِي أَنْ يُصَلِّيَ الْأَصِحَّاءُ وَرَاءَهُ جُلُوسًا . قَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ عَطَاءٍ أَمْرَ الْأَصِحَّاءُ بِالصَّلَاةِ خَلْفَ الْقَاعِدِ وَعِنْدَ عَبْدِ الرَّزَّاقِ مَا رَأَيْت النَّاسَ إلَّا عَلَى أَنَّ الْإِمَامَ إذَا صَلَّى قَاعِدًا صَلَّى مَنْ خَلْفَهُ قُعُودًا قَالَ وَهِيَ السُّنَّةُ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ وَرَوَيْنَا عَنْ عَبَّاسِ بْنِ عَبْدِ الْعَظِيمِ الْعَنْبَرِيِّ قَالَ سَمِعْتُ عَفَّانَ بْنَ مُسْلِمٍ قَالَ أَتَيْنَا حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ يَوْمًا وَقَدْ صَلَّوْا الصُّبْحَ فَقَالَ { إنَّا أَحْيَيْنَا الْيَوْمَ سُنَّةً مِنْ سُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قُلْنَا مَا هِيَ يَا أَبَا إسْمَاعِيلَ ؟ قَالَ كَانَ إمَامُنَا مَرِيضًا فَصَلَّى بِنَا جَالِسًا فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ جُلُوسًا } انْتَهَى . فَهَذَانِ مَذْهَبَانِ أَحَدُهُمَا جُلُوسُ الْمَأْمُومِ مُطْلَقًا وَالثَّانِي جُلُوسُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مُبَلِّغًا عَنْ الْإِمَامِ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْجُلُوسِ وَالْقِيَامِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَهُوَ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ كَمَا سَأَذْكُرُهُ وَوَرَاءَ ذَلِكَ مَذْهَبَانِ آخَرَانِ أَحَدُهُمَا أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ أَنْ يُصَلِّيَ خَلْفَ الْقَاعِدِ إلَّا قَائِمًا وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنِيفَةِ وَالشَّافِعِيَّةِ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ وَهُوَ رِوَايَةُ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ وَلَمْ يَحْكِ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ مَالِكٍ سِوَاهُ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْفُقَهَاءِ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَحَكَاهُ الْمُنْذِرِيُّ عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ { بِصَلَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي مَرَضِ مَوْتِهِ قَاعِدًا وَأَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ قِيَامًا } . قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ هَذَا ثَابِتٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْسُوخٌ بِسُنَّتِهِ وَهِيَ مَا رَوَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ جَالِسًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا قَالَ وَهِيَ آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا بِالنَّاسِ بِأَبِي وَأُمِّي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى لَحِقَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ } . وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا نَاسِخًا انْتَهَى . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ أَيْضًا فَإِنْ قِيلَ فَقَدْ { ائْتَمَّ أَبُو بَكْرٍ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّاسُ بِأَبِي بَكْرٍ قِيلَ الْإِمَامُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبُو بَكْرٍ مَأْمُومٌ عَلَمٌ لِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِسًا ضَعِيفَ الصَّوْتِ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ قَائِمًا يُسْمَعُ وَيُرَى } انْتَهَى . وَقَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ قَالَ الْحُمَيْدِيُّ هَذَا مَنْسُوخٌ لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي مَرَضِهِ الَّذِي مَاتَ فِيهِ وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامٌ } . وَقَوْلُهُ { إذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا } هُوَ فِي مَرَضِهِ الْقَدِيمِ { ثُمَّ صَلَّى بَعْدَ ذَلِكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا وَالنَّاسُ خَلْفَهُ قِيَامًا } انْتَهَى . وَأَجَابَ الْمُخَالِفُونَ لِهَذَا عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ أَحَدُهَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَانَ هُوَ الْإِمَامُ وَالنَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُقْتَدٍ بِهِ وَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ مُصَرَّحًا بِهِ رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمَا لَكِنَّ الصَّحِيحَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ هُوَ الْإِمَامُ وَرِوَايَةُ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ صَرِيحَةٌ فِي ذَلِكَ لِأَنَّ لَفْظَهَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى جَلَسَ عَنْ يَسَارِ أَبِي بَكْرٍ قَالَتْ فَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ جَالِسًا وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا يَقْتَدِي أَبُو بَكْرٍ بِصَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقْتَدِي النَّاسُ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ } . وَلَوْ صَحَّ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ مُقْتَدِيًا بِأَبِي بَكْرٍ فَهِيَ صَلَاةٌ أُخْرَى غَيْرُ الَّتِي اقْتَدَى أَبُو بَكْرٍ بِهِ فِيهَا فَقَدْ كَانَ مَرَضُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ اثْنَيْ عَشَرَ يَوْمًا فِيهِ سِتُّونَ صَلَاةً أَوْ نَحْوَهَا وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ بِقَوْلِهِ لَوْ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ مَرَّةً لَمْ يَمْنَعْ ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ صَلَّى خَلْفَهُ أَبُو بَكْرٍ أُخْرَى قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَقَدْ ذَهَبَ مُوسَى بْنُ عُقْبَةَ فِي مَغَازِيهِ إلَى { أَنَّ أَبَا بَكْرٍ صَلَّى مِنْ صَلَاةِ الصُّبْحِ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ رَكْعَةً وَهُوَ الْيَوْمُ الَّذِي تُوُفِّيَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَجَدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي نَفْسِهِ خِفَّةً فَخَرَجَ فَصَلَّى مَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَةً فَلَمَّا سَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ قَامَ فَصَلَّى الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ } . فَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الصَّلَاةُ مُرَادَ مَنْ رَوَى أَنَّهُ صَلَّى خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ فَأَمَّا الصَّلَاةُ الَّتِي صَلَّاهَا أَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ فِي مَرَضِهِ فَهِيَ صَلَاةُ الظُّهْرِ يَوْمَ الْأَحَدِ أَوْ يَوْمَ السَّبْتِ كَمَا رَوَيْنَا عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ فِي بَيَانِ الظُّهْرِ فَلَا يَكُونُ بَيْنَهُمَا مُنَافَاةٌ وَيَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِالْخَبَرِ الْأَوَّلِ قُلْت وَيَدُلُّ لِهَذَا الِاحْتِمَالِ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ { آخِرُ صَلَاةٍ صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الْقَوْمِ صَلَّى فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ مُتَوَشِّحًا خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ } . فَذَكَرَ أَنَّ صَلَاتَهُ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ آخِرُ صَلَوَاتِهِ مَعَ الْقَوْمِ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ هُمَا صَلَاتَانِ مُتَغَايِرَتَانِ بِلَا شَكٍّ ثَانِيهَا قَالَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ لَيْسَ فِيهِ حُجَّةٌ لِأَنَّ أَبَا بَكْرٍ كَانَ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ قَائِمًا وَإِذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ قَائِمًا صَلُّوا قِيَامًا قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فَأَشَارَ أَحْمَدُ إلَى أَنَّهُ يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ بِحَمْلِ الْأَوَّلِ عَلَى مَا إذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ جَالِسًا وَالثَّانِي عَلَى مَا إذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ قَائِمًا ثُمَّ اعْتَلَّ فَجَلَسَ قَالَ وَمَتَى أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ وَجَبَ وَلَمْ يُحْمَلْ عَلَى النَّسْخِ انْتَهَى . وَفِي هَذَا تَخْصِيصٌ لِمَا سَبَقَ نَقْلُهُ عَنْ أَحْمَدَ أَنَّ الْمَأْمُومِينَ يَقْعُدُونَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْقَاعِدِ بِحَمْلِهِ عَلَى مَا إذَا كَانَ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ قَاعِدًا فَإِنْ ابْتَدَأَهَا قَائِمًا ثُمَّ قَعَدَ اسْتَمَرُّوا قِيَامًا . وَفِي هَذَا جَمْعٌ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ لَكِنْ إنَّمَا يَقْوَى إذَا ظَهَرَ لِهَذَا الْحَمْلِ وَجْهٌ مُنَاسِبٌ وَإِذَا كَانَ الْمُقْتَضِي لِلْجُلُوسِ وَرَاءَ الْإِمَامِ الْجَالِسِ مُتَابَعَتَهُ فِي حَالَتِهِ الَّتِي هُوَ عَلَيْهَا فَلَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ فِي ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ أَوْ فِي أَثْنَائِهَا ثُمَّ إنَّهُ يَرُدُّهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَشَارَ إلَى أَصْحَابِهِ بِالْقُعُودِ بَعْدَ أَنْ كَانُوا ابْتَدَءُوا الصَّلَاةَ قِيَامًا } . إلَّا أَنْ يُقَالَ كَانُوا قَدْ لَزِمَهُمْ الْجُلُوسُ لِجُلُوسِ إمَامِهِمْ بِخِلَافِ قَضِيَّةِ اقْتِدَائِهِمْ بِالصِّدِّيقِ فَإِنَّ إمَامَهُمْ فِي ابْتِدَاءِ صَلَاتِهِ كَانَ قَائِمًا فَكَانَ الْقِيَامُ لَازِمًا لَهُمْ فَاسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ . ( ثَالِثُهَا ) قَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ لَيْسَ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ غَيْرَ أَبِي بَكْرٍ كَانُوا قِيَامًا فَلَعَلَّهُمْ كَانُوا قُعُودًا بَلْ الظَّنُّ بِهِمْ ذَلِكَ امْتِثَالًا لِأَمْرِهِ الْمُتَقَدِّمِ فَلَا يَحِلُّ أَنْ يُظَنَّ بِالصَّحَابَةِ مُخَالِفَةَ أَمْرِهِ هَذَا مَعْنَى كَلَامِهِ قَالَ وَفِي نَصِّ الْحَدِيثِ دَلِيلٌ بَيِّنٌ عَلَى أَنَّهُمْ لَمْ يُصَلُّوا إلَّا قُعُودًا لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا يَقْتَدُونَ بِصَلَاةِ أَبِي بَكْرٍ وَلَوْ كَانُوا قِيَامًا لَمَا اقْتَدَى بِصَلَاتِهِ إلَّا الصَّفُّ الْأَوَّلُ لِأَنَّ بَقِيَّةَ الصُّفُوفِ يَحْجُبُهُمْ عَنْهُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ قَالَ ثُمَّ لَوْ كَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ نَصٌّ أَنَّهُمْ صَلَّوْا قِيَامًا وَهَذَا لَا يُوجَدُ أَبَدًا لَمَا كَانَ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى النَّسْخِ بَلْ هُوَ إبَاحَةٌ فَقَطْ وَبَيَانٌ أَنَّ ذَلِكَ الْأَمْرَ الْمُتَقَدِّمَ نَدْبٌ انْتَهَى . وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّ جَمِيعَ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ كَانُوا مَعَ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا فِي أَوَّلِ صَلَاتِهِمْ قَبْلَ خُرُوجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيَامًا بِلَا شَكٍّ فَمَنْ زَعَمَ تَغْيِيرَهُمْ عَنْ هَذِهِ الْحَالَةِ فَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى دَلِيلٍ عَلَى ذَلِكَ بَلْ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ وَقَعَ انْتِقَالُهُمْ مِنْ الْقِيَامِ إلَى الْقُعُودِ لَنُقِلَ . ( الثَّانِي ) أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ صَلَاةُ الْقَائِمِ خَلْفَ الْجَالِسِ بِالتَّصْرِيحِ بِقِيَامِ أَبِي بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ وَهَذَا كَافٍ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِقِيَامِ الْمُؤْتَمِّ خَلْفَ الْإِمَامِ الْجَالِسِ لِعُذْرٍ وَلَا وَجْهَ لِتَخْصِيصِ أَبِي بَكْرٍ بِجَوَازِ الْقِيَامِ لَهُ وَحْدَهُ فَالْأَصْلُ اسْتِوَاءُ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْأَحْكَامِ إلَى أَنْ يَرِدَ نَصٌّ دَالٌ عَلَى التَّخْصِيصِ . ( الثَّالِثُ ) أَنَّهُ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِقِيَامِ الْجَمِيعِ خَلْفَهُ ذَكَرَهُ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ عَقِبَ حَدِيثِهِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَائِشَةَ كَمَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ قَالَ أَخْبَرَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ قَالَ أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ قَالَ أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ قَالَ وَذَكَرَ إبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبِي بَكْرٍ مِثْلَ مَعْنَى حَدِيثِ عُرْوَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى قَاعِدًا وَأَبُو بَكْرٍ قَائِمًا يُصَلِّي بِصَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُمْ وَرَاءَهُ قِيَامٌ } فَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ رِوَايَةَ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ هَذِهِ بِصِيغَةِ الْجَزْمِ وَفِيهَا التَّصْرِيحُ بِقِيَامِ الْمَأْمُومِينَ وَلَا يَسْتَجِيزُ الشَّافِعِيُّ ذِكْرَهُ بِالْجَزْمِ إلَّا مَعَ صِحَّةِ إسْنَادِهِ عِنْدَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعُ ) اسْتِدْلَالُهُ عَلَى قُعُودِهِمْ بِأَنَّهُمْ لَوْ كَانُوا قِيَامًا لَمَا اقْتَدَى بِهِ إلَّا الصَّفُّ الْأَوَّلُ ضَعِيفٌ لِأَنَّ الصَّفَّ الْأَوَّلَ مُشَاهِدٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَحْتَاجُ إلَى الِاقْتِدَاءِ بِأَبِي بَكْرٍ وَأَمَّا بَقِيَّةُ الصُّفُوفِ فَإِنَّمَا يَقْتَدُونَ بِصَوْتِ أَبِي بَكْرٍ لَا بِمُشَاهَدَتِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي قَوْلِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ جَالِسًا ضَعِيفَ الصَّوْتِ وَكَانَ أَبُو بَكْرٍ قَائِمًا يُرَى وَيُسْمَعُ انْتَهَى أَيْ يَرَاهُ الْبَعْضُ وَيَسْمَعُهُ الْبَعْضُ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ التَّكْبِيرَ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُ النَّاسَ تَكْبِيرَهُ . ( الْخَامِسُ ) قَوْلُهُ لَا يَحِلُّ أَنْ يُظَنَّ بِالصَّحَابَةِ مُخَالَفَةُ أَمْرِهِ يُقَالُ لَهُ أَخَالَفَ أَفْضَلُ الصَّحَابَةِ أَمْرَهُ بِصَلَاتِهِ قَائِمًا خَلْفَ الْجَالِسِ أَمْ لَمْ يُخَالِفْ ؟ وَلَا يُمْكِنُهُ أَنْ يَقُولَ إنَّهُ خَالَفَ أَمْرَهُ وَإِذَا كَانَ لَمْ يُخَالِفْ فَكَذَلِكَ بَقِيَّتُهُمْ لَمْ يُخَالِفُوا أَمْرَهُ بِقِيَامِهِمْ بَلْ اسْتَدَلُّوا عَلَى الْقِيَامِ بِقِيَامِ أَبِي بَكْرٍ وَتَقْرِيرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ عَلَى الْقِيَامِ فَإِنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِالْجُلُوسِ بِخِلَافِ الصَّلَاةِ الَّتِي وَقَعَتْ فِي مَرَضِهِ الْقَدِيمِ فَإِنَّهُ لَمَّا رَآهُمْ قِيَامًا أَشَارَ إلَيْهِمْ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَجَلَسُوا هَذَا إنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ دَلِيلٌ عَلَى النَّسْخِ قَبْلَ ذَلِكَ فَقَضِيَّةُ الصِّدِّيقِ كَافِيَةٌ فِي مَعْرِفَةِ النَّسْخِ . ( السَّادِسُ ) قَوْلُهُ إنَّهُ لَوْ وَرَدَ أَنَّهُمْ صَلَّوْا قِيَامًا لَمْ يَدُلَّ عَلَى النَّسْخِ بَلْ هُوَ بَيَانٌ أَنَّ الْأَمْرَ الْأَوَّلَ كَانَ عَلَى النَّدْبِ كَلَامٌ مَرْدُودٌ وَكَيْفَ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ الْأَوَّلُ عَلَى النَّدْبِ مَعَ تَأْكِيدِهِ لَهُ بِإِشَارَتِهِ بِهِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ ثُمَّ تَصْرِيحِهِ بِذَلِكَ بَعْدَ سَلَامِهِ ثُمَّ تَشْبِيهِ فِعْلِهِمْ بِفِعْلِ الْكَفَرَةِ الْمَجُوسِ فَهَذِهِ كُلُّهَا قَرَائِنُ عَلَى أَنَّ النَّهْيَ لِلتَّحْرِيمِ . وَالْفَرْضُ أَنَّ ابْنَ حَزْمٍ مِمَّنْ يَقُولُ إنَّهُ عَلَى التَّحْرِيمِ وَإِنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى بَقِيَّةِ الْمَأْمُومِينَ غَيْرِ الْمُبَلِّغِ أَنْ يَقُومَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْجَالِسِ وَمَتَى وَرَدَ الْقِيَامُ بَعْدَ الْأَمْرِ بِالْجُلُوسِ لَا يَكُونُ إلَّا نَاسِخًا . ( السَّابِعُ ) هَذِهِ الْمَقَالَةُ الَّتِي ذَهَبَ إلَيْهَا ابْنُ حَزْمٍ وَهِيَ الْفَرْقُ بَيْنَ الْمُبَلِّغِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَأْمُومِينَ قَوْلٌ مُخْتَرَعٌ لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ وَالْأَكْثَرُونَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ عَلَى امْتِنَاعِ ذَلِكَ فَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته مِنْ الْجَوَابِ عَنْ حَدِيثِ الْبَابِ بِأَنَّهُ مَنْسُوخٌ هُوَ الْجَوَابُ الْمُعْتَمَدُ وَالِاعْتِرَاضَاتُ عَلَيْهِ مَرْدُودَةٌ كَمَا ذَكَرْته ( وَأَجَابَ ) بَعْضُهُمْ عَنْهُ بِحَمْلِ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا } . عَلَى أَنَّهُ إذَا كَانَ فِي حَالَةِ الْجُلُوسِ كَالتَّشَهُّدِ وَنَحْوِهِ فَاجْلِسُوا وَلَا تُخَالِفُوهُ بِالْقِيَامِ وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ { إذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا } أَيْ إذَا كَانَ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ فَقُومُوا وَلَا تُخَالِفُوهُ بِالْقُعُودِ وَحَكَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ بَعْضِ الْعِرَاقِيِّينَ مِمَّنْ كَانَ يَنْتَحِلُ مَذْهَبَ الْكُوفِيِّينَ فَحَرَّفَ الْخَبَرَ عَنْ عُمُومِ مَا وَرَدَ فِيهِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ يَثْبُتُ لَهُ عَلَى تَأْوِيلِهِ وَكَذَا اسْتَبْعَدَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَقَالَا إنَّهُ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا وَتَعْلِيلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَلِكَ بِمُوَافَقَةِ الْأَعَاجِمِ فِي الْقِيَامِ عَلَى مُلُوكِهِمْ . وَسِيَاقُ الْحَدِيثِ يَرُدُّهُ وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْهُ بِأَنَّ هَذَا خَاصٌّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا أَيْضًا ضَعِيفٌ فَالْأَصْلُ عَدَمُ التَّخْصِيصِ فَلَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا بِدَلِيلٍ ( الْمَذْهَبُ ) الثَّانِي وَهُوَ الرَّابِعُ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ صَلَاةُ الْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ خَلْفَ الْقَاعِدِ لِعُذْرٍ لَا قَائِمًا وَلَا قَاعِدًا وَهَذَا هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ الْمَشْهُورُ عَنْهُ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَحَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ الثَّوْرِيِّ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ مَا نَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ التَّابِعِينَ قَالَ ذَلِكَ إلَّا مَا رُوِيَ عَنْ مُغِيرَةَ بْنِ مِقْسَمٍ أَنَّهُ قَالَ أَكْرَهُ ذَلِكَ قَالَ وَلَيْسَ هَذَا مَنْعًا مِنْ جَوَازِهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ فِي إمَامَةِ الْمَرِيضِ بِالْمَرْضَى جُلُوسًا قَالَ فَأَجَازَهَا بَعْضُهُمْ . وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْفُقَهَاءِ وَكَرِهَهَا أَكْثَرُهُمْ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ انْتَهَى . وَأَجَابُوا عَنْ الْحَدِيثَيْنِ مَعًا بِأَنَّهُمَا مَنْسُوخَانِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا } وَبِفِعْلِ الْخُلَفَاءِ بَعْدَهُ وَأَنَّهُ لَمْ يَؤُمَّ أَحَدٌ مِنْهُمْ قَاعِدًا وَإِنْ كَانَ النَّسْخُ لَا يُمْكِنُ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمُثَابَرَتُهُمْ عَلَى ذَلِكَ تَشْهَدُ بِصِحَّةِ نَهْيِهِ عَنْ إمَامَةِ الْقَاعِدِ بَعْدَهُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ . وَهَذَا أَوْلَى الْأَقَاوِيلِ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يَصِحُّ التَّقَدُّمُ بَيْنَ يَدَيْهِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا غَيْرِهَا لَا لِعُذْرٍ وَلَا لِغَيْرِ عُذْرٍ وَقَدْ نَهَى اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ آمَنُوا عَنْ ذَلِكَ وَلَا يَكُونُ أَحَدٌ شَافِعًا لَهُ وَقَدْ قَالَ { أَئِمَّتُكُمْ شُفَعَاؤُكُمْ } . وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ مَا كَانَ لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ أَنْ يَتَقَدَّمَ بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرُهُ إذَا أَصَابَهُ عُذْرٌ قَدَّمَ غَيْرَهُ وَلَمْ يَكُنْ لِيُقَدِّمَهُ مَعَ نَقْصِ صَلَاتِهِ وَهُوَ يَجِدُ الْعِوَضَ لَكِنَّ إمَامَةَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تُعَارِضُ هَذَا { وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِبِلَالٍ حِينَ أَرَادَ تَأْخِيرَهُ دَعْهُ وَصَلَاتَهُ خَلْفَهُ مَا أَدْرَكَهُ } . وَقَدْ يُقَالُ فِي قَضِيَّةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ إنَّهَا مُخْتَصَّةٌ عَنْ هَذَا الْأَصْلِ لِبَيَانِ حُكْمِ الْقَضَاءِ بِفِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِمَنْ فَاتَهُ مِنْ الصَّلَاةِ شَيْءٌ وَإِنَّ تَقَدُّمَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُنَا مِنْ بَابِ الْأَوْلَى لَا مِنْ بَابِ الْوَاجِبِ وَفِي قَضِيَّةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ مِنْ بَابِ الْوَاجِبِ قَالَ الْقَاضِي وَقَدْ قِيلَ إنَّ الْحُكْمَيْنِ مَنْسُوخَانِ نَسَخَ آخِرُهُمَا الْأَوَّلَ ثُمَّ نُسِخَ الْآخِرُ بِقَوْلِهِ { لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ بَعْدِي جَالِسًا } انْتَهَى . وَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ مِنْ أَنَّ هَذِهِ أَوْلَى الْأَقَاوِيلِ مَرْدُودٌ وَقَدْ رَدَّهُ صَاحِبُهُمْ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ بَعْدَ حِكَايَتِهِ لِقَوْلِ مَالِكٍ وَلَا جَوَابَ لَهُ عَنْ حَدِيثِ مَرَضِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ مَخْلَصٌ عِنْدَ السَّبْكِ فَالْعَمَلُ بِآخِرِ الْأَمْرَيْنِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى وَاتِّبَاعُ الْأَمْرِ أَصَحُّ وَأَحْرَى انْتَهَى . وَالْحَدِيثُ الَّذِي اسْتَدَلُّوا بِهِ ضَعِيفٌ جِدًّا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَالْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ يَزِيدَ الْجُعْفِيِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُرْسَلٌ وَجَابِرُ بْنُ يَزِيدَ ضَعِيفٌ جِدًّا وَرُوِيَ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ حَبِيبٍ عَمَّنْ أَخْبَرَهُ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَمُجَاهِدٌ ضَعِيفٌ وَفِي السَّنَدِ إلَيْهِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ فَلَا يَصِحُّ الِاحْتِجَاجُ بِهِ لَا سِيَّمَا مَعَ مُعَارِضَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الَّتِي لَا مَطْعَنَ فِيهَا قَالَ الشَّافِعِيُّ قَدْ عَلِمَ الَّذِي احْتَجَّ بِهَذَا أَنْ لَيْسَتْ فِيهِ حُجَّةٌ وَأَنَّهُ لَا يَثْبُتُ لِأَنَّهُ مُرْسَلٌ وَلِأَنَّهُ عَنْ رَجُلٍ يَرْغَبُ النَّاسُ عَنْ الرِّوَايَةِ عَنْهُ وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَمْ يَرْوِهِ غَيْرُ جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ وَهُوَ مَتْرُوكٌ وَالْحَدِيثُ مُرْسَلٌ لَا تَقُومُ بِهِ حُجَّةٌ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَهُوَ مُخْتَلَفٌ فِيهِ عَلَى جَابِرٍ الْجُعْفِيِّ فَرُوِيَ عَنْهُ هَكَذَا وَرَوَاهُ إبْرَاهِيمُ بْنُ طَهْمَانَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ الْحَكَمِ قَالَ كَتَبَ عُمَرُ لَا يَؤُمَّنَّ أَحَدٌ جَالِسًا بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهَذَا مُرْسَلٌ مَوْقُوفٌ وَرَاوِيهِ عَنْ الْحَكَمِ ضَعِيفٌ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ حَدِيثُ الشَّعْبِيِّ بَاطِلٌ لِأَنَّ رَاوِيَهُ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ الْكَذَّابُ الْمَشْهُورُ بِالْقَوْلِ بِرَجْعَةِ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمُجَاهِدٌ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَهُوَ مُرْسَلٌ مَعَ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هُوَ حَدِيثٌ لَا يَصِحُّ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ إنَّمَا يَرْوِيهِ جَابِرٌ الْجُعْفِيُّ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَجَابِرٌ الْجُعْفِيُّ لَا يُحْتَجُّ بِمَا يَرْوِيهِ مُسْنَدًا فَكَيْفَ بِمَا يَرْوِيهِ مُرْسَلًا وَلَمَّا ذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَصِحُّ عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ بَيْدَ أَنِّي سَمِعْت بَعْضَ الْأَشْيَاخِ يَقُولُ إنَّ الْحَالَ أَحَدُ وُجُوهِ التَّخْصِيصِ وَحَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّبَرُّكُ بِهِ وَعَدَمُ الْعِوَضِ مِنْهُ يَقْتَضِي الصَّلَاةَ خَلْفَهُ قَاعِدًا وَلَيْسَ ذَلِكَ كُلُّهُ لِغَيْرِهِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ . وَقَدْ عُرِفَ أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ التَّخْصِيصِ حَتَّى يَدُلَّ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ( قُلْت ) وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ أُسَيْدُ بْنِ حُضَيْرٍ { أَنَّهُ كَانَ يَؤُمُّهُمْ قَالَ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعُودُهُ فَقَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ إمَامَنَا مَرِيضٌ فَقَالَ إذَا صَلَّى قَاعِدًا فَصَلُّوا قُعُودًا } وَتَقَدَّمَ مِنْ كَلَامِ ابْنِ الْمُنْذِرِ أَنَّ إمَامًا اشْتَكَى عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يَؤُمُّهُمْ وَهُوَ جَالِسٌ وَهُمْ جُلُوسٌ وَرَوَاهُ عَبْدُ الرَّزَّاقِ كَمَا تَقَدَّمَ فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ يَدُلَّانِ عَلَى أَنَّ الْإِمَامَةَ جَالِسًا لَا تَخْتَصُّ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ . وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِتَرْكِ الْإِمَامَةِ عَنْ قُعُودٍ فَأَضْعَفُ فَإِنَّ تَرْكَ الشَّيْءِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَلَعَلَّهُمْ اكْتَفَوْا بِالِاسْتِنَابَةِ لِلْقَادِرِينَ وَإِنْ كَانَ الِاتِّفَاقُ حَصَلَ عَلَى أَنَّ إمَامَةَ الْقَاعِدِ لِلْقَائِمِ مَرْجُوحَةٌ وَأَنَّ الْأَوْلَى تَرْكُهَا فَذَلِكَ كَافٍ فِي بَيَانِ سَبَبِ تَرْكِهِمْ الْإِمَامَةَ مِنْ قُعُودٍ . وَقَوْلُهُمْ إنَّهُ يَشْهَدُ لِصِحَّةِ نَهْيِهِ عَنْ إمَامَةِ الْقَاعِدِ بَعْدَهُ لَيْسَ كَذَلِكَ لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَنَّ التَّرْكِ لِلْفِعْلِ لَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِهِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ الْحَنَابِلَةُ لَا يَؤُمُّ الْقَاعِدُ مَنْ يَقْدِرُ عَلَى الْقِيَامِ إلَّا بِشَرْطَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنْ يَكُونَ إمَامَ الْحَيِّ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ فَقَالَ ذَلِكَ لِإِمَامِ الْحَيِّ لِأَنَّهُ لَا حَاجَةَ بِهِمْ إلَى تَقْدِيمِ عَاجِزٍ عَنْ الْقِيَامِ إذَا لَمْ يَكُنْ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ فَلَا يُحْتَمَلُ إسْقَاطُ رُكْنٍ فِي الصَّلَاةِ لِغَيْرِ حَاجَةٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ فَعَلَ ذَلِكَ كَانَ هُوَ الْإِمَامُ الرَّاتِبُ . ( الثَّانِي ) أَنْ يَكُونَ مَرَضُهُ يُرْجَى زَوَالُهُ لِأَنَّ اتِّخَاذَ الزَّمِنِ وَمَنْ لَا تُرْجَى قُدْرَتُهُ عَلَى الْقِيَامِ رَاتِبًا يُفْضِي بِهِمْ إلَى تَرْكِ الْقِيَامِ عَلَى الدَّوَامِ وَلَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَلِأَنَّ الْأَصْلَ فِي هَذَا فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُرْجَى بُرْؤُهُ وَقَدْ ظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ أَحْمَدَ إنَّمَا يَقُولُ بِجُلُوسِ الْمَأْمُومِينَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْقَاعِدِ بِشُرُوطٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنْ يَكُونَ ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ بِهِمْ جَالِسًا ( وَالثَّانِي ) أَنْ يَكُونَ إمَامًا رَاتِبًا ( وَالثَّالِثُ ) أَنْ يَكُونَ مَرَضُهُ مَرْجُوَّ الزَّوَالِ فَلَا يَصِحُّ إطْلَاقُ الْقَوْلِ عَنْهُ بِجُلُوسِ الْمَأْمُومِينَ خَلْفَ الْإِمَامِ الْقَاعِدِ وَقَدْ تَلَخَّصَ فِي اقْتِدَاءِ الْقَادِرِ عَلَى الْقِيَامِ بِالْعَاجِزِ عَنْهُ مَذَاهِبُ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ لَا يُقْتَدَى بِهِ أَصْلًا وَهُوَ مَشْهُورُ مَذْهَبِ مَالِكٍ . وَ ( الثَّانِي ) أَنَّهُ يُقْتَدَى بِهِ قَائِمًا وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ . ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّهُ يُقْتَدَى بِهِ جَالِسًا وَهُوَ قَوْلُ جَمَاعَةٍ . وَ ( الرَّابِعُ ) أَنَّهُ يُقْتَدَى بِهِ جَالِسًا إلَّا فِي حَقِّ الْمُبَلِّغِ عَنْهُ فَيُخَيَّرُ بَيْنَ الْقِيَامِ وَالْجُلُوسِ وَبِهِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ . وَ ( الْخَامِسُ ) أَنَّهُ يُقْتَدَى بِهِ جَالِسًا بِثَلَاثَةِ شُرُوطٍ وَهُوَ مَذْهَبُ أَحْمَدَ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مُرَكَّبٌ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِمَا لِأَنَّهُ يَقُولُ بِمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي مَنْعِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ بِالْكُلِّيَّةِ فِيمَا إذَا كَانَ غَيْرَ رَاتِبٍ وَفِيمَا إذَا كَانَ زَمِنًا وَيَقُولُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ فِيمَا إذَا ابْتَدَأَ الصَّلَاةَ قَائِمًا وَيَقُولُ بِالْجُلُوسِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) اخْتَلَفَ الْحَنَابِلَةُ فِيمَا إذَا صَلَّى الْأَصِحَّاءُ وَرَاءَ الْقَاعِدِ قِيَامًا هَلْ تَصِحُّ صَلَاتُهُمْ أَمْ لَا ؟ عَلَى وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهَا لَا تَصِحُّ وَإِلَيْهِ أَوْمَأَ أَحْمَدُ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَرَهُمْ بِالْجُلُوسِ وَنَهَاهُمْ عَنْ الْقِيَامِ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْوُجُوبَ وَالنَّهْيُ يُقْتَضَى فَسَادَ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ وَ ( الثَّانِي ) تَصِحُّ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا صَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ فَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ الْأَمْرُ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ بَعْدَ حِكَايَةِ الْمَذْهَبَيْنِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَصِحَّ صَلَاةُ الْجَاهِلِ بِوُجُوبِ الْقُعُودِ دُونَ الْعَالِمِ بِذَلِكَ كَقَوْلِنَا فِيمَنْ رَكَعَ دُونَ الصَّفِّ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) وَقَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ إذَا صَلَّى الْإِمَامُ مُضْطَجِعًا لِعُذْرٍ يُصَلِّي وَرَاءَهُ الْمَأْمُومُونَ مُضْطَجِعِينَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّمَا الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ } لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّهُ لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْمُصَلِّيَ خَلْفَ الْمُضْطَجِعِ لَا يَضْطَجِعُ انْتَهَى . وَفِي نَفْيِ الْخِلَافِ نَظَرٌ لِأَنَّ ابْنَ حَزْمٍ يَقُولُ إنَّ الْمُقْتَدِيَ بِالْمُضْطَجِعِ لَا يُصَلِّي إلَّا مُضْطَجِعًا مُومِيًا إلَّا أَنْ يُقَالَ خِلَافُ الظَّاهِرِيَّةِ غَيْرُ مُعْتَدٍ بِهِ أَوْ نَرَى هَذَا قَوْلًا مُخْتَرَعًا لَمْ يُسْبَقْ إلَيْهِ قَائِلُهُ وَمَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ مَنْعُ الِاقْتِدَاءِ بِالْمُضْطَجِعِ بِالْكُلِّيَّةِ فَلَمْ يَسْتَوْفُوا الْعَمَلَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّمَا الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ } . وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَإِنَّهُمْ مَنَعُوا الِاقْتِدَاءَ بِالْقَاعِدِ مُطْلَقًا فَالْمُضْطَجِعُ أَوْلَى بِذَلِكَ وَوَافَقَهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمُضْطَجِعِ فَمَنَعَ اقْتِدَاءَ الْقَائِمِ بِالْمُضْطَجِعِ مَعَ تَجْوِيزِهِ اقْتِدَاءَ الْقَائِمِ بِالْقَاعِدِ وَجَوَّزَ الشَّافِعِيُّ اقْتِدَاءَ الْقَائِمِ بِالْمُضْطَجِعِ كَمَا جَوَّزَ اقْتِدَاءَهُ بِالْقَاعِدِ وَبِهِ قَالَ زُفَرُ بْنُ الْهُذَيْلِ فَقَالَ يَقْتَدِي الْقَائِمُ بِالْمُضْطَجِعِ قَائِمًا وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَصْحَابِ الرَّأْيِ . وَاسْتَدَلَّ ابْنُ قُدَامَةَ عَلَى مَنْعِ الِاقْتِدَاءِ بِهِ بِأَنَّهُ أَخَلَّ بِرُكْنٍ لَا يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ فَلَمْ يَجُزْ لِلْقَادِرِ عَلَيْهِ الِائْتِمَامُ بِهِ كَالْقَارِئِ بِالْأُمِّيِّ انْتَهَى . وَقَوْلُهُ إنَّهُ لَا يَصِحُّ النَّفَلُ مُضْطَجِعًا مَرْدُودٌ فَالْأَصَحُّ فِي مَذْهَبِنَا صِحَّتُهُ مَضْجَعًا فَبَطَلَ قِيَاسُهُ عَلَى الْقِرَاءَةِ لِأَنَّ هَذَا يَسْقُطُ فِي النَّافِلَةِ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فَأَمَّا إنْ أَمَّ مِثْلَهُ فَقِيَاسُ الْمَذْهَبِ صِحَّتُهُ . وَعَنْ أَنَسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ فَصَلَّى صَلَاةً مِنْ الصَّلَوَاتِ قَاعِدًا فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ } لَمْ يَقُلْ مُسْلِمٌ { وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا } وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الْبُخَارِيِّ { فَصَلَّى بِهِمْ جَالِسًا وَهُمْ قِيَامٌ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { سَاقُهُ الْأَيْمَنُ } وَذَكَرَ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي الْأَيَّامِ الَّتِي آلَى فِيهَا مِنْ نِسَائِهِ وَعَلَى هَذَا فَأَمْرُ الْمَأْمُومِينَ بِالْجُلُوسِ بِجُلُوسِ الْإِمَامِ مَنْسُوخٌ بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ قِيَامٌ وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ) وَعَنْ أَنَسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكِبَ فَرَسًا فَصُرِعَ عَنْهُ فَجُحِشَ شِقُّهُ الْأَيْمَنُ فَصَلَّى صَلَاةً مِنْ الصَّلَوَاتِ قَاعِدًا فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا وَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا وَإِذَا قَالَ سَمِعَ اللَّهُ لِمَنْ حَمِدَهُ فَقُولُوا رَبَّنَا وَلَك الْحَمْدُ وَإِذَا صَلَّى جَالِسًا فَصَلُّوا جُلُوسًا أَجْمَعُونَ } وَأَمْرُهُمْ بِالْجُلُوسِ مَنْسُوخٌ بِمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ صَلَاتِهِ جَالِسًا فِي مَرَضِ مَوْتِهِ وَأَبُو بَكْرٍ وَالنَّاسُ وَرَاءَهُ قِيَامًا . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ غَيْرُ مَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ : ( الْأُولَى ) قَوْلُهُ فَصُرِعَ بِضَمِّ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ وَكَسْرِ الرَّاءِ أَيْ سَقَطَ عَنْ ظَهْرِ الْفَرَسِ قَالَ فِي الْمُحْكَمِ الصَّرْعُ الطَّرْحُ بِالْأَرْضِ وَقَوْلُهُ فَجُحِشَ بِضَمِّ الْجِيمِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ بَعْدَهَا شِينٌ مُعْجَمَةٌ أَيْ قُشِرَ جِلْدُهُ وَخُدِشَ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ الْجَحْشَ أَكْبَرُ مِنْ الْخَدْشِ وَفِي رِوَايَةِ لِلْبُخَارِيِّ { فَخُدِشَ أَوْ فَجُحِشَ } ، وَهَذَا يَقْتَضِي فَرْقًا بَيْنَهُمَا إلَّا أَنْ يَكُونَ شَكًّا مِنْ الرَّاوِي فِي اللَّفْظِ الْمَقُولِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَدْ يَكُونُ مَا أَصَابَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ السُّقُوطِ رَضٌّ فِي الْأَعْضَاءِ وَتَوَجُّعٌ فَلِذَلِكَ مَنَعَهُ الْقِيَامَ فِي الصَّلَاةِ انْتَهَى . وَقَوْلُهُ ( شِقُّهُ ) بِكَسْرِ الشِّينِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ جَانِبُهُ وَفِي رِوَايَةِ اللَّيْثِ الِاقْتِصَارُ عَلَى قَوْلِهِ فَجُحِشَ وَهِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ { حَفِظْت شِقُّهُ الْأَيْمَنُ } فَلَمَّا خَرَجْنَا مِنْ عِنْدِ الزُّهْرِيِّ قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ { فَجُحِشَ سَاقُهُ الْأَيْمَنُ } انْتَهَى وَقَوْلُهُ { فَجُحِشَ سَاقُهُ الْأَيْمَنُ } لَا يُنَافِي قَوْلَهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ { شِقُّهُ الْأَيْمَنُ } لِأَنَّ الْجَحْشَ لَمْ يَسْتَوْعِبْ الشِّقَّ وَإِنَّمَا كَانَ فِي بَعْضِهِ وَقَدْ تَبَيَّنَّ بِتِلْكَ الرِّوَايَةِ أَنَّ ذَلِكَ الْبَعْضَ هُوَ السَّاقُ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ عَنْ جَابِرٍ { رَكِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَسًا بِالْمَدِينَةِ فَصَرَعَهُ عَلَى جِذْعِ نَخْلَةٍ فَانْفَكَّتْ قَدَمُهُ } الْحَدِيثَ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ حَدِيثِ أَنَسٍ لَا مَانِعَ مِنْ حُصُولِ فَكِّ الْقَدَمِ وَقَشْرِ الْجِلْدِ مَعًا وَيُحْتَمَلُ إنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ فَصَلَّى صَلَاةً مِنْ الصَّلَوَاتِ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ مِنْ الصَّلَوَاتِ الْمَعْهُودَةِ وَهِيَ الْخَمْسُ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فِي صَحِيحِهِ فَحَضَرَتْ الصَّلَاةُ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُمَا : ظَاهِرُهُ أَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً قُلْتُ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةً مَكْتُوبَةً وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ { صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ وَأَبُو بَكْرٍ خَلْفَهُ فَإِذَا كَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَبَّرَ أَبُو بَكْرٍ يُسْمِعُنَا } وَفِي هَذَا رَدٌّ عَلَى مَنْ قَالَ إنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ كَانَتْ نَفْلًا وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ أَعْنِي كَوْنَهَا كَانَتْ نَفْلًا ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُ مَالِكٍ كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ صَلَاةُ الْمَرِيضِ قَاعِدًا وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَلَا يَتَوَقَّفُ ذَلِكَ عَلَى عَدَمِ إمْكَانِ الْقِيَامِ بَلْ لَهُ الصَّلَاةُ قَاعِدًا إذَا خَافَ الْهَلَاكَ أَوْ زِيَادَةَ الْمَرَضِ أَوْ لُحُوقَ مَشَقَّةٍ شَدِيدَةٍ أَوْ خَوْفَ الْغَرَقِ وَدَوْرَانِ الرَّأْسِ فِي حَقِّ رَاكِبِ السَّفِينَةِ وَاخْتَارَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي ضَبْطِ الْعَجْزِ أَنْ يَلْحَقَهُ بِالْقِيَامِ مَشَقَّةٌ تُذْهِبُ خُشُوعَهُ ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { فَصَلَّيْنَا وَرَاءَهُ قُعُودًا } قَدْ يَقْتَضِي أَنَّهُمْ قَعَدُوا مِنْ أَوَّلِ الْأَمْرِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { فَصَلَّى وَرَاءَهُ قَوْمٌ قِيَامًا فَأَشَارَ إلَيْهِمْ أَنْ اجْلِسُوا } وَكَذَا فِي حَدِيثِ جَابِرٍ وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا مِنْ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ ذَكَرَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ مَا آلَ إلَيْهِ الْأَمْرُ مِنْ قُعُودِهِمْ بَعْدَ أَمْرِهِ لَهُمْ بِذَلِكَ ( ثَانِيهَا ) يُحْتَمَلُ أَنَّ بَعْضَهُمْ قَعَدَ مِنْ الْأَوَّلِ فَأَخْبَرَ عَنْهُ أَنَسٌ وَبَعْضَهُمْ قَامَ حَتَّى أَمَرَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجُلُوسِ فَجَلَسَ فَأَخْبَرَتْ عَنْهُ عَائِشَةُ وَجَابِرٌ ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ ( ثَالِثُهَا ) يُحْتَمَلُ أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ فَإِذَا صَلَّى قَائِمًا فَصَلُّوا قِيَامًا أَيْ لِمَنْ اسْتَطَاعَ ذَلِكَ فَمَنْ عَجَزَ عَنْهُ صَلَّى عَلَى حَسَبِ حَالِهِ مَعَ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ الْقَائِمِ وَهَذَا لَا خِلَافَ فِيهِ . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ لِلْإِمَامِ إذَا مَرِضَ وَعَجَزَ عَنْ الْقِيَامِ أَنْ يُصَلِّيَ بِنَفْسِهِ وَلَا يَسْتَخْلِفُ لَكِنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَإِنَّمَا اخْتَرْت أَنْ يُوَكِّلَ الْإِمَامُ إذَا مَرِضَ رَجُلًا صَحِيحًا يُصَلِّي بِالنَّاسِ قَائِمًا أَنَّ مَرَضَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ أَيَّامًا كَثِيرَةً وَإِنَّا لَمْ نَعْلَمْهُ صَلَّى بِالنَّاسِ جَالِسًا فِي مَرَضِهِ إلَّا مَرَّةً وَاحِدَةً لَمْ يُصَلِّ بِهِمْ بَعْدَهَا عَلِمْته حَتَّى لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ التَّوْكِيلَ بِهِمْ وَالصَّلَاةَ قَاعِدًا جَائِزَانِ عِنْدَهُ مَعًا وَكَانَ مَا صَلَّى بِهِمْ غَيْرُهُ بِأَمْرِهِ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى . وَمُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يُصَلِّ بِالنَّاسِ جَالِسًا فِي مَرَضِهِ إلَّا مَرَّةَ مَرَضِ مَوْتِهِ فَإِنَّهُ قَدْ صَلَّى بِهِمْ فِي غَيْرِ مَرَضِ الْمَوْتِ غَيْرَ مَرَّةٍ وَهُوَ جَالِسٌ وَهُمْ جُلُوسٌ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْأَحَادِيثُ وَكَذَا ذَكَرَ الْحَنَابِلَةُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ الِاسْتِخْلَافُ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْقِيَامِ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي صِحَّةِ إمَامَتِهِ فَنَخْرُجُ مِنْ الْخِلَافِ وَبِأَنَّ صَلَاةَ الْقَائِمِ أَكْمَلُ فَيُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ كَامِلَ الصَّلَاةِ وَأَجَابُوا عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَعَلَ ذَلِكَ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَاسْتَخْلَفَ فِي الْأَكْثَرِ وَبِأَنَّ الِاقْتِدَاءَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدًا أَفْضَلُ مِنْ الِاقْتِدَاءِ بِغَيْرِهِ قَائِمًا . ( السَّابِعَةُ ) تَبَيَّنَ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ وَجَابِرٍ أَنَّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا كَانَ فِي بَيْتِهِ وَكَأَنَّهُ لَمْ يَسْتَطِعْ الْخُرُوجَ لِعُذْرِهِ وَلَا يُمْكِنُ التَّقَدُّمَ عَلَيْهِ فَصَلَّى بِهِمْ وَصَلَّى النَّاسُ وَرَاءَهُ فِي مَنْزِلِهِ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ فِي الْمَسْجِدِ صَلَّى بِصَلَاتِهِ لِكَوْنِ مَنْزِلِهِ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ وَفِيهِ جَوَازُ صَلَاةِ الْإِمَامِ عَلَى أَرْفَعَ مِمَّا عَلَيْهِ أَصْحَابُهُ إذَا كَانَتْ مَعَهُ جَمَاعَةٌ هُنَاكَ أَيْ لِأَنَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّهُ كَانَ فِي مَشْرُبَةٍ لِعَائِشَةَ قَالَ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ مَالِكٍ وَحَمَلَهُ شُيُوخُنَا عَلَى تَفْسِيرِهِ مَا وَقَعَ لَهُ مِنْ الْكَرَاهَةِ مُجْمَلًا وَأَنَّ مَنْعَهُ مِنْ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ يَفْعَلُهُ تَكَبُّرًا وَهُوَ ضِدُّ مَا وُضِعَتْ لَهُ الصَّلَاةُ مِنْ التَّوَاضُعِ وَالسَّكِينَةِ وَلِذَلِكَ قَالَ لِأَنَّ هَؤُلَاءِ يَعْبَثُونَ انْتَهَى . وَهَذِهِ الصُّورَةُ إنْ صَحَّ فِيهَا أَنَّ أَهْلَ الْمَسْجِدِ صَلَّوْا مُقْتَدِينَ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَتْ مِنْ صُوَرِ الْمَنْعِ عِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ لِأَنَّهُمَا يَقُولَانِ إنْ كَانَ مَعَ الْإِمَامِ فِي الْعُلُوِّ طَائِفَةٌ جَازَتْ بِاَلَّذِينَ أَسْفَلَ وَإِلَّا فَلَا . وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ السَّقِيمُ وَالضَّعِيفُ وَالْكَبِيرُ وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا مَا قَامَ أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ الْكَبِيرَ وَفِيهِمْ الضَّعِيفَ وَفِيهِمْ السَّقِيمَ وَإِذَا قَامَ وَحْدَهُ فَلْيُطِلْ صَلَاتَهُ مَا شَاءَ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { وَالصَّغِيرَ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { وَذَا الْحَاجَةِ } ( الْحَدِيثُ الرَّابِعُ ) وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ السَّقِيمَ وَالضَّعِيفَ وَالْكَبِيرَ وَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ } . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا مَا قَامَ أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ فَلْيُخَفِّفْ فَإِنَّ فِيهِمْ الْكَبِيرَ وَفِيهِمْ الضَّعِيفَ وَفِيهِمْ السَّقِيمَ وَإِذَا قَامَ وَحْدَهُ فَلْيُطَوِّلْ صَلَاتَهُ مَا شَاءَ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) فِيهِ أَمْرُ الْأَئِمَّةِ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ مُرَاعَاةً لِحَالِ الْمَأْمُومِينَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَهُوَ قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ اخْتَارُوا أَنْ لَا يُطِيلَ الْإِمَامُ الصَّلَاةَ مَخَافَةَ الْمَشَقَّةِ عَلَى الضَّعِيفِ وَالْكَبِيرِ وَالْمَرِيضِ انْتَهَى . وَهُوَ يَقْتَضِي خِلَافًا فِي ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ وَلَا أَعْلَمُ فِيهِ خِلَافًا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : التَّخْفِيفُ لِكُلِّ إمَامٍ أَمْرٌ مَجْمَعٌ عَلَيْهِ مَنْدُوبٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ إلَيْهِ . وَقَالَ أَيْضًا لَا أَعْلَمُ بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ خِلَافًا فِي اسْتِحْبَابِ التَّخْفِيفِ لِكُلِّ مَنْ أَمَّ قَوْمًا عَلَى مَا شَرَطْنَا مِنْ الِائْتِمَامِ بِأَقَلِّ مَا يُجْزِئُ وَسَاقَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ وَكَأَنَّ التِّرْمِذِيَّ تَوَهَّمَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ فِي التَّبْوِيبِ التَّخْفِيفُ فِي الصَّلَاةِ " مِنْ " كَانَ يُخَفِّفُهَا " وَلَيْسَ ذَلِكَ صَرِيحًا فِي وُجُودِ خِلَافٍ وَلَمْ يُبَوِّبْ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَلَى التَّطْوِيلِ الْمُقَابِلِ لِلتَّخْفِيفِ وَلَوْ كَانَ ثَمَّ قَائِلٌ بِهِ لَبَوَّبَ عَلَيْهِ وَذَكَرَهُ . وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيَّ قَالَ صَلَّيْت مَعَ أَنَسٍ الْعَتَمَةَ فَتَجَوَّزَ مَا شَاءَ اللَّهُ وَعَنْ مُصْعَبِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ كَانَ أَبِي إذَا صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ خَفَّفَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَتَجَوَّزَ وَإِذَا صَلَّى فِي بَيْتِهِ أَطَالَ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَالصَّلَاةَ فَقُلْتُ لَهُ فَقَالَ إنَّا أَئِمَّةٌ يُقْتَدَى بِنَا وَعَنْ أَبِي رَجَاءٍ وَهُوَ الْعُطَارِدِيُّ قَالَ رَأَيْت الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ صَلَّى صَلَاةً خَفِيفَةً فَقُلْت أَنْتُمْ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَفُّ النَّاسِ صَلَاةً فَقَالَ إنَّا نُبَادِرُ هَذَا الْوَسْوَاسَ . وَعَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ قَالَ احْذِفُوا هَذِهِ الصَّلَاةَ قَبْلَ وَسْوَسَةِ الشَّيْطَانِ . وَعَنْ حُذَيْفَةَ أَنَّهُ عَلَّمَ رَجُلًا فَقَالَ إنَّ الرَّجُلَ لَيُخَفِّفُ الصَّلَاةَ وَيُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَعَنْ إسْمَاعِيلَ بْنِ أَبِي خَالِدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ رَأَيْت أَبَا هُرَيْرَةَ صَلَّى صَلَاةً تَجَوَّزَ فِيهَا فَقُلْتُ لَهُ هَكَذَا كَانَتْ صَلَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ نَعَمْ وَأَجْوَزُ . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ لَمَّا طُعِنَ عُمَرُ وَمَاجَ النَّاسُ تَقَدَّمَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ فَقَرَأَ بِأَقْصَرِ سُورَتَيْنِ فِي الْقُرْآنِ { إنَّا أَعْطَيْنَاك الْكَوْثَرَ } وَ { إذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ } وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّهُ كَانَ يُخَفِّفُ الصَّلَاةَ وَيُتِمُّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ قَالَ كَانُوا يُتِمُّونَ وَيُوجِزُونَ وَيُبَادِرُونَ الْوَسْوَسَةَ . وَعَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ قَالَ مَا رَأَيْتُ الصَّلَاةَ فِي مَوْضِعٍ أَخَفَّ مِنْهَا فِيمَا بَيْنَ هَاتَيْنِ الْحَائِطَيْنِ يَعْنِي مَسْجِدَ الْكُوفَةِ الْأَعْظَمَ . وَعَنْ النُّعْمَانِ بْنِ قَيْسٍ قَالَ كُنَّ النِّسَاءُ إذَا مَرَرْنَ عَلَى عُبَيْدَةَ وَهُوَ يُصَلِّي قُلْنَ خَفِّفُوا فَإِنَّهَا صَلَاةُ عُبَيْدَةَ يَعْنِي مِنْ خِفَّتِهَا رَوَاهَا كُلَّهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ فِي الْمُحَلَّى عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَنَّهُ قَالَ لَوْ أَنَّ رَجُلًا أَخَذَ شَاةً عَزُوزًا لَمْ يَفْرَغْ مِنْ لَبَنِهَا حَتَّى صَلَّى الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ أَتَمَّ رُكُوعَهَا وَسُجُودَهَا وَالْعَزُوزُ بِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالزَّايِ الْمُعْجَمَةِ الْمُكَرَّرَةِ الضَّيِّقَةُ الْإِحْلِيلِ وَعَنْ عَلْقَمَةَ لَوْ أُمِرَ بِذَبْحِ شَاةٍ فَأَخَذَ فِي سَلْخِهَا لَصَلَّيْت الصَّلَوَاتِ الْخَمْسِ فِي تَمَامٍ قَبْلَ أَنْ يَفْرَغَ مِنْهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّ ابْنَ أَبِي شَيْبَةَ إنَّمَا بَوَّبَ تَخْفِيفَ الصَّلَاةِ مَعَ الِانْفِرَادِ أَوْ مَعَ إمَامَةِ الْمَحْصُورِينَ فَذَكَرَ فِيهِ مَنْ كَانَ يُؤْثِرُ تَخْفِيفَهَا وَلَوْ مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ فَنَقَلَهُ التِّرْمِذِيُّ إلَى أَئِمَّةِ الْعَامَّةِ وَأُولَئِكَ لَا خِلَافَ فِيهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ . ( الثَّانِيَةُ ) هَذَا الْأَمْرُ بِالتَّخْفِيفِ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ بِأَنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ وَذَهَبَ جَمَاعَةٌ إلَى الْوُجُوبِ تَمَسُّكًا بِظَاهِرِ الْأَمْرِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ : يَجِبُ عَلَى الْإِمَامِ التَّخْفِيفُ إذَا أَمَّ جَمَاعَةً لَا يَدْرِي كَيْفَ طَاقَتُهُمْ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْمَالِكِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ عَلَى أَنَّ أَئِمَّةَ الْجَمَاعَةِ يَلْزَمُ التَّخْفِيفَ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إيَّاهُمْ بِذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لَهُمْ التَّطْوِيلُ لِأَنَّ فِي الْأَمْرِ لَهُمْ بِالتَّخْفِيفِ نَهْيًا عَنْ التَّطْوِيلِ وَكَذَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ أَئِمَّةَ الْجَمَاعَةِ يَلْزَمُهُمْ التَّخْفِيفُ لِأَمْرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ بِذَلِكَ انْتَهَى . ( الثَّالِثَةُ ) مَا الْمُرَادُ بِصَلَاتِهِ لِلنَّاسِ أَأَنْ يَكُونَ إمَامًا مَنْصُوبًا لِلْإِمَامَةِ مِنْ جِهَةِ الْإِمَامِ الْأَعْظَمِ أَوْ مِنْ جِهَةِ نَاظِرِ الْمَسْجِدِ الَّذِي يُصَلِّي بِهِ بِحَيْثُ لَا يَتَمَكَّنُ غَيْرُهُ مِنْ الْإِمَامَةِ فِي ذَلِكَ الْمَحَلِّ أَوْ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ كَوْنِ أَهْلِ الْمَحَلَّةِ نَصَبُوهُ لِلْإِمَامَةِ بِهِمْ بِحَيْثُ لَوْ شَاءُوا لَغَيَّرُوهُ وَأَقَامُوا غَيْرَهُ فِي ذَلِكَ أَوْ أَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ وَمِنْ أَنْ يَتَقَدَّمَ لِلْإِمَامَةِ بِغَيْرِ تَقْدِيمِ أَحَدٍ أَوْ كَوْنُهُ صَارَ إمَامًا وَلَوْ لَمْ يَقْصِدْ التَّقْدِيمَ لِذَلِكَ مِنْ الْأَوَّلِ بَلْ تَقَدَّمَ لِيُصَلِّيَ مُنْفَرِدًا فَتَابَعَهُ غَيْرُهُ فَنَوَى الْإِمَامَةَ بِهِ أَوْ وَلَوْ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ بِهِ بَلْ نَوَى الْمَأْمُومُ الِائْتِمَامَ فَقَطْ لِأَنَّهُ يَصِيرُ بِذَلِكَ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَجَمَاعَةٍ إمَامًا وَلَوْ لَمْ يَنْوِ هُوَ الْإِمَامَةَ غَايَتُهُ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ لَهُ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ إذَا لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ هَذِهِ احْتِمَالَاتٌ خَمْسَةٌ وَأَرْجَحُهَا عِنْدِي الرَّابِعُ فَمَتَى صَارَ إمَامًا بُنَيَّتِهِ لِلْإِمَامَةِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ تَقَدَّمَ يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّخْفِيفُ وَأَمَّا إذَا لَمْ يَنْوِ هُوَ الْإِمَامَةَ فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ التَّخْفِيفُ بِاقْتِدَاءِ غَيْرِهِ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الرَّابِعَةُ } قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ الْمُرَادُ بِتَخْفِيفِ الصَّلَاةِ أَنْ يَكُونَ بِحَيْثُ لَا يُخِلُّ بِسُنَنِهَا وَمَقَاصِدِهَا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْمُرُنَا بِالتَّخْفِيفِ وَيَؤُمُّنَا بِالصَّافَّاتِ وَبَوَّبَ النَّسَائِيّ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الرُّخْصَةُ فِي التَّطْوِيلِ بَعْدَ ذَكَرِهِ أَحَادِيثَ التَّخْفِيفِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ هَذَا لَيْسَ تَطْوِيلًا وَإِنَّمَا هُوَ بَيَانٌ لِلتَّخْفِيفِ الْمَأْمُورِ بِهِ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ لَمَّا ذَكَرَ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِي وَاقْتَدِ بِأَضْعَفِهِمْ هَذَا حَدُّ التَّخْفِيفِ وَهُوَ أَنْ يَنْظُرَ مَا يَحْتَمِلُ أَضْعَفُ مَنْ " خَلْفَهُ وَأَمَسُّهُمْ حَاجَةً مِنْ الْوُقُوفِ وَالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَلْيُصَلِّ عَلَى حَسَبِ ذَلِكَ انْتَهَى . وَهُوَ عِنْدِي حَسَنٌ لَكِنْ ضَبَطَ أَصْحَابُنَا مَا يَحْصُلُ بِهِ التَّخْفِيفُ مِنْ تَسْبِيحَاتِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَغَيْرِهِمَا بِمَا قَدَّمْنَا فِيمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ . فَقَالُوا إنَّهُ يَقْتَصِرُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ عَلَى ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ وَقِيلَ خَمْسٍ وَلَا يَضُمُّ إلَيْهِ اللَّهُمَّ لَك رَكَعْت إلَى آخِرِهِ فِي الرُّكُوعِ وَلَا اللَّهُمَّ لَك سَجَدْت إلَى آخِرِهِ فِي السُّجُودِ إلَّا إنْ انْحَصَرَ الْمَأْمُومُونَ وَرَضُوا بِالتَّطْوِيلِ وَأَنَّهُ يَقْتَصِرُ فِي الِاعْتِدَالِ عَلَى قَوْلِهِ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ مِلْءَ السَّمَوَاتِ وَمِلْءَ الْأَرْضِ وَمِلْءَ مَا شِئْت مِنْ شَيْءٍ بَعْدُ وَلَا يَضُمُّ إلَيْهِ أَهْلَ الثَّنَاءِ وَالْمَجْدِ إلَى آخِرِهِ إلَّا إنْ انْحَصَرَ الْمَأْمُومُونَ وَرَضُوا بِالتَّطْوِيلِ نَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ لَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى قَوْلِهِ رَبَّنَا لَك الْحَمْدُ وَقَالُوا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَكُونَ مَا يَأْتِي بِهِ الْإِمَامُ بَعْدَ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الدُّعَاءِ أَنْقَصَ مِنْهُمَا . وَأَمَّا الْقِرَاءَةُ فَإِنَّ أَكْثَرَ الْأَصْحَابِ أَطْلَقُوا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَقْرَأَ فِي الصُّبْحِ وَالظُّهْرِ بِطِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَفِي الْعَصْرِ وَالْعِشَاءِ بِأَوْسَاطِهِ وَفِي الْمَغْرِبِ بِقِصَارِهِ وَاقْتَضَى كَلَامُهُمْ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْإِمَامِ وَغَيْرِهِ وَعَلَيْهِ يَدُلُّ قَوْلُ صَاحِبِ التَّنْبِيهِ وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُخَفِّفَ الْأَذْكَارَ فَلَمْ يَذْكُرْ تَخْفِيفَ الْقِرَاءَةِ وَشَرَحَهُ ابْنُ الرِّفْعَةِ فِي الْكِفَايَةِ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ إنَّ التَّخْفِيفَ فِي الْقِرَاءَةِ غَيْرُ مُسْتَحَبٍّ وَإِنَّمَا الْمُسْتَحَبُّ فِيهَا مَا تَقَرَّرَ فِي بَابِهِ وَنَقَلَهُ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ عَنْ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ لَكِنَّ الشَّيْخَ فِي الْمُهَذَّبِ قَالَ وَيُسْتَحَبُّ لِلْإِمَامِ أَنْ يُخَفِّفَ الْأَذْكَارَ وَالْقِرَاءَةَ وَمَشَى عَلَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَقَالَ هَذَا الَّذِي ذَكَرْنَاهُ مِنْ اسْتِحْبَابِ طِوَالِ الْمُفَصَّلِ وَأَوْسَاطِهِ إنَّمَا هُوَ إذَا آثَرَ الْمَأْمُومُونَ الْمَحْصُورُونَ ذَلِكَ وَإِلَّا خَفَّفَ . وَجَزَمَ بِهِ أَيْضًا فِي التَّحْقِيقِ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ ثُمَّ يُسْتَثْنَى الْمُسَافِرُ فِي الصُّبْحِ فَالْمُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يَقْرَأَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } وَفِي الثَّانِيَةِ سُورَةَ الْإِخْلَاصِ قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ وَالْإِحْيَاءِ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ التَّطْوِيلُ وَالتَّخْفِيفُ مِنْ الْأُمُورِ الْإِضَافِيَّةِ فَقَدْ يَكُونُ الشَّيْءُ طَوِيلًا بِالنِّسْبَةِ إلَى عَادَةِ قَوْمٍ وَقَدْ يَكُونُ خَفِيفًا بِالنِّسْبَةِ إلَى عَادَةٍ آخَرِينَ . وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إنَّهُ لَا يَزِيدُ الْإِمَامُ عَلَى ثَلَاثِ تَسْبِيحَاتٍ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْمَرْوِيُّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ مَعَ أَمْرِهِ بِالتَّخْفِيفِ وَكَأَنَّ ذَلِكَ لِأَنَّ عَادَةَ الصَّحَابَةِ لِأَجْلِ شِدَّةِ رَغْبَتِهِمْ فِي الْخَيْرِ تَقْتَضِي أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ طَوِيلًا هَذَا إذَا كَانَ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ عَامًّا فِي صَلَاتِهِ أَوْ أَكْثَرِهَا وَإِنْ كَانَ خَاصًّا بِبَعْضِهَا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لِأَنَّ أُولَئِكَ الْمَأْمُومِينَ يُؤْثِرُونَ التَّطْوِيلَ وَهُوَ مُتَرَدِّدٌ بَيْنَ أَنْ لَا يَكُونَ طَوِيلًا بِسَبَبِ مَا يَقْتَضِيهِ حَالُ الصَّحَابَةِ وَبَيْنَ أَنْ يَكُون طَوِيلًا لَكِنَّ سَبَبَهُ إيثَارُ الْمُؤْمِنِينَ لَهُ وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ الْمَرْوِيِّ لَا يَقْتَضِي الْخُصُوصَ بِبَعْضِ صَلَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْتَهَى . { الْخَامِسَةُ } قَوْلُهُ { إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِلنَّاسِ } لَمْ يَذْكُرْ الصَّلَاةَ فَتَنَاوَلَ الْفَرَائِضَ وَالنَّوَافِلَ الَّتِي يُشْرَعُ لَهَا الْجَمَاعَةُ كَالْعِيدِ وَالتَّرَاوِيحِ وَنَحْوِهِمَا لِأَنَّ حَذْفَ الْمَعْمُولِ يَدُلُّ عَلَى الْعُمُومِ بِدَلِيلِ صِحَّةِ الِاسْتِثْنَاءِ فَإِنَّهُ مِعْيَارُ الْعُمُومِ نَعَمْ يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ صَلَاةُ الْكُسُوفِ لِمَشْرُوعِيَّةِ تَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ فِيهَا فَلَا يُسَنُّ النَّقْصُ عَنْ الْمَشْرُوعِ فِي ذَلِكَ وَكَأَنَّهُ لِنُدُورِهَا وَالِاهْتِمَامِ بِشَأْنِهَا لِلْأَمْرِ الْعَارِضِ . { السَّادِسَةُ } هَذَا الْحُكْمُ وَهُوَ الْأَمْرُ بِالتَّخْفِيفِ مَذْكُورٌ مَعَ عِلَّتِهِ وَهُوَ كَوْنُ الْمَأْمُومِينَ فِيهِمْ السَّقِيمُ وَالضَّعِيفُ وَالْكَبِيرُ فَإِنْ انْتَفَتْ هَذِهِ الْعِلَّةُ فَلَمْ يَكُنْ فِي الْمَأْمُومِينَ أَحَدٌ مِنْ هَؤُلَاءِ وَكَانُوا مَحْصُورِينَ وَرَضُوا بِالتَّطْوِيلِ طَوَّلَ لِانْتِفَاءِ الْعِلَّةِ وَبِذَلِكَ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَدْ بَانَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْعِلَّةُ الْمُوجِبَةُ لِلتَّخْفِيفِ وَهِيَ عِنْدِي غَيْرُ مَأْمُونَةٍ عَلَى أَحَدٍ مِنْ أَئِمَّةِ الْجَمَاعَةِ لِأَنَّهُ وَإِنْ عَلِمَ قُوَّةَ مَنْ خَلْفَهُ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَا يَحْدُثُ لَهُمْ مِنْ آفَاتِ بَنِي آدَمَ وَلِذَلِكَ قَالَ فَإِذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ لِأَنَّهُ يَعْلَمُ مِنْ نَفْسِهِ مَا لَا يَعْلَمُ مِنْ غَيْرِهِ وَقَدْ يَحْدُثُ لِظَاهِرِ الْقُوَّةِ وَمَنْ يُعْرَفُ مِنْهُ الْحِرْصُ عَلَى طُولِ الصَّلَاةِ حَادِثٌ مِنْ شُغْلٍ وَعَارِضٌ مِنْ حَاجَةٍ وَآفَةٌ مِنْ حَدَثٍ وَبَوْلٍ أَوْ غَيْرِهِ انْتَهَى . وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ ابْنُ بَطَّالٍ فَذَكَرَ مِثْلَ هَذَا الْكَلَامِ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَإِنَّ الِاحْتِمَالَ الَّذِي لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ لَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حُكْمٌ فَإِذَا انْحَصَرَ الْمَأْمُومُونَ وَرَضُوا بِالتَّطْوِيلِ لَا نَأْمُرُ إمَامَهُمْ بِالتَّخْفِيفِ لِاحْتِمَالِ عَارِضٍ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ يَرُدُّ عَلَى مَا ذَكَرَاهُ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { إنِّي لَأَقُومُ فِي الصَّلَاةِ وَأَنَا أُرِيدُ أَنْ أُطَوِّلَ فِيهَا فَأَسْمَعُ بُكَاءَ الصَّبِيِّ فَأَتَجَوَّزُ كَرَاهِيَةَ أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمِّهِ } . فَإِرَادَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوَّلًا التَّطْوِيلَ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ مِثْلِ ذَلِكَ وَمَا تَرَكَهُ إلَّا لِدَلِيلٍ قَامَ عَلَى تَضَرُّرِ بَعْضِ الْمَأْمُومِينَ بِهِ وَهُوَ بُكَاءُ الصَّبِيِّ الَّذِي يَشْغَلُ خَاطِرَ أُمِّهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّابِعَةُ } إنْ قُلْتَ مَا فَائِدَةُ عَطْفِ الضَّعِيفِ عَلَى السَّقِيمِ وَهُوَ بِمَعْنَاهُ قُلْتُ لَيْسَ بِمَعْنَاهُ فَقَدْ ذَكَرَ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ الضَّعْفَ خِلَافٌ لِلْقُوَّةِ وَأَنَّ السَّقَمَ الْمَرَضُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الضَّعْفَ أَعَمُّ مِنْ السَّقَمِ فَقَدْ يَكُونُ الْإِنْسَانُ قَلِيلَ الْقُوَّةِ مِنْ أَصْلِ الْخِلْقَةِ لَا مِنْ سَقَمٍ عَرَضَ لَهُ . { الثَّامِنَةُ } قَوْلُهُ وَإِذَا صَلَّى لِنَفْسِهِ فَلْيُطَوِّلْ مَا شَاءَ هَلْ هُوَ أَمْرُ اسْتِحْبَابٍ كَالْمَذْكُورِ قَبْلَهُ أَوْ أَمْرُ إبَاحَةٍ وَتَرْخِيصٍ يَتَرَجَّحُ الْأَوَّلُ لِكَوْنِهِ أَمْرًا فِي عِبَادَةٍ وَيَتَرَجَّحُ الثَّانِي لِتَعْلِيقِهِ بِمَشِيئَةِ الْمُصَلِّي وَلَوْ كَانَ لِلِاسْتِحْبَابِ لَمْ يُعَلَّقْ لِمَشِيئَتِهِ وَلَا يُحْتَمَلُ هُنَا أَنْ يَكُونَ لِلْوُجُوبِ كَمَا قِيلَ بِهِ فِي الْأَمْرِ الَّذِي قَبْلَهُ { التَّاسِعَةُ } قَالَ ابْنُ حَزْمٍ حَدُّ التَّطْوِيلِ مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الصَّلَاةِ الَّتِي تَلِي الَّتِي هُوَ فِيهَا ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى الظُّهْرَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْعَصْرَ بِالْأَمْسِ وَقَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَقْتُ الصُّبْحِ مَا لَمْ تَطْلُعْ الشَّمْسُ وَوَقْتُ الْعَصْرِ مَا لَمْ تَغْرُبْ الشَّمْسُ وَوَقْتُ الْمَغْرِبِ مَا لَمْ يَسْقُطْ نُورُ الشَّفَقِ وَوَقْتُ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ إلَى نِصْفِ اللَّيْلِ } . قَالَ فَصَحَّ يَقِينًا أَنَّ مَنْ دَخَلَ فِي صَلَاةٍ فِي آخِرِ وَقْتِهَا فَإِنَّمَا يُصَلِّي بَاقِيَهَا فِي وَقْتِ الْأُخْرَى أَوْ فِي وَقْتٍ لَيْسَ لَهُ تَأْخِيرُ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ إلَيْهِ أَصَلًا وَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ التَّفْرِيطَ أَنْ تُؤَخِّرَ صَلَاةً حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ أُخْرَى } . فَصَحَّ أَنَّ لَهُ إذَا دَخَلَ فِي الصَّلَاةِ فِي وَقْتِهَا أَنْ يُطَوِّلَ مَا شَاءَ إلَّا تَطْوِيلًا مَنَعَ النَّصُّ مِنْهُ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُطِيلَ حَتَّى تَفُوتَهُ الصَّلَاةُ التَّالِيَةُ لَهَا فَقَطْ انْتَهَى كَلَامُهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَاَلَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِي حَدِّ التَّطْوِيلِ الْمُبَاحِ أَنَّهُ مَا لَمْ يَخْرُجْ وَقْتُ الصَّلَاةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا وَلَوْ جَوَّزْنَا لَهُ أَنْ يُخْرِجَ جُزْءًا مِنْهَا عَنْ وَقْتِهَا لَمْ يَكُنْ لِتَوْقِيتِهَا فَائِدَةٌ وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ } . وَأَمَّا اسْتِدْلَالُهُ عَلَى ذَلِكَ بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { صَلَّى الظُّهْرَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ الْعَصْرَ بِالْأَمْسِ } فَقَدْ تَقَرَّرَ تَأْوِيلُهُ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ عَلَى مَعْنَى أَنَّهُ فَرَغَ مِنْ صَلَاةِ الظُّهْرِ فِي الْيَوْمِ الثَّانِي فِي الْوَقْتِ الَّذِي ابْتَدَأَ فِيهِ صَلَاةَ الْعَصْرِ فِي الْيَوْمِ الْأَوَّلِ فَقَوْلُهُ صَلَّى الظُّهْرَ أَيْ ابْتَدَأَهَا وَقَوْلُهُ صَلَّى الْعَصْرَ أَيْ فَرَغَ مِنْهَا . وَفِعْلُهُ يَصْلُحُ لِلِابْتِدَاءِ وَالشُّرُوعِ فَحُمِلَتْ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ عَلَى اللَّائِقِ بِهَا وَالِاشْتِرَاكِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي وَقْتٍ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا نُؤَوِّلهُ وَيُجْعَلُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ اشْتِرَاكًا فِي الْوَقْتِ كَمَا يَقُولُهُ الْمَالِكِيَّةُ فَالِاشْتِرَاكُ إنَّمَا هُوَ فِي مِقْدَارِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ خَاصَّةٍ وَهَكَذَا يَقُولُ الْمَالِكِيَّةُ وَهَلْ ذَلِكَ مِنْ وَقْتِ الْعَصْرِ أَوْ الظُّهْرِ ؟ خِلَافٌ عِنْدَهُمْ وَأَمَّا الْقَوْلُ بِالِاشْتِرَاكِ فِي جَمِيعِ الْوَقْتِ فَلَا قَائِلَ بِهِ وَلَا دَلِيلَ يُعَضِّدُهُ وَلَا يَصِحُّ الْقِيَاسُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ مَنْ يَقُولُ الْقِيَاسَ فَكَيْفَ بِمَنْ يُنْكِرُهُ ؟ وَالْعَجَبُ مِنْ اسْتِدْلَالِهِ عَلَى مَطْلُوبِهِ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّ التَّفْرِيطَ أَنْ يُؤَخِّرَ صَلَاةً حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ الْأُخْرَى } . وَهَذَا عَلَيْهِ لَا لَهُ فَإِنَّهُ دَالٌّ عَلَى أَنَّ غَايَةَ التَّأْخِيرِ الْمُبَاحِ دُخُولُ وَقْتِ الْأُخْرَى لَا فَرَاغُهُ وَلَا تَضْيِيقُهُ وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ لِلشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ لَا لِلْفَرَاغِ مِنْهَا وَهُوَ مَرْدُودٌ بَلْ هَذِهِ الْمَوَاقِيتُ لِجُمْلَةِ الصَّلَاةِ أَوَّلِهَا وَوَسَطِهَا وَآخِرِهَا وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ يَحْرُمُ تَأْخِيرُ الصَّلَاةِ إلَى حَدٍّ يُخْرِجُ بَعْضَهَا عَنْ الْوَقْتِ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا ذَكَرْته لَكِنَّهُمْ قَالُوا إنَّهُ لَوْ شَرَعَ فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ جَمِيعَهَا فَمَدَّ هَذَا بِتَطْوِيلِ الْقِرَاءَةِ لَمْ يَأْثَمْ بِذَلِكَ إلَّا فِي وَجْهٍ حَكَاهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فِي تَعْلِيقِهِ وَقَالَ إنَّ هَذَا الْخِلَافَ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَقْتٌ لِلدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ أَوْ لِلدُّخُولِ فَقَطْ وَهَلْ يُكْرَهُ ذَلِكَ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَهُمْ لَا يُكْرَهُ لَكِنْ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ : أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَعِنْدِي أَنَّ تَجْوِيزَهُمْ تَطْوِيلَ الْقِرَاءَةِ حَتَّى يَخْرُجَ الْوَقْتُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ إنَّ التَّفْرِيطَ أَنْ يُؤَخِّرَ صَلَاةً حَتَّى يَدْخُلَ وَقْتُ أُخْرَى وَبِقَوْلِهِ الْوَقْتُ مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقَدْ تَبَيَّنَّ كَلَامُ الْقَاضِي حُسَيْنٍ أَنَّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَوْقَاتِ وَقْتٌ لِلدُّخُولِ فَقَطْ وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا وَقْتٌ لِلدُّخُولِ وَالْخُرُوجِ ثُمَّ إنَّ هَذَا الْكَلَامَ بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ مُقَيَّدٌ بِمَا إذَا أَوْقَعَ رَكْعَةً فِي الْوَقْتِ كَمَا ذَكَرَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْإِسْنَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ الْمُتَّجَهُ مَعَ تَجْوِيزِهِ أَنْ يَكُونَ كَلَامُهُمْ عَلَى إطْلَاقِهِ . { الْعَاشِرَةُ } وَيَنْبَغِي أَنْ يَتَقَيَّدَ التَّطْوِيلُ أَيْضًا بِمَا إذَا لَمْ يُخْرِجْ إلَى سَهْوٍ فَالتَّطْوِيلُ الْمُؤَدِّي إلَى سَهْوٍ مَكْرُوهٌ وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الدُّعَاءِ الَّذِي فِي آخَرِ الصَّلَاةِ وَيُقَاسُ عَلَيْهِ غَيْرُهُ مِنْ أَفْعَالِ الصَّلَاةِ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أُحِبُّ لِكُلِّ مُصَلٍّ أَنْ يَزِيدَ عَلَى التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذِكْرَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَحْمِيدَهُ وَدُعَاءَهُ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأَخِيرَتَيْنِ وَأَرَى أَنْ تَكُونَ زِيَادَتُهُ ذَلِكَ إنْ كَانَ إمَامًا أَقَلَّ مِنْ قَدْرِ التَّشَهُّدِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ قَلِيلًا لِلتَّخْفِيفِ عَنْ خَلْفِهِ وَأَرَى أَنْ يَكُونَ جُلُوسُهُ إنْ كَانَ وَحْدَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْرَهُ مَا أَطَالَ مَا لَمْ يُخْرِجْهُ ذَلِكَ إلَى سَهْوٍ وَيَخَافُ بِهِ سَهْوًا انْتَهَى . وَهَذَا التَّقْيِيدُ إنَّمَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ إذَا قُلْنَا إنَّ الْأَمْرَ بِالتَّطْوِيلِ لِلْمُنْفَرِدِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ أَوْ قُلْنَا إنَّهُ عَلَى سَبِيلِ الْإِبَاحَةِ وَفَسَّرْنَا الْإِبَاحَةَ بِالْمُسْتَوِيَةِ الطَّرَفَيْنِ فَإِنْ فَسَّرْنَاهَا بِمَعْنَى رَفْعِ الْحَرَجِ وَالْإِثْمِ فَلَا يُحْتَاجُ إلَى هَذَا الْقَيْدِ إذْ لَا إثْمَ فِي ذَلِكَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَإِنَّمَا غَايَتُهُ الْكَرَاهَةُ وَيُوَافِقُ هَذَا مَا تَقَدَّمَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْ تَعْلِيلِ تَخْفِيفِ الصَّلَاةِ بِمُبَادَرَةِ الْوَسْوَاسِ وَعَلَى هَذَا فَيَخْتَلِفُ الْقَصْرُ وَالتَّطْوِيلُ بِاخْتِلَافِ عَادَةِ النَّاسِ فِي مُبَادَرَةِ الْوَسْوَسَةِ إلَيْهِمْ وَتَأَخُّرِهِ عَنْهُمْ فَمَنْ كَانَ سَرِيعَ الْوَسْوَاسِ لَا يُطَوِّلُ وَمَنْ كَانَ بَطِيءَ الْوَسْوَاسِ طَوَّلَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } هَذَا التَّطْوِيلُ إنَّمَا هُوَ فِي الْأَرْكَانِ الَّتِي تَحْتَمِلُ التَّطْوِيلَ وَهِيَ الْقِيَامُ وَالرُّكُوعُ وَالسُّجُودُ وَالتَّشَهُّدُ دُونَ الِاعْتِدَالِ وَالْجُلُوسِ بَيْنَ السَّجْدَتَيْنِ { الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ } قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى الرِّفْقِ بِالْمَأْمُومِينَ وَسَائِرِ الْأَتْبَاعِ وَمُرَاعَاةِ مَصْلَحَتِهِمْ وَأَنْ لَا يُدْخِلَ عَلَيْهِمْ مَا شَقَّ عَلَيْهِمْ وَإِنْ كَانَ يَسِيرًا مِنْ غَيْرِ ضَرُورَةٍ . بَابُ الْمَسْبُوقِ يَقْضِي مَا فَاتَهُ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا } كَذَا فِي الْمُسْنَدِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ فَاقْضُوا وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ وَسَاقَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ فَقَالَ { فَأَتِمُّوا } ، وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، قِيلَ لَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ نَعَمْ { إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعَوْنَ وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ } فَذَكَرَهُ لَمْ يَقُلْ الشَّيْخَانِ { فَاقْضُوا } وَإِنَّمَا قَالَا { فَأَتِمُّوا } زَادَ مُسْلِمٌ { فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا كَانَ يَعْمِدُ إلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { صَلِّ مَا أَدْرَكْتَ وَاقْضِ مَا سَبَقَك } قَالَ مُسْلِمٌ فِي التَّمْيِيزِ لَا أَعْلَمُ رَوَى هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ غَيْرُ ابْنِ عُيَيْنَةَ { وَاقْضُوا مَا فَاتَكُمْ } قَالَ مُسْلِمٌ وَأَخْطَأَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِيهَا وَقَالَ يُونُسُ وَالزُّبَيْدِيُّ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَمَعْمَرٌ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ { فَأَتِمُّوا } وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَحْدَهُ { فَاقْضُوا } وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عُمَرَ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { فَأَتِمُّوا } وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو قَتَادَةَ وَأَنَسٌ كُلُّهُمْ { فَأَتِمُّوا } وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ وَابْنُ سِيرِينَ وَأَبُو رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { فَاقْضُوا } وَأَبُو ذَرٍّ رُوِيَ عَنْهُ { فَأَتِمُّوا وَاقْضُوا } قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَاَلَّذِينَ قَالُوا { فَأَتِمُّوا } أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ وَأَلْزَمُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ أَوْلَى وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ { فَأَتِمُّوا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ . { بَابُ الْمَسْبُوقِ يَقْضِي مَا فَاتَهُ } عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا نُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَمْشُونَ وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا } كَذَا فِي الْمُسْنَدِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ وَسَاقَهُ أَبُو نُعَيْمٍ فِي الْمُسْتَخْرَجِ فَقَالَ { فَأَتِمُّوا } وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قِيلَ لَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ نَعَمْ { إذَا أَتَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَلَا تَأْتُوهَا وَأَنْتُمْ تَسْعُونَ وَأْتُوهَا وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ } فَذَكَرَهُ لَمْ يَقُلْ الشَّيْخَانِ { فَاقْضُوا } وَإِنَّمَا قَالَا { فَأَتِمُّوا } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } فِيهِ الْأَمْرُ بِإِتْيَانِ الصَّلَاةِ مَشْيًا وَالنَّهْيُ عَنْ إتْيَانِهَا سَعْيًا وَأَنَّ ذَلِكَ يَكُونُ بِتُؤَدَةٍ وَوَقَارٍ وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا وَلَا بَيْنَ أَنْ يَخَافَ فَوْتَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ أَوْ فَوْتَ رَكْعَةٍ أَوْ فَوْتَ الْجَمَاعَةِ بِالْكُلِّيَّةِ وَلَا يَخَافُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَالزُّبَيْرُ بْنُ الْعَوَّامِ وَأَبِي ذَرٍّ وَعَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ وَمُجَاهِدٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ الْهَرْوَلَةَ إلَى الصَّلَاةِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْأَسْوَدِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ قَالَ رَأَيْتُ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ يَزِيدَ مُسَارِعًا إلَى الصَّلَاةِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ الْإِقَامَةَ بِالْبَقِيعِ فَأَسْرَعَ الْمَشْيَ . وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ أَحَقُّ مَا سَعَيْنَا إلَى الصَّلَاةِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ اخْتَلَفَ أَهْلُ الْعِلْمِ فِي الْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ فَمِنْهُمْ مَنْ رَأَى الْإِسْرَاعَ إذَا خَافَ فَوْتَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى حَتَّى ذُكِرَ عَنْ بَعْضِهِمْ أَنَّهُ كَانَ يُهَرْوِلُ إلَى الصَّلَاةِ وَمِنْهُمْ مَنْ كَرِهَ الْإِسْرَاعَ وَاخْتَارَ أَنْ يَمْشِيَ عَلَى تُؤَدَةٍ وَوَقَارٍ وَبِهِ يَقُولُ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَقَالَا الْعَمَلُ عَلَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ إِسْحَاقُ إنْ خَافَ فَوْتَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى فَلَا بَأْسَ أَنْ يُسْرِعَ فِي الْمَشْيِ انْتَهَى وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بَعْدَ نَقْلِهِ مَا قَدَّمْته عَنْ مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ أَطْلَقَ الْإِسْرَاعَ عَنْهُ مِنْ ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ خَوْفِ فَوْتِ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ كَمَا قَيَّدَهُ التِّرْمِذِيُّ فَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زَيْدِ بْنِ خُلَيْدَةَ قَالَ كُنْت أَمْشِي مَعَ ابْنِ عُمَرَ إلَى الصَّلَاةِ فَلَوْ مَشَتْ مَعَهُ نَمْلَةٌ لَرَأَيْت أَنْ لَا يَسْبِقَهَا . وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا الْإِسْرَاعُ إذَا خَافَ فَوْتَ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ إذَا خَافَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ أَسْرَعَ وَقَالَ لَا بَأْسَ لِمَنْ كَانَ عَلَى فَرَسٍ أَنْ يُحَرِّكَ الْفَرَسَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَتَبِعَهُ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ وَتَأَوَّلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَ الرَّاكِبِ وَالْمَاشِي لِأَنَّهُ لَا يَنْبَهِرُ كَمَا يَنْبَهِرُ الْمَاشِي وَحُكِيَ أَيْضًا عَنْ إِسْحَاقَ أَنَّهُ يُسْرِعُ إذَا خَافَ فَوْتَ الرَّكْعَةِ وَهُوَ مُخَالِفٌ لِمَا حَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ إِسْحَاقَ مِنْ تَعْلِيقِ الْإِسْرَاعِ بِخَوْفِ فَوَاتِ التَّكْبِيرَةِ الْأُولَى وَلَعَلَّهُ يَقُولُ بِالْإِسْرَاعِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ مَعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى . وَقَالَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ : بِالْإِسْرَاعِ إذَا خَافَ فَوْتَ تَكْبِيرَةِ الْإِحْرَامِ . وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سَمِعَ الْإِقَامَةَ فَأَسْرَعَ الْمَشْيَ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مَا رُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُسْرِعُ الْمَشْيَ إلَى الصَّلَاةِ أَنَّهُ جَعَلَ مَعْنَى قَوْلِهِ { عَلَيْكُمْ بِالسَّكِينَةِ } . عَلَى مَا إذَا لَمْ يَخْشَ فَوْتَ الصَّلَاةِ وَكَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ وَقْتِهَا قَالَ وَقَوْلُهُ إذَا سَمِعْتُمْ الْإِقَامَةَ فَامْشُوا إلَى الصَّلَاةِ يَرُدُّ فِعْلَ ابْنِ عُمَرَ وَيُبَيِّنَ أَنَّ الْحَدِيثَ عَلَى الْعُمُومِ وَأَنَّ السَّكِينَةَ تَلْزَمُ مَنْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ كَمَا تَلْزَمُ مَنْ كَانَ فِي سَعَةٍ مِنْ الْوَقْتِ انْتَهَى . وَأَمَّا الْجُمُعَةُ فَلَا نَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ بِالْإِسْرَاعِ لَهَا دُونَ غَيْرِهَا مِنْ الصَّلَوَاتِ . وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى { إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ } فَإِنَّ الْمُرَادَ بِالسَّعْيِ فِيهِ مُطْلَقُ الْمُضِيِّ أَوْ الْقَصْدِ وَقَالَ عِكْرِمَةُ وَمُحَمَّدُ بْنُ كَعْبٍ الْقُرَظِيِّ السَّعْيُ الْعَمَلُ وَبَوَّبَ الْبُخَارِيُّ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ " الْمَشْيُ إلَى الْجُمُعَةِ " وَقَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى { فَاسْعَوْا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ } وَمَنْ قَالَ السَّعْيُ الْعَمَلُ وَالذَّهَابُ لِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى { وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا } انْتَهَى وَاعْلَمْ أَنَّ النَّسَائِيّ بَعْدَ أَنْ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ تَرْجَمَ الْإِسْرَاعَ إلَى الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ سَعْيٍ وَأَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَ أَبِي رَافِعٍ قَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صَلَّى الْعَصْرَ ذَهَبَ إلَى بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَيَتَحَدَّثُ عِنْدَهُمْ حَتَّى يَنْحَدِرَ الْمَغْرِبُ " قَالَ أَبُو رَافِعٍ { فَبَيْنَمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْرِعُ إلَى الْمَغْرِبِ } . وَذَكَرَ حَدِيثًا وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النَّسَائِيّ فَهِمَ أَنَّ بَيْنَ السَّعْيِ وَالْمَشْيِ رُتْبَةً وَهِيَ الْإِسْرَاعُ وَأَنَّهَا مُلْتَحِقَةٌ بِالْمَشْيِ فِي عَدَمِ النَّهْيِ عَنْهَا لَكِنْ يَرُدُّهُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَلَا تُسْرِعُوا إلَّا أَنْ يُقَالَ السَّعْيُ نَوْعٌ مِنْ الْإِسْرَاعِ فَيُحْمَلُ الْإِسْرَاعُ الْمَنْهِيُّ عَنْهُ عَلَى السَّعْيِ مِنْهُ دُونَ مَا لَمْ يَكُنْ سَعْيًا بِدَلِيلِ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ لَكِنَّ كَلَامَ ابْنِ سِيدَهْ فِي الْمُحْكَمِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ لَيْسَ فِيهِ تِلْكَ الْمُبَالَغَةُ فِي الْإِسْرَاعِ فَإِنَّهُ فَسَّرَهُ بِأَنَّهُ عَدْوٌ دُونَ الشَّدِّ وَإِنْ كَانَ صَاحِبَا الصِّحَاحِ وَالنِّهَايَةِ فَسَّرَاهُ بِمُطْلَقِ الْعَدْوِ وَمَنْ لَا يَنْظُرُ إلَى الْفَرْقِ بَيْنَ السَّعْيِ وَالْإِسْرَاعِ وَيَمِيلُ إلَى التَّعَارُضِ بَيْنَهُمَا يَقُولُ حَدِيثُ الْبَابِ أَصَحُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رَافِعٍ فَالْأَخْذُ بِهِ مُتَعَيَّنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّانِيَةُ } قَوْلُهُ { إذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ } يَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالنِّدَاءِ الْأَذَانُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْإِقَامَةُ وَيَدُلُّ لِلِاحْتِمَالِ الثَّانِي قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ { إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ } . وَسَوَاءٌ فَسَّرْنَاهُ بِالْأَذَانِ أَوْ الْإِقَامَةِ فَلَيْسَ هَذَا الْقَيْدُ مُعْتَبَرًا فِي الْحُكْمِ فَلَوْ قَصَدَ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْإِقَامَةِ كُرِهَ لَهُ الْأَسْرَعُ أَيْضًا بَلْ هُوَ أَوْلَى بِالْكَرَاهَةِ لِأَنَّهُ بَعْدَ الْإِقَامَةِ يَخَافُ فَوْتَ بَعْضِ الصَّلَاةِ . وَقَبْلَهَا لَا يَخَافُ ذَلِكَ فَإِذَا نُهِيَ عَنْ الْإِسْرَاعِ مَعَ خَوْفِ فَوَاتِ بَعْضِ الصَّلَاةِ فَمَعَ عَدَمِ الْخَوْفِ أَوْلَى فَهَذَا مِنْ التَّنْبِيهِ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى وَهُوَ مِنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ . وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ النَّوَوِيُّ فَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إنَّمَا ذَكَرَ الْإِقَامَةِ لِيُنَبِّهَ بِهَا عَلَى مَا سِوَاهَا لِأَنَّهُ إذَا نُهِيَ عَنْ إتْيَانِهَا سَعْيًا فِي حَالِ الْإِقَامَةِ مَعَ خَوْفِهِ فَوْتَ بَعْضِهَا فَقَبْلَ الْإِقَامَةِ أَوْلَى قَالَ وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِبَيَانِ الْعِلَّةِ فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا كَانَ يَعْمِدُ إلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ } . قَالَ وَهَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ أَوْقَاتِ الْإِتْيَانِ إلَى الصَّلَاةِ وَأَكَّدَ ذَلِكَ تَأْكِيدًا آخَرَ فَقَالَ { فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا } فَحَصَلَ بِهِ تَنْبِيهٌ وَتَأْكِيدٌ لِئَلَّا يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ النَّهْيَ إنَّمَا هُوَ لِمَنْ لَمْ يَخَفْ فَوْتَ بَعْضِ الصَّلَاةِ فَصَرَّحَ بِالنَّهْيِ وَإِنْ فَاتَ مِنْ الصَّلَاةِ مَا فَاتَ انْتَهَى . وَهُوَ حَسَنٌ وَقَالَ وَالِدِي فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بَعْدَ حِكَايَتِهِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لِأَنَّ الْغَالِبَ أَنَّهُ إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ مَنْ خَافَ الْفَوْتَ . فَأَمَّا مَنْ بَادَرَ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ فَلَا يَفْعَلُ ذَلِكَ لِوُثُوقِهِ بِإِدْرَاكِ أَوَّلِ الصَّلَاةِ انْتَهَى . وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ هَذِهِ الْوَصِيَّةُ بِالسَّكِينَةِ إنَّمَا هِيَ لِمَنْ غَفَلَ عَنْ الْمَشْيِ إلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى سَمِعَ الْإِقَامَةَ أَوْ لِمَنْ كَانَ لَهُ عُذْرٌ وَكِلَاهُمَا سَوَاءٌ فِي النَّهْيِ عَنْ الْإِسْرَاعِ انْتَهَى . وَمُقْتَضَى هَذِهِ الْعِبَارَةِ أَنَّهُ فُهِمَ أَنَّ مَفْهُومَ الشَّرْطِ هُنَا مُعْتَبَرٌ وَأَنَّهُ مِنْ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ فَلَا يُنْهَى عَنْ الْإِسْرَاعِ مَنْ قَصَدَ الصَّلَاةِ قَبْلَ الْإِقَامَةِ . وَهَذَا مَرْدُودٌ يَنْفِرُ عَنْ الْقَوْلِ بِهِ بِبَادِي الرَّأْيِ وَآخِرِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ إنَّمَا خَصَّ النَّهْيَ عَنْ الْإِسْرَاعِ بِمَا بَعْدَ الْإِقَامَةِ لِأَنَّهُ يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ مُنْبَهِرًا فَيَمْنَعُهُ ذَلِكَ الْخُشُوعَ وَإِقَامَةَ الْأَرْكَانِ عَلَى وَجْهِهَا وَأَمَّا إذَا كَانَ قَبْلَ الْإِقَامَةِ فَإِنَّهُ إذَا وَصَلَ إلَى الْمَسْجِدِ لَا يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ بِمُجَرَّدِ دُخُولِهِ لِأَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تُقَمْ فَيَسْتَرِيحُ وَيَذْهَبُ عَنْهُ مَا بِهِ مِنْ الْبَهْرِ وَالتَّعَبِ قَبْلَ الْإِقَامَةِ وَفِي هَذَا نَظَرٌ لِأَنَّ الصَّلَاةَ وَإِنْ كَانَتْ لَمْ تُقَمْ فَقَدْ تُقَامُ بِمُجَرَّدِ وُصُولِهِ إلَى الْمَسْجِدِ فَيَقَعُ فِي الْمَحْذُورِ ثُمَّ إنَّ هَذَا الْمَعْنَى لَيْسَ هُوَ الْمُعْتَبَرَ فِي الْحَدِيثِ عَلَى مَا سَيَأْتِي بَيَانُهُ وَقَدْ ظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّهُ وَقَعَ لِتَرَدُّدٍ فِي أَنَّ هَذَا مِنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ أَوْ الْمُخَالَفَةِ أَوْ لَا مَفْهُومَ لَهُ وَالْأَوَّلُ هُوَ الرَّاجِحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّالِثَةُ } قَوْلُهُ { وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ } ذَكَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّهُ يَنْصِبُ السَّكِينَةَ عَلَى الْأَغْرَاءِ كَأَنَّهُ قَالَ الْزَمُوا السَّكِينَةَ وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ رَفْعُ السَّكِينَةِ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ جُمْلَةٌ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ انْتَهَى وَالسَّكِينَةُ هِيَ الْوَقَارُ كَمَا فَسَّرَهُ أَئِمَّةُ اللُّغَةِ لَكِنْ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ { وَعَلَيْكُمْ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ } فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ كَرَّرَ فِيهِ الْوَقَارَ لِلتَّأْكِيدِ وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ السَّكِينَةُ وَالْوَقَارُ إسْمَانُ لِمُسَمًّى وَاحِدٍ لِأَنَّ السَّكِينَةَ مِنْ السُّكُونِ وَالْوَقَارَ مِنْ الِاسْتِقْرَارِ وَالتَّثَاقُلِ وَهُمَا بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَأَنْكَرَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى الْقُرْطُبِيِّ قَوْلَهُ أَنَّ الْوَقَارَ مِنْ الِاسْتِقْرَارِ لِأَنَّ الْوَقَارَ مُعْتَلُّ الْفَاءِ وَهَذَا وَاضِحٌ وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ الْوَقَارُ الْحِلْمُ وَالرَّزَانَةُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ الظَّاهِرُ أَنَّ بَيْنَهُمَا فَرْقًا وَأَنَّ السَّكِينَةَ فِي الْحَرَكَاتِ وَاجْتِنَابِ الْعَبَثِ وَنَحْوِ ذَلِكَ وَالْوَقَارَ فِي الْهَيْئَةِ وَغَضِّ الْبَصَرِ وَخَفْضِ الصَّوْتِ وَالْإِقْبَالِ عَلَى طَرِيقِهِ مِنْ غَيْرِ الْتِفَاتٍ وَنَحْوِ ذَلِكَ انْتَهَى . { الرَّابِعَةُ } الْمَعْنَى فِي نَهْيِ قَاصِدِ الصَّلَاةِ عَنْ الْإِسْرَاعِ وَأَمْرِهِ بِالْمَشْيِ بِسَكِينَةٍ أُمُورٌ : ( أَحَدُهَا ) قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا كَانَ يَعْمِدُ إلَى الصَّلَاةِ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ } فَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ يَتَأَدَّبَ بِآدَابِ الصَّلَاةِ مِنْ تَرْكِ الْعَجَلَةِ وَالْخُشُوعِ وَسُكُونِ الْأَعْضَاءِ وَمِنْ هَذَا أَمْرُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ أَنْ لَا يُشَبِّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ } وَعَلَّلَ ذَلِكَ بِكَوْنِهِ فِي صَلَاةٍ وَحَكَى النَّوَوِيُّ هَذَا الْمَعْنَى عَنْ الْعُلَمَاءِ . ( الثَّانِي ) تَكْثِيرُ الْخُطَا فَقَدْ رَوَى الطَّبَرَانِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ كُنْت أَمْشِي مَعَ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ فَقَارَبَ فِي الْخُطَّا فَقَالَ أَتَدْرِي لِمَ مَشَيْت بِك هَذِهِ الْمِشْيَةَ ؟ فَقُلْت لَا ، فَقَالَ لِتَكْثُرَ خُطَانَا فِي الْمَشْيِ إلَى الصَّلَاةِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَمِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . ( الثَّالِثُ ) ذَكَرَ الْمُهَلَّبِ أَنَّ الْمَعْنَى فِي ذَلِكَ أَنْ لَا يَبْهَرَ الْإِنْسَانَ نَفْسَهُ فَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَرْتِيلِ الْقُرْآنِ وَلَا مِنْ الْوَقَارِ اللَّازِمِ لَهُ فِي الْخُشُوعِ انْتَهَى . وَذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَيْضًا قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ يَنْبَنِي عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ أَيْ الْأَوَّلَيْنِ عَوْدُ الْمُصَلِّي مِنْ الْمَسْجِدِ إلَى بَيْتِهِ فَإِنْ عَلَّلْنَا بِالْمَعْنَى الْأَوَّلِ فَقَدْ زَالَ فِي رُجُوعِهِ إلَى بَيْتِهِ كَوْنُهُ فِي صَلَاةٍ وَإِنْ عَلَّلْنَا بِالْمَعْنَى الثَّانِي فَيُسْتَحَبُّ أَيْضًا الْمَشْيُ وَمُقَارَبَةُ الْخُطَا لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا { مَنْ رَاحَ إلَى مَسْجِدِ الْجَمَاعَةِ فَخُطْوَةٌ تَمْحُو سَيِّئَةً وَخُطْوَةٌ تَكْتُبُ حَسَنَةً ذَاهِبًا وَرَاجِعًا } وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ . { قُلْت } وَإِنْ عَلَّلْنَا بِالْمَعْنَى الثَّالِثِ فَلَا يَثْبُتُ هَذَا الْحُكْمُ فِي الرُّجُوعِ كَمَا قُلْنَا عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ { الْخَامِسَةُ } هَذَا الْحَدِيثُ نَاسِخٌ لِمَا رُوِيَ أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ كَانُوا إذَا سُبِقُوا بِبَعْضِ الصَّلَاةِ صَلَّوْا مِقْدَارَ مَا فَاتَهُمْ مُنْفَرِدِينَ ثُمَّ دَخَلُوا مَعَ الْإِمَامِ فَصَلَّوْا مَعَهُ بَقِيَّةَ الصَّلَاةِ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي أَبْوَابِ الْأَذَانِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى قَالَ حَدَّثَنَا أَصْحَابُنَا قَالَ { كَانَ الرَّجُلُ إذَا جَاءَ يَسْأَلُ فَيُخْبَرُ بِمَا سَبَقَ مِنْ صَلَاتِهِ وَأَنَّهُمْ قَامُوا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْنِ قَائِمٍ وَرَاكِعٍ وَقَاعِدٍ وَمُصَلٍّ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَاءَ مُعَاذٌ فَأَشَارُوا إلَيْهِ فَقَالَ مُعَاذٌ لَا أَرَاهُ عَلَى حَالٍ إلَّا كُنْتُ عَلَيْهَا فَقَالَ إنَّ مُعَاذًا قَدْ سَنَّ لَكُمْ سُنَّةً كَذَلِكَ فَافْعَلُوا } وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى عَنْ مُعَاذٍ وَفِي لَفْظٍ لَهُ { فَقَالَ قَدْ سَنَّ لَكُمْ مُعَاذٌ فَاقْتَدُوا بِهِ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَقَدْ سُبِقَ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ فَلْيُصَلِّ مَعَ الْإِمَامِ بِصَلَاتِهِ فَإِذَا فَرَغَ الْإِمَامُ فَلْيَقْضِ مَا سَبَقَهُ بِهِ } . قَالَ الْمُزَنِيّ قَوْلُهُ إنَّ مُعَاذًا قَدْ سَنَّ لَكُمْ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ أَنْ تُسَنَّ هَذِهِ السُّنَّةُ فَوَافَقَ ذَلِكَ فِعْلَ مُعَاذٍ وَذَلِكَ أَنَّ بِالنَّاسِ حَاجَةً إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كُلِّ مَا يُسَنُّ وَلَيْسَ بِهِمْ حَاجَةٌ إلَى غَيْرِهِ انْتَهَى وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ لَا نَسْخَ فِي هَذِهِ الْقَضِيَّةِ وَلَكِنَّ الْأَمْرَانِ جَائِزَانِ أَعْنِي مُتَابَعَةَ الْإِمَامِ فِيمَا هُوَ فِيهِ ثُمَّ اسْتِدْرَاكَ مَا بَقِيَ بَعْدَ سَلَامِهِ وَالدُّخُولِ فِي الصَّلَاةِ مُنْفَرِدًا ثُمَّ الِاقْتِدَاءِ بِالْإِمَامِ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَكَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَفْعَلُونَ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ فَلَمَّا فَعَلَ مُعَاذٌ الْأَمْرَ الْآخَرَ اسْتَحْسَنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَجَّحَهُ عَلَى الْأَمْرِ الْأَوَّلِ لَا أَنَّهُ حَتَّمَهُ وَصَيَّرَهُ نَاسِخًا بِحَيْثُ إنَّهُ امْتَنَعَ فِعْلُ الْأَمْرِ الْآخَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّادِسَةُ } اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى إدْرَاكِ الْجَمَاعَةِ بِجُزْءٍ مِنْ الصَّلَاةِ وَإِنْ قَلَّ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا } وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَهَذَا زَائِدٌ عَلَى الْخَبَرِ الَّذِي فِيهِ مَنْ أَدْرَكَ مِنْ الصَّلَاةِ مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَةً فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ قَالَ وَرَوَيْنَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ أَدْرَكَ قَوْمًا جُلُوسًا فِي آخِرِ صَلَاتِهِمْ فَقَالَ أَدْرَكْتُهُمْ إنْ شَاءَ اللَّهُ . وَعَنْ شَقِيقِ بْنِ سَلَمَةَ مَنْ أَدْرَكَ التَّشَهُّدَ فَقَدْ أَدْرَكَ الصَّلَاةَ وَعَنْ الْحَسَنِ قَالَ إذَا أَدْرَكَهُمْ سُجُودًا سَجَدَ مَعَهُمْ وَعَنْ ابْنُ جُرَيْجٍ قُلْت لِعَطَاءٍ إنْ سَمِعَ الْإِقَامَةَ وَالْأَذَانَ وَهُوَ يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ أَيَقْطَعُ صَلَاتَهُ وَيَأْتِي الْجَمَاعَةَ ؟ قَالَ إنْ ظَنَّ أَنَّهُ يُدْرِكُ مِنْ الْمَكْتُوبَةِ شَيْئًا فَنَعَمْ وَذَهَبَ الْغَزَالِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ لَا تُدْرَكُ بِأَقَلَّ مِنْ رَكْعَةٍ { السَّابِعَةُ } اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا وَجَدَ الْإِمَامَ جَالِسًا فِي آخَرِ الصَّلَاةِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ وَجَبَ عَلَيْهِ أَنْ يَدْخُلَ مَعَهُ سَوَاءٌ طَمِعَ بِإِدْرَاكِ الصَّلَاةِ مِنْ أَوَّلِهَا فِي مَسْجِدٍ آخَرَ أَمْ لَا فَحَمَلَ الْأَمْرَ فِي قَوْلِهِ فَمَا { أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا } عَلَى الْوُجُوبِ عَلَى عَادَتِهِ ثُمَّ ذَكَرَ آثَارًا عَنْ السَّلَفِ بِالْأَمْرِ بِصَلَاةِ مَا أَدْرَكَهُ يُمْكِنُ حَمْلُهَا عَلَى الِاسْتِحْبَابِ كَمَا حَمَلَ الْجُمْهُورُ الْأَمْرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى ذَلِكَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ جَرِيرٍ عَنْ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ رُفَيْعٍ عَنْ رَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ سَمِعَ خَفْقَ نَعْلِي وَهُوَ سَاجِدٌ فَلَمَّا فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قَالَ مَنْ هَذَا الَّذِي سَمِعْت خَفْقَ نَعْلِهِ قَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ فَمَا صَنَعْت قَالَ وَجَدْتُك سَاجِدًا فَسَجَدْتُ فَقَالَ هَكَذَا فَاصْنَعُوا وَلَا تَعْتَدُّوا بِهَا مَنْ وَجَدَنِي رَاكِعًا أَوْ قَائِمًا أَوْ سَاجِدًا فَلْيَكُنْ مَعِي عَلَى حَالِي الَّتِي أَنَا عَلَيْهَا } . { الثَّامِنَةُ } وَقَعَ فِي مُسْنَدِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ مِنْ طَرِيق هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { فَاقْضُوا } وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِلَفْظِ { فَأَتِمُّوا } وَقَوْلُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ مُسْلِمًا لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ فِيهِ نَظَرٌ وَكَأَنَّهُ اشْتَبَهَ حَالَةَ الْكِتَابَةِ بِالرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَإِنَّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ لَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهَا وَذَكَرَهَا النَّسَائِيّ بِلَفْظِ { فَاقْضُوا } وَكَذَا هِيَ فِي الْمُسْنَدِ كَمَا سَاقَهَا الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ وَقَدْ وَهِمَ فِي ذَلِكَ وَقَدْ حَكَى الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ كَلَامَ الْأَئِمَّةِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ قَالَ مُسْلِمٌ فِي التَّمْيِيزِ لَا أَعْلَمُ رَوَى هَذِهِ اللَّفْظَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ غَيْرُ ابْنِ عُيَيْنَةَ { وَاقْضُوا مَا فَاتَكُمْ } قَالَ مُسْلِمٌ وَأَخْطَأَ ابْنُ عُيَيْنَةَ فِيهَا وَقَالَ أَبُو دَاوُد قَالَ يُونُسُ وَالزُّبَيْدِيُّ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدٍ وَمَعْمَرٌ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ عَنْ الزُّهْرِيِّ { فَأَتِمُّوا } وَقَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ وَحْدَهُ { فَاقْضُوا } وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَعْفَرِ بْنِ رَبِيعَةَ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { فَأَتِمُّوا } وَابْنُ مَسْعُودٍ وَأَبُو قَتَادَةَ وَأَنَسٌ كُلُّهُمْ { فَأَتِمُّوا } وَقَالَ أَبُو سَلَمَةَ وَابْنُ سِيرِينَ وَأَبُو رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { فَاقْضُوا } وَأَبُو ذَرٍّ رَوَى عَنْهُ { فَأَتِمُّوا وَاقْضُوا } قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَاَلَّذِينَ قَالُوا { فَأَتِمُّوا } أَكْثَرُ وَأَحْفَظُ وَأَلْزَمُ لِأَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ أَوْلَى وَحَدِيثُ أَبِي قَتَادَةَ { فَأَتِمُّوا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ انْتَهَى كَلَامُ الشَّيْخِ رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَمْ يَجْزِمْ أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بِأَنَّ لَفْظَهُ { فَاقْضُوا } وَإِنَّمَا رَوَى هَذِهِ اللَّفْظَةَ مِنْ رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْهُ وَرَوَاهُ أَوَّلًا مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ مُجْتَمَعِينَ بِلَفْظِ { فَأَتِمُّوا } وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَرِوَايَةُ ابْنِهِ عَنْهُ مَعَ مُتَابَعَةِ الزُّهْرِيِّ إيَّاهُ أَصَحُّ يَعْنِي فِي لَفْظِ { فَأَتِمُّوا } وَالرِّوَايَةُ الَّتِي عَزَاهَا الشَّيْخُ رَحِمَهُ اللَّهُ لِمُسْلِمٍ { صَلِّ مَا أَدْرَكْت وَاقْضِ مَا سَبَقَك } هِيَ عِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ شَيْءٌ آخَرُ وَهُوَ أَنَّهُ لَمَّا رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ لَمْ يَذْكُرْ مَعَهُ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَكَذَلِكَ قَالَ مَعْمَرٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَرَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ بِذِكْرِ أَبِي سَلَمَةَ وَحْدَهُ شُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ وَيُونُسُ وَمَعْمَرٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُمَا وَرَوَاهُ عَنْهُ بِذِكْرِهِمَا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَيُونُسُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَرَجَّحَ التِّرْمِذِيُّ كَوْنَهُ مِنْ رِوَايَتِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَلَا مَعْنَى لِهَذَا التَّرْجِيحِ بَلْ الْحَقُّ أَنَّ الزُّهْرِيَّ رَوَاهُ عَنْهُمَا وَيَدُلُّ لِذَلِكَ جَمْعُ مَنْ جَمَعَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ بَعْدَ أَنْ بَسَطَ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ أَنَّهُ مَحْفُوظٌ عَنْهُمَا وَكَانَ الزُّهْرِيُّ رُبَّمَا أَفْرَدَهُ عَنْ أَحَدِهِمَا وَرُبَّمَا جَمَعَهُ وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ دَلَّنَا جَمْعُ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعْدٍ وَيُونُسُ بْنُ يَزِيدَ عَنْ الزُّهْرِيِّ بَيْنَ أَبِي سَلَمَةَ وَابْنِ الْمُسَيِّبِ عَلَى أَنَّ الزُّهْرِيَّ سَمِعَهُ مِنْهُمَا وَأَنَّهُ صَحَّ مِنْ حَدِيثِهِمَا مَعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { التَّاسِعَةُ } اُسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ { وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا } عَلَى أَنَّ مَا أَدْرَكَهُ الْمَسْبُوقُ مَعَ الْإِمَامِ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ وَمَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ هُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ هَؤُلَاءِ خَلَا سَعِيدَ بْنَ جُبَيْرٍ وَقَالَ إنَّهُ لَا يَثْبُتُ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَحَكَاهُ أَيْضًا عَنْ مَكْحُولٍ وَعَطَاءٍ وَالزُّهْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَسَعِيدُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَالْمُزَنِيِّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَبِهِ أَقُولُ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَأَبِي قِلَابَةَ وَهُوَ مَنْصُوصُ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا إنَّ مَا أَدْرَكَ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ إلَّا أَنَّهُ يَقْضِي مِثْلَ الَّذِي فَاتَهُ مِنْ الْقِرَاءَةِ بِأُمِّ الْقُرْآنِ وَسُورَةٍ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَرَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ هُوَ الَّذِي لَمْ نَعْرِفْ خِلَافَهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ أَخْبَرَنِي بِهِ غَيْرُ وَاحِدٍ وَحَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَالسَّلَفِ وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّ مَا أَدْرَكَهُ مَعَ الْإِمَامِ هُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ وَمَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ وَإِبْرَاهِيم النَّخَعِيّ وَمُجَاهِدٍ وَأَبِي قِلَابَةَ وَعَمْرِو بْنِ دِينَارٍ وَالشَّعْبِيِّ وَابْنُ سِيرِينَ وَعُبَيْدُ بْنُ عُمَيْرٍ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَالِكٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدُ . فَأَمَّا مَالِكٌ فَهُوَ الْمَشْهُورُ فِي مَذْهَبِهِ كَمَا قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَهُوَ قَوْلُ أَشْهَبَ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَاخْتَارَهُ ابْنُ حَبِيبٍ وَقَالَ الَّذِي يَقْضِي هُوَ أَوَّلُهَا لِأَنَّهُ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُخَالِفَ إمَامَهُ فَتَكُونُ لَهُ أُولَى وَلِلْإِمَامِ ثَانِيَةً أَوْ ثَالِثَةً انْتَهَى . وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَلَيْسَ هَذَا مَذْهَبُهُ وَمَا رَأَيْت أَحَدًا حَكَاهُ عَنْهُ إلَّا أَنَّ النَّوَوِيَّ حَكَاهُ فِي الرَّوْضَةِ قَالَ إنَّهُ حُكِيَ عَنْهُ قَوْلٌ غَرِيبٌ أَنَّهُ يَجْهَرُ وَأَحْمَدُ فَكَذَلِكَ حَكَاهُ عَنْهُ الْخَطَّابِيُّ أَيْضًا وَهُوَ خِلَافُ مَا حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ بَطَّالٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَاسْتَدَلَّ هَؤُلَاءِ بِقَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى { وَمَا فَاتَكُمْ فَاقْضُوا } . فَلَمَّا اسْتَعْمَلَ لَفْظَ الْقَضَاءِ فِي الْمَأْتِيِّ بِهِ بَعْدَ سَلَامِ الْأَمَامِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مُؤَخَّرٌ عَنْ مَحَلِّهِ وَأَنَّهُ أَوَّلُ الصَّلَاةِ لَكِنَّهُ يَقْضِيهِ وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْهُ بِجَوَابَيْنِ أَحَدُهُمَا تَضْعِيفُ هَذِهِ اللَّفْظَةِ كَمَا تَقَدَّمَ عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ الثَّانِي أَنَّ قَوْلَهُ { اقْضُوا } بِمَعْنَى أَتِمُّوا وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُ الْقَضَاءَ عَلَى غَيْرِ مَعْنَى إعَادَةِ مَا مَضَى قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ } وَقَالَ تَعَالَى { فَإِذَا قُضِيَتْ الصَّلَاةُ } وَقَالُوا قَضَى فُلَانٌ حَقَّ فُلَانٍ فَيُحْمَلُ الْقَضَاءُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ . وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَذْهَبٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ أَوَّلُ صَلَاتِهِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَفْعَالِ وَآخِرُهَا بِالنِّسْبَةِ إلَى الْأَقْوَالِ وَهِيَ رِوَايَةٌ عَنْ مَالِكٍ وَيُوَافِقُهُ مَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ مِنْ أَنَّهُ لَوْ أَدْرَكَ رَكْعَتَيْنِ مِنْ رُبَاعِيَّةٍ ثُمَّ قَامَ لِلتَّدَارُكِ يَقْرَأُ السُّورَةَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُهُ فِي هَذَا فَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ يُسْتَحَبُّ قِرَاءَةُ السُّورَةِ فِي جَمِيعِ الرَّكَعَاتِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ تَفْرِيعٌ عَلَى الْقَوْلَيْنِ مَعًا لِئَلَّا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ عَنْ السُّورَةِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَيُوَافِقُهُ مَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ قَالَ مَا أَدْرَكْت مَعَ الْإِمَامِ فَهُوَ أَوَّلُ صَلَاتِك وَاقْضِ مَا سَبَقَك بِهِ مِنْ الْقُرْآنِ وَأَخَذَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِنَا مِنْ التَّعْلِيلِ بِقَوْلِهِمْ لِئَلَّا تَخْلُوَ صَلَاتُهُ عَنْ سُورَةٍ أَنَّ اسْتِحْبَابَ ذَلِكَ إذَا لَمْ تُمْكِنْهُ قِرَاءَةُ السُّورَةِ مَعَ الْفَاتِحَةِ وَرَاءَ الْإِمَامِ فِيمَا أَدْرَكَهُ فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ لِكَوْنِ إمَامُهُ بَطِيءَ الْقِرَاءَةِ فَلَا يَحْتَاجُ حِينَئِذٍ إلَى قِرَاءَةِ السُّورَةِ فِي آخَرِ صَلَاتِهِ . وَهُوَ وَاضِحٌ وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ وَاخْتَلَفَ الْمُتَأَخِّرُونَ فِي مُقْتَضَى الْمَذْهَبِ فِي كَوْنِهِ قَاضِيًا أَوْ بَانِيًا عَلَى ثَلَاثِ طُرُقٍ : ( الْأُولَى ) طَرِيقَةُ الشَّيْخِ أَبِي مُحَمَّدٍ وَجُلُّ الْمُتَأَخِّرِينَ أَنَّ الْمَذْهَبَ كُلَّهُ عَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ وَهُوَ الْبِنَاءُ فِي الْأَفْعَالِ وَالْقَضَاءُ فِي الْأَقْوَالِ . ( الثَّانِيَةُ ) طَرِيقَةُ الْقَرَوِيِّينَ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَلَى قَوْلَيْنِ فِي الْقِرَاءَةِ خَاصَّةً وَعَلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ فِي الْجُلُوسِ . ( الثَّالِثَةُ ) طَرِيقَةُ الشَّيْخِ أَبِي الْحَسَنِ اللَّخْمِيِّ أَنَّ الْمَذْهَبَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَحَدِهَا أَنَّهُ بَانٍ فِي الْأَفْعَالِ وَالْأَقْوَالِ وَالثَّانِي أَنَّهُ قَاضٍ فِيهِمَا وَالثَّالِثِ أَنَّهُ قَاضٍ فِي الْقِرَاءَةِ بَانٍ فِي الْأَفْعَالِ وَأَقْرَبُ مَا فَرَّقَ بِهِ بَيْنَ الْأَقْوَالِ وَالْأَفْعَالِ فِي هَذِهِ الطَّرِيقَةِ أَنَّهُ رَأَى مَا أَدْرَكَ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ حَقِيقَةً فَلِذَلِكَ يَبْنِي عَلَى الْجُلُوسِ لَكِنَّهُ يَزِيدُ فِيمَا يَأْتِي بِهِ سُورَةً مَعَ أُمِّ الْقُرْآنِ إذْ لَا يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَلَا يَنْقُصُ كَمَالَهَا زِيَادَةُ السُّورَةِ وَيَنْقُصُ الْكَمَالَ نَقْصُهَا فَيَأْتِي بِالسُّورَةِ لِيَتَلَافَى مَا فَاتَهُ مِنْ الْكَمَالِ انْتَهَى . وَذَكَرَ ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّهُ لَا خِلَافَ عَنْ مَالِكٍ فِي قِرَاءَةِ الْمَسْبُوقِ لِلسُّورَةِ مَعَ الْفَاتِحَةِ فِي آخَرِ صَلَاتِهِ وَجَعَلَ الْقَوْلَ بِأَنَّ مَا أَدْرَكَهُ مَعَ الْإِمَامِ أَوَّلُ صَلَاتِهِ وَإِذَا أَتَى بِمَا فَاتَهُ لَا يَقْرَأُ فِيهِ السُّورَةَ قَوْلًا آخَرَ غَيْرَ الْقَوْلَيْنِ الْأَوَّلَيْنِ وَحَكَاهُ عَنْ الْمُزَنِيّ وَإِسْحَاقَ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ وَقَالَ فَهَؤُلَاءِ طَرَدُوا قَوْلَهُمْ عَلَى أُصُولِهِمْ إلَّا أَنَّهُ لَا سَلَفَ لَهُمْ فِيهِ فَلَا مَعْنَى لَهُ انْتَهَى . وَاقْتَضَى كَلَامُهُ أَنَّ جَمِيعَ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ مَا فَعَلَهُ مَعَ الْإِمَامِ أَوَّلُ صَلَاتِهِ يَقُولُونَ بِقِرَاءَةِ السُّورَةِ فِيمَا يَأْتِي بِهِ بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ سِوَى هَؤُلَاءِ الْمَذْكُورِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَاعْلَمْ أَنَّهُ يُسْتَثْنَى مِنْ هَذَا الْخِلَافِ التَّحَرُّمُ بِالصَّلَاةِ وَالتَّسْلِيمُ مِنْهَا فَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُؤَخِّرَ الْإِحْرَامَ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ مَا أَدْرَكَهُ مَعَ الْإِمَامِ آخِرُ صَلَاتِهِ وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يُسَلِّمَ قَبْلَ إتْمَامِ صَلَاتِهِ وَإِنْ قُلْنَا إنَّ مَا أَدْرَكَهُ مَعَ الْإِمَامِ هُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَسَبَقَهُ إلَى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ ابْنُ بَطَّالٍ وَاسْتَثْنَى مَعَ ذَلِكَ التَّشَهُّدَ أَيْضًا وَقَالَ فَإِنْ قِيلَ فَلَمْ يَأْمُرْهُ إذَا قَضَى الْغَائِبُ بِالتَّشَهُّدِ فَقَدْ فَعَلَهُ قَبْلَ ذَلِكَ عِنْدَك فِي مَوْضِعِهِ أَيْ مَعَ التَّفْرِيعِ عَلَى أَنَّ مَا يَأْتِي بِهِ أَوَّلًا آخِرُ صَلَاتِهِ إمَّا مُطْلَقًا أَوْ فِي الْأَقْوَالِ خَاصَّةً قِيلَ لِأَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ التَّسْلِيمَ وَمِنْ سُنَّةِ التَّسْلِيمِ أَنْ يَكُونَ عَقِبَ التَّشَهُّدِ انْتَهَى . { الْعَاشِرَةُ } إذَا قُلْنَا إنَّ مَا يُدْرِكُهُ الْمَسْبُوقُ مَعَ الْإِمَامِ هُوَ أَوَّلُ صَلَاتِهِ فَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يُتَابِعُهُ فِي الْأَقْوَالِ الَّتِي لَا يَقُومُ إتْيَانُ الْمَأْمُومِ بِهَا مَعَ الْإِمَامِ عَنْ الْإِتْيَانِ بِهَا فِي مَوَاضِعِهَا بَعْدَ مُفَارَقَةِ الْإِمَامِ كَالتَّشَهُّدِ وَالْقُنُوتِ فِي الصُّبْحِ إذَا أَدْرَكَ مَعَهُ الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَا مَعَ الْإِمَامِ لِلِاقْتِدَاءِ أَوْ يَأْتِي بِهَا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْوُجُوبِ كَالتَّشَهُّدِ عِنْدَ مَنْ يُوجِبُهُ أَوْ النَّدْبِ كَالْقُنُوتِ وَقِيلَ لَا يَقْنُتُ مَعَهُ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَقِيلَ إنَّ هَذِهِ فَائِدَةُ صَاحِبِ التَّنْبِيهِ وَمَا يَقْضِيهِ فَهُوَ آخِرُ صَلَاتِهِ يُعِيدُ فِيهِ الْقُنُوتَ فَأَفَادَ بِذِكْرِ إعَادَةِ الْقُنُوتِ أَنَّهُ يَقْنُتُ مَعَهُ ثُمَّ يُعِيدُهُ فِي الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ وَهَذَا الْمَنْقُولُ عَنْ السَّلَفِ . وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ السُّنَّةَ إذَا أَدْرَكَ الرَّجُلُ رَكْعَةً مِنْ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ مَعَ الْإِمَامِ أَنْ يَجْلِسَ مَعَ الْإِمَامِ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ قَامَ فَرَكَعَ الثَّانِيَةَ فَجَلَسَ فِيهَا وَتَشَهَّدَ ثُمَّ قَامَ فَرَكَعَ الثَّالِثَةَ فَتَشَهَّدَ فِيهَا ثُمَّ سَلَّمَ وَالصَّلَاةُ عَلَى هَذِهِ السُّنَّةِ فِيمَا يَجْلِسُ فِيهِ مِنْهُنَّ وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ حَدِّثُونِي بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ يُتَشَهَّدُ فِيهِنَّ بِثَلَاثِ مَرَّاتٍ فَإِذَا سُئِلَ عَنْهَا قَالَ تِلْكَ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ يُسْبَقُ الرَّجُلُ مِنْهَا بِرَكْعَةٍ ثُمَّ يُدْرِكُ الرَّكْعَتَيْنِ فَيَتَشَهَّدُ فِيهِمَا قُلْتُ بَلْ يُتَصَوَّرُ فِيهَا أَرْبَعُ تَشَهُّدَاتٍ بِأَنْ يَأْتِيَ الْمَسْبُوقُ وَالْإِمَامُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ فَيُتَابِعَهُ فِيهِ ثُمَّ يُتَابِعَهُ فِي التَّشَهُّدِ الثَّانِي ثُمَّ يَأْتِيَ بَعْدَ سَلَامِهِ بِالرَّكْعَتَيْنِ يَتَشَهَّدُ عَقِبَ الْأُولَى التَّشَهُّدَ الْأَوَّلَ وَعَقِبَ الثَّانِيَةِ التَّشَهُّدَ الْأَخِيرَ . وَهَذَا الْحَدِيثُ دَالٌ عَلَى ذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { فَمَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا } . وَهُوَ قَدْ أَدْرَكَ مَعَ الْإِمَامِ هَذِهِ الْأَفْعَالَ فَيَأْتِي بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى أَنَّ مَنْ أَدْرَكَ الْإِمَامَ رَاكِعًا تُحْسَبُ لَهُ تِلْكَ الرَّكْعَةُ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَمَرَهُ بِإِتْمَامِ مَا فَاتَهُ وَقَدْ فَاتَتْهُ الْوَقْفَةُ وَقِرَاءَةُ أُمِّ الْقُرْآنِ وَحَكَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَزَيْدِ بْنِ وَهْبٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ خُزَيْمَةَ وَأَبُو بَكْرٍ الضُّبَعِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا لَكِنَّهُ كَمَا قَالَ النَّوَوِيُّ شَاذٌّ مُنْكَرٌ وَالْمَعْرُوفُ مِنْ مَذَاهِبِ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ وَعَلَيْهِ النَّاسُ قَدِيمًا وَحَدِيثًا إدْرَاكُ الرَّكْعَةِ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ لَكِنْ اشْتَرَطَ أَصْحَابُنَا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ الرُّكُوعُ مَحْسُوبًا لِلْإِمَامِ لَا كَرُكُوعِ خَامِسَةٍ قَامَ إلَيْهَا الْإِمَامُ سَاهِيًا قَالُوا وَالْمُرَادُ بِإِدْرَاكِ الرُّكُوعِ أَنْ يَلْتَقِيَ هُوَ وَإِمَامُهُ فِي حَدِّ أَقَلِّ الرُّكُوعِ حَتَّى لَوْ كَانَ فِي الْهَوِيِّ وَالْإِمَامُ فِي الِارْتِفَاعِ وَقَدْ بَلَغَ هَوِيُّهُ حَدَّ أَقَلِّ الرُّكُوعِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَفِعَ الْإِمَامُ عَنْهُ كَانَ مُدْرِكًا ، وَإِنْ لَمْ يَلْتَقِيَا فِيهِ فَلَا هَكَذَا قَالَهُ جَمِيعُ أَصْحَابِنَا وَيُشْتَرَطُ أَيْضًا أَنْ يَطْمَئِنَّ قَبْلَ ارْتِفَاعِ الْإِمَامِ عَنْ الْحَدِّ الْمُعْتَبَرِ كَذَا صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْبَيَانِ وَبِهِ أَشْعَرَ كَلَامُ كَثِيرٍ مِنْ النَّقْلَةِ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَهُوَ الْوَجْهُ وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُونَ لَمْ يَتَعَرَّضُوا لَهُ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ قَتَادَةُ وَحُمَيْدَ وَأَصْحَابُ الْحَسَنِ إذَا وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْهِ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ فَقَدْ أَدْرَكَ الرَّكْعَةَ وَقَالَ الشَّعْبِيُّ إذَا انْتَهَيْت إلَى الصَّفِّ الْأَخِيرِ وَلَمْ يَرْفَعُوا رُءُوسَهُمْ وَقَدْ رَفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ فَارْكَعْ فَإِنَّ بَعْضَهُمْ أَئِمَّةٌ لِبَعْضٍ وَقَالَ ابْنُ أَبِي لَيْلَى إذَا كَبَّرَ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ الْإِمَامُ رَأْسَهُ تَبِعَ الْإِمَامَ وَكَانَ بِمَنْزِلَةِ الْقَائِمِ انْتَهَى . وَهَذَا الْمَذْهَبُ الْأَخِيرُ حَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَزُفَرَ . { الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ } اُسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ { وَمَا فَاتَكُمْ } عَلَى جَوَازِ قَوْلِ الرَّجُلِ فَاتَتْنِي الصَّلَاةُ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ وَقَدْ كَرِهَهُ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ وَقَالَ إنَّمَا يَقُولُ لَمْ أُدْرِكْهَا قَالَ الْبُخَارِيُّ وَقَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَحُّ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ لَا وَجْهَ لِقَوْلِ ابْنِ سِيرِينَ . بَابُ الْجُلُوسِ فِي الْمُصَلَّى وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ وَزَادَ مُسْلِمٌ { اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ } ؟ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { حَتَّى يَنْصَرِفَ أَوْ يُحْدِثَ } قَالَ أَبُو رَافِعٍ لِأَبِي هُرَيْرَةَ مَا يُحْدِثُ ؟ { قَالَ يَفْسُو أَوْ يَضْرِطُ } وَقَالَ الْبُخَارِيُّ مَا لَمْ يُؤْذِ يُحْدِثُ فِيهِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { مَا لَمْ يَقُمْ مِنْ صَلَاتِهِ أَوْ يُحْدِثْ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ } { بَابُ الْجُلُوسِ فِي الْمُصَلَّى وَانْتِظَارِ الصَّلَاةِ } { الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي } عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { الْمَلَائِكَةُ تُصَلِّي عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ } . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ { الْأُولَى } فِيهِ اسْتِحْبَابُ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ مَا دَامَ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْحَدِيثِ الثَّالِثِ الَّذِي يَلِيهِ إلَّا أَنَّ مَالِكًا رَحِمَهُ اللَّهُ كَرِهَ مُكْثَ الْإِمَامِ فِي مُصَلَّاهُ بَعْدَ السَّلَامِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَائِدَةِ الثَّامِنَةِ بَعْدَ هَذَا . { الثَّانِيَةُ } مَا الْمُرَادُ بِكَوْنِهِ فِي مُصَلَّاهُ هَلْ هُوَ قَبْلَ صَلَاةِ الْفَرْضِ أَوْ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْفَرْضِ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَقَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ التَّرْغِيبُ فِي مُكْثِ الْمُصَلِّي فِي مُصَلَّاهُ لِإِطَالَةِ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَهَذَا يَدُلُّ أَنَّ الْمُرَادَ الْجُلُوسُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ صَلَاةِ الْفَرْضِ وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ أَيْضًا فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ . وَيَكُونُ الْمُرَادُ بِجُلُوسِهِ انْتِظَارَ صَلَاةٍ أُخْرَى لَمْ تَأْتِ وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ أَحْمَدَ وَلَفْظُهُ { مُنْتَظِرُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ كَفَارِسٍ اشْتَدَّ بِهِ فَرَسُهُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَلَى كَشْحِهِ تُصَلِّي عَلَيْهِ مَلَائِكَةُ اللَّهِ مَا لَمْ يُحْدِثْ أَوْ يَقُومُ وَهُوَ فِي الرِّبَاطِ الْأَكْبَرِ } وَفِي الصَّحِيحِ أَيْضًا { وَانْتِظَارُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَذَلِكُمْ الرِّبَاطُ } . وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ { صَلَّيْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَغْرِبَ فَرَجَعَ مَنْ رَجَعَ وَعَقَّبَ مَنْ عَقَّبَ فَجَاءَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُسْرِعًا قَدْ حَفَزَهُ النَّفَسُ قَدْ حَسَرَ عَنْ رُكْبَتَيْهِ قَالَ أَبْشِرُوا هَذَا رَبُّكُمْ قَدْ فَتَحَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ السَّمَاءِ يُبَاهِي بِكُمْ الْمَلَائِكَةَ يَقُولُ اُنْظُرُوا إلَى عِبَادِي قَدْ قَضَوْا فَرِيضَةً وَهُمْ يَنْتَظِرُونَ أُخْرَى } . وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ انْتِظَارُ الصَّلَاةِ قَبْلَهَا وَيَكُونُ قَوْلُهُ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ أَيْ الَّذِي صَلَّى فِيهِ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ أَوْ سُنَّةَ الصَّلَاةِ مَثَلًا وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْمُرَادُ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ عِنْدَ مُسْلِمٍ { فَإِذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ كَانَ فِي الصَّلَاةِ مَا كَانَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ وَالْمَلَائِكَةُ يُصَلُّونَ عَلَى أَحَدِكُمْ مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ } . الْحَدِيثَ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا حَدِيثُ أَنَسٍ فِي الصَّحِيحِ فِي { تَأْخِيرِهِ الْعِشَاءَ إلَى شَطْرِ اللَّيْلِ وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى النَّاسُ وَرَقَدُوا وَلَمْ تَزَالُوا فِي صَلَاةٍ مُنْذُ انْتَظَرْتُمُوهَا } . { الثَّالِثَةُ } مَا الْمُرَادُ بِمُصَلَّاهُ ؟ هَلْ الْمُرَادُ الْبُقْعَةُ الَّتِي صَلَّى فِيهَا مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى لَوْ انْتَقَلَ إلَى بُقْعَةٍ أُخْرَى فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يَكُنْ لَهُ هَذَا الثَّوَابُ الْمُتَرَتِّبُ عَلَيْهِ أَوْ الْمُرَادُ بِمُصَلَّاهُ جَمِيعُ الْمَسْجِدِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ ؟ يَحْتَمِلُ كُلًّا مِنْ الْأَمْرَيْنِ وَالِاحْتِمَالُ الثَّانِي أَظْهَرُ وَأَرْجَحُ بِدَلِيلِ رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَصْلِ مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ وَكَذَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِمُصَلَّاهُ جَمِيعُ الْمَسْجِدِ وَهُوَ وَاضِحٌ وَيُؤَيِّدُ الِاحْتِمَالَ الْأَوَّلَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَأَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ { مَا دَامَ فِي مَجْلِسِهِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ } . { الرَّابِعَةُ } قَوْلُهُ { مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ الَّذِي صَلَّى فِيهِ } يَقْتَضِي حُصُولَ الثَّوَابِ الْمَذْكُورِ بِمُجَرَّدِ جُلُوسِهِ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى يَخْرُجَ لَكِنَّ رِوَايَةَ الْبُخَارِيِّ تَقْتَضِي تَقْيِيدَ حُصُولِ الثَّوَابِ بِكَوْنِ جُلُوسُهُ ذَلِكَ لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهَا مَا دَامَ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ وَهُوَ وَاضِحٌ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَنْ أَشْبَهَهُمْ فِي الْمَعْنَى مِمَّنْ حَبَسَ نَفْسَهُ عَلَى أَفْعَالِ الْبِرِّ كُلِّهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةُ } الْمُرَادُ بِصَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ عَلَيْهِ مَا فَسَّرَهُ بِهِ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ مِنْ قَوْلِهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ { وَصَلَاتُهُمْ عَلَيْهِ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لَهُ اللَّهُمَّ ارْحَمْهُ } وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ عِنْدَ مُسْلِمٍ { اللَّهُمَّ تُبْ عَلَيْهِ } وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ التَّصْرِيحُ بِلَفْظِ الصَّلَاةِ { اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ } قَالَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ وَغَيْرُهُ وَالصَّلَاةُ مِنْ الْمَلَائِكَةِ اسْتِغْفَارٌ وَدُعَاءٌ . { السَّادِسَةُ } قَدْ يُسْتَدَلُّ بِصَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ بِلَفْظِ { اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَيْهِ } عَلَى جَوَازِ إفْرَادِ آحَادِ النَّاسِ مِنْ غَيْرِ الْأَنْبِيَاءِ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ أَصْحَابُنَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ خِلَافُ الْأَوْلَى وَ ( الثَّانِي ) مَكْرُوهٌ وَ ( الثَّالِثُ ) حَرَامٌ وَقَدْ حُكِيَ عَنْ نَصِّ الشَّافِعِيِّ الْجَوَازُ وَمِمَّا رَوَيْنَا عَنْهُ مِنْ شِعْرِهِ قَوْلُهُ " عَلَى آلِ الرَّسُولِ صَلَاةُ رَبِّي " وَقَدْ يُجِيبُ مَنْ ذَهَبَ إلَى الْمَنْعِ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ دُعَاءِ الْمَلَائِكَةِ بِذَلِكَ جَوَازُهُ لَنَا لِأَنَّهُمْ لَيْسُوا فِي مَحَلِّ التَّكْلِيفِ بِمَا أُلْزِمَ بِهِ بَنُو آدَمَ . { السَّابِعَةُ } قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ تَفْسِيرُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَيَسْتَغْفِرُونَ لِلَّذِينَ آمَنُوا } يُرِيدُ الْمُصَلِّينَ وَالْمُنْتَظِرِينَ لِلصَّلَاةِ انْتَهَى . وَقَدْ سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى الصَّلَاةَ إيمَانًا فِي قَوْله تَعَالَى { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إيمَانَكُمْ } أَيْ صَلَاتَكُمْ نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ مَاتُوا قَبْلَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ . { الثَّامِنَةُ } إذَا كَانَ الْمُرَادُ مِنْ الْحَدِيثِ الْجُلُوسَ فِي الْمُصَلَّى بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ فَمَا الْجَمْعُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا سَلَّمَ لَمْ يَقْعُدْ إلَّا مِقْدَارَ مَا يَقُولُ اللَّهُمَّ أَنْتَ السَّلَامُ وَمِنْك السَّلَامُ تَبَارَكَتْ يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } . وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ { أَنَّهُ كَانَ يَمْكُثُ يَسِيرًا كَيْ يَنْصَرِفَ النِّسَاءُ } . فَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ دَالَّانِ عَلَى أَنَّ الْأَوْلَى أَنْ لَا يَمْكُثَ فِي مُصَلَّاهُ إلَّا بِقَدْرِ ذَلِكَ وَالْجَوَابُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتْرُكُ الشَّيْءَ وَهُوَ يُحِبُّ فِعْلَهُ خَشْيَةَ أَنْ يَشُقَّ عَلَى النَّاسِ أَوْ خَشْيَةَ أَنْ يُفْرَضَ عَلَيْهِمْ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ وَكَانَ يَنْدُبُ إلَى ذَلِكَ بِالْقَوْلِ وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَمْكُثُ كَثِيرًا فِي مُصَلَّاهُ عِنْدَ عَدَمِ الشُّغْلِ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا صَلَّى الْفَجْرَ جَلَسَ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ } وَفِي لَفْظٍ لَهُ { كَانَ لَا يَقُومُ مِنْ مُصَلَّاهُ الَّذِي يُصَلِّي فِيهِ الصُّبْحَ أَوْ الْغَدَاةَ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ } وَثَبَتَ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو فِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ حَدَّثَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الَّذِينَ جَلَسُوا بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُونَ الصَّلَاةَ كَمَا تَقَدَّمَ فَهَذَانِ الْوَقْتَانِ يَكُونُ الشَّخْصُ غَالِبًا فَارِغًا فِيهِمَا بَعْدَ الصُّبْحِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ وَبَقِيَّةُ صَلَوَاتِ النَّهَارِ رُبَّمَا يَكُونُ لِلرَّجُلِ مَعَاشٌ وَأَشْغَالٌ بَعْدَهَا وَكَذَلِكَ الْعِشَاءُ لِلِاشْتِغَالِ بِأَسْبَابِ النَّوْمِ وَقَدْ ذَهَبَ مَالِكٌ إلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ فِي انْصِرَافِ الْإِمَامِ بَعْدَ السَّلَامِ فَكَرِهَ لِلْإِمَامِ الْمُقَامَ فِي مَوْضِعِ مُصَلَّاهُ بَعْدَ سَلَامِهِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ فَقَدْ ثَبَتَتْ إقَامَتُهُ فِي مُصَلَّاهُ حَتَّى تَطْلُعَ الشَّمْسُ فَمَا وَجْهُ الْكَرَاهَةِ حِينَئِذٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { التَّاسِعَةُ } اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْحَدَثِ فِي قَوْلِهِ { مَا لَمْ يُحْدِثْ } وَقَدْ فَسَّرَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ بِقَوْلِهِ يَفْسُو وَيَضْرِطُ كَمَا هُوَ عِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي رَافِعٍ كَمَا ذُكِرَ فِي الْأَصْلِ وَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ فَقَالَ رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ مَا الْحَدَثُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ الصَّوْتُ يَعْنِي الضَّرْطَةَ وَكَذَا فَسَّرَهُ أَيْضًا أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ فِي رِوَايَتِهِ لِلْحَدِيثِ وَهُوَ عِنْدَ أَحْمَدَ قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ وَهُوَ مِنْهُ أَيْ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ تَمَسُّكٌ بِالْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ قَالَ وَقَدْ فَسَّرَهُ غَيْرُهُ بِأَنَّهُ الْحَدَثُ الَّذِي يَصْرِفُهُ عَنْ إحْضَارِ قَصْدِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَحَمَلَهُ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْ ذَلِكَ سَوَاءٌ كَانَ مُسَوَّغًا أَوْ غَيْرَ مُسَوَّغٍ وَهُوَ تَمَسُّكٌ بِأَصْلِ اللُّغَةِ قَالَ وَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى إحْدَاثِ مَأْثَمٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْعَاشِرَةُ } إذَا فَسَّرْنَا الْحَدَثَ بِالْعُرْفِ الشَّرْعِيِّ كَمَا فَسَّرَهُ أَبُو هُرَيْرَةَ فَمَا وَجْهُ اقْتِصَارِهِ عَلَى ذِكْرِ الضُّرَاطِ وَالْفُسَاءِ وَلَيْسَ الْحَدَثُ مُنْحَصِرًا فِيهِمَا وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمَّا ذُكِرَ الْحَدَثُ فِي الْمَسْجِدِ تَرَكَ أَبُو هُرَيْرَةَ مِنْهُ مَا لَا يُشْكِلُ أَمْرُهُ مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ فِي الْمَسْجِدِ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَاطَاهُ فِي الْمَسْجِدِ ذُو عَقْلٍ وَنَبَّهَ أَبُو هُرَيْرَةَ بِالْأَدْنَى عَلَى الْأَعْلَى كَمَا ثَبَتَ فِي جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا وُضُوءَ إلَّا مِنْ صَوْتٍ أَوْ رِيحٍ } فَإِنَّهُ لَمْ يُرِدْ بِهِ أَنَّهُ لَا يَجِبُ الْوُضُوءُ مِنْ الْبَوْلِ وَالْغَائِطِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ بِهِ تَفْسِيرُ مَا عَدَا الْعَيْنَ الْخَارِجَةَ مِنْ أَحَدِ السَّبِيلَيْنِ وَأَنَّهُ لَا يَجِبُ إلَّا مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ قَرْقَرَةِ الْبَطْنِ وَنَحْوِهَا وَأَمَّا بَقِيَّةُ الْأَحْدَاثِ كَلَمْسِ النِّسَاءِ وَمَسِّ الْفَرْجِ فَمَنْ لَمْ يَرَ النَّقْضَ بِهَا لَا يَجْعَلُ ذَلِكَ قَاطِعًا لِصَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُ بَاقٍ عَلَى طَهَارَتِهِ وَلَمْ يُؤْذِ وَلَمْ يُحْدِثْ وَأَمَّا الَّذِينَ رَأَوْا ذَلِكَ نَاقِضًا فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَقُولُوا لَيْسَ ذَلِكَ قَاطِعًا لِصَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ أَيْضًا لِأَنَّ رَاوِيَ الْحَدِيثِ فَسَّرَهُ بِمَا فَسَّرَهُ بِهِ وَهُوَ أَعْرَفُ بِمَقْصُودِ الْحَدِيثِ وَهُوَ وَاضِحٌ مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى إذَا لَيْسَ فِي الْحَدَثِ بِذَلِكَ نِدَاءٌ لِبَنِي آدَمَ وَلَا لِلْمَلَائِكَةِ لِعَدَمِ الرَّائِحَةِ الْكَرِيهَةِ وَكَوْنُهُ انْتَقَضَ وُضُوءُهُ لَا يَمْنَعُهُ ذَلِكَ مِنْ كَوْنِهِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ إذْ هُوَ مُنْتَظِرُ يُمْكِنُهُ الْوُضُوءُ عِنْدَ الْأَذَانِ أَوْ عِنْدَ حُضُورِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ غَيْرِهِ فَلَا يُخْرِجُهُ ذَلِكَ عَنْ كَوْنِهِ مُنْتَظِرًا لِلصَّلَاةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنَّ الْحَدَثَ كُلَّهُ قَاطِعٌ لِصَلَاةِ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّهُ لَيْسَ مُتَهَيِّئًا لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ وَقَدْ شُرِطَ فِي حُصُولِ ذَلِكَ كَوْنُهُ فِي الْمَسْجِدِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ كَمَا هُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ . { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ } إلَى آخِرِهِ قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ أَيْ مَا لَمْ يَصْدُرْ عَنْهُ مَا يَتَأَذَّى بِهِ بَنُو آدَمَ أَوْ الْمَلَائِكَةُ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ تَأَوَّلَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ الْأَذَى أَنَّهُ الْغِيبَةُ وَشِبْهُهَا قَالَ وَإِنَّمَا هُوَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَذَى الْحَدَثِ يُفَسِّرُ ذَلِكَ حَدِيثُ الثُّومِ لَكِنَّ النَّظَرَ يَدُلُّ أَنَّهُ إذَا آذَى أَحَدًا بِلِسَانِهِ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ عَنْهُ اسْتِغْفَارُ الْمَلَائِكَةِ لِأَنَّ أَذَى السَّبِّ وَالْغِيبَةِ فَوْقَ رَائِحَةِ الْحَدَثِ فَأَوْلَى أَنْ يَنْقَطِعَ بِأَذَى السَّبِّ وَشِبْهِهِ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ مَا لَمْ يُحْدِثْ فِيهِ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ . ( قُلْتُ ) وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ الْمَذْكُورَةُ فِي الْأَصْلِ { مَا لَمْ يُؤْذِ بِحَدَثٍ فِيهِ } فَفَسَّرَ الْأَذَى بِأَنَّهُ الْحَدَثُ وَهُوَ صَرِيحٌ ذِكْرُهُ لَكِنْ فِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد { مَا لَمْ يُؤْذِ فِيهِ أَوْ يُحْدِثْ فِيهِ } وَهَذَا يَقْتَضِي الْمُغَايَرَةَ . { الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ } قَوْلُهُ يَضْرِطُ هُوَ بِكَسْرِ الرَّاءِ يُقَالُ ضَرَطَ يَضْرِطُ ضَرِطًا بِكَسْرِ الرَّاءِ فِي الْمَصْدَرِ أَيْضًا كَقَوْلِهِ خَنَقَ يَخْنِقُ خَنِقًا . وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إلَى أَهْلِهِ إلَّا الصَّلَاةُ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلَهُ وَقَالَ { لَا يَمْنَعُهُ إلَّا انْتِظَارُهَا } . { الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَالرَّابِعُ } عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يَزَالُ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاةٍ مَا كَانَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ لَا يَمْنَعُهُ أَنْ يَنْقَلِبَ إلَى أَهْلِهِ إلَّا الصَّلَاةُ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ وَقَالَ { لَا يَمْنَعُهُ إلَّا انْتِظَارُهَا } فِيهِ فَوَائِدُ : { الْأُولَى } إنَّ أَكْثَرَ الرُّوَاةِ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ جَعَلُوا هَذَا الْحَدِيثَ وَالْحَدِيثَ الَّذِي فِي أَوَّلِ الْبَابِ حَدِيثًا وَاحِدًا كَذَلِكَ رَوَاهُ يُونُسُ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحَمَّادِ بْنِ سَلَمَةَ عَنْ ثَابِتٍ عَنْ أَبِي رَافِعٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَجَعَلَهُ حَدِيثَيْنِ مَعْمَرٌ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ كَمَا ذَكَرْنَاهُ فِي الْمُسْنَدِ وَالْمُوَطَّإِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَتْ فِيهِ رِوَايَاتُ الْمُوَطَّإِ فَرِوَايَةُ الْبُخَارِيِّ عَنْ الْقَعْنَبِيِّ عَنْ مَالِكٍ مَجْمُوعَتَيْنِ فَجَعَلَهُمَا حَدِيثًا وَاحِدًا وَبِاَللَّهِ التَّوْفِيقُ { الثَّانِيَةُ } فِيهِ جَوَازُ تَفْرِيقِ الْحَدِيثِ وَتَقْطِيعِهِ وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْأُصُولِ وَالْأَصَحُّ جَوَازُهُ لِلْعَالِمِ بِشَرْطِ كَوْنِ مَا اقْتَصَرَ عَلَيْهِ مُنْفَصِلًا عَمَّا حُذِفَ مِنْهُ فَإِنْ كَانَ مُتَعَلِّقًا بِهِ كَالِاسْتِثْنَاءِ وَالشَّرْطِ وَالْحَالِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ وَفِيهِ أَقْوَالٌ أُخَرُ مَذْكُورَةٌ فِي عُلُومِ الْحَدِيثِ { الثَّالِثَةُ } فِيهِ اسْتِحْبَابُ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ { الرَّابِعَةُ } وَفِي قَوْلِهِ { مَا كَانَتْ الصَّلَاةُ تَحْبِسُهُ } بَيَانٌ لِأَنَّهُ إذَا صَرَفَ نِيَّتَهُ عَنْ ذَلِكَ صَارِفٌ آخَرُ مِنْ انْتِظَارِ أَحَدٍ أَوْ تَنَزُّهٍ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ أَنَّهُ يَنْقَطِعُ عَنْهُ أَجْرُ الصَّلَاةِ فَإِنْ تَجَدَّدَتْ نِيَّةٌ أُخْرَى مَعَ اسْتِحْضَارِ انْتِظَارِ الصَّلَاةِ فَهَلْ يَنْقَطِعُ الثَّوَابُ لِمَا وُجِدَ مِنْ التَّشْرِيكِ أَوْ لَا يَنْقَطِعُ لِوُجُودِ النِّيَّةِ فِي انْتِظَارِ الصَّلَاةِ ؟ مُحْتَمَلٌ لَكِنَّ الظَّاهِرَ انْقِطَاعُ الثَّوَابِ بِالتَّشْرِيكِ فِي النِّيَّةِ لِقَوْلِهِ { لَا يَمْنَعُهُ إلَّا انْتِظَارُهَا } فَهُوَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا مَنَعَهُ مَانِعٌ آخَرُ وَلَوْ مَعَ وُجُودِ قَصْدِ الِانْتِظَارِ لَهَا فَإِنَّهُ لَا يَكُونُ كَالْمُصَلِّي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةُ } الْمُرَادُ بِكَوْنِ الْجَالِسِ يَنْتَظِرُ الصَّلَاةِ فِي صَلَاةٍ أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ الْمُصَلِّي لَا أَنَّ عَلَيْهِ مَا عَلَى الْمُصَلِّي مِنْ اجْتِنَابِ مَا يَحْرُمُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ يُكْرَهُ فِيهَا إلَّا أَنَّهُ يَجْتَنِبُ الْعَبَثَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ فِي الصَّلَاةِ لِمَا رَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فِي بَيْتِهِ ثُمَّ أَتَى الْمَسْجِدَ كَانَ فِي صَلَاةٍ حَتَّى يَرْجِعَ فَلَا يَقُلْ هَكَذَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ } وَقَالَ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ . وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ كَعْبِ بْنِ عُجْرَةَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ خَرَجَ إلَى الصَّلَاةِ عَامِدًا فَلَا يُشَبِّكْ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِنَّهُ فِي صَلَاةٍ } بَابُ الْخُشُوعِ وَالْأَدَبِ وَتَرْكِ مَا يُلْهِي عَنْ الصَّلَاةِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَهُنَا وَاَللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ إنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي } لَمْ يَقُلْ مُسْلِمٌ { خُشُوعُكُمْ } وَقَالَ { وَلَا سُجُودُكُمْ . } بَابُ الْخُشُوعِ وَالْأَدَبِ وَتَرْكِ مَا يُلْهِي عَنْ الصَّلَاةِ ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { هَلْ تَرَوْنَ قِبْلَتِي هَاهُنَا ؟ وَاَللَّهِ مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ لِأَنِّي أَرَاكُمْ مِنْ وَرَاءِ ظَهْرِي } فِيهِ فَوَائِدُ : { الْأُولَى } فِيهِ الْحَضُّ عَلَى الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَقَدْ مَدَحَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ هَلْ هُوَ سُنَّةٌ أَوْ وَاجِبٌ فَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ الِاتِّفَاقَ عَلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ ، وَفِيهِ نَظَرٌ فَقَدْ رَوَيْنَا فِي كِتَابِ الزُّهْدِ لِابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ قَالَ { لَا يُكْتَبُ لِلرَّجُلِ مِنْ صَلَاتِهِ مَا سَهَا عَنْهُ } وَقَدْ رُوِيَ مَرْفُوعًا كَمَا سَيَأْتِي وَأَيْضًا فَفِي كَلَامِ غَيْرِ وَاحِدٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ مَا يَقْتَضِي وُجُوبَهُ فَقَدْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ إنَّ الْمَرِيضَ إذَا لَحِقَهُ بِالْقِيَامِ مَشَقَّةٌ تُذْهِبُ خُشُوعَهُ سَقَطَ عَنْهُ الْقِيَامُ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ لَوْلَا وُجُوبُ الْخُشُوعِ لَمَا جَازَ تَرْكُ الْقِيَامِ وَهُوَ وَاجِبٌ لِأَجَلِهِ . وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّمَا جَعَلَ الْإِمَامُ ذَلِكَ حَدًّا لِمَا يُسْقِطُ الْقِيَامَ مِنْ الْمَرَضِ وَلَا يَشْتَرِطُ فِي سُقُوطِ الْقِيَامِ عَنْ الْمَرِيضِ الْعَجْزُ عَنْهُ جُمْلَةً بَلْ وُجُودُ الْمَشَقَّةِ كَافِيَةٌ فِي سُقُوطِهِ فَحَدَّ الْإِمَامُ الْمَشَقَّةَ بِمَا يَذْهَبُ مَعَهُ الْخُشُوعُ وَذَهَبَ الْقَاضِي حُسَيْنٌ إلَى أَنَّهُ إذَا صَلَّى مَعَ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثَيْنِ بِحَيْثُ يَذْهَبُ خُشُوعُهُ أَنَّ صَلَاتَهُ لَا تَصِحُّ مَعَ اتِّفَاقِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ عَلَى أَنَّ مُدَافَعَةَ الْأَخْبَثَيْنِ لَيْسَتْ مُبْطِلَةً لِلصَّلَاةِ فَإِذَا وَصَلَ ذَلِكَ إلَى حَدٍّ يَذْهَبُ مَعَهُ الْخُشُوعُ بَطَلَتْ عَلَى مَا قَالَهُ الْقَاضِي حُسَيْنٌ فَيَقْتَضِي وُجُوبُ الْخُشُوعِ أَيْضًا وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِهِ مَا رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ عَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ أَنَّهُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَخَفَّفَهُمَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ الْحَارِثِ يَا أَبَا الْيَقْظَانِ أَرَاك خَفَّفْتَهُمَا فَقَالَ إنِّي بَادَرْتُ بِهِمَا الْوَسْوَاسَ وَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { إنَّ الرَّجُلَ لِيُصَلِّيَ الصَّلَاةَ وَلَعَلَّهُ لَا يَكُونُ لَهُ مِنْهَا إلَّا عُشْرُهَا أَوْ تُسْعُهَا أَوْ ثُمُنُهَا أَوْ سُبُعُهَا أَوْ سُدُسُهَا حَتَّى أَتَى عَلَى الْعَدَدِ } وَقَالَ أَحْمَدُ إنِّي بَادَرْتُ بِهَا السَّهْوَ . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ فِي كِتَابِ تَعْظِيمِ قَدْرِ الصَّلَاةِ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ { لَا يُقْبَلُ مِمَّنْ عَمِلَ عَمَلًا حَتَّى يَشْهَدَ قَلْبُهُ مَعَ بَدَنِهِ } وَرَوَاهُ أَبُو شُجَاعٍ الدَّيْلَمِيُّ فِي مُسْنَدِ الْفِرْدَوْسِ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَقَدْ وَرَدَ { أَنَّ الصَّلَاةَ الْخَالِيَةَ مِنْ الْخُشُوعِ وَالتَّمَامِ يُضْرَبُ بِهَا وَجْهُ الْمُصَلِّي } رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ وَاسْتَدَلَّ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ الْخُشُوعِ بِحَدِيثِ الْبَابِ إذْ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ كَمَا قَالَ الْمُهَلَّبُ . { الثَّانِيَةُ } فِي بَيَانِ الْخُشُوعِ فِي الصَّلَاةِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } يَعْنِيَ خَائِفِينَ لِلَّهِ سَاكِنِينَ وَرَوَيْنَا فِي السُّنَنِ لِلْبَيْهَقِيِّ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ : الْخُشُوعُ فِي الْقَلْبِ وَأَنْ تَلِينَ كَتِفَك وَأَنْ لَا تَلْتَفِتَ فِي صَلَاتِك فَجَعَلَ الِالْتِفَاتَ الظَّاهِرَ دَلِيلًا عَلَى عَدَمِ الْخُشُوعِ فِي الْبَاطِنِ كَمَا رَوَى عَبْدُ الرَّزَّاقِ فِي الْمُصَنَّفِ وَكَذَلِكَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ أَنَّهُ رَأَى رَجُلًا يَعْبَثُ بِلِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ لَوْ خَشَعَ قَلْبُ هَذَا لَخَشَعَتْ جَوَارِحُهُ ، هَذَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي هَذَا أَنَّهُ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَفِي إسْنَادِهِ مِنْ لَمْ يُسَمَّ وَقَدْ رَوَاهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ فِي نَوَادِرِ الْأُصُولِ مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ سُلَيْمَانُ بْنُ عَمْرٍو مَجْمَعٌ عَلَى ضَعْفِهِ وَقَدْ تَتَحَرَّكُ الْيَدُ مَعَ وُجُودِ الْخُشُوعِ كَمَا رَوَيْنَاهُ فِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ حُرَيْثٍ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رُبَّمَا مَسَّ لِحْيَتَهُ وَهُوَ يُصَلِّي } وَفِي الْكَامِلِ لِابْنِ عَدِيٍّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ رُبَّمَا يَضَعُ يَدَهُ عَلَى لِحْيَتِهِ فِي الصَّلَاةِ مِنْ غَيْرِ عَبَثٍ } وَقِيلَ الْخُشُوعُ فِي الصَّلَاةِ الْإِقْبَالُ عَلَيْهَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي الْعُتْبِيَّةِ فِيمَا حَكَاهُ الْبَاجِيَّ فِي الْمُنْتَقَى وَقِيلَ هُوَ السُّكُونُ فِيهَا رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ مُجَاهِدٍ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا { اُسْكُنُوا فِي الصَّلَاةِ } وَقِيلَ الْخُشُوعُ الْخَوْفُ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْ الْحَسَنِ وَرَوَى عَنْ قَتَادَةَ الْخُشُوعُ فِي الْقَلْبِ وَإِلْبَادُ الْبَصَرِ فِي الصَّلَاةِ وَقِيلَ الْخُشُوعُ إطْرَاقٌ مِنْ الرَّأْسِ إلَى الْأَرْضِ وَقَدْ رَوَى الْبَيْهَقِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا صَلَّى رَفَعَ بَصَرَهُ إلَى السَّمَاءِ فَنَزَلَتْ { الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } فَطَأْطَأَ رَأْسَهُ } قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَالصَّحِيحُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ مُرْسَلٌ وَقِيلَ الْخُشُوعُ أَنْ لَا يُحَدِّثَ نَفْسَهُ فِي الصَّلَاةِ كَمَا فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ { مَنْ تَوَضَّأَ نَحْوَ وُضُوئِي هَذَا ثُمَّ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ غُفِرَ لَهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِهِ } . { الثَّالِثَةُ } إنْ قِيلَ مَا وَجْهُ مَا رَوَاهُ أَبُو عُثْمَانَ النَّهْدِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ إنِّي لَأُجَهِّزُ جَيْشِي وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ وَرَوَى عُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ عُمَرَ قَالَ إنِّي لَأَحْسِبُ جِزْيَةَ الْبَحْرَيْنِ وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَكَيْفَ يَجْتَمِعُ الْخُشُوعُ مَعَ هَذَا ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُ الْخَوَاطِرِ الْعَارِضَةِ فِي الصَّلَاةِ وَلَمْ يَقُلْ فِي حَدِيثِ عُثْمَانَ لَا تُحَدِّثُهُ نَفْسُهُ فِيهِمَا وَإِنَّمَا قَالَ لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ وَالْغَالِبُ عَلَى الْإِنْسَانِ الْفِكْرَةُ فِيمَا يُهِمُّهُ وَكَانَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إذَا عَرَضَ لَهُ تَجْهِيزُ جَيْشٍ وَنَحْوُهُ مِنْ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ أَهَمَّهُ ذَلِكَ فَرُبَّمَا عَرَضَ لَهُ ذَلِكَ فِي الصَّلَاةِ وَاسْتَرْسَلَ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَقْصِدَ ذَلِكَ وَقَدْ وَرَدَ فِي كَوْنِهِ لَا يُحَدِّثُ نَفْسَهُ فِي الصَّلَاةِ تَقْيِيدُهُ بِأُمُورِ الدُّنْيَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي الْمُصَنَّفِ فِي حَدِيثٍ مُرْسَلٍ قَالَ فِيهِ { لَا يُحَدِّثُ فِيهِمَا نَفْسَهُ بِشَيْءٍ مِنْ الدُّنْيَا } وَلَيْسَ مَا كَانَ يَعْرِضُ لِعُمَرَ فِي الصَّلَاةِ مِنْ أُمُورِ الدُّنْيَا بَلْ مِنْ أُمُورِ الدِّينِ الَّذِي يُهِمُّهُ ذَلِكَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فَإِنْ قَالَ قَائِلٌ فَإِنَّ الْخُشُوعَ فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ قِيلَ لَهُ بِحَسْبِ الْإِنْسَانِ أَنْ يُقْبِلَ عَلَى صَلَاتِهِ بِقَلْبِهِ وَنِيَّتِهِ وَيُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا طَاقَةَ لَهُ بِمَا اعْتَرَضَهُ مِنْ الْخَوَاطِرِ . { الرَّابِعَةُ } لَمْ يُبَيِّنْ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَا أَنْكَرَهُ عَلَيْهِمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا ثُمَّ انْصَرَفَ فَقَالَ يَا فُلَانُ أَلَا تُحْسِنُ صَلَاتَك ؟ أَلَا يَنْظُرُ الْمُصَلِّي إذَا صَلَّى كَيْفَ يُصَلِّي فَإِنَّمَا يُصَلِّي لِنَفْسِهِ إنِّي وَاَللَّهِ لَأُبْصِرُ مِنْ وَرَائِي كَمَا أُبْصِرُ مِنْ بَيْنَ يَدَيَّ } وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مَا يَقْتَضِي أَنَّهُ عَدَمُ إتْمَامِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ مُبَادَرَتُهُ لِلْإِمَامِ بِذَلِكَ فَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { أَقِيمُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَوَاَللَّهِ إنِّي لَأَرَاكُمْ مِنْ بَعْدِي وَرُبَّمَا قَالَ مِنْ بَعْدِ ظَهْرِي إذَا رَكَعْتُمْ وَسَجَدْتُمْ } . وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { أَتِمُّوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { إنِّي إمَامُكُمْ فَلَا تَسْبِقُونِي بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ وَلَا بِالْقِيَامِ وَلَا بِالِانْصِرَافِ فَإِنِّي أَرَاكُمْ أَمَامِي وَمِنْ خَلْفِي } وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ ذَلِكَ الصَّحَابِيَّ فَعَلَ ذَلِكَ عَمْدًا لِيَعْلَمَ بِذَلِكَ هَلْ يَعْلَمُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْ لَا كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ : { صَلَّى رَجُلٌ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ يَرْكَعُ قَبْلَ أَنْ يَرْكَعَ وَيَرْفَعُ قَبْلَ أَنْ يَرْفَعَ فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصَّلَاةَ قَالَ مَنْ فَعَلَ هَذَا ؟ قَالَ أَنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَحْبَبْتُ أَنْ أَعْلَمَ تَعْلَمُ ذَلِكَ أَمْ لَا ؟ قَالَ اتَّقُوا خِدَاجَ الصَّلَاةِ فَإِذَا رَكَعَ الْإِمَامُ فَارْكَعُوا وَإِذَا رَفَعَ فَارْفَعُوا } وَقِيلَ إنَّمَا أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ عَدَمَ تَسْوِيَةِ الصُّفُوفِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَيْضًا { أَقِيمُوا الصُّفُوفَ فَإِنِّي أَرَاكُمْ خَلْفَ ظَهْرِي } قُلْتُ الظَّاهِرُ أَنَّ هَذِهِ وَاقِعَةٌ أُخْرَى إتْمَامُ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَقَدِّمِ . { الْخَامِسَةُ } قَالَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ النَّهْيُ عَنْ نُقْصَانِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لِتَوَعُّدِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَهُمْ عَلَى ذَلِكَ { السَّادِسَةُ } قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ نَقْلًا عَنْ الْمُهَلَّبِ أَيْضًا فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ وَالِاعْتِدَالَ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ وَلَيْسَتْ مِنْ فُرُوضُهُ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْمُرْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ قَالَ لَهُمْ { مَا يَخْفَى عَلَيَّ خُشُوعُكُمْ وَلَا رُكُوعُكُمْ } بِالْإِعَادَةِ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ فَرْضًا مَا سَكَتَ عَنْ إعْلَامِهِمْ بِذَلِكَ لِأَنَّ فَرْضًا عَلَيْهِ الْبَيَانُ لِأُمَّتِهِ وَإِلَى هَذَا ذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ . وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ إلَى وُجُوبِ الطُّمَأْنِينَةِ وَالِاعْتِدَالِ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَابْنُ وَهْبٍ وَغَيْرُهُمْ وَلَيْسَ لِمَنْ اسْتَدَلَّ بِالْحَدِيثِ حُجَّةٌ عَلَى قَوْلِهِ لِأَنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ لَمْ يَطْمَئِنُّوا فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَاَلَّذِي وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِهِ إنَّمَا هُوَ مُسَابَقَتُهُ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ لَا تَرْكُ الطُّمَأْنِينَةِ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ عِنْدِ مُسْلِمٍ وَمُسْنَدِ أَحْمَدَ وَلَا يُتَصَوَّرُ مِنْهُمْ تَرْكُ الطُّمَأْنِينَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَأْمُومِينَ وَرَاءَهُ وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَطْمَئِنُّ فِي صَلَاتِهِ قَطْعًا فَلَوْ تَرَكُوا الطُّمَأْنِينَةَ وَرَاءَهُ لَلَزِمَ مِنْهُ مُفَارَقَتُهُمْ لَهُ وَإِنَّمَا كَانَ بَعْضُهُمْ يُسَاوِقُهُ أَوْ يُبَادِرُهُ فَنَهَاهُمْ عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُسِيءَ صَلَاتَهُ بِالْإِعَادَةِ بِقَوْلِهِ { صَلِّ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ } وَبَيَّنَ لَهُ فَرْضَ الطُّمَأْنِينَةِ بِقَوْلِهِ { ثُمَّ ارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَعْتَدِلَ قَائِمًا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا } وَهُوَ صَحِيحٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَبَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ بَابَ أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي لَمْ يُتِمَّ رُكُوعَهُ بِالْإِعَادَةِ وَقَوْلُ الْمُهَلَّبِ إنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُ أَنْ يُعِيدَ الصَّلَاةَ الَّتِي نَقَصَهَا إجْرَاءً عَلَى الصِّفَةِ الَّتِي عَلَيْهِ وَلَمْ يَقُلْ لَا يُجْزِيك حَتَّى تُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَاةَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ وَإِنَّمَا عَلَّمَهُ كَيْفَ يُصَلِّي فِيمَا يَسْتَقْبِلُ كَلَامٌ مَرْدُودٌ عَلَيْهِ فَقَدْ أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ فِي آخَرِ مَرَّةٍ بِقَوْلِهِ { صَلِّ وَنَفَى صَلَاتَهُ بِقَوْلِهِ فَإِنَّك لَمْ تُصَلِّ } ثُمَّ عَلَّمَهُ كَيْفَ يَفْعَلُ مَا أَمَرَهُ بِهِ فَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ لَهُ بَعْدَ التَّعْلِيمِ صَلِّ هَكَذَا فَإِنَّ أَمْرَهُ بِالصَّلَاةِ لَمْ يَخْرُجْ عَنْهُ إلَى الْآنَ وَلَا يَحْتَاجُ أَنْ يَقُولَ لَهُ لَا يُجْزِيك حَتَّى تُصَلِّيَ هَذِهِ الصَّلَاةَ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ عَلَى أَنَّهُ قَدْ جَاءَ فِي حَدِيثِ رِفَاعَةَ بْنِ رَافِعٍ فِي حَدِيثِ الْمُسِيءِ صَلَاتَهُ { لَا تَتِمُّ صَلَاةُ أَحَدِكُمْ حَتَّى يَفْعَلَ ذَلِكَ } وَرَوَى أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ مَرْفُوعًا { لَا يُجْزِي صَلَاةُ الرَّجُلِ حَتَّى يُقِيمَ ظَهْرَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ } وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ . السَّابِعَةُ } إذَا قُلْنَا إنَّ الْحَدِيثَ وَرَدَ فِي كَرَاهِيَةِ مُبَادَرَةِ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ فَفِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ مُسَاوَقَتَهُ وَمُسَابَقَتَهُ الْيَسِيرَةَ لَا تُبْطِلُ الصَّلَاةَ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالْإِعَادَةِ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ وَذَهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَأَهْلُ الظَّاهِرِ إلَى أَنَّ ذَلِكَ يُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَهُوَ كَانَ غَيْرَ مُفْسِدٍ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَلَكِنَّهُ لَيْسَ لَهُ ثَوَابُ الْجَمَاعَةِ فِي الْمُسَابِقَةِ وَالْمُسَاوَقَةِ حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُسَاوَقَةِ عَنْ بَعْضِهِمْ مُقْتَصَرًا عَلَيْهِ وَقَالَ الْإِمَامُ إنَّ الْمُسَاوَقَةَ خِلَافُ الْأَوْلَى وَلَا تُكْرَهُ وَأَمَّا الْمُسَابَقَةُ بِرُكْنٍ فَتُكْرَهُ وَقَالَ الْبَغَوِيّ وَالْمُتَوَلِّي كَرَاهَةَ تَحْرِيمٍ وَإِنْ سَبَقَهُ بِرُكْنَيْنِ عَمْدًا مَعَ الْعِلْمِ بِالتَّحْرِيمِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَإِنْ كَانَ جَاهِلًا لَمْ تَبْطُلْ وَلَكِنْ لَا يَعْتَدُّ بِتِلْكَ الرَّكْعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّامِنَةُ } فِيهِ مُعْجِزَةٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَنَّهُ كَانَ يَنْظُرُ مِنْ وَرَائِهِ كَمَا يَنْظُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْحَقِيقَةِ لَا أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْعِلْمُ دُونَ الرُّؤْيَةِ كَمَا حَمَلَ بَعْضُهُمْ الْحَدِيثَ عَلَيْهِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ يَحْتَمِلُ أَنْ يَرَاهُمْ بِمَا يُوحَى إلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِهِمْ وَهَيْئَاتِهِمْ لِأَنَّ الرُّؤْيَةَ قَدْ يُعَبَّرُ بِهَا عَنْ الْعِلْمِ وَالِاعْتِقَادِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ يَرَاهُمْ بِمَا خُصَّ بِهِ أَنْ زِيدَ فِي قُوَّةِ بَصَرِهِ حَتَّى يَرَى مَنْ وَرَاءَهُ وَقَدْ سَأَلَ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ فَحَمَلَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ قُلْتُ لَهُ إنَّ إنْسَانًا قَالَ لِي هُوَ فِي ذَلِكَ مِثْلُ غَيْرِهِ ، وَإِنَّمَا كَانَ يَرَاهُمْ كَمَا يَنْظُرُ الْإِمَامُ مِنْ يَمِينِهِ وَشِمَالِهِ فَأَنْكَرَ ذَلِكَ إنْكَارًا شَدِيدًا وَقَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ مَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ مِنْ الْأَشْعَرِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ أَنَّ هَذَا الْإِبْصَارَ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إدْرَاكًا خَاصًّا بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَقَّقًا انْخَرَقَتْ لَهُ فِيهِ الْعَادَةُ وَخُلِقَ لَهُ وَرَاءَهُ أَنْ يَكُونَ الْإِدْرَاكُ الْعَيْنِيُّ انْخَرَقَتْ لَهُ الْعَادَةُ فَكَانَ يَرَى بِهِ مِنْ غَيْرِ مُقَابَلَةٍ فَإِنَّ أَهْلَ السُّنَّةِ لَا يَشْتَرِطُونَ فِي الرُّؤْيَةِ عَقْلًا هَيْئَةً مَخْصُوصَةً وَلَا مُقَابَلَةً وَلَا قُرْبًا وَلَا شَيْئًا مِمَّا يَشْتَرِطُهُ الْمُعْتَزِلَةُ وَأَهْلُ الْبِدَعِ وَأَنَّ تِلْكَ الْأُمُورَ إنَّمَا هِيَ شُرُوطٌ عَادِيَّةٌ يَجُوزُ حُصُولُ الْإِدْرَاكِ مَعَ عَدَمِهَا وَلِذَلِكَ حَكَمُوا بِجَوَازِ رُؤْيَةِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدَّارِ الْآخِرَةِ مَعَ إحَالَةِ تِلْكَ الْأُمُورِ كُلِّهَا وَلَمَّا ذَهَبَ أَهْلُ الْبِدَعِ إلَى أَنَّ تِلْكَ الشُّرُوطَ عَقْلِيَّةٌ اسْتَحَالَ عِنْدَهُمْ رُؤْيَةُ اللَّهِ فَأَنْكَرُوهَا وَخَالَفُوا قَوَاطِعَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي وَرَدَتْ بِإِثْبَاتِ الرُّؤْيَةِ وَخَالَفُوا مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ وَالتَّابِعُونَ وَيُؤَيِّدُ هَذَا قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي هَذَا زِيَادَةٌ زَادَهُ اللَّهُ تَعَالَى إيَّاهَا فِي حُجَّتِهِ وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ مُجَاهِدٍ فِي تَفْسِيرِ قَوْله تَعَالَى { وَتَقَلُّبَك فِي السَّاجِدِينَ } قَالَ كَانَ يَرَى مِنْ خَلْفِهِ فِي الصَّلَاةِ كَمَا يَرَى مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَقَالَ بَقِيٍّ بْنُ مَخْلَدٍ { كَانَ عَلَيْهِ السَّلَامُ يَرَى فِي الظَّلَّامِ كَمَا يَرَى فِي الضَّوْءِ } . وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { صَلَّى رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَمِيصَةٍ ذَاتِ عَلَمٍ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ اذْهَبُوا بِهَذِهِ الْخَمِيصَةِ إلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةِ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي } وَقَالَ الْبُخَارِيُّ { فَنَظَرَ إلَى أَعْلَامِهَا نَظْرَةً } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ عَلَّقَهَا { كُنْت أَنْظُرُ إلَى عَلْمِهَا وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ فَأَخَافُ أَنْ يَفْتِننِي } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { شَغَلَتْنِي أَعْلَامُ هَذِهِ } الْحَدِيثُ الثَّانِي عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي خَمِيصَةٍ ذَاتِ عَلَمٍ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ اذْهَبُوا بِهَذِهِ الْخَمِيصَةِ إلَى أَبِي جَهْمٍ وَأْتُونِي بِأَنْبِجَانِيَّةٍ فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي آنِفًا عَنْ صَلَاتِي } . فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) الْخَمِيصَةُ بِفَتْحِ الْحَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَكَسْرِ الْمِيمِ بَعْدَهَا يَاءٌ سَاكِنَةٌ آخِرُ الْحُرُوفِ ثُمَّ صَادٌ مُهْمَلَةٌ وَهِيَ كِسَاءٌ مُرَبَّعٌ لَهُ أَعْلَامٌ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كِسَاءُ صُوفٍ رَقِيقٌ وَقَدْ يَكُونُ بِغَيْرِ عَلَمٍ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ أَسْوَدُ لَهُ عَلَمَانِ وَقَالَ الْمَازِرِيُّ مَصْبُوغٌ عَلَمُهُ حَرِيرٌ وَالْأَنْبِجَانِيَّة بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا أَيْضًا وَسُكُونِ النُّونِ وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَكَسْرِهَا أَيْضًا ثُمَّ جِيمٌ وَبَعْدَ الْأَلِفِ نُونٌ ثُمَّ يَاءٌ مُثَنَّاةٌ مِنْ تَحْتُ مُشَدَّدَةٌ وَفِيهَا التَّخْفِيفُ أَيْضًا وَوَقَعَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بِأَنْبِجَانِيِّ بِالتَّذْكِيرِ عَلَى إرَادَةِ الْكِسَاءِ وَهِيَ الْكِسَاءُ الْغَلِيظُ الَّذِي لَيْسَ لَهُ عَلَمٌ وَقَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ إنَّمَا هُوَ مَنْبَجَانِيٌّ وَلَا يُقَالُ أَنْبَجَانِيُّ مَنْسُوبٌ إلَى مَنْبِجٍ وَفُتِحَتْ الْبَاءُ فِي النَّسَبِ . { الثَّانِيَةُ } فِيهِ جَوَازُ لُبْسِ الثَّوْبِ الَّذِي لَهُ عَلَمٌ وَكَذَلِكَ الْكِسَاءُ وَنَحْوُهُ وَهُوَ كَذَلِكَ . { الثَّالِثَةُ } فِيهِ نَفْيُ مَا يَشْغَلُ عَنْ الصَّلَاةِ وَيُلْهِي عَنْهَا وَالْحَضُّ عَلَى الْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ وَالْخُشُوعِ فِيهَا . { الرَّابِعَةُ } فِيهِ أَنَّ اشْتِغَالَ الْفِكْرِ يَسِيرًا فِي الصَّلَاةِ غَيْرُ قَادِحٍ فِي صِحَّتِهَا وَهُوَ كَذَلِكَ . { الْخَامِسَةُ } قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ يُسْتَفَادُ مِنْهُ كَرَاهَةُ التَّزَاوِيقِ وَالنُّقُوشِ فِي الْمَسَاجِدِ وَرَوَيْنَا فِي الْمَصَاحِفِ لِابْنِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ إذَا زَخْرَفْتُمْ مَسَاجِدَكُمْ وَحَلَّيْتُمْ مُصْحَفَكُمْ فَعَلَيْكُمْ الدَّمَارُ وَلِابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مَرْفُوعًا { مَا سَاءَ عَمَلُ قَوْمٍ إلَّا زَخْرَفُوا مَسَاجِدَهُمْ } وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَاَللَّهِ لَتُزَخْرِفُنَّهَا كَمَا زَخْرَفَتْ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى . { السَّادِسَةُ } اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى كَرَاهَةِ غَرْسِ الْأَشْجَارِ فِي الْمَسَاجِدِ لِمَا فِيهِ مِنْ شُغْلِ الْمُصَلِّي بِذَلِكَ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ فَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ مِنْ زَوَائِدِهِ يُكْرَهُ غَرْسُ الشَّجَرِ فِيهِ فَإِنْ غَرَسَ قَطَعَهُ الْإِمَامُ وَجَزَمَ الْقَاضِي الْحُسَيْنُ فِي تَعْلِيقِهِ وَالْبَغَوِيُّ فِي الْفَتَاوَى بِالتَّحْرِيمِ وَحَكَى الْقَاضِي الْحُسَيْنُ عَنْ الْأَصْحَابِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ قَطْعُهَا بَعْدَ غَرْسِهَا لِأَنَّهَا صَارَتْ مِلْكًا لِلْمَسْجِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّابِعَةُ } فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ بَعَثَ بِهَا إلَى أَبِي جَهْمٍ وَإِذَا كَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخْبَرَ عَنْ نَفْسِهِ أَنَّهَا أَلْهَتْهُ عَنْ صَلَاتِهِ مَعَ قُوَّتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ لَا تَشْغَلُ أَبَا جَهْمٍ عَنْ صَلَاتِهِ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَمْ يَبْعَثْ بِهَا إلَيْهِ لِيَلْبَسَهَا فِي الصَّلَاةِ بَلْ لِيَنْتَفِعَ بِهَا فِي غَيْرِ الصَّلَاةِ كَمَا قَالَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدَ لِعُمَرَ { إنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إلَيْك لِتَلْبَسَهَا } وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّامِنَةُ } قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ فِيهِ سَدُّ الذَّرَائِعِ وَالِانْتِزَاعُ عَمَّا يَشْغَلُ الْإِنْسَانَ عَنْ أُمُورِ دِينِهِ . { التَّاسِعَةُ } قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آنَسَ أَبَا جَهْمٍ حِينَ رَدَّهَا إلَيْهِ بِأَنْ سَأَلَهُ ثَوْبًا مَكَانَهَا لِيُعْلِمَهُ أَنَّهُ لَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ هَدِيَّتَهُ اسْتِخْفَافًا بِهِ وَلَا كَرَاهِيَةً لِلُبْسِهِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي الِاسْتِذْكَارِ نَحْوَهُ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ وَفِيهِ قَبُولُ الْهَدَايَا مِنْ الْأَصْحَابِ وَاسْتِدْعَاؤُهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْبِجَانِيَّةَ أَبِي جَهْمٍ تَطْيِيبًا لِقَلْبِهِ وَمُبَاسَطَةً مَعَهُ وَهَذَا مَعَ مَنْ يُعْلَمُ طِيبُ نَفْسِهِ وَصَفَاءُ وُدِّهِ جَائِزٌ قُلْتُ قَدْ ذَكَرَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارَ أَنَّ الْخَمِيصَةَ وَالْأَنْبِجَانِيَّة كِلَاهُمَا كَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَوَى بِإِسْنَادٍ لَهُ مُرْسَلٌ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أُتِيَ بِخَمِيصَتَيْنِ سَوْدَاوَيْنِ فَلَبِسَ إحْدَاهُمَا وَبَعَثَ الْأُخْرَى إلَى أَبِي جَهْمٍ ثُمَّ أَنَّهُ أَرْسَلَ إلَى أَبِي جَهْمٍ فِي تِلْكَ الْخَمِيصَةِ وَبَعَثَ إلَيْهِ الَّتِي لَبِسَهَا وَلَبِسَ هُوَ الَّتِي كَانَتْ عِنْدَ أَبِي جَهْمٍ بَعْدَ أَنْ لَبِسَهَا أَبُو جَهْمٍ لِبْسَاتٍ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَمَعْنَى رِوَايَةِ الْحَدِيثِ أَيْ عِنْدَ مَالِكٍ { أَنَّ أَبَا جَهْمٍ أَهْدَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَمِيصَةً لَهَا عَلَمٌ فَشَغَلَتْهُ فِي الصَّلَاةِ فَرَدَّهَا عَلَيْهِ } فَاَللَّهُ أَعْلَمُ . الْعَاشِرَةُ } قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ فِيهِ أَنَّ الْوَاهِبَ وَالْمُهْدِيَ إذَا رُدَّتْ إلَيْهِ عَطِيَّتُهُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ هُوَ الرَّاجِعُ فِيهَا فَلَهُ أَنْ يَقْبَلَهَا إذْ لَا عَارَ عَلَيْهِ فِي قَبُولِهَا وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } جَرَتْ عَادَةُ الْأَنْبِيَاءٍ وَالصَّالِحِينَ بِإِخْرَاجِ مَا شَغَلَهُمْ عَنْ بَعْضِ الْعِبَادَاتِ عَنْ مِلْكِهِمْ رَأْسًا وَكَذَلِكَ مَا أَعْجَبَهُمْ مِنْ مِلْكِهِمْ كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي حَقِّ سُلَيْمَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَنْ ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ } وَأَخْرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخَمِيصَةَ عَنْ مِلْكِهِ وَرَمَى بِالْخَاتَمِ أَيْضًا لَمَّا شَغَلَهُ كَمَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتَّخَذَ خَاتَمًا وَلَبِسَهُ قَالَ شَغَلَنِي هَذَا عَنْكُمْ مُنْذُ الْيَوْمِ إلَيْهِ نَظْرَةٌ وَإِلَيْكُمْ نَظْرَةٌ ثُمَّ أَلْقَاهُ } . { وَأَمَّا نَزْعُهُ خَاتَمَ الذَّهَبِ عِنْدَ التَّحْرِيمِ } فَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ أَنَّهُ كَانَ مِنْ فِضَّةٍ وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ إنَّهُ وَهْمٌ قُلْتُ وَلَعَلَّهُ كَانَ لَمَّا شَغَلَهُ عَنْهُمْ وَإِنْ كَانَ فِضَّةً فَيَكُونُ لَا لِحُرْمَتِهِ وَلَكِنْ لِاشْتِغَالِهِ بِهِ عَنْهُمْ وَلَا حَاجَةَ حِينَئِذٍ إلَى الْحُكْمِ عَلَيْهِ بِالْوَهْمِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَرَوَيْنَا فِي الزُّهْدِ لِابْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ أَبِي النَّضْرِ قَالَ { انْقَطَعَ شِرَاكُ نَعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَوَصَلَهُ بِشَيْءٍ جَدِيدٍ فَجَعَلَ يَنْظُرُ إلَيْهِ وَهُوَ يُصَلِّي فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ انْزِعُوا هَذَا وَاجْعَلُوا الْأَوَّلَ مَكَانَهُ فَقِيلَ كَيْفَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ إنِّي كُنْت أَنْظُرُ إلَيْهِ وَأَنَا أُصَلِّي } . وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ حَفِيفٍ الشِّيرَازِيُّ بِإِسْنَادِهِ إلَى عَائِشَةَ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ احْتَذَى نَعْلًا فَأَعْجَبَهُ حُسْنُهَا ثُمَّ خَرَجَ بِهَا فَدَفَعَهَا إلَى أَوَّلِ مِسْكِينٍ لَقِيَهُ ثُمَّ قَالَ اشْتَرِ لِي نَعْلَيْنِ مَخْصُوفَتَيْنِ } وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي بَكْرٍ { أَنَّ أَبَا طَلْحَةَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ يُصَلِّي فِي حَائِطِهِ فَطَارَ دُبْسِيٌّ فَطَفِقَ يَتَرَدَّدُ يَلْتَمِسُ مَخْرَجًا فَأَعْجَبَهُ ذَلِكَ فَجَعَلَ يَتْبَعُهُ بِبَصَرِهِ سَاعَةً ثُمَّ رَجَعَ إلَى صَلَاتِهِ فَإِذَا هُوَ لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى فَقَالَ لَقَدْ أَصَابَتْنِي فِي مَالِي هَذَا فِتْنَةٌ فَجَاءَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ لَهُ الَّذِي أَصَابَهُ فِي حَائِطِهِ مِنْ الْفِتْنَةِ وَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هُوَ صَدَقَةٌ لَك فَضَعْهُ حَيْثُ شِئْت } . { الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ } قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيَّ إنَّ صَلَاتَهُ فِي الْخَمِيصَةِ لِمَعْنَيَيْنِ لِأَنَّ الصُّوفَ لَا يَنْجُسُ بِالْمَوْتِ أَوْ لِأَنَّ ذَبَائِحَ أَهْلِ الْكِتَابِ حَلَالٌ لَنَا قُلْتُ لَا يَلْزَمُ وَاحِدٌ مِنْ الْأَمْرَيْنِ لَا أَنَّ صُوفَ الْخَمِيصَةِ كَانَ مِنْ مَيِّتَةٍ وَلَا أَنَّهُ مِنْ ذَبَائِحِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَلَوْ شَكَّ فِي ذَلِكَ فَالْأَصْلُ الطَّهَارَةُ وَالْحِلُّ وَكَانَ الْبَاجِيَّ أَخَذَ ذَلِكَ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ { خَمِيصَةً شَامِيَّةً } . { الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ } قَالَ الْبَاجِيَّ أَيْضًا فِيهِ أَنَّ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَشْتَرِيَ مَا أَهْدَاهُ بِخِلَافِ الصَّدَقَةِ . { الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ } أَثْبَتَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ إلْهَاءَ ( الْخَمِيصَةِ ) لَهُ بِقَوْلِهِ { فَإِنَّهَا أَلْهَتْنِي } وَقَالَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ { نَظَرْتُ إلَى عَلَمِهَا فِي الصَّلَاةِ فَكَادَ يَفْتِنُنِي } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِتْنَةَ لَمْ تَقَعْ قَالَ وَالْفِتْنَةُ هُنَا الشُّغْلُ عَنْ خُشُوعِ الصَّلَاةِ انْتَهَى فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ الْفِتْنَةُ فَوْقَ الْإِلْهَاءِ فَلِهَذَا أَثْبَتَهُ وَلَمْ يُثْبِتْ الْفِتْنَةَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ هُمَا وَاحِدٌ وَيَكُونُ قَوْلُهُ { أَلْهَتْنِي } أَيْ كَادَتْ وَقَارَبَتْ كَمَا يَقُولُ الْمُؤَذِّنُ فِي الْإِقَامَةِ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ أَيْ قَرُبَتْ إقَامَتُهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ لِلصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ فَإِنَّهُ مُنَاجٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا وَلَكِنْ لِيَبْصُقْ عَنْ شِمَالِهِ أَوْ تَحْتَ رِجْلَيْهِ فَيَدْفِنُهُ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . . وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَحَكَّهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إذَا صَلَّى } وَفِي رِوَايَةِ لِلْبُخَارِيِّ { فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ } الْحَدِيثُ الثَّالِثُ وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ لِلصَّلَاةِ فَلَا يَبْصُقْ أَمَامَهُ فَإِنَّهُ مُنَاجٍ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا وَلَكِنْ لِيَبْصُقْ عَنْ شِمَالِهِ أَوْ تَحْتَ رِجْلَيْهِ فَيَدْفِنُهُ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِيهِ فَوَائِدُ : { الْأُولَى } هَذَا النَّهْيُ فِي الْبُصَاقِ أَمَامَهُ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ هَلْ هُوَ يُفِيدُ كَوْنَهُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ عَامٌّ فِي الْمُصَلِّينَ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ كَانُوا ؟ الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْعُمُومُ لِأَنَّ الْمُصَلِّيَ مُنَاجٍ لِلَّهِ فِي أَيِّ مَوْضِعٍ صَلَّى وَالْمَلَكُ الَّذِي عَنْ يَمِينِهِ مَعَهُ أَيَّ مَوْضِعٍ صَلَّى وَلَكِنَّ الْبُخَارِيَّ بَوَّبَ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ بَابَ دَفْنِ النُّخَامَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا قَيَّدَهُ الْبُخَارِيُّ بِالْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ بِدَفْنِ النُّخَامَةِ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نُخَامَةً فِي جِدَارِ الْمَسْجِدِ فَتَنَاوَلَ حَصَاةً فَحَكَّهَا فَقَالَ إذَا تَنَخَّمَ أَحَدُكُمْ فَلَا يَتَنَخَّمْ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلَا عَنْ يَمِينِهِ } الْحَدِيثَ { وَلِيَبْصُقْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ . { الثَّانِيَةُ } هَلْ الْمُرَادُ بِالْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ الدُّخُولُ فِيهَا أَوْ النُّهُوضُ وَالِانْتِصَابُ لَهَا وَلَوْ قَبْلَ الْإِحْرَامِ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْمُرَادُ أَعَمَّ مِنْ كَوْنِهِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي غَيْرِهِ فَلَا حَرَجَ فِي ذَلِكَ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ إذَا كَانَ فِي غَيْرِ الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ فَقَيَّدَ كَوْنَهُ فِي الْمَسْجِدِ فَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ بَعْدَ الْإِحْرَامِ أَوْ قَبْلَهُ بَلْ دُخُولُ الْمَسْجِدِ كَانَ فِي النَّهْيِ عَنْ الْبُزَاقِ فِيهِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَائِمًا إلَى الصَّلَاةِ كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ { الْبُزَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ } . { الثَّالِثَةُ } هَذَا النَّهْيُ عَنْ بُصَاقِ الْمُصَلِّي أَمَامَهُ أَوْ عَنْ يَمِينِهِ هَلْ هُوَ عَلَى التَّحْرِيمِ أَوْ التَّنْزِيهِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ إنَّ إقْبَالَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى النَّاسِ مُغْضَبًا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْبُصَاقِ فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ وَعَلَى أَنَّهُ لَا يُكَفَّرُ بِدَفْنِهِ وَلَا بِحَكِّهِ كَمَا قَالَ فِي جُمْلَةِ الْمَسْجِدِ { الْبُصَاقُ فِي الْمَسْجِدِ خَطِيئَةٌ وَكَفَّارَتُهَا دَفْنُهَا } قُلْت وَيَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الْبُصَاقِ فِي الْقِبْلَةِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ حَدِيثِ السَّائِبِ بْنِ خَلَّادٍ { أَنَّ رَجُلًا أَمَّ قَوْمًا فَبَصَقَ فِي الْقِبْلَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْظُرُ إلَيْهِ فَقَالَ حِينَ فَرَغَ لَا يُصَلِّي لَكُمْ } الْحَدِيثَ وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ لَهُ { إنَّك آذَيْت اللَّهَ وَرَسُولَهُ } . وَأَطْلَقَ جَمَاعَةٌ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ كَرَاهَةَ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْهُمْ الْمَحَامِلِيُّ وَسُلَيْمٌ الرَّازِيّ وَالرُّويَانِيُّ وَأَبُو الْعَبَّاسِ الْجُرْجَانِيُّ وَصَاحِبُ الْبَيَانِ وَجَزَمَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وَالتَّحْقِيقِ بِتَحْرِيمِهِ وَكَأَنَّهُ تَمَسَّكَ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّهُ خَطِيئَةٌ } قَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيَّ فَأَمَّا مَنْ بَصَقَ فِي الْمَسْجِدِ وَسَتَرَ بُصَاقَهُ فَلَا إثْمَ عَلَيْهِ وَحَكَى الْقُرْطُبِيُّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ مَكِّيٍّ أَنَّهُ يَكُونُ خَطِيئَةً لِمَنْ تَفَلَ فِيهِ وَلَمْ يَدْفِنْهُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ . وَقَدْ دَلَّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ أَيْ عِنْدَ مُسْلِمٍ { وَوَجَدْت فِي مُسَاوِي أَعْمَالِهَا النُّخَامَةَ تَكُونُ فِي الْمَسْجِدِ لَا تُدْفَنُ } فَلَمْ يُثْبِتْ لَهَا حُكْمَ السَّيِّئَةِ بِمُجَرَّدِ إيقَاعِهَا فِي الْمَسْجِدِ بَلْ بِذَلِكَ وَبِبَقَائِهَا غَيْرَ مَدْفُونَةٍ . ( قُلْت ) وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا إذْنُهُ ذَلِكَ فِي حَدِيثِ الْبَابِ بِقَوْلِهِ أَوْ تَحْتَ رِجْلَيْهِ فَيَدْفِنُهُ إنْ حَمَلْنَا الْحَدِيثَ عَلَى إرَادَةِ كَوْنِهِ فِي الْمَسْجِدِ كَمَا تَقَدَّمَ وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فِي أَوَّلِ هَذَا الْبَابِ . { الرَّابِعَةُ } عَلَّلَ النَّهْيَ عَنْ الْبُصَاقِ أَمَامَهُ بِكَوْنِهِ مُنَاجِيًا لِلَّهِ وَعَلَّلَهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بَعْدَهُ بِأَنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إذَا صَلَّى وَفِي حَدِيثِ لِأَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ { مَا بَال أَحَدُكُمْ يَقُومُ مُسْتَقْبِلًا رَبَّهُ فَيَتَنَخَّعُ أَمَامَهُ } وَلَا مُنَافَاةَ بَيْنَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْمُرَادَ إقْبَالُ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ كَمَا سَيَأْتِي وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهَذَا كَلَامٌ خَرَجَ عَلَى التَّعْظِيمِ لِشَأْنِ الْقِبْلَةِ وَإِكْرَامِهَا قَالَ وَقَدْ نَوَّعَ بِهَذَا الْحَدِيثِ بَعْضُ مَنْ ذَهَبَ مَذْهَبَ الْمُعْتَزِلَةِ إلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي كُلِّ مَكَان وَلَيْسَ عَلَى الْعَرْشِ قَالَ وَهَذَا جَهْلٌ مِنْ قَائِلِهِ لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي الْحَدِيثِ يَبْصُقُ تَحْتَ قَدَمِهِ وَعَنْ يَسَارِهِ يَنْقُضُ مَا أَصَّلُوهُ فِي أَنَّهُ فِي كُلِّ مَكَان . هَذَا كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَهُوَ أَحَدُ الْقَائِلِينَ بِالْجِهَةِ فَأَخَذُوهُ وَإِنَّمَا ذَكَرْته لِأُنَبِّهَ عَلَيْهِ لِئَلَّا يُغْتَرَّ بِهِ وَالصَّوَابُ مَا قَدَّمْنَاهُ بِدَلِيلِ مَا لِلْقَاضِي إسْمَاعِيل بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ حُذَيْفَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا قَامَ الرَّجُلُ فِي صَلَاتِهِ أَقْبَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِوَجْهِهِ فَلَا يَبْزُقَنَّ أَحَدُكُمْ فِي قِبْلَتِهِ } الْحَدِيثَ وَقَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ إنَّهُ لَمَّا كَانَ الْمُصَلِّي يَتَوَجَّهُ بِوَجْهِهِ وَقَصْدِهِ وَكُلِّيَّتِهِ إلَى هَذِهِ الْجِهَةِ نَزَّلَهَا فِي حَقِّهِ وُجُودَ مَنْزِلَةِ اللَّهِ تَعَالَى فَيَكُونُ هَذَا مِنْ بَابِ الِاسْتِعَارَةِ كَمَا قَالَ { الْحَجَرُ الْأَسْوَدُ يَمِينُ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ } أَيْ بِمَنْزِلَةِ يَمِينِ اللَّهِ قُلْت . وَقَدْ أَوَّلَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَابِ حَذْفِ الْمُضَافِ وَإِقَامَةِ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ فَكَأَنَّهُ قَالَ مُسْتَقْبِلَ قِبْلَةَ رَبِّهِ أَوْ رَحْمَةَ رَبِّهِ كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ { فَلَا تَبْصُقْ قِبَلَ الْقِبْلَةِ فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ } قُلْت وَلَا أَحْفَظُ هَذَا اللَّفْظَ فِي الْبُصَاقِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي مَسْحِ الْحَصَا كَمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَلَا يَمْسَحْ الْحَصَا فَإِنَّ الرَّحْمَةَ تُوَاجِهُهُ } . { الْخَامِسَةُ } هَلْ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ مَا دَامَ فِي مُصَلَّاهُ أَيْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ أَوْ الْمَسْجِدِ الَّذِي صَلَّى فِيهِ أَوْ الْمُرَادُ بِالْمُصَلِّي نَفْسُ الصَّلَاةِ وَالْأَوَّلُ هُوَ الْحَقِيقَةُ فَحَمْلُهُ عَلَيْهِ أَوْلَى وَيَدُلُّ عَلَى الثَّانِي قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ بَعْدَهُ { فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إذَا صَلَّى } وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّادِسَةُ } عُلِّلَ النَّهْيُ عَنْ الْبُصَاقِ عَنْ الْيَمِينِ فَإِنَّ عَنْ يَمِينِهِ مَلَكًا قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ وَيُقَالُ عَلَى هَذَا إنْ صَحَّ هَذَا التَّعْلِيلُ لَزِمَ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَبْزُقَ عَنْ يَسَارِهِ فَإِنَّ عَلَيْهِ أَيْضًا مَلَكًا بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى { عَنْ الْيَمِينِ وَعَنْ الشِّمَالِ قَعِيدٌ } قَالَ وَالْجَوَابُ بَعْدَ تَسْلِيمِ أَنَّ عَلَى شِمَالِهِ مَلَكًا أَنَّ مَلَكَ الْيَمِينِ أَعْلَى وَأَفْضَلُ فَاحْتُرِمَ بِمَا لَمْ يُحْتَرَمْ بِهِ غَيْرُهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّابِعَةُ } أُطْلِقَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ الْإِذْنُ فِي أَنْ يَبْصُقَ عَنْ شِمَالِهِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَا إذَا كَانَ جِهَةُ شِمَالِهِ فَارِغًا مِنْ الْمُصَلَّيْنَ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ مِنْ حَدِيثِ طَارِقِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُحَارِبِيُّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَقَالَ { وَلَكِنْ تِلْقَاءَ يَسَارِهِ إنْ كَانَ فَارِغًا أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى } قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَكَذَا يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ مُسْلِمٍ { فَلْيَتَنَخَّعْ عَنْ يَسَارِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَلْيَقُلْ هَكَذَا } أَيْ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ جِهَةَ شِمَالِهِ فَارِغًا قُلْت وَكَذَا لَوْ كَانَ يُصَلِّي مَثَلًا فِي الرَّوْضَةِ الشَّرِيفَةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ عَلَى يَسَارِهِ مُصَلٍّ آخَرُ حَيْثُ قُلْنَا بِجَوَازِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ وَدَفْنِهِ احْتِرَامًا لِجِهَةِ الْقَبْرِ الشَّرِيفِ وَهَذَا وَاضِحٌ . { الثَّامِنَةُ } اقْتَصَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فِي الْإِذْنِ فِي الْبُصَاقِ عَلَى جِهَةِ الشِّمَالِ أَوْ تَحْتَ الرِّجْلِ وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ الْإِذْنُ فِي الْبُصَاقِ خَلْفَهُ رَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي حَدِيثِ طَارِقٍ الْمُحَارِبِيِّ وَفِيهِ { وَابْصُقْ خَلْفَك أَوْ تِلْقَاءَ شِمَالِك إنْ كَانَ فَارِغًا } الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَلَمْ يَقُلْ إنْ كَانَ فَارِغًا . { التَّاسِعَةُ } وَقَعَ فِي الْمُسْنَدِ { أَوْ تَحْتَ رِجْلَيْهِ } هَكَذَا بِالتَّثْنِيَةِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ لِهَذَا الْحَدِيثِ { أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ فَيَدْفِنُهَا } هَكَذَا بِالْإِفْرَادِ وَهُوَ الصَّوَابُ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الرِّجْلُ الْيُسْرَى كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ { وَلَكِنْ عَنْ يَسَارِهِ أَوْ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى } وَكَذَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي مَعَ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَلَمْ يَسُقْ مُسْلِمٌ لَفْظَهُ وَهَكَذَا تَدُلُّ عَلَيْهِ الرِّوَايَةُ الَّتِي لَمْ يَقُلْ فِيهَا أَوْ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْوَجْهِ الَّذِي يَلِيهِ . { الْعَاشِرَةُ } وَقَعَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَوْ تَحْتَ وَكَذَا فِي أَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ بِإِثْبَاتِ أَوْ كَمَا فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ وَحَدِيثِ أَنَسٍ وَبَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ وَكَذَا فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَوَقَعَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ { وَلَكِنْ عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ } وَكَذَا فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عِنْدَهُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِجِهَةِ الشِّمَالِ كَوْنَهُ تَحْتَ قَدَمِهِ الْيُسْرَى قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ وَظَاهِرُ أَوْ الْإِبَاحَةُ أَوْ التَّخْيِيرُ فَفِي أَيِّهِمَا بَصَقَ لَمْ يَكُنْ بِهِ بَأْسٌ قَالَ وَإِلَيْهِ يَرْجِعُ مَعْنَى قَوْلِهِ { عَنْ شِمَالِهِ تَحْتَ قَدَمِهِ } . { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ إنَّ هَذَا النَّهْيَ أَيْ فِي الْبُصَاقِ عَلَى الْيَمِينِ مَعَ التَّمَكُّنِ مِنْ الْبُصَاقِ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْيَمِينِ فَلَوْ اُضْطُرَّ إلَى ذَلِكَ جَازَ انْتَهَى وَمَا أَدْرِي مَا أَرَادَ بِالِاضْطِرَارِ إلَى ذَلِكَ هَلْ أَرَادَ بِكَوْنِ الْيَسَارِ مَشْغُولَةً بِمُصَلٍّ أَوْ بِمُحْتَرَمٍ وَعَلَى هَذَا فَيَقْتَضِي تَقْدِيمَ مُرَاعَاةِ الْمُصَلِّي عَلَى جِهَةِ الْمَلَكِ مَعَ مَا فِي جِهَةِ الْيَمِينِ مِنْ الشَّرَفِ وَأَيْضًا فَمَعَهُ أَيْضًا تَحْتَ رِجْلِهِ الْيُسْرَى فَمَا الَّذِي يَصْرِفُهُ عَنْهَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ بِقُرْبِهَا مُصْحَفٌ أَوْ أَحَدٌ جَالِسٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيَّ لَا بَأْسَ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ وَأَمَامِهِ إذَا كَانَ يَسْتُرُهُ وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَبْصُقَ عَنْ يَسَارِهِ رَوَاهُ ابْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ { وَرَأَى أَوْسُ بْنُ أَبِي أَوْسٍ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَعَلَيْهِ نَعْلَاهُ قَالَ وَرَأَيْته يَبْصُقُ عَنْ يَمِينِهِ وَيَسَارِهِ } قُلْت وَالْحَدِيثُ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ مُقْتَصِرًا عَلَى الصَّلَاةِ فِي النَّعْلَيْنِ دُونَ الْبُصَاقِ عَلَى الْيَمِينِ . { الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ } فِي قَوْلِهِ { فَيَدْفِنُهُ } مَا يَقْتَضِي أَنَّ التَّرْخِيصَ فِي الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ هُوَ مَا إذَا كَانَ فِرَاشُ الْمَسْجِدِ حَصًى أَوْ تُرَابًا دُونَ مَا إذَا كَانَ رُخَامًا أَوْ بَلَاطًا أَوْ بِسَاطًا أَوْ حَصِيرًا وَقَدْ حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ عَنْ بَعْضِهِمْ فَقَالَ وَقَدْ سَمِعْنَا مِنْ بَعْضِ مَشَايِخِنَا أَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا يَجُوزُ إذَا لَمْ يَكُنْ فِي الْمَسْجِدِ إلَّا التُّرَابُ أَوْ الرَّمْلُ كَمَا كَانَتْ مَسَاجِدُهُمْ فِي الصَّدْرِ الْأَوَّلِ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ فِي الْمَسْجِدِ بُسُطٌ وَمَا لَهُ بَالٌ مِنْ الْحَصِيرِ مِمَّا يُفْسِدُهُ الْبُصَاقُ وَيُقْذِرُهُ فَلَا يَجُوزُ احْتِرَامًا لِلْمَلَائِكَةِ . قُلْت قَدْ وَرَدَ وَلَكِنَّهَا بِالنَّقْلِ عِوَضًا عَنْ الدَّفْنِ فِيمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الشِّخِّيرِ { قَالَ صَلَّيْتُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَأَيْته تَنَخَّعَ فَدَلَكَهَا بِنَعْلِهِ } وَهَذَا يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ أَيْضًا فِي تُرَابٍ أَوْ حَصْبَاءَ فَيَحْصُلُ بِدَلْكِهَا دَفْنُهَا فِي التُّرَابِ وَقَالَ الْبَاجِيَّ لَيْسَ لَهُ أَنْ يَبْصُقَ فِي الْأَرْضِ وَيَحُكَّهُ بِرِجْلِهِ لِأَنَّ ذَلِكَ يُقْذِرُ الْمَوْضِعَ لِمَنْ أَرَادَ الْجُلُوسَ فِيهِ . قُلْت قَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ { رَأَيْت وَاثِلَةَ بْنَ الْأَسْقَعِ فِي مَسْجِدِ دِمَشْقَ يَبْصُقُ عَلَى الْبُورِيِّ ثُمَّ مَسَحَهُ بِرِجْلِهِ فَقِيلَ لَهُ لِمَ فَعَلْت هَذَا ؟ قَالَ لِأَنِّي رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُهُ } وَالْبُورِيُّ الْحَصِيرُ الْمَعْمُولَةُ مِنْ الْقَصَبِ قَالَهُ الْهَرَوِيُّ فِي الْغَرِيبَيْنِ وَعَلَى هَذَا فَهِيَ لَا تَفْسُدُ بِذَلِكَ وَالْحَدِيثُ أَيْضًا لَا يَصِحُّ . { الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ } فِيهِ بَيَانُ طَهَارَةِ الْبُصَاقِ لِنُخَامَةٍ إذْ لَوْ لَمْ يَكُنْ طَاهِرًا لَمَا أَمَرَ بِدَفْنِهِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَا بِأَنْ يَبْصُقَ فِي ثَوْبِهِ وَيُدَلِّكَهُ كَمَا ثَبَتَ فِي الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَهُوَ كَذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَا أَعْلَمُ خِلَافًا فِي طَهَارَةِ الْبُصَاقِ إلَّا شَيْئًا يُرْوَى عَنْ سَلْمَانَ وَالسُّنَنُ الثَّابِتَةُ تَرُدُّهُ وَحَكَاهُ الذَّكِيُّ عَبْدُ الْعَظِيمِ فِي حَوَاشِيهِ عَلَى السُّنَنِ عَنْ النَّخَعِيّ أَيْضًا . { الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ } فِي أَمْرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِدَفْنِ النُّخَامَةِ فِي الْمَسْجِد دَلِيلٌ عَلَى تَنْظِيفِ الْمَسْجِدِ وَتَنْزِيهِهِ عَمَّا يُسْتَقْذَرُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ قَالَتْ { أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبِنَاءِ الْمَسَاجِدِ فِي الدُّورِ وَأَنْ تُنَظَّفَ وَتُطَيَّبَ } . { الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَفِي حُكْمِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ تَنْزِيهُهُ عَنْ أَنْ يُؤْكَلَ فِيهِ مِثْلُ الْبَلُّوطِ وَالزَّبِيبِ لِعُجْمِهِ وَمَا لَهُ دَسَمٌ وَتَلْوِيثٌ وَحَبٌّ رَقِيقٌ مَا يَكْنِسُهُ الْمَرْءُ مِنْ بَيْتِهِ { السَّادِسَةَ عَشْرَةَ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ أَنَّ لِلْمُصَلِّي أَنْ يَبْصُقَ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ وَلَا يَقْطَعُ ذَلِكَ صَلَاتَهُ وَلَا يُفْسِدُهَا إذَا غَلَبَهُ ذَلِكَ وَاحْتَاجَ إلَيْهِ وَلَا يَبْصُقُ قِبَلَ وَجْهِهِ أَلْبَتَّةَ . { السَّابِعَةَ عَشْرَةَ } فِي إبَاحَةِ الْبُصَاقِ فِي الْمَسْجِدِ لِمَنْ غَلَبَهُ ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النَّفْخَ وَالتَّنَحْنُحَ فِي الصَّلَاةِ إذَا لَمْ يَقْصِدْ بِهِ صَاحِبُهُ اللَّعِبَ وَالْعَبَثَ وَكَانَ يَسِيرًا لَا يَضُرُّ الْمُصَلِّيَ فِي صَلَاتِهِ وَلَا يُفْسِدُ شَيْئًا مِنْهَا لِأَنَّهُ قَلَّ مَا يَكُونُ بُصَاقٌ إلَّا وَمَعَهُ شَيْءٌ مِنْ النَّفْخِ وَالنَّحْنَحَةِ وَالْبُصَاقُ وَالنُّخَاعَةُ وَالنُّخَامَةُ كُلُّ ذَلِكَ مُتَقَارِبٌ قَالَ وَالتَّنَخُّمُ وَالتَّنَخُّعُ ضَرْبٌ مِنْ التَّنَحْنُحِ وَمَعْلُومٌ أَنَّ لِلتَّنَخُّمِ صَوْتًا كَالتَّنَحْنُحِ وَرُبَّمَا كَانَ مَعَهُ ضَرْبٌ مِنْ النَّفْخِ عِنْدَ الْقَذْفِ بِالْبُصَاقِ فَإِنْ قَصَدَ النَّافِخُ أَوْ الْمُتَنَحْنِحُ فِي الصَّلَاةِ بِفِعْلِهِ ذَلِكَ اللَّعِبَ أَوْ شَيْئًا مِنْ الْعَبَثِ أَفْسَدَ صَلَاتَهُ وَأَمَّا إذَا كَانَ نَفْخُهُ تَأَوُّهًا مِنْ ذِكْرِ النَّارِ إذَا مَرَّ بِهِ ذِكْرُهَا فِي الْقُرْآنِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ ثُمَّ ذَكَرَ اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ فَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ النَّفْخُ وَالتَّنَحْنُحُ وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ وَابْنُ وَهْبٍ أَنَّهُ لَا يَقْطَعُ . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ يَقْطَعُ النَّفْخُ إنْ سُمِعَ وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ لَا يَقْطَعُ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ مَا لَا يُفْهَمُ مِنْهُ حُرُوفُ الْهِجَاءِ فَلَيْسَ بِكَلَامٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَوْلُ مَنْ رَاعَى حُرُوفَ الْهِجَاءِ وَمَا يُفْهَمُ مِنْ الْكَلَامِ أَصَحُّ الْأَقَاوِيلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ انْتَهَى وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِي النَّحْنَحَةِ وَالضَّحِكِ وَالْبُكَاءِ وَالنَّفْخِ وَالْأَنِينِ أَنَّهُ إنْ بَانَ مِنْهُ حَرْفَانِ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْذُورًا بِغَلَبَةٍ أَوْ تَعَذُّرِ قِرَاءَةِ الْفَاتِحَةِ مَا لَمْ يُكْثِرْ الضَّحِكَ وَإِنْ كَانَ مَغْلُوبًا فَإِنَّهُ يَضُرُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَحَكَّهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إذَا صَلَّى } وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ { فَتَغَيَّظَ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ } الْحَدِيثُ الرَّابِعُ عَنْ نَافِعٍ عَنْ عُمْر { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى بُصَاقًا فِي جِدَارِ الْقِبْلَةِ فَحَكَّهُ ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ فَقَالَ إذَا كَانَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَلَا يَبْصُقْ قِبَلَ وَجْهِهِ فَإِنَّ اللَّهَ قِبَلَ وَجْهِهِ إذَا صَلَّى } فِيهِ فَوَائِدُ : { الْأُولَى } ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عِنْدَ هَذَا الْحَدِيثِ إجْمَاعَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْعَمَلَ الْقَلِيلَ فِي الصَّلَاةِ لَا يَضُرُّهَا فَمَا أَدْرَى هَلْ أَرَادَ بِالْعَمَلِ الْقَلِيلِ نَفْسَ الْبُصَاقِ أَوْ أَرَادَ مَا وَرَدَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ مِنْ كَوْنِهِ يَبْصُقُ فِي ثَوْبِهِ أَوْ أَرَادَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَكَّهُ مِنْ الْقِبْلَةِ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ وَهُوَ الظَّاهِرُ . فَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَة اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ وَهُوَ يُصَلِّي فَحَتَّهَا ثُمَّ قَالَ حِينَ انْصَرَفَ } الْحَدِيثَ وَفِي بَعْضِ طُرُقِهِ أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ كَمَا . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { بَيْنَمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمًا إذْ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَتَغَيَّظَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ حَكَّهَا قَالَ وَأَحْسَبُهُ قَالَ قَدْ دَعَا بِزَعْفَرَانٍ فَلَطَّخَهُ بِهِ } . { الثَّانِيَةُ } اخْتَلَفَتْ الْأَحَادِيثُ أَيْضًا فِي الْبُصَاقِ الَّذِي وَجَدَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْقِبْلَةِ هَلْ كَانَ ذَلِكَ فِي مَسْجِدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ فِي مَسْجِدٍ آخَرَ ؟ فَقِيلَ إنَّهُ كَانَ فِي مَسْجِدِ الْأَنْصَارِ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ عُبَادَةَ بْنِ الْوَلِيدِ قَالَ { أَتَيْنَا جَابِرًا وَهُوَ فِي مَسْجِدِهِ فَقَالَ أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسْجِدِنَا هَذَا وَفِي يَدِهِ عُرْجُونُ ابْنُ خَطَّابٍ فَنَظَرَ فَرَأَى فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ نُخَامَةً فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا فَحَتَّهَا بِالْعُرْجُونِ } الْحَدِيثَ لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَظَاهِرُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ كَوْنِهِ كَانَ فِي الْخُطْبَةِ أَنَّهُ كَانَ فِي مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُمَا وَاقِعَتَانِ أَوْ وَقَائِعُ فَفِي قِصَّةِ مَسْجِدِ الْأَنْصَارِ أَنَّهُ حَتَّهَا بِالْعُرْجُونِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّهُ حَكَّهَا بِحَصَاةٍ وَفِي قِصَّةِ مَسْجِدِ الْأَنْصَارِ { أَرُونِي عَبِيرًا فَقَامَ فَتًى مِنْ الْحَيِّ يَشْتَدُّ إلَى أَهْلِهِ فَجَاءَ بِخَلُوقٍ فِي رَاحَتِهِ فَأَخَذَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَهُ عَلَى رَأْسِ الْعُرْجُونِ ثُمَّ لَطَّخَ بِهِ عَلَى أَثَرِ النُّخَامَةِ } . وَعِنْدَ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { أَنَّهُ رَأَى نُخَامَةً فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَغَضِبَ حَتَّى أَحْمَرَّ وَجْهُهُ فَقَامَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْأَنْصَارِ فَحَكَّتْهَا وَجَعَلَتْ مَكَانَهَا خَلُوقًا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا أَحْسَنَ هَذَا وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ كَانَ فِي الصَّلَاةِ وَفِي بَعْضِهَا أَنَّهُ كَانَ يَخْطُبُ } كَمَا تَقَدَّمَ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اخْتِلَافِ وَاقِعَتَيْنِ أَوْ وَقَائِعَ مِنْ غَيْرِ تَعَارُضٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّالِثَةُ } فِي تَغْلِيظِهِ عَلَى أَهْلِ الْمَسْجِدِ تَحْرِيمُ الْبُصَاقُ فِي الْقِبْلَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ . { الرَّابِعَةُ } فِيهِ تَنْظِيفُ الْمَسَاجِدِ وَطَهَارَةُ الْبُصَاقِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَهُ أَيْضًا . بَاب صَلَاة الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةُ بَيْن يَدَيْهِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { كَانَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْل وَأَنَا مُعْتَرِضَة بَيْنه وَبَيْن الْقِبْلَة كَاعْتِرَاضِ الْجِنَازَة } وَفِي رِوَايَة لِلْبُخَارِيِّ { عَلَى الْفِرَاش الَّذِي يَنَامَانِ عَلَيْهِ } بَابُ صَلَاةِ الرَّجُلِ وَالْمَرْأَةُ بَيْنَ يَدَيْهِ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ كَاعْتِرَاضِ الْجِنَازَةِ } فِيهِ فَوَائِدُ : { الْأُولَى } أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالصَّلَاةِ إلَى النَّائِمِ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَالَ مَالِكٌ لَا يُصَلِّي إلَى نَائِمٍ إلَّا أَنْ يَكُونَ دُونَهُ سُتْرَةٌ وَهُوَ قَوْلُ طَاوُسٍ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ كَرِهَتْ طَائِفَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الصَّلَاةَ خَلْفَ النَّائِمِ خَوْفَ مَا يَحْدُثُ مِنْهُ فَيَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ أَوْ يُضْحِكُهُ فَتَفْسُدُ صَلَاتُهُ قَالَ مُجَاهِدٌ أُصَلِّي وَرَاءَ قَاعِدٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أُصَلِّيَ وَرَاءَ نَائِمٍ . قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَالْقَوْلُ قَوْلُ مَنْ أَجَازَ ذَلِكَ لِلسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ انْتَهَى . وَأَمَّا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا تُصَلُّوا خَلْفَ النَّائِمِ وَلَا الْمُتَحَدِّثِ } فَإِنَّ فِي إسْنَادِهِ مَنْ لَمْ يُسَمَّ قَالَ الْخَطَّابِيُّ لَا يَصِحُّ قَالَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَعْقُوبَ لَمْ يُسَمِّ مَنْ حَدَّثَهُ بِهِ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ قَالَ وَإِنَّمَا رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ رَجُلَانِ كِلَاهُمَا ضَعِيفَانِ تَمَّامُ بْنُ زُرَيْعٍ وَعِيسَى بْنِ مَيْمُونٍ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِمَا يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ وَالْبُخَارِيُّ وَرَوَاهُ أَيْضًا عَبْدُ الْكَرِيمِ أَبُو أُمَيَّةَ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَبْدِ الْكَرِيمِ مَتْرُوكُ الْحَدِيثِ . ( قُلْت ) قَدْ رَوَاهُ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ كَعْبٍ أَيْضًا أَبُو الْمِقْدَامِ وَهُوَ هِشَامُ بْنُ زِيَادٍ الْبَصْرِيُّ ضَعِيفٌ أَيْضًا وَلِهَذَا لَمَّا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ الْحَدِيثَ فِي الْخُلَاصَةِ قَالَ اتَّفَقُوا عَلَى ضَعْفِهِ ، انْتَهَى . وَمَنْ كَرِهَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا كَرِهَهُ مِنْ حَيْثُ اُشْتُغِلَ بِهِ عَنْ الصَّلَاةِ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ كَرِهَ عُثْمَانُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ الرَّجُلَ وَهُوَ يُصَلِّي قَالَ الْخَطَّابِيُّ فَأَمَّا الصَّلَاةُ لِلْمُتَحَدِّثِينَ فَقَدْ كَرِهَهَا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ كَلَامَهُمْ يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يُصَلِّي خَلْفَ رَجُلٍ يَتَكَلَّمُ إلَّا يَوْمَ الْجُمُعَةِ . { الثَّانِيَةُ } وَفِيهِ أَنَّ الْمَرْأَةَ إذَا كَانَتْ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي لَا تَقْطَعُ صَلَاتَهُ وَهُوَ قَوْلُ الْجُمْهُورِ مِنْ التَّابِعِينَ فَمَنْ بَعْدَهُمْ وَبِهِ قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَدَاوُد الظَّاهِرِيُّ وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَأَبِي الْأَحْوَصِ أَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ وَالْكَلْبُ . وَقَالَ أَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ قَالَ أَحْمَدُ وَفِي قَلْبِي مِنْ الْحِمَارِ وَالْمَرْأَةِ شَيْءٌ وَحُجَّةُ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ الْمَذْكُورَاتِ تَقْطَعُ الصَّلَاةَ مَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ يُصَلِّي فَإِنَّهُ يَسْتُرُهُ إذَا كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ مِثْلُ آخِرَةِ الرَّحْلِ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْحِمَارُ وَالْمَرْأَةُ وَالْكَلْبُ الْأَسْوَدُ } قُلْت يَا أَبَا ذَرٍّ مَا بَالُ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَحْمَرِ مِنْ الْكَلْبِ الْأَصْفَرِ قَالَ يَا ابْنَ أَخِي سَأَلَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا سَأَلَتْنِي فَقَالَ { الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ } وَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ وَالْكَلْبُ وَيَقِي ذَلِكَ مِثْلُ مُؤَخَّرَةِ الرَّحْلِ } . وَأَجَابَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ عَنْ الْمَرْأَةِ بِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمَذْكُورِ وَعَنْ الْحِمَارِ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ { أَقْبَلْتُ رَاكِبًا عَلَى حِمَارِ أَتَانٍ وَأَنَا يَوْمئِذٍ قَدْ نَاهَزْت الِاحْتِلَامَ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ بِمِنًى إلَى غَيْرِ جِدَارٍ فَمَرَرْت بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ فَنَزَلْتُ وَأَرْسَلْتُ الْأَتَانَ تَرْتَعُ وَدَخَلْت فِي الصَّفِّ فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ أَحَدٌ } وَقَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ إلَى غَيْرِ جِدَارٍ فَسَّرَهُ الشَّافِعِيُّ فِيمَا نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ عَنْهُ أَيْ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ هَذَا مِنْ رِوَايَةِ مُجَاهِدٍ لَيْسَ شَيْءٌ يَسْتُرُهُ يَحُولُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُ وَقَوْلُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ بْنِ دَقِيقِ الْعِيدِ إنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ نَفْيِ الْجِدَارِ نَفْيُ السُّتْرَةِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَقِفْ عَلَى رِوَايَةِ الْبَزَّارِ الْمَذْكُورَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَجَابَ الْجُمْهُورُ عَنْ الْكَلْبِ بِحَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٍ مِنْ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { أَتَانَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَحْنُ فِي بَادِيَةٍ لَنَا فَصَلَّى فِي صَحْرَاءَ لَيْسَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ وَحِمَارَةٌ لَنَا وَكَلْبَةٌ يَعْبَثَانِ بَيْنَ يَدَيْهِ فَمَا بَالَا ذَلِكَ } وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ شَيْءٌ وَادْرَءُوا مَا اسْتَطَعْتُمْ } وَأَجَابَ أَصْحَابُ أَحْمَدَ عَنْ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ حَدِيثَ الْفَضْلِ فِي إسْنَادِهِ مَقَالٌ كَمَا قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ إنَّهُ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْعَبَّاسَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ لَمْ يُدْرِكْ عَمَّهُ الْفَضْلَ انْتَهَى ثُمَّ إنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ صِفَةَ الْكَلْبِ وَقَدْ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلْبُ لَيْسَ بِأَسْوَدَ وَبِأَنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ مِنْ رِوَايَةِ مُجَالِدِ بْنِ سَعِيدٍ وَقَدْ ضَعَّفَهُ الْجُمْهُورُ وَقَدْ اخْتَلَطَ أَخِيرًا وَهَذَا مِنْ رِوَايَةِ أَبِي أُسَامَةَ عَنْهُ وَهُوَ مِمَّنْ سَمِعَ مِنْهُ بَعْدَ الِاخْتِلَاطِ . وَقَالَ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ إنَّهُمْ تَمَسَّكُوا بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا صَلَّى بِمِنًى وَرُكِزَتْ لَهُ الْعَنَزَةُ كَانَ الْحِمَارُ وَالْكَلْبُ يَمُرَّانِ بَيْنَ يَدَيْهِ لَا يُمْنَعَانِ قَالَ وَظَاهِرُ هَذَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَنَزَةِ انْتَهَى . وَكَأَنَّ الْقُرْطُبِيَّ أَخَذَ هَذَا مِنْ قَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ أَبِي جُحَيْفَةَ هَذَا وَرَأَيْت النَّاسَ وَالدَّوَابَّ يَمُرُّونَ بَيْنَ يَدَيْ الْعَنَزَةِ وَإِنَّمَا أَرَادَ بِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا أَيْ مِنْ جِهَةِ الْقِبْلَةِ كَمَا تَقُولُ بَيْنَ يَدَيْ الْإِمَامِ بِدَلِيلِ الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى الْمُتَّفِقِ عَلَيْهَا يَمُرُّ مِنْ وَرَائِهَا الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ . { الثَّالِثَةُ } فِي قَوْلِ عَائِشَةَ { وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ كَاعْتِرَاضِ الْجِنَازَةِ } مَا يُوهِمُ أَنَّهُ مُخَالِفٌ لِقَوْلِهَا فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ { وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ } . فَإِنَّ ظَاهِرَهُ أَنَّ رِجْلَيْهَا كَانَتَا لِجِهَةِ الْقِبْلَةِ وَقَدْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهَا { وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ } أَنَّهُ كَانَ مُسْتَقْبِلَ أَسْفَلِهَا وَإِنْ كَانَتْ مُعْتَرِضَةً وَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَسْتَقْبِلَ أَسْفَلَ رِجْلَيْهَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ كَانَ مَرَّةً كَذَا وَمَرَّةً كَذَا لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى لِأَنَّ قَوْلَهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ { عَلَى الْفِرَاشِ الَّذِي يَنَامَانِ عَلَيْهِ } . يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا كَانَتْ مُعْتَرِضَةً بَيْنَ يَدَيْهِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَنَامُ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنَ مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ بِوَجْهِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَمْ تَكُنْ جِهَةُ أَرْجُلِهِمَا إلَى الْقِبْلَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَبَقِيَّةُ فَوَائِدِهِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي يَلِيهِ . وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { بِئْسَ مَا عَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ قَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ يُصَلِّي وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ تَعْنِي رِجْلِي فَضَمَمْتهَا إلَيَّ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا { كُنْت بَيْنَ يَدَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرِجْلَايَ فِي قِبْلَتِهِ فَإِذَا سَجَدَ غَمَزَنِي فَقَبَضْت رِجْلَيَّ وَإِذَا قَامَ بَسَطْتهمَا قَالَتْ وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ } { الْحَدِيثُ الثَّانِي } وَعَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ الْقَاسِمِ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { بِئْسَمَا عَدَلْتُمُونَا بِالْكَلْبِ وَالْحِمَارِ قَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَأَنَا مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ يَدَيْهِ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يَسْجُدَ غَمَزَ . تَعْنِي رِجْلِي فَضَمَمْتهمَا إلَيَّ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } فِيهِ أَنَّ الصَّلَاةَ إلَى النَّائِمِ وَإِنْ كَانَ امْرَأَةً لَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ { الثَّانِيَةُ } ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا نَاسِخٌ أَوْ مُعَارِضٌ لِحَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ انْتَهَى . وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ النَّسْخِ وَاضِحٌ لِأَنَّ النَّسْخَ وَإِنْ كَانَ لَا يُصَارُ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ مَعْرِفَةِ التَّارِيخِ فَإِنَّا نَعْلَمُ أَزْوَاجَهُ خُصُوصًا عَائِشَةَ مَا حَكَيْنَهُ عَنْهُ مِمَّا يَتَكَرَّرُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ هُوَ النَّاسِخُ عَلَى تَقْدِيرِ عَدَمِ إمْكَانِ الْجَمْعِ لِأَنَّهُ لَوْ حَدَّثَ شَيْءٌ عَلِمْنَ بِهِ وَقَدْ عُلِمَ التَّارِيخُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ كَوْنَهُ فِي حِجَّةِ الْوَدَاعِ لَكِنَّ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ لَيْسَ صَرِيحًا فِي مُخَالَفَةِ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ لِأَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَالَ فِيهِ { فَمَرَرْت بَيْنَ يَدَيْ بَعْضِ الصَّفِّ } وَلَا يَلْزَمُ مِنْهُ أَنَّهُ مَرَّ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا الْأَتَانِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا وَالْإِمَامُ سُتْرَةٌ لِلْمَأْمُومِينَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ عَلَى أَنَّ الْبُخَارِيَّ قَدْ بَوَّبَ عَلَيْهِ بَابَ ( سُتْرَةُ الْإِمَامِ سُتْرَةُ مَنْ خَلْفَهُ فَيَقْتَضِي ) أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ يَدَيْهِ سُتْرَةٌ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ قَوْلِهِ فِيهِ إلَى غَيْرِ جِدَارٍ أَنْ لَا يَكُونَ ثَمَّ سُتْرَةٌ وَإِنْ كَانَ الشَّافِعِيُّ قَدْ فَسَّرَ قَوْلَهُ { إلَى غَيْرِ جِدَارٍ } أَنَّ الْمُرَادَ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ كَمَا تَقَدَّمَ . { الثَّالِثَةُ } إذَا قُلْنَا لَا يُصَارُ لِلنَّسْخِ حَتَّى يُعْرَفَ التَّارِيخُ وَيَتَعَذَّرَ الْجَمْعُ وَلَمْ يُنْقَلُ تَارِيخُ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَإِنْ كَانَ الظَّاهِرُ تَأَخُّرَهُ فَقَدْ جَمَعَ بَعْضُهُمْ بَيْنَ الْحَدِيثَيْنِ فَقَالَ الْخَطَّابِيُّ يَحْتَمِلُ أَنْ يُتَأَوَّلَ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْأَشْخَاصَ إذَا مَرَّتْ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي قَطَعَتْهُ عَنْ الذِّكْرِ وَشَغَلَتْ قَلْبَهُ عَنْ مُرَاعَاةِ الصَّلَاةِ فَذَلِكَ مَعْنَى قَطْعِهَا لِلصَّلَاةِ دُونَ إبْطَالِهَا مِنْ أَصْلِهَا حَتَّى يَكُونَ فِيهَا وُجُوبُ الْإِعَادَةِ . وَمَا حَكَاه الْخَطَّابِيُّ احْتِمَالًا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّهُمْ تَأَوَّلُوا الْقَطْعَ عَلَى قَطْعِ الذِّكْرِ وَالْخُشُوعِ . وَحَكَى صَاحِبَ الْمُفْهِمِ عَنْ الْجُمْهُورِ أَنَّهُمْ تَأَوَّلُوهُ بِأَنَّ ذَلِكَ مُبَالَغَةٌ فِي الْخَوْفِ عَلَى قَطْعِهَا وَإِفْسَادِهَا بِالشُّغْلِ بِهَذِهِ الْمَذْكُورَاتِ وَذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ تَفْتِنُ وَالْحِمَارَ يَنْهَقُ وَالْكَلْبَ يُرَوِّعُ فَيُشَوَّشُ الْفِكْرُ فِي ذَلِكَ حَتَّى تَنْقَطِعَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَتَفْسُدَ فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْأُمُورُ آيِلَةً إلَى الْقَطْعِ جَعَلَهَا قَاطِعَةً كَمَا قَالَ لِلْمَادِحِ قَطَعْت عُنُقَ أَخِيك أَيْ فَعَلْت بِهِ فِعْلًا يُخَافُ هَلَاكُهُ مِنْهُ كَمَنْ قُطِعَ عُنُقُهُ . { الرَّابِعَةُ } حَمَلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ قَطْعِ الْمَرْأَةِ الصَّلَاةَ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْحَائِضُ حَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ أَنَّهُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ وَالْمَرْأَةُ الْحَائِضُ وَعَلَّلَهُ صَاحِبُ 3 الْمُفْهِمِ فِي الْحَائِضِ بِمَا تَسْتَصْحِبُهُ مِنْ النَّجَاسَاتِ . وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَفَعَهُ شُعْبَةُ قَالَ { يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ الْحَائِضُ وَالْكَلْبُ } لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَصَرَّحَ ابْنُ مَاجَهْ بِقَوْلِهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ قَالَ أَبُو دَاوُد وَقَفَهُ سَعِيدٌ وَهِشَامٌ وَهَمَّامٌ عَنْ قَتَادَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيُعَارِضُهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ { كُنْت بَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ } قَالَ شُعْبَةُ وَأَحْسَبُهَا قَالَتْ وَأَنَا حَائِضٌ ثُمَّ ذَكَرَ أَبُو دَاوُد أَحَدَ عَشَرَ رَوَوْهُ لَمْ يَذْكُرُوا { وَأَنَا حَائِضٌ } وَهَذَا وَإِنْ اخْتَلَفَ فِيهِ حَدِيثُ عَائِشَةَ فَقَدْ صَحَّ مِنْ حَدِيثِ مَيْمُونَةَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي وَأَنَا حِذَاءَهُ وَأَنَا حَائِضٌ وَرُبَّمَا أَصَابَنِي ثَوْبُهُ إذَا سَجَدَ } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَهَذَا لَفْظُ رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةِ لِلْبُخَارِيِّ { كَانَ فِرَاشِي حِيَالَ مُصَلَّى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَبَوَّبَ عَلَيْهِ بَابَ ( إذَا صَلَّى إلَى فِرَاشٍ فِيهِ حَائِضِ ) لَكِنَّ الرِّوَايَةَ الْمَشْهُورَةَ الَّتِي اتَّفَقْنَا عَلَى لَفْظِهَا { وَأَنَا إلَى جَنْبِهِ } . { الْخَامِسَةُ } جَعَلَ بَعْضُهُمْ الْعِلَّةَ فِي قَطْعِ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ وَالْحِمَارِ وَالْمَرْأَةِ مَا ذُكِرَ فِيهَا مِنْ وَصْفِ الشَّيْطَانِ فَأَمَّا الْكَلْبُ فَقَالَ فِيهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ } قَالَهُ لِأَبِي ذَرٍّ حِينَ سَأَلَهُ عَنْ تَخْصِيصِ ذَلِكَ بِالْأَسْوَدِ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَأَمَّا الْحِمَارُ فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَيْضًا { إذَا سَمِعْتُمْ نُهَاقَ الْحَمَائِرِ فَتَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهَا رَأَتْ شَيْطَانًا } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { إذَا سَمِعْتُمْ نِبَاحَ الْكَلْبِ وَنَهِيقَ الْحَمِيرِ بِاللَّيْلِ فَتَعَوَّذُوا بِاَللَّهِ } الْحَدِيثَ . وَأَمَّا الْمَرْأَةُ فَعِنْدَ التِّرْمِذِيِّ { الْمَرْأَةُ عَوْرَةٌ فَإِذَا خَرَجَتْ اسْتَشْرَفَهَا الشَّيْطَانُ } وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ { النِّسَاءُ حَبَائِلُ الشَّيْطَانِ } وَيُعَارِضُ هَذَا صَلَاتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْبَعِيرِ . كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ فِي الْإِبِلِ { أَنَّهَا خُلِقَتْ مِنْ الْجِنِّ } وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ { عَلَى ذُرْوَةِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطَانٌ } وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ صَلَّى إلَيْهَا بَلْ قَدْ مَرَّ نَفْسُ الشَّيْطَانِ بَيْنَ يَدَيْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يُصَلِّي فَلَمْ يَقْطَعْ صَلَاتَهُ بَلْ خَنَقَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ اتِّقَاءُ مَا يَشْغَلُ الْمُصَلِّيَ . { السَّادِسَةُ } قَدْ وَرَدَ مِمَّا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ غَيْرُ الثَّلَاثَةِ الْمَذْكُورَةِ الَّذِينَ وُصِفُوا بِوَصْفِ الشَّيْطَانِ أَوْ بِكَوْنِهِ مَعَهُمْ وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَحْسَبُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْحِمَارُ وَالْخِنْزِيرُ وَالْيَهُودِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ وَالْمَرْأَةُ } الْحَدِيثُ تَكَلَّمُ فِيهِ أَبُو دَاوُد وَقَالَ فِيهِ نَكَارَةٌ وَأَحْسَبُ الْوَهْمَ مِنْ ابْنِ أَبِي سَمِينَةَ قَالَ وَالْمُنْكَرُ فِيهِ ذِكْرُ الْمَجُوسِيُّ وَذِكْرُ الْخِنْزِيرِ وَلِأَحْمَدَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ ذَكَرَ الْكَافِرَ فِيمَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَسَيَأْتِي فِي الْفَائِدَةِ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ . { السَّابِعَةُ } أَشَارَ ابْنُ بَطَّالٍ إلَى كَوْنِ الصَّلَاةِ إلَى الْمَرْأَةِ مِنْ الْخَصَائِصِ كَمَا قَالَتْ عَائِشَةُ فِي الْقُبْلَةِ لِلصَّائِمِ { وَأَيُّكُمْ كَانَ يَمْلِكُ إرْبَهُ } الْحَدِيثَ فَقَالَ وَوَجْهُ كَرَاهِيَتِهِمْ لِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ لِأَنَّ الصَّلَاةَ مَوْضُوعَةٌ لِلْإِخْلَاصِ وَالْخُشُوعِ وَالْمُصَلِّي خَلْفَ الْمَرْأَةِ النَّاظِرُ إلَيْهَا تُخْشَى عَلَيْهِ الْفِتْنَةُ بِهَا وَالِاشْتِغَالُ بِنَظَرِهِ إلَيْهَا لِأَنَّ النُّفُوسَ مَجْبُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَالنَّاسُ لَا يَقْدِرُونَ مِنْ مِلْكِ آرَابِهِمْ عَلَى مِثْلِ مَا كَانَ يَقْدِرُ عَلَيْهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ فَلِذَلِكَ صَلَّى هُوَ خَلْفَ الْمَرْأَةِ حِينَ أَمِنَ مِنْ شَغْلِ بَالِهِ بِهَا وَلَمْ تَشْغَلْهُ عَنْ صَلَاتِهِ انْتَهَى . وَلَك أَنْ تَقُولَ الْأَصْلُ عَدَمُ التَّخْصِيصِ حَتَّى يَصِحَّ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّامِنَةُ } أَجَابَ بَعْضُهُمْ عَنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ بِأَنَّهُ لَيْسَ فِيهِ مُرُورٌ وَإِنَّمَا يَقْطَعُ الْمُرُورَ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي وَأَمَّا كَوْنُ الْمَرْأَةِ كَالسُّتْرَةِ لِلْمُصَلِّي فَلَا تَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَإِنَّمَا كَرِهَهُ بَعْضُهُمْ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ كَرِهَ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنْ تَكُونَ الْمَرْأَةُ سُتْرَةً لِلْمُصَلِّي قَالَ مَالِكٌ فِي الْمُخْتَصَرِ وَلَا يُسْتَتَرُ بِالْمَرْأَةِ وَأَرْجُو أَنْ تَكُونَ السُّتْرَةُ بِالصَّبِيِّ وَاسِعَةً قَالَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ لَا يُسْتَتَرُ بِامْرَأَةٍ وَلَا دَابَّةٍ وَأَشَارَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إلَى أَنَّ مُرُورَ الْمَرْأَةِ أَخَفُّ مِنْ الصَّلَاةِ إلَيْهَا فَقَالَ فِي التَّمْهِيدِ وَكَيْفَ تُقْطَعُ الصَّلَاةُ بِمُرُورِهَا وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ اعْتِرَاضَهَا فِي الْقِبْلَةِ نَفْسِهَا لَا يَضُرُّ ؟ قُلْت فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَّفِقِ عَلَيْهِ مَا يُشِيرُ إلَى أَنَّ الْمُرُورَ أَشَدُّ فَإِنَّهَا قَالَتْ { فَأَكْرَه أَنْ أَسْنَحَهُ فَأَنْسَلُّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْ السَّرِيرِ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا { فَتَبْدُو لِي الْحَاجَةُ فَأَكْرَهُ أَنْ أَجْلِسَ فَأُوذِيَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْسَلَّ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْهِ } أَيْ مِنْ عِنْدِ رِجْلَيْ السَّرِيرِ . { التَّاسِعَةُ } لِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ إنَّ عَائِشَةَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهَا وَبَيْنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُتْرَةٌ بَلْ كَانَ السَّرِيرُ الَّذِي عَلَيْهِ عَائِشَةُ هُوَ السُّتْرَةُ وَكَأَنَّ عَائِشَةَ مِنْ وَرَاءِ السُّتْرَةِ لِأَنَّ قَوَائِمَ السَّرِيرِ الَّتِي تَلِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ مَا اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ { لَقَدْ رَأَيْتنِي مُضْطَجِعَةً عَلَى السَّرِيرِ فَيَجِيءُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَيُتَوَسَّطُ السَّرِيرَ فَيُصَلِّي } الْحَدِيثَ وَعَلَى هَذَا فَلَا يَكُونُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مَا يُنَافِي حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي قَطْعِ الْمَرْأَةِ الصَّلَاةَ لِوُجُودِ السُّتْرَةِ هُنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْعَاشِرَةُ } إنْ قَالَ قَائِلٌ قَدْ ثَبَتَ حَدِيثُ أَبِي ذَرٍّ فِي قَطْعِ الْمَرْأَةِ لِلصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَلَيْسَ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هُنَا تَعْمِيمٌ لِكَوْنِ النِّسَاءِ لَا يَقْطَعْنَ فَلَوْ قَالَ قَائِلٌ إنَّمَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْمَرْأَةُ الْأَجْنَبِيَّةُ خَوْفَ الِافْتِتَانِ بِهَا فَأَمَّا زَوْجَتُهُ وَمَحْرَمُهُ فَلَا يَضُرُّ وَإِنَّمَا نُقِلَ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى وَبَيْنَ يَدَيْهِ عَائِشَةُ وَمَيْمُونَةُ } كَمَا تَقَدَّمَ وَكَذَلِكَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَابْنِ مَاجَهْ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ { كَانَ فِرَاشُهَا بِحِيَالِ مَسْجِدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ زَادَ أَحْمَدُ وَكَانَ يُصَلِّي وَأَنَا حِيَالَهُ } وَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ أَنَّهُ لَا قَائِلَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ الْأَجْنَبِيَّةِ وَغَيْرِهَا فِي ذَلِكَ وَأَيْضًا فَقَدْ وَرَدَ مُرُورُ الْأَجْنَبِيَّةِ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { جِئْت أَنَا وَغُلَامٌ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى حِمَارٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فَنَزَلَ وَنَزَلْت وَتَرَكْنَا الْحِمَارَ أَمَامَ الصَّفِّ فَمَا بَالَاهُ وَجَاءَتْ جَارِيَتَانِ مِنْ بَنِي عَبْدِ الْمُطَّلِبِ فَدَخَلَتَا بَيْنَ الصَّفِّ فَمَا بَالَا ذَلِكَ } وَقَالَ مَالِكٌ فِي الْمَجْمُوعَةِ وَلَا يُصَلِّي وَبَيْنَ يَدَيْهِ امْرَأَةٌ وَإِنْ كَانَتْ أُمَّهُ أَوْ أُخْتَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ دُونَهَا سُتْرَةٌ . { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } قَوْلُ عَائِشَة بِئْسَ مَا عَدَلْتُمُونَا أَرَادَتْ بِخِطَابِهَا ذَلِكَ ابْنَ أُخْتِهَا عُرْوَةَ وَأَبَا هُرَيْرَةَ فَرَوَى مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ قَالَتْ عَائِشَةُ مَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ قَالَ قُلْت الْمَرْأَةُ وَالْحِمَارُ فَقَالَتْ إنَّ الْمَرْأَةَ لَدَابَّةُ سُوءٍ فَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ . وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ قَالَ بَلَغَ عَائِشَةَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ إنَّ الْمَرْأَةَ تَقْطَعُ الصَّلَاةَ فَذَكَرَتْ الْحَدِيثَ . { الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ } فَإِنْ قِيلَ كَيْفَ أَنْكَرَتْ عَائِشَةُ عَلَى مَنْ ذَكَرَ الْمَرْأَةَ مَعَ الْحِمَارِ وَالْكَلْبِ فِيمَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ وَهِيَ قَدْ رَوَتْ الْحَدِيثَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي الْمُسْنَدِ بِلَفْظِ { لَا يَقْطَعُ صَلَاةَ الْمُسْلِمِ شَيْءٌ إلَّا الْحِمَارُ وَالْكَافِرُ وَالْكَلْبُ وَالْمَرْأَةُ فَقَالَتْ عَائِشَةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَدْ قُرِنَّا بِدَوَابِّ سُوءٍ } . وَالْجَوَابُ إنَّ عَائِشَةَ لَمْ تُنْكِرْ وُرُودَ الْحَدِيثِ وَلَمْ تَكُنْ لِتُكَذِّبَ أَبَا هُرَيْرَةَ وَأَبَا ذَرٍّ وَإِنَّمَا أَنْكَرَتْ كَوْنَ الْحُكْمِ بَاقِيًا هَكَذَا فَلَعَلَّهَا كَانَتْ تَرَى نَسَخَهُ بِحَدِيثِهَا الَّذِي ذَكَرَتْهُ أَوْ كَانَتْ تَحْمِلُ قَطْعَ الصَّلَاةِ عَلَى مَحْمَلٍ غَيْرِ الْبُطْلَانِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا رَأَتْ تَغْيِيرَ الْحُكْمِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْمَرْأَةِ وَإِلَى الْحِمَارِ أَيْضًا فَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ يَقْطَعُ الصَّلَاةَ الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ وَهَذَا كَقَوْلِ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ } اسْتَدَلَّ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِغَمْزِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجْلَ عَائِشَةَ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ اللَّمْسِ لَيْسَ بِنَاقِضٍ لِلْوُضُوءِ وَإِنْ كَانَ يَحْتَمِلُ أَنْ يَغْمِزَهَا عَلَى الثَّوْبِ أَوْ يَضْرِبَهَا بِكُمِّهِ وَنَحْوِ ذَلِكَ ثُمَّ حَكَى اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ فِيمَا حَكَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْهُ وَأَكْثَرُ أَهْلِ الْعِرَاقِ لَا يَنْقُضُ اللَّمْسُ مِنْ غَيْرِ جِمَاعٍ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَّا أَنْ يَقْصِدَ مَسَّهَا لِشَهْوَةٍ وَانْتَشَرَ . وَقَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ بِنَقْضِ اللَّمْسِ بِشَهْوَةٍ وَلَذَّةٍ وَأَرَادَ مَالِكٌ وَاللَّيْثُ وَلَوْ كَانَ مِنْ فَوْقِ حَائِلٍ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِمَا وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ فِيمَا حَكَاهُ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ يَنْقُضُ اللَّمْسُ مُطْلَقًا بِشَهْوَةٍ وَغَيْرِهَا مَا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا مَحْرَمِيَّةٌ عَلَى مَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَوْضِعِهِ . قُلْت وَلَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ حُجَّةٌ لِمَنْ لَمْ يَرَ النَّقْضَ بِمُطْلَقِ اللَّمْسِ لِأَنَّ عَائِشَةَ كَانَتْ مُسْتَتِرَةً مُغَطَّاةً بِاللِّحَافِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ عَنْهَا { فَأَنْسَلَّ مِنْ قِبَلِ رِجْلَيْ السَّرِيرِ حَتَّى أَنْسَلَّ مِنْ لِحَافِي } . { الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ } إذَا قُلْنَا بِقَطْعِ الْمَرْأَةِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهَا الصَّلَاةَ بِمُرُورِهِ أَوْ اسْتِقْبَالِهِ فَمَا مِقْدَارُ الْمَسَافَةِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُصَلِّي الَّتِي يَحْصُلُ بِهَا الْمَحْذُورُ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ إنَّمَا يَحْرُمُ أَوْ يُكْرَهُ إذَا كَانَ عَلَى دُونِ ثَلَاثَةِ أَذْرُعٍ لِأَنَّهُ مِقْدَارُ السُّتْرَةِ فَإِنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَلَا يَضُرُّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ سِتَّةُ أَذْرُعٍ وَقَالَ بَعْضُهُمْ قَذْفَةٌ بِحَجَرٍ وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَيْنَاهُ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْحَدِيثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ أَحْسَبُهُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ إلَى غَيْرِ سُتْرَةٍ فَإِنَّهُ يَقْطَعُ صَلَاتَهُ الْحِمَارُ وَالْخِنْزِيرُ وَالْيَهُودِيُّ وَالْمَجُوسِيُّ وَالْمَرْأَةُ وَيُجْزِي عَنْهُ إذَا مَرُّوا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَى قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ } قَالَ أَبُو دَاوُد فِي نَفْسِي مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ شَيْءٌ وَأَحْسَبُ الْوَهْمَ مِنْ ابْنِ أَبِي سَمِينَةَ وَالْمُنْكَرُ فِيهِ ذِكْرُ الْمَجُوسِيِّ وَفِيهِ عَلَى قَذْفَةٍ بِحَجَرٍ وَذِكْرُ الْخِنْزِيرِ وَفِيهِ نَكَارَةٌ وَلَيْسَ كَلَامُ أَبِي دَاوُد هَذَا ثَابِتًا فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا مِنْ السُّنَنِ وَهُوَ ثَابِتٌ فِي كَثِيرٍ مِنْ النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ . { الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ } فِي غَمْزِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رِجْلَيْ عَائِشَةَ أَنَّ الْفِعْلَ الْقَلِيلَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَهُوَ كَذَلِكَ فَإِنْ قِيلَ فَفِي بَعْضِ طُرُقِ أَبِي دَاوُد { غَمَزَنِي فَقَالَ تَنَحِّي } فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ غَمْزَهُ لَهَا لَمْ يَكُنْ فِي الصَّلَاةِ لِقَوْلِهِ مَعَ الْغَمْزَةِ تَنَحِّي وَالْجَوَابُ أَنَّ الْغَمْزَ مَعَ قَوْلِهِ تَنَحِّي إنَّمَا هُوَ إذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ بَيْنَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّهَجُّدِ وَبَيْنَ الْوِتْرِ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ فَإِنَّهَا قَالَتْ { فَيُصَلِّي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا أَمَامَهُ فَإِذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ } زَادَ عُثْمَانُ غَمَزَنِي ثُمَّ اتَّفَقَا فَقَالَ تَنَحِّي وَهَذَا كَقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ حَتَّى { إذَا أَرَادَ أَنْ يُوتِرَ أَيْقَظَهَا فَأَوْتَرَتْ } . { السَّادِسَةَ عَشْرَةَ } قَوْلُ الرَّاوِي عَنْ عَائِشَةَ أَوْ مَنْ بَعْدَهُ تَعْنِي رِجْلِي هَكَذَا وَقَعَ فِي الْمُسْنَدِ بِزِيَادَةِ تَعْنِي وَالْحَدِيثُ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ بِدُونِهَا { غَمَزَ رِجْلِي } وَفَائِدَةُ زِيَادَةِ تَعْنِي هُنَا أَنَّهُ سَقَطَ ذِكْرُ رِجْلِي عِنْدَ بَعْضِ الرُّوَاةِ وَعَلِمَ مَنْ بَعْدَهُ أَنَّ مَنْ قَبْلَهُ أَتَى بِهَا وَإِنَّمَا سَقَطَتْ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ بَعْدَهُ وَقَدْ رَوَى الْخَطِيبُ فِي الْكِفَايَةِ بِإِسْنَادِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ قَالَ سَمِعْت وَكِيعًا يَقُولُ أَنَا أَسْتَعِينُ فِي الْحَدِيثِ بِيَعْنِي وَفَعَلَ الْخَطِيبُ ذَلِكَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ الْقَاضِي الْمَحَامِلِيِّ بِإِسْنَادِهِ عَنْ عُرْوَةَ يَعْنِي عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْنِي إلَيَّ رَأْسَهُ فَأُرَجِّلُهُ } . قَالَ الْخَطِيبُ كَانَ فِي أَصْلِ ابْنِ مَهْدِيٍّ عَنْ عَمْرَةَ أَنَّهَا قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدْنِي إلَيَّ رَأْسَهُ } فَأَلْحَقْنَا فِيهِ ذِكْرَ عَائِشَةَ إذْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُ بُدٌّ وَعَلِمْنَا أَنَّ الْمَحَامِلِيَّ كَذَلِكَ رَوَاهُ وَإِنَّمَا سَقَطَ مِنْ كِتَابِ شَيْخِنَا أَبِي عَمْرٍو قُلْنَا فِيهِ يَعْنِي عَنْ عَائِشَةَ لِأَجْلِ أَنَّ ابْنَ مَهْدِيٍّ لَمْ يَقُلْ لَنَا ذَلِكَ قَالَ الْخَطِيبُ وَهَكَذَا رَأَيْت غَيْرَ وَاحِدٍ مِنْ شُيُوخِنَا يَفْعَلُ مِثْلَ هَذَا قَالَ ابْنُ الصَّلَاحِ وَهَذَا إذَا كَانَ شَيْخُهُ قَدْ رَوَاهُ لَهُ عَلَى الْخَطَأِ أَمَّا إذَا وَجَدَ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ وَغَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ الْكِتَابِ لَا مِنْ شَيْخِهِ فَيُتَّجَهُ هُنَا إصْلَاحُ ذَلِكَ فِي كِتَابِهِ وَفِي رِوَايَتِهِ عِنْدَ تَحْدِيثِهِ بِهِ مَعًا . { السَّابِعَةَ عَشْرَةَ } قَوْلُ عَائِشَةَ وَالْبُيُوتُ يَوْمَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ أَرَادَتْ حِينَئِذٍ لِأَنَّهُ لَا يُعْهَدُ وُقُودُ الْمَصَابِيحِ فِي الْيَوْمِ وَهُوَ النَّهَارُ وَالْعَرَبُ تُعَبِّرُ بِالْيَوْمِ عَنْ الْحِينِ وَالْوَقْتِ كَمَا تُعَبِّرُ بِهِ عَنْ النَّهَارِ وَهُوَ مَشْهُورٌ عِنْدَهُمْ . { الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ } وَفِي قَوْلِ عَائِشَةَ بَيَانٌ لِمَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ ضَيِّقِ الْعَيْشِ إذْ لَمْ يَكُونُوا يُسْرِجُونَ فِي بُيُوتِهِمْ مَصَابِيحَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَفِيهِ أَنَّهَا إذْ حَدَّثَتْ بِهَذَا الْحَدِيثِ كَانَتْ فِي بُيُوتِهِمْ الْمَصَابِيحُ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فَتَحَ عَلَيْهِمْ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الدُّنْيَا فَوَسَّعُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ إذْ وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ . { التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ } فَإِنْ قِيلَ قَدْ جَعَلْتُمْ أَنَّ قَوْلَهَا يَوْمَئِذٍ الْمُرَادُ بِهِ الْحِينُ وَالزَّمَنُ فَيَحْتَمِلُ أَنْ تُرِيدَ بِذَلِكَ الْوَقْتِ صَلَاتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ آخَرِ اللَّيْلِ لَا كُلِّ اللَّيْلِ وَإِنَّمَا كَانُوا يُطْفِئُونَ مَصَابِيحَهُمْ عِنْدَ النَّوْمِ كَقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي الصَّحِيحِ { وَأَطْفِئُوا مَصَابِيحَكُمْ } فَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَ النَّوْمِ وَقَدْ وَرَدَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَجْلِسُ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ حَتَّى يُوقَدَ لَهُ } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي قِصَّةِ الْأَنْصَارِيِّ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ { وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ } الْآيَةَ أَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ وَتَعَالِي فَأَطْفِئْ السِّرَاجَ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُمْ كَانَتْ لَهُمْ مَصَابِيحُ فِي بُيُوتِهِمْ فِي زَمَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَيْرَ أَنَّهَا كَانَتْ تُطْفَأُ عِنْدَ النَّوْمِ وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا إلَّا أَنَّ قَوْلَهَا لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ ظَاهِرٌ فِي مُطْلَقِ النَّفْيِ وَإِنْ حَدَّثَتْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي زَمَنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُ عَائِشَةَ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ إذْ سُئِلَتْ عَنْ ذَلِكَ لَوْ كَانَ لَنَا مِصْبَاحٌ لَأَكَلْنَاهُ وَأَمَّا كَوْنُهُ لَا يَقْعُدُ فِي بَيْتٍ مُظْلِمٍ فَهَذَا لَا يَثْبُتُ وَقَدْ ضَعَّفَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْفَائِدَةُ الْعِشْرُونَ } ذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ الْقُشَيْرِيُّ مَا حَاصِلُهُ أَنَّ قِصَّةَ عَائِشَةَ فِي كَوْنِهَا فِي قِبْلَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ رَاقِدَةٌ لَيْسَ يُبَيِّنُ مُسَاوَاتَهَا لِمُرُورِ الْمَرْأَةِ لِأَنَّهَا ذَكَرَتْ أَنَّ الْبُيُوتَ حِينَئِذٍ لَيْسَ فِيهَا مَصَابِيحُ فَلَعَلَّ سَبَبَ هَذَا الْحُكْمِ عَدَمُ الْمُشَاهَدَةِ لَهَا . بَابُ السَّهْوُ فِي الصَّلَاةِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ { عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الظُّهْرِ سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقُصِرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيت ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تُقْصَرْ الصَّلَاةُ وَلَمْ أَنْسَهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا صَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ قَالُوا نَعَمْ فَصَلِّي بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ } قَالَ يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ أَبِي كَثِيرٍ : حَدَّثَنِي ضَمْضَمُ بْنُ جَوْسٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ { ثُمَّ سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجْدَتَيْنِ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا { إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ } قَالَ مُسْلِمٌ إمَّا الظُّهْرُ وَإِمَّا الْعَصْرُ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ قَالَ مُحَمَّدٌ { وَأَكْثَرُ ظَنِّي الْعَصْرَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ قَامَ إلَى خَشَبَةٍ فِي مُقَدَّمِ الْمَسْجِدِ فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهَا } وَقَالَ مُسْلِمٌ { ثُمَّ أَتَى جِذْعًا فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَاسْتَنَدَ إلَيْهَا مُغْضَبًا } الْحَدِيثَ وَفِيهِ { فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ ثُمَّ كَبَّرَ فَسَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { الْعَصْرَ } مِنْ غَيْرِ شَكٍّ وَفِيهَا { فَأَتَمَّ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّلَاةِ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ بَعْدَ التَّسْلِيمِ } وَلِأَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ { فَقَالَ أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ فَأَوْمَئُوا أَيْ نَعَمْ } . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ { صَلَّى الْعَصْرَ فَسَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ ثُمَّ دَخَلَ مَنْزِلَهُ فَقَامَ إلَيْهِ رَجُلٌ يُقَالُ لَهُ الْخِرْبَاقُ } الْحَدِيثَ وَفِيهِ { فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ } . وَلِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ { فَسَلَّمَ وَقَدْ بَقِيَتْ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَةٌ فَأَدْرَكَهُ رَجُلٌ فَقَالَ نَسِيتَ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَخَرَجَ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَأَمَرَ بِلَالًا فَأَقَامَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ رَكْعَةً } وَذُكِرَ أَنَّ الرَّجُلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَالْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا الِاخْتِلَافِ أَنَّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ قِصَّتَيْنِ وَلِعِمْرَانَ قِصَّةً أُخْرَى وَلِمُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ قِصَّةً أُخْرَى قَالَهُ الْمُحَقِّقُونَ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ بَعْدَ الْكَلَامِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ { وَقَالَ بَعْدَ السَّلَامِ وَالْكَلَامُ } وَلِلتِّرْمِذِيِّ { بَعْدَ السَّلَامِ } وَلِلنَّسَائِيِّ { سَلَّمَ ثُمَّ تَكَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ } وَلِلْبُخَارِيِّ { صَلَّى الظُّهْرَ خَمْسًا فَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا سَلَّمَ } بَابُ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ } عَنْ أَبِي سَلَمَةَ { عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الظُّهْرِ سَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ فَقَامَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سُلَيْمٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَقُصِرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيت ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ تُقْصَرْ الصَّلَاةُ وَلَمْ أَنْسَهُ قَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّمَا صَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ ؟ قَالُوا نَعَمْ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ } . قَالَ يَحْيَى يَعْنِي ابْنَ أَبِي كَثِيرٍ حَدَّثَنِي ضَمْضَمُ بْنُ جَوْسٍ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ { ثُمَّ سَجَدَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجْدَتَيْنِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } فِيهِ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ شَهِدَ مَعَ رَسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الصَّلَاةَ خِلَافًا لِمَنْ قَالَ إنَّهُ رَوَاهَا مُرْسَلَةً وَلَمْ يَشْهَدْهَا لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ الْمَذْكُورَ قُتِلَ بِبَدْرٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ إنَّمَا أَسْلَمَ بَعْدَ خَيْبَرَ سَنَةَ سَبْعٍ قَالَهُ الطَّحَاوِيُّ وَغَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَاحْتَجُّوا بِمَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ الْعُمَرِيِّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ إسْلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ كَانَ بَعْدَ مَوْتِ ذِي الْيَدَيْنِ وَأَنَّهُ لَا خِلَافَ بَيْنَ أَهْلِ السِّيَرِ أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ بِبَدْرٍ قَالُوا وَهَذَا الزُّهْرِيُّ مَعَ عِلْمِهِ بِالسِّيَرِ وَالْأَثَرِ وَهُوَ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ فِي ذَلِكَ يَقُولُ : إنَّ قِصَّةَ ذِي الْيَدَيْنِ كَانَتْ قَبْلَ بَدْرٍ حَكَاهُ مَعْمَرٌ وَغَيْرُهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ قَالَ الزُّهْرِيُّ ثُمَّ اسْتَحْكَمَتْ الْأُمُورُ بَعْدُ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي مَعْشَرٍ إنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ بِبَدْرٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَوْلُهُمْ إنَّ ذَا الْيَدَيْنِ قُتِلَ بِبَدْرٍ غَيْرُ صَحِيحٍ . وَإِنَّمَا الْمَقْتُولُ بِبَدْرٍ ذُو الشِّمَالَيْنِ وَلَسْنَا نُدَافِعُهُمْ أَنَّ ذَا الشِّمَالَيْنِ مَقْتُولٌ بِبَدْرٍ لِأَنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ وَغَيْرَهُ مِنْ أَهْلِ السِّيَرِ ذَكَرُوهُ فِيمَنْ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ وَذُو الشِّمَالَيْنِ الْمَقْتُولُ بِبَدْرٍ خُزَاعِيٌّ وَذُو الْيَدَيْنِ الَّذِي شَهِدَ سَهْوَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُلَمِيٌّ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ ذُو الشِّمَالَيْنِ هُوَ عُمَيْرُ بْنُ عَمْرِو بْنِ غَيْشَانَ بْنِ سُلَيْمِ بْنِ مَالِكِ بْنِ أَقْصَى بْنِ حَارِثَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ عَامِرِ بْنِ خُزَاعَةَ حَلِيفُ بَنِي زُهْرَةَ . وَرَوَى عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ قَالَ قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ خَمْسَةُ رِجَالٍ مِنْ قُرَيْشٍ فَعَدَّ مِنْهُمْ ذَا الشِّمَالَيْنِ وَإِنَّمَا عَدَّهُ مِنْ قُرَيْشٍ لِكَوْنِهِ حَلِيفَ بَنِي زُهْرَةَ وَذُو الْيَدَيْنِ اسْمُهُ الْخِرْبَاقُ كَمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ رَجُلَانِ وَثَلَاثَةٌ يُقَالُ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ذُو الْيَدَيْنِ وَذُو الشِّمَالَيْنِ وَلَكِنَّ الْمَقْتُولَ يَوْمَ بَدْرٍ غَيْرُ الَّذِي تَكَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ وَهَذَا قَوْلُ أَهْلِ الْحِذْقِ وَالْفَهْمِ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَالْفِقْهِ ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ إلَى مُسَدَّدٍ قَالَ الَّذِي قُتِلَ يَوْمَ بَدْرٍ إنَّمَا هُوَ ذُو الشِّمَالَيْنِ بْنُ عَبْدِ عُمَرَ وَحَلِيفٌ لِبَنِي زُهْرَةَ وَهَذَا ذُو الْيَدَيْنِ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ كَانَ يَكُونُ بِالْبَادِيَةِ فَيَجِيءُ فَيُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ أَبُو عَمْرٍو وَأَمَّا قَوْلُ الزُّهْرِيِّ إنَّهُ ذُو الشِّمَالَيْنِ فَلَمْ يُتَابَعْ عَلَيْهِ قَالَ وَقَدْ اضْطَرَبَ الزُّهْرِيُّ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ اضْطِرَابًا أَوْجَبَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالنَّقْلِ تَرْكَهُ مِنْ رِوَايَتِهِ خَاصَّةً ثُمَّ ذَكَرَ اضْطِرَابَهُ فِيهِ ثُمَّ قَالَ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْحَدِيثِ الْمُصَنَّفِينَ فِيهِ عَوَّلَ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ شِهَابٍ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ لِاضْطِرَابِهِ فِيهِ وَإِنَّهُ لَمْ يُقِمْ لَهُ إسْنَادًا وَلَا مَتْنًا وَإِنْ كَانَ إمَامًا عَظِيمًا فِي هَذَا الشَّأْنِ فَالْغَلَطُ لَا يَسْلَمُ مِنْهُ أَحَدٌ وَالْكَمَالُ لَيْسَ لِمَخْلُوقٍ وَكُلُّ أَحَدٍ يُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ وَيُتْرَكُ إلَّا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَيْسَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ إنَّهُ الْمَقْتُولُ بِبَدْرٍ حُجَّةً لِأَنَّهُ قَدْ تَبَيَّنَ غَلَطُهُ فِي ذَلِكَ ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ رَوَى عَنْ ذِي الْيَدَيْنِ وَلَقَّبَهُ مِنْ التَّابِعِينَ وَأَنَّهُ بَقِيَ إلَى خِلَافَةِ مُعَاوِيَةَ وَأَنَّهُ تُوُفِّيَ بِذِي خَشَبٍ فَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ . وَدَعْوَاهُمْ اتِّفَاقَ أَهْلِ السِّيَرِ عَلَى ذَلِكَ خَطَأٌ صَرِيحٌ وَإِنَّمَا يُعْرَفُ ذَلِكَ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَهُوَ خَطَأٌ وَعَنْ أَبِي مَعْشَرٍ وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَقَدْ خَالَفَهُمَا جُمْهُورُ أَهْلِ السِّيَرِ فَفَرَّقُوا بَيْنَ ذِي الْيَدَيْنِ وَذِي الشِّمَالَيْنِ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ اخْتِلَافِ الْحَدِيثِ وَأَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَاكِمُ وَالْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُمْ قَالَ الْحَاكِمُ كُلُّ مَنْ قَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . فَقَالَ ذُو الشِّمَالَيْنِ فَقَدْ أَخْطَأَ فَإِنَّ ذَا الشِّمَالَيْنِ قَدْ تَقَدَّمَ مَوْتُهُ وَلَمْ يُعَقِّبْ وَلَيْسَ لَهُ رَاوٍ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ الْمَقْتُولُ بِبَدْرٍ ذُو الشِّمَالَيْنِ وَهُوَ غَيْرُ الْمُتَكَلِّمِ فِي حَدِيثِ السَّهْوِ هَذَا قَوْلُ الْحُفَّاظِ كُلِّهِمْ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ إلَّا الزُّهْرِيَّ فَقَالَ هُوَ هُوَ وَاتَّفَقُوا عَلَى تَغْلِيطِ الزُّهْرِيِّ فِي هَذَا وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى شُهُودِ أَبِي هُرَيْرَةَ لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِهِ الثِّقَاتِ صَرَّحُوا عَنْهُ بِحُضُورِهِ لِلْوَاقِعَةِ فَعِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ أَوْ الْعَصْرَ } الْحَدِيثَ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْهُ { صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ } الْحَدِيثَ وَعِنْدَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ { صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعَصْرَ } وَرَوَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ رِوَايَةِ ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { صَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : وَكَذَلِكَ رَوَاهُ الْعَلَاءُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ا هـ وَحَمَلُوا قَوْلَ أَبِي هُرَيْرَةَ { صَلَّى لَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } عَلَى أَنَّهُ عَنَى صَلَّى بِالْمُسْلِمِينَ قَالُوا وَهَذَا جَائِزٌ فِي اللُّغَةِ وَيَرِدُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ الْبَابِ { بَيْنَمَا أَنَا أُصَلِّي مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } وَإِنَّمَا أَنْكَرَ مَنْ أَنْكَرَ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ شُهُودَ أَبِي هُرَيْرَةَ لِلْقِصَّةِ لِيَجْعَلُوا حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحَدِيثَ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ نَاسِخًا لِقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ كَمَا سَيَأْتِي فِي ذِكْرِ الْمَذَاهِبِ . { الثَّانِيَةُ } فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ الْجَزْمُ بِأَنَّ الصَّلَاةَ الَّتِي وَقَعَ فِيهَا ذَلِكَ الظُّهْرُ وَهِيَ عِنْدَ مُسْلِمٍ هَكَذَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ فِي لَفْظٍ لَهُ مِنْ رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْجَزْمُ بِأَنَّهَا الْعَصْرُ وَهِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى الشَّكِّ إحْدَى الصَّلَاتَيْنِ زَادَ الْبُخَارِيُّ قَالَ مُحَمَّدٌ أَيْ ابْنُ سِيرِينَ وَأَكْبَرُ ظَنِّي الْعَصْرُ . وَقَدْ أَجَابَ النَّوَوِيُّ عَنْ هَذَا الِاخْتِلَافِ بِمَا حَكَاهُ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ أَنَّهُمَا قَضِيَّتَانِ وَقَدْ تَبِعْته عَلَى ذَلِكَ فِي الْأَحْكَامِ ثُمَّ تَبَيَّنَ أَنَّ الصَّوَابَ أَنَّ قِصَّةَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَاحِدَةٌ وَأَنَّ الشَّكَّ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَيُوَضِّحُ ذَلِكَ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ عَوْنٍ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ قَالَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ { صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنِّي نَسِيت قَالَ فَصَلَّى بِنَا رَكْعَتَيْنِ } فَبَيَّنَ أَبُو هُرَيْرَةَ فِي رِوَايَتِهِ هَذِهِ وَإِسْنَادُهَا صَحِيحٌ أَنَّ الشَّكَّ مِنْهُ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَلَا يُقَالُ هُمَا وَاقِعَتَانِ كَمَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ وَإِنَّمَا الْجَمْعُ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ رَوَاهُ كَثِيرًا عَلَى الشَّكِّ وَمَرَّةً غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الظُّهْرُ فَجَزَمَ بِهَا وَمَرَّةً أُخْرَى غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ أَنَّهَا الْعَصْرُ فَجَزَمَ بِهَا وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ سِيرِينَ وَأَكْبَرُ ظَنِّي فَهُوَ شَكٌّ آخَرُ مِنْ ابْنِ سِيرِينَ وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا هُرَيْرَةَ حَدَّثَهُ بِهَا مُعَيَّنَةً كَمَا عَيَّنَهَا لِغَيْرِهِ وَيَدُلُّكَ عَلَى أَنَّهُ عَيَّنَهَا لَهُ قَوْلُ الْبُخَارِيِّ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ قَالَ ابْنُ سِيرِينَ سَمَّاهَا أَبُو هُرَيْرَةَ وَلَكِنِّي نَسِيت أَنَا . { الثَّالِثَةُ } فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ } وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ { أَنَّهُ سَلَّمَ فِي ثَلَاثِ رَكَعَاتٍ } وَلَيْسَ هَذَا بِاخْتِلَافٍ بَلْ هُمَا قِصَّتَانِ كَمَا حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ . { الرَّابِعَةُ } فِيهِ أَنَّ الْيَقِينَ لَا يُزَالُ بِالِاحْتِمَالِ وَالشَّكِّ لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ كَانَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ أَنَّ الصَّلَاةَ رَبَاعِيَةٌ فَلَمَّا صَلَّاهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يَكْتَفِ ذُو الْيَدَيْنِ بِالشَّكِّ هَلْ قَصُرَتْ أَمْ لَا وَاحْتِمَالِ ذَلِكَ بَلْ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ لِيَتَحَقَّقَ الْحَالَ وَيُؤَدِّيَ مَا عَلَيْهِ بِيَقِينٍ . { الْخَامِسَةُ } فَإِنْ قِيلَ قَدْ سَكَتَ النَّاسُ أَجْمَعُونَ وَفِيهِمْ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فَإِذَا وَسِعَهُمْ السُّكُوتُ وَتَرْكُ السُّؤَالِ فَهَلَّا وَسِعَ ذَلِكَ ذَا الْيَدَيْنِ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّ السُّؤَالَ عَنْ ذَلِكَ يَحْصُلُ بِسُؤَالٍ وَاحِدٍ مِنْ النَّاسِ وَقَدْ وَقَعَ وَكَانَتْ عَادَتُهُمْ أَنْ يَتَكَلَّمَ الْأَكْبَرُ كَأَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ فَلَمَّا حَضَرَا وَلَمْ يَتَكَلَّمَا سَكَتَ النَّاسُ إلَّا ذَا الْيَدَيْنِ وَقَدْ بَيَّنَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحِ الْعِلَّةَ فِي سُكُوتِ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ بِأَنَّهُمَا هَابَاهُ أَنْ يُكَلِّمَاهُ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ مَعَ عِلْمِهِمَا بِأَنَّهُ سَيُبَيِّنُ أَمْرَ مَا وَقَعَ قَالَ وَلَعَلَّهُ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْ السُّؤَالِ انْتَهَى . وَرُبَّمَا كَانَ فِيهِمْ مَنْ يَظُنُّ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَيْهِ النِّسْيَانُ حَتَّى بَيَّنَ لَهُمْ جَوَازَهُ عَلَيْهِ فَقَالَ إنَّمَا { أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ فَإِذَا نَسِيتُ فَذَكِّرُونِي } عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ لَا نُسَلِّمُ أَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْهُ إلَّا ذُو الْيَدَيْنِ فَعِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ ذَلِكَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ وَلَكِنَّهُ ذَكَرَ فِيهِ أَنَّهُ كَانَ بَقِيَتْ مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَةٌ فَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْعَصْرَ فَيَكُونَ مُوَافِقًا لِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَيَكُونَ قَدْ سَأَلَهُ طَلْحَةُ مَعَ الْخِرْبَاقِ أَيْضًا وَقَدْ يَكُونُ فِي بَعْضِ الصَّحَابَةِ جُرْأَةٌ وَإِقْدَامٌ فَيَحْصُلُ مَقْصُودُ السَّاكِتِ بِهِ كَمَا قَالَ أَنَسٌ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { كُنَّا نُهِينَا أَنْ نَسْأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ يُعْجِبُنَا أَنْ يَجِيءَ الرَّجُلُ الْعَاقِلُ مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ فَيَسْأَلَهُ الْحَدِيثَ } . { السَّادِسَةُ } وَقَوْلُهُ { أَقُصِرَتْ الصَّلَاةُ } هُوَ بِضَمِّ الْقَافِ وَكَسْرِ الصَّادِ عَلَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ بِفَتْحِ الْقَافِ وَضَمِّ الصَّادِ عَلَى أَنَّهُ قَاصِرٌ وَقِيَاسُ هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنْ يُقَالَ فِي الْجَوَابِ لَمْ تَقْصُرْ بِفَتْحِ التَّاءِ وَضَمِّ الصَّادِ وَالْمَشْهُورُ الْأَوَّلُ وَقَوْلُهُ { وَلَمْ أَنْسَهُ } هُوَ بِالْهَاءِ السَّاكِنَةِ فِي آخِرِهِ لِلسَّكْتِ وَلَيْسَتْ ضَمِيرًا . { السَّابِعَةُ } اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ فِي جَوَابِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِذِي الْيَدَيْنِ فَقَالَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ مَا تَقَدَّمَ وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَوْنٍ وَيَزِيدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ { لَمْ أَنْسَ وَلَمْ تَقْصُرْ } كَمَا عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَقَالَ أَبُو سُفْيَانَ مَوْلَى ابْنِ أَبِي أَحْمَدَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَقَالَ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ } وَلَمْ يَذْكُرْ أَيُّوبُ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ كَمَا فِي الصَّحِيحَيْنِ نَفْيَ الْقَصْرِ وَالنِّسْيَانِ رَأْسًا بَلْ سَأَلَ مَنْ حَضَرَ { أَصَدَقَ ذُو الْيَدَيْنِ } وَكَذَا فِي رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ لَا إشْكَالَ فِيهَا وَأَمَّا رِوَايَةُ نَفْيِ الْأَمْرَيْنِ فَقَدْ أُجِيبَ عَنْهَا بِأَجْوِبَةٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّ الْمُرَادَ لَمْ يَكُنْ الْأَمْرَانِ مَعًا وَكَانَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّهُ أَوْرَدَ الْعَامِلُ فِي النَّفْيِ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ الْأَمْرَيْنِ . ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ أَخْبَرَ عَمَّا فِي ظَنِّهِ فَهُوَ مُقَدَّرٌ وَإِنْ كَانَ مَحْذُوفًا . ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّهُ أَرَادَ لَمْ أَنْسَ السَّلَامَ بَلْ سَلَّمْت قَصْدًا عَلَى ظَنِّ التَّمَامِ وَهُوَ بَعِيدٌ أَيْضًا . ( وَالرَّابِعُ ) أَنَّ السَّهْوَ لَيْسَ نِسْيَانًا بَلْ بَيْنَهُمَا فَرْقٌ فَكَانَ يَسْهُو وَلَا يَنْسَى لِأَنَّ النِّسْيَانَ غَفْلَةٌ وَالسَّهْوَ قَدْ يَقَعُ عَنْ بَعْضِ الْأَفْعَالِ الظَّاهِرَةِ اشْتِغَالًا بِمَا يَتَعَلَّقُ بِأَحْوَالِ الصَّلَاةِ أَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَاسْتُبْعِدَ مِنْ حَيْثُ عَدَمِ الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا لُغَةً وَيَرُدُّهُ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ { إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ } . ( وَالْخَامِسُ ) وَاخْتَارَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّهُ نَفَى كَوْنَهُ نَسِيَ بِالتَّخْفِيفِ قَاصِرًا وَلَمْ يَنْفِ كَوْنَهُ نُسِّيَ بِالتَّشْدِيدِ مَبْنِيٌّ لِلْمَفْعُولِ كَمَا قَالَ { بِئْسَمَا لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيت } أَنَّهُ كَذَا بَلْ هُوَ نُسِّيَ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَمْ أَنْسَ مِنْ قِبَلِ نَفْسِي غَفْلَةً عَنْ الصَّلَاةِ وَلَكِنَّ اللَّهَ نَسَّانِي لِأَنْسَى وَيَرُدُّهُ أَيْضًا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمُتَقَدِّمُ فَإِنَّهُ نَسَبَ النِّسْيَانَ إلَى نَفْسِهِ وَفَرَّقَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ بَيْنَ إضَافَةِ نِسْيَانِ كَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى إلَى الْإِنْسَانِ وَبَيْنَ إضَافَةِ نِسْيَانِ غَيْرِهِ إلَيْهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ النَّهْيِ عَنْ الْخَاصِّ النَّهْيُ عَنْ الْعَامِّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسُ ) مَا أَجَابَ بِهِ عَبْدُ الْكَرِيمِ بْنُ عَطَاءِ اللَّهِ السَّكَنْدَرِيُّ أَنَّ الْعِصْمَةَ إنَّمَا ثَبَتَتْ فِي الْإِخْبَارِ عَنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْأَحْكَامِ وَغَيْرِهَا دُونَ الْأُمُورِ الْوُجُودِيَّةِ هَذَا حَاصِلُ كَلَامِهِ وَقَدْ أَبْهَمَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ بِقَوْلِهِ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ . ( السَّابِعُ ) أَنَّ النِّسْيَانَ يُطْلَقُ بِإِزَاءِ مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا خِلَافُ الْعَمْدِ وَهُوَ الْأَغْلَبُ وَالْمَعْنَى الثَّانِي التَّرْكُ وَأَرَادَ هُنَا الْمَعْنَى الثَّانِي هَكَذَا أَجَابَ بِهِ بَعْضُ مَنْ تَعَقَّبَ كَلَامَ الْقَاضِي عِيَاضٍ وَلَيْسَ هَذَا بِكَافٍ لِأَنَّ السُّؤَالَ بَاقٍ لِأَنَّ قُصَارَاهُ أَنْ يَكُونَ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَا تَرَكَ وَقَدْ تَرَكَ رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ أَرَادَ إخْبَارَهُ عَلَى ظَنِّهِ فَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّهُ أَخْبَرَ أَنَّهُ مَا نَسِيَ عَلَى ظَنِّهِ فَلَا حَاجَةَ لِتَأْوِيلِهِ بِالتَّرْكِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، وَأَجْوَدُ هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ الْوَجْهُ الثَّانِي . { الثَّامِنَةُ } قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ لَمْ أَفْعَلْ كَذَا وَكَانَ قَدْ فَعَلَهُ نَاسِيًا أَنَّهُ غَيْرُ كَاذِبٍ انْتَهَى وَالْخِلَافُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَعْرُوفٌ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْمُعْتَزِلَةِ هَلْ الْكَذِبُ الْإِخْبَارُ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ أَوْ تَعَمُّدُ الْإِخْبَارِ بِخِلَافِ الْوَاقِعِ وَهَذَا الْخِلَافُ هُوَ فِي حَقِيقَتِهِ مَعَ إجْمَاعِهِمْ عَلَى أَنَّ غَيْرَ الْمُتَعَمِّدِ لَيْسَ بِآثِمٍ وَإِنْ انْطَلَقَ عَلَيْهِ الِاسْمُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَلِذَلِكَ قَالَتْ عَائِشَةُ يَرْحَمُ اللَّهُ أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ لَمْ يَكْذِبْ وَلَكِنَّهُ ذَهَلَ . { التَّاسِعَةُ } اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْحَالِفَ بِاَللَّهِ عَلَى شَيْءٍ يَعْتَقِدُهُ فَيَظْهَرُ أَنَّهُ بِخِلَافِ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ أَنَّ تِلْكَ الْيَمِينَ لَاغِيَةٌ لَا حِنْثَ فِيهَا حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ وَقَالَ إنَّهُ صَارَ إلَيْهِ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ ا هـ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ قَدْ ظَهَرَ خِلَافُ مَا حَلَفَ عَلَيْهِ فَعَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ كَمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ وَغَيْرُهُ نَعَمْ لَا إثْمَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ تَعَمُّدِ الْكَذِبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْعَاشِرَةُ } { قَوْلُ ذِي الْيَدَيْنِ إنَّمَا صَلَّيْت رَكْعَتَيْنِ } أَرَادَ بِهِ إثْبَاتَ كَوْنِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَسِيَ كَمَا هُوَ عِنْدَ الْبُخَارِيِّ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { قَالَ بَلَى قَدْ نَسِيت } وَكَذَا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ فَقَالَ { قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ } أَرَادَ بِهِ أَيْضًا إثْبَاتَ النِّسْيَانِ وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ النَّسْخُ بَعْدَ إخْبَارِهِ أَنَّهَا لَمْ تَقْصُرْ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ الْحَلِفُ فِيهِ لِكَوْنِهِ حُكْمًا شَرْعِيًّا بِخِلَافِ مَا يَتَعَلَّقُ بِالْإِخْبَارِ عَنْ الْأَحْوَالِ الْبَشَرِيَّةِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ طَرِيقِ الْبَلَاغِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } فِيهِ جَوَازُ السَّهْوِ فِي الْأَفْعَالِ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ صَلَّى اللَّهُ وَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَهُوَ مَذْهَبُ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى إخْبَارًا عَنْ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ { لَا تُؤَاخِذْنِي بِمَا نَسِيت } وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أُبَيٍّ الْمُتَّفَقِ عَلَى صِحَّتِهِ { كَانَتْ الْأُولَى مِنْ مُوسَى نِسْيَانًا } . فَبَيَّنَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَا ذَكَرَهُ مُوسَى مِنْ النِّسْيَانِ كَانَ عَلَى حَقِيقَتِهِ وَأَنْكَرَتْ طَائِفَةٌ جَوَازَ السَّهْوِ وَإِنَّمَا يَقَعُ مِنْهُ صُورَةُ النِّسْيَانِ قَصْدًا لِيَسُنَّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَدْ مَالَ إلَى هَذَا عَظِيمٌ مِنْ الْمُحَقِّقِينَ مِنْ أَئِمَّتِنَا وَهُوَ أَبُو الْمُظَفَّرِ الْإسْفَرايِينِيّ وَلَمْ يَرْتَضِهِ غَيْرُهُ مِنْهُمْ وَلَا أَرْتَضِيهِ انْتَهَى . وَهَذَا بَاطِلٌ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ عَمْدًا لَأَبْطَلَ الصَّلَاةَ وَتَمَسَّكُوا بِمَا ذَكَرُوهُ فِي الْحَدِيثِ { إنِّي لَا أَنْسَى وَلَكِنْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ } وَالْجَوَابُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا أَصْلَ لَهُ وَإِنْ كَانَ ذَكَرَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ مِنْ بَلَاغَاتِهِ فَهُوَ أَحَدُ الْأَحَادِيثِ الْأَرْبَعَةِ الَّتِي فِي الْمُوَطَّإِ بَلَاغًا وَلَمْ يُوجَدُ لَهَا إسْنَادٌ مُتَّصِلٌ وَلَا مُنْقَطِعٌ قَالَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ ثُمَّ إنَّ الرِّوَايَةَ الصَّحِيحَةَ فِيهِ عَلَى الْإِثْبَاتِ لَا عَلَى النَّفْيِ { إنِّي لَأَنْسَى أَوْ أُنَسَّى لِأَسُنَّ } . أَيْ إنَّ الرَّاوِيَ شَكَّ هَلْ قَالَ أَنْسَى أَوْ أُنَسَّى وَلَوْ كَانَتْ الرِّوَايَةُ عَلَى النَّفْيِ لَكَانَ مُخَالِفًا لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ { إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ } فَأَثْبَتَ لَهُ وَصْفَ النِّسْيَانِ وَلَمْ يَكْتَفِ بِذَلِكَ لِئَلَّا يَقُولَ قَائِلٌ إنَّ نِسْيَانَهُ لَيْسَ كَنِسْيَانِنَا فَقَالَ { كَمَا تَنْسَوْنَ } . وَأَثْبَتَ أَوَّلًا الْعِلَّةَ قَبْلَ الْحُكْمِ بِقَوْلِهِ { إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ } وَكَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ { فَنُسِّيَ آدَم فَنُسِّيَتْ ذُرِّيَّتُهُ } أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَقَسَّمَ الْقَاضِي عِيَاضٌ الْأَفْعَالَ إلَى نَوْعَيْنِ مَا طَرِيقُهُ الْبَلَاغُ وَتَقْرِيرُ الشَّرْعِ وَتَعَلُّقُ الْأَحْكَامِ وَمَا لَيْسَ طَرِيقُهُ الْبَلَاغَ وَلَا بَيَانَ الْأَحْكَامِ مِنْ أَفْعَالِهِ وَمَا يَخْتَصُّ بِهِ مِنْ أُمُورِ دِينِهِ فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَذَهَبَ إلَى مَنْعِ جَوَازِ السَّهْوِ عَلَيْهِ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ وَإِلَيْهِ مَالَ أَبُو إِسْحَاقَ وَذَهَبَ أَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ وَالْمُتَكَلِّمِينَ إلَى جَوَازِهِ عَلَيْهِ كَمَا وَقَعَ فِي أَحَادِيثِ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ . وَأَمَّا الثَّانِي فَالْأَكْثَرُ مِنْ طَبَقَاتِ عُلَمَاءِ الْأُمَّةِ عَلَى جَوَازِ السَّهْوِ وَالْغَلَطِ فِيهِ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَأَبَى ذَلِكَ بَعْضُ مَنْ تَأَخَّرَ عَنْ زَمَنِهِ وَقَالُوا إنَّ أَقْوَالَهُ وَأَفْعَالَهُ وَإِقْرَارَهُ كُلَّهُ بَلَاغٌ مِنْ حَيْثُ التَّأَسِّي بِهِ وَلَمْ يُصَرِّحْ فِي ذَلِكَ بِالْفَرْقِ بَيْنَ عَمْدٍ أَوْ سَهْوٍ قَالَ الشَّيْخُ فَإِنْ كَانَ يَقُولُ بِأَنَّ السَّهْوَ وَالْعَمْدَ سَوَاءٌ فِي الْأَفْعَالِ فَهَذَا الْحَدِيثُ يَرُدُّ عَلَيْهِ ثُمَّ إنَّ مَنْ أَجَازَ عَلَيْهِمْ السَّهْوَ فِي الْأَفْعَالِ الَّتِي طَرِيقُهَا الْبَلَاغُ يَشْتَرِطُونَ أَنَّ الرُّسُلَ لَا تُقَرُّ عَلَى السَّهْوِ وَالْغَلَطِ بَلْ يُنَبَّهُونَ عَلَيْهِ عَلَى الْفَوْرِ كَمَا فِي هَذِهِ الْوَاقِعَةِ عَلَى أَصَحِّ الْقَوْلَيْنِ . وَهُوَ قَوْلُ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ وَأَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ كَمَا حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ عَنْهُمْ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ ذَلِكَ عَلَى الْفَوْرِ بَلْ عَلَى التَّرَاخِي فِي بَقِيَّةِ الْعُمْرِ وَإِلَيْهِ مَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَهَذَا كُلُّهُ فِي الْأَفْعَالِ فَأَمَّا الْأَقْوَالُ فَهِيَ أَيْضًا عَلَى نَوْعَيْنِ مَا طَرِيقُهُ الْبَلَاغُ وَهُمْ مَعْصُومُونَ فِيهِ مِنْ السَّهْوِ بِإِجْمَاعِ الْمُسْلِمِينَ كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَمَا لَيْسَ طَرِيقُهُ الْبَلَاغَ مِنْ الْأَخْبَارِ الَّتِي لَا مُسْتَنَدَ لَهَا إلَى الْأَحْكَامِ وَلَا أَخْبَارِ الْمَعَادِ وَلَا تُضَافُ إلَى وَحْيٍ بَلْ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا وَأَحْوَالِ نَفْسِهِ . قَالَ الْقَاضِي فَاَلَّذِي يَجِبُ اعْتِقَادُهُ تَنْزِيهُهُ عَنْ الْحَلِفِ فِيهَا لَا عَمْدًا وَلَا سَهْوًا وَلَا غَلَطًا وَأَنَّهُ مَعْصُومٌ مِنْ ذَلِكَ فِي حَالِ رِضَاهُ وَفِي حَالِ سَخَطِهِ وَجِدِّهِ وَمَزْحِهِ وَصِحَّتِهِ وَمَرَضِهِ قَالَ وَدَلِيلُ ذَلِكَ اتِّفَاقُ السَّلَفِ وَإِجْمَاعُهُمْ عَلَيْهِ وَأَطَالَ الْكَلَامَ إلَى أَنْ قَالَ فَلْيُقْطَعْ عَنْ يَقِينٍ بِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ عَلَى الْأَنْبِيَاءِ خُلْفٌ فِي الْقَوْلِ فِي وَجْهٍ مِنْ الْوُجُوهِ . لَا بِقَصْدٍ وَلَا بِغَيْرِ قَصْدٍ وَلَا يُتَسَامَحُ مَعَ مَنْ سَامَحَ فِي تَجْوِيزِ ذَلِكَ عَلَيْهِمْ حَالَ السَّهْوِ فِيمَا لَيْسَ طَرِيقُهُ الْبَلَاغَ وَمَا ادَّعَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ مِنْ الْإِجْمَاعِ خَالَفَهُ الْقُرْطُبِيُّ فَقَالَ فِي الْمُفْهِمِ وَالصَّحِيحُ أَنَّ السَّهْوَ عَلَيْهِ جَائِزٌ مُطْلَقًا إذْ هُوَ وَاحِدٌ مِنْ نَوْعِ الْبَشَرِ فَيَجُوزُ عَلَيْهِ مَا يَجُوزُ عَلَيْهِمْ إذَا لَمْ يَقْدَحْ فِي حَالِهِ وَعَلَيْهِ نَبَّهَ حَيْثُ قَالَ { إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ } . غَيْرَ أَنَّ مَا كَانَ مِنْهُ فِيمَا طَرِيقُهُ بَلَاغُ الْأَحْكَامِ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا لَا يُقَرُّ عَلَى نِسْيَانِهِ بَلْ يُنَبَّهُ عَلَيْهِ إذَا دَعَتْ الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ الْمُبَلِّغِ فَإِنْ أُقِرَّ عَلَى نِسْيَانِهِ لِذَلِكَ فَذَلِكَ مِنْ بَابِ النَّسْخِ كَمَا قَالَ تَعَالَى { سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَى إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ } وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِ { لَمْ تَقْصُرْ وَلَمْ أَنْسَهُ } فِي الْفَائِدَةِ السَّابِعَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ } اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِقَوْلِهِ { أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ } عَلَى اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ فِي الرِّوَايَةِ إذْ لَمْ يَكْتَفِ فِي ذَلِكَ بِخَبَرِ ذِي الْيَدَيْنِ حَتَّى أَخْبَرَ مَعَهُ غَيْرُهُ وَهَذَا قَوْلٌ حَكَاهُ الْحَازِمِيُّ فِي شُرُوطِ الْأَئِمَّةِ عَنْ بَعْضِ مُتَأَخِّرِي الْمُعْتَزِلَةِ وَقَدْ حَكَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ فِي الْفُصُولِ الَّتِي أَمْلَاهَا عَنْ بَعْضِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي رِسَالَتِهِ إلَى أَبِي مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيِّ وَهَذَا قَوْلٌ مُخَالِفٌ لِإِجْمَاعِ أَهْلِ السُّنَّةِ لِإِجْمَاعِهِمْ عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَالْجَوَابُ أَنَّ احْتِجَاجَهُمْ أَنَّ الْمُصَلِّيَ لَا يَتْرُكُ اعْتِقَادَهُ وَظَنَّهُ لِقَوْلِ وَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ عَدْلًا إذْ هُوَ يُخْبِرُ عَنْ خِلَافِ مَا يَعْتَقِدُهُ الْمُخْبِرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ أَنَّ الْوَاحِدَ إذَا ادَّعَى شَيْئًا كَانَ فِي مَجْلِسِ جَمَاعَةٍ لَا يُمْكِنُ فِي مِثْلِ مَا ادَّعَاهُ أَنْ يَنْفَرِدَ بِعِلْمِهِ دُونَ أَهْلِ الْمَجْلِسِ لَمْ يَقْطَعْ بِقَوْلِهِ حَتَّى يَسْتَخْبِرَ الْجَمَاعَةَ فَإِنْ خَالَفُوهُ سَقَطَ قَوْلُهُ أَوْ نُظِرَ فِيهِ بِمَا يَجِبُ وَإِنْ تَابَعُوهُ ثَبَتَ قُلْت إنَّمَا اسْتَخْبَرَ الْحَاضِرِينَ لِكَوْنِهِ أَخْبَرَهُ عَمَّا يَعْتَقِدُ أَوْ يَظُنُّ خِلَافَهُ وَإِلَّا فَقَدْ حَدَّثَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ عَلَى الْمِنْبَرِ بِحَدِيثِ الْأَعْمَالِ بِالنِّيَّةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَلَمْ يَصِحَّ أَنَّ أَحَدًا مِنْ التَّابِعِينَ رَوَاهُ عَنْهُ إلَّا عَلْقَمَةُ بْنُ وَقَّاصٍ مَعَ كَوْنِهِ مِنْ قَوَاعِدِ الْإِسْلَامِ وَلَمْ يَرُدَّهُ أَحَدٌ لِانْفِرَادِ عَلْقَمَةَ بِهِ إذْ لَيْسَ فِيهِ مُخَالِفَةٌ لِمَا رَوَاهُ غَيْرُهُ عَنْ عُمَرَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ أَنَّ الْمُحَدِّثَ إذَا خَالَفَهُ جَمَاعَةٌ فِي نَقْلِهِ أَنَّ الْقَوْلَ قَوْلُ الْجَمَاعَةِ وَأَنَّ الْقَلْبَ إلَى رِوَايَتِهِ أَشَدُّ سُكُونًا مِنْ رِوَايَةِ الْوَاحِدِ . { الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ } اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُقْبَلُ فِي رُؤْيَةِ الْهِلَالِ فِي غَيْرِ الْغَيْمِ إلَّا الْجَمُّ الْغَفِيرُ لِكَوْنِهِ لَمْ يَقْبَلْ ذَلِكَ مِنْ ذِي الْيَدَيْنِ وَحْدَهُ إذْ حَضَرَ ذَلِكَ جَمَاعَةٌ حَتَّى يُوَافِقَهُ غَيْرُهُ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ الْحَدِيثِ ذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا سَأَلَ غَيْرَهُ لِكَوْنِهِ أَخْبَرَهُ عَمَّا يُخَالِفُ ظَنَّهُ وَاعْتِقَادَهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَأَمَّا رُؤْيَةُ الْهِلَالِ فَلَيْسَ عِنْدَ الْحَاضِرِينَ مَا يُخَالِفُ ذَلِكَ مَعَ خَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى الْأَبْصَارَ مُتَفَاوِتَةً فَيَرَى الْوَاحِدُ مَا لَا يَرَاهُ الْجَمُّ الْغَفِيرُ وَهَذَا أَمْرٌ مُشَاهَدٌ فَلَا وَجْهَ لِرَدِّ قَوْلِهِ مَعَ كَوْنِهِ ثِقَةً إلَّا حَيْثُ انْفَرَدَ وَاشْتَرَطْنَا الْعَدَدَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّادِسَةَ عَشْرَةَ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ أَنَّ الشَّكَّ قَدْ يَعُودُ يَقِينًا بِخَبَرِ أَهْلِ الصِّدْقِ وَأَنَّ خَبَرَ الصَّادِقِ يُوجِبُ الْيَقِينَ انْتَهَى . قُلْت وَإِنَّمَا يَعُودُ يَقِينًا إذَا بَلَغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا صَارَ يَقِينًا بِتَذَكُّرِهِ أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ الصَّلَاةَ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي بَعْضِ طُرُقِهِ قَالَ { وَلَمْ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ حَتَّى يَقَّنَهُ اللَّهُ ذَلِكَ } . وَأَمَّا قَوْلُهُ إنَّ خَبَرَ الصَّادِقِ يُوجِبُ الْيَقِينَ فَإِنْ أَرَادَ خَبَرَ الْوَاحِدِ فَلَا يَسْلَمُ أَنَّهُ يُوجِبُ الْيَقِينَ وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ مَحْكِيٌّ عَنْ حُسَيْنٍ الْكَرَابِيسِيِّ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يُوجِبُ الْعِلْمَ الظَّاهِرَ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَحَكَاهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي كِتَابِ الْعُدَّةِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ عَنْ قَوْمٍ مِنْ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَحَكَى الْخَطِيبُ فِي الْكِفَايَةِ عَنْ الْقَاضِي أَبِي بَكْرٍ الْبَاقِلَّانِيِّ أَنَّهُ قَوْلُ مَنْ لَا يُحَصِّلُ عِلْمَ هَذَا الْبَابِ . { السَّابِعَةَ عَشْرَةَ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَصَاحِبُ الْمُفْهِمِ أَيْضًا فِيهِ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ عَلَى قَوْلِهِ إنَّ الْحَاكِمَ إذَا نَسِيَ حُكْمَهُ فَشَهِدَ عِنْدَهُ عَدْلَانِ بِحُكْمِهِ أَمْضَاهُ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ فِي قَوْلِهِمَا أَنَّهُ لَا يُمْضِيهِ حَتَّى يَذْكُرَهُ وَأَنَّهُ لَا يَقْبَلُ الشَّهَادَةَ عَلَى نَفْسِهِ بَلْ عَلَى غَيْرِهِ قَالَ الْقُرْطُبِيُّ وَهَذَا إنَّمَا يَتِمُّ لِمَالِكٍ إذَا سَلِمَ لَهُ أَنَّ رُجُوعَهُ لِلصَّلَاةِ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ الشَّهَادَةِ لَا لِأَجْلِ تَيَقُّنِهِ مَا كَانَ قَدْ نَسِيَهُ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ إنَّهُ لَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ تَيَقَّنَ ذَلِكَ حِينَ أَخْبَرُوهُ فَرَجَعَ مِنْ شَكِّهِ إلَى يَقِينِهِ وَهَذَا الْمُجْتَمَعُ عَلَيْهِ فِي الْأُصُولِ . . { الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ } فِيهِ حُجَّةٌ لِمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ مَنْ تَكَلَّمَ غَيْرَ عَالَمٍ بِأَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ أَوْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ نَاسِيًا لَا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَخَالَفَ فِيهِ أَهْلُ الْكُوفَةِ النَّخَعِيّ وَحَمَّادٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ فَقَالُوا تَفْسُدُ صَلَاتُهُ كَالْعَمَلِ فِيهَا وَأَجَابُوا عَنْ قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ بِأَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحَدِيثِ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ فِي تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ وَرُدَّ عَلَيْهِمْ بِأَنَّ النَّاسِخَ لَا يَكُونُ مُتَقَدِّمًا وَحَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ كَانَ بِمَكَّةَ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَفِي أَوَّلِ الْهِجْرَةِ فِي الْقَوْلِ الْآخَرِ . وَكَذَلِكَ حَدِيثُ زَيْدِ بْنِ أَرْقَمَ وَأَمَّا حَدِيثُ ذِي الْيَدَيْنِ فَكَانَ إمَّا فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ أَوْ بَعْدَهَا لِأَنَّ إسْلَامَ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ كَانَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَقَدْ شَهِدَ الْقِصَّةَ وَكَانَ إسْلَامُ مُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَهْرَيْنِ كَمَا ذَكَرَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ . وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي تَرْجَمَتِهِ وَقَدْ شَهِدَ مُعَاوِيَةُ هَذَا قِصَّةً أُخْرَى فِي السَّهْوِ كَقِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ وَكَلَامُهُمْ كَمَا هُوَ فِي الْأَصْلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ تَأَخُّرِ قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَشُهُودِ أَبِي هُرَيْرَةَ لَهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَوْ صَحَّ لِلْمُخَالِفِينَ مَا ادَّعُوهُ مِنْ نَسْخِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ بِتَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ لَمْ تَكُنْ لَهُمْ فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ لِأَنَّ النَّهْيَ عَنْ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ إنَّمَا تَوَجَّهَ إلَى الْعَامِدِ الْقَاصِدِ لَا إلَى النَّاسِي لِأَنَّ النِّسْيَانَ مُتَجَاوَزٌ عَنْهُ وَالنَّاسِي وَالسَّاهِي لَيْسَا مِمَّنْ دَخَلَ تَحْتَ النَّهْيِ لِاسْتِحَالَةِ ذَلِكَ فِي النَّظَرِ . { التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ } فَإِنْ قِيلَ فَإِنَّ كَلَامَ كَثِيرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ كَانَ بَعْدَ اطِّلَاعِهِمْ عَلَى أَنَّهُمْ إلَى الْآنَ فِي الصَّلَاةِ بِإِخْبَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَقْصُرْ وَقَدْ كَانُوا عَلَى يَقِينٍ مِنْ كَوْنِهِ صَلَّى بِهِمْ رَكْعَتَيْنِ وَمَعَ ذَلِكَ فَقَدْ سَأَلَهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ أَحَقٌّ مَا يَقُولُ ذُو الْيَدَيْنِ قَالُوا نَعَمْ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { قَالُوا نَعَمْ لَمْ تُصَلِّ إلَّا رَكْعَتَيْنِ } فَأَجَابُوهُ بِالْكَلَامِ بَعْدَ عِلْمِهِمْ أَنَّهُمْ فِي الصَّلَاةِ بَعْدُ وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُمْ لَمْ يَتَكَلَّمُوا بِقَوْلِهِمْ نَعَمْ وَإِنَّمَا أَوْمَئُوا بِالْجَوَابِ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ عَنْ أَيُّوبَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ أَبُو دَاوُد وَلَمْ يَذْكُرْ فَأَوْمَئُوا إلَّا حَمَّادَ بْنَ زَيْدٍ قَالَ الْخَطَّابِيُّ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى أَنَّهُمْ قَالُوا نَعَمْ إنَّمَا هُوَ عَلَى الْمَجَازِ وَالتَّوَسُّعَةِ فِي الْكَلَامِ كَمَا يَقُولُ الرَّجُلُ قُلْت بِيَدِي وَقُلْت بِرَأْسِي قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَفِيهِ بُعْدٌ لِأَنَّهُ خِلَافُ الظَّاهِرِ قَالَ وَيُمْكِنُ الْجَمْعُ بِأَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ فَعَلَ ذَلِكَ إيمَاءً وَبَعْضُهُمْ كَلَامًا أَوْ اجْتَمَعَ الْأَمْرَانِ فِي حَقِّ بَعْضِهِمْ . ( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) أَنَّ كَلَامَهُمْ عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِهِ لَفْظًا كَانَ إجَابَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ وَاجِبٌ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَائِدَةِ الَّتِي تَلِي هَذِهِ . ( وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ ) أَنَّهُ كَانَ مِنْ مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ عَلَى قَاعِدَةِ الْمَالِكِيَّةِ كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَائِدَةِ الْحَادِيَةِ وَالْعِشْرِينَ . ( وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ ) مَا قَالَهُ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ لَمَّا سَأَلَ غَيْرَ ذِي الْيَدَيْنِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ مَنْ لَمْ يَسْمَعْ كَلَامَهُ فَيَكُونَ مِثْلَهُ يَعْنِي مِثْلَ ذِي الْيَدَيْنِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ سَأَلَ مَنْ سَمِعَ كَلَامَهُ وَلَمْ يَسْمَعْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الرَّدَّ عَلَيْهِ فَلَمَّا لَمْ يَسْمَعْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي مَعْنَى ذِي الْيَدَيْنِ مِنْ أَنَّهُ لَمْ يَدْرِ أَقُصِرَتْ الصَّلَاةُ أَمْ نَسِيَ فَأَجَابَهُ وَمَعْنَاهُ ذِي الْيَدَيْنِ مَعَ أَنَّ الْفَرْضَ عَلَيْهِمْ جَوَابُهُ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرُوهُ فَقَبِلَ قَوْلَهُمْ لَمْ يَتَكَلَّمْ وَلَمْ يَتَكَلَّمُوا حَتَّى بَنَوْا عَلَى صَلَاتِهِمْ فَلَمَّا قُبِضَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَنَاهَتْ الْفَرَائِضُ فَلَا يُزَادُ فِيهَا وَلَا يُنْقَصُ . ( الْفَائِدَةُ الْعِشْرُونَ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ إجَابَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا دَعَاهُ أَوْ سَأَلَهُ وَهُوَ فِي الصَّلَاةِ أَنَّهَا لَا تُفْسِدُ الصَّلَاةَ وَبَيَانُ ذَلِكَ أَنَّ كَلَامَ ذِي الْيَدَيْنِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ كَانَ مَعَ احْتِمَالِ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ قَدْ قُصِرَتْ فَلَمْ يَكُنْ عَلَى يَقِينٍ مِنْ بَقَائِهِ فِي الصَّلَاةِ وَكَلَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْجَوَابِ لَهُ كَانَ وَهُوَ يَظُنُّ أَنَّ الصَّلَاةَ انْقَضَتْ . وَكَلَامُ بَقِيَّةِ الصَّحَابَةِ وَكَذَا كَلَامُ ذِي الْيَدَيْنِ فِي قَوْلِهِ { بَلَى قَدْ نَسِيت أَوْ قَدْ كَانَ بَعْضُ ذَلِكَ } عَلَى مَا كَانَ بَعْدَ تَحَقُّقِ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تُقْصَرْ بِإِخْبَارِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنَّهُ كَانَ جَوَابًا لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ سَأَلَهُمْ وَجَوَابُهُ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ لِأَنَّ إجَابَتَهُ وَاجِبَةٌ بِدَلِيلِ مَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدِ بْنِ الْمُعَلَّى قَالَ { كُنْت أُصَلِّي فَمَرَّ بِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَانِي فَلَمْ آتِهِ حَتَّى صَلَّيْت ثُمَّ أَتَيْته فَقَالَ مَا مَنَعَك أَنْ تَأْتِيَنِي ؟ أَوْلَمَ يَقُلْ اللَّهُ { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ } } وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ دَعَا أُبَيَّ بْنَ كَعْبٍ بِمِثْلِ هَذِهِ الْقِصَّةِ وَقَالَ إنِّي لَا أَعُودُ إنْ شَاءَ اللَّهُ وَمَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ وُجُوبِ الْإِجَابَةِ وَعَدَمِ الْبُطْلَانِ هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ جَزَمَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ . وَحَكَى ابْنُ الرِّفْعَةِ وَجْهًا أَنَّهُ لَا تَجِبُ وَتَبْطُلُ بِهِ الصَّلَاةُ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَاعْتَرَضَ عَلَيْهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ بِأَنْ قَالَ إنَّ الْإِجَابَةَ لَا تَتَعَيَّنُ بِالْقَوْلِ فِيهَا فَيَكْفِي فِيهَا الْإِيمَاءُ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَجِبَ الْقَوْلُ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ الْحُكْمُ بِصِحَّةِ الصَّلَاةِ لِجَوَازِ أَنْ تَجِبَ الْإِجَابَةُ وَيَلْزَمَهُمْ الِاسْتِئْنَافُ انْتَهَى قُلْت فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُمْ أَجَابُوهُ بِاللَّفْظِ بَعْدَ الْعِلْمِ أَنَّهُمْ فِي الصَّلَاةِ وَأَكْمَلَ بِهِمْ الصَّلَاةَ وَلَمْ يَأْمُرْهُمْ بِالِاسْتِئْنَافِ فَتَرَجَّحَ مَا يَقُولُهُ الشَّافِعِيَّةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ } اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ تَعَمُّدَ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ لِإِصْلَاحِهَا لَا يُبْطِلُهَا وَبِهِ قَالَ رَبِيعَةُ وَهِيَ رِوَايَةُ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْإِمَامَ لَوْ تَكَلَّمَ بِمَا تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الِاسْتِفْسَارِ وَالسُّؤَالِ عِنْدَ الشَّكِّ وَأَجَابَهُ الْمَأْمُومُونَ أَنَّ صَلَاتَهُمْ تَامَّةٌ عَلَى مُقْتَضَى الْحَدِيثِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ وَإِيَّاهُ تَقَلَّدَ إسْمَاعِيلُ بْنُ إِسْحَاق وَاحْتَجَّ لَهُ فِي كِتَابِ رَدِّهِ عَلَى مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ جُمْهُورَ الْفُقَهَاءِ فَذَهَبُوا إلَى أَنَّهَا تَبْطُلُ وَبِهِ جَزَمَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِ مَالِكٍ قَالَ الْحَارِثُ بْنُ مِسْكِينٍ أَصْحَابُ مَالِكٍ عَلَى خِلَافِ قَوْلِ مَالِكٍ فِي مَسْأَلَةِ ذِي الْيَدَيْنِ إلَّا ابْنَ الْقَاسِمِ وَحْدَهُ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِيهَا بِقَوْلِ مَالِكٍ وَغَيْرُهُمْ يَأْبَوْنَهُ وَيَقُولُونَ إنَّمَا كَانَ هَذَا فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ فَأَمَّا الْآنَ فَقَدْ عَرَفَ النَّاسُ صَلَاتَهُمْ فَمَنْ تَكَلَّمَ فِيهَا أَعَادَهَا انْتَهَى . وَقَدْ قِيلَ إنَّ مَالِكًا رَجَعَ إلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ فَقَدْ رَوَى عَنْهُ أَبُو قُرَّةَ مُوسَى بْنُ طَارِقٍ الزُّبَيْدِيُّ بِالْإِسْنَادِ الصَّحِيحِ إلَيْهِ قَالَ سَمِعْت مَالِكًا يَسْتَحِبُّ إذَا تَكَلَّمَ الرَّجُلُ فِي الصَّلَاةِ أَنْ يَعُودَ لَهَا وَلَا يَبْنِيَ قَالَ وَقَالَ لَنَا مَالِكٌ إنَّمَا تَكَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَكَلَّمَ أَصْحَابُهُ مَعَهُ يَوْمَئِذٍ لِأَنَّهُمْ ظَنُّوا أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ قُصِرَتْ وَلَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِأَحَدٍ الْيَوْمَ . وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي سَمَاعِهِ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ أَبَلَغَكَ أَنَّ رَبِيعَةَ صَلَّى خَلْفَ إمَامٍ فَأَطَالَ التَّشَهُّدَ فَخَافَ رَبِيعَةُ أَنْ يُسَلِّمَ وَكَانَ عَلَى الْإِمَامِ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ فَكَلَّمَهُ رَبِيعَةُ وَقَالَ لَهُ إنَّهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ فَقَالَ مَا بَلَغَنِي وَلَوْ بَلَغَنِي مَا تَكَلَّمْت بِهِ أَتَتَكَلَّمُ فِي الصَّلَاةِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ تَحْتَمِلُ رِوَايَةُ أَشْهَبَ هَذِهِ أَنْ يَكُونَ مَالِكٌ رَجَعَ فِيهَا عَنْ قَوْلِهِ الَّذِي حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ إلَى مَا حَكَاهُ عَنْهُ أَبُو قُرَّةَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَنْكَرَ هَذَا مِنْ فِعْلِ رَبِيعَةَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَلْزَمُهُ عِنْدَهُ الْكَلَامُ فِيمَا تَكَلَّمَ فِيهِ إلَى آخِرِ كَلَامِهِ وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ النَّاسِ الْيَوْمَ مَا جَازَ لِمَنْ كَانَ يَوْمَئِذٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ ظَنَّ أَنَّ الصَّلَاةَ قَدْ قُصِرَتْ فَاسْتَفْهَمَ عَنْ ذَلِكَ وَقَدْ عَلِمَ النَّاسُ الْيَوْمَ أَنَّ قَصْرَهَا لَا يُتْرَكُ فَعَلَى مَنْ تَكَلَّمَ الْإِعَادَةُ قَالَ عِيسَى فَقَرَأْتُهُ عَلَى ابْنِ الْقَاسِمِ فَقَالَ مَا أَرَى فِي هَذَا حُجَّةً . وَقَدْ قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كُلُّ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ فَقَالُوا لَهُ بَلَى } فَقَدْ كَلَّمُوهُ عَمْدًا بَعْدَ عِلْمِهِمْ أَنَّهَا لَمْ تُقْصَرْ وَبَنَوْا مَعَهُ وَقَدْ قِيلَ إنَّ ابْنَ الْقَاسِمِ أَيْضًا اخْتَلَفَ كَلَامُهُ فِيهَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْوَجْهِ الَّذِي يَلِيهِ . { الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ } ذَهَبَ أَكْثَرُ الْمَالِكِيَّةِ الْبَغْدَادِيِّينَ عَلَى قَوْلِ ابْنِ الْقَاسِمِ إلَى التَّفْرِقَةِ بَيْنَ الْمُنْفَرِدِ وَالْجَمَاعَةِ فِي الْكَلَامِ فِي مَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ وَأَنَّهُ لَا يَجُوزُ ذَلِكَ لِلْمُنْفَرِدِ وَقَدْ ذَكَرَ سَحْنُونٌ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي رَجُلٍ صَلَّى وَحْدَهُ فَفَرَغَ عِنْدَ نَفْسِهِ مِنْ الْأَرْبَعِ فَقَالَ مَنْ حَضَرَهُ إنَّكَ لَمْ تُصَلِّ إلَّا ثَلَاثًا فَالْتَفَتَ إلَى آخَرَ فَقَالَ أَحَقٌّ مَا يَقُولُ هَذَا ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ تَفْسُدُ صَلَاتُهُ وَلَمْ يَكُنْ يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يُكَلِّمَهُ وَلَا يَلْتَفِتَ إلَيْهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . وَكَأَنَّ غَيْرَ هَؤُلَاءِ يَحْمِلُونَ جَوَابَ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي هَذِهِ عَلَى خِلَافِ مِنْ قَوْلِهِ فِي اسْتِعْمَالِهِ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ كَمَا اخْتَلَفَ كَلَامُ مَالِكٍ فِيهِ وَيَذْهَبُونَ إلَى جَوَازِ ================ج8888888888888888888888888=============== اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ الْكَلَامِ فِي إصْلَاحِ الصَّلَاةِ لِلْمُنْفَرِدِ وَالْجَمَاعَةِ . { الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ } فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَحْمَدَ حَيْثُ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ إنَّمَا يَتَكَلَّمُ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ الْإِمَامُ خَاصَّةً فَأَمَّا غَيْرُ الْإِمَامِ فَمَتَى تَكَلَّمَ عَامِدًا أَوْ سَاهِيًا بَطَلَتْ صَلَاتُهُ كَذَا حَكَاهُ الْخِرَقِيِّ أَنَّهُ مَذْهَبُهُ وَعَنْهُ رِوَايَتَانِ أُخْرَيَانِ حَكَاهُمَا الْأَثْرَمُ إحْدَاهُمَا أَنَّ الْكَلَامَ لِمَصْلَحَةِ الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُهَا كَقَوْلِ مَالِكٍ وَالثَّانِيَةُ كَقَوْلِ الشَّافِعِيِّ فَقَالَ إنَّمَا تَكَلَّمَ ذُو الْيَدَيْنِ . وَهُوَ يَرَى أَنَّ الصَّلَاةَ قُصِرَتْ وَتَكَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ دَافِعٌ لِقَوْلِ ذِي الْيَدَيْنِ فَكَلَّمَ الْقَوْمَ فَأَجَابُوهُ لِأَنَّهُمْ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يُجِيبُوهُ . { الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ } فِيهِ أَنَّ السَّهْوَ فِي الصَّلَاةِ لَا يُفْسِدُهَا بَلْ يَجُوزُ الْبِنَاءُ عَلَيْهَا خِلَافًا لِبَعْضِ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ قَالَ بِهِ . { الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ } فِيهِ أَنَّ نِيَّةَ قَطْعِ الصَّلَاةِ عَلَى ظَنِّ التَّمَامِ لَا يُفْسِدُهَا إذَا تَبَيَّنَ أَنَّهَا لَمْ تَتِمَّ وَلَهُ أَنْ يَبْنِيَ عَلَيْهَا وَلَا يَلْزَمُهُ الِاسْتِئْنَافُ وَهُوَ كَذَلِكَ . { السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ } وَفِيهِ أَنَّ إيقَاعَ السَّلَامِ سَهْوًا لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ يُبْطِلُهَا السَّلَامُ سَاهِيًا كَالْكَلَامِ فِيهَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَأَجْمَعُوا أَنَّ السَّلَامَ فِيهَا عَامِدًا قَبْلَ تَمَامِهَا يُفْسِدُهَا . { السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ } فَرَّقَ أَكْثَرُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ فِي كَلَامِ السَّاهِي أَوْ مَنْ لَا يَعْلَمُ أَنَّهُ فِي الصَّلَاةِ بَيْنَ قَلِيلِ الْكَلَامِ وَكَثِيرِهِ وَقَالُوا إنَّ مَا لَا يُبْطِلُ مِنْهُ هُوَ الْيَسِيرُ فَأَمَّا الْكَثِيرُ فَيُفْسِدُهَا وَحَّدَ أَبُو نَصْرِ بْنُ الصَّبَّاغِ مِنْهُمْ الْقَلِيلَ بِالْقَدْرِ الَّذِي تَكَلَّمَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ كَمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ عَنْهُ وَحَّدَ الشَّيْخُ أَبُو حَامِدٍ الْيَسِيرَ بِثَلَاثِ كَلِمَاتٍ قَالَ الرَّافِعِيُّ وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا لِلتَّمْثِيلِ أَصْلَحُ مِنْهُ لِلتَّحْدِيدِ قَالَ وَالْأَظْهَرُ فِيهِ وَفِي نَظَائِرِهِ الرُّجُوعُ إلَى الْعَادَةِ . { الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ } اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَمَالِكٍ أَيْضًا أَنَّ الْأَفْعَالَ الْكَثِيرَةَ فِي الصَّلَاةِ الَّتِي لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهَا إذَا وَقَعَتْ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ لَا تُبْطِلُهَا لِأَنَّهُ خَرَجَ سَرَعَانُ النَّاسِ وَفِي بَعْضِ طُرُقِ الصَّحِيحِ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ إلَى مَنْزِلِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَفِي بَعْضِهَا أَتَى جِذْعًا فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَاسْتَنَدَ إلَيْهَا وَشَبَّكَ بَيْنَ أَصَابِعِهِ ثُمَّ رَجَعَ وَرَجَعَ النَّاسُ وَبَنَى بِهِمْ } وَهَذِهِ الْأَفْعَالُ كَثِيرَةٌ وَلِلْقَائِلِ بِأَنَّ الْكَثِيرَ يُبْطِلُ أَنْ يَقُولَ هَذِهِ غَيْرُ كَثِيرَةٍ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْكَلَامِ وَقَدْ حَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَنَّهُمْ حَمَلُوا مَا وَقَعَ فِي هَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى أَنَّهُ عَمَلٌ قَلِيلٌ وَالرُّجُوعُ فِي الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ إلَى الْعُرْفِ عَلَى الصَّحِيحِ وَالْمَذْهَبُ الَّذِي قَطَعَ بِهِ جُمْهُورُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ النَّاسِيَ فِي ذَلِكَ كَالْعَامِدِ فَيُبْطِلُهَا الْفِعْلُ الْكَثِيرُ سَاهِيًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ } اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ مِنْ الْمُتَقَدِّمِينَ إلَى جَوَازِ الْبِنَاءِ عَلَى الصَّلَاةِ فِيمَا إذَا تَرَكَ بَعْضَهَا سَهْوًا وَإِنْ طَالَ الْفَصْلُ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ رَبِيعَةَ وَعَنْ مَالِكٍ أَيْضًا وَلَيْسَ بِمَشْهُورٍ عَنْهُ وَلَمْ يُوَافِقْ الْجُمْهُورَ عَلَى جَوَازِ الْبِنَاءِ مَعَ طُولِ الْفَصْلِ وَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَا نُسَلِّمُ طُولَ الْفَصْلِ وَهُوَ مَنْقُولٌ عَنْ رَبِيعَةَ وَعَنْ مَالِكٍ أَيْضًا وَلَيْسَ بِمَشْهُورٍ عَنْهُ وَلَمْ يُوَافِقْ الْجُمْهُورُ عَلَى جَوَازِ الْبِنَاءِ مَعَ طُولِ الْفَصْلِ وَلَهُمْ أَنْ يَقُولُوا لَا نُسَلِّمُ طُولَ الْفَصْلِ فِي مِثْلِ هَذَا كَمَا سَيَأْتِي فِي الْفَائِدَةِ الَّتِي تَلِيهِ . { الْفَائِدَةُ الثَّلَاثُونَ } اُخْتُلِفَ فِي قَدْرِ الزَّمَنِ الَّذِي يَجُوزُ الْبِنَاءُ مَعَهُ فَذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ إلَى أَنَّ تَقْدِيرَهُ بِمَا ثَبَتَ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ كَمَا حَكَاهُ الرَّافِعِيُّ وَقَالَ بَعْضُهُمْ هُوَ قَدْرُ الصَّلَاةِ فَمَا زَادَ فَطَوِيلٌ وَاَلَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ أَنَّ الْمَرْجِعَ فِيهِ إلَى الْعُرْفِ وَنَصَّ الْبُوَيْطِيُّ عَلَى أَنَّ الطَّوِيلَ مَا زَادَ عَلَى قَدْرِ رَكْعَةٍ وَحَكَى صَاحِبُ الْمُفْهِمِ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَرَبِيعَةَ أَنَّ ذَلِكَ مَا لَمْ يَنْتَقِضْ وُضُوءُهُ . { الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ } اُسْتُدِلَّ بِرُجُوعِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى خَبَرِ أَصْحَابِهِ حِينَ صَدَّقُوا ذَا الْيَدَيْنِ عَلَى مَا ذَهَبَ إلَيْهِ مَالِكٌ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ أَنَّ الْإِمَامَ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِ الْمَأْمُومِينَ وَعِنْدَهُمْ خِلَافٌ فِي اشْتِرَاطِ الْعَدَدِ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ يَسْلُكُ بِهِ مَسْلَكَ الشَّهَادَةِ أَوْ الرِّوَايَةِ وَكَذَا عِنْدَهُمْ خِلَافٌ آخَرُ بَيْنَ أَنْ يَكْثُرُوا أَوْ يَقِلُّوا فَإِنْ كَانَ الْإِمَامُ عَلَى شَكٍّ فَإِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِمْ بِلَا خِلَافٍ عِنْدَهُمْ قَالَهُ الْقُرْطُبِيُّ قَالَ وَأَمَّا إنْ كَانَ جَازِمًا فِي اعْتِقَادِهِ بِحَيْثُ يُصَمِّمُ إلَيْهِ فَلَا يَرْجِعُ إلَيْهِمْ إلَّا أَنْ يُفِيدَ خَبَرُهُمْ الْعِلْمَ فَيَرْجِعَ إلَيْهِمْ وَإِنْ لَمْ يُفِدْ خَبَرُهُمْ الْعِلْمَ فَذَكَرَ ابْنُ الْقَصَّارِ عَنْ مَالِكٍ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ الرُّجُوعَ إلَى قَوْلِهِمْ وَعَدَمَهُ وَبِالْأَوَّلِ قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَنَصُّهُ : إذَا صَلَّى الْإِمَامُ بِرَجُلَيْنِ فَصَاعِدًا فَإِنَّهُ يَعْمَلُ عَلَى يَقِينِ مَنْ وَرَاءَهُ وَيَدَعُ يَقِينَ نَفْسِهِ قَالَ الْمَشَايِخُ يُرِيدُ الِاعْتِقَادَ وَبِالثَّانِي قَالَ ابْنُ سَلَمَةَ وَنَصُّ مَا حُكِيَ عَنْهُ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِهِمْ إنْ كَثُرُوا وَلَا يَرْجِعُ إنْ قَلُّوا فَيَنْصَرِفُ وَيُتِمُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ انْتَهَى . وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَآخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَتْرُكُ اعْتِقَادَهُ لِقَوْلِ مَنْ وَرَاءَهُ مِنْ الْمَأْمُومِينَ وَغَيْرِهِمْ وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَأَبِي سَلَمَةَ وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ قَالَ { وَلَمْ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ حَتَّى يَقَّنَهُ اللَّهُ ذَلِكَ } . { الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ } فَإِنْ قِيلَ قَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَغَيْرِهِ أَنَّ الزُّهْرِيَّ اضْطَرَبَ فِي مَتْنِ هَذَا الْحَدِيثِ وَإِسْنَادِهِ اضْطِرَابًا أَوْجَبَ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ تَرْكَهُ مِنْ رِوَايَتِهِ وَأَيْضًا عَلَى تَقْدِيرِ ثُبُوتِهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ حَتَّى يَقَّنَهُ اللَّهُ أَيْ يَقَّنَهُ بِإِخْبَارِ مَنْ أَخْبَرَهُ بِذَلِكَ مِمَّنْ يَسْتَحِيلُ إجْمَاعُهُمْ عَلَى الْخَطَأِ لِبُلُوغِهِمْ حَدَّ التَّوَاتُرِ لَا بِتَذَكُّرِهِ أَنَّهُ تَرَكَ بَعْضَ الصَّلَاةِ . وَالْجَوَابُ أَنَّهُ وَإِنْ لَمْ يَتَذَكَّرْهُ فَاتِّفَاقُ أَصْحَابِهِ أَوْجَبَ حُصُولَ الشَّكِّ عِنْدَهُ وَحُصُولُ الشَّكِّ يَقْتَضِي إعَادَةَ مَا شَكَّ فِيهِ عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ لِأَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ وَلِأَصْحَابِ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّ حُصُولَ الشَّكِّ يُؤَثِّرُ وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعِبَادَةِ فَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ الْمُرَجِّحِ أَنَّ الشَّكَّ لَا يُؤَثِّرُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْعِبَادَةِ فَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ فَعَلَهُ احْتِيَاطًا بِالنِّسْبَةِ إلَى نَفْسِهِ إنْ كَانَ لَمْ يَتَذَكَّرْ وَفَعَلَهُ مَعَهُ غَيْرُهُ وُجُوبًا لِعِلْمِهِمْ أَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَتِمَّ . وَهَذَا بَعِيدٌ لِاتِّفَاقِ أَهْلِ الْكَلَامِ مِمَّنْ جَوَّزَ السَّهْوَ عَلَيْهِ أَنَّهُ لَا يُقِرُّهُ عَلَيْهِ بَلْ يُنَبَّهُ عَلَيْهِ وَيُبَيَّنُ لَهُ وَلَكِنَّ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مَالَ إلَى أَنَّهُ لَا يُشْتَرَطُ تَنْبِيهُهُ عَلَيْهِ عَلَى الْفَوْرِ وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِ فَلَعَلَّهُ يَبِينُ لَهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَالْأَقْرَبُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مَا اخْتَارَهُ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ فِي الْقَوَاعِدِ أَنَّهُ إنْ بَلَغَ الْمُخْبِرُ لَهُ بِأَنَّهُ لَمْ تَتِمَّ صَلَاتُهُ عَدَدَ التَّوَاتُرِ وَجَبَ رُجُوعُهُ إلَيْهِمْ وَإِلَّا عَمِلَ عَلَى اعْتِقَادِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ نَقْلُهُ أَيْضًا عَنْ صَاحِبِ الْمُفْهِمِ عَنْ الْمَالِكِيَّةِ وَبِهَذَا يُجَابُ عَنْ الْحَدِيثِ . { الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَدْ زَعَمَ بَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ دَلِيلًا عَلَى قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَقَدْ ادَّعَى الْمُخَالِفُ أَنَّ فِيهِ حُجَّةً عَلَى مَنْ قَالَ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ قَالَ أَبُو عُمَرَ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فِي قَبُولِ خَبَرِ الْوَاحِدِ وَلَا فِي رَدِّهِ . { الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ } لَمْ يَذْكُرْ يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ فِي رِوَايَتِهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ بَلْ رَوَاهُمَا عَنْ ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَقَالَ أَبُو دَاوُد إنَّهُ رَوَاهُ عِمْرَانُ بْنُ أَبِي أَنَسٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ أَيْضًا وَلَمْ يَذْكُرْ أَنَّهُ سَجَدَ السَّجْدَتَيْنِ وَرِوَايَةُ ضَمْضَمِ بْنِ جَوْسٍ رَوَاهَا أَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ عِكْرِمَةَ بْنِ عَمَّارٍ عَنْهُ وَفِيهَا إثْبَاتُ السَّجْدَتَيْنِ وَزِيَادَةُ كَوْنِهِمَا بَعْدَ مَا سَلَّمَ وَذَلِكَ صَحِيحٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ كَمَا رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ فَقَالَ فِي آخِرِهِ { ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ } . وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ أَنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَانَ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ وَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِ لِأَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ رِوَايَةِ عِرَاكِ بْنِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { سَجَدَ يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ السَّلَامِ } انْتَهَى وَهُوَ عِنْدَ النَّسَائِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ مِنْ طُرُقٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَاتَّفَقَا عَلَيْهِ مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ سِيرِينَ عَنْهُ وَانْفَرَدَ بِهِ الْبُخَارِيُّ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ وَانْفَرَدَ بِهِ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سُفْيَانَ مَوْلَى أَبِي أَحْمَدَ عَنْهُ وَمِنْ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَلَا وَجْهَ لِإِنْكَارِهِ وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي التَّمْيِيزِ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ خَطَأٌ وَغَلَطٌ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ انْتَهَى . عَلَى أَنَّهُ قَدْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَةُ عَلَى ابْنِ شِهَابٍ فِي إنْكَارِهِ فَقَالَ أَبُو دَاوُد عَنْهُ فِي رِوَايَةٍ { وَلَمْ يَسْجُدْ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ تُسْجَدَانِ إذَا شَكَّ حِينَ تَلَقَّاهُ النَّاسُ } وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى { وَلَمْ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ حَتَّى يَقَّنَهُ اللَّهُ ذَلِكَ } وَلَيْسَ فِي هَذَا نَفْيُ السُّجُودِ مُطْلَقًا وَقَدْ جَاءَ عَنْ غَيْرِ ابْنِ شِهَابٍ أَيْضًا نَفْيُ السَّجْدَتَيْنِ وَذَلِكَ فِيمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ فِيهِ { ثُمَّ انْصَرَفَ وَلَمْ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ } وَمَنْ أَثْبَتَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ أَكْثَرُ وَأَوْلَى إذْ مَعَهُمْ زِيَادَةُ عِلْمٍ وَقَدْ اضْطَرَبَ ابْنُ شِهَابٍ فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ . ( الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ ) فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ وَهُوَ كَذَلِكَ عِنْدَ عَامَّةِ الْعُلَمَاءِ إلَّا أَنَّ الزُّهْرِيَّ قَالَ إذَا عَرَفَ الرَّجُلُ مَا نَسِيَ مِنْ صَلَاتِهِ فَأَتَمَّهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ لِحَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ فَإِنَّ ابْنَ شِهَابٍ كَانَ يَقُولُ إنَّهُ لَمْ يَسْجُدْ يَوْمَ ذِي الْيَدَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْفَائِدَةِ قَبْلَهَا . { السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ } فِيهِ أَنَّ السُّجُودَ لِلسَّهْوِ سَجْدَتَانِ مِنْ غَيْرِ زِيَادَةٍ عَلَيْهِمَا وَلَا نَقْصٍ وَهُوَ كَذَلِكَ . { السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ } ذَكَرَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ حِكْمَةَ سُجُودِ السَّهْوِ فَقَالَ إنَّهُ فِي الزِّيَادَةِ لِأَحَدِ مَعْنَيَيْنِ لِيَشْفَعَ لَهُ مَا زَادَ إنْ كَانَتْ زِيَادَةً كَثِيرَةً وَإِنْ كَانَتْ زِيَادَةً قَلِيلَةً فَالسَّجْدَتَانِ تَرْغِيمٌ لِلشَّيْطَانِ الَّذِي أَسْهَى وَشَغَلَ حَتَّى زَادَ فِي الصَّلَاةِ فَأُغِيظَ الشَّيْطَانُ بِالسُّجُودِ لِأَنَّ السُّجُودَ هُوَ الَّذِي اسْتَحَقَّ إبْلِيسُ بِتَرْكِهِ الْعَذَابَ فِي الْآخِرَةِ وَالْخُلُودَ فِي النَّارِ فَلَا شَيْءَ أَرْغَمُ مِنْهُ لَهُ قُلْت وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْإِرْغَامِ فِي الزِّيَادَةِ الْقَلِيلَةِ مُخَالِفٌ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ { فَإِنْ كَانَ صَلَّى خَمْسًا شَفَعْنَ لَهُ صَلَاتَهُ وَإِنْ كَانَ صَلَّى إتْمَامًا لِأَرْبَعٍ كَانَتَا تَرْغِيمًا لِلشَّيْطَانِ } فَجَعَلَ الشَّفْعَ لِمُطْلَقِ الزِّيَادَةِ وَالتَّرْغِيمَ عِنْدَ عَدَمِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَأَمَّا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَاخْتَلَفُوا فِي سَبَبِ سُجُودِ السَّهْوِ فِيمَا إذَا شَكَّ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَقَالَ الْقَفَّالُ وَأَبُو عَلِيٍّ السِّنْجِيُّ وَالْبَغَوِيُّ وَآخَرُونَ سَبَبُهُ احْتِمَالُ أَنَّ الَّتِي أَتَى بِهَا خَامِسَةٌ فَيَسْجُدُ لِلزِّيَادَةِ وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ وَقَالَ أَبُو مُحَمَّدٍ الْجُوَيْنِيُّ وَابْنُهُ وَالْغَزَالِيُّ الْمُعْتَمَدُ فِيهِ النَّصُّ وَلَا يَظْهَرُ مَعْنَاهُ . { الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ } فِيهِ أَنَّ السَّجْدَتَيْنِ لِلسَّهْوِ مَحَلُّهُمَا فِي آخِرِ الصَّلَاةِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ لِذَلِكَ حِكْمَةً وَهُوَ احْتِمَالُ طُرُوءِ سَهْوٍ آخَرَ بَعْدَ الْأَوَّلِ فَيَكُونُ السُّجُودُ جَائِزًا لِلْكُلِّ . { التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ } لَوْ سَجَدَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ لِلسَّهْوِ ثُمَّ تَبَيَّنَّ أَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ آخِرَ الصَّلَاةِ أَعَادَهُ فِي آخِرِهَا وَذَلِكَ بِأَنْ يَسْجُدَ فِي الْجُمُعَةِ لِسَهْوٍ ثُمَّ يَخْرُجَ الْوَقْتُ وَهُوَ فِي السُّجُودِ الْأَخِيرِ أَوْ بَعْدَ الرَّفْعِ مِنْهُ وَقَبْلَ السَّلَامِ فَيَلْزَمَهُ إتْمَامُ الظُّهْرِ وَيُعِيدَ السُّجُودَ وَكَذَلِكَ إذَا كَانَ مُسَافِرًا فَصَلَّى صَلَاةَ الْمُسَافِرِ وَسَهَا فِيهَا فَسَجَدَ فِي آخِرِهَا لِلسَّهْوِ وَتَصِلُ السَّفِينَةُ بِهِ إلَى الْوَطَنِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ يَنْوِي الْإِقَامَةَ قَبْلَ السَّلَامِ فَإِنَّهُ يُتِمُّ وَيُعِيدُ السُّجُودَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْفَائِدَةُ الْأَرْبَعُونَ } فِيهِ أَنَّ السَّهْوَ يَتَدَاخَلُ وَيَكْتَفِي لِلْجَمِيعِ سَجْدَتَانِ لِأَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَّمَ وَتَكَلَّمَ وَمَشَى وَهَذِهِ كُلُّهَا مُقْتَضِيَةٌ لِلسُّجُودِ وَاقْتَصَرَ عَلَى سَجْدَتَيْنِ وَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الصَّحِيحُ وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ هَذَا وَقِيلَ يَسْجُدُ لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ الْأَوْزَاعِيِّ وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ التَّفْرِقَةُ بَيْنَ أَنْ يَتَّحِدَ الْجِنْسُ فَيَتَدَاخَلَ أَوْ لَا يَتَّحِدَ فَلَا وَالْحَدِيثُ حُجَّةٌ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ لِتَعَدُّدِ السَّهْوِ وَاخْتِلَافِ جِنْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ } اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سَجْدَتَيْ السَّهْوِ هَلْ مَحَلُّهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ أَوْ بَعْدَهُ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي ذَلِكَ عَلَى أَقْوَالٍ خَمْسَةٍ : ( الْأَوَّلُ ) أَنَّهُ بَعْدَ السَّلَامِ عَمَلًا بِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هَذَا فَفِي الصَّحِيحَيْنِ { أَنَّهُ سَجَدَ فِيهِ بَعْدَ السَّلَامِ } وَهَكَذَا عِنْدَ مُسْلِمٍ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَكَذَا حَدِيثُ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ الْآتِي بَعْدَ هَذَا وَلِأَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ الْمُغِيرَةِ { فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ وَسَلَّمَ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ } وَلِلْحَاكِمِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ مِثْلُهُ وَصَحَّحَهُ وَكَذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ . وَلِأَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَعْفَرٍ { مَنْ شَكَّ فِي صَلَاتِهِ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ } قَالَ الْبَيْهَقِيُّ لَا بَأْسَ بِهِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ ضَعَّفُوهُ . وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ } وَلَهُ مِنْ حَدِيثِ ثَوْبَانَ { لِكُلِّ سَهْوٍ سَجْدَتَانِ بَعْدَ مَا يُسَلِّمُ } . وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الْكُوفَةِ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِ وَبِهِ قَالَ مِنْ التَّابِعِينَ أَبُو سَلَمَةَ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَقَالُوا مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ سُجُودَ السَّهْوِ إنَّمَا جُعِلَ فِي آخِرِ الصَّلَاةِ لِئَلَّا يَطْرَأَ سَهْوٌ آخَرُ بَعْدَهُ وَمِنْ الْجَائِزِ طُرُوءُ السَّهْوِ فِي السَّلَامِ فَكَانَ السُّجُودُ بَعْدَهُ أَوْلَى . ( وَالْقَوْلُ الثَّانِي ) : أَنَّ مَحَلَّهُ قَبْلَ السَّلَامِ وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ شِهَابٍ وَرَبِيعَةَ وَيَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَاللَّيْثُ وَحُجَّتُهُمْ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ بُحَيْنَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَامَ فِي صَلَاةِ الظُّهْرِ وَعَلَيْهِ جُلُوسٌ فَلَمَّا أَتَمَّ صَلَاتَهُ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ يُكَبِّرُ فِي كُلِّ سَجْدَةٍ وَهُوَ جَالِسٌ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ وَسَجَدَهُمَا النَّاسُ مَعَهُ مَكَانَ مَا نَسِيَ مِنْ الْجُلُوسِ } وَعِنْدَ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا شَكَّ أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ صَلَّى ثَلَاثًا أَمْ أَرْبَعًا فَلْيَطْرَحْ الشَّكَّ وَلْيَبْنِ عَلَى مَا اسْتَيْقَنَ ثُمَّ يَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ } . وَلِأَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { فِي الَّذِي لَا يَدْرِي كَمْ صَلَّى فَإِذَا وَجَدَ أَحَدُكُمْ ذَلِكَ فَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ ثُمَّ لِيُسَلِّمْ } كَذَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ فِي أَحَدِهِمَا ابْنُ أَخِي ابْنُ شِهَابٍ عَنْ عَمِّهِ وَفِي الْأُخْرَى مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ وَقَالَ فِيهَا حَدَّثَنِي الزُّهْرِيُّ وَقَدْ رَوَاهُ مَالِكٌ وَابْنُ عُيَيْنَةَ وَاللَّيْثُ وَمَعْمَرٌ عَنْ الزُّهْرِيِّ لَمْ يَذْكُرُوا مَوْضِعَ السُّجُودِ . وَلِلتِّرْمِذِيِّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ { إذَا سَهَا أَحَدُكُمْ فِي صَلَاتِهِ فَلَمْ يَدْرِ وَاحِدَةً صَلَّى أَوْ اثْنَتَيْنِ فَلْيَبْنِ عَلَى وَاحِدَةٍ فَإِنْ لَمْ يَدْرِ اثْنَتَيْنِ صَلَّى أَوْ ثَلَاثًا فَلْيَبْنِ عَلَى ثِنْتَيْنِ فَإِنْ لَمْ يَدْرِ ثَلَاثًا صَلَّى أَوْ أَرْبَعًا فَلْيَبْنِ عَلَى ثَلَاثٍ وَلْيَسْجُدْ سَجْدَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ يُسَلِّمَ } . ( وَالْقَوْلُ الثَّالِثُ ) التَّفْرِقَةُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ السَّهْوُ بِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ فَإِنْ كَانَ لِزِيَادَةٍ بِأَنْ صَلَّى خَمْسًا سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ وَإِنْ كَانَ لِنَقْصٍ كَتَرْكِ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ لِلشَّافِعِيِّ وَرَجَّحَهُ أَبُو حَاتِمِ بْنُ حِبَّانَ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَحَمَلُوا اخْتِلَافَ الْأَحَادِيثِ عَلَى ذَلِكَ لَوْ سَلِمَ لَهُمْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهُوَ الصَّحِيحُ فِي هَذَا الْبَابِ مِنْ جِهَةِ الْآثَارِ لَكِنْ فِي قَوْلِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ اسْتِعْمَالُ الْخَبَرَيْنِ جَمِيعًا فِي الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ وَاسْتِعْمَالُ الْأَخْبَارِ عَلَى وُجُوهِهَا أَوْلَى مِنْ ادِّعَاءِ النَّسْخِ فِيهَا وَمِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى أَنَّ السُّجُودَ لِلنَّقْصِ جُبْرَانٌ فَنَاسَبَ أَنْ يَكُونَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ السَّلَامِ بِخِلَافِ الزِّيَادَةِ . ( وَالْقَوْلُ الرَّابِعُ ) اسْتِعْمَالُ كُلِّ حَدِيثٍ فِي مَوْضِعِهِ زِيَادَةً كَانَ أَوْ نَقْصًا وَهُوَ قَوْلُ أَحْمَدَ إذَا سَلَّمَ مِنْ اثْنَتَيْنِ فَبَعْدَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ وَإِذَا سَلَّمَ بَعْدَ ثَلَاثٍ فَكَذَلِكَ عَلَى حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَفِي التَّحَرِّي بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَفِي الْقِيَامِ مِنْ اثْنَتَيْنِ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ ابْنِ بُحَيْنَةَ وَفِي الشَّكِّ يَبْنِي عَلَى الْيَقِينِ وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَابْنِ عَوْفٍ رَوَاهُ أَبُو بَكْرٍ الْأَثْرَمُ عَنْهُ قَالَ قُلْت لَهُ فَمَا كَانَ سِوَاهَا مِنْ السَّهْوِ قَالَ يَسْجُدُ فِيهِ كُلِّهِ قَبْلَ السَّلَامِ لِأَنَّهُ يَجْبُرُ مَا نَقَصَ مِنْ صَلَاتِهِ وَمَا قَالَ بِهِ أَحْمَدُ مِنْ اسْتِعْمَالِ كُلِّ حَدِيثٍ فِي مَوْضِعِهِ قَالَ بِهِ دَاوُد إلَّا أَنَّهُ قَالَ لَا يَسْجُدُ لِلسَّهْوِ إلَّا فِي هَذِهِ الْمَوَاضِعِ الْخَمْسَةِ الَّتِي سَجَدَ فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( وَالْقَوْلُ الْخَامِسُ ) أَنَّهُ يَتَخَيَّرُ بَيْنَ السُّجُودِ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ بَعْدَهُ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ لِزِيَادَةٍ أَوْ نَقْصٍ جَمْعًا بَيْنَ الْأَحَادِيثِ وَرُوِيَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ بِإِسْنَادٍ مُنْقَطِعٍ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ وَهُوَ قَوْلٌ قَدِيمٌ أَيْضًا لِلشَّافِعِيِّ وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهَا الْأَئِمَّةُ الْأَرْبَعَةُ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ أَحَادِيثُ صَحِيحَةٌ وَقَدْ أَجَابَ أَصْحَابُ كُلِّ إمَامٍ مِنْهُمْ عَنْ الْأَحَادِيثِ الَّتِي اسْتَدَلَّ بِهَا غَيْرُ إمَامِهِ بِوُجُوهٍ : ( مِنْهَا ) دَعْوَى النَّسْخِ لِمَا وَقَعَ بَعْدَ السَّلَامِ فَقَدْ قَالَ الزُّهْرِيُّ إنَّ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ مِنْ فِعْلِهِ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ وَاعْتُرِضَ عَلَيْهِ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ وَلَوْ كَانَ مُسْنَدًا فَإِنَّهُ لَمْ يُبَيِّنْ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ كَانَ فِي مَاذَا ؟ فَلَعَلَّهُ كَانَ آخِرَ الْأَمْرَيْنِ فِي مَحَلِّ النَّقْصِ فَلَا يَدْفَعُ قَوْلَ مَالِكٍ وَأُجِيبَ بِأَنَّهُ أَطْلَقَ سُجُودَ السَّهْوِ فَلَا يُحْمَلُ عَلَى صُورَةٍ مِنْهُ . ( وَمِنْهَا ) أَنَّ قَوْلَهُ بَعْدَ السَّلَامِ أَيْ بَعْدَ قَوْلِهِ فِي التَّشَهُّدِ السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَهُوَ بَعِيدٌ . ( وَمِنْهَا ) أَنَّ الْمُرَادَ بَعْدَ السَّلَامِ عَلَى وَجْهِ السَّهْوِ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ عِنْدَ مُسْلِمٍ { فَصَلَّى رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ ثُمَّ سَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ } فَحَمَلْنَا السَّلَامَ الْأَوَّلَ عَلَى أَنَّهُ سَهَا فِي السَّلَامِ وَهُوَ بَعِيدٌ أَيْضًا وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ بِإِعَادَةِ السَّلَامِ بَعْدَ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ كَمَا سَيَأْتِي وَقَدْ يُقَابِلُهُ الْحَنَفِيُّ بِمِثْلِهِ فَيَقُولُ سُجُودُهُ قَبْلَ السَّلَامِ سَهْوٌ وَلَا تَثْبُتُ الْحُجَجُ بِالِاحْتِمَالَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( وَمِنْهَا ) التَّرْجِيحُ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ ، وَالْأَحَادِيثُ الدَّالَّةُ لِلْقَائِلَيْنِ بِهِ بَعْدَ السَّلَامِ أَكْثَرُ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَالِاعْتِرَاضُ عَلَيْهِ أَنَّ طَرِيقَةَ الْجَمْعِ أَوْلَى مِنْ طَرِيقَةِ التَّرْجِيحِ وَأَيْضًا فَلَا بُدَّ مِنْ النَّظَرِ فِي مَحَلِّ التَّعَارُضِ وَاِتِّخَاذِ مَوْضِعِ الْخِلَافِ مِنْ الزِّيَادَةِ وَالنُّقْصَانِ . ( وَمِنْهَا ) مَا أَجَابَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ أَيْ سُجُودَ الصَّلَاةِ وَهُوَ بَعِيدٌ . ( وَمِنْهَا ) مَا اُعْتُرِضَ بِهِ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ حَدِيثَ أَبِي سَعِيدٍ فِيمَنْ شَكَّ فَإِنَّهُ يَبْنِي عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَفْعَلْ فَيَزِيدُهُ وَيَسْجُدُ قَبْلَ السَّلَامِ فَهَذَا سَهْوٌ لِلزِّيَادَةِ قَبْلَ السَّلَامِ وَأَجَابُوا بِأَنَّ الزِّيَادَةَ لَيْسَتْ مُحَقَّقَةً فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ لَمْ يُرَدْ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الزِّيَادَةُ الْمُحَقَّقَةُ وَعِنْدَهُمْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ رِوَايَتَانِ وَاعْتُرِضَ أَيْضًا عَلَيْهِمْ أَنَّ حَدِيثَ ذِي الْيَدَيْنِ قَدْ نَقَصَ فِيهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَقَدْ سَجَدَ بَعْدَ التَّسْلِيمِ وَأَجَابُوا بِأَنَّهُ أَتَى بِمَا نَقَصَهُ وَهُوَ الرَّكْعَتَانِ وَزَادَ السَّلَامَ بَعْدَ الثِّنْتَيْنِ وَالْكَلَامِ وَالْمَشْيِ فَسَجَدَ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ لَا لِكَوْنِهِ نَقَصَ الرَّكْعَتَيْنِ فَقَدْ أَتَى بِهِمَا وَرَجَّحَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ قَوْلَ مَالِكٍ وَمَنْ وَافَقَهُ بِظُهُورِ الْمُنَاسَبَةِ قَالَ وَإِذَا ظَهَرَتْ الْمُنَاسَبَةُ وَكَانَ الْحُكْمُ عَلَى وَفْقِهَا كَانَتْ عِلَّةً وَإِذَا كَانَتْ عِلَّةً عَمَّ الْحُكْمُ جَمِيعَ مَحَالِّهَا فَلَا يَتَخَصَّصُ ذَلِكَ بِمَوْرِدِ النَّصِّ انْتَهَى . وَهَذَا الْخِلَافُ الْمَذْكُورُ فِي مَحَلِّ السُّجُودِ قِيلَ هُوَ فِي الْأَوْلَوِيَّةِ فَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّهُمْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَوْ سَجَدَ بَعْدَ السَّلَامِ فِيمَا قَالُوا فِيهِ السُّجُودُ قَبْلَ السَّلَامِ أَوْ سَجَدَ قَبْلَ السَّلَامِ فِيمَا قَالُوا فِيهِ السُّجُودُ بَعْدَ السَّلَامِ لَمْ يَضُرَّهُ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ قَضَاءِ الْقَاضِي بِاجْتِهَادِهِ لِاخْتِلَافِ الْآثَارِ وَالسَّلَفِ فِيهِ إلَّا أَنَّ مَالِكًا أَشَدُّ اسْتِثْقَالًا لِوَضْعِ السُّجُودِ الَّذِي بَعْدَ السَّلَامِ قَبْلَ السَّلَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( قُلْت ) وَيَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ كَلَامُهُ عَلَى اتِّفَاقِ الْمَالِكِيَّةِ فَإِنَّ الْخِلَافَ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مَشْهُورٌ وَالْمَذْهَبُ أَنَّهُ فِي الْإِجْزَاءِ لَا فِي الْأَوْلَوِيَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ } اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ سَهْوَ الْإِمَامِ يَتَعَلَّقُ بِالْمَأْمُومِينَ وَإِنْ لَمْ يَسْهُوا فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ السُّجُودُ مَعَهُ بِدَلِيلِ سُجُودِ الصَّحَابَةِ مَعَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ لَمْ يُنْقَلْ أَنَّ أَحَدًا مِنْهُمْ تَخَلَّفَ عَنْ السَّلَامِ مَعَهُ لِأَنَّهُمْ جَوَّزُوا قَصْرَ الصَّلَاةِ كَمَا ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ وَإِنَّمَا الْحُجَّةُ فِي ذَلِكَ وُجُوبُ مُتَابَعَةِ الْإِمَامِ وَيُعَكِّرُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يُشْرَعُ لِلْمَسْبُوقِ السُّجُودُ فِي آخِرِ صَلَاةِ نَفْسِهِ أَيْضًا إذَا كَانَ حَضَرَ سَهْوَ الْإِمَامِ وَلَوْ سَجَدَ مَعَ الْإِمَامِ فِي آخِرِ صَلَاتِهِ مَعَ أَنَّهُ لَا مُتَابَعَةَ فِي آخِرِ صَلَاةِ الْمَأْمُومِ . { الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ } قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ إحْدَى صَلَاتَيْ الْعَشِيِّ وَهُوَ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِ الشِّينِ وَتَشْدِيدِ الْيَاءِ هَذِهِ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ الصَّحِيحَةُ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ الْعِشَاءُ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الشِّينِ وَالْمَدِّ وَهُوَ وَهْمٌ وَالْعَشِيُّ هُوَ مِنْ الزَّوَالِ إلَى الْغُرُوبِ قَالَهُ أَهْلُ اللُّغَةِ . { الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ } وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { ثُمَّ أَتَى جِذْعًا فِي قِبْلَةِ الْمَسْجِدِ فَاسْتَنَدَ إلَيْهَا مُغْضَبًا } فِيهِ حُجَّةٌ لِعَامَّةِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ اسْتِدْبَارَ الْقِبْلَةِ فِي حَقِّ مَنْ خَرَجَ مِنْ الصَّلَاةِ سَاهِيًا قَبْلَ تَمَامِهَا لَا يَمْنَعُ الْبِنَاءَ خِلَافًا لِمَنْ شَذَّ فَقَالَ : إنَّ اسْتِدْبَارَهَا يَمْنَعُ الْبِنَاءَ وَيُوجِبُ الِاسْتِئْنَافَ . { الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ } وَقَوْلُهُ فَاسْتَنَدَ إلَيْهَا مُغْضَبًا يُوَضِّحُ أَنَّ غَضَبَهُ لَمْ يَكُنْ لِكَلَامِ ذِي الْيَدَيْنِ فَإِنَّ هَذَا الْغَضَبَ كَانَ قَبْلَ أَنْ يَسْأَلَهُ ذُو الْيَدَيْنِ كَمَا هُوَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ وَقَالَ مُسْلِمٌ فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَذَكَرَ لَهُ صَنِيعَهُ وَخَرَجَ غَضْبَانَ قَالَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَضَبُهُ إنْكَارًا عَلَى الْمُتَكَلِّمِ إذْ قَدْ نَسَبَهُ إلَى مَا كَانَ يَعْتَقِدُ خِلَافَهُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَقَالَ { قُصِرَتْ الصَّلَاةُ يَا رَسُولَ اللَّهِ } فَخَرَجَ مُغْضَبًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ غَضَبُهُ لِأَمْرٍ آخَرَ لَمْ يَذْكُرْهُ الرَّاوِي قَالَ وَكَأَنَّ الْأَوَّلَ أَظْهَرُ وَلَيْسَ هَذَا اخْتِلَافًا فَإِنَّ وَاقِعَةَ عِمْرَانَ قِصَّةٌ أُخْرَى غَيْرُ الْوَاقِعَةِ الَّتِي رَآهَا أَبُو هُرَيْرَةَ كَمَا سَيَأْتِي وَقَدْ أَشَارَ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ إلَى هَذَا بَعْدَ ذِكْرِ شَرْحِهِ لِحَدِيثِ عِمْرَانَ لِهَذَا الِاخْتِلَافِ . { السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ } وَقَوْلُهُ { فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَسَلَّمَ ثُمَّ كَبَّرَ } الْمُرَادُ بِهِ التَّسْلِيمُ مِنْ الصَّلَاةِ فَهُوَ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ فِي السُّجُودِ بَعْدَ السَّلَامِ فِي الزِّيَادَةِ وَأَوَّلَهُ مَنْ خَالَفَ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ أَرَادَ السَّلَامَ فِي التَّشَهُّدِ وَهُوَ قَوْلُهُ { السَّلَامُ عَلَيْكَ أَيُّهَا النَّبِيُّ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ السَّلَامُ عَلَيْنَا وَعَلَى عِبَادِ اللَّهِ الصَّالِحِينَ } وَهُوَ تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ . { السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ } فِيهِ أَنَّهُ يُكَبِّرُ لِسَجْدَتَيْ السَّهْوِ وَلِلرَّفْعِ مِنْهُمَا كَسُجُودِ الصَّلَاةِ وَهُوَ كَذَلِكَ . { الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ } قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { ثُمَّ كَبَّرَ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ ثُمَّ سَجَدَ ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ } إلَى آخِرِهِ اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَلَى أَنَّ سَجْدَتَيْ السَّهْوِ يُكَبِّرُ لَهَا تَكْبِيرَةً قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي السَّجْدَتَيْنِ قَالُوا لِأَنَّهُ قَالَ ثُمَّ كَبَّرَ ثُمَّ سَجَدَ فَظَاهِرُ تَقَدُّمِ التَّكْبِيرِ عَنْ السُّجُودِ أَنَّهُ لَيْسَ لِلسُّجُودِ وَقَالَ فِي يَقِينِهَا ثُمَّ كَبَّرَ فَرَفَعَ فَأَتَى هُنَا بِالْفَاءِ وَهُنَاكَ بِثُمَّ وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّهُ عَلَى هَذَا تَخْلُو السَّجْدَةُ الْأُولَى عَنْ تَكْبِيرٍ لَهَا مَعَ اتِّفَاقِهِمْ عَلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ لِسَجْدَتَيْ السَّهْوِ كَسَائِرِ الصَّلَاةِ . { التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ } يُسْتَدَلُّ بِقَوْلِهِ فَأَتَمَّ مَا بَقِيَ مِنْ الصَّلَاةِ أَنَّ مَنْ نَسِيَ بَعْضَ الصَّلَاةِ ثُمَّ تَذَكَّرَ وَبَنَى أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى إحْرَامٍ جَدِيدٍ لِأَنَّ الْإِحْرَامَ الْمُتَقَدِّمَ شَمَلَهَا كُلَّهَا وَقَطْعُهَا سَهْوًا لَا يَقْطَعُهَا وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَقَالَ يَرْجِعُ إلَيْهَا بِإِحْرَامٍ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ مَالِكٍ أَيْضًا فِي وُجُوبِ التَّكْبِيرِ لِلْإِحْرَامِ وَفَرَّقَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ أَيْضًا بَيْنَ أَنْ يَقُومَ مِنْ مُصَلَّاهُ فَيَجِبَ الْإِحْرَامُ وَبَيْنَ أَنْ لَا يَقُومَ فَلَا يَجِبَ وَقَالَ أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيَّ : إنْ سَلَّمَ سَهْوًا فَلَا حَاجَةَ إلَى الْإِحْرَامِ ؛ وَإِنْ سَلَّمَ قَصْدًا عَلَى ظَنِّ التَّمَامِ أَحْرَمَ لِعَوْدِهِ وَإِلَّا كَانَ بِنَاؤُهُ عَارِيًّا عَنْ الْإِحْرَامِ . { الْفَائِدَةُ الْخَمْسُونَ } قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يُكَبِّرُ قَبْلَ الشُّرُوعِ فِي الرَّكْعَتَيْنِ لِأَنَّهُ لَمْ يُكَبِّرْ لِلْقِيَامِ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ فَقَدْ بَقِيَ عَلَيْهِ التَّكْبِيرُ فَيَبْدَأُ بِهِ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أَصْحَابِ مَالِكٍ أَوْ عَنْ بَعْضِهِمْ ( قُلْت ) وَيَنْبَغِي تَقْيِيدُهُ بِهَا إذَا كَانَ سَلَّمَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ أَمَّا لَوْ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ فَلَا لِأَنَّهُ أَتَى بِالتَّكْبِيرِ وَلَكِنَّهُ كَانَ لِلْقِيَامِ فَأَتَى بِهِ لِلْجُلُوسِ ؛ وَبِالْجُمْلَةِ فَقَدْ أَتَى بِتَكْبِيرِ الِانْتِقَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَسَيَأْتِي فِي الْفَائِدَةِ الَّتِي تَلِيهَا عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ مَا يُشْبِهُ ذَلِكَ فِي الْجُلُوسِ وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ظَاهِرٌ فِي أَنَّهُ لَمْ يُكَبِّرْ لِلِانْتِقَالِ إذْ لَوْ كَانَ لَنُقِلَ . { الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ } اشْتَرَطَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ فِي عَوْدِ السَّاهِي إلَى بَقِيَّةِ صَلَاتِهِ أَنْ يَجْلِسَ ثُمَّ يَقُومَ وَلَمْ يُنْقَلْ هَذَا فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ وَلَوْ كَانَ لَنُقِلَ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِ أَنْ يَقُومَ لِمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهِ فَكَانَ قِيَامُهُ لَا لِذَلِكَ فَيَجْلِسُ لِيَكُونَ قِيَامُهُ لِلصَّلَاةِ وَاخْتَلَفُوا هَلْ يَجْلِسُ قَبْلَ التَّكْبِيرِ أَوْ بَعْدَهُ أَوْ يُكَرِّرُ التَّكْبِيرَ لِلْجُلُوسِ وَالْقِيَامِ فَحَكَى أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ يُكَبِّرُ ثُمَّ يَجْلِسُ وَعَنْ ابْنِ شَبْلُونٍ يَجْلِسُ ثُمَّ يُكَبِّرُ وَعَنْ عَلِيِّ بْنِ عِيسَى الطُّلَيْطِلِيِّ إنْ سَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ كَبَّرَ لِلرُّجُوعِ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ كَبَّرَ أُخْرَى يَقُومُ بِهَا وَحَكَى ابْنُ زَرْقُونٍ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنَّهُ قَالَ فِي الْمَجْمُوعَةِ يَجْلِسُ ثُمَّ يُكَبِّرُ وَهُوَ خِلَافُ مَا حَكَاهُ عَنْهُ الْبَاجِيَّ وَحَكَى الْبَاجِيَّ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ أَنَّهُ إنْ سَلَّمَ مِنْ رَكْعَتَيْنِ أَوْ ثَلَاثٍ دَخَلَ بِإِحْرَامٍ وَلَمْ يَجْلِسْ وَقَالَ ابْنُ نَافِعٍ لَا يَجْلِسُ مُطْلَقًا وَلَا فَرْقَ عِنْدَهُ بَيْنَ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ رَكْعَةٍ أَوْ رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّ الْجُلُوسَ لِلرَّكْعَتَيْنِ قَدْ انْقَضَى وَالْقِيَامُ مِنْ رَكْعَتَيْنِ كَالْقِيَامِ مِنْ سُجُودِ رَكْعَةٍ . { الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ } فِي حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ حُجَّةٌ عَلَى سَحْنُونٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ حَيْثُ قَالَ إنَّمَا يَكُونُ الْبِنَاءُ فِيمَا إذَا سَلَّمَ سَهْوًا مِنْ اثْنَتَيْنِ عَلَى مَا فِي حَدِيثِ ذِي الْيَدَيْنِ دُونَ مَا إذَا سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ قَالَ ابْنُ دَقِيقِ الْعِيدِ وَلَعَلَّهُ رَأَى أَنَّ الْبِنَاءَ بَعْدَ قَطْعِ الصَّلَاةِ وَنِيَّةِ الْخُرُوجِ مِنْهَا عَلَى خِلَافِ الْقِيَاسِ فَيُقْتَصَرُ فِيهِ عَلَى مَوْرِدِ النَّصِّ قَالَ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ إذَا كَانَ الْفَرْعُ مُسَاوِيًا لِلْأَصْلِ يُلْحَقُ بِهِ وَإِنْ خَالَفَ الْقِيَاسَ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْأُصُولِ ( قُلْت ) وَلَا حَاجَةَ إلَى هَذَا الْجَوَابِ مَعَ وُرُودِهِ نَصًّا فِي الثَّلَاثِ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَكَمَا فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ أَيْضًا نَعَمْ إنْ قَالَهُ فِي السَّلَامِ مِنْ رَكْعَةٍ فَجَوَابُهُ مَا ذَكَرَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ } فِيهِ أَنَّهُ يُسَلِّمُ مِنْ رَكْعَتَيْ السَّهْوِ وَإِنْ أَوْقَعَهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ لِتَصْرِيحِهِ بِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَحِلَّهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ فَقَدْ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِنَاءً عَلَيْهِ أَنَّ الْحُكْمَ فِي السَّلَامِ مِنْهُمَا كَسَجْدَةِ التِّلَاوَةِ وَالصَّحِيحُ فِي سَجْدَةِ التِّلَاوَةِ السَّلَامُ مِنْهَا وَعَلَى هَذَا فَيُحْرِمُ لِسَجْدَتَيْ السَّهْوِ بِتَكْبِيرٍ لَهُ غَيْرِ تَكْبِيرِ الْهُوِيِّ كَالتِّلَاوَةِ سَوَاءٌ وَحَكَى الْبَاجِيَّ عَنْ مَالِكٍ فِي الْإِحْرَامِ لَهُمَا بَعْدَ السَّلَامِ رِوَايَتَيْنِ الْإِحْرَامُ وَنَفْيُهُ انْتَهَى . وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ مَحَلَّهُمَا قَبْلَ السَّلَامِ وَلَكِنْ أَخَّرَهُمَا السَّاهِي سَهْوًا أَيْضًا فَلَا يَحْتَاجُ لِتَحْرِيمٍ وَسَلَامٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الرَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ } فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ الرَّجُلَ الَّذِي سَأَلَهُ قَالَ لَهُ نَسِيت مِنْ الصَّلَاةِ رَكْعَةً فَجَزَمَ بِنِسْيَانِهِ وَلَمْ يُرَدِّدْ الْقَوْلَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الصَّلَاةُ قُصِرَتْ أَوْ يَكُونَ نَسِيَ كَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَغَيْرِهِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ غَيْرُ قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ لِأَنَّ السَّائِلَ فِي هَذِهِ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ فَلَا يَكُونُ هَذَا اخْتِلَافًا فِي الْحَدِيثِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَسْأَلَ كَمَا سَأَلَ غَيْرُهُ وَقَدْ كَانَ هَذَا بَعْدَ أَنْ وَقَعَ النِّسْيَانُ مِنْهُ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ لِأَنَّ هَذِهِ الْقِصَّةَ مُتَأَخِّرَةٌ عَنْ تِلْكَ فَإِنَّ مُعَاوِيَةَ أَسْلَمَ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَهْرَيْنِ كَمَا قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَالنَّوَوِيُّ فَلَمَّا غَلَبَ عَلَى ظَنِّهِ السَّهْوُ جَزَمَ بِهِ وَهَذَا مَعَ تَقَدُّمِ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَقَوْلُهُ { لَوْ حَدَثَ فِي الصَّلَاةِ شَيْءٌ أَنْبَأْتُكُمُوهُ } فَلَمَّا لَمْ يُنْبِئْهُمْ بِنُقْصَانِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْمَرَّةِ الْأَخِيرَةِ جَزَمَ طَلْحَةُ بِالنِّسْيَانِ . ( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) أَنَّ كَلَامَ طَلْحَةَ لَيْسَ خَبَرًا وَإِنَّمَا هُوَ اسْتِفْهَامٌ وَحَذْفُ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ كَثِيرٌ شَائِعٌ فَلَيْسَ فِيهِ الْجَزْمُ بِوُقُوعِ النِّسْيَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةُ وَالْخَمْسُونَ } لَمْ يُنْقَلْ مِنْ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ الصَّحَابَةَ عَمَّا قَالَ لَهُ الرَّجُلُ الَّذِي سَأَلَهُ هَلْ هُوَ كَمَا قَالَ لَهُ كَمَا فَعَلَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ بَلْ ذَكَرَ أَنَّهُ رَجَعَ فَأَتَمَّ الصَّلَاةَ وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وُجُوهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ يَجُوزُ أَنَّ مَرَاتِبَ الْأَخْبَارِ مُتَفَاوِتَةٌ بِاخْتِلَافِ حَالِ مَنْ أَخْبَرَ بِهَا فَلَمَّا كَانَ السَّائِلُ هُنَا طَلْحَةَ بْنَ عُبَيْدِ اللَّهِ أَحَدَ الْعَشَرَةِ الَّذِي أَخْبَرَ الصَّادِقُ عَنْهُ أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ تَرَجَّحَ عِنْدَهُ خَبَرُهُ فَعَمِلَ بِهِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَسْأَلَ عَنْهُ بِخِلَافِ ذِي الْيَدَيْنِ فَإِنَّهُ أَعْرَابِيٌّ لَا يَبْلُغُ مَرْتَبَةَ طَلْحَةَ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُ مُسَدَّدٍ أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ كَانَ يَكُونُ بِالْبَادِيَةِ فَيَجِيءُ فَيُصَلِّي مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاحْتَاجَ فِي خَبَرِهِ إلَى مَنْ يُتَابِعُهُ عَلَيْهِ وَإِنْ ثَبَتَتْ صُحْبَتُهُ فَمَرَاتِبُ الصَّحَابَةِ مُخْتَلِفَةٌ وَيَكُونُ فِي هَذَا حُجَّةٌ لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى قَوْلِ الرَّجُلِ الْوَاحِدِ مِنْ الْمَأْمُومِينَ . ( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) أَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَذَكَّرَ نِسْيَانَهُ لِلرَّكْعَةِ حِينَ أَخْبَرَهُ طَلْحَةُ فَلَمْ يَحْتَجْ إلَى أَنْ يَسْتَفْهِمَ مِنْ أَحَدٍ مِنْ بَقِيَّةِ الْمَأْمُومِينَ . ( وَالْوَجْهُ الثَّالِثُ ) أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ نَقْلِ سُؤَالِهِ لِلْحَاضِرَيْنِ عَدَمُ وُقُوعِهِ فَلَعَلَّهُ سَأَلَهُمْ كَمَا فَعَلَ فِي قِصَّةِ ذِي الْيَدَيْنِ وَاخْتَصَرَهُ الرَّاوِي فَذَكَرَ مِنْهُ مَا آلَ إلَيْهِ الْأَمْرُ مِنْ إعَادَةِ الرَّكْعَةِ دُونَ تَمَامِ بَقِيَّةِ الْقِصَّةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( وَالْوَجْهُ الرَّابِعُ ) أَنَّ خَبَرَ طَلْحَةَ وَإِنْ لَمْ يُوجِبْ عَوْدَهُ لِإِتْمَامِ الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ يُحْدِثُ شَكًّا فِي إكْمَالِ الصَّلَاةِ فَأَمَّا أَنْ يَجِبَ الْإِتْمَامُ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فِي وُجُوبِهِ وَلَوْ وَقَعَ الشَّكُّ بَعْدَ الْفَرَاغِ أَوْ فَعَلَهُ احْتِيَاطًا عَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِ الشَّكِّ بَعْدَ الْفَرَاغِ لَا يُؤَثِّرُ فِي الْعِبَادَةِ وَفِيهِ نَظَرٌ . { السَّادِسَةُ وَالْخَمْسُونَ } قَدْ يَقُولُ الْقَائِلُ إذَا كَانَ لَمْ يُنْقَلْ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ سُؤَالُهُ لِلْحَاضِرَيْنِ وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ اعْتَمَدَ خَبَرَ طَلْحَةَ أَوْ تَذَكَّرَ أَوْ شَكَّ فَأَعَادَ وُجُوبًا أَوْ احْتِيَاطًا فَمَا وَجْهُ مَشْيِهِ فِي خُرُوجِهِ وَدُخُولِهِ الْمَسْجِدَ وَهَذَا كُلُّهُ يُنَافِي الْبِنَاءَ بَعْدَ الِاطِّلَاعِ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَمْ تَتِمَّ ؟ وَالْجَوَابُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ تَذَكُّرَهُ عَقِبَ خَبَرِهِ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ بِنِيَّتِهِ وَلَا الْقَطْعَ بِأَنَّهُ لَمْ يَسْأَلْ الْحَاضِرِينَ فَلَعَلَّهُ خَرَجَ إلَى الْمَسْجِدِ فَتَذَكَّرَ فِيهِ أَنَّهُ نَسِيَ أَوْ خَرَجَ فَسَأَلَ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ اعْتَمَدَ خَبَرًا يَبْلُغُ التَّوَاتُرَ كَمَا اخْتَارَهُ ابْنُ عَبْدِ السَّلَامِ وَصَاحِبُ الْمُفْهِمِ كَمَا تَقَدَّمَ . { السَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ } فَإِنْ قِيلَ فَأَمْرُهُ بِلَالًا بِالْإِقَامَةِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ أَنْ عَرَفَ أَنَّهُ لَمْ يُتِمَّ صَلَاتَهُ فَمَا وَجْهُ أَمْرِهِ إيَّاهُ بِذَلِكَ وَكَذَلِكَ إقَامَةُ بِلَالٍ الصَّلَاةَ وَهُوَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاةٍ لَمْ تَتِمَّ وَفِيهَا مَا لَيْسَ بِذِكْرٍ وَهُوَ قَوْلُهُ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ فَهَذَا كَلَامٌ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ فَمَا وَجْهُهُ ؟ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ حَمْلُ الْأَمْرِ عَلَى النُّطْقِ فَلَعَلَّهُ أَمَرَهُ بِالْإِيمَاءِ أَوْ الْإِشَارَةِ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ أَمَرَهُ بِالنُّطْقِ فَهُوَ حُجَّةٌ لِمَالِكٍ وَمَنْ ذَهَبَ إلَى أَنَّ الْكَلَامَ بِمَا يُصْلِحُ الصَّلَاةَ لَا يُفْسِدُهَا وَأَمَّا إقَامَةُ بِلَالٍ الصَّلَاةَ فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْإِقَامَةَ الْمَشْرُوعَةَ فِي أَوَّلِ الصَّلَاةِ فَلَعَلَّ الْمُرَادَ بِهِ إعْلَامُهُمْ بِعَوْدِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِإِتْمَامِ صَلَاتِهِ بِإِيمَاءٍ أَوْ إشَارَةٍ أَوْ نُطْقٍ عَلَى قَوْلِ مَالِكٍ وَمَنْ تَابَعَهُ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ أَقَامَ الصَّلَاةَ كَمَا يُقِيمُ عِنْدَ ابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ فَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ قَوْلَهُ قَدْ قَامَتْ الصَّلَاةُ يُبْطِلُهَا فَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا إنَّهُ لَوْ نَذَرَ فِي الصَّلَاةِ بِأَنْ قَالَ نَذَرْت كَذَا وَكَذَا وَسَمَّى قُرْبَةً مِنْ الْقُرَبِ لَمْ تَبْطُلْ صَلَاتُهُ وَعَلَّلُوهُ بِكَوْنِهِ قُرْبَةً فَإِقَامَةُ بِلَالٍ لِلصَّلَاةِ مِنْ هَذَا الْقَبِيلِ لَا سِيَّمَا إنْ كَانَ لَا يَجْتَمِعُ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْمَسْجِدِ قَبْلَ إتْمَامِ الصَّلَاةِ إلَّا بِذَلِكَ مَعَ وُجُوبِ الْبَيَانِ عِنْدَ الْحَاجَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ } قَدْ يَسْتَدِلُّ الْمَالِكِيَّةُ بِإِقَامَةِ بِلَالٍ الصَّلَاةَ بِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ عَوْدَ النَّاسِ إلَى الصَّلَاةِ يَحْتَاجُ إلَى تَحَرُّمٍ كَابْتِدَاءِ الصَّلَاةِ لِأَنَّ الْإِقَامَةَ مُشْعِرَةٌ بِابْتِدَاءٍ وَتَحَرُّمٍ وَفِيهِ نَظَرٌ إذْ الْإِحْرَامُ الْأَوَّلُ بَاقٍ لَا يُبْطِلُهُ النِّسْيَانُ بِخِلَافِ جَمْعِ مَنْ تَفَرَّقَ مِنْ الْمَأْمُومِينَ فَقَدْ لَا يَجْمَعُهُمْ إلَّا الْإِقَامَةُ عَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِ الْإِقَامَةِ الْمَشْرُوعَةِ فِي الِابْتِدَاءِ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ الْإِقَامَةِ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ مُخَالِفٌ لِجَمِيعِ طُرُقِ أَحَادِيثِ السَّهْوِ فِي الصَّلَاةِ فَهِيَ شَاذَّةٌ وَحُكْمُهُ عَدَمُ الِاحْتِجَاجِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . { التَّاسِعَةُ وَالْخَمْسُونَ } قَوْلُهُ فِي الْأَحْكَامِ وَذَكَرَ أَنَّ الرَّجُلَ طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ أَيْ وَذَكَرَ مُعَاوِيَةُ ذَلِكَ بِتَعْرِيفِ مَنْ عَرَّفَ مُعَاوِيَةَ بِأَنَّهُ هُوَ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَعْرِفُهُ كَمَا هُوَ مُبَيَّنٌ فِي الْحَدِيثِ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ فَقَالَ فِي آخِرِهِ فَأَخْبَرْت بِهِ النَّاسَ فَقَالُوا لِي أَتَعْرِفُ الرَّجُلَ قُلْت لَا إلَّا أَنْ أَرَاهُ فَمَرَّ بِي فَقُلْت هَذَا هُوَ فَقَالُوا هَذَا طَلْحَةُ بْنُ عُبَيْدِ اللَّهِ انْتَهَى . وَاَلَّذِينَ عَرَّفُوهُ بِهِ وَإِنْ لَمْ يُسَمِّهِمْ فَإِنَّهُمْ الصَّحَابَةُ وَكُلُّهُمْ عُدُولٌ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . { الْفَائِدَةُ السِّتُّونَ } مَا ذُكِرَ فِي الْجَمْعِ بَيْنَ اخْتِلَافِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مِنْ أَنَّ حَدِيثَ مُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ قِصَّةٌ أُخْرَى غَيْرُ قِصَّةِ حَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَغَيْرُ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ هُوَ مَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ وَسَبَبُ اخْتِلَافِ حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ بْنِ خَدِيجٍ وَعِمْرَانَ وَإِنْ كَانَ فِي كُلٍّ مِنْهُمَا أَنَّهُ سَلَّمَ مِنْ ثَلَاثٍ أَنَّ السَّائِلَ لَهُ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ طَلْحَةُ وَفِي حَدِيثِ عِمْرَانَ الْخِرْبَاقُ وَقَدْ جَمَعَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بِجَمْعٍ آخَرَ فَقَالَ فِي التَّمْهِيدِ مَا ذُكِرَ فِي حَدِيثِ مُعَاوِيَةَ مِنْ ذِكْرِ طَلْحَةَ فَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ طَلْحَةُ أَيْضًا كَلَّمَهُ وَغَيْرُهُ وَلَيْسَ فِي أَنْ يُكَلِّمَهُ طَلْحَةُ وَغَيْرُهُ مَا يَدْفَعُ أَنَّ ذَا الْيَدَيْنِ كَلَّمَهُ أَيْضًا فَأَدَّى كُلٌّ مَا سَمِعَ عَلَى حَسَبِ مَا سَمِعَ وَكُلُّهُمْ اتَّفَقُوا فِي الْمَعْنَى الْمُرَادِ مِنْ الْحَدِيثِ وَهُوَ الْبِنَاءُ بَعْدَ الْكَلَامِ لِمَنْ ظَنَّ أَنَّهُ قَدْ أَتَمَّ انْتَهَى . وَمَا ذَكَرْتُهُ فِي الْجَمْعِ أَنَّ لِأَبِي هُرَيْرَةَ قِصَّتَيْنِ قَلَّدْت فِيهِ النَّوَوِيَّ فَقَدْ حَكَاهُ فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ ثُمَّ تَرَجَّحَ عِنْدِي أَنَّهَا قِصَّةٌ وَاحِدَةٌ كَمَا بَيَّنْتُهُ فِي الْفَائِدَةِ الثَّانِيَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ رَكْعَتَيْنِ } قَالَ وَأَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْأَذَانِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَبَدَا لَهُ الصُّبْحُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ } وَلِمُسْلِمٍ { صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ الظُّهْرِ سَجْدَتَيْنِ } الْحَدِيثَ وَفِيهِ { فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْجُمُعَةُ فَصَلَّيْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ } { بَابُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ } الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ أَنَّ التَّطَوُّعَ مَا رَجَّحَ الشَّرْعُ فِعْلَهُ عَلَى تَرْكِهِ وَجَازَ تَرْكُهُ فَالتَّطَوُّعُ وَالسُّنَّةُ وَالْمُسْتَحَبُّ وَالْمَنْدُوبُ وَالنَّافِلَةُ وَالْمُرَغَّبُ فِيهِ وَالْحَسَنُ أَلْفَاظٌ مُتَرَادِفَةٌ وَقَالَ آخَرُونَ مَا عَدَا الْفَرِيضَةَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ ( سُنَّةٌ ) وَهُوَ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ( وَمُسْتَحَبٌّ ) وَهُوَ مَا فَعَلَهُ أَحْيَانًا وَلَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ وَكَذَا لَوْ أَمَرَ بِهِ وَلَمْ يَفْعَلْهُ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْخُوَارِزْمِيَّ فِي الْكَافِي وَمِثَالُهُ الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ ( وَتَطَوُّعٌ ) وَهُوَ مَا يُنْشِئُهُ الْإِنْسَانُ ابْتِدَاءً مِنْ غَيْرِ أَنْ يَرِدَ فِيهِ نَقْلٌ مِنْ الشَّرْعِ وَفَرَّقَ الْمَالِكِيَّةُ بَيْنَ السُّنَّةِ وَالْفَضِيلَةِ وَضَابِطُهُ عِنْدَهُمْ كَمَا قَالَ بَعْضُهُمْ أَنَّ كُلَّ مَا وَاظَبَ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُظْهِرًا لَهُ فِي جَمَاعَةٍ فَهُوَ سُنَّةٌ وَمَا لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهِ وَعَدَّهُ فِي نَوَافِلِ الْخَيْرِ فَهُوَ فَضِيلَةٌ وَمَا وَاظَبَ عَلَيْهِ وَلَمْ يُظْهِرْهُ كَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَفِي كَوْنِهِ سُنَّةً أَوْ فَضِيلَةً قَوْلَانِ . ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ لَا يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يَنْصَرِفَ فَيُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ رَكْعَتَيْنِ } قَالَ وَأَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْأَذَانِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَبَدَا لَهُ الصُّبْحُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تُقَامَ الصَّلَاةُ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : { الْأُولَى } حَكَى السَّيْفُ الْآمِدِيُّ خِلَافًا فِي دَلَالَةِ كَانَ عَلَى التَّكْرَارِ وَصَحَّحَ ابْنُ الْحَاجِبِ أَنَّهَا تَقْتَضِي التَّكْرَارَ قَالَ وَلِهَذَا اسْتَفَدْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِمْ كَانَ حَاتِمُ يَقْرِي الضَّيْفَ وَصَحَّحَ فَخْرُ الدِّينِ الرَّازِيّ فِي الْمَحْصُولِ أَنَّهَا لَا تَقْتَضِيه لَا لُغَةً وَلَا عُرْفًا وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إنَّهُ الْمُخْتَارُ الَّذِي عَلَيْهِ الْأَكْثَرُونَ وَالْمُحَقِّقُونَ مِنْ الْأُصُولِيِّينَ وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ فِي مَوَاضِعَ مِنْهُ أَنَّهَا تَقْتَضِيه عُرْفًا فَعَلَى هَذَا فَفِي الْحَدِيثِ دَلَالَةٌ عَلَى تَكَرُّرِ فِعْلِ هَذِهِ النَّوَافِلِ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَّهُ كَانَ هَذَا دَأْبَهُ وَعَادَتَهُ { الثَّانِيَةُ } فِيهِ اسْتِحْبَابُ النَّوَافِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَهِيَ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَرَكْعَتَانِ قَبْلَ الصُّبْحِ فَهَذِهِ عَشْرُ رَكَعَاتٍ لِأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ لَا يَجْتَمِعَانِ مَعَ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ إلَّا لِعَارِضٍ بِأَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ وَسُنَّتَهَا الَّتِي بَعْدَهَا ثُمَّ يَتَبَيَّنُ فَسَادَهَا فَيُصَلِّيَ الظُّهْرَ وَيُصَلِّيَ بَعْدَهَا سَنَتَهَا قُلْته تَفَقُّهًا ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { حَفِظْت مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَشْرَ رَكَعَاتٍ } فَذَكَرَهَا إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا رَكْعَتَيْ الْجُمُعَةِ . وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ { سَأَلْت عَائِشَةَ عَنْ صَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا ثُمَّ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي بِالنَّاسِ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ يُصَلِّي بِالنَّاسِ الْمَغْرِبَ ثُمَّ يَدْخُلُ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَيُصَلِّي بِالنَّاسِ الْعِشَاءَ وَيَدْخُلُ بَيْتِي فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ } وَفِي آخِرِهِ { وَكَانَ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ } فَهَذِهِ ثَنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ { مَنْ صَلَّى اثْنَتَيْ عَشْرَةِ رَكْعَةً فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ بُنِيَ لَهُ بِهِنَّ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ } وَفَسَّرَهَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فَقَالَ { أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الْغَدَاةِ } وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَلَيْسَ فِي رِوَايَتِهِمْ ذِكْرُ { رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ } وَفِيهِ { وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعَصْرِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِلْحَاكِمِ { وَأَرْبَعُ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الْعَصْرِ } وَقَالَ كِلَا الْإِسْنَادَيْنِ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ هَذَا الْمَتْنَ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَضَعَّفَ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ حَدِيثَ عَائِشَةَ هَذَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ . وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سُلَيْمَانَ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ صَلَّى فِي يَوْمٍ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بُنِيَ لَهُ بَيْتٌ فِي الْجَنَّةِ رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ أَظُنُّهُ قَالَ قَبْلَ الْعَصْرِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ أَظُنُّهُ قَالَ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ } وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ بِدُونِ تَعْدَادِهَا وَقَالَ هَذَا خَطَأٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ سُلَيْمَانَ ضَعِيفٌ هُوَ ابْنُ الْأَصْبَهَانِيِّ وَكَذَا قَالَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ هَذَا خَطَأٌ وَالْحَدِيثُ بِأُمِّ حَبِيبَةَ أَشْبَهُ . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ } وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ } . وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا } وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ عَنْ أُمِّ حَبِيبَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ وَأَرْبَعٍ بَعْدَهَا حَرَّمَهُ اللَّهُ عَلَى النَّارِ } وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَلَيْسَ لِلْعَصْرِ ذِكْرٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِيمَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ { أَنَّ أَبَا سَلَمَةَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ سَأَلَ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا عَنْ السَّجْدَتَيْنِ اللَّتَيْنِ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الْعَصْرِ فَقَالَتْ كَانَ يُصَلِّيهِمَا قَبْلَ الْعَصْرِ ثُمَّ إنَّهُ شُغِلَ عَنْهُمَا أَوْ نَسِيَهُمَا فَصَلَّاهُمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ثُمَّ أَثْبَتَهُمَا } قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا هَذَا الْحَدِيثُ ظَاهِرٌ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّجْدَتَيْنِ رَكْعَتَانِ هُمَا سُنَّةٌ لِلْعَصْرِ قَبْلَهَا وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ يَنْبَغِي أَنْ يُحْمَلَ عَلَى سُنَّةِ الظُّهْرِ كَمَا فِي حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ أَيْ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّهُ أَتَانِي نَاسٌ مِنْ عَبْدِ الْقَيْسِ بِالْإِسْلَامِ مِنْ قَوْمِهِمْ فَشَغَلُونِي عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ اللَّتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ } . فَهُمَا هَاتَانِ لِيَتَّفِقَ الْحَدِيثَانِ وَسُنَّةُ الظُّهْرِ يَصِحُّ تَسْمِيَتُهَا قَبْلَ الْعَصْرِ انْتَهَى وَكَأَنَّ النَّوَوِيَّ أَرَادَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الصَّحِيحَيْنِ ذِكْرُ سُنَّةِ الْعَصْرِ صَرِيحًا مِنْ غَيْرِ تَأْوِيلٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ أَيْضًا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { صَلُّوا قَبْلَ الْمَغْرِبِ قَالَ فِي الثَّالِثَةِ لِمَنْ شَاءَ } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مُغَفَّلٍ أَيْضًا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ } . وَالْمُرَادُ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَضَعَّفَهُ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ صَلَّى بَعْدَ الْمَغْرِبِ سِتَّ رَكَعَاتٍ لَمْ يَتَكَلَّمْ فِيمَا بَيْنَهُنَّ بِسُوءٍ عَدَلْنَ لَهُ بِعِبَادَةِ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَنَةً } وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { قَالَ بِتُّ فِي بَيْتِ خَالَتِي مَيْمُونَةَ بِنْتِ الْحَارِثِ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِنْدَهَا فِي لَيْلَتِهَا فَصَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ ثُمَّ جَاءَ إلَى مَنْزِلِهِ فَصَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ ثُمَّ نَامَ } الْحَدِيثَ . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ { عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْعِشَاءَ قَطُّ فَدَخَلَ عَلَيَّ إلَّا صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ أَوْ سِتَّ رَكَعَاتٍ } الْحَدِيثَ وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ وَقِيَامِ اللَّيْلِ لِمُحَمَّدِ بْنِ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ وَمُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ يَرْفَعُهُ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ خَلْفَ الْعِشَاءِ الْآخِرَةِ قَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَتَيْنِ { قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ } وَ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } وَقَرَأَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ { تَبَارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } وَ { الم تَنْزِيلُ } السَّجْدَةِ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ كَأَرْبَعِ رَكَعَاتٍ مِنْ لَيْلَةِ الْقَدْرِ } وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ تَفَرَّدَ بِهِ ابْنُ فَرُّوخَ الْمِصْرِيُّ . وَالْمَشْهُورُ عَنْ كَعْبِ الْأَحْبَارِ مِنْ قَوْلِهِ { مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ الْوُضُوءَ ثُمَّ صَلَّى الْعِشَاءَ الْآخِرَةَ وَصَلَّى بَعْدَهَا أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ فَأَتَمَّ رُكُوعَهُنَّ وَسُجُودَهُنَّ يَعْلَمُ مَا يَقْتَرِئُ فِيهِنَّ فَإِنَّ لَهُ أَوْ كُنَّ لَهُ بِمَنْزِلَةِ لَيْلَةِ الْقَدْرِ } . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بَعْدَ ذِكْرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا عَدَا السِّتَّ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالْأَرْبَعَ بَعْدَ الْعِشَاءِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ كُلِّهَا وَاسْتَحَبُّوا جَمِيعَ هَذِهِ النَّوَافِلِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْأَحَادِيثِ السَّابِقَةِ وَلَا خِلَافَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا عِنْدَ أَصْحَابِنَا إلَّا فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ فَفِيهِمَا وَجْهَانِ لِأَصْحَابِنَا أَشْهَرُهُمَا لَا يُسْتَحَبُّ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْمُحَقِّقِينَ اسْتِحْبَابُهُمَا لِحَدِيثَيْ ابْنِ مُغَفَّلٍ وَلِحَدِيثِ { ابْتِدَارِهِمْ السَّوَارِيَ بِهِمَا } وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ وَاخْتِلَافُ الْأَحَادِيثِ فِي أَعْدَادِهَا مَحْمُولٌ عَلَى تَوْسِعَةِ الْأَمْرِ فِيهَا وَأَنَّ لَهَا أَقَلَّ وَأَكْمَلَ فَيَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ بِالْأَقَلِّ وَلَكِنَّ الِاخْتِيَارَ فِعْلُ الْأَكْثَرِ الْأَكْمَلِ ا هـ وَقَدْ اخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ فِي الْمُؤَكَّدِ مِنْ هَذِهِ الْمُسْتَحَبَّاتِ عَلَى خَمْسَةِ أَوْجُهٍ قَالَ الْأَكْثَرُونَ الْمُؤَكَّدُ مِنْهَا مَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي نَحْنُ فِي شَرْحِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ نَقَصَ رَكْعَتَيْ الْعِشَاءِ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْبُوَيْطِيِّ وَبِهِ قَالَ الْخُضَرِيُّ وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ عَلَى الْعَشْرِ رَكْعَتَيْنِ أُخْرَيَيْنِ قَبْلَ الظُّهْرِ فَصَيَّرَهُنَّ أَرْبَعًا وَعَزَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي لِلشَّافِعِيِّ وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أُخْرَيَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ فَصَيَّرَهُنَّ أَرْبَعًا أَيْضًا وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ عَلَى هَذَا أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ فَرَأَى جَمِيعَ ذَلِكَ مُؤَكَّدًا قَالَ صَاحِبُ الْمُهَذَّبِ وَجَمَاعَةٌ أَدْنَى الْكَمَالِ عَشْرُ رَكَعَاتٍ وَهُوَ الْوَجْهُ الْأَوَّلُ وَأَتَمُّ الْكَمَالِ ثَمَانِ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَهُوَ الْوَجْهُ الْأَخِيرُ وَزَادَ عَلَى هَذَا الْمَحَامِلِيُّ فِي اللُّبَابِ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَاسْتَحَبَّا رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَحَكَاهُ الْمَاوَرْدِيُّ عَنْ الْبُوَيْطِيِّ وَيَدُلُّ لَهُ حَدِيثُ { بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ } . وَعَدَّ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ الْبَيْضَاوِيُّ فِي التَّبْصِرَةِ مِنْ الرَّوَاتِبِ أَرْبَعًا بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَهُوَ غَرِيبٌ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ كَالْمَشْهُورِ عِنْدَنَا وَزَادَ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْهُمْ فِي الْمُؤَكَّدَةِ أَرْبَعًا قَبْلَ الْعَصْرِ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ وَقَوْلُهُ { رَحِمَ اللَّهُ امْرَأً صَلَّى قَبْلَ الْعَصْرِ أَرْبَعًا } تَرْغِيبٌ فِيهَا وَلَمْ يَجْعَلْهَا مِنْ السُّنَنِ الرَّوَاتِبِ بِدَلِيلِ أَنَّ ابْنَ عُمَرَ رَاوِيهِ وَلَمْ يَحْفَظْهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَحْمَدَ أَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْمَغْرِبِ جَائِزَتَانِ وَلَيْسَتَا سُنَّةً وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَهَذِهِ عِبَارَةُ صَاحِبِ الْهِدَايَةِ السُّنَّةُ رَكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الظُّهْرِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَانِ وَأَرْبَعُ قَبْلَ الْعَصْرِ وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ وَرَكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَأَرْبَعٌ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَأَرْبَعٌ بَعْدَهَا وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ وَذَهَبَ مَالِكٌ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ إلَى أَنَّهُ لَا رَوَاتِبَ فِي ذَلِكَ وَلَا تَوْقِيتَ إلَّا فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ صَاحِبُهُ وَإِنَّمَا تَوَقَّتَ أَهْلُ الْعِرَاقِ وَذَهَبَ الْعِرَاقِيُّونَ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ إلَى اسْتِحْبَابِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ وَقَبْلَ الْعَصْرِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ . وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ الْحَقُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ أَعْنِي مَا وَرَدَ فِيهِ أَحَادِيثُ بِالنِّسْبَةِ إلَى التَّطَوُّعَاتِ وَالنَّوَافِلِ الْمُرْسَلَةِ أَنَّ كُلَّ حَدِيثٍ صَحِيحٍ دَلَّ عَلَى اسْتِحْبَابِ عَدَدٍ مِنْ هَذِهِ الْأَعْدَادِ وَهَيْئَةٍ مِنْ الْهَيْئَاتِ أَوْ نَافِلَةٍ مِنْ النَّوَافِلِ يُعْمَلُ بِهِ فِي اسْتِحْبَابِهِ ثُمَّ تَخْتَلِفُ مَرَاتِبُ ذَلِكَ الْمُسْتَحَبِّ فَمَا كَانَ الدَّلِيلُ دَالًّا عَلَى تَأَكُّدِهِ إمَّا بِمُلَازَمَتِهِ فِعْلَهُ أَوْ بِكَثْرَةِ فِعْلِهِ وَإِمَّا بِقُوَّةِ دَلَالَةِ اللَّفْظِ عَلَى تَأَكُّدِ حُكْمِهِ . وَإِمَّا بِمُعَاضَدَةِ حَدِيثٍ آخَرَ أَوْ أَحَادِيثَ فِيهِ تَعْلُوا مَرْتَبَتَهُ فِي الِاسْتِحْبَابِ وَمَا نَقَصَ عَنْ ذَلِكَ كَانَ بَعْدَهُ فِي الرُّتْبَةِ وَمَا وَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ لَا يَنْتَهِي إلَى الصِّحَّةِ فَإِنْ كَانَ حَسَنًا عُمِلَ بِهِ إنْ لَمْ يُعَارِضْهُ أَقْوَى مِنْهُ وَكَانَتْ مَرْتَبَتُهُ نَاقِصَةً عَنْ هَذِهِ الْمَرْتَبَةِ الثَّانِيَةِ أَعْنِي الصَّحِيحَ الَّذِي لَمْ يَدُمْ عَلَيْهِ أَوْ لَمْ يُؤَكِّدْ اللَّفْظُ فِي طَلَبِهِ وَمَا كَانَ ضَعِيفًا لَا يَدْخُلُ فِي حَيِّزِ الْمَوْضُوعِ فَإِنْ أَحْدَثَ شِعَارًا فِي الدِّينِ مُنِعَ وَإِنْ لَمْ يُحْدِثْ فَهُوَ مَحَلُّ نَظَرٍ يُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِدُخُولِهِ تَحْتَ الْعُمُومَاتِ الْمُقْتَضِيَةِ لِفِعْلِ الْخَيْرِ وَاسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ هَذِهِ الْخُصُوصِيَّاتُ بِالْوَقْتِ وَبِالْحَالِ وَالْهَيْئَةِ وَاللَّفْظُ الْمَخْصُوصُ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ خَاصٍّ يَقْتَضِي اسْتِحْبَابَهُ بِخُصُوصِهِ وَهَذَا أَقْرَبُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . انْتَهَى . { الثَّالِثَةُ } قَالَ الْعُلَمَاءُ الْحِكْمَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ الرَّوَاتِبِ قَبْلَ الْفَرَائِضِ وَبَعْدَهَا تَكْمِيلُ الْفَرَائِضِ بِهَا إنْ عَرَضَ نَقْصٌ كَمَا ثَبَتَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ . { إنَّ أَوَّلَ مَا يُحَاسَبُ بِهِ الْعَبْدُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ عَمَلِهِ صَلَاتُهُ فَإِذَا صَلَحَتْ فَقَدْ أَفْلَحَ وَأَنْجَحَ وَإِنْ فَسَدَتْ خَابَ وَخَسِرَ فَإِنْ انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ شَيْءٌ قَالَ الرَّبُّ تَبَارَكَ وَتَعَالَى اُنْظُرُوا هَلْ لِعَبْدِي مِنْ تَطَوُّعٍ فَيُكَمَّلُ بِهَا مَا انْتَقَصَ مِنْ فَرِيضَتِهِ ثُمَّ يَكُونُ سَائِرُ عَمَلِهِ عَلَى ذَلِكَ } وَفِي النَّوَافِلِ الَّتِي قَبْلِ الْفَرِيضَةِ مَعْنًى آخَرُ وَهُوَ رِيَاضَةُ النَّفْسِ بِالدُّخُولِ فِي النَّافِلَةِ وَتَصْفِيَتُهَا عَمَّا هِيَ مُكْتَفِيَةٌ بِهِ مِنْ الشَّوَاغِلِ الدُّنْيَوِيَّةِ لِيَتَفَرَّغَ قَلْبُهُ لِلْفَرِيضَةِ أَكْمَلَ فَرَاغٍ وَيَحْصُلَ لَهُ النَّشَاطُ وَاقْتَضَى كَلَامُ الشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ أَنَّ الْمَعْنَى الْأَوَّلَ خَاصٌّ بِالنَّوَافِلِ الَّتِي بَعْدَ الْفَرَائِضِ فَقَالَ وَأَمَّا السُّنَنُ الْمُتَأَخِّرَةُ فَقَدْ وَرَدَ أَنَّ النَّوَافِلَ جَابِرَةٌ لِنُقْصَانِ الْفَرَائِضِ فَإِذَا وَقَعَ الْفَرْضُ نَاسَبَ أَنْ يَكُونَ بَعْدَهُ مَا يَجْبُرُ خَلَلًا فِيهِ إنْ وَقَعَ انْتَهَى وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَاَلَّذِي ذَكَرَهُ غَيْرُهُ حُصُولُ الْجَبْرِ بِالنَّوَافِلِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَالْمُتَأَخِّرَةِ وَالْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ يَعُمُّ سَائِرَ التَّطَوُّعَاتِ وَلَوْ تَقَدَّمَتْ عَلَى الْفَرَائِضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الرَّابِعَةُ } آكَدُ هَذِهِ الرَّوَاتِبِ رَكْعَتَا الْفَجْرِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ { لَمْ يَكُنْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ أَشَدَّ تَعَاهُدًا مِنْهُ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ } وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ { عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ أَمَّا مَا لَمْ يَدَعْ صَحِيحًا وَلَا مَرِيضًا فِي سَفَرٍ وَلَا حَضَرٍ غَائِبًا وَلَا شَاهِدًا تَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ } وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ الْقَوْلَ بِوُجُوبِهِمَا وَقَوْلِي هَذِهِ الرَّوَاتِبَ احْتَرَزْت بِهِ عَنْ الْوِتْرِ فَهُوَ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ عَلَى الْأَصَحِّ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالْقَوْلُ الْآخَرُ تَفْضِيلُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا تَعَرُّضًا لِآكَدِ الرَّوَاتِبِ بَعْدَهُمَا وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ آكَدُهَا بَعْدَهُمَا الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَيَشْهَدُ لَهُ أَنَّ الْحَسَنَ الْبَصْرِيَّ قَالَ بِوُجُوبِهِمَا أَيْضًا فَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ عَنْ الْحَسَنِ أَنَّهُ كَانَ يَرَى الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَاجِبَتَيْنِ وَيَرَى الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَاجِبَتَيْنِ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ لَوْ تَرَكْت الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ لَخَشِيت أَنْ لَا يُغْفَرَ لِي . وَعَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُرْسَلًا قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدَعُ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ } وَأَمَّا الْآكَدُ بَعْدَهُمَا فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ الرَّكْعَتَانِ بَعْدَ الْعِشَاءِ لِأَنَّهُمَا مِنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَهِيَ أَفْضَلُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ سُنَّةُ الظُّهْرِ لِاتِّفَاقِ الرِّوَايَاتِ عَلَيْهَا وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يَدَعُ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْغَدَاةِ } . وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ الْأَوْدِيِّ قَالَ كَانُوا لَا يَتْرُكُونَ أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ وَرَكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْفَجْرِ عَلَى حَالٍ . { الْخَامِسَةُ } كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبُو مُصْعَبٍ وَيَحْيَى بْنِ بُكَيْر قَوْلُهُ { فِي بَيْتِهِ } فِي مَوْضِعَيْنِ أَحَدُهُمَا بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَالْآخَرُ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَفِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَالْقَعْنَبِيِّ ذَكَرَهَا فِي الْمَغْرِبِ فَقَطْ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ ذَكَرَهَا فِي الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ وَبَعْدَ الْعِشَاءِ وَلَمْ يَذْكُرْ انْصِرَافَهُ فِي الْجُمُعَةِ وَلَعَلَّ قَوْلَهُ { فِي بَيْتِهِ } مُتَعَلِّقٌ بِجَمِيعِ الْمَذْكُورَاتِ فَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ التَّقْيِيدَ بِالظَّرْفِ يَعُودُ لِلْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ أَيْضًا لَكِنْ تَوَقَّفَ فِيهِ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ . وَيُنَافِيهِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ فَفِي بَيْتِهِ } وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ { فَأَمَّا الْمَغْرِبُ وَالْعِشَاءُ وَالْجُمُعَةُ فَصَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِهِ } . وَاتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَفْضَلِيَّةِ فِعْلِ النَّوَافِلِ الْمُطْلَقَةِ فِي الْبَيْتِ وَاخْتَلَفُوا فِي الرَّوَاتِبِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ الْأَفْضَلُ فِعْلُهَا فِي الْبَيْتِ أَيْضًا وَسَوَاءٌ فِي ذَلِكَ رَاتِبَةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا عِنْدَنَا وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ لَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ فِي ذَلِكَ . وَكَذَا قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُمْ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ النَّافِلَةِ فِي الْبُيُوتِ أَفْضَلُ انْتَهَى وَلَمْ يُقَيِّدْهُ بِالنَّافِلَةِ الْمُطْلَقَةِ فَفِي نَفْيِ الْخِلَافِ نَظَرٌ فَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ الِاخْتِيَارُ فِعْلُهَا كُلِّهَا فِي الْمَسْجِدِ وَأَشَارَ إلَيْهِ الْقَاضِي أَبُو الطَّيِّبِ مِنْ أَصْحَابِنَا وَقَالَ مَالِكٌ وَالثَّوْرِيُّ الْأَفْضَلُ فِعْلُ نَوَافِلِ النَّهَارِ الرَّاتِبَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَرَاتِبَةِ اللَّيْلِ فِي الْبَيْتِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَدَلِيلُ الْجُمْهُورِ { صَلَاتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سُنَّةَ الصُّبْحِ وَالْجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ } . وَهُمَا صَلَاتَا نَهَارٍ مَعَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَفْضَلُ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ } انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي بَعْدَ أَنْ قَرَّرَ اسْتِحْبَابَ فِعْلِ السُّنَنِ فِي الْبَيْتِ وَقَالَ الْأَثْرَمُ سَمِعْت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ سُئِلَ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ أَيْنَ تُصَلَّيَانِ فَقَالَ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ قَالَ أَمَّا الرَّكْعَتَانِ قَبْلَ الْفَجْرِ فَفِي بَيْتِهِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي بَيْتِهِ ا هـ فَكَأَنَّ التَّفْصِيلَ فِي ذَلِكَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ وَقَدْ فَصَلَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ بَيْنَ بَعْضِ رَوَاتِبِ النَّهَارِ وَبَعْضِهَا . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اخْتَلَفَتْ الْآثَارُ وَعُلَمَاءُ السَّلَفِ فِي صَلَاةِ النَّافِلَةِ فِي الْمَسْجِدِ فَكَرِهَهَا قَوْمٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَرَخَّصَ فِيهَا آخَرُونَ انْتَهَى وَالْحِكْمَةُ فِي مَشْرُوعِيَّةِ النَّوَافِلِ فِي الْبَيْتِ أَنَّهُ أَخْفَى وَأَقْرَبُ إلَى الْإِخْلَاصِ وَأَصْوَنُ مِنْ الْمُحْبِطَاتِ وَلِتَحْصُلَ الْبَرَكَةُ فِي الْبَيْتِ بِذَلِكَ وَتَنْزِلَ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَالْمَلَائِكَةُ وَيَنْفِرَ مِنْهُ الشَّيْطَانُ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ حُذَيْفَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي ذَلِكَ مَعْنَى غَرِيبٌ وَهُوَ كَرَاهَةُ التَّفَرُّقِ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الِاجْتِمَاعِ فِيهِ وَلَفْظُهُ إنِّي لَا أَكْرَهُهُ يَعْنِي التَّطَوُّعَ فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْفَرِيضَةِ بَيَّنَّاهُمْ جَمِيعًا فِي الصَّلَاةِ إذَا اخْتَلَفُوا وَهَذَا قَدْ يَقْتَضِي الْفَرْقَ بَيْنَ النَّافِلَةِ الَّتِي بَعْدَ الْفَرِيضَةِ وَالنَّافِلَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ رَجُلٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَنَّهُ قَالَ تَطَوُّعُ الرَّجُلِ فِي بَيْتِهِ يَزِيدُ عَلَى تَطَوُّعِهِ عِنْدَ النَّاسِ كَفَضْلِ صَلَاةِ الرَّجُلِ فِي جَمَاعَةٍ عَلَى صَلَاتِهِ وَحْدَهُ وَبَالَغَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى فَرَأَى أَنَّ سُنَّةَ الْمَغْرِبِ لَا يُجْزِئُ فِعْلُهَا فِي الْمَسْجِدِ حَكَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَحْمَدَ فِي الْمُسْنَدِ عَقِبَ حَدِيثِ مَحْمُودِ بْنِ لَبِيدٍ فَقَالَ قُلْت لِأَبِي إنَّ رَجُلًا قَالَ مَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْمَغْرِبِ فِي الْمَسْجِدِ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا أَنْ يُصَلِّيَهُمَا فِي بَيْتِهِ لِأَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ هَذِهِ مِنْ صَلَوَاتِ الْبَيْتِ } . قَالَ مَنْ هَذَا ؟ قُلْت مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ قَالَ مَا أَحْسَنَ مَا قَالَ أَوْ قَالَ مَا أَحْسَنَ مَا نَقَلَ أَوْ انْتَزَعَ وَفِي الْمُغْنِي لِابْنِ قُدَامَةَ قِيلَ لِأَحْمَدَ يَعْنِي بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ فِعْلَ سُنَّةِ الْمَغْرِبِ فِي الْبَيْتِ فَإِنْ كَانَ مَنْزِلُ الرَّجُلِ بَعِيدًا قَالَ لَا أَدْرِي وَذَلِكَ لِمَا رَوَى سَعْدُ بْنُ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَاهُمْ فِي مَسْجِدِ بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ فَرَآهُمْ يَتَطَوَّعُونَ بَعْدَهَا فَقَالَ هَذِهِ صَلَاةُ الْبُيُوتِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ { أَتَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَنِي عَبْدِ الْأَشْهَلِ فَصَلَّى بِنَا الْمَغْرِبَ فِي مَسْجِدِنَا ثُمَّ قَالَ ارْكَعُوا هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ فِي بُيُوتِكُمْ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ انْتَهَى وَيُسْتَثْنَى مِنْ تَفْصِيلِ النَّوَافِلِ فِي الْبَيْتِ مَا شُرِعَتْ فِيهِ الْجَمَاعَةُ كَالْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ وَكَذَلِكَ التَّنَفُّلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ الزَّوَالِ وَبَعْدَهُ فَفِعْلُهُ فِي الْمَسْجِدِ أَفْضَلُ لِاسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ لِلْجُمُعَةِ حَكَاهُ الْجُرْجَانِيُّ فِي الشَّافِي عَنْ الْأَصْحَابِ وَنَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ . فَقَالَ وَجَمِيعُ النَّوَافِلِ فِي الْبَيْتِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْهَا طَاهِرًا إلَّا فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ انْتَهَى . وَكَذَا رَكْعَتَا الطَّوَافِ وَرَكْعَتَا الْإِحْرَامِ إنْ كَانَ عِنْدَ الْمِيقَاتِ مَسْجِدٌ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا حَكَاهُ عَنْهُمْ النَّوَوِيُّ فِي الْحَجِّ وَكَذَا مَا يَتَعَيَّنُ لَهُ الْمَسْجِدُ كَتَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّادِسَةُ } فِيهِ اسْتِحْبَابُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { إذَا صَلَّيْتُمْ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَصَلُّوا أَرْبَعًا } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلْيُصَلِّ أَرْبَعًا } . وَنَقَلَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاصِّ وَآخَرِينَ اسْتِحْبَابَ أَرْبَعٍ بَعْدَهَا ثُمَّ قَالَ وَيَحْصُلُ أَيْضًا بِرَكْعَتَيْنِ انْتَهَى وَهُمَا نَصَّانِ لِلشَّافِعِيِّ نَصٌّ فِي الْأُمِّ فِي بَابِ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَالْعِيدَيْنِ مِنْ كِتَابِ اخْتِلَافِ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ عَلَى أَرْبَعٍ وَنَقَلَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ الشَّافِعِيِّ اسْتِحْبَابَ رَكْعَتَيْنِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ النَّصَّيْنِ مَحْمُولَانِ عَلَى الْأَكْمَلِ وَالْأَقَلِّ وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ التَّهْذِيبِ . وَيُوَافِقُهُ قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي التَّحْقِيقِ إنَّهَا فِي ذَلِكَ كَالظُّهْرِ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ بَطَّالٍ وَابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ مَا أَكْثَرَ الْمُصَلِّي مِنْ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَأَحَبُّ إلَيَّ وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَصَاحِبُ الْمُفْهِمِ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَالْكُوفِيِّينَ أَنَّهُمْ اخْتَارُوا الرُّكُوعَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ سِتًّا أَوْ أَرْبَعًا وَصَرَّحَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا الْخُوَارِزْمِيَّ فِي الْكَافِي فَقَالَ الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَهَا سِتًّا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَرْبَعًا بِسَلَامٍ وَاحِدٍ . وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي قَالَ أَحْمَدُ إنْ شَاءَ صَلَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ أَرْبَعًا وَفِي رِوَايَةٍ وَإِنْ شَاءَ سِتًّا وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بَعْدَ رِوَايَةِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ } . وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَبِهِ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ رِوَايَةِ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلِيُصَلِّ أَرْبَعًا } . وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَرُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا وَرَوَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ أَنَّهُ أُمِرَ أَنْ يُصَلَّى بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَرْبَعًا . وَذَهَبَ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ إلَى قَوْلِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَقَالَ إِسْحَاقُ إنْ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ صَلَّى أَرْبَعًا وَإِنْ صَلَّى فِي بَيْتِهِ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَاحْتَجَّ { بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ } . وَبِحَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا بَعْدَ الْجُمُعَةِ فَلِيُصَلِّ أَرْبَعًا } قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ عُمَرَ هُوَ الَّذِي رُوِيَ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ } وَابْنُ عُمَرَ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى فِي الْمَسْجِدِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ وَصَلَّى بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ أَرْبَعًا ثُمَّ رَوَاهُ كَذَلِكَ وَرَوَى أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ إذَا كَانَ بِمَكَّةَ فَصَلَّى الْجُمُعَةَ تَقَدَّمَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَقَدَّمَ فَصَلَّى أَرْبَعًا وَإِذَا كَانَ بِالْمَدِينَةِ صَلَّى الْجُمُعَةَ ثُمَّ رَجَعَ إلَى بَيْتِهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَلَمْ يُصَلِّ فِي الْمَسْجِدِ فَقِيلَ لَهُ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ ذَلِكَ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمَرْفُوعَ مِنْهُ آخِرُ الْحَدِيثِ فَقَطْ وَهُوَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ بِالْمَدِينَةِ دُونَ مَا كَانَ يَفْعَلُهُ بِمَكَّةَ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ صَلَّى الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ فِي زَمَنِهِ بِمَكَّةَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ صَغِيرًا فَإِنْ أُرِيدَ رَفْعَ فِعْلِهِ بِمَكَّةَ أَيْضًا وَهُوَ بَعِيدٌ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ رَآهُ يُصَلِّي بِمَكَّةَ بَعْدَ الظُّهْرِ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ أَنَّهُ صَلَّى الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَمْ يُنْقَلْ ذَلِكَ ثُمَّ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَ ذَلِكَ قَدْ يُسْأَلُ عَنْ الْحِكْمَةِ فِي كَوْنِ ابْنِ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّيهَا بِمَكَّةَ فِي الْمَسْجِدِ وَفِي الْمَدِينَةِ بِمَنْزِلِهِ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ كَانَ يُرِيدُ التَّأَخُّرَ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ لِلطَّوَافِ بِالْبَيْتِ فَيَكْرَهُ أَنْ يَفُوتَهُ بِمُضِيِّهِ إلَى مَنْزِلِهِ لِصَلَاةِ سُنَّةِ الْجُمُعَةِ زَمَنٌ مِمَّا يَغْتَنِمُهُ فِي الطَّوَافِ أَوْ أَنَّهُ يَشُقُّ عَلَيْهِ الذَّهَابُ إلَى مَنْزِلِهِ ثُمَّ الرُّجُوعُ إلَى الْمَسْجِدِ لِلطَّوَافِ أَوْ أَنَّهُ كَانَ يَرَى النَّوَافِلَ تُضَاعَفُ بِمَسْجِدِ مَكَّةَ دُونَ بَقِيَّةِ مَكَّةَ فَكَانَ يَتَنَفَّلُ فِي الْمَسْجِدِ لِذَلِكَ أَوْ كَانَ لَهُ أَمْرٌ يَتَعَلَّقُ بِهِ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ الِاجْتِمَاعِ بِأَحَدٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَقْتَضِي أَوْلَوِيَّةَ صَلَاتِهِ فِي الْمَسْجِدِ انْتَهَى وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ أَوَّلًا مِنْ أَنَّ الْمَرْفُوعَ آخِرُ الْحَدِيثِ فَقَطْ لَكِنْ ظَاهِرُ اللَّفْظِ أَنَّ تَفْرِيقَ ابْنِ عُمَرَ بَيْنَ الْبَلَدَيْنِ فِي ذَلِكَ فَعَلَهُ لِمُجَرَّدِ الِاتِّبَاعِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ سِتًّا وَقَالَ الثَّوْرِيُّ إنْ صَلَّيْت أَرْبَعًا أَوْ سِتًّا فَحَسَنٌ . وَقَالَ الْحَسَنُ بْنُ حَيٍّ يُصَلِّي أَرْبَعًا وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ سِتًّا وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا فَحَسَنٌ لَا بَأْسَ بِهِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَكُلُّ هَذِهِ الْأَقَاوِيلِ مَرْوِيَّةٌ عَنْ الصَّحَابَةِ قَوْلًا وَعَمَلًا وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ ذَلِكَ عَلَى الِاخْتِيَارِ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ قَالَتْ طَائِفَةٌ يُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَعِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ وَالنَّخَعِيِّ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَرْبَعًا رَوَى عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى . وَهُوَ قَوْلُ عَطَاءٍ وَالثَّوْرِيِّ وَأَبِي يُوسُفَ إلَّا أَنَّ أَبَا يُوسُفَ اسْتَحَبَّ أَنْ يُقَدِّمَ الْأَرْبَعَ قَبْلَ الرَّكْعَتَيْنِ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُصَلِّي أَرْبَعًا لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ بِسَلَامٍ رَوَى ذَلِكَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَعَلْقَمَةَ وَالنَّخَعِيِّ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَإِسْحَاقَ انْتَهَى وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَهُوَ السُّلَمِيُّ قَالَ قَدِمَ عَلَيْنَا ابْنُ مَسْعُودٍ فَكَانَ يَأْمُرُنَا أَنْ نُصَلِّيَ بَعْدَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا فَلَمَّا قَدِمَ عَلَيْنَا عَلِيٌّ أَمَرَنَا أَنْ نُصَلِّيَ سِتًّا فَأَخَذْنَا بِقَوْلِ عَلِيٍّ وَتَرَكْنَا قَوْلَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ كَانَ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَرْبَعًا وَذَكَرَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ أَمْرَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْأَرْبَعِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ مِنْ الرَّكْعَتَيْنِ أَنَّهَا تَكْمِلَةَ الرَّكْعَتَيْنِ الْمُتَقَدِّمَتَيْنِ فَيَكُونَ ظُهْرًا وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ الْمَازِرِيُّ فَقَالَ وَكُلُّ هَذَا إشَارَةٌ إلَى تَرْكِ الِاقْتِصَارِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ لِئَلَّا تَلْتَبِسَ الْجُمُعَةُ بِالظُّهْرِ الَّتِي هِيَ أَرْبَعٌ عَلَى الْجَاهِلِ أَوْ لِئَلَّا يَتَطَرَّقَ أَهْلُ الْبِدَعِ إلَى صَلَاتِهَا ظُهْرًا أَرْبَعًا . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ نَبَّهَ بِقَوْلِهِ مَنْ كَانَ مِنْكُمْ مُصَلِّيًا عَلَى أَنَّهَا سُنَّةٌ لَيْسَتْ وَاجِبَةً وَذَكَرَ الْأَرْبَعَ لِفَضْلِهَا وَفِعْلُهُ لِلرَّكْعَتَيْنِ فِي أَوْقَاتٍ بَيَانًا لِأَنَّ أَقَلَّهَا رَكْعَتَانِ قَالَ وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ أَرْبَعًا لِأَنَّهُ أَمَرَنَا بِهِنَّ وَحَثَّنَا عَلَيْهِنَّ بِقَوْلِهِ { إذْ صَلَّى أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيُصَلِّ بَعْدَهَا أَرْبَعًا } . وَهُوَ أَرْغَبُ فِي الْخَيْرِ وَأَحْرَصُ عَلَيْهِ وَأَوْلَى بِهِ انْتَهَى وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : وَمَا ادَّعَاهُ مِنْ أَنَّهُ مَعْلُومٌ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ أَرْبَعًا فِيهِ نَظَرٌ فَلَيْسَ ذَلِكَ بِمَعْلُومٍ وَلَا مَظْنُونٍ لِأَنَّ الَّذِي صَحَّ عَنْهُ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِهِ أَمَرَ بِهِ أَنَّهُ يَفْعَلُهُ وَكَلَامُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ إنَّمَا أَرَادَ بِهِ رَفْعَ فِعْلِهِ بِالْمَدِينَةِ حَسْبُ ، كَمَا تَقَدَّمَ لِأَنَّهُ لَمْ يَصِحَّ أَنَّهُ صَلَّى الْجُمُعَةَ بِمَكَّةَ وَعَلَى تَقْدِيرِ وُقُوعِهِ بِمَكَّةَ مِنْهُ فَلَيْسَ ذَلِكَ فِي أَكْثَرِ الْأَوْقَاتِ بَلْ نَادِرٌ وَرُبَّمَا كَانَتْ الْخَصَائِصُ فِي حَقِّهِ بِالتَّخْفِيفِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { كَانَ إذَا خَطَبَ احْمَرَّتْ عَيْنَاهُ وَعَلَا صَوْتُهُ وَاشْتَدَّ غَضَبُهُ كَأَنَّهُ مُنْذِرُ جَيْشٍ يَقُولُ صَبَّحَكُمْ مَسَّاكُمْ } الْحَدِيثَ عِنْدَ مُسْلِمٍ فَرُبَّمَا لَحِقَهُ تَعَبٌ مِنْ ذَلِكَ فَاقْتَصَرَ عَلَى الرَّكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ وَكَانَ يُطِيلُهُمَا كَمَا ثَبَتَ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ وَأَفْضَلُ الصَّلَاةِ طُولُ الْقُنُوتِ أَيْ الْقِيَامِ فَلَعَلَّهَا كَانَتْ أَطْوَلَ مِنْ أَرْبَعٍ خِفَافٍ أَوْ مُتَوَسِّطَاتٍ وَكَمَا تَرَكَ قِيَامَ اللَّيْلِ لَيْلَةَ الْمُزْدَلِفَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَنَامَ حَتَّى أَصْبَحَ لِمَا تَقَدَّمَ لَهُ مِنْ الْأَعْمَالِ بِعَرَفَةَ مِنْ وُقُوفِهِ مِنْ الزَّوَالِ إلَى بَعْدَ الْغُرُوبِ وَاجْتِهَادِهِ فِي الدُّعَاءِ وَسَيْرِهِ بَعْدَ الْغُرُوبِ إلَى الْمُزْدَلِفَةِ فَاقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ قَصْرًا وَرَقَدَ بَقِيَّةَ لَيْلِهِ مَعَ كَوْنِهِ كَانَ يَقُومُ فِي اللَّيْلِ حَتَّى تَوَرَّمَتْ قَدَمَاهُ وَلَكِنَّهُ أَرَاحَ نَفْسَهُ لِمَا تَقَدَّمَ فِي عَرَفَةَ وَلِمَا هُوَ بِصَدَدِهِ يَوْمَ النَّحْرِ مِنْ كَوْنِهِ نَحَرَ بِيَدِهِ ثَلَاثًا وَسِتِّينَ بَدَنَةً وَذَهَبَ إلَى مَكَّةَ لِطَوَافِ الْإِفَاضَةِ وَرَجَعَ إلَى مِنًى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ا هـ . { السَّابِعَةُ } قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي قَبْلَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ شَيْئًا إذْ لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ مِنْهُ لَضُبِطَ كَمَا ضُبِطَتْ صَلَاتُهُ بَعْدَهَا وَكَمَا ضُبِطَتْ صَلَاتُهُ قَبْلَ الظُّهْرِ وَلَعَلَّ الْبُخَارِيَّ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي صَحِيحِهِ بَابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَقَبْلَهَا أَيْ بَابُ حُكْمِ ذَلِكَ وَهُوَ الْفِعْلُ بَعْدَهَا لِوُرُودِهِ وَالتَّرْكُ قَبْلَهَا لِعَدَمِ وُرُودِهِ فَيَكُونُ بِدْعَةً فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ فِي الْبَابِ الْمَذْكُورِ مَا يَدُلُّ عَلَى الصَّلَاةِ قَبْلَهَا وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ أَشَارَ إلَى فِعْلِ الصَّلَاةِ قَبْلَهَا بِالْقِيَاسِ عَلَى سُنَّةِ الظُّهْرِ الَّتِي قَبْلَهَا الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ الَّذِي أَوْرَدَهُ وَهَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ يَجِيئَانِ أَيْضًا فِي قَوْلِ التِّرْمِذِيِّ فِي جَامِعِهِ بَابُ مَا جَاءَ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَبَعْدَهَا وَاخْتَصَرَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ عَلَى احْتِمَالٍ ثَالِثٍ وَهُوَ أَنَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ فِي تَبْوِيبِهِ لِمَا حَكَاهُ فِي أَثْنَاءِ الْبَابِ الْمَذْكُورِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا وَقَدْ أَنْكَرَ جَمَاعَةٌ كَوْنَ الْجُمُعَةِ لَهَا سُنَّةٌ قَبْلَهَا وَبَالَغُوا فِي إنْكَارِهِ وَجَعَلُوهُ بِدْعَةً وَذَلِكَ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ لِلْجُمُعَةِ إلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ فَلَمْ يَكُنْ يُصَلِّيهَا وَكَذَلِكَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ انْقَطَعَتْ الصَّلَاةُ وَمِمَّنْ أَنْكَرَ ذَلِكَ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا وَجَعَلَهُ مِنْ الْبِدَعِ وَالْحَوَادِثِ الْإِمَامُ شِهَابُ الدِّينِ أَبُو شَامَةَ وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ الْفُقَهَاءِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَالْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ اسْتِحْبَابَ سُنَّةٍ لِلْجُمُعَةِ قَبْلَهَا وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّ لَهَا سُنَّةً قَبْلَهَا مِنْهُمْ النَّوَوِيُّ فَقَالَ فِي الْمِنْهَاجِ إنَّهُ يُسَنُّ قَبْلَهَا مَا قَبْلَ الظُّهْرِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ قَبْلَهَا أَرْبَعٌ وَالْمُؤَكَّدُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ . وَنَقَلَ فِي الرَّوْضَةِ عَنْ ابْنِ الْقَاصِّ وَآخَرِينَ اسْتِحْبَابَ أَرْبَعٍ قَبْلَهَا ثُمَّ قَالَ وَيَحْصُلُ أَيْضًا بِرَكْعَتَيْنِ قَالَ وَالْعُمْدَةُ فِيهِ الْقِيَاسُ عَلَى الظُّهْرِ وَيَسْتَأْنِسُ بِحَدِيثِ سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَهَا أَرْبَعًا } وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ جِدًّا { قُلْت } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ بَقِيَّةَ بْنِ الْوَلِيدِ عَنْ مُبَشِّرِ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ حَجَّاجِ بْنِ أَرْطَاةَ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ وَهُوَ حَدِيثٌ بَاطِلٌ اجْتَمَعَ هَؤُلَاءِ الْأَرْبَعَةُ وَهُمْ ضُعَفَاءُ ، وَمُبَشِّرٌ وَضَّاعٌ صَاحِبُ أَبَاطِيلَ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ . بَقِيَّةُ بْنُ الْوَلِيدِ مُوَثَّقٌ وَلَكِنَّهُ مُدَلِّسٌ وَحَجَّاجٌ صَدُوقٌ رَوَى لَهُ مُسْلِمٌ مَقْرُونًا بِغَيْرِهِ وَعَطِيَّةَ مَشَّاهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فَقَالَ فِيهِ صَالِحٌ وَلَكِنْ ضَعَّفَهُمَا الْجُمْهُورُ انْتَهَى وَالْمَتْنُ الْمَذْكُورُ رَوَاهُ أَبُو الْحَسَنِ الْخُلَعِيِّ فِي فَوَائِدِهِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ عَاصِمِ بْنِ ضَمْرَةَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ فِي سُنَنِهِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْلَيْت قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ قَالَ لَا ، قَالَ فَصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا } قَالَ الْمَجْدُ بْنُ تَيْمِيَّةَ فِي الْأَحْكَامِ رِجَالُ إسْنَادِهِ ثِقَاتٌ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ قَالُوا فَقَوْلُهُ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ الْمَأْمُورَ بِهَا لَيْسَتْ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ لِأَنَّ فِعْلَهَا فِي الْبَيْتِ لَا يَقُومُ مَقَامَ فِعْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ فَتَعَيَّنَ أَنَّهَا سُنَّةُ الْجُمُعَةِ . وَفِيهِ نَظَرٌ فَلَمْ يَتَعَيَّنْ ذَلِكَ فَلَا يَجُوزُ إثْبَاتُ سُنَّةِ الْجُمُعَةِ لِمُجَرَّدِ هَذَا إذْ يَحْتَمِلُ أَنَّ مَعْنَاهُ قَبْلَ أَنْ تَقْتَرِبَ مِنِّي لِسَمَاعِ الْخُطْبَةِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ إلَى الْمَسْجِدِ لِأَنَّ صَلَاتَهُ قَبْلَ مَجِيءِ الْمَسْجِدِ غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ فَكَيْفَ يَسْأَلُهُ عَنْهَا إذْ الْمَأْمُورُ بِهِ بَعْدَ دُخُولِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ السَّعْيُ إلَى مَكَانِ الْجُمُعَةِ وَقَبْلَهُ لَا يَصِحُّ فِعْلُهَا بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِهَا وَاسْتَدَلُّوا لِذَلِكَ أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ نَافِعٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ يُطِيلُ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَيُصَلِّي بَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ فِي بَيْتِهِ وَيُحَدِّثُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَفِي الِاسْتِدْلَالِ بِهِ نَظَرٌ مِنْ وَجْهَيْنِ . ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ إطَالَتِهِ الصَّلَاةَ قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ سُنَّةً لِلْجُمُعَةِ بَلْ قَدْ يَكُونُ قَبْلَ الزَّوَالِ فِي انْتِظَارِهِ لِلصَّلَاةِ . ( وَالْوَجْهُ الثَّانِي ) أَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمَرْفُوعِ مِنْهُ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا فِي بَيْتِهِ عَلَى وَفْقِ حَدِيثِهِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَأَمَّا إطَالَةُ الصَّلَاةِ قَبْلَهَا فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْهُ فِعْلُهُ لِأَنَّهُ كَانَ يَخْرُجُ إلَى صَلَاةِ الْجُمُعَةِ فَيُؤَذَّنُ بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ يَخْطُبُ انْتَهَى . وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُغَفَّلٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَيْنَ كُلِّ أَذَانَيْنِ صَلَاةٌ } قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَلِقَائِلٍ أَنْ يَعْتَرِضَ عَلَى الِاسْتِدْلَالِ بِهِ بِأَنَّ ذَلِكَ كَانَ مُتَعَذِّرًا فِي حَيَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّهُ كَانَ بَيْنَ الْأَذَانِ وَالْإِقَامَةِ الْخُطْبَةُ فَلَا صَلَاةَ حِينَئِذٍ بَيْنَهُمَا نَعَمْ بَعْدَ أَنْ جَدَّدَ عُثْمَانَ : الْأَذَانَ عَلَى الزَّوْرَاءِ يُمْكِنُ أَنْ يُصَلِّي سُنَّةَ الْجُمُعَةِ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَاسْتَدَلُّوا أَيْضًا بِمَا رَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ فِي سُنَنِهِ وَغَيْرُهُمَا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا مِنْ صَلَاةٍ مَفْرُوضَةٍ إلَّا وَبَيْنَ يَدَيْهَا رَكْعَتَيْنِ } وَهَذَا يَتَنَاوَلُ الْجُمُعَةَ وَغَيْرَهَا لَكِنْ يَضْعُفُ الِاسْتِدْلَال بِهِ مِنْ جِهَةِ أَنَّهُ عُمُومٌ يَقْبَلُ التَّخْصِيصَ فَقَدْ تَقَدَّمَ عَلَيْهِ مَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنْ حَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَكُونُوا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَاسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ عَلَى سُنَّةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَهَا بِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَثَوْبَانَ { فِي صَلَاةِ أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ بَعْدَ الزَّوَالِ } وَقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إنَّهَا سَاعَةٌ يُفْتَحُ فِيهَا أَبْوَابُ السَّمَاءِ } وَلِقَائِلٍ أَنْ يَقُولَ هَذِهِ سُنَّةُ الزَّوَالِ فَفِي حَدِيثِ عَلِيٍّ { أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَهَا أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ } وَقَدْ يُجَابُ عَنْهُ بِأَنَّهُ حَصَلَ فِي الْجُمْلَةِ اسْتِحْبَابُ أَرْبَعٍ بَعْدَ الزَّوَالِ كُلَّ يَوْمٍ سَوَاءٌ فِيهِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَغَيْرُهُ وَهُوَ الْمَقْصُودُ انْتَهَى . وَهَذِهِ الْأُمُورُ الَّتِي اُسْتُدِلَّ بِهَا عَلَى سُنَّةِ الْجُمُعَةِ قَبْلَهَا إنْ كَانَ فِي كُلٍّ مِنْهَا عَلَى انْفِرَادِهِ نَظَرٌ فَمَجْمُوعُهَا قَوِيٌّ يَضْعُفُ مَعَهُ إنْكَارُهَا وَأَقْوَى مَا يُعَارِضُ ذَلِكَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَكُنْ يُؤَذَّنُ فِي زَمَنِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غَيْرُ أَذَانٍ وَاحِدٍ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ وَذَلِكَ الْأَذَانُ يَعْقُبُهُ الْخُطْبَةُ ثُمَّ الصَّلَاةُ فَلَا يُمْكِنُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يَفْعَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَا أَحَدٌ مِنْ أَصْحَابِهِ وَبِالْجُمْلَةِ فَالْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةٌ وَبَوَّبَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَلَى الصَّلَاةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَأَوْرَدَ فِيهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا . وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَهْجُرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَيُطِيلُ الصَّلَاةَ قَبْلَ أَنْ يَخْرُجَ الْإِمَامُ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ صَلَّى قَبْلَ الْجُمُعَةِ عَشْرَ رَكَعَاتٍ . وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ كَانُوا يُصَلُّونَ قَبْلَهَا أَرْبَعًا . وَعَنْ أَبِي مِجْلَزٍ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي فِي بَيْتِهِ رَكْعَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ . وَعَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ لَا يَأْتِي الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَتَّى يُصَلِّيَ فِي بَيْتِهِ رَكْعَتَيْنِ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْهَا دَلِيلٌ عَلَى سُنَّةِ الْجُمُعَةِ فَلَعَلَّ ذَلِكَ قَبْلَ الزَّوَالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي لَا أَعْلَمُ فِي الصَّلَاةِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ إلَّا حَدِيثَ ابْنِ مَاجَهْ { كَانَ يَرْكَعُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا } وَرَوَى عَمْرُو بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي عَنْ أَبِيهِ قَالَ كُنْت أَتْقَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ قَامُوا فَصَلَّوْا أَرْبَعًا قَالَ أَبُو بَكْرٍ كُنَّا نَكُونُ مَعَ حَبِيبِ بْنِ أَبِي ثَابِتٍ فِي الْجُمُعَةِ فَيَقُولُ أَزَالَتْ الشَّمْسُ بَعْدُ ؟ أَوْ يَلْتَفِتُ فَيَنْظُرُ فَإِذَا زَالَتْ الشَّمْسُ صَلَّى الْأَرْبَعَ الَّتِي قَبْلَ الْجُمُعَةِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الْجُمُعَةِ أَرْبَعًا وَبَعْدَهَا أَرْبَعًا رَوَاهُ سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ انْتَهَى . وَخَلَطَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ بِالصَّلَاةِ وَقْتَ الِاسْتِوَاءِ وَوَقَعَ لَهُ فِي ذَلِكَ أَوْهَامٌ عَدِيدَةٌ نَبَّهَ عَلَيْهَا وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَبَسَطَ الرَّدَّ عَلَيْهِ وَكَذَلِكَ وَقَعَ هَذَا التَّخْلِيطُ لِابْنِ بَطَّالٍ فِي شَرْحِ الْبُخَارِيِّ فَقَالَ فِي الْكَلَامِ عَلَى قَوْلِ الْبُخَارِيِّ بَابُ الصَّلَاةِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ وَقَبْلَهَا وَأَمَّا الصَّلَاةُ قَبْلَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ تَقَدَّمَ اخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ اسْتِوَاءِ الشَّمْسِ فَأَغْنَى عَنْ إعَادَتِهِ انْتَهَى وَالصَّلَاةُ عِنْدَ الِاسْتِوَاءِ الَّتِي هِيَ مُخْتَلَفٌ فِي جَوَازِهَا قَبْلَ الزَّوَالِ وَسُنَّةُ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا بَعْدَ الزَّوَالِ فَلَا اجْتِمَاعَ بَيْنَهُمَا لِاخْتِلَافِ وَقْتِهِمَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الثَّامِنَةُ } فِيهِ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي سُنَّةِ الْجُمُعَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فِعْلُهَا فِي الْبَيْتِ كَسَائِرِ الرَّوَاتِبِ وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَالْجُمْهُورُ وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَصْحَابُهُ إلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ لِلْإِمَامِ أَنْ لَا يَتَنَفَّلَ بِأَثَرِهَا فِي الْمَسْجِدِ وَوَسَّعَ فِي ذَلِكَ لِلْمَأْمُومِ وَوَجَّهَ ابْنُ بَطَّالٍ فِعْلَهُمَا فِي الْبَيْتِ بِأَنَّهُ لَمَّا كَانَتْ الْجُمُعَةُ رَكْعَتَيْنِ لَمْ يُصَلِّ بَعْدَهَا صَلَاةً مِثْلَهَا خَشْيَةَ أَنْ يُظَنَّ أَنَّهَا الَّتِي حُذِفَتْ مِنْهَا وَأَنَّهَا وَاجِبَةٌ فَلَمَّا زَالَ عَنْ مَوْطِنِ الْفَرْضِ صَلَّى فِي بَيْتِهِ وَاسْتَشْهَدَ عَلَى ذَلِكَ بِقَوْلِ مُعَاوِيَةَ إذَا صَلَّيْت الْجُمُعَةَ فَلَا تَصِلْهَا بِصَلَاةٍ حَتَّى تَتَكَلَّمَ أَوْ تَخْرُجَ { فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَنَا أَنْ لَا نُوصِلَ صَلَاةً بِصَلَاةٍ حَتَّى نَتَكَلَّمَ أَوْ نَخْرُجَ } قُلْت وَهَذَا التَّوْجِيهُ الَّذِي ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا سَبَقَتْ حِكَايَتُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِعْلُ رَاتِبَةِ النَّهَارِ فِي الْمَسْجِدِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا تَقَدَّمَ فَلَا فَرْقَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا وَالْحَدِيثُ الْمَرْفُوعُ الَّذِي رَوَاهُ مُعَاوِيَةُ لَمْ يَخُصَّ فِيهِ ذَلِكَ بِالْجُمُعَةِ فَكُلُّ نَافِلَةٍ كَذَلِكَ فِي اسْتِحْبَابِ فِعْلِهَا فِي الْبَيْتِ إلَّا مَا اُسْتُثْنِيَ وَبِتَقْدِيرِ فِعْلِهَا فِي الْمَسْجِدِ فَيُسْتَحَبُّ الْفَصْلُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْفَرْضِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ يَتَأَكَّدُ فِي الْجُمُعَةِ لِئَلَّا يَحْصُلَ التَّشَبُّهُ بِأَهْلِ الْبِدَعِ الَّذِينَ يُصَلُّونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَاءَ الْإِمَامِ تَقِيَّةً يُوهِمُونَ أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَ الْجُمُعَةَ وَإِنَّمَا يُصَلُّونَ الظُّهْرَ وَيَقُومُونَ إلَى رَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا لِيُتِمُّوا ظُهْرَهُمْ فَإِذَا سُئِلُوا عَنْ ذَلِكَ مَوَّهُوا بِأَنَّهَا سُنَّةُ الْجُمُعَةِ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ كَانَ يُصَلِّي بَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ فَقِيلَ لَهُ يَا أَبَا نُجَيْدٍ مَا يَقُولُ النَّاسُ ؟ قَالَ وَمَا يَقُولُونَ قَالَ يَقُولُونَ إنَّك تُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ إلَى الْجُمُعَةِ فَتَكُونُ أَرْبَعًا فَقَالَ لَأَنْ تَخْتَلِفَ النَّيَازِكُ بَيْنَ أَضْلَاعِي أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَفْعَلَ ذَلِكَ فَلَمَّا كَانَتْ الْجُمُعَةُ الْمُقْبِلَةُ صَلَّى الْجُمُعَةَ ثُمَّ احْتَبَى فَلَمْ يُصَلِّ شَيْئًا حَتَّى أُقِيمَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد أَنْ ابْنَ عُمَرَ رَأَى رَجُلًا يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي مُقَامِهِ فَدَفَعَهُ وَقَالَ أَتُصَلِّي الْجُمُعَةَ أَرْبَعًا ؟ وَفِي ذَلِكَ رَدٌّ عَلَى مَنْ يُبَادِرُ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ وَغَيْرِهِمْ إلَى فِعْلِ التَّطَوُّعِ مُتَّصِلًا بِالْفَرْضِ وَقَدْ كَرِهَ ذَلِكَ حَافِظُ الْحَنَفِيَّةِ الطَّحَاوِيُّ وَاسْتَدَلَّ بِحَدِيثِ مُعَاوِيَةَ فِي الْفَصْلِ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { التَّاسِعَةُ } قَالَ الْمُهَلَّبُ بْنُ أَبِي صُفْرَةَ الْمَالِكِيُّ هَاتَانِ الرَّكْعَتَانِ هُمَا الرَّكْعَتَانِ اللَّتَانِ كَانَ يُصَلِّيهِمَا بَعْدَ الظُّهْرِ فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ وَكَرَّرَ ابْنُ عُمَرَ ذِكْرَهُمَا مِنْ أَجْلِ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّيهِمَا فِي بَيْتِهِ قُلْت وَهَذَا أَيْضًا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ رَاتِبَةَ النَّهَارِ تُفْعَلُ فِي الْمَسْجِدِ وَالْجُمْهُورُ عَلَى خِلَافِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَلَا تَكْرَارَ فِي كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ لِأَنَّ الْجُمُعَةَ غَيْرُ الظُّهْرِ اسْمًا وَحُكْمًا وَصُورَةً لَا سِيَّمَا مَعَ التَّفْرِيعِ عَلَى أَنَّهَا صَلَاةٌ عَلَى حِيَالِهَا فَلَوْ اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الظُّهْرِ لَمْ يُسْتَفَدْ حُكْمُ الرَّكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْجُمُعَةِ إلَّا بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ كَمَا وَقَعَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ قَبْلَ الْجُمُعَةِ . { الْعَاشِرَةُ } قَوْلُهُ وَأَخْبَرَتْنِي حَفْصَةُ فِيهِ رِوَايَةُ أَحَدِ الْأَخَوَيْنِ عَنْ الْآخَرِ وَرِوَايَةُ بَعْضِ الْأَقْرَانِ عَنْ بَعْضٍ لِأَنَّ عَبْدَ اللَّهِ وَحَفْصَةَ ابْنَيْ عُمَرَ صَحَابِيَّانِ فَاضِلَانِ مَعْرُوفَانِ وَهُمَا فَتَيَانِ مُسْتَحْسَنَانِ . { الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ } قَوْلُهُ إذَا سَكَتَ الْمُؤَذِّنُ مِنْ الْأَذَانِ لَعَلَّهُ ضَمَّنَ سَكَتَ مَعْنَى فَرَغَ فَإِنَّهُ يُقَالُ سَكَتَ عَنْ كَذَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { فَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ } وَلَمْ أَجِدْ فِي كَلَامِهِمْ سَكَتَ مِنْ كَذَا وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد بِالْأَذَانِ وَالْبَاءُ تَكُونُ بِمَعْنَى عَنْ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا } أَيْ عَنْهُ قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَيُرِيدُ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي مَا دَامَ يُؤَذَّنُ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ الْأَذَانِ وَسَكَتَ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَقَالَ الْمُنْذِرِيُّ الْمَشْهُورُ فِي الرِّوَايَةِ سَكَتَ بِالتَّاءِ ثَالِثِ الْحُرُوفِ وَرَوَاهُ سُوَيْد عَنْ ابْنِ الْمُبَارَكِ سَكَبَ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ فَقَالَ بَعْضُهُمْ سَكَتَ وَسَكَبَ بِمَعْنًى وَقَالَ غَيْرُهُ سَكَبَ يُرِيدُ أَذِنَ قَالَ وَالسَّكْبُ الصَّبُّ وَأَصْلُهُ فِي الْمَاءِ يُصَبُّ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ فِي الْقَوْلِ اسْتِعَارَةً كَقَوْلِ الْقَائِلِ أَفْرَغَ فِي أُذُنِي كَلَامًا لَمْ أَسْمَعْ مِثْلَهُ انْتَهَى . { الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ } قَدْ يُسْتَأْنَسُ بِقَوْلِهِ مِنْ الْأَذَانِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ عَلَى أَنَّ الْأَذَانَ شُرِعَ لِلصَّلَاةِ دُونَ الْوَقْتِ وَالْجَمَاعَةِ وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ مَشْهُورٌ وَهَذَا الِاسْتِئْنَاسُ ضَعِيفٌ . { الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ } قَوْلُهُ وَبَدَا لَهُ الصُّبْحُ بِغَيْرِ هَمْزٍ أَيْ ظَهَرَ وَاسْتَبَانَ . { الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ } فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَخْفِيفِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَلِذَلِكَ بَالَغَ بَعْضُ السَّلَفِ فَقَالَ لَا يَقْرَأُ فِيهِمَا شَيْئًا أَصْلًا وَقَالَ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ لَا يَقْرَأُ غَيْرَ الْفَاتِحَةِ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ كَمَا حَكَاهُ عَنْهُمْ النَّوَوِيُّ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بَعْدَ الْفَاتِحَةِ سُورَةً قَالَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْرَأَ فِيهِمَا بِ { قُلْ يَأَيُّهَا الْكَافِرُونَ } وَ { قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ } أَوْ بِقَوْلِهِ تَعَالَى { قُولُوا آمَنَّا بِاَللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إلَيْنَا } وقَوْله تَعَالَى { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ تَعَالَوْا } وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرَانِ فِي الصَّحِيحِ لَكِنَّ الْأَوَّلَ أَفْضَلُ لِأَنَّ قِرَاءَةَ سُورَةٍ أَفْضَلُ مِنْ قِرَاءَةِ بَعْضِ سُورَةٍ كَمَا صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ وَأَشَارَ إلَى مَا ذَكَرْته ابْنُ الْعَرَبِيِّ هُنَا وَعَلَّلَ تَرْجِيحَ السُّورَةِ بِأَنَّ التَّحَدِّيَ وَقَعَ بِسُورَةٍ وَلَمْ يَقَعْ بِآيَةٍ وَهُوَ غَرِيبٌ وَاَلَّذِي عَلَّلَ بِهِ أَصْحَابُنَا ذَلِكَ أَنَّ الْوَقْفَ عَلَى آخِرِ السُّورَةِ صَحِيحٌ بِالْقَطْعِ بِخِلَافِ الْبَعْضِ فَإِنَّهُ قَدْ يَخْفَى عَلَيْهِ الْوَقْفُ فِيهِ فَيَقِفُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ وَذَهَبَ النَّخَعِيّ إلَى جَوَازِ إطَالَةِ الْقِرَاءَةِ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَاخْتَارَهُ الطَّحَاوِيُّ وَذَهَبَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّهُ يَجُوزُ لِمَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنْ اللَّيْلِ أَنْ يَقْرَأَهُ فِيهِمَا وَإِنْ طَوَّلَ ، وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بَعْدَ أَنْ نَقَلَ مِنْ مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي أَرْبَعًا قَبْلَ الظُّهْرِ يُطِيلُ فِيهِنَّ الْقِيَامَ وَيُحْسِنُ فِيهِنَّ الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ } وَالْحِكْمَةُ فِي تَخْفِيفِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَتَطْوِيلِ الْأَرْبَعِ قَبْلَ الظُّهْرِ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) اسْتِحْبَابُ التَّغْلِيسِ فِي الصُّبْحِ وَاسْتِحْبَابُ الْإِبْرَادِ فِي الظُّهْرِ ( وَالثَّانِي ) أَنَّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ تُفْعَلَانِ بَعْدَ طُولِ الْقِيَامِ فِي اللَّيْلِ فَنَاسَبَ تَخْفِيفَهُمَا وَسُنَّةُ الظُّهْرِ لَيْسَ قَبْلَهَا إلَّا سُنَّةُ الضُّحَى وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يُوَاظِبُ عَلَيْهَا وَلَمْ يُرِدْ تَطْوِيلَهَا فَهِيَ وَاقِعَةٌ بَعْدَ رَاحَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ } قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهِ عَلَى خُرُوجِ وَقْتِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ بِفِعْلِ فَرْضِ الصُّبْحِ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَيَّنَ بِفِعْلِهِ وَقْتَهُمَا فَلَا يُتَعَدَّى وَبِهَذَا قَالَ الْحَنَابِلَةُ وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ أَصْحَابُنَا يَمْتَدُّ وَقْتُهُمَا إلَى خُرُوجِ وَقْتِ الصُّبْحِ وَكَذَلِكَ سَائِرُ الرَّوَاتِبِ الْمُتَقَدِّمَةِ عَلَى الْفَرَائِضِ يَسْتَمِرُّ وَقْتُهَا بَعْدَ فِعْلِ الْفَرِيضَةِ إلَى خُرُوجِ الْوَقْتِ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ فِعْلَهَا قَبْلَ الْفَرْضِ بَلْ فِي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَجْهٌ عِنْدَنَا أَنَّ وَقْتَهُمَا يَمْتَدُّ إلَى زَوَالِ الشَّمْسِ وَجَوَابُهُمْ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ فِعْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَهُمَا قَبْلَ الْفَرْضِ فِعْلٌ لِلْأَفْضَلِ وَلَيْسَ يَلْزَمُ خُرُوجُ وَقْتِهِمَا بِفِعْلِ الْفَرْضِ وَالْفِعْلُ لَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُوبِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { السَّادِسَةَ عَشْرَةَ } قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ لَا يُجِيزُ الْأَذَانَ لِلصُّبْحِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَهُوَ قَوْلُ الْكُوفِيِّينَ قَالَ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّهُ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ الْمُؤَذِّنَ الثَّانِيَ وَلِأَنَّ حَدِيثَ { إنَّ بِلَالًا يُنَادِي بِلَيْلٍ } يَرْفَعُ الِاحْتِمَالَ مَعَ عَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَبِهَا رَجَعَ أَبُو يُوسُفَ عَنْ قَوْلِ أَصْحَابِهِ إلَى قَوْلِ مَالِكٍ حِينَ دَخَلَ الْمَدِينَةَ وَنَاظَرَهُ فِي ذَلِكَ مَالِكٌ { السَّابِعَةَ عَشْرَةَ } ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ غَيْرَ هَاتَيْنِ الرَّكْعَتَيْنِ وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحِ فَاسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ يَمْتَنِعُ أَنْ يَتَنَفَّلَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِغَيْرِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَبِهِ قَطَعَ الْمُتَوَلِّي مِنْ أَصْحَابِنَا وَقَالَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الشَّامِلِ إنَّهُ ظَاهِرُ الْمَذْهَبِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَتَمَسَّكُوا أَيْضًا بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { لَا تُصَلُّوا بَعْدَ الْفَجْرِ إلَّا سَجْدَتَيْنِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ هُوَ وَقْتُ ضَرُورَةٍ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ لِمَنْ تَرَكَ الْوِتْرَ حَتَّى أَصْبَحَ أَوْ نَامَ عَنْ حِزْبِهِ مِنْ اللَّيْلِ وَعَنْ مَالِكٍ أَيْضًا أَنَّهُ لَا بَأْسَ أَنْ يُصَلِّيَ بَعْدَ الْفَجْرِ سِتَّ رَكَعَاتٍ وَإِنَّمَا يُكْرَهُ مِنْ ذَلِكَ مَا كَثُرَ لِئَلَّا تُؤَخَّرَ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إنَّمَا يَدْخُلُ وَقْتُ الْكَرَاهَةِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَهُ أَنْ يَتَنَفَّلَ قَبْلَ ذَلِكَ مَا شَاءَ وَاَلَّذِي فِي أَكْثَرِ الْأَحَادِيثِ تَعْلِيقُ النَّهْيِ بِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَلَا يَدُلُّ عَلَى الْمَنْعِ لِأَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَرْكِهِ لِلصَّلَاةِ امْتِنَاعُهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ إيضَاحُ الْمَسْأَلَةِ فِي بَابِ مَوَاقِيتِ الصَّلَاةِ . { الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ } قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ فَإِنْ قِيلَ فَإِذَا كَانَتْ هَذِهِ النَّوَافِلُ تُفْعَلُ قَبْلَ الصَّلَاةِ فَفِي ذَلِكَ تَأْخِيرٌ لَهَا عَنْ أَوَّلِ الْوَقْتِ فَكَيْفَ يَكُونُ فَضْلُ النَّفْلِ مُقَدَّمًا عَلَى فَضْلِ الْفَرْضِ ؟ فَالْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ مِنْ وَجْهَيْنِ . ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ يُرِيدُ بِقَوْلِهِ قَبْلَ الظُّهْرِ وَقَبْلَ الْعَصْرِ قَبْلَ الْوَقْتِ الثَّانِي أَنْ يُرِيدُ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ فَإِنَّهُ يَأْتِي بِهَذِهِ بِقَدْرِ مَا يَنْتَظِرُهَا انْتَهَى وَالْجَوَابُ الْأَوَّلُ بَعِيدٌ ضَعِيفٌ مَرْدُودٌ وَيَرُدُّهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ فِي سُنَنِهِ الْكُبْرَى مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ صَلَّى أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ قَبْلَ الظُّهْرِ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ } وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ السَّائِبِ عِنْدَ التِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ فِي الْكُبْرَى { كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ قَبْلَ الظُّهْرِ } وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي أَيُّوبَ عِنْدَ ابْنِ مَاجَهْ { كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ أَرْبَعًا إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ } وَقَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أُمِّ حَبِيبَةَ عِنْدَ الْبَيْهَقِيّ { مَنْ حَافَظَ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ قَبْلَ صَلَاةِ الظُّهْرِ } . وَ ( الْجَوَابُ الثَّانِي ) أَقْرَبُ أَنَّهُ يَأْتِي بِهَذِهِ النَّوَافِلِ فِي حَالِ انْتِظَارِهِ لِلْجَمَاعَةِ لَكِنْ يَلْزَمُ عَلَيْهِ أَنْ لَا يَأْتِيَ بِهَا إذَا لَمْ يَنْتَظِرْ جَمَاعَةً بِأَنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا أَوْ اجْتَمَعَ الْجَمَاعَةَ فَالْجَوَابُ الْمُعْتَمَدُ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ الرَّوَاتِبَ مِنْ مُقَدَّمَاتِ الصَّلَاةِ وَسَوَابِقِهَا فَالِاشْتِغَالُ بِهَا لَا يُخْرِجُ الْفَرْضَ عَنْ كَوْنِهِ مَفْعُولًا فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ أَوْ صَارَ هَذَا كَالِاشْتِغَالِ بِالطَّهَارَةِ وَالسِّتَارَةِ وَإِزَالَةِ الْجُوعِ بِالْأَكْلِ وَإِزَالَةِ مُدَافَعَةِ الْأَخْبَثِينَ وَغَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا يَسْتَعِدُّ بِهِ لِلدُّخُولِ فِي الْفَرْضِ فَفِعْلُ ذَلِكَ لَا يُخْرِجُ الصَّلَاةَ عَنْ كَوْنِهَا مَفْعُولَةً أَوَّلَ الْوَقْتِ لِأَنَّ فِي سَبْقِ النَّافِلَةِ عَلَى الْفَرِيضَةِ جَلْبُ الْخُشُوعِ إلَيْهَا وَجَبْرُ مَا يَقَعُ فِيهَا مِنْ نَقْصٍ فَهُوَ مِنْ هَيْئَتِهَا وَمَصْلَحَتِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ } قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَيْضًا هَذِهِ الْأَحَادِيثُ كُلُّهَا تَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ لَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ وَلَوْ كَانَ مَحْمُولًا عَلَيْهِ لَمَا قُدِّمَ قَبْلَ الْمُخَاطَبَةِ بِالصَّلَاةِ شَيْءٌ انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ لِأَنَّ الشَّارِعَ بَيَّنَ اتِّسَاعَ الْوَقْتِ وَامْتِدَادَهُ وَلَوْلَا ذَلِكَ لَوَجَبَتْ الْمُبَادَرَةُ أَوَّلَ الْوَقْتِ وَالْخِلَافُ فِي دَلَالَةِ الْأَمْرِ عَلَى الْفَوْرِ مَعْرُوفٌ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْفَائِدَةُ الْعِشْرُونَ } اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي نَوَافِلِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَنْ تَكُونَ مَثْنَى أَيْ يُسَلِّمُ مِنْ كُلَّ رَكْعَتَيْنِ لِأَنَّ هَذِهِ النَّوَافِلَ بَعْضُهَا لَيْلِيَّةٌ وَبَعْضُهَا نَهَارِيَّةٌ وَكُلُّهَا رَكْعَتَانِ رَكْعَتَانِ وَيُؤَيِّدُ ذَلِكَ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ مِنْ حَدِيثِهِ أَيْضًا { صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى } وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْأَفْضَلُ فِي نَوَافِلِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ أَنْ تَكُونَ أَرْبَعًا أَرْبَعًا وَقَالَ صَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ الْأَفْضَلُ فِي اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى وَفِي النَّهَارِ أَرْبَعٌ أَرْبَعٌ وَهَذَا الْحَدِيثُ وَمَا فِي مَعْنَاهُ حُجَّةٌ عَلَيْهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . { الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ } أَوْرَدَ عَبْدُ الْغَنِيِّ الْمَقْدِسِيَّ الْحَافِظُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي الْعُمْدَةِ فِي صَلَاةِ الْجَمَاعَةِ قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ وَلَيْسَ يَظْهَرُ لَهُ مُنَاسَبَةٌ فَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ قَوْلَ ابْنِ عُمَرَ صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْنَاهُ أَنَّهُ اجْتَمَعَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ فَلَيْسَتْ الدَّلَالَةُ عَلَى ذَلِكَ قَوِيَّةً فَإِنَّ الْمَعِيَّةَ مُطْلَقًا أَعَمُّ مِنْ الْمَعِيَّةِ فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمَلًا انْتَهَى . وَهَذَا اللَّفْظُ وَهُوَ قَوْلُهُ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ فِي اللَّفْظِ الَّذِي أَوْرَدَهُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ إذْ لَيْسَ فِي رِوَايَةِ مَالِكٍ وَإِنَّمَا هُوَ رِوَايَةُ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَفِي رِوَايَةِ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْمَعِيَّةُ الَّتِي فِيهِ تَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ أَوْجُهٍ : { أَحَدُهَا } أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الْمَعِيَّةُ فِي جَمَاعَةِ الصَّلَاةِ وَهُوَ بَعِيدٌ . ( وَالثَّانِي ) أَنَّ الْمُرَادَ الْمَعِيَّةُ فِي الزَّمَانِ أَوْ الْمَكَانِ أَوْ فِيهِمَا وَإِنْ كَانَا مُنْفَرِدِينَ . ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّ الْمُرَادَ الْمَعِيَّةُ فِي أَصْلِ الْفِعْلِ أَيْ أَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا فَعَلَ ذَلِكَ وَإِنْ اخْتَلَفَ زَمَانُ الْفِعْلِ وَمَكَانُهُ وَلَعَلَّ هَذَا أَرْجَحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً فَإِذَا فَجَرَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ يُؤْذِنُهُ لِلصَّلَاةِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ تَقْدِيمُ الِاضْطِجَاعِ عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ . { الْحَدِيثُ الثَّانِي } عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً فَإِذَا فَجَرَ الْفَجْرُ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ اتَّكَأَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ يُؤْذِنُهُ لِلصَّلَاةِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) قَوْلُهُ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ الظَّاهِرُ فِي ( مِنْ ) أَنَّهَا لِابْتِدَاءِ الْغَايَةِ أَيْ ابْتِدَاءِ صَلَاتِهِ اللَّيْلَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهَا لِلتَّبْعِيضِ أَيْ يُصَلِّي فِي بَعْضِ اللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً . { الثَّانِيَةُ } فِيهِ مَشْرُوعِيَّةُ الصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لَهُ حَدٌّ مَحْصُورٌ وَلَكِنْ اخْتَلَفَتْ الرِّوَايَاتُ فِيمَا كَانَ يَفْعَلُهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ مِنْ رِوَايَةِ سَعْدِ بْنِ هِشَامٍ { قِيَامُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِتِسْعِ رَكَعَاتٍ } وَحَدِيثِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ { بِإِحْدَى عَشْرَةَ مِنْهُنَّ الْوِتْرُ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَكَانَ يَرْكَعُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ إذَا جَاءَ الْمُؤَذِّنُ } وَمِنْ رِوَايَةِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ وَغَيْرُهُ عَنْ عُرْوَةَ عَنْهَا { ثَلَاثَ عَشْرَةَ بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ } وَعَنْهَا { كَانَ لَا يَزِيدُ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً أَرْبَعًا وَأَرْبَعًا وَثَلَاثًا } وَعَنْهَا { كَانَ يُصَلِّي ثَلَاثَ عَشْرَةَ ثَمَانِيًا ثُمَّ يُوتِرُ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ جَالِسٌ ثُمَّ يُصَلِّي رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ } وَقَدْ فَسَّرَتْهَا فِي الْحَدِيثِ { مِنْهَا رَكْعَتَا الْفَجْرِ } وَعَنْهَا فِي الْبُخَارِيِّ { أَنَّ صَلَاتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاللَّيْلِ سَبْعٌ وَتِسْعٌ } . وَذَكَرَ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { إنَّ صَلَاتَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَ الْفَجْرِ سُنَّةَ الْفَجْرِ } وَفِي حَدِيثِ زَيْدِ بْنِ خَالِدٍ { أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ طَوِيلَتَيْنِ } وَذَكَرَ الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي آخِرِهِ { فَتِلْكَ ثَلَاثَ عَشْرَةَ } قَالَ الْقَاضِي قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ إخْبَارُ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَزَيْدٍ وَعَائِشَةَ بِمَا شَاهَدَ وَأَمَّا الِاخْتِلَافُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ فَقِيلَ هُوَ مِنْهَا وَقِيلَ هُوَ مِنْ الرُّوَاةِ عَنْهَا فَيَحْتَمِلُ أَنَّ إخْبَارَهَا بِإِحْدَى عَشْرَةَ هُوَ الْأَغْلَبُ وَبَاقِي رِوَايَتِهَا إخْبَارٌ مِنْهَا بِمَا كَانَ يَقَعُ نَادِرًا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَأَكْثَرُهُ خَمْسَ عَشْرَةَ رَكْعَةً بِرَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَأَقَلُّهُ سَبْعٌ وَذَلِكَ بِحَسَبِ مَا كَانَ يَحْصُلُ مِنْ اتِّسَاعِ الْوَقْتِ أَوْ ضِيقِهِ بِطُولِ الْقِرَاءَةِ كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ حُذَيْفَةَ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَوْ لِنَوْمٍ أَوْ عُذْرٍ مَرَضٍ أَوْ غَيْرِهِ أَوْ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ عِنْدَ كِبَرِ السِّنِّ كَمَا قَالَتْ { فَلَمَّا أَسَنَّ صَلَّى سَبْعَ رَكَعَاتٍ } أَوْ تَارَةً تَعُدُّ الرَّكْعَتَيْنِ الْخَفِيفَتَيْنِ فِي أَوَّلِ قِيَامِ اللَّيْلِ كَمَا رَوَاهَا زَيْدُ بْنُ خَالِدٍ وَرَوَتْهَا عَائِشَةُ أَيْضًا فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ وَتَعُدُّ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ تَارَةً وَتَحْذِفُهُمَا أُخْرَى أَوْ تَعُدُّ أَحَدَهُمَا وَقَدْ يَكُونُ عَدَّتْ رَاتِبَةَ الْعِشَاءِ مَعَ ذَلِكَ تَارَةً وَحَذَفَتْهَا أُخْرَى قَالَ الْقَاضِي وَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَلِكَ حَدٌّ لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُ وَأَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ مِنْ الطَّاعَاتِ الَّتِي كُلَّمَا زَادَ فِيهَا زَادَ الْأَجْرُ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَا اخْتَارَهُ لِنَفْسِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ، هَذَا كَلَامُ الْقَاضِي وَنَقَلَهُ عَنْهُ النَّوَوِيُّ وَأَقَرَّهُ ( قُلْت ) لَكِنْ إذَا قُلْنَا إنَّ الْوِتْرَ هُوَ التَّهَجُّدُ كَمَا نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ فَالْأَصَحُّ أَنَّ الْوِتْرَ أَكْثَرُهُ مَعْلُومًا لَا يُزَادُ عَلَيْهِ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي أَكْثَرِهِ عَلَى وَجْهَيْنِ صَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ فِي سَائِرِ كُتُبِهِ أَنَّهُ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً وَصَحَّحَ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ أَكْثَرَهُ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً لَكِنْ ذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي كِتَابِ النِّكَاحِ أَنَّ الْأَرْجَحَ أَنَّ الْوِتْرَ غَيْرُ التَّهَجُّدِ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ { فَإِذَا فَجَرَ الْفَجْرُ } كَذَا ضَبَطْنَاهُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَالْجِيمِ مَبْنِيًّا لِلْفَاعِلِ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ فِي حَدِيثٍ آخَرَ { فَلَمَّا شَقَّ الْفَجْرُ أَمَرَ بِإِقَامَةِ الصَّلَاةِ } قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ شَقَّ الْفَجْرُ وَانْشَقَّ إذَا طَلَعَ كَأَنَّهُ شَقَّ مَوْضِعَ طُلُوعِهِ وَخَرَجَ مِنْهُ انْتَهَى وَالْفَجْرُ ضَوْءُ الصُّبْحِ وَهُوَ حُمْرَةُ الشَّمْسِ فِي سَوَادِ اللَّيْلِ وَهُوَ فِي آخِرِ اللَّيْلِ كَالشَّفَقِ فِي أَوَّلِهِ قَالَ صَاحِبُ الْمَشَارِقِ الْفُجُورُ الْعِصْيَانُ وَأَصْلُهُ الِانْبِعَاثُ فِي الْمَعَاصِي وَالِانْهِمَاكُ كَانْفِجَارِ الْمَاءِ وَمِنْهُ سُمِّيَ الْفَجْرُ لِانْبِعَاثِ النُّورِ فِي سَوَادِ الظُّلْمَةِ . . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَتَخْفِيفُهُمَا وَقَدْ سَبَقَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { ثُمَّ اتَّكَأَ } مَهْمُوزٌ أَيْ اضْطَجَعَ وَالتَّاءُ فِيهِ مُبْدَلَةٌ مِنْ وَاوٍ وَمِنْهُ قَوْلُهُ فِي حَدِيثٍ آخَرَ { وَهُوَ مُتَّكِئٌ عَلَى سَرِيرٍ قَدْ أَثَّرَ رِمَالُ السَّرِيرِ فِي جَنْبِهِ } وَلَمْ يَتَعَرَّضْ صَاحِبُ النِّهَايَةِ لِذِكْرِ وَاحِدٍ مِنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ وَإِنَّمَا ذَكَرَ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا آكُلُ مُتَّكِئًا } وَقَالَ الْمُتَّكِئُ فِي الْعَرَبِيَّةِ كُلُّ مَنْ اسْتَوَى قَاعِدًا عَلَى وِطَاءٍ مُتَمَكِّنًا وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ { هَذَا الْأَبْيَضُ الْمُتَّكِئُ الْمُرْتَفِقُ } يُرِيدُ الْجَالِسَ الْمُتَمَكِّنَ فِي جُلُوسِهِ قَالَ وَالْعَامَّةُ لَا تَعْرِفُ الْمُتَّكِئَ إلَّا مَنْ مَالَ فِي قُعُودِهِ مُعْتَمَدًا عَلَى أَحَدِ شِقَّيْهِ انْتَهَى . وَظَاهِرُ كَلَامِهِ أَوَّلًا أَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلِاتِّكَاءِ إلَّا مَا ذَكَرَهُ وَهُوَ مَرْدُودٌ إلَّا أَنْ يُرِيدَ تَفْسِيرَ الْمُتَّكِئِ فِي الْحَدِيثَيْنِ اللَّذَيْنِ ذَكَرَهُمَا دُونَ غَيْرِهِمَا وَمَعَ ذَلِكَ فَفِيهِ نَظَرٌ فَلَمْ أَجِدْ فِي الْكُتُبِ الْمَشْهُورَةِ فِي اللُّغَةِ تَفْسِيرَ الِاتِّكَاءِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ أَصْلًا وَإِنَّمَا فَسَّرُوا الِاتِّكَاءَ بِالْمَيْلِ إلَى أَحَدِ الشِّقَّيْنِ كَمَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَوْلُهُ { عَلَى شِقِّهِ } بِكَسْرِ الشِّينِ أَيْ جَنْبِهِ وَالشِّقُّ نِصْفُ الشَّيْءِ . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الِاضْطِجَاعِ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ فِعْلَهُ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَرَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ زَيْدٍ حَكَاهُ فِي كِتَابِ السَّبْعَةِ عَنْ الْفُقَهَاءِ السَّبْعَةِ وَهُمْ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَالْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ وَعُرْوَةُ وَأَبُو بَكْرِ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَخَارِجَةُ بْنُ زَيْدٍ وَعُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ وَسُلَيْمَانُ بْنُ يَسَارٍ وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ أَيْضًا عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ أَفْصِلُ بِضُجَعَةٍ بَيْنَ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَصَلَاةِ النَّهَارِ وَظَاهِرُ كَلَامِ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وُجُوبُهَا لِأَنَّهُ لَمَّا رَوَى الْأَمْرَ بِهَا قَالَ لَهُ مَرْوَانُ بْنُ الْحَكَمِ مَا يُجْزِئُ أَحَدَنَا مَمْشَاهُ إلَى الْمَسْجِدِ حَتَّى يَضْطَجِعَ عَلَى يَمِينِهِ ؟ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَا ، وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بَلَغَنِي عَنْ قَوْمٍ لَا مَعْرِفَةَ عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ قَالُوا بِوُجُوبِهَا وَلَيْسَ لَهُ وَجْهٌ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا رَآهُ يَفْعَلُهَا عَائِشَةُ وَلَمْ يَرَهُ غَيْرُهَا وَلَوْ رَآهُ عَشَرَةٌ فِي عَشَرَةِ مَوَاطِنَ مَا اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ تَكُونَ وَاجِبَةً قُلْت مَنْ قَالَ بِالْوُجُوبِ تَمَسَّكَ بِظَاهِرِ الْأَمْرِ الَّذِي رَوَاهُ أَبُو دَاوُد سَاكِتًا عَلَيْهِ وَالتِّرْمِذِيُّ مُصَحِّحًا لَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا صَلَّى أَحَدُكُمْ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَلْيَضْطَجِعْ عَلَى يَمِينِهِ } . وَزَادَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ عَلَى الْوُجُوبِ فَجَعَلَهُ شَرْطًا فِي صِحَّةِ صَلَاةِ الصُّبْحِ لِمَنْ صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَهَذَا غُلُوٌّ فَاحِشٌ وَهَبْهُ تَرَكَ فَرِيضَةً أُخْرَى مِنْ غَيْرِ جِنْسِ الصَّلَاةِ هَلْ تَتَوَقَّفُ صِحَّةُ الصَّلَاةِ عَلَى فِعْلِ تِلْكَ الْفَرِيضَةِ بَلْ نَفْسُ الصَّلَوَاتِ قَدْ رَتَّبَهَا اللَّهُ تَعَالَى لِأَوْقَاتِهَا وَعِنْدَ ابْنِ حَزْمٍ إنَّهُ إذَا تَرَكَ صَلَاةً مُتَعَمِّدًا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا وَدَخَلَ وَقْتُ الصَّلَاةِ الْأُخْرَى فَصَلَّى الْحَاضِرَةَ صَحَّتْ فَإِنَّهُ يَقُولُ لَا تُعَادُ الصَّلَاةُ الْمَتْرُوكَةُ عَمْدًا حَتَّى يَخْرُجَ وَقْتُهَا وَكَذَا يَصِحُّ عِنْدَنَا فَإِنَّهُ لَا يَجِبُ التَّرْتِيبُ بَيْنَ الصَّلَوَاتِ الْمَقْضِيَّةِ وَإِنَّمَا يُخَالِفُ فِي صِحَّتِهَا مَنْ يَرَى إعَادَةَ الْفَائِتَةِ الْمَتْرُوكَةِ عَمْدًا وَيَرَى وُجُوبَ التَّرْتِيبِ فِي قَضَائِهَا مَا لَمْ تَزِدْ عَلَى خَمْسِ صَلَوَاتٍ فَلَوْ قَالَ إنَّهُ لَا تَصِحُّ الصَّلَاةُ الْحَاضِرَةُ وَقَدْ تَرَكَ الصَّلَاةَ الَّتِي قَبْلَهَا عَمْدًا لَكَانَ أَوْلَى مِنْ تَرْتِيبِ الصَّلَاةِ عَلَى اضْطِجَاعٍ لَيْسَ مِنْ جِنْسِ الصَّلَاةِ وَلَا تَظْهَرُ فِيهِ الْقُرْبَةُ وَإِنَّمَا يُفْعَلُ لِلِاسْتِرَاحَةِ وَأَيْضًا فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ مَنْ أَفْطَرَ يَوْمًا مِنْ رَمَضَانَ لَمْ يَصِحَّ صَوْمُ الَّذِي يَلِيهِ لِأَنَّ كُلَّ يَوْمٍ مُتَرَتِّبٌ عَلَى الصَّوْمِ الَّذِي قَبْلَهُ وَعَلَقَةُ الصِّيَامِ بِالصِّيَامِ أَمَسُّ مِنْ عَلَقَةِ الِاضْطِجَاعِ بِالصَّلَاةِ وَكَذَلِكَ مَنْ تَرَكَ صِيَامَ رَمَضَانَ جُمْلَةً فِي سَنَةٍ يَنْبَغِي أَنْ يَقُولَ لَا يَصِحُّ مِنْهُ صَوْمُ رَمَضَانَ فِي السَّنَةِ الْآتِيَةِ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ صَوْمَ رَمَضَانَ الْمُتَقَدِّمَ قَبْلَ إيجَابِ صَوْمِ رَمَضَانَ الَّذِي يَلِيهِ وَأَيْضًا فَقَدْ { أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالتَّسَحُّرِ لِلصَّائِمِ فَقَالَ تَسَحَّرُوا } . فَكَانَ يَنْبَغِي عَلَى هَذَا أَنْ يَقُولَ مَنْ تَرَكَ التَّسَحُّرَ عَمْدًا أَوْ نَسِيَانَا لَا يَصِحُّ صَوْمُهُ وَالسُّحُورُ أَعْلَقُ بِالصَّوْمِ مِنْ الِاضْطِجَاعِ بِالصَّلَاةِ وَأَيْضًا فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ قَبْلَ الْخُرُوجِ لِصَلَاةِ الْعِيدِ فَكَانَ يَنْبَغِي أَنْ نَقُولَ إنَّهُ لَا يَصِحُّ صَلَاةُ الْعِيدِ إلَّا بَعْدَ إخْرَاجِ زَكَاةِ الْفِطْرِ وَقَدْ أَجَابَ ابْنُ حَزْمٍ عَمَّا أَوْرَدْنَا عَلَيْهِ فِي السُّحُورِ بِأَنْ قَالَ لَا يَضُرُّ الصَّوْمَ تَعَمُّدُ تَرْكِ السُّحُورِ لِأَنَّهُ مِنْ حُكْمِ اللَّيْلِ وَالصِّيَامُ مِنْ حُكْمِ النَّهَارِ وَلَا يَبْطُلُ عَمَلٌ بِتَرْكِ عَمَلٍ غَيْرِهِ إلَّا بِأَنْ يُوجِبَ ذَلِكَ نَصٌّ فَيُوقَفَ عِنْدَهُ انْتَهَى قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ عَمَلِ النَّهَارِ وَعَمَلِ اللَّيْلِ وَكَيْفَ يَقُولُ فِي تَرْكِ صَلَاةٍ مِنْ النَّهَارِ بِصِحَّةِ مَا بَعْدَهَا مِنْ النَّهَارِ أَيْضًا وَهَلْ وَرَدَ نَصٌّ أَنَّ مَنْ تَعَمَّدَ تَرْكَ الضَّجْعَةِ أَوْ نَسِيَهَا لَا تَصِحُّ مِنْهُ صَلَاةُ الصُّبْحِ ؟ هَذَا مَا لَا يُوجَدُ أَصْلًا وَهَذَا مِنْ أَسْوَأِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي صَارَ إلَيْهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى كَلَامُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى كَرَاهَةِ هَذِهِ الضَّجْعَةِ وَعَدَّهَا مِنْ الْبِدَعِ فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ لَا يَفْعَلُهَا وَقَالَ إنَّهَا بِدْعَةٌ وَقَالَ لَمَّا سُئِلَ عَنْهَا تَلَعَّبَ بِكُمْ الشَّيْطَانُ وَقَالَ لَمَّا رَأَى رَجُلًا يَفْعَلُهَا احْصِبُوهُ . وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ مَا هَذَا التَّمَرُّغُ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ كَتَمَرُّغِ الْحِمَارِ إذَا سَلَّمَ فَقَدْ فَصَلَ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُهَا وَقَالَ هِيَ ضَجْعَةُ الشَّيْطَانِ . وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ مَا بَالُ أَحَدِكُمْ إذَا صَلَّى الرَّكْعَتَيْنِ يَتَمَرَّغُ يَكْفِيهِ التَّسْلِيمُ وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ النَّهْيُ عَنْهَا وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ لَا يُعْجِبُهُ ذَلِكَ وَعَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ أَنَّهُ كَانَ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ احْتَبَى . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنْكَارَ الضَّجْعَةِ أَيْضًا عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ مَالِكٍ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَفِي الْمُدَوَّنَةِ عَنْ مَالِكٍ إنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ بِالضَّجْعَةِ بَيْنَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَصَلَاةِ الصُّبْحِ إنْ لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ الْفَصْلَ بَيْنَهُمَا وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْمَالِكِيُّ وَلَوْ قَصَدَ الْفَصْلَ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ فَصَلَهَا صُورَةً وَوَضْعًا وَوَصْفًا وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَالَ الْأَثْرَمُ سُئِلَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَنَا أَسْمَعُ عَنْ الِاضْطِجَاعِ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَقَالَ مَا أَفْعَلُهُ أَنَا فَإِنْ فَعَلَهُ رَجُلٌ ثُمَّ سَكَتَ كَأَنَّهُ لَمْ يَعِبْهُ قِيلَ لَهُ لِمَ لَمْ تَأْخُذْ بِهِ قَالَ لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ يَثْبُتُ وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ بَعْدَ أَنْ جَزَمَ بِاسْتِحْبَابِهِ وَرَوَى عَنْ أَحْمَدَ أَنَّهُ لَيْسَ بِسُنَّةٍ لِأَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ أَنْكَرَهُ ثُمَّ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ وَاتِّبَاعُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ وَفِعْلِهِ أَوْلَى مِنْ اتِّبَاعِ مَنْ خَالَفَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ انْتَهَى فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : وَهِيَ الِاسْتِحْبَابُ وَالْوُجُوبُ وَالْكَرَاهَةُ وَفِيهِ قَوْلٌ رَابِعٌ وَهُوَ التَّفْرِيقُ بَيْنَ مَنْ يَقُومُ اللَّيْلَ فَيُسْتَحَبُّ لَهُ ذَلِكَ لِلِاسْتِرَاحَةِ وَغَيْرِهِ فَلَا يُشْرَعُ لَهُ وَاخْتَارَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فَقَالَ وَلَا يَضْطَجِعُ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لِانْتِظَارِ الصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ قَامَ اللَّيْلَ فَيَضْطَجِعَ اسْتِجْمَامًا لِصَلَاةِ الصُّبْحِ فَلَا بَأْسَ بِهِ انْتَهَى وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَضْطَجِعُ بِسُنَّةٍ وَلَكِنَّهُ كَانَ يَدْأَبُ لَيْلَهُ فَيَسْتَرِيحُ } . وَفِيهِ قَوْلٌ خَامِسٌ أَنَّ الِاضْطِجَاعَ لَيْسَ مَقْصُودًا لِذَاتِهِ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ الْفَصْلُ بَيْنَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَالْفَرِيضَةِ إمَّا بِاضْطِجَاعٍ أَوْ حَدِيثٍ أَوْ غَيْرِهِ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ الشَّافِعِيِّ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ وَقَدْ أَشَارَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ إلَى أَنَّ الِاضْطِجَاعَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ النَّافِلَةِ وَالْفَرِيضَةِ ثُمَّ سَوَاءٌ كَانَ ذَلِكَ الْفَصْلُ بِالِاضْطِجَاعِ أَوْ التَّحَدُّثِ أَوْ التَّحْوِيلِ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ أَوْ غَيْرِهِ وَالِاضْطِجَاعُ غَيْرُ مُتَعَيَّنٍ فِي ذَلِكَ انْتَهَى وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ فِي الصَّحِيحَيْنِ { فَإِنْ كُنْتُ مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي ، وَإِلَّا اضْطَجَعَ } . وَأَجَابَ الْمُنْكِرُونَ لِهَذِهِ الضَّجْعَةِ عَنْ فِعْلِهَا بِجَوَابَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) إنَّ مَالِكًا رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي بِاللَّيْلِ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْهَا بِوَاحِدَةٍ فَإِذَا فَرَغَ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ فَيُصَلِّيَ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ فَذَكَرَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الِاضْطِجَاعَ قَبْلَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَرِوَايَةُ مَالِكٍ مُقَدَّمَةٌ عَلَى رِوَايَةِ غَيْرِهِ فَقَدْ قَالَ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ إنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ إذَا اخْتَلَفُوا فَالْقَوْلُ مَا قَالَ مَالِكٌ وَالْحَدِيثُ مَخْرَجُهُ وَاحِدٌ فَإِذَا تَرَجَّحَ أَنَّ الِاضْطِجَاعَ الْمَذْكُورَ فِيهِ قَبْلَهُمَا وَأَنَّ رِوَايَةَ الِاضْطِجَاعِ بَعْدَهُمَا مَرْجُوحَةٌ وَلَمْ يَقُلْ أَحَدٌ فِي الِاضْطِجَاعِ قَبْلَهُمَا إنَّهُ سُنَّةٌ فَكَذَا بَعْدَهُمَا قَالَ وَهَذَا فِيهِ رَدٌّ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ فِي قَوْلِهِمْ إنَّ الِاضْطِجَاعَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ سُنَّةٌ وَجَوَابُ هَذَا مِنْ وَجْهَيْنِ . : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ رِوَايَةَ مَالِكٍ فِي هَذَا هِيَ الْمَرْجُوحَةُ فَإِنَّ سَائِرَ الرُّوَاةِ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَغَيْرِهِ إنَّمَا ذَكَرُوا الِاضْطِجَاعَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فَكَانَتْ تِلْكَ الرِّوَايَةُ شَاذَّةً لِمُخَالَفَتِهَا لِأَكْثَرِ الرِّوَايَاتِ الصَّحِيحَةِ رَوَاهُ عَنْ الزُّهْرِيِّ كَذَلِكَ مَعْمَرٌ وَيُونُسُ وَعَمْرُو بْنُ الْحَارِثِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ أَبِي ذِئْبٍ وَشُعَيْبُ بْنُ أَبِي حَمْزَةَ وَغَيْرُهُمْ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيق مَعْمَرٍ وَمُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ وَعَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ عَقِبَ ذِكْرِ الرِّوَايَتَيْنِ وَالْعَدَدُ أَوْلَى بِالْحِفْظِ مِنْ الْوَاحِدِ انْتَهَى ثُمَّ وَجَدْنَا مُحَمَّدَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ يُقِيمُ عُرْوَةَ رَوَاهُ عَنْ عُرْوَةَ بِإِثْبَاتِ الِاضْطِجَاعِ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لَمْ يَخْتَلِفْ عَنْهُ فِي ذَلِكَ رَوَاهُ كَذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ أَهْلَ الْحَدِيثِ أَنْكَرُوا عَلَى مَالِكٍ رِوَايَتَهُ الِاضْطِجَاعَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَخَالَفَهُ أَصْحَابُ الزُّهْرِيِّ كُلُّهُمْ فَجَعَلُوا الِاضْطِجَاعَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لَا بَعْدَ الْوِتْرِ . ( ثَانِيهِمَا ) بِتَقْدِيرِ صِحَّةِ رِوَايَةِ مَالِكٍ فَلَا تَنَافِي بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَضْطَجِعُ مَرَّتَيْنِ إحْدَاهُمَا بَعْدَ الْوِتْرِ لِلِاسْتِرَاحَةِ مِنْ طُولِ الْقِيَامِ وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ مَالِكٌ وَالثَّانِيَةُ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ لِلنَّشَاطِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ وَالتَّطْوِيلِ فِيهَا وَهُوَ الَّذِي رَوَاهُ الْأَكْثَرُونَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ اضْطِجَاعُهُ مَرَّةً كَذَا وَمَرَّةً كَذَا . ( الْجَوَابُ الثَّانِي ) مِنْ أَجْوِبَةِ الْمُنْكِرِينَ أَنَّ ذَلِكَ بِتَقْدِيرِ ثُبُوتِ فِعْلِهِ لَمْ يَكُنْ عَلَى سَبِيلِ الْقُرْبَةِ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ الْأَفْعَالِ الْجِبِلِّيَّةِ الَّتِي كَانَ يَفْعَلُهَا لِلِاسْتِرَاحَةِ وَإِجْمَامِ الْبَدَنِ وَلَا سِيَّمَا عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُجَرَّدَ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى الْإِبَاحَةِ خَاصَّةً وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي الصَّحِيحَيْنِ { فَإِنْ كُنْت مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ } قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ سُنَّةً وَأَنَّهُ تَارَةً كَانَ يَضْطَجِعُ قَبْلُ وَتَارَةً بَعْدُ وَتَارَةً لَا يَضْطَجِعُ انْتَهَى . وَجَوَابُ هَذَا أَنَّ الْأَصْلَ فِي أَفْعَالِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّهَا لِلْقُرْبَةِ وَالتَّشْرِيعِ لَا سِيَّمَا مَعَ مُوَاظَبَتِهِ عَلَى ذَلِكَ وَأَمَرَهُ بِهِ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّ الْفِعْلَ الْمُجَرَّدَ يَدُلُّ عَلَى النَّدْبِ بَلْ قَالَ طَائِفَةٌ مِنْ أَصْحَابِهِ بِدَلَالَتِهِ عَلَى الْوُجُوبِ مِنْهُمْ أَبُو الْعَبَّاسِ بْنُ سُرَيْجٍ وَأَبُو عَلِيِّ بْنُ خَيْرَانَ وَأَبُو سَعِيدٍ الْإِصْطَخْرِيُّ وَكَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ تَارَةً يُحَدِّثُ عَائِشَةَ وَتَارَةً يَضْطَجِعُ وَأَخْذُهُمْ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَقْصُودَ الْفَصْلُ وَهُوَ حَاصِلٌ بِكُلٍّ مِنْهُمَا لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ الِاضْطِجَاعُ مُسْتَحَبًّا فَإِنَّ الْمُسْتَحَبَّ الْمُخَيَّرَ كَالْمُسْتَحَبِّ الْمُعَيَّنِ فِي الْحُكْمِ عَلَى كُلٍّ مِنْ خِصَالِهِ بِالِاسْتِحْبَابِ كَالْوَاجِبِ الْمُخَيَّرِ كُلٌّ مِنْ خِصَالِهِ وَاجِبَةٌ وَفِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَجْمَعُ بَيْنَ التَّحْدِيثِ وَالِاضْطِجَاعِ } رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي غَرَائِبِ مَالِكٍ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ حَدَّثَنَا مَالِكٌ عَنْ سَالِمٍ أَبِي النَّصْرِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ رَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ اضْطَجَعَ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ فَيُحَدِّثُنِي حَتَّى يَأْتِيَهُ الْمُؤَذِّنُ بِلَالٌ بِالصَّلَاةِ } وَقَدْ أَوَّلَ النَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ قَوْلَهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { فَإِنْ كُنْت مُسْتَيْقِظَةً حَدَّثَنِي وَإِلَّا اضْطَجَعَ } عَلَى مَعْنَيَيْنِ . ( أَحَدُهُمَا ) أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَضْطَجِعُ يَسِيرًا وَيُحَدِّثُهَا وَإِلَّا فَيَضْطَجِعُ كَثِيرًا . ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ الْقَلِيلَةِ يَتْرُكُ الِاضْطِجَاعَ بَيَانًا لِكَوْنِهِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ كَمَا كَانَ يَتْرُكُ كَثِيرًا مِنْ الْمُخْتَارَاتِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ بَيَانًا لِلْجَوَازِ كَالْوُضُوءِ مَرَّةً مَرَّةً وَنَظَائِرُهُ قَالَ وَلَا يَلْزَمُ مِنْ هَذَا أَنْ يَكُونَ الِاضْطِجَاعُ وَتَرْكُهُ سَوَاءً قَالَ وَلَا بُدَّ مِنْ أَحَدِ هَذَيْنِ التَّأْوِيلَيْنِ لِلْجَمْعِ بَيْنَ هَذِهِ الرِّوَايَةِ وَرِوَايَاتِ عَائِشَةَ السَّابِقَةِ أَيْ فِي الْجَزْمِ بِاضْطِجَاعِهِ بَعْدَهُمَا وَحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُصَرِّحِ بِالْأَمْرِ بِالِاضْطِجَاعِ انْتَهَى قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ التَّأْوِيلُ الْأَوَّلُ فِيهِ بُعْدٌ ، وَالتَّأْوِيلُ الثَّانِي أَقْرَبُ وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى تَرْكِ الِاضْطِجَاعِ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ حَدِيثِ الْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ { فَصَلَّى سَجْدَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ جَلَسَ حَتَّى صَلَّى الصُّبْحَ } لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ الِاضْطِجَاعَ رَأْسًا لَا بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَلَا بَعْدَ الْوِتْرِ وَفِي حَدِيثِ أَخِيهِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ ذَكَرَ الِاضْطِجَاعَ بَعْدَ الْوِتْرِ وَفِيهِ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الصُّبْحَ لَمْ يَذْكُرْ الِاضْطِجَاعَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ وَأَجَابَ الْمُنْكِرُونَ لِهَذِهِ الضَّجْعَةِ عَنْ الْأَمْرِ بِهَا فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ بِجَوَابَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ وَضَعَّفَهُ مِنْ أَوْجُهٍ ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ الْأَعْمَشِ وَقَدْ تَكَلَّمَ فِيهِ مُطْلَقًا وَفِي رِوَايَتِهِ عَنْ الْأَعْمَشِ خَاصَّةً أَيْضًا قَالَ يَحْيَى الْقَطَّانُ مَا رَأَيْته يَطْلُبُ حَدِيثًا بِالْبَصْرَةِ وَلَا بِالْكُوفَةِ قَطُّ وَكُنْت أَجْلِسُ عَلَى بَابِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الصَّلَاةِ أُذَاكِرُهُ حَدِيثَ الْأَعْمَشِ لَا يَعْرِفُ مِنْهُ حَرْفًا وَقَالَ أَبُو دَاوُد الطَّيَالِسِيُّ عَمَدَ عَبْدُ الْوَاحِدِ إلَى أَحَادِيثَ كَانَ يُرْسِلُهَا الْأَعْمَشُ فَوَصَلَهَا بِقَوْلِ حَدَّثَنَا الْأَعْمَشُ حَدَّثَنَا مُجَاهِدٌ فِي كَذَا وَكَذَا وَسُئِلَ عَنْهُ يَحْيَى بْنُ مَعِينٍ فَقَالَ لَيْسَ بِشَيْءٍ ( ثَانِيهِمَا ) إنَّهُ أُعِلَّ بِالْإِرْسَالِ ، ذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ الْأَثْرَمِ أَنَّ أَحْمَدَ قَالَ لَيْسَ فِيهِ حَدِيثٌ يَثْبُتُ قَالَ فَقُلْت لَهُ حَدِيثُ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ رَوَاهُ بَعْضُهُمْ مُرْسَلًا ( ثَالِثُهَا ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ إنَّهُ حَدِيثٌ مَعْلُولٌ لَمْ يَسْمَعْهُ أَبُو صَالِحٍ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ وَبَيْنَ الْأَعْمَشِ وَأَبِي صَالِحٍ كَلَامٌ ( رَابِعُهَا ) أَنَّ الَّذِي رَجَّحَهُ الْبَيْهَقِيُّ أَنَّ الْمَتْنَ الْمَذْكُورَ مِنْ فِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا مِنْ قَوْلِهِ فَرَجَعَ حَدِيثُ أَبِي هُرَيْرَةَ إلَى مَعْنَى حَدِيثِ عَائِشَةَ رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ رِوَايَةِ شُعْبَةَ عَنْ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ اضْطَجَعَ } وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ قَالَ حَدَّثَنِي مُحَمَّدُ بْنُ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي صَالِحٍ السَّمَّانِ قَالَ سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يُحَدِّثُ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ وَهُوَ عَلَى الْمَدِينَةِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْصِلُ بَيْنَ رَكْعَتَيْهِ مِنْ الْفَجْرِ وَبَيْنَ الصُّبْحِ بِضَجْعَةٍ عَلَى شِقِّهِ الْأَيْمَنِ } قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذَا أَوْلَى أَنْ يَكُونَ مَحْفُوظًا لِمُوَافَقَتِهِ سَائِرَ الرِّوَايَاتِ عَنْ عَائِشَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَجَوَابُهُ أَنَّا لَا نُسَلِّمُ ضَعْفَهُ فَإِنَّ رِجَالَهُ رِجَالُ الصَّحِيحَيْنِ وَعَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ زِيَادٍ احْتَجَّ بِهِ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ وَوَثَّقَهُ الْأَئِمَّةُ وَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى تَضْعِيفِ مَنْ ضَعَّفَهُ وَقَدْ أَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مَعَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ سُكُوتِ أَبِي دَاوُد عَلَيْهِ وَتَصْحِيحِ التِّرْمِذِيِّ لَهُ وَأَمَّا الْإِرْسَالُ فَإِنَّهُ لَا يَقْدَحُ فِي الْوَصْلِ فَالرَّاجِحُ تَقْدِيمُ الْوَصْلِ عَلَى الْإِرْسَالِ وَكَوْنُهُ رُوِيَ مِنْ فِعْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يُنَافِي كَوْنَهُ رُوِيَ مِنْ قَوْلِهِ فَيَكُونُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ وَأَمَرَ بِهِ وَيَكُونُ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْأَمْرَانِ رَوَاهُمَا عَنْهُ أَبُو صَالِحٍ . ( أَحَدُهُمَا ) وَهُوَ الْأَمْرُ بِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْأَعْمَشِ عَنْهُ . ( وَالْآخَرُ ) وَهُوَ فِعْلُهُ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ وَسُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي صَالِحٍ وَلَعَلَّ أَبَا صَالِحٍ سَمِعَ مِنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْأَمْرَيْنِ فَرَوَى لِكُلٍّ مِنْ أَصْحَابِهِ أَحَدَهُمَا أَوْ رَوَى لِلْكُلِّ الْأَمْرَيْنِ مَعًا لَكِنْ رَوَى كُلُّ وَاحِدٍ مَا حَفِظَهُ مَعَ أَنَّ أَحَادِيثَ الْفِعْلِ مِنْ طَرِيقِ عَائِشَةَ وَغَيْرِهَا صَحِيحَةٌ بِلَا شَكٍّ وَهِيَ كَافِيَةٌ فِي اسْتِحْبَابِ الِاضْطِجَاعِ الْمَذْكُورِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( وَالْجَوَابُ الثَّانِي ) مِنْ أَجْوِبَةِ الْمُنْكِرِينَ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ بِتَقْدِيرِ صِحَّتِهِ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِرْشَادِ إلَى الرَّاحَةِ وَالتَّنَشُّطِ لِصَلَاةِ الصُّبْحِ ذَكَرَهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ فَأَقَلُّ دَرَجَاتِ الْأَمْرِ الِاسْتِحْبَابُ وَأَوَامِرُ الشَّارِعِ مَحْمُولَةٌ فِي الْأَغْلَبِ عَلَى الْمَصْلَحَةِ الشَّرْعِيَّةِ دُونَ الْبَدَنِيَّةِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ الصَّحِيحُ وَالصَّوَابُ أَنَّ الِاضْطِجَاعَ سُنَّةٌ لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمَذْكُورِ فَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ صَرِيحٌ فِي الْأَمْرِ بِالِاضْطِجَاعِ وَأَمَّا حَدِيثُ عَائِشَةَ بِالِاضْطِجَاعِ قَبْلَهَا وَبَعْدَهَا وَحَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ قَبْلَهَا فَلَا يُخَالِفُ هَذَا فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ الِاضْطِجَاعِ قَبْلَهَا أَنْ لَا يَضْطَجِعَ بَعْدَهَا وَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَرَكَ الِاضْطِجَاعَ بَعْدَهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ بَيَانًا لِلْجَوَازِ لَوْ ثَبَتَ التَّرْكُ وَلَمْ يَثْبُتْ فَلَعَلَّهُ كَانَ يَضْطَجِعُ قَبْلُ وَبَعْدُ وَإِذَا صَحَّ الْحَدِيثُ فِي الْأَمْرِ بِالِاضْطِجَاعِ بَعْدَهَا مَعَ رِوَايَاتِ الْفِعْلِ الْمُوَافِقَةِ لِلْأَمْرِ بِهِ تَعَيَّنَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَإِذَا أَمْكَنَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ لَمْ يَجُزْ رَدُّ بَعْضِهَا وَقَدْ أَمْكَنَ بِطَرِيقِينَ أَشَرْنَا إلَيْهِمَا . ( أَحَدُهُمَا ) إنَّهُ اضْطَجَعَ قَبْلُ وَبَعْدُ . ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ تَرَكَهُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ا هـ . ( السَّابِعَةُ ) قَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا صَلَّى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ فِي بَيْتِهِ اضْطَجَعَ عَلَى يَمِينِهِ } انْتَهَى . وَقَوْلُهُ { فِي بَيْتِهِ } لَمْ أَقِفْ عَلَى التَّصْرِيحِ بِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَكَأَنَّهُ رَوَاهُ بِالْمَعْنَى فَإِنَّ سِيَاقَ حَدِيثِهَا دَالٌ عَلَى أَنَّ جَمِيعَ صَلَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي اللَّيْلِ كَانَتْ فِي الْبَيْتِ وَكَذَلِكَ رَكْعَتَا الْفَجْرِ كَمَا فِي حَدِيثِ حَفْصَةَ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِهِ وَلَعَلَّ التِّرْمِذِيَّ أَشَارَ بِهَذِهِ اللَّفْظَةِ إلَى أَنَّ الِاضْطِجَاعَ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ إنَّمَا يُشْرَعُ إذَا كَانَتْ صَلَاتُهُمَا فِي الْبَيْتِ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ لِلِاسْتِرَاحَةِ بِخِلَافِ الِاضْطِجَاعِ فِي الْمَسْجِدِ خُصُوصًا مَعَ تَرْصِيصِ الصُّفُوفِ لِلصَّلَاةِ فَرُبَّمَا اُسْتُقْبِحَ ذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ وَلِذَلِكَ أَنْكَرَهُ ابْنُ عُمَرَ عَلَى مَنْ فَعَلَهُ فِي الْمَسْجِدِ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ حَصَبَ مَنْ فَعَلَ ذَلِكَ قَالَ وَقَدْ رَأَيْت بَعْضَ الْعُلَمَاءِ يُنْكِرُ عَلَى بَعْضِ الْعُلَمَاءِ فِعْلَهُ لِذَلِكَ فِي الْمَسْجِدِ قَالَ وَأَمَّا مَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ أَنَّ الرَّجُلَ كَانَ يَجِيءُ وَعُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يُصَلِّي بِالنَّاسِ فَيُصَلِّي رَكْعَتَيْنِ فِي مُؤَخِّرِ الْمَسْجِدِ وَيَضَعُ جَنْبَهُ فِي الْأَرْضِ وَيَدْخُلُ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ فَإِسْنَادُهُ مُنْقَطِعٌ وَلَيْتَ شِعْرِي كَيْفَ يَذْكُرُ هَذَا فِي مَعْرِضِ الِاحْتِجَاجِ بِهِ أَوْ الِاسْتِشْهَادِ بِهِ وَهُوَ لَا يَعْرِفُ مَنْ كَانَ يَفْعَلُهُ لَوْ ثَبَتَ وَلَوْ عَرَفَ أَنَّ الَّذِينَ فَعَلُوهُ مِنْ الصَّحَابَةِ فَلَا حُجَّةَ فِي فِعْلِهِمْ مَعَ مُخَالَفَتِهِ لِلْحَدِيثِ الصَّحِيحِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ { إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ } قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَمْ يُنْقَلْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأَخْبَارِ فِيمَا عَلِمْت إنَّهُ كَانَ يَضْطَجِعُ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ فِي الْمَسْجِدِ انْتَهَى . وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ عَبْدِ الْكَرِيمِ أَنَّ عُرْوَةَ دَخَلَ الْمَسْجِدَ وَالنَّاسُ فِي الصَّلَاةِ فَرَكَعَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ أَمَسَّ جَنْبَهُ الْأَرْضَ ثُمَّ قَامَ فَدَخَلَ مَعَ النَّاسِ فِي الصَّلَاةِ . ( الثَّامِنَةُ ) فِيهِ أَنَّ الِاضْطِجَاعَ الْمُسْتَحَبَّ بَعْدَ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ يَكُونُ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَهَلْ يَحْصُلُ أَصْلُ السُّنَّةِ بِالِاضْطِجَاعِ عَلَى الْأَيْسَرِ أَمَّا مَعَ الْقُدْرَةِ فَالظَّاهِرُ كَمَا قَالَ وَالِدِي فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّهُ لَا تَحْصُلُ بِهِ السُّنَّةُ لِعَدَمِ مُوَافَقَتِهِ لِلْأَمْرِ لَكِنَّ النَّوَوِيَّ فِي الرَّوْضَةِ لَمَّا ذَكَرَ هَذَا الِاضْطِجَاعَ لَمْ يُقَيِّدْهُ بِكَوْنِهِ عَلَى الْأَيْمَنِ وَاقْتَضَى كَلَامُهُ حُصُولَ السُّنَّةِ بِالْأَمْرَيْنِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ ذُهُولٌ عَنْ التَّصْرِيحِ بِهِ مَعَ كَوْنِهِ يَرَى أَنَّ الْأَيْسَرَ غَيْرُ كَافٍ فِي ذَلِكَ وَأَمَّا مَعَ الْعَجْزِ أَوْ الْمَشَقَّةِ الظَّاهِرَةِ فَالظَّاهِرُ الِانْتِقَالُ لِلْأَيْسَرِ وَهُوَ قِيَاسُ نَظَائِرِهِ وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ لَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا فِيهِ نَصًّا وَجَزَمَ ابْنُ حَزْمٍ بِأَنَّهُ يُشِيرُ إلَى الِاضْطِجَاعِ لِلشِّقِّ الْأَيْمَنِ وَلَا يَضْطَجِعُ عَلَى الْأَيْسَرِ انْتَهَى . ( التَّاسِعَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الِاضْطِجَاعِ وَالنَّوْمِ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ فِي جَمِيعِ الْأَحْوَالِ قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ وَحِكْمَتُهُ أَنَّهُ لَا يَسْتَغْرِقُ فِي النَّوْمِ لِأَنَّ الْقَلْبَ فِي جِهَةِ الْيَسَارِ فَيَقْلَقُ حِينَئِذٍ فَلَا يَسْتَغْرِقُ وَإِذَا نَامَ عَلَى الْيَسَارِ كَانَ فِي دَعَةٍ وَرَاحَةٍ فَيَسْتَغْرِقُ انْتَهَى قُلْت وَقَدْ اعْتَدْت النَّوْمَ عَلَى الشِّقِّ الْأَيْمَنِ فَصِرْت إذَا فَعَلْت ذَلِكَ كُنْت فِي دَعَةٍ وَرَاحَةٍ وَاسْتِغْرَاقٍ وَإِذَا نِمْت عَلَى الشِّقِّ الْأَيْسَرِ حَصَلَ عِنْدِي قَلَقٌ لِذَلِكَ وَعَدَمُ اسْتِغْرَاقٍ فِي النَّوْمِ فَلَعَلَّ تَعْلِيلَ الِاضْطِجَاعِ عَلَى الْأَيْمَنِ تَشْرِيفُهُ وَتَكْرِيمُهُ وَإِيثَارُهُ عَلَى الْأَيْسَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَوْلُهَا حَتَّى يَأْتِيهِ الْمُؤَذِّنُ دَلِيلٌ عَلَى اتِّخَاذِ مُؤَذِّنٍ رَاتِبٍ لِلْمَسْجِدِ وَهُوَ كَذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي مَوْضِعِهِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهَا يُؤْذِنُهُ لِلصَّلَاةِ ، فِيهِ جَوَازُ إعْلَامِ الْمُؤَذِّنِ الْإِمَامَ لِحُضُورِ الصَّلَاةِ وَإِقَامَتِهَا وَاسْتِدْعَائِهِ لَهَا وَقَدْ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ . صَلَاةُ الضُّحَى عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { مَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ } قَالَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ لَقَدْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَإِنَّهُ لَيُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَسْتَنَّ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ قَالَتْ وَكَانَ يُحِبُّ مَا خَفَّ عَلَى النَّاسِ } لَمْ يَقُلْ الشَّيْخَانِ فِيهِ قَالَتْ { وَكَانَ يُحِبُّ } ، وَلِمُسْلِمٍ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى أَرْبَعًا وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ } وَلَهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ { قُلْت لِعَائِشَةَ هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى ؟ قَالَتْ لَا ، إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ } . ( صَلَاةُ الضُّحَى ) ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { مَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ } قَالَ وَقَالَتْ عَائِشَةُ لَقَدْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَإِنَّهُ لَيُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَسْتَنَّ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ } قَالَتْ { وَكَانَ يُحِبُّ مَا خَفَّ عَلَى النَّاسِ } لَمْ يَقُلْ الشَّيْخَانِ فِيهِ قَالَتْ ، { وَكَانَ يُحِبُّ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِدُونِ قَوْلِهَا { وَكَانَ يُحِبُّ مَا خَفَّ عَلَى النَّاسِ } وَبِزِيَادَةِ { وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا } مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ مِنْهُ { مَا رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسَبِّحُ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا } مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقَ أَحْمَدَ بْنِ مَنْصُورٍ الرَّمَادِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَفِيهِ { وَمَا أَحْدَثَ النَّاسُ شَيْئًا أَحَبَّ إلَيَّ مِنْهُ } . ( الثَّانِيَةُ ) التَّسْبِيحُ فِي الْأَصْلِ التَّنْزِيهُ وَالتَّقْدِيسُ وَالتَّبْرِئَةُ مِنْ النَّقَائِصِ وَمِنْهُ قَوْلُنَا سُبْحَانَ اللَّهِ وَيُطْلَقُ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ أَنْوَاعِ الذِّكْرِ مَجَازًا كَالتَّحْمِيدِ وَالتَّمْجِيدِ وَغَيْرِهِمَا وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا صَلَاةُ التَّطَوُّعِ يُقَالُ لَهَا تَسْبِيحٌ وَسُبْحَةٌ وَالسُّبْحَةُ مِنْ التَّسْبِيحِ كَالسُّخْرَةِ مِنْ التَّسْخِيرِ وَتَسْمِيَةُ صَلَاةِ التَّطَوُّعِ بِذَلِكَ مِنْ تَسْمِيَةِ الشَّيْءِ بِاسْمِ بَعْضِهِ قَالَ صَاحِبُ النِّهَايَةِ وَإِنَّمَا خُصَّتْ النَّافِلَةُ بِالسُّبْحَةِ وَإِنْ شَارَكَتْهَا الْفَرِيضَةُ فِي مَعْنَى التَّسْبِيحِ لِأَنَّ التَّسْبِيحَاتِ فِي الْفَرَائِضِ نَوَافِلُ فَقِيلَ لِصَلَاةِ النَّافِلَةِ سُبْحَةٌ لِأَنَّهَا نَافِلَةٌ كَالتَّسْبِيحَاتِ وَالْأَذْكَارِ فِي أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ انْتَهَى . وَمَا ذَكَرَهُ مِنْ اخْتِصَاصِ النَّافِلَةِ بِالسُّبْحَةِ هُوَ الْأَغْلَبُ فِي الِاسْتِعْمَالِ وَقَدْ يُطْلَقُ عَلَى الْفَرِيضَةِ أَيْضًا وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَزِمَتْ السُّبْحَةُ صَلَاةَ النَّافِلَةِ فِي الْأَغْلَبِ فَأَشَارَ بِقَوْلِهِ فِي الْأَغْلَبِ إلَى اسْتِعْمَالِهَا فِي الْفَرِيضَةِ نَادِرًا وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَطِيَّةَ فِي قَوْله تَعَالَى { فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا } الْآيَةَ عَنْ أَكْثَرِ الْمُفَسِّرَيْنِ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ فَاَلَّتِي قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ صَلَاةُ الصُّبْحِ وَقَبْلَ غُرُوبِهَا صَلَاةُ الْعَصْرِ وَمِنْ آنَاءِ اللَّيْلِ الْعِشَاءُ وَأَطْرَافَ النَّهَارِ الْمَغْرِبُ وَالظُّهْرُ انْتَهَى . وَقَدْ يُقَالُ لَا يَلْزَمُ مِنْ اسْتِعْمَالِ الْفِعْلِ الَّذِي هُوَ سَبِّحْ فِي الْفَرِيضَةِ اسْتِعْمَالُ الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ التَّسْبِيحُ وَاسْمُ الْمَصْدَرِ الَّذِي هُوَ السُّبْحَةُ وَفِيهِ نَظَرٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) سُبْحَةُ الضُّحَى صَلَاةُ الضُّحَى وَالْمُرَادُ بِهَا الصَّلَاةُ الْمَفْعُولَةُ فِي وَقْتِ الضُّحَى وَهُوَ أَوَّلُ النَّهَارِ وَالسُّبْحَةُ بِضَمِّ السِّينِ وَإِسْكَانِ الْبَاءِ وَالضُّحَى بِضَمِّ الضَّادِ مَقْصُورٌ قَالَ فِي الصِّحَاحِ ضَحْوَةُ النَّهَارِ بَعْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ ثُمَّ بَعْدَهُ الضُّحَى وَهُوَ حِينَ تُشْرِقُ الشَّمْسُ مَقْصُورَةٌ تُؤَنَّثُ وَتُذَكَّرُ فَمَنْ أَنَّثَ ذَهَبَ إلَى أَنَّهَا جَمْعُ ضَحْوَةٍ وَمَنْ ذَكَّرَ ذَهَبَ إلَى أَنَّهُ اسْمٌ عَلَى فِعْلٍ مِثْلُ صُرَدٍ وَنُغَرٍ ، ثُمَّ بَعْدَهُ الضَّحَاءُ مَمْدُودٌ مُذَكَّرٌ وَهُوَ عِنْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ الْأَعْلَى وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ الضَّحْوُ وَالضَّحْوَةُ وَالضَّحِيَّةُ عَلَى مِثَالِ الْعَشِيَّةِ ارْتِفَاعُ النَّهَارِ وَالضُّحَى فُوَيْقُ ذَلِكَ أُنْثَى وَتَصْغِيرُهَا بِغَيْرِ هَاءٍ لِئَلَّا تَلْتَبِسَ بِتَصْغِيرِ ضَحْوَةٍ وَالضَّحَاءُ إذَا امْتَدَّ النَّهَارُ وَقَرُبَ أَنْ يَنْتَصِفَ وَقِيلَ الضُّحَى مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ إلَى أَنْ يَرْتَفِعَ النَّهَارُ وَتَبْيَضَّ الشَّمْسُ جِدًّا ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ الضَّحَاءُ إلَى قَرِيبٍ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ الضَّحْوَةُ ارْتِفَاعُ أَوَّلِ النَّهَارِ وَالضُّحَى بِالضَّمِّ وَالْقَصْرِ فَوْقَهُ وَبِهِ سُمِّيَتْ صَلَاةَ الضُّحَى وَالضَّحَاءِ بِالْفَتْحِ وَالْمَدِّ إذَا عَلَتْ الشَّمْسُ إلَى رُبْعِ السَّمَاءِ فَمَا بَعْدَهُ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ الضَّحَاءُ بِفَتْحِ الضَّادِ مَمْدُودٌ وَالضُّحَى بِالضَّمِّ مَقْصُورٌ قِيلَ هُمَا بِمَعْنًى ، وَإِضْحَاءُ النَّهَارِ ضَوْءُهُ وَقِيلَ الْمَقْصُورُ الْمَضْمُومُ هُوَ أَوَّلُ ارْتِفَاعِهَا وَالْمَمْدُودُ حِينَ حَرِّهَا إلَى قَرِيبٍ مِنْ نِصْفِ النَّهَارِ وَقِيلَ الْمَقْصُورُ حِينَ تَطْلُعُ الشَّمْسُ وَالْمَمْدُودُ إذَا ارْتَفَعَتْ وَقِيلَ الضَّحْوُ ارْتِفَاعُ النَّهَارِ وَالضُّحَى فَوْقَ ذَلِكَ وَالضَّحَاءُ إذَا امْتَدَّ النَّهَارُ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الضُّحَى مَقْصُورٌ مَضْمُومُ الضَّادِ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَالضَّحَاءُ مَمْدُودٌ مَفْتُوحُ الضَّادِ إشْرَاقُهَا وَضِيَاؤُهَا وَبَيَاضُهَا . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { مَا سَبَّحَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُبْحَةَ الضُّحَى قَطُّ } ، مُعَارَضٌ بِالْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ الْمَشْهُورَةِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صَلَّى الضُّحَى وَأَوْصَى بِهَا } وَالْمُثْبِتُ مُقَدَّمٌ عَلَى النَّافِي وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ وَلَكِنَّ الَّذِي يُشْكِلُ عَلَى ذَلِكَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ قَالَ { قُلْت لِعَائِشَةَ هَلْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى ؟ قَالَتْ لَا إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ } . وَعَنْ مُعَاذَةَ { أَنَّهَا سَأَلَتْ عَائِشَةَ كَمْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى ؟ قَالَتْ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ } وَاَلَّذِي ذُكِرَ فِي الْجَوَابِ عَنْ ذَلِكَ أَوْجُهٌ : ( أَحَدُهَا ) تَضْعِيفُ الرِّوَايَةِ عَنْهَا بِنَفْيِ صَلَاةِ الضُّحَى وَتَوْهِيمُ رَاوِيهَا أَشَارَ إلَيْهِ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ رِوَايَةِ مُعَاذَةَ عَنْ عَائِشَةَ فَلَوْ لَمْ يَدُلَّ عَلَى وَهْمِ الْحَدِيثِ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُسَبِّحْ سُبْحَةَ الضُّحَى } إلَّا هَذِهِ الْأَخْبَارُ الْمَرْوِيَّةُ عَنْهَا أَنَّهُ صَلَّاهَا فَكَيْفَ وَفِي خَبَرِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْهَا أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ مَغِيبِهِ انْتَهَى وَهُوَ ضَعِيفٌ لِأَنَّ حَدِيثَ النَّفْيِ ثَابِتٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَرِوَايَةِ أَعْلَامٍ حُفَّاظٍ لَا يَتَطَرَّقُ احْتِمَالُ الْخَلَلِ إلَيْهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( ثَانِيهَا ) قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ مَا رَأَيْته دَاوَمَ عَلَى سُبْحَةِ الضُّحَى وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا أَيْ أُدَاوِمُ عَلَيْهَا وَكَذَا قَوْلُهَا وَمَا أَحْدَثَ النَّاسُ شَيْئًا تَعْنِي الْمُدَاوَمَةَ عَلَيْهَا ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَةَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ وَقَالَ فِي هَذَا إثْبَاتُ فِعْلِهَا إذَا جَاءَ مِنْ مَغِيبِهِ ثُمَّ ذَكَرَ رِوَايَةَ مُعَاذَةَ وَقَالَ وَفِي هَذَا دَلَالَةٌ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَكَرْنَاهُ مِنْ التَّأْوِيلِ قَالَ وَقَدْ بَيَّنَتْ الْعِلَّةَ فِي تَرْكِ الْمُدَاوَمَةِ عَلَيْهَا بِقَوْلِهَا { وَإِنْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيَدَعُ الْعَمَلَ وَهُوَ يُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ خَشْيَةَ أَنْ تَعْمَلَ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ } انْتَهَى وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ عَنْ الْعُلَمَاءِ فَقَالَ قَالَ الْعُلَمَاءُ مَعْنَاهُ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُدَاوِمْ عَلَيْهَا وَكَانَ يُصَلِّيهَا فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ وَيَتْرُكُهَا فِي بَعْضِهَا خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ وَبِهَذَا يُجْمَعُ بَيْنَ الْأَحَادِيثِ انْتَهَى وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ : حَمْلُهُ عَلَى إرَادَةِ عَدَمِ الْمُدَاوَمَةِ فِيهِ بُعْدٌ ، وَقَدْ حَكَاهُ صَاحِبُ الْإِكْمَالِ بِصِيغَةِ التَّمْرِيضِ وَلَمْ يَرْتَضِهِ . ( ثَالِثُهَا ) أَنَّ قَوْلَهَا { مَا سَبَّحَ سُبْحَةَ الضُّحَى } أَيْ مَا رَأَيْته يُسَبِّحُهَا كَمَا فِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي ذِئْبٍ الَّتِي فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَقَوْلُهَا { إنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا أَرْبَعًا وَيَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ وَأَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا إذَا جَاءَ مِنْ مَغِيبِهِ } عَلِمَتْهُ بِإِخْبَارِ غَيْرِهَا لَهَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَقَالَ وَسَبَبُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا كَانَ يَكُونُ عِنْدَ عَائِشَةَ فِي وَقْتِ الضُّحَى إلَّا فِي نَادِرٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ وَأَنَّهُ قَدْ يَكُونُ فِي ذَلِكَ مُسَافِرًا وَقَدْ يَكُونُ حَاضِرًا وَلَكِنَّهُ فِي الْمَسْجِدِ أَوْ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَإِذَا كَانَ عِنْدَ نِسَائِهِ فَإِنَّمَا كَانَ لَهَا يَوْمٌ مِنْ تِسْعَةٍ فَيَصِحُّ قَوْلُهَا مَا رَأَيْته يُصَلِّيهَا وَتَكُونُ قَدْ عَلِمَتْ بِخَبَرِهِ أَوْ خَبَرِ غَيْرِهِ أَنَّهُ صَلَّاهَا انْتَهَى . وَهَذَا الْجَوَابُ ضَعِيفٌ فَكَيْفَ تَنْفِي صَلَاتَهُ لِلضُّحَى وَتُرِيدُ نَفْيَ رُؤْيَتِهَا لِذَلِكَ مَعَ أَنَّ عِنْدَهَا عِلْمًا مُسْتَنِدًا لِغَيْرِ الرُّؤْيَةِ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهَا ؟ وَهَلْ يَكُونُ فَاعِلُ ذَلِكَ مُؤَدِّيًا لِأَمَانَةِ الشَّرِيعَةِ وَإِذَا كَانَتْ مَا كَتَمَتْ فِعْلَهَا وَعَقَّبَتْ النَّفْيَ بِقَوْلِهَا { وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا } مَعَ كَوْنِ فِعْلِهَا لَا يَثْبُتُ بِهِ حُكْمٌ شَرْعِيٌّ وَلَيْسَ أَمَانَةً يَجِبُ أَدَاؤُهَا فَكَيْف تَكْتُمُ مَا عِنْدَهَا مِنْ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي ثَبَتَ عِنْدَهَا ثُبُوتًا صَحِيحًا جَزَمَتْ بِهِ فِي وَقْتٍ آخَرَ وَتَأْتِي بِلَفْظٍ يُوهِمُ النَّفْيَ الْمُطْلَقَ ؟ إنَّ ذَلِكَ لَبَعِيدٌ مِنْ فِعْلِهَا رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا . ( رَابِعُهَا ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْجَوَابَ الَّذِي قَبْلَهُ وَالْأَشْبَهُ عِنْدِي فِي الْجَمْعِ بَيْنَ حَدِيثَيْهَا أَنْ تَكُونَ إنَّمَا أَنْكَرَتْ صَلَاةَ الضُّحَى الْمَعْهُودَةَ حِينَئِذٍ عِنْدَ النَّاسِ عَلَى الَّذِي اخْتَارَهُ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ مِنْ صَلَاتِهَا ثَمَانِي رَكَعَاتٍ وَإِنَّهُ إنَّمَا كَانَ يُصَلِّيهَا أَرْبَعًا كَمَا قَالَتْ ثُمَّ يَزِيدُ مَا شَاءَ اللَّهُ قَالَ وَقَدْ صَحَّ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّيهَا وَتَقُولُ لَوْ نُشِرَ لِي أَبَوَايَ مَا تَرَكْتُهُمَا . ( خَامِسُهَا ) أَنَّهَا أَرَادَتْ نَفْيَ إعْلَانِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ بَعْدَ ذِكْرِهِ مَا سَبَقَ عَنْ الطَّبَرِيِّ فِي التَّضْعِيفِ وَقَالَ غَيْرُهُ يُحْمَلُ قَوْلُهَا { مَا رَأَيْته يُسَبِّحُ سُبْحَةَ الضُّحَى } يَعْنِي مُوَاظِبًا عَلَيْهَا وَمُعْلِنًا بِهَا لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَهَا بِحَيْثُ لَا يَرَاهُ النَّاسُ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا كَانَتْ تُغْلِقُ عَلَى نَفْسِهَا بَابًا ثُمَّ تُصَلِّي الضُّحَى وَقَالَ مَسْرُوقٌ كُنَّا نَقْرَأُ فِي الْمَسْجِدِ فَنَبْقَى بَعْدَ قِيَامِ ابْنِ مَسْعُودٍ ثُمَّ نَقُومُ فَنُصَلِّي الضُّحَى فَبَلَغَ ابْنَ مَسْعُودٍ ذَلِكَ فَقَالَ لِمَ تُحَمِّلُوا عِبَادَ اللَّهِ مَا لَمْ يُحَمِّلْهُمْ اللَّهُ إنْ كُنْتُمْ لَا بُدَّ فَاعِلِينَ فَفِي بُيُوتِكُمْ . وَكَانَ أَبُو مِجْلَزٍ يُصَلِّي الضُّحَى فِي مَنْزِلِهِ وَكَانَ مَذْهَبُ السَّلَفِ الِاسْتِتَارُ بِهَا وَتَرْكُ إظْهَارِهَا لِلْعَامَّةِ لِئَلَّا يَرَوْهَا وَاجِبَةً انْتَهَى . ( سَادِسُهَا ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الَّذِي أَنْكَرَتْ وَنَفَتْ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَعَلَهُ اجْتِمَاعَ النَّاسِ لَهَا فِي الْمَسْجِدِ يُصَلُّونَهَا كَذَلِكَ وَهُوَ الَّذِي قَالَ فِيهِ عُمَرُ إنَّهُ بِدْعَةٌ انْتَهَى وَحَاصِلُ هَذِهِ الْأَجْوِبَةِ تَضْعِيفُ النَّفْيِ أَوْ حَمْلُهُ عَلَى الْمُدَاوَمَةِ أَوْ عَلَى رُؤْيَتِهَا أَوْ عَلَى عَدَدِ الرَّكَعَاتِ أَوْ عَلَى إعْلَانِهَا أَوْ عَلَى الْجَمَاعَةِ فِيهَا . ( الْخَامِسَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ أَنْكَرَ صَلَاةَ الضُّحَى وَعَدَّهَا بِدْعَةً وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ مُوَرِّقٍ الْعِجْلِيّ قَالَ : " قُلْت لِابْنِ عُمَرَ تُصَلِّي الضُّحَى ؟ قَالَ لَا قُلْت فَعُمَرُ قَالَ لَا قُلْت فَأَبُو بَكْرٍ قَالَ لَا قُلْت فَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا إخَالُهُ " وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ مَا صَلَّيْت الضُّحَى مُنْذُ أَسْلَمْت إلَّا أَنْ أَطُوفَ بِالْبَيْتِ وَأَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الضُّحَى فَقَالَ وَلِلضُّحَى صَلَاةٌ ، ، وَأَنَّهُ سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ إنَّهَا بِدْعَةٌ . وَعَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ قَالَ لَمْ يُخْبِرْنِي أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ مَسْعُودٍ يُصَلِّي الضُّحَى وَعَنْ عَلْقَمَةَ إنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي الضُّحَى وَحَكَى ابْنُ بَطَّالٍ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ كَانَ لَا يُصَلِّي الضُّحَى . وَعَنْ أَنَسٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الضُّحَى فَقَالَ الصَّلَوَاتُ خَمْسٌ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ اسْتِحْبَابُ صَلَاةِ الضُّحَى وَقَدْ وَرَدَ فِيهَا أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ صَحِيحَةٌ مَشْهُورَةٌ حَتَّى قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ إنَّهَا بَلَغَتْ حَدَّ التَّوَاتُرِ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ إنَّهَا لَفِي كِتَابِ اللَّهِ وَلَا يَغُوصُ عَلَيْهَا الْأَغْوَاصَ ثُمَّ قَرَأَ { فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } وَقَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَهِيَ كَانَتْ صَلَاةَ الْأَنْبِيَاءِ قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى مُخْبِرًا عَنْ دَاوُد { إنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ } فَأَبْقَى اللَّهُ مِنْ ذَلِكَ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ الْعَصْرَ صَلَاةَ الْعَشِيِّ وَنَسَخَ صَلَاةَ الْإِشْرَاقِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِعْلَ صَلَاةِ الضُّحَى عَنْ عَائِشَةَ وَأَبِي ذَرٍّ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالضَّحَّاكِ وَأَبِي مِجْلَزٍ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَأَمَّا مَا صَحَّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ إنَّهُ قَالَ فِي الضُّحَى هِيَ بِدْعَةٌ فَمَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهَا فِي الْمَسْجِدِ وَالتَّظَاهُرَ بِهَا كَمَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ بِدْعَةٌ لَا أَنَّ أَصْلَهَا فِي الْبُيُوتِ وَنَحْوِهَا مَذْمُومٌ أَوْ يُقَالُ قَوْلُهُ بِدْعَةٌ أَيْ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُوَاظِبْ عَلَيْهَا خَشْيَةَ أَنْ تُفْرَضَ وَهَذَا فِي حَقِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ ثَبَتَ اسْتِحْبَابُ الْمُحَافَظَةِ فِي حَقِّنَا بِحَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَأَبِي ذَرٍّ أَوْ يُقَالُ إنَّ ابْنَ عُمَرَ لَمْ يَبْلُغْهُ فِعْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الضُّحَى وَأَمْرُهُ بِهَا وَكَيْفَ كَانَ فَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الضُّحَى وَإِنَّمَا نُقِلَ التَّوَقُّفُ فِيهَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَابْنِ عُمَرَ انْتَهَى . ( السَّادِسَةُ ) الظَّاهِرُ أَنَّ مَنْ عَدَّ صَلَاةَ الضُّحَى بِدْعَةً لَا يَرَاهَا مِنْ الْبِدَعِ الْمَذْمُومَةِ بَلْ هِيَ بِدْعَةٌ مَحْمُودَةٌ فَإِنَّ الصَّلَاةَ خَيْرُ مَوْضُوعٍ وَلَيْسَ فِيهَا ابْتِدَاعُ أَمْرٍ يُنْكِرُهُ الشَّرْعُ وَلِذَلِكَ عَقَّبَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا النَّفْيَ بِقَوْلِهَا وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ إنَّهُ سُئِلَ عَنْهَا فَقَالَ بِدْعَةٌ وَنِعْمَتْ الْبِدْعَةُ وَأَنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّيهَا وَإِذَا رَآهُمْ يُصَلُّونَهَا قَالَ مَا أَحْسَنَ مَا أَحْدَثُوا سُبْحَتَهُمْ هَذِهِ وَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ فَقَدْ حَصَلَ الْإِجْمَاعُ عَلَى اسْتِحْبَابِهَا وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَنَّهَا مَأْخُوذَةٌ مِنْ سُنَّةٍ مَخْصُوصَةٍ أَوْ مِنْ عُمُومَاتِ اسْتِحْبَابِ الصَّلَاةِ فَتَوَقَّفَ هَذَا الْقَائِلُ الثَّانِي فِي إثْبَاتِ هَذَا الِاسْمِ الْخَاصِّ لَهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) إذَا قُلْنَا بِاسْتِحْبَابِ صَلَاةِ الضُّحَى فَهَلْ الْأَفْضَلُ الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا أَوْ فِعْلُهَا فِي وَقْتٍ وَتَرَكَهَا فِي وَقْتٍ ؟ الظَّاهِرُ الْأَوَّلُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَحَبُّ الْعَمَلِ إلَى اللَّهِ مَا دَاوَمَ عَلَيْهِ صَاحِبُهُ وَإِنْ قَلَّ } وَفِي الصَّحِيحَيْنِ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { أَوْصَانِي خَلِيلِي بِثَلَاثٍ لَا أَدْعُهُنَّ حَتَّى أَمُوتَ صَوْمُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ وَصَلَاةُ الضُّحَى وَنَوْمٌ عَلَى وِتْرٍ } . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ حَافَظَ عَلَى شُفْعَةِ الضُّحَى غُفِرَتْ لَهُ ذُنُوبُهُ وَإِنْ كَانَتْ مِثْلَ زَبَدِ الْبَحْرِ } وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَيْضًا { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَا يَتْرُكُ صَلَاةَ الضُّحَى فِي سَفَرٍ وَلَا غَيْرِهِ } وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ فِيهِ يُوسُفُ بْنُ خَالِدٍ السَّمْتِيُّ ضَعِيفٌ جِدًّا وَذَهَبَتْ طَائِفَةٌ إلَى الثَّانِي حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ جَمَاعَةٍ وَالْخِلَافُ فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْحَنَابِلَةِ وَقَالَ بِالْأَوَّلِ أَبُو الْخَطَّابِ مِنْهُمْ حَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ أَنَّ عِكْرِمَةَ سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ ابْنِ عَبَّاسٍ الضُّحَى فَقَالَ كَانَ يُصَلِّيهَا الْيَوْمَ وَيَدَعُهَا الْعَشْرَ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ كَانُوا يُصَلُّونَ الضُّحَى وَيَدَعُونَ وَيَكْرَهُونَ أَنْ يُدِيمُوهَا مِثْلَ الْمَكْتُوبَةِ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَكُنْ يُصَلِّي الضُّحَى إلَّا أَنْ يَجِيءَ مِنْ مَغِيبِهِ } { وَقَوْلُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى مَا أَخْبَرَنِي أَحَدٌ أَنَّهُ رَأَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى إلَّا أُمُّ هَانِئٍ } وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ . وَمَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَطِيَّةَ الْعَوْفِيِّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ { كَانَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى نَقُولَ لَا يَدَعُهَا وَيَدَعُهَا حَتَّى نَقُولَ لَا يُصَلِّيهَا } وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ قَالَ النَّوَوِيُّ مَعَ أَنَّ عَطِيَّةَ ضَعِيفٌ فَلَعَلَّهُ اُعْتُضِدَ وَالْجَوَابُ عَنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ مَا ذَكَرَتْهُ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا مِنْ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَإِنَّهُ لَيُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَسْتَنَّ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ } وَقَدْ أُمِنَ هَذَا بَعْدَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِاسْتِقْرَارِ الشَّرَائِعِ وَعَدَمِ إمْكَانِ الزِّيَادَةِ فِيهَا وَالنَّقْصِ مِنْهَا فَيَنْبَغِي الْمُوَاظَبَةُ عَلَيْهَا وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ اشْتَهَرَ بَيْنَ كَثِيرٍ مِنْ الْعَوَامّ أَنَّهُ مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثُمَّ قَطَعَهَا يَحْصُلُ لَهُ عَمًى فَصَارَ كَثِيرٌ مِنْ النَّاسِ لَا يُصَلُّونَهَا خَوْفًا مِنْ ذَلِكَ وَلَيْسَ لِهَذَا أَصْلٌ أَلْبَتَّةَ لَا مِنْ السُّنَّةِ وَلَا مِنْ قَوْلِ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ وَلَا مِنْ التَّابِعِينَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا مِمَّا أَلْقَاهُ الشَّيْطَانُ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَوَامّ لِكَيْ يَتْرُكُوا صَلَاةَ الضُّحَى دَائِمًا لِيَفُوتَهُمْ بِذَلِكَ خَيْرٌ كَثِيرٌ وَهُوَ أَنَّهُمَا تَقُومَانِ عَنْ سَائِرِ أَنْوَاعِ التَّسْبِيحِ وَالتَّكْبِيرِ وَالتَّهْلِيلِ وَالْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ كَمَا ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ انْتَهَى . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهَا { وَإِنِّي لَأُسَبِّحُهَا } كَذَا فِي الصَّحِيحَيْنِ بِالْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ مِنْ التَّسْبِيحِ أَيْ لَأَفْعَلُهَا وَفِي الْمُوَطَّإِ لَأَسْتَحِبُّهَا بِالتَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ فَوْقُ مِنْ الِاسْتِحْبَابِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى وَقَدْ رُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تُصَلِّيهَا . ( التَّاسِعَةُ ) قَوْلُهَا لَقَدْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْرُكُ الْعَمَلَ وَإِنَّهُ لَيُحِبُّ أَنْ يَعْمَلَهُ مَخَافَةَ أَنْ يَسْتَنَّ بِهِ النَّاسُ فَيُفْرَضَ عَلَيْهِمْ } قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ إنَّ مَعْنَاهُ يَظُنُّونَهُ فَرْضًا لِلْمُدَاوَمَةِ فَيَجِبُ عَلَى مَنْ يَظُنُّهُ لِذَلِكَ كَمَا إذَا ظَنَّ الْمُجْتَهِدُ حِلَّ شَيْءٍ أَوْ تَحْرِيمَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْعَمَلُ بِذَلِكَ وَقِيلَ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ حُكْمُهُ أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ أَعْمَالِ الْقُرَبِ وَاقْتَدَى النَّاسُ بِهِ فِي ذَلِكَ الْعَمَلِ فُرِضَ عَلَيْهِمْ كَمَا قَالَ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ { لَمْ يَمْنَعْنِي مِنْ الْخُرُوجِ إلَيْكُمْ إلَّا أَنِّي خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ } وَفِي رِوَايَةٍ { وَلَكِنِّي خَشِيت أَنْ تُفْرَضَ عَلَيْكُمْ فَتَعْجَزُوا عَنْهَا } قُلْت الْمَعْنَيَانِ اللَّذَانِ ذَكَرَهُمَا الْقُرْطُبِيُّ بِعِيدَانِ وَالظَّاهِرُ فِي الْمَوْضِعَيْنِ أَنَّ الْمَانِعَ لَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَنَّ النَّاسَ يَسْتَحِلُّونَ مُتَابَعَتَهُ وَيَسْتَعْذِبُونَهَا وَيَسْتَسْهِلُونَ الصَّعْبَ فِيهَا فَإِذَا فَعَلَ أَمْرًا سَهُلَ عَلَيْهِمْ فِعْلُهُ لِمُتَابَعَتِهِ فَقَدْ يُوجِبُهُ اللَّهُ عَلَيْهِمْ لِعَدَمِ الْمَشَقَّةِ عَلَيْهِمْ فِيهِ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ فَإِذَا تُوُفِّيَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ زَالَ عَنْهُمْ ذَلِكَ النَّشَاطُ وَحَصَلَ لَهُمْ الْفُتُورُ فَشَقَّ عَلَيْهِمْ مَا كَانُوا اسْتَسْهَلُوهُ لَا أَنَّهُ يُفْرَضُ عَلَيْهِمْ وَلَا بُدَّ كَمَا قَالَ الْقُرْطُبِيُّ فِي جَوَابِهِ الثَّانِي وَغَايَتُهُ أَنْ يَصِيرَ ذَلِكَ الْأَمْرُ مُرْتَقَبًا مُتَوَقَّعًا قَدْ يَقَعُ وَقَدْ لَا يَقَعُ وَاحْتِمَالُ وُقُوعِهِ هُوَ الَّذِي مَنَعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ ذَلِكَ وَمَعَ هَذَا فَالْمَسْأَلَةُ مُشْكِلَةٌ تَحْتَاجُ إلَى زِيَادَةِ عَمَلٍ وَنَظَرٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) وَفِيهِ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَتْ مَصْلَحَتَانِ قَدَّمَ أَهَمَّهُمَا لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يُحِبُّ صَلَاةَ الضُّحَى وَيَفْعَلُهَا أَحْيَانًا وَلَكِنْ لَمَّا عَارَضَهُ خَوْفُ افْتِرَاضِهَا عَلَى النَّاسِ تَرَكَ الْمُوَاظَبَةَ عَلَيْهَا لِعِظَمِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي يَخْشَاهَا مِنْ تَرْكِهِمْ لِلْفَرْضِ عِنْدَ عَجْزِهِمْ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) وَفِيهِ بَيَانُ كَمَالِ شَفَقَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَرَأْفَتِهِ بِأَمَتِهِ وَفِي التَّنْزِيلِ { بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ } وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ { سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ فِي الْإِنْسَانِ سِتُّونَ وَثَلَثُمِائَةِ مَفْصِلٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهَا صَدَقَةً قَالُوا فَمَنْ الَّذِي يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ النُّخَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ تَدْفِنُهَا أَوْ الشَّيْءُ تُنَحِّيهِ عَنْ الطَّرِيقِ فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ فَرَكْعَتَيْ الضُّحَى تُجْزِئُ عَنْكَ } ، رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ هَذِهِ سُنَّةٌ تَفَرَّدَ بِهَا أَهْلُ مَرْوَ وَالْبَصْرَةِ وَأَرَادَ بِحَدِيثِ أَهْلِ مَرْوَ حَدِيثَ بُرَيْدَةَ هَذَا وَبِحَدِيثِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ عِنْدَ مُسْلِمٍ { يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى } . ( الْحَدِيثُ الثَّانِي ) وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ { سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : فِي الْإِنْسَانِ سِتُّونَ وَثَلَثُمِائَةِ مَفْصِلٍ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهَا صَدَقَةً ، قَالُوا فَمَنْ الَّذِي يُطِيقُ ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ النُّخَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ تَدْفِنُهَا أَوْ الشَّيْءُ تُنَحِّيهِ عَنْ الطَّرِيقِ فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ فَرَكْعَتَيْ الضُّحَى تُجْزِئُ عَنْكَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ حِبَّانَ وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فِي الْأَدَبِ مِنْ سُنَنِهِ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدٍ الْمَرْوَزِيِّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ حُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ أَبِيهِ وَرَوَاهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ أَبِي كُرَيْبٌ عَنْ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ قَالَ وَهَذِهِ سُنَّةٌ تَفَرَّدَ بِهَا أَهْلُ مَرْوَ وَالْبَصْرَةِ وَأَرَادَ بِحَدِيثِ أَهْلِ مَرْوَ حَدِيثَ بُرَيْدَةَ هَذَا وَبِحَدِيثِ أَهْلِ الْبَصْرَةِ حَدِيثَ أَبِي ذَرٍّ الَّذِي أَشَارَ إلَيْهِ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ بِقَوْلِهِ . وَلِمُسْلِمٍ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَلَفْظُهُ عِنْدَهُ { يُصْبِحُ عَلَى كُلِّ سُلَامَى مِنْ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ وَنَهْيٌ عَنْ الْمُنْكَرِ صَدَقَةٌ وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ تَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى } وَيَشْهَدُ لِذَلِكَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَيْضًا عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : إنَّهُ { خُلِقَ كُلُّ إنْسَانٍ مِنْ بَنِي آدَمَ عَلَى سِتِّينَ وَثَلَاثِمِائَةِ مَفْصِلٍ فَمَنْ كَبَّرَ اللَّهَ وَحَمِدَ اللَّهَ وَهَلَّلَ اللَّهَ وَسَبَّحَ اللَّهَ وَاسْتَغْفَرَ اللَّهَ وَعَزَلَ حَجَرًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ شَوْكَةً أَوْ عَظْمًا عَنْ طَرِيقِ النَّاسِ أَوْ أَمَرَ بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهَى عَنْ مُنْكَرٍ عَدَدَ تِلْكَ السِّتِّينَ وَالثَّلَثِمِائَةِ السُّلَامَى فَإِنَّهُ يَمْشِي حِينَئِذٍ وَقَدْ زَحْزَحَ نَفْسَهُ عَنْ النَّارِ } . ( الثَّانِيَةُ ) الْمَفْصِلُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الْفَاءِ وَكَسْرِ الصَّادِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ فِي الْمُحْكَمِ كُلُّ مُلْتَقَى عَظْمَيْنِ مِنْ الْجَسَدِ أَمَّا الْمِفْصَلُ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَفَتْحِ الصَّادِ فَهُوَ اللِّسَانُ وَالسُّلَامَى الْمَذْكُورَةُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ هِيَ هُنَا بِمَعْنَى الْمَفْصِلِ الْمَذْكُورِ فِي حَدِيثِ بُرَيْدَةَ وَهِيَ بِضَمِّ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِ اللَّامِ وَفَتْحِ الْمِيمِ وَأَصْلُهَا عِظَامُ الْأَصَابِعِ وَسَائِرُ الْكَفِّ خَاصَّةً ثُمَّ اُسْتُعْمِلَتْ فِي جَمِيعِ عِظَامِ الْبَدَنِ وَمَفَاصِلِهِ وَهُوَ الْمُرَادُ فِي الْحَدِيثِ وَقِيلَ السُّلَامَى كُلُّ عَظْمٍ مُجَوَّفٍ مِنْ صِغَارِ الْعِظَامِ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ فَعَلَيْهِ أَنْ يَتَصَدَّقَ عَنْ كُلِّ مَفْصِلٍ مِنْهَا أَيْ عَلَيْهِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ الْمُتَأَكَّدِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ عَلَيْهِ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْوُجُوبِ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ تُسْتَعْمَلُ فِي الْمُسْتَحَبِّ كَمَا تُسْتَعْمَلُ فِي الْوَاجِبِ وَمِنْهُ حَدِيثُ لِلْمُسْلِمِ { عَلَى الْمُسْلِمِ سِتُّ خِصَالٍ } . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { صَدَقَةٌ } كَذَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد { بِصَدَقَةٍ } وَكَأَنَّهُ أُرِيدَ فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ الْمَصْدَرُ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد الْمُتَصَدَّقُ بِهِ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ { قَالُوا فَمَنْ الَّذِي يُطِيقُ ذَلِكَ } كَأَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَهِمُوا أَنَّ الْمُرَادَ بِالصَّدَقَةِ هُنَا مَا يُتَصَدَّقُ بِهِ عَلَى الْفُقَرَاءِ فَبَيَّنَ لَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا مُطْلَقُ الْحَسَنَةِ وَإِنْ لَمْ يَعُدْ مِنْهَا نَفْعٌ عَلَى الْغَيْرِ وَلِذَلِكَ قَالَ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ { فَكُلُّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةٌ وَكُلُّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةٌ } . ( السَّادِسَةُ ) النُّخَاعَةُ بِضَمِّ النُّونِ وَبِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَبِالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : هِيَ بِمَعْنَى النُّخَامَةِ بِالْمِيمِ وَهُمَا مَعًا مَا يَطْرَحُهُ الْإِنْسَانُ مِنْ فِيهِ مِنْ رُطُوبَةِ صَدْرِهِ أَوْ رَأْسِهِ وَفَرَّقَ بَعْضُهُمْ بَيْنَهُمَا فَجَعَلَهُ مِنْ الصَّدْرِ بِالْعَيْنِ وَمِنْ الرَّأْسِ بِالْمِيمِ حَكَاهُمَا فِي الْمَشَارِقِ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ النُّخَاعَةُ الْبَزْقَةُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ الْفَمِ مِمَّا يَلِي أَصْلَ النُّخَاعِ وَالنُّخَامَةُ الْبَزْقَةُ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْ أَصْلِ الْحَلْقِ وَمِنْ مَخْرَجِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ وَذَكَرَ فِي الصِّحَاحِ أَنَّ النُّخَاعَةَ وَالنُّخَامَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ . ( السَّابِعَةُ ) الْمُرَادُ أَنَّ دَفْنَ النُّخَاعَةِ الْكَائِنَةِ فِي الْمَسْجِدِ حَسَنَةٌ وَصَدَقَةٌ وَسَوَاءٌ أَكَانَتْ النُّخَاعَةُ مِنْهُ أَوْ مِنْ غَيْرِهِ وَكَانَ التَّعْبِيرُ بِهَذِهِ الْعِبَارَةِ أَحْسَنَ مِنْ التَّعْبِيرِ بِقَوْلِهِ دَفْنُ النُّخَاعَةِ فِي الْمَسْجِدِ لِأَنَّهُ قَدْ يُفْهَمُ مِنْ هَذِهِ الْعِبَارَةِ الثَّانِيَةِ أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمَسْجِدِ مُتَعَلِّقٌ بِالدَّفْنِ وَأَنَّ الْمُرَادَ دَفْنُهَا فِي الْمَسْجِدِ بِخِلَافِ الْعِبَارَةِ الْأُولَى فَإِنَّهُ يَتَعَيَّنُ مَعَهَا أَنَّ قَوْلَهُ فِي الْمَسْجِدِ فِي مَحَلِّ الصِّفَةِ لِلنُّخَاعَةِ أَيْ النُّخَاعَةِ الْكَائِنَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَلَمْ يَتَعَرَّضْ لِمَحَلِّ دَفْنِهَا أَهُوَ الْمَسْجِدُ أَمْ غَيْرُهُ وَقَوْلُهُ تَدْفِنُهَا بِتَاءِ الْخِطَابِ وَكَذَا قَوْلُهُ { تُنَحِّيهِ } وَيَجُوزُ فِي قَوْلِهِ النُّخَاعَةُ الرَّفْعُ وَالنَّصْبُ وَكَذَا فِي قَوْلِهِ أَوْ الشَّيْءُ تُنَحِّيهِ فَهُوَ مِنْ بَابِ الِاشْتِغَالِ وَالرَّفْعُ فِيهِمَا أَرْجَحُ وَعَلَى كُلِّ حَالٍ فَالْخَبَرُ مَحْذُوفٌ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ وَاَلَّتِي بَعْدَهَا تَقْدِيرُهُ صَدَقَةٌ . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهُ { أَوْ الشَّيْءُ } كَذَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ بِأَوْ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالشَّيْءُ بِالْوَاوِ وَهُوَ الْأَصْلُ وَأَوْ هُنَا بِمَعْنَى الْوَاوِ كَمَا فِي قَوْلِهِ جَاءَ الْخِلَافَةَ أَوْ كَانَتْ لَهُ قَدَرًا وَقَدْ أَثْبَتَ لَهَا هَذَا الْمَعْنَى الْأَخْفَشُ وَالْجَرْمِيُّ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْكُوفِيِّينَ وَالْمُرَادُ بِالشَّيْءِ هُنَا الْأَذَى الَّذِي يَتَضَرَّرُ بِهِ الْمَارَّةُ وَلِذَلِكَ بَوَّبَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد رَحِمَهُ اللَّهُ بَابًا فِي إمَاطَةِ الْأَذَى . ( التَّاسِعَةُ ) قَوْلُهُ { فَإِنْ لَمْ تَقْدِرْ } لَيْسَ الْمُرَادُ عَلَى هَاتَيْنِ الْخَصْلَتَيْنِ الْمَذْكُورَتَيْنِ فِي الْحَدِيثِ خَاصَّةً وَإِنَّمَا الْمُرَادُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ حَسَنَةً . ( الْعَاشِرَةُ ) قَوْلُهُ فَرَكْعَتَيْ الضُّحَى كَذَا فِي أَصْلِنَا بِالْيَاءِ وَلَا وَجْهَ لِنَصْبِهِ وَلَيْسَ فِيهِ سِوَى الرَّفْعِ وَهُوَ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بِالْأَلِفِ وَهُوَ الصَّوَابُ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الَّذِي فِي أَصْلِنَا تَسَاهُلٌ فِي الْكِتَابَةِ وَهُوَ مَرْفُوعٌ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { تُجْزِئُ عَنْك } يَجُوزُ فَتْحُ أَوَّلِهِ بِغَيْرِ هَمْزٍ فِي آخِرِهِ وَضَمُّ أَوَّلِهِ بِهَمْزَةٍ فِي آخِرِهِ فَالْفَتْحُ مِنْ جَزَى يَجْزِي أَيْ كَفَى وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى { لَا تَجْزِي نَفْسٌ } وَالضَّمُّ مِنْ الْإِجْزَاءِ وَقَدْ ضُبِطَ بِالْوَجْهَيْنِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ { وَيُجْزِئُ مِنْ ذَلِكَ رَكْعَتَانِ يَرْكَعُهُمَا مِنْ الضُّحَى } وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد { يَجْزِيك } . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) إنْ قُلْت مَا وَجْهُ قَوْلِهِ { تُجْزِئُ عَنْك } وَهُوَ خَبَرٌ عَنْ مَثْنَى وَمُقْتَضَاهُ أَنْ يَقُولَ تَجْزِيَانِ عَنْك قُلْت كَأَنَّ الرَّكْعَتَيْنِ لَمَّا كَانَتَا فِي انْتِظَامِهِمَا كَرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ صَحَّ الْإِخْبَارُ عَنْهُمَا بِالْمُفْرَدِ وَكَانَ التَّقْدِيرُ فَرَكْعَتَا الضُّحَى شَيْءٌ يُجْزِئُ عَنْك . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَ ) إنْ قُلْت قَدْ عَدَّ فِي حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ مِنْ الْحَسَنَاتِ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ وَهُمَا فَرْضَا كِفَايَةٍ فَكَيْفَ أَجْزَأَ عَنْهُمَا رَكْعَتَا الضُّحَى وَهُمَا تَطَوُّعٌ ، وَكَيْفَ أَسْقَطَ هَذَا التَّطَوُّعُ ذَلِكَ الْفَرْضَ قُلْت الْمُرَادُ فِي الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ حَيْثُ قَامَ الْفَرْضُ بِغَيْرِهِ وَحَصَلَ الْمَقْصُودُ وَكَأَنَّ كَلَامَهُ زِيَادَةُ تَأْكِيدٍ أَوْ الْمُرَادُ تَعْلِيمُ الْمَعْرُوفِ لِيُفْعَلَ وَالْمُنْكَرِ لِيُجْتَنَبَ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ هُنَاكَ مَنْ وَاقَعَهُ فَإِذَا فَعَلَهُ كَانَ مِنْ جُمْلَةِ الْحَسَنَاتِ الْمَعْدُودَةِ مِنْ الثَّلَثِمِائَةِ وَالسِّتِّينَ وَإِذَا تَرَكَهُ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ فِيهِ حَرَجٌ وَيَقُومُ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ مِنْ الْحَسَنَاتِ رَكْعَتَا الضُّحَى أَمَّا إذَا تَرَكَ الْأَمْرَ بِالْمَعْرُوفِ أَوْ النَّهْيَ عَنْ الْمُنْكَرِ عِنْدَ فِعْلِهِ حَيْثُ لَمْ يَعْلَمْ بِهِ غَيْرُهُ فَقَدْ أَثِمَ وَلَا يَرْفَعُ الْإِثْمَ عَنْهُ رَكْعَتَا الضُّحَى وَلَا غَيْرُهُمَا مِنْ التَّطَوُّعَاتِ وَلَا مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ فَضْلٌ عَظِيمٌ لِصَلَاةِ الضُّحَى لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ أَنَّهَا تَقُومُ مَقَامَ ثَلَاثِمِائَةٍ وَسِتِّينَ حَسَنَةً قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهَذَا أَبْلَغُ شَيْءٍ فِي فَضْلِ صَلَاةِ الضُّحَى انْتَهَى وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهَا أَفْضَلُ التَّطَوُّعِ بَعْدَ الرَّوَاتِبِ لَكِنَّ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ قَدَّمَ عَلَيْهَا صَلَاةَ التَّرَاوِيحِ فَجَعَلَهَا فِي الْفَضْلِ بَيْنَ الرَّوَاتِبِ وَالضُّحَى وَهَلْ يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِصَلَاةِ الضُّحَى لِخُصُوصِيَّةٍ فِيهَا وَسِرٍّ لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ أَوْ يَقُومُ مَقَامَهَا رَكْعَتَانِ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ فَإِنَّ الصَّلَاةَ عَمَلٌ بِجَمِيعِ الْجَسَدِ فَإِذَا صَلَّى فَقَدْ قَامَ كُلُّ عُضْوٍ بِوَظِيفَتِهِ الَّتِي عَلَيْهِ ؟ فِيهِ احْتِمَالٌ وَالظَّاهِرُ الْأَوَّلُ وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ لِلتَّقْيِيدِ مَعْنًى . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ أَنَّ أَقَلَّ صَلَاةِ الضُّحَى رَكْعَتَانِ وَهُوَ كَذَلِكَ بِالْإِجْمَاعِ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي أَكْثَرِهَا فَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ عَنْ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا أَنَّ أَكْثَرَهَا ثَمَانٌ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَابِلَةِ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْمُغْنِي وَجَزَمَ الرَّافِعِيُّ فِي الشَّرْحِ الصَّغِيرِ وَالْمُحَرَّرِ وَالنَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَالْمِنْهَاجِ تَبَعًا لِلرُّويَانِيِّ بِأَنَّ أَكْثَرَهَا ثَنَتَا عَشْرَةَ رَكْعَةً وَوَرَدَ فِيهِ حَدِيثٌ ضَعِيفٌ رَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ مَرْفُوعًا { إنْ صَلَّيْت الضُّحَى رَكْعَتَيْنِ لَمْ تُكْتَبْ مِنْ الْغَافِلِينَ وَإِنْ صَلَّيْتهَا أَرْبَعًا كُتِبْت مِنْ الْمُحْسِنِينَ وَإِنْ صَلَّيْتهَا سِتًّا كُتِبْت مِنْ الْقَانِتِينَ وَإِنْ صَلَّيْتهَا ثَمَانِيًا كُتِبْت مِنْ الْفَائِزِينَ وَإِنْ صَلَّيْتهَا عَشْرًا لَمْ يُكْتَبْ لَك ذَلِكَ الْيَوْمَ ذَنْبٌ وَإِنْ صَلَّيْتهَا ثِنْتَيْ عَشْرَةَ بَنَى اللَّهُ لَك بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ } أَشَارَ الْبَيْهَقِيُّ إلَى ضَعْفِهِ بِقَوْلِهِ فِي إسْنَادِهِ نَظَرٌ وَذَكَرَ أَبُو حَاتِمٍ الرَّازِيّ أَنَّهُ رُوِيَ عَنْ أَبِي ذَرٍّ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ قِيلَ لَهُمَا أَيُّهُمَا أَشْبَهُ قَالَ جَمِيعًا مُضْطَرِبِينَ لَيْسَ لَهُمَا فِي الرِّوَايَةِ مَعْنًى . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي الْعِلَلِ الْمُفْرَدِ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ بُكَيْر عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي مُوسَى بْنُ فُلَانِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ عَمِّهِ ثُمَامَةَ بْنِ أَنَسٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ صَلَّى الضُّحَى ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً بَنَى اللَّهُ لَهُ قَصْرًا مِنْ ذَهَبٍ فِي الْجَنَّةِ } وَقَالَ سَأَلْت مُحَمَّدًا فَقَالَ هَذَا حَدِيثُ يُونُسَ بْنِ بُكَيْر وَلَمْ يَعْرِفْهُ مِنْ حَدِيثِ غَيْرِهِ وَقَالَ الرُّويَانِيُّ فِي الْحِلْيَةِ أَكْثَرُهَا ثَنَتَا عَشْرَةَ وَكُلَّمَا زَادَ كَانَ أَفْضَلَ وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ الْأَمْرُ فِي مِقْدَارِهَا إلَى الْمُصَلِّي كَسَائِرِ التَّطَوُّعِ وَهُمَا غَرِيبَانِ فِي مَذْهَبِنَا وَبِذَلِكَ قَالَ بَعْضُ السَّلَفِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ اخْتِلَافَ الْآثَارِ فِي ذَلِكَ الصَّوَابُ إذَا كَانَ الْأَمْرُ كَذَا أَنْ يُصَلِّيَهَا مَنْ أَرَادَ عَلَى مَا شَاءَ مِنْ الْعَدَدِ وَقَدْ رُوِيَ هَذَا عَنْ قَوْمٍ مِنْ السَّلَفِ ثُمَّ رَوَى بِإِسْنَادِهِ أَنَّ الْأَسْوَدَ سُئِلَ كَمْ أُصَلِّي الضُّحَى قَالَ كَمَا شِئْت وَلَمَّا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ أَنَّ أَكْثَرَهَا ثَنَتَا عَشْرَةَ قَالَ وَأَفْضَلُهَا ثَمَانٍ وَقَالَ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَكْمَلُهَا ثَمَانِ رَكَعَاتٍ وَأَوْسَطُهَا أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ أَوْ سِتٌّ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) قَدْ عُرِفَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ أَنَّ الضُّحَى اسْمٌ لِأَوَّلِ النَّهَارِ وَأُضِيفَتْ هَذِهِ الصَّلَاةُ لِذَلِكَ الْوَقْتِ لِأَنَّهُ وَقْتُهَا فَوَقْتُ صَلَاةِ الضُّحَى النِّصْفُ الْأَوَّلُ مِنْ النَّهَارِ ، وَقَالَ الرَّافِعِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا وَقْتُهَا مِنْ حِينِ تَرْتَفِعُ الشَّمْسُ إلَى الِاسْتِوَاءِ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ أَصْحَابُنَا وَقْتُهَا مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيُسْتَحَبُّ تَأْخِيرُهَا إلَى ارْتِفَاعِهَا قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ وَقْتُهَا الْمُخْتَارُ إذَا مَضَى رُبْعُ النَّهَارِ وَجَزَمَ بِهِ النَّوَوِيُّ فِي التَّحْقِيقِ وَالْمَعْنَى فِي ذَلِكَ عَلَى مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ فِي الْإِحْيَاءِ أَنْ لَا يَخْلُوَ كُلُّ رُبْعٍ مِنْ النَّهَارِ عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي وَقْتُهَا إذَا عَلَتْ الشَّمْسُ وَاشْتَدَّ حَرُّهَا لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ حِينَ تَرْمَضُ الْفِصَالُ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ انْتَهَى . وَظَاهِرُهُ أَنَّهُ بَيَانُ أَوَّلِ الْوَقْتِ لَا الْوَقْتُ الْمُخْتَارُ فَإِنَّهُ لَمْ يَذْكُرْ غَيْرُ ذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ الْإِشَارَةُ إلَى الِاقْتِدَاءِ بِدَاوُد فِي قَوْلِهِ { إنَّهُ أَوَّابٌ إنَّا سَخَّرْنَا الْجِبَالَ مَعَهُ يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِشْرَاقِ } فَنَبَّهَ عَلَى أَنَّ صَلَاتَهُ كَانَتْ إذَا أَشْرَقَتْ الشَّمْسُ فَأَثَّرَ حَرُّهَا فِي الْأَرْضِ حَتَّى تَجِدَهَا الْفِصَالُ حَارَّةً لَا تَبْرُكُ عَلَيْهَا بِخِلَافِ مَا تَصْنَعُ الْغَفْلَةُ الْيَوْمَ فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَهَا عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ بَلْ يَزِيدُ الْجَاهِلُونَ فَيُصَلُّونَهَا وَهِيَ لَمْ تَطْلُعْ قَيْدَ رُمْحٍ وَلَا رُمْحَيْنِ يَعْتَمِدُونَ بِجَهْلِهِمْ وَقْتَ النَّهْيِ بِالْإِجْمَاعِ انْتَهَى . وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُمَرَ اُضْحُوَا عِبَادَ اللَّهِ بِصَلَاةِ الضُّحَى . وَعَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُمْ رَآهُمْ يُصَلُّونَ الضُّحَى عِنْدَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَقَالَ هَلَّا تَرَكُوهَا حَتَّى إذَا كَانَتْ الشَّمْسُ قَيْدَ رُمْحٍ أَوْ رُمْحَيْنِ صَلَّوْهَا ؟ فَذَلِكَ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ وَفِي رِوَايَةٍ مَا لَهُمْ نَحَرُوهَا نَحَرَهُمْ اللَّهُ فَهَلَّا تَرَكُوهَا حَتَّى إذَا كَانَتْ بِالْجَبِينِ صَلَّوْا فَتِلْكَ صَلَاةُ الْأَوَّابِينَ وَعَنْ شُعْبَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ كَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ لِي سَقَطَ الْفَيْءُ ؟ فَإِذَا قُلْت نَعَمْ قَامَ فَسَبَّحَ وَعَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّهُ كَانَ لَا يُصَلِّي الضُّحَى حَتَّى تَمِيلَ الشَّمْسُ . صَلَاةُ الْوِتْرِ وَقِيَامُ اللَّيْلِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ { سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ كَيْفَ نُصَلِّي بِاللَّيْلِ قَالَ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ فَلْيُوتِرْ بِوَاحِدَةٍ } وَعَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى } وَلِأَصْحَابِ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ { صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى } صَحَّحَهُ الْبُخَارِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ النَّسَائِيّ هَذَا عِنْدِي خَطَأٌ ( صَلَاةُ الْوِتْرِ وَقِيَامُ اللَّيْلِ ) . ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ { سَمِعْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ كَيْفَ نُصَلِّي بِاللَّيْلِ قَالَ لِيُصَلِّ أَحَدُكُمْ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ الصُّبْحَ فَلْيُوتِرْ بِوَاحِدَةٍ } وَعَنْ نَافِعٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ صَلَّى رَكْعَةً وَاحِدَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَالْبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَالْبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وَمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ الْوَلِيدِ الزُّبَيْدِيِّ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْهُ وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْهُمَا وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ عَنْ نَافِعٍ . وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا { بَادِرُوا الصُّبْحَ بِالْوِتْرِ } وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سُلَيْمَانَ بْنِ مُوسَى عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مَرْفُوعًا { إذَا طَلَعَ الْفَجْرُ فَقَدْ ذَهَبَ كُلُّ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالْوِتْرُ فَأَوْتِرُوا قَبْلَ طُلُوعِ الْفَجْرِ } وَقَالَ سُلَيْمَانُ بْنُ مُوسَى قَدْ تَفَرَّدَ بِهِ عَلَى هَذَا اللَّفْظِ انْتَهَى . وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَصَحَّحَ إسْنَادَهُ بِلَفْظِ { فَإِذَا كَانَ الْفَجْرُ فَقَدْ ذَهَبَ كُلُّ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالْوِتْرُ فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَوْتِرُوا قَبْلَ الْفَجْرِ } وَلِأَصْلِ الْحَدِيثِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ طُرُقٌ كَثِيرَةٌ . ( الثَّانِيَةُ ) لَمْ أَقِفْ فِي شَيْءٍ مِنْ طُرُقِ الْحَدِيثِ عَلَى تَعْيِينِ هَذَا السَّائِلِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ شَقِيقٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَجُلًا سَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّائِلِ فَذَكَرَهُ وَفِي آخِرِهِ ثُمَّ سَأَلَهُ رَجُلٌ عَلَى رَأْسِ الْحَوْلِ وَأَنَا بِذَلِكَ الْمَكَانِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَا أَدْرِي هُوَ ذَلِكَ الرَّجُلُ أَوْ رَجُلٌ آخَرُ فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ وَعِنْدَ النَّسَائِيّ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْبَادِيَةِ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ مَثْنَى بِفَتْحِ الْمِيمِ وَإِسْكَانِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَفَتْحِ النُّونِ أَيْ اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ وَهُوَ مَمْنُوعٌ مِنْ الصَّرْفِ لِلْعَدْلِ وَالْوَصْفِ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ حُرَيْثٍ فَقِيلَ لِابْنِ عُمَرَ مَا مَثْنَى مَثْنَى ؟ فَقَالَ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ فَإِنْ قُلْت إذَا كَانَ مَدْلُولُ مَثْنَى اثْنَيْنِ اثْنَيْنِ فَهَلَّا اقْتَصَرَ عَلَى مَرَّةٍ وَاحِدَةٍ وَمَا فَائِدَةُ تَكْرِيرِ ذَلِكَ ؟ قُلْت هُوَ مُجَرَّدُ تَأْكِيدٍ وَقَوْلُهُ مَثْنَى مُحَصِّلٌ لِلْغَرَضِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي نَافِلَةِ اللَّيْلِ أَنْ يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَالْجُمْهُورِ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَعِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَغَيْرِهِمْ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُد وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ وَالْعَمَلُ عَلَى هَذَا عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَابْنِ الْمُبَارَكِ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ انْتَهَى . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعًا أَرْبَعًا وَإِنْ شَاءَ رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شَاءَ سِتًّا وَإِنْ شَاءَ ثَمَانِيًا وَتُكْرَهُ الزِّيَادَةُ عَلَى ذَلِكَ . ( الْخَامِسَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يُزَادُ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ إنَّهُ ظَاهِرُ لَفْظِ الْحَدِيثِ لِأَنَّ الْمُبْتَدَأَ مَحْصُورٌ فِي الْخَبَرِ فَاقْتَضَى ذَلِكَ حَصْرُ صَلَاةِ اللَّيْلِ فِيمَا هُوَ مَثْنَى وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَالْأَكْثَرُونَ إلَى جَوَازِ الزِّيَادَةِ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ عَلَى رَكْعَتَيْنِ وَحَمَلُوا هَذَا الْحَدِيثَ عَلَى أَنَّهُ بَيَانٌ لِلْأَفْضَلِ لَا أَنَّ غَيْرَهُ مُمْتَنِعٌ فَقَدْ صَحَّ مِنْ فِعْلِهِ { صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّهُ كَانَ يُصَلِّي مِنْ اللَّيْلِ ثَلَاثَ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُوتِرُ مِنْ ذَلِكَ بِخَمْسٍ لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي آخِرِهَا } رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِهَا { كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَلَا تَسْأَلْ عَنْ حُسْنِهِنَّ وَطُولِهِنَّ } الْحَدِيثَ وَأَجَابَ بَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ عَنْ هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ بِأَنَّ الْقَوْلَ إذَا عَارَضَهُ الْفِعْلُ قُدِّمَ الْقَوْلُ لِاحْتِمَالِ الْفِعْلِ التَّخْصِيصَ وَيَرُدُّ احْتِمَالَ التَّخْصِيصِ حَدِيثُ أَبِي أَيُّوبَ مَرْفُوعًا { مَنْ شَاءَ أَوْتَرَ بِخَمْسٍ وَمَنْ شَاءَ أُوَتِّر بِثَلَاثٍ وَمَنْ شَاءَ أُوَتِّر بِوَاحِدَةٍ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَصَحَّحَهُ وَأَجَابَ بَعْضُهُمْ أَيْضًا عَنْ الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ بِأَنَّ مَعْنَى قَوْلِهَا لَا يَجْلِسُ فِي شَيْءٍ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ أَيْ جُلُوسَ قِيَامٍ بِمَعْنَى أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّيهِنَّ قَائِمًا إلَّا الرَّكْعَةَ الْأَخِيرَةَ فَيَجْلِسُ فِي مَحَلِّ الْقِيَامِ وَهَذَا تَأْوِيلٌ بَعِيدٌ جِدًّا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِمَفْهُومِهِ عَلَى أَنَّ نَوَافِلَ النَّهَارِ لَا يُسَلِّمُ فِيهَا مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ بَلْ الْأَفْضَلُ أَنْ يُصَلِّيَهَا أَرْبَعًا أَرْبَعًا وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَصَاحِبَاهُ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ وَرَجَّحَ ذَلِكَ بِفِعْلِ ابْنِ عُمَرَ رَاوِي الْحَدِيثِ فَقَدْ صَحَّ عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا أَرْبَعًا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْهُ وَعَنْ نَافِعٍ مَوْلَاهُ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَيَحْيَى وَهُوَ ابْنُ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيُّ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَذَهَبَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي نَوَافِلِ النَّهَارِ أَيْضًا التَّسْلِيمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَالْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَحَمَّادُ بْنُ أَبِي سُلَيْمَانَ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ اللَّيْثِ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَأَبِي ثَوْرٍ وَدَاوُد وَالْمَعْرُوفُ عَنْ أَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ فِي نَوَافِلِ النَّهَارِ تَرْجِيحُ أَرْبَعٍ عَلَى رَكْعَتَيْنِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ بِمَا رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةُ وَابْنُ خُزَيْمَةَ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحَيْهِمَا مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِقِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى } سَكَتَ عَلَيْهِ أَبُو دَاوُد وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ اخْتَلَفَ أَصْحَابُ شُعْبَةَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فَرَفَعَهُ بَعْضُهُمْ وَوَقَفَهُ بَعْضُهُمْ وَقَالَ النَّسَائِيّ : هَذَا الْحَدِيثُ عِنْدِي خَطَأٌ ، وَسُئِلَ الْبُخَارِيُّ عَنْ حَدِيثِ يَعْلَى هَذَا أَصَحِيحٌ هُوَ ؟ فَقَالَ نَعَمْ . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : إنَّهُ خَبَرٌ يُثْبِتُ أَهْلُ الْحَدِيثِ مِثْلَهُ ، حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْخِلَافِيَّاتِ حَدِيثٌ صَحِيحٌ رُوَاتُهُ كُلُّهُمْ ثِقَاتٌ فَقَدْ احْتَجَّ مُسْلِمٌ بِعَلِيِّ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْبَارِقِيِّ الْأَزْدِيِّ وَالزِّيَادَةُ مِنْ الثِّقَةِ مَقْبُولَةٌ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مُضَرَ بْنِ مُحَمَّدٍ قَالَ سَأَلَتْ يَحْيَى بْنَ مَعِينٍ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فَقَالَ صَلَاةُ النَّهَارِ أَرْبَعٌ لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ وَصَلَاةُ اللَّيْلِ رَكْعَتَيْنِ فَقُلْت لَهُ إنَّ أَبَا عَبْدِ اللَّهِ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ يَقُولُ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى فَقَالَ بِأَيِّ حَدِيثٍ ؟ فَقُلْت بِحَدِيثِ شُعْبَةَ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى } فَقَالَ وَمَنْ عَلِيٌّ الْأَسَدِيُّ حَتَّى أَقْبَلَ مِنْهُ هَذَا ، ، أَدَعُ يَحْيَى بْنَ سَعِيدٍ الْأَنْصَارِيَّ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَتَطَوَّعُ بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا لَا يَفْصِلُ بَيْنَهُنَّ وَآخُذُ بِحَدِيثِ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ ، ، لَوْ كَانَ حَدِيثُ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ صَحِيحًا لَمْ يُخَالِفْهُ ابْنُ عُمَرَ قَالَ وَكَانَ شُعْبَةُ يَنْفِي هَذَا الْحَدِيثَ وَرُبَّمَا لَمْ يَرْفَعْهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَحَدِيثُ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ لَا نَكَارَةَ فِيهِ وَلَا مَدْفَعَ لَهُ فِي شَيْءٍ مِنْ الْأُصُولِ لِأَنَّ مَالِكًا قَدْ ذَكَرَ فِي مُوَطَّآتِهِ أَنَّهُ بَلَغَهُ أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ كَانَ يَقُولُ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ عَمْرِو بْنِ الْحَارِثِ عَنْ بُكَيْر بْنِ الْأَشَجِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ ثَوْبَانَ أَنَّهُ سَمِعَ ابْنَ عُمَرَ يَقُولُ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى وَمِنْ الدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُصَلِّي قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَهَا رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَ الْمَغْرِبِ رَكْعَتَيْنِ وَبَعْدَ الْجُمُعَةِ رَكْعَتَيْنِ } وَقَدْ رُوِيَ { قَبْلَ الْعَصْرِ رَكْعَتَيْنِ } وَقَالَ { إذَا دَخَلَ أَحَدُكُمْ الْمَسْجِدَ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ } . { وَكَانَ إذَا قَدِمَ مِنْ سَفَرٍ نَهَارًا صَلَّى رَكْعَتَيْنِ } وَصَلَاةُ الْفِطْرِ وَالْأَضْحَى وَالِاسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَانِ وَهَذِهِ كُلُّهَا صَلَاةُ النَّهَارِ وَمَا أَجْمَعُوا عَلَيْهِ مِنْ هَذَا وَجَبَ رَدُّ مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ إلَيْهِ قِيَاسًا وَنَظَرًا انْتَهَى . وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ رَوَى هَذَا عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَافِعٌ وَطَاوُسٌ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَمْ يَذْكُرْ فِيهَا أَحَدٌ صَلَاةَ النَّهَارِ إلَّا أَنَّ سَبِيلَ الزِّيَادَاتِ أَنْ تُقْبَلَ وَقَدْ { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الضُّحَى يَوْمَ الْفَتْحِ ثَمَانِي رَكَعَاتٍ سَلَّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ } وَصَلَاةُ الْعِيدِ رَكْعَتَانِ وَالِاسْتِسْقَاءِ رَكْعَتَانِ وَهَذِهِ كُلُّهَا مِنْ صَلَاةِ النَّهَارِ انْتَهَى . وَقَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ الْمَحْفُوظُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى } وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا وَإِنَّمَا تُعْرَفُ صَلَاةُ النَّهَارِ عَنْ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَخَالَفَهُ نَافِعٌ وَهُوَ أَحْفَظُ مِنْهُ انْتَهَى . وَأَجَابُوا عَنْ مَفْهُومِ الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ بِجَوَابَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ مَفْهُومُ لَقَبٍ وَلَيْسَ بِحُجَّةٍ عِنْدَ الْأَكْثَرِينَ ( وَثَانِيهِمَا ) أَنَّهُ خَرَجَ جَوَابًا لِسُؤَالِ مَنْ سَأَلَ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَكَأَنَّ التَّقْيِيدَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ لَيُطَابِقَ الْجَوَابُ السُّؤَالَ لَا لِتَقْيِيدِ الْحُكْمِ بِهَا كَيْفَ وَقَدْ تَبَيَّنَ بِرِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ حُكْمَ الْمَسْكُوتِ عَنْهُ وَهُوَ صَلَاةُ النَّهَارِ مِثْلُ حُكْمِ الْمَنْطُوقِ بِهِ وَهُوَ صَلَاةُ اللَّيْلِ وَأَمَّا فِعْلُ رَاوِي الْحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَهُوَ صَلَاتُهُ بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا فَقَدْ عَارَضَهُ قَوْلُهُ { إنَّ صَلَاةَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مَثْنَى مَثْنَى } وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي كَلَامِ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ ثُمَّ إنَّ الْعِبْرَةَ عِنْدَ الْجُمْهُورِ بِمَا رَوَاهُ الصَّحَابَةُ لَا بِمَا رَآهُ وَفَعَلَهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) وَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّ صَلَاةَ النَّهَارِ أَيْضًا مَثْنَى فَلَيْسَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ كَوْنُهَا مَثْنَى بَلْ الْأَفْضَلُ فِيهَا ذَلِكَ وَلَهُ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ رَكَعَاتٍ بِتَسْلِيمَةٍ وَاحِدَةٍ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ الْأَثْرَمُ سَأَلْت أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ عَنْ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ فِي النَّافِلَةِ فَقَالَ أَمَّا الَّذِي أَخْتَارُ فَمَثْنَى مَثْنَى وَإِنْ صَلَّى بِالنَّهَارِ أَرْبَعًا فَلَا بَأْسَ وَأَرْجُو أَنْ لَا يُضَيَّقَ عَلَيْهِ فَذَكَرْت لَهُ حَدِيثَ يَعْلَى بْنِ عَطَاءٍ عَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ فَقَالَ لَوْ كَانَ ذَلِكَ الْحَدِيثُ يَثْبُتُ وَمَعَ هَذَا فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يُصَلِّي فِي تَطَوُّعِهِ بِالنَّهَارِ قَبْلَ الظُّهْرِ رَكْعَتَيْنِ وَرَكْعَتَيْنِ بَعْدَهَا فَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَإِنْ صَلَّى أَرْبَعًا فَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُصَلِّي أَرْبَعًا بِالنَّهَارِ وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي الصَّحِيحُ أَنَّهُ إنْ تَطَوَّعَ فِي النَّهَارِ بِأَرْبَعٍ فَلَا بَأْسَ فَعَلَ ذَلِكَ ابْنُ عُمَرَ وَمَفْهُومُ الْحَدِيثِ الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ الْأَرْبَعِ لَا عَلَى تَفْضِيلِهَا وَأَمَّا حَدِيثُ الْبَارِقِيِّ فَإِنَّهُ تَفَرَّدَ بِزِيَادَةِ لَفَظَّةِ النَّهَارِ مِنْ بَيْنِ سَائِرِ الرُّوَاةِ وَقَدْ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوٌ مِنْ خَمْسَةَ عَشَرَ نَفْسًا لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ أَحَدٌ سِوَاهُ وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُصَلِّي أَرْبَعًا فَيَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى ضَعْفِ رِوَايَتِهِ أَوْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ الْفَضِيلَةُ مَعَ جَوَازِ غَيْرِهِ انْتَهَى . ( الثَّامِنَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى مَنْعِ التَّطَوُّعِ بِرَكْعَةٍ فَرْدَةٍ فِي غَيْرِ الْوِتْرِ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ مَالِكٍ وَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَنْ أَحْمَدَ وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَآخَرِينَ جَوَازُهُ قِيَاسًا عَلَى الْوِتْرِ وَلِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الصَّلَاةُ خَيْرُ مَوْضُوعٍ فَمَنْ شَاءَ اسْتَقَلَّ وَمَنْ شَاءَ اسْتَكْثَرَ } صَحَّحَهُ ابْنُ حِبَّانَ وَالْحَاكِمُ . وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مَرَّ فِي مَسْجِدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرَكَعَ رَكْعَةً وَاحِدَةً ثُمَّ انْطَلَقَ فَلَحِقَهُ رَجُلٌ فَقَالَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ مَا رَكَعْت إلَّا رَكْعَةً وَاحِدَةً قَالَ هُوَ التَّطَوُّعُ فَمَنْ شَاءَ زَادَ وَمَنْ شَاءَ نَقَصَ . ( التَّاسِعَةُ ) فِيهِ حُجَّةٌ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مَنْعِهِ الْوِتْرَ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَالْجُمْهُورُ جَوَازُ الْوِتْرِ بِرَكْعَةٍ فَرْدَةٍ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ عَنْ عُثْمَانَ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَتَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي أَيُّوبَ الْأَنْصَارِيِّ وَمُعَاوِيَةَ وَأَبِي حَلِيمَةَ مُعَاذِ بْنِ الْحَارِثِ الْقَارِئِ قِيلَ إنَّ لَهُ صُحْبَةً وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَكْثَرِ هَؤُلَاءِ وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ وَحُذَيْفَةَ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ وَعُثْمَانَ وَزَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ وَابْنِ الزُّبَيْرِ وَعَائِشَةَ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ قَالَ وَقَالَتْ طَائِفَةٌ يُوتِرُ بِثَلَاثٍ وَمِمَّنْ رَوَيْنَا ذَلِكَ عَنْهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ وَعَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ وَأُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ وَأَنَسُ بْنُ مَالِكٍ وَابْنُ مَسْعُودٍ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو أُمَامَةَ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَبِهِ قَالَ أَصْحَابُ الرَّأْيُ قُلْت وَلَيْسَ فِي كَلَامِ هَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ مَنْعُ الْوِتْرِ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ أَعْجَبُ إلَيَّ ثَلَاثٌ وَأَبَاحَتْ طَائِفَةٌ الْوِتْرَ بِثَلَاثٍ وَخَمْسٍ وَسَبْعٍ وَتِسْعٍ وَإِحْدَى عَشْرَةَ ثُمَّ بَسَطَ ذَلِكَ وَهَذَا مَذْهَبُ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ يَحْصُلُ الْوِتْرُ بِرَكْعَةٍ وَبِثَلَاثٍ وَبِخَمْسٍ وَبِسَبْعٍ وَبِتِسْعٍ وَبِإِحْدَى عَشْرَةَ وَهُوَ أَكْثَرُهُ عَلَى أَصَحِّ الْوَجْهَيْنِ فَإِنْ زَادَ لَمْ يَصِحَّ وِتْرُهُ فَإِنْ أَرَادَ الْإِتْيَانَ بِثَلَاثِ رَكَعَاتٍ فَهَلْ الْأَفْضَلُ فَصْلُهَا بِسَلَامَيْنِ أَوْ وَصْلُهَا بِسَلَامٍ ؟ فِيهِ لِأَصْحَابِنَا أَوْجُهٌ أَصَحُّهَا الْفَصْلُ أَفْضَلُ وَالثَّانِي الْوَصْلُ أَفْضَلُ وَالثَّالِثُ إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَالْفَصْلُ وَإِنْ صَلَّاهَا بِجَمَاعَةٍ فَالْوَصْلُ وَالرَّابِعُ عَكْسُهُ وَهَلْ الثَّلَاثُ الْمَوْصُولَةُ أَفْضَلُ مِنْ رَكْعَةٍ مُفْرَدَةٍ ؟ فِيهِ أَوْجُهٌ ( الصَّحِيحُ ) أَنَّ الثَّلَاثَ أَفْضَلُ . ( وَالثَّانِي ) الْفَرْدَةُ أَفْضَلُ قَالَهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ وَعَلَى هَذَا فَيُقَالُ الْفَرْدَةُ أَفْضَلُ مِنْ إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً مَوْصُولَةً . ( وَالثَّالِثُ ) إنْ كَانَ مُنْفَرِدًا فَالْفَرْدَةُ أَفْضَلُ وَإِنْ كَانَ إمَامًا فَالثَّلَاثُ الْمَوْصُولَةُ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْحَسَنِ وَهُوَ الْبَصْرِيُّ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ ثَلَاثٌ لَا يُسَلِّمُ إلَّا فِي آخِرِهِنَّ وَهَذَا لَا يَصِحُّ عَنْ الْحَسَنِ وَرَاوِيهِ عَنْهُ عَمْرُو بْنُ عُبَيْدٍ الْمُبْتَدَعُ الضَّالُّ وَلَا يُحْفَظُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ التَّابِعِينَ حِكَايَةُ الْإِجْمَاعِ فِي مَسْأَلَةٍ مِنْ الْمَسَائِلِ ؛ سَمِعْت وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُولُ ذَلِكَ . ( الْعَاشِرَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ { تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى } عَلَى أَنَّ الْوِتْرَ لَا يَصِحُّ حَتَّى تَتَقَدَّمَهُ نَافِلَةٌ فَلَوْ صَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ قَبْلَ أَنْ يَتَنَفَّلَ لَمْ يَصِحَّ وِتْرُهُ وَبِهَذَا قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَفِي الْمُدَوَّنَةِ وَلَا يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ لَا شَفْعَ قَبْلَهَا فِي سَفَرٍ أَوْ حَضَرٍ لَكِنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَبِهِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ صِحَّةُ الْوِتْرِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ يُوتِرَ بِهَا نَفْلًا فَقَدْ يُوتِرُ بِهَا فَرْضًا وَهُوَ الْعِشَاءُ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيث أَبِي أَيُّوبَ { وَمَنْ أَحَبَّ أَنْ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ فَلْيَفْعَلْ } وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ صَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ صَلَّى بَعْدَهَا رَكْعَةً . وَإِنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ كَانَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ فَصَلَّى الْعِشَاءَ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى رَكْعَةً أَوْتَرَ بِهَا . وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ لَمَّا فَرَغَ مِنْ الْعِشَاءِ قَالَ لِرَجُلٍ أَلَا أُعَلِّمُك الْوِتْرَ ؟ فَقَالَ بَلَى فَقَامَ فَرَكَعَ رَكْعَةً . وَعَنْ مُعَاوِيَةَ أَنَّهُ صَلَّى الْعِشَاءَ ثُمَّ أَوْتَرَ بِرَكْعَةٍ فَذُكِرَ ذَلِكَ لِابْنِ عَبَّاسٍ فَقَالَ أَصَابَ . ( الْحَادِيَة عَشْرَةَ ) اُسْتُدِلَّ بِقَوْلِهِ { فَلْيُوتِرْ بِوَاحِدَةٍ } عَلَى وُجُوبِ الْوِتْرِ لِلْأَمْرِ بِهِ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لَمْ يَرِدْ ابْتِدَاءً وَإِنَّمَا وَرَدَ بَعْدَ سُؤَالٍ فَلَا يَكُونُ لِلْوُجُوبِ وَقَدْ أُمِرَ قَبْلَهُ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ وَالْحَنَفِيَّةُ لَا يَقُولُونَ بِوُجُوبِهَا ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ } دَلِيلٌ عَلَى خُرُوجِ وَقْتِ الْوِتْرِ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيَّةِ وَالْحَنَفِيَّةِ وَالْجُمْهُورِ إلَّا أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا إنَّمَا يَخْرُجُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَقْتُهُ الِاخْتِيَارِيُّ وَيَبْقَى وَقْتُهُ الضَّرُورِيُّ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ وَقَالَ أَبُو مَصْعَبٍ كَالْجُمْهُورِ يَنْتَهِي وَقْتُهُ بِطُلُوعِ الْفَجْرِ وَلَيْسَ لَهُ وَقْتُ ضَرُورَةٍ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ أَنَّ وَقْتَهُ يَمْتَدُّ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ قَالَ رَوَيْنَا عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ الْوِتْرُ مَا بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَرَوَى الْوِتْرَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ . عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ وَأَبِي الدَّرْدَاءِ وَحُذَيْفَةَ وَعَائِشَةَ قَالَ وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ يُوتِرُ مَا لَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ وَرَخَّصَ الثَّوْرِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ فِي الْوِتْرِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَقَالَ النَّخَعِيّ وَالْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ إذَا صَلَّى الْغَدَاةَ فَلَا يُوتِرُ وَقَالَ أَيُّوبُ السِّخْتِيَانِيُّ وَحُمَيْدَ الطَّوِيلُ إنَّ أَكْثَرَ وِتْرَنَا لَبَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ قُلْت مَا حَكَاهُ عَنْ مَالِكٍ صَحِيحٌ عَنْهُ لُكْنَهُ يَرَى مَا بَعْدَ الْفَجْرِ وَقَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ وَقْتُ ضَرُورَةٍ لَهَا كَمَا تَقَدَّمَ وَكَذَا مَذْهَبُ أَحْمَدَ فَإِنَّهُ سُئِلَ أَلَا يُوتِرُ الرَّجُلُ بَعْدَ مَا يَطْلُعُ الْفَجْرُ ؟ فَقَالَ نَعَمْ وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ أَنْ يَتَعَمَّدَ تَرْكَ الْوِتْرِ حَتَّى يُصْبِحَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { فَإِذَا خَشِيَ أَحَدُكُمْ الصُّبْحَ فَلْيُصَلِّ رَكْعَةً تُوتِرُ لَهُ مَا قَدْ صَلَّى } مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ وَلِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا { مَنْ نَامَ عَنْ الْوِتْرِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إذَا أَصْبَحَ أَوْ ذَكَرَ } رَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ انْتَهَى . وَمَا حَكَاهُ عَنْ الشَّافِعِيِّ لَيْسَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ وَبِهِ الْفَتْوَى وَإِنَّمَا هُوَ قَوْلُهُ فِي الْقَدِيمِ وَحَكَى أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ أَنَّ مَذْهَبَ الشَّافِعِيِّ كَمَذْهَبِ مَالِكٍ فِي أَنَّ وَقْتَ ضَرُورَتِهِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بَعْدَ ذِكْرِهِ امْتِدَادَهُ إلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ وَهُوَ الصَّوَابُ عِنْدِي لِأَنِّي لَا أَعْلَمُ لِهَؤُلَاءِ الصَّحَابَةِ مُخَالِفًا مِنْ الصَّحَابَةِ فَدَلَّ إجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْحَدِيثِ فِي مُرَاعَاةِ طُلُوعِ الْفَجْرِ أُرِيدَ بِهِ مَا لَمْ يُصَلِّ صَلَاةَ الْفَجْرِ وَيُحْتَمَلُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ لِمَنْ قَصَدَهُ وَاعْتَمَدَهُ وَأَمَّا مَنْ نَامَ عَنْهُ حَتَّى انْفَجَرَ الصُّبْحُ وَأَمْكَنَهُ أَنْ يُصَلِّيَهُ مَعَ الصُّبْحِ قَبْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ فَلَيْسَ مِمَّنْ أُرِيدَ بِذَلِكَ الْخِطَابِ انْتَهَى . ثُمَّ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَفِيهِ قَوْلٌ ثَالِثٌ وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَ الْوِتْرَ وَإِنْ صَلَّى الصُّبْحَ هَذَا قَوْلُ طَاوُسٍ وَكَانَ النُّعْمَانُ يَقُولُ عَلَيْهِ قَضَاءُ الْوِتْرِ وَإِنْ صَلَّى الْفَجْرَ إذَا لَمْ يَكُنْ أَوْتَرَ وَفِيهِ قَوْلٌ رَابِعٌ وَهُوَ أَنْ يُصَلِّيَ الْوِتْرَ وَإِنْ طَلَعَتْ الشَّمْسُ رُوِيَ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ عَطَاءٍ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ وَالشَّعْبِيِّ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ وَبِهِ قَالَ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ وَقَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ مَنْ فَاتَهُ الْوِتْرُ يُوتِرُ بِوَاحِدَةٍ مِنْ النَّافِلَةِ وَهَذَا قَوْلٌ خَامِسٌ انْتَهَى . وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ الْأَخِيرَةُ الظَّاهِرُ أَنَّهَا إنَّمَا هِيَ فِي صَلَاةِ الْوِتْرِ قَضَاءً وَمَا أَرَادَ قَائِلُوهَا اسْتِمْرَارَ وَقْتِهَا إلَى ذَلِكَ الْحَدِّ أَدَاءً وَفِي عِبَارَةِ بَعْضِهِمْ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ وَمَنْ لَمْ يُصَرِّحْ بِهِ مِنْهُمْ فَعِبَارَتُهُ مَحْمُولَةٌ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ . وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ مَرْفُوعًا { مَنْ نَامَ عَنْ وِتْرِهِ أَوْ نَسِيَهُ فَلْيُصَلِّهِ إذَا ذَكَرَهُ } . قَالَ وَهَذَا الظَّاهِرُ يَقْتَضِي أَنَّهُ يُقْضَى دَائِمًا كَالْفَرْضِ وَلَمْ أَرَ قَائِلًا بِهِ قُلْت هُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْحَافِظُ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ عَلَى امْتِنَاعِ التَّنَفُّلِ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ بِغَيْرِ رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ ، قَالَ : إذْ لَوْ كَانَ التَّنَفُّلُ بَعْدَ الْفَجْرِ مُبَاحًا لَمَا كَانَ لِخَشْيَةِ الصُّبْحِ مَعْنًى قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بَلْ لَهُ مَعْنًى صَحِيحٌ هُوَ الْمَقْصُودُ مِنْ الْحَدِيثِ وَهُوَ أَنْ يُوقِعَ الْوِتْرَ قَبْلَ خُرُوجِ وَقْتِهِ وَلَا يُؤَخِّرَهُ حَتَّى يَطْلُعَ الْفَجْرُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَقِبَهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ { وَاجْعَلْ آخَرَ صَلَاتِك وِتْرًا } . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ تَأْخِيرُ الْوِتْرِ فَإِنَّهُ أَمَرَ بِفِعْلِهِ عِنْدَ خَشْيَةِ الصُّبْحِ وَذَلِكَ فِي آخِرِ وَقْتِهِ وَهُوَ كَذَلِكَ فِيمَنْ وَثِقَ مِنْ نَفْسِهِ بِالِاسْتِيقَاظِ آخِرَ اللَّيْلِ فَإِنْ لَمْ يَثِقْ بِالِاسْتِيقَاظِ فَتَعْجِيلُهُ قَبْلَ النَّوْمِ أَفْضَلُ كَذَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحَيْ مُسْلِمٍ وَالْمُهَذَّبِ وَهُوَ مُقَيِّدٌ لِمَا أَطْلَقَهُ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي حَقِّ مَنْ لَا تَهَجُّدَ لَهُ الْإِتْيَانُ بَعْدَ فَرِيضَةِ الْعِشَاءِ وَرَاتِبَتِهَا فَيُقَالُ مَحَلُّ ذَلِكَ فِيمَا إذَا لَمْ يَثِقْ بِالِاسْتِيقَاظِ آخِرَ اللَّيْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) ذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الْوِتْرَ وَتَهَجُّدَ اللَّيْلِ يَنْقَسِمُ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَجْهًا أَيَّهَا فَعَلَ أَجْزَأَهُ قَالَ وَأَفْضَلُهَا أَنْ يُصَلِّيَ ثِنْتَيْ عَشْرَةَ رَكْعَةً يُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُصَلِّيَ رَكْعَةً وَاحِدَةً وَيُسَلِّمَ إلَى أَنْ قَالَ وَالتَّاسِعُ أَنْ يُصَلِّيَ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ يَتَشَهَّدَ وَيُسَلِّمَ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ يُوتِرَ بِوَاحِدَةٍ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { صَلَاةُ اللَّيْلِ مَثْنَى مَثْنَى فَإِذَا خَشِيت الصُّبْحَ فَأَوْتِرْ بِوَاحِدَةٍ } فَفُهِمَ أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا اللَّفْظِ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَرْبَعِ رَكَعَاتٍ وَلَيْسَ كَذَلِكَ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ أَنَّهُ يُسَلِّمُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ فِي هَذَا الْعَدَدِ وَلِهَذَا عَقَّبَهُ بِقَوْلِهِ فَإِذَا خَشِيت الصُّبْحَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ يُصَلِّي مِنْ غَيْرِ حَصْرٍ بِحَسَبِ مَا يَتَيَسَّرُ لَهُ مِنْ الْعَدَدِ إلَّا أَنَّهُ يَكُونُ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ وَهُوَ السَّلَامُ مِنْ كُلِّ رَكْعَتَيْنِ إلَّا أَنْ يَخْشَى الصُّبْحَ فَيَضِيقَ حِينَئِذٍ وَقْتُ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَيَتَعَيَّنَ الْإِتْيَانُ بِآخِرِهَا وَخَاتِمَتِهَا وَهُوَ الْوِتْرُ وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَهِمَهُ مِنْهُ جَمِيعُ النَّاسِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) مُقْتَضَاهُ أَنْ يَكُونَ الْوِتْرُ آخِرَ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَلَوْ أَوْتَرَ ثُمَّ أَرَادَ التَّنَفُّلَ لَمْ يَشْفَعْ وِتْرَهُ عَلَى الصَّحِيحِ الْمَشْهُورِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَقِيلَ يَشْفَعُهُ بِرَكْعَةٍ ثُمَّ يُصَلِّي وَإِذَا لَمْ يَشْفَعْهُ فَهَلْ يُعِيدُ الْوِتْرَ آخِرًا ؟ فِيهِ خِلَافٌ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ لَا يُعِيدُهُ لِحَدِيثِ { لَا وِتْرَانِ فِي لَيْلَةٍ } . وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ وَيَضْرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ عَلَيْك لَيْلًا طَوِيلًا فَارْقُدْ فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ } الْحَدِيثُ الثَّانِي ) وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ إذَا هُوَ نَامَ ثَلَاثَ عُقَدٍ وَيَضْرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ عَلَيْك لَيْلًا طَوِيلًا فَارْقُدْ فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ تَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسَ كَسْلَانَ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ السِّتَّةُ خَلَا التِّرْمِذِيَّ فَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَأَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْهُ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { يَعْقِدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ بِاللَّيْلِ بِحَبْلٍ فِيهِ ثَلَاثُ عُقَدٍ فَإِنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِذَا قَامَ فَتَوَضَّأَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ فَإِذَا قَامَ إلَى الصَّلَاةِ انْحَلَّتْ عُقَدُهُ كُلُّهَا فَيُصْبِحُ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ قَدْ أَصَابَ خَيْرًا وَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ أَصْبَحَ كَسِلًا خَبِيثَ النَّفْسِ لَمْ يُصِبْ خَيْرًا } . ( الثَّانِيَةُ ) قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَمَّا عُقَدُ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ ابْنِ آدَمَ إذَا رَقَدَ فَلَا يُوصَلُ إلَى كَيْفِيَّتِهِ وَأَظُنُّهُ مَجَازًا كِنَايَةً عَنْ حَبْسِ الشَّيْطَانِ وَتَثْبِيطِهِ لِلْإِنْسَانِ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ وَعَمَلِ الْبِرِّ وَقِيلَ إنَّهَا كَعُقَدِ السِّحْرِ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ { النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ } وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ قَالَ الْمُهَلَّبُ قَدْ فَسَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعْنَى الْعَقْدِ وَهُوَ قَوْلُهُ { عَلَيْك لَيْلٌ طَوِيلٌ فَارْقُدْ } فَكَأَنَّهُ يَقُولُهَا إذَا أَرَادَ النَّائِمُ الِاسْتِيقَاظَ إلَى حِزْبِهِ فَيَعْتَقِدُ فِي نَفْسِهِ أَنَّهُ بَقِيَتْ مِنْ اللَّيْلِ بَقِيَّةٌ طَوِيلَةٌ حَتَّى يَرُومَ بِذَلِكَ إتْلَافَ سَاعَاتِ لَيْلِهِ وَتَفْوِيتَ حِزْبِهِ فَإِذَا ذَكَرَ اللَّهَ انْحَلَّتْ عُقْدَةٌ أَيْ عَلِمَ إنَّهُ قَدْ مَرَّ مِنْ اللَّيْلِ طَوِيلٌ وَأَنَّهُ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ طَوِيلٌ فَإِذَا قَامَ فَتَوَضَّأَ اسْتَبَانَ لَهُ ذَلِكَ أَيْضًا وَانْحَلَّ مَا كَانَ عَقَدَ فِي نَفْسِهِ مِنْ الْغُرُورِ وَالِاسْتِدْرَاجِ فَإِذَا صَلَّى وَاسْتَقْبَلَ الْقِبْلَةَ انْحَلَّتْ الْعُقْدَةُ الثَّالِثَةُ لِأَنَّهُ لَمْ يُصْغِ إلَى قَوْلِهِ وَيَئِسَ الشَّيْطَانُ مِنْهُ وَالْقَافِيَةُ هِيَ مُؤَخِّرُ الرَّأْسِ وَفِيهِ الْعَقْلُ وَالْفَهْمُ فَعَقْدُهُ فِيهِ إثْبَاتُهُ فِي فَهْمِهِ أَنَّهُ بَقِيَ عَلَيْهِ لَيْلٌ طَوِيلٌ ثُمَّ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَرَأَيْت لِبَعْضِ مَنْ فَسَّرَ هَذَا الْحَدِيثَ قَالَ الْعُقَدُ الثَّلَاثُ هِيَ الْأَكْلُ وَالشُّرْبُ وَالنَّوْمُ وَقَالَ أَلَا تَرَى أَنَّ مَنْ أَكْثَرَ الْأَكْلَ وَالشُّرْبَ أَنَّهُ يَكْثُرُ نَوْمُهُ لِذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِصِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ وَبِمَا أَرَادَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ مِنْ ذَلِكَ وَقَالَ النَّوَوِيُّ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْعُقَدِ فَقِيلَ هُوَ عَقْدٌ حَقِيقِيٌّ بِمَعْنَى عُقَدِ السِّحْرِ لِلْإِنْسَانِ وَمَنْعِهِ مِنْ الْقِيَامِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَمِنْ شَرِّ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ } فَعَلَى هَذَا هُوَ قَوْلٌ يَقُولُهُ يُؤَثِّرُ فِي تَثْبِيطِ النَّائِمِ كَتَأْثِيرِ السِّحْرِ وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فِعْلًا يَفْعَلُهُ كَفِعْلِ النَّفَّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ وَقِيلَ هُوَ مِنْ عَقْدِ الْقَلْبِ وَتَصْمِيمِهِ فَكَأَنَّهُ يُوَسْوِسُ فِي نَفْسِهِ وَيُحَدِّثُهُ بِأَنَّ عَلَيْكَ لَيْلًا طَوِيلًا فَتَأَخَّرْ عَنْ الْقِيَامِ وَقِيلَ هُوَ مَجَازٌ كُنِّيَ بِهِ عَنْ تَثْبِيطِ الشَّيْطَانِ عَنْ قِيَامِ اللَّيْلِ انْتَهَى . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْمَعْنَى الْمَحْكِيَّ عَنْ الْمُهَلَّبِ وَإِنَّمَا خَصَّ الْعُقَدَ بِثَلَاثٍ لِأَنَّ أَغْلَبَ مَا يَكُونُ انْتِبَاهُ النَّائِمِ فِي السَّحَرِ فَإِنْ اتَّفَقَ لَهُ أَنْ يَسْتَيْقِظَ وَيَرْجِعَ إلَى النَّوْمِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ لَمْ تُنْقَضْ النَّوْمَةُ الثَّالِثَةُ فِي الْغَالِبِ إلَّا وَالْفَجْرُ قَدْ طَلَعَ انْتَهَى . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ أَرَادَ تَثْقِيلَهُ فِي النَّوْمِ وَإِطَالَتَهُ فَكَأَنَّهُ قَدْ شَدَّ عَلَيْهِ شِدَادًا وَعَقَدَهُ ثَلَاثَ عُقَدٍ . ( الثَّالِثَةُ ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِالشَّيْطَانِ هُنَا جِنْسُ الشَّيْطَانِ وَلَا يُرَادُ بِذَلِكَ الشَّيْطَانُ الْأَكْبَرُ وَهُوَ إبْلِيسُ . ( الرَّابِعَةُ ) ذَكَرَ صَاحِبُ الصِّحَاحِ وَالْمُحْكَمِ وَالْمَشَارِقِ وَالنِّهَايَةِ أَنَّ الْقَافِيَةَ الْقَفَا ثُمَّ قَالَ فِي النِّهَايَةِ وَقِيلَ قَافِيَةُ الرَّأْسِ مُؤَخِّرُهُ وَقِيلَ وَسَطُهُ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ الْقَافِيَةُ آخِرُ الرَّأْسِ وَقَافِيَةُ كُلِّ شَيْءٍ آخِرُهُ وَمِنْهُ قَافِيَةُ الشَّعْرِ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ الْقَافِيَةُ مُؤَخَّرُ الرَّأْسِ وَفِيهِ الْعَقْلُ وَالْفَهْمُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ وَيَضْرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ ، لَمْ أَرَ مَنْ تَعَرَّضَ لِلْكَلَامِ عَلَيْهِ وَيَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ . ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ مَعْنَاهُ أَنَّهُ يَضْرِبْ بِيَدِهِ عَلَى مَكَانِ الْعُقَدِ تَأْكِيدًا لَهَا وَإِحْكَامًا أَوْ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ تَمَامِ سِحْرِهِ وَفِي فِعْلِهِ ذَلِكَ خُصُوصِيَّةٌ وَلَهُ تَأْثِيرٌ يَعْلَمُهُ هُوَ . ( ثَانِيهِمَا ) أَنَّ الضَّرْبَ هُنَا كِنَايَةٌ عَنْ حِجَابٍ يَصْنَعُهُ فِي ذَلِكَ الْمَوْضِعِ يَمْنَعُ وُصُولَ الْحِسِّ إلَى ذَلِكَ النَّائِمِ حَتَّى لَا يَسْتَيْقِظَ وَمِنْهُ الْحَدِيثُ الْآخَرُ { فَضَرَبَ عَلَى آذَانِهِمْ } قَالُوا فِيهِ هُوَ كِنَايَةٌ عَنْ النَّوْمِ وَمَعْنَاهُ حَجْبُ الصَّوْتِ وَالْحِسِّ أَنْ يَلِجَا آذَانَهُمْ فَيَنْتَبِهُوا فَكَأَنَّهَا قَدْ ضُرِبَ عَلَيْهَا حِجَابٌ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ { عَلَيْك لَيْلًا طَوِيلًا } كَذَا هُوَ فِي رِوَايَتِنَا مِنْ مُوَطَّإِ أَبُو مُصْعَبٍ بِالنَّصْبِ عَلَى الْإِغْرَاءِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ كَذَا هُوَ فِي مُعْظَمِ نُسَخِ بِلَادِنَا لِصَحِيحِ مُسْلِمٍ وَكَذَا نَقَلَهُ الْقَاضِي عَنْ رِوَايَةِ الْأَكْثَرِينَ وَرَوَاهُ بَعْضُهُمْ { عَلَيْك لَيْلٌ طَوِيلٌ } بِالرَّفْعِ أَيْ بَقِيَ عَلَيْك لَيْلٌ طَوِيلٌ وَرَجَّحَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هَذِهِ الرِّوَايَةَ فَقَالَ رِوَايَتُنَا الصَّحِيحَةُ عَلَيْك لَيْلٌ طَوِيلٌ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَالْخَبَرِ وَوَقَعَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ { عَلَيْك لَيْلًا طَوِيلًا } عَلَى الْإِغْرَاءِ وَالْأَوَّلُ أَوْلَى مِنْ جِهَةِ الْمَعْنَى لِأَنَّهُ الْأَمْكَنُ فِي الْغُرُورِ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ يُخْبِرُهُ عَنْ طُولِ اللَّيْلِ ثُمَّ يَأْمُرُهُ بِالرُّقَادِ بِقَوْلِهِ فَارْقُدْ وَإِذَا نُصِبْ عَلَى الْأَغْرَاءِ لَمْ يَكُنْ فِيهِ إلَّا الْأَمْرُ بِمُلَازَمَةِ طُولِ الرُّقَادِ وَحِينَئِذٍ يَكُونُ قَوْلُهُ فَارْقُدْ ضَائِعًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ انْتَهَى وَعَلَى كُلِّ تَقْدِيرٍ فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ مَعْمُولٌ لِقَوْلٍ مَحْذُوفٍ أَيْ يَقُولُ الشَّيْطَانُ لِلنَّائِمِ هَذَا الْكَلَامَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ لَيْلًا طَوِيلًا مَنْصُوبٌ عَلَى الظَّرْفِ أَيْ يَضْرِبُ مَكَانَ كُلِّ عُقْدَةٍ فِي لَيْلٍ طَوِيلٍ وَقَوْلُهُ عَلَيْك يَحْتَمِلُ حِينَئِذٍ أَنْ يَكُونَ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ يَضْرِبُ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ صِفَةً لِكُلِّ عُقْدَةٍ وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ { يَضْرِبُ عَلَى كُلِّ عُقْدَةٍ لَيْلًا طَوِيلًا } أَيْ اُرْقُدْ ( السَّابِعَةُ ) فِيهِ الْحَثُّ عَلَى ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ وَجَاءَتْ فِيهِ أَذْكَارٌ مَخْصُوصَةٌ مَشْهُورَةٌ فِي الصَّحِيحِ مِنْهَا حَدِيثُ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ { مَنْ تَعَارَّ مِنْ اللَّيْلِ فَقَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَحْدَهُ لَا شَرِيكَ لَهُ لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسُبْحَانَ اللَّهِ وَاَللَّهُ أَكْبَرُ وَلَا حَوْلَ وَلَا قُوَّةَ إلَّا بِاَللَّهِ ثُمَّ قَالَ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي أَوْ دَعَا اُسْتُجِيبَ لَهُ فَإِنْ تَوَضَّأَ قُبِلَتْ صَلَاتُهُ } وَلَا يَتَعَيَّنُ لِتَحْصِيلِ هَذَا الْمَقْصُودِ ذِكْرٌ لَكِنَّ الْأَذْكَارَ الْمَأْثُورَةَ فِيهِ أَفْضَلُ ( الثَّامِنَةُ ) وَفِيهِ التَّحْرِيضُ عَلَى الْوُضُوءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَهُوَ كَوْنُهُ تَنْحَلُّ بِهِ إحْدَى عُقَدِ الشَّيْطَانِ وَإِنْ لَمْ تَنْضَمَّ إلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ صَلَاةٌ . ( التَّاسِعَةُ ) الظَّاهِرُ أَنَّ التَّيَمُّمَ بِشَرْطِهِ يَقُومُ مَقَامَ الْوُضُوءِ فِي ذَلِكَ . ( الْعَاشِرَةُ ) الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ عَلَيْهِ غُسْلٌ لَمْ تَنْحَلَّ عُقْدَةُ الشَّيْطَانِ بِمُجَرَّدِ الْوُضُوءِ حَتَّى يَغْتَسِلَ لِأَنَّهُ لَا يَتَمَكَّنُ مِنْ الصَّلَاةِ بِمُجَرَّدِ الْوُضُوءِ وَإِنَّمَا اقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْوُضُوءِ فِي الْحَدِيثِ لِأَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الْجَنَابَةِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { فَإِنْ صَلَّى انْحَلَّتْ عُقَدُهُ } رُوِيَ بِفَتْحِ الْقَافِ عَلَى الْجَمْعِ وَبِإِسْكَانِهَا عَلَى الْإِفْرَادِ كَاللَّتَيْنِ قَبْلَهُمَا وَالْأَوَّلُ هُوَ الْمَشْهُورُ وَهُوَ الَّذِي ضَبَطْنَاهُ عَنْ شَيْخِنَا وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَيَدُلُّ لَهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { الْعُقَدُ } وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ { الْعُقَدُ كُلُّهَا } وَنَقَلَ ` ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الثَّانِي وَعَلَى الْأَوَّلِ فَالْمُرَادُ أَنَّهُ انْحَلَّ بِالصَّلَاةِ تَمَامُ عُقَدِهِ فَإِنَّهُ قَدْ انْحَلَّ بِالذِّكْرِ وَالْوُضُوءِ اثْنَانِ مِنْهَا وَمَا بَقِيَ إلَّا وَاحِدَةٌ فَإِذَا صَلَّى انْحَلَّتْ تِلْكَ الْوَاحِدَةُ وَحَصَلَ حِينَئِذٍ تَمَامُ انْحِلَالِ الْمَجْمُوعِ وَهُوَ نَظِيرُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ نِصْفَ اللَّيْلِ وَمَنْ صَلَّى الصُّبْحَ فِي جَمَاعَةٍ فَكَأَنَّمَا قَامَ اللَّيْلَ كُلَّهُ } وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ فَضِيلَةُ الصَّلَاةِ بِاللَّيْلِ وَإِنْ قَلَّتْ لَكِنْ هَلْ يَحْصُلُ انْحِلَالُ عُقْدَةِ الشَّيْطَانُ الْأَخِيرَةِ بِمُجَرَّدِ الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ أَوْ بِتَمَامِهَا ؟ الظَّاهِرُ الثَّانِي فَإِنَّهُ لَوْ أَفْسَدَهَا قَبْلَ تَمَامِهَا لَمْ يَحْصُلْ بِذَلِكَ غَرَضٌ وَرَأَيْت وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ لَمَّا سُئِلَ عَنْ الْحِكْمَةِ فِي افْتِتَاحِ صَلَاةِ اللَّيْلِ بِرَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ أَجَابَ عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ الْحِكْمَةَ فِيهِ اسْتِعْجَالُ حَلِّ عُقَدِ الشَّيْطَانِ وَهُوَ مَعْنًى حَسَنٌ بَدِيعٌ وَمُقْتَضَاهُ مَا رَجَّحْته مِنْ أَنَّهُ لَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِتَمَامِ الصَّلَاةِ وَلَا يَخْدِشُ فِي هَذَا الْمَعْنَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَزَّهٌ عَنْ عَقْدِ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَتِهِ لِأَنَّا نَقُولُ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَعَلَ ذَلِكَ تَشْرِيعًا لِأُمَّتِهِ لِيَقْتَدُوا بِهِ فَيَحْصُلَ لَهُمْ هَذَا الْمَقْصُودُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَابُ عَقْدِ الشَّيْطَانُ عَلَى قَافِيَةِ الرَّأْسِ إذَا لَمْ يُصَلِّ بِاللَّيْلِ ، وَقَدْ أَنْكَرَ عَلَيْهِ الْمَازِرِيُّ فِي ذَلِكَ وَقَالَ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ أَنَّهُ يَعْقِدُ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِهِ وَإِنْ صَلَّى بَعْدَهُ وَإِنَّمَا تَنْحَلُّ عُقَدُهُ بِالذِّكْرِ وَالْوُضُوءِ وَالصَّلَاةِ قَالَ وَيُتَأَوَّلُ كَلَامُ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَرَادَ أَنَّ اسْتِدَامَةَ الْعَقْدِ إنَّمَا تَكُونُ عَلَى مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ وَجَعَلَ مَنْ صَلَّى وَانْحَلَّتْ عُقَدُهُ كَمَنْ لَا يُعْقَدُ عَلَيْهِ لِزَوَالِ أَثَرِهِ قُلْت مَا أُوِّلَ عَلَيْهِ كَلَامُ الْبُخَارِيِّ وَاضِحٌ وَيُمْكِنُ حَمْلُهُ عَلَى وَجْهٍ آخَرَ وَهُوَ إنْ أَرَادَ أَنَّ الشَّيْطَانَ إنَّمَا يَعْقِدُ عَلَى رَأْسِ مَنْ لَمْ يُصَلِّ الْعِشَاءَ فَإِنْ اسْتَيْقَظَ وَصَلَّى الْعِشَاءَ انْحَلَّتْ الْعُقَدُ وَإِلَّا اسْتَمَرَّتْ أَمَّا مَنْ صَلَّى الْعِشَاءَ فَقَدْ قَامَ بِمَا عَلَيْهِ فَلَا يَتَسَلَّطُ عَلَيْهِ الشَّيْطَانُ وَلَا يَعْقِدُ عَلَى قَافِيَتِهِ شَيْئًا وَيُوَافِقُ ذَلِكَ أَنَّ الطَّحَاوِيَّ حَمَلَ قَوْلَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { فِيمَنْ نَامَ لَيْلَهُ كُلَّهُ حَتَّى أَصْبَحَ ذَاكَ رَجُلٌ بَالَ الشَّيْطَانُ فِي أُذُنِهِ } ، عَلَى أَنَّهُ نَامَ عَنْ صَلَاةِ الْعِشَاءِ حَتَّى انْقَضَى اللَّيْلُ كُلُّهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ مِنْ السَّلَفِ قَوْمًا كَانُوا يَنَامُونَ قَبْلَ الْعِشَاءِ وَيُصَلُّونَهَا فِي وَقْتِهَا ثُمَّ حَكَى عَنْ الْحَكَمِ قَالَ كَانُوا يَنَامُونَ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يَرْقُدْ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَيُوَكِّلُ مَنْ يُوقِظُهُ . وَعَنْ سُرِّيَّةٍ لِعَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ رُبَّمَا أَغْفَى قَبْلَ الْعِشَاءِ وَرُوِيَ إنَّهُ مَا كَانَتْ نَوْمَةٌ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ نَوْمَةٍ بَعْدَ الْعِشَاءِ قَبْلَ صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَذَكَرَ إبَاحَةَ النَّوْمِ قَبْلَ الْعِشَاءِ عَنْ الْأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ وَعُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَعَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَابْنِ سِيرِينَ ذَكَرَهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْهُمْ وَهَذَا كُلُّهُ عَنْهُمْ عَلَى أَنَّهُمْ كَانُوا يُصَلُّونَ الْعِشَاءَ فِي وَقْتِهَا أَوْ مَعَ الْجَمَاعَةِ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَيُخَالِفُ هَذَا التَّأْوِيلَ الَّذِي ذَكَرْته فِي كَلَامِ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ أَوْرَدَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَذَلِكَ مُنَافٍ لِحَمْلِهِ عَلَى صَلَاةِ الْعِشَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ وَمَالَ الْبُخَارِيُّ إلَى وُجُوبِهَا وَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { يَعْقِدْ الشَّيْطَانِ عَلَى قَافِيَةِ رَأْسِ أَحَدِكُمْ } الْحَدِيثَ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَهَذِهِ الْعُقْدَةُ تَنْحَلُّ بِصَلَاتِهِ الصُّبْحَ وَيَكُونُ فِي ذِمَّةِ اللَّهِ كَمَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ بَيَّنَتْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا الْأَمْرَ غَايَةَ الْبَيَانِ فَقَالَتْ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ إنَّ قِيَامَ اللَّيْلَ مَنْسُوخٌ قَالَتْ عَائِشَةُ فِيهِ { أَنَّ اللَّهَ افْتَرَضَ قِيَامَ اللَّيْلِ فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ تَعْنِي الْمُزَّمِّلَ فَقَامَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَوْلًا وَأَمْسَكَ اللَّهُ خَاتِمَتَهَا فِي السَّمَاءِ اثْنَيْ عَشَرَ شَهْرًا حَتَّى أَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِي آخِرِ السُّورَةِ التَّخْفِيفَ فَصَارَ قِيَامُ اللَّيْلِ تَطَوُّعًا بَعْدَ الْفَرِيضَةِ } انْتَهَى . وَهُنَا أُمُورٌ : ( أَحَدُهَا ) مَا ادَّعَاهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَلَى الْبُخَارِيِّ مِنْ مِيلِهِ إلَى الْوُجُوبِ وَتَعَلُّقُهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَيْسَ كَمَا ذَكَرَهُ فَإِنَّ التَّبْوِيبَ لَيْسَ فِيهِ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ وَقَدْ أَوْرَدَ فِيهِ حَدِيثَيْنِ أَحَدُهُمَا هَذَا الْحَدِيثُ وَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِلْوُجُوبِ فَإِنَّ عَقْدَ الشَّيْطَانِ عَلَى رَأْسِ النَّائِمِ لَا يُنْسَبُ إلَيْهِ وَلَا يُؤَاخَذُ بِهِ فَإِنَّهُ لَيْسَ لَهُ فِيهِ صُنْعٌ وَلَا تَسَبُّبٌ وَالْحَدِيثُ الْآخَرُ حَدِيثُ سَمُرَةَ : { أَمَّا الَّذِي يَثْلَغُ رَأْسَهُ بِالْحَجَرِ فَإِنَّهُ يَأْخُذُ الْقُرْآنَ فَيَرْفُضُهُ وَيَنَامُ عَنْ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ } وَهَذَا لَا تَعَلُّقَ لَهُ أَيْضًا بِصَلَاةِ اللَّيْلِ وَقَدْ صَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّ الذَّمَّ عَلَى نَوْمِهِ عَنْ الصَّلَاةِ الْمَكْتُوبَةِ . ( ثَانِيهَا ) مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ مِنْ حَمْلِ الصَّلَاةِ الَّتِي تَنْحَلُّ بِهَا عُقْدَةُ الشَّيْطَانُ عَلَى صَلَاةِ الصُّبْحِ لَا بَأْسَ بِهِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ فِي رِوَايَةِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ { فَإِنْ أَصْبَحَ وَلَمْ يُصَلِّ الصُّبْحَ أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ } الْحَدِيثَ وَيُوَافِقُ ذَلِكَ كَلَامَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فَإِنَّهُ قَالَ : فِيهِ الْإِخْبَارُ عَنْ حَالِ مَنْ لَمْ يَقُمْ إلَى صَلَاتِهِ وَضَيَّعَهَا حَتَّى خَرَجَ وَقْتُهَا ثُمَّ قَالَ أَمَّا مَنْ كَانَتْ عَادَتُهُ الْقِيَامُ إلَى صَلَاتِهِ الْمَكْتُوبَةِ أَوْ إلَى نَافِلَتِهِ مِنْ اللَّيْلِ فَغَلَبَتْهُ عَيْنُهُ فَقَدْ جَاءَ عَنْهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَنَّهُ يُكْتَبُ لَهُ أَجْرُ صَلَاتِهِ وَنَوْمِهِ صَدَقَةً عَلَيْهِ } وَقَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ { اللَّهُ يُتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا } الْآيَةَ وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ قَبَضَ أَرْوَاحَنَا وَلَوْ شَاءَ لَرَدَّهَا إلَيْنَا وَقَالَ لَهُ بِلَالٌ أَخَذَ بِنَفْسِي الَّذِي أَخَذَ بِنَفْسِك } وَفِي هَذَا كُلِّهِ الْعُذْرُ الْبَيِّنُ وَالْمَخْرَجُ الْوَاسِعُ لِمَنْ غَلَبَهُ نَوْمُهُ عَلَى صَلَاتِهِ ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ إنَّ الْحَدِيثَ نَدَبَ إلَى قِيَامِ اللَّيْلِ وَالِاسْتِغْفَارِ بِالْأَسْحَارِ وَأَقَلُّ أَحْوَالِهِ أَنْ يَكُونَ نَدْبًا إلَى أَنْ لَا يَطْلُعَ الْفَجْرُ عَلَى الْمُؤْمِنِ إلَّا وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهَ وَتَأَهَّبَ بِالْوُضُوءِ لِلصَّلَاةِ انْتَهَى . وَقَدْ ظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّهُ قَدْ حَصَلَ التَّرَدُّدُ فِي الصَّلَاةِ الْمُرَادَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ هَلْ هِيَ الْعِشَاءُ أَوْ الصُّبْحُ أَوْ تَهَجُّدُ اللَّيْلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( ثَالِثُهَا ) أَطْلَقَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ الْخِلَافَ فِي وُجُوبِ صَلَاةِ اللَّيْلِ وَقَيَّدَ بَعْضُهُمْ الْقَوْلَ بِالْوُجُوبِ بِأَهْلِ الْقُرْآنِ فَذَكَرَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ إِسْحَاقَ بْنِ رَاهْوَيْهِ أَنَّهُ قَالَ إنَّمَا قِيَامُ اللَّيْلِ عَلَى أَصْحَابِ الْقُرْآنِ وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ فِي كِتَابِ قِيَامِ اللَّيْلِ أَنَّهُ قِيلَ لِلْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ مَا يَقُولُ فِي رَجُلٍ قَدْ اسْتَظْهَرَ الْقُرْآنَ عَنْ ظَهْرِ قَلْبِهِ وَلَا يَقُومُ بِهِ إنَّمَا يُصَلِّي الْمَكْتُوبَةَ فَقَالَ لَعَنَ اللَّهُ ذَاكَ ، إنَّمَا يَتَوَسَّدُ الْقُرْآنَ قِيلَ لَهُ قَالَ اللَّهُ { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } قَالَ نَعَمْ وَلَوْ خَمْسِينَ آيَةً وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ نَصْرٍ الْمَرْوَزِيِّ وَيُقَالُ لِمَنْ أَوْجَبَ الْقِيَامَ بِاللَّيْلِ فَرْضًا بِأَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ احْتِجَاجًا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنْهُ } خَبَرُنَا عَنْهُ إذَا لَمْ يَخِفَّ عَلَيْهِ وَلَمْ يَتَيَسَّرْ أَنْ يَقْرَأَ بِشَيْءٍ هَلْ يُوجَبُ عَلَيْهِ أَنَّهُ يَتَكَلَّفُ ذَلِكَ إنْ لَمْ يَخِفَّ وَيَتَيَسَّرْ ؟ فَإِنْ قَالَ نَعَمْ خَالَفَ ظَاهِرَ الْكِتَابِ وَأَوْجَبَ عَلَيْهِ مَا لَمْ يُوجِبْهُ اللَّهُ وَإِنْ قَالَ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ تَكَلُّفُ ذَلِكَ إذَا لَمْ يَتَيَسَّرْ وَلَمْ يَخَفْ فَقَدْ أَسْقَطَ فَرْضَهُ وَلَوْ كَانَ فَرْضًا لَوَجَبَ عَلَيْهِ خَفَّ أَوْ لَمْ يَخِفَّ كَمَا قَالَ { انْفِرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا } قَالَ وَقَوْلُ مَا تَيَسَّرَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ نَدْبٌ وَاخْتِيَارٌ وَلَيْسَ بِفَرْضٍ انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ شَدَّدَ بَعْضُ التَّابِعِينَ فَأَوْجَبَ قِيَامَ اللَّيْلِ وَلَوْ قَدْرَ حَلْبِ شَاةٍ وَاَلَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَوْلُهُ { فَأَصْبَحَ نَشِيطًا طَيِّبَ النَّفْسِ } مَعْنَاهُ لِسُرُورِهِ بِمَا وَفَّقَهُ اللَّهُ الْكَرِيمُ لَهُ مِنْ الطَّاعَةِ وَوَعَدَهُ بِهِ مِنْ ثَوَابِهِ مَعَ مَا يُبَارَكُ لَهُ فِي نَفْسِهِ وَتَصَرُّفِهِ فِي كُلِّ أُمُورِهِ مَعَ مَا زَالَ عَنْهُ مِنْ عُقَدِ الشَّيْطَانِ وَتَثْبِيطِهِ وَقَوْلُهُ { وَإِلَّا أَصْبَحَ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ } مَعْنَاهُ لِمَا عَلَيْهِ مِنْ عُقَدِ الشَّيْطَانِ وَآثَارِ تَثْبِيطِهِ وَاسْتِيلَائِهِ مَعَ أَنَّهُ لَمْ يَزُلْ ذَلِكَ عَنْهُ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ نَشِيطًا لِمَا يَرِدُ عَلَيْهِ مِنْ الْعِبَادَاتِ لِكَوْنِهِ أَلِفَهَا طَيِّبَ النَّفْسِ لِرَجَاءِ ثَوَابِ مَا فَعَلَ وَقَوْلُهُ خَبِيثَ النَّفْسِ أَيْ بِشُؤْمِ تَفْرِيطِهِ وَتَمَامِ خَدِيعَةِ الشَّيْطَانِ لَهُ كَسْلَانَ أَيْ مُتَثَاقِلٌ عَنْ الْخَيْرَاتِ وَرُبَّمَا يَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى تَضْيِيعِ الْوَاجِبَاتِ انْتَهَى وَهُوَ قَرِيبٌ مِنْ الْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ لَكِنَّهُ أَحْسَنُ بَيَانًا وَإِيضَاحًا . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) كَوْنُهُ يُصْبِحُ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ ، هَلْ يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِ كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ الْخِصَالِ الَّتِي هِيَ الذِّكْرُ وَالْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ فَلَا يَنْتَفِي عَنْهُ ذَلِكَ إلَّا بِفِعْلِ الْجَمِيعِ أَوْ يَتَرَتَّبُ عَلَى تَرْكِ الْمَجْمُوعِ حَتَّى لَوْ أَتَى بِبَعْضِهِ لَا يَنْفِي عَنْهُ خَبُثَ النَّفْسِ وَالْكَسَلَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ : ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ مَنْ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ وَهِيَ الذِّكْرُ وَالْوُضُوءُ وَالصَّلَاةُ فَهُوَ دَاخِلٌ فِيمَنْ يُصْبِحُ خَبِيثَ النَّفْسِ كَسْلَانَ انْتَهَى . وَقَدْ يُقَالُ إذَا جَمَعَ بَيْنَ الْأُمُورِ الثَّلَاثَةِ انْتَفَى عَنْهُ خُبْثُ النَّفْسِ وَالْكَسَلُ انْتِفَاءً كَامِلًا وَإِذَا أَتَى بِبَعْضِهَا انْتَفَى عَنْهُ بَعْضُ خُبْثِ النَّفْسِ وَالْكَسَلِ بِقَدْرِ مَا أَتَى بِهِ مِنْهَا فَلَيْسَ عِنْدَ مَنْ اسْتَيْقَظَ فَذَكَرَ اللَّهَ مِنْ خُبْثِ النَّفْسِ وَالْكَسَلِ مَا عِنْدَ مَنْ لَمْ يَذْكُرْ اللَّهَ أَصْلًا . ( السَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) إنْ قُلْت كَيْفَ الْجَمْعُ بَيْنَ وَصْفِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَاعِلَ ذَلِكَ بِأَنَّهُ خَبِيثَ النَّفْسِ وَبَيْنَ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ خَبُثَتْ نَفْسِي ؟ } قُلْت ذَلِكَ الْحَدِيثُ نُهِيَ الْإِنْسَانَ أَنْ يَقُولَ هَذَا اللَّفْظَ عَنْ نَفْسِهِ وَهَذَا إخْبَارٌ عَنْ صِفَةِ غَيْرِهِ . ( الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { كَسْلَانَ } غَيْرُ مُنْصَرِفٍ لِلْأَلْفِ وَالنُّونِ الْمَزِيدَتَيْنِ وَهُوَ مُذَكَّرُ كَسْلَى وَوَقَعَ لِبَعْضِ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ كَسْلَانًا مَصْرُوفًا وَلَيْسَ بِشَيْءٍ . وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ فَاسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ قَلَم يَدْرِ مَا يَقُولُ فَلْيَضْطَجِعْ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَلِلْبُخَارِيِّ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنَمْ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقْرَأُ } وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ } الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ) وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ فَاسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ فَلْيَضْطَجِعْ } رَوَاهُ مُسْلِمٌ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ وَأَبِي دَاوُد عَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ كِلَاهُمَا عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ فِي فَضَائِلِ الْقُرْآنِ مِنْ سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُبَارَكِ عَنْ مَعْمَرٍ وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَرْقُدْ حَتَّى يَذْهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ إذَا صَلَّى وَهُوَ نَاعِسٌ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ } وَمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا نَعَسَ فِي الصَّلَاةِ فَلْيَنَمْ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقْرَأُ } . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { إذَا قَامَ أَحَدُكُمْ مِنْ اللَّيْلِ } يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الْقِيَامَ هُنَا عَلَى بَابِهِ وَالْمُرَادُ الْقِيَامُ لِلصَّلَاةِ ثُمَّ يَحْتَمِلُ عَلَى هَذَا أَنْ يَكُونَ الْقِيَامُ عَلَى ظَاهِرِهِ وَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الصَّلَاةِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْقِيَامُ لِلصَّلَاةِ مَعَ الدُّخُولِ فِيهَا وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ { إذَا نَعَسَ أَحَدُكُمْ فِي الصَّلَاةِ } . ( ثَانِيهِمَا ) أَنْ يُرَادَ بِالْقِيَامِ مِنْ اللَّيْلِ نَفْسُ صَلَاةِ اللَّيْلِ فَإِنَّهُ يُقَالُ لِصَلَاةِ اللَّيْلِ قِيَامُ اللَّيْلِ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ { فَاسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ } بِفَتْحِ التَّاءِ مِنْ قَوْلِهِ { فَاسْتَعْجَمَ } وَرَفْعِ النُّونِ مِنْ قَوْلِهِ { الْقُرْآنُ } عَلَى أَنَّهُ فَاعِلٌ أَيْ اسْتَغْلَقَ وَلَمْ يَنْطِقْ بِهِ لِسَانُهُ لِغَلَبَةِ النُّعَاسِ كَأَنَّهُ صَارَتْ بِهِ عُجْمَةٌ لِاخْتِلَاطِ حُرُوفِ النَّاعِسِ وَعَدَمِ بَيَانِهَا قَالَ فِي الصِّحَاحِ : اسْتَعْجَمَ عَلَيْهِ الْكَلَامُ اسْتَبْهَمَ وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ اسْتَعْجَمَ الرَّجُلُ سَكَتَ وَاسْتَعْجَمَتْ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهُ انْقَطَعَتْ فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى الْقِرَاءَةِ مِنْ نُعَاسٍ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ اسْتَعْجَمَ عَلَيْهِ الْقُرْآنُ لَمْ يُفْصِحْ بِهِ لِسَانُهُ ثُمَّ قَالَ اسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ أَيْ ثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ كَالْأَعْجَمِيِّ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ : اسْتَعْجَمَ الْقُرْآنُ عَلَى لِسَانِهِ أَيْ ارْتَجَّ عَلَيْهِ فَلَمْ يَقْدِرْ أَنْ يَقْرَأَ كَأَنَّهُ صَارَ بِهِ عُجْمَةٌ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { فَلَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ } ، يَحْتَمِلُ مَعْنَاهُ أَوْجُهًا : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ لِنُعَاسِهِ صَارَ لَا يَفْهَمُ مَا يَنْطِقُ بِهِ . ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ لَا يَدْرِي لِشِدَّةِ نُعَاسِهِ مَا بَعْدَ اللَّفْظِ الَّذِي نَطَقَ بِهِ حَتَّى يَأْتِيَ بِهِ . ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّهُ لِشِدَّةِ نُعَاسِهِ لَا يَقْدِرُ عَلَى النُّطْقِ أَصْلًا وَهَذِهِ مَرَاتِبُ أَخَفُّهَا الْأَوَّلُ وَأَشَدُّهَا الْأَخِيرُ . ( الْخَامِسَةُ ) الْأَمْرُ بِالِاضْطِجَاعِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ هَلْ هُوَ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ أَوْ الْإِيجَابِ ؟ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ ظَوَاهِرُ الْأَحَادِيثِ تَقْتَضِي وُجُوبَ ذَلِكَ فَأَمَّا مِنْ حَيْثُ الْمَعْنَى فَإِنْ كَانَ النُّعَاسُ خَفِيفًا بِحَيْثُ يَعْلَمُ الْمُصَلِّي النَّاعِسُ أَنَّهُ أَتَى بِوَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ فَإِنَّ صَلَاتَهُ صَحِيحَةٌ فَلَا يَجِبُ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ مِنْهَا وَإِنْ كَانَ بِحَيْثُ لَا يَعْلَمُ مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ فَصَلَاتُهُ غَيْرُ صَحِيحَةٍ فَيَجِبُ الْخُرُوجُ مِنْهَا ثُمَّ إنْ ذَهَبَ عَنْهُ النَّوْمُ بِأَمْرٍ آخَرَ غَيْرِ الِاضْطِجَاعِ مِنْ تَبَرُّدٍ بِمَاءٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ فَلَا شَكَّ أَنَّهُ لَا يَجِبُ ذَلِكَ لِأَنَّهُ وَسِيلَةٌ إلَى ذَهَابِ النَّوْمِ وَقَدْ ذَهَبَ فَإِذَا حَصَلَ الْمَقْصِدُ سَقَطَتْ الْوَسَائِلُ وَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ ذَلِكَ إلَّا بِالِاضْطِجَاعِ وَجَبَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ مُقَدَّمَة لِلْوَاجِبِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إنَّ مَنْ اعْتَرَاهُ ذَلِكَ فِي الْفَرِيضَةِ وَكَانَ فِي وَقْتِ سَعَةٍ لَزِمَهُ أَنْ يَفْعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ وَيَنَامَ حَتَّى يَتَفَرَّغَ لِلصَّلَاةِ انْتَهَى فَحَمَلَ الْأَمْرَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ انْتَهَى كَلَامُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَالظَّاهِرُ حَمْلُ الْأَمْرِ فِي ذَلِكَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ مُطْلَقًا وَمَا دَامَ النُّعَاسُ خَفِيفًا فَلَا وَجْهَ لِلْوُجُوبِ وَإِذَا اشْتَدَّ النُّعَاسُ انْقَطَعَتْ الصَّلَاةُ لِشِدَّتِهِ فَلَا يَحْتَاجُ إلَى إيجَابِ الْقَطْعِ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ بِغَيْرِ اخْتِيَارِ الْمُصَلِّي وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) ظَاهِرُ لَفْظِ الْحَدِيثِ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِصَلَاةِ اللَّيْلِ لَكِنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي أَنَّ سَائِرَ الصَّلَوَاتِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ وَالتَّقْيِيدُ بِالْقِيَامِ مِنْ اللَّيْلِ إنَّمَا هُوَ لِأَنَّ الْغَالِبَ عَلَيْهِ النُّعَاسُ فِي صَلَاةِ اللَّيْلِ دُونَ صَلَاةِ النَّهَارِ وَمَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا مَفْهُومَ لَهُ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْمَعْنَى يَقْتَضِي اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِصَلَاةِ النَّفْلِ لِجَوَازِ الْخُرُوجِ مِنْ صَلَاةِ النَّفْلِ دُونَ الْفَرْضِ حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ مَالِكٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ الْعُلَمَاءِ أَنَّهُمْ حَمَلُوا الْحَدِيثَ عَلَى صَلَاةِ اللَّيْلِ لِأَنَّ الْغَالِبَ غَلَبَةُ النَّوْمِ إنَّمَا هِيَ فِي اللَّيْلِ وَحَكَى النَّوَوِيُّ عَنْ مَذْهَبِنَا وَمَذْهَبِ الْجُمْهُورِ أَنَّهُ عَامٌّ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَالنَّفَلِ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ . ( السَّابِعَةُ ) مَحَلُّ هَذَا الْأَمْرِ مَا إذَا لَمْ يَكُنْ فِي فَرِيضَةٍ قَدْ ضَاقَ وَقْتُهَا فَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ بِأَنْ لَمْ يَبْقَ مِنْهُ زَمَنٌ يَسَعُ صَلَاةَ الْفَرْضِ فَلَيْسَ لَهُ الْخُرُوجُ مِنْهَا كَذَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَالَ إنَّهُ يُصَلِّي عَلَى مَا أَمْكَنَهُ وَيُجَاهِدُ نَفْسَهُ وَيُدَافِعُ النَّوْمَ جُهْدَهُ ثُمَّ إنْ تَحَقَّقَ أَنَّهُ أَدَّاهَا وَعَقِلَهَا أَجْزَأَتْهُ وَإِلَّا أَعَادَهَا ، قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَمَا ذَكَرَهُ هُوَ الَّذِي يَمْشِي عَلَى قَوَاعِدِ مَذْهَبِنَا كَمَا فِي مَسْأَلَةِ مَا إذَا قُدِّمَ الطَّعَامُ وَقَدْ بَقِيَ مِنْ الْوَقْتِ مَا يَسَعُ قَدْرَ الصَّلَاةِ وَفِيهِ وَجْهٌ حَكَاهُ الْمُتَوَلِّي أَنَّهُ يَأْكُلُ وَإِنْ خَرَجَ الْوَقْتُ وَهُوَ قَوْلُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ الْبَابَيْنِ بِأَنَّ الصَّلَاةَ بِحَضْرَةِ الطَّعَامِ لَا تُؤَدِّي إلَى حَالَةِ النَّاعِسِ الَّذِي لَا يَدْرِي مَا يَقُولُ وَأَنَّ مَنْ أَدَّاهُ النُّعَاسُ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يَسْتَمِرُّ فِي صَلَاةِ الْفَرْضِ وَلَا يُسْرِعُ فِيهَا حَتَّى يَكُونَ عَلَى حَالَةٍ يَدْرِي أَنَّهُ أَتَى بِوَاجِبَاتِ الصَّلَاةِ وَقَدْ رَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ بِإِسْنَادِهِ إلَى الضَّحَّاكِ فِي قَوْله تَعَالَى { وَلَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } قَالَ سُكْرُ النَّوْمِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَلَا أَعْلَمُ أَحَدًا قَالَ ذَلِكَ غَيْرَ الضَّحَّاكِ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ إلَّا أَنَّ الْآيَةَ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ مَنْ لَا يَعْلَمُ مَا يَقُولُ لَا يَدْخُلُ فِي الصَّلَاةِ فَمَنْ أَدَّاهُ غَلَبَةُ النَّوْمِ إلَى ذَلِكَ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ الدُّخُولِ فِيهَا وَمِنْ إتْمَامِهَا بَعْدَ الشُّرُوعِ حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقُولُ انْتَهَى . ( الثَّامِنَةُ ) عَلَى تَقْرِيرِ أَنْ يُحْمَلَ الْقِيَامُ مِنْ اللَّيْلِ عَلَى نَفْسِ الصَّلَاةِ فَإِذَا أُمِرَ بِإِبْطَالِ الصَّلَاةِ بَعْدَ الشُّرُوعِ فِيهَا عِنْدَ طُرُوءِ النُّعَاسِ فَعَدَمُ الدُّخُولِ أَوْلَى بِذَلِكَ لِأَنَّهُ يُغْتَفَرُ فِي الدَّوَامِ مَا لَا يُغْتَفَرُ فِي الِابْتِدَاءِ . ( التَّاسِعَةُ ) عَلَّلَ الْأَمْرَ فِي الرُّقَادِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ بِأَنَّهُ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبَّ نَفْسَهُ وَقَالَ فِي حَدِيثٍ آخَرَ { حَتَّى يَعْلَمَ مَا يَقْرَأُ } وَالْقَدْرُ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الْعِلَّتَيْنِ خَشْيَةَ التَّخْلِيطِ فِيمَا يَأْتِي بِهِ مِنْ الْقِرَاءَةِ وَالدُّعَاءِ وَالْأَمْرُ فِي الْقِرَاءَةِ أَشَدُّ لِوُجُوبِهَا وَلِعِظَمِ الْمَفْسَدَةِ فِي تَغْيِيرِ الْقُرْآنِ فَإِنْ قُلْت كَيْفَ يُؤَاخَذُ الْعَبْدُ بِمَا لَا يَقْصِدُ النُّطْقَ بِهِ مِنْ تَغْيِيرِ نَظْمِ الْقُرْآنِ أَوْ دُعَائِهِ عَلَى نَفْسِهِ وَهُوَ نَاعِسٌ ؟ قُلْت قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ مَنْ عَرَّضَ نَفْسَهُ لِلْوُقُوعِ فِي ذَلِكَ بَعْدَ النَّهْيِ عَنْهُ فَهُوَ مُتَعَدٍّ بِالصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَجِنَايَتُهُ عَلَى نَفْسِهِ وَهَذَا إذَا كَانَ عَالِمًا بِالنَّهْيِ . ( وَالْوَجْه الثَّانِي ) إنَّا وَإِنْ قُلْنَا إنَّهُ غَيْرُ آثِمٍ لِعَدَمِ قَصْدِهِ وَذَلِكَ فَالْمَقْصُودُ مِنْ الصَّلَاةِ أَدَاؤُهَا عَلَى مَا أُمِرَ بِهِ وَتَحْصِيلُ الدُّعَاءِ لِنَفْسِهِ لِكَوْنِهِ أَقْرَبَ مَا يَكُونُ مِنْ رَبِّهِ وَهُوَ سَاجِدٌ فَإِذَا فَاتَ الْمَقْصُودُ بِكَوْنِهِ لَمْ يَعْلَمْ مَا أَتَى بِهِ مِنْ الْوَاجِبَاتِ وَلَمْ يَحْصُلْ لَهُ إجَابَةُ مَا قَصَدَ أَنْ يَدْعُوَ بِهِ لِنَفْسِهِ فَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ تَكْلِيفِ نَفْسِهِ مَا لَا فَائِدَةَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَدْ يُدَّعَى أَنَّ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ زِيَادَةً عَلَى حَدِيثَيْ عَائِشَةَ وَأَنَسٍ لِأَنَّ عَدَمَ دِرَايَتِهِ لِمَا يَقُولُ قَدْ يَكُونُ لِنُعَاسٍ وَقَدْ يَكُونُ لِشَغْلِ فِكْرٍ أَوْ لِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَسْبَابِ لَكِنَّ الْأَغْلَبَ كَوْنُهُ النُّعَاسَ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) عَلَى تَقْدِيرِ أَنْ يُحْمَلَ الْقِيَامُ مِنْ اللَّيْلِ عَلَى الْقِيَامِ لِلصَّلَاةِ وَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الصَّلَاةِ فَفِي مَنْعِ النَّاعِسِ مِنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ وَلَوْ كَانَ فِي غَيْرِ صَلَاةٍ وَالْمَعْنَى فِيهِ مَا يَحْذَرُ مِنْ تَغْيِيرِهِ لِكَلَامِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ قَدْرٌ زَائِدٌ وَهُوَ أَنَّهُ إذَا لَمْ يَعْلَمْ مَا قَرَأَ مِنْ الْوَاجِبِ لَمْ يُؤَدِّ فَرْضَهُ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) أَمْرُهُ بِالِاضْطِجَاعِ لِأَنَّهُ الْهَيْئَةُ الْمَحْمُودَةُ فِي النَّوْمِ وَالْمَعْهُودَةُ غَالِبًا فَلَوْ اسْتَلْقَى أَوْ نَامَ قَاعِدًا حَصَلَ الْغَرَضُ بِذَلِكَ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ النُّعَاسَ لَا يَنْقُضُ الْوُضُوءَ فَإِنَّهُ لَمْ يُعَلِّلْ قَطْعَ صَلَاةِ النَّاعِسِ بِبُطْلَانِ طَهَارَتِهِ وَإِنَّمَا عَلَّلَهُ بِتَوَقُّعِ الْغَلَطِ مِنْهُ وَالنُّعَاسُ دُونَ النَّوْمِ وَحَقِيقَةُ النَّوْمِ اسْتِرْخَاءُ الْبَدَنِ وَزَوَالُ الِاسْتِشْعَارِ وَخَفَاءُ الْكَلَامِ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي النُّعَاسِ وَأَمَّا قَوْلُ صَاحِبِ الْمُحْكَمِ إنَّ النُّعَاسَ النَّوْمُ فَهُوَ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ أَكْثَرِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَقَدْ صَرَّحَ الشَّاعِرُ بِأَنَّهُ دُونَهُ فِي قَوْلِهِ وَسْنَانُ أَثْقَلَهُ النُّعَاسُ فَرَنَّقَتْ فِي عَيْنِهِ سِنَةٌ وَلَيْسَ بِنَائِمِ وَقَدْ قَالَ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ بَعْدَ ذَلِكَ وَقِيلَ مُقَارَبَتُهُ وَهَذَا هُوَ الْمُوَافِقُ لِكَلَامِ غَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ج999999999999999999999999999999 اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ عَلَى أَنَّ النَّوْمَ لَيْسَ بِحَدَثٍ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَمْ يَجْعَلْ ذَلِكَ عِلَّةَ نَقْضِ طَهَارَتِهِ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ حَيْثُ إنَّهُ لَا تَعَرُّضَ فِي الْحَدِيثِ لِلنَّوْمِ وَقَدْ يُؤَدِّي النُّعَاسُ إلَى النَّوْمِ وَقَدْ لَا يُؤَدِّي إلَيْهِ بِأَنْ يَسْتَمِرَّ الْمُصَلِّي عَلَى صِفَةِ النَّاعِسِ حَتَّى يَفْرُغَ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ إشَارَةٌ إلَى الْحَضِّ عَلَى الْإِقْبَالِ عَلَى الصَّلَاةِ بِخُشُوعٍ وَفَرَاغِ قَلْبٍ وَنَشَاطٍ وَتَعَقُّلٍ لِمَا يَقْرَأهُ وَيَدْعُو بِهِ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) الظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِسَبِّ نَفْسِهِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ هُوَ الدُّعَاءُ عَلَيْهَا لِأَنَّهُ إذَا ذَهَبَ يَسْتَغْفِرُ وَيَدْعُو لِنَفْسِهِ وَهُوَ لَا يَعْقِلُ رُبَّمَا قَلَبَ الدُّعَاءَ فَدَعَا عَلَى نَفْسِهِ أَمَّا الشَّتْمُ فَلَا مَحَلَّ لَهُ هُنَا وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أُمِّ سَلَمَةَ { لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ إلَّا بِخَيْرٍ فَإِنَّ الْمَلَائِكَةَ يُؤَمِّنُونَ عَلَى مَا تَقُولُونَ } قَالَهُ فِي قِصَّةِ وَفَاةِ أَبِي سَلَمَةَ حِينَ ضَجَّ نَاسٌ مِنْ أَهْلِهِ . وَفِي مُسْلِمٍ أَيْضًا مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ { لَا تَدْعُوا عَلَى أَنْفُسِكُمْ وَلَا عَلَى أَوْلَادِكُمْ وَلَا عَلَى أَمْوَالِكُمْ لَا تُوَافِقُوا مِنْ اللَّهِ سَاعَةً يُسْأَلُ فِيهَا عَطَاءً فَيَسْتَجِيبُ لَكُمْ } وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد بِزِيَادَةِ قَوْلِهِ { وَلَا عَلَى خَدَمِكُمْ } وَقَالَ فِي آخِرِهِ { فَيُوَافِقُ ذَلِكَ مِنْ اللَّهِ إجَابَةً } وَهَذَانِ الْحَدِيثَانِ فِيمَنْ دَعَا عَلَى نَفْسِهِ بِقَصْدِ ذَلِكَ وَحَدِيثُ الْبَابِ فِيمَنْ جَرَى عَلَى لِسَانِهِ لِغَلَبَةِ النُّعَاسِ وَنَحْوِهِ عَلَيْهِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِذَلِكَ . ( السَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ بَعْضُهُمْ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ أَنْ يَسُبَّ نَفْسَهُ وَفِيهِ نَظَرٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّ مَعْنَى سَبِّ نَفْسِهِ هُنَا الدُّعَاءُ عَلَيْهَا ثُمَّ إنَّهُ لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ مَا يَقْتَضِي مَنْعَ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ ) يَجُوزُ فِي قَوْلِهِ { فَيَسُبَّ } الرَّفْعُ عَطْفًا عَلَى يَذْهَبُ وَالنَّصْبُ جَوَابًا لِلتَّرَجِّي كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { لِعَلَيَّ أَبْلُغُ الْأَسْبَابَ أَسْبَابَ السَّمَوَاتِ فَأَطَّلِعَ } عَلَى قِرَاءَةِ حَفْصٍ بِالنَّصْبِ . بَابُ قِيَامِ رَمَضَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَمَعَهُ نَاسٌ ثُمَّ صَلَّى الثَّانِيَةَ فَاجْتَمَعَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَكْثَرُ مِنْ الْأُولَى فَلَمَّا كَانَتْ الثَّالِثَةُ أَوْ الرَّابِعَةُ امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ حَتَّى اغْتَصَّ بِأَهْلِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ النَّاسُ يُنَادُونَهُ الصَّلَاةَ فَلَمْ يَخْرُجْ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَا زَالَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَكَ الْبَارِحَةَ قَالَ أَمَا إنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ أَمْرُهُمْ وَلَكِنِّي خَشِيت أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْهِمْ } زَادَ الْبُخَارِيُّ فِي رِوَايَةٍ { فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ } . بَابُ قِيَامِ رَمَضَانَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً فِي الْمَسْجِدِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَمَعَهُ نَاسٌ ثُمَّ صَلَّى الثَّانِيَةَ فَاجْتَمَعَ تِلْكَ اللَّيْلَةَ أَكْثَرُ مِنْ الْأُولَى فَلَمَّا كَانَتْ الثَّالِثَةُ أَوْ الرَّابِعَةُ امْتَلَأَ الْمَسْجِدُ حَتَّى اغْتَصَّ بِأَهْلِهِ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَجَعَلَ النَّاسُ يُنَادُونَهُ الصَّلَاةَ فَلَمْ يَخْرُجْ فَلَمَّا أَصْبَحَ قَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ مَا زَالَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَك الْبَارِحَةَ قَالَ أَمَا إنَّهُمْ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ أَمْرُهُمْ وَلَكِنِّي خَشِيت أَنْ يُكْتَبَ عَلَيْهِمْ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ كُلُّهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ وَفِي رِوَايَتَيْ عُقَيْلٍ وَيُونُسَ الْجَزْمُ بِأَنَّ اللَّيْلَةَ الَّتِي لَمْ يَخْرُجْ فِيهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هِيَ الرَّابِعَةُ وَرِوَايَةُ النَّسَائِيّ هَذِهِ أَوْرَدَهَا فِي الصَّوْمِ وَزَادَ فِيهَا { وَكَانَ يُرَغِّبُهُمْ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَأْمُرَهُمْ بِعَزِيمَةٍ } الْحَدِيثَ وَقَالَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ هَذَا مِنْ جُمْلَتِهَا كُلُّهَا عِنْدِي خَطَأٌ وَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ وَكَانَ يُرَغِّبُهُمْ مِنْ كَلَامِ الزُّهْرِيِّ لَيْسَ عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ . ( الثَّانِيَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي قِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَنْ يُفْعَلَ فِي الْمَسْجِدِ فِي جَمَاعَةٍ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَعَلَ ذَلِكَ وَإِنَّمَا تَرَكَهُ لِمَعْنًى قَدْ أُمِنَ بِوَفَاتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ خَشْيَةُ الِافْتِرَاضِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجُمْهُورُ أَصْحَابِهِ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَحْمَدُ وَبَعْضُ الْمَالِكِيَّةِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ فِعْلَهُ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ بْنِ كَعْبٍ وَسُوَيْدِ بْنِ غَفَلَةَ وَزَاذَانَ وَأَبِي الْبَخْتَرِيِّ وَغَيْرِهِمْ وَقَدْ أَمَرَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهِ عَمَلُ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ وَصَارَ مِنْ الشَّعَائِرِ الظَّاهِرَةِ كَصَلَاةِ الْعِيدِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِئِ أَنَّهُ قَالَ خَرَجْت مَعَ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ لَيْلَةً فِي رَمَضَانَ إلَى الْمَسْجِدِ فَإِذَا النَّاسُ أَوْزَاعٌ مُتَفَرِّقُونَ يُصَلِّي الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَيُصَلِّي الرَّجُلُ فَيُصَلِّي بِصَلَاتِهِ الرَّهْطُ فَقَالَ عُمَرُ إنِّي أَرَى لَوْ جَمَعْتُمْ هَؤُلَاءِ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ لَكَانَ أَمْثَلَ ثُمَّ عَزَمَ فَجَمَعَهُمْ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ثُمَّ خَرَجْت مَعَهُ لَيْلَةً أُخْرَى وَالنَّاسُ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ قَارِئِهِمْ فَقَالَ عُمَرُ نِعْمَ الْبِدْعَةُ هَذِهِ وَاَلَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ مِنْ الَّتِي يَقُومُونَ ، يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ وَكَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ أَوَّلَهُ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى نَاسًا يُصَلُّونَ فِي الْمَسْجِدِ فَقَالَ مَا هَؤُلَاءِ ؟ فَقِيلَ نَاسٌ لَيْسَ مَعَهُمْ قُرْآنٌ يُصَلُّونَ بِصَلَاةِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَقَالَ أَصَابُوا وَنِعْمَ مَا صَنَعُوا } قَالَ أَبُو دَاوُد وَلَيْسَ هَذَا الْحَدِيثُ بِالْقَوِيِّ ، مُسْلِمُ بْنُ خَالِدٍ ضَعِيفٌ . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { صُمْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَمَضَانَ فَلَمْ يَقُمْ بِنَا شَيْئًا مِنْ السَّهَرِ حَتَّى بَقِيَ سَبْعٌ فَقَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ ثُلُثُ اللَّيْلِ فَلَمَّا كَانَتْ السَّادِسَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا فَلَمَّا كَانَتْ الْخَامِسَةُ قَامَ بِنَا حَتَّى ذَهَبَ شَطْرُ اللَّيْلِ فَقُلْت يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ نَفَّلْتنَا قِيَامَ هَذِهِ اللَّيْلَةِ فَقَالَ إنَّ الرَّجُلَ إذَا صَلَّى مَعَ الْإِمَامِ حَتَّى يَنْصَرِفَ حُسِبَتْ لَهُ قِيَامَ لَيْلَةٍ فَلَمَّا كَانَتْ الرَّابِعَةُ لَمْ يَقُمْ بِنَا فَلَمَّا كَانَتْ الثَّالِثَةُ جَمَعَ أَهْلَهُ وَالنَّاسَ فَقَامَ بِنَا حَتَّى خَشِينَا أَنْ يَفُوتَنَا الْفَلَاحُ قَالَ الرَّاوِي قُلْت وَمَا الْفَلَاحُ ؟ قَالَ السَّحُورُ ثُمَّ لَمْ يَقُمْ بِنَا بَقِيَّةَ الشَّهْرِ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهَذَا كُلُّهُ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قِيَامَ رَمَضَانَ جَائِزٌ أَنْ يُضَافَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِحَضِّهِ عَلَيْهِ وَعَمَلِهِ بِهِ وَأَنَّ عُمَرَ إنَّمَا سَنَّ مِنْهُ مَا قَدْ سَنَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّ فِعْلَهَا فُرَادَى فِي الْبَيْتِ أَفْضَلُ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَاظَبَ عَلَى ذَلِكَ قَبْلَ هَذِهِ اللَّيَالِي وَبَعْدَهَا وَتُوُفِّيَ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ كَانَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ وَصَدْرًا مِنْ خِلَافَةِ عُمَرَ وَإِنَّمَا وَقَعَ تَغْيِيرُهُ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ سَنَةَ أَرْبَعَ عَشْرَةَ مِنْ الْهِجْرَةِ وَاعْتَرَفَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَنَّهَا مَفْضُولَةٌ كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ قَالَ { احْتَجَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حُجَيْرَةً بِخُصْفَةٍ أَوْ حَصِيرَةٍ فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِيهَا فَتَتَبَّعَ إلَيْهِ رِجَالٌ وَجَاءُوا يُصَلُّونَ بِصَلَاتِهِ ثُمَّ جَاءُوا لَيْلَةً فَحَضَرُوا فَأَبْطَأَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهُمْ فَلَمْ يَخْرُجْ إلَيْهِمْ فَرَفَعُوا أَصْوَاتَهُمْ وَحَصَبُوا الْبَابَ فَخَرَجَ إلَيْهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُغْضَبًا فَقَالَ لَهُمْ مَا زَالَ لَكُمْ صَنِيعُكُمْ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُكْتَبُ عَلَيْكُمْ فَعَلَيْكُمْ بِالصَّلَاةِ فِي بُيُوتِكُمْ فَإِنَّ خَيْرَ صَلَاةِ الْمَرْءِ فِي بَيْتِهِ إلَّا الصَّلَاةَ الْمَكْتُوبَةَ } : لَفْظُ مُسْلِمٍ وَبِهَذَا قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو يُوسُفَ وَبَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الشَّافِعِيِّ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِهِ سَالِمٍ وَالْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ وَعَلْقَمَةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَقُومُونَ مَعَ النَّاسِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ تَكُونُ أَنْتَ تَفُوهُ بِالْقُرْآنِ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ أَنْ يُفَاهَ عَلَيْك بِهِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ تَنْصَبُّ كَأَنَّك حِمَارٌ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ لَوْ لَمْ يَكُنْ مَعِي إلَّا سُورَةٌ أَوْ سُورَتَانِ لَأَنْ أُرَدِّدَهَا أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقُومَ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَفَصَّلَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فَقَالَ إنْ كَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ وَلَا يَخَافُ الْكَسَلَ عَنْهَا وَلَا تَخْتَلُّ الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ بِتَخَلُّفِهِ فَالِانْفِرَادُ ، وَإِنْ فُقِدَ بَعْضُ هَذَا فَالْجَمَاعَةُ أَفْضَلُ فَفِي الْمَسْأَلَةِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهِ وَقَالَ الْعِرَاقِيُّونَ وَالصَّيْدَلَانِيُّ وَغَيْرُهُمْ الْخِلَافُ فِي ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ فِيمَنْ كَانَ حَافِظًا لِلْقُرْآنِ آمِنًا مِنْ الْكَسَلِ لَا تَخْتَلُّ الْجَمَاعَةُ فِي الْمَسْجِدِ بِتَخَلُّفِهِ فَإِنْ فَقَدَ بَعْضَ هَذِهِ فَالْجَمَاعَةُ أَفْضَلُ قَطْعًا وَهَذَا الْخِلَافُ الَّذِي عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ الْأَشْهَرُ أَنَّهُ وَجْهَانِ لِلْأَصْحَابِ وَقِيلَ إنَّهُ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَجَابَ الْأَوَّلُونَ بِأَنَّ تَرْكَ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى الْجَمَاعَةِ فِي التَّرَاوِيحِ إنَّمَا كَانَ لِمَعْنًى وَقَدْ زَالَ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَالُوا لَمْ يَعْتَرِفْ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِأَنَّهَا مَفْضُولَةٌ وَقَوْلُهُ وَاَلَّتِي يَنَامُونَ عَنْهَا أَفْضَلُ لَيْسَ فِيهِ تَرْجِيحُ الِانْفِرَادِ وَلَا تَرْجِيحُ فِعْلِهَا فِي الْبَيْتِ وَإِنَّمَا فِيهِ تَرْجِيحُ آخِرِ اللَّيْلِ عَلَى أَوَّلِهِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّاوِي بِقَوْلِهِ يُرِيدُ آخِرَ اللَّيْلِ قَالَ الطَّحَاوِيُّ وَكُلُّ مَنْ اخْتَارَ التَّفَرُّدَ فَيَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ عَلَى أَلَّا يَنْقَطِعَ مَعَهُ الْقِيَامُ فِي الْمَسْجِدِ فَأَمَّا الَّذِي يَنْقَطِعُ مَعَهُ الْقِيَامُ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا ، قَالَ وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ تَعْطِيلُ الْمَسَاجِدِ عَنْ قِيَامِ رَمَضَانَ فَصَارَ هَذَا الْقِيَامُ وَاجِبًا عَلَى الْكِفَايَةِ فَمَنْ فَعَلَهُ كَانَ أَفْضَلَ مِمَّنْ انْفَرَدَ كَالْفُرُوضِ الَّتِي عَلَى الْكِفَايَةِ ، وَفِيمَا ذَكَرَهُ مِنْ الْوُجُوبِ عَلَى الْكِفَايَةِ نَظَرٌ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ إنَّمَا هُوَ السُّنِّيَّةُ عَلَى الْكِفَايَةِ وَعِبَارَتُهُ وَالسُّنَّةُ فِيهَا الْجَمَاعَةُ لَكِنْ عَلَى وَجْهِ الْكِفَايَةِ حَتَّى لَوْ امْتَنَعَ أَهْلُ الْمَسْجِدِ عَنْ إقَامَتِهَا كَانُوا مُسِيئِينَ وَلَوْ أَقَامَهَا الْبَعْضُ فَالْمُتَخَلِّفُ عَنْ الْجَمَاعَةِ تَارِكٌ لِلْفَضِيلَةِ لِأَنَّ أَفْرَادَ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ رُوِيَ عَنْهُمْ التَّخَلُّفُ انْتَهَى . وَكَلَامُ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ مُوَافِقٌ لِكَلَامِ الطَّحَاوِيِّ حَيْثُ قَالَ لَوْ قَامَ النَّاسُ فِي بُيُوتِهِمْ وَلَمْ يَقُمْ أَحَدٌ فِي الْمَسْجِدِ لَا يَنْبَغِي أَنْ يَخْرُجُوا إلَيْهِ حَتَّى يَقُومُوا فِيهِ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ الْجَمَاعَةُ قَدْ قَامَتْ فِي الْمَسْجِدِ فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقُومَ الرَّجُلُ لِنَفْسِهِ وَلِأَهْلِ بَيْتِهِ فِي بَيْتِهِ انْتَهَى وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ عَمَلَ الصَّحَابَةِ بِصَلَاةِ التَّرَاوِيحِ فِي جَمَاعَةٍ وَمَالِكٌ أَحَقُّ النَّاسِ بِالتَّمَسُّكِ بِهَذَا بِنَاءً عَلَى أَصْلِهِ فِي التَّمَسُّكِ بِعَمَلِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ انْتَهَى . وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ قَبْلَ ذَلِكَ أَنَّهُ كَانَ أَوَّلًا يَقُومُ فِي الْمَسْجِدِ ثُمَّ تَرَكَ ذَلِكَ قُلْت فَيَكُونُ لَهُ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) لَمْ يُبَيَّنْ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَدَدُ الرَّكَعَاتِ الَّتِي صَلَّاهُنَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تِلْكَ اللَّيَالِيَ فِي الْمَسْجِدِ وَقَدْ قَالَتْ عَائِشَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { مَا زَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي رَمَضَانَ وَلَا غَيْرِهِ عَلَى إحْدَى عَشْرَةَ رَكْعَةً } فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ كَذَلِكَ فَعَلَ فِي هَذَا الْمَحَلِّ لَكِنَّ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمَّا جَمَعَ النَّاسَ عَلَى صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ مُقْتَدِينَ بِأُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ صَلَّى بِهِمْ عِشْرِينَ رَكْعَةً غَيْرَ الْوِتْرِ وَهُوَ ثَلَاثُ رَكَعَاتٍ وَفِي سُنَنِ الْبَيْهَقِيّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ عَنْ السَّائِبِ بْنِ يَزِيدَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ كَانُوا يَقُومُونَ عَلَى عَهْدِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً . وَرَوَى مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ يَزِيدَ بْنِ رُومَانَ قَالَ كَانَ النَّاسُ يَقُومُونَ فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِثَلَاثٍ وَعِشْرِينَ رَكْعَةً وَفِي رِوَايَةٍ بِإِحْدَى عَشْرَةَ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ يُجْمَعُ بَيْنَ الرِّوَايَاتِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَقُومُونَ بِإِحْدَى عَشْرَةَ ثُمَّ قَامُوا بِعِشْرِينَ وَأَوْتَرُوا بِثَلَاثٍ وَيَزِيدُ بْنُ رُومَانَ لَمْ يُدْرِكْ وَبِهَذَا أَخَذَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عُمَرَ وَعَلِيٍّ وَأُبَيُّ وَشُكَيْلِ بْنِ شَكَلٍ وَابْنِ أَبِي مُلَيْكَةَ وَالْحَارِثِ الْهَمْدَانِيُّ وَأَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهُوَ قَوْلُ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَهُوَ الِاخْتِيَارُ عِنْدَنَا انْتَهَى وَعَدُّوا مَا وَقَعَ فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَالْإِجْمَاعِ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَسُنَنِ الْبَيْهَقِيّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي فِي رَمَضَانَ فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً وَالْوِتْرَ } ضَعَّفَهُ الْبَيْهَقِيُّ وَغَيْرُهُ بِرِوَايَةِ أَبِي شَيْبَةَ جَدِّ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَاخْتَارَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنْ يُصَلِّيَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً غَيْرَ الْوِتْرِ وَقَالَ إنَّ عَلَيْهِ الْعَمَلَ بِالْمَدِينَةِ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ دَاوُد بْنِ قَيْسٍ قَالَ أَدْرَكْت النَّاسَ بِالْمَدِينَةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَأَبَانَ بْنَ عُثْمَانَ يُصَلُّونَ سِتًّا وَثَلَاثِينَ رَكْعَةً وَيُوتِرُونَ بِثَلَاثٍ وَقَالَ صَالِحٌ مَوْلَى التَّوْأَمَةِ أَدْرَكْتُ النَّاسَ يَقُومُونَ بِإِحْدَى وَأَرْبَعِينَ رَكْعَةً يُوتِرُونَ مِنْهَا بِخَمْسٍ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي وَصَالِحٌ ضَعِيفٌ ثُمَّ لَا يَدْرِي مَنْ النَّاسُ الَّذِينَ أَخْبَرَ عَنْهُمْ فَلَعَلَّهُ قَدْ أَدْرَكَ جَمَاعَةً مِنْ النَّاسِ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ وَلَيْسَ ذَلِكَ بِحُجَّةٍ ثُمَّ لَوْ ثَبَتَ أَنَّ أَهْلَ الْمَدِينَةِ كُلَّهُمْ فَعَلُوهُ لَكَانَ مَا فَعَلَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَأَجْمَعَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ فِي عَصْرِهِ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ انْتَهَى وَقَالَ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ وَإِنَّمَا فَعَلَ هَذَا أَهْلُ الْمَدِينَةِ لِأَنَّهُمْ أَرَادُوا مُسَاوَاةَ أَهْلِ مَكَّةَ فَإِنَّ أَهْلَ مَكَّةَ كَانُوا يَطُوفُونَ سَبْعًا بَيْنَ كُلِّ تَرْوِيحَتَيْنِ فَجَعَلَ أَهْلُ الْمَدِينَةِ مَكَانَ كُلِّ سَبْعٍ أَرْبَعَ رَكَعَاتٍ وَقَالَ الْحَلِيمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي مِنْهَاجِهِ فَمَنْ اقْتَدَى بِأَهْلِ مَكَّةَ فَقَامَ بِعِشْرِينَ فَحَسَنٌ وَمَنْ اقْتَدَى بِأَهْلِ الْمَدِينَةِ فَقَامَ بِسِتٍّ وَثَلَاثِينَ فَحَسَنٌ أَيْضًا لِأَنَّهُمْ إنَّمَا أَرَادُوا بِمَا صَنَعُوا الِاقْتِدَاءَ بِأَهْلِ مَكَّةَ فِي الِاسْتِكْثَارِ مِنْ الْفَضْلِ لَا الْمُنَافَسَةَ كَمَا ظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ قَالَ وَمَنْ اقْتَصَرَ عَلَى عِشْرِينَ وَقَرَأَ فِيهَا بِمَا يَقْرَؤُهُ غَيْرُهُ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ كَانَ أَفْضَلَ لِأَنَّ طُولَ الْقِيَامِ أَفْضَلُ مِنْ كَثْرَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ قِيلَ وَالسِّرُّ فِي الْعِشْرِينَ أَنَّ الرَّاتِبَةَ فِي غَيْرِ رَمَضَانَ عَشْرُ رَكَعَاتٍ فَضُوعِفَتْ فِيهِ لِأَنَّهُ وَقْتُ جِدٍّ وَتَشْمِيرٍ انْتَهَى وَلَمَّا وَلِيَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ إمَامَةَ مَسْجِدِ الْمَدِينَةِ أَحَيًّا سُنَّتَهُمْ الْقَدِيمَةَ فِي ذَلِكَ مَعَ مُرَاعَاةِ مَا عَلَيْهِ الْأَكْثَرُ فَكَانَ يُصَلِّي التَّرَاوِيحَ أَوَّلَ اللَّيْلِ بِعِشْرِينَ رَكْعَةً عَلَى الْمُعْتَادِ ثُمَّ يَقُومُ آخِرَ اللَّيْلِ فِي الْمَسْجِدِ بِسِتَّ عَشْرَةَ رَكْعَةً فَيَخْتِمُ فِي الْجَمَاعَةِ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَتْمَتَيْنِ وَاسْتَمَرَّ عَلَى ذَلِكَ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ بَعْدَهُ فَهُمْ عَلَيْهِ إلَى الْآنَ وَكَانَ الْأَسْوَدُ بْنُ يَزِيدَ يُصَلِّي أَرْبَعِينَ رَكْعَةً يُوتِرُ بِسَبْعٍ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَيْسَ فِي شَيْءٍ مِنْ هَذَا ضِيقٌ وَلَا حَدٌّ يُنْتَهَى إلَيْهِ لِأَنَّهُ نَافِلَةٌ فَإِنْ أَطَالُوا الْقِيَامَ وَأَقَلُّوا السُّجُودَ فَحَسَنٌ وَهُوَ أَحَبُّ إلَيَّ وَإِنْ أَكْثَرُوا الرُّكُوعَ وَالسُّجُودَ فَحَسَنٌ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ { اغْتَصَّ الْمَسْجِدُ بِأَهْلِهِ } أَيْ امْتَلَأَ بِهِمْ وَضَاقَ عَنْهُمْ قَالَ فِي الْمَشَارِقِ غَصَّ الْبَيْتُ امْتَلَأَ وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ الْمَنْزِلُ غَاصٌّ بِالْقَوْمِ أَيْ مُمْتَلِئٌ بِهِمْ وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ غَصَّ الْمَكَانُ بِأَهْلِهِ ضَاقَ وَاعْلَمْ أَنَّا كُنَّا ضَبَطْنَا هَذِهِ اللَّفْظَةَ وَهِيَ قَوْلُهُ اغْتَصَّ عَنْ شَيْخِنَا وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ بِضَمِّ التَّاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْمَفْعُولِ ثُمَّ لَمْ أَجِدْ لِذَلِكَ أَصْلًا فِي اللُّغَةِ وَلَمْ أَرَ أَحَدًا ذَكَرَ ذَلِكَ مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي لَمْ تُسْتَعْمَلْ إلَّا مَبْنِيَّةً لِلْمَفْعُولِ فَالصَّوَابُ أَنَّهُ بِفَتْحِ التَّاءِ عَلَى الْبِنَاءِ لِلْفَاعِلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) فِيهِ جَوَازُ النَّافِلَةِ جَمَاعَةً وَإِنْ كَانَ الِاخْتِيَارُ فِيهَا الِانْفِرَادُ إلَّا فِي نَوَافِلَ مَخْصُوصَةٍ وَهِيَ الْعِيدُ وَالْكُسُوفُ وَالِاسْتِسْقَاءُ وَكَذَا التَّرَاوِيحُ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ إلَى اسْتِحْبَابِ الْجَمَاعَةِ فِي مُطْلَقِ النَّوَافِلِ . ( السَّادِسَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ وَفِيهِ جَوَازُ النَّافِلَةِ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنْ كَانَ الْبَيْتُ أَفْضَلَ وَلَعَلَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا فَعَلَهَا فِي الْمَسْجِدِ لِبَيَانِ الْجَوَازِ أَوْ أَنَّهُ كَانَ مُعْتَكِفًا قُلْت قَدْ تَقَدَّمَ اسْتِدْلَالُ الْجُمْهُورِ بِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ الْجَمَاعَةِ فِي صَلَاةِ التَّرَاوِيحِ فِي الْمَسْجِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا فِيهِ جَوَازُ الِاقْتِدَاءِ بِمَنْ لَمْ يَنْوِ إمَامَتَهُ وَهَذَا صَحِيحٌ عَلَى الْمَشْهُورِ مِنْ مَذْهَبِنَا وَمَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ وَلَكِنْ إنْ نَوَى الْإِمَامُ إمَامَتَهُمْ بَعْدَ اقْتِدَائِهِمَا حَصَلَتْ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ لَهُ وَلَهُمْ وَإِنْ لَمْ يَنْوِهَا حَصَلَتْ لَهُمْ فَضِيلَةُ الْجَمَاعَةِ وَلَا تَحْصُلُ لِلْإِمَامِ عَلَى الْأَصَحِّ لِأَنَّهُ لَمْ يَنْوِهَا وَالْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَأَمَّا الْمَأْمُومُونَ فَقَدْ نَوَوْهَا قُلْت هَذِهِ وَاقِعَةٌ مُحْتَمَلَةٌ فَمِنْ أَيْنَ لَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَنْوِ الْإِمَامَةَ حِينَ أَحَسَّ بِاقْتِدَائِهِمْ بِهِ وَالنِّيَّةُ أَمْرٌ بَاطِنٌ لَا يُطَّلَعُ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا وَفِيهِ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَتْ مَصْلَحَةٌ وَخَوْفُ مَفْسَدَةٍ أَوْ مَصْلَحَتَانِ اُعْتُبِرَ أَهَمُّهُمَا لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ رَأَى الصَّلَاةَ فِي الْمَسْجِدِ مَصْلَحَةً لِمَا ذَكَرْنَاهُ فَلَمَّا عَارَضَهُ خَوْفُ الِافْتِرَاضِ عَلَيْهِمْ تَرَكَهُ لِعِظَمِ الْمَفْسَدَةِ الَّتِي تُخَافُ مِنْ عَجْزِهِمْ وَتَرْكِهِمْ لِلْفَرْضِ قُلْت يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِيهِ دَلِيلٌ لِلْقَاعِدَةِ الْمَشْهُورَةِ وَهِيَ تَقْدِيمُ دَرْءِ الْمَفَاسِدِ عَلَى جَلْبِ الْمَصَالِحِ لِأَنَّ اكْتِسَابَهُمْ ثَوَابَ الْعِبَادَةِ مَصْلَحَةٌ وَتَرْكَهُمْ الْفَرْضَ مَفْسَدَةٌ وَفِي هَذَا الْفِعْلِ جَلْبُ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ وَفِي تَرْكِهِ دَرْءُ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ فَقُدِّمَ دَرْءُ تِلْكَ الْمَفْسَدَةِ عَلَى جَلْبِ هَذِهِ الْمَصْلَحَةِ وَالنَّوَوِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ تَرَدَّدَ هَلْ هُوَ مِنْ هَذَا الْبَابِ أَوْ مِنْ تَقْدِيمِ أَهَمِّ الْمَصْلَحَتَيْنِ وَقَدْ عَرَفْتَ مَا قَرَّرْنَاهُ أَنَّهُ مِنْ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( التَّاسِعَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ أَيْضًا وَفِيهِ أَنَّ الْإِمَامَ وَكَبِيرَ الْقَوْمِ إذَا فَعَلَ شَيْئًا خِلَافَ مَا يَتَوَقَّعُهُ أَتْبَاعُهُ وَكَانَ لَهُ فِيهِ عُذْرٌ يَذْكُرُهُ لَهُمْ تَطْيِيبًا لِقُلُوبِهِمْ وَإِصْلَاحًا لِذَاتِ الْبَيْنِ لِئَلَّا يَظُنُّوا خِلَافَ هَذَا وَرُبَّمَا ظَنُّوا ظَنَّ السُّوءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَوْلُهُ { وَلَكِنِّي خَشِيت أَنْ تُكْتَبَ عَلَيْهِمْ } ظَاهِرُهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ تَوَقَّعَ تَرَتُّبَ افْتِرَاضِ قِيَامِ رَمَضَانَ فِي جَمَاعَةٍ عَلَى مُوَاظَبَتِهِمْ عَلَيْهِ وَفِي ارْتِبَاطِ افْتِرَاضِ الْعِبَادَةِ بِالْمُوَاظَبَةِ عَلَيْهَا إشْكَالٌ وَلَعَلَّ لِلْحَدِيثِ مَعْنًى غَيْرَ ظَاهِرِهِ وَلَمْ أَرَ مَنْ كَشَفَ الْغِطَاءَ فِي ذَلِكَ وَقَدْ تَقَدَّمَ شَيْءٌ مِنْ الْكَلَامِ عَلَى ذَلِكَ فِي صَلَاةِ الضُّحَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى أَنَّهُ لَا يُؤَذَّنُ وَلَا يُقَامُ لِشَيْءٍ مِنْ النَّوَافِلِ وَإِنْ فُعِلَتْ فِي جَمَاعَةٍ لِأَنَّهُ لَوْ وَقَعَ ذَلِكَ لَنُقِلَ وَهُوَ إجْمَاعٌ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ { فَتُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ } رَوَاهُ فِي الصِّيَامِ وَمَعْنَاهُ وَالْأَمْرُ عَلَى أَنَّ كُلَّ أَحَدٍ يُصَلِّي قِيَامَ رَمَضَانَ فِي بَيْتِهِ مُنْفَرِدًا حَتَّى جَمَعَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ النَّاسَ عَلَى أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ فَصَلَّى بِهِمْ جَمَاعَةً وَاسْتَمَرَّ الْعَمَلُ عَلَى ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) فِي رِوَايَةِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ عِنْدَ مُسْلِمٍ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا قَضَى صَلَاةَ الْفَجْرِ أَقْبَلَ عَلَى النَّاسِ ثُمَّ تَشَهَّدَ فَقَالَ أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّهُ لَمْ يَخْفَ عَلَيَّ شَأْنُكُمْ اللَّيْلَةَ } قَالَ النَّوَوِيُّ فِيهِ أَنَّهُ يُقَالُ جَرَى اللَّيْلَةَ كَذَا وَإِنْ كَانَ بَعْدَ الصُّبْحِ وَهَكَذَا يُقَالُ اللَّيْلَةُ إلَى زَوَالِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ الزَّوَالِ يُقَالُ الْبَارِحَةُ انْتَهَى لَكِنْ فِي الرِّوَايَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ { أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ مَا زَالَ النَّاسُ يَنْتَظِرُونَك الْبَارِحَةَ } وَمُقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ جَرَى بَعْدَ الزَّوَالِ وَيُحْتَمَلُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ ذَلِكَ الْكَلَامَ بَعْدَ الصُّبْحِ ثُمَّ كَرَّرَ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سُؤَالَهُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الرَّاوِيَ تَجَوَّزَ فِي إحْدَى اللَّفْظَتَيْنِ إمَّا اللَّيْلَةُ أَوْ الْبَارِحَةُ هَذَا إنْ سَلِمَ مَا ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ مِنْ التَّفْرِقَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . بَابُ تَعَاهُدِ الْقُرْآنِ وَحُسْنِ الْقِرَاءَةِ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ إنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ } زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ { وَإِذَا قَامَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ذَكَرَهُ وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ } ( بَابُ تَعَاهُدِ الْقُرْآنِ وَحُسْنِ الْقِرَاءَةِ ) ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إنَّمَا مَثَلُ صَاحِبِ الْقُرْآنِ كَمَثَلِ صَاحِبِ الْإِبِلِ الْمُعَقَّلَةِ إنْ عَاهَدَ عَلَيْهَا أَمْسَكَهَا وَإِنْ أَطْلَقَهَا ذَهَبَتْ } فِيهِ ) فَوَائِدُ : . ( الْأُولَى ) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَمُسْلِمٍ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَمُسْلِمٌ وَحْدَهُ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ وَزَادَ فِي حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ { وَإِذَا قَامَ صَاحِبُ الْقُرْآنِ فَقَرَأَهُ بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } ذَكَرَهُ { وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ } . ( الثَّانِيَةُ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ مَعْنَى صَاحِبِ الْقُرْآنِ أَيْ الَّذِي أَلِفَهُ وَالْمُصَاحَبَةُ الْمُؤَالَفَةُ وَمِنْهُ صَاحِبُ فُلَانٍ وَأَصْحَابُ الْجَنَّةِ وَأَصْحَابُ النَّارِ وَأَصْحَابُ الْحَدِيثِ وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ وَأَصْحَابُ الصُّفَّةِ وَأَصْحَابُ إبِلٍ وَغَنَمٍ وَصَاحِبُ كِبْرٍ وَصَاحِبُ عِبَادَةٍ انْتَهَى . وَقَوْلُهُ الَّذِي أَلِفَهُ يَصْدُقُ بِأَنْ يَأْلَفَ تِلَاوَتَهُ فِي الْمُصْحَفِ مَعَ كَوْنِهِ غَيْرَ حَافِظٍ لَهُ لَكِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ الْمُرَادَ بِصَاحِبِ الْقُرْآنِ حَافِظُهُ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ الزِّيَادَةُ الَّتِي أَخْرَجَهَا مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ وَإِذَا لَمْ يَقُمْ بِهِ نَسِيَهُ وَلَوْلَا هَذِهِ الزِّيَادَةُ لَأَمْكَنَ دُخُولُ تِلْكَ الصُّورَةِ فِي الْحَدِيثِ بِأَنْ يُقَالَ إنَّ غَيْرَ الْحَافِظِ الَّذِي أَلِفَ التِّلَاوَةَ فِي الْمُصْحَفِ مَا دَامَ مُسْتَمِرًّا عَلَى ذَلِكَ يَدُلُّ لِسَانُهُ بِهِ وَيَسْهُلُ عَلَيْهِ قِرَاءَتُهُ فَإِذَا هَجَرَ ذَلِكَ ثَقُلَ عَلَيْهِ وَصَارَ فِي الْقِرَاءَةِ عَلَيْهِ مَشَقَّةٌ وَقَدْ صَرَّحَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بِاعْتِبَارِ الْحِفْظِ فِي ذَلِكَ فَقَالَ وَصَاحِبُ الْقُرْآنِ هُوَ الْحَافِظُ لَهُ الْمُشْتَغِلُ بِهِ الْمُلَازِمُ لِتِلَاوَتِهِ . ( الثَّالِثَةُ ) الْمُعَقَّلَةُ بِضَمِّ الْمِيمِ وَفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَالْقَافِ وَتَشْدِيدِهَا هِيَ الْمَشْدُودَةُ بِالْعُقُلِ بِضَمِّ الْعَيْنِ وَالْقَافِ وَهُوَ جَمْعُ عِقَالٍ بِكَسْرِ الْعَيْنِ وَالْمُرَادُ بِهِ الْحَبْلُ الَّذِي تُشَدُّ بِهِ رُكْبَةُ الْبَعِيرِ شَبَّهَ دَرْسَ الْقُرْآنِ وَاسْتِمْرَارَ تِلَاوَتِهِ بِالْعِقَالِ الَّذِي يَمْنَعُ الْبَعِيرَ مِنْ الشِّرَادِ فَمَا دَامَ الدَّرْسُ مَوْجُودًا فَالْحِفْظُ مُسْتَمِرٌّ وَمَا دَامَ الْعِقَالُ مَوْثُوقًا فَالْبَعِيرُ مَحْفُوظٌ وَخَصَّ الْإِبِلَ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهَا أَشَدُّ الْحَيَوَانَاتِ الْإِنْسِيَّةِ شِرَادًا وَنُفُورًا وَتَحْصِيلُهَا بَعْدَ نُفُورِهَا أَشَقُّ وَأَصْعَبُ مِنْ تَحْصِيلِ غَيْرِهَا بَعْدَ نُفُورِهِ وَلِهَذَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ } وَقَالَ فِيمَا رُوِيَ عَنْهُ { إنَّ عَلَى ذِرْوَةِ سَنَامِ كُلِّ بَعِيرٍ شَيْطَانَ } . ( الرَّابِعَةُ ) الْمُعَاهَدَةُ عَلَى الشَّيْءِ وَالتَّعَاهُدُ عَلَيْهِ الِاحْتِفَاظُ بِهِ وَالْمُلَازَمَةُ لَهُ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ { إنْ تَعَاهَدَ عَلَيْهَا وَمِنْهُ أَشَدُّ تَعَاهُدًا عَلَى رَكْعَتَيْ الْفَجْرِ } . ( الْخَامِسَةُ ) فِيهِ الْحَثُّ عَلَى تَعَاهُدِ الْقُرْآنِ بِالتِّلَاوَةِ وَالدَّرْسِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ تَعْرِيضِهِ لِلنِّسْيَانِ بِإِهْمَالِ تِلَاوَتِهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا { بِئْسَمَا لِأَحَدِكُمْ أَنْ يَقُولَ نَسِيت آيَةَ كَيْتَ وَكَيْتَ بَلْ هُوَ نُسِّيَ . اسْتَذْكِرُوا الْقُرْآنَ فَلَهُوَ أَشَدُّ تَفَصِّيًا مِنْ صُدُورِ الرِّجَالِ مِنْ النَّعَمِ بِعُقُلِهَا } . وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ مَرْفُوعًا { تَعَاهَدُوا هَذَا الْقُرْآنَ فَوَاَلَّذِي نَفْسُ مُحَمَّدٍ بِيَدِهِ لَهُوَ أَشَدُّ تَفَلُّتًا مِنْ الْإِبِلِ فِي عُقُلِهَا } . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ عَنْ أَنَسٍ مَرْفُوعًا { عُرِضَتْ عَلَيَّ ذُنُوبُ أُمَّتِي فَلَمْ أَرَ ذَنْبًا أَعْظَمَ مِنْ سُورَةٍ مِنْ الْقُرْآنِ أَوْ آيَةٍ أُوتِيَهَا رَجُلٌ ثُمَّ نَسِيَهَا } ، تَكَلَّمَ فِيهِ التِّرْمِذِيُّ ، وَفِي التَّنْزِيلِ { وَقَالَ الرَّسُولُ يَا رَبِّ إنَّ قَوْمِي اتَّخَذُوا هَذَا الْقُرْآنَ مَهْجُورًا } وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ مَرْفُوعًا { مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ ثُمَّ نَسِيَهُ لَقِيَ اللَّهَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَجْذَمَ } ، قِيلَ مَعْنَاهُ مَقْطُوعُ الْيَدِ وَقِيلَ مَقْطُوعُ الْحُجَّةِ وَقِيلَ مُنْقَطِعُ السَّبَبِ وَقِيلَ خَالِي الْيَدِ مِنْ الْخَيْرِ صِفْرَهَا مِنْ الثَّوَابِ وَقَدْ ذَكَرَ صَاحِبُ الْعُدَّةِ وَهُوَ أَبُو الْمَكَارِمِ الرُّويَانِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا أَنَّ نِسْيَانَ الْقُرْآنِ مِنْ الْكَبَائِرِ . ( السَّادِسَةُ ) لَيْسَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ تَقْدِيرُ مُدَّةٍ مَخْصُوصَةٍ لِلزَّمَنِ الَّذِي يَخْتِمُ فِيهِ الْقُرْآنَ لَكِنْ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ يَتْلُوهُ عَلَى وَجْهٍ لَوْ نَقَصَ عَنْهُ لَأَدَّى إلَى نِسْيَانِهِ أَوْ نِسْيَانِ شَيْءٍ مِنْهُ وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي تَمَكُّنِهِمْ مِنْ الْحِفْظِ وَفِي سُرْعَةِ النِّسْيَانِ وَبُطْئِهِ وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ يَخْتِمُونَهُ فِي كُلِّ سَبْعٍ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ عَنْ أَوْسِ بْنِ حُذَيْفَةَ قَالَ { قُلْنَا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَقَدْ أَبْطَأْتَ عَنَّا اللَّيْلَةَ قَالَ إنَّهُ طَرَأَ عَلَيَّ حِزْبِي مِنْ الْقُرْآنِ فَكَرِهْت أَنْ أَجِيءَ حَتَّى أَخْتِمَهُ } . قَالَ أَوْسٌ سَأَلْت أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفَ تُحَزِّبُونَ الْقُرْآنَ ؟ قَالُوا ثَلَاثٌ وَخَمْسٌ وَسَبْعٌ وَتِسْعٌ وَإِحْدَى عَشْرَةَ وَثَلَاثَةَ عَشْرَةَ وَحِزْبُ الْمُفَصَّلِ وَحْدَهُ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَاقْرَأْ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ قُلْت إنِّي أَجِدُ قُوَّةً حَتَّى قَالَ فَاقْرَأْهُ فِي سَبْعٍ وَلَا تَزِدْ عَلَى ذَلِكَ } وَمِمَّنْ كَانَ يَخْتِمُهُ فِي كُلِّ سَبْعَةِ أَيَّامٍ تَمِيمٌ الدَّارِيِّ وَعَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَزِيدَ وَإِبْرَاهِيمُ النَّخَعِيّ وَعُرْوَةُ بْنُ الزُّبَيْرِ وَأَبُو مِجْلَزٍ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَامْرَأَةُ ابْنِ مَسْعُودٍ وَاسْتَحْسَنَهُ مَسْرُوقٌ وَمِمَّنْ كَانَ يَخْتِمُهُ فِي ثَمَانٍ أُبَيٌّ وَأَبُو قِلَابَةَ وَمِمَّنْ كَانَ يَخْتِمُهُ فِي سِتٍّ الْأَسْوَدِ بْنُ يَزِيدَ وَمِمَّنْ كَانَ يَخْتِمُهُ فِي خَمْسٍ عَلْقَمَةُ بْنُ قَيْسٍ وَمِمَّنْ كَانَ يَخْتِمُهُ فِي ثَلَاثٍ ابْنُ مَسْعُودٍ وَقَالَ مَنْ قَرَأَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ فَهُوَ رَاجِزٌ . وَكَرِهَ ذَلِكَ مُعَاذٌ وَكَانَ الْمُسَيِّبُ بْنُ رَافِعٍ يَخْتِمُهُ فِي كُلِّ ثَلَاثٍ ثُمَّ يُصْبِحُ الْيَوْمَ الَّذِي يَخْتِمُ فِيهِ صَائِمًا رَوَاهَا كُلَّهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ وَرَوَى ابْنُ أَبِي دَاوُد عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَخْتِمُونَ فِي شَهْرَيْنِ خَتْمَةً وَاحِدَةً وَعَنْ بَعْضِهِمْ فِي كُلِّ شَهْرٍ خَتْمَةً وَعَنْ بَعْضِهِمْ فِي كُلِّ عَشْرِ لَيَالٍ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ أَكْثَرُ مَا سَمِعْت أَنَّهُ يُخْتَمُ الْقُرْآنُ فِي أَرْبَعِينَ وَكَرِهَ الْحَنَابِلَةُ تَأْخِيرَهُ عَنْ ذَلِكَ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ وَفِي كَمْ يُقْرَأُ الْقُرْآنُ قَالَ فِي أَرْبَعِينَ يَوْمًا ثُمَّ قَالَ فِي شَهْرٍ ثُمَّ قَالَ فِي عِشْرِينَ ثُمَّ قَالَ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ ثُمَّ قَالَ فِي عَشْرٍ ثُمَّ قَالَ فِي سَبْعٍ لَمْ يَنْزِلْ مِنْ سَبْعٍ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد قَالُوا وَلِأَنَّ تَأْخِيرَهُ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ يُفْضِي إلَى النِّسْيَانِ وَالتَّهَاوُنِ بِهِ قَالُوا وَهَذَا إذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ عُذْرٌ فَأَمَّا مَعَ الْعُذْرِ فَوَاسِعٌ لَهُ وَاسْتَحَبُّوا أَنْ يَخْتِمَهُ فِي سَبْعٍ وَقَالُوا إنْ قَرَأَهُ فِي ثَلَاثٍ فَحَسَنٌ لِمَا رُوِيَ { عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرُو قَالَ قُلْت لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّ بِي قُوَّةً قَالَ اقْرَأْهُ فِي ثَلَاثٍ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ قَالَ أَكْرَهُ أَنْ يَقْرَأَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَجَعَلَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ قِرَاءَتَهُ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ حَرَامًا فَقَالَ يُسْتَحَبُّ أَنْ يَخْتِمَ الْقُرْآنَ مَرَّةً فِي كُلِّ شَهْرٍ وَيُكْرَهُ أَنْ يَخْتِمَ فِي أَقَلَّ مِنْ خَمْسَةِ أَيَّامٍ فَإِذَا فَعَلَ فَفِي ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ لَا يَجُوزُ أَنْ يَخْتِمَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقْرَأَ أَكْثَرَ مِنْ ثُلُثِ الْقُرْآنِ فِي يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ ثُمَّ اسْتَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ { لَا يَفْقَهُ مَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ } . وَلَا حُجَّةَ فِي ذَلِكَ عَلَى تَحْرِيمِهِ وَلَا يُقَالُ إنَّ كُلَّ مَنْ لَمْ يَتَفَقَّهْ فِي الْقُرْآنِ فَقَدْ ارْتَكَبَ مُحَرَّمًا وَمُرَادُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُمْكِنُ مَعَ قِرَاءَتِهِ فِي أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثٍ التَّفَقُّهُ فِيهِ وَالتَّدَبُّرُ لِمَعَانِيهِ وَلَا يَتَّسِعُ الزَّمَانُ لِذَلِكَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ قِرَاءَةُ الْقُرْآنِ كُلِّهِ فِي رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْهُمْ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَتَمِيمٌ الدَّارِيِّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَعَنْ عَلِيٍّ الْأَزْدِيِّ وَعَلْقَمَةَ قِرَاءَتُهُ فِي لَيْلَةٍ وَاحِدَةٍ رَوَاهَا كُلَّهَا ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ وَكَانَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ يَخْتِمُ الْقُرْآنَ فِي كُلِّ يَوْمٍ وَلَيْلَةٍ فَإِذَا كَانَ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ خَتَمَ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ مَرَّتَيْنِ وَكَانَ الْأَسْوَدُ يَخْتِمُهُ فِي رَمَضَانَ فِي لَيْلَتَيْنِ وَفِي سِوَاهُ فِي سِتٍّ وَكَانَ بَعْضُهُمْ يَزِيدُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : كَانَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَجَمَاعَةٌ يَخْتِمُونَ الْقُرْآنَ مَرَّتَيْنِ وَأَكْثَرَ فِي لَيْلَةٍ وَقَالَ النَّوَوِيُّ وَأَكْثَرُ مَا بَلَغَنَا فِي ذَلِكَ عَنْ ابْنِ الْكَاتِبِ أَنَّهُ كَانَ يَقْرَأُ فِي الْيَوْمِ وَاللَّيْلَةِ ثَمَانِ خِتْمَاتٍ وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ لَا تَقْدِيرَ فِي ذَلِكَ وَإِنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ النَّشَاطِ وَالْقُوَّةِ وَالتَّرْتِيلُ أَفْضَلُ مِنْ الْعَجَلَةِ . وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ لَأَنْ أَقْرَأَ الْقُرْآنَ فِي شَهْرٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَهُ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ وَلَأَنْ أَقْرَأَهُ فِي خَمْسَ عَشْرَةَ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَهُ فِي عَشْرٍ وَلَأَنْ أَقْرَأَهُ فِي عَشْرٍ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَقْرَأَهُ فِي سَبْعٍ أَقِفُ وَأَدْعُو . ( السَّابِعَةُ ) وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ ضَرْبِ الْأَمْثَالِ لِإِيضَاحِ الْمَقَاصِدِ . ( الثَّامِنَةُ ) إنْ قُلْت مُقْتَضَى الْحَدِيثِ عَلَى الْقَوْلِ بِدَلَالَةِ إنَّمَا عَلَى الْحَصْرِ أَنَّهُ لَا مَثَلَ لِصَاحِبِ الْقُرْآنِ سِوَى الْمَثَلِ الْمَذْكُورِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ مَعَ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدْ ضَرَبَ لَهُ أَمْثَالًا أُخْرَى فَمِنْهَا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { مَثَلُ الْمُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ الْقُرْآنَ مَثَلُ الْأُتْرُجَّةِ رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ } . قُلْت الْمُرَادُ حَصْرُ مَثَلِهِ فِي هَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى أَمْرٍ مَخْصُوصِ وَهُوَ دَوَامُ حِفْظِهِ بِالدَّرْسِ وَنِسْيَانِهِ بِالتَّرْكِ فَهُوَ فِي حِفْظِهِ بِالدَّرْسِ كَحَافِظِ الْبَعِيرِ بِالْعَقْلِ وَفِي نِسْيَانِهِ بِالتَّرْكِ كَمُضَيِّعِ الْبَعِيرِ بِعَدَمِ الْعَقْلِ وَأَمَّا بِالنِّسْبَةِ إلَى أُمُورٍ أُخْرَى فَلَهُ أَمْثِلَةٌ أُخْرَى وَالْحَصْرُ وَإِنْ كَانَ ظَاهِرُهُ الْعُمُومَ فَهُوَ حَصْرٌ مَخْصُوصٌ وَلَهُ نَظَائِرُ مَعْرُوفَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ صَوْتَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَهُوَ يَقْرَأُ فَقَالَ لَقَدْ أُوتِيَ أَبُو مُوسَى مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد } رَوَاهُ النَّسَائِيّ ، وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ بُرَيْدَةَ { إنَّ الْأَشْعَرِيَّ أُعْطِيَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد } . وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى { لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا } الْحَدِيثَ زَادَ مُسْلِمٌ فِي أَوَّلِهِ { لَوْ رَأَيْتنِي وَأَنَا أَسْمَعُ قِرَاءَتَك الْبَارِحَةَ } . ( الْحَدِيثُ الثَّانِي ) عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ صَوْتَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَهُوَ يَقْرَأُ فَقَالَ لَقَدْ أُوتِيَ أَبُو مُوسَى مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد } رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي مُوسَى . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) قَوْلُهُ { مِنْ مَزَامِيرِ نَعْتٌ لِمَحْذُوفٍ أَيْ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد وَيَدُلُّ عَلَى هَذَا الْمَحْذُوفِ التَّصْرِيحُ بِهِ فِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى الْمُتَّفَقِ عَلَيْهِ } لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُد وَالْمُرَادُ بِالْمِزْمَارِ هُنَا الصَّوْتُ الْحَسَنُ وَأَصْلُهُ الْآلَةُ الَّتِي يُزَمَّرُ بِهَا شَبَّهَ حُسْنَ صَوْتِهِ وَحَلَاوَةَ نَغْمَتِهِ بِصَوْتِ الْمِزْمَارِ . ( الثَّانِيَةُ ) آلُ دَاوُد هُنَا هُوَ دَاوُد نَفْسُهُ وَآلُ فُلَانٍ قَدْ يُطْلَقُ عَلَى نَفْسِهِ وَلَفْظُ الْآلِ مُقْحَمٌ وَقِيلَ مَعْنَاهُ هُنَا الشَّخْصُ وَدَاوُد هَذَا هُوَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَدْ كَانَ إلَيْهِ الْمُنْتَهَى فِي حُسْنِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَحْسِينِ الصَّوْتِ بِالْقِرَاءَةِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَذَلِكَ يَكُونُ بِالتَّرْتِيلِ وَهُوَ التَّأَنِّي فِي التِّلَاوَةِ وَبِالْحَدْرِ وَالتَّحْزِينِ قَالَ أَبُو الْفَرَجِ الزَّازُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَالْحَدْرُ أَنْ يَرْفَعَ الصَّوْتَ مَرَّةً وَيَخْفِضَهُ أُخْرَى وَالتَّحْزِينُ أَنْ يُلَيِّنَ الصَّوْتَ وَلَمْ أَرَ فِي كَلَامِ أَهْلِ اللُّغَةِ ذِكْرَ الْحَدْرِ بِالْمَعْنَى الَّذِي ذَكَرَهُ الزَّازُ وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ حَدَرَ فِي قِرَاءَتِهِ وَفِي أَذَانِهِ أَسْرَعَ ( الرَّابِعَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْقِرَاءَةِ بِالْأَلْحَانِ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ وَقَالَ بِكَرَاهَتِهَا مَالِكٌ وَأَحْمَدُ وَالْجُمْهُورُ وَنَقَلَ الْمُزَنِيّ وَالرَّبِيعُ الْمُرَادِيُّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهَا وَنَقَلَ عَنْهُ الرَّبِيعُ الْجِيزِيُّ أَنَّهَا مَكْرُوهَةٌ قَالَ أَصْحَابُنَا وَلَيْسَ فِي هَذَا اخْتِلَافُ قَوْلٍ وَلَكِنْ مَوْضِعُ الْكَرَاهَةِ أَنْ يُفَرِّطَ فِي الْمَدِّ وَفِي إشْبَاعِ الْحَرَكَاتِ حَتَّى يَتَوَلَّدَ مِنْ الْفَتْحَةِ أَلِفٌ وَمِنْ الضَّمَّةِ وَاوٌ وَمِنْ الْكَسْرَةِ يَاءٌ أَوْ تُدْغَمُ فِي غَيْرِ مَوْضِعِ الْإِدْغَامِ فَإِنْ لَمْ يَنْتَهِ إلَى هَذَا الْحَدِّ فَلَا كَرَاهَةَ وَكَذَا حَمَلَ الْحَنَابِلَةُ نَصَّ إمَامِهِمْ عَلَى الْكَرَاهَةِ عَلَى هَذِهِ الصُّورَةِ وَهِيَ كَرَاهَةُ تَنْزِيهٍ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ الصَّحِيحُ إنَّهُ إذَا أَفْرَطَ عَلَى الْوَجْهِ الْمَذْكُورِ فَهُوَ حَرَامٌ صَرَّحَ بِهِ صَاحِبُ الْحَاوِي فَقَالَ هُوَ حَرَامٌ يَفْسُقُ بِهِ الْقَارِئُ وَيَأْثَمُ الْمُسْتَمِعُ لِأَنَّهُ عَدَلَ بِهِ عَنْ نَهْجِهِ الْقَوِيمِ وَهَذَا مُرَادُ الشَّافِعِيِّ بِالْكَرَاهَةِ وَذَكَرَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ أَنَّ تَصْحِيحَ النَّوَوِيِّ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِكَلَامِ الشَّافِعِيِّ وَالْأَصْحَابِ فَلَا مُعَوِّلَ عَلَيْهِ قَالَ ثُمَّ إنَّ الْقَوْلَ بِالتَّفْسِيقِ بِتَقْدِيرِ التَّحْرِيمِ مُشْكِلٌ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ بَلْ الصَّوَابُ عَلَى هَذَا التَّقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ صَغِيرَةً انْتَهَى . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ الْخِلَافَ فِي ذَلِكَ وَلَا شَكَّ أَنَّ مَوْضِعَ الْخِلَافِ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ إنَّمَا هُوَ إذَا لَمْ يُغَيِّرْ لَفْظَ الْقُرْآنِ بِزِيَادَةٍ أَوْ نُقْصَانٍ أَوْ يُبْهِمْ مَعْنَاهُ بِتَرْدِيدِ الْأَصْوَاتِ فَلَا يُفْهَمُ مَعْنَى الْقُرْآنِ فَإِنَّ هَذَا مِمَّا لَا يَشُكُّ فِي تَحْرِيمِهِ فَأَمَّا إذَا سَلِمَ مِنْ ذَلِكَ وَحَذَا بِهِ حَذْوَ أَسَالِيبِ الْغِنَاءِ وَالتَّطْرِيبِ وَالتَّحْزِينِ فَقَطْ فَقَالَ مَالِكٌ يَنْبَغِي أَنْ تُنَزَّهَ أَذْكَارُ اللَّهِ وَقِرَاءَةُ الْقُرْآنِ عَنْ التَّشَبُّهِ بِأَحْوَالِ الْمُجُونِ وَالْبَاطِلِ فَإِنَّهَا حَقٌّ وَجِدٌّ وَصِدْقٌ وَالْغِنَاءُ هَزْلٌ وَلَهْوٌ وَلَعِبٌ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ هُوَ الصَّحِيحُ انْتَهَى . ( الْخَامِسَةُ ) وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَفِي حَدِيثِ أَبِي مُوسَى جَوَازُ مَدْحِ الْإِنْسَانِ فِي وَجْهِهِ إذَا لَمْ يَخْشَ مِنْ ذَلِكَ مَفْسَدَةً لِحُصُولِ الْعُجْبِ لِلْمَمْدُوحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . بَابُ الدُّعَاءِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ ، اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ } وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { كَانَ يَدْعُو فِي الصَّلَاةِ } فَذَكَرَا نَحْوَهُ وَزَادَا { اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ } . بَابُ الدُّعَاءِ ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو بِهَؤُلَاءِ الْكَلِمَاتِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ النَّارِ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ الدَّسْتُوَائِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ بِلَفْظِ { إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ فَلْيَسْتَعِذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ يَقُولُ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك مِنْ عَذَابِ جَهَنَّمِ وَمِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَمِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَمِنْ شَرِّ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ } وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ الْأَوْزَاعِيِّ عَنْ حَسَّانَ بْنِ عَطِيَّةَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا فَرَغَ أَحَدُكُمْ مِنْ التَّشَهُّدِ الْآخَرِ فَلْيَتَعَوَّذْ بِاَللَّهِ مِنْ أَرْبَعٍ } فَذَكَرَهَا وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ التَّشَهُّدِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْآخَرَ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ طَاوُوسٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مَرْفُوعًا بِلَفْظِ : { عَوِّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ اللَّهِ عَوِّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ عَوِّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ عَوِّذُوا بِاَللَّهِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ } ، وَلَهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ طُرُقٌ أُخْرَى . ( الثَّانِيَةُ ) اسْتِعَاذَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذِهِ الْأُمُورِ مَعَ أَنَّهُ مُعَاذٌ مِنْهَا قَطْعًا فَائِدَتُهُ إظْهَارُ الْخُضُوعِ وَالِاسْتِكَانَةِ وَالْعُبُودِيَّةِ وَالِافْتِقَارِ وَلِيَقْتَدِيَ بِهِ غَيْرُهُ فِي ذَلِكَ وَيُشَرِّعَ لِأُمَّتِهِ . ( الثَّالِثَةُ ) لَمْ يُبَيِّنْ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمَحَلَّ الَّذِي كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْتِي فِيهِ بِهَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ عَائِشَةَ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَدْعُو بِذَلِكَ فِي صَلَاتِهِ } وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ الْأَمْرُ بِذَلِكَ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ التَّشَهُّدِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ تَقْيِيدُ ذَلِكَ بِالْأَخِيرِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى فَفِيهِ اسْتِحْبَابُ الْإِتْيَانِ بِهَذَا الدُّعَاءِ بَعْدَ التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَزَادَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ عَلَى ذَلِكَ فَقَالَ بِوُجُوبِهِ وَلَمْ يَخُصَّ ذَلِكَ بِالتَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فَقَالَ وَيَلْزَمُهُ فَرْضًا أَنْ يَقُولَ إذَا فَرَغَ مِنْ التَّشَهُّدِ فِي كِلْتَا الْجِلْسَتَيْنِ اللَّهُمَّ إنِّي أَعُوذُ بِك فَذَكَرَهَا قَالَ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ طَاوُوسٍ أَنَّهُ صَلَّى ابْنُهُ بِحَضْرَتِهِ فَقَالَ لَهُ ذَكَرْت هَذِهِ الْكَلِمَاتِ ؟ قَالَ لَا ، فَأَمَرَهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ انْتَهَى وَهَذَا الْآثَرُ عَنْ طَاوُسٍ ذَكَرَهُ مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ . بَلَاغًا بِغَيْرِ إسْنَادٍ . قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ : وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ حَمَلَ أَمْرَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ ظَاهِرُ كَلَامِ طَاوُسٍ أَنَّهُ حَمَلَ الْأَمْرَ بِهِ عَلَى الْوُجُوبِ فَأَمَرَ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ لِفَوَاتِهِ وَجُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى إنَّهُ مُسْتَحَبٌّ لَيْسَ بِوَاجِبٍ وَلَعَلَّ طَاوُوسًا أَرَادَ تَأْدِيبَ ابْنِهِ وَتَأْكِيدَ هَذَا الدُّعَاءِ عِنْدَهُ لَا أَنَّهُ يَعْتَقِدُ وُجُوبَهُ انْتَهَى . وَكَذَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ إنَّمَا أَمَرَهُ بِالْإِعَادَةِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِ لِئَلَّا يَتَهَاوَنَ بِتِلْكَ الدَّعَوَاتِ فَيَتْرُكَهَا فَيُحْرَمَ فَائِدَتَهَا وَثَوَابَهَا انْتَهَى وَمَا ذَكَرَهُ ابْنُ حَزْمٍ مِنْ وُجُوبِ ذَلِكَ عَقِبَ التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ لَمْ يُوَافِقْهُ عَلَيْهِ أَحَدٌ ثُمَّ إنَّهُ تَرُدُّهُ الرِّوَايَةُ الَّتِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا مِنْ عِنْدِ مُسْلِمٍ الَّتِي فِيهَا تَقْيِيدُ التَّشَهُّدِ بِالْأَخِيرِ فَوَجَبَ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ لَا سِيَّمَا وَالْحَدِيثُ وَاحِدٌ مَدَارُهُ عَلَى أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . وَقَدْ أَوْرَدَ ابْنُ حَزْمٍ هَذِهِ الرِّوَايَةَ عَلَى نَفْسِهِ وَقَالَ فَهَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ وَزِيَادَةُ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ زِيَادَةُ عَدْلٍ فَهِيَ مَقْبُولَةٌ فَإِنَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ فِي التَّشَهُّدِ الْأَخِيرِ فَقَطْ ثُمَّ أَجَابَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ لَوْ لَمْ يَكُنْ إلَّا حَدِيثُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ وَحْدَهُ لَكَانَ مَا ذَكَرْت لَكِنَّهُمَا حَدِيثَانِ كَمَا أَوْرَدْنَا أَحَدَهُمَا مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ وَالثَّانِي مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي عَائِشَةَ وَإِنَّمَا زَادَ الْوَلِيدُ عَلَى وَكِيعِ بْنِ الْجَرَّاحِ وَبَقِيَ خَبَرُ أَبِي سَلَمَةَ عَلَى عُمُومِهِ فِيمَا يَقَعُ عَلَيْهِ اسْمُ تَشَهُّدٍ انْتَهَى وَهُوَ مَرْدُودٌ لِأَنَّ مُحَمَّدَ بْنَ أَبِي عَائِشَةَ وَأَبَا سَلَمَةَ كِلَاهُمَا يَرْوِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فَهُوَ حَدِيثٌ وَاحِدٌ لَا حَدِيثَانِ ثُمَّ إنَّ سُنَّةَ الْجُلُوسِ الْأَوَّلِ التَّخْفِيفُ فِيهِ عِنْدَ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَغَيْرِهِمْ وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { كَانَ فِي الرَّكْعَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ كَأَنَّهُ عَلَى الرَّضْفِ } قُلْنَا حَتَّى يَقُومَ قَالَ حَتَّى يَقُومَ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّ مَنْ زَادَ فِيهِ عَلَى التَّشَهُّدِ ، عَلَيْهِ سَجْدَتَا السَّهْوِ وَعَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ أَبَاحَ أَنْ يَدْعُوَ فِيهِ بِمَا بَدَا لَهُ وَلَمْ يَسْتَحْضِرْ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ الْمُقَيَّدَةَ بِالْأَخِيرِ فَقَالَ قَوْلُهُ { إذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُمْ } . عَامٌّ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَالْأَخِيرِ وَقَدْ اشْتَهَرَ بَيْنَ الْفُقَهَاءِ التَّخْفِيفُ فِي التَّشَهُّدِ الْأَوَّلِ وَعَدَمُ اسْتِحْبَابِ الذِّكْرِ بَعْدَهُ حَتَّى سَامَحَ بَعْضُهُمْ فِي الصَّلَاةِ عَلَى الْأَوَّلِ فِيهِ وَالْعُمُومُ الَّذِي ذَكَرْنَاهُ يَقْتَضِي الطَّلَبَ لِهَذَا الدُّعَاءِ فَمَنْ خَصَّهُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ دَلِيلٍ رَاجِحٍ وَإِنْ كَانَ نَصًّا فَلَا بُدَّ مِنْ صِحَّتِهِ انْتَهَى وَقَدْ عَرَفْت الْمُخَصِّصَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ قَدْ ظَهَرَتْ الْعِنَايَةُ بِالدُّعَاءِ بِهَذِهِ الْأُمُورِ حَيْثُ أُمِرْنَا بِهَا فِي كُلِّ صَلَاةٍ وَهِيَ حَقِيقَةٌ لِعِظَمِ الْأَمْرِ فِيهَا وَشِدَّةِ الْبَلَاءِ فِي وُقُوعِهَا وَلِأَنَّ كُلَّهَا أَوْ أَكْثَرَهَا أُمُورٌ ثَمَانِيَةٌ غَيْبِيَّةٌ فَتَكَرُّرُهَا عَلَى الْأَنْفُسِ يَجْعَلُهَا مَلَكَةً لَهَا انْتَهَى . ( الْخَامِسَةُ ) الْمَحْيَا مَفْعَلُ مِنْ الْحَيَاةِ وَالْمَمَاتِ مَفْعَلُ مِنْ الْمَوْتِ وَيَقَعُ عَلَى الْمَصْدَرِ وَالزَّمَانِ وَالْمَكَانِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَاخْتَلَفُوا فِي الْمُرَادِ بِفِتْنَةِ الْمَوْتِ فَقِيلَ فِتْنَةُ الْقَبْرِ وَقِيلَ يُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْفِتْنَةُ عِنْدَ الِاحْتِضَارِ قَالَ وَأَمَّا الْجَمْعُ بَيْنَ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَفِتْنَةِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ وَعَذَابِ الْقَبْرِ فَهُوَ مِنْ بَابِ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ وَنَظَائِرُهُ كَثِيرَةٌ انْتَهَى . وَقَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ فِتْنَةُ الْمَحْيَا مَا يَتَعَرَّضُ لَهُ الْإِنْسَانُ مُدَّةَ حَيَاتِهِ مِنْ الِافْتِتَانِ بِالدُّنْيَا وَالشَّهَوَاتِ وَالْجَهَالَاتِ وَأَشَدُّهَا وَأَعْظَمُهَا وَالْعِيَاذُ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَمْرُ الْخَاتِمَةِ عِنْدَ الْمَوْتِ قَالَ وَفِتْنَةُ الْمَمَاتِ يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهَا الْفِتْنَةُ عِنْدَ الْمَوْتِ أُضِيفَتْ إلَى الْمَوْتِ لِقُرْبِهَا مِنْهُ وَتَكُونُ فِتْنَةُ الْمَحْيَا عَلَى هَذَا مَا يَقَعُ قَبْلَ ذَلِكَ فِي مُدَّةِ حَيَاةِ الْإِنْسَانِ وَتَصَرُّفِهِ فِي الدُّنْيَا فَإِنَّ مَا قَارَبَ الشَّيْءَ أُعْطِيَ حُكْمَهُ فَحَالَةُ الْمَوْتِ تُشْبِهُ الْمَوْتَ وَلَا تُعَدُّ مِنْ الدُّنْيَا وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِفِتْنَةِ الْمَمَاتِ فِتْنَةُ الْقَبْرِ كَمَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي فِتْنَةِ الْقَبْرِ كَمَثَلٍ أَوْ أَعْظَمَ مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ قُلْت الْمَعْرُوفُ فِي لَفْظِ الْحَدِيثِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ فِتْنَةِ الدَّجَّالِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ وَلَا يَكُونُ هَذَا مُتَكَرِّرًا مَعَ قَوْلِهِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ لِأَنَّ الْعَذَابَ مُرَتَّبٌ عَلَى الْفِتْنَةِ وَالسَّبَبُ غَيْرُ الْمُسَبِّبِ وَلَا يُقَالُ إنَّ الْمَقْصُودَ زَوَالُ عَذَابِ الْقَبْرِ لِأَنَّ الْفِتْنَةَ نَفْسَهَا أَمْرٌ عَظِيمٌ وَهُوَ شَدِيدٌ يُسْتَعَاذُ بِاَللَّهِ مِنْ سُوئِهِ انْتَهَى قُلْت هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْفِتْنَةِ الِامْتِحَانُ وَالِاخْتِبَارُ وَهُوَ الظَّاهِرُ فَأَمَّا إنْ حُمِلَتْ الْفِتْنَةُ عَلَى الْعَذَابِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } أَيْ عَذَّبُوهُمْ فَتَتَّحِدُ فِتْنَةُ الْقَبْرِ مَعَ عَذَابِ الْقَبْرِ وَالْأَوْلَى حَمْلُ الْفِتْنَةِ عَلَى الِامْتِحَانِ وَالِاخْتِبَارِ لِيَحْصُلَ التَّغَايُرُ لَا سِيَّمَا وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ هَذَا هُوَ أَصْلُ مَدْلُولِ الْفِتْنَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) الْمَشْهُورُ فِي لَفْظِ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْمِيمِ وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ وَتَخْفِيفِهَا وَبِالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ كَالْمَسِيحِ ابْنِ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ إلَّا أَنَّهُ مَسِيحُ الْهُدَى وَذَاكَ مَسِيحُ الضَّلَالَةِ سُمِّيَ بِهِ لِمَسْحِ إحْدَى عَيْنَيْهِ فَيَكُونُ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ وَقِيلَ لِمَسْحِهِ الْأَرْضَ فَيَكُونُ بِمَعْنَى فَاعِلٍ وَقِيلَ التَّمَسُّحُ وَالتِّمْسَاحُ الْمَارِدُ الْخَبِيثُ فَقَدْ يَكُونُ فَعِيلًا مِنْ هَذَا وَقَالَ ثَعْلَبٌ فِي نَوَادِرِهِ التَّمَسُّحُ وَالْمُمَسَّحُ الْكَذَّابُ فَقَدْ يَكُونُ مِنْ هَذَا أَيْضًا وَضَبَطَهُ بَعْضُهُمْ بِكَسْرِ الْمِيمِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ حُكِيَ عَنْ ابْنِ أَبِي مَرْوَانَ بْنِ سِرَاجٍ وَأَنْكَرَهُ الْهَرَوِيُّ وَقَالَ لَيْسَ بِشَيْءٍ وَضُبِطَ بِوَجْهَيْنِ آخَرِينَ هُمَا بِفَتْحِ الْمِيمِ مَعَ تَخْفِيفِ السِّينِ وَكَسْرِ الْمِيمِ مَعَ تَشْدِيدِ السِّينِ مَعَ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ فِيهِمَا يُقَالُ مُسِخَ خَلْقُهُ أَيْ شُوِّهَ وَقِيلَ هُوَ الْمَمْسُوخُ الْعَيْنِ وَالْمَسِيخُ الْأَعْوَرُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ أَصْلُهُ بِالْعِبْرَانِيَّةِ مُشِيحٌ أَيْ بِالشِّينِ الْمُعْجَمَةِ وَالْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ فَعُرِّبَ كَمَا عُرِّبَ مُوسَى وَأَمَّا الدَّجَّالُ فَقِيلَ مَعْنَاهُ الْكَذَّابُ وَقِيلَ الْمُمَوِّهُ بِبَاطِلِهِ وَسِحْرِهِ الْمُلَبِّسُ بِهِ وَالدَّجْلُ طَلْيُ الْبَعِيرِ بِالْقَطِرَانِ وَقِيلَ سُمِّيَ بِذَلِكَ لِضَرْبِهِ نَوَاحِيَ الْأَرْضِ وَقَطْعِهِ لَهَا يُقَالُ دَجَلَ الرَّجُلُ بِالتَّخْفِيفِ وَالتَّثْقِيلِ كَمَا ذَكَرَهُ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ وَبِالْفَتْحِ وَالضَّمِّ كَمَا ذَكَرَهُ فِي الْإِكْمَالِ شَرْحِ مُسْلِمٍ إذَا فَعَلَ ذَلِكَ وَقِيلَ هُوَ مِنْ التَّغْطِيَةِ لِأَنَّهُ يُغَطِّي الْأَرْضَ بِجُمُوعِهِ وَالدَّجْلُ التَّغْطِيَةُ وَمِنْهُ سُمِّيَتْ دِجْلَةُ لِتَغْطِيَةِ مَا فَاضَتْ عَلَيْهِ ( السَّابِعَةُ ) اسْتَدَلَّ بِهِ ابْنُ بَطَّالٍ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُمَا عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ فِي الصَّلَاةِ بِمَا لَيْسَ مِنْ الْقُرْآنِ خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ قَالَ لَا يَجُوزُ أَنْ يَدْعُوَ فِي الصَّلَاةِ إلَّا بِمَا يُوجَدُ فِي الْقُرْآنِ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَهُوَ قَوْلُ النَّخَعِيّ وَطَاوُوسٍ وَهُوَ اسْتِدْلَالٌ وَاضِحٌ لَكِنْ فِيمَا حَكَوْهُ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَا يُقْصَرُ ذَلِكَ عَلَى مَا فِي الْقُرْآنِ بَلْ يَلْحَقُ بِهِ فِي الْجَوَازِ الْأَدْعِيَةُ الْمَأْثُورَةُ وَاَلَّذِي يَمْتَنِعُ الدُّعَاءُ بِهِ فِي الصَّلَاةِ عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ مَا يُشْبِهُ كَلَامَ النَّاسِ وَهُوَ مَا لَا يَسْتَحِيلُ سُؤَالُهُ مِنْ الْعِبَادِ فَلَا يُرَدُّ عَلَيْهِ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَكِنْ يُرَدُّ عَلَيْهِ بِغَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ جَاءَ دُعَاؤُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَغَيْرِهَا جُمْلَةً كَقَوْلِهِ { فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ } فَقَدْ أَدْخَلَ فِيهِ جَمِيعَ دُعَاءِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَجَاءَ تَفْصِيلًا كَقَوْلِهِ { أَعُوذُ بِك مِنْ الْمَأْثَمِ وَالْمَغْرَمِ } وَهَذَا دَاخِلٌ فِي فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَجَاءَ دُعَاؤُهُ بِالتَّعَوُّذِ مِنْ عَذَابِ الْقَبْرِ وَعَذَابِ النَّارِ وَفِتْنَةِ الْقَبْرِ وَهُوَ دَاخِلٌ فِي فِتْنَةِ الْمَمَاتِ فَدَلَّ عَلَى جَوَازِ الدُّعَاءِ بِالْوَجْهَيْنِ وَقَدْ جَاءَتْ الْأَحَادِيثُ بِالْأَمْرِ بِالدُّعَاءِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي كُلِّ شَيْءٍ وَإِنْ كَانَ قَدْ رُوِيَ عَنْ بَعْضِ السَّلَفِ اسْتِحْبَابُ الدُّعَاءِ بِالْجَوَامِعِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الِاسْتِعَاذَةِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَحْيَا وَالْمَمَاتِ وَسُؤَالِ الْعَفْوِ وَالْعَافِيَةِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلِكُلِّ مَقَامٍ مَقَالٌ ا هـ . ( التَّاسِعَةُ ) فِيهِ ذِكْرُ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ لِأَنَّ عَذَابَ النَّارِ وَعَذَابَ الْقَبْرِ مِنْ فِتْنَةِ الْمَمَاتِ وَذِكْرُ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ لِأَنَّ شَرَّ الْمَسِيحِ الدَّجَّالِ مِنْ فِتْنَةِ انْمَحْيَا ( الْعَاشِرَةُ ) فِيهِ إثْبَاتُ عَذَابِ الْقَبْرِ وَهُوَ مَذْهَبُ أَهْلِ الْحَقِّ خِلَافًا لِلْمُعْتَزِلَةِ وَقَدْ اشْتَهَرَتْ بِهِ الْأَحَادِيثُ حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَبْلُغَ حَدَّ التَّوَاتُرِ وَالْإِيمَانُ بِهِ وَاجِبٌ وَعَنْ جَابِرٍ { لَمَّا نَزَلَتْ { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ } قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعُوذُ بِوَجْهِك ، فَلَمَّا نَزَلَتْ { أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعُوذُ بِوَجْهِك ؛ فَلَمَّا نَزَلَتْ { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } قَالَ هَذِهِ أَهْوَنُ أَوْ أَيْسَرُ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ . ( الْحَدِيثُ الثَّانِي ) عَنْ جَابِرٍ { لَمَّا نَزَلَتْ { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ } قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعُوذُ بِوَجْهِك فَلَمَّا نَزَلَتْ { أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَعُوذُ بِوَجْهِك فَلَمَّا نَزَلَتْ { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } قَالَ هَذِهِ أَهْوَنُ وَأَيْسَرُ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) هَذِهِ الْقِصَّةُ مُرْسَلَةٌ لِأَنَّ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ إنَّمَا صَحِبَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْمَدِينَةِ وَكَانَ نُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ بِمَكَّةَ وَكَذَلِكَ جَمِيعُ سُورَةِ الْأَنْعَامِ وَاسْتَثْنَى بَعْضُهُمْ مِنْهَا آيَاتٍ فَجَعَلَهَا مَدَنِيَّةً وَلَيْسَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْهَا فَلَمْ يَكُنْ جَابِرٌ حَاضِرًا وَقْتَ نُزُولِهَا حَتَّى يَسْمَعَ اسْتِعَاذَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُرْسَلُ الصَّحَابِيِّ حُجَّةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ وَهُوَ الْقَوْلُ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ الْمَنْصُورُ . ( الثَّانِيَةُ ) التَّأْنِيثُ فِي قَوْلِهِ { لَمَّا نَزَلَتْ } لِأَنَّ الْمُرَادَ الْآيَةُ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ هَذِهِ الْآيَةُ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ نَزَلَ بِتَذْكِيرِ الْفَصْلِ . ( الثَّالِثَةُ ) الظَّاهِرُ أَنَّ نُزُولَ الْآيَةِ كَانَ دَفْعَةً وَاحِدَةً بَلْ جَاءَ أَنَّ جَمِيعَ السُّورَةِ نَزَلَ دَفْعَةً وَاحِدَةً فَبَادَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلِاسْتِعَاذَةِ مِنْ الْعَذَابِ مِنْ فَوْقِهِ قَبْلَ نُزُولِ بَقِيَّةِ الْآيَةِ وَهُوَ قَوْلُهُ { أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } ثُمَّ بَادَرَ لِلِاسْتِعَاذَةِ مِنْ الْعَذَابِ مِنْ تَحْتُ قَبْلَ نُزُولِ قَوْلِهِ { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا } فَإِنْ قُلْت فَفِي هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ مَا يُنَافِي الْإِنْصَاتَ لِتِلَاوَةِ الْمَلَكِ قُلْت هِيَ كَلِمَةٌ خَفِيفَةٌ لَا تُنَافِي الِاسْتِمَاعَ وَالْإِنْصَاتَ عَلَى أَنَّهُ يُحْتَمَلُ سُكُوتُ الْمَلَكِ عَنْ التِّلَاوَةِ بِقَدْرِ هَذِهِ الِاسْتِعَاذَةِ وَيُحْتَمَلُ نُزُولُ أَجْزَاءِ هَذِهِ الْآيَةِ فِي دَفَعَاتٍ وَفِيهِ بُعْدٌ . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِتَالِي الْقُرْآنِ وَمُسْتَمِعِهِ إذَا مَرَّ بِآيَةِ عَذَابٍ أَنْ يَسْتَعِيذَ مِنْهُ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ وَقَالُوا لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ تَكُونَ الْقِرَاءَةُ فِي الصَّلَاةِ وَخَارِجِهَا وَالصَّحِيحُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمَأْمُومَ يَفْعَلُ ذَلِكَ لِقِرَاءَةِ الْإِمَامِ . ( الْخَامِسَةُ ) : فِيهِ الِاسْتِعَاذَةُ بِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي جَاءَ فِي أَنَّهُ لَا يُسْأَلُ بِوَجْهِ اللَّهِ إلَّا الْجَنَّةُ وَلَعْنَةُ مَنْ فَعَلَ غَيْرَ ذَلِكَ فَلَعَلَّهُ فِي جَانِبِ طَلَبِ تَحْصِيلِ الشَّيْءِ أَمَّا جَانِبُ دَفْعِ الشَّرِّ وَرَفْعِ الضُّرِّ فَلَعَلَّهُ لَا بَأْسَ بِالِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ بِوَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى وَقَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ فِي الْأَحَادِيثِ وَلَعَلَّ ذِكْرَ الْجَنَّةِ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ إنَّمَا هُوَ لِلتَّنْبِيهِ بِهِ عَلَى الْأُمُورِ الْعِظَامِ وَلَمْ يَرِدْ تَخْصِيصُهَا بِذَلِكَ وَإِنَّمَا أُرِيدَ النَّهْيُ عَنْ سُؤَالِ الْمَخْلُوقِينَ بِذَلِكَ وَكَذَا عَنْ سُؤَالِ اللَّهِ تَعَالَى بِوَجْهِهِ فِي الْأُمُورِ الْهَيِّنَةِ أَمَّا طَلَبُ الْأُمُورِ الْعِظَامِ تَحْصِيلًا وَدَفْعًا فَلَمْ يَتَنَاوَلْهُ نَهْيٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ( السَّادِسَةُ ) تَكَرُّرُ ذِكْرِ وَجْهِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَلِلنَّاسِ فِي ذَلِكَ كَغَيْرِهِ مِنْ الصِّفَاتِ مَذْهَبَانِ مَشْهُورَانِ . ( أَحَدُهُمَا ) إمْرَارُهَا كَمَا جَاءَتْ مِنْ غَيْرِ كَيْفٍ فَنُؤْمِنُ بِهَا وَنَكِلُ عِلْمَهَا إلَى عَالِمِهَا مَعَ الْجَزْمِ بِأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَأَنَّ صِفَاتِهِ لَا تُشْبِهُ صِفَاتِ الْمَخْلُوقِينَ ( وَثَانِيهِمَا ) تَأْوِيلُهَا عَلَى مَا يَلِيقُ بِذَاتِهِ الْكَرِيمَةِ فَالْمُرَادُ بِالْوَجْهِ الْمَوْجُودِ ( السَّابِعَةُ ) اُحْتُجَّ بِاسْتِعَاذَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ عَلَى نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ فِي الْمُؤْمِنِينَ وَهُوَ مَحْكِيٌّ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَأَبِي الْعَالِيَةِ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَقَتَادَةَ وَغَيْرِهِمْ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهَا فِي الْكُفَّارِ بِقَرِينَةِ الْآيَاتِ الَّتِي قَبْلَهَا لَا سِيَّمَا قَوْلُهُ مُتَّصِلًا بِهَا { ثُمَّ أَنْتُمْ تُشْرِكُونَ } وَهُوَ قَوْلُ مُحَمَّدِ بْنِ جَرِيرٍ الطَّبَرِيِّ وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ إنَّهُ الْأَظْهَرُ مِنْ نَسَقِ الْآيَاتِ قَالَ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُ مُمْتَنِعٍ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَعَوَّذَ لِأُمَّتِهِ مِنْ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ الَّتِي تَوَعَّدَ بِهَا الْكُفَّارَ وَحُكِيَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَيْضًا أَنَّ بَعْضَهَا لِلْكُفَّارِ وَبَعْضَهَا لِلْمُؤْمِنِينَ بَعْثُ الْعَذَابِ مِنْ فَوْقُ وَمِنْ تَحْتُ لِلْكُفَّارِ وَبَقِيَّتُهَا لِلْمُؤْمِنِينَ فَإِنْ قُلْت مَا وَجْهُ هَذَا الِاخْتِلَافِ وَالْآيَةُ إنَّمَا دَلَّتْ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى ذَلِكَ وَهُوَ قَادِرٌ عَلَى ذَلِكَ فِي حَقِّ الْفَرِيقَيْنِ بِلَا شَكٍّ قُلْت إخْبَارُهُ تَعَالَى بِقُدْرَتِهِ عَلَى ذَلِكَ تَتَضَمَّنُ الْوَعِيدَ بِهِ فَالِاخْتِلَافُ إنَّمَا هُوَ فِي أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ هَلْ خُوطِبُوا بِذَلِكَ وَتُوُعِّدُوا بِهِ ، أَوْ إنَّمَا تَوَعَّدَ اللَّهُ بِهِ الْكُفَّارَ خَاصَّةً . ( الثَّامِنَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِاسْتِعَاذَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذَيْنِ الْأَمْرَيْنِ عَلَى أَمْنِ أَمَتِهِ مِنْ ذَلِكَ لِأَنَّ دَعْوَتَهُ مُسْتَجَابَةٌ وَقَالَ آخَرُونَ لَيْسُوا آمِنِينَ مِنْ ذَلِكَ بَلْ لَا بُدَّ مِنْ وُقُوعِهِ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ وَالِاسْتِعَاذَةُ إنَّمَا كَانَتْ لِأَهْلِ عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا لِجَمِيعِ الْأُمَّةِ أَوْ لِمَجْمُوعِ الْأُمَّةِ وَلَا يُنَافِي ذَلِكَ أَنْ يَقَعَ لِبَعْضِهَا وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَنْ يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ أَوْ مِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَا إنَّهَا كَائِنَةٌ وَلَمْ يَأْتِ تَأْوِيلُهَا بَعْدُ قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ أَبِي عَامِرٍ أَوْ أَبِي مَالِكٍ الْأَشْعَرِيِّ سَمِعَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { لَيَكُونَنَّ مِنْ أُمَّتِي أَقْوَامٌ يَسْتَحِلُّونَ الْحِرَ وَالْحَرِيرَ وَالْخَمْرَ وَالْمَعَازِفَ وَلَيَنْزِلَنَّ أَقْوَامٌ إلَى جَنْبِ عَلَمٍ يَرُوحُ عَلَيْهِمْ بِسَارِحَةٍ لَهُمْ يَأْتِيهِمْ الْفَقِيرُ لِحَاجَتِهِ فَيَقُولُونَ ارْجِعُوا إلَيْنَا غَدًا فَيُبَيِّتُهُمْ اللَّهُ وَيَضَعُ الْعِلْمَ وَيَمْسَخُ آخَرِينَ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } وَقَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ هِيَ أَرْبَعُ خِلَالٍ وَكُلُّهُنَّ عَذَابٌ وَكُلُّهُنَّ وَاقِعٌ قَبْلُ يَوْمِ الْقِيَامَةِ فَمَضَتْ اثْنَتَانِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَمْسٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً لُبِسُوا شِيَعًا وَأُذِيقَ بَعْضُهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ وَثِنْتَانِ وَاقِعَتَانِ لَا مَحَالَةَ الْخَسْفُ وَالرَّجْمُ ( التَّاسِعَةُ ) اُخْتُلِفَ فِي الْمُرَادِ بِالْعَذَابِ مِنْ فَوْقِ وَمِنْ تَحْتِ الْأَرْجُلِ فَتَقَدَّمَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الْعَذَابَ مِنْ فَوْقِ الرَّجْمُ وَمِنْ تَحْتِ الْأَرْجُلِ الْخَسْفُ وَكَذَا حَكَى السُّدِّيَّ عَنْ أَبِي مَالِكٍ وَكَذَا حُكِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا مِنْ فَوْقِكُمْ وُلَاةُ الْجَوْرِ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ سَفَلَةُ السُّوءِ وَخَدَمَةُ السُّوءِ وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذِهِ كُلُّهَا أَمْثِلَةٌ لَا أَنَّهَا هِيَ الْمَقْصُودُ إذْ هَذِهِ وَغَيْرُهَا مِنْ الْقُحُوطِ وَالْعَرَقِ وَغَيْرِ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي عُمُومِ اللَّفْظِ قُلْت لَا عُمُومَ فِي اللَّفْظِ لِأَنَّهُ نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ الْإِثْبَاتِ وَكَأَنَّ التَّنْكِيرَ لِلتَّعْظِيمِ وَالتَّفْخِيمِ وَالْمُرَادُ نَوْعٌ مِنْ الْعَذَابِ لَا يُدْرَكُ كُنْهُهُ وَقَالَ الْبَغَوِيّ قَوْلُهُ { عَذَابًا مِنْ فَوْقِكُمْ } يَعْنِي الصَّيْحَةَ وَالْحِجَارَةَ وَالرِّيحَ وَالطُّوفَانَ كَمَا فُعِلَ بِعَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ شُعَيْبٍ وَقَوْمِ لُوطٍ وَقَوْمِ نُوحٍ انْتَهَى وَكَأَنَّهُ أَرَادَ بَعْدَئِذٍ الْأَنْوَاعَ الَّتِي يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ مُرَادَةً مِنْ اللَّفْظِ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ نَوْعٌ آخَرُ غَيْرُ الْأَنْوَاعِ الْمَذْكُورَةِ مِمَّا عُذِّبَ بِهِ مَنْ تَقَدَّمَ أَوْ لَمْ يُعَذَّبْ بِهِ أَحَدٌ مِمَّا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) إنْ قُلْت مَا مَوْقِعُ { أَوْ } فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْكَرِيمَةِ وَهِيَ لِأَحَدِ الشَّيْئَيْنِ أَوْ الْأَشْيَاءِ وَاَللَّهُ تَعَالَى قَادِرٌ عَلَى الْجَمِيعِ ؟ قُلْت الْمُرَادُ مِنْ الْإِخْبَارِ بِالْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ التَّوَعُّدُ بِهِ فَلَمْ يُتَوَعَّدُوا بِجَمِيعِ هَذِهِ الْأُمُورِ وَإِنَّمَا تُوُعِّدُوا بِوَاحِدٍ مِنْهَا وَذَلِكَ مِنْ كَرْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَفَضْلِهِ أَنْ لَا يَجْمَعَ عَلَيْهِمْ هَذِهِ الْأُمُورَ وَلَمَّا وَقَعَتْ الْخَصْلَةُ الثَّالِثَةُ وَهِيَ لِبْسُهُمْ شِيَعًا وَإِذَاقَةُ بَعْضِهِمْ بَأْسَ بَعْضٍ حَصَلَ الْأَمْنُ وَالْحَمْدُ لِلَّهِ مِنْ الْخَصْلَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَذَلِكَ يَقْتَضِي عَدَمَ وُقُوعِهِمَا خِلَافًا لِمَا تَقَدَّمَ عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَغَيْرِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { يَلْبِسَكُمْ } بِفَتْحِ أَوَّلِهِ أَيْ يَخْلِطَكُمْ وَاللَّبْسُ الْخَلْطُ وَقَوْلُهُ شِيَعًا بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَفَتْحِ ثَانِيهِ جَمْعُ شِيعَةٍ بِكَسْرِ أَوَّلِهِ وَإِسْكَانِ ثَانِيهِ وَهِيَ الْفِرْقَةُ وَالْمَعْنَى يَخْلِطَكُمْ فِرَقًا مُخْتَلِفِينَ وَقَوْلُهُ شِيَعًا مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ أَيْ يَخْلِطَكُمْ بِالْأَجْسَامِ مَعَ افْتِرَاقِكُمْ بِالْقُلُوبِ أَوْ مَنْصُوبٌ نَصْبَ الْمَصْدَرِ أَيْ يَخْلِطَكُمْ خَلْطَ اضْطِرَابٍ وَاخْتِلَافٍ لَا خَلْطَ سُكُونٍ وَاتِّفَاقٍ فَيَكُونُونَ شِيَعًا عَدِيدَةً لَا شِيعَةً وَاحِدَةً وَقُرِئَ شَاذًّا يُلْبِسَكُمْ بِضَمِّ أَوَّلِهِ مِنْ اللُّبْسِ فَهِيَ عَلَى هَذَا اسْتِعَارَةٌ مِنْ اللِّبَاسِ وَالْمَعْنَى أَنْ يُلْبِسَكُمْ الْفِتْنَةَ وَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ شِيَعًا مَا تَقَدَّمَ وَالْبَأْسُ الْقَتْلُ وَمَا أَشْبَهَهُ مِنْ الْمَكَارِهِ وَاسْتَعَارَ لَهُ لَفْظَ الْإِذَاقَةِ لِأَنَّ الذَّوْقَ مِنْ أَعْظَمِ الْحَوَاسِّ وَهِيَ اسْتِعَارَةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ وَتَكَرَّرَ ذِكْرُهَا فِي الْقُرْآنِ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ افْتِرَاقُ الْأَهْوَاءِ وَالْقِتَالُ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ هَذِهِ كَذَا فِي رِوَايَةِ أَحْمَدَ فِي مُسْنَدِهِ بِإِفْرَادِ الْإِشَارَةِ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ هَاتَانِ بِالتَّثْنِيَةِ وَهَذَا الْمَذْكُورُ وَهُوَ اللَّبْسُ شِيَعًا وَإِذَاقَةُ الْبَعْضِ بَأْسَ الْبَعْضِ يُمْكِنُ أَنْ يُعَدَّا خَصْلَتَيْنِ خِلَافَ مَدْلُولِهِمَا فَإِنَّ اخْتِلَاطَهُمْ مُفْتَرَقِي الْقُلُوبِ غَيْرُ إذَاقَةِ الْبَعْضِ بَأْسَ الْبَعْضِ وَيُمْكِنُ أَنْ يُعَدَّا خَصْلَةً وَاحِدَةً لِتَلَازُمِهِمَا غَالِبًا فَإِنَّ الْقُلُوبَ إذَا افْتَرَقَتْ حَصَلَ لِأَصْحَابِهَا بَعْضِهِمْ مِنْ بَعْضٍ بَأْسٌ وَقَدْ لَا يَحْصُلُ وَذَلِكَ نَادِرٌ فَأَفْرَدَ الْإِشَارَةَ بِهَذَا الِاعْتِبَارِ وَثَنَّاهَا بِالِاعْتِبَارِ الْأَوَّلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { أَهْوَنُ أَوْ أَيْسَرُ } الظَّاهِرُ أَنَّهُ شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي فِي اللَّفْظِ الَّذِي قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِتَقَارُبِ مَعْنَى اللَّفْظَيْنِ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمْ يَسْتَعِذْ عَقِبَ نُزُولِ قَوْله تَعَالَى { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعًا وَيُذِيقَ بَعْضَكُمْ بَأْسَ بَعْضٍ } وَكَأَنَّ سَبَبَ ذَلِكَ أَنَّهُ عَرَفَ وُقُوعَ ذَلِكَ وَلَا بُدَّ فَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلْتُ رَبِّي ثَلَاثًا فَأَعْطَانِي ثِنْتَيْنِ وَمَنَعَنِي وَاحِدَةً سَأَلْتُ رَبِّي أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالسَّنَةِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْته أَنْ لَا يُهْلِكَ أُمَّتِي بِالْغَرَقِ فَأَعْطَانِيهَا وَسَأَلْته أَنْ لَا يَجْعَلَ بَأْسَهُمْ بَيْنَهُمْ فَمَنَعَنِيهَا } فَلَمَّا عَرَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُقُوعَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ لِلِاسْتِعَاذَةِ مِنْهُ فَائِدَةٌ وَسَهَّلَ الْأَمْرَ عَلَى أُمَّتِهِ وَسَلَّاهُمْ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ هَذِهِ أَهْوَنُ وَأَيْسَرُ وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت أَوْ ارْحَمْنِي إنْ شِئْت أَوْ اُرْزُقْنِي إنْ شِئْت لِيَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ إنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ لَا مُكْرِهَ لَهُ } وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إنْ شِئْت لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ } زَادَ الْبُخَارِيُّ { إنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } وَقَالَ مُسْلِمٌ { فَإِنَّ اللَّهَ صَانِعٌ مَا شَاءَ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ وَلِيُعَظِّمْ الرَّغْبَةَ فَإِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ } . ( الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ) وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَقُلْ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت أَوْ ارْحَمْنِي إنْ شِئْت أَوْ اُرْزُقْنِي إنْ شِئْت لِيَعْزِمْ مَسْأَلَتَهُ إنَّهُ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ وَلَا مُكْرِهَ لَهُ } وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ اللَّهُمَّ اغْفِرْ لِي إنْ شِئْت اللَّهُمَّ ارْحَمْنِي إنْ شِئْت لِيَعْزِمْ الْمَسْأَلَةَ فَإِنَّهُ لَا مُكْرِهَ لَهُ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى الْبُخَارِيُّ فِي التَّوْحِيدِ مِنْ صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ الْبُخَارِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ مِنْ صَحِيحِهِ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ عَطَاءِ بْنِ مِينَاءَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِيهِ { فَإِنَّ اللَّهَ صَانِعٌ مَا شَاءَ لَا مُكْرِهَ لَهُ } وَمِنْ طَرِيقِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { إذَا دَعَا أَحَدُكُمْ فَلَا يَقُلْ اللَّهُمَّ إنْ شِئْت وَلَكِنْ لِيَعْزِمْ وَلِيُعَظِّمْ الرَّغْبَةَ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يَتَعَاظَمُهُ شَيْءٌ أَعْطَاهُ } . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ أَنَّ مِنْ آدَابِ الدُّعَاءِ عَزْمُ الْمَسْأَلَةِ وَهُوَ الْجَدُّ فِيهَا وَالْقَطْعُ بِهَا وَالْجَزْمُ لَهَا فَلَا يُعَلِّق ذَلِكَ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ مَا يَعِدُ بِهِ الْمُؤْمِنُ نَفْسَهُ يَنْبَغِي لَهُ تَعْلِيقُهُ عَلَى مَشِيئَةِ اللَّهِ تَعَالَى لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } أَمَّا مَا يَطْلُبُهُ مِنْ اللَّهِ فَلَا يَنْبَغِي لَهُ تَعْلِيقُهُ بِمَشِيئَةِ اللَّهِ بَلْ يَجْزِمُ بِطَلَبِهِ وَقَالَ بَعْضُهُمْ مَعْنَى عَزْمِ الْمَسْأَلَةِ حُسْنُ الظَّنِّ بِاَللَّهِ تَعَالَى فِي الْإِجَابَةِ حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ بَعْدَ نَقْلِهِ الْأَوَّلَ عَنْ الْعُلَمَاءِ . ( الثَّالِثَةُ ) عَلَّلَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا مُكْرِهَ لَهُ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ لِلتَّعْلِيقِ بِالْمَشِيئَةِ إلَّا فِيمَا إذَا كَانَ الْمَطْلُوبُ مِنْهُ يَتَأَتَّى إكْرَاهُهُ عَلَى الشَّيْءِ فَيُخَفِّفُ الْأَمْرَ عَلَيْهِ وَيَعْلَمُ بِأَنَّهُ إنَّمَا يَطْلُبُ مِنْهُ ذَلِكَ الْأَمْرَ بِرِضَاهُ لَا عَلَى سَبِيلِ الْإِكْرَاهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى مُنَزَّهٌ عَنْ ذَلِكَ فَلَيْسَ لِهَذَا التَّعْلِيقِ مَعْنًى فَإِنَّهُ تَعَالَى لَا يَفْعَلُ إلَّا مَا يَشَاءُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ سَبَبُ النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ أَنَّ فِيهِ صُورَةَ الِاسْتِغْنَاءِ عَنْ الْمَطْلُوبِ مِنْهُ وَالْمُعْتَمَدُ هُوَ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ . ( الرَّابِعَةُ ) ذَكَرَ فِي رِوَايَةِ الْأَعْرَجِ { سُؤَالَ الْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ } وَزَادَ فِي رِوَايَةِ هَمَّامٍ { الرِّزْقِ } وَهِيَ أَمْثِلَةٌ فَسَائِرُ الْأَدْعِيَةِ كَذَلِكَ وَلِذَلِكَ عَبَّرَ فِي رِوَايَةِ الْعَلَاءِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عِنْدَ مُسْلِمٍ بِقَوْلِهِ { إذَا دَعَا أَحَدُكُمْ } فَتَنَاوَلَ سَائِرَ الْأَدْعِيَةِ فَإِنْ قُلْت وَرَدَ التَّقْيِيدُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { أَحْيِنِي مَا عَلِمْت الْحَيَاةَ خَيْرًا لِي وَتَوَفَّنِي إذَا عَلِمْت الْوَفَاةَ خَيْرًا لِي } ، قُلْت إنَّمَا قَيَّدَ هُنَاكَ طَلَبَ الْحَيَاةِ بِكَوْنِهَا خَيْرًا لَهُ وَطَلَبَ الْوَفَاةِ بِكَوْنِهَا خَيْرًا لَهُ فَإِنَّهُ قَدْ يُقَدِّرُ لَهُ الْحَيَاةَ مَعَ كَوْنِ الْخَيْرَةِ فِي قُرْبِ وَفَاتِهِ لِمَا يَكُونُ فِي تِلْكَ الْحَيَاةِ مِنْ الْفِتْنَةِ وَقَدْ يُقَدِّرُ لَهُ الْوَفَاةَ مَعَ كَوْنِ الْخَيْرَةِ لَهُ فِي طَلَبِ الْحَيَاةِ لِمَا فِيهَا مِنْ اكْتِسَابِ الْخَيْرَاتِ وَهَذَا مِثْلُ الِاسْتِخَارَةِ فِي الْأُمُورِ الْمُشْتَبِهَةِ وَقَدْ وَرَدَ بِهَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ أَمَّا مَشِيئَةُ اللَّهِ فَلَا تَقَعُ ذَرَّةٌ فِي الْوُجُودِ إلَّا بِهَا فَلَا مَعْنَى لِتَعْلِيقِ الطَّلَبِ بِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) الظَّاهِرُ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ التَّنْزِيهِ وَالْكَرَاهَةِ وَكَذَا ذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَقُولَ اللَّهُمَّ أَعْطِنِي كَذَا إنْ شِئْت وَارْحَمْنِي إنْ شِئْت وَتَجَاوَزْ عَنِّي إنْ شِئْت وَهَبْ لِي مِنْ الْخَيْرِ كَذَا إنْ شِئْت مِنْ أَمْرِ الدِّينِ وَالدُّنْيَا لِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ وَلِأَنَّهُ كَلَامٌ مُسْتَحِيلٌ لَا وَجْهَ لَهُ لِأَنَّهُ لَا يَفْعَلُ إلَّا مَا شَاءَ لَا شَرِيكَ لَهُ انْتَهَى وَظَاهِرُهُ التَّحْرِيمُ وَقَدْ يُؤَوَّلُ عَلَى نَفْيِ الْجَوَازِ الْمُسْتَوِي الطَّرَفَيْنِ وَهُوَ بَعِيدٌ . وَعَنْهُ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ تُسْتَجَابُ لَهُ فَأُرِيدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَدَّخِرَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ } زَادَ فِي رِوَايَةٍ { فَهِيَ نَائِلَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا } . ( الْحَدِيثُ الرَّابِعُ ) وَعَنْهُ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ يَدْعُو بِهَا فَأُرِيدُ أَنْ أَخْتَبِئَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي فِي الْآخِرَةِ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ تُسْتَجَابُ لَهُ فَأُرِيدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَدَّخِرَ دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الدَّعَوَاتِ مِنْ صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّهُ هَكَذَا عِنْدَ رُوَاةِ الْمُوَطَّأُ وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ وَأَيُّوبُ بْنُ سُوَيْد عَنْ مَالِكٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ وَهُمَا إسْنَادَانِ صَحِيحَانِ لِمَالِكٍ انْتَهَى وَرِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ هَذِهِ رَوَاهَا مُسْلِمٌ فِي الْإِيمَانِ مِنْ صَحِيحِهِ وَرَوَى الْحَدِيثَ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَمْرِو بْنِ أَبِي سُفْيَانَ بْنِ أُسَيْدِ بْنِ جَارِيَةَ وَأَبِي صَالِحٍ وَأَبِي زُرْعَةَ بْنِ عَمْرِو بْنِ جُرَيْجٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ كُلِّهِمْ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ { فَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ } وَفِيهَا { فَهِيَ نَائِلَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا } . ( الثَّانِيَةُ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ يُقَالُ وَكَمْ مِنْ دَعْوَةٍ اُسْتُجِيبَتْ لِلرُّسُلِ وَلِنَبِيِّنَا عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فَمَا مَعْنَى هَذَا ؟ فَيُقَالُ إنَّ الْمُرَادَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ لَهُمْ دَعْوَةً هُمْ مِنْ اسْتِجَابَتِهَا عَلَى يَقِينٍ وَعِلْمٍ بِإِعْلَامِ اللَّهِ تَعَالَى لَهُمْ ذَلِكَ . وَغَيْرُهَا مِنْ الدَّعَوَاتِ بِمَعْنَى الطَّمَعِ فِي الِاسْتِجَابَةِ وَبَيْنَ الرَّجَاءِ وَالْخَوْفِ وَيُبَيِّنُهُ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُسْتَجَابَةٌ فَتَعَجَّلَ كُلُّ نَبِيٍّ دَعْوَتَهُ وَإِنِّي اخْتَبَأْت دَعْوَتِي شَفَاعَةً لِأُمَّتِي } الْحَدِيثَ أَوْ تَكُونُ هَذِهِ الدَّعْوَةُ لِكُلِّ نَبِيٍّ مَخْصُوصَةٌ بِأُمَّتِهِ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ رِوَايَةُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ { لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ دَعَا بِهَا فِي أُمَّتِهِ فَاسْتُجِيبَتْ لَهُ } الْحَدِيثَ وَنَحْوُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ وَجَابِرٍ . انْتَهَى وَرَجَّحَ النَّوَوِيُّ الْأَوَّلَ فَقَالَ مَعْنَاهَا أَنَّ لِكُلِّ نَبِيٍّ دَعْوَةٌ مُتَيَقَّنَةُ الْإِجَابَةِ وَعَلَى يَقِينٍ مِنْ إجَابَتِهَا وَأَمَّا بَاقِي دَعَوَاتِهِمْ فَهُمْ عَلَى طَمَعٍ مِنْ إجَابَتِهَا وَبَعْضُهَا يُجَابُ وَبَعْضُهَا لَا يُجَابُ ثُمَّ ذَكَرَ الثَّانِي احْتِمَالًا عَنْ الْقَاضِي عِيَاضٍ . ( الثَّالِثَةُ ) إنْ قُلْت قَدْ ذَكَرُوا أَنَّ الشَّفَاعَاتِ الْأُخْرَوِيَّةَ خَمْسٌ : ( أَحَدُهَا ) فِي الْإِرَاحَةِ مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ وَتَعْجِيلِ الْحِسَابِ . ( الثَّانِيَةُ ) فِي إدْخَالِ قَوْمٍ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ . ( الثَّالِثَةُ ) الشَّفَاعَةُ لِقَوْمٍ اسْتَوْجَبُوا النَّارَ أَنْ لَا يَدْخُلُوهَا . 3 ( الرَّابِعَةُ ) الشَّفَاعَةُ فِي إخْرَاجِ قَوْمٍ مِنْ النَّارِ بَعْدَ دُخُولِهَا . ( الْخَامِسَةُ ) الشَّفَاعَةُ فِي زِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ فِي الْجَنَّةِ لِأَهْلِهَا وَزِيدَ قِسْمٌ سَادِسٌ وَهُوَ الشَّفَاعَةُ فِي تَخْفِيفِ الْعَذَابِ عَنْ بَعْضِ أَهْلِ النَّارِ كَمَا وَقَعَ لِأَبِي طَالِبٍ فَأَيُّ شَفَاعَةٍ ادَّخَرَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُمَّتِهِ ؟ أَمَّا الْأُولَى فَلَا تَخْتَصُّ بِهِمْ بَلْ هِيَ لِإِرَاحَةِ الْجَمْعِ كُلِّهِمْ وَهِيَ الْمَقَامُ الْمَحْمُودُ وَكَذَلِكَ بَاقِي الشَّفَاعَاتِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ يُشَارِكُهُمْ فِيهِ بَقِيَّةُ الْأُمَمِ قُلْت يُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ الشَّفَاعَةُ الْعُظْمَى الَّتِي لِلْإِرَاحَةِ مِنْ هَوْلِ الْمَوْقِفِ وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ غَيْرَ مُخْتَصَّةٍ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ لَكِنْ هُمْ الْأَصْلُ فِيهَا وَغَيْرُهُمْ تَبَعٌ لَهُمْ وَلِهَذَا كَانَ اللَّفْظُ الْمَنْقُولُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا أَنَّهُ { قَالَ يَا رَبِّ أُمَّتِي أُمَّتِي } فَدَعَا فِيهِمْ فَأُجِيبَتْ وَكَانَ غَيْرُهُمْ تَبَعًا لَهُمْ فِي ذَلِكَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الشَّفَاعَةَ الثَّانِيَةَ وَهِيَ الَّتِي فِي إدْخَالِ قَوْمٍ الْجَنَّةَ بِغَيْرِ حِسَابٍ تَخْتَصُّ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنَّ الْحَدِيثَ الْوَارِدَ فِيهَا { يَدْخُلُ مِنْ أُمَّتِي الْجَنَّةَ سَبْعُونَ أَلْفًا } الْحَدِيثَ وَلَمْ يُنْقَلْ لَنَا ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الْأُمَمِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُرَادَ مُطْلَقُ الشَّفَاعَةِ الْمُشْتَرَكُ بَيْنَ الشَّفَاعَاتِ الْخَمْسَةِ ، وَكَوْنُ غَيْرِ هَذِهِ الْأَمَةِ يُشَارِكُونَهُمْ فِيهَا أَوْ فِي بَعْضِهَا لَا يُنَافِي أَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ادَّخَرَ دَعْوَتَهُ شَفَاعَةً لِأُمَّتِهِ فَلَعَلَّهُ لَا يَشْفَعُ لِغَيْرِهِمْ مِنْ الْأُمَمِ بَلْ تَشْفَعُ لَهُمْ أَنْبِيَاؤُهُمْ وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الشَّفَاعَةُ لِغَيْرِهِمْ تَبَعًا لَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ مِثْلُهُ فِي الشَّفَاعَةِ الْعُظْمَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَشْفَعَ لِغَيْرِهِمْ لَا تَبَعًا لَهُمْ وَلَا تَضْيِيقَ فِي ذَلِكَ فَإِذَا شَفَعَ لَهُمْ فَقَدْ حَصَلَ ادِّخَارُ الشَّفَاعَةِ لَهُمْ وَإِنْ شَفَعَ لِغَيْرِهِمْ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) فِيهِ رَدٌّ عَلَى الْمُعْتَزِلَةِ فِي إنْكَارِهِمْ الشَّفَاعَةَ الثَّانِيَةَ وَالثَّالِثَةَ وَالرَّابِعَةَ وَإِنَّمَا اعْتَرَفُوا بِالْأُولَى وَالْخَامِسَةِ فَقَطْ وَهُمْ يُجِيبُونَ بِحَمْلِ هَذَا الْحَدِيثِ عَلَيْهِمَا أَوْ عَلَى أَحَدِهِمَا لَكِنْ قَدْ جَاءَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ الصَّرِيحَةُ بِإِثْبَاتِ مَا أَنْكَرُوهُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) وَفِيهِ بَيَانُ كَمَالِ شَفَقَةِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَلَى أَمَتِهِ وَرَأْفَتِهِ بِهِمْ وَاعْتِنَائِهِ بِالنَّظَرِ إلَى مَصَالِحِهِمْ الْمُهِمَّةِ فَأَخَّرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ دَعْوَتَهُ لِأُمَّتِهِ إلَى أَهَمِّ أَوْقَاتِ حَاجَتِهِمْ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ أَتَى بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى سَبِيلِ التَّبَرُّكِ وَالِامْتِثَالِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَلَا تَقُولَنَّ لِشَيْءٍ إنِّي فَاعِلٌ ذَلِكَ غَدًا إلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ } ( السَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ فِي إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ { فِي الْآخِرَةِ } وَفِي الْأُخْرَى { يَوْمَ الْقِيَامَةِ } يَدُلُّ عَلَى أَنَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ الْآخِرَةِ وَرَوَى الْقَاسِمُ بْنُ الْفَضْلِ الْحُدَّانِيُّ عَنْ زِيَادِ بْنِ مِخْرَاقٍ قَالَ كَتَبَ الْحَجَّاجُ بْنُ يُوسُفَ إلَى عُثْمَانَ بْنِ حَيَّانَ : سَلْ عِكْرِمَةَ مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَمِنَ الدُّنْيَا هُوَ أَوْ مِنْ الْآخِرَةِ ؟ فَسَأَلَهُ فَقَالَ عِكْرِمَةُ صَدْرُ هَذَا الْيَوْمِ مِنْ الدُّنْيَا وَآخِرُهُ مِنْ الْآخِرَةِ حَكَاهُ الْحَافِظُ أَبُو الْحَجَّاجِ الْمِزِّيُّ فِي التَّهْذِيبِ فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَلَعَلَّ الْوَقْتَ الَّذِي تَقَعُ فِيهِ الشَّفَاعَةُ مِنْ يَوْمِ الْقِيَامَةِ هُوَ آخِرُهُ الَّذِي هُوَ مِنْ الْآخِرَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهُ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ { فَهِيَ نَائِلَةٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ مَنْ مَاتَ مِنْ أُمَّتِي لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا } فِيهِ دَلِيلٌ لِمَذْهَبِ أَهْلِ الْحَقِّ أَنَّ كُلَّ مَنْ مَاتَ غَيْرَ مُشْرِكٍ بِاَللَّهِ تَعَالَى لَا يُخَلَّدُ فِي النَّارِ وَإِنْ كَانَ مُصِرًّا عَلَى الْكَبَائِرِ وَأَدِلَّةُ ذَلِكَ كَثِيرَةٌ شَهِيرَةُ . ( التَّاسِعَةُ ) إنْ قُلْت مَا الْجَمْعُ بَيْنَ هَذَا وَبَيْنَ مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ : فَأَقُولُ يَا رَبِّ ائْذَنْ لِي فِيمَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ قَالَ لَيْسَ ذَلِكَ لَك أَوْ قَالَ لَيْسَ ذَاكَ إلَيْك وَلَكِنْ وَعِزَّتِي وَكِبْرِيَائِي وَعَظَمَتِي لَأُخْرِجَنَّ مِنْ النَّارِ مَنْ قَالَ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ } وَالْمُرَادُ بِالْقَائِلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مَنْ مَاتَ عَلَيْهَا مُعْتَقِدًا لَهَا فَهُوَ الَّذِي مَاتَ لَا يُشْرِكُ بِاَللَّهِ شَيْئًا فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَيْفَ قَالَ إنَّ هَؤُلَاءِ تَنَالُهُمْ شَفَاعَتُهُ ؟ قُلْت قَدْ قَيَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ تَنَالُهُ شَفَاعَتُهُ مَعَ كَوْنِهِ مَاتَ غَيْرَ مُشْرِكٍ بِاَللَّهِ تَعَالَى بِكَوْنِهِ مِنْ أُمَّتِهِ وَاَلَّذِي جَاءَ فِيهِ أَنَّهُ لَيْسَ إلَيْهِ لَيْسَ فِيهِ تَقْيِيدُهُ بِهَذِهِ الْأُمَّةِ فَحَصَلَ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الَّذِي تَنَالُهُ شَفَاعَةُ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُمْ مُوَحِّدُو هَذِهِ الْأَمَةِ وَاَلَّذِي اسْتَأْثَرَ بِهِ الرَّبُّ جَلَّ جَلَالُهُ مُوَحِّدُو غَيْرِ هَذِهِ الْأَمَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَخَّرَ الدُّعَاءَ وَالشَّفَاعَةَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ فَذَلِكَ الْيَوْمُ يَدْعُو وَيَشْفَعُ وَيُحْتَمَلُ أَنَّ الْمُؤَخَّرَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ ثَمَرَةُ تِلْكَ الدَّعْوَةِ وَمَنْفَعَتُهَا وَأَمَّا طَلَبُهَا فَحَاصِلٌ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الدُّنْيَا . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) كَرِهَ بَعْضُهُمْ لِلْعَبْدِ أَنْ يَسْأَلَ اللَّهَ تَعَالَى أَنْ يَرْزُقَهُ شَفَاعَةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِكَوْنِهَا لَا تَكُونُ إلَّا لِلْمُذْنِبِينَ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { شَفَاعَتِي لِأَهْلِ الْكَبَائِرِ مِنْ أُمَّتِي } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَقَالَ جَابِرٌ مَنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِ الْكَبَائِرِ فَمَا لَهُ وَلِلشَّفَاعَةِ . وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ أَسْمَاءَ بِنْتِ عُمَيْسٍ { أَنَّهَا قَالَتْ يَا رَسُولَ اللَّهِ اُدْعُ اللَّهَ أَنْ يَجْعَلَنِي مِمَّنْ تَشْفَعُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا تَخْمِشُكَ النَّارُ فَإِنَّ شَفَاعَتِي لِكُلِّ هَالِكٍ مِنْ أُمَّتِي تَخْمُشُهُ النَّارُ } وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ لَا يُلْتَفَتُ إلَى هَذَا الْقَوْلِ فَإِنَّ الشَّفَاعَةَ قَدْ تَكُونُ لِتَخْفِيفِ الْحِسَابِ وَزِيَادَةِ الدَّرَجَاتِ ثُمَّ كُلُّ عَاقِلٍ مُعْتَرِفٍ بِالتَّقْصِيرِ مُحْتَاجٌ إلَى الْعَفْوِ غَيْرُ مُعْتَدٍّ بِعَمَلِهِ مُشْفِقٌ أَنْ يَكُونَ مِنْ الْهَالِكِينَ قَالَ وَيَلْزَمُ هَذَا الْقَائِلَ أَنْ لَا يَدْعُوَ بِالْمَغْفِرَةِ وَالرَّحْمَةِ لِأَنَّهَا لِأَصْحَابِ الذُّنُوبِ وَهَذَا كُلُّهُ خِلَافَ مَا عُرِفَ مِنْ دُعَاءِ السَّلَفِ الصَّالِحِ فَقَدْ عُرِفَ بِالنَّقْلِ الْمُسْتَفِيضِ سُؤَالُهُمْ شَفَاعَةَ نَبِيِّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَغْبَتُهُمْ فِيهَا انْتَهَى . بَابُ الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ { رَأَيْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ } وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا عَجَّلَ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ } وَلِلشَّيْخَيْنِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ { كَانَ إذَا عَجَّلَ بِهِ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا } . وَلِمُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ مُعَاذٍ { جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ } . بَابُ الْجَمْعِ فِي السَّفَرِ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ } وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا عَجَّلَ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ . ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ بِهَذَا اللَّفْظِ وَالْبُخَارِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ بِلَفْظِ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا أَعْجَلَهُ السَّيْرُ فِي السَّفَرِ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ ثَلَاثَتُهُمْ } عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ وَأَخْرَجَهُ الزُّهْرِيُّ مِنْ طَرِيقِ كَثِيرِ بْنِ قَاوَنْدَ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ فِي جَمْعِهِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ حِينَ كَانَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ حِينَ اشْتَبَكَتْ النُّجُومُ وَفِيهِ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْأَمْرُ الَّذِي يَخَافُ فَوْتَهُ فَلِيُصَلِّ هَذِهِ الصَّلَاةَ } وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ نَافِعٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى الْقَطَّانِ وَالتِّرْمِذِيِّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدَةَ بْنِ سُلَيْمَانَ كِلَاهُمَا عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ عَنْ نَافِعٍ { أَنْ ابْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ وَيَقُولُ إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ } لَفْظُ مُسْلِمٍ وَلَفْظُ التِّرْمِذِيِّ { أَنَّهُ اُسْتُغِيثَ عَلَى بَعْضِ أَهْلِهِ فَجَدَّ بِهِ السَّيْرُ وَأَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ } وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ عَنْ نَافِعٍ { أَنَّ ابْنَ عُمَرَ اسْتَصْرَخَ عَلَى صَفِيَّةَ وَهُوَ بِمَكَّةَ فَسَارَ حَتَّى غَرَبَتْ الشَّمْسُ وَبَدَتْ النُّجُومُ فَقَالَ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا عَجَّلَ بِهِ أَمْرٌ فِي سَفَرٍ جَمَعَ بَيْنَ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فَسَارَ حَتَّى غَابَ الشَّفَقُ فَنَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا } . وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَوْ حَزَبَهُ أَمْرٌ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ } وَمِنْ طَرِيقِ ابْنِ جَابِرٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ فِي خُرُوجِهِ مَعَهُ إلَى صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ وَفِيهِ حَتَّى إذَا كَانَ فِي آخِرِ الشَّفَقِ نَزَلَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ ثُمَّ أَقَامَ الْعِشَاءَ وَقَدْ تَوَارَى الشَّفَقُ فَصَلَّى بِنَا ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْنَا فَقَالَ { إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا عَجَّلَ بِهِ السَّيْرُ صَنَعَ هَكَذَا } وَمِنْ طَرِيقِ إسْمَاعِيلَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ شَيْخٍ مِنْ قُرَيْشٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { فِي جَمْعِهِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ حِينَ ذَهَبَ بَيَاضُ الْأُفُقِ وَفَحْمَةُ الْعِشَاءِ ثُمَّ قَالَ هَكَذَا رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَفْعَلُ } . وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْحَجِّ وَالْجِهَادِ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ قَالَ { كُنْت مَعَ ابْنِ عُمَرَ بِطَرِيقِ مَكَّةَ فَبَلَغَهُ عَنْ صَفِيَّةَ بِنْتِ أَبِي عُبَيْدٍ شِدَّةُ وَجَعٍ فَأَسْرَعَ السَّيْرَ حَتَّى كَانَ بَعْدَ غُرُوبِ الشَّفَقِ نَزَلَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعَتَمَةَ جَمَعَ بَيْنَهُمَا ثُمَّ قَالَ إنِّي رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا } . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الْأُولَى { جَدَّ بِهِ السَّيْرُ } أَيْ اشْتَدَّ بِهِ السَّيْرُ قَالَ فِي الْمُحْكَمِ جَدَّ بِهِ الْأَمْرُ أَيْ اشْتَدَّ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْمَشَارِقِ جَدَّ بِهِ السَّيْرُ أَيْ أَسْرَعَ وَعَجَّلَ فِي الْأَمْرِ الَّذِي يُرِيدُهُ انْتَهَى . وَمَا ذَكَرْته أَوْلَى لِأَنَّ الَّذِي فِي الْحَدِيثِ نِسْبَةُ الْجَدِّ إلَى السَّيْرِ وَفِي كَلَامِ الْقَاضِي نِسْبَةُ الْجَدِّ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاللَّفْظُ الْوَاقِعُ فِي الْحَدِيثِ إمَّا أَنْ يُرَادَ بِهِ الِاشْتِدَادُ كَمَا نَقَلْته عَنْ صَاحِبِ الْمُحْكَمِ وَإِمَّا أَنْ يُنْسَبَ الْجَدُّ إلَى السَّيْرِ عَلَى سَبِيلِ التَّوَسُّعِ ، وَالْإِسْرَاعُ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَكُونُ هَذَا عَلَى حَدِّ قَوْلِهِمْ نَهَارُهُ صَائِمٌ وَلَيْلُهُ قَائِمٌ فَيُنْسَبُ الصِّيَامُ إلَى النَّهَارِ وَالْقِيَامُ إلَى اللَّيْلِ لِوُقُوعِهِ فِيهِمَا وَفِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا هُوَ مِنْ الْفَاعِلِ فَمَعْنَى قَوْلِهِ { جَدَّ بِهِ السَّيْرُ } جَدَّ فِي السَّيْرِ وَيُوَافِقُ هَذَا قَوْلَهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى { إذَا جَدَّ فِي السَّيْرِ } قَالَ فِي الصِّحَاحِ الْجَدَّ الِاجْتِهَادُ فِي الْأُمُورِ تَقُولُ مِنْهُ جَدَّ فِي الْأَمْرِ يَجِدُّ وَيَجُدُّ أَيْ بِكَسْرِ الْجِيمِ وَضَمِّهَا وَأَجَدَّ فِي الْأَمْرِ مِثْلُهُ قَالَ الْأَصْمَعِيُّ يُقَالُ إنَّ فُلَانًا لَجَادٌّ مُجِدٌّ بِاللُّغَتَيْنِ جَمِيعًا وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ جَدَّ فِي أَمْرِهِ يَجِدُّ وَيَجُدُّ جَدًّا وَأَجَدَّ حَقَّقَ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ الْجَدُّ الْمُبَالَغَةُ فِي الشَّيْءِ انْتَهَى . وَيَأْتِي هَذَانِ الِاحْتِمَالَانِ فِي قَوْلِهِ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ عَجَّلَ بِهِ السَّيْرُ إمَّا أَنْ يُضَمِّنَ عَجَّلَ مَعْنَى اشْتَدَّ وَإِمَّا أَنْ تَكُونَ نِسْبَةُ الْعَجَلِ إلَى السَّيْرِ مَجَازًا وَتَوَسُّعًا وَالْأَصْلُ عَجَّلَ فِي السَّيْرِ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ صَلَاتَيْ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَهِيَ الْجَدُّ فِي السَّفَرِ وَالِاسْتِعْجَالُ فِيهِ وَتَقَدَّمَ مِنْ سُنَنِ النَّسَائِيّ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَيْضًا وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَنَسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ نَزَلَ فَجَمَعَ بَيْنَهُمَا فَإِنْ زَاغَتْ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ } وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فِي السَّفَرِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَرَادَ أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { إذَا عَجَّلَ عَلَيْهِ السَّيْرُ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إلَى أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ فَيَجْمَعُ بَيْنَهُمَا أَوْ يُؤَخِّرُ الْمَغْرِبَ حَتَّى يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَبَيْنَ الْعِشَاءِ حِينَ يَغِيبُ الشَّفَقُ } وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ تَعْلِيقًا وَصَحِيحِ مُسْلِمٍ مَوْصُولًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ صَلَاةِ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ وَيَجْمَعُ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلَمْ يَقُلْ مُسْلِمٌ { إذَا كَانَ عَلَى ظَهْرِ سَيْرٍ } وَزَادَ قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ فَقُلْت لِابْنِ عَبَّاسٍ مَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ قَالَ أَرَادَ أَنْ يُخْرِجَ أُمَّتَهُ فَزَادَ فِي حَدِيثَيْ أَنَسٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ الْجَمْعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَأَمَّا اقْتِصَارُ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ عَنْهُ عَلَى ذِكْرِ الْجَمْعِ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَسَبَبُهُ أَنَّهُ ذَكَرَ ذَلِكَ جَوَابًا لِقَضِيَّةٍ وَقَعَتْ لَهُ فَإِنَّهُ اُسْتُصْرِخَ عَلَى زَوْجَتِهِ فَذَهَبَ مُسْرِعًا وَجَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ فَذَكَرَ ذَلِكَ بَيَانًا لِأَنَّهُ فَعَلَهُ عَلَى وَفْقِ السُّنَّةِ فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ لِعَدَمِ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فَقَدْ رَوَاهُ أَنَسٌ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَمُعَاذٌ وَغَيْرُهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ مُعَاذِ بْنِ جَبَلٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ فَكَانَ يُصَلِّي الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَالْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا } وَفِي لَفْظٍ لَهُ { جَمَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ } زَادَ فِي الْمُوَطَّإِ وَسُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ { فَأَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمًا ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ فَصَلَّى الْمَغْرِبَ وَالْعِشَاءَ جَمِيعًا } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ ثَابِتُ الْإِسْنَادِ . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَصَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ وَغَيْرِهِمَا عَنْ مُعَاذٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ زَيْغِ الشَّمْسِ أَخَّرَ الظُّهْرَ إلَى الْعَصْرِ فَيُصَلِّيهِمَا جَمِيعًا وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ زَيْغِ الشَّمْسِ عَجَّلَ الْعَصْرَ إلَى الظُّهْرِ وَصَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا ثُمَّ سَارَ ، وَكَانَ إذَا ارْتَحَلَ قَبْلَ الْمَغْرِبِ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى يُصَلِّيَهَا مَعَ الْعِشَاءِ وَإِذَا ارْتَحَلَ بَعْدَ الْمَغْرِبِ عَجَّلَ الْعِشَاءَ فَصَلَّاهَا مَعَ الْمَغْرِبِ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَدِيثٌ حَسَنٌ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ هُوَ مَحْفُوظٌ صَحِيحٌ انْتَهَى فَفِي حَدِيثِ مُعَاذٍ الْجَمْعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ أَيْضًا وَلَمْ يُقَيِّدْ ذَلِكَ بِأَنْ يُعَجِّلَ بِهِ السَّفَرُ بَلْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ الْمُوَطَّإِ وَأَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِمَا بِالْجَمْعِ وَهُوَ غَيْرُ سَائِرٍ بَلْ نَازِلٌ مَاكِثٌ فِي خِبَائِهِ يَخْرُجُ فَيُصَلِّي الصَّلَاتَيْنِ جَمِيعًا ثُمَّ يَنْصَرِفُ إلَى خِبَائِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ بَعْدَ ذِكْرِهِ هَذِهِ الرِّوَايَةَ وَهَذَا وَهُوَ نَازِلٌ غَيْرُ سَائِرٍ لِأَنَّ قَوْلَهُ { دَخَلَ ثُمَّ خَرَجَ } لَا يَكُونُ إلَّا وَهُوَ نَازِلٌ فَلِلْمُسَافِرِ أَنْ يَجْمَعَ نَازِلًا وَمُسَافِرًا انْتَهَى وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالتِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِمَا التَّصْرِيحُ بِجَمْعِ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَفِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَقَدْ كَانَتْ غَزْوَةُ تَبُوكَ فِي أَوَاخِرِ الْأَمْرِ سَنَةَ تِسْعٍ مِنْ الْهِجْرَةِ وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ عَلَى أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا جَوَازُ الْجَمْعِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِعُذْرِ السَّفَرِ جَمْعَ تَقْدِيمٍ فِي وَقْتِ الْأُولَى مِنْهُمَا وَجَمْعَ تَأْخِيرٍ فِي وَقْتِ الثَّانِيَةِ مِنْهُمَا وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فِي الْمَشْهُورِ عَنْهُ وَالْجُمْهُورُ إلَّا أَنَّ الْمَشْهُورَ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ اخْتِصَاصُ الْجَمْعِ بِحَالَةِ الْجَدِّ فِي السَّيْرِ لِخَوْفِ فَوَاتِ أَمْرٍ أَوْ لِإِدْرَاكِ مُهِمٍّ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَقَالَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَابْنُ حَبِيبٍ وَأَصْبَغُ إنَّ الْجَدَّ لِمُجَرَّدِ قَطْعِ السَّفَرِ مُبِيحٌ لِلْجَمْعِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ الْجَمْعُ بَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ عَنْ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَسَعِيدِ بْنِ زَيْدٍ وَأَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ وَغَيْرِهِمْ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ وَطَاوُسٍ وَمُجَاهِدٍ وَعِكْرِمَةَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَإِسْحَاقَ قَالَ وَبِهِ أَقُولُ وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعُذْرِ السَّفَرِ مِنْ الْأُمُورِ الْمَشْهُورَةِ الْمُسْتَعْمَلَةِ فِيمَا بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ مَعَ الثَّابِتِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ عَنْ أَصْحَابِهِ ثُمَّ مَا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ مِنْ جَمِيعِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ ثُمَّ بِالْمُزْدَلِفَةِ وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ ثُمَّ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَرَبِيعَةَ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْمُنْكَدِرِ وَأَبِي الزِّنَادِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْمَعُونَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ إذَا زَالَتْ الشَّمْسُ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَسَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَجُمْهُورِ عُلَمَاءِ الْمَدِينَةِ وَحَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي عَنْ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ وَحَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ جَمَاعَةِ السَّلَفِ وَفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ . ( الْقَوْلُ الثَّانِي ) اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِحَالَةِ الْجَدِّ فِي السَّفَرِ لِخَوْفِ فَوَاتِ أَمْرٍ أَوْ لِإِدْرَاكِ مُهِمٍّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ كَمَا تَقَدَّمَ وَتَمَسَّكَ هَؤُلَاءِ بِظَاهِرِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ هَذَا وَجَوَابُهُ أَنَّ فِي حَدِيثِ غَيْرِهِ زِيَادَةً يَجِبُ الْأَخْذُ بِهَا وَهِيَ الْجَمْعُ مِنْ غَيْرِ جَدٍّ فِي السَّفَرِ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ بَعْدَ ذِكْرِ حَدِيثِ مُعَاذٍ الَّذِي سَبَقَ ذِكْرُهُ مِنْ الْمُوَطَّإِ وَغَيْرِهِ : فِي هَذَا أَوْضَحُ الدَّلَائِلِ وَأَقْوَى الْحُجَجِ فِي الرَّدِّ عَلَى مَنْ قَالَ لَا يَجْمَعُ الْمُسَافِرُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَّا إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ وَهُوَ قَاطِعٌ لِلِالْتِبَاسِ قَالَ وَلَيْسَ فِيمَا رُوِيَ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ } مَا يُعَارِضُهُ لِأَنَّهُ إذَا كَانَ لَهُ الْجَمْعُ نَازِلًا غَيْرَ سَائِرٍ فَاَلَّذِي يَجِدُّ بِهِ السَّيْرُ أَحْرَى بِذَلِكَ وَإِنَّمَا يَتَعَارَضَانِ لَوْ كَانَ فِي أَحَدِهِمَا أَنَّهُ قَالَ لَا يَجْمَعُ الْمُسَافِرُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَّا أَنْ يَجِدَّ بِهِ السَّيْرُ وَفِي الْآخَرِ أَنَّهُ جَمَعَ نَازِلًا غَيْرَ سَائِرٍ فَإِمَّا أَنْ يَجْمَعَ وَقَدْ جَدَّ بِهِ السَّيْرُ وَيَجْمَعَ وَهُوَ نَازِلٌ لَمْ يَجِدَّ بِهِ السَّيْرُ فَلَيْسَ هَذَا بِمُتَعَارِضٍ عِنْدَ أَحَدٍ لَهُ فَهْمٌ قَالَ وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ فَكُلُّ مَا اخْتَلَفْت فِيهِ مِنْ مِثْلِهِ فَمَرْدُودٌ إلَيْهِ وَرَوَى مَالِكٌ عَنْ ابْنِ شِهَابٍ أَنَّهُ قَالَ سَأَلْت سَالِمَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ هَلْ يُجْمَعُ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ فِي السَّفَرِ ؟ فَقَالَ نَعَمْ لَا بَأْسَ بِذَلِكَ أَلَمْ تَرَ إلَى صَلَاةِ النَّاسِ بِعَرَفَةَ ؟ فَهَذَا سَالِمٌ قَدْ نَزَعَ بِمَا ذَكَرْنَا وَهُوَ أَصْلٌ صَحِيحٌ لِمَنْ أُلْهِمَ رُشْدَهُ وَلَمْ تَمِلْ بِهِ الْعَصَبِيَّةُ إلَى الْمُعَانَدَةِ انْتَهَى . وَحَكَى أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَدَمَ اشْتِرَاطِ الْجَدِّ فِي السَّفَرِ عَنْ جُمْهُورِ السَّلَفِ وَعُلَمَاءِ الْحِجَازِ وَفُقَهَاءِ الْمُحَدِّثِينَ وَأَهْلِ الظَّاهِرِ . ( الْقَوْلُ الثَّالِثُ ) كَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي الِاخْتِصَاصِ بِحَالَةِ الْجَدِّ فِي السَّفَرِ لَكِنْ لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِأَنْ يَكُونَ سَبَبُ الْجَدِّ خَوْفَ فَوَاتِ أَمْرٍ أَوْ إدْرَاكِ مُهِمٍّ بَلْ كَانَ الْجَدُّ لِمُجَرَّدِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ كَانَ الْحُكْمُ كَذَلِكَ وَهَذَا قَوْلُ جَمَاعَةٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ قَوْله تَعَالَى عَنْ أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا عَجَّلَ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ وَعَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْجَمْعِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ لَا إلَّا أَنْ تَعَجَّلَنِي سَيْرٌ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ إلَّا مَنْ جَدَّ بِهِ السَّيْرُ وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ إنْ قَوْلَ ابْنِ حَبِيبٍ هَذَا هُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ لِأَنَّ السَّفَرَ نَفْسَهُ إنَّمَا هُوَ لِقَطْعِ الطَّرِيقِ انْتَهَى وَفِيمَا قَالَهُ نَظَرٌ فَإِنَّ الْمَاكِثَ فِي الْمَنْزِلَةِ لَيْسَ قَاطِعًا لِلطَّرِيقِ وَكَذَلِكَ مَنْ هُوَ سَائِرٌ إلَّا أَنَّهُ لَا اسْتِعْجَالَ بِهِ بَلْ هُوَ يَسِيرُ عَلَى هِينَتِهِ فَهُوَ أَنْ يُجَوِّزَ الشَّافِعِيُّ لَهُمَا الْجَمْعَ وَلَا يُجَوِّزُهُ لَهُمَا ابْنُ حَبِيبٍ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ وَلَعَلَّ صَاحِبَ هَذَا الْقَوْلِ أَسْعَدُ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ مِنْ الْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ فَإِنَّ الَّذِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ اعْتِبَارُ الْجَدِّ فِي السَّفَرِ مِنْ غَيْرِ سَبَبٍ مَخْصُوصٍ لِذَلِكَ وَلَا يُقَالُ إنَّمَا يَكُونُ الْجَدُّ لِخَوْفِ فَوَاتِ أَمْرٍ أَوْ إدْرَاكِ مُهِمٍّ فَقَدْ يَكُونُ الْجَدُّ لِمُجَرَّدِ قَطْعِ الْمَسَافَةِ وَالِاسْتِرَاحَةِ مِنْ مَتَاعِبِ السَّفَرِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فَإِذَا قَضَى أَحَدُكُمْ نَهْمَتَهُ مِنْ سَفَرِهِ فَلْيُعَجِّلْ إلَى أَهْلِهِ } لَكِنْ زَادَ حَدِيثُ مُعَاذٍ عَلَى ذَلِكَ بِبَيَانِ الْجَمْعِ فِي زَمَنِ الْإِقَامَةِ الَّتِي لَا تَقْطَعُ اسْمَ السَّفَرِ فَوَجَبَ الْأَخْذُ بِهِ كَمَا تَقَدَّمَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْقَوْلُ الرَّابِعُ ) أَنَّهُ لَا يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَّا مِنْ عُذْرٍ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا جَدَّ بِهِ السَّيْرُ جَمَعَ } ، قَالَ وَعَنْ الثَّوْرِيِّ نَحْوُ هَذَا وَعَنْهُ أَيْضًا مَا يَدُلُّ عَلَى الْجَوَازِ وَإِنْ لَمْ يَجِدَّ السَّيْرُ انْتَهَى وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ جَابِرِ بْنِ زَيْدٍ مَا أَرَى أَنْ يَجْمَعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ إلَّا مِنْ أَمْرٍ فَجَعَلَ صَاحِبُ هَذَا الْقَوْلِ الْجَدَّ فِي السَّيْرِ مِثَالًا لِلْعُذْرِ وَالِاعْتِبَارُ بِالْعُذْرِ بِأَيِّ وَجْهٍ كَانَ وَيَقُولُ الْجُمْهُورُ السَّفَرُ نَفْسُهُ عُذْرٌ وَمَظِنَّةٌ لِلرُّخْصَةِ فَنِيطَ الْحُكْمُ بِمُجَرَّدِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْقَوْلُ الْخَامِسُ ) مَنْعُ الْجَمْعِ بِعُذْرِ السَّفَرِ مُطْلَقًا وَإِنَّمَا يَجُوزُ لِلنُّسُكِ بِعَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَهَذَا قَوْلُ الْحَنَفِيَّةِ بَلْ زَادَ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى صَاحِبِيهِ وَقَالَ لَا يَجْمَعُ لِلنُّسُكِ إلَّا إذَا صَلَّى فِي الْجَمَاعَةِ فَإِنْ صَلَّى مُنْفَرِدًا صَلَّى كُلَّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا وَقَالَ أَبُو يُوسُفَ وَمُحَمَّدٌ الْمُنْفَرِدُ فِي ذَلِكَ كَالْمُصَلِّي جَمَاعَةً وَحَكَى ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي هَذَا عَنْ رِوَايَةِ ابْنِ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ وَاخْتِيَارِهِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ قَالَ كَانَ الْأَسْوَدُ وَأَصْحَابُهُ يَنْزِلُونَ عِنْدَ وَقْتِ كُلِّ صَلَاةٍ فِي السَّفَرِ فَيُصَلُّونَ الْمَغْرِبَ لِوَقْتِهَا ثُمَّ يَتَعَشَّوْنَ ثُمَّ يَمْكُثُونَ سَاعَةً ثُمَّ يُصَلُّونَ الْعِشَاءَ وَعَنْ الْحَسَنِ وَابْنِ سِيرِينَ أَنَّهُمَا قَالَا مَا نَعْلَمُ مِنْ السُّنَّةِ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي حَضَرٍ وَلَا سَفَرٍ إلَّا بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ وَبَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بِجَمْعٍ وَعَنْ عُمَرَ وَأَبِي مُوسَى أَنَّهُمَا قَالَا الْجَمْعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ بِغَيْرِ عُذْرٍ مِنْ الْكَبَائِرِ وَرُوِيَ هَذَا مَرْفُوعًا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ وَأَجَابَ هَؤُلَاءِ عَنْ أَحَادِيثِ الْجَمْعِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِهَا أَنْ يُصَلِّيَ الْأُولَى فِي آخِرِ وَقْتِهَا وَالْأُخْرَى فِي أَوَّلِ وَقْتِهَا وَهَذَا مَرْدُودٌ بِوَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ وَرَدَتْ الرِّوَايَاتُ مُصَرِّحَةً بِالْجَمْعِ فِي وَقْتِ إحْدَاهُمَا فَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ جَمَعَ بَيْنَ الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ بَعْدَ أَنْ يَغِيبَ الشَّفَقُ وَمِنْهَا قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ أَخَّرَ الظُّهْرَ حَتَّى يَدْخُلَ أَوَّلُ وَقْتِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَجْمَعَ بَيْنَهُمَا وَحَدِيثُ مُعَاذٍ صَرِيحٌ فِي جَمْعَيْ التَّقْدِيمِ وَالتَّأْخِيرِ فِي الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ وَفِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَهَذِهِ الْأَحَادِيثُ لَا يُمْكِنُ مَعَهَا التَّأْوِيلُ الَّذِي ذَكَرُوهُ . ( الثَّانِي ) أَنَّ الْجَمْعَ رُخْصَةٌ فَلَوْ كَانَ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ لَكَانَ أَشَدَّ ضِيقًا وَأَعْظَمَ حَرَجًا مِنْ الْإِتْيَانِ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا لِأَنَّ الْإِتْيَانَ بِكُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا أَوْسَعُ مِنْ مُرَاعَاةِ طَرَفَيْ الْوَقْتَيْنِ بِحَيْثُ لَا يَبْقَى مِنْ وَقْتِ الْأُولَى إلَّا قَدْرُ فِعْلِهَا وَمَنْ تَدَبَّرَ هَذَا وَجَدَهُ وَاضِحًا كَمَا وَصَفْنَا ثُمَّ لَوْ كَانَ الْجَمْعُ هَكَذَا لَجَازَ الْجَمْعُ بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَالصُّبْحِ وَلَا خِلَافَ بَيْنَ الْأُمَّةِ فِي تَحْرِيمِ ذَلِكَ وَالْعَمَلُ بِالْأَحَادِيثِ عَلَى الْوَجْهِ السَّابِقِ إلَى الْفَهْمِ مِنْهَا أَوْلَى مِنْ هَذَا التَّكَلُّفِ الَّذِي لَا حَاجَةَ إلَيْهِ وَاحْتَجَّ هَؤُلَاءِ بِمَا رَوَاهُ الشَّيْخَانِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { مَا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَطُّ صَلَاةً لِغَيْرِ وَقْتِهَا إلَّا الْمَغْرِبَ وَالصُّبْحَ بِالْمُزْدَلِفَةِ فَإِنَّهُ أَخَّرَ الْمَغْرِبَ حَتَّى جَمَعَهَا مَعَ الْعِشَاءِ وَصَلَّى الصُّبْحَ قَبْلَ الْفَجْرِ } وَقَالُوا إنَّ مَوَاقِيتَ الصَّلَاةِ تَثْبُتُ بِالتَّوَاتُرِ فَلَا يَجُوزُ تَرْكُهَا بِخَبَرِ وَاحِدٍ وَالْجَوَابُ عَنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ مَتْرُوكُ الظَّاهِرِ بِالْإِجْمَاعِ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ قَدْ جَمَعَ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ بِعَرَفَةَ بِلَا شَكٍّ وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَلَمْ يَصِحَّ هَذَا الْحَصْرُ ( وَثَانِيهِمَا ) أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ أَحَدٌ بِظَاهِرِهِ فِي إيقَاعِ الصُّبْحِ قَبْلَ الْفَجْرِ وَالْمُرَادُ أَنَّهُ بَالَغَ فِي التَّعْجِيلِ حَتَّى قَارَبَ ذَلِكَ مَا قَبْلَ الْفَجْرِ ثُمَّ إنَّ غَيْرَ ابْنِ مَسْعُودٍ حَفِظَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَمْعَ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ بِغَيْرِ عَرَفَةَ وَمُزْدَلِفَةَ وَمَنْ حَفِظَ حُجَّةٌ عَلَى مَنْ لَمْ يَحْفَظْ وَلَمْ يَشْهَدْ وَقَدْ رَوَى أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْمَعُ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ } وَالْجَوَابُ عَنْ قَوْلِهِمْ لَا يُتْرَكُ الْمُتَوَاتِرُ بِالْآحَادِ بِأَنَّا لَمْ نَتْرُكْهَا وَإِنَّمَا خَصَّصْنَاهَا وَتَخْصِيصُ الْمُتَوَاتِرِ بِالْآحَادِ جَائِزٌ بِالْإِجْمَاعِ وَقَدْ جَازَ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ إجْمَاعًا فَتَخْصِيصُ السُّنَّةِ بِالسُّنَّةِ أَوْلَى بِالْجَوَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَذَكَرَ الشَّافِعِيُّ قَوْلَ عُمَرَ جَمْعُ الصَّلَاتَيْنِ مِنْ غَيْرِ عُذْرٍ مِنْ الْكَبَائِرِ وَقَالَ الْعُذْرُ يَكُونُ بِالسَّفَرِ وَالْمَطَرِ وَلَيْسَ هَذَا ثَابِتًا عَنْ عُمَرَ وَهُوَ مُرْسَلٌ . ( الْقَوْلُ السَّادِسُ ) جَوَازُ التَّأْخِيرِ وَمَنْعُ جَمْعِ التَّقْدِيمِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ سَعْدٍ وَابْنِ عُمَرَ وَعِكْرِمَةَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْمَدِينَةِ وَبِهَذَا قَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ بِشَرْطِ الْجَدِّ فِي السَّفَرِ وَاعْتِمَادُ هَؤُلَاءِ عَلَى أَنَّ جَمْعَ التَّقْدِيمِ لَمْ يُذْكَرْ فِي حَدِيثَيْ ابْنِ عُمَرَ وَأَنَسٍ وَإِنَّمَا ذُكِرَ فِيهِمَا جَمْعُ التَّأْخِيرِ وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ { فَإِنْ زَاغَتْ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ ثُمَّ رَكِبَ } وَلَمْ يَذْكُرْ صَلَاةَ الْعَصْرِ وَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ عَدَمِ ذِكْرِهَا أَنْ لَا يَكُونَ صَلَّاهَا مَعَ الظُّهْرِ وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِجَمْعِ التَّقْدِيمِ فِي حَدِيثِ مُعَاذٍ وَغَيْرِهِ فَوَجَبَ الْمَصِيرُ إلَيْهِ وَحَمَلَ بَعْضُهُمْ حَدِيثَ أَنَسٍ عَلَى أَنَّ مَعْنَاهُ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ قَالَ لِأَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ إنَّمَا كَانَ يُؤَخِّرُ الظُّهْرَ إلَى الْعَصْرِ إذَا لَمْ تَزُغْ الشَّمْسُ فَكَذَلِكَ يُقَدِّمُ الْعَصْرَ إلَى الظُّهْرِ إنْ زَاغَتْ الشَّمْسُ ذَكَرَهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ بِسَنَدٍ لَا بَأْسَ بِهِ فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ وَلَفْظُهُ { إذَا كَانَ فِي سَفَرٍ فَزَاغَتْ الشَّمْسُ قَبْلَ أَنْ يَرْتَحِلَ صَلَّى الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ جَمِيعًا وَإِنْ ارْتَحَلَ قَبْلَ أَنْ تَزِيغَ الشَّمْسُ جَمَعَ بَيْنَهُمَا فِي أَوَّلِ وَقْتِ الْعَصْرِ } وَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي الْمَغْرِبِ وَالْعِشَاءِ وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ أَنَّ اللُّؤْلُؤِيَّ حَكَى عَنْ أَبِي دَاوُد أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ فِي تَقْدِيمِ الْوَقْتِ حَدِيثٌ قَائِمٌ ا هـ وَلَيْسَ ذَلِكَ فِي رِوَايَتِنَا لِسُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ طَرِيقِ اللُّؤْلُؤِيِّ وَضَعَّفَ ابْنُ حَزْمٍ حَدِيثَ مُعَاذٍ فِي جَمْعِ التَّقْدِيمِ وَقَدْ بَسَطْت الرَّدَّ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ فِي كُرَّاسَةٍ كَتَبْتهَا قَدِيمًا سَمَّيْتهَا الدَّلِيلُ الْقَوِيمُ عَلَى صِحَّةِ جَمْعِ التَّقْدِيمِ . ( الرَّابِعَةُ ) غَايَةُ مَا دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْحَدِيثُ جَوَازُ الْجَمْعِ فَأَمَّا رُجْحَانُهُ وَكَوْنُهُ أَفْضَلَ مِنْ إيقَاعِ كُلِّ صَلَاةٍ فِي وَقْتِهَا فَلَا دَلَالَةَ فِيهِ عَلَيْهِ فَلَعَلَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بَيَّنَ بِذَلِكَ الْجَوَازَ أَوْ فَعَلَهُ عَلَى سَبِيلِ التَّرَخُّصِ وَالتَّوَسُّعِ وَإِنْ كَانَ الْأَفْضَلُ خِلَافَهُ وَقَدْ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ بِذَلِكَ وَقَالُوا إنَّ تَرْكَ الْجَمْعِ أَفْضَلُ وَقَالَ الْغَزَالِيُّ إنَّهُ لَا خِلَافَ فِي الْمَذْهَبِ فِيهِ وَعَلَّلُوهُ بِالْخُرُوجِ مِنْ الْخِلَافِ فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةً مِنْ التَّابِعِينَ لَا يُجَوِّزُونَهُ وَعَنْ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ فِي ذَلِكَ رِوَايَتَانِ وَزَادَ مَالِكٌ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى مَا قَالَهُ أَصْحَابُنَا مِنْ أَنَّ الْأَفْضَلَ تَرْكُ الْجَمْعِ فَقَالَ إنَّ الْجَمْعَ مَكْرُوهٌ رَوَاهُ الْمِصْرِيُّونَ عَنْهُ كَمَا قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَاحْتَجَّ لَهُ بِتَعَارُضِ الْأَدِلَّةِ وَقَالَ ابْنُ شَاسٍ فِي الْجَوَاهِرِ وَقَعَ فِي الْعُتْبِيَّةِ قَالَ مَالِكٌ أَكْرَهُ جَمْعَ الصَّلَاتَيْنِ فِي السَّفَرِ فَحَمَلَهُ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ عَلَى إيثَارِ الْفَضْلِ لِئَلَّا يَتَسَهَّلَ فِيهِ مَنْ لَا يَشُقُّ عَلَيْهِ وَقَالَ ابْنُ الْحَاجِبِ فِي مُخْتَصَرِهِ لَا كَرَاهَةَ عَلَى الْمَشْهُورِ وَحَكَى أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ مَالِكٍ رِوَايَةً أُخْرَى أَنَّهُ كَرِهَ الْجَمْعَ لِلرِّجَالِ دُونَ النِّسَاءِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ كَانَ الْحَسَنُ وَمَكْحُولٌ يَكْرَهَانِ الْجَمْعَ فِي السَّفَرِ بَيْنَ الصَّلَاتَيْنِ انْتَهَى فَإِنْ أَرَادَ بِالْكَرَاهَةِ التَّحْرِيمَ فَهُوَ الْقَوْلُ الْخَامِسُ الْمَحْكِيُّ فِي الْفَائِدَةِ الثَّالِثَةِ وَإِنْ أَرَادَ التَّنْزِيهَ فَهُوَ مُوَافِقٌ لِهَذَا الْمَحْكِيِّ عَنْ مَالِكٍ . ( الْخَامِسَةُ ) لَمْ يُبَيِّنْ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَلَا فِي غَيْرِهِ مِنْ الْأَحَادِيثِ هَلْ كَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ فِي كُلِّ سَفَرٍ أَوْ كَانَ يَخُصُّ بِهِ السَّفَرَ الطَّوِيلَ وَهُوَ سَفَرُ الْقَصْرِ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ إنَّ الظَّاهِرَ مِنْ الْجَدِّ فِي السَّفَرِ أَنَّهُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الطَّوِيلِ وَالْحَقُّ أَنَّ هَذِهِ وَاقِعَةُ عَيْنٍ مُحْتَمَلَةٌ فَلَا يَجُوزُ الْجَمْعُ فِي السَّفَرِ الْقَصِيرِ مَعَ الشَّكِّ فِي ذَلِكَ وَمَذْهَبُ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالطَّوِيلِ وَمَذْهَبُ أَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ اخْتِصَاصُهُ بِهِ وَلِلشَّافِعِيِّ فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا اخْتِصَاصُهُ بِالطَّوِيلِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ عَنْ نَافِعٍ { أَنَّ عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ فَيُصَلِّي لَهُمْ الْإِمَامُ رَكْعَةً وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ لَمْ يُصَلُّوا فَإِذَا صَلَّى الَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا وَلَا يُسَلِّمُونَ وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُ الْإِمَامُ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَيَقُومُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ وَقَدْ صَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ كَذَا فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا وَالصَّوَابُ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فَيُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ فَيَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ هَكَذَا فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ فَإِنْ كَانَ الْخَوْفُ هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا قَالَ نَافِعٌ لَا أَرَى عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ عَلَى الصَّوَابِ وَقَالَ فِي الصَّلَاةِ وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا } لَمْ يَشُكَّ فِي رَفْعِهِ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُمَا { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً وَالطَّائِفَةُ مُوَاجِهَةُ الْعَدُوِّ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَقَامُوا الْأُخْرَى فِي مَقَامَ أَصْحَابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ وَجَاءَ أُولَئِكَ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً } لَفْظُ مُسْلِمٍ وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ { غَزَوْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ نَجْدٍ فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ فَصَافَّنَا لَهُمْ } بَابُ صَلَاةِ الْخَوْفِ عَنْ نَافِعٍ { أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُمَرَ كَانَ إذَا سُئِلَ عَنْ صَلَاةِ الْخَوْفِ قَالَ : يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ فَيُصَلِّي لَهُمْ الْإِمَامُ رَكْعَةً وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ لَمْ يُصَلُّوا فَإِذَا صَلَّى الَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا وَلَا يُسَلِّمُونَ وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُصَلُّونَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُ الْإِمَامُ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ فَتَقُومُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ كَذَا فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا وَالصَّوَابُ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فَيُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ فَتَكُونُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلَّوْا رَكْعَتَيْنِ هَكَذَا فِي النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا رِجَالًا قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا قَالَ نَافِعٌ لَا أَرَى عَبْدَ اللَّهَ بْنَ عُمَرَ ذَكَرَ ذَلِكَ إلَّا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّفْسِيرِ مِنْ صَحِيحِهِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُوسُفَ عَنْ مَالِكٍ عَلَى الصَّوَابِ الَّذِي أَوْرَدَهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ وَحَكَاهُ عَنْ النُّسَخِ الصَّحِيحَةِ وَأَمَّا السَّقْطُ الَّذِي وَقَعَ فِي أَصْلِ سَمَاعِنَا فَلَعَلَّهُ مِنْ النَّاسِخِ لَكِنْ لَمَّا لَمْ يَكُنْ فِي الرِّوَايَةِ لَمْ يُمْكِنْ لِلْمُصَنِّفِ رَحِمَهُ اللَّهُ ذِكْرُهُ إلَّا مَعَ الْبَيَانِ مَعَ أَنَّهُ فِي رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَغَيْرِهِ عَنْ مَالِكٍ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ نَحْوًا مِنْ قَوْلِ مُجَاهِدٍ إذَا اخْتَلَطُوا قِيَامًا وَزَادَ ابْنُ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَإِنْ كَانُوا أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَلْيُصَلُّوا قِيَامًا وَرُكْبَانًا } لَفْظُ الْبُخَارِيِّ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي بَعْضِ أَيَّامِهِ فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ وَطَائِفَةٌ بِإِزَاءِ الْعَدُوِّ فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً ثُمَّ ذَهَبُوا وَجَاءَ الْآخَرُونَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ قَضَتْ الطَّائِفَتَانِ رَكْعَةً رَكْعَةً } زَادَ مُسْلِمٌ قَالَ وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ فَإِذَا كَانَ خَوْفٌ أَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَصَلَّى رَاكِبًا أَوْ قَائِمًا يُومِئُ إيمَاءً وَمَا أَشَارَ إلَيْهِ فِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ هُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ إذَا اخْتَلَطُوا فَإِنَّمَا هُوَ الْإِشَارَةُ بِالرَّأْسِ وَالتَّكْبِيرُ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ أَنْ يَكُونَ الْإِمَامُ يُصَلِّي بِطَائِفَةٍ مَعَهُ فَيَسْجُدُونَ سَجْدَةً وَاحِدَةً وَتَكُونُ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ ثُمَّ يَنْصَرِفُ الَّذِينَ سَجَدُوا السَّجْدَةَ مَعَ أَمِيرِهِمْ ثُمَّ يَكُونُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا وَيَتَقَدَّمُ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُصَلُّونَ مَعَ أَمِيرِهِمْ سَجْدَةً وَاحِدَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُ أَمِيرُهُمْ وَقَدْ صَلَّى صَلَاتَهُ وَيُصَلِّي كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ بِصَلَاتِهِ سَجْدَةً لِنَفْسِهِ فَإِنْ كَانَ خَوْفًا أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا قَالَ يَعْنِي بِالسَّجْدَةِ الرَّكْعَةَ } وَأَخْرَجَهُ الْأَئِمَّةُ الْخَمْسَةُ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ وَالْبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُلَيْحِ بْنِ سُلَيْمَانَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا { قَالَ صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوِّ ثُمَّ انْصَرَفُوا وَقَامُوا فِي مَقَامِ أَصْحَابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ وَجَاءَ أُولَئِكَ ثُمَّ صَلَّى بِهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَهَؤُلَاءِ رَكْعَةً } لَفْظُ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مَعْمَرٍ وَلَفْظُ الْآخَرِينَ بِمَعْنَاهُ وَلَفْظُ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ { غَزَوْت مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَبْلَ نَجْدٍ فَوَازَيْنَا الْعَدُوَّ فَصَافَّنَا لَهُمْ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي لَنَا فَقَامَتْ طَائِفَةٌ مَعَهُ تُصَلِّي وَأَقْبَلَتْ طَائِفَةٌ عَلَى الْعَدُوِّ وَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَنْ مَعَهُ وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ انْصَرَفُوا مَكَانَ الطَّائِفَةِ الَّتِي لَمْ تُصَلِّ فَجَاءُوا فَرَكَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهِمْ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فَرَكَعَ لِنَفْسِهِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ } وَلَفْظُ النَّسَائِيّ بِمَعْنَاهُ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مِنْ غَيْرِ ذِكْرِ سَالِمٍ وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي سَمَاعِ الزُّهْرِيِّ مِنْ ابْنِ عُمَرَ وَقَالَ ابْنُ السُّنِّيِّ الزُّهْرِيُّ سَمِعَ مِنْ ابْنِ عُمَرَ حَدِيثَيْنِ وَلَمْ يَسْمَعْ هَذَا مِنْهُ . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ إثْبَاتُ صَلَاةِ الْخَوْفِ وَاسْتِمْرَارُهَا وَأَنَّهَا لَا تَخْتَصُّ بِزَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِفَتْوَى ابْنِ عُمَرَ وَغَيْرِهِ مِنْ الصَّحَابَةِ بِهَا بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلُهُمْ لَهَا فِي عِدَّةِ أَمَاكِنَ وَبِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ إبْرَاهِيمُ ابْنُ عُلَيَّةَ وَأَبُو يُوسُفَ وَالْمُزَنِيِّ وَالْحَسَنُ اللُّؤْلُؤِيُّ فَقَالُوا إنَّهَا غَيْرُ مَشْرُوعَةٍ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى { وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَك } الْآيَةَ وَقَالَ الْجُمْهُورُ الْأَصْلُ فِي الْأَحْكَامِ التَّشْرِيعُ حَتَّى يَقُومَ دَلِيلٌ عَلَى التَّخْصِيصِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً } وَلَيْسَ ذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِهِ اتِّفَاقًا وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمُخَاطَبُ بِهِ فَالْحُكْمُ بَعْدَهُ بَاقٍ لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ أَنَّ الْمَشْرُوعَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فِيمَا إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَنْ يُفَرِّقَ الْإِمَامُ النَّاسَ فِرْقَتَيْنِ فِرْقَةً يَنْحَازُ بِهِمْ إلَى حَيْثُ لَا يَبْلُغُهُمْ سِهَامُ الْعَدُوِّ فَيَفْتَتِحُ بِهِمْ الصَّلَاةَ وَيُصَلِّي بِهِمْ رَكْعَةً وَفِرْقَةً فِي وَجْهِ الْعَدُوِّ فَإِذَا قَامَ إلَى الرَّكْعَةِ الثَّانِيَةِ لَمْ يُتِمَّ الْمُقْتَدُونَ بِهِ الصَّلَاةَ بَلْ يَذْهَبُونَ إلَى مَكَانِ إخْوَانِهِمْ وِجَاهَ الْعَدُوِّ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ فَيَقِفُونَ سُكُوتًا وَتَجِيءُ تِلْكَ الطَّائِفَةُ فَتُصَلِّي مَعَ الْإِمَامِ رَكْعَتَهُ الثَّانِيَةَ فَإِذَا سَلَّمَ الْإِمَامُ صَلَّتْ كُلٌّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ الرَّكْعَةُ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهَا وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَأَشْهَبُ صَاحِبُ مَالِكٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَالصَّحِيحُ مِنْ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ جَوَازُ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ فِيهَا وَعَدَمِ الْمُعَارِضِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ جَرِيرٍ الطَّبَرِيُّ لَكِنَّهُمْ اخْتَارُوا كَيْفِيَّةً أُخْرَى وَهِيَ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا قَامَ إلَى الثَّانِيَةِ خَرَجَ الْمُقْتَدُونَ عَنْ مُتَابَعَتِهِ وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ وَتَشَهَّدُوا وَسَلَّمُوا وَذَهَبُوا إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ وَجَاءَ أُولَئِكَ فَاقْتَدُوا بِهِ فِي الثَّانِيَةِ وَيُطِيلُ الْإِمَامُ الْقِيَامَ إلَى لُحُوقِهِمْ فَإِذَا لَحِقُوهُ صَلَّى بِهِمْ الثَّانِيَةَ فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ قَامُوا وَأَتَمُّوا الثَّانِيَةَ وَهُوَ يَنْتَظِرُهُمْ فَإِذَا لَحِقُوهُ سَلَّمَ بِهِمْ . وَهَذِهِ رِوَايَةُ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهِيَ ثَابِتَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ فَاخْتَارَهَا الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَغَيْرُهُمَا لِسَلَامَتِهَا مِنْ كَثْرَةِ الْمُخَالَفَةِ وَلِأَنَّهَا أَحْوَطُ لِأَمْرِ الْحَرْبِ مَعَ تَجْوِيزِهِمْ الْكَيْفِيَّةَ الْأُخْرَى وَكَذَا نَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ اخْتِيَارَ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مَهْدِيٍّ وَيَحْيَى بْنِ يَحْيَى النَّيْسَابُورِيِّ وَدَاوُد وَطَائِفَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ وَشَرَطَ الْقَاضِي مِنْ الْحَنَابِلَةِ فِي هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ . وَنَصَّ أَحْمَدُ عَلَى خِلَافِهِ فَقِيلَ لَهُ حَدِيثُ سَهْلٍ نَسْتَعْمِلُهُ مُسْتَقْبِلِينَ الْقِبْلَةَ كَانُوا أَوْ مُسْتَدْبِرَيْنِ ؟ قَالَ نَعَمْ هُوَ إنْكَارٌ ، وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلٌ آخَرُ أَنَّهُ لَا يَصِحُّ صَلَاةُ الْخَوْفِ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَادَّعَى نَاصِرُ هَذَا الْقَوْلِ أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ وَهُوَ مَرْدُودٌ إذْ النَّسْخُ لَا يَثْبُتُ بِغَيْرِ دَلِيلٍ وَقَالَ بَعْضُ الْآخِذِينَ بِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إنَّ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ مُخَالِفُ سُنَّتَيْنِ مِنْ سُنَنِ الصَّلَاةِ الْمُجْمَعِ عَلَيْهَا لِأَنَّ فِيهِ أَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى تُصَلِّي الرَّكْعَةَ الثَّانِيَةَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَهَا الْإِمَامُ وَتُسَلِّمُ قَبْلَ إمَامِهَا وَهَذَا لَا يَجُوزُ عِنْدَ الْجَمِيعِ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَوْضِعِ وَذَهَبَ الْمَالِكِيَّةُ إلَّا أَشْهَبَ إلَى الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ . وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ عَدَمُ إجَازَةِ الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ ثُمَّ إنَّ الْمَشْهُورَ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الْإِمَامَ يُسَلِّمُ وَتَأْتِي الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ بِالرَّكْعَةِ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهَا بَعْدَ سَلَامِهِ وَبِهِ قَالَ أَبُو ثَوْرٍ وَالشَّافِعِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يَقُولُونَ يَنْتَظِرُهُمْ حَتَّى يَأْتُوا بِالرَّكْعَةِ فَإِذَا لَحِقُوهُ سَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ وَزَعَمَ ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ مَا قَالَهُ مَالِكٌ فِي ذَلِكَ لَمْ يَأْتِ فِي شَيْءٍ مِمَّا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصْلًا وَلَمْ يَجِدُهُ عَنْ أَحَدٍ قَبْلَهُ إلَّا عَنْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ . ( الرَّابِعَةُ ) دَلَّ هَذَا الْحَدِيثُ عَلَى أَنَّ كُلًّا مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ تُصَلِّي الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهَا بَعْدَ سَلَامِ الْإِمَامِ وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ لَا سَبِيلَ إلَى فِعْلِهِمْ ذَلِكَ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ لِمَا فِيهِ مِنْ تَضْيِيعِ أَمْرِ الْحَرْبِ بِاشْتِغَالِ الطَّائِفَتَيْنِ مَعًا بِالصَّلَاةِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ تُصَلِّيَ إحْدَى الْفِرْقَتَيْنِ بَعْدَ الْأُخْرَى وَلَا سَبِيلَ إلَى فِعْلِ ذَلِكَ وَهُمْ فِي مُوَاجِهَةِ الْعَدُوِّ إذْ لَا يُمْكِنُهُمْ مَعَ ذَلِكَ مُرَاعَاةُ الشُّرُوطِ الْمُعْتَبَرَةِ فَلَا بُدَّ مِنْ مَجِيئِهِمْ إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ لِيُتِمُّوهَا هُنَاكَ لَكِنْ أَيُّ الْفِرْقَتَيْنِ تُتِمُّ صَلَاتَهَا أَوَّلًا الْأُولَى أَمْ الثَّانِيَةُ ؟ . لَيْسَ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ إفْصَاحٌ عَنْ ذَلِكَ وَإِنَّمَا فِيهِ أَنَّ كُلًّا مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ يُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ وَهَذَا صَادِقٌ بِكُلٍّ مِنْهُمَا وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ الْحَنَفِيَّةُ أَنَّ الْأُولَى تَعُودُ إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ وَتُتِمُّ صَلَاتَهَا ثُمَّ تَذْهَبُ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ ثُمَّ تَجْيِيءُ الطَّائِفَةُ الثَّانِيَةُ إلَى مَوْضِعِ الصَّلَاةِ وَتُتِمُّ صَلَاتَهَا وَكَذَا ذَكَرَهُ الشَّافِعِيَّةُ تَفْرِيعًا عَلَى إجَازَةِ الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي رَوَاهَا ابْنُ عُمَرَ وَاَلَّذِي ذَكَرَهُ أَشْهَبُ أَنَّ الطَّائِفَةَ الثَّانِيَةَ تُكْمِلُ صَلَاتَهَا وَتَذْهَبُ إلَى وَجْهِ الْعَدُوِّ ثُمَّ تَجِيءُ حِينَئِذٍ الطَّائِفَةُ الْأُولَى وَتَأْتِي بِمَا بَقِيَ مِنْ صَلَاتِهَا وَقَدْ يَشْهَدُ لَهُ مَا فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ كَمَا فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { ثُمَّ سَلَّمَ فَقَامَ هَؤُلَاءِ فَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا ثُمَّ ذَهَبُوا فَقَامُوا مَقَامَ أُولَئِكَ مُسْتَقْبِلِي الْعَدُوَّ وَرَجَعَ أُولَئِكَ إلَى مَقَامِهِمْ فَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا } فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ إنَّمَا أَشَارَ بِأُولَئِكَ الَّتِي هِيَ إشَارَةُ الْبَعِيدِ إلَى الْفِرْقَةِ الَّتِي كَانَتْ بَعِيدَةً عَنْ الْإِمَامِ وَقْتَ سَلَامِهِ وَهِيَ الْفِرْقَةُ الْأُولَى وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَالنَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ أَخَذَ بِهَذَا وَاَلَّذِي فِي كُتُبِ أَصْحَابِهِ مَا قَدَّمْته وَذَكَرَ الرَّافِعِيُّ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ الَّتِي بَدَأَتْ بِقَضَاءِ الرَّكْعَةِ الطَّائِفَةُ الْأُولَى وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ إنَّهُ لَا أَصْلَ لِهَذِهِ الزِّيَادَةِ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَأَنَّ حَدِيثَ ابْنِ مَسْعُودٍ أَيْضًا لَمْ يَصِحَّ قَالَ وَمَا وَقَعَ فِي حَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ قَضَاءِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ بَعْدَ تَسْلِيمِ الْإِمَامِ وَرَاءَهُ أَوْلَى لِأَنَّهُ أَقَلُّ أَفْعَالًا فِي صَلَاتِهِمْ مِنْ رُجُوعِهِمْ إلَى الْعَدُوِّ ثُمَّ عَوْدِهِمْ إلَى مُصَلَّاهُمْ لِقَضَاءِ الرَّكْعَةِ . قَالَ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِرِوَايَةِ مَالِكٍ عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ فِي كَوْنِ الَّذِينَ صَلَّوْا خَلْفَهُ رَكْعَتَهُ الثَّانِيَةَ قَامُوا وَرَاءَهُ فَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قِيلَ إنَّ الطَّائِفَتَيْنِ قَضَوْا رَكْعَتَهُمْ الْبَاقِيَةَ مَعًا وَقِيلَ مُفْتَرِقِينَ وَهُوَ الصَّحِيحُ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ الْأَوَّلَ عَنْ ابْنِ حَبِيبٍ وَالثَّانِي عَنْ أَشْهَبُ وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ مِثْلَ مَا قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ بْنِ مَسْعُودٍ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ إلَّا قَوْلَهُ إنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى لَا تَقْرَأُ فِي رَكْعَتِهَا الَّتِي تَقْضِيهَا كَمَا سَنَحْكِيهِ عَنْهُ فِي الْفَائِدَةِ السَّابِعَةِ . ( الْخَامِسَةُ ) ظَاهِرُ إطْلَاقِهِ الطَّائِفَةَ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَتَسَاوَى عَدَدُ الطَّائِفَتَيْنِ أَوْ تَكُونَ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَكْثَرَ عَدَدًا وَهُوَ كَذَلِكَ إلَّا أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ الطَّائِفَةُ الَّتِي تَحْرُسُ يَحْصُلُ بِهَا الثِّقَةُ فِي التَّحَصُّنِ مِنْ الْعَدُوِّ فَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ فِيهَا مُقَاوَمَةٌ لِلْعَدُوِّ . ( السَّادِسَةُ ) ذَهَبَ بَعْضُ الْحَنَابِلَةِ إلَى أَنَّهُ يُشْتَرَطُ أَنْ تَكُونَ كُلُّ طَائِفَةٍ ثَلَاثَةَ نَفَرٍ فَمَا زَادَ لِأَنَّ الطَّائِفَةَ اسْمُ جَمْعٍ وَأَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثَةٌ وَأَيْضًا فَقَدْ عَبَّرَ عَنْ الطَّائِفَةِ بِضَمِيرِ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ لَمْ يُصَلُّوا وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الضَّمَائِرِ قَالَهُ أَبُو الْخَطَّابِ الْحَنْبَلِيُّ وَقَالَ الْقَاضِي مِنْهُمْ إنْ كَانَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ كَرِهْنَاهُ لِأَنَّ أَحْمَدَ ذَهَبَ إلَى ظَاهِرِ فِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ وَالْأَوْلَى أَنْ لَا يُشْتَرَطَ هَذَا لِأَنَّ مَا دُونَ الثَّلَاثَةِ عَدَدٌ تَصِحُّ بِهِ الْجَمَاعَةُ وَلَا يُشْتَرَطُ أَنْ يَكُونَ عَدَدُ الْمُصَلِّينَ عَدَدَ الصَّحَابَةِ وَلِذَلِكَ اكْتَفَيْنَا بِثَلَاثَةٍ وَلَمْ تَكُنْ الصَّحَابَةُ كَذَلِكَ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ مِنْ حَضَرَهُ خَوْفٌ وَهُمْ ثَلَاثَةٌ فَصَاعِدًا فَأَمِيرُهُمْ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَجْهًا وَسَاقَ الْكَلَامَ عَلَى ذَلِكَ فَاعْتَبَرَ الثَّلَاثَةَ فِي الْمَجْمُوعِ لَا فِي كُلِّ فِرْقَةٍ وَلَا شَكَّ أَنَّ أَقَلَّ عَدَدٍ يُمْكِنُ تَفْرِيقُهُمْ فِرْقَتَيْنِ مَعَ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ ثَلَاثَةٌ الْإِمَامُ وَمَعَهُ فِي إحْدَى الرَّكْعَتَيْنِ وَاحِدٌ وَفِي الْأُخْرَى آخَرُ وَلَمْ يَشْتَرِطْ الْأَكْثَرُونَ لِذَلِكَ عَدَدًا وَقَالُوا الطَّائِفَةُ لُغَةً الْقِطْعَةُ مِنْ الشَّيْءِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا فِي قَوْله تَعَالَى { وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } وَاحِدٌ فَمَا فَوْقَهُ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْله تَعَالَى { فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ } فَالْفِرْقَةُ ثَلَاثَةٌ فَمَا زَادَ وَالطَّائِفَةُ وَاحِدٌ أَوْ اثْنَانِ لَكِنْ كَرِهَ الشَّافِعِيُّ كَوْنَ الطَّائِفَةِ أَقَلَّ مِنْ ثَلَاثَةٍ وَلَمْ يُوجِبْ ذَلِكَ وَعِبَارَتُهُ فِي الْأُمِّ فَإِنْ حَرَسَهُ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ أَوْ كَانَ مَعَهُ فِي الصَّلَاةِ أَقَلُّ مِنْ ثَلَاثَةٍ كَرِهْتُ ذَلِكَ لَهُ لِأَنَّ أَقَلَّ اسْمِ الطَّائِفَةِ لَا يَقَعُ عَلَيْهِمْ وَلَا إعَادَةَ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ بِهَذَا الْحَالِ لِأَنَّ ذَلِكَ إذَا أَجْزَأَ الطَّائِفَةَ أَجْزَأَ الْوَاحِدَ إنْ شَاءَ اللَّهُ انْتَهَى . ( السَّابِعَةُ ) اخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ وَالشَّافِعِيَّةُ فِيمَا إذَا أَتَتْ الطَّائِفَةُ الْأُولَى بِالرَّكْعَةِ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهَا هَلْ يَأْتِي فِيهَا بِقِرَاءَةٍ أَمْ لَا ، فَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ لَا قِرَاءَةَ فِيهَا مَعَ اعْتِرَافِهِمْ بِقِرَاءَةِ الطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ فِي رَكْعَتِهَا الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهَا وَفَرَّقُوا بَيْنَهُمَا بِأَنَّ الْأُولَى لَاحِقَةٌ وَالثَّانِيَةَ مَسْبُوقَةٌ وَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ لَا بُدَّ مِنْ الْقِرَاءَةِ فِي حَقِّ الطَّائِفَتَيْنِ مَعًا وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِ { فَيُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً } إذْ الرَّكْعَةُ الْمَعْهُودَةُ شَرْعًا مُشْتَمِلَةٌ عَلَى الْقِرَاءَةِ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ إنَّ الْقَوْلَ بِعَدَمِ قِرَاءَةِ الطَّائِفَةِ الْأُولَى فِي الرَّكْعَةِ الَّتِي بَقِيَتْ عَلَيْهَا زَادَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَلَا يُعْرَفُ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الْأُمَّةِ قَبْلَهُ . ( الثَّامِنَةُ ) تَسْمِيَةُ هَذِهِ الصَّلَاةِ صَلَاةَ الْخَوْفِ يَقْتَضِي فِعْلَهَا عِنْدَ كُلِّ خَوْفٍ لَكِنْ بِشَرْطِ أَنْ لَا يَكُونَ ذَلِكَ الْقِتَالُ مَعْصِيَةً فَيَجُوزُ فِي قِتَالِ الْكُفَّارِ وَلِأَهْلِ الْعَدْلِ فِي قِتَالِ الْبُغَاةِ وَالرُّفْقَةِ فِي قِتَالِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَلَا يَجُوزُ لِلْبُغَاةِ وَالْقُطَّاعِ أَنْ يُصَلُّوا صَلَاةً يَرْتَكِبُونَ فِيهَا مَا لَا يُبَاحُ فِي غَيْرِ حَالَةِ الْخَوْفِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إعَانَتِهِمْ عَلَى مَعْصِيَتِهِمْ أَمَّا مَا يُبَاحُ فِي حَالَةِ الْأَمْنِ مِنْ كَوْنِ الْإِمَامِ يُصَلِّي بِكُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ جَمِيعَ الصَّلَاةِ فَلَا يُمْنَعُ مِنْهُ الْعُصَاةُ إذْ لَا تَرَخُّصَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( التَّاسِعَةُ ) مَشْرُوعِيَّةُ صَلَاةِ الْخَوْفِ تَدُلُّ عَلَى تَأَكُّدِ أَمْرِ الْجَمَاعَةِ فَإِنَّ ارْتِكَابَ هَذِهِ الْأُمُورِ الَّتِي لَا تُغْتَفَرُ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ سَبَبُهُ الْمُحَافَظَةُ عَلَى الْجَمَاعَةِ فَلَوْ صَلَّوْا مُنْفَرِدِينَ لَمْ يَحْتَاجُوا إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . ( الْعَاشِرَةُ ) ظَاهِرُ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ فِي جِهَتِهَا وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فَلَمْ يُفَرِّقُوا وَلَمَّا قَالَتْ الْمَالِكِيَّةُ بِحَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ لَمْ يُفَرِّقُوا فِيهِ أَيْضًا بَيْنَ أَنْ يَكُونَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ فِي غَيْرِ جِهَتِهَا وَذَهَبَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْأَكْثَرُونَ إلَى حَمْلِ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَسَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَمَا فِي مَعْنَاهُمَا عَلَى مَا إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي غَيْرِ جِهَةِ الْقِبْلَةِ أَوْ كَانَ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ لَكِنْ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُسْلِمِينَ حَائِلٌ يَمْنَعُ رُؤْيَتَهُمْ لَوْ هَجَمُوا فَإِنْ كَانُوا فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ بِلَا حَائِلٍ فَالْمَشْرُوعُ حِينَئِذٍ صَلَاتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِعُسْفَانَ وَهُوَ أَنْ يُرَتِّبَهُمْ الْإِمَامُ صَفَّيْنِ وَيُحْرِمَ بِالْجَمِيعِ فَيُصَلُّوا مَعَهُ إلَى أَنْ يَنْتَهِيَ إلَى الِاعْتِدَالِ عَنْ رُكُوعِ الرَّكْعَةِ الْأُولَى فَيَسْجُدَ مَعَهُ صَفٌّ وَيَحْرُسَ آخَرُ فَإِذَا قَامَ الْإِمَامُ وَالسَّاجِدُونَ سَجَدَ أَهْلُ الصَّفِّ الْآخَرِ وَلَحِقُوهُ فَقَرَأَ الْجَمِيعُ مَعَهُ وَرَكَعُوا وَاعْتَدَلُوا فَإِذَا سَجَدَ سَجَدَ مَعَهُ الْحَارِسُونَ فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَحَرَسَ الْآخَرُونَ فَإِذَا جَلَسَ لِلتَّشَهُّدِ سَجَدُوا وَلَحِقُوهُ وَتَشْهَدُوا كُلُّهُمْ مَعَهُ وَسَلَّمَ بِهِمْ وَهَذِهِ ثَابِتَةٌ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَامَ النَّاسُ مَعَهُ فَكَبَّرَ وَكَبَّرُوا مَعَهُ وَرَكَعَ وَرَكَعَ نَاسٌ مِنْهُمْ مَعَهُ ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدُوا مَعَهُ ثُمَّ قَامَ الثَّانِيَةَ فَقَامَ الَّذِينَ سَجَدُوا وَحَرَسُوا إخْوَانَهُمْ وَأَتَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى فَرَكَعُوا وَسَجَدُوا مَعَهُ وَالنَّاسُ كُلُّهُمْ فِي صَلَاةٍ وَلَكِنْ يَحْرُسُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا } وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ { أَنَّهُمْ رَكَعُوا مَعَهُ جَمِيعًا وَإِنَّمَا كَانَتْ الْحِرَاسَةُ فِي السُّجُودِ } وَكَذَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ جَابِرٍ { صَفَّنَا صَفَّيْنِ وَالْمُشْرِكُونَ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ قَالَ فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرْنَا وَرَكَعَ فَرَكَعْنَا ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ فَلَمَّا قَامُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي ثُمَّ تَأَخَّرَ الصَّفُّ الْأَوَّلُ وَتَقَدَّمَ الثَّانِي فَقَامَ مَقَامَ أُولَئِكَ فَكَبَّرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرْنَا وَرَكَعَ فَرَكَعْنَا ثُمَّ سَجَدَ وَسَجَدَ مَعَهُ الصَّفُّ الْأَوَّلُ وَقَامَ الثَّانِي فَلَمَّا سَجَدُوا سَجَدَ الصَّفُّ الثَّانِي ثُمَّ جَلَسُوا جَمِيعًا } الْحَدِيثَ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى وَأَبُو يُوسُفَ الْأَخْذَ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَهُوَ صَلَاةُ عُسْفَانَ إذَا كَانَ الْعَدُوُّ فِي جِهَةِ الْقِبْلَةِ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ ابْنِ أَبِي لَيْلَى أَنَّهُ أَخَذَ بِهِ عَلَى كُلِّ حَالٍ كَانَ الْعَدُوُّ فِي الْقِبْلَةِ أَوْ لَمْ يَكُنْ قَالَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ وَهُوَ قَوْلُ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الثَّوْرِيَّ مَرَّةً أَخَذَ بِهَذَا وَمَرَّةً أَخَذَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ كَقَوْلِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْحِرَاسَةَ فِي السُّجُودِ خَاصَّةٌ دُونَ الرُّكُوعِ وَكَذَا قَالَ الْحَنَابِلَةُ وَلِهَذِهِ الصَّلَاةِ تَفَاصِيلُ وَتَفَارِيعُ مَذْكُورَةٌ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي الْأُمِّ لَوْ صَلَّى الْإِمَامُ فِي مِثْلِ هَذِهِ الصُّورَةِ مِثْلَ صَلَاةِ الْخَوْفِ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَمَنْ مَعَهُ كَرِهْت لَهُ وَلَمْ يَبِنْ أَنَّ عَلَى أَحَدٍ مِمَّنْ خَلْفَهُ إعَادَةً وَلَا عَلَيْهِ انْتَهَى . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) لَيْسَ فِي كَلَامِ ابْنِ عُمَرَ بِذِكْرِ هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ نَفْيُ مَا عَدَاهَا مِنْ الْكَيْفِيَّاتِ وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ بَعْدَ اخْتِيَارِهِ الْكَيْفِيَّةَ الَّتِي فِي حَدِيثِ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ لَمَّا جَازَ أَنْ تُصَلَّى صَلَاةُ الْخَوْفِ عَلَى خِلَافِ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ جَازَ لَهُمْ أَنْ يُصَلُّوهَا كَيْفَ تَيَسَّرَ لَهُمْ وَبِقَدْرِ حَالَاتِهِمْ وَحَالَاتِ الْعَدُوِّ إذَا أَكْمَلُوا الْعَدَدَ فَاخْتَلَفَتْ صَلَاتُهُمْ وَكُلُّهَا مُجْزِئَةٌ عَنْهُمْ . قَالَ الْبَيْهَقِيُّ هَذَا هُوَ الْأَوْلَى بِالشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي مُتَابَعَتِهِ الْحَدِيثَ إذَا ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ لَهُ وَجْهُ اتِّبَاعٍ وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةُ الْخَوْفِ عَلَى أَوْجُهٍ وَمَا أَعْلَمُ فِي هَذَا الْبَابِ إلَّا حَدِيثًا صَحِيحًا وَاخْتَارَ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَقَالَ إِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ ثَبَتَتْ الرِّوَايَاتُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ وَرَأَى أَنَّ كُلَّ مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فَهُوَ جَائِزٌ وَهَذَا عَلَى قَدْرِ الْخَوْفِ قَالَ وَلَسْنَا نَخْتَارُ حَدِيثَ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ عَلَى غَيْرِهِ مِنْ الرِّوَايَاتِ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ صَلَاةُ الْخَوْفِ أَنْوَاعٌ صَلَّاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَيَّامٍ مُخْتَلِفَةٍ وَأَشْكَالٍ مُتَبَايِنَةٍ يَتَحَرَّى فِي كُلِّهَا مَا هُوَ أَحْوَطُ لِلصَّلَاةِ وَأَبْلَغُ فِي الْحِرَاسَةِ فَهِيَ عَلَى اخْتِلَافِ صُوَرِهَا مُتَّفِقَةُ الْمَعْنَى وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ أَحَادِيثَ صَلَاةِ الْخَوْفِ . وَقَالَ فَهَذِهِ سِتَّةُ أَوْجُهٍ كُلُّهَا ثَابِتَةٌ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ جِهَةِ النَّقْلِ وَقَدْ قَالَ بِكُلِّ وَجْهٍ مِنْهَا فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَدْ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالطَّبَرِيُّ وَبَعْضُ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ بِجَوَازِ كُلِّ وَجْهٍ مِنْهَا قَالَ وَالْوَجْهُ الْمُخْتَارُ مِنْ هَذَا الْبَابِ - عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ عِنْدِي مَنْ صَلَّى بِغَيْرِهِ مِمَّا قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - هُوَ الْوَجْهُ الْمَذْكُورُ فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ وَمَا كَانَ مِثْلَهُ لِأَنَّهُ وَرَدَ بِنَقْلِ الْأَئِمَّةِ مِنْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ وَهُمْ الْحُجَّةُ عَلَى مَنْ خَالَفَهُمْ وَلِأَنَّهُ أَشْبَهُ بِالْأُصُولِ لِأَنَّ الطَّائِفَةَ الْأُولَى وَالثَّانِيَةَ لَمْ يَقْضُوا الرَّكْعَةَ إلَّا بَعْدَ خُرُوجِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ مِنْ سُنَنِهِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ قَالَ وَأَمَّا صَلَاةُ الطَّائِفَةِ الْأُولَى رَكْعَتُهَا قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَهَا إمَامُهَا فَهُوَ مُخَالِفٌ لِلسُّنَّةِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا فِي سَائِرِ الصَّلَوَاتِ وَمُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمّ بِهِ } . قَالَ وَالْحُجَّةُ فِي اخْتِيَارِنَا هَذَا الْوَجْهَ أَنَّهُ أَصَحُّهَا إسْنَادًا وَأَشْبَهُهَا بِالْأُصُولِ الْمُجْتَمَعِ عَلَيْهَا انْتَهَى وَذَكَرَ أَبُو دَاوُد فِي سُنَنِهِ لِصَلَاةِ الْخَوْفِ ثَمَانِي صُوَرٍ وَذَكَرَهَا ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ تِسْعَةَ أَنْوَاعٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي الْإِكْمَالِ لِصَلَاةِ الْخَوْفِ ثَلَاثَةَ عَشَرَ وَجْهًا وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ إنَّهُ يُخَيَّرُ بَيْنَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ وَجْهًا كُلُّهَا صَحَّ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ . رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ وَجْهًا آخَرَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ بِحَيْثُ يَبْلُغُ مَجْمُوعُهَا سِتَّةَ عَشَرَ وَجْهًا وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَقَدْ جَمَعْت طُرُقَ الْأَحَادِيثِ الْوَارِدَةِ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ فَبَلَغَتْ سَبْعَةَ عَشَرَ وَجْهًا ثُمَّ بَسَطَ ذَلِكَ فِي ثَلَاثِ وَرَقَاتٍ فَلْتُرَاجَعْ مِنْهُ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) كَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً يَدُلُّ عَلَى أَنَّ تِلْكَ الصَّلَاةَ كَانَتْ ثُنَائِيَّةً أَوْ كَانَتْ رُبَاعِيَّةً لَكِنَّهَا مَقْصُورَةٌ فَلَوْ كَانَتْ رُبَاعِيَّةً غَيْرَ مَقْصُورَةٍ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ وَلَوْ كَانَتْ ثُلَاثِيَّةً وَهِيَ الْمَغْرِبُ فَهُوَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ أَنْ يُصَلِّيَ بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً وَبَيْنَ أَنْ يَعْكِسَ فَيُصَلِّيَ بِالْأُولَى رَكْعَةً وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَتَيْنِ وَأَيُّهُمَا أَوْلَى ؟ فِيهِ قَوْلَانِ لِلشَّافِعِيِّ أَصَحُّهُمَا أَنَّ الْأَوَّلَ أَوْلَى وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ يُصَلِّي بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ وَبِالثَّانِيَةِ رَكْعَةً وَحَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَدْ يُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَغَيْرِهِ مِنْ أَحَادِيثِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي تَفْرِيقِهِمْ فِرْقَتَيْنِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يُفَرِّقَهُمْ أَرْبَعَ فِرَقٍ فَيُصَلِّي بِكُلِّ فِرْقَةٍ رَكْعَةً فِيمَا إذَا كَانَتْ الصَّلَاةُ رُبَاعِيَّةً وَلَمْ تُقْصَرْ وَلَا أَنْ يُفَرِّقَهُمْ ثَلَاثَ فِرَقٍ فِي الْمَغْرِبِ فَيُصَلِّيَ بِكُلِّ فِرْقَةٍ رَكْعَةً إذْ لَمْ يَرِدْ ذَلِكَ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ وَالرُّخَصُ يُقْتَصَرُ فِيهَا عَلَى مَا وَرَدَ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ الْحَنَابِلَةُ إنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ بَاطِلَةٌ لِزِيَادَتِهِ عَلَى انْتِظَارَيْنِ وَلَمْ يُعْهَدُ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ سِوَاهُمَا وَتَبْطُلُ صَلَاةُ الطَّائِفَةِ الثَّالِثَةِ وَالرَّابِعَةِ لِأَنَّهُمْ هُمْ الْمُقْتَدُونَ بِهِ بَعْدَ بُطْلَانِ صَلَاتِهِ وَأَمَّا الطَّائِفَةُ الْأُولَى وَالثَّانِيَةُ فَصَلَاتُهُمْ صَحِيحَةٌ لِمُفَارَقَتِهِمْ الْإِمَامَ قَبْلَ طَرَيَان الْمُبْطِلِ كَمَا جَزَمَ بِهِ الرَّافِعِيُّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ : فِيهِمْ قَوْلًا الْمُفَارَقَةُ بِغَيْرِ عُذْرٍ وَالْقَوْلُ الثَّانِي لِلشَّافِعِيِّ وَهُوَ الْأَصَحُّ أَنَّ صَلَاةَ الْإِمَامِ صَحِيحَةٌ فَإِنَّهُ قَدْ تَدْعُو الْحَاجَةُ إلَى ذَلِكَ وَحِينَئِذٍ فَفِي صَلَاةِ الْمَأْمُومِينَ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا صِحَّتُهَا أَيْضًا قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَحَيْثُ جَوَّزْنَا فَيُشْتَرَطُ أَنْ تَمَسَّ الْحَاجَةُ إلَيْهِ وَتَبِعَهُ الرَّافِعِيُّ فِي الْمُحَرَّرِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ لَمْ يَذْكُرْهُ الْأَكْثَرُونَ وَالصَّحِيحُ خِلَافُهُ وَقَالَ سَحْنُونٌ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ صَلَاةُ الْإِمَامِ وَصَلَاةُ مَنْ خَلْفَهُ فَاسِدَةٌ وَالصَّحِيحُ عِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ أَنَّ الَّذِي يَبْطُلُ صَلَاةُ الْأُولَى وَالثَّالِثَةِ خَاصَّةً وَصَلَاةُ غَيْرِهِمَا صَحِيحَةٌ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) ظَاهِرُ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ لَا تَخْتَصُّ بِحَالَةِ السَّفَرِ بَلْ يَجُوزُ فِعْلُهَا فِي الْحَضَرِ أَيْضًا لَكِنَّ الْأَحَادِيثَ الْوَارِدَةَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ كُلَّهَا كَانَتْ فِي السَّفَرِ وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ وَالْأَكْثَرُونَ عَلَى جَوَازِ فِعْلِهَا فِي الْحَضَرِ عِنْدَ حُصُولِ الْخَوْفِ وَاسْتُدِلَّ لَهُ بِعُمُومِ الْآيَةِ فِي قَوْله تَعَالَى { وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمْ الصَّلَاةَ } الْآيَةَ فَلَمْ يَخُصَّ ذَلِكَ بِسَفَرٍ وَذَكَرَ بَعْضُهُمْ أَنَّ صَلَاتَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْخَوْفِ بِبَطْنِ نَخْلٍ كَانَتْ بِبَعْضِ نَخْلِ الْمَدِينَةِ لَكِنْ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ الْمَعْرُوفُ أَنَّ الصَّلَاةَ بِبَطْنِ نَخْلٍ هِيَ غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ انْتَهَى وَبِهَذَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَهُوَ الْمَشْهُورُ عَنْ مَالِكٍ وَعَنْهُ رِوَايَةٌ أُخْرَى أَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالسَّفَرِ وَقَالَ بِهِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ ابْنُ الْمَاجِشُونِ وَرَوَى الْبَيْهَقِيُّ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ قَوْله تَعَالَى { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا } إنَّ هَذَا لَيْسَ قَصْرُ السَّفَرِ وَإِنَّمَا هُوَ قَصْرُ الْخَوْفِ فَيُرَدُّ إلَى رَكْعَةٍ وَعَلَى هَذَا تَكُونُ الْآيَةُ دَالَّةً عَلَى اخْتِصَاصِ صَلَاةِ الْخَوْفِ بِالسَّفَرِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) كَوْنُ الْإِمَامِ يُصَلِّي بِكُلِّ طَائِفَةٍ بَعْضَ الصَّلَاةِ وَتُتِمُّ لِنَفْسِهَا مَا بَقِيَ لَيْسَ لَازِمًا فَلَوْ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ جَمِيعَ الصَّلَاةِ فَيَكُونُ الْإِمَامُ مُفْتَرِضًا فِي الصَّلَاةِ الْأُولَى وَمُتَنَفِّلًا فِي الثَّانِيَةِ جَازَ وَهِيَ صَلَاةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِبَطْنِ نَخْلٍ وَقَدْ رَوَاهَا مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ { جَابِرٍ قَالَ أَقْبَلْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِيهِ { وَنُودِيَ بِالصَّلَاةِ فَصَلَّى بِطَائِفَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ ثُمَّ تَأَخَّرُوا فَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ قَالَ فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَانِ } وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَفِيهِ التَّصْرِيحُ { بِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سَلَّمَ بَعْدَ الرَّكْعَتَيْنِ } وَكَذَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ وَقَالَ بِهِ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَحَكَوْهُ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهُوَ مَذْهَبُ الْأَوْزَاعِيِّ وَابْنِ عُلَيَّةَ وَدَاوُد وَجَمَاعَةٍ انْتَهَى وَلَمْ تَقُلْ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْمَالِكِيَّةُ لِمَنْعِهِمْ اقْتِدَاءَ الْمُفْتَرِضِ بِالْمُتَنَفِّلِ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ إذْ كَانَ يَجُوزُ أَنْ تُصَلَّى الْفَرِيضَةُ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ وَرَدَّ عَلَيْهِ الْبَيْهَقِيُّ وَقَالَ قَدْ ادَّعَى مَا لَا يُعْرَفُ كَوْنُهُ قَطُّ فِي الْإِسْلَامِ قَالَ النَّوَوِيُّ لَا تُقْبَلُ دَعْوَاهُ إذْ لَا دَلِيلَ لِنَسْخِهِ وَرَدَّ عَلَيْهِ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بِأَنَّ أَبَا بَكْرَةَ إنَّمَا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ ثَمَانٍ مِنْ الْهِجْرَةِ فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ قَالَ وَلَيْتَ شِعْرِي مَا الَّذِي نَسَخَهُ ؟ فَإِنْ أَرَادَ بِالنَّاسِخِ حَدِيثَ ابْنِ عُمَرَ { لَا تُصَلُّوا صَلَاةً فِي يَوْمٍ مَرَّتَيْنِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَلَيْسَ هَذَا نَاسِخًا فَقَدْ أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي الْجَمَاعَةِ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ يَزِيدَ بْنِ الْأَسْوَدِ فَذَكَرَ حَدِيثًا فِيهِ { إذَا صَلَّيْتُمَا فِي رِحَالِكُمَا ثُمَّ أَتَيْتُمَا مَسْجِدَ جَمَاعَةٍ فَصَلِّيَا مَعَهُمْ فَإِنَّهَا لَكُمَا نَافِلَةٌ وَأَمَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَمَاعَةً مِنْ الصَّحَابَةِ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ بَعْدَ أَنْ صَلَّوْهَا مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ } كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَيَزِيدُ بْنُ عَامِرٍ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَمِحْجَنُ بْنُ أَبِي مِحْجَنٍ الدِّيلِيُّ رَوَاهُ النَّسَائِيّ فَإِنْ قَالَ إنَّمَا أَمَرَهُمْ بِالْإِعَادَةِ لِأَنَّهُمْ صَلَّوْا فِي غَيْرِ جَمَاعَةٍ فَأَمَرَهُمْ بِالصَّلَاةِ فِي جَمَاعَةٍ لِتَحْصِيلِ فَضِيلَتِهَا قُلْنَا وَقَدْ أَمَرَ مَنْ صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ بِإِعَادَتِهَا لِتَحْصِيلِ الْجَمَاعَةِ لِغَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يُدْرِكْهَا . رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ { جَاءَ رَجُلٌ وَقَدْ صَلَّى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَيُّكُمْ يَأْتَجِرُ عَلَى هَذَا ؟ فَقَامَ رَجُلٌ وَصَلَّى مَعَهُ } لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ . وَقَالَ أَبُو دَاوُد { أَلَا رَجُلٌ يَتَصَدَّقُ عَلَى هَذَا فَيُصَلِّي مَعَهُ } وَقَدْ { أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ جَمَاعَةً بَعْدَ أَنْ صُلِّيَتْ جَمَاعَةً فِي مَرَضِ مَوْتِهِ حِينَ صَلَّى عُمَرُ بِالنَّاسِ فَبَعَثَ إلَى أَبِي بَكْرٍ فَجَاءَ بَعْدَ أَنْ صَلَّى عُمَرُ تِلْكَ الصَّلَاةَ فَصَلَّى بِالنَّاسِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد فَلَا تُنْكَرُ حِينَئِذٍ صَلَاتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالطَّائِفَةِ الثَّانِيَةِ لِتَحْصِيلِ الْجَمَاعَةِ لَهُمْ وَلَوْ أَمَرَ رَجُلًا يُصَلِّي بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى لَمَا كَانَ بِهِ بَأْسٌ لَكِنَّهُمْ كَانُوا يَتَنَافَسُونَ فِي الصَّلَاةِ خَلْفَهُ فَأَرَادَ أَنْ يَعُمَّهُمْ بِالصَّلَاةِ مَعَهُ بَلْ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أُمُورٌ لَا تَصْلُحُ فِي غَيْرِ صَلَاةِ الْخَوْفِ مِنْ ذَهَابِهِمْ إلَى الْعَدُوِّ وَاسْتِدْبَارِهِمْ الْقِبْلَةَ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ كُلُّ ذَلِكَ لِحِرْصِهِمْ عَلَى الصَّلَاةِ مَعَهُ وَأَلَّا يَفُوزَ بِذَلِكَ بَعْضُهُمْ دُونَ بَعْضٍ فَأَمَّا صَلَاتُهُ بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ فَلَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ يُخَالِفُ فِعْلَ الصَّلَاةِ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ . هَذَا كَلَامُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَلِهَذَا الْمَعْنَى الَّذِي أَبْدَاهُ رَجَّحَ أَبُو إِسْحَاقَ الْمَرْوَزِيِّ صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى هَذِهِ الْكَيْفِيَّةِ عَلَى صَلَاتِهَا عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الْمَشْهُورَةِ الَّتِي فِي حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ أَوْ سَهْلِ بْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَقَالَ فِيهَا تَحْصِيلُ فَضِيلَةِ الْجَمَاعَةِ بِالتَّمَامِ لِكُلِّ طَائِفَةٍ لَكِنَّ الْأَصَحَّ عِنْدَ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ تَرْجِيحُ تِلْكَ الْكَيْفِيَّةِ لِأَنَّهَا أَعْدَلُ بَيْنَ الطَّائِفَتَيْنِ وَلِأَنَّهَا صَحِيحَةٌ بِالِاتِّفَاقِ وَهَذِهِ صَلَاةُ مُفْتَرِضٍ خَلْفَ مُتَنَفِّلٍ وَفِي صِحَّتِهِ الْخِلَافُ لِلْعُلَمَاءِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) ظَاهِرُ إطْلَاقِ الْحَدِيثِ أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ تَأْتِي فِي صَلَاةِ الْجُمُعَةِ أَيْضًا إذَا وُجِدَ الْخَوْفُ فِيهَا وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَهَا عَلَى هَيْئَةِ صَلَاةِ عُسْفَانَ بِأَنْ يُرَتِّبَهُمْ صَفَّيْنِ وَيَحْرُسَ فِي سُجُودِ كُلِّ رَكْعَةٍ صَفٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ وَاَلَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُصَلِّيَهَا أَيْضًا عَلَى هَيْئَةِ صَلَاةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ لَكِنْ بِشَرْطَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنْ يَخْطُبَ بِهِمْ جَمِيعًا ثُمَّ يُفَرِّقَهُمْ أَوْ يَخْطُبَ بِفِرْقَةٍ وَيَجْعَلَ مِنْهَا مَعَ الْفِرْقَةِ الْأُخْرَى أَرْبَعِينَ فَصَاعِدًا فَلَوْ خَطَبَ بِفِرْقَةٍ وَصَلَّى بِأُخْرَى لَمْ يَجُزْ ( الثَّانِي ) أَلَّا يُنْقِصَ الْفِرْقَةَ الْأُولَى عَنْ أَرْبَعِينَ وَلَا يَضُرُّ نَقْصُ الثَّانِيَةِ عَنْ ذَلِكَ عَلَى الْأَصَحِّ قَالُوا وَلَا يَجُوزُ صَلَاةُ بَطْنِ نَخْلٍ عَلَى الْأَصَحِّ إذْ لَا تُقَامُ جُمُعَةٌ بَعْدَ جُمُعَةٍ وَهَذَا كُلُّهُ مَبْنِيٌّ عَلَى جَوَازِ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي الْحَضَرِ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذَاهِبِ الْعُلَمَاءِ كَمَا تَقَدَّمَ وَكَذَا قَالَ الْحَنَابِلَةُ يَجُوزُ أَنْ تُصَلَّى الْجُمُعَةُ صَلَاةَ الْخَوْفِ إذَا كَانَتْ كُلُّ طَائِفَةٍ أَرْبَعِينَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) أَحَادِيثُ صَلَاةِ الْخَوْفِ نَاسِخَةٌ لِجَمْعِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَوْمَ الْخَنْدَقِ بَيْنَ صَلَوَاتٍ عَدِيدَةٍ فَكَانَ حُكْمُ الشَّرْعِ أَوَّلًا جَوَازُ تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ لِلِاشْتِغَالِ بِمُحَارَبَةِ الْعَدُوِّ إلَى أَنْ يَنْقَضِيَ الشُّغْلُ فَيَأْتِيَ بِمَا فَاتَ ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِصَلَاةِ الْخَوْفِ وَالْمَشْهُورُ الَّذِي عَلَيْهِ الْجُمْهُورُ أَنَّ أَوَّلَ مَشْرُوعِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ كَانَ فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ . وَاخْتُلِفَ فِي أَيِّ سَنَةٍ كَانَتْ ؟ فَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي جُمَادَى الْأُولَى سَنَةَ أَرْبَعٍ وَقَالَ ابْنُ سَعْدٍ وَابْنُ حِبَّانَ وَابْنُ الْأَثِيرِ فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ خَمْسٍ وَذَكَرَهَا الْبُخَارِيُّ بَعْدَ غَزْوَةِ بَنِي قُرَيْظَةَ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ فِي أَوَاخِرِ سَنَةِ خَمْسٍ أَوْ أَوَائِلِ سَنَةِ سِتٍّ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا فِي بَابِ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَهِيَ بَعْدَ خَيْبَرَ لِأَنَّ أَبَا مُوسَى جَاءَ بَعْدَ خَيْبَرَ وَهَذَا مُقْتَضَاهُ أَنْ تَكُونَ سَنَةَ سَبْعٍ لَكِنَّهُ أَخَّرَ ذِكْرَ خَيْبَرَ عَنْ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ بِخَمْسِ غَزَوَاتٍ وَمُقْتَضَاهُ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْغَزْوَةُ السَّابِعَةُ وَهُوَ مُوَافِقٌ لِمَا فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ جَابِرٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْخَوْفِ فِي غَزْوَتِهِ السَّابِعَةِ غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ } . وَمُقْتَضَى كَوْنِهَا بَعْدَ خَيْبَرَ أَنْ تَكُونَ هِيَ الْغَزْوَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَ فَحَصَلَ خِلَافٌ هَلْ هِيَ سَنَةُ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ أَوْ سِتٍّ أَوْ سَبْعٍ وَالْمَشْهُورُ كَمَا قَالَ أَبُو الْفَتْحِ الْيَعْمُرِيُّ الْأَوَّلُ وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي كَلَامِ الْغَزَالِيِّ وَالرَّافِعِيِّ مِنْ أَنَّهَا آخِرُ الْغَزَوَاتِ فَهُوَ مَرْدُودٌ وَقَدْ أَنْكَرَهُ ابْنُ الصَّلَاحِ فِي مُشْكَلِ الْوَسِيطِ وَقَالَ لَيْسَتْ آخِرُهَا وَلَا مِنْ أَوَاخِرِهَا وَإِنَّمَا آخِرُ غَزَوَاتِهِ تَبُوكُ انْتَهَى قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَهُوَ كَمَا ذُكِرَ بِاتِّفَاقِ أَهْلِ السِّيَرِ وَإِنْ أَرَادَ أَيْ الْغَزَالِيُّ أَنَّهَا آخِرُ غَزَاةٍ صَلَّى فِيهَا صَلَاةَ الْخَوْفِ فَلَيْسَ بِصَحِيحٍ أَيْضًا . فَقَدْ { صَلَّى مَعَهُ صَلَاةَ الْخَوْفِ أَبُو بَكْرَةَ وَإِنَّمَا نَزَلَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ } تَدَلَّى بِبَكْرَةٍ فَكُنِّيَ بِهَا وَلَيْسَ بَعْدَ غَزْوَةِ الطَّائِفِ غَزْوَةٌ إلَّا غَزْوَةَ تَبُوكَ وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ إنَّ صِفَةَ صَلَاةِ الْخَوْفِ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ أَفْضَلُ صِفَاتِ صَلَاةِ الْخَوْفِ لِأَنَّهُ آخِرُ فِعْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا انْتَهَى . وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ قَوْلًا آخَرَ أَنَّ أَوَّلَ مَشْرُوعِيَّةِ صَلَاةِ الْخَوْفِ كَانَ فِي غَزْوَةِ بَنِي النَّضِيرِ وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيّ عَنْ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ قَالَ { كُنَّا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُسْفَانَ فَصَلَّى بِنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَعَلَى الْمُشْرِكِينَ يَوْمئِذٍ خَالِدُ بْنُ الْوَلِيدِ فَقَالَ الْمُشْرِكُونَ لَقَدْ أَصَبْنَا لَهُمْ غَزْوَةً وَلَقَدْ أَصَبْنَا مِنْهُمْ غَفْلَةً فَنَزَلَتْ يَعْنِي صَلَاةَ الْخَوْفِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ } الْحَدِيثَ وَرَوَاهُ أَبُو دَاوُد بِلَفْظِ { فَنَزَلَتْ آيَةُ الْقَصْرِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ } . ( الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ ) ذَكَرَ ابْنُ الْقَصَّارِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ فِي عَشْرَةِ مَوَاطِنَ } وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَذَكَرَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا الْعَدَدِ وَفِي حَدِيثِ ابْنِ أَبِي حَثْمَةَ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَجَابِرٍ { أَنَّهُ صَلَّاهَا فِي يَوْمِ ذَاتِ الرِّقَاعِ سَنَةَ خَمْسٍ مِنْ الْهِجْرَةِ } وَفِي حَدِيثِ أَبِي عَيَّاشٍ الزُّرَقِيِّ { أَنَّهُ صَلَّاهَا بِعُسْفَانَ وَيَوْمَ بَنِي سُلَيْمٍ } وَفِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي غَزَاةِ جُهَيْنَةَ وَفِي غَزَاةِ بَنِي مُحَارِبَ بِنَخْلٍ وَرُوِيَ { أَنَّهُ صَلَّاهَا فِي غَزْوَةٍ بِنَجْدٍ يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَهِيَ غَزْوَةُ نَجْدٍ وَغَزْوَةُ غَطَفَانَ } قَالَ وَقَدْ ذَكَرَ بَعْضُهُمْ صَلَاتَهُ إيَّاهَا بِبَطْنِ نَخْلٍ عَلَى بَابِ الْمَدِينَةِ وَعَلَيْهِ حَمَلَ بَعْضُهُمْ صَلَاتَهَا بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ لَكِنَّ مُسْلِمٌ قَدْ ذَكَرَهَا فِي غَزْوَةِ ذَاتِ الرِّقَاعِ انْتَهَى . وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صَلَّاهَا يَوْمَ ذِي قَرَدٍ } وَذَكَرَهُ الْبُخَارِيُّ تَعْلِيقًا وَقَالَهُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ الظَّاهِرُ أَنَّ ابْنَ الْقَصَّارِ لَمَّا رَأَى اخْتِلَافَ الْأَحَادِيثِ فِي تَسْمِيَةِ الْمَوَاضِعِ الَّتِي صَلَّى بِهَا صَلَاةَ الْخَوْفِ اجْتَمَعَ لَهُ مِنْهَا عَشَرَةٌ فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ سُمِّيَتْ بِخَمْسَةِ أَسْمَاءٍ قَالَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَهِيَ غَزْوَةُ مُحَارِبِ حَفْصَةَ مِنْ بَنِي ثَعْلَبَةَ مِنْ غَطَفَانَ فَنَزَلَ نَخْلًا وَقَالَ الْحَاكِمُ فِي كِتَابِ الْإِكْلِيلِ حِينَ ذَكَرَ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ وَقَدْ تُسَمَّى هَذِهِ الْغَزْوَةُ غَزْوَةَ مُحَارَبٍ وَيُقَالُ غَزْوَةُ حَفْصَةَ وَيُقَالُ غَزْوَةُ ثَعْلَبَةَ وَيُقَالُ غَطَفَانُ قَالَ الْحَاكِمُ وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ هَذِهِ غَزْوَةُ بَنِي لِحْيَانَ هَكَذَا حَكَى الْحَاكِمُ عَنْ ابْنِ إِسْحَاقَ وَاَلَّذِي رَأَيْته فِي السِّيرَةِ قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ حَتَّى نَزَلَ نَخْلًا وَهِيَ غَزْوَةُ ذَاتِ الرِّقَاعِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّ ابْنَ إِسْحَاقَ ذَكَرَ ذَاتَ الرِّقَاعِ فِي سَنَةِ أَرْبَعٍ وَغَزْوَةَ بَنِي لِحْيَانَ فِي سَنَةِ سِتٍّ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ - ( الَّتِي ) - صَحَّ أَنَّهُ صَلَّى بِهَا صَلَاةَ الْخَوْفِ مِنْ الْغَزَوَاتِ ذَاتُ الرِّقَاعِ وَذُو قَرَدٍ وَعُسْفَانُ وَكَذَلِكَ صَلَّاهَا فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ لِصِحَّةِ حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ وَإِنَّمَا أَسْلَمَ فِي غَزْوَةِ الطَّائِفِ وَلَيْسَ بَعْدَهَا إلَّا تَبُوكَ وَلَيْسَ فِيهَا لِقَاءٌ لِلْعَدُوِّ وَالظَّاهِرُ أَنَّ غَزَاةَ نَجْدٍ مَرَّتَانِ وَأَنَّ الَّتِي شَهِدَهَا أَبُو مُوسَى وَأَبُو هُرَيْرَةَ هِيَ غَزْوَةُ نَجْدٍ الثَّانِيَةُ لِصِحَّةِ حَدِيثَيْهِمَا فِي شُهُودِهَا وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ فِي صَحِيحِ ابْنِ حِبَّانَ { وَسُئِلَ عَنْ إقْصَارِ صَلَاةِ الْخَوْفِ أَيْنَ أُنْزِلَ وَأَيْنَ هُوَ ؟ فَقَالَ خَرَجْنَا نَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ أَتَتْ مِنْ الشَّامِ حَتَّى إذَا كُنَّا بِنَخْلٍ } الْحَدِيثَ وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْإِكْلِيلِ بِأَسَانِيدَ إلَى جَابِرٍ { أَنَّ خَالَنَا قَدِمَ الْمَدِينَةَ فَأَخْبَرَهُمْ أَنَّ أَنْمَارًا وَثَعْلَبَةَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ جُمُوعًا فَخَرَجَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يَقَعُ فِيهَا قِتَالٌ وَصَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ } وَهَذَا كَمَا تَرَى السَّبَبُ مُخْتَلِفٌ وَكَيْفِيَّةُ الصَّلَاتَيْنِ مُخْتَلِفَةٌ وَفِي بَعْضِ طُرُقِ حَدِيثِ جَابِرٍ { أَنَّهُمْ قَاتَلُوا قِتَالًا شَدِيدًا } وَفِي هَذَا أَنَّهُ لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ قَالَ وَقَدْ صَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ حُضُورُهُ غَزْوَةَ نَجْدٍ وَصَحَّ عَنْ أَبِي مُوسَى حُضُورُهُ غَزْوَةَ ذَاتِ الرِّقَاعِ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْخُرُوجِ إلَيْهَا مَرَّتَيْنِ بِسَبَبَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ وَيَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا إجْمَاعُهُمْ عَلَى أَنَّ خَيْبَرَ فِي السَّنَةِ السَّابِعَةِ وَأَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهَا فِي السَّادِسَةِ كَمَا وَقَعَ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ لِلشَّيْخِ تَقِيِّ الدِّينِ الْقُشَيْرِيِّ فَكَأَنَّهُ حَسَبَ السَّنَةِ مُلَفَّقَةٌ بِأَنَّهَا أَوَّلُ السَّابِعَةِ وَهِيَ آخِرُ السَّادِسَةِ إذَا عَدَدْنَا مِنْ شَهْرِ الْهِجْرَةِ وَهُوَ شَهْرُ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ وَأَمَّا مَا وَقَعَ فِي تَعْلِيقِ الشَّيْخِ أَبِي حَامِدٍ أَنَّهَا فِي سَنَةِ خَمْسٍ فَوَهْمٌ قَطْعًا وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ صَلَّاهَا مَرَّاتٍ فِي غَزَاةٍ وَاحِدَةٍ فَقَدْ ثَبَتَ { أَنَّهُ صَلَّى بِذَاتِ الرِّقَاعِ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ } وَكَذَا { صَلَّى بِعُسْفَانَ الظُّهْرَ وَالْعَصْرَ } وَفِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرَةَ عِنْدَ الدَّارَقُطْنِيِّ صَلَاتُهُ فِي الْخَوْفِ بِالْقَوْمِ صَلَاةُ الْمَغْرِبِ وَأَنَّهُ صَلَّى بِكُلِّ طَائِفَةٍ ثَلَاثَ رَكَعَاتٍ هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ . ( التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ ) هَذَا الْحَدِيثُ يَقْتَضِي مَنْعَ كُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ مِنْ الِاقْتِصَارِ عَلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ لَكِنْ وَرَدَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ مَا يَقْتَضِي الِاقْتِصَارَ عَلَى رَكْعَةٍ فَمِنْهَا مَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ رِوَايَةِ ثَعْلَبَةَ بْنِ زَهْدَمٍ قَالَ { كُنَّا مَعَ سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِي بِطَبَرِسْتَانَ فَقَامَ فَقَالَ أَيُّكُمْ صَلَّى مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ ؟ فَقَالَ حُذَيْفَةُ أَنَا فَصَلَّى لِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَلَمْ يَقْضُوا } لَفْظُ أَبِي دَاوُد وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ بَعْدَ قَوْلِ حُذَيْفَةَ أَنَا فَوَصَفَ فَقَالَ { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَائِفَةٍ رَكْعَةً صَفَّ خَلْفَهُ وَطَائِفَةٍ أُخْرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الَّتِي تَلِيهِ رَكْعَةً ثُمَّ نَكَصَ هَؤُلَاءِ إلَى مَصَافِّ أُولَئِكَ وَجَاءَ أُولَئِكَ فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً } . وَرَوَى النَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ الْقَاسِمِ بْنِ حَسَّانَ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ صَلَاةِ حُذَيْفَةَ وَلَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَسَاقَ لَفْظَهُ بِمَعْنَاهُ وَفِي آخِرِهِ { فَكَانَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَانِ وَلِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةٌ } وَالْقَاسِمُ بْنُ حَسَّانَ قَالَ الْبُخَارِيُّ حَدِيثُهُ مُنْكَرٌ وَلَا يُعْرَفُ وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ . وَرَوَى النَّسَائِيّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِذِي قَرَدٍ } فَذَكَرَ نَحْوَهُ وَقَالَ فِي آخِرِهِ { وَلَمْ يَقْضُوا } وَيَشْهَدُ لَهُ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ { فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً } وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيّ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِهِمْ صَلَاةَ الْخَوْفِ وَفِي آخِرِهِ فَكَانَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَتَانِ وَلَهُمْ رَكْعَةٌ } فَأَخَذَ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ بِظَاهِرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ وَجَوَّزَ لِكُلٍّ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ الِاقْتِصَارَ عَلَى رَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ مِنْ غَيْرِ قَضَاءِ رَكْعَةٍ أُخْرَى وَقَالَ فَهَذِهِ آثَارٌ مُتَظَاهِرَةٌ مُتَوَاتِرَةٌ وَقَالَ بِهَا جُمْهُورُ السَّلَفِ كَمَا رَوَيْنَا عَنْ حُذَيْفَةَ أَيَّامَ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَمَنْ مَعَهُ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُنْكِرُ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْهُمْ وَعَنْ جَابِرٍ وَغَيْرِهِ رَوَيْنَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ صَلَّى بِمَنْ مَعَهُ صَلَاةَ الْخَوْفِ فَصَلَّاهَا بِكُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً إلَّا أَنَّهُ لَمْ يَقْضِ وَلَا أَمَرَ بِالْقَضَاءِ ثُمَّ سَاقَ آثَارًا عَنْ السَّلَفِ يَشْهَدُ ظَاهِرُهَا لِمَا قَالَ لِشِدَّةِ الْخَوْفِ ثُمَّ قَالَ وَبِهِ يَقُولُ سُفْيَانُ الثَّوْرِيُّ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَخَرَّجَ ابْنُ قُدَامَةَ جَوَازَ ذَلِكَ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ فَقَالَ بَعْدَ ذِكْرِ صَلَاةِ كُلِّ طَائِفَةٍ رَكْعَةً مِنْ غَيْرِ قَضَاءٍ فَهَذِهِ الصَّلَاةُ يَقْتَضِي عُمُومُ كَلَامِ أَحْمَدَ جَوَازَهَا لِأَنَّهُ ذَكَرَ سِتَّةَ أَوْجُهٍ وَلَا أَعْلَمُ وَجْهًا سَادِسًا سِوَاهَا قَالَ وَأَصْحَابُنَا يُنْكِرُونَ ذَلِكَ قَالَ الْقَاضِي لَا تَأْثِيرَ لِلْخَوْفِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ قَالَ وَهَذَا قَوْلُ أَكْثَرِ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْهُمْ ابْنُ عُمَرَ وَالنَّخَعِيُّ وَالثَّوْرِيُّ وَمَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَأَصْحَابُهُ وَسَائِرُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ لَا يُجِيزُونَ رَكْعَةً وَاَلَّذِي قَالَ مِنْهُمْ رَكْعَةً إنَّمَا جَعَلَهَا عِنْدَ شِدَّةِ الْقِتَالِ وَاَلَّذِينَ رَوَيْنَا عَنْهُمْ صَلَاةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَكْثَرُهُمْ لَمْ يَنْقُصُوا عَنْ رَكْعَتَيْنِ وَابْنُ عَبَّاسٍ لَمْ يَكُنْ مِمَّنْ يَحْضُرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَزَوَاتِهِ وَلَا يَعْلَمُ ذَلِكَ إلَّا بِالرِّوَايَةِ عَنْ غَيْرِهِ فَالْأَخْذُ بِرِوَايَةِ مَنْ حَضَرَ الصَّلَاةَ فَصَلَّاهَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْلَى انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ قُدَامَةَ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَلَيْسَ يَثْبُتُ حَدِيثٌ رُوِيَ فِي صَلَاةِ الْخَوْفِ بِذِي قَرَدٍ يَعْنِي الَّذِي فِيهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى رَكْعَةٍ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ يُحْتَمَلُ أَنَّ مَعْنَاهُ لَمْ يَقْضُوا فِي عِلْمِ الرَّاوِي لِأَنَّهُ قَدْ رَوَى غَيْرُهُ أَنَّهُمْ قَضَوْا رَكْعَةً فِي تِلْكَ الصَّلَاةِ بِعَيْنِهَا وَالْإِثْبَاتُ مُقَدَّمٌ وَيُحْتَمَلُ أَنْ مُرَادَهُ لَمْ يَقْضُوا إذَا أَمِنُوا فَلَا يَقْضِي الْخَائِفُ إذَا أَمِنَ مَا صَلَّى عَلَى تِلْكَ الْهَيْئَةِ وَيَحْتَمِلُ قَوْلُهُ { صَلَّوْا فِي الْخَوْفِ رَكْعَةً } أَيْ فِي جَمَاعَةٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَكَتَ عَنْ الثَّانِيَةِ لِأَنَّهُمْ صَلَّوْهَا أَفْرَادًا انْتَهَى . وَذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ حَدِيثَ حُذَيْفَةَ مِنْ طَرِيقٍ وَفِيهِ فَذَكَرَ صَلَاةً مِثْلَ صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِعُسْفَانَ وَقَالَ فَقَوْلُ الرَّاوِي فِي رِوَايَةِ ثَعْلَبَةَ وَصَفٌّ يُوَازِي الْعَدُوَّ يُرِيدُ بِهِ حَالَةَ السُّجُودِ وَقَوْلُهُ ثُمَّ انْصَرَفَ هَؤُلَاءِ إلَى مَكَانِ هَؤُلَاءِ وَجَاءَ أُولَئِكَ يُرِيدُ بِهِ تَقَدُّمَ الصَّفِّ الْمُؤَخَّرِ وَتَأَخُّرَ الصَّفِّ الْمُقَدَّمِ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الرَّكْعَةِ الْأُولَى وَفِي ذَلِكَ قَضَاءُ الرَّكْعَتَيْنِ مَعَ الْإِمَامِ فَلَا يَحْتَاجُونَ إلَى قَضَاءِ شَيْءٍ بَعْدَهُ وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ فَوَجَبَ حَمْلُ إحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ عَلَى الْأُخْرَى مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الِاتِّفَاقِ لِسَائِرِ الرِّوَايَاتِ انْتَهَى . وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لَمَّا ذَكَرَ حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةٌ عَمِلَ بِظَاهِرِهِ طَائِفَةٌ مِنْ السَّلَفِ مِنْهُمْ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالضَّحَّاكُ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهْوَيْهِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ وَالْجُمْهُورُ إنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ كَصَلَاةِ الْأَمْنِ فِي عَدَدِ الرَّكَعَاتِ وَتَأَوَّلُوا حَدِيثَ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ رَكْعَةٌ مَعَ الْإِمَامِ وَرَكْعَةٌ أُخْرَى يَأْتِي بِهَا مُنْفَرِدًا كَمَا جَاءَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ فِي صَلَاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابِهِ فِي الْخَوْفِ وَهَذَا التَّأْوِيلُ لَا بُدَّ مِنْهُ لِلْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ انْتَهَى وَاعْلَمْ أَنَّ مَحَلَّ الْقَوْلِ بِالِاقْتِصَارِ عَلَى رَكْعَةٍ فِي الْخَوْفِ فِي غَيْرِ الصُّبْحِ وَالْمَغْرِبِ فَإِنَّهُ لَا قَصْرَ فِيهِمَا وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ ابْنُ حَزْمٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعِشْرُونَ ) جَمِيعُ مَا تَقَدَّمَ فِي غَيْرِ حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ فَأَمَّا إذَا اشْتَدَّ الْخَوْفُ وَالْتَحَمَ الْقِتَالُ وَلَمْ يَتَمَكَّنُوا مِنْ تَرْكِهِ بِحَالٍ لِقِلَّتِهِمْ وَكَثْرَةِ الْعَدُوِّ وَلَمْ يَلْتَحِمْ لَكِنْ لَمْ يَأْمَنُوا أَنْ يَرْكَبُوا أَكْتَافَهُمْ لَوْ انْقَسَمُوا فَإِنَّهُمْ يُصَلُّونَ بِحَسَبِ الْإِمْكَانِ وَلَا تَجِبُ عَلَيْهِمْ مُرَاعَاةُ مَا عَجَزُوا عَنْهُ مِنْ الْأَرْكَانِ وَقَدْ أَشَارَ فِي الْحَدِيثِ إلَى ذَلِكَ بِقَوْلِهِ فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ إلَى آخِرِهِ فَنَبَّهَ عَلَى تَرْكِ الْقِيَامِ بِقَوْلِهِ رُكْبَانًا وَعَلَى تَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ بِقَوْلِهِ أَوْ غَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا وَالْمُرَادُ إذَا عَجَزُوا عَنْ الِاسْتِقْبَالِ بِسَبَبِ الْعَدُوِّ فَلَوْ انْحَرَفَ عَنْ الْقِبْلَةِ بِجِمَاحِ الدَّابَّةِ وَطَالَ الزَّمَانُ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ وَيُمَكِّنُ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ أَشَارَ إلَى تَرْكِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَالْإِيمَاءِ بِهِمَا عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْهُمَا بِقَوْلِهِ قِيَامًا عَلَى أَقْدَامِهِمْ وَيَكُونُ الْمُرَادُ أَوْ قِيَامُهُمْ عَلَى أَقْدَامِهِمْ فِي كُلِّ حَالَاتِ الصَّلَاةِ حَتَّى فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنَّهُ لَا مَعْنَى لِإِرَادَةِ الْقِيَامِ عَلَى الْأَقْدَامِ فِي حَالَةِ الْقِيَامِ فَإِنَّ الْمُصَلِّي فِي حَالَةِ السَّعَةِ كَذَلِكَ إلَّا أَنْ يُقَالَ ذَكَرَ ذَلِكَ تَوْطِئَةً لِحَالَةِ الرُّكُوبِ كَمَا ذَكَرَ اسْتِقْبَالَ الْقِبْلَةِ تَوْطِئَةً لِحَالَةِ تَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ وَقَدْ صَرَّحَ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ بِقَوْلِهِ { تُومِئُ إيمَاءً } وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ وَهَذَا الَّذِي ذَكَرْته مِنْ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَلَى حَسَبِ حَالِهِ هُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَجُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَّا أَنَّ الْمَالِكِيَّةَ قَالُوا يُؤَخِّرُونَ الصَّلَاةَ حَتَّى يَخَافُوا فَوْتَ الْوَقْتِ فَحِينَئِذٍ يُصَلُّونَ عَلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَمْ أَرَ لِأَصْحَابِنَا تَعَرُّضًا لِذَلِكَ فَإِنْ أَرَادَ الْمَالِكِيَّةُ وُجُوبَ التَّأْخِيرِ فَكَلَامُ أَصْحَابِنَا يُنَافِيهِ وَإِنْ أَرَادُوا اسْتِحْبَابَهُ فَلَا تَأْبَاهُ قَوَاعِدُهُمْ وَحَكَى أَصْحَابُنَا عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُ لَا يُصَلِّي فِي هَذِهِ الْحَالَةِ بَلْ يُؤَخِّرُهَا حَتَّى تَزُولَ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَابْنُ قُدَامَةَ عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَابْنِ أَبِي لَيْلَى وَذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ أَنَّهُمَا اسْتَدَلَّا { بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَ الصَّلَاةَ يَوْمَ الْخَنْدَقِ } وَأَجَابَ عَنْهُ ابْنُ قُدَامَةَ بِأَنَّ أَبَا سَعِيدٍ رَوَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ قَبْلَ نُزُولِ صَلَاةِ الْخَوْفِ ثُمَّ قَالَ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ شَغَلَهُ الْمُشْرِكُونَ فَنَسِيَ الصَّلَاةَ فَقَدْ نَقَلَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ وَأَكَّدَهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ لَمْ يَكُونُوا فِي مُسَابِقَةٍ تُوجِبُ قَطْعَ الصَّلَاةِ انْتَهَى وَاَلَّذِي فِي كُتُبِ الْحَنَفِيَّةِ وَمِنْهُمْ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ أَنَّهُ يُصَلِّي فِي حَالِ شِدَّةِ الْخَوْفِ بِالْإِيمَاءِ بِالرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ وَتَرْكِ الِاسْتِقْبَالِ إذَا لَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ لَكِنْ لَيْسَ لَهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوا فِي حَالِ الصَّلَاةِ فَإِنْ فَعَلُوا بَطَلَتْ صَلَاتُهُمْ فَظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّهُمْ أَوْجَبُوا الصَّلَاةَ مَعَ اخْتِلَالِ الْأَرْكَانِ إلَّا فِي حَالَةِ الِاحْتِيَاجِ لِلْفِعْلِ الْكَثِيرِ الْمُنَافِي لِلصَّلَاةِ فَلَمْ يَغْتَفِرُوا ذَلِكَ وَأَخَّرُوا الصَّلَاةَ لِأَجْلِهِ فَخَالَفُوا الْجُمْهُورَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَقَطْ لَا مُطْلَقًا وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يُصَلُّونَ إيمَاءً فَإِنْ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الْإِيمَاءِ أَخَّرُوا الصَّلَاةَ حَتَّى يَنْكَشِفَ الْقِتَالُ وَيَأْمَنُوا وَبِهِ قَالَ مَكْحُولٌ وَقَالَ أَنَسٌ حَضَرْت مُنَاهَضَةَ حِصْنِ تُسْتَرَ عِنْدَ إضَاءَةِ الْفَجْرِ وَاشْتَدَّ اشْتِعَالُ الْقِتَالِ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ فَلَمْ يُصَلُّوا إلَّا بَعْدَ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ فَصَلَّيْنَاهَا وَنَحْنُ مَعَ أَبِي مُوسَى حَكَى ذَلِكَ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ وَاتَّفَقَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ عَلَى اغْتِفَارِ الْقِتَالِ وَالْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ الْمُحْتَاجِ إلَيْهَا وَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ فَعِنْدَهُمْ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَوْ أَقْوَالٍ ( أَصَحُّهَا ) وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُهُمْ اغْتِفَارُ ذَلِكَ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَيْهِ ( وَالثَّانِي ) أَنَّ الصَّلَاةَ تَبْطُلُ بِهِ وَحَكَاهُ الْعِرَاقِيُّونَ عَنْ ظَاهِرِ نَصِّ الشَّافِعِيِّ ( وَالثَّالِثُ ) تَبْطُلُ الصَّلَاةُ إنْ كَانَ فِي شَخْصٍ وَلَا تَبْطُلُ فِي أَشْخَاصٍ وَالشَّافِعِيَّةُ تَفْرِيعًا عَلَى الرَّأْي الثَّانِي عِنْدَهُمْ لَا يُوَافِقُونَ الْحَنَفِيَّةَ عَلَى تَأْخِيرِ الصَّلَاةِ عِنْدَ الِاحْتِيَاجِ إلَى ذَلِكَ بَلْ يُوجِبُونَ التَّمَادِي فِي هَذِهِ الصَّلَاةِ لِلضَّرُورَةِ مَعَ حُكْمِهِمْ بِبُطْلَانِهَا وَفَائِدَةُ ذَلِكَ وُجُوبُ الْإِعَادَةِ وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ فَقَالَ فِيمَا إذَا تَابَعَ الضَّرْبَ أَوْ الطَّعْنَ لَا تُجْزِئُهُ صَلَاتُهُ وَيَمْضِي فِيهَا قَالَ وَلَا يَدَعُهَا فِي هَذَا الْحَال إذَا خَافَ ذَهَابَ وَقْتِهَا وَيُصَلِّيهَا ثُمَّ يُعِيدُهَا انْتَهَى . وَقَدْ ظَهَرَ بِذَلِكَ أَنَّ الْحَنَفِيَّةَ مُنْفَرِدُونَ مِنْ بَيْنِ الْفُقَهَاءِ بِالْقَوْلِ بِتَأْخِيرِ الصَّلَاةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَمَكْحُولٌ إنَّمَا قَالَا بِذَلِكَ عِنْدَ الْعَجْزِ عَنْ الْإِيمَاءِ وَلَا يُتَصَوَّرُ الْعَجْزُ عَنْ الْإِيمَاءِ مَعَ حُضُورِ الْعَقْلِ إلَّا أَنْ تَقْوَى الدَّهْشَةُ فَتَمْنَعَ اسْتِحْضَارَ ذَلِكَ فَيَكُونَ نِسْيَانًا وَقَالَ الْأَصِيلِيُّ مَعْنَى قَوْلِ أَنَسٍ لَمْ يَقْدِرُوا عَلَى الصَّلَاةِ أَنَّهُمْ لَمْ يَجِدُوا السَّبِيلَ إلَى الْوُضُوءِ مِنْ شِدَّةِ الْقِتَالِ فَأَخَّرُوا الصَّلَاةَ إلَى وُجُودِ الْمَاءِ انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِذَا لَمْ يَجِدُوا الْمَاءَ اسْتَعْمَلُوا التُّرَابَ وَإِذَا فَقَدُوا التُّرَابَ صَلَّوْا عَلَى حَسَبِ حَالِهِمْ عَلَى اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِي مَسْأَلَةِ فَاقِدِ الطَّهُورَيْنِ قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ وَمِنْ الْعَجَبِ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ اخْتَارَ مِنْ بَيْنِ الْفُقَهَاءِ هَذَا الْوَجْهَ يَعْنِي صَلَاةَ الْخَوْفِ عَلَى الْكَيْفِيَّةِ الَّتِي رَوَاهَا ابْنُ عُمَرَ مِنْ ذَهَابِهِمْ إلَى الْعَدُوِّ وَهُمْ فِي الصَّلَاةِ مَعَ مَا فِيهِ مِنْ الْمَشْيِ الْكَثِيرِ وَالْعَمَلِ الطَّوِيلِ وَالِاسْتِدْبَارِ مَعَ الْغَنَاءِ عَنْهُ وَإِمْكَانِ الصَّلَاةِ بِدُونِهِ ثُمَّ مَنَعَهُ فِي حَالٍ لَا يَقْدِرُ إلَّا عَلَيْهِ وَكَانَ الْعَكْسُ أَوْلَى لَا سِيَّمَا مَعَ نَصِّ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى الرُّخْصَةِ فِي هَذِهِ الْحَالِ انْتَهَى . وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي الْأُمِّ وَإِنْ عَمَدَ كَلِمَةً يُحَذِّرُ بِهَا مُسْلِمًا أَوْ يَسْتَرْهِبُ بِهَا عَدُوًّا وَهُوَ ذَاكِرٌ لِأَنَّهُ فِي صَلَاةٍ فَقَدْ نُقِضَتْ صَلَاتُهُ وَعَلَيْهِ إعَادَتُهَا مَتَى أَمْكَنَهُ انْتَهَى وَفِي الْجَوَاهِرِ لِابْنِ شَاسٍ وَلَا يَتْرُكُونَ شَيْئًا مِمَّا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ قَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ انْتَهَى وَقَدْ ظَهَرَ بِذَلِكَ خِلَافُ الْمَالِكِيَّةِ لِلشَّافِعِيِّ فِي الْأَقْوَالِ وَأَنَّهُمْ يَغْتَفِرُونَهَا كَالْأَفْعَالِ وَالشَّافِعِيُّ لَا يَغْتَفِرُهَا وَاقْتَصَرَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ تَبَعًا لِلرَّافِعِيِّ عَلَى قَوْلِهِ وَيَجِبُ الِاحْتِرَازُ عَنْ الصِّيَاحِ بِكُلِّ حَالٍ بِلَا خِلَافٍ فَإِنَّهُ لَا حَاجَةَ إلَيْهِ انْتَهَى وَمُقْتَضَى ذَلِكَ إبَاحَةُ النُّطْقِ بِلَا صِيَاحٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) إنْ قُلْت لَمْ يُضْبَطْ الْخَوْفُ الَّذِي هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ بِضَابِطٍ قُلْت ضَابِطُهُ أَنْ لَا يَتَمَكَّنُوا مِنْ الْهَيْئَةِ الْمَذْكُورَةِ قَبْلَهَا مِنْ انْقِسَامِهِمْ فِرْقَتَيْنِ مَعَ اسْتِيفَاءِ أَرْكَانِ الصَّلَاةِ وَشَرَائِطِهَا بَلْ يُضْطَرُّونَ لِمَا هُمْ فِيهِ لِلْإِخْلَالِ بِبَعْضِ الْأَرْكَانِ أَوْ الشَّرَائِطِ . ( الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ ) إطْلَاقُ الْخَوْفِ يَتَنَاوَلُ مَا يَخْرُجُ إلَى الْمُقَاتَلَةِ وَمَا يَخْرُجُ إلَى الْهَرَبِ وَالشَّرْطُ فِيهِمَا أَنْ يَكُونَا مُبَاحَيْنِ فَلَا تَجُوزُ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ لِلْبُغَاةِ وَقُطَّاعِ الطَّرِيقِ لِارْتِكَابِهِمْ بِذَلِكَ مَعْصِيَةً وَلَا لِلْمُنْهَزِمِ مِنْ الْكُفَّارِ لَا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ حَيْثُ حَرُمَ بِذَلِكَ ، بِأَنْ لَا يَزِيدَ عَدَدُ الْكُفَّارِ عَلَى ضِعْفِ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ وَيَجُوزُ ذَلِكَ فِي كُلِّ هَرَبٍ مُبَاحٍ مِنْ سَيْلٍ أَوْ حَرِيقٍ إذَا لَمْ يَجِدْ مَعْدِلًا عَنْهُ أَوْ مِنْ سَبْعٍ . قَالَ أَصْحَابُنَا وَكَذَا الْمَدْيُونُ الْمُعْسِرُ إذَا كَانَ عَاجِزًا عَنْ بَيِّنَةِ الْإِعْسَارِ وَلَوْ ظَفِرَ بِهِ الْمُسْتَحِقُّ لِحَبْسِهِ وَلَمْ يُصَدِّقْهُ وَكَذَا إذَا كَانَ عَلَيْهِ قِصَاصٌ يَرْجُو الْعَفْوَ عَنْهُ إذَا سَكَنَ الْغَضَبُ بِتَغَيُّبِهِ وَاسْتَبْعَدَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ جَوَازَ هَرَبِهِ بِهَذَا التَّوَقُّعِ وَذَكَرَ أَصْحَابُنَا فِيمَا إذَا انْهَزَمَ الْكُفَّارُ وَتَبِعَهُمْ الْمُسْلِمُونَ وَالصُّورَةُ أَنَّهُمْ لَوْ ثَبَتُوا وَكَمَّلُوا الصَّلَاةَ فَاتَهُمْ الْعَدُوُّ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ لَهُمْ صَلَاةُ شِدَّةِ الْخَوْفِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ إلَّا إنْ خَافُوا كَمِينًا أَوْ كَرَّتَهُمْ وَعِنْدَ الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ الْجَوَازُ وَالْمَنْعُ وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَ خَوْفِ مَعَرَّتِهِمْ إنْ تَرَكُوا وَعَدَمِ ذَلِكَ وَفِي الْمَنْعِ مُطْلَقًا نَظَرٌ لِمَا رَوَى . أَبُو دَاوُد بِإِسْنَادٍ حَسَنٌ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٌ قَالَ { بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ الْهُذَلِيِّ وَكَانَ نَحْوَ عُرَنَةَ عَرَفَاتٍ فَقَالَ اذْهَبْ فَاقْتُلْهُ قَالَ فَرَأَيْته وَحَضَرَتْ صَلَاةُ الْعَصْرِ فَقُلْتُ إنِّي لَأَخَافُ أَنْ يَكُونَ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مَا إنْ أُؤَخِّرْ الصَّلَاةَ فَانْطَلَقْت أَمْشِي وَأَنَا أُصَلِّي أُومِئُ إيمَاءً نَحْوَهُ فَلَمَّا دَنَوْت مِنْهُ قَالَ لِي مَنْ أَنْتَ قُلْتُ رَجُلٌ مِنْ الْعَرَبِ بَلَغَنِي أَنَّك تَجْمَعُ لِهَذَا الرَّجُلِ فَجِئْتُك فِي ذَاكَ قَالَ إنِّي لَفِي ذَاكَ فَمَشَيْت مَعَهُ سَاعَةً حَتَّى إذَا أَمْكَنَنِي عَلَوْتُهُ بِسَيْفِي حَتَّى بَرَدَ } وَأَخْرَجَهُ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ بِمَعْنَاهُ أَطْوَلَ مِنْهُ وَقَدْ يُقَالُ لَهُ لَيْسَ هَذَا بِحَضْرَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَقْرِيرِهِ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لَكِنَّ أَصْحَابَنَا اسْتَدَلُّوا بِهِ وَأَقَامُوهُ رَدًّا عَلَى الْحَنَفِيَّةِ فِي مَنْعِهِمْ صَلَاةَ شِدَّةِ الْخَوْفِ مَعَ الْأَفْعَالِ الْكَثِيرَةِ وَالْمَشْيِ الْكَثِيرِ وَقَدْ يُقَالُ لَيْسَ هَذَا كَيْفِيَّةَ صُوَرِ اتِّبَاعِ الْمُسْلِمِينَ لِلْمُشْرِكَيْنِ لِوُرُودِ الْأَمْرِ الْخَاصِّ فِيهِ وَكَوْنُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عَيَّنَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٌ لِقَتْلِ هَذَا الرَّجُلِ بِعَيْنِهِ وَجَعَلَ لَهُ عَلَامَةً عَلَيْهِ وَهِيَ قُشَعْرِيرَةٌ تَحْصُلُ لَهُ عِنْدَ رُؤْيَتِهِ فَكَانَ ذَلِكَ كَمَا أَخْبَرَ وَكَانَ مُعْجِزَةً وَعَلَمًا مِنْ أَعْلَامِ النُّبُوَّةِ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ اغْتِفَارِ الْمَشْيِ الْكَثِيرِ فِي تَبَعِيَّتِهِ اغْتِفَارُ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ الصُّوَرِ لَكِنْ إذَا كَانَ كَذَلِكَ فَكَيْفَ يَحْسُنُ رَدُّ أَصْحَابِنَا عَلَى الْحَنَفِيَّةِ بِهِ وَهُمْ لَا يَقُولُونَ بِهِ فِي غَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ الْخَاصَّةِ ؟ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أُنَيْسٌ فِي مَعْنَى الطَّالِبِ الَّذِي يَخْشَى كَرَّةَ الْعَدُوِّ إذْ لَا يَأْمَنُ شَرَّ خَالِدِ بْنِ سُفْيَانَ لَوْ عَرَفَهُ قَبْلَ الْمُبَادَرَةِ إلَيْهِ وَقَدْ أَشَارَ إلَى ذَلِكَ الْخَطَّابِيُّ وَهُوَ حَسَنٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَيُوَافِقُ مَا ذَكَرَهُ أَصْحَابُنَا فِي ذَلِكَ قَوْلُ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ إنْ كَانَ هُوَ الطَّالِبُ نَزَلَ فَصَلَّى عَلَى الْأَرْضِ وَإِنْ كَانَ هُوَ الْمَطْلُوبُ صَلَّى عَلَى ظَهْرٍ وَعَلَيْهِ جَمَاعَةُ الْفُقَهَاءِ إلَّا الْأَوْزَاعِيَّ فَقَالَ لَهُ الصَّلَاةُ عَلَى ظَهْرٍ وَإِنْ كَانَ طَالِبًا وَكَذَا قَالَ ابْنُ حَبِيبٍ وَحُكِيَ عَنْ مَالِكٍ أَيْضًا . ( الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ ) قَدْ يُقَالُ إنَّ قَوْلَهُ ( فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ هُوَ أَشَدُّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا ) يَقْتَضِي فِعْلَ ذَلِكَ فِي جَمَاعَةٍ كَمَا فِي حَالَةِ مُطْلَقِ الْخَوْفِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَصْحَابُنَا وَقَالُوا إنَّ صَلَاةَ الْجَمَاعَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَفْضَلُ مِنْ الِانْفِرَادِ كَحَالَةِ الْأَمْنِ وَاقْتَصَرَ الْحَنَابِلَةُ عَلَى جَوَازِ الْجَمَاعَةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَمَنَعَ الْحَنَفِيَّةُ ذَلِكَ وَأَوْجَبُوا الِانْفِرَادَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ قَالَ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ وَعَنْ مُحَمَّدٍ أَنَّهُمْ يُصَلُّونَ بِجَمَاعَةٍ قَالَ وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ لِانْعِدَامِ الِاتِّحَادِ فِي الْمَكَانِ انْتَهَى . وَقَالَ أَصْحَابُنَا اقْتِدَاءُ بَعْضِهِمْ بِبَعْضٍ مَعَ اخْتِلَافِ الْجِهَةِ كَالْمُصَلِّينَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَفِيهَا ، وَذَكَرَ ابْنُ قُدَامَةَ الْحَنْبَلِيُّ احْتِمَالًا كَمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمْ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ { فَهَذَا يَوْمُهُمْ وَقَالَ فَهُمْ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ فَالْيَهُودُ غَدًا } زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ { وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتِيَتْ وَزَادَ فِيهَا ثُمَّ هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا } { بَابُ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ } ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمْ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ { فَهَذَا يَوْمُهُمْ وَقَالَ فَهُمْ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ فَالْيَهُودُ غَدًا } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى الْبُخَارِيُّ وَمِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتِيَتْ الْكِتَابَ } وَفِيهَا { ثُمَّ هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا } وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ لَعَلَّ عَلَيْهِمْ أَصَحُّ لِمُوَافَقَةِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وَمَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَلَى ذَلِكَ ثُمَّ رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُ حَدِيثِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ { فَهَذَا يَوْمُهُمْ الَّذِي اُفْتُرِضَ عَلَيْهِمْ } وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ مُسْلِمٌ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ رَافِعٍ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ . وَأَخْرَجَ الشَّيْخَانِ فِي تَعْبِيرِ الرُّؤْيَا مِنْ صَحِيحَيْهِمَا مِنْ هَذَا الْوَجْهِ { نَحْنُ الْآخِرُونَ السَّابِقُونَ وَبَيْنَا أَنَا نَائِمٌ أُتِيتُ بِمَفَاتِيحِ خَزَائِنِ الْأَرْضِ فَوُضِعَ فِي يَدَيَّ سِوَارَانِ } الْحَدِيثَ . وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { نَحْنُ الْآخِرُونَ الْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ فَاخْتَلَفُوا فَهَدَانَا اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ فَهَذَا يَوْمُهُمْ الَّذِي اخْتَلَفُوا فِيهِ هَدَانَا اللَّهُ لَهُ قَالَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ فَالْيَوْمُ لَنَا وَغَدًا لِلْيَهُودِ وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى } . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ { نَحْنُ الْآخِرُونَ } بِكَسْرِ الْخَاءِ أَيْ فِي الزَّمَانِ وَالْوُجُودِ وَإِعْطَاءِ الْكِتَابِ وَقَوْلُهُ { السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } أَيْ بِالْفَضْلِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ وَفَصْلِ الْقَضَاءِ فَتَدْخُلُ هَذِهِ الْأُمَّةُ الْجَنَّةَ قَبْلَ سَائِرِ الْأُمَمِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { وَنَحْنُ أَوَّلُ مَنْ يَدْخُلُ الْجَنَّةَ } وَالتَّقَيُّدُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ يَرُدُّ قَوْلَ مَنْ قَالَ إنَّ الْمُرَادَ سَبْقُهُمْ بِيَوْمِ الْجُمُعَةِ عَلَى الْأَيَّامِ بَعْدَهُ الَّتِي هِيَ تَبَعٌ لَهُ وَقَوْلُ مَنْ قَالَ إنَّ الْمُرَادَ سَبْقُهُمْ بِالْقَبُولِ وَالطَّاعَةِ الَّتِي حُرِمُوهَا وَقَالُوا سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا وَصَحَّ وَصْفُ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالْآخِرِيَّةِ وَالسَّبْقِ بِاعْتِبَارَيْنِ فَلَمَّا اخْتَلَفَ الِاعْتِبَارُ لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَنَافٍ فَإِنْ قُلْت كَوْنُ هَذِهِ الْأُمَّةِ آخِرَ الْأُمَمِ أَمْرٌ وَاضِحٌ فَمَا فَائِدَةُ الْإِخْبَارِ بِهِ ؟ قُلْت يُحْتَمَلُ أَنَّهُ ذُكِرَ تَوْطِئَةً لِوَصْفِهِمْ بِالسَّبْقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَنَّهُ لَا يُتَخَيَّلُ مِنْ تَأَخُّرِهِمْ فِي الزَّمَنِ تَأَخُّرُهُمْ فِي الْحُظُوظِ الْأُخْرَوِيَّةِ بَلْ سَابِقُونَ فِيهَا وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِذَلِكَ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُمْ آخِرُ الْأُمَمِ وَأَنَّ شَرِيعَتَهُمْ بَاقِيَةٌ إلَى آخِرِ الدَّهْرِ مَا دَامَ التَّكْلِيفُ مَوْجُودًا فَسَائِرُ الْأُمَمِ وَإِنْ سَبَقُوا لَكِنْ انْقَطَعَتْ شَرَائِعُهُمْ وَنُسِخَتْ بِخِلَافِ هَذِهِ الْأُمَّةِ فَإِنَّ شَرِيعَتَهَا بَاقِيَةٌ مُسْتَمِرَّةٌ وَهَذَا الِاحْتِمَالُ أَمْكَنُ مِنْ الْأَوَّلِ لِأَنَّهُ يَكُونُ حِينَئِذٍ فِي وَصْفِهِمْ بِالْآخِرِيَّةِ شَرَفٌ كَمَا أَنَّ فِي وَصْفِهِمْ بِالسَّبْقِ شَرَفًا وَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ ذِكْرُهُ مُجَرَّدَ تَوْطِئَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) قَوْلُهُ بَيْدَ بِفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ وَإِسْكَانِ الْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ وَفَتْحِ الدَّالِ الْمُهْمَلَةِ وَحَكَى بَعْضُهُمْ أَنَّهُ يُقَالُ فِيهَا مَيْدَ بِالْمِيمِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهَا بِمَعْنَى غَيْرَ وَقَدْ جَزَمَ بِذَلِكَ فِي الصِّحَاحِ وَقَالَ يُقَالُ هُوَ كَثِيرُ الْمَالِ بَيْدَ أَنَّهُ بَخِيلٌ وَذَكَرَ فِي الْمُحْكَمِ مِثْلَ ذَلِكَ عَنْ حِكَايَةِ ابْنِ السِّكِّيتِ ثُمَّ قَالَ وَقِيلَ هِيَ بِمَعْنَى عَلَى حَكَاهُ أَبُو عُبَيْدٍ وَالْأَوَّلُ أَعْلَى وَحَكَى فِي الْمَشَارِقِ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهَا بِمَعْنَى إلَّا ثُمَّ قَالَ وَقَدْ تَأْتِي بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ } وَقَدْ قِيلَ ذَلِكَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ وَهُوَ بَعِيدٌ انْتَهَى وَأَنْشَدُوا عَلَى مَجِيئِهَا بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ قَوْلَ الشَّاعِرِ عَمْدًا فَعَلْت ذَاكَ بَيْدَ أَنِّي أَخَافُ إنْ هَلَكْت أَنْ تَزِنِّي وَقَدْ ذَكَرَ ابْنُ مَالِكٍ أَنَّ بَيْدَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { بَيْدَ أَنِّي مِنْ قُرَيْشٍ } بِمَعْنَى غَيْرَ مِثْلُ قَوْلِهِ وَلَا عَيْبَ فِيهِمْ غَيْرَ أَنَّ سُيُوفَهُمْ بِهِنَّ فُلُولٌ مِنْ قِرَاعِ الْكَتَائِبِ وَسَبَقَهُ إلَى ذَلِكَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي النِّهَايَةِ وَإِنَّمَا اسْتَبْعَدَ الْقَاضِي عِيَاضٌ كَوْنَ بَيْدَ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي نَشْرَحُهُ بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ لِتَعَلُّقِهِ بِأَقْرَبِ مَذْكُورٍ وَهُوَ السَّابِقُونَ فَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْهُ فِي الْمَعْنَى كَأَنَّهُ اسْتَثْنَى مِنْ سَبْقِنَا كَوْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَيَتَّحِدُ فِي الْمَعْنَى كَوْنُهَا بِمَعْنَى غَيْرَ وَكَوْنُهَا بِمَعْنَى عَلَى وَكَوْنُهَا بِمَعْنَى إلَّا أَمَّا إذَا جَعَلْنَاهُ مُتَعَلِّقًا بِقَوْلِهِ الْآخِرُونَ اتَّجَهَ كَوْنُهَا بِمَعْنَى مِنْ أَجْلِ أَيْ نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَجْلِ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا وَهُوَ بَعِيدٌ كَمَا قَالَ لِبُعْدِهِ فِي اللَّفْظِ وَلِأَنَّهُ لَا يَحْتَاجُ إلَى تَوْجِيهِ كَوْنِنَا الْآخِرِينَ بِهَذَا فَإِنَّ هَذَا أَمْرٌ مَعْلُومٌ إنَّمَا الَّذِي يَحْتَاجُ إلَى تَوْجِيهِهِ كَوْنُنَا السَّابِقِينَ وَقَدْ بَيَّنَ وَجْهَهُ وَهُوَ السَّبْقُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إلَى الْحُظُوظِ الْأُخْرَوِيَّةِ مِنْ الْإِرَاحَةِ مِنْ كَرْبِ الْمَوْقِفِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ وَقَدْ يُقَالُ إذَا كَانَ السَّبْقُ مُقَيَّدًا بِكَوْنِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَلَا حَاجَةَ إلَى أَنْ يُسْتَثْنَى إيتَاؤُهُمْ الْكِتَابَ قَبْلَنَا لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَإِنَّمَا هُوَ فِي الدُّنْيَا فَالْمَذْكُورُ أَوَّلًا وَهُوَ سَبْقُنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا اسْتِثْنَاءَ فِيهِ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ إنَّ هَذَا فِي مَعْنَى الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ وَإِمَّا أَنْ يُقَالَ إيتَاؤُهُمْ الْكِتَابَ قَبْلَنَا فِي الدُّنْيَا يَظْهَرُ لَهُ ثَمَرَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَكُونُ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ سَبْقِنَا إلَى الْحُظُوظِ الْأُخْرَوِيَّةِ أَيْ إلَّا ثَمَرَةَ إيتَائِهِمْ قَبْلَنَا الْكِتَابَ يَظْهَرُ فِيهِ سَبْقُهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَفِيهِ بُعْدٌ وَهُوَ مُحْتَاجٌ إلَى زِيَادَةِ نَظَرٍ وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّهُ وَقَعَ عِنْدَ بَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ بِأَيْدٍ بِكَسْرِ الْبَاءِ بَعْدَهَا هَمْزَةٌ مَفْتُوحَةٌ كَقَوْلِهِ تَعَالَى { بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ } أَيْ بِقُوَّةٍ أَعْطَانَاهَا اللَّهُ وَفَضَّلَنَا بِهَا لِقَبُولِ أَمْرِهِ وَطَاعَتِهِ قَالَ وَعَلَى هَذَا تَكُونُ إنَّهُمْ مَكْسُورَةً لِابْتِدَاءِ الْكَلَامِ وَاسْتِئْنَافِ التَّفْسِيرِ قَالَ وَقَدْ صَحَّتْ وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ عِنْدَ أَكْثَرِهِمْ انْتَهَى . وَاعْلَمْ أَنَّ الْحَدِيثَ فِي مُسْنَدِ الشَّافِعِيِّ مِنْ طَرِيقِ طَاوُسٍ عِنْدَ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ بَيْدَ كَمَا هُوَ الرِّوَايَةُ الْمَشْهُورَةُ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ وَمِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرٍو عَنْ أَبِي سَلَمَةَ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ بِأَيْدٍ وَاخْتَلَفَتْ النُّسَخُ فِي ضَبْطِهِ فَفِي بَعْضِهَا مَفْتُوحُ الْآخِرِ مِثْلُ بَيْدَ إلَّا أَنَّهُ زَادَ أَلِفًا بِكَسْرِ الْبَاءِ فَكَسَرَ لِذَلِكَ الْيَاءَ لِالْتِقَاءِ السَّاكِنَيْنِ وَفِي بَعْضِهَا بِأَيْدٍ وَمَعْنَاهُ بِقُوَّةٍ كَمَا حَكَاهُ الْقَاضِي عَنْ بَعْضِ رُوَاةِ مُسْلِمٍ وَالْأَوَّلُ هُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ فِي النِّهَايَةِ فَقَالَ وَجَاءَ فِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ بِأَيْدٍ أَنَّهُمْ وَلَمْ أَرَهُ فِي اللُّغَةِ بِهَذَا الْمَعْنَى ثُمَّ قَالَ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّهَا بِأَيْدٍ أَيْ بِقُوَّةٍ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِلَفْظِ بِأَيْدٍ وَهُوَ مَضْبُوطٌ فِي الْأَصْلِ بِفَتْحِ آخِرِهِ وَالشَّافِعِيُّ لِمَا رَوَاهُ كَذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ رَوَاهُ عَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ عَنْهُ . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ أُوتُوا الْكِتَابَ أَيْ أُعْطُوهُ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَالْكِتَابُ التَّوْرَاةُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ بِدَلِيلِ أَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ بَعْدَ هَذَا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى قُلْت وَهَذَا أَظْهَرُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ جِنْسُ الْكُتُبِ لِيَتَنَاوَلَ الزَّبُورَ وَغَيْرَهُ وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { بَيْدَ أَنَّ كُلَّ أُمَّةٍ أُوتِيَتْ الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا } وَالْمُرَادُ الْأُمَمُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكُتُبَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِكُلِّ أُمَّةٍ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى خَاصَّةً بِدَلِيلِ بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ { الْيَهُودُ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ } وَيَدُلُّ عَلَى إرَادَةِ جِنْسِ الْكِتَابِ قَوْلُهُ وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ حَيْثُ أَعَادَ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ وَأُوتِينَاهُ عَلَى الْكِتَابِ فَلَوْ أُرِيدَ بِهِ التَّوْرَاةُ لَمَا صَحَّ الْإِخْبَارُ بِأَنَّا أُوتِينَاهُ حَيْثُ أَعَادَ الضَّمِيرَ فِي قَوْلِهِ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الْجِنْسُ وَلَعَلَّ هَذَا أَرْجَحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) ظَاهِرُ قَوْلِهِ ثُمَّ هَذَا يَوْمُهُمْ الَّذِي فُرِضَ عَلَيْهِمْ أَنَّهُ فُرِضَ عَلَى الْيَهُودِ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِعَيْنِهِ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ لَيْسَ فِيهِ دَلِيلٌ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فُرِضَ عَلَيْهِمْ بِعَيْنِهِ فَتَرَكُوهُ لِأَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ فَرْضَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ وَإِنَّمَا يَدُلُّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهُ فُرِضَ عَلَيْهِمْ يَوْمٌ مِنْ الْجُمُعَةِ وُكِّلَ إلَى اخْتِيَارِهِمْ لِيُقِيمُوا فِيهِ شَرِيعَتَهُمْ فَاخْتَلَفُوا فِي أَيِّ الْأَيَّامِ يَكُونُ ذَلِكَ الْيَوْمُ وَلَمْ يَهْدِهِمْ اللَّهُ تَعَالَى إلَى يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَادَّخَرَهُ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ وَهَدَاهُمْ لَهُ تَفَضُّلًا مِنْهُ عَلَيْهِمْ فَفُضِّلَتْ بِهِ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ إذْ هُوَ خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ وَفَضَّلَهُ اللَّهُ بِسَاعَةٍ يُسْتَجَابُ فِيهَا الدُّعَاءُ انْتَهَى . وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ هَذَا الْكَلَامَ عَنْ بَعْضِ الْمَشَايِخِ فَجَاءَ النَّوَوِيُّ . وَفِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَحَكَاهُ عَنْ الْقَاضِي نَفْسِهِ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهُ إنَّمَا حَكَاهُ عَنْ غَيْرِهِ وَمَا أَبْرَدُ قَوْلَهُ لَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ أَنْ يَتْرُكَ فَرْضَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَهُوَ كَذَلِكَ لَكِنَّهُمْ تَرَكُوا وَفَعَلُوا مَا لَا يَجُوزُ فَلِذَلِكَ ذُمُّوا ثُمَّ قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَجَاءَ فِي بَعْضِ الْأَخْبَارِ أَنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَمَرَهُمْ بِالْجُمُعَةِ وَأَخْبَرَهُمْ بِفَضْلِهَا فَنَاظَرُوهُ أَنَّ السَّبْتَ أَفْضَلُ فَقَالَ اللَّهُ لَهُ دَعْهُمْ وَمَا اخْتَارُوا قَالَ وَيُسْتَدَلُّ عَلَى هَذَا بِقَوْلِهِ { الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا } . وَقَوْلُهُ { فَهَدَانَا اللَّهُ لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنْ الْحَقِّ } وَلَوْ كَانَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ اخْتِلَافُهُمْ بَلْ كَانَ يَقُولُ خَالَفُوا فِيهِ انْتَهَى وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ الْبَيْهَقِيَّ رَجَّحَ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا عَلَيْهِمْ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ لَا يَجْعَلَ لِإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ تَرْجِيحًا عَلَى الْأُخْرَى فَهُمَا مَعًا صَحِيحَتَانِ وَقَدْ كُتِبَ عَلَيْهِمْ وَعَلَيْنَا وَأَمَّا قَوْلُهُ لَوْ كَانَ مَنْصُوصًا عَلَيْهِ لَمْ يَصِحَّ اخْتِلَافُهُمْ فَجَوَابُهُ أَنَّهُ لَمْ يَقُلْ إنَّهُمْ اخْتَلَفُوا بِحَقٍّ بَلْ بَعْضُهُمْ اتَّبَعَ الْحَقَّ وَبَعْضُهُمْ حَادَ عَنْهُ فَصَحَّ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهِ وَفِي التَّنْزِيلِ { وَلَكِنْ اخْتَلَفُوا فَمِنْهُمْ مَنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَنْ كَفَرَ } . عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَقَعُ الِاخْتِلَافُ بِحَقٍّ فِي الْمَنْصُوصِ عَلَيْهِ عِنْدَ مُعَارَضَةِ نَصٍّ آخَرَ وَإِذَا يُعْلَمُ أَحَدُ الْمُخْتَلِفِينَ بِالنَّصِّ وَقَالَ النَّوَوِيُّ مُعْتَرِضًا عَلَى كَلَامِ الْقَاضِي وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونُوا أُمِرُوا بِهِ صَرِيحًا وَنُصَّ عَلَى عَيْنِهِ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ هَلْ يَلْزَمُ بِعَيْنِهِ أَمْ لَهُمْ إبْدَالُهُ فَأَبْدَلُوهُ وَغَلِطُوا فِي إبْدَالِهِ ؟ قُلْت وَهَذَا كَمَا وَقَعَ لَهُمْ فِي الصَّوْمِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ أَنَّهُ فُرِضَ عَلَيْهِمْ صِيَامُ شَهْرِ رَمَضَانَ بِعَيْنِهِ فَأَبْدَلُوهُ بِغَيْرِهِ وَنَقَلُوا إلَى فَصْلٍ مُعْتَدِلٍ مَعَ زِيَادَةِ أَيَّامٍ ، فَالظَّاهِرُ الْأَرْجَحُ أَنَّهُ فُرِضَ عَلَيْهِمْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِعَيْنِهِ فَخَالَفَ فِيهِ بَعْضُهُمْ بِغَيْرِ حَقٍّ ، مَا نَدْرِي بِالْإِبْدَالِ أَوْ غَيْرِهِ فَإِنَّ أَوْجُهَ الْغَلَطِ وَالْمُخَالَفَةِ كَثِيرَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) فَإِنْ قُلْت مَا مَعْنَى افْتِرَاضِ الْيَوْمِ عَلَيْهِمْ وَكَيْفَ يَصِحُّ وَصْفُهُ بِأَنَّهُ فُرِضَ ؟ قُلْت لَا بُدَّ فِيهِ مِنْ حَذْفٍ ؛ إمَّا افْتِرَاضُ تَعْظِيمِهِ وَإِمَّا افْتِرَاضُ عِبَادَةٍ فِيهِ ، إمَّا هَذِهِ الْعِبَادَةُ الْمَخْصُوصَةُ الْمَشْرُوعَةُ لَنَا وَإِمَّا غَيْرُهَا ( السَّابِعَةُ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ لِوُجُوبِ الْجُمُعَةِ أَيْ فِي قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ هَذَا الْيَوْمُ الَّذِي كَتَبَهُ اللَّهُ عَلَيْنَا هَدَانَا لَهُ وَكَذَا اسْتَدَلَّ بِهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ عَلَى فَرْضِ الْجُمُعَةِ مَعَ أَنَّ لَفْظَهُ فُرِضَ عَلَيْهِمْ فَإِنْ قُلْت إنْ أَرَادُوا صَلَاةَ الْجُمُعَةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ فَكَيْفَ صَحَّ الِاسْتِدْلَال لَهُ بِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَيْسَ فِيهِ تَعْيِينُ شَيْءٍ ؟ قُلْت لَمَّا ذُكِرَ فِي الْحَدِيثِ أَنَّ الْمَكْتُوبَ عَلَيْنَا هُدِينَا لَهُ وَاَلَّذِي عَرَفْنَا مِنْ شَرْعِنَا هِدَايَتَنَا لَهُ هُوَ الصَّلَاةُ عَلَى الْوَجْهِ الْمَخْصُوصِ مَعَ مَا لِذَلِكَ مِنْ سَوَابِقَ وَلَوَاحِقَ دَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ هَذَا هُوَ الْمَكْتُوبُ عَلَيْنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) وَفِيهِ فَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ . ( التَّاسِعَةُ ) قَوْلُهُ الْيَهُودُ غَدًا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ أَيْ عِيدُ الْيَهُودِ غَدًا لِأَنَّ ظُرُوفَ الزَّمَانِ لَا تَكُونُ إخْبَارًا عَنْ الْجُثَثِ فَيُقَدَّرُ فِيهِ مَعْنًى لِيُمْكِنَ كَوْنُهُ خَبَرًا وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ تَقْدِيرُهُ الْيَهُودُ يُعَظِّمُونَ غَدًا وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ انْتَهَى وَالْأَوَّلُ أَرْجَحُ وَأَوْفَقُ لِكَلَامِ أَهْلِ الْعَرَبِيَّةِ وَأَقَلُّ تَقْدِيرًا وَتَكَلُّفًا ( الْعَاشِرَةُ ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فِي كَوْنِ الْيَوْمِ لَنَا وَغَدًا لِلْيَهُودِ وَبَعْدَ غَدٍ لِلنَّصَارَى أَيْ بَعْدَ الْتِزَامِ الْمَشْرُوعِيَّةِ بِالتَّعْيِينِ لَنَا وَبِالِاخْتِيَارِ لَهُمْ قُلْت وَيُحْتَمَلُ أَنَّ كَوْنَ الْغَدِ لِلْيَهُودِ وَبَعْدَ الْغَدِ لِلنَّصَارَى بِفِعْلِهِمْ وَزَعْمِهِمْ وَتَبْدِيلِهِمْ لَا بِمَشْرُوعِيَّةِ ذَلِكَ بِتَفْوِيضِ الِاخْتِيَارِ فِيهِ إلَيْهِمْ فَإِنَّهُ لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ الْمَازِرِيُّ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى فَسَادِ تَعَلُّقِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى بِالْقِيَاسِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ لِأَنَّ الْيَهُودَ عَظَّمَتْ السَّبْتَ لَمَّا كَانَ فِيهِ فَرَاغُ الْخَلْقِ وَظَنَّتْ ذَلِكَ فَضِيلَةً تُوجِبُ تَعْظِيمَ الْيَوْمِ وَعَظَّمَتْ النَّصَارَى الْأَحَدَ لَمَّا كَانَ فِيهِ ابْتِدَاءُ الْخَلْقِ وَاتَّبَعَ الْمُسْلِمُونَ الْوَحْيَ وَالشَّرْعَ الْوَارِدَ بِتَعْظِيمِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَعَظَّمُوهُ ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) إنْ قُلْت مَا مَعْنَى قَوْلِهِ { فَالنَّاسُ لَنَا فِيهِ تَبَعٌ } ؟ قُلْت الظَّاهِرُ أَنَّ مَعْنَاهُ إنَّا أَوَّلُ مَنْ هَدَاهُ اللَّهُ لِلْجُمُعَةِ وَأَقَامَ أَمْرَهَا وَعَظَّمَ حُرْمَتَهَا فَمَنْ فَعَلَ ذَلِكَ فَهُوَ تَبَعٌ لَنَا وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَحُذَيْفَةَ قَالَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَضَلَّ اللَّهُ عَنْ الْجُمُعَةِ مَنْ كَانَ قَبْلَنَا فَكَانَ لِلْيَهُودِ يَوْمُ السَّبْتِ وَكَانَ لِلنَّصَارَى يَوْمُ الْأَحَدِ فَجَاءَ اللَّهُ بِنَا فَهَدَانَا اللَّهُ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ فَجَعَلَ الْجُمُعَةَ وَالسَّبْتَ وَالْأَحَدَ فَلِذَلِكَ هُمْ تَبَعٌ لَنَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ نَحْنُ الْآخِرُونَ مِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا وَالْأَوَّلُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَقْضِيُّ لَهُمْ وَفِي رِوَايَةٍ بَيْنَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ } وَرَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ بِلَفْظِ { الْمَغْفُورِ لَهُمْ قَبْلَ الْخَلَائِقِ } وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْجُمُعَةَ أَوَّلُ الْأُسْبُوعِ وَلَا أَعْلَمُ قَائِلًا بِهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ عُمَرَ { بَيْنَا هُوَ قَائِمٌ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادَاهُ عُمَرُ أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ ؟ فَقَالَ إنِّي شُغِلْت الْيَوْمَ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْت النِّدَاءَ فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْت فَقَالَ عُمَرُ الْوُضُوءُ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْتُمْ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ } ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ أَنَّ الدَّاخِلَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَفِيهَا : { أَلَمْ تَسْمَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ } وَفِي لَفْظِ الْبُخَارِيِّ { إذَا رَاحَ } . { الْحَدِيثُ الثَّانِي } وَعَنْ عُمَرَ { بَيْنَا هُوَ قَائِمٌ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَدَخَلَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَادَاهُ عُمَرُ أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ فَقَالَ إنِّي شُغِلْت الْيَوْمَ فَلَمْ أَنْقَلِبْ إلَى أَهْلِي حَتَّى سَمِعْت النِّدَاءَ فَلَمْ أَزِدْ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْت فَقَالَ عُمَرُ الْوُضُوءُ أَيْضًا وَقَدْ عَلِمْتُمْ وَفِي مَوْضِعٍ آخَرَ وَقَدْ عَلِمْت أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَأْمُرُ بِالْغُسْلِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ يَحْيَى بْنِ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ عُمَرَ بِمَعْنَاهُ وَلَفْظُهُ { أَلَمْ تَسْمَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ } لَفْظُ مُسْلِمٍ وَقَالَ الْبُخَارِيُّ { إذَا رَاحَ } . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ بَيْنَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ أَصْلُهَا بَيْنَ فَأُشْبِعَتْ الْفَتْحَةُ فَصَارَتْ أَلِفًا يُقَالُ بَيْنَا وَبَيْنَمَا وَهُمَا ظَرْفَا زَمَانٍ بِمَعْنَى الْمُفَاجَأَةِ وَيُضَافَانِ إلَى جُمْلَةٍ مِنْ فِعْلٍ وَفَاعِلٍ وَمُبْتَدَأٍ وَخَبَرٍ وَيَحْتَاجَانِ إلَى جَوَابٍ يَتِمُّ بِهِ الْمَعْنَى وَإِلَّا فَصَحَّ فِي جَوَابِهِمَا أَنْ لَا يَكُونَ فِيهِ إذْ وَإِذَا وَقَدْ جَاءَ فِي الْجَوَابِ كَثِيرًا يَقُولُ بَيْنَا زَيْدٌ جَالِسٌ دَخَلَ عَلَيْهِ عَمْرٌو وَإِذَا دَخَلَ عَلَيْهِ وَمِنْهُ قَوْلُ الْحُرَقَةِ بِنْتِ النُّعْمَانِ بَيْنَا نَسُوسُ النَّاسَ وَالْأَمْرُ أَمْرُنَا إذَا نَحْنُ فِيهِمْ سُوقَةٌ نَتَنَصَّفُ انْتَهَى وَقَدْ اقْتَرَنَ جَوَابُهَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ بِالْفَاءِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا زَائِدَةٌ عَلَى رَأْيِ مَنْ يَرَى زِيَادَتَهَا وَهُوَ الْأَخْفَشُ وَغَيْرُهُ وَأَنْكَرَهُ سِيبَوَيْهِ . ( الثَّالِثَةُ ) يَوْمُ الْجُمُعَةِ بِضَمِّ الْمِيمِ وَإِسْكَانِهَا وَفَتْحِهَا ثَلَاثُ لُغَاتٍ الْأُولَى أَشْهُرُهُنَّ وَبِهَا قَرَأَ السَّبْعَةُ وَالْإِسْكَانُ قِرَاءَةُ الْأَعْمَشِ وَهُوَ تَخْفِيفٌ مِنْ الضَّمِّ وَفَتْحُ الْجِيمِ حَكَاهُ فِي الْمُحْكَمِ وَوَجْهُهُ بِأَنَّهَا الَّتِي تَجْمَعُ النَّاسَ كَثِيرًا كَمَا قَالُوا رَجُلٌ لَعْنَةٌ يُكْثِرُ لَعْنَ النَّاسِ وَرَجُلٌ ضَحْكَةٌ يُكْثِرُ الضَّحِكَ وَحَكَاهُ الْوَاحِدِيُّ عَنْ الْفَرَّاءِ وَالْمَشْهُورُ أَنَّ سَبَبَ تَسْمِيَتِهَا جُمُعَةً اجْتِمَاعُ النَّاسِ فِيهَا وَقِيلَ لِأَنَّهُ جُمِعَ فِيهِ خُلِقَ آدَم حَكَاهُ فِي الْمُحْكَمِ عَنْ الْفَرَّاءِ أَنَّهُ رَوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا . وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي تَهْذِيبِهِ أَنَّهُ جَاءَ فِيهَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهَا سُمِّيَتْ بِهِ لِذَلِكَ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَلَمْ أَجِدْ لِهَذَا الْحَدِيثِ أَصْلًا انْتَهَى . وَقِيلَ لِأَنَّ الْمَخْلُوقَاتِ اجْتَمَعَ خَلْقُهَا وَفُرِغَ مِنْهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ حَكَاهُ فِي الْمَشَارِقِ وَقِيلَ لِاجْتِمَاعِ آدَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِيهِ مَعَ حَوَّاءَ فِي الْأَرْضِ . رَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ سَلْمَانَ الْفَارِسِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ { قَالَ لِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَا سَلْمَانُ مَا يَوْمُ الْجُمُعَةِ ؟ قُلْت اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ قَالَ يَا سَلْمَانُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ جُمِعَ فِيهِ أَبُوكُمْ وَأُمُّكُمْ } . وَقِيلَ لِأَنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ تَجْتَمِعُ فِيهِ إلَى قُصَيٍّ فِي دَارِ النَّدْوَةِ حَكَاهُ فِي الْمُحْكَمِ عَنْ ثَعْلَبٍ فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ فِي سَبَبِ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ وَاخْتَلَفُوا هَلْ كَانَ فِي الْجَاهِلِيَّةِ اسْمًا لَهُ أَوْ حَدَثَتْ التَّسْمِيَةُ بِهِ فِي الْإِسْلَامِ فَذَهَبَ إلَى الْأَوَّلِ ثَعْلَبٌ وَقَالَ إنَّ أَوَّلَ مَنْ سَمَّاهُ بِذَلِكَ كَعْبُ بْنُ لُؤَيٍّ وَذَهَبَ غَيْرُهُ إلَى الثَّانِي حَكَى هَذَا الْخِلَافَ ابْنُ سِيدَهْ فِي الْمُحْكَمِ وَالسُّهَيْلِيُّ . وَاعْلَمْ أَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ هُوَ الِاسْمُ الَّذِي سَمَّاهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَلَهُ أَسْمَاءٌ أُخَرُ . ( الْأَوَّلُ ) يَوْمُ الْعَرُوبَةِ بِفَتْحِ الْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ وَكَانَ هُوَ اسْمُهُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ فِي كِتَابِهِ صِنَاعَةِ الْكِتَابِ لَا يَعْرِفُهُ أَهْلُ اللُّغَةِ إلَّا بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ إلَّا شَاذًّا قَالَ وَمَعْنَاهُ الْيَوْمُ الْبَيِّنُ الْمُعَظَّمُ مِنْ أَعْرَبَ إذَا بَيَّنَ قَالَ وَلَمْ يَزَلْ يَوْمُ الْجُمُعَةِ مُعَظَّمًا عِنْدَ أَهْلِ كُلِّ مِلَّةٍ قُلْت لَمْ تَعْرِفْهُ الْأُمَمُ الْمُتَقَدِّمَةُ وَأَوَّلُ مَنْ هُدِيَ لَهُ هَذِهِ الْأُمَّةُ كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْمَدِينِيُّ فِي ذَيْلِهِ عَلَى الْغَرِيبَيْنِ وَإِلَّا فَصَحَّ أَنْ لَا يَدْخُلَهَا الْأَلِفُ وَاللَّامُ قَالَ وَكَأَنَّهُ لَيْسَ بِعَرَبِيٍّ . ( الثَّانِي ) مِنْ أَسْمَائِهِ حَرْبَةُ حَكَاهُ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ أَيْ مُرْتَفِعٌ عَالٍ كَالْحَرْبَةِ قَالَ وَقِيلَ وَمِنْ هَذَا اُشْتُقَّ الْمِحْرَابُ ( الثَّالِثُ ) يَوْمُ الْمَزِيدِ . وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ { وَنَحْنُ نَدْعُوهُ فِي الْآخِرَةِ يَوْمَ الْمَزِيدِ } ذَكَرَهُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثٍ طَوِيلٍ . ( الرَّابِعُ ) حَجُّ الْمَسَاكِينِ سَمَّاهُ بَعْضُهُمْ بِذَلِكَ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَكَأَنَّهُ أَخَذَهُ مِنْ الْحَدِيثِ الَّذِي رَوَاهُ الْحَارِثُ بْنُ أَبِي أُسَامَةَ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ رِوَايَةِ الضَّحَّاكِ بْنِ مُزَاحِمٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَرْفُوعًا وَالْحَدِيثُ ضَعِيفٌ وَكَانَ شُعْبَةُ يُنْكِرُ أَنْ يَكُونَ الضَّحَّاكُ سَمِعَ مِنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَالَ ابْنُ حِبَّانَ لَمْ يُشَافِهْ أَحَدًا مِنْ الصَّحَابَةِ زَعَمَ أَنَّهُ لَقِيَ ابْنَ عَبَّاسٍ وَقَدْ وَهَمَ انْتَهَى . ( الرَّابِعَةُ ) هَذَا الرَّجُلُ الْمُبْهَمُ هُوَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَوْلُهُ أَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ أَيْ قَدْ انْقَضَتْ سَاعَاتُ التَّبْكِيرِ الَّتِي حَضَّ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهَا بِقَوْلِهِ الْمُهَجِّرُ إلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً الْحَدِيثَ فَأَيَّةُ سَاعَةٍ هَذِهِ مِنْهَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ عَدَمَ تَبْكِيرِهِ إلَى الْجُمُعَةِ ، فَفِيهِ أَمْرُ الْإِمَامِ رَعِيَّتَهُ بِمَصَالِح دِينِهِمْ وَحَثُّهُمْ عَلَى مَا يَنْفَعُهُمْ فِي أُخْرَاهُمْ وَفِيهِ الْإِنْكَارُ عَلَى مَنْ خَالَفَ السُّنَّةَ وَإِنْ عَظُمَ مَحِلُّهُ فِي الْعِلْمِ وَالدِّينِ فَإِنَّ الْحَقَّ أَعْظَمُ مِنْهُ وَفِيهِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْإِنْكَارِ عَلَى الْأَكَابِرِ بِجَمْعٍ مِنْ النَّاسِ إذَا اقْتَرَنَتْ بِذَلِكَ نِيَّةٌ حَسَنَةٌ . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ جَوَازُ الْكَلَامِ فِي الْخُطْبَةِ وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ أَصَحُّ قَوْلَيْهِ وَالْقَوْلُ الثَّانِي تَحْرِيمُ الْكَلَامِ وَوُجُوبُ الْإِنْصَاتِ وَهُوَ الْقَوْلُ الْآخَرُ لِلشَّافِعِيِّ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ ( السَّابِعَةُ ) فِي قَوْلِهِ إنِّي شُغِلْت الْيَوْمَ إلَى آخِرِهِ الِاعْتِذَارُ إلَى وُلَاةِ الْأُمُورِ وَتَرْكُ الْمُشَاقَقَةِ لَهُمْ وَالْمُرَادُ بِالنِّدَاءِ هُنَا الْأَذَانُ وَهُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ { حَتَّى سَمِعْت التَّأْذِينَ } وَالنِّدَاءُ بِكَسْرِ النُّونِ وَيَجُوزُ ضَمُّهَا وَهُوَ مَمْدُودٌ . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهُ الْوُضُوءَ أَيْضًا مَنْصُوبٌ أَيْ تَوَضَّأْت الْوُضُوءَ مُقْتَصَرًا عَلَيْهِ أَوْ خَصَّصْت الْوُضُوءَ بِالْفِعْلِ دُونَ الْغُسْلِ قَالَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَجَوَّزَ فِيهِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ الرَّفْعَ أَيْضًا عَلَى أَنَّهُ مُبْتَدَأٌ وَخَبَرُهُ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ الْوُضُوءُ يُقْتَصَرُ عَلَيْهِ وَالْأَوَّلُ أَوْجَهُ وَهُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الرِّوَايَةِ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ وَالْوُضُوءَ بِزِيَادَةِ وَاوٍ فِي أَوَّلِهِ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَالْوَاوُ عِوَضٌ مِنْ هَمْزَةِ الِاسْتِفْهَامِ كَمَا قَالَ تَعَالَى ( قَالَ فِرْعَوْنُ وَآمَنْتُمْ ) فِي قِرَاءَةِ ابْنِ كَثِيرٍ انْتَهَى وَهَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ مُقَدَّرَةٌ فِي رِوَايَتِنَا . ( التَّاسِعَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ غُسْلِ الْجُمُعَةِ فَإِنَّ ظَاهِرَ الْأَمْرِ الْوُجُوبُ وَقَدْ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَعَمَّارِ بْنِ يَاسِرٍ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَابْنَ مَسْعُودٍ وَعَمْرَو بْنَ سُلَيْمٍ وَعَطَاءٍ وَكَعْبٍ وَالْمُسَيِّبِ بْنِ رَافِعٍ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ ثُمَّ بَسَطَ ذَلِكَ وَأَوْضَحَهُ ثُمَّ قَالَ مَا نَعْلَمُ أَنَّهُ يَصِحُّ عَنْ أَحَدٍ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ إسْقَاطُ فَرْضِ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ لِابْنٍ لَهُ هَلْ اغْتَسَلْت ؟ قَالَ لَا : تَوَضَّأْت ثُمَّ جِئْت فَقَالَ لَهُ سَعْدٌ مَا كُنْت أَحْسِبُ أَنَّ أَحَدًا يَدَعُ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ بِلَفْظِ مَا كُنْت أَرَى مُسْلِمًا يَدَعُ الْغُسْلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ أَيْ لِمَا فِيهِ مِنْ الْفَضْلِ الْكَثِيرِ مَعَ خِفَّةِ مُؤْنَتِهِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ أَبِي الْبَخْتَرِيِّ قَالَ قَاوَلَ عَمَّارٌ رَجُلًا فَاسْتَطَالَ عَلَيْهِ فَقَالَ : إنَّا إذًا أَنْتَنُ مِنْ الَّذِي لَا يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ مَا شَعَرْت أَنَّ أَحَدًا يَرَى أَنَّ لَهُ طَهُورًا يَوْمَ الْجُمُعَةِ غَيْرَ الْغُسْلِ ، وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ قَالَ قَالَ عُمَرُ فِي شَيْءٍ لَأَنْتَ أَشَرُّ مِمَّنْ لَا يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ قَالَ كَانَ عُمَرُ إذَا حَلَفَ قَالَ إنَّا إذًا أَشَرُّ مِنْ الَّذِي لَا يَغْتَسِلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَحُكِيَ إيجَابَهُ أَيْضًا عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ أَمَّا مَالِكٌ فَحَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْخَطَّابِيُّ وَأَبَى ذَلِكَ أَصْحَابُهُ وَجَزَمُوا عَنْهُ الِاسْتِحْبَابَ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ إنَّهُ الْمَعْرُوفُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ وَمُعْظَمِ أَصْحَابِهِ وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ كَمَا هُوَ مَحْكِيٌّ فِي شَرْحِ الْغُنْيَةِ لِابْنِ سُرَيْجٍ وَفِي الْجَدِيدِ أَيْضًا فَإِنَّهُ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الرِّسَالَةِ وَهِيَ مِنْ كُتُبِهِ الْجَدِيدَةِ مِنْ رِوَايَةِ الرَّبِيعِ عَنْهُ فَقَالَ فِيهَا فَكَانَ قَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَاجِبٌ وَأَمْرُهُ بِالْغُسْلِ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ الظَّاهِرُ مِنْهُمَا أَنَّهُ وَاجِبٌ فَلَا تُجْزِئُ الطَّهَارَةُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ إلَّا بِالْغُسْلِ كَمَا لَا يُجْزِئُ فِي طَهَارَةِ الْجُنُبِ غَيْرُ الْغُسْلِ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي الِاخْتِيَارِ وَكَرَمِ الْأَخْلَاقِ وَالنَّظَافَةِ ثُمَّ اُسْتُدِلَّ لِلِاحْتِمَالِ الثَّانِي بِقِصَّةِ عُثْمَانَ الَّتِي نَحْنُ فِي شَرْحِهَا وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ الِاسْتِحْبَابُ وَهُوَ الْمَجْزُومُ بِهِ فِي تَصَانِيفِ أَصْحَابِهِ . وَقَالَ الرَّافِعِيُّ وَالنَّوَوِيُّ وَابْنُ الرِّفْعَةِ وَغَيْرُهُمْ إنَّهُ لَا خِلَافَ فِيهِ لِعَدَمِ اطِّلَاعِهِمْ عَلَى النَّصِّ السَّابِقِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ فِي الرِّسَالَةِ الظَّاهِرُ أَرَادَ بِهِ الظَّاهِرَ مِنْ جَوْهَرِ لَفْظِ الْحَدِيثِ لَكِنْ صَدَّ عَنْهُ الدَّلِيلُ فَلَا يَكُونُ أَرَادَ تَرْجِيحَ ذَلِكَ حَتَّى يُعَدَّ لَهُ قَوْلًا وَأَمَّا أَحْمَدُ فَحَكَى ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي عَنْهُ الْوُجُوبَ فِي رِوَايَةٍ عَنْهُ وَلَكِنَّ الْمَشْهُورَ عَنْهُ أَيْضًا الِاسْتِحْبَابُ وَبِهِ صَدَّرَ ابْنُ قُدَامَةَ كَلَامَهُ وَقَالَ بِوُجُوبِهِ أَيْضًا ابْنُ خُزَيْمَةَ وَنَقَلَهُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ عَنْ اخْتِيَارِ شَيْخِهِ الْإِمَامِ تَقِيِّ الدِّينِ السُّبْكِيّ قَالَ وَكَانَ يُوَاظِبُ عَلَيْهِ وَذَهَبَ الْجَمَاهِيرُ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ إلَى أَنَّهُ سُنَّةٌ غَيْرُ وَاجِبٍ وَحَكَاهُ الْخَطَّابِيُّ عَنْ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ . وَحَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ عَامَّةِ الْفُقَهَاءِ وَأَئِمَّةِ الْأَمْصَارِ وَنَقَلَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِيهِ الْإِجْمَاعَ فَقَالَ أَجْمَعَ عُلَمَاءُ الْمُسْلِمِينَ قَدِيمًا وَحَدِيثًا عَلَى أَنَّ غُسْلَ الْجُمُعَةِ لَيْسَ بِفَرْضٍ وَاجِبٍ انْتَهَى وَيَرُدُّ عَلَيْهِ مَا حَكَيْته مِنْ الْخِلَافِ وَبَوَّبَ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَلَى غُسْلِ الْجُمُعَةِ وَعَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ يُجْزِئُ مِنْهُ ثُمَّ بَوَّبَ مَنْ كَانَ لَا يَغْتَسِلُ فِي السَّفَرِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَوَى فِيهِ بِأَسَانِيدِهِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ وَالْأَسْوَدِ وَعَلْقَمَةَ وَمُجَاهِدٍ وَطَاوُسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَغْتَسِلُونَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي السَّفَرِ وَعَنْ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي السَّفَرِ فَقَالَ كَانَ ابْنُ عُمَرَ لَا يَغْتَسِلُ وَأَنَا أَرَى لَك أَنْ لَا تَغْتَسِلَ وَاقْتَضَى كَلَامُ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَإِيرَادُهُ أَنَّ هَذَا قَوْلٌ ثَالِثٌ فِي الْمَسْأَلَةِ مُفَصَّلٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ وَاجِبٍ وَأَنَّ الْأَمْرَ بِهِ إنَّمَا هُوَ لِلِاسْتِحْبَابِ لِأَنَّ عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَغْتَسِلْ وَأَقَرَّهُ عَلَى ذَلِكَ عُمَرُ وَسَائِرُ الصَّحَابَةِ الَّذِينَ حَضَرُوا الْخُطْبَةَ وَهُمْ أَهْلُ الْحَلِّ وَالْعَقْدِ وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَمَا تَرَكَهُ وَلَأَلْزَمُوهُ بِهِ وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فَقَالَ فِي رِوَايَةِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ فَلَمَّا عَلِمْنَا أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَدْ عَلِمَا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِغُسْلِ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بِذِكْرِ عُمَرَ عِلْمَهُ وَعِلْمَ عُثْمَانُ وَلَمْ يَغْتَسِلْ عُثْمَانُ وَلَمْ يَخْرُجْ فَيَغْتَسِلَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ عُمَرُ بِذَلِكَ وَلَا أَحَدٌ مِمَّنْ حَضَرَهُمَا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَلَّ هَذَا عَلَى أَنَّ عُمَرَ وَعُثْمَانَ قَدْ عَلِمَا أَمْرَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْغُسْلِ عَلَى الْأَحَبِّ لَا عَلَى الْإِيجَابِ وَكَذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ دَلَّ أَنَّ عِلْمَ مَنْ سَمِعَ مُخَاطَبَةَ عُمَرَ وَعُثْمَانَ مِثْلُ عُمَرَ وَعُثْمَانَ انْتَهَى نَقَلَهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَذَكَرَ الطَّحَاوِيُّ مِثْلَ ذَلِكَ وَقَالَ فَفِي هَذَا إجْمَاعٌ مِنْهُمْ عَلَى نَفْيِ وُجُوبِ الْغُسْلِ وَقَدْ اعْتَرَضَ ابْنُ حَزْمٍ عَلَى هَذَا الِاسْتِدْلَالِ فَقَالَ يُقَالُ لَهُمْ مَنْ لَكُمْ بِأَنَّ عُثْمَانَ لَمْ يَكُنْ اغْتَسَلَ فِي صَدْرِ يَوْمِهِ ذَلِكَ وَمَنْ لَكُمْ بِأَنَّ عُمَرَ لَمْ يَأْمُرْهُ بِالرُّجُوعِ لِلْغُسْلِ ؟ فَإِنْ قَالُوا وَمَنْ لَكُمْ بِأَنَّ عُثْمَانَ كَانَ اغْتَسَلَ فِي صَدْرِ يَوْمِهِ وَمَنْ لَكُمْ بِأَنَّ عُمَرَ أَمَرَهُ بِالرُّجُوعِ لِلْغُسْلِ قُلْنَا هَبْكُمْ أَنَّهُ لَا دَلِيلَ عِنْدَنَا بِهَذَا وَلَا دَلِيلَ عِنْدَكُمْ بِخِلَافِهِ فَمَنْ جَعَلَ دَعْوَاكُمْ أَوْلَى مِنْ دَعْوَى غَيْرِكُمْ فَالْحَقُّ أَنْ يَبْقَى الْخَبَرُ لَا حُجَّةَ فِيهِ ، هَذَا كَلَامُهُ وَهُوَ ضَعِيفٌ جِدًّا أَمَّا الِاحْتِمَالُ الْأَوَّلُ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عُثْمَانُ اغْتَسَلَ فِي صَدْرِ يَوْمِهِ ذَلِكَ فَهُوَ مَرْدُودٌ دَلَّ الْحَدِيثُ عَلَى خِلَافِهِ لِأَنَّ عُمَرَ أَنْكَرَ عَلَى عُثْمَانَ الِاقْتِصَارَ عَلَى الْوُضُوءِ وَلَمْ يَعْتَذِرْ عُثْمَانُ عَنْ ذَلِكَ فَلَوْ كَانَ اغْتَسَلَ لَاعْتَذَرَ بِذَلِكَ وَذَكَرَهُ وَلَمْ يَكُنْ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ حِينَئِذٍ إنْكَارٌ وَأَمَّا الِاحْتِمَالُ الثَّانِي وَهُوَ أَنْ يَكُونَ عُمَرُ أَمَرَهُ بِالرُّجُوعِ لِلْغُسْلِ فَهُوَ مَدْفُوعٌ أَيْضًا بِأَنَّ الْأَصْلَ خِلَافُهُ فَمَنْ ادَّعَاهُ فَلْيُقِمْ الدَّلِيلَ عَلَيْهِ وَلَا يُقَالُ سَقَطَ الدَّلِيلُ لِلِاحْتِمَالِ لِأَنَّ ذَلِكَ إنَّمَا هُوَ عِنْدَ تَكَافُؤِ الِاحْتِمَالَيْنِ فَأَمَّا مَعَ تَرْجِيحِ أَحَدِهِمَا بِوَجْهٍ مِنْ وُجُوهِ التَّرْجِيحَاتِ فَالْعَمَلُ بِالرَّاجِحِ وَقَدْ تَرَجَّحَ عَدَمُ أَمْرِهِ بِذَلِكَ بِأَنَّهُ خِلَافُ الْأَصْلِ كَمَا ذَكَرْنَا فَيَحْتَاجُ مُثْبِتُهُ إلَى بَيَانٍ وَإِلَّا كَانَ كَاذِبًا مُخْتَلِفًا ثُمَّ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَبِيَقِينٍ نَدْرِي أَنَّ عُثْمَانَ قَدْ أَجَابَ عُمَرُ فِي إنْكَارِهِ عَلَيْهِ وَتَعْظِيمِهِ أَمْرَ الْغُسْلِ بِأَحَدِ أَجْوِبَةٍ لَا بُدَّ مِنْ أَحَدِهَا إمَّا أَنْ يَقُولَ لَهُ قَدْ كُنْت اغْتَسَلْت قَبْلَ خُرُوجِي إلَى السُّوقِ وَإِمَّا أَنْ يَقُولَ بِي عُذْرٌ مَانِعٌ مِنْ الْغُسْلِ أَوْ يَقُولَ لَهُ نَسِيت وَهَأَنَذَا أَرْجِعُ وَأَغْتَسِلُ ، فَدَارُهُ كَانَتْ عَلَى بَابِ الْمَسْجِدِ مَشْهُورَةً إلَى الْآنَ أَوْ يَقُولَ لَهُ سَأَغْتَسِلُ فَإِنَّ الْغُسْلَ لِلْيَوْمِ لَا لِلصَّلَاةِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَجْوِبَةٍ كُلُّهَا مُوَافِقَةٌ لِقَوْلِنَا أَوْ يَقُولَ لَهُ هَذَا أَمْرُ نَدْبٍ وَلَيْسَ فَرْضًا وَهَذَا الْجَوَابُ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ خُصُومِنَا فَلَيْتَ شِعْرِي مَا الَّذِي جَعَلَ لَهُمْ التَّعَلُّقَ بِجَوَابٍ وَاحِدٍ مِنْ جُمْلَةِ خَمْسَةِ أَجْوِبَةٍ كُلُّهَا مُمْكِنٌ وَكُلُّهَا لَيْسَ فِي الْخَبَرِ مِنْهَا شَيْءٌ أَصْلًا انْتَهَى قُلْت الِاحْتِمَالَاتُ الثَّلَاثُ الْأُوَلُ كُلُّهَا مَرْدُودَةٌ بِأَنَّهَا خِلَافُ الْأَصْلِ وَالِاحْتِمَالُ الرَّابِعُ سَيَأْتِي رَدُّهُ بَعْدَ ذَلِكَ حِينَ نُقَرِّرُ أَنَّ الْغُسْلَ لِلصَّلَاةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ نَاظَرَ عُمَرَ فِي ذَلِكَ بِمَا دَلَّ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْغُسْلِ لَيْسَ عَلَى الْإِيجَابِ وَالْعُمُومِ وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ لِأَهْلِ الْخُصُوصِ الْمُحَافِظِينَ عَلَى جَمِيعِ أَفْعَالِ الْبِرِّ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ هُشَيْمِ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ قَالَ : أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : هَلْ اغْتَسَلْت ؟ قَالَ لَا ، قَالَ لَقَدْ عَلِمْت أَنَّا أُمِرْنَا بِغَيْرِ ذَلِكَ ، قَالَ الرَّجُلُ بِمَ أُمِرْتُمْ ؟ قَالَ بِالْغُسْلِ ؛ قَالَ أَنْتُمْ مَعْشَرَ الْمُهَاجِرِينَ أَمْ النَّاسُ ؟ قَالَ لَا أَدْرِي ، ثُمَّ رَوَاهُ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ عَنْ هِشَامٍ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ بَيْنَمَا عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ يَخْطُبُ قَالَ ثُمَّ ذَكَرَ نَحْوَهُ لَمْ يَسُقْ لَفْظَهُ . وَقَدْ رَوَاهُ الطَّحَاوِيُّ عَنْ عَلِيِّ بْنِ شَيْبَةَ عَنْ يَزِيدَ بْنِ هَارُونَ فَسَاقَهُ عَلَى غَيْرِ لَفْظِ الرِّوَايَةِ الْأُولَى وَلَفْظُهُ عِنْدَهُ أَنَّ عُمَرَ بَيْنَمَا هُوَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ فَدَخَلَ الْمَسْجِدَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ الْآنَ حِينَ تَوَضَّأْت فَقَالَ مَا زِدْت حِينَ سَمِعْت الْأَذَانَ عَلَى أَنْ تَوَضَّأْت ثُمَّ جِئْت فَلَمَّا دَخَلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ ذَكَّرْته فَقُلْت يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَمَا سَمِعْت مَا قَالَ ؟ قَالَ وَمَا قَالَ ؟ قُلْت قَالَ مَا زِدْت عَلَى أَنْ تَوَضَّأْت حِينَ سَمِعْت النِّدَاءَ ثُمَّ أَقْبَلْت فَقَالَ أَمَا إنَّهُ قَدْ عَلِمَ أَنَّا أُمِرْنَا بِغَيْرِ ذَلِكَ ، قُلْت وَمَا هُوَ قَالَ الْغُسْلُ ؛ فَقُلْت أَنْتُمْ أَيُّهَا الْمُهَاجِرُونَ الْأَوَّلُونَ أَمْ النَّاسُ جَمِيعًا ؟ قَالَ لَا أَدْرِي قَالَ الْخَطَّابِيُّ وَلَمْ تَخْتَلِفْ الْأُمَّةُ أَنَّ صَلَاتَهُ مُجْزِئَةٌ إذَا لَمْ يَغْتَسِلْ فَلَمَّا لَمْ يَكُنْ الْغُسْلُ مِنْ شَرْطِ صِحَّتِهَا دَلَّ أَنَّهُ اسْتِحْبَابٌ كَالِاغْتِسَالِ لِلْعِيدِ وَالْإِحْرَامُ الَّذِي يَقَعُ الِاغْتِسَالُ فِيهِ مُتَقَدِّمًا لِسَبَبِهِ ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَكَانَ مُتَأَخِّرًا عَنْ سَبَبِهِ كَالِاغْتِسَالِ لِلْجَنَابَةِ وَالْحَيْضِ وَالنِّفَاسِ انْتَهَى وَيُوَافِقُهُ كَلَامُ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ فَإِنَّهُ قَالَ لَا أَعْلَمُ أَحَدًا أَوْجَبَ غُسْلَ الْجُمُعَةِ إلَّا أَهْلَ الظَّاهِرِ وَهُمْ مَعَ ذَلِكَ يُجِيزُونَ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ دُونَ غُسْلٍ لَهَا انْتَهَى وَلَكِنْ تَقَدَّمَ فِي كَلَامِ الشَّافِعِيِّ رَحِمَهُ اللَّهُ التَّصْرِيحُ بِتَرْجِيحِ كَوْنِهِ وَاجِبًا لَا تُجْزِئُ الطَّهَارَةُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ إلَّا بِهِ وَهُوَ يَدُلُّ عَلَى شَرْطِيَّتِهِ إلَّا إنْ أَوَّلَنَا كَلَامَ الشَّافِعِيِّ بِمَا تَقَدَّمَ وَإِنَّمَا صَدَّ أَهْلَ الظَّاهِرِ عَنْ الْقَوْلِ بِشَرْطِيَّتِهِ أَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ لِلْيَوْمِ فَيَصِحُّ عِنْدَهُمْ فِعْلُهُ بَعْدَ صَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ الْجُمُعَةِ بِدُونِهِ وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَدْ يَحْتَجُّ بِهِ مَنْ يَرَى مُطْلَقَ الْأَمْرِ لِلنَّدَبِ دُونَ الْوُجُوبِ حَيْثُ لَا قَرِينَةَ فَإِنَّ عُثْمَانَ بْنَ عَفَّانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَرَكَ الِاغْتِسَالَ مَعَ عِلْمِهِ بِوُرُودِ الْأَمْرِ بِهِ وَلَمْ يَأْمُرْهُ عُمَرُ بِالِاغْتِسَالِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالْجَوَابُ أَنَّهُ قَامَتْ عِنْدَهُمْ أَدِلَّةٌ اقْتَضَتْ أَنَّ هَذَا الْأَمْرَ لِلنَّدَبِ ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ فِي قَوْلِ عُثْمَانَ سَمِعْت النِّدَاءَ حُجَّةٌ عَلَى أَنَّ السَّعْيَ إنَّمَا يَجِبُ لِسَمَاعِهِ وَأَنَّ شُهُودَ الْخُطْبَةِ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَى مُقْتَضَى قَوْلِ أَكْثَرِ أَصْحَابِنَا قُلْت أَمَّا الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ السَّعْيُ إلَّا بِسَمَاعِ النِّدَاءِ فَظَاهِرٌ وَالْمُرَادُ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ هَذَا كَانَ مِنْ الْمُقَرَّرِ عِنْدَهُمْ فَإِنَّ الْحُجَّةَ إنَّمَا هِيَ فِي الْمَرْفُوعِ وَأَمَّا الِاسْتِدْلَال بِهِ عَلَى أَنَّ شُهُودَ الْخُطْبَةِ غَيْرُ وَاجِبٍ فَمَحَلُّ نَظَرٍ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ التَّأَخُّرِ إلَى سَمَاعِ النِّدَاءِ فَوَاتُ الْخُطْبَةِ فَإِنْ قُلْت هَذَا عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَدْ فَاتَهُ بَعْضُ الْخُطْبَةِ قُلْت لَعَلَّهُ لَمْ يَفُتْهُ شَيْءٌ مِنْ الْأَرْكَانِ وَعَلَى تَقْدِيرِ فَوَاتِ بَعْضِ الْأَرْكَانِ لِعُثْمَانَ فَقَدْ حَضَرَهَا خَلْقٌ زَائِدُونَ عَلَى الْعَدَدِ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ فَلَمْ يُفَوَّتْ سَمَاعُ بَعْضِ الْأَرْكَانِ حَيْثُ لَمْ يَحْضُرْ عَدَدُ الْجُمُعَةِ فَلَا يَصِحُّ إطْلَاقُ الِاسْتِدْلَالِ بِهِ عَلَى عَدَمِ وُجُوبِ شُهُودِ الْخُطْبَةِ بَلْ يُقَالُ فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجِبُ شُهُودُهَا عَلَى مَنْ زَادَ عَلَى الْعَدَدِ الَّذِي تَنْعَقِدُ بِهِ الْجُمُعَةُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيِّ قَالَ عُلَمَاؤُنَا لَمْ يُخْرِجْ عُمَرُ عُثْمَانَ مِنْ الْمَسْجِدِ لِلْغُسْلِ لِضِيقِ الْوَقْتِ وَأَنَا أَقُولُ إنَّمَا ذَلِكَ لِأَنَّهُ قَدْ تَلَبَّسَ بِالْعِبَادَةِ بِشَرْطِهَا فَلَا يَتْرُكُهَا لِأَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ كَمَا لَوْ تَيَمَّمَ لِعَدَمِ الْمَاءِ ثُمَّ رَآهُ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَخَرَجَ وَاغْتَسَلَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ كِنَانَةَ قُلْت كِلَا الْأَمْرَيْنِ ضَعِيفٌ وَإِنَّمَا لَمْ يُكَلِّفْهُ الْخُرُوجَ لِلِاغْتِسَالِ لِأَنَّهُ مُسْتَحَبٌّ وَقَدْ ضَاقَ الْوَقْتُ ، فَضَيَّقَ جُزْءُ عِلَّةٍ وَلَيْسَ عِلَّةً كَامِلَةً مُنْفَرِدَةً بِالْحُكْمِ فَإِنَّهُ لَوْ كَانَ وَاجِبًا لَفَعَلَهُ وَإِنْ ضَاقَ الْوَقْتُ وَلَا سِيَّمَا إنْ قِيلَ إنَّهُ شَرْطٌ وَكَيْفَ يُقَالُ إنَّهُ تَلَبَّسَ بِالْعِبَادَةِ مَعَ كَوْنِهِ لَمْ يَشْرَعْ فِي الصَّلَاةِ بَعْدُ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ أَصْحَابُنَا إذَا عَجَزَ عَنْ الْغُسْلِ لِفَرَاغِ الْمَاءِ بَعْدَ الْوُضُوءِ أَوْ لِقُرُوحٍ فِي بَدَنِهِ تَيَمَّمَ وَحَازَ الْفَضِيلَةَ قَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ هَذَا الَّذِي قَالُوهُ هُوَ الظَّاهِرُ وَفِيهِ احْتِمَالٌ وَرَجَّحَ الْغَزَالِيُّ هَذَا الِاحْتِمَالَ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ لَمَّا فَهِمَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ الْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ النَّظَافَةُ قَالَ إنَّهُ يَجُوزُ بِمَاءِ الْوَرْدِ وَهَذَا نَظَرُ مَنْ رَدَّهُ إلَى الْمَعْنَى الْمَعْقُولِ وَنَسِيَ حَظَّ التَّعَبُّدِ فِي التَّعْيِينِ وَهُوَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَالَ الْغَرَضُ مِنْ رَمْيِ الْجِمَارِ غَيْظُ الشَّيْطَانِ فَيَكُونُ بِالْمَطَارِدِ وَنَحْوِهَا وَنَسِيَ حَظَّ التَّعَبُّدِ بِتَعْيِينٍ فِي الْمَعْنَى وَإِنْ كَانَ مَعْقُولًا انْتَهَى . وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ } وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ } وَلِمُسْلِمٍ { إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ } وَلِلْبَيْهَقِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ { مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ . فَلْيَغْتَسِلْ وَمَنْ لَمْ يَأْتِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غُسْلٌ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ } { الْحَدِيثُ الثَّالِثُ } وَعَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ } وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ } فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وَمُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ يُونُسَ بْنِ يَزِيدَ كِلَاهُمَا عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ أَيْضًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَرَوَاهُ الزُّهْرِيُّ أَيْضًا عَنْ سَالِمٍ وَعَبْدِ اللَّهِ ابْنَيْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ عَنْ أَبِيهِمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَ الزُّهْرِيِّ عَنْهُمَا وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ الْبُخَارِيِّ أَنَّهُ قَالَ الصَّحِيحُ حَدِيثُ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ وَأَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الثَّانِيَةِ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ كِلَاهُمَا عَنْ نَافِعٍ وَلَفْظُ مُسْلِمٍ { إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ } . ( الثَّانِيَةُ ) هَذَا الْحَدِيثُ كَاَلَّذِي قَبْلَهُ فِي أَنَّ ظَاهِرَهُ إيجَابُ غُسْلِ الْجُمُعَةِ بَلْ هُوَ أَظْهَرُ مِنْهُ فِي ذَلِكَ لِقَوْلِهِ فَلْيَغْتَسِلْ وَهَذِهِ الصِّيغَةُ حَقِيقَةٌ فِي الْوُجُوبِ بِخِلَافِ قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ كَانَ يَأْمُرُ فَإِنَّهُ يَحْتَمِلُ الْوُجُوبَ وَالِاسْتِحْبَابَ كَمَا هُوَ مُقَرَّرٌ فِي الْأُصُولِ وَهَذَا بِالنِّسْبَةِ إلَى لَفْظِ الرِّوَايَةِ الَّتِي أَوْرَدَهَا الْمُصَنِّفُ وَقَدْ رُوِيَ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثِ لَفْظٌ آخَرُ : أَوَلَمْ تَسْمَعُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ } وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ أَيْضًا فَهُوَ مُسَاوٍ لِلَفْظِ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ تَقَدَّمَ إيضَاحُ الْكَلَامِ عَلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ . ( الثَّالِثَةُ ) قَدْ تَبَيَّنَ بِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ الَّتِي قَدَّمْتهَا أَنَّ قَوْلَهُ { إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ الْجُمُعَةَ } مَعْنَاهُ إذَا أَرَادَ الْمَجِيءَ لِقَوْلِهِ إذَا أَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ وَهُوَ يَرُدُّ عَلَى أَهْلِ الظَّاهِرِ قَوْلَهُمْ أَنَّهُ يَصِحُّ الِاغْتِسَالُ فِي جَمِيعِ النَّهَارِ وَلَوْ قُبَيْلَ الْغُرُوبِ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { إذَا رَاحَ أَحَدُكُمْ إلَى الْجُمُعَةِ فَلْيَغْتَسِلْ } فَظَاهِرُ هَذَا اللَّفْظِ أَنَّ الْغُسْلَ بَعْدَ الرَّوَاحِ كَمَا قَالَ تَعَالَى { فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأُقِيمُوا الصَّلَاةَ } أَوْ مَعَ الرَّوَاحِ كَمَا قَالَ تَعَالَى { إذَا طَلَّقْتُمْ النِّسَاءَ فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ } أَوْ قَبْلَ الرَّوَاحِ كَمَا قَالَ تَعَالَى { إذَا نَاجَيْتُمْ الرَّسُولَ فَقَدِمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً } وَكُلُّ ذَلِكَ مُمْكِنٌ قُلْت لَوْلَا رِوَايَةُ إذَا أَرَادَ لَكَانَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ الِاغْتِسَالَ بَعْدَهُ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } لَكِنَّ تِلْكَ الرِّوَايَةَ صَرَّحَتْ بِكَوْنِهِ قَبْلَهُ وَادَّعَى ابْنُ حَزْمٍ أَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا إذَا أَرَادَ فِيهَا بَعْضُ الصُّوَرِ وَهُوَ مَرْدُودٌ لِأَنَّهَا بَيَّنَتْ الْمُرَادَ وَقَدْ تَعَلَّقُوا بِإِضَافَةِ الْغُسْلِ إلَى الْيَوْمِ فِي حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَغَيْرِهِ وَذَكَرَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ يَكَادُ أَنْ يَكُونَ مَجْزُومًا بِبُطْلَانِهِ قَالَ وَقَدْ بَيَّنَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ الْغُسْلَ لِأَجْلِ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ وَيُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمَقْصُودَ عَدَمُ تَأَذِّي الْحَاضِرِينَ وَذَلِكَ لَا يَتَأَتَّى بَعْدَ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ قَالَ وَكَذَلِكَ أَقُولُ : لَوْ قَدَّمَهُ بِحَيْثُ لَا يَحْصُلُ هَذَا الْمَقْصُودُ لَمْ يُعْتَدَّ بِهِ وَالْمَعْنَى إذَا كَانَ مَعْلُومًا كَالنَّصِّ قَطْعًا أَوْ ظَنًّا مُقَارِبًا لِلْقَطْعِ فَاتِّبَاعُهُ وَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِهِ أَوْلَى مِنْ اتِّبَاعِ مُجَرَّدِ اللَّفْظِ قَالَ وَمِمَّا يُبْطِلُهُ أَنَّ الْأَحَادِيثَ الَّتِي عُلِّقَ فِيهَا الْأَمْرُ بِالْمَجِيءِ وَالْإِتْيَانِ قَدْ دَلَّتْ عَلَى تَوَجُّهِ الْأَمْرِ إلَى هَذِهِ الْحَالَةِ وَالْأَحَادِيثُ الَّتِي تَدُلُّ عَلَى تَعْلِيقِ الْحُكْمِ بِالْيَوْمِ لَا تَتَنَاوَلُ تَعْلِيقَهُ بِهَذِهِ الْحَالَةِ فَهُوَ إذَا تَمَسَّكَ بِتِلْكَ أَبْطَلَ دَلَالَةَ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى تَعَلُّقِ الْأَمْرِ بِهَذِهِ الْحَالَةِ وَلَيْسَ لَهُ ذَلِكَ وَنَحْنُ إذَا قُلْنَا بِتَعْلِيقِهِ بِهَذِهِ الْحَالَةِ فَقَدْ عَلِمْنَا بِهَذِهِ الْحَالَةِ مِنْ غَيْرِ إبْطَالٍ لِمَا اسْتَدَلُّوا بِهِ انْتَهَى قَالَ ابْنُ حَزْمٍ فَإِنْ قَالُوا مَنْ قَالَ قَبْلَكُمْ إنَّ الْغُسْلَ لِلْيَوْمِ قُلْنَا كُلُّ مَنْ ذَكَرْنَا عَنْهُ فِي ذَلِكَ قَوْلًا مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ فَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِهِمْ وَهُوَ قَوْلُ أَبِي يُوسُفَ أَيْضًا وَغَيْرُهُ انْتَهَى قُلْت أَمَّا الصَّحَابَةُ فَالْمَفْهُومُ مِنْ كَلَامِهِمْ عَكْسُ مَا فَهِمَهُ هُوَ لِأَنَّ الْمَفْهُومَ مِنْ كَلَامِهِمْ أَنَّ الْمَقْصُودَ قَطْعُ الرَّوَائِحِ الْكَرِيهَةِ الْمُؤْذِيَةِ لِلْحَاضِرَيْنِ وَهَذَا مَفْقُودٌ فِيمَا بَعْدَ الصَّلَاةِ وَأَمَّا أَبُو يُوسُفَ فَقَدْ حَكَى عَنْهُ صَاحِبُ الْهِدَايَةِ مِنْ الْحَنَفِيَّةِ أَنَّ الْغُسْلَ لِلصَّلَاةِ فَدَلَّ عَلَى انْفِرَادِ الظَّاهِرِيَّةِ بِمَا ذَكَرُوهُ وَخَرْقِهِمْ الْإِجْمَاعَ فِيهِ وَقَدْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ الْإِجْمَاعَ عَلَى أَنَّ مَنْ اغْتَسَلَ بَعْدَ الصَّلَاةِ فَلَيْسَ بِغُسْلٍ لِلسُّنَّةِ وَلَا لِلْجُمُعَةِ وَلَا فَاعِلٍ مَا أُمِرَ بِهِ . ( الرَّابِعَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ لِمَالِكٍ عَلَى أَنَّهُ يَعْتَبِرُ أَنْ يَكُونَ الْغُسْلُ مُتَّصِلًا بِالذَّهَابِ إلَى الْجُمُعَةِ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّ ذَلِكَ مُسْتَحَبٌّ وَلَا يُشْتَرَطُ اتِّصَالُهُ بِهِ بَلْ مَتَى اغْتَسَلَ بَعْدَ الْفَجْرِ أَجْزَأَهُ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ مُجَاهِدٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَالنَّخَعِيِّ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَأَبِي جَعْفَرٍ الْبَاقِرِ وَالْحَكَمِ وَالشَّعْبِيِّ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَبِهِ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ صَاحِبُ مَالِكٍ قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَقَالَ الْأَوْزَاعِيُّ يُجْزِئُهُ أَنْ يَغْتَسِلَ قَبْلَ الْفَجْرِ لِلْجَنَابَةِ وَالْجُمُعَةِ وَحَكَى ابْنُ حَزْمٍ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّهُ قَالَ كَقَوْلِ مَالِكٍ لَا يُجْزِئُ غُسْلُ الْجُمُعَةِ إلَّا مُتَّصِلًا بِالرَّوَاحِ قَالَ إلَّا أَنَّ الْأَوْزَاعِيَّ قَالَ إنْ اغْتَسَلَ قَبْلَ الْفَجْرِ وَنَهَضَ إلَى الْجُمُعَةِ أَجْزَأَهُ وَحَكَى إمَامُ الْحَرَمَيْنِ فِي النِّهَايَةِ وَجْهًا أَنَّهُ يُجْزِئُ قَبْلَ الْفَجْرِ كَغُسْلِ الْعِيدِ قَالَ النَّوَوِيُّ وَهُوَ شَاذٌّ مُنْكَرٌ وَجَوَابُ الْجُمْهُورِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ تَبَيَّنَ بِرِوَايَةِ مُسْلِمٍ تَعْلِيقُ الْأَمْرِ بِالْغُسْلِ عَلَى إرَادَةِ إتْيَانِ الْجُمُعَةِ وَلَيْسَ يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ إتْيَانُ الْجُمُعَةِ مُتَّصِلًا بِإِرَادَةِ ذَلِكَ فَقَدْ يُرِيدُ عَقِبَ الْفَجْرِ إتْيَانَهَا وَيَتَأَخَّرُ الْإِتْيَانُ إلَى بَعْدِ الزَّوَالِ وَلَا شَكَّ أَنَّ كُلَّ مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَهُوَ مُوَاظِبٌ عَلَى الْوَاجِبَاتِ إذَا خَطَرَ لَهُ عَقِبَ الْفَجْرِ أَمْرُ الْجُمُعَةِ أَرَادَ إتْيَانَهَا وَإِنْ تَأَخَّرَ الْإِتْيَانُ زَمَنًا طَوِيلًا وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ لَيْسَ الْمَدَارُ عَلَى نَفْسِ الْإِتْيَانِ بَلْ عَلَى إرَادَتِهِ لِيُحْتَرَزَ بِهِ عَمَّنْ هُوَ مُسَافِرٌ أَوْ مَعْذُورٌ بِغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَعْذَارِ الْقَاطِعَةِ عَنْ الْجُمُعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الِاغْتِسَالِ لِكُلِّ مَنْ أَرَادَ إتْيَانَ الْجُمُعَةِ سَوَاءٌ أَكَانَتْ وَاجِبَةً عَلَيْهِ أَوْ غَيْرَ وَاجِبَةٍ عَلَيْهِ كَالصَّبِيِّ الْمُمَيِّزِ وَالْمَرْأَةِ وَالْعَبْدِ وَغَيْرِهِمْ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَالْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُمَا وَهُوَ الْمَشْهُورُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ طَرِيقِ عُثْمَانَ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ أَتَى الْجُمُعَةَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ فَلْيَغْتَسِلْ } وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عُبَيْدَةَ ابْنَةِ نَابِلٍ قَالَتْ سَمِعْت ابْنَ عُمَرَ وَابْنَةَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَقُولُ لِلنِّسَاءِ : مَنْ جَاءَ مِنْكُنَّ الْجُمُعَةَ فَلْتَغْتَسِلْ وَعَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ نِسَاءَهُ يَغْتَسِلْنَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعَنْ شَقِيقٍ أَنَّهُ كَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ الرِّجَالَ وَالنِّسَاءَ بِالْغُسْلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَغُسْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَرْضٌ لَازِمٌ لِكُلِّ بَالِغٍ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَلَنَا وَجْهٌ ثَانٍ أَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَلْزَمُهُ الْجُمُعَةُ دُونَ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالْعَبِيدِ وَالْمُسَافِرِينَ وَوَجْهٌ ثَالِثٌ أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِلذُّكُورِ خَاصَّةً حَكَاهُ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ لَيْسَ عَلَى النِّسَاءِ غُسْلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عُمَرَ مُعَلَّقًا إنَّمَا الْغُسْلُ عَلَى مَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَقَدْ يُقَالُ إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَتَنَاوَلُ النِّسَاءَ لِقَوْلِهِ { إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ } وَهَذَا خِطَابٌ لِلذُّكُورِ فَإِنْ قِيلَ يُطْلَقُ عَلَى الْإِنَاثِ تَغْلِيبًا قِيلَ هُوَ مَجَازٌ وَالْأَصْلُ خِلَافُهُ وَأَمَّا الرِّوَايَةُ الْأُخْرَى الَّتِي لَفْظُهَا مَنْ جَاءَ وَهِيَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ الْمُتَنَاوِلَةِ لِلْإِنَاثِ فَقَدْ خَصَّصَ الْعُمُومَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ مِنْكُمْ لَكِنْ إنْ لَمْ يَتَنَاوَلْ اللَّفْظُ الْإِنَاثَ فَحُكْمُهُنَّ كَالرِّجَالِ قِيَاسًا لَهُنَّ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ الْأَصْلَ اسْتِوَاءُ الْمُكَلَّفِينَ فِي الْأَحْكَامِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) مَفْهُومُ قَوْلِهِ { مَنْ جَاءَ مِنْكُمْ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ } أَنَّهُ لَا يُسْتَحَبُّ الْغُسْلُ لِمَنْ لَمْ يَحْضُرْهَا وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِهَذَا الْمَفْهُومِ فِي رِوَايَةِ الْبَيْهَقِيّ الْمُتَقَدِّمَةِ فِي الْفَائِدَةِ قَبْلَهَا مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ { وَمَنْ لَمْ يَأْتِهَا فَلَيْسَ عَلَيْهِ غُسْلٌ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ } وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَهَذَا أَصَحُّ الْوَجْهَيْنِ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَأَحْمَدَ وَحَكَى عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَبِهِ قَالَ أَبُو يُوسُفَ وَالْوَجْهُ الثَّانِي لِأَصْحَابِنَا أَنَّهُ يُسْتَحَبُّ لِكُلِّ أَحَدٍ سَوَاءٌ حَضَرَ الْجُمُعَةَ أَمْ لَا كَالْعَبْدِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَنَفِيَّةِ وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ وَجْهًا أَنَّهُ إنَّمَا يُسْتَحَبُّ لِمَنْ تَجِبُ عَلَيْهِ الْجُمُعَةُ وَإِنْ لَمْ يَحْضُرْهَا لِعُذْرٍ وَمَذْهَبُ أَهْلِ الظَّاهِرِ وُجُوبُ الِاغْتِسَالِ ذَلِكَ الْيَوْمَ عَلَى كُلِّ مُكَلَّفٍ مُطْلَقًا لِأَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ لِلْيَوْمِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَهُوَ لَازِمٌ لِلْحَائِضِ وَالنُّفَسَاءِ كَلُزُومِهِ لِغَيْرِهِمَا انْتَهَى وَقَدْ أَبْعَدَ فِي ذَلِكَ جِدًّا . ( السَّابِعَةُ ) لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْمَجِيءِ إلَى الْجُمُعَةِ أَنْ يَكُونَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَكَانِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الْجُمُعَةُ مَسَافَةٌ يَحْتَاجُ إلَى قَطْعِهَا بَلْ الْمُقِيمُ فِي الْمَكَانِ الَّذِي يُجْمَعُ فِيهِ حُكْمُهُ كَذَلِكَ فَالْمَجِيءُ مِنْ مَكَان آخَرَ لَيْسَ مَقْصُودًا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُصَلِّيَ الْجُمُعَةَ فَلْيَغْتَسِلْ وَإِنْ كَانَ سَبَبُ وُرُودِ الْأَمْرِ بِالْغُسْلِ لِلْجُمُعَةِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَنْتَابُونَ الْجُمُعَةَ مِنْ مَنَازِلِهِمْ وَمِنْ الْعَوَالِي فَيَأْتُونَ فِي الْغُبَارِ فَقَالَ لَهُمْ لَوْ تَطَهَّرْتُمْ لِيَوْمِكُمْ هَذَا ، كَمَا فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ وَلَكِنَّ الْحُكْمَ يَعُمُّ الْآتِيَ مِنْ بُعْدٍ وَمِنْ قُرْبٍ وَمَنْ هُوَ مُقِيمٌ فِي مَكَانِ الْجُمُعَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طُوِيَتْ الصُّحُفُ } وَعَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُهَجِّرُ إلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً وَاَلَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً وَاَلَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي كَبْشًا حَتَّى ذَكَرَ الدَّجَاجَةَ وَالْبَيْضَةَ } وَلِلشَّيْخَيْنِ { وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَذَكَرَ خَمْسَ سَاعَاتٍ } وَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ { قَالَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ كَاَلَّذِي يُهْدِي عُصْفُورًا وَفِي السَّادِسَةِ بَيْضَةً } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ { قَالَ فِي الرَّابِعَةِ كَالْمُهْدِي بَطَّةً ثُمَّ كَالْمُهْدِي دَجَاجَةً ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَيْضَةً } . { الْحَدِيثُ الرَّابِعُ } وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا كَانَ يَوْمُ الْجُمُعَةِ كَانَ عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَائِكَةٌ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طُوِيَتْ الصُّحُفُ } وَعَنْهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُهَجِّرُ إلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً وَاَلَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي بَقَرَةً وَاَلَّذِي يَلِيهِ كَالْمُهْدِي كَبْشًا حَتَّى ذَكَرَ الدَّجَاجَةَ وَالْبَيْضَةَ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) هَذَانِ الْحَدِيثَانِ إسْنَادُهُمَا وَاحِدٌ وَهُمَا فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ رَحِمَهُ اللَّهُ هَكَذَا مُنْفَصِلَيْنِ فَتَبِعَهُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ إنَّمَا أَوْرَدَهُ مِنْ طَرِيقِهِ وَجَمَعَ بَيْنَهُمَا مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ فَجَعَلُوهُمَا حَدِيثًا وَاحِدًا رَوَاهُ مُسْلِمٌ عَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى وَعَمْرٍو النَّاقِدِ وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَنْصُورٍ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ هِشَامِ بْنِ عَمَّارٍ وَسَهْلِ بْنِ أَبِي سَهْلٍ خَمْسَتُهُمْ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ زَادَ ابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَحَدِ شَيْخَيْهِ سَهْلٍ { فَمَنْ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَجِيءُ لِحَقِّ الصَّلَاةِ } وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْأَغَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِتَمَامِهِ وَفِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ { ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَطَّةً ثُمَّ كَالْمُهْدِي دَجَاجَةً ثُمَّ كَالْمُهْدِي بَيْضَةً } وَأَخْرَجَ الْبُخَارِيُّ الْقِطْعَةَ الْأُولَى مِنْهُ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ وَالْأَغَرِّ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَخْرَجَ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ سُهَيْلٍ مِنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { عَلَى كُلِّ بَابٍ مِنْ أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ مَلَكٌ يَكْتُبُ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ مَثَّلَ الْجَزُورَ ثُمَّ نَزَّلَهُمْ حَتَّى صَغَّرَ إلَى مِثْلِ الْبَيْضَةِ فَإِذَا جَلَسَ الْإِمَامُ طُوِيَتْ الصُّحُفُ وَحَضَرُوا الذِّكْرَ } وَرَوَى الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ عَنْ سُمَيٌّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّانِيَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَقَرَةً وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ كَبْشًا أَقْرَنَ وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الرَّابِعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ دَجَاجَةً وَمِنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَضَرَتْ الْمَلَائِكَةُ يَسْتَمِعُونَ الذِّكْرَ } وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجْلَانَ عَنْ سُمَيٌّ وَفِيهِ { وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ دَجَاجَةً وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ عُصْفُورًا وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ بَيْضَةً } . ( الثَّانِيَةُ ) فِيهِ فَضْلُ التَّبْكِيرِ إلَى الْجُمُعَةِ لِمَا دَلَّ عَلَيْهِ مِنْ اعْتِنَاءِ الْمَلَائِكَةِ بِكِتَابَةِ السَّابِقِ وَأَنَّ الْأَسْبَقَ أَكْثَرُ ثَوَابًا لِتَشْبِيهِ الْمُتَقَدِّمِ بِمُهْدِي الْبَدَنَةَ وَاَلَّذِي يَلِيهِ بِمُهْدِي مَا هُوَ دُونَهَا وَهِيَ الْبَقَرَةُ وَهَكَذَا وَبِهَذَا قَالَ الثَّوْرِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَابْنُ حَبِيبٍ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ وَالْجُمْهُورُ وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا فِي ابْتِدَاءِ ذَلِكَ طُلُوعُ الْفَجْرِ أَوْ طُلُوعُ الشَّمْسِ وَالْأَصَحُّ عِنْدَهُمْ طُلُوعُ الْفَجْرِ وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَكِنْ لَيْسَ الْعَمَلُ عَلَيْهِ فِي أَمْصَارِ الْإِسْلَامِ قَدِيمًا وَحَدِيثًا أَنْ يُبَكِّرَ لِلْجُمُعَةِ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَفِيهِ طُولٌ يُؤَدِّي إلَى انْتِقَاضِ الطَّهَارَةِ وَتَخَطِّي الرِّقَابِ وَصَحَّحَ الْمَاوَرْدِيُّ أَنَّ التَّبْكِيرَ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِيَكُونَ مَا قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ زَمَانُ غُسْلٍ وَتَأَهُّبٍ قَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ وَيُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَيُجْزِئُهُ غُسْلُهُ لَهَا إذَا كَانَ بَعْدَ الْفَجْرِ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَأَهْلُ عِلْمِ الْمِيقَاتِ يَجْعَلُونَ ابْتِدَاءَ سَاعَاتِ ============ج10 10 10 ======================= اتصل بنا | Other languages | الصفحة الرئيسية مكتبة القرآن مكتبة علوم القران مكتبة الحديث مكتبة العقيدة مكتبة الفقه مكتبة التاريخ مكتبة الأدب المكتبة العامة كتاب : طرح التثريب المؤلف : زَيْنُ الدِّينِ عَبْدُ الرَّحِيمِ الْعِرَاقِيُّ النَّهَارِ مِنْ طُلُوعِ الشَّمْسِ وَيَجْعَلُونَ مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَالشَّمْسِ مِنْ حِسَابِ اللَّيْلِ وَاسْتِوَاءُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ عِنْدَهُمْ إذَا تَسَاوَى مَا بَيْنَ غُرُوبِ الشَّمْسِ وَطُلُوعِهَا وَمَا بَيْنَ طُلُوعِهَا وَغُرُوبِهَا انْتَهَى وَذَهَبَ مَالِكٌ وَأَكْثَرُ أَصْحَابِهِ إلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ تَأْخِيرُ الذَّهَابِ إلَى الْجُمُعَةِ إلَى الزَّوَالِ وَقَالَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا الْقَاضِي الْحُسَيْنُ وَإِمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَلِأَصْحَابِنَا وَجْهٌ رَابِعٌ أَنَّ التَّبْكِيرَ إلَى الْجُمُعَةِ مِنْ ارْتِفَاعِ النَّهَارِ حَكَاهُ الصَّيْدَلَانِيُّ فِي شَرْحِ الْمُخْتَصَرِ وَزَعَمَ قَائِلُهُ أَنَّ هَذَا وَقْتُ التَّهْجِيرِ وَمِمَّا يَرُدُّ مَا ذَكَرَهُ الْمَالِكِيَّةُ فِي ذَلِكَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَخْرُجُ إلَى الْجُمُعَةِ مُتَّصِلًا بِالزَّوَالِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ } وَقَدْ أَخْبَرَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنَّهُ إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ لَمْ يَكْتُبُوا أَحَدًا بَلْ يَطْوُونَ الصُّحُفَ وَيَجْلِسُونَ لِاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ فَكَيْفَ يُمْكِنُ مَعَ ذَلِكَ بَعْدَ الزَّوَالِ كِتَابَةُ النَّاسِ عَلَى هَذِهِ الْمَرَاتِبِ الْمَذْكُورَةِ فِي الْحَدِيثِ قَبْلَ خُرُوجِ الْإِمَامِ مَعَ أَنَّ خُرُوجَهُ مُقَارِنٌ لِلزَّوَالِ وَمَا كَانَ يُؤَذَّنُ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ إلَّا بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ؟ . ( الثَّالِثَةُ ) تَعَلَّقَ الْمَالِكِيَّةُ مِنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَمْرَيْنِ : أَحَدُهُمَا قَوْلُهُ فِيهِ يَكْتُبُونَ الْأَوَّلَ فَالْأَوَّلَ فَأَتَى بِالْفَاءِ الْمُقْتَضِيَةِ لِلتَّرْتِيبِ بِلَا مُهْلَةٍ فَاقْتَضَى تَعْقِيبَ الثَّانِي لِلْأَوَّلِ وَكَذَا مَنْ بَعْدَهُ وَلَوْ كَانَ كَمَا يَقُولُهُ الْجُمْهُورُ مِنْ اعْتِبَارِ أَوَّلِ النَّهَارِ وَتَقْسِيمِهِ إلَى سِتِّ سَاعَاتٍ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ النَّهَارِ لَمْ يَكُنْ الْآتِي فِي أَوَّلِ سَاعَةٍ يَعْقُبُهُ الْآتِي فِي أَوَّلِ الَّتِي تَلِيهَا وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ لَا نِزَاعَ فِي أَنَّهُمْ يَكْتُبُونَ مَنْ جَاءَ أَوَّلًا وَمَنْ جَاءَ عَقِبَهُ وَهَكَذَا وَهُوَ إنَّمَا أَتَى بِالْفَاءِ فِي كِتَابَةِ الْآتِينَ وَأَمَّا مِقْدَارُ الثَّوْبِ فَلَمْ يَأْتِ فِيهِ بِالْفَاءِ ( ثَانِيهِمَا ) قَوْلُهُ الْمُهَجِّرُ وَالتَّهْجِيرُ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْهَاجِرَةِ وَهِيَ شِدَّةُ الْحَرِّ وَذَلِكَ لَا يَكُونُ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ كَوْنَ التَّهْجِيرِ مَعْنَاهُ الْإِتْيَانُ فِي الْهَجِيرِ وَهُوَ شِدَّةُ الْحَرِّ قَوْلٌ مَحْكِيٌّ عَنْ الْفَرَّاءِ وَغَيْرِهِ وَاَلَّذِي قَالَهُ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ وَغَيْرُهُ مِنْ أَهْلِ اللُّغَةِ أَنَّ التَّهْجِيرَ التَّبْكِيرُ فَإِنْ ثَبَتَ اشْتِرَاكُ اللَّفْظِ بَيْنَ الْمَعْنَيَيْنِ فَالْحَمْلُ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى الثَّانِي أَوْلَى لِيُوَافِقَ غَيْرَهُ مِنْ الْأَحَادِيثِ ( ثَانِيهِمَا ) أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمُهَجِّرِ مَنْ هَجَرَ مَنْزِلَهُ وَتَرَكَهُ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ قَالَهُ بَعْضُ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَأَقْوَى مُعْتَمَدِ مَالِكٍ فِي كَرَاهِيَةِ الْبُكُورِ إلَيْهَا عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْمُتَّصِلُ بِتَرْكِ ذَلِكَ وَسَعْيُهُمْ إلَيْهَا قُرْبَ صَلَاتِهَا وَهَذَا نَقْلٌ مَعْلُومٌ غَيْرُ مُنْكَرٍ عِنْدَهُمْ وَلَا مَعْمُولَ بِغَيْرِهِ وَمَا كَانَ أَهْلُ عَصْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِمَّنْ يَتْرُكُ الْأَفْضَلَ إلَى غَيْرِهِ وَيَتَمَالَئُونَ عَلَى الْعَمَلِ بِأَقَلِّ الدَّرَجَاتِ وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَيْضًا أَنَّ عَمَلَ أَهْلِ الْمَدِينَةِ يَشْهَدُ لَهُ انْتَهَى وَمَا أَدْرِي أَيْنَ الْعَمَلُ الَّذِي يَشْهَدُ لَهُ وَعُمَرُ يُنْكِرُ عَلَى عُثْمَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ التَّخَلُّفَ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَنْدُبُ إلَى التَّبْكِيرِ فِي أَحَادِيثَ كَثِيرَةٍ مِنْهَا أَحَادِيثُ أَوْسِ بْنِ أَوْسِ بْنِ بَكْرٍ وَابْتَكَرَ وَفِي آخِرِهِ كَانَ لَهُ بِكُلِّ خُطْوَةٍ عَمَلُ سَنَةٍ أَجْرُ صِيَامِهَا وَقِيَامِهَا وَهُوَ فِي السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ وَصَحِيحَيْ ابْنِ حِبَّانَ وَالْحَاكِمِ وَقَدْ أَنْكَرَ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ عَلَى مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَقَالَ الْأَثْرَمُ قِيلَ لِأَحْمَدَ كَانَ مَالِكٌ يَقُولُ لَا يَنْبَغِي التَّهْجِيرُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ هَذَا خِلَافُ حَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ سُبْحَانَ اللَّهِ إلَى أَيِّ شَيْءٍ ذَهَبَ فِي هَذَا وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { كَالْمُهْدِي جَزُورًا } وَأَنْكَرَ عَلَى مَالِكٍ أَيْضًا ابْنُ حَبِيبٍ إنْكَارًا بَلِيغًا فَقَالَ هَذَا تَحْرِيفٌ فِي تَأْوِيلِ الْحَدِيثِ وَمُحَالٌ مِنْ وُجُوهٍ لِأَنَّهُ لَا تَكُونُ سَاعَاتٌ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ فَشَرْحُ الْحَدِيثِ بَيِّنٌ فِي لَفْظِهِ وَلَكِنَّهُ حُرِّفَ عَنْ مَوْضِعِهِ وَشُرِحَ بِالْخُلْفِ مِنْ الْقَوْلِ وَزُهِدَ فِيمَا رَغَّبَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ التَّهْجِيرِ فِي أَوَّلِ النَّهَارِ وَزَعَمَ أَنَّ ذَلِكَ كُلَّهُ إنَّمَا يَجْتَمِعُ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ قُرْبَ زَوَالِ الشَّمْسِ حَكَاهُ عَنْ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ هَذَا مِنْهُ تَحَامُلٌ عَلَى مَالِكٍ . ( الرَّابِعَةُ ) قَدْ يُسْتَدَلُّ بِعُمُومِهِ عَلَى اسْتِحْبَابِ التَّبْكِيرِ لِلْخَطِيبِ أَيْضًا لَكِنْ يُنَافِيهِ قَوْلُهُ فِي آخِرِهِ فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طُوِيَتْ الصُّحُفُ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَخْرُجُ إلَّا بَعْدَ انْقِضَاءِ وَقْتِ التَّبْكِيرِ الْمُسْتَحَبِّ فِي حَقِّ غَيْرِهِ وَقَدْ قَالَ الْمَاوَرْدِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا يُخْتَارُ لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْتِيَ الْجُمُعَةَ فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُقَامُ فِيهِ الصَّلَاةُ وَلَا يُبَكِّرُ اتِّبَاعًا لِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاقْتِدَاءً بِالْخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ قَالَ وَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ مِنْ أَقْرَبِ أَبْوَابِهِ إلَى الْمِنْبَرِ انْتَهَى . ( الْخَامِسَةُ ) فِيهِ أَنَّ مَرَاتِبَ النَّاسِ فِي الْفَضِيلَةِ فِي الْجُمُعَةِ وَغَيْرِهَا بِحَسَبِ أَعْمَالِهِمْ وَهُوَ مِنْ بَابِ قَوْله تَعَالَى { إنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } وَرَوَى ابْنُ مَاجَهْ عَنْ عَلْقَمَةَ قَالَ { خَرَجْت مَعَ عَبْدِ اللَّهِ إلَى الْجُمُعَةِ فَوَجَدَ ثَلَاثَةً قَدْ سَبَقُوهُ فَقَالَ رَابِعُ أَرْبَعَةٍ وَمَا رَابِعُ أَرْبَعَةٍ بِبَعِيدٍ إنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إنَّ النَّاسَ يَجْلِسُونَ مِنْ اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى قَدْرِ رَوَاحِهِمْ إلَى الْجُمُعَةِ الْأَوَّلُ وَالثَّانِي وَالثَّالِثُ ثُمَّ قَالَ رَابِعُ أَرْبَعَةٍ وَمَا رَابِعُ أَرْبَعَةٍ بِبَعِيدٍ } . ( السَّادِسَةُ ) هَؤُلَاءِ الْمَلَائِكَةُ وَظِيفَتُهُمْ كِتَابَةُ حَاضِرِي الْجُمُعَةِ وَهُمْ غَيْرُ الْحَفَظَةِ كَذَا نَقَلَهُ النَّوَوِيُّ وَغَيْرُهُ وَاسْتَدَلَّ لَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ بِقَوْلِهِ فَإِذَا خَرَجَ الْإِمَامُ طُوِيَتْ الصُّحُفُ وَالْمُرَادُ مَا ذَكَرَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ وَغَيْرُهُ صُحُفُ الْمُتَسَابِقِينَ الْمُبَكِّرِينَ وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ عَنْ أَبِي غَالِبٍ قُلْت يَا أَبَا أُمَامَةَ لَيْسَ لِمَنْ جَاءَ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ جُمُعَةٌ ؟ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لَيْسَ مِمَّنْ يُكْتَبُ فِي الصُّحُفِ وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ { فَمَنْ جَاءَ بَعْدَ ذَلِكَ فَإِنَّمَا يَجِيءُ لِحَقِّ الصَّلَاةِ } . ( السَّابِعَةُ ) رَتَّبَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ السَّابِقِينَ إلَى الْجُمُعَةِ عَلَى خَمْسَةِ مَرَاتِبَ أَوَّلُهَا كَمُهْدِي الْبَدَنَةِ وَالثَّانِي كَمُهْدِي الْبَقَرَةِ وَالثَّالِثُ كَمُهْدِي الْكَبْشِ وَالرَّابِعُ كَمُهْدِي الدَّجَاجَةِ وَالْخَامِسُ كَمُهْدِي الْبَيْضَةِ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهَا فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى تَرْتِيبُ هَذِهِ الْمَرَاتِبِ عَلَى خَمْسِ سَاعَاتٍ فَقَالَ الْجُمْهُورُ الْمُرَادُ بِهَذِهِ السَّاعَاتِ الْأَجْزَاءُ الزَّمَانِيَّةُ الَّتِي يُقَسَّمُ النَّهَارُ مِنْهَا عَلَى اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُنَا هَلْ يَكُونُ ابْتِدَاؤُهَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ أَوْ الشَّمْسِ وَالصَّحِيحُ عِنْدَهُمْ مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ وَفِيهِ مَا تَقَدَّمَ وَقَالَ الْمَالِكِيَّةُ الْمُرَادُ بِهَا لَحَظَاتٌ لَطِيفَةٌ بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ وَهُوَ خِلَافُ ظَاهِرِ اللَّفْظِ وَالْمُتَبَادِرِ إلَى الْفَهْمِ مِنْهُ فَإِنَّ الْمَفْهُومَ مِنْهُ إنَّمَا هُوَ السَّاعَاتُ الْمَعْرُوفَةُ قَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ يَوْمُ { الْجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً فَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً } الْحَدِيثَ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ هَكَذَا نَعَمْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً } الْحَدِيثُ فِي سَاعَةِ الْإِجَابَةِ وَفِيهِ { فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ } وَهُوَ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ فَقَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ { : يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً } لَكِنْ لَا فِي مَعْرِضِ التَّبْكِيرِ بَلْ فِي مَعْرِضِ سَاعَةِ الْإِجَابَةِ لَكِنَّهُ يُسْتَأْنَسُ بِهِ فِي التَّبْكِيرِ أَيْضًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَمِمَّا يَرُدُّ عَلَى الْمَالِكِيَّةِ فِي ذَلِكَ أَنَّا إذَا خَرَجْنَا عَنْ السَّاعَاتِ الزَّمَانِيَّةِ لَمْ يَبْقَ لَنَا مُرَادٌ يَنْقَسِمُ فِيهِ الْحَالُ إلَى خَمْسِ مَرَاتِبَ بَلْ يَكُونُ مُقْتَضَاهُ تَفَاوُتُ الْفَضْلِ بِحَسَبِ تَفَاوُتِ السَّبَقِ وَيَتَأَتَّى مِنْ هَذَا مَرَاتِبُ كَثِيرَةٌ جِدًّا ذَكَرَهُ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ بِمَعْنَاهُ ثُمَّ قَالَ فَإِنْ قُلْت يُجْعَلُ الْوَقْتُ مِنْ التَّهْجِيرِ مُقَسَّمًا عَلَى خَمْسَةِ أَجْزَاءٍ وَيَكُونُ ذَلِكَ مُرَادًا قُلْت يُشْكِلُ ذَلِكَ لِوَجْهَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّ الرُّجُوعَ إلَى مَا تَقَرَّرَ مِنْ تَقْسِيمِ السَّاعَاتِ إلَى اثْنَيْ عَشْرَ أَوْلَى . ( الثَّانِي ) أَنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّ التَّهْجِيرَ أَفْضَلُ لَا يَقُولُونَ بِذَلِكَ عَلَى هَذِهِ الْقِسْمَةِ فَإِنَّ الْقَائِلَ قَائِلَانِ قَائِلٌ يَقُولُ بِتَرْتِيبِ مَنَازِلِ السَّابِقِينَ عَلَى غَيْرِ تَقْسِيمِ الْأَجْزَاءِ الْخَمْسَةِ وَقَائِلٌ يَقُولُ بِتَقْسِيمِ الْأَجْزَاءِ سِتَّةً إلَى الزَّوَالِ فَالْقَوْلُ بِتَقْسِيمِ هَذَا الْوَقْتِ إلَى خَمْسَةٍ إلَى الزَّوَالِ مُخَالِفٌ لِلْكُلِّ وَإِنْ كَانَ قَدْ قَالَ بِهِ قَائِلٌ فَلْيُكْتَفَ بِالْوَجْهِ الْأَوَّلِ انْتَهَى وَاعْتَرَضَ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى مَا ذَكَرْنَاهُ بِأُمُورٍ ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ لَا يَصِحُّ حَمْلُ الْحَدِيثِ عَلَى السَّاعَاتِ الِاثْنَيْ عَشْرَةَ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَقْتَضِي أَنَّهُ بَعْدَ السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ يَخْرُجُ الْإِمَامُ وَتَطْوِي الْمَلَائِكَةُ الصُّحُفَ لِاسْتِمَاعِ الذِّكْرِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ خُرُوجَ الْإِمَامِ إنَّمَا يَكُونُ بَعْدَ السَّادِسَةِ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّهُ وَرَدَ ذِكْرُ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ فَفِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ بَعْدَ الْكَبْشِ دَجَاجَةٌ ثُمَّ عُصْفُورٌ ثُمَّ بَيْضَةٌ وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ بَعْدَ الْكَبْشِ بَطَّةٌ ثُمَّ دَجَاجَةٌ ثُمَّ بَيْضَةٌ وَقَدْ ذَكَرْتُهُمَا فِي الْفَائِدَةِ الْأُولَى وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ هَاتَانِ الرِّوَايَتَانِ وَإِنْ صَحَّ إسْنَادُهُمَا فَقَدْ يُقَالُ هُمَا شَاذَّتَانِ لِمُخَالَفَتِهِمَا الرِّوَايَاتِ الْمَشْهُورَةِ انْتَهَى قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ وَفَائِدَةُ ذِكْرِ الْبَطَّةِ أَنَّهُ حَيَوَانٌ مُتَوَحِّشٌ لَا يُوصَلُ إلَيْهِ إلَّا بِصَيْدٍ وَكُلْفَةٍ فَكَانَ أَفْضَلَ مِنْ الدَّجَاجَةِ فِي التَّقَرُّبِ بِهِ قُلْت الظَّاهِرُ أَنَّهُ لَمْ يَفْضُلْ بِالْكُلْفَةِ فِي صَيْدِهِ بَلْ بِكَوْنِهِ أَكْبَرَ وَأَكْثَرَ لَحْمًا وَجَمَعَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بَيْنَ الْبَطَّةِ وَالْعُصْفُورِ فَقَالَ جَعَلَ مَرَاتِبَ الرَّوَاحِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ سَبْعَةً بَدَنَةٌ ثُمَّ بَقَرَةٌ ثُمَّ شَاةٌ ثُمَّ بَطَّةٌ ثُمَّ دَجَاجَةٌ ثُمَّ عُصْفُورٌ ثُمَّ بَيْضَةٌ انْتَهَى وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّهُ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَهَا هَكَذَا فِي حَدِيثٍ وَاحِدٍ وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْبَطَّةَ فِي حَدِيثٍ وَالْعُصْفُورَ فِي آخَرَ لَكِنَّ ابْنَ الْعَرَبِيِّ لَمْ يَعْزُ هَذَا لِلنَّسَائِيِّ فَلَعَلَّهُ اطَّلَعَ عَلَيْهِ فِي كِتَابٍ آخَرَ لَمْ نَقِفْ عَلَيْهِ وَقَدْ رَأَيْت فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ مِنْ طَرِيقِ بِشْرِ بْنِ عَوْنٍ عَنْ بَكَّارَ بْنِ تَمِيمٍ عَنْ مَكْحُولٍ عَنْ وَاثِلَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَبْعَثُ الْمَلَائِكَةَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ عَلَى أَبْوَابِ الْمَسْجِدِ يَكْتُبُونَ الْقَوْمَ الْأَوَّلَ وَالثَّانِيَ وَالثَّالِثَ وَالرَّابِعَ وَالْخَامِسَ وَالسَّادِسَ فَإِذَا بَلَغُوا السَّابِعَةَ كَانُوا بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَرَّبَ الْعَصَافِيرَ } وَبَكَّارُ بْنُ تَمِيمٍ مَجْهُولٌ وَبِشْرُ بْنُ عَوْنٍ رُوِيَ عَنْهُ نُسْخَةً بِهَذَا الْإِسْنَادِ نَحْوُ مِائَةِ حَدِيثٍ كُلُّهَا مَوْضُوعَةٌ قَالَ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ فَإِنْ ثَبَتَ هَذَا فَتَكُونُ الْمَلَائِكَةُ تَكْتُبُ الْآتِي فِي السَّاعَةِ السَّابِعَةِ أَيْضًا لَكِنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِقَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُمْ يَطْوُونَ الصُّحُفَ عِنْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ وَقَدْ كَانَ خُرُوجُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي أَوَّلِ السَّابِعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ وَعَلَى تَقْدِيرِ أَنْ لَا تَصِحَّ رِوَايَةُ النَّسَائِيّ الَّتِي تَقْتَضِي السَّاعَةَ السَّادِسَةَ فَلَا مَحْذُورَ فِي أَنْ لَا تَكْتُبَ أَهْلَ السَّاعَةِ السَّادِسَةِ فِي السَّابِقِينَ وَالْفَضْلُ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ ( الْأَمْرُ الثَّانِي ) قَالُوا مُقْتَضَى الْحَمْلِ عَلَى السَّاعَاتِ الزَّمَانِيَّةِ أَنْ تَتَسَاوَى مَرَاتِبُ النَّاسِ فِي كُلِّ سَاعَةٍ فَمَنْ أَتَى فِي السَّاعَةِ الْأُولَى كَانَ كَمَنْ قَرَّبَ بَدَنَةً سَوَاءٌ أَكَانَ مَجِيئُهُ فِي أَوَّلِ السَّاعَةِ أَوْ فِي آخِرِهَا وَهَذَا خِلَافُ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ الْأَدِلَّةُ أَنَّ السَّابِقَ لَا يُسَاوِيهِ مَنْ جَاءَ بَعْدَهُ وَالْجَوَابُ أَنَّ مَنْ جَاءَ فِي أَوَّلِ السَّاعَةِ وَمَنْ جَاءَ فِي آخِرِهَا وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي تَحْصِيلِ الْبَدَنَةِ مَثَلًا لَكِنَّ بَدَنَةَ الْأَوَّلِ أَكْمَلُ فَيَكُونُ التَّفَاوُتُ فِي السَّاعَةِ الْوَاحِدَةِ بِحَسَبِ الصِّفَاتِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ لِلنَّسَائِيِّ { وَالنَّاسُ فِيهِ كَرَجُلٍ قَدَّمَ بَدَنَةً وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ بَدَنَةً } وَكَذَا كَرَّرَ سَائِرَ الْمَذْكُورَاتِ بَعْدَ الْبَدَنَةِ إشَارَةً إلَى أَنَّ الْآتِيَيْنِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْ اشْتَرَكَا فِي التَّقَرُّبِ بِمُسَمَّى الْبَدَنَةِ اخْتَلَفَا مِنْ جِهَةِ أَنَّ بَدَنَةَ السَّابِقِ أَعْظَمُ مِنْ بَدَنَةِ الْمُتَأَخِّرِ وَهَذَا كَمَا أَنَّ صَلَاةَ الْجُمُعَةِ تُضَاعَفُ سَبْعًا وَعِشْرِينَ دَرَجَةً مَعَ صِدْقِ الْجَمَاعَةِ بِالْإِمَامِ وَالْمَأْمُومِ وَبِالْعَدَدِ الْكَثِيرِ وَذَاتُ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ أَفْضَلُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { وَمَا كَثُرَ فَهُوَ أَحَبُّ إلَى اللَّهِ } فَفَضْلُ ذَاتِ الْعَدَدِ الْكَثِيرِ عَلَى ذَاتِ الْعَدَدِ الْقَلِيلِ بِكِبَرِ الدَّرَجَةِ مَعَ اشْتِرَاكِ الْكُلِّ فِي سَبْعٍ وَعِشْرِينَ دَرَجَةً وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . الْأَمْرُ الثَّالِثُ أَنَّهُ عَبَّرَ فِي تِلْكَ الرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا تَرْتِيبُ السَّابِقِينَ عَلَى خَمْسِ سَاعَاتٍ بِقَوْلِهِ ثُمَّ رَاحَ وَالرَّوَاحُ لَا يَكُونُ إلَّا بَعْدَ الزَّوَالِ كَمَا ذَكَرَهُ الْجَوْهَرِيُّ وَغَيْرُهُ وَالْجَوَابُ عَنْهُ أَنَّ الرَّوَاحَ يُسْتَعْمَلُ لُغَةً فِي الذَّهَابِ فِي أَيِّ وَقْتٍ كَانَ كَمَا ذَكَرَهُ الْأَزْهَرِيُّ وَالْحَمْلُ عَلَيْهِ هُنَا أَرْجَحُ لِتَعْدَادِهِ هَذِهِ السَّاعَاتِ فَإِنَّهُ لَا يُتَصَوَّرُ بَعْدَ الزَّوَالِ خَمْسٌ مِنْهَا وَبِتَقْدِيرِ أَنْ تُحْمَلَ عَلَى الْمَعْنَى الْأَوَّلِ وَهُوَ اخْتِصَاصُ الرَّوَاحِ بِمَا بَعْدَ الزَّوَالِ فَيُمْكِنُ أَنْ يُسَمَّى الْقَاصِدُ إلَى الْجُمُعَةِ رَائِحًا وَإِنْ كَانَ قَبْلَ الزَّوَالِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ قَصَدَ مَا يُفْعَلُ بَعْدَ الزَّوَالِ وَهُوَ وَقْتُ الرَّوَاحِ كَمَا يُقَالُ لِقَاصِدِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يَحُجَّ حَاجٌّ وَلِلْمُتَسَاوِمَيْنِ مُتَبَايِعَانِ وَمِثْلُ هَذَا الِاسْتِعْمَالِ لَا يُنْكَرُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الرَّافِعِيُّ بَعْدَ حِكَايَةِ الْخِلَافِ فِي ابْتِدَاءِ زَمَنِ التَّبْكِيرِ وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِنْ السَّاعَاتِ عَلَى اخْتِلَافِ الْوُجُوهِ الْأَرْبَعِ وَالْعِشْرِينَ الَّتِي قُسِّمَ الْيَوْمُ وَاللَّيْلَةُ عَلَيْهَا وَإِنَّمَا الْمُرَادُ تَرْتِيبُ الدَّرَجَاتِ وَفَضْلُ السَّابِقِ عَلَى الَّذِي يَلِيهِ وَاحْتَجَّ الْقَفَّالُ عَلَيْهِ بِوَجْهَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ لَوْ كَانَ الْمُرَادُ السَّاعَاتِ الْمَذْكُورَةَ لَاسْتَوَى الْجَائِيَانِ فِي الْفَضْلِ فِي سَاعَةٍ وَاحِدَةٍ مَعَ تَعَاقُبِهِمَا فِي الْمَجِيءِ ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ لَوْ كَانَ كَذَلِكَ لَاخْتَلَفَ الْأَمْرُ بِالْيَوْمِ الشَّاتِي وَالصَّائِفِ وَلِتَفَاوُتِ الْجُمُعَةِ فِي الْيَوْمِ الشَّاتِي لِمَنْ جَاءَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ وَتَبِعَهُ عَلَى ذَلِكَ النَّوَوِيُّ فِي الرَّوْضَةِ لَكِنَّهُ خَالَفَهُ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فَقَالَ فِيهِ الْمُرَادُ بِالسَّاعَةِ السَّاعَاتُ الْمَعْرُوفَةُ خِلَافًا لِمَا قَالَهُ الرَّافِعِيُّ وَلَكِنَّ بَدَنَةَ الْأَوَّلِ أَكْمَلُ مِنْ بَدَنَةِ الثَّانِي كَمَا يَقُولُ فِي السَّبْعِ وَالْعِشْرِينَ دَرَجَةً إنَّهَا تَتَرَتَّبُ عَلَى مُسَمَّى الْجَمَاعَةِ وَلَكِنَّ دَرَجَاتِ الْأَكْثَرِ جَمَاعَةً تَكُونُ أَكْمَلَ مِنْ الْأَقَلِّ انْتَهَى وَهَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ جَوَابٌ عَنْ احْتِجَاجِ الْقَفَّالِ الْأَوَّلِ وَالْجَوَابُ عَنْ احْتِجَاجِهِ الثَّانِي مَا أَجَابَ بِهِ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ فَقَالَ أَهْلُ الْمِيقَاتِ لَهُمْ اصْطِلَاحَانِ فِي السَّاعَاتِ فَالسَّاعَاتُ الزَّمَانِيَّةُ كُلُّ سَاعَةٍ مِنْهَا خَمْسَ عَشْرَةَ دَرَجَةً وَالسَّاعَاتُ الْآفَاقِيَّةُ يَخْتَلِفُ قَدْرُهَا بِاخْتِلَافِ طُولِ الْأَيَّامِ وَقِصَرِهَا فِي الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ فَالنَّهَارُ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً وَمِقْدَارُ السَّاعَةِ يَزِيدُ وَيَنْقُصُ وَيَشْهَدُ لِهَذَا الِاصْطِلَاحِ الثَّانِي قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { يَوْمُ الْجُمُعَةِ اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً } كَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ فَلَمْ يُفَرِّقْ بَيْنَ الصَّيْفِ وَالشِّتَاءِ فَهُوَ دَائِمًا اثْنَتَا عَشْرَةَ سَاعَةً وَعَلَى هَذَا الثَّانِي تُحْمَلُ السَّاعَاتُ الْمَذْكُورَةُ فِي الْحَدِيثِ فَلَا يَلْزَمُ عَلَيْهِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ اخْتِلَافِ الْأَمْرِ بِالْيَوْمِ الشَّاتِي وَالصَّائِفِ وَمِنْ فَوَاتِ الْجُمُعَةِ فِي الشِّتَاءِ لِمَنْ جَاءَ فِي السَّاعَةِ الْخَامِسَةِ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ ثُمَّ بَعْدَ أَنْ خَطَرَ لِي هَذَا الْجَوَابُ رَأَيْته فِي كَلَامِ الْقَاضِي الْحُسَيْنِ فَحَكَى الْخِلَافَ فِي أَنَّ الِاعْتِبَارَ فِي حِيَازَةِ الْفَضِيلَةِ الَّتِي قَدَّرَهَا الشَّرْعُ تَجْعَلُ النَّهَارَ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ سَاعَةً صَيْفًا كَانَ أَوْ شِتَاءً وَالْمُقَدَّمُ يَكُونُ فِي إدْرَاكِ خَمْسِ سَاعَاتٍ مِنْهَا طَالَتْ فِي الصَّيْفِ أَوْ قَصُرَتْ فِي الشِّتَاءِ أَوْ الِاعْتِبَارُ فِي ذَلِكَ بِالسَّاعَاتِ الزَّمَانِيَّةِ وَإِنْ تَعَاقَبَتْ لَحَظَاتٌ وَأَنَّهُ لَيْسَ الْخِلَافُ فِي أَنَّ الْمُرَادَ بِالسَّاعَاتِ الَّتِي قُسِّمَ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ عَلَيْهَا شِتَاءً وَصَيْفًا عَلَى مَا يَعْتَقِدُهُ أَهْلُ الْحِسَابِ فَيَكُونُ نَهَارُ الشِّتَاءِ مِنْهَا تِسْعَ سَاعَاتٍ وَشَيْئًا وَنَهَارُ الصَّيْفِ مِنْهَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ سَاعَةً وَشَيْئًا فَإِنَّا لَوْ اعْتَبَرْنَا ذَلِكَ لَزِمَ مَا تَقَدَّمَ انْتَهَى . ( الثَّامِنَةُ ) أَطْلَقَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ أَنَّ الْمُهَجِّرَ إلَى الْجُمُعَةِ كَالْمُهْدِي بَدَنَةً وَقَيَّدَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَقَالَ : { مَنْ اغْتَسَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ غُسْلَ الْجَنَابَةِ ثُمَّ رَاحَ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً } فَاقْتَضَى هَذَا أَنَّ التَّهْجِيرَ إلَى الْجُمُعَةِ إنَّمَا يَكُونُ كَإِهْدَاءِ الْبَدَنَةِ وَكَذَا الْمَذْكُورَاتُ بَعْدَهُ بِشَرْطِ تَقَدُّمِ الِاغْتِسَالِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ وَالْقَاعِدَةُ حَمْلُ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ . ( التَّاسِعَةُ ) ذَكَرَ فِي الصِّحَاحِ وَالْمُحْكَمِ أَنَّ الْبَدَنَةَ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ مَا أُهْدِيَ إلَى مَكَّةَ وَكَذَا قَالَ فِي النِّهَايَةِ إنَّهَا تُطْلَقُ عَلَيْهِمَا قَالَ وَهِيَ بِالْإِبِلِ أَشْبَهُ وَذَكَرَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَنَّهَا تَخْتَصُّ بِالْإِبِلِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ جُمْهُورُ أَهْلِ اللُّغَةِ وَجَمَاعَةٌ مِنْ الْفُقَهَاءِ تَقَعُ عَلَى الْوَاحِدَةِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ وَخَصَّهَا جَمَاعَةٌ بِالْإِبِلِ وَالْمُرَادُ هُنَا الْإِبِلُ بِالِاتِّفَاقِ لِتَصْرِيحِ الْحَدِيثِ بِذَلِكَ انْتَهَى قَالُوا سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِعِظَمِ بَدَنِهَا لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُسَمِّنُونَهَا وَقَالَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ مِنْ أَئِمَّةِ أَصْحَابِنَا الْبَدَنَةُ فِي اللُّغَةِ الْإِبِلُ ثُمَّ الشَّرْعُ قَدْ يُقِيمُ مَقَامَهَا بَقَرَةً وَسَبْعًا مِنْ الْغَنَمِ وَاعْلَمْ أَنَّ الْبَدَنَةَ وَالْبَقَرَةَ يَقَعَانِ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى بِاتِّفَاقِ أَهْلِ اللُّغَةِ وَالْهَاءُ فِيهِمَا وَاحِدَةٌ كَقَمْحَةٍ وَشَعِيرَةٍ وَنَحْوِهِمَا مِنْ أَفْرَادِ الْجِنْسِ وَلَيْسَتْ لِلتَّأْنِيثِ وَأَمَّا الْكَبْشُ ؟ فِي الْمُحْكَمِ هُوَ فَحْلُ الضَّأْنِ فِي أَيِّ سِنٍّ كَانَ وَقِيلَ هُوَ كَبْشٌ إذَا أَثْنَى وَقِيلَ إذَا أَرْبَعَ وَالْجَمْعُ أَكْبُشٌ وَكِبَاشٌ وَالدَّجَاجَةُ بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا لُغَتَانِ مَشْهُورَتَانِ وَالْفَتْحُ أَفْصَحُ وَيَقَعُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى لِأَنَّ الْهَاءَ فِيهَا لِلْوَحْدَةِ لَا لِلتَّأْنِيثِ وَالْجَمْعُ دَجَاجٌ بِفَتْحِ الدَّالِ وَكَسْرِهَا وَدَجَائِجُ قَالَ فِي الْمُحْكَمِ سُمِّيَتْ بِذَلِكَ لِإِقْبَالِهَا وَإِدْبَارِهَا . ( الْعَاشِرَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ الْأَفْضَلَ فِي الْهَدْيِ وَالْأُضْحِيَّةِ الْإِبِلُ ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْغَنَمُ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَدَّمَ الْإِبِلَ وَجَعَلَ الْبَقَرَ فِي الدَّرَجَةِ الثَّانِيَةِ وَالْغَنَمَ فِي الثَّالِثَةِ وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي الْهَدْيِ وَقَالَ بِهِ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَيْضًا أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجُمْهُورُ وَقَالَ مَالِكٌ الْأَفْضَلُ فِي الْأُضْحِيَّةِ الْغَنَمُ ثُمَّ الْبَقَرُ ثُمَّ الْإِبِلُ وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّمَ الْإِبِلَ عَلَى الْبَقَرِ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ قَالُوا وَالْمَقْصُودُ فِي الْأَضَاحِيّ طِيبُ اللَّحْمِ وَفِي الْهَدَايَا كَثْرَةُ اللَّحْمِ وَاحْتَجُّوا بِأُمُورٍ : ( أَحَدُهَا ) قَوْله تَعَالَى { وَفَدَيْنَاهُ بِذَبْحٍ عَظِيمٍ } وَكَانَ كَبْشًا قَالَ بَعْضُهُمْ لَوْ عَلِمَ اللَّهُ حَيَوَانًا أَفْضَلَ مِنْ الْكَبْشِ لَفَدَى بِهِ إِسْحَاقُ وَوَرَدَ فِي حَدِيثٍ رَوَاهُ الْبَزَّارُ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ { عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ جِبْرِيلَ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي أَثْنَاءِ حَدِيثِ عَلِيٍّ اعْلَمْ يَا مُحَمَّدُ أَنَّ الْجَذَعَ مِنْ الضَّأْنِ خَيْرٌ مِنْ السَّيِّدِ مِنْ الْمَعْزِ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْإِبِلِ وَلَوْ عَلِمَ اللَّهُ ذِبْحًا خَيْرًا مِنْهُ لَفَدَى بِهِ إبْرَاهِيمُ ابْنَهُ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ } وَهَذَا الْحَدِيثُ لَا أَعْلَمُ لَهُ إسْنَادًا غَيْرَ هَذَا انْفَرَدَ بِهِ الْجُنَيْنِيُّ وَلَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ ( ثَانِيهَا ) أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ضَحَّى بِكَبْشَيْنِ فَلَوْ كَانَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ أَفْضَلُ لَمَا عَدَلَ عَنْهُمَا إلَى الْغَنَمِ ( ثَالِثُهَا ) أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ قَالَ { خَيْرُ الْأُضْحِيَّةِ الْكَبْشُ الْأَقْرَنُ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ وَالْجَوَابُ عَنْ الْأَوَّلِ مِنْ وَجْهَيْنِ : ( الْأَوَّلُ ) أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ كَوْنِ الْكَبْشِ عَظِيمًا أَنْ لَا يَكُونَ غَيْرُهُ مِنْ الْأَنْعَامِ وَغَيْرِهَا أَعْظَمَ مِنْهُ الثَّانِي لَوْ سَلِمَ ذَلِكَ فَهَذَا أَمْرٌ خَاصٌّ بِذَلِكَ الْكَبْشِ لِأَنَّهُ ذُكِرَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ رَعَى فِي الْجَنَّةِ أَرْبَعِينَ خَرِيفًا وَأَنَّهُ الَّذِي قَرَّبَهُ ابْنُ آدَمَ فَتُقُبِّلَ مِنْهُ وَرُفِعَ إلَى الْجَنَّةِ فَلِذَلِكَ قِيلَ فِيهِ عَظِيمٌ وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّانِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ تَضْحِيَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِكَبْشَيْنِ تَرْجِيحُ الْغَنَمِ لِأَمْرَيْنِ : ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ قَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ضَحَّى عَنْ نِسَائِهِ بِالْبَقَرِ } فَلَوْ دَلَّ تَضْحِيَتُهُ بِالْغَنَمِ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا لَدَلَّتْ تَضْحِيَتُهُ بِالْبَقَرِ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا وَيَتَعَارَضُ الْخَبَرَانِ ( ثَانِيهِمَا ) أَنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَهْدَى غَنَمًا } فَلَوْ دَلَّتْ تَضْحِيَتُهُ بِالْغَنَمِ عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا فِي الْأُضْحِيَّةِ لَدَلَّ إهْدَاؤُهُ لَهَا عَلَى أَفْضَلِيَّتِهَا فِي الْهَدَايَا وَلَيْسَ كَذَلِكَ بِالِاتِّفَاقِ كَمَا تَقَدَّمَ وَقَوْلُ الْقَاضِي عِيَاضٍ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا ضَحَّى بِالضَّأْنِ وَمَا كَانَ لِيَتْرُكَ الْأَفْضَلَ كَمَا لَمْ يَتْرُكْهُ فِي الْهَدَايَا فِيهِ نَظَرٌ لِمَا قَدَّمْنَاهُ أَنَّهُ ضَحَّى بِغَيْرِ الضَّأْنِ وَأَنَّهُ تَرَكَ الْأَفْضَلَ فِي حَقِّنَا فِي الْهَدَايَا فَأَهْدَى الْغَنَمَ وَكَانَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إذَا فَعَلَ الْعِبَادَةَ الْمَفْضُولَةَ كَانَتْ فِي حَقِّهِ فَاضِلَةً لِكَوْنِهِ يُبَيِّنُ بِذَلِكَ شَرْعِيَّتَهَا وَقَدْ تُحْمَلُ تَضْحِيَتُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِالْكَبْشَيْنِ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يَجِدْ ذَلِكَ الْوَقْتَ إلَّا الْغَنَمَ أَوْ أَنَّهُ فَعَلَهُ لِبَيَانِ الْجَوَازِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَالْجَوَابُ عَنْ الثَّالِثِ وَهُوَ أَقْوَى مَا اسْتَدَلُّوا بِهِ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى تَفْضِيلِ الْكَبْشِ عَلَى مُسَاوِيهِ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ فَإِنَّ الْبَدَنَةَ وَالْبَقَرَةَ كُلُّ مِنْهُمَا يُجْزِئُ عَنْ سَبْعَةٍ فَيَكُونُ الْمُرَادُ تَفْضِيلَ الْكَبْشِ عَلَى سُبْعِ بَدَنَةٍ وَسُبْعِ بَقَرَةٍ أَوْ تَفْضِيلَ سُبْعٍ مِنْ الْغَنَمِ عَلَى الْبَدَنَةِ وَالْبَقَرَةِ لِتَتَّفِقَ الْأَحَادِيثُ فَإِنَّ ظَاهِرَ الْحَدِيثِ الَّذِي نَحْنُ فِي شَرْحِهِ مُوَافِقٌ لِلْجُمْهُورِ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَدْ يُجَابُ بِأَنَّ الْمُرَادَ خَيْرُ الْأُضْحِيَّةِ بِالْغَنَمِ الْكَبْشُ قَالَ وَفِيهِ تَعَسُّفٌ انْتَهَى وَاحْتَجَّ الْجُمْهُورُ أَيْضًا بِقِيَاسِ الضَّحَايَا عَلَى الْهَدَايَا وَأَيْضًا فَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى { فَمَا اسْتَيْسَرَ مِنْ الْهَدْيِ } أَنَّ الْمُرَادَ شَاةٌ وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى نُقْصَانِ مَرْتَبَتِهَا عَنْ غَيْرِهَا مِنْ النَّعَمِ وَأَيْضًا فَإِنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ أَفْضَلِ الرِّقَابِ فَقَالَ أَعْلَاهَا ثَمَنًا وَأَنْفَسُهَا عِنْدَ أَهْلِهَا } وَلَا شَكَّ فِي أَنَّ الْإِبِلَ وَالْبَقَرَ أَنْفَسُ عِنْدَ النَّاسِ وَأَغْلَى ثَمَنًا مِنْ الْغَنَمِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ الْتَزَمَ هَدْيًا يَكْفِيهِ أَنْ يُخْرِجَ نَاقَةً أَوْ بَقَرَةً أَوْ شَاةً لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَطْلَقَ لَفْظَ الْهَدْيِ عَلَى الثَّلَاثَةِ وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى ذَلِكَ فِي الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ أَصْحَابُنَا فِي الْغَنَمِ أَيْضًا وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ أَجَازَ مَالِكٌ مَرَّةً الشَّاةَ وَمَرَّةً لَمْ يُجِزْهَا إلَّا أَنَّ مَنْ قَصَرَ النَّفَقَةَ عَلَى تَضْعِيفٍ مِنْهُ فِيهَا وَبَنَى الْقَاضِي الْخِلَافَ عَلَى أَنَّ الْغَنَمَ هَلْ هِيَ مِنْ الْهَدْيِ أَمْ لَا . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ مَنْ الْتَزَمَ هَدْيًا مُطْلَقًا يَكْفِيهِ إخْرَاجُ الدَّجَاجَةِ وَالْبَيْضَةِ أَيْضًا وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ وَيُنْسَبُ إلَى الْإِمْلَاءِ وَالْقَدِيمُ وَالصَّحِيحُ مِنْ مَذْهَبِهِ أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ النَّعَمُ وَهُوَ قَوْلُهُ فِي الْجَدِيدِ وَحَكَى عَنْ أَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَيَحْتَجُّ لِهَذَا بِأَنَّ مَعْنَى الْإِهْدَاءِ هُنَا التَّصْدِيقُ لَا بِقَيْدِ الصَّدَقَةِ الْمَخْصُوصَةِ وَالصَّدَقَةُ تَنْطَلِقُ عَلَى الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ مَبْنِيَّانِ عَلَى أَنَّ النَّذْرَ هَلْ يُسْلَكُ بِهِ مَسْلَكَ جَائِزِ الشَّرْعِ أَوْ وَاجِبِ الشَّرْعِ ؟ فَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَيُحْمَلُ النَّذْرُ عَلَى أَقَلِّ مَا يُتَقَرَّبُ بِهِ وَإِنْ قُلْنَا بِالثَّانِي حُمِلَ عَلَى أَقَلِّ مَا يَجِبُ مِنْ ذَلِكَ الْجِنْسِ وَهُوَ أَقَلُّ مُجْزِئٍ فِي الْأُضْحِيَّةِ قَالَ أَصْحَابُنَا وَصُورَةُ الْقَوْلَيْنِ أَنْ يَقُولَ لِلَّهِ عَلَيَّ هَدْيٌ أَوْ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ فَأَمَّا لَوْ قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ الْهَدْيَ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُجْرُوا فِيهِ الْخِلَافَ بَلْ جَزَمُوا بِانْصِرَافِ النَّذْرِ إلَى الْمَعْهُودِ شَرْعًا وَهُوَ الْمُجْزِئُ فِي الْأُضْحِيَّةِ وَأَجَابَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ بِأَنَّهُ لَمَّا عَطَفَهُ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ الْهَدَايَا أَعْطَاهُ حُكْمَهُ فِي اللَّفْظِ كَقَوْلِهِمْ مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا أَيْ وَحَامِلًا رُمْحًا فَكَأَنَّهُ قَالَ كَالْمُتَقَرِّبِ بِالصَّدَقَةِ بِدَجَاجَةٍ أَوْ بَيْضَةٍ وَأُطْلِقَ عَلَى ذَلِكَ اسْمُ الْهَدْيِ لِتَقَدُّمِهِ وَتَجْنِيسِ الْكَلَامِ بِهِ انْتَهَى . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ إذَا قَالَ لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أُهْدِيَ بَدَنَةً وَلَمْ يَذْكُرْ الْإِبِلَ لَفْظًا وَلَا نَوَاهَا أَنَّهُ يَتَعَيَّنُ الْإِبِلُ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ جَعَلَ فِي مُقَابَلَتِهَا الْبَقَرَةَ وَالْكَبْشَ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ لَا يَنْطَلِقُ عَلَيْهِمَا لِأَنَّ قَسِيمَ الشَّيْءِ لَا يَكُونُ قِسْمًا مِنْهُ وَفِي الْمَسْأَلَةِ لِأَصْحَابِنَا ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) تَعَيُّنُ الْإِبِلِ كَمَا ذَكَرْنَاهُ ( وَثَانِيهَا ) إجْزَاءُ بَقَرَةٍ وَسَبْعٍ مِنْ الْغَنَمِ أَيْضًا ( وَثَالِثُهَا ) وَهُوَ الْأَصَحُّ الَّذِي نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ تَعَيُّنُ الْإِبِلِ عِنْدَ وُجُودِهَا وَإِجْزَاءُ الْبَقَرَةِ عِنْدَ عَدَمِهَا وَإِجْزَاءُ الْغَنَمِ عِنْدَ عَدَمِهِمَا وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُ أَهْلِ اللُّغَةِ فِي تَفْسِيرِ الْبَدَنَةِ وَنَقَلَ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ عَطَاءٍ أَنَّ الْبُدْنَ لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ الْإِبِلِ وَحْدَهَا وَعَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ يَرَى الْبَقَرَ ؟ مِنْ الْبُدْنِ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) أَطْلَقَ فِي الْأُولَى ذِكْرَ الْبَدَنَةِ وَفِي الثَّانِيَةِ ذِكْرَ الْبَقَرَةِ وَلَمْ يُطْلِقْ فِي الثَّالِثَةِ ذِكْرَ الشَّاةِ بَلْ قَيَّدَ ذَلِكَ بِالْكَبْشِ وَتَقَدَّمَ مِنْ سُنَنِ النَّسَائِيّ وَكَرَجُلٍ قَدَّمَ شَاةً فَأَطْلَقَهَا كَمَا أَطْلَقَ الْبَدَنَةَ وَالْبَقَرَةَ وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ الْحَسَنِ عَنْ سَمُرَةَ بْنِ جُنْدَبٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ضَرَبَ مَثَلَ الْجُمُعَةِ ثُمَّ التَّبْكِيرِ كَتَاجِرِ الْبَدَنَةِ كَتَاجِرِ الْبَقَرَةِ كَتَاجِرِ الشَّاةِ حَتَّى ذَكَرَ الدَّجَاجَةَ وَلَا شَكَّ أَنَّ الْآتِينَ إلَى الْجُمُعَةِ فِي السَّاعَةِ الثَّالِثَةِ مُتَفَاوِتُونَ فَبَعْضُهُمْ كَمَنْ قَرَّبَ كَبْشًا وَبَعْضُهُمْ كَمَنْ قَدَّمَ دُونَ ذَلِكَ مِنْ أَنْوَاعِ الْغَنَمِ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ إجْزَاءُ الْجَذَعِ مِنْ الضَّأْنِ فِي الْهَدَايَا وَالضَّحَايَا وَهَذَا مَذْهَبُ الْأَئِمَّةِ الْأَرْبَعَةِ وَهَذَا بِنَاءً عَلَى مَا تَقَدَّمَ عَنْ صَاحِبِ الْمُحْكَمِ أَنَّ الْكَبْشَ فَحْلُ الضَّأْنِ فِي أَيِّ سِنٍّ كَانَ وَحُكِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ لَا يُجْزِئُ مِنْ الضَّأْنِ إلَّا الثَّنِيَّ كَغَيْرِهِ مِنْ الْمَعْزِ وَالْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْقَوْلِ الْآخَرِ أَنَّهُ لَا يُقَالُ لَهُ كَبْشٌ إلَّا إذَا أَثْنَى وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ { دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ صَلَّيْت ؟ قَالَ لَا ، قَالَ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ } وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ الرَّكْعَتَيْنِ وَزَادَ فِي رِوَايَةٍ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا ثُمَّ قَالَ { إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلْيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا } وَلَهُ { جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ } : وَلِابْنِ مَاجَهْ بِإِسْنَادٍ صَحِيحٍ { أَصْلَيْت رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ } . الْحَدِيثُ الْخَامِسُ وَعَنْ جَابِرٍ قَالَ { دَخَلَ رَجُلٌ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ فَقَالَ لَهُ صَلَّيْت قَالَ لَا قَالَ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ وَفِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ } وَفِي رِوَايَةٍ لَهُ { قُمْ فَصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ } وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الْأَئِمَّةُ الْخَمْسَةُ مِنْ طَرِيقِ حَمَّادِ بْنِ زَيْدٍ بِلَفْظِ { قُمْ فَارْكَعْ } وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ شُعْبَةَ بِلَفْظِ إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فَقَالَ : { إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَدْ خَرَجَ الْإِمَامُ فَلْيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ } لَفْظُ مُسْلِمٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ خَمْسَتُهُمْ عَنْ عَمْرِو بْنِ دِينَارٍ عَنْ جَابِرٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ أَنَّهُ قَالَ { جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَاعِدٌ عَلَى الْمِنْبَرِ فَقَعَدَ سُلَيْكٌ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَكَعْت رَكْعَتَيْنِ قَالَ لَا قَالَ قُمْ فَارْكَعْهُمَا } ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَأَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ { جَاءَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ بِمَعْنَاهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ فَارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَتَجَوَّزْ فِيهِمَا ثُمَّ قَالَ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ وَيَتَجَوَّزْ فِيهِمَا } لَفْظُ مُسْلِمٍ وَفِيهِ رِوَايَةُ ابْنِ مَاجَهْ { أَصْلَيْت رَكْعَتَيْنِ قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ } وَرَوَى ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ إِسْحَاقَ حَدَّثَنِي أَبَانُ بْنُ صَالِحٍ عَنْ مُجَاهِدٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ { دَخَلَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ الْمَسْجِدَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ النَّاسَ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ارْكَعْ رَكْعَتَيْنِ وَلَا تَعُودَنَّ لِمِثْلِ هَذَا فَرَكَعَهُمَا ثُمَّ جَلَسَ } قَالَ ابْنُ حِبَّانَ أَرَادَ بِهِ الْإِبْطَاءَ وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ مِنْ رِوَايَةِ مَنْصُورِ بْنِ أَبِي الْأَسْوَدِ عَنْ الْأَعْمَشِ عَنْ أَبِي سُفْيَانَ عَنْ جَابِرٍ قَالَ { دَخَلَ النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الْمِنْبَرِ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ تَجَوَّزْ فِيهِمَا فَإِذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلِيُصَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَلْيُخَفِّفْهُمَا } وَمَنْصُورُ بْنُ أَبِي الْأَسْوَدِ وَثَّقَهُ ابْنُ مَعِينٍ وَنَسَبَهُ لِلتَّشَيُّعِ وَقَالَ أَبُو حَاتِمٍ يُكْتَبُ حَدِيثُهُ . ( الثَّانِيَةُ ) قَدْ عَرَفْت اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ فِي هَذَا الرَّجُلِ الْمُبْهَمِ هَلْ هُوَ سُلَيْكٌ الْغَطَفَانِيُّ أَوْ النُّعْمَانُ بْنُ قَوْقَلٍ وَحَكَى ابْنُ بَشْكُوَالَ فِي الْمُبْهَمَاتِ قَوْلًا آخَرَ أَنَّهُ أَبُو هُدْبَةَ وَاَلَّذِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّهُ سُلَيْكٌ كَمَا تَقَدَّمَ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ لَا مَانِعَ مِنْ أَنْ يَكُونَانِ وَاقِعَتَيْنِ فَمَرَّةً مَعَ سُلَيْكٍ وَمَرَّةً مَعَ النُّعْمَانِ بْنِ قَوْقَلٍ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ لِلدَّاخِلِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ مَكْحُولٍ وَسُفْيَانِ بْنِ عُيَيْنَةَ وَالْمُقْرِئِ يَعْنِي أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالْحُمَيْدِيِّ وَإِسْحَاقَ وَأَبِي ثَوْرٍ وَطَائِفَةٍ مِنْ أَهْلِ الْحَدِيثِ وَقَالَ بِهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ وَأَبُو الْقَاسِمِ السُّيُورِيِّ عَنْ مَالِكٍ وَحَكَاهُ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ جُمْهُورِ أَصْحَابِ الْحَدِيثِ وَذَهَبَ آخَرُونَ إلَى أَنَّهُ لَا يَفْعَلُهَا وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَسُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ وَرَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَلِيٍّ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَسَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ وَمُجَاهِدٍ وَعَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَعُرْوَةَ بْن الزُّبَيْرِ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَشُرَيْحٍ الْقَاضِي وَالزُّهْرِيِّ وَعَنْ ثَعْلَبَةَ بْنِ أَبِي مَالِكٍ الْقُرْطُبِيِّ قَالَ أَدْرَكْت عُمَرَ وَعُثْمَانَ فَكَانَ الْإِمَامُ إذَا خَرَجَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ تَرَكْنَا الصَّلَاةَ ، وَبَيَّنَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ الْأَثَرَ عَنْ عَلِيٍّ لَمْ يَصِحَّ وَأَنَّهُ هُوَ وَالْمَذْكُورِينَ بَعْدَهُ لَيْسَ كَلَامُهُمْ صَرِيحًا فِي تَرْكِ التَّحِيَّةِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُرَادَهُمْ تَرْكُ الصَّلَاةِ لِمَنْ هُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ تَرْكَ التَّحِيَّةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ عَنْ عَطَاءِ بْنِ أَبِي رَبَاحٍ وَشُرَيْحٍ وَالنَّخَعِيِّ وَقَتَادَةَ وَاللَّيْثِ وَالثَّوْرِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ثُمَّ إنَّ الْقَائِلِينَ بِأَنَّهُ لَا يُصَلِّي التَّحِيَّةَ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ اقْتَصَرَ أَكْثَرُهُمْ عَلَى الْكَرَاهَةِ وَبِهِ جَزَمَ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي نَاقِلًا لَهُ عَنْ مَالِكٍ وَاللَّيْثِ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَطَائِفَةٍ مِنْ السَّلَفِ وَقَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَفْعَلُ وَهُوَ الصَّحِيحُ أَنَّ الصَّلَاةَ حَرَامٌ إذَا شَرَعَ الْإِمَامُ فِي الْخُطْبَةِ قَالَ وَالدَّلِيلُ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ وَسَنَحْكِيهَا عَنْهُ بَعْدَ ذَلِكَ وَذَهَبَ أَبُو مِجْلَزٍ لَاحِقُ بْنُ حُمَيْدٍ إلَّا أَنَّهُ مُخَيَّرٌ بَيْنَ فِعْلِ التَّحِيَّةِ وَتَرْكِهَا فَقَالَ إنْ شِئْت رَكَعْت رَكْعَتَيْنِ وَإِنْ شِئْت جَلَسْت رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ مَذَاهِبَ الِاسْتِحْبَابُ وَالْكَرَاهَةُ وَالتَّحْرِيمُ وَالتَّخْيِيرُ . ( الرَّابِعَةُ ) الْقَائِلُونَ بِسُقُوطِ التَّحِيَّةِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ مُحْتَاجُونَ إلَى الْجَوَابِ عَنْ هَذَا الْحَدِيثِ وَقَدْ أَجَابُوا عَنْهُ بِأَجْوِبَةٍ قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ بَعْدَ أَنْ اسْتَدَلَّ عَلَى التَّحْرِيمِ بِثَلَاثَةِ أَدِلَّةٍ : ( أَحَدُهَا ) قَوْله تَعَالَى { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمَعُوا لَهُ } قَالَ فَكَيْفَ يَتْرُكُ الْفَرْضَ الَّذِي شَرَعَ الْإِمَامُ فِيهِ إذَا دَخَلَ عَلَيْهِ فِيهِ وَيَشْتَغِلُ بِغَيْرِ فَرْضٍ . ( الثَّانِي ) قَالَ صَحَّ عَنْهُ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا قُلْت لِصَاحِبِك يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْت } فَإِذَا كَانَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ الْأَصْلَانِ الْمَفْرُوضَانِ الرُّكْنَانِ فِي الْمَسْأَلَةِ يَحْرُمَانِ فِي حَالَةِ الْخُطْبَةِ فَالنَّفَلُ أَوْلَى أَنْ يَحْرُمَ . ( الثَّالِثُ ) قَالَ لَوْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَرْكَعْ ، وَالْخُطْبَةُ صَلَاةٌ إذْ يَحْرُمُ فِيهِ مِنْ الْكَلَامِ وَالْعَمَلِ مَا يَحْرُمُ فِي الصَّلَاةِ قَالَ فَأَمَّا حَدِيثُ سُلَيْكٍ فَلَا تُعَارَضُ بِهِ هَذِهِ الْأُصُولُ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : ( أَحَدهَا ) أَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ تُعَارِضُهُ أَخْبَارٌ أَقْوَى مِنْهُ وَأُصُولٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَالشَّرِيعَةِ فَوَجَبَ تَرْكُهُ . ( الثَّانِي ) أَنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ فِي وَقْتٍ كَانَ الْكَلَامُ مُبَاحًا فِي الصَّلَاةِ لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ تَارِيخُهُ فَكَانَ مُبَاحًا فِي الْخُطْبَةِ فَلَمَّا حَرُمَ فِي الْخُطْبَةِ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ الَّذِي هُوَ آكَدُ فَرِيضَةٍ مِنْ الِاسْتِمَاعِ فَأَوْلَى أَنْ يَحْرُمَ مَا لَيْسَ بِفَرْضٍ . ( الثَّالِثُ ) أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَّمَ سُلَيْكًا وَقَالَ لَهُ قُمْ فَصَلِّ فَلَمَّا كَلَّمَهُ وَأَمَرَهُ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الِاسْتِمَاعِ إذَا لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ قَوْلُ ذَلِكَ الْوَقْتِ مِنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَّا مُخَاطَبَتُهُ لَهُ وَسُؤَالُهُ وَأَمْرُهُ وَهَذَا أَقْوَى فِي الْبَابِ . ( الرَّابِعُ ) أَنَّ سُلَيْكًا كَانَ ذَا بَذَّةٍ وَفَقْرٍ فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُشْهِرَهُ لِيَرَى فَيُغَيِّرَ مِنْهُ قَالَ وَأَمَّا فِعْلُ الْحَسَنُ فَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ خَطَبَ الْإِمَامُ بِمَا لَا يَجُوزُ فَبَادَرَ الْحَسَنُ إلَى الصَّلَاةِ قَالَ وَقَدْ رَأَيْنَا الزُّهَّادَ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ وَالْكُوفَةِ إذَا بَلَغَ الْإِمَامُ إلَى الدُّعَاءِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا قَامُوا فَصَلَّوْا وَرَأَيْتهمْ أَيْضًا يَتَكَلَّمُونَ مَعَ جُلَسَائِهِمْ فِيمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ أُمُورِهِمْ أَوْ فِي عِلْمٍ وَلَا يَصْغَوْنَ إلَيْهِمْ حِينَئِذٍ فَالِاشْتِغَالُ بِالطَّاعَةِ عَنْهُمْ وَاجِبٌ انْتَهَى قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَلَيْسَ فِيمَا احْتَجَّ بِهِ مِنْ الْأَوْجُهِ السَّبْعَةِ حُجَّةٌ لَهُ . ( الْأَوَّلُ ) احْتِجَاجُهُ بِالْآيَةِ وَلَا حُجَّةَ فِيهَا لِوُجُوهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّ الْمُتَكَلِّمَ سِرًّا مُنْصِتٌ بَلْ وَرَدَ وَصْفُهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ بِأَنَّهُ سَاكِتٌ وَذَلِكَ فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ { إذْ سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ سُكُوتُكَ بَيْنَ التَّكْبِيرِ وَالْقِرَاءَةِ مَا تَقُولُ فِيهِ فَقَالَ أَقُولُ اللَّهُمَّ } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فَسَمَّاهُ سَاكِتًا لِكَوْنِهِ مُسِرًّا . ( الثَّانِي ) أَنَّ الْخَطِيبَ لَيْسَ بِقَارِئٍ لِلْقُرْآنِ إلَّا فِي الْآيَةِ الَّتِي اُخْتُلِفَ فِي وُجُوبِهَا فِي الْخُطْبَةِ وَعَلَى تَقْدِيرِ كَوْنِهِ يَأْتِي بِالتَّحِيَّةِ فِي حَالَةِ قِرَاءَةِ الْخَطِيبِ الْآيَةَ مَعَ الْقَوْلِ بِوُجُوبِهَا فَإِنَّمَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ عَلَى الْعَدَدِ الَّذِينَ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ عَلَى الْخِلَافِ الْمَعْرُوفِ فِي ذَلِكَ وَعَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ الْإِنْصَاتِ عَلَى الْجَمْعِ فَلَا مَانِعَ مِنْ اسْتِمَاعِهِ وَإِنْصَاتِهِ فِي حَالِ قِرَاءَتِهِ سِرًّا . ( الثَّالِثُ ) بِتَقْدِيرِ حَمْلِ الْقُرْآنِ عَلَى جَمِيعِ الْخُطْبَةِ فَيَجُوزُ تَخْصِيصُ الْكِتَابِ بِالسُّنَّةِ عَلَى الصَّحِيحِ الَّذِي عَلَيْهِ جُمْهُورُ الْأُصُولِيِّينَ . ( الْوَجْهُ الثَّانِي ) اُسْتُدِلَّ لَهُ بِحَدِيثِ إذَا قُلْت لِصَاحِبِك الْحَدِيثَ فَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْمُتَكَلِّمِ بِحَيْثُ يَسْمَعُهُ غَيْرُهُ لِأَنَّ بِهِ يَحْصُلُ التَّشْوِيشُ عَلَى السَّامِعِينَ وَالْمُتَكَلِّمُ سِرًّا كَالدَّاعِي سِرًّا فَهُوَ مُنْصِتٌ بَلْ سَاكِتٌ كَمَا تَقَدَّمَ وَبِتَقْدِيرِ كَوْنِهِ غَيْرَ مُسْتَمِعٍ وَغَيْرَ مُنْصِتٍ فَحَدِيثُ الْبَابِ مُخَصِّصٌ لِذَلِكَ الْحَدِيثِ . ( الْوَجْهُ الثَّالِثُ ) أَنَّهُ لَوْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ لَمْ يَرْكَعْ وَالْخُطْبَةُ صَلَاةٌ مَرْدُودٌ مِنْ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهُ إذَا دَخَلَ وَالْإِمَامُ فِي الصَّلَاةِ أَجْزَأَهُ ذَلِكَ عَنْ التَّحِيَّةِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ شَغْلُ الْبُقْعَةِ بِالصَّلَاةِ وَقَدْ حَصَلَ صَرَّحَ بِهِ أَصْحَابُنَا . ( الثَّانِي ) مَا بَيْنَ الصَّلَاةِ وَالْخُطْبَةِ مِنْ الْفَرْقِ وَقَدْ فَرَّقَ بَيْنَهُمَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ { إذَا أُقِيمَتْ الصَّلَاةُ فَلَا صَلَاةَ إلَّا الْمَكْتُوبَةَ } وَأَمَرَ الدَّاخِلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ بِصَلَاةِ التَّحِيَّةِ فَلَا يُجْمَعُ بَيْنَ مَا فَرَّقَ بَيْنَهُمَا صَاحِبُ الشَّرْعِ وَلَيْسَتْ الْخُطْبَةُ بِصَلَاةٍ حَقِيقَةً إجْمَاعًا وَنِهَايَةُ مَا قِيلَ إنَّ الْخُطْبَتَيْنِ بَدَلٌ عَنْ الرَّكْعَتَيْنِ عَلَى قَوْلٍ ( وَالثَّالِثُ ) أَنَّهُ لَا يَحْرُمُ فِيهَا مَا يَحْرُمُ فِي الصَّلَاةِ مِنْ الْكَلَامِ وَالْعَمَلِ كَمَا زَعَمَ فَإِنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَكَلَّمَ الْخَطِيبُ فِي أَثْنَائِهَا بِأَمْرٍ أَجْنَبِيٍّ عَنْهَا وَيَنْزِلَ عَنْ الْمِنْبَرِ وَيَمْشِيَ وَيَشْرَبَ وَيَأْكُلَ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يَحْصُلُ بِهِ التَّفْرِيقُ وَقَدْ ثَبَتَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي رِفَاعَةَ قَالَ { انْتَهَيْت إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ رَجُلٌ غَرِيبٌ جَاءَ يَسْأَلُ عَنْ دِينِهِ لَا يَدْرِي مَا دِينُهُ فَأَقْبَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَرَكَ الْخُطْبَةَ حَتَّى انْتَهَى فَأُتِيَ بِكُرْسِيٍّ خِلْتُ قَوَائِمَهُ حَدِيدًا فَقَعَدَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ يُعَلِّمُنِي مِمَّا عَلَّمَهُ اللَّهُ ثُمَّ أَتَى خُطْبَتَهُ فَأَتَمَّ آخِرَهَا } فَإِنْ قَالَ فَلَعَلَّ مَا عَلَّمَهُ لِلْأَعْرَابِيِّ مِمَّا يَصْلُحُ أَنْ يُؤْتَى بِهِ مِنْ الْخُطْبَةِ قُلْنَا نَعَمْ يَجُوزُ لَكِنْ لَا تَجُوزُ الْمُخَاطَبَةُ بِالتَّعْلِيمِ فِي الصَّلَاةِ وَلَا النُّزُولُ وَالْمَشْيُ وَالصُّعُودُ عَلَى كُرْسِيٍّ آخَرَ مَعَ تُوَالِي ذَلِكَ فَهُوَ فِعْلٌ كَثِيرٌ وَجَوَّزَ كَثِيرٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ الْخُطْبَةَ مُحْدِثًا وَلَا كَذَلِكَ الصَّلَاةُ إجْمَاعًا بَلْ جَوَّزَ أَحْمَدُ أَنْ يَخْطُبَ جُنُبًا ثُمَّ يَغْتَسِلَ وَيُصَلِّي بِهِمْ وَالصَّلَاةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا اسْتِقْبَالُ الْقِبْلَةِ وَالْخُطْبَةُ يُشْتَرَطُ فِيهَا اسْتِدْبَارُهَا فَكَيْفَ يَسْتَوِيَانِ . ( الرَّابِعُ ) قَوْلُهُ إنَّ هَذَا خَبَرٌ وَاحِدٌ عَارَضَهُ أَقْوَى مِنْهُ جَوَابُهُ أَنَّ الْكُلَّ أَخْبَارُ آحَادٍ وَلَا نُسَلِّمُ أَنَّ الَّذِي يُعَارِضُهُ أَقْوَى مِنْهُ فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ إنَّ هَذَا الْحَدِيثَ ثَابِتٌ غَايَةَ الثُّبُوتِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ إنَّهُ أَصَحُّ شَيْءٍ فِي هَذَا الْبَابِ وَلَوْ كَانَ أَقْوَى مِنْهُ لَمْ يُتْرَكْ بَلْ يُجْمَعُ بَيْنَهُمَا كَمَا تَقَدَّمَ . ( الْخَامِسُ ) قَوْلُهُ إنَّهُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْكَلَامَ فِي الصَّلَاةِ كَانَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ مُبَاحًا لِأَنَّهُ لَا يُعْلَمُ تَارِيخُهُ فَكَانَ مُبَاحًا فِي الْخُطْبَةِ جَوَابُهُ أَنَّ سُلَيْكًا لَمْ يُنْقَلْ تَقَدُّمُ إسْلَامِهِ وَلَا يُعْرَفُ لَهُ ذِكْرٌ إلَّا فِي هَذَا وَالظَّاهِرُ أَنَّ إسْلَامَهُ مُتَأَخِّرٌ مَعَ قَبِيلَتِهِ غَطَفَانَ وَلَوْ قُدِّرَ تَقَدُّمُ إسْلَامِهِ فَالْجُمُعَةُ إنَّمَا صَلَّاهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ الْهِجْرَةِ اتِّفَاقًا وَتَحْرِيمُ الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ كَانَ بِمَكَّةَ حِينَ قَدِمَ ابْنُ مَسْعُودٍ مِنْ الْهِجْرَةِ بِمَكَّةَ وَحَدِيثُهُ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَفِيهِ { فَلَمَّا رَجَعْنَا مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ سَلَّمْنَا عَلَيْهِ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْنَا قُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ كُنَّا نُسَلِّمُ عَلَيْك فِي الصَّلَاةِ فَقَالَ إنَّ فِي الصَّلَاةِ شَغْلًا } وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ { فَلَمَّا قَضَى الصَّلَاةَ قَالَ إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُحْدِثُ مِنْ أَمْرِهِ مَا يَشَاءُ وَإِنَّ اللَّهَ قَدْ أَحْدَثَ أَنْ لَا تَكَلَّمُوا فِي الصَّلَاةِ } وَابْنُ مَسْعُودٍ إنَّمَا هَاجَرَ إلَى الْحَبَشَةِ الْهِجْرَةَ الْأُولَى بِاتِّفَاقِ السِّيَرِ وَرَجَعُوا وَهُوَ بِمَكَّةَ قَالَ ابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ كَانَ رُجُوعُ ابْنِ مَسْعُودٍ مِنْ عِنْدِ النَّجَاشِيِّ قَبْلَ الْهِجْرَةِ بِثَلَاثِ سِنِينَ . ( السَّادِسُ ) قَوْلُهُ إنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَّا كَلَّمَ سُلَيْكًا وَقَالَ لَهُ قُمْ فَصَلِّ سَقَطَ عَنْهُ فَرْضُ الِاسْتِمَاعِ كَلَامٌ عَجِيبٌ أَلَيْسَ الَّذِي أَمَرَ سُلَيْكًا بِالصَّلَاةِ أَمَرَ جَمِيعَ مَنْ دَخَلَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ بِذَلِكَ بِقَوْلِهِ فِي بَقِيَّةِ الْحَدِيثِ { إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلْيَرْكَعْ رَكْعَتَيْنِ } فَمَا الَّذِي خَصَّصَ سُلَيْكًا بِهَذَا الْحُكْمِ ؟ فَإِنْ قَالَ سَكَتَ لَهُ عَنْ الْخُطْبَةِ حَتَّى فَرَغَ مِنْ صَلَاتِهِ قُلْنَا هَذَا لَا يَصِحُّ كَمَا ذَكَرَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ وَلَوْ كَانَ الْمُسَوِّغُ لِلصَّلَاةِ إمْسَاكُهُ عَنْ الْخُطْبَةِ لَقَالَ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَلْيُمْسِكْ لَهُ الْخَطِيبُ عَنْ الْخُطْبَةِ حَتَّى يَرْكَعَ وَقَدْ رَوَى أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ { أَنَّ رَجُلًا جَاءَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي هَيْئَةٍ بَذَّةٍ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَأَمَرَهُ فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُ } رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ . ( السَّابِعُ ) أَنَّ قَوْلَهُ كَانَ سُلَيْكًا ذَا بَذَّةٍ وَفَقْرٍ فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُشْهِرَهُ لِيَرَى فَيُغَيِّرَ مِنْهُ جَوَابُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَتْ الْعِلَّةُ ذَلِكَ لَقَالَ إذَا جَاءَ أَحَدُكُمْ وَهُوَ ذُو بَذَّةٍ فَلْيَقُمْ فَلْيَرْكَعْ حَتَّى يَتَصَدَّقَ عَلَيْهِ النَّاسُ بَلْ لَيْسَ لِذِكْرِ التَّحِيَّةِ فَائِدَةٌ بَلْ كَانَ يَقُولُ لَهُمْ : إذَا رَأَيْتُمْ ذَا بَذَّةٍ فَتَصَدَّقُوا عَلَيْهِ قَالَ وَالِدِي وَأَمَّا جَوَابُهُ عَنْ صَلَاةِ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ بِاحْتِمَالِ أَنَّ الْإِمَامَ خَطَبَ بِمَا لَا يَجُوزُ وَأَنَّ الزُّهَّادَ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ وَالْكُوفَةِ كَانُوا يَقُومُونَ إذَا بَلَغَ الْإِمَامُ لِلدُّعَاءِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا فَيُصَلُّونَ فَمِنْ أَعْجَبِ الْأُمُورِ ، فَبِالِاحْتِمَالِ الْبَعِيدِ يَخْرُجُ الْحَسَنُ عَنْ كَوْنِهِ فَعَلَهُ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ وَقَدْ قَالَ التِّرْمِذِيُّ وَإِنَّمَا فَعَلَهُ الْحَسَنُ اتِّبَاعًا لِلْحَدِيثِ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذَا الْحَدِيثُ قَالَ وَالِدِي وَرَوَاهُ الْحَسَنُ عَنْ سُلَيْكٍ كَمَا عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ وَأَرْسَلَهُ فِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ وَمِنْ أَهْلِ الدُّنْيَا الَّذِينَ يُدْعَى لَهُمْ عَلَى الْمَنَابِرِ إنَّمَا يُدْعَى لِلسُّلْطَانِ بِالصَّلَاحِ وَالتَّوْفِيقِ وَعِزِّ الْإِسْلَامِ بِهِ وَقَدْ كَانَ يُدْعَى لِلْأَئِمَّةِ فِي زَمَنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ وَأَمَّا فِعْلُ زُهَّادِ مَدِينَةِ السَّلَامِ وَالْكُوفَةِ عَلَى رَأْيِهِ فَلَيْسُوا أَهْلًا لِلِاقْتِدَاءِ بِهِمْ خُصُوصًا عِنْدَ مُخَالَفَةِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ وَمَا رَأَيْنَا مَنْ يَفْعَلُ ذَلِكَ بِبِلَادِ مِصْرَ وَالشَّامِ إلَّا جَهَلَةَ الْعَوَامّ فَيَتْرُكُ أَحَدُهُمْ السُّنَّةَ عِنْدَ إتْيَانِهِ وَيَجْلِسُ يَسْمَعُ فَإِذَا كَانَ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ الثَّانِيَةِ قَامَ فَصَلَّى سُنَّةَ الْجُمُعَةِ مَعَ كَوْنِهِ مَنْهِيًّا عَنْ صَلَاةِ السُّنَّةِ وَغَيْرِهَا فِي هَذَا الْوَقْتِ هَذَا كُلُّهُ كَلَامُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَقَدْ تَأَوَّلَ أَصْحَابُنَا حَدِيثَ جَابِرٍ تَأْوِيلَاتٍ فِي بَعْضِهَا بُعْدٌ وَأَوْلَى مُعْتَمَدِ الْمَالِكِيَّةِ فِي تَرْكِ الْعَمَلِ بِهِ أَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ عَارَضَهُ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ مِنْ لَدُنْ الصَّحَابَةِ إلَى زَمَنِ مَالِكٍ رَحِمَهُ اللَّهُ فَيَكُونُ الْعَمَلُ بِهَذَا الْعَمَلِ أَوْلَى وَهَذَا عَلَى أَصْلِ مَالِكٍ وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَيَرُدُّ الْعَمَلَ بِهِ عَلَى أَصْلِهِ فِي رَدِّ أَخْبَارِ الْآحَادِ فِيمَا تَعُمُّ بِهِ الْبَلْوَى قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَمَا أَدْرِي مَا عُمُومُ الْبَلْوَى فِي ذَلِكَ ؟ قُلْت وَأَمَّا عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ إنْ كَانَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ عَمَلٌ فَإِنَّمَا غَيَّرَ السُّنَّةَ فِيهِ الَّتِي أَمَرَ بِهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَنُو أُمَيَّةَ فَتَرَكَ النَّاسُ ذَلِكَ مُدَارَاةً لَهُمْ وَاسْتَمَرُّوا عَلَيْهِ وَفِي التِّرْمِذِيِّ عَنْ عِيَاضِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ { دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَمَرْوَانُ يَخْطُبُ فَقَامَ فَصَلَّى فَجَاءَ الْحَرَسُ لِيُجْلِسُوهُ فَأَبَى حَتَّى صَلَّى فَلَمَّا انْصَرَفَ أَتَيْنَاهُ فَقُلْنَا رَحِمَك اللَّهُ إنْ كَادُوا لَيَقَعُوا بِك فَقَالَ مَا كُنْت لِأَتْرُكَهَا بَعْدَ شَيْءٍ رَأَيْته مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } فَذَكَرَ الْحَدِيثَ الْمُتَقَدِّمَ ( الْخَامِسَةُ ) وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ مُطْلَقًا لِأَنَّهَا إذَا لَمْ يَسْقُطْ اسْتِحْبَابُهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَغَيْرُهَا مِنْ الْأَحْوَالِ أَوْلَى بِذَلِكَ وَفِيهِ أَنَّهَا لَا تَحْصُلُ بِأَقَلِّ مِنْ رَكْعَتَيْنِ وَبِهِ قَالَ الْجُمْهُورُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا تَحْصُلُ بِرَكْعَةٍ وَاحِدَةٍ وَبِالصَّلَاةِ عَلَى الْجِنَازَةِ وَبِسُجُودِ التِّلَاوَةِ وَالشُّكْرِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ إكْرَامُ الْمَسْجِدِ وَهُوَ حَاصِلٌ بِذَلِكَ وَهَذَا ضَعِيفٌ مُخَالِفٌ لِظَاهِرِ الْحَدِيثِ . ( السَّادِسَةُ ) وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ تَحْقِيقِهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَبِهِ صَرَّحَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ . ( السَّابِعَةُ ) يُسْتَثْنَى مِنْ اسْتِحْبَابِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مَا إذَا دَخَلَ فِي آخِرِ الْخُطْبَةِ بِحَيْثُ لَوْ اشْتَغَلَ بِهَا فَاتَتْهُ تَكْبِيرَةُ الْإِحْرَامِ فَلَا يَفْعَلُهَا وَقَدْ نَصَّ عَلَى ذَلِكَ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ فِي الْأُمِّ إذَا دَخَلَ وَالْإِمَامُ فِي آخِرِ الْكَلَامِ وَلَا يُمْكِنُهُ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ خَفِيفَتَيْنِ قَبْلَ دُخُولِ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ فَلَا عَلَيْهِ أَنْ لَا يُصَلِّيَهُمَا قَالَ وَأَرَى لِلْإِمَامِ أَنْ يَأْمُرَهُ بِهِمَا وَيَزِيدَ فِي كَلَامِهِ مَا يُمْكِنُهُ إكْمَالُهُمَا فِيهِ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ كَرِهْت ذَلِكَ لَهُ وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ انْتَهَى وَقَوْلُهُ فَإِنْ لَمْ يَفْعَلْ يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْخَطِيبَ أَيْ لَمْ يَأْمُرْ الدَّاخِلَ وَلَا زَادَ فِي كَلَامِهِ لِيُتِمَّ الدَّاخِلُ الرَّكْعَتَيْنِ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ الدَّاخِلَ بِأَنْ أَمَرَهُ الْخَطِيبُ بِذَلِكَ فَلَمْ يَفْعَلْ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ يَقِفُ حَتَّى تُقَامَ الصَّلَاةُ وَلَا يَقْعُدُ لِئَلَّا يَكُونَ جَالِسًا فِي الْمَسْجِدِ قَبْلَ التَّحِيَّةِ هَكَذَا فَصَّلَهُ الْمُحَقِّقُونَ مِنْهُمْ صَاحِبُ الشَّامِلِ . ( الثَّامِنَةُ ) اسْتَثْنَى أَصْحَابُنَا مِنْ اسْتِحْبَابِ الرَّكْعَتَيْنِ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَقَالُوا إنَّ تَحِيَّتَهُ الطَّوَافُ فَالدَّاخِلُ إلَيْهِ يَبْدَأُ بِالطَّوَافِ قَالَ الْمَحَامِلِيُّ تُكْرَهُ تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ فِي حَالَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) إذَا دَخَلَ وَالْإِمَامُ فِي الْمَكْتُوبَةِ ( وَالثَّانِي ) إذَا دَخَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ فَلَا يَشْتَغِلُ بِهَا عَنْ الطَّوَافِ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَأَمَّا الْمَسْجِدُ الْحَرَامُ فَأَوَّلُ مَا يَدْخُلُهُ الْحَاجُّ يَبْدَأُ بِطَوَافِ الْقُدُومِ فَهُوَ تَحِيَّتُهُ وَيُصَلِّي بَعْدَهُ رَكْعَتَيْ الطَّوَافِ انْتَهَى وَعِبَارَةُ الْمَحَامِلِيِّ تَقْتَضِي أَنَّ سَائِرَ مَرَّاتِ دُخُولِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَعِبَارَةُ النَّوَوِيِّ تَقْتَضِي اخْتِصَاصَ ذَلِكَ بِأَوَّلِ دُخُولِ الْحَاجِّ وَبِطَوَافِ الْقُدُومِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ رَأَى تَقْدِيمَ الطَّوَافِ فِي مَسْجِدِ مَكَّةَ عَلَى التَّحِيَّةِ وَمُقْتَضَاهُ أَنَّ التَّحِيَّةَ لَمْ تَسْقُطْ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ وَلَا قَامَ غَيْرُهَا مَقَامَهَا وَإِنَّمَا قُدِّمَ الطَّوَافُ عَلَيْهَا وَمُقْتَضَى مَا ذَكَرَهُ الْمَحَامِلِيُّ وَغَيْرُهُ الِاكْتِفَاءُ بِالطَّوَافِ بِمَكَّةَ وَلَوْ كَانَ الْخَطِيبُ عَلَى الْمِنْبَرِ فَإِنَّهُ لَمْ يَسْتَثْنِ هَذِهِ الْحَالَةَ وَقَدْ يُتَوَقَّفُ فِي ذَلِكَ وَيُقَالُ الِاشْتِغَالُ بِالتَّحِيَّةِ لَا يَطُولُ زَمَنُهُ وَقَدْ لَا يُنَافِي اسْتِعْمَالَ الْخُطْبَةِ بِخِلَافِ الطَّوَافِ فَيَطُولُ زَمَنُهُ وَيَبْعُدُ عَنْ الْخَطِيبِ لِدَوَرَانِهِ مِنْ غَيْرِ جِهَتِهِ فَلَا يَسْمَعُ كَلَامَهُ وَلَمْ أَرَ لِأَحَدٍ مِنْ أَصْحَابِنَا إفْصَاحًا عَنْ شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( التَّاسِعَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِالرِّوَايَةِ الَّتِي فِيهَا أَمْرُهُ بِالتَّحِيَّةِ بَعْدَ قُعُودِهِ عَلَى أَنَّهَا لَا تَفُوتُ بِالْجُلُوسِ إذَا كَانَ جَاهِلًا بِمَشْرُوعِيَّةِ التَّحِيَّةِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَلَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ أَطْلَقَ أَصْحَابُنَا فَوَاتَهَا بِالْجُلُوسِ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْعَالِمِ بِأَنَّهَا سُنَّةٌ أَمَّا الْجَاهِلُ فَيَتَدَارَكُهَا عَلَى قُرْبٍ لِهَذَا الْحَدِيثِ . ( الْعَاشِرَةُ ) فِي مَعْنَى الْجَاهِلِ النَّاسِي فَلَوْ جَلَسَ نَاسِيًا وَلَمْ يُطِلْ الْفَصْلَ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْإِتْيَانُ بِهَا كَمَا صَرَّحَ بِهِ مِنْ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ أَبُو الْفَضْلِ بْنُ عَبْدَانَ وَقَالَ النَّوَوِيُّ إنَّهُ الْمُخْتَارُ الْمُتَعَيَّنُ انْتَهَى وَأَطْلَقَ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا فَوَاتَهَا بِالْجُلُوسِ وَقَضِيَّةُ سُلَيْكٍ مُحْتَمِلَةٌ لِهَذَا الْأَمْرِ وَلِلَّذِي قَبْلَهُ يَحْتَمِلُ جُلُوسُهُ الْجَهْلَ بِسُنِّيَّتِهَا وَالنِّسْيَانَ لَهَا فَالْحَدِيثُ دَالٌّ عَلَى إحْدَى الْحَالَتَيْنِ نَصًّا وَعَلَى الْأُخْرَى قِيَاسًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلدَّاخِلِ صَلَّيْت يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَصْلَيْت حِينَ دَخَلْت الْمَسْجِدَ أَوْ صَلَّيْت فِي بَيْتِك قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ الْأَوَّلُ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ { قُمْ فَصَلِّ الرَّكْعَتَيْنِ } فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ الرَّكْعَتَانِ الْمَعْهُودَتَانِ عِنْدَ دُخُولِ الْمَسْجِدِ وَهُمَا تَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ وَتَحِيَّةُ الْمَسْجِدِ إنَّمَا تُفْعَلُ فِيهِ لَا فِي الْبَيْتِ لَكِنْ تَقَدَّمَ أَنَّ رِوَايَةَ ابْنِ مَاجَهْ قَبْلَ أَنْ تَجِيءَ وَظَاهِرُهُ الِاسْتِفْهَامُ عَنْ فِعْلِهَا فِي الْبَيْتِ إلَّا أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ قَبْلَ أَنْ يَجِيءَ إلَى قُرْبِ الْمِنْبَرِ بِأَنْ يَكُونَ صَلَّى فِي طَرَفِ الْمَسْجِدِ أَوَّلَ دُخُولِهِ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ عَنْ فِعْلِهَا فِي الْبَيْتِ فَهُوَ حُجَّةٌ لِمَا حُكِيَ عَنْ الْأَوْزَاعِيِّ أَنَّ دَاخِلَ الْمَسْجِدِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ إنَّمَا يَرْكَعُ الرَّكْعَتَيْنِ إذَا لَمْ يَكُنْ رَكَعَهُمَا فِي بَيْتِهِ حَكَاهُ صَاحِبُ الْمُفْهِمِ وَقَدْ اسْتَدَلَّ بَعْضُهُمْ بِرِوَايَةِ ابْنِ مَاجَهْ هَذِهِ عَلَى سُنَّةِ الْجُمُعَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَفِيهِ نَظَرٌ مِنْ أَوْجُهٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ إنَّمَا يَدْخُلُ وَقْتُهَا بِدُخُولِ وَقْتِ الْجُمُعَةِ وَهُوَ زَوَالُ الشَّمْسِ عَلَى قَوْلِ الْجُمْهُورِ وَإِنَّمَا كَانَ يُؤَذَّنُ لَهَا بَيْنَ يَدَيْهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إذَا صَعِدَ الْمِنْبَرَ فَمَتَى تَمَكَّنَ سُلَيْكٌ أَنْ يُصَلِّيَ سُنَّةَ الْجُمُعَةِ فِي بَيْتِهِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَعَلَّهُ تَأَخَّرَ زَمَنًا يُمْكِنُهُ فِيهِ ذَلِكَ بِحَيْثُ لَمْ يَحْضُرْ إلَّا فِي أَوَاخِرِ الْخُطْبَةِ ( ثَانِيهَا ) أَنَّ الْخِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ إنَّمَا هُوَ فِي تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ فَأَمَّا الرَّوَاتِبُ فَإِنَّهَا لَا تُفْعَلُ بَعْدَ شُرُوعِ الْإِمَامِ فِي الْخُطْبَةِ بِلَا خِلَافٍ ( ثَالِثُهَا ) أَنَّهُ لَمْ يَتَعَيَّنْ كَوْنُهَا سُنَّةَ الْجُمُعَةِ بِتَقْدِيرِ أَنَّهَا لَيْسَتْ التَّحِيَّةُ فَلَعَلَّهَا سُنَّةُ الْوُضُوءِ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ فِيهِ جَوَازُ الْكَلَامِ فِي الْخُطْبَةِ لِأَمْرٍ يَحْدُثُ وَأَنَّ ذَلِكَ لَا يُفْسِدُ الْخُطْبَةَ قَالَ وَقَالَ بَعْضُ الْفُقَهَاءِ إذَا " تَكَلَّمَ أَعَادَ الْخُطْبَةَ قَالَ وَالسُّنَّةُ أَوْلَى مَا اُتُّبِعَ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى أَنَّ تَحِيَّةَ الْمَسْجِدِ تُفْعَلُ فِي أَوْقَاتِ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ لِكَوْنِهَا ذَاتَ سَبَبٍ فَإِنَّهَا لَوْ تُرِكَتْ فِي حَالٍ لَكَانَتْ هَذِهِ الْحَالُ أَوْلَى الْأَحْوَالِ بِذَلِكَ لِأَنَّهُ مَأْمُورٌ فِيهِ بِالْإِنْصَاتِ لِاسْتِمَاعِ الْخُطْبَةِ فَلَمَّا تَرَكَ لَهَا اسْتِمَاعَ الْخُطْبَةِ وَقَطَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْخُطْبَةَ لِأَجْلِهَا دَلَّ عَلَى تَأَكُّدِهَا وَأَنَّهَا لَا تُتْرَكُ فِي وَقْتٍ مِنْ الْأَوْقَاتِ إلَّا عِنْدَ إقَامَةِ الْبَيِّنَةِ وَبِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ وَكَرِهَهَا فِي هَذِهِ الْحَالَةِ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَاللَّيْثُ وَحَكَاهُ الْقُرْطُبِيُّ عَنْ الْجُمْهُورِ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) مَذْهَبُنَا أَنَّ إقَامَةَ الْجُمُعَةِ لَا تَخْتَصُّ بِالْمَسْجِدِ بَلْ تُقَامُ فِي خُطَّةِ الْأَبْنِيَةِ فَلَوْ فَعَلُوهَا فِي غَيْرِ مَسْجِدٍ لَمْ يُصَلِّ الدَّاخِلُ إلَى ذَلِكَ الْمَوْضِعِ فِي حَالَةِ الْخُطْبَةِ إذْ لَيْسَتْ لَهُ تَحِيَّةٌ فَلَا يَتْرُكُ اسْتِمَاعَ الْخُطْبَةِ لِغَيْرِ سَبَبٍ وَهَذَا الْحَدِيثُ مَحْمُولٌ عَلَى الْغَالِبِ مِنْ إقَامَةِ الْجُمُعَةِ فِي الْمَسَاجِدِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى رَدِّ السَّلَامِ وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ فِي حَالِ الْخُطْبَةِ لِأَنَّ أَمْرَهُمَا أَخَفُّ وَزَمَنَهُمَا أَقْصَرُ مِنْ زَمَنِ التَّحِيَّةِ مَعَ وُجُوبِ رَدِّ السَّلَامِ وَكَوْنِ التَّحِيَّةِ نَفْلًا وَسَيَأْتِي إيضَاحُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي بَعْدَهُ وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْت } يُرِيدُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ زَادَ فِيهِ الشَّيْخَانِ { يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ } ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { فَقَدْ لَغِيت } قَالَ أَبُو الزِّنَادِ هِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا قُلْت لِلنَّاسِ أَنْصِتُوا وَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ فَقَدْ أَلْغَيْت عَلَى نَفْسِك } . الْحَدِيثُ السَّادِسُ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { إذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَوْت يُرِيدُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ } لَمْ يَقُلْ الشَّيْخَانِ يُرِيدُ ، وَعَنْ هَمَّامٍ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا قُلْت لِلنَّاسِ أَنْصِتُوا وَهُمْ يَتَكَلَّمُونَ فَقَدْ أَلْغَيْت عَلَى نَفْسِك } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) كَذَا فِي رِوَايَةِ أَبِي مُصْعَبٍ عَنْ مَالِكٍ وَالْقَائِلُ يُرِيدُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ هُوَ مَالِكٌ وَرَوَاهُ يَحْيَى بْنُ يَحْيَى وَجُمْهُورُ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ تَامًّا { إذَا قُلْت لِصَاحِبِك أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَدْ لَغَوْت } وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَة بِلَفْظِ { إذَا قُلْتَ لِصَاحِبِكَ أَنْصِتْ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغِيتَ } قَالَ أَبُو الزِّنَادِ هِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَإِنَّمَا هُوَ فَقَدْ لَغَوْتَ وَرَوَاهُ الشَّافِعِيُّ عَنْ مَالِكٍ بِلَفْظِ لَغَوْتَ وَعَنْ ابْنِ عُيَيْنَةَ بِلَفْظِ لَغِيتَ وَقَالَ قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ لَغِيتَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ وَرَوَاهُ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَجِلَانِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ بِزِيَادَةِ لَفْظَةٍ فِي آخِرِهِ عَلَيْكَ بِنَفْسِكَ وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ ، وَأَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي ذِئْبٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { إذَا قُلْت لِصَاحِبِك يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَقَدْ لَغَوْت } لَفْظُ الشَّيْخَيْنِ إلَّا أَنَّ مُسْلِمًا قَدَّمَ قَوْلَهُ أَنْصِتْ عَلَى قَوْلِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَمْ يَذْكُرْ أَبُو دَاوُد لِصَاحِبِك يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَفْظُ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ { مَنْ قَالَ لِصَاحِبِهِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ أَنْصِتْ فَقَدْ لَغَا } وَلَمْ يَقُلْ التِّرْمِذِيُّ لِصَاحِبِهِ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ الزُّهْرِيِّ عَنْ ابْنِ الْمُسَيِّبِ وَعَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ قَارِظٍ كِلَاهُمَا عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ إبْرَاهِيمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ قَارِظٍ . ( الثَّانِيَةُ ) قَالَ فِي الصِّحَاحِ الْإِنْصَاتُ السُّكُوتُ وَالِاسْتِمَاعُ لِلْحَدِيثِ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ السُّكُوتُ الِاسْتِمَاعُ لِمَا يُقَالُ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ أَنْصِتْ سَكَتَ سُكُوتَ مُسْتَمِعٍ وَهَذِهِ الْعِبَارَةُ مُتَّفِقَةٌ فِي الْمَعْنَى وَاقْتَصَرَ فِي الْمُحْكَمِ عَلَى أَنَّهُ السُّكُوتُ وَيُوَافِقُهُ عَطْفُهُ فِي التَّنْزِيلِ عَلَى الِاسْتِمَاعِ فِي قَوْله تَعَالَى { فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا } وَكَذَا قَالَ أَصْحَابُنَا الْفُقَهَاءُ وَالْإِنْصَاتُ هُوَ السُّكُوتُ وَالِاسْتِمَاعُ شَغْلُ السَّمْعِ بِالسَّمَاعِ وَيُسْتَعْمَلُ رُبَاعِيًّا وَهُوَ أَفْصَحُ وَثُلَاثِيًّا فَيُقَالُ أَنْصَتَ وَنَصَتَ فَيَجُوزُ فِي قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ أَنْصِتْ قَطْعُ الْهَمْزَةِ وَوَصْلُهَا وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ وَأَشْهَرُ وَالصَّادُ مَكْسُورَةٌ عَلَى كُلِّ حَالٍ . ( الثَّالِثَةُ ) قَالَ فِي الصِّحَاحِ لَغَا يَلْغُوَا لَغْوًا أَيْ قَالَ بَاطِلًا وَلَغِيَ بِالْكَسْرِ يَلْغَى لَغًا وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ اللَّغْوُ وَاللِّغَاءُ السَّقْطُ وَمَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ ثُمَّ قَالَ وَلَغَوْت فِي الْقَوْلِ أُلْغِي لَغْوًا وَلَغِيت لَغًا أَخْطَأْتُ وَكَلِمَةٌ لَاغِيَةٌ فَاحِشَةٌ وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ لَغْوُ الْكَلَامِ لَغَطُهُ وَمَا لَا مَحْصُولَ لَهُ ، يُقَالُ لَغَوْت أَلْغُو وَأَلْغَى لَغْوًا وَلَغِيت أَيْضًا وَأَلْغَيْت أَتَيْت بِلَغْوٍ مِثْلُ أَفْحَشْت إذَا أَتَيْت بِفُحْشٍ وَصَرَّحَ بِأَنَّ الرِّوَايَةَ الَّتِي فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الزِّنَادِ فَقَدْ لَغِيت بِكَسْرِ الْغَيْنِ وَذَكَرَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ أَنَّ لَغَا يَلْغُو أَفْصَحُ مِنْ لَغَا يَلْغَى ثُمَّ قَالَ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَقْتَضِي هَذِهِ اللُّغَةَ الثَّانِيَةَ الَّتِي هِيَ لُغَةُ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَأَلْغَوْا فِيهِ } قَالَ وَهَذَا مِنْ لَغَا يَلْغَى وَلَوْ كَانَ مِنْ الْأَوَّلِ لَقَالَ وَالْغُوا فِيهِ بِضَمِّ الْغَيْنِ وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ لَغَا الْإِنْسَانُ يَلْغُو وَلَغَا يَلْغَى وَلَغِيَ يَلْغَى إذَا تَكَلَّمَ بِالْمُطْرَحِ مِنْ الْقَوْلِ وَمَا لَا يَعْنِي انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَاللَّغْوُ كُلُّ شَيْءٍ مِنْ الْكَلَامِ لَيْسَ يَحْسُنُ عِنْدَ أَبِي عُبَيْدَةَ وَقَوْلُهُ فِي الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَقَدْ أَلْغَتْ بِهَمْزِ أَوَّلِهِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ أَلْغَيْت الشَّيْءَ أَبْطَلْته وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ طَرَحْته وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ كُلُّ مَا أَسْقَطْته فَلَمْ تَعْتَدَّ بِهِ فَقَدْ أَلْغَيْته وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ وَأَلْغَى إذَا أَسْقَطَ وَهَذِهِ الْعِبَارَاتُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ وَعَلَى هَذَا فَالْمَفْعُولُ الْمَحْذُوفُ الْجُمُعَةُ فِيمَا يَظْهَرُ فَقَوْلُهُ أَلْغَيْت أَيْ جُمُعَتَك وَتَقَدَّمَ أَنَّ صَاحِبَ الْمَشَارِقِ ذَكَرَ أَيْضًا أَنَّهُ يُقَالُ أَلْغَيْت أَتَيْت بِلَغْوٍ فَعَلَى هَذَا الثَّانِي يَكُونُ لَازِمًا بِمَعْنَى الرِّوَايَةِ الْمَشْهُورَةِ . ( الرَّابِعَةُ ) اُسْتُدِلَّ بِهِ عَلَى وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ وَتَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِيهَا إذَا لَمْ تُغْتَفَرْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ مَعَ خِفَّتِهَا وَكَوْنِهَا أَمْرًا بِمَعْرُوفٍ مُحْتَاجٍ إلَيْهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ فَمَا عَدَاهَا أَوْلَى بِالْمَنْعِ وَهَذَا أَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ نَصَّ عَلَيْهِ فِي الْقَدِيمِ وَالْإِمْلَاءِ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَهُوَ الْمَشْهُورُ مِنْ مَذْهَبِ أَحْمَدَ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ نَهَى عُثْمَانُ وَابْنُ عُمَرَ عَنْ الْكَلَامِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ . وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ إذَا رَأَيْته يَتَكَلَّمُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَأَقْرِعْ رَأْسَهُ بِالْعَصَا وَكَرِهَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالشَّافِعِيُّ وَعَوَامُّ أَهْلِ الْعِلْمِ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ بَعْدَ رِوَايَةِ هَذَا الْحَدِيثِ وَالْعَمَلُ عَلَيْهِ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ كَرِهُوا لِلرَّجُلِ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَالْمُتَقَدِّمُونَ يُطْلِقُونَ كَثِيرًا الْكَرَاهَةَ وَيُرِيدُونَ بِهَا التَّحْرِيمَ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ : جَمَاعَةُ أَئِمَّةِ الْفَتْوَى عَلَى وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا خِلَافَ عَلِمْته بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ لِلْخُطْبَةِ عَلَى مَنْ سَمِعَهَا انْتَهَى . ( وَالْقَوْلُ الثَّانِي ) لِلشَّافِعِيِّ أَنَّ الْإِنْصَاتَ سُنَّةٌ وَالْكَلَامَ لَيْسَ بِحَرَامٍ وَهُوَ نَصُّهُ فِي الْجَدِيدِ وَهُوَ رِوَايَةٌ عَنْ أَحْمَدَ حَكَاهَا ابْنُ قُدَامَةَ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ كَانَ النَّخَعِيّ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ وَإِبْرَاهِيمُ بْنُ مُهَاجِرٍ وَالشَّعْبِيُّ وَأَبُو بُرْدَةَ يَتَكَلَّمُونَ وَالْحَجَّاجُ يَخْطُبُ وَقَالَ بَعْضُهُمْ إنَّا لَمْ نُؤْمَرْ أَنْ نُنْصِتَ لِهَذَا قَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَاتِّبَاعُ السُّنَّةِ أَوْلَى انْتَهَى قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ بِهَذَا الْإِشَارَةُ لِلْحَجَّاجِ لِمَا كَانَ فِيهِ مِنْ الظُّلْمِ وَهُوَ الظَّاهِرُ وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرَادَ لِهَذَا الْأَمْرِ قُلْت وَيُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ إلَى كَلَامٍ بِعَيْنِهِ أَتَى بِهِ الْحَجَّاجُ لَا يَنْبَغِي سَمَاعُهُ لِمَا فِيهِ مِنْ سَبِّ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ أَوْ الْأَمْرِ بِالظُّلْمِ وَمَا لَا يَجِبُ امْتِثَالُهُ أَوْ عِنْدَ قِرَاءَةِ كُتُبٍ وَرَدَتْ عَلَيْهِ مِنْ الْخَلِيفَةِ فِيهَا مَا لَا يَنْبَغِي فِعْلُهُ وَقَدْ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ رَوَيْنَا مِنْ طَرِيقِ سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ عَنْ مُجَالِدٍ قَالَ رَأَيْت الشَّعْبِيَّ وَأَبَا بُرْدَةَ بْنَ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ يَتَكَلَّمَانِ وَالْحَجَّاجُ يَخْطُبُ حِينَ قَالَ لَعَنَ اللَّهُ وَلَعَنَ اللَّهُ فَقُلْت أَتَتَكَلَّمَانِ فِي الْخُطْبَةِ ؟ فَقَالَا لَمْ نُؤْمَرْ بِأَنْ نُنْصِتَ لِهَذَا وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّهُ كَانَ يَتَكَلَّمُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ زَمَنَ الْحَجَّاجِ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ كَانَ الْحَجَّاجُ وَخُطَبَاؤُهُ يَلْعَنُونَ عَلِيًّا وَابْنَ الزُّبَيْرِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عُرْوَةَ كَانَ يُنْصِتُ لِلْخَطِيبِ فَإِذَا شَتَمَ عَلِيًّا تَكَلَّمَ وَيَقُولُ إنَّا لَمْ نُؤْمَرْ أَنْ نُنْصِت لِهَذَا وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِالْكَلَامِ وَالصُّحُفُ تُقْرَأُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعَنْ أَبِي بُرْدَةَ وَعُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّهُمَا كَانَا يَتَكَلَّمَانِ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ وَعَنْ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ إنَّمَا كَانَ السُّكُوتُ قَبْلَ الْيَوْمِ إذَا وُعِظُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَقَالُوا فِيهِ : فَنَسْكُت لِصُحُفِهِمْ هَذِهِ ، وَعَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ أَنَّهُ كَانَ يَكْرَهُ الْكَلَامَ وَالصُّحُفُ تُقْرَأُ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ إنَّ الْكُتُبَ تَجِيءُ مِنْ قِبَلِ قُتَيْبَةَ فِيهَا الْبَاطِلُ وَالْكَذِبُ فَأُكَلِّمُ صَاحِبِي أَوْ أُنْصِت ؟ قَالَ لَا بَلْ أَنْصِتْ يَعْنِي فِي الْجُمُعَةِ فَطَرَدَ النَّخَعِيّ وَالْحَسَنُ مَنْعَ الْكَلَامِ فِي الْخُطْبَةِ وَسَدَّا الْبَابَ فِي ذَلِكَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ قَانِعٍ وَعَلِيُّ بْنُ زِيَادٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْإِمَامَ إذَا لَغَا وَشَتَمَ النَّاسَ فَعَلَى النَّاسِ الْإِنْصَاتُ وَلَا يَتَكَلَّمُونَ وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ إذَا خَطَبَ فِي أَمْرٍ لَيْسَ مِنْ الْخُطْبَةِ مِنْ أَمْرِ كِتَابٍ يَقْرَؤُهُ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ فَلَيْسَ عَلَى النَّاسِ الْإِنْصَاتُ وَرَأَى اللَّيْثُ إذَا أَخَذَ الْإِمَامُ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْمَوْعِظَةِ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَلَا يُنْصِتَ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ فَإِنْ أَدْخَلَ الْخَطِيبُ فِي خُطْبَتِهِ مَا لَيْسَ مِنْ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى وَلَا مِنْ الدُّعَاءِ الْمَأْمُورِ بِهِ فَالْكَلَامُ مُبَاحٌ حِينَئِذٍ فَهَذَانِ مَذْهَبَانِ آخَرَانِ مُفَصَّلَانِ إمَّا بَيْنَ أَئِمَّةِ الْجَوْرِ وَغَيْرِهِمْ وَإِمَّا بَيْنَ إمَامِ الْوَعْظِ وَغَيْرِهِ وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قَوْلًا خَامِسًا أَنَّهُ إنَّمَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ عِنْدَ تِلَاوَةِ الْقُرْآنِ خَاصَّةً قَالَ رَوَى عَنْ الشَّعْبِيِّ وَسَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَالنَّخَعِيِّ وَأَبِي بُرْدَةَ قَالَ وَفِعْلُهُمْ ذَلِكَ مَرْدُودٌ عِنْدَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالسُّنَّةِ الثَّابِتَةِ وَأَحْسَنُ أَحْوَالِهِمْ أَنَّهُمْ لَمْ يَبْلُغْهُمْ الْحَدِيثُ فِي ذَلِكَ لِأَنَّهُ حَدِيثٌ انْفَرَدَ بِهِ أَهْلُ الْمَدِينَةِ وَلَا عِلْمَ لِمُتَقَدِّمِي أَهْلِ الْعِرَاقِ بِهِ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ اسْتِمَاعُ الْخُطْبَةِ وَاجِبٌ وُجُوبُهُ سُنَّةٌ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهُ فَرِيضَةً انْتَهَى وَهَذَا عَلَى قَاعِدَةِ الْمَالِكِيَّةِ مِنْ وُجُوبِ السُّنَنِ وَمَعْنَاهُ أَنَّهُ سُنَّةٌ مُؤَكَّدَةٌ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي الْجَدِيدِ فَيَكُونُ ابْنُ بَطَّالٍ نَقَلَ اسْتِحْبَابَ الْإِنْصَاتِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ فَمَنْ أَوْجَبَ الْإِنْصَاتَ أَخَذَ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّ اللَّغْوَ الْبَاطِلُ وَمَنْ اسْتَحَبَّهُ أَخَذَ بِقَوْلِ مَنْ قَالَ إنَّهُ السَّقَطُ وَمَا لَا يُعْتَدُّ بِهِ وَلَغَطُ الْكَلَامِ وَمَا لَا مَحْصُولَ لَهُ أَوْ الْمُطْرَحُ مِنْ الْقَوْلِ وَمَا لَا يُعْنِي فَإِنَّ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ مُتَقَارِبَةُ الْمَعْنَى وَمُقْتَضَاهَا أَنَّ قَائِلَ اللَّغَطِ غَيْرُ مُرْتَكِبٍ حَرَامًا وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ فِي قَوْلِهِ لَغَوْت تَكَلَّمْت فِي مَوْضِعٍ الْأَدَبُ فِيهِ أَنْ لَا تَتَكَلَّمَ ؛ وَاحْتَجَّ الشَّافِعِيُّ فِي الْقَدِيمِ عَلَى عَدَمِ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ فِي الْخُطْبَةِ بِحَدِيثِ أَنَسٍ فِي { الرَّجُلِ الَّذِي قَامَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَهُوَ يَخْطُبُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ هَلَكَتْ الْمَوَاشِي وَانْقَطَعَتْ السُّبُلُ فَادْعُ اللَّهَ ؛ } وَهُوَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَبِحَدِيثِ عُثْمَانَ حَيْثُ دَخَلَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَعُمَرُ يَخْطُبُ فَكَلَّمَهُ وَأَجَابَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ قَرِيبًا وَاحْتَجَّ عَلَى ذَلِكَ فِي الْجَدِيدِ بِالْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ قَبْلَ هَذَا فِي سُؤَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الدَّاخِلَ وَهُوَ يَخْطُبُ عَنْ كَوْنِهِ صَلَّى وَإِجَابَتِهِ لَهُ بِقَوْلِهِ لَا وَقَوْلِهِ لَهُ صَلِّ رَكْعَتَيْنِ وَبِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَلَّمَ الَّذِينَ قَتَلُوا ابْنَ أَبِي الْحَقِيقِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَكَلَّمُوهُ وَتَدَاعَوْا قَتْلَهُ وَقَدْ رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ مُرْسَلًا قَالَ الْبَيْهَقِيُّ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ مُرْسَلًا فَهُوَ مَشْهُورٌ فِيمَا بَيْنَ أَهْلِ الْعِلْمِ بِالْمَغَازِي وَرُوِيَ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ مَوْصُولًا عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُنَيْسٌ انْتَهَى وَمَنْ ذَهَبَ إلَى تَحْرِيمِ الْكَلَامِ أَجَابَ عَنْ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِأَنَّ الْمُخَاطَبَةَ فِيهَا مِنْ الْإِمَامِ أَوْ مَعَهُ فَلَا يُشْتَغَلُ بِذَلِكَ عَنْ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ بِخِلَافِ كَلَامِ الْحَاضِرِينَ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ . ( الْخَامِسَةُ ) ظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي الْحُكْمِ عَلَى الْكَلَامِ فِي حَالَةِ الْخُطْبَةِ بِأَنَّهُ لَغْوٌ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَادِرًا مِنْ الْعَدَدِ الَّذِينَ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ صَادِرًا مِنْ الزِّيَادَةِ عَلَيْهِمْ وَهُوَ مُقْتَضَى كَلَامِ أَكْثَرِ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَإِنَّهُمْ لَمْ يُفَصِّلُوا وَذَهَبَ الْغَزَالِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا إلَى أَنَّ مَحَلَّ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمَا فِي الزِّيَادَةِ عَلَى الْأَرْبَعِينَ الَّذِينَ تَنْعَقِدُ بِهِمْ الْجُمُعَةُ أَمَّا الْأَرْبَعُونَ فَيَجِبُ عَلَيْهِمْ الْإِنْصَاتُ قَطْعًا وَتَعَقَّبَ الرَّافِعِيُّ كَلَامَهُ بِاسْتِبْعَادِهِ وَمُخَالَفَتِهِ لِنَقْلِ الْأَصْحَابِ أَمَّا بَعْدَهُ فَلِأَنَّ كَلَامَهُ مَفْرُوضٌ فِي السَّامِعِينَ لِلْخُطْبَةِ وَإِذَا حَضَرَ جَمَاعَةٌ يَزِيدُونَ عَلَى الْأَرْبَعِينَ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُقَالَ تَنْعَقِدُ الْجُمُعَةُ بِأَرْبَعِينَ مِنْهُمْ عَلَى التَّعْيِينِ فَيَحْرُمُ الْكَلَامُ عَلَيْهِمْ قَطْعًا وَالْخِلَافُ فِي الْبَاقِينَ ، بَلْ الْوَجْهُ الْحُكْمُ بِانْعِقَادِ الْجُمُعَةِ بِهِمْ أَوْ بِأَرْبَعِينَ مِنْهُمْ لَا عَلَى التَّعْيِينِ وَأَمَّا مُخَالَفَتُهُ فَلِأَنَّك لَا تَجِدُ لِلْجُمْهُورِ إلَّا إطْلَاقَ قَوْلَيْنِ فِي السَّامِعِينَ وَوَجْهَيْنِ فِي حَقِّ غَيْرِهِمْ وَتَبِعَ النَّوَوِيُّ الرَّافِعِيَّ عَلَى مَا ذَكَرَهُ فِي ذَلِكَ وَمَالَ الشَّيْخُ تَقِيُّ الدِّينِ فِي شَرْحِ الْعُمْدَةِ إلَى طَرِيقَةِ الْغَزَالِيِّ فِي ذَلِكَ فَقَالَ هَذِهِ الطَّرِيقَةُ الْمُخْتَارَةُ عِنْدَنَا وَكَذَا رَجَّحَهَا شَيْخُنَا الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ وَوَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ إنَّ مَا قَالَهُ الْغَزَالِيُّ سَبَقَهُ إلَيْهِ شَيْخُهُ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ وَحَكَاهُ عَنْ وَالِدِهِ وَلَمْ يُرِيدُوا بِذَلِكَ أَرْبَعِينَ مُتَعَيَّنِينَ مِنْ خَلْقٍ يَزِيدُونَ عَلَيْهِمْ بَلْ إنْ كَانُوا أَرْبَعِينَ فَقَطْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْإِصْغَاءُ وَالِاسْتِمَاعُ وَعَلَى الْخَطِيبِ رَفْعُ الصَّوْتِ لِيُسْمِعَهُمْ وَانْعَقَدَتْ الْجُمُعَةُ بِهِمْ وَإِنْ كَانُوا أَزَيْدَ مِنْ أَرْبَعِينَ وَلَوْ بَلَغُوا أُلُوفًا وَجَبَ عَلَى أَرْبَعِينَ مِنْهُمْ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ الْإِصْغَاءُ وَالِاسْتِمَاعُ فَإِنْ لَمْ يَسْمَعْ غَيْرُهُمْ انْعَقَدَتْ بِهِمْ وَإِنْ سَمِعَ أَكْثَرُ مِنْهُمْ انْعَقَدَتْ بِهِمْ كُلِّهِمْ أَوْ بِأَرْبَعِينَ مِنْهُمْ غَيْرِ مُعَيَّنِينَ قَالَ وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ وَلَا مَعْنَى لِوُجُوبِ إسْمَاعِ أَرْبَعِينَ وَعَدَمِ وُجُوبِ إنْصَاتِهِمْ بِحَيْثُ لَا يَسْمَعُونَ وَلَوْ فُرِضَ ذَلِكَ لَمْ تَنْعَقِدْ الْجُمُعَةُ وَكَانَ عَدَمُ سَمَاعِهِمْ بِسَبَبِ الْكَلَامِ كَانْقِضَاضِهِمْ انْتَهَى وَحَاصِلُ هَذَا يَرْجِعُ إلَى الْجَزْمِ بِوُجُوبِ الْإِنْصَاتِ فَإِنَّهُ حِينَئِذٍ فَرْضُ كِفَايَةٍ وَفُرُوضُ الْكِفَايَةِ تَتَعَلَّقُ بِالْجَمِيعِ لَا بِطَائِفَةٍ غَيْرِ مُعَيَّنَةٍ عَلَى الْمُرَجَّحِ فِي الْأُصُولِ وَقَدْ ذَهَبَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إلَى الْقَطْعِ بِوُجُوبِ الْإِنْصَاتِ وَإِنْكَارِ الْقَوْلَيْنِ فِي ذَلِكَ مُطْلَقًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) لَفْظُ الْحَدِيثِ لَا يَتَنَاوَلُ الْخَطِيبَ لِأَنَّ شَأْنَهُ أَنْ يَأْمُرَ النَّاسَ بِالْإِنْصَاتِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمَوَاعِظِ وَلِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ أَنْ يُتَكَلَّمَ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ وَبِهَذَا قَطَعَ أَكْثَرُ الشَّافِعِيَّةِ وَهُوَ مَذْهَبُ الْمَالِكِيَّةِ وَالْحَنَابِلَةِ وَحَكَى بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ فِي ذَلِكَ وَجْهَيْنِ وَنَقَلَ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي التَّحْقِيقِ التَّسْوِيَةَ بَيْنَ الْخَطِيبِ وَالْمُسْتَمِعِ عَنْ الْأَكْثَرِينَ وَفِيهِ نَظَرٌ . ( السَّابِعَةُ ) اسْتَثْنَى الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالظَّاهِرِيَّةُ مَنْ سَأَلَهُ الْخَطِيبُ فَأَخْرَجُوهُ عَنْ مَوْضِعِ الْخِلَافِ وَأَبَاحُوا لَهُ الْكَلَامَ جَوَابًا لِلْخَطِيبِ وَهُوَ وَاضِحٌ لِأَنَّ كَلَامَهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ لَا يُخْرِجُهُ عَنْ الْإِنْصَاتِ وَالِاسْتِمَاعِ وَيَدُلُّ لَهُ قَضِيَّةُ سُلَيْكٍ وَعُثْمَانَ وَغَيْرِهِمَا وَلِذَلِكَ اسْتَثْنَوْا مِنْ ابْتِدَاءِ الْإِمَامِ بِالْكَلَامِ لِحَاجَةٍ أَوْ سُؤَالٍ عَنْ مَسْأَلَةٍ لِحَدِيثِ الِاسْتِسْقَاءِ وَغَيْرِهِ وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَحِمَهُ اللَّهُ اسْتَدَلَّ بِهَذِهِ الْأَحَادِيثِ عَلَى أَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِنْصَاتِ عَلَى سَبِيلِ الِاسْتِحْبَابِ دُونَ الْوُجُوبِ . ( الثَّامِنَةُ ) ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ وَمَنْ لَا يَسْمَعُهَا فَكِلَاهُمَا مَأْمُورٌ بِالْإِنْصَاتِ وَبِهِ قَالَ الْمَالِكِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ وَالظَّاهِرِيَّةُ وَحَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ وَغَيْرُهُ عَنْ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمْ وَالثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَهُوَ الْأَصَحُّ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ تَفْرِيعًا عَلَى الْقَدِيمِ فِي وُجُوبِ الْإِنْصَاتِ أَمَّا عَلَى الْجَدِيدِ فَالْإِنْصَاتُ مُسْتَحَبٌّ فِي حَقِّ السَّامِعِ فَكَيْفَ بِمَنْ لَا يَسْمَعُ وَاخْتَلَفَ الْحَنَفِيَّةُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ أَنَّهُ كَانَ لَا يَرَى بَأْسًا بِالْكَلَامِ إذَا لَمْ يَسْمَعْ الْخُطْبَةَ وَالْمُخْتَلَفُ فِيهِ هُوَ كَلَامُ الْآدَمِيِّينَ أَمَّا الذِّكْرُ وَالتِّلَاوَةُ سِرًّا فَلَيْسَ مَمْنُوعًا مِنْهُمَا قَطْعًا قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ وَهَلْ ذَلِكَ أَفْضَلُ أَوْ الْإِنْصَاتُ ؟ يَحْتَمِلُ وَجْهَيْنِ أَحَدُهُمَا الْإِنْصَاتُ أَفْضَلُ لِحَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو مَرْفُوعًا { يَحْضُرُ الْجُمُعَةَ ثَلَاثَةُ نَفَرٍ رَجُلٌ حَضَرَهَا يَلْغُو فَهُوَ حَظُّهُ مِنْهَا وَرَجُلٌ حَضَرَهَا يَدْعُو فَهُوَ رَجُلٌ دَعَا اللَّهَ فَإِنْ شَاءَ أَعْطَاهُ وَإِنْ شَاءَ مَنَعَهُ وَرَجُلٌ حَضَرَهَا بِإِنْصَاتٍ وَسُكُوتٍ وَلَمْ يَتَخَطَّ رَقَبَةَ مُسْلِمٍ وَلَمْ يُؤْذِ مُسْلِمًا فَهِيَ كَفَّارَةٌ إلَى الْجُمُعَةِ الَّتِي تَلِيهَا وَزِيَادَةُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَلِقَوْلِ عُثْمَانَ مَنْ كَانَ قَرِيبًا يَسْمَعُ وَيُنْصِتُ وَمَنْ كَانَ بَعِيدًا يُنْصِتُ فَإِنَّ لِلْمُنْصِتِ الَّذِي لَا يَسْمَعُ مِنْ الْحَظِّ مَا لِلسَّامِعِ وَالثَّانِي الذِّكْرُ أَفْضَلُ لِأَنَّهُ يَحْصُلُ لَهُ ثَوَابُهُ مِنْ غَيْرِ ضَرَرٍ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ مِنْ الْحَنَابِلَةِ فِي صُورَةِ الْبُعْدِ لَهُ الْمُذَاكَرَةُ فِي الْفِقْهِ وَصَلَاةُ النَّافِلَةِ وَالْمَشْهُورُ عِنْدَهُمْ مَنْعُ ذَلِكَ . ( التَّاسِعَةُ ) التَّقْيِيدُ بِقَوْلِهِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يُخْرِجُ مَا قَبْلَ ابْتِدَاءِ الْإِمَامِ مِنْ الْخُطْبَةِ وَمَا بَعْدَ فَرَاغِهِ مِنْهَا فَلَا مَنْعَ مِنْ الْكَلَامِ حِينَئِذٍ وَهَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَأَبِي يُوسُفَ وَأَبِي مُحَمَّدِ بْنِ حَزْمٍ وَالْأَكْثَرِينَ وَذَهَبَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى مَنْعِ الْكَلَامِ بِمُجَرَّدِ خُرُوجِ الْإِمَامِ وَإِنْ لَمْ يَشْرَعْ فِي الْخُطْبَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ : ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ كَانَا يَكْرَهَانِ الْكَلَامَ وَالصَّلَاةَ بَعْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ انْتَهَى وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ التَّرْخِيصُ فِي ذَلِكَ حَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ قُدَامَةَ مُطْلَقًا وَحَكَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ فِيمَا بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْ الْخُطْبَةِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ التَّرْخِيصَ فِي الْكَلَامِ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ وَطَاوُسٍ وَالْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَعَطَاءٍ وَحَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ ؛ وَعَنْ الْحَكَمِ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ الْكَلَامِ إذَا خَرَجَ الْإِمَامُ حَتَّى يَتَكَلَّمَ وَإِذَا نَزَلَ قَبْلَ أَنْ يُصَلِّيَ فَكَرِهَهُ وَحَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ الْكَرَاهَةَ فِي الْحَالَةِ الثَّانِيَةِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ قَتَادَةَ قَالَ يَتَكَلَّمُ مَا لَمْ يَجْلِسْ وَهَذَا مَذْهَبٌ مُتَوَسِّطٌ بَيْنَ مَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَالْجُمْهُورِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ طَاوُسٍ قَالَ لَا كَلَامَ بَعْدَ أَنْ يَنْزِلَ الْإِمَامُ مِنْ الْمِنْبَرِ حَتَّى يَقْضِيَ الصَّلَاةَ وَعَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّهُ كَرِهَهُ . ( الْعَاشِرَةُ ) وَيُخْرِجُ أَيْضًا مَا بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَا يَخْطُبُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ وَبِهَذَا قَطَعَ الشَّيْخُ أَبُو إِسْحَاقَ الشِّيرَازِيُّ وَالْغَزَالِيُّ مِنْ الشَّافِعِيَّةِ وَأَجْرَى فِيهِ ابْنُ الصَّبَّاغِ وَالْمَحَامِلِيُّ وَآخَرُونَ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمَا وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ ذَكَرَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْأَوْزَاعِيُّ وَإِسْحَاقُ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ سِيرِينَ وَكَانَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ يَقُولُ لَا بَأْسَ بِهِ وَمِمَّنْ ذَهَبَ إلَى جَوَازِهِ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ وَذَكَرَ فِيهِ ابْنُ قُدَامَةَ الْحَنْبَلِيُّ احْتِمَالَيْنِ وَجَّهَ الْأَوَّلَ بِأَنَّهُ غَيْرُ خَاطِبٍ وَلَا مُتَكَلِّمٍ فَأَشْبَهَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا وَوَجَّهَ الثَّانِيَ بِأَنَّهُ سُكُوتٌ يَسِيرٌ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَتَيْنِ أَشْبَهَ سُكُوتَ النَّفَسِ وَأَبُو حَنِيفَةَ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَلَمْ أَرَ الْحَنَفِيَّةَ اسْتَثْنَوْا عَنْ صَاحِبِيهِ إلَّا مَا قَبْلَ الْخُطْبَةِ وَمَا بَعْدَهَا فَاقْتَضَى كَلَامُهُمْ مُوَافَقَةَ صَاحِبِيهِ لَهُ عَلَى مَنْعِ الْكَلَامِ بَيْنَ الْخُطْبَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) سَوَّى الشَّافِعِيَّةُ وَالْجُمْهُورُ فِي حَالَةِ الْخُطْبَةِ بَيْنَ الذِّكْرِ وَالْوَعْظِ وَالدُّعَاءِ وَاخْتَلَفَ الْحَنَابِلَةُ فِي حَالَةِ الدُّعَاءِ فَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ إذَا بَلَغَ الْخَطِيبُ إلَى الدُّعَاءِ فَهَلْ يُشْرَعُ الْكَلَامُ ؟ فِيهِ وَجْهَانِ أَحَدُهُمَا الْجَوَازُ لِأَنَّهُ فَرَغَ مِنْ الْخُطْبَةِ وَشَرَعَ فِي غَيْرِهَا فَأَشْبَهَ مَا لَوْ تَرَكَ وَيُحْتَمَلُ أَنْ لَا يَجُوزَ لِأَنَّهُ تَابِعٌ لِلْخُطْبَةِ فَيَثْبُتُ لَهُ مَا يَثْبُتُ لَهَا كَالتَّطْوِيلِ فِي الْمَوْعِظَةِ وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُ إنْ كَانَ دُعَاءً مَشْرُوعًا كَالدُّعَاءِ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَلِلْإِمَامِ الْعَادِلِ أَنْصَتَ لَهُ وَإِنْ كَانَ لِغَيْرِهِ لَمْ يَلْزَمْ الْإِنْصَاتُ لِأَنَّهُ لَا حُرْمَةَ لَهُ انْتَهَى كَلَامُ ابْنِ قُدَامَةَ وَقَوْلُهُ فِي تَوْجِيهِ الْجَوَازِ أَنَّهُ فَرَغَ مِنْ الْخُطْبَةِ مَمْنُوعٌ بَلْ هُوَ فِيهَا وَالْحَدِيثُ مُتَنَاوِلٌ لِهَذِهِ الْحَالَةِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَثْنَى أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ مِنْ تَحْرِيمِ الْكَلَامِ حَالَةَ الْخُطْبَةِ أَوْ كَرَاهِيَةَ الدَّاخِلِ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ فَقَالُوا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَتَكَلَّمَ وَأَنَّهُ يَأْخُذُ لِنَفْسِهِ مَكَانًا وَالْقَوْلَانِ فِيمَا بَعْدَ قُعُودِهِ وَهُمْ مُطَالَبُونَ بِالدَّلِيلِ عَلَى اسْتِثْنَاءِ هَذِهِ الْحَالَةِ فَظَاهِرُ الْحَدِيثِ تَنَاوَلَهَا وَالْمَعْنَى الَّذِي اقْتَضَى مَنْعَ الْكَلَامِ وَهُوَ تَفْوِيتُ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ وَسَامِعِهِ مَوْجُودٌ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ فَهِيَ كَغَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ مَحَلُّ الْمَنْعِ مِنْ الْكَلَامِ حَالَةَ الْخُطْبَةِ فِي الْكَلَامِ الَّذِي لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ غَرَضٌ مُهِمٌّ نَاجِزٌ فَأَمَّا إذَا رَأَى أَعْمَى يَقَعُ فِي بِئْرٍ أَوْ عَقْرَبًا يَدِبُّ إلَى إنْسَانٍ فَأَنْذَرَهُ أَوْ عَلَّمَ إنْسَانًا شَيْئًا مِنْ الْخَيْرِ أَوْ نَهَاهُ عَنْ مُنْكَرٍ فَهَذَا لَيْسَ بِحَرَامٍ نَصَّ عَلَيْهِ الشَّافِعِيُّ وَاتَّفَقَ أَصْحَابُهُ عَلَى التَّصْرِيحِ بِهِ لَكِنْ قَالُوا يُسْتَحَبُّ أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى الْإِشَارَةِ وَلَا يَتَكَلَّمَ مَا أَمْكَنَ الِاسْتِغْنَاءُ عَنْهُ وَفِي هَذَا الِاسْتِثْنَاءِ نَظَرٌ فَإِنَّ الصُّورَةَ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا الْحَدِيثُ تَعَلَّقَ بِهَا غَرَضٌ مُهِمٌّ نَاجِزٌ فَإِنَّهُ نَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ تَعَاطَاهُ الْمُتَكَلِّمُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِكَلِمَةٍ خَفِيفَةٍ وَمَعَ ذَلِكَ فَحَكَمَ عَلَيْهِ الشَّارِعُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِأَنَّهُ لَغْوٌ وَقَدْ فَصَّلَ الْحَنَابِلَةُ فِي ذَلِكَ فَجَوَّزُوا إنْذَارَ الْأَعْمَى وَمَنْ قَصَدَتْهُ حَيَّةٌ أَوْ خُشِيَ عَلَيْهِ حَرِيقٌ وَنَحْوُ ذَلِكَ وَعَلَّلُوهُ بِأَنَّ هَذَا يَجُوزُ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ مَعَ إفْسَادِهَا بِهِ فَهُنَا أَوْلَى وَمَنَعُوا نَهْيَ الْمُتَكَلِّمِ لِهَذَا الْحَدِيثِ قَالُوا وَلَكِنْ يُشِيرُ إلَيْهِ فَيَضَعُ أُصْبُعَهُ عَلَى فِيهِ وَمَا ذَكَرُوهُ فِي ذَلِكَ وَاضِحٌ وَتَجْوِيزُ الْإِنْكَارِ عَلَى الْمُتَكَلِّمِ مِنْ غَيْرِ تَحْرِيمٍ وَلَا كَرَاهَةٍ مُصَادِمٌ لِهَذَا الْحَدِيثِ وَلَمْ أَرَ الْحَنَفِيَّةَ وَالْمَالِكِيَّةَ اسْتَثْنَوْا هَذِهِ الْأَحْوَالَ وَظَاهِرُ كَلَامِهِمْ الْمَنْعُ مُطْلَقًا وَحَكَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ إنْ تَكَلَّمَ غَيْرُهُ فَلَا يُنْكِرُ عَلَيْهِ إلَّا بِالْإِشَارَةِ وَقَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَقُولَ لِمَنْ يَتَكَلَّمُ حِينَئِذٍ أَنْصِتْ لَكِنْ يُشِيرُ إلَيْهِ أَوْ يَغْمِزُهُ أَوْ يَحْصِبُهُ وَحَكَى ابْنُ كَجٍّ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ وَإِذَا خَافَ عَلَى أَحَدٍ أَوْ عَلَى جَمَاعَةٍ لَمْ أَرَ بَأْسًا إذَا لَمْ يَفْهَمْ عَنْهُ بِالْإِيمَاءِ أَنْ يَتَكَلَّمَ انْتَهَى وَمُقْتَضَاهُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ النُّطْقُ إنْ حَصَلَ الْمَقْصُودُ بِالْإِشَارَةِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَا خِلَافَ عَلِمْته بَيْنَ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ فِي أَنَّهُ غَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ لِمَنْ سَمِعَهُ مِنْ الْجُهَّالِ يَتَكَلَّمُ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ أَنْصِتْ أَوْ صَهٍ أَوْ نَحْوَ ذَلِكَ أَخْذًا بِهَذَا الْحَدِيثِ وَاسْتِعْمَالًا لَهُ وَتَقَبُّلًا لِمَا فِيهِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ الْإِشَارَةَ عَنْ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ أَبِي لَيْلَى وَعَلْقَمَةَ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ وَمُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ وَمَجْزَأَةِ بْنِ زَاهِرٍ عَنْ أَبِيهِ وَحَكَاهُ الْمُنْذِرُ عَنْ الثَّوْرِيِّ وَالْأَوْزَاعِيِّ وَقَالَ بِهِ وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ طَاوُسٍ أَنَّهُ قَالَ لَا تُشِرْ إلَى أَحَدٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَلَا تَنْهَاهُ عَنْ شَيْءٍ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ابْتِدَاءِ السَّلَامِ فِي حَالَةِ الْخُطْبَةِ وَرَدِّهِ فَقَالَ الشَّافِعِيَّةُ إنْ فَرَّعْنَا عَلَى الْقَدِيمِ فَيَنْبَغِي لِلدَّاخِلِ أَنْ لَا يُسَلِّمَ فَإِنْ سَلَّمَ حُرِّمَتْ إجَابَتُهُ بِاللَّفْظِ وَيُسْتَحَبُّ بِالْإِشَارَةِ كَمَا فِي الصَّلَاةِ وَإِنْ قُلْنَا بِالْجَدِيدِ جَازَ رَدُّ السَّلَامِ قَطْعًا وَهَلْ يَجِبُ ؟ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ( أَصَحُّهَا ) عِنْدَ الْبَغَوِيّ وَالنَّوَوِيِّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ وُجُوبُهُ ( وَالثَّانِي ) اسْتِحْبَابُهُ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِ الصَّغِيرِ ( وَالثَّالِثُ ) جَوَازُهُ بِلَا اسْتِحْبَابٍ وَقَطَعَ إمَامُ الْحَرَمَيْنِ بِأَنَّهُ لَا يَجِبُ الرَّدُّ وَقَالَ شَيْخُنَا الْإِمَامُ جَمَالُ الدِّينِ الْإِسْنَوِيُّ فِي الْمُهِمَّاتِ الْفَتْوَى عَلَى وُجُوبِ الرَّدِّ فَإِنَّهُ ظَاهِرُ لَفْظِ الشَّافِعِيِّ فِي الْمُخْتَصَرِ وَغَيْرِهِ انْتَهَى وَعَنْ أَحْمَدَ فِي رَدِّ السَّلَامِ رِوَايَتَانِ إحْدَاهُمَا يَرُدُّ لِوُجُوبِهِ وَالثَّانِيَةُ إنْ كَانَ لَا يَسْمَعُ الْخُطْبَةَ رَدَّ السَّلَامَ وَإِنْ سَمِعَ لَمْ يَفْعَلْ وَعَلَى هَذِهِ الرِّوَايَةِ الثَّانِيَةِ فَقِيلَ لِأَحْمَدَ الرَّجُلُ يَسْمَعُ لُغَةَ الْإِمَامِ بِالْخُطْبَةِ وَلَا يَدْرِي مَا يَقُولُ يَرُدُّ السَّلَامَ ؟ فَقَالَ لَا إذَا سَمِعَ شَيْئًا قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ وَرُوِيَ نَحْوُ ذَلِكَ عَنْ عَطَاءٍ انْتَهَى وَمَنَعَ الْمَالِكِيَّةُ ابْتِدَاءَ السَّلَامِ وَرَدَّهُ فِي هَذِهِ الْحَالَةِ مُطْلَقًا وَهُوَ مُقْتَضَى الْحَدِيثِ أَمَّا ابْتِدَاءُ السَّلَامِ فَهُوَ سُنَّةٌ فَكَيْفَ يَفُوتُ بِهِ الْإِنْصَاتُ الْمَأْمُورُ بِهِ إذَا كَانَ الْأَمْرُ بِالْإِنْصَاتِ مَعَ وُجُوبِهِ وَخِفَّتِهِ لَغْوًا فَمَا ظَنُّكَ بِالسَّلَامِ الَّذِي هُوَ مُسْتَحَبٌّ وَأَمَّا جَوَابُهُ فَلِأَنَّهُ مُرَتَّبٌ عَلَى اسْتِحْبَابِ الِابْتِدَاءِ حَيْثُ اُسْتُحِبَّ الِابْتِدَاءُ وَجَبَ الرَّدُّ وَحَيْثُ كَانَ الِابْتِدَاءُ غَيْرَ مُسْتَحَبٍّ كَانَ الرَّدُّ غَيْرَ وَاجِبٍ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) وَاخْتَلَفُوا أَيْضًا فِي تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ فِي حَالَةِ الْخُطْبَةِ فَقَالَ أَصْحَابُنَا إنْ فَرَّعْنَا عَلَى الْقَدِيمِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ الصَّحِيحُ الْمَنْصُوصُ تَحْرِيمُهُ كَرَدِّ السَّلَامِ وَالثَّانِي اسْتِحْبَابُهُ وَالثَّالِثُ جَوَازُهُ مِنْ غَيْرِ اسْتِحْبَابٍ وَإِنْ فَرَّعْنَا عَلَى الْجَدِيدِ جَازَ قَطْعًا وَالْأَصَحُّ اسْتِحْبَابُهُ وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ وَطَرَدَ الْمَالِكِيَّةُ الْمَنْعَ مِنْ ذَلِكَ مُطْلَقًا وَقَالُوا لَا بَأْسَ أَنْ يَحْمَدَ اللَّهَ خَافِضًا صَوْتَهُ وَحَكَى ابْنُ الْعَرَبِيِّ عَنْ سَائِرِ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ غَيْرِ الشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ أَنَّهُ لَا يَرُدُّ السَّلَامَ وَلَا يُشَمِّتُ انْتَهَى وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَصْحَابِهِمَا أَنَّهُ لَا يَرُدُّ السَّلَامَ وَلَا يُشَمِّتُ الْعَاطِسَ وَالْقَوْلُ بِمَنْعِ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ أَوْلَى مِنْ الْقَوْلِ بِمَنْعِ رَدِّ السَّلَامِ لِوُجُوبِ الرَّدِّ وَاسْتِحْبَابِ التَّشْمِيتِ وَلِذَلِكَ كَانَ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ وَجْهٌ أَنَّهُ يَرُدُّ السَّلَامَ وَلَا يُشَمِّتُ الْعَاطِسَ وَقَدْ حَكَى الرَّافِعِيُّ إطْبَاقَ الْأَئِمَّةِ عَلَى أَنْ تَشْمِيتَ الْعَاطِسِ غَيْرُ وَاجِبٍ لَكِنْ ذَكَرَ ابْنُ سُرَاقَةَ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي كِتَابٍ لَهُ سَمَّاهُ ( الدُّرَّةَ ) وُجُوبَ تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ كَرَدِّ السَّلَامِ وَقَالَ ابْنُ الْمُنْذِرِ رَخَّصَ فِي تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ وَرَدِّ السَّلَامِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ وَالنَّخَعِيُّ وَالشَّعْبِيُّ وَالْحَكَمُ وَحَمَّادٌ وَالثَّوْرِيُّ وَأَحْمَدُ وَإِسْحَاقُ وَقَالَ قَتَادَةُ يَرُدُّ السَّلَامَ وَيُشَمِّتُهُ وَاخْتَلَفَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فِي هَذَا فَكَانَ بِالْعِرَاقِ يَنْهَى عَنْهُ إلَّا بِإِيمَاءٍ وَقَالَ بِمِصْرَ رَأَيْت أَنْ يَرُدَّ عَلَيْهِمْ بَعْضُهُمْ لِأَنَّ رَدَّ السَّلَامِ فَرْضٌ وَقَالَ فِي تَشْمِيتِ الْعَاطِسِ أَرْجُو أَنْ يَسَعَهُ وَكَانَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ يَقُولُ لَا تُشَمِّتْهُ وَبِهِ قَالَ قَتَادَةُ وَهَذَا خِلَافُ قَوْلِهِ فِي رَدِّ السَّلَامِ وَكَانَ مَالِكٌ وَالْأَوْزَاعِيُّ لَا يَرَيَانِ تَشْمِيتَ الْعَاطِسِ وَلَا رَدَّ السَّلَامِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ ، وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ اسْتَحَبُّوا مَا قَالَ مَالِكٌ وَقَالَ عَطَاءٌ إذَا كُنْت تَسْمَعُ الْخُطْبَةَ فَارْدُدْ عَلَيْهِ فِي نَفْسِك وَإِذَا كُنْت لَا تَسْمَعُ فَأَرْدُدْ عَلَيْهِ السَّلَامَ وَأَسْمِعْهُ وَقَالَ أَحْمَدُ إذَا لَمْ تَسْمَعْ الْخُطْبَةَ شَمِّتْ وَرُدَّ انْتَهَى وَذَهَبَ ابْنُ حَزْمٍ إلَى ابْتِدَاءِ السَّلَامِ وَرَدِّهِ وَحَمْدِ الْعَاطِسِ وَتَشْمِيتِهِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُشَمِّتِ وَالصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا أَمَرَ الْخَطِيبُ بِالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَالتَّأْمِينِ عَلَى دُعَائِهِ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) قَالَ أَصْحَابُنَا حَيْثُ حَرَّمْنَا الْكَلَامَ فَتَكَلَّمَ أَثِمَ وَلَا تَبْطُلُ جُمُعَتُهُ بِلَا خِلَافٍ فَإِنْ قُلْت فَقَدْ وَرَدَ فِي أَحَادِيثَ وَآثَارَ أَنَّهُ لَا جُمُعَةَ لِلْمُتَكَلِّمِ فِي الْخُطْبَةِ فَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ الشَّعْبِيِّ { أَنَّ أَبَا ذَرٍّ أَوْ الزُّبَيْرَ بْنَ الْعَوَّامِ سَمِعَ أَحَدُهُمَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آيَةً يَقْرَؤُهَا عَلَى الْمِنْبَرِ يَوْمَ جُمُعَةٍ قَالَ فَقَالَ لِصَاحِبِهِ مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ؟ فَلَمَّا قَضَى صَلَاتَهُ قَالَ لَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لَا جُمُعَةَ لَك فَأَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ لَهُ صَدَقَ عُمَرُ } . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا وَأَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ فِي مُسْنَدَيْهِمَا وَغَيْرُهُمْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ تَكَلَّمَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَهُوَ كَالْحِمَارِ يَحْمِلُ أَسْفَارًا وَاَلَّذِي يَقُولُ لَهُ أَنْصِتْ لَيْسَ لَهُ جُمُعَةٌ } . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا وَالْبَزَّارُ وَأَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِيهِمَا عَنْ جَابِرٍ قَالَ { قَالَ سَعْدٌ لِرَجُلٍ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا صَلَاةَ لَك قَالَ فَذَكَرَ ذَلِكَ الرَّجُلُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّ سَعْدًا قَالَ لَا صَلَاةَ لَك فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمَ يَا سَعْدُ ؟ قَالَ إنَّهُ تَكَلَّمَ وَأَنْتَ تَخْطُبُ قَالَ صَدَقَ سَعْدٌ } . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ أَيْضًا عَنْ عَلْقَمَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : " جَلَسْت قَرِيبًا مِنْ ابْنِ عُمَرَ فَجَاءَ رَجُلٌ مِنْ أَصْحَابِي فَجَعَلَ يُحَدِّثُنِي وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلَمَّا أَكْثَرَ قُلْت لَهُ اُسْكُتْ فَلَمَّا قَضَيْنَا الصَّلَاةَ ذَكَرْت ذَلِكَ لِابْنِ عُمَرَ فَقَالَ أَمَّا أَنْتَ فَلَا جُمُعَةَ لَك وَأَمَّا صَاحِبُك فَحِمَارٌ " . وَرَوَى أَبُو بَكْرٍ الْبَزَّارُ وَالْبَيْهَقِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : { خَطَبَنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ جُمُعَةِ فَذَكَرَ سُورَةً فَقَالَ أَبُو ذَرٍّ لِأُبَيٍّ مَتَى أُنْزِلَتْ هَذِهِ السُّورَةُ ؟ فَأَعْرَضَ عَنْهُ أُبَيٌّ فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ مَا لَك مِنْ صَلَاتِك إلَّا مَا لَغَيْتَ فَسَأَلَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ صَدَقَ } لَفْظُ الْبَزَّارِ وَرَوَاهُ الْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ وَصَحَّحَهُ الْحَاكِمُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ بِمَعْنَاهُ وَالْبَيْهَقِيُّ فِي سُنَنِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ وَقَالَ فِي الْمَعْرِفَةِ إسْنَادُهُ صَحِيحٌ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الدَّرْدَاءِ بِمَعْنَاهُ أَنَّ الْقِصَّةَ جَرَتْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ أُبَيٍّ وَرَوَاهُ ابْنُ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ أَنَّ الْقِصَّةَ جَرَتْ لَهُ مَعَ أَبِي ذَرٍّ أَوْ أَبِي الدَّرْدَاءِ وَرَوَاهُ أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ حَدِيثِ جَابِرٍ أَنَّ الْقِصَّةَ جَرَتْ بَيْنَ ابْنِ مَسْعُودٍ وَأُبَيٍّ وَالْمُنْكِرُ فِي الرِّوَايَاتِ كُلِّهَا أُبَيٌّ ، وَصَحَّحَ الْبَيْهَقِيُّ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ الْقِصَّةَ جَرَتْ لِأَبِي ذَرٍّ مَعَ أُبَيٍّ وَذَكَرَ ابْنُ حَزْمٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ النَّخَعِيّ أَنَّ رَجُلًا اسْتَفْتَحَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ مَسْعُودٍ وَالْإِمَامُ يَخْطُبُ فَلَمَّا صَلَّى قَالَ هَذَا حَظُّك مِنْ الصَّلَاةِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَيْضًا قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ الثَّانِيَةِ فَقَدْ أَلْغَيْت عَلَى نَفْسِك عَلَى أَحَدِ التَّقْرِيرَيْنِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُمَا فِي الْفَائِدَةِ الثَّالِثَةِ قُلْت قَدْ حَمَلَهُ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ لَا جُمُعَةَ لَهُ كَامِلَةً وَأَخَذَهُ ابْنُ حَزْمٍ الظَّاهِرِيُّ عَلَى ظَاهِرِهِ فَقَالَ وَمَنْ تَكَلَّمَ بِغَيْرِ مَا ذَكَرْنَا ذَاكِرًا عَالِمًا بِالنَّهْيِ فَلَا جُمُعَةَ لَهُ ثُمَّ حَكَى حَدِيثَ أَبِي هُرَيْرَةَ الْمُتَقَدِّمَ وَأَثَرَ ابْنِ عُمَرَ وَابْنِ مَسْعُودٍ وَقَالَ فَهَؤُلَاءِ ثَلَاثَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ لَا يُعْرَفُ لَهُمْ مِنْ الصَّحَابَةِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ مُخَالِفٌ كُلُّهُمْ يُبْطِلُ صَلَاةَ مَنْ تَكَلَّمَ عَامِدًا فِي الْخُطْبَةِ وَبِهِ نَقُولُ وَعَلَيْهِ إعَادَتُهَا فِي الْوَقْتِ قَالَ وَالْعَجَبُ مِمَّنْ قَالَ مَعْنَى هَذَا أَنَّهُ بَطَلَ أَجْرُهُ قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَإِذَا بَطَلَ أَجْرُهُ بَطَلَ عَمَلُهُ بِلَا شَكٍّ انْتَهَى وَهُوَ مَرْدُودٌ فَلَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ الْأَجْرِ لِمُقَارَنَةِ مَعْصِيَةٍ سَاوَى إثْمُهَا أَجْرَ سَمَاعِ الْخُطْبَةِ بُطْلَانُ الْعِبَادَةِ بِالْكُلِّيَّةِ إذَا كَانَتْ الْعِبَادَةُ قَدْ وَقَعَتْ مُسْتَجْمِعَةً لِلشُّرُوطِ وَالْأَرْكَانِ وَقَدْ ذَكَرَ الشَّافِعِيُّ فِي رِوَايَةِ حَرْمَلَةَ { أَنَّ بَعْضَ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْمُتَكَلِّمِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لَا جُمُعَةَ لَك فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَدَقَ وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةٍ } فَدَلَّ عَلَى أَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ لَا أَجْرَ لِلْجُمُعَةِ لَك حَكَاهُ الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّ جَمَاعَةَ الْفُقَهَاءِ مُجْمِعُونَ عَلَى أَنَّ جُمُعَتَهُ مُجْزِئَةٌ عَنْهُ وَلَا يُصَلِّي أَرْبَعًا قَالَ ابْنُ وَهْبٍ مَنْ لَغَا كَانَتْ جُمُعَتُهُ ظُهْرًا وَلَمْ تَكُنْ جُمُعَةً وَحُرِمَ فَضْلَهَا وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ هَذَا الْكَلَامَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ وَقَالَ فِي قَوْلِهِ كَانَتْ صَلَاتُهُ ظُهْرًا يَعْنِي فِي الْفَضْلِ . ( السَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) تَقْيِيدُ الْخُطْبَةِ بِكَوْنِهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ يُخْرِجُ خُطْبَةَ غَيْرِ الْجُمُعَةِ كَالْعِيدِ وَالْكُسُوفِ وَالِاسْتِسْقَاءِ فَلَا يَجِبُ الْإِنْصَاتُ لَهَا وَلَا يَحْرُمُ الْكَلَامُ وَالْإِمَامُ فِيهَا وَاسْتِمَاعُهَا مُسْتَحَبٌّ فَقَطْ لِأَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ أَصْحَابُنَا وَغَيْرُهُمْ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عَطَاءٍ قَالَ يَحْرُمُ الْكَلَامُ مَا كَانَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ وَإِنْ كَانَ قَدْ ذَهَبَ فِي غَيْرِ ذِكْرِ اللَّهِ قَالَ وَيَوْمُ عَرَفَةَ وَالْعِيدَيْنِ كَذَلِكَ فِي الْخُطْبَةِ . ( الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ الْمَالِكِيَّةُ عَلَى تَرْكِ تَحِيَّةِ الْمَسْجِدِ حَالَةَ الْخُطْبَةِ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالْإِنْصَاتِ أَمْرٌ بِمَعْرُوفٍ وَأَصْلُهُ الْوُجُوبُ فَإِذَا مُنِعَ مَعَ قِصَرِ زَمَانِهِ وَقِلَّةِ شَغْلِهِ فَلَأَنْ تُمْنَعَ الرَّكْعَتَانِ مَعَ سُنِّيَّتِهِمَا وَطُولِ زَمَانِهِمَا وَالِاشْتِغَالِ بِهِمَا أَوْلَى وَقَدْ تَقَدَّمَ إيضَاحُ الْمَسْأَلَةِ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ وَعَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُنَا فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا فَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ { إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ } نَظَرْت إلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْت حَدِيثِي فَرَفَعْتهمَا } رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ . ( الْحَدِيثُ السَّابِعُ ) عَنْ بُرَيْدَةَ قَالَ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْطُبُنَا فَجَاءَ الْحَسَنُ وَالْحُسَيْنُ عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَنَزَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْمِنْبَرِ فَحَمَلَهُمَا فَوَضَعَهُمَا بَيْنَ يَدَيْهِ ثُمَّ قَالَ صَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ { إنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ } نَظَرْت إلَى هَذَيْنِ الصَّبِيَّيْنِ يَمْشِيَانِ وَيَعْثُرَانِ فَلَمْ أَصْبِرْ حَتَّى قَطَعْت حَدِيثِي فَرَفَعْتهمَا } رَوَاهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ وَابْنُ حِبَّانَ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ زَيْدِ بْنِ الْحُبَابِ وَأَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ أَيْضًا وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ طَرِيقِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ وَأَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ مِنْ طَرِيقِ الْفَضْلِ بْنِ مُوسَى وَأَبِي تُمَيْلَةَ يَحْيَى بْنِ وَاضِحٍ أَرْبَعَتُهُمْ عَنْ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بُرَيْدَةَ عَنْ أَبِيهِ وَقَالَ الْحَاكِمُ هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَكَذَا قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ أَنَّهُ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ إنَّمَا نَعْرِفُهُ مِنْ حَدِيثِ الْحُسَيْنِ بْنِ وَاقِدٍ . ( الثَّانِيَةُ ) قَوْلُهُ يَعْثُرَانِ بِضَمِّ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ هَذَا هُوَ الْمَشْهُورُ وَحَكَى فِيهِ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ كَسْرَهَا أَيْضًا وَحَكَى عَنْ اللِّحْيَانِيِّ فِي الْمَاضِي الْفَتْحَ وَالْكَسْرَ وَمَعْنَاهُ كَبَا كَذَا فَسَّرَهُ فِي الْمُحْكَمِ وَقَالَ الْجَوْهَرِيُّ عَثَرَ فِي ثَوْبِهِ مِثَالٌ فَقَدْ يَكُونُ سَبَبُ الْكَبْوَةِ غَيْرُ هَذَا . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ جَوَازُ لُبْسِ الْأَحْمَرِ وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ وَفِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ أَبِي جُحَيْفَةَ { فَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ حُلَّةٌ حَمْرَاءُ كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى بَيَاضِ سَاقَيْهِ } مَعَ أَنَّ الْحَسَنَيْنِ كَانَا إذْ ذَاكَ صَغِيرَيْنِ لَمْ يَبْلُغَا سِنَّ التَّكْلِيفِ فَيَجُوزُ إلْبَاسُهُمَا الْحَرِيرَ فَكَيْفَ بِالْأَحْمَرِ الَّذِي لَيْسَ بِحَرِيرٍ ؟ وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا إنَّمَا يَجُوزُ إلْبَاسُ الصَّبِيِّ الْحَرِيرَ إذَا لَمْ يَبْلُغْ سَبْعَ سِنِينَ وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِهِ لَكِنَّهُ صَحَّحَ فِي الْمُحَرَّرِ الْجَوَازَ مُطْلَقًا وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ وَهُوَ أَرْجَحُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الرَّابِعَةُ ) تَعَثُّرُهُمَا فِي الْمَشْيِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ الْإِسْرَاعَ وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ ضَعْفَ الْبَدَنِ لِصِغَرِهِمَا وَعَدَمِ اسْتِحْكَامِ قُوَّتِهِمَا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ سَبَبُهُ طُولَ الثِّيَابِ وَهُوَ بَعِيدٌ غَيْرُ لَائِقٍ بِأَهْلِ ذَلِكَ الزَّمَانِ وَلَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ النَّسَائِيّ { عَلَيْهِمَا قَمِيصَانِ أَحْمَرَانِ يَعْثُرَانِ فِيهِمَا } وَلَا قَوْلُهُ عِنْدَ النَّسَائِيّ أَيْضًا : { رَأَيْت هَذَيْنِ يَعْثُرَانِ فِي قَمِيصَيْهِمَا } لِأَنَّ هَذَا اللَّفْظَ يَصْدُقُ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ سَبَبُ الْعِثَارِ طُولَ الثِّيَابِ . ( الْخَامِسَةُ ) قَدْ يَسْتَدِلُّ بِهَذِهِ الْقِصَّةِ مَنْ لَا يُوجِبُ الْمُوَالَاةَ فِي الْخُطْبَةِ لَكِنَّهُ زَمَنٌ يَسِيرٌ لَا يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ عِنْدَ مَنْ يَشْتَرِطُهَا فَلَيْسَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ فِي مَوْضِعِ النِّزَاعِ وَلِلشَّافِعِيِّ فِي الْمَسْأَلَةِ قَوْلَانِ أَصَحُّهُمَا عِنْدَ أَصْحَابِهِ اشْتِرَاطُهَا وَبِهِ قَالَ الْحَنَابِلَةُ وَكَذَلِكَ الْخِلَافُ فِي اشْتِرَاطِ الْمُوَالَاةِ بَيْنَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ وَالْمَرْجِعُ فِيمَا يَقْطَعُ الْمُوَالَاةَ مِنْ كَلَامٍ أَوْ فِعْلٍ إلَى الْعُرْفِ وَحَيْثُ انْقَطَعَتْ الْمُوَالَاةُ اسْتَأْنَفَ الْأَرْكَانَ وَقَدْ يُقَالُ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ الْخُطْبَةُ خُطْبَةَ الْجُمُعَةِ لَكِنَّ النَّسَائِيّ بَوَّبَ عَلَيْهِ نُزُولَ الْإِمَامِ عَنْ الْمِنْبَرِ قَبْلَ فَرَاغِهِ مِنْ الْخُطْبَةِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَقَالَ الْحَاكِمُ هُوَ أَصْلٌ فِي قَطْعِ الْخُطْبَةِ وَالنُّزُولِ مِنْ الْمِنْبَرِ عِنْدَ الْحَاجَةِ . ( السَّادِسَةُ ) فِيهِ جَوَازُ كَلَامِ الْخَطِيبِ فِي أَثْنَاءِ الْخُطْبَةِ بِمَا لَيْسَ مِنْهَا وَقَدْ تَقَدَّمَ إيضَاحُ ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ . ( السَّابِعَةُ ) وَفِيهِ مَنْقَبَةٌ لِلْحَسَنِ وَالْحُسَيْنُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا وَقَدْ أَوْرَدَهُ التِّرْمِذِيُّ فِي مَنَاقِبِهِمَا وَلَوْلَا شِدَّةُ مَحَبَّتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَمَا فَعَلَ مَعَهُمَا مِثْلَ ذَلِكَ وَفِي رِوَايَةِ الْحَاكِمِ { رَأَيْت وَلَدَيَّ هَذَيْنِ } ( الثَّامِنَةُ ) وَفِيهِ بَيَانُ رَحْمَتِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لِلْعِيَالٍ وَشَفَقَتِهِ عَلَيْهِمْ وَرِفْقِهِ بِهِمْ وَالظَّاهِرُ أَنَّ مُبَادَرَتَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ إلَى أَخْذِهِمَا لِإِعْيَائِهِمَا بِالْمَشْيِ وَحُصُولِ الْمَشَقَّةِ لَهُمَا بِالْعِثَارِ فَرَفَعَ تِلْكَ الْمَشَقَّةَ عَنْهُمَا بِحَمْلِهِمَا ( التَّاسِعَةُ ) إنْ قُلْتَ ظَاهِرُ الْحَدِيثِ أَنَّ قَطْعَ الْخُطْبَةِ وَالنُّزُولَ لَأَخْذِهِمَا فِتْنَةٌ دَعَا إلَيْهَا مَحَبَّةُ الْأَوْلَادِ وَكَانَ الْأَرْجَحُ تَرْكُهُ وَالِاسْتِمْرَارُ فِي الْخُطْبَةِ وَهَذَا لَا يَلِيقُ بِحَالِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنَّهُ لَا يَقْطَعُهُ عَنْ الْعِبَادَةِ أَمْرٌ دُنْيَوِيٌّ وَلَا يَفْعَلُ إلَّا مَا هُوَ الْأَرْجَحُ وَالْأَكْمَلُ قُلْتُ قَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَوَازَ مِثْلِ ذَلِكَ بِفِعْلِهِ فَكَانَ رَاجِحًا فِي حَقِّهِ لِتَضَمُّنِهِ بَيَانَ الشَّرِيعَةِ الَّتِي أُرْسِلَ بِهَا وَإِنْ كَانَ مَرْجُوحًا فِي حَقِّ غَيْرِهِ لِخُلُوِّهِ عَنْ الْبَيَانِ وَكَوْنِهِ نَشَأَ عَنْ إيثَارِ مَصْلَحَةِ الْأَوْلَادِ عَلَى الْقِيَامِ بِحَقِّ الْعِبَادَةِ وَنَبَّهَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ بِمَا ذَكَرَهُ فِي ذَلِكَ عَلَى حَالِ غَيْرِهِ فِي ذَلِكَ لَا عَلَى حَالِ نَفْسِهِ فَإِنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ لَا يَفْعَلُ ذَلِكَ إلَّا لِمَصْلَحَةٍ رَاجِحَةٍ عَلَى مَصْلَحَةِ الْخُطْبَةِ وَبِتَقْدِيرِ أَنْ يَكُونَ لِمَصْلَحَةٍ مَرْجُوحَةٍ فَذَلِكَ الْفِعْلُ فِي حَقِّهِ رَاجِحٌ عَلَى التَّرْكِ لِكَوْنِهِ بَيَّنَ بِهِ جَوَازَ تَقْدِيمِ الْمَصْلَحَةِ الْمَرْجُوحَةِ عَلَى الْأَمْرِ الرَّاجِحِ الَّذِي هُوَ فِيهِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) فِيهِ اسْتِحْبَابُ الْخُطْبَةِ عَلَى مِنْبَرٍ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرِهِمْ وَقَالُوا فَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْبَرٌ فَعَلَى مَوْضِعٍ مُرْتَفِعٍ وَعَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ : { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ وَهُوَ يَسْأَلُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا إلَّا آتَاهُ إيَّاهُ } وَفِي رِوَايَةٍ لِلشَّيْخَيْنِ قَالَ : { يُصَلِّي } وَلِمُسْلِمٍ { يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا إلَّا أَعْطَاهُ } قَالَ وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ . ( الْحَدِيثُ الثَّامِنُ ) عَنْ الْأَعْرَجِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فَقَالَ فِيهِ سَاعَةٌ لَا يُصَادِفُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا } وَعَنْ هَمَّامٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ وَهُوَ يَسْأَلُ رَبَّهُ عَزَّ وَجَلَّ شَيْئًا إلَّا آتَاهُ إيَّاهُ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ مِنْ الطَّرِيقِ الْأُولَى الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ { وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي } وَذَكَرَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَنَّ عَامَّةَ رُوَاةِ الْمُوَطَّإِ قَالُوا فِي هَذَا الْحَدِيثِ { وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي } إلَّا قُتَيْبَةَ وَأَبَا مُصْعَبٍ فَلَمْ يَقُولَا وَهُوَ قَائِمٌ قَالَ وَلَا قَالَهُ ابْنُ أُوَيْسٍ وَلَا مُطَرِّفٌ وَلَا التِّنِّيسِيُّ قَالَ وَالْمَعْرُوفُ فِي حَدِيثِ أَبِي الزِّنَادِ هَذَا قَوْلُهُ وَهُوَ قَائِمٌ مِنْ رِوَايَةِ مَالِكٍ وَغَيْرِهِ وَكَذَلِكَ رَوَاهُ وَرْقَاءُ فِي نُسْخَتِهِ عَنْ أَبِي الزِّنَادِ وَكَذَا رَوَاهُ ابْنُ سِيرِينَ وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ انْتَهَى وَأَخْرَجَهُ مِنْ طَرِيقِ الثَّانِيَةِ مُسْلِمٌ عَنْ عَبْدِ الرَّزَّاقِ عَنْ مَعْمَرٍ عَنْ هَمَّامٍ وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ السِّخْتِيَانِيُّ وَالشَّيْخَانِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ وَمُسْلِمٍ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَوْنٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { إنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ قَائِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهُ وَقَالَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا } يُزَهِّدُهَا لَفْظُ مُسْلِمٍ ، وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ أَيُّوبَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَقَالَ بِيَدِهِ قُلْنَا يُقَلِّلُهَا يُزَهِّدُهَا فَفِي قَوْلِهِ قُلْنَا زِيَادَةٌ وَهِيَ أَنَّهُمْ فَهِمُوا مِنْ هَذِهِ الْإِشَارَةِ التَّقْلِيلَ مِنْ ذَلِكَ الْوَقْتِ وَذَكَرَهُ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ وَفِي رِوَايَةِ الْبُخَارِيِّ مِنْ طَرِيقِ سَلَمَةَ بْنِ عَلْقَمَةَ بَعْدَ قَوْلِهِ وَقَالَ بِيَدِهِ وَوَضَعَ أُنْمُلَتَهُ عَلَى بَطْنِ الْوُسْطَى وَالْخِنْصَرِ قُلْنَا يُزَهِّدُهَا وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { إنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا خَيْرًا إلَّا أَعْطَاهُ قَالَ وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ } . وَأَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ إبْرَاهِيمَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ يَوْمُ الْجُمُعَةِ وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ } قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ فَلَقِيتُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ سَلَامٍ فَذَكَرْت لَهُ هَذَا الْحَدِيثَ فَقَالَ أَنَا أَعْلَمُ تِلْكَ السَّاعَةَ فَقُلْت أَخْبِرْنِي بِهَا وَلَا تَضِنَّ بِهَا عَلَيَّ قَالَ هِيَ بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ قُلْت وَكَيْفَ تَكُونُ بَعْدَ الْعَصْرِ وَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُسْلِمٌ وَهُوَ يُصَلِّي وَتِلْكَ السَّاعَةُ لَا يُصَلَّى فِيهَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ أَلَيْسَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ جَلَسَ مَجْلِسًا يَنْتَظِرُ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ } ؟ قُلْت بَلَى قَالَ فَهُوَ ذَاكَ " لَفْظُ التِّرْمِذِيِّ وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمِ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ وَقَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَرَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ مِنْ حَدِيثِ الْعَبَّاسِ وَهُوَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مِينَاءَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ مَسْلَمَةً الْأَنْصَارِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ بِلَفْظِ { إنَّ فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةٌ } الْحَدِيثَ وَفِي آخِرِهِ { وَهِيَ بَعْدَ الْعَصْرِ } . ( الثَّانِيَةُ ) اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي سَاعَةِ الْإِجَابَةِ الْمَذْكُورَةِ فِي هَذَا الْحَدِيثِ عَلَى أَقْوَالٍ : ( أَحَدُهَا ) أَنَّهَا قَدْ رُفِعَتْ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَقَالَ هَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ عِنْدَنَا لِحَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قِيلَ لَهُ زَعَمُوا أَنَّ السَّاعَةَ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ لَا يَدْعُو فِيهَا مُسْلِمٌ إلَّا اُسْتُجِيبَ لَهُ قَدْ رُفِعَتْ فَقَالَ كَذَبَ مَنْ قَالَ ذَلِكَ قِيلَ لَهُ فَهِيَ فِي كُلِّ جُمُعَةٍ اسْتَقْبَلَهَا ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَلَى هَذَا تَوَاتَرَتْ الْآثَارُ وَبِهِ قَالَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ رَدَّ السَّلَفُ هَذَا عَلَى قَائِلِهِ . ( الثَّانِي ) أَنَّهَا بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى الْغُرُوبِ وَهُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ مِنْ التِّرْمِذِيِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْن سَلَامٍ وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مَا يَدُلُّ عَلَى رَفْعِهِ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخْرَجَهُ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ عَنْهُ قَالَ { قُلْت : وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَالِسٌ : إنَّا لَنَجِدُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةً لَا يُوَافِقُهَا عَبْدٌ مُؤْمِنٌ يُصَلِّي يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا شَيْئًا إلَّا قَضَى لَهُ حَاجَتَهُ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ فَأَشَارَ إلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ بَعْضَ سَاعَةٍ فَقُلْت صَدَقْت أَوْ بَعْضَ سَاعَةٍ ، قُلْت أَيُّ سَاعَةٍ ؟ قَالَ آخِرُ سَاعَاتِ النَّهَارِ ، قُلْت إنَّهَا لَيْسَتْ سَاعَةَ صَلَاةٍ قَالَ بَلَى إنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ إذَا صَلَّى ثُمَّ جَلَسَ لَمْ يَحْبِسْهُ إلَّا الصَّلَاةُ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ } وَهَذَا ظَاهِرُهُ الرَّفْعُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّ الْقَائِلَ أَيُّ سَاعَةٍ هُوَ أَبُو سَلَمَةَ وَالْمُجِيبُ لَهُ هُوَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ وَيُوَافِقُ الْأَوَّلَ مَا رَوَاهُ الْبَزَّارُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَأَبِي سَعِيدٍ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ فِي سَاعَةِ الْجُمُعَةِ قَالَ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ يَذْكُرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ نَعَمْ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ . قُلْت إنَّمَا قَالَ وَهُوَ يُصَلِّي وَلَيْسَتْ تِلْكَ سَاعَةَ صَلَاةٍ قَالَ أَمَا سَمِعْت أَوْ أَمَا بَلَغَك أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ انْتَظَرَ الصَّلَاةَ فَهُوَ فِي صَلَاةٍ } وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ وَهِيَ بَعْدَ الْعَصْرِ وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ رِوَايَةِ الْجُلَاحِ مَوْلَى عَبْدِ الْعَزِيزِ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { قَالَ : يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ يُرِيدُ سَاعَةً لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا آتَاهُ اللَّهُ فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ } قَالَ الْحَاكِمُ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ مُسْلِمٍ وَقَدْ احْتَجَّ بِالْجُلَاحِ أَبِي كَثِيرٍ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ قِيلَ إنَّ قَوْلَهُ فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ مِنْ كَلَامِ أَبِي سَلَمَةَ وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ الْتَمِسُوا السَّاعَةَ الَّتِي تُرْجَى فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ } وَقَالَ حَدِيثٌ غَرِيبٌ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ وَقَدْ رَوَى عَنْ أَنَسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ وَمُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ يُضَعَّفُ ضَعَّفَهُ بَعْضُ أَهْلِ الْعِلْمِ مِنْ قِبَلِ حِفْظِهِ وَيُقَالُ لَهُ حَمَّادُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ وَيُقَالُ لَهُ أَبُو إبْرَاهِيمَ الْأَنْصَارِيُّ وَهُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ انْتَهَى وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ أَكْثَرُ الْأَحَادِيثِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا بَعْدَ الْعَصْرِ فَمِنْ ذَلِكَ حَدِيثُ أَنَسٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَفَاطِمَةَ صَحَّ مِنْهَا حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَجَابِرٍ وَأَبِي سَعِيدٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ انْتَهَى . وَرَوَى ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَطَاوُسٍ وَحَكَاهُ ابْنُ بَطَّالٍ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ الْأَكْثَرُونَ مِنْ الصَّحَابَةِ عَلَى ذَلِكَ وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ مَنْصُورٍ فِي سُنَنِهِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي سَلَمَةَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ أَنَّ أُنَاسًا مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اجْتَمَعُوا فَتَذَاكَرُوا السَّاعَةَ الَّتِي فِي يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَتَفَرَّقُوا وَلَمْ يَخْتَلِفُوا أَنَّهَا آخِرَ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ انْتَهَى قَالَ الْمُهَلَّبُ وَحُجَّةُ مَنْ قَالَ إنَّهَا بَعْدَ الْعَصْرِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { يَتَعَاقَبُونَ فِيكُمْ مَلَائِكَةٌ بِاللَّيْلِ وَمَلَائِكَةٌ بِالنَّهَارِ وَيَجْتَمِعُونَ فِي صَلَاةِ الْعَصْرِ ثُمَّ يَعْرُجُ الَّذِينَ بَاتُوا فِيكُمْ } . فَهُوَ وَقْتُ الْعُرُوجِ وَعَرْضُ الْأَعْمَالِ عَلَى اللَّهِ فَيُوجِبُ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِ مَغْفِرَتَهُ لِلْمُصَلِّينَ مِنْ عِبَادِهِ وَلِذَلِكَ شَدَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَنْ حَلَفَ عَلَى سِلْعَتِهِ بَعْدَ الْعَصْرِ لَقَدْ أَعْطَى بِهَا أَكْثَرَ تَعْظِيمًا لِلسَّاعَةِ وَفِيهَا يَكُونُ اللِّعَانُ وَالْقَسَامَةُ وَقِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ } أَنَّهَا الْعَصْرُ انْتَهَى وَحَكَاهُ التِّرْمِذِيُّ فِي جَامِعِهِ عَنْ أَحْمَدَ وَإِسْحَاقَ ثُمَّ قَالَ وَقَالَ أَحْمَدُ أَكْثَرُ الْحَدِيثِ فِي السَّاعَةِ الَّتِي تُرْجَى فِيهَا إجَابَةُ الدَّعْوَةِ أَنَّهَا بَعْدَ الْعَصْرِ وَتُرْجَى بَعْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ إنَّ هَذَا الْقَوْلَ أَثْبَتُ شَيْءٍ إنْ شَاءَ اللَّهُ انْتَهَى وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِمْ بَعْدَ الْعَصْرِ أَيْ بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ وَبِهِ صَرَّحَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَحِينَئِذٍ فَهَلْ يَخْتَلِفُ الْحَالُ بِتَقْدِيمِ الصَّلَاةِ وَتَأْخِيرِهَا أَوْ يُقَالُ الْمُرَادُ مَعَ الصَّلَاةِ الْمُتَوَسِّطَةِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَقَدْ يُقَالُ الْمُرَادُ دُخُولُ وَقْتِ الْعَصْرِ . ( الْقَوْلُ الثَّالِثُ ) أَنَّهَا آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ النَّهَارِ وَهَذَا مَرْوِيٌّ عَنْ فَاطِمَةَ بِنْتِ النَّبِيِّ فَذَكَرَ الدَّارَقُطْنِيُّ فِي الْعِلَلِ ظَنَّهَا { أَنَّهَا قَالَتْ قُلْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَيُّ سَاعَةٍ هِيَ ؟ قَالَ إذَا تَدَلَّى نِصْفُ الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ } فَكَانَتْ فَاطِمَةُ تَقُولُ لِغُلَامٍ لَهَا اصْعَدْ عَلَى الظِّرَابِ فَإِذَا رَأَيْت الشَّمْسَ قَدْ تَدَلَّى نِصْفُ عَيْنِهَا فَأَخْبِرْنِي حَتَّى أَدْعُوَ وَقَدْ غَايَرَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ بَيْنَ هَذَا الْقَوْلِ وَاَلَّذِي قَبْلَهُ وَالْأَمْرُ كَذَلِكَ . فَإِنَّ صَاحِبَ الْقَوْلِ الَّذِي قَبْلَهُ يَجْعَلُهَا مِنْ بَعْدِ الْعَصْرِ إلَى الْغُرُوبِ وَهَذَا يُضَيِّقُ الْأَمْرَ فِيهَا وَيَجْعَلُهَا قُبَيْلَ الْغُرُوبِ وَلَسْت أُرِيدُ أَنَّ صَاحِبَ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ يَجْعَلُهَا مُسْتَغْرِقَةً مِنْ الْعَصْرِ إلَى الْغُرُوبِ وَلَكِنَّهَا سَاعَةٌ لَطِيفَةٌ فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ الْمُدَّةِ وَالْقَائِلُ بِهَذَا الْقَوْلِ يُعَيِّنُ لَهَا الْجُزْءَ الْأَخِيرَ مِنْ هَذَا الْوَقْتِ وَيَدُلُّ لِهَذَا قَوْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ هِيَ آخِرُ سَاعَةٍ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ كَمَا هُوَ عِنْدَ أَبِي دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ وَالْحَاكِمِ وَإِنْ كَانَ لَفْظُ رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ فِي هَذَا الْكَلَامِ هِيَ بَعْدَ الْعَصْرِ إلَى أَنْ تَغْرُبَ الشَّمْسُ كَمَا تَقَدَّمَ ثُمَّ إنَّ كَلَامَ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا فِي آخِرِ سَاعَةٍ يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ لَحْظَةٌ لَطِيفَةٌ فَإِنَّهَا جَعَلَتْ ابْتِدَاءَهَا تَدَلِّي نِصْفِ الشَّمْسِ لِلْغُرُوبِ وَحَدِيثُ جَابِرٍ الْمُتَقَدِّمُ يَقْتَضِي أَنَّ السَّاعَةَ الْمَذْكُورَةَ الْجُزْءُ الْأَخِيرُ مِنْ اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا يَنْقَسِمُ النَّهَارُ عَلَيْهَا وَلَا يَتَعَيَّنُ أَنْ تَكُونَ السَّاعَةَ الْأَخِيرَةَ بِكَمَالِهَا بَلْ يَحْتَمِلُ أَنَّهَا لَحْظَةٌ فِي أَثْنَاءِ هَذِهِ السَّاعَةِ وَلَا يَتَعَيَّنُ اللَّحْظَةُ الْأَخِيرَةُ مِنْهَا بِخِلَافِ الْمَحْكِيِّ عَنْ فَاطِمَةَ فَإِنَّ فِيهِ تَعْيِينُ الْجُزْءِ الْأَخِيرِ مِنْهَا فَهُمَا مُتَغَايِرَانِ فَيَكُونُ هَذَا ( الْقَوْلُ الرَّابِعُ ) وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْقَوْلُ الْخَامِسُ ) أَنَّهَا مِنْ حِينِ تَصْفَرُّ الشَّمْسُ إلَى أَنْ تَغْرُبَ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ وَكَعْبِ الْأَحْبَارِ . ( الْقَوْلُ السَّادِسُ ) أَنَّهَا بَعْدَ الزَّوَالِ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ إلَى الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَحْرُمَ الْبَيْعُ إلَى أَنْ يَحِلَّ وَحَكَاهُ وَالِدِي فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ وَأَبِي أُمَامَةَ وَقَالَ الثَّوْرِيُّ مِنْ مُتَأَخِّرِي أَصْحَابِنَا إنَّهُ الصَّوَابُ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مَخْرَمَةَ بْنِ بُكَيْر عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ قَالَ : { قَالَ لِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ أَسَمِعْت أَبَاكَ يُحَدِّثُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْنِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ ؟ قَالَ نَعَمْ سَمِعْته يَقُولُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ هِيَ مَا بَيْنَ أَنْ يَجْلِسَ الْإِمَامُ إلَى أَنْ تُقْضَى الصَّلَاةُ } قَالَ مُسْلِمٌ هَذَا أَجْوَدُ حَدِيثٍ وَأَصَحُّهُ فِي بَيَانِ سَاعَةِ الْجُمُعَةِ حَكَاهُ عَنْهُ الْبَيْهَقِيُّ لَكِنْ لِهَذَا الْحَدِيثِ عِلَّتَانِ : ( إحْدَاهُمَا ) أَنَّ مَخْرَمَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ قَالَهُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ وَرَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ أَنَّهُ قَالَ لَمْ أَسْمَعْ مِنْ أَبِي شَيْئًا . ( الثَّانِيَةُ ) قَالَ الدَّارَقُطْنِيُّ لَمْ يُسْنِدْهُ غَيْرُ مَخْرَمَةَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ مِنْ قَوْلِهِ وَمِنْهُمْ مَنْ بَلَغَ بِهِ أَبَا مُوسَى رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَلَمْ يَرْفَعْهُ قَالَ وَالصَّوَابُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِ أَبِي بُرْدَةَ كَذَلِكَ رَوَاهُ يَحْيَى الْقَطَّانُ عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ وَتَابَعَهُ وَاصِلٌ الْأَحْدَبُ وَمُجَالِدٌ رَوَيَاهُ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ مِنْ قَوْلِهِ وَقَالَ النُّعْمَانُ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ عَنْ الثَّوْرِيِّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ مَوْقُوفٌ قَالَ وَلَا يَثْبُتُ قَوْلُهُ عَنْ أَبِيهِ انْتَهَى قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَهَذَا الَّذِي اسْتَدْرَكَهُ بَنَاهُ عَلَى الْقَاعِدَةِ الْمَعْرُوفَةِ لَهُ وَلِأَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ إذَا تَعَارَضَ فِي رِوَايَةِ الْحَدِيثِ وَقْفٌ وَرَفْعٌ أَوْ إرْسَالٌ وَاتِّصَالٌ حَكَمُوا بِالْوَقْفِ وَالْإِرْسَالِ وَهِيَ قَاعِدَةٌ ضَعِيفَةٌ مَمْنُوعَةٌ . قَالَ وَالصَّحِيحُ طَرِيقَةُ الْأُصُولِيِّينَ وَالْفُقَهَاءِ وَالْبُخَارِيِّ وَمُسْلِمٍ وَمُحَقِّقِي الْمُحَدِّثِينَ أَنَّهُ يُحْكَمُ بِالرَّفْعِ وَالِاتِّصَالِ لِأَنَّهَا زِيَادَةُ ثِقَةٍ انْتَهَى وَقَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ لَمَّا ذَكَرَ هَذَا الْقَوْلَ وَهُوَ أَصَحُّ وَبِهِ أَقُولُ لِأَنَّ ذَلِكَ الْعَمَلَ فِي ذَلِكَ الْوَقْتِ كُلِّهِ صَلَاةٌ فَيَنْتَظِمُ بِهِ الْحَدِيثُ لَفْظًا وَمَعْنًى وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَحَدِيثُ أَبِي مُوسَى نَصٌّ فِي مَوْضِعِ الْخِلَافِ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَى غَيْرِهِ . ( الْقَوْلُ السَّابِعُ ) أَنَّهَا مِنْ حِينِ خُرُوجِ الْإِمَامِ إلَى الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ فِي مُصَنَّفِهِ عَنْ عَوْفِ بْنِ حَصِيرَةَ وَهُوَ تَابِعِيٌّ وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ الشَّعْبِيِّ وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ لَكِنَّهُ أَوْسَعُ مِنْهُ لِأَنَّ خُرُوجَ الْإِمَامِ مُتَقَدِّمٌ عَلَى جُلُوسِهِ عَلَى الْمِنْبَرِ . ( الْقَوْلُ الثَّامِنُ ) أَنَّهَا مِنْ حِينِ يَفْتَتِحُ الْإِمَامُ الْخُطْبَةَ إلَى الْفَرَاغِ مِنْ الصَّلَاةِ حَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ وَهُوَ أَضْيَقُ مِنْ الْقَوْلَيْنِ قَبْلَهُ لِأَنَّ افْتِتَاحَ الْخُطْبَةِ مُتَأَخِّرٌ عَنْ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ لِمَا يَقَعُ بَعْدَ الْجُلُوسِ مِنْ الْأَذَانِ . وَرَوَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي التَّمْهِيدِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ فِي الْجُمُعَةِ لَسَاعَةً } الْحَدِيثَ وَفِيهِ { قِيلَ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيُّ سَاعَةٍ هِيَ قَالَ مِنْ حِينِ يَقُومُ الْإِمَامُ فِي خُطْبَتِهِ إلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ } قَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ كَذَا فِي هَذَا الْحَدِيثِ إلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْ خُطْبَتِهِ وَالْمَحْفُوظُ إلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْ صَلَاتِهِ . ( الْقَوْلُ التَّاسِعُ ) أَنَّهَا مِنْ حِينِ تُقَامُ الصَّلَاةُ إلَى أَنْ يَفْرُغَ مِنْهَا رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى قَالَ كُنْت عِنْدَ ابْنِ عُمَرَ فَسُئِلَ عَنْ السَّاعَةِ الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ فَقُلْت هِيَ السَّاعَةُ الَّتِي اخْتَارَهَا اللَّهُ لَهَا أَوْ فِيهَا الصَّلَاةُ فَمَسَحَ رَأْسِي وَبَرَّكَ عَلَيَّ وَأَعْجَبَهُ مَا قُلْت وَحَكَاهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ عَوْفِ بْنِ حَصِيرَةَ . وَيَدُلُّ لَهُ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ كَثِيرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَوْفٍ الْمُزَنِيّ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ فِي الْجُمُعَةِ سَاعَةً } الْحَدِيثَ وَفِيهِ { قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَيَّةُ سَاعَةٍ هِيَ ؟ قَالَ حِينَ تُقَامُ الصَّلَاةُ إلَى انْصِرَافِهِ مِنْهَا } قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ فَإِنَّ كَثِيرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ مُتَّفَقٌ عَلَى ضَعْفِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ هُوَ أَحَدُ أَرْكَانِ الْكَذِبِ وَقَالَ أَحْمَدُ هُوَ مُنْكَرُ الْحَدِيثِ لَيْسَ بِشَيْءٍ انْتَهَى وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ لَمْ يَرْوِهِ فِيمَا عَلِمْت إلَّا كَثِيرٌ وَلَيْسَ مِمَّنْ يُحْتَجُّ بِهِ انْتَهَى . وَيُوَافِقُهُ حَدِيثُ مَيْمُونَةَ بِنْتِ سَعْدٍ { قُلْت أَيَّةُ سَاعَةٍ هِيَ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ ذَلِكَ حِينَ يَقُومُ الْإِمَامُ } رَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ وَضَعَّفَهُ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ أَيْضًا وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ قِيَامُ الْإِمَامِ لِلْخُطْبَةِ فَيَكُونَ قَرِيبًا مِنْ الْقَوْلِ الثَّامِنِ . ( الْقَوْلُ الْعَاشِرُ ) أَنَّهَا عِنْدَ زَوَالِ الشَّمْسِ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ الْحَسَنِ الْبَصْرِيِّ وَحَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْهُ وَعَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ وَقَدْ عَرَفْت أَنَّ ابْنَ الْمُنْذِرِ نَقَلَ عَنْهُ الْقَوْلَ السَّادِسَ وَلَعَلَّهُ أَرَادَ بَعْدَ الزَّوَالِ الزَّوَالَ وَمَا بَعْدَهُ إلَى فَرَاغِ الصَّلَاةِ وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّ تَتِمَّةَ كَلَامِهِ عِنْدَ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ فِي وَقْتِ الصَّلَاةِ . ( الْقَوْلُ الْحَادِيَ عَشَرَ ) أَنَّهَا وَقْتُ الْأَذَانِ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَنَّهَا قَالَتْ حِينَ يُنَادِي الْمُنَادِي بِالصَّلَاةِ وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّهُ يُنَادِي بِالصَّلَاةِ وَقْتَ الزَّوَالِ وَقَدْ يَتَأَخَّرُ عَنْهُ . ( الْقَوْلُ الثَّانِي عَشَرَ ) أَنَّهَا عِنْدَ الْأَذَانِ أَوْ الْخُطْبَةِ أَوْ الْإِقَامَةِ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ إنِّي لِأَرْجُوَ أَنْ تَكُونَ السَّاعَةُ الَّتِي فِي الْجُمُعَةِ إحْدَى هَذِهِ السَّاعَاتِ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ أَوْ وَالْإِمَامُ عَلَى الْمِنْبَرِ أَوْ عِنْدَ الْإِقَامَةِ وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ فَإِنْ قُلْت هَذَا هُوَ الْقَوْلُ السَّادِسُ وَقَدْ نَقَلْتُمْ هُنَاكَ عَنْ وَالِدِكُمْ رَحِمَهُ اللَّهُ أَنَّهُ حَكَاهُ عَنْ أَبِي أُمَامَةَ وَيَدُلُّ لَهُ أَنَّ الْقَائِلَ بِالسَّادِسِ لَا يَقُولُ بِاسْتِيعَابِهَا لِلزَّمَنِ الْمَذْكُورِ فَهِيَ سَاعَةٌ لَطِيفَةٌ فِي أَثْنَاءِ تِلْكَ الْمُدَّةِ الطَّوِيلَةِ فَهِيَ إمَّا فِي أَوَّلِهِ وَهُوَ الْأَذَانُ أَوْ فِي وَسَطِهِ وَهُوَ الْخُطْبَةُ أَوْ فِي آخِرِهِ وَهُوَ الْإِقَامَةُ قُلْت بَلْ هُوَ غَيْرُهُ فَإِنَّهُ أَخْرَجَ حَالَةَ الصَّلَاةِ عَنْ أَنْ يَكُونَ فِيهَا سَاعَةُ الْإِجَابَةِ فَتَكُونُ حِينَئِذٍ مِنْ حِينِ جُلُوسِ الْخَطِيبِ عَلَى الْمِنْبَرِ إلَى الشُّرُوعِ فِي الصَّلَاةِ وَهَذَا عَكْسُ الْمُتَقَدِّمِ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ أَنَّهَا مِنْ حِينِ تُقَامُ الصَّلَاةُ إلَى الْفَرَاغِ مِنْهَا وَقَدْ حَكَى ابْنُ الْمُنْذِرِ هَذَا الْقَوْلَ عَنْ أَبِي السُّوَارِ الْعَدَوِيِّ قَالَ كَانُوا يَرَوْنَ الدُّعَاءَ مُسْتَجَابًا مَا بَيْنَ أَنْ تَزُولَ الشَّمْسُ إلَى أَنْ يَدْخُلَ فِي الصَّلَاةِ . ( الْقَوْلُ الثَّالِثَ عَشَرَ ) أَنَّهَا عِنْدَ خُرُوجِ الْإِمَامِ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ بْنِ أَبِي مُوسَى أَيْضًا . ( الْقَوْلُ الرَّابِعَ عَشَرَ ) أَنَّهَا مِنْ الزَّوَالِ إلَى أَنْ يَصِيرَ الظِّلُّ نَحْوَ ذِرَاعٍ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ . ( الْقَوْلُ الْخَامِسَ عَشَرَ ) أَنَّهَا مَعَ زَيْغِ الشَّمْسِ بِشِبْرٍ إلَى ذِرَاعٍ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ وَابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ أَبِي ذَرٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ لِامْرَأَتِهِ لَمَّا سَأَلَتْهُ وَقَالَ لَهَا فَإِنْ سَأَلْتنِي بَعْدُ فَأَنْتِ طَالِقٌ وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ الَّذِي قَبْلَهُ بَلْ هَذِهِ الْأَقْوَالُ الْعَشَرَةُ مِنْ السَّادِسِ إلَى هُنَا مُتَقَارِبَةٌ وَلَعَلَّهُ عَبَّرَ بِهَا عَنْ شَيْءِ وَاحِدٍ وَعَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا حَالَةَ الْخُطْبَةِ وَالصَّلَاةِ أَوْ الْخُطْبَةِ خَاصَّةً أَوْ الصَّلَاةِ خَاصَّةً فَهِيَ تَتَقَدَّمُ وَتَتَأَخَّرُ بِاعْتِبَارِ تَقَدُّمِ خُرُوجِ الْإِمَامِ وَتَأَخُّرِهِ لَكِنْ حَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ أَنَّهَا هِيَ السَّاعَةُ الَّتِي كَانَ يُصَلِّي فِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَقْتَضِي ذَلِكَ انْضِبَاطَ وَقْتِهَا لِأَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ كَانَ يَخْطُبُ أَوَّلَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ مَا كَانَ يُؤَذَّنُ إلَّا وَهُوَ جَالِسٌ عَلَى الْمِنْبَرِ فِي أَوَّلِ الْوَقْتِ وَلَمْ تَكُنْ خُطْبَتُهُ طَوِيلَةً . ( الْقَوْلُ السَّادِسَ عَشَرَ ) أَنَّهَا عِنْدَ أَذَانِ الْمُؤَذِّنِ لِصَلَاةِ الْغَدَاةِ رَوَاهُ ابْنُ أَبِي شَيْبَةَ عَنْ عَائِشَةَ وَلَعَلَّ الَّذِي جَعَلْنَاهُ الْقَوْلَ الْحَادِيَ عَشَرَ هُوَ هَذَا إلَّا أَنَّهَا أَطْلَقَتْ النِّدَاءَ مَرَّةً وَقَيَّدَتْهُ مَرَّةً أُخْرَى بِالْأَذَانِ لِصَلَاةِ الْغَدَاةِ فَحُمِلَ مُطْلَقُ كَلَامِهَا عَلَى مُقَيَّدِهِ لَكِنَّا فَهِمْنَا مِنْ كَلَامِهَا ذَلِكَ أَنَّهَا أَرَادَتْ الصَّلَاةَ الْمَعْهُودَةَ وَهِيَ صَلَاةُ الْجُمُعَةِ فَلِذَلِكَ عَدَدْنَاهُ قَوْلًا آخَرَ وَقَدْ فَهِمَ ذَلِكَ ابْنُ الْمُنْذِرِ فَحَكَى عَنْهَا أَنَّ سَاعَةَ الْإِجَابَةِ إذَا أَذَّنَ الْمُؤَذِّنُ لِصَلَاةِ الْجُمُعَةِ وَلَعَلَّهُ وَقَفَ عَنْهَا عَلَى تَصْرِيحٍ بِذَلِكَ . ( الْقَوْلُ السَّابِعَ عَشَرَ ) أَنَّهَا مَا بَيْنَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى الْغُرُوبِ حَكَاهُ ابْنُ الْمُنْذِرِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهَا فِي أَحَدِ هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَلِذَلِكَ أَتَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ فِي نَقْلِي هَذَا عَنْهُ بِأَوْ بَدَلَ الْوَاوِ . ( الْقَوْلُ الثَّامِنَ عَشَرَ ) أَنَّهَا مِنْ طُلُوعِ الْفَجْرِ إلَى طُلُوعِ الشَّمْسِ حَكَاهُ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ وَالنَّوَوِيُّ . ( الْقَوْلُ التَّاسِعَ عَشَرَ ) أَنَّهَا السَّاعَةُ الثَّالِثَةُ مِنْ النَّهَارِ حَكَاهُ ابْنُ قُدَامَةَ فِي الْمُغْنِي . ( الْقَوْلُ الْعِشْرُونَ ) أَنَّهَا مُخْتَفِيَةٌ فِي الْيَوْمِ كُلِّهِ لَا يُعْلَمُ وَقْتُهَا مِنْهُ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ . ( الْقَوْلُ الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ ) أَنَّهَا لَا تَلْزَمُ سَاعَةً بِعَيْنِهَا بَلْ تَنْتَقِلُ فِي سَاعَاتِ الْيَوْمِ قَالَ الْغَزَالِيُّ إنَّهُ الْأَشْبَهُ وَأَشَارَ إلَيْهِ النَّوَوِيُّ فِي الْخُلَاصَةِ فَقَالَ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهَا تَنْتَقِلُ وَقَدْ اجْتَمَعَ لَنَا فِي الصَّلَاةِ الْوُسْطَى سَبْعَةَ عَشَرَ قَوْلًا قَدَّمْنَاهَا عِنْدَ الْكَلَامِ عَلَيْهَا وَكَذَا كَانَ اجْتَمَعَ لَنَا فِي سَاعَةِ الْجُمُعَةِ هَذَا الْعَدَدُ الْمَخْصُوصُ ثُمَّ عَثَرْنَا عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ أُخْرَى فَبَلَغَتْ الْأَقْوَالُ وَاحِدًا وَعِشْرِينَ قَوْلًا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) قَدْ عَرَفْت فِيمَا تَقَدَّمَ اسْتِدْلَالَ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَهُوَ يُصَلِّي عَلَى أَنَّ تِلْكَ السَّاعَةَ لَيْسَتْ بَعْدَ الْعَصْرِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْوَقْتَ لَيْسَ وَقْتَ صَلَاةٍ وَجَوَابُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَهُ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِكَوْنِهِ يُصَلِّي انْتِظَارُ الصَّلَاةِ وَسُكُوتُ أَبِي هُرَيْرَةَ عَلَى ذَلِكَ يَقْتَضِي قَبُولَ هَذَا الْجَوَابِ مِنْهُ لَكِنْ أَشْكَلَ عَلَى هَذَا الْجَوَابِ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ { وَهُوَ قَائِمٌ يُصَلِّي } فَقَوْلُهُ وَهُوَ قَائِمٌ يَقْتَضِي أَنَّهُ لَيْسَ الْمُرَادُ انْتِظَارَ الصَّلَاةِ وَإِنَّمَا الْمُرَادُ الصَّلَاةُ حَقِيقَةً لَكِنَّهُ مَعَ ذَلِكَ حَمَلَ الْقِيَامَ عَلَى الْمُلَازَمَةِ وَالْمُوَاظَبَةِ كَمَا فِي قَوْله تَعَالَى { إلَّا مَا دُمْتَ عَلَيْهِ قَائِمًا } أَيْ مُلَازِمًا مُوَاظِبًا مُقِيمًا وَاعْلَمْ أَنَّ حَمْلَ الصَّلَاةِ عَلَى انْتِظَارِهَا حَمْلٌ لِلَّفْظِ عَلَى مَدْلُولِهِ الشَّرْعِيِّ لَكِنَّهُ لَيْسَ الْمَدْلُولَ الْحَقِيقِيَّ وَإِنَّمَا هُوَ مَجَازٌ شَرْعِيٌّ وَيَحْتَمِلُ حَمْلَ الصَّلَاةِ عَلَى مَدْلُولِهَا اللُّغَوِيِّ وَهُوَ الدُّعَاءُ وَهُوَ الَّذِي ذَكَرَهُ النَّوَوِيُّ وَأَمَّا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا حَالَةَ الصَّلَاةِ فَالْمُرَادُ حِينَئِذٍ بِالصَّلَاةِ مَدْلُولُهَا الشَّرْعِيُّ الْحَقِيقِيُّ وَالظَّاهِرُ حِينَئِذٍ أَنَّ قَوْلَهُ قَائِمٌ نَبَّهَ بِهِ عَلَى مَا عَدَاهُ مِنْ أَحْوَالِ الصَّلَاةِ فَحَالَةُ الْجُلُوسِ وَالسُّجُودِ كَذَلِكَ بَلْ هُمَا أَلْيَقُ بِالدُّعَاءِ مِنْ حَالَةِ الْقِيَامِ وَإِذَا حَمَلْنَا الصَّلَاةَ عَلَى الدُّعَاءِ فَالْمُرَادُ الْإِقَامَةُ عَلَى انْتِظَارِ تِلْكَ السَّاعَةِ وَطَلَبِ فَضْلِهَا وَالدُّعَاءِ فِيهَا . ( الرَّابِعَةُ ) الْحِكْمَةُ فِي إخْفَاءِ هَذِهِ السَّاعَةِ فِي هَذَا الْيَوْمِ أَنْ يَجْتَهِدَ النَّاسُ فِيهِ وَيَسْتَوْعِبُوهُ بِالدُّعَاءِ وَلَوْ عُرِفَتْ لَخَصُّوهَا بِالدُّعَاءِ وَأَهْمَلُوا مَا سِوَاهَا وَهَذَا كَمَا أَنَّهُ تَعَالَى أَخْفَى اسْمَهُ الْأَعْظَمَ فِي أَسْمَائِهِ الْحُسْنَى لِيُسْأَلَ بِجَمِيعِ أَسْمَائِهِ وَأَخْفَى لَيْلَةَ الْقَدْرِ فِي أَوْتَارِ الْعَشْرِ الْأَخِيرِ أَوْ فِي جَمِيعِ شَهْرِ رَمَضَانَ أَوْ فِي جَمِيعِ السَّنَةِ عَلَى الْخِلَافِ فِي ذَلِكَ لِيَجْتَهِدَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الْأَوْقَاتِ كُلِّهَا وَأَخْفَى أَوْلِيَاءَهُ فِي جُمْلَةِ الْمُؤْمِنِينَ حَتَّى لَا يَخُصُّ بِالْإِكْرَامِ وَاحِدًا بِعَيْنِهِ وَقَدْ وَرَدَ فِيهَا مَا وَرَدَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ مِنْ أَنَّهُ أُعْلِمَ بِهَا ثُمَّ أُنْسِيَهَا رَوَاهُ أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ وَالْحَاكِمُ فِي مُسْتَدْرَكِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ قَالَ { سَأَلْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْهَا فَقَالَ إنِّي كُنْت أُعْلِمْتهَا ثُمَّ أُنْسِيتهَا كَمَا أُنْسِيت لَيْلَةَ الْقَدْرِ } وَإِسْنَادُهُ صَحِيحٌ قَالَ الْحَاكِمُ إنَّهُ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ وَلَعَلَّ ذَلِكَ يَكُونُ خَيْرًا لِلْأَمَةِ لِيَجْتَهِدُوا فِي سَائِرِ الْيَوْمِ كَمَا قَالَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ حِينَ أُنْسِيتهَا وَعَسَى أَنْ يَكُونَ خَيْرًا لَكُمْ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي شَرْحِ التِّرْمِذِيِّ وَإِنَّ مَنْ كَانَ مَطْلَبُهُ خَطِيرًا عَظِيمًا كَسُؤَالِ الْمَغْفِرَةِ وَالنَّجَاةِ مِنْ النَّارِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ وَرِضَى اللَّهِ تَعَالَى عَنْهُ لَجَدِيرٌ أَنْ يَسْتَوْعِبَ جَمِيعَ عُمْرِهِ بِالطَّلَبِ وَالسُّؤَالِ فَكَيْفَ لَا يَسْهُلُ عَلَى طَالِبِ مِثْلِ ذَلِكَ سُؤَالُ يَوْمٍ وَاحِدٍ كَمَا قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ إنْ طَلَبَ حَاجَةٍ فِي يَوْمٍ يَسِيرٌ قَالَ وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ وَمَنْ لَمْ يَتَفَرَّغْ لِاسْتِيعَابِ الْيَوْمِ بِالدُّعَاءِ وَأَرَادَ حُصُولَ ذَلِكَ فَطَرِيقُهُ كَمَا قَالَ كَعْبُ الْأَحْبَارِ لَوْ قَسَّمَ الْإِنْسَانُ جُمُعَةً فِي جُمَعٍ أَتَى عَلَى تِلْكَ السَّاعَةِ قَالَ وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا مُسْتَقِرَّةٌ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ مِنْ الْيَوْمِ لَا تَنْتَقِلُ وَهُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ وَاَللَّه أَعْلَمُ ( الْخَامِسَةُ ) أُطْلِقَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ الْمَسْئُولُ وَظَاهِرُهُ أَنَّ جَمِيعَ الْأَشْيَاءِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى يَسْأَلُ اللَّهَ خَيْرًا وَهِيَ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَهِيَ أَخَصُّ مِنْ الْأُولَى إنَّ فُسِّرَ الْخَيْرُ بِخَيْرِ الْآخِرَةِ وَإِنْ فُسِّرَ بِأَعَمَّ مِنْ ذَلِكَ لِيَشْمَلَ خَيْرَ الدُّنْيَا فَيُحْتَمَلُ مُسَاوَاتُهَا لِلرِّوَايَةِ الْأُولَى وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ إنَّهَا أَخَصُّ أَيْضًا لِأَنَّهُ قَدْ يَدْعُو بِشَيْءٍ لَيْسَ خَيْرًا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ بَلْ هُوَ شَرٌّ مَحْضٌ يَحْمِلُهُ عَلَى الدُّعَاءِ بِهِ سُوءُ الْخُلُقِ وَالْحَرَجُ فَيُحْمَلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ . وَقَدْ وَرَدَ التَّقْيِيدُ أَيْضًا فِي حَدِيثِ سَعْدِ بْنِ عُبَادَةَ { أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ أَخْبِرْنَا عَنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ مَاذَا فِيهِ مِنْ الْخَيْرِ ؟ قَالَ فِيهِ خَمْسُ خِلَالٍ الْحَدِيثَ وَفِيهِ سَاعَةٌ لَا يَسْأَلُ عَبْدٌ فِيهَا شَيْئًا إلَّا أَتَاهُ اللَّهُ مَا لَمْ يَسْأَلْ مَأْثَمًا أَوْ قَطِيعَةَ رَحِمٍ } رَوَاهُ أَحْمَدُ وَالْبَزَّارُ وَالطَّبَرَانِيُّ فِي الْكَبِيرِ وَإِسْنَادُهُ جَيِّدٌ وَعَطَفَ قَطِيعَةَ الرَّحِمِ عَلَى الْمَأْثَمِ وَإِنْ دَخَلَ فِي عُمُومِهِ لِعِظَمِ ارْتِكَابِهِ وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ مِنْ حَدِيثِ أَبِي لُبَابَةَ { مَا لَمْ يَسْأَلْ حَرَامًا } وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْأَوْسَطِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ قَالَ { عُرِضَتْ الْجُمُعَةُ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحَدِيثَ وَفِيهِ وَفِيهَا سَاعَةٌ لَا يَدْعُو عَبْدٌ رَبَّهُ بِخَيْرٍ هُوَ لَهُ قُسِمَ إلَّا أَعْطَاهُ أَوْ يَتَعَوَّذُ مِنْ شَرٍّ إلَّا دَفَعَ عَنْهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ } . فَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهُ لَا يُجَابُ إلَّا فِيمَا قُسِمَ لَهُ وَهُوَ كَذَلِكَ وَلَعَلَّهُ لَا يُلْهَمُ الدُّعَاءَ إلَّا فِيمَا قُسِمَ لَهُ جَمْعًا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحَدِيثِ الَّذِي أُطْلِقَ فِيهِ أَنَّهُ يُعْطَى مَا سَأَلَهُ وَلَكِنْ جَاءَ فِي حَدِيثِ أَنَسٍ فِي رِوَايَةٍ ذَكَرَهَا الْبَيْهَقِيُّ فِي الْمَعْرِفَةِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُسِمَ لَهُ دَخَرَ لَهُ مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ وَقَوْلُهُ أَوْ يَتَعَوَّذُ مِنْ شَرٍّ إلَّا دَفَعَ عَنْهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ لَمْ يَذْكُرْ فِيهِ دَفَعَ الْمُسْتَعَاذَ مِنْهُ فَكَأَنَّ الْمَعْنَى دَفَعَ عَنْهُ مَا هُوَ أَعْظَمُ إنْ لَمْ يُقَدِّرْ لَهُ دَفْعَ مَا تَعَوَّذَ مِنْهُ وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ سَقَطَ مِنْهُ لَفْظَةُ ( أَوْ ) وَأَنَّهُ كَانَ إلَّا دَفَعَ عَنْهُ أَوْ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ فَإِنَّ نُسَخَ الْمُعْجَمِ الْأَوْسَطِ يَقَعُ فِيهَا الْغَلَطُ كَثِيرًا لِعَدَمِ تَدَاوُلِهَا بِالسَّمَاعِ . وَقَدْ وَرَدَ فِي حَدِيثِ { إنَّ الدَّاعِيَ لَا يُخْطِئُهُ إحْدَى ثَلَاثٍ إمَّا أَنْ يُسْتَجَابَ لَهُ أَوْ يُدَّخَرَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ أَوْ يُدْفَعَ عَنْهُ مِنْ سُوءٍ مِثْلُهَا } وَلَكِنَّ ذَلِكَ الْحَدِيثَ فِي مُطْلَقِ الدُّعَاءِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ لِلدُّعَاءِ فِي سَاعَةِ الْإِجَابَةِ مَزِيدُ مَزِيَّةٍ وَقَدْ يُقَالُ ذُكِرَ فِي مُطْلَقِ الدُّعَاءِ أَنْ يُدْفَعَ عَنْهُ مِنْ السُّوءِ مِثْلُهَا وَذُكِرَ فِي سَاعَةِ الْإِجَابَةِ دَفْعُ مَا هُوَ أَعْظَمُ مِنْهُ فَهَذِهِ هِيَ الْمَزِيَّة وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ وَأَشَارَ بِيَدِهِ يُقَلِّلُهَا لَمْ يُبَيِّنْ كَيْفِيَّةَ هَذِهِ الْإِشَارَةِ وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ { وَوَضَعَ أُنْمُلَتَهُ عَلَى بَطْنِ الْوُسْطَى وَالْخِنْصَرِ } وَالظَّاهِرُ أَنَّ الْمُرَادَ أُنْمُلَةُ الْإِبْهَامِ وَقَدْ يُقَالُ كَيْفَ وَضَعَهَا عَلَى بَطْنِ الْوُسْطَى وَالْخِنْصَرِ وَبَيْنَ هَذَيْنِ الْأُصْبُعَيْنِ أُصْبُعٌ أُخْرَى وَهِيَ الْبِنْصِرُ وَلَعَلَّهُ عَرَضَ الْإِبْهَامَ عَلَى هَذِهِ الْأَصَابِعِ وَسَكَتَ عَنْ ذِكْرِ الْبِنْصِرِ لِأَنَّهُ إذَا وَضَعَ الْإِبْهَامَ عَرْضًا عَلَى الْوُسْطَى وَالْخِنْصَرِ فَلَا بُدَّ وَأَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا عَلَى الْبِنْصِرِ أَيْضًا فَسَكَتَ عَنْهُ لِفَهْمِهِ مِمَّا ذُكِرَ وَأَمَّا إذَا كَانَ الْإِبْهَامُ مَوْضُوعًا عَلَى اسْتِقَامَتِهِ فَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ مَوْضُوعًا عَلَى الْوُسْطَى وَالْخِنْصَرِ فِي حَالَةٍ وَاحِدَةٍ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّابِعَةُ ) فِيهِ الْعَمَلُ بِالْإِشَارَةِ وَأَنَّهَا قَائِمَةٌ مَقَامَ النُّطْقِ إذَا فُهِمَ الْمُرَادُ بِهَا وَقَدْ أَوْرَدَهُ الْبُخَارِيُّ فِي بَابِ الْإِشَارَةِ فِي الطَّلَاقِ وَالْأُمُورِ وَإِنَّمَا اكْتَفَى أَصْحَابُنَا بِالْإِشَارَةِ فِي الطَّلَاقِ وَالْعُقُودِ وَنَحْوِهَا مِنْ الْأَخْرَسِ الَّذِي لَا يَقْدِرُ عَلَى النُّطْقِ إذَا كَانَتْ لَهُ إشَارَةٌ مَفْهُومَةٌ أَمَّا النَّاطِقُ فَلَمْ يَكْتَفُوا بِإِشَارَتِهِ فِي الْعُقُودِ وَالْفُسُوخِ وَنَحْوِهَا وَإِنَّمَا اكْتَفَوْا بِهَا فِي الْأُمُورِ الْخَفِيفَةِ . ( الثَّامِنَةُ ) قَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِذَلِكَ لَفْظًا بِقَوْلِهِ وَهِيَ سَاعَةٌ خَفِيفَةٌ وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { ابْتَغُوا السَّاعَةَ الَّتِي تُرْجَى فِي الْجُمُعَةِ مَا بَيْنَ الْعَصْرِ إلَى غَيْبُوبَةِ الشَّمْسِ وَهِيَ قَدْرُ هَذَا يَعْنِي قَبْضَةً } وَفِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ عَنْ ابْنِ مَاجَهْ { أَوْ بَعْضَ سَاعَةٍ } وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى قِصَرِ زَمَانِهَا وَأَنَّهَا لَيْسَتْ مُسْتَغْرِقَةً لِمَا بَيْنَ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ وَآخِرِ الصَّلَاةِ وَلَا لِمَا بَيْنَ الْعَصْرِ وَالْمَغْرِبِ بَلْ الْمُرَادُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ وَعَلَى جَمِيعِ الْأَقْوَالِ أَنَّ تِلْكَ السَّاعَةَ لَا تَخْرُجُ عَنْ هَذَا الْوَقْتِ وَأَنَّهَا لَحْظَةٌ لَطِيفَةٌ وَقَدْ نَبَّهَ عَلَى ذَلِكَ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَقَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ الْمُهَذَّبِ بَعْدَ نَقْلِهِ عَنْهُ أَنَّ الَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ قُلْت لَكِنْ فِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد وَغَيْرِهِ عَنْ جَابِرٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { يَوْمُ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ يُرِيدُ سَاعَةً لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ يَسْأَلُ اللَّهَ شَيْئًا إلَّا أَتَاهُ اللَّهُ فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ } وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُرَادَ السَّاعَةُ الَّتِي يَنْقَسِمُ النَّهَارُ مِنْهَا إلَى اثْنَيْ عَشَرَ جُزْءًا لِكَوْنِهِ صَدَّرَ الْحَدِيثَ بِأَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ ثِنْتَا عَشْرَةَ سَاعَةً فَدَلَّ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ فِي آخِرِهِ { فَالْتَمِسُوهَا آخِرَ سَاعَةٍ } أَيْ مِنْ السَّاعَاتِ الِاثْنَيْ عَشَرَةَ . الْمَذْكُورَةُ أَوَّلَ الْحَدِيثِ إلَّا أَنْ يُقَالَ لَيْسَ الْمُرَادُ بِالْتِمَاسِهَا آخِرَ سَاعَةٍ أَنَّهَا تَسْتَوْعِبُ آخِرَ سَاعَةٍ بَلْ هِيَ لَحْظَةٌ لَطِيفَةٌ فِي آخِرِ سَاعَةٍ فَتُلْتَمَسُ تِلْكَ اللَّحْظَةُ فِي تِلْكَ السَّاعَةِ لِأَنَّهَا مُنْحَصِرَةٌ فِيهَا وَلَيْسَتْ فِي غَيْرِهَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( التَّاسِعَةُ ) فِيهِ فَضْلُ الدُّعَاءِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ وَاسْتِحْبَابُ الْإِكْثَارِ مِنْهُ فِيهِ رَجَاءَ مُصَادَفَةِ تِلْكَ السَّاعَةِ وَلَا سِيَّمَا فِي هَذَيْنِ الْوَقْتَيْنِ وَهُمَا مِنْ جُلُوسِ الْإِمَامِ عَلَى الْمِنْبَرِ إلَى فَرَاغِهِ مِنْ الصَّلَاةِ وَبَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ إلَى الْمَغْرِبِ وَقَدْ صَرَّحَ بِذَلِكَ الْعُلَمَاءُ مِنْ أَصْحَابِنَا وَغَيْرُهُمْ . ( الْعَاشِرَةُ ) فِيهِ فَضْلُ يَوْمِ الْجُمُعَةِ لِاخْتِصَاصِهِ بِهَذِهِ السَّاعَةِ الَّتِي لَا تُوجَدُ فِي غَيْرِهِ وَقَدْ وَرَدَ التَّصْرِيحُ بِأَنَّهُ خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ وَهُوَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ وَوَرَدَ فِي ذَلِكَ عِدَّةُ أَحَادِيثَ وَصَرَّحَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ بِأَنَّهُ أَفْضَلُ أَيَّامِ الْأُسْبُوعِ وَأَنَّ يَوْمَ عَرَفَةَ أَفْضَلُ أَيَّامِ السَّنَةِ وَاخْتَلَفُوا فِي أَفْضَلِ الْأَيَّامِ مُطْلَقًا عَلَى وَجْهَيْنِ أَصَحُّهُمَا أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ وَذَكَرُوا ذَلِكَ فِي الطَّلَاقِ فِيمَا لَوْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ أَنْتِ طَالِقٌ فِي أَفْضَلِ الْأَيَّامِ وَمُقْتَضَى الْحَدِيثِ الْمُصَرِّحِ بِأَنَّ يَوْمَ الْجُمُعَةِ خَيْرُ يَوْمٍ طَلَعَتْ فِيهِ الشَّمْسُ تَفْضِيلُهُ مُطْلَقًا كَمَا هُوَ أَحَدُ الْوَجْهَيْنِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . بَابُ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْحَرِيرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ { أُهْدِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ ثُمَّ نَزَعَهُ نَزْعًا عَنِيفًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ ، ثُمَّ قَالَ : لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ } ( بَابُ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْحَرِيرِ ) ( الْحَدِيثُ ) الْأَوَّلُ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ : { أُهْدِيَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُّوجُ حَرِيرٍ فَلَبِسَهُ ثُمَّ صَلَّى فِيهِ ثُمَّ نَزَعَهُ نَزْعًا عَنِيفًا شَدِيدًا كَالْكَارِهِ لَهُ ثُمَّ قَالَ لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ اللَّيْثِ بْنِ سَعْدٍ وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ جَعْفَرٍ كِلَاهُمَا عَنْ يَزِيدَ بْنِ أَبِي حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْخَيْرِ عَنْ عُقْبَةَ وَفِي رِوَايَتِهِمْ بَعْدَ قَوْلِهِ { ثُمَّ صَلَّى فِيهِ ثُمَّ انْصَرَفَ } . ( الثَّانِيَةُ ) الْفَرُّوجُ بِفَتْحِ الْفَاءِ وَضَمِّ الرَّاءِ وَتَشْدِيدِهَا وَآخِرُهُ جِيمٌ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ فِي ضَبْطِهِ وَلَمْ يَذْكُرْ الْجُمْهُورُ غَيْرَهُ قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ وَحُكِيَ ضَمُّ الْفَاءِ وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ تَخْفِيفَ الرَّاءِ وَتَشْدِيدَهَا قَالَ النَّوَوِيُّ وَالتَّخْفِيفُ غَرِيبٌ ضَعِيفٌ قَالُوا وَهُوَ قَبَاءٌ مَشْقُوقٌ مِنْ خَلْفِهِ وَاعْتَبَرَ فِيهِ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ كَوْنَهُ ضَيِّقَ الْكُمَّيْنِ ضَيِّقَ الْوَسَطِ وَأَغْرِبْ بِأَمْرٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ إنَّ الْمَعْرُوفَ ضَمُّ الْفَاءِ ، وَجَعَلَ الْفَتْحَ غَرِيبًا ، وَالْمَعْرُوفُ عَكْسُ مَا قَالَ أَمَّا الصَّغِيرُ مِنْ ذُكُورِ أَوْلَادِ الدَّجَاجِ فَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ هُوَ بِضَمِّ الْفَاءِ لَا غَيْرُ ، وَضَبَطَهُ صَاحِبُ الْمُحْكَمِ بِالْفَتْحِ ثُمَّ قَالَ ، وَالضَّمُّ لُغَةٌ فِيهِ رَوَاهُ اللِّيحَانِيُّ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الرِّوَايَةَ فَرُّوجُ حَرِيرٍ بِالْإِضَافَةِ ، وَنَقَلَ الْبُخَارِيُّ عَنْ غَيْرِ اللَّيْثِ أَنَّهُ قَالَ فَرُّوجٌ حَرِيرٌ أَيْ بِرَفْعِهِمَا عَلَى تَرْكِ الْإِضَافَةِ ، وَأَنَّ الثَّانِيَ تَابِعٌ لِلْأَوَّلِ عَلَى أَنَّهُ بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ . ( الثَّالِثَةُ ) وَفِيهِ قَبُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْهَدِيَّةِ ، وَذَلِكَ مَعْرُوفٌ مِنْ عَادَتِهِ أَمَّا الْعُمَّالُ بَعْدَهُ فَيَحْرُمُ عَلَيْهِمْ قَبُولُ الْهَدَايَا إلَّا مَا يُسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ كَمَا هُوَ مَعْرُوفٌ فِي مَوْضِعِهِ . ( الرَّابِعَةُ ) لُبْسُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِهَذَا الْفَرُّوجِ كَانَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي عِيَاضٌ وَالنَّوَوِيُّ ، وَغَيْرُهُمَا ، وَهُوَ وَاضِحٌ لَا بُدَّ مِنْ الْقَوْلِ بِهِ ، وَنَزْعُهُ لَهُ الظَّاهِرُ أَنَّهُ لِوُرُودِ تَحْرِيمِهِ ، وَيَدُلُّ لِذَلِكَ مَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ أَبِي الزُّبَيْرِ عَنْ جَابِرٍ قَالَ { لَبِسَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمًا قَبَاءً مِنْ دِيبَاجٍ أُهْدِيَ لَهُ ثُمَّ أَوْشَكَ أَنْ نَزَعَهُ فَأَرْسَلَ بِهِ إلَى عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقِيلَ لَهُ قَدْ أَوْشَكَ مَا نَزَعْته يَا رَسُولَ اللَّهِ فَقَالَ نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ } الْحَدِيثَ قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَلَعَلَّ أَوَّلَ النَّهْيِ وَالتَّحْرِيمِ كَانَ حِينَ نَزَعَهُ ، وَلِهَذَا قَالَ فِي حَدِيثِ جَابِرٍ { نَهَانِي عَنْهُ جِبْرِيلُ } فَيَكُونُ هَذَا أَوَّلَ التَّحْرِيمِ انْتَهَى قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَهَذَا أَوْلَى مِنْ قَوْلِ مَنْ قَالَ لَعَلَّهُ نَزَعَهُ لِكَوْنِهِ مِنْ زِيِّ الْعَجَمِ انْتَهَى . وَعَلَى الْأَوَّلِ فَفِيهِ دَلَالَةٌ عَلَى أَنَّهُ لَا كَرَاهَةَ فِي لُبْسِ الثِّيَابِ الضَّيِّقَةِ الْمُفَرَّجَةِ لِكَوْنِهِ لَمْ يَكْرَهْهُ لِهَذِهِ الْهَيْئَةِ بَلْ لِكَوْنِهِ حَرِيرًا طَرَأَ تَحْرِيمُهُ ، وَعَلَى الثَّانِي فَفِيهِ كَرَاهَةُ لُبْسِهَا لِأَنَّهُ كَرِهَهُ حِينَئِذٍ لِهَيْئَتِهِ الْخَاصَّةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) بَوَّبَ عَلَيْهِ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ بَابُ مَنْ صَلَّى فِي فَرُّوجِ حَرِيرٍ ثُمَّ نَزَعَهُ ، وَقَالَ ابْنُ بَطَّالٍ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيمَنْ صَلَّى بِثَوْبِ حَرِيرٍ فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو ثَوْرٍ يُجْزِئُهُ ، وَنَكْرَهُهُ . وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ يُعِيدُ فِي الْوَقْتِ إنْ وَجَدَ غَيْرَهُ ، وَعَلَيْهِ جُلُّ أَصْحَابِهِ ، وَقَالَ أَشْهَبُ لَا إعَادَةَ عَلَيْهِ فِي وَقْتٍ ، وَلَا غَيْرِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَصْبَغَ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ ، وَاسْتَخَفَّ ابْنُ الْمَاجِشُونِ لِبَاسَ الْحَرِيرِ فِي الْحَرْبِ وَالصَّلَاةِ بِهِ لِلتَّرْهِيبِ عَلَى الْعَدُوِّ وَالْمُبَاهَاةِ ، وَقَالَ آخَرُونَ : إنْ صَلَّى بِثَوْبِ حَرِيرٍ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ أَعَادَ الصَّلَاةَ قَالَ ابْنُ بَطَّالٍ ، وَمَنْ أَجَازَ الصَّلَاةَ فِيهِ احْتَجَّ بِأَنَّهُ لَمْ يَرِدْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَعَادَ الصَّلَاةَ الَّتِي صَلَّى فِيهَا ، وَمَنْ لَمْ يُجِزْ أَخَذَ بِعُمُومِ تَحْرِيمِ لِبَاسِ الْحَرِيرِ لِلرِّجَالِ قَالَ هَذَا كَلَامٌ بَاطِلٌ قَبِيحٌ مُقْتَضَاهُ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ صَلَّى فِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ فِي حَالَةِ كَوْنِ لُبْسِهِ حَرَامًا لِأَنَّ الْمَسْأَلَةَ الْمُخْتَلَفَ فِيهَا إذَا صَلَّى فِيمَا لَا يَجُوزُ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ تَحْرِيمُهُ مُخْتَصًّا بِحَالَةِ الصَّلَاةِ كَالْحَرِيرِ ، وَالْمَغْصُوبِ ، وَنَحْوِهِمَا ، وَالْجُمْهُورُ صَحَّحُوا الصَّلَاةَ ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَةٌ بِإِبْطَالِهَا ، وَمَنْشَأُ الْخِلَافِ أَنَّ النَّهْيَ هَلْ يَقْتَضِي الْفَسَادَ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فَالْجُمْهُورُ قَالُوا لَا يَقْتَضِي الْفَسَادَ لِكَوْنِهِ غَيْرَ خَاصٍّ بِالْعِبَادَةِ بَلْ هُوَ أَعَمُّ مِنْهَا أَمَّا لَوْ صَلَّى فِي ثَوْبِ حَرِيرٍ حِينَ كَانَ لُبْسُهُ مُبَاحًا فَالصَّلَاةُ صَحِيحَةٌ مِنْ غَيْرِ تَوَقُّفٍ فِي ذَلِكَ ، وَهَذِهِ الصَّلَاةُ كَانَتْ قَبْلَ التَّحْرِيمِ بِلَا شَكٍّ فَهِيَ صَحِيحَةٌ لَا يَجِبُ عَلَى فَاعِلِهَا إعَادَةٌ مِنْ غَيْرِ خِلَافٍ ، وَلَيْسَتْ فِي مَحَلِّ النِّزَاعِ حَتَّى يُسْتَدَلَّ بِهَا لِأَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ثُمَّ فِي كَلَامِهِ خَلَلٌ آخَرُ ، وَهُوَ قَوْلُهُ ، وَمَنْ أَجَازَ الصَّلَاةَ فِيهِ ، وَلَا أَحَدَ مِمَّنْ يُعْتَدُّ بِهِ يُجِيزُ الصَّلَاةَ فِيهِ الْآنَ مُطْلَقًا ، وَغَايَتُهُ أَنَّهُ يُصَحِّحُهَا لَوْ وَقَعَتْ فَكَانَ حَقُّهُ أَنْ يَقُولَ ، وَمَنْ صَحَّحَ الصَّلَاةَ فِيهِ أَوْ مَنْ لَمْ يُوجِبْ إعَادَةَ الصَّلَاةِ فِيهِ هَذَا مَعَ أَنَّ الْكَلَامَ مِنْ أَصْلِهِ فَاسِدٌ فِي غَيْرِ مَوْضِعِهِ ، وَإِنْ كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا نَزَعَهُ لِكَوْنِهِ مِنْ زِيِّ الْأَعَاجِمِ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ حُرِّمَ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَهُوَ أَبْعَدُ مِنْ الْإِعَادَةِ فَالْحَاصِلُ أَنَّ صَلَاتَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ فِي الثَّوْبِ الْحَرِيرِ دَالٌّ عَلَى جَوَازِهِ ، وَنَزْعُهُ مُحْتَمِلٌ لِلتَّحْرِيمِ ، وَلِغَيْرِ التَّحْرِيمِ فَإِنْ قُلْت قَوْلُ الْمُصَنِّفِ فِي تَبْوِيبِهِ النَّهْيُ عَنْ الصَّلَاةِ فِي الْحَرِيرِ يَقْتَضِي وُرُودَ نَهْيٍ خَاصٍّ عَنْ لُبْسِهِ فِي حَالَةِ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ قَرَّرْتُمْ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ لُبْسِهِ غَيْرُ مُقَيَّدٍ حَالَةَ الصَّلَاةِ قُلْت لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ فِيهِ نَهْيٌ خَاصٌّ بَلْ إذَا وَرَدَ النَّهْيُ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِحَالَةٍ ، وَقُلْنَا إنَّ الْعَامَّ فِي الْأَشْخَاصِ عَامٌّ فِي الْأَحْوَالِ فَلَنَا أَنْ نَسْتَدِلَّ بِالنَّهْيِ فِي كُلِّ حَالَةٍ لِتَنَاوُلِهِ لَهَا ، وَإِنَّمَا قَيَّدَ الْمُصَنِّفُ بِحَالَةِ الصَّلَاةِ لِيَكُونَ التَّبْوِيبُ مُلَائِمًا لِمَا هُوَ فِيهِ مِنْ أَمْرِ الصَّلَاةِ ، وَلَوْ أُهْمِلَ هَذَا الْقَيْدُ لَكَانَ تَبْوِيبًا أَجْنَبِيًّا عَنْ الصَّلَاةِ ، وَكَانَ حَقُّهُ حِينَئِذٍ إيرَادَهُ فِي اللِّبَاسِ فَإِنْ قُلْت أَيُّ نَهْيٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ قُلْت مَجْمُوعُ مَا وَقَعَ مِنْ النَّزْعِ الْعَنِيفِ ، وَإِظْهَارِ الْكَرَاهَةِ ، وَقَوْلُهُ لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ فِي مَعْنَى النَّهْيِ فِي الدَّلَالَةِ عَلَى التَّحْرِيمِ كَمَا سَنَذْكُرُهُ فَأُقِيمَ مَقَامَ النَّهْيِ فِي إطْلَاقِ اسْمِهِ عَلَيْهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) قَوْلُهُ ثُمَّ نَزَعَهُ نَزْعًا عَنِيفًا أَيْ بِشِدَّةٍ وَقُوَّةٍ وَمُبَادَرَةٍ لِذَلِكَ لَا بِرِفْقٍ وَتَأَنٍّ عَلَى عَادَتِهِ فِي الْأُمُورِ ، وَذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ طَرَأَ تَحْرِيمُهُ ، وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ كَالْكَارِهِ لَهُ ، وَقَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَا يَنْبَغِي هَذَا لِلْمُتَّقِينَ } أَيْ لِلْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُمْ هُمْ الَّذِينَ خَافُوا اللَّهَ تَعَالَى ، وَاتَّقَوْهُ بِإِيمَانِهِمْ ، وَطَاعَتِهِمْ لَهُ كَذَا قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ، وَقَدْ يُقَالُ هَذَا مِنْ خِطَابِ التَّهْيِيجِ لِأَنَّ فِيهِ إشْعَارًا بِأَنَّهُ لَا يَلْبَسُهُ ، وَيَسْتَخِفُّ بِأَمْرِهِ إلَّا غَيْرُ الْمُتَّقِينَ فَيَفِرُّ الْمَرْءُ مِنْ لُبْسِهِ خَشْيَةَ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ غَيْرُ مُتَّقٍ لِلَّهِ تَعَالَى فَفِيهِ تَهْيِيجُ الْمُكَلَّفِ عَلَى امْتِثَالِ ذَلِكَ ، وَالْأَخْذِ بِهِ ، وَحَمْلُ التَّقْوَى عَلَى تَقْوَى الْكُفْرِ خَاصَّةً بَعِيدٌ بَلْ الظَّاهِرُ حَمْلُهُ عَلَى مُطْلَقِ التَّقْوَى بِالتَّقْرِيرِ الَّذِي ذَكَرْته ، وَهَذَا دَالٌّ عَلَى تَحْرِيمِ لُبْسِ الْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ ، وَأَمَّا النِّسَاءُ فَلَا يَدْخُلْنَ فِي هَذَا لِأَنَّ اللَّفْظَ غَيْرُ مُتَنَاوِلٍ لَهُنَّ عَلَى الرَّاجِحِ فِي الْأُصُولِ فَلَا يُقَالُ فِي حَقِّهِنَّ إلَّا الْمُتَّقِيَاتُ ، وَدُخُولُهُنَّ بِتَغْلِيبِ لَفْظِ الرِّجَالِ عَلَيْهِنَّ مَجَازٌ صَدَّ عَنْهُ وُرُودُ الْأَحَادِيثِ الصَّرِيحَةِ فِي تَحْرِيمِهِ عَلَى الرِّجَالِ ، وَإِبَاحَتِهِ لِلنِّسَاءِ ، وَأَخَذَ بِذَلِكَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ مِنْ السَّلَفِ وَالْخَلَفِ ، وَحُكِيَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ لَكِنْ حَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ وَغَيْرُهُ عَنْ قَوْمٍ إبَاحَتَهُ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الزُّبَيْرِ تَحْرِيمُهُ عَلَى الْفَرِيقَيْنِ قَالَ النَّوَوِيُّ ثُمَّ انْعَقَدَ الْإِجْمَاعُ عَلَى إبَاحَتِهِ لِلنِّسَاءِ ، وَتَحْرِيمِهِ عَلَى الرِّجَالِ . ( السَّابِعَةُ ) قَدْ يَخْرُجُ بِقَوْلِهِ لِلْمُتَّقِينَ الصِّبْيَانُ فَإِنَّهُمْ لَيْسُوا أَهْلَ تَكْلِيفٍ ، وَغَيْرَ مَأْمُورِينَ بِالتَّقْوَى ، وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُنَا يَجُوزُ إلْبَاسُهُمْ الْحَرِيرَ وَالْحُلِيَّ فِي يَوْمِ الْعِيدِ ، وَفِي جَوَازِ إلْبَاسِهِمْ ذَلِكَ فِي بَاقِي السَّنَةِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ ( أَصَحُّهَا ) عِنْدَ الرَّافِعِيِّ فِي الْمُحَرَّرِ وَالنَّوَوِيِّ جَوَازُهُ وَ . ( الثَّانِي ) تَحْرِيمُهُ وَ ( الثَّالِثُ ) جَوَازُهُ قَبْلَ سِنِّ التَّمْيِيزِ ، وَهُوَ سَبْعُ سِنِينَ ، وَتَحْرِيمُهُ بَعْدَهَا ، وَصَحَّحَهُ الرَّافِعِيُّ فِي شَرْحِهِ ، وَنَقَلَهُ عَنْ الْعِرَاقِيِّينَ ، وَعَنْ أَحْمَدَ رِوَايَتَانِ أَصَحُّهُمَا التَّحْرِيمُ مُطْلَقًا . ( الثَّامِنَةُ ) الْإِشَارَةُ بِقَوْلِهِ هَذَا هَلْ هِيَ إلَى اللُّبْسِ الَّذِي وَقَعَ مِنْهُ أَوْ إلَى الْحَرِيرِ ، فَنُقَدِّرُ مَا هُوَ أَعَمُّ مِنْ اللُّبْسِ ، وَهُوَ الِاسْتِعْمَالُ لِأَنَّ الذَّوَاتَ لَا تُوصَفُ بِتَحْرِيمٍ ، وَلَا تَحْلِيلٍ ؟ مُحْتَمَلٌ ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ أَنَّ الْحَدِيثَ هَلْ يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ الِافْتِرَاشِ أَمْ لَا ؟ إنْ قُلْنَا بِالثَّانِي دَلَّ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنْ قُلْنَا بِالْأَوَّلِ فَقَدْ يُقَالُ إنَّ الِافْتِرَاشَ لَيْسَ لُبْسًا ، وَقَدْ يُقَالُ هُوَ لُبْسٌ لِلْمَقَاعِدِ ، وَنَحْوِهَا ، وَلُبْسُ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِهِ ، وَقَدْ قَالَ أَنَسٌ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : فَقُمْت إلَى حَصِيرٍ لَنَا قَدْ اسْوَدَّ مِنْ طُولِ مَا لُبِسَ ، وَإِنَّمَا يُلْبَسُ الْحَصِيرُ بِالِافْتِرَاشِ ، وَالْجُمْهُورُ عَلَى تَحْرِيمِ الِافْتِرَاشِ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَنِيفَةَ فَجَوَّزَهُ ، وَقَالَ بِهِ مِنْ الْمَالِكِيَّةِ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ حَبِيبٍ ، وَقَدْ قَطَعَ النِّزَاعَ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ حُذَيْفَةَ { نَهَانَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ ، وَالدِّيبَاجِ ، وَأَنْ نَجْلِسَ عَلَيْهِ } رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي صَحِيحِهِ ، وَمِنْ الْعَجِيبِ أَنَّ الرَّافِعِيَّ مِنْ أَصْحَابِنَا صَحَّحَ أَنَّهُ يَحْرُمُ عَلَى النِّسَاءِ افْتِرَاشُ الْحَرِيرِ ، وَإِنْ كَانَ يَجُوزُ لَهُنَّ لُبْسُهُ قَطْعًا ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ جَوَازُهُ لَهُنَّ أَيْضًا ، وَبِهِ قَطَعَ الْعِرَاقِيُّونَ ، وَالْمُتَوَلَّى ، وَصَحَّحَهُ النَّوَوِيُّ . ( التَّاسِعَةُ ) التَّحْرِيمُ إنَّمَا هُوَ فِي الثَّوْبِ الَّذِي كُلُّهُ حَرِيرٌ فَلَوْ كَانَ بَعْضُهُ حَرِيرًا ، وَبَعْضُهُ كَتَّانَا أَوْ صُوفًا فَالصَّحِيحُ الَّذِي جَزَمَ بِهِ أَكْثَرُ أَصْحَابِنَا الشَّافِعِيَّةِ أَنَّهُ إنْ كَانَ الْحَرِيرُ أَكْثَرَ وَزْنًا حَرُمَ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرُهُ أَكْثَرَ وَزْنًا لَمْ يَحْرُمْ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَكَذَا لَوْ اسْتَوَيَا لَا تَحْرِيمَ عَلَى الْأَصَحِّ ، وَلَمْ يَعْتَبِرْ الْقَفَّالُ الْوَزْنَ ، وَإِنَّمَا اعْتَبَرَ الظُّهُورَ فَقَالَ إنْ ظَهَرَ الْحَرِيرُ حَرُمَ ، وَإِنْ قَلَّ وَزْنُهُ ، وَإِنْ اسْتَتَرَ لَمْ يَحْرُمْ ، وَإِنْ كَثُرَ وَزْنُهُ . ( الْعَاشِرَةُ ) يُسْتَثْنَى مِنْ تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ مَوَاضِعُ مَعْرُوفَةٌ ( مِنْهَا ) مَا إذَا احْتَاجَ إلَيْهِ لِحَرٍّ أَوْ بَرْدٍ ، وَمِنْهَا مَا إذَا دَعَتْ إلَيْهِ حَاجَةٌ كَجَرَبٍ ، وَقُمَّلٍ ، وَمِنْهَا مَا إذَا فَاجَأَتْهُ الْحَرْبُ ، وَلَمْ يَجِدْ غَيْرَهُ ، وَكَذَا يَجُوزُ أَنْ يَلْبَسَ مِنْهُ مَا هُوَ وِقَايَةٌ لِلْقِتَالِ كَالدِّيبَاجِ الصَّفِيقِ الَّذِي لَا يَقُومُ غَيْرُهُ مَقَامَهُ ، وَقَالَ بَعْضُ أَصْحَابِنَا يَجُوزُ لُبْسُهُ فِي الْحَرْبِ مُطْلَقًا لِمَا فِيهِ مِنْ حُسْنِ الْهَيْئَةِ ، وَزِينَةِ الْإِسْلَامِ كَتَحْلِيَةِ السَّيْفِ ، وَالصَّحِيحُ تَخْصِيصُهُ بِحَالَةِ الضَّرُورَةِ ، وَلِكُلٍّ مِنْ هَذِهِ الصُّوَرِ دَلِيلٌ يَخُصُّهُ مَعْرُوفٌ فِي مَوْضِعِهِ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى أَعْلَمُ . وَعَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ : لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَلِلْوَفْدِ إذَا قَدِمُوا عَلَيْك ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ثُمَّ جَاءَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتَنِيهَا ، وَقُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدَ مَا قُلْتَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا . فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ } ، وَفِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { حُلَّةٌ مِنْ إسْتَبْرَقٍ } . الْحَدِيثُ الثَّانِي عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوْ اشْتَرَيْتَ هَذِهِ فَلَبِسْتَهَا يَوْمَ الْجُمُعَةِ ، وَلِلْوَفْدِ إذَا قَدِمُوا عَلَيْك ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنَّمَا يَلْبَسُ هَذِهِ مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ، ثُمَّ جَاءَتْ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهَا حُلَلٌ فَأَعْطَى عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ مِنْهَا حُلَّةً فَقَالَ عُمَرُ يَا رَسُولَ اللَّهِ كَسَوْتَنِيهَا ، وَقَدْ قُلْتَ فِي حُلَّةِ عُطَارِدَ مَا قُلْتَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إنِّي لَمْ أَكْسُكَهَا لِتَلْبَسَهَا فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ } ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَفِي رِوَايَةِ أَبِي دَاوُد { رَأَى حُلَّةً سِيَرَاءَ } يَعْنِي تُبَاعُ ، وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ جُوَيْرَةَ بْنِ أَسْمَاءَ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، وَعُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ وَجَرِيرُ بْنُ حَازِمٍ خَمْسَتُهُمْ عَنْ نَافِعٍ ، وَفِي رِوَايَةِ جُوَيْرِيَةَ { إنَّمَا بَعَثْت إلَيْك لِتَبِيعَهَا أَوْ تَكْسُوَهَا } وَفِي رِوَايَةِ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ { رَأَى عُمَرُ عُطَارِدَ التَّمِيمِيَّ يُقِيمُ بِالسُّوقِ حُلَّةً سِيَرَاءَ ، وَكَانَ رَجُلًا يَغْشَى الْمُلُوكَ ، وَيُصِيبُ مِنْهُمْ ، وَفِيهَا إنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ فِي الدُّنْيَا مَنْ لَا خَلَاقَ لَهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَفِيهَا أَيْضًا فَبَعَثَ إلَى عُمَرَ بِحُلَّةٍ ، وَبَعَثَ إلَى أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ بِحُلَّةٍ ، وَأَعْطَى عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ حُلَّةً ، وَقَالَ شَقَقْتهَا خُمُرًا بَيْنَ نِسَائِك فَجَاءَ عُمَرُ بِحُلَّتِهِ يَحْمِلُهَا فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ بَعَثْتَ إلَيَّ بِهَذِهِ ، وَقَدْ قُلْتَ بِالْأَمْسِ فِي حُلَّةِ عُطَارِدَ مَا قُلْت ؟ قَالَ إنِّي لَمْ أَبْعَثْ بِهَا إلَيْك لِتَلْبَسَهَا ، وَلَكِنِّي بَعَثْت بِهَا إلَيْك لِتُصِيبَ بِهَا وَأَمَّا أُسَامَةُ فَرَاحَ فِي حُلَّتِهِ فَنَظَرَ إلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَظَرًا عَرَفَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَنْكَرَ مَا صَنَعَ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَنْظُرُ إلَيَّ فَأَنْتَ بَعَثْتَ إلَيَّ بِهَا فَقَالَ إنِّي لَمْ أَبْعَثْ لِتَلْبَسَهَا ، وَلَكِنِّي بَعَثْت بِهَا تَشَقُّقُهَا خُمُرًا بَيْنَ نِسَائِك } وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ عُقَيْلِ بْنِ خَالِدٍ وَمُسْلِمٍ مِنْ طَرِيقِ عُمَرَ بْنِ الْحَارِثِ وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ { قَالَ وَجَدَ عُمَرَ حُلَّةَ إسْتَبْرَقٍ تُبَاعُ فِي السُّوقِ } الْحَدِيثُ وَفِيهِ { فَتَحِلُّ بِهَا لِلْعِيدِ ، وَلِلْوَفْدِ ، وَفِيهِ ثُمَّ أَرْسَلَ إلَيْهِ بِجُبَّةِ دِيبَاجٍ ، وَفِيهِ تَبِيعُهَا ، وَتُصِيبُ بِهَا بَعْضَ حَاجَتِك } وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَفْصٍ عَنْ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ بِمَعْنَاهُ أَخْصَرَ مِنْهُ ، وَفِيهِ { إنَّمَا بَعَثْت بِهَا إلَيْك لِتَسْتَمْتِعَ بِهَا } زَادَ الْبُخَارِيُّ يَعْنِي تَبِيعُهَا ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ أَيْضًا مِنْ طَرِيقِ يَحْيَى بْنِ أَبِي إِسْحَاقَ قَالَ قَالَ لِي سَالِمُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ مَا الْإِسْتَبْرَقُ ؟ قُلْتُ مَا غَلُظَ مِنْ الدِّيبَاجِ ، وَخَشُنَ مِنْهُ ، قَالَ سَمِعْت عَبْدَ اللَّهِ يَقُولُ رَأَى عُمَرُ عَلَى رَجُلٍ حُلَّةً مِنْ إسْتَبْرَقٍ الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ إنَّمَا بَعَثْت بِهَا إلَيْك لِتُصِيبَ بِهَا مَالًا وَأَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ مِنْ طَرِيقِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ كَرِوَايَةِ نَافِعٍ عَنْهُ ، وَاعْلَمْ أَنَّ الْبُخَارِيَّ أَخْرَجَ هَذَا الْحَدِيثَ فِي سَبْعَةِ مَوَاضِعَ مِنْ صَحِيحِهِ كَمَا اتَّفَقَ لَهُ فِي حَدِيثِ الْأَعْمَالِ فِي الْجُمُعَةِ ، وَالْبُيُوعِ ، وَالْهِبَةِ ، وَالْجِهَادِ ، وَاللِّبَاسِ ، وَالْأَدَبِ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهُ . ( الثَّانِيَةُ ) الْحُلَّةُ بِضَمِّ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ اسْمٌ لِثَوْبَيْنِ أَحَدُهُمَا إزَارٌ ، وَالْآخَرُ رِدَاءٌ ، وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ ثَوْبَانِ غَيْرُ لَفِيقَيْنِ رِدَاءٌ وَإِزَارٌ سُمِّيَا بِذَلِكَ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يُحَلُّ عَلَى الْآخَرِ ، وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ تَبَعًا لِلْهَرَوِيِّ الْحُلَّةُ وَاحِدَةُ الْحُلَلِ ، وَهِيَ بُرُودُ الْيَمَنِ ، وَلَا تُسَمَّى حُلَّةً إلَّا أَنْ تَكُونَ ثَوْبَيْنِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ انْتَهَى فَقَيَّدَهَا بِقَيْدَيْنِ أَنْ تَكُونَ مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ ، وَأَنْ يَكُونَ الثَّوْبَانِ مِنْ جِنْسٍ وَاحِدٍ ، وَالْقَيْدُ الْأَوَّلُ غَيْرُ مُعْتَبَرٍ فَيُطْلَقُ اسْمُ الْحُلَّةِ عَلَى الثَّوْبَيْنِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُونَا مِنْ بُرُودِ الْيَمَنِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ فِي الْمُحْكَمِ بُرْدًا وَغَيْرَهُ ، وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الْحُلَلُ بُرُودُ الْيَمَنِ ، وَالْحُلَّةُ إزَارٌ وَرِدَاءٌ ا هـ . وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّفْظَ مُشْتَرِكٌ بَيْنَ بُرُودِ الْيَمَنِ وَبَيْنَ إزَارٍ وَرِدَاءٍ مِنْ أَيِّ جِنْسٍ كَانَا ، وَحَكَى الْمُنْذِرِيُّ فِي حَوَاشِي السُّنَنِ قَوْلًا أَنَّ أَصْلَ تَسْمِيَتِهَا بِذَلِكَ إذَا كَانَ الثَّوْبَانِ جَدِيدَيْنِ كَمَا حَلَّ طَيُّهُمَا فَقِيلَ لَهُمَا حُلَّةً لِهَذَا ثُمَّ اسْتَقَرَّ عَلَيْهِمَا الِاسْمُ . ( الثَّالِثَةُ ) السِّيَرَاءُ بِكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ ، وَفَتْحِ التَّاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ مَمْدُودٍ قَالَ فِي الصِّحَاحِ بُرْدٌ فِيهِ خُطُوطٌ صُفْرٌ ، وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ ضَرْبٌ مِنْ الْبُرُودِ ، وَقِيلَ ثَوْبٌ مُسَيَّرٌ فِيهِ خُطُوطٌ تُعْمَلُ مِنْ الْقَزِّ وَقِيلَ ثِيَابٌ مِنْ ثِيَابِ الْيَمَنِ انْتَهَى . وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ هَذِهِ الْعِبَارَاتِ فَهُوَ بُرْدٌ فِيهِ خُطُوطٌ يُعْمَلُ بِالْيَمَنِ ثُمَّ قَالَ فِي الْمُحْكَمِ ، وَالسِّيَرَاءُ الذَّهَبُ ، وَالسِّيَرَاءُ ضَرْبٌ مِنْ النَّبْتِ ، وَهِيَ أَيْضًا الْقِرْفَةُ اللَّازِقَةُ بِالنَّوَاةِ ، وَالسِّيَرَاءُ الْجَرِيدَةُ مِنْ جَرَائِدِ النَّخْلِ انْتَهَى . وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ السِّيَرَاءُ الْحَرِيرُ الصَّافِي ، وَقَالَ مَالِكٌ الْوَشْيُ مِنْ الْحَرِيرِ وَقَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ السِّيَرَاءُ أَيْضًا الذَّهَبُ ، وَقِيلَ هُوَ نَبْتٌ ذُو أَلْوَانٍ وَتَخْطِيطٍ شُبِّهَتْ بِهِ بَعْضُ الثِّيَابِ قَالَ الطُّوسِيُّ . وَقَالَ الْخَلِيلُ هُوَ ثَوْبٌ مُضَلَّعٌ بِالْحَرِيرِ ، وَقِيلَ هُوَ مُخْتَلِفُ الْأَلْوَانِ ، وَفِي كِتَابِ أَبِي دَاوُد السِّيَرَاءُ الْمُضَلَّعُ بِالْقَزِّ ، وَقِيلَ هُوَ ثَوْبٌ ذُو أَلْوَانٍ وَخُطُوطٍ مُمْتَدَّةٍ كَأَنَّهَا السُّيُورُ يُخَالِطُهَا حَرِيرٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى حُلَّةُ سُنْدُسٍ ، وَهُوَ الْحَرِيرُ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا وَاحِدَةٌ انْتَهَى . وَقَالَ فِي النِّهَايَةِ نَوْعٌ مِنْ الْبُرُودِ يُخَالِطُهُ حَرِيرٌ كَالسُّيُورِ فَهُوَ فَعَلَاءُ مِنْ السَّيْرِ الْقَدِّ ، وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ أَهْلُ الْعِلْمِ يَقُولُونَ إنَّهَا كَانَتْ حُلَّةً مِنْ حَرِيرٍ ، وَأَهْلُ اللُّغَةِ يَقُولُونَ هِيَ الَّتِي يُخَالِطُهَا الْحَرِيرُ قَالَ الْخَلِيلُ بْنُ أَحْمَدَ السِّيَرَاءُ هِيَ الَّتِي يُخَالِطُهَا الْحَرِيرُ ، وَقَالَ غَيْرُهُ هِيَ ضَرْبٌ مِنْ الْوَشْيِ وَالْبُرُودِ انْتَهَى . ( الرَّابِعَةُ ) قَوْلُهُ حُلَّةٌ سِيَرَاءُ بِتَنْوِينِ حُلَّةٍ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ " سِيَرَاءُ " تَابِعٌ لَهُ بَدَلٌ أَوْ عَطْفُ بَيَانٍ أَوْ نَعْتٌ كَذَا حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ الْمُحَدِّثِينَ ، وَالنَّوَوِيُّ عَنْ أَكْثَرِ الْمُحَدِّثِينَ وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ إنَّهُ الرِّوَايَةُ وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ قَالُوا حُلَّةٌ سِيَرَاءُ كَمَا قَالُوا نَاقَةٌ عُشَرَاءُ انْتَهَى وَآخَرُونَ يَتْرُكُونَ التَّنْوِينَ فِي ذَلِكَ وَيَجْعَلُونَ حُلَّةً مُضَافًا إلَى سِيَرَاءَ حَكَاهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ ابْنِ سِرَاجٍ ، وَمُتْقِنِي الْحَدِيثِ ، وَحَكَاهُ النَّوَوِيُّ عَنْ الْمُحَقِّقِينَ وَمُتْقِنِي الْعَرَبِيَّةِ ، وَلَهُ تَوْجِيهَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهُ مِنْ إضَافَةِ الشَّيْءِ إلَى صِفَتِهِ كَقَوْلِهِمْ ثَوْبُ خَزٍّ ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، وَالثَّانِي أَنَّ سِيبَوَيْهِ قَالَ لَمْ يَأْتِ فِعَلَاءُ صِفَةً لَكِنْ اسْمًا ، وَهُوَ الْحَرِيرُ الصَّافِي فَمَعْنَاهُ حُلَّةُ حَرِيرٍ ذَكَرَهُ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَغَيْرُهُ ، وَحُكِيَ عَنْ الْخَلِيلِ بْنِ أَحْمَدَ أَنَّهُ قَالَ لَيْسَ فِي الْكَلَامِ فِعَلَاءُ بِالْكَسْرِ مَمْدُودُ الْآخِرِ إلَّا حَوْلَاءُ أَيْ ، وَهُوَ الْمَاءُ الَّذِي يَخْرُجُ عَلَى رَأْسِ الْوَلَدِ ، وَعِنَبَاءُ أَيْ لُغَةٌ فِي الْعِنَبِ ، وَسِيَرَاءُ . ( الْخَامِسَةُ ) إنْ فَسَّرْنَا السِّيَرَاءَ بِأَنَّهَا الْحَرِيرُ الْمَحْضُ ، وَهُوَ الَّذِي تَقَدَّمَ أَنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ حَكَاهُ عَنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَاحْتَجَّ لَهُ بِمَا رَوَاهُ مِنْ طَرِيقِ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ لِهَذَا الْحَدِيثِ ، وَفِيهِ حُلَّةٌ مِنْ حَرِيرٍ . وَقَالَ النَّوَوِيُّ إنَّهُ الصَّحِيحُ الَّذِي يَتَعَيَّنُ الْقَوْلُ بِهِ جَمْعًا بَيْنَ الرِّوَايَاتِ لِمَا فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ فِي هَذَا الْحَدِيثِ { حُلَّةٌ مِنْ إسْتَبْرَقٍ } وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى لَهُ مِنْ دِيبَاجٍ أَوْ حَرِيرٍ ، وَفِي أُخْرَى حُلَّةُ سُنْدُسٍ قَالَ فَهَذِهِ الْأَلْفَاظُ تُبَيِّنُ أَنَّ هَذِهِ الْحُلَّةَ كَانَتْ حَرِيرًا مَحْضًا فَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ لُبْسِ الْحَرِيرِ عَلَى الرِّجَالِ ، وَإِبَاحَتِهِ لِلنِّسَاءٍ لِقَوْلِهِ فِي بَعْضِ طُرُقِهِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ لِأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَلَكِنِّي بَعَثْت بِهَا تُشَقِّقُهَا خُمُرًا بَيْنَ نِسَائِك ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ الْيَوْمَ كَمَا تَقَدَّمَ تَقْرِيرُهُ فِي الْحَدِيثِ الَّذِي قَبْلَهُ . ( السَّادِسَةُ ) وَإِنْ قُلْنَا إنَّهَا الثَّوْبُ الَّذِي يُخَالِطُهُ حَرِيرٌ كَالسُّيُورِ فَاسْتَدَلَّ بِهِ مَنْ ذَهَبَ إلَى تَحْرِيمِ الْخَزِّ ، وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُحَرَّرَاتِ الْمُشْتَمِلَةِ عَلَى الْحَرِيرِ وَغَيْرِهِ ، وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ فَتَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ الْمَاضِي أَنَّ الْمُرَجَّحَ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ الْجَوَازُ فِيمَا إذَا كَانَ غَيْرُ الْحَرِيرِ أَكْثَرَ وَزْنًا أَوْ اسْتَوَيَا ، وَكَذَا قَالَ الْحَنَابِلَةُ إنَّ الْحُكْمَ لِلْأَغْلَبِ مِنْهُمَا ، وَعِنْدَهُمْ فِيمَا إذَا اسْتَوَيَا ، وَجْهَانِ . قَالَ ابْنُ عَقِيلٍ ، وَالْأَشْبَهُ التَّحْرِيمُ انْتَهَى . وَلَا يُسْتَدَلُّ بِهَذَا الْحَدِيثِ عَلَى التَّحْرِيمِ فِي حَالَتَيْ الِاسْتِوَاءِ أَوْ نَقْصِ الْحَرِيرِ لِاحْتِمَالِ كَوْنِ حَرِيرِهَا كَانَ أَكْثَرَ ، وَهَذِهِ وَاقِعَةُ عَيْنٍ مُحْتَمِلَةٌ فَسَقَطَ بِهَا الِاسْتِدْلَال هَذَا إنْ لَمْ نُفَسِّرْ السِّيَرَاءَ بِالْحَرِيرِ الْمَحْضِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . قَالَ ابْنُ قُدَامَةَ ، وَلَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْخَزِّ نَصَّ عَلَيْهِ أَحْمَدُ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ الْحُصَيْنِ وَالْحَسَنِ بْنِ عَلِيٍّ وَأَنَسِ بْنِ مَالِكٍ وَأَبِي هُرَيْرَةَ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَأَبِي قَتَادَةَ وَقَيْسٍ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَمُحَمَّدِ بْنِ الْحَنَفِيَّةِ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ وَغَيْلَانَ بْنِ جَرِيرٍ وَشِبْلِ بْنِ عَوْفٍ وَشُرَيْحٍ أَنَّهُمْ لَبِسُوا الْخَزَّ ، وَقَالَ عَمَّارُ بْنُ أَبِي عَمَّارٍ أَتَتْ مَرْوَانَ مَطَارِفُ مِنْ خَزٍّ فَكَسَاهَا أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَسَا أَبَا هُرَيْرَةَ مُطْرَفًا مِنْ خَزٍّ أَغْبَرَ فَكَانَ يُثْنِيهِ مِنْ سَعَتِهِ ، وَكَسَتْ عَائِشَةُ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ الزُّبَيْرِ مُطْرَفًا مِنْ خَزٍّ كَانَتْ تَلْبَسُهُ رَوَاهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ سَعْدٍ قَالَ { رَأَيْت رَجُلًا بِبُخَارَى عَلَى بَغْلَةٍ بَيْضَاءَ عَلَيْهِ عِمَامَةٌ خَزٍّ سَوْدَاءُ فَقَالَ كَسَانِيهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد انْتَهَى . وَقَالَ مَالِكٌ أَكْرَهُ لُبْسَ الْخَزِّ لِأَنَّ سَدَاهُ حَرِيرٌ رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَقَالَ فِي رِوَايَةٍ ابْنِ الْقَاسِمِ أَيْضًا كَانَ رَبِيعَةُ يَلْبَسُ الْقَلَنْسُوَةَ بِطَانَتُهَا وَظِهَارَتُهَا خَزٌّ ، وَكَانَ إمَامًا قَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَيُذْكَرُ عَنْ مَالِكٍ جَوَازُهُ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ يَجُوزُ لُبْسُهُ ، وَكَرِهَهُ مَالِكٌ لِأَجْلِ السَّرَفِ . وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ لَا بَأْسَ بِلُبْسِ مَا سَدَاهُ حَرِيرٌ ، وَلُحْمَتُهُ غَيْرُ حَرِيرٍ ، وَمِنْهُ الْخَزُّ ، وَأَمَّا الْعَكْسُ ، وَهُوَ مَا لُحْمَتُهُ حَرِيرٌ ، وَسَدَاهُ غَيْرُ حَرِيرٍ فَهُوَ مَكْرُوهٌ ، وَالْكَرَاهَةُ إلَى الْحَرَامِ أَقْرَبُ كَمَا قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَأَبُو يُوسُفَ ، وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ كُلُّ مَكْرُوهٍ حَرَامٌ ، وَإِنَّمَا لَمْ يُطْلَقْ عَلَيْهِ حَرَامٌ لِعَدَمِ وُجُودِ النَّصِّ الْقَاطِعِ فِيهِ . وَحُكِيَ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ أَنَّهُ قَالَ لَا بَأْسَ بِلُبْسِ الْخَزِّ مَا لَمْ تَكُنْ فِيهِ شُهْرَةٌ فَإِنْ كَانَتْ فِيهِ شُهْرَةٌ فَلَا خَيْرَ فِيهِ ، وَاعْلَمْ أَنَّ النَّوَوِيَّ مِنْ أَصْحَابِنَا قَالَ إنَّ السَّدَى هُوَ الْمُسْتَتِرُ ، وَاللُّحْمَة هِيَ الَّتِي تُشَاهَدُ ، وَقَالَ ابْنُ الرِّفْعَةِ الَّذِي نَعْرِفُهُ الْعَكْسُ . ( السَّابِعَةُ ) فِيهِ جَوَازُ بَيْعِ الْحَرِيرِ ، وَإِنْ كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى الرِّجَالِ لِوُجُودِ الْمَنْفَعَةِ فِيهِ ، وَهُوَ اسْتِعْمَالُ النِّسَاءِ لَهُ ، وَقَدْ بِيعَ فِي زَمَنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ عِنْدَ بَابِ الْمَسْجِدِ ، وَعَرَضَ عَلَيْهِ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ شِرَاءَهُ ، وَأَقَرَّهُ ، وَقَالَ لِعُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي جُبَّةِ دِيبَاجٍ تَبِيعُهَا ، وَتُصِيبُ بِهَا بَعْضَ حَاجَتِك ، وَهَذَا مُجْمَعٌ عَلَيْهِ . ( الثَّامِنَةُ ) وَفِيهِ تَذْكِيرُ الْمَفْضُولِ الْفَاضِلَ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ مِنْ أَمْرِ دِينِهِ ، وَدُنْيَاهُ إذَا ذَهِلَ عَنْهُ أَوْ لَمْ يُعْرَفْ بِهِ . ( التَّاسِعَةُ ) وَفِيهِ أَنَّ الْمُسْتَحَبَّ التَّجَمُّلُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ بِالْمَلَابِسِ الْحَسَنَةِ لِكَوْنِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَقَرَّ عُمَرَ عَلَى ذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَنْكَرَ اسْتِعْمَالَ السِّيَرَاءِ ، وَمَا فِي مَعْنَاهُ ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد ، وَابْنِ مَاجَهْ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَلَامٍ مَرْفُوعًا { مَا عَلَى أَحَدِكُمْ لَوْ اشْتَرَى ثَوْبَيْنِ لِيَوْمِ الْجُمُعَةِ سِوَى ثَوْبَيْ مَهْنَتِهِ ؟ } ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ حَدِيثِ سَالِمٍ عَنْ أَبِيهِ لِلْعِيدِ بَدَلُ الْجُمُعَةِ ، وَالْقِصَّةُ وَاحِدَةٌ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ عُمَرَ ذَكَرَ الْأَمْرَيْنِ . وَقَالَ الْعُلَمَاءُ يُسْتَحَبُّ التَّجَمُّلُ فِي سَائِرِ مَجَامِعِ الْخَيْرِ إلَّا مَا يَنْبَغِي فِيهِ إظْهَارُ التَّمَسْكُنِ وَالتَّوَاضُعِ وَالْخَوْفِ كَالِاسْتِسْقَاءِ وَالْكُسُوفِ . ( الْعَاشِرَةُ ) وَفِيهِ اسْتِحْبَابُ التَّجَمُّلِ لِوُرُودِ الْوُفُودِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ تَعْظِيمِ أَمْرِ الْإِسْلَامِ ، وَإِرْهَابِ الْعَدُوِّ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ لَا خَلَاقَ لَهُ بِفَتْحِ الْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ أَيْ لَا نَصِيبَ لَهُ ، وَقِيلَ لَا حُرْمَةَ لَهُ ، وَقِيلَ لَا دِينَ لَهُ قَالَ النَّوَوِيُّ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ مَحْمُولًا عَلَى الْكُفَّارِ ، وَعَلَى الْقَوْلَيْنِ الْآخَرَيْنِ يَتَنَاوَلُ الْمُسْلِمَ ، وَالْكَافِرَ . ( الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ) عُطَارِدُ هُوَ ابْنُ حَاجِبِ بْنِ زُرَارَةَ بْنِ عَدْسٍ التَّمِيمِيُّ كَانَ سَيِّدَ قَوْمِهِ وَزَعِيمَهُمْ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ الزِّبْرِقَانِ بْنِ بَدْرٍ ، وَالْأَقْرَعِ بْنِ حَابِسٍ ، وَغَيْرِهِمَا سَنَةَ تِسْعٍ ، وَقِيلَ سَنَةَ عَشْرٍ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ . ( الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُوهِبَ لِلرَّجُلِ مَا لَا يَجُوزُ لَهُ لُبْسُهُ فَإِنَّهُ لَا يَتَعَيَّنُ فِي الِانْتِفَاعِ بِالْمَوْهُوبِ اللُّبْسُ . ( الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ) قَوْلُهُ { فَكَسَاهَا عُمَرُ أَخًا لَهُ مُشْرِكًا بِمَكَّةَ هُوَ أَخُوهُ لِأُمِّهِ } كَمَا هُوَ مُصَرَّحٌ بِهِ فِي مُسْنَدِ أَبِي عَوَانَةَ الْإسْفَرايِينِيّ ، وَاسْمُهُ عُثْمَانُ بْنُ حَكِيمِ بْنِ أُمَيَّةَ السُّلَمِيُّ كَمَا حَكَاهُ ابْنُ بَشْكُوَالَ فِي الْمُبْهَمَاتِ عَنْ ابْنِ الْحَذَّاءِ فِي التَّعْرِيفِ . وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ { أَرْسَلَ بِهَا عُمَرَ إلَى أَخٍ لَهُ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ قَبْلَ أَنْ يُسْلِمَ } قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ أَسْلَمَ بَعْدَ ذَلِكَ قُلْت لَمْ أَرَ أَحَدًا مِمَّنْ صَنَّفَ فِي الصَّحَابَةِ ذَكَرَهُ فِيهِمْ ، وَذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ لَمْ يُسْلِمْ . ( الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ ) فِيهِ صِلَةٌ الْأَقَارِبِ الْكُفَّارِ ، وَالْإِحْسَانُ إلَيْهِمْ ، وَجَوَازُ الْإِهْدَاءِ لِلْكَافِرِ ، وَلَوْ كَانَ حَرْبِيًّا فَإِنَّ مَكَّةَ لَمْ يَبْقَ فِيهَا بَعْدَ الْفَتْحِ مُشْرِكٌ ، وَكَانَتْ قَبْلَ ذَلِكَ حَرْبًا ذَكَرَهُ ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ . وَفِيهِ نَظَرٌ فَإِنَّ وُفُودَ عُطَارِدَ إنَّمَا كَانَ بَعْدَ الْفَتْحِ فِي التَّاسِعَةِ أَوْ الْعَاشِرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَكَانَ إرْسَالُ هَذِهِ الْهَدِيَّةِ بَعْدَ وُفُودِهِ . ( السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ) اسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُقَرَّرِ عِنْدَ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ الْكُفَّارَ غَيْرُ مُخَاطَبِينَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُ ، وَبَيْنَ ذَلِكَ الْمُشْرِكِ فَرْقٌ فِي تَحْرِيمِ لُبْسِ الْحَرِيرِ عَلَى كُلٍّ مِنْهُمَا قَالَ النَّوَوِيُّ ، وَهَذَا وَهْمٌ بَاطِلٌ لِأَنَّ الْحَدِيثَ إنَّمَا فِيهِ الْهَدِيَّةُ إلَى كَافِرٍ ، وَلَيْسَ فِيهِ الْإِذْنُ لَهُ فِي لُبْسِهَا . وَقَدْ بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ إلَى عُمَرَ ، وَعَلِيٍّ ، وَأُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، وَلَمْ يَلْزَمْ مِنْهُ إبَاحَةُ لُبْسِهَا لَهُمْ بَلْ صَرَّحَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّهُ إنَّمَا أَعْطَاهُ لِيَنْتَفِعَ بِهَا بِغَيْرِ اللُّبْسِ ، وَالْمَذْهَبُ الصَّحِيحُ الَّذِي عَلَيْهِ الْمُحَقِّقُونَ ، وَالْأَكْثَرُونَ أَنَّ الْكُفَّارَ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ فَيَحْرُم عَلَيْهِمْ الْحَرِيرُ كَمَا يَحْرُمُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ قُلْت قَدْ يُقَالُ إهْدَاءُ الْحَرِيرِ لِلْمُسْلِمِ لَا يَلْزَمُ مِنْهُ لُبْسُهُ لَهُ لِمَا عِنْدَهُ مِنْ " الْوَازِعِ الشَّرْعِيِّ بِخِلَافِ الْكَافِرِ فَإِنَّ كُفْرَهُ يَحْمِلُهُ عَلَى لُبْسِهِ فَلَيْسَ عِنْدَهُ مِنْ اعْتِقَادِ تَحْرِيمِهِ مَا يَكُفُّهُ عَنْ ذَلِكَ فَلَوْلَا إبَاحَةُ لُبْسِهِ لَهُ لَمَا أُعِينَ عَلَى تِلْكَ الْمَعْصِيَةِ بِإِهْدَائِهِ لَهُ ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ فِيمَا إذَا كَانَ الْمُسْلِمُ فَاسِقًا مُتَهَاوِنًا بِأَمْرِ الدِّينِ يَعْتَادُ لُبْسَ الْحَرِيرِ بِحَيْثُ يَلْزَمُ مِنْ إهْدَائِهِ لَهُ لُبْسُهُ بِحَسَبِ الْعَادَةِ يَحْرُمُ إهْدَاؤُهُ لَهُ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ إعَانَتِهِ عَلَى الْمَعْصِيَةِ كَمَا رَجَّحَ النَّوَوِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا فِي بَيْعِ الْعَصِيرِ مِمَّنْ يَتَّخِذُهُ خَمْرًا إذَا تَحَقَّقَ ذَلِكَ أَنَّهُ يَحْرُمُ ، وَإِنْ كَانَ الْأَكْثَرُونَ عَلَى خِلَافِهِ أَمَّا إذَا لَمْ يَتَحَقَّقْ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ غَلَبَ كُرِهَ فَقَطْ . وَعَنْ عَلِيٍّ قَالَ : { نُهِيَ عَنْ مَيَاثِرِ الْأُرْجُوَانِ ، وَلُبْسِ الْقَسِّيِّ ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ . قَالَ مُحَمَّدٌ فَذَكَرْت لِأَخِي يَحْيَى بْنِ سِيرِينَ فَقَالَ : أَوَ لَمْ تَسْمَعْ هَذَا ؟ نَعَمْ ، وَكَفَافُ الدِّيبَاجِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَلِمُسْلِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ وَالْمُعَصْفَرِ وَعَنْ تَخْتِمْ الذَّهَبِ } ، وَعَلَّقَ الْبُخَارِيُّ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ " قُلْت لِعَلِيٍّ مَا الْقَسِّيَّة ؟ قَالَ ثِيَابٌ أَتَتْنَا مِنْ الشَّامِ أَوْ مِنْ مِصْرَ مُضَلَّعَةٌ فِيهَا حَرِيرٌ ، وَفِيهَا أَمْثَالُ الْأُتْرُنْجِ ، وَالْمِيثَرَةُ كَانَتْ النِّسَاءُ تَصْنَعُهُ لِبُعُولَتِهِنَّ مِثْلُ الْقَطَائِفِ " ، وَلَهُمَا مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ { نَهَانَا عَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ ، وَالدِّيبَاجِ ، وَالْقَسِّيِّ ، وَالْإِسْتَبْرَقِ ، وَالْمَيَاثِرِ الْحُمْرِ } . ( الْحَدِيثُ الثَّالِثُ ) عَنْ عَلِيٍّ قَالَ { نُهِيَ عَنْ مَيَاثِرِ الْأُرْجُوَانِ ، وَلُبْسِ الْقَسِّيِّ ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ قَالَ مُحَمَّدٌ فَذَكَرْت لِأَخِي يَحْيَى بْنِ سِيرِينَ فَقَالَ أَوَ لَمْ تَسْمَعْ هَذَا ؟ نَعَمْ ، وَكَفَافُ الدِّيبَاجِ } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَصَرَّحَ مُسْلِمٌ بِرَفْعِهِ دُونَ ذِكْرِ الْمَيَاثِرِ ، وَلِلشَّيْخَيْنِ نَحْوُهُ مِنْ حَدِيثِ الْبَرَاءِ ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) رَوَاهُ أَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ هِشَامٍ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَلِيٍّ إلَّا أَنَّ أَبَا دَاوُد اقْتَصَرَ عَلَى الْجُمْلَةِ الْأُولَى فَلَوْ عَزَاهُ الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ لِلنَّسَائِيِّ لَكَانَ أَوْلَى لِكَوْنِهِ أَخْرَجَهُ بِتَمَامِهِ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَرَوَاهُ النَّسَائِيّ مِنْ رِوَايَةِ أَشْعَثَ عَنْ مُحَمَّدٍ عَنْ عُبَيْدَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ { نَهَانِي النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْقَسِّيِّ وَالْحَرِيرِ ، وَخَاتَمِ الذَّهَبِ ، وَأَنْ أَقْرَأَ رَاكِعًا } ، وَقَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمَيْ الْحَدِيثِ وَالْأُصُولِ أَنَّ قَوْلَ الصَّحَابِيِّ نُهِيَ مَحْمُولٌ عَلَى نَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى الصَّحِيحِ ، وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ بِالتَّصْرِيحِ بِرَفْعِهِ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى وَأَخْرَجَهُ أَصْحَابُ السُّنَنِ الْأَرْبَعَةِ ، وَابْنُ حِبَّانَ فِي صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ هُبَيْرَةَ بْنِ مَرْيَمَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ { نَهَانِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ خَاتَمِ الذَّهَبِ وَعَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ ، وَالْمِيثَرَةِ الْحَمْرَاءِ } لَفْظُ أَبِي دَاوُد . وَقَالَ التِّرْمِذِيُّ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } ، وَلَمْ يُقَيِّدْ الْمِيثَرَةَ بِكَوْنِهَا حَمْرَاءَ ، وَقَالَ حَسَنٌ صَحِيحٌ ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ، وَغَيْرِهِ مِنْ طَرِيقِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُنَيْنٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { نَهَى عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ ، وَالْمُعَصْفَرِ وَعَنْ تَخْتِمْ الذَّهَبِ وَعَنْ قِرَاءَةِ الْقُرْآنِ فِي الرُّكُوعِ } ، وَمِنْ طَرِيقِ عَاصِمِ بْنِ كُلَيْبٍ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ { نَهَانِي يَعْنِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ أَجْعَلَ خَاتَمِي فِي هَذِهِ أَوْ الَّتِي تَلِيهَا } لَمْ يَدْرِ عَاصِمٌ فِي أَيِّ الثِّنْتَيْنِ { ، وَنَهَانِي عَنْ لُبْسِ الْقَسِّيِّ وَعَنْ جُلُوسٍ عَلَى الْمَيَاثِرِ } قَالَ فَأَمَّا الْقَسِّيُّ فَثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ يُؤْتَى بِهَا مِنْ مِصْرَ ، وَالشَّامِ فِيهَا شَبَهُ كَذَا . وَأَمَّا الْمَيَاثِرُ فَشَيْءٌ كَانَتْ تَجْعَلُهُ النِّسَاءُ لِبُعُولَتِهِنَّ عَلَى الرَّحْلِ كَالْقَطَائِفِ الْأُرْجُوَانِ ، وَاقْتَصَرَ الْبُخَارِيُّ عَلَى الْمَوْقُوفِ مِنْهُ تَعْلِيقًا فَقَالَ ، وَقَالَ عَاصِمٌ عَنْ أَبِي بُرْدَةَ قَالَ قُلْت لِعَلِيٍّ مَا الْقَسِّيَّةُ ؟ قَالَ ثِيَابٌ أَتَتْنَا مِنْ الشَّامِ أَوْ مِنْ مِصْرَ مُضَلَّعَةٌ فِيهَا حَرِيرٌ أَمْثَالُ الْأُتْرُجِّ ، وَفِي بَعْضِ نُسَخِهِ ، وَفِيهَا أَمْثَالُ الْأُتْرُجِّ ، وَالْمِيثَرَةُ كَانَتْ النِّسَاءُ تَصْنَعُهُ لِبُعُولَتِهِنَّ مِثْلُ الْقَطَائِفِ . وَقَالَ جَرِيرٌ عَنْ يَزِيدَ فِي حَدِيثِهِ الْقَسِّيَّةُ ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ يُجَاءُ بِهَا مِنْ مِصْرَ فِيهَا الْحَرِيرُ ، وَالْمِيثَرَةُ جُلُودُ السِّبَاعِ قَالَ الْبُخَارِيُّ عَاصِمٌ أَصَحُّ وَأَكْثَرُ فِي الْمِيثَرَةِ أَيْ مَا رَوَاهُ عَاصِمٌ فِي تَفْسِيرِ الْمِيثَرَةِ أَصَحُّ ، وَيَشْهَدُ لِهَذَا الْحَدِيثِ مَا فِي الصَّحِيحَيْنِ عَنْ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا قَالَ : { أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ . الْحَدِيثَ ، وَفِيهِ وَنَهَانَا عَنْ خَوَاتِيمَ أَوْ عَنْ تَخَتُّمٍ بِالذَّهَبِ وَعَنْ شُرْبٍ بِالْفِضَّةِ وَعَنْ الْمَيَاثِر وَعَنْ الْقَسِّيِّ وَعَنْ لُبْسِ الْحَرِيرِ ، وَالْإِسْتَبْرَقِ ، وَالدِّيبَاجِ } ، وَفِي رِوَايَةٍ لِلْبُخَارِيِّ الْمَيَاثِرُ الْحُمْرُ . ( الثَّانِيَةُ ) الْمَيَاثِرُ بِفَتْحِ الْمِيمِ ، وَبِالْيَاءِ الْمُثَنَّاةِ مِنْ تَحْتُ ، وَبَعْدَ الْأَلْفِ ثَاءٌ مُثَلَّثَةٌ مَكْسُورَةٌ ثُمَّ رَاءٌ مُهْمَلَةٌ جَمْعُ مِيثَرَةٍ بِكَسْرِ الْمِيمِ ، وَإِسْكَانِ الْيَاءِ غَيْرِ مَهْمُوزٍ ، وَفَتْحِ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ ، وَتَقَدَّمَ مِنْ الصَّحِيحَيْنِ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ شَيْءٌ كَانَتْ النِّسَاءُ تَصْنَعُهُ لِبُعُولَتِهِنَّ أَيْ أَزْوَاجِهِنَّ مِثْلُ الْقَطَائِفِ ، وَهِيَ جَمْعُ قَطِيفَةٍ : دِثَارُ مُخْمَلٍ يَضَعُونَهُ فَوْقَ الرِّحَالِ ، وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ مِيثَرَةُ الْفَرَسِ لُبْدَتُهُ غَيْرُ مَهْمُوزٍ ، وَالْجَمْعُ مَيَاثِرُ وَمَوَاثِرُ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ . وَأَمَّا الْمَيَاثِرُ الْحُمْرُ الَّتِي جَاءَ فِيهَا النَّهْيُ فَإِنَّهَا كَانَتْ مِنْ مَرَاكِبِ الْأَعَاجِمِ مِنْ دِيبَاجٍ أَوْ حَرِيرٍ ، وَحَكَى الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ قَوْلًا أَنَّهَا سُرُوجٌ تُتَّخَذُ مِنْ الدِّيبَاجِ ، وَقَوْلًا آخَرَ أَنَّهَا أَغْشِيَةُ السُّرُوجِ مِنْ الْحَرِيرِ ، وَقَوْلًا آخَرَ ؛ أَنَّهَا شَيْءٌ يُحْشَى رِيشًا أَوْ قُطْنًا يَجْعَلُهُ الرَّاكِبُ تَحْتَهُ فَوْقَ الرَّحْلِ ، وَهَذَا قَرِيبٌ مِنْ الْمَحْكِيِّ أَوَّلًا عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ إلَّا أَنَّهُ لَيْسَ فِي ذَاكَ أَنَّهُ مَحْشُوٌّ بِشَيْءٍ ، وَفِي هَذَا أَنَّهُ مَحْشُوٌّ ، وَهِيَ مَأْخُوذَةٌ مِنْ الْوَثَارَةِ يُقَالُ ، وَثُرَ بِضَمِّ الثَّاءِ وَثَارَةً بِفَتْحِ الْوَاوِ فَهُوَ وَثِيرٌ أَيْ وَطِيءٌ لَيِّنٌ ، وَأَصْلُهَا مَوْثُورَةٌ فَقُلِبَتْ الْوَاوُ يَاءً لِلْكِسْرَةِ قَبْلَهَا كَمَا فِي مِيزَانٍ وَمِيقَاتٍ وَمِيعَادٍ مِنْ الْوَزْنِ وَالْوَقْتِ وَالْوَعْدِ ، وَأَصْلُهُ مِوْزَانٌ وَمِوْقَاتٌ وَمِوْعَادٌ ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ يَزِيدَ ، وَهُوَ ابْنُ رُومَانَ أَنَّ الْمُرَادَ بِالْمِيثَرَةِ جُلُودُ السِّبَاعِ ، وَتَقَدَّمَ أَنَّ الْبُخَارِيَّ جَعَلَهُ قَوْلًا مَرْجُوحًا . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ ، وَهَذَا عِنْدِي وَهْمٌ ، وَقَالَ النَّوَوِيُّ ، وَهَذَا قَوْلٌ بَاطِلٌ مُخَالِفٌ لِلْمَشْهُورِ الَّذِي أَطْبَقَ عَلَيْهِ أَهْلُ اللُّغَةِ وَالْحَدِيثِ ، وَسَائِرُ الْعُلَمَاءِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّالِثَةُ ) الْأُرْجُوَانُ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ وَإِسْكَانِ الرَّاءِ الْمُهْمَلَةِ ، وَضَمِّ الْجِيمِ قَالَ النَّوَوِيُّ هَذَا هُوَ الصَّوَابُ الْمَعْرُوفُ فِي رِوَايَاتِ الْحَدِيثِ ، وَفِي كُتُبِ الْغَرِيبِ وَاللُّغَةِ ، وَغَيْرِهَا ، وَكَذَلِكَ صَرَّحَ بِهِ الْقَاضِي فِي الْمَشَارِقِ ، وَفِي شَرْحِ الْقَاضِي عِيَاضٍ فِي مَوْضِعَيْنِ مِنْهُ أَنَّهُ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَهَذَا غَلَطٌ ظَاهِرٌ مِنْ النُّسَّاخِ لَا مِنْ الْقَاضِي فَإِنَّهُ صَرَّحَ فِي الْمَشَارِقِ بِضَمِّ الْهَمْزَةِ قُلْت ، وَتَبِعَهُ الْقُرْطُبِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ فَصَرَّحَ بِأَنَّ الْأَرْجُوَانَ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ ، وَالصَّوَابُ مَا تَقَدَّمَ ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ عَنْ أَهْلِ اللُّغَةِ ، وَغَيْرِهِمْ أَنَّهُ صِبْغٌ أَحْمَرُ شَدِيدُ الْحُمْرَةِ قَالَ كَذَا قَالَهُ أَبُو عُبَيْدٍ ، وَالْجُمْهُورُ انْتَهَى . وَصَدَّرَ فِي الْمَشَارِقِ كَلَامَهُ بِأَنَّهُ الصُّوفُ الْأَحْمَرُ ثُمَّ قَالَ ، وَقَالَ الْفَرَّاءُ الْحُمْرَةُ ، وَقَالَ أَبُو عُبَيْدٍ الشَّدِيدُ الْحُمْرَةُ ، وَقَالَ فِي الصِّحَاحِ بَعْدَ أَنْ ذَكَرَ أَنَّهُ صِبْغٌ أَحْمَرُ شَدِيدُ الْحُمْرَةِ ، وَهُوَ شَجَرٌ لَهُ نَوْرٌ أَحْمَرُ أَحْسَنُ مَا يَكُونُ ، وَكُلُّ لَوْنٍ يُشْبِهُهُ فَهُوَ أُرْجُوَانُ قَالَ ، وَيُقَالُ هُوَ مُعَرَّبٌ ، وَهُوَ بِالْفَارِسِيَّةِ أُرْغُوَانُ ، وَقَالَ فِي الْمُحْكَمِ حَكَى السِّيرَافِيُّ أَحْمَرُ أُرْجُوَانٌ عَلَى الْمُبَالَغَةِ بِهِ كَمَا قَالُوا أَحْمَرُ قَانٍ ، وَذَلِكَ لِأَنَّ سِيبَوَيْهِ إنَّمَا مَثَّلَ بِهِ فِي الصِّفَةِ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ عَلَى الْمُبَالَغَةِ الَّتِي ذَهَبَ إلَيْهَا السِّيرَافِيُّ ، وَإِمَّا أَنْ يُرِيدَ الْأُرْجُوَانَ الَّذِي هُوَ الْأَحْمَرُ مُطْلَقًا ، وَذَكَرَ فِي النِّهَايَةِ تَبَعًا لِلْهَرَوِيِّ حَدِيثَ عُثْمَانَ أَنَّهُ غَطَّى وَجْهَهُ ، وَهُوَ مُحْرِمٌ بِقَطِيفَةٍ حَمْرَاءَ أُرْجُوَانَ ، وَقَالَ الذَّكَرُ وَالْأُنْثَى فِيهِ سَوَاءٌ يُقَالُ ثَوْبُ أُرْجُوَانَ ، وَقَطِيفَةُ أُرْجُوَانَ ، وَالْأَكْثَرُ فِي كَلَامِهِمْ إضَافَةُ الثَّوْبِ أَوْ الْقَطِيفَةِ إلَى الْأُرْجُوَانِ قَالَ النَّوَوِيُّ ثُمَّ أَهْلُ اللُّغَةِ ذَكَرُوهُ فِي بَابِ الرَّاءِ وَالْجِيمِ وَالْوَاوِ ، وَلَا يَغْتَرُّ بِذَكَرِ الْقَاضِي لَهُ فِي الْمَشَارِقِ فِي بَابِ الْهَمْزَةِ وَالرَّاءِ وَالْجِيمِ ، وَلَا بِذِكْرِ ابْنِ الْأَثِيرِ لَهُ فِي بَابِ الرَّاءِ وَالْجِيمِ وَالنُّونِ قُلْت ، وَقَدْ قَالَ ابْنُ الْأَثِيرِ فِي آخَرِ كَلَامِهِ ، وَقِيلَ إنَّ الْكَلِمَةَ عَرَبِيَّةٌ ، وَالْأَلِفُ وَالنُّونُ زَائِدَتَانِ . ( الرَّابِعَةُ ) قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ الْعُلَمَاءُ الْمِيثَرَةُ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْ الْحَرِيرِ كَمَا هُوَ الْغَالِبُ فِيمَا كَانَ مِنْ عَادَتِهِمْ فَهِيَ حَرَامٌ لِأَنَّهُ جُلُوسٌ عَلَى حَرِيرٍ ، وَاسْتِعْمَالٌ لَهُ ، وَهُوَ حَرَامٌ عَلَى الرِّجَالِ سَوَاءٌ كَانَ عَلَى رَحْلٍ أَوْ سَرْجٍ أَوْ غَيْرِهِمَا ، وَإِنْ كَانَ مِيثَرَةً مِنْ غَيْرِ حَرِيرٍ فَلَيْسَتْ بِحَرَامٍ ، وَمَذْهَبُنَا أَنَّهَا لَيْسَتْ مَكْرُوهَةً أَيْضًا فَإِنَّ الثَّوْبَ الْأَحْمَرَ لَا كَرَاهَةَ فِيهِ فَسَوَاءٌ كَانَتْ حَمْرَاءَ أَمْ لَا ، وَقَدْ ثَبَتَتْ الْأَحَادِيثُ الصَّحِيحَةُ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَبِسَ حُلَّةً حَمْرَاءَ } ، وَحَكَى الْقَاضِي عِيَاضٌ عَنْ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ كَرَاهَتَهَا لِئَلَّا يَظُنَّهَا الرَّائِي مِنْ بَعْدُ حَرِيرًا انْتَهَى . وَقَالَ ابْنُ قُدَامَةَ قَالَ أَصْحَابُنَا يُكْرَهُ لُبْسُ الْأَحْمَرِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عُمَرَ ، وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَأَحَادِيثُ الْإِبَاحَةِ أَصَحُّ ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ . وَأَمَّا مَنْ كَانَتْ عِنْدَهُ الْمِيثَرَةُ مِنْ جُلُودِ السِّبَاعِ فَوَجْهُ النَّهْيِ عَنْهَا أَنَّهَا لَا تَعْمَلُ الزَّكَاةُ فِيهَا ، وَهُوَ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَوْ لِأَنَّهَا لَا تُذْكَى غَالِبًا قُلْت لَكِنَّهَا تَطْهُرُ بِالدَّبَّاغِ إلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي طَهَارَةِ الشَّعْرِ تَبَعًا لِلْجِلْدِ إذَا دُبِغَ ، وَالْمَشْهُورُ عِنْدَ الشَّافِعِيَّةِ عَدَمُ طَهَارَتِهِ ، وَقَالَ الْحَنَفِيَّةُ بِطَهَارَتِهِ ، وَالْأَغْلَبُ فِي الْمَيَاثِرِ أَنَّهَا لَا شَعْرَ عَلَيْهَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَدْ يُقَالُ إنَّ الْمَعْنَى فِي النَّهْيِ عَنْ الْمَيَاثِرِ مَا فِيهِ مِنْ التَّرَفُّهِ ، وَقَدْ يَتَعَذَّرُ فِي بَعْضِ الْأَوْقَاتِ فَيَشُقُّ تَرْكُهَا عَلَى مَنْ اعْتَادَهَا فَيَكُونُ حِينَئِذٍ إرْشَادًا نَهَى عَنْهُ لِمَصْلَحَةٍ دُنْيَوِيَّةٍ ، وَقَدْ يَكُونُ لِمَصْلَحَةٍ دِينِيَّةٍ ، وَهِيَ تَرْكُ التَّشَبُّهِ بِعُظَمَاءِ الْفُرْسِ لِأَنَّهُ كَانَ شِعَارَهُمْ ذَلِكَ الْوَقْتَ فَلَمَّا لَمْ يَصِرْ شِعَارًا لَهُمْ ، وَزَالَ ذَلِكَ الْمَعْنَى زَالَتْ الْكَرَاهَةُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) قَدْ عَرَفْت أَنَّ الْمِيثَرَةَ قُيِّدَتْ تَارَةً بِكَوْنِهَا حَمْرَاءَ ، وَأُطْلِقَتْ تَارَةً فَمَنْ يَحْمِلُ الْمُطْلَقَ عَلَى الْمُقَيَّدِ يَخُصُّ النَّهْيَ بِالْحَمْرَاءِ وَمَنْ يَأْخُذُ بِالْمُطْلَقِ ، وَهُمْ الْحَنَفِيَّةُ ، وَالظَّاهِرِيَّةُ فَمُقْتَضَى مَذْهَبِهِمْ طَرْدُ النَّهْيِ عَنْهَا ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ حَمْرَاءَ ، وَقَوْلُهُ فِي رِوَايَةِ الْمُصَنِّفِ مَيَاثِرُ الْأُرْجُوَانِ يَنْبَنِي عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي تَفْسِيرِ الْأُرْجُوَانِ فَإِنْ فَسَّرْنَاهُ بِمُطْلَقِ الْأَحْمَرِ سَاوَى الرِّوَايَةَ الَّتِي فِيهَا الْمَيَاثِرُ الْحُمْرُ ، وَإِنْ فَسَّرْنَاهُ بِالْمَصْبُوغِ بِصِبْغٍ مَخْصُوصٍ فَمُقْتَضَاهُ اخْتِصَاصُهُ بِالْمَصْبُوغِ بِذَلِكَ الصِّبْغِ الْمَخْصُوصِ خَاصَّةً ، وَأَنَّهُ لَا يَتَعَدَّى لِمَا سِوَاهُ إلَّا أَنْ تَكُونَ تَعَدِّيَتُهُ بِطَرِيقِ الْقِيَاسِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) الْقَسِّيُّ بِفَتْحِ الْقَافِ ، وَكَسْرِ السِّينِ الْمُهْمَلَةِ الْمُشَدَّدَةِ ، وَآخِرُهُ يَاءٌ مُشَدَّدَةٌ هَذَا هُوَ الصَّحِيحُ الْمَشْهُورُ ، وَبَعْضُ أَهْلِ الْحَدِيثِ بِكَسْرِ الْقَافِ قَالَ أَبُو عُبَيْدٍ أَهْلُ الْحَدِيثِ يَكْسِرُونَهَا ، وَأَهْلُ مِصْرَ يَفْتَحُونَهَا ، وَتَقَدَّمَ مِنْ صَحِيحِ مُسْلِمٍ تَفْسِيرُهُ بِأَنَّهُ ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ يُؤْتَى بِهَا مِنْ مِصْرَ ، وَالشَّامِ فِيهَا شَبَهُ كَذَا ، وَقَوْلُهُ مُضَلَّعَةٌ بِالضَّادِ الْمُعْجَمَةِ ، وَالْعَيْنِ الْمُهْمَلَةِ ، وَفَتْحِ اللَّامِ وَتَشْدِيدِهَا أَيْ فِيهَا خُطُوطٌ عَرِيضَةٌ كَالْأَضْلَاعِ ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ مُعَلَّقًا فِيهَا حَرِيرٌ أَمْثَالُ الْأُتْرُجِّ ، وَكَانَ الْمَكْنِيُّ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ بِكَذَا هُوَ الْأُتْرُجُّ قَالَ النَّوَوِيُّ قَالَ أَهْلُ اللُّغَةِ فِي غَرِيبِ الْحَدِيثِ هِيَ ثِيَابٌ مُضَلَّعَةٌ بِالْحَرِيرِ تُعْمَلُ بِالْقَسِّ بِفَتْحِ الْقَافِ ، وَهُوَ مَوْضِعٌ مِنْ بِلَادِ مِصْرَ ، وَهِيَ قَرْيَةٌ عَلَى سَاحِلِ الْبَحْرِ قَرِيبَةٌ مِنْ تُنِيس ، وَقِيلَ هِيَ ثِيَابٌ مِنْ كَتَّانٍ مَخْلُوطٍ بِحَرِيرٍ ، وَقِيلَ هِيَ ثِيَابٌ مِنْ الْقَزِّ ، وَأَصْلُهُ الْقَزِّيُّ بِالزَّايِ مَنْسُوبٌ إلَى الْقَزِّ ، وَهُوَ رَدِيءٌ الْحَرِيرِ فَأَبْدَلَ مِنْ الزَّايِ سِينًا انْتَهَى قَالَ فِي النِّهَايَةِ ، وَقِيلَ هُوَ مَنْسُوبٌ إلَى الْقَسِّ ، وَهُوَ الصَّقِيعُ لِبَيَاضِهِ انْتَهَى . ( السَّابِعَةُ ) إنْ صَحَّ أَنَّ الْقَسِّيَّ مِنْ الْقَزِّ الْخَالِصِ فَالنَّهْيُ عَنْهُ لِلتَّحْرِيمِ ، وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِطًا مِنْ الْحَرِيرِ ، وَغَيْرِهِ فَإِنْ كَانَ حَرِيرُهُ أَكْثَرَ فَالنَّهْيُ عَنْهُ لِلتَّحْرِيمِ ، وَإِنْ كَانَ كَتَّانُهُ أَكْثَرَ فَالنَّهْيُ عَنْهُ لِكَرَاهَةِ التَّنْزِيهِ ، وَإِنْ اسْتَوَيَا فَعَلَى الْخِلَافِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَالْأَصَحُّ عِنْدَ أَصْحَابِنَا أَنَّهُ لَيْسَ بِحَرَامٍ كَمَا تَقَدَّمَ فَيَكُونُ النَّهْيُ عَنْهُ لِلتَّنْزِيهِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُ الْقَسِّيِّ حَرِيرُهُ أَكْثَرُ ، وَبَعْضُهُ كَتَّانُهُ أَكْثَرُ فَالنَّهْيُ فِيمَا حَرِيرُهُ أَكْثَرُ لِلتَّحْرِيمِ ، وَفِيمَا كَتَّانُهُ أَكْثَرُ لِلْكَرَاهَةِ ، وَغَايَةُ مَا فِي ذَلِكَ الْجَمْعُ فِي لَفْظِ النَّهْيِ بَيْنَ حَقِيقَتَيْنِ مُخْتَلِفَتَيْنِ ، وَهُمَا التَّحْرِيمُ ، وَالْكَرَاهَةُ فَإِنْ قُلْت بَلْ فِيهِ حِينَئِذٍ الْجَمْعُ بَيْنَ الْحَقِيقَةِ ، وَالْمَجَازِ لِأَنَّ النَّهْيَ حَقِيقَةٌ فِي التَّحْرِيمِ مَجَازٌ فِي الْكَرَاهَةِ قُلْت الْوَارِدُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ صِيغَةُ النَّهْيِ ، وَهِيَ مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَهُمَا ، وَالصِّيغَةُ الَّتِي هِيَ حَقِيقَةٌ فِي التَّحْرِيمِ هِيَ صِيغَةُ لَا تَفْعَلْ كَمَا قَرَّرْت ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) فِيهِ تَحْرِيمُ التَّخَتُّمِ بِالذَّهَبِ ، وَهُوَ مُجْمَعٌ عَلَيْهِ فِي حَقِّ الرِّجَالِ ، وَلَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِكَوْنِ جَمِيعِهِ ذَهَبًا فَلَوْ كَانَ بَعْضُهُ ذَهَبًا ، وَبَعْضُهُ فِضَّةٌ حَرُمَ أَيْضًا حَتَّى قَالَ أَصْحَابُنَا لَوْ كَانَتْ سِنُّ الْخَاتَمِ ذَهَبًا أَوْ كَانَ مُمَوَّهًا بِذَهَبٍ يَسِيرٍ فَهُوَ حَرَامٌ لِعُمُومِ الْحَدِيثِ الْآخَرِ فِي الْحَرِيرِ وَالذَّهَبِ { إنَّ هَذَيْنِ حَرَامٌ عَلَى ذُكُورِ أُمَّتِي حِلٌّ لِإِنَاثِهَا } فَإِنْ قُلْت قَدْ فَصَّلْتُمْ فِي الْمِيثَرَةِ ، وَالْقَسِّيِّ ، وَقُلْتُمْ بِتَحْرِيمِهَا فِي حَالَةٍ ، وَعَدَمِ تَحْرِيمِهَا فِي أُخْرَى ، وَجَزَمْتُمْ بِتَحْرِيمِ خَاتَمِ الذَّهَبِ عَلَى الرِّجَالِ مُطْلَقًا فَكَيْفَ صَحَّ ذَلِكَ مَعَ قَرْنِهِ بِهِمَا قُلْت لَا يَلْزَمُ مِنْ قَرْنِهِ بِهِمَا أَنْ يُسَاوِيَهُمَا فِي حُكْمِهِمَا فَقَدْ يَقْرِنُ بَيْنَ شَيْئَيْنِ مُخْتَلِفَيْ الْحُكْمِ ، وَدَلَالَةُ الِاقْتِرَانِ عَلَى التَّسَاوِي فِي الْحُكْمِ ضَعِيفَةٌ عِنْدَ الْجُمْهُورِ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ ، وَالْمُزَنِيِّ . ( التَّاسِعَةُ ) قَوْلُ يَحْيَى بْنِ سِيرِينَ أَوَ لَمْ تَسْمَعْ هَذَا اسْتِفْهَامُ إنْكَارٍ كَأَنَّ مُحَمَّدًا ذَكَرَ ذَلِكَ لِأَخِيهِ عَلَى سَبِيلِ التَّعَجُّبِ مِنْهُ فَأَنْكَرَ عَلَيْهِ ذَلِكَ التَّعَجُّبَ ، وَقَالَ أَوَ لَمْ تَسْمَعْ هَذَا ؟ وَالْوَاوُ مَفْتُوحَةٌ عَاطِفَةٌ عَلَى جُمْلَةٍ مَقْدِرَةٍ لَكِنْ قُدِّمَتْ عَلَيْهَا هَمْزَةُ الِاسْتِفْهَامِ لِأَنَّ لَهَا صَدْرَ الْكَلَامِ ، وَأَصْلُهُ أَلَمْ تَعْرِفْ هَذَا ، وَلَمْ تَسْمَعْ هَذَا . وَقَوْلُهُ نَعَمْ تَصْدِيقٌ لِذَلِكَ الْخَبَرِ ، وَقَوْلُهُ ، وَكَفَافُ الدِّيبَاجِ مَعْطُوفٌ عَلَى الْمَذْكُورَاتِ فِي حَدِيثِ عَلِيٍّ فَهُوَ مَجْرُورٌ دَاخِلٌ فِي جُمْلَةِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ لَكِنْ لَمْ يُصَرِّحْ يَحْيَى بْنُ سِيرِينَ بِرِوَايَتِهِ عَنْ عَلِيٍّ بِوَاسِطَةِ عُبَيْدَةَ بَيْنَهُمَا ، وَلَا بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ فَهُوَ مَنْسُوبٌ إلَيْهِ كَأَنَّهُ قَالَ نَهَى عَنْ كَفَافِ الدِّيبَاجِ وَالظَّاهِرُ أَنَّهُ مَحْمُولٌ عَلَى أَنَّ النَّاهِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا لَوْ قَالَهُ الصَّحَابِيُّ فَيَكُونُ مَرْفُوعًا إلَّا أَنَّهُ مُرْسَلٌ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْغَزَالِيُّ فِي الْمُسْتَصْفَى فِي مِثْلِ ذَلِكَ احْتِمَالَيْنِ ( أَحَدُهُمَا ) أَنَّهُ مَرْفُوعٌ مُرْسَلٌ . ( وَالثَّانِي ) أَنَّهُ مَوْقُوفٌ مُتَّصِلٌ ، وَجَزَمَ ابْنُ الصَّبَّاغِ فِي الْعِدَّةِ بِأَنَّهُ مُرْسَلٌ ، وَهُوَ الَّذِي رَجَّحْنَاهُ ، وَفِي سُنَنِ أَبِي دَاوُد عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ { أَنَّ نَبِيَّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَا أَرْكَبُ الْأُرْجُوَانَ ، وَلَا أَلْبَسُ الْمُعَصْفَرَ ، وَلَا أَلْبَسُ الْقَمِيصَ الْمُكَفَّفَ بِالْحَرِيرِ } . وَعَنْ أَبِي رَيْحَانَةَ قَالَ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَشْرِ الْحَدِيثِ ، وَفِيهِ ، وَأَنْ يَجْعَلَ الرَّجُلُ فِي أَسْفَلِ ثِيَابِهِ حَرِيرًا مِثْلَ الْأَعَاجِمِ أَوْ يُجْعَلَ عَلَى مَنْكِبَيْهِ حَرِيرًا مِثْلُ الْأَعَاجِمِ } ، وَالدِّيبَاجُ بِكَسْرِ الدَّالِ وَفَتْحِهَا نَوْعٌ مِنْ الْحَرِيرِ ، وَهُوَ عَجَمِيٌّ مُعَرَّبٌ وَالْمُرَادُ بِكِفَافِهِ الثَّوْبُ الْمَكْفُوفُ بِهِ ، وَكِفَافُ الثَّوْبِ بِكَسْرِ الْكَافِ طُرَّتُهُ ، وَحَوَاشِيهِ ، وَأَطْرَافُهُ ، وَيُقَالُ لَهُ أَيْضًا كُفَّةٌ بِضَمِّ الْكَافِ قَالُوا ، وَكُلُّ مُسْتَطِيلٍ كِفَّة بِالضَّمِّ ، وَكُلُّ مُسْتَدِيرٍ كِفَّةٌ بِالْكَسْرِ كَكِفَّةِ الْمِيزَانِ ، وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ الثَّوْبِ الَّذِي كُفَّ طَرَفُهُ بِحَرِيرٍ فَأَمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى مَا إذَا زَادَ الْحَرِيرُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَصَابِعَ فَيَكُونُ حِينَئِذٍ حَرَامًا ، وَإِمَّا أَنْ يُحْمَلَ عَلَى الْأَدَبِ ، وَالتَّنْزِيَةِ ، وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ حُجَّةً لِمَنْ يَرَى مَنْعَ اسْتِعْمَالِ مَا فِيهِ حَرِيرٌ ، وَإِنْ قَلَّ مُطْلَقًا ، وَفِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ { أَنَّ أَسْمَاءَ أَرْسَلَتْ إلَى ابْنِ عُمَرَ بَلَغَنِي أَنَّك تُحَرِّمُ أَشْيَاءَ ثَلَاثَةً الْعَلَمَ فِي الثَّوْبِ ، وَمِيثَرَةَ الْأُرْجُوَانِ ، وَصَوْمَ رَجَبَ كُلِّهِ فَقَالَ ابْنُ عُمَرَ أَمَّا مَا ذَكَرْت مِنْ الْعَلَمِ فِي الثَّوْبِ فَإِنِّي سَمِعْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ يَقُولُ سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ إنَّمَا يَلْبَسُ الْحَرِيرَ مَنْ لَا خَلَاق لَهُ فَخِفْت أَنْ يَكُونَ الْعَلَمُ مِنْهُ الْحَدِيثُ ، وَفِيهِ فَقَالَتْ هَذِهِ جُبَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْرَجَتْ إلَيَّ جُبَّةَ طَيَالِسَةٍ كِسْرَوَانِيَّةٍ لَهَا لِبْنَةُ دِيبَاجٍ ، وَفَرْجَيْهَا مَكْفُوفَيْنِ بِالدِّيبَاجِ فَقَالَتْ هَذِهِ كَانَتْ عِنْدَ عَائِشَةَ حَتَّى قُبِضَتْ فَلَمَّا قُبِضَتْ قَبَضْتُهَا ، وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَلْبَسُهَا فَنَحْنُ نَغْسِلُهَا لِلْمَرْضَى يُسْتَشْفَى بِهَا } . قَالَ النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ لَمْ يَعْتَرِفْ ابْنُ عُمَرَ بِأَنَّهُ كَانَ يُحَرِّمُ الْعَلَمَ بَلْ أَخْبَرَ أَنَّهُ تَوَرَّعَ عَنْهُ خَوْفًا مِنْ دُخُولِهِ فِي عُمُومِ النَّهْيِ عَنْ الْحَرِيرِ . وَأَمَّا إخْرَاجُ أَسْمَاءَ جُبَّةَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَكْفُوفَةَ بِالْحَرِيرِ فَقَصَدَتْ بِهِ بَيَانَ أَنَّ هَذَا لَيْسَ مُحَرَّمًا ، وَهَذَا الْحُكْمُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ، وَغَيْرِهِ إنَّ الثَّوْبَ ، وَالْجُبَّةَ ، وَالْعِمَامَةَ ، وَنَحْوَهَا إذَا كَانَ مَكْفُوفَ الطَّرَفِ بِالْحَرِيرِ جَازَ مَا لَمْ يَزِدْ عَلَى أَرْبَعِ أَصَابِعَ فَإِنْ زَادَ فَهُوَ حَرَامٌ انْتَهَى . وَكَذَا صَرَّحَ بِهِ الْحَنَفِيَّةُ وَالْحَنَابِلَةُ ، وَغَيْرُهُمْ . وَحَكَى ابْنُ عَبْدِ الْبَرِّ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ لِلرِّجَالِ لُبْسُ شَيْءٍ مِنْ الْحَرِيرِ لَا قَلِيلَ ، وَلَا كَثِيرَ قَالَ ، وَمِمَّنْ ذَهَبَ هَذَا الْمَذْهَبَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ انْتَهَى . وَقَالَ بَعْضُهُمْ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْكِفَافَ الَّذِي فِي جُبَّةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِمَّا أُحْدِثَ بَعْدَهُ قَصَدُوا صِيَانَتَهَا عَنْ التَّمَزُّقِ بِكَفِّ أَطْرَافِهَا بِحَرِيرٍ . ( الْعَاشِرَةُ ) تَقَدَّمَ أَنَّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ حَدِيثِ عَلِيٍّ النَّهْيُ عَنْ لُبْسِ الثَّوْبِ الْمُعَصْفَرِ ، وَهُوَ الْمَصْبُوغُ بِالْعُصْفُرِ ، وَقَدْ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، وَحَمَلُوهُ عَلَى كَرَاهَةِ التَّنْزِيَةِ ، وَالنَّهْيُ مُحْتَمَلٌ لَهَا كَمَا تَقَدَّمَ ، وَاسْتَدَلُّوا عَلَى عَدَمِ التَّحْرِيمِ بِأَنَّ فِي الصَّحِيحَيْنِ أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَبِسَ جُبَّةً حَمْرَاءَ } ، وَفِي الصَّحِيحَيْنِ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ { رَأَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْبُغُ بِالصُّفْرَةِ } ، وَقَالَ الْخَطَّابِيُّ النَّهْيُ مُنْصَرِفٌ إلَى مَا صُبِغَ مِنْ الثِّيَابِ بَعْدَ النَّسْجِ فَأَمَّا مَا صُبِغَ غَزْلُهُ ثُمَّ نُسِجَ فَلَيْسَ بِدَاخِلٍ فِي النَّهْيِ ، وَحَمَلَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ هَذَا النَّهْيَ عَلَى الْمُحْرِمِ بِالْحَجِّ أَوْ الْعُمْرَةِ لِيَكُونَ مُوَافِقًا لِحَدِيثِ ابْنِ عُمَرَ فِي { نَهْيِ الْمُحْرِمِ أَنْ يَلْبَسَ ثَوْبًا مَسَّهُ وَرْسٌ أَوْ زَعْفَرَانٌ } ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ فِي شَرْحِ مُسْلِمٍ إبَاحَةَ لُبْسِ الْمُعَصْفَرِ عَنْ جُمْهُورِ الْعُلَمَاءِ مِنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ قَالَ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَمَالِكٌ لَكِنَّهُ قَالَ غَيْرُهَا أَفْضَلُ مِنْهَا ، وَفِي رِوَايَةٍ عَنْهُ أَنَّهُ أَجَازَ لُبْسَهَا فِي الْبُيُوتِ ، وَأَفْنِيَةِ الدُّورِ ، وَأَكْرَهُهُ فِي الْمَحَافِلِ وَالْأَسْوَاقِ . وَقَالَ الْبَيْهَقِيُّ نَهَى الشَّافِعِيُّ الرَّجُلَ عَنْ الْمُزَعْفَرِ ، وَأَبَاحَ لَهُ الْمُعَصْفَرَ ، وَقَالَ إنَّمَا رَخَّصْت فِي الْمُعَصْفَرِ لِأَنِّي لَمْ أَجِدْ أَحَدًا يَحْكِي عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّهْيَ عَنْهُ إلَّا مَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ نَهَانِي ، وَلَا أَقُولُ نَهَاكُمْ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ ، وَقَدْ جَاءَتْ أَحَادِيثُ تَدُلُّ عَلَى النَّهْيِ عَلَى الْعُمُومِ ثُمَّ ذَكَرَ حَدِيثَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ قَالَ { رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيَّ ثَوْبَيْنِ مُعَصْفَرَيْنِ فَقَالَ إنَّ هَذِهِ مِنْ ثِيَابِ الْكُفَّارِ فَلَا تَلْبَسْهَا } ، وَفِي رِوَايَةٍ فَقَالَ { أُمُّك أَمَرَتْك بِهَذَا ؟ قُلْت أَغْسِلُهُمَا قَالَ بَلْ أَحْرِقْهُمَا } ، وَاللَّفْظَانِ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ ثُمَّ ذَكَرَ الْبَيْهَقِيُّ أَحَادِيثَ أُخَرُ ثُمَّ قَالَ ، وَلَوْ بَلَغَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ الشَّافِعِيَّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لَقَالَ بِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ ذَكَرَ قَوْلَ الشَّافِعِيِّ إذَا صَحَّ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خِلَافَ قَوْلِي فَاعْمَلُوا بِالْحَدِيثِ ، وَدَعُوا قَوْلِي ، وَفِي رِوَايَةٍ فَهُوَ مَذْهَبِي قَالَ الْبَيْهَقِيُّ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَأَنْهَى الرَّجُلَ الْحَلَالَ بِكُلِّ حَالٍ أَنْ يَتَزَعْفَرَ ، وَآمُرُهُ إذَا تَزَعْفَرَ أَنْ يَغْسِلَهُ قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فَتَبِعَ السُّنَّةَ فِي الْمُزَعْفَرِ فَمُتَابَعَتُهَا فِي الْمُعَصْفَرِ أَوْلَى بِهِ ، وَقَالَ ، وَقَدْ ذَكَرَ الْمُعَصْفَرَ بَعْضُ السَّلَفِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَلِيمِيُّ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَرَخَّصَ فِيهِ جَمَاعَةٌ ، وَالسُّنَّةُ أَوْلَى بِالِاتِّبَاعِ ا هـ ، وَحَكَى النَّوَوِيُّ كَلَامَ الْبَيْهَقِيّ هَذَا ، وَأَقَرَّهُ عَلَيْهِ ، وَقَالَ إنَّهُ أَتْقَنَ الْمَسْأَلَةَ ، وَسَوَّى ابْنُ قُدَامَةَ الْحَنْبَلِيُّ بَيْنَ الْمُزَعْفَرِ ، وَالْمُعَصْفَرِ فِي كَرَاهَتِهِمَا لِلرَّجُلِ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) الدِّيبَاجُ نَوْعٌ مِنْ الْحَرِيرِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالْإِسْتَبْرَقُ الْغَلِيظُ مِنْهُ فَذَكَرَهُمَا فِي حَدِيثِ الْبَرَاءِ بَعْدَ ذِكْرِ الْحَرِيرِ مِنْ ذِكْرِ الْخَاصِّ بَعْدَ الْعَامِّ ، وَكَأَنَّهُ أَشَارَ بِذَلِكَ إلَى أَنَّهُ لَا فَرْقَ فِي تَحْرِيمِ الْحَرِيرِ بَيْنَ جَيِّدِهِ ، وَهُوَ الدِّيبَاجُ وَرَدِيئِهِ ، وَهُوَ الْإِسْتَبْرَقُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . كِتَابُ الْجَنَائِزِ ) ( ثَوَابُ الْمَرَضِ وَالْمُصِيبَةِ ) عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا مِنْ مَرَضٍ أَوْ وَجَعٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ إلَّا كَانَ كَفَّارَةً لِذَنْبِهِ حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا ، أَوْ النَّكْبَةُ يَنْكُبُهَا } . ( كِتَابُ الْجَنَائِزِ ) ( ثَوَابُ الْمَرَضِ وَالْمُصِيبَةِ ) ( الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ ) عَنْ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ قَالَ نَبِيُّ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَا مِنْ مَرَضٍ أَوْ وَجَعٍ يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ إلَّا كَانَ كَفَّارَةً لِذَنْبِهِ حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا أَوْ النَّكْبَةُ يُنْكَبُهَا } فِيهِ فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ فِي الْمَرَضِ مِنْ صَحِيحِهِ ، وَهُوَ قَبِيلُ الطِّبِّ مِنْ طَرِيقِ شُعَيْبِ بْنِ أَبِي حَمْزَةَ وَمُسْلِمٍ فِي الْأَدَبِ الثَّانِي مِنْ صَحِيحِهِ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ ، وَيُونُسَ بْنِ يَزِيدَ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ عُرْوَةَ بِلَفْظِ { مَا مِنْ مُصِيبَةٍ تُصِيبُ الْمُسْلِمَ إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ حَتَّى الشَّوْكَةُ يُشَاكُهَا } إلَّا أَنَّ مُسْلِمًا { قَالَ يُصَابُ بِهَا الْمُسْلِمُ } ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ طَرِيقِ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ عَنْ أَبِيهِ بِلَفْظِ { لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ شَوْكَةٌ فَمَا فَوْقَهَا إلَّا قَصَّ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطِيئَتِهِ } ، وَمِنْ طَرِيقِ يَزِيدَ بْنِ حَصِيفَةَ عَنْ عُرْوَةَ بِلَفْظٍ { لَا يُصِيبُ الْمُؤْمِنَ مِنْ مُصِيبَةٍ حَتَّى الشَّوْكَةُ إلَّا قَصَّ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ أَوْ كَفَّرَ بِهَا مِنْ خَطَايَاهُ لَا يَدْرِي يَزِيدُ أَيَّتَهُمَا } قَالَ عُرْوَةُ ، وَمِنْ طَرِيقِ مَنْصُورٍ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ { مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ بِشَوْكَةٍ فَمَا فَوْقَهَا إلَّا كُتِبَتْ لَهُ بِهَا دَرَجَةٌ ، وَمُحِيَتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ } ، وَمِنْ طَرِيقِ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ { إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً } ، وَمِنْ طَرِيقِ أَبِي بَكْرِ بْنِ حَزْمٍ عَنْ عَمْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ { إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ بِهَا حَسَنَةً أَوْ حُطَّتْ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةٌ } ، وَقَدْ أَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ رِوَايَةَ الْأَعْمَشِ عَنْ إبْرَاهِيمَ بِلَفْظِ ، وَحَطَّ بِالْوَاوِ ، وَرَوَاهُ الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمَيْهِ الْأَوْسَطِ وَالصَّغِيرِ مِنْ رِوَايَةِ حَمَّادِ بْنِ أَبِي سُلَيْمَانَ عَنْ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ { مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُشَاكُ شَوْكَةً إلَّا كَتَبَ اللَّهُ لَهُ عَشْرَ حَسَنَاتٍ ، وَكَفَّرَ عَنْهُ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ ، وَرَفَعَ لَهُ بِهَا عَشْرَ دَرَجَاتٍ } فِيهِ رَوْحُ بْنُ مُسَافِرٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ جَيِّدٍ مِنْ رِوَايَةِ سَالِمٍ عَنْ عَائِشَةَ بِلَفْظِ { مَا ضَرَبَ عَلَى مُؤْمِنٍ عِرْقٌ قَطُّ إلَّا حَطَّ اللَّهُ بِهِ خَطِيئَةً ، وَكَتَبَ لَهُ حَسَنَةً ، وَرَفَعَ لَهُ دَرَجَةً } . ( الثَّانِيَةُ ) ذَكَرَ فِي الصِّحَاحِ أَنَّ الْوَجَعَ الْمَرَضَ ، وَكَذَا قَالَ فِي الْمُحْكَمِ الْوَجَعُ اسْمٌ لِكُلِّ مَرَضٍ ، وَحِينَئِذٍ فَيُشْكِلُ عَطْفُهُ عَلَيْهِ بِأَوْ وَكَيْفَ يُعْطَفُ الشَّيْءُ عَلَى نَفْسِهِ ، وَاَلَّذِي يَظْهَرُ أَنَّ الْوَجَعَ أَعَمُّ مِنْ الْمَرَضِ فَإِنَّهُ قَدْ يَكُونُ عَنْ مَرَضٍ ، وَقَدْ يَكُونُ عَنْ غَيْرِهِ كَضَرْبٍ ، وَنَحْوِهِ تَقُولُ أَوْجَعَنِي الضَّرْبُ أَيْ آلَمَنِي ، وَإِنْ لَمْ يَنْشَأْ عَنْ ذَلِكَ الْأَلَمِ مَرَضٌ ، وَقَدْ قَالَ فِي الصِّحَاحِ بَعْدَ ذَلِكَ ، وَالْإِيجَاعُ الْإِيلَامُ ، وَضَرْبٌ وَجِيعٌ أَيْ مُوجِعٌ مِثْلُ أَلِيمٍ بِمَعْنَى مُؤْلِمٍ ، وَقَالَ فِي الْمَشَارِقِ الْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَرَضٍ وَجَعًا انْتَهَى . وَهَذَا لَا يُنَافِي مَا ذَكَرْته مِنْ أَنَّ الْوَجَعَ أَعَمُّ فَغَايَةُ مَا فِيهِ أَنَّ كُلَّ أَنْوَاعِ الْمَرَضِ عَظُمَ أَوْ خَفَّ يُسَمَّى وَجَعًا ، وَلَيْسَ فِيهِ أَنَّ الْوَجَعَ لَا يُطْلَقُ عَلَى غَيْرِ الْمَرَضِ ، وَآكَدُ مِنْ ذَلِكَ فِي مُوَافَقَةِ مَا قُلْته قَوْلُ النَّوَوِيِّ فِي الْكَلَامِ عَلَى حَدِيثِ عَائِشَةَ { مَا رَأَيْت رَجُلًا أَشَدَّ عَلَيْهِ الْوَجَعُ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } قَالَ الْعُلَمَاءُ الْوَجَعُ هُنَا الْمَرَضُ ، وَالْعَرَبُ تُسَمِّي كُلَّ مَرَضٍ وَجَعًا فَقَوْلُهُ الْوَجَعُ هُنَا الْمَرَضُ يَقْتَضِي أَنَّهُ فِي غَيْرِ هَذَا الْمَحَلِّ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنًى آخَرَ ، وَحِينَئِذٍ فَعَطْفُ الْوَجَعِ عَلَى الْمَرَضِ مِنْ ذِكْرِ الْعَامِّ بَعْدَ الْخَاصِّ فَخَصَّ الْمَرَضَ بِالذِّكْرِ لِشِدَّةِ الْأَمْرِ فِيهِ ثُمَّ بَيَّنَ أَنَّ مُطْلَقَ الْأَلَمِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ لِمَرَضٍ كَذَلِكَ . ( الثَّالِثَةُ ) ظَاهِرُ قَوْلِهِ إلَّا كَانَ كَفَّارَةً لِذَنْبِهِ رَتَّبَ تَكْفِيرَ جَمِيعِ الذُّنُوبِ عَلَى مُطْلَقِ الْمَرَضِ وَالْوَجَعِ لِلْعُمُومِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ لِذَنْبِهِ فَإِنَّهُ مُفْرَدٌ مُضَافٌ لَكِنَّ الْعُلَمَاءَ لَمْ يَقُولُوا بِذَلِكَ فِي الْكَبَائِرِ بَلْ قَالُوا إنَّ تَكْفِيرَهَا لَا يَكُونُ إلَّا بِالتَّوْبَةِ ، وَطَرَدُوا ذَلِكَ فِي سَائِرِ الْمُكَفِّرَاتِ مِنْ الْأَعْمَالِ ، وَالْمَشَاقِّ ، وَأَصْلُهُمْ فِي ذَلِكَ وُرُودُهُ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { الصَّلَوَاتُ الْخَمْسُ ، وَالْجُمُعَةُ إلَى الْجُمُعَةِ ، وَرَمَضَانُ إلَى رَمَضَانَ كَفَّارَاتٌ لِمَا بَيْنَهُنَّ مَا اُجْتُنِبَتْ الْكَبَائِرُ } فَحَمَلُوا الْمُطْلَقَاتِ الْوَارِدَةَ فِي التَّكْفِيرِ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، وَالْقَوْلُ بِتَكْفِيرِ الْمَرَضِ وَإِنْ خَفَّ ، وَالْوَجَعِ وَإِنْ خَفَّ لِجَمِيعِ الصَّغَائِرِ فِيهِ بَعْدُ ، وَقَدْ عَرَفْتَ أَنَّ الَّذِي فِي رِوَايَةِ الصَّحِيحَيْنِ كَفَّرَ اللَّهُ بِهَا عَنْهُ ، وَلَمْ يَذْكُرْ تَكْفِيرَ جَمِيعِ الذُّنُوبِ بَلْ قَوْلُهُ فِي رِوَايَةٍ لِمُسْلِمٍ { قَصَّ اللَّهُ بِهَا مِنْ خَطِيئَتِهِ } صَرِيحٌ فِي تَكْفِيرِ الْبَعْضِ ، وَوَرَدَ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى أَنَّ الْمُكَفَّرَ خَطِيئَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى ضَعِيفَةٍ عَشْرَ سَيِّئَاتٍ فَيُحْمَلُ لَفْظُ الرِّوَايَةِ الَّتِي رَوَاهَا الْمُصَنِّفُ رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ طَرِيقِ الْإِمَامِ أَحْمَدَ عَلَى أَنَّ الْمَرَضَ صَالِحٌ لِتَكْفِيرِ الذُّنُوبِ فَيُكَفِّرُ اللَّه بِهِ مَا يَشَاءُ مِنْهَا ، وَتَكُونُ كَثْرَةُ التَّكْفِيرِ ، وَقِلَّتُهُ بِاعْتِبَارِ شِدَّةِ الْمَرَضِ وَخِفَّتِهِ ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ تَكْفِيرَ جَمِيعِ الذُّنُوبِ بِمَرَضِ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، وَوَرَدَ بِحُمَّى لَيْلَةٍ ، وَكِلَاهُمَا لَمْ يَصِحَّ فَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمَيْهِ الْأَوْسَطِ ، وَالصَّغِيرِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { إذَا مَرِضَ الْعَبْدُ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ خَرَجَ مِنْ ذُنُوبِهِ كَيَوْمِ وَلَدَتْهُ أُمُّهُ } ، وَفِي سَنَدِهِ إبْرَاهِيمُ بْنُ الْحَكَمِ بْنِ أَبَانَ ، وَهُوَ مَتْرُوكٌ ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا فِي كِتَابِ الْمَرَضِ وَالْكَفَّارَاتِ عَنْ الْحَسَنِ رَفَعَهُ قَالَ { إنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيُكَفِّرُ عَنْ الْمُؤْمِنِ خَطَايَاهُ كُلَّهَا بِحُمَّى لَيْلَةٍ } قَالَ ابْنُ الْمُبَارَكِ هَذَا مِنْ جَيِّدِ الْحَدِيثِ قُلْت لَكِنَّ مُرْسَلَاتِ الْحَسَنِ غَيْرُ مُحْتَجٍّ بِهَا عِنْدَ أَهْلِ الْحَدِيثِ . ( الرَّابِعَةُ ) الْمُرَادُ بِتَكْفِيرِ الذَّنْبِ سَتْرُهُ ، وَمَحْوُ أَثَرِهِ الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهِ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْعُقُوبَةِ قَالَ فِي الصِّحَاحِ التَّكْفِيرُ فِي الْمَعْصِيَةِ كَالْإِحْبَاطِ فِي الثَّوَابِ أَيْ إنَّ مَعْنَى تَكْفِيرِ الْمَعْصِيَةِ مَحْوُ أَثَرِهَا الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا ، وَهُوَ الْعُقُوبَةُ كَمَا أَنَّ مَعْنَى إحْبَاطِ الطَّاعَةِ مَحْوُ أَثَرِهَا الْمُتَرَتِّبِ عَلَيْهَا ، وَهُوَ الثَّوَابُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْخَامِسَةُ ) ظَاهِرُهُ تَرَتُّبُ تَكْفِيرِ الذَّنْبِ عَلَى مُجَرَّدِ الْمَرَضِ أَوْ الْوَجَعِ سَوَاءٌ انْضَمَّ إلَيْهِ صَبْرٌ أَمْ لَا ، وَاعْتَبَرَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ فِي حُصُولِ ذَلِكَ وُجُودُ الصَّبْرِ فَقَالَ لَكِنَّ هَذَا كُلَّهُ إذَا صَبَرَ الْمُصَابُ ، وَاحْتَسَبَ ، وَقَالَ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ { الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ } فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ وَصَلَ إلَى مَا وَعَدَهُ اللَّهُ ، وَرَسُولُهُ مِنْ ذَلِكَ انْتَهَى . وَهُوَ مُطَالَبٌ بِالدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ فَإِنْ ذَكَرَ أَحَادِيثَ فِيهَا التَّقْيِيدُ بِالصَّبْرِ فَجَوَابُهُ أَنَّ تِلْكَ الْأَحَادِيثَ أَكْثَرُهَا ضَعِيفٌ ، وَاَلَّذِي صَحَّ مِنْهَا فَهُوَ مُقَيَّدٌ بِثَوَابٍ مَخْصُوصٍ فَاعْتَبَرَ فِيهَا الصَّبْرَ لِحُصُولِ ذَلِكَ الثَّوَابِ الْمَخْصُوصِ ، وَلَنْ تَجِدَ حَدِيثًا صَحِيحًا رَتَّبَ فِيهِ مُطْلَقُ التَّكْفِيرِ عَلَى مُطْلَقِ الْمَرَضِ مَعَ اعْتِبَارِ الصَّبْرِ فِي ذَلِكَ ، وَقَدْ اُعْتُبِرَتْ الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ فَتَحَرَّرَ لِي مَا ذَكَرْته ، وَرَوَى الطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى سَلَّمَ أَوْ لَمْ يُسَلِّمْ رَضِيَ أَوْ لَمْ يَرْضَ صَبَرَ أَوْ لَمْ يَصْبِرْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوَابٌ إلَّا الْجَنَّةُ } ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ ، وَيُنَاقِشُ الْقُرْطُبِيُّ فِي قَوْلِهِ مَا أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ فِي قَوْلِهِ { الَّذِينَ إذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ } الْآيَةُ ، وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَمْرٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) لَمْ يَذْكُرْ فِي رِوَايَةِ عُرْوَةَ عَنْ عَائِشَةَ إلَّا التَّكْفِيرَ ، وَفِي إحْدَى طَرِيقَيْ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهَا دَرَجَةً أَوْ حَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً ، وَهُوَ إمَّا شَكٌّ مِنْ الرَّاوِي ، وَإِمَّا تَنْوِيعٌ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاعْتِبَارِ النَّاسِ فَالْمُذْنِبُ يَحُطُّ عَنْهُ خَطِيئَةً ، وَمَنْ لَا ذَنْبَ لَهُ كَالْأَنْبِيَاءِ ، وَمَنْ عَصَمَهُ اللَّهُ تَعَالَى تُرْفَعُ لَهُ دَرَجَةٌ أَوْ بِاعْتِبَارِ الْمَصَائِبِ فَبَعْضُهَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ حَطُّ الْخَطِيئَةِ ، وَبَعْضُهَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ رَفْعُ الدَّرَجَةِ ، وَفِي طَرِيقِ الْأَسْوَدِ عَنْ عَائِشَةَ الْآخَرِ الْجَمْعُ بَيْنَ رَفْعِ الدَّرَجَةِ ، وَحَطِّ الْخَطِيئَةِ ، وَفِي رِوَايَةِ الْأَسْوَدِ عِنْدَ الطَّبَرَانِيِّ كِتَابَةُ عَشْرِ حَسَنَاتٍ ، وَتَكْفِيرُ عَشْرِ سَيِّئَاتٍ ، وَرَفْعُ عَشْرِ دَرَجَاتٍ ، وَالزِّيَادَةُ مَقْبُولَةٌ إذَا صَحَّ سَنَدُهَا ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي حُصُولَ الْأُجُورِ عَلَى الْمَصَائِبِ ، وَبِهَذَا قَالَ الْجُمْهُورُ ، وَخَالَفَ فِي ذَلِكَ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ وَابْنُ مَسْعُودٍ فَقَالُوا إنَّمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْمَصَائِبِ التَّكْفِيرُ دُونَ الْأَجْرِ ، رَوَى أَحْمَدُ فِي مُسْنَدِهِ عَنْ عِيَاضِ بْنِ غُطَيْفٍ قَالَ { دَخَلْنَا عَلَى أَبِي عُبَيْدَةَ نَعُودُهُ مِنْ شَكْوَى أَصَابَتْهُ ، وَامْرَأَتُهُ قَاعِدَةٌ عِنْدَ رَأْسِهِ فَقُلْت كَيْفَ بَاتَ أَبُو عُبَيْدَةَ ؟ قَالَتْ ، وَاَللَّهِ لَقَدْ بَاتَ بِأَجْرٍ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ مَا بِتّ بِأَجْرٍ ، وَكَانَ مُقْبِلًا بِوَجْهِهِ عَلَى الْحَائِطِ فَأَقْبَلَ عَلَى الْقَوْمِ ، وَقَالَ أَلَا تَسْأَلُونِي عَمَّا قُلْتُ قَالُوا مَا أَعْجَبَنَا مَا قُلْتَ نَسْأَلُك عَنْهُ ؟ قَالَ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ مَنْ ابْتَلَاهُ اللَّهُ بِبَلَاءٍ فِي جَسَدِهِ فَهُوَ لَهُ حِطَّةٌ } ، وَرَوَى ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا عَنْ أَبِي مَعْمَرٍ الْأَزْدِيِّ أَنَّ ابْنَ مَسْعُودٍ قَالَ ذَاتَ يَوْمٍ أَلَا إنَّ السُّقْمَ لَا يُكْتَبُ لَهُ أَجْرٌ فَسَاءَنَا ذَلِكَ ، وَكَبُرَ عَلَيْنَا فَقَالَ ، وَلَكِنْ تُكَفَّرُ بِهِ الْخَطَايَا فَسَرَّنَا ذَلِكَ وَأَعْجَبَنَا ، وَكَانَ هَؤُلَاءِ لَمْ يَبْلُغْهُمْ الْأَحَادِيثُ الْمُصَرِّحَة بِرَفْعِ الدَّرَجَاتِ ، وَكَتْبِ الْحَسَنَاتِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ بَعْضِهَا . ( السَّابِعَةُ ) وَافَقَ الشَّيْخُ عِزُّ الدِّينِ عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ عَبْدِ السَّلَامِ رَحِمَهُ اللَّهُ عَلَى حُصُولِ الْأَجْرِ ، وَلَكِنَّهُ قَالَ أَنَّهُ لَيْسَ عَلَى الْمُصِيبَةِ نَفْسِهَا ، وَإِنَّمَا يُؤْجَرُ عَلَى الصَّبْرِ عَلَيْهَا ، وَهُوَ قَرِيبٌ مِمَّا تَقَدَّمَ عَنْ أَبِي الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيِّ فِي اعْتِبَارِهِ الصَّبْرَ فِي حُصُولِ التَّكْفِيرِ ، وَهُوَ مُطَالَبٌ بِالدَّلِيلِ عَلَى ذَلِكَ ، وَظَاهِرُ الْحَدِيثِ يَقْتَضِي تَرَتُّبَ كِتَابَةِ الْحَسَنَةِ عَلَى مُجَرَّدِ الْمُصِيبَةِ ، وَتَأَكَّدَ ذَلِكَ بِحَدِيثِ ابْنِ مَسْعُودٍ الْمُتَقَدِّمِ ذَكَرُهُ فِي الْفَائِدَةِ الْخَامِسَةِ ، وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ بِسَنَدٍ صَحِيحٍ عَنْ جَابِرٍ قَالَ { اسْتَأْذَنَتْ الْحُمَّى عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَنْ هَذِهِ ؟ فَقَالَتْ أُمُّ مِلْدَمٍ فَأَمَرَ بِهَا إلَى أَهْلِ قُبَاءَ فَلَقُوا مِنْهَا مَا يَعْلَمُ اللَّهُ فَأَتَوْهُ فَشَكَوْا ذَلِكَ إلَيْهِ فَقَالَ مَا شِئْتُمْ إنْ شِئْتُمْ دَعَوْتُ اللَّهَ لَكُمْ فَيَكْشِفُهَا عَنْكُمْ ، وَإِنْ شِئْتُمْ أَنْ تَكُونَ لَكُمْ طَهُورًا ؟ قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَوَتَفْعَلُ قَالَ نَعَمْ قَالُوا فَدَعْهَا فَقَدْ يُقَالُ جَعَلَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ طَهُورًا لَهُمْ مَعَ شَكْوَاهُمْ ، وَذَلِكَ يُنَافِي الصَّبْرَ } ، وَفِي مُسْنَدِ أَبِي بَكْرٍ الْبَزَّارِ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ قَالَ { كُنَّا عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَتَبَسَّمَ فَقُلْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ مِمَّ تَبَسَّمْت قَالَ عَجِبْتُ لِلْمُؤْمِنِ وَجَزَعِهِ مِنْ السَّقَمِ ، وَلَوْ يَعْلَمُ مَا لَهُ فِي السَّقَمِ لَأَحَبَّ أَنْ يَكُونَ سَقِيمًا حَتَّى يَلْقَى اللَّهَ } ، وَجْهُ الدَّلَالَةِ أَنَّهُ أَثْبَتَ لَهُ الْأَجْرَ مَعَ حُصُولِ الْجَزَعِ ، وَلَكِنَّهُ لَا يَصِحُّ لِأَنَّ فِي سَنَدِهِ مُحَمَّدُ بْنُ أَبِي حُمَيْدٍ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ عِنْدَهُمْ . ( الثَّامِنَةُ ) قَوْلُهُ حَتَّى الشَّوْكَةُ يَجُوزُ فِيهِ الْجَرُّ عَطْفًا عَلَى لَفْظِ الْمَرَضِ ، وَالرَّفْعُ عَطْفًا عَلَى مَحَلِّهِ فَإِنَّ مِنْ زَائِدَةٌ ، وَكَذَا الْوَجْهَانِ فِي قَوْلِهِ أَوْ النَّكْبَةُ ، وَقَدْ نَقُلْ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ الْوَجْهَيْنِ عَنْ تَقْيِيدِ الْمُحَقِّقِينَ إلَّا أَنَّهُ قَالَ إنَّ رَفْعَ الشَّوْكَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ لَا يَجُوزُ عَطْفًا عَلَى الْمَحَلِّ لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا لَيْسَ لَهُ مَوْضِعُ رَفْعٍ قُلْت : وَفِيمَا ذَكَرَهُ نَظَرٌ لِأَنَّ مَا قَبْلَهَا ، وَهُوَ الْمَرَضُ فِي مَحَلِّ رَفْعٍ عَلَى الِابْتِدَاءِ فَالْعَطْفُ عَلَيْهِ سَائِغٌ لَا تَقْدِيرَ فِيهِ بِخِلَافِ مَا ذَكَرَهُ مِنْ الِابْتِدَاءِ فَإِنَّهُ يَحْتَاجُ مَعَهُ إلَى تَقْدِيرِ خَبَرٍ فَهَذَا الْوَجْهُ إنْ جَازَ فَهُوَ مَرْجُوحٌ ، وَمَا ذَكَرْته رَاجِحٌ أَوْ مُتَعَيِّنٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( التَّاسِعَةُ ) النَّكْبَةُ بِفَتْحِ النُّونِ وَإِسْكَانِ الْكَافِ ، وَفَتْحِ الْبَاءِ الْمُوَحَّدَةِ قَالَ الْقَاضِي ، وَتَبِعَهُ النَّوَوِيُّ مِثْلُ الْعَثْرَةِ يَعْثُرُهَا بِرِجْلِهِ ، وَرُبَّمَا جُرِحَتْ أُصْبُعُهُ ، وَأَصْلُهُ مِنْ النَّكْبِ ، وَهُوَ الْقَلْبُ وَالْكَبُّ ، وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ هِيَ الْعَثْرَةُ وَالسَّقْطَةُ ، وَقَوْلُهُ يُنْكَبُهَا بِضَمِّ الْيَاءِ ، وَفَتْحِ الْكَافِ مَبْنِيًّا لِلْمَفْعُولِ قُلْت ، وَمَا ذَكَرُوهُ فِي ذَلِكَ ظَاهِرٌ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِالنَّكْبَةِ هُنَا الْمُصِيبَةُ ، وَهُوَ مَعْنَاهَا الْمَشْهُورُ فَيَكُونُ قَدْ ذَكَرَ أَمْرًا حِسِّيًّا ، وَهُوَ الشَّوْكَةُ ، وَأَمْرًا مَعْنَوِيًّا ، وَهُوَ الْمُصِيبَةُ لَكِنَّ النَّكْبَةَ بِمَعْنَى الْمُصِيبَةِ لَيْسَتْ دَاخِلَةً فِيمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَهُوَ الْمَرَضُ ، وَالْوَجَعُ وَشَرْطُ الْمَعْطُوفِ بِحَتَّى أَنْ يَكُونَ دَاخِلًا فِيمَا سَبَقَ ، وَلِهَذَا ضُبِطَ الْعَطْفُ بِهَا بِأَنَّهَا تَدْخُلُ حَيْثُ يَصِحُّ دُخُولُ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَيَمْتَنِعُ حَيْثُ يَمْتَنِعُ إلَّا أَنْ يُحْمَلَ الْوَجَعُ عَلَى الْأَمْرِ الْمَعْنَوِيِّ فَيَدْخُلَ فِيهِ النَّكْبَةُ لَكِنْ يَبْقَى فِيهِ نَظَرٌ مِنْ جِهَةٍ أُخْرَى ، وَهِيَ أَنَّ الْمَعْطُوفَ بِحَتَّى لَا يَكُونُ إلَّا غَايَةً لِمَا قَبْلَهَا إمَّا فِي زِيَادَةٍ نَحْوُ مَاتَ النَّاسُ حَتَّى الْأَنْبِيَاءُ أَوْ فِي نَقْصٍ نَحْوُ زَارَكَ النَّاسُ حَتَّى الْحَجَّامُونَ ، وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ السِّيَاقُ هُنَا أَنْ تَكُونَ غَايَةً فِي النَّقْصِ لِأَنَّ الْمَعْنَى أَنَّ الْوَجَعَ وَإِنْ خَفَّ وَهَانَ أَمْرُهُ مُكَفِّرٌ ، وَمَتَى حُمِلَ الْوَجَعُ عَلَى مَدْلُولِهِ الْمَعْنَوِيِّ لَمْ تَكُنْ النَّكْبَةُ بِمَعْنَى الْمُصِيبَةِ غَايَةً لَهُ فِي النَّقْصِ فَظَهَرَ بِذَلِكَ حَمْلُ النَّكْبَةِ عَلَى الْعَثْرَةِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَالشَّوْكَةُ وَالْعَثْرَةُ غَايَتَانِ لِلْوَجَعِ فَإِنَّهُ قَدْ لَا يَنْشَأُ عَنْهُمَا مَرَضٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الْعَاشِرَةُ ) فِيهِ بِشَارَةٌ عَظِيمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّهُ قَلَّ أَنْ يَنْفَكَّ الْوَاحِدُ مِنْهُمْ عَنْ مَرَضٍ أَوْ وَجَعٍ ، وَإِنْ خَفَّ فِي غَالِبِ أَوْقَاتِهِ . وَعَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ يَبْلُغُ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَيَلِجَ النَّارَ إلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ } زَادَ مُسْلِمٌ فِي رِوَايَةٍ { لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ } ، وَعَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ . ( الْحَدِيثُ الثَّانِي ) عَنْ سَعِيدٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بَلَغَ بِهِ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَا يَمُوتُ لِمُسْلِمٍ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَيَلِجَ النَّارَ إلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ } . ( فِيهِ ) فَوَائِدُ : ( الْأُولَى ) اتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ مِنْ رِوَايَةِ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ ، وَأَخْرَجَهُ الشَّيْخَانِ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ مِنْ طَرِيقِ مَالِكٍ بِلَفْظِ { فَتَمَسَّهُ النَّارُ } بَدَلَ فَيَلِجَ النَّارَ أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ مَعْمَرٍ ثَلَاثَتُهُمْ عَنْ الزُّهْرِيِّ عَنْ سَعِيدٍ ، وَأَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِنِسْوَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ لَا يَمُوتُ لِإِحْدَاكُنَّ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ فَتَحْتَسِبَهُ إلَّا دَخَلَتْ الْجَنَّةَ ، فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْهُنَّ أَوْ اثْنَيْنِ يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ أَوْ اثْنَيْنِ } ، وَاتَّفَقَ عَلَيْهِ الشَّيْخَانِ مِنْ رِوَايَةِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ عَنْ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَفِيهِ { ثَلَاثَةٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ } ، وَأَحَالَا بِبَقِيَّتِهِ عَلَى حَدِيثِ أَبِي سَعِيدٍ ، وَلَفْظُهُ { مَا مِنْكُنَّ امْرَأَةٌ تُقَدِّمُ ثَلَاثَةَ مِنْ وَلَدِهَا إلَّا كَانُوا لَهَا حِجَابًا مِنْ النَّارِ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ : وَاثْنَيْنِ فَقَالَ وَاثْنَيْنِ } ، وَقَالَ الْبُخَارِيُّ أَيْضًا . وَقَالَ شَرِيكٌ عَنْ ابْنِ الْأَصْبَهَانِيِّ حَدَّثَنِي أَبُو صَالِحٍ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ ، وَأَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ ، وَعَزَى وَالِدِي رَحِمَهُ اللَّهُ فِي النُّسْخَةِ الْكُبْرَى مِنْ هَذِهِ الْأَحْكَامِ هَذِهِ الزِّيَادَةَ ، وَهِيَ قَوْلُهُ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ لِمُسْلِمٍ فِي رِوَايَةٍ قَالَ ، وَعَلَّقَهَا الْبُخَارِيُّ فَلَمْ يَطَّلِعْ إلَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْمُعَلَّقَةِ ، وَقَدْ عَرَفْت أَنَّهَا مُسْنَدَةٌ فِي الصَّحِيحَيْنِ مِنْ رِوَايَةِ أَبِي حَازِمٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، وَلَمَّا ذَكَرَ الْمِزِّيُّ فِي الْأَطْرَافِ رِوَايَةَ مَعْمَرٍ عَنْ الزُّهْرِيِّ مِنْ عِنْدِ مُسْلِمٍ ذَكَرَ فِيهَا { لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ } ، وَهُوَ وَهْمٌ فَلَيْسَتْ هَذِهِ الزِّيَادَةُ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّانِيَةُ ) الْوَلَدُ يُطْلَقُ عَلَى الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى ، وَعَلَى الْمُفْرَدِ وَالْجَمْعِ ، وَفِي الْجَمْعِ أَرْبَعُ لُغَاتٍ الْمَشْهُورَةُ ، وَهِيَ فَتْحُ اللَّامِ وَالْوَاوِ وَفَتْحُ الْوَاوِ وَضَمُّهَا وَكَسْرُهَا مَعَ إسْكَانِ اللَّامِ فِي الثَّلَاثَةِ ، وَقَوْلُهُ فَيَلِجَ أَيْ يَدْخُلَ ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ بِالْفَاءِ فِي جَوَابِ النَّفْيِ ، وَالْقَسَمُ بِفَتْحِ الْقَافِ وَالسِّينِ الْيَمِينُ ، وَتَحِلَّةُ الْقَسَمِ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْحَاءِ الْمُهْمَلَةِ وَتَشْدِيدِ اللَّامِ مَا يَنْحَلُّ بِهِ الْقَسَمُ ، وَهُوَ مَصْدَرُ حَلَّلَ الْيَمِينَ أَيْ كَفَّرَهَا ، وَيُقَالُ فِي الْمَصْدَرِ تَحْلِيلٌ ، وَتَحِلُّ أَيْضًا بِغَيْرِهَا ، وَهُوَ شَاذٌّ . ( الثَّالِثَةُ ) فِيهِ أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ لَمْ يَدْخُلْ النَّارَ إلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ ، وَمِنْ ضَرُورَةِ ذَلِكَ دُخُولُهُ الْجَنَّةَ إذْ لَا مَنْزِلَةَ بَيْنَهُمَا ، وَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، وَغَيْرِهِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ مَرْفُوعًا { مَا مِنْ النَّاسِ مِنْ مُسْلِمٍ يُتَوَفَّى لَهُ ثَلَاثَةٌ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إيَّاهُمْ } ، وَفِي سُنَنِ ابْنِ مَاجَهْ عَنْ عُتْبَةَ بْنِ عَبْدٍ مَرْفُوعًا { مَا مِنْ مُسْلِمٍ يَمُوتُ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ إلَّا تَلْقَوْهُ مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ الثَّمَانِيَةِ مِنْ أَيُّهَا شَاءَ دَخَلَ } ، وَهَذِهِ زِيَادَةٌ عَلَى مُطْلَقِ دُخُولِ الْجَنَّةِ ، وَيُوَافِقُهُ مَا رَوَاهُ النَّسَائِيّ عَنْ مُعَاوِيَةَ بْنِ قُرَّةَ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ رَجُلًا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَعَهُ ابْنٌ لَهُ فَقَالَ أَتُحِبُّهُ فَقَالَ أَحَبَّك اللَّهُ كَمَا أُحِبُّهُ فَمَاتَ فَفَقَدَهُ فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالَ مَا يَسُرُّك أَنْ لَا تَأْتِيَ بَابًا مِنْ أَبْوَابِ الْجَنَّةِ إلَّا وَجَدْتَهُ عِنْدَهُ يَسْعَى يَفْتَحُ لَك } . ( الرَّابِعَةُ ) تَقَدَّمَ أَنَّ فِي الصَّحِيحِ مِنْ غَيْرِ وَجْهٍ أَنَّهُ قِيلَ { يَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَاثْنَانِ فَقَالَ وَاثْنَانِ } ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ { مَنْ كَانَ لَهُ فَرَطَانِ مِنْ أُمَّتِي أَدْخَلَهُ اللَّهُ بِهِمَا الْجَنَّةَ فَقَالَتْ عَائِشَةُ فَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ مِنْ أُمَّتِك فَقَالَ وَمَنْ كَانَ لَهُ فَرَطٌ يَا مُوَفَّقَةُ قَالَتْ فَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَطٌ ؟ قَالَ أَنَا فَرَطُ أُمَّتِي لَنْ يُصَابُوا بِمِثْلِي } قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ لَا نَعْرِفُهُ إلَّا مِنْ حَدِيثِ عَبْدِ رَبِّهِ بْنِ بَارِقٍ ، وَقَدْ رَوَى عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ انْتَهَى ، وَعَبْدُ رَبِّهِ هَذَا مُخْتَلَفٌ فِيهِ ، ضَعَّفَهُ ابْنُ مَعِينٍ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَقَالَ أَحْمَدُ مَا بِهِ بَأْسٌ ، وَوَثَّقَهُ ابْنُ حِبَّانَ ، وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ ، وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ قَدَّمَ ثَلَاثَةً لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ كَانُوا لَهُ حِصْنًا حَصِينًا قَالَ أَبُو ذَرٍّ قَدَّمَتْ اثْنَيْنِ قَالَ ، وَاثْنَيْنِ فَقَالَ أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ سَيِّدُ الْقُرَّاءِ قَدَّمَتْ وَاحِدًا قَالَ ، وَوَاحِدٌ ، وَلَكِنَّ إنَّمَا الصَّبْرُ عِنْدَ الصَّدْمَةِ الْأُولَى } قَالَ التِّرْمِذِيُّ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَأَبُو عُبَيْدَةَ لَمْ يَسْمَعْ مِنْ أَبِيهِ وَرَوَى ذِكْرَ الْوَاحِدِ مِنْ حَدِيثِ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ أَيْضًا ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ أَوْحَى إلَيْهِ ذَلِكَ عِنْدَ سُؤَالِهِمْ عَنْ الِاثْنَيْنِ وَعَنْ الْوَاحِدِ إنْ صَحَّ ، وَلَا يُمْتَنَعُ نُزُولُ الْوَحْيِ عَلَيْهِ فِي أَسْرَعِ مِنْ طَرْفَةِ عَيْنٍ كَمَا فِي نُزُولِ قَوْله تَعَالَى { لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ } { لَمَّا قَامَ ابْنُ أُمِّ مَكْتُومٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إنِّي رَجُلٌ ضَرِيرُ الْبَصَرِ } . فَنَزَلَتْ { غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ } هَذَا عَلَى أَنَّ الْعُلَمَاءَ يَخْتَلِفُونَ فِي مَفْهُومِ الْعَدَدِ هَلْ هُوَ حُجَّةٌ أَمْ لَا ، فَمَنْ لَمْ يَجْعَلْهُ حُجَّةً لَا تَحْتَاجُ إلَى ذِكْرِ هَذَا الْجَوَابِ ، وَيَقُولُ ذِكْرُ هَذَا الْعَدَدِ لَا يُنَافِي حُصُولَ ذَلِكَ بِأَقَلِّ مِنْهُ بَلْ ، وَلَوْ جَعَلْنَاهُ حُجَّةً فَلَيْسَ نَصًّا قَاطِعًا بَلْ دَلَالَتُهُ دَلَالَةٌ ضَعِيفَةٌ يُقَدَّمُ عَلَيْهَا غَيْرُهَا عِنْدَ مُعَارِضَتِهَا . وَقَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ بَعْدَ ذِكْرِهِ نَحْوَ مَا قُلْنَاهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ أَنَّ ذَلِكَ بِحَسَبِ شِدَّةِ وَجْدِ الْوَالِدَةِ وَقُوَّةِ صَبْرِهَا فَقَدْ لَا يَبْعُدُ أَنْ يَكُونَ مَنْ فَقَدَتْ وَاحِدًا أَوْ اثْنَيْنِ أَشَدَّ مِمَّنْ فَقَدَتْ ثَلَاثَةً أَوْ مُسَاوِيَةً لَهَا فَتَلْحَقُ بِهَا فِي دَرَجَتِهَا قُلْت ظَاهِرُ الْحَدِيثِ حَمَلَ ذَلِكَ عَلَى كُلِّ فَاقِدِ اثْنَيْنِ ، وَعَلَى كُلِّ فَاقِدِ وَاحِدٍ فَالتَّقْيِيدُ بِشِدَّةِ الْوَجْدِ الَّذِي يُصَيِّرُهُ كَفَاقِدِ ثَلَاثَةٍ يَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ . وَقَالَ الْقَاضِي عِيَاضٌ يَحْتَمِلُ أَنَّهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَهُ ابْتِدَاءً لِأَتَمِّ الْأَشْيَاءِ لِأَنَّ ثَلَاثًا أَوَّلُ الْكَثْرَةِ فَأَخْبَرَهُمْ بِذَلِكَ لِئَلَّا يَتَّكِلَ مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ عَلَى وَلَدِهِ فِي شَفَاعَتِهِ ، وَسَكَتَ عَمَّا وَرَاءَهُ فَلَمَّا سُئِلَ أَعْلَمَ بِمَا عِنْدَهُ فِي ذَلِكَ قَالَ ، وَفِي قَوْلِهَا أَوْ اثْنَانِ بَعْدَ ذِكْرِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ ذَلِكَ فِي الثَّلَاثَةِ ، وَهِيَ مِنْ أَهْلِ اللِّسَانِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ تَعْلِيقَ الْحُكْمِ بِعَدَدٍ مَا لَا يُنَافِيهِ مِنْ جِهَةِ دَلِيلِ الْخِطَابِ عَمَّا عَدَاهُ مِنْ الْعَدَدِ كَانَ أَقَلَّ أَوْ أَكْثَرَ إلَّا بِنَصٍّ انْتَهَى . ( الْخَامِسَةُ ) قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ إنَّمَا خُصَّ الْوَلَدُ بِثَلَاثَةٍ لِأَنَّ الثَّلَاثَةَ أَوَّلُ مَرَاتِبِ الْكَثْرَةِ فَبِعِظَمِ الْمَصَائِبِ تَكْثُرُ الْأُجُورُ فَأَمَّا إذَا زَادَ عَلَى الثَّلَاثَةِ فَقَدْ يُخَفَّفُ أَجْرُ الْمُصِيبَةِ بِالزَّائِدِ لِأَنَّهَا كَأَنَّهَا صَارَتْ عَادَةً ، وَدَيْدَنًا كَمَا قَالَ الْمُتَنَبِّي أَنْكَرْت طَارِقَةَ الْحَوَادِثِ مَرَّةً ثُمَّ اعْتَرَفْت بِهَا فَصَارَتْ دَيْدَنًا وَقَالَ آخَرُ رُوِّعْت بِالْبَيْنِ حَتَّى مَا أُرَاعُ لَهُ وَبِالْمَصَائِبِ فِي أَهْلِي وَجِيرَانِي ثُمَّ قَالَ : وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُقَالَ إنَّمَا لَمْ يَذْكُرْ مَا بَعْدَ الثَّلَاثَةِ لِأَنَّهُ مِنْ بَابِ الْأَحْرَى وَالْأَوْلَى إذْ مِنْ الْمَعْلُومِ أَنَّ مَنْ كَثُرْت مَصَائِبُهُ كَثُرَ ثَوَابُهُ فَاكْتَفَى بِذَلِكَ عَنْ ذِكْرِهِ قُلْت إذَا جَعَلْنَا لِمَفْهُومِ الْعَدَدِ دَلَالَةً فَدَلَالَتُهُ فِي هَذِهِ الصُّورَةِ فِي مَنْعِ النُّقْصَانِ لَا فِي مَنْعِ الزِّيَادَةِ فَإِنَّ مَنْ مَاتَ لَهُ أَرْبَعَةٌ فَبِالضَّرُورَةِ قَدْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ فَلَا مَعْنَى لِهَذَا الْكَلَامِ الَّذِي ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ ، وَإِذَا أَخْبَرَ الصَّادِقُ بِأَنَّ مَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ لَمْ يَلِجْ النَّارَ إلَّا تَحِلَّةَ الْقَسَمِ فَمَاتَ لِشَخْصٍ ثَلَاثَةٌ فَحَصَلَتْ لَهُ هَذِهِ الْبُشْرَى ثُمَّ مَاتَ لَهُ أَرْبَعُ انْقَطَعَتْ هَذِهِ الْبُشْرَى بِمَوْتِ هَذَا الرَّابِعِ ، وَصَارَ عَلَى خَطَرٍ دُخُولُهُ النَّارَ بَعْدَ تِلْكَ الْبُشْرَى ، وَهَبَ أَنَّ حُزْنَهُ بِهَذَا الرَّابِعِ خَفِيفٌ لِاعْتِيَادِهِ الْمَصَائِبَ فَهَلْ يَزِيدُ ذَلِكَ عَلَى كَوْنِهِ لَمْ تَحْدُثْ لَهُ هَذِهِ الْمُصِيبَةُ أَصْلًا ، وَكَيْفَ السَّبِيلُ إلَى إحْبَاطِ ثَوَابِ مَا مَضَى مِنْ الْمَصَائِبِ بِهَذِهِ الْمُصِيبَةِ الرَّابِعَةِ هَذَا مَا لَا يَتَخَيَّلُهُ ذُو فَهْمٍ فَإِنْ فُرِضَ أَنَّ الْأَرْبَعَةَ مَاتُوا دَفْعَةً وَاحِدَةً كَمَوْتِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ عَلَى خِلَافِ مَا أَجْرَى اللَّهُ تَعَالَى الْعَادَةَ تَرَتَّبَتْ الْبُشْرَى بِعَدَمِ دُخُولِ النَّارِ عَلَى مَوْتِ ثَلَاثَةٍ ، وَيُثِيبُ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى مَوْتِ الرَّابِعِ بِمَا يَشَاءُ ، وَقَدْ دَخَلَتْ هَذِهِ الصُّورَةُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ لِكَوْنِهِ صَدَقَ أَنَّهُ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( السَّادِسَةُ ) أُطْلِقَ فِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ ذِكْرُ الْوَلَدِ ، وَقَيَّدَهُ فِي رِوَايَةٍ أُخْرَى فِي الصَّحِيحَيْنِ بِقَوْلِهِ { لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ } أَيْ لَمْ يَبْلُغُوا سِنَّ التَّكْلِيفِ الَّذِي يُكْتَبُ فِيهِ الْحِنْثُ ، وَهُوَ الْإِثْمُ ، وَمُقْتَضَى حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ اخْتِصَاصُ ذَلِكَ بِالْأَوْلَادِ الصِّغَارِ دُونَ الْبَالِغِينَ قَالَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ ، وَإِنَّمَا خَصَّهُمْ بِهَذَا الْحَدِّ لِأَنَّ الصَّغِيرَ حُبُّهُ أَشَدُّ ، وَالشَّفَقَةُ عَلَيْهِ أَعْظَمُ قُلْت قَدْ يُعْكَسُ هَذَا الْمَعْنَى ، وَيُقَالُ التَّفَجُّعُ عَلَى فَقْدِ الْكَبِيرِ أَشَدُّ ، وَالْمُصِيبَةُ بِهِ أَعْظَمُ ، وَلَا سِيَّمَا إذَا كَانَ نَجِيبًا يَقُومُ عَنْ أَبِيهِ بِأُمُورِهِ ، وَيُسَاعِدُهُ فِي مَعِيشَتِهِ ، وَهَذَا مُشَاهَدٌ مَعْلُومٌ ، وَالْمَعْنَى الَّذِي يَنْبَغِي أَنْ يُعَلَّلَ بِهِ ذَلِكَ مَا فِي حَدِيثِ أَنَسٍ إلَّا أَدْخَلَهُ اللَّهُ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ رَحْمَتِهِ إيَّاهُمْ ، وَهُوَ فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ ، وَغَيْرِهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ فِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ ، وَغَيْرِهِ مِنْ حَدِيثِ عَمْرِو بْنِ عَبَسَةَ ، وَأُمِّ سُلَيْمٍ ، وَفِي مُصَنَّفِ ابْنِ أَبِي شَيْبَةَ مِنْ حَدِيثِ أَبِي أُمَامَةَ ، وَفِي سُنَنِ النَّسَائِيّ مِنْ حَدِيثِ أَبِي ذَرٍّ ، وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ مِنْ حَدِيثِ حَبِيبَةَ بِنْتِ سَهْلٍ ، وَأُمِّ مُبَشِّرٍ ، وَمَنْ لَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِ إثْمٌ فَرَحْمَتُهُ أَعْظَمُ ، وَشَفَاعَتُهُ أَبْلَغُ . ( السَّابِعَةُ ) فَعَلَى هَذَا لَوْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةُ أَوْلَادٍ بَالِغِينَ مَعْتُوهِينَ عَرَضَ لَهُمْ الْعَتَهُ وَالْجُنُونُ قَبْلَ الْبُلُوغِ بِحَيْثُ لَمْ يَجْرِ عَلَيْهِمْ تَكْلِيفٌ ، وَلَمْ يُكْتَبْ عَلَيْهِمْ إثْمٌ هَلْ يَكُونُونَ كَغَيْرِ الْبَالِغِينَ ؟ هَذَا يَحْتَمِلُ ، وَالْأَرْجَحُ إلْحَاقُهُمْ بِهِمْ ، وَقَدْ يُدَّعَى دُخُولُهُمْ فِي قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ { لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ } ، وَيَنْبَغِي أَنْ يُبْنَى ذَلِكَ عَلَى الْمَعْنَيَيْنِ الْمُتَقَدَّمِ ذَكَرُهُمَا فَإِنْ عَلَّلْنَا بِمَا فِي الْحَدِيثِ كَانَ حُكْمُ الْمَجَانِينِ كَذَلِكَ لِأَنَّ الرَّحْمَةَ لَهُمْ وَاسِعَةٌ كَثِيرَةٌ لِعَدَمِ حُصُولِ الْإِثْمِ مِنْهُمْ فَصَارُوا فِي ذَلِكَ كَالْأَطْفَالِ ، وَإِنْ عَلَّلْنَا بِمَا ذَكَرَهُ الْقُرْطُبِيُّ لَمْ يَطَّرِدْ ذَلِكَ فِي الْمَجَانِينِ الْبَالِغِينَ لِأَنَّ مَحَبَّتَهُمْ تُخَفَّفُ أَوْ تَزُولُ ، وَيَتَمَنَّى الْأَبُ مَوْتَهُمْ لِمَا بِهِمْ مِنْ الْعَاهَةِ وَالضَّرَرِ فَلَا يَحْصُلُ لَهُ بِمَوْتِهِمْ تَفَجُّعٌ ، وَلَا مَشَقَّةٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ . ( الثَّامِنَةُ ) قَدْ يُقَالُ إنَّ سَائِرَ الْأَوْلَادِ فِي ذَلِكَ سَوَاءٌ ، وَإِنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْبَالِغِ مِنْهُمْ ، وَغَيْرِ الْبَالِغِ ، وَذَلِكَ بِأَحَدِ أَوْجُهٍ ( أَوَّلُهَا ) أَنْ نَقُولَ بِقَوْلِ مَنْ يَرَى أَنَّ مَفْهُومَ الصِّفَةِ لَيْسَ بِحُجَّةٍ فَتَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِاَلَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ لَا يُقْتَضَى أَنَّ الْبَالِغِينَ لَيْسُوا كَذَلِكَ ( ثَانِيهَا ) أَنْ نَأْخُذَ بِقَوْلِ مَنْ يَأْخُذُ بِالْمُطْلَقِ ، وَيَرَى الْمُقَيَّدَ فَرْدًا مِنْ الْأَفْرَادِ الَّتِي دَلَّ عَلَيْهَا الْمُطْلَقُ ( ثَالِثُهَا ) أَنْ يُقَالَ أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ هُنَا لَيْسَ حُجَّةً لِكَوْنِهِ خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ فَإِنَّ الْغَالِبَ فِي مَوْتِ الْأَوْلَادِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ فِي صِغَرِهِمْ ، وَمَنْ تَأَخَّرَ أَجَلُهُ حَتَّى يَبْلُغَ فَالْغَالِبُ أَنَّ أَبَاهُ يَتَقَدَّمُهُ فِي الْوَفَاةِ ، وَقَدْ يَتَخَلَّفُ ذَلِكَ ، وَالْقَاعِدَةُ أَنْ مَا خَرَجَ مَخْرَجَ الْغَالِبِ لَا مَفْهُومَ لَهُ ( رَابِعُهَا ) أَنْ يَدَّعِيَ أَنَّ هَذَا الْمَفْهُومَ لَيْسَ حُجَّةً بِتَقْرِيرٍ آخَرَ ، وَهُوَ أَنَّهُ خَرَجَ جَوَابًا لِسُؤَالِ بِأَنْ يَكُونَ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ سُئِلَ عَمَّنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ أَوْ ذَكَرَ ذَلِكَ لِمَنْ مَاتَ لَهُ ثَلَاثَةٌ مِنْ الْوَلَدِ لَمْ يَبْلُغُوا الْحِنْثَ فَجَاءَ بِهَذَا الْقَيْدِ مُطَابِقًا لِحَالِهِ لَا لِأَنَّ الْحُكْمَ يَخْتَصُّ بِهَذِهِ الْحَالَةِ ، وَالْقَاعِدَةُ أَنَّ مَا خَرَجَ جَوَابًا لِسُؤَالٍ لَا مَفْهُومَ لَهُ ( خَامِسُهَا ) قَدْ يَدَّعِي أَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنْ مَفْهُومِ الْمُخَالَفَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ مَفْهُومِ الْمُوَافَقَةِ ، وَأَنَّهُمْ إذَا بَلَغُوا كَانَ التَّفَجُّعُ عَلَيْهِمْ أَكْثَرُ ، وَكَانَتْ الْمُصِيبَةُ بِهِمْ أَشَدَّ فَكَانُوا أَوْلَى بِهَذَا الْحُكْمِ مِنْ الصِّغَارِ ، وَيَكُونُ التَّقْيِيدُ بِالصِّغَرِ إشْعَارًا لَعِظَمِ الثَّوَابِ ، وَإِنْ خَفَّتْ الْمُصِيبَةُ بِهِمْ لِكَوْنِهِمْ لَمْ يَبْلُغُوا مَبْلَغَ الرِّجَالِ الَّذِينَ يَقُومُونَ بِالْأُمُورِ فَمَا ظَنُّك بِبُلُوغِهِمْ ، وَكَمَالِهِمْ فَعَلَيْك بِالنَّظَرِ فِي الْأُمُورِ الَّتِي ذَكَرْتهَا ، وَهَلْ تَقْوَى فَيُعْمَلُ بِهَا أَوْ تَضْعُفُ فَتَطْرَحُ فَلَسْت عَلَى ثِقَةٍ مِنْهَا ، وَالْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَفِي مَعْرِفَةِ الصَّحَابَةِ لِابْنِ مَنْدَهْ عَنْ شَرَاحِيلَ الْمُنْقِرِيُّ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ { مَنْ تُوُفِّيَ لَهُ أَوْلَادٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى دَخَلَ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ حِسْبَتِهِمْ } ، وَهَذَا الْحَدِيثُ إنَّمَا هُوَ فِي الْبَالِغِينَ لِأَنَّهُمْ الَّذِينَ يُقْتَلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى غَالِبًا . ( التَّاسِعَةُ ) ظَاهِرُهُ أَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ شَدِيدَ الْمَحَبَّةِ لِأَوْلَادِهِ أَوْ خَفِيفَهَا أَوْ خَالِيًا مِنْ مَحَبَّتِهِمْ أَوْ كَارِهًا لَهُمْ لِأَنَّ الْوَلَدَ مَظِنَّةُ الْمَحَبَّةِ ، وَالشَّفَقَةِ فَنِيطَ الْحُكْمُ بِهِ ، وَإِنْ تَخَلَّفَ فِي بَعْضِ الْأَفْرَادِ ، وَقَدْ يُحِبُّ الشَّخْصُ بَعْضَ أَقَارِبِهِ أَوْ أَصْدِقَائِهِ أَكْثَرَ مِنْ مَحَبَّةِ وَلَدِهِ ، وَمَعَ ذَلِكَ فَلَمْ يَرِدْ تَرْتِيبُ هَذَا الْأَمْرِ عَلَى مَوْتِ الْقَرِيبِ وَالصِّدِّيقِ ، وَلَا عَلَى مَوْتِ الْأَبِ ، وَالْأُمِّ لَكِنْ فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْأَوْسَطِ بِإِسْنَادٍ ضَعِيفٍ عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَرَطٌ لَمْ يَدْخُلْ الْجَنَّةَ إلَّا تَصْرِيدًا قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا لِكُلِّنَا فَرَطٌ قَالَ أَوَ لَيْسَ مِنْ فَرَطِ أَحَدِكُمْ أَنْ يَفْقِدَ أَخَاهُ الْمُسْلِمَ } . وَقَوْلُهُ تَصْرِيدًا بِالصَّادِ الْمُهْمَلَةِ أَيْ قَلِيلًا ، وَأَصْلُهُ السَّقْيُ دُونَ الرَّيِّ ، وَمِنْهُ صَرِدَ لَهُ الْعَطَاءَ قَلَّلَهُ . ( الْعَاشِرَةُ ) قَدْ يُقَالُ إنَّ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ فِي ذَلِكَ كَالْأَوْلَادِ سَوَاءٌ كَانُوا أَوْلَادَ الْبَنِينَ أَوْ أَوْلَادَ الْبَنَاتِ لِصِدْقِ الِاسْمِ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ يُقَالُ لَا يَلْتَحِقُونَ فِي ذَلِكَ بِهِمْ لِأَنَّ إطْلَاقَ اسْمِ الْأَوْلَادِ عَلَيْهِمْ لَيْسَ حَقِيقَةً ، وَقَدْ يُفَرَّقُ بَيْنَ أَوْلَادِ الْبَنِينَ فَيَكُونُونَ كَالْأَوْلَادِ ، وَأَوْلَادِ الْبَنَاتِ فَلَا يَكُونُونَ كَالْأَوْلَادِ قَالَ الشَّاعِرُ : بَنُونَا بَنُو أَبْنَائِنَا وَبَنَاتُنَا بَنُوهُنَّ أَبْنَاءُ الرِّجَالِ الْأَبَاعِدِ وَقَدْ يُقَالُ يَنْزِلُونَ مَنْزِلَتَهُمْ عِنْدَ فَقْدِهِمْ لَا مَعَ وُجُودِهِمْ ، وَقَدْ ذَكَرَ أَصْحَابُنَا الشَّافِعِيَّةُ أَنَّهُ لَوْ وَقَفَ عَلَى أَوْلَادِهِ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا أَوْلَادُ أَوْلَادٍ حُمِلَ اللَّفْظُ عَلَيْهِمْ فَإِنْ كَانَ لَهُ أَوْلَادٌ ، وَأَوْلَادُ أَوْلَادٍ فَفِي دُخُولِ أَوْلَادِ الْأَوْلَادِ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ أَصَحُّهَا لَا يَدْخُلُونَ ، وَالثَّانِي يَدْخُلُونَ ، وَالثَّالِثُ يَدْخُلُ أَوْلَادُ الْبَنِينَ دُونَ أَوْلَادِ الْبَنَاتِ ، وَقَدْ وَرَدَ تَقْيِيدُ الْأَوْلَادِ بِكَوْنِهِمْ مِنْ صُلْبِهِ ، وَذَلِكَ يُخْرِجُ أَوْلَادَ الْأَوْلَادِ فَإِنْ صَحَّ ذَلِكَ فَهُوَ قَاطِعٌ لِلنِّزَاعِ فَرَوَى أَبُو يَعْلَى الْمَوْصِلِيُّ فِي مُسْنَدِهِ ، وَالطَّبَرَانِيُّ فِي مُعْجَمِهِ الْكَبِيرِ عَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِي قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { لَقَدْ اسْتَجَنَّ بِجُنَّةٍ حَصِينَةٍ مِنْ النَّارِ رَجُلٌ سَلَفَ بَيْنَ يَدَيْهِ ثَلَاثَةٌ مِنْ صُلْبِهِ فِي الْإِسْلَامِ } فِيهِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِسْحَاقَ أَبُو شَيْبَةَ الْقُرَشِيُّ وَهُوَ ضَعِيفٌ ، وَفِي مُسْنَدِ أَحْمَدَ ، وَمُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ عَنْ عُقْبَةَ بْنِ عَامِرٍ مَرْفُوعًا { مَنْ أُثْكِلَ ثَلَاثَةً مِنْ صُلْبِهِ فَاحْتَسَبَهُمْ عَلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي سَبِيلِ اللَّهِ تَعَالَى وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ } إسْنَادُ الطَّبَرَانِيِّ لَا بَأْسَ بِهِ ، وَفِي إسْنَادِهِ أَحْمَدُ بْنُ لَهِيعَةَ . ( الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ ) قَدْ عَرَفْت أَنَّ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ تَقْيِيدَ ذَلِكَ بِالِاحْتِسَابِ ، وَوَرَدَ ذَلِكَ فِي عِدَّةِ أَحَادِيثَ قَالَ فِي النِّهَايَةِ : وَالِاحْتِسَابُ فِي الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ ، وَعِنْدَ الْمَكْرُوهَاتِ هُوَ الْبِدَارُ إلَى طَلَبِ الْأَجْرِ وَتَحْصِيلِهِ ، وَبِالتَّسْلِيمِ وَالصَّبْرِ أَوْ بِاسْتِعْمَالِ أَنْوَاعِ الْبِرِّ وَالْقِيَامِ بِهَا عَلَى الْوَجْهِ الْمَرْسُومِ فِيهَا طَالِبًا لِلثَّوَابِ الْمَرْجُوِّ مِنْهَا وَالِاحْتِسَابِ مِنْ الْحَسَبِ كَالِاعْتِدَادِ مِنْ الْعَدِّ ، وَإِنَّمَا قِيلَ لِمَنْ يَنْوِي بِعَمَلِهِ وَجْهَ اللَّهِ احْتَسَبَهُ لِأَنَّ لَهُ حِينَئِذٍ أَنْ يَعْتَدَّ عَمَلَهُ فَجُعِلَ فِي حَالِ مُبَاشَرَةِ الْفِعْلِ كَأَنَّهُ مُعْتَدٌّ بِهِ انْتَهَى . وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ جَابِرِ بْنِ سَمُرَةَ مَرْفُوعًا { مَنْ دَفَنَ ثَلَاثَةً مِنْ الْوَلَدِ فَصَبَرَ عَلَيْهِمْ وَاحْتَسَبَهُمْ وَجَبَتْ لَهُ الْجَنَّةُ } وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ لِابْنِ قَانِعٍ عَنْ حَوْشَبِ بْنِ طَخْمَةَ مَرْفُوعًا { مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ فَصَبَرَ وَاحْتَسَبَ قِيلَ لَهُ اُدْخُلْ الْجَنَّةَ بِفَضْلِ مَا أَخَذْنَا مِنْك } فَمَنْ يَحْمِلُ الْمُطْلَقُ عَلَى الْمُقَيَّدِ يَخُصُّ ذَلِكَ بِالصَّابِرِ دُونَ الْجَازِعِ ، وَقَدْ مَشَى عَلَى ذَلِكَ أَبُو الْعَبَّاسِ الْقُرْطُبِيُّ . وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عَنْهُ فِي مُطْلَقِ الْمَصَائِبِ لَكِنْ تَقَدَّمَ فِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ مَرْفُوعًا { مَنْ مَاتَ لَهُ وَلَدٌ ذَكَرٌ أَوْ أُنْثَى سَلَّمَ أَوْ لَمْ يُسَلِّمْ رَضِيَ أَوْ لَمْ يَرْضَ صَبَرَ أَوْ لَمْ يَصْبِرْ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَوَابٌ إلَّا الْجَنَّةَ } ، وَإِسْنَادُهُ ضَعِيفٌ كَمَا تَقَدَّمَ . وَفِي مُعْجَمِ الطَّبَرَانِيِّ الْكَبِيرِ أَيْضًا مِنْ رِوَايَةِ إبْرَاهِيمَ بْنِ عُبَيْدٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ كَانَ لَهُ ابْنٌ يَرُوحُ إذَا رَاحَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَ نَبِيُّ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَنْهُ فَقَالَ أَتُحِبُّهُ فَقَالَ يَا نَبِيَّ اللَّهِ نَعَمْ فَأَحَبَّك اللَّهُ كَمَا أُحِبُّهُ فَقَالَ إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَشَدُّ لِي حُبًّا مِنْك لَهُ فَلَمْ يَلْبَثْ أَنْ مَاتَ ابْنُهُ ذَاكَ فَرَاحَ إلَى نَبِيِّ اللَّهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ ، وَقَدْ أَقْبَلَ عَلَيْهِ بَثُّهُ فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجَزِعْت ؟ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَوَ مَا تَرْضَى أَنْ يَكُونَ ابْنُك مَعَ ابْنِي إبْرَاهِيمَ يُلَاعِبُهُ تَحْتَ ظِلِّ الْعَرْشِ ؟ قَالَ بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ } إبْرَاهِيمُ بْنُ عُبَيْدٍ أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ لَكِنْ قَالَ عَبْدُ الْمُؤْمِنِ الدِّمْيَاطِيُّ الْحَافِظُ لَا نَعْرِفُ لَهُ سَمَاعًا عَنْ ابْنِ عُمَرَ قُلْت ، وَلَا يَحْتَاجُ عَلَى طَرِيقَةِ مُسْلِمٍ إلَى ثُبُوتِ مَعْرِفَةِ السَّمَاعِ لَكِنَّ الذَّهَبِيُّ فِي الْمِيزَانِ قَالَ إنَّ إبْرَاهِيمَ هَذَا لَا يُعْرَفُ فَاقْتَضَى أَنَّهُ الَّذِي عِنْدَهُ غَيْرُ الَّذِي أَخْرَجَ لَهُ مُسْلِمٌ . وَإِنَّمَا ذَكَرْنَا هَذَا الْحَدِيثَ لِكَوْنِ هَذَا الرَّجُلُ اعْتَرَفَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْجَزَعِ ، وَذَلِكَ يُنَافِي الصَّبْرَ لَكِنْ قَدْ يُقَالُ لَيْسَ فِيهِ الْحُكْمُ لَهُ بِشَيْءٍ ، وَإِنَّمَا فِيهِ الْبُشْرَى لِابْنِهِ الْمُتَوَفَّى ، وَقَدْ يُقَالُ لَا يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِحَالَةِ الصَّبْرِ لِأَنَّ أَكْثَرَ الْأَحَادِيثِ لَيْسَ فِيهَا هَذَا التَّقْيِيدُ ، وَبَعْضُ الْأَحَادِيثِ الْمُقَيَّدَةِ بِالصَّبْرِ ضَعِيفَةٌ . وَأَمَّا التَّقْيِيدُ فِي رِوَايَةِ مُسْلِمٍ مِنْ رِوَايَةِ سُهَيْلِ بْنِ أَبِي صَالِحٍ عَنْ أَبِيهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ بِقَوْلِهِ فَتَحْتَسِبُهُ فَلَعَلَّهُ إنَّمَا ذَكَرَ ذَلِكَ لِلنِّسَاءِ لِقِلَّةِ الصَّبْرِ عِنْدَهُنَّ ، وَكَثْرَةِ الْجَزَعِ فِيهِنَّ مَعَ إظْهَارِ التَّفْجِيعِ بِفِعْلِ مَا لَا يَجُوزُ مِنْ كَثِيرٍ مِنْهُنَّ فَرَدَعَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ بِهَذَا الْكَلَامِ لِيَحْصُلَ انْكِفَافُهُنَّ عَمَّا يَتَعَاطَيْنَهُ مِنْ الْأُمُورِ الْمُحَرَّمَةِ فَكَانَ فَائِدَةُ هَذَا التَّقْيِيدِ ارْتِدَاعَهُنَّ عَنْ ذَلِكَ لَا تَخْصِيصَ الْحُكْمِ بِهِ . وَقَدْ عُرِفَ فِي الْأُصُولِ أَنَّ شَرْطَ الْعَمَلِ بِالْمَفْهُومِ أَنْ لَا يَظْهَرَ لَهُ فَائِدَةٌ سِوَى تَخْصِيصِ الْحُكْمِ بِهِ .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ج1.الي اخر/ح4.كتاب : حاشية ابن القيم على سنن أبي داود المؤلف : محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية

أقسام الكتاب/// 1 2 3 4 ////. | جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين     ج1.الي اخر / ح4.كتاب : حاشية ابن القيم على سنن أبي داود المؤلف : مح...