الأربعاء، 18 فبراير 2026

من ج6.الي اخر ج10.كتاب : أحكام القرآن المؤلف:ابن العربي





من ج6.الي اخر ج10.كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي



الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : إذَا حَكَمَ أَحَدُهُمَا بِمَالٍ وَالْآخَرُ بِغَيْرِ مَالِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ ، لِأَنَّهُ اخْتِلَافٌ مَحْضٌ .
كَالشَّاهِدَيْنِ إذَا شَهِدَ أَحَدُهُمَا بِبَيْعٍ وَالْآخَرُ بِهِبَةٍ فَإِنَّهُ لَا يَنْفُذُ اتِّفَاقًا .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : إذَا عَلِمَ الْإِمَامُ مِنْ حَالِ الزَّوْجَيْنِ الشِّقَاقَ لَزِمَهُ أَنْ يَبْعَثَ إلَيْهِمَا حَكَمَيْنِ وَلَا يَنْتَظِرُ ارْتِفَاعَهُمَا ؛ لِأَنَّ مَا يَضِيعُ مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ أَثْنَاءَ مَا يَنْتَظِرُ رَفْعُهُمَا إلَيْهِ لَا جَبْرَ لَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : يُجْزِئُ إرْسَالُ الْوَاحِدِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَكَمَ فِي الزِّنَا بِأَرْبَعَةِ شُهُودٍ ، ثُمَّ قَدْ { أَرْسَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ أُنَيْسًا ، وَقَالَ لَهُ : إنْ اعْتَرَفَتْ فَارْجُمْهَا } ، وَكَذَلِكَ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ فِي الْمُدَوَّنَةِ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : لَوْ أَرْسَلَ الزَّوْجَانِ حَكَمَيْنِ ، وَحَكَمَا نَفَذَ حُكْمُهُمَا ؛ لِأَنَّ التَّحْكِيمَ عِنْدَنَا جَائِزٌ ، وَيَنْفُذُ فِعْلُ الْحَكَمِ فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ .
هَذَا إذَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَدْلًا ، وَلَوْ كَانَ غَيْرَ عَدْلٍ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ : حُكْمُهُ مَنْقُوضٌ ؛ لِأَنَّهُمَا تَخَاطَرَا بِمَا لَا يَنْبَغِي مِنْ الْغَرَرِ .
وَالصَّحِيحُ نُفُوذُهُ لِأَنَّهُ إنْ كَانَ تَوْكِيلًا فَفِعْلُ الْوَكِيلِ نَافِذٌ ، وَإِنْ كَانَ تَحْكِيمًا فَقَدْ قَدَّمَاهُ عَلَى أَنْفُسِهِمَا ، وَلَيْسَ الْغَرَرُ بِمُؤَثِّرٍ فِيهِ ، كَمَا لَمْ يُؤَثِّرْ فِي التَّوْكِيلِ ، وَبَابُ الْقَضَاءِ مَبْنِيٌّ عَلَى الْغَرَرِ كُلِّهِ ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ فِيهِ مَعْرِفَةُ الْمَحْكُومِ عَلَيْهِ بِمَا يَئُولُ إلَيْهِ الْحُكْمُ .

الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا } .
فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : كَمَا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا } قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : لَوْ نَوَى تَبَرُّدًا أَوْ تَنَظُّفًا مَعَ نِيَّةِ الْحَدَثِ أَوْ مَجَمًّا لِمَعِدَتِهِ مَعَ التَّقَرُّبِ لِلَّهِ أَوْ قَضَاءِ الصَّوْمِ ، فَإِنَّهُ لَا يُجْزِيهِ ، لِأَنَّهُ مَزَجَ فِي نِيَّتِهِ التَّقَرُّبِ بِنِيَّةٍ دُنْيَاوِيَّةٍ وَلَيْسَ لِلَّهِ إلَّا الدِّينُ الْخَالِصُ .
وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ التَّبَرُّدَ لِلَّهِ ، وَالتَّنْظِيفَ وَإِجْمَامَ الْمَعِدَةِ لِلَّهِ ؛ فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ أَوْ مُبَاحٌ فِي مَوْضِعٍ ، وَلَا تُنَاقِضُ الْإِبَاحَةُ الشَّرِيعَةَ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : وَلَيْسَ مِنْ هَذَا الْبَابِ مَا لَوْ أَحَسَّ الْإِمَامُ وَهُوَ رَاكِعٌ بِدَاخِلٍ عَلَيْهِ فِي الصَّلَاةِ فَإِنَّهُ لَا يَنْتَظِرُهُ ، وَلَيْسَ لِأَمْرٍ يَعُودُ إلَى نِيَّةِ الصَّلَاةِ ؛ وَلَكِنْ لِأَنَّ فِيهِ إضْرَارًا بِمَنْ عَقَدَ الصَّلَاةَ مَعَهُ ؛ وَمُرَاعَاتُهُ أَوْلَى .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَبِالْوَالِدَيْنِ إحْسَانًا } : بِرُّ الْوَالِدَيْنِ رُكْنٌ مِنْ أَرْكَانِ الدِّينِ فِي الْمَفْرُوضَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَبِرُّهُمَا يَكُونُ فِي الْأَقْوَالِ وَالْأَعْمَالِ ؛ فَأَمَّا فِي الْأَقْوَالِ فَكَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا } فَإِنَّ لَهَا حَقَّ الرَّحِمِ الْمُطْلَقَةِ ، وَحَقَّ الْقَرَابَةِ الْخَاصَّةِ ؛ إذْ أَنْتَ جُزْءٌ مِنْهُ ، وَهُوَ أَصْلُكَ الَّذِي أَوْجَدَكَ ، وَهُوَ الْقَائِمُ بِكَ حَالَ ضَعْفِكَ وَعَجْزِكَ عَنْ نَفْسِكَ .
وَقَدْ { عَرَضَ رَجُلٌ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَعْضِ أَسْفَارِهِ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنْ كُنْت تُرِيدُ النِّسَاءَ الْبِيضَ وَالنُّوقَ الْأُدْمَ فَعَلَيْكَ بِبَنِي مُدْلِجٍ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مَنَعَ مِنِّي سَبْيَ بَنِي مُدْلِجٍ لِصِلَتِهِمْ الرَّحِمَ } .
وَفِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ : أَنَّ يُوسُفَ لَمَّا دَخَلَ عَلَيْهِ أَبَوَاهُ فَلَمْ يَقُمْ لَهُمَا قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَعِزَّتِي لَا أَخْرَجْت مِنْ صُلْبِكَ نَبِيًّا ، فَلَا نَبِيَّ فِيهِمْ مِنْ عَقِبِهِ .
وَفِي الْحَدِيثِ : { إنَّ مِنْ أَبَرِّ الْبِرِّ أَنْ يَصِلَ الرَّجُلُ أَهْلَ وُدِّ أَبِيهِ } ؛ وَمِنْ حَقِّهِ أَنْ يَرْجِعَ فِي هِبَتِهِ ، وَأَنْ يَأْكُلَ مِنْ مَالِ وَلَدِهِ ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ أَطْيَبَ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ } .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
فَإِنْ قِيلَ : إذَا أَخَذَ الْوَالِدُ الْهِبَةَ مِنْ الْوَلَدِ أَغْضَبَهُ فَعَقَّهُ ، وَمَا أَدَّى إلَى الْمَعْصِيَةِ فَمَعْصِيَةٌ .
قُلْنَا : أَمَّا إذَا عَصَى أُخِذَ بِالشَّرْعِ فَلَا لَعًا لَهُ وَلَا عُذْرَ ، إنَّمَا يَكُونُ الْعُذْرُ لِمَنْ أَطَاعَ اللَّهَ أَوْ عَصَى اللَّهَ فِيهِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَلْ مِنْ بِرِّ الرَّجُلِ بِوَالِدِهِ الْمُشْرِكِ أَلَّا يَقْتُلَهُ ؟ قُلْنَا : مِنْ بِرِّهِ بِنَفْسِهِ أَنْ يَتَوَلَّى قَتْلَهُ .
{ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ابْنُ سَلُولَ

مُسْتَأْذِنًا فِي قَتْلِ أَبِيهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنْ أَذِنْت لِي فِي قَتْلِهِ قَتَلْته } : وَهَكَذَا فَعَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ .
وَلِلرَّحِمِ حَقٌّ ، وَلَكِنْ لَمَا جَاءَ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى بَطَلَ حَقُّ الرَّحِمِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ ، وَالْخَامِسَةُ : الْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ : وَقَدْ تَقَدَّمَتَا .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ } : حُرْمَةُ الْجَارِ عَظِيمَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَالْإِسْلَامِ مَعْقُولَةٌ مَشْرُوعَةٌ مُرُوءَةً وَدِيَانَةً ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا زَالَ جِبْرِيلُ يُوصِينِي بِالْجَارِ حَتَّى ظَنَنْت أَنَّهُ سَيُوَرِّثُهُ } .
وَقَالَ : { مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ جَارَهُ } .
" وَالْجِيرَانُ ثَلَاثَةٌ : جَارٌ لَهُ حَقٌّ وَاحِدٌ ، وَهُوَ الْمُشْرِكُ ، وَجَارٌ لَهُ حَقَّانِ : الْجَارُ الْمُسْلِمُ ، وَجَارٌ لَهُ ثَلَاثَةُ حُقُوقٍ : الْجَارُ الْمُسْلِمُ لَهُ الرَّحِمُ " .
وَهُمَا صِنْفَانِ قَرِيبٌ وَبَعِيدٌ ، وَأَبْعَدُهُ فِي قَوْلِ الزُّهْرِيِّ مَنْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ أَرْبَعُونَ دَارًا .
وَقِيلَ : الْبَعِيدُ مَنْ يَلِيكَ بِحَائِطٍ ، وَالْقَرِيبُ مَنْ يَلِيكَ بِبَابِهِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِرَجُلٍ قَالَ لَهُ : { إنَّ لِي جَارَيْنِ ، فَإِلَى أَيِّهِمَا أَهْدِي ؟ قَالَ : إلَى أَقْرَبِهِمَا مِنْكَ بَابًا } .
وَحُقُوقُهُ عَشَرَةٌ يَجْمَعُهَا الْإِكْرَامُ ، وَكَفُّ الْأَذَى .
وَمِنْ الْعَشَرَةِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ : { لَا يَمْنَعَنَّ أَحَدُكُمْ جَارَهُ أَنْ يَغْرِزَ خَشَبَةً فِي جِدَارِهِ } .
وَقَدْ رَأَى جَمِيعُ الْعُلَمَاءِ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ نَدْبًا لَا فَرْضًا ، وَأَنْ يَكُونَ مَنْعُهُ مَكْرُوهًا لَا مُحَرَّمًا ؛ لِأَنَّ كُلَّ أَحَدٍ أَحَقُّ بِمَالِهِ .
وَالْحَائِطُ يَحْتَاجُهُ صَاحِبُهُ ؛ فَإِنْ أَعْطَاهُ نَقَصَ مَالُهُ ، وَإِنْ أَعَارَهُ تَكَلَّفَ حِفْظَهُ بِالْإِشْهَادِ ، وَأَضَرَّ بِنَفْسِهِ ؛ فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَحْتَمِلَ لَهُ ذَلِكَ فَلَهُ الْأَجْرُ ، وَإِنْ أَبَى فَلَيْسَ عَلَيْهِ وِزْرٌ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : الصَّاحِبُ بِالْجَنْبِ : قِيلَ : إنَّهُ الْجَارُ الْمُلَاصِقُ ، وَاَلَّذِي قَالَ هَذَا جَعَلَ قَوْلَهُ : { وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى } الْجَارُ الَّذِي لَهُ الرَّحِمُ .
وَقِيلَ : إنَّهُ الَّذِي يَجْمَعُكَ مَعَهُ رُفَاقَةُ السَّفَرِ ، فَهُوَ ذِمَامٌ عَظِيمٌ ، فَإِنَّهُ يَلُفُّهُ مَعَهُ الْأُنْسُ وَالْأَمْنُ وَالْمَأْكَلُ وَالْمَضْجَعُ ، وَبَعْضُهَا يَكْفِي لِلْحُرْمَةِ ، فَكَيْفَ إذَا اجْتَمَعَتْ ؟ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : لَيْسَ مِنْ حَقِّ الْجُوَارِ الشُّفْعَةُ كَمَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَمْ يَتَعَرَّضْ لِلْمَفْرُوضَاتِ ، وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْإِحْسَانَ ، وَالْمَفْرُوضُ لَهُمْ يُؤْخَذُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ .
وَلَيْسَ كَمَا زَعَمَ ؛ لِأَنَّ الْإِحْسَانَ يَعُمُّ الْفَرْضَ وَالنَّفَلَ ، وَلَمْ يَبْقَ شَرْعٌ وَلَا حَقٌّ إلَّا دَخَلَ فِيهِ ؛ فَعَمَّتْ الْوَصِيَّةُ فِيهِ ، وَتَفَصَّلَتْ مَنَازِلُهُ بِالْأَدِلَّةِ ؛ وَإِنَّمَا قَطَعْنَا شُفْعَةَ الْجِوَارِ بِعِلَّةٍ أَنَّ الشُّفْعَةَ مُتَعَلِّقَةٌ بِالشَّرِكَةِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الشُّفْعَةُ فِيمَا لَمْ يُقْسَمْ } .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْجَارُ أَحَقُّ بِصَقَبِهِ } .
قُلْنَا : أَرَادَ بِهِ الشَّرِيكَ ، وَهُوَ أَخَصُّ جُوَارٍ بِدَلِيلِ مَا تَقَدَّمَ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : ابْنُ السَّبِيلِ : قِيلَ : هُوَ الضَّيْفُ يَنْزِلُ بِكَ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ ، جَائِزَتُهُ يَوْمٌ وَلَيْلَةٌ وَمَا زَادَ عَلَيْهِ صَدَقَةٌ ، وَلَا يَحِلُّ أَنْ يَثْوِيَ عِنْدَهُ حَتَّى يُحْرِجَهُ } .
وَقَدْ كَانَ قَوْمٌ مِنْهُمْ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ يَرَى أَنَّ الضِّيَافَةَ حَقٌّ .
وَقَوْلُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَلْيُكْرِمْ ضَيْفَهُ } ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهَا كَرَامَةٌ ، وَلَيْسَتْ بِحَقٍّ ، وَبِذَلِكَ يُفَسَّرُ أَنَّ الْإِحْسَانَ هَاهُنَا مُسْتَحَبٌّ وَإِنْ كَانَ ابْنُ السَّبِيلِ الْفَقِيرُ فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : { وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } : أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِالرِّفْقِ بِهِمْ وَالْإِحْسَانِ إلَيْهِمْ .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ ، مَلَّكَكُمْ اللَّهُ رِقَابَهُمْ ، فَأَطْعِمُوهُمْ مِمَّا تَأْكُلُونَ ، وَاكْسُوهُمْ مِمَّا تَلْبَسُونَ ، وَلَا تُكَلِّفُوهُمْ مِنْ الْعَمَلِ مَا لَا يُطِيقُونَ ، فَإِنْ كَلَّفْتُمُوهُمْ فَأَعِينُوهُمْ } .
وَقَالَ أَبُو مَسْعُودٍ : { كُنْت أَضْرِبُ غُلَامًا لِي فَسَمِعْت صَوْتًا مِنْ خَلْفِي : اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ مَرَّتَيْنِ ، فَالْتَفَتُّ فَإِذَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَلْقَيْت السَّوْطَ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَلَّهُ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا } .

الْآيَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْيَهُودِ كَانُوا يَأْتُونَ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُزَهِّدُونَهُمْ فِي نَفَقَةِ أَمْوَالِهِمْ فِي الدِّينِ ، وَيُخَوِّفُونَهُمْ الْفَقْرَ ، وَيَقُولُونَ لَهُمْ : لَا تَدْرُونَ مَا يَكُونُ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى فِيهِمْ : { الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ } الْآيَةَ كُلَّهَا .
وَقَدْ قَدَّمْنَا فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ بَيَانَ الْبُخْلِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ : الْمَعْنَى أَنَّهُمْ بَخِلُوا بِأَمْوَالِهِمْ ، وَأَمَرُوا غَيْرَهُمْ بِالْبُخْلِ .
وَقِيلَ : بَخِلُوا بِعِلْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ ، وَتَوَاصَوْا مَعَ أَحْبَارِهِمْ بِكَتْمِهِ ، فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمْ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ } ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ .
وَقِيلَ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : يَكْتُمُونَ الْغِنَى وَيَتَفَاقَرُونَ لِلنَّاسِ ، لَيْسَ عِنْدَنَا وَعِنْدَهُمْ ، لَيْسَ مَعَنَا وَمَعَهُمْ ، وَذَلِكَ حَرَامٌ .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ } .
وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى إذَا أَنْعَمَ عَلَى عَبْدٍ نِعْمَةً أَحَبَّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ .

الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ ثَلَاثِينَ قَوْله تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاءَ النَّاسِ وَلَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَنْ يَكُنْ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاءَ قَرِينًا } .
قِيلَ هُمْ الْيَهُودُ ، وَقِيلَ هُمْ الْمُنَافِقُونَ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَبَيَانُهَا مِنْ تَمَامِ مَا قَبْلَهَا ؛ لِأَنَّ الَّذِي يُنْفِقُ مَالَهُ رِئَاءَ النَّاسِ شَرٌّ مِنْ الَّذِي يَبْخَلُ بِالْوَاجِبِ عَلَيْهِ ، وَنَفَقَةُ الرِّيَاءِ تَدْخُلُ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ جِهَةِ أَنَّ ذَلِكَ لَا يُجْزِي .

الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا } .
فِيهَا ثَمَانٍ وَثَلَاثُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : خِطَابُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِالصَّلَاةِ وَإِقَامَتِهَا عَامٌّ فِي الْمُسْلِمِ وَالْكَافِرِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ؛ وَإِنَّمَا خَصَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى هَاهُنَا الْمُؤْمِنِينَ بِالْخِطَابِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَقَدْ أَخَذُوا مِنْ الْخَمْرِ ، وَتَلِفَتْ عَلَيْهِمْ أَذْهَانُهُمْ ؛ فَخُصُّوا بِهَذَا الْخِطَابِ ؛ إذْ كَانَ الْكُفَّارُ لَا يَفْعَلُونَهَا صُحَاةً وَلَا سُكَارَى .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَهْدِيٍّ عَنْ سُفْيَانَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ عَنْ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيِّ ، عَنْ عَمْرٍو أَنَّهُ صَلَّى بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَرَجُلٍ آخَرَ فَقَرَأَ : { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } فَخَلَطَ فِيهَا ، وَكَانُوا يَشْرَبُونَ مِنْ الْخَمْرِ ؛ فَنَزَلَتْ : { لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } .
وَقَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ : صَنَعَ لَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ طَعَامًا ، فَدَعَانَا وَسَقَانَا مِنْ الْخَمْرِ ، فَأَخَذَتْ الْخَمْرُ مِنَّا ، وَحَضَرْت الصَّلَاةَ ، فَقَدَّمُونِي فَقَرَأْت : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ ، لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ، وَنَحْنُ نَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ .
قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } الْآيَةَ .
خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَصَحَّحَهُ .
وَقَدْ رُوِيَتْ هَذِهِ الْقِصَّةُ بِأَبْيَنَ مِنْ هَذَا ، لَكِنَّا لَا نَفْتَقِرُ إلَيْهَا هَاهُنَا ، وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ مِنْ رِوَايَةِ الْعَدْلِ عَنْ الْعَدْلِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ } : سَمِعْت الشَّيْخَ الْإِمَامَ فَخْرَ الْإِسْلَامِ أَبَا بَكْرٍ مُحَمَّدَ بْنَ أَحْمَدَ الشَّاشِيَّ وَهُوَ يَنْتَصِرُ لِمَذْهَبِ أَبِي حَنِيفَةَ وَمَالِكٍ فِي مَجْلِسِ النَّظَرِ ؛ قَالَ : يُقَالُ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ : لَا تَقْرَبْ كَذَا بِفَتْحِ الرَّاءِ أَيْ لَا تَلْبَسْ بِالْفِعْلِ ، وَإِذَا كَانَ بِضَمِّ الرَّاءِ كَانَ مَعْنَاهُ لَا تَدْنُ مِنْ الْمَوْضِعِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ صَحِيحٌ مَسْمُوعٌ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { الصَّلَاةَ } : وَهِيَ فِي نَفْسِهَا مَعْلُومَةُ اللَّفْظِ مَفْهُومَةُ الْمَعْنَى ، لَكِنْ اخْتَلَفُوا فِيهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا فِي الْمُرَادِ بِهَا هَاهُنَا عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا النَّهْيُ عَنْ قُرْبَانِ الصَّلَاةِ نَفْسِهَا ؛ قَالَهُ عَلِيٌّ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَالْحَسَنُ ، وَمَالِكٌ ، وَجَمَاعَةٌ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ وَهُوَ الْمَسْجِدُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، فِي قَوْلِهِ الثَّانِي ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ ، وَعَطَاءُ بْنُ أَبِي رَبَاحٍ ، وَعَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، وَعِكْرِمَةُ وَغَيْرُهُمْ .
سَمِعْت فَخْرَ الْإِسْلَامِ يَقُولُ فِي الدَّرْسِ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ ، وَحَذَفَ الْمُضَافَ وَإِقَامَتُهُ مَقَامَ الْمُضَافِ إلَيْهِ أَكْثَرُ فِي اللُّغَةِ مِنْ رَمْلِ يَبْرِينَ وَهِيَ فِلَسْطِينُ فِي الْأَرْضِ ، وَيَكُونُ فِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى الْمَنْعِ مِنْ قُرْبَانِ الصَّلَاةِ نَفْسِهَا ؛ لِأَنَّهُ إذَا نُهِيَ عَنْ دُخُولِ مَوْضِعِهَا كَرَامَةً فَهِيَ بِالْمَنْعِ أَوْلَى .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْتُمْ سُكَارَى } : السُّكْرُ : عِبَارَةٌ عَنْ حَبْسِ الْعَقْلِ عَنْ التَّصَرُّفِ عَلَى الْقَانُونِ الَّذِي خُلِقَ عَلَيْهِ فِي الْأَصْلِ مِنْ النِّظَامِ وَالِاسْتِقَامَةِ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا } أَيْ حُبِسَتْ عَنْ تَصَرُّفِهَا الْمُعْتَادِ لَهَا ، وَمِنْهُ سُكْرُ الْأَنْهَارِ ؛ وَهُوَ مَحْبِسُ مَائِهَا ، فَكُلُّ مَا حَبَسَ الْعَقْلَ عَنْ التَّصَرُّفِ فَهُوَ سُكْرٌ ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْخَمْرِ ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ النَّوْمِ ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ الْفَرَحِ وَالْجَزَعِ .
وَقَدْ اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا السُّكْرِ سُكْرُ الْخَمْرِ ، وَأَنَّ ذَلِكَ إبَّانَ كَانَتْ الْخَمْرُ حَلَالًا ، خَلَا الضَّحَّاكِ فَإِنَّهُ قَالَ : مَعْنَاهُ سُكَارَى مِنْ النَّوْمِ ، فَإِنْ كَانَ أَرَادَ أَنَّ النَّهْيَ عَنْ سُكْرِ الْخَمْرِ نَهْيٌ عَنْ سُكْرِ النَّوْمِ فَقَدْ أَصَابَ ، وَلَا مَعْنَى لَهُ سِوَاهُ ؛ وَيَكُونُ مِنْ بَابِ { لَا يَقْضِي الْقَاضِي وَهُوَ غَضْبَانُ } : دَلَّ عَلَى أَنَّهُ مَنْهِيٌّ عَنْ كُلِّ قَضَاءٍ فِي حَالِ شُغْلِ الْبَالِ بِنَوْمٍ أَوْ جُوعٍ أَوْ حَقْنٍ أَوْ حَزْقٍ ، فَلَا يَفْهَمُ مَعَهُ كَلَامَ الْخُصُومِ ، كَمَا لَا يَعْلَمُ مَا يَقْرَأُ ، وَلَا يَعْقِلُ فِي الصَّلَاةِ إذَا دَافَعَهُ الْأَخْبَثَانِ ، أَوْ كَانَ بِحَضْرَةِ طَعَامٍ ، كَمَا رَوَاهُ مُسْلِمٌ ، وَلِذَلِكَ قَالَ : { حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ } وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : الْعِلَّةُ فِي النَّهْيِ : فَبَيَّنَ الْعِلَّةَ فِي النَّهْيِ ، فَحَيْثُمَا وُجِدَتْ ، بِأَيِّ سَبَبٍ وُجِدَتْ ، يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا الْحُكْمُ ، وَقَدْ أَغْنَى هَذَا اللَّفْظُ عَنْ عِلْمِ سَبَبِ الْآيَةِ ، لِأَنَّهُ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ : { لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ وَهُوَ نَائِمٌ ؛ لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ ، فَيَسُبُّ نَفْسَهُ } ، فَهَذَا أَيْضًا مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ، وَالْحَقُّ يَعْضُدُ بَعْضُهُ بَعْضًا .
فَإِنْ قِيلَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : وَكَيْفَ يَصِحُّ تَقْدِيرُ

هَذَا النَّفْيِ ؟ أَتَقُولُونَ : إنَّ الْمُرَادَ بِهِ السُّكْرُ ؟ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ : { لَا يُصَلِّي أَحَدُكُمْ وَهُوَ نَائِمٌ ، لَعَلَّهُ يَذْهَبُ يَسْتَغْفِرُ فَيَسُبُّ نَفْسَهُ } ؛ فَهَذَا أَيْضًا الَّذِي لَا يُعْقَلُ مَعَهُ مَعْنًى ، وَكَيْفَ يَتَوَجَّهُ عَلَى هَذَا خِطَابٌ ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ : نَهَى عَنْ التَّعَرُّضِ لِلسُّكْرِ إذَا كَانَ عَلَيْهِمْ فَرْضُ الصَّلَاةِ قِيلَ لَكُمْ : إنَّ السُّكْرَ إذَا نَافَى ابْتِدَاءَ الْخِطَابِ نَافَى اسْتِدَامَتَهُ .
وَإِنْ قُلْتُمْ : إنَّ الْمُرَادَ بِهِ الْمُنْتَشِي الَّذِي لَيْسَ بِسَكْرَانَ نُهِيَ أَنْ يُصَيِّرَ نَفْسَهُ سَكْرَانَ وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : { لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى } أَيْ : فِي حَالِ سُكْرِكُمْ ؛ وَلَمَّا كَانَ الِاضْطِرَابُ فِي الْآيَةِ هَكَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ : الْمُرَادُ بِهِ مَوْضِعُ الصَّلَاةِ .
هَذَا نَصُّ كَلَامِ بَعْضِ مَنْ يُدَّعَى لَهُ التَّحْقِيقُ مِنْ أَئِمَّةِ الشَّافِعِيَّةِ ، وَهَذِهِ مِنْهُ غَفْلَةٌ ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَا لَزِمَهُ فِي تَقْدِيرِ الصَّلَاةِ مِنْ تَوْجِيهِ الْخِطَابِ يَلْزَمُهُ فِي تَقْدِيرِ مَوْضِعِ الصَّلَاةِ .
وَاَلَّذِي يَعْتَقِدُ أَنَّهُ يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ خِطَابًا لِلصَّاحِي ، يُقَالُ لَهُ : لَا تَشْرَبْ الْخَمْرَ بِحَالٍ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ يُؤَدِّي إلَى أَنْ تُصَلِّيَ وَأَنْتَ لَا تَعْلَمُ فَتَخْلِطَ كَمَا فَعَلَ مَنْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ ، وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى التَّحْرِيمِ ، فَلَمْ يَقْنَعْ بِهَا عُمَرُ .
وَالنَّهْيُ عَنْ التَّعَرُّضِ لِلْمُحَرَّمَاتِ مَعْقُولٌ ؛ وَهَذَا الْخِطَابُ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ وَهُوَ صَاحٍ ، فَإِذَا شَرِبَ وَعَصَى وَسَكِرَ تَوَجَّهَ عَلَيْهِ اللَّوْمُ وَالْعِقَابُ ، وَيَصِحُّ أَنْ يُخَاطَبَ الْمُنْتَشِي وَهُوَ يَعْقِلُ النَّهْيَ ، لَكِنَّ اسْتِمْرَارَ الْأَفْعَالِ وَالْكَلَامِ وَانْتِظَامِهِ رُبَّمَا يَفُوتُهُ ؛ فَقِيلَ لَهُ : لَا تَفْعَلْ وَأَنْتَ مُنْتَشٍ أَمْرًا لَا تَقْدِرُ عَلَى نِظَامِهِ كُلِّهِ ، وَحَاشَا لِلَّهِ أَنْ يَكُونَ الشَّافِعِيُّ يَأْخُذُ بِهَذَا مِنْ كَلَامِ هَذَا الرَّجُلِ ، وَإِنَّمَا يَنْسِجُ الشَّافِعِيُّ عَلَى مِنْوَالِ الصَّحَابَةِ ، وَمَا فِي

الْآيَةِ احْتِمَالٌ يَأْتِي بَيَانُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَهُوَ الْإِسْكَارُ .
فَإِنْ قِيلَ ، وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فَقَدْ نَرَى الْإِنْسَانَ يُصَلِّي وَلَا يُحْسِنُ صَلَاتَهُ لِشُغْلِ بَالِهِ ، فَلَا يَشْعُرُ بِالْقِرَاءَةِ حَتَّى تَكْمُلَ ، وَلَا بِالرُّكُوعِ وَلَا بِالسُّجُودِ حَتَّى لَا يَعْلَمَ مَا كَانَ عَدَدُهُ ، حَتَّى رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : " إنِّي لَأُجَهِّزُ جَيْشِي وَأَنَا فِي الصَّلَاةِ " .
قُلْنَا : إنَّمَا أُخِذَ عَلَى الْعَبْدِ الِاسْتِشْعَارُ وَإِحْضَارُ النِّيَّةِ فِي حَالِ التَّكْبِيرِ ، فَإِنْ ذَهِلَ بَعْدَ ذَلِكَ فَقَدْ سُومِحَ فِيهِ مَا لَمْ يُكْثِرْ ؛ لِتَعَذُّرِ الِاحْتِرَازِ مِنْهُ ، وَأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ تَكْلِيفُ الْعِبَادِ بِهِ ؛ وَلَيْسَ حَالُ عُمَرَ مِنْ هَذَا ، فَإِنَّ ذَلِكَ نَظَرٌ فِي عِبَادَةٍ لِعِبَادَةٍ مِثْلِهَا أَوْ أَعْظَمَ فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ مِنْهَا ، وَمَعَ هَذَا فَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ لَحْظَةً مَعَ الْغَلَبَةِ ثُمَّ يَصْحُو إلَى نَفْسِهِ ، بِخِلَافِ السَّكْرَانِ وَالنَّائِمِ وَالْغَاضِبِ وَمَدَافِعِ الْأَخْبَثَيْنِ ، فَإِنَّهُ لَا يُمْكِنُهُ إحْضَارُ ذِهْنِهِ لِغَلَبَةِ الْحَالِ عَلَيْهِ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ } : الْجُنُبُ فِي اللُّغَةِ : الْبَعِيدُ ، بَعُدَ بِخُرُوجِ الْمَاءِ الدَّافِقِ عَنْ حَالِ الصَّلَاةِ ، وَقَدْ كَانَ عِنْدَهُمْ الْجُنُبُ مَعْرُوفًا ، وَهُوَ الَّذِي غَشِيَ النِّسَاءَ ، وَالْحَدِيثُ عِنْدَهُمْ مَعْرُوفًا .
وَهُوَ مَا خَرَجَ مِنْ السَّبِيلَيْنِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُعْتَادِ ، ثُمَّ أَثْبَتَتْ الشَّرِيعَةُ بَعْدَ ذَلِكَ زِيَادَاتِهِ وَتَفْضِيلَهُ ، وَهُوَ إيلَاجٌ فِي قُبُلٍ أَوْ دُبُرٍ بِشَرْطِ مَغِيبِ الْحَشَفَةِ دُونَ إنْزَالٍ ، أَوْ إنْزَالُ الْمَاءِ دُونَ مَغِيبِ الْحَشَفَةِ ، أَوْ مَجْمُوعُهُمَا عَلَى حَسَبِ مَا بَيَّنَّا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ وَالْمَسَائِلِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَاكَ .

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ } : أَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : { لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ } لَا تَقْرَبُوا مَوَاضِعَ الصَّلَاةِ ، فَتَقْدِيرُ الْآيَةِ عِنْدَهُمْ : لَا تَقْرَبُوا الْمَسَاجِدَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ، وَلَا تَقْرَبُوهَا جُنُبًا حَتَّى تَغْتَسِلُوا ، إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ أَيْ مُجْتَازِينَ غَيْرَ لَابِثِينَ ؛ فَجَوَّزُوا الْعُبُورَ فِي الْمَسْجِدِ مِنْ غَيْرِ لُبْثٍ فِيهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ نَفْسُ الصَّلَاةِ فَإِنَّ تَقْدِيرَ الْآيَةِ : لَا تُصَلُّوا وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ ، وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا لَهَا ، أَوْ تَكُونُوا مُسَافِرِينَ ، فَتَيَمَّمُوا وَتُصَلُّوا وَأَنْتُمْ جُنُبٌ حَتَّى تَغْتَسِلُوا إذَا وَجَدْتُمْ الْمَاءَ .
وَرَجَّحَ أَهْلُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ مَذْهَبَهُمْ بِمَا رُوِيَ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ وَابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ أَحَدُنَا يَمُرُّ بِالْمَسْجِدِ وَهُوَ جُنُبٌ مُجْتَازًا .
وَرَجَّحَ الْآخَرُونَ بِمَا رَوَى أَفْلَتُ بْنُ خَلِيفَةَ عَنْ جَسْرَةَ بِنْتِ دَجَاجَةَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِرَدِّ الْأَبْوَابِ الشَّارِعَةِ إلَى الْمَسْجِدِ ، وَقَالَ : لَا أُحِلُّ الْمَسْجِدَ لِحَائِضٍ وَلَا جُنُبٍ } .
خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ .
و الْمَسْأَلَةُ تَفْتَقِرُ إلَى تَفْصِيلٍ وَتَنْقِيحٍ ، وَقَدْ أَحْكَمْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ بِمَا نُشِيرُ إلَيْهِ هَاهُنَا فَنَقُولُ : لَا إشْكَالَ فِي أَنَّ الْآيَةَ مُحْتَمَلَةٌ ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ فِيهَا الصَّحَابَةُ ؛ فَإِنْ أَرَدْنَا أَنْ نَعْلَمَ الْمُرَادَ مِنْهَا رَجَّحْنَا احْتِمَالَاتِهَا حَتَّى نَرَى الْفَضْلَ لِمَنْ هُوَ فِيهَا ؛ فَأَمَّا أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ فَظَهَرَ لَهُمْ أَنَّ الْعُبُورَ لَا يُمْكِنُ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ فَلَا بُدَّ مِنْ تَأْوِيلٍ ؛ وَأَحْسَنُهُ حَذْفُ الْمُضَافِ وَهُوَ الْمَوْضِعُ ، وَإِقَامَةُ الْمُضَافِ إلَيْهِ مَقَامَهُ ، وَهُوَ الصَّلَاةُ ؛ وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي اللُّغَةِ ، وَلَا يَحْتَاجُ بَعْدَ

ذَلِكَ إلَى حَذْفٍ كَثِيرٍ وَتَأْوِيلٍ طَوِيلٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ } .
قَالُوا : وَأَيْضًا فَإِنَّ مَا تَأَوَّلْتُمْ فِي قَوْلِهِ : { إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ } يُفْهَمُ مِنْ الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فِي قَوْلِهِ : { فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا } .
وَأَمَّا عُلَمَاؤُنَا فَقَالُوا : إنَّ أَوَّلَ مَا يُحْفَظُ سَبَبُ الْآيَةِ الَّتِي نَزَلَتْ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ ، وَتُحْفَظُ فَاتِحَتُهَا فَتُحْمَلُ عَلَى ظَاهِرِهَا ، حَتَّى نَرَى مَا يَرُدُّنَا عَنْهَا وَيَحْفَظُ لُغَتَهَا ، فَإِنَّهُ تَعَالَى قَالَ : لَا تَقْرَبُوهَا بِفَتْحِ الرَّاءِ ، وَذَلِكَ يَكُونُ فِي الْفِعْلِ لَا فِي الْمَكَانِ ، فَكَيْفَ يُضْمَرُ الْمَكَانُ وَيُوصَلُ بِغَيْرِ فِعْلِهِ ؟ هَذَا مُحَالٌ .
وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ أَنَّهُ قَالَ سُبْحَانَهُ : لَا تُصَلُّوا سُكَارَى وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ .
فَإِنْ قِيلَ : كَيْفَ يَكُونُ الْعُبُورُ فِي نَفْسِ الصَّلَاةِ ؟ قُلْنَا : بِأَنْ يَكُونَ مُسَافِرًا ، فَلَمْ يَجِدْ مَاءً فَيُصَلِّي حِينَئِذٍ بِالتَّيَمُّمِ جُنُبًا ، لِأَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ حَدَثَ الْجَنَابَةِ .
فَإِنْ قِيلَ : لَا يُسَمَّى الْمُسَافِرُ عَابِرِي سَبِيلٍ .
قُلْنَا : لَا نُسَلِّمُ ، بَلْ يُقَالُ لَهُ عَابِرُ سَبِيلٍ حَقِيقَةً وَاسْمًا ، وَالدُّنْيَا كُلُّهَا سَبِيلٌ تُعْبَرُ .
وَفِي الْآثَارِ : " الدُّنْيَا قَنْطَرَةٌ فَاعْبُرُوهَا وَلَا تَعْمُرُوهَا " .
وَقَدْ اتَّفَقُوا مَعَنَا عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ لَا يَرْفَعُ الْجَنَابَةَ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ مَا قُلْتُمْ يَفْتَقِرُ إلَى الْإِضْمَارِ الْكَثِيرِ .
قُلْنَا : إنَّمَا يُفْتَقَرُ إلَيْهِ فِي تَفْهِيمِ مَنْ لَا يَفْهَمُ مَثَلُكَ ، وَأَمَّا مَعَ مَنْ يَفْهَمُ فَالْحَالُ تُعْرِبُ عَنْ نَفْسِهَا كَمَا أَعْرَبَتْ الصَّحَابَةُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ هَذَا يُفْهَمُ مِنْ الْآيَةِ الَّتِي بَعْدَهَا فِي قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا } .
فَلَيْسَ يُفْهَمُ مِنْ هَذَا إلَّا جَوَازُ التَّيَمُّمِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ

؛ فَأَمَّا أَنْ يَكُونَ التَّيَمُّمُ لَا يَرْفَعُ الْحَدَثَ مَعَ إبَاحَةِ الصَّلَاةِ فَلَيْسَ يُفْهَمُ إلَّا مِنْ هَذَا الْمَوْضِعِ قَبْلَهُ ؛ وَهِيَ فَائِدَةٌ حَسَنَةٌ جِدًّا .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : ثَبَتَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ : { كَانَ رِجَالٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُصِيبُهُمْ الْجَنَابَةُ فَيَتَوَضَّئُونَ ، وَيَأْتُونَ الْمَسْجِدَ فَيَتَحَدَّثُونَ فِيهِ } ، وَرُبَّمَا اغْتَرَّ بِهَذَا جَاهِلٌ فَظَنَّ أَنَّ اللُّبْثَ لِلْجُنُبِ فِي الْمَسْجِدِ جَائِزٌ .
وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ فَإِنَّ كُلَّ مَوْضِعٍ وُضِعَ لِلْعِبَادَةِ وَأُكْرِمَ عَنْ النَّجَاسَةِ الظَّاهِرَةِ كَيْفَ يَدْخُلُهُ مَنْ لَا يَرْضَى لِتِلْكَ الْعِبَادَةِ ، و لَا يَصِحُّ لَهُ أَنْ يَتَلَبَّسَ بِهَا ؟ فَإِنْ قِيلَ : يَبْطُلُ بِالْحَدَثِ ، فَإِنَّهُ لَا يَحِلُّ فِعْلُ الصَّلَاةِ وَيَدْخُلُ الْمَسْجِدَ .
قُلْنَا : ذَلِكَ يَكْثُرُ وُقُوعُهُ ` فَيَشُقُّ الْوُضُوءُ لَهُ ، وَالشَّرِيعَةُ لَا حَرَجَ فِيهَا ، بِخِلَافِ الْغُسْلِ ، فَإِنَّهُ لَا مَشَقَّةَ فِي أَنْ يُمْنَعَ مِنْ الْمَسْجِدِ حَتَّى يَغْتَسِلَ ، لِأَنَّهَا تَقَعُ نَادِرًا بِالْإِضَافَةِ إلَى حَدَثِ الْوُضُوءِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا قِيَاسٌ ؟ قُلْنَا : نَعَمْ ؛ هُوَ قِيَاسٌ ؛ وَنَحْنُ إنَّمَا نَتَكَلَّمُ مَعَ أَصْحَابِ مُحَمَّدٍ الَّذِينَ يَرَوْنَهُ دَلِيلًا ؛ فَإِنْ وَجَدْنَا مُبْتَدِعًا يُنْكِرُهُ أَخَذْنَا مَعَهُ غَيْرَ هَذَا الْمَسْلَكِ كَمَا قَدْ رَأَيْتُمُونَا مِرَارًا نَفْعَلُهُ فَنَخْصِمُهُمْ وَنَبْهَتُهُمْ ؛ وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ { لَمْ يَكُنْ أَذِنَ لِأَحَدٍ أَنْ يَمُرَّ فِيهِ وَلَا يَجْلِسَ فِيهِ إلَّا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ } .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى تَغْتَسِلُوا } : وَهُوَ لَفْظٌ مَعْلُومٌ عِنْدَ الْعَرَبِ يُعَبِّرُونَ بِهِ عَنْ إمْرَارِ الْمَاءِ عَلَى الْمَغْسُولِ بِالْيَدِ حَتَّى يَزُولَ عَنْهُ مَا كَانَ مَنَعَ مِنْهُ ؛ عِبَادَةً أَوْ عَادَةً .
وَظَنَّ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ أَنَّ الْغُسْلَ عِبَارَةٌ عَنْ صَبِّ الْمَاءِ خَاصَّةً لَا سِيَّمَا وَقَدْ فَرَّقَتْ الْعَرَبُ بَيْنَ الْغُسْلِ بِالْمَاءِ وَالْغَمْسِ فِيهِ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِصَبِيٍّ لَمْ يَأْكُلْ الطَّعَامَ فَبَالَ عَلَى ثَوْبِهِ فَأَتْبَعَهُ بِمَاءٍ وَلَمْ يَغْسِلْهُ } .
وَهَذَا نَصٌّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : لَمَّا قَالَ : { حَتَّى تَغْتَسِلُوا } اقْتَضَى هَذَا عُمُومَ إمْرَارِ الْمَاءِ عَلَى الْبَدَنِ كُلِّهِ بِاتِّفَاقٍ ؛ وَهَذَا لَا يَتَأَتَّى إلَّا بِالدَّلْكِ ، وَأَعْجَبُ لِأَبِي الْفَرَجِ الَّذِي رَأَى وَحَكَى عَنْ صَاحِبِ الْمَذْهَبِ أَنَّ الْغُسْلَ دُونَ ذَلِكَ يُجْزِي ؛ وَمَا قَالَ مَالِكٌ قَطُّ نَصًّا وَلَا تَخْرِيجًا ، و إنَّمَا هِيَ مِنْ أَوْهَامِهِ ؛ فَإِنَّ اللَّفْظَ إذَا كَانَ غَرِيبًا لَمْ يَخْرُجْ عِنْدَ مَالِكٍ أَوْ كَانَ احْتِيَاطًا لَمْ يَعْدِلْ عَنْهُ ، وَلَوْ صَبَبْت عَلَى نَفْسِكَ الْمَاءَ كَثِيرًا مَا عَمَّ حَتَّى تَمْشِيَ يَدُكَ ؛ لِأَنَّ الْبَدَنَ بِمَا فِيهِ مِنْ دُهْنِيَّةٍ يَدْفَعُ الْمَاءَ عَنْ نَفْسِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : إذَا عَمَّ الْمَرْءُ نَفْسَهُ بِالْمَاءِ أَجْزَأَهُ إجْمَاعًا ، إلَّا أَنَّ الْأَفْضَلَ لَهُ أَنْ يَمْتَثِلَ فِعْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ مِنْ طُرُقٍ فِي دَوَاوِينَ صِحَاحٍ عَلَى السُّنَّةُ عُدُولٍ قَالُوا : رَوَتْ عَائِشَةُ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا اغْتَسَلَ مِنْ الْجَنَابَةِ بَدَأَ فَغَسَلَ يَدَيْهِ ، ثُمَّ يُفْرِغُ بِيَمِينِهِ عَلَى شِمَالِهِ فَيَغْسِلُ فَرْجَهُ ، ثُمَّ يَتَوَضَّأُ وُضُوءَهُ لِلصَّلَاةِ ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْمَاءَ فَيُدْخِلُ فِيهِ أَصَابِعَهُ وَفِي أُصُولِ الشَّعْرِ ، حَتَّى إذَا رَأَى أَنْ قَدْ أَرْوَى بَشَرَتَهُ حَفَنَ عَلَى

رَأْسِهِ ثَلَاثَ حَفَنَاتٍ ، ثُمَّ أَفَاضَ عَلَى سَائِرِ جَسَدِهِ ، ثُمَّ غَسَلَ رِجْلَيْهِ } .
وَفِي رِوَايَةِ مَيْمُونَةَ { ثُمَّ غَسَلَ جَسَدَهُ } .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { تَحْتَ كُلِّ شَعْرَةٍ جَنَابَةٌ ، فَاغْسِلُوا الشَّعْرَ ، وَأَنْقُوا الْبَشَرَةَ } .
قَالَ أَبُو دَاوُد : لَمْ أُدْخِلْ فِي كِتَابِي إلَّا الْحَدِيثَ الصَّحِيحَ ، أَوْ مَا يَقْرُبُ مِنْ الصَّحِيحِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { حَتَّى تَغْتَسِلُوا } وَفَهِمَ الْكُلُّ مِنْهُ عُمُومَ الْبَدَنِ بِالْمَاءِ وَالْغُسْلِ بَالَغَ قَوْمٌ مِنْهُمْ أَبُو حَنِيفَةَ فَقَالَ : إنَّ الْمَضْمَضَةَ وَالِاسْتِنْشَاقَ وَاجِبَانِ فِي غُسْلِ الْجَنَابَةِ ؛ لِأَنَّهُمَا مِنْ جُمْلَةِ الْوَجْهِ ، وَحُكْمُهُمَا حُكْمٌ ظَاهِرُ الْوَجْهِ بِدَلِيلِ غَسْلِهِمَا مِنْ النَّجَاسَةِ ، كَمَا يُغْسَلُ الْخَدُّ وَالْجَبِينُ ؛ وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ كَبِيرَةٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا مَا فِيهَا .
وَاللُّبَابُ مِنْهَا أَنَّ الْفَمَ وَالْأَنْفَ بَاطِنَانِ حَقِيقَةً وَحُكْمًا ؛ أَمَّا الْحَقِيقَةُ فَإِنَّكَ تُشَاهِدُ بُطُونَهُمَا فِي أَصْلِ الْخِلْقَةِ ؛ وَأَمَّا الْحُكْمُ فَمِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الصَّائِمَ إذَا بَلَعَ مَا اجْتَمَعَ مِنْ الرِّيقِ فِي فَمِهِ فَلَا يُفْطِرُ ، وَلَوْ ابْتَلَعَهُ مِنْ يَدِهِ لَأَفْطَرَ .
الثَّانِي : أَنَّهُمَا لَا يَجِبَانِ فِي غُسْلِ الْمَيِّتِ مَعَ أَنَّهُ يَعُمُّ جَمِيعَ الْبَدَنِ ، وَالْمَسْأَلَةُ هُنَاكَ مُسْتَوْفَاةٌ ، فَمَنْ أَرَادَهَا وَجَدَهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : إنَّ اسْمَ الْجَنَابَةِ بَاقٍ عَلَيْهِ حَتَّى يَغْتَسِلَ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمُ مُدَّةٍ إلَى غَايَةٍ هِيَ الِاغْتِسَالُ ، وَالْحُكْمُ الْمُعَلَّقُ بِالْغَايَةِ يَمْتَدُّ إلَى غَايَتِهِ ، وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { حَتَّى تَغْتَسِلُوا } : يَقْتَضِي النِّيَّةَ ، خِلَافًا لِمَا رَوَاهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ ، وَلِمَا ذَهَبَ إلَيْهِ الْأَوْزَاعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ مِنْ أَنَّ الطَّهَارَةَ لَا تَفْتَقِرُ إلَى نِيَّةٍ ؛ وَلَفْظُ " اغْتَسَلَ " يَقْتَضِي اكْتِسَابَ الْفِعْلِ ، وَلَا يَكُونُ مُكْتَسَبًا لَهُ إلَّا بِالْقَصْدِ إلَيْهِ حَقِيقَةً ، فَمَنْ أَخْرَجَهُ إلَى الْمَجَازِ فَعَلَيْهِ الْبَيِّنَةُ .
وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَاهَا فِي كُتُبِ الْخِلَافِ بِالْإِنْصَافِ وَالتَّلْخِيصِ ؛ أَعْظَمُهَا أَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ اُشْتُرِطَتْ فِيهَا النِّيَّةُ كَالصَّلَاةِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ الْوُضُوءَ عِبَادَةٌ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوُضُوءُ شَطْرُ الْإِيمَانِ } .
وَلَا يَكُونُ شَطْرُ الشَّيْءِ إلَّا مِنْ جِنْسِهِ .
قَالَ : وَالْوُضُوءُ نُورٌ عَلَى نُورٍ ، وَلَا تَسْتَنِيرُ الْجَوَارِحُ بِالْمُبَاحَاتِ ، وَإِنَّمَا تَسْتَنِيرُ بِالطَّاعَاتِ وَالْعِبَادَاتِ .
وَقَالَ : { إذَا تَوَضَّأَ الْعَبْدُ الْمُؤْمِنُ خَرَجَتْ خَطَايَاهُ } الْحَدِيثَ ، وَلَا يَنْفِي الْأَوْزَارَ إلَّا الْعِبَادَاتُ ، وَالْقُرْآنُ يَقْتَضِي وُجُوبَ النِّيَّةِ فِي الْوُضُوءِ فِي آيَةِ الْمَائِدَةِ عَلَى مَا سَتَرَوْنَهُ مَشْرُوحًا إنْ شَاءَ اللَّهُ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى } : الْمَرَضُ عِبَارَةٌ عَنْ خُرُوجِ الْبَدَنِ عَنْ الِاعْتِدَالِ وَالِاعْتِيَادِ إلَى الِاعْوِجَاجِ وَالشُّذُوذِ ؛ وَهُوَ عَلَى ضَرْبَيْنِ : يَسِيرٌ وَكَثِيرٌ ، وَقَدْ يَخَافُ الْمَرِيضُ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ ، وَقَدْ يَعْدَمُ مَنْ يُنَاوِلُهُ إيَّاهُ وَهُوَ يَعْجِزُ عَنْ تَنَاوُلِهِ ، وَمُطْلَقُ اللَّفْظِ يُبِيحُ التَّيَمُّمَ لِكُلِّ مَرِيضٍ إذَا خَافَ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ وَتَأَذِّيهِ بِالْمَاءِ وَرُوِيَ عَنْ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قَالَ : يُبَاحُ التَّيَمُّمُ لِلْمَرِيضِ إذَا خَافَ التَّلَفَ ؛ وَنَظَرَ إلَى أَنَّ زِيَادَةَ الْمَرَضِ غَيْرُ مُتَحَقِّقَةٍ ، لِأَنَّهَا قَدْ تَكُونُ وَقَدْ لَا تَكُونُ ، وَلَا يَجُوزُ تَرْكُ الْفَرْضِ الْمُتَيَقَّنِ لِلْخَوْفِ الْمَشْكُوكِ فِيهِ .
قُلْنَا : ظَاهِرُ الْآيَةِ يَجُوزُ لَهُ التَّيَمُّمُ ؛ فَلَيْسَ لَكَ فِي هَذَا الْقَوْلِ أَصْلٌ تَرُدُّ إلَيْهِ كَلَامَكَ ؛ بَلْ قَدْ نَاقَضْت ؛ فَإِنَّكَ قُلْت : إذَا خَافَ التَّلَفَ مِنْ الْبَرْدِ يَتَيَمَّمُ ، فَكَمَا يُبِيحُ التَّيَمُّمَ خَوْفُ التَّلَفِ كَذَلِكَ يُبِيحُهُ لَهُ خَوْفُ الْمَرَضِ ؛ فَإِنَّ الْمَرَضَ مَحْذُورٌ ، كَمَا أَنَّ التَّلَفَ مَحْذُورٌ ، وَكَذَلِكَ يَقُولُ : إذَا خَافَ الْمَرِيضُ مِنْ الْبَرْدِ يَتَيَمَّمُ فَكَيْفَ بِزِيَادَةِ الْمَرَضِ .
، وَقَدْ رَوَى { جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : خَرَجْنَا فِي سَفَرٍ فَأَصَابَ رَجُلًا مِنَّا حَجَرٌ فِي رَأْسِهِ فَشَجَّهُ ثُمَّ احْتَلَمَ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : هَلْ تَجِدُونَ لِي رُخْصَةً فِي التَّيَمُّمِ ؟ فَقَالُوا : مَا نَجِدُ لَكَ رُخْصَةً وَأَنْتَ تَقْدِرُ عَلَى الْمَاءِ ؛ فَاغْتَسَلَ ، فَمَاتَ ؛ فَلَمَّا قَدِمْنَا عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُخْبِرَ بِذَلِكَ ، فَقَالَ : قَتَلُوهُ ، قَتَلَهُمْ اللَّهُ .
أَلَا سَأَلُوا إذَا لَمْ يَعْلَمُوا ، فَإِنَّمَا شِفَاءُ الْعِيِّ السُّؤَالُ ؛ إنَّمَا كَانَ يَكْفِيهِ أَنْ يَتَيَمَّمَ ، أَوْ يَعْصِبَ عَلَى جُرْحِهِ خِرْقَةً ثُمَّ يَمْسَحَ عَلَيْهَا وَيَغْسِلَ سَائِرَ جَسَدِهِ } .
خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ .
وَعَجَبًا لِلشَّافِعِيِّ يَقُولُ : لَوْ زَادَ الْمَاءُ عَلَى

قِيمَتِهِ حَبَّةً لَمْ يَلْزَمْ شِرَاؤُهُ صِيَانَةً لِلْمَالِ ؛ وَيَلْزَمُهُ التَّيَمُّمُ ، وَهُوَ يَخَافُ عَلَى بَدَنِهِ الْمَرَضَ ، وَلَيْسَ لَهُمْ عَلَيْهِ كَلَامٌ يُسَاوِي سَمَاعَهُ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ عَلَى سَفَرٍ } : رُوِيَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَصَابَتْهُمْ جِرَاحَةٌ فَفَشَتْ فِيهِمْ ، ثُمَّ اُبْتُلُوا بِالْجَنَابَةِ فَشَكَوْا ذَلِكَ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ .
{ وَقَالَتْ عَائِشَةُ : كُنْت فِي مَسِيرٍ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إذَا كُنْت بِذَاتِ الْجَيْشِ ضَلَّ عِقْدٌ لِي } الْحَدِيثَ إلَى آخِرِهِ .
قَالَ : فَنَزَلَتْ آيَةُ التَّيَمُّمِ ، وَهِيَ مُعْضِلَةٌ مَا وَجَدْت لِدَائِهَا مِنْ دَوَاءٍ عِنْدَ أَحَدٍ ، هُمَا آيَتَانِ فِيهِمَا ذِكْرُ التَّيَمُّمِ : إحْدَاهُمَا فِي النِّسَاءِ ، وَالْأُخْرَى فِي الْمَائِدَةِ ، فَلَا نَعْلَمُ أَيَّةَ آيَةٍ عَنَتْ عَائِشَةُ .
وَآيَةُ التَّيَمُّمِ الْمَذْكُورَةِ فِي حَدِيثِ عَائِشَةَ النَّازِلَةِ عِنْدَ فَقْدِ الْعَقْدِ كَانَتْ فِي غَزْوَةِ الْمُرَيْسِيعِ قَالَ خَلِيفَةُ بْنُ خَيَّاطٍ ، سَنَةَ سِتٍّ مِنْ الْهِجْرَةِ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : سَنَةَ خَمْسٍ ، وَلَيْسَ بِصَحِيحٍ .
وَحَدِيثُهَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ التَّيَمُّمَ قَبْلَ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مَعْلُومًا وَلَا مَفْعُولًا لَهُمْ .
فَاَللَّهُ أَعْلَمُ كَيْفَ كَانَتْ حَالُ مَنْ عَدِمَ الْمَاءَ ، وَحَانَتْ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ .
فَإِحْدَى الْآيَتَيْنِ مُبَيِّنَةٌ وَالْأُخْرَى زَائِدَةٌ عَلَيْهَا ، وَإِحْدَاهُمَا سَفَرِيَّةٌ وَالْأُخْرَى حَضَرِيَّةٌ ، وَلَمَّا كَانَ أَمْرًا لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ حُكْمٌ خَبَّأَهُ اللَّهُ وَلَمْ يَتَيَسَّرْ بَيَانُهُ عَلَى يَدَيْ أَحَدٍ ، وَلَقَدْ عَجِبْت مِنْ الْبُخَارِيِّ بَوَّبَ فِي كِتَابِ التَّفْسِيرِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ عَلَى الْآيَةِ الَّتِي ذَكَرَ فِيهَا التَّيَمُّمَ ، وَأَدْخَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ فَقَالَ : وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ .
وَبَوَّبَ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ فَقَالَ : بَابُ " فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً " وَأَدْخَلَ حَدِيثَ عَائِشَةَ بِعَيْنِهِ ، وَإِنَّمَا أَرَادَ أَنْ يَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْآيَتَيْنِ تَحْتَمِلُ كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهُمَا قِصَّةَ عَائِشَةَ ، وَأَرَادَ فَائِدَةً أَشَارَ إلَيْهَا هِيَ أَنَّ قَوْلَهُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ

وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا } إلَى هَذَا الْحَدِّ نَزَلَ فِي قِصَّةِ عَلِيٍّ ، وَأَنَّ مَا وَرَاءَهَا قِصَّةٌ أُخْرَى وَحُكْمٌ آخَرُ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهَا شَيْءٌ مِنْهُ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ فِي وَقْتٍ آخَرَ قُرِنَتْ بِهَا .
وَاَلَّذِي يَقْتَضِيهِ هَذَا الظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ آيَةَ الْوُضُوءِ يُذْكَرُ التَّيَمُّمُ فِيهَا فِي الْمَائِدَةِ ، وَهِيَ النَّازِلَةُ فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ ، وَكَانَ الْوُضُوءُ مَفْعُولًا غَيْرَ مَتْلُوٍّ ، فَكَمُلَ ذِكْرُهُ وَعَقَّبَ بِذِكْرِ بَدَلِهِ وَاسْتُوْفِيَتْ النَّوَاقِضُ فِيهِ ، ثُمَّ أُعِيدَتْ مِنْ قَوْلِهِ : { وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى } إلَى آخِرِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ مُرَكَّبَةً عَلَى قَوْله تَعَالَى : { وَلَا جُنُبًا إلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا } حَتَّى تَكْمُلَ تِلْكَ الْآيَةُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ جَاءَ بِأَعْيَانِ مَسَائِلِهَا كَمَالُ هَذِهِ ، وَيَتَكَرَّرُ الْبَيَانُ ، وَلَيْسَ لَهَا نَظِيرٌ فِي الْقُرْآنِ .
وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى أَنَّ آيَةَ عَائِشَةَ هِيَ آيَةُ الْمَائِدَةِ أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ بِالْمَدِينَةِ اتَّفَقُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ } يَعْنِي مِنْ النَّوْمِ ، وَكَانَ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ قَوْله تَعَالَى : { أَوْ عَلَى سَفَرٍ } هَاهُنَا خِلَافُ قَوْلِهِ : { أَوْ عَلَى سَفَرٍ } فِي الصِّيَامِ ؛ لِأَنَّ السَّفَرَ هُنَاكَ شَرْطٌ فِي الْإِفْطَارِ ، فَاعْتَبَرْنَاهُ وَتَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ ، وَحَدَّدْنَاهُ ، فَأَمَّا هَاهُنَا فَإِنَّ التَّيَمُّمَ فِي حَالَةِ الْحَضَرِ جَائِزٌ ، وَإِنَّمَا نَصَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى السَّفَرِ ، لِأَنَّهُ الْغَالِبُ مِنْ عَدَمِ الْمَاءِ ؛ فَأَمَّا عَدَمُ الْمَاءِ فِي الْحَضَرِ فَنَادِرٌ ؛ فَإِنْ وَقَعَ فَالتَّيَمُّمُ جَائِزٌ عِنْدَ عُلَمَائِنَا وَالشَّافِعِيَّةِ .
وَفِي الْمُدَوَّنَةِ : يُعِيدُ إذَا وَجَدَ الْمَاءَ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ حَيْثُ وَقَعَ اتِّهَامٌ لَهُ بِالتَّقْصِيرِ كَمَا اسْتَقْصَرَ فِيمَا إذَا نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ وَتَيَمَّمَ ، وَالنَّاسُ لَا خِطَابَ عَلَيْهِمْ إجْمَاعًا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَتَيَمَّمُ فِي الْحَضَرِ إلَّا مَرِيضٌ أَوْ مَحْبُوسٌ ، يُقَالُ لَهُ ، أَوْ طَلِيقٌ طَلَبَ الْمَاءَ فَلَمْ يَجِدْهُ حَتَّى خَافَ خُرُوجَ الْوَقْتِ فَإِنَّهُ يَتَيَمَّمُ ؛ لِأَنَّ مَعْنَى الْمَرَضِ وَالْحَبْسِ عِنْدَهُ هُوَ عَدَمُ الْمَقْدِرَةِ ، عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ شَرِيفًا بَدِيعًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَفِي الصَّحِيحِ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَلَّمَ عَلَيْهِ رَجُلٌ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ حَتَّى تَيَمَّمَ فِي الْحَائِطِ } .
وَهَذَا نَصٌّ فِي التَّيَمُّمِ فِي الْحَضَرِ .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ } : وَهُوَ الْمُطْمَئِنُّ مِنْ الْأَرْضِ ، كَانُوا إذَا أَرَادُوا قَضَاءَ الْحَاجَةِ أَتَوْهُ رَغْبَةً فِي التَّسَتُّرِ ، فَكُنِيَ بِهِ عَمَّا يَخْرُجُ مِنْ السَّبِيلَيْنِ ، وَشُرِطَ الْوُضُوءُ بِهِ شَرْعًا وَكَأَنَّ مَعْنَى ذَلِكَ : أَوْ كُنْتُمْ مُحْدِثِينَ حَدَثًا مُعْتَادًا ، ضُرِبَ لَهُمْ بِهِ الْمِثْلُ ، وَصَارَ تَقْدِيرُ الْآيَةِ : وَإِلَّا إذَا كُنْتُمْ جُنُبًا أَوْ مُحْدِثِينَ حَتَّى تَغْتَسِلُوا ، وَلِكُلِّ شَيْءٍ بَيَانُ صِفَةِ غُسْلِهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ الْخَارِجَ إذَا كَانَ عَلَى غَيْرِ الْمُعْتَادِ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ نَقْضُ الْوُضُوءِ وَصَارَ دَاءً ، و الدَّلِيلُ عَلَيْهِ سُقُوطُ اعْتِبَارِ دَمِ الْمُسْتَحَاضَةِ لِأَجْلِ أَنَّهُ دَمُ عِلَّةٍ ، وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ بِتَفْصِيلِهِ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ } : فِيهَا خِلَافٌ كَثِيرٌ ، وَأَقْوَالٌ مُتَعَدِّدَةٌ لِلْعُلَمَاءِ ، وَمُتَعَلِّقَاتٌ مُخْتَلِفَاتٌ ، وَهِيَ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ الطَّوِيلَةِ ؛ وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا مَا فِيهِ بِطُرُقِهِ الْبَدِيعَةِ ، وَخُذُوا الْآنَ مَعْنًى قُرْآنِيًّا بَدِيعًا ؛ وَذَلِكَ أَنَّا نَقُولُ : حَقِيقَةُ اللَّمْسِ إلْصَاقُ الْجَارِحَةِ بِالشَّيْءِ ، وَهُوَ عُرِفَ فِي الْيَدِ ؛ لِأَنَّهَا آلَتُهُ الْغَالِبَةُ ؛ وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ كِنَايَةً عَنْ الْجِمَاعِ .
وَقَدْ قَالَتْ طَائِفَةٌ : اللَّمْسُ هُنَا الْجِمَاعُ .
وَقَالَتْ أُخْرَى : هُوَ اللَّمْسُ الْمُطْلَقُ لُغَةً أَوْ شَرْعًا ؛ فَأَمَّا اللُّغَةُ فَقَدْ قَالَ الْمُبَرِّدُ : لَمَسْتُمْ : وَطِئْتُمْ ، وَلَامَسْتُمْ : قَبَّلْتُمْ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ إلَّا مِنْ اثْنَيْنِ ، وَاَلَّذِي يَكُونُ بِقَصْدٍ وَفِعْلٍ مِنْ الْمَرْأَةِ هُوَ التَّقْبِيلُ ، فَأَمَّا الْوَطْءُ فَلَا عَمَلَ لَهَا فِيهِ .
قَالَ أَبُو عَمْرٍو : الْمُلَامَسَةُ الْجِمَاعُ ، وَاللَّمْسُ لِسَائِرِ الْجَسَدِ ، وَهَذَا كُلُّهُ اسْتِقْرَاءٌ لَا نَقْلَ فِيهِ عَنْ الْعَرَبِ .
وَحَقِيقَةُ النَّقْلِ أَنَّهُ كُلَّهُ سَوَاءٌ ؛ ( وَإِنْ لَمَسْتُمْ ) مُحْتَمِلٌ لِلْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا ، كَقَوْلِهِ : لَامَسْتُمْ ، وَلِذَلِكَ لَا يُشْتَرَطُ لِفِعْلِ الرَّجُلِ شَيْءٌ مِنْ الْمَرْأَةِ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَيِيٌّ كَرِيمٌ يَعِفُّ : كَنَّى بِاللَّمْسِ عَنْ الْجِمَاعِ .
وَقَالَ ابْنُ عُمَرَ : قُبْلَةُ الرَّجُلِ امْرَأَتَهُ وَجَسُّهَا بِيَدِهِ مِنْ الْمُلَامَسَةِ ، وَكَذَلِكَ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ ، وَهُوَ كُوفِيٌّ ، فَمَا بَالُ أَبِي حَنِيفَةَ خَالَفَهُ ، وَلَوْ كَانَ مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ لَجَعَلْنَا لِكُلِّ قِرَاءَةٍ حُكْمَهَا ، وَجَعَلْنَاهُمَا بِمَنْزِلَةِ الْآيَتَيْنِ ، وَلَمْ يَتَنَاقَضْ ذَلِكَ وَلَا تَعَارَضَ ؛ وَهَذَا تَمْهِيدُ الْمَسْأَلَةِ .
وَيُكْمِلُهُ وَيُؤَكِّدُهُ وَيُوَضِّحُهُ أَنَّ قَوْلَهُ : { وَلَا جُنُبًا } أَفَادَ الْجِمَاعَ ، وَأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ } أَفَادَ الْحَدَثَ

، وَأَنَّ قَوْلَهُ : { أَوْ لَامَسْتُمْ } أَفَادَ اللَّمْسَ وَالْقُبَلَ ؛ فَصَارَتْ ثَلَاثَ جُمَلٍ لِثَلَاثَةِ أَحْكَامٍ ، وَهَذَا غَايَةٌ فِي الْعِلْمِ وَالْإِعْلَامِ ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ بِاللَّمْسِ الْجِمَاعَ لَكَانَ تَكْرَارًا ، وَكَلَامُ الْحَكِيمِ يَتَنَزَّهُ عَنْهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
فَإِنْ قِيلَ : ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْجَنَابَةَ وَلَمْ يَذْكُرْ سَبَبَهَا ، فَلَمَّا ذَكَرَ سَبَبَ الْحَدَثِ وَهُوَ الْمَجِيءُ مِنْ الْغَائِطِ ذَكَرَ سَبَبَ الْجَنَابَةِ ، وَهُوَ الْمُلَامَسَةُ لِلْجِمَاعِ ؛ لِيُفِيدَ أَيْضًا بَيَانَ حُكْمِ الْحَدَثِ وَالْجَنَابَةِ عِنْدَ عَدَمِ الْمَاءِ ، كَمَا أَفَادَ بَيَانَ حُكْمِهَا عِنْدَ وُجُودِ الْمَاءِ .
قُلْنَا : لَا يَمْنَعُ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الْجِمَاعِ وَاللَّمْسِ ، وَيُفِيدُ الْحُكْمَيْنِ ، وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : رَاعَى مَالِكٌ فِي اللَّمْسِ الْقَصْدَ ، وَجَعَلَهُ الشَّافِعِيُّ نَاقِضًا لِلطَّهَارَةِ بِصُورَتِهِ كَسَائِرِ النَّوَاقِضِ ، وَهُوَ الْأَصْلُ ؛ وَاَلَّذِي يَدَّعِي انْضِمَامَ الْقَصْدِ إلَى اللَّمْسِ فِي اعْتِبَارِ الْحُكْمِ هُوَ الَّذِي يَلْزَمُهُ الدَّلِيلُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَنْزَلَ اللَّمْسَ الْمُفْضِي إلَى خُرُوجِ الْمَذْي مَنْزِلَةَ الْتِقَاءِ الْخِتَانَيْنِ الْمُفْضِي إلَى خُرُوجِ الْمَنِيِّ .
فَأَمَّا اللَّمْسُ الْمُطْلَقُ فَلَا مَعْنَى لَهُ ، وَذَلِكَ مُقَرَّرٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { النِّسَاءَ } : وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ امْرَأَةٍ بِحَلَالٍ أَوْ حَرَامٍ كَالْجَنَابَةِ ، حَتَّى قَالَ الشَّافِعِيُّ : إنَّهُ لَوْ لَمَسَ صَغِيرَةً يُنْتَقَضُ طُهْرُهُ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ .
وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ فَإِنَّ لَمْسَ الصَّغِيرَةِ كَلَمْسِ الْحَائِضِ .
وَاخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ لِأَجْلِ أَنَّهُ لَا يَعْتَبِرُ اللَّذَّةَ ، وَإِنْ أَخْرَجَ ذَوَاتَ الْمَحَارِمِ عَنْهَا فَقَدْ اُنْتُقِضَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مَذْهَبِهِ فِي ذَلِكَ .
وَنَحْنُ اعْتَبَرْنَا اللَّذَّةَ ، فَحَيْثُ وُجِدَتْ وُجِدَ حُكْمُهَا ، وَهُوَ وُجُوبُ الْوُضُوءِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : يَدْخُلُ فِي حُكْمِ اللَّمْسِ الرِّجَالُ وَالنِّسَاءِ كَمَا دَخَلُوا فِي قَوْلِهِ : { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا } سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّهُ لَا اعْتِبَارَ عِنْدَنَا بِالِاسْمِ ، وَإِنَّمَا الِاعْتِبَارُ بِالْمَعْنَى ؛ وَذَلِكَ بَيِّنٌ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } : لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ اغْتَسِلُوا وَاطَّهَّرُوا اقْتَضَى ذَلِكَ الْمَاءَ اقْتِضَاءً قَطْعِيًّا ، إذْ هُوَ الْغَاسُولُ وَالطَّهُورُ ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً ، فَصَرَّحَ بِالْمُقْتَضِي ، وَكَانَ عِنْدَهُ سَوَاءٌ التَّصْرِيحُ وَالِاقْتِضَاءُ ؛ وَهَذَا فِي اللُّغَةِ كَثِيرٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } : قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحْمَةُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ : فَائِدَةُ الْوُجُودِ الِاسْتِعْمَالُ وَالِانْتِقَاعُ بِالْقُدْرَةِ عَلَيْهِمَا ، فَمَعْنَى قَوْلِهِ : { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً } ، فَلَمْ تَقْدِرُوا ؛ لِيَتَضَمَّنَ ذَلِكَ الْوُجُوهَ الْمُتَقَدِّمَةَ الْمَذْكُورَةَ فِيهَا ، وَهِيَ الْمَرَضُ وَالسَّفَرُ ؛ فَإِنَّ الْمَرِيضَ وَاجِدٌ لِلْمَاءِ صُورَةً ، وَلَكِنَّهُ لَمَّا لَمْ يَتَمَكَّنْ مِنْ اسْتِعْمَالِهِ لِضَرُورَةٍ صَارَ مَعْدُومًا حُكْمًا ؛ فَالْمَعْنَى الَّذِي يَجْمَعُ نَشْرَ الْكَلَامِ ( فَلَمْ تَقْدِرُوا عَلَى اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ ) .
وَهَذَا يَعُمُّ الْمَرَضَ وَالصِّحَّةَ إذَا إذَا خَافَ مِنْ أَخْذِ الْمَاءِ لِصًّا أَوْ سَبُعًا ، وَيَجْمَعُ الْحَضَرَ وَالسَّفَرَ ؛ وَهَذَا هُوَ الْعِلْمُ الصَّرِيحُ ، وَالْفِقْهُ الصَّحِيحُ ، وَالْأَصْوَبُ بِالتَّصْحِيحِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّهُ لَوْ وَجَدَهُ بِزَائِدٍ عَلَى قِيمَتِهِ جَعَلَهُ مَعْدُومًا حُكْمًا ، وَقِيلَ لَهُ تَيَمَّمْ .
وَيَتَبَيَّنُ أَنَّ الْمُرَادَ الْوُجُودُ الْحُكْمِيُّ ، لَيْسَ الْوُجُودَ الْحِسِّيَّ .

وَعَلَى هَذَا قُلْنَا : إنَّ مَنْ وَجَدَ الْمَاءَ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ ، إنَّهُ يَتَمَادَى وَلَا يَقْطَعُ الصَّلَاةَ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ حَيْثُ يَقُولُ : يَبْطُلُ تَيَمُّمُهُ ؛ لِأَنَّ الْوُجُودَ لِعَيْنِهِ لَا يُبْطِلُ التَّيَمُّمَ ، كَمَا لَوْ رَأَى الْمَاءَ وَعَلَيْهِ لِصٌّ أَوْ سَبُعٌ ، أَوْ رَآهُ بِأَكْثَرَ مِنْ قِيمَتِهِ لَمْ يَبْطُلْ تَيَمُّمُهُ ، وَإِنَّمَا يَبْطُلُ التَّيَمُّمُ بِوُجُودِ مَقْرُونٍ بِالْقُدْرَةِ ؛ وَإِذَا كَانَ فِي الصَّلَاةِ فَلَا قُدْرَةَ لَهُ إلَّا بَعْدَ إبْطَالِهَا ، وَلَا تَبْطُلُ إلَّا بَعْدَ اقْتِرَانِ الْقُدْرَةِ بِالْمَاءِ ، فَلَا بُطْلَانَ لَهَا ؛ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ دَوْرِيَّةٌ ، وَقَدْ حَقَّقْنَاهَا فِي " كِتَابِ التَّلْخِيصِ " فَلْتُنْظَرْ فِيهِ ؛ وَعَلَى هَذَا تَنْبَنِي مَسْأَلَةٌ ؛ هِيَ إذَا نَسِيَ الْمَاءَ فِي رَحْلِهِ ، وَقَدْ اجْتَهَدَ فِي طَلَبِهِ ، فَإِنَّ النَّاسِيَ لَا يُعَدُّ وَاجِدًا وَلَا يُخَاطَبُ فِي حَالِ نِسْيَانِهِ ؛ فَلِذَلِكَ قُلْنَا فِي أَصَحِّ الْأَقْوَالِ : إنَّهُ يُجْزِئُهُ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { مَاءً } : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هَذَا نَفْيٌ فِي نَكِرَةٍ ، وَهُوَ يَعُمُّ لُغَةً ؛ فَيَكُونُ مُفِيدًا جَوَازَ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ وَغَيْرِ الْمُتَغَيِّرِ ؛ لِانْطِلَاقِ اسْمِ الْمَاءِ عَلَيْهِ .
قُلْنَا : اسْتَنْوَقَ الْجَمَلُ ، الْآنَ يَسْتَدِلُّ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ بِاللُّغَاتِ ، وَيَقُولُونَ عَلَى أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ ، وَهُمْ يَنْبِذُونَهَا فِي أَكْثَرِ الْمَسَائِلِ بِالْعَرَاءِ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ النَّفْيَ فِي النَّكِرَةِ يَعُمُّ كَمَا قُلْتُمْ ، وَلَكِنْ فِي الْجِنْسِ ؛ فَهُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ مَا كَانَ مِنْ سَمَاءٍ أَوْ بِئْرٍ أَوْ عَيْنٍ أَوْ نَهْرٍ أَوْ بَحْرٍ عَذْبٍ أَوْ مِلْحٍ ؛ فَأَمَّا غَيْرُ الْجِنْسِ فَهُوَ الْمُتَغَيِّرُ ، فَلَا يَدْخُلُ فِيهِ ، كَمَا لَمْ يَدْخُلْ فِيهِ مَاءُ الْبَاقِلَاءِ .
وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي الْكَلَامِ عَلَى مَنْعِ الْوُضُوءِ بِالْمَاءِ الْمُتَغَيِّرِ بِالزَّعْفَرَانِ فِي " كِتَابِ التَّلْخِيصِ " .
وَمِنْ هَاهُنَا وَهَمَ الشَّافِعِيُّ فِي قَوْلِهِ : إنَّهُ إذَا وَجَدَ مِنْ الْمَاءِ مَا لَا يَكْفِيهِ لِأَعْضَاءِ الْوُضُوءِ كُلِّهَا أَنَّهُ يَسْتَعْمِلُهُ فِيمَا كَفَاهُ وَيَتَيَمَّمُ لِبَاقِيهِ ؛ فَخَالَفَ مُقْتَضَى اللُّغَةِ وَأُصُولِ الشَّرِيعَةِ .
أَمَّا مُقْتَضَى اللُّغَةِ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ : { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } وَأَرَادَ فِي جَمِيعِ الْبَدَنِ ، ثُمَّ قَالَ { فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا } فَاقْتَضَى ذَلِكَ الْمَاءَ الَّذِي يَقُومُ لَهُ بِحَقِّ مَا تَقَدَّمَ الْأَمْرُ فِيهِ وَالتَّكْلِيفُ لَهُ ؛ فَإِنْ آخِرَ الْكَلَامِ مُرْتَبِطٌ بِأَوَّلِهِ .
وَأَمَّا مُخَالَفَتُهُ لِلْأُصُولِ فَلَيْسَ فِي الشَّرِيعَةِ مَوْضِعٌ يُجْمَعُ فِيهِ بَيْنَ الْأَصْلِ وَالْبَدَلِ ، وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَبِهَذَا تَعَلَّقَ الْأَئِمَّةُ فِي الْوُضُوءِ بِمَاءِ الْبَحْرِ ، و هِيَ : الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَالَ ابْنُ

عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : إنَّهُ لَا يَجُوزُ الْوُضُوءُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَاءُ النَّارِ أَوْ لِأَنَّهُ طِينُ جَهَنَّمَ ، وَكَأَنَّهُمْ يُشِيرُونَ إلَى أَنَّهُ مَاءُ عَذَابٍ فَلَا يَكُونُ مَاءَ قُرْبَةٍ .
وَقَدْ { مَنَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ نَزَلُوا بِهِ بِدِيَارِ ثَمُودَ أَلَّا يُشْرَبَ وَلَا يُتَوَضَّأَ مِنْ آبَارِهِمْ إلَّا مِنْ بِئْرِ النَّاقَةِ ، وَأَوْقَفَهُمْ عَلَيْهِ } ؛ وَهِيَ إحْدَى مُعْجِزَاتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قُلْنَا : قَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَاءِ الْبَحْرِ : { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ مَاءَ الْبَحْرِ هُوَ طَهُورُ الْمَلَائِكَةِ ، إذَا نَزَلُوا تَوَضَّئُوا ، وَإِذَا صَعِدُوا تَوَضَّئُوا ، فَيُقَابَلُ حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ بِحَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَيَبْقَى لَنَا مُطْلَقُ الْآيَةِ ، وَحَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .

الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ ثَلَاثِينَ : قَوْله تَعَالَى : { فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا } : مَعْنَاهُ فَاقْصِدُوا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّهُ قَرَأَهَا فَائْتَمُّوا ، وَالْأُولَى أَفْصَحُ وَأَمْلَحُ ؛ فَإِنَّ " اقْصِدُوا " أَمْلَحُ مِنْ اتَّخِذُوهُ إمَامًا ، وَمِنْ هَاهُنَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَلْزَمُ النِّيَّةُ فِي التَّيَمُّمِ ؛ لِأَنَّهُ الْقَصْدُ لَفْظًا وَمَعْنًى .
قُلْنَا : لَيْسَ الْقَصْدُ إلَيْهِ لِلِاسْتِعْمَالِ بَدَلَ الْمَاءِ هُوَ النِّيَّةُ ، إنَّمَا مَعْنَاهُ اجْعَلُوهُ بَدَلًا ، فَأَمَّا قَصْدُ التَّقَرُّبِ فَهُوَ غَيْرُهُ .
جَوَابٌ آخَرُ : وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ : { فَتَيَمَّمُوا } إنْ كَانَ يَقْتَضِي بِلَفْظِهِ النِّيَّةَ فَقَوْلُهُ : تَطَهَّرُوا وَاغْتَسِلُوا يَقْتَضِي بِلَفْظِهِ النِّيَّةَ ، كَمَا تَقَدَّمَ .
فَإِنْ قِيلَ : الْمَاءُ مُطَهِّرٌ بِنَفْسِهِ ، فَلَمْ يُفْتَقَرْ إلَى قَصْدٍ إذَا وُجِدَتْ النَّظَافَةُ بِهِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَتْ .
قُلْنَا : وَكَذَلِكَ التُّرَابُ مُلَوَّثٌ بِنَفْسِهِ ، فَلَمْ يُفْتَقَرْ إلَى قَصْدٍ إذَا وُجِدَ التَّلَوُّثُ بِهِ .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { صَعِيدًا } : فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : وَجْهُ الْأَرْضِ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ .
الثَّانِي : الْأَرْضُ الْمُسْتَوِيَةُ ؛ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .
الثَّالِثُ : الْأَرْضُ الْمَلْسَاءُ .
الرَّابِعُ : التُّرَابُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
وَاخْتَارَهُ الشَّافِعِيُّ .
وَاَلَّذِي يُعَضِّدُهُ الِاشْتِقَاقُ وَهُوَ صَرِيحُ اللُّغَةِ أَنَّهُ وَجْهُ الْأَرْضِ عَلَى أَيِّ وَجْهٍ كَانَ مِنْ رَمْلٍ أَوْ حَجَرٍ أَوْ مَدَرٍ أَوْ تُرَابٍ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْلُهُ : { طَيِّبًا } : قِيلَ : إنَّهُ مُنْبِتٌ ، وَعُزِيَ إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَاخْتَارَهُ الشَّافِعِيُّ ، وَعَضَّدَهُ بِالْمَعْنَى فَقَالَ : إنَّهُ يَنْتَقِلُ مِنْ الْمَاءِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْإِحْيَاءِ إلَى التُّرَابِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْإِنْبَاتِ .
وَقِيلَ : إنَّهُ النَّظِيفُ .
وَقِيلَ : إنَّهُ الْحَلَالُ .
وَقِيلَ : هُوَ الطَّاهِرُ ؛ فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ أَصَحُّهَا الطَّاهِرُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : إذَا تَيَمَّمَ عَلَى بُقْعَةٍ نَجِسَةٍ جَاهِلًا أَعَادَ فِي الْوَقْتِ ، وَلَوْ تَوَضَّأَ بِمَاءٍ نَجِسٍ أَعَادَ أَبَدًا .
قُلْنَا : هُمَا عِنْدَنَا سَوَاءٌ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ الَّذِي نَنْصُرُهُ الْآنَ ، وَكَلَامُ الْقَوْلِ الثَّانِي فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ .
فَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ : إنَّهُ نَقَلَ مِنْ أَصْلِ الْإِحْيَاءِ إلَى أَصْلِ الْإِنْبَاتِ فَهُوَ دَعْوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا ؛ عَلَى أَنَّا نَقُولُ : نَقَلَنَا مِنْ الْمَاءِ إلَى الْأَرْضِ ، وَمِنْهَا خَلَقَنَا .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَامْسَحُوا } : وَالْمَسْحُ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ جَرِّ الْيَدِ عَلَى الْمَمْسُوحِ خَاصَّةً ، فَإِنْ كَانَ بِآلَةٍ فَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ نَقْلِ الْآلَةِ إلَى الْيَدِ وَجَرِّهَا عَلَى الْمَمْسُوحِ بِخِلَافِ الْغُسْلِ ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : وَالْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : شَرْحُ الْوَجْهِ وَالْيَدِ : وَالسَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : دُخُولُ الْبَاءِ عَلَى الْوَجْهِ : وَالسَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : سُقُوطُ قَوْلِهِ { مِنْهُ } هَاهُنَا وَثُبُوتُهَا فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ كُلِّهِ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ : دُخُولُ الْعَفْوِ وَالْغُفْرَانِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَحْكَامِ وَانْتِظَامِهَا بِهِمَا .
وَوَجْهُ ذَلِكَ أَنَّ عَفْوَ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى إسْقَاطُهُ لِحُقُوقِهِ أَوْ بَذْلُهُ لِفَضْلِهِ ، وَمَغْفِرَتُهُ سَتْرُهُ عَلَى عِبَادِهِ ؛ فَوَجْهُ الْإِسْقَاطِ هَاهُنَا تَخْفِيفُ التَّكْلِيفِ ، وَلَوْ رُدَّ بِأَكْثَرَ لَلَزِمَ ، وَوَجْهُ بَدَلِهِ إعْطَاؤُهُ الْأَجْرَ الْكَثِيرَ عَلَى الْفِعْلِ الْيَسِيرِ ، وَرَفْعُهُ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ فِي الْعِبَادَاتِ الْإِصْرَ الَّذِي كَانَ وَضَعَهُ عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ قَبْلَهَا ، وَمَغْفِرَتُهُ سَتْرُهُ عَلَى الْمُقَصِّرِينَ فِي الطَّاعَاتِ ؛ وَذَلِكَ مُسْتَقْصًى فِي آيَاتِ الذِّكْرِ ، وَمِنْهُ نُبْذَةٌ فِي " شَرْحِ الْمُشْكَلَيْنِ " فَلْتُنْظَرْ هُنَالِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ إنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ إنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْأَمَانَاتِ ؛ فَقَالَ قَوْمٌ : هِيَ كُلُّ مَا أَخَذْتَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هِيَ مَا أَخَذْتَهُ بِإِذْنِ صَاحِبِهِ لِمَنْفَعَتِهِ .
الصَّحِيحُ أَنَّ كِلَيْهِمَا أَمَانَةٌ ؛ وَمَعْنَى الْأَمَانَةِ فِي الِاشْتِقَاقِ أَنَّهَا أُمِنَتْ مِنْ الْإِفْسَادِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى : بِأَدَائِهَا إلَى أَرْبَابِهَا ، وَكَانَ سَبَبُ نُزُولِهَا أَمْرُ السَّرَايَا ؛ قَالَهُ عَلِيٌّ وَمَكْحُولٌ .
وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي { عُثْمَانَ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ أَخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُ الْمِفْتَاحَ يَوْمَ الْفَتْحِ وَدَخَلَ الْكَعْبَةَ ، فَنَزَلَ عَلَيْهِ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتْلُوهَا ، فَدَعَا عُثْمَانُ ، فَدَفَعَ إلَيْهِ الْمِفْتَاحَ } ، فَكَانَتْ وِلَايَةٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ وَاسِطَةٍ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَنَاهِيكَ بِهَذَا فَخْرًا .
وَرُوِيَ أَنَّ الْعَبَّاسَ عَمَّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَأَلَ النَّبِيَّ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنْ تُجْمَعَ لَهُ السَّدَانَةُ وَالسِّقَايَةُ ، وَنَازَعَهُ فِي ذَلِكَ شَيْبَةُ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : لَوْ فَرَضْنَاهَا نَزَلَتْ فِي سَبَبٍ فَهِيَ عَامَّةٌ بِقَوْلِهَا ، شَامِلَةٌ بِنُظُمِهَا لِكُلِّ أَمَانَةٍ ؛ وَهِيَ أَعْدَادٌ كَثِيرَةٌ ، أُمَّهَاتُهَا فِي الْأَحْكَامِ : الْوَدِيعَةُ ، وَاللُّقَطَةُ ، وَالرَّهْنُ ، وَالْإِجَارَةُ ، وَالْعَارِيَّةُ .
أَمَّا الْوَدِيعَةُ : فَلَا يَلْزَمُ أَدَاؤُهَا حَتَّى تُطْلَبَ ، وَأَمَّا اللُّقَطَةُ فَحُكْمُهَا التَّعْرِيفُ سَنَةً فِي مَظَانِّ الِاجْتِمَاعَاتِ ، وَحَيْثُ تُرْجَى الْإِجَابَةُ لَهَا ، وَبَعْدَ ذَلِكَ يَأْكُلُهَا حَافِظُهَا ، فَإِنْ جَاءَ صَاحِبُهَا غَرِمَهَا ، وَالْأَفْضَلُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِهَا .
وَأَمَّا الرَّهْنُ : فَلَا يَلْزَمُ فِيهِ أَدَاءٌ حَتَّى يُؤَدِّيَ إلَيْهِ دَيْنَهُ .
وَأَمَّا الْإِجَارَةُ وَالْعَارِيَّةُ : إذَا انْقَضَى عَمَلُهُ فِيهَا يَلْزَمُهُ رَدُّهَا إلَى صَاحِبِهَا قَبْلَ أَنْ يَطْلُبَهَا ، وَلَا يُحْوِجُهُ إلَى تَكْلِيفٍ لِلطَّلَبِ وَمُؤْنَةِ الرَّدِّ .
وَقَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا فِي الْإِجَارَةِ : يَرُدُّهَا أَيْنَ أَخَذَهَا إنْ كَانَ مَوْضِعُ ذَلِكَ فِيهَا .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ } : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : قَالَ أَبِي : هُمْ السَّلَاطِينُ ، بَدَأَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِمْ ؛ فَأَمَرَهُمْ بِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ فِيمَا لَدَيْهِمْ مِنْ الْفَيْءِ ، وَكُلُّ مَا يَدْخُلُ إلَى بَيْتِ الْمَالِ حَتَّى يُوصِلُوهُ إلَى أَرْبَابِهِ ، وَأَمَرَهُمْ بِالْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ بِالْعَدْلِ ، وَأَمَرَنَا بَعْدَ ذَلِكَ بِطَاعَتِهِمْ ، فَقَالَ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } .
قَالَ الْقَاضِي : هَذِهِ الْآيَةُ فِي أَدَاءِ الْأَمَانَةِ وَالْحُكْمِ عَامَّةً فِي الْوِلَايَةِ وَالْخَلْقِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ مُسْلِمٍ عَالِمٌ ، بَلْ كُلُّ مُسْلِمٍ حَاكِمٌ وَوَالٍ .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُقْسِطُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ عَنْ يَمِينِ الرَّحْمَنِ ، وَكِلْتَا يَدَيْهِ يَمِينٌ وَهُمْ الَّذِينَ يَعْدِلُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ وَمَا وَلُوا } .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلُّكُمْ رَاعٍ ، وَكُلُّكُمْ مَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ ، فَالْإِمَامُ رَاعٍ عَلَى النَّاسِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ ، وَالرَّجُلُ رَاعٍ فِي أَهْلِ بَيْتِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُمْ ، وَالْعَبْدُ رَاعٍ فِي مَالِ سَيِّدِهِ وَهُوَ مَسْئُولٌ عَنْهُ : أَلَّا كُلُّكُمْ رَاعٍ وَمَسْئُولٌ عَنْ رَعِيَّتِهِ } .
فَجَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذِهِ الْأَحَادِيثِ الصَّحِيحَةِ كُلَّ هَؤُلَاءِ رُعَاةً وَحُكَّامًا عَلَى مَرَاتِبِهِمْ ، وَكَذَلِكَ الْعَالَمُ الْحَاكِمُ فَإِنَّهُ إذَا أَفْتَى يَكُونُ قَضَى ، وَفَصَلَ بَيْنَ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ ، وَالْفَرْضِ وَالنَّدْبِ ، وَالصِّحَّةِ وَالْفَسَادِ ؛ فَجَمِيعُ ذَلِكَ فِيمَنْ ذَكَرْنَا أَمَانَةٌ تُؤَدَّى وَحُكْمٌ يُقْضَى ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .

الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي حَقِيقَةِ الطَّاعَةِ : وَهِيَ امْتِثَالُ الْأَمْرِ ، كَمَا أَنَّ الْمَعْصِيَةَ ضِدُّهَا ، وَهِيَ مُخَالَفَةُ الْأَمْرِ .
وَالطَّاعَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ طَاعَ إذَا انْقَادَ ، وَالْمَعْصِيَةُ مَأْخُوذَةٌ مِنْ عَصَى وَهُوَ اشْتَدَّ ، فَمَعْنَى ذَلِكَ امْتَثِلُوا أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمْرَ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي ، وَمَنْ أَطَاعَنِي فَقَدْ أَطَاعَ اللَّهَ تَعَالَى ، وَمَنْ عَصَى أَمِيرِي فَقَدْ عَصَانِي ، وَمَنْ عَصَانِي فَقَدْ عَصَى اللَّهَ تَعَالَى }

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } : فِيهَا قَوْلَانِ : الْأَوَّلُ : قَالَ مَيْمُونُ بْنُ مِهْرَانَ : هُمْ أَصْحَابُ السَّرَايَا ، وَرُوِيَ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ ، وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حُذَافَةَ ، إذْ بَعَثَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سَرِيَّةٍ .
الثَّانِي : قَالَ جَابِرٌ : هُمْ الْعُلَمَاءُ ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ التَّابِعِينَ ، و اخْتَارَهُ مَالِكٌ ؛ قَالَ مُطَرِّفٌ وَابْنُ مَسْلَمَةَ : سَمِعْنَا مَالِكًا يَقُولُ : هُمْ الْعُلَمَاءُ .
وَقَالَ خَالِدُ بْنُ نَزَارٍ ، وَقَفْت عَلَى مَالِكٍ فَقُلْت : يَا أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ؛ مَا تَرَى فِي قَوْله تَعَالَى : { وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ } ؟ قَالَ : وَكَانَ مُحْتَبِيًا فَحَلَّ حَبْوَتَهُ ، وَكَانَ عِنْدَهُ أَصْحَابُ الْحَدِيثِ فَفَتَحَ عَيْنَيْهِ فِي وَجْهِي ، وَعَلِمْت مَا أَرَادَ ، وَإِنَّمَا عَنَى أَهْلَ الْعِلْمِ ؛ وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ وَاحْتَجَّ لَهُ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ أَطَاعَ أَمِيرِي فَقَدْ أَطَاعَنِي } الْحَدِيثَ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُمْ الْأُمَرَاءُ وَالْعُلَمَاءُ جَمِيعًا ، أَمَّا الْأُمَرَاءُ فَلِأَنَّ أَصْلَ الْأَمْرِ مِنْهُمْ وَالْحُكْمَ إلَيْهِمْ .
وَأَمَّا الْعُلَمَاءُ فَلِأَنَّ سُؤَالَهُمْ وَاجِبٌ مُتَعَيِّنٌ عَلَى الْخَلْقِ ، وَجَوَابُهُمْ لَازِمٌ ، وَامْتِثَالُ فَتْوَاهُمْ وَاجِبٌ ، يَدْخُلُ فِيهِ الزَّوْجُ لِلزَّوْجَةِ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ كُلَّ هَؤُلَاءِ حَاكِمٌ ، وَقَدْ سَمَّاهُمْ اللَّهُ تَعَالَى بِذَلِكَ فَقَالَ : { يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ } .
فَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَاكِمٌ [ وَالرَّبَّانِيَّ حَاكِمٌ ] ، وَالْحَبْرَ حَاكِمٌ ، وَالْأَمْرُ كُلُّهُ يَرْجِعُ إلَى الْعُلَمَاءِ ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ قَدْ أَفْضَى إلَى الْجُهَّالِ ، وَتَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ سُؤَالُ الْعُلَمَاءِ ؛ وَلِذَلِكَ نَظَرَ مَالِكٌ إلَى خَالِدِ بْنِ نَزَارٍ نَظْرَةً مُنْكَرَةً ، كَأَنَّهُ

يُشِيرُ بِهَا إلَى أَنَّ الْأَمْرَ قَدْ وَقَفَ فِي ذَلِكَ عَلَى الْعُلَمَاءِ ، وَزَالَ عَنْ الْأُمَرَاءِ لِجَهْلِهِمْ وَاعْتِدَائِهِمْ ، وَالْعَادِلُ مِنْهُمْ مُفْتَقِرٌ إلَى الْعَالَمِ كَافْتِقَارِ الْجَاهِلِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ } : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : رُدُّوهُ إلَى كِتَابِ اللَّهِ ، فَإِذَا لَمْ تَجِدُوهُ فَإِلَى سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوهُ فَكَمَا قَالَ عَلِيٌّ : مَا عِنْدَنَا إلَّا مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ مَا فِي هَذِهِ الصَّحِيفَةِ ، أَوْ فَهْمٌ أُوتِيهِ رَجُلٌ مُسْلِمٌ ، وَكَمَا { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِمُعَاذٍ : بِمَ تَحْكُمُ ؟ قَالَ : بِكِتَابِ اللَّهِ .
قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ .
قَالَ : بِسُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ : فَإِنْ لَمْ تَجِدْ ؟ قَالَ : أَجْتَهِدُ رَأْيِي ، وَلَا آلُو .
قَالَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَفَّقَ رَسُولَ رَسُولِ اللَّهِ } .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا لَا يَصِحُّ .
قُلْنَا : قَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ " شَرْحِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ " وَكِتَابِ " نَوَاهِي الدَّوَاهِي " صِحَّتَهُ ، وَأَخَذَ الْخُلَفَاءُ كُلُّهُمْ بِذَلِكَ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ لِلْأَنْصَارِ : إنَّ اللَّهَ جَعَلَكُمْ الْمُفْلِحِينَ ، وَسَمَّانَا الصَّادِقِينَ ؛ فَقَالَ : { لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ } إلَى قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ } .
ثُمَّ قَالَ : { وَاَلَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ } إلَى قَوْلِهِ : { فَأُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } .
وَقَدْ أَمَرَكُمْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنْ تَكُونُوا مَعَنَا حَيْثُ كُنَّا ، فَقَالَ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ } .
{ وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أُوصِيكُمْ بِالْأَنْصَارِ خَيْرًا } .
وَلَوْ كَانَ لَكُمْ مِنْ الْأَمْرِ شَيْءٌ مَا أَوْصَى بِكُمْ " .
وَقَالَ لَهُ عُمَرُ حِينَ ارْتَدَّ مَانِعُوا الزَّكَاةِ : خُذْ مِنْهُمْ الصَّلَاةَ وَدَعْ الزَّكَاةَ .
فَقَالَ : لَا أَفْعَلُ ؛ فَإِنَّ الزَّكَاةَ حَقُّ الْمَالِ وَالصَّلَاةَ حَقُّ الْبَدَنِ .
وَقَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ : نَرْضَى لِدُنْيَانَا مَنْ رَضِيَهُ

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِدِينِنَا .
وَجَاءَتْ الْجَدَّةُ الْأُخْرَى إلَيْهِ فَقَالَ لَهَا : لَا أَجِدُ لَكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ شَيْئًا وَلَا فِي سُنَّةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ السُّدُسُ ؛ فَأَيَّتُكُمَا خَلَتْ بِهِ فَهُوَ لَهَا ، فَإِنْ اجْتَمَعْتُمَا فَهُوَ بَيْنَكُمَا .
وَذَلِكَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَضَى بِالسُّدُسِ لِلْجَدَّةِ غَيْرَ مُعَيَّنَةٍ } ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَشْتَرِكَا فِيهِ عِنْدَ الِاجْتِمَاعِ .
وَكَذَلِكَ لَمَّا جَمَعَ الصَّحَابَةَ فِي أَمْرِ الْوَبَاءِ بِالشَّامِ فَتَكَلَّمُوا مَعَهُ بِأَجْمَعِهِمْ وَهُمْ مُتَوَافِرُونَ ، مَا ذَكَرُوا فِي طَلَبِهِمْ الْحَقَّ فِي مَسْأَلَتِهِمْ لِلَّهِ كَلِمَةً وَلَا لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَرْفًا ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ ، وَأَفْتَوْا وَحَكَمَ عُمَرُ ، وَنَازَعَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ ، فَقَالَ لَهُ : أَرَأَيْت لَوْ كَانَ لَكَ إبِلٌ فَهَبَطْت بِهَا وَادِيًا لَهُ عُدْوَتَانِ : إحْدَاهَا خِصْبَةٌ وَالْأُخْرَى جَدْبَةٌ ؛ أَلَيْسَ إنْ رَعَيْت الْخِصْبَةَ رَعَيْتهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ، وَإِنْ رَعَيْت الْجَدْبَةَ رَعَيْتهَا بِقَدَرِ اللَّهِ ، فَضَرَبَ الْمَثَلَ لِنَفْسِهِ بِالرَّعْيِ وَالنَّاسِ بِالْإِبِلِ ، وَالْأَرْضِ الْوَبِئَةِ بِالْعُدْوَةِ الْجَدْبَةِ ، وَالْأَرْضِ السَّلِيمَةِ بِالْعُدْوَةِ الْخِصْبَةِ ، وَلِاخْتِيَارِ السَّلَامَةِ بِاخْتِيَارِ الْخِصْبِ ؛ فَأَيْنَ كِتَابُ اللَّهِ تَعَالَى وَسُنَّةُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ هَذَا كُلِّهِ ؟ أَيُقَالُ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا لَمْ يَقُولَا ، فَذَلِكَ كُفْرٌ ، أَمْ يُقَالُ : دَعْ هَذَا فَلَيْسَ لِلَّهِ فِيهِ حُكْمٌ ، فَذَلِكَ كُفْرٌ ، وَلَكِنْ تُضْرَبُ الْأَمْثَالِ وَيُطْلَبُ الْمِثَالُ حَتَّى يَخْرُجَ الصَّوَابُ .
قَالَ أَبُو الْعَالِيَةِ : وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ رَدُّوهُ إلَى الرَّسُولِ وَإِلَى أُولِي الْأَمْرِ مِنْهُمْ لَعَلِمَهُ الَّذِينَ يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ } .
وَقَالَ عُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ وَأَصْحَابُهُ حِينَ جَمَعُوا

الْقُرْآنَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تُوُفِّيَ وَلَمْ يُبَيِّنْ لَنَا مَوْضِعَ بَرَاءَةٍ ، وَإِنَّ قِصَّتَهَا لَتُشْبِهُ قِصَّةَ الْأَنْفَالِ ، فَنَرَى أَنْ نَكْتُبَهَا مَعَهَا وَلَا نَكْتُبُ بَيْنَهَا سَطْرَ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } .
فَأَثْبَتُوا مَوْضِعَ الْقُرْآنِ بِقِيَاسِ الشَّبَهِ .
وَقَالَ عَلِيٌّ : نَرَى أَنَّ مُدَّةَ الْحَمْلِ سِتَّةُ أَشْهُرٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا } .
وَقَالَ : { وَالْوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ أَوْلَادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كَامِلَيْنِ } .
فَإِذَا فَصَلْتَهُمَا مِنْ ثَلَاثِينَ شَهْرًا بَقِيَتْ سِتَّةُ أَشْهُرٍ .
وَلِذَلِكَ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : صَوْمُ الْجُنُبِ صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ : { فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمْ الْخَيْطُ الْأَبْيَضُ مِنْ الْخَيْطِ الْأَسْوَدِ مِنْ الْفَجْرِ } فَيَقَعُ الِاغْتِسَالُ بَعْدَ الْفَجْرِ ، وَقَدْ انْعَقَدَ جُزْءٌ مِنْ الصَّوْمِ وَهُوَ فَاتِحَتُهُ مَعَ الْجَنَابَةِ ، وَلَوْ سَرَدْنَا نَبْطَ الصَّحَابَةِ لَتَبَيَّنَ خَطَأُ الْجَهَالَةِ ، وَفِي هَذَا كِفَايَةٌ لِلْعُلَمَاءِ ؛ فَإِنْ عَارَضَكُمْ السُّفَهَاءُ فَالْعَجَلَةُ الْعَجَلَةُ إلَى كِتَابِ نَوَاهِي الدَّوَاهِي ، فَفِيهِ الشِّفَاءُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى : { أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ وَيُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُضِلَّهُمْ ضَلَالًا بَعِيدًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : يُرْوَى أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي { رَجُلٍ مِنْ الْمُنَافِقِينَ نَازَعَ رَجُلًا مِنْ الْيَهُودِ ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَبُو الْقَاسِمِ ، وَقَالَ الْمُنَافِقُ : بَيْنِي وَبَيْنَكَ الْكَاهِنُ .
وَقِيلَ : قَالَ الْمُنَافِقُ : بَيْنِي وَبَيْنَكَ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ ، يَفِرُّ الْيَهُودِيُّ مِمَّنْ يَقْبَلُ الرِّشْوَةَ وَيُرِيدُ الْمُنَافِقُ مَنْ يَقْبَلُهَا .
وَيُرْوَى أَنَّ الْيَهُودِيَّ قَالَ لَهُ : بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَبُو الْقَاسِمِ .
وَقَالَ الْمُنَافِقُ : بَيْنِي وَبَيْنَكَ الْكَاهِنُ ، حَتَّى تَرَافَعَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَحَكَمَ لِلْيَهُودِيِّ عَلَى الْمُنَافِقِ ، فَقَالَ الْمُنَافِقُ : لَا أَرْضَى ، بَيْنِي وَبَيْنَكَ أَبُو بَكْرٍ ؛ فَأَتَيَا أَبَا بَكْرٍ فَحَكَمَ أَبُو بَكْرٍ لِلْيَهُودِيِّ .
فَقَالَ الْمُنَافِقُ : لَا أَرْضَى ، بَيْنِي وَبَيْنَكَ عُمَرُ .
فَأَتَيَا عُمَرَ فَأَخْبَرَهُ الْيَهُودِيُّ بِمَا جَرَى ؛ فَقَالَ : أَمْهِلَا حَتَّى أَدْخُلَ بَيْتِي فِي حَاجَةٍ ، فَدَخَلَ فَأَخْرَجَ سَيْفَهُ ثُمَّ خَرَجَ ، فَقَتَلَ الْمُنَافِقَ ؛ فَشَكَا أَهْلُهُ ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ عُمَرُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّهُ رَدَّ حُكْمَكَ .
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَنْتَ الْفَارُوقُ } ، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ الْآيَةُ كُلُّهَا إلَى قَوْلِهِ : { وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا } .
وَيُرْوَى فِي الصَّحِيحِ أَنَّ { رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَاصَمَ الزُّبَيْرَ فِي شِرَاجِ الْحُرَّةِ ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : اسْقِ يَا زُبَيْرُ ، وَأَرْسِلْ الْمَاءَ إلَى جَارِكِ الْأَنْصَارِيِّ .
فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : آنَ كَانَ ابْنَ عَمَّتِكَ ،

فَتَلَوَّنَ وَجْهُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ قَالَ لِلزُّبَيْرِ : أَمْسِكْ الْمَاءَ حَتَّى يَبْلُغَ الْجَدْرَ ، ثُمَّ أَرْسِلْهُ } .
قَالَ ابْنُ الزُّبَيْرِ عَنْ أَبِيهِ : وَأَحْسَبُ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي ذَلِكَ : { فَلَا وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ } إلَى آخِرِهِ .
قَالَ مَالِكٌ : الطَّاغُوتُ كُلُّ مَا عُبِدَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ صَنَمٍ أَوْ كَاهِنٍ أَوْ سَاحِرٍ أَوْ كَيْفَمَا تَصَرَّفَ الشِّرْكُ فِيهِ .
وَقَوْلُهُ : { آمَنُوا بِمَا أُنْزِلَ إلَيْكَ } : يَعْنِي الْمُنَافِقِينَ ، أَظْهَرُوا الْإِيمَانَ .
وَبِقَوْلِهِ : { وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ } : يَعْنِي الْيَهُودَ ؛ آمَنُوا بِمُوسَى ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ : { رَأَيْتَ الْمُنَافِقِينَ يَصُدُّونَ عَنْكَ صُدُودًا } وَيَذْهَبُونَ إلَى الطَّاغُوتِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اخْتَارَ الطَّبَرِيُّ أَنْ يَكُونَ نُزُولُ الْآيَةِ فِي الْمُنَافِقِ وَالْيَهُودِيِّ ثُمَّ تَتَنَاوَلُ بِعُمُومِهَا قِصَّةَ الزُّبَيْرِ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ .
وَكُلُّ مَنْ اتَّهَمَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحُكْمِ فَهُوَ كَافِرٌ ، لَكِنَّ الْأَنْصَارِيَّ زَلَّ زَلَّةً فَأَعْرَضَ عَنْهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَقَالَ عَثْرَتَهُ لِعِلْمِهِ بِصِحَّةِ يَقِينِهِ وَأَنَّهَا كَانَتْ فَلْتَةً ، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَحَدٍ بَعْدَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكُلُّ مَنْ لَمْ يَرْضَ بِحُكْمِ الْحَاكِمِ بَعْدَهُ فَهُوَ عَاصٍ آثِمٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِيهَا أَنْ يَتَحَاكَمَ الْيَهُودِيُّ مَعَ الْمُسْلِمِ عِنْدَ حَاكِمِ الْإِسْلَامِ ، وَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنْ اُقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ أَوْ اُخْرُجُوا مِنْ دِيَارِكُمْ مَا فَعَلُوهُ إلَّا قَلِيلٌ مِنْهُمْ وَلَوْ أَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا يُوعَظُونَ بِهِ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رُوِيَ أَنَّهُ { تَفَاخَرَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسِ بْنِ شِمَاسٍ وَيَهُودِيٌّ ، فَقَالَ الْيَهُودِيُّ : وَاَللَّهِ ، لَقَدْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْنَا أَنْ نَقْتُلَ أَنْفُسَنَا .
فَقَالَ ثَابِتٌ : وَاَللَّهِ لَوْ كَتَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْنَا لَفَعَلْنَا .
قَالَ أَبُو إِسْحَاقَ السَّبِيعِيُّ : قَالَ رَجُلٌ مِنْ الصَّحَابَةِ لَوْ أُمِرْنَا لَفَعَلْنَا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي عَافَانَا .
فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ مِنْ أُمَّتِي لَرِجَالًا الْإِيمَانُ أَثْبَتُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنْ الْجِبَالِ الرَّوَاسِي } .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : الْقَائِلُ ذَلِكَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : حَرْفُ " لَوْ " تَدُلُّ عَلَى امْتِنَاعِ الشَّيْءِ لِامْتِنَاعِ غَيْرِهِ ، فَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَنَّهُ لَمْ يَكْتُبْ ذَلِكَ عَلَيْنَا لِعِلْمِهِ بِأَنَّ الْأَكْثَرَ مَا كَانَ يَمْتَثِلُ ذَلِكَ فَتَرَكَهُ رِفْقًا بِنَا ؛ لِئَلَّا تَظْهَرَ مَعْصِيَتُنَا ، فَكَمْ مِنْ أَمْرٍ قَصَّرْنَا عَنْهُ مَعَ خِفَّتِهِ ، فَكَيْفَ بِهَذَا الْأَمْرِ مَعَ ثِقَلِهِ ؟ أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ تَرَكَ الْمُهَاجِرُونَ مَسَاكِنَهُمْ خَاوِيَةً وَخَرَجُوا يَطْلُبُونَ بِهَا عِيشَةً رَاضِيَةً ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .

الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا } .
الْآيَةُ فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ أَشْبَهُهَا مَا رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّ { رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مَحْزُونٌ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا لِي أَرَاك مَحْزُونًا ؟ فَقَالَ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، نَحْنُ نَغْدُو عَلَيْكَ وَنَرُوحُ نَنْظُرُ فِي وَجْهِكَ وَنُجَالِسُكَ ، وَغَدًا تُرْفَعُ مَعَ النَّبِيِّينَ ، فَلَا نَصِلُ إلَيْكَ ؛ فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا ، فَأَتَاهُ جِبْرِيلُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؛ فَبَعَثَ إلَيْهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُبَشِّرُهُ } .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : قَالَ ذَلِكَ الرَّجُلُ ، وَهُوَ يَصِفُ الْمَدِينَةَ وَفَضْلَهَا ، يُبْعَثُ مِنْهَا أَشْرَافُ هَذِهِ الْأُمَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَحَوْلَهَا الشُّهَدَاءُ أَهْلُ بَدْرٍ وَأُحُدٍ وَالْخَنْدَقِ ، ثُمَّ تَلَا مَالِكٌ هَذِهِ الْآيَةَ : { فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولَئِكَ رَفِيقًا ذَلِكَ الْفَضْلُ مِنْ اللَّهِ وَكَفَى بِاَللَّهِ عَلِيمًا } ؛ يُرِيدُ مَالِكٌ فِي قَوْلِهِ : { وَمَنْ يُطِعْ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ } هُمْ هَؤُلَاءِ الَّذِينَ بِالْمَدِينَةِ وَمَنْ حَوْلَهَا ، فَبَيَّنَ بِذَلِكَ فَضْلَهُمْ ، وَفَضْلَ الْمَدِينَةِ عَلَى غَيْرِهَا مِنْ الْبِقَاعِ : مَكَّةَ و سِوَاهَا ، وَهَذَا فَضْلٌ مُخْتَصٌّ بِهَا ، وَلَهَا فَضَائِلُ سِوَاهَا بَيَّنَّاهَا فِي قَبَسِ الْمُوَطَّأِ ، وَفِي الْإِنْصَافِ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ ؛ فَلْيُنْظَرْ فِي الْكِتَابَيْنِ .

الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوْ انْفِرُوا جَمِيعًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الثُّبَةُ : الْجَمَاعَةُ ، وَالْجَمْعُ فِيهَا ثِبُونَ أَوْ ثِبِينَ أَوْ ثُبَاتٌ ، كَمَا تَقُولُ : عِضَةٌ وَعِضُونَ وَعِضَاهٌ ، وَاللُّغَتَانِ فِي الْقُرْآنِ ، وَتَصْغِيرُ الثُّبَةِ ثُبَيَّةٌ ، وَيُقَالُ فِي وَسَطِ الْحَوْضِ ثُبَةٌ ؛ لِأَنَّ الْمَاءَ يَثُوبُ إلَيْهِ ، أَيْ يَرْجِعُ ؛ وَتَصْغِيرُ هَذِهِ ثُوَيْبَةُ ؛ لِأَنَّ هَذَا مَحْذُوفُ الْوَاوِ ، وَثُبَةُ الْجَمَاعَةِ إنَّمَا اُشْتُقَّتْ مِنْ ثَبَّيْتُ عَلَى الرَّجُلِ إذَا أَثْنَيْتُ عَلَيْهِ فِي حَيَاتِهِ وَجَمَعْتُ مَحَاسِنَ ذِكْرِهِ ، فَيَعُودُ إلَى الِاجْتِمَاعِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { خُذُوا حِذْرَكُمْ } : أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُؤْمِنِينَ أَلَّا يَقْتَحِمُوا عَلَى عَدُوِّهِمْ عَلَى جَهَالَةٍ حَتَّى يَتَحَسَّسُوا إلَى مَا عِنْدَهُمْ ، وَيَعْلَمُوا كَيْفَ يَرُدُّونَ عَلَيْهِمْ ؛ فَذَلِكَ أَثْبَتُ لِلنُّفُوسِ ، وَهَذَا مَعْلُومٌ بِالتَّجْرِبَةِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ النَّاسَ بِالْجِهَادِ سَرَايَا مُتَفَرِّقَةً أَوْ مُجْتَمَعِينَ عَلَى الْأَمِيرِ ، فَإِنْ خَرَجَتْ السَّرَايَا فَلَا تَخْرُجُ إلَّا بِإِذْنِ الْإِمَامِ ؛ لِيَكُونَ مُتَحَسِّسًا إلَيْهِمْ وَعَضُدًا مِنْ وَرَائِهِمْ ، وَرُبَّمَا احْتَاجُوا إلَى دَرْئِهِ .

الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ قَوْله تَعَالَى : { فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ وَمَنْ يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيُقْتَلْ أَوْ يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } .
سَوَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي ظَاهِرِ هَذِهِ الْآيَةِ بَيْنَ مَنْ قُتِلَ شَهِيدًا أَوْ انْقَلَبَ غَانِمًا ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { تَكَفَّلَ اللَّهُ لِمَنْ جَاهَدَ فِي سَبِيلِهِ لَا يُخْرِجُهُ مِنْ بَيْتِهِ إلَّا الْجِهَادُ فِي سَبِيلِهِ ، وَتَصْدِيقُ كَلِمَتِهِ ، أَنْ يُدْخِلَهُ الْجَنَّةَ ، أَوْ يَرُدَّهُ إلَى مَسْكَنِهِ الَّذِي خَرَجَ مِنْهُ مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ أَوْ غَنِيمَةٍ } .
فَغَايَرَ بَيْنَهُمَا ، وَجَعَلَ الْأَجْرَ فِي مَحَلٍّ وَالْغَنِيمَةَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ .
وَثَبَتَ عَنْهُ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : { أَيُّمَا سَرِيَّةٍ أَخْفَقَتْ كَمُلَ لَهَا الْأَجْرُ ، وَأَيُّمَا سَرِيَّةٍ غَنِمَتْ ذَهَبَ ثُلُثَا أَجْرِهَا } .
فَأَمَّا هَذَا الْحَدِيثُ فَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهِ فِي شُرُوحَاتِ الْحَدِيثِ بِمَا فِيهِ كِفَايَةٌ ، وَلَيْسَ يُعَارِضُ الْآيَةَ كُلَّ الْمُعَارَضَةِ ؛ لِأَنَّ فِيهِ ثُلُثَ الْأَجْرِ ، وَهَذَا عَظِيمٌ ؛ وَإِذَا لَمْ يُعَارِضْهَا فَلْيُؤْخَذْ تَمَامُهُ مِنْ غَيْرِ هَذَا الْكِتَابِ .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الْأَوَّلُ فَقَدْ قِيلَ فِيهِ : إنَّ " أَوْ " بِمَعْنَى الْوَاوِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَجْمَعُ لَهُ الْأَجْرَ وَالْغَنِيمَةَ ، فَمَا أَعْطَى اللَّهُ الْغَنَائِمَ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مُحَاسِبًا لَهَا بِهَا مِنْ ثَوَابِهَا ، وَإِنَّمَا خَصَّهَا بِهَا تَشْرِيفًا وَتَكْرِيمًا لَهَا ؛ لِحُرْمَةِ نَبِيِّهَا .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { جُعِلَ رِزْقِي تَحْتَ ظِلِّ رُمْحِي } .
فَاخْتَارَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ وَلِأُمَّتِهِ فِيمَا يَرْتَزِقُونَ أَفْضَلَ وُجُوهِ الْكَسْبِ وَأَكْرَمَهَا ، وَهُوَ أَخْذُ الْقَهْرِ وَالْغَلَبَةِ .
وَقِيلَ : إنَّ مَعْنَاهُ الَّذِي يَغْنَمُ قَدْ أَصَابَ [ الْحَظَّيْنِ ، وَاَلَّذِي يَخْفِقُ لَهُ ] الْحَظُّ الْوَاحِدُ وَهُوَ الْأَجْرُ ، فَأَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ أَنْ يَقُولَ : مَعَ مَا نَالَ مِنْ أَجْرٍ وَحْدَهُ أَوْ غَنِيمَةٍ مَعَ الْأَجْرِ ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .

الْآيَةُ التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا } .
الْآيَةُ فِيهَا [ ثَلَاثُ ] مَسَائِلَ الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : أَوْجَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ الْقِتَالَ ؛ لِاسْتِنْقَاذِ الْأَسْرَى مِنْ يَدِ الْعَدُوِّ مَعَ مَا فِي الْقِتَالِ مِنْ تَلَفِ النَّفْسِ ، فَكَانَ بَذْلُ الْمَالِ فِي فِدَائِهِمْ أَوْجَبَ ، لِكَوْنِهِ دُونَ النَّفْسِ وَأَهْوَنَ مِنْهَا .
وَقَدْ رَوَى الْأَئِمَّةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَطْعِمُوا الْجَائِعَ وَعُودُوا الْمَرِيضَ وَفُكُّوا الْعَانِيَ } .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ عَلَى النَّاسِ أَنْ يَفْدُوا الْأَسَارَى بِجَمِيعِ أَمْوَالِهِمْ ؛ وَلِذَلِكَ قَالُوا : عَلَيْهِمْ أَنْ يُوَاسُوهُمْ ، فَإِنَّ الْمُوَاسَاةَ دُونَ الْمُفَادَاةِ ، فَإِنْ كَانَ الْأَسِيرُ غَنِيًّا فَهَلْ يَرْجِعُ عَلَيْهِ الْفَادِي أَمْ لَا ؟ فِي ذَلِكَ لِعُلَمَائِنَا قَوْلَانِ ؛ أَصَحُّهُمَا الرُّجُوعُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فَإِنْ امْتَنَعَ مَنْ عِنْدَهُ مَالٌ مِنْ ذَلِكَ ؟ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُقَاتِلُهُ إنْ كَانَ قَادِرًا عَلَى قِتَالِهِ ، وَهُوَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ .
فَإِنْ قَتَلَ الْمَانِعُ الْمَمْنُوعَ كَانَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ قَادِرًا عَلَى قِتَالٍ فَتَرَكَهُ حَتَّى مَاتَ جُوعًا ؛ فَإِنْ كَانَ الْمَانِعُ جَاهِلًا بِوُجُوبِ الْمُوَاسَاةِ كَانَ فِي الْمَيِّتِ الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَةِ الْمَانِعِ ، وَإِنْ كَانَ عَالِمًا بِوُجُوبِ الْمُوَاسَاةِ فَفِي الْمَسْأَلَةِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : عَلَيْهِ الْقِصَاصُ .
الثَّانِي : عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي مَالِهِ .
الثَّالِثُ : الدِّيَةُ عَلَى عَاقِلَتِهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ الْأَشْعَرِيِّينَ إذَا أَرَمَلُوا فِي الْغَزْوِ أَوْ قَلَّ طَعَامُهُمْ

جَمَعُوا مَا كَانَ عِنْدَهُمْ فِي ثَوْبٍ وَاحِدٍ ، وَاقْتَسَمُوهُ بَيْنَهُمْ فِي إنَاءٍ وَاحِدٍ بِالسَّوِيَّةِ فَهُمْ مِنِّي وَأَنَا مِنْهُمْ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي تَنْقِيحِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ : قَالَ بَعْضُ عُلَمَاؤُنَا : رَوَى طَلْحَةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا عَلَّمَ السَّائِلَ مَعَالِمَ الدِّينِ وَأَرْكَانِ الْإِسْلَامِ قَالَ لَهُ : وَالزَّكَاةُ ؟ قَالَ : هَلْ عَلَيَّ غَيْرُهَا ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا أَنْ تَطَوَّعَ } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ .
دَخَلَ الْجَنَّةَ إنْ صَدَقَ } .
وَهَذَا نَصٌّ فِي أَنَّهُ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ لَا يَمْنَعُ مِنْ وُجُوبِ حَقٍّ فِي الْمَالِ غَيْرَ الزَّكَاةِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا الْحَدِيثِ لَا فَرْضَ ابْتِدَاءً فِي الْمَالِ وَالْبَدَنِ إلَّا الصَّلَاةَ وَالزَّكَاةَ وَالصِّيَامَ ، فَأَمَّا الْعَوَارِضُ فَقَدْ يَتَوَجَّهُ فِيهَا فَرْضٌ مِنْ جِنْسِ هَذِهِ الْفُرُوضِ بِالنَّذْرِ وَغَيْرِهِ .
الثَّانِي : أَنَّ أَرْكَانَ الْإِسْلَامِ مِنْ الصَّلَاةِ وَالصِّيَامِ عِبَادَاتٌ لَا تَتَعَدَّى الْمُتَعَبِّدَ بِهَا .
وَأَمَّا الْمَالُ فَالْأَغْرَاضُ بِهِ مُتَعَلِّقَةٌ ، وَالْعَوَارِضُ عَلَيْهِ مُخْتَلِفَةٌ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا فَرَضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الزَّكَاةَ لِيَقُومَ بِحَقِّ الْفُقَرَاءِ أَوْ يَسُدَّ خَلَّتَهُمْ ، وَإِلَّا فَتَكُونُ الْحِكْمَةُ قَاصِرَةً .
فَالْجَوَابُ أَنْ نَقُولَ : هَذَا لَا يَلْزَمُ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّ مِنْ الْمُمْكِنِ أَنْ يَفْرِضَ الْبَارِّي سُبْحَانَهُ الزَّكَاةَ قَائِمَةً لِسَدِّ خَلَّةِ الْفُقَرَاءِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَرْضُهَا قَائِمَةً بِالْأَكْثَرِ ، وَتَرَكَ الْأَقَلَّ لِيَسُدَّهَا بِنَذْرِ الْعَبْدِ الَّذِي يَسُوقُهُ الْقَدَرُ إلَيْهِ .
الثَّانِي : أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ أَخَذَ الزَّكَاةَ فِي زَمَنِهِ } فَلَمْ تَقُمْ الْخَلَّةُ الْمَذْكُورَةُ بِالْفُقَرَاءِ حَتَّى كَانَ يَنْدُبَ إلَى الصَّدَقَةِ ، وَيَحُثُّ عَلَيْهَا

.
الثَّالِثُ : لِلْفَضْلَيْنِ : إنَّ الزَّكَاةَ إذَا أَخَذَهَا الْوُلَاةُ ، وَمَنَعُوهَا مِنْ مُسْتَحِقِّيهَا ، فَبَقِيَ الْمَحَاوِيجُ فَوْضَى ؛ هَلْ يَتَعَلَّقُ إثْمُهُمْ بِالنَّاسِ أَمْ يَكُونُ عَلَى الْوَالِي خَاصَّةً ؟ فِيهِ نَظَرٌ ؛ فَإِنْ عَلِمَ أَحَدٌ بِخَلَّةِ مِسْكِينٍ تَعَيَّنَ عَلَيْهِ سَدُّهَا دُونَ غَيْرِهِ إلَّا أَنْ يَعْلَمَ بِهَا سِوَاهُ ، فَيَتَعَلَّقُ الْفَرْضُ بِجَمِيعِ مَنْ عَلِمَهَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي التَّفْسِيرِ .

الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ أَرْبَعِينَ قَوْله تَعَالَى : { أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكُّمْ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ } .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : { بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ } هِيَ قُصُورُ السَّمَاءِ ، أَلَّا تَسْمَعُ قَوْلَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ } .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَالْبُرُوجُ الَّتِي فِي السَّمَاءِ اثْنَا عَشَرَ بُرْجًا عِنْدَ الْعَرَبِ ، وَعِنْدَ جَمِيعِ الْأُمَمِ : الْحَمَلُ ، الثَّوْرُ ، الْجَوْزَاءُ ، السَّرَطَانُ ، الْأَسَدُ ، السُّنْبُلَةُ ، الْمِيزَانُ ، الْعَقْرَبُ ، الْقَوْسُ ، الْجَدْيُ ، الدَّلْوُ ، الْحُوتُ .
وَقَدْ يُسَمُّونَ الْحَمَلَ الْكَبْشَ ، وَالْجَوْزَاءَ التَّوْأَمَيْنِ ، وَالسُّنْبُلَةَ الْعَذْرَاءَ ، وَالْعَقْرَبَ الصُّورَةَ ، وَالْقَوْسَ الرَّامِيَ ، وَالْحُوتَ السَّمَكَةَ .
وَتُسَمَّى أَيْضًا الدَّلْوَ الرَّشَا .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : خَلَقَ اللَّهُ هَذِهِ الْبُرُوجَ مَنَازِلَ لِلشَّمْسِ وَالْقَمَرِ ، وَقَدَّرَ فِيهَا ، وَرَتَّبَ الْأَزْمِنَةَ عَلَيْهَا ، وَجَعَلَهَا جَنُوبِيَّةً وَشَمَالِيَّةً ، دَلِيلًا عَلَى الْمَصَالِحِ ، وَعَلَمًا عَلَى الْقِبْلَةِ ، وَطَرِيقًا إلَى تَحْصِيلِ آنَاءِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ ، لِمَعْرِفَةِ أَوْقَاتِ التَّهَجُّدِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِ الْمَعَاشِ وَالتَّعَبُّدِ ، وَسَنَسْتَوْفِي ذَلِكَ بَيَانًا فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانٍ ذَاهِبٌ كُلُّهُ ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : : { فَقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ لَا تُكَلَّفُ إلَّا نَفْسَك وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَكُفَّ بَأْسَ الَّذِينَ كَفَرُوا وَاَللَّهُ أَشَدُّ بَأْسًا وَأَشَدُّ تَنْكِيلًا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : ظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ الْقِتَالَ فَرْضٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوَّلًا وَحْدَهُ ، وَنَدَبَ الْمُؤْمِنِينَ إلَيْهِ ؛ وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ؛ وَلَكِنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا سِرَاعًا إلَى الْقِتَالِ قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ الْقِتَالُ ، فَلَمَّا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْقِتَالِ كَاعَ عَنْهُ قَوْمٌ ، فَفِيهِمْ نَزَلَتْ : { أَلَمْ تَرَ إلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأُقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ } قَبْلَ أَنْ يُفْرَضَ الْقِتَالُ ؛ { فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمْ الْقِتَالُ إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً } ، فَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ : قَدْ بَلَّغْت : قَاتِلْ وَحْدَكَ ، { لَا تُكَلَّفُ إلَّا نَفْسَكَ وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ } فَسَيَكُونُ مِنْهُمْ مَا كَتَبَ اللَّهُ مِنْ فِعْلِهِمْ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَانَ وَعَدَهُ بِالنَّصْرِ ، فَلَوْ لَمْ يُقَاتِلْ مَعَهُ أَحَدٌ مِنْ الْخَلْقِ لَنَصَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ دُونَهُمْ ، وَهَلْ نَصْرُهُ مَعَ قِتَالِهِمْ إلَّا بِجُنْدِهِ الَّذِي لَا يُهْزَمُ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَنِي أَنْ أُحَرِّقَ قُرَيْشًا .
قُلْت : أَيْ رَبِّ ؛ إذًا يَثْلَغُوا رَأْسِي فَيَدَعُوهُ خُبْزَةً .
قَالَ : اسْتَخْرِجْهُمْ كَمَا اسْتَخْرَجُوكَ ، وَاغْزُهُمْ نُعِنْكَ ، وَأَنْفِقْ فَسَنُنْفِقْ عَلَيْكَ ، وَابْعَثْ جَيْشًا نَبْعَثْ خَمْسَةً مِثْلَهُ ، وَقَاتِلْ بِمَنْ أَطَاعَكَ مَنْ عَصَاكَ } .
وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي الرِّدَّةِ : أُقَاتِلُهُمْ وَحْدِي حَتَّى تَنْفَرِدَ سَالِفَتِي .
وَفِي رِوَايَةٍ ثَانِيَةٍ : وَاَللَّهِ لَوْ خَالَفَتْنِي شِمَالِي لَقَاتَلْتهَا بِيَمِينِي .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : {

وَحَرِّضْ الْمُؤْمِنِينَ } أَيْ عَلَى الْقِتَالِ : التَّحْرِيضُ وَالتَّحْضِيضُ هُوَ نَدْبُ الْمَرْءِ إلَى الْفِعْلِ ، وَقَدْ يُنْدَبُ الْمَرْءُ إلَى الْفِعْلِ ابْتِدَاءً ، وَقَدْ يُنْدَبُ إلَى امْتِثَالِ مَا أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ تَذْكِرَةً بِهِ لَهُ .

الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { : مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً حَسَنَةً يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ مِنْهَا وَمَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً سَيِّئَةً يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ مِنْهَا وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا } .
الْآيَةُ فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اُخْتُلِفَ فِي قَوْلِهِ : { مَنْ يَشْفَعْ شَفَاعَةً } عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَنْ يَزِيدُ عَمَلًا إلَى عَمَلٍ .
الثَّانِي : مَنْ يُعِينُ أَخَاهُ بِكَلِمَةٍ عِنْدَ غَيْرِهِ فِي قَضَاءِ حَاجَةٍ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اشْفَعُوا تُؤْجَرُوا ، وَلْيَقْضِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى لِسَانِ رَسُولِهِ مَا شَاءَ } .
الثَّالِثُ : قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي مَعْنَاهُ : مَنْ يَكُنْ يَا مُحَمَّدُ شَفِيعًا لِوِتْرِ أَصْحَابِكَ فِي الْجِهَادِ لِلْعَدُوِّ يَكُنْ لَهُ نَصِيبٌ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْأَجْرِ .
وَمَنْ يَشْفَعْ وِتْرًا مِنْ الْكُفَّارِ فِي جِهَادِكَ يَكُنْ لَهُ كِفْلٌ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْإِثْمِ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهَا عَامَّةٌ فِي كُلِّ ذَلِكَ ، وَقَدْ تَكُونُ الشَّفَاعَةُ غَيْرَ جَائِزَةٍ ، وَذَلِكَ فِيمَا كَانَ سَعْيًا فِي إثْمٍ أَوْ فِي إسْقَاطِ حَدٍّ بَعْدَ وُجُوبِهِ ، فَيَكُونُ حِينَئِذٍ شَفَاعَةً سَيِّئَةً .
وَرَوَتْ عَائِشَةُ { أَنَّ قُرَيْشًا أَهَمَّهُمْ شَأْنُ الْمَرْأَةِ الْمَخْزُومِيَّةِ الَّتِي سَرَقَتْ فَقَالُوا : مَنْ يُكَلِّمُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا ؟ فَقَالُوا : وَمَنْ يَجْتَرِئُ إلَّا أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ حِبُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَلَّمَهُ أُسَامَةُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتَشْفَعُ فِي حَدٍّ مِنْ حُدُودِ اللَّهِ ؟ وَاَيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْتُ يَدَهَا } مُخْتَصَرًا .
وَهَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { تَعَافَوْا الْحُدُودَ فِيمَا بَيْنَكُمْ ، فَمَا بَلَغَنِي مِنْ حَدٍّ فَقَدْ وَجَبَ } .

الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ حَسِيبًا } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : التَّحِيَّةُ تَفْعِلَةٌ مِنْ حَيَّ ، وَكَانَ الْأَصْلُ فِيهَا مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ : { أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى خَلَقَ آدَمَ عَلَى صُورَتِهِ طُولُهُ سِتُّونَ ذِرَاعًا ، ثُمَّ قَالَ لَهُ : اذْهَبْ فَسَلِّمْ عَلَى أُولَئِكَ النَّفَرِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ ، فَاسْتَمِعْ مَا يُحَيُّونَك بِهِ ، فَإِنَّهَا تَحِيَّتُك وَتَحِيَّةُ ذُرِّيَّتِك ؛ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ .
فَقَالَتْ لَهُ : وَعَلَيْك السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ } إلَّا أَنَّ النَّاسَ قَالُوا : إنَّ كُلَّ مَنْ كَانَ يَلْقَى أَحَدًا فِي الْجَاهِلِيَّةِ يَقُولُ لَهُ : اسْلَمْ ، عِشْ أَلْفَ عَامٍ ، أَبَيْتَ اللَّعْنَ .
فَهَذَا دُعَاءٌ فِي طُولِ الْحَيَاةِ أَوْ طِيبِهَا بِالسَّلَامَةِ مِنْ الذَّامِّ أَوْ الذَّمِّ ، فَجُعِلَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ وَالْعَطِيَّةُ الشَّرِيفَةُ بَدَلًا مِنْ تِلْكَ ، وَأَعْلَمَنَا أَنَّ أَصْلَهَا آدَم .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا حُيِّيتُمْ } : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : رَوَى ابْنُ وَهْبٍ وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا حُيِّيتُمْ } أَنَّهُ فِي الْعُطَاسِ وَالرَّدِّ عَلَى الْمُشَمِّتِ .
الثَّانِي : إذَا دُعِيَ لِأَحَدِكُمْ بِطُولِ الْبَقَاءِ فَرُدُّوا عَلَيْهِ أَوْ بِأَحْسَنَ مِنْهُ .
الثَّالِثُ : إذَا قِيلَ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ، وَهُوَ الْأَكْثَرُ .
وَقَدْ رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ أَنَّهُ كَتَبَ إلَى هَارُونَ الرَّشِيدِ جَوَابَ كِتَابٍ ، فَقَالَ فِيهِ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ وَالسَّلَامُ لِهَذِهِ الْآيَةِ : { وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } .
فَاسْتَشْهَدَ مَالِكٌ فِي هَذَا بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي رَدِّ الْجَوَابِ إذَا رَجَعَ الْجَوَابُ عَلَى حَقٍّ .
كَمَا رُوِيَ رَجَعَ الْمُسْلِمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ :

قَوْله تَعَالَى : { فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا } : فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَحْسَنَ مِنْهَا أَيْ الصِّفَةِ ، إذَا دَعَا لَك بِالْبَقَاءِ فَقُلْ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ، فَإِنَّهَا أَحْسَنُ مِنْهَا فَإِنَّهَا سُنَّةُ الْآدَمِيَّةِ ، وَشَرِيعَةُ الْحَنِيفِيَّةِ .
الثَّانِي : إذَا قَالَ لَك سَلَامٌ عَلَيْك فَقُلْ : وَعَلَيْك السَّلَامُ وَرَحْمَةُ اللَّهِ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ رُدُّوهَا } : اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : حَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا فِي السَّلَامِ .
الثَّانِي : أَنَّ أَحْسَنَ مِنْهَا هُوَ فِي الْمُسْلِمِ ، وَأَنَّ رُدَّهَا بِعَيْنِهَا هُوَ فِي الْكَافِرِ ؛ وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ إذَا سَلَّمُوا عَلَيْك قَالُوا : السَّامُّ عَلَيْكُمْ فَقُولُوا عَلَيْكُمْ } .
كَذَلِكَ كَانَ سُفْيَانُ يَقُولُهَا .
وَالْمُحْدَثُونَ يَقُولُونَ بِالْوَاوِ ، وَالصَّوَابُ سُقُوطُ الْوَاوِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَنَا لَهُمْ : عَلَيْكُمْ رَدٌّ ، وَقَوْلَنَا وَعَلَيْكُمْ مُشَارَكَةٌ ، وَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ ذَلِكَ .
{ وَكَانَتْ عَائِشَةُ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ الْيَهُودُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَيْك السَّامُّ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : عَلَيْكُمْ فَفَهِمَتْ عَائِشَةُ قَوْلَهُمْ ؛ فَقَالَتْ عَائِشَةُ : عَلَيْكُمْ السَّامُ وَاللَّعْنَةُ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَهْلًا يَا عَائِشَةُ فَقَالَتْ : أَوَلَمْ تَسْمَعْ مَا قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ ؟ قَالَ : أَوَ لَمْ تَسْمَعِي مَا قُلْت عَلَيْكُمْ ؟ إنَّهُ يُسْتَجَابُ لَنَا فِيهِمْ وَلَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ فِي } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ : التَّحِيَّةُ هَاهُنَا الْهَدِيَّةُ ، أَرَادَ الْكَرَامَةَ بِالْمَالِ وَالْهِبَةِ قَالَ الشَّاعِرُ : إذْ تُحْيِي بِضَيْمُرَانَ وَآسِ وَقَالَ آخَرُ : وَالْمُرَادُ بِهَذَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ الْكَرَامَةُ بِالْمَالِ ؛ لِأَنَّهُ قَالَ : أَوْ رُدُّوهَا بِأَحْسَنَ مِنْهَا ، وَلَا يُمْكِنُ رَدُّ السَّلَامِ بِعَيْنِهِ .
وَظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي رَدَّ التَّحِيَّةِ بِعَيْنِهَا ، وَهِيَ الْهَدِيَّةُ ، فَإِمَّا بِالتَّعْوِيضِ أَوْ الرَّدِّ بِعَيْنِهِ ، وَهَذَا لَا يُمْكِنُ فِي السَّلَامِ ، وَلَا يَصِحُّ فِي الْعَارِيَّةِ ؟ لِأَنَّ رَدَّ الْعَيْنَ هَاهُنَا وَاجِبٌ مِنْ غَيْرِ تَخْيِيرٍ .
قُلْنَا : التَّحِيَّةُ تَفْعِلَةٌ مِنْ

الْحَيَاةِ ، وَهِيَ تَنْطَلِقُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ عَلَى وُجُوهٍ ؛ مِنْهَا الْبَقَاءُ قَالَ زُهَيْرُ بْنُ جَنَابٍ : مِنْ كُلِّ مَا نَالَ الْفَتَى قَدْ نِلْته إلَّا التَّحِيَّةَ وَمِنْهَا الْمُلْكُ ، وَقِيلَ : إنَّهُ الْمُرَادُ هَاهُنَا فِي بَيْتِ زُهَيْرٍ .
وَمِنْهَا السَّلَامُ ، وَهُوَ أَشْهَرُهَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِذَا جَاءُوك حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنْفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ } .
وَقَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ وَالْمُفَسِّرُونَ أَنَّ الْمُرَادَ هَاهُنَا بِالتَّحِيَّةِ السَّلَامُ حَتَّى ادَّعَى هَذَا الْقَائِلُ تَأْوِيلَهُ هَذَا ، وَنَزَعَ بِمَا لَا دَلِيلَ عَلَيْهِ .
وَإِنَّ الْعَرَبَ عَبَّرَتْ بِالتَّحِيَّةِ عَنْ الْهَدِيَّةِ فَإِنَّ ذَلِكَ لِمَجَازٍ ؛ لِأَنَّهَا تَجْلِبُ التَّحِيَّةَ كَمَا يَجْلِبُهَا السَّلَامُ ، وَالسَّلَامُ أَوَّلُ أَسْبَابِ التَّحِيَّةِ ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَلَا أَدُلُّكُمْ عَلَى شَيْءٍ إذَا فَعَلْتُمُوهُ تَحَابَبْتُمْ ؟ أَفْشُوا السَّلَامَ بَيْنَكُمْ } وَقَالَ : { أَفْشُوا السَّلَامَ ، وَأَطْعِمُوا الطَّعَامَ } .
فَعَلَى هَذَا يَصِحُّ أَنْ تُسَمَّى الْهَدِيَّةُ بِهَا مَجَازًا كَأَنَّهَا حَيَاةٌ لِلْمَحَبَّةِ ، وَلَا يَصِحُّ حَمْلُ اللَّفْظِ عَلَى الْمَجَازِ ، وَإِسْقَاطُ الْحَقِيقَةِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ .
فَإِنْ قِيلَ : نَحْمِلهُ عَلَيْهِمَا جَمِيعًا .
قُلْنَا لَهُمْ : أَنْتُمْ لَا تَرَوْنَ ذَلِكَ ؛ فَلَا يَصِحُّ لَكُمْ بِالْقَوْلِ بِهِ ، وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا بَقِيَتْ الْآيَةُ عَلَى ظَاهِرِهَا ، وَإِنْ حَمَلُوهُ عَلَى الْهَدِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِنَا فِي هِبَةِ الثَّوَابِ فَنَسْتَثْنِي مِنْهَا الْوَلَدَ مَعَ وَالِدِهِ بِمَا قَرَّرْنَاهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، فَلْيُطْلَبْ هُنَالِكَ ، فَصَحَّتْ لَنَا الْآيَةُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ .
وَبَقِيَّةُ الْكَلَامِ يُنْظَرُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ فَلْيُطْلَبْ هُنَا لَك .
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِي مَعْنَى السَّلَامِ عَلَيْكُمْ ، فَقِيلَ : هُوَ مَصْدَرُ سَلَّمَ يُسَلِّمُ سَلَامَةً وَسَلَامًا ، كَلَذَاذَةٍ وَلَذَاذًا ، وَقِيلَ لِلْجَنَّةِ دَارُ

السَّلَامِ ؛ لِأَنَّهَا دَارُ السَّلَامَةِ مِنْ الْفَنَاءِ وَالتَّغَيُّرِ وَالْآفَاتِ .
وَقِيلَ : السَّلَامُ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ لِأَنَّهُ لَا يَلْحَقُهُ نَقْصٌ ، وَلَا يُدْرِكُهُ آفَاتُ الْخَلْقِ .
فَإِذَا قُلْت : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ فَيَحْتَمِلُ اللَّهُ رَقِيبٌ عَلَيْكُمْ .
وَإِنْ أَرَدْت بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ عَقْدُ السَّلَامَةِ وَذِمَامُ النَّجَاةِ .
حَدَّثَنَا الْحَضْرَمِيُّ ، أَخْبَرَنَا ابْنُ مُنِيرٍ ، أَخْبَرَنَا النَّيْسَابُورِيُّ [ أَنْبَأَنَا قَلِيلَهْ ] ، أَنْبَأْنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، سَمِعْت أَبِي يَقُولُ : قَالَ ابْنُ عُيَيْنَةَ : أَتَدْرِي مَا السَّلَامُ ؟ تَقُولُ : أَنْتَ مِنِّي آمِنٌ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : أَكْثَرُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى أَنَّ السَّلَامَ سُنَّةٌ وَرَدُّهُ فَرْضٌ لِهَذِهِ الْآيَةِ .
وَقَالَ عَبْدُ الْوَهَّابِ مِنْهُمْ : السَّلَامُ وَرَدُّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إنْ كَانَتْ جَمَاعَةً ، وَإِنْ كَانَ وَاحِدًا كَفَى وَاحِدٌ .
فَالسَّلَامُ فَرْضٌ مَعَ الْمَعْرِفَةِ ، سُنَّةٌ مَعَ الْجَهَالَةِ ؛ لِأَنَّ الْمَعْرِفَةَ إنْ لَمْ تُسَلِّمْ عَلَيْهِ تَغَيَّرَتْ نَفْسُهُ ، ثُمَّ يَتَرَتَّبُ السَّلَامُ عَلَى حَسَبِ مَا بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ : مِنْ قَائِمٍ عَلَى قَاعِدٍ ، وَمَارٍّ عَلَى جَالِسٍ ، وَقَلِيلٍ عَلَى كَثِيرٍ ، وَصَغِيرٍ عَلَى كَبِيرٍ ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ شُرُوطِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : إذَا كَانَ الرَّدّ فَرَضَا بِلَا خِلَافٍ فَقَدْ اسْتَدَلَّ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ الثَّوَابِ فِي الْهِبَةِ لِلْعَيْنِ ، وَكَمَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَ التَّحِيَّةِ يَلْزَمُهُ أَنْ يَرُدَّ مِثْلَ الْهِبَةِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي هِبَةِ الْأَجْنَبِيِّ ثَوَابٌ ، وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ الْمَرْءَ مَا أَعْطَى إلَّا لِيُعْطَى ؛ وَهَذَا هُوَ الْأَصْلُ فِيهَا ، وَإِنَّا لَا نَعْمَلُ عَمَلًا لِمَوْلَانَا إلَّا لِيُعْطِيَنَا ، فَكَيْفَ بَعْضُنَا لِبَعْضٍ ، وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ فِي سُورَةِ الرُّومِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

قَوْله تَعَالَى : { فَمَا لَكُمْ فِي الْمُنَافِقِينَ فِئَتَيْنِ وَاَللَّهُ أَرْكَسَهُمْ بِمَا كَسَبُوا أَتُرِيدُونَ أَنْ تَهْدُوا مَنْ أَضَلَّ اللَّهُ وَمَنْ يَضْلِلْ اللَّهُ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ سَبِيلًا وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَمَا كَفَرُوا فَتَكُونُونَ سَوَاءً فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَخُذُوهُمْ وَاقْتُلُوهُمْ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا إلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَسَلَّطَهُمْ عَلَيْكُمْ فَلَقَاتَلُوكُمْ فَإِنْ اعْتَزَلُوكُمْ فَلَمْ يُقَاتِلُوكُمْ وَأَلْقَوْا إلَيْكُمْ السَّلَمَ فَمَا جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ عَلَيْهِمْ سَبِيلًا } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : رَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَزِيدَ الْأَنْصَارِيُّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ صَاحِبٍ عَنْ صَاحِبٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا خَرَجَ إلَى أُحُدٍ رَجَعَتْ طَائِفَةٌ مِمَّنْ كَانَ مَعَهُ ، فَكَانَ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِمْ فِرْقَتَيْنِ ، فِرْقَةٌ تَقُولُ : نَقْتُلُهُمْ ، وَفِرْقَةٌ تَقُولُ : لَا نَقْتُلُهُمْ } ، فَنَزَلَتْ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الْبُخَارِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ .
الثَّانِي : قَالَ مُجَاهِدٌ : نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ خَرَجُوا مِنْ [ أَهْلِ ] مَكَّةَ حَتَّى أَتَوْا الْمَدِينَةَ ، يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ مُهَاجِرُونَ فَارْتَدُّوا وَاسْتَأْذَنُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الرُّجُوعِ إلَى مَكَّةَ لِيَأْتُوا بِبَضَائِعَ ، فَاخْتَلَفَ فِيهِمْ الْمُؤْمِنُونَ ، فَفِرْقَةٌ تَقُولُ إنَّهُمْ مُنَافِقُونَ ، وَفِرْقَةٌ تَقُولُ هُمْ مُؤْمِنُونَ ؛ فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى نِفَاقَهُمْ .
الثَّالِثُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ كَانُوا بِمَكَّةَ فَتَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ ، وَكَانُوا يُظَاهِرُونَ الْمُشْرِكِينَ ، فَخَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ يَطْلُبُونَ

حَاجَةً ، وَإِنَّ الْمُؤْمِنِينَ لَمَّا أُخْبِرُوا بِهِمْ قَالَتْ فِئَةٌ : اُخْرُجُوا إلَى هَؤُلَاءِ الْجُبَنَاءِ فَاقْتُلُوهُمْ .
وَقَالَتْ أُخْرَى : قَدْ تَكَلَّمُوا بِمِثْلِ مَا تَكَلَّمْتُمْ بِهِ .
الرَّابِعُ : قَالَ السُّدِّيُّ : كَانَ نَاسٌ مِنْ الْمُنَافِقِينَ إذَا أَرَادُوا أَنْ يَخْرُجُوا مِنْ الْمَدِينَةِ قَالُوا : أَصَابَتْنَا أَوْجَاعٌ بِالْمَدِينَةِ ، فَلَعَلَّنَا نَخْرُجُ إلَى الطُّهْرِ حَتَّى نَتَمَاثَلَ وَنَرْجِعُ ؛ فَانْطَلَقُوا فَاخْتَلَفَ فِيهِمْ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَتْ طَائِقَةٌ : أَعْدَاءُ اللَّهِ مُنَافِقُونَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : بَلْ إخْوَانُنَا غَمَّتْهُمْ الْمَدِينَةُ فَاجْتَوَوْهَا ، فَإِذَا بَرِئُوا رَجَعُوا ؛ فَنَزَلَتْ فِيهِمْ الْآيَةُ .
الْخَامِسُ : قَالَ ابْنُ زَيْدٍ : نَزَلَتْ فِي ابْنِ أُبَيٍّ حِينَ تَكَلَّمَ فِي عَائِشَةَ .
وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ مَكَّةَ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ أَوْلِيَاءَ حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } .
وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ زَيْدٌ .
وَقَوْلُهُ : { حَتَّى يُهَاجِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ } يَعْنِي حَتَّى يَهْجُرُوا الْأَهْلَ وَالْوَلَدَ وَالْمَالَ ، وَيُجَاهِدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّ اللَّهَ رَدَّ الْمُنَافِقِينَ إلَى الْكُفْرِ ، وَهُوَ الْإِرْكَاسُ ، وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الرُّجُوعِ إلَى الْحَالَةِ الْمَكْرُوهَةِ ، كَمَا قَالَ فِي الرَّوْثَةِ إنَّهَا رِجْسٌ ، أَيْ رَجَعَتْ إلَى حَالَةٍ مَكْرُوهَةٍ ؛ فَنَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَصْحَابَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَتَعَلَّقُوا فِيهِمْ بِظَاهِرِ الْإِيمَانِ ، إذَا كَانَ أَمْرُهُمْ فِي الْبَاطِنِ عَلَى الْكُفْرِ ، وَأَمَرَهُمْ بِقَتْلِهِمْ حَيْثُ وَجَدُوهُمْ ، وَأَيْنَمَا ثَقِفُوهُمْ ؛ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الزِّنْدِيقَ يُقْتَلُ ، وَلَا يُسْتَتَابُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَتَّخِذُوا مِنْهُمْ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا } .
فَإِنْ قِيلَ : مَعْنَاهُ مَا دَامُوا عَلَى حَالِهِمْ .
قُلْنَا :

كَذَلِكَ نَقُولُ وَهَذِهِ حَالَةٌ دَائِمَةٌ ، لَا تَذْهَبُ عَنْهُمْ أَبَدًا ؛ لِأَنَّ مَنْ أَسَرَّ الْكُفْرَ ، وَأَظْهَرَ الْإِيمَانَ ، فَعُثِرَ عَلَيْهِ ، كَيْفَ تَصِحُّ تَوْبَتُهُ ؟ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ يَصِلُونَ إلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ } : الْمَعْنَى إلَّا مَنْ انْضَافَ مِنْهُمْ إلَى طَائِفَةٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ عَهْدٌ ، فَلَا تَعْرِضُوا لَهُمْ فَإِنَّهُمْ عَلَى عَهْدِهِمْ ، ثُمَّ نُسِخَتْ الْعُهُودُ فَانْتَسَخَ هَذَا ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي بِإِيضَاحِهِ وَبَسْطِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ أَنْ يُقَاتِلُوكُمْ أَوْ يُقَاتِلُوا قَوْمَهُمْ } : هَؤُلَاءِ قَوْمٌ جَاءُوا وَقَالُوا : لَا نُرِيدُ أَنْ نُقَاتِلَ مَعَكُمْ وَلَا نُقَاتِلُ عَلَيْكُمْ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونُوا مُعَاهَدِينَ عَلَى ذَلِكَ ، وَهُوَ نَوْعٌ مِنْ الْعَهْدِ ، وَقَالُوا : لَا نُسْلِمُ وَلَا نُقَاتِلُ ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقْبَلَ ذَلِكَ مِنْهُمْ فِي أَوَّلِ الْإِسْلَامِ تَأَلُّفًا حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى وَيَشْرَحَهَا لِلْإِسْلَامِ .
وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ .
وَمِثْلُهُ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا ، وَقَدْ بَسَطْنَاهَا بَسْطًا عَظِيمًا فِي " كِتَابِ أَنْوَارِ الْفَجْرِ " بِأَخْبَارِهَا ومُتَعلَّقاتِها فِي نَحْوٍ مِنْ مِائَةِ وَرَقَةٍ .

الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ إلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِنْ اللَّهِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا } فِيهَا تِسْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً } : مَعْنَاهُ : وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا قَتْلًا جَائِزًا .
أَمَّا أَنَّهُ يُوجَدُ ذَلِكَ مِنْهُ غَيْرُ جَائِزٍ فَنَفَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ جَوَازَهُ لَا وُجُودَهُ ؛ لِأَنَّ الْأَنْبِيَاءَ صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِمْ لَمْ يُبْعَثُوا لِبَيَانِ الْحِسِّيَّاتِ وُجُودًا وَعَدَمًا ، إنَّمَا بُعِثُوا لِبَيَانِ الْأَحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ إثْبَاتًا وَنَفْيًا .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ هُوَ جَائِزٌ لِلْكَافِرِ ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ : نَعَمْ ، فَقَدْ أَحْلَلْتُمْ .
وَإِنْ قُلْتُمْ : لَا ، فَقَدْ أَبْطَلْتُمْ فَائِدَةَ التَّخْصِيصِ بِالْمُؤْمِنِ بِذَلِكَ ، وَالْكَافِرُ فِيهِ مِثْلُهُ .
قُلْنَا : مَعْنَاهُ أَنَّ الْمُؤْمِنِينَ أَبْعَدُ مِنْ ذَلِكَ بِحَنَانِهِمْ وَأُخُوَّتِهِمْ وَشَفَقَتِهِمْ وَعَقِيدَتِهِمْ ؛ فَلِذَلِكَ خُصَّ الْمُؤْمِنُ بِالتَّأْكِيدِ ، وَلِمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ أَيْضًا حَسْبَمَا نُبَيِّنُ ذَلِكَ بَعْدُ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا خَطَأً } : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا اسْتِثْنَاءٌ مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ، وَلَهُ يَقُولُ النُّحَاةُ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ إذَا لَمْ يَكُنْ مِنْ جِنْسِ الْأَوَّلِ ؛ وَذَلِكَ كَثِيرٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا حَقِيقَتَهُ فِي رِسَالَةِ الْمُلْجِئَةِ .
وَمَعْنَاهُ أَنْ يَأْتِيَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ اللَّفْظِ ، لَا عَلَى نَفْسِ اللَّفْظِ ، كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَقَفْت بِهَا أُصَيْلَانًا أُسَائِلُهَا عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ إلَّا الْأَوَارِيَ لَأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ فَلَمْ تَدْخُلْ الْأَوَارِي فِي لَفْظِ أَحَدٍ ، وَلَكِنْ دَخَلَتْ فِي مَعْنَاهُ .
أَرَادَ : وَمَا بِالرَّبْعِ أَحَدٌ أَيْ [ غَيْرُ ] مَا كَانَ فِيهِ ، أَوْ أَثَرٌ كُلُّهُ ذَاهِبٌ ، إلَّا الْأَوَارِيَ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا } ؛ الْمَعْنَى مَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يُفَوِّتَ نَفْسَ مُؤْمِنٍ بِكَسْبِهِ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِغَيْرِ قَصْدِهِ إلَى وَصْفِهِ ؛ فَافْهَمْهُ وَرَكِّبْهُ تَجِدْهُ بَدِيعًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَرَادَ بَعْضَ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنْ يُخْرِجَ هَذَا مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ الْمُنْقَطِعِ ؛ وَيَجْعَلَهُ مُتَّصِلًا لِجَهْلِهِ بِاللُّغَةِ وَكَوْنِهِ أَعْجَمِيًّا فِي السَّلَفِ ؛ فَقَالَ : هُوَ اسْتِثْنَاءٌ صَحِيحٌ .
وَفَائِدَتُهُ أَنَّ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ خَطَأً فِي بَعْضِ الْأَحْوَالِ ، فَيَا لِلَّهِ ، وَيَا لِلْعَالِمِينَ مِنْ هَذَا الْكَلَامِ ، كَيْفَ يَصِحُّ فِي عَقْلِ عَاقِلٍ أَنْ يَقُولَ : أُبِيحَ لَهُ أَنْ يَقْتُلَهُ خَطَأً ، وَمِنْ شَرْطِ الْإِذْنِ وَالْإِبَاحَةِ الْمُكَلَّفُ وَقَصْدُهُ ، وَذَلِكَ ضِدُّ الْخَطَأِ ، فَالْكَلَامُ لَا يَتَحَصَّلُ مَعْقُولًا .
ثُمَّ قَالَ : وَهُوَ أَنْ يُرَى عَلَيْهِ لِبْسَةُ الْمُشْرِكِينَ وَالِانْحِيَازُ إلَيْهِمْ كَقِصَّةِ حُذَيْفَةَ مَعَ أَبِيهِ يَوْمَ أُحُدٍ .
قُلْنَا لَهُ : هَذَا هُوَ الِاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ وَقَعَ خِلَافَ الْقَصْدِ ، وَهُوَ قَصْدٌ إلَى مُشْرِكٍ ، فَتَبَيَّنَ أَنَّهُ

مُسْلِمٌ ؛ فَهَذَا لَا يُدْخِلُ تَحْتَ التَّكْلِيفِ أَمْرًا وَلَا نَهْيًا .
ثُمَّ قَالَ : وَقَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً } يَقْتَضِي أَنْ يُقَالَ : إنَّمَا يُبَاحُ لَهُ إذَا وُجِدَ شَرْطُ الْإِبَاحَةِ ، وَشَرْطُ الْإِبَاحَةِ أَنْ يَكُونَ خَطَأً ، وَفِي هَذَا الْقَوْلِ مِنْ التَّهَافُتِ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ مَا يُغْنِي عَنْ رَدِّهِ .
وَكَيْفَ يُتَصَوَّرُ أَنْ يُقَالَ : شَرْطُ إبَاحَةِ الْقَتْلِ أَنْ لَا يَقْصِدَ ، لَاهُمَّ إلَّا أَنَّ كَوْنَ الْمُقَلِّدِ أَلَمَّ بِقَوْلِ الْمُبْتَدِعَةِ : إنَّ الْمَأْمُورَ لَا يُعْلَمُ كَوْنَهُ مَأْمُورًا إلَّا بَعْدَ تَقَضِّي الِامْتِثَالِ وَمُضَائِهِ ؛ فَالِاخْتِلَالُ فِي الْمَقَالِ وَاحِدٌ وَالرَّدُّ وَاحِدٌ ، فَلْتَلْحَظْهُ فِي أُصُولِهِ الَّتِي صَنَّفَ ؛ فَإِنَّهُ مِنْ جِنْسِهِ ؛ ثُمَّ أَبْطَلَ هُوَ هَذَا وَكَانَ فِي غِنًى عَنْ ذِكْرِهِ وَإِبْطَالِهِ .
ثُمَّ قَالَ : إنَّ أَقْرَبَ قَوْلٍ فِيهِ أَنْ يُقَالَ : إنَّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ : { إلَّا خَطَأً } اقْتَضَى تَأْثِيمَ قَاتِلِهِ لِاقْتِضَاءِ النَّهْيِ ذَلِكَ ، فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { إلَّا خَطَأً } رَفْعٌ لِلتَّأْثِيمِ عَنْ قَاتِلِهِ ؛ وَإِنَّمَا دَخَلَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى مَا تَضْمَنَّهُ اللَّفْظُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْمَآثِمِ ، فَأَخْرَجَ مِنْهُ قَاتِلَ الْخَطَأِ ، وَجَاءَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى حَقِيقَتِهِ ؛ وَهَذَا كَلَامُ مَنْ لَا يَعْلَمُ اللُّغَةَ وَلَا يَفْهَمُ مَقَاطِعَ الشَّرِيعَةِ ، بَلْ قَوْلُهُ : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا } مَعْنَاهُ كَمَا قُلْنَا جَائِزٌ ضَرُورَةً لَا وُجُودًا ؛ فَنَفَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ جَوَازَ ذَلِكَ لَا وُجُودَهُ ، فَقَوْلُ هَذَا الرَّجُلِ : إنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي تَأْثِيمَ قَاتِلِهِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ ضِدَّ الْجَوَازِ التَّحْرِيمُ وَحْدَهُ ؛ بَلْ ضِدَّ النَّدْبِ وَالْكَرَاهِيَةِ عَلَى قَوْلٍ ، وَالْوُجُوبُ وَالتَّحْرِيمُ عَلَى آخَرَ ، فَلِمَ عَيَّنَ هَذَا الرَّجُلُ مِنْ نَفْيِ الْجَوَازِ التَّحْرِيمَ الْمُؤْثِمَ .
أَمَّا إنَّ ذَلِكَ عُلِمَ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ لَا مِنْ نَفْسِ هَذَا اللَّفْظِ .
ثُمَّ نَقُولُ : هَبْكَ أَنَّا أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ

بِهَذَا اللَّفْظِ ، وَقُلْنَا لَهُ : إنَّ مَعْنَاهُ الصَّرِيحَ أَنْتَ آثِمٌ إنْ قَتَلَتْهُ ، إلَّا أَنْ تَقْتُلَهُ خَطَأً ، فَإِنَّهُ يَكُونُ اسْتِثْنَاءً مِنْ غَيْرِ الْجِنْسِ ؛ لِأَنَّ الْإِثْمَ أَيْضًا إنَّمَا يَرْتَبِطُ بِالْعَمْدِ ، فَإِذَا قَالَ بَعْدَهُ : إلَّا خَطَأً ، فَهُوَ ضِدُّهُ ، فَصَارَ مُنْقَطِعًا عَنْهُ حَقِيقَةً وَصِفَةً وَرَفْعًا لِلْمَأْثَمِ .
وَقَوْلُهُ : فَإِنَّمَا دَخَلَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى مَا يَتَضَمَّنُهُ اللَّفْظُ مِنْ اسْتِحْقَاقِ الْمَأْثَمِ فَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ اللَّفْظَ لَيْسَ فِيهِ لِذَلِكَ ذِكْرُ حَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازًا ؛ وَإِنَّمَا يُؤْخَذُ الْإِثْمُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ ، وَقَدْ أَشَرْنَا نَحْنُ إلَى حَقِيقَتِهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْرِ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ النَّحَارِيرِ : إنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي سَبَبٍ ؛ { وَذَلِكَ أَنَّ أُسَامَةَ لَقِيَ رَجُلًا مِنْ الْمُشْرِكِينَ فِي غَزَاةٍ فَعَلَاهُ بِالسَّيْفِ ، فَقَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؛ فَقَتَلَهُ ؛ فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : أَقَتَلَتْهُ بَعْدَ أَنْ قَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّمَا قَالَهَا مُتَعَوِّذًا .
فَجَعَلَ يُكَرِّرُ عَلَيْهِ : بَعْدَ أَنْ قَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ } .
قَالَ : فَلَقَدْ تَمَنَّيْت أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْت قَبْلَ ذَلِكَ الْيَوْمِ .
فَهَذَا قَتَلَ مُتَعَمِّدًا مُخْطِئًا فِي اجْتِهَادِهِ .
وَهَذَا نَفِيسٌ .
وَمِثْلُهُ قَتْلُ أَبِي حُذَيْفَةَ يَوْمَ أُحُدٍ ، فَمُتَعَلِّق الْخَطَأِ غَيْرُ مُتَعَلِّق الْعَمْدِ ، وَمَحَلُّهُ غَيْرُ مَحَلِّهِ وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْضًا مِنْهُ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَتْ جَمَاعَةٌ : إنَّ الْآيَتَيْنِ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ مِقْيَسِ بْنِ صُبَابَةَ ، فَإِنَّهُ أَسْلَمَ هُوَ وَأَخُوهُ هِشَامٌ فَأَصَابَ هِشَامًا رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ مِنْ رَهْطِ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ ، وَهُوَ يَرَى أَنَّهُ مِنْ الْعَدُوِّ ، فَقَتَلَهُ خَطَأً فِي هَزِيمَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ مِنْ خُزَاعَةَ ، وَكَانَ أَخُوهُ مِقْيَسٌ بِمَكَّةَ ، فَقَدِمَ مُسْلِمًا فِيمَا يَظْهَرُ .
وَقِيلَ : لَمْ يَبْرَحْ مِنْ الْمَدِينَةِ فَطَلَب دِيَةَ أَخِيهِ ، فَبَعَثَ

مَعَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلًا مِنْ فِهْرٍ إلَى بَنِي النَّجَّارِ فِي دِيَتِهِ ، فَدَفَعُوا إلَيْهِ الدِّيَةَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ مِقْيَسٌ وَالْفِهْرَيْ رَاجِعِينَ إلَى الْمَدِينَةِ قَتَلَ مِقْيَسٌ الْفِهْرَيَّ ، وَارْتَدَّ عَنْ الْإِسْلَام ، وَرَكِبَ جَمَلًا مِنْهَا ، وَسَاقَ مَعَهُ الْبَقِيَّةَ ، وَلَحِقَ كَافِرًا بِمَكَّةَ ، وَقَالَ : شَفَى النَّفْسَ أَنْ قَدْ مَاتَ بِالْقَاعِ مُسْنَدًا يَضْرُجُ فِي ثَوْبَيْهِ دِمَاءَ الْأَخَادِعِ وَكَانَتْ هُمُومُ النَّفْسِ مِنْ قَبْلِ قَتْلِهِ تَلُمُّ فَتَحْمِينِي وِطَاءَ الْمَضَاجِعِ ثَأَرْت بِهِ فِهْرًا وَحَمَّلْت عَقْلَهُ سُرَاةَ بَنِي النَّجَّارِ أَرْبَابَ فَارِعِ حَلَلْت بِهِ وَتْرِي وَأَدْرَكْت ثُؤْرَتِي وَكُنْت إلَى الْأَوْثَانِ أَوَّلَ رَاجِعِ فَدَخَلَ قَتْلُ الْأَنْصَارِيِّ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً } وَدَخَلَ قَتْلُ مِقْيَسٍ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ } ، وَكُلُّ وَاحِدٍ بِصِفَتِهِ فِي الْآيَتَيْنِ بِصِفَتِهِمَا ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } : أَوْجَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ تَحْرِيرَ الرَّقَبَةِ ، وَسَكَتَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ عَنْهَا .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا كَثِيرًا قَدِيمًا وَحَدِيثًا ، مَآلُهُ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ وَمَالِكًا قَالَا : لَا كَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِيهِ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهَا إذَا وَجَبَتْ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ وَلَا إثْمَ فِيهِ فَفِي الْعَمْدِ أَوْلَى .
قُلْنَا : هَذَا يُبْعِدُهَا عَنْ الْعَمْدِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يُوجِبْهَا فِي مُقَابَلَةِ الْإِثْمِ ، وَإِنَّمَا أَوْجَبَهَا عِبَادَةً ، أَوْ فِي مُقَابَلَةِ التَّقْصِيرِ ، وَتَرْك الْحَذَرِ وَالتَّوَقِّي ، وَالْعَمْدُ لَيْسَ مِنْ ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْلُهُ : ( مُؤْمِنَةٍ ) وَهَذَا يَقْتَضِي كَمَا لَهَا فِي صِفَاتِ الدِّينِ ، فَتُكْمَلُ فِي صِفَاتِ الْمَالِيَّةِ حَتَّى لَا تَكُونَ مَعِيبَةً ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ أَتْلَفَ شَخْصًا فِي عِبَادَةِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، فَعَلَيْهِ أَنْ يُخَلِّصَ آخَرَ لِعِبَادَةِ رَبِّهِ عَنْ شُغُلِ غَيْرِهِ ، وَأَيْضًا فَإِنَّمَا يُعْتَقُ بِكُلِّ عُضْوِ مِنْهُ عُضْوٌ مِنْهَا مِنْ النَّارِ حَتَّى الْفَرْجُ بِالْفَرْجِ ، فَمَتَى نَقَصَ عُضْوٌ مِنْهَا لَمْ تَكْمُلُ شُرُوطُهَا .
وَهَذَا بَدِيعٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : سَوَاءٌ كَانَتْ الرَّقَبَةُ صَغِيرَةً أَوْ كَبِيرَةً إذَا كَانَتْ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ أَوْ لِمُسْلِمٍ فَإِنَّهُ يَجُوزُ خِلَافًا لِابْنِ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ ؛ إذْ قَالُوا : لَا يُجْزِئُ إلَّا مَنْ صَامَ وَصَلَّى وَعَقَلَ الْإِسْلَامَ .
قَالَ الطَّبَرِيُّ : مَنْ وُلِدَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ فَحُكْمُهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْعِتْقِ ، كَمَا أَنَّ حُكْمَهُ حُكْمُ الْمُسْلِمِينَ فِي الْجِنَايَةِ وَالْإِرْثِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ وَجَمِيعِ أَحْكَامِهِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ إلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا } : أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الدِّيَةَ فِي قَتْلِ الْخَطَأِ جَبْرًا .
كَمَا أَوْجَبَ الْقِصَاصَ فِي قَتْلِ الْعَمْدِ زَجْرًا ، وَجَعَلَ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ رِفْقًا ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ قَاتِلَ الْخَطَأِ لَمْ يَكْتَسِبْ إثْمًا وَلَا مَحْرَمًا ، وَالْكَفَّارَةُ وَجَبَتْ زَجْرًا عَنْ التَّقْصِيرِ وَالْحَذَرِ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : الدِّيَةُ مِائَةٌ مِنْ الْإِبِلِ فِي تَقْدِيرِ الشَّرِيعَةِ ، وَبِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ ؛ فَإِنْ عُدِمَتْ الْإِبِلُ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ : فَقَالَ مَالِكٌ : مِنْ الدَّرَاهِمِ عَلَى أَهْلِ الْوَرِقِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَمِنْ الذَّهَبِ أَلْفُ دِينَارٍ ، وَلَيْسَتْ فِي غَيْرِهِمَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : عَشْرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْوَاجِبُ مِنْهُ الْإِبِلُ كَيْفَ تَصَرَّفَتْ ، فَإِنَّمَا الْأَصْلُ ؛ فَإِذَا عُدِمَتْ وَقْتَ الْوُجُوبِ فَحِينَئِذٍ يُنْظَرُ فِي بَدَلِهَا وَهُوَ الْقِيمَةُ بِحِسَابِ الْوَقْتِ ، كَمَا فِي كُلِّ وَاجِبٍ فِي الذِّمَّةِ يَتَعَذَّرُ أَدَاؤُهُ .
وَدَلِيلُنَا أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ قَوَّمَهَا بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ذَهَبًا وَوَرِقًا ، وَكَتَبَ بِهِ إلَى الْآفَاقِ ؛ وَلَا مُخَالِفَ ؛ وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ ؛ فَإِنَّ بَلَدًا لَمْ يَكُنْ قَطُّ بِهِ إبِلٌ لَا سَبِيلَ إلَى تَقْوِيمِهَا فِيهِ ، فَعَلِمَتْ الصَّحَابَةُ ذَلِكَ فَقَدَّرَتْ نَصِيبَهَا ، وَاعْتَبَرَتْهَا فِي كُلِّ بَلَدٍ بِالذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ ؛ إذْ لَا يَخْلُو بَلَدٌ مِنْهُمَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ ، فِي تَقْدِيرِهَا : عَشَرَةُ آلَافِ دِرْهَمٍ ، فَبَنَاهَا عَلَى نِصَابِ الزَّكَاةِ ، وَعُمَرُ مَعَ الصَّحَابَةِ قَدْ عَلِمُوا نِصَابَ الزَّكَاةِ حِينَ قَدَّرُوهَا بِاثْنَيْ عَشْرَةَ أَلْفِ دِرْهَمٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا الْمَعْنَى فِي نِصَابِ الزَّكَاةِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَهُوَ بَدِيعٌ ، فَلْيُنْظَرْ فِيهِ مَنْ أَرَادَ تَمَامَ الْعِلْمِ بِهِ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : هِيَ فِي الْإِبِلِ أَخْمَاسٌ : بَنَاتُ مَخَاضٍ ، وَبَنَاتُ لَبُونٍ ، وَبَنُو لَبُونٍ ، وَحِقَاقٌ ، وَجِذَاعٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هِيَ أَخْمَاسٌ ، إلَّا أَنَّ مِنْهَا بَنِي مَخَاضٍ دُونَ بَنِي لَبُونٍ .
وَدَلِيلُنَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ دِيَةَ الْخَطَأِ أَخْمَاسًا ، فَقَالَ : عِشْرُونَ بَنِي لَبُونٍ } ، وَلَمْ يَذْكُرْ بَنِي مَخَاضٍ ، أَخْرَجَهُ أَبُو دَاوُد كُوفِيًّا مِنْ طَرِيقِ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ فَلَا كَلَامَ لَهُمْ عَلَيْهِ ، وَلَا مَعْنَى مَعَهُمْ ؛ لِأَنَّ مَا ذَكَرُوهُ شَيْءٌ لَا يَجِبُ فِي الزَّكَاةِ فَلَمْ يَجِبْ فِي الدِّيَةِ كَالثَّنَايَا .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : وَهِيَ مُؤَجَّلَةٌ فِي ثَلَاثَةِ أَعْوَامٍ ، كَذَلِكَ قَضَى عُمَرُ وَعَلِيٌّ ، وَهِيَ ضَرُورَةٌ ؛ لِأَنَّ الْإِبِلَ قَدْ تَكُونُ فِي وَقْتِ الْوُجُوبِ حَوَامِلَ فَيَضُرُّ بِهِ ، وَلَا يَجُوزُ الْعُدُولُ إلَى غَيْرِ مَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَفِيهِ تَكُونُ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ لَوَابِنَ ، وَوَجَبَتْ مُوَاسَاةً وَرِفْقًا ، فَتُؤْخَذُ مِنْهَا بِذَلِكَ ، .
{ وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُعْطِيهَا دَفْعَةً وَاحِدَةً لِأَغْرَاضٍ } : مِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يُعْطِيهَا صُلْحًا وَتَسْدِيدًا .
وَمِنْهَا أَنَّهُ كَانَ يُعَجِّلُهَا تَأْلِيفًا ، فَلَمَّا وُجِدَ الْإِسْلَامُ قَرَّرَتْهَا الصَّحَابَةُ عَلَى هَذَا النِّظَامِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : وَلَا مَدْخَلَ فِيهَا لِغَيْرِ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ مِنْ ثِيَابٍ أَوْ طَعَامٍ أَوْ بَقَرٍ خِلَافًا لِأَبِي يُوسُفَ وَمُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِمَا ؛ لِأَنَّهَا قَدْ تَمَهَّدَتْ فِي عَصْرِ الصَّحَابَةِ عَلَى هَذَا ، وَمَا كَانَ مِنْ غَيْرِهِ فَقَدْ سَقَطَ بِالْإِجْمَاعِ عَلَى هَذَا ؛ فَأَمَّا بَقِيَّةُ أَحْكَامِ الدِّيَةِ فَهِيَ كَثِيرَةٌ لَا يَفِي بِهَا إلَّا كُتُبُ الْمَسَائِلِ ، فَلَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهَا ، فَنَخْرُجَ عَنْ الْمَقْصُودِ بِهَا .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { إلَّا أَنْ يَصَّدَّقُوا } : أَوْجَبَ اللَّهُ تَعَالَى الدِّيَةَ لِأَوْلِيَاءِ الْقَتِيلِ إلَّا أَنْ يَصَدَّقُوا بِهَا عَلَى الْقَاتِلِ ؛ وَالِاسْتِثْنَاءُ إذَا تَعَقَّبَ جُمَلًا عَادَ إلَى جَمِيعِهَا إذَا صَلَحَ ذَلِكَ فِيهَا ، وَإِلَّا عَادَ إلَى مَا يُصْلَحُ لَهُ ذَلِكَ مِنْهَا .
وَاَلَّذِي تَقَدَّمَ الْكَفَّارَةُ وَالدِّيَةُ ، وَالْكَفَّارَةُ حَقُّ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَلَا تُقْبَلُ الصَّدَقَةُ مِنْ الْأَوْلِيَاءِ ؛ لِأَنَّ الصَّدَقَةَ مِنْ الْمُتَصَدِّقِ عَلَيْهِ لَا تَنْفُذُ إلَّا فِيمَا يَمْلِكُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ عَدُوٍّ لَكُمْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } : أَوْجَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْكَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الْمُؤْمِنِ بَيْنَ أَهْلِ الْحَرْبِ إذَا كَانَ خَطَأً ، وَلَمْ يَذْكُرْ الدِّيَةَ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ؛ فَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا دِيَةَ فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَعِكْرِمَةَ وَقَتَادَةَ وَجَمَاعَةٍ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَفِيهِ الْكَفَّارَةُ : أَمَّا وُجُوبُ الْكَفَّارَةِ فَلِأَنَّهُ أَتْلَفَ نَفْسًا مُؤْمِنَةً .
وَأَمَّا امْتِنَاعُ الدِّيَةِ عِنْدَهُمْ فَاخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : إنَّمَا لَمْ تُجِبْ الدِّيَةُ لَهُمْ لِئَلَّا يَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى حَرْبِ الْمُسْلِمِينَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : إنَّمَا لَمْ تَجِبْ لَهُمْ دِيَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَهْدٌ وَلَا مِيثَاقٌ .
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَعَوَّلَ عَلَى أَنَّ الْعَاصِمَ لِلْعَبْدِ فِي ذِمَّتِهِ " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " ، وَأَنَّ الْعَاصِمَ لَهُ فِي مَالِهِ الدَّارُ ؛ فَإِذَا أَسْلَمَ وَبَقِيَ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَقَدْ اعْتَصَمَ عِصْمَةً قَوِيمَةً يَجِبُ بِهَا عَلَى قَاتِلِهِ الْكَفَّارَةُ ، وَلَيْسَ لَهُ عِصْمَةٌ مُقَوَّمَةٌ ؛ فَدَمُهُ وَمَالُهُ هَدَرٌ ، وَلَوْ أَنَّهُ هَاجَرَ إلَى أَرْضِ الْإِسْلَامِ وَتَرَكَ أَهْلَهُ فِي دَارِ الْحَرْبِ فَلَا حُرْمَةَ لَهُمْ .
وَهَذَا هُوَ قِطْعَةٌ مِنْ مَذْهَبِ مَالِكٍ ؛ فَإِنَّ الدَّارَ عِنْدَ مَالِكٍ

الْعَاصِمَةُ لِلْأَهْلِ وَالْمَالِ .
وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْإِسْلَامُ يَعْصِمُ مَالَ الْمُسْلِمِ وَأَهْلَهُ وَدَمَهُ حَيْثُ كَانُوا .
وَالْمَسْأَلَةُ فِي نِهَايَةِ الْإِشْكَالِ ، وَمَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ فِيهَا أَسْلَمُ ، وَعَلَى هَذَا عِنْدَ هَؤُلَاءِ لَمْ يُذْكَرْ أَنَّهُ الدِّيَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ تَجِبْ ، وَعَلَى الْمَذْهَبِ الْمَالِكِيّ لَمْ يَذْكُرْهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ ؛ لِأَنَّهَا لَمْ يَكُنْ لَهَا مُسْتَحَقٌّ ؛ فَلَوْ كَانَ لَهَا مُسْتَحَقٌّ لَوَجَبَتْ ؛ لِأَنَّ سَبَبَ الْوُجُوبِ مَوْجُودٌ وَهُوَ الْإِسْلَامُ ، وَجَلَّ أَنْ يَكُونَ اللَّهُ لَمْ يَذْكُرْ الدِّيَةَ ؛ لِأَنَّ الْهِجْرَةَ كَانَتْ عَلَى مَنْ آمَنَ فَرْضًا ، وَمَنْ أَسْلَمَ وَلَمْ يُهَاجِرْ فَلَا إسْلَامَ لَهُ وَلَا وِلَايَةَ ، فَأَمَّا مُذْ سَقَطَ فَرْضُ الْهِجْرَةِ بِعِصْمَةِ الْإِسْلَامِ فَوَجَبَ لَهُ الدِّيَةُ وَالْكَفَّارَةُ أَيْنَمَا كَانَ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ كَانَ مِنْ قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ إلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ } : وَالْمِيثَاقُ هُوَ الْعَهْدُ الْمُؤَكَّدُ الَّذِي قَدْ ارْتَبَطَ وَانْتَظَمَ ، وَمِنْهُ الْوَثِيقَةُ فَفِيهِ الدِّيَةُ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : هَذَا هُوَ الْكَافِرُ الَّذِي لَهُ وَلِقَوْمِهِ الْعَهْدُ ، فَعَلَى قَاتِلِهِ الدِّيَةُ لِأَهْلِهِ وَالْكَفَّارَةُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ زَيْدٍ وَالْحَسَنُ : الْمُرَادُ بِهِ ، وَهُوَ مُؤْمِنٌ .
وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الْمَقْتُولَ الْكَافِرَ مِنْ أَهْلِ الْعَهْدِ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَهْمَلَهُ وَلَمْ يَقُلْ وَهُوَ مُؤْمِنٌ ، كَمَا قَالَ فِي الْقَتِيلِ مِنْ الْمُؤْمِنِينَ وَمِنْ أَهْلِ الْحَرْبِ ، وَإِطْلَاقُهُ مَا قَيَّدَ قَبْلَ ذَلِكَ دَلِيلٌ أَنَّهُ خِلَافُهُ .
وَهَذَا عِنْدَ عُلَمَائِنَا مَحْمُولٌ عَلَى مَا قَبْلَهُ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ نُسِّقَتْ عَلَى مَا قَبْلَهَا وَرُبِطَتْ بِهَا ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ حُكْمُهَا حُكْمَهُ .
الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ : { فَدِيَةٌ مُسَلَّمَةٌ } وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي دِيَةِ الْكَافِرِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا كَدِيَةِ الْمُسْلِمِ ، وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٌ ؛ وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا عَلَى النِّصْفِ ، وَهُوَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا ثُلُثَ دِيَةِ الْمُسْلِمِ ، وَهُوَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ .
وَالدِّيَةُ الْمُسَلَّمَةُ هِيَ الْمُوَفَّرَةُ .
قَالَ الْقَاضِي : وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ مَحْمُولَةٌ عَلَى مَا قَبَلهَا حَمْلَ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ ، وَهُوَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ ، وَقَدْ أَتَيْنَا فِيهِ بِالْعَجَبِ فِي الْمَحْصُولِ ، وَهُوَ عِنْدِي لَا يَلْحَقُ إلَّا بِالْقِيَاسِ عَلَيْهِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى حَمْلِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَلَى الَّتِي قَبْلَهَا أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا هِيَ لِأَنَّهُ أَتْلَفَ

شَخْصًا عَنْ عِبَادَةِ اللَّهِ ؛ فَيَلْزَمُهُ أَنْ يُخَلِّصَ آخَرَ لَهَا .
وَالثَّانِي : أَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا هِيَ زَجْرٌ عَنْ الِاسْتِرْسَالِ وَتُقَاةٍ لِلْحَذَرِ ، وَحَمْلٌ عَلَى التَّثَبُّتِ عِنْدَ الرَّمْيِ ؛ وَهَذَا إنَّمَا هُوَ فِي حَقِّ الْمُسْلِمِ .
وَأَمَّا فِي حَقِّ الْكَافِرِ فَلَا يَلْزَمُ فِيهِ مِثْلُ هَذَا .
وَنُحَرِّرُ هَذَا قِيَاسًا فَنَقُولُ : كُلُّ كَافِرٍ لَا كَفَّارَةَ فِي قَتْلِهِ [ كَالْمُسْتَأْمَنِ وَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّهُ لَا كَفَّارَةَ فِي قَتْلِهِ ] ، وَلَا عُذْرَ لَهُمْ عَنْهُ بِهِ احْتِفَالٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : إذَا ثَبَتَ أَنَّ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الْجُمْلَةِ هُوَ الْمُؤْمِنُ ، فَمَنْ قَتَلَ كَافِرًا خَطَأً ، وَلَهُ عَهْدٌ فَفِيهِ الدِّيَةُ إجْمَاعًا .
وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِيهِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَهُوَ أَصْلٌ بَدِيعٌ فِي رَفْعِ الدِّمَاءِ .
وَنَحْنُ نُمَهِّدُ فِيهِ قَاعِدَةً قَوِيَّةً فَنَقُولُ : مَبْنَى الدِّيَاتِ فِي الشَّرِيعَةِ عَلَى التَّفَاضُلِ فِي الْحُرْمَةِ وَالتَّفَاوُتِ فِي الْمَرْتَبَةِ ؛ لِأَنَّهُ حَقٌّ مَالِيٌّ يَتَفَاوَتُ بِالصِّفَاتِ ، بِخِلَافِ الْقَتْلِ ، لِأَنَّهُ لَمَّا شُرِعَ زَجْرًا لَمْ يُعْتَبَرْ فِيهِ ذَلِكَ التَّفَاوُتُ ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا نَظَرْنَا إلَى الدِّيَةِ فَوَجَدْنَا الْأُنْثَى تَنْقُصُ فِيهِ عَنْ الذَّكَرِ ؛ وَلَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ لِلْمُسْلِمِ مَزِيَّةٌ عَلَى الْكَافِرِ ؛ فَوَجَبَ أَلَّا يُسَاوِيهِ فِي دِيَتِهِ .
وَزَادَ الشَّافِعِيُّ نَظَرًا ، فَقَالَ : إنَّ الْأُنْثَى الْمُسْلِمَةَ فَوْقَ الْكَافِرِ الذَّكَرِ ، فَوَجَبَ أَنْ تَنْقُصَ دِيَتُهُ عَنْ دِيَتِهَا ، فَتَكُونَ دِيَتُهُ ثُلُثَ دِيَةِ الْمُسْلِمِ .
وَقَالَ مَالِكٌ بِقَضَاءِ عُمَرَ وَهُوَ النِّصْفُ ؛ إذْ لَمْ يُرَاعِ الصَّحَابَةُ التَّفَاوُتَ بَيْنَهُمَا إلَّا فِي دَرَجَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَلَمْ يَتْبَعْ ذَلِكَ إلَى أَقْصَاهُ ، وَلَيْسَ بَعْدَ قَضَاءِ عُمَرَ بِمَحْضَرٍ مِنْ الصَّحَابَةِ نَظَرٌ .
وَمَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ أَعْطَى فِي ذِي الْعَهْدِ مِثْلَ دِيَةِ الْمُسْلِمِ } فَإِنَّمَا كَانَ عَلَى مَعْنَى الِاسْتِئْلَافِ لِقَوْمِهِمْ ؛ إذْ كَانَ يُؤَدِّيهِ

مِنْ قِبَلِ نَفْسِهِ وَلَا يُرَتِّبُهَا عَلَى الْعَاقِلَة ، وَإِلَّا فَقَدْ اسْتَقَرَّ مَا اسْتَقَرَّ عَلَى يَدِ عُمَرَ ، حَتَّى جَعَلَ فِي الْمَجُوسِيِّ ثَمَانَمِائَةِ دِرْهَمٍ لِنَقْصِهِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مُرَاعَاةِ التَّفَاوُتِ وَاعْتِبَارِ نَقْصِ الْمَرْتَبَةِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ } : ظَنَّ قَوْمٌ أَوَّلُهُمْ مَسْرُوقٌ أَنَّ الصِّيَامَ بَدَلٌ عَنْ الدِّيَةِ وَالرَّقَبَةِ ، وَسَاعَدَهُ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ .
وَهُوَ وَهْمٌ ؛ لِأَنَّ الصِّيَامَ يَلْزَمُ الْقَاتِلَ فَهُوَ بَدَلٌ عَمَّا كَانَ يَلْزَمُهُ مِنْ الرَّقَبَةِ ، وَالدِّيَةُ لَمْ تَكُنْ تَلْزَمُهُ ، فَلَيْسَ عَلَيْهِ بَدَلٌ عَنْهَا .
وَهَذَا أَظْهَرُ مِنْ إطْنَابٍ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَمَنْ قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَأً } { وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا } انْحَصَرَ الْقَتْلُ فِي خَطَأٍ وَعَمْدِ عِنْدَ أَكْثَرِ الْعُلَمَاءِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ زَادَ ثَالِثًا ؛ وَهُوَ شِبْهُ الْعَمْدِ ، وَجَعَلُوهُ عَمْدًا خَطَأً ، كَأَنَّهُمْ يُرِيدُونَ بِهِ أَنَّهُ عَمْدٌ مِنْ وَجْهٍ خَطَأٍ مِنْ وَجْهٍ .
وَاَلَّذِي أَشَارُوا بِهِ مِنْ ذَلِكَ قَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ؛ فَرَوَى عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي خُطْبَتِهِ : أَلَا إنَّ فِي قَتِيلِ عَمْدِ الْخَطَأِ قَتِيلِ السَّوْطِ وَالْعَصَا مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ مِنْهَا أَرْبَعُونَ خَلِفَةً فِي بُطُونِهَا أَوْلَادُهَا } رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذَا حَدِيثٌ لَمْ يَصِحَّ ، وَقَدْ [ رُوِيَ ] شِبْهُ الْعَمْدِ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالْفُقَهَاءُ كَأَبِي حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيِّ ، وَحَكَى الْعُلَمَاءُ عَنْ مَالِكٍ الْقَوْلَ بِشِبْهِ الْعَمْدِ ، وَأَنَّ الْقَتْلَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ ، وَلَكِنْ جُعِلَ شِبْهُ الْعَمْدِ فِي مِثْلِ قِصَّةِ الْمُدْلِجِيِّ فِي نَظَرِ مَنْ أَثْبَتَهُ أَنَّ الضَّرْبَ مَقْصُودٌ وَالْقَتْلَ غَيْرُ مَقْصُودٍ ؛ وَإِنَّمَا وَقَعَ بِغَيْرِ الْقَصْدِ فَيَسْقُطُ الْقَوْدُ ، وَتَغْلُظُ الدِّيَةُ .
وَبَالَغَ أَبُو حَنِيفَةَ مُبَالَغَةً أَفْسَدَتْ الْقَاعِدَةَ ، فَقَالَ : إنَّ الْقَاتِلَ بِالْعَصَا وَالْحَجَرِ شِبْهَ الْعَمْدِ فِيهِ دِيَةٌ مُغَلَّظَةٌ وَلَا قَوْدَ فِيهِ ، وَهَذَا بَاطِلٌ قَطْعًا ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .

الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إلَيْكُمْ السَّلَامَ لَسْت مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : { إنَّ رَجُلًا مِنْ الْمُسْلِمِينَ فِي مَغَازِي النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَمَلَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ؛ فَلَمَّا عَلَاهُ بِالسَّيْفِ قَالَ الْمُشْرِكُ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .
فَقَالَ الرَّجُلُ : إنَّمَا يَتَعَوَّذُ بِهَا مِنْ الْقَتْلِ ؛ فَأَتَى إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ .
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ لَك بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، إنَّمَا يَتَعَوَّذُ .
فَمَا زَالَ يُعِيدُهَا عَلَيْهِ : كَيْفَ لَك بِلَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؟ } فَقَالَ الرَّجُلُ : وَدِدْت أَنِّي أَسْلَمْت ذَلِكَ الْيَوْمَ ، وَأَنَّهُ يَبْطُلُ مَا كَانَ لِي مِنْ عَمَلٍ قَبْلَ ذَلِكَ ، وَأَنِّي اسْتَأْنَفْت الْعَمَلَ مِنْ ذَلِكَ الْيَوْمِ .
قَالَ الْقَاضِي : هَذَا الَّذِي ذَكَرَهُ مَالِكٌ مُطْلَقًا هُوَ أُسَامَةُ بْنُ زَيْدٍ ، وَالْحَدِيثُ صَحِيحٌ ، رَوَاهُ الْأَئِمَّةُ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ ، أَصْلُهُ أَبُو ظَبْيَانَ عَنْ أُسَامَةَ ، رَوَاهُ عَنْهُ الْأَعْمَشُ ، وَحُصَيْنُ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ وَالْحَدِيثُ مَشْهُورٌ وَذَكَرَ الطَّبَرِيُّ أَنَّ اسْمَ الَّذِي قَتَلَهُ أُسَامَةُ مِرْدَاسُ بْنُ نَهِيكٍ .
الثَّانِي : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : { بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُحَلِّمَ بْنَ جَثَّامَةَ ، فَلَقِيَهُمْ عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ ، فَحَيَّاهُمْ بِتَحِيَّةِ الْإِسْلَامِ ، وَكَانَ بَيْنَهُمَا إحْنَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَرَمَاهُ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ

بِسَهْمٍ فَقَتَلَهُ ، وَجَاءَ مُحَلِّمُ بْنُ جَثَّامَةَ فَجَلَسَ بَيْنَ يَدِي رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْتَغْفِرَ اللَّهَ ، فَقَالَ : لَا غَفَرَ اللَّهُ لَك ، فَقَامَ وَهُوَ يَتَلَقَّى دُمُوعَهُ بِبُرْدَتِهِ ، فَمَا مَضَتْ سَابِعَةٌ حَتَّى دَفَنُوهُ وَلَفَظَتْهُ الْأَرْضُ ، فَذُكِرَ ذَلِكَ لَهُ فَقَالَ : إنَّ الْأَرْضَ لَتَقْبَلُ مَنْ هُوَ شَرٌّ مِنْهُ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ أَرَادَ أَنْ يُعَظِّمَ مِنْ حُرْمَتِكُمْ فَرَمَوْهُ بَيْنَ جَبَلَيْنِ وَأَلْقَوْا عَلَيْهِ مِنْ الْحِجَارَةِ ، وَأَنْزَلَ اللَّه سُبْحَانَهُ الْآيَةَ } .
الثَّالِثُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَقِيَ نَاسٌ رَجُلًا فِي غَنِيمَةٍ لَهُ فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْكُمْ ، فَقَتَلُوهُ ، وَأَخَذُوا تِلْكَ الْغَنِيمَةَ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ .
الرَّابِعُ : قَالَ قَتَادَةُ : أَغَارَ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ عَلَى رَجُلٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، فَقَالَ الْمُشْرِكُ : إنِّي مُسْلِمٌ ، لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَقَتَلَهُ بَعْدَ أَنْ قَالَهَا .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّ الَّذِي قَتَلَهُ هُوَ الْمِقْدَادُ ، وَذَكَرَ نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ وَهُوَ الْخَامِسُ .
قَالَ الْقَاضِي : قَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَّهُ حَمَلَ دِيَتَهُ ، وَرَدَّ عَلَى أَهْلِهِ غَنِيمَتَهُ } ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ هَذَا صَحِيحًا عَلَى طَرِيقِ الِائْتِلَافِ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ؛ فَإِنَّ هَذَا الْمَقْتُولَ الَّذِي نَزَلَتْ فِيهِ الْآيَةُ لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ ، أَوْ يَكُونَ الَّذِي قَالَ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، أَوْ يَكُونَ عَامِرُ بْنُ الْأَضْبَطِ الَّذِي قَالَ عُلِمَ إسْلَامُهُ : فَأَمَّا كَوْنُهُ عَامِرَ بْنِ الْأَضْبَطِ فَبَعِيدٍ ؛ لِأَنَّ قِصَّةَ عَامِرٍ قَدْ اخْتَلَفَتْ اخْتِلَافًا كَثِيرًا لَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهِ ، تَبَيَّنَ أَنَّ قَتْلَ مُحَلِّمٍ إنَّمَا كَانَ لِإِحْنَةٍ وَحِقْدٍ بَعْدَ الْعِلْمِ بِحَالٍ ، وَكَيْفَمَا تَصَوَّرَ الْأَمْرَ فَفِي وَاحِدَةٍ مِنْ هَذِهِ نَزَلَتْ ، وَغَيْرُهَا يَدْخُلُ فِيهَا بِمَعْنَاهَا .
وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ الْمُسْلِمَ إذَا لَقِيَ الْكَافِرَ لَا عَهْدَ لَهُ جَازَ

لَهُ قَتْلُهُ ؛ فَإِنْ قَالَ لَهُ الْكَافِرُ : " لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ " لَمْ يَجُزْ قَتْلُهُ ؛ فَقَدْ اعْتَصَمَ بِعِصَامِ الْإِسْلَامِ الْمَانِعِ مِنْ دَمِهِ وَمَالِهِ وَأَهْلِهِ .
فَإِنْ قَتَلَهُ بَعْدَ ذَلِكَ قُتِلَ بِهِ .
وَإِنَّمَا سَقَطَ الْقَتْلُ عَنْ هَؤُلَاءِ لِأَجْلِ أَنَّهُمْ كَانُوا فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ ، وَتَأَوَّلُوا أَنَّهُ قَالَهَا مُتَعَوِّذًا ، وَأَنَّ الْعَاصِمَ قَوْلُهَا مُطْمَئِنًّا ، فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّهُ عَاصِمٌ كَيْفَمَا قَالَهَا .
وَأَمَّا إنْ قَالَ لَهُ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُقْتَلَ حَتَّى يُعْلَمَ مَا وَرَاءَ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ مَوْضِعُ إشْكَالٍ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي الْكَافِرِ يُوجَدُ عِنْدَ الدَّرْبِ فَيَقُولُ : جِئْتُ مُسْتَأْمِنًا أَطْلُبُ الْأَمَانَ : هَذِهِ أُمُورٌ مُشْكِلَةٌ ، وَأَرَى أَنْ يُرَدَّ إلَى مَأْمَنِهِ ، وَلَا يُحْكَمُ لَهُ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ قَدْ ثَبَتَ لَهُ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَظْهَرَ مِنْهُ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاعْتِقَادَ الْفَاسِدَ الَّذِي كَانَ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الْفَاسِدُ قَدْ تَبَدَّلَ بِاعْتِقَادٍ صَحِيحٍ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ الصَّحِيحُ ، وَلَا يَكْفِي فِيهِ أَنْ يَقُولَ : أَنَا مُسْلِمٌ ، وَلَا أَنَا مُؤْمِنٌ ، وَلَا أَنْ يُصَلِّيَ حَتَّى يَتَكَلَّمَ بِالْكَلِمَةِ الْعَاصِمَةِ الَّتِي عَلَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ بِهَا عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ : { أُمِرْت أَنْ أُقَاتِلَ النَّاسَ حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ، فَإِذَا قَالُوهَا عَصَمُوا مِنِّي دِمَاءَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ إلَّا بِحَقِّهَا ، وَحِسَابُهُمْ عَلَى اللَّهِ } .
فَإِنْ صَلَّى أَوْ فَعَلَ فِعْلًا مِنْ خَصَائِصِ الْإِسْلَامِ وَهِيَ :

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ عُلَمَاؤُنَا ، وَتَبَايَنَتْ الْفِرَقُ فِي إسْلَامِهِ ، وَقَدْ حَرَّرْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَنَرَى أَنَّهُ لَا يَكُونُ مُسْلِمًا بِذَلِكَ ، أَمَّا أَنَّهُ يُقَالُ لَهُ : مَا وَرَاءُ هَذِهِ الصَّلَاةِ ؟ فَإِنْ قَالَ : صَلَاةُ مُسْلِمٍ قِيلَ لَهُ قُلْ : لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ مُحَمَّدٌ رَسُولٌ اللَّهِ .
فَإِنْ قَالَهَا تَبَيَّنَ صِدْقُهُ ، وَإِنْ أَبَى عَلِمْنَا أَنَّ ذَلِكَ تَلَاعُبٌ ، وَكَانَتْ عِنْدَ مَنْ يَرَى إسْلَامَهُ رِدَّةً وَيُقْتَلُ عَلَى كُفْرِهِ الْأَصْلِيِّ ، وَذَلِكَ مُحَرَّرٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، مُقَرَّرٌ أَنَّهُ كُفْرٌ أَصْلِي لَيْسَ بِرِدَّةٍ .
وَكَذَلِكَ هَذَا الَّذِي قَالَ : سَلَامٌ عَلَيْكُمْ يُكَلَّفُ الْكَلِمَةَ ، فَإِنْ قَالَهَا تَحَقَّقَ رَشَادُهُ ، وَإِنْ أَبِي تَبَيَّنَ عِنَادُهُ وَقُتِلَ .
وَهَذَا مَعْنَى قَوْلِهِ : { فَتَبَيَّنُوا } أَيْ الْأَمْرَ الْمُشْكِلَ ، أَوْ تَثَبَّتُوا وَلَا تَعْجَلُوا ، الْمَعْنَيَانِ سَوَاءٌ ؟ فَإِنْ قَتَلَهُ أَحَدٌ فَقَدْ أَتَى مَنْهِيًّا عَنْهُ ، لَا يَبْلُغ فِدْيَةً وَلَا كَفَّارَةً وَلَا قِصَاصًا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَهُ أَحْكَامُ الْإِسْلَامِ ، وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ أَصْلَ كُفْرِهِ قَدْ تَيَقَّنَاهُ ، فَلَا يُزَالُ الْيَقِينُ بِالشَّكِّ .
فَإِنْ قِيلَ : فَتَغْلِيظُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى مُحَلِّمٍ كَيْفَ مَخْرَجُهُ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّهُ عَلِمَ مِنْ نِيَّتِهِ أَنَّهُ لَمْ يُبَالِ بِإِسْلَامِهِ ، وَلَمْ يُحَقِّقْهُ ؛ فَغَضِبَ عَلَى هَذِهِ النِّيَّةِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا إنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا } .
فِيهَا ثَمَانِي مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ } : اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ بِنَاءَ " ضَرَبَ " يَتَصَرَّفُ فِي اللُّغَةِ عَلَى مَعَانٍ كَثِيرَةٍ ؛ مِنْهَا السَّفَرُ ، وَمَا أَظُنُّهُ سُمِّيَ بِهِ إلَّا لِأَنَّ الرَّجُلَ إذَا سَافَرَ ضَرَبَ بِعَصَاهُ دَابَّتَهُ ، لِيَصْرِفَهَا فِي السَّيْرِ عَلَى حُكْمِهِ ، ثُمَّ سُمِّيَ بِهِ كُلُّ مُسَافِرٍ ، وَلَمْ يَجْتَمِعْ لِي فِي هَذَا الْبَابِ ، وَلَا أَمْكَنَنِي فِي هَذَا الْوَقْتِ ضَبْطٌ فَرَأَيْتُهُ تَكَلُّفًا ، فَتَرَكْتُهُ إلَى أَوْبَةٍ تَأْتِيهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : ( مُرَاغَمًا كَثِيرًا ) هَذِهِ لَفْظَةٌ وَرَدَتْ فِي الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا ، وَهِيَ مُرْتَبِطَةٌ بِهَا سَنَذْكُرُهَا مَعَهَا ، فَأَرَدْنَا أَنْ نُقَدِّمَ شَرْحَ اللَّفْظَةِ ، لِتَكُونَ إلَى جَانِبِ أُخْتِهَا .
وَفِيهِ اخْتِلَافٌ وَإِشْكَالٌ ، وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الْمُرَاغَمُ : الْمَذْهَبُ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : الْمُرَاغَمُ الذَّهَابُ فِي الْأَرْضِ .
الثَّانِي : الْمُرَاغَمُ : الْمُتَحَوِّلُ ، يُعْزَى إلَى ابْنِ عَبَّاسٍ .
الثَّالِثُ : الْمُرَاغَمُ : الْمَنْدُوحَةُ .
قَالَ مُجَاهِدٌ : وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ تَتَقَارَبُ .
وَاخْتُلِفَ فِي اشْتِقَاقِهَا ، فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْ الرَّغَامِ بِفَتْحِ الرَّاءِ وَالْغَيْنِ الْمُعْجَمَةِ ، وَهُوَ التُّرَابُ .
وَقَالَتْ أُخْرَى : هُوَ مَأْخُوذٌ مِنْهُ بِضَمِّ الرَّاءِ ، وَهُوَ مَا يَسِيلُ مِنْ أَنْفِ الشَّاةِ .
وَالرُّغَامُ بِضَمِّ الرَّاءِ يُرْجَعُ إلَى الرَّغَامِ بِفَتْحِهَا ؛ لِأَنَّ مَنْ كَرِهَ رَجُلًا قَصَدَ ذُلَّهُ ، وَأَنْ يَكُبَّهُ اللَّهُ عَلَى وَجْهِهِ ، حَتَّى يَقَعَ أَنْفُهُ عَلَى الرَّغَامِ ، وَهُوَ التُّرَابُ ، فَضُرِبَ الْمِثْلُ بِهِ ، حَتَّى يُقَالَ : أَرْغَمَ اللَّهُ أَنْفَهُ ، وَأَفْعَلَ كَذَا وَإِنْ رَغِمَ أَنْفُهُ ، ثُمَّ سُمِّيَ بَعْدَ ذَلِكَ الْأَنْفُ وَمَا يَسِيلُ مِنْهُ بِهِ .
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ اللَّفْظَةَ تَرْجِعُ إلَى الرَّغَامِ بِفَتْحِ الرَّاءِ .
الْمَعْنَى : وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مَكَانًا لِلذَّهَابِ ، وَضَرَبَ التُّرَابَ لَهُ مَثَلًا ؛ لِأَنَّهُ أَسْهَلُ أَنْوَاعِ الْأَرْضِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ } : وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي السَّفَرِ فِي الْأَرْضِ : تَتَعَدَّدُ أَقْسَامُهُ مِنْ جِهَاتٍ مُخْتَلِفَاتٍ ، فَتَنْقَسِمُ مِنْ جِهَةِ الْمَقْصُودِ بِهِ إلَى هَرَبٍ أَوْ طَلَبٍ .
وَتَنْقَسِمُ مِنْ جِهَةِ الْأَحْكَامِ إلَى خَمْسَةِ أَقْسَامٍ ، وَهِيَ مِنْ أَحْكَامِ أَفْعَال الْمُكَلَّفِينَ الشَّرْعِيَّةِ : وَاجِبٌ ، وَمَنْدُوبٌ ، وَمُبَاحٌ ، وَمَكْرُوهٌ ، وَحَرَامٌ .
وَيَنْقَسِمُ مِنْ جِهَةِ التَّنْوِيعِ فِي الْمَقَاصِدِ إلَى أَقْسَامٍ : الْأَوَّلُ : الْهِجْرَةُ ، وَهِيَ تَنْقَسِمُ إلَى سِتَّةِ أَقْسَامٍ : الْأَوَّلُ : الْخُرُوجُ مِنْ دَارِ الْحَرْبِ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ؛ وَكَانَتْ فَرْضًا فِي أَيَّامِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ غَيْرِهَا مِنْ أَنْوَاعِهَا بَيَّنَّاهَا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ ، وَهَذِهِ الْهِجْرَةُ بَاقِيَةٌ مَفْرُوضَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَاَلَّتِي انْقَطَعَتْ بِالْفَتْحِ هِيَ الْقَصْدُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَيْثُ كَانَ ، فَمَنْ أَسْلَمَ فِي دَارِ الْحَرْبِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْخُرُوجُ إلَى دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ بَقِيَ فَقَدْ عَصَى ، وَيُخْتَلَفُ فِي حَالِهِ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الثَّانِي : الْخُرُوجُ مِنْ أَرْضِ الْبِدْعَةِ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : لَا يَحِلُّ لِأَحَدٍ أَنْ يُقِيمَ بِبَلَدٍ سُبَّ فِيهَا السَّلَفُ .
وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ فَإِنَّ الْمُنْكَرَ إذَا لَمْ يُقْدَرْ عَلَى تَغْيِيرِهِ نُزِلَ عَنْهُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِذَا رَأَيْت الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوصُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } .
وَقَدْ كُنْت قُلْت لِشَيْخِنَا الْإِمَامِ الزَّاهِدِ أَبِي بَكْرٍ الْفِهْرِيِّ : ارْحَلْ عَنْ أَرْضِ مِصْرَ إلَى بِلَادِك .
فَيَقُولُ : لَا أُحِبُّ أَنْ أَدْخُلَ بِلَادًا غَلَبَ عَلَيْهَا كَثْرَةُ الْجَهْلِ ، وَقِلَّةُ الْعَقْلِ ، فَأَقُولُ لَهُ :

فَارْتَحِلْ إلَى مَكَّةَ أَقِمْ فِي جُوَارِ اللَّهِ وَجُوَارِ رَسُولِهِ ؛ فَقَدْ عَلِمْت أَنَّ الْخُرُوجَ عَنْ هَذِهِ الْأَرْضِ فَرْضٌ لِمَا فِيهَا مِنْ الْبِدْعَةِ وَالْحَرَامِ ، فَيَقُولُ : وَعَلَى يَدِي فِيهَا هُدًى كَثِيرٌ ، وَإِرْشَادٌ لِلْخَلْقِ ، وَتَوْحِيدٌ ، وَصَدٌّ عَنْ الْعَقَائِدِ السَّيِّئَةِ ، وَدُعَاءٌ إلَى اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَتَعَالَى الْكَلَامُ بَيْنِي وَبَيْنَهُ فِيهَا إلَى حَدٍّ شَرَحْنَاهُ فِي تَرْتِيبِ [ لُبَابِ ] الرِّحْلَةِ وَاسْتَوْفَيْنَاهُ .
الثَّالِثُ : الْخُرُوجُ عَنْ أَرْضٍ غَلَبَ عَلَيْهَا الْحَرَامُ ؛ فَإِنَّ طَلَبَ الْحَلَالِ فَرْضٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ .
الرَّابِعُ : الْفِرَارُ مِنْ الْإِذَايَةِ فِي الْبَدَنِ ؛ وَذَلِكَ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ أَرْخَصَ فِيهِ ، فَإِذَا خَشِيَ الْمَرْءُ عَلَى نَفْسِهِ فِي مَوْضِعٍ فَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ فِي الْخُرُوجِ عَنْهُ ، وَالْفِرَارِ بِنَفْسِهِ ؛ لِيُخَلِّصَهَا مِنْ ذَلِكَ الْمَحْذُورِ .
وَأَوَّلُ مَنْ حَفِظْنَاهُ فِيهِ الْخَلِيلُ إبْرَاهِيمُ عَلَيْهِ السَّلَامُ لَمَّا خَافَ مِنْ قَوْمِهِ قَالَ : { إنِّي مُهَاجِرٌ إلَى رَبِّي } .
وَقَالَ : { إنِّي ذَاهِبٌ إلَى رَبِّي سَيَهْدِينِ } وَمُوسَى قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهِ : { فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفًا يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنْ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } .
وَذَلِكَ يَكْثُرُ تَعْدَادُهُ .
وَيَلْحَقُ بِهِ ، وَهُوَ : الْخَامِسُ : خَوْفُ الْمَرَضِ فِي الْبِلَادِ الْوَخِمَةِ ، وَالْخُرُوجُ مِنْهَا إلَى الْأَرْضِ النَّزِهَةِ .
وَقَدْ أَذِنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلرِّعَاءِ حِينَ اسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ أَنْ يَتَنَزَّهُوا إلَى الْمَسْرَحِ ، فَيَكُونُوا فِيهِ حَتَّى يَصِحُّوا ، وَقَدْ اسْتَثْنَى مِنْ ذَلِكَ الْخُرُوجَ مِنْ الطَّاعُونِ ؛ فَمَنَعَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مِنْهُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْدَ أَنِّي رَأَيْت عُلَمَاءَنَا قَالُوا هُوَ مَكْرُوهٌ .
وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي شَرْحِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
السَّادِسُ : الْفِرَارُ خَوْفَ الْإِذَايَةِ فِي الْمَالِ ؛ فَإِنَّ حُرْمَةَ مَالِ

الْمُسْلِمِ كَحُرْمَةِ دَمِهِ ، وَالْأَهْلُ مِثْلُهُ أَوْ آكَدُ ، فَهَذِهِ أُمَّهَاتُ قِسْمِ الْهَرَبِ .
وَأَمَّا قِسْمُ الطَّلَبِ فَيَنْقَسِمُ إلَى قِسْمَيْنِ : طَلَبُ دِينٍ وَطَلَبُ دُنْيَا ؛ فَأَمَّا طَلَبُ الدِّينِ فَيَتَعَدَّدُ بِتَعَدُّدِ أَنْوَاعِهِ ، وَلَكِنَّ أُمَّهَاتِهِ الْحَاضِرَةَ عِنْدِي الْآنَ تِسْعَةٌ : الْأَوَّلُ : سَفَرُ الْعِبْرَةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ } .
وَهَذَا كَثِيرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ .
وَيُقَالُ : إنَّ ذَا الْقَرْنَيْنِ إنَّمَا طَافَ الْأَرْضَ لِيَرَى عَجَائِبَهَا .
وَقِيلَ : لَيُنْفِذَ الْحَقَّ فِيهَا .
الثَّانِي : سَفَرُ الْحَجِّ .
وَالْأَوَّلُ وَإِنْ كَانَ نَدْبًا فَهَذَا فَرْضٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ .
الثَّالِثُ : سَفَرُ الْجِهَادِ ، وَلَهُ أَحْكَامُهُ .
الرَّابِعُ : سَفَرُ الْمَعَاشِ ؛ فَقَدْ يَتَعَذَّرُ عَلَى الرَّجُلِ مَعَاشُهُ مَعَ الْإِقَامَةِ ، فَيَخْرُجُ فِي طَلَبِهِ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ وَلَا يَنْقُصُ مِنْ صَيْدٍ أَوْ احْتِطَابٍ أَوْ احْتِشَاشٍ أَوْ اسْتِئْجَارٍ ، وَهُوَ فَرْضٌ عَلَيْهِ .
الْخَامِسُ : سَفَرُ التِّجَارَةِ وَالْكَسْبِ الْكَثِيرِ الزَّائِدِ عَلَى الْقُوتِ ؛ وَذَلِكَ جَائِزٌ بِفَضْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ .
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلًا مِنْ رَبِّكُمْ } يَعْنِي : التِّجَارَةَ .
وَهَذِهِ نِعْمَةٌ مَنَّ بِهَا فِي سَفَرِ الْحَجِّ ، فَكَيْفَ إذَا انْفَرَدَتْ .
السَّادِسُ : فِي طَلَبِ الْعِلْمِ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ .
السَّابِعُ : قَصْدُ الْبِقَاعِ الْكَرِيمَةِ ، وَذَلِكَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي نَوْعَيْنِ : أَحَدُهُمَا الْمَسَاجِدُ الْإِلَهِيَّةُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تُشَدُّ الرِّحَالُ إلَّا إلَى ثَلَاثَةِ مَسَاجِدَ : مَسْجِدِي هَذَا ، وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ، وَالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى } .
الثَّانِي : الثُّغُورُ لِلرِّبَاطِ بِهَا ، وَتَكْثِيرُ سَوَادِهَا لِلذَّبِّ عَنْهَا ؛ فَفِي ذَلِكَ فَضْلٌ كَثِيرٌ .
الثَّامِنُ : زِيَارَةُ الْإِخْوَانِ فِي اللَّهِ ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .

التَّاسِعُ : السَّفَرُ إلَى دَارِ الْحَرْبِ ، .
وَسَيَأْتِي بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ؛ وَبَعْدَ هَذَا فَالنِّيَّةُ تَقْلِبُ الْوَاجِبَ مِنْ هَذَا حَرَامًا وَالْحَرَامَ حَلَالًا بِحَسَبِ حُسْنِ الْقَصْدِ وَإِخْلَاصِ السِّرِّ عَنْ الشَّوَائِبِ .
وَقَدْ تَتَنَوَّعُ هَذِهِ الْأَنْوَاعِ إلَى تَفْصِيلٍ ؛ هَذَا أَصْلُهَا الَّتِي تَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ .
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي السَّفَرِ الَّذِي تُقْصَرُ فِيهِ الصَّلَاةُ الْمَذْكُورَةُ هَاهُنَا عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا لَا تُقْصَرُ إلَّا فِي سَفَرٍ وَاجِبٍ ؛ لِأَنَّ الصَّلَاةَ فَرْضٌ ، وَلَا يُسْقِطُ الْفَرْضَ إلَّا فَرْضٌ .
الثَّانِي : أَنَّهَا لَا تُقْصَرُ إلَّا فِي سَفَرِ قُرْبَةٍ ، وَبِهِ قَالَ جَمَاعَةٌ ، مِنْهُمْ ابْنُ حَنْبَلٍ .
وَتَعَلَّقُوا بِفِعْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَبِحَدِيثِ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يَقْصُرُ إلَّا فِي حَجٍّ أَوْ عُمْرَةٍ أَوْ جِهَادٍ } .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يَجُوزُ الْقَصْرُ فِي كُلِّ سَفَرٍ مُبَاحٍ ، كَمَا قَدْ بَيَّنَّا أَنْوَاعَهُ ، لِعُمُومِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ } وَلَمْ يُفَرَّقْ بَيْنَ سَفَرٍ وَسَفَرٍ .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ يَقْصُرُ فِي كُلِّ سَفَرٍ ، حَتَّى فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ وَجَمَاعَةٍ ، بَنَوْهُ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ فَرْضُ الصَّلَاةِ فِي السَّفَرِ بِعَيْنِهِ .
وَتَعَلَّقُوا بِحَدِيثِ عَائِشَةَ : { فُرِضَتْ الصَّلَاةُ رَكْعَتَيْنِ رَكْعَتَيْنِ فَزِيدَتْ فِي صَلَاةِ الْحَضَرِ وَأُقِرَّتْ صَلَاةُ السَّفَرِ عَلَى أَصْلِهَا } .
السَّادِسُ : أَنَّ الْقَصْرَ لَا يَجُوزُ إلَّا مَعَ الْخَوْفِ قَالَ بِهِ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَائِشَةُ قَالَتْ : أَتِمُّوا ، فَقَالُوا لَهَا : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْصُرُ .
قَالَتْ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي حَرْبٍ ، وَكَانَ يَخَافُ ؛ فَهَلْ تَخَافُونَ أَنْتُمْ ؟ أَمَّا الْقَوْلُ الْأَوَّلُ

فَفَاسِدٌ ؛ لِأَنَّ عُمُومَ الْقُرْآنِ لَمْ يَخُصَّ مِنْهَا وَاجِبًا مِنْ نَدْبٍ ، { وَقَدْ قَصَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي غَيْرِ الْوَاجِبِ ، كَالْعُمْرَةِ فِي الْحُدَيْبِيَةِ وَغَيْرِهَا } .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : لَا تَقْصُرْ إلَّا فِي سَفَرِ قُرْبَةٍ فَعُمُومُ الْقُرْآنِ أَيْضًا يَقْضِي عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ عَمَّ وَلَمْ يَخُصَّ قُرْبَةً مِنْ مُبَاحٍ ، وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ : الصَّحِيحُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَقْصُرُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ فَلِأَنَّهَا فَرْضٌ مُعَيَّنٌ لِلسَّفَرِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ قَوْلُ عُلَمَاءِ الْمَذْهَبِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ تَعَلَّقَتْ لَهُمْ مِنْ أَقْوَالِ الْعِرَاقِيِّينَ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ " التَّلْخِيصِ " وَغَيْرِهِ فَسَادهَا .
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا عَلَى هَذَا الْحَدِيثِ فِي شَرْحِ مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَالْحَدِيثِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّهُ خَبَرٌ وَاحِدٌ ، يُعَارِضُهُ نَصُّ الْقُرْآنِ وَالْأَخْبَارُ الْمُتَوَاتِرَةُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ جَعَلَ فِي كِتَابِهِ الْقَصْرَ تَخْفِيفًا ، وَالتَّمَامَ أَصْلًا ، وَيُعَارِضُ أَيْضًا الْأُصُولَ الْمَعْقُولَةَ فَإِنَّهُ جَعَلَ الْإِقَامَةَ فِي الْقُرْآنِ أَصْلًا ، وَهُوَ الْوَاجِبُ وَقَلَبَهَا فِي الْحَدِيثِ الرَّاوِي ؛ وَأَقْوَاهُ { أَنَّ عَائِشَةَ قَالَتْ : سَافَرْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَصَرَ وَأَتْمَمْت ، وَأَفْطَرَ وَصُمْت ، وَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيَّ ، وَكَانَتْ تُتِمُّ فِي السَّفَرِ } .
وَأَمَّا سَفَرُ الْمَعْصِيَةِ فَأَشْكَلُ دَلِيلٍ فِيهِ لَهُمْ أَنْ قَالُوا : إنَّا بَنَيْنَا الْأَمْرَ عَلَى أَنَّ الْقَصْرَ عَزِيمَةٌ وَلَيْسَ بِرُخْصَةٍ ، وَالْعَزَائِمُ لَا تَتَغَيَّرُ بِسَفَرِ الطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ كَالتَّيَمُّمِ .
قُلْنَا : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهُ رُخْصَةٌ ، وَعَلَيْهِ تَنْبَنِي الْمَسْأَلَةُ ، وَالرُّخْصُ لَا تَجُوزُ فِي سَفَرِ الْمَعْصِيَةِ كَالْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : تَلَاعَبَ قَوْمٌ بِالدِّينِ ؛ فَقَالُوا : إنْ مَنْ خَرَجَ مِنْ الْبَلَدِ إلَى ظَاهِرِهِ قَصَرَ الصَّلَاةَ وَأَكَلَ .
وَقَائِلُ هَذَا أَعْجَمِيٌّ لَا يَعْرِفُ السَّفَرَ

عِنْدَ الْعَرَبِ ، أَوْ مُسْتَخِفٌّ بِالدِّينِ ؛ وَلَوْ لَا أَنَّ الْعُلَمَاءَ ذَكَرُوهُ مَا رَضِيت أَنْ أَلْمَحَهُ بِمُؤَخِّرِ عَيْنِي ، وَلَا أَنْ أُفَكِّرَ فِيهِ بِفُضُولِ قَلْبِي ؛ وَقَدْ كَانَ مَنْ تَقَدَّمَ مِنْ الصَّحَابَةِ يَخْتَلِفُونَ فِي تَقْدِيرِهِ ؛ فَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُمْ كَانُوا يُقَدَّرُونَهُ بِيَوْمٍ .
وَعَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ بِأَنَّ السَّفَرَ كُلُّ خُرُوجٍ تُكَلِّفَ لَهُ وَأُدْرِكَتْ فِيهِ الْمَشَقَّةِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْلُهُ : { أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ } : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهَا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّ الْقَصْرَ قَصْرُ عَدَدٍ ، وَهُمْ الْجَمُّ الْغَفِيرُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهَا قَصْرُ الْحُدُودِ وَتَغْيِيرُ الْهَيْئَاتِ .
وَاَلَّذِينَ قَالُوا : إنَّ الْقَصْرَ فِي الْعَدَدِ قَالَتْ جَمَاعَةٌ مِنْهُمْ : أَنْ يَنْقُصَ مِنْ أَرْبَعٍ إلَى اثْنَيْنِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : يَقْصُرُ مِنْ اثْنَيْنِ إلَى وَاحِدَةٍ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : الْآيَةُ تَحْتَمِلُ الْمَعْنَيَيْنِ جَمِيعًا ؛ فَأَمَّا الْقَصْرُ مِنْ هَيْئَتِهَا فَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْلًا حَالَةَ الْخَوْفِ ، وَأَمَّا الْقَصْرُ مِنْ عَدَدِهَا إلَى ثِنْتَيْنِ فَقَدْ ثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْلًا فِي حَالَةِ الْأَمْنِ .
وَأَمَّا الْقَصْرُ فِي حَالَةِ الْخَوْفِ إلَى وَاحِدَةٍ فَقَدْ رُوِيَ عَنْهُ مِنْ طَرِيقَيْنِ : أَحَدُهُمَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي الصَّحِيحِ : فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا ، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً .
وَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ بَيَانُهُ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { إنْ خِفْتُمْ } : فَشَرَطَ اللَّهُ تَعَالَى الْخَوْفَ فِي الْقَصْرِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الشَّرْطِ الْمُتَّصِلِ بِالْفِعْلِ ؛ هَلْ يَقْتَضِي ارْتِبَاطُ الْفِعْلِ بِهِ حَتَّى يَثْبُتَ بِثُبُوتِهِ وَيَسْقُطَ بِسُقُوطِهِ ؟ فَذَهَبَ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ إلَى أَنَّهُ لَا يَرْتَبِطُ بِهِ ، وَهُمْ نُفَاةُ دَلِيلِ الْخِطَابِ ، وَلَا عِلْمَ عِنْدَهُمْ بِاللُّغَةِ وَلَا بِالْكِتَابِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْمَحْصُولِ بَيَانًا شَافِيًا .
وَعَجَبًا لَهُمْ .
{ قَالَ يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ حِفْتُمْ } فَهَا نَحْنُ قَدْ أَمِنَّا .
قَالَ : عَجِبْت مِمَّا عَجِبْت مِنْهُ .
فَسَأَلْتُ عَنْ ذَلِكَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَقَالَ : صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ .
} وَقَالَ أُمَيَّةُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَيْدٍ لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ : إنَّا نَجِدُ صَلَاةَ الْحَضَرِ وَصَلَاةَ الْخَوْفِ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَا نَجِدُ صَلَاةَ السَّفَرِ يَعْنِي نَجِدُ ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ .
فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَعَثَ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْنَا وَنَحْنُ لَا نَعْلَمُ شَيْئًا ، فَإِنَّا نَفْعَلُ كَمَا رَأَيْنَاهُ يَفْعَلُ ؛ فَهَذِهِ الصَّحَابَةُ الْفُصَّحُ ، وَالْعَرَبُ تَعْرِفُ ارْتِبَاطَ الشَّرْطِ بِالْمَشْرُوطِ ، وَتُسْلِمُ فِيهِ وَتَعْجَب مِنْهُ ، وَهَؤُلَاءِ يُرِيدُونَ أَنْ يُبَدِّلُوا كَلَامَ الْعَرَبِ لِأَغْرَاضٍ صَحِيحَةٍ لَا يُحْتَاجُ إلَى ذَلِكَ فِيهَا ، فَلْيُنْظَرْ تَحْقِيقُهُ فِي كَلَامِنَا عَلَيْهِ .
وَلَقَدْ انْتَهَى الْجَهْلُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ إلَى أَنْ قَالُوا : إنَّ الْكَلَامَ قَدْ تَمَّ فِي قَوْلِهِ : { مِنْ الصَّلَاةِ } وَابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ : { إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا } وَإِنَّ الْوَاوَ زَائِدَةٌ فِي قَوْلِهِ : { وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ } وَهَذَا كُلُّهُ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَيْهِ عُمَرُ وَلَا ابْنُهُ وَلَا يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ مَعَهُمَا .
وَفِي الصَّحِيحِ

عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ : { صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى ، آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ وَأَكْثَرُهُ رَكْعَتَيْنِ } ؛ فَهَؤُلَاءِ لَمَّا جَهِلُوا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ تَكَلَّمُوا بِرَأْيِهِمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ .
وَهَذَا نَوْعٌ عَظِيمٌ مِنْ تَكَلُّفِ الْقَوْلِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ عِلْمٍ ، وَقَوْلٍ مَذْمُومٍ ، وَلَيْسَ بَعْدَ قَوْلِ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ مَطْلَبٌ لِأَحَدٍ إلَّا لِجَاهِلٍ مُتَعَسِّفٍ أَوْ فَارِغٍ مُتَكَلِّفٍ ، أَوْ مُبْتَدِعٍ مُتَخَلِّفٍ .
وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ لَك أَنَّ الْقَصْرَ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَرُخْصَةٌ لَا عَزِيمَةَ وَهِيَ :

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ ، فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقَصْرَ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَى قَوْلَيْنِ : الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُسَافِرَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّ الْقَصْرَ سُنَّةٌ ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْمَذْهَبِ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاظَبَ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ ، { وَإِنَّ عُثْمَانَ لَمَّا أَتَمَّ بِمِنًى قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ ، فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ } .

الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { : وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَك وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَك وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا } وَهِيَ وَإِنْ كَانَتْ مُنْفَصِلَةً عَنْ الَّتِي قَبْلَهَا عَدَدًا فَقَدْ زَعَمَ قَوْلُهُمْ كَمَا قَدَّمْنَا أَنَّهَا بِهَا مُرْتَبِطَةٌ .
وَقَدْ فَصَّلْنَاهَا خِطَابًا وَنَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا حُكْمًا حَتَّى يَتَبَيَّنَ الْحَالُ دُونَ اخْتِلَالٍ .
وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ الصَّلَاةِ إنْ خِفْتُمْ } .
فَإِنَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ شَرْطًا فِي الْقَصْرِ " وَكَانَ الْمَعْنَى أَنْ تَقْصُرُوا مِنْ حُدُودِهَا ، فَهَذِهِ الْآيَةُ بَيَانُ صِفَةِ ذَلِكَ الْقَصْرِ مِنْ الْحُدُودِ ، وَإِنْ كَانَ كَلَامًا مُبْتَدَأً لَمْ يَرْتَبِطْ بِالْأَوَّلِ ، فَهَذَا بَيَانُهُ ، فَيَقُولُ : ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ مِرَارًا عِدَّةً بِهَيْئَاتٍ مُخْتَلِفَةٍ } ، فَقِيلَ فِي مَجْمُوعِهَا : إنَّهَا أَرْبَعٌ وَعِشْرُونَ صِفَةً ، ثَبَتَ فِيهَا سِتَّ عَشْرَةَ صِفَةً قَدْ شَرَحْنَاهَا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ .
وَاَلَّذِي نَذْكُرُهُ لَكُمْ الْآنَ مَا نُورِدُهُ أَبَدًا فِي الْمُخْتَصَرَاتِ ، وَذَلِكَ عَلَى ثَمَانِي صِفَاتٍ : الصِّفَةُ الْأُولَى : رُوِيَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ : { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ بِإِحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ رَكْعَةً وَسَجَدَ سَجْدَتَيْنِ وَالطَّائِفَةُ الْأُخْرَى مُوَاجِهَةُ الْعَدُوِّ ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَقَامُوا مَقَامَ أَصْحَابِهِمْ مُقْبِلِينَ عَلَى الْعَدُوِّ ، وَجَاءَ أُولَئِكَ ثُمَّ صَلَّى

بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَةً ، ثُمَّ سَلَّمَ ، ثُمَّ قَضَى هَؤُلَاءِ رَكْعَةً .
} الصِّفَةُ الثَّانِيَةُ : { قَالَ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ : شَهِدْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ ، فَصَفّنَا صَفَّيْنِ ؛ صَفًّا خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْعَدُوُّ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقِبْلَةِ ، فَكَبَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَبَّرْنَا جَمِيعًا ، ثُمَّ رَكَعَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا ، ثُمَّ انْحَدَرْنَا بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ ، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّجُودَ وَقَامَ الصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ وَقَامُوا ، ثُمَّ تَقَدَّمَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ وَتَأَخَّرَ الصَّفُّ الْمُقَدَّمُ ، ثُمَّ رَكَعَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَرَكَعْنَا جَمِيعًا ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ مِنْ الرُّكُوعِ وَرَفَعْنَا جَمِيعًا ، ثُمَّ انْحَدَرْنَا بِالسُّجُودِ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيهِ كَانَ مُؤَخَّرًا فِي الرَّكْعَةِ الْأُولَى ، وَقَامَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ فِي نَحْرِ الْعَدُوِّ ، فَلَمَّا قَضَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السُّجُودَ وَالصَّفُّ الَّذِي يَلِيه انْحَدَرَ الصَّفُّ الْمُؤَخَّرُ بِالسُّجُودِ ، فَسَجَدُوا ثُمَّ سَلَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَسَلَّمْنَا جَمِيعًا } .
الصِّفَة الثَّالِثَةُ : عَنْ ابْنِ أَبِي خَيْثَمَةَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فِي الْخَوْفِ ، فَصَفَّهُمْ خَلْفَهُ صَفَّيْنِ ، فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ يَلُونَهُ رَكْعَةً ، ثُمَّ قَامَ فَلَمْ يَزَلْ قَائِمًا حَتَّى صَلَّى بِاَلَّذِينَ خَلْفَهُ رَكْعَةً ، ثُمَّ تَقَدَّمُوا وَتَأَخَّرَ الَّذِينَ قُدَّامُهُمْ ، فَصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ، ثُمَّ قَعَدَ حَتَّى صَلَّى الَّذِينَ تَخَلَّفُوا رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمَ } .
الصِّفَةُ الرَّابِعَةُ : يَوْمَ ذَاتِ الرِّقَاعِ { إنَّ طَائِفَةً صَلَّتْ

مَعَهُ وِجَاهَ الْعَدُوِّ فَصَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً ، ثُمَّ ثَبَتَ قَائِمًا فَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ، ثُمَّ انْصَرَفُوا فَصَفُّوا وِجَاهَ الْعَدُوِّ ، وَجَاءَتْ الطَّائِفَةُ الْأُخْرَى وَصَلَّى بِهِمْ الرَّكْعَةَ الَّتِي بَقِيَتْ ، ثُمَّ ثَبَتَ جَالِسًا ، وَأَتَمُّوا لِأَنْفُسِهِمْ ثُمَّ سَلَّمَ بِهِمْ .
} الصِّفَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ جَابِرٌ : { أَقْبَلْنَا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إذَا كُنَّا بِذَاتِ الرِّقَاعِ فَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، ثُمَّ قَالَ : فَصَلَّى بِطَائِفَةٍ رَكْعَتَيْنِ ، ثُمَّ تَأَخَّرُوا وَصَلَّى بِالطَّائِفَةِ الْأُخْرَى رَكْعَتَيْنِ ، فَكَانَتْ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْبَعُ رَكَعَاتٍ وَلِلْقَوْمِ رَكْعَتَيْنِ } .
الصِّفَةُ السَّادِسَةُ : عَنْ ابْنِ عُمَرَ : يَتَقَدَّمُ الْإِمَامُ وَطَائِفَةٌ مِنْ النَّاسِ فَيُصَلَّى بِهِمْ رَكْعَةً ، وَتَكُونُ طَائِفَةٌ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْعَدُوِّ لَمْ يُصَلُّوا فَإِذَا صَلَّى بِاَلَّذِينَ مَعَهُ رَكْعَةً اسْتَأْخَرُوا مَكَانَ الَّذِينَ لَمْ يُصَلُّوا فَيُصَلُّونَ رَكْعَةً ثُمَّ يَنْصَرِفُ الْإِمَامُ وَقَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ ، فَيَقُومُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ فَيُصَلُّونَ لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً بَعْدَ أَنْ يَنْصَرِفَ الْإِمَامُ وَيَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الطَّائِفَتَيْنِ قَدْ صَلَّى رَكْعَتَيْنِ .
قَالَ ابْنُ عُمَرَ : قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِنْ كَانَ خَوْفٌ أَشَدَّ مِنْ ذَلِكَ صَلَّوْا قِيَامًا وَرُكْبَانًا } .
قَالَ نَافِعٌ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرُ مُسْتَقْبِلِيهَا ، لَا أَرَى ذُكِرَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ إلَّا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَهَذِهِ الصِّفَاتُ السِّتُّ فِي الصَّحِيحِ الثَّابِتِ .
الصِّفَةُ السَّابِعَةُ : عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ ؛ قَالَ : { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَاةَ الْخَوْفِ ، فَقَامَ صَفٌّ خَلْفَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَصَفٌّ مُسْتَقْبِلَ الْعَدُوِّ ، فَصَلَّى بِهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَكْعَةً ، وَجَاءَ الْآخَرُونَ ؛

فَقَامُوا مَقَامَهُمْ ، وَاسْتَقْبَلَ هَؤُلَاءِ لِلصَّلَاةِ فَصَلَّى بِهِمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَ هَؤُلَاءِ وَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ، ثُمَّ سَلَّمُوا ، ثُمَّ ذَهَبُوا فَقَامُوا مَقَامَ أُولَئِكَ مُسْتَقْبِلِي الْعَدُوِّ ، وَرَجَعَ أُولَئِكَ مَقَامَهُمْ ، فَصَلَّوْا لِأَنْفُسِهِمْ رَكْعَةً ثُمَّ سَلَّمُوا } .
الصِّفَةُ الثَّامِنَةُ عَنْ حُذَيْفَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ صَلَّى صَلَاةَ الْخَوْفِ بِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَبِهَؤُلَاءِ رَكْعَةً وَلَمْ يَقْضُوا } ، وَمِنْ هَذِهِ الصِّفَةِ الثَّامِنَةِ مَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَرَضَ اللَّهُ الصَّلَاةَ عَلَى لِسَانِ نَبِيِّهِ فِي الْحَضَرِ أَرْبَعًا ، وَفِي السَّفَرِ رَكْعَتَيْنِ ، وَفِي الْخَوْفِ رَكْعَةً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَهَاتَانِ الصِّفَتَانِ مَرْوِيَّتَانِ فِي الْمُصَنَّفَاتِ خَرَّجَهُمَا أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي هَذِهِ الصِّفَاتِ وَمَا بَقِيَ غَيْرُهَا مِنْ السِّتَّ عَشْرَةَ صِفَةً عَلَى سِتَّةِ أَقْوَال : الْأَوَّلُ : قَالَ أَبُو يُوسُفَ : هِيَ سَاقِطَةٌ كُلُّهَا ، لِقَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : { وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاةَ } فَإِنَّمَا أَقَامَ الصَّلَاةَ خَوْفِيَّةً بِشَرْطِ إقَامَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهَا بِهِمْ .
قُلْنَا لَهُمْ : فَالْآنَ مَا يَصْنَعُونَ ؟ فَإِنْ قَالَ : نَتْرُكُ الصَّلَاةَ مَعَ الذِّكْرِ لَهَا وَالْعِلْمِ بِهَا وَبِوَقْتِهَا كَانَ ذَلِكَ احْتِجَاجًا بِهَا وَاقْتِدَاءً بِمَنْ فَاتَ ، وَإِنْ قَالَ يَفْعَلُهَا عَلَى الْحَالَةِ الْمُعْتَادَةِ فِيهَا فَلَا يُمْكِنُ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الِاقْتِدَاءُ بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ } وَالِائْتِمَامُ بِالنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَدْ قَالَ فِي الصَّحِيحِ : { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } ، وَاَللَّهُ قَالَ لَهُ : { وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاةَ } وَهُوَ قَالَ لَنَا : { صَلُّوا كَمَا رَأَيْتُمُونِي أُصَلِّي } .
وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الثَّانِي : قَالَتْ طَائِفَةٌ : أَيُّ صَلَاةٍ صَلَّى مِنْ

هَذِهِ الصَّلَوَاتِ الصِّحَاحِ الْمَرْوِيَّةِ جَازَ ، وَبِهِ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الَّذِي يُعْلَمُ تَقَدُّمُهُ وَيَتَحَقَّق تَأَخُّرُ غَيْرِهِ عَنْهُ ؛ فَإِنَّ الْمُتَأَخِّرَ يَنْسَخُ الْمُتَقَدِّمَ ، وَإِنَّمَا يَبْقَى التَّرْجِيحُ فِيمَا جُهِلَ تَارِيخُهُ .
وَقَدْ تَكَلَّمْنَا فِي نَسْخِ الْفِعْلِ لِلْفِعْلِ فِي الْأُصُولِ فِي الْمَحْصُولِ ، وَهَذَا كَانَ فِيهِ مُتَعَلَّقٌ لَوْ لَا أَنَّا نَبْقَى فِي الْإِشْكَالِ بَعْدَ تَحْدِيدِ الْمُتَقَدِّمِ .
الرَّابِعُ : قَالَ قَوْمٌ : مَا وَافَقَ صِفَةَ الْقُرْآنِ مِنْهَا فَهُوَ الَّذِي نَقُولُ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ مَقْطُوعٌ بِهِ ، وَمَا خَالَفَهَا مَظْنُونٌ ، وَلَا يُتْرَكُ الْمَقْطُوعُ بِهِ لَهُ ، وَعَلَّقُوهُ بِنَسْخِ الْقُرْآنِ لِلسُّنَّةِ ؛ وَهَذَا مُتَعَلَّقٌ قَوِيٌّ ، لَكِنْ يَمْنَعُ مِنْهُ الْقَطْعُ عَلَى أَنَّ صَلَاةَ الْخَوْفِ إنَّمَا كَانَتْ لِيُجْمَعَ بَيْنَ التَّحَرُّزِ مِنْ الْعَدُوِّ وَإِقَامَةِ الْعِبَادَةِ ، فَكَيْفَمَا أَمْكَنَتْ فُعِلَتْ ، وَصِفَةُ الْقُرْآنِ لَمْ تَأْتِ لِتَعْيِينِ الْفِعْلِ .
وَإِنَّمَا جَاءَتْ لِحِكَايَةِ الْحَالِ الْمُمْكِنَةِ ، وَهَذَا بَالِغٌ .
الْخَامِسُ : تَرْجِيحُ الْأَخْبَارِ بِكَثْرَةِ الرُّوَاةِ لَهَا أَوْ مَزِيدِ عَدَالَتِهِمْ فِيهَا ، وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، فَرَجَّحْنَا خَبَرَ سَهْلٍ وَصَالِحٍ ، ثُمَّ رَجَّحْنَا بَيْنَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ بِوُجُوهٍ مِنْ التَّرْجِيحَاتِ ؛ مِنْهَا أَنْ يَكُونَ أَخَفَّ فِعْلًا ، وَمِنْهَا مَا يَكُونُ أَحْفَظَ لِأُهْبَةِ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ : السَّادِسُ : مِثَالُ ذَلِكَ إذَا صَلَّى صَلَاةَ الْمَغْرِبِ فِي الْخَوْف .
قُلْنَا : نَحْنُ وَأَبُو حَنِيفَةَ نُصَلِّي بِالْأُولَى رَكْعَتَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ أَخَفُّ فِي الِانْتِظَارِ .
وَقَالَ الْإِمَامُ الشَّافِعِيُّ : يُصَلِّي بِالْأُولَى رَكْعَةً لِأَنَّ عَلِيًّا فَعَلَهَا لَيْلَةَ الْهَرِيرِ .
وَمِنْهَا التَّرْجِيحُ بِالسَّلَامِ بَعْدَ الْإِمَامِ عَلَى مَا قَبْلَهُ ، وَذَلِكَ طُولٌ لَا يَكُونُ إلَّا فِي مَوْضِعِهِ ، وَهَذِهِ نُبْذَةٌ كَافِيَةٌ لِلْبَابِ الَّذِي تَصَدَّيْنَا إلَيْهِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إذَا صَلَّوْا أَخَذُوا سِلَاحَهُمْ عِنْدَ الْخَوْفِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ ، وَهُوَ نَصُّ الْقُرْآنِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَحْمِلُهَا .
قَالُوا : لِأَنَّهُ لَوْ وَجَبَ عَلَيْهِمْ حَمْلُهَا لَبَطَلَتْ الصَّلَاةُ بِتَرْكِهَا .
قُلْنَا : لَمْ يَجِب عَلَيْهِمْ حَمْلُهَا لِأَجْلِ الصَّلَاةِ ، وَإِنَّمَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ قُوَّةً لَهُمْ وَنَظَرًا ، أَوْ لِأَمْرٍ خَارِجٍ عَنْ الصَّلَاةِ ، فَلَا تَعَلُّقَ لِصِحَّةِ الصَّلَاةِ بِهِ نَفْيًا وَإِثْبَاتًا فَاعْلَمْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ } : رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِعُسْفَانَ صَلَاةَ الظُّهْرِ ، فَرَأَوْهُ هُوَ وَأَصْحَابُهُ يَرْكَعُ وَيَسْجُدُ ؛ فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كَانَ فُرْصَةً لَكُمْ } .
قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ : فَإِنَّ لَهُمْ صَلَاةً أُخْرَى هِيَ أَحَبُّ إلَيْهِمْ مِنْ أَهْلَيْهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ ، فَاسْتَعِدُّوا حَتَّى تُغِيرُوا عَلَيْهِمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ فَأَقَمْت لَهُمْ الصَّلَاةَ } : وَهَذَا سُقْنَاهُ لِتَتَبَيَّنُوا أَنَّهَا آيَةٌ أُخْرَى فِي قِصَّةٍ غَيْر قِصَّةِ الْقَصْرِ ، وَتَتَحَقَّقُوا غَبَاوَةَ مَنْ حَذَفَ الْوَاوَ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُصَلِّي حَالَ الْمُسَايَفَةِ ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى لَا تَصِحُّ مَعَهُ الصَّلَاةُ فِي غَيْرِ الْخَوْفِ ، فَلَا يَصِحُّ مَعَهُ فِي الْخَوْفِ كَالرُّعَافِ .
وَدَلِيلُنَا حَدِيثُ ابْنِ عُمَرَ الْمُتَقَدِّمُ الصَّحِيحُ : { فَإِنْ لَمْ تَسْتَطِيعُوا فَرِجَالًا أَوْ رُكْبَانًا مُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ ، وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا } ؛ وَهَذَا لَا يَكُونُ إلَّا فِي حَالَةِ الْمُسَايَفَةِ وَشِدَّةِ الْخَوْفِ وَصِفَةِ مَوْقِفِ الْعَدُوِّ .
وَأَمَّا الزِّحَافُ فَإِنْ اُحْتِيجَ إلَيْهَا فُعِلَتْ كَمَا أَنَّهُ إنْ اُحْتِيجَ إلَى الْكَلَامِ فِي الصَّلَاةِ فُعِلَ ، وَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ ضَرُورَةٍ فَإِنَّهُ سَاقِطُ الِاعْتِبَارِ .
وَمَا قُلْنَاهُ أَرْجَحُ ؛ لِأَنَّا نَحْنُ أَسْقَطْنَا صِفَةً مِنْ صِفَاتِ الصَّلَاةِ لِلضَّرُورَةِ ، وَهُوَ أَسْقَطَ أَصْلَ الصَّلَاةِ ، فَهَذَا أَرْجَحُ ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إذَا رَأَوْا سَوَادًا فَظَنُّوهُ عَدُوًّا فَصَلَّوْا صَلَاةَ الْخَوْفِ ، ثُمَّ بَانَ لَهُمْ أَنَّهُ غَيْرُ شَيْءٍ ، فَلِعُلَمَائِنَا فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : يُعِيدُونَ ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَالثَّانِيَةُ : لَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ ، وَهُوَ أَظْهَرُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ .
وَجْهُ الْأَوَّلِ أَنَّهُمْ عَمِلُوا عَلَى اجْتِهَادِهِمْ ، فَجَازَ لَهُمْ كَمَا لَوْ أَخْطَئُوا الْقِبْلَةَ .
وَوَجْهُ الثَّانِي أَنَّهُمْ تَبَيَّنَ لَهُمْ الْخَطَأُ ، فَعَادُوا إلَى الصَّوَابِ كَحُكْمِ الْحَاكِمِ ، وَالْمُضَاءُ عَلَى الصَّلَاةِ ، وَتَرْكُ الْإِعَادَةِ أُولَى ؛ لِأَنَّهُمْ فَعَلُوا مَا أُمِرُوا بِهِ ، وَاجْتَهَدُوا وَلَمْ يُمْكِنْهُمْ أَكْثَرُ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَا إعَادَةَ عَلَيْهِمْ لَا فِي الْقِبْلَةِ وَلَا فِي الْخَوْفِ وَلَا فِي أَمْثَالِهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا تَابَعَ الطَّعْنَ وَالضَّرْبَ فَسَدَتْ الصَّلَاةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تَكُونُ حِينَئِذٍ صَلَاةً ، وَإِنَّمَا تَكُونُ مُحَارَبَةً .
قُلْنَا : يَا حَبَّذَا الْفَرْضَانِ إذَا اجْتَمَعَا ، وَإِذَا كَانَتْ الْحَرَكَةُ لَعِبًا لَمْ تَنْتَظِمْ مَعَ الصَّلَاةِ ، أَمَّا إذَا كَانَتْ عِبَادَةً وَاجِبَةً وَتُعُيِّنَتَا جَمِيعًا جَمَعَ بَيْنَهُمَا فَيُصَلِّي وَيُقَاتِلُ ؛ وَعُمُومُ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { رُكْبَانًا ، وَعَلَى أَقْدَامِهِمْ ، وَمُسْتَقْبِلِي الْقِبْلَةِ وَغَيْرَ مُسْتَقْبِلِيهَا } يُعْطِي جَوَازَ قَلِيلِ ذَلِكَ وَكَثِيرِهِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ الْمُزَنِيّ : لَا يَفْتَقِرُ الْقَصْرُ وَالْخَوْفُ إلَى تَجْدِيدِ نِيَّةٍ ، وَهَذِهِ إحْدَى خَطِيئَاتِهِ ؛ فَلَهُ انْفِرَادَاتٌ يَخْرُجُ فِيهَا عَنْ مَقَامِ الْمُتَثَبِّتِينَ .
وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ طَارِئَةٌ ، فَلَا بُدَّ لَهَا مِنْ تَجْدِيدٍ مِنْ نِيَّةٍ كَالْجُمُعَةِ .
فَإِنْ قِيلَ الْجُمُعَةُ بَدَلٌ عَنْ الظُّهْرِ ، فَلِذَلِكَ افْتَقَرَتْ إلَى نِيَّةٍ مَحْدُودَةٍ .
قُلْنَا : رُبَّمَا قَلَبْنَا الْأَمْرَ ، فَقُلْنَا الْجُمُعَةُ أَصْلٌ وَالظُّهْرُ بَدَلٌ ، فَكَيْفَ يَكُونُ كَلَامُهُمْ ؟ الثَّانِي : إنَّا نَقُولُ : وَهَبْكُمْ سَلَّمْنَا لَكُمْ أَنَّ الْجُمُعَةَ بَدَلٌ ، أَلَيْسَتْ صَلَاةُ الْقَصْرِ بَدَلًا ، وَصَلَاةُ الْخَوْفِ بَدَلًا آخَرَ ؟ فَإِنَّ الْجُمُعَةَ إنَّمَا قُلْنَا إنَّهَا غَيْرُ صَلَاةِ الظُّهْرِ سَوَاءٌ جَعَلْنَاهَا بَدَلًا أَوْ أَصْلًا لِأَجْلِ مُخَالَفَتِهَا فِي الصِّفَاتِ وَالشُّرُوطِ وَالْهَيْئَاتِ ، وَهَذَا كُلُّهُ مَوْجُودٌ هَاهُنَا ؛ فَوَجَبَ أَنْ يَكُونَ غَيْرُهُ وَأَنْ تُسْتَأْنَفَ لَهُ نِيَّةٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ } : نَزَلَ عَلَيْهِمْ الْمَطَرُ ، وَمَرِضَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ مِنْ جُرْحٍ ، فَرَخَّصَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُمْ فِي تَرْكِ السِّلَاحِ وَالتَّأَهُّبِ لِلْعَدُوِّ بِعُذْرِ الْمَرَضِ وَالْمَطَرِ ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى تَأْكِيدِ التَّأَهُّبِ وَالْحَذَرِ مِنْ الْعَدُوِّ وَتَرْكِ الِاسْتِسْلَامِ ؛ فَإِنَّ الْجَيْشَ مَا جَاءَهُ قَطُّ مُصَابٌ إلَّا مِنْ تَفْرِيطٍ فِي حَذَرٍ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جَنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } .
قَالَ قَوْمٌ : هَذِهِ الْآيَةُ وَاَلَّتِي فِي آلِ عِمْرَانَ سَوَاءٌ ، وَهَذَا عِنْدِي بَعِيدٍ ؛ فَإِنَّ الْقَوْلَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَخَلَ فِي أَثْنَاءِ صَلَاةِ الْخَوْفِ ، فَاحْتَمَلَ أَنْ

يَكُونَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلَاةَ } أَيْ فَرَغْتُمْ مِنْهَا فَافْزَعُوا إلَى ذِكْرِ اللَّهِ ، وَإِنْ كُنْتُمْ فِي هَذِهِ الْحَالِ ، كَمَا قَالَ : { فَإِذَا فَرَغْت فَانْصَبْ } .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ فَإِذَا قَضَيْتُمْ الصَّلَاةَ إذَا كُنْتُمْ فِيهَا قَاضِينَ لَهَا ، فَأْتُوهَا قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جَنُوبِكُمْ فِي أَثْنَاءِ الصَّلَاةِ وَمُصَافَّتِكُمْ لِلْعَدُوِّ وَكَرِّكُمْ وَفَرِّكُمْ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى بَعْدَ ذَلِكَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : { فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ } : يَعْنِي بِحُدُودِهَا وَأُهْبَتِهَا وَكَمَالِ هَيْئَتِهَا فِي السَّفَرِ وَكَمَالِ عَدَدِهَا فِي الْحَضَرِ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ السَّلَفِ ، مِنْهُمْ إبْرَاهِيمُ وَمُجَاهِدٌ : يُصَلِّي رَاحِلًا وَرَاكِبًا ، كَمَا جَاءَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَمَا قَدَرَ يُومِئُ إيمَاءً كَمَا جَاءَ فِي هَذِهِ السُّورَةِ وَيَكُونُ فِي كُلِّ حَالَةٍ حُكْمٌ لَهُ آيَةٌ أُخْرَى تَدُلُّ عَلَيْهِ وَحُكْمٌ يَنْفَرِدُ بِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا } : قَالَ الْعُلَمَاءُ : مَعْنَاهُ مَفْرُوضًا ، وَزَعَمَ بَعْضُهُمْ أَنَّهُ مِنْ الْوَقْتِ ، وَمَا أَظُنُّهُ ؛ لِأَنَّهُ اُسْتُعْمِلَ فِي غَيْرِ الزَّمَانِ ؛ فَإِنَّ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { وَقَّتَ رَسُولُ اللَّهِ لِأَهْلِ الْمَدِينَةِ ذَا الْحُلَيْفَةِ } ؛ فَدَلَّ أَنَّ مَعْنَاهُ مَفْرُوضًا حَقِيقَةً .
وَمَنْ قَالَ : إنَّهَا مَنُوطَةٌ بِوَقْتٍ فَقَدْ أَخْطَأَ ، وَقَدْ عَوَّلَتْ عَلَيْهِ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُبْتَدِعَةِ فِي أَنَّ الصَّلَاةَ مُرْتَبِطَةٌ بِوَقْتٍ إذَا زَالَ لَمْ تُفْعَلْ ، وَنَحْنُ نَقُولُ : إنَّ الْوَقْتَ مَحَلٌّ لِلْفِعْلِ لَا شَرْطَ فِيهِ ، وَإِنَّ الصَّلَاةَ وَاجِبَةٌ عَلَى الْمُكَلَّفِ لَا تَسْقُطُ عَنْهُ إلَّا بِفِعْلِهَا مَضَى الْوَقْتُ أَوْ بَقِيَ .
وَلَا نَقُولُ إنَّ الْقُضَاةَ بِأَمْرِ ثَانٍ بِحَالٍ .
وَقَدْ رَبَطْنَا ذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
وَقَدْ قَالَ غَيْرُهُمْ : إنَّ مَوْقُوتًا مَحْدُودًا

بِأَقْوَالٍ وَأَفْعَالٍ وَسُنَنٍ وَفَرَائِضَ ؛ وَكُلُّ ذَلِكَ سَائِغٌ لُغَةً مُحْتَمَلٌ مَعْنًى .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : إنَّ لِلصَّلَاةِ وَقْتًا كَوَقْتِ الْحَجِّ .
قُلْنَا : قَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ وَقْتَ الصَّلَاةِ وَقْتٌ لِلذِّكْرِ } ، وَكَمَا دَامَ ذِكْرُهَا وَجَبَ فِعْلُهَا وَأَدَاؤُهَا .

الْآيَةُ التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { إنَّا أَنْزَلْنَا إلَيْك الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لَلْخَائِنِينَ خَصِيمًا } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذِهِ الْآيَةُ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ بَنِي أُبَيْرِقٍ ؛ سَرَقُوا طَعَامَ رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ ، وَاعْتَذَرَ عَنْهُمْ قَوْمُهُمْ بِأَنَّهُمْ أَهْلُ خَيْرٍ ، { فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِقَتَادَةَ بْنِ النُّعْمَانِ ذَلِكَ ، فَطَالَبَهُمْ عَنْ عَمِّهِ رِفَاعَةَ بْنِ زَيْدٍ ، فَقَالَ رِفَاعَةُ : اللَّهُ الْمُسْتَعَانُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَنَصَرَ رِفَاعَةَ وَأَخْزَى اللَّهُ بَنِي أُبَيْرِقٍ بِقَوْلِهِ : { بِمَا أَرَاك اللَّهُ } } أَيْ بِمَا أَعْلَمَك ، وَذَلِكَ بِوَحْيٍ أَوْ بِنَظَرٍ ، وَنَهَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عَضُدِ أَهْلِ التُّهَمِ وَالدِّفَاعِ عَنْهُمْ بِمَا يَقُولُهُ خَصْمُهُمْ مِنْ الْحُجَّةِ وَهِيَ :

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ النِّيَابَةَ عَنْ الْمُبْطَلِ وَالْمُتَّهَمِ فِي الْخُصُومَةِ لَا تَجُوزُ ، بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَاسْتَغْفِرْ اللَّهَ إنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا } وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ .

الْآيَةُ الْمُوَفِّيَةُ خَمْسِينَ : قَوْله تَعَالَى : { لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا } هَذِهِ الْآيَةُ آيَةٌ بِكْرٌ لَمْ يَبْلُغْنِي عَنْ أَحَدٍ فِيهَا ذِكْرٌ ، وَاَلَّذِي عِنْدِي فِيهَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَمَرَ عِبَادَهُ بِأَمْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : الْإِخْلَاصُ ، وَهُوَ أَنْ يَسْتَوِيَ ظَاهِرُ الْمَرْءِ وَبَاطِنُهُ .
وَالثَّانِي : النَّصِيحَةُ لِكِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى وَلِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ .
فَالنَّجْوَى خِلَافُ هَذَيْنِ الْأَصْلَيْنِ ، وَبَعْدَ هَذَا فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ لِلْخَلْقِ مِنْ أَمْرٍ يَخْتَصُّونَ بِهِ فِي أَنْفُسِهِمْ ، وَيَخُصُّ بِهِ بَعْضُهُمْ بَعْضًا ، فَرَخَّصَ فِي ذَلِكَ بِصِفَةِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ ؛ وَالْحَثِّ عَلَى الصَّدَقَةِ ، وَالسَّعْيِ فِي إصْلَاحِ ذَاتِ الْبَيْنِ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا الْأَصْلُ فَفِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ } : يُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّجْوَى مَصْدَرًا ، كَالْبَلْوَى وَالْعَدْوَى ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ اسْمًا لِلْمُنْتَجِينَ كَمَا قَالَ : { وَإِذْ هُمْ نَجْوَى } .
فَإِنْ كَانَ بِمَعْنَى الْمُنْتَجِينَ فَقَوْلُهُ : { إلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ } اسْتِثْنَاءُ شَخْصٍ مِنْ شَخْصٍ ، وَإِنْ كَانَ مَصْدَرًا جَازَ الِاسْتِثْنَاءُ عَلَى حَذْفِ تَقْدِيرِهِ : إلَّا نَجْوَى مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي صِفَةِ النَّجْوَى : ثَبَتَ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا كَانَ ثَلَاثَةٌ فَلَا يَتَنَاجَى اثْنَانِ دُونَ وَاحِدٍ } .
وَاخْتُلِفَ فِي ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : فَإِنَّ ذَلِكَ يُحْزِنُهُ ، وَهُوَ ضَرَرٌ ؛ وَالضَّرَرُ لَا يَحِلُّ بِإِجْمَاعٍ ، وَبِالنَّصِّ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .
الثَّانِي : أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ حِينَ كَانَ النَّاسُ بَيْنَ مُؤْمِنٍ وَكَافِرٍ وَمُنَافِقٍ وَمُخْلِصٍ ، حَتَّى فَشَا الْإِسْلَامُ فَسَقَطَ اعْتِبَارُ ذَلِكَ .
الثَّالِثُ : أَنَّ ذَلِكَ فِي السَّفَرِ حَيْثُ يَتَوَقَّعُ الرَّجُلُ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ حِيلَةٍ لَا يُمْكِنُهُ دَفْعُهَا .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ مِنْ حُسْنِ الْأَخْلَاقِ وَجَمِيلِ الْأَدَبِ ؛ وَهُوَ رَاجِعٌ إلَى الْأَوَّلِ .
وَالصَّحِيحُ بَقَاءُ النَّهْيِ وَتَمَادِي الْأَمْرِ وَعُمُومُهُ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ .
{ مَخَافَةَ أَنْ يُحْزِنَهُ } .
وَأَيْضًا فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ كَانَ يَمْشِي مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ ، فَأَرَادَ رَجُلٌ أَنْ يُكَلِّمَهُ فَدَعَا رَابِعًا ، وَأَوْقَفَهُ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ دِينَارٍ رَيْثَمَا تَكَلَّمَ الرَّجُلُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : لَا يَتَنَاجَى ثَلَاثَةٌ دُونَ يَعْنِي أَرْبَعٌ ، وَهَذَا صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْعِلَّةَ إذَا عُلِمَتْ بِالنَّظَرِ اطَّرَدَتْ حَيْثُمَا وُجِدَتْ ، وَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهَا أَيْنَمَا كَانَتْ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ عِلَّةَ النَّهْيِ تَحْزِينُ الْوَاحِدِ ، وَهُوَ مَوْجُودٌ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ ، وَكُلَّمَا كَثُرَ الْعَدَدُ كَانَ التَّحْزِينُ أَكْثَرَ ، فَيَكُونُ الْمَنْعُ آكَدَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إذَا ثَبَتَ أَنَّ نَهْيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَلَّلٌ بِتَحْزِينِ الْوَاحِدِ فَإِذَا اسْتَأْذَنَهُ فَأَذِنَ لَهُ جَازَ وَلَمْ يَحْرُمْ .
وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .

الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ : قَوْله تَعَالَى { وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلِأُمَنِّيَنهمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ وَمَنْ يَتَّخِذْ الشَّيْطَانَ وَلِيًّا مِنْ دُونِ اللَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَانًا مُبِينًا } .
فِيهَا ثَمَانِي مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رَوَى أَبُو الْأَحْوَصِ قَالَ : { أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَشِفَ الْهَيْئَةِ ، فَصَعَّدَ فِي النَّظَرِ وَصَوَّبَهُ فَقَالَ : هَلْ لَك مِنْ مَالٍ ؟ قُلْت : نَعَمْ .
قَالَ : مِنْ أَيِّ الْمَالِ ؟ قُلْت : مِنْ كُلِّ الْمَالِ آتَانِي اللَّهُ فَأَكْثَرَ وَأَطْيَبَ ؛ الْخَيْلُ وَالْإِبِلُ وَالرَّقِيقُ وَالْغَنَمُ .
قَالَ : فَإِذَا آتَاك اللَّهُ مَالًا فَلْيُرَ عَلَيْك .
ثُمَّ قَالَ : هَلْ تُنْتِجُ إبِلُ قَوْمِك صِحَاحًا آذَانُهَا فَتَعْمِدُ إلَى الْمَوْسِيِّ فَتَشُقُّ آذَانَهَا ، فَتَقُولَ : هَذِهِ بَحْرٌ ؛ وَتَشُقَّ جُلُودَهَا ، وَتَقُولَ : هَذِهِ صُرُمٌ لِتُحَرِّمَهَا عَلَيْك وَعَلَى أَهْلِك ؟ قَالَ : قُلْت : أَجَلْ .
قَالَ : فَكُلُّ مَا أَتَاك اللَّهُ حِلٌّ وَمُوسَى اللَّهِ أَحَدُّ ، وَسَاعِدُهُ أَشَدُّ الْحَدِيثَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : لَمَّا كَانَ مِنْ إبْلِيسَ مَا كَانَ مِنْ الِامْتِنَاع مِنْ السُّجُودِ وَالِاعْتِرَاضِ عَلَى الْآمِرِ بِهِ بِالتَّسْفِيهِ أَنْفَذَ اللَّهُ فِيهِ حُكْمَهُ وَأَحَقَّ عَلَيْهِ لَعَنَتْهُ ، فَسَأَلَهُ النَّظْرَةَ ، فَأَعْطَاهُ إيَّاهَا زِيَادَةً فِي لَعْنَتِهِ ، فَقَالَ لِرَبِّهِ : { لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا وَلِأُضِلَّنَّهُمْ وَلِأُمَنِّيَنهمْ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلَآمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ } وَكَانَ مَا أَرَادَ ، وَفَعَلَتْ الْعَرَبُ مَا وَعَدَ بِهِ الشَّيْطَانُ ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي الْحَدِيثِ ، وَذَلِكَ تَعْذِيبٌ لِلْحَيَوَانِ وَتَحْرِيمٌ ، وَتَحْلِيلٌ بِالطُّغْيَانِ ، وَقَوْلٌ بِغَيْرِ حُجَّةٍ وَلَا بُرْهَانٍ ، وَالْآذَانُ فِي الْأَنْعَامِ جَمَالٌ وَمَنْفَعَةٌ ، فَلِذَلِكَ رَأَى الشَّيْطَانُ أَنْ يُغَيِّرَ بِهَا خَلْقَ اللَّهِ تَعَالَى ، وَيَرْكَبُ عَلَى ذَلِكَ التَّغْيِيرِ

الْكُفْرُ بِهِ ، لَا جَرَمَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ فِي الْأُضْحِيَّةِ أَنْ تُسْتَشْرَفَ الْعَيْنُ وَالْآذَانُ فِي الْأَنْعَامِ } ، مَعْنَاهُ أَنْ تُلْحَظَ الْأُذُنُ ؛ لِئَلَّا تَكُونَ مَقْطُوعَةً أَوْ مَشْقُوقَةً ؛ فَتُجْتَنَبُ مِنْ جِهَةِ أَنَّ فِيهَا أَثَرَ الشَّيْطَانِ .
وَفِي الْحَدِيثِ : { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ شَرِيطَةِ الشَّيْطَانِ } ، وَهِيَ هَذِهِ ، وَشَبَّهَهَا مِمَّا وَفَّى فِيهَا لِلشَّيْطَانِ بِشَرْطِهِ حِينَ قَالَ : { فَلَيُبَتِّكُنَّ آذَانَ الْأَنْعَامِ وَلْيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : ثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُسَمِّ الْغَنَمَ فِي آذَانِهَا } ، وَكَأَنَّ هَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُقَلِّدُ الْهَدْيَ وَيُشْعِرُهُ أَيْ يَشُقُّ جِلْدَهُ ، وَيُقَلِّدُهُ نَعْلَيْنِ ، وَيُسَاقُ إلَى مَكَّةَ نُسُكًا } ؛ وَهَذَا مُسْتَثْنًى مِنْ تَغْيِيرِ خَلْقِ اللَّهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ بِدْعَةٌ ؛ كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْ بِهَذِهِ الشَّعِيرَةِ فِي الشَّرِيعَةِ ، لَهِيَ [ فِيهَا ] أَشْهَرُ مِنْهُ فِي الْعُلَمَاءِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : وَسْمُ الْإِبِلِ وَالدَّوَابِّ بِالنَّارِ فِي أَعْنَاقِهَا وَأَفْخَاذِهَا مُسْتَثْنًى مِنْ التَّغْيِيرِ لِخَلْقِ اللَّهِ تَعَالَى كَاسْتِثْنَاءِ مَا سَلَف .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : { لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَاشِمَةَ وَالْمُسْتَوْشِمَةَ ، وَالنَّامِصَةَ وَالْمُتَنَمِّصَةَ ، وَالْوَاشِرَةَ وَالْمُوتَشِرَةَ ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ الْمُغَيِّرَاتِ خَلْقَ اللَّهِ } .
فَالْوَاشِمَةُ هِيَ الَّتِي تَجْرَحُ الْبَدَنَ نُقَطًا أَوْ خُطُوطًا ، فَإِذَا جَرَى الدَّمُ حَشَتْهُ كُحْلًا ، فَيَأْتِي خِيلَانًا وَصُوَرًا فَيَتَزَيَّنُ بِهَا النِّسَاءُ لِلرِّجَالِ ؟ وَرِجَالُ صِقِلِّيَّةَ وَإِفْرِيقِيَّةَ يَفْعَلُونَهُ لِيَدُلَّ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى رُجْلَتِهِ فِي حَدَاثَتِهِ .
وَالنَّامِصَةُ : هِيَ نَاتِفَةُ الشَّعْرِ ، تَتَحَسَّنُ بِهِ .
وَأَهْلُ مِصْرَ يَنْتِفُونَ شَعْرَ الْعَانَةِ ، وَهُوَ مِنْهُ ؛ فَإِنَّ السُّنَّةَ حَلْقُ الْعَانَةِ وَنَتْفُ الْإِبْطِ ، فَأَمَّا نَتْفُ الْفَرْجِ فَإِنَّهُ يُرْخِيهِ وَيُؤْذِيهِ وَيُبْطِلُ كَثِيرًا مِنْ الْمَنْفَعَةِ فِيهِ .
وَالْوَاشِرَةُ : هِيَ الَّتِي تُحَدِّدُ أَسْنَانَهَا .
وَالْمُتَفَلِّجَةُ : هِيَ الَّتِي تَجْعَلُ بَيْنَ الْأَسْنَانِ فَرْجًا وَهَذَا كُلُّهُ تَبْدِيلٌ لِلْخِلْقَةِ ، وَتَغْيِيرٌ لِلْهَيْئَةِ ، وَهُوَ حَرَامٌ .
وَبِنَحْوِ هَذَا قَالَ الْحَسَنُ فِي الْآيَةِ .
وَقَالَ إبْرَاهِيمُ وَمُجَاهِدٌ وَغَيْرُهُمَا : التَّغْيِيرُ لِخَلْقِ اللَّهِ يُرِيدُ بِهِ دِينَ اللَّهِ ؛ وَذَلِكَ وَإِنْ كَانَ مُحْتَمِلًا فَلَا نَقُولُ : إنَّهُ الْمُرَادُ بِالْآيَةِ ، وَلَكِنَّهُ مِمَّا غَيَّرَ الشَّيْطَانُ وَحَمَلَ الْآبَاءَ عَلَى تَغْيِيرِهِ ، وَكُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ ، ثُمَّ يَقَعُ التَّغْيِيرُ عَلَى يَدِي الْأَبِ وَالْكَافِلِ وَالصَّاحِبِ ، وَذَلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الصَّحَابَةِ مِنْهُمْ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمِنْ التَّابِعِينَ جُمْلَةً : تَوْخِيَةُ الْخِصَاءِ تَغْيِيرُ خَلْقِ اللَّهِ .
فَأَمَّا فِي الْآدَمِيِّ فَمُصِيبَةٌ ، وَأَمَّا فِي [ الْحَيَوَانِ ] وَالْبَهَائِمِ فَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : هُوَ مَكْرُوهٌ ، لِأَجْلِ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا يَفْعَلُ ذَلِكَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ } .

وَرَوَى مَالِكٌ كَرَاهِيَتَهُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ .
وَقَالَ : فِيهِ نَمَاءُ الْخَلْقِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّهُ جَائِزٌ ؛ وَهُمْ الْأَكْثَرُ .
وَالْمَعْنَى فِيهِ أَنَّهُمْ لَا يَقْصِدُونَ بِهِ تَعْلِيقَ الْحَالِ بِالدِّينِ لِصَنَمٍ يُعْبَدُ ، وَلَا لِرَبٍّ يُوَحَّدُ وَإِنَّمَا يُقْصَدُ بِهِ تَطْيِيبُ اللَّحْمِ فِيمَا يُؤْكَلُ ، وَتَقْوِيَةُ الذَّكَرِ إذَا انْقَطَعَ أَمَلُهُ عَنْ الْأُنْثَى ، وَالْآدَمِيُّ عَكْسُهُ إذَا خُصِيَ بَطَلَ قَلْبُهُ وَقُوَّتُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : رَوَى عُلَمَاؤُنَا أَنَّ طَاوُسًا كَانَ لَا يَحْضُرُ نِكَاحَ سَوْدَاءَ بِأَبْيَضَ ، وَلَا بَيْضَاءَ بِأَسْوَدَ ، وَيَقُولُ : هُوَ مِنْ قَوْلِ اللَّهِ : { فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ } .
وَهُوَ أَنْ كَانَ يَحْتَمِلُهُ عُمُومُ اللَّفْظِ وَمُطْلَقُهُ فَهُوَ مَخْصُوصٌ بِمَا أَنَفَذَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ نِكَاحِ مَوْلَاهُ زَيْدٍ ، وَكَانَ أَبْيَضَ ، بِظِئْرِهِ بَرَكَةَ الْحَبَشِيَّةَ أُمِّ أُسَامَةَ ، فَكَانَ أُسَامَةُ أَسْوَدَ مِنْ أَبْيَضَ ، وَهَذَا مِمَّا خَفِيَ عَلَى طَاوُسٍ مِنْ عِلْمِهِ .

الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاءِ قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنْكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا فِي أَوَّلِ السُّورَةِ عِنْدَ قَوْلِنَا فِي آيَةِ : { وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى } .
وَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُسْأَلُ فَلَا يُجِيبُ ، حَتَّى يَنْزِلَ عَلَيْهِ الْوَحْيُ } ، وَذَلِكَ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ } .
{ وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْيَتَامَى } .
{ يَسْأَلُونَك عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } .
{ وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْجِبَالِ } .
هَذَا فِي كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى كَثِيرٌ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : طَلَبْنَا مَا قَالَ مَالِكٌ فَوَجَدْنَاهُ فِي ثَلَاثَةَ عَشَرَ مَوْضِعًا : قَوْلُهُ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الشَّهْرِ الْحَرَامِ } .
{ يَسْأَلُونَك عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ } .
{ وَيَسْأَلُونَك مَاذَا يُنْفِقُونَ } .
{ وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْيَتَامَى } .
{ وَيَسْتَفْتُونَك فِي النِّسَاءِ } .
{ يَسْأَلُك أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا } .
{ يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ } .
{ يَسْأَلُونَك مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ } .
{ يَسْأَلُونَك عَنْ السَّاعَةِ } .
{ يَسْأَلُك النَّاسُ عَنْ السَّاعَةِ } .
{ يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ } .
{ وَيَسْأَلُونَك عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ } .
{ وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْجِبَالِ } .
{ وَيَسْأَلُونَك عَنْ الْمَحِيضِ } .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى { وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنْ الْوِلْدَانِ } : الَّذِينَ لَا أَبَ لَهُمْ ، أَكَّدَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَمْرَهُمْ وَأَكَّدَ أَمْرَ الْيَتَامَى ، وَهُمْ الَّذِينَ لَا أَبًا لَهُمْ ؛ فَيُحْتَمَلُ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَنْ يَكُونُوا هُمْ ، أَكَّدَ أَمْرَهُمْ بِلَفْظٍ آخَرَ أَخَصَّ بِهِ مِنْ الضَّعْفِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْمُسْتَضْعَفِينَ مَنْ كَانَ هُوَ وَأَبُوهُ ضَعِيفًا ، وَالْيَتِيمُ الْمُنْفَرِدُ بِالضَّعْفِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُرِيدَ بِالْمُسْتَضْعَفِينَ مَنْ رَمَاهُ أَهْلُهُ وَدَفَعَهُ أَبُوهُ عَنْ نَفْسِهِ لِعَجْزِهِ عَنْ أَمْرِهِ .

الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْخَمْسُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتْ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } قَالَتْ عَائِشَةُ : هِيَ الْمَرْأَةُ تَكُونُ عِنْدَ الرَّجُلِ لَيْسَ بِمُسْتَكْثِرٍ مِنْهَا أَنْ يُفَارِقَهَا ، فَيَقُولُ : أَجْعَلُك مِنْ شَأْنِي فِي حِلٍّ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ .
قَالَ الْقَاضِي رِضْوَانُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَعَلَى الصِّدِّيقَة الطَّاهِرَةِ : لَقَدْ وَفَتَّ مَا حَمَلَهَا رَبُّهَا مِنْ الْعَهْدِ فِي قَوْلِهِ : { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ } .
وَلَقَدْ خَرَجَتْ فِي ذَلِكَ عَنْ الْعَهْدِ .
{ وَهَذَا كَانَ شَأْنُهَا مَعَ سَوْدَةَ بِنْتِ زَمْعَةَ لَمَّا أَسَنَّتْ أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُطَلِّقَهَا فَآثَرَتْ الْكَوْنَ مَعَ زَوْجَاتِهِ .
فَقَالَتْ لَهُ : امْسِكْنِي وَاجْعَلْ يَوْمِي لِعَائِشَةَ ، فَفَعَلَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمَاتَتْ وَهِيَ مِنْ أَزْوَاجِهِ } .
وَقَدْ صَرَّحَ ابْنُ أَبِي مُلَيْكَةَ بِذَلِكَ فَقَالَ : نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ فِي عَائِشَةَ .
وَفِي هَذِهِ الْآيَةِ رَدٌّ عَلَى الرُّعْنِ الَّذِينَ يَرَوْنَ الرَّجُلَ إذَا أَخَذَ شَبَابَ الْمَرْأَةِ وَأَسَنَّتْ لَا يَنْبَغِي لَهُ أَنْ يَتَبَدَّلَ بِهَا ، فَالْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي رَفَعَ حَرَجًا وَجَعَلَ مِنْ هَذِهِ الضِّيقَةِ مَخْرَجًا .

الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذْرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ الْأُسْتَاذُ أَبُو بَكْرٍ : فِي هَذِهِ الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَكْلِيفِ مَا لَا يُطَاقُ ، فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ كَلَّفَ الرِّجَالَ الْعَدْلَ بَيْنَ النِّسَاءِ ، وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَهُ ، وَهَذَا وَهْمٌ عَظِيمٌ ، فَإِنَّ الَّذِي كَلَّفَهُمْ مِنْ ذَلِكَ هُوَ الْعَدْلُ فِي الظَّاهِرِ الَّذِي دَلَّ عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ : { ذَلِكَ أَدْنَى أَلَّا تَعُولُوا } .
وَهَذَا أَمْرٌ مُسْتَطَاعٌ ، وَاَلَّذِي أَخْبَرَ عَنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَهُ لَمْ يُكَلِّفْهُمْ قَطُّ إيَّاهُ ؛ وَهُوَ النِّسْبَةُ فِي مَيْلِ النَّفْسِ ؛ وَلِهَذَا { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَعْدِلُ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي الْقَسَمِ ، وَيَجِدُ نَفْسَهُ أَمْيَلَ إلَى عَائِشَةَ فِي الْحُبِّ ، فَيَقُولُ : اللَّهُمَّ هَذِهِ قُدْرَتِي فِيمَا أَمْلِكُ ، فَلَا تَسْأَلْنِي فِي الَّذِي تَمْلِكُ وَلَا أَمْلِكُ } يَعْنِي قَلْبَهُ ، وَالْقَاطِعُ لِذَلِكَ ، الْحَاسِمُ لِهَذَا الْإِشْكَالِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ أَخْبَرَ بِأَنَّهُ رَفَعَ الْحَرَجَ عَنَّا فِي تَكْلِيفِ مَا لَا نَسْتَطِيعُ فَضْلًا ، وَإِنْ كَانَ لَهُ أَنْ يُلْزِمَنَا إيَّاهُ حَقًّا وَخُلُقًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ : سَأَلْت عَبِيدَةُ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ فَقَالَ : هُوَ الْحُبُّ وَالْجِمَاعُ .
وَصَدَقَ ؛ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَمْلِكُهُ أَحَدٌ ؛ إذْ قَلْبُهُ بَيْنَ إصْبَعَيْنِ مِنْ أَصَابِعِ الرَّحْمَنِ ، يُصَرِّفُهُ كَيْفَ يَشَاءُ .
وَكَذَلِكَ الْجِمَاعُ قَدْ يَنْشَطُ لِلْوَاحِدَةِ مَا لَا يَنْشَطُ لِلْأُخْرَى ، فَإِذَا لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ بِقَصْدٍ مِنْهُ فَلَا حَرَجَ عَلَيْهِ فِيهِ ، فَإِنَّهُ مِمَّا لَا يَسْتَطِيعُهُ فَلَمْ يَتَعَلَّقْ بِهِ تَكْلِيفٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ }

: قَالَ الْعُلَمَاءُ : أَرَادَ تَعَمُّدَ الْإِتْيَانِ ، وَذَلِكَ فِيمَا يَمْلِكُهُ وَجَعَلَ إلَيْهِ ، مِنْ حُسْنِ الْعِشْرَةِ وَالْقَسْمِ وَالنَّفَقَةِ وَنَحْوِهِ مِنْ أَحْكَامِ النِّكَاحِ .

الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالْخَمْسُونَ : قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاَللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا } .
فِيهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا رُوِيَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اخْتَصَمَ إلَيْهِ رَجُلَانِ : غَنِيٌّ وَفَقِيرٌ ، فَكَانَ ضِلْعُهُ مَعَ الْفَقِيرِ ، يَرَى أَنَّ الْفَقِيرَ لَا يَظْلِمُ الْغَنِيَّ ، فَأَبَى اللَّهُ إلَّا أَنْ يَقُومَ بِالْقِسْطِ فِي الْغَنِيِّ وَالْفَقِيرِ } .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْقِسْطُ : الْعَدْلُ .
بِكَسْرِ الْقَافِ وَإِسْكَانِ الْعَيْنِ ، وَالْقَسْطُ بِفَتْحِهَا : الْجَوْرُ وَيُقَالُ : أَقْسَطَ إذَا عَدَلَ ، وَقَسَطَ إذَا جَارَ ، وَلَعَلَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ : قَسَطَ الْبَعِيرُ قَسْطًا إذَا يَبِسَتْ يَدُهُ ، فَلَعَلَّ أَقْسَطَ سَلْبُ قَسَطَ ، فَقَدْ يَأْتِي بِنَاءُ أَفْعَلَ لِلسَّلْبِ .
كَقَوْلِهِ : أَعْجَمَ الْكِتَابُ إذَا سَلَبَ عُجْمَتَهُ بِالضَّبْطِ .
وَقِيلَ : نَزَلَتْ فِي الشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ ، وَهِيَ عَامَّةٌ لِكُلِّ أَحَدٍ فِي كُلِّ شَيْءٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ } : يَعْنِي فَعَّالِينَ ، مِنْ قَامَ ، وَاسْتَعَارَ الْقِيَامَ لِامْتِثَالِ الْحَقِّ ؛ لِأَنَّهُ يُفْعَلُ فِي مُهِمَّاتِ الْأُمُورِ وَهِيَ غَايَةُ الْفِعْلِ لَنَا ، وَمِنْ أَسْمَائِهِ سُبْحَانَهُ الْحَيُّ الْقَيُّومُ ، وَالْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبْتِ فَضَرَبَهُ هَاهُنَا مَثَلًا لِغَايَةِ الْقِيَامِ بِالْعَدْلِ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : { شُهَدَاءَ لِلَّهِ } : كُونُوا مِمَّنْ يُؤَدِّي الشَّهَادَةَ لِلَّهِ وَلِوَجْهِهِ ، فَيُبَادِرُ بِهَا قَبْلَ أَنْ يُسْأَلَهَا ، وَيَقُولُ الْحَقَّ فِيهَا ، وَإِنَّ اللَّهَ يَشْهَدُ بِالْحَقِّ ، وَالْمَلَائِكَةُ وَأَوَّلُو الْعِلْمِ وَعُدُولُ الْأُمَّةِ ، وَكُلُّ مَنْ قَامَ بِالْقِسْطِ فَقَدْ شَهِدَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ بِالْحَقِّ ، وَكُلُّ مَنْ قَامَ لِلَّهِ فَقَدْ شَهِدَ بِالْقِسْطِ ، وَلِهَذَا نَزَلَتْ الْآيَةُ الْأُخْرَى فِي الْمَائِدَةِ بِمَقْلُوبِ هَذَا النَّظْمِ ، وَهُوَ مِثْلُهُ فِي الْمَعْنَى كَمَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ } : أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْعَبْدَ بِأَنْ يَشْهَدَ عَلَى نَفْسِهِ بِالْحَقِّ ، وَيُسَمِّي الْإِقْرَارَ عَلَى نَفْسِهِ شَهَادَةً ، كَمَا تُسَمَّى الشَّهَادَةُ عَلَى الْغَيْرِ الْإِقْرَارَ .
وَفِي حَدِيثِ { مَاعِزٍ : فَلَمْ يَرْجُمْهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى أَقَرَّ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ } ، وَلَا يُبَالِي الْمَرْءُ أَنْ يَقُولَ الْحَقَّ عَلَى نَفْسِهِ لِلَّهِ جَلَّ وَعَلَا فَاَللَّهُ يَفْتَحُ لَهُ .
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } إلَّا أَنَّهُ فِي بَابِ الْحُدُودِ نَدَبَ إلَى أَنْ يَسْتُرَ عَلَى نَفْسِهِ فَيَتُوبَ حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ لَهُ ؛ بَلْ إنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يُقِرَّ عَلَى نَفْسِهِ بِالْحَدِّ إذَا رَأَى غَيْرَهُ قَدْ اُبْتُلِيَ بِهِ وَهُوَ صَاحِبُهُ ، فَيَشْهَدُ عَلَى نَفْسِهِ لِيُخَلِّصَهُ وَيُبَرِّئَهُ .
رَوَى أَبُو دَاوُد وَالنَّسَائِيُّ { عَنْ الْحَلَّاجِ أَنَّهُ كَانَ يَعْمَلُ فِي السُّوقِ فَرَمَتْ امْرَأَةٌ صَبِيًّا .
قَالَ : فَثَارَ النَّاسُ وَثُرْت فِيمَنْ ثَارَ ، فَانْتَهَيْت إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ يَقُولُ : مَنْ أَبُو هَذَا مَعَك ؟ فَقَالَ فَتًى حِذَاءَهَا : أَنَا أَبُوهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
فَأَقْبَلَ عَلَيْهَا فَقَالَ : مَنْ أَبُو هَذَا مَعَك ؟ فَسَكَتَتْ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّهَا حَدِيثَةُ السِّنِّ حَدِيثَةُ عَهْدٍ بِحُزْنٍ وَلَيْسَتْ تُكَلِّمُك ، أَنَا أَبُوهُ ؛ فَنَظَرَ إلَى بَعْضِ أَصْحَابِهِ كَأَنَّهُ يَسْأَلُهُمْ عَنْهُ ، فَقَالُوا : مَا عَلِمْنَا إلَّا خَيْرًا .
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَحْصَنْت .
قَالَ : نَعَمْ ، فَأَمَرَ بِهِ فَرُجِمَ .
قَالَ : فَخَرَجْنَا فَحَفَرْنَا لَهُ حَتَّى أَمْكَنَّاهُ ثُمَّ رَمَيْنَاهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى هَدَأَ مُحْتَضَرًا } .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ الْوَالِدَيْنِ } : أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالشَّهَادَةِ بِالْحَقِّ عَلَى الْوَالِدَيْنِ : الْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ شَهَادَةَ الِابْنِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ لَا يَمْنَعُ ذَلِكَ بِرَّهُمَا ، بَلْ مِنْ بِرِّهِمَا أَنْ يَشْهَدَ عَلَيْهِمَا بِالْحَقِّ ، وَيُخْلِصَهُمَا مِنْ الْبَاطِلِ ، وَهُوَ مِنْ قَوْله تَعَالَى : { قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } فِي بَعْضِ مَعَانِيه .
وَقَدْ اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى قَبُولِ شَهَادَةِ الِابْنِ عَلَى الْأَبَوَيْنِ ، فَإِنْ شَهِدَ لَهُمَا أَوْ شَهِدَا لَهُ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا قَدِيمًا وَحَدِيثًا ؛ فَقَالَ ابْنُ شِهَابٍ : كَانَ مَنْ مَضَى مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ يُجِيزُونَ شَهَادَةَ الْوَالِدِ وَالْأَخِ لِأَخِيهِ ، وَيَتَأَوَّلُونَ فِي ذَلِكَ قَوْلَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } ؛ فَلَمْ يَكُنْ أَحَدٌ يَتَّهِمُ فِي ذَلِكَ مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ ، ثُمَّ ظَهَرَتْ مِنْ النَّاسِ أُمُورٌ حَمَلَتْ الْوُلَاةَ عَلَى اتِّهَامِهِمْ ، فَتُرِكَتْ شَهَادَةُ مِنْ يُتَّهَمُ ، وَصَارَ ذَلِكَ لَا يَجُوزُ فِي الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ وَالْأَخِ وَالزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ ، وَهُوَ مَذْهَبُ الْحَسَنِ وَالنَّخَعِيِّ وَالشَّعْبِيِّ وَشُرَيْحٍ وَمَالِكٍ وَالثَّوْرِيِّ وَالشَّافِعِيِّ وَأَحْمَدَ بْنِ حَنْبَلٍ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ شَهَادَةِ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ ، وَقَدْ أَجَازَ قَوْمٌ شَهَادَةَ بَعْضِهِمْ لِبَعْضٍ إذَا كَانُوا عُدُولًا .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ أَجَازَهُ ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَبِهِ قَالَ إِسْحَاقُ وَأَبُو ثَوْرٍ وَالْمُزَنِيُّ .
وَمَذْهَبُ مَالِكٍ جَوَازُ شَهَادَةِ الْأَخِ لِأَخِيهِ إذَا كَانَ عَدْلًا إلَّا فِي النَّسَبِ .
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهُ لَا تَجُوزُ إذَا كَانَ فِي عِيَالِهِ أَوْ فِي نَصِيبٍ مِنْ مَالٍ يَرِثُهُ ، وَلَا تَجُوزُ عِنْدَ مَالِكٍ شَهَادَةُ الزَّوْجِ وَالْمَرْأَةِ أَحَدُهُمَا لِلْآخَرِ

؛ وَأَجَازَهُ الشَّافِعِيُّ .
وَلَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الصَّدِيقِ الْمُلَاطِفِ عِنْدَهُ ، وَلَا إذَا كَانَ فِي عِيَالِهِ .
وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنَّ أَصْلَ الشَّرِيعَةِ لَا تَجُوزُ شَهَادَةُ الْوَالِدِ لِلْوَلَدِ وَلَا الْوَلَدِ لِلْوَالِدِ لِمَا بَيْنَهَا مِنْ الْبَعْضِيَّةِ ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا فَاطِمَةُ بَضْعَةٌ مِنِّي يَرِيبُنِي مَا رَابَهَا وَيُؤْذِينِي مَا آذَاهَا } .
وَشَهَادَةُ الْإِنْسَانِ لِنَفْسِهِ لَا تَجُوزُ ، إلَّا أَنَّ مَنْ تَقَدَّمَ قَالَ : إنَّهُ كَانَ يُسَامِحُ فِيهِ .
وَمَا رَوَى قَطُّ أَحَدٌ أَنَّهُ نَفَذَ قَضَاءٌ بِشَهَادَةِ وَلَدٍ لِوَالِدِهِ وَلَا وَالِدٍ لِوَلَدِهِ ، وَإِنَّمَا مَعْنَى الْمُسَامَحَةِ فِيهِ أَنَّهُمْ كَانُوا لَا يُصَرِّحُونَ بِرَدِّهَا ، وَلَا يُحَذِّرُونَ مِنْهَا لِصَلَاحِ النَّاسِ ، فَلَمَّا فَسَدُوا وَقَعَ التَّحْذِيرُ ، وَنَبَّهَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْأَصْلِ ، فَظَنَّ مَنْ تَغَافَلَ أَوْ غَفَلَ أَنَّ الْمَاضِينَ جَوَّزُوهَا ، وَمَا كَانَ ذَلِكَ قَطُّ ؛ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ مِنْ أَطْيَبِ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ ، وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ } .
وَقَدْ جَعَلَهُ اللَّهُ جُزْءًا مِنْهُ فِي الْإِسْلَامِ ؛ وَتَبَعًا لَهُ فِي الْإِيمَانِ ، فَهُوَ مُسْلِمٌ بِإِسْلَامِ أَبِيهِ بِإِجْمَاعٍ ، وَمُسْلِمٌ بِإِسْلَامِ أُمِّهِ بِاخْتِلَافٍ ، وَمَالُهُ لِأَبِيهِ حَيًّا وَمَيِّتًا ، وَهَكَذَا فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ ، وَلَا بَيَانَ فَوْقَ هَذَا .
وَالْأَخُ وَإِنْ كَانَ بَيْنَهَا بَعْضِيَّةٌ فَإِنَّهَا بَعِيدَةٌ حَقِيقَةً وَعَادَةً ، فَجَوَّزَهَا الْعُلَمَاءُ فِي جَانِبِ الْأَخِ بِشَرْطِ الْعَدَالَةِ الْمُبَرِّرَةِ ، مَا لَمْ تَجُرَّ نَفْعًا .
وَخَالَفَ الشَّافِعِيُّ فَقَالَ : يَجُوزُ شَهَادَةُ الزَّوْجَيْنِ بَعْضِهِمَا لِبَعْضٍ ؛ لِأَنَّهُمَا أَجْنَبِيَّانِ ؛ وَإِنَّمَا بَيْنَهُمَا عَقْدُ الزَّوْجِيَّةِ ، وَهُوَ سَبَبٌ مُعَرَّضٌ لِلزَّوَالِ .
وَهَذَا ضَعِيفٌ : فَإِنَّ الزَّوْجِيَّةَ تُوجِبُ الْحَنَانَ وَالتَّعَطُّفَ وَالْمُوَاصَلَةَ وَالْأُلْفَةَ وَالْمَحَبَّةَ ، وَلَهُ حَقٌّ فِي مَالِهَا عِنْدَنَا ، وَلِذَلِكَ لَا تَتَصَرَّفُ فِي

الْهِبَةِ إلَّا فِي ثُلُثِهَا .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَلَهَا فِي مَالِهِ حَقُّ الْكِسْوَةِ وَالنَّفَقَةِ ، وَهَذِهِ شُبْهَةٌ تُوجِبُ رَدَّ الشَّهَادَةِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : أَلْحَقَ مَالِكٌ الصَّدِيقَ الْمُلَاطِفَ بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ ؛ فَهِيَ فِي الْعَادَةِ أَقْوَى مِنْهَا ، وَهِيَ فِي الْمَوَدَّةِ ؛ فَكَانَتْ مِثْلَهَا فِي رَدِّ الشَّهَادَةِ .

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاَللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا } : الْمَعْنَى لَا تَمِيلُوا بِالْهَوَى مَعَ الْفَقِيرِ لِضَعْفِهِ ، وَلَا عَلَى الْغَنِيِّ لِاسْتِغْنَائِهِ ، وَكُونُوا مَعَ الْحَقِّ ؛ فَاَللَّهُ الَّذِي أَغْنَى هَذَا وَأَفْقَرَ هَذَا أَوْلَى بِالْفَقِيرِ أَنْ يُغْنِيَهُ بِفَضْلِهِ بِالْحَقِّ لَا بِالْهَوَى وَالْبَاطِلِ ، وَاَللَّهُ أَوْلَى بِالْغَنِيِّ أَنْ يَأْخُذَ مَا فِي يَدِهِ بِالْعَدْلِ وَالْحَقِّ ، لَا بِالتَّحَامُلِ عَلَيْهِ ، فَإِنَّمَا جَعَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْحَقَّ وَالْعَدْلَ عِيَارًا لِمَا يَظْهَرُ مِنْ الْخُبْثِ وَمِيزَانًا لِمَا يَتَبَيَّنُ مِنْ الْمَيْلِ ، عَلَيْهِ تَجْرِي الْأَحْكَامُ الدُّنْيَاوِيَّةُ ، وَهُوَ سُبْحَانَهُ يُجْرِي الْمَقَادِيرَ بِحِكْمَتِهِ ، وَيَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِحُكْمِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَالَ جَمَاعَةٌ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوْ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ } فَسَوَّى بَيْنَ الْأَقْرَبِينَ وَالْأَبَوَيْنِ فِي الْأَمْرِ بِالْحَقِّ وَالْوَصِيَّةِ بِالْعَدْلِ ، وَإِنْ تَفَاضَلُوا فِي الدَّرَجَةِ ؛ كَمَا سَوَّى بَيْنَ الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ ، وَإِنْ تَفَاضَلُوا أَيْضًا فِي الدَّرَجَةِ ، وَكَأَنَّهُ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : لَا تَلْتَفِتُوا فِي الرَّحِمِ قَرُبَتْ أَوْ بَعُدَتْ فِي الْحَقِّ كُونُوا مَعَهُ عَلَيْهَا ، وَلَوْلَا خَوْفُ الْعَدْلِ عَنْهُ لَهَا لَمَا خُصُّوا بِالْوَصِيَّةِ بِهَا ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : { فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا } : مَعْنَاهُ لَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَكُمْ فِي طَلَبِ الْعَدْلِ بِرَحْمَةِ الْفَقِيرِ وَالتَّحَامُلِ عَلَى الْغَنِيِّ ، بَلْ ابْتَغَوْا الْحَقَّ فِيهِمَا ، وَهَذَا بَيَانٌ شَافٍ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا } : الْمَعْنَى إنْ مَطَلْتُمْ حَقًّا فَلَمْ تُنَفِّذُوهُ إلَّا بَعْدَ بُطْءٍ ، أَوْ عَرَضْتُمْ عَنْهُ جُمْلَةً فَاَللَّهُ خَبِيرٌ بِعَمَلِكُمْ .
يُقَالُ لَوَيْت الْأَمْرَ أَلْوِيه لَيًّا وَلِيَّانًا ، إذَا مَطَلْته قَالَ غَيْلَانُ : تُطِيلِينَ لَيَّانِي وَأَنْتِ مَلِيَّةٌ وَأُحْسِنُ يَا ذَاتَ الْوِشَاحِ التَّقَاضِيَا وَقَرَأَ حَمْزَةُ وَالْأَعْمَشُ : وَإِنْ تَلُوا ، وَالْأَوَّلُ أَفْصَحُ ، وَأَكْثَرُ ، وَقَدْ رُدَّ إلَى الْأَوَّلِ بِوَجْهٍ عَرَبِيٍّ ؛ وَذَلِكَ أَنْ تُبْدِلَ مِنْ الْوَاوِ الْآخِرَةِ هَمْزَةً فَتَكُونَ تَلْوُوا ، ثُمَّ حُذِفَتْ الْهَمْزَةِ وَأُلْقِيَتْ حَرَكَتُهَا عَلَى الْوَاوِ ، وَالْعَرَبُ تَفْعَل ذَلِكَ .
وَقِيلَ : إنَّ مَعْنَاهُ تَلُوا مِنْ الْوِلَايَةِ ، أَيْ اسْتَقْلَلْتُمْ بِالْأَمْرِ أَوْ ضَعُفْتُمْ عَنْهُ فَاَللَّهُ خَبِيرٌ بِذَلِكَ .

الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالْخَمْسُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا } .
هَذَا خَبَرٌ ، وَالْخَبَرُ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لَا يَجُوزُ أَنْ يَقَعَ بِخِلَافِ مُخْبَرِهِ ، وَنَحْنُ نَرَى الْكَافِرِينَ يَتَسَلَّطُونَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي بِلَادِهِمْ وَأَبْدَانِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ وَأَهْلِيهِمْ ، فَقَالَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا فِي الْحُجَّةِ ، فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ .
الثَّانِي : وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا فِي الْحُجَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ .
قَالَ الْقَاضِي : أَمَّا حَمْلُهُ عَلَى نَفْيِ وُجُودِ الْحُجَّةِ مِنْ الْكَافِرِ عَلَى الْمُؤْمِنِ فَذَلِكَ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ وُجُودَ الْحُجَّةِ لِلْكَافِرِ مُحَالٌ ، فَلَا يَتَصَرَّفُ فِيهِ الْجَعْلُ بِنَفْيٍ وَلَا إثْبَاتٍ .
وَأَمَّا نَفْيُ وُجُودِ الْحُجَّةِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَضَعِيفٌ ؛ لِعَدَمِ فَائِدَةِ الْخَبَرِ فِيهِ ؛ وَإِنْ أَوْهَمَ صَدْرُ الْكَلَامِ مَعْنَاهُ ؛ لِقَوْلِهِ : { فَاَللَّهُ يَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ } فَأَخَّرَ الْحُكْمَ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَجَعَلَ الْأَمْرَ فِي الدُّنْيَا دُولَةً تَغْلِبُ الْكُفَّارُ تَارَةً وَتُغْلَبُ أُخْرَى بِمَا رَأَى مِنْ الْحِكْمَةِ وَسَبَقَ مِنْ الْكَلِمَةِ ، ثُمَّ قَالَ : { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا } .
فَتَوَهَّمَ مَنْ تَوَهَّمَ أَنَّ آخِرَ الْكَلَامِ يَرْجِعُ إلَى أَوَّلِهِ ، وَذَلِكَ يُسْقِطُ فَائِدَتَهُ .
وَإِنَّمَا مَعْنَاهُ ثَلَاثَةُ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : وَ لَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا يَمْحُو بِهِ دَوْلَةَ الْمُؤْمِنِينَ ، وَيُذْهِبُ آثَارَهُمْ ، وَيَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : وَدَعَوْت رَبِّي أَلَّا يُسَلِّطَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ يَسْتَبِيحُ بَيْضَتَهُمْ فَأَعْطَانِيهَا .
الثَّانِي : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يَجْعَلُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا مِنْهُ إلَّا أَنْ تَتَوَاصَوْا بِالْبَاطِلِ ،

وَلَا تَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَتَتَقَاعَدُوا عَنْ التَّوْبَةِ ؛ فَيَكُونُ تَسْلِيطُ الْعَدُوِّ مِنْ قَبْلِكُمْ ؛ وَهَذَا نَفِيسٌ جِدًّا .
الثَّالِثُ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يَجْعَلُ لَلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا بِالشَّرْعِ ؛ فَإِنْ وُجِدَ ذَلِكَ فَبِخِلَافِ الشَّرْعِ ، وَنَزَعَ بِهَذَا عُلَمَاؤُنَا فِي الِاحْتِجَاجِ عَلَى أَنَّ الْكَافِرَ لَا يَمْلِكُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ ؛ وَبِهِ قَالَ أَشْهَبُ وَالشَّافِعِيُّ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ نَفَى السَّبِيلَ لِلْكَافِرِ عَلَيْهِ ، وَالْمِلْكُ بِالشِّرَاءِ سَبِيلٌ فَلَا يُشْرَعُ وَلَا يَنْعَقِدُ بِذَلِكَ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ ، وَهُوَ قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : إنَّ مَعْنَى { وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا } فِي دَوَامِ الْمِلْكِ ؛ لِأَنَّا نَجِدُ ابْتِدَاءَهُ يَكُونُ لَهُ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ بِالْإِرْثِ ، وَصُورَتُهُ أَنْ يُسْلِمَ عَبْدٌ كَافِرٌ فِي يَدَيْ كَافِرٍ فَيَلْزَمُ الْقَضَاءُ عَلَيْهِ بِبَيْعِهِ ، فَقَبْلَ الْحُكْمِ بِبَيْعِهِ مَاتَ ، فَيَرِثُ الْعَبْدَ الْمُسْلِمَ وَارِثُ الْكَافِرِ ، فَهَذِهِ سَبِيلٌ قَدْ ثَبَتَتْ ابْتِدَاءً ، وَيُحْكَمُ عَلَيْهِ بِبَيْعِهِ .
وَرَأَى مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ أَشْهَبَ وَالشَّافِعِيِّ أَنَّ الْحُكْمَ بِمِلْكِ الْمِيرَاثِ ثَابِتٌ قَهْرًا لَا قَصْد فِيهِ .
فَإِنْ قِيلَ : مِلْكُ الشِّرَاءِ ثَبَتَ بِقَصْدِ الْيَدِ ، فَقَدْ أَرَادَ الْكَافِرُ تَمَلُّكَهُ بِاخْتِيَارِهِ .
قُلْنَا : فَإِنَّ الْحُكْمَ بِعَقْدِ بَيْعِهِ وَثُبُوتِ مِلْكِهِ ؛ فَقَدْ تَحَقَّقَ فِيهِ قَصْدُهُ وَجَعَلَ لَهُ سَبِيلُ الْيَدِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ طَوِيلَة عَظِيمَةٌ ، وَقَدْ حَقَّقْنَاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَحَكَمْنَا بِالْحَقِّ فِيهَا فِي كِتَابِ " الْإِنْصَافِ لِتَكْمِلَةِ الْإِشْرَافِ " ، فَلْيُنْظَرْ هُنَا لَك .

الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالْخَمْسُونَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الْمُنَافِقِينَ يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَهُوَ خَادِعُهُمْ وَإِذَا قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى يُرَاءُونَ النَّاسَ وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلَّا قَلِيلًا } .
فِيهَا مِنْ الْأَحْكَامِ ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قَامُوا إلَى الصَّلَاةِ قَامُوا كُسَالَى } : يَعْنِي مُتَكَاسِلِينَ مُتَثَاقِلِينَ ، لَا يَنْشَطُونَ لِفِعْلِهَا ، وَلَا يَفْرَحُونَ لَهَا ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْآثَارِ : { أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالُ } .
فَكَانَ يَرَى رَاحَتَهُ فِيهَا .
وَفِي آثَارٍ آخَرَ : { وَجُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصَّلَاةِ } .
وَفِي الْحَدِيثِ : { أَثْقَلُ صَلَاةٍ عَلَى الْمُنَافِقِينَ الْعَتَمَةُ وَالصُّبْحُ } ؛ فَإِنَّ الْعَتَمَةَ تَأْتِي وَقَدْ أَنْصَبَهُمْ عَمَلُ النَّهَارِ ، فَيَثْقُلُ عَلَيْهِمْ الْقِيَامُ إلَيْهَا ، وَتَأْتِي صَلَاةُ الصُّبْحِ ، وَالنَّوْمُ أَحَبُّ إلَيْهِمْ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ ، وَهُمْ لَا يَعْرِفُونَ قَدْرَ الصَّلَاةِ دُنْيَا وَلَا فَائِدَتَهَا أُخْرَى ؛ فَيَقُومُونَ إلَيْهَا بِغَيْرِ نِيَّةٍ إلَّا خَوْفًا مِنْ السَّيْفِ وَمَنْ قَامَ إلَيْهَا مَعَ هَذِهِ الْحَالَةِ بِنِيَّةِ إتْعَابِ النَّفْسِ وَإِيثَارِهَا عَلَيْهَا ، طَالِبًا لِمَا عِنْدَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فَلَهُ أَجْرَانِ ، وَاَلَّذِي يَرَى رَاحَتَهُ فِيهَا مَعَ الْمَلَائِكَةِ الْمُقَرَّبِينَ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يُرَاءُونَ النَّاسَ } : يَعْنِي أَنَّهُمْ يَفْعَلُونَهَا لِيَرَاهَا النَّاسُ وَهُمْ يَشْهَدُونَهَا لَغْوًا ، فَهَذَا هُوَ الرِّيَاءُ الشِّرْكُ ، فَأَمَّا إنْ صَلَّاهَا لِيَرَاهَا النَّاسُ يَعْنِي وَيَرَوْنَهُ فِيهَا ، فَيَشْهَدُونَ لَهُ بِالْإِيمَانِ فَلَيْسَ ذَلِكَ الرِّيَاءَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ ، وَكَذَلِكَ لَوْ أَرَادَ بِهَا طَلَبَ الْمَنْزِلَةِ وَالظُّهُورِ لِقَبُولِ الشَّهَادَةِ وَجَوَازِ الْإِمَامَةِ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ حَرَجٌ ، وَإِنَّمَا الرِّيَاءُ الْمَعْصِيَةُ أَنْ يُظْهِرَهَا صَيْدًا لِلدُّنْيَا وَطَرِيقًا إلَى الْأَكْلِ بِهَا ، فَهَذِهِ نِيَّةٌ لَا تُجْزِئُ ، وَعَلَيْهِ الْإِعَادَةُ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ إلَّا قَلِيلًا } : وَرَوَى الْأَئِمَّةُ مَالِكٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ .
تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ تِلْكَ صَلَاةُ الْمُنَافِقِينَ .
يَجْلِسُ أَحَدُهُمْ حَتَّى إذَا اصْفَرَّتْ الشَّمْسُ ، وَكَانَتْ بَيْنَ قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ ، أَوْ عَلَى قَرْنَيْ الشَّيْطَانِ ، قَامَ يَنْقُرُ أَرْبَعًا لَا يَذْكُرُ اللَّهَ فِيهَا إلَّا قَلِيلًا } .
فَذَمَّهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقِلَّةِ ذِكْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِيهَا ؛ لِأَنَّهُ يَرَاهَا أَثْقَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْجَبَلِ ، فَيَطْلُبُ الْخَلَاصَ مِنْهَا بِظَاهِرٍ مِنْ الْقَوْلِ وَالْعَمَلِ ، وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ فِيهَا مِنْ الذِّكْرِ فَرْضًا الْفَاتِحَةُ .
وَسَيَأْتِي بَيَانُ ذَلِكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ .
وَأَقَلُّ مَا يُجْزِئُ مِنْ الْعَمَلِ فِي الصَّلَاةِ إقَامَةُ الصُّلْبِ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ ، وَالطُّمَأْنِينَةُ فِيهِمَا ، وَالِاسْتِوَاءُ عِنْدَ الْفَصْلِ بَيْنَهُمَا .
فَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لَا تُجْزِئُ صَلَاةُ مَنْ لَا يُقِيمُ صُلْبَهُ فِي الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ } ، { وَعَلَّمَ الْأَعْرَابِيَّ عَلَى مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ فَقَالَ لَهُ : فَارْكَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَاكِعًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ رَافِعًا ، ثُمَّ اُسْجُدْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ سَاجِدًا ، ثُمَّ ارْفَعْ حَتَّى تَطْمَئِنَّ جَالِسًا ، ثُمَّ افْعَلْ ذَلِكَ فِي صَلَاتِك كُلِّهَا } .
وَذَهَبَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ الطُّمَأْنِينَةَ لَيْسَتْ بِفَرْضٍ ، وَهِيَ رِوَايَةٌ عِرَاقِيَّةٌ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمَالِكِيِّينَ أَنْ يَشْتَغِلَ بِهَا ، فَلَيْسَ لِلْعَبْدِ شَيْءٌ يُعَوِّلُ عَلَيْهِ سِوَاهَا ؛ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَنْقُرَهَا نَقْرَ الْغُرَابِ ، وَلَا يَذْكُرُ اللَّهَ بِهَا ذِكْرَ الْمُنَافِقِينَ ، وَقَدْ بَيَّنَ صَلَاةَ الْمُنَافِقِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَبَيَّنَ صَلَاةَ الْمُؤْمِنِينَ ، فَقَالَ : { قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ هُمْ فِي صَلَاتِهِمْ خَاشِعُونَ } وَمَنْ خَشَعَ خَضَعَ

وَاسْتَمَرَّ ، وَلَمْ يَنْقُرْ وَلَا اسْتَعْجَلَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ لَهُ عُذْرٌ فَيَقْتَصِرَ عَلَى الْفَرْضِ الَّذِي قَدْ بَيَّنَّاهُ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ أَنَّهُ ذَكَرَ صَلَاةَ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ فَقَالَ : هَذَا أَشْبَهُكُمْ صَلَاةً بِصَلَاةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُوجَزَةٌ فِي تَمَامٍ .

الْآيَةُ الثَّامِنَةُ وَالْخَمْسُونَ : قَوْله تَعَالَى : { لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي تَأْوِيلِهَا ؛ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّمَا نَزَلَتْ فِي الرَّجُلِ يَظْلِمُ الرَّجُلَ ، فَيَجُوزُ لِلْمَظْلُومِ أَنْ يَذْكُرَهُ بِمَا ظَلَمَهُ فِيهِ لَا يَزِيدُ عَلَيْهِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَآخَرُونَ : إنَّمَا نَزَلَتْ فِي الضِّيَافَةِ ؛ إذَا نَزَلَ رَجُلٌ عَلَى رَجُلٍ ضَيْفًا فَلَمْ يَقُمْ بِهِ جَازَ لَهُ إذَا خَرَجَ عَنْهُ أَنْ يَذْكُرَ ذَلِكَ .
وَقَالَ رَجُلٌ لِطَاوُسٍ : إنِّي رَأَيْت مِنْ قَوْمٍ شَيْئًا فِي سَفَرٍ ، أَفَأَذْكُرُهُ ؟ قَالَ : لَا .
قَالَ الْقَاضِي : قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ هُوَ الصَّحِيحُ ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي ذَلِكَ أَخْبَارٌ صَحِيحَةٌ ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَطْلُ الْغَنِيِّ ظُلْمٌ } .
وَقَالَ : { لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ وَعُقُوبَتَهُ } .
وَقَالَ الْعَبَّاسُ لِعُمَرَ بِحَضْرَةِ أَهْلِ الشُّورَى عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ : اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا الظَّالِمِ ، فَلَمْ يَرُدَّ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنْهُمْ ؛ لِأَنَّهَا كَانَتْ حُكُومَةً ، كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا يَعْتَقِدُهَا لِنَفْسِهِ حَتَّى أَنْفَذَ فِيهَا عَلَيْهِمْ عُمَرُ لِلْوَاجِبِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَهَذَا إنَّمَا يَكُونُ إذَا اسْتَوَتْ الْمَنَازِلُ أَوْ تَقَارَبَتْ ؛ فَأَمَّا إذَا تَفَاوَتَتْ فَلَا تُمَكَّنُ الْغَوْغَاءُ مِنْ أَنْ تَسْتَطِيلَ عَلَى الْفُضَلَاءِ ، وَإِنَّمَا تَطْلُبُ حَقَّهَا بِمُجَرَّدِ الدَّعْوَى مِنْ غَيْرِ تَصْرِيحٍ بِظُلْمٍ وَلَا غَضَبٍ ؛ وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَعَلَيْهِ تَدُلُّ الْآثَارُ .
وَقَدْ قَالَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيُّ الْوَاجِدِ يُحِلُّ عِرْضَهُ } ، بِأَنْ يَقُولَ مَطَلَنِي ، وَعُقُوبَتُهُ بِأَنْ يُحْبَسَ لَهُ حَتَّى يُنْصِفَهُ

=============ج777777777777777777777=====================

ج7.كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي


الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : رُخِّصَ لَهُ أَنْ يَدْعُوَ عَلَى مَنْ ظَلَمَهُ ، وَإِنْ صَبَرَ وَغَفَرَ كَانَ أَفْضَلَ لَهُ ؛ وَصِفَةُ دُعَائِهِ عَلَى الظَّالِمِ أَنْ يَقُولَ : اللَّهُمَّ أَعْنِي عَلَيْهِ ، اللَّهُمَّ اسْتَخْرِجْ حَقِّي مِنْهُ ، اللَّهُمَّ حُلْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ : وَهَذَا صَحِيحٌ ، وَقَدْ رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا سَمِعَتْ مَنْ يَدْعُو عَلَى سَارِقٍ سَرَقَهُ ، فَقَالَتْ : لَا تَسْتَحْيِي عَنْهُ ، أَيْ لَا تُخَفِّفْ عَنْهُ بِدُعَائِك ، وَهَذَا إذَا كَانَ مُؤْمِنًا ؛ فَأَمَّا إذَا كَانَ كَافِرًا فَأُرْسِلْ لِسَانَك وَادْعُ بِالْهَلَكَةِ ، وَبِكُلِّ دُعَاءٍ ، كَمَا فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّصْرِيحِ عَلَى الْكُفَّارِ بِالدُّعَاءِ وَتَعْيِينِهِمْ وَتَسْمِيَتِهِمْ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إذَا كَانَ الرَّجُلُ مُجَاهِرًا بِالظُّلْمِ دَعَا عَلَيْهِ جَهْرًا ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُ عِرْضٌ مُحْتَرَمٌ ، وَلَا بَدَنٌ مُحْتَرَمٌ ، وَلَا مَالٌ مُحْتَرَمٌ .
وَقَدْ فَصَّلْنَا ذَلِكَ فِي أَحْكَامِ الْعِبَادِ فِي الْمَعَادِ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا مَنْ ظُلِمَ } : قُرِئَ بِفَتْحِ الظَّاءِ ، وَقُرِئَ بِضَمِّهَا ، وَقَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ : كِلَا الْقِرَاءَتَيْنِ هُوَ اسْتِثْنَاءٌ لَيْسَ مِنْ الْأَوَّلِ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى : لَكِنْ مَنْ ظُلِمَ .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَوْضِعَ " مَنْ " رَفْعًا عَلَى الْبَدَلِ مِنْ أَحَدٍ .
التَّقْدِيرُ : لَا يُحِبُّ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ لِأَحَدٍ إلَّا مَنْ ظُلِمَ .
وَاَلَّذِي قَرَأَهَا بِالْفَتْحِ هُوَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ، وَكَانَ مِنْ الْعُلَمَاءِ بِالْقُرْآنِ ، وَقَدْ أَغْفَلَ الْمُتَكَلِّمُونَ عَلَى الْآيَةِ تَقْدِيرَهَا وَإِعْرَابَهَا ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ .
وَاخْتِصَارُهُ أَنَّ الْآيَةَ لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ حَذْفٍ مُقَدَّرٍ ، تَقْدِيرُهُ فِي فَاتِحَةِ الْآيَةِ لِيَأْتِيَ الِاسْتِثْنَاءُ مُرَكَّبًا عَلَى مَعْنًى مُقَدَّرٍ خَيْرٌ مِنْ تَقْدِيرِهِ هَذَا الِاسْتِثْنَاءَ فَنَقُولُ : مَعْنَى الْآيَةِ لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ لِأَحَدٍ إلَّا مَنْ ظُلِمَ بِضَمِّ الظَّاءِ .
أَوْ نَقُولُ مُقَدَّرًا لِلْقِرَاءَةِ الْأُخْرَى : لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ لِأَحَدٍ إلَّا مَنْ ظُلِمَ ، فَهَذَا خَيْرٌ لَك مِنْ أَنْ تَقُولَ تَقْدِيرُهُ : لَكِنْ مَنْ ظُلِمَ بِضَمِّ الظَّاءِ فَإِنَّهُ كَذَا .
أَوْ مَنْ ظُلِمَ فَإِنَّهُ كَذَا ، التَّقْدِيرُ أَبْعَدُ مِنْهُ وَأَضْعَفُ ، كَمَا قَدَّرَ الْعُلَمَاءُ الْمُحَقِّقُونَ فِي قَوْله تَعَالَى : { إنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ إلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
قِيلَ الِاسْتِثْنَاءُ تَقْدِيرًا انْتَظَمَ بِهِ الْكَلَامُ وَاتَّسَقَ بِهِ الْمَعْنَى ؛ قَالُوا : تَقْدِيرُ الْآيَةِ إنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ ، لَكِنْ يَخَافُ الظَّالِمُونَ ، إلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ ، فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ .

الْآيَةُ التَّاسِعَةُ وَالْخَمْسُونَ قَوْله تَعَالَى : { وَأَخْذِهِمْ الرِّبَا وَقَدْ نُهُوا عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا } .
الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ قَدَّمْنَا الْقَوْلَ فِي مُخَاطَبَةِ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ ، وَأَشَرْنَا إلَيْهِ فِيمَا سَلَفَ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ ، وَلَا خِلَافَ فِي مَذْهَبِ مَالِكٍ فِي أَنَّهُمْ يُخَاطَبُونَ .
وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّهُمْ نُهُوا عَنْ الرِّبَا وَأَكْلِ الْمَالِ بِالْبَاطِلِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا عَمَّا نَزَلَ عَلَى مُحَمَّدٍ فِي الْقُرْآنِ ، وَأَنَّهُمْ دَخَلُوا فِي الْخِطَابِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ خَبَرًا عَمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مُوسَى فِي التَّوْرَاةِ ، وَأَنَّهُمْ بَدَّلُوا وَحَرَّفُوا وَعَصَوْا وَخَالَفُوا فَهَلْ يَجُوزُ لَنَا مُعَامَلَتُهُمْ ، وَالْقَوْمُ قَدْ أَفْسَدُوا أَمْوَالَهُمْ فِي دِينِهِمْ أَمْ لَا ؟ فَظَنَّتْ طَائِفَةٌ أَنَّ مُعَامَلَتَهُمْ لَا تَجُوزُ ؛ وَذَلِكَ لِمَا فِي أَمْوَالِهِمْ مِنْ هَذَا الْفَسَادِ .
وَالصَّحِيحُ جَوَازُ مُعَامَلَتِهِمْ مَعَ رِبَاهُمْ وَاقْتِحَامِهِمْ مَا حَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِمْ ، فَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ الْقَاطِعُ عَلَى ذَلِكَ قُرْآنًا وَسُنَّةً : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ } .
وَهَذَا نَصٌّ فِي مُخَاطَبَتِهِمْ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ ، { وَقَدْ عَامَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْيَهُودَ ، وَمَاتَ وَدِرْعُهُ مَرْهُونَةٌ عِنْدَ يَهُودِيٍّ فِي شَعِيرٍ أَخَذَهُ لِعِيَالِهِ } .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ سُئِلَ عَمَّنْ أَخَذَ ثَمَنَ الْخَمْرِ فِي الْجِزْيَةِ وَالتِّجَارَةِ ، فَقَالَ : وَلُّوهُمْ بَيْعَهَا وَخُذُوا مِنْهُمْ عُشْرَ أَثْمَانِهَا ؛ وَالْحَاسِمُ لِدَاءِ الشَّكِّ وَالْخِلَافِ اتِّفَاقُ الْأَئِمَّةِ عَلَى جَوَازِ التِّجَارَةِ مَعَ أَهْلِ الْحَرْبِ ، وَقَدْ سَافَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَيْهِمْ تَاجِرًا ، وَهِيَ :

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : وَذَلِكَ مِنْ سَفَرِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمْرٌ قَاطِعٌ عَلَى جَوَازِ السَّفَرِ إلَيْهِمْ وَالتِّجَارَةِ مَعَهُمْ .
فَإِنْ قِيلَ : كَانَ ذَلِكَ قَبْل النُّبُوَّةِ .
قُلْنَا : إنَّهُ لَمْ يَتَدَنَّسْ قَبْل النُّبُوَّة بِحَرَامٍ ، ثَبَتَ ذَلِكَ تَوَاتُرًا ، وَلَا اعْتَذَرَ عَنْهُ إذْ بُعِثَ ، وَلَا مَنَعَ مِنْهُ إذْ نُبِّئَ ، وَلَا قَطَعَهُ أَحَدٌ مِنْ الصَّحَابَةِ فِي حَيَاتِهِ وَلَا أَحَدٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ بَعْدَ وَفَاتِهِ ؛ فَقَدْ كَانُوا يُسَافِرُونَ فِي فَكِّ الْأَسْرَى ، وَذَلِكَ وَاجِبٌ ؛ وَفِي الصُّلْحِ كَمَا أَرْسَلَ عُثْمَانَ وَغَيْرَهُ ، وَقَدْ يَجِبُ وَقَدْ يَكُون نَدْبًا ، فَأَمَّا السَّفَرُ إلَيْهِمْ لِمُجَرَّدِ التِّجَارَةِ فَذَلِكَ مُبَاحٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فَإِنْ قِيلَ : فَإِذَا قُلْتُمْ إنَّهُمْ مُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ ، كَيْف يَجُوزُ مُبَايَعَتُهُمْ بِمُحَرَّمٍ عَلَيْهِمْ ، وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِلْمُسْلِمِ ؟ قُلْنَا : سَامَحَ الشَّرْعُ فِي مُعَامَلَتِهِمْ وَفِي طَعَامِهِمْ رِفْقًا بِنَا ، وَشَدَّدَ عَلَيْهِمْ فِي الْمُخَاطَبَةِ تَغْلِيظًا عَلَيْهِمْ ، فَإِنَّهُ مَا جَعَلَ عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ إلَّا وَنَفَاهُ ، وَلَا كَانَتْ فِي الْعُقُوبَةِ شِدَّةٌ إلَّا وَأَثْبَتَهَا عَلَيْهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : مَعَ أَنَّ اللَّهَ شَرَعَ لَهُمْ الشَّرْعَ ، وَبَيَّنَ لَهُمْ الْأَحْكَامَ فَقَدْ بَدَّلُوا وَابْتَدَعُوا رَهْبَانِيَّةً الْتَزَمُوهَا ، فَأَجْرَى الشَّرْعُ الْأَحْكَامَ عَلَى مَا هُمْ عَلَيْهِ فِي بَيْعٍ وَطَعَامٍ حَتَّى فِي اعْتِقَادِهِمْ فِي أَوْلَادِهِمْ وَبَنَاتِهِمْ ، سَوَاءٌ تَصَرَّفُوا فِي ذَلِكَ بِشِرْعَتِهِمْ أَوْ بِعَصَبِيَّتِهِمْ ، حَتَّى قَالَ مَالِكٌ ؛ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : يَجُوزُ أَنْ يُؤْخَذَ مِنْهُمْ فِي الصُّلْحِ أَبْنَاؤُهُمْ وَنِسَاؤُهُمْ إذَا كَانَ الصُّلْحُ لِلْعَامَيْنِ وَنَحْوَهُمَا ؟ لِأَنَّهُمَا مُهَادَنَةٌ ، وَلَوْ كَانَ دَائِمًا أَوْ لِمُدَّةٍ كَثِيرَةٍ لَمْ يَجُزْ ، لِأَنَّهُ يَكُونُ لَهُمْ مِنْ الصُّلْحِ مِثْلُ مَا لِآبَائِهِمْ .
وَقَالَ ابْنُ حَبِيبٍ : لَا يَجُوزُ ذَلِكَ ؛ فَرَاعَى مَالِكٌ اعْتِقَادَهُمْ فِي

الْأَوْلَادِ وَالنِّسَاءِ ، كَمَا رَاعَى اعْتِقَادَهُمْ فِي الطَّعَامِ ، فَإِنْ كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا مَعَ بَطَارِقَتِهِمْ يَعْنِي بِاتِّفَاقٍ مِنْهُمْ جَازَ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فَإِنْ عَامَلَ مُسْلِمٌ كَافِرًا بِرِبًا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فِي دَارِ الْحَرْبِ أَوْ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ ، فَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ لَمْ يَجُزْ ، وَإِنْ كَانَ فِي دَارِ الْحَرْبِ جَازَ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ وَعَبْدِ الْمَلِكِ مِنْ أَصْحَابِنَا .
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يَجُوزُ ، وَتَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ مَالَهُ حَلَالٌ فَبِأَيِّ وَجْهٍ أُخِذَ جَازَ .
قُلْنَا : إنَّ مَا يَجُوزُ أَخْذُهُ بِوَجْهٍ جَائِزٍ فِي الشَّرْعِ مِنْ غَلَّةٍ وَسَرِقَةٍ فِي سَرِيَّةٍ ، فَأَمَّا إذَا أَعْطَى مِنْ نَفْسِهِ الْأَمَانَ وَدَخَلَ دَارَهُمْ فَقَدْ تَعَيَّنَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَفِيَ بِأَلَّا يَخُونَ عَهْدَهُمْ ، وَلَا يَتَعَرَّضَ لِمَالِهِمْ ، وَلَا شَيْءَ مِنْ أَمْرِهِمْ ؛ فَإِنْ جَوَّزَ الْقَوْمُ الرِّبَا فَالشَّرْعُ لَا يُجَوِّزُهُ .
فَإِنْ قَالَ أَحَدٌ : إنَّهُمْ لَا يُخَاطَبُونَ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ فَالْمُسْلِمُ مُخَاطَبٌ بِهَا .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : تَوَهَّمَ قَوْمٌ أَنَّ ابْنَ الْمَاجِشُونِ لَمَّا قَالَ : إنَّ مَنْ زَنَا فِي دَارِ الْحَرْبِ بِحَرْبِيَّةٍ لَمْ يَحُدَّ أَنَّ ذَلِكَ حَلَالٌ .
وَهُوَ جَهْلٌ بِأُصُولِ الشَّرِيعَةِ .
وَمَأْخَذِ الْأَدِلَّةِ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ } ؛ فَلَا يُبَاحُ الْوَطْءُ إلَّا بِهَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ ، وَلَكِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ يَرَى أَنَّ دَارَ الْحَرْبِ لَا حَدَّ فِيهَا ، نَازَعَ بِذَلِكَ ابْنُ الْمَاجِشُونِ مَعَهُ ؛ فَأَمَّا التَّحْرِيمُ فَهُوَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ فَلَا تستنزلنكم الْغَفْلَةُ فِي تِلْكَ الْمَسْأَلَةِ .

الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ سِتِّينَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاَللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إنَّمَا اللَّهُ إلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاَللَّهِ وَكِيلًا } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى " فِي تَسْمِيَةِ عِيسَى بِالْمَسِيحِ : قَدْ ذَكَرْنَا فِي الْحَدِيثِ نَحْوًا مِنْ خَمْسَةٍ وَعِشْرِينَ وَجْهًا فِي مَعْنَاهُ ، وَأُمَّهَاتُهَا أَنَّهُ اسْمٌ عَلَمٌ لَهُ .
أَوْ هُوَ فَعِيلَ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ ، وُلِدَ دَهِينًا لِأَنَّهُ مُسِحَ بِالدُّهْنِ أَوْ بِالْبَرَكَةِ ، أَوْ مَسَحَهُ حِينَ وُلِدَ يَحْيَى .
أَوْ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٌ عَلَيْهِ مَسْحَةُ جَمَالٍ ، كَمَا يُقَالُ : فُلَانٌ جَمِيلٌ ، أَوْ يَمْسَحُ الزَّمَنَ فَيَبْرَأُ أَوْ يَمْسَحُ الطَّائِرَ فَيَحْيَا ، أَوْ يَمْسَحُ الْأَرْضَ بِالْمَشْيِ ؛ وَإِلَيْهِ ذَهَبَ مَالِكٌ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : أَخْبَرَنِي مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : بَلَغَنِي أَنَّ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ انْتَهَى إلَى قَرْيَةٍ قَدْ خَرِبَتْ حُصُونُهَا ، وَعَفَتْ آثَارُهَا ، وَتَشَعَّثَ شَجَرُهَا ، فَنَادَى : يَا خَرِبُ ، أَيْنَ أَهْلُك ؟ فَنُودِيَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ عَلَيْهِ السَّلَامُ : بَادُوا وَالْتَقَمَتْهُمْ الْأَرْضُ ، وَعَادَتْ أَعْمَالُهُمْ قَلَائِدَ فِي رِقَابِهِمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ مَجْدٌ .
قَالَ الرَّاوِي : يُرِيدُ مَالِكٌ أَنَّهُ كَانَ يَمْسَحُ الْأَرْضَ .
وَقِيلَ إنَّهُ مُعَرَّبٌ مِنْ مَشِيحٍ كَتَعْرِيبِ مُوسَى عَنْ مُوشَى ، وَهُوَ بِتَخْفِيفِ الشِّينِ وَكَسْرِهَا ، وَكَذَلِكَ الدَّجَّالُ ، وَقَدْ دَخَلَ فِيهِ جَهَلَةُ يَتَوَسَّمُونَ بِالْعِلْمِ ، فَجَعَلُوا الدَّجَّالَ مُشَدَّدَ السِّينِ بِالْخَاءِ الْمُعْجَمَةِ ، وَكِلَاهُمَا فِي الِاسْمِ سَوَاءٌ ، إنَّ الْأُوَلَ قَالُوا هُوَ الْمَسِيحُ الَّذِي هُوَ مَسِيحُ الْهُدَى الصَّالِحُ السَّلِيمُ ، وَالْآخَرُ الْمَسِيحُ الْكَذَّابُ الْأَعْوَرُ الدَّجَّالُ الْكَافِرُ ، فَاعْلَمُوهُ تَرْشُدُوا .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ } : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ : الْأُولَى : أَنَّهَا نَفْخَةٌ نَفَخَهَا جِبْرِيلُ فِي جَيْبِ دِرْعِهَا ، وَسُمِّيَتْ النَّفْخَةُ رُوحًا لِأَنَّهَا تَكُونُ عَنْ الرِّيحِ .
الثَّانِي : أَنَّ الرُّوحَ الْحَيَاةُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْمُقْسِطِ وَالْمُشْكَلَيْنِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ مَعْنَى رُوحٍ رَحْمَةٌ .
الرَّابِعُ : أَنَّ الرُّوحَ صُورَةٌ ؛ لِمَا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ أَخْرَجَ مِنْ صُلْبِهِ ذُرِّيَّتَهُ ، وَصَوَّرَهُمْ ، ثُمَّ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، أَلَسْت بِرَبِّكُمْ ؟ قَالُوا : بَلَى .
ثُمَّ أَنْشَأَهُمْ كَرَّةً أَطْوَارًا ، أَوْ جَعَلَ لَهُمْ الدُّنْيَا قَرَارًا ؛ فَعِيسَى مِنْ تِلْكَ الْأَرْوَاحِ أَدْخَلَهُ فِي مَرْيَمَ .
وَاخْتَارَ هَذَا أُبَيّ بْنُ كَعْبٍ .
وَقِيلَ فِي الْخَامِسِ : رُوحُ صُورَةٍ صَوَّرَهَا اللَّهُ تَعَالَى ابْتِدَاءً وَجَّهَهَا فِي مَرْيَمَ .
وَقِيلَ فِي السَّادِسِ : سِرُّ رُوحٍ مِنْهُ يَعْنِي جِبْرِيلَ ، وَهُوَ مَعْنَى الْكَلَامِ أَلْقَاهَا إلَيْهِ رُوحٌ مِنْهُ أَيْ إلْقَاءٌ الْكَلِمَةِ كَانَ مِنْ اللَّهِ ثُمَّ مِنْ جِبْرِيلَ .
قَالَ الطَّبَرِيُّ : وَهَذِهِ الْأَحْكَامُ كُلُّهَا مُحْتَمَلَةٌ غَيْرُ بَعِيدَةٍ مِنْ الصَّوَابِ .
قَالَ الْقَاضِي وَفَّقَهُ اللَّهُ : وَبَعْضُهَا أَقْوَى مِنْ بَعْضٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي الْمُشْكَلَيْنِ ، لَكِنْ يَتَعَلَّقُ بِهَا الْآنَ مِنْ الْأَحْكَامِ مَسْأَلَةٌ ؛ وَهِيَ : .

إذَا قَالَ لِزَوْجِهِ : رُوحُك طَالِقٌ ؛ فَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ .
وَكَذَا لَوْ قَالَ لَهَا : حَيَاتُك طَالِقٌ ، فِيهَا قَوْلَانِ .
وَكَذَلِكَ مِثْلُهُ كَلَامُك طَالِقٌ .
وَاخْتَلَفَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ كَاخْتِلَافِنَا ، وَاسْتَمَرَّ أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ الطَّلَاقَ لَا يَلْزَمُهُ فِي شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ ؛ فَأَمَّا إذَا قَالَ لَهَا : كَلَامُك طَالِقٌ ؛ فَلَا إشْكَالَ فِيهِ .
فَإِنَّ الْكَلَامَ حَرَامٌ سَمَاعُهُ ، فَهُوَ مِنْ مُحَلِّلَاتِ النِّكَاحِ فَيَلْحَقُهُ الطَّلَاقُ .
وَأَمَّا الرُّوحُ وَالْحَيَاةُ فَلَيْسَ لِلنِّكَاحِ فِيهِمَا مُتَعَلَّقٌ ، فَوَجْهُ وُقُوعِ الطَّلَاقِ بِتَعْلِيقِهِ عَلَيْهِمَا خَفِيٌّ ، وَهُوَ أَنَّ بَدَنَهَا الَّذِي فِيهِ الْمَتَاعُ لَا قِوَامَ لَهُ إلَّا بِالرُّوحِ وَالْحَيَاةِ .
وَهُوَ بَاطِنٌ فِيهَا ؛ فَكَأَنَّهُ قَالَ لَهَا : بَاطِنُك طَالِقٌ ، فَيُسْرِي الطَّلَاقُ إلَى ظَاهِرِهَا فَإِنَّهُ إذَا تَعَلَّقَ الطَّلَاقُ بِشَيْءٍ مِنْهَا سَرَى إلَى الْبَاقِي .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَسْرِي ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ كَبِيرَةٌ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهَا فِي قَوْلِهِ : يَدُك طَالِقٌ .
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّهُ إذَا طَلَّقَ مِنْهَا شَيْئًا وَحَرَّمَهُ عَلَى نَفْسِهِ ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقِفَ حَيْثُ قَالَ ، وَلَا يَتَعَدَّى ، أَوْ يَسْرِي كَمَا قُلْنَا أَوْ يَلْغُو .
وَمُحَالٌ أَنْ يَلْغُوَ لِأَنَّهُ كَلَامٌ صَحِيحٌ أَضَافَهُ إلَى مَحَلٍّ بِحُكْمٍ صَحِيحٍ جَائِزٍ فَنَفَذَ كَمَا لَوْ قَالَ : وَأُمُّك طَالِقٌ أَوْ ظَهْرُك ، وَمُحَالٌ أَنْ يَقِفَ حَيْثُ قَالَ ؛ لِأَنَّهُ يُؤَدِّي إلَى تَحْرِيمِ بَعْضِهَا وَتَحْلِيلِ بَعْضِهَا .
وَذَلِكَ مُحَالٌ شَرْعًا ، وَهَذَا بَالِغٌ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالسِّتُّونَ قَوْله تَعَالَى : { لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ } .
هَذَا رَدٌّ عَلَى النَّصَارَى الَّذِينَ يَقُولُونَ : إنَّ عِيسَى وَلَدُ اللَّهِ ، وَرَدٌّ عَلَى مَنْ يَقُولُ : إنَّ الْمَلَائِكَةَ بَنَاتُ اللَّهِ ، تَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يَقُولُ الظَّالِمُونَ عُلُوًّا كَبِيرًا .
يَقُولُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَهُمْ : إنَّ مَنْ نَسَبْتُمُوهُ إلَى وِلَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، مِنْ آدَمِيٍّ وَمَلِكٍ ، لَيْسَ بِمُمْتَنِعٍ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ ، فَكَيْفَ تَجْعَلُونَهُ وَلَدًا ؟ وَلَوْ كَانَ اجْتِمَاعُ الْعُبُودِيَّةِ وَالْوِلَادَةِ جَائِزًا مَا كَانَ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي ذَلِكَ حُجَّةٌ ، وَذَلِكَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَمَا يَنْبَغِي لِلرَّحْمَنِ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا إنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ إلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا } .
فَإِنْ قِيلَ : مَا مَعْنَى { يَسْتَنْكِفَ } فِي اللُّغَةِ ؟ قُلْنَا : هُوَ يَسْتَفْعِلُ ، مِنْ نَكَفْت كَذَا إذَا نَحَّيْته ، وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَعْنَى .
التَّقْدِيرُ لَنْ يَتَنَحَّى مِنْ ذَلِكَ ، وَلَا يَبْعُدُ عَنْهُ ، وَلَا يَمْتَنِعُ مِنْهُ .

الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالسِّتُّونَ قَوْله تَعَالَى : { يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إنْ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاَللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي وَقْتِ نُزُولِهَا : ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الْبَرَاءَ بْنَ عَازِبٍ قَالَ : آخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ سُورَةُ بَرَاءَةَ ، وَآخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الْكَلَالَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ عَنْ { جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : مَرِضْت وَعِنْدِي تِسْعُ أَخَوَاتٍ لِي ، فَدَخَلَ عَلَيَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَضَحَ فِي وَجْهِي مِنْ الْمَاءِ ، فَأَفَقْت فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَلَا أُوصِي لِأَخَوَاتِي بِالثُّلُثَيْنِ ؟ قَالَ : أَحْسِنْ .
قُلْت : بِالشَّطْرِ ؟ قَالَ : أَحْسِنْ ثُمَّ خَرَجَ وَتَرَكَنِي ثُمَّ رَجَعَ فَقَالَ : لَا أَرَاك مَيِّتًا مِنْ وَجَعِك هَذَا ، فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَ الَّذِي لِأَخَوَاتِك فَجَعَلَ لَهُنَّ الثُّلُثَيْنِ } .
وَكَانَ جَابِرٌ يَقُولُ : نَزَلَتْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : { يَسْتَفْتُونَك قُلْ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ } خَرَّجَهُ النَّسَائِيّ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ قَتَادَةُ : وَذَكَرَ لَنَا أَنَّ أَبَا بَكْرٍ قَالَ : أَلَا إنَّ الْآيَةَ الَّتِي نَزَلَتْ فِي أَوَّلِ سُورَةِ النِّسَاءِ مِنْ شَأْنِ الْفَرَائِضِ نَزَلَتْ فِي الْوَلَدِ وَالْوَالِدِ ، وَالْآيَةُ الثَّانِيَةُ أَنْزَلَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي الزَّوْجِ وَالزَّوْجَةِ وَالْإِخْوَةِ مِنْ الْأُمِّ ، وَالْآيَةُ الَّتِي خَتَمَ بِهَا سُورَةَ النِّسَاءِ فِي الْإِخْوَةِ وَالْأَخَوَاتِ مِنْ الْأَبِ وَالْأُمِّ ، وَالْآيَةُ الَّتِي خَتَمَ بِهَا سُورَةَ الْأَنْفَالِ أَنْزَلَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي ذَوِي الْأَرْحَامِ ، وَمَا جَرَّتْ

الرَّحِمُ مِنْ الْعَصَبَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ ابْنُ سِيرِينَ : { نَزَلَتْ وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَسِيرٍ لَهُ ، وَإِلَى جَنْبِهِ حُذَيْفَةُ ، فَبَلَّغَهَا حُذَيْفَةُ وَبَلَّغَهَا عُمَرُ ، وَهُوَ يَسِيرُ خَلْفَهُ ، فَلَمَّا اُسْتُخْلِفَ عُمَرُ سَأَلَ حُذَيْفَةَ عَنْهَا ، وَرَجَا أَنْ يَكُونَ عِنْدَهُ تَفْسِيرُهَا ، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ : وَاَللَّهِ إنَّك لَعَاجِزٌ } .
هَكَذَا قَالَ الطَّبَرِيُّ فِي رِوَايَتِهِ .
وَقَالَ نُعَيْمُ بْنُ حَمَّادٍ فِيهَا : وَاَللَّهِ إنَّك لَأَحْمَقُ إنْ ظَنَنْت أَنَّ إمَارَتَك تَحْمِلُنِي عَلَى أَنْ أُحَدِّثَك بِمَا لَمْ أُحَدِّثْك يَوْمئِذٍ .
فَقَالَ عُمَرُ : لَمْ أُرِدْ هَذَا رَحِمَك اللَّهُ ، وَاَللَّهِ لَا أَزِيدُك عَلَيْهَا شَيْئًا أَبَدًا ؛ فَكَانَ عُمَرُ يَقُولُ : اللَّهُمَّ مَنْ كُنْت بَيَّنْتهَا لَهُ فَإِنَّهَا لَمْ تَتَبَيَّنْ لِي .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ { عُمَرَ نَازَعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا فَضَرَبَ فِي صَدْرِهِ ، وَقَالَ : يَكْفِيك آيَةُ الصَّيْفِ الَّتِي نَزَلَتْ فِي آخِرِ سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَإِنْ أَعِشْ فَسَأَقْضِي فِيهَا بِقَضَاءٍ يَعْلَمُهُ مَنْ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَمَنْ لَا يَقْرَأُهُ ، وَهُوَ مَنْ لَا وَلَدَ لَهُ } .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : مَعْنَى الْآيَةِ إذَا لَمْ يَكُنْ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ ذَكَرٌ وَلَا أُنْثَى فَكَانَ مَوْرُوثًا كَلَالَةً ، فَلِأُخْتِهِ النِّصْفُ فَرِيضَةً مُسَمَّاةً .
فَأَمَّا إنْ كَانَ لِلْمَيِّتِ وَلَدٌ أُنْثَى فَهِيَ مَعَ الْأُنْثَى عَصَبَةٌ يَصِيرُ لَهَا مَا كَانَ يَصِيرُ لِلْعَصَبَةِ لَوْ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ غَيْرَ مَحْدُودٍ بِحَدٍّ ، وَلَمْ يَقُلْ اللَّهُ : إنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَلَا شَيْءَ لِأُخْتِهِ مَعَهُ ؛ فَيَكُونُ لِمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ وَابْنُ الزُّبَيْرِ وَجْهٌ ؛ إذْ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّ الْمَيِّتَ إذَا تَرَكَ بِنْتًا فَلَا شَيْءَ لِلْأُخْتِ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ مَعَهَا أَخٌ ذَكَرٌ ، وَإِنَّمَا بَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ حَقَّهَا إذَا وَرِثَتْ الْمَيِّتَ كَلَالَةً ، وَتَرَكَ بَيَانُ مَا لَهَا مِنْ حَقٍّ إذَا لَمْ يُورَثْ كَلَالَةً ؛ فَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَحْيِ رَبِّهِ ، فَجَعَلَهَا عَصَبَةً مَعَ إنَاثِ وَلَدِ الْمَيِّتِ ، وَذَلِكَ لَا يُغَيِّرُ وِرَاثَتَهَا فِي الْمَيِّتِ إذَا كَانَ مَوْرُوثًا عَنْ كَلَالَةٍ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا } : مَعْنَاهُ كَرَاهِيَةَ أَنْ تَضِلُّوا ، وَفِيهِ اخْتِلَافٌ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ فَلْيَنْظُرْهُ هُنَالِكَ مَنْ أَرَادَهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : فَإِنْ قِيلَ : وَأَيُّ ضَلَالٍ أَكْبَرُ مِنْ هَذَا ؟ وَلَمْ يَعْلَمْهَا عُمَرُ وَلَا اتَّفَقَ فِيهَا الصَّحَابَةُ وَمَا زَالَ الْخِلَافُ إلَى الْيَوْمِ الْمَوْعُودِ .
قُلْنَا : لَيْسَ هَذَا ضَلَالًا ، وَهَذَا هُوَ الْبَيَانُ الْمَوْعُودُ بِهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَجْعَلْ طُرُقَ الْأَحْكَامِ نَصًّا يُدْرِكُهُ الْجَفْلَيْ ، وَإِنَّمَا جَعَلَهُ مَظْنُونًا يَخْتَصُّ بِهِ الْعُلَمَاءُ لِيَرْفَعَ اللَّهُ تَعَالَى الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَاَلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ ، وَيَتَصَرَّفُ الْمُجْتَهِدُونَ فِي مَسَالِكِ النَّظَرِ ، فَيَدْرِك بَعْضُهُمْ الصَّوَابَ فَيُؤْجَرُ عَشَرَةَ أُجُورٍ ، وَيُقَصِّرُ آخَرُ فَيُدْرِكُ أَجْرًا وَاحِدًا ، وَتَنْفُذُ الْأَحْكَامُ الدُّنْيَاوِيَّةُ عَلَى مَا أَرَادَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ، وَهَذَا بَيِّنٌ لِلْعُلَمَاءِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

سُورَةُ الْمَائِدَةِ فِيهَا أَرْبَعٌ وَثَلَاثُونَ آيَةً الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ } .
فِيهَا عِشْرُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : قَالَ عَلْقَمَةُ : إذَا سَمِعْت : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } فَهِيَ مَدَنِيَّةٌ ، وَإِذَا سَمِعْت : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ } فَهِيَ مَكِّيَّةٌ ؛ وَهَذَا رُبَّمَا خَرَجَ عَلَى الْأَكْثَرِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى أَبُو سَلَمَةَ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ لَمَّا رَجَعَ مِنْ الْحُدَيْبِيَةِ قَالَ لِعَلِيٍّ : يَا عَلِيُّ ، أَشَعَرْت أَنَّهُ نَزَلَتْ عَلَيَّ سُورَةُ الْمَائِدَةِ ، وَهِيَ نِعْمَتْ الْفَائِدَةُ } .
قَالَ الْإِمَامُ الْقَاضِي : هَذَا حَدِيثٌ مَوْضُوعٌ ، لَا يَحِلُّ لِمُسْلِمٍ اعْتِقَادُهُ ، أَمَّا أَنَّا نَقُولُ : سُورَةُ الْمَائِدَةِ نِعْمَتْ الْفَائِدَةُ فَلَا نُؤْثِرُهُ عَنْ أَحَدٍ ، وَلَكِنَّهُ كَلَامٌ حَسَنٌ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ أَبُو مَيْسَرَةَ : فِي الْمَائِدَةِ ثَمَانِي عَشَرَةَ فَرِيضَةً .
وَقَالَ غَيْرُهُ : فِيهَا { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } فِي سِتَّةَ عَشَرَ مَوْضِعًا ؛ فَأَمَّا قَوْلُ أَبِي مَيْسَرَةَ : إنَّ فِيهَا ثَمَانِي عَشْرَةَ فَرِيضَةً فَرُبَّمَا كَانَ أَلْفُ فَرِيضَةٍ ، وَقَدْ ذَكَرْنَاهَا نَحْنُ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ لِلْأَحْكَامِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : شَاهَدْت الْمَائِدَةَ بِطُورِ زَيْتَا مِرَارًا ، وَأَكَلْت عَلَيْهَا لَيْلًا وَنَهَارًا ، وَذَكَرْت اللَّهَ سُبْحَانَهُ فِيهَا سِرًّا وَجِهَارًا ، وَكَانَ ارْتِفَاعُهَا أَسْفَلَ مِنْ الْقَامَةِ بِنَحْوِ الشِّبْرِ ، وَكَانَ لَهَا دَرَجَتَانِ قَلْبِيًّا وَجَوْفِيًّا ، وَكَانَتْ صَخْرَةً صَلْدَاءَ لَا تُؤَثِّرُ فِيهَا الْمَعَاوِلُ ، فَكَانَ النَّاسُ يَقُولُونَ : مُسِخَتْ صَخْرَةً إذْ مُسِخَ أَرْبَابُهَا قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ .
وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهَا كَانَتْ فِي الْأَصْلِ صَخْرَةٌ قُطِعَتْ مِنْ الْأَرْضِ مَحَلًّا لِلْمَائِدَةِ

النَّازِلَةِ مِنْ السَّمَاءِ ، وَكُلُّ مَا حَوْلَهَا حِجَارَةٌ مِثْلُهَا ، وَكَانَ مَا حَوْلَهَا مَحْفُوفًا بِقُصُورٍ ، وَقَدْ نُحِتَ فِي ذَلِكَ الْحَجَرِ الصَّلْدِ بُيُوتٌ ، أَبْوَابُهَا مِنْهَا ، وَمَجَالِسُهَا مِنْهَا مَقْطُوعَةٌ فِيهَا ، وَحَنَايَاهَا فِي جَوَانِبِهَا ، وَبُيُوتُ خِدْمَتِهَا قَدْ صُوِّرَتْ مِنْ الْحَجَرِ ، كَمَا تُصَوَّرُ مِنْ الطِّينِ وَالْخَشَبِ ، فَإِذَا دَخَلْت فِي قَصْرٍ مِنْ قُصُورِهَا وَرَدَدْت الْبَابَ وَجَعَلْت مِنْ وَرَائِهِ صَخْرَةً كَثُمْنِ دِرْهَمٍ لَمْ يَفْتَحْهُ أَهْلُ الْأَرْضِ لِلُصُوقِهِ بِالْأَرْضِ ؛ فَإِذَا هَبَّتْ الرِّيحُ وَحَثَتْ تَحْتَهُ التُّرَابَ لَمْ يُفْتَحْ إلَّا بَعْدَ صَبِّ الْمَاءِ تَحْتَهُ وَالْإِكْثَارِ مِنْهُ ، حَتَّى يَسِيلَ بِالتُّرَابِ وَيَنْفَرِجَ مُنْعَرَجُ الْبَابِ ، وَقَدْ مَاتَ بِهَا قَوْمٌ بِهَذِهِ الْعِلَّةِ ، وَقَدْ كُنْت أَخْلُو فِيهَا كَثِيرًا لِلدَّرْسِ ، وَلَكِنِّي كُنْت فِي كُلِّ حِينٍ أَكْنُسُ حَوْلَ الْبَابِ مَخَافَةً مِمَّا جَرَى لِغَيْرِي فِيهَا ، وَقَدْ شَرَحْت أَمْرَهَا فِي كِتَابِ " تَرْتِيبِ الرِّحْلَةِ " بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْفُوا } يُقَالُ : وَفَى وَأَوْفَى .
قَالَ أَهْلُ الْعَرَبِيَّةِ : وَاللُّغَتَانِ فِي الْقُرْآنِ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنْ اللَّهِ } .
وَقَالَ شَاعِرُ الْعَرَبِ : أَمَّا ابْنُ طَوْقٍ فَقَدْ أَوْفَى بِذِمَّتِهِ كَمَا وَفَى بِقِلَاصِ النَّجْمِ حَادِيهَا فَجَمَعَ بَيْنَ اللُّغَتَيْنِ .
وَقَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ وَفَّى مِنْكُمْ فَأَجْرُهُ عَلَى اللَّهِ } .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : الْعُقُودُ : وَاحِدُهَا عَقْدٌ ، وَفِي ذَلِكَ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْقَوْلُ الْأَوَّلُ : الْعُقُودُ : الْعُهُودُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : حِلْفُ الْجَاهِلِيَّةِ ؛ قَالَهُ قَتَادَةُ .
وَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَالضَّحَّاكِ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالثَّوْرِيِّ .
الثَّالِثُ : الَّذِي عَقَدَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ وَعَقَدْتُمْ بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ ؛ قَالَهُ الزَّجَّاجُ .
الرَّابِعُ : عَقْدُ النِّكَاحِ وَالشَّرِكَةِ وَالْيَمِينِ وَالْعَهْدِ وَالْحِلْفِ ، وَزَادَ بَعْضُهُمْ الْبَيْعَ ؛ قَالَهُ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ .
الْخَامِسُ : الْفَرَائِضُ ؛ قَالَهُ الْكِسَائِيُّ ، وَرَوَى الطَّبَرِيُّ أَنَّهُ أَمْرٌ بِالْوَفَاءِ بِجَمِيعِ ذَلِكَ .
قَالَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الطَّبَرِيُّ صَحِيحٌ ، وَلَكِنَّهُ يَحْتَاجُ إلَى تَنْقِيحٍ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : [ فِي تَنْقِيحِ قَوْلِ الطَّبَرِيِّ ] : قَالَ : وَذَلِكَ أَنَّ أَصْلَ عَهْدٍ فِي اللُّغَةِ الْإِعْلَامُ بِالشَّيْءِ ، وَأَصْلَ الْعَقْدِ الرَّبْطُ وَالْوَثِيقَةُ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَلَقَدْ عَهِدْنَا إلَى آدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا } .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ : " الدِّينَارُ بِالدِّينَارِ وَالدِّرْهَمُ بِالدِّرْهَمِ لَا فَضْلَ بَيْنَهُمَا ، هَذَا عَهْدُ نَبِيِّنَا إلَيْنَا وَعَهْدُنَا إلَيْكُمْ " .
وَتَقُولُ الْعَرَبُ : عَهِدْنَا أَمْرَ كَذَا وَكَذَا أَيْ : عَرَفْنَاهُ ، وَعَقَدْنَا أَمْرَ كَذَا وَكَذَا أَيْ : رَبَطْنَاهُ بِالْقَوْلِ ، كَرَبْطِ الْحَبْلِ بِالْحَبْلِ ؛ قَالَ الشَّاعِرُ : قَوْمٌ إذَا عَقَدُوا عَقْدًا لِجَارِهِمْ شَدُّوا الْعِنَاجَ وَشَدُّوا فَوْقَهُ الْكَرَبَا وَعَهْدُ اللَّهِ إلَى الْخَلْقِ إعْلَامُهُ بِمَا أَلْزَمَهُمْ وَتَعَاهَدَ الْقَوْمُ : أَيْ أَعْلَنَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ بِمَا الْتَزَمَهُ لَهُ وَارْتَبَطَ مَعَهُ إلَيْهِ وَأَعْلَمَهُ بِهِ ؛ فَبِهَذَا دَخَلَ أَحَدُ اللَّفْظَيْنِ فِي الْآخَرِ ، فَإِذَا عَرَفْت هَذَا عَلِمْت أَنَّ الَّذِي قَرْطَسَ عَلَى الصَّوَابِ هُوَ أَبُو إِسْحَاقَ الزَّجَّاجُ ؛ فَكُلُّ عَهْدٍ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ أَعْلَمَنَا بِهِ ابْتِدَاءً ، وَالْتَزَمْنَاهُ نَحْنُ

لَهُ ، وَتَعَاقَدْنَا فِيهِ بَيْنَنَا ، فَالْوَفَاءُ بِهِ لَازِمٌ بِعُمُومِ هَذَا الْقَوْلِ الْمُطْلَقِ الْوَارِدِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْنَا فِي الْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ بِهِ .
وَأَمَّا مَنْ خَصَّ حِلْفَ الْجَاهِلِيَّةِ فَلَا قُوَّةَ لَهُ إلَّا أَنْ يُرِيدَ أَنَّهُ إذَا لَزِمَ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَهُوَ مِنْ عَقْدِ الْجَاهِلِيَّةِ ؛ فَالْوَفَاءُ بِعَقْدِ الْإِسْلَامِ أَوْلَى ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْوَفَاءِ بِهِ ؛ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ } قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : يَعْنِي مِنْ النَّصِيحَةِ وَالرِّفَادَةِ وَالنُّصْرَةِ ، وَسَقَطَ الْمِيرَاثُ خَاصَّةً بِآيَةِ الْفَرَائِضِ وَآيَةِ الْأَنْفَالِ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ [ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ } ] .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ عَقْدُ الْبَيْعِ وَمَا ذُكِرَ مَعَهُ ، فَإِنَّمَا أَشَارَ إلَى عُقُودِ الْمُعَامَلَاتِ وَأَسْقَطَ غَيْرَهَا وَعُقُودَ اللَّهِ وَالنُّذُورَ ؛ وَهَذَا تَقْصِيرٌ .
وَأَمَّا قَوْلُ الْكِسَائِيّ : الْفَرَائِضُ ، فَهُوَ أَخُو قَوْلِ الزَّجَّاجِ ، وَلَكِنَّ قَوْلَ الزَّجَّاجِ أَوْعَبُ ؛ إذْ دَخَلَ فِيهِ الْفَرْضُ الْمُبْتَدَأُ وَالْفَرْضُ الْمُلْتَزَمُ وَالنَّدْبُ ، وَلَمْ يَتَضَمَّنْ قَوْلُ الْكِسَائِيّ ذَلِكَ كُلَّهُ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : إذَا ثَبَتَ هَذَا فَرَبْطُ الْعَقْدِ تَارَةً يَكُونُ مَعَ اللَّهِ ، وَتَارَةً يَكُونُ مَعَ الْآدَمِيِّ ، وَتَارَةً يَكُونُ بِالْقَوْلِ ، وَتَارَةً بِالْفِعْلِ ؛ فَمَنْ قَالَ : " لِلَّهِ عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمٍ " فَقَدْ عَقَدَهُ بِقَوْلِهِ مَعَ رَبِّهِ ؛ وَمَنْ قَامَ إلَى الصَّلَاةِ فَنَوَى وَكَبَّرَ فَقَدْ عَقَدَهَا لِرَبِّهِ بِالْفِعْلِ ، فَيَلْزَمُ الْأَوَّلَ ابْتِدَاءُ الصَّوْمِ ، وَيَلْزَمُ هَذَا تَمَامُ الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قَدْ عَقَدَهَا مَعَ رَبِّهِ ، وَالْتَزَمَ .
وَالْعَقْدُ بِالْفِعْلِ أَقْوَى مِنْهُ بِالْقَوْلِ .
وَكَمَا قَالَ سُبْحَانَهُ : { يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيرًا } .
كَذَلِكَ قَالَ : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلَا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ } .
وَمَا قَالَ الْقَائِلُ : عَلَيَّ صَوْمُ يَوْمٍ أَوْ صَلَاةُ رَكْعَتَيْنِ إلَّا لِيَفْعَلَ ، فَإِذَا فَعَلَ كَانَ أَقْوَى مِنْ الْقَوْلِ ؛ فَإِنَّ الْقَوْلَ عَقْدٌ وَهَذَا نَقْدٌ ؛ وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ عَلَى الشَّافِعِيِّ تَمْهِيدًا بَلِيغًا ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِعَقْدِ الْجَاهِلِيَّةِ حِينَ كَانُوا يَقُولُونَ : هَدْمِي هَدْمُك ، وَدَمِي دَمُك ، وَهُمْ إنَّمَا كَانُوا يَتَعَاقَدُونَ عَلَى النُّصْرَةِ فِي الْبَاطِلِ .
قُلْنَا : كَذَبْتُمْ ؛ إنَّمَا كَانُوا يَتَعَاقَدُونَ عَلَى مَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَ حَقًّا ، وَفِيمَا كَانُوا يَعْتَقِدُونَهُ حَقًّا مَا هُوَ حَقٌّ كَنُصْرَةِ الْمَظْلُومِ ، وَحَمْلِ الْكَلِّ ، وَقِرَى الضَّيْفِ ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى نَوَائِبِ الْحَقِّ .
وَفِيهِ أَيْضًا بَاطِلٌ ؛ فَرَفَعَ الْإِسْلَامُ مِنْ ذَلِكَ الْبَاطِلَ بِالْبَيَانِ ، وَأَوْثَقَ عُرَى الْجَائِزِ ، وَالْحَقِّ مِنْهُ بِالْأَمْرِ بِالْوَفَاءِ بِإِتْيَانِهِمْ نَصِيبَهُمْ فِيهِ ، كَمَا تَقَدَّمَ مِنْ النَّصِيحَةِ وَالرِّفَادَةِ وَالنُّصْرَةِ ، وَهَذَا كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْمُؤْمِنُونَ عِنْدَ شُرُوطِهِمْ } .
مَعْنَاهُ إنَّمَا تَظْهَرُ حَقِيقَةُ إيمَانِهِمْ عِنْدَ

الْوَفَاءِ بِشُرُوطِهِمْ .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَحَقُّ الشُّرُوطِ أَنْ يُوفَى بِهِ مَا اسْتَحْلَلْتُمْ بِهِ الْفُرُوجَ } .
ثُمَّ قَالَ : { مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَشْتَرِطُونَ شُرُوطًا لَيْسَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، مَنْ اشْتَرَطَ شَرْطًا لَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَهُوَ بَاطِلٌ وَإِنْ كَانَ اشْتَرَطَ مِائَةَ شَرْطٍ } .
فَبَيَّنَ أَنَّ الشَّرْطَ الَّذِي يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ مَا وَافَقَ كِتَابَ اللَّهِ تَعَالَى ، أَيْ دِينَ اللَّهِ تَعَالَى ، كَذَلِكَ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِعَقْدٍ إلَّا أَنْ يُعْقَدَ عَلَى مَا فِي كِتَابِ اللَّهِ .
وَعَلَى الْمُسْلِمِينَ أَنْ يَلْتَزِمُوا الْوَفَاءَ بِعُهُودِهِمْ وَشُرُوطِهِمْ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ فِيهَا مَا يُخَالِفُ كِتَابَ اللَّهِ ، فَيَسْقُطَ .
وَلَا يَمْنَعُ هَذَا التَّعَلُّقَ بِعُمُومِ الْقَوْلَيْنِ ؛ وَلِذَلِكَ حَثَّ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ ، فَقَالَ : { وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .
وَأَمَرَ بِالْكَفِّ عَنْ الشَّرِّ ، فَقَالَ : { لَا ضَرَرَ وَلَا ضِرَارَ } .
فَهَذَا حَثٌّ عَلَى فِعْلِ كُلِّ خَيْرٍ وَاجْتِنَابِ كُلِّ شَرٍّ .
فَأَمَّا اجْتِنَابُ الشَّرِّ فَجَمِيعُهُ وَاجِبٌ .
وَأَمَّا فِعْلُ الْخَيْرِ فَيَنْقَسِمُ إلَى مَا يَجِبُ وَإِلَى مَا لَا يَجِبُ ؛ وَكَذَلِكَ الْوَفَاءُ بِالْعُقُودِ ، وَلَكِنَّ الْأَصْلَ فِيهَا الْوُجُوبُ ، إلَّا مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى نَدْبِهِ ؛ وَقَدْ جَهِلَ بَعْضُهُمْ فَقَالَ : لَمَّا كَانَتْ الْعُقُودُ الْبَاطِلَةُ وَالشُّرُوطُ الْبَاطِلَةُ لَا نِهَايَةَ لَهَا وَالْجَائِزُ مِنْهَا مَحْصُورٌ فَصَارَ مَجْهُولًا فَلَا يَجُوزُ الِاحْتِجَاجُ عَلَى الْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ وَلَا بِالشُّرُوطِ لِأَجْلِ ذَلِكَ وَهِيَ عِبَارَةٌ عَظِيمَةٌ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قُلْنَا : وَمَا لَا يَجُوزُ [ كَيْفَ ] يَدْخُلُ تَحْتَ مُطْلَقِ أَمْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ حَتَّى يَجْعَلَهُ مُجْمَلًا .
وَاَللَّهُ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَلَا بِالْبَاطِلِ : لَقَدْ ضَلَّتْ إمَامَتُك وَخَابَتْ أَمَانَتُك ، وَعَلَى هَذَا لَا دَلِيلَ فِي الشَّرْعِ لِأَمْرٍ يُفْعَلُ ؛ فَإِنَّ مِنْهُ كُلِّهِ مَا لَا يَجُوزُ ، وَمِنْهُ مَا يَجُوزُ ، فَيُؤَدِّي إلَى تَعْطِيلِ أَدِلَّةِ

الشَّرْعِ وَأَوَامِرِهِ .
وَاَلَّذِينَ قَالُوا بِالْوَقْفِ لَمْ يَرْتَكِبُوا هَذَا الْخَطَرَ ، وَلَا سَلَكُوا هَذَا الْوَعْرَ ، فَدَعْ هَذَا ، وَعَدِّ الْقَوْلَ إلَى الْعِلْمِ إنْ كُنْت مِنْ أَهْلِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : مَحْمُولُ قَوْلِهِ { أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } عَلَى الْمُقَيَّدِ لِمَا بَيَّنَّا ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قُلْنَا : فَقَدْ أَبْطَلْنَا مَا يُثْبِتُ مَحْمُولَ قَوْلِهِ : { أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } عَلَى كُلِّ عَقْدٍ مُطْلَقٍ وَمُقَيَّدٍ .
وَمَاذَا تُرِيدُ بِقَوْلِك مُقَيَّدًا ؟ تُرِيدُ قُيِّدَ بِالْجَوَازِ أَمْ قُيِّدَ بِقُرْبَةٍ ، أَوْ قُيِّدَ بِشَرْطٍ ؟ فَإِنْ أَرَدْت بِهِ قُيِّدَ بِشَرْطٍ لَزِمَك فِيهِ مَا لَزِمَك فِي الْمُطْلَقِ مِنْ أَنَّ الشَّرْطَ مِنْهُ مَا لَا يَجُوزُ كَمَا تَقَدَّمَ لَك ، وَإِنْ قُلْت : مُقَيَّدٌ بِقُرْبَةٍ ، فَيَبْطُلُ بِالْمُعَامَلَاتِ ، وَإِنْ قُلْت : مُقَيَّدٌ بِالدَّلِيلِ ، فَالدَّلِيلُ هُوَ قَوْلُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَقَدْ قَالَ : { أَوْفُوا بِالْعُقُودِ } .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا عَقْدُ الْيَمِينِ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قُلْنَا : لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِشَيْءٍ أَكْثَرَ مِمَّا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِالْيَمِينِ ، وَكَيْفَ لَا يَجِبُ الْوَفَاءُ بِهِ وَهُوَ عَقْدٌ أُكِّدَ بِاسْمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ؟ حَاشَا لِلَّهِ أَنْ نَقُولَ هَذَا ، وَلَكِنَّ الشَّرْعَ أَذِنَ رَحْمَةً وَرُخْصَةً فِي إخْرَاجِ الْكَفَّارَةِ بَدَلًا مِنْ الْبِرِّ ، وَخَلَفًا مِنْ الْمَعْقُودِ عَلَيْهِ الَّذِي فَوَّتَهُ الْحِنْثُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَسَتَرَاهُ فِي آيَةِ الْكَفَّارَةِ مِنْ هَذِهِ السُّورَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا نَذَرَ قُرْبَةً لَا يَدْفَعُ بِهَا بَلِيَّةً وَلَا يَسْتَنْجِحُ بِهَا طَلَبَةٌ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ الْوَفَاءُ بِهَا .
قُلْنَا : مَنْ قَالَ بِهَذَا فَقَدْ خَفِيَتْ عَلَيْهِ دَلَائِلُ الشَّرْعِ ؛ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِعُمَرَ : { أَوْفِ بِنَذْرِك } .
وَقَدْ بَيَّنَّا قَوْلَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِيهِ وَمَاذَا عَلَى الشَّرِيعَةِ أَوْ مَاذَا

يَقْدَحُ فِي الْأَدِلَّةِ مِنْ رَأْيِ الشَّافِعِيِّ وَأَمْثَالِهِ مِنْ الْعُلَمَاءِ .
وَأَمَّا نَذْرُ الْمُبَاحِ فَلَمْ يَلْزَمْ بِإِجْمَاعِ الْأُمَّةِ وَنَصِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ ، وَهِيَ شَيْءٌ جَهِلْته يَا هَذَا الْعَالِمُ ، فَادْرُجْ عَنْ هَذِهِ الْأَغْرَاضِ ، فَلَيْسَ بِوَكْرٍ إلَّا لِمَنْ أَمَّنَتْهُ مَعْرِفَةُ أَحَادِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ الْمَكْرِ ، وَلَمْ يَتَكَلَّمْ بِرَأْيِهِ وَحْدَهُ ، وَلَا أُعْجِبَ بِطُرُقٍ مِنْ النَّظَرِ حَصَّلَهَا ، وَلَمْ يَتَمَرَّسْ فِيهَا بِكِتَابِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَلَا بِسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَافْهَمْ هَذَا ، وَاَللَّهُ يُوَفِّقُكُمْ وَإِيَّانَا بِتَوْفِيقِهِ لِتَوْفِيَةِ عُهُودِ الشَّرِيعَةِ حَقَّهَا .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ } اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : إنَّهُ كُلُّ الْأَنْعَامِ ؛ قَالَهُ السُّدِّيُّ ، وَالرَّبِيعُ ، وَالضَّحَّاكُ .
الثَّانِي : إنَّهُ الْإِبِلُ ، وَالْبَقَرُ ، وَالْغَنَمُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالْحَسَنُ .
الثَّالِثُ : إنَّهُ الظِّبَاءُ ، وَالْبَقَرُ ، وَالْحُمُرُ الْوَحْشِيَّانِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : فِي الْمُخْتَارِ : أَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ النَّعَمَ هِيَ الْإِبِلُ وَالْبَقَرُ وَالْغَنَمُ ، فَقَدْ عَلِمْت صِحَّةَ ذَلِكَ دَلِيلًا ، وَهُوَ أَنَّ النَّعَمَ عِنْدَ بَعْضِ أَهْلِ اللُّغَةِ اسْمٌ خَاصٌّ لِلْإِبِلِ يُذَكَّرُ وَيُؤَنَّثُ ؛ قَالَهُ ابْنُ دُرَيْدٍ وَغَيْرُهُ .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ وَلَكُمْ فِيهَا جَمَالٌ حِينَ تُرِيحُونَ وَحِينَ تَسْرَحُونَ وَتَحْمِلُ أَثْقَالَكُمْ } ، وَقَالَ تَعَالَى : { وَمِنْ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنْ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ } .
وَقَالَ : { وَمِنْ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ } .
فَهَذَا مُرْتَبِطٌ بِقَوْلِهِ : وَمِنْ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ، أَيْ خَلَقَ جَنَّاتٍ وَخَلَقَ مِنْ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا يَعْنِي كِبَارًا وَصِغَارًا ، ثُمَّ فَسَّرَهَا فَقَالَ : { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ } إلَى قَوْلِهِ : { أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إذْ وَصَّاكُمْ اللَّهُ بِهَذَا } .
وَقَالَ تَعَالَى : { وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعَامِ بُيُوتًا تَسْتَخِفُّونَهَا يَوْمَ ظَعْنِكُمْ وَيَوْمَ إقَامَتِكُمْ وَمِنْ أَصْوَافِهَا } وَهِيَ الْغَنَمُ { وَأَوْبَارِهَا } وَهِيَ الْإِبِلُ { وَأَشْعَارِهَا } وَهِيَ الْمِعْزَى ، { أَثَاثًا وَمَتَاعًا إلَى حِينٍ } .
فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَدِلَّةٍ تُنْبِئُ عَنْ تَضَمُّنِ اسْمِ النَّعَمِ لِهَذِهِ الْأَجْنَاسِ الثَّلَاثَةِ : الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ ؛ لِتَأْنِيسِ ذَلِكَ كُلِّهِ ،

فَأَمَّا الْوَحْشِيَّةُ فَلَمْ أَعْلَمْهُ إلَى الْآنَ إلَّا اتِّبَاعًا لِأَهْلِ اللُّغَةِ .
أَمَّا أَنَّهُ قَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إنَّ قَوْلَهُ سُبْحَانَهُ : { غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } يَقْتَضِي دُخُولَ الْبَقَرِ وَالْحُمُرِ وَالظِّبَاءِ تَحْتَ قَوْلِهِ : بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ ؛ فَصَارَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إنْسِيُّهَا وَوَحْشِيُّهَا غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ أَيْ مَا لَمْ تَكُونُوا مُحْرِمِينَ .
فَإِنْ كَانَ هَذَا مُتَعَلِّقًا فَقَدْ قَالَ : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } .
فَجَعَلَ الصَّيْدَ وَالنَّعَمَ صِنْفَيْنِ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ مَنْ أَرَادَ أَنْ يُدْخِلَ الظِّبَاءَ وَالْبَقَرَ وَالْحُمُرَ الْوَحْشِيَّةَ فِيهِ لِيَعُمَّ ذَلِكَ كُلَّهُ فِي الْإِحْلَالِ مَاذَا يَصْنَعُ بِصِنْفِ الصَّيْدِ الطَّائِرِ كُلِّهِ ؟ فَالدَّلِيلُ الَّذِي أَحَلَّهُ وَلَمْ يَدْخُلْ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مُحِلُّ الظِّبَاءِ وَالْبَقَرِ وَالْحُمُرِ الْوَحْشِيَّةِ وَإِنْ لَمْ يَدْخُلْ فِي الْآيَةِ .
وَقَدْ يَنْتَهِي الْعِيُّ بِبَعْضِهِمْ إلَى أَنْ يَقُولَ : إنَّ الْأَنْعَامَ هِيَ الْإِبِلُ لِنِعْمَةِ أَخْفَافِهَا فِي الْوَطْءِ ، وَلَا يَدْخُلُ فِيهِ الْحَافِرُ وَلَا الظِّلْفُ لِجَسَاوَتِهِ وَتَحَدُّدِهِ .
وَيُقَالُ لَهُ : إنَّ الْأَنْعَامَ إنَّمَا سُمِّيَتْ بِهِ لِمَا يُتَنَعَّمُ بِهِ مِنْ لُحُومِهَا وَأَصْوَافِهَا وَأَوْبَارِهَا وَأَشْعَارِهَا أَثَاثًا وَمَتَاعًا إلَى حِينٍ .
وَبِهَذِهِ الْآيَةِ كَانَ يَدْخُلُ صِنْفُ الْوَحْشِيِّ فِيهَا ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ أَشْعَارٍ مِنْ جِهَةِ أَنْ يَتَأَتَّى ذَلِكَ فِيهِ حِسًّا وَإِنْ لَمْ يَكُنْ يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ مِنْهَا عُرْفًا .
فَإِنْ قُلْنَا : إنَّ اللَّفْظَ يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ الْأَصْلِيَّةِ ، فَيَدْخُلُ فِي هَذَا اللَّفْظُ فِي النَّحْلِ وَيَتَنَاوَلُهَا اللَّفْظُ فِي سُورَةِ الْمَائِدَةِ .
وَإِنْ قُلْنَا : إنَّ الْأَلْفَاظَ تُحْمَلُ عَلَى الْأَحْوَالِ الْمُعْتَادَةِ الْعُرْفِيَّةِ لَمْ يَدْخُلْ فِيهَا ؛ إذْ لَا يُعْتَادُ ذَلِكَ

مِنْ أَوْبَارِهَا .
وَهَا هُنَا انْتَهَى تَحْقِيقُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْمُخْتَصَرِ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } : قَالُوا : مِنْ قَوْله تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ } وَقِيلَ مِنْ قَوْلِهِ : { غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ } وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ قَوْلِهِ فِي كُلِّ مُحَرَّمٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى أَوْ سُنَّةِ نَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ : { إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } .
وَاَلَّذِي يُتْلَى هُوَ الْقُرْآنُ ، لَيْسَ السُّنَّةَ .
قُلْنَا : كُلُّ كِتَابٍ يُتْلَى ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَمَا كُنْت تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ } وَكُلُّ سُنَّةٍ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَهِيَ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قِصَّةِ الْعَسِيفِ : { لَأَقْضِيَنَّ بَيْنَكُمَا بِكِتَابِ اللَّهِ ، أَمَّا غَنَمُك وَجَارِيَتُك فَرَدٌّ عَلَيْك ، وَعَلَى ابْنِك جَلْدُ مِائَةٍ وَتَغْرِيبُ عَامٍ } .
وَلَيْسَ هَذَا فِي الْقُرْآنِ ، وَلَكِنَّهُ فِي كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أَوْحَاهُ إلَى رَسُولِهِ عِلْمًا مِنْ كِتَابِهِ الْمَحْفُوظِ عِنْدَهُ .
وَالدَّلِيلُ الثَّانِي : فِي حَدِيثِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ؛ قَالَ : { لَعَنَ اللَّهُ الْوَاشِمَاتِ وَالْمُسْتَوْشِمَات ، وَالْمُتَنَمِّصَاتِ ، وَالْمُتَفَلِّجَاتِ لِلْحُسْنِ ، وَالْمُغَيِّرَاتِ لِخَلْقِ اللَّهِ } .
فَبَلَغَ ذَلِكَ امْرَأَةً مِنْ بَنِي أَسَدٍ يُقَالُ لَهَا أُمُّ يَعْقُوبَ ، فَجَاءَتْ فَقَالَتْ : إنَّهُ بَلَغَنِي أَنَّك لَعَنْت كَيْتَ وَكَيْتَ .
فَقَالَ : وَمَا لِي لَا أَلْعَنُ مَنْ لَعَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ أَلَيْسَ هُوَ فِي كِتَابِ اللَّهِ ؟ فَقَالَتْ : لَقَدْ قَرَأْتُ مَا بَيْنَ اللَّوْحَيْنِ فَمَا وَجَدْتُ فِيهِ مَا تَقُولُ .
فَقَالَ : لَئِنْ كُنْتِ قَرَأْتِيهِ لَقَدْ وَجَدْتِيهِ .
أَوَمَا قَرَأْتِ : { وَمَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا } ؟ قَالَتْ : بَلَى .
قَالَ : فَإِنَّهُ قَدْ نَهَى عَنْهُ .
قَالَتْ : فَإِنِّي أَرَى أَهْلَك يَفْعَلُونَهُ .
قَالَ : فَاذْهَبِي فَانْظُرِي ، فَذَهَبَتْ فَنَظَرَتْ

فَلَمْ تَرَ مِنْ حَاجَتِهَا شَيْئًا .
فَقَالَ : لَوْ كَانَتْ كَذَلِكَ مَا جَامَعْتهَا .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : يُحْتَمَلُ قَوْلُهُ : إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ الْآنَ ، أَوْ إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِيمَا بَعْدُ مِنْ مُسْتَقْبَلِ الزَّمَانِ .
وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ تَأْخِيرِ الْبَيَانِ عَنْ وَقْتٍ لَا يُفْتَقَرُ فِيهِ إلَى تَعْجِيلِ الْحَاجَةِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ أُصُولِيَّةٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي الْمَحْصُولِ " ، وَمَعْنَاهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَبَاحَ لَنَا شَيْئًا وَحَرَّمَ عَلَيْنَا شَيْئًا اسْتِثْنَاءً مِنْهُ .
فَأَمَّا الَّذِي أَبَاحَ لَنَا فَسَمَّاهُ [ وَبَيَّنَهُ ] .
وَأَمَّا الَّذِي اسْتَثْنَاهُ فَوَعَدَ بِذِكْرِهِ فِي حِينِ الْإِبَاحَةِ ، ثُمَّ بَيَّنَهُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي وَقْتٍ وَاحِدٍ أَوْ فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ عَلَى اخْتِلَافِ التَّأْوِيلَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ ، وَكُلُّ ذَلِكَ تَأْخِيرٌ لِلْبَيَانِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَعْنَاهُ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ .
الثَّانِي : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ الْوَحْشِيَّةِ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ .
الثَّالِثُ : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ إلَّا مَا كَانَ مِنْهَا وَحْشِيًّا فَإِنَّهُ صَيْدٌ لَا يَحِلُّ لَكُمْ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : فِي تَنْقِيحِهَا .
أَمَّا قَوْلُهُ : إنَّ مَعْنَاهُ أَوْفُوا بِالْعُقُودِ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ فَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ وَالْأَخْفَشُ ، وَقَالَا : فِيهِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ، وَهُوَ جَائِزٌ فِي نِظَامِ الْكَلَامِ وَإِعْرَابِهِ ؛ وَهَذَا فَاسِدٌ ؛ إذْ لَا خِلَافَ أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ إذَا كَانَ بِاسْمِ الْفَاعِلِ فَإِنَّهُ حَالٌ ؛ فَيَكُونُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ : " أَوْفُوا بِالْعُقُودِ لَا مُحِلِّينَ لِلصَّيْدِ فِي إحْرَامِكُمْ " .
وَنَكْثُ الْعَهْدِ وَنَقْضُ الْعَقْدِ مُحَرَّمٌ ، وَالْأَمْرُ بِالْوَفَاءِ مُسْتَمِرٌّ فِي هَذِهِ الْحَالِ وَفِي كُلِّ حَالٍ .
وَلَوْ اخْتَصَّ الْوَفَاءَ بِهَا فِي هَذِهِ الْحَالِ لَكَانَ مَا عَدَاهَا بِخِلَافٍ عَلَى رَأْيِ الْقَائِلِينَ بِدَلِيلِ الْخِطَابِ .
وَذَلِكَ بَاطِلٌ أَوْ يَكُونُ مَسْكُوتًا عَنْهُ .
وَإِنَّمَا ذَكَرَ الْأَقَلَّ مِنْ أَحْوَالِ الْوَفَاءِ وَهُوَ مَأْمُورٌ بِهِ فِي كُلِّ حَالٍ ، وَهَذَا تَهْجِينٌ لِلْكَلَامِ وَتَحْقِيرٌ لِلْوَفَاءِ بِالْعُقُودِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : أُحِلَّتْ لَكُمْ الْوَحْشِيَّةُ ، فَهُوَ خَطَأٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ فِيهِ تَخْصِيصَ بَعْضِ الْمُحَلَّلَاتِ ، وَهُوَ تَخْصِيصٌ لِلْعُمُومِ بِغَيْرِ دَلِيلٍ لَا سِيَّمَا عُمُومٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ حَمْلٌ لِلَفْظِ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ عَلَى الْوَحْشِيَّةِ دُونَ الْإِنْسِيَّةِ ، وَذَلِكَ تَفْسِيرٌ لِلَّفْظِ بِالْمَعْنَى التَّابِعِ لِمَعَانِيهِ الْمُخْتَلَفِ مِنْهَا فِيهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : مَعْنَاهُ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ إلَّا مَا

كَانَ مِنْهَا وَحْشِيًّا فَإِنَّهُ صَيْدٌ ، وَلَا يَحِلُّ لَكُمْ الصَّيْدُ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ .
وَهَذَا أَشْبَهُهَا مَعْنًى ، إلَّا أَنَّ نِظَامَ تَقْدِيرِهِ لَيْسَ بِجَارٍ عَلَى قَوَانِينِ الْعَرَبِيَّةِ فَإِنَّهُ أَضْمَرَ فِيهِ مَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يُقَالَ [ تَقْدِيرُهُ ] : أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ ، غَيْرَ مُحِلِّينَ صَيْدَهَا وَأَنْتُمْ حُرُمٌ ، فَيَصِحُّ الْمَعْنَى ، وَيَقِلُّ فُضُولُ الْكَلَامِ ، وَيَجْرِي عَلَى قَانُونِ النَّحْوِ .

وَفِيهَا مَسْأَلَةٌ بَدِيعَةٌ ؛ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : [ مَسْأَلَةٌ بَدِيعَةٌ ، تَثْنِيَةُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ ] : وَهِيَ تَثْنِيَةُ الِاسْتِثْنَاءِ فِي الْجُمْلَةِ الْوَاحِدَةِ وَهِيَ تَرِدُ عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَتَكَرَّرَ ، وَيَكُونَ الثَّانِي مِنْ الْأَوَّلِ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إلَّا آلَ لُوطٍ إنَّا لَمُنَجُّوهُمْ أَجْمَعِينَ إلَّا امْرَأَتَهُ } .
الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ جَمِيعًا مِنْ الْأَوَّلِ ، كَقَوْلِهِ هَاهُنَا : إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ إلَّا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ مُحْرِمُونَ ، فَقَوْلُهُ : { إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ } اسْتِثْنَاءٌ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَأَظْهَرْهُمَا ، وَقَوْلُهُ : إلَّا الصَّيْدَ اسْتِثْنَاءٌ آخَرُ أَيْضًا مَعَهُ .
وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ النَّحْوِيِّينَ " الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : فِي تَمْثِيلٍ لِهَذَا التَّقْدِيرِ مِنْ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَذَلِكَ مَا رُوِيَ { أَنَّ أَبَا قَتَادَةَ الْحَارِثَ بْنَ رِبْعِيٍّ الْأَنْصَارِيَّ قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ وَهُمْ مُحْرِمُونَ وَأَنَا حِلٌّ عَلَى فَرَسٍ لِي ، فَكُنْت أَرْقَى عَلَى الْجِبَالِ ، فَبَيْنَمَا أَنَا كَذَلِكَ إذْ رَأَيْت النَّاسَ مُشْرِفِينَ لِشَيْءٍ ، فَذَهَبْت لِأَنْظُرَ ، فَإِذَا هُوَ حِمَارٌ وَحْشِيٌّ ، فَقُلْت لَهُمْ : مَا هَذَا ؟ فَقَالُوا : لَا نَدْرِي .
فَقُلْت : هُوَ حِمَارٌ وَحْشِيٌّ .
قَالُوا : هُوَ مَا رَأَيْت .
وَكُنْت نَسِيت سَوْطِي .
فَقُلْت لَهُمْ : نَاوِلُونِي سَوْطِي .
فَقَالُوا : لَا نُعِينُكَ عَلَيْهِ ، فَنَزَلْت وَأَخَذْته ثُمَّ صِرْت فِي أَثَرِهِ ، فَلَمْ يَكُنْ إلَّا ذَاكَ حَتَّى عَقَرْته ؛ فَأَتَيْت إلَيْهِمْ فَقُلْت : قُومُوا فَاحْتَمِلُوا .
فَقَالُوا : لَا نَمَسُّهُ ، فَحَمَلْته حَتَّى جِئْتُهُمْ بِهِ ، فَأَبَى بَعْضُهُمْ ، وَأَكَلَ بَعْضُهُمْ .
قُلْت : أَنَا أَسْتَوْقِفُ لَكُمْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَدْرَكْته ، فَحَدَّثْته الْحَدِيثَ ،

فَقَالَ لِي : أَبَقِيَ مَعَكُمْ مِنْهُ شَيْءٌ ؟ قُلْت : نَعَمْ .
قَالَ : فَكُلُوا فَهُوَ طُعْمَةٌ أَطْعَمَكُمُوهَا اللَّهُ } .
فَأُحِلَّ لَهُمْ الْحُمُرُ مُطْلَقًا إلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ ، إلَّا مَا صَادُوهُ وَهُمْ مُحْرِمُونَ مِنْهَا ؛ وَمَا صَادَهُ غَيْرُهُمْ فَهُوَ حَلَالٌ لَهُمْ ، فَإِنَّمَا حُرِّمَ عَلَيْهِمْ مِنْهُ مَا وَقَعَ إلَيْهِمْ بِصَيْدِهِمْ ، إلَى تَفْصِيلٍ يَأْتِي بَيَانُهُ إذَا صِيدَ لَهُمْ ، فَإِنْ حُرِّمَ فَإِنَّمَا هُوَ بِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرَ هَذِهِ الْآيَةِ .

الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : مَضَى فِي سَرْدِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ أَنَّ مِنْ الصَّحَابَةِ مَنْ قَالَ فِي جَنِينِ النَّاقَةِ أَوْ الشَّاةِ أَوْ الْبَقَرَةِ أَوْ نَحْوِهَا : إنَّهَا مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ الْمُحَلَّلَةِ .
وَلِلْعُلَمَاءِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ حَلَالٌ بِكُلِّ حَالٍ ؛ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
الثَّانِي : أَنَّهُ حَرَامٌ بِكُلِّ حَالٍ ، إلَّا أَنْ يُذَكَّى ؛ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
الثَّالِثُ : الْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَقَلَّ وَنَبَتَ شَعْرُهُ وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ بِضْعَةً كَالْكَبِدِ وَالطِّحَالِ ؛ قَالَ مَالِكٌ .
وَتَعَلَّقَ بَعْضُهُمْ بِالْحَدِيثِ الْمَشْهُورِ : { ذَكَاةُ الْجَنِينِ ذَكَاةُ أُمِّهِ } .
وَلَمْ يَصِحَّ عِنْدَ الْأَكْثَرِ ، وَصَحَّحَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَاخْتَلَفُوا فِي ذِكْرِ " ذَكَاةِ " الثَّانِيَةِ ، هَلْ هِيَ بِرَفْعِ التَّاءِ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ الثَّانِيَ وَلَا يَفْتَقِرُ الْجَنِينُ إلَى ذَكَاةٍ ، أَوْ هُوَ بِنَصْبِ التَّاءِ فَيَكُونُ الْأَوَّلُ غَيْرَ الثَّانِي ، وَيَفْتَقِرُ إلَى الذَّكَاةِ .
وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي الرِّسَالَةِ الْمُلْجِئَةِ ، وَبَيَّنَّا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ " أَنَّ الْمُعَوَّلَ فِيهِ عَلَى اعْتِبَارِ الْجَنِينِ بِجُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِهَا ، أَمْ يُعْتَبَرُ مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْإِنْصَافِ " الْحَقَّ فِيهَا ، وَأَنَّهُ فِي مَذْهَبِنَا بِاعْتِبَارِ ذَكَاةِ الْمُسْتَقْبَلِ ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَسَنُشِيرُ إلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِي الْآيَةِ بَعْدَهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ .

الْآيَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنْ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى { شَعَائِرَ } : وَزْنُهَا فَعَائِلُ ، وَاحِدَتُهَا شَعِيرَةٌ ؛ فِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ الْهَدْيُ .
الثَّانِي : أَنَّهُ كُلُّ مُتَعَبَّدٍ ؛ مِنْهَا الْحَرَامُ فِي قَوْلِ السُّدِّيِّ ، وَمِنْهَا اجْتِنَابُ سَخَطِ اللَّهِ فِي قَوْلِ عَطَاءٍ .
وَمِنْهَا مَنَاسِكُ الْحَجِّ فِي قَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ .
وَقَالَ عُلَمَاءُ النَّحْوِيِّينَ : هُوَ مِنْ أَشْعَرَ : أَيْ : أَعْلَمَ ؛ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ ؛ فَإِنَّ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ بِأَنْ يَكُونَ مِنْ فَعَلَ لَا مِنْ أَفْعَلَ ، وَلَكِنَّهُ جَرَى عَلَى غَيْرِ فِعْلِهِ كَمَصْدَرِ جَرَى عَلَى غَيْرِ فِعْلِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي رِسَالَةِ الْمُلْجِئَةِ .
وَالصَّحِيحُ مِنْ الْأَقْوَالِ هُوَ الثَّانِي ، وَأَفْسَدُهَا مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْهَدْيُ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ تَكَرَّرَ فَلَا مَعْنَى لِإِبْهَامِهِ وَالتَّصْرِيحِ بَعْدَ ذَلِكَ بِهِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ } : قَدْ بَيَّنَّا فِي كُلِّ مُصَنَّفٍ أَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ تَأْتِي لِلْعَهْدِ وَتَأْتِي لِلْجِنْسِ ؛ فَهَذِهِ لَامُ الْجِنْسِ ، وَهِيَ أَرْبَعَةُ أَشْهُرٍ يَأْتِي بَيَانُهَا مُفَصَّلَةً فِي سُورَةِ " بَرَاءَةٌ " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا الْهَدْيَ } وَهِيَ كُلُّ حَيَوَانٍ يُهْدَى إلَى اللَّهِ فِي بَيْتِهِ ، وَالْأَصْلُ فِيهِ عُمُومُهُ فِي كُلِّ مُهْدًى ، كَانَ حَيَوَانًا أَوْ جَمَادًا .
وَحَقِيقَةُ الْهَدْيِ كُلُّ مُعْطًى لَمْ يُذْكَرْ مَعَهُ عِوَضٌ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { مَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ الْأُولَى إلَى الْجُمُعَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَدَنَةً ، وَمَنْ رَاحَ فِي السَّاعَةِ السَّادِسَةِ فَكَأَنَّمَا قَرَّبَ بَيْضَةً } ، وَفِي بَعْضِ الْأَلْفَاظِ : { فَكَأَنَّمَا أَهْدَى بَدَنَةً ، وَكَأَنَّمَا أَهْدَى بَيْضَةً } وَقَدْ اتَّفَقَ الْفُقَهَاءُ عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ : ثَوْبِي هَدْيٌ أَنَّهُ يَبْعَثُ بِثَمَنِهِ إلَى مَكَّةَ فِي اخْتِلَافٍ يَأْتِي بَيَانُهُ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَأَمَّا الْقَلَائِدُ فَهِيَ كُلُّ مَا عُلِّقَ عَلَى أَسْنِمَةِ الْهَدَايَا عَلَامَةٌ عَلَى أَنَّهَا لِلَّهِ سُبْحَانَهُ ، مِنْ نَعْلٍ أَوْ غَيْرِهِ ، وَهِيَ سُنَّةٌ إبْرَاهِيمِيَّةٌ بَقِيَتْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ وَأَقَرَّهَا الْإِسْلَامُ فِي الْحَجِّ .
وَأَنْكَرَهَا أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ ، وَذَلِكَ مُبَيَّنٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : { وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ } يَعْنِي قَاصِدِينَ لَهُ ، مِنْ قَوْلِهِمْ : أَمَمْت كَذَا ، أَيْ قَصَدْته ، وَهَذَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَنْ قَصَدَهُ بِاسْمِ الْعِبَادَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْ أَهْلِهَا ، كَالْكَافِرِ ، وَهَذَا قَدْ نُسِخَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ } فِي قَوْلِ الْمُفَسِّرِينَ ، وَهُوَ تَخْصِيصٌ غَيْرُ نَسْخٍ عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي ، فَإِنَّهُ إنْ كَانَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكُفَّارِ قَدْ بَقِيَتْ الْحُرْمَةُ لِلْمُؤْمِنِينَ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا } : وَكَانَ سُبْحَانَهُ حَرَّمَ الصَّيْدَ فِي حَالِ الْإِحْرَامِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ } ثُمَّ أَبَاحَهُ بَعْدَ الْإِحْلَالِ ، وَهُوَ زِيَادَةُ بَيَانٍ ؛ لِأَنَّ رَبْطَهُ التَّحْرِيمَ بِالْإِحْرَامِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إذَا زَالَ الْإِحْرَامُ زَالَ التَّحْرِيمُ ، وَلَكِنْ يَجُوزُ أَنْ يَبْقَى التَّحْرِيمُ لِعِلَّةٍ أُخْرَى غَيْرِ الْإِحْرَامِ ؛ فَبَيَّنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَدَمَ الْعِلَّةِ بِمَا صَرَّحَ بِهِ مِنْ الْإِبَاحَةِ ؛ فَكَانَ نَصًّا فِي مَوْضِعِ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى الْإِبَاحَةِ اتِّفَاقًا ، وَقَدْ تَوَهَّمَ قَوْمٌ أَنَّ حَمْلَهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ إنَّمَا كَانَ لِأَجْلِ تَقْدِيمِ الْحَظْرِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي " أُصُولِ الْفِقْهِ " .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ } عَلَى الْعُدْوَانِ عَلَى آخَرِينَ ، نَزَلَتْ هَذِهِ الْكَلِمَةُ فِي { الْحَكَمِ رَجُلٍ مِنْ رَبِيعَةَ ، قَدِمَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : بِمَ تَأْمُرُنَا ؟ فَسَمِعَ مِنْهُ .
وَقَالَ : أَرْجِعُ إلَى قَوْمِي فَأُخْبِرُهُمْ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ جَاءَ بِوَجْهِ كَافِرٍ وَرَجَعَ بِقَفَا غَادِرٍ .
وَرَجَعَ فَأَغَارَ عَلَى سَرْحٍ مِنْ سُرُوحِ الْمَدِينَةِ ، فَانْطَلَقَ بِهِ ، وَقَدِمَ بِتِجَارَةٍ أَيَّامَ الْحَجِّ يُرِيدُ مَكَّةَ ، فَأَرَادَ نَاسٌ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَخْرُجُوا إلَيْهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ } أَيْ لَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ بِقَطْعِ سُبُلِ الْحَجِّ ، وَكُونُوا مِمَّنْ يُعِينُ فِي التَّقْوَى ، لَا فِي التَّعَدِّي ، وَهَذَا مِنْ مَعْنَى الْآيَةِ مَنْسُوخٌ ، وَظَاهِرُ عُمُومِهَا بَاقٍ فِي كُلِّ حَالٍ ، وَمَعَ كُلِّ أَحَدٍ ، فَلَا يَنْبَغِي لِمُسْلِمٍ أَنْ يَحْمِلَهُ بُغْضُ آخَرَ عَلَى الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِ إنْ كَانَ ظَالِمًا ، فَالْعِقَابُ مَعْلُومٌ عَلَى قَدْرِ الظُّلْمِ ، وَلَا سَبِيلَ إلَى الِاعْتِدَاءِ عَلَيْهِ إنْ ظَلَمَ غَيْرَهُ ؛ فَلَا يَجُوزُ أَخْذُ أَحَدٍ عَنْ أَحَدٍ .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } .
وَهَذَا مِمَّا لَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأُمَّةِ .

الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلَا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْت لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيت لَكُمْ الْإِسْلَامَ دِينًا فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا إحْدَى وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ } فَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } فَسَيَأْتِي فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ " وَهُوَ قَوْلُهُ : { الْمُنْخَنِقَةُ } : فَهِيَ الَّتِي تُخْنَقُ بِحَبْلٍ بِقَصْدٍ أَوْ بِغَيْرِ قَصْدٍ ، أَوْ بِغَيْرِ حَبْلٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الْمَوْقُوذَةُ : الَّتِي تُقْتَلُ ضَرْبًا بِالْخَشَبِ أَوْ بِالْحَجَرِ ، وَمِنْهُ الْمَقْتُولَةُ بِقَوْسِ الْبُنْدُقِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : الْمُتَرَدِّيَةُ : وَهِيَ السَّاقِطَةُ مِنْ جَبَلٍ أَوْ بِئْرٍ .

وَأَمَّا الْمُتَنَدِّيَةُ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : [ الْمُتَنَدِّيَةُ ] : فَيُقَالُ : نَدَّتْ الدَّابَّةُ إذَا انْفَلَتَتْ مِنْ وَثَاقٍ فَنَدَّتْ فَخَرَجَ وَرَاءَهَا فَرُمِيَتْ بِرُمْحٍ أَوْ سَيْفٍ فَمَاتَتْ ، فَهَلْ يَكُونُ رَمْيُهَا ذَكَاةً أَمْ لَا ؟ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ ؛ فَذَهَبَ بَعْضُهُمْ إلَى أَنَّهُ يَكُونُ ذَلِكَ ذَكَاةً فِيهِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ وَابْنِ حَبِيبٍ .
وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يُذَكَّى بِهِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ مَالِكٍ .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ { رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ قَالَ : كُنَّا مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِي الْحُلَيْفَةِ ، وَأَصَابَ النَّاسَ جُوعٌ ، فَأَصَبْنَا إبِلًا وَغَنَمًا ، فَنَدَّ مِنْهَا بَعِيرٌ فَطَلَبُوهُ فَلَمْ يَقْدِرُوا عَلَيْهِ ، فَأَهْوَى إلَيْهِ رَجُلٌ بِسَهْمٍ فَحَبَسَهُ اللَّهُ ؛ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ لِهَذِهِ الْإِبِلِ أَوَابِدَ كَأَوَابِدِ الْوَحْشِ ، فَمَا نَدَّ عَلَيْكُمْ فَاصْنَعُوا بِهِ هَكَذَا } .
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَغَيْرُهُ : إنَّ تَسْلِيطَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى هَذَا الْفِعْلِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ ذَكَاةٌ لَهُ .
وَقَالَ الْآخَرُونَ : إنَّمَا هُوَ تَسْلِيطٌ عَلَى حَبْسِهِ لَا عَلَى ذَكَاتِهِ فَإِنَّهُ مَقْدُورٌ عَلَيْهِ فِي غَالِبِ الْأَحْوَالِ ، فَلَا يُرَاعَى النَّادِرُ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الصَّيْدِ حَسْبَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَقَدْ رَوَى { أَبُو الْعَشْرَاءِ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَمَا تَكُونُ الذَّكَاةُ إلَّا فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ ؟ قَالَ : لَوْ طَعَنْت فَخِذَهَا لَأَجْزَأَ عَنْك } .
قَالَ يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ : هَذَا فِي الضَّرُورَةِ ، وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ أَعْجَبَ أَحْمَدَ بْنَ حَنْبَلٍ ، وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي دَاوُد ، وَأَشَارَ عَلَى مَنْ دَخَلَ عَلَيْهِ مِنْ الْحُفَّاظِ أَنْ يَكْتُبَهُ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ النَّطِيحَةُ : وَهِيَ الشَّاةُ تَنْطَحُهَا الْأُخْرَى بِقُرُونِهَا .
وَقَرَأَ أَبُو مَيْسَرَةَ : الْمَنْطُوحَةُ ، وَهِيَ فَعِيلَةٌ بِمَعْنَى مَفْعُولَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ } وَكَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ إذَا أَكَلَ السَّبُعُ شَاةً أَكَلُوا بَقِيَّتَهَا ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةُ وَغَيْرُهُمَا .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مَقْطُوعٌ عَمَّا قَبْلَهُ غَيْرُ عَائِدٍ إلَى شَيْءٍ مِنْ الْمَذْكُورَاتِ ، وَذَلِكَ مَشْهُورٌ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ ، يَجْعَلُونَ إلَّا بِمَعْنَى لَكِنْ ، مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَنْ يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إلَّا خَطَأً } .
مَعْنَاهُ : لَكِنْ إنْ قَتَلَهُ خَطَأً ، وَقَدْ تَقَدَّمَ كَلَامُنَا عَلَيْهِ ، وَأَنْشَدَ بَعْضُهُمْ لِأَبِي خِرَاشٍ الْهُذَلِيِّ : أَمْسَى سَقَامٌ خَلَاءً لَا أَنِيسَ بِهِ إلَّا السِّبَاعُ وَمَرُّ الرِّيحِ بِالْغُرَفِ أَرَادَ إلَّا أَنْ يَكُونَ بِهِ السِّبَاعُ ، أَوْ لَكِنْ بِهِ السِّبَاعُ .
وَسَقَامٌ : وَادٍ لِهُذَيْلٍ .
وَمِنْهُ قَوْلُ الشَّاعِرِ : وَبَلْدَةٌ لَيْسَ بِهَا أَنِيسٌ إلَّا الْيَعَافِيرُ وَإِلَّا الْعِيسُ وَقَالَ النَّابِغَةُ : وَقَفْت بِهَا أُصَيْلَانًا أُسَائِلُهَا عَيَّتْ جَوَابًا وَمَا بِالرَّبْعِ مِنْ أَحَدِ إلَّا الْأَوَارِيَ لَأْيًا مَا أُبَيِّنُهَا وَالنُّؤْيُ كَالْحَوْضِ بِالْمَظْلُومَةِ الْجَلَدِ وَمِنْ أَبْدَعُهُ قَوْلُ جَرِيرٍ : مِنْ الْبِيضِ لَمْ تَظْعَنْ بَعِيدًا وَلَمْ تَطَأْ مِنْ الْأَرْضِ إلَّا ذَيْلَ بُرْدٍ مُرَحَّلِ كَأَنَّهُ قَالَ : لَمْ تَطَأْ عَلَى الْأَرْضِ إلَّا أَنْ تَطَأَ ذَيْلَ بُرْدٍ مُرَحَّلٍ .
أَخْبَرَنَا بِذَلِكَ كُلِّهِ أَبُو الْحَسَنِ الطُّيُورِيُّ عَنْ الْبَرْمَكِيِّ ، وَالْقَزْوِينِيِّ عَنْ أَبِي عُمَرَ بْنِ حَيْوَةَ عَنْ أَبِي عُمَرَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ ، وَمِنْ أَصْلِهِ نَقَلْته .
الثَّانِي : أَنَّهُ اسْتِثْنَاءٌ مُتَّصِلٌ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَلَكِنَّهُ يَرْجِعُ إلَى مَا بَعْدَ قَوْله تَعَالَى : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } مِنْ الْمُنْخَنِقَةُ إلَى مَا أَكَلَهُ السَّبْعُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يَرْجِعُ الِاسْتِثْنَاءُ إلَى التَّحْرِيمِ لَا إلَى الْمُحَرَّمِ ، وَيَبْقَى عَلَى ظَاهِرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : فِي الْمُخْتَارِ : وَذَلِكَ أَنَّا نَقُولُ : إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُنْقَطِعَ لَا يُنْكَرُ فِي اللُّغَةِ وَلَا [ فِي الشَّرِيعَةِ ] فِي الْقُرْآنِ وَلَا فِي الْحَدِيثِ حَسْبَمَا

أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، كَمَا أَنَّهُ لَا يَخْفَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ الْمُتَّصِلَ هُوَ أَصْلُ اللُّغَةِ ، وَجُمْهُورُ الْكَلَامِ ، وَلَا يُرْجَعُ إلَى الْمُنْقَطِعِ إلَّا إذَا تَعَذَّرَ الْمُتَّصِلُ .
وَتَعَذُّرُ الْمُتَّصِلِ يَكُونُ مِنْ وَجْهَيْنِ : إمَّا عَقْلِيًّا وَإِمَّا شَرْعِيًّا ؛ فَتَعَذُّرُ الِاتِّصَالِ الْعَقْلِيِّ هُوَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَمْثِلَةِ قَبْلَ هَذَا فِي الْأَوَّلِ .
وَأَمَّا التَّعَذُّرُ الشَّرْعِيُّ فَكَقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إيمَانُهَا إلَّا قَوْمَ يُونُسَ } .
فَإِنَّ قَوْلَهُ : { إلَّا قَوْمَ يُونُسَ } لَيْسَ رَفْعًا لِمُتَقَدِّمٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِمَعْنَى لَكِنْ .
وَقَوْلَهُ : { طَه مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْك الْقُرْآنَ لِتَشْقَى إلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى } .
وَقَوْلَهُ : { إنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ } { إلَّا مَنْ ظَلَمَ } .
عُدْنَا إلَى قَوْلِهِ : { إلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ } ، قُلْنَا : فَأَمَّا الَّذِي يُمْنَعُ أَنْ يَعُودَ إلَى مَا يُمْكِنُ إعَادَتُهُ إلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : { الْمُنْخَنِقَةُ } إلَى آخِرِهَا ،

كَمَا قَالَ عَلِيٌّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : " إذَا أَدْرَكْت ذَكَاةَ الْمَوْقُوذَةِ وَهِيَ تُحَرِّكُ يَدًا أَوْ رِجْلًا فَكُلْهَا " ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ ؛ وَهُوَ خَالٍ عَنْ مَانِعٍ شَرْعِيٍّ يَرُدُّهُ ؛ بَلْ قَدْ أَحَلَّهُ الشَّرْعُ ؛ فَقَدْ ثَبَتَ { أَنَّ جَارِيَةً لِكَعْبِ بْنِ مَالِكٍ كَانَتْ تَرْعَى غَنَمًا بِالْجَبَلِ الَّذِي بِالسُّوقِ ، وَهُوَ سَلْعٌ ، فَأُصِيبَتْ مِنْهَا شَاةٌ فَكَسَرَتْ حَجَرًا فَذَبَحَتْهَا ، فَذَكَرُوا ذَلِكَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ بِأَكْلِهَا } .
وَرَوَى النَّسَائِيّ عَنْ زَيْدِ بْنِ ثَابِتٍ : { أَنَّ ذِئْبًا نَيَّبَ شَاةً فَذَبَحُوهَا بِمَرْوَةِ ، فَرَخَّصَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَكْلِهَا } .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ؛ فَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ لَا يُؤْكَلُ إلَّا مَا كَانَ بِذَكَاةٍ صَحِيحَةٍ .
وَاَلَّذِي فِي الْمُوَطَّأِ عَنْهُ أَنَّهُ إنْ كَانَ ذَبَحَهَا وَنَفَسُهَا يَجْرِي وَهِيَ تَطْرِفُ فَلْيَأْكُلْهَا ، وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ مِنْ قَوْلِهِ الَّذِي كَتَبَهُ بِيَدِهِ ، وَقَرَأَهُ عَلَى النَّاسِ مِنْ كُلِّ بَلَدٍ عُمْرَهُ ، فَهُوَ أَوْلَى مِنْ الرِّوَايَاتِ الْغَابِرَةِ ، لَا سِيَّمَا وَالذَّكَاةُ عِبَادَةٌ كَلَّفَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ عِبَادَهُ لِلْحِكْمَةِ الَّتِي [ يَأْتِي ] بَيَانُهَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

وَهَذَا هُوَ أَحَدُ مُتَعَلِّقَاتِ الذَّكَاةِ ، وَهُوَ الْقَوْلُ فِي الذَّكَاةِ ، وَهُوَ يَتَعَلَّقُ بِأَرْبَعَةِ أَنْوَاعٍ : الْمُذَكِّي ، وَالْمُذَكَّى ، وَالْآلَةِ ، وَالتَّذْكِيَةِ نَفْسِهَا .
فَأَمَّا الْمُذَكَّى فَيَتَعَلَّقُ الْقَوْلُ فِيهِ بِأَنْوَاعِ الْمُحَلَّلَاتِ وَالْمُحَرَّمَاتِ ، وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَأَمَّا الْمُذَكِّي : وَهُوَ الذَّابِحُ فَبَيَانُهُ فِيهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَأَمَّا التَّذْكِيَةُ نَفْسُهَا وَالْآلَةُ فَهَذَا مَوْضِعُ ذَلِكَ : الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : فِي التَّذْكِيَةِ : وَهِيَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ التَّمَامِ ، وَمِنْهُ ذُكَاءُ السِّنِّ ، وَيُقَالُ : ذَكَّيْتُ النَّارُ إذَا أَتْمَمْتُ اشْتِعَالَهَا ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا بُدَّ أَنْ تَبْقَى فِي الْمُذَكَّاةِ بَقِيَّةٌ تَشْخَبُ مَعَهَا الْأَوْدَاجُ وَيَضْطَرِبُ اضْطِرَابَ الْمَذْبُوحِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ الَّذِي صَرَّحَ فِيهِ بِأَنَّ الشَّاةَ أَدْرَكَهَا الْمَوْتُ ، وَهَذَا يَمْنَعُ مِنْ شَخْبِ أَوْدَاجِهَا ، وَإِنَّمَا أَصَابَ الْغَرَضَ مَالِكٌ فِي قَوْلِهِ : إذَا ذَبَحَهَا وَنَفَسُهَا تَجْرِي وَهِيَ تَضْطَرِبُ إشَارَةً إلَى أَنَّهَا وُجِدَ فِيهَا قَتْلٌ صَارَ بِاسْمِ اللَّهِ الْمَذْكُورِ عَلَيْهَا ذَكَاةٌ ، أَيْ تَمَامٌ يُحِلُّهَا وَتَطْهِيرٌ لَهَا ، كَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ فِي الْأَرْضِ النَّجِسَةِ : { ذَكَاةُ الْأَرْضِ يُبْسُهَا } .
وَهِيَ فِي الشَّرْعِ عِبَارَةٌ عَنْ إنْهَارِ الدَّمِ ، وَفَرْيِ الْأَوْدَاجِ فِي الْمَذْبُوحِ ، وَالنَّحْرِ فِي الْمَنْحُورِ ، وَالْعَقْرِ فِي غَيْرِ الْمَقْدُورِ عَلَيْهِ كَمَا تَقَدَّمَ ؛ مَقْرُونًا ذَلِكَ بِنِيَّةِ الْقَصْدِ إلَيْهِ .
وَذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ قِيلَ لَهُ : إنَّا لَاقُو الْعَدُوِّ غَدًا ، وَلَيْسَ مَعَنَا مُدًى ، أَفَنَذْبَحُ بِالْقَصَبِ ؟ فَقَالَ : مَا أَنْهَرَ الدَّمَ ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلُوهُ ، لَيْسَ السِّنَّ

وَالظُّفُرَ .
وَسَأُخْبِرُكُمْ : أَمَّا السِّنُّ فَعَظْمٌ ، وَأَمَّا الظُّفُرُ فَمُدَى الْحَبَشَةِ } .
وَرَوَى النَّسَائِيّ ، وَأَبُو دَاوُد ، عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ عَدِيَّ بْنَ حَاتِمٍ قَالَ لَهُ : أَرَأَيْت إنْ أَصَابَ أَحَدُنَا صَيْدًا وَلَيْسَ مَعَهُ سِكِّينٌ ، أَنَذْبَحُ بِالْمَرْوَةِ وَشِقَّةِ الْعَصَا ؟ قَالَ : انْهَرْ الدَّمَ بِمَا شِئْت ، وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ تَعَالَى } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي حَدِيثِ جَارِيَةِ كَعْبِ بْنِ مَالِكٍ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهَا ذُبِحَتْ بِمَرْوَةَ ، وَأَجَازَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : لَيْسَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ذِكْرُ الذَّكَاةِ بِغَيْرِ إنْهَارِ الدَّمِ ، فَأَمَّا فَرْيُ الْأَوْدَاجِ وَقَطْعُ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ فَلَمْ يَصِحَّ فِيهِ شَيْءٌ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَجَمَاعَةٌ : لَا تَصِحُّ الذَّكَاةُ إلَّا بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْوَدَجَيْنِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَصِحُّ بِقَطْعِ الْحُلْقُومِ وَالْمَرِيءِ وَلَا يُحْتَاجُ إلَى الْوَدَجَيْنِ بِتَفْصِيلٍ قَدْ ذَكَرْنَاهُ فِي الْمَسَائِلِ .
وَتَعَلَّقَ عُلَمَاؤُنَا بِحَدِيثِ رَافِعِ بْنِ خَدِيجٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { افْرِ الْوَدَجَيْنِ وَاذْكُرْ اسْمَ اللَّهِ } .
وَلَمْ يَصِحَّ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي هَذَا الْبَابِ شَيْءٌ لَا لَنَا وَلَا لَهُمْ ؛ وَإِنَّمَا الْمُعَوَّلُ عَلَى الْمَعْنَى ؛ فَالشَّافِعِيُّ اعْتَبَرَ قَطْعَ مَجْرَى الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ الَّذِي لَا يَكُونُ مَعَهُ حَيَاةٌ ، وَهُوَ الْغَرَضُ مِنْ الْمَوْتِ .
وَعُلَمَاؤُنَا اعْتَبَرُوا الْمَوْتَ عَلَى وَجْهٍ يَطِيبُ مَعَهُ اللَّحْمُ ، وَيَفْتَرِقُ فِيهِ الْحَلَالُ وَهُوَ اللَّحْمُ ، مِنْ الْحَرَامِ ، وَهُوَ الدَّمُ بِقَطْعِ الْأَوْدَاجِ ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَعَلَيْهِ يَدُلُّ صَحِيحُ الْحَدِيثِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أَنْهَرَ الدَّمَ } .
وَهَذَا بَيِّنٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : لَا تَصِحُّ الذَّكَاةُ إلَّا بِنِيَّةٍ : وَلِذَلِكَ قُلْنَا : لَا تَصِحُّ مِنْ الْمَجْنُونِ وَمَنْ لَا يَعْقِلُ ، لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى مَنَعَهَا مِنْ الْمَجُوسِيِّ ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى اعْتِبَارِ النِّيَّةِ ، وَلَوْ لَمْ يُعْتَبَرْ الْقَصْدُ لَمْ يُبَالَ مِمَّنْ وَقَعَتْ ، وَسَنُكْمِلُ الْقَوْلَ فِيهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : وَلَوْ ذَبَحَهَا مِنْ الْقَفَا ، ثُمَّ اسْتَوْفَى الْقَطْعَ ، وَأَنْهَرَ الدَّمَ ، وَقَطَعَ الْحُلْقُومَ وَالْوَدَجَيْنِ ، لَمْ تُؤْكَلْ عِنْدَ عُلَمَائِنَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : تُؤْكَلُ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ قَدْ حَصَلَ ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ نُحَقِّقُهُ لَكُمْ ؛ وَهُوَ أَنَّ الذَّكَاةَ وَإِنْ كَانَ الْمَقْصُودُ بِهَا إنْهَارَ الدَّمِ ، وَلَكِنْ فِيهَا ضَرْبٌ مِنْ التَّعَبُّدِ وَالتَّقَرُّبِ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ ؛ لِأَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانَتْ تَتَقَرَّبُ بِذَلِكَ لِأَصْنَامِهَا وَأَنْصَابِهَا ، وَتُهِلُّ لِغَيْرِ اللَّهِ فِيهَا ، وَتَجْعَلُهَا قُرْبَتَهَا وَعِبَادَتَهَا ، فَأَمَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِرَدِّهَا إلَيْهِ وَالتَّعَبُّدِ بِهَا لَهُ ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ لَهَا نِيَّةٌ وَمَحَلٌّ مَخْصُوصٌ .
وَقَدْ ذَبَحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَلْقِ ، وَنَحَرَ فِي اللَّبَّةِ ؛ وَقَالَ : { إنَّمَا الذَّكَاةُ فِي الْحَلْقِ وَاللَّبَّةِ } ، فَبَيَّنَ مَحَلَّهَا ، وَقَالَ مُبَيِّنًا لِفَائِدَتِهَا : { مَا أَنْهَرَ الدَّمَ ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، فَكُلْ } .
فَإِذَا أُهْمِلَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَقَعْ بِنِيَّةٍ وَلَا شَرْطٍ وَلَا صِفَةٍ مَخْصُوصَةٍ زَالَ مِنْهَا حَظُّ التَّعَبُّدِ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : فِي الْآلَةِ : وَقَدْ بَيَّنَهَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ فِي قَوْلِهِ : { مَا أَنْهَرَ الدَّمَ } .
وَتَجْوِيزُهُ الذَّبْحُ بِالْقَصَبِ ، وَالْحَجَرِ إذَا وُجِدَ ذَلِكَ بِصِفَةِ الْحِدَةِ يَقْطَعُ وَيُرِيحُ الذَّبِيحَةَ ، وَلَا يَكُونُ مِعْرَاضًا يَخْنُقُ وَلَا يَقْطَعُ ، أَوْ يَجْرَحُ وَلَا يَفْصِلُ ؛ فَإِنْ كَانَ كَذَلِكَ لَمْ يُؤْكَلْ .

وَأَمَّا السِّنُّ وَالظُّفُرُ ، فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : يَجُوزُ بِالْعَظْمِ ؛ قَالَهُ فِي الْمُدَوَّنَةِ .
وَالثَّانِي : لَا يَجُوزُ بِالْعَظْمِ وَالسِّنِّ ؛ قَالَهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
الثَّالِثُ : إنْ كَانَا مُرَكَّبَيْنِ لَمْ يُذْبَحْ بِهِمَا ، وَإِنْ كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مُنْفَصِلًا ذُبِحَ بِهِمَا ؛ قَالَهُ ابْنُ حَبِيبٍ [ وَأَبُو حَنِيفَةَ ] .
فَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَأَخَذَ بِمُطْلَقِ النَّهْيِ ، وَجَعَلَهُ عَامًّا فِي حَالِ الِانْفِصَالِ وَالِاتِّصَالِ ، وَأَمَّا ابْنُ حَبِيبٍ وَأَبُو حَنِيفَةَ فَأَخَذَا بِالْمَعْنَى ، وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا كَانَا مُتَّصِلَيْنِ كَانَ الذَّبْحُ بِهِمَا خَنْقًا ، وَأَمَّا إذَا كَانَا مُنْفَصِلَيْنِ كَانَا بِمَنْزِلَةِ الْحَجَرِ وَالْقَصَبِ ، وَهَذَا أَشْبَهُ بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ، كَمَا أَنَّ مَذْهَبَنَا أَوْلَى بِمَذْهَبِ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ الذَّكَاةَ عِنْدَنَا عِبَادَةٌ ، فَكَانَتْ بِاتِّبَاعِ النَّصِّ فِي الْآلَةِ أَوْلَى ، وَعِنْدَهُ أَنَّهَا مَعْقُولَةُ الْمَعْنَى ، فَكَانَ بِإِنْهَارِ الدَّمِ بِكُلِّ شَيْءٍ أَوْلَى ، وَلَكِنْ مَعْنَى ذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا نَصَّ عَلَى السِّنِّ وَالظُّفُرِ وَقَفَ الشَّافِعِيُّ عِنْدَهُ وَقْفَةَ قَاطِعٍ لِلنَّظَرِ حِينَ قَطَعَ الشَّرْعُ بِهِ عَنْهُ .
وَرَأَى عُلَمَاؤُنَا أَنَّ النَّهْيَ عَنْ السِّنِّ وَالظُّفُرِ ، إنَّمَا هُوَ لِأَجْلِ أَنَّ مَنْ كَانَ يَفْعَلُهُ لَمْ يُبَالِ أَنْ تُخْلَطَ الذَّكَاةُ بِالْخَنْقِ ، فَإِذَا كَانَتْ عَلَى يَدَيْ مَنْ يَفْصِلُهُمَا جَازَ ذَلِكَ إذَا انْفَصَلَا .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : أَطْلَقَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى الْمَرِيضَةِ أَنَّ الْمَذْهَبَ جَوَازُ تَذْكِيَتِهَا وَلَوْ أَشْرَفَتْ عَلَى الْمَوْتِ إذَا كَانَتْ فِيهَا بَقِيَّةُ حَيَاةٍ .
وَلَيْتَ شِعْرِي أَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ بَقِيَّةِ حَيَاةٍ مِنْ مَرَضٍ أَوْ بَقِيَّةِ حَيَاةٍ مِنْ سَبْعٍ لَوْ اتَّسَقَ النَّظَرُ وَسَلِمَتْ عَنْ الشَّبَهِ الْفِكَرُ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي الْمَسَائِلِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُمْ : إنَّ الِاسْتِثْنَاءَ يَرْجِعُ إلَى التَّحْرِيمِ لَا إلَى الْمُحَرَّمِ ، وَهُوَ كَلَامُ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ مَا التَّحْرِيمُ .
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ التَّحْرِيمَ حُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَقَدْ شَرَحْنَا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ الْأَحْكَامَ لَيْسَتْ بِصِفَاتٍ لِلْأَعْيَانِ ، وَإِنَّمَا هِيَ عِبَارَةٌ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَلَيْسَ فِي الْقَوْلِ اسْتِثْنَاءٌ ، إنَّمَا الِاسْتِثْنَاءُ فِي الْمَقُولِ [ فِيهِ ] وَهُوَ الْمُخْبَرُ عَنْهُ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ } مَعْنَاهُ : تَطْلُبُوا مَا قُسِمَ لَكُمْ ، وَجَعْلُهُ مِنْ حُظُوظِكُمْ وَآمَالِكُمْ وَمَنَافِعِكُمْ ، وَهُوَ مُحَرَّمٌ فِسْقٌ مِمَّنْ فَعَلَهُ فَإِنَّهُ تَعَرُّضٌ لِعِلْمِ الْغَيْبِ ، وَلَا يَجُوزُ لِأَحَدٍ مِنْ خَلْقِ اللَّهِ أَنْ يَتَعَرَّضَ لِلْغَيْبِ وَلَا يَطْلُبُهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ رَفَعَهُ بَعْدَ نَبِيِّهِ إلَّا فِي الرُّؤْيَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ يَجُوزُ طَلَبُ ذَلِكَ فِي الْمُصْحَفِ .
قُلْنَا : لَا يَجُوزُ فَإِنَّهُ لَمْ يَكُنْ الْمُصْحَفُ لِيُعْلَمَ بِهِ الْغَيْبُ ؛ إنَّمَا بُيِّنَتْ آيَاتُهُ ، وَرُسِمَتْ كَلِمَاتُهُ لِيُمْنَعَ عَنْ الْغَيْبِ ؛ فَلَا تَشْتَغِلُوا بِهِ ، وَلَا يَتَعَرَّضْ أَحَدُكُمْ لَهُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : فَإِنْ قِيلَ : فَالْفَأْلُ وَالزَّجْرُ كَيْفَ حَالُهُمَا عِنْدَك ؟ قُلْنَا : أَمَّا الْفَأْلُ فَمُسْتَحْسَنٌ بِاتِّفَاقٍ .
وَأَمَّا الزَّجْرُ فَمُخْتَلَفٌ فِيهِ ؛ وَالْفَرْقُ بَيْنَهُمَا أَنَّ الْفَأْلَ فِيمَا يَحْسُنُ ، وَالزَّجْرُ فِيمَا يُكْرَهُ .
وَإِنَّمَا نَهَى الشَّارِعُ عَنْ الزَّجْرِ لِئَلَّا تَمْرَضَ بِهِ النَّفْسُ وَيَدْخُلَ عَلَى الْقَلْبِ مِنْهُ الْهَمُّ ، وَإِلَّا فَقَدْ وَرَدَ ذَلِكَ [ فِي الشَّرْعِ ] عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْأَسْمَاءِ وَالْأَفْعَالِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ حَيْثُ وَرَدَ ذِكْرُهُ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : الْأَزْلَامِ .
كَانَتْ قِدَاحًا لِقَوْمٍ وَحِجَارَةً لِآخَرِينَ ، وَقَرَاطِيسَ لِأُنَاسٍ ، يَكُونُ أَحَدُهَا غُفْلًا ، وَفِي الثَّانِي " افْعَلْ " أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ ، وَفِي الثَّالِثِ " لَا تَفْعَلْ " أَوْ مَا فِي مَعْنَاهُ ، ثُمَّ يَخْلِطُهَا فِي جَعْبَةٍ أَوْ تَحْتَهُ ثُمَّ يُخْرِجُهَا مَخْلُوطَةً مَجْهُولَةً ، فَإِنْ خَرَجَ الْغُفْلُ أَعَادَ الضَّرْبَ حَتَّى يَخْرُجَ لَهُ " افْعَلْ " أَوْ " لَا تَفْعَلْ " وَذَلِكَ بِحَضْرَةِ أَصْنَامِهِمْ ؛ فَيَمْتَثِلُونَ مَا يَخْرُجُ لَهُمْ ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ ذَلِكَ هِدَايَةٌ مِنْ الصَّنَمِ لِمَطْلَبِهِمْ .
وَكَذَا رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ

مَالِكٍ كَمَا سَرَدْنَاهُ لَكُمْ .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ اُضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ } وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .

الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَسْأَلُونَك مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ قُلْ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ تُعَلِّمُونَهُنَّ مِمَّا عَلَّمَكُمْ اللَّهُ فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ } .
فِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { الطَّيِّبَاتُ } رَوَى أَبُو رَافِعٍ قَالَ : { جَاءَ جِبْرِيلُ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَأْذِنُ عَلَيْهِ فَأَذِنَ لَهُ ، وَقَالَ : قَدْ أَذِنَّا لَك يَا رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ : أَجَلْ ، وَلَكِنَّا لَا نَدْخُلُ بَيْتًا فِيهِ كَلْبٌ ، قَالَ أَبُو رَافِعٍ : فَأَمَرَ أَنْ نَقْتُلَ الْكِلَابَ بِالْمَدِينَةِ ، فَقَتَلْت حَتَّى انْتَهَيْت إلَى امْرَأَةٍ عِنْدَهَا كَلْبٌ يَنْبَحُ عَلَيْهَا ، فَتَرَكْته وَجِئْت إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْته ، فَأَمَرَنِي فَرَجَعْت إلَى الْكَلْبِ فَقَتَلْته ، فَجَاءُوا فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ مَا يَحِلُّ لَنَا مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ الَّتِي أَمَرْت بِقَتْلِهَا ، فَسَكَتَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ هَذِهِ الْآيَةَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي قَوْله تَعَالَى : { الطَّيِّبَاتُ } وَهِيَ ضِدُّ الْخَبِيثَاتِ ، وَقَدْ أَشَرْنَا إلَيْهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَالطَّيِّبُ يَنْطَلِقُ عَلَى مَعْنَيَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا يُلَائِمُ النَّفْسَ وَيُلِذُّهَا .
وَالثَّانِي : مَا أَحَلَّ اللَّهُ .
وَالْخَبِيثُ : ضِدُّهُ ، وَسَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } قِيلَ : مَعْنَاهُ الْكَوَاسِبُ ، يُقَالُ : جَرَحَ إذَا كَسَبَ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ } فَكُلُّ كَاسِبٍ جَارِحٌ إذَا كَسَبَ كَيْفَمَا كَانَ ، وَمِمَّنْ كَانَ ، إلَّا أَنَّ هَاهُنَا نُكْتَةً ، وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ } .
فَنَحْنُ فَرِيقٌ وَالطَّيِّبَاتُ فَرِيقٌ ، وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ فَرِيقٌ غَيْرُ الِاثْنَيْنِ ، وَذَلِكَ مِنْ الْبَهَائِمِ الَّتِي يَعْلَمُهَا بَنُو آدَمَ ، وَقَدْ كَانَتْ عِنْدَهُمْ مَعْلُومَةً وَهِيَ الْكِلَابُ الْمُعَلَّمَةُ ؛ فَأَذِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَهُمْ فِي أَكْلِ مَا صِيدَ بِهَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ آنِفًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فَإِنْ قِيلَ : فَمَا يُبَيِّنُ ذَلِكَ تَحْقِيقًا ؟ قُلْنَا : يُبَيِّنُهُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ؛ أَمَّا ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فَقَوْلُهُ : { مُكَلِّبِينَ } ، كَلَّبَ الرَّجُلُ وَأَكْلَبَ إذَا اقْتَنَى كَلْبًا .
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَالْحَدِيثُ الصَّحِيحُ لِجَمِيعِ الْأَئِمَّةِ ؛ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ اقْتَنَى كَلْبًا لَيْسَ بِكَلْبِ مَاشِيَةٍ أَوْ صَيْدٍ نَقَصَ مِنْ أَجْرِهِ كُلَّ يَوْمٍ قِيرَاطَانِ } .
وَالضَّارِي : هُوَ الَّذِي ضَرَّى الصَّيْدَ فِي اللُّغَةِ .
وَرَوَى جَمِيعُهُمْ عَنْ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ قَالَ : { قُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنِّي أُرْسِلُ الْكِلَابَ الْمُعَلَّمَةَ فَيُمْسِكْنَ عَلَيَّ ، وَأَذْكُرُ اللَّهَ تَعَالَى .
فَقَالَ : إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْك ؛ فَإِنَّ ذَكَاتَهُ أَخْذُهُ وَإِنْ قَتَلَ ، مَا لَمْ يُشْرِكْهُ كَلْبٌ آخَرُ .
قَالَ : وَإِنْ أَدْرَكْته حَيًّا فَاذْبَحْهُ ، وَإِنْ وَجَدْت مَعَ كَلْبِك كَلْبًا غَيْرَهُ وَقَدْ قَتَلَ فَلَا تَأْكُلْ مِنْهُ ؛ فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَيُّهُمَا قَتَلَهُ } .
وَعِنْدَ جَمِيعِهِمْ : { فَإِنْ أَكَلَ فَلَا تَأْكُلْ فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ } .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ

أَنَّهُ قَالَ : { وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ ؟ قَالَ : وَإِنْ أَكَلَ مِنْهُ } .
وَرَوَى جَمِيعُهُمْ عَنْهُ نَحْوَ الْأَوَّلِ عَنْ عَدِيٍّ .
وَفِيهِ : { فَإِنْ صِدْت بِكَلْبٍ غَيْرِ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْت ذَكَاتَهُ فَكُلْ } .
فَقَدْ فَسَّرَتْ هَذِهِ الْأَحَادِيثُ التَّكْلِيبَ وَالتَّعْلِيمَ ، وَهِيَ :

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فَإِنَّهُ قَالَ فِيهِ : { إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ ، وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ فَكُلْ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْك } .
وَالْمُعَلَّمُ : هُوَ الَّذِي إذَا أَشْلَيْتَهُ انْشَلَى ، وَإِذَا زَجَرْته انْزَجَرَ ، فَهَذَا رُكْنُ التَّعْلِيمِ ، وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي الْمَسَائِلِ .
فَلَوْ اسْتَرْسَلَ عَلَى الصَّيْدِ بِنَفْسِهِ ، ثُمَّ أَغْرَاهُ صَاحِبُهُ فَفِيهَا رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : يُؤْكَلُ بِهِ ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَالثَّانِيَةُ : لَا يُؤْكَلُ ؛ وَالصَّحِيحُ جَوَازُ أَكْلِهَا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ أَثَّرَ فِيهِ الِانْشِلَاءُ وَانْزَجَرَ عِنْدَ الِانْزِجَارِ ، وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ ضَعِيفٌ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : النِّيَّةُ شَرْطٌ فِي الصَّيْدِ : لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ ، وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ } .
فَاعْتَبَرَ الِاسْتِرْسَالَ مِنْهُ وَالذِّكْرَ ؛ وَلِذَلِكَ قُلْنَا : إنَّهُ إذَا اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ ثُمَّ أَغْرَاهُ فَغَرِيَ فِي سَيْرِهِ : إنَّهَا نِيَّةٌ أَثَّرَتْ فِي الْكَلْبِ ، فَإِنَّهُ عَادَ إلَى رَأْيِ صَاحِبِهِ بَعْدَ أَنْ كَانَ خَرَجَ لِنَفْسِهِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : إنْ أَكَلَ الْكَلْبَ : فَفِيهَا رِوَايَتَانِ : أَحَدَاهُمَا : أَنَّهَا لَا تُؤْكَلُ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : مِثْلُهُ ، وَالثَّانِي : يُؤْكَلُ .
وَالرِّوَايَتَانِ مَبْنِيَّتَانِ عَلَى حَدِيثَيْ عَدِيٍّ وَأَبِي ثَعْلَبَةَ .
وَحَدِيثُ عَدِيٍّ أَصَحُّ ، وَهُوَ الَّذِي يَعْضُدُهُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ ، لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } .
وَفِي الْمَسْأَلَةِ مَعَانٍ كَثِيرَةٌ ؛ مِنْهَا أَنَّ قَوْلَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ عَدِيٍّ يُحْمَلُ عَلَى الْكَرَاهِيَةِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ فِيهِ : { فَإِنِّي أَخَافُ أَنْ يَكُونَ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ } .
فَجَعَلَهُ خَوْفًا ، وَذَلِكَ لَا يَسْتَقِلُّ بِالتَّحْرِيمِ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : الْأَصْلُ فِي الْحَيَوَانِ التَّحْرِيمُ ، لَا يَحِلُّ إلَّا بِالذَّكَاةِ وَالصَّيْدُ ، وَهُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ " فَبَقِيَ عَلَى أَصْلِ التَّحْرِيمِ .
وَقَالَ آخَرُونَ مِنْهُمْ الْقَوْلَ الثَّانِيَ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَوْ كَانَ مُعْتَبَرًا لَمَا جَازَ الْبِدَارُ إلَى هَجْمِ الصَّيْدِ مِنْ فَمِ الْكَلْبِ ، فَإِنَّا نَخَافُ أَنْ يَكُونَ أَمْسَكَ عَلَى نَفْسِهِ لِيَأْكُلَ ، فَيَجِبُ إذًا التَّوَقُّفُ حَتَّى نَعْلَمَ حَالَ فِعْلِ الْكَلْبِ بِهِ ، وَذَلِكَ لَا يَقُولُ بِهِ أَحَدٌ .
وَأَيْضًا فَإِنَّ الْكَلْبَ قَدْ يَأْكُلُ لِفَرْطِ جُوعٍ أَوْ نِسْيَانٍ ، وَقَدْ يَذْهَلُ الْعَالِمُ النِّحْرِيرُ عَنْ الْمَسْأَلَةِ ، فَكَيْفَ بِالْبَهِيمَةِ الْعَجْمَاءِ أَنْ تَسْتَقْصِيَ عَلَيْهَا هَذَا الِاسْتِقْصَاءَ وَقَدْ أَخَذْنَا أَطْرَافَ الْكَلَامِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فَلْيُنْظَرْ هُنَاكَ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } : عَامٌّ فِي الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ وَالْأَبْيَضِ .
وَقَالَ مَنْ لَا يَعْرِفُ : إنَّ صَيْدَ الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ لَا يُؤْكَلُ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِنَّ الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ شَيْطَانٌ } .
وَهَذَا إنَّمَا قَالَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَطْعِ الصَّلَاةِ ، فَلَوْ كَانَ الصَّيْدُ مِثْلَهُ لَقَالَهُ ، وَنَحْنُ عَلَى الْعُمُومِ حَتَّى يَأْتِيَ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَفْظٌ يَقْتَضِي صَرْفَنَا عَنْهُ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : إنْ أَدْرَكْت ذَكَاةَ الصَّيْدِ فَذَكِّهِ دُونَ تَفْرِيطٍ ، فَإِنْ فَرَّطْت لَمْ يُؤْكَلْ : لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَرَطَ ذَلِكَ عَلَيْك ، وَفِي قَوْلِهِ : { إنْ وَجَدْت مَعَهُ كَلْبًا آخَرَ فَلَا تَأْكُلْهُ ، فَإِنَّك لَا تَدْرِي مَنْ قَتَلَهُ } ، نَصٌّ عَلَى اعْتِبَارِ النِّيَّةِ فِي الذَّكَاةِ إلَّا أَنْ يَظْهَرَ صَاحِبُهُ إلَيْك وَتَجْتَمِعَا فَيَقُولَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمَا : قَدْ سَمَّيْت ؛ فَيَكُونَانِ شَرِيكَيْنِ فِيهِ .

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : فِي قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَإِنْ أَرْسَلْت كَلْبًا غَيْرَ مُعَلَّمٍ فَأَدْرَكْت ذَكَاتَهُ فَكُلْ } ، دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْحَدِيثَ بِنَهْيِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَبْحِ الْحَيَوَانِ لِغَيْرِ مَأْكَلَةٍ ، إنَّمَا هُوَ عَلَى مَعْنَى الْعَبَثِ لَا عَلَى مَعْنَى طَلَبِ الْأَكْلِ ؛ فَإِنَّهُ لَا نَدْرِي أَنَّا إذَا أَرْسَلْنَا غَيْرَ الْمُعَلَّمِ هَلْ يُدْرِكُ ذَكَاتَهُ أَمْ يَعْقِرُهُ .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : أَمَّا الْفَهْدُ وَنَحْوُهُ إذَا عُلِّمَ فَيَجُوزُ الِاصْطِيَادُ بِهِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَوْ صَادَ عَلَيَّ ابْنُ عُرْسٍ لَأَكَلْته ، وَذَلِكَ لِأَنَّهُ كَلْبٌ [ كُلُّهُ ] فِي مُطْلَقِ اللُّغَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ " .

فَأَمَّا جَوَارِحُ الطَّيْرِ ، وَهِيَ [ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ] .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : جَوَارِحُ الطَّيْرِ : فَقَدْ رَوَى أَشْهَبُ ، وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكٍ : " أَنَّ الْبَازِيَ وَالصَّقْرَ وَالْعُقَابَ وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ مِنْ الطَّيْرِ إذَا كَانَ مُعَلَّمًا يَفْقَهُ مَا يَفْقَهُ الْكَلْبُ فَإِنَّهُ يَجُوزُ صَيْدُهُ ، وَبِهِ قَالَ عَامَّةُ الْعُلَمَاءِ .
وَفِيهِ خِلَافٌ عَنْ عَلِيٍّ لَا نُبَالِي بِهِ " .
وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا ؛ هَلْ يُؤْخَذُ صَيْدُهَا مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ أَوْ مِنْ الْحَدِيثِ ؟ فَقَالَتْ طَائِفَةٌ : يُؤْخَذُ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ مِنْ قَوْلِهِ : { مُكَلِّبِينَ } .
وَالتَّكْلِيبُ هُوَ التَّضْرِيَةُ بِالشَّيْءِ وَالتَّسْلِيطُ عَلَيْهِ لُغَةً ، وَهَذَا يَعُمُّ كُلَّ مُعَلَّمٍ مُكَلَّبٍ ضَارٍ .
وَقَالَ : أُخِذَ مِنْ الْحَدِيثِ ، وَرَوَى عَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ سَأَلَ عَنْ صَيْدِ الْبَازِي ، فَقَالَ : مَا أَمْسَكَ عَلَيْك فَكُلْ } .
رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ ، فَعَلَّقَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْأَكْلَ فِي صَيْدِ الْبَازِي عَلَى مَا عَلَّقَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْأَكْلَ فِي صَيْدِ الْكَلْبِ ، وَهُوَ الْأَكْلُ مِمَّا أَمْسَكَ عَلَيْك حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُكَلِّبِينَ } اتَّفَقَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْآيَةَ لَمْ تَأْتِ لِبَيَانِ التَّحْلِيلِ فِي الْمُعَلَّمِ مِنْ الْجَوَارِحِ الْأَكْلَ ، وَإِنَّمَا مَسَاقُهَا تَحْلِيلُ صَيْدِهِ ، وَقَالُوا فِي تَأْوِيلِهِ : أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَصَيْدُ مَا عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ .
فَحَذَفَ " صَيْدَ " وَهُوَ الْمُضَافُ ، وَأَقَامَ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ الْمُضَافُ إلَيْهِ مَقَامَهُ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ ، وَاَلَّذِي عَلَّمْتُمْ مِنْ الْجَوَارِحِ مُبْتَدَأٌ ، وَالْخَبَرُ فِي قَوْلِهِ : { فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } .
وَقَدْ تَدْخُلُ الْفَاءُ فِي خَبَرِ الْمُبْتَدَأِ كَمَا قَالَ الشَّاعِرُ : وَقَائِلَةٍ خَوْلَانَ فَانْكِحْ فَتَاتَهُمْ وَأُكْرُومَةُ الْحَيَّيْنِ خِلْوٌ كَمَا هِيَا وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي رِسَالَةِ مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ " .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } عَامٌّ بِمُطْلَقِهِ فِي كُلِّ مَا أَمْسَكَ الْكَلْبُ عَلَيْهِ ، إلَّا أَنَّهُ خَاصٌّ بِالدَّلِيلِ فِي كُلِّ مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ مِنْ جِنْسٍ كَالظِّبَاءِ وَالْبَقَرِ وَالْحُمُرِ ، أَوْ مِنْ جُزْءٍ كَاللَّحْمِ وَالْجِلْدِ دُونَ الدَّمِ .
وَهَذَا عُمُومٌ دَخَلَهُ التَّخْصِيصُ بِدَلِيلٍ سَابِقٍ لَهُ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَكُلُوا مِمَّا أَمْسَكْنَ عَلَيْكُمْ } هَلْ يَتَضَمَّنُ مَا إذَا غَابَ عَنْك الصَّيْدُ أَمْ لَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : " إذَا غَابَ عَنْك فَلَيْسَ بِمُمْسِكٍ عَلَيْك " وَإِذَا بَاتَ فَلَا تَأْكُلْهُ فِي أَشْهَرِ الْقَوْلَيْنِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُؤْكَلُ وَتَعَلَّقَ عُلَمَاؤُنَا بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كُلْ مَا أَصْمَيْت وَدَعْ مَا أَنْمَيْت } .
فَالْإِصْمَاءُ فِي اللُّغَةِ : الْإِسْرَاعُ ، أَيْ كُلْ مَا قَتَلَ مُسْرِعًا ، وَأَنْتَ تَرَاهُ ، وَدَعْ مَا أَنْمَيْت : أَيْ مَا مَضَى مِنْ الصَّيْدِ وَسَهْمُك فِيهِ ؛ قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ : فَهُوَ لَا تَنْمِي رَمِيَّتُهُ مَا لَهُ لَا عُدَّ مِنْ نَفَرِهِ وَالصَّحِيحُ أَكْلُهُ وَإِنْ غَابَ مَا لَا تَجِدُهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ أَوْ عَلَيْهِ أَثَرٌ غَيْرُ أَثَرِ سَهْمِك .
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ حَدِيثُ عَدِيِّ بْنِ حَاتِمٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَالَ لَهُ : كُلْهُ مَا لَمْ تَجِدْهُ غَرِيقًا فِي الْمَاءِ ، فَإِنَّك لَا تَدْرِي أَسَهْمُك قَتَلَهُ أَمْ لَا } ، كَمَا أَخْرَجَهُ مُسْلِمٌ وَالْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُمَا .
وَفِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ : { إذَا رَمَيْت بِسَهْمِك فَغَابَ عَنْك فَأَدْرَكْته فَكُلْهُ بَعْدَ ثَلَاثٍ مَا لَمْ يُنْتِنْ } .
رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ وَغَيْرُهُمَا : زَادَ النَّسَائِيّ { وَلَمْ يَأْكُلْ مِنْهُ سَبْعٌ فَكُلْهُ } .

الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ إذَا آتَيْتُمُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ وَلَا مُتَّخِذِي أَخْدَانٍ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنْ الْخَاسِرِينَ } .
فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { الْيَوْمَ أُحِلَّ لَكُمْ } قَدْ تَكَرَّرَ ذَلِكَ الْيَوْمُ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، وَفِي تَأْوِيلِ ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يَوْمُ الِاثْنَيْنِ بِالْمَدِينَةِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ بِمَعْنَى الْآنَ ؛ لِأَنَّ الْعَرَبَ تَقُولُ الْيَوْمَ كَذَا بِمَعْنَى الْآنَ ، كَأَنَّهُ وَقْتُ الزَّمَانِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَنْخِيلِ هَذِهِ الْأَقْوَالِ : وَبَيَانُهُ أَنَّ كَوْنَهُ يَوْمَ الِاثْنَيْنِ ضَعِيفٌ .
وَأَمَّا كَوْنُهُ بِمَعْنَى الزَّمَانِ فَصَحِيحٌ مُحْتَمَلٌ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يُنَاقِضُ غَيْرَهُ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ قَوْلَهُ : { الْيَوْمَ أَكْمَلْت لَكُمْ دِينَكُمْ } هُوَ يَوْمُ عَرَفَةَ ، لِمَا ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ أَنَّ يَهُودِيًّا قَالَ لِعُمَرَ : لَوْ نَزَلَتْ عَلَيْنَا هَذِهِ الْآيَةُ لَاِتَّخَذْنَا ذَلِكَ عِيدًا .
فَقَالَ عُمَرُ : " قَدْ عَلِمْت فِي أَيِّ يَوْمٍ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، نَزَلَتْ بِعَرَفَةَ يَوْمَ جُمُعَةٍ " .
وَثَبَتَ فِي صَحِيحِ التِّرْمِذِيِّ أَنَّ يَهُودِيًّا قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ذَلِكَ ، فَرَاجَعَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ بِمِثْلِ مَا رَاجَعَهُ عُمَرُ .
فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْيَوْمَانِ قَبْلَهُ وَبَعْدَهُ رَاجِعَةً إلَيْهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ أَيَّامًا سِوَاهَا ؛ وَالظَّاهِرُ أَنَّهَا هِيَ بِعَيْنِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي مَعْنَى كَمَالِ الدِّينِ وَتَمَامِ النِّعْمَةِ فِيهِ : وَفِي ذَلِكَ كَلَامٌ طَوِيلٌ لُبَابُهُ فِي سَبْعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ مَعْرِفَةُ اللَّهِ ، أَرَادَ : " الْيَوْمَ عَرَّفْتُكُمْ بِنَفْسِي

بِأَسْمَائِي وَصِفَاتِي وَأَفْعَالِي فَاعْرِفُونِي " .
الثَّانِي : الْيَوْمَ قَبِلْتُكُمْ وَكَتَبْت رِضَائِي عَنْكُمْ لِرِضَائِي لِدِينِكُمْ ؛ فَإِنَّ تَمَامَ الدِّينِ إنَّمَا يَكُونُ بِالْقَبُولِ .
الثَّالِثُ : الْيَوْمَ أَكْمَلْت لَكُمْ دُعَاءَكُمْ ؛ أَيْ اسْتَجَبْت لَكُمْ دُعَاءَكُمْ ، وَدُعَاءَ نَبِيِّكُمْ لَكُمْ .
ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَفْضَلُ الدُّعَاءِ دُعَاءُ يَوْمِ عَرَفَةَ } .
الرَّابِعُ : الْيَوْمَ أَظْهَرْتُكُمْ عَلَى الْعَدُوِّ بِجَمْعِ الْحَرَمَيْنِ لَهُ أَوْ بِتَعْرِيفِ ذَلِكَ فِيهِ .
الْخَامِسُ : الْيَوْمَ طَهَّرْت لَكُمْ الْحَرَمَ عَنْ دُخُولِ الْمُشْرِكِينَ فِيهِ مَعَكُمْ ، فَلَمْ يَحُجَّ بَعْدَ ذَلِكَ الْعَامِ مُشْرِكٌ ، وَلَا طَافَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانُ ، وَلَا كَانَ النَّاسُ صِنْفَيْنِ فِي مَوْقِفِهِمْ ؛ بَلْ وَقَفُوا كُلُّهُمْ فِي مَوْقِفٍ وَاحِدٍ .
السَّادِسُ : الْيَوْمَ أَكْمَلْت لَكُمْ الْفَرَائِضَ وَانْقَطَعَ النَّسْخُ .
السَّابِعُ : أَنَّهُ بِكَمَالِ الدِّينِ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ شَيْءٌ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمْ يَزَلْ يُصَرِّفُ نَبِيَّهُ وَأَصْحَابَهُ فِي دَرَجَاتِ الْإِسْلَامِ وَمَرَاتِبِهِ دَرَجَةً دَرَجَةً حَتَّى أَكْمَلَ شَرَائِعَهُ وَمَعَالِمَهُ وَبَلَغَ أَقْصَى دَرَجَاتِهِ ، فَلَمَّا أَكْمَلَهُ تَمَّتْ بِهِ النِّعْمَةُ وَرَضِيَهُ دِينًا ، كَمَا هُوَ عَلَيْهِ الْآنَ ؛ يُرِيدُ : فَالْزَمُوهُ وَلَا تُفَارِقُوهُ وَلَا تُغَيِّرُوهُ ، كَمَا فَعَلَ سِوَاكُمْ بِدِينِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي الْمُخْتَارِ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ : كُلُّهَا صَحِيحَةٌ ، وَقَدْ فَعَلَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ فَلَا يُخْتَصُّ بَعْضُهَا دُونَ بَعْضٍ ؛ بَلْ يُقَالُ إنَّ جَمِيعَهَا مُرَادُ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَمَا تَعَلَّقَ بِهَا مِمَّا كَانَ فِي مَعْنَاهَا ، إلَّا أَنَّ قَوْلَهُ : إنَّهُ لَمْ يَنْزِلْ بَعْدَهُ آيَةٌ وَلَا ذُكِرَ بَعْدَهُ حُكْمٌ لَا يَصِحُّ ؛ وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ الْبَرَاءِ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ الْبَرَاءَ قَالَ : " آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ { يَسْتَفْتُونَك } وَآخِرُ سُورَةٍ نَزَلَتْ " بَرَاءَةٌ " .
وَفِي الصَّحِيحِ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : "

آخِرُ آيَةٍ نَزَلَتْ آيَةُ الرِّبَا " .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّهَا نَزَلَتْ قَبْلَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِيَسِيرٍ .
وَاَلَّذِي ثَبَتَ فِي تَارِيخِهِ حَدِيثُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ فِي قَوْلِهِ : { الْيَوْمَ أَكْمَلْت لَكُمْ دِينَكُمْ } أَنَّهُ يَوْمُ عَرَفَةَ ، فَهَذَا تَارِيخٌ صَحِيحٌ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ ، وَيَأْتِي تَمَامُهُ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ } فِي ذِكْرِ الطَّعَامِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ كُلَّ مَطْعُومٍ عَلَى مَا يَقْتَضِيهِ مُطْلَقُ اللَّفْظِ وَظَاهِرُ الِاشْتِقَاقِ .
وَكَانَ حَالُهُمْ يَقْتَضِي أَلَّا يُؤْكَلَ طَعَامُهُمْ لِقِلَّةِ احْتِرَاسِهِمْ عَنْ النَّجَاسَاتِ ، لَكِنَّ الشَّرْعَ سَمَحَ فِي ذَلِكَ ؟ لِأَنَّهُمْ أَيْضًا يَتَوَقَّوْنَ الْقَاذُورَاتِ ، وَلَهُمْ فِي دِينِهِمْ مُرُوءَةٌ يُوصِلُونَهَا ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ الْمَجُوسَ الَّذِينَ لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ لَا يُؤْكَلُ طَعَامُهُمْ وَيُسْتَقْذَرُونَ وَيُسْتَنْجَسُونَ فِي أَوَانِيهِمْ ، رُوِيَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ أَنَّهُ قَالَ : { سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قُدُورِ الْمَجُوسِ .
فَقَالَ : أَنْقُوهَا غَسْلًا وَاطْبُخُوا فِيهَا } .
وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ ، وَذَكَرَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ وَصَحَّحَهُ أَنَّهُ قَالَ { : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّا بِأَرْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَنَطْبُخُ فِي قُدُورِهِمْ وَنَشْرَبُ فِي آنِيَتِهِمْ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنْ لَمْ تَجِدُوا غَيْرَهَا فَارْحَضُوهَا بِالْمَاءِ } .
قَالَ : وَهُوَ صَحِيحٌ ، خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ .
وَغَسْلُ آنِيَةِ الْمَجُوسِ فَرْضٌ ، وَغَسْلُ آنِيَةِ أَهْلِ الْكِتَابِ فَضْلٌ وَنَدْبٌ ؛ فَإِنَّ أَكْلَ مَا فِي آنِيَتِهِمْ يُبِيحُ الْأَكْلَ بَعْدَ ذَلِكَ فِيهَا .
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ " أَنَّ عُمَرَ تَوَضَّأَ مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ " ، وَصَحَّحَهُ وَأَدْخَلَهُ الْبُخَارِيُّ فِي التَّرَاجِمِ .
وَرُبَّمَا ظَنَّ بَعْضُهُمْ أَنَّ أَكْلَ طَعَامِهِمْ رُخْصَةٌ ، فَإِذَا احْتَجْت إلَى آنِيَتِهِمْ فَغَسْلُهَا عَزِيمَةٌ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَوْضِعٍ لِلرُّخْصَةِ .
قُلْنَا : رُخْصَةُ أَكْلِ طَعَامِهِمْ حِلٌّ تَأَصَّلَ فِي الشَّرِيعَةِ وَاسْتَقَرَّ ، فَلَا يَقِفُ عَلَى مَوْضِعِهِ ؛ بَلْ يَسْتَرْسِلُ عَلَى مَحَالِّهِ كُلِّهَا ، كَسَائِرِ الْأُصُولِ فِي الشَّرِيعَةِ .

الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ ذَبَائِحُهُمْ ، وَقَدْ أَذِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي طَعَامِهِمْ : قَالَ لِي شَيْخُنَا الْإِمَامُ الزَّاهِدُ أَبُو الْفَتْحِ نَصْرُ بْنُ إبْرَاهِيمَ النَّابُلُسِيُّ فِي ذَلِكَ كَلَامًا كَثِيرًا ، لُبَابُهُ : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ أَذِنَ فِي طَعَامِهِمْ ، وَقَدْ عَلِمَ أَنَّهُمْ يُسَمُّونَ غَيْرَهُ عَلَى ذَبَائِحِهِمْ ، وَلَكِنَّهُمْ لَمَّا تَمَسَّكُوا بِكِتَابِ اللَّهِ وَعَلَقُوا بِذَيْلِ نَبِيٍّ جُعِلَتْ لَهُمْ حُرْمَةً عَلَى أَهْلِ الْأَنْصَابِ .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ : " تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ الْمُطْلَقَةُ إلَّا مَا ذَبَحُوا يَوْمَ عِيدِهِمْ أَوْ لِأَنْصَابِهِمْ " .
وَقَالَ جَمَاعَةُ الْعُلَمَاءِ : تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ وَإِنْ ذَكَرُوا عَلَيْهَا اسْمَ غَيْرِ الْمَسِيحِ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ حَسَنَةٌ نَذْكُرُ لَكُمْ مِنْهَا قَوْلًا بَدِيعًا : وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ حَرَّمَ مَا لَمْ يُسَمَّ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ الذَّبَائِحِ ، وَأَذِنَ فِي طَعَامِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ يَقُولُونَ : [ إنَّ ] اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ ، وَإِنَّهُ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ .
تَعَالَى اللَّهُ عَنْ قَوْلِهِمْ عُلُوًّا كَبِيرًا .
فَإِنْ لَمْ يَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ أُكِلَ طَعَامُهُمْ ، وَإِنْ ذَكَرُوا فَقَدْ عَلِمَ رَبُّك مَا ذَكَرُوا ، وَأَنَّهُ غَيْرُ الْإِلَهِ ، وَقَدْ سَمَحَ فِيهِ فَلَا يَنْبَغِي أَنْ يُخَالَفَ أَمْرُ اللَّهِ ، وَلَا يُقْبَلُ عَلَيْهِ ، وَلَا تُضْرَبُ الْأَمْثَالُ لَهُ .
وَقَدْ قُلْت لِشَيْخِنَا أَبِي الْفَتْحِ الْمَقْدِسِيِّ : إنَّهُمْ يَذْكُرُونَ غَيْرَ اللَّهِ .
فَقَالَ لِي : هُمْ مِنْ آبَائِهِمْ ، وَقَدْ جَعَلَهُمْ اللَّهُ تَبَعًا لِمَنْ كَانَ قَبْلَهُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِحَالِهِمْ .
وَبِهَذَا اسْتَدَلَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَى أَنَّ التَّسْمِيَةَ عَلَى الذَّبِيحَةِ لَيْسَتْ بِشَرْطٍ ؛ قَالَ : لَوْ سَمَّى النَّصْرَانِيُّ الْإِلَهَ حَقِيقَةً لَمْ تَكُنْ تَسْمِيَتُهُمْ عَلَى شَرْطِ الْعِبَادَةِ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يَعْرِفُونَ الْمَعْبُودَ ، فَلَيْسَتْ تَسْمِيَتُهُمْ عَلَى طَرِيقِ الْعِبَادَةِ ، وَاشْتِرَاطُهُمْ التَّسْمِيَةَ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الْعِبَادَةِ لَا يُعْقَلُ .
قُلْنَا :

تُعْقَلُ صُورَةُ التَّسْمِيَةِ ، وَلَهَا حُرْمَةٌ ، وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ الْمُسَمِّي مَنْ يُسَمِّي .
وَلَوْ شَرَطْنَا الْعِلْمَ بِحَقِيقَةِ الْإِيمَانِ مَا جَازَ أَكْلُ كَثِيرٍ مِنْ ذَبْحِ مَنْ يُسَمِّي مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَإِنَّمَا حَرَّمَ الشَّرْعُ ذَبْحًا يُذْكَرُ عَلَيْهِ غَيْرُ اللَّهِ تَصْرِيحًا .
فَأَمَّا مَنْ يَقْصِدُ اللَّهَ فَيُصِيبُ قَصْدَهُ فَهُوَ الَّذِي لَا كَلَامَ فِيهِ .
وَأَمَّا الَّذِي يُسَمِّيهِ فَيُخْطِئُ قَصْدَهُ فَذَلِكَ الَّذِي رُخِّصَ فِيهِ ؛ فَإِذَا قَالَ " اللَّهُ " وَهُوَ يَقْصِدُ الْمَسِيحَ ، أَوْ الْمَسِيحُ وَهُوَ يَقْصِدُ اللَّهَ فَيَرْجِعُ أَمْرُهُ إلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، وَلَكِنَّهُ ضَلَّ عَنْ الطَّرِيقِ وَسَمَحَ لَك فِيهِ الْإِلَهُ الَّذِي ضَلَّ أَهْلُ الْكِتَابِ عَنْهُ ، وَخَفَفَ حَالُهُمْ بِهَذِهِ الشُّعْبَةِ الْخَفِيَّةِ مِنْ الْقَصْدِ إلَيْهِ ، فَلَا يُعْتَرَضُ عَلَيْهِ .
[ فَإِنْ قِيلَ : فَمَا أَكَلُوهُ عَلَى غَيْرِ وَجْهِ الذَّكَاةِ كَالْخَنْقِ وَحَطْمِ الرَّأْسِ ؟ فَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذِهِ مَيْتَةٌ ، وَهِيَ حَرَامٌ بِالنَّصِّ ، وَإِنْ أَكَلُوهَا فَلَا نَأْكُلُهَا نَحْنُ كَالْخِنْزِيرِ فَإِنَّهُ حَلَالٌ لَهُمْ ، وَمِنْ طَعَامِهِمْ ، وَهُوَ حَرَامٌ عَلَيْنَا ، فَهَذِهِ أَمْثِلَةٌ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ] .
وَأَمَّا ذَبَائِحُ الْكِتَابِيِّينَ فَقَدْ سُئِلَ أَبُو الدَّرْدَاءِ عَمَّا يُذْبَحُ لِكَنِيسَةٍ اسْمُهَا سَرْجِسُ ، فَأَمَرَ بِأَكْلِهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَعَطَاءٌ : تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ ، وَإِنْ ذُكِرَ غَيْرُ اللَّهِ عَلَيْهَا ، وَهَذَا نَاسِخٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْقِسَمِ الثَّانِي أَنَّهُ لَيْسَ بِنَسْخٍ ، وَسَنُشِيرُ إلَيْهِ فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ } تَضَمَّنَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ بَنُو إسْرَائِيلَ ، فَهَلْ يَدْخُلُ عَلَيْهِمْ مَنْ دَانَ بِدِينِهِمْ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ مِنْهُمْ ؟ يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ وَهُوَ أَنَّ مَنْ لَمْ يَدْعُهُ النَّبِيُّ فَاتَّبَعَهُ ، هَلْ يَكُونُ لَهُ حُكْمٌ مِنْ دُعَائِهِ أَمْ لَا ؟ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي مَوْضِعِهِ أَنَّهُ إنْ لَمْ يَكُنْ عَلَى شَرْعٍ دَخَلَ فِي حُكْمِهِمْ ، أَوْ كَانَ عَلَى شَرْعٍ دُرِسَ عَنْهُ .
إذَا ثَبَتَ هَذَا فَنَصَارَى بَنِي تَغْلِبَ مِنْ الْعَرَبِ مِمَّا اخْتَلَفَ فِيهِ الْعُلَمَاءُ ؛ فَرُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ ، وَأَلْحَقَهُمْ بِالْكِتَابِيِّينَ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } ، وَبِهِ قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالشَّافِعِيُّ .
وَقَرَأَ الشَّعْبِيُّ : { وَمَا كَانَ رَبُّك نَسِيًّا } .
وَقَالَهُ ابْنُ شِهَابٍ ، وَقَالَ : لِأَنَّهُمْ يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ إشَارَةً إلَى مَا قُلْنَاهُ مِنْ تَعَلُّقِهِمْ بِاللَّفْظِ ؛ وَبِهَذَا قَالَ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ .
وَعَنْ عُلَمَائِنَا رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا مَا تَقَدَّمَ .
وَالثَّانِيَةُ : لَا تُؤْكَلُ ذَبَائِحُهُمْ .
وَبِهِ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَعَائِشَةُ وَعَلِيٌّ .
وَقَالَ : لِأَنَّهُمْ لَا يُحَلِّلُونَ مَا تُحَلِّلُ النَّصَارَى وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا يُحَرِّمُونَ .
وَهَذَا دَلِيلُ أَنَّهُ لَمْ يُلْحِقْهُمْ بِهِمْ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَتَوَلَّوْهُمْ ، وَلَا دَانُوا بِدِينِهِمْ ، وَلَوْ تَعَلَّقُوا بِهِ لَوَافَقَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي حَالِهِمْ وَحُكْمِهِمْ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ الْأَدِلَّةِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَمَا عَلَّمْتُمْ } ، إلَى قَوْلِهِ : { أُحِلَّ لَكُمْ الطَّيِّبَاتُ وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ } دَلِيلٌ قَاطِعٌ عَلَى أَنَّ الصَّيْدَ وَطَعَامَ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ الطَّيِّبَاتِ الَّتِي أَبَاحَهَا اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، وَهُوَ الْحَلَالُ الْمُطْلَقُ ، وَإِنَّمَا كَرَّرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لِيَرْفَعَ الشُّكُوكَ وَيُزِيلَ الِاعْتِرَاضَاتِ [ وَلَكِنَّ الْخَوَاطِرَ الْفَاسِدَةَ هِيَ الَّتِي تُوجِبُ الِاعْتِرَاضَاتِ ] ، وَيَخْرُجَ إلَى تَطْوِيلِ الْقَوْلِ .
وَلَقَدْ سُئِلْت عَنْ النَّصْرَانِيِّ يَفْتِلُ عُنُقَ الدَّجَاجَةِ ثُمَّ يَطْبُخُهَا : هَلْ يُؤْكَلُ مَعَهُ أَوْ تُؤْخَذُ طَعَامًا مِنْهُ ؟ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فَقُلْت : تُؤْكَلُ ؛ لِأَنَّهَا طَعَامُهُ وَطَعَامُ أَحْبَارِهِ وَرُهْبَانِهِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هَذِهِ ذَكَاةً عِنْدَنَا ، وَلَكِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَبَاحَ طَعَامَهُمْ مُطْلَقًا ، وَكُلُّ مَا يَرَوْنَ فِي دِينِهِمْ فَإِنَّهُ حَلَالٌ لَنَا فِي دِينِنَا ، إلَّا مَا كَذَّبَهُمْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهِ .
وَلَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّهُمْ يُعْطُونَنَا أَوْلَادَهُمْ وَنِسَاءَهُمْ مِلْكًا فِي الصُّلْحِ فَيَحِلُّ لَنَا وَطْؤُهُنَّ ، فَكَيْفَ لَا تَحِلُّ ذَبَائِحُهُمْ وَالْأَكْلُ دُونَ الْوَطْءِ فِي الْحِلِّ وَالْحُرْمَةِ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَالْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ } قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَبَيَّنَّا اخْتِلَافَ الْعُلَمَاءِ وَاحْتِمَالَ اللَّفْظِ لَأَنْ يَكُونَ الْمُحْصَنَاتُ مِنْ الْمُؤْمِنَاتِ الْحَرَائِرِ وَالْعَفَائِفِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ فِي ذَلِكَ رِوَايَاتٌ كَثِيرَةٌ فِي قَصَصٍ مُخْتَلِفَةٍ ؛ مِنْهَا أَنَّ امْرَأَةً مِنْ هَمْدَانَ يُقَالُ لَهَا نُبَيْشَةُ بَغَتْ ، فَأَرَادَتْ أَنْ تَذْبَحَ نَفْسَهَا فَأَدْرَكُوهَا فَقَدُّوهَا ، فَذَكَرُوهُ أَيْضًا لِعُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ فَقَالَ : " انْكِحُوهَا نِكَاحَ الْحُرَّةِ الْعَفِيفَةِ الْمُسْلِمَةِ " .
وَقَالَ الشَّعْبِيُّ : " إحْصَانُهَا أَنْ تَغْتَسِلَ مِنْ الْجَنَابَةِ وَتُحْصِنَ فَرْجَهَا مِنْ الزِّنَا " .
وَسُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ هَذِهِ النَّازِلَةِ فَقَالَ : مِنْ نِسَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَحِلُّ لَنَا ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَحِلُّ لَنَا ، ثُمَّ تَلَا : { قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاَللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ } إلَى قَوْلِهِ : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ } .
قَالَ : فَمَنْ أَعْطَى الْجِزْيَةَ حَلَّ لَنَا نِسَاؤُهُمْ ، وَمَنْ لَمْ يُعْطِ لَمْ يَحِلَّ لَنَا نِسَاؤُهُ .
وَمِنْ هَاهُنَا يَخْرُجُ أَنَّ نِكَاحَ إمَاءِ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَجُوزُ لِأَنَّهُنَّ لَا جِزْيَةَ عَلَيْهِنَّ .
فَإِنْ قِيلَ : وَكَذَلِكَ الْحَرَائِرُ .
قُلْنَا : حَلُّوا بِدَلِيلٍ آخَرَ .
وَقِيلَ : عَنَى بِذَلِكَ نِسَاءَ بَنْيِ إسْرَائِيلَ دُونَ سَائِرِ الْأُمَمِ الَّذِينَ دَانُوا بِدِينِ بَنِي إسْرَائِيلَ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُمْ دَاخِلُونَ مَعَهُمْ فِي ذَبَائِحِهِمْ وَنِكَاحِهِمْ لِقَوْلِهِ : فَإِنَّهُ مِنْهُمْ .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ } هَلْ الْمُرَادُ بِذَلِكَ نَفْسُ الْإِعْطَاءِ وَالِالْتِزَامِ ، أَوْ يَكُونُ الْمُرَادُ مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُمْ الْجِزْيَةُ ؟ قُلْنَا : أَمَّا مَذْهَبُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَلَقَدْ تَلَوْته عَلَيْكُمْ .
وَأَمَّا سَائِرُ الْعُلَمَاءِ فَيَقُولُونَ : إنَّمَا الْمُرَادُ مَنْ تُقْبَلُ مِنْهُ الْجِزْيَةُ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْمُحْصَنَاتُ

مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ } .
وَذِكْرُ الْجِزْيَةِ إنَّمَا هُوَ فِي الْقِتَالِ لَا فِي النِّكَاحِ ، إلَّا أَنَّ الْعُلَمَاءَ كَرِهُوا نِكَاحَ الْحَرْبِيَّةِ لِئَلَّا يُولَدَ لَهُ فِيهِمْ فَيَتَنَصَّرُوا وَتَجْرِي عَلَيْهِمْ أَحْكَامُهُمْ .

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مُحْصِنِينَ غَيْرَ مُسَافِحِينَ } قَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَأَرَادَ بِهِ فِي قَوْلِ عُلَمَائِنَا غَيْرَ مُتَعَالِنِينَ بِالزِّنَا كَالْبَغَايَا ، وَلَا مِمَّنْ يَتَّخِذُ أَخْدَانًا ، مَعْنَاهُ يَخْتَصُّ بِزَانٍ مَعْلُومٍ وَبِزَانِيَةٍ مَعْلُومَةٍ .
وَفِي هَذَا تَخْصِيصُ قَوْله تَعَالَى : { الزَّانِي لَا يَنْكِحُ إلَّا زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً } الْآيَةَ كَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .

الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ وَلَكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ وَلِيُتِمَّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } فِيهَا اثْنَتَانِ وَخَمْسُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : ذَكَرَ الْعُلَمَاءُ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ مِنْ أَعْظَمِ آيَاتِ الْقُرْآنِ مَسَائِلَ وَأَكْثَرِهَا أَحْكَامًا فِي الْعِبَادَاتِ ، وَبِحَقِّ ذَلِكَ ، فَإِنَّهَا شَطْرُ الْإِيمَانِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : الْوُضُوءُ شَطْرُ الْإِيمَانِ } ، فِي صَحِيحِ الْخَبَرِ عَنْهُ .
وَلَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ : إنَّ فِيهَا أَلْفَ مَسْأَلَةٍ ، وَاجْتَمَعَ أَصْحَابُنَا بِمَدِينَةِ السَّلَامِ فَتَتَبَّعُوهَا فَبَلَّغُوهَا ثَمَانَمِائَةِ مَسْأَلَةٍ ، وَلَمْ يَقْدِرُوا أَنْ يُبَلِّغُوهَا الْأَلْفَ ، وَهَذَا التَّتَبُّعُ إنَّمَا يَلِيقُ بِمَنْ يُرِيدُ تَعْرِيفَ طُرُقِ اسْتِخْرَاجِ الْعُلُومِ مِنْ خَبَايَا الزَّوَايَا ، وَاَلَّذِي يَلِيقُ الْآنَ فِي هَذِهِ الْعُجَالَةِ مِمَّا نَحْنُ فِيهِ الِانْتِدَابُ إلَى انْتِزَاعِ الْجَلِيِّ وَأَنْ نَتَعَرَّضَ لِمَا يَسْنَحُ خَاصَّةً مِنْ ظَاهِرِ مَسَائِلِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْآيَةَ مَدَنِيَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَأَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قِصَّةِ عَائِشَةَ ، كَمَا أَنَّهُ لَا خِلَافَ أَنَّ الْوُضُوءَ كَانَ مَفْعُولًا قَبْلَ نُزُولِهَا غَيْرُ مَتْلُوٍّ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ الْوُضُوءَ كَانَ بِمَكَّةَ سُنَّةً ، مَعْنَاهُ كَانَ مَفْعُولًا بِالسُّنَّةِ ، فَأَمَّا حُكْمُهُ فَلَمْ يَكُنْ قَطُّ إلَّا فَرْضًا .
وَقَدْ

رَوَى ابْنُ إِسْحَاقَ وَغَيْرُهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا فَرَضَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةَ لَيْلَةَ الْإِسْرَاءِ وَنَزَلَ جِبْرِيلُ ظُهْرَ ذَلِكَ الْيَوْمِ لِيُصَلِّيَ بِهِ فَغَمَزَ الْأَرْضَ بِعَقِبِهِ ، فَأَنْبَعَتْ مَاءً ، وَتَوَضَّأَ مُعَلِّمًا لَهُ ، وَتَوَضَّأَ هُوَ مَعَهُ ، وَصَلَّى ، فَصَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
وَهَذَا صَحِيحٌ وَإِنْ كَانَ لَمْ يَرْوِهِ أَهْلُ الصَّحِيحِ ، وَلَكِنَّهُمْ تَرَكُوهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَحْتَاجُوا إلَيْهِ ، وَقَدْ كَانَ الصَّحَابَةُ السَّيِّدُ وَالْعُلَمَاءُ يَتَغَافَلُونَ عَنْ الْحَدِيثِ الَّذِي لَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ ، وَإِنْ ذَهَبَ .
وَيَكْرَهُونَ أَنْ يَبْتَدِئُوا بِذِكْرِهِ حَتَّى يُحْتَاجَ إلَيْهِ بِخِلَافِ الْقُرْآنِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } : هَذَا الْخِطَابُ وَإِنْ كَانَ مُصَرِّحًا بِالْمُؤْمِنِينَ فَإِنَّ الْكَافِرِينَ دَاخِلُونَ فِيهِ ؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ أَنَّهُمْ يَدْخُلُونَ فِي فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ بِالْأَدِلَّةِ الْقَاطِعَةِ ، وَلَكِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ هَاهُنَا خَصَّ الْخِطَابَ الْمُلْزِمَ لِلْإِيمَانِ ؛ لِأَنَّ النَّازِلَةَ عَرَضَتْ لَهُ ، وَالْقِصَّةَ دَارَتْ عَلَيْهِ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ لَنَا شَيْخُنَا فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ } : مَعْنَاهُ : إذَا أَرَدْتُمْ الْقِيَامَ إلَى الصَّلَاةِ ؛ لِأَنَّ الْوُضُوءَ حَالَةَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ لَا يُمْكِنُ ، وَالْإِرَادَةُ هِيَ النِّيَّةُ ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ النِّيَّةَ فِي الطَّهَارَةِ وَاجِبَةٌ فِيهِ .
وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ ، وَأَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ .
وَرَوَى الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ أَنَّهَا غَيْرُ وَاجِبَةٍ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالْأَوْزَاعِيُّ ، وَهِيَ مِنْ طُيُولِيَّاتِ مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِيهِ .
وَالْأَصْلُ الْمُحَقَّقُ أَنَّهَا عِبَادَةٌ مَقْصُودَةٌ بِدَلِيلِ أَنَّهَا شَطْرُ الْإِيمَانِ ، وَالْعِبَادَاتُ لَا يُتَعَبَّدُ بِهَا إلَّا مَعَ النِّيَّةِ ، وَيُخَالِفُ الشَّعْبِيُّ إلَّا الْجُمُعَةَ .
فَإِنَّهُ لَيْسَ بِعِبَادَةٍ مَقْصُودَةٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ : مَعْنَاهُ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ مِنْ النَّوْمِ ، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ الْآيَةُ .
وَبَيَّنَ هَذَا أَنَّ النَّوْمَ حَدَثٌ ، وَبِهِ قَالَ جُمْلَةُ الْأُمَّةِ ، سَمِعْت عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَكُنْ يَرَاهُ حَدَثًا ، وَلَمْ يَثْبُتْ ذَلِكَ عِنْدِي عَنْهُ .
وَرُوِيَ لِي عَنْ بَعْضِ التَّابِعِينَ أَنَّهُ لَمْ يَرَهُ حَدَثًا .
وَالدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِ قَوْلِهِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي النَّائِمِينَ ، فَلَا بُدَّ أَنْ يَتَنَاوَلَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْآيَةَ وَالْخَبَرَ إذَا كَانَ الَّذِي أَثَارَهُمَا سَبَبًا فَلَا بُدَّ مِنْ دُخُولِ السَّبَبِ فِيهِمَا ، وَإِنْ كَانَ الْخِلَافُ وَرَاءَ ذَلِكَ هَلْ يَقْتَصِرُ عَلَيْهَا الْحُكْمُ بِهِمَا أَمْ يَكُونَانِ عَلَى عُمُومِهِمَا ؟ وَثَبَتَ عَنْ صَفْوَانَ بْنِ عَسَّالٍ قَالَ : { أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا كُنَّا فِي سَفَرٍ أَلَّا نَنْزِعَ خِفَافَنَا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَلَيَالِيِهِنَّ إلَّا مِنْ جَنَابَةٍ ، وَلَكِنْ مِنْ بَوْلٍ أَوْ غَائِطٍ وَنَوْمٍ } .
وَالْأَمْرُ أَظْهَرُ مِنْ ذَلِكَ ، وَلَكِنْ أَرَدْنَا أَنْ نُعَرِّفَكُمْ وُجُودَ ذَلِكَ فِي الْقُرْآنِ ، وَفِي صَحِيحِ حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : حَدِيثُ صَفْوَانَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : إذَا ثَبَتَ أَنَّ النَّوْمَ حَدَثٌ فَهُوَ حَدَثٌ لِمَا يَصْحَبُهُ غَالِبًا مِنْ خُرُوجِ الْخَارِج .
وَقَالَ الْمُزَنِيّ : هُوَ حَدَثٌ بِعَيْنِهِ ، وَهَذَا بَاطِلٌ فَإِنَّهُ ثَبَتَ أَنَّ أَصْحَابَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانُوا يَنَامُونَ وَلَا يَتَوَضَّئُونَ .
وَمِنْهُ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَخَّرَ صَلَاةَ الْعِشَاءِ ذَاتَ لَيْلَةٍ حَتَّى رَقَدَ النَّاسُ وَاسْتَيْقَظُوا .
وَفِيهِ أَنَّهُ قَالَ : أُقِيمَتْ صَلَاةُ الْعِشَاءِ .
فَقَامَ رَجُلٌ يُنَاجِي النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى نَامَ الْقَوْمُ ثُمَّ صَلَّوْا } .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : وَإِذَا ثَبَتَ الْفَرْقُ بَيْنَ قَلِيلِهِ وَكَثِيرِهِ فَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا تَفْصِيلَهُ فِي النَّوَازِلِ الْفِقْهِيَّةِ ، وَبَيَّنَّا أَنَّ مَنْ اسْتَثْقَلَ نَوْمًا عَلَى أَيِّ حَالٍ كَانَ مِنْ الْأَحْوَالِ فَإِنَّ عَلَيْهِ الْوُضُوءَ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ نَامَ عَلَى هَيْئَةٍ مِنْ هَيْئَاتِ الصَّلَاةِ لَمْ يَبْطُلْ وُضُوءُهُ ، وَوَافَقَهُ ابْنُ حَبِيبٍ فِي الرُّكُوعِ ، وَاحْتَجَّ بِحَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : { نَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ سَاجِدٌ حَتَّى نَفَخَ ، ثُمَّ قَامَ فَصَلَّى ؛ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّك قَدْ نِمْت .
فَقَالَ : إنَّ الْوُضُوءَ إنَّمَا يَجِبُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا ، فَإِنَّهُ إذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ } .
خَرَّجَهُ التِّرْمِذِيُّ ، وَأَبُو دَاوُد أَنْكَرَهُ ، فَقَالَ : كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَحْفُوظًا ، وَاحْتَجَّ بِقَوْلِهِ : { تَنَامُ عَيْنَايَ وَلَا يَنَامُ قَلْبِي } .
وَالْحَدِيثُ الثَّانِي قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : لَيْسَ الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ قَائِمًا أَوْ رَاكِعًا أَوْ سَاجِدًا ؛ إنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَنْ نَامَ مُضْطَجِعًا ، فَإِنَّهُ إذَا اضْطَجَعَ اسْتَرْخَتْ مَفَاصِلُهُ } .
وَهُوَ بَاطِلٌ قَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَأَوْضَحْنَا خَلَلَهُ .
وَأَمَّا ابْنُ حَبِيبٍ فِي الرُّكُوعِ فَإِنَّمَا بَنَى عَلَى أَنَّ الرَّاكِعَ لَا يَصِحُّ أَنْ يَسْتَثْقِلَ نَوْمًا وَيَثْبُتَ رَاكِعًا ، فَدَلَّ أَنَّ نَوْمَهُ ثَبَاتٌ وَخُلَسٌ لَا شَيْءَ فِيهَا .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : إذَا ثَبَتَ الْوُضُوءُ فِي النَّوْمِ فَالْإِغْمَاءُ فَوْقَهُ أَوْ مِثْلُهُ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : ظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي الْوُضُوءَ عَلَى كُلِّ قَائِمٍ إلَيْهَا ، وَإِنْ كَانَتْ قَدْ نَزَلَتْ فِي النَّائِمِينَ ، وَإِيَّاهُمْ صَادَفَ الْخِطَابُ ، وَلَكِنَّا مِمَّنْ يَأْخُذُ بِمُطْلَقِ الْخِطَابِ وَلَا يَرْبِطُ الْحُكْمَ بِالْأَسْبَابِ ، وَكَذَلِكَ كُنَّا نَقُولُ : إنَّ الْوُضُوءَ يَلْزَمُ لِكُلِّ قَائِمٍ إلَى الصَّلَاةِ مُحْدِثًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُحْدِثٍ ، إلَّا أَنَّ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَوَى : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَتَوَضَّأُ عِنْدَ كُلِّ صَلَاةٍ .
قُلْت : كَيْفَ كُنْتُمْ تَصْنَعُونَ أَنْتُمْ ؟ قَالَ : كَانَ يَجْزِي أَحَدَنَا الْوُضُوءُ مَا لَمْ يُحْدِثْ } .
خَرَّجَهُ جَمِيعُ الْأَئِمَّةِ .
وَرَوَى ابْنُ أَبِي بُرْدَةَ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَتَوَضَّأُ لِكُلِّ صَلَاةٍ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ الْفَتْحِ صَلَّى الصَّلَوَاتِ بِوُضُوءٍ وَاحِدٍ .
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : فَعَلْت شَيْئًا لَمْ تَكُنْ تَفْعَلُهُ .
فَقَالَ : عَمْدًا فَعَلْته } .
أَخْرَجَهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ .
فَإِنْ قِيلَ : فَهَلْ يَتَكَرَّرُ الْحُكْمُ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ أَمْ لَا ؟ فَإِنْ قُلْتُمْ بِتَكَرُّرِهِ أَحَلْتُمْ ، وَإِنْ قُلْتُمْ لَا يَتَكَرَّرُ فَمَا وَجْهُهُ ؟ قُلْنَا : مِنْ الْمُتَعَجْرِفِينَ مَنْ تَكَلَّفَ فَقَالَ : إنَّمَا يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْعِلَّةِ ، وَهُوَ الْحَدَثُ .
وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ الْحَدَثَ لَا يُوجِبُ الطَّهَارَةَ لِنَفْسِهِ ، وَإِنَّمَا وُجُوبُ الصَّلَاةِ يُوجِبُ الطَّهَارَةَ بِشَرْطِ أَنْ يَكُونَ الْمُكَلَّفُ مُحْدِثًا ، فَالْحَدَثُ شَرْطٌ فِي وُجُوبِ الطَّهَارَةِ بِوُجُوبِ الصَّلَاةِ لَا عِلَّتِهِ .
وَالْحُكْمُ عِلَّةٌ لِلْحُكْمِ شَرْعًا ، وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَأُصُولِ الْفِقْهِ .
وَقَدْ أَحْدَثَ بَعْضُ الْمُبْتَدِعَةِ فِي الْإِسْلَامِ بِدْعَةً شَنْعَاءَ ، فَقَالَ : إنَّ الْمُحْدِثَ لَا يُؤْمَرُ بِالصَّلَاةِ ، إنَّمَا يُؤْمَرُ بِالْوُضُوءِ ، وَعَلَيْهِ يُثَابُ ، وَعَلَيْهِ يُعَاقَبُ ، وَلَا يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِالصَّلَاةِ حَتَّى يَتَوَضَّأَ .
وَهَذَا خَرْقٌ لِإِجْمَاعِ

الْأُمَّةِ وَهَتْكٌ لِحِجَابِ الشَّرِيعَةِ .
وَهَذِهِ الْآيَةُ وَأَمْثَالُهَا رَدٌّ عَلَيْهِ إنْ أَقَرَّ بِثُبُوتِهِ ، وَإِنْ أَنْكَرَهُ فَإِنَّ مَنْ يُنْكِرُ التَّوْحِيدَ مُخَاطَبٌ بِتَصْدِيقِ الرَّسُولِ ، وَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنْهُ إلَّا بَعْدَ تَوْحِيدِ الرَّبِّ ، وَهَذَا مَا لَا جَوَابَ لَهُمْ عَنْهُ .

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَاغْسِلُوا } : الْفَاءُ حَرْفٌ يَقْتَضِي الرَّبْطَ وَالسَّبَبَ وَهُوَ بِمَعْنَى التَّعْقِيبِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي رِسَالَةِ الْمُلْجِئَةِ ، وَهِيَ هَاهُنَا جَوَابٌ لِلشَّرْطِ رَبَطَتْ الْمَشْرُوطَ بِهِ وَجَعَلَتْهُ جَوَابَهُ أَوْ جَزَاءَهُ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِ ؛ بَيْدَ أَنَّ الشَّافِعِيَّ وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِنْ عُلَمَائِنَا فِي وُجُوبِ التَّرْتِيبِ فِي الْوُضُوءِ قَالَ : إنَّ فِي هَذَا دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ الْبُدَاءَةِ بِالْوَجْهِ ؛ إذْ هُوَ جَزَاءُ الشَّرْطِ وَجَوَابُهُ .
وَقَالَ الْآخَرُونَ الَّذِينَ لَا يَرَوْنَ تَرْتِيبَ الْوُضُوءِ : إنَّ هَذَا الْقَوْلَ صَحِيحٌ فِيمَا إذَا كَانَ جَوَابُ الشَّرْطِ مَعْنًى وَاحِدًا ؛ فَأَمَّا إذَا كَانَتْ جُمَلٌ كُلُّهَا جَوَابًا وَجَزَاءً لَمْ نُبَالِ بِأَيِّهِمَا بَدَأَتْ ؛ إذْ الْمَطْلُوبُ تَحْصِيلُهَا .
وَهَذَا قَوْلٌ لَهُ رَوْنَقٌ وَلَيْسَ بِمُحَقَّقٍ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } ؛ فَبَدَأَ بِالْوَجْهِ وَعَطَفَ عَلَيْهِ غَيْرَهُ ، فَالنَّظَرُ الصَّحِيحُ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ : تَجِبُ الْبُدَاءَةُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ وَهُوَ الْوَجْهُ ، كَمَا { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ حَجَّ وَجَاءَ إلَى الصَّفَا : نَبْدَأُ بِمَا بَدَأَ اللَّهُ بِهِ } ، وَكَانَتْ الْبُدَاءَةُ بِالصَّفَا وَاجِبَةً .
وَيَعْضُدُ هَذَا أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ عُمْرَهُ كُلَّهُ مُرَتِّبًا تَرْتِيبَ الْقُرْآنِ ، وَفِعْلُهُ هَذَا بَيَانُ مُجْمَلِ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَبَيَانُ الْمُجْمَلِ الْوَاجِبِ وَاجِبٌ ، وَهِيَ مَسْأَلَةُ خِلَافٍ عُظْمَى قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي يُخْتَارُ فِيهَا .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : { فَاغْسِلُوا } : وَظَنَّ الشَّافِعِيُّ وَهُوَ عِنْدَ أَصْحَابِهِ مَعْدِ بْنِ عَدْنَانَ فِي الْفَصَاحَةِ بَلْهُ أَبِي حَنِيفَةَ وَسِوَاهُ أَنَّ الْغَسْلَ صَبُّ الْمَاءِ عَلَى الْمَغْسُولِ مِنْ غَيْرِ عَرْكٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَفِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَحَقَّقْنَا أَنَّ الْغَسْلَ مَرُّ الْيَدِ مَعَ إمْرَارِ الْمَاءِ أَوْ مَا فِي مَعْنَى الْيَدِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : الْغَسْلُ يَقْتَضِي مَغْسُولًا مُطْلَقًا وَمَغْسُولًا بِهِ : وَسَيَأْتِي بَيَانُهُ فِيمَا بَعْدُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وُجُوهَكُمْ } : وَالْوَجْهُ فِي اللُّغَةِ : مَا بَرَزَ مِنْ بَدَنِهِ وَوَاجَهَ غَيْرَهُ بِهِ ، وَهُوَ أَبْيَنُ مِنْ أَنْ يُبَيَّنَ ، وَأَوْجَهُ مِنْ أَنْ يُوَجَّهَ ، وَهُوَ عِنْدَ الْعَرَبِ عُضْوٌ يَشْتَمِلُ عَلَى جُمْلَةِ أَعْضَاءٍ ، وَمَحَلٌّ مِنْ الْجَسَدِ فِيهِ أَرْبَعُ طُرُقٍ لِلْعُلُومِ ، وَلَهُ طُولٌ وَعَرْضٌ ، وَهُوَ أَيْضًا بَيِّنٌ إلَّا أَنَّهُ أَشْكَلَ عَلَى الْفُقَهَاءِ مِنْهُ سِتَّةُ مَعَانٍ : الْأَوَّلُ : إذَا اكْتَسَى الذَّقَنُ بِالشَّعْرِ ، فَإِنَّهُ قَدْ انْتَقَلَ الْفَرْضُ فِيمَا يُقَابِلُهُ إلَى الشَّعْرِ قَطْعًا وَنَفْيِ الزَّائِدِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مَا اسْتَرْسَلَ مِنْ اللِّحْيَةِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ فَرْضًا ؛ لِأَنَّهُ قَدْ اتَّصَلَ بِالْوَجْهِ وَوَاجَهَ كَمَا يُوَاجَهُ ، فَيَكُونُ فَرْضًا غَسْلُهُ مِثْلُ الْوَجْهِ ، وَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ نَدْبًا ، وَبِالْأَوَّلِ أَقُولُ ؛ لِمَا ثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَغْسِلُ لِحْيَتَهُ } .
أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ ، فَعُيِّنَ الْمُحْتَمَلُ بِالْفِعْلِ .
الثَّانِي : إذَا دَارَ الْعِذَارُ عَلَى الْخَدِّ ، هَلْ يَلْزَمُ غَسْلُ مَا وَرَاءَهُ إلَى الْأُذُنِ أَمْ لَا ؟ وَفِيهِ خِلَافٌ بَيْنَنَا فِي أَنْفُسِنَا وَبَيْنَ الْعُلَمَاءِ أَيْضًا غَيْرِنَا .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ غَسْلُهُ لَا لِلْأَمْرَدِ وَلَا لِلْمُعْذِرِ .
الثَّالِثُ : الْفَمُ قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَجَمَاعَةٌ : إنَّ غَسْلَهُ فِي الْوُضُوءِ وَاجِبٌ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الْوَجْهِ ؛ وَقَدْ وَاظَبَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَيْهِ .
وَقَالَ : { إذَا تَمَضْمَضَ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ فِيهِ } .
الرَّابِعُ : الْأَنْفُ ، وَقَدْ وَرَدَ الْأَمْرُ بِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، فَقَالَ : { إذَا تَوَضَّأَ أَحَدُكُمْ فَلْيَجْعَلْ فِي أَنْفِهِ مَاءً ثُمَّ لِيَسْتَنْثِرْ ، وَمَنْ اسْتَجْمَرَ فَلْيُوتِرْ } .
وَقَالَ أَيْضًا : { فَإِذَا اسْتَنْثَرَ خَرَجَتْ الْخَطَايَا مِنْ أَنْفِهِ } .
الْخَامِسُ : الْعَيْنُ ، وَالْحُكْمُ فِيهَا وَاحِدٌ أَثَرًا وَنَظَرًا وَلُغَةً ، وَلَكِنْ سَقَطَ غَسْلُهَا

لِلتَّأَذِّي بِذَلِكَ وَالْحَرَجِ بِهِ ، وَلِذَلِكَ كَانَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ لَمَّا عَمِيَ يَغْسِلُ عَيْنَيْهِ إذْ كَانَ لَا يَتَأَذَّى بِذَلِكَ .
السَّادِسُ : لَا خِلَافَ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنْ غَسْلِ جُزْءٍ مِنْ الرَّأْسِ مَعَ الْوَجْهِ مِنْ غَيْرِ تَحْدِيدٍ فِيهِ ، كَمَا أَنَّهُ لَا بُدَّ عَلَى الْقَوْلِ بِوُجُوبِ عُمُومِ مَسْحِ الرَّأْسِ مِنْ مَسْحِ جُزْءٍ مَعَهُ مِنْ الْوَجْهِ لَا يَتَقَدَّرُ ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلٍ مَنْ أُصُولِ الْفِقْهِ ؛ وَهُوَ أَنَّ مَا لَا يَتِمُّ الْوَاجِبُ إلَّا بِهِ فَهُوَ وَاجِبٌ مِثْلُهُ ؛ وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي مَوْضِعِهِ ؛ فَهَذِهِ تَتِمَّةُ تِسْعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً .

الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَالَ لَنَا فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ فِي الدَّرْسِ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } كَانَ مَعْنَاهُ ضَرُورَةَ اللُّغَةِ : فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ لِأَجْلِ الصَّلَاةِ ؛ وَذَكَرَ أَمْثِلَةً بَيَّنَّاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ؛ فَاقْتَضَى الْأَمْرُ بِظَاهِرِهِ غَسْلَ الْوَجْهِ لِلصَّلَاةِ ، فَمَنْ غَسَلَهُ لِغَيْرِ ذَلِكَ لَمْ يَكُنْ مُمْتَثِلًا لِلْأَمْرِ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ ، هَاهُنَا كَلَامًا مُخْتَلًّا وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : وَنَصُّهُ : " ظَنَّ ظَانُّونَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ الَّذِينَ يُوجِبُونَ النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ أَنَّهُ لَمَّا أَوْجَبَ الْوُضُوءَ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ أَوْجَبَهُ لِأَجْلِهِ ، وَأَنَّهُ أَوْجَبَ بِهِ النِّيَّةَ ؛ وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ إيجَابَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ الْوُضُوءَ لِأَجْلِ الْحَدَثِ لَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ ، بَلْ يَجُوزُ أَنْ يَجِبَ لِأَجْلِهِ وَيَحْصُلَ دُونَ قَصْدِ تَعْلِيقِ الطَّهَارَةِ بِالصَّلَاةِ وَبِنِيَّتِهَا لِأَجْلِهِ " إلَى تَخْلِيطٍ زِيدَ عَلَيْهِ لَا أَرْضَى ذِكْرَهُ .
قُلْنَا : قَوْلُهُ : " ظَنَّ ظَانٌّ أَنَّ الْوُضُوءَ لَمَّا وُجِدَ عِنْدَ الْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ أَنَّهُ وَجَبَ لِأَجْلِهِ " .
لَمْ يَظُنَّ أَحَدٌ ذَلِكَ ، إنَّمَا قُطِعَ الِاعْتِقَادُ بِهِ ، لِقِيَامِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ .
وَقَوْلُهُ : " إنَّهُ أَوْجَبَ لَهُ النِّيَّةَ " .
قُلْنَا لَهُ : هَذَا تَلْبِيسٌ ، وُجُوبُهُ لِأَجْلِهِ هُوَ الَّذِي يَقْتَضِي النِّيَّةَ ضَرُورَةً فِيهِ ، فَإِنَّهُ يَلْزَمُهُ أَنْ يَأْتِيَ بِمَا أُمِرَ لِمَأْمُورٍ بِهِ لَهُ .
وَقَوْلُهُ : " هَذَا لَا يَصِحُّ " .
قُلْنَا : لَا يَصِحُّ إلَّا هُوَ .
قَوْلُهُ : " فَإِنَّ إيجَابَ اللَّهِ الْوُضُوءَ لِأَجْلِ الْحَدَثِ " .
قُلْنَا : هَذَا هَوَسٌ ، لَمْ يَجِبْ الْوُضُوءُ لِأَجْلِ الْحَدَثِ .
وَقَوْلُهُ : " إنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ ذَلِكَ " .
قُلْنَا : لَا يَجِبُ

عَلَيْهِ أَنْ يَنْوِيَ مَاذَا ؟ إنْ أَرَدْت الْحَدَثَ ، فَمَنْ ذَا الَّذِي يَقُولُ بِهِ ؟ وَإِنْ أَرَدْت الصَّلَاةَ فَلَا يُعْطِي اللَّفْظَ وَالْمَعْنَى إلَّا وُجُوبَ النِّيَّةِ لَهَا .
وَقَوْلُهُ : " يَجُوزُ أَنْ يَجِبَ لِأَجْلِهِ وَيَحْصُلَ دُونَ قَصْدٍ " .
قُلْنَا : هَذَا لَا نُسَلِّمُهُ مُطْلَقًا إنْ أَرَدْت فِي الْعِبَادَاتِ فَلَا ، وَإِنْ أَرَدْت فِي غَيْرِهَا فَلَا نُبَالِي بِهِ .
وَقَوْلُهُ : " دُونَ قَصْدٍ " .
إلَى هُنَا انْتَهَى كَلَامُهُ الْمَعْقُولُ لَفْظًا الْمُخْتَلُّ مَعْنًى .
وَأَمَّا قَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ تَعْلِيقُ الطَّهَارَةِ بِالصَّلَاةِ فَكَلَامٌ لَا يُعْقَلُ مَعْنَاهُ لَفْظًا ، فَكَيْفَ مَعْنًى ؟ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : هَذَا الَّذِي زَمْزَمَ بِهِ أَنَا أَعْرِفُهُ .
قَوْلُهُ : { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا } لَا يَخْلُو مِنْ سِتَّةِ أَقْسَامٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ لَا يَرْبِطُ غَسْلَ الْوَجْهِ وَمَا بَعْدَهُ بِشَيْءٍ مِمَّا تَقَدَّمَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ يَرْبِطُهُ بِالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ أَوْ الْحَدَثِ وَبِالصَّلَاةِ ، وَهُوَ : الثَّالِثُ ، أَوْ بِالصَّلَاةِ وَهُوَ : الرَّابِعِ ، أَوْ بِالْكُلِّ وَهُوَ : الْخَامِسِ ، أَوْ بِبَعْضِهِ وَهُوَ : السَّادِسِ .
فَإِنْ قِيلَ : لِمَ نَرْبِطُهُ بِشَيْءٍ كَانَ مُحَالًا لُغَةً كَمَا تَقَدَّمَ ، مُحَالًا بِالْإِجْمَاعِ ، فَإِنَّهُ قَدْ رُبِطَ بِمَا رُبِطَ عَلَى الِاخْتِلَافِ فِيهِ ، وَإِنْ رَبَطَهُ بِالْقِيَامِ إلَى الصَّلَاةِ فَمُحَالٌ ضَرُورَةً ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا ، وَمُحَالٌ مَعْنًى ؛ لِأَنَّ نَفْسَ الْقِيَامِ لَا يُقْصَدُ بِذَلِكَ مِنْ الْوُضُوءِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ مَعْنَاهُ إذَا أَرَدْتُمْ الْقِيَامَ ، وَنَفْسُ الْإِرَادَةِ هِيَ النِّيَّةُ .
وَأَمَّا إنْ أَرَدْت رَبْطَهُ بِالْحَدِيثِ فَبِالْإِجْمَاعِ أَنَّ الْوُضُوءَ يَجِبُ بِهِ ، لَا مِنْ أَجْلِهِ .
وَإِنْ قُلْتُمْ بِالصَّلَاةِ فَكَذَلِكَ هُوَ .
وَقَدْ صَرَّحَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَلِكَ فِي قَوْلِهِ : { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ } .
وَإِذَا أَمَرَ بِغَسْلِ الصَّلَاةِ فَلَمْ يَكُنْ كَذَلِكَ لَمْ يَمْتَثِلْ مَا أُمِرَ بِهِ ،

وَإِنْ قَالَ : إنَّهُ وَجَبَ لِأَجْلِ الْكُلِّ فَقَدْ تَبَيَّنَ فَسَادُهُ ؛ وَهَذَا تَحْقِيقٌ مِنْ كَلَامِهِ فِي غَرَضِهِ بِعَيْنِهِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : إذَا وَجَبَتْ النِّيَّةُ لِلْوُضُوءِ أَوْ الصَّلَاةِ أَوْ الصِّيَامِ ، أَيْ لِأَيِّ عِبَادَةٍ وَجَبَتْ ، فَمَحَلُّهَا أَنْ تَكُونَ مُقْتَرِنَةً مَعَ أَوَّلِهَا لَا تَجُوزُ قَبْلَهَا وَلَا بَعْدَهَا ؛ لِأَنَّ الْقَصْدَ بِالْفِعْلِ حَقِيقَتُهُ أَنْ يَقْتَرِنَ بِهِ ، وَإِلَّا لَمْ يَكُنْ قَصْدًا لَهُ ، فَنِيَّةُ الْوُضُوءِ مَعَ أَوَّلِ جُزْءٍ مِنْهُ ، وَكَذَلِكَ الصَّلَاةُ ، وَكَذَلِكَ الصِّيَامُ ، وَهَذِهِ حَقِيقَةٌ لَا خِلَافَ فِيهَا بَيْنَ الْعُقَلَاءِ ، بَيْدَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ قَالُوا : إنَّ مَنْ خَرَجَ إلَى النَّهْرِ مِنْ مَنْزِلِهِ بِنِيَّةِ الْغُسْلِ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ عَزَبَتْ نِيَّتُهُ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ .
وَإِنْ خَرَجَ إلَى الْحَمَّامِ فَعَزَبَتْ فِي أَثْنَاءِ الطَّرِيقِ بَطَلَتْ النِّيَّةُ .
فَرَكَّبَ عَلَى هَذَا سَفَاسِفَةُ الْمُفْتِينَ أَنَّ نِيَّةَ الصَّلَاةِ تَتَخَرَّجُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، وَأَوْرَدُوا فِيهَا نَصًّا عَمَّنْ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الظَّنِّ وَالْيَقِينِ [ بِأَنَّهُ قَالَ : ] يَجُوزُ أَنْ يُقَدِّمَ النِّيَّةَ فِيهَا عَلَى التَّكْبِيرِ .
وَيَا لِلَّهِ وَيَا لِلْعَالَمِينَ مِنْ أُمَّةٍ أَرَادَتْ أَنْ تَكُونَ مُفْتِيَةً مُجْتَهِدَةً فَمَا وَفَّقَهَا اللَّهُ وَلَا سَدَّدَهَا ، اعْلَمُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ أَنَّ النِّيَّةَ فِي الْوُضُوءِ مُخْتَلَفٌ فِي وُجُوبِهَا بَيْنَ الْعُلَمَاءِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهَا قَوْلُ مَالِكٍ ، فَلَمَّا نَزَلَتْ عَنْ مَرْتَبَةِ الِاتِّفَاقِ سُومِحَ فِي تَقْدِيمِهَا فِي بَعْضِ الْمَوَاضِعِ ؛ لِأَنَّ أَصْلَهَا قَدْ لَا يَجِبُ .
فَأَمَّا الصَّلَاةُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ أَحَدٌ مِنْ الْأَئِمَّةِ فِيهَا وَهِيَ أَصْلٌ مَقْصُودٌ ، فَكَيْفَ يُحْمَلُ الْأَصْلُ الْمَقْصُودُ الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ عَلَى الْفَرْعِ التَّابِعِ الْمُخْتَلَفِ فِيهِ ؟ هَلْ هَذَا إلَّا غَايَةَ الْغَبَاوَةِ ؟ فَلَا تُجْزِئُ صَلَاةٌ عِنْدَ أَحَدٍ مِنْ الْأَئِمَّةِ حَتَّى تَكُونَ النِّيَّةُ فِيهَا مُقَارِنَةً لِلتَّكْبِيرِ .
وَأَمَّا الصَّوْمُ فَإِنَّ الشَّرْعَ رَفَعَ الْحَرَجَ فِيهِ ، لَمَّا كَانَ ابْتِدَاؤُهُ فِي وَقْتِ الْغَفْلَةِ بِتَقْدِيمِ النِّيَّةِ عَلَيْهِ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَيْدِيَكُمْ } : الْيَدُ : عِبَارَةٌ عَمَّا بَيْنَ الْمَنْكِبِ وَالظُّفْرِ ، وَهِيَ ذَاتُ أَجْزَاءٍ وَأَسْمَاءٍ ؛ مِنْهَا الْمَنْكِبُ ، وَمِنْهَا الْكَفُّ ، وَالْأَصَابِعُ ، وَهُوَ مَحَلُّ الْبَطْشِ وَالتَّصَرُّفِ الْعَامِّ فِي الْمَنَافِعِ ، وَهُوَ مَعْنَى الْيَدِ ، وَغَسْلُهُمَا فِي الْوُضُوءِ مَرَّتَيْنِ : إحْدَاهُمَا عِنْدَ أَوَّلِ مُحَاوَلَةِ الْوُضُوءِ وَهُوَ سُنَّةٌ ، وَالثَّانِيَةُ فِي أَثْنَاءِ الْوُضُوءِ ، وَهُوَ فَرْضٌ .
وَمَعْنَى غَسْلِهِمَا عِنْدَ الْوُضُوءِ تَنْظِيفُ الْيَدَيْنِ لِإِدْخَالِهَا [ فِي ] الْإِنَاءِ وَمُحَاوَلَةُ نَقْلِ الْمَاءِ بِهِمَا ، وَلَا سِيَّمَا عِنْدَ الِاسْتِيقَاظِ مِنْ النَّوْمِ ، فَقَدْ رَوَى جَمِيعُ الْأَئِمَّةِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا ؛ فَإِنَّ أَحَدَكُمْ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ } .
وَرَوَى عُثْمَانُ وَغَيْرُهُ صِفَةَ وُضُوءِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكُلُّهُمْ ذَكَرُوا { أَنَّهُ غَسَلَ يَدَيْهِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ ، ثُمَّ مَضْمَضَ وَاسْتَنْثَرَ } ، حَتَّى بَلَغَ مَكَانَهُمَا مِنْ عُلَمَائِنَا أَنْ جَعَلُوهُمَا مِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ .
فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إذَا غَسَلَ يَدَيْهِ ثُمَّ تَمَضْمَضَ ثُمَّ تَمَادَى فِي الْوُضُوءِ ثُمَّ أَحْدَثَ فِي أَثْنَائِهِ فَإِنَّهُ يُعِيدُ غَسْلَ يَدَيْهِ كَمَا يُعِيدُ مَا سَبَقَ مِنْ الْوُضُوءِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { إلَى الْمَرَافِقِ } : فَذَكَرَهَا .
وَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وُجُوبِ إدْخَالِهِمَا فِي الْغَسْلِ .
وَعَنْ مَالِكٍ رِوَايَتَانِ ، وَذَكَرَ أَهْلُ التَّأْوِيلِ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةَ أَقَاوِيلَ : الْأَوَّلُ : أَنَّ { إلَى } بِمَعْنَى مَعَ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ } مَعْنَاهُ مَعَ أَمْوَالِكُمْ .
الثَّانِي : أَنَّ { إلَى } حَدٌّ ، وَالْحَدُّ إذَا كَانَ مِنْ جِنْسِ الْمَحْدُودِ دَخَلَ فِيهِ ، تَقُولُ : بِعْتُك

هَذَا الْفَدَّانَ مِنْ هَاهُنَا إلَى هَاهُنَا ، فَيَدْخُلُ الْحَدُّ فِيهِ .
وَلَوْ قُلْت : مِنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إلَى هَذِهِ الشَّجَرَةِ مَا دَخَلَ الْحَدُّ فِي الْفَدَّانِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْمَرَافِقَ حَدُّ السَّاقِطِ لَا حَدُّ الْمَفْرُوضِ ؛ قَالَهُ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ .
وَمَا رَأَيْته لِغَيْرِهِ .
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ قَوْلَهُ : { وَأَيْدِيَكُمْ } يَقْتَضِي بِمُطْلَقِهِ مِنْ الظُّفْرِ إلَى الْمَنْكِبِ ، فَلَمَّا قَالَ : { إلَى الْمَرَافِقِ } أَسْقَطَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبِ وَالْمِرْفَقِ ، وَبَقِيَتْ الْمَرَافِقُ مَغْسُولَةً إلَى الظُّفْرِ ؛ وَهَذَا كَلَامٌ صَحِيحٌ يَجْرِي عَلَى الْأُصُولِ لُغَةً وَمَعْنًى .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ { إلَى } بِمَعْنَى مَعَ فَلَا سَبِيلَ إلَى وَضْعِ حَرْفٍ مَوْضِعَ حَرْفٍ ، إنَّمَا يَكُونُ كُلُّ حَرْفٍ بِمَعْنَاهُ ، وَتَتَصَرَّفُ مَعَانِي الْأَفْعَالِ ، وَيَكُونُ مَعْنَى التَّأْوِيلِ فِيهَا لَا فِي الْحُرُوفِ .
وَمَعْنَى قَوْلِهِ : { إلَى الْمَرَافِقِ } عَلَى التَّأْوِيلِ الْأَوَّلِ : فَاغْسِلُوا أَيْدِيَكُمْ مُضَافَةً إلَى الْمَرَافِقِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَهُمْ إلَى أَمْوَالِكُمْ } مَعْنَاهُ مُضَافَةً إلَى أَمْوَالِكُمْ .
وَقَدْ رَوَى الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا تَوَضَّأَ أَدَارَ الْمَاءَ عَلَى مِرْفَقَيْهِ } .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَامْسَحُوا } : الْمَسْحُ : عِبَارَةٌ عَنْ إمْرَارِ الْيَدِ عَلَى الْمَمْسُوحِ خَاصَّةً ، وَهُوَ فِي الْوُضُوءِ عِبَارَةٌ عَنْ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى الْآلَةِ الْمَمْسُوحِ بِهَا ، وَالْغَسْلُ عِبَارَةٌ عَنْ إيصَالِ الْمَاءِ إلَى الْمَغْسُولِ ؛ وَهَذَا مَعْلُومٌ مِنْ ضَرُورَةِ اللُّغَةِ ، وَبَيَانُهُ يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { بِرُءُوسِكُمْ } : وَالرَّأْسُ عِبَارَةٌ عَنْ الْجُمْلَةِ الَّتِي يَعْلَمُهَا النَّاسُ ضَرُورَةً ، وَمِنْهَا الْوَجْهُ ، فَلَمَّا ذَكَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي الْوُضُوءِ وَعَيَّنَ الْوَجْهَ لِلْغَسْلِ بَقِيَ بَاقِيهِ لِلْمَسْحِ .
وَلَوْ لَمْ يَذْكُرْ الْغَسْلَ أَوَّلًا فِيهِ لَلَزِمَ مَسْحُ جَمِيعِهِ : مَا عَلَيْهِ شَعْرٌ مِنْ الرَّأْسِ ، وَمَا فِيهِ الْعَيْنَانِ وَالْأَنْفُ وَالْفَمُ ؛ وَهَذَا انْتِزَاعٌ بَدِيعٌ مِنْ الْآيَةِ .
وَقَدْ أَشَارَ مَالِكٌ إلَى نَحْوِهِ ، فَإِنَّهُ سُئِلَ عَنْ الَّذِي يَتْرُكُ بَعْضَ رَأْسِهِ فِي الْوُضُوءِ ؟ فَقَالَ : أَرَأَيْت لَوْ تَرَكَ بَعْضَ وَجْهِهِ أَكَانَ يُجْزِئُهُ ؟ وَمَسْأَلَةُ مَسْحِ الرَّأْسِ فِي الْوُضُوءِ مُعْضِلَةٌ ، وَيَا طَالَمَا تَتَبَّعْتهَا لِأُحِيطَ بِهَا حَتَّى عَلَّمَنِي اللَّهُ تَعَالَى بِفَضْلِهِ إيَّاهَا ؛ فَخُذُوهَا مُجْمَلَةً فِي عِلْمِهَا ، مُسَجَّلَةً بِالصَّوَابِ فِي حُكْمِهَا ؛ وَاسْتِيفَاؤُهَا فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَسْحِ الرَّأْسِ عَلَى أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ إنْ مَسَحَ مِنْهُ شَعْرَةً وَاحِدَةً أَجْزَأَهُ .
الثَّانِي : ثَلَاثُ شَعَرَاتٍ .
الثَّالِثُ : مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ .
ذَكَرَ لَنَا هَذِهِ الْأَقْوَالَ الثَّلَاثَةَ فَخْرُ الْإِسْلَامِ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ فِي الدَّرْسِ عَنْ الشَّافِعِيِّ .
الرَّابِعُ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَمْسَحُ النَّاصِيَةَ .
الْخَامِسُ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنَّ الْفَرْضَ أَنْ يَمْسَحَ الرُّبْعَ .
السَّادِسُ : قَالَ أَيْضًا فِي رِوَايَتِهِ الثَّالِثَةِ : لَا يُجْزِيهِ إلَّا أَنْ يَمْسَحَ النَّاصِيَةَ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ أَوْ أَرْبَعٍ .
السَّابِعُ :

يَمْسَحُ الْجَمِيعَ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ .
الثَّامِنُ : إنْ تَرَكَ الْيَسِيرَ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَجْزَأَهُ ؛ أَمْلَاهُ عَلَيَّ الْفِهْرِيُّ .
التَّاسِعُ : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ : إنْ تَرَكَ الثُّلُثَ أَجْزَأَهُ .
الْعَاشِرُ : قَالَ أَبُو الْفَرَجِ : إنْ مَسَحَ ثُلُثَهُ أَجْزَأَهُ .
الْحَادِيَ عَشَرَ : قَالَ أَشْهَبُ : إنْ مَسَحَ مُقَدِّمَةً أَجْزَأَهُ .
فَهَذِهِ أَحَدَ عَشَرَ قَوْلًا ، وَمَنْزِلَةُ الرَّأْسِ فِي الْأَحْكَامِ مَنْزِلَتُهُ فِي الْأَبْدَانِ ، وَهُوَ عَظِيمُ الْخَطَرِ فِيهِمَا جَمِيعًا ؛ وَلِكُلِّ قَوْلٍ مِنْ هَذِهِ الْأَقْوَالِ مَطْلَعٌ مِنْ الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ : فَمَطْلَعُ الْأَوَّلِ : أَنَّ الرَّأْسَ وَإِنْ كَانَ عِبَارَةً عَنْ الْعُضْوِ فَإِنَّهُ يَنْطَلِقُ عَلَى الشَّعْرِ بِلَفْظِهِ ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ الْهَدْيُ مَحِلَّهُ } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { احْلِقْ رَأْسَك } ، وَالْحَلْقُ إنَّمَا هُوَ فِي الشَّعْرِ ، إذَا ثَبَتَ هَذَا تَرَكَّبَ عَلَيْهِ : الْمَطْلَعُ الثَّانِي : وَهُوَ أَنَّ إضَافَةَ الْفِعْلِ إلَى الرَّأْسِ يَنْقَسِمُ فِي الْعُرْفِ وَالْإِطْلَاقِ إلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ يَقْتَضِي اسْتِيفَاءَ الِاسْمِ .
وَالثَّانِي : يَقْتَضِي بَعْضَهُ ؛ فَإِذَا قُلْت : " حَلَقْت رَأْسِي " اقْتَضَى فِي الْإِطْلَاقِ الْعُرْفِيِّ الْجَمِيعَ .
وَإِذَا قُلْت : مَسَحْت الْجِدَارَ أَوْ رَأْسَ الْيَتِيمِ أَوْ رَأْسِي اقْتَضَى الْبَعْضَ ، فَيَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ : الْمَطْلَعُ : الثَّالِثُ : وَهُوَ أَنَّ الْبَعْضَ لَا حَدَّ لَهُ مُجْزِئٌ مِنْهُ مَا كَانَ قَالَ لَنَا الشَّاشِيُّ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَلَا تَحْلِقُوا رُءُوسَكُمْ } وَكَانَ مَعْنَاهُ شَعْرَ رُءُوسِكُمْ ، وَكَانَ أَقَلُّ الْجَمْعِ ثَلَاثًا .
قُلْنَا : إنْ حَلَقَ ثَلَاثَ شَعَرَاتٍ أَجْزَأَهُ ، وَإِنْ مَسَحَهَا أَجْزَأَهُ ، وَالْمَسْحُ أَظْهَرُ ، وَمَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ أَقَلُّهُ شَعْرَةٌ وَاحِدَةٌ .
الْمَطْلَعُ الرَّابِعُ : نَظَرَ أَبُو حَنِيفَةَ إلَى أَنَّ الْوُضُوءَ إنَّمَا شَرَعَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيمَا يَبْدُو مِنْ الْأَعْضَاءِ فِي الْغَالِبِ ، وَاَلَّذِي

يَبْدُو مِنْ الرَّأْسِ تَحْتَ الْعِمَامَةِ النَّاصِيَةُ ، وَلَا سِيَّمَا وَهَذَا يُعْتَضَدُ بِالْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَمَسَحَ نَاصِيَتَهُ وَعِمَامَتَهُ } .
الْمَطْلَعُ الْخَامِسُ : أَنَّهُ إذَا ثَبَتَ مَسْحُ النَّاصِيَةِ فَلَا يُتَيَقَّنُ مَوْضِعُهَا ؛ وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ تَعَلُّقُ الْعِبَادَةِ بِالرَّأْسِ ؛ فَقَدْ ثَبَتَ مَسْحُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاصِيَةَ ، وَهِيَ نَحْوُ الرُّبْعِ فَيَتَقَدَّرُ الرُّبْعُ مِنْهُ أَيْنَ كَانَ ، وَمَطْلَعُ الرُّبْعِ بِتَقْدِيرِ الْأَصَابِعِ يَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَمَطْلَعُ الْجَمِيعِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَّقَ عِبَادَةَ الْمَسْحِ بِالرَّأْسِ ، كَمَا عَلَّقَ عِبَادَةَ الْغَسْلِ بِالْوَجْهِ ؛ فَوَجَبَ الْإِيعَابُ فِيهِمَا بِمُطْلَقِ اللَّفْظِ .
وَقَوْلُ الشَّافِعِيِّ : إنَّ مُطْلَقَ الْقَوْلِ فِي الْمَسْحِ لَا يَقْتَضِي الْإِيعَابَ عُرْفًا ، فَمَا عُلِّقَ بِهِ لَيْسَ بِصَحِيحٍ ؛ إنَّمَا هُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَغْرَاضِ وَبِحَسَبِ الْأَحْوَالِ ، تَقُولُ : مَسَحْت الْجِدَارَ ، فَيَقْتَضِي بَعْضَهُ مِنْ أَجْلِ أَنَّ الْجِدَارَ لَا يُمْكِنُ تَعْمِيمُهُ بِالْمَسْحِ حِسًّا ، وَلَا غَرَضَ فِي اسْتِيعَابِهِ قَصْدًا ، وَتَقُولُ : مَسَحْت رَأْسَ الْيَتِيمِ لِأَجْلِ الرَّأْفَةِ ، فَيُجْزِئُ مِنْهُ أَقَلُّهُ بِحُصُولِ الْغَرَضِ بِهِ .
وَتَقُولُ : مَسَحْت الدَّابَّةَ فَلَا يُجْزِئُ إلَّا جَمِيعُهَا ؛ لِأَجْلِ مَقْصَدِ النَّظَافَةِ فِيهَا ، فَتَعَلُّقُ الْوَظِيفَةِ بِالرَّأْسِ يَقْتَضِي عُمُومَهُ بِقَصْدِ التَّطْهِيرِ فِيهِ ؛ وَلِأَنَّ مُطْلَقَ اللَّفْظِ يَقْتَضِيهِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُولُ : مَسَحْت رَأْسِي كُلَّهُ فَتُؤَكِّدُهُ ، وَلَوْ كَانَ يَقْتَضِي الْبَعْضَ لَمَا تَأَكَّدَ بِالْكُلِّ ؛ فَإِنَّ التَّأْكِيدَ لِرَفْعِ الِاحْتِمَالِ الْمُتَطَرِّقِ إلَى الظَّاهِرِ فِي إطْلَاقِ اللَّفْظِ .
وَمَطْلَعُ مَنْ قَالَ إنَّ تَرْكَ الْيَسِيرِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَجْزَأَهُ : أَنَّ تَحَقُّقَ عُمُومِ الْوَجْهِ بِالْغَسْلِ مُمْكِنٌ بِالْحِسِّ ، وَتَحَقُّقَ عُمُومِ الْمَسْحِ غَيْرُ مُمْكِنٍ ؛ فَسُومِحَ بِتَرْكِ الْيَسِيرِ مِنْهُ دَفْعًا

لِلْحَرَجِ .
وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ فَإِنَّ مُرُورَ الْيَدِ عَلَى الْجَمِيعِ مُمْكِنٌ تَحْصِيلُهُ حِسًّا وَعَادَةً .
وَمَطْلَعُ مَنْ قَالَ : إنَّ تَرْكَ الثُّلُثِ مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ أَجْزَأَهُ : قَرِيبٌ مِمَّا قَبْلَهُ ، إلَّا أَنَّهُ رَأَى الثُّلُثَ يَسِيرًا ، فَجَعَلَهُ فِي حَدِّ الْمَتْرُوكِ لَمَّا رَأَى الشَّرِيعَةَ سَامَحَتْ بِهِ فِي الثُّلُثِ وَغَيْرِهِ .
وَمَطْلَعُ مَنْ قَالَ : إنْ مَسَحَ ثُلُثَهُ أَجْزَأَهُ إلَى أَنَّ الشَّرْعَ قَدْ أَطْلَقَ اسْمَ الْكَثِيرِ عَلَى الثُّلُثِ فِي قَوْلِهِ مِنْ حَدِيثِ سَعْدٍ : " الثُّلُثُ وَالثُّلُثُ كَثِيرٌ " .
وَلُحِظَ مَطْلَعُ أَبِي حَنِيفَةَ فِي النَّاصِيَةِ حَسْبَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ ، وَدَلَّ عَلَيْهِ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ فِي تَعَلُّقِ الْعِبَادَاتِ بِالظَّاهِرِ .
وَمَطْلَعُ قَوْلِ أَشْهَبَ فِي أَنَّ مَنْ مَسَحَ مُقَدِّمَةً أَجْزَأَهُ إلَى نَحْوٍ مِنْ ذَلِكَ تَنَاصُفٌ لَيْسَ يَخْفَى عَلَى اللَّبِيبِ عِنْدَ اطِّلَاعِهِ عَلَى هَذِهِ الْأَقْوَالِ وَالْأَنْحَاءِ الْمُطَلَّعَاتِ أَنَّ الْقَوْمَ لَمْ يَخْرُجْ اجْتِهَادُهُمْ عَنْ سَبِيلِ الدَّلَالَاتِ فِي مَقْصُودِ الشَّرِيعَةِ ، وَلَا جَاوَزُوا طَرَفَيْهَا إلَى الْإِفْرَاطِ ؛ فَإِنَّ لِلشَّرِيعَةِ طَرَفَيْنِ : أَحَدُهُمَا : طَرَفُ التَّخْفِيفِ فِي التَّكْلِيفِ .
وَالْآخَرُ : طَرَفُ الِاحْتِيَاطِ فِي الْعِبَادَاتِ .
فَمَنْ احْتَاطَ اسْتَوْفَى الْكُلَّ ، وَمَنْ خَفَّفَ أَخَذَ بِالْبَعْضِ .
قُلْنَا : فِي إيجَابِ الْكُلِّ تَرْجِيحٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهُمَا : الِاحْتِيَاطُ .
الثَّانِي : التَّنْظِيرُ بِالْوَجْهِ ، لَا مِنْ طَرِيقِ الْقِيَاسِ ؛ بَلْ مِنْ مُطْلَقِ اللَّفْظِ فِي ذِكْرِ الْفِعْلِ وَهُوَ الْغَسْلُ أَوْ الْمَسْحُ ، وَذِكْرِ الْمَحَلِّ ؛ وَهُوَ الْوَجْهُ أَوْ الرَّأْسُ .
الثَّالِثُ : أَنَّ كُلَّ مَنْ وَصَفَ وُضُوءَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَكَرَ أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ كُلَّهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ ثَبَتَ أَنَّهُ مَسَحَ نَاصِيَتَهُ وَعِمَامَتَهُ ، وَهَذَا نَصٌّ عَلَى الْبَعْضِ ؟ قُلْنَا : بَلْ هُوَ نَصٌّ عَلَى الْجَمِيعِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ لَمْ يَلْزَمْ الْجَمِيعُ لَمْ يَجْمَعْ بَيْنَ الْعِمَامَةِ وَالرَّأْسِ .
فَلَمَّا مَسَحَ

بِيَدِهِ عَلَى مَا أَدْرَكَ مِنْ رَأْسِهِ وَأَمَرَّ يَدَهُ عَلَى الْحَائِلِ بَيْنَهُ وَبَيْنَ بَاقِيهِ أَجْرَاهُ مَجْرَى الْحَائِلِ مِنْ جَبِيرَةٍ أَوْ خُفٍّ ، وَنَقَلَ الْفَرْضَ إلَيْهِ كَمَا نَقَلَهُ فِي هَذَيْنِ .
جَوَابٌ آخَرُ : وَهُوَ أَنَّ هَذَا الْخَبَرَ حِكَايَةُ حَالٍ وَقَضِيَّةٌ فِي عَيْنٍ ؛ فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَزْكُومًا فَلَمْ يُمْكِنْهُ كَشْفُ رَأْسِهِ ؛ فَمَسَحَ الْبَعْضَ وَمَرَّ بِيَدِهِ عَلَى جَمِيعِ الْبَعْضِ ، فَانْتَهَى آخِرُ الْكَفِّ إلَى آخِرِ النَّاصِيَةِ ، فَأَمَرَّ الْيَدَ عَلَى الْعِمَامَةِ ، فَظَنَّ الرَّاوِي أَنَّهُ قَصَدَ مَسْحَ الْعِمَامَةِ ، وَإِنَّمَا قَصَدَ مَسْحَ النَّاصِيَةِ بِإِمْرَارِ الْيَدِ ؛ وَهَذَا مِمَّا يُعْرَفُ مُشَاهَدَةً ، وَلِهَذَا لَمْ يُرْوَ عَنْهُ قَطُّ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ فِي أَطْوَارِهِ بِأَسْفَارِهِ عَلَى كَثْرَتِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : ظَنَّ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ وَحَشْوِيَّةُ النَّحْوِيَّةِ أَنَّ الْبَاءَ لِلتَّبْعِيضِ ، وَلَمْ يَبْقَ ذُو لِسَانٍ رَطْبٍ إلَّا وَقَدْ أَفَاضَ فِي ذَلِكَ حَتَّى صَارَ الْكَلَامُ فِيهَا إجْلَالًا بِالْمُتَكَلِّمِ ، وَلَا يَجُوزُ لِمَنْ شَدَا طَرَفًا مِنْ الْعَرَبِيَّةِ أَنْ يَعْتَقِدَ فِي الْبَاءِ ذَلِكَ ، وَإِنْ كَانَتْ تَرِدُ فِي مَوْضِعٍ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا فِيهِ لِرَبْطِ الْفِعْلِ بِالِاسْمِ ، فَلَيْسَ ذَلِكَ إلَّا لِمَعْنًى ؛ تَقُولُ : مَرَرْت بِزَيْدٍ ، فَهَذَا لِإِلْصَاقِ الْفِعْلِ بِالِاسْمِ ، ثُمَّ تَقُولُ : مَرَرْت زَيْدًا فَيَبْقَى الْمَعْنَى .
وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ بَيَانُهُ فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ النَّحْوِيِّينَ " .
وَقَدْ طَالَ الْقَوْلُ فِي هَذَا الْبَابِ ، وَتَرَامَتْ فِيهِ الْخَوَاطِرُ فِي الْمُخْتَصَرِ حَتَّى أَفَادَنِي فِيهِ بَعْضُ أَشْيَاخِي فِي الْمُذَاكَرَةِ وَالْمُطَالَعَةِ فَائِدَةً بَدِيعَةً : وَذَلِكَ أَنَّ قَوْلَهُ : { فَامْسَحُوا } يَقْتَضِي مَمْسُوحًا ، وَمَمْسُوحًا بِهِ .
وَالْمَمْسُوحُ الْأَوَّلُ هُوَ مَا كَانَ .
وَالْمَمْسُوحُ الثَّانِي هُوَ الْآلَةُ الَّتِي بَيْنَ الْمَاسِحِ وَالْمَمْسُوحِ ، كَالْيَدِ وَالْمُحَصِّلِ لِلْمَقْصُودِ مِنْ

الْمَسْحِ ، وَهُوَ الْمِنْدِيلُ ؛ وَهَذَا ظَاهِرٌ لَا خَفَاءَ بِهِ ؛ فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَلَوْ قَالَ : امْسَحُوا رُءُوسَكُمْ لَأَجْزَأَ الْمَسْحُ بِالْيَدِ إمْرَارًا مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ عَلَى الرَّأْسِ لَا مَاءَ وَلَا سِوَاهُ ، فَجَاءَ بِالْبَاءِ لِتُفِيدَ مَمْسُوحًا بِهِ ، وَهُوَ الْمَاءُ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : فَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ الْمَاءَ ، مِنْ بَابِ الْمَقْلُوبِ ، وَالْعَرَبُ تَسْتَعْمِلُهُ ، وَقَدْ أَنْشَدَ سِيبَوَيْهِ : كَنُوَاحِ رِيشِ حَمَامَةٍ نَجْدِيَّةٍ وَمَسَحْت بِاللِّثَتَيْنِ عَصْفَ الْإِثْمِدِ مِثْلُهُ : " مِثْلُ الْقَنَافِذِ " .
وَمِثْلُهُ : { مِنْ فِضَّةٍ قَدَّرُوهَا تَقْدِيرًا } .
وَاللِّثَةُ : هِيَ الْمَمْسُوحَةُ بِعَصْفِ الْإِثْمِدِ ، فَقَلْبٌ .
وَلَكِنَّ الْأَمْرَ بَيِّنٌ وَالْفَصَاحَةَ قَائِمَةٌ ، وَإِلَى هَذَا النَّحْوِ أَشَارَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي شَرْطِهِ الرَّابِعِ بِالثَّلَاثَةِ الْأَصَابِعِ أَوْ الْأَرْبَعِ ؛ فَإِنَّهُ قَالَ : لَا بُدَّ أَنْ يَكُونَ هُنَالِكَ مَمْسُوحٌ بِهِ لِأَجْلِ الْبَاءِ ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى قَالَ : فَامْسَحُوا بِأَكُفِّكُمْ رُءُوسَكُمْ .
وَالْكَفُّ خَمْسُ أَصَابِعَ وَمُعْظَمُهَا ثَلَاثٌ وَأَرْبَعٌ ، وَالْمُعْظَمُ قَائِمٌ مَقَامَ الْكُلِّ عَلَى مَذْهَبِهِ فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ ، فَفَطِنَ أَنَّ إدْخَالَ الْبَاءِ لِمَعْنًى ، وَغَفَلَ عَنْ أَنَّ لَفْظَ الْمَسْحِ يَقْتَضِي الْيَدَ لُغَةً وَحَقِيقَةً ؛ فَجَعَلَ فَائِدَةَ الْبَاءِ التَّعَلُّقَ بِالْيَدِ .
وَهَذِهِ عَثْرَةٌ لِفَهْمِهِ لَا يُقَالُهَا ، وَوَفَّقَ اللَّهُ هَذَا الْإِمَامَ الَّذِي أَفَادَنِي هَذِهِ الْفَائِدَةَ فِيهَا ، إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَاَللَّهُ يَنْفَعُنِي وَإِيَّاكُمْ بِرَحْمَتِهِ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : مِنْ أَغْرَبِ شَيْءٍ أَنَّ الشَّافِعِيَّ رَأَى مَسْحَ شَعْرِ الْقَفَا ؛ وَلَيْسَ مِنْ الرَّأْسِ فِي وِرْدٍ وَلَا صَدْرٍ ؛ فَإِنَّ الرَّأْسَ جُزْءٌ مِنْ الْإِنْسَانِ ، وَالْيَدَ جُزْءٌ ، وَالْبَدَنَ جُزْءٌ ، وَالْعَيْنَ جُزْءٌ ، وَالْعُنُقَ جُزْءٌ ، وَمُقَدَّمَ الرَّقَبَةِ الْعُنُقُ ، وَمُؤَخَّرَهَا الْقَفَا ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ رَأْسَهُ حَتَّى بَلَغَ قَفَاهُ } .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ الْمِقْدَامِ بْنِ مَعْدِ يَكْرِبَ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ رَأْسَهُ حَتَّى بَلَغَ إلَى قَفَاهُ } .
الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ ثَلَاثِينَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ } ثُمَّ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا أَمَرَهُ اللَّهُ ، فَنَقَلَ أَصْحَابُهُ مَا شَاهَدُوا مِنْ صِفَةِ وُضُوئِهِ ، وَلَمْ يَذْكُرُوا لِكَيْفِيَّةِ الْمَغْسُولِ صِفَةً ، وَنَقَلُوا كَيْفِيَّةَ مَسْحِ رَأْسِهِ بِاهْتِبَالٍ كَثِيرٍ ، وَتَحْصِيلٍ عَظِيمٍ ، وَاخْتِلَافٍ فِي الرِّوَايَاتِ مُتَفَاوِتٍ ، نَشَأَتْ مِنْهُ مَسَائِلُ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ الْإِشَارَةِ إلَى مُعْظَمِهَا ؛ لِأَنَّهَا مُفَسِّرَةٌ لِمَا أُطْلِقَ فِي كِتَابِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مُبْهَمًا .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ الْكَرِيمِ : { وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ } : وَقَالَ الرَّاوِي : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ رَأْسَهُ ، فَلَوْ غَسَلَهُ الْمُتَوَضِّئُ بَدَلَ الْمَسْحِ فَلَا نَعْلَمُ خِلَافًا أَنَّ ذَلِكَ يُجْزِئُهُ ، إلَّا مَا أَخْبَرَنَا فَخْرُ الْإِسْلَامِ فِي الدَّرْسِ أَنَّ أَبَا الْعَبَّاسِ بْنَ الْقَاصِّ مِنْ أَصْحَابِهِمْ قَالَ : لَا يُجْزِئُهُ .
وَهَذَا تَوَلُّجٌ فِي مَذْهَبِ الدَّاوُدِيَّةِ الْفَاسِدِ مِنْ اتِّبَاعِ الظَّاهِرِ الْمُبْطِلِ لِلشَّرِيعَةِ الَّذِي ذَمَّهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي قَوْلِهِ : { يَعْلَمُونَ ظَاهِرًا مِنْ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } .
وَكَمَا قَالَ : { أَمْ بِظَاهِرٍ مِنْ الْقَوْلِ } ؛ وَإِلَّا فَقَدْ جَاءَ هَذَا الْغَاسِلُ لِرَأْسِهِ بِمَا أُمِرَ بِهِ وَزِيَادَةٍ عَلَيْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذِهِ زِيَادَةٌ خَرَجَتْ عَنْ اللَّفْظِ الْمُتَعَبَّدِ بِهِ .
قُلْنَا : وَلَمْ يَخْرُجْ عَنْ مَعْنَاهُ فِي إيصَالِ الْفِعْلِ إلَى الْمَحَلِّ وَتَحْقِيقِ التَّكْلِيفِ فِي التَّطْهِيرِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : فِي تَجْدِيدِ الْمَاءِ لِكُلِّ عُضْوٍ : وَكَذَلِكَ فَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { أَنَّهُ أَدْخَلَ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ يَدَهُ ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَمَسَحَ رَأْسَهُ ، ثُمَّ أَدْخَلَ يَدَهُ فَغَسَلَ رِجْلَيْهِ } .
وَعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ أَنَّهُ " رَأَى { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ وَمَسَحَ رَأْسَهُ بِمَاءٍ غَيْرِ مَاءِ فَضْلِ يَدَيْهِ } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : وَهُوَ صَحِيحٌ ، وَصَحَّ أَيْضًا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ بِرَأْسِهِ مُطْلَقًا } .
وَكَذَلِكَ وَرَدَتْ الْأَخْبَارُ كُلُّهَا فِي أَعْضَاءِ الْوُضُوءِ ، وَرَدَتْ مُقَيَّدَةً ، وَالْمُقَيَّدُ أَوْلَى مِنْ الْمُطْلَقِ ؛ لِاحْتِمَالِ الْمُطْلَقِ وَتَنْصِيصِ الْمُقَيَّدِ .
وَقَدْ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ مِنْ أَصْحَابِنَا : يَمْسَحُ رَأْسَهُ بِبَلَلِ لِحْيَتِهِ ، وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : جَوَازُ اسْتِعْمَالِ الْمَاءِ الْمُسْتَعْمَلِ .
وَالثَّانِي : وُجُوبُ نَقْلِ الْمَاءِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ : نَشَأَ مِنْ أَصْحَابِنَا مَنْ يَرَى نَفْسَهُ مِنْ أَهْلِ الِاسْتِنْبَاطِ ، وَلَيْسَ مِنْهُ ، مِنْ قَوْلِ عَبْدِ الْمَلِكِ أَنَّهُ يَمْسَحُ رَأْسَهُ مِنْ بَلَلِ لِحْيَتِهِ نَقْلُ الْمَاءِ إلَى الْعُضْوِ ، وَلَيْسَ فِيهِ مِنْ الْفِقْهِ أَكْثَرُ مِنْ أَنَّ الْمَسْحَ مَبْنِيٌّ عَلَى التَّخْفِيفِ ؛ فَيَكْفِي مِنْهُ مَا يَظْهَرُ عَلَى الْيَدِ وَعَلَى الْعُضْوِ الْمَمْسُوحِ ؛ فَأَمَّا نَقْلُ الْمَاءِ إلَى الْعُضْوِ فَلَا خِلَافَ فِيهِ بَيْنَ الْأَئِمَّةِ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : تَكْرَارُ مَسْحِ الرَّأْسِ : وَذَلِكَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ كَمَا وَصَفَ أَصْحَابُهُ ، فَأَمَّا الْأَحَادِيثُ الصِّحَاحُ كُلُّهَا حَيْثُمَا وَرَدَتْ فَاخْتَلَفَتْ صِفَاتُ وُضُوئِهِ فِيهَا وَكَثْرَةُ الْأَعْدَادِ فِي الْأَعْضَاءِ وَقِلَّتُهَا حَاشَا الرَّأْسِ ، وَجَاءَ فِي بَعْضِهَا عَنْ عُثْمَانَ وَغَيْرِهِ : { تَوَضَّأَ وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ ثَلَاثًا } .
قَالَ أَبُو دَاوُد : وَأَحَادِيثُ عُثْمَانَ الصِّحَاحُ عَلَى أَنَّهُ مَسَحَ رَأْسَهُ مَسْحَةً وَاحِدَةً .
وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي صِفَةِ مَسْحِ الرَّأْسِ : { أَنَّهُ أَقْبَلَ بِيَدَيْهِ وَأَدْبَرَ ، بَدَأَ بِمُقَدَّمِ رَأْسِهِ ، ثُمَّ ذَهَبَ بِهِمَا إلَى قَفَاهُ ، ثُمَّ رَدَّهُمَا إلَى الْمَكَانِ الَّذِي بَدَأَ مِنْهُ } .
وَفِي الْبُخَارِيِّ : { فَأَدْبَرَ بِهِمَا وَأَقْبَلَ } ؛ وَهُمَا صَحِيحَانِ مُتَوَافِقَانِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الصَّحِيحِ ؛ وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ فِي تَسْمِيَةِ الْفِعْلِ بِابْتِدَائِهِ وَبِغَايَتِهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَسْحُ لِرَأْسِهِ بِيَدَيْهِ ، فَلَوْ مَسَحَ بِيَدٍ وَاحِدَةٍ أَجْزَأَهُ قَالَ ابْنُ سُفْيَانَ : حَتَّى لَوْ مَسَحَ رَأْسَهُ بِإِصْبَعٍ وَاحِدَةٍ لَأَجْزَأَهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ .
وَذَلِكَ لِأَنَّ هَيْئَةَ الْأَفْعَالِ فِي الْعِبَادَاتِ هَلْ هِيَ رُكْنٌ فِيهَا أَمْ لَا ؟ وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كِتَابِنَا أَنَّهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : مِنْهَا مَا يَتَعَيَّنُ فِي الْعِبَادَةِ كَأَصْلِهَا .
وَالثَّانِي : كَوَضْعِ الْإِنَاءِ بَيْنَ يَدَيْ الْمُتَوَضِّئِ .
وَالثَّالِثُ : كَاغْتِرَافِ الْمَاءِ بِالْيَدِ وَغَسْلِ الْأَعْضَاءِ وَمَسْحِ الرَّأْسِ .
وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْهَيْئَةِ الْمَرْوِيَّةِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْمَسْحِ تَفْسِيرُ الْأَمْرِ ، وَهُوَ أَوْلَى فِي التَّعْمِيمِ ، وَأَقْرَبُ إلَى التَّحْصِيلِ ؛ لِأَنَّ مَا فَاتَهُ فِي الْإِقْبَالِ أَدْرَكَهُ فِي الْإِدْبَارِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : لَمَّا قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ جَمِيعَ الرَّأْسِ أَصْلٌ فِي إيجَابِ عُمُومِهِ ، وَكَانَتْ الْجَبْهَةُ خَارِجَةً عَنْهُ بِالسُّنَّةِ ، وَإِنْ كَانَتْ مِنْهُ بِالْحَقِيقَةِ وَالْخِلْقَةِ ، نَشَأَتْ عَلَيْهِ مَسْأَلَةٌ ، وَهِيَ مَنْزِلَةُ الْأَصْلَعِ وَالْأَنْزَعِ مِنْ الْأَغَمِّ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمَسَائِلِ ؛ وَحُكْمُهُ الْأَظْهَرُ أَنْ يَمْسَحَ مِنْ الرَّأْسِ مِقْدَارَ الْعَادَةِ عَلَى الْقَوْلِ بِالتَّعْمِيمِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ : الْخِطَابُ لِلْمَرْأَةِ بِالْعِبَادَةِ ، كَمَا هُوَ لِلرَّجُلِ فِي الْوُضُوءِ ، حَتَّى فِي مَسْحِ الرَّأْسِ ؛ لَكِنَّ الْمَرْأَةَ تَمَيَّزَتْ عَنْ الرَّجُلِ بِاسْتِرْسَالِ الدَّلَّالَيْنِ ، فَاخْتَلَفَ آرَاءُ مُتَأَخِّرِي عُلَمَائِنَا ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ أَوْجَبَ مَسْحَ جَمِيعِ شَعْرِ رَأْسِ الْمَرْأَةِ ؛ لِأَنَّ الْفَرْضَ انْتَقَلَ مِنْ الْجِلْدَةِ ، وَبِهِ تَعَلُّقٌ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : تَمْسَحُ مِنْهُ مَا يُوَازِي الْفَرْضَ مِنْ مِقْدَارِ الرَّأْسِ كَمَا قُلْنَاهُ فِي اللِّحْيَةِ آنِفًا ، وَكَمَا يَلْزَمُ فِي الْخُفَّيْنِ مَسْحُ مَا يُقَابِلُ مَحَلَّ الْفَرْضِ مِنْ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : الْقَوْلُ فِي الْأُذُنَيْنِ : وَهُمَا إنْ كَانَتَا مِنْ الرَّأْسِ فَإِنَّهُمَا فِي الْإِشْكَالِ رَأْسٌ ، وَقَدْ تَفَاقَمَ الْخَطْبُ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِيهِمَا ، وَقَدْ بَسَطْنَا الْقَوْلَ فِيهِمَا فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ فِي التَّفْرِيعِ ، وَفِي كُتُبِ الْحَدِيثِ فِي الْآثَارِ .
وَاَلَّذِي يُهَوِّنُ عَلَيْك الْخَطْبَ أَنَّ الْبَارِيَ تَعَالَى قَالَ : { بِرُءُوسِكُمْ } وَلَمْ يَذْكُرْ الْأُذُنَيْنِ ، وَلَوْلَا أَنَّهُمَا دَاخِلَتَانِ فِي حُكْمِ الرَّأْسِ مَا أَهْمَلَهُمَا ، وَمَا كَانَ رَبُّك نَسِيًّا .
وَقَدْ رَوَى صِفَةَ وُضُوءِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَمَاعَةٌ لَمْ أَجِدْ ذِكْرَ الْأُذُنَيْنِ فِيهَا إلَّا الْيَسِيرَ مِنْ الصَّحَابَةِ ، مِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ زَيْدٍ ؛ قَالَ : رَأَيْت { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ فَأَخَذَ مَاءً لِأُذُنَيْهِ خِلَافَ الْمَاءِ الَّذِي أَخَذَ لِرَأْسِهِ } .
وَمِنْهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبَّاسٍ ، رَوَى : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَ رَأْسَهُ وَأُذُنَيْهِ بَاطِنَهُمَا بِالسِّبَابَتَيْنِ وَظَاهِرَهُمَا بِإِبْهَامَيْهِ } ؛ وَصَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَمِنْهُمْ الرُّبَيِّعُ بِنْتُ مُعَوِّذٍ ؛ قَالَتْ : رَأَيْت { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ ، وَمَسَحَ رَأْسَهُ مَا أَقْبَلَ مِنْهُ وَمَا أَدْبَرَ ، وَمَسَحَ صُدْغَيْهِ وَأُذُنَيْهِ مَرَّةً وَاحِدَةً } .
صَحَّحَهُ التِّرْمِذِيُّ .
وَمِنْهُمْ عَمْرُو بْنُ شُعَيْبٍ عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ جَدِّهِ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَّمَ الْوُضُوءَ لِمَنْ سَأَلَهُ بِأَنْ تَوَضَّأَ لَهُ ، ثُمَّ مَسَحَ رَأْسَهُ ، وَأَدْخَلَ إصْبَعَيْهِ السَّبَّابَتَيْنِ فِي أُذُنَيْهِ ، وَمَسَحَ بِإِبْهَامَيْهِ ظَاهِرَهُمَا } .
وَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حُكْمِ الْأُذُنَيْنِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُمَا مِنْ الرَّأْسِ حُكْمًا ؛ قَالَهُ ابْنُ الْمُبَارَكِ وَالثَّوْرِيُّ وَغَيْرُهُمَا .
الثَّانِي : أَنَّهُمَا مِنْ الْوَجْهِ قَالَهُ الزُّهْرِيُّ .
الثَّالِثُ : قَالَ الشَّعْبِيُّ وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ

: يَغْسِلُ مَا أَقْبَلَ مِنْهُمَا مَعَ الْوَجْهِ ، وَيَمْسَحُ مَا أَدْبَرَ مِنْهُمَا مَعَ الرَّأْسِ ، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ .
أَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا مِنْ الرَّأْسِ فَلِأَنَّ الصَّحَابَةَ لَمْ تَذْكُرْهُمَا فِي الْوُضُوءِ ؛ وَهَذَا ضَعِيفٌ قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا ذَكَرَتْهُمَا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ إنَّهُمَا مِنْ الْوَجْهِ فَنَزَعَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي سُجُودِهِ : { سَجَدَ وَجْهِي لِلَّذِي خَلَقَهُ وَصَوَّرَهُ وَشَقَّ سَمْعَهُ وَبَصَرَهُ } وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِوَجْهِهِ جُمْلَتَهُ ، وَالسَّمْعُ وَإِنْ كَانَ فِي الرَّأْسِ ، وَالْبَصَرُ وَإِنْ كَانَ فِي الْوَجْهِ فَالْكُلُّ مُضَافٌ إلَى الْوَجْهِ ؛ لِأَنَّهُ اسْمٌ لِلْجَارِحَةِ وَلِلْقَصْدِ ، فَأَضَافَهُ إلَى الِاسْمِ الْعَامِّ لِلْمَعْنَيَيْنِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ بِالْفَرْقِ فَلَا مَعْنَى لَهُ فَإِنَّهُ تَحَكُّمٌ لَا تَعْضُدُهُ لُغَةٌ ، وَلَا تَشْهَدُ لَهُ شَرِيعَةٌ .
وَالصَّحِيحُ أَلَّا يَشْتَغِلَ بِهِمَا ، هَلْ هُمَا مِنْ الرَّأْسِ أَوْ مِنْ الْوَجْهِ ؟ وَأَنْ يَعْتَمِدَ عَلَى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَسَحَهُمَا ، فَبَيَّنَ مَسْحَ الرَّأْسِ ، وَأَنَّهُمَا يُمْسَحَانِ كَمَا يُمْسَحُ الرَّأْسُ ، وَهُمَا مُضَافَانِ إلَيْهِ شَرْعًا ؛ لِأَنَّهُ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَإِذَا مَسَحَ رَأْسَهُ خَرَجَتْ خَطَايَا رَأْسِهِ ، حَتَّى تَخْرُجَ مِنْ أُذُنَيْهِ .

الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ أَرْبَعِينَ : الْبَيَاضُ الَّذِي بَيْنَ الْأُذُنَيْنِ وَالرَّأْسِ الْخَالِي مِنْ الشَّعْرِ : اخْتَلَفَ فِيهِ عُلَمَاؤُنَا ؛ هَلْ يُمْسَحُ أَمْ لَا ؟ وَلَيْسَ عِنْدِي بِمَقْصُودٍ ، لَا فِي الرَّأْسِ ، وَلَا فِي الْأُذُنَيْنِ ، لَكِنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَتْرُكَهُ مَنْ يَسْتَوْثِقُ فِي مَسْحِ رَأْسِهِ وَلَا يَلْزَمُهُ أَنْ يَقْصِدَهُ لِأَنَّهُ لَيْسَ عِنْدِي مِنْهُ .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَرْجُلَكُمْ } : ثَبَتَتْ الْقِرَاءَةُ فِيهَا بِثَلَاثِ رِوَايَاتٍ : الرَّفْعُ ، قَرَأَ بِهِ نَافِعٌ ، رَوَاهُ عَنْهُ الْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْأَعْمَشِ وَالْحَسَنِ .
وَالنَّصْبُ ، رَوَى أَبُو عَبْدِ الرَّحْمَنِ السُّلَمِيُّ قَالَ : قَرَأَ عَلَيَّ الْحَسَنُ أَوْ الْحُسَيْنُ فَقَرَأَ قَوْلَهُ : { وَأَرْجُلَكُمْ } فَسَمِعَ عَلِيٌّ ذَلِكَ ، وَكَانَ يَقْضِي بَيْنَ النَّاسِ ، فَقَالَ : وَأَرْجُلَكُمْ بِالنَّصْبِ ، هَذَا مِنْ مُقَدَّمِ الْكَلَامِ وَمُؤَخَّرِهِ .
وَقَرَأَ ابْنُ عَبَّاسٍ مِثْلَهُ .
وَقَرَأَ أَنَسٌ وَعَلْقَمَةُ وَأَبُو جَعْفَرٍ بِالْخَفْضِ .
وَقَالَ مُوسَى بْنُ أَنَسٍ لِأَنَسٍ : يَا أَبَا حَمْزَةَ ، إنَّ الْحَجَّاجَ خَطَبَنَا بِالْأَهْوَازِ وَنَحْنُ مَعَهُ ، فَذَكَرَ الطَّهُورَ ، فَقَالَ : اغْسِلُوا حَتَّى ذَكَرَ الرِّجْلَيْنِ وَغَسَلَهُمَا وَغَسَلَ الْعَرَاقِيبَ وَالْعَرَاقِبَ ، فَقَالَ أَنَسٌ : صَدَقَ اللَّهُ وَكَذَبَ الْحُجَّاجُ .
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ } قَالَ : فَكَانَ أَنَسٌ إذَا مَسَحَ قَدَمَيْهِ بَلَّهُمَا وَقَالَ : نَزَلَ الْقُرْآنُ بِالْمَسْحِ ، وَجَاءَتْ السُّنَّةُ بِالْغَسْلِ .
وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ افْتَرَضَ اللَّهُ مَسْحَيْنِ وَغَسْلَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ عِكْرِمَةُ وَالشَّعْبِيُّ .
وَقَالَ : مَا كَانَ عَلَيْهِ الْغَسْلُ جُعِلَ عَلَيْهِ التَّيَمُّمُ ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ الْمَسْحُ أُسْقِطَ .
وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ التَّخْيِيرَ بَيْنَ الْغَسْلِ وَالْمَسْحِ ، وَجَعَلَ الْقِرَاءَتَيْنِ كَالرِّوَايَتَيْنِ فِي الْخَبَرِ يُعْمَلُ بِهِمَا إذَا لَمْ يَتَنَاقَضَا .
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَطَفَ الرِّجْلَيْنِ عَلَى الرَّأْسِ ، فَقَدْ يُنْصَبُ عَلَى خِلَافِ إعْرَابِ الرَّأْسِ أَوْ يُخْفَضُ مِثْلُهُ ؛ وَالْقُرْآنُ نَزَلَ بِلُغَةِ الْعَرَبِ ، وَأَصْحَابِهِ رُءُوسُهُمْ وَعُلَمَاؤُهُمْ لُغَةً وَشَرْعًا .
وَقَدْ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ الْمَسْأَلَةَ مُحْتَمَلَةٌ لُغَةً مُحْتَمَلَةٌ شَرْعًا ، لَكِنْ

تُعَضَّدُ حَالَةُ النَّصْبِ عَلَى حَالَةِ الْخَفْضِ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَسَلَ وَمَا مَسَحَ قَطُّ ، وَبِأَنَّهُ رَأَى قَوْمًا تَلُوحُ أَعْقَابُهُمْ ، فَقَالَ { : وَيْلٌ لِلْأَعْقَابِ مِنْ النَّارِ } ، { وَ وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنْ النَّارِ } .
فَتَوَعَّدَ بِالنَّارِ عَلَى تَرْكِ إيعَابِ غَسْلِ الرِّجْلَيْنِ ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى الْوُجُوبِ بِلَا خِلَافٍ ، وَتَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ قَالَ إنَّ الرِّجْلَيْنِ مَمْسُوحَتَانِ لَمْ يَعْلَمْ بِوَعِيدِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى تَرْكِ إيعَابِهِمَا .
وَطَرِيقُ النَّظَرِ الْبَدِيعِ أَنَّ الْقِرَاءَتَيْنِ مُحْتَمَلَتَانِ ، وَأَنَّ اللُّغَةَ تَقْضِي بِأَنَّهُمَا جَائِزَتَانِ ، فَرَدَّهُمَا الصَّحَابَةُ إلَى الرَّأْسِ مَسْحًا ، فَلَمَّا قَطَعَ بِنَا حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَقَفَ فِي وُجُوهِنَا وَعِيدُهُ ، قُلْنَا : جَاءَتْ السُّنَّةُ قَاضِيَةً بِأَنَّ النَّصْبَ يُوجِبُ الْعَطْفَ عَلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ ، وَدَخَلَ بَيْنَهُمَا مَسْحُ الرَّأْسِ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ وَظِيفَتُهُ كَوَظِيفَتِهِمَا ؛ لِأَنَّهُ مَفْعُولٌ قَبْلَ الرِّجْلَيْنِ لَا بَعْدَهُمَا ، فَذُكِرَ لِبَيَانِ التَّرْتِيبِ لَا لِيَشْتَرِكَا فِي صِفَةِ التَّطْهِيرِ ، وَجَاءَ الْخَفْضُ لِيُبَيِّنَّ أَنَّ الرِّجْلَيْنِ يُمْسَحَانِ حَالَ الِاخْتِيَارِ عَلَى حَائِلٍ ، وَهُمَا الْخُفَّانِ بِخِلَافِ سَائِرِ الْأَعْضَاءِ ، فَعَطَفَ بِالنَّصْبِ مَغْسُولًا عَلَى مَغْسُولٍ ، وَعَطَفَ بِالْخَفْضِ مَمْسُوحًا عَلَى مَمْسُوحٍ ، وَصَحَّ الْمَعْنَى فِيهِ .
فَإِنْ قِيلَ : أَنْتُمْ وَإِنْ قَرَأْتُمُوهَا بِالنَّصْبِ فَهِيَ عَطْفٌ عَلَى الرُّءُوسِ مَوْضِعًا ، فَإِنَّ الرُّءُوسَ وَإِنْ كَانَتْ مَجْرُورَةً لَفْظًا فَهِيَ مَنْصُوبَةٌ مَعْنًى ؛ لِأَنَّهَا مَفْعُولَةٌ ، فَكَيْفَ قَرَأْتهَا خَفْضًا أَوْ نَصْبًا فَوَظِيفَتُهَا الْمَسْحُ مِثْلُ الَّذِي عُطِفَ عَلَيْهِ .
قُلْنَا : يُعَارِضُهُ أَنَّا وَإِنْ قَرَأْنَاهَا خَفْضًا ، وَظَهَرَ أَنَّهَا مَعْطُوفَةٌ عَلَى الرُّءُوسِ فَقَدْ يُعْطَفُ الشَّيْءُ عَلَى الشَّيْءِ بِفِعْلٍ يَنْفَرِدُ بِهِ أَحَدُهُمَا ، كَقَوْلِهِ : عَلَفْتهَا تِبْنًا وَمَاءً بَارِدًا

وَرَأَيْت زَوْجَك فِي الْوَغَى مُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَرُمْحًا فِعْلًا فَرُوعَ الْأَيْهَقَانِ وَأَطْفَلَتْ بِالْجَلْهَتَيْنِ ظِبَاؤُهَا وَنِعَامُهَا وَكَقَوْلِهِ : شَرَّابُ أَلْبَانٍ وَتَمْرٍ وَأَقِطٍ تَقْدِيرُهُ : عَلَفْتهَا تِبْنًا وَسَقَيْتهَا مَاءً .
وَمُتَقَلِّدًا سَيْفًا وَحَامِلًا رُمْحًا ، وَأَطْفَلَتْ بِالْجَلْهَتَيْنِ ظِبَاؤُهَا وَفَرَّخَتْ نِعَامُهَا .
وَشَرَّابُ أَلْبَانٍ وَآكِلُ تَمْرٍ وَأَقِطٍ .
فَإِنْ قِيلَ : هَاهُنَا عَطَفَ وَشَرَكَ فِي الْفِعْلِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ مَفْعُولًا اتِّكَالًا عَلَى فَهْمِ السَّامِعِ لِلْحَقِيقَةِ .
قُلْنَا : وَهَا هُنَا عَطَفَ الرِّجْلَيْنِ عَلَى الرُّءُوسِ وَشَرَكَهُمَا فِي فِعْلِهِمَا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهِ مَفْعُولُهُ ، تَعْوِيلًا عَلَى بَيَانِ الْمَبْلَغِ ، فَقَدْ بَلَغَ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَيْضًا أَنَّهَا تَكُونُ مَمْسُوحَةً تَحْتَ الْخُفَّيْنِ ؛ وَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي الْبَيَانِ ؛ وَقَدْ أَفْرَدْنَاهَا مُسْتَقِلَّةً فِي جُزْءٍ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : إذَا ثَبَتَ وَجْهُ التَّأْوِيلِ فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ فَإِنَّهَا أَصْلٌ فِي الشَّرِيعَةِ وَعَلَامَةٌ مُفَرِّقَةٌ بَيْنَ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْبِدْعَةِ ، وَرَدَتْ بِهِ الْأَخْبَارُ .
فَإِنْ قِيلَ : هِيَ أَخْبَارُ آحَادٍ ، وَخَبَرُ الْوَاحِدِ عِنْدَ الْمُبْتَدِعَةِ بَاطِلٌ .
قُلْنَا : خَبَرُ الْوَاحِدِ أَصْلٌ عَظِيمٌ لَا يُنْكِرُهُ إلَّا زَائِغٌ ، وَقَدْ أَجْمَعَتْ الصَّحَابَةُ عَلَى الرُّجُوعِ إلَيْهِ ، وَقَدْ جَمَعْنَاهُ فِي جُزْءٍ .
الْجَوَابُ الثَّانِي : إنَّهَا مَرْوِيَّةٌ تَوَاتُرًا ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ اتَّفَقَتْ عَلَى نَقْلِهَا خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ ، وَإِنْ أُضِيفَتْ إلَى آحَادٍ ، كَمَا أُضِيفَ اخْتِلَافُ الْقِرَاءَاتِ إلَى الْقُرَّاءِ فِي نَقْلِ الْقُرْآنِ ، وَهُوَ مُتَوَاتِرٌ .
وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَامَ فِيهَا فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : قَوْله تَعَالَى : { إلَى الْكَعْبَيْنِ } : اُخْتُلِفَ فِيهِمَا ؛ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ وَالْجَمَاعَةُ : إنَّهُمَا الْعَظْمَاتُ النَّاتِئَانِ فِي الْمِفْصَلِ بَيْنَ السَّاقِ وَالرِّجْلِ .
وَقَدْ قَالَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ : إنَّهُمَا الْعَظْمَاتُ النَّاتِئَانِ فِي وَجْهِ الْقَدَمِ ؛ وَبِهِ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ .
وَقَالَ الْخَلِيلُ : الْكَعْبُ هُوَ الَّذِي بَيْنَ السَّاقِ وَالْقَدَمِ .
وَالْعَقِبُ هُوَ مَعْقِدُ الشِّرَاكِ ، وَتَقْتَضِي لُغَةُ الْعَرَبِ أَنَّ كُلَّ نَاتِئٍ كَعْبٌ ، يُقَالُ : كَعْبُ ثَدْيِ الْمَرْأَةِ إذَا بَرَزَ عَنْ صَدْرِهَا .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الَّذِي يُعْقَدُ فِيهِ الشِّرَاكُ ، لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ لَيْسَ مَشْهُورًا فِي اللُّغَةِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَا يَتَحَصَّلُ بِهِ غَسْلُ الرِّجْلَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِغَايَةٍ لَهُمَا وَلَا بِبَعْضِ مَعْلُومٍ مِنْهُمَا ، وَالْإِحَالَةُ عَلَى الْمَجْهُولِ فِي التَّكْلِيفِ لَا تَجُوزُ إلَّا بِالْبَيَانِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ قُرْآنًا ، وَلَا مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُنَّةٌ ؛ فَبَطَلَ ؛ بَلْ جَاءَتْ السُّنَّةُ بِضِدِّهَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { : وَيْلٌ لِلْعَرَاقِيبِ مِنْ النَّارِ } .
وَهَذَا يُبْطِلُ أَنْ يَكُونَ مَعْقِدُ الشِّرَاكِ حِذَاءَهُ لَا فَوْقَهُ ، يَعْضُدُهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ : { وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ } وَلَوْ قَالَ : أَرَادَ مَعْقِدَ الشِّرَاكِ لَقَالَ إلَى الْكِعَابِ ، كَمَا قَالَ : { إنْ تَتُوبَا إلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا } لَمَّا كَانَ لِكُلِّ وَاحِدَةٍ قَلْبٌ وَاحِدٌ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ فِي كُلِّ رِجْلٍ كَعْبَيْنِ اثْنَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : الْقَوْلُ فِي دُخُولِ الرِّجْلَيْنِ فِي الْكَعْبَيْنِ كَالْقَوْلِ فِي دُخُولِ الْمَرَافِقِ فِي الْوُضُوءِ سَوَاءٌ ؛ لِأَنَّ الْكَعْبَ فِي السَّاقِ ، كَمَا أَنَّ الْمِرْفَقَ فِي الْعَضُدِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا هُوَ فِي غَيْرِ الْمَذْكُورِ مِنْهُمَا ؛ لِأَنَّك إذَا غَسَلْت السَّاعِدَ إلَى

الْمِرْفَقِ فَالْمِرْفَقُ آخِرُ الْعَضُدِ ، وَإِذَا غَسَلْت الْقَدَمَ إلَى الْكَعْبَيْنِ فَالْكَعْبَانِ آخِرَ السَّاقَيْنِ ، فَرَكِّبْهُ عَلَيْهِ وَافْهَمْهُ مِنْهُ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : فِي تَخْلِيلِ الْأَصَابِعِ فِي الْوُضُوءِ : وَذَلِكَ فِي الْيَدَيْنِ وَالرِّجْلَيْنِ ؛ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : وَهُوَ وَاجِبٌ فِي الْيَدَيْنِ مُسْتَحَبٌّ فِي الرِّجْلَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ .
وَقِيلَ : إنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ فِي الْجَمِيعِ ، لِمَا رَوَى حُذَيْفَةُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { خَلِّلُوا بَيْنَ الْأَصَابِعِ لَا تَتَخَلَّلُهَا النَّارُ } .
وَقَالَ الْمُسْتَوْرِدُ بْنُ شَدَّادٍ : { رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُدَلِّكُ بِخِنْصَرِهِ مَا بَيْنَ أَصَابِعِ رِجْلَيْهِ } .
وَالْحَقُّ أَنَّهُ وَاجِبٌ فِي الْيَدَيْنِ عَلَى الْقَوْلِ بِالدَّلْكِ ، غَيْرُ وَاجِبٍ فِي الرِّجْلَيْنِ ، لِأَنَّ تَخْلِيلَهَا بِالْمَاءِ يُقَرِّحُ بَاطِنَهَا ، وَقَدْ شَاهَدْنَا ذَلِكَ ، وَمَا عَلَيْنَا فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ ، فَكَيْفَ فِي تَخْلِيلٍ تَتَقَرَّحُ بِهِ الْأَقْدَامُ ،

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : نَزَعَ عُلَمَاؤُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ إلَى أَنَّ إزَالَةَ النَّجَاسَةِ غَيْرُ وَاجِبَةٍ ، لِأَنَّهُ قَالَ : { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ } ؛ تَقْدِيرُهُ كَمَا سَبَقَ : وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ ، فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ ، فَلَمْ يَذْكُرْ الِاسْتِنْجَاءَ ، وَذَكَرَ الْوُضُوءَ ، وَلَوْ كَانَ وَاجِبًا لَكَانَ أَوَّلَ مَبْدُوءٍ بِهِ ، وَهِيَ رِوَايَةُ أَشْهَبَ عَنْ مَالِكٍ .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : لَا تُجْزِئُ الصَّلَاةُ بِهَا لَا ذَاكِرًا وَلَا نَاسِيًا ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : تَجِبُ مَعَ الذِّكْرِ وَتَسْقُطُ مَعَ النِّسْيَانِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَجِبُ إزَالَةُ النَّجَاسَةِ إذَا زَادَتْ عَلَى قَدْرِ الدِّرْهَمِ الْبَغْلِيِّ يُرِيدُ الْكَبِيرَ الَّذِي هُوَ عَلَى هَيْئَةِ الْمِثْقَالِ قِيَاسًا عَلَى فَمِ الْمَخْرَجِ الْمُعْتَادِ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ ، وَتَوْجِيهُ ذَلِكَ وَتَفْرِيعُهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَكُتُبِ الْفُرُوعِ .
وَالصَّحِيحُ رِوَايَةُ ابْنِ وَهْبٍ .
وَلَا حُجَّةَ فِي ظَاهِرِ الْقُرْآنِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى إنَّمَا بَيَّنَ فِي آيَةِ الْوُضُوءِ صِفَةَ الْوُضُوءِ خَاصَّةً ، وَلِلصَّلَاةِ شُرُوطٌ : مِنْ اسْتِقْبَالِ الْكَعْبَةِ ، وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ ، وَإِزَالَةِ النَّجَاسَةِ ، وَبَيَانُ كُلِّ شَرْطٍ مِنْهَا فِي مَوْضِعِهِ وَسَنَتَكَلَّمُ عَلَى ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى أَعْضَاءَ الْوُضُوءِ وَتَرْتِيبَهَا وَأَمَرَ بِغَسْلِهَا مُعَقَّبَةً ، فَهَلْ يَلْزَمُ كُلَّ مُكَلَّفٍ أَنْ تَكُونَ مَفْعُولَةً مَجْمُوعَةً فِي الْفِعْلِ كَجَمْعِهَا فِي الذِّكْرِ ، أَوْ يُجْزِئُ التَّفْرِيقُ فِيهَا ؟ فَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَكِتَابِ مُحَمَّدٍ : إنَّ التَّوَالِيَ سَاقِطٌ ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ : إنْ فَرَّقَهُ مُتَعَمِّدًا لَمْ يُجْزِهِ ، وَيُجْزِيهِ نَاسِيًا .
وَقَالَ ابْنُ وَهْبٍ : لَا يُجْزِيهِ نَاسِيًا وَلَا مُتَعَمِّدًا .
وَقَالَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ حَبِيبٍ : يُجْزِيهِ فِي الْمَغْسُولِ وَلَا يُجْزِيهِ فِي الْمَمْسُوحِ .
وَقَالَ ابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : يُجْزِيهِ نَاسِيًا وَمُتَعَمِّدًا .
فَهَذِهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ الْأَصْلُ فِيهَا : أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَمَرَ أَمْرًا مُطْلَقًا فَوَالِ أَوْ فَرِّقْ ، وَلَيْسَ لِهَذِهِ الْمَسْأَلَةِ مُتَعَلِّقٌ بِالْفَوْرِ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالْفَوْرِ الْأَمْرُ بِأَصْلِ الْوُضُوءِ خَاصَّةً .
وَالْأَصْلُ الثَّانِي : أَنَّهَا عِبَادَةٌ ذَاتُ أَرْكَانٍ مُخْتَلِفَةٍ ، فَوَجَبَ فِيهَا التَّوَالِي كَالصَّلَاةِ ، وَبِهَذَا نَقُولُ : إنَّهُ يَلْزَمُ الْمُوَالَاةُ مَعَ الذِّكْرِ وَالنِّسْيَانِ كَالصَّلَاةِ إلَّا أَنْ يَكُونَ يَسِيرًا ، فَهُوَ مَعْفُوٌّ عَنْهُ .
وَأَمَّا مُتَعَلِّقُ الْفَرْقِ بَيْنَ الذِّكْرِ وَالنِّسْيَانِ فَإِنَّ التَّوَالِيَ صِفَةٌ مِنْ صِفَاتِ الطَّهَارَةِ ، فَافْتَرَقَ فِيهَا الذِّكْرُ وَالنِّسْيَانُ ، كَالتَّرْتِيبِ .
وَاعْتِبَارُ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِ الْعِبَادَةِ بِصِفَةٍ أَوْلَى مِنْ اعْتِبَارِ عِبَادَةٍ بِعِبَادَةٍ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : فِي تَحْقِيقِ مَعْنًى لَمْ يَتَفَطَّنْ لَهُ أَحَدٌ حَاشَا مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، لِعَظِيمِ إمَامَتِهِ ، وَسَعَةِ دِرَايَتِهِ ، وَثَاقِبِ فِطْنَتِهِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ } الْآيَةَ .
{ وَتَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً مَرَّةً وَمَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَمَرَّتَيْنِ فِي بَعْضِ أَعْضَائِهِ وَثَلَاثًا فِي بَعْضِهَا فِي وُضُوءٍ وَاحِدٍ } ، فَظَنَّ بَعْضُ النَّاسِ بَلْ كُلُّهُمْ أَنَّ الْوَاحِدَةَ فَرْضٌ ، وَالثَّانِيَةَ فَضْلٌ ، وَالثَّالِثَةَ مِثْلُهَا ، وَالرَّابِعَةَ تَعَدٍّ ، وَأَعْلَنُوا بِذَلِكَ فِي الْمَجَالِسِ ، وَدَوَّنُوهُ فِي الْقَرَاطِيسِ ؛ وَلَيْسَ كَمَا زَعَمُوا وَإِنْ كَثُرُوا ، فَالْحَقُّ لَا يُكَالُ بِالْقُفْزَانِ ، وَلَيْسَ سَوَاءً فِي دَرْكِهِ الرِّجَالُ وَالْوِلْدَانِ .
اعْلَمُوا وَفَّقَكُمْ اللَّهُ أَنَّ قَوْلَ الرَّاوِي : إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ وَثَلَاثًا أَنَّهُ أَوْعَبَ بِوَاحِدَةٍ ، وَجَاءَ بِالثَّانِيَةِ وَالثَّالِثَةُ زَائِدَةً فَإِنَّ هَذَا غَيْبٌ لَا يُدْرِكُهُ بَشَرٌ ؛ وَإِنَّمَا رَأَى الرَّاوِي أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ غَرَفَ لِكُلِّ عُضْوٍ مَرَّةً ، فَقَالَ : تَوَضَّأَ مَرَّةً ، وَهَذَا صَحِيحٌ صُورَةً وَمَعْنًى ؛ ضَرُورَةً أَنَّا نَعْلَمُ قَطْعًا أَنَّهُ لَوْ لَمْ يُوعِبْ الْعُضْوَ بِمَرَّةٍ لَأَعَادَ ؛ وَأَمَّا إذَا زَادَ عَلَى غَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ فِي الْعُضْوِ أَوْ غَرْفَتَيْنِ فَإِنَّنَا لَا نَتَحَقَّقُ أَنَّهُ أَوْعَبَ الْفَرْضَ فِي الْغَرْفَةِ الْوَاحِدَةِ وَجَاءَ مَا بَعْدَهَا فَضْلًا ، أَوْ لَمْ يُوعِبْ فِي الْوَاحِدَةِ وَلَا فِي الِاثْنَتَيْنِ حَتَّى زَادَ عَلَيْهَا بِحَسَبِ الْمَاءِ وَحَالِ الْأَعْضَاءِ فِي النَّظَافَةِ وَتَأْتِي حُصُولُ التَّلَطُّفِ فِي إدَارَةِ الْمَاءِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ عَلَيْهَا ، فَيُشْبِهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرَادَ أَنْ يُوَسِّعَ عَلَى أُمَّتِهِ بِأَنْ يُكَرِّرَ لَهُمْ الْفِعْلَ ، فَإِنَّ

أَكْثَرَهُمْ لَا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُوعِبَ بِغَرْفَةٍ وَاحِدَةٍ ، فَجَرَى مَعَ اللُّطْفِ بِهِمْ وَالْأَخْذِ لَهُمْ بِأَدْنَى أَحْوَالِهِمْ إلَى التَّخَلُّصِ ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا لَمْ يُوَقِّتْ مَالِكٌ فِي الْوُضُوءِ مَرَّةً وَلَا مَرَّتَيْنِ وَلَا ثَلَاثًا إلَّا مَا أَسْبَغَ .
قَالَ : وَقَدْ اخْتَلَفَتْ الْآثَارُ فِي التَّوْقِيتِ ، يُرِيدُ اخْتِلَافًا يُبَيِّنُ أَنَّ الْمُرَادَ مَعْنَى الْإِسْبَاغِ لَا صُورَةُ الْأَعْدَادِ ، وَقَدْ تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَمَا تَقَدَّمَ ، فَغَسَلَ وَجْهَهُ بِثَلَاثِ غَرَفَاتٍ ، وَيَدَهُ بِغَرْفَتَيْنِ ، لِأَنَّ الْوَجْهَ ذُو غُضُونٍ وَدَحْرَجَةٍ وَاحْدِيدَابٍ ، فَلَا يَسْتَرْسِلُ الْمَاءُ عَلَيْهِ فِي الْأَغْلَبِ مِنْ مَرَّةٍ بِخِلَافِ الذِّرَاعِ فَإِنَّهُ مُسَطَّحٌ فَيَسْهُلُ تَعْمِيمُهُ بِالْمَاءِ وَإِسَالَتُهُ عَلَيْهَا أَكْثَرَ مِمَّا يَكُونُ ذَلِكَ فِي الْوَجْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ { تَوَضَّأَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَرَّةً مَرَّةً ، وَقَالَ : هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ } .
{ وَتَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ ، وَقَالَ : مَنْ تَوَضَّأَ مَرَّتَيْنِ مَرَّتَيْنِ آتَاهُ اللَّهُ أَجْرَهُ مَرَّتَيْنِ } .
{ ثُمَّ تَوَضَّأَ ثَلَاثًا ثَلَاثًا ، وَقَالَ : هَذَا وُضُوئِي وَوُضُوءُ الْأَنْبِيَاءِ مِنْ قَبْلِي ، وَوُضُوءُ أَبِي إبْرَاهِيمَ } .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا أَعْدَادٌ مُتَفَاوِتَةٌ زَائِدَةٌ عَلَى الْإِسْبَاغِ ، يَتَعَلَّقُ الْأَجْرُ بِهَا مُضَاعَفًا عَلَى حَسَبِ مَرَاتِبِهَا .
قُلْنَا : هَذِهِ الْأَحَادِيثُ لَمْ تَصِحَّ ، وَقَدْ أَلْقَيْت إلَيْكُمْ وَصِيَّتِي فِي كُلِّ وَقْتٍ وَمَجْلِسٍ أَلَّا تَشْتَغِلُوا مِنْ الْأَحَادِيثِ بِمَا لَا يَصِحُّ سَنَدُهُ ، فَكَيْفَ يَنْبَنِي مِثْلُ هَذَا الْأَصْلِ عَلَى أَخْبَارٍ لَيْسَ لَهَا أَصْلٌ ؛ عَلَى أَنَّ لَهُ تَأْوِيلًا صَحِيحًا ، وَهُوَ أَنَّهُ { تَوَضَّأَ مَرَّةً مَرَّةً وَقَالَ : هَذَا وُضُوءٌ لَا يَقْبَلُ اللَّهُ الصَّلَاةَ إلَّا بِهِ } فَإِنَّهُ أَقَلُّ مَا يَلْزَمُ ، وَهُوَ الْإِيعَابُ عَلَى ظَاهِرِ هَذِهِ الْأَحَادِيثِ بِحَالِهَا .
ثُمَّ تَوَضَّأَ بِغَرْفَتَيْنِ وَقَالَ : لَهُ أَجْرُهُ

مَرَّتَيْنِ فِي كُلِّ تَكَلُّفِ غَرْفَةٍ ثَوَابٌ .
وَتَوَضَّأَ ثَلَاثًا وَقَالَ : هَذَا وُضُوئِي ؛ مَعْنَاهُ الَّذِي فَعَلْته رِفْقًا بِأُمَّتِي وَسُنَّةً لَهُمْ ؛ وَلِذَلِكَ يُكْرَهُ أَنْ يُزَادَ عَلَى ثَلَاثٍ ؛ لِأَنَّ الْغَرْفَةَ الْأُولَى تَسُنُّ الْعُضْوَ لِلْمَاءِ وَتُذْهِبُ عَنْهُ شُعْثَ التَّصَرُّفِ .
وَالثَّانِيَةُ تَرْحَضُ وَضَرَ الْعُضْوِ ، وَتُدْحِضُ وَهَجَهُ .
وَالثَّالِثَةُ تُنَظِّفُهُ ، فَإِنْ قَصَّرْت دُرْبَةُ أَحَدٍ عَنْ هَذَا كَانَ بَدَوِيًّا جَافِيًا فَيُعَلَّمُ الرِّفْقَ حَتَّى يَتَعَلَّمَ ، وَيُشْرَعُ لَهُ سَبِيلُ الطَّهَارَةِ حَتَّى يَنْهَضَ إلَيْهَا ، وَيَتَقَدَّمَ ؛ وَلِهَذَا قَالَ مَنْ قَالَ : " فَمَنْ زَادَ عَلَى الثَّلَاثِ فَقَدْ أَسَاءَ وَظَلَمَ " .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْأَرْبَعُونَ : لَمَّا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ غَسْلَ الْوَجْهِ مُطْلَقًا ، وَتَمَضْمَضَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَيَّنَ وَجْهَ النَّظَافَةِ فَتَعَيَّنَ فِي ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَا بَيَانَهُ ، ثُمَّ لَازَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ السِّوَاكَ فِعْلًا ، وَنَدَبَ إلَيْهِ أَمْرًا ، حَتَّى قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لَوْلَا أَنْ أَشُقَّ عَلَى أُمَّتِي لَأَمَرْتُهُمْ بِالسِّوَاكِ عِنْدَ كُلِّ وُضُوءٍ } .
وَثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنَّهُ إذَا قَامَ مِنْ اللَّيْلِ يَشُوصُ فَاهُ بِالسِّوَاكِ } ، وَمَا غَفَلَ عَنْهُ قَطُّ ؛ بَلْ كَانَ يَتَعَاهَدُهُ لَيْلًا وَنَهَارًا ، فَهُوَ مَنْدُوبٌ إلَيْهِ ، وَمِنْ سُنَنِ الْوُضُوءِ ، لَا مِنْ فَضَائِلِهِ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ .

الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ خَمْسِينَ : قَوْله تَعَالَى : { فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهُ } : فِي التَّيَمُّمِ ، فَأَدْخَلَ الْبَاءَ فِيهِ ، كَمَا أَدْخَلَهَا فِي قَوْله تَعَالَى : { بِرُءُوسِكُمْ } ؛ وَهُوَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ ، لِيُبَيِّنَ وُجُوبَ الْمَمْسُوحِ بِهِ ؛ وَأَكَّدَهُ بَعْدَ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ : { مِنْهُ } وَقَدْ كَانَ مُسْتَغْنًى عَنْهُ ، وَلَكِنَّهُ تَأْكِيدٌ لِلْبَيَانِ .
وَزَعَمَ الشَّافِعِيَّةُ أَنَّ قَوْلَهُ { مِنْهُ } إنَّمَا جَاءَ لِيُبَيِّنَ وُجُوبَ نَقْلِ التُّرَابِ إلَى الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ فِي التَّيَمُّمِ ؛ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ التَّيَمُّمُ عَلَى التُّرَابِ لَا عَلَى الْحِجَارَةِ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّمَا أَفَادَتْ { مِنْهُ } وُجُوبَ ضَرْبِ الْأَرْضِ بِالْيَدَيْنِ ، فَلَوْلَا ذَلِكَ وَتَرَكْنَا ظَاهِرَ الْقُرْآنِ لَجَازَتْ الْإِشَارَةُ إلَى الصَّعِيدِ وَضَرْبِ الْوَجْهِ وَالْيَدَيْنِ بَعْدَ الْإِشَارَةِ بِالْيَدَيْنِ إلَى الْأَرْضِ ، وَلَكِنَّهُ أَكَّدَ بِقَوْلِهِ { مِنْهُ } لِيَكُونَ الِابْتِدَاءُ بِوَضْعِ الْيَدَيْنِ عَلَى الْأَرْضِ تَعَبُّدًا ، ثُمَّ ضَرَبَ الْوَجْهَ وَالْيَدَيْنِ بَعْدَ ذَلِكَ بِهِمَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَقَرَّرْنَا أَنَّ الصَّعِيدَ وَجْهُ الْأَرْضِ كَيْفَمَا كَانَ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْخَمْسُونَ : فَإِنْ قِيلَ : فَبَيِّنُوا لَنَا بَقِيَّةَ الْآيَةِ .
قُلْنَا : أَمَّا قَوْلُهُ : { وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا } وَحُكْمُ الْمَرَضِ وَالسَّفَرِ وَالْمَجِيءِ مِنْ الْغَائِطِ وَلَمْسِ النِّسَاءِ وَعَدَمِ الْمَاءِ وَالتَّيَمُّمِ بِالصَّعِيدِ الطَّيِّبِ ، فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، فَلَا وَجْهَ لِإِعَادَتِهِ ، وَالْقَوْلُ فِيهَا وَاحِدٌ ، وَإِنْ كَانَتْ اثْنَتَيْنِ فَلْيَنْظُرْ فِيهِمَا فَيَنْتَظِمُ الْمَعْنَى بِهِمَا .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْخَمْسُونَ : فِي تَقْدِيرِ الْآيَةِ وَنِظَامِهَا : [ التَّقْدِيرُ الْأَوَّلُ ] : رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ أَنَّهُ قَالَ : فِي الْآيَةِ تَقْدِيمٌ وَتَأْخِيرٌ ، تَقْدِيرُهُ إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ مِنْ نَوْمٍ ، أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ ، أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ ، فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ ، وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ ، وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ، وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا .
الثَّانِي : تَقْدِيرُهَا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ ، وَاسْتَمَرَّ عَلَيْهَا تِلَاوَةً وَتَقْدِيرًا إلَى آخِرِهَا .
الثَّالِثُ : تَقْدِيرُهَا إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ وَأَنْتُمْ مُحْدِثُونَ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ ، وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُوا ، وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ .
وَتَكُونُ أَوْ بِمَعْنَى الْوَاوِ .

الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى وَاتَّقُوا اللَّهَ إنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ } .
تَقَدَّمَ أَكْثَرُ مَعْنَاهَا فِي سُورَةِ النِّسَاءِ عِنْدَ ذِكْرِنَا لِنَظِيرَتِهَا ، وَنَحْنُ نُعِيدُ ذِكْرَ مَا تَجَدَّدَ هَاهُنَا مِنْهَا ، وَنُعِيدُ مَا تَحْسُنُ إعَادَتُهُ فِيهَا فِي ثَلَاثِ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : نَزَلَتْ فِي الْيَهُودِ ، ذَهَبَ إلَيْهِمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْتَعِينَ بِهِمْ فِي دِيَةِ الْعَامِرِيَّيْنِ اللَّذَيْنِ قَتَلَهُمَا عَمْرُو بْنُ أُمَيَّةَ فَوَعَدُوهُ ثُمَّ هَمُّوا بِغَدْرِهِ ، فَأَعْلَمَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ ، فَخَرَجَ عَنْهُمْ ، وَأَمَرَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَلَّا يُحَمِّلَهُ مَا كَانُوا عَلَيْهِ مِنْ الْحَالَةِ الْمُبْغِضَةِ لَهُمْ عَلَى أَنْ يَخْرُجَ عَنْ الْحَقِّ فِيهَا قَضَاءً أَوْ شَهَادَةً .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ } : أَوْ " قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ " سَوَاءٌ فِي الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّ مَنْ كَانَ قِيَامُهُ لِلَّهِ فَشَهَادَتُهُ وَعَمَلُهُ يَكُونُ بِالْعَدْلِ ، وَمَنْ كَانَ قِيَامُهُ بِالْعَدْلِ فَشَهَادَتُهُ وَعَمَلُهُ لِلَّهِ سُبْحَانَهُ ؛ لِارْتِبَاطِ أَحَدِهِمَا بِالْآخَرِ ارْتِبَاطَ الْأَصْلِ بِالْفَرْعِ ، وَالْأَصْلُ هُوَ الْقِيَامُ لِلَّهِ وَالْعَدْلُ مُرْتَبِطٌ بِهِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا } : يُرِيدُ لَا يَحْمِلَنَّكُمْ بُغْضُ قَوْمٍ عَلَى الْعُدُولِ عَنْ الْحَقِّ ؛ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى نُفُوذِ حُكْمِ الْعَدُوِّ عَلَى عَدُوِّهِ فِي اللَّهِ تَعَالَى ، وَ [ نُفُوذُ ] شَهَادَتِهِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ أَمَرَ بِالْعَدْلِ ، وَإِنْ أَبْغَضَهُ ، وَلَوْ كَانَ حُكْمُهُ عَلَيْهِ وَشَهَادَتُهُ لَا تَجُوزُ فِيهِ مَعَ الْبُغْضِ لَهُ لَمَا كَانَ لِأَمْرِهِ بِالْعَدْلِ فِيهِ وَجْهٌ .
فَإِنْ قِيلَ : الْبُغْضُ وَرَدَ مُطْلَقًا فَلِمَ خَصَّصْتُمُوهُ بِمَا يَكُونُ فِي اللَّهِ تَعَالَى ؟ قُلْنَا : لِأَنَّ الْبُغْضَ فِي غَيْرِهِ لَا يَجُوزُ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتِدَاءً ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَأْمُرَ اللَّهُ أَحَدًا بِقَوْلِ الْحَقِّ عَلَى عَدُوِّهِ مَعَ عَدَاوَةٍ لَا تَحِلُّ ، فَيَكُونُ تَقْرِيرًا لِلْوَصْفِ ، وَفِيهِ أَمْرٌ بِالْمَعْصِيَةِ ؛ وَذَلِكَ مُحَالٌ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ .

الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمْ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمْ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمْ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمْ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلِأُدَخِّلَنكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذَا خِطَابٌ أَخْبَرَ بِهِ عَنْ فِعْلِ مُوسَى مَعَ بَنِي إسْرَائِيلَ ، وَبَعْثِهِ النُّقَبَاءَ مِنْهُمْ إلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ ، لِيَخْتَبِرُوا حَالَ مَنْ بِهَا ، وَيُعْلِمُوهُ بِمَا أَطْلَعُوهُ عَلَيْهِ فِيهَا حَتَّى يَنْظُرُوا فِي الْغَزْوِ إلَيْهَا ؛ وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفِي كِتَابِنَا هَذَا عِنْدَمَا عَرَضَ مِنْهَا مَا يَكُونُ مِثْلَهَا ، وَلَمَّا كَانَ أَصْلُ مَالِكٍ ذَلِكَ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ ، رَكَّبْنَا عَلَيْهِ الْمَسَائِلَ لِكَوْنِهِ مِنْ وَاضِحَاتِ الدَّلَائِلِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يُقْبَلُ خَبَرُ الْوَاحِدِ فِيمَا يَفْتَقِرُ إلَيْهِ الْمَرْءُ وَيَحْتَاجُ إلَى اطِّلَاعِهِ مِنْ حَاجَاتِهِ الدِّينِيَّةِ وَالدُّنْيَوِيَّةِ ، فَيُرَكِّبُ عَلَيْهِ الْأَحْكَامَ ، وَيَرْبِطُ بِهِ الْحَلَالَ وَالْحَرَامَ .
وَقَدْ جَاءَ أَيْضًا مِثْلُهُ فِي الْإِسْلَامِ ، فَقَدْ رُوِيَ { أَنَّ وَفْدَ هَوَازِنَ لَمَّا جَاءُوا تَائِبِينَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَلَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ ، وَسَأَلَهُمْ أَنْ يَتْرُكُوا نَصِيبَهُمْ لَهُمْ مِنْ السَّبْيِ فَقَالُوا قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ : ارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إلَيْنَا } { عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ } ، وَاحِدُهَا عَرِيفٌ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٌ ، أَيْ يَعْرِفُ بِمَا عِنْدَ مَنْ كُلِّفَ أَنْ يَعْرِفَ مَا عِنْدَهُ .
وَمِنْ حَدِيثِ { وَفْدِ هَوَازِنَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطَبَ فَقَالَ : أَمَّا بَعْدُ فَإِنَّ إخْوَانَكُمْ هَؤُلَاءِ قَدْ جَاءُوا تَائِبِينَ ، وَإِنِّي رَأَيْت أَنْ أَرُدَّ عَلَيْهِمْ سَبْيَهُمْ ، فَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَطِيبَ بِذَلِكَ فَلْيَفْعَلْ ، وَمَنْ أَحَبَّ مِنْكُمْ أَنْ يَكُونَ عَلَى حَظِّهِ حَتَّى نُعْطِيَهُ مِنْ أَوَّلِ مَا يَفِيءُ اللَّهُ عَلَيْنَا فَلْيَفْعَلْ .
فَقَالَ النَّاسُ : قَدْ طَيَّبْنَا ذَلِكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَهُمْ ؛ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّا لَا نَدْرِي مَنْ أَذِنَ مِنْكُمْ فِي ذَلِكَ مِمَّنْ لَمْ يَأْذَنْ .
فَارْجِعُوا حَتَّى يَرْفَعَ إلَيْنَا عُرَفَاؤُكُمْ أَمْرَكُمْ .
فَرَجَعَ النَّاسُ فَكَلَّمَهُمْ عُرَفَاؤُهُمْ ، ثُمَّ رَجَعُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرُوهُ أَنَّهُمْ قَدْ طَيَّبُوا وَأَذِنُوا } .
لَفْظُ الْبُخَارِيِّ : وَهُوَ النَّقِيبُ أَوْ مَا فَوْقَهُ ، وَيَنْطَلِقُ بِالْمَعْنَيَيْنِ ، وَقَدْ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَقِيبَ الْأَنْصَارِ .
وَيَنْطَلِقُ فِي اللُّغَةِ عَلَى الْأَمِينِ وَالْكَفِيلِ .
وَاشْتِقَاقُهُ ؛ يُقَالُ : نَقَبَ

الرَّجُلُ عَلَى الْقَوْمِ يَنْقُبُ إذَا صَارَ نَقِيبًا ، وَمَا كَانَ الرَّجُلُ نَقِيبًا ، وَلَقَدْ نَقَبَ ، وَكَذَلِكَ عَرَفَ عَلَيْهِمْ إذَا صَارَ عَرِيفًا ، وَلَقَدْ عَرَفَ ، وَإِنَّمَا قِيلَ لَهُ نَقِيبٌ ؛ لِأَنَّهُ يَعْرِفُ دَخِيلَةَ أَمْرِ الْقَوْمِ وَمَنَاقِبَهُمْ ، وَالْمَنَاقِبُ تُطْلَقُ عَلَى الْخِلْقَةِ الْجَمِيلَةِ وَعَلَى الْأَخْلَاقِ الْحَسَنَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَعَلَى هَذَا انْبَنَى قَبُولُ الْمَرْأَةِ لِزَوْجِهَا فِي الَّذِي يُبَلِّغُهُ إيَّاهَا مِنْ مَسَائِلِ الشَّرِيعَةِ وَأَحْكَامِ الدِّينِ وَدُخُولِ الدَّارِ بِإِذْنِ الْآذِنِ ، وَأَحْكَامٍ كَثِيرَةٍ لَا نُطَوِّلُ بِهَا ؛ فَفِي هَذَا تَنْبِيهٌ عَلَيْهَا وَعَلَى أَنْوَاعِهَا " ، فَأَلْحِقْ كُلَّ شَيْءٍ بِجِنْسِهِ مِنْهَا ، وَمِنْ هَاهُنَا اتَّخَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النُّقَبَاءَ لَيْلَةَ الْعَقَبَةِ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : كَانَتْ الْأَنْصَارُ سَبْعِينَ رَجُلًا يَعْنِي مَالِكٌ يَوْمَ الْعَقَبَةِ ، وَكَانَ مِنْهُمْ اثْنَا عَشَرَ نَقِيبًا ، فَكَانَ أُسَيْدَ بْنُ الْحُضَيْرِ أَحَدَ النُّقَبَاءِ نَقِيبًا .
قَالَ مَالِكٌ : النُّقَبَاءُ تِسْعَةٌ مِنْ الْخَزْرَجِ ، وَثَلَاثَةٌ مِنْ الْأَوْسِ ، مِنْهُمْ أُسَيْدَ بْنُ الْحُضَيْرِ وَعَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ .
وَقَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ : كَانَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ أَحَدَ النُّقَبَاءِ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : عَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنُ حَرَامٍ الْأَنْصَارِيَّيْنِ ثُمَّ الْمُسْلِمِينَ مِنْ النُّقَبَاءِ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : التِّسْعَةُ مِنْ الْخَزْرَجِ هُمْ : أَبُو أُمَامَةَ أَسْعَدُ بْنُ زُرَارَةَ ، وَسَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ بْنِ عَمْرٍو ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ بْنِ امْرِئِ الْقَيْسِ ، وَالْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورِ بْنِ صَخْرٍ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ حَرَامٍ ، وَعُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ ، وَسَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ ، وَالْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو ، وَعَمْرُو بْنُ الْجَمُوحِ .
وَمِنْ الْأَوْسِ أُسَيْدَ بْنُ الْحُضَيْرِ ، وَسَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ ، وَرِفَاعَةُ بْنُ عَبْدِ الْمُنْذِرِ ، وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يَعُدُّ فِيهِمْ أَبَا

الْهَيْثَمِ بْنَ التَّيْهَانِ ؛ فَجَعَلَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نُقَبَاءَ عَلَى مَنْ كَانَ مَعَهُمْ وَعَلَى مَنْ يَأْتِي بَعْدَهُمْ .

الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اُذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنْ الْعَالَمِينَ } .
قَالَ أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ : هُوَ أَنْ يَكُونَ لِلرَّجُلِ مَسْكَنٌ يَأْوِي إلَيْهِ وَامْرَأَةٌ يَتَزَوَّجُهَا وَخَادِمٌ يَخْدُمُهُ .
وَكَذَلِكَ رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالْحَكَمِ ، وَقَتَادَةَ ، زَادَ قَتَادَةُ : كَانَ بَنُو إسْرَائِيلَ أَوَّلَ مَنْ اتَّخَذَ الْخَدَمَةَ ؛ وَفَائِدَةُ ذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ إذَا وَجَبَتْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ وَمَلَكَ دَارًا وَخَادِمًا بَاعَهُمَا فِي الْكَفَّارَةِ وَلَمْ يُجْزِهِ الصِّيَامُ ؛ لِأَنَّهُ قَادِرٌ عَلَى الرَّقَبَةِ بِبَيْعِ خَادِمِهِ أَوْ دَارِهِ ، وَهُوَ مَلِكٌ ، وَالْمُلُوكُ لَا يُكَفِّرُونَ بِالصِّيَامِ وَلَا يُوصَفُونَ بِالْعَجْزِ عَنْ الْإِعْتَاقِ .

الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِيَ سَوْأَةَ أَخِي فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ بَعْدَ ذَلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ } .
فِيهَا تِسْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا } : اُخْتُلِفَ فِي الْمَجْنِيِّ عَلَيْهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ وَلَدُ آدَمَ لِصُلْبِهِ ، وَهُمَا قَابِيلُ وَهَابِيلُ ؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ وَقَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْأَكْثَرُ مِنْ النَّاسِ ، جَرَى مِنْ أَمْرِهِمَا مَا قَصَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي كِتَابِهِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ الْأَصَحُّ مَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ الثَّابِتِ الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَا مِنْ قَتِيلٍ يُقْتَلُ ظُلْمًا إلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْ دَمِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنَّ الْقَتْلَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ قَابِيلَ لَمْ يَدْرِ كَيْفَ يَفْعَلُ بِهَابِيلَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ الْغُرَابَيْنِ ، فَتَنَازَعَا فَاقْتَتَلَا ، فَقَتَلَ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ .
الثَّانِي : أَنَّ الْغُرَابَ إنَّمَا بُعِثَ لِيُرِيَ ابْنَ آدَمَ كَيْفِيَّةَ الْمُوَارَاةِ لِهَابِيلَ خَاصَّةً .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { سَوْأَةَ أَخِيهِ } : قِيلَ : هِيَ الْعَوْرَةُ .
وَقِيلَ : لَمَّا أَنْتَنَ صَارَ كُلُّهُ عَوْرَةً ، وَإِنَّمَا سُمِّيَتْ سَوْأَةً لِأَنَّهَا تَسُوءُ النَّاظِرَ إلَيْهَا عَادَةً .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : دَفْنُ الْمَيِّتِ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لِسَتْرِهِ .
الثَّانِي : لِئَلَّا يُؤْذِيَ الْأَحْيَاءَ بِجِيفَتِهِ .
وَقِيلَ : إنَّهُمَا كَانَا مَلَكَيْنِ فِي صُورَةِ الْغُرَابَيْنِ .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ : كَانَا غُرَابَيْنِ أَخَوَيْنِ ، فَبَحَثَ الْأَرْضَ عَلَى سَوْأَةِ أَخِيهِ حَتَّى عَرَفَ كَيْفَ يَدْفِنُهُ .
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ ابْنَ آدَمَ الَّذِي قَتَلَ أَخَاهُ حَمَلَهُ عَلَى عُنُقِهِ سَنَةً يَدُورُ بِهِ ، فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ ، وَدَفَنَ فَتَعَلَّمَ ، وَعَمِلَ مِثْلَ مَا رَأَى ، وَقَالَ : أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْهُ ، وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَخَبَرِهِ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِ عَزَّ وَجَلَّ : { ثُمَّ أَمَاتَهُ فَأَقْبَرَهُ } .
وَقَالَ تَعَالَى : { أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا } .
وَيَأْتِي تَحْقِيقُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ؛ فَصَارَ ذَلِكَ سُنَّةً بَاقِيَةً فِي الْخَلْقِ ، وَفَرْضًا عَلَى جَمِيعِ النَّاسِ عَلَى الْكِفَايَةِ ، مَنْ فَعَلَهُ مِنْهُمْ سَقَطَ عَنْ الْبَاقِينَ فَرْضُهُ ؛ وَأَخَصُّ الْخَلْقِ بِهِ الْأَقْرَبُونَ ، ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ مِنْ الْجِيرَةِ ، ثُمَّ سَائِرُ النَّاسِ الْمُسْلِمِينَ ؛ وَهُوَ حَقٌّ فِي الْكَافِرِ أَيْضًا ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : رَوَى نَاجِيَةُ بْنُ كَعْبٍ عَنْ { عَلِيٍّ قَالَ : قُلْت لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ عَمَّك الشَّيْخَ الضَّالَّ مَاتَ ، فَمَنْ يُوَارِيهِ ؟ قَالَ : اذْهَبْ فَوَارِ أَبَاك ، وَلَا تُحْدِثَنَّ حَدَثًا حَتَّى تَأْتِيَنِي .
فَوَارَيْته ، ثُمَّ جِئْت ، فَأَمَرَنِي أَنْ أَغْتَسِلَ وَدَعَا لِي } .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هَذَا الْغُرَابِ } : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى قِيَاسِ الشَّبَهِ ؛ وَقَدْ حَقَقْنَاهُ فِي الْأُصُولِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { فَأَصْبَحَ مِنْ النَّادِمِينَ } : وَهِيَ تَابِعَةٌ لِلْأَحْكَامِ هَاهُنَا لِأَنَّهَا مِنْ الْأُصُولِ ؛ لَكِنَّا نُشِيرُ إلَيْهَا لِتَعَلُّقِ الْقُلُوبِ بِهَا ، فَنَقُولُ : مِنْ الْغَرِيبِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ أَخْبَرَ عَنْهُ أَنَّهُ نَدِمَ وَهُوَ فِي النَّارِ ، وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { النَّدَمُ تَوْبَةٌ } .
قُلْنَا : عَنْ هَذِهِ ثَلَاثَةَ أَجْوِبَةٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْحَدِيثُ لَيْسَ يَصِحُّ ، لَكِنَّ الْمَعْنَى صَحِيحٌ ، وَكُلُّ مَنْ نَدِمَ فَقَدْ سَلِمَ ، لَكِنَّ النَّدَمَ لَهُ شُرُوطٌ ، فَكُلُّ مَنْ جَاءَ بِشُرُوطِهِ قُبِلَ مِنْهُ ، وَمَنْ أَخَلَّ بِهَا أَوْ بِشَيْءٍ مِنْهَا لَمْ يُقْبَلْ .
الثَّانِي : أَنَّ مَعْنَاهُ نَدِمَ وَلَمْ يَسْتَمِرَّ نَدَمُهُ ، وَإِنَّمَا يُقْبَلُ النَّدَمُ إذَا اسْتَمَرَّ .
الثَّالِثُ : أَنَّ النَّدَمَ عَلَى الْمَاضِي إنَّمَا يَنْفَعُ بِشَرْطِ الْعَزْمِ عَلَى أَلَّا يَفْعَلَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إسْرَائِيلَ } : تَعَلَّقَ بِهَذَا مَنْ قَالَ : إنَّ ابْنَيْ آدَمَ كَانَا مِنْ بَنِي إسْرَائِيلَ ، وَلَمْ يَكُنْ قَبْلَهُمْ .
وَهَذَا لَا يَصِحُّ لِأَنَّ الْقَتْلَ قَدْ جَرَى قَبْلَ ذَلِكَ ، وَلَمْ يَخْلُ زَمَانُ آدَمَ وَلَا زَمَنُ مَنْ بَعْدَهُ مِنْ شَرْعٍ .
وَأَهَمُّ قَوَاعِدِ الشَّرَائِعِ حِمَايَةُ الدِّمَاءِ عَنْ الِاعْتِدَاءِ وَحِيَاطَتُهُ بِالْقِصَاصِ كَفًّا وَرَدْعًا لِلظَّالِمِينَ وَالْجَائِرِينَ وَهَذَا مِنْ الْقَوَاعِدِ الَّتِي لَا تَخْلُو عَنْهَا الشَّرَائِعُ وَالْأُصُولُ الَّتِي لَا تَخْتَلِفُ فِيهَا الْمِلَلُ ؛ وَإِنَّمَا خَصَّ اللَّهُ بَنِي إسْرَائِيلَ بِالذِّكْرِ لِلْكِتَابِ فِيهِ عَلَيْهِمْ ؛ لِأَنَّهُ مَا كَانَ يَنْزِلُ قَبْلَ ذَلِكَ مِنْ الْمِلَلِ وَالشَّرَائِعِ كَانَ قَوْلًا مُطْلَقًا غَيْرَ مَكْتُوبٍ ، بَعَثَ اللَّهُ إبْرَاهِيمَ فَكَتَبَ لَهُ الصُّحُفَ ، وَشَرَعَ لَهُ دِينَ الْإِسْلَامِ ، وَقَسَّمَ وَلَدَيْهِ بَيْنَ الْحِجَازِ وَالشَّامِ ، فَوَضَعَ اللَّهُ إسْمَاعِيلَ بِالْحِجَازِ مُقَدِّمَةً لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَخْلَاهَا عَنْ الْجَبَابِرَةِ تَمْهِيدًا لَهُ ، وَأَقَرَّ إِسْحَاقَ بِالشَّامِ ، وَجَاءَ مِنْهُ يَعْقُوبُ وَكَثُرَتْ الْإِسْرَائِيلِيَّة ، فَامْتَلَأَتْ الْأَرْضُ بِالْبَاطِلِ فِي كُلِّ فَجٍّ ، وَبَغَوْا ؛ فَبَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُوسَى وَكَلَّمَهُ وَأَيَّدَهُ بِالْآيَاتِ الْبَاهِرَةِ ، وَخَطَّ لَهُ التَّوْرَاةَ بِيَدِهِ ، وَأَمَرَهُ بِالْقِتَالِ ، وَوَعَدَهُ النَّصْرَ ، وَوَفَّى لَهُ بِمَا وَعَدَهُ ، وَتَفَرَّقَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ بِعَقَائِدِهَا ، وَكَتَبَ اللَّهُ جَلَّ جَلَالُهُ فِي التَّوْرَاةِ الْقِصَاصَ مُحَدَّدًا مُؤَكَّدًا مَشْرُوعًا فِي سَائِرِ أَنْوَاعِ الْحُدُودِ ، إلَى سَائِرِ الشَّرَائِعِ مِنْ الْعِبَادَاتِ وَأَحْكَامِ الْمُعَامَلَاتِ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ فِي كِتَابِنَا بِكَثِيرٍ مِنْ ذَلِكَ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } : هَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ ؛ لِأَنَّ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا وَاحِدَةً لَيْسَ كَمَنْ قَتَلَ النَّاسَ فِي الْحَقِيقَةِ ، وَإِنَّمَا سَبِيلُ هَذَا الْكَلَامِ الْمَجَازُ ، وَلَهُ وَجْهٌ وَفَائِدَةٌ ؛ فَأَمَّا وَجْهُ التَّشْبِيهِ فَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي ذَلِكَ أَرْبَعَةَ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ مَعْنَاهُ قَتَلَ نَبِيًّا ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ مِنْ الْخَلْقِ يُعَادِلُ الْخَلْقَ ، وَكَذَلِكَ الْإِمَامُ الْعَادِلُ بَعْدَهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي النَّبِيِّ .
الثَّانِي : أَنَّهُ بِمَنْزِلَةِ مَنْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا عِنْدَ الْمَقْتُولِ ، إمَّا لِأَنَّهُ فَقَدَ نَفْسَهُ ، فَلَا يَعْنِيهِ بَقَاءُ الْخَلْقِ بَعْدَهُ ، وَإِمَّا لِأَنَّهُ مَأْثُومٌ وَمُخَلَّدٌ كَمَنْ قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَاخْتَارَهُ مُجَاهِدٌ ، وَإِلَيْهِ أَشَارَ الطَّبَرِيُّ فِي الْجُمْلَةِ ، وَعَكْسُهُ فِي الْإِحْيَاءِ مِثْلُهُ .
الثَّالِثُ : قَدْ قَالَ بَعْضُ الْمُتَأَخِّرِينَ : إنَّ مَعْنَاهُ يُقْتَلُ بِمَنْ قُتِلَ ، كَمَا لَوْ قَتَلَ الْخَلْقَ أَجْمَعِينَ ، وَمَنْ أَحْيَاهَا بِالْعَفْوِ فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ أَجْمَعِينَ .
الرَّابِعُ : أَنَّ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ ذَمَّ الْقَاتِلِ ، كَمَا عَلَيْهِمْ إذَا عَفَا مَدْحُهُ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَجَازٌ .
وَبَعْضُهَا أَقْرَبُ مِنْ بَعْضٍ .

الْآيَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلُ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى الْأَصْلِ الْمُتَقَدِّمِ مِنْ أَنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا ، أَعْلَمَنَا اللَّهُ بِهِ وَأَمَرَنَا بِاتِّبَاعِهِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ } اُخْتُلِفَ فِيهِ ، فَقِيلَ : هُوَ الْكُفْرُ .
وَقِيلَ : هُوَ إخَافَةُ السَّبِيلِ .
وَقِيلَ غَيْرُ ذَلِكَ مِمَّا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَأَصْلُ " فَسَدَ " فِي لِسَان الْعَرَبِ تَعَذُّرُ الْمَقْصُودِ وَزَوَالُ الْمَنْفَعَةِ ؛ فَإِنْ كَانَ فِيهِ ضَرَرٌ كَانَ أَبْلَغَ ، وَالْمَعْنَى ثَابِتٌ بِدُونِهِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا } أَيْ لَعَدِمَتَا ، وَذَهَبَ الْمَقْصُودُ .
وَقَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَاَللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسَادَ } وَهُوَ الشِّرْكُ أَوْ الْإِذَايَةُ لِلْخَلْقِ ، وَالْإِذَايَةُ أَعْظَمُ مِنْ سَدِّ السَّبِيلِ ، وَمَنْعِ الطَّرِيقِ .
وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْفَسَادُ الْمُطْلَقُ مَا يُزَيِّفُ مَقْصُودَ الْمُفْسِدِ ، أَوْ يَضُرُّهُ ، أَوْ مَا يَتَعَلَّقُ بِغَيْرِهِ .
وَالْفَسَادُ فِي الْأَرْضِ هُوَ الْإِذَايَةُ لِلْغَيْرِ .
وَالْإِذَايَةُ لِلْغَيْرِ عَلَى قِسْمَيْنِ : خَاصٌّ ، وَعَامٌ ؛ وَلِكُلِّ نَوْعٍ مِنْهَا جَزَاؤُهُ الْوَاقِعُ وَحْدَهُ الرَّادِعُ ، حَسْبَمَا عَيَّنَهُ الشَّرْعُ ، وَإِنْ كَانَ عَلَى الْعُمُومِ فَجَزَاؤُهُ مَا فِي الْآيَةِ بَعْدَ هَذِهِ مِنْ الْقَتْلِ وَالصَّلْبِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا } ظَاهِرُهُ خِلَافُ مُشَاهَدَتِهِ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ إلَّا وَاحِدًا ، وَلَكِنَّهُ تَحَمَّلَ أَوْجُهًا مِنْ الْمَجَازِ .
مِنْهَا : أَنَّ عَلَيْهِ إثْمَ مَنْ قَتَلَ جَمِيعَ النَّاسِ ، وَلَهُ أَجْرُ مَنْ أَحْيَا جَمِيعَ النَّاسِ إذَا أَصَرُّوا عَلَى الْهَلَكَةِ .
وَمِنْهَا : أَنَّ مَنْ قَتَلَ وَاحِدًا فَهُوَ مُتَعَرِّضٌ لَأَنْ يَقْتُلَ جَمِيعَ النَّاسِ ، وَمَنْ أَنْقَذَ وَاحِدًا مِنْ غَرَقٍ أَوْ حَرْقٍ أَوْ عَدُوٍّ فَهُوَ مُعَرَّضٌ لَأَنْ يَفْعَلَ مَعَ جَمِيعِ النَّاسِ ذَلِكَ ؛ فَالْخَيْرُ عَادَةٌ وَالشَّرُّ لَجَاجَةٌ .
وَرُوِيَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ رَجُلًا قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ ، ثُمَّ جَاءَ عَالِمًا فَسَأَلَهُ : هَلْ لِي مِنْ تَوْبَةٍ ؟ فَقَالَ لَهُ : لَا ، فَكَمَّلَ الْمِائَةَ بِهِ ، ثُمَّ جَاءَ غَيْرَهُ ، فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : لَك تَوْبَةٌ } الْحَدِيثَ { إلَى أَنْ قَبَضَهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَلَى التَّوْبَةِ وَالرَّحْمَةِ } .
وَمِنْهَا : أَنَّ مَنْ قَتَلَ وَاحِدًا فَقَدْ سَنَّ لِغَيْرِهِ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ ، فَكُلُّ مَنْ يَقْتُلُ يَأْخُذُ بِحَظِّهِ مِنْ إثْمٍ ، وَكَذَلِكَ مَنْ أَحْيَا مِثْلُهُ فِي الْأَجْرِ ، ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَا مِنْ نَفْسٍ تُقْتَلُ إلَّا كَانَ عَلَى ابْنِ آدَمَ الْأَوَّلِ كِفْلٌ مِنْهَا } ؛ لِأَنَّهُ أَوَّلُ مَنْ سَنّ الْقَتْلَ .

الْآيَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا اثْنَتَا عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : { إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } ظَاهِرُهَا مُحَالٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَا يُحَارَبُ وَلَا يُغَالَبُ وَلَا يُشَاقُّ وَلَا يُحَادُّ ؛ لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا هُوَ عَلَيْهِ مِنْ صِفَاتِ الْجَلَالِ ، وَعُمُومِ الْقُدْرَةِ وَالْإِرَادَةِ عَلَى الْكَمَالِ ، وَمَا وَجَبَ لَهُ مِنْ التَّنَزُّهِ عَنْ الْأَضْدَادِ وَالْأَنْدَادِ .
الثَّانِي : أَنَّ ذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمُتَحَارِبِينَ فِي جِهَةٍ وَفَرِيقٍ عَنْ الْآخَرِ .
وَالْجِهَةُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى مُحَالٌ ، وَقَدْ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ لِمَا وَجَبَ مِنْ حَمْلِ الْآيَةِ عَلَى الْمَجَازِ : مَعْنَاهُ يُحَارِبُونَ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ ؛ وَعَبَّرَ بِنَفْسِهِ الْعَزِيزَةِ سُبْحَانَهُ عَنْ أَوْلِيَائِهِ إكْبَارًا لِإِذَايَتِهِمْ ، كَمَا عَبَّرَ بِنَفْسِهِ عَنْ الْفُقَرَاءِ فِي قَوْله تَعَالَى : { مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا } لُطْفًا بِهِمْ وَرَحْمَةً لَهُمْ ، وَكَشْفًا لِلْغِطَاءِ عَنْهُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { عَبْدِي مَرِضْت فَلَمْ تَعُدْنِي ، وَجُعْت فَلَمْ تُطْعِمْنِي ، وَعَطِشْت فَلَمْ تَسْقِنِي ، فَيَقُولُ : وَكَيْفَ ذَلِكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ؟ فَيَقُولُ : مَرِضَ عَبْدِي فُلَانٌ ، وَلَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ } .
وَذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى الْبَارِي سُبْحَانَهُ مُحَالٌ ، وَلَكِنَّهُ كَنَّى بِذَلِكَ عَنْهُ تَشْرِيفًا لَهُ ، كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا مِثْلُهُ .
وَقَدْ قَالَ الْمُفَسِّرُونَ : إنَّ الْحِرَابَةَ هِيَ الْكُفْرُ ، وَهِيَ مَعْنًى صَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ

الْكُفْرَ يَبْعَثُ عَلَى الْحَرْبِ ؛ وَهَذَا مُبَيَّنٌ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِيهَا خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَهْلِ الْكِتَابِ ؛ نَقَضُوا الْعَهْدَ ، وَأَخَافُوا السَّبِيلَ ، وَأَفْسَدُوا فِي الْأَرْضِ ، فَخَيَّرَ اللَّهُ نَبِيَّهُ فِيهِمْ .
الثَّانِي : نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الثَّالِثُ : { نَزَلَتْ فِي عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ ، قَدِمَ مِنْهُمْ نَفَرٌ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ وَتَكَلَّمُوا بِالْإِسْلَامِ ، فَقَالُوا : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ؛ إنَّا كُنَّا أَهْلَ ضَرْعٍ ، وَلَمْ نَكُنْ أَهْلَ رِيفٍ ، وَاسْتَوْخَمُوا الْمَدِينَةَ ، فَأَمَرَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذَوْدٍ وَرَاعٍ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يَخْرُجُوا فِيهِ ، فَيَشْرَبُوا مِنْ أَلْبَانِهَا وَأَبْوَالِهَا ، فَانْطَلَقُوا حَتَّى إذَا كَانُوا بِنَاحِيَةِ الْحَرَّةِ كَفَرُوا بَعْدَ إسْلَامِهِمْ ، وَقَتَلُوا رَاعِيَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْتَاقُوا الذَّوْدَ ؛ فَبَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَبَعَثَ الطَّلَبَ فِي آثَارِهِمْ ، فَأَمَرَ بِهِمْ فَسَمَلُوا أَعْيُنَهُمْ ، وَقَطَعُوا أَيْدِيَهُمْ ، وَتُرِكُوا فِي نَاحِيَةِ الْحَرَّةِ حَتَّى مَاتُوا عَلَى حَالَتِهِمْ .
} وَقَالَ قَتَادَةُ : فَبَلَغَنَا { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَ ذَلِكَ كَانَ يَحُثُّ عَلَى الصَّدَقَةِ وَيَنْهَى عَنْ الْمُثْلَةِ } .
هَذَا فِي الصَّحِيحِ مِنْ قِصَّتِهِمْ ، وَتَمَامُهَا عَلَى الِاسْتِيفَاءِ فِي صَرِيحِ الصَّحِيحِ ، زَادَ الطَّبَرِيُّ : وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ ، وَرَوَاهُ جَمَاعَةٌ .
الرَّابِعُ : أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ مُعَاتَبَةً لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْنِ الْعُرَنِيِّينَ ؛ قَالَهُ اللَّيْثُ .
الْخَامِسُ : قَالَ قَتَادَةُ : هِيَ نَاسِخَةٌ لِمَا فَعَلَ فِي الْعُرَنِيِّينَ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي تَحْقِيقِ ذَلِكَ : لَوْ ثَبَتَ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ عُكْلٍ أَوْ عُرَيْنَةَ لَكَانَ غَرَضًا ثَابِتًا ، وَنَصَّا صَرِيحًا .
وَاخْتَارَ الطَّبَرِيُّ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي يَهُودَ ، وَدَخَلَ تَحْتَهَا كُلُّ ذِمِّيٍّ وَمَلِّيٍّ .
وَهَذَا مَا لَمْ يَصِحَّ ، فَإِنَّهُ لَمْ يَبْلُغْنَا أَنَّ أَحَدًا مِنْ الْيَهُودِ حَارَبَ ، وَلَا أَنَّهُ جُوزِيَ بِهَذَا الْجَزَاءِ .
وَمَنْ قَالَ : إنَّهَا نَزَلَتْ فِي الْمُشْرِكِينَ أَقْرَبُ إلَى الصَّوَابِ ؛ لِأَنَّ عُكْلًا وَعُرَيْنَةَ ارْتَدُّوا وَقَتَلُوا وَأَفْسَدُوا ، وَلَكِنْ يَبْعُدُ ؛ لِأَنَّ الْكُفَّارَ لَا يَخْتَلِفُ حُكْمُهُمْ فِي زَوَالِ الْعُقُوبَةِ عَنْهُمْ بِالتَّوْبَةِ بَعْدَ الْقُدْرَةِ ، كَمَا يَسْقُطُ قَبْلَهَا ، وَقَدْ قِيلَ لِلْكُفَّارِ : { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } .
وَقَالَ فِي الْمُحَارِبِينَ : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } .
وَكَذَلِكَ الْمُرْتَدُّ يُقْتَلُ بِالرِّدَّةِ دُونَ الْمُحَارَبَةِ ، وَفِي الْآيَةِ النَّفْيُ لِمَنْ لَمْ يَتُبْ قَبْلَ الْقُدْرَةِ ، وَالْمُرْتَدُّ لَا يُنْفَى ، وَفِيهَا قَطْعُ الْيَدِ وَالرِّجْلِ ، وَالْمُرْتَدُّ لَا تُقْطَعُ لَهُ يَدٌ وَلَا رِجْلٌ ؛ فَثَبَتَ أَنَّهَا لَا يُرَادُ بِهَا الْمُشْرِكُونَ وَلَا الْمُرْتَدُّونَ .
فَإِنْ قِيلَ : وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَالَ : إنَّهَا فِي شَأْنِ الْعُرَنِيِّينَ أَقْوَى ؛ وَلَا يُمْكِن أَنْ يُحْكَمُ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْعُرَنِيِّينَ مِنْ سَمْلِ الْأَعْيُنِ ، وَقَطْعِ الْأَيْدِي .
قُلْنَا : ذَلِكَ مُمْكِنٌ ؛ لِأَنَّ الْحَرْبِيَّ إذَا قَطَعَ الْأَيْدِيَ وَسَمَلَ الْأَعْيُنَ فُعِلَ بِهِ مِثْلُ ذَلِكَ إذَا تَعَيَّنَ فَاعِلُ ذَلِكَ .
فَإِنْ قِيلَ : لَمْ يَكُنْ هَؤُلَاءِ حَرْبِيِّينَ ، وَإِنَّمَا كَانُوا مُرْتَدِّينَ ؛ وَالْمُرْتَدُّ يَلْزَمُ اسْتِتَابَتُهُ ، وَعِنْدَ إصْرَارِهِ عَلَى الْكُفْرِ يُقْتَلُ .
قُلْنَا : فِيهِ رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا : أَنَّهُ يُسْتَتَابُ ، وَالْأُخْرَى : لَا يُسْتَتَابُ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ عَلَى الْقَوْلَيْنِ ، فَقِيلَ : لَا يُسْتَتَابُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ

عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَتَلَ هَؤُلَاءِ وَلَمْ يَسْتَتِبْهُمْ .
وَقِيلَ : يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ ، وَهُوَ مَشْهُورُ الْمَذْهَبِ ، وَإِنَّمَا تَرَكَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِتَابَةَ هَؤُلَاءِ لِمَا أَحْدَثُوا مِنْ الْقَتْلِ وَالْمُثْلَةِ وَالْحَرْبِ ؛ وَإِنَّمَا يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ الَّذِي يَرْتَابُ فَيَسْتَرِيبُ بِهِ وَيُرْشَدُ ، وَيُبَيَّنُ لَهُ الْمُشْكِلُ ، وَتُجْلَى لَهُ الشُّبْهَةُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ يُقَالُ إنَّ هَذِهِ الْآيَةَ تَنَاوَلَتْ الْمُسْلِمِينَ ، وَقَدْ قَالَ : { إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } ؛ وَتِلْكَ صِفَةُ الْكُفَّارِ ؟ قُلْنَا : الْحِرَابَةُ تَكُونُ بِالِاعْتِقَادِ الْفَاسِدِ ، وَقَدْ تَكُونُ بِالْمَعْصِيَةِ ، فَيُجَازَى بِمِثْلِهَا ، وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنْ اللَّهِ وَرَسُولِهِ } .
فَإِنْ قِيلَ : ذَلِكَ فِيمَنْ يَسْتَحِلُّ الرِّبَا قُلْنَا : نَعَمْ ، وَفِيمَنْ فَعَلَهُ ، فَقَدْ اتَّفَقَتْ الْأَمَةُ عَلَى أَنْ مَنْ يَفْعَلُ الْمَعْصِيَةَ يُحَارَبُ ، كَمَا لَوْ اتَّفَقَ أَهْلُ بَلَدٍ عَلَى الْعَمَلِ بِالرِّبَا ، وَعَلَى تَرْكِ الْجُمُعَةِ وَالْجَمَاعَةِ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي تَحْقِيقِ الْمُحَارَبَةِ : وَهِيَ إشْهَارُ السِّلَاحِ قَصْدَ السَّلْبِ ، مَأْخُوذٌ مِنْ الْحَرْبِ ؛ وَهُوَ اسْتِلَابُ مَا عَلَى الْمُسْلِمِ بِإِظْهَارِ السِّلَاحِ عَلَيْهِ ، وَالْمُسْلِمُونَ أَوْلِيَاءُ اللَّهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَلَا إنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا } .
وَقَدْ شَرَحَ ذَلِكَ مَالِكٌ شَرْحًا بَالِغًا فِيمَا رَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : الْمُحَارِبُ الَّذِي يَقْطَعُ السَّبِيلَ وَيَنْفِرُ بِالنَّاسِ فِي كُلِّ مَكَان ، وَيُظْهِرُ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ أَحَدًا ، إذَا ظَهَرَ عَلَيْهِ يُقْتَلُ ؛ وَإِنْ لَمْ يَقْتُلْ فَلِلْإِمَامِ أَنْ يَرَى فِيهِ رَأْيَهُ بِالْقَتْلِ ، أَوْ الصَّلْبِ ، أَوْ الْقَطْعِ ، أَوْ النَّفْيِ ؛ قَالَ مَالِكٌ : وَالْمُسْتَتِرُ فِي ذَلِكَ وَالْمُعْلِنُ بِحِرَابَتِهِ [ سَوَاءٌ ] .
وَإِنْ اسْتَخْفَى بِذَلِكَ ، وَظَهْرَ فِي النَّاسِ إذَا أَرَادَ الْأَمْوَالَ وَأَخَافَ فَقَطَعَ السَّبِيلَ أَوْ قَتَلَ ، فَذَلِكَ إلَى الْإِمَامِ ؛ يَجْتَهِدُ أَيَّ هَذِهِ الْخِصَالِ شَاءَ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ وَهْبٍ أَنَّ ذَلِكَ إنْ كَانَ قَرِيبًا وَأَخَذَ بِحِدْثَانِهِ فَلْيَأْخُذْ الْإِمَامُ فِيهِ بِأَشَدِّ الْعُقُوبَةِ ، وَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ لِمَالِكٍ .
الثَّانِي : أَنَّهَا الزِّنَا وَالسَّرِقَةُ وَالْقَتْلُ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ الْمُجَاهِرُ بِقَطْعِ الطَّرِيقِ وَالْمُكَابِرُ بِاللُّصُوصِيَّةِ فِي الْمِصْرِ وَغَيْرِهِ ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ فِي رِوَايَةٍ وَالْأَوْزَاعِيُّ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ الْمُجَاهِرُ فِي الطَّرِيقِ لَا فِي الْمِصْرِ ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ وَعَطَاءٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي التَّنْقِيحِ : أَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَسَاقِطٌ ، إلَّا أَنْ يُرِيدَ بِهِ أَنْ يَفْعَلهُ مُجَاهَرَةً مُغَالَبَةً ، فَإِنَّ ذَلِكَ أَفْحَشُ فِي الْحِرَابَةِ .
قَالَ الْقَاضِي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : وَلَقَدْ كُنْت أَيَّامَ تَوْلِيَةِ الْقَضَاءِ قَدْ رُفِعَ إلَيَّ قَوْمٌ خَرَجُوا مُحَارِبِينَ إلَى رُفْقَةٍ

، فَأَخَذُوا مِنْهُمْ امْرَأَةً مُغَالَبَةً عَلَى نَفْسِهَا مِنْ زَوْجِهَا وَمِنْ جُمْلَةِ الْمُسْلِمِينَ مَعَهُ فِيهَا فَاحْتَمَلُوهَا ، ثُمَّ جَدَّ فِيهِمْ الطَّلَبُ فَأُخِذُوا وَجِيءَ بِهِمْ ، فَسَأَلْتُ مَنْ كَانَ ابْتَلَانِي اللَّهُ بِهِ مِنْ الْمُفْتِينَ ، فَقَالُوا : لَيْسُوا مُحَارِبِينَ ؛ لِأَنَّ الْحِرَابَةَ إنَّمَا تَكُونُ فِي الْأَمْوَالِ لَا فِي الْفُرُوجِ .
فَقُلْت لَهُمْ : إنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ ، أَلَم تَعْلَمُوا أَنَّ الْحِرَابَةَ فِي الْفُرُوجِ أَفْحَشُ مِنْهَا فِي الْأَمْوَالِ ، وَأَنَّ النَّاسَ كُلَّهُمْ لَيَرْضَوْنَ أَنْ تَذْهَبَ أَمْوَالُهُمْ وَتُحْرَبَ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهمْ وَلَا يُحْرَبُ الْمَرْءُ مِنْ زَوْجَتِهِ وَبِنْتِهِ ، وَلَوْ كَانَ فَوْقَ مَا قَالَ اللَّهُ عُقُوبَةٌ لَكَانَتْ لِمَنْ يَسْلُبُ الْفُرُوجَ ، وَحَسْبُكُمْ مِنْ بَلَاءٍ صُحْبَةُ الْجُهَّالِ ، وَخُصُوصًا فِي الْفُتْيَا وَالْقَضَاءِ .
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّهُ سَوَاءٌ فِي الْمِصْرِ وَالْبَيْدَاءِ فَإِنَّهُ أَخَذَ بِمُطْلَقِ الْقُرْآنِ .
وَأَمَّا مَنْ فَرَّقَ فَإِنَّهُ رَأَى أَنَّ الْحِرَابَةَ فِي الْبَيْدَاءِ أَفْحَشُ مِنْهَا فِي الْمِصْرِ لِعَدِمِ الْغَوْثِ فِي الْبَيْدَاءِ وَإِمْكَانِهِ فِي الْمِصْرِ .
وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ أَنَّ الْحِرَابَةَ عَامَّةٌ فِي الْمِصْرِ وَالْقَفْرِ ، وَإِنْ كَانَ بَعْضُهَا أَفْحَشَ مِنْ بَعْضٍ ، وَلَكِنَّ اسْمَ الْحِرَابَةِ يَتَنَاوَلُهَا ، وَمَعْنَى الْحِرَابَةِ مَوْجُودٌ فِيهَا ، وَلَوْ أَخْرَجَ بَعْضًا مَنْ فِي الْمِصْرِ لَقُتِلَ بِالسَّيْفِ وَيُؤْخَذُ فِيهِ بِأَشَدِّ ذَلِكَ لَا بِأَيْسَرِهِ فَإِنَّهُ سَلَبَ غِيلَةً ، وَفِعْلُ الْغِيلَةِ أَقْبَحُ مِنْ فِعْلِ الظَّاهِرَةِ ، وَلِذَلِكَ دَخَلَ الْعَفْوُ فِي قَتْلِ الْمُجَاهَرَةِ ، فَكَانَ قِصَاصًا ، وَلَمْ يَدْخُلْ فِي قَتْلِ الْغِيلَةِ ، وَكَانَ حَدًّا ؛ فَتَحَرَّرَ أَنَّ قَطْعَ السَّبِيلِ مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ فِي أَصَحِّ أَقْوَالِنَا خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ وَغَيْرِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا لَا يُوجِبُ إجْرَاءَ الْبَاغِي بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ خَاصَّةً مَجْرَى الَّذِي يَضُمُّ إلَيْهِ الْقَتْلَ وَأَخْذَ الْمَالِ ، لِعَظِيمِ الزِّيَادَةِ مِنْ أَحَدِهِمَا عَلَى

الْآخَرِ .
وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى عَدَمِ التَّسْوِيَةِ بَيْنَهُمَا أَنَّ الَّذِي يَضُمُّ إلَى السَّعْيِ بِالْفَسَادِ فِي الْأَرْضِ الْقَتْلَ وَأَخْذَ الْمَالِ يَجِبُ الْقَتْلُ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ عَنْهُ ، وَاَلَّذِي يَنْفَرِدُ بِالسَّعْيِ فِي إخَافَةِ السَّبِيلِ خَاصَّةً يَجُوزُ تَرْكُ قَتْلِهِ ؛ يُؤَكِّدهُ أَنَّ الْمُحَارِبَ إذَا قَتَلَ قُوبِلَ بِالْقَتْلِ ، وَإِذَا أَخَذَ الْمَالَ قُطِعَتْ يَدُهُ لِأَخْذِهِ الْمَالَ ، وَرِجْلُهُ لِإِخَافَتِهِ السَّبِيلَ ، وَهَذِهِ عُمْدَةُ الشَّافِعِيَّةِ عَلَيْنَا ، وَخُصُوصًا أَهْلَ خُرَاسَانَ مِنْهُمْ ، وَهِيَ بَاطِلَةٌ لَا يَقُولُهَا مُبْتَدِئٌ .
أَمَّا قَوْلُهُمْ : كَيْف يُسَوَّى بَيْنَ مَنْ أَخَافَ السَّبِيلَ وَقَتَلَ ، وَبَيْنَ مَنْ أَخَافَ السَّبِيلَ وَلَمْ يَقْتُلْ ، وَقَدْ وُجِدَتْ مِنْهُ الزِّيَادَةُ الْعُظْمَى ، وَهِيَ الْقَتْلُ ؟ قُلْنَا : وَمَا الَّذِي يَمْنَعُ مِنْ اسْتِوَاءِ الْجَرِيمَتَيْنِ فِي الْعُقُوبَةِ وَإِنْ كَانَتْ إحْدَاهُمَا أَفْحَشَ مِنْ الْأُخْرَى ؟ وَلِمَ أَحَلْتُمْ ذَلِكَ ؟ أَعَقْلًا فَعَلْتُمْ ذَلِكَ أَمْ شَرْعًا ؟ أَمَّا الْعَقْلُ فَلَا مَجَالَ لَهُ فِي هَذَا ، وَإِنْ عَوَّلْتُمْ عَلَى الشَّرْعِ فَأَيْنَ الشَّرْعُ ؟ بَلْ قَدْ شَاهَدْنَا ذَلِكَ فِي الشَّرْعِ ؛ فَإِنَّ عُقُوبَةَ الْقَاتِلِ كَعُقُوبَةِ الْكَافِرِ ، وَإِحْدَاهُمَا أَفْحَشُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : لَوْ اسْتَوَى حُكْمُهُمَا لَمْ يَجُزْ إسْقَاطُ الْقَتْلِ عَمَّنْ أَخَافَ السَّبِيلَ وَلَمْ يَقْتُلْ ، كَمَا لَمْ يَجُزْ إسْقَاطُهُ عَمَّنْ أَخَافَ وَقَتَلَ .
قُلْنَا : هَذِهِ غَفْلَةٌ مِنْكُمْ ؛ فَإِنَّ الَّذِي يُخِيفُ وَيَقْتُلُ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَعَيُّنِ الْقَتْلِ عَلَيْهِ ، فَلَمْ يَجُزْ مُخَالَفَتُهُ .
أَمَّا إذَا أَخَافَ وَلَمْ يَقْتُلْ فَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُخْتَلَفٌ فِيهَا وَمَحَلُّ اجْتِهَادٍ ، فَمِنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى الْقَتْلِ حَكَمَ بِهِ ، وَمَنْ أَدَّاهُ اجْتِهَادُهُ إلَى إسْقَاطِهِ أَسْقَطَهُ ؛ وَلِهَذِهِ النُّكْتَةِ قَالَ مَالِكٌ : وَلْيَسْتَشِرْ لِيَعْلَمَ الْحَقِيقَةَ مِنْ الْإِجْمَاعِ وَالْخِلَافِ وَطُرُقِ الِاجْتِهَادِ لِئَلَّا يُقْدِمَ عَلَى جَهَالَةٍ كَمَا أَقْدَمْتُمْ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ

: إنَّ الْقَتْلَ يُقَابِلُ الْقَتْلَ ، وَقَطْعَ الْيَدِ يُقَابِلُ السَّرِقَةَ ، وَقَطْعَ الرِّجْلِ يُقَابِلُ الْمَالَ ، فَهُوَ تَحَكُّمٌ مِنْهُمْ وَمَزْجٌ لِلْقِصَاصِ وَالسَّرِقَةِ بِالْحِرَابَةِ ، وَهُوَ حُكْمٌ مُنْفَرِدٌ بِنَفْسِهِ خَارِجٌ عَنْ جَمِيعِ حُدُودِ الشَّرِيعَةِ لِفُحْشِهِ وَقُبْحِ أَمْرِهِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ } فِيهَا قَوْلَانِ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ ؛ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَعَطَاءٌ ، وَإِبْرَاهِيمُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا عَلَى التَّفْصِيلِ .
وَاخْتَلَفُوا فِي كَيْفِيَّةِ التَّفْصِيلِ عَلَى سَبْعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْمَعْنَى أَنْ يُقْتَلُوا إنْ قَتَلُوا .
أَوْ يُصْلَبُوا إنْ قَتَلُوا وَأَخَذُوا الْمَالَ .
أَوْ تَقْطَعَ أَيَدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلَافٍ إنْ أَخَذُوا الْمَالَ ، أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ إنْ أَخَافُوا السَّبِيلَ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَالْحَسَنُ وَقَتَادَةُ وَالشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ .
الثَّانِي : الْمَعْنَى إنْ حَارَبَ فَقَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ ، وَقُتِلَ وَصُلِبَ ، فَإِنْ قَتَلَ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا قُتِلَ ، وَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَلَمْ يَقْتُلْ قُطِعَتْ يَدُهُ وَرِجْلُهُ مِنْ خِلَافٍ ، وَإِذَا لَمْ يَقْتُلْ وَلَمْ يَأْخُذْ مَالًا نُفِيَ ، وَهَذَا يُقَارِبُ الْأَوَّلَ ، إلَّا فِي الْجَمْعِ بَيْنَ قَطْعِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ وَالْقَتْلِ وَالصَّلْبِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ إنْ قَتَلَ وَأَخَذَ الْمَالَ وَقَطَعَ الطَّرِيقَ يُخَيَّرُ فِيهِ الْإِمَامُ إنْ شَاءَ قَطَعَ يَدَهُ وَرِجْلَهُ مِنْ خِلَافٍ وَصَلَبَهُ ، وَإِنْ شَاءَ صَلَبَهُ وَلَمْ يَقْطَعْ يَدَهُ وَرِجْلَهُ ، وَإِنْ شَاءَ قَتَلَهُ وَلَمْ يَقْطَعْ رِجْلَهُ وَيَدَهُ وَلَمْ يَصْلُبْهُ ، فَإِنْ أَخَذَ بِالْأَوَّلِ فَقَتَلَ قُطِعَ مِنْ خِلَافٍ ، وَإِنْ لَمْ يَأْخُذْ بِالْأَوَّلِ غُرِّبَ وَنُفِيَ مِنْ الْأَرْضِ .
الرَّابِعُ : قَالَ الْحَسَنُ مِثْلَهُ ، إلَّا فِي الْآخَرِ فَإِنَّهُ قَالَ : يُؤَدَّبُ وَيُسْجَنُ حَتَّى يَمُوتَ .
الْخَامِسُ : قَالَ أَبُو يُوسُفَ ، وَمُحَمَّدُ بْنُ الْحَسَنِ : إنْ اقْتَصَرُوا عَلَى الْقَتْلِ قُتِلُوا ، وَإِنْ اقْتَصَرُوا عَلَى أَخْذِ الْمَالِ قُطِعُوا مِنْ خِلَافٍ ، وَإِنْ أَخَذُوا الْمَالَ وَقَتَلُوا فَإِنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : يُخَيَّرُ فِيهِمْ بِأَرْبَعِ جِهَاتِ : قَتْلٌ ، صَلْبٌ ،

قَطْعٌ وَقَتْلٌ ، قَطْعٌ وَصَلْبٌ ، وَهَذَا نَحْوَ مَا تَقَدَّمَ ، وَهَذَا سَادِسٌ .
السَّابِعُ : قَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَمَالِكٌ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ بِتَخْيِيرِ الْإِمَامِ بِمُجَرَّدِ الْخُرُوجِ .
أَمَّا مَنْ قَالَ : لِأَنَّ { أَوْ } عَلَى التَّخْيِيرِ فَهُوَ أَصْلُهَا وَمَوْرِدُهَا فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا لِلتَّفْصِيلِ فَهُوَ اخْتِيَارُ الطَّبَرِيِّ ، وَقَالَ : هَذَا كَمَا لَوْ قَالَ : إنَّ جَزَاءَ الْمُؤْمِنِينَ إذَا دَخَلُوا الْجَنَّةَ أَنْ تُرْفَعَ مَنَازِلُهُمْ أَوْ يَكُونُوا مَعَ الْأَنْبِيَاءِ فِي مَنَازِلِهِمْ ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ حُلُولَ الْمُؤْمِنِينَ مَعَهُمْ فِي مَرْتَبَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ الطَّبَرِيُّ لَا يَكْفِي إلَّا بِدَلِيلٍ ، وَمِعْوَلُهُمْ قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ : رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصَانٍ ، أَوْ كَفَرَ بَعْدَ إيمَانٍ ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ } .
فَمَنْ لَمْ يَقْتُلْ كَيْفَ يُقْتَلُ ؟ قَالُوا وَأَمَّا قَوْلُكُمْ إنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ فَإِنْ التَّخْيِيرَ يُبْدَأُ فِيهِ بِالْأَخَفِّ ، ثُمَّ يُنْتَقَلُ فِيهِ إلَى الْأَثْقَلِ ؛ وَهَا هُنَا بَدَأَ بِالْأَثْقَلِ ، ثُمَّ انْتَقَلَ إلَى الْأَخَفِّ ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ قَرَّرَ تَرْتِيبَ الْجَزَاءِ عَلَى الْأَفْعَالِ ، فَتَرَتَّبَ عَلَيْهِ بِالْمَعْنَى ، فَمَنْ قَتَلَ قُتِلَ ، فَإِنْ زَادَ وَأَخَذَ الْمَالَ صُلِبَ ؛ فَإِنَّ الْفِعْلَ جَاءَ أَفْحَشَ ؛ فَإِنْ أَخَذَ الْمَالَ وَحْدَهُ قُطِّعَ مِنْ خِلَافٍ ، وَإِنْ أَخَافَ نُفِيَ .
الْجَوَابُ : الْآيَةُ نَصٌّ فِي التَّخْيِيرِ ، وَصَرْفُهَا إلَى التَّعْقِيبِ وَالتَّفْصِيلِ تَحَكُّمٌ عَلَى الْآيَةِ وَتَخْصِيصٌ لَهَا ، وَمَا تَعَلَّقُوا مِنْهُ بِالْحَدِيثِ لَا يَصِحُّ ؛ لِأَنَّهُمْ قَالُوا : يُقْتَلُ الرِّدْءُ وَلَمْ يُقْتَلْ : وَقَدْ جَاءَ الْقَتْلُ بِأَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ أَشْيَاءَ ، مِنْهَا مُتَّفَقٌ عَلَيْهَا وَمِنْهَا مُخْتَلَفٌ فِيهَا فَلَا تَعَلُّقَ بِهَذَا الْحَدِيثِ لِأَحَدٍ .
وَتَحْرِيرُ الْجَوَابِ الْقُطْعُ لِتَشْغِيبِهِمْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى رَتَّبَ التَّخْيِيرَ عَلَى

الْمُحَارَبَةِ وَالْفَسَادِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ الْفَسَادَ وَحْدَهُ مُوجِبٌ لِلْقَتْلِ وَمَعَ الْمُحَارَبَةِ أَشَدُّ .

===========ج888888888888888888888====================

ج8.كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي


الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ يُنْفَوْا مِنْ الْأَرْضِ } فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : يُسْجَنُ ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَأَهْلُ الْكُوفَةِ ، وَهُوَ مَشْهُورٌ مَذْهَبُ مَالِكٍ فِي غَيْرِ بَلَدِ الْجِنَايَةِ .
الثَّانِي : يُنْفَى إلَى بَلَدِ الشِّرْكِ ؛ قَالَهُ أَنَسٌ ، وَالشَّافِعِيُّ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَغَيْرُهُمْ .
الثَّالِثُ : يُخْرَجُونَ مِنْ مَدِينَةٍ إلَى مَدِينَةٍ أَبَدًا ؛ قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ وَعُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ .
الرَّابِعُ : يُطْلَبُونَ بِالْحُدُودِ أَبَدًا فَيَهْرُبُونَ مِنْهَا ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَالزُّهْرِيُّ ، وَقَتَادَةُ ، وَمَالِكٌ .
وَالْحَقُّ أَنْ يُسْجَنَ ، فَيَكُونُ السِّجْنُ لَهُ نَفْيًا مِنْ الْأَرْضِ ، وَأَمَّا نَفْيُهُ إلَى بَلَدِ الشِّرْكِ فَعَوْنٌ لَهُ عَلَى الْفَتْكِ .
وَأَمَّا نَفْيُهُ مِنْ بَلَدٍ إلَى بَلَدٍ فَشُغْلٌ لَا يُدَانُ بِهِ لِأَحَدٍ ، وَرُبَّمَا فَرَّ فَقَطَعَ الطَّرِيقَ ثَانِيَةً .
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : يُطْلَبُ أَبَدًا وَهُوَ يَهْرُبُ مِنْ الْحَدِّ فَلَيْسَ بِشَيْءٍ ؛ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ بِجَزَاءٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ مُحَاوَلَةُ طَلَبِ الْجَزَاءِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ } قَالَ الشَّافِعِيُّ : إذَا أُخِذَ فِي الْحِرَابَةِ نَصَّابًا .
قُلْنَا : أَنْصِفْ مِنْ نَفْسِك أَبَا عَبْدِ اللَّهِ وَوَفِّ شَيْخَكَ حَقَّهُ لِلَّهِ .
إنَّ رَبَّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى قَالَ : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } .
فَاقْتَضَى هَذَا قَطْعَهُ فِي حَقِّهِ .
وَقَالَ فِي الْمُحَارَبَةِ : { إنَّمَا جَزَاءُ الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ } فَاقْتَضَى بِذَلِكَ تَوْفِيَةَ الْجَزَاءِ لَهُمْ عَلَى الْمُحَارَبَةِ عَنْ حَقِّهِ ، فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي السَّارِقِ أَنَّ قَطْعَهُ فِي نِصَابٍ وَهُوَ رُبْعُ دِينَارٍ ، وَبَقِيَتْ الْمُحَارَبَةُ عَلَى عُمُومِهَا .
فَإِنْ أَرَدْت أَنْ تَرُدَّ الْمُحَارَبَةَ إلَى السَّرِقَةِ كُنْتَ مُلْحِقًا الْأَعْلَى بِالْأَدْنَى وَخَافِضًا الْأَرْفَعَ إلَى الْأَسْفَلِ ، وَذَلِكَ عَكْسُ الْقِيَاسِ .
وَكَيْفَ يَصِحُّ أَنْ يُقَاسَ الْمُحَارِبُ وَهُوَ يَطْلُبُ النَّفْسَ إنْ وَقَى الْمَالَ بِهَا عَلَى السَّارِقِ وَهُوَ يَطْلُبُ خَطْفَ الْمَالِ ، فَإِنْ شَعَرَ بِهِ فَرَّ ، حَتَّى إنَّ السَّارِقَ إذَا دَخَلَ بِالسِّلَاحِ يَطْلُبُ الْمَالَ ، فَإِنْ مُنِعَ مِنْهُ أَوْ صِيحَ عَلَيْهِ وَحَارَبَ عَلَيْهِ ، فَهُوَ مُحَارِبٌ يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِحُكْمِ الْمُحَارِبِ .
[ قَالَ الْقَاضِي ] : وَكُنْت فِي أَيَّامِ حُكْمِي بَيْنَ النَّاسِ إذَا جَاءَنِي أَحَدٌ بِسَارِقٍ وَقَدْ دَخَلَ الدَّارَ بِسِكِّينٍ يَسْحَبُهُ عَلَى قَلْبِ صَاحِبِ الدَّارِ وَهُوَ نَائِمٌ ، وَأَصْحَابُهُ يَأْخُذُونَ مَالَ الرَّجُلِ حَكَمْتُ فِيهِمْ بِحُكْمِ الْمُحَارِبِينَ ؛ فَافْهَمُوا هَذَا مِنْ أَصْلِ الدِّينِ ، وَارْتَفِعُوا إلَى يَفَاعِ الْعِلْمِ عَنْ حَضِيضِ الْجَاهِلِينَ .
وَالْمُسْكِتُ لِلشَّافِعِيِّ أَنَّهُ لَمْ يَعْتَبِرْ الْحِرْزَ ، فَلَوْ كَانَ الْمُحَارِبُ مُلْحَقًا بِالسَّارِقِ لِمَا كَانَ ذَلِكَ إلَّا عَلَى حِرْزٍ .
وَتَحْرِيرُهُ أَنْ يَقُولَ : أَحَدُ شَرْطَيْ السَّرِقَةِ فَلَا يُعْتَبَرُ فِي الْمُحَارِبِ كَالْحِرْزِ وَالتَّعْلِيلِ النِّصَابُ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : إذَا صَلَبَ الْإِمَامُ الْمُحَارِبَ فَإِنَّهُ يَصْلُبُهُ حَيًّا : وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَصْلُبُهُ مَيِّتًا ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا } ، فَبَدَأَ بِالْقَتْلِ .
قُلْنَا : نَعَمْ الْقَتْلُ مَذْكُورٌ أَوَّلًا ، وَلَكِنْ بَقِيَ أَنَّا إذَا جَمَعْنَا بَيْنَهُمَا كَيْفَ يَكُونُ الْحُكْمُ هَاهُنَا هُوَ الْخِلَافُ .
وَالصَّلْبُ حَيًّا أَصَحُّ ؛ لِأَنَّهُ أَنْكَى وَأَفْضَحُ ، وَهُوَ مُقْتَضَى مَعْنَى الرَّدْعِ الْأَصْلَحِ .

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : لَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْحِرَابَةَ يُقْتَلُ فِيهَا مَنْ قَتَلَ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ الْمَقْتُولُ مُكَافِئًا لِلْقَاتِلِ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ : مِنْهُمَا أَنَّهُ تُعْتَبَرُ الْمُكَافَأَةُ فِي الدِّمَاءِ لِأَنَّهُ قَتْلٌ ، فَاعْتُبِرَتْ فِيهِ الْمُكَافَأَةُ كَالْقِصَاصِ .
وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ الْقَتْلَ هَاهُنَا لَيْسَ عَلَى مُجَرَّدِ الْقَتْلِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عَلَى الْفَسَادِ الْعَامِّ ، مِنْ التَّخْوِيفِ وَسَلْبِ الْمَالِ ، فَإِنْ انْضَافَتْ إلَيْهِ إرَاقَةُ الدَّمِ فَحُشَ ، وَلِأَجْلِ هَذَا لَا يُرَاعَى مَالُ مُسْلِمٍ مِنْ كَافِرٍ .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : إذَا خَرَجَ الْمُحَارِبُونَ فَاقْتَتَلُوا مَعَ الْقَافِلَةِ فَقَتَلَ بَعْضُ الْمُحَارِبِينَ ، وَلَمْ يَقْتُلْ بَعْضٌ ، قُتِلَ الْجَمِيعُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُقْتَلُ إلَّا مَنْ قَتَلَ .
وَهَذَا مَبْنِيٌّ عَلَى تَخْيِيرِ الْإِمَامِ وَتَفْصِيلِ الْأَحْكَامِ ؛ وَقَدْ تَقَدَّمَ .
وَيُعَضِّدُ هَذَا أَنَّ مَنْ حَضَرَ الْوَقْعَةَ شُرَكَاءُ فِي الْغَنِيمَةِ ، وَإِنْ لَمْ يَقْتُلُ جَمِيعُهُمْ .
وَقَدْ اتَّفَقَ مَعَنَا عَلَى قَتْلِ الرِّدْءِ وَهُوَ الطَّالِعُ ، فَالْمُحَارِبُ أَوْلَى .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } فِيهِ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ أَهْلِ الْكُفْرِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ .
الثَّانِي : إلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَقَدْ حَارَبُوا بِأَرْضِ الشِّرْكِ .
الثَّالِثُ : إلَّا الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ .
الرَّابِعُ : إلَّا الَّذِينَ تَابُوا فِي حُقُوقِ اللَّهِ ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ وَمَالِكٌ ؛ إلَّا أَنَّ مَالِكًا قَالَ : وَفِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ ، إلَّا أَنْ يَكُونَ بِيَدِهِ مَالٌ يُعْرَفُ ، أَوْ يَقُومَ وَلِيٌّ يَطْلُبُ دَمَهُ فَلَهُ أَخْذُهُ وَالْقِصَاصُ مِنْهُ .
الْخَامِسُ : قَالَ اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ : لَا يُطْلَبُ بِشَيْءٍ لَا مِنْ حُقُوقِ اللَّهِ وَلَا مِنْ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ .
أَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّ الْآيَةَ فِي الْمُشْرِكِينَ فَهُوَ الَّذِي يَقُولُ إنَّ قَوْله تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا } عَائِدٌ عَلَيْهِمْ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَهُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ أَرَادَ إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِمَّنْ هُوَ بِأَرْضِ الشِّرْكِ فَهُوَ تَخْصِيصٌ طَرِيفٌ ، وَلَهُ وَجْهٌ طَرِيفٌ ؛ وَهُوَ أَنَّ قَوْلَهُ : { مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } يُعْطِي أَنَّهُمْ بِغَيْرِ أَرْضِ أَهْلِ الْإِسْلَامِ ؛ وَلَكِنْ كُلُّ مَنْ هُوَ فِي دَارِ الْإِسْلَامِ تَأْخُذُهُ الْأَحْكَامُ وَتَسْتَوْلِي عَلَيْهِ الْقُدْرَةُ ، وَهَذَا إذَا تَبَيَّنْتَهُ لَمْ يَصِحَّ تَنْزِيلُهُ ؛ فَإِنَّ الَّذِي يَقْدِرُ عَلَيْهِ هُوَ الَّذِي يَكُونُ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ ، فَأَمَّا الَّذِي خَرَجَ إلَى الْجَبَلِ ، وَتَوَسَّطَ الْبَيْدَاءَ فِي مَنَعَةٍ فَلَا تَتَّفِقُ الْقُدْرَةُ عَلَيْهِ إلَّا بِجَرِّ جَيْشٍ وَنَفِيرِ قَوْمٍ ؛ فَلَا يُقَالُ : إنَّا قَادِرُونَ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : أَرَادَ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ ، فَيَرْجِعُ إلَى الرَّابِعِ وَالْخَامِسِ .
قُلْنَا : إنَّا نَقُولُ هُوَ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا أَوْ فِي بَعْضِهَا .
فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ عَلَى عُمُومِهِ فِي الْحُقُوقِ كُلِّهَا فَقَدْ عَلِمْنَا

بُطْلَانَ ذَلِكَ بِمَا قَامَ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ لَا يَغْفِرُهَا الْبَارِّي سُبْحَانَهُ إلَّا بِمَغْفِرَةِ صَاحِبِهَا ، وَلَا يُسْقِطُهَا إلَّا بِإِسْقَاطِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } .
فَكَانَتْ هَذِهِ الْمَغْفِرَةُ عَامَّةً فِي كُلِّ حَقٍّ .
قُلْنَا : هَذِهِ مَغْفِرَةٌ عَامَّةٌ بِلَا خِلَافٍ لِلْمَصْلَحَةِ فِي التَّحْرِيضِ لِأَهْلِ الْكُفْرِ عَلَى الدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ ؛ فَأَمَّا مَنْ الْتَزَمَ حُكْمَ الْإِسْلَامِ فَلَا يُسْقِطُ عَنْهُ حُقُوقَ الْمُسْلِمِينَ إلَّا أَرْبَابُهَا .
وَقَدْ { قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الشَّهَادَةِ : إنَّهَا تُكَفِّرُ كُلَّ خَطِيئَةٍ إلَّا الدَّيْنَ } .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّ حُكْمَهَا أَنَّهَا تُكَفِّرُ حُقُوقَ اللَّهِ تَعَالَى فَهُوَ صَحِيحٌ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ فِي حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ : إنَّ الْإِمَامَ لَا يَتَوَلَّى طَلَبَهَا ، وَإِنَّمَا يَطْلُبُهَا أَرْبَابُهَا وَهُوَ مَذْهَبُ مَالِكٍ فَصَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ الْإِمَامَ لَيْسَ بِوَكِيلٍ لِمُعَيِّنِينَ مِنْ النَّاسِ فِي حُقُوقِهِمْ الْمُعِينَةِ ، وَإِنَّمَا هُوَ نَائِبُهُمْ فِي حُقُوقِهِمْ الْمُجْمَلَةِ الْمُبْهَمَةِ الَّتِي لَيْسَتْ بِمُعَيَّنَةٍ .
وَأَمَّا إنْ عَرَفْنَا بِيَدِهِ مَالًا لِأَحَدٍ أَخَذَهُ فِي الْحِرَابَةِ فَلَا نُبْقِيه فِي يَدِهِ لِأَنَّهُ غَصْبٌ ، وَنَحْنُ نُشَاهِدُهُ ، وَالْإِقْرَارُ عَلَى الْمُنْكَرِ لَا يَجُوزُ ، فَيَكُونُ بِيَدِ صَاحِبِهِ الْمُسْلِمِ حَتَّى يَأْخُذَهُ مَالِكُهُ مِنْ يَدِ صَاحِبِهِ وَأَخِيهِ الَّذِي يُوقِفُهُ الْإِمَامُ عِنْدَهُ .

الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } فِيهَا تِسْعٌ وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي شَرَحَ حَقِيقَةِ السَّرِقَةِ : وَهِيَ أَخْذُ الْمَالِ عَلَى خُفْيَةٍ مِنْ الْأَعْيُنِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسْأَلَةِ قَطْعِ النَّبَّاشِ مِنْ مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ فِي كُتُبِهِ .
وَقَدْ قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ : السَّارِقُ هُوَ الْمُعْلِنُ وَالْمُخْتَفِي .
وَقَالَ ثَعْلَبٌ : هُوَ الْمُخْتَفِي ، وَالْمُعْلِنُ عَادٍ .
وَبِهِ نَقُولُ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمُلْجِئَةِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْأَلِفُ وَاللَّامُ مِنْ السَّارِقِ وَالسَّارِقَةِ بَيَّنَّا مَعْنَاهُمَا فِي الرِّسَالَةِ الْمُلْجِئَةِ .
وَقُلْنَا : إنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ يَجْتَمِعَانِ فِي الِاسْمِ وَيَرِدَانِ عَلَيْهِ لِلتَّخْصِيصِ وَلِلتَّعْيِينِ ، وَكِلَاهُمَا تَعْرِيفٌ بِمَنْكُورٍ عَلَى مَرَاتِبَ ؛ فَإِنْ دَخَلَتْ لِتَخْصِيصِ الْجِنْسِ فَمِنْ فَوَائِدِهَا صَلَاحِيَةُ الِاسْمِ لِلِابْتِدَاءِ لَهُ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } .
و { الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِائَةَ جَلْدَةٍ } .
وَإِنْ دَخَلَتْ لِلتَّعْيِينِ فَفَوَائِدُهُ مُقَرَّرَةٌ هُنَالِكَ ، وَهِيَ إذَا اقْتَضَتْ تَخْصِيصَ الْجِنْسِ أَفَادَتْ التَّعْمِيمَ فِيهِ بِحُكْمِ حَصْرِهَا لَهُ عَنْ غَيْرِهِ إذَا كَانَ الْخَبَرُ عَنْهَا وَالْمُتَعَلِّقُ بِهَا صَالِحًا فِي رَبْطِهِ بِهَا دُونَ مَا سِوَاهَا ، وَهَذَا مَعْلُومٌ لُغَةً .
وَقَدْ أَنْكَرَهُ أَهْلُ الْوَقْفِ فِي هَذَا الْبَابِ وَغَيْرِهِ كَمَا أَنْكَرُوا جَمِيعَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ عَلَيْهِمْ فِي التَّلْخِيصِ .
وَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } عَامٌّ فِي كُلِّ سَارِقٍ وَسَارِقَةٍ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : رَدًّا عَلَى مَنْ يَرَى أَنَّهُ مِنْ الْأَلْفَاظِ الْمُجْمَلَةِ ، وَذَلِكَ مَنْ لَمْ يَفْهَمْ الْمُجْمَلَ ، وَلَا الْعَامَّ ؛ فَإِنَّ السَّرِقَةَ إذَا كَانَتْ مَعْرُوفَةً لُغَةً إذْ لَيْسَتْ لَفْظَةً شَرْعِيَّةً بِاتِّفَاقٍ رُبِطَتْ بِالْأَلِفِ وَاللَّامِ تَخْصِيصًا ، وَعُلِّقَ عَلَيْهَا الْخَبَرُ بِالْحُكْمِ رَبْطًا ، فَقَدْ أَفَادَتْ الْمَقْصُودَ ، وَجَرَتْ عَلَى الِاسْتِرْسَالِ وَالْعُمُومِ ، إلَّا فِيمَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ ، وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَرَأَهَا : " وَالسَّارِقُونَ وَالسَّارِقَاتُ " ؛ لِيُبَيِّنَ إرَادَةَ الْعُمُومِ .
وَاَلَّذِي يَقْطَعُ لَك بِصِحَّةِ إرَادَةِ الْعُمُومِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو أَنْ يُرِيدَ بِهِ الْمَعْنَى ، وَذَلِكَ مُحَالٌ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ فِيهِ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، فَلَمْ يَبْقَ إلَّا أَنَّهُ

لِحَصْرِ الْجِنْسِ ، وَهُوَ الْعُمُومُ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ : وَالسَّارِقَ وَالسَّارِقَةَ بِالنَّصْبِ ، وَرُوِيَ عَنْ عِيسَى بْنِ عُمَرَ مِثْلُهُ .
قَالَ سِيبَوَيْهِ هِيَ أَقْوَى ؛ لِأَنَّ الْوَجْهَ فِي الْأَمْرِ وَالنَّهْي فِي هَذَا النَّصْبُ ؛ لِأَنَّ حَدَّ الْكَلَامِ تَقَدُّمَ الْفِعْلَ ، وَهُوَ فِيهِ أَوْجَبُ ، وَإِنَّمَا قُلْت زَيْدًا ضَرَبَهُ ، وَاضْرِبْهُ مَشْغُولُهُ ، لِأَنَّ الْأَمْرَ وَالنَّهْيَ لَا يَكُونَانِ إلَّا بِالْفِعْلِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِضْمَارِ ، وَإِنْ لَمْ يَظْهَرْ .
قَالَ الْقَاضِي : أَصْلُ الْبَابِ قَدْ أَحْكَمْنَاهُ فِي الْمُلْجِئَةِ ، وَنُخْبِتُهُ أَنَّ كُلَّ فِعْلٍ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ فَاعِلٍ وَمَفْعُولِ ، فَإِذَا أَخْبَرْت بِهِمْ أَوْ عَنْهُمْ خَبَرًا غَرِيبًا كَانَ عَلَى سِتِّ صِيَغٍ : الْأُولَى : ضَرَبَ زَيْدٌ عَمْرًا .
الثَّانِيَةُ : زَيْدٌ ضَرَبَ عَمْرًا .
الثَّالِثَةُ : عَمْرًا ضَرَبَ زَيْدٌ .
الرَّابِعَةُ : ضَرَبَ عَمْرًا زَيْدٌ .
الْخَامِسَةُ : زَيْدٌ عَمْرًا ضَرَبَ .
السَّادِسَةُ : عَمْرًا زَيْدٌ ضَرَبَ .
فَالْخَامِسَةُ وَالسَّادِسَةُ نَظْمٌ مُهْمَلٌ لَا مَعْنَى لَهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، وَجَاءَ مِنْ هَذَا جَوَازُ تَقْدِيمِ الْمَفْعُولِ ، كَمَا جَازَ تَقَدُّمُ الْفَاعِلِ ، بَيْدَ أَنَّهُ إذَا قَدَّمْت الْمَفْعُولَ بَقِيَ بِحَالِهِ إعْرَابًا ، فَإِذَا قَدَّمْت الْفَاعِلَ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ الْحَدِّ فِي الْإِعْرَابِ ، وَبَقِيَ الْمَعْنَى الْمُخْبَرُ عَنْهُ ، وَحَدَثَ فِي تَرْتِيبِ الْخَبَرِ مَا أَوْجَبَ تَغْيِيرَ الْإِعْرَابِ ، وَهُوَ الْمَعْنَى الَّذِي يُسَمَّى الِابْتِدَاءُ ، ثُمَّ يَدْخُلُ عَلَى هَذَا الْبَابِ الْأَدَوَاتُ الَّتِي وُضِعَتْ لِتَرْتِيبِ الْمَعَانِي وَهِيَ كَثِيرَةٌ أَوْ الْمَقَاصِدِ وَهِيَ أَصْلٌ فِي التَّغْيِيرِ ، وَمِنْهَا وَضْعُ الْأَمْرِ مَوْضِعَ الْخَبَرِ ، تَقُولُ : اضْرِبْ زَيْدًا .
وَلَمَّا كَانَ الْأَمْرُ اسْتِدْعَاءَ إيقَاعِ الْفِعْلِ بِالْمَفْعُولِ ، وَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ هُنَالِكَ فَاعِلٌ سَقَطَ فِي إسْنَادِ الْفِعْلِ ، وَثَبَتَ فِي تَعَلُّقِ الْخِطَابِ بِهِ وَارْتِبَاطِهِ ، وَتَكُونُ لَهُ صِيغَتَانِ : إحْدَاهُمَا هَذِهِ .
وَالثَّانِيَةُ : زَيْدًا اضْرِبْ ، كَمَا كَانَ فِي الْخَبَرِ ؛ وَلَا يُتَصَوَّرُ

صِيغَةٌ ثَالِثَةٌ ، فَلَمَّا جَازَ تَقْدِيمُهُ مَفْعُولًا كَانَ ظَاهِرُ أَمْرِهُ أَلَّا يَأْتِيَ إلَّا مَنْصُوبًا عَلَى حُكْمِ تَقْدِيرِ الْمَفْعُولِ ، وَلَكِنْ رَفَعُوهُ لِأَنَّ الْفِعْلَ لَمْ يَقَعْ عَلَيْهِ بَعْدُ ، وَإِنَّمَا يُطْلَبُ وُقُوعُهُ بِهِ فَيُخْبِرُ عَنْهُ ، ثُمَّ يَقْتَضِي الْفِعْلَ فِيهِ ، فَإِنْ اقْتَضَى وَلَمْ يُخْبِرْ لَمْ يَكُنْ إلَّا مَنْصُوبًا ، وَإِنْ أَخْبَرَ وَلَمْ يَقْتَضِ لَمْ يَكُنْ إلَّا مَرْفُوعًا ، فَهُمَا إعْرَابَانِ لِمَعْنَيَيْنِ ، فَلَمْ يَكُنْ أَحَدُهُمَا أَقْوَى مِنْ الْآخَرِ .
تَتْمِيمٌ : فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقُلْت : زَيْدٌ فَاضْرِبْهُ فَإِنْ نَصَبْته فَعَلَى تَقْدِيرِ فِعْلٍ ، وَإِنْ رَفَعْته فَعَلَى تَقْدِيرِ الِابْتِدَاءِ ، وَيَتَرَتَّبُ عَلَى قَصْدِ الْمُخْبِرِ ، وَيَكُونُ تَقْدِيرُهُ مَعَ النَّصْبِ اضْرِبْ زَيْدًا فَاضْرِبْهُ ، فَأَمَّا إذَا طَالَ الْكَلَامُ فَقُلْت : زَيْدًا فَاقْطَعْ يَدَهُ كَانَ النَّصْبُ أَقْوَى ؛ لِأَنَّ الْكَلَامَ يَطُولُ فَيَقْبُحُ الْإِضْمَارُ فِيهِ لِطُولِهِ .
وَهَذَا قَالَبُ سِيبَوَيْهِ أَفْرَغْنَا عَلَيْهِ .
وَأَقُولُ : إنَّ الْكَلَامَ إذَا كَانَ فِيهِ مَعْنَى الْجَزَاءِ ، أَوْ كَانَتْ الْفَاءُ فِيهِ مُنَزَّلَةً عَلَى تَقْدِيرِ جَوَابِهِ فَإِنَّ الرَّفْعَ فِيهِ أَعْلَى ؛ لِأَنَّ الِابْتِدَاءَ يَكُونُ لَهُ ، فَلَا يَبْقَى لِتَقْدِيرِ الْمَفْعُولِ إلَّا وَجْهٌ بَعِيدٌ ؛ فَهَذَا مُنْتَهَى الْقَوْلِ عَلَى الِاخْتِصَاصِ .
وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ عَامَّةٌ ، لَا طَرِيقَ لِلْإِجْمَالِ إلَيْهَا ، فَالسَّرِقَةُ تَتَعَلَّقُ بِخَمْسَةِ مَعَانٍ : فِعْلٌ هُوَ سَرِقَةٌ ، وَسَارِقٌ ، وَمَسْرُوقٌ مُطْلَقٌ ، وَمَسْرُوقٌ مِنْهُ ، وَمَسْرُوقٌ فِيهِ .
فَهَذِهِ خَمْسَةُ مُتَعَلِّقَاتٍ يَتَنَاوَلُ الْجَمِيعَ عُمُومُهَا إلَّا مَا خَصَّهُ الدَّلِيلُ .
أَمَّا السَّرِقَةُ فَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا .
وَأَمَّا السَّارِقُ ، وَهِيَ [ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ ] .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : [ السَّارِقُ ] : فَهُوَ فَاعِلٌ مِنْ السَّرِقَةِ ، وَهُوَ كُلُّ مَنْ أَخَذَ شَيْئًا عَلَى طَرِيقِ الِاخْتِفَاءِ عَنْ الْأَعْيُنِ ؛ لَكِنَّ الشَّرِيعَةَ شَرَطَتْ فِيهِ سِتَّةَ مَعَانٍ : الْعَقْلُ : لِأَنَّ مَنْ لَا يَعْقِلُ لَا يُخَاطَبُ عَقْلًا .
وَالْبُلُوغُ : لِأَنَّ مَنْ لَمْ يَبْلُغْ لَا يَتَوَجَّه إلَيْهِ الْخِطَابُ شَرْعًا .
وَبُلُوغُ الدَّعْوَةِ : لِأَنَّ مَنْ كَانَ حَدِيثَ عَهْدٍ بِالْإِسْلَامِ وَلَمْ يُثَافَنْ حَتَّى يَعْرِفَ الْأَحْكَامَ ، وَادَّعَى الْجَهْلَ فِيمَا أَتَى مِنْ السَّرِقَةِ وَالزِّنَا وَظَهَرَ صِدْقُهُ لَمْ تَجِبْ عَلَيْهِ عُقُوبَةٌ كَالْأَبِ فِي مَالِ ابْنِهِ ، لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ مِنْ أَطْيَبِ مَا أَكَلَ الرَّجُلُ مِنْ كَسْبِهِ وَإِنَّ وَلَدَهُ مِنْ كَسْبِهِ } .
وَلِذَلِكَ قُلْنَا : إذَا وَطِئَ أَمَةَ ابْنِهِ لَا حَدَّ عَلَيْهِ لِلشُّبْهَةِ الَّتِي لَهُ فِيهَا ، وَالْحُدُودُ تَسْقُطُ بِالشُّبُهَاتِ ، فَهَذَا الْأَبُ وَإِنْ كَانَ جَاءَ بِصُورَةٍ السَّرِقَةِ فِي أَخْذِ الْمَالِ خِفْيَةً فَإِنَّ لَهُ فِيهِ سُلْطَانَ الْأُبُوَّةِ وَتَبَسُّطَ الِاسْتِيلَاءِ ، فَانْتَصَبَ ذَلِكَ شُبْهَةً فِي دَرْءِ مَا يَنْدَرِئُ بِالشُّبُهَاتِ .
وَأَمَّا مُتَعَلِّقُ الْمَسْرُوقِ ، وَهِيَ [ الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ ] .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : [ مُتَعَلِّقُ الْمَسْرُوقِ ] : فَهُوَ كُلُّ مَالٍ تَمْتَدُّ إلَيْهِ الْأَطْمَاعُ ، وَيَصْلُحُ عَادَةً وَشَرْعًا لِلِانْتِفَاعِ بِهِ ، فَإِنْ مَنَعَ مِنْهُ الشَّرْعُ لَمْ يَنْفَعْ تَعَلُّقُ الطَّمَاعِيَةِ فِيهِ ، وَلَا يُتَصَوَّرُ الِانْتِفَاعُ مِنْهُ ، كَالْخَمْرِ وَالْخِنْزِيرِ مَثَلًا .
وَقَدْ كَانَ ظَاهِرُ الْآيَةِ يَقْتَضِي قَطْعَ سَارِقِ الْقَلِيلِ وَالْكَثِيرِ ؛ لِإِطْلَاقِ الِاسْمِ عَلَيْهِ وَتَصَوُّرِ الْمَعْنَى فِيهِ .
وَقَدْ قَالَ بِهِ قَوْمٌ مِنْهُمْ ابْنُ الزُّبَيْرِ ، فَإِنَّهُ يُرْوَى أَنَّهُ قَطَعَ فِي دِرْهَمٍ .
وَلَوْ صَحَّ ذَلِكَ عَنْهُ لَمْ يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ ذَا شَوَاذٍّ ، وَلَا يَسْتَرِيبُ اللَّبِيبُ ، بَلْ يَقْطَعُ الْمُنْصِفُ أَنَّ سَرِقَةَ التَّافِهِ لَغْوٌ ، وَسَرِقَةَ الْكَثِيرِ قَدْرًا أَوْ صِفَةً مَحْسُوبٌ ، وَالْعَقْلُ لَا يَهْتَدِي إلَى الْفَصْلِ فِيهِ بِحَدٍّ تَقِفُ الْمَعْرِفَةُ عِنْدَهُ ، فَتَوَلَّى الشَّرْعُ تَحْدِيدَهُ بِرُبْعِ دِينَارٍ .
وَفِي الصَّحِيحِ ، عَنْ عَائِشَةَ : " مَا طَالَ عَلَيَّ وَلَا نَسِيت : الْقَطْعُ فِي رُبْعِ دِينَارٍ فَصَاعِدًا " .
وَهَذَا نَصٌّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَطْعَ فِي أَقَلَّ مِنْ عَشَرَةِ دَرَاهِمَ ، وَرَوَى أَصْحَابُهُ فِي ذَلِكَ حَدِيثًا قَدْ بَيَّنَّا ضَعْفَهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَشَرْحِ الْحَدِيثِ .
فَإِنْ قِيلَ : قَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ وَيَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدُهُ } قُلْنَا : هَذَا خَرَجَ مَخْرَجَ التَّحْذِيرِ بِالْقَلِيلِ عَنْ الْكَثِيرِ ، كَمَا جَاءَ فِي مَعْرَضِ التَّرْغِيبِ بِالْقَلِيلِ عَنْ الْكَثِيرِ فِي قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ بَنَى لِلَّهِ مَسْجِدًا وَلَوْ مِثْلَ مَفْحَصِ قَطَاةِ بَنَى اللَّهُ لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ } .
وَقِيلَ : إنَّ هَذَا مَجَازٌ مِنْ وَجْهٍ آخَرَ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ إذَا ظَفِرَ بِسَرِقَةِ الْقَلِيلِ سَرَقَ الْكَثِيرَ فَقُطِعَتْ يَدُهُ ؛ فَبِهَذَا تَنْتَظِمُ الْأَحَادِيثُ ، وَيَجْتَمِعُ الْمَعْنَى وَالنَّصُّ فِي نِظَامِ الصَّوَابِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : وَمِنْهُ كُلُّ مَالٍ يُسْرِعُ إلَيْهِ الْفَسَادُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ وَالْفَوَاكِهِ ؛ لِأَنَّهُ يُبَاعُ وَيُبْتَاعُ وَتَمْتَدُّ إلَيْهِ الْأَطْمَاعُ ، وَتُبْذَلُ فِيهِ نَفَائِسُ الْأَمْوَالِ .
وَشُبْهَةُ أَبِي حَنِيفَةَ مَا يَئُولُ إلَيْهِ مِنْ التَّغَيُّرِ وَالْفَسَادِ ، وَلَوْ اُعْتُبِرَ ذَلِكَ فِيهِ لَمَا لَزِمَ الضَّمَانُ لِمُتْلِفِهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : وَمِنْهُ كُلُّ مَا كَانَ أَصْلُهُ عَلَى الْإِبَاحَةِ ؛ كَجَوَاهِرِ الْأَرْضِ وَمَعَادِنِهَا ، وَشِبْهِ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ كَانَ مُبَاحَ الْأَصْلِ ، ثُمَّ طَرَأَ عَلَيْهِ الْمِلْكُ ، فَتَنْتَصِبُ إبَاحَةُ أَصْلِهِ شُبْهَةً فِي إسْقَاطِ الْقَطْعِ بِسَرِقَتِهِ .
قُلْنَا : لَا تَضُرُّ إبَاحَةٌ مُتَقَدِّمَةٌ إذَا طَرَأَ التَّحْرِيمُ ، كَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ بَيْنَ قَوْمٍ ، فَإِنَّ وَطْأَهَا حَرَامٌ يُوجِبُ الْحَدَّ عِنْد خُلُوصِهَا لِأَحَدِهِمْ ، وَلَا تُوجِبُ الْإِبَاحَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ شُبْهَةً .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا قَطْعَ فِي ثَمَرِ وَلَا كَثَرٍ إلَّا مَا أَوَاهُ الْجَرِينُ } .
رَوَاهُ قَلِيلَهْ وَأَبُو دَاوُد .
وَانْفَرَدَ قَلِيلَهْ : { وَلَا فِي حَرِيسَةِ جَبَلٍ إلَّا فِيمَا أَوَاهُ الْمَرَاحُ } .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : وَمِنْهُ مَا إذَا سَرَقَ حُرًّا صَغِيرًا .
قَالَ مَالِكٌ : عَلَيْهِ الْقَطْعُ .
وَقِيلَ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَالٍ .
قُلْنَا : هُوَ أَعْظَمُ مِنْ الْمَالِ ؛ وَلَمْ يُقْطَعُ السَّارِقُ فِي الْمَالِ لِعَيْنِهِ ، وَإِنَّمَا قُطِعَ لِتَعَلُّقِ النُّفُوسِ بِهِ ، وَتَعَلُّقِهَا بِالْحُرِّ أَكْثَرُ مِنْ تَعَلُّقِهَا بِالْعَبْدِ .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : مُتَعَلَّقُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ : وَهُوَ عَلَى أَقْسَامٍ يَرْجِعُ إلَى أَنَّهُ مَا كَانَ مَالُهُ مُحْتَرَمًا بِحُرْمَةِ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فَقَدْ حُرِّمَ مَالُهُ وَدَمُهُ وَحِسَابُهُ عَلَى اللَّهِ } ، إنَّ مَالَ الزَّوْجَيْنِ مُحْتَرَمٌ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا عَنْ صَاحِبِهِ ، وَإِنْ كَانَتْ أَبْدَانُهُمَا حَلَالًا لَهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا لَمْ يَتَعَاقَدَا بِعَقْدٍ يَتَعَدَّى إلَى الْمَالِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : وَأَحَدُ قَوْلَيْ الشَّافِعِيِّ : لَا يُقْطَعُ ؛ لِأَنَّ الزَّوْجِيَّةَ تَقْتَضِي الْخِلْطَةَ وَالتَّبَسُّطَ .
وَهَذَا بَاطِلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْكَلَامَ فِيمَا يَجُوزُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَنْ صَاحِبِهِ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ لَوْ كَانَ فِي مَالِ زَوْجِهِ تَبَسُّطٌ لَسَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ بِوَطْءِ جَارِيَتِهَا ، وَلِذَلِكَ قُلْنَا ، وَهِيَ : [ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ ] .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : [ حُكْمُ السَّارِقِ مِنْ ذِي رَحِمٍ ] : إنَّ مَنْ سَرَقَ مِنْ ذِي رَحِمٍ مُحْرِمٍ لِمِثْلِهِ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ ، خِلَافًا لِأَبِي حَنِيفَةَ ؛ لِأَنَّ ذَاتَ الرَّحِمِ لَوْ وَطِئَهَا لَوَجَبَ عَلَيْهِ الْحَدُّ ، فَكَذَلِكَ إذَا سَرَقَ مَالَهَا ، وَشُبْهَةُ الْمَحْرَمِيَّةِ لَا تَعَلُّقَ لَهَا بِالْمَالِ .
وَإِنَّمَا هِيَ فِي غَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَحْكَامِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : إذَا سَرَقَ الْعَبْدُ مِنْ مَالِ سَيِّدِهِ ، أَوْ السَّيِّدُ مِنْ عَبْدِهِ : فَلَا قَطْعَ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ الْعَبْدَ وَمَالَهُ لِسَيِّدِهِ ، فَلَمْ يَقْطَعْ أَحَدٌ بِأَخْذِ مَالِ عَبْدِهِ لِأَنَّهُ أَخْذٌ لِمَالِهِ ، وَإِنَّمَا إذَا سَرَقَ الْعَبْدُ يَسْقُطُ الْقَطْعُ بِإِجْمَاعِ الصَّحَابَةِ وَبِقَوْلِ الْخَلِيفَةِ : " غُلَامُكُمْ سَرَقَ مَتَاعَكُمْ " ، وَهَذَا يَشْتَرِكُ مَعَ الْأَبِ فِي الْبَابَيْنِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا كُلَّ وَاحِدٍ فِي مَوْضِعِهِ .
وَأَمَّا مُتَعَلَّقُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ ، وَهِيَ [ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ ] .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : [ مُتَعَلَّقُ الْمَسْرُوقِ مِنْهُ ] : فَهُوَ الْحِرْزُ الَّذِي نُصِبَ عَادَةً لِحِفْظِ الْأَمْوَالِ ، وَهُوَ يَخْتَلِفُ فِي كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِ حَالِهِ .
وَالْأَصْلُ فِي اعْتِبَارِ الْحِرْزِ الْأَثَرُ وَالنَّظَرُ .
أَمَّا الْأَثَرُ : فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا قَطْعَ فِي ثَمَرٍ وَلَا كَثَرٍ إلَّا مَا أَوَاهُ الْجَرِينُ } .
وَأَمَّا النَّظَرُ فَهُوَ أَنَّ الْأَمْوَالَ خُلِقَتْ مُهَيَّأَةً لِلِانْتِفَاعِ لِلْخَلْقِ أَجْمَعِينَ ، ثُمَّ بِالْحِكْمَةِ الْأَوَّلِيَّةِ الَّتِي بَيِّنَاهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ حُكِمَ فِيهَا بِالِاخْتِصَاصِ الَّذِي هُوَ الْمِلْكُ شَرْعًا ، وَبَقِيَتْ الْأَطْمَاعُ مُعَلَّقَةً بِهَا ، وَالْآمَالُ مُحَوَّمَةً عَلَيْهَا ، فَتَكُفُّهَا الْمُرُوءَةُ وَالدِّيَانَةُ فِي أَقَلِّ الْخَلْقِ ، وَيَكُفُّهَا الصَّوْنُ وَالْحِرْزُ عَنْ أَكْثَرِهِمْ ، فَإِذَا أَحَرَزهَا مَالِكُهَا فَقَدْ اجْتَمَعَ بِهَا الصَّوْنَانِ ، فَإِذَا هُتِكَا فَحُشَتْ الْجَرِيمَةُ فَعَظُمَتْ الْعُقُوبَةُ ؛ وَإِذَا هُتِكَ أَحَدُ الصَّوْنَيْنِ وَهُوَ الْمِلْكُ وَجَبَ الضَّمَانُ وَالْأَدَبُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْمَالِكَ لَا يُمْكِنُهُ بَعْدَ الْحِرْزِ فِي الصَّوْنِ شَيْءٌ ، لَمَّا كَانَ غَايَةَ الْإِمْكَانِ رَكَّبَ عَلَيْهِ الشَّرْعُ غَايَةَ الْعُقُوبَةِ مِنْ عِنْدِهِ رَدْعًا وَصَوْنًا ، وَالْأُمَّةُ مُتَّفِقَةٌ عَلَى اعْتِبَارِ الْحِرْزِ فِي الْقَطْعِ فِي السَّرِقَةِ ؛ لِاقْتِضَاءِ لَفْظِهَا ، وَلَا تَضْمَنُ حِكْمَتُهَا وُجُوبَهُ ، وَلَمْ أَعْلَمْ مَنْ تَرَكَ اعْتِبَارَهُ مِنْ الْعُلَمَاءِ ، وَلَا تَحَصَّلَ لِي مَنْ يُهْمِلُهُ مِنْ الْفُقَهَاءِ ، وَإِنَّمَا هُوَ خِلَافٌ يُذْكَرُ ، وَرُبَّمَا نُسِبَ إلَى مَنْ لَا قَدْرَ لَهُ ، فَلِذَلِكَ أَعْرَضْت عَنْ ذِكْرِهِ ، وَلِهَذَا الْمَعْنَى أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ أَنَّهُ لَا قَطْعَ عَلَى الْمُخْتَلِسِ وَالْمُنْتَهِبِ لِعَدَمِ الْحِرْزِ فِيهِ ، فَلَمَّا لَمْ يَهْتِكْ حِرْزًا لَمْ يُلْزِمْهُ أَحَدٌ قِطْعًا .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : [ حُكْمُ الشَّرِيكِ ] : لَمَّا ثَبَتَ اعْتِبَارُ النِّصَابِ فِي الْقَطْعِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا اجْتَمَعَ جَمَاعَةٌ ، فَاجْتَمَعُوا عَلَى إخْرَاجِ نِصَابٍ مِنْ حِرْزِهِ ؛ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ بَعْضُهُمْ مِمَّنْ يَقْدِرُ عَلَى إخْرَاجِهِ ، أَوْ يَكُونَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ إخْرَاجَهُ إلَّا بِتَعَاوُنِهِمْ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا يُمْكِنُ إخْرَاجُهُ إلَّا بِالتَّعَاوُنِ فَإِنَّهُ يُقْطَعُ جَمِيعُهُمْ بِاتِّفَاقٍ مِنْ عُلَمَائِنَا .
وَإِنْ كَانَ مِمَّا يُخْرِجهُ وَاحِدٌ وَاشْتَرَكُوا فِي إخْرَاجِهِ فَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لَا قَطْعَ فِيهِ .
وَالثَّانِي : فِيهِ الْقَطْعُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : لَا يُقْطَعُ فِي السَّرِقَةِ الْمُشْتَرِكُونَ إلَّا بِشَرْطِ أَنْ يَجِبَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ فِي حِصَّتِهِ نِصَابٌ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي النِّصَابِ وَمَحَلِّهِ حِينَ لَمْ يَقْطَعْ إلَّا مِنْ سَرَقَ نِصَابًا ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ هَؤُلَاءِ لَمْ يَسْرِقْ نِصَابًا ، فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِمْ .
وَدَلِيلُنَا : الِاشْتِرَاكُ فِي الْجِنَايَةِ لَا يُسْقِطُ عُقُوبَتَهَا ، كَالِاشْتِرَاكِ فِي الْقَتْلِ ، وَمَا أَقْرَبَ مَا بَيْنَهُمَا ؛ فَإِنَّا قَتَلْنَا الْجَمَاعَةَ بِقَتْلِ الْوَاحِدِ ، صِيَانَةً لِلدِّمَاءِ ، لِئَلَّا يَتَعَاوَنَ عَلَى سَفْكِهَا الْأَعْدَاءُ ، وَكَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ مِثْلُهُ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ سَاعَدَنَا الشَّافِعِيُّ عَلَى أَنَّ الْجَمَاعَةَ إذَا اشْتَرَكُوا فِي قَطْعِ يَدِ رَجُلٍ قُطِعُوا ، وَلَا فَرْقَ بَيْنَهُمَا .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : إذَا اشْتَرَكُوا فِي السَّرِقَةِ فَإِنْ نَقَبَ وَاحِدٌ الْحِرْزَ وَأَخْرَجَ آخَرُ فَلَا قَطْعَ عَلَى وَاحِدٍ مِنْهُمَا عِنْدَ الشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّ هَذَا نَقَبَ وَلَمْ يَسْرِقْ ، وَالْآخَرَ سَرَقَ مِنْ حِرْزٍ مَهْتُوكِ الْحُرْمَةِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ شَارَك فِي النَّقْبِ وَدَخَلَ وَأَخَذَ قُطِعَ .
وَأَمَّا عُلَمَاؤُنَا فَقَالُوا : إنْ كَانَ بَيْنَهُمَا تَعَاوُنٌ وَاتِّفَاقٌ قُطِعَا ، وَإِنْ نَقَبَ سَارِقٌ وَجَاءَ آخَرُ لَمْ يَشْعُرْ بِهِ فَدَخَلَ النَّقْبَ وَسَرَقَ فَلَا قَطْعَ عَلَيْهِ لِعَدَمِ شَرْطِ الْقَطْعِ وَهُوَ الْحِرْزُ ، وَفَصْلُ التَّعَاوُنِ قَدْ تَقَدَّمَ وَدَلِيلُنَا عَلَيْهِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : فِي النَّبَّاشِ : قَالَ عُلَمَاءُ الْأَمْصَارِ : يُقْطَعُ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ حِرْزٍ مَالًا مُعَرَّضًا لِلتَّلَفِ لَا مَالِكَ لَهُ ؛ لِأَنَّ الْمَيِّتَ لَا يَمْلِكُ .
وَمِنْهُمْ مَنْ يُنْكِرُ السَّرِقَةَ ؛ لِأَنَّهُ فِي مَوْضِعٍ لَيْسَ فِيهِ سَاكِنٌ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ السَّرِقَةُ بِحَيْثُ تُتَّقَى الْأَعْيُنُ ، وَيُتَحَفَّظُ مِنْ النَّاس ، وَعَلَى نَفْي السَّرِقَةِ عَوَّلَ أَهْلُ مَا وَرَاءَ النَّهْرِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَقُلْنَا : إنَّهُ سَارِقٌ ؛ لِأَنَّهُ تَدَرَّعَ اللَّيْلَ لِبَاسًا ، وَاتَّقَى الْأَعْيُنَ ، وَتَعَمَّدْ وَقْتًا لَا نَاظِرَ فِيهِ وَلَا مَارَّ عَلَيْهِ ؛ فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ سَرَقَ فِي وَقْتِ تَبَرُّزِ النَّاسِ لِلْعِيدِ وَخُلُوِّ الْبَلَدِ مِنْ جَمِيعِهِمْ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ الْقَبْرَ غَيْرُ حِرْزٍ فَبَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ حِرْزَ كُلِّ شَيْءٍ بِحَسَبِ حَالِهِ الْمُمَكَّنَةِ فِيهِ كَمَا قَدَّمْنَاهُ ، وَلَا يُمْكِنُ تَرْكُ الْمَيِّتِ عَارِيًّا ، وَلَا يُنْفَقُ فِيهِ أَكْثَرُ مِنْ دَفْنِهِ ، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يُدْفَنَ إلَّا مَعَ أَصْحَابِهِ ؛ فَصَارَتْ هَذِهِ الْحَاجَةُ قَاضِيَةً بِأَنَّ ذَلِكَ حِرْزُهُ ، وَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { أَلَمْ نَجْعَلْ الْأَرْضَ كِفَاتًا أَحْيَاءً وَأَمْوَاتًا } لَيَسْكُنَ فِيهَا حَيًّا وَيُدْفَنَ فِيهَا مَيِّتًا .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّهُ عُرْضَةٌ لِلتَّلَفِ فَكُلُّ مَا يَلْبَسُهُ الْحَيُّ أَيْضًا مُعَرَّضٌ لِلتَّلَفِ وَالْإِخْلَاقِ بِلِبَاسِهِ ، إلَّا أَنَّ أَحَدَ الْأَمْرَيْنِ أَعْجَلُ مِنْ الثَّانِي .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا سَرَقَ السَّارِقُ وَجَبَ الْقَطْعُ عَلَيْهِ وَرَدُّ الْعَيْنِ ؛ فَإِنْ تَلِفَتْ فَعَلَيْهِ مَعَ الْقَطْعِ الْقِيمَةُ إنْ كَانَ مُوسِرًا وَإِنْ كَانَ مُعْسِرًا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : الْغُرْمُ ثَابِتٌ فِي ذِمَّتِهِ فِي الْحَالَيْنِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجْتَمِعُ الْقَطْعُ مَعَ الْغُرْمِ بِحَالٍ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى قَالَ : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا جَزَاءً بِمَا كَسَبَا نَكَالًا مِنْ اللَّهِ } وَلَمْ يَذْكُرْ غُرْمًا ، وَالزِّيَادَةُ عَلَى النَّصِّ ، وَهِيَ نَسْخٌ ، وَنَسْخُ الْقُرْآنِ لَا يَجُوزُ إلَّا بِقُرْآنٍ مِثْلِهِ ، أَوْ بِخَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ ، وَأَمَّا بِنَظَرٍ فَلَا يَجُوزُ قُلْنَا : لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الزِّيَادَةَ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ ؛ وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ فَلْيُنْظَرْ هُنَاكَ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى } مُطْلَقًا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُعْطَى لِذَوِي الْقُرْبَى إلَّا أَنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ ؛ فَزَادَ عَلَى النَّصِّ بِغَيْرِ نَصٍّ مِثْلِهِ مِنْ قُرْآنٍ أَوْ خَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ .
وَأَمَّا عُلَمَاءُ الشَّافِعِيَّةِ فَعَوَّلُوا عَلَى أَنَّ الْقَطْعَ وَالْغُرْمَ حَقَّانِ لِمُسْتَحِقَّيْنِ مُخْتَلِفَيْنِ ، فَلَا يُسْقِطُ أَحَدُهُمَا الْآخَرَ ، كَالدِّيَةِ وَالْكَفَّارَةِ .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ فَلَيْسَ لَهُمْ مُتَعَلَّقٌ قَوِيٌّ ، وَنَازَعَ بَعْضُهُمْ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إذَا أُقِيمَ عَلَى السَّارِقِ الْحَدُّ فَلَا ضَمَانَ } .
وَهَذَا حَدِيثٌ بَاطِلٌ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لِأَنَّ الْإِتْبَاعَ بِالْغُرْمِ عُقُوبَةٌ ، وَالْقَطْعَ عُقُوبَةٌ ، وَلَا تَجْتَمِعُ عُقُوبَتَانِ ، وَعَلَيْهِ عَوَّلَ الْقَاضِي عَبْدُ الْوَهَّابِ ، وَهُوَ كَلَامٌ مُخْتَلُّ اللَّفْظِ .
وَصَوَابُهُ مَا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ مِنْ أَنَّ الْقَطْعَ وَاجِبٌ فِي الْبَدَنِ ، وَالْغُرْمَ عَلَى الْمُوسِرِ وَاجِبٌ فِي الْمَالِ ، فَصَارَا

حَقَّيْنِ فِي مَحَلَّيْنِ .
وَإِذَا كَانَ مُعْسِرًا فَقُلْنَا : يَثْبُتُ الْغُرْمُ عَلَيْهِ فِي ذِمَّتِهِ ، كَمَا أَوْجَبْنَا عَلَيْهِ الْقَطْعَ فِي الْبَدَنِ وَالْغُرْمَ وَهُوَ مَحَلٌّ وَاحِدٌ ، فَلَمْ يَجُزْ ، أَلَا تَرَى أَنَّ الدِّيَةَ عَلَى الْعَاقِلَةِ وَالْكَفَّارَةَ فِي مَالِهِ أَوْ ذِمَّتِهِ ، وَالْجَزَاءَ فِي الصَّيْدِ الْمَمْلُوكِ يَنْقُضُ هَذَا الْأَصْلَ ؛ لِأَنَّهُ يُجْمَعُ مَعَ الْقِيمَةِ ، وَكَذَلِكَ الْحَدُّ وَالْمَهْرُ إلَّا أَنْ يَطَّرِدَ أَصْلُنَا ، فَنَقُولُ : إذَا وَجَبَ الْحَدُّ وَكَانَ مُعْسِرًا لَمْ يَجِبْ الْمَهْرُ ، وَإِنَّ الْجَزَاءَ إذَا وَجَبَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ مُعْسِرٌ ، سَقَطَتْ الْقِيمَةُ عَنْهُ ، فَحِينَئِذٍ تَطَّرِدُ الْمَسْأَلَةُ وَيَصِحُّ الْمَذْهَبُ ؛ أَمَّا أَنَّهُ قَدْ رَوَى النَّسَائِيّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا يَغْرَمُ صَاحِبُ سَرِقَةٍ إذَا أَقَمْتُمْ عَلَيْهِ الْحَدَّ } .
فَلَوْ صَحَّ هَذَا لَحَمَلْنَاهُ عَلَى الْمُعْسِرِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنْ شَاءَ أَغْرَمَ السَّارِقَ وَلَمْ يَقْطَعْهُ ، وَإِنْ شَاءَ قَطَعَهُ وَلَمْ يُغْرِمْهُ ؛ فَجَعَلَ الْخِيَارَ إلَيْهِ ؛ وَالْخِيَارُ إنَّمَا يَكُونُ لِلْمَرْءِ بَيْنَ حَقَّيْنِ هُمَا لَهُ ، وَالْقَطْعُ فِي السَّرِقَةِ حَقُّ اللَّهِ تَعَالَى ، فَلَمْ يَجُزْ أَنْ يُخَيَّرَ الْعَبْدُ فِيهِ كَالْحَدِّ وَالْمَهْرِ .

الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : إذَا سَرَقَ الْمَالَ مِنْ الَّذِي سَرَقَهُ وَجَبَ عَلَيْهِ الْقَطْعُ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ؛ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ سَرَقَ مِنْ غَيْرِ الْمَالِكِ ، فَإِنَّ حُرْمَةَ الْمَالِكِ الْأَوَّلِ بَاقِيَةٌ عَلَيْهِ لَمْ تَنْقَطِعْ عَنْهُ ، وَيَدَ السَّارِقِ كَلَا يَدٍ .
فَإِنْ قِيلَ : اجْعَلُوا حِرْزَهُ كَلَا حِرْزٍ .
قُلْنَا : الْحِرْزُ قَائِمٌ ، وَالْمِلْكُ قَائِمٌ ، وَلَمْ يَبْطُلْ الْمِلْكُ فِيهِ ، فَيَقُولُوا لَنَا : أَبْطِلُوا الْحِرْزَ .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : إذَا تَكَرَّرَتْ السَّرِقَةُ بَعْدَ الْقَطْعِ فِي الْعَيْنِ الْمَسْرُوقَةِ قُطِعَ ثَانِيًا فِيهَا .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا قَطْعَ عَلَيْهِ .
وَلَيْسَ لِلْقَوْمِ دَلِيلٌ يُحْكَى ، وَلَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ مَعَنَا : إذَا تَكَرَّرَ الزِّنَا يُحَدُّ ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا اعْتِرَاضَهُمْ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَأَبْطَلْنَاهُ .
وَعُمُومُ الْقُرْآنِ يُوجِبُ عَلَيْهِ الْقَطْعَ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : [ إذَا مَلَكَ السَّارِقُ الْعَيْنَ الْمَسْرُوقَةَ ] : إذَا مَلَكَ السَّارِقُ قَبْلَ أَنْ يُقْطَعَ الْعَيْنَ الْمَسْرُوقَةَ بِشِرَاءٍ أَوْ هِبَةٍ سَقَطَ الْقَطْعُ عِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ ، وَاَللَّهُ تَعَالَى يَقُولُ : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } .
فَإِذَا وَجَبَ الْقَطْعُ حَقًّا لِلَّهِ تَعَالَى لَمْ يُسْقِطْهُ شَيْءٌ وَلَا تَوْبَةُ السَّارِقِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : وَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : إنَّ التَّوْبَةَ تُسْقِطُ حُقُوقَ اللَّهِ وَحُدُودَهُ ، وَعَزَوْهُ إلَى الشَّافِعِيِّ قَوْلًا ، وَتَعَلَّقُوا بِقَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } .
وَذَلِكَ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ الْوُجُوبِ ، فَوَجَبَ حَمْلُ جَمِيعِ الْحُدُودِ عَلَيْهِ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا بِعَيْنِهِ هُوَ دَلِيلُنَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى لَمَّا ذَكَرَ حَدَّ الْمُحَارِبِ قَالَ : { إلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ } .
وَعَطَفَ عَلَيْهِ حَدَّ السَّارِقِ ، وَقَالَ فِيهِ : { فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ } فَلَوْ كَانَ ظُلْمُهُ فِي الْحُكْمِ مَا غَايَرَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمَا ، وَيَا مَعْشَرَ الشَّافِعِيَّةِ ؛ سُبْحَانَ اللَّهِ ، أَيْنَ الدَّقَائِقُ الْفِقْهِيَّةُ وَالْحِكَمُ الشَّرْعِيَّةُ الَّتِي تَسْتَنْبِطُونَهَا فِي غَوَامِضِ الْمَسَائِلِ ، أَلَمْ تَرَوْا إلَى الْمُحَارِبِ الْمُسْتَبِدِّ بِنَفْسِهِ ، الْمُجْتَرِئِ بِسِلَاحِهِ ، الَّذِي يَفْتَقِرُ الْإِمَامُ مَعَهُ إلَى الْإِيجَافِ بِالْخَيْلِ وَالرِّكَابِ ، كَيْف أَسْقَطَ جَزَاءَهُ بِالتَّوْبَةِ اسْتِنْزَالًا عَنْ تِلْكَ الْحَالَةِ ، كَمَا فُعِلَ بِالْكَافِرِ فِي مَغْفِرَةِ جَمِيعِ مَا سَلَفَ اسْتِئْلَافًا عَلَى الْإِسْلَامِ .
فَأَمَّا السَّارِقُ وَالزَّانِي ، وَهُمْ فِي قَبْضَةِ الْمُسْلِمِينَ ، وَتَحْتَ حُكْمِ الْإِمَامِ ، فَمَا الَّذِي يُسْقِطُ عَنْهُمْ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ ؟ أَوْ كَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُقَالَ عَلَى الْمُحَارِبِ ، وَقَدْ فَرَّقَتْ بَيْنَهُمَا الْحَالَةُ وَالْحِكْمَةُ ؟

هَذَا لَا يَلِيقُ بِمِثْلِكُمْ ، يَا مَعْشَرَ الْمُحَقِّقِينَ .
وَأَمَّا مِلْكُ السَّارِقِ الْمَسْرُوقَ ، فَقَدْ { قَالَ صَفْوَانُ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : فَهَلَّا قَبْلَ أَنْ تَأْتِيَنِي بِهِ } .
خَرَّجَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ وَغَيْرُهُ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : [ حُكْمُ سَارِقِ الْمُصْحَفِ ] : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُقْطَعُ سَارِقُ الْمُصْحَفِ ، وَلَيْسَ لَهُ فِيهِ مَا يَنْفَعُ إلَّا أَنْ مَنَعَ بَيْعَهُ وَتَمَلُّكَهُ .
فَإِنْ فَعَلَ ذَلِكَ قُلْنَا لَهُ : إذَا اشْتَرَى رَجُلٌ وَرَقًا وَكَتَبَ فِيهِ الْقُرْآنَ لَا يُبْطِلُ مَا ثَبَتَ فِيهِ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ مِلْكَهُ ، كَمَا لَمْ يُبْطِلْ مِلْكَهُ لَوْ كَتَبَ فِيهِ حَدِيثَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِذَا ثَبَتَ الْمِلْكُ تَرَتَّبْ عَلَيْهِ وُجُوبُ الْقَطْعِ .
وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } اعْلَمُوا أَنَّ هَذِهِ الْمَسَائِلَ الْمُتَقَدِّمَةَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ لَمْ يُتَعَرَّضْ فِي الْقُرْآنِ لِذِكْرِهَا ، وَلَكِنَّ الْعُمُومَ لَمَّا كَانَ يَتَنَاوَلُ كُلَّ ذَلِكَ وَنُظَرَاءَهُ ذَكَرْنَا أُمَّهَاتِ النَّظَائِرِ ، لِئَلَّا يَطُولَ عَلَيْكُمْ الِاسْتِيفَاءُ ، وَبَيَّنَّا كَيْفِيَّةَ التَّخْصِيصِ لِهَذَا الْعُمُومِ ، لِتَعْلَمُوا كَيْفِيَّةَ اسْتِنْبَاطِ الْأَحْكَامِ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَهَكَذَا عَقَدْنَا فِي كُلِّ آيَةٍ وَسَرَدْنَا ، فَافْهَمُوهُ مِنْ آيَاتِ هَذَا الْكِتَابِ ؛ إذْ لَوْ ذَهَبْنَا إلَى ذِكْرِ كُلِّ مَا يَتَعَلَّقُ بِهَا مِنْ الْأَحْكَامِ لَصَعُبَ الْمَرَامُ .
وَمِنْ أَهَمِّ الْمَسَائِلِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَا وَقَعَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَهُوَ قَوْله تَعَالَى : { فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } ، فَنَذْكُرُ وَجْهَ إيرَادِهَا لُغَةً ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : ثُمَّ نُفِيضُ بَعْدَ ذَلِكَ فِي تَمَامِهَا ، فَإِنَّهَا عَظِيمَةُ الْإِشْكَالِ لُغَةً لَا فِقْهًا ، فَنَقُولُ : إنْ قِيلَ : كَيْفَ قَالَ : فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا ، وَإِنَّمَا هُمَا يَمِينَانِ " ؟ قُلْت : لَمَّا تَوَجَّهَ هَذَا السُّؤَالُ وَسَمِعَهُ النَّاسُ لَمْ يَحُلْ أَحَدٌ مِنْهُمْ بِطَائِلٍ مِنْ فَهْمِهِ .
أَمَّا أَهْلُ اللُّغَةِ فَتَقَبَّلُوهُ ، وَتَكَلَّمُوا عَلَيْهِ ، وَتَابَعَهُمْ الْفُقَهَاءُ عَلَى مَا ذَكَرُوهُ حُسْنَ ظَنٍّ بِهِمْ مِنْ غَيْرِ تَحْقِيقٍ لِكَلَامِهِمْ ، وَذَكَرُوا فِي ذَلِكَ خَمْسَةَ أَوْجُهٍ : الْوَجْهُ الْأَوَّلُ : أَنَّ أَكْثَرَ مَا فِي الْإِنْسَانِ مِنْ الْأَعْضَاءِ اثْنَانِ ، فَحُمِلَ الْأَقَلُّ عَلَى الْأَكْثَرِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّك تَقُولُ : بُطُونُهُمَا وَعُيُونُهُمَا ، وَهُمَا اثْنَانِ ؛ فَجَعَلَ ذَلِكَ مِثْلَهُ .
الثَّانِي : أَنَّ الْعَرَبَ فَعَلَتْ ذَلِكَ لِلْفَصْلِ بَيْنَ مَا فِي الشَّيْءِ مِنْهُ وَاحِدٌ وَبَيْنَ مَا فِيهِ مِنْهُ اثْنَانِ ، فَجَعَلَ مَا فِي الشَّيْءِ مِنْهُ وَاحِدٌ جَمْعًا إذَا ثُنِّيَ ، وَمَعْنَى ذَلِكَ أَنَّهُ وَإِنْ جُعِلَ جَمْعًا فَالْإِضَافَةُ تَثْنِيَةٌ ، لَا سِيَّمَا وَالتَّثْنِيَةُ

جَمْعٌ ، وَكَانَ الْأَصْلُ أَنْ يُقَالَ اثْنَانِ رَجُلَانِ ، وَلَكِنْ رَجُلَانِ يَدُلُّ عَلَى الْجِنْسِ وَالتَّثْنِيَةِ جَمِيعًا ، وَذُكِرَ كَذَلِكَ اخْتِصَارًا ، وَكَذَلِكَ إذَا قُلْت : قُلُوبُهُمَا فَالتَّثْنِيَةُ فِيهِمَا قَدْ بَيَّنَتْ لَك عَدَدَ قَلْبٍ ، وَقَدْ قَالَ الشَّاعِرُ فَجَمَعَ بَيْنَ الْأَمْرَيْنِ : وَمَهْمَهَيْنِ قَذْفَيْنِ مَرَّتَيْنِ ظَهْرَاهُمَا مِثْلُ ظُهُورِ التُّرْسَيْنِ الثَّالِثُ : قَالَ سِيبَوَيْهِ : إذَا كَانَ مُفْرَدًا قَدْ يُجْمَعْ إذَا أَرَدْت بِهِ التَّثْنِيَةَ ، كَقَوْلِ الْعَرَبِ : وَضَعَا رِحَالَهُمَا ، وَتُرِيدُ رَحْلَيْ رَاحِلَتَيْهِمَا ، وَإِلَى مَعْنَى الثَّانِي يَرْجِعُ فِي الْبَيَانِ الرَّابِعِ ، وَيَشْتَرِكُ الْفُقَهَاءُ مَعَهُمْ فِيهِ أَنَّهُ فِي كُلِّ جَسَدٍ يَدَانِ ، فَهِيَ أَيْدِيهِمَا مَعًا حَقِيقَةٌ ، وَلَكِنْ لَمَّا أَرَادَ الْيُمْنَى مِنْ كُلِّ جَسَدٍ ، وَهِيَ وَاحِدَةٌ ، جَرَى هَذَا الْجَمْعُ عَلَى هَذِهِ الصِّفَةِ ، وَتُؤَوَّلُ كَذَلِكَ .
الْخَامِسُ : أَنَّ ذِكْرَ الْوَاحِدِ بِلَفْظِ الْجَمِيعِ عِنْدَ التَّثْنِيَةِ أَفْصَحُ مِنْ ذِكْرِهِ بِلَفْظِ التَّثْنِيَةِ مَعَ التَّثْنِيَةِ ؛ فَهَذَا مُنْتَهَى مَا تَحَصَّلَ لِي مِنْ أَقْوَالِهِمْ ، وَقَدْ تَتَقَارَبُ وَتَتَبَاعَدُ ، وَهَذَا كُلُّهُ بِنَاءً عَلَى مَا أَشَرْنَا إلَيْهِ عَنْهُمْ فِي الْخَامِسِ ، مِنْ أَنَّهُمْ بَنَوْا الْأَمْرَ عَلَى أَنَّ الْيَمِينَ وَحْدَهَا هِيَ الَّتِي تُقْطَعُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ بَلْ تُقْطَعُ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلُ ، فَيَعُودُ قَوْلُهُ : أَيْدِيَهُمَا إلَى أَرْبَعَةٍ ، وَهِيَ جَمْعٌ فِي الْآيَتَيْنِ ، وَهِيَ تَثْنِيَةٌ ؛ فَيَأْتِي الْكَلَامُ عَلَى فَصَاحَتِهِ ، وَلَوْ قَالَ : فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمْ لَكَانَ وَجْهًا ؛ لِأَنَّ السَّارِقَ وَالسَّارِقَةَ لَمْ يُرَدْ بِهِمَا شَخْصَيْنِ خَاصَّةً ، وَإِنَّمَا هُمَا اسْمًا جِنْسٍ يَعُمَّانِ مَا لَا يُحْصَى إلَّا بِالْفِعْلِ الْمَنْسُوبِ إلَيْهِ ، وَلَكِنَّهُ جَمْعٌ لِحَقِيقَةِ الْجَمْعِ فِيهِ .

وَبَيَانُ مَا قُلْنَا مِنْ قَطْعِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فِي ذَلِكَ كَثِيرًا مَآلُهُ إلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ تُقْطَعُ يَمِينُ السَّارِقِ خَاصَّةً ، وَلَا يَعُودُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ ؛ قَالَهُ عَطَاءٌ .
الثَّانِي : أَنَّهُ تَقْطَعُ الْيُسْرَى وَلَا يَعُودُ عَلَيْهِ الْقَطْعُ فِي رِجْلِ رَجُلٍ ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ .
الثَّالِثُ : تُقْطَعُ يَدُهُ الْيُمْنَى ، فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُسْرَى ، فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى ، فَإِنْ عَادَ قُطِعَتْ رِجْلُهُ الْيُمْنَى ؛ قَالَهُ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ .
وَأَمَّا قَوْلُ عَطَاءٍ فَلَيْسَ عَلَى غَلَطِهِ غِطَاءٌ ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ قَبْلَهُ قَالُوا خِلَافَهُ .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا } ، فَجَاءَ بِالْجَمْعِ ، فَإِنْ تَعَلَّقَ بِأَقْوَالِ النُّحَاةِ قُلْنَا : ذَلِكَ يَكُونُ تَأْوِيلًا مَعَ الضَّرُورَةِ إذَا جَاءَ دَلِيلٌ يَدُلُّ عَلَى خِلَافِ الظَّاهِرِ ، فَيُرْجَعُ إلَيْهِ ، فَبَطَلَ مَا قَالَهُ .
وَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ حَدِيثُ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ ، { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِلِصٍّ فَقَالَ : اُقْتُلُوهُ .
قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّمَا سَرَقَ .
قَالَ : اقْطَعُوا يَدَهُ .
قَالُوا : ثُمَّ سَرَقَ فَقُطِعَتْ رِجْلُهُ ، ثُمَّ سَرَقَ عَلَى عَهْدِ أَبِي بَكْرٍ فَقُطِعَتْ يَدُهُ حَتَّى قُطِعَتْ قَوَائِمُهُ كُلُّهَا } .
رَوَاهُ النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد وَالدَّارَقُطْنِيّ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَطَعَ يَدَهُ ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ الثَّانِيَةَ فَقَطَعَ رِجْلَهُ ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ ثَالِثَةً فَقَطَعَ يَدَهُ ، ثُمَّ أُتِيَ بِهِ رَابِعَةً فَقَطَعَ رِجْلَهُ } .
أَمَّا النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد فَرَوَيَاهُ عَنْ الْحَارِثِ بْنِ حَاطِبٍ .
وَأَمَّا الدَّارَقُطْنِيُّ فَرَوَاهُ عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِعْلًا ، وَرَوَاهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَوْلًا .
وَقَالَ الْحَارِثُ : إنَّ أَبَا بَكْرٍ

تَمَّمَ قَطْعَهُ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى قَتْلِهِ فِي الْخَامِسَةِ ؛ وَهَذَا يُسْقِط قَوْلَ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَكَذَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ فِي قَطْعِ الْيَمِينِ أَنَّهُ قَطَعَ رِجْلَهُ الْيُمْنَى رُوِيَ أَيْضًا أَنَّهُ أَمَرَ بِذَلِكَ فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : لَا ؛ بَلْ تُقْطَعُ يَدُهُ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى .
قَالَ لَهُ : دُونَك .
وَالرِّوَايَةُ الْأُولَى أَصَحُّ وَأَثْبُتُ رِجَالًا .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : إذَا سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ ، فَإِنْ عَادَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ ، وَاتْرُكُوا لَهُ يَدًا يَأْكُلُ بِهَا الطَّعَامَ ، وَيَسْتَنْجِي بِهَا مِنْ الْغَائِطِ ، وَيُحَقِّقُ ذَلِكَ أَنَّ فِي الْمُوَطَّإِ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الْقَاسِمِ عَنْ أَبِيهِ أَنْ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْيَمَنِ كَانَ أَقْطَعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ فَإِنَّمَا قُطِعَتْ يَدُهُ الْيُسْرَى لِعَدَمِ الْيُمْنَى .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : مِنْ تَوَابِعِهَا أَنَّ عُمُومَ قَوْله تَعَالَى : { وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ } يَقْتَضِي قَطْعَ يَدِ الْآبِقِ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد عَنْ بُسْرِ بْنِ أَرْطَاةَ ، أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُقْطَعُ الْأَيْدِي فِي السَّفَرِ } .
وَرَوَى النَّسَائِيّ : { فِي الْغَزْوِ } .
فَأَمَّا قَوْلُهُ فِي السَّفَرِ فَحَمَلَهُ بَعْضُهُمْ عَلَى الْآبِقِ ، وَهُوَ غَلَطٌ بَيِّنٌ ؛ لِأَجْلِ أَنَّ مِثْلَ هَذَا اللَّفْظِ الْعَامِّ لَا يُقَالُ فِيهِ يُرَادُ بِهِ هَذَا الْمَعْنَى الشَّاذُّ النَّادِرُ الَّذِي يَجُوزُ أَنْ يَذْكُرَ الْمُعَمِّمُ لَفْظَهُ وَلَا يَخْطُرُ بِبَالِهِ ، فَضْلًا عَنْ أَنْ يُقَالَ إنَّهُ قَصَدَهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ فِي الْغَزْوِ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَقَالُوا : إنَّ مَعْنَاهُ أَنَّ الْغَانِمِينَ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ حَظُّهُ فِي الْغَنِيمَةِ ، فَلَا يُقْطَعُ وَلَا يُحَدُّ عِنْدَ بَعْضِ الْعُلَمَاءِ .
وَقِيلَ : يُقْطَعُ وَيُحَدُّ لِعَدَمِ تَعْيِينِ حَظِّهِ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ ؛ لِأَنَّ مِلْكَهُ مُسْتَقِرٌّ يُورَثُ عَنْهُ وَتُؤَدَّى مِنْهُ دُيُونُهُ ، فَصَارَ كَالْجَارِيَةِ الْمُشْتَرَكَةِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : إذَا وَجَبَ حَدُّ السَّرِقَةِ فَقَتَلَ السَّارِقُ رَجُلًا وَوَجَبَ عَلَيْهِ الْقِصَاصُ قَالَ مَالِكٌ : يُقْتَلُ وَيَدْخُلُ الْقَطْعُ فِيهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يُقْطَعُ لِأَنَّهُمَا حَقَّانِ لِلْمُسْتَحِقَّيْنِ ، فَوَجَبَ أَنْ يُوَفَّى كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا حَقُّهُ .
فَإِنْ قِيلَ : أَحَدُهُمَا يَدْخُلُ فِي الْآخَرِ كَمَا قَالَ مَالِكٌ : الْقَتْلُ يَأْتِي عَلَى ذَلِكَ كُلِّهِ .
قُلْنَا : إنَّ الَّذِي نَخْتَارُ أَنَّ حَدًّا لَا يُسْقِطُ حَدًّا .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : تَكَلَّمَ النَّاسُ فِي قَطْعِ السَّرِقَةِ ، هَلْ هُوَ شَرْعُنَا خَاصَّةً أَمْ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا ؟ فَقِيلَ : كَانَ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا اسْتِرْقَاقَ السَّارِقِ .
وَقِيلَ : كَانَ ذَلِكَ إلَى زَمَنِ مُوسَى ؛ فَعَلَى الْأَوَّلِ الْقَطْعُ فِي شَرْعِنَا نَاسِخٌ لِلرِّقِّ .
وَعَلَى الثَّانِي يَكُونُ تَوْكِيدًا لَهُ ، وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ عَلَى الْمَسْأَلَةِ فِي سُورَةِ يُوسُفَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْحَدَّ كَانَ مُطْلَقًا فِي الْأُمَمِ كُلِّهَا قَبْلَنَا ، وَلَمْ يُبَيِّنْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَيْفِيَّتَهُ ، إذْ قَالَ : { يَا أَيُّهَا النَّاسُ إنَّمَا أَهْلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ أَنَّهُ كَانَ إذَا سَرَقَ فِيهِمْ الضَّعِيفُ أَقَامُوا عَلَيْهِ الْحَدَّ ، وَإِذَا سَرَقَ فِيهِمْ الشَّرِيفُ تَرَكُوهُ ، وَأَيْمُ اللَّهِ لَوْ أَنَّ فَاطِمَةَ بِنْتَ مُحَمَّدٍ سَرَقَتْ لَقَطَعْت يَدَهَا } .

الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لَا يَحْزُنْك الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنْ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنْ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوك يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدْ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنْ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدْ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ فَإِنْ جَاءُوك فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوك شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْت فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَك وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ إنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ بِمَا اُسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلَا تَخْشَوْا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ وَلَا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلًا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } .
فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ { أَبِي لُبَابَةَ حِينَ أَرْسَلَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى بَنِي قُرَيْظَةَ فَخَانَهُ } .
الثَّانِي : نَزَلَتْ فِي شَأْنِ { بَنِي قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُمْ شَكَوَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا لَهُ : إنَّ النَّضِيرَ يَجْعَلُونَ خَرَاجَنَا عَلَى النِّصْفِ مِنْ خَرَاجِهِمْ .
وَيَقْتُلُونَ مِنَّا مَنْ قَتَلَ مِنْهُمْ ، وَإِنْ قَتَلَ أَحَدٌ مِنْهُمْ أَحَدًا مِنَّا وَدَوْهُ

أَرْبَعِينَ وَسْقًا مِنْ تَمْرٍ } .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي { الْيَهُودِ جَاءُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا لَهُ : إنَّ رَجُلًا مِنَّا وَامْرَأَةً زَنَيَا ؛ فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا تَجِدُونَ فِي التَّوْرَاةِ فِي شَأْنِ الرَّجْمِ ؟ فَقَالُوا : نَفْضَحُهُمْ وَيُجْلَدُونَ .
قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : كَذَبْتُمْ ، إنَّ فِيهَا آيَةَ الرَّجْمِ ، فَأْتُوا بِالتَّوْرَاةِ ، فَأَتَوْا بِهَا فَوَضَعَ أَحَدُهُمْ يَدَهُ عَلَى آيَةِ الرَّجْمِ ، فَقَرَأَ مَا قَبْلَهَا وَمَا بَعْدَهَا فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ : ارْفَعْ يَدَكَ .
فَرَفَعَ يَدَهُ ، فَإِذَا آيَةُ الرَّجْمِ تَلُوحُ .
فَقَالُوا : صَدَقَ يَا مُحَمَّدُ ، فِيهَا آيَةُ الرَّجْمِ .
فَأَمَرَ بِهِمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَرُجِمَا } .
هَكَذَا رَوَاهُ مَالِكٌ [ وَالْبُخَارِيُّ ] وَمُسْلِمٌ وَالتِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد .
قَالَ أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ : { إنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُمْ : ائْتُونِي أَعْلَمَ رَجُلَيْنِ فِيكُمْ فَجَاءُوا بِابْنَيْ صُورِيَّا ، فَنَشَدَهُمَا اللَّهَ كَيْفَ تَجِدَانِ أَمَرَ هَذَيْنِ فِي التَّوْرَاةِ قَالَا : نَجِدُ فِي التَّوْرَاةِ إذَا شَهِدَ أَرْبَعَةٌ أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا كَالْمِرْوَدِ فِي الْمُكْحُلَةِ رُجِمَا .
قَالَ : فَمَا يَمْنَعُكُمَا أَنْ تَرْجُمُوهُمَا ؟ قَالَ : ذَهَبَ سُلْطَانُنَا ، فَكَرِهْنَا الْقَتْلَ .
فَدَعَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالشُّهُودِ ، فَجَاءُوا فَشَهِدُوا أَنَّهُمْ رَأَوْا ذَكَرَهُ فِي فَرْجِهَا مِثْلَ الْمِيلِ فِي الْمُكْحُلَةِ .
فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَجْمِهِمَا فَرُجِمَا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي الْمُخْتَارِ مِنْ ذَلِكَ : وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا فِي شَأْنِ أَبِي لُبَابَةَ وَمَا قَالَ عَلِيٌّ عَنْ النَّبِيِّ لِبَنِي قُرَيْظَةَ فَضَعِيفٌ لَا أَصْلَ لَهُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا نَزَلَتْ فِي شَأْنِ قُرَيْظَةَ وَالنَّضِيرِ ، وَمَا شَكَوْهُ مِنْ التَّفْضِيلِ بَيْنَهُمْ

فَإِنَّهُ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ أَنَّهُ كَانَ تَحْكِيمًا مِنْهُمْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا شَكْوًى .
وَالصَّحِيحُ مَا رَوَاهُ الْجَمَاعَةُ ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ، وَجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ، كِلَاهُمَا فِي وَصْفِ الْقِصَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَحَكَّمُوهُ ، فَكَانَ مَا ذَكَرْنَا فِي الْأَمْرِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : ثَبَتَ كَمَا تَقَدَّمَ أَنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَذَكَرُوا لَهُ أَمْرَ الزَّانِيَيْنِ .
وَجُمْلَةُ الْأَمْرِ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ مُصَالَحُونَ ، وَعُمْدَةُ الصُّلْحِ أَلَّا يَعْرِضَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ ، وَإِنْ تَعَرَّضُوا لَنَا وَرَفَعُوا أَمَرَهُمْ إلَيْنَا فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مَا رَفَعُوهُ ظُلْمًا لَا يَجُوزُ فِي شَرِيعَةٍ ، أَوْ مِمَّا تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّرِيعَةُ ؛ فَإِنْ كَانَ مِمَّا لَا تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّرَائِعُ كَالْغَصْبِ وَالْقَتْلِ وَشِبْهِهِ لَمْ يُمَكَّنْ بَعْضَهُمْ مِنْ بَعْضٍ فِيهِ .
وَإِذَا كَانَ مِمَّا تَخْتَلِفُ فِيهِ الشَّرَائِعُ وَيَحْكُمُونَنَا فِيهِ وَيَتَرَاضَوْا بِحُكْمِنَا عَلَيْهِمْ فِيهِ فَإِنَّ الْإِمَامَ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ أَنْ يَحْكُمَ بَيْنَهُمْ حَكَمَ ، وَإِنْ شَاءَ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ أَعْرَضَ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : وَالْأَفْضَلُ لَهُ أَنْ يُعْرِضَ عَنْهُمْ .
قُلْت : وَإِنَّمَا أَنْفَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ ، لِيُحَقِّقَ تَحْرِيفَهُمْ وَتَبْدِيلَهُمْ وَتَكْذِيبَهُمْ وَكَتْمَهُمْ مَا فِي التَّوْرَاةِ .
وَمِنْهُ صِفَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالرَّجْمُ عَلَى مَنْ زَنَا مِنْهُمْ .
وَعَنْهُ أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى بِقَوْلِهِ : { يَا أَهْلَ الْكِتَابِ قَدْ جَاءَكُمْ رَسُولُنَا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيرًا مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنْ الْكِتَابِ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ } فَيَكُونُ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِهِ الْبَاهِرَةِ ، وَحُجَجِهِ الْبَيِّنَةِ ، وَبَرَاهِينِهِ الْمُثَبِّتَةِ لِلْأُمَّةِ ، الْمُخْزِيَةِ لِلْيَهُودِ وَالْمُشْرِكِينَ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي التَّحْكِيمِ مِنْ الْيَهُودِ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إذَا جَاءَ الْأَسَاقِفَةُ وَالزَّانِيَانِ فَالْحَاكِمُ مُخَيَّرٌ إنْ شَاءَ حَكَمَ أَوْ لَا ؟ لِأَنَّ إنْفَاذَ الْحُكْمِ حَقُّ الْأَسَاقِفَةِ .
وَقَالَ غَيْرُهُ : إذَا حَكَّمَ الزَّانِيَانِ الْإِمَامَ جَازَ إنْفَاذُهُ الْحُكْمَ ، وَلَا يَلْتَفِتُ إلَى الْأَسَاقِفَةِ ؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ لِأَنَّ مُسْلِمَيْنِ لَوْ حَكَّمَا بَيْنَهُمَا رَجُلًا لَنَفَذَ [ حُكْمُهُ ] وَلَمْ يَعْتَبِرْ رِضَا الْحَاكِمِ ؛ فَالْكِتَابِيُّونَ بِذَلِكَ أَوْلَى ، إذْ الْحُكْمُ لَيْسَ بِحَقٍّ لِلْحَاكِمِ عَلَى النَّاسِ ، وَإِنَّمَا هُوَ حَقٌّ لِلنَّاسِ عَلَيْهِ .
وَقَالَ عِيسَى ، عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ : لَمْ يَكُونُوا أَهْلَ ذِمَّةٍ ، إنَّمَا كَانُوا أَهْلَ حَرْبٍ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ عِيسَى عَنْهُ إنَّمَا نَزَعَ بِهِ لِمَا رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ وَغَيْرُهُ { أَنَّ الزَّانِيَيْنِ كَانَا مِنْ أَهْلِ خَيْبَرَ أَوْ فَدَكَ ، وَكَانُوا حَرْبًا لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاسْمُ الْمَرْأَةِ الزَّانِيَةِ يَسْرَةُ ، وَكَانُوا بَعَثُوا إلَى يَهُودِ الْمَدِينَةِ يَقُولُونَ لَهُمْ : اسْأَلُوا مُحَمَّدًا عَنْ هَذَا ، فَإِنْ أَفْتَاكُمْ بِغَيْرِ الرَّجْمِ فَخُذُوهُ مِنْهُ وَاقْبَلُوهُ ، وَإِنْ أَفْتَى بِهِ فَاحْذَرُوهُ ، وَهَذِهِ فِتْنَةٌ أَرَادَهَا اللَّهُ فِيهِمْ فَنَفَذَتْ ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلُوهُ ، فَقَالَ لَهُمْ : مَنْ أَعْلَمُ يَهُودَ فِيكُمْ ؟ قَالُوا : ابْنُ صُورِيَّا .
فَأَرْسَلَ إلَيْهِ فِي فَدَكَ ، فَجَاءَ فَنَشَدَهُ اللَّهَ ، فَانْتَشَدَ لَهُ وَصَدَّقَهُ بِالرَّجْمِ كَمَا تَقَدَّمَ ، وَقَالَ لَهُ : وَاَللَّهِ يَا مُحَمَّدُ ، إنَّهُمْ لَيَعْلَمُونَ أَنَّك رَسُولُ اللَّهِ ، ثُمَّ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قَلْبِهِ ، فَبَقِيَ عَلَى كُفْرِهِ .
} وَهَذَا لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ مَجِيئُهُمْ بِالزَّانِيَيْنِ وَسُؤَالُهُمْ عَهْدًا وَأَمَانًا ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ عَهْدَ ذِمَّةٍ وَدَارٍ لَكَانَ لَهُمْ حُكْمُ الْكَفِّ عَنْهُمْ وَالْعَدْلُ فِيهِمْ ، فَلَا حُجَّةَ لِرِوَايَةِ عِيسَى فِي هَذَا ، وَعَنْهُمْ أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى

بِقَوْلِهِ : { سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ } .

قَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الْجَاسُوسَ بِقَوْلِهِ : { سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوك } ؛ فَهَؤُلَاءِ هُمْ الْجَوَاسِيسُ ، وَلَمْ يَعْرِضْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُمْ مَعَ عِلْمِهِ بِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ حِينَئِذٍ تَقَرَّرَتْ الْأَحْكَامُ ، وَلَا تَمَكَّنَ الْإِسْلَامُ ؛ وَسَنُبَيِّنُهُ بَعْدَ هَذَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : لَمَّا حَكَّمُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْفَذَ عَلَيْهِمْ الْحُكْمَ ، وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ الرُّجُوعُ ، وَكُلُّ مَنْ حَكَّمَ رَجُلًا فِي الدِّينِ فَأَصْلُهُ هَذِهِ الْآيَةُ .
قَالَ مَالِكٌ : إذَا حَكَّمَ رَجُلٌ رَجُلًا فَحُكْمُهُ مَاضٍ ، وَإِنْ رُفِعَ إلَى قَاضٍ أَمْضَاهُ إلَّا أَنْ يَكُون جَوْرًا بَيِّنًا .
وَقَالَ سَحْنُونٌ : يُمْضِيه إنْ رَآهُ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَذَلِكَ فِي الْأَمْوَالِ وَالْحُقُوقِ الَّتِي تَخْتَصُّ بِالطَّالِبِ ، فَأَمَّا الْحُدُودُ فَلَا يُحَكَّمُ فِيهَا إلَّا السُّلْطَانَ .
وَالضَّابِطُ أَنَّ كُلَّ حَقٍّ اخْتَصَّ بِهِ الْخَصْمَانِ جَازَ التَّحْكِيمُ فِيهِ وَنَفَذَ تَحْكِيمُ الْمُحَكَّمِ بِهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : التَّحْكِيمُ جَائِزٌ ، وَهُوَ غَيْرُ لَازِمٍ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ فَتْوَى قَالَ : لِأَنَّهُ لَا يُقَدِّمُ آحَادُ النَّاسِ الْوُلَاةَ وَالْحُكَّامَ ، وَلَا يَأْخُذُ آحَادُ النَّاسِ الْوِلَايَةَ مِنْ أَيْدِيهِمْ ، وَسَنَعْقِدُ فِي تَعْلِيمِ التَّحْكِيمِ مَقَالًا يُشْفِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، إشَارَتُهُ إلَى أَنَّ كُلَّ مُحَكَّمٍ فَإِنَّهُ هُوَ مُفَعَّلٌ مِنْ حَكَّمَ ، فَإِذَا قَالَ : حَكَّمْت ، فَلَا يَخْلُو أَنْ يَقَعَ لَغْوًا أَوْ مُفِيدًا ، وَلَا بُدَّ أَنْ يَقَعَ مُفِيدًا ، فَإِذَا أَفَادَ فَلَا يَخْلُو أَنْ يُفِيدَ التَّكْثِيرَ كَقَوْلِك : كَلَّمْته وَقَلَّلْته ، أَوْ يَكُونَ بِمَعْنَى جَعَلْت لَهُ ، كَقَوْلِك : رَكَّبْته وَحَسَّنْته ، أَيْ جَعَلْت لَهُ مَرْكُوبًا وَحُسْنًا ؛ وَهَذَا يُفِيدُ جَعَلْتُهُ حَكَمًا .
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ الْحُكْمَ بَيْنَ النَّاسِ إنَّمَا هُوَ حَقُّهُمْ لَا حَقُّ الْحَاكِمِ ، بَيْدَ أَنَّ الِاسْتِرْسَالَ عَلَى التَّحْكِيمِ خَرْمٌ لِقَاعِدَةِ الْوِلَايَةِ وَمُؤَدٍّ إلَى تَهَارُجِ النَّاسِ تَهَارُجَ الْحُمُرِ ، فَلَا بُدَّ مِنْ نَصْبِ فَاصِلٍ ؛ فَأَمَرَ الشَّرْعُ بِنَصْبِ الْوَالِي لِيَحْسِمَ قَاعِدَةَ الْهَرَجِ ، وَأَذِنَ فِي التَّحْكِيمِ تَخْفِيفًا عَنْهُ وَعَنْهُمْ فِي مَشَقَّةِ التَّرَافُعِ ، لِتَتِمَّ الْمَصْلَحَتَانِ ، وَتَحْصُلَ الْفَائِدَتَانِ .
وَالشَّافِعِيُّ وَمَنْ سِوَاهُ لَا يَلْحَظُونِ الشَّرِيعَةَ بِعَيْنِ مَالِكٍ

رَحِمَهُ اللَّهُ وَلَا يَلْتَفِتُونَ إلَى الْمَصَالِحِ ، وَلَا يَعْتَبِرُونَ الْمَقَاصِدَ ، وَإِنَّمَا يَلْحَظُونَ الظَّوَاهِرَ وَمَا يَسْتَنْبِطُونَ مِنْهَا ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَالْقَبَسِ فِي شَرْحِ مُوَطَّأِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ .
وَلَمْ أَرْوِ فِي التَّحْكِيمِ حَدِيثًا حَضَرَنِي ذِكْرُهُ الْآنَ إلَّا مَا أَخْبَرَنِي بِهِ الْقَاضِي الْعِرَاقِيُّ ، أَخْبَرَنَا الْجَوْنِيُّ ، أَخْبَرَنَا النَّيْسَابُورِيُّ ، أَخْبَرَنَا قَلِيلَهْ ، أَخْبَرَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ، حَدَّثَنَا يَزِيدُ يَعْنِي ابْنَ الْمِقْدَامِ بْنَ شُرَيْحٍ عَنْ أَبِيهِ شُرَيْحٍ ، عَنْ أَبِيهِ { هَانِئٍ قَالَ : لَمَّا وَفَدَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَ قَوْمِهِ سَمِعَهُمْ وَهُمْ يُكَنُّونَهُ أَبَا الْحَكَمِ ، فَدَعَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ هُوَ الْحَكَمُ ، وَإِلَيْهِ الْحُكْمُ ، فَلِمَ تُكَنَّى أَبَا الْحَكَمِ فَقَالَ : إنَّ قَوْمِي إذَا اخْتَلَفُوا فِي شَيْءٍ أَتَوْنِي فَحَكَمْت بَيْنَهُمْ ، فَرَضِيَ كِلَا الْفَرِيقَيْنِ .
فَقَالَ : مَا أَحْسَنَ هَذَا فَمَا لَك مِنْ الْوَلَدِ ؟ قَالَ : لِي شُرَيْحٌ ، وَعَبْدُ اللَّهِ ، وَمُسْلِمٌ .
قَالَ : فَمَنْ أَكْبَرُهُمْ ؟ قَالَ : شُرَيْحٌ .
قَالَ : فَأَنْتَ أَبُو شُرَيْحٍ وَدَعَا لَهُ وَلِوَلَدِهِ } .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : كَيْفَ أَنْفَذَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْحُكْمَ بَيْنَهُمْ ؟ : اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ جَوَابُ الْعُلَمَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ حَكَمَ بَيْنَهُمْ بِحُكْمِ الْإِسْلَامِ ، وَأَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ مَنْ زَنَى مِنْهُمْ وَقَدْ تَزَوَّجَ عَلَيْهِ الرَّجْمُ ، فَيَحْكُمُ عَلَيْهِمْ بِهِ الْإِمَامُ ، وَلَا يُشْتَرَطُ الْإِسْلَامُ فِي الْإِحْصَانِ ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ .
الثَّانِي : حَكَمَ النَّبِيُّ عَلَيْهِ السَّلَامُ عَلَيْهِمْ بِشَرِيعَةِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ وَشَهَادَةِ الْيَهُودِ ، إذْ شَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا ، فَيَلْزَمُ الْعَمَلُ بِهَا حَتَّى يَقُومَ الدَّلِيلُ عَلَى تَرْكِهَا .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَفِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِنَا ، وَإِنَّهُ الصَّحِيحُ مِنْ الْمَذْهَبِ الْحَقِّ فِي الدَّلِيلِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ ؛ قَالَهُ عِيسَى عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ .
الثَّالِثُ : إنَّمَا حَكَمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمْ ؛ لِأَنَّ الْحُدُودَ لَمْ تَكُنْ نَزَلَتْ ، وَلَا يَحْكُمُ الْحَاكِمُ الْيَوْمَ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ ؛ قَالَهُ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فِي الْمُخْتَارِ : أَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَلَا يَصِحُّ فَإِنَّ الْيَهُودَ جَاءُوا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِاخْتِيَارِهِمْ ، وَسَأَلُوهُ عَنْ أَمْرِهِمْ ، فَفِي هَذَا يَكُونُ النَّظَرُ .
وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى ، مُخْبِرًا عَنْ الْحَقِيقَةِ فِيهِ : { وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَك وَعِنْدَهُمْ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ } وَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ جَاءُوا مِنْ قِبَلِ أَنْفُسِهِمْ ، فَقَالَ { فَإِنْ جَاءُوكَ } .
ثُمَّ خَيَّرَهُ فَقَالَ : { فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ } .

ثُمَّ قَالَ لَهُ : { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : وَالْقِسْطُ هُوَ الْعَدْلُ ، وَذَلِكَ حُكْمُ الْإِسْلَامِ ، وَحُكْمُ الْإِسْلَامِ شُهُودٌ مِنَّا عُدُولٌ ؛ إذْ لَيْسَ فِي الْكُفَّارِ عَدْلٌ ، كَمَا تَقَدَّمَ .
وَإِنَّمَا أَرَادَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إقَامَةَ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ وَفَضِيحَةَ الْيَهُودِ حَسْبَمَا شَرَحْنَا ؛ وَذَلِكَ بَيِّنٌ مِنْ سِيَاقِ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ .
وَلَوْ نَظَرَ إلَى الْحُكْمِ بِدِينِ الْإِسْلَامِ لَمَا أَرْسَلَ إلَى ابْنِ صُورِيَّا ، وَلَكِنَّهُ اجْتَمَعَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوُجُوهُ فِيهِ مِنْ قَبُولِ التَّحْكِيمِ وَإِنْفَاذِهِ عَلَيْهِمْ بِحُكْمِ التَّوْرَاةِ ، وَهِيَ الْحَقُّ حَتَّى يُنْسَخَ ، وَبِشَهَادَةِ الْيَهُودِ ، وَذَلِكَ دِينٌ قَبْلَ أَنْ يُرْفَعَ بِالْعُدُولِ مِنَّا .

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ } قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَغَيْرُهُ : وَمُحَمَّدٌ مِنْهُمْ ؛ يَحْكُمُونَ بِمَا فِيهَا مِنْ الْحَقِّ ، وَكَذَلِكَ قَالَ الْحَسَنُ ، وَهُوَ الَّذِي يَقْتَضِيه ظَاهِرُ اللَّفْظِ وَمُطْلَقُهُ فِي قَوْلِهِ : { النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا وَالرَّبَانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ } ، آخِرُهُمْ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الْكَافِرُونَ } اخْتَلَفَ فِيهِ الْمُفَسِّرُونَ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْكَافِرُونَ وَالظَّالِمُونَ وَالْفَاسِقُونَ كُلُّهُ لِلْيَهُودِ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : الْكَافِرُونَ لِلْمُشْرِكِينَ ، وَالظَّالِمُونَ لِلْيَهُودِ ، وَالْفَاسِقُونَ لِلنَّصَارَى ، وَبِهِ أَقُولُ ؛ لِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْآيَاتِ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ ، وَابْنِ أَبِي زَائِدَةَ ، وَابْنِ شُبْرُمَةَ .
قَالَ طَاوُسٌ وَغَيْرُهُ : لَيْسَ بِكُفْرٍ يَنْقُلُ عَنْ الْمِلَّةِ ، وَلَكِنَّهُ كُفْرٌ دُونَ كُفْرٍ .
وَهَذَا يَخْتَلِفُ إنْ حَكَمَ بِمَا عِنْدَهُ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ؛ فَهُوَ تَبْدِيلٌ لَهُ يُوجِبُ الْكُفْرَ ، وَإِنْ حَكَمَ بِهِ هَوًى وَمَعْصِيَةً فَهُوَ ذَنْبٌ تُدْرِكُهُ الْمَغْفِرَةُ عَلَى أَصْلِ أَهْلِ السُّنَّةِ فِي الْغُفْرَانِ لِلْمُذْنِبِينَ .

الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمْ الظَّالِمُونَ } .
فِيهَا اثْنَتَانِ وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : [ فِي سَبَبِ النُّزُولِ ] : قَالَ ابْنُ جُرَيْجٍ : لَمَّا رَأَتْ قُرَيْظَةُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ حَكَمَ بِالرَّجْمِ وَكَانُوا يُخْفُونَهُ فِي كِتَابِهِمْ ، قَالُوا : يَا مُحَمَّد : اقْضِ بَيْنَنَا وَبَيْنَ إخْوَاننَا بَنِي النَّضِيرِ ، وَكَانَ بَيْنَهُمْ دَمٌ ، وَكَانَتْ النَّضِيرُ تَتَعَزَّزُ عَلَى قُرَيْظَةَ فِي دِمَائِهَا وَدِيَاتِهَا كَمَا تَقَدَّمَ .
وَقَالُوا : لَا نُطِيعُك فِي الرَّجْمِ ، وَلَكِنَّا نَأْخُذُ بِحُدُودِنَا الَّتِي كُنَّا عَلَيْهَا ، فَنَزَلَتْ : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } ، وَنَزَلَتْ : { أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ } .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْمَعْنَى : فَمَا بَالُهُمْ يُخَالِفُونَ فَيَقْتُلُونَ النَّفْسَيْنِ بِالنَّفْسِ وَيَفْقَئُونَ الْعَيْنَيْنِ بِالْعَيْنِ ؛ وَكَانَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ عِنْدَهُمْ الْقِصَاصُ خَاصَّةً ، فَشَرَّفَ اللَّهُ هَذِهِ الْأَمَةَ بِالدِّيَةِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : تَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، فَقَالَ : يُقْتَلُ الْمُسْلِمُ بِالذِّمِّيِّ ؛ لِأَنَّهُ نَفْسٌ بِنَفْسٍ .
قَالَتْ لَهُ الشَّافِعِيَّةُ : هَذَا خَبَرٌ عَنْ شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا وَشَرْعُ مَنْ قَبْلَنَا لَيْسَ شَرْعًا لَنَا .
وَقُلْنَا نَحْنُ لَهُ : هَذِهِ الْآيَةُ ، إنَّمَا جَاءَتْ لِلرَّدِّ عَلَى الْيَهُودِ فِي الْمُفَاضَلَةِ بَيْنَ الْقَبَائِلِ وَأَخْذِهِمْ مِنْ قَبِيلَةٍ رَجُلًا بِرَجُلٍ ، وَنَفْسًا بِنَفْسٍ ، وَأَخْذِهِمْ مِنْ قَبِيلَةٍ أُخْرَى نَفْسَيْنِ بِنَفْسٍ ، فَأَمَّا اعْتِبَارُ أَحْوَالِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ بِالنَّفْسِ الْوَاحِدَةِ فَلَيْسَ لَهُ تَعَرُّضٌ فِي ذَلِكَ ، وَلَا سِيقَتْ الْآيَةُ لَهُ ، وَإِنَّمَا تُحْمَلُ الْأَلْفَاظُ عَلَى الْمَقَاصِدِ .
جَوَابٌ آخَرُ : وَذَلِكَ أَنَّ هَذَا عُمُومٌ يَدْخُلُهُ التَّخْصِيصُ بِمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ ، وَبَعْضُهُمْ أَوْعَبُ مِنْ بَعْضٍ ؛ { عَنْ عَلِيٍّ ، وَقَدْ سُئِلَ : هَلْ خَصَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِشَيْءٍ ؟ قَالَ : لَا ، إلَّا مَا فِي هَذَا ، وَأَخْرَجَ كِتَابًا مِنْ قِرَابِ سَيْفِهِ ، وَإِذَا فِيهِ : الْمُؤْمِنُونَ تَتَكَافَأُ دِمَاؤُهُمْ ، وَهُمْ يَدٌ عَلَى مَنْ سِوَاهُمْ ، أَلَا لَا يُقْتَلُ مُسْلِمٌ بِكَافِرٍ وَلَا ذُو عَهْدٍ فِي عَهْدِهِ } .
جَوَابٌ ثَالِثٌ : وَذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ : { وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ } .
وَقَالَ : { كُتِبَ عَلَيْكُمْ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى } فَاقْتَضَى لَفْظُ الْقِصَاصِ الْمُسَاوَاةَ ، وَلَا مُسَاوَاةَ بَيْنَ مُسْلِمٍ وَكَافِر ؛ لِأَنَّ نَقْصَ الْكُفْرِ الْمُبِيحِ لِلدَّمِ مَوْجُودٌ بِهِ ، فَلَا تَسْتَوِي نَفْسٌ مُبِيحُهَا مَعَهَا مَعَ نَفْسٍ قَدْ تَطَهَّرَتْ عَنْ الْمُبِيحَاتِ ، وَاعْتَصَمَتْ بِالْإِيمَانِ الَّذِي هُوَ أَعْلَى الْعِصَمِ .
وَقَدْ ذَكَر بَعْضُ عُلَمَائِنَا فِي ذَلِكَ نُكْتَةً حَسَنَةً ، قَالَ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } ، فَأَخْبَرَ أَنَّهُ فَرَضَ عَلَيْهِمْ فِي مِلَّتِهِمْ أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ مِنْهُمْ تَعَادُلُ نَفْسًا ؛

فَإِذَا الْتَزَمْنَا نَحْنُ ذَلِكَ فِي مِلَّتِنَا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَهُوَ الصَّحِيحُ كَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ فِي مِلَّتِنَا نَحْنُ أَيْضًا أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ مِنَّا تُقَابِلُ نَفْسًا ، فَأَمَّا مُقَابَلَةُ كُلِّ نَفْسٍ مِنَّا بِنَفْسٍ مِنْهُمْ فَلَيْسَ مِنْ مُقْتَضَى الْآيَةِ ، وَلَا مِنْ مَوَارِدِهَا .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَغَيْرُهُ : قَوْله تَعَالَى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } يُوجِبُ قَتْلَ الْحُرِّ بِالْعَبْدِ خَاصَّةً .
وَقَالَ غَيْرُهُ : يُوجِبُ ذَلِكَ أَخْذَ نَفْسِهِ بِنَفْسِهِ ، وَأَخْذَ أَطْرَافِهِ بِأَطْرَافِهِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْ ذَلِكَ فِي الْمَسْأَلَةِ قَبْلَهَا .
وَنَخُصُّ هَذَا مَعَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّهُمَا شَخْصَانِ لَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا الْقِصَاصُ فِي الْأَطْرَافِ مَعَ السَّلَامَةِ فِي الْخِلْقَةِ فَلَا يَجْرِي بَيْنَهُمَا فِي الْأَنْفُسِ ، وَيُقَالُ لِلْآخَرَيْنِ : إنَّ نَقْصَ الرِّقِّ الْبَاقِيَ فِي الْعَبْدِ مِنْ آثَارِ الْكُفْرِ يَمْنَعُ الْمُسَاوَاةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْحُرِّ ؛ فَلَا يَصِحُّ أَنْ يُؤْخَذَ أَحَدُهُمَا بِالْآخَرِ ؛ فَإِنَّ الْعَبْدَ سِلْعَةٌ مِنْ السِّلَعِ يَصْرِفُهُ الْحُرُّ كَمَا يَصْرِفُ الْأَمْوَالَ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } يُوجِبُ قَتْلَ الرَّجُلِ [ الْحُرِّ ] بِالْمَرْأَةِ [ الْحُرَّةِ ] مُطْلَقًا ؛ وَبِهِ قَالَ كَافَّةُ الْعُلَمَاءِ .
وَقَالَ عَطَاءٌ : يُحْكَمُ بَيْنَهُمْ بِالتَّرَاجُعِ ، فَإِذَا قَتَلَ الرَّجُلُ الْمَرْأَةَ خُيِّرَ وَلِيُّهَا ، فَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دِيَتَهَا ، وَإِنْ شَاءَ أُعْطِيَ نِصْفَ الْعَقْلِ .
وَقَتَلَ الرَّجُلَ .
وَعُمُومُ الْآيَةِ يَرُدُّ عَلَيْهِ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا فَأَهْلُهُ بَيْنَ خِيَرَتَيْنِ ، فَإِنْ أَحَبُّوا أَنْ يَقْتُلُوا أَوْ يَأْخُذُوا الْعَقْلَ } .
وَالْمَعْنَى يُعَضِّدُهُ ؛ فَإِنَّ الرَّجُلَ إذَا قَتَلَ الْمَرْأَةَ فَقَدْ قَتَلَ مُكَافِئًا لَهُ فِي الدَّمِ ، فَلَا يَجِبُ فِيهِ زِيَادَةٌ كَالرَّجُلَيْنِ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : لَا تُقْتَل الْجَمَاعَةُ بِالْوَاحِدِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } .
قُلْنَا : هَذَا عُمُومٌ تَخُصُّهُ حِكْمَتُهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ إنَّمَا قَتَلَ مَنْ قَتَلَ صِيَانَةً لِلْأَنْفُسِ عَنْ الْقَتْلِ ، فَلَوْ عَلِمَ الْأَعْدَاءُ أَنَّهُمْ بِالِاجْتِمَاعِ يَسْقُطُ الْقِصَاصُ عَنْهُمْ لَقَتَلُوا عَدُوَّهُمْ فِي جَمَاعَتِهِمْ ، فَحَكَمْنَا بِإِيجَابِ الْقِصَاصِ عَلَيْهِمْ رَدْعًا لِلْأَعْدَاءِ ، وَحَسْمًا لِهَذَا الدَّاءِ ، وَلَا كَلَامَ لَهُمْ عَلَى هَذَا .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ : إذَا جَرَحَ أَوْ قَطَعَ الْيَدَ أَوْ الْأُذُنَ ثُمَّ قَتَلَ فُعِلَ بِهِ كَذَلِكَ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } الْآيَةَ ؛ فَيُؤْخَذُ مِنْهُ مَا أَخَذَ ، وَيُفْعَلُ بِهِ كَمَا فَعَلَ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنْ قَصْدَ بِذَلِكَ الْمُثْلَةَ فُعِلَ بِهِ مِثْلُهُ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ مُضَارَبَتِهِ لَمْ يُمَثَّلْ بِهِ ؛ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ بِالْقِصَاصِ إمَّا أَنْ يَكُونَ التَّشَفِّيَ ، وَإِمَّا إبْطَالَ الْعُضْوِ .
وَأَيُّ ذَلِكَ كَانَ فَالْقَتْلُ يَأْتِي عَلَيْهِ .
وَهَذَا لَيْسَ بِقِصَاصٍ [ وَلَا انْتِصَافٍ ] ؛ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ تَأَلَّمَ بِقَطْعِ الْأَعْضَاءِ [ كُلِّهَا ] وَبِالْقَتْلِ ، فَلَا بُدَّ فِي تَحْقِيقِ الْقِصَاصِ مِنْ أَنْ يَأْلَمَ كَمَا آلَمَ ، وَبِهِ أَقُولُ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْلُهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ } وَذَكَرَ الْعَيْنَ وَالْأَنْفَ وَالْأُذُنَ وَالسِّنَّ وَتَرَكَ الْيَدَ ، فَقِيلَ فِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ مَعَانٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ ذَلِكَ لِأَنَّ الْيَدَ آلَةٌ بِهَا يُفْعَلُ [ كُلُّ ] ذَلِكَ .
الثَّانِي : أَنَّ ذَلِكَ لِاخْتِلَافِ حَالِ الْيَدَيْنِ ، بِخِلَافِ الْعَيْنَيْنِ وَالْأُذُنَيْنِ ، فَإِنَّ الْيُسْرَى لَا تُسَاوِي الْيُمْنَى ؛ فَتَرَكَ الْقَوْلَ فِيهَا لِتَدْخُلَ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى : { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } .
ثُمَّ يَقَعُ النَّظَرُ فِيهَا بِدَلِيلٍ آخَرَ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الْيَدَ بِالْيَدِ لَا تَفْتَقِرُ إلَى نَظَرٍ ؛ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ ، وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ ، وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ يَفْتَقِرُ إلَى نَظَرٍ ، وَفِيهِ إشْكَالٌ يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } قَرَأَ بِالرَّفْعِ وَالنَّصْبِ ، فَالنَّصْبُ إتْبَاعٌ لِلَفْظِهِ وَمَعْنَاهُ ؛ وَالرَّفْعُ ، وَفِيهِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى حَالِ النَّفْسِ قَبْلَ دُخُولِ أَنْ .
وَالثَّانِي : أَنْ يَكُونَ اسْتِئْنَافَ كَلَامٍ .
وَلَمْ يَكُنْ هَذَا مِمَّا كُتِبَ فِي التَّوْرَاةِ ، وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } لَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ فَقَأَهَا ، أَوْ أَذْهَبَ بَصَرَهَا وَبَقِيَتْ صُورَتُهَا ، أَوْ أَذْهَبَ بَعْضَ الْبَصَرِ .
وَقَدْ أَفَادَنَا كَيْفِيَّةَ الْقِصَاصِ مِنْهَا عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أَمَرَ بِمِرْآةٍ فَحُمِّيَتْ ، ثُمَّ وَضَعَ عَلَى الْعَيْنِ الْأُخْرَى قُطْنًا ، ثُمَّ أُخِذَتْ الْمِرْآةُ بِكَلْبَتَيْنِ فَأُدْنِيَتْ مِنْ عَيْنِهِ حَتَّى سَالَ إنْسَانُ عَيْنِهِ .
فَلَوْ أَذْهَبَ رَجُلٌ بَعْضَ بَصَرِهِ فَإِنَّهُ تُعْصَبُ عَيْنُهُ وَتُكْشَفُ الْأُخْرَى ، ثُمَّ يَذْهَبُ رَجُلٌ بِالْبَيْضَةِ وَيَذْهَبُ وَيَذْهَبُ حَتَّى يَنْتَهِيَ بَصَرُ الْمَضْرُوبِ فَيُعَلَّمَ ، ثُمَّ تُغَطَّى عَيْنُهُ وَتُكْشَفُ الْأُخْرَى ، ثُمَّ يَذْهَبُ رَجُلٌ بِالْبَيْضَةِ وَيَذْهَبُ وَيَذْهَبُ ، فَحَيْثُ انْتَهَى الْبَصَرُ عَلَّمَ ، ثُمَّ يُقَاسُ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا بِالْمَسَّاحَةِ ، فَكَيْفَ كَانَ الْفَضْلُ نَسَبًا ، وَيَجِبُ مِنْ الدِّيَةِ بِحِسَابِ ذَلِكَ مَعَ الْأَدَبِ الْوَجِيعِ وَالسِّجْنِ الطَّوِيلِ ؛ إذْ الْقِصَاصُ فِي مِثْلِ هَذَا غَيْرُ مُمْكِنٍ ، وَلَا يَزَالُ هَذَا يُخْتَبَرُ فِي مَوَاضِعَ مُخْتَلِفَةٍ لِئَلَّا يَتَدَاهَى الْمَضْرُوبُ فَيَنْقُصَ مِنْ بَصَرِهِ ، لِيَكْثُرَ حَظُّهُ مِنْ مَالِ الضَّارِبِ ؛ وَلَا خِلَافَ فِي هَذَا .

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : لَوْ فَقَأَ أَعْوَرُ عَيْنَ صَحِيحٍ : قِيلَ : لَا قَوَدَ عَلَيْهِ ، وَعَلَيْهِ الدِّيَةُ رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ عُمَرَ وَعُثْمَانَ .
وَقِيلَ : عَلَيْهِ الْقِصَاصُ ؛ وَهُوَ قَوْلُ عَلِيٍّ وَالشَّافِعِيِّ .
وَقَالَ مَالِكٌ : إنْ شَاءَ فَقَأَ عَيْنَهُ ، وَإِنْ شَاءَ أَخَذَ دِيَةً كَامِلَةً .
وَمُتَعَلَّقُ عُثْمَانَ [ أَنَّهُ ] فِي الْقِصَاصِ مِنْهُ أَخَذَ جَمِيعَ الْبَصَرِ بِبَعْضِهِ ، وَذَلِكَ لَيْسَ بِمُسَاوَاةِ .
وَمُتَعَلَّقُ الشَّافِعِيِّ قَوْله تَعَالَى : { الْعَيْنَ بِالْعَيْنِ } .
وَمُتَعَلَّقُ مَالِكٍ أَنَّ الْأَدِلَّةَ لَمَّا تَعَارَضَتْ خُيِّرَ الْمَجْنِيُّ عَلَيْهِ ، وَالْأَخْذُ بِعُمُومِ الْقُرْآنِ أَوْلَى فَإِنَّهُ أَسْلَمُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : إذَا فَقَأَ صَحِيحٌ عَيْنَ أَعْوَرَ : فَعَلَيْهِ الدِّيَةُ كَامِلَةً عِنْدَ عُلَمَائِنَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : فِيهِ نِصْفُ الدِّيَةِ ، وَهُوَ الْقِيَاسُ الظَّاهِرُ .
وَلَكِنْ عُلَمَاؤُنَا قَالُوا : إنَّ مَنْفَعَةَ الْأَعْوَرِ بِبَصَرِهِ كَمَنْفَعَةِ السَّالِمِ أَوْ قَرِيبٍ مِنْ ذَلِكَ ، فَوَجَبَ عَلَيْهِ مِثْلُ دِيَتِهِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَالُوا : إذَا ضَرَبَ سِنَّهُ فَاسْوَدَّتْ فَفِيهَا دِيَتُهَا كَامِلَةً ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : فِيهَا حُكُومَةٌ ، وَهَذَا عِنْدِي خِلَافٌ يَئُولُ إلَى وِفَاقٍ فَإِنَّهُ إنْ كَانَ سَوَادُهَا أَذْهَبَ مَنْفَعَتَهَا ، وَإِنَّمَا بَقِيَتْ صُورَتُهَا كَالْيَدِ الشَّلَّاءِ وَالْعَيْنِ الْعَمْيَاءِ ، فَلَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الدِّيَةِ .
وَإِنْ كَانَ بَقِيَ مِنْ مَنْفَعَتِهَا شَيْءٌ أَوْ جَمِيعُهَا لَمْ يَجِبْ إلَّا بِمِقْدَارِ مَا نَقَصَ مِنْ الْمَنْفَعَةِ حُكُومَةٌ .
وَرُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : إذَا ضُرِبَ سِنُّهُ فَاسْوَدَّتْ فَفِيهَا ثُلُثُ دِيَتِهَا ، وَهَذَا مِمَّا لَا يَصِحُّ عَنْهُ سَنَدًا وَلَا فِقْهًا .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَالَ مَالِكٌ : إذَا أَخَذَ الْكَبِيرُ دِيَةَ ضِرْسِهِ ، ثُمَّ ثَبَتَتْ .
فَلَا يَرُدُّهَا .
وَقَالَ الْكُوفِيُّونَ : يَرُدُّهَا ؛ لِأَنَّ عِوَضَهَا قَدْ ثَبَتَ ، أَصْلُهُ سِنُّ الصَّغِيرِ ؛ وَدَلِيلُنَا أَنَّ هَذَا ثَبَاتٌ لَمْ تَجْرِ بِهِ عَادَةٌ ، وَلَا يَثْبُتُ الْحُكْمُ بِالنَّادِرِ كَسَائِرِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ ، فَلَوْ قَلَعَ رَجُلٌ سِنَّ رَجُلٍ فَرَدَّهَا صَاحِبُهَا فَالْتَحَمَتْ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ عِنْدَنَا .
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَجَمَاعَةٌ مِنْهُمْ عَطَاءٌ : لَيْسَ لَهُ أَنْ يَرُدَّهَا ثَانِيَةً ، وَإِنْ رَدَّهَا أَعَادَ كُلَّ صَلَاةٍ صَلَّاهَا لِأَنَّهَا مَيْتَةٌ .

وَكَذَلِكَ لَوْ قُطِعَتْ أُذُنُهُ فَأَلْصَقَهَا بِحَرَارَةِ الدَّمِ فَالْتَزَقَتْ مِثْلُهُ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَالَ ذَلِكَ عُلَمَاؤُنَا .
وَقَالَ عَطَاءٌ : يَجْبُرُهُ السُّلْطَانُ عَلَى قَلْعِهَا ؛ لِأَنَّهَا مَيْتَةٌ أَلْصَقَهَا ؛ وَهَذَا غَلَطٌ بَيِّنٌ ، وَقَدْ جَهِلَ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ أَنَّ رَدَّهَا وَعَوْدَهَا لِصُورَتِهَا مُوجِبٌ عَوْدَهَا لِحُكْمِهَا ؛ لِأَنَّ النَّجَاسَةَ كَانَتْ فِيهَا لِلِانْفِصَالِ ، وَقَدْ عَادَتْ مُتَّصِلَةً ، وَأَحْكَامُ الشَّرِيعَةِ لَيْسَتْ صِفَاتٍ لِلْأَعْيَانِ ، وَإِنَّمَا هِيَ أَحْكَامٌ تَعُودُ إلَى قَوْلِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِيهَا وَإِخْبَارِهِ عَنْهَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا تَسْقُطُ عَنْ قَالِعِ السِّنِّ دِيَتُهَا ، وَإِنْ رَجَعَتْ ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ إنَّمَا وَجَبَتْ لِقَلْعِهَا ، وَذَلِكَ لَا يَنْجَبِرُ .
قُلْنَا : إنَّمَا وَجَبَتْ لِفَقْدِهَا وَذَهَابِ مَنْفَعَتِهَا ؛ فَإِذَا عَادَتْ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، كَمَا لَوْ ضَرَبَ عَيْنَهُ فَفَقَدَ بَصَرَهُ ، فَلَمَّا قَضَى عَلَيْهِ عَادَ بَصَرُهُ لَمْ يَجِبْ لَهُ شَيْءٌ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : [ حُكْمُ قَلْعِ السِّنِّ الزَّائِدِ ] : فَلَوْ كَانَتْ لَهُ سِنٌّ زَائِدَةٌ فَقُلِعَتْ فَفِيهَا حُكُومَةٌ ، وَبِهِ قَالَ فُقَهَاءُ الْأَمْصَارِ .
وَقَالَ زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ : فِيهَا ثُلُثُ الدِّيَةِ ، وَلَيْسَ فِي التَّقْدِيرِ دَلِيلٌ ، فَالْحُكُومَةُ أَعْدَلُ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : [ حُكْمُ قَطْعِ أُذُنَيْ رَجُلٍ ] : قَالَ عُلَمَاؤُنَا فِي الَّذِي يَقْطَعُ أُذُنَيْ رَجُلٍ : عَلَيْهِ حُكُومَةٌ ؛ وَإِنَّمَا تَكُونُ عَلَيْهِ الدِّيَةُ فِي السَّمْعِ ، وَيُقَاسُ كَمَا يُقَاسُ الْبَصَرُ ، فَإِنْ أَجَابَ جَوَابَ مَنْ يَسْمَعُ لَمْ يُقْبَلْ قَوْلُهُ ، وَإِنْ لَمْ يُجِبْ أُحْلِفَ ، لَقَدْ صُمَّتْ مِنْ ضَرْبِ هَذَا ، وَأُغْرِمَ دِيَتَهُ ، وَمِثْلُهُ فِي الْيَمِينِ فِي الْبَصَرِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : اللِّسَانُ : اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي الْقَوَدِ فِيهِ ، وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ ، وَالْعِلَّةُ فِي التَّوَقُّفِ عَنْ الْقَوَدِ فِيهِ عَدَمُ الْإِحَاطَةِ بِاسْتِيفَاءِ الْقَوَدِ ، فَإِنْ أَمْكَنَ فَالْقَوَدُ هُوَ الْأَصْلُ ، وَيُخْتَبَرُ بِالْكَلَامِ فَمَا نَقَصَ مِنْ الْحُرُوفِ فَبِحِسَابِهِ مِنْ الدِّيَةِ تَجِبُ عَلَى الضَّارِبِ .

فَإِنْ قَلَعَ لِسَانَ أَخْرَسَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : [ إذَا قَلَعَ لِسَانُ أَخْرَس ] : فَفِيهِ حُكُومَةٌ .
وَقَالَ النَّخَعِيُّ : فِيهِ الدِّيَةُ ، يُقَالُ لَهُ : إذَا أَسْقَطْت الْقَوَدَ فَلَا يَبْقَى إلَّا الْحُكُومَةُ ؛ لِأَنَّ الدِّيَةَ قَرِينَةُ الْقَوَدِ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : [ الْيَمِينُ بِالْيَمِينِ وَالْيَسَارُ بِالْيَسَارِ ] : إذَا قَطَعَ يَمِينَ رَجُلٍ أَوْ يَسَارَهُ لَمْ يُؤْخَذْ الْيَمِينُ إلَّا بِالْيَمِينِ وَالْيَسَارُ إلَّا بِالْيَسَارِ عِنْدَ كَافَّةِ الْفُقَهَاءِ .
وَقَالَ ابْنُ شُبْرُمَةَ : تُؤْخَذُ الْيَمِينُ بِالْيَسَارِ وَالْيَسَارُ بِالْيَمِينِ نَظَرًا إلَى اسْتِوَائِهِمَا فِي الصُّورَةِ وَالِاسْمِ ، وَلَمْ يَنْظُرْ إلَى الْمَنْفَعَةِ ، وَهُمَا فِيهَا مُتَفَاوِتَتَانِ أَشَدَّ تَفَاوُتًا مِمَّا بَيْنَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ ، فَإِذَا لَمْ تُؤْخَذْ الْيَدُ بِالرِّجْلِ فَلَا تُؤْخَذُ يُمْنَى بِيُسْرَى .

الْمَسْأَلَةُ الْمُوَفِّيَةُ عِشْرِينَ : نَصَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَلَى أُمَّهَاتِ الْأَعْضَاءِ وَتَرَكَ بَاقِيَهَا لِلْقِيَاسِ عَلَيْهَا ، وَكُلُّ عُضْوٍ فِيهِ الْقِصَاصُ إذَا أَمْكَنَ وَلَمْ يُخْشَ عَلَيْهِ الْمَوْتُ ، وَكَذَلِكَ كُلُّ عُضْوٍ بَطَلَتْ مَنْفَعَتُهُ وَبَقِيَتْ صُورَتُهُ فَلَا قَوَدَ فِيهِ ، وَفِيهِ الدِّيَةُ لِعَدَمِ إمْكَانِ الْقَوَدِ فِيهِ ، وَفِيهِ تَفْصِيلٌ فِي الْأَعْضَاءِ وَالصُّوَرِ بَيَّنَّاهَا فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : [ حُكْمُ الْجُرُوحِ ] : لَمَّا بَيَّنَّا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ ذَكَرَ مَا ذَكَرَ وَخَصَّ مَا خَصَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : { وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ } فَعَمَّ بِمَا نَبَّهَ فِيهِ مِنْ ذَلِكَ وَبَيَّنَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَفِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : { كَسَرَتْ الرُّبَيِّعُ وَهِيَ عَمَّةُ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ثَنِيَّةَ جَارِيَةٍ مِنْ الْأَنْصَارِ ، فَطَلَبَ الْقَوْمُ الْقِصَاصَ ، فَأَتَوْا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْقِصَاصِ .
فَقَالَ أَنَسُ بْنُ النَّضْرِ ، عَمُّ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ : لَا وَاَللَّهِ ، لَا تُكْسَر ثَنِيَّتُهَا يَا رَسُولَ اللَّهِ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا أَنَسُ ، كِتَابُ اللَّهِ الْقِصَاصُ ، فَرَضِيَ الْقَوْمُ وَقَبِلُوا الْأَرْشَ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ مَنْ لَوْ أَقْسَمَ عَلَى اللَّهِ لَأَبَرَّهُ } .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ } اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : [ فَهُوَ كَفَّارَةُ لَهُ هُوَ ] الْمَجْرُوحُ .
وَالثَّانِي : أَنَّهُ الْجَارِحُ .
وَحَقِيقَةُ الْكَلَامِ هَلْ هُوَ فِي الضَّمِيرَيْنِ وَاحِدٌ أَوْ كُلُّ ضَمِيرٍ يَعُودُ إلَى مُضْمَرٍ ثَانٍ ؟ وَظَاهِرُ الْكَلَامِ أَنَّهُ يَعُودُ إلَى وَاحِدِ الضَّمِيرَيْنِ جَمِيعًا ؛ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّهُ مَنْ وَجَبَ لَهُ الْقِصَاصُ فَأَسْقَطَهُ كَفَّرَ مِنْ ذُنُوبِهِ بِقَدْرِهِ ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الصَّحَابَةِ .
وَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ مِنْ جَسَدِهِ فَيَهَبُهُ إلَّا رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً ، وَحَطَّ عَنْهُ بِهِ خَطِيئَةً } .
وَاَلَّذِي يَقُولُ : إنَّهُ إذَا عَفَا عَنْهُ الْمَجْرُوحُ عَفَا اللَّهُ عَنْهُ لَمْ يَقُمْ عَلَيْهِ دَلِيلٌ ، فَلَا مَعْنَى لَهُ .

الْآيَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَة قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْ اُحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْك فَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمْ أَنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ وَإِنَّ كَثِيرًا مِنْ النَّاسِ لَفَاسِقُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : قِيلَ : نَزَلَتْ فِيمَا تَقَدَّمَ .
وَقِيلَ : { جَاءَ ابْنُ صُورِيَّا ، وَشَأْسُ بْنُ قَيْسٍ ، وَكَعْبُ بْنُ أُسَيْدَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُرِيدُونَ أَنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ دِينِهِ ، فَقَالُوا لَهُ : نَحْنُ أَحْبَارَ يَهُودَ ، إنْ آمَنَّا لَك آمَنَ النَّاسُ جَمِيعُهُمْ بِك ، وَبَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمٍ خُصُومَةٌ فَنُحَاكِمُهُمْ إلَيْك لِتَقْضِيَ لَنَا عَلَيْهِمْ ، وَنُؤْمِنُ بِك وَنُصَدِّقُك ؛ فَأَبَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْآيَةَ ، وَهِيَ قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ } } بِمَعْنَى وَاحِدٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ قَوْمٌ : هَذَا نَاسِخٌ لِلتَّخْيِيرِ ، وَهَذِهِ دَعْوَى عَرِيضَةٌ ؛ فَإِنَّ شُرُوطَ النُّسَخِ أَرْبَعَةٌ مِنْهَا : مَعْرِفَةُ التَّارِيخِ بِتَحْصِيلِ الْمُتَقَدِّمِ وَالْمُتَأَخِّرِ .
وَهَذَا مَجْهُولٌ مِنْ هَاتَيْنِ الْآيَتَيْنِ ، فَامْتَنَعَ أَنْ يُدَّعَى أَنَّ وَاحِدَةً مِنْهُمَا نَاسِخَةٌ لِلْأُخْرَى ، وَبَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى حَالِهِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوك عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْك } قَالَ قَوْمٌ : مَعْنَاهُ عَنْ كُلِّ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إلَيْك ، وَالْبَعْضُ يُسْتَعْمَلُ بِمَعْنَى الْكُلِّ قَالَ الشَّاعِرُ : تَرَّاكُ أَمْكِنَةٍ إذَا لَمْ أَرْضَهَا أَوْ يَغْتَبِطْ بَعْضَ النُّفُوسِ حِمَامُهَا وَيُرْوَى : أَوْ يَرْتَبِطْ .
أَرَادَ كُلَّ النُّفُوسِ ، وَعَلَيْهِ حَمَلُوا قَوْله تَعَالَى : { وَلِأُبَيِّنَ لَكُمْ بَعْضَ الَّذِي تَخْتَلِفُونَ فِيهِ } .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ { بَعْضَ } عَلَى حَالِهَا فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَأَنَّ الْمُرَادَ بِهِ الرَّجْمُ أَوْ الْحُكْمُ الَّذِي كَانُوا أَرَادُوهُ وَلَمْ يَقْصِدُوا أَنْ يَفْتِنُوهُ عَنْ الْكُلِّ .

الْآيَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ } اُخْتُلِفَ فِي سَبَبِ نُزُولِهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي عُبَادَةَ ، وَابْنِ أُبَيٍّ ؛ وَذَلِكَ { أَنَّ عُبَادَةَ تَبَرَّأَ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ حِلْفِ قَوْمٍ مِنْ الْيَهُودِ كَانَ لَهُ حِلْفُهُمْ مِثْلُ مَا لِعَبْدِ اللَّهِ بْنِ أُبَيٍّ ، وَتَمَسَّكَ ابْنُ أُبَيٍّ بِهِمْ ، وَقَالَ : إنِّي رَجُلٌ أَخَافُ الدَّوَائِرَ .
} الثَّانِي : كَانَ الْمُنَافِقُونَ يُوَازُونَ يَهُودَ قُرَيْظَةَ وَنَصَارَى نَجْرَانَ ؛ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَهْلَ رِيفٍ ، وَكَانُوا يَمِيرُونَهُمْ وَيُقْرِضُونَهُمْ ، فَقَالُوا : كَيْفَ نَقْطَعُ مَوَدَّةَ قَوْمٍ إذَا أَصَابَتْنَا سَنَةٌ فَاحْتَجْنَا إلَيْهِمْ وَسَعَوْا عَلَيْنَا الْمَنَازِلَ وَعَرَضُوا عَلَيْنَا الثِّمَارَ إلَى أَجَلٍ ، فَنَزَلَتْ ، وَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يُسَارِعُونَ فِيهِمْ يَقُولُونَ نَخْشَى أَنْ تُصِيبَنَا دَائِرَةٌ } .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي أَبِي لُبَابَةَ بْنِ عَبْدِ الْمُنْذِرِ وَالزُّبَيْرِ وَطَلْحَةَ ؛ فَأَمَّا نُزُولُهَا فِي أَبِي لُبَابَةَ فَمُمْكِنٌ ؛ لِأَنَّهُ أَشَارَ إلَى يَهُودِ [ بَنِي قُرَيْظَةَ ] إلَى حَلْقِهِ بِأَنَّهُمْ إنْ نَزَلُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ الذَّبْحُ فَخَانَهُ ، ثُمَّ تَابَ اللَّهُ عَلَيْهِ .
وَأَمَّا الزُّبَيْرُ وَطَلْحَةُ فَلَمْ يَلْتَفِتُوا إلَى ذَلِكَ فِيهِمَا .
وَهَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي كُلِّ مَنْ ذَكَرَ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِيهِ لَا تَخُصُّ بِهِ أَحَدًا دُونَ أَحَدٍ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : بَلَغَ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ أَنَّ أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ اتَّخَذَ بِالْيَمَنِ كَاتِبًا ذِمِّيًّا ، فَكَتَبَ إلَيْهِ هَذِهِ الْآيَةَ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَعْزِلَهُ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُ لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ وَلِيَ وِلَايَةً أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ أَهْلِ الذِّمَّةِ وَلِيًّا فِيهَا لِنَهْيِ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ لَا يُخْلِصُونَ النَّصِيحَةَ ، وَلَا يُؤَدُّونَ الْأَمَانَةَ ، بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : سُئِلَ ابْنُ عَبَّاسٍ عَنْ ذَبَائِحِ نَصَارَى الْعَرَبِ ، ، فَقَرَأَ : { وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ } ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِيمَا تَقَدَّمَ مُوَضَّحًا ، وَعَلَى هَذَا جَاءَ بَيَانُ تَمَامِ الْآيَةِ ، ثُمَّ جَاءَتْ الْآيَةُ الْأُخْرَى عَامَّةً فِي نَفْيِ اتِّخَاذِ الْأَوْلِيَاءِ مِنْ الْكُفَّارِ أَجْمَعِينَ .

الْآيَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا نَادَيْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : كَانَ الْمُشْرِكُونَ وَالْيَهُودُ وَالْمُنَافِقُونَ إذَا سَمِعُوا النِّدَاءَ إلَى الصَّلَاةِ وَقَعُوا فِي ذَلِكَ وَسَخِرُوا مِنْهُ ؛ فَأَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ عَنْهُمْ ، وَلَيْسَ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ذِكْرُ الْأَذَانِ إلَّا فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، أَمَّا إنَّهُ ذُكِرَتْ الْجُمُعَةُ عَلَى الِاخْتِصَاصِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا مِنْ النَّصَارَى ، وَكَانَ بِالْمَدِينَةِ ، إذَا سَمِعَ الْمُؤَذِّنَ يَقُولُ : أَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ قَالَ : حُرِقَ الْكَاذِبُ ، فَسَقَطَتْ فِي بَيْتِهِ شَرَارَةٌ مِنْ نَارٍ وَهُوَ نَائِمٌ ، فَتَعَلَّقَتْ النَّارُ بِالْبَيْتِ فَأَحْرَقَتْهُ ، وَأَحْرَقَتْ ذَلِكَ الْكَافِرَ مَعَهُ ؛ فَكَانَتْ عِبْرَةً لِلْخَلْقِ .
وَالْبَلَاءُ مُوَكَّلٌ بِالْمَنْطِقِ .
وَقَدْ كَانُوا يُمْهِلُونَ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى يَسْتَفْتِحُوا فَلَا يُؤَخَّرُوا بَعْدَ ذَلِكَ .

الْمَسْأَلَة الثَّالِثَةُ : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذَا غَزَا قَوْمًا لَمْ ، يَغْزُ حَتَّى يُصْبِحَ وَيَنْظُرَ ، فَإِنْ سَمِعَ أَذَانًا أَمْسَكَ ، وَإِلَّا أَغَارَ } ؛ رَوَاهُ الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : رَوَى الْأَئِمَّةُ بِأَجْمَعِهِمْ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ : { كَانَ الْمُسْلِمُونَ إذَا قَدِمُوا الْمَدِينَةَ يَتَجَنَّبُونَ الصَّلَاةَ فَيَجْتَمِعُونَ ، وَلَيْسَ يُنَادِي بِهَا أَحَدٌ ، فَتَكَلَّمُوا يَوْمًا فِي ذَلِكَ فَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ : اتَّخِذُوا نَاقُوسًا مِثْلَ النَّصَارَى .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ : اتَّخِذُوا قَرْنًا مِثْل قَرْنِ الْيَهُودِ ؛ فَقَالَ عُمَرُ : أَلَا تَبْعَثُونَ رَجُلًا يُنَادِي بِالصَّلَاةِ ؟ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَا بِلَالُ ؛ قُمْ فَنَادِ بِالصَّلَاةِ } .
وَفِي الْمُوَطَّإِ وَأَبِي دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَيْدٍ قَالَ : { لَمَّا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالنَّاقُوسِ لِيُعْمَلَ حَتَّى يُضْرَبَ بِهِ فَيَجْتَمِعَ النَّاسُ لِلصَّلَاةِ طَافَ بِي وَأَنَا نَائِمٌ رَجُلٌ يَحْمِلُ نَاقُوسًا ، فَقُلْت لَهُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، تَبِيعُ هَذَا النَّاقُوسَ ؟ فَقَالَ لِي : مَا تَصْنَعُ بِهِ ؟ فَقُلْت : نَدْعُو بِهِ لِلصَّلَاةِ .
قَالَ : أَفَلَا أَدُلُّكَ عَلَى مَا هُوَ خَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ ؟ فَقُلْت : بَلَى .
فَقَالَ : تَقُولُ : اللَّهُ أَكْبَرُ ، اللَّهُ أَكْبَرُ فَذَكَرَ الْأَذَانَ وَالْإِقَامَةَ .
فَلَمَّا أَصْبَحْنَا أَتَيْت النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ بِمَا رَأَيْت ، فَقَالَ : إنَّهَا لِرُؤْيَا حَقٌّ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، قُمْ مَعَ بِلَالٍ فَأَلْقِ عَلَيْهِ مَا رَأَيْت فَلْيُؤَذِّنْ بِهِ .
فَفَعَلْت } .
{ فَلَمَّا سَمِعَ عُمَرُ الْأَذَانَ خَرَجَ مُسْرِعًا ، فَسَأَلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَأُخْبِرَ الْخَبَرَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ ، لَقَدْ رَأَيْت مِثْلَ الَّذِي رَأَى .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْحَمْدُ لِلَّهِ } .
وَفِي ذَلِكَ أَحَادِيثُ كَثِيرَةٌ ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا الْكَلَامَ عَلَى أَخْبَارِ الْأَذَانِ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ وَمَسَائِلِهِ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ .

الْآيَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ أَهْلَ الْكِتَابِ عَنْ الْغُلُوِّ فِي الدِّينِ مِنْ طَرِيقَيْهِ : فِي التَّوْحِيدِ ، وَفِي الْعَمَلِ ؛ فَغُلُوُّهُمْ فِي التَّوْحِيدِ نِسْبَتُهُمْ لَهُ الْوَلَدَ سُبْحَانَهُ ، وَغُلُوُّهُمْ فِي الْعَمَلِ مَا ابْتَدَعُوهُ مِنْ الرَّهْبَانِيَّةِ فِي التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ وَالْعِبَادَةِ وَالتَّكْلِيفِ .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَتَرْكَبُنَّ سُنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرِ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ لَدَخَلْتُمُوهُ } .
وَهَذَا صَحِيحٌ لَا كَلَامَ فِيهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَمِعَ امْرَأَةً مِنْ اللَّيْلِ تُصَلِّي ، فَقَالَ : مَنْ هَذِهِ ؟ قِيلَ : الْحَوْلَاءُ بِنْتُ تُوَيْتٍ لَا تَنَامُ اللَّيْلَ كُلَّهُ .
فَكَرِهَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى عُرِفَتْ الْكَرَاهِيَةُ فِي وَجْهِهِ ، وَقَالَ : إنَّ اللَّهَ لَا يَمَلُّ حَتَّى تَمَلُّوا ، اكْلَفُوا مِنْ الْعَمَلِ مَا تُطِيقُونَ } .
وَرُوِيَ فِيهِ أَيْضًا أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ هَذَا الدِّينَ مَتِينٌ فَأَوْغِلْ فِيهِ بِرِفْقٍ فَإِنَّ الْمُنْبَتَّ لَا أَرْضًا قَطَعَ وَلَا ظَهْرًا أَبْقَى } .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : لَمَّا أَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَنَّا نَتَّبِعُ مَنْ قَبْلَنَا فِي سُنَنِهِ ، وَكَانَتْ الْكَفَرَةُ قَدْ شَبَّهَتْ اللَّهَ سُبْحَانَهُ بِالْخَلْقِ فِي الْوَلَدِ ، وَشَبَّهَتْ هَذِهِ الْأُمَّةُ الْبَارِيَ تَعَالَى بِالْخَلْقِ فِي مَصَائِبَ قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي الْأُصُولِ لَا تَقْصُرُ فِي الْبَاطِلِ عَنْ الْوَلَدِ ، وَغَلَتْ طَائِفَةٌ فِي الْعَمَلِ حَتَّى تَرَهَّبَتْ وَتَرَكَتْ النِّكَاحَ ، وَوَاظَبَتْ عَلَى الصَّوْمِ ، وَتَرَكَتْ الطَّيِّبَاتِ ، وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ رَغِبَ عَنْ سَنَتِي فَلَيْسَ مِنِّي } .
وَسَنَكْشِفُ ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ هَاهُنَا بِالِاخْتِصَارِ ؛ إذْ قَدْ بَيَّنَّاهُ بِالطُّولِ فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ ، وَخُصُوصًا فِي قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } .
وَهِيَ : .

الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمْ عَلِيٌّ ، وَالْمِقْدَادُ ، وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ ، وَعُثْمَانُ بْنُ مَظْعُونٍ ، وَابْنُ مَسْعُودٍ ، وَسَالِمٌ مَوْلَى أَبِي حُذَيْفَةَ ، جَلَسُوا فِي الْبُيُوتِ ، وَأَرَادُوا أَنْ يَفْعَلُوا كَفِعْلِ النَّصَارَى مِنْ تَحْرِيمِ طَيِّبَاتِ الطَّعَامِ وَاللِّبَاسِ وَاعْتِزَالِ النِّسَاءِ ، وَهَمَّ بَعْضُهُمْ أَنْ يَجُبَّ نَفْسَهُ ، وَأَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ كَانَ مِمَّنْ حَرَّمَ النِّسَاءَ وَالزِّينَةَ عَلَى نَفْسِهِ ، وَأَرَادُوا أَنْ يَتَرَهَّبُوا ، وَلَا يَأْكُلُوا لَحْمًا وَلَا وَدَكًا ؛ وَقَالُوا : نَقْطَعُ مَذَاكِيرَنَا ، وَنَسِيحُ فِي الْأَرْضِ ، كَمَا فَعَلَ الرُّهْبَانُ .
فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَاهُمْ عَنْهُ ، وَأَعْلَمَهُمْ أَنَّهُ يَنْكِحُ النِّسَاءَ ، وَيَأْكُلُ مِنْ الْأَطْعِمَةِ ، وَيَنَامُ وَيَقُومُ ، وَيُفْطِرُ وَيَصُومُ ، وَأَنَّهُ مَنْ رَغِبَ عَنْ سَنَتِي فَلَيْسَ مِنِّي ، وَقَالَ لَهُمْ : { إنَّمَا هَلَكَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ بِالتَّشْدِيدِ ، فَشَدَّدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ ، فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ .
أُولَئِكَ بَقَايَاهُمْ فِي الدِّيَارِ وَالصَّوَامِعِ ، اُعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ، وَأُقِيمُوا الصَّلَاةَ ، وَآتُوا الزَّكَاةَ ، وَصُومُوا رَمَضَانَ ، وَحُجُّوا وَاعْتَمِرُوا ، وَاسْتَقِيمُوا يَسْتَقِمْ لَكُمْ } .
وَإِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيهِمْ ، رُوِيَ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَغَيْرِهِ .
الثَّانِي : رُوِيَ { أَنَّ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ ضَافَهُ ضَيْفٌ ، فَانْقَلَبَ ابْنُ رَوَاحَةَ وَلَمْ يَتَعَشَّ .
فَقَالَ لِزَوْجَتِهِ : مَا عَشَّيْتِيهِ ؟ فَقَالَتْ : كَانَ الطَّعَامُ قَلِيلًا ، فَانْتَظَرْتُك أَنْ تَأْتِيَ .
قَالَ : حَرَمْت ضَيْفِي مِنْ أَجْلِي ،

فَطَعَامُك عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ ذُقْته .
فَقَالَتْ هِيَ : وَهُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ لَمْ تُذَقْهُ .
وَقَالَ الضَّيْفُ : هُوَ عَلَيَّ حَرَامٌ إنْ ذُقْته إنْ لَمْ تَذُوقُوهُ .
فَلَمَّا رَأَى ذَلِكَ ابْنُ رَوَاحَةَ قَالَ : قَرِّبِي طَعَامَك ، كُلُوا بِسْمِ اللَّهِ ، وَغَدَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرَهُ .
فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَحْسَنْت .
وَنَزَلَتْ الْآيَةُ : فَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمْ اللَّهُ .
} قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِهِ : { فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كَيْفَ نَصْنَعُ بِأَيْمَانِنَا ، فَنَزَلَتْ : { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ } } .
الثَّالِثُ : رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ { أَنَّ رَجُلًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنِّي إذَا أَصَبْت اللَّحْمَ انْتَشَرْت لِلنِّسَاءِ وَأَخَذَتْنِي شَهْوَةٌ ، فَحَرَّمْت عَلَيَّ اللَّحْمَ ، فَنَزَلَتْ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ } إلَى { مُؤْمِنِينَ } } .
قَالَ التِّرْمِذِيُّ : صَحِيحَةُ الْإِرْسَالِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : ظَنَّ أَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمَطْلُوبَ مِنْهُمْ طَرِيقُ مَنْ قَبْلَهُمْ مِنْ رَفْضِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ وَالنِّسَاءِ ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا } فَكَانَتْ شَرِيعَةُ مَنْ قَبْلَنَا بِالرَّهْبَانِيَّةِ وَشَرِيعَتُنَا بِالسَّمْحَةِ الْحَنِيفِيَّةِ .
وَفِي الصَّحِيحِ { أَنَّ عُثْمَانَ بْنَ مَظْعُونٍ نَهَاهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ التَّبَتُّلِ ، وَلَوْ أَذِنَ لَهُ لَاخْتَصَيْنَا } .
وَاَلَّذِي يُوجِبُ فِي ذَلِكَ الْعِلْمَ ، وَيَقْطَعُ الْعُذْرَ ، وَيُوَضِّحُ الْأَمْرَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ لِنَبِيِّهِ : { وَتَبَتَّلْ إلَيْهِ تَبْتِيلًا } فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ التَّبَتُّلَ بِفِعْلِهِ ؛ وَشَرَحَ أَنَّهُ امْتِثَالُ الْأَمْرِ ، وَاجْتِنَابُ النَّهْيِ ، وَلَيْسَ بِتَرْكِ الْمُبَاحَاتِ ، { وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَأْكُلُ اللَّحْمَ إذَا وَجَدَهُ ، وَيَلْبَسُ الثِّيَابَ تُبْتَاعُ بِعِشْرِينَ جَمَلًا ، وَيُكْثِرُ مِنْ الْوَطْءِ ، وَيَصْبِرُ إذَا عَدِمَ ذَلِكَ } ، وَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِهِ لِسُنَّةِ عِيسَى فَلَيْسَ مِنْهُ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا إذَا كَانَ الدِّينُ قِوَامًا ، وَلَمْ يَكُنْ الْمَالُ حَرَامًا ؛ فَأَمَّا إذَا فَسَدَ الدِّينُ عِنْدَ النَّاسِ ، وَعَمَّ الْحَرَامُ فَالتَّبَتُّلُ وَتَرْكُ اللَّذَّاتِ أَوْلَى ، وَإِذَا وُجِدَ الْحَلَالُ فَحَالُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَفْضَلُ وَكَانَ داتشمند رَحِمَهُ اللَّهُ يَقُول : إذْ عَمَّ الْحَرَامُ وَطَبَقَ الْبِلَادَ ، وَلَمْ يُوجَدْ حَلَالٌ اُسْتُؤْنِفَ الْحُكْمُ ، وَصَارَ الْكُلُّ مَعْفُوًّا عَنْهُ ، وَكَانَ كُلُّ وَاحِدٍ أَحَقَّ بِمَا فِي يَدِهِ مَا لَمْ يَعْلَمْ صَاحِبَهُ .
وَأَنَا أَقُولُ : إنَّ هَذَا الْكَلَامَ مُنْقَاسٌ إذَا انْقَطَعَ الْحَرَامُ ، فَأَمَّا وَالْغَصْبُ مُتَمَادٍ ، وَالْمُعَامَلَاتُ الْفَاسِدَةُ مُسْتَمِرَّةٌ ، وَلَا يَخْرُجُ الْمَرْءُ مِنْ حَرَامٍ إلَّا إلَى حَرَامٍ فَأَشْبَهَ الْمَعَاشُ مَنْ كَانَ لَهُ عَقَارٌ قَدِيمُ الْمِيرَاثِ يَأْكُلُ مِنْ غَلَّتِهُ ، وَمَا رَأَيْت فِي رِحْلَتِي أَحَدًا يَأْكُلُ مَالًا حَلَالًا مَحْضًا إلَّا سَعِيدًا الْمَغْرِبِيَّ ، كَانَ يَخْرُجُ فِي صَائِفَةِ الْخِطْمِيِّ ، فَيَجْمَعُ مِنْ زَرِيعَتِهِ قُوَّتَهُ وَيَطْحَنُهَا وَيَأْكُلُهَا بِزَيْتٍ يَجْلِبُهُ الرُّومُ مِنْ بِلَادِهِمْ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إذَا قَالَ : هَذَا عَلَيَّ حَرَامٌ لِشَيْءٍ مِنْ الْحَلَالِ عَدَا الزَّوْجَةَ فَإِنَّهُ كِذْبَةٌ لَا شَيْءَ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَيَسْتَغْفِرُ اللَّهَ ، وَلَا يَحْرُمُ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِمَّا حَرَّمَهُ .
هَذَا مَذْهَبُ مَالِكٍ وَالشَّافِعِيِّ ، وَأَكْثَرِ الصَّحَابَةِ ؛ وَرُوِيَ أَنَّهُ قَوْلٌ يُوجِبُ الْكَفَّارَةَ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ حَدِيثُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ رَوَاحَةَ الْمُتَقَدِّمُ .
وَفِي حَدِيثِ الْجَمَاعَةِ مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلُهُ .
وَرُوِيَ أَيْضًا عَنْهُمْ { أَنَّهُمْ حَلَفُوا بِاَللَّهِ فَأَذِنَ لَهُمْ فِي الْكَفَّارَةِ } ، فَتَعَلَّقَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ بِمَسْأَلَةِ الْيَمِينِ ، وَتَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَأَمَّا إذَا قَالَ لِزَوْجَتِهِ : أَنْتِ عَلَيَّ حَرَامٌ فَمَوْضِعُهَا سُورَةُ التَّحْرِيمِ ، وَاَللَّهُ يُسَهِّلُ فِي الْبُلُوغِ إلَيْهَا بِعَوْنِهِ .

الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ } .
فِيهَا سَبْعٌ وَعِشْرُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْيَمِينُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : لَغْوٌ وَمُنْعَقِدَةٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّا لَغْوَ الْيَمِينِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .
وَأَمَّا الْيَمِينُ الْمُنْعَقِدَةُ فَهِيَ الْمُنْفَعِلَةُ مِنْ الْعَقْدِ ، وَالْعَقْدُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : حِسِّيٌّ كَعَقْدِ الْحَبْلِ ، وَحُكْمِيٌّ كَعَقْدِ الْبَيْعِ ؛ وَهُوَ رَبْطُ الْقَوْلِ بِالْقَصْدِ الْقَائِمِ بِالْقَلْبِ ، يَعْزِمُ بِقَلْبِهِ أَوَّلًا مُتَوَاصِلًا مُنْتَظِمًا ، ثُمَّ يُخْبِرُ عَمَّا انْعَقَدَ مِنْ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : صُورَةُ الْيَمِينِ اللَّغْوِ وَالْمُنْعَقِدَةِ عَلَى هَذَا وَاحِدَةٌ ، فَمَا الْفَرْقُ بَيْنَهُمَا ؟ قُلْنَا : قَدْ آنَ الْآنَ أَنْ نَلْتَزِمَ بِذَلِكَ الِاحْتِفَاءِ ، وَنَكْشِفَ عَنْهُ الْخَفَاءَ ، فَنَقُولُ : إنَّ الْيَمِينَ الْمُنْعَقِدَةَ مَا قُلْنَاهُ .
وَاللَّغْوَ ضِدُّهُ وَالْيَمِينَ اللَّغْوَ سَبْعُ مُتَعَلِّقَاتٍ فِي اخْتِلَافِ النَّاسِ : الْمُتَعَلِّقُ الْأَوَّلُ : الْيَمِينُ مَعَ النِّسْيَانِ ، فَلَا شَكَّ فِي إلْغَائِهَا ؛ لِأَنَّهُ إذْ قَصَدَ زَيْدًا فَتَلَفَّظَ بِعَمْرٍو فَلَا شَكَّ فِي أَنَّهَا جَاءَتْ عَلَى خِلَافِ قَصْدِهِ ، فَهِيَ لَغْوٌ مَحْضٌ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ الْيَمِينُ الْمُكَفِّرَةُ فَلَا مُتَعَلِّقَ لَهُ يُحْكَى .
وَالْمُتَعَلِّقُ الثَّالِثُ : فِي دُعَاءِ الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ إنْ لَمْ يَكُنْ كَذَا ، فَيَنْزِلْ بِهِ كَذَا ، فَهَذَا قَوْلٌ لَغْوٌ فِي طَرِيقِ الْكَفَّارَةِ ، وَلَكِنَّهُ مُنْعَقِدٌ فِي الْعَقْدِ مَكْرُوهٌ ، وَرُبَّمَا يُؤَاخَذُ بِهِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا

يَدْعُوَنَّ أَحَدُكُمْ عَلَى نَفْسِهِ ، فَرُبَّمَا صَادَفَ سَاعَةً لَا يَسْأَلُ اللَّهَ فِيهَا أَحَدٌ شَيْئًا إلَّا أَعْطَاهُ إيَّاهَا } .
وَالْمُتَعَلِّقُ الرَّابِعُ : فِي يَمِينِ الْمَعْصِيَةِ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْحَالِفَ عَلَى تَرْكِ الْمَعْصِيَةِ تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ عِبَادَةً ، وَالْحَالِفَ عَلَى فِعْلِ الْمَعْصِيَةِ تَنْعَقِدُ يَمِينُهُ مَعْصِيَةً ، وَيُقَالُ لَهُ : لَا تَفْعَلْ فَكَفَّرَ ، فَإِنْ أَقْدَمَ عَلَى الْفِعْلِ فَجَرَ فِي إقْدَامِهِ وَبَرَّ فِي يَمِينِهِ .
وَإِنَّمَا قُلْنَا : إنَّهَا تَنْعَقِدُ لِأَنَّهُ قَصَدَ بِقَلْبِهِ الْفِعْلَ أَوْ الْكَفَّ فِي زَمَانٍ مُسْتَقْبَلٍ يَتَأَتَّى فِيهِ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا .
وَهَذَا ظَاهِرٌ .
وَالْمُتَعَلِّقُ الْخَامِسُ : فِي يَمِينِ الْغَضَبِ مَوْضِعُ فِتْنَةٍ ؛ فَإِنَّ بَعْضَ النَّاسِ يَقُولُ : يَمِينُ الْغَضَبِ لَا يَلْزَمُ ، وَيَنْظُرُ فِي ذَلِكَ إلَى حَدِيثٍ يُرْوَى : { لَا يَمِينَ فِي إغْلَاقٍ } ، وَهَذَا لَمْ يَصِحَّ ، وَالْإِغْلَاقُ : الْإِكْرَاهُ ؛ لِأَنَّهُ تُغْلِقُ الْأَبْوَابَ عَلَى الْمُكْرَهِ وَتَرُدُّهُ إلَى مَقْصِدِهِ ، وَقَدْ { حَلَفَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ غَاضِبًا أَلَّا يَحْمِلَ الْأَشْعَرِيِّينَ وَحَمَلَهُمْ ، وَقَالَ : وَاَللَّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ إنِّي لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي } .
وَهَذَا بَيِّنٌ ظَاهِرٌ جِدًّا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ قَوْلُ الرَّجُلِ : لَا وَاَللَّهِ ، وَبَلَى وَاَللَّهِ .
فَفِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ : نَزَلَتْ : { لَا يُؤَاخِذُكُمْ اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ } فِي قَوْلِ الرَّجُلِ : لَا وَاَللَّهِ ، وَبَلَى وَاَللَّهِ .
قُلْنَا : هَذَا صَحِيحٌ ، وَمَعْنَاهُ إذَا أَكْثَرَ الرَّجُلُ فِي يَمِينِهِ مِنْ قَوْلِ : لَا وَاَللَّهِ ، وَبَلَى وَاَللَّهِ ، عَلَى أَشْيَاءَ يَظُنُّهَا كَمَا قَالَ ، فَتَخْرُجُ بِخِلَافِهِ .
أَوْ عَلَى حَقِيقَةٍ ، فَهِيَ تَنْقَسِمُ قِسْمَيْنِ : قِسْمًا يُظَنُّ وَقِسْمًا يُعْقَدُ ، فَلَا يُؤَاخَذُ مِنْهَا فِيمَا وَقَعَ عَلَى ظَنٍّ ، وَيُؤَاخَذُ فِيمَا عَقَّدَ ، وَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يَظُنَّ

أَحَدٌ أَنَّ قَوْلَهُ : لَا وَاَللَّهِ ، وَبَلَى وَاَللَّهِ ، فِيمَا يَعْتَقِدُهُ وَيُعَقِّدُهُ أَنَّهُ لَغْوٌ ، وَهُوَ مَنْهِيٌّ عَنْ الِاسْتِرْسَالِ فِيهِ وَالتَّهَافُتِ بِهِ .
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا وَتُصْلِحُوا بَيْنَ النَّاسِ } فَنُهِيَ عَنْهَا وَلَا يُؤَاخَذُ إذَا فَعَلَهَا .
هَذَا لَعَمْرُ اللَّهِ هُوَ الْقَوْلُ اللَّغْوُ ، وَهَذَا يُبَيِّنُ لَك أَنَّ الْقَوْلَ مَا قَالَهُ مَالِكٌ ، وَأَنَّهُ الْيَمِينُ عَلَى ظَنٍّ يَخْرُجُ بِخِلَافِهِ .
فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ فِي أَيِّ قِسْمٍ هِيَ ؟ : قُلْنَا هِيَ مَسْأَلَةٌ عُظْمَى وَدَاهِيَةٌ كُبْرَى تَكَلَّمَ فِيهَا الْعُلَمَاءُ ، وَقَدْ أَفَضْنَا فِيهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَوَجْهُ إشْكَالِهَا أَنَّهَا إنْ كَانَتْ لَا كَفَّارَةَ فِيهَا فَهِيَ فِي قِسْمِ اللَّغْوِ ، فَلَا تَقَعُ فِيهَا مُؤَاخَذَةٌ ، وَإِنْ كَانَتْ مِمَّا يُؤَاخَذُ بِهَا فَهِيَ فِي قِسْمِ الْمُنْعَقِدَةِ ، تَلْزَمُ فِيهَا الْكَفَّارَةُ .
وَحَلُّهُ طَوِيلٌ ؛ اخْتِصَارُهُ أَنَّ الْآيَةَ وَرَدَتْ بِقِسْمَيْنِ : لَغْوٌ ، وَمُنْعَقِدَةٌ خَرَجَتْ عَلَى الْغَالِبِ فِي أَيْمَانِ النَّاسِ ؛ فَأَمَّا الْيَمِينُ الْغَمُوسُ فَلَا يَرْضَى بِهَا ذُو دِينٍ أَوْ مُرُوءَةٍ ، وَيَحِلُّ الْإِشْكَالُ أَيْضًا أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَلَّقَ الْكَفَّارَةَ عَلَى قِسْمَيْ الْيَمِينِ الْمُنْعَقِدَةِ ، فَدَعْ مَا بَعْدَهَا يَكُونُ مِائَةَ قِسْمٍ فَإِنَّهُ لَمْ تُعَلَّقْ عَلَيْهِ كَفَّارَةٌ .
فَإِنْ قِيلَ : الْيَمِينُ الْغَمُوسُ مُنْعَقِدَةٌ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّهَا مُكْتَسَبَةٌ بِالْقَلْبِ ، مَعْقُودَةٌ بِخَبَرٍ ، مَقْرُونَةٌ بِاسْمِ اللَّهِ تَعَالَى .
قُلْنَا : عَقْدُ الْقَلْبِ إنَّمَا يَكُونُ عَقْدًا إذَا تُصُوِّرَ حِلُّهُ ، وَالْيَمِينُ الْغَمُوسُ مَكْرٌ وَخَدِيعَةٌ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ هَذَا الَّذِي صَوَّرَهُ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ مَوْجُودٌ فِي يَمِينِ الِاسْتِثْنَاءِ ، وَلَا كَفَّارَةَ فِيهَا ؛ فَثَبَتَ أَنَّ مُجَرَّدَ الْقَصْدِ لَا يَكْفِي فِي الْكَفَّارَةِ ، هَذَا وَقَدْ فَارَقَ الْيَمِينُ الْغَمُوسُ الْحِلَّ .

وَكَيْفَ تَنْعَقِدُ ؟ وَقَدْ مَهَدْنَا الْقَوْلَ فِيهَا فِي تَخْلِيصِ التَّلْخِيصِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي حَقِيقَةِ الْيَمِينِ : قَدْ بَيَّنَّاهَا فِي الْمَسَائِلِ ، وَهِيَ رَبْطُ الْعَقْدِ بِالِامْتِنَاعِ وَالتَّرْكِ أَوْ بِالْإِقْدَامِ عَلَى فِعْلٍ بِمَعْنَى مُعَظَّمٍ حَقِيقَةً أَوْ اعْتِقَادًا .
وَالْمُعَظَّمُ حَقِيقَةً ، كَقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ لَا دَخَلْت الدَّارَ أَوْ لَأَدْخُلَنَّ .
وَالْمُعَظَّمُ اعْتِقَادًا ، كَقَوْلِهِ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ ، أَوْ أَنْتَ حُرٌّ .
وَالْحُرِّيَّةُ مُعَظَّمَةٌ عِنْدَهُ ، لِاعْتِقَادِهِ عَظِيمَ مَا يَخْرُجُ عَنْ يَدِهِ فِي الْحُرِّيَّةِ وَالطَّلَاقِ .
وَدَلِيلُهُ قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ } .
فَسَمَّى الْحَالِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ حَالِفًا .
وَقَدْ اتَّفَقَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّ مَنْ قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَعَلَيَّ كَفَّارَةُ يَمِينٍ ، أَنَّهُ يَلْزَمُهُ ذَلِكَ ، وَلَكِنَّهُ مِنْ جِهَةِ النَّذْرِ لَا مِنْ جِهَةِ الْيَمِينِ .
وَالنَّذْرُ يَمِينٌ حَقِيقَةً ، وَلِأَجْلِهِ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { كَفَّارَةُ النَّذْرِ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ } .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إذَا قَالَ : أَقْسَمْت عَلَيْك ، أَوْ أَقْسَمْت لَيَكُونَنَّ كَذَا وَكَذَا فَإِنَّهُ يَكُونُ يَمِينًا إذَا قَصَدَ بِاَللَّهِ .
وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَكُونُ يَمِينًا حَتَّى يُذْكَرَ بِهِ اسْمُ اللَّهِ تَعَالَى ؛ قَالَ : لِأَنَّهُ لَمْ يَحْلِفْ بِاَللَّهِ ، فَلَا يَكُونُ يَمِينًا .
قُلْنَا : إنْ كَانَ لَمْ يَتَلَفَّظْ بِهِ فَقَدْ نَوَاهُ ، وَاللَّفْظُ يَحْتَمِلُهُ ، فَوَجَبَ أَنْ يَقْضِيَ بِهِ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ وَلِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى } .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إذَا حَلَفَ بِاَللَّهِ تَعَالَى أَوْ بِصِفَاتِهِ الْعُلْيَا وَأَسْمَائِهِ الْحُسْنَى فَهِيَ يَمِينٌ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا قَالَ : وَعِلْمِ اللَّهِ لَمْ يَكُنْ يَمِينًا .
وَظَنَّ قَوْمٌ مِمَّنْ لَمْ يُحَصِّلْ مَذْهَبَهُ أَنَّهُ يُنْكِرُ صِفَاتِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَلَيْسَ كَمَا ظَنَّ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ قَالَ : إذَا حَلَفَ : وَقُدْرَةِ اللَّهِ كَانَتْ يَمِينًا .
وَإِنَّمَا الَّذِي أَوْقَعَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْعِلْمَ قَدْ يَنْطَلِقُ عَلَى الْمَعْلُومِ ، وَهُوَ الْمُحْدَثُ ، فَلَا يَكُونُ يَمِينًا ، وَذُهِلَ عَنْ أَنَّ الْقُدْرَةَ أَيْضًا تَنْطَلِقُ عَلَى الْمَقْدُورِ ، وَكُلُّ كَلَامٍ لَهُ فِي الْمَقْدُورِ فَهُوَ حُجَّتُنَا فِي الْمَعْلُومِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : لَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينُ بِغَيْرِ اللَّهِ وَصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ : وَقَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : إذَا حَلَفَ بِالنَّبِيِّ انْعَقَدَتْ يَمِينُهُ وَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ؛ لِأَنَّهُ حَلَفَ بِمَا لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إلَّا بِهِ ، فَلَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ، كَمَا لَوْ حَلَفَ بِاَللَّهِ ، وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ : { مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلِيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ } وَلِأَنَّ هَذَا يُنْتَقَضُ بِمَنْ قَالَ : وَآدَمَ وَإِبْرَاهِيمَ ، فَإِنَّهُ لَا كَفَّارَةَ عَلَيْهِ ، وَقَدْ حَلَفَ بِمَا لَا يَتِمُّ الْإِيمَانُ إلَّا بِهِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { عَقَّدْتُمْ الْأَيْمَانَ } فِيهِ ثَلَاثُ قِرَاءَاتِ : عَقَّدْتُمْ بِتَشْدِيدِ الْقَافِ ، وَعَقَدْتُمْ بِتَخْفِيفِ الْقَافِ ، وَعَاقَدْتُمْ بِالْأَلِفِ .
فَأَمَّا التَّخْفِيفُ فَهُوَ أَضْعَفُهَا رِوَايَةً وَأَقْوَاهَا مَعْنًى ؛ لِأَنَّهُ فَعَلْتُمْ مِنْ الْعَقْدِ ، وَهُوَ الْمَطْلُوبُ .
وَإِذَا قُرِئَ عَاقَدْتُمْ فَهُوَ فَاعَلْتُمْ ، وَذَلِكَ يَكُونُ مِنْ اثْنَيْنِ ، وَقَدْ يَكُونُ الثَّانِي مِنْ حَلَفَ لِأَجْلِهِ فِي كَلَامٍ وَقَعَ مَعَهُ ، وَقَدْ يَعُودُ ذَلِكَ إلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ رَبَطَ بِهِ الْيَمِينَ ، وَقَدْ يَكُونُ فَاعَلَ بِمَعْنَى فَعَلَ ، كَقَوْلِك : طَارَقَ النَّعْلَ ، وَعَاقَبَ اللِّصَّ ، فِي أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ فِي اللِّصِّ خَاصَّةً .
وَإِذَا قَرَأَ عَقَّدْتُمْ بِتَشْدِيدِ الْقَافِ فَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ مُجَاهِدٌ : تَعَمَّدْتُمْ .
الثَّانِي : قَالَ الْحَسَنُ : مَعْنَاهُ مَا تَعَمَّدْت بِهِ الْمَأْثَمَ فَعَلَيْك فِيهِ الْكَفَّارَةُ .
الثَّالِثُ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ : التَّشْدِيدُ يَقْتَضِي التَّكْرَارَ ، فَلَا تَجِبُ عَلَيْهِ الْكَفَّارَةُ إلَّا إذَا كَرَّرَ الْيَمِينَ .
الرَّابِعُ : قَالَ مُجَاهِدٌ : التَّشْدِيدُ لِلتَّأْكِيدِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : أَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ : مَا تَعَمَّدْتُمْ فَهُوَ صَحِيحٌ يَعْنِي مَا قَصَدْتُمْ إلَيْهِ احْتِرَازًا مِنْ اللَّغْوِ .
وَأَمَّا قَوْلُ الْحَسَنِ مَا تَعَمَّدْتُمْ فِيهِ الْمَأْثَمَ فَيَعْنِي بِهِ مُخَالَفَةَ الْيَمِينِ ، فَحِينَئِذٍ تَكُونُ الْكَفَّارَةُ وَهَذَانِ الْقَوْلَانِ حَسَنَانِ يَفْتَقِرَانِ إلَى تَحْقِيقٍ ، وَهُوَ بَيَانُ وَجْهِ التَّشْدِيدِ ، فَإِنَّ ابْنَ عُمَرَ حَمَلَهُ عَلَى التَّكْرَارِ ، وَهُوَ قَوْلٌ لَمْ يَصِحَّ عَنْهُ لِضَعْفِهِ .
فَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { وَإِنِّي وَاَللَّهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا أَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَكَفَّرْت عَنْ يَمِينِي } .
فَذَكَرَ وُجُوبَ الْكَفَّارَةِ فِي

الْيَمِينِ الَّتِي لَمْ تَتَكَرَّرْ .
وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ : إنَّ التَّشْدِيدَ فِي التَّأْكِيدِ مَحْمُولٌ عَلَى تَكْرَارِ الصِّفَاتِ ؛ فَإِنَّ قَوْلَنَا : " وَاَللَّهِ " يَقْتَضِي جَمِيعَ أَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى وَصِفَاتِهِ الْعُلْيَا ، فَإِذَا ذَكَرَ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ : وَاَللَّهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا فَائِدَةُ التَّغْلِيظِ بِالْأَلْفَاظِ ؟ قُلْنَا : لَا تَغْلِيظَ عِنْدَنَا بِالْأَلْفَاظِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
وَإِنْ غَلَّظْنَا فَلَيْسَ عَلَى مَعْنَى أَنَّ مَا لَيْسَ بِمُغَلَّظٍ لَيْسَ بِيَمِينٍ ، وَلَكِنْ عَلَى مَعْنَى الْإِرْهَابِ عَلَى الْحَالِفِ فَإِنَّهُ كُلَّمَا ذَكَرَ بِلِسَانِهِ اللَّهَ تَعَالَى حَدَثَ لَهُ غَلَبَةُ حَالٍ مِنْ الْخَوْفِ ، وَرُبَّمَا اقْتَضَتْ لَهُ رَعْدَةً ، وَقَدْ يَرْهَبُ بِهَا عَلَى الْمَحْلُوفِ لَهُ ، كَقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْيَهُودِ : { وَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ } فَأَرْهَبَ عَلَيْهِمْ بِالتَّوْحِيدِ ، لِاعْتِقَادِهِمْ أَنَّ عُزَيْرًا ابْنَ اللَّهِ .
وَاَلَّذِي يَتَحَصَّلُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ التَّشْدِيدَ عَلَى وَجْهٍ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الْمَرْءَ يَعْقِدُ عَلَى الْمَعْنَى بِالْقَصْدِ إلَيْهِ ، ثُمَّ يُؤَكِّدُ الْحَلِفَ بِقَصْدٍ آخَرَ ، فَهَذَا هُوَ الْعَقْدُ الثَّانِي الَّذِي حَصَلَ بِهِ التَّكْرَارُ أَوْ التَّأْكِيدُ ، بِخِلَافِ اللَّغْوِ فَإِنَّهُ قَصَدَ الْيَمِينَ وَفَاتَهُ التَّأْكِيدُ بِالْقَصْدِ الصَّحِيحِ إلَى الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : الْيَمِينُ لَا يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ عِنْدَ عُلَمَائِنَا ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَقْتَضِي تَحْرِيمَ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ فِي تَلْخِيصِ الطَّرِيقَتَيْنِ الْعِرَاقِيَّةِ وَالْخُرَاسَانِيَّة عَلَى التَّمَامِ .
وَعِنْدَ أَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنْ قَالَ : حَرَّمْت عَلَى نَفْسِي هَذَا الطَّعَامَ ، أَوْ هَذَا الثَّوْبَ لَزِمَتْهُ الْكَفَّارَةُ ؛ لِاعْتِقَادِهِ أَنَّ الْيَمِينَ تُحَرِّمُ ، فَرَكَّبَ عَلَيْهِ هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ .
وَلَمَّا رَأَى عُلَمَاؤُنَا أَنَّ مَسْأَلَةَ أَبِي حَنِيفَةَ فِي تَحْرِيمِ الْحَلَالِ مُرَكَّبَةٌ عَلَى الْيَمِينِ أَنْكَرُوا لَهُ أَنَّ الْيَمِينَ تُحَرِّمُ ، وَكَانَ هَذَا لِأَنَّ النُّظَّارَ تَحْمِلُهُمْ مُقَارَعَةُ الْخُصُومِ عَلَى النَّظَرِ فِي الْمُنَاقَضَاتِ وَتَرْكِ التَّحْقِيقِ ، وَالنَّظَّارُ الْمُحَقِّقُ يَتَفَقَّدُ الْحَقَائِقَ ، وَلَا يُبَالِي عَلَى مَنْ دَار النَّظَرُ ، وَلَا مَا صَحَّ مِنْ مَذْهَبٍ .
وَاَلَّذِي نَعْتَقِدُهُ أَنَّ الْيَمِينَ تُحَرِّمُ الْمَحْلُوفَ عَلَيْهِ ؛ فَإِنَّهُ إذَا قَالَ : وَاَللَّهِ لَا دَخَلْت الدَّارَ فَإِنَّ هَذَا الْقَوْلَ قَدْ مَنَعَهُ مِنْ الدُّخُولِ حَتَّى يُكَفِّرَ ، فَإِنْ أَقْدَمَ عَلَى الْفِعْلِ قَبْلَ الْكَفَّارَةِ لَزِمَهُ أَدَاؤُهَا ؛ وَالِامْتِنَاعُ هُوَ التَّحْرِيمُ بِعَيْنِهِ ، وَالْبَارِي تَعَالَى هُوَ الْمُحَرِّمُ وَهُوَ الْمُحَلِّلُ ، وَلَكِنَّ تَحْرِيمَهُ يَكُونُ ابْتِدَاءً كَمُحَرَّمَاتِ الشَّرِيعَةِ ، وَقَدْ يَكُونُ بِأَسْبَابٍ يُعَلِّقُهَا عَلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِ الْمُكَلَّفِينَ ، كَتَعْلِيقِ التَّحْرِيمِ بِالطَّلَاقِ ، وَالتَّحْرِيمِ بِالْيَمِينِ .
وَيَرْفَعُ التَّحْرِيمُ الْكَفَّارَةَ مَفْعُولَةً أَوْ مَعْزُومًا عَلَيْهَا .
وَيَرْفَعُ تَحْرِيمُ الطَّلَاقِ النِّكَاحَ بِحَسَبِ مَا رَتَّبَ سُبْحَانَهُ مِنْ الْأَحْكَامِ ، وَبَيَّنَ مِنْ الشُّرُوطِ .
هَذَا لُبَابُهُ ، وَتَمَامُهُ فِي التَّلْخِيصِ ، فَلْيُنْظَرْ فِيهِ [ بَاقِي قِسْمَيْ هَذَا الْبَابِ فَإِنَّ فِيهِ لَغُنْيَةُ الْأَلْبَابِ ] .
وَأَصْحَابُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِينَ كَانُوا

قَدْ اجْتَمَعُوا وَاعْتَقَدُوا تَحْرِيمَ الْأَطَايِبِ مِنْ الطَّعَامِ وَالزِّينَةِ مِنْ الثِّيَابِ وَاللَّذَّةِ مِنْ النِّسَاءِ حَلَفُوا عَلَى ذَلِكَ ، وَلِأَجْلِهِ نَزَلَتْ الْآيَةُ فِيهِمْ ؛ وَإِنْ كَانُوا لَمْ يَحْلِفُوا ، وَلَكِنَّهُمْ اعْتَقَدُوا ، فَقَدْ دَخَلَتْ مَسْأَلَتُهُمْ فِي قِسْمِ اللَّغْوِ ؛ وَإِذَا أَرَادَ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ يُلْحِقَ قَوْلَهُ : حَرَّمْت عَلَى نَفْسِي الْأَكْلَ ، بِقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ لَا أَكَلْت ، تَبَيَّنَ لَكُمْ نُقْصَانُ هَذَا الْإِلْحَاقِ وَفَسَادُهُ ؛ لِأَنَّهُ بِالْيَمِينِ حَرَّمَ وَأَكَّدَ التَّحْرِيمَ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى ، وَإِذَا قَالَ : حَرَّمْت عَلَى نَفْسِي الْأَكْلَ ، فَتَحْرِيمُهُ وَحْدَهُ دُونَ ذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى كَيْفَ يَلْحَقُ بِالتَّحْرِيمِ الْمَقْرُونِ بِذِكْرِ اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ إسْقَاطِهِ هَذَا الْإِلْحَاقَ ؟ لَا يَخْفَى تَهَاتُرُهُ عَلَى أَحَدٍ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : رَوَى نَافِعٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : إذَا لَمْ يُؤَكِّدْ الْيَمِينَ أَطْعَمَ عَشَرَةَ مَسَاكِينَ ، وَإِذَا أَكَّدَهَا أَعْتَقَ رَقَبَةً .
قِيلَ لِنَافِعٍ : مَا التَّأْكِيدُ ؟ قَالَ : أَنْ تَحْلِفَ عَلَى الشَّيْءِ مِرَارًا ؛ وَهَذَا تَحَكُّمٌ لَا يَشْهَدُ لَهُ شَيْءٌ مِنْ الْأَثَرِ وَلَا مِنْ النَّظَرِ .

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : إذَا انْعَقَدَتْ الْيَمِينُ كَمَا قَدَّمْنَا حَلَّتْهَا الْكَفَّارَةُ أَوْ الِاسْتِثْنَاءُ ، وَكِلَاهُمَا رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ .
فَأَمَّا الِاسْتِثْنَاءُ فَقَالَ الْعُلَمَاءُ : إنَّهُ يَكُونُ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ وَاخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يَكُونُ مُتَّصِلًا بِالْيَمِينِ نَسْقًا عَلَيْهَا لَا يَكُونُ مُتَرَاخِيًا عَنْهَا .
الثَّانِي : قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ : يَكُونُ مُقْتَرِنًا بِالْيَمِينِ اعْتِقَادًا أَوْ بِآخِرِ حَرْفٍ مِنْهَا ، فَإِنْ بَدَا لَهُ بَعْدَ الْفَرَاغِ مِنْهَا فَاسْتَثْنَى لَمْ يَنْفَعْهُ ذَلِكَ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ يُدْرِكُ الْيَمِينَ الِاسْتِثْنَاءَ [ وَلَوْ ] بَعْدَ سَنَةٍ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَتَعَلَّقَ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاَلَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إلَهًا آخَرَ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ إلَى قَوْلِهِ : { مُهَانًا } فَإِنَّهَا نَزَلَتْ ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ عَامٍ نَزَلَ قَوْله تَعَالَى : { إلَّا مَنْ تَابَ } .
وَأَمَّا قَوْلُ مُحَمَّدٍ فَإِنَّهُ يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الِاسْتِثْنَاءَ هَلْ يَحِلُّ الْيَمِينَ بَعْدَ عَقْدِهَا [ أَوْ يَمْنَعُهَا مِنْ الِانْعِقَادِ ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْضُوعٌ لِحِلِّ الْيَمِينِ ] ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنِّي وَاَللَّهِ إنْ شَاءَ اللَّهَ } [ فَجَاءَ ] فِيهَا بِالِاسْتِثْنَاءِ بَعْدَ الْيَمِينِ لَفْظًا فَكَذَلِكَ يَكُونُ عَقْدًا .
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَخَارِجٌ عَنْ اللُّغَةِ .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { إلَّا مَنْ تَابَ } فَإِنَّ الْآيَتَيْنِ كَانَتَا مُتَّصِلَتَيْنِ فِي عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَفِي لَوْحِهِ ؛ وَإِنَّمَا تَأَخَّرَ نُزُولُهَا لِحِكْمَةِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى ذَلِكَ فِيهَا ، فَلَا يَتَعَلَّقُ بِهَا ؛ أَمَّا إنَّهُ يَتَرَكَّبُ عَلَيْهَا فَرْعٌ حَسَنٌ ، وَهُوَ أَنَّ الْحَالِفَ إذَا قَالَ : وَاَللَّهِ لَا دَخَلْت الدَّارَ ، أَوْ أَنْتِ طَالِقٌ إنْ دَخَلْت الدَّارَ ، وَاسْتَثْنَى فِي يَمِينِهِ الْأَوَّلِ إنْ شَاءَ اللَّهُ فِي قَلْبِهِ ، وَاسْتَثْنَى فِي الْيَمِينِ الثَّانِيَةِ فِي قَلْبِهِ أَيْضًا مَا يَصْلُحُ لِلِاسْتِثْنَاءِ

الَّذِي يَرْفَعُ الْيَمِينَ لِمُدَّةٍ وَلِسَبَبٍ أَوْ لِمَشِيئَةِ أَحَدٍ ، وَلَمْ يُظْهِرْ شَيْئًا مِنْ الِاسْتِثْنَاءِ إرْهَابًا عَلَى الْمَحْلُوفِ لَهُ ، فَإِنَّ ذَلِكَ يَنْفَعُهُ وَلَا يَنْعَقِدُ الْيَمِينَانِ عَلَيْهِ وَهَذَا فِي الطَّلَاق مَا لَمْ تَحْضُرْهُ الْبَيِّنَةُ ، فَإِنْ حَضَرَتْهُ بَيِّنَةٌ لَمْ يُقْبَلْ مِنْهُ دَعْوَاهُ ، لِئَلَّا يَكُونَ نَدَمًا .
وَقَدْ تَيَقَّنَّا التَّحْرِيمَ بِوُقُوعِ الطَّلَاقِ ، فَلَا يَنْفَعُهُ دَعْوَاهُ الِاسْتِثْنَاءَ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ نَافِعًا لَهُ وَحْدَهِ إذَا جَاءَ مُسْتَفْتِيًا .
نُكْتَةٌ : كَانَ أَبُو الْفَضْلِ الْمَرَاغِيُّ يَقْرَأُ بِمَدِينَةِ السَّلَامِ ، فَكَانَتْ الْكُتُبُ تَأْتِي إلَيْهِ مِنْ بَلَدِهِ ، فَيَضَعُهَا فِي صُنْدُوقٍ ، وَلَا يَقْرَأُ مِنْهَا وَاحِدًا مَخَافَةَ أَنْ يَطَّلِعَ فِيهَا عَلَى مَا يُزْعِجُهُ أَوْ يَقْطَعُ بِهِ عَنْ طَلَبِهِ ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدَ خَمْسَةِ أَعْوَامٍ ، وَقَضَى غَرَضًا مِنْ الطَّلَبِ ، وَعَزَمَ عَلَى الرَّحِيلِ شَدَّ رَحْلَهُ ، وَأَبْرَزَ كُتُبَهُ ، وَأَخْرَجَ تِلْكَ الرَّسَائِلِ وَقَرَأَ مِنْهَا مَا لَوْ أَنَّ وَاحِدَةً مِنْهَا قَرَأَهَا فِي وَقْتِ وُصُولِهَا مَا تَمَكَّنَ بَعْدَهَا مِنْ تَحْصِيلِ حَرْفٍ مِنْ الْعِلْمِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ تَعَالَى ، وَرَحَّلَ عَلَى دَابَّتِهِ قاشه ، وَخَرَجَ إلَى بَابِ الْحَلْبَةِ طَرِيقِ خُرَاسَانَ ، وَتَقَدَّمَهُ الْكَرِيُّ بِالدَّابَّةِ ، وَأَقَامَ هُوَ عَلَى فَامِيٍّ يَبْتَاعُ مِنْهُ سُفْرَتَهُ ؛ فَبَيْنَمَا هُوَ يُحَاوِلُ ذَلِكَ مَعَهُ إذْ سَمِعَهُ يَقُولُ لِفَامِيٍّ آخَرَ : أَيْ فُلَ ، أَمَا سَمِعْت الْعَالِمَ يَقُولُ يَعْنِي الْوَاعِظَ : إنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ يُجَوِّزُ الِاسْتِثْنَاءَ وَلَوْ بَعْدَ سَنَةٍ ، لَقَدْ اشْتَغَلَ بَالِي بِذَلِكَ مِنْهُ مُنْذُ سَمِعْته يَقُولُهُ : وَظَلَلْتُ فِيهِ مُتَفَكِّرًا ؛ وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ صَحِيحًا لَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِأَيُّوبَ : { وَخُذْ بِيَدِك ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَثْ } .
وَمَا الَّذِي كَانَ يَمْنَعُهُ مِنْ أَنْ يَقُولَ حِينَئِذٍ : قُلْ إنْ شَاءَ اللَّهُ ؟ فَلَمَّا سَمِعْته يَقُولُ ذَلِكَ قُلْت : بَلَدٌ يَكُونُ الْفَامِيُّونَ بِهِ مِنْ الْعِلْمِ فِي هَذِهِ

الْمَرْتَبَةِ أَخْرُجُ عَنْهُ إلَى الْمَرَاغَةِ ؟ لَا أَفْعَلُهُ أَبَدًا ؛ وَاقْتَفَى أَثَرَ الْكَرِيِّ ، وَحَلَّلَهُ مِنْ الْكِرَاءِ ، وَصَرَفَ رَحْلَهُ .
وَأَقَامَ بِهَا حَتَّى مَاتَ رَحِمَهُ اللَّهُ .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : فِي الْأَفْضَلِ : مِنْ اسْتِمْرَارِ الْبِرِّ فِي الْيَمِينِ أَوْ الْحِنْثِ إلَى الْكَفَّارَةِ : فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ : { لَأَنْ يَلِجَ أَحَدُكُمْ بِيَمِينِهِ فِي أَهْلِهِ آثَمُ لَهُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَنْ يُعْطِيَ عَنْهَا كَفَّارَتَهُ الَّتِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِ } .
وَذَلِكَ يَخْتَلِفُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِ حَالِ الْمَحْلُوفِ عَلَيْهِ ؛ فَإِنْ حَلَفَ أَلَّا يَأْتِيَ أَمْرًا لَا يَجُوزُ فَالْبِرُّ وَاجِبٌ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فِي الصَّحِيحَيْنِ حِينَ { نَبَذَ خَاتَمَ الذَّهَبِ مِنْ يَدِهِ وَقَالَ : وَاَللَّهِ لَا أَلْبَسُهُ أَبَدًا } .
وَنَبَذَ النَّاسُ خَوَاتِيمَهُمْ .
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى مَكْرُوهٍ فَالْبِرُّ مَكْرُوهٌ .
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى وَاجِبٍ عَصَى وَالْحِنْثُ وَاجِبٌ .
وَإِنْ حَلَفَ عَلَى مُبَاحٍ فَإِنَّهُ يَجِبُ النَّظَرُ إلَيْهِ : فَإِنْ كَانَ تَرْكُهُ مُضِرًّا وَجَبَ عَلَيْهِ الْحِنْثُ .
وَإِنْ كَانَ فِي فِعْلِهِ مَنْفَعَةٌ اُسْتُحِبَّ لَهُ الْحِنْثُ .
وَفِيهِ جَاءَ قَوْلُهُ : { لَأَنْ يَلِجَّ أَحَدُكُمْ فِي أَهْلِهِ بِيَمِينِهِ } إلَى آخِرِهِ حَسْبَمَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيحَيْنِ : .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : فِي تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ عَلَى الْحِنْثِ : لِعُلَمَائِنَا رِوَايَتَانِ : إحْدَاهُمَا يَجُوزُ ذَلِكَ لَهُ ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى : لَا يَجُوزُ ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ .
وَالْمَسْأَلَةُ طَوِيلَةٌ قَدْ أَفَضْنَا فِيهَا عِنْدَ ذِكْرِنَا مَسَائِلَ الْخِلَافِ بِالتَّحْقِيقِ الْكَامِلِ ، وَهَا هُنَا مَا يَحْتَمِلُ بَعْضَ ذَلِكَ ، فَنَذْكُرُ مِنْهُ مَا يَتَعَلَّقُ بِظَاهِرِ الْقُرْآنِ : قَالَ رَبُّنَا سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ } ، فَعَلَّقَ الْكَفَّارَةَ عَلَى سَبَبٍ ، وَهُوَ الْحَلِفُ .
وَقَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ مِنَّا وَمِنْهُمْ : مَعْنَاهُ إذَا حَلَفْتُمْ وَحَنِثْتُمْ ؛ لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ إنَّمَا هِيَ لِرَفْعِ الْإِثْمِ ، وَمَا لَمْ يَحْنَثْ لَمْ يَكُنْ هُنَالِكَ مَا يُرْفَعُ ، فَلَا مَعْنَى لِفِعْلِهَا ، لِأَنَّ الْكَفَّارَةَ لَا تَرْفَعُ الْمُسْتَقْبَلَ ، وَإِنَّمَا تَرْفَعُ الْمَاضِيَ مِنْ الْإِثْمِ ، فَهَذَا الَّذِي يَقْتَضِيه ظَاهِرُ قَوْلِنَا : الْكَفَّارَةُ ، وَهُوَ الَّذِي أَوْجَبَ أَنْ تُقَدَّرُ الْآيَةُ بِقَوْلِهِ : ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ وَحَنِثْتُمْ .
وَتَعَلَّقَ الَّذِينَ جَوَّزُوا التَّقْدِيمَ بِأَنَّ الْيَمِينَ سَبَبُ الْكَفَّارَةِ ، وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ } فَأَضَافَ الْكَفَّارَةَ إلَى الْيَمِينِ .
وَالْمَعَانِي تُضَافُ إلَى أَسْبَابِهَا وَأَكَّدُوا ذَلِكَ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْحِنْثَ قَدْ يَكُونُ مِنْ غَيْرِ فِعْلِهِ ، كَقَوْلِهِ : وَاَللَّهِ لَا جَاءَ فُلَانٌ غَدًا مِنْ سَفَرِهِ ، وَلَا طَلَعَتْ الشَّمْسُ غَدًا .
الثَّانِي : أَنَّ شُهُودَ الْيَمِينِ بِالطَّلَاقِ عَلَى الزَّوْجِ إذَا رَجَعُوا وَجَبَ عَلَيْهِمْ الصَّدَاقُ ، وَلَوْلَا كَوْنُ الْيَمِينِ سَبَبًا مَا ضَمِنُوا مَا لَا تَعَلُّقَ بِهِ بِالتَّفْوِيتِ ؛ لِأَنَّ التَّفْوِيتَ عَلَى قَوْلِهِمْ إنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِالسَّبَبِ الَّذِي هُوَ الْحِنْثُ لَا بِالْيَمِينِ .
وَتَعَيَّنَ عَلَيْنَا أَنْ نَنْظُرَ فِي حَدِيثِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ الَّذِي هُوَ آكَدُ مِنْ النَّظَرِ فِي الْأَدَاءِ ؛ لِأَنَّهُ أَوْلَى ، وَهِيَ الْمَحِلُّ الثَّانِي ، فَوَجَدْنَا الْآثَارَ فِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ مُخْتَلِفَةً فِي ذَلِكَ : رَوَى أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ، وَعَدِيُّ بْنُ حَاتِمٍ ، وَسَمُرَةُ بْنُ جُنْدُبٍ قَالَ أَبُو مُوسَى : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَإِنِّي إنْ شَاءَ اللَّهُ لَا أَحْلِفُ عَلَى يَمِينٍ ، فَأَرَى غَيْرَهَا خَيْرًا مِنْهَا إلَّا كَفَّرْت عَنْ يَمِينِي ، وَأَتَيْت الَّذِي هُوَ خَيْرٌ } .
وَقَدْ رُوِيَ لَنَا { فَلِيَأْتِهَا وَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { فَلْيُكَفِّرْ عَنْ يَمِينِهِ وَلْيَفْعَلْ } .
قَالَ عَدِيٌّ : فَلْيُكَفِّرْهَا وَلِيَأْتِ الَّذِي هُوَ خَيْرٌ ؛ فَوَجَبَ التَّرْجِيحُ ، فَكَانَ تَقْدِيمُ الْحِنْثِ أَوْلَى ؛ لِأَنَّا إذَا رَدَدْنَا حَدِيثَ تَقْدِيمِ الْحِنْثِ إلَى حَدِيثِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ يُسْقِطُهُ ، وَرَدُّ حَدِيثِ تَقْدِيمِ الْكَفَّارَةِ إلَى تَقْدِيمِ الْحِنْثِ يُثْبِتُهُمَا جَمِيعًا .
وَأَمَّا الْمَعَانِي فَهِيَ مُتَعَارِضَةٌ ، فَمَنْ أَرَادَ التَّلْخِيصَ مِنْهَا فَلْيَنْظُرْهَا فِي التَّلْخِيصِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : ذَكَرَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ فِي الْكِتَابِ الْخِلَالَ الثَّلَاثَ مُخَيِّرًا فِيهَا ، وَعَقَّبَ عِنْدَ عَدَمِهَا بِالصِّيَامِ فَالْخُلَّةُ الْأُولَى هِيَ الْإِطْعَامُ ، وَبَدَأَ بِهَا لِأَنَّهَا كَانَتْ الْأَفْضَلَ فِي بِلَادِ الْحِجَازِ لِغَلَبَةِ الْحَاجَةِ فِيهَا عَلَى الْخَلْقِ ، وَعَدَمِ شِبَعِهِمْ .
وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ كَفَّارَةَ الْيَمِينِ عَلَى التَّخْيِيرِ ؛ وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي الْأَفْضَلِ مِنْ خِلَالِهَا .
وَعِنْدِي أَنَّهَا تَكُونُ بِحَسَبِ الْحَالِ ؛ فَإِنْ عَلِمْت مُحْتَاجًا فَالْإِطْعَامُ أَفْضَلُ ؛ لِأَنَّك إذَا أَعْتَقْت لَمْ تَرْفَعْ حَاجَتَهُمْ وَزِدْت مُحْتَاجًا حَادِيَ عَشَرَ إلَيْهِمْ ، وَكَذَلِكَ الْكِسْوَةُ تَلِيه ، وَلَمَّا عَلِمَ اللَّهُ [ غَلَبَةَ ] الْحَاجَةِ بَدَأَ بِالْمُهِمِّ الْمُقَدَّمِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } وَقَوْلُهُ : { تُطْعِمُونَ } يَحْتَمِلُ طَعَامَهُمْ بَقِيَّةَ عُمْرِهِمْ ، وَيَحْتَمِلُ غَدَاءً وَعَشَاءً ؛ وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَكْلَةِ الْيَوْمِ وَسَطًا فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ وَشِبَعًا فِي غَيْرِهَا ، إلَّا أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ قَالَ : تَتَقَدَّرُ كَفَّارَةُ الْيَمِينِ فِي الْبُرِّ بِنِصْفِ صَاعٍ ، وَفِي التَّمْرِ وَالشَّعِيرِ بِصَاعٍ .
وَأَصْلُ الْكَلَامِ فِي الْمَسْأَلَةِ أَنَّ الْوَسَطَ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ يَنْطَلِقُ عَلَى الْأَعْلَى وَالْخِيَارِ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا } أَيْ عُدُولًا خِيَارًا .
وَيَنْطَلِقُ عَلَى مَنْزِلَةٍ بَيْنَ مَنْزِلَتَيْنِ ، وَنِصْفًا بَيْنَ طَرَفَيْنِ ، وَإِلَيْهِ يُعْزَى الْمِثْلُ الْمَضْرُوبُ : " خَيْرُ الْأُمُورِ أَوْسَاطُهَا " .
وَقَدْ أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى أَنَّ الْوَسَطَ بِمَعْنَى الْخِيَارِ هَاهُنَا مَتْرُوكٌ ، وَاتَّفَقُوا عَلَى أَنَّهُ الْمَنْزِلَةُ بَيْنَ الطَّرَفَيْنِ ، فَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَهَا مَعْلُومَةً عَادَةً ، وَمِنْهُ مَنْ قَدَّرَهَا كَأَبِي حَنِيفَةَ ، وَإِنَّمَا حَمَلَهُ عَلَى ذَلِكَ حَدِيثٌ رَوَاهُ أَبُو دَاوُد عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ ثَعْلَبَةَ بْنِ صَغِيرٍ قَالَ : { قَامَ

فِينَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَطِيبًا ، فَأَمَرَ بِصَدَقَةِ الْفِطْرِ ، صَاعٍ مِنْ تَمْرٍ ، أَوْ صَاعٍ مِنْ شَعِيرٍ عَلَى كُلِّ رَأْسٍ ، أَوْ صَاعِ بُرٍّ بَيْنَ اثْنَيْنِ } ، وَبِهِ أَخَذَ سُفْيَانُ وَابْنُ الْمُبَارَكِ .
وَاَلَّذِي ثَبَتَ فِي الصِّحَاحِ صَاعٌ مِنْ الْكُلِّ مِنْ طَرِيقِ ابْنِ عُمَرَ وَأَبِي سَعِيدٍ ؛ وَذَلِكَ كُلُّهُ مَشْهُورٌ .
وَاَلَّذِي أَوْقَعَهُ فِي ذَلِكَ أَنَّهُ أَرَادَ بِهِ الْوَسَطُ مِنْ الْجِنْسِ ، وَذَلِكَ بَاطِلٌ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } وَإِنَّمَا يُخْرِجُ الرَّجُلُ مِمَّا يَأْكُلُ .
وَقَدْ زَلَّتْ هَاهُنَا جُمْلَةٌ مِنْ الْعُلَمَاءِ ؛ فَقَالُوا : إنَّهُ إذَا كَانَ يَأْكُلُ الشَّعِيرَ وَيَأْكُلُ النَّاسُ الْبُرَّ فَلْيُخْرِجْ مِمَّا يَأْكُلُ النَّاسُ ، وَهَذَا سَهْوٌ بَيِّنٌ ، فَإِنَّ الْمُكَفِّرَ إذَا لَمْ يَسْتَطِعْ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ إلَّا الشَّعِيرَ لَمْ يُكَلَّفْ أَنْ يُعْطِيَ لِغَيْرِهِ سِوَاهُ .
وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَاعًا مِنْ طَعَامٍ ، صَاعًا مِنْ شَعِيرٍ ، صَاعًا مِنْ تَمْرٍ } .
فِي مَوْضِعٍ كَانَ فِيهِ الشَّعِيرُ وَالتَّمْرُ أَكْثَرَ مِنْ الْبُرِّ ، وَالْبُرُّ أَكْثَرَ مِنْ الشَّعِيرِ وَالتَّمْرِ ، فَإِنَّمَا فَصَّلَ ذِكْرَهُمَا لِيُخْرِجَ كُلُّ أَحَدٍ فَرْضَهُ مِمَّا يَأْكُلُ مِنْهَا ، وَهَذَا مِمَّا لَا خَفَاءَ بِهِ .
وَنَحْنُ نَقُولُ : أَرَادَ بِهِ الْجِنْسَ وَالْقَدْرَ جَمِيعًا ، وَذَلِكَ مُدٌّ بِمُدِّ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ الْعَدْلُ مِنْ الْقَدْرِ .
وَقَدْ بَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي كَفَّارَةِ الْأَذَى فَرَقًا بَيْنَ سِتَّةِ مَسَاكِينَ .
وَالْفَرَقُ ثَلَاثَةُ آصُعٍ مُجْمَلُ قَوْلِهِ : صَدَقَةٌ ، وَلَمْ يُجْمِلْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ ، بَلْ قَالَ { مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ } ، وَقَدْ كَانَ عِنْدَهُمْ جِنْسُ مَا يُطْعِمُونَ وَقَدْرُهُ مَعْلُومًا ، وَوَسَطُ الْقَدْرِ مُدٌّ ، وَأَطْلَقَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ فَقَالَ : { فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .
فَحُمِلَ عَلَى الْأَكْثَرِ ، وَهَذِهِ سَبِيلُ مَهْيَعٌ

، وَلَمْ يُرَدَّ مُطْلَقُ ذَلِكَ إلَى مُقَيَّدِهِ ، وَلَا عَامُّهُ إلَى خَاصِّهِ ، وَلَا مُجْمَلُهُ إلَى مُفَسَّرِهِ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : لَا بُدَّ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ مِنْ تَمْلِيكِ الْمَسَاكِينِ مَا يَخْرُجُ لَهُمْ ، وَدَفْعِهِ إلَيْهِمْ حَتَّى يَتَمَلَّكُوهُ وَيَتَصَرَّفُوا فِيهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَوْ غَدَّاهُمْ وَعَشَّاهُمْ جَازَ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ مِثْلُهُ .
وَهُوَ اخْتِيَارُ ابْنِ الْمَاجِشُونِ ؛ وَهِيَ طُيُولِيَةٌ تَكَلَّمْنَا عَلَيْهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَحَقِيقَةُ الْمَسْأَلَةِ أَنَّ عَبْدَ الْمَلِكِ قَالَ : إنَّ التَّمْكِينَ مِنْ الطَّعَامِ إطْعَامٌ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِينًا وَيَتِيمًا وَأَسِيرًا } .
فَبِأَيِّ وَجْهٍ أَطْعَمَهُ دَخَلَ فِي الْآيَةِ .
وَأَمَّا غَيْرُهُ فَقَالَ : إنَّ الْإِطْعَامَ هُوَ التَّمْلِيكُ حَقِيقَةً قَالَ تَعَالَى : { وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ } .
وَفِي الْحَدِيثِ : { أَطْعَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْجَدَّةَ السُّدُسَ } ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ ( أَطْعَمَ ) مِنْ الْأَفْعَالِ الْمُتَعَدِّيَةِ إلَى مَفْعُولَيْنِ ، كَقَوْلِنَا أَعْطَيْته ، فَيَقُولُ : طَعِمَ زَيْدٌ ، وَأَطْعَمْته أَيْ جَعَلْته يَطْعَمُ ، وَحَقِيقَتُهُ بِالتَّمْلِيكِ هَذِهِ بِنِيَّةِ النَّظَرِ لِلْفَرِيقَيْنِ .
وَتَحْرِيرُهُ : أَنَّ الْآيَةَ مُحْتَمِلَةٌ لِلْوَجْهَيْنِ ، فَمَنْ يَدَّعِي التَّمْلِيكَ هُوَ الَّذِي يُخَصِّصُ الْعُمُومَ فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ ، وَنَخُصُّهُ نَحْنُ بِالْقِيَاسِ حَمْلًا عَلَى زَكَاةِ الْفِطْرِ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَغْنُوهُمْ عَنْ سُؤَالِ هَذَا الْيَوْمِ } .
فَلَمْ يَجُزْ فِيهِ إلَّا التَّمْلِيكُ .
وَهَذَا بَالِغٌ ، وَلَا سِيَّمَا وَالْمَقْصُودُ مِنْ الْإِطْعَامِ التَّمْلِيكُ التَّامُّ الَّذِي يَتَمَكَّنُ مِنْهُ الْمِسْكِينُ مِنْ الطَّعَامِ تَمَكُّنَ الْمَالِكِ ، كَالْكِسْوَةِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهَا أَحَدُ نَوْعَيْ الْكَفَّارَةِ الْمَدْفُوعَةِ إلَى الْمِسْكِينِ ، فَلَمْ يَجُزْ فِيهَا إلَّا التَّمْلِيكُ ، أَصْلُهُ الْكِسْوَةُ وَمَا أَقْرَبُ مَا بَيْنَهُمَا .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : إذَا دَفَعَهَا إلَى مِسْكِينٍ وَاحِدٍ لَمْ يُجْزِهِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُجْزِيهِ ، وَكَذَلِكَ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ ، وَتَعَلَّقَ بِالْآيَةِ وَهِيَ عَكْسُ الْأُولَى ؛ لِأَنَّ الْعُمُومَ مَعَهُمْ ، وَنَحْنُ نَفْتَقِرُ إلَى تَخْصِيصِهِ بِالْقِيَاسِ ، وَمَعَنَا نَحْنُ ظَاهِرُ الْعَدَدِ وَذِكْرُهُ وَهُمْ يُحَاوِلُونَ إسْقَاطَهُ بِالْمَعْنَى .
وَتَحْرِيرُهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ : { فَإِطْعَامُ سِتِّينَ مِسْكِينًا } .
فَذَكَرَ الْإِطْعَامَ وَالْمَطْعُومَ فَتَعَيَّنَا .
فَإِنْ قِيلَ : أَرَادَ فَعَلَيْهِ إطْعَامُ طَعَامَ سِتِّينَ مِسْكِينًا .
قُلْنَا : الْإِطْعَامُ مَصْدَرٌ ، وَالْمَصْدَرُ مُقَدَّرٌ مَعَ الْفِعْلِ ، كَمَا سَبَقَ فِي التَّحْرِيرِ وَالصِّيَامِ ، وَكَذَلِكَ هُنَا ، وَمَا قَالُوهُ مِنْ أَنَّ مَعْنَاهُ : فَعَلَيْهِ إطْعَامُ طَعَامِ سِتِّينَ مِسْكِينًا ، كَلَامُ مَنْ لَا خِبْرَةَ لَهُ بِاللِّسَانِ ؛ فَإِنَّ الْإِطْعَامَ يَتَعَدَّى إلَى مَفْعُولَيْنِ ، وَلَا يَنْتَظِمُ مِنْهُمَا مُبْتَدَأٌ وَخَبَرٌ ، بِخِلَافِ مَفْعُولَيْ ظَنَنْت ، وَمَا كَانَ كَذَلِكَ فَيَجُوزُ فِيهِ الِاقْتِصَارُ عَلَى أَحَدِهِمَا ، وَلَا يَجُوزُ فِي مَفْعُولَيْ ظَنَنْت أَنْ يَقْتَصِرَ عَلَى أَحَدِهِمَا أَصْلًا ، فَإِنْ صَرَّحَ بِأَحَدِهِمَا وَتَرَكَ الْآخَرَ فَهُوَ مُضْمَرٌ ؛ فَأَمَّا أَنْ يُقَدِّرَ مَا أَضْمَرَ وَيُسْقِطَ مَا صَرَّحَ فَكَلَامٌ غَبِيٌّ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ كِسْوَتُهُمْ } قَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : أَقَلُّ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ ، وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : أَقَلُّ مَا تُجْزِئُ فِيهِ الصَّلَاةُ .
وَفِي رِوَايَةِ أَبِي الْفَرَجِ عَنْ مَالِكٍ ، وَبِهِ قَالَ إبْرَاهِيمُ وَمُغِيرَةُ : مَا يَسْتُرُ جَمِيعَ الْبَدَنِ بِنَاءً عَلَى أَنَّ الصَّلَاةَ لَا تُجْزِئُ فِي أَقَلَّ مِنْ ذَلِكَ .
وَلَعَلَّ قَوْلَ الْمُخَالِفِ مَا يَقَعُ عَلَيْهِ الِاسْمُ يُمَاثِلُ مَا تُجْزِئُ فِيهِ الصَّلَاةُ ؛ فَإِنَّ مِئْزَرًا وَاحِدًا تُجْزِئُ فِيهِ الصَّلَاةُ ، وَيَقَعُ بِهِ الِاسْمُ عِنْدَهُمْ عَلَى الْأَقَلِّ .
وَمَا كَانَ أَحَرَصَنِي عَلَى أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ لَا يُجْزِئُ فِيهِ إلَّا كِسْوَةٌ تَسْتُرُ عَنْ أَذَى الْحَرِّ وَالْبَرْدِ ، كَمَا أَنَّ عَلَيْهِ طَعَامًا يُشْبِعُهُ مِنْ الْجُوعِ فَأَقُولُ بِهِ .
وَأَمَّا الْقَوْلُ بِمِئْزَرٍ وَاحِدٍ فَلَا أَدْرِيه ، وَاَللَّهُ يَفْتَحُ لِي وَلَكُمْ فِي الْمَعْرِفَةِ بِمَعُونَتِهِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : لَا تُجْزِئُ الْقِيمَةُ عَنْ الطَّعَامِ وَالْكِسْوَةِ .
وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تُجْزِئُ ، وَهُوَ يَقُولُ : تُجْزِئُ الْقِيمَةُ فِي الزَّكَاةِ ، فَكَيْفَ فِي الْكَفَّارَةِ ؟ وَعُمْدَتُهُ أَنَّ الْغَرَضَ سَدُّ الْخُلَّةِ ، وَرَفْعُ الْحَاجَةِ ، فَالْقِيمَةُ تُجْزِئُ فِيهِ .
قُلْنَا : إنْ نَظَرْتُمْ إلَى سَدِّ الْخُلَّةِ فَأَيْنَ الْعِبَادَةُ ؟ وَأَيْنَ نَصُّ الْقُرْآنِ عَلَى الْأَعْيَانِ الثَّلَاثَةِ وَالِانْتِقَالُ بِالْبَيَانِ مِنْ نَوْعٍ إلَى نَوْعٍ ؛ وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ الْقِيمَةَ لَكَانَ فِي ذِكْرِ نَوْعٍ وَاحِدٍ مَا يُرْشِدُ إلَيْهِ وَيُغْنِي عَنْ ذِكْرِ غَيْرِهِ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : إذَا دَفَعَ الْكِسْوَةَ إلَى ذِمِّيٍّ أَوْ الطَّعَامَ لَمْ يُجْزِهِ : وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يُجْزِئُ لِأَنَّهُ مِسْكِينٌ يَتَنَاوَلُهُ لَفْظُ الْمَسْكَنَةِ ، وَيَشْتَمِلُ عَلَيْهِ عُمُومُ الْآيَةِ ، فَعَلَيْنَا التَّخْصِيصُ ، فَتَخْصِيصُهُ بِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنْ نَقُولَ : هُوَ كَافِرٌ ، فَلَا يَسْتَحِقُّ فِي الْكَفَّارَةِ حَقًّا كَالْحَرْبِيِّ .
أَوْ نَقُولَ : جُزْءٌ مِنْ الْمَالِ يَجِبُ إخْرَاجُهُ لِلْمَسَاكِينِ ، فَلَا يَجُوزُ لِلْكَافِرِ ، أَصْلُهُ الزَّكَاةُ .
وَقَدْ اتَّفَقْنَا مَعَهُ عَلَى أَنَّهُ لَا يَجُوزُ دَفْعُهَا لِلْمُرْتَدِّ ، فَكُلُّ دَلِيلٍ خَصَّ بِهِ الْمُرْتَدَّ فَهُوَ دَلِيلُنَا فِي الذِّمِّيِّ .

الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَوْله تَعَالَى { أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ } : سَمِعْت ، عَنْ الْبَائِسِ أَنَّهُ قَالَ : يُجْزِئُ الْمَعِيبُ ، فَإِنْ أَرَادَ بِهِ الْعَيْبَ الْيَسِيرَ الَّذِي لَا يُفْسِدُ جَارِحَةً ، وَلَا مُعْظَمَ مَنْفَعَتِهَا ، كَثَلَاثَةِ أَصَابِعَ مِنْ كَفٍّ ، فَلَا بَأْسَ بِهِ .
وَإِنْ أَرَادَ الْعَيْبَ الْمُطْلَقَ فَقَدْ خَسِرَتْ صَفْقَتُهُ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا مِنْ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَعْتِقُ امْرَأً مُسْلِمًا إلَّا كَانَ فِكَاكُهُ مِنْ النَّارِ ، كُلُّ عُضْوٍ مِنْهُ بِعُضْوٍ حَتَّى الْفَرْجِ بِالْفَرْجِ } ؛ وَلِأَنَّا لَا نُسَلِّمُ أَنَّ الْمَعِيبَ رَقَبَةٌ مُطْلَقَةٌ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : وَلَا تَكُونُ كَافِرَةً ، وَإِنْ كَانَ مُطْلَقُ اللَّفْظِ يَقْتَضِيهَا ؛ لِأَنَّهَا قُرْبَةٌ وَاجِبَةٌ ، فَلَا يَكُونُ الْكَافِرُ مَحِلًّا لَهَا كَالزَّكَاةِ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي التَّلْخِيصِ ، وَهِيَ طُيُولِيَةٌ فَلْتُنْظَرْ هُنَاكَ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { فَمَنْ لَمْ يَجِدْ } الْمُعْدَمُ لِلْقُدْرَةِ عَلَى مَا ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ يَكُونُ لِوَجْهَيْنِ : إمَّا لِمَغِيبِ الْمَالِ عَنْ الْحَالِفِ ، أَوْ لِعَدَمِ ذَاتِ الْيَدِ ؛ فَإِنْ كَانَ لِمَغِيبِ الْمَالِ فَحَيْثُ كَانَ ثَاوِيًا كَانَ كَعَدَمِهِ ، وَإِنْ كَانَ فِي بَلَدٍ آخَرَ ، وَوَجَدَ مِنْ يُسَلِّفُهُ لَمْ يُجْزِهِ الصَّوْمُ ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُسَلِّفُهُ اُخْتُلِفَ فِيهِ فَقِيلَ : يَنْتَظِرُ إلَى بَلَدِهِ ، وَذَلِكَ لَا يَلْزَمُهُ ؛ بَلْ يُكَفِّرُ بِالصِّيَامِ فِي مَوْضِعِهِ ، وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَلْتَفِتَ إلَى غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْوُجُوبَ قَدْ تَقَرَّرَ فِي الذِّمَّةِ ، وَالشَّرْطُ مِنْ الْعَدَمِ قَدْ تَحَقَّقَ ، فَلَا وَجْهَ لِتَأْخِيرِ الْأَمْرِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : فِي تَحْدِيدِ الْعَدَمِ : قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : مَنْ لَمْ يَجِدْ : مَنْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ إلَّا ثَلَاثَةُ دَرَاهِمَ .
وَقَالَ الْحَسَنُ : دِرْهَمَانِ .
وَقِيلَ : مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ فَضْلٌ عَنْ رَأْسِ مَالِهِ الَّذِي يَعِيشُ مِنْهُ مَعَ عِيَالِهِ فَهُوَ الَّذِي لَمْ يَجِدْ .
وَقِيلَ : مَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ إلَّا قُوتُ يَوْمِهِ وَلَيْلَتِهِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيُّ ؛ فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ لَيْسَ لِوَاحِدٍ مِنْهَا دَلِيلٌ يَقُومُ عَلَيْهِ ، وَلَا سِيَّمَا مَنْ قَالَ بِدِرْهَمٍ وَدِرْهَمَيْنِ .
وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ إنْ لَمْ يَقْدِرْ أَطْعَمَ كُلَّ يَوْمٍ أَوْ كُلَّ جُمُعَةٍ مِسْكِينًا حَتَّى يُتِمَّ كَفَّارَتَهُ .
وَأَمَّا الْكِسْوَةُ فَلَا يُعْطِيهَا إلَّا مَنْ كَانَ لَهُ فَوْقَ قُوتِ سَنَةٍ .
وَأَمَّا الرَّقَبَةُ فَقَدْ تَفَطَّنَ مَالِكٌ لِلْحَقِّ ، فَقَالَ : إنَّ مَنْ لَمْ يَمْلِكْ إلَّا رَقَبَةً أَوْ دَارًا لَا فَضْلَ فِيهِمَا ؛ أَوْ عَرَضًا ثَمَنَ رَقَبَةٍ لَمْ يُجْزِهِ إلَّا الْعِتْقُ ، فَذَكَرَ الدَّارَ وَالْعَرَضَ وَالرَّقَبَةَ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ هُنَالِكَ رَمَقًا ، لَكِنْ لَمْ يَذْكُرْ مَا مَعَهُ غَيْرُهُمَا ، هَلْ يُعْتِقُ الرَّقَبَةَ الَّتِي كَانَتْ تُعَيِّشُهُ بِخَرَاجِهَا وَكَسْبِهَا أَمْ عِنْدَهُ فَضْلٌ غَيْرُهَا ؟

فَإِنْ كَانَتْ الرَّقَبَةُ هِيَ الَّتِي كَانَتْ تُعَيِّشُهُ بِخَرَاجِهَا فَلَا سَبِيلَ إلَى عِتْقِهَا .
وَبِالْجُمْلَةِ الْمُغْنِيَةِ عَنْ التَّفْصِيلِ ذَلِكَ عَلَى التَّرَاخِي ، وَلَيْسَ عَلَى الْفَوْرِ فَلْيَتَرَيَّثْ فِي ذَلِكَ حَتَّى يَفْتَحَ اللَّهُ لَهُ .
أَوْ يَغْلِبَ عَلَى ظَنِّهِ الْفَوْتُ أَوْ يُؤْثِرَ الْعِتْقَ ، أَوْ الْإِطْعَامَ بِسَبَبٍ يَدْعُوهُ إلَى ذَلِكَ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ } قَرَأَهَا ابْنُ مَسْعُودٍ وَأُبَيُّ مُتَتَابِعَاتٍ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : يُجْزِئُ التَّفْرِيقُ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، إذْ التَّتَابُعُ صِفَةٌ لَا تَجِبُ إلَّا بِنَصٍّ أَوْ قِيَاسٍ عَلَى مَنْصُوصٍ ، وَقَدْ عُدِمَا فِي مَسْأَلَتِنَا .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُعْطَى فِي الْكَفَّارَةِ الْخُبْزُ ، وَالْإِدَامُ زَيْتٌ أَوْ كِشْكٌ أَوْ كَامِخٌ أَوْ مَا تَيَسَّرَ ، وَهَذِهِ زِيَادَةٌ مَا أَرَاهَا عَلَيْهِ وَاجِبَةً .
أَمَّا إنَّهُ يُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ يُطْعِمَ مَعَ الْخُبْزِ السُّكَّرَ نَعَمْ وَاللَّحْمَ ، وَأَمَّا تَضْمِينُ الْإِدَامِ لِلطَّعَامِ مَعْنًى يَتَضَمَّنَهُ لَفْظُهُ فَلَا سَبِيلَ إلَيْهِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : بَدَأَ اللَّهُ فِي كَفَّارَةِ الْيَمِينِ بِالْأَهْوَنِ ؛ لِأَنَّهَا عَلَى التَّخْيِيرِ ، فَإِذَا شَاءَ انْتَقَلَ إلَى الْأَعْلَى وَهُوَ الْإِعْتَاقُ ، وَبَدَأَ فِي الظِّهَارِ بِالْأَشَدِّ ؛ لِأَنَّهُ عَلَى التَّرْتِيبِ ؛ فَإِنْ شَاءَ أَنْ يَنْتَقِلَ لَمْ يَقْدِرْ ، وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ لَهُ تَأْوِيلًا بِالْعِرَاقِ حَيْثُ الْبُرُّ ثَلَاثُمِائَةٍ رِطْلٍ بِدِينَارٍ إذَا طُلِبَ ، فَإِذَا زُهِدَ فِيهِ لَمْ يَكُنْ لَهُ ثَمَنٌ .
فَأَمَّا بِالْحِجَازِ حَيْثُ الْبُرُّ فِيهِ إذَا رَخُصَ أَرْبَعَةُ آصُعٍ وَخَمْسَةُ آصُعٍ بِدِينَارٍ فَإِنَّ الْعَبْدَ فِيهِ أَرْخَصُ ، وَالْحَاجَةَ إلَى الطَّعَامِ أَعْظَمُ ، فَقَدْ يُوجَدُ فِيهَا عَبْدٌ بِدِينَارٍ ، وَلَكِنْ يُخْرِجُهُ مِنْ الرِّقِّ إلَى الْجُوعِ ، وَيَتَفَادَى مِنْهُ سَيِّدَهُ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إذَا حَلَفْتُمْ } { وَاحْفَظُوا أَيْمَانَكُمْ } يَحْتَمِلُ ثَلَاثَةَ مَعَانٍ : الْأَوَّلُ : احْفَظُوهَا ، فَلَا تَحْلِفُوا فَتَتَوَجَّهُ عَلَيْكُمْ هَذِهِ التَّكْلِيفَاتُ .
الثَّانِي : احْفَظُوهَا إذَا حَنِثْتُمْ ؛ فَبَادِرُوا إلَى مَا لَزِمَكُمْ .
الثَّالِثُ : احْفَظُوهَا فَلَا تَحْنَثُوا ؛ وَهَذَا إنَّمَا يَصِحُّ إذَا كَانَ الْبُرُّ أَفْضَلَ أَوْ الْوَاجِبَ .
وَالْكُلُّ عَلَى هَذَا مِنْ الْحِفْظِ صَحِيحٌ عَلَى وَجْهِهِ الْمَذْكُورِ وَصِفَتِهِ الْمُنْقَسِمَةِ إلَيْهِ ، فَلْيُرَكَّبْ عَلَى ذَلِكَ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ أَنَّ عُمَرَ قَالَ : " اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا فَإِنَّهَا تُذْهِبُ الْعَقْلَ وَالْمَالَ " فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي الْبَقَرَةِ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ } .
فَدُعِيَ عُمَرُ ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : " اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا " فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الَّتِي فِي النِّسَاءِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ } ؛ فَدُعِيَ عُمَرُ ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : " اللَّهُمَّ بَيِّنْ لَنَا فِي الْخَمْرِ بَيَانًا شَافِيًا " فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ } إلَى قَوْلِهِ : { مُنْتَهُونَ } ؛ فَدُعِيَ عُمَرُ ، فَقُرِئَتْ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : " انْتَهَيْنَا .
انْتَهَيْنَا " .
وَرُوِيَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي مُلَاحَاةٍ جَرَتْ بَيْنَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ وَرَجُلٍ مِنْ الْأَنْصَارِ .
وَهُمَا عَلَى شَرَابٍ لَهُمَا ، وَقَدْ انْتَشَيَا ، فَتَفَاخَرَتْ الْأَنْصَارُ وَقُرَيْشٌ ، فَأَخَذَ الْأَنْصَارِيُّ لَحْيَيْ جَمَلٍ فَضَرَبَ بِهِ أَنْفَ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ فَفَزَرَهُ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ .
وَرُوِيَ أَنَّ ذَلِكَ الْأَنْصَارِيَّ كَانَ عِتْبَانُ بْنُ مَالِكٍ ، رَوَى ذَلِكَ الطَّبَرِيُّ وَالتِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُمَا .
وَهَذَا لَيْسَ بِمُتَعَارِضٍ ؛ لِأَنَّهُ يُمْكِنُ أَنْ يَجْرِيَ بَيْنَ سَعْدٍ وَبَيْنِ عِتْبَانَ مَا يُوجِبُ نُزُولَ الْآيَةِ كَمَا رَوَى الطَّبَرِيُّ ، فَيُدْعَى عُمَرُ فَتُقْرَأُ عَلَيْهِ ، كَمَا رَوَى التِّرْمِذِيُّ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَحْقِيقِ اسْمِ الْخَمْرِ وَالْأَنْصَابِ وَالْأَزْلَامِ : وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَصَدْرِ هَذِهِ السُّورَةِ .
وَأَمَّا الْمَيْسِرُ : فَهُوَ شَيْءٌ مُحَرَّمٌ لَا سَبِيلَ إلَى عَمَلِهِ ، فَلَا فَائِدَةَ فِي ذِكْرِهِ ؛ بَلْ يَنْبَغِي أَنْ يَمُوتَ ذِكْرُهُ وَيُمْحَى رَسْمُهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي قَوْله تَعَالَى : { رِجْسٌ } : وَهُوَ النَّجَسُ ، وَقَدْ رُوِيَ فِي صَحِيحِ حَدِيثِ الِاسْتِنْجَاءِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِحَجَرَيْنِ وَرَوْثَةٍ ، فَأَخَذَ الْحَجَرَيْنِ وَأَلْقَى الرَّوْثَةَ ، وَقَالَ : إنَّهَا رِكْسٌ } أَيْ نَجَسٌ .
وَلَا خِلَافَ فِي ذَلِكَ بَيْنَ النَّاسِ إلَّا مَا يُؤْثَرُ عَنْ رَبِيعَةَ أَنَّهُ قَالَ : إنَّهَا مُحَرَّمَةٌ ، وَهِيَ طَاهِرَةٌ ، كَالْحَرِيرِ عِنْدَ مَالِكٍ مُحَرَّمٌ ، مَعَ أَنَّهُ طَاهِرٌ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ ، الرِّجْسِ النَّجِسِ ، الْخَبِيثِ الْمُخْبِثِ } .
وَيُعَضِّدُ ذَلِكَ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى أَنَّ تَمَامَ تَحْرِيمِهَا وَكَمَالَ الرَّدْعِ عَنْهَا الْحُكْمُ بِنَجَاسَتِهَا حَتَّى يَتَقَذَّرَهَا الْعَبْدُ ، فَيَكُفُّ عَنْهَا ، قُرْبَانًا بِالنَّجَاسَةِ وَشُرْبًا بِالتَّحْرِيمِ ، فَالْحُكْمُ بِنَجَاسَتِهَا يُوجِبُ التَّحْرِيمَ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَاجْتَنِبُوهُ } يُرِيدُ أَبْعِدُوهُ ، وَاجْعَلُوهُ نَاحِيَةً ؛ وَهَذَا أَمْرٌ بِاجْتِنَابِهَا ، وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ لَا سِيَّمَا وَقَدْ عُلِّقَ بِهِ الْفَلَاحُ .

الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : نَزَلَتْ فِي قَبِيلَتَيْنِ مِنْ الْأَنْصَارِ شَرِبُوا الْخَمْرَ وَانْتَشَوْا ، فَعَبَثَ بَعْضُهُمْ بِبَعْضٍ ، فَلَمَّا صَحَوْا ، وَرَأَى بَعْضُهُمْ فِي وَجْهِ بَعْضٍ آثَارَ مَا فَعَلُوا ، وَكَانُوا إخْوَةً لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ ضَغَائِنُ ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقُولُ : لَوْ كَانَ أَخِي بِي رَحِيمًا مَا فَعَلَ هَذَا بِي ، فَحَدَثَتْ بَيْنَهُمْ الضَّغَائِنُ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { إنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمْ } الْآيَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنْ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } كَمَا فُعِلَ بِعَلِيٍّ ، وَرُوِيَ : بِعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ فِي الصَّلَاةِ حِينَ أَمَّ النَّاسَ ، فَقَرَأَ : قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ، أَنَا عَابِدٌ مَا عَبَدْتُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى { فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ } فَقَالَ عُمَرُ : انْتَهَيْنَا .
حِينَ عَلِمَ أَنَّ هَذَا وَعِيدٌ شَدِيدٌ ، { وَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُنَادِيَهُ أَنْ يُنَادِيَ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ : أَلَا إنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ ؛ فَكُسِرَتْ الدِّنَانُ ، وَأُرِيقَتْ الْخَمْرُ حَتَّى جَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ ، وَمَا كَانَ خَمْرُهُمْ يَوْمئِذٍ إلَّا مِنْ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ } ، وَهَذَا ثَابِتٌ صَحِيحٌ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَاحْذَرُوا } وَهَذَا تَأْكِيدٌ لِلتَّحْرِيمِ ، وَتَشْدِيدٌ فِي الْوَعِيدِ .
قَالَ : فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَلَيْسَ عَلَى الرَّسُولِ إلَّا الْبَلَاغُ ، فَاعْلَمُوا أَنَّمَا عَلَى رَسُولِنَا

الْبَلَاغُ الْمُبِينُ .
أَمَّا عِقَابُ التَّوْلِيَةِ وَالْمَعْصِيَةِ فَعَلَى الْمُرْسِلِ لَا عَلَى الرَّسُولِ .

الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا إذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا وَاَللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : كُنْت سَاقِيَ الْقَوْمِ فِي مَنْزِلِ أَبِي طَلْحَةَ ، فَنَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ ، فَأَمَرَ مُنَادِيًا يُنَادِي ؛ فَقَالَ أَبُو طَلْحَةَ : اُخْرُجْ فَانْظُرْ مَا هَذَا الصَّوْتُ ؛ قَالَ : فَخَرَجْت ، فَقُلْت : هَذَا مُنَادٍ يُنَادِي : أَلَا إنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ .
فَقَالَ لِي : اذْهَبْ فَأَهْرِقْهَا ، وَكَانَ الْخَمْرُ مِنْ الْفَضِيخِ .
قَالَ : فَجَرَتْ فِي سِكَكِ الْمَدِينَةِ .
فَقَالَ بَعْضُ الْقَوْمِ : قُتِلَ قَوْمٌ وَهِيَ فِي بُطُونِهِمْ .
قَالَ : فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } إلَى قَوْلِهِ : { الْمُحْسِنِينَ } .
وَقَدْ رُوِيَ نَحْوُهُ صَحِيحًا عَنْ الْبَرَاءِ أَيْضًا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ نَزَلَتْ الْآيَةُ فِيمَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ ، ثُمَّ قَالَ فِيهِ : إذَا مَا طَعِمُوا ؛ فَكَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى تَسْمِيَةِ الشُّرْبِ طَعَامًا ، وَقَدْ قَدَّمْنَا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إذَا مَا اتَّقَوْا وَآمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ } إلَى : { الْمُحْسِنِينَ } اُخْتُلِفَ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : اتَّقَوْا فِي اتِّبَاعِ الْأَمْرِ وَاجْتِنَابِ النَّهْيِ ، وَاتَّقَوْا فِي الثَّبَاتِ عَلَى ذَلِكَ ، وَاتَّقَوْا فِي لُزُومِ النَّوَافِلِ ؛ وَهُوَ الْإِحْسَانُ إلَى آخِرِ الْعُمْرِ .
الثَّانِي : اتَّقَوْا قَبْلَ التَّحْرِيمِ فِي غَيْرِهَا مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ ، ثُمَّ اتَّقَوْا بَعْدَ تَحْرِيمِهَا شُرْبَهَا ، ثُمَّ اتَّقَوْا فِي الَّذِي بَقِيَ مِنْ أَعْمَارِهِمْ ، فَاجْتَنَبُوا الْعَمَلَ الْمُحَرَّمَ .
الثَّالِثُ : اتَّقَوْا الشِّرْكَ ، وَآمَنُوا ، ثُمَّ اتَّقَوْا الْحَرَامَ ، ثُمَّ اتَّقَوْا تَرْكَ الْإِحْسَانِ ، فَيَعْبُدُونَ اللَّهَ ، وَإِنْ لَمْ يَرَوْهُ كَأَنَّهُمْ يَرَوْنَهُ .
وَقَدْ صُرِفَتْ فِيهَا أَقْوَالٌ عَلَى قَدْرِ وَظَائِفِ الشَّرِيعَةِ يَكْثُرُ تَعْدَادُهَا ، وَأَشْبَهُهَا بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ مَا رَوَاهُ الدَّارَقُطْنِيُّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ : أَنَّ الشُّرَّابَ كَانُوا يُضْرَبُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِالْأَيْدِي وَالنِّعَالِ وَبِالْعِصِيِّ حَتَّى تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانُوا فِي خِلَافَةِ أَبِي بَكْرٍ أَكْثَرَ مِنْهُمْ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ يَجْلِدُهُمْ أَرْبَعِينَ حَتَّى تُوُفِّيَ ، فَكَانَ عُمَرُ مِنْ بَعْدِهِ يَجْلِدُهُمْ كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ ، ثُمَّ أُتِيَ بِرَجُلٍ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ الْأَوَّلِينَ وَقَدْ شَرِبَ ، فَأَمَرَ بِهِ أَنْ يُجْلَدَ ، فَقَالَ : أَتَجْلِدُنِي ، بَيْنِي وَبَيْنَك كِتَابُ اللَّهِ " .
فَقَالَ عُمَرُ : " أَفِي كِتَابِ اللَّهِ تَجِدُ أَلَّا أَجْلِدَك ؟ " فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } الْآيَةَ ؛ فَأَنَا مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ، ثُمَّ اتَّقَوْا وَآمَنُوا ، ثُمَّ اتَّقَوْا وَأَحْسَنُوا ، شَهِدْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَدْرًا وَأُحُدًا

وَالْخَنْدَقَ وَالْمَشَاهِدَ كُلَّهَا .
فَقَالَ عُمَرُ : " أَلَا تَرُدُّونَ عَلَيْهِ مَا يَقُولُ " ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إنَّ هَذِهِ الْآيَاتِ أُنْزِلَتْ عُذْرًا لِمَنْ صَبَرَ وَحُجَّةً عَلَى النَّاسِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ } الْآيَةَ ، ثُمَّ قَرَأَ حَتَّى أَنْفَذَ الْآيَةَ الْأُخْرَى ؛ فَإِنْ كَانَ مِنْ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ نَهَاهُ أَنْ يَشْرَبَ الْخَمْرَ .
فَقَالَ عُمَرُ : " صَدَقْت ، مَاذَا تَرَوْنَ " ؟ فَقَالَ عَلِيٌّ : " إنَّهُ إذَا شَرِبَ سَكِرَ ، وَإِذَا سَكِرَ هَذَى ، وَإِذَا هَذَى افْتَرَى ، وَعَلَى الْمُفْتَرِي جَلْدُ ثَمَانِينَ " .
[ فَأَمَرَ بِهِ عُمَرُ فَجُلِدَ ثَمَانِينَ جَلْدَةً ] .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَيَّاشِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ قَالَ : اسْتَعْمَلَ عُمَرُ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ عَلَى الْبَحْرَيْنِ ، وَقَدْ كَانَ يَشْهَدُ بَدْرًا ، وَهُوَ خَالُ ابْنِ عُمَرَ وَحَفْصَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ زَادَ الْبَرْقَانِيُّ : فَقَدِمَ الْجَارُودُ مِنْ الْبَحْرَيْنِ ، فَقَالَ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّ قُدَامَةَ بْنَ مَظْعُونٍ قَدْ شَرِبَ مُسْكِرًا ، وَإِنِّي إذَا رَأَيْت حَدًّا مِنْ حُدُودِ اللَّهِ تَعَالَى حُقَّ عَلَيَّ أَنْ أَرْفَعَهُ إلَيْك .
فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : " مَنْ يَشْهَدُ لِي عَلَى مَا تَقُولُ ؟ " فَقَالَ : أَبُو هُرَيْرَةَ .
فَدَعَا عُمَرُ أَبَا هُرَيْرَةَ فَقَالَ : " عَلَامَ تَشْهَدُ يَا أَبَا هُرَيْرَةَ " ؟ فَقَالَ : " لَمْ أَرَهُ حِينَ شَرِبَ ، وَقَدْ رَأَيْته سَكْرَانَ يَقِيءُ " .
فَقَالَ عُمَرُ : " لَقَدْ تَنَطَّعْت فِي الشَّهَادَةِ " .
ثُمَّ كَتَبَ عُمَرَ إلَى قُدَامَةَ وَهُوَ بِالْبَحْرَيْنِ يَأْمُرُهُ بِالْقُدُومِ عَلَيْهِ .
فَلَمَّا قَدِمَ قُدَامَةُ وَالْجَارُودُ بِالْمَدِينَةِ كَلَّمَ الْجَارُودُ عُمَرَ ، فَقَالَ لَهُ : أَقِمْ عَلَى هَذَا كِتَابَ اللَّهِ فَقَالَ عُمَرُ لِلْجَارُودِ : " أَشَهِيدٌ أَنْتَ أَمْ خَصْمٌ " ؟ فَقَالَ الْجَارُودُ : أَنَا شَهِيدٌ .
قَالَ : " قَدْ كُنْت أَدَّيْت الشَّهَادَةَ " .
فَسَكَتَ الْجَارُودُ ، ثُمَّ قَالَ

: لَتَعْلَمَنَّ أَنِّي أَنْشُدُك اللَّهَ .
فَقَالَ عُمَرُ : " أَمَا وَاَللَّهِ لَتَمْلِكَنَّ لِسَانَك أَوْ لَأَسُوءَنَّكَ " .
فَقَالَ الْجَارُودُ : أَمَا وَاَللَّهِ مَا ذَلِكَ بِالْحَقِّ أَنْ يَشْرَبَ ابْنُ عَمِّك وَتَسُوءَنِي : فَتَوَعَّدَهُ عُمَرُ .
فَقَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ وَهُوَ جَالِسٌ : " يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنْ كُنْت تَشُكُّ فِي شَهَادَتِنَا فَسَلْ بِنْتَ الْوَلِيدِ امْرَأَةَ ابْنِ مَظْعُونٍ " .
فَأَرْسَلَ عُمَرُ إلَى هِنْدَ يَنْشُدُهَا بِاَللَّهِ ، فَأَقَامَتْ هِنْدُ عَلَى زَوْجِهَا قُدَامَةَ الشَّهَادَةَ .
فَقَالَ عُمَرُ : " يَا قُدَامَةُ ؛ إنِّي جَالِدُك " .
فَقَالَ قُدَامَةُ : وَاَللَّهِ لَوْ شَرِبْت كَمَا تَقُولُونَ مَا كَانَ لَك أَنْ تَجْلِدَنِي يَا عُمَرُ .
قَالَ : " لِمَ يَا قُدَامَةُ ؟ " قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَقُولُ : { لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جُنَاحٌ فِيمَا طَعِمُوا } الْآيَةَ إلَى : { الْمُحْسِنِينَ } .
فَقَالَ عُمَرُ : " إنَّك أَخْطَأْت التَّأْوِيلَ يَا قُدَامَةُ ؛ إذَا اتَّقَيْت اللَّهَ اجْتَنَبْت مَا حَرَّمَ اللَّهُ " .
ثُمَّ أَقْبَلَ عُمَرُ عَلَى الْقَوْمِ فَقَالَ : " مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ قُدَامَةَ ؟ " فَقَالَ الْقَوْمُ : لَا نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ مَا دَامَ وَجِعًا ، فَسَكَتَ عُمَرُ عَنْ جَلْدِهِ أَيَّامًا ، ثُمَّ أَصْبَحَ يَوْمًا وَقَدْ عَزَمَ عَلَى جَلْدِهِ ، فَقَالَ لِأَصْحَابِهِ : " مَا تَرَوْنَ فِي جَلْدِ قُدَامَةَ ؟ " فَقَالُوا : لَا نَرَى أَنْ تَجْلِدَهُ مَا دَامَ وَجِعًا .
فَقَالَ عُمَرُ : " إنَّهُ وَاَللَّهِ لَأَنْ يَلْقَى اللَّهَ وَهُوَ تَحْتَ السَّوْطِ أَحَبُّ إلَيَّ مِنْ أَنْ أَلْقَى اللَّهَ وَهِيَ فِي عُنُقِي ، وَاَللَّهِ لَأَجْلِدَنَّهُ ، ائْتُونِي بِسَوْطٍ " .
فَجَاءَ مَوْلَاهُ أَسْلَمُ بِسَوْطٍ رَقِيقٍ صَغِيرٍ ، فَأَخَذَهُ عُمَرُ فَمَسَحَهُ بِيَدِهِ ، ثُمَّ قَالَ لِأَسْلَمَ : " قَدْ أَخَذْتُك بِإِقْرَارِ أَهْلِكَ ، ائْتُونِي بِسَوْطٍ غَيْرِ هَذَا " .
قَالَ : فَجَاءَهُ أَسْلَمُ بِسَوْطٍ تَامٍّ ، فَأَمَرَ عُمَرُ بِقُدَامَةَ فَجُلِدَ ، فَغَاضَبَ قُدَامَةُ عُمَرَ وَهَجَرَهُ ، فَحَجَّا وَقُدَامَةُ مُهَاجِرٌ لِعُمَرَ ، حَتَّى قَفَلُوا مِنْ حَجِّهِمْ ، وَنَزَلَ عُمَرُ

بِالسُّقْيَا وَقَامَ بِهَا ؛ فَلَمَّا اسْتَيْقَظَ عُمَرُ قَالَ : " عَجِّلُوا عَلَيَّ بِقُدَامَةَ ، انْطَلِقُوا فَأْتُونِي بِهِ ، فَوَاَللَّهِ إنِّي لَأَرَى فِي النَّوْمِ أَنَّهُ جَاءَنِي آتٍ فَقَالَ لِي : سَالِمْ قُدَامَةُ فَإِنَّهُ أَخُوكَ " .
فَلَمَّا جَاءُوا قُدَامَةَ أَبَى أَنْ يَأْتِيَهُ ؛ فَأَمَرَ عُمَرُ بِقُدَامَةَ أَنْ يُجَرَّ إلَيْهِ جَرًّا حَتَّى كَلَّمَهُ عُمَرُ وَاسْتَغْفَرَ لَهُ ، فَكَانَ أَوَّلَ صُلْحِهِمَا .
فَهَذَا يَدُلُّك عَلَى تَأْوِيلِ الْآيَةِ ، وَمَا ذُكِرَ فِيهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي حَدِيثِ الدَّارَقُطْنِيِّ وَعُمَرَ فِي حَدِيثِ الْبَرْقَانِيِّ ، وَهُوَ صَحِيحٌ .
وَبَسْطُهُ أَنَّهُ لَوْ كَانَ مَنْ شَرِبَ الْخَمْرَ وَاتَّقَى اللَّهَ فِي غَيْرِهِ لَا يُحَدُّ عَلَى الْخَمْرِ مَا حُدَّ أَحَدٌ ، فَكَانَ هَذَا مِنْ أَفْسَدِ تَأْوِيلٍ ، وَقَدْ خَفِيَ عَلَى قُدَامَةَ ، وَعَرَفَهُ مَنْ وَفَّقَهُ اللَّهُ لَهُ كَعُمَرَ وَابْنِ عَبَّاسٍ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَإِنَّ حَرَامًا لَا أَرَى الدَّهْرَ بَاكِيًا عَلَى شَجْوِهِ إلَّا بَكَيْت عَلَى عُمَرَ

الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ لِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَخَافُهُ بِالْغَيْبِ فَمَنْ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَقَدْ قِيلَ : إنَّهَا نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ الْحُدَيْبِيَةِ ، أَحْرَمَ بَعْضُ النَّاسِ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَمْ يُحْرِمْ بَعْضُهُمْ فَكَانَ إذَا عَرَضَ صَيْدٌ اخْتَلَفَتْ فِيهِ أَحْوَالُهُمْ ، وَاشْتَبَهَتْ أَحْكَامُهُ عَلَيْهِمْ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ بَيَانًا لِأَحْكَامِ أَحْوَالِهِمْ وَأَفْعَالِهِمْ وَمَحْظُورَاتِ حَجِّهِمْ وَعُمْرَتِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذِهِ الْآيَةُ عَامَّةٌ فِي الذُّكُورِ وَالْإِنَاثِ ، خَاطَبَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهَا كُلَّ مُسْلِمٍ مِنْهُمْ ، وَكَذَلِكَ الْآيَةُ الَّتِي بَعْدَهَا ، وَقَدْ ذَكَرْنَا فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ هَذِهِ التَّرْجَمَةَ ، وَبَيَّنَّا حَقِيقَتَهَا ، وَأَوْضَحْنَا فِيمَا تَقَدَّمَ مَعْنَاهَا فِي كُلِّ آيَةٍ تَجْرِي عَلَيْهَا .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُخَاطَبِ بِهَذِهِ الْآيَةِ عَلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُمْ الْمُحِلُّونَ ؛ قَالَهُ مَالِكٌ .
الثَّانِي : أَنَّهُمْ الْمُحْرِمُونَ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَغَيْرُهُ ، وَتَعَلَّقَ مَنْ عَمَّمَ بِأَنَّ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } مُطْلَقٌ فِي الْجَمِيعِ .
وَتَعَلَّقَ مَنْ خَصَّ بِأَنَّ قَوْلَهُ : { لَيَبْلُوَنَّكُمْ } يَقْتَضِي أَنَّهُمْ الْمُحْرِمُونَ ، فَإِنَّ تَكْلِيفَ الِامْتِنَاعِ الَّذِي يَتَحَقَّقُ بِهِ الِابْتِلَاءُ هُوَ مَعَ الْإِحْرَامِ .
وَهَذَا لَا يَلْزَمُ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : { لَيَبْلُوَنَّكُمْ } الَّذِي يَقْتَضِي التَّكْلِيفَ يَتَحَقَّقُ فِي الْمُحِلِّ بِمَا شُرِطَ لَهُ مِنْ أُمُورِ الصَّيْدِ ، وَمَا شُرِعَ لَهُ مِنْ وَظِيفَةٍ فِي كَيْفِيَّةِ الِاصْطِيَادِ ، وَالتَّكْلِيفُ كُلُّهُ ابْتِلَاءٌ وَإِنْ تَفَاضَلَ فِي الْكَثْرَةِ وَالْقِلَّةِ ، وَتَبَايَنَ فِي الضَّعْفِ وَالشِّدَّةِ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ قَوْمٌ : الْأَصْلُ فِي الصَّيْدِ التَّحْرِيمُ ، وَالْإِبَاحَةُ فَرْعُهُ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ ، وَهَذَا يَنْعَكِسُ فَيُقَالُ : الْأَصْلُ فِي الصَّيْدِ الْإِبَاحَةُ وَالتَّحْرِيمُ فَرْعُهُ الْمُرَتَّبِ عَلَيْهِ ، وَلَا دَلِيلَ يُرَجَّحُ أَحَدُ الْقَوْلَيْنِ بِهِ .
وَنَحْنُ نَقُولُ : لَا أَصْلَ فِي شَيْءٍ إلَّا مَا أَصَّلَهُ الشَّرْعُ بِتِبْيَانِ حُكْمِهِ وَإِيضَاحِ الدَّلِيلِ عَلَيْهِ مِنْ حِلٍّ أَوْ تَحْرِيمٍ ، وَوُجُوبٍ أَوْ نَدْبٍ أَوْ كَرَاهِيَةٍ ، وَقَدْ بَيَّنَّا هَذَا فِي مَسْأَلَةِ الْأَكْلِ لِمَا أَكَلَهُ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ ، حَتَّى قِيلَ الْأَصْلُ فِي الصَّيْدِ التَّحْرِيمُ .
وَإِذَا أَكَلَ الْكَلْبُ مِنْ الصَّيْدِ فَهُوَ مَشْكُوكٌ فِيهِ .
وَقُلْنَا : إنَّ الْأَصْلَ فِي الصَّيْدِ الْإِبَاحَةُ فَلَا يُحَرِّمُهُ أَكْلُ الْكَلْبِ مِنْهُ إلَّا بِدَلِيلٍ .
ثُمَّ ذَكَرْنَا التَّعَارُضَ فِيهِ وَالِانْفِصَالَ عَنْهُ ، فَلْيُنْظَرْ فِي مَوْضِعِهِ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ } بَيَانٌ لِحُكْمِ صِغَارِ الصَّيْدِ وَكِبَارِهِ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَيَبْلُوَنَّكُمْ اللَّهُ بِشَيْءٍ مِنْ الصَّيْدِ تَنَالُهُ أَيْدِيكُمْ وَرِمَاحُكُمْ } فَكُلُّ شَيْءٍ يَنَالُهُ الْإِنْسَانُ بِيَدِهِ ، أَوْ بِرُمْحِهِ أَوْ بِشَيْءٍ مِنْ سِلَاحِهِ فَقَتَلَهُ ، فَهُوَ صَيْدٌ ، كَمَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } ، وَهَذَا بَيَانٌ شَافٍ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : [ صَيْدُ الذِّمِّيِّ ] : قَالَ مَالِكٌ : لَا يَحِلُّ صَيْدُ الذِّمِّيِّ بِنَاءً عَلَى أَنَّ اللَّهَ خَاطَبَ الْمُؤْمِنِينَ الْمُحَلِّينَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ ، فَخَرَجَ عَنْهُمْ أَهْلُ الذِّمَّةِ ، لِاخْتِصَاصِ الْمُخَاطَبِينَ بِالْإِيمَانِ ، فَيَقْتَضِي ذَلِكَ اقْتِصَارَهُ عَلَيْهِمْ إلَّا بِدَلِيلٍ يَقْتَضِي التَّعْمِيمَ .
وَلَيْسَ هَذَا مِنْ بَابِ دَلِيلِ الْخِطَابِ الَّذِي هُوَ تَعْلِيقُ الْحُكْمِ بِأَحَدِ وَصْفَيْ الشَّيْءِ ، لِيَدُلَّ عَلَى أَنَّ الْآخَرَ بِخِلَافِهِ ، وَلَكِنَّهُ مِنْ بَابِ أَنَّ أَحَدَ الْوَصْفَيْنِ مَنْطُوقٌ بِهِ ، مُبَيَّنٌ حُكْمُهُ ، وَالثَّانِي مَسْكُوتٌ عَنْهُ ، وَلَيْسَ فِي مَعْنَى مَا نُطِقَ بِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : إنْ كَانَ مَسْكُوتًا عَنْهُ فَحَمَلَهُ عَلَيْهِ بِدَلِيلِ قَوْله تَعَالَى : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ وَطَعَامُكُمْ حِلٌّ لَهُمْ } .
قُلْنَا : هَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ أَكْلِ طَعَامِهِمْ .
وَالصَّيْدُ بَابٌ آخَرُ ؛ فَلَا يَدْخُلُ فِي عُمُومِ ذِكْرِ الطَّعَامِ ، وَلَا يَتَنَاوَلُهُ مُطْلَقُ لَفْظِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : نَقِيسُهُ عَلَيْهِ فَإِنَّهُ نَوْعُ ذَكَاةٍ ، فَجَازَ مِنْ الذِّمِّيِّ كَذَبْحِ الْإِنْسِيِّ .
قُلْنَا : لِلْمَقْدُورِ عَلَيْهِ مِمَّا يُذَكَّى شُرُوطٌ ، وَلِمَا لَا يُقْدَرُ عَلَيْهِ شُرُوطٌ أُخَرُ ؛ وَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَوْضُوعٌ وُضِعَ عَلَيْهِ ، وَمَنْصِبٌ جُعِلَ عَلَيْهِ ، وَلَا يَجُوزُ الْإِلْحَاقُ فِيمَا اخْتَلَفَ مَوْضُوعُهُ فِي الْأَصْلِ ؛ وَهَذَا فَنٌّ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ أَمَّا صَيْدُ الْمَجُوسِيِّ : فَإِنَّهُ لَا يُؤْكَلُ إجْمَاعًا ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ الْوَاقِعَ مِنْهُ دَاخِلٌ تَحْتَ قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } وَالْمَجُوسِيُّ إنَّمَا يَزْعُمُ أَنَّهُ يَأْكُلُ وَيَشْرَبُ ، وَيَتَحَرَّكُ وَيَسْكُنُ ، وَيَفْعَلُ جَمِيعَ أَفْعَالِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا ذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَى كَلْبِك الْمُعَلَّمِ فَكُلْ } .
فَإِنْ قِيلَ : فَالذِّمِّيُّ لَا يَذْكُرُ اسْمَ اللَّهِ وَيُؤْكَلُ صَيْدُهُ .
قُلْنَا : لَا يُؤْكَلُ صَيْدُ الذِّمِّيِّ فِي أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ فَيَسْقُطُ عَنَّا هَذَا الِالْتِزَامُ .
وَإِنْ قُلْنَا : إنَّهُ يُؤْكَلُ فَلِمُطْلَقِ قَوْله تَعَالَى : { وَطَعَامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حِلٌّ لَكُمْ } عَلَى أَحَدِ الْأَدِلَّةِ ، وَعَلَى الدَّلِيلِ الثَّانِي نَأْكُلُهُ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُخَاطَبُوا بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ .
وَعَلَى الدَّلِيلِ الثَّالِثِ يَكُونُ كَمَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ .
وَهَذَا كُلُّهُ مُتَرَدِّدٌ عَلَى الْآيَاتِ بِحُكْمِ التَّعَارُضِ فِيهَا .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي جَوَازُ أَكْلِ صَيْدِهِ ، وَأَنَّ الْخِطَابَ فِي الْآيَةِ لِجَمِيعِ النَّاسِ مُحِلِّهِمْ وَمُحْرِمِهِمْ ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا قَالَ قَاضِي الْقُضَاةِ ابْنُ حَبِيبٍ : إنَّ مَعْنَى قَوْلِ : { لَيَبْلُوَنَّكُمْ } لَيُكَلِّفَنَّكُمْ .
ثُمَّ بَيَّنَ التَّكْلِيفَ بَعْدَهُ فَقَالَ وَهِيَ :

الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ وَاَللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ } .
فِيهَا ثَمَانِ وَثَلَاثُونَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَقَدْ تَقَدَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي قَوْلِهِ : { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ } وَالْقَتْلُ : كُلُّ فِعْلٍ يُفِيتُ الرُّوحَ ، وَهُوَ أَنْوَاعٌ : مِنْهَا الذَّبْحُ وَالنَّحْرُ ، وَالْخَنْقُ وَالرَّضْخُ وَشِبْهُهُ ؛ فَحَرَّمَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى الْمُحْرِمِ فِي الصَّيْدِ كُلَّ فِعْلٍ يَكُونُ مُفِيتًا لِلرُّوحِ ، وَحَرَّمَ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى نَفْسَ الِاصْطِيَادِ ؛ فَقَالَ : { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } فَاقْتَضَى ذَلِكَ تَحْرِيمَ كُلِّ فِعْلٍ يَتَعَلَّقُ بِعَيْنِ الصَّيْدِ ؛ لِأَنَّ التَّحْرِيمَ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلْأَعْيَانِ وَالذَّوَاتِ ، وَإِنَّمَا هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ خِطَابِ الشَّارِعِ بِالْأَعْيَانِ ، فَالْمُحْرِمُ هُوَ الْقَوْلُ فِيهِ : لَا تَقْرَبُوهُ ، وَالْوَاجِبُ هُوَ الْمَقُولُ فِيهِ : لَا تَتْرُكُوهُ ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : لَمَّا نَهَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُحْرِمَ عَنْ قَتْلِ الصَّيْدِ عَلَى كُلِّ وَجْهٍ وَقَعَ عَامًّا .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَا يَجُوزُ ذَبْحُ الْمُحْرِمِ لِلصَّيْدِ عَلَى وَجْهِ التَّذْكِيَةِ ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : ذَبْحُ الْمُحْرِمِ لِلصَّيْدِ ذَكَاةٌ ؛ وَتَعَلَّقَ بِأَنَّهُ ذَبْحٌ صَدَرَ مِنْ أَهْلِهِ ، وَهُوَ الْمُسْلِمُ ، مُضَافًا إلَى مَحَلِّهِ وَهُوَ الْأَنْعَامُ ، فَأَفَادَ مَقْصُودَهُ مِنْ حِلِّ الْأَكْلِ مِنْ أَصْلِهِ ذَبْحِ الْحَلَالِ .
وَالْجَوَابُ : أَنَّ هَذَا بِنَاءٌ عَلَى دَعْوَى ؛ فَإِنَّ الْمُحْرِمَ لَيْسَ بِأَهْلٍ لِذَبْحِ الصَّيْدِ ؛ إذْ الْأَهْلِيَّةُ لَا تُسْتَفَادُ عَقْلًا ، وَإِنَّمَا يُفِيدُهَا الشَّرْعُ ، وَذَلِكَ بِإِذْنِهِ فِي الذَّبْحِ ؛ أَوْ يَنْفِيهَا الشَّرْعُ أَيْضًا ؛ وَذَلِكَ بِنَهْيِهِ عَنْ الذَّبْحِ .
وَالْمُحْرِمُ مَنْهِيٌّ عَنْ ذَبْحِ الصَّيْدِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } فَقَدْ انْتَفَتْ الْأَهْلِيَّةُ بِالنَّهْيِ .
وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : فَأَفَادَ مَقْصُودَهُ ، فَقَدْ اتَّفَقْنَا عَلَى أَنَّ الْمُحْرِمَ إذَا ذَبَحَ الصَّيْدَ لَا يَحِلُّ لَهُ أَكْلُهُ ؛ وَإِنَّمَا يَأْكُلُ مِنْهُ عِنْدَهُمْ غَيْرُهُ ، فَإِذَا كَانَ الذَّبْحُ لَا يُفِيدُ الْحِلَّ لِلذَّابِحِ فَأَوْلَى وَأَحْرَى أَلَا يُفِيدَهُ لِغَيْرِهِ ؛ لِأَنَّ الْفَرْعَ تَبَعٌ لِلْأَصْلِ فِي أَحْكَامِهِ ، فَلَا يَصِحُّ أَنْ يَثْبُتَ لَهُ مَا لَا يَثْبُتُ لِأَصْلِهِ .
وَإِذَا بَطَلَ مَنْزَعُ الشَّافِعِيِّ وَمَأْخَذُهُ فَقَدْ اعْتَمَدَ عُلَمَاؤُنَا سِوَى مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ عَلَى أَنَّهُ ذَبْحٌ مُحَرَّمٌ لِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى لِمَعْنًى فِي الذَّابِحِ ، فَلَا يَجُوزُ كَذَبْحِ الْمَجُوسِيِّ ، وَهَذَا صَحِيحٌ .
فَإِنَّ الَّذِي قَالَ : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } هُوَ الْقَائِلُ : { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } .
وَالْأَوَّلُ : نَهْيٌ عَنْ الْمَقْصُودِ بِالسَّبَبِ ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِ السَّبَبِ .
وَالثَّانِي : نَهْيٌ عَنْ السَّبَبِ ، فَدَلَّ عَلَى عَدَمِهِ شَرْعًا ، فَلَا يُفِيدُ مَقْصُودُهُ حُكْمًا ، وَهَذَا مِنْ

نَفِيسِ الْأُصُولِ فَتَأَمَّلُوهُ .
وَقَوْلُ عُلَمَائِنَا : لِمَعْنًى فِي الذَّابِحِ فِيهِ احْتِرَازٌ مِنْ السِّكِّينِ الْمَغْصُوبَةِ وَالْكَالَّةِ وَمِلْكِ الْغَيْرِ ، فَإِنَّ كُلَّ ذَلِكَ مِنْ التَّذْكِيَةِ مَنْهِيٌّ عَنْهُ ، وَلَكِنَّهُ مَا لَمْ يَكُنْ لِمَعْنًى فِي الذَّابِحِ وَلَا فِي الْمَذْبُوحِ لَمْ يُحَرَّمْ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } فَجَعَلَ الْقَتْلَ مُنَافِيًا لِلتَّذْكِيَةِ خَارِجًا عَنْ حُكْمِ الذَّبْحِ لِلْأَكْلِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَقْتُلَ وَلَدِي فَهُوَ عَاصٍ ، وَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ .
وَإِذَا قَالَ : لِلَّهِ عَلَيَّ أَنْ أَذْبَحَ وَلَدِي فَإِنَّهُ يَفْتَدِيه بِشَاةٍ عَلَى تَفْصِيلِ بَيَانِهِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَسَيَأْتِي إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى فِي سُورَةِ الصَّافَّاتِ بَيَانُهُ .
وَالْمِقْدَارُ الْمُتَعَلِّقُ مِنْهُ هَاهُنَا بِهَذَا الْمَوْضِعِ أَنَّ الْقَتْلَ لَيْسَ مِنْ أَنْوَاعِ التَّذْكِيَةِ بِمُطْلَقِهِ وَلَا الْخَنْقَ ، وَلَا يُعَدُّ مِنْ بَابِ الذَّبْحِ أَوْ النَّحْرِ اللَّذَيْنِ شُرِعَا فِي الْحَيَوَانِ الْمَأْكُولِ لِتَطْيِيبِهِ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } جَرَى عُمُومُهُ عَلَى كُلِّ صَيْدٍ بَرِّيٍّ وَبَحْرِيٍّ ، حَتَّى جَاءَ قَوْله تَعَالَى : { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } فَأَبَاحَ صَيْدَ الْبَحْرِ إبَاحَةً مُطْلَقَةً ، وَحَرَّمَ صَيْدَ الْبَرِّ عَلَى الْمُحْرِمِينَ ؛ فَصَارَ هَذَا التَّقْسِيمُ وَالتَّنْوِيعُ دَلِيلًا عَلَى خُرُوجِ صَيْدِ الْبَحْرِ مِنْ النَّهْيِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } عَامٌّ فِي التَّحْرِيمِ بِالزَّمَانِ ، وَفِي التَّحْرِيمِ بِالْمَكَانِ ، وَفِي التَّحْرِيمِ بِحَالَةِ الْإِحْرَامِ ، إلَّا أَنَّ تَحْرِيمَ الزَّمَانِ خَرَجَ بِالْإِجْمَاعِ عَنْ أَنْ يَكُونَ مُعْتَبَرًا ، وَبَقِيَ تَحْرِيمُ الْمَكَانِ وَحَالَةُ الْإِحْرَامِ عَلَى أَصْلِ التَّكْلِيفِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } عَامٌّ فِي كُلِّ صَيْدٍ كَانَ ، مَأْكُولًا أَوْ غَيْرَ مَأْكُولٍ ، سَبُعًا أَوْ غَيْرَ سَبُعٍ ، ضَارِيًا أَوْ غَيْرَ ضَارٍ ، صَائِلًا أَوْ سَاكِنًا ؛ بَيْدَ أَنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي خُرُوجِ السِّبَاعِ عَنْهُ وَتَخْصِيصِهِ مِنْهَا ؛ فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : يَجُوزُ لِلْمُحْرِمِ قَتْلُ السِّبَاعِ الْعَادِيَةِ الْمُبْتَدِئَةِ بِالْمَضَرَّةِ كَالْأَسَدِ وَالنَّمِرِ وَالذِّئْبِ وَالْفَهْدِ وَالْكَلْبِ الْعَقُورِ وَمَا فِي مَعْنَاهَا ، وَمِنْ الطَّيْرِ كَالْغُرَابِ وَالْحَدَأَةِ ؛ وَلَا جَزَاءَ عَلَيْهِ فِيهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ بِقَوْلِنَا فِي الْكَلْبِ الْعَقُورِ وَالذِّئْبِ وَالْغُرَابِ وَالْحِدَأَةِ ، وَخَالَفَنَا فِي السَّبُعِ وَالْفَهْدِ وَالنَّمِرِ وَغَيْرِهَا مِنْ السِّبَاعِ ، فَأَوْجَبَ عَلَى الْمُحْرِمِ الْجَزَاءَ بِقَتْلِهَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : كُلُّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ فَلَا جَزَاءَ فِيهِ إلَّا السَّمْعُ وَهُوَ الْمُتَوَلِّدُ بَيْنَ الذِّئْبِ وَالضَّبُعِ .
وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " { خَمْسٌ لَيْسَ عَلَى الْمُحْرِمِ فِي قَتْلِهِنَّ جُنَاحٌ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { يُقْتَلْنَ فِي الْحِلِّ وَالْحَرَمِ : الْحِدَأَةُ وَالْغُرَابُ وَالْعَقْرَبُ وَالْفَأْرَةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { الْحَيَّةُ وَالْكَلْبُ الْعَقُورُ } خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ بِأَجْمَعِهِمْ .
وَفِيهِ { الْغُرَابُ الْأَبْقَعُ } خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ ، وَفِيهِ : { السَّبُعُ الْعَادِي } خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَهَذَا تَنْبِيهٌ عَلَى الْعِلَّةِ وَعَلَى الْأَجْنَاسِ .
أَمَّا الْعِلَّةُ فَهِيَ الْفِسْقُ بِالْإِذَايَةِ ، وَأَمَّا الْأَجْنَاسُ فَنَبَّهَ بِكُلِّ مَذْكُورٍ عَلَى نَوْعٍ مِنْ الْجِنْسِ وَذَكَرَ الْكَلْبَ الْعَقُورَ ، وَذَلِكَ مِمَّا يَدْخُلُ تَحْتَهُ بِعِلَّةِ الْعَقْرِ الْفَهْدُ وَالسَّبُعُ ، وَلَا سِيَّمَا بِالنَّصِّ عَلَيْهِ مِنْ طَرِيقِ السِّجْزِيِّ وَالتِّرْمِذِيِّ .
وَالْعَجَبُ مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنْ يَحْمِلَ التُّرَابَ عَلَى الْبُرِّ بِعِلَّةِ الْكَيْلِ ، وَلَا يَحْمِلَ السِّبَاعَ الْعَادِيَةَ

عَلَى الْكَلْبِ الْعَقُورِ بِعِلَّةِ الْفِسْقِ وَالْعَقْرِ .
وَأَمَّا الشَّافِعِيُّ فَإِذَا قُلْنَا بِأَنَّ لَحْمَهَا لَا يُؤْكَلُ فَهِيَ مَعْقُورَةٌ لَا جَزَاءَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ مَا لَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ لَا جَزَاءَ فِيهِ كَالْخِنْزِيرِ .
وَأَمَّا إنْ قُلْنَا : إنَّهَا تُؤْكَلُ فَفِيهَا الْجَزَاءُ لِأَنَّهَا صَيْدٌ مَأْكُولٌ .
وَسَيَأْتِي الْقَوْلُ فِي أَكْلِهَا فِي سُورَةِ الْأَنْعَامِ إنْ شَاءَ اللَّهَ تَعَالَى .
وَتَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّهُ صَيْدٌ تَتَنَاوَلُهُ الْآيَةُ بِالنَّهْيِ وَالْجَزَاءِ بَعْدَ ارْتِكَابِ النَّهْيِ ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّهُ صَيْدٌ أَنَّهُ يُقْصَدُ لِأَجْلِ جِلْدِهِ ، وَالْجِلْدُ مَقْصُودٌ فِي الْمَالِيَّةِ ، كَمَا أَنَّ اللَّحْمَ مَقْصُودٌ فِي الْأَكْلِ .
قُلْنَا : لَا تُسَمِّي الْعَرَبُ صَيْدًا إلَّا مَا يُؤْكَلُ لَحْمُهُ .
فَإِنْ قِيلَ : بَلْ كَانَتْ الْحَيَوَانَاتُ كُلُّهَا عِنْدَ الْعَرَبِ صَيْدًا .
فَإِنَّهَا كَانَتْ تَأْكُلُ كُلَّ مَا دَبَّ وَدَرَجَ ، ثُمَّ جَاءَ الشَّرْعُ بِالتَّحْرِيمِ ، فَغَيَّرَ الشَّرْعُ الْأَحْكَامَ دُونَ الْأَسْمَاءِ .
قُلْنَا : هَذَا جَهْلٌ عَظِيمٌ ، إنَّ الصَّيْدَ لَا يُعْرَفُ إلَّا فِيمَا يُؤْكَلُ .
وَقَوْلُهُمْ : إنَّ الشَّرْعَ غَيَّرَ الْأَحْكَامَ دُونَ الْأَسْمَاءِ بَاطِلٌ ؛ لِأَنَّ الْأَحْكَامَ تَابِعَةٌ لِلْأَسْمَاءِ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ أَبِي عَمَّارٍ أَنَّهُ قَالَ لِجَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ .
الضَّبُعُ أَصَيْدٌ هِيَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : فِيهَا جَزَاءٌ ؛ قَالَ : نَعَمْ ، كَبْشٌ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ سَأَلَهُ عَنْ جَوَازِ أَكْلِهَا ، وَبَعْدَ ذَلِكَ سَأَلَهُ عَنْ جَزَائِهَا .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } عَامٌّ فِي الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } .
وَلِقَوْلِهِ : { وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } وَقَوْلِهِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } عَامٌّ فِي النَّوْعَيْنِ .
وَقَوْلِهِ : { وَأَنْتُمْ حُرُمٌ } ، يُقَالُ : رَجُلٌ حَرَامٌ وَامْرَأَةٌ حَرَامٌ ، وَجَمْعُ ذَلِكَ حُرُمٌ ، كَقَوْلِنَا : قَذَالٌ وَقُذُلٌ .
وَكَذَلِكَ يَدْخُلُ فِي عُمُومِهِ الْأَحْرَارُ وَالْعَبِيدُ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : وَقَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْمَعَانِي فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } فَذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى الْمُتَعَمِّدَ فِي وُجُوبِ الْجَزَاءِ خَاصَّةً ، وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْسَامٍ ، مُتَعَمِّدٌ ، وَمُخْطِئٌ ، وَنَاسٍ ؛ فَالْمُتَعَمِّدُ هُوَ الْقَاصِدُ لِلصَّيْدِ مَعَ الْعِلْمِ بِالْإِحْرَامِ ، وَالْمُخْطِئُ هُوَ الَّذِي يَقْصِدُ شَيْئًا فَيُصِيبُ صَيْدًا .
وَالنَّاسِي هُوَ الَّذِي يَتَعَمَّدُ الصَّيْدَ وَلَا يَذْكُرُ إحْرَامَهُ .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يُحْكَمُ عَلَيْهِ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَيُرْوَى عَنْ عُمَرَ وَعَطَاءٍ وَالْحَسَنِ وَإِبْرَاهِيمَ النَّخَعِيِّ وَالزُّهْرِيِّ .
الثَّانِي : إذَا قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ ، نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ ؛ فَأَمَّا إذَا كَانَ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ فَقَدْ حَلَّ وَلَا حَجَّ لَهُ ، وَمَنْ أَخْطَأَ فَذَلِكَ الَّذِي يُجْزِي .
الثَّالِثُ : لَا شَيْءَ عَلَى الْمُخْطِئِ وَالنَّاسِي ، وَبِهِ قَالَ الطَّبَرِيُّ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ .
وَاخْتَلَفَ الَّذِينَ قَالُوا بِعُمُومِ الْكَفَّارَةِ فِي تَوْجِيهِ ذَلِكَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ وَرَدَ الْقُرْآنُ بِالْعَمْدِ ، وَجَعَلَ الْخَطَأُ تَغْلِيظًا ؛ قَالَهُ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ .
وَالثَّانِي : أَنَّ قَوْلَهُ : { مُتَعَمِّدًا } خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ ، فَأُلْحِقَ بِهِ النَّادِرُ ، كَسَائِرِ أُصُولِ الشَّرِيعَةِ .
الثَّالِثُ : قَالَ الزُّهْرِيُّ : إنَّهُ وَجَبَ الْجَزَاءُ فِي الْعَمْدِ بِالْقُرْآنِ ، وَفِي الْخَطَأِ وَالنِّسْيَانِ بِالسُّنَّةِ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ وَجَبَ بِالْقِيَاسِ عَلَى قَاتِلِ الْخَطَأِ بِعِلَّةِ أَنَّهَا كَفَّارَةُ إتْلَافِ نَفْسٍ ؛ فَتَعَلَّقَتْ بِالْخَطَأِ ، كَكَفَّارَةِ الْقَتْلِ ؛ وَتَعَلَّقَ مُجَاهِدٌ بِأَنَّهُ أَرَادَ مُتَعَمِّدًا لِلْقَتْلِ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ ، لِقَوْلِهِ بَعْدَ ذَلِكَ : { وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ } ، وَلَوْ كَانَ ذَاكِرًا لِإِحْرَامِهِ لَوَجَبَتْ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةُ لِأَوَّلِ مَرَّةٍ .
وَتَعَلَّقَ أَحْمَدُ فِي إحْدَى

رِوَايَتَيْهِ وَمَنْ تَابَعَهُ عَلَيْهَا بِأَنَّهُ خَصَّ الْمُتَعَمِّدَ بِالذِّكْرِ ، فَدَلَّ عَلَى أَنَّ غَيْرَهُ بِخِلَافِهِ ، وَزَادَ بِأَنْ قَالَ الْأَصْلُ بَرَاءَةُ الذِّمَّةِ ، فَمَنْ ادَّعَى شَغْلَهَا فَعَلَيْهِ الدَّلِيلُ .
وَأَمَّا مُتَعَلِّقُ مَنْ قَالَ : وَجَبَ فِي النِّسْيَانِ تَغْلِيظًا فَدَعْوَى تَحْتَاجُ إلَى دَلِيلٍ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ خَرَجَ عَلَى الْغَالِبِ فَحِكْمَةُ الْآيَةِ وَفَائِدَةُ التَّخْصِيصِ مَا قَالُوهُ ، فَأَيْنَ دَلِيلُهُ ؟ وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ وَجَبَ فِي النِّسْيَانِ بِالسُّنَّةِ فَإِنْ كَانَ يُرِيدُ بِهِ الْآثَارَ الَّتِي وَرَدَتْ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَابْنِ عُمَرَ فَنِعِمَّا هِيَ ، وَمَا أَحْسَنُهَا أُسْوَةً ، وَأَمَّا مَنْ تَعَلَّقَ بِالْقِيَاسِ عَلَى كَفَّارَةِ الْقَتْلِ فَيَصِحُّ ذَلِكَ لِلشَّافِعِيِّ الَّذِي يَرَى الْكَفَّارَةَ فِي قَتْلِ الْآدَمِيِّ عَمْدًا وَخَطَأً ، فَأَمَّا نَحْنُ وَقَدْ عَقَدْنَا أَصْلَنَا عَلَى أَنَّ قَتْلَ الْعَمْدِ فِي الْآدَمِيِّ لَا كَفَّارَةَ فِيهِ ، وَفِي قَتْلِ الصَّيْدِ عَمْدًا الْكَفَّارَةَ فَلَا يَصِحُّ ذَلِكَ مِنَّا لِوُجُودِ الْمُنَاقَضَةِ مِنَّا بِالْمُخَالَفَةِ فِيهِ بَيْنَهُ وَبَيْنَهُ عِنْدَنَا .
وَاَلَّذِي يَتَحَقَّقُ مِنْ الْآيَةِ أَنَّ مَعْنَاهَا أَنَّ مَنْ قَتَلَ الصَّيْدَ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا لِقَتْلِهِ نَاسِيًا لِإِحْرَامِهِ ، أَوْ جَاهِلًا بِتَحْرِيمِهِ ، فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ يَكْفِي لِوَصْفِ التَّعَمُّدِ ، فَتَعَلَّقَ الْحُكْمُ بِهِ ، لِاكْتِفَاءِ الْمَعْنَى مَعَهُ .
وَهَذَا دَقِيقٌ فَتَأَمَّلُوهُ .
فَأَمَّا إذَا قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا لِلْقَتْلِ وَالْإِحْرَامِ فَذَلِكَ أَبْلَغُ فِي وَصْفِ الْعَمْدِيَّةِ ؛ لَكِنْ مِنْ النَّاسِ مَنْ قَالَ : لَا حَجَّ لَهُ .
وَهَذِهِ دَعْوَى لَا يَدُلُّك عَلَيْهَا دَلِيلٌ مِنْ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ وَلَا مِنْ السُّنَّةِ وَلَا مِنْ الْمَعْنَى ، وَسَنَسْتَوْفِي بَقِيَّةَ الْقَوْلِ فِي آخِرِ الْآيَةِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } الْجَزَاءُ فِي اللُّغَةِ هُوَ : الْمُقَابِلُ لِلشَّيْءِ ، وَتَقْدِيرُ الْكَلَامِ : فَعَلَيْهِ جَزَاءٌ فِي مُقَابِلِ مَا أَتْلَفَ وَبَدَلٌ مِنْهُ ؛ وَقَدْ حَقَّقْنَا ذَلِكَ فِي كِتَابِ " مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ النَّحْوِيِّينَ " وَقَدْ تَقَدَّمَ أَمْثَالُهُ قَبْلَ هَذَا ، وَعَلَيْهِ يُحْمَلُ جَزَاءُ الْأَعْمَالِ ؛ لِأَنَّ فِي مُقَابَلَتِهَا ثَوَابًا بِثَوَابٍ وَعِقَابًا بِعِقَابٍ ، وَدَرَجَاتٍ وَدَرَكَاتٍ ؛ وَذَلِكَ مُحَقَّقٌ فِي كِتَابِ الْمُشْكَلَيْنِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : { مِثْلُ } قُرِئَ بِخَفْضِ مِثْلَ عَلَى الْإِضَافَةِ إلَى { فَجَزَاءٌ } .
وَبِرَفْعِهِ وَتَنْوِينِهِ صِفَةً لِلْجَزَاءِ ؛ وَكِلَاهُمَا صَحِيحٌ رِوَايَةً ، صَوَابٌ مَعْنًى ، فَإِذَا كَانَ عَلَى الْإِضَافَةِ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ غَيْرَ الْمِثْلِ ؛ إذْ الشَّيْءُ لَا يُضَافُ إلَى نَفْسِهِ ، وَإِذَا كَانَ الصِّفَةُ بِرَفْعِهِ وَتَنْوِينِهِ اقْتَضَى ذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْمِثْلُ هُوَ الْجَزَاءَ بِعَيْنِهِ ، لِوُجُوبِ كَوْنِ الصِّفَةِ عَيْنَ الْمَوْصُوفِ ؛ وَسَتَرَى ذَلِكَ فِيمَا بَعْدُ مَشْرُوحًا إنْ شَاءَ اللَّهَ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ النَّعَمِ } قَدْ بَيَّنَّا فِي " مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ " دَرَجَاتِ حَرْفِ مِنْ ، وَأَنَّ مِنْ جُمْلَتِهَا بَيَانُ الْجِنْسِ ، كَقَوْلِك : خَاتَمٌ مِنْ حَدِيدٍ ، وَقَدَّمْنَا قَوْلَ أَبِي بَكْرٍ السَّرَّاجِ فِي شَرْحِ كِتَابِ سِيبَوَيْهِ الَّذِي أَوْقَفَنَا عَلَيْهِ شَيْخُ السُّنَّةِ فِي وَقْتِهِ أَبُو عَلِيٍّ الْحَضْرَمِيُّ رَحِمَهُ اللَّهُ : إنَّهَا لَا تَكُونُ لِلتَّبْعِيضِ بِحَالٍ ، وَلَا فِي مَوْضِعٍ ، وَإِنَّمَا يَقَعُ التَّبْعِيضُ فِيهَا بِالْقَرِينَةِ ، فَجَاءَتْ مُقْتَرِنَةً بِقَوْلِهِ : { مِنْ النَّعَمِ } لِبَيَانِ جِنْسٍ مِثْلِ الْمَقْتُولِ الْمُفْدَى ، وَأَنَّهُ مِنْ الْإِبِلِ وَالْبَقَرِ وَالْغَنَمِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } قَدْ تَقَدَّمَ تَحْقِيقُهُ ، وَمِثْلُ الشَّيْءِ حَقِيقَتُهُ وَهُوَ شَبَهُهُ فِي الْخِلْقَةِ الظَّاهِرَةِ ، وَيَكُونُ مِثْلَهُ فِي مَعْنًى ، وَهُوَ مَجَازُهُ ؛ فَإِذَا أُطْلِقَ الْمِثْلُ اقْتَضَى بِظَاهِرِهِ حَمْلَهُ عَلَى الشَّبَهِ الصُّورِيِّ دُونَ الْمَعْنَى ، لِوُجُوبِ الِابْتِدَاءِ بِالْحَقِيقَةِ فِي مُطْلَقِ الْأَلْفَاظِ قَبْلَ الْمَجَازِ حَتَّى يَقْتَضِيَ الدَّلِيلُ مَا يَقْضِي فِيهِ مِنْ صَرْفِهِ عَنْ حَقِيقَتِهِ إلَى مَجَازِهِ ؛ فَالْوَاجِبُ هُوَ الْمِثْلُ الْخِلْقِيُّ ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إنَّمَا يُعْتَبَرُ بِالْمِثْلِ .
فِي الْقِيمَةِ دُونَ الْخِلْقَةِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ الْآيَةُ الْمُتَقَدِّمَةُ ، وَذَلِكَ مِنْ أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ الْمِثْلَ حَقِيقَةً هُوَ الْمِثْلُ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ قَالَ : { مِنْ النَّعَمِ } فَبَيَّنَ جِنْسَ الْمِثْلِ ، وَلَا اعْتِبَارَ عِنْدَ الْمُخَالِفِ بِالنَّعَمِ بِحَالٍ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ قَالَ : { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } وَهَذَا ضَمِيرٌ رَاجِعٌ إلَى مِثْلِ مِنْ النَّعَمِ ؛ لِأَنَّهُ لَمْ يَتَقَدَّمْ ذِكْرٌ سِوَاهُ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلَيْهِ .
وَالْقِيمَةُ الَّتِي يَزْعُمُ الْمُخَالِفُ أَنَّهُ يَرْجِعُ الضَّمِيرُ إلَيْهَا لَمْ يَتَقَدَّمْ لَهَا ذِكْرٌ .
الرَّابِعُ : أَنَّهُ قَالَ : { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } وَاَلَّذِي يُتَصَوَّرُ فِيهِ الْهَدْيُ مِثْلُ الْمَقْتُولِ مِنْ النَّعَمِ ؛ فَأَمَّا الْقِيمَةُ فَلَا يُتَصَوَّرُ أَنْ تَكُونَ هَدْيًا .
فَإِنْ قِيلَ : الْقِيمَةُ مِثْلٌ شَرْعِيٌّ مِنْ طَرِيقِ الْمَعْنَى فِي الْحَيَوَانِ وَغَيْرِهِ ، حَتَّى يُقَالَ الْقِيمَةُ مِثْلٌ لِلْعَبْدِ ، وَلَا يَجْعَلُ فِي الْإِتْلَافِ مِثْلَهُ عَبْدًا يَغْرَمُ فِيهِ ، وَأَوْجَبْنَا فِي ذَوَاتِ الْأَمْثَالِ فِي الْمُتْلِفَاتِ الْمِثْلَ خِلْقَةً ؛ لِأَنَّ الطَّعَامَ كَالطَّعَامِ وَالدُّهْنَ كَالدُّهْنِ ؛ وَلَمْ يُوجَبْ فِي الْعَبْدِ عَبْدٌ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّ الْخِلْقَةَ لَمْ تَقُمْ

بِالْمِثْلِيَّةِ ، فَكَيْفَ أَنْ يَجْعَلَ الْبَدَنَةَ مِثْلًا لِلنَّعَامَةِ .
قُلْنَا : هَذَا مَزْلَقٌ يَنْبَغِي أَنْ يَتَثَبَّتَ فِيهِ قَدَمُ النَّاظِرِ قَلِيلًا ، وَلَا يَطِيشَ حُلْمُهُ ، فَاسْمَعْ مَا نَقُولُ ، فَلَا خَفَاءَ بِوَاضِحِ الدَّلِيلِ الَّذِي قَدَّمْنَاهُ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، وَلَيْسَ يُعَارِضُهُ الْآنَ مَا مَوَّهُوا بِهِ مِنْ أَنَّ النَّعَامَةَ لَا تُمَاثِلُهَا الْبَدَنَةُ ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ قَضَوْا بِهَا فِيهَا ، وَهُمْ بِكِتَابِ اللَّهِ أَفْهَمُ ، وَبِالْمِثْلِ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ وَالْمَعْنَى أَعْلَمُ ، فَلَا يَتَوَهَّمُ مُتَوَهِّمٌ سِوَاهُ إلَّا وَهَمَ ، وَلَا يَتَّهِمُهُمْ فِي قُصُورِ النَّظَرِ ، إلَّا مَنْ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ .
وَالدَّقِيقَةُ فِيهِ أَنَّ مُرَاعَاةَ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ مَعَ شَبَهٍ وَاحِدٍ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ أَوْلَى مِنْ إسْقَاطِ ظَاهِرِ الْقُرْآنِ مَعَ التَّوَفُّرِ عَلَى مُرَاعَاةِ الشَّبَهِ الْمَعْنَوِيِّ ؛ هَذَا مَا لَا يَسْتَقِلُّ بِدَرْكِهِ فِي مَطْرَحِ النَّظَرِ إلَّا نَافِذُ الْبَصِيرَةِ وَالْبَصَرِ .
فَإِنْ قِيلَ : يُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ قَوَّمُوا النَّعَامَةَ بِدَرَاهِمَ ، ثُمَّ قَوَّمُوا الْبَدَنَةَ بِدَرَاهِمَ .
قُلْنَا : هَذَا جَهْلٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ سَرْدَ الرِّوَايَاتِ عَلَى مَا سَنُورِدُهُ يُبْطِلُ هَذَا فَإِنَّهُ لَيْسَ فِيهِ شَيْءٌ مِنْهُ .
الثَّانِي : أَنَّ قِيمَةَ النَّعَامَةِ لَمْ تُسَاوِ قَطُّ قِيمَةَ الْبَدَنَةِ فِي عَصْرٍ مِنْ الْأَعْصَارِ ، لَا مُتَقَدِّمٍ وَلَا مُتَأَخِّرٍ ، عُلِمَ ذَلِكَ ضَرُورَةً وَعَادَةً ، فَلَا يَنْطِقُ بِمِثْلِ هَذَا إلَّا مُتَسَاخِفٌ بِالنَّظَرِ .
وَإِنَّمَا سَقَطَتْ الْمِثْلِيَّةُ فِي الِاعْتِدَاءِ عَلَى الْحَيَوَانِ مِنْ بَابِ الْمُزَابَنَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : لَوْ كَانَ الشَّبَهُ مِنْ طَرِيقِ الْخِلْقَةِ مُعْتَبَرًا ، فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ ، وَفِي الْحِمَارِ بَقَرَةٌ ، وَفِي الظَّبْيِ شَاةٌ لَمَا أَوْقَفَهُ عَلَى عَدْلَيْنِ يَحْكُمَانِ بِهِ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدْ عُلِمَ ، فَلَا يَحْتَاجُ إلَى الِارْتِيَاءِ وَالنَّظَرِ ، وَإِنَّمَا يَفْتَقِرُ إلَى الْعُدُولِ وَالْحُكْمِ مَا يُشْكَلُ الْحَالُ فِيهِ

وَيَضْطَرِبُ وَجْهُ النَّظَرِ عَلَيْهِ .
وَالْجَوَابُ : أَنَّ اعْتِبَارَ الْحُكْمَيْنِ إنَّمَا وَجَبَ فِي حَالِ الْمَصِيدِ مِنْ صِغَرٍ وَكِبَرٍ ، وَمَا لَهُ جِنْسٌ مِمَّا لَا جِنْسَ لَهُ ، وَلْيَعْتَبِرْ مَا وَقَعَ التَّنْصِيصُ عَلَيْهِ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَيَلْحَقُ بِهِ مَا لَمْ يَقَعْ بَيْنَهُمْ نَصٌّ عَلَيْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ : { أَوْ كَفَّارَةٌ طَعَامُ مَسَاكِينَ أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا } ، فَشَرَكَ بَيْنَهُمَا بِ " أَوْ " فَصَارَ تَقْدِيرُ الْكَلَامِ : فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ ، أَوْ مِنْ الطَّعَامِ ، أَوْ مِنْ الصِّيَامِ ، وَتَقْدِيرُ الْمِثْلِيَّةِ فِي الطَّعَامِ وَالصِّيَامِ بِالْمَعْنَى ، وَكَذَلِكَ فِي الْمِثْلِ الْأَوَّلِ .
قُلْنَا : هَذَا جَهْلٌ أَوْ تَجَاهُلٌ ؛ فَإِنَّ قَوْله تَعَالَى : { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } ظَاهِرٌ كَمَا قَدَّمْنَا فِي مِثْلِ الْخِلْقَةِ ، وَمَا عَدَاهُ يَمْتَنِعُ فِيهِ مِثْلِيَّةُ الْخِلْقَةِ حِسًّا ؛ فَرَجَعَ إلَى مِثْلِيَّةِ الْمَعْنَى حُكْمًا ، وَلَيْسَ إذَا عُدِمَ الْمَعْنَى الْمَطْلُوبُ فِي مَوْضِعٍ وَيَرْجِعُ إلَى بَدَلِهِ يَلْزَمُ أَنْ يَرْجِعَ إلَى بَدَلِهِ مَعَ وُجُودِهِ .
تَكْمِلَةٌ : وَمَنْ يَعْجَبُ فَعَجَبٌ مِنْ قِرَاءَةِ الْمَكِّيِّ وَالْمَدَنِيِّ وَالْبَصْرِيِّ وَالشَّامِيِّ : فَجَزَاءُ مِثْلِ بِالْإِضَافَةِ ؛ وَهَذَا يَقْتَضِي الْغَيْرِيَّةَ بَيْنَ الْمُضَافِ وَالْمُضَافِ إلَيْهِ ، وَأَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ لِمِثْلِ الْمَقْتُولِ لَا الْمَقْتُولِ ، وَمِنْ قِرَاءَةِ الْكُوفِيِّينَ : فَجَزَاءً مِثْلَ عَلَى الْوَصْفِ ، وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ الْجَزَاءُ هُوَ الْمِثْلَ .
وَيَقُولُ أَهْلُ الْكُوفَةِ مِنْ الْفُقَهَاءِ : إنَّ الْجَزَاءَ غَيْرُ الْمِثْلِ .
وَيَقُولُ الْمَدَنِيُّونَ وَالْمَكِّيُّونَ وَالشَّامِيُّونَ مِنْ الْفُقَهَاءِ : إنَّ الْجَزَاءَ هُوَ الْمِثْلُ ؛ فَيَبْنِي كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَذْهَبَهُ عَلَى خِلَافِ مُقْتَضَى ظَاهِرِ قِرَاءَةِ قُرَّاءِ بَلَدِهِ .
وَقَدْ قَالَ لَنَا الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ الْقَرَافِيُّ الزَّاهِدُ : إنَّ ابْنَ مَعْقِلٍ الْكَاتِبَ أَخْبَرَهُ عَنْ أَبِي عَلِيٍّ النَّحْوِيِّ أَنَّهُ قَالَ : إنَّمَا يَجِبُ عَلَيْهِ

جَزَاءُ الْمَقْتُولِ لَا جَزَاءُ مِثْلِ الْمَقْتُولِ .
وَالْإِضَافَةُ تُوجِبُ جَزَاءَ الْمِثْلِ لَا جَزَاءَ الْمَقْتُولِ .
قَالَ : وَمَنْ أَضَافَ الْجَزَاءَ إلَى الْمِثْلِ فَإِنَّهُ يَخْرُجُ عَلَى تَقْدِيرِ إقْحَامِ الْمِثْلِ ؛ وَذَلِكَ كَقَوْلِهِمْ : أَنَا أُكْرِمُ مِثْلَك ؛ أَيْ أُكْرِمُك .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ : وَذَلِكَ سَائِغٌ فِي اللُّغَةِ ، وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ أَحَدُ التَّأْوِيلَاتِ فِي قَوْله تَعَالَى : { لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ } .
وَقَدْ حَقَّقْنَاهُ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : فِي سَرْدِ الْآثَارِ عَنْ السَّلَفِ فِي الْبَابِ : وَفِي ذَلِكَ آثَارٌ كَثِيرَةٌ ، لُبَابُهَا سَبْعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ السُّدِّيُّ : " فِي النَّعَامَةِ وَالْحِمَارِ بَدَنَةٌ ، وَفِي بَقَرَةِ الْوَحْشِ أَوْ الْإِبِلِ أَوْ الْأَرْوَى بَقَرَةٌ ، وَفِي الْغَزَالِ وَالْأَرْنَبِ شَاةٌ ، وَفِي الضَّبِّ وَالْيَرْبُوعِ سَخْلَةٌ قَدْ أَكَلَتْ الْعُشْبَ ، وَشَرِبَتْ الْمَاءَ ، فَفَرَّقَ بَيْنَ صَغِيرِ الصَّيْدِ وَكَبِيرِهِ .
الثَّانِي : قَالَ عَطَاءٌ : " صَغِيرُ الصَّيْدِ وَكَبِيرُهُ سَوَاءٌ " لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } ، مُطْلَقًا ، وَلَا يَفْصِلُ بَيْنَ صَغِيرٍ وَكَبِيرٍ .
الثَّالِثُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " تُطْلَبُ صِفَةُ الصَّيْدِ ، فَإِنْ لَمْ تُوجَدْ قُوِّمَ بِالدَّرَاهِمِ ، ثُمَّ قُوِّمَتْ الدَّرَاهِمُ بِالْحِنْطَةِ ، ثُمَّ صَامَ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا " .
الرَّابِعُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : " تُذْبَحُ عَنْ الظَّبْيِ شَاةٌ ؛ فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ سِتَّةَ مَسَاكِينَ .
فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ " .
الْخَامِسُ : قَالَ الضَّحَّاكُ : " الْمِثْلُ مَا كَانَ لَهُ قَرْنٌ كَوَعْلٍ وَأُيَّلٍ فَدَاهُ بِبَقَرَةٍ ، وَمَا لَمْ يَكُنْ لَهُ قَرْنٌ كَالنَّعَامَةِ وَالْحِمَارِ فَفِيهِ بَدَنَةٌ ، وَمَا كَانَ مِنْ ظَبْيٍ فَمِنْ النَّعَمِ مِثْلُهُ ، وَفِي الْأَرْنَبِ ثَنِيَّةٌ ، وَمَا كَانَ مِنْ يَرْبُوعٍ فَفِيهِ جَمَلٌ صَغِيرٌ .
فَإِنْ أَصَابَ فَرْخَ صَيْدٍ أَوْ بِيضَهُ تَصَدَّقَ بِثَمَنِهِ ، أَوْ صَامَ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا " .

السَّادِسُ : قَالَ النَّخَعِيُّ : " يُقَوِّمُ الصَّيْدَ الْمَقْتُولَ بِقِيمَتِهِ مِنْ الدَّرَاهِمِ ، ثُمَّ يَشْتَرِي الْقَاتِلُ بِقِيمَتِهِ فِدَاءً مِنْ النَّعَمِ ، ثُمَّ يُهْدِيه إلَى الْكَعْبَةِ " .
السَّابِعُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : " أَحْسَنُ مَا سَمِعْت فِي الَّذِي يَقْتُلُ الصَّيْدَ فَيُحْكَمُ عَلَيْهِ فِيهِ أَنَّهُ يُقَوِّمُ الصَّيْدَ الَّذِي أَصَابَ ، فَيَنْظُرُ كَمْ ثَمَنُهُ مِنْ الطَّعَامِ ؛ فَيُطْعِمُ لِكُلِّ مِسْكِينٍ مُدًّا ، أَوْ يَصُومُ مَكَانَ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا " .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْهُ : " إنْ قَوَّمَ الصَّيْدَ دَرَاهِمَ ثُمَّ قَوَّمَهَا طَعَامًا أَجْزَأَهُ " .
وَالصَّوَابُ الْأَوَّلُ .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ مِثْلَهُ قَالَ عَنْهُ : وَهُوَ فِي هَذِهِ الثَّلَاثَةِ بِالْخِيَارِ أَيْ ذَلِكَ فِعْلٌ أَجْزَأَهُ مُوسِرًا كَانَ أَوْ مُعْسِرًا ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ ، وَجُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ .

فَأَمَّا الْفَرْقُ بَيْنَ صَغِيرِ الصَّيْدِ وَكَبِيرِهِ وَهِيَ [ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ ] الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : [ الْفَرْقُ بَيْنَ صَغِيرِ الصَّيْدِ وَكَبِيرِهِ ] : فَصَحِيحٌ ، فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى حَكَمَ بِالْمِثْلِيَّةِ فِي الْخِلْقَةِ ، وَالصَّغِيرُ وَالْكَبِيرُ مُتَفَاوِتَانِ فِيهَا ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُ التَّفَاوُتُ فَإِنَّهُ أَمْرٌ يَعُودُ إلَى التَّقْوِيمِ ، فَوَجَبَ اعْتِبَارُ الصَّغِيرِ فِيهِ وَالْكَبِيرِ كَسَائِرِ الْمُتْلَفَاتِ ؛ وَهُوَ اخْتِيَارُ عُلَمَائِنَا ، وَلِذَلِكَ قَالُوا : لَوْ كَانَ الصَّيْدُ أَعْوَرَ أَوْ أَعْرَجَ أَوْ كَسِيرًا لَكَانَ الْمِثْلُ عَلَى صِفَتِهِ لِتَحَقُّقِ الْمِثْلِيَّةِ ، وَلَا يَلْزَمُ الْمُتْلِفَ فَوْقَ مَا أَتْلَفَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : وَأَمَّا تَرْتِيبُ الثَّلَاثَةِ الْوَاجِبَاتِ فِي هَذِهِ الْمِثْلِيَّةِ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : فَاَلَّذِي اخْتَارَهُ عُلَمَاؤُنَا كَمَا تَقَدَّمَ أَنْ يَكُونَ بِالْخِيَارِ فِيهَا ، وَاحْتَجُّوا بِأَنَّهُ ظَاهِرُ الْقُرْآنِ ، وَقَالُوا : كُلُّ شَيْءٍ يَكُونُ فِيهِ " أَوْ " فَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ .
وَتَحْقِيقُ الْمَسْأَلَةِ عِنْدِي أَنَّ الْأَمْرَ مَصْرُوفٌ إلَى الْحَكَمَيْنِ ، فَمَا رَأَيَاهُ مِنْ ذَلِكَ لَزِمَهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

وَأَمَّا تَقْدِيرُ الطَّعَامِ وَالصِّيَامِ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : فَذَلِكَ ظَاهِرٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ، حَيْثُ قَدَّرَهُ فِي كَفَّارَةِ الظِّهَارِ مِسْكِينًا بِيَوْمٍ ، وَلَا يُعْدَلُ عَنْ تَقْدِيرِهِ تَعَالَى وَتُقَدَّسُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ مِنْ التَّقْدِيرَاتِ تَتَعَارَضُ فِيهِ الْأَقْوَالُ ، وَلَا يَشْهَدُ لَهُ أَصْلٌ ؛ فَالِاقْتِصَارُ عَلَى الشَّاهِدِ الْجَلِيِّ أَوْلَى .

الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَوْله تَعَالَى : { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُقِيمُ الْمُتْلِفُ رَجُلَيْنِ عَدْلَيْنِ فَقِيهَيْنِ بِمَا يَحْتَاجُ إلَيْهِ فِي ذَلِكَ ، فَيَنْظُرَانِ فِيمَا أَصَابَ ، وَيَحْكُمَانِ عَلَيْهِ بِمَا رَأَيَاهُ فِي ذَلِكَ ، فَمَا حَكَمَا عَلَيْهِ لَزِمَهُ .
وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ إنْ كَانَ الْإِمَامُ حَاضِرًا أَوْ نَائِبَهُ أَنَّهُ يَكُونُ الْحُكْمُ إلَيْهِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ حَاضِرًا أَقَامَ حِينَئِذٍ الْمُتْلِفُ مَنْ يَحْكُمُ عَلَيْهِ .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى التَّحْكِيمِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : وَقَدْ تَقَدَّمَ الذِّكْرُ فِيهِ ، وَلِأَجْلِهِ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّهُ يَجُوزُ حُكْمُهُمَا بِغَيْرِ إذْنِ الْإِمَامِ ؛ وَذَلِكَ عِنْدِي صَحِيحٌ ؛ إذْ يَتَعَذَّرُ أَمْرُهُ .
وَقَدْ رَوَى جَرِيرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْبَجَلِيُّ قَالَ : أَصَبْت صَيْدًا ، وَأَنَا مُحْرِمٌ ، فَأَتَيْت عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ، فَأَخْبَرْته ، فَقَالَ : " ائْتِ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِك فَلْيَحْكُمَا عَلَيْك " فَأَتَيْت عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ وَسَعْدًا ، فَحَكَمَا عَلَيَّ بِتَيْسٍ أَعْفَرَ .
وَهُوَ أَيْضًا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَتَوَلَّى فَصْلَ الْقَضَاءِ رَجُلَانِ ، وَقَدْ مَنَعَتْهُ الْجَهَلَةُ ؛ لِأَنَّ اخْتِلَافَ اجْتِهَادِهِمَا يُوجِبُ تَوَقُّفَ الْأَحْكَامِ بَيْنَهُمَا ، وَقَدْ بَعَثَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُعَاذًا وَأَبَا مُوسَى إلَى الْيَمَنِ ، كُلُّ وَاحِدٍ عَلَى مِخْلَافٍ ، وَبَعَثَ أُنَيْسًا إلَى الْمَرْأَةِ الْمَرْجُومَةِ ، وَلَمْ يَأْتِ الِاشْتِرَاكُ فِي الْحُكْمِ إلَّا فِي هَذِهِ النَّازِلَةِ ؛ لِأَجْلِ أَنَّهَا عِبَادَةٌ لَا خُصُومَةَ فِيهَا ، فَإِنْ اتَّفَقَا لَزِمَ الْحُكْمُ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَإِنْ اخْتَلَفَا نُظِرَ فِي غَيْرِهِمَا .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ الْمَوَّازِ : وَلَا يَأْخُذُ بِأَرْفَعِ قَوْلِهِمَا ؛ يُرِيدُ لِأَنَّهُ عَمَلٌ بِغَيْرِ تَحْكِيمٍ ، وَكَذَلِكَ لَا يَنْتَقِلُ عَنْ الْمِثْلِ الْخِلْقِيِّ ، إذَا حَكَمَا بِهِ ، إلَى الطَّعَامِ ؛ لِأَنَّهُ أَمْرٌ قَدْ لَزِمَ قَالَهُ ابْنُ شَعْبَانَ ؛ وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : إنْ

أَمَرَهُمَا أَنْ يَحْكُمَا بِالْجَزَاءِ مِنْ الْمِثْلِ فَفَعَلَا ، فَأَرَادَ أَنْ يَنْتَقِلَ إلَى الطَّعَامِ جَازَ .
وَفِي هَذِهِ الرِّوَايَةِ تَجَاوُزٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : قَوْلُهُ : إنْ أَمَرَهُمَا أَنْ يَحْكُمَا بِالْمِثْلِ ، وَلَيْسَ الْأَمْرُ إلَيْهِ ، وَإِنَّمَا يُحَكِّمُهُمَا .
ثُمَّ يَنْظُرَانِ فِي الْقَضِيَّةِ ، فَمَا أَدَّى إلَيْهِ اجْتِهَادُهُمَا لَزِمَهُ ، وَلَا يَجُوزُ لَهُ أَنْ يَنْتَقِلَ عَنْهُ .
وَهُوَ الثَّانِي لِأَنَّهُ نَقْضٌ لِحُكْمِهِمَا ؛ وَذَلِكَ لَا يَجُوزُ لِالْتِزَامِهِ لِحُكْمِهِمَا .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } : الْمَعْنَى إذَا حَكَمَا بِالْمِثْلِ يَفْعَلُ بِهِ مَا يَفْعَلُ بِالْهَدْيِ ، يُقَلِّدُهُ وَيُشْعِرُهُ ، وَيُرْسِلُهُ إلَى مَكَّةَ وَيَنْحَرُهُ بِهَا ، وَيَتَصَدَّقُ بِهِ فِيهَا ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ } ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : وَلَا خِلَافَ فِي أَنَّ الْهَدْيَ لَا بُدَّ لَهُ مِنْ الْحَرَمِ .
وَاخْتُلِفَ هَلْ يُفْتَقَرُ إلَى حِلٍّ مَعَهُ ؟ فَقَالَ مَالِكٌ : لَا بُدَّ لَهُ مِنْ ذَلِكَ يَبْتَاعُ بِالْحِلِّ ، وَيُقَلِّدُ وَيُشْعِرُ ، وَيَدْفَعُ إلَى الْحَرَمِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يَحْتَاجُ إلَى الْحِلِّ .
وَحَقِيقَةُ قَوْله تَعَالَى : { بَالِغَ الْكَعْبَةِ } يَقْتَضِي أَنْ يَهْدِيَ مِنْ مَكَان يَبْلُغُ مِنْهُ إلَى الْكَعْبَةِ ، وَلَمْ يُرِدْ الْكَعْبَةَ بِعَيْنِهَا ؛ فَإِنَّ الْهَدْيَ لَا يَبْلُغُهَا ، إذْ هِيَ فِي الْمَسْجِدِ وَإِنَّمَا أَرَادَ الْحَرَمَ ، وَلِهَذَا قَالَ الشَّافِعِيُّ : إنَّ الصَّغِيرَ مِنْ الْهَدْيِ يَجِبُ فِي الصَّغِيرِ مِنْ الصَّيْدِ ، لِأَنَّهُ يَبْتَاعُهُ فِي الْحَرَمِ وَيُهْدِيه فِيهِ .
وَقَالَ مَالِكٌ : لَا يَكُونُ الْجَزَاءُ فِي الصَّغِيرِ إلَّا بِالْقِيمَةِ ؛ لِأَنَّ الْهَدْيَ الصَّغِيرَ لَا يُمْكِنُ حَمْلُهُ إلَى الْحَرَمِ ، وَهَذَا لَا يُغْنِي ؛ فَإِنَّ الصَّحَابَةَ قَضَتْ فِي الصَّغِيرِ صَغِيرًا ، وَفِي الْكَبِيرِ كَبِيرًا ، وَإِذَا تَعَذَّرَ حَمْلُهُ إلَى الْحَرَمِ حُمِلَتْ قِيمَتُهُ ، كَمَا لَوْ قَالَ بِالْمَغْرِبِ : بَعِيرِي هَذَا هَدْيٌ ، فَإِنَّهُ يُبَاعُ وَيُحْمَلُ ثَمَنُهُ إلَى مَكَّةَ ، وَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ فِي صَغِيرِ الْهَدْيِ مِثْلُهُ .
وَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّ صَغِيرَ الْهَدْيِ مِثْلُ كَبِيرِهِ فِي الْقِيمَةِ ، كَمَا أَنَّ صَغِيرَ الْآدَمِيِّ مِثْلُ كَبِيرِهِ فِي الدِّيَةِ .
وَهَذَا غَيْرُ صَحِيحٍ ؛ فَإِنَّ الدِّيَةَ مُقَدَّرَةٌ جَبْرًا ، وَهَذَا مُقَدَّرٌ نَظَرًا ، يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ ، فَافْتَرَقَا .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ كَفَّارَةٌ } سَمَّاهُ بِهَا لِيُبَيِّنَّ أَنَّ الطَّعَامَ عَنْ الصَّيْدِ لَا عَنْ الْهَدْيِ ، وَلِيُلْحِقَهَا بِأَمْثَالِهَا وَنَظَائِرِهَا عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { طَعَامُ مَسَاكِينَ } قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إذَا قَتَلَ الْمُحْرِمُ ظَبْيًا وَنَحْوَهُ فَعَلَيْهِ شَاةٌ تُذْبَحُ بِمَكَّةَ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَإِطْعَامُ سِتَّةِ مَسَاكِينَ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَعَلَيْهِ صِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ ، فَإِنْ قَتَلَ أُيَّلًا أَوْ نَحْوَهُ فَعَلَيْهِ بَقَرَةٌ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ أَطْعَمَ عِشْرِينَ مِسْكِينًا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ صَامَ عِشْرِينَ يَوْمًا ، وَإِنْ قَتَلَ نَعَامَةً أَوْ حِمَارًا فَعَلَيْهِ بَدَنَةٌ مِنْ الْإِبِلِ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَإِطْعَامُ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثِينَ يَوْمًا ، وَالطَّعَامُ مُدٌّ مُدٌّ لِشِبَعِهِمْ وَرُوِيَ عَنْهُ أَيْضًا : إنْ لَمْ يَجِدْ جَزَاءً قَوَّمَ الْجَزَاءَ دَرَاهِمَ ، ثُمَّ قُوِّمَتْ الدَّرَاهِمُ حِنْطَةً ، ثُمَّ صَامَ مَكَانَ كُلِّ نِصْفِ صَاعٍ يَوْمًا .
وَقَالَ : إنَّمَا أُرِيدَ بِالطَّعَامِ الصَّوْمَ ، فَإِذَا وَجَدَ طَعَامًا وَجَبَ جَزَاءً .
وَرُوِيَ نَحْوُهُ عَنْ النَّخَعِيِّ ، وَمُجَاهِدٍ ، وَالسُّدِّيِّ ، وَحَمَّادٍ ، وَغَيْرِهِمْ .
فَأَمَّا قَوْلُهُ : فَإِنْ لَمْ يَجِدْ هَدْيًا فَإِطْعَامُ سِتَّةَ مَسَاكِينَ ، فَقَدْ قَدَّمْنَا أَنَّهُ عَلَى التَّخْيِيرِ لَا عَلَى التَّرْتِيبِ بِمَا يَقْتَضِيه حَرْفُ " أَوْ " فِي لِسَانِ الْعَرَبِ .
وَأَمَّا تَقْدِيرُ الطَّعَامِ فِي الظَّبْيِ بِسِتَّةِ مَسَاكِينَ ، وَفِي الْبَدَنَةِ بِثَلَاثِينَ مِسْكِينًا فَلَيْسَ بِتَقْدِيرٍ نَافِذٍ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ تَحَكُّمٌ بِاخْتِيَارِ قِيمَةِ الطَّعَامِ بِالدَّرَاهِمِ أَصْلًا أَوْ بَدَلًا كَمَا تَقَدَّمَ ، ثُمَّ يُعْطَى عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا لَا نِصْفَ صَاعٍ .
وَقَدْ رَوَى بَكْرُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ الْمُزَنِيّ : كَانَ رَجُلَانِ مِنْ الْأَعْرَابِ مُحْرِمِينَ ، فَحَاشَ أَحَدُهُمَا صَيْدًا فَقَتَلَهُ الْآخَرُ ، فَأَتَيَا عُمَرُ ، وَعِنْدَهُ عَبْدُ

الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ ، فَقَالَ لَهُ عُمَرُ : مَا تَرَى ؟ قَالَ : شَاةٌ .
قَالَ : وَأَنَا أَرَى ذَلِكَ .
اذْهَبَا فَأَهْدَيَا شَاةً .
فَلَمَّا مَضَيَا قَالَ أَحَدُهُمَا لِصَاحِبِهِ : مَا دَرَى أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ مَا يَقُولُ ، حَتَّى سَأَلَ صَاحِبَهُ .
فَسَمِعَهُ عُمَرُ ، فَرَدَّهُمَا ، فَقَالَ : هَلْ تَقْرَآنِ سُورَةَ الْمَائِدَةِ ؟ فَقَالَا : لَا .
فَقَرَأَ عَلَيْهِمَا : { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْيًا } ثُمَّ قَالَ : اسْتَعَنْت بِصَاحِبِي هَذَا .
وَعَنْ قَبِيصَةَ وَصَاحِبٍ لَهُ أَنَّهُمَا أَصَابَا وَذَكَرَ الْحَدِيثَ ، فَقَالَ لِصَاحِبِهِ : إنَّ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ لَمْ يَدْرِ مَا يَقُولُ .
فَسَمِعَهُمَا عُمَرُ .
فَأَقْبَلَ عَلَيْهِ ضَرْبًا بِالدِّرَّةِ ، وَقَالَ : تَقْتُلُ الصَّيْدَ وَأَنْتَ مُحْرِمٌ ، وَتَغْمِصُ الْفُتْيَا ، إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَالَ فِي كِتَابِهِ : { يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } .
وَهَذَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ عَوْفٍ وَأَنَا عُمَرُ .

وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الِاشْتِرَاكَ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ الْمُحَرَّمِ يُوجِبُ عَلَى الْمُشْتَرِكِينَ كَفَّارَةً وَاحِدَةً لِقَضَاءِ عُمَرَ وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ بِشَاةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى رَجُلَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءٌ كَامِلٌ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : وَهِيَ تَنْبَنِي عَلَى أَصْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : لُغَوِيٌّ قُرْآنِيٌّ ، وَالْآخَرُ مَعْنَوِيٌّ .
أَمَّا اللُّغَوِيُّ الْقُرْآنِيُّ : فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْ الْقَاتِلِينَ لِلصَّيْدِ قَاتِلٌ نَفْسًا عَلَى الْكَمَالِ وَالتَّمَامِ ، بِدَلِيلِ قَتْلِ الْجَمَاعَةِ بِالْوَاحِدِ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مُتْلِفٌ نَفْسًا عَلَى الْكَمَالِ وَمُذْهِبٌ رَوْحًا عَلَى التَّمَامِ .
وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا وَجَبَ عَلَيْهِمْ الْقِصَاصُ ، وَقَدْ قُلْنَا بِوُجُوبِهِ إجْمَاعًا مِنَّا وَمِنْهُمْ فَثَبَتَ مَا قُلْنَا .
وَأَمَّا الْمَعْنَوِيُّ : فَإِنَّ عِنْدَنَا أَنَّ الْجَزَاءَ كَفَّارَةٌ ، وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ قِيمَةٌ .
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ هَذَا الْجَزَاءَ كَفَّارَةٌ وَمُقَابِلٌ لِلْجِنَايَةِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ جَنَى عَلَى إحْرَامِهِ جِنَايَةً كَامِلَةً ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُسَمَّى قَاتِلًا ؛ وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ سَمَّى الْجَزَاءَ كَفَّارَةً فِي كِتَابِهِ .
وَأَمَّا كَمَالُ الْجِنَايَةِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ عَلَى الْإِحْرَامِ فَصَحِيحٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ ارْتَكَبَ مَحْظُورَ إحْرَامِهِ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ ، وَسُمِّيَ قَاتِلًا حَقِيقَةً فَوَجَبَ عَلَى كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ جَزَاءً .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّهُ يَقُومُ بِقِيمَةِ الصَّيْدِ ، وَيَلْحَظُ فِيهِ شِبْهَهُ .
وَلَوْ كَانَ كَفَّارَةً لَاعْتُبِرَ مُطْلَقًا مِنْ اعْتِبَارِ ذَلِكَ كُلِّهِ ، كَمَا فِي كَفَّارَةِ الْقَتْلِ ، فَلَمَّا كَانَ كَذَلِكَ صَارَ كَالدِّيَةِ .
قُلْنَا : هَذَا بَاطِلٌ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ دُخُولُ الصَّوْمِ عَلَيْهِ .
وَلَوْ كَانَ بَدَلَ مُتْلَفٍ مَا دَخَلَ الصِّيَامُ عَلَيْهِ ، فَإِنَّ الصِّيَامَ إنَّمَا مَوْضِعُهُ وَمَوْضُوعُهُ

الْكَفَّارَاتُ ، لَا أَبْدَالُ الْمُتْلَفَاتِ .
جَوَابٌ آخَرُ : وَذَلِكَ أَنَّهُ إنَّمَا تُقَدَّرُ بِقَدْرِ الْمَحِلِّ ؛ لِأَنَّ الْجِنَايَةَ لَهَا ، مَحِلٌّ ، فَيَزِيدُ بِزِيَادَتِهِ ، وَيَنْقُصُ بِنُقْصَانِهِ ، بِخِلَافِ كَفَّارَةِ الْآدَمِيِّ فَإِنَّهُ حَدٌّ لَا يَتَقَدَّرُ حَقِيقَةً فَيُقَدَّرُ كَفَّارَةً .
جَوَابٌ ثَالِثُ : وَذَلِكَ أَنَّ الْجَزَاءَ لَا يَجُوزُ إسْقَاطُهُ ، وَالدِّيَةُ يَجُوزُ إسْقَاطُهَا ، فَدَلَّ عَلَى اخْتِلَافِهِمَا بِالصِّفَةِ وَالْمَوْضُوعِ .
جَوَابٌ رَابِعُ : وَذَلِكَ أَنَّ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى يَسْتَوِي فِي الْجَزَاءِ ، وَيَخْتَلِفُ فِي الدِّيَةِ ، وَقِيمَةِ الْإِتْلَافِ ؛ فَدَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى الْفَرْقِ بَيْنَهُمَا ، وَظَهَرَ أَنَّ ذَلِكَ مِنْ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ ضَعِيفٌ جِدًّا .
وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : خَالَفَ أَبُو حَنِيفَةَ مَالِكًا فِي فَرْعٍ ؛ وَهُوَ إذَا قَتَلَ جَمَاعَةٌ صَيْدًا فِي حَرَمٍ وَهُمْ مُحِلُّونَ فَعَلَيْهِمْ جَزَاءٌ وَاحِدٌ ، بِخِلَافِ مَا لَوْ قَتَلَهُ الْمُحْرِمُونَ فِي الْحِلِّ ، وَهُوَ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَتَلَ نَفْسًا مُحَرَّمَةً ، فَسَوَاءٌ كَانَتْ فِي الْحِلِّ أَوْ فِي الْحَرَمِ فَإِنَّ ذَلِكَ لَا يَخْتَلِفُ .
وَأَمَّا الْقَاضِي أَبُو زَيْدٍ فَبَنَاهُ فِي أَسْرَارِ اللَّهِ عَلَى أَصْلٍ ، وَهُوَ أَنَّهُ قَالَ : السِّرُّ فِيهِ أَنَّ الْجِنَايَةَ فِي الْإِحْرَامِ عَلَى الْعِبَادِ ، فَقَدْ ارْتَكَبَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ مَحْظُورًا فِي إحْرَامِهِ .
وَإِذَا قَتَلَ صَيْدًا فِي الْحَرَمِ فَإِنَّمَا أَتْلَفَ نَفْسًا مُحْتَرَمَةً فَكَانَ بِمَنْزِلَةِ مَا لَوْ أَتْلَفَ جَمَاعَةٌ دَابَّةً ، فَإِنَّ كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ قَاتِلٌ دَابَّةً ، وَيَشْتَرِكُونَ فِي الْقِيمَةِ ، وَهَذَا مِمَّا يَسْتَهِينُ بِهِ عُلَمَاؤُنَا ، وَهُوَ عَسِيرُ الِانْفِصَالِ .
وَقَدْ عَوَّلَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ يَكُونُ مُحْرِمًا بِدُخُولِهِ فِي الْحَرَمِ ، كَمَا يَكُونُ مُحْرِمًا بِتَلْبِيَتِهِ بِالْإِحْرَامِ ، وَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْفِعْلَيْنِ قَدْ أَكْسَبَهُ صِفَةً تَعَلَّقَ بِهَا نَهْيٌ ، فَهُوَ هَاتِكٌ لَهَا فِي الْحَالَيْنِ .
وَأَبُو حَنِيفَةَ أَقْوَى مِنَّا ، عَلَى أَنَّ عُلَمَاءَنَا قَالُوا : إذَا قَتَلَ الصَّيْدَ فِي الْحِلِّ وَهُوَ مُحْرِمٌ فَعَلَيْهِ الْجَزَاءُ ، وَإِنْ قَتَلَهُ فِي الْحَرَمِ فَعَلَيْهِ حُكُومَةٌ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا جَزَاءَ فِي صَيْدِ الْحَرَمِ أَصْلًا .
وَقَالَ سَائِرُ الْعُلَمَاءِ : حُرْمَةُ الْحَرَمِ كَالْإِحْرَامِ ، وَاللَّفْظُ فِيهِمَا وَاحِدٌ ، يُقَالُ : أَحْرَمَ الرَّجُلُ إذَا تَلَبَّسَ بِالْإِحْرَامِ ، كَمَا يُقَالُ : أَحْرَمَ إذَا دَخَلَ فِي الْحَرَمِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ ، فَلَا مَعْنَى لِمَا قَالَهُ مَنْ أَسْقَطَ الْجَزَاءَ فِيهِ ، وَيُضَعَّفُ قَوْلُ عُلَمَائِنَا لِاقْتِضَاءِ اللَّفْظِ لِوُجُوبِ الْجَزَاءِ وَعُمُومِ الْحُكْمِ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ :

وَكَذَلِكَ كَفَّارَةُ الْعَبْدِ إذَا أَحْرَمَ أَوْ دَخَلَ الْحَرَمَ كَكَفَّارَةِ الْحُرِّ سَوَاءٌ ؛ لَكِنْ يَكُونُ حُكْمُهُ فِي الْكَفَّارَةِ الْمَالِيَّةِ وَالْبَدَنِيَّةِ مُخْتَلِفَ الْحَالِ ، كَمَا سَيَأْتِي فِي آيَةِ الظِّهَارِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ ثَلَاثِينَ : إذَا قُوِّمَ الطَّعَامُ فَاخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ أَيْنَ يُقَوَّمُ ؟ فَقَالَ قَوْمٌ : يُقَوَّمُ فِي مَوْضِعِ الْجِنَايَةِ ؛ قَالَهُ حَمَّادٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَمَالِكٌ وَسِوَاهُمْ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يُقَوَّمُ حَيْثُ يُكَفِّرُ بِمَكَّةَ .
وَرُوِيَ عَنْ الشَّعْبِيِّ .
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ جِدًّا ؛ فَإِنَّ الْعُلَمَاءَ اخْتَلَفُوا فِي الْوَقْتِ الَّذِي تُعْتَبَرُ بِهِ قِيمَةُ الْمُتْلَفِ ؛ فَقَالَ قَوْمٌ : يَوْمَ الْإِتْلَافِ .
وَقَالَ آخَرُ : يَوْمَ الْقَضَاءِ .
وَقَالَ آخَرُونَ : يَلْزَمُ الْمُتْلِفُ أَكْثَرَ الْقِيمَتَيْنِ مِنْ الْإِتْلَافِ إلَى يَوْمِ الْحُكْمِ ، وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا كَاخْتِلَافِهِمْ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ يَلْزَمُ الْقِيمَةَ يَوْمَ الْإِتْلَافِ ، وَهَذِهِ الْمَسْأَلَةُ مَحْمُولَةٌ عَلَيْهَا .
وَالدَّلِيلُ عَلَى ذَلِكَ أَنَّ الْوُجُوبَ كَانَ حَقًّا لِلْمُتْلَفِ عَلَيْهِ ، فَإِذَا أَعْدَمَهُ الْمُتْلِفُ لَزِمَهُ إيجَادُهُ بِمِثْلِهِ ، وَذَلِكَ فِي وَقْتِ الْعَدَمِ ، فَالْقَضَاءُ يُظْهِرُ الْوَاجِبَ فِي ذِمَّةِ الْمُتْلِفِ ، وَلَا يَسْتَأْنِفُ الْقَاضِي إيجَابًا لَمْ يَكُنْ ، وَهَذَا يُعَضِّدُ فِي مَسْأَلَتِنَا الْوُجُوبَ فِي مَوْضِعِ الْإِتْلَافِ ، فَأَمَّا فِي مَوْضِعِ فِعْلِ الْكَفَّارَةِ فَلَا وَجْهَ لَهُ .

الْمَسْأَلَة الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَأَمَّا الْهَدْيُ فَلَا بُدَّ لَهُ مِنْ مَكَّةَ .
وَأَمَّا الْإِطْعَامُ فَاخْتَلَفَ فِيهِ قَوْلُ مَالِكٍ ؛ هَلْ يَكُونُ بِمَكَّةَ أَوْ بِمَوْضِعِ الْإِصَابَةِ .
وَأَمَّا الصَّوْمُ فَلَمْ يَخْتَلِفْ قَوْلُهُ : إنَّهُ يَصُومُ حَيْثُ شَاءَ .
وَقَالَ حَمَّادٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : يُكَفِّرُ بِمَوْضِعِ الْإِصَابَةِ .
وَقَالَ عَطَاءٌ : مَا كَانَ مِنْ دَمٍ أَوْ طَعَامٍ بِمَكَّةَ ، وَيَصُومُ حَيْثُ شَاءَ .
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : يُكَفِّرُ حَيْثُ شَاءَ .
فَأَمَّا قَوْلُ أَبِي حَنِيفَةَ : إنَّهُ يُكَفِّرُ حَيْثُ أَصَابَ ، فَلَا وَجْهَ لَهُ فِي النَّظَرِ وَلَا أَثَرَ فِيهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَصُومُ حَيْثُ شَاءَ فَلِأَنَّ الصَّوْمَ عِبَادَةٌ تَخْتَصُّ بِالصَّائِمِ ، فَتَكُونُ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ كَصِيَامِ سَائِرِ الْكَفَّارَاتِ فِي الْحَجِّ وَغَيْرِهَا .
وَأَمَّا وَجْهُ الْقَوْلِ بِأَنَّ الطَّعَامَ يَكُونُ بِمَكَّةَ فَلِأَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الْهَدْيِ أَوْ نَظِيرٌ لَهُ ؛ وَالْهَدْيُ حَقٌّ لِمَسَاكِينِ مَكَّةَ ؛ فَلِذَلِكَ يَكُونُ بِمَكَّةَ بَدَلَهُ أَوْ نَظِيرَهُ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَكُونُ بِكُلِّ مَوْضِعٍ ، وَهُوَ الْمُخْتَارُ ، فَإِنَّهُ اعْتِبَارٌ بِكُلِّ طَعَامٍ وَفِدْيَةٍ ، فَإِنَّهَا تَجُوزُ بِكُلِّ مَوْضِعٍ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ عَدْلُ ذَلِكَ صِيَامًا لِيَذُوقَ وَبَالَ أَمْرِهِ } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : الْعَدْلُ وَالْعِدْلُ بِفَتْحِ الْعَيْنِ وَكَسْرِهَا : هُوَ الْمِثْلُ ، وَيُؤْثَرُ عَنْ السَّكَّاكِيِّ أَنَّهُ قَالَ : عِدْلُ الشَّيْءِ بِكَسْرِ الْعَيْنِ مِثْلُهُ مِنْ جِنْسِهِ ، وَبِفَتْحِ الْعَيْنِ مِثْلُهُ مِنْ غَيْرِ جِنْسِهِ ، وَأَرَادَ أَوْ يَصُومُ صَوْمًا مُمَاثِلًا لِلطَّعَامِ ، وَلَا يَصِحُّ أَنْ يُمَاثِلَ الطَّعَامُ الطَّعَامَ فِي وَجْهٍ أَقْرَبَ مِنْ الْعَدَدِ .
وَقَدْ تَقَدَّمَ تَوْجِيهُهُ .
وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ قَالَ : يَصُومُ عَلَى عَدَدِ الْمَسَاكِينِ فِي الطَّعَامِ لَا عَلَى عَدَدِ الْأَمْدَادِ الْأَشْهُرِ ، وَهُوَ عِنْدَ عُلَمَائِنَا ، وَالْكَافَّةِ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَدَّرَهُ بِالْأَمْدَادِ ، وَقَدْ قَالَ الشَّافِعِيُّ : عَنْ كُلِّ مُدٍّ يَوْمًا ، وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّانِي لِمَالِكٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَصُومُ عَنْ كُلِّ مُدَّيْنِ يَوْمًا اعْتِبَارًا بِفِدْيَةِ الْأَذَى .
وَاعْتِبَارُ الْكَفَّارَةِ بِالْفِدْيَةِ لَا وَجْهَ لَهُ فِي الشَّرِيعَةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي نُظَرَائِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : إنَّمَا يُفْتَقَرُ إلَى الْحَكَمَيْنِ فِي مَوْضِعَيْنِ ؛ فِي الْجَزَاءِ مِنْ النَّعَمِ ، وَالْإِطْعَامِ ؛ وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ بَلْ يَحْتَاجُ إلَيْهِمَا فِي الْحَالِ كُلِّهَا ، وَهِيَ تَنْحَصِرُ فِي مَوَاضِعَ سَبْعَةٍ : الْأَوَّلُ : هَلْ يُحْكَمُ فِي الْعَمْدِ وَالْخَطَأِ أَوْ فِي الْعَمْدِ وَحْدَهُ ؟ الثَّانِي : هَلْ يُحْكَمُ فِي قَتْلِ الصَّيْدِ فِي الْحَرَمِ كَمَا يَكُونُ فِي الْإِحْرَامِ ؟ الثَّالِثُ : هَلْ يُحْكَمُ بِالْجَزَاءِ حَيَوَانًا أَوْ قِيمَةً ؟ الرَّابِعُ : إذَا رَأَى الْحَيَوَانَ جَزَاءً عَنْ حَيَوَانٍ .
فِي تَعْيِينِ الْحَيَوَانِ خِلَافٌ كَثِيرٌ لَا بُدَّ مِنْ تَسْلِيطِ نَظَرِهِ عَلَيْهِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ مِنْ اخْتِلَافِ الْعُلَمَاءِ فِيهِ ؛ هَلْ يَسْتَوِي صَغِيرُهُ وَكَبِيرُهُ كَمَا قَالَ مَالِكٌ فِي الْكِتَابِ حِينَ جَعَلَهُ كَالدِّيَةِ أَمْ لَا ؟ وَهَلْ يُرَاعِي صِفَاتِهِ أَجْمَعَ حَتَّى الْجَمَالِ وَالْحُسْنِ ، أَمْ تُرَاعَى

الْأُصُولُ ، أَوْ يُرَاعَى الْعَيْبُ وَالسَّلَامَةُ ، أَوْ هُمَا وَاحِدٌ ؟ وَهَلْ يَكُونُ فِي النَّعَامَةِ بَدَنَةٌ كَمَا فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ وَغَيْرِهِ ، أَمْ يَكُونُ فِيهَا الْقِيمَةُ ؛ لِأَنَّهَا لَا تُقَارِبُ خَلْقَ الْبَقَرِ وَلَا تَبْلُغُ خَلْقَ الْإِبِلِ ؟ الْخَامِسُ : هَلْ الْحَيَوَانَاتُ كُلُّهَا تُجْزِئُ أَمْ بَعْضُهَا ؟ السَّادِسُ : هَلْ يَقُومُ الْمِثْلُ بِالطَّعَامِ أَوْ بِالدَّرَاهِمِ ؟ السَّابِعُ : هَلْ يَكُونُ التَّقْوِيمُ بِمَوْضِعِ الْإِصَابَةِ أَمْ بِمَوْضِعِ الْكَفَّارَةِ ؟ وَهَكَذَا إلَى آخِرِ فُصُولِ الِاخْتِلَافِ ، فَيُرْفَعُ الْأَمْرُ إلَى الْحُكْمَيْنِ حَتَّى يُخَلِّصَ اجْتِهَادُهُمَا مَا يَجِبُ عَلَيْهِ مِنْ الْوُجُوهِ الْمُخْتَلِفَةِ ، فَيَلْزَمُهُ مَا قَالَا .
وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : إذَا قَتَلَ مُحْرِمٌ صَيْدًا فَجَزَاهُ .
ثُمَّ قَتَلَهُ ثَانِيَةً وَجَبَ عَلَيْهِ الْجَزَاءُ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } ، وَلَمْ يَفْصِلْ بَيْنَ الْمَرَّةِ الْأُولَى وَالثَّانِيَةِ ، وَمِمَّنْ تَعَلَّقَ بِهَذَا الدَّلِيلِ أَحْبَارٌ مِمَّنْ لَا يَلِيقُ بِمَرْتَبَتِهِمْ إيرَادُ هَذَا الدَّلِيلِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ ؛ فَإِنَّ كُلَّ حُكْمٍ عُلِّقَ بِشَرْطٍ لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكْرَارِ الشَّرْطِ ، فَمَنْ قَالَ لِزَوْجَتِهِ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَأَنْتِ طَالِقٌ [ فَإِنَّ الطَّلَاقَ ] لَا يَتَكَرَّرُ بِتَكْرَارِ الدُّخُولِ ، فَإِنْ قَامَ دَلِيلٌ عَلَى تَكْرَارِ الْحُكْمِ بِتَكْرَارِ الشَّرْطِ فَذَلِكَ مَأْخُوذٌ مِنْ الدَّلِيلِ الْقَائِمِ عَلَيْهِ لَا مِنْ جِهَةِ الشَّرْطِ الْمُضَافِ إلَيْهِ ؛ كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ } فَإِنَّ الْوُضُوءَ يَتَكَرَّرُ بِتَكَرُّرِ الْقِيَامِ مَعَ الْحَدَثِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَقْبَلُ اللَّهُ صَلَاةً بِغَيْرِ طُهُورٍ } .
وَهَا هُنَا تَكَرَّرَ الِاسْمُ بِتَكَرُّرِ الشَّرْطِ ، بِقَوْلِهِ : { لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } .
وَالنَّهْيُ دَائِمٌ مُسْتَمِرٌّ عَلَيْهِ ، فَالْجَزَاءُ لِأَجْلِ ذَلِكَ مُتَوَجِّهٌ لَازِمٌ ذِمَّتَهُ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ : { عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عَادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ } وَلَمْ يَذْكُرْ جَزَاءً وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قُلْنَا : قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ } يَعْنِي فِي الْجَاهِلِيَّةِ لَا الْإِسْلَامِ ، أَوْ عَمَّا قَبْلَ بَيَانِ الْحُكْمِ ؛ فَإِنَّ الْوَاقِعَ قَبْلَهُ عَفْوٌ .
وقَوْله تَعَالَى : { وَمَنْ عَادَ } وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : يَعْنِي فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ ، وَعَلَيْهِ بِمَا تَقَدَّمَ مِنْ الدَّلِيلِ الْكَفَّارَةُ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : لَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ مَرَّتَيْنِ فِي الْإِسْلَامِ ،

وَهَذَا لَا يَصِحُّ ؛ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ تَمَادِي التَّحْرِيمِ فِي الْإِحْرَامِ وَتَوَجُّهِ الْخِطَابِ عَلَيْهِ فِي دِينِ الْإِسْلَامِ .
وَوَجْهٌ آخَرُ مِنْ الدَّلِيلِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : { وَمَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّدًا } يَعْنِي وَهُوَ مُحْرِمٌ ، { فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنْ النَّعَمِ } .
وَقَدْ قَالَ بِقَوْلِ ابْنِ عَبَّاسٍ الْحَسَنُ وَإِبْرَاهِيمَ وَمُجَاهِدٌ وَشُرَيْحٌ .
وَيُرْوَى عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ أَنَّهُ سُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : نَعَمْ نَحْكُمُ عَلَيْهِ أَفَيُخْلَعُ يَعْنِي يُخْرَجُ عَنْ حُكْمِ الْمُحْرِمِينَ ؛ كَمَا قَالَ مُجَاهِدٌ : إنَّهُ إذَا قَتَلَهُ مُتَعَمِّدًا فَقَدْ حَلَّ إحْرَامُهُ ؛ لِأَنَّهُ ارْتَكَبَ مَحْظُورًا [ يُنَافِي ] عِبَادَةً فِيهَا ، فَأَبْطَلَهَا ، كَمَا لَوْ تَكَلَّمَ فِي الصَّلَاةِ أَوْ أَحْدَثَ فِيهَا .
وَدَلِيلُنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الْجَزَاءَ وَلَمْ يَذْكُرْ الْفَسَادَ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ مَا يُفْسِدُ الْحَجَّ مِنْ مَحْظُورَاتِهِ بِمَا يُغْنِي عَنْ إعَادَتِهِ ، فَلَا يَصِحُّ اعْتِبَارُ الْحَجِّ بِالصَّلَاةِ فَإِنَّهُمَا مُخْتَلِفَانِ شَرْطًا وَوَصْفًا وَوَضْعًا فِي الْأَصْلِ ، فَلَا يُعْتَبَرُ أَحَدُهُمَا بِالْآخِرِ بِحَالٍ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ وَفِيمَا تَقَدَّمَ ، كَمَا أَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ الْمُعَلَّيْ أَنَّ رَجُلًا أَصَابَ صَيْدًا وَهُوَ مُحْرِمٌ فَتَجُوزُ عَنْهُ ، ثُمَّ عَادَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ نَارًا مِنْ السَّمَاءِ فَأَحْرَقَتْهُ ، وَهَذِهِ عِبْرَةٌ لِلْأُمَّةِ وَكَفٌّ لِلْمُعْتَدِينَ عَنْ الْمَعْصِيَةِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : مَا تَقَدَّمَ فِيهِ لِلصَّحَابَةِ حُكْمٌ مِنْ الْجَزَاءِ فِي صَيْدٍ يَبْتَدِئُ الْآنَ الْحَكَمَانِ النَّظَرَ فِيهِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُنْظَرُ فِيمَا نَظَرَتْ فِيهِ الصَّحَابَةُ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ نَفَذَ ، وَهَذَا يَبْطُلُ بِقَضَايَا الدِّينِ ؛ فَإِنَّ كُلَّ حُكْمٍ أَنْفَذَتْهُ الصَّحَابَةُ يَجُوزُ الِاجْتِهَادُ فِيهِ ثَانِيًا .
وَذَلِكَ فِيمَا لَمْ يَرِدْ فِيهِ نَصٌّ وَلَا انْعَقَدَ عَلَيْهِ إجْمَاعٌ ، وَهَذَا أَبْيَنُ مِنْ إطْنَابٍ فِيهِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ : لَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَانِي أَحَدَ الْحَكَمَيْنِ ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْجَانِي أَحَدَ الْحَكَمَيْنِ ، وَهَذَا تَسَامُحٌ مِنْهُ ؛ فَإِنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ يَقْتَضِي جَانِيًا وَحَكَمَيْنِ ، فَحَذْفُ بَعْضِ الْعَدَدِ إسْقَاطٌ لِلظَّاهِرِ ، وَإِفْسَادٌ لِلْمَعْنَى لِأَنَّ حُكْمَ الْمَرْءِ لِنَفْسِهِ لَا يَجُوزُ ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ جَائِزًا لَاسْتَغْنَى بِنَفْسِهِ عَنْ غَيْرِهِ ؛ لِأَنَّهُ حُكْمٌ بَيْنَهُ وَبَيْنَ اللَّهِ ، فَزِيَادَةُ ثَانٍ إلَيْهِ غَيْرَهُ دَلِيلٌ عَلَى اسْتِئْنَافِ الْحُكْمِ بِرَجُلَيْنِ سِوَاهُ .

الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ وَطَعَامُهُ مَتَاعًا لَكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إلَيْهِ تُحْشَرُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ { أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ } : عَامٌّ فِي الْمُحِلِّ وَالْمُحْرِمِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ مِنْ جِهَةِ التَّقْسِيمِ وَالتَّنْوِيعِ قَبْلَ هَذَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْلُهُ : { الْبَحْرِ } هُوَ كُلُّ مَاءٍ كَثِيرٍ ، وَأَصْلُهُ الِاجْتِمَاعُ ، وَلِذَلِكَ سُمِّيَتْ الْمَدَائِنُ بِحَارًا .
وَيُقَالُ لِلْبَلْدَةِ : الْبَحْرَةُ وَالْبُحَيْرَةُ ؛ لِاجْتِمَاعِ النَّاسِ فِيهَا ؛ وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : { ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ } : إنَّ الْبَحْرَ الْبِلَادُ ، وَالْبَرَّ الْفَيَافِي وَالْقِفَارُ .
وَفَائِدَتُهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ بَرًّا وَبَحْرًا وَهَوَاءً ، وَجَعَلَ لِكُلِّ مَخْلُوقٍ مِنْ هَذِهِ الْمَخْلُوقَاتِ الثَّلَاثَةِ عِمَارَةً ، فَعِمَارَةُ الْهَوَاءِ الطَّيْرُ ، وَعِمَارَةُ الْمَاءِ الْحِيتَانُ ، وَعِمَارَةُ الْأَرْضِ سَائِرُ الْحَيَوَانِ ، وَجَعَلَ كُلَّ ذَلِكَ مُبَاحًا لِلْإِنْسَانِ عَلَى شُرُوطٍ وَتَنْوِيعٍ ، هِيَ مُبَيَّنَةٌ فِي مَسَائِلِ الْأَحْكَامِ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا } .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { صَيْدُ الْبَحْرِ } : وَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَا صِيدَ مِنْهُ عَلَى مَعْنَى تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِالْفِعْلِ حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .
الثَّانِي : هُوَ حِيتَانُهُ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّالِثُ : السَّمَكُ الْجَرِيُّ ؛ قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ .
وَهَذِهِ الْأَقْوَالُ الثَّلَاثَةُ تَرْجِعُ إلَى قَوْلٍ وَاحِدٍ ، وَهِيَ حِيتَانُهُ تَفْسِيرًا ، وَيَرْجِعُ مِنْ طَرِيقِ الِاشْتِقَاقِ إلَى أَنَّهُ أَرَادَ مَا حُووِلَ أَخْذُهُ بِحِيلَةٍ وَعَمَلٍ ، وَيَدْخُلُ تَحْتَ قَوْلِهِ : مَا صِيدَ مِنْهُ ، وَهُوَ أَصْلُ الْمَسْأَلَةِ ، فَكَأَنَّهُ قَالَ : " أُحِلَّ لَكُمْ أَخْذُ مَا فِي الْبَحْرِ مِنْ الْحِيتَانِ بِالْمُحَاوَلَةِ ، وَأُحِلَّ لَكُمْ طَعَامُهُ ، وَهُوَ مَا أُخِذَ بِغَيْرِ مُحَاوَلَةٍ " وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَاَلَّذِي يُؤْخَذُ بِغَيْرِ مُحَاوَلَةٍ وَلَا حِيلَةَ عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا طَفَا عَلَيْهِ مَيْتًا .
وَالثَّانِي : مَا جَزَرَ عَنْهُ الْمَاءُ ، فَأَخَذَهُ النَّاسُ .
وَكَذَلِكَ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَطَعَامُهُ } : عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَا جَزَرَ عَنْهُ .
وَالثَّانِي : مَا طَفَا عَلَيْهِ ؛ قَالَهُ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ وَقَتَادَةُ ، وَهِيَ رِوَايَةُ مَعْنٍ عَنْ سُفْيَانَ ، قَالَ : صَيْدُ الْبَحْرِ مَا صِيدَ ، وَطَعَامُهُ مَيْتَتُهُ .
الثَّالِثُ : مَمْلُوحُهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أَلْقَاهُ الْبَحْرُ أَوْ جَزَرَ عَنْهُ فَكُلُوهُ ، وَمَا مَاتَ فِيهِ فَطَفَا فَلَا تَأْكُلُوهُ } .
وَقَالَ أَبُو دَاوُد : الصَّحِيحُ أَنَّهُ مَوْقُوفٌ عَلَى جَابِرٍ .
وَرَوَى مَالِكٌ وَالنَّسَائِيُّ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي الْبَحْرِ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } .
وَهَذَا نَصٌّ لَا غُبَارَ عَلَيْهِ ، وَلَا كَلَامَ بَعْدَهُ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَتَعَلَّقَ أَصْحَابُ أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِينَ قَالُوا : إنَّ مَيْتَةَ الْبَحْرِ

=======ج999999999999999999999======================



ج9.كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي


حَرَامٌ بِعُمُومِ قَوْله تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ } وَهِيَ كُلُّ حَيَوَانٍ مَاتَ حَتْفَ أَنْفِهِ مِنْ غَيْرِ ذَكَاةٍ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ يَخُصُّ هَذَا الْعُمُومَ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ قَالَ بِهِ الْخَلِيفَتَانِ أَبُو بَكْرٍ وَعُمَرُ ، وَثَبَتَ بِحَدِيثِ جَابِرٍ { عَنْ أَبِي عُبَيْدَةَ مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَكْلِهِمْ الْحُوتَ الْمَيِّتَ فِي غُزَاةِ سَيْفِ الْبَحْرِ ، وَمِنْ ادِّخَارِهِمْ مِنْهُ جُزْءًا ، حَتَّى لَقُوا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَكَلَ مِنْهُ } .
فَإِنْ قِيلَ : هَذِهِ الْآيَةُ إنَّمَا سِيقَتْ لِبَيَانِ مَا يُحَرَّمُ بِالْإِحْرَامِ ، وَمَا لَا يُحَرَّمُ بِهِ ، لَا لِبَيَانِ مَا حَرُمَ بِنَفْسِهِ .
وَإِنَّمَا بَيَانُ هَذِهِ الْحُرْمَةِ فِي قَوْله تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ } إلَى آخِرِهَا .
وَالْمُرَادُ بِالْحَدِيثِ السَّمَكُ الْمَذْكُورُ .
وَفِي الْحَدِيثِ الْآخَرِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ فَأَمَّا الْمَيْتَتَانِ فَالسَّمَكُ وَالْجَرَادُ .
وَهَذِهِ عُمْدَةُ أَصْحَابِ أَبِي حَنِيفَةَ .
قُلْنَا : هَذَا قَلْبُ الْمَبْنَى ، وَإِفْسَادُ الْمَعْنَى لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ الَّتِي نَحْنُ فِيهَا إنَّمَا جَاءَتْ لِبَيَانِ تَحْلِيلِ الصَّيْدِ ، وَهُوَ أَخْذُ مَا لَا قُدْرَةَ لِلْعَبْدِ عَلَيْهِ ، وَلَا أَنَسَ لَهُ بِهِ ، وَصِفَةُ تَذْكِيَتِهِ حَتَّى يَحِلَّ ، وَلِهَذَا قُلْنَا : إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَاطَبَ بِهِ الْمُحِلِّينَ ، فَبَيَّنَ رُكْنَ التَّحْلِيلِ فِي ذَلِكَ وَأَخْذَهُ بِالْقَهْرِ وَالْحِيلَةِ فِي كِبَارِهِ ، وَبِالْيُسْرِ فِي صِغَارِهِ ، ثُمَّ أَطْلَقَ تَحْلِيلَ صَيْدِ الْبَحْرِ فِي بَابِهِ ، وَزَادَ مَا لَا يُصَادُ مِنْهُ ؛ وَإِنَّمَا يَرْمِيهِ الْبَحْرُ رَمْيًا ، ثُمَّ قَيَّدَ تَحْرِيمَ صَيْدِ الْبَرِّ خَاصَّةً بِالْإِحْرَامِ ، وَبَقِيَ الْبَاقِي عَلَى أَصْلِ الْإِبَاحَةِ .
فَأَمَّا الْمُحَرَّمَاتُ وَأَجْنَاسُهَا فَقَدْ تَقَدَّمَ فِي صَدْرِ السُّورَةِ وَغَيْرِهَا .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { حُرِّمَتْ عَلَيْكُمْ الْمَيْتَةُ } فَهُوَ عَامٌّ خَصَّصَهُ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ ، فِي مَيْتَةِ الْمَاءِ خَاصَّةً .

وَأَمَّا حَدِيثُ : { أُحِلَّتْ لَنَا مَيْتَتَانِ وَدَمَانِ } ؛ فَلَمْ يَصِحَّ فَلَا يَلْزَمُنَا عَنْهُ جَوَابٌ ، ثُمَّ نَقُولُ : إنَّهُ لَوْ كَانَ صَحِيحًا لَكَانَ قَوْلُهُ : السَّمَكُ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مَا فِي الْبَحْرِ ، اسْمٌ عَامٌّ .
وَقَدْ يُطْلَقُ بِالْعُرْفِ فِي بَعْضِهَا فَيُحْمَلُ عَلَى أَصْلِ الْإِطْلَاقِ ، أَلَا تَرَى إلَى قَوْلِهِمْ عِنْدَنَا لِبَعْضِ الْحُوتِ فِي بَعْضِ الْبُلْدَانِ سَمَكٌ دُونَ سَائِرِهَا .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلِلسَّيَّارَةِ } : فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لِلْمُقِيمِ وَالْمُسَافِرِ ، كَمَا جَاءَ فِي حَدِيثِ " أَبِي عُبَيْدَةَ : إنَّهُمْ أَكَلُوهُ وَهُمْ مُسَافِرُونَ ، وَأَكَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ مُقِيمٌ " فَبَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى أَنَّهُ حَلَالٌ لِمَنْ أَقَامَ ، كَمَا أَحَلَّهُ فِي حَدِيثِ أَبِي عُبَيْدَةَ لِمَنْ سَافَرَ .
الثَّانِي : إنَّ السَّيَّارَةَ هُمْ الَّذِينَ يَرْكَبُونَهُ كَمَا ثَبَتَ فِي أَصْلِ الْحَدِيثِ : { أَنَّ رَجُلًا يُقَالُ لَهُ الْعَرَكِيُّ سَأَلَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : إنَّا نَرْكَبُ الْبَحْرَ وَمَعَنَا الْقَلِيلُ مِنْ الْمَاءِ ، فَإِنْ تَوَضَّأْنَا بِهِ عَطِشْنَا ، أَفَنَتَوَضَّأُ لَهُ بِمَاءِ الْبَحْرِ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فَلَوْ قَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَعَمْ " لَمَا جَازَ الْوُضُوءُ بِهِ إلَّا عِنْدَ خَوْفِ الْعَطَشِ لِأَنَّ الْجَوَابَ مُرْتَبِطٌ بِالسُّؤَالِ .
وَلَكِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ابْتَدَأَ بِتَأْسِيسِ الْحُكْمِ وَبَيَانِ الشَّرْعِ ؛ فَقَالَ : { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } .
فَزَادَ فِي جَوَابِ السَّائِلِ جَوَابَيْنِ : أَحَدُهُمَا : قَوْلُهُ : { هُوَ الطَّهُورُ مَاؤُهُ } ابْتِدَاءً .
الثَّانِي : { الْحِلُّ مَيْتَتُهُ } .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّ التَّحْرِيمَ لَيْسَ بِصِفَةٍ لِلْأَعْيَانِ ، وَإِنَّمَا يَتَعَلَّقُ بِأَفْعَالٍ ؛ فَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى : { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } إنْ كَانَ الصَّيْدُ الْفِعْلَ فَمَعْنَاهُ مَعَ الِاصْطِيَادِ كُلِّهِ عَلَى أَنْوَاعِهِ ، وَإِنْ كَانَ مَعْنَى الصَّيْدِ الْمَصِيدَ عَلَى مَعْنَى تَسْمِيَةِ الْمَفْعُولِ بِالْفِعْلِ ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ : حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ ، وَهَذَا مِنْ غَرِيبِ الْمُتَعَلِّقَاتِ لِلتَّكْلِيفِ بِالْأَفْعَالِ ، وَتَفْسِيرُ وَجْهِ التَّعَلُّقِ ؛ فَصَارَ الصَّيْدُ فِي الْبَرِّ فِي حَقِّ الْمُحْرِمِ مُمْتَنِعًا بِكُلِّ وَجْهٍ ، وَكَانَتْ إضَافَتُهُ إلَيْهِ كَإِضَافَةِ الْخَمْرِ إلَى الْمُكَلَّفِينَ وَالْمَيْتَةِ ؛ إذْ إنَّ التَّحْرِيمَ لَا يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْمُحَرَّمَاتِ .
وَقَدْ رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ " أَبِي قَتَادَةَ أَنَّهُ قَالَ : { خَرَجْنَا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى إذَا كُنَّا بِالْقَاحَةِ وَمِنَّا الْمُحْرِمُ وَمِنَّا غَيْرُ الْمُحْرِمِ إذْ أَبْصَرْت أَصْحَابِي يَتَرَاءَوْنَ ، فَنَظَرْت فَإِذَا حِمَارُ وَحْشٍ ، فَأَسْرَجْت فَرَسِي ، وَأَخَذْت رُمْحِي ، ثُمَّ رَكِبْت ، فَسَقَطَ سَوْطِي ، فَقُلْت لِأَصْحَابِي وَكَانُوا مُحْرِمِينَ : نَاوِلُونِي السَّوْطَ .
فَقَالُوا : وَاَللَّهِ لَا نُعِينُك عَلَيْهِ بِشَيْءٍ ، فَنَزَلْت فَتَنَاوَلْته ، ثُمَّ رَكِبْت فَأَدْرَكْته مِنْ خَلْفِهِ ، وَهُوَ وَرَاءَ أَكَمَةٍ ، فَطَعَنْته بِرُمْحِي ، فَعَقَرْته ، فَأَتَيْت بِهِ أَصْحَابِي ، فَقَالَ بَعْضُهُمْ : كُلُوهُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : لَا نَأْكُلُهُ .
وَكَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَعَنَا ، فَحَرَّكْت دَابَّتِي فَأَدْرَكْته ، فَقَالَ : هُوَ حَلَالٌ ، فَكُلُوهُ } .
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : { هَلْ مِنْكُمْ أَحَدٌ أَمَرَهُ أَوْ أَشَارَ إلَيْهِ بِشَيْءٍ ؟ قَالُوا : لَا .
قَالَ : فَكُلُوا .
هَلْ مَعَكُمْ مِنْ لَحْمِهِ شَيْءٌ ؟ قَالُوا : مَعَنَا رِجْلُهُ .
قَالَ : فَأَخَذَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ فَأَكَلَهَا } .
وَرَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ " الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ اللَّيْثِيِّ أَنَّهُ { أَهْدَى إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِمَارًا وَحْشِيًّا وَهُوَ بِالْأَبْوَاءِ أَوْ بِوَدَّانَ ، فَرَدَّهُ عَلَيْهِ .
قَالَ : فَلَمَّا رَأَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا فِي وَجْهِهِ مِنْ الْكَرَاهَةِ قَالَ : إنَّا لَمْ نَرُدَّهُ عَلَيْك إلَّا أَنَّا حُرُمٌ } .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ } .
قَالَ أَبُو عِيسَى : هُوَ أَحْسَنُ حَدِيثٍ فِي الْبَابِ .
وَرُوِيَ عَنْ عَلِيٍّ أَنَّهُ كَانَ عِنْدَ عُثْمَانَ فَأُتِيَ عُثْمَانُ بِلَحْمِ صَيْدٍ صَادَهُ حَلَالٌ ، فَأَكَلَ عُثْمَانُ ، وَأَبَى عَلِيٌّ أَنْ يَأْكُلَ ، فَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا صِدْنَا وَلَا أَمَرْنَا وَلَا أَشَرْنَا .
فَقَالَ عَلِيٌّ : وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا .
وَفِي بَعْضِ الرِّوَايَاتِ : إنَّمَا صِيدَ قَبْلَ أَنْ نُحْرِمَ ؛ فَقَالَ عَلِيٌّ : وَنَحْنُ قَدْ بَدَأْنَا وَأَهْلَلْنَا وَنَحْنُ حَلَالٌ ، أَفَيَحِلُّ لَنَا الْيَوْمَ ؟ وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَرِهَ لَحْمَ الصَّيْدِ وَهُوَ مُحْرِمٌ ، أُخِذَ لَهُ أَوْ لَمْ يُؤْخَذْ ، وَإِنْ صَادَهُ الْحَلَالُ .
وَعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ مِثْلُهُ .
وَعَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ وَطَاوُسٍ مِثْلُهُ .
وَهَذَا يَنْبَنِي عَلَى أَنَّ الْمُحَرَّمَ الْفِعْلُ بِقَوْلِهِ صَيْدُ الْبَرِّ ، أَوْ الْمُحَرَّمَ مُضْمَرٌ ؛ وَالْمُرَادُ بِالصَّيْدِ الْمَصِيدُ ، وَاَلَّذِي ثَبَتَ عَلَى الدَّلِيلِ أَنَّ حُكْمَ التَّحْرِيمِ إنَّمَا تَعَلَّقَ بِالْمَصِيدِ لَا بِالصَّيْدِ ؛ فَيَكُونُ التَّحْرِيمُ يَتَعَلَّقُ بِتَنَاوُلِ الْحِيلَةِ فِي تَحْصِيلِهِ أَوْ بِقَصْدِ تَنَاوُلِ الْحِيلَةِ فِي تَحْصِيلِهِ لَهُ ، بَيَّنَ ذَلِكَ حَدِيثُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { صَيْدُ الْبَرِّ لَكُمْ حَلَالٌ مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ } ؛ فَإِذَا لَمْ يَتَنَاوَلْ الْمُحْرِمُ صَيْدَهُ بِنَفْسِهِ وَلَا قَصَدَ بِهِ حَلَّ لَهُ أَكْلُهُ ، وَلَا يَحِلُّ لَهُ

أَخْذُهُ وَلَا مِلْكُهُ ؛ { لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَدَّهُ عَلَى الصَّعْبِ بْنِ جَثَّامَةَ لِأَنَّهُ كَانَ حَيًّا } ، وَالْمُحْرِمُ لَا يَمْلِكُ الصَّيْدَ .
وَقِيلَ : إنَّمَا رَدَّهُ لِأَنَّهُ صِيدَ لَهُ ، وَيَكُونُ بِذَلِكَ دَاخِلًا فِي الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إذَا لَمْ يُعَنْ فِيهِ بِدَلَالَةٍ وَلَا سِلَاحٍ جَازَ لَهُ أَكْلُهُ ، وَإِنْ كَانَ صِيدَ مِنْ أَجْلِهِ .
وَالْحَدِيثُ الْمُتَقَدِّمُ يَرُدُّ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ : { مَا لَمْ تَصِيدُوهُ أَوْ يُصَدْ لَكُمْ } .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : إذَا أَحْرَمَ وَفِي مِلْكِهِ صَيْدٌ : فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : لَا يَحِلُّ لَهُ إمْسَاكُهُ وَيَلْزَمُهُ إرْسَالُهُ .
وَالْآخَرُ يُمْسِكُهُ حَتَّى يَحِلَّ فِي تَفْصِيلٍ بَيَانُهُ فِي كُتُبِ الْمَسَائِلِ .
وَلِلشَّافِعِيِّ قَوْلَانِ مِثْلُهُمَا .
وَجْهُ الْقَوْلِ بِإِرْسَالِهِ قَوْله تَعَالَى : { وَحُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ الْبَرِّ مَا دُمْتُمْ حُرُمًا } .
وَهَذَا عَامٌّ فِي [ مَنْعِ ] الْمِلْكِ وَالتَّصَرُّفِ كُلِّهِ .
وَجْهُ الْقَوْلِ بِإِمْسَاكِهِ أَنَّهُ مَعْنَى يَمْتَنِعُ مَعَ ابْتِدَاءِ الْإِحْرَامِ ، فَلَا يَمْتَنِعُ مِنْ اسْتِدَامَةِ مِلْكِهِ ؛ أَصْلُهُ النِّكَاحُ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فَإِنْ صَادَهُ الْحَلَالُ فِي الْحِلِّ ، فَأَدْخَلَهُ فِي الْحَرَمِ جَازَ لَهُ التَّصَرُّفُ فِيهِ بِكُلِّ نَوْعٍ مِنْ ذَبْحِهِ وَأَكْلِ لَحْمِهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَجُوزُ ؛ وَدَلِيلُنَا أَنَّهُ مَعْنَى يَفْعَلُ فِي الصَّيْدِ ؛ فَجَازَ فِي الْحَرَمِ الْحَلَالُ كَالْإِمْسَاكِ وَالشِّرَاءِ ، وَلَا خِلَافَ فِيهِمَا .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَلِأَنَّ الْمَقَامَ فِي الْحَرَمِ يَدُومُ ، وَالْإِحْرَامُ يَنْقَطِعُ ، فَلَوْ حَرَّمْنَا عَلَيْهِ ذَلِكَ فِي الْحَرَمِ لَأَدَّى إلَى مَشَقَّةٍ عَظِيمَةٍ ، فَسَقَطَ التَّكْلِيفُ عَنْهُ فِيهِ لِذَلِكَ .
وَهَذَا مِنْ بَابِ تَخْصِيصِ الْعُمُومِ بِالْمَصَالِحِ ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَالْمَصْلَحَةُ مِنْ أَقْوَى أَنْوَاعِ الْقِيَاسِ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : إذَا كَانَ الْمُحْرِمُ مُحْرِمًا بِدُخُولِ حَرَمِ الْمَدِينَةِ لَمْ يَجُزْ لَهُ الِاصْطِيَادُ فِيهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : يَجُوزُ لَهُ ذَلِكَ .
وَدَلِيلُنَا قَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اللَّهُمَّ إنَّ إبْرَاهِيمَ عَبْدُك وَخَلِيلُك حَرَّمَ مَكَّةَ ، وَإِنِّي أُحَرِّمُ الْمَدِينَةَ بِمِثْلِ مَا حَرَّمَ بِهِ إبْرَاهِيمُ مَكَّةَ ، وَمِثْلُهُ مَعَهُ ؛ لَا يُقْطَعُ عِضَاهُهَا وَلَا يُصَادُ صَيْدُهَا } .
وَهَذَا نَصٌّ صَحِيحٌ صَرِيحٌ ، خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ : وَاللَّفْظُ لِمُسْلِمٍ .

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : إذَا صَادَ بِالْمَدِينَةِ كَانَ آثِمًا وَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ جَزَاءٌ إنْ قَتَلَهُ بِهَا .
وَقَالَ سَعْدٌ : جَزَاؤُهُ أَخْذُ سَلَبِهِ .
وَقَالَ ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ : عَلَيْهِ الْجَزَاءُ .
أَمَّا قَوْلُ سَعْدٍ : فَإِنَّ مُسْلِمًا خَرَّجَ عَنْهُ { أَنَّ رَجُلًا صَادَ بِالْمَدِينَةِ فَلَقِيَهُ سَعْدٌ فَأَخَذَ سَلَبَهُ فَكُلِّمَ فِي رَدِّهِ ، فَقَالَ : مَا كُنْت لِأَرُدَّ شَيْئًا نَفَّلَنِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } ؛ وَهَذَا مَخْصُوصٌ بِسَعْدٍ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَقُلْ مَنْ لَقِيَ صَائِدًا بِالْمَدِينَةِ فَلْيَسْتَلِبْهُ ثِيَابَهُ كَائِنًا مَنْ كَانَ .
وَأَمَّا ابْنُ أَبِي ذِئْبٍ فَاحْتَجَّ بِأَنَّهُ حَرَمٌ ، فَكَانَ الْجَزَاءُ عَلَى مَنْ قَتَلَ فِيهِ صَيْدًا ، كَمَا يُفْعَلُ فِي حَرَمِ مَكَّةَ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : لَوْ كَانَ حَرَمُ الْمَدِينَةِ كَحَرَمِ مَكَّةَ مَا جَازَ دُخُولُهَا إلَّا بِالْإِحْرَامِ ، فَافْتَرَقَا .
وَقَدْ جَعَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ جَزَاءَ الْمُتَعَدِّي فِيهِ مَا رُوِيَ أَنَّ : { مَنْ أَحْدَثَ أَوْ آوَى مُحْدِثًا فَعَلَيْهِ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ ، لَا يَقْبَلُ اللَّهُ مِنْهُ صَرْفًا وَلَا عَدْلًا } .
فَأَرْسَلَ الْوَعِيدَ الشَّدِيدَ ، وَلَمْ يَذْكُرْ الْكَفَّارَةَ .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : إذَا دَلَّ الْحَرَامُ حَلَالًا عَلَى صَيْدٍ فَقَتَلَهُ الْحَلَالُ فَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ عُلَمَاؤُنَا ؛ وَالْمَشْهُورُ أَنَّهُ لَا ضَمَانَ عَلَيْهِ ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَشْهَبُ : يَلْزَمُهُ الضَّمَانُ ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
وَالْمَسْأَلَةُ غَامِضَةُ الْمَأْخَذِ بَعِيدَةُ الْغَوْرِ ، وَلِعُلَمَائِنَا فِيهَا ثَلَاثَةُ طُرُقٍ بَيَّنَّاهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
أَقْوَاهَا طَرِيقُ مَنْشَأِ غَوْرٍ .
وَقَالَ الْجَوْنِيُّ : الضَّمَانُ إنَّمَا يَجِبُ فِي الشَّرِيعَةِ بِأَحَدِ ثَلَاثَةِ أَشْيَاءَ : إمَّا بِإِتْلَافٍ مُبَاشِرٍ ، كَالْقَتْلِ .
أَوْ بِتَلَفٍ تَحْتَ يَدٍ عَادِيَةٍ ، كَمَا لَوْ مَاتَ الْحَيَوَانُ فِي يَدِ الْغَاصِبِ .
أَوْ بِسَبَبٍ يَتَعَلَّقُ بِالْفَاعِلِ ؛ كَحَفْرِ الْبِئْرِ فِي جِهَةِ التَّعَدِّي ؛ وَلَمْ يُوجَدْ هَاهُنَا شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ ، فَبَطَلَ تَعَلُّقُ الْجَزَاءِ بِهِ .
وَعَوَّلَ مَنْ أَوْجَبَ الْجَزَاءَ بِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَدِيثِ أَبِي قَتَادَةَ الْمُتَقَدِّمِ : { هَلْ أَشَرْتُمْ ؟ هَلْ أَعَنْتُمْ ؟ } وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ لَوْ أَشَارَ أَوْ أَعَانَ عَلَيْهِ .
قُلْنَا : إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ ؛ فَأَمَّا عَلَى وُجُوبِ الْجَزَاءِ فَلَا .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي الْحَيَوَانِ الَّذِي يَكُونُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ، هَلْ يَحِلُّ صَيْدُهُ لِلْمُحْرِمِ لِأَنَّهُ مِنْ حَيَوَانِ الْبَحْرِ أَمْ لَا يَحِلُّ لِأَنَّهُ مِنْ حَيَوَانِ الْبَرِّ ؟ عَلَى قَوْلَيْنِ ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ الصَّدْرُ الْأَوَّلُ .
وَالصَّحِيحُ مَنْعُهُ ؛ لِأَنَّهُ تَعَارَضَ فِيهِ دَلِيلَانِ : دَلِيلُ تَحْلِيلٍ ، وَدَلِيلُ تَحْرِيمٍ ، فَغَلَّبْنَا دَلِيلَ التَّحْرِيمِ احْتِيَاطًا ؛ وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَالَ أَبُو يُوسُفَ : مَا أَخْرَجَ مِنْ اللُّؤْلُؤِ وَالْعَنْبَرِ مِنْ الْبَحْرِ يُخَمَّسُ ، وَهُوَ مَذْهَبُ عُمَرَ ؛ لِأَنَّ الْبَحْرَ شَبِيهُ الْبَرِّ وَقَسِيمُهُ وَنَظِيرُهُ ؛ إذْ الدُّنْيَا بَرٌّ وَبَحْرٌ ، فَنَقُولُ : فَائِدَةُ أُخْرِجَتْ مِنْ الْبَاطِنِ فَوَجَبَ فِيهِ الْخُمُسُ ، أَصْلُهُ الرِّكَازُ ، أَوْ لِأَنَّهُ أَحَدُ قِسْمَيْ الْمَخْلُوقَاتِ الْأَرْضِيَّةِ ، فَجَازَ أَنْ يَجِبَ حَقُّ اللَّهِ فِيمَا يُوجَدُ فِي بَاطِنِهِ ، أَصْلُهُ الرِّكَازُ .
وَالتَّعْلِيلُ لِلْبَحْرِ .
وَدَلِيلُنَا مَا رُوِيَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : " لَا زَكَاةَ فِي الْعَنْبَرِ ، إنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَقْذِفُهُ الْبَحْرُ " وَلِأَنَّهُ مِنْ فَوَائِدِ الْبَحْرِ ، فَلَا يَجِبُ فِيهِ حَقٌّ أَصْلُهُ السَّمَكُ .
وَهَذَا الْفِقْهُ صَحِيحٌ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْبَحْرَ لَمْ يَكُنْ فِي أَيْدِي الْكَفَرَةِ فَتَجْرِي فِيهِ الْغَنِيمَةُ ، وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ جُمْلَةِ الْمُبَاحِ الْمُطْلَقِ ، كَالصَّيْدِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا تَقُولُونَ فِي ذَهَبٍ يُوجَدُ فِي الْبَحْرِ ؟ قُلْنَا : لَا رِوَايَةَ فِيهِ .
وَيُحْتَمَلُ أَنْ يُقَالَ : إنَّهُ يَجِبُ ؛ لِأَنَّ الْبَحْرَ لَيْسَ بِمَعْدِنٍ لِلذَّهَبِ ، فَوُجُودُهُ فِيهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ السُّيُولَ قَذَفَتْهُ فِيهِ .
وَقَالَ بَعْضُ الْحَنَفِيَّةِ : يَحْتَمِلُ أَلَّا يَجِبَ فِيهِ شَيْءٌ لِأَنَّ فِي الْبَحْرِ جِبَالًا لَا يَدَ لِأَحَدٍ عَلَيْهَا .

قَوْله تَعَالَى : { جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ } .
فِيهِ تِسْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { جَعَلَ اللَّهُ } : وَهُوَ يَتَصَرَّفُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : بِمَعْنَى سَمَّى ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { إنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ } .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ بِمَا يَنْبَغِي .
الثَّانِي : بِمَعْنَى خَلَقَ ، كَمَا وَرَدَ فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا ، مِنْهَا قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ } .
الثَّالِثُ : بِمَعْنَى صَيَّرَ ، كَقَوْلِك ، جَعَلْت الْمَتَاعَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ .
وَتَحْقِيقُهُ هَاهُنَا خَلَقَ ثَانِيًا وَصْفًا لِشَيْءٍ مَخْلُوقٍ أَوَّلًا ، وَذَلِكَ أَنَّهُ خَلَقَ الْكَعْبَةَ وُجُودًا أَوَّلًا ، ثُمَّ خَلَقَ فِيهَا صِفَاتٍ ثَانِيًا ، فَ " خَلَقَ " عَامٌّ فِي الْأَوَّلِ وَالثَّانِي ، وَ " جَعَلَ " خَاصٌّ فِي الثَّانِي خَبَرٌ عَنْ الصِّفَاتِ الَّتِي فِيهَا عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : الْكَعْبَةُ : وَفِيهَا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا أَنَّهَا سُمِّيَتْ كَعْبَةً لِتَرَبُّعِهَا ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ وَعِكْرِمَةُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا سُمِّيَتْ كَعْبَةً لِنُتُوئِهَا وَبُرُوزِهَا ؛ فَكُلُّ نَاتِئٍ بَارِزٌ كَعْبٌ ، مُسْتَدِيرًا كَانَ أَوْ غَيْرَ مُسْتَدِيرٍ ، وَهَذَا هُوَ الْأَصَحُّ ، يُقَالُ : كَعَبَ ثَدْيُ الْمَرْأَةِ ؛ وَهَذِهِ صِفَتُهَا هُنَا ، وَقَدْ شَرَحْنَا أَمْرَهَا فِي " إيضَاحِ الصَّحِيحَيْنِ " .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { الْبَيْتَ الْحَرَامَ } : سَمَّاهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ بَيْتًا ؛ لِأَنَّهَا ذَاتُ سَقْفٍ وَجِدَارٍ ، وَهِيَ حَقِيقَةُ الْبَيْتِيَّةِ ، وَإِنْ لَمْ يَكُنْ بِهَا سَاكِنٌ ؛ وَلَكِنْ جَعَلَ لَهَا شَرَفَ الْإِضَافَةِ بِقَوْلِهِ : { أَنْ طَهِّرَا بَيْتِي لِلطَّائِفِينَ } .
وَقَالَ : { وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ } .
عَلَى مَا يَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْلُهُ : { الْحَرَامَ } : سَمَّاهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ حَرَامًا بِتَحْرِيمِهِ إيَّاهَا .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ مَكَّةَ حَرَّمَهَا اللَّهُ ، وَلَمْ يُحَرِّمْهَا النَّاسُ ، فَهِيَ حَرَامٌ بِحُرْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى ، لَا يَحِلُّ لِامْرِئٍ يُؤْمِنُ بِاَللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ أَنْ يَسْفِكَ بِهَا دَمًا أَوْ يَعْضِدَ بِهَا شَجَرًا ، فَإِنْ أَحَدٌ تَرَخَّصَ بِقِتَالِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقُولُوا لَهُ : إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَذِنَ لِرَسُولِهِ ، وَلَمْ يَأْذَنْ لَكُمْ ، وَإِنَّمَا أَذِنَ لِي فِيهَا سَاعَةً مِنْ نَهَارٍ ، وَقَدْ عَادَتْ حُرْمَتُهَا الْيَوْمَ كَحُرْمَتِهَا بِالْأَمْسِ ، وَلْيُبْلِغْ الشَّاهِدُ الْغَائِبَ } .
رَوَاهُ الْكُلُّ مِنْ الْأَئِمَّةِ ، وَثَبَتَ عَنْهُ فِي رِوَايَةِ الْأَئِمَّةِ أَنَّهُ { قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ : أَيُّ شَهْرٍ هَذَا ؟ فَسَكَتْنَا ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ ، فَقَالَ : أَلَيْسَ ذَا الْحِجَّةِ ؟ قُلْنَا : بَلَى .
قَالَ : أَيُّ بَلَدٍ هَذَا ؟ فَسَكَتْنَا ، حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ .
فَقَالَ : أَلَيْسَ الْبَلْدَةُ ؟ } يَعْنِي قَوْله تَعَالَى : { إنَّمَا أُمِرْت أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ } .
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ : { أَلَيْسَ الْبَلَدَ الْحَرَامَ ؟ قُلْنَا : اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ } .
وَمَعْنَى قَوْله تَعَالَى : حَرَّمَهَا أَيْ بِعِلْمِهِ وَكِتَابِهِ وَكَلَامِهِ وَإِخْبَارِهِ بِتَحْرِيمِهَا وَخَلْقِهِ لِتَحْرِيمِهَا ، كُلُّ ذَلِكَ مِنْهُ صَحِيحٌ ، وَإِلَيْهِ مَنْسُوبٌ .
فَإِنْ قِيلَ : وَمِنْ أَيِّ شَيْءٍ حَرَّمَهَا ؟ قُلْنَا : مِنْ سَطْوَةِ الْجَبَابِرَةِ وَمِنْ ظَلَمَةِ الْكُفْرِ فِيهَا بَعْدَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لِيُخَرِّبَن الْكَعْبَةَ ذُو السَّوِيقَتَيْنِ مِنْ الْحَبَشَةِ } .
قُلْنَا : هَذَا عِنْدَ انْقِلَابِ الْحَالِ ، وَانْقِضَاءِ الزَّمَنِ ، وَإِقْبَالِ السَّاعَةِ ، وَسَيَأْتِي

بَيَانُهُ الْآنَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { قِيَامًا لِلنَّاسِ } قِيَامُ الشَّيْءِ قَوَامُهُ وَمِلَاكُهُ أَيْ يَقُومُونَ بِهِ قِيَامًا ، كَمَا قَالَ : { وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتِي جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ قِيَامًا } ؛ أَيْ يَقُومُونَ بِهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيِّ : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : [ الْأَوَّلُ ] : قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : قِيَامًا لِلنَّاسِ ، أَيْ صَلَاحًا .
الثَّانِي : قِيَامًا لِلنَّاسِ أَيْ أَمْنًا .
الثَّالِثُ : يَعْنِي فِي الْمَنَاسِكِ وَالْمُتَعَبِّدَات ؛ قَالَهُ الزَّجَّاجُ وَغَيْرُهُ .
وَالْقَوْلُ الْأَوَّلُ يَدْخُلُ فِيهِ الثَّانِي ؛ لِأَنَّ الْأَمْنَ مِنْ الصَّلَاحِ ، وَيَدْخُلُ التَّمَكُّنُ مِنْ الْمَنَاسِكِ وَالْعِبَادَاتِ ؛ فَإِنَّ لِكُلٍّ مَصْلَحَةً .
وَفَائِدَةُ ذَلِكَ وَحِكْمَتُهُ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَلَقَ الْخَلْقَ فِي الْجِبِلَّةِ أَخْيَافًا يَتَقَاطَعُونَ تَدَابُرًا وَاخْتِلَافًا ، وَيَتَنَافَسُونَ فِي لَفِّ الْحُطَامِ إسْرَافًا ، لَا يَبْتَغُونَ فِيهِ إنْصَافًا ، وَلَا يَأْتَمِرُونَ فِيهِ بِرُشْدٍ اعْتِرَافًا ، فَأَمَرَهُمْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْخِلَافَةِ ، وَجَعَلَ فِيهِمْ الْمَمْلَكَةَ ، وَصَرَفَ أُمُورَهُمْ إلَى تَدْبِيرِ وَاحِدٍ يَزَعُهُمْ عَنْ التَّنَازُعِ ، وَيَحْمِلُهُمْ عَلَى التَّأَلُّفِ مِنْ التَّقَاطُعِ ، وَيَرْدَعُ الظَّالِمَ عَنْ الْمَظْلُومِ ، وَيُقَرِّرُ كُلَّ يَدٍ عَلَى مَا تَسْتَوْلِي عَلَيْهِ حَقًّا ، وَيَسُوسُهُمْ فِي أَحْوَالِهِمْ لُطْفًا وَرِفْقًا ، وَأَوْقَعَ فِي قُلُوبِهِمْ صِدْقَ ذَلِكَ وَصَوَابَهُ ، وَأَرَاهُمْ بِالْمُعَايَنَةِ وَالتَّجْرِبَةِ صَلَاحَ ذَلِكَ فِي ابْتِدَاءِ الْأَمْرِ وَمَآلِهِ ، وَلَقَدْ يَزَعُ اللَّهُ بِالسُّلْطَانِ مَا لَا يَزَعُ بِالْقُرْآنِ ، فَالرِّيَاسَةُ لِلسِّيَاسَةِ وَالْمُلْكُ لِنَفْيِ الْمُلْكِ ، وَجَوْرُ السُّلْطَانِ عَامًا وَاحِدًا أَقَلُّ إذَايَةً مِنْ كَوْنِ النَّاسِ فَوْضَى لَحْظَةً وَاحِدَةً ، فَأَنْشَأَ اللَّهُ الْخَلِيقَةَ لِهَذِهِ الْفَائِدَةِ وَالْمَصْلَحَةِ عَلَى الْمُلُوكِ وَالْخُلَفَاءِ ، كُلَّمَا بَانَ خَلِيفَةٌ خَلَفَهُ آخَرُ ، وَكُلَّمَا هَلَكَ مَلِكٌ مَلَكَ بَعْدَهُ غَيْرُهُ ؛ لِيَسْتَتِبَّ

بِهِ التَّدْبِيرُ ، وَتَجْرِيَ عَلَى مُقْتَضَى رَأْيِهِ الْأُمُورُ ، وَيَكُفَّ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِهِ عَادِيَةَ الْجُمْهُورِ ؛ فَإِذَا بَعَثَ نَبِيًّا سَخَّرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ لَهُ الْمُلْكَ فِي وَقْتِهِ إنْ كَانَ ضَعِيفًا ، فَكَانَ صَغْوُهُ إلَيْهِ وَعَوْنُهُ مَعَهُ ، كَمَا فَعَلَ بِدَانْيَالَ وَأَمْثَالِهِ .
وَإِنْ بَعَثَهُ قَوِيًّا يَسَّرَ لَهُ الِاسْتِيلَاءَ عَلَى الزَّمَانِ وَأَهْلِهِ ، وَأَعْرَى أَرْضَ السُّلْطَانِ عَنْ ظِلِّهِ ، وَجَعَلَ الْأَمْرَ فِي الدِّينِ وَأَهْلِهِ ، كَمَا فَعَلَ بِمُوسَى ، وَلِمَا أَرَادَهُ اللَّهُ مِنْ التَّيْسِيرِ عَلَى نَبِيِّهِ مُحَمَّدٍ ، وَالتَّقْدِيمِ لَهُ ، وَالتَّشْرِيفِ لِقَوْمِهِ أَسْكَنَ أَبَاهُ إسْمَاعِيلَ الْبَلْدَةَ الْحَرَامَ حَيْثُ لَا إنْسَ وَلَا أَنِيسَ ، وَاسْتَخْرَجَ فِيهَا ذُرِّيَّتَهُ ، وَسَاقَ إلَيْهِ مِنْ الْجُوَارِ مَنْ عَمَرَتْ بِهِ تِلْكَ الْبِلَادُ وَالدِّيَارُ ، وَجَرَّدَهُمْ عَنْ الْمُلْكِ تَقَدُّمَةً لِرِئَاسَةِ الْمِلَّةِ ، وَكَانُوا عَلَى جِبِلَّةِ الْخَلِيقَةِ وَسَلِيقَةِ الْآدَمِيَّةِ ، مِنْ التَّحَاسُدِ وَالتَّنَافُسِ ، وَالتَّقَاطُعِ وَالتَّدَابُرِ ، وَالسَّلْبِ وَالْغَارَةِ ، وَالْقَتْلِ وَالثَّارَّةِ ، وَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ فِي الْحِكْمَةِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْمَشِيئَةِ الْأَوَّلِيَّةِ مِنْ كَافٍّ يَدُومُ مَعَ الْحَالِ ، وَرَادِعٍ يُحْمَدُ مَعَهُ الْمَآلُ ؛ فَعَظَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي قُلُوبِهِمْ الْبَيْتَ الْحَرَامَ لِحَقِّهِ ، وَأَوْقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ هَيْبَتَهُ لِحِكْمَتِهِ ، وَعَظَّمَ بَيْنَهُمْ حُرْمَتَهُ لِقَهْرِهِ ؛ فَكَانَ مَنْ لَجَأَ إلَيْهِ مَعْصُومًا بِهِ ، وَكَانَ مَنْ اُضْطُهِدَ مَحْمِيًّا بِالْكَوْنِ فِيهِ ، وَلِذَلِكَ قَالَ تَعَالَى : { أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ } .
بَيْدَ أَنَّهُ لَمَّا كَانَ مَوْضِعًا مَخْصُومًا لَا يُدْرِكُهُ كُلُّ مَظْلُومٍ وَلَا يَنَالُهُ كُلُّ خَائِفٍ جَعَلَ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : مَلْجَأٌ آخَرُ ، فَقَرَّرَ فِي قُلُوبِهِمْ ، وَأَوْقَعَ فِي نُفُوسِهِمْ حُرْمَةَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ ؛ فَكَانُوا لَا يَرُوعُونَ فِيهَا سَرْبًا ، وَلَا يَطْلُبُونَ فِيهَا

ذَنْبًا ، وَلَا يَتَوَقَّعُونَ فِيهَا ثَأْرًا ، حَتَّى كَانَ الرَّجُلُ يَلْقَى قَاتِلَ أَبِيهِ وَابْنِهِ وَأَخِيهِ فَلَا يُؤْذِيهِ .
وَاقْتَطَعُوا فِيهَا ثُلُثَ الزَّمَانِ ، وَوَصَلُوا مِنْهَا ثَلَاثَةً مُتَوَالِيَةً ، فُسْحَةً وَرَاحَةً ، وَمَجَالًا لِلسِّيَاحَةِ فِي الْأَمْنِ وَاسْتِرَاحَةً ، وَجَعَلُوا مِنْهَا وَاحِدًا مُفْرَدًا فِي نِصْفِ الْعَامِ دَرْكًا لِلِاحْتِرَامِ ؛ ثُمَّ يَسَّرَ لَهُمْ الْإِلْهَامَ ، وَشَرَعَ عَلَى أَلْسِنَةِ الرُّسُلِ الْكِرَامِ الْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ، فَكَانُوا إذَا أَخَذُوا بَعِيرًا أَشْعَرُوهُ دَمًا ، وَعَلَّقُوا عَلَيْهِ نَعْلًا .
رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ عَنْ مَالِكٍ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : أَنَّ الْقَلَائِدَ حَبْلٌ يَفْتِلُهُ ، وَنَعْلَانِ يُقَلِّدُهُمَا ، وَالنَّعْلُ الْوَاحِدُ تُجْزِي ؛ وَلِذَلِكَ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّهُ كَانَ يُقَلِّدُ نَعْلَيْنِ .
وَرُبَّمَا قَلَّدَ نَعْلًا وَاحِدًا ، فَإِذَا فَعَلَ الرَّجُلُ ذَلِكَ فِي بَعِيرِهِ أَوْ فِي نَفْسِهِ لَمْ يَرُعْهُ ذَلِكَ حَيْثُ لَقِيَهُ ، وَكَانَ الْفَيْصَلُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مَنْ طَلَبَهُ أَوْ ظَلَمَهُ ، حَتَّى جَاءَ اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ ، وَبَيَّنَ الْحَقَّ بِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِ السَّلَامُ فَانْتَظَمَ الدِّينُ فِي سَلْكِهِ ، وَعَادَ الْحَقُّ إلَى نِصَابِهِ ، وَبِهَذَا وَجَبَتْ الْخِلَافَةُ هُدًى ، وَمَنَعَ اللَّهُ الْخَلْقَ بَعْدَ ذَلِكَ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى ، فَأُسْنِدَتْ الْإِمَامَةُ إلَيْهِ ، وَانْبَنَى وُجُوبُهَا عَلَى الْخَلْقِ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمْ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلِيُبَدِّلْنَهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي وَلَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا } الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ : الْمَعْنَى أَنَّهُ دَبَّرَ ذَلِكَ مِنْ حُكْمِهِ ، وَأَنْفَذَهُ مِنْ قَضَائِهِ

بِقُدْرَتِهِ عَلَى مُقْتَضَى عِلْمِهِ ، لِيَعْلَمُوا بِظُهُورِ هَذَا التَّقْدِيرِ وَانْتِظَامِهِ فِي التَّدْبِيرِ عُمُومَ عِلْمِهِ ، وَشُمُولَ قُدْرَتِهِ ، وَإِحَاطَتَهُ بِذَلِكَ كُلِّهِ ، كَيْفَمَا تَصَرَّفَ أَوْ تَقَدَّرَ .

قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أَعْجَبَك كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي الْخَبِيثِ : وَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : الْكَافِرُ .
وَالثَّانِي : الْحَرَامُ .
وَأَمَّا الطَّيِّبُ وَهِيَ : [ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ ] : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : [ الطَّيِّبُ ] : وَفِيهِ أَيْضًا قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : الْمُؤْمِنُ .
الثَّانِي : الْحَلَالُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ أَعْجَبَك كَثْرَةُ الْخَبِيثِ } : وَفِي مَعْنَاهُ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْخِطَابَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ أُمَّتُهُ ؛ فَإِنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَا يُعْجِبُهُ الْكُفَّارُ وَلَا الْحَرَامُ ، وَإِنَّمَا يُعْجِبُ ذَلِكَ النَّاسَ .
الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِعْجَابًا بِهِ لَهُ أَنَّهُ صَارَ عِنْدَهُ عَجَبًا مِمَّا يُشَاهِدُ مِنْ كَثْرَةِ الْكُفَّارِ ، وَالْمَالِ الْحَرَامِ ، وَقِلَّةِ الْمُؤْمِنِينَ ، وَقِلَّةِ الْمَالِ الْحَلَالِ .
وَقَدْ سَبَقَ عِلْمُ اللَّهِ تَعَالَى وَحُكْمُهُ بِذَلِكَ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ : يَا آدَم ، ابْعَثْ بَعْثَ النَّارِ ، فَيَقُولُ : يَا رَبِّ : وَمَا بَعْثُ النَّارِ ؟ فَيَقُولُ : مِنْ كُلِّ أَلْفٍ تِسْعُمِائَةٍ وَتِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ لِلنَّارِ وَوَاحِدٌ لِلْجَنَّةِ } .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي وَجْهِ عَدَمِ اسْتِوَائِهِ وَوُجُوبِ تَفَاوُتِهِ : إنَّ الْحَرَامَ يُؤْذِي فِي الدِّينِ ، وَيَجِبُ فَسْخُهُ وَرَدُّهُ ، وَالْحَلَالُ يَنْفَعُ وَيَجِبُ إمْضَاؤُهُ [ وَيَصِحُّ تَنْفِيذُهُ ] .
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَمْ نَجْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فِي الْأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ الْمُتَّقِينَ كَالْفُجَّارِ } .
وَقَالَ : { أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَاَلَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ } وَقَالَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى : { يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ } .
فَلَا يُعْجِبَنَّكَ كَثْرَةُ الْمَالِ الرِّبَوِيِّ ، وَنُقْصَانُ الْمَالِ بِصَدَقَتِهِ الَّتِي تَخْرُجُ مِنْهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يَمْحَقُ ذَلِكَ الْكَثِيرَ فِي الْعَاقِبَةِ ، وَيُنَمِّي الْمَالَ الزَّكَاتِيَّ بِالصَّدَقَةِ ؛ وَبِهَذَا احْتَجَّ مِنْ عُلَمَائِنَا مَنْ رَأَى أَنَّ الْبَيْعَ الْفَاسِدَ يُفْسَخُ ، وَلَا يُمْضَى بِحَوَالَةِ سُوقٍ ، وَلَا بِتَغَيُّرِ بَدَنٍ ؛ فَيَسْتَوِي فِي إمْضَائِهِ مَعَ الْبَيْعِ الصَّحِيحِ ؛ بَلْ يُفْسَخُ أَبَدًا .
وَقَدْ احْتَجَّ أَيْضًا مَنْ زَعَمَ أَنَّ مَنْ اكْتَرَى قَاعَةً إلَى أَمَدٍ فَكَمُلَ أَمَدُهُ ، وَقَدْ بَنَى بِهَا وَأَسَّسَ ، فَأَرَادَ صَاحِبُ الْأَرْضِ أَنْ يُخْرِجَهُ ، فَإِنَّهُ يَدْفَعُ إلَيْهِ قِيمَةَ بِنَائِهِ قَائِمًا ، وَلَا يَهْدِمُهُ عَلَيْهِ ، كَمَا يُفْعَلُ بِالْغَاصِبِ إذَا بَنَى فِي الْبُقْعَةِ الْمَغْصُوبَةِ .
وَنَظَرَ آخَرُونَ إلَى أَنَّ الْبَيْعَ إذَا فُسِخَ بَعْدَ الْفَوْتِ يَكُونُ فِيهِ غَبْنٌ عَلَى أَحَدِ الْمُتَعَاقِدَيْنِ وَلَا عُقُوبَةَ فِي الْأَمْوَالِ .
وَكَذَلِكَ إذَا كَمُلَ أَمَدُ الْبَانِي فَأَيُّ حُجَّةٍ لَهُ ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الْبُنْيَانَ إلَى أَمَدٍ ، فَإِنَّ صَاحِبَ الْعَرْصَةِ سَيَحْتَاجُ إلَى عَرْصَتِهِ لِمِثْلِ مَا هِيَ عَلَيْهِ مِنْ الْبِنَاءِ أَوْ لِغَيْرِهِ ، فَيَحْمِلُهُ ذَلِكَ عَلَى أَنْ يَلْزَمَهُ إخْلَاؤُهَا مِمَّا شَغَلَهَا بِهِ .
وَهَذِهِ كُلُّهَا حُقُوقٌ مُرْتَبِطَةٌ بِحَقَائِقَ وَأَدِلَّةٍ تَتَّفِقُ تَارَةً وَتَفْتَرِقُ أُخْرَى

، وَتَتَبَايَنُ تَارَةً وَتَتَمَاثَلُ أُخْرَى .
وَتَحْقِيقُ ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : حَقِيقَةُ الِاسْتِوَاءِ : الِاسْتِمْرَارُ فِي جِهَةٍ وَاحِدَةٍ ، وَمِثْلُهُ الِاسْتِقَامَةُ ، وَضِدُّهُ الِاعْوِجَاجُ ، وَذَلِكَ يَتَصَرَّفُ إلَى أَرْبَعَةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : الِاسْتِوَاءُ فِي الْمِقْدَارِ ، وَلَا يَتَسَاوَى الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ مِقْدَارًا فِي الدُّنْيَا ؛ لِأَنَّ الْخَبِيثَ أَوْزَنُ دُنْيَا وَالطَّيِّبُ أَوْزَنُ أُخْرَى .
الثَّانِي : الِاسْتِوَاءُ فِي الْمَكَانِ ، وَلَا يَسْتَوِيَانِ أَيْضًا فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْخَبِيثَ فِي النَّارِ وَالطَّيِّبَ فِي الْجَنَّةِ .
الثَّالِثُ : الِاسْتِوَاءُ فِي الذَّهَابِ ، وَلَا يَتَسَاوَيَانِ أَيْضًا فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْخَبِيثَ يَأْخُذُ جِهَةَ الشِّمَالِ وَالطَّيِّبَ يَأْخُذُ فِي جِهَةِ الْيَمِينِ .
الرَّابِعُ : الِاسْتِوَاءُ فِي الْإِنْفَاقِ ، وَلَا يَسْتَوِيَانِ أَيْضًا فِيهِ ؛ لِأَنَّ مُنْفِقَ الْخَبِيثِ يَعُودُ عَلَيْهِ الْخُسْرَانُ فِي الدَّارَيْنِ ، وَمُنْفِقَ الطَّيِّبِ يَرْبَحُ فِي الدَّارَيْنِ .
أَمَّا خُسْرَانُ الْأَوَّلِ فَنَقْصُ مَالِهِ فِي الدُّنْيَا ، وَنَقْصُ مَالِهِ فِي الْآخِرَةِ ؛ وَرَبِحَ مُنْفِقُ الطَّيِّبِ فِي الدُّنْيَا حُسْنُ النِّيَّةِ وَصِدْقُ الرَّجَاءِ فِي الْعِوَضِ ، وَرِبْحُهُ فِي الْآخِرَةِ ثِقَلُ الْمِيزَانِ .

الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ ثَلَاثِينَ : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاَللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِي ذَلِكَ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَنَسٍ قَالَ : { خَطَبَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خُطْبَةً مَا سَمِعْنَا مِثْلَهَا .
قَالَ : لَوْ تَعْلَمُونَ مَا أَعْلَمُ لَضَحِكْتُمْ قَلِيلًا وَلَبَكَيْتُمْ كَثِيرًا .
قَالَ : فَغَطَّى أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وُجُوهَهُمْ ، وَلَهُمْ حُنَيْنٌ .
فَقَالَ رَجُلٌ : مَنْ أَبِي ؟ فَقَالَ : أَبُوك فُلَانٌ } ، فَنَزَلَتْ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } .
الثَّانِي : ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { كَانُوا يَسْأَلُونَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اسْتِهْزَاءً ، فَيَقُولُ الرَّجُلُ : مَنْ أَبِي ؟ وَيَقُولُ الرَّجُلُ : تَضِلُّ نَاقَتُهُ : أَيْنَ نَاقَتِي } ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِيهِمْ هَذِهِ الْآيَةَ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } .
الثَّالِثُ : رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ : { لَمَّا نَزَلَتْ : { وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنْ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيلًا } قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ أَفِي كُلِّ عَامٍ ؟ قَالَ : لَا .
وَلَوْ قُلْت : نَعَمْ لَوَجَبَتْ } .
فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ بَعْضُهُ .
الرَّابِعُ : أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ سَأَلُوا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْبَحِيرَةِ ، وَالسَّائِبَةِ ، وَالْوَصِيلَةِ ، وَالْحَامِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } : هَذَا الْمَسَاقُ يُعَضِّدُ مِنْ هَذِهِ الْأَسْبَابِ رِوَايَةَ مَنْ رَوَى أَنَّ سَبَبَهَا سُؤَالُ ذَلِكَ الرَّجُلِ : مَنْ أَبِي ؟ لِأَنَّهُ لَوْ كَشَفَ لَهُ عَنْ سِرِّ أُمِّهِ رُبَّمَا كَانَتْ قَدْ بَغَتْ عَلَيْهِ فَيَلْحَقُ الْعَارُ بِهِمْ .
وَلِذَلِكَ رُوِيَ أَنَّ أُمَّ السَّائِلِ قَالَتْ لَهُ : يَا بُنَيَّ ؛ أَرَأَيْت أُمَّك لَوْ قَارَفْت بَعْضَ مَا كَانَ يُقَارِفُهُ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ ، أَكُنْت تَفْضَحُهَا ؟ فَكَانَ السَّتْرُ أَفْضَلَ .
وَيُعَضِّدُهُ أَيْضًا رِوَايَةُ مَنْ رَوَى عَنْ تَفْسِيرِ فَرْضِ الْحَجِّ ؛ فَإِنَّ تَكْرَارَهُ مُسْتَثْنًى لِعَظِيمِ الْمَشَقَّةِ فِيهِ ، وَعَظِيمِ الِاسْتِطَاعَةِ عَلَيْهِ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ اللَّهَ أَمَرَكُمْ بِأَشْيَاءَ فَامْتَثِلُوهَا ، وَنَهَاكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ فَاجْتَنِبُوهَا ، وَسَكَتَ لَكُمْ عَنْ أَشْيَاءَ رَحْمَةً مِنْهُ ، فَلَا تَسْأَلُوا عَنْهَا } .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ } : وَهَذَا يَشْهَدُ لِكَوْنِهَا مِنْ بَابِ التَّكْلِيفِ الَّذِي لَا يُبَيِّنُهُ إلَّا نُزُولُ الْقُرْآنِ ، وَجَعَلَ نُزُولَ الْقُرْآنِ سَبَبًا لِوُجُوبِ الْجَوَابِ ؛ إذْ لَا شَرْعَ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُحَقِّقُ ذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { عَفَا اللَّهُ عَنْهَا } أَيْ أَسْقَطَهَا ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَاَلَّذِي يَسْقُطُ لِعَدَمِ بَيَانِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ فِيهِ وَسُكُوتِهِ عَنْهُ هُوَ بَابُ التَّكْلِيفِ فَإِنَّهُ بَعْدَ مَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَخْتَلِفُ الْعُلَمَاءُ فِيهِ ، فَيُحَرِّمُ عَالِمٌ ، وَيُحِلُّ آخَرُ ، وَيُوجِبُ مُجْتَهِدٌ .
وَيُسْقِطُ آخَرُ ؛ وَاخْتِلَافُ الْعُلَمَاءِ رَحْمَةٌ لِلْخَلْقِ ، وَفُسْحَةٌ فِي الْحَقِّ ، وَطَرِيقٌ مَهْيَعٌ إلَى الرِّفْقِ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ } : فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَوْمُ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الْمَائِدَةِ .
الثَّانِي : قَوْمُ صَالِحٍ فِي النَّاقَةِ .
الثَّالِثُ : قُرَيْشٌ فِي الصَّفَا ذَهَبًا .
الرَّابِعُ : بَنُو إسْرَائِيلَ ، كَانَتْ تَسْأَلُ : فَإِذَا عَرَفْت بِالْحُكْمِ لَمْ تُقِرَّ وَلَمْ تَمْتَثِلْ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ عَامٌّ فِي الْكُلِّ ، وَلَقَدْ كَفَرَتْ الْعِيسَوِيَّةُ بِعِيسَى وَبِالْمَائِدَةِ ، وَالصَّالِحِيَّةِ بِالنَّاقَةِ ، وَالْمَكِّيَّةِ بِكُلِّ مَا شَهِدَتْ مِنْ آيَةٍ ، وَعَايَنَتْ مِنْ مُعْجِزَةٍ مِمَّا سَأَلَتْهُ وَمِمَّا لَمْ تَسْأَلْهُ عَلَى كَثْرَتِهَا ؛ وَهَذَا تَحْذِيرٌ مِمَّا وَقَعَ فِيهِ مَنْ سَبَقَ مِنْ الْأُمَمِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : اعْتَقَدَ قَوْمٌ مِنْ الْغَافِلِينَ تَحْرِيمَ أَسْئِلَةِ النَّوَازِلِ حَتَّى تَقَعَ تَعَلُّقًا بِهَذِهِ الْآيَةِ ، وَهُوَ جَهْلٌ ؛ لِأَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ قَدْ صَرَّحَتْ بِأَنَّ السُّؤَالَ الْمَنْهِيَّ عَنْهُ إنَّمَا كَانَ فِيمَا تَقَعُ الْمَسَاءَةُ فِي جَوَابِهِ ، وَلَا مَسَاءَةَ فِي جَوَابِ نَوَازِلِ الْوَقْتِ ، وَقَدْ كَانَ مَنْ سَلَفَ مِنْ السَّلَفِ الصَّالِحِ يَكْرَهُهَا أَيْضًا ، وَيَقُولُ فِيمَا يَسْأَلُ عَنْهُ مِنْ ذَلِكَ : دَعُوهُ دَعُوهُ حَتَّى يَقَعَ ، يُرِيدُ : فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى حِينَئِذٍ يُعِينُ عَلَى جَوَابِهِ ، وَيَفْتَحُ إلَى الصَّوَابِ مَا اسْتَبْهَمَ مِنْ بَابِهِ ؛ وَتَعَاطِيهِ قَبْلَ ذَلِكَ غُلُوٌّ فِي الْقَصْدِ ، وَسَرَفٌ مِنْ الْمُجْتَهِدِ ؛ وَقَدْ وَقَفَ أَعْرَابِيٌّ عَلَى رَبِيعَةِ الرَّأْيِ وَهُوَ يُفَرِّعُ الْمَسَائِلَ ، فَقَالَ : مَا الْعِيُّ عِنْدَنَا إلَّا مَا هَذَا فِيهِ مُنْذُ الْيَوْمِ .
وَإِنَّمَا يَنْبَغِي أَنْ يَعْتَنِيَ بِبَسْطِ الْأَدِلَّةِ ، وَإِيضَاحِ سُبُلِ النَّظَرِ ، وَتَحْصِيلِ مُقَدَّمَاتِ الِاجْتِهَادِ ، وَإِعْدَادِ الْآلَةِ الْمُعِينَةِ عَلَى الِاسْتِمْدَادِ ؛ فَإِذَا عَرَضَتْ النَّازِلَةُ أَتَيْت مِنْ بَابِهَا ، وَنُشِدَتْ فِي مَظَانِّهَا ، وَاَللَّهُ يَفْتَحُ فِي صَوَابِهَا .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : وَهُمْ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فِي ثَلَاثَةِ فُصُولٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ : إنَّ قَوْلَهُ : { لَا تَسْأَلُوا } إلَى قَوْلِهِ : { تَسُؤْكُمْ } سُؤَالٌ عَمَّا لَا يَعْنِي ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ بَلْ هُوَ سُؤَالٌ عَمَّا يَضُرُّ وَيَسُوءُ ، فَفَرَّقَ بَيْنَ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ عَنْ شَيْءٍ يَضُرُّ .
وَبَيْنَ أَنْ يَكُونَ عَمَّا لَا يَعْنِي .
وَهَذَا بَيِّنٌ .
الثَّانِي : قَالَ : قَوْلُهُ : { وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ } يَعْنِي : وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْ غَيْرِهَا ؛ لِأَنَّهُ نَهَاهُمْ فَكَيْفَ يَنْهَاهُمْ وَيَقُولُ : إنَّهُ يُبَيِّنُ لَهُمْ إنْ سَأَلُوهُ عَنْهَا .
وَهَذَا اسْتِبْعَادٌ مَحْضٌ عَارٍ عَنْ الْبُرْهَانِ ؛ وَأَيُّ فَرْقٍ أَوْ أَيُّ اسْتِحَالَةٍ فِي أَنْ يُقَالَ : لَا تَسْأَلْ ، فَإِنَّك إنْ سَأَلْت يُبَيِّنُ لَك مَا يَسُوءُك ، فَالسُّكُوتُ عَنْهُ أَوْلَى بِك ، وَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ عَفَا عَنْهَا لَك .
الثَّالِثُ : قَوْلُهُ : { قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ } : قَالَ : فَهَذَا السُّؤَالُ لِغَيْرِ الشَّيْءِ ، وَالْأَوَّلُ وَالثَّانِي هُوَ سُؤَالٌ عَنْ غَيْرِ الشَّيْءِ ، وَهَذَا كَلَامٌ فَاتِرٌ ، مَعَ أَنَّهُ قَدْ تَقَدَّمَ ضِدُّهُ حِينَ قَالَ : إنَّ السُّؤَالَ الثَّانِيَ هُوَ سُؤَالٌ عَنْ الشَّيْءِ ، وَفِيمَا قَدَّمْنَاهُ بَلَاغٌ فِي الْآيَةِ ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ .

الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { جَعَلَ } : وَقَدْ تَقَدَّمَ تَقْسِيمُهُ وَتَفْسِيرُهُ ، وَمَعْنَى اللَّفْظِ هَاهُنَا : مَا سَمَّى اللَّهُ ذَلِكَ حُكْمًا وَلَا يُعْتَدُّ بِهِ شَرْعًا ، بَيْدَ أَنَّهُ قَضَى بِهِ عِلْمًا ، وَأَوْجَدَهُ بِقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ خَلْقًا ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ مِنْ خَيْرٍ وَشَرٍّ ، وَنَفْعٍ وَضُرٍّ ، وَطَاعَةٍ وَمَعْصِيَةٍ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي تَفْسِيرِ الْمُسَمَّيَاتِ فِيهَا لُغَةٌ : فَالْبَحِيرَةُ ، هِيَ : النَّاقَةُ الْمَشْقُوقَةُ الْأُذُنُ لُغَةً ، يُقَالُ : بَحَرْت أُذُنَ النَّاقَةِ أَيْ شَقَقْتهَا .
وَالسَّائِبَةُ ، هِيَ : الْمُخَلَّاةُ لَا قَيْدَ عَلَيْهَا وَلَا رَاعِيَ لَهَا .
وَالْوَصِيلَةُ فِي الْغَنَمِ : كَانَتْ الْعَرَبُ إذَا وَلَدَتْ الشَّاةُ أُنْثَى كَانَتْ لَهُمْ ، وَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا كَانَتْ لِآلِهَتِهِمْ ، وَإِنْ وَلَدَتْ ذَكَرًا وَأُنْثَى قَالُوا : وَصَلَتْ أَخَاهَا ، فَكَانَ الْكُلُّ لِلْآلِهَةِ ، وَلَمْ يَذْبَحُوا الذَّكَرَ .
وَالْحَامِي : كَانَتْ الْعَرَبُ إذَا نَتَجَتْ مِنْ صُلْبِ الْفَحْلِ عَشَرَةُ أَبْطُنٍ قَالُوا : حَمَى ظَهْرَهُ فَسَيَّبُوهُ لَا يُرْكَبُ وَلَا يُهَاجُ .
وَلِهَذِهِ الْآيَةِ تَفْسِيرٌ طَوِيلٌ بِاخْتِلَافٍ كَثِيرٍ يَرْجِعُ إلَى مَا أَوْضَحَهُ مَالِكٌ وَمُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : كَانَ أَهْلُ الْجَاهِلِيَّةِ يُعْتِقُونَ الْإِبِلَ وَالْغَنَمَ يُسَيِّبُونَهَا ، فَأَمَّا الْحَامِي فَمِنْ الْإِبِلِ ؛ كَانَ الْفَحْلُ إذَا انْقَضَى ضِرَابُهُ جَعَلُوا عَلَيْهِ مِنْ رِيشِ الطَّوَاوِيسِ وَسَيَّبُوهُ .
وَأَمَّا الْوَصِيلَةُ فَمِنْ الْغَنَمِ وَلَدَتْ أُنْثَى بَعْدَ أُنْثَى سَيَّبُوهَا .
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ وَغَيْرُهُ عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ : أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَوَّلُ مَنْ نَصَبَ النُّصُبَ ، وَسَيَّبَ السَّوَائِبَ ، وَغَيَّرَ عَهْدَ إبْرَاهِيمَ عَمْرِو بْنِ لُحَيٍّ ؛ وَلَقَدْ رَأَيْته يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ ، يُؤْذِي أَهْلَ النَّارِ بِرِيحِهِ } .
قَالَ : وَأَوَّلُ مَنْ بَحَرَ الْبَحَائِرَ { رَجُلٌ مِنْ بَنِي مُدْلِجٍ عَمَدَ إلَى نَاقَتَيْنِ لَهُ ، فَجَدَعَ آذَانَهُمَا ، وَحَرَّمَ أَلْبَانَهُمَا وَظُهُورَهُمَا ، ثُمَّ احْتَاجَ إلَيْهِمَا ، فَشَرِبَ أَلْبَانَهُمَا ، وَرَكِبَ ظُهُورَهُمَا ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لَقَدْ رَأَيْتهمَا فِي النَّارِ يَخْبِطَانِهِ بِأَخْفَافِهِمَا وَيَعَضَّانِهِ بِأَفْوَاهِهِمَا } .
وَنَحْوُهُ عَلِيُّ بْنُ نَافِعٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ

: " لَقَدْ رَأَيْته يُؤْذِي أَهْلَ النَّارِ بِرِيحِهِ " وَلَمْ يَزِدْ .
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ : السَّوَائِبُ الْغَنَمُ .
وَقَالَ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْحَاقَ : الْبَحِيرَةُ بِنْتُ السَّائِبَةِ .
وَالسَّائِبَةُ هِيَ النَّاقَةُ إذَا تَابَعَتْ بَيْنَ عَشْرِ إنَاثٍ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ لَمْ يَرْكَبْ ظَهْرَهَا ، وَلَمْ يُجَزَّ وَبَرَهَا ، وَلَمْ يَشْرَبْ لَبَنَهَا إلَّا ضَيْفٌ فَمَا نَتَجَتْ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْ أُنْثَى شُقَّتْ أُذُنُهَا ، وَخُلِّيَ سَبِيلُهَا مَعَ أُمِّهَا ، فَلَمْ يَرْكَبْ ظَهْرَهَا ، وَلَمْ يَجُزَّ وَبَرَهَا ، وَلَمْ يَشْرَبْ لَبَنَهَا إلَّا ضَيْفٌ ، كَمَا فُعِلَ بِأُمِّهَا ؛ فَهِيَ الْبَحِيرَةُ بِنْتُ السَّائِبَةِ .
وَالْوَصِيلَةُ : الشَّاةُ إذَا أَتَأَمَّتْ عَشْرَ إنَاثٍ مُتَتَابِعَاتٍ فِي خَمْسَةِ أَبْطُنٍ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ جُعِلَتْ وَصِيلَةً ، قَالُوا : قَدْ وُصِلَتْ ، فَكَانَ مَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِلذُّكُورِ مِنْهُمْ دُونَ الْإِنَاثِ إلَّا أَنْ يَمُوتَ مِنْهَا شَيْءٌ فَيَشْتَرِكُونَ فِي أَكْلِهِ ذُكُورُهُمْ وَإِنَاثُهُمْ .
وَرُوِيَ عَنْ غَيْرِ ابْنِ إِسْحَاقَ : فَكَانَ مَا وَلَدَتْ بَعْدَ ذَلِكَ لِذُكُورِهِمْ دُونَ إنَاثِهِمْ .
قَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : وَالْحَامِي الْفَحْلُ إذَا نَتَجَ لَهُ عَشْرُ إنَاثٍ مُتَتَابِعَاتٍ لَيْسَ بَيْنَهُنَّ ذَكَرٌ حُمِيَ ظَهْرُهُ ، فَلَمْ يُرْكَبْ ظَهْرُهُ ، وَلَمْ يُجَزَّ وَبَرُهُ ، وَخُلِّيَ فِي إبِلِهِ يَضْرِبُ ، لَا يُنْتَفَعُ مِنْهُ بِشَيْءٍ بِغَيْرِ ذَلِكَ .
وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْبَحِيرَةُ النَّاقَةُ .
وَالْوَصِيلَةُ الشَّاةُ .
وَالْحَامِي الْفَحْلُ .
وَسَائِبَةٌ يَقُولُ يُسَيِّبُونَهَا لِأَصْنَامِهِمْ .
وَرُوِيَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنَ قَمْعَةَ بْنَ خِنْدِفٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ .
قَالَ : فَسَأَلْته عَمَّنْ بَيْنِي وَبَيْنَهُ مِنْ النَّاسِ .
قَالَ : هَلَكُوا } .
وَرُوِيَ أَنَّ سَبَبَ نَصْبِ الْأَوْثَانِ وَتَغْيِيرِ دِينِ إبْرَاهِيمَ أَنَّهُ خَرَجَ مِنْ مَكَّةَ إلَى الشَّامِ ، فَلَمَّا قَدِمَ مَأْرِبَ مِنْ أَرْضِ الْبَلْقَاءِ ؛ وَبِهَا يَوْمَئِذٍ الْعَمَالِيقُ أَوْلَادُ عِمْلِيقَ ، وَيُقَالُ عِمْلَاقُ بْنُ

لَاوِذْ بْنُ سَامِ بْنُ نُوحٍ ، رَآهُمْ يَعْبُدُونَ الْأَصْنَامَ ، فَقَالَ لَهُمْ : مَا هَذِهِ الْأَصْنَامُ الَّتِي أَرَاكُمْ تَعْبُدُونَ ؟ قَالُوا : هَذِهِ أَصْنَامٌ نَسْتَمْطِرُهَا فَتُمْطِرُنَا ، وَنَسْتَنْصِرُنَا فَتَنْصُرُهَا .
فَقَالَ لَهُمْ : أَفَلَا تُعْطُونِي مِنْهَا صَنَمًا أَسِيرُ بِهِ إلَى أَرْضِ الْعَرَبِ فَيَعْبُدُوهُ ؟ فَأَعْطَوْهُ صَنَمًا يُقَالُ لَهُ هُبَلُ .
فَقَدِمَ بِهِ مَكَّةَ فَنَصَبَهُ ، وَأَخَذَ النَّاسُ بِعِبَادَتِهِ وَتَعْظِيمِهِ ، فَلَمَّا بَعَثَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْحَقِّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ : { مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ } ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّهُمْ كَانُوا بِزَعْمِهِمْ يَفْعَلُونَ ذَلِكَ لِرِضَا رَبِّهِمْ وَفِي طَاعَتِهِ ، وَطَاعَةُ اللَّهِ وَرِضَاهُ إنَّمَا تُعْلَمُ مِنْ قَوْلِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ لِلَّهِ بِذَلِكَ قَوْلٌ ، فَكَانَ ذَلِكَ مِمَّا يَفْتَرُونَهُ عَلَى اللَّهِ ، وَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَيْهِ : { وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ } .
وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ : { قُلْ أَرَأَيْتُمْ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَكُمْ مِنْ رِزْقٍ فَجَعَلْتُمْ مِنْهُ حَرَامًا وَحَلَالًا قُلْ اللَّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللَّهِ تَفْتَرُونَ } .
وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ : { ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنْ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَمِنْ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنْ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمْ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إذْ وَصَّاكُمْ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ }

.
وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ : { وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : رَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ قَالَ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لِأَكْثَمَ بْنِ الْجَوْنِ : { رَأَيْت عَمْرَو بْنَ لُحَيِّ بْنَ قَمْعَةَ بْنَ خِنْدِفٍ يَجُرُّ قُصْبَهُ فِي النَّارِ ، فَمَا رَأَيْت رَجُلًا أَشْبَهَ بِرَجُلٍ مِنْك بِهِ وَلَا بِهِ مِنْك .
فَقَالَ أَكْثَمُ : أَخْشَى أَنْ يَضُرَّنِي شَبَهُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ : لَا ؛ لَأَنَّك مُؤْمِنٌ وَهُوَ كَافِرٌ ؛ إنَّهُ أَوَّلُ مَنْ غَيَّرَ دِينَ إسْمَاعِيلَ ، وَبَحَرَ الْبَحِيرَةَ ، وَسَيَّبَ السَّائِبَةَ ، وَحَمَى الْحَامِيَ } .
وَرَوَى أَبُو الْأَحْوَصِ عَوْنُ بْنُ مَالِكٍ بْنُ نَضْلَةَ الْجُشَمِيُّ عَنْ أَبِيهِ { أَنَّهُ وَفَدَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : أَرَبُّ إبِلٍ أَنْتَ أَمْ رَبُّ غَنَمٍ ؟ فَقَالَ : مِنْ كُلِّ الْمَالِ آتَانِي اللَّهُ فَأَكْثَرَ وَأَطْيَبَ .
فَقَالَ : هَلْ تُنْتِجُ إبِلُك صِحَاحًا آذَانُهَا فَتَعْمِدَ إلَى الْمَوَاسِي فَتَقْطَعَ آذَانَهَا ، فَتَقُولَ : هَذِهِ بُحُرٌ .
وَتَشُقُّ جُلُودَهَا ، فَتَقُولَ : هَذِهِ صُرُمٌ ، فَتُحَرِّمُهَا عَلَيْك وَعَلَى أَهْلِك ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَدْ أَحَلَّ لَك مَا آتَاك ، وَمُوسَى اللَّهِ أَحَدُّ ، وَسَاعِدُ اللَّهِ أَشَدُّ } .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : لَمَّا ذَمَّ اللَّهُ تَعَالَى الْعَرَبَ عَلَى مَا كَانَتْ تَفْعَلُهُ مِنْ ذَلِكَ كَانَ ذَلِكَ تَحْذِيرًا لِلْأُمَّةِ عَنْ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ مِنْ الْبَاطِلِ ، وَلَزِمَهُمْ الِانْقِيَادُ إلَى مَا بَيَّنَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ التَّحْلِيلِ وَالتَّحْرِيمِ ، دُونَ التَّعَلُّقِ بِمَا كَانَ يُلْقِيهِ إلَيْهِمْ الشَّيْطَانُ مِنْ الْأَبَاطِيلِ .
قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ : سَمِعْت الشَّافِعِيَّ يَقُولُ : قَالَ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ : الْحَبْسُ الَّذِي جَاءَ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِإِطْلَاقِهَا الَّتِي فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى : { مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ } .
قَالَ الشَّافِعِيُّ : هَذَا الَّذِي كَلَّمَ بِهِ مَالِكُ بْنُ أَنَسٍ أَبَا يُوسُفَ عِنْدَ هَارُونَ .
وَهَذِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ أَبَا يُوسُفَ خَالَفَ مَالِكًا فِي الْأَحْبَاسِ ، وَرَأَى رَأْيَ شَيْخِهِ أَبِي حَنِيفَةَ فِي أَنَّ الْحَبْسَ بَاطِلٌ .
وَرَوَى عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَالَ : حَضَرْت مَالِكًا وَقَدْ قَالَ لَهُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ عَنْ صَدَقَةِ الْحَبْسِ ، فَقَالَ : إذَا حِيزَتْ مَضَتْ .
قَالَ الْعِرَاقِيُّ : إنَّ شُرَيْحًا قَالَ : لَا حَبْسَ عَنْ كِتَابِ اللَّهِ .
فَضَحِكَ مَالِكٌ ، وَكَانَ قَلِيلَ الضَّحِكِ ، وَقَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ شُرَيْحًا لَوْ دَرَى مَا صَنَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هَاهُنَا .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ مَالِكًا قَالَ لَهُ أَبُو يُوسُفَ بِحَضْرَةِ الرَّشِيدِ : إنَّ الْحَبْسَ لَا يَجُوزُ .
فَقَالَ لَهُ مَالِكٌ : فَهَذِهِ الْأَحْبَاسُ أَحْبَاسُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِخَيْبَرَ وَفَدَكَ وَأَحْبَاسُ أَصْحَابِهِ ؟ فَأَمَّا { حَظُّ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : إنَّا مَعْشَرَ الْأَنْبِيَاءِ لَا نُورَثُ مَا تَرَكْنَا صَدَقَةٌ } .
وَأَمَّا أَصْحَابُهُ : فَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ ، وَعُمَرَ ، وَعُثْمَانَ ، وَعَلِيٍّ ، وَطَلْحَةَ ، وَالزُّبَيْرِ ، وَعَائِشَةَ ، وَزَيْدَ بْنَ ثَابِتٍ ، وَرَافِعَ بْنَ خَدِيجٍ ، وَخَالِدَ بْنَ

الْوَلِيدِ ، وَجَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ ، وَابْنَ عُمَرَ ، وَأُمَّ سَلَمَةَ ، وَحَفْصَةَ ، وَقَدْ رَوَى حَدِيثَ عُمَرَ جَمَاعَةٌ ، قَالُوا : { إنَّ عُمَرَ جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنِّي أَصَبْت مَالًا بِخَيْبَرَ لَمْ أُصِبْ قَطُّ مَالًا أَنْفَسَ مِنْهُ يَعْنِي بِسَمْعٍ ، وَإِنِّي أُرِيدُ أَنْ أَتَصَدَّقَ بِهِ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : احْبِسْ الْأَصْلَ وَسَبِّلْ الثَّمَرَاتِ } .
وَأَشَارَ بِهِ إلَى الصَّدَقَةِ الدَّائِمَةِ فَإِنَّهُ لَوْ تَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ صَدَقَةً فَبِيعَ لَانْقَطَعَ أَجْرُهُ فِي الْحَبْسِ ؛ وَكَتَبَ عُمَرُ فِي شَرْطِهِ : " هَذَا مَا تَصَدَّقَ بِهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ صَدَقَةً لَا تُبَاعُ وَلَا تُورَثُ وَلَا تُوهَبُ ، لِلْفُقَرَاءِ ، وَالْقُرْبَى ، وَالرِّقَابِ ، وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ ، وَالضَّيْفِ ، وَابْنِ السَّبِيلِ ، لَا جُنَاحَ عَلَى مَنْ وَلِيَهَا أَنْ يَأْكُلَ مِنْهَا بِالْمَعْرُوفِ غَيْرَ مُتَأَثِّلٍ مَالًا " .
وَجَاءَ بِأَلْفَاظٍ مُخْتَلِفَةٍ هَذِهِ أُمَّهَاتُهَا .
وَتَعَلَّقَ أَبُو حَنِيفَةَ بِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَابَ عَلَى الْعَرَبِ مَا كَانَتْ تَفْعَلُ مِنْ تَسْيِيبِ الْبَهَائِمِ وَحِمَايَتِهَا وَحَبْسِ أَنْفُسِهَا عَنْهَا .
وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ عَابَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَتَصَرَّفُوا بِعُقُولِهِمْ بِغَيْرِ شَرْعٍ تَوَجَّهَ إلَيْهِمْ ، أَوْ تَكْلِيفٍ فُرِضَ عَلَيْهِمْ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا عَابَ عَلَيْهِمْ أَنْ نَقَلُوا الْمِلْكَ إلَى غَيْرِ مَالِكٍ ، وَالْمِلْكُ قَدْ عَيَّنَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْأَمْوَالِ ، وَجَعَلَ الْأَيْدِي تَتَبَادَلُ فِيهِ بِوُجُوهٍ شَرْعِيَّةٍ ، أَوْ تَبْطُلُ فِي الْأَعْيَانِ بِمَعَانٍ قَرِيبَةٍ ، كَالْعِتْقِ وَالْهَدْيِ ؛ فَأَمَّا هَذِهِ الطَّرِيقُ فَبِدْعَةٌ .
قُلْنَا : بَلْ سُنَّةٌ كَمَا تَقَدَّمَ .
جَوَابٌ ثَانٍ : وَذَلِكَ أَنَّ الْحَبْسَ عِنْدَنَا لَا يَنْقُلُ الْمِلْكَ ؛ بَلْ يَبْقَى عَلَى حُكْمِ مَالِكِهِ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ الْحَبْسُ فِي الْغَلَّةِ وَالْمَنْفَعَةِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ ، وَفِي الْقَوْلِ الثَّانِي يُنْقَلُ الْمِلْكُ إلَى الْمَحْبُوسِ

عَلَيْهِ وَهُوَ مَالِكٌ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا كَانَ يَصِحُّ هَذَا لَوْ كَانُوا مُعَيَّنِينَ ، فَأَمَّا الْمَجْهُولُ وَالْمَعْدُومُ فَلَا يَنْتَقِلُ الْمِلْكُ إلَيْهِ .
قُلْنَا : هَذَا يَبْطُلُ بِأَرْبَعَةِ مَسَائِلَ : الْأُولَى الْمَسْجِدُ .
الثَّانِيَةُ الْمَقْبَرَةُ .
الثَّالِثَةُ الْقَنْطَرَةُ ، قَالُوا يَصِحُّ هَذَا ، وَهُوَ حَبْسٌ عَلَى مَعْدُومٍ وَمَجْهُولٍ [ وَهُوَ الرَّابِعُ ] .
جَوَابٌ خَامِسٌ : وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا حَنِيفَةَ نَاقَضَ ؛ فَقَالَ : إذَا أَوْصَى بِالْحَبْسِ جَازَ ، وَهَذِهِ الْمُنَاقَضَاتُ الْخَمْسُ لَا جَوَابَ لَهُ عَنْهَا إلَّا وَيَنْعَكِسُ عَلَيْهِمْ فِي مَسْأَلَتِنَا ، وَلَهُمْ آثَارٌ لَمْ نَرْضَ ذِكْرَهَا لِبُطْلَانِهَا .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : فِي عِتْقِ السَّائِبَةٍ : قَالَ أَصْبَغُ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ فِي الْعُتْبِيَّةِ : أَكْرَهُ عِتْقَ السَّائِبَةِ ؛ لِأَنَّهُ كَهِبَةِ الْوَلَاءِ .
وَقَالَ عِيسَى : أَكْرَهُهُ وَأَنْهَى عَنْهُ .
قَالَ سَحْنُونٌ : لَا يُعْجِبُنَا كَرَاهِيَتُهُ لَهُ ، وَهُوَ جَائِزٌ ، كَمَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتِقَ عَنْ غَيْرِهِ يُرِيدَانِ : وَلَا يَكُونُ ذَلِكَ هِبَةً لِلْوَلَاءِ ، كَذَلِكَ فِي السَّائِبَةِ ، وَهَذَا الَّذِي قَالَاهُ صَحِيحٌ عَلَى تَعْلِيلِهِ .
وَأَمَّا لَوْ عَلَّلَ الْكَرَاهَةَ بِأَنَّهَا لَفْظَةٌ مَذْمُومَةٌ شَرْعًا ، فَلَا يَتَقَرَّبُ بِهَا ؛ إذْ لَهُ فِي غَيْرِهَا مِنْ أَلْفَاظِ الْعِتْقِ فِي كِنَايَاتِهِ وَصَرَائِحِهِ مَنْدُوحَةٌ لَكَانَ لَهُ وَجْهٌ ، وَتَبَيَّنَتْ الْمَسْأَلَةُ ؛ وَبِالْكَرَاهَةِ أَقُولُ لِلْمَعْنَى الَّذِي نَبَّهْت عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي تَصْوِيرِهِ : وَهُوَ أَنْ يَقُولَ لِلْعَبْدِ : أَنْتَ سَائِبَةٌ ، وَيَنْوِيَ الْعِتْقَ .
أَوْ يَقُولَ : أُعْتِقُك سَائِبَةً .
فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَلَاؤُهُ لِلْمُسْلِمِينَ ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ ، وَابْنُ عُمَرَ ، وَابْنُ عَبَّاسٍ ، وَابْنُ شِهَابٍ ، رَوَاهُ عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ وَمُطَرِّفٌ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : وَلَاؤُهُ لِمُعْتِقِهِ ، وَبِهِ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ، وَابْنُ نَافِعٍ ، وَابْنُ الْمَاجِشُونِ .
وَجْهُ الْأَوَّلِ : أَنَّ اللَّفْظَ يَقْتَضِي أَنْ يَزُولَ عَنْهُ الْمِلْكُ وَالْيَدُ وَيَبْقَى كَالْجَمَلِ الْمُسَيَّبِ الَّذِي لَا يُعْرَضُ لَهُ ، وَلَوْ تَبَيَّنَ الْوَلَاءُ لِأَحَدٍ لَمْ يَتَحَقَّقْ هَذَا الْمَعْنَى .
وَوَجْهُ الثَّانِي وَبِهِ أَقُولُ : إنَّهُ لَا سَائِبَةَ فِي الْإِسْلَامِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الْوَلَاءُ لِمَنْ أَعْتَقَ } .
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّهُ لَمْ يُعْتَقْ عَنْ مُعَيَّنٍ ، فَلَا يَخْرُجُ الْوَلَاءُ عَنْهُ ، كَمَا لَوْ أَطْلَقَ الْعِتْقَ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ } : وَهَذَا عَامٌّ فِيهِمْ ، لَكِنْ افْتِرَاؤُهُمْ عَلَى قِسْمَيْنِ مِنْهُمْ : افْتِرَاءُ مُعَانِدٍ يَعْلَمُ أَنَّ هَذَا كَذِبٌ وَزُورٌ ، وَمِنْهُمْ مَنْ لَا يَعْلَمُهُ ، وَهُمْ الْأَتْبَاعُ لِرُؤَسَائِهِمْ وَأَهْلُ الْغَفْلَةِ مِنْهُمْ ، وَهُمْ الْأَكْثَرُ ؛ وَالْعَذَابُ يُشْرِكُهُمْ وَيَعُمُّهُمْ ، وَالْعِنَادُ أَعْظَمُ عَذَابًا .

الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : ارْتِبَاطُهَا بِمَا قَبْلَهَا : وَذَلِكَ بَيِّنٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَخْبَرَ عَنْ جَهَالَةِ الْعَرَبِ فِيمَا تَحَكَّمَتْ فِيهِ بِآرَائِهَا السَّقِيمَةِ فِي الْبَحَائِرِ وَالسَّوَائِبِ وَالْحَوَامِي ، وَاحْتِجَاجُهُمْ فِي ذَلِكَ بِأَنَّهُ أَمْرٌ وَجَدُوا عَلَيْهِ آبَاءَهُمْ ؛ فَاتَّبَعُوهُمْ فِي ذَلِكَ ، وَتَرَكُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ وَأَمَرَ بِهِ مِنْ دِينِهِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَدْ قَدَّمْنَا أَنَّ الْعُقُولَ لَا حُكْمَ لَهَا بِتَحْسِينٍ وَلَا تَقْبِيحٍ ، وَلَا تَحْلِيلٍ وَلَا تَحْرِيمٍ ؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ إلَى الشَّرْعِ ؛ إذْ الْعُقُولُ لَا تَهْتَدِي إلَى الْمَنَافِعِ الَّتِي تُرْشِدُ مِنْ ضَلَالِ الْخَوَاطِرِ ، وَتُنْجِي مِنْ أَهْوَالِ الْآخِرَةِ بِمَا لَا يَهْتَدِي الْعَقْلُ إلَى تَفْصِيلِهِ ، وَلَا يَتَمَكَّنُ مِنْ تَحْصِيلِهِ ، فَكَيْفَ إنْ تَغَيَّرَ مَا مَهَّدَهُ الشَّرْعُ ، وَتَبَدَّلَ مَا سَنَّهُ وَأَوْضَحَهُ ، وَذَلِكَ [ كُلُّهُ ] مِنْ غُرُورِ الشَّيْطَانِ وَوَسَاوِسِهِ وَتَحَكُّمِهِ عَلَى الْخَلْقِ بِالْوَعْدِ الصَّادِقِ : لَأَجْلِبَنَّ عَلَيْهِمْ وَلِأُشَارِكَنهُمْ وَلَأَعِدَنَّهُمْ .
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِك وَرَجْلِك وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إلَّا غُرُورًا } .
.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : تَعَلَّقَ قَوْمٌ بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي ذَمِّ التَّقْلِيدِ ، وَقَدْ ذَكَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ ذَمَّ الْكُفَّارِ بِاتِّبَاعِهِمْ لِآبَائِهِمْ بِالْبَاطِلِ ، وَاقْتِدَائِهِمْ بِهِمْ فِي الْكُفْرِ وَالْمَعْصِيَةِ فِي مَوَاضِعَ مِنْ الْقُرْآنِ .
وَأَكَّدَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ ؛ وَإِنَّمَا يَكُونُ كَمَا فَسَّرْنَاهُ فِي الْبَاطِلِ .
فَأَمَّا التَّقْلِيدُ فِي الْحَقِّ فَأَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الدِّينِ ، وَعِصْمَةٌ مِنْ عِصَمِ الْمُسْلِمِينَ يَلْجَأُ إلَيْهَا الْجَاهِلُ الْمُقَصِّرُ عَنْ دَرْكِ النَّظَرِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي جَوَازِهِ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ ، فَأَمَّا جَوَازُهُ ، بَلْ وُجُوبُهُ ، فِي مَسَائِلِ الْفُرُوعِ فَصَحِيحٌ ، وَهُوَ قَبُولُ قَوْلِ الْعَالِمِ مِنْ غَيْرِ مَعْرِفَةٍ بِدَلِيلِهِ ؛ وَلِذَلِكَ مَنَعَ الْعُلَمَاءُ أَنْ يُقَالَ : إنَّا نُقَلِّدُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّا إنَّمَا قَبِلْنَا قَوْلَهُ بِدَلِيلٍ ظَاهِرٍ ، وَأَصْلٍ مَقْطُوعٍ بِهِ ، وَهُوَ الْمُعْجِزَةُ الَّتِي ظَهَرَتْ عَلَى يَدِهِ مُوَافِقَةً لِدَعْوَاهُ ، وَدَالَّةً عَلَى صِدْقِهِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَحْكَامَ التَّقْلِيدِ وَوَجْهَهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
لِبَابِهِ : أَنَّهُ فَرْضٌ عَلَى الْعَامِّيِّ إذَا نَزَلَتْ بِهِ نَازِلَةٌ أَنْ يَقْصِدَ أَعْلَمَ مَنْ فِي زَمَانِهِ وَبَلَدِهِ فَيَسْأَلُهُ عَنْ نَازِلَتِهِ ، فَيَمْتَثِلُ فِيهَا فَتْوَاهُ ، وَعَلَيْهِ الِاجْتِهَادُ فِي مَعْرِفَةِ [ أَعْلَمَ ] أَهْلِ وَقْتِهِ بِالْبَحْثِ عَنْ ذَلِكَ ، حَتَّى يَتَّصِلَ لَهُ الْحَدِيثُ بِذَلِكَ وَيَقَعُ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ مِنْ الْأَكْثَرِ مِنْ النَّاسِ .
وَعَلَى الْعَالِمِ أَيْضًا فَرْضُ أَنْ يُقَلِّدَ عَالِمًا مِثْلَهُ فِي نَازِلَةٍ خَفِيَ عَلَيْهِ فِيهَا وَجْهُ الدَّلِيلِ وَالنَّظَرِ ، وَأَرَادَ أَنْ يُرَدِّدَ فِيهَا الْفِكْرَ ، حَتَّى يَقِفَ عَلَى الْمَطْلُوبِ ؛ فَضَاقَ الْوَقْتُ عَنْ ذَلِكَ ، وَخِيفَ عَلَى الْعِبَادَةِ أَنْ تَفُوتَ ، أَوْ عَلَى الْحُكْمِ أَنْ يَذْهَبَ فِي تَفْصِيلٍ طَوِيلٍ ، وَاخْتِلَافٍ كَثِيرٍ ، عَوَّلُوا مِنْهُ عَلَى مَا أَشَرْنَا لَكُمْ إلَيْهِ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ } : هَذِهِ إشَارَةٌ إلَى أَنَّ الْأَدِلَّةَ وَالِاحْتِجَاجَاتِ لَا تَكُونُ بِمُحْتَمَلٍ ، وَإِنَّمَا يَقَعُ الِاتِّبَاعُ فِيهَا بِمَا خَرَجَ مِنْ الِاحْتِمَالِ ، وَوَجَبَتْ لَهُ الصِّحَّةُ فِي طُرُقِ الِاسْتِدْلَالِ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ : وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا ، فَنَحْنُ نَقْتَدِي بِهِمْ فِي أَفْعَالِهِمْ ، وَنَمْتَثِلُ مَا شَاهَدْنَاهُ مِنْ أَعْمَالِهِمْ ، وَلَمْ يَثْبُتْ عِنْدَهُمْ أَنَّ آبَاءَهُمْ بِالْهُدَى عَامِلُونَ ، وَعَنْ غَيْرِ الْحَقِّ مَعْصُومُونَ ، وَنَسُوا أَنَّ الْبَاطِلَ جَائِزٌ عَلَيْهِمْ ، وَالْخَطَأَ وَالْجَهْلَ لَاحِقٌ بِهِمْ ؛ فَبَطَلَ وَجْهُ الْحُجَّةِ فِيهِ ، وَوَضَحَ الْعَمَلُ بِالدَّلِيلِ بِشُرُوطِهِ حَسْبَمَا قَرَرْنَاهُ مِنْ شُرُوطِ الْأَدِلَّةِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .

قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ إلَى اللَّهِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعًا فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : فِي هَذِهِ الْآيَةِ غَرِيبَةٌ مِنْ الْقُرْآنِ لَيْسَ لَهَا أُخْتٌ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى ؛ وَذَلِكَ أَنَّهَا آيَةٌ يَنْسَخُ آخِرُهَا أَوَّلَهَا ؛ نَسَخَ قَوْلُهُ : { إذَا اهْتَدَيْتُمْ } قَوْلَهُ : { عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ } .
وَقَدْ حَقَّقْنَا الْقَوْلَ فِي ذَلِكَ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ النَّاسِخُ وَالْمَنْسُوخُ ، فَالْحَظُوهُ هُنَاكَ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعْلَمُوهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رُوِيَ أَنَّ أَبَا بَكْرٍ الصِّدِّيقَ قَالَ : أَيُّهَا النَّاسُ ، إنَّكُمْ تَقْرَءُونَ هَذِهِ الْآيَةَ وَتَتَأَوَّلُونَهَا عَلَى غَيْرِ تَأْوِيلِهَا : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ } .
وَإِنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ .
وَرَوَى { أَبُو أُمَيَّةَ الشَّعْبَانِيُّ قَالَ : أَتَيْت أَبَا ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيَّ ، فَقُلْت لَهُ : كَيْفَ تَصْنَعُ بِهَذِهِ الْآيَةِ ؟ فَقَالَ : أَيَّةُ آيَةٍ ؟ قُلْت : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ } ؛ فَقَالَ : أَمَا وَاَللَّهِ لَقَدْ سَأَلْت عَنْهَا خَبِيرًا ، سَأَلْت عَنْهَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : بَلْ ائْتَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ، وَتَنَاهَوْا عَنْ الْمُنْكَرِ ، حَتَّى إذَا رَأَيْت شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْك بِخَاصَّةِ نَفْسِك ، وَدَعْ أَمْرَ الْعَامَّةِ ؛ فَإِنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامًا ، الصَّبْرُ فِيهِنَّ مِثْلُ الْقَبْضِ عَلَى الْجَمْرِ ، لِلْعَامِلِ فِيهِنَّ مِثْلُ أَجْرِ خَمْسِينَ رَجُلًا ، يَعْمَلُونَ مِثْلَ عَمَلِكُمْ } الْحَدِيثَ إلَى

آخِرِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أُصُولِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الدِّينِ وَخِلَافَةُ الْمُسْلِمِينَ : وَقَدْ ذَكَرَ عُلَمَاؤُنَا أَبْوَابَهُ وَمَسَائِلَهُ فِي أُصُولِ الدِّينِ ، وَهِيَ مِنْ فُرُوعِهِ ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُنَا لَهَا فِي آيَاتٍ قَبْلَ هَذَا ، وَذَكَرْنَا بَعْضَ شُرُوطِهِ ، وَحَقَّقْنَا أَنَّ الْقِيَامَ بِهِ فَرْضٌ عَلَى جَمِيعِ الْخَلْقِ .
وَعَرَضْت هَذِهِ الْآيَةَ الْمُوهِمَةَ فِي ابْتِدَاءِ الْحَالِ لِمُعَارَضَتِهَا لِمَا تَقَدَّمَ ، أَوْ لِمَا يَتَأَخَّرُ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ الْآيَاتِ الْمُؤَكِّدَةِ لِلْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَعِنْدَ سَدَادِ النَّظَرِ وَانْتِهَائِهِ إلَى الْغَايَةِ يَتَبَيَّنُ الْمَطْلُوبُ .
وَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ } .
وَأَخْبَرَ تَعَالَى أَنَّ الْعَذَابَ وَاقِعٌ بِهِمْ لِأَجْلِ سُكُوتِهِمْ عَنْ الْمُنْكَرِ الْمَفْعُولِ ، وَالْمَعْرُوفِ الْمَتْرُوكِ ؛ وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى مُخَاطَبَةِ الْكُفَّارِ بِفُرُوعِ الشَّرِيعَةِ ، وَأَنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَلَى تَرْكِهَا ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ الصِّدِّيقُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ آنِفًا بِقَوْلِهِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ } .
وَذَلِكَ إنَّمَا يَكُونُ مَعَ الْقُدْرَةِ عَلَى ذَلِكَ بِيَقِينِ الْأَمْنِ مِنْ الضَّرَرِ عِنْدَ الْقِيَامِ بِهِ ؛ يَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ فِي حَدِيثِ أَبِي ثَعْلَبَةَ الْخُشَنِيِّ : { فَإِذَا رَأَيْت شُحًّا مُطَاعًا ، وَهَوًى مُتَّبَعًا ، وَدُنْيَا مُؤْثَرَةً ، وَإِعْجَابَ كُلِّ ذِي رَأْيٍ بِرَأْيِهِ فَعَلَيْك بِخَاصَّةِ نَفْسِك ، وَدَعْ أَمْرَ الْعَامَّةِ } .
وَذَلِكَ لِعَدَمِ الِاسْتِطَاعَةِ عَلَى مُعَارَضَةِ الْخَلْقِ ، وَالْخَوْفِ عَلَى النَّفْسِ أَوْ الْمَالِ مِنْ الْقِيَامِ بِالْحَقِّ .
وَتِلْكَ رُخْصَةٌ مِنْ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ يَسَّرَهَا عَلَيْنَا ، وَفَضْلُهُ الْعَمِيمُ آتَانَاهُ ، وَقَدْ بَيَّنَّا كَيْفِيَّةَ

الْعَمَلِ فِيهِ وَالِاخْتِلَافَ عَلَيْهِ .
وَيَعْضُدُ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { مَنْ رَأَى مِنْكُمْ مُنْكَرًا فَلْيُغَيِّرْهُ بِيَدِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُغَيِّرْهُ بِلِسَانِهِ ، فَإِنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَلْيُغَيِّرْهُ بِقَلْبِهِ ، وَذَلِكَ أَضْعَفُ الْإِيمَانِ } .
وَلِهَذَا الْمَعْنَى حَدَّثَ أَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ مَرْوَانَ بْنَ الْحَكَمِ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَصْعَدَ الْمِنْبَرَ قَبْلَ الصَّلَاةِ فِي خُطْبَةِ الْعِيدَيْنِ ، فَقَالَ لَهُ مَرْوَانُ : ذَهَبَ مَا كُنْت تَعْلَمُ .
فَسَكَتَ أَبُو سَعِيدٍ ، وَذَكَرَ نَحْوَ الْحَدِيثِ الْمُتَقَدِّمِ ؛ إذْ لَمْ يَقْدِرْ عَلَى مُخَالَفَةِ الْمَلِكِ ، وَلَا اسْتَطَاعَ مُنَازَعَةَ الْإِمَارَةِ ، وَسَكَتَ .
فَإِنْ قِيلَ : لِمَ لَمْ يَخْرُجْ عَنْ النَّاسِ ، وَلِمَ يَحْضُرُ بِدْعَةً ، وَيُقِيمُ سُنَّةً مُبْدَلَةً ؟ قُلْنَا : فِي الْجَوَابِ وَجْهَانِ : أَحَدُهُمَا : مَا قَالَ عُثْمَانُ ، حِينَ قِيلَ لَهُ إنَّهُ يُصَلِّي لَنَا إمَامُ فِتْنَةٍ .
قَالَ : " الصَّلَاةُ أَحْسَنُ مَا يَفْعَلُ النَّاسُ ؛ فَإِذَا أَحْسَنَ النَّاسُ فَأَحْسِنْ مَعَهُمْ ، وَإِذَا أَسَاءُوا فَاجْتَنِبْ إسَاءَتَهُمْ " .
الثَّانِي : أَنَّ أَبَا سَعِيدٍ لَمْ يَسْتَطِعْ الْخُرُوجَ ؛ فَإِنَّ الْمَوْضِعَ كَانَ مُحَاطًا بِهِ مِنْ الْحَرَسِ مَشْحُونًا بِحَاشِيَةِ مَرْوَانَ ، يَحْفَظُونَ أَعْمَالَ النَّاسِ ، وَيَلْحَظُونَ حَرَكَاتِهِمْ ، فَلَوْ خَرَجَ أَبُو سَعِيدٍ لَخَافَ أَنْ يَلْقَى هَوَانًا ، فَأَقَامَ مَعَ النَّاسِ فِي الطَّاعَةِ ، وَخَلَصَ بِنَفْسِهِ مِنْ التَّبَاعَةِ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : تَذَاكَرْت بِالْمَسْجِدِ الْأَقْصَى طَهَّرَهُ اللَّهُ مَعَ شَيْخِنَا أَبِي بَكْرٍ الْفِهْرِيِّ هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ أَبِي ثَعْلَبَةَ ، وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهِ : { إنَّ مِنْ وَرَائِكُمْ أَيَّامَ الصَّبْرِ لِلْعَامِلِ فِيهَا أَجْرُ خَمْسِينَ مِنْكُمْ .
فَقَالُوا : بَلْ مِنْهُمْ .
فَقَالَ : بَلْ مِنْكُمْ ؛ لِأَنَّكُمْ تَجِدُونَ عَلَى الْخَيْرِ أَعْوَانًا ، وَهُمْ لَا يَجِدُونَ عَلَيْهِ أَعْوَانًا } ، وَتَفَاوَضْنَا كَيْفَ يَكُونُ أَجْرُ مَنْ يَأْتِي مِنْ الْأُمَّةِ أَضْعَافَ أَجْرِ الصَّحَابَةِ ، مَعَ أَنَّهُمْ أَسَّسُوا الْإِسْلَامَ ، وَعَضَّدُوا الدِّينَ ، وَأَقَامُوا الْمَنَارَ ، وَافْتَتَحُوا الْأَمْصَارَ ، وَحَمَوْا الْبَيْضَةَ ، وَمَهَّدُوا الْمِلَّةَ ؟ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { دَعُوا لِي أَصْحَابِي ، فَلَوْ أَنْفَقَ أَحَدُكُمْ كُلَّ يَوْمٍ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا بَلَغَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ } .
فَتَرَاجَعْنَا الْقَوْلَ فَكَانَ الَّذِي تَنَخَّلَ مِنْ الْقَوْلِ ، وَتَحَصَّلَ مِنْ الْمَعْنَى لُبَابًا أَوْضَحْنَاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ ، الْإِشَارَةُ إلَيْهِ أَنَّ الصَّحَابَةَ كَانَ لَهُمْ أَعْمَالٌ كَثِيرَةٌ فِيهَا مَا تَقَدَّمَ سَرْدُهُ ؛ وَذَلِكَ لَا يَلْحَقُهُمْ فِيهِ أَحَدٌ ، وَلَا يُدَانِي شَأْوَهُمْ فِيهَا بَشَرٌ ، وَالْأَعْمَالُ سِوَاهَا مِنْ فُرُوعِ الدِّينِ يُسَاوِيهِمْ فِيهَا فِي الْأَجْرِ مَنْ أَخْلَصَ إخْلَاصَهُمْ ، وَخَلَّصَهَا مِنْ شَوَائِبِ الْبِدَعِ وَالرِّيَاءِ بَعْدَهُمْ ، وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ بَابٌ عَظِيمٌ هُوَ ابْتِدَاءُ الدِّينِ وَالْإِسْلَامِ ، وَهُوَ أَيْضًا انْتِهَاؤُهُ ؛ وَقَدْ كَانَ قَلِيلًا فِي ابْتِدَاءِ الْإِسْلَامِ ، صَعْبَ الْمَرَامِ لِغَلَبَةِ الْكُفَّارِ عَلَى الْحَقِّ ، وَفِي آخِرِ الزَّمَانِ أَيْضًا يَعُودُ كَذَلِكَ بِوَعْدِ الصَّادِقِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِفَسَادِ الزَّمَانِ ، وَظُهُورِ الْفِتَنِ ، وَغَلَبَةِ الْبَاطِلِ ، وَاسْتِيلَاءِ التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ عَلَى الْحَقِّ مِنْ الْخَلْقِ ، وَرُكُوبِ مَنْ يَأْتِي سَنَنَ مَنْ مَضَى

مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ خَرِبٍ لَدَخَلْتُمُوهُ } .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { بَدَأَ الْإِسْلَامُ غَرِيبًا وَسَيَعُودُ كَمَا بَدَأَ } .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا فَلَا بُدَّ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ بِحُكْمِ هَذَا الْوَعْدِ الصَّادِقِ أَنْ يَرْجِعَ الْإِسْلَامُ إلَى وَاحِدٍ كَمَا بَدَأَ مِنْ وَاحِدٍ ، وَيَضْعُفَ الْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ ، حَتَّى إذَا قَامَ بِهِ قَائِمٌ مَعَ احْتِوَاشِهِ بِالْمَخَاوِفِ ، وَبَاعَ نَفْسَهُ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي الدُّعَاءِ إلَيْهِ كَانَ لَهُ مِنْ الْأَجْرِ أَضْعَافُ مَا كَانَ لِمَنْ كَانَ مُتَمَكِّنًا مِنْهُ ، مُعَانًا عَلَيْهِ بِكَثْرَةِ الدُّعَاةِ إلَى اللَّهِ تَعَالَى ، وَذَلِكَ لِقَوْلِهِ : " لِأَنَّكُمْ تَجِدُونَ عَلَى الْخَيْرِ أَعْوَانًا وَهُمْ لَا يَجِدُونَ إلَيْهِ أَعْوَانًا حَتَّى يَنْقَطِعَ ذَلِكَ انْقِطَاعًا بَاتًّا ، لِضَعْفِ الْيَقِينِ ، وَقِلَّةِ الدِّينِ " كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يُقَالَ فِي الْأَرْضِ اللَّهُ اللَّهُ } .
يُرْوَى بِرَفْعِ الْهَاءِ وَنَصْبِهَا مِنْ الْمَكْتُوبَةِ ، فَإِنْ رُوِيَتْ بِرَفْعِ الْهَاءِ كَانَ مَعْنَاهُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يَبْقَى مُوَحِّدٌ يَذْكُرُ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ ، وَإِذَا نَصَبْت الْهَاءَ كَانَ مَعْنَاهُ لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى لَا يَبْقَى آمِرٌ بِمَعْرُوفٍ ، وَلَا نَاهٍ عَنْ مُنْكَرٍ يَقُولُ : خَافُوا اللَّهَ ، وَحِينَئِذٍ يَتَمَنَّى الْعَاقِلُ الْمَوْتَ ، كَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حَتَّى يَمُرَّ الرَّجُلُ بِقَبْرِ الرَّجُلِ فَيَقُولُ : يَا لَيْتَنِي مَكَانَهُ } .
.

الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ إنْ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ إنَّا إذًا لَمِنْ الْآثِمِينَ فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إنَّا إذًا لَمِنْ الظَّالِمِينَ ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاَللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } .
وَإِنَّمَا نَظَمْنَاهَا ؛ لِأَنَّهَا فِي قِصَّةٍ وَاحِدَةٍ ؛ وَهَذِهِ الْآيَةُ مِنْ الْمُشْكِلَاتِ ، وَقَدْ عَسُرَ الْقَوْلُ فِيهَا عَلَى الْمُتَبَحِّرِينَ ، فَأَمَّا الشَّادُونَ فَالْحِجَابُ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ مِعْزَفٌ ، وَالسَّبِيلُ الْمُوَصِّلَةُ إلَيْهَا لَا تُعْرَفُ ، وَمَا زِلْنَا مُدَّةَ الطَّلَبِ نَقْرَعُ بَابَهَا وَنَجْذِبُ حِجَابَهَا إلَى أَنْ فَتَحَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْهَا بِمَا سَرَدْنَاهُ لَكُمْ وَجَلَوْنَاهُ عَلَيْكُمْ فِي تِسْعٍ وَثَلَاثِينَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : وَفِيهِ رِوَايَاتٌ مُخْتَلِفَةٌ مِنْ طُرُقٍ كَثِيرَةٍ لَوْ سَرَدْنَاهَا بِطُرُقِهَا ، وَسَطَرْنَاهَا بِنُصُوصِهَا ، وَكَشَفْنَا عَنْ أَحْوَالِ رُوَاتِهَا بِالتَّجْرِيحِ وَالتَّعْدِيلِ لَاتَّسَعَ الشَّرْحُ ، وَطَالَ عَلَى الْقَارِئِ الْبَرْحُ ، فَلِذَا نَذْكُرُ لَكُمْ مِنْ ذَلِكَ أَيْسَرَهُ وَوَرَدَ فِي الْكِتَابِ الْكَبِيرِ أَكْثَرُهُ ، فَنَقُولُ : رَوَى التِّرْمِذِيُّ عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ عَنْ أَبِي النَّضْرِ عَنْ بَاذَانَ مَوْلَى أُمِّ هَانِئٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، { عَنْ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ فِي هَذِهِ

الْآيَةِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } بَرِئَ مِنْهَا النَّاسُ غَيْرِي وَغَيْرَ عَدِيِّ بْنِ بَدَاءَ ، وَكَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ يَخْتَلِفَانِ إلَى الشَّامِ قَبْلَ الْإِسْلَامِ ، فَأَتَيَا الشَّامَ لِتِجَارَتِهِمَا ، وَقَدِمَ عَلَيْهِمَا مَوْلًى لِبَنِي سَهْمٍ يُقَالُ لَهُ بُدَيْلُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ بِتِجَارَتِهِ ، وَمَعَهُ جَامُ فِضَّةٍ يُرِيدُ بِهِ الْمَلِكَ ، وَهُوَ عُظْمُ تِجَارَتِهِ ، فَمَرِضَ ، فَأَوْصَى إلَيْهِمَا ، وَأَمَرَهُمَا أَنْ يُبَلِّغَا مَا تَرَكَ أَهْلَهُ .
قَالَ تَمِيمٌ : فَلَمَّا مَاتَ أَخَذْنَا ذَلِكَ الْجَامَ فَبِعْنَاهُ بِأَلْفِ دِرْهَمٍ ، ثُمَّ اقْتَسَمْنَاهَا أَنَا وَعَدِيُّ بْنُ بَدَاءَ ، فَلَمَّا قَدِمْنَا إلَى أَهْلِهِ دَفَعْنَا إلَيْهِمْ مَا كَانَ مَعَنَا ، وَفَقَدُوا الْجَامَ ، فَسَأَلُونَا عَنْهُ ، فَقُلْنَا : مَا تَرَكَ غَيْرَ هَذَا ، وَمَا دَفَعَ إلَيْنَا غَيْرَهُ .
قَالَ تَمِيمٌ : فَلَمَّا أَسْلَمْت بَعْدَ قُدُومِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمَدِينَةَ تَأَثَّمْتُ مِنْ ذَلِكَ ، فَأَتَيْتُ أَهْلَهُ ، فَأَخْبَرْتُهُمْ الْخَبَرَ ، وَأَدَّيْت إلَيْهِمْ خَمْسَمِائَةِ دِرْهَمٍ ، وَأَخْبَرْتُهُمْ أَنَّ عِنْدَ صَاحِبِي مِثْلَهَا ، فَأَتَوْا بِهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُمْ الْبَيِّنَةَ ، فَلَمْ يَجِدُوا ، فَأَمَرَهُمْ أَنْ يَسْتَحْلِفُوهُ بِمَا يُقْطَعُ بِهِ عَلَى أَهْلِ دِينِهِ ، فَحَلَفَ فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } إلَى قَوْله تَعَالَى : { أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ } فَقَامَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَرَجُلٌ آخَرُ فَحَلَفَا ، فَنُزِعَتْ الْخَمْسُمِائَةِ مِنْ عَدِيِّ بْنِ بَدَاءَ } .
قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ غَرِيبٌ ، وَلَيْسَ إسْنَادُهُ بِصَحِيحٍ .
وَقَدْ رُوِيَ شَيْءٌ مِنْ هَذَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَلَى الِاخْتِصَارِ قَالَ : { خَرَجَ رَجُلٌ مِنْ بَنِي سَهْمٍ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَاءَ ، فَمَاتَ السَّهْمِيُّ بِأَرْضٍ لَيْسَ بِهَا مُسْلِمٌ ، فَلَمَّا قَدِمَا بِتَرِكَتِهِ فَقَدُوا جَامًا مِنْ فِضَّةٍ مُخَوَّصًا بِالذَّهَبِ ، فَأَحْلَفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ

وَسَلَّمَ ثُمَّ وَجَدُوا الْجَامَ بِمَكَّةَ ، فَقَالُوا : اشْتَرَيْنَاهُ مِنْ عَدِيِّ بْنِ بَدَاءَ وَتَمِيمٍ ، فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ ، فَحَلَفَا بِاَللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا ، وَإِنَّ الْجَامَ لِصَاحِبِهِمْ .
قَالَ : وَفِيهِمْ نَزَلَتْ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } } .
قَالَ أَبُو عِيسَى : هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ ، وَكَذَلِكَ خَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ بِلَفْظِهِ وَالدَّارَقُطْنِيّ فَهُوَ صَحِيحٌ .
وَذَكَرَ يَحْيَى بْنُ سُلَيْمَانَ الْجُعْفِيُّ صَاحِبُ التَّفْسِيرِ الْكَبِيرِ ، حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُضَيْلٍ ، حَدَّثَنَا الْكَلْبِيُّ أَنَّ أَبَا صَالِحٍ حَدَّثَهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : { وَأَمَّا قَوْلُهُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } .
قَالَ : بَلَغَنَا وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّهَا نَزَلَتْ فِي مَوْلًى مِنْ مَوَالِي قُرَيْشٍ ، ثُمَّ لِآلِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ انْطَلَقَ فِي تِجَارَةٍ نَحْوَ الشَّامِ ، وَمَعَهُ تَمِيمُ بْنُ أَوْسٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيُّ بْنُ بَدَاءَ ، وَيُرْوَى بَيْدَاءَ ، وَهُمَا نَصْرَانِيَّانِ يَوْمَئِذٍ ، فَتُوُفِّيَ الْمَوْلَى فِي مَسِيرِهِ ؛ فَلَمَّا حَضَرَهُ الْمَوْتُ كَتَبَ وَصِيَّتَهُ ثُمَّ جَعَلَهَا فِي مَالِهِ وَمَتَاعِهِ ، ثُمَّ دَفَعَهَا إلَيْهِمَا ، وَقَالَ لَهُمَا : أَبْلِغَا أَهْلِي مَالِي وَمَتَاعِي ؛ فَانْطَلَقَا لِوَجْهِهِمَا الَّذِي تَوَجَّهَا إلَيْهِ ، فَفَتَّشَا مَتَاعَ الْمَوْلَى الْمُتَوَفَّى بَعْدَ مَوْتِهِ ، فَأَخَذَا مَا أَعْجَبَهُمَا مِنْهُ ، ثُمَّ رَجَعَا بِالْمَالِ وَالْمَتَاعِ الَّذِي بَقِيَ إلَى أَهْلِ الْمَيِّتِ فَدَفَعَاهُ إلَيْهِمْ ، فَلَمَّا فَتَّشَ الْقَوْمُ الْمَالَ وَالْمَتَاعَ الَّذِي بَقِيَ فَقَدُوا بَعْضَ مَا خَرَجَ بِهِ صَاحِبُهُمْ مَعَهُ مِنْ عِنْدِهِمْ ، فَنَظَرُوا إلَى الْوَصِيَّةِ وَهِيَ فِي الْمَتَاعِ فَوَجَدُوا الْمَالَ وَالْمَتَاعَ فِيهِمَا مُسَمًّى ، فَدَعَوْا تَمِيمًا وَصَاحِبَهُ ، فَقَالُوا لَهُمَا : هَلْ بَاعَ صَاحِبُنَا شَيْئًا مِمَّا كَانَ عِنْدَهُ أَوْ اشْتَرَى ؟ فَقَالُوا : لَا .
قَالُوا : فَهَلْ مَرِضَ فَطَالَ مَرَضُهُ فَأَنْفَقَ مِنْهُ عَلَى نَفْسِهِ ؟ قَالُوا : لَا

.
قَالُوا : فَإِنَّا نَفْقِدُ بَعْضَ الَّذِي مَضَى بِهِ صَاحِبُنَا مَعَهُ .
قَالُوا : مَا لَنَا عَمَّا مَضَى بِهِ مِنْ عِلْمٍ ، وَلَا بِمَا كَانَ فِي وَصِيَّتِهِ ؛ وَلَكِنْ دَفَعَ إلَيْنَا هَذَا الْمَالَ وَالْمَتَاعَ ، فَبَلَّغْنَاكُمُوهُ كَمَا دَفَعَهُ إلَيْنَا .
فَرَفَعُوا أَمْرَهُمْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَكَرُوا لَهُ الْأَمْرَ ، فَنَزَلَ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } إلَى { الْآثِمِينَ } فَقَامَا فَحَلَفَا عَلَى مِنْبَرِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إدْبَارَ صَلَاةِ الْعَصْرِ ، فَخَلَّى سَبِيلَهُمَا ، ثُمَّ طَلَعُوا بَعْدَ ذَلِكَ عَلَى إنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ مَنْقُوشٍ مُمَوَّهٍ بِالذَّهَبِ عِنْدَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ ، فَقَالُوا : هَذَا مِنْ آنِيَةِ صَاحِبِنَا الَّتِي مَضَى بِهَا مَعَهُ ، وَقَدْ قُلْتُمَا إنَّهُ لَمْ يَبِعْ مِنْ مَتَاعِهِ شَيْئًا ، فَقَالَا : إنَّا كُنَّا قَدْ اشْتَرَيْنَاهُ مِنْهُ ، فَنَسِينَا أَنْ نُخْبِرَكُمْ بِهِ ؛ فَرَفَعُوا أَمْرَهُمْ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَ : { فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا } إلَى { الْفَاسِقِينَ } فَقَامَ رَجُلَانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ السَّهْمِيِّ ، فَحَلَفَا بِاَللَّهِ إنَّهُ فِي وَصِيَّتِهِ ، وَإِنَّهَا لَحَقٌّ ، وَلَقَدْ خَانَهُ تَمِيمٌ وَعَدِيٌّ .
فَأَخَذَ تَمِيمٌ وَعَدِيٌّ بِكُلِّ مَا وُجِدَ فِي الْوَصِيَّةِ لَمَّا اطَّلَعَ عِنْدَهُمَا مِنْ الْخِيَانَةِ } .
وَقَدْ ذَكَرَهُ مُقَاتِلُ بْنُ حِبَّانَ عَنْ الْحَسَنِ ، وَعَنْ الضَّحَّاكِ ، وَعَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ نَحْوُهُ إلَّا أَنَّهُ قَالَ : { رَكِبُوا الْبَحْرَ مَعَ الْمَوْلَى بِمَالٍ مَعْلُومٍ ، وَقَدْ عَلِمَهُ أَوْلِيَاؤُهُ وَعَرَفُوهُ مِنْ بَيْنِ آنِيَةٍ وَوَرِقٍ وَهِيَ الْفِضَّةُ ، فَمَرِضَ الْمَوْلَى ، فَجَعَلَ وَصِيَّتَهُ إلَى تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ النَّصْرَانِيِّينَ ، وَذَكَرَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ ، وَقَالَ : أَمَرَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَامَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ ، فَحَلَفَا بِاَللَّهِ رَبِّ السَّمَوَاتِ وَرَبِّ الْأَرْضِ مَا تَرَكَ مَوْلَاكُمْ مِنْ

الْمَتَاعِ إلَّا مَا أَتَيْنَاكُمْ بِهِ ، وَإِنَّا لَا نَشْتَرِي بِأَيْمَانِنَا ثَمَنًا قَلِيلًا مِنْ الدُّنْيَا .
قَالَ : ثُمَّ وُجِدَ عِنْدَهُمَا بَعْدَ ذَلِكَ إنَاءٌ مِنْ آنِيَةِ الذَّهَبِ ، فَأُخِذَا بِهِ ، فَقَالَا : اشْتَرَيْنَاهُ مِنْهُ فِي حَيَاتِهِ وَكَذَبَا ، فَكَلَّفَهُمَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيِّنَةَ فَلَمْ يَقْدِرَا عَلَى بَيِّنَةٍ ، فَرَفَعَا ذَلِكَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إثْمًا } إلَى { الْفَاسِقِينَ } .
فَحَلَفَ وَلِيَّانِ مِنْ أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ : إنَّ مَالَ صَاحِبِنَا كَذَا ، وَإِنَّ الَّذِي نَطْلُبُهُ قِبَلَ الدَّارِيَّيْنِ حَقٌّ } .
وَعَنْ مُجَاهِدٍ أَنَّ رَجُلَيْنِ نَصْرَانِيَّيْنِ مِنْ أَهْلِ دَارِينَ أَحَدُهُمَا تَمِيمِيٌّ ، وَالْآخَرُ يَمَانٍ ، صَحِبَهُمَا مَوْلًى لِقُرَيْشٍ فِي تِجَارَةٍ ، وَمَعَ الْقُرَشِيِّ مَالٌ مَعْلُومٌ ، قَدْ عَلِمَهُ أَهْلُهُ مِنْ بَيْنِ آنِيَةٍ وَوَرِقٍ فَمَرِضَ ، فَجَعَلَ وَصِيَّتَهُ إلَى الدَّارِيَّيْنِ ، فَمَاتَ وَقَبَضَهَا الدَّارِيَّانِ ، فَدَفَعَاهَا إلَى أَوْلِيَاءِ الْمَيِّتِ وَخَانَاهُ بِبَعْضِ مَالِهِ ، فَقَالُوا : إنَّ صَاحِبَنَا قَدْ خَرَجَ ، وَذَكَرَ نَحْوَ حَدِيثِ الْجُعْفِيِّ .
وَذَكَرَ سُنَيْدٌ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي { تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيِّ بْنِ بَدَاءَ النَّصْرَانِيِّينَ وَكَانَا يَخْتَلِفَانِ إلَى مَكَّةَ وَالْمَدِينَةِ بَعْدَمَا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ ؛ فَبَعَثَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ وَالْمُطَّلِبُ بْنُ وَدَاعَةَ السَّهْمِيُّ مَعَهُمَا رَجُلًا يُقَالُ لَهُ بُدَيْلُ بْنُ أَبِي مَارِيَةَ الرُّومِيُّ مَوْلَى الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ بِمَتَاعٍ إلَى أَرْضِ الشَّامِ فِيهِ آنِيَةٌ مِنْ ذَهَبٍ ، وَآنِيَةٌ مِنْ فِضَّةٍ ، وَآنِيَةٌ مُمَوَّهَةٌ بِالذَّهَبِ .
فَلَمَّا قَدِمُوا الشَّامَ مَرِضَ بُدَيْلٌ ، وَكَانَ مُسْلِمًا ، فَكَتَبَ وَصِيَّتَهُ ، وَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا تَمِيمٌ الدَّارِيِّ وَلَا عَدِيٌّ ، وَأَدْخَلَهَا فِي مَتَاعِهِ ، ثُمَّ تُوُفِّيَ وَلَمْ يَبِعْ شَيْئًا مِنْ مَتَاعِهِ ، فَقَدِمَ تَمِيمٌ

الدَّارِيِّ وَعَدِيٌّ الْمَدِينَةَ ، وَدَفَعَا الْمَتَاعَ إلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ وَإِلَى الْمُطَّلِبِ ، وَأَخْبَرَاهُمَا بِمَوْتِ بُدَيْلٍ ، فَقَالَ عَمْرٌو وَالْمُطَّلِبُ : لَقَدْ مَضَى مِنْ عِنْدِنَا بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا ، فَهَلْ بَاعَ شَيْئًا ؟ قَالَا : لَا .
فَمَضَوْا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْلَفَ لَهُمَا تَمِيمًا وَعَدِيًّا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا تَرَكَ عِنْدَنَا غَيْرَ هَذَا .
ثُمَّ إنَّ عَمْرًا وَالْمُطَّلِبَ ظَهَرَا عَلَى آنِيَةٍ عِنْدَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَعَدِيٍّ ، فَقَالَا : هَذِهِ الْآنِيَةُ لَنَا ، وَهِيَ مِمَّا مَضَى بِهِ بُدَيْلٌ مِنْ عِنْدِنَا .
فَقَالَ لَهُمْ تَمِيمٌ وَصَاحِبُهُ عَدِيٌّ : اشْتَرَيْنَا هَذِهِ الْآنِيَةَ مِنْهُ .
فَقَالَ عَمْرٌو وَالْمُطَّلِبُ : قَدْ سَأَلْنَاكُمَا هَلْ بَاعَ شَيْئًا ؟ فَقُلْتُمَا : لَا ، وَقَدْ كَانَتْ وَصِيَّةُ بُدَيْلٍ أَنَّهُ لَمْ يَبِعْ شَيْئًا .
فَحَلَفَ عَمْرٌو وَالْمُطَّلِبُ وَاسْتَحَقَّا الْآنِيَةَ } .
وَذَكَرَ الْوَاقِدِيُّ أَنَّ الْآيَاتِ الثَّلَاثَ نَزَلَتْ فِي { تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَأَخِيهِ عَدِيٍّ ، وَكَانَا نَصْرَانِيَّيْنِ ، وَكَانَ مَتْجَرُهُمَا إلَى مَكَّةَ ، فَلَمَّا هَاجَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلَى الْمَدِينَةِ قَدِمَ ابْنُ أَبِي مَارِيَةَ مَوْلَى عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ الْمَدِينَةَ ، وَهُوَ يُرِيدُ الشَّامَ تَاجِرًا فَخَرَجَ مَعَ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَأَخِيهِ عَدِيٍّ حَتَّى إذَا كَانَا بِبَعْضِ الطَّرِيقِ مَرِضَ ابْنُ أَبِي مَارِيَةَ ، وَكَتَبَ وَصِيَّتَهُ ، وَدَسَّهَا فِي مَتَاعِهِ ، وَأَوْصَى إلَى تَمِيمٍ وَعَدِيٍّ ، فَلَمَّا مَاتَ فَتَحَا مَتَاعَهُ ، وَأَخَذَا مِنْهُ مَا أَرَادَا ، وَأَوْصَلَا بَقِيَّةَ التَّرِكَةِ إلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ ، فَفَتَحُوا فَوَجَدُوا وَصِيَّتَهُ ، وَقَدْ كُتِبَ فِيهَا مَا خَرَجَ بِهِ ، فَفَقَدُوا أَشْيَاءَ ، فَسَأَلُوا تَمِيمًا وَعَدِيًّا عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : مَا نَدْرِي ، هَذَا الَّذِي قَبَضْنَا لَهُ ، فَرَفَعُوهَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } الْآيَةَ .
فَأَمَرَ رَسُولُ

اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُسْتَحْلَفَا بِاَللَّهِ مَا قَبَضْنَا لَهُ غَيْرَ هَذَا ، وَمَا كَتَمْنَاهُ شَيْئًا .
فَحَلَفَا بَعْدَ الْعَصْرِ ، ثُمَّ ظَهَرَ عَلَى إنَاءٍ مِنْ فِضَّةٍ مَنْقُوشٍ بِذَهَبٍ مَعَهُمَا ، فَقَالَا اشْتَرَيْنَاهُ مِنْهُ ، فَارْتَفَعُوا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَنَزَلَتْ الْآيَةُ الْأُخْرَى : { فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إثْمًا } .
فَأَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ الْمَيِّتِ فَحَلَفَا ، وَاسْتَحَقَّا الْإِنَاءَ } .
ثُمَّ إنَّ تَمِيمًا أَسْلَمَ ، فَكَانَ يَقُولُ : صَدَقَ اللَّهُ ، وَبَلَّغَ رَسُولُهُ ؛ أَنَا أَخَذْت الْإِنَاءَ .
وَرَوَى الشَّعْبِيُّ أَنَّ رَجُلًا مِنْ خَثْعَمَ خَرَجَ مِنْ الْكُوفَةِ إلَى السَّوَادِ .
فَمَاتَ بِدَقُوقَاءَ فَلَمْ يَجِدْ أَحَدًا يَشْهَدُ عَلَى وَصِيَّتِهِ ، فَأَشْهَدَ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ ، فَقَدِمَا الْكُوفَةَ ، فَأَتَيَا أَبَا مُوسَى الْأَشْعَرِيَّ ، فَأَخْبَرَاهُ ، وَقَدِمَا بِتَرِكَتِهِ وَوَصِيَّتِهِ ، فَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ : هَذَا أَمْرٌ لَمْ يَكُنْ بَعْدَ الَّذِي كَانَ فِي عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَحْلَفَهُمَا ، وَأَمْضَى شَهَادَتَهُمَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ بِمَسْجِدِ الْكُوفَةِ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، مَا كَتَمَا وَلَا غَيَّرَا .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَأَنِّي أَنْظُرُ إلَى الْعِلْجَيْنِ حَتَّى انْتَهَى بِهِمَا إلَى أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، فَفَتَحَ الصَّحِيفَةَ ؛ فَأَنْكَرَ أَهْلُ الْمَيِّتِ وُجُوهَهُمَا ، فَأَرَادَ أَبُو مُوسَى أَنْ يَسْتَحْلِفَهُمَا بَعْدَ صَلَاةِ الْعَصْرِ ، فَقُلْت : لَا يُبَالُونَ بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَلَكِنْ اسْتَحْلَفَهُمَا بَعْدَ صَلَاتِهِمَا فِي دِينِهِمَا .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } قَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعْنَى ( شَهِيدٍ ) فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَيْضًا بِعَيْنِهَا ، وَبَيَّنَّا اخْتِلَافَ أَنْوَاعِهَا ، وَقَدْ وَرَدَتْ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنْوَاعٍ مُخْتَلِفَةٍ ، مِنْهَا قَوْلُهُ : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } قِيلَ : مَعْنَاهُ أَحْضِرُوا .
وَمِنْهَا قَوْله تَعَالَى : { شَهِدَ اللَّهُ أَنَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ } قَضَى .
وَمِنْهَا شَهِدَ ، أَيْ أَقَرَّ ، كَقَوْلِهِ : { وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ } .
وَمِنْهَا شَهِدَ بِمَعْنَى حَكَمَ ؛ قَالَ تَعَالَى : { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا } .
وَمِنْهَا شَهِدَ بِمَعْنَى حَلَفَ ، كَمَا جَاءَ فِي اللِّعَانِ .
وَمِنْهَا شَهِدَ بِمَعْنَى عَلِمَ .
كَمَا قَالَ : { وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ } أَيْ عِلْمَ اللَّهِ .
وَمِنْهَا شَهِدَ بِمَعْنَى وَصَّى ، كَقَوْلِهِ هَاهُنَا : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } .
انْتَهَى كَلَامُهُ .
وَقَدْ نَقَصَ مَوَارِدُ مِنْهُ ، مِنْهَا قَوْلُهُ : { وَمَا شَهِدْنَا إلَّا بِمَا عَلِمْنَا } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي ذَلِكَ تَحْقِيقُ ذَلِكَ : وَهُوَ أَنَّ بِنَاءَ " شَهِدَ " مَوْضُوعٌ لِلْعِبَارَةِ عَمَّا يُعْلَمُ بِدَرْكِ الْحَوَاسِّ ، كَمَا أَنَّ " غَيَّبَ " مَوْضُوعٌ لِلْعِبَارَةِ عَمَّا لَمْ يُدْرَكْ بِهَا وَلِذَلِكَ قُلْنَا : إنَّ الْبَارِي تَعَالَى وَتَقَدَّسَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَمَعْنَى شَهِدْت : أَدْرَكْت بِحَوَاسِّي ، أَيْ عَلِمْت بِهَذِهِ الطَّرِيقِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ سُبْحَانَهُ طُرُقًا لِعِلْمِي ، ثُمَّ يُنْقَلُ مَجَازًا إلَى مُتَعَلَّقَاتِهِ ، فَمَعْنَى شَهِدَ اللَّهُ : عَلِمَ مُشَاهَدَةً ، وَأَخْبَرَ عَمَّا عَلِمَ بِكَلَامِهِ ، وَهَذَا يَكُونُ فِي الْمُحَدِّثِ ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَوْلُهُ : { وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ } أَيْ أَحْضِرُوا مَنْ يَعْلَمُ لَكُمْ مَا يُشَاهِدُ مِنْ عَقْدِكُمْ .
وَقَوْلُهُ : { شَهِدَ اللَّهُ } أَيْ عَلِمَ وَأَخْبَرَ عَنْ عِلْمِهِ ، وَبَيَّنَ مَا عَلِمَ لَنَا حَتَّى نَتَبَيَّنَهُ .
فَأَخْبَرَ عَنْ حُكْمِهِ ، فَيَرْجِعُ إلَى عِلْمِهِ سُبْحَانَهُ عَمَّا

يُخْبِرُ عَنْهُ ، لِارْتِبَاطِ الْخَبَرِ وَالْعِلْمِ .
وَشَهِدَ بِمَعْنَى حَلَفَ مِثْلُهُ ؛ لِأَنَّهُ أَخْبَرَ عَنْ حَالِهِ ، وَقَرَنَ بِخَبَرِهِ تَعْظِيمَ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى .
وَقَوْلُهُ : { وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ } يُرِيدُ مَا عَلِمْنَاهُ وَعَلِمَهُ اللَّهُ مَعَنَا ، فَإِنْ صَدَقَ وَإِلَّا كَانَ خَبَرُهُ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ كَذِبًا ، وَاَللَّهُ سُبْحَانَهُ الْعَالِمُ الَّذِي لَا يَجْهَلُ ، وَالصَّادِقُ الْمُتَقَدِّسُ عَنْ الْكَذِبِ .
وَأَمَّا شَهِدَ بِمَعْنَى وَصَّى فَلَا مَعْنَى لَهُ إلَّا عَلَى بُعْدٍ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ .
وَأَمَّا قَوْله تَعَالَى : { شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَهِيَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا بِمَعْنَى حَلَفَ .
وَالثَّانِي : بِمَعْنَى حَضَرَ لِلتَّحَمُّلِ .
وَالثَّالِثُ : بِمَعْنَى الْأَدَاءِ عِنْدَ الْحَاكِمِ .
تَقُولُ : أَشْهَدُ عِنْدَك ، أَيْ حَضَرْت لِأُؤَدِّيَ عِنْدَك مَا عَلِمْت ، وَأَدَاؤُهَا بِلَفْظِ الشَّهَادَةِ بَعِيدٌ لَا دَرْكَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ لِمَعْنَاهُ ، وَلَا يُجْزِي غَيْرُهُ عَنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { بَيْنِكُمْ } قَالَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا : مَعْنَاهُ شَهَادَةُ مَا بَيْنِكُمْ ، فَحُذِفَتْ مَا ، وَأُضِيفَتْ الشَّهَادَةُ إلَى الظَّرْفِ ، اُسْتُعْمِلَ الْبَيْنُ اسْمًا عَلَى الْحَقِيقَةِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { بَلْ مَكْرُ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ } .
وَأَنْشَدُوا : تُصَافِحُ مَنْ لَاقَيْت لِي ذَا عَدَاوَةٍ صِفَاحًا وَعَنِّي غَيْبُ عَيْنَيْك مُنْزَوِي وَأَنْشَدُوا : وَأَهْلُ خِبَاءٍ صَالِحٌ ذَاتُ بَيْنِهِمْ قَدْ احْتَرَبُوا فِي عَاجِلٍ أَتَى آجِلُهُ وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِيهِ أَنَّ " بَيْنَ " فِي أَصْلِهِ مَصْدَرُ قَوْلِك : بَانَ يَبِينُ بَيْنًا أَيْ فَارَقَ مَا كَانَ مُجْتَمِعًا مَعَهُ ، وَانْفَصَلَ عَمَّا كَانَ مُتَّصِلًا بِهِ ، وَمِنْهُ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا أُبِينَ مِنْ حَيٍّ فَهُوَ مَيِّتٌ } .
الْمَعْنَى مَا فُصِلَ مِنْ أَعْضَاءِ الْحَيَوَانِ عَنْهُ حَالَ حَيَاتِهِ فَهُوَ مَيْتَةٌ يَعْنِي لَا يَحِلُّ أَكْلُهُ ؛ وَاسْتُعْمِلَ ظَرْفًا عَلَى مَعْنَى الصَّدْر ، وَهُوَ بَابٌ مِنْ

أَبْوَابِ النَّحْوِ ، تَقُولُ : بَيْنَ الدَّارِ وَالْمَسْجِدِ مَسَافَةٌ .
وَلَوْ كَانَا مُجْتَمِعَيْنِ لَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمَا بَيْنٌ ، أَيْ مَوْضِعٌ خَالٍ مِنْهُمَا .
وَمَا كَانَ الِاجْتِمَاعُ عَلَى ضَرْبَيْنِ : اجْتِمَاعُ أَجْسَامٍ ، وَاجْتِمَاعُ مَعَانٍ ، وَهِيَ الْأَخْلَاقُ وَالْأَهْوَاءُ جَعَلَ افْتِرَاقَ الْأَهْوَاءِ كَافْتِرَاقِ الْأَجْسَامِ ، وَاسْتَعْمَلَ فِيهِ " بَيْنَ " الَّذِي هُوَ الِافْتِرَاقُ فِيهِمَا جَمِيعًا .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى : { وَمِنْ بَيْنِنَا وَبَيْنِك حِجَابٌ } .
وَعَلَى هَذَا يُحْمَلُ قَوْلُهُ : بَيْنِي وَبَيْنَهُ رَحِمٌ ، أَيْ مَا افْتَرَقْنَا إلَّا عَنْ أَصْلٍ وَاحِدٍ .
وَبَيْنِي وَبَيْنَهُ شَرِكَةٌ أَيْ افْتَرَقْنَا فِي كُلِّ شَيْءٍ إلَّا عَنْ جَمْعِ الْمَالِ الْمَخْصُوصِ .
فَقَالَ أَهْلُ الصِّنَاعَةِ : هُوَ مَصْدَرٌ فِي الْمَعَانِي ، ظَرْفٌ فِي الْأَجْسَامِ لَمَّا كَانَتْ ذَوَاتُ مِسَاحَاتٍ مَحْسُوسَاتٍ فَرْقًا بَيْنَهَا وَبَيْنَ الْمَعَانِي ، وَالْكُلُّ فِي الْحَقِيقَةِ تَبَايُنٌ وَتَبَاعُدٌ وَفُرْقَةٌ .
وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ } مَرْفُوعًا وَمَنْصُوبًا .
الْمَعْنَى : لَقَدْ تَقَطَّعَ تَبَاعُدُكُمْ وَافْتِرَاقُكُمْ بِحَيْثُ لَا يَكُونُ لَهُ اتِّصَالٌ ؛ فَإِنَّ الَّذِي يَبِينُ عَلَى قِسْمَيْنِ ، مِنْهُ مَا يُرْجَى لَهُ اتِّصَالٌ ، وَمِنْهُ مَا لَا يُرْجَى لَهُ اتِّصَالٌ ، فَيُعَبَّرُ عَنْهُ بِالتَّقَطُّعِ .
وَقَدْ جَعَلَ أَهْلُ الصِّنَاعَةِ هُنَا " بَيْنَ " لِلظَّرْفِ ، وَكَثُرَ ذَلِكَ حَتَّى جُعِلَ اسْمًا فِي الْأَهْوَاءِ الْمُتَبَايِنَةِ ، مَجَازًا يُعَبَّرُ بِهِ عَنْهَا ، وَعَلَيْهِ يُخَرَّجُ : لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنُكُمْ عَلَى قِرَاءَةِ الرَّفْعِ .
الْمَعْنَى : لَقَدْ تَفَرَّقَتْ أَهْوَاؤُكُمْ وَأَخْلَاقُكُمْ .
وَتَارَةً تُضَافُ بِالْكِنَايَةِ إلَيْهِ فَيُقَالُ : ذَاتُ الْبَيْنِ .
قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ } .
قَالَ الشَّاعِرُ : وَأَهْلُ خِبَاءٍ صَالِحٌ ذَاتُ بَيْنِهِمْ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَيُقَالُ : الْأَمْرُ الَّذِي بَيْنَكُمْ ، وَمَا بَيْنَكُمْ مُبْهَمٌ ، مَعْنَاهُ الْأَمْرُ الَّذِي فَرَّقَكُمْ .
فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا

فَمَعْنَى قَوْلِهِ : { شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ } ، أَيْ شَهَادَةُ اخْتِلَافِكُمْ وَتَنَازُعِكُمْ ؛ فَتَكُونُ الشَّهَادَةُ مُضَافَةً إلَى الْمَصْدَرِ ، لَا إلَى الظَّرْفِ وَلَا عَلَى تَقْدِيرٍ مَحْذُوفٍ .
وَهَذِهِ غَايَةُ الْبَيَانِ ، وَلَوْ هُدِيَ لَهُ مَنْ تَكَلَّمَ عَلَى الْآيَةِ وَمَا تَخَبَّطَ فِيهَا وَلَا خَلَطَ مَعَانِيهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { إذَا حَضَرَ أَحَدَكُمْ الْمَوْتُ } : وَلَفْظُ { حَضَرَ } يُعَبَّرُ بِهِ عَنْ الْوُجُودِ مُشَاهَدَةً ، وَضِدُّهُ غَابَ ، وَهُوَ أَيْضًا عِبَارَةٌ عَنْ الْوُجُودِ الَّذِي لَمْ يُشَاهَدْ ، وَقَدْ يُعَبَّرُ بِقَوْلِك : " غَابَ " عَنْ الْمَعْدُومِ .
وَالْبَارِي سُبْحَانَهُ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ؛ أَيْ عَالِمُ الْمَوْجُودِ وَالْمَعْدُومِ ؟ لِأَنَّهُ مِثْلُ الْوُجُودِ فِي عَدَمِ الْمُشَاهَدَةِ .
وَقَدْ وَرَدَتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ عِبَارَةً عَنْ الْمَوْتِ فِي كِتَابِ اللَّهِ حَقِيقَةً ، وَهُوَ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَلَيْسَتْ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إذَا حَضَرَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ } .
وَفِي قَوْلِهِ : { حَتَّى إذَا جَاءَ أَحَدَهُمْ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ } فَهُوَ فِي هَذَيْنِ الْمَوْضِعَيْنِ حَقِيقَةُ الْوُجُودِ مُشَاهَدَةً .
وَأَمَّا وُرُودُهَا مَجَازًا فَبِأَنْ يُعَبَّرَ عَنْ حُضُورِ سَبَبِهِ بِحُضُورِهِ ، وَهُوَ الْمَرَضُ ، فَيُعَبَّرَ عَنْ الْمُسَبَّبِ بِالسَّبَبِ ، وَهُوَ أَحَدُ قِسْمَيْ الْمَجَازِ ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ } وَمَعْنَى { حِينَ } وَقْتَ ؛ وَتَقْدِيرُ الْآيَةِ شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إذَا أَرَدْتُمْ الْوَصِيَّةَ وَقَدْ مَرِضْتُمْ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْوَصِيَّةَ تَكُونُ فِي ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ الْأَوَّلُ : حَالَ الْبِدَارِ إلَى السَّنَةِ ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا حَقُّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ يَبِيتُ لَيْلَتَيْنِ إلَّا وَوَصِيَّتُهُ مَكْتُوبَةٌ عِنْدَهُ } .
وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُ وَقْتِ ذَلِكَ وَسَبَبِهِ وَحَقِيقَةِ الْوَصِيَّةِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : فِي وَقْتِ الْوَصِيَّةِ وَسُنَنِهَا بِالْإِيضَاحِ وَالْبَسْطِ : وَذَلِكَ عِنْدَ السَّفَرِ لِلْمَخَافَةِ فِيهِ ، وَالْمَرَضِ ؛ لِأَنَّهُ رَائِدُ الْمَنِيَّةِ وَمَظِنَّتُهَا .
وَقَدْ قَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ الْعِتْقِ : إذَا قَالَ لِعَبْدِهِ فِي مَرَضِهِ : أَنْتَ حُرٌّ بَعْدَ مَوْتِي كَانَ لَهُ الرُّجُوعُ عَنْهُ ؛ لِأَنَّهَا حَالَةُ مَرَضٍ ، فَاقْتَضَتْ ذَلِكَ قَرِينَةً فِي الْحُكْمِ بِأَنَّهُ وَصِيَّةٌ ، فَجَازَ لَهُ الرُّجُوعُ فِيهِ .
وَقَدْ كُنْت أَرَدْت بَسْطَهُ ، فَلَمَّا ذَكَرْت طُولَهُ قَبَضْت عَنْهُ الْعَنَانَ ، وَأَحَلْت عَلَى مَسَائِلِ الْفِقْهِ بِالْبَيَانِ .

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { اثْنَانِ } وَكَانَ بِمُطْلَقِهِ يَقْتَضِي شَخْصَيْنِ ، وَيَحْتَمِلُ رَجُلَيْنِ ، إلَّا أَنَّهُ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : ذَوَا عَدْلٍ ، فَيُبَيِّنُ أَنَّهُ أَرَادَ رَجُلَيْنِ ؛ لِأَنَّهُ لَفْظٌ لَا يَصْلُحُ إلَّا لِلْمُذَكَّرِ ، كَمَا أَنَّ " ذَوَاتَيْ " لَا تَصْلُحُ إلَّا لِلْمُؤَنَّثِ الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : إعْرَابُهُ : وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنْ يَكُونَ " شَهَادَةُ " مُرْتَفِعًا بِالِابْتِدَاءِ وَاثْنَانِ خَبَرُهُ التَّقْدِيرُ شَهَادَةُ اثْنَيْنِ .
الثَّانِي : أَنْ يَرْتَفِعَ اثْنَانِ بِشَهَادَةٍ ؛ التَّقْدِيرُ وَفِيمَا أُنْزِلَ عَلَيْكُمْ أَنْ يَشْهَدَ اثْنَانِ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ اثْنَانِ مَفْعُولًا لَمْ يُسَمَّ فَاعِلُهُ بِشَهَادَةٍ .
الرَّابِعُ : يَكُونُ تَقْدِيرُهُ : شُهُودُ شَهَادَةِ بَيْنِكُمْ اثْنَانِ ، وَيَجُوزُ الْحَذْفُ مَعَ الِابْتِدَاءِ ، كَمَا يَجُوزُ مَعَ الْخَبَرِ وَفِي الثَّالِثِ بُعْدٌ ؛ لِأَنَّ شَهَادَةَ مَصْدَرُ شَهِدَ ، وَهُوَ بِنَاءٌ لَا يَتَعَدَّى ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي الْمُلْجِئَةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ } وَقَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْكُمْ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَالْكَافُ وَالْمِيمُ لِضَمِيرِهِمَا ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَمُجَاهِدٌ .
الثَّانِي : مِنْ قَبِيلَتِكُمْ : قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَسَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ .
الثَّالِثُ : مِنْكُمْ : مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { أَوْ } قِيلَ : هِيَ لِلتَّخْيِيرِ .
وَقِيلَ : لِلتَّفْصِيلِ .
مَعْنَاهُ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ إنْ لَمْ تَجِدُوا مِنْكُمْ قَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ ، وَيَحْيَى بْنُ يَعْمُرَ ، وَأَبُو مِجْلَزٍ ، وَإِبْرَاهِيمُ ، وَابْنُ جُبَيْرٍ ، وَشُرَيْحٌ ؛ وَيُرْوَى عَنْ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ ، وَابْنِ عَبَّاسٍ .
وَتَحْقِيقُ النَّظَرِ فِي هَذَا الْفَصْلِ أَنَّ قَوْلَهُ : { مِنْكُمْ } قَدْ تَقَدَّمَ فِيهِ الْخِلَافُ ، وَعَلَيْهِ يَتَرَكَّبُ قَوْلُهُ : أَوْ آخَرَانِ ، وَقَوْلُهُ : غَيْرِكُمْ ؟ وَهِيَ مَسْأَلَتَانِ تَتِمُّ بِهِمَا سِتَّ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً ، فَإِنْ كَانَ مِنْكُمْ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِكُمْ كَانَ قَوْلُهُ : غَيْرِكُمْ لِلْكَافِرِينَ ، وَكَانَ الْآخَرَانِ مَنْ لَيْسَ بِمُسْلِمٍ وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ بِهِ مِنْ غَيْرِ قَبِيلَتِكُمْ كَانَ كَمَا قَالَ الزُّهْرِيُّ وَالْحَسَنُ وَغَيْرُهُمَا " فَقَبِيلُ الْمَيِّتِ وَعَشِيرَتُهُ أَعْلَمُ بِحَالِهِ .
وَتَعَلَّقَ مَنْ قَالَ بِأَنَّهُ مِنْ غَيْرِ مِلَّتِكُمْ بِأَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ خَاطَبَ الْمُؤْمِنِينَ ، ثُمَّ قَالَ لَهُمْ : مِنْ غَيْرِكُمْ ؛ وَغَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ هُمْ الْكَافِرُونَ .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : مِنْ أَهْلِ الْمَيِّتِ فَلِأَنَّ الْحَجَّ لَهُمْ وَالْكَلَامَ مِنْهُمْ وَمَعَهُمْ ؛ وَيُؤَكِّدُهُ أَيْضًا بِأَنَّهُ قَالَ فِي أَوَّلِ الْآيَةِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا } .
ثُمَّ قَالَ { مِنْ غَيْرِكُمْ } يَعْنِي أَوْ آخَرَانِ عَدْلَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ .
وَبِهِ يَصِحُّ الْعَطْفُ ، وَقَالَ : { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ } فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُمَا مِنْ أَهْلِ الصَّلَاةِ ، وَإِذَا كَانَا مُؤْمِنَيْنِ احْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مِنْ الْقَبِيلَةِ أَوْ مِنْ الْوَرَثَةِ ، وَيَتَرَجَّحُ ذَلِكَ

بِحَسَبِ مَا تَقَدَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { إنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ } وَقَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : إنَّ ذَلِكَ يَتَضَمَّنُ الشَّهَادَةَ فِي الْحَضَرِ وَالسَّفَرِ ، وَتَقَدَّمَ أَيْضًا ذِكْرُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، وَيَتَخَصَّصُ بِهِ هَاهُنَا أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا قَالَ : { إنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ } ، كَانَ ذَلِكَ شَرْطًا فِيهِ حَيْثُ لَا يُوجَدُ مُسْلِمٌ فِي الْغَالِبِ ، فَيُؤْخَذُ الْكَافِرُ عِوَضًا مِنْهُ لِلضَّرُورَةِ فِي الشَّهَادَةِ ؛ قَالَ جَمَاعَةٌ مِنْ التَّابِعِينَ ، وَاخْتَارَهُ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ ، وَأَجَازَ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي السَّفَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُسْلِمِينَ وَاحْتَجَّ بِالْحَدِيثِ وَالْآيَةِ .
وَنُبَيِّنُهُ فِيمَا بَعْدُ ، إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ } يَعْنِي وَقَدْ أَسْنَدْتُمْ النَّظَرَ إلَيْهِمَا ، وَاسْتَشْهَدْتُمُوهُمَا .
أَوْ ارْتَبْتُمْ بِهِمَا عَلَى مَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ فِي سَرْدِ الْقَصَصِ وَالرِّوَايَاتِ وَذِكْرِ الْآثَارِ وَالْمَقَالَاتِ

الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَوْله تَعَالَى : { تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ } وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى حَبْسِ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ الْحَقُّ ، وَهُوَ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ الْحُكُومَةِ ، وَحُكْمٌ مِنْ أَحْكَامِ الدِّينِ ؟ فَإِنَّ الْحُقُوقَ الْمُتَوَجِّهَةَ عَلَى قِسْمَيْنِ : مِنْهَا مَا يَصِحُّ اسْتِيفَاؤُهُ مُعَجَّلًا ، وَمِنْهَا مَا لَا يُمْكِنُ اسْتِيفَاؤُهُ إلَّا مُؤَجَّلًا فَإِنْ خُلِّيَ مَنْ عَلَيْهِ الْحَقُّ وَغَابَ وَاخْتَفَى بَطَلَ الْحَقُّ وَتَوِيَ ، فَلَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ التَّوَثُّقِ مِنْهُ ، فَإِمَّا بِعِوَضٍ عَنْ الْحَقِّ وَيَكُونُ بِمَالِيَّةٍ مَوْجُودَةٍ فِيهِ ؛ وَهِيَ الْمُسَمَّى رَهْنًا ، وَهُوَ الْأَوْلَى وَالْأَوْكَدُ ؛ وَإِمَّا شَخْصٌ يَنُوبُ مَنَابَهُ فِي الْمُطَالَبَةِ وَالذِّمَّةِ ، وَهُوَ قَوْلُ الْأَوَّلِ ؛ لِأَنَّهُ يَجُوزُ أَنْ يَغِيبَ كَغَيْبَتِهِ ، وَيَتَعَذَّرُ وُجُودُهُ كَتَعَذُّرِهِ ، وَلَكِنْ لَا يَمْلِكُ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا .
فَإِنْ تَعَذَّرَا جَمِيعًا لَمْ يَبْقَ إلَّا التَّوَثُّقُ بِحَبْسِهِ ، حَتَّى تَقَعَ مِنْهُ التَّوْفِيَةُ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ حَقٍّ ؛ فَإِنْ كَانَ الْحَقُّ بَدَنِيًّا لَا يُقْبَلُ الْبَدَلُ كَالْحُدُودِ وَالْقِصَاصِ وَلَمْ يَتَّفِقْ اسْتِيفَاؤُهُ مُعَجَّلًا ، لَمْ يَبْقَ إلَّا التَّوَثُّقُ بِسِجْنِهِ ؛ وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْحِكْمَةِ شُرِعَ السِّجْنُ .
وَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَبَسَ فِي تُهْمَةٍ رَجُلًا ثُمَّ خَلَّى عَنْهُ } .
وَفِي مُصَنَّفِ عَبْدِ الرَّزَّاقِ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أُتِيَ بِسَارِقٍ فَقَالَ : احْبِسُوهُ ؛ فَإِنْ مَاتَ صَاحِبُهُ فَاقْتُلُوهُ } .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّهَادَةَ يَمِينٌ وَأَنَّهُ عَنَى بِهِمْ الْمُتَنَازِعَيْنِ فِي الْحَقِّ لَا الْقَائِمَيْنِ بِالشَّهَادَةِ فِيهِ ؛ لِأَنَّ الْقَائِمَ بِالشَّهَادَةِ لَا حَبْسَ عَلَيْهِ

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ } وَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : أَحَدُهَا : بَعْدَ الْعَصْرِ ؛ قَالَهُ شُرَيْحٌ ، وَالشَّعْبِيُّ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَقَتَادَةُ .
الثَّانِي : مِنْ بَعْدِ الظُّهْرِ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الثَّالِثُ : أَيُّ صَلَاةٍ كَانَتْ .
الرَّابِعُ : مِنْ بَعْدِ صَلَاتِهِمَا ، عَلَى أَنَّهُمَا كَافِرَانِ .
وَقَدْ رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَلَّفَ الْمُتَلَاعِنَيْنِ بَعْدَ الْعَصْرِ وَرُوِيَ بَعْدَ الظُّهْرِ } .
وَفِي الصَّحِيحِ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ كَاذِبَةٍ بَعْدَ الْعَصْرِ لَقِيَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَهُوَ عَلَيْهِ غَضْبَانُ } .
وَهَذَا عَلَى طَرِيقِ التَّغْلِيظِ بِالزَّمَانِ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَشَرَحْنَا أَنَّ حُكْمَ التَّغْلِيظِ يَتَعَلَّقُ بِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : تَغْلِيظٌ بِالْأَلْفَاظِ .
الثَّانِي : تَغْلِيظٌ بِالْمَكَانِ ، كَالْمَسْجِدِ وَالْمِنْبَرِ ؛ لِأَنَّهُ مُجْتَمَعُ النَّاسِ ، فَيَكُونُ لَهُ أَخْزَى ، وَلِفَضِيحَتِهِ أَشْهَرُ .
الثَّالِثُ : التَّغْلِيظُ بِالزَّمَانِ ، كَمَا بَعْدَ الْعَصْرِ ، وَسَيَأْتِي ذِكْرُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ " النُّورِ " إنْ شَاءَ اللَّهُ .
وَمِنْ عُلَمَائِنَا مَنْ قَالَ : إنَّ التَّغْلِيظَ يَكُونُ بِسِتَّةِ أَوْجُهٍ : الْأَوَّلُ : بِاللَّفْظِ .
الثَّانِي : بِالتَّكْرَارِ .
الثَّالِثُ : بِالْمُصْحَفِ .
الرَّابِعُ : بِالْحَالِ .
الْخَامِسُ : بِالْمَكَانِ .
السَّادِسُ : بِالزَّمَانِ .
أَمَّا التَّغْلِيظُ بِالْأَلْفَاظِ فَفِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِهِ بِاَللَّهِ .
وَقَالَ أَشْهَبُ : لَا تُجْزِئُهُ .
الثَّانِي : الِاكْتِفَاءُ بِقَوْلِهِ : بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ .
وَقَالَ ابْنُ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ : أَمَّا رُبْعُ دِينَارٍ وَالْقَسَامَةُ ، وَاللِّعَانُ ، فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ يَقُولَ فِيهِ : بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ .
وَهُوَ الْقَوْلُ الثَّالِثُ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَلَقَدْ

شَاهَدْت الْقُضَاةَ مِنْ أَهْلِ مَذْهَبِهِ يَحْلِفُونَ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، الطَّالِبُ الْغَالِبُ ، الضَّارُّ النَّافِعُ ، الْمُدْرِكُ الْمُهْلِكُ ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ .
وَهَذَا مَا لَا آخِرَ لَهُ إلَّا التِّسْعَةُ وَالتِّسْعُونَ اسْمًا ، وَغَيْرُ هَذِهِ الْأَسْمَاءِ الَّتِي حَلَفُوا بِهَا أَرْهَبُ وَأَعْظَمُ مَعْنًى مِنْ غَيْرِهَا .
وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ : " الْحَلِفُ بِاَللَّهِ وَبِاَلَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ، وَهُوَ التَّغْلِيظُ ، وَبِالْمُصْحَفِ ؛ وَهُوَ مَذْهَبُ الشَّافِعِيِّ ، وَهُوَ بِدْعَةٌ مَا ذَكَرَهَا أَحَدٌ قَطُّ مِنْ الصَّحَابَةِ ، وَكُلُّ فَصْلٍ يُسْتَوْفَى بِمَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ } قِيلَ : هُمَا الْوَصِيَّانِ إذَا اُرْتِيبَ بِقَوْلِهَا .
وَقِيلَ : هُمَا الشَّاهِدَانِ إذَا لَمْ يَكُونَا عَدْلَيْنِ وَارْتَابَ بِهِمَا الْحَاكِمُ حَلَّفَهُمَا .
وَاَلَّذِي سَمِعْت وَهُوَ بِدْعَةٌ عَنْ أَبِي لَيْلَى أَنْ يَحْلِفَ الطَّالِبُ مَعَ شَاهِدَيْهِ أَنَّ الَّذِي شَهِدَا بِهِ حَقٌّ ، وَحِينَئِذٍ يُقْضَى لِلْمُدَّعِي بِالْحَقِّ .
وَتَأْوِيلُ هَذَا عِنْدِي إذَا ارْتَابَ الْحَاكِمُ بِالْقَبْضِ لِلْحَقِّ فَيَحْلِفُ إنَّهُ لَبَاقٍ .
وَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ .
هَذَا فِي الْمُدَّعِي فَكَيْفَ يُحْبَسُ الشَّاهِدُ أَوْ يَحْلِفُ ؟ هَذَا مِمَّا لَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْلُهُ : { بِاَللَّهِ } وَهَذَا نَصٌّ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ فِي تَرْكِ التَّغْلِيظِ بِالْأَلْفَاظِ .
وَاَلَّذِي أَقُولُ : إنَّهُ إنْ كَانَ الْحَالِفُ كَافِرًا كَمَا تَقَدَّمَ فِي سَرْدِ الْأَقْوَالِ وَالرِّوَايَاتِ ، وَقُلْنَا بِالتَّغْلِيظِ فَلَا يُقَالُ لَهُ فِي التَّغْلِيظِ قُلْ : بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ ؛ لِأَنَّهُمْ لَا يُقِرُّونَ بِهَا .
وَعَلَى إقْرَارِهِمْ عَلَى هَذَا الْإِنْكَارِ بَذَلُوا الْجِزْيَةَ ، وَلَكِنَّهُمْ يَحْلِفُونَ ، كَمَا رَوَى أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِلْيَهُودِ : أَنْشُدُكُمْ بِاَللَّهِ الَّذِي أَنْزَلَ التَّوْرَاةَ عَلَى مُوسَى } ، وَتَغَلَّظَ عَلَيْهِمْ بِالْمَكَانِ فِي كَنَائِسِهِمْ وَبِالزَّمَانِ بَعْدَ صَلَاتِهِمْ ، كَمَا تَقَدَّمَ ذَكَرَهُ فِي قِصَّةِ دَقُوقَاءَ ؛ فَإِنَّ الْغَرَضَ مِنْ هَذَا التَّغْلِيظِ كُلِّهِ زَجْرُ الْحَالِفِ عَنْ الْبَاطِلِ ، وَالرُّجُوعُ إلَى الْحَقِّ ، وَرَهْبَتُهُ بِمَا يُحِلُّ مِنْ ذَلِكَ ، حَتَّى يَكُونَ ذَلِكَ دَاعِيَةً لِلِانْكِفَافِ عَنْ الْبَاطِلِ وَالرُّجُوعِ إلَى الْحَقِّ ، وَهُوَ مَعْنَى : { ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا } .
وَقَدْ حَقَّقْنَا هَذَا الْغَرَضَ ، فَقُلْنَا : إنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ مَا غَلَّظَ فِي كِتَابِهِ يَمِينًا ، إنَّمَا قَالَ : فَيُقْسِمَانِ بِاَللَّهِ .
وَقَالَ تَعَالَى : { قُلْ إي وَرَبِّي إنَّهُ لَحَقٌّ } .
وَقَالَ مُخْبِرًا عَنْ خَلِيلِهِ : { وَتَاللَّهِ لَأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ } .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ } .
وَلَكِنْ قَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { اتَّقُوا اللَّهَ ، فَوَاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ لَتَعْلَمُنَّ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ حَقًّا } .
وَرَوَى النَّسَائِيّ وَأَبُو دَاوُد أَنَّ { خَصْمَيْنِ أَتَيَا النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْمُدَّعِي : الْبَيِّنَةُ .
قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَيْسَ

لِي بَيِّنَةٌ .
فَقَالَ لِلْآخَرِ : احْلِفْ بِاَللَّهِ الَّذِي لَا إلَهَ إلَّا هُوَ مَا لَهُ عَلَيْك شَيْءٌ ، أَوْ مَا لَهُ عِنْدَك شَيْءٌ } .
وَتَغْلِيظُ الْعَدَدِ فِي اللِّعَانِ ، وَهُوَ التَّكْرَارُ ، وَفِي الْقَسَامَةِ مِثْلُهُ .
وَزَعَمَ الشَّافِعِيُّ أَنَّهُ رَأَى ابْنَ مَازِنٍ قَاضِي صَنْعَاءَ يَحْلِفُ بِالْمُصْحَفِ وَيُؤْثِرُ أَصْحَابُهُ ذَلِكَ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَلَمْ يَصِحَّ .
وَأَمَّا التَّغْلِيظُ بِالْحَالِ فَرُوِيَ عَنْ مُطَرِّفٍ وَابْنِ الْمَاجِشُونِ وَبَعْضِ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّهُ يَحْلِفُ قَائِمًا مُسْتَقْبِلَ الْقِبْلَةِ .
وَرَوَى ابْنُ كِنَانَةَ عَنْ مَالِكٍ : يَحْلِفُ جَالِسًا .
وَاَلَّذِي عِنْدِي أَنَّهُ يَحْلِفُ كَمَا يُحْكَمُ عَلَيْهِ بِهَا إنْ قَائِمًا فَقَائِمًا ، وَإِنْ جَالِسًا فَجَالِسًا ؛ إذْ لَمْ يَثْبُتْ فِي أَثَرٍ وَلَا نَظَرٍ اعْتِبَارُ قِيَامٍ أَوْ جُلُوسٍ .
وَتَغْلِيظُ الْمَكَانِ كَمَا قُلْنَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ حَلَفَ عَلَى مِنْبَرِي بِيَمِينٍ كَاذِبَةٍ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدُهُ مِنْ النَّارِ } .
فَقِيلَ : أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ الْحَالَ ؛ لِأَنَّهُ مَقْطَعُ الْحُقُوقِ .
وَقِيلَ : أَرَادَ أَنْ يُخْبِرَ عَنْ قَوْمٍ عَاهَدُوا وَحَلَفُوا عَلَى الْمِنْبَرِ لِلنَّاسِ ثُمَّ غَدَرُوا .
وَرُوِيَ أَنَّ عَبْدَ الرَّحْمَنِ بْنَ عَوْفٍ رَأَى رَجُلًا يَحْلِفُ بَيْنَ الرُّكْنِ وَالْمَقَامِ فَقَالَ : أَعَلَى دَمٍ أَوْ عَلَى مَالٍ عَظِيمٍ ؟ فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عِنْدَهُمْ مِنْ الْمُسْتَقِرِّ فِي الشَّرْعِ أَلَّا يَحْلِفَ هُنَالِكَ إلَّا عَلَى مَا وَصَفَ ، فَكُلُّ مَالٍ تُقْطَعُ فِيهِ الْيَدُ ، وَتَسْقُطُ فِيهِ حُرْمَةُ الْعُضْوِ فَهُوَ عَظِيمٌ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { إنْ ارْتَبْتُمْ } وَالرِّيبَةُ : هِيَ التُّهْمَةُ يَعْنِي مَنْ ادَّعَى عَلَيْهِمَا بِخِيَانَةٍ .
وَاخْتُلِفَ فِي الْمُرْتَابِ ، فَقِيلَ : هُوَ الْحَاكِمُ .
وَقِيلَ : هُمْ الْوَرَثَةُ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ .
وَالتُّهْمَةُ وَالرِّيبَةُ عَلَى قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا تَقَعُ الرِّيبَةُ فِيهِ بَعْدَ ثُبُوتِ الْحَقِّ أَوْ تَوَجُّهِ الدَّعْوَى ؛ فَهَذَا لَا خِلَافَ فِي وُجُوبِ الْيَمِينِ .
الثَّانِي : التُّهْمَةُ الْمُطْلَقَةُ فِي الْحُقُوقِ وَالْحُدُودِ ؛ وَهُوَ تَفْصِيلٌ طَوِيلٌ ، بَيَانُهُ فِي أُصُولِ الْمَسَائِلِ وَصُوَرُهَا مِنْ الْمَذْهَبِ ، وَقَدْ تَحَقَّقَتْ هَاهُنَا الدَّعْوَى ، وَثَبَتَتْ عَلَى مَا سَطَّرَ فِي الرِّوَايَاتِ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا } قَالَ عُلَمَاؤُنَا : مَعْنَاهُ لَا نَشْتَرِي بِهِ ذَا ثَمَنٍ ، ثُمَّ حَذَفَ الْمُضَافَ وَأَقَامَ الْمُضَافَ إلَيْهِ مَقَامَهُ .
وَهَذَا مَا لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ؛ فَإِنَّ الثَّمَنَ عِنْدَنَا مُشْتَرًى ، كَمَا أَنَّ الْمَثْمُونَ مُشْتَرًى ؛ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْ الْمَبِيعَيْنِ ثَمَنًا وَمَثْمُونًا ، كَانَ الْبَيْعُ دَائِرًا عَلَى عَرْضٍ أَوْ نَقْدٍ ، أَوْ عَلَى عَرْضَيْنِ أَوْ نَقْدَيْنِ ، وَعَلَى هَذَا الْأَصْلِ تَنْبَنِي مَسْأَلَةُ مَا إذَا أَفْلَسَ الْمُشْتَرِي وَوُجِدَ مَتَاعُهُ عِنْدَ الْبَائِعِ ، هَلْ يَكُونُ أَوْلَى بِهِ ؟ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يَكُونُ أَوْلَى بِهِ ، وَبَنَاهُ عَلَى هَذَا الْأَصْلِ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { بِهِ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : يَعْنِي الْقَوْلَ الَّذِي قُلْنَاهُ .
الثَّانِي : أَنَّ الْهَاءَ تَعُودُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى .
الْمَعْنَى : لَا نَبِيعُ حَظَّنَا مِنْ اللَّهِ تَعَالَى بِهَذَا الْعَرْضِ .
الثَّالِثُ : هُوَ ضَمِيرُ الْجَمَاعَةِ ، وَهُمْ الْوَرَثَةُ ، وَهُمْ الْمُتَّهِمُونَ الَّذِينَ لَهُمْ الطَّلَبُ وَلَهُمْ التَّحْلِيفُ ، وَالْحَاكِمُ يَقْتَضِي لَهُمْ وَيَنُوبُ عَنْهُمْ فِي إيفَاءِ الْحَقِّ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي : أَنَّهُ يَعُودُ عَلَى الْقَوْلِ ، فَبِهِ يَتَمَكَّنُ الْمَعْنَى وَلَا يُحْتَاجُ إلَى سِوَاهُ

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى } مَعْنَاهُ : لَا نَشْهَدُ الزُّورَ ، وَلَا نَأْخُذُ رِشْوَةً لِنَكْذِبَ ، وَلَوْ كَانَ الْمَشْهُودُ لَهُ ذَا قُرْبَى قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ ؛ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّهَا شَهَادَةٌ .
وَمَنْ قَالَ : إنَّهَا يَمِينٌ قَالَ : التَّقْدِيرُ : لَا نَأْخُذُ بِيَمِينِنَا بَدَلًا مَنْفَعَةً ، وَلَوْ كَانَ ذَلِكَ لِذِي الْقُرْبَى ، فَكَيْفَ لِأَجْنَبِيٍّ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ } يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ مَا عَلِمَ اللَّهُ ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ لَا نَكْتُمُ مَا أَعْلَمَنَا اللَّهُ مِنْ الشَّهَادَةِ ؛ أَضَافَهَا إلَيْهِ لِعِلْمِهِ بِهَا ، وَأَمْرِهِ بِأَدَائِهَا ، وَنَهْيِهِ عَنْ كِتْمَانِهَا قَالَ عُلَمَاؤُنَا : وَيَقُولَانِ فِي يَمِينِهِمَا : بِاَللَّهِ إنَّ صَاحِبَكُمْ بِهَذَا أَوْصَى أَنَّ هَذِهِ تَرِكَتُهُ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ } يُحْتَمَلُ أَنَّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ لَا تَتَعَيَّنُ لِلْيَمِينِ ، وَلَا لِلشَّهَادَةِ ، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْيَمِينُ عَلَى نَفْيِ الدَّعْوَى كَيْفَمَا كَانَتْ ، وَتَكُونُ الشَّهَادَةُ بِصِفَةِ الْحَالِ كَمَا جَرَتْ ، فَأَمَّا أَنْ يَقُولَ الشَّاهِدُ : إنِّي لَا أَشْتَرِي بِشَهَادَتِي شَيْئًا ، وَلَوْ كَانَ قَرَابَتِي .
أَوْ يَقُولُهَا الْحَالِفُ فِي يَمِينِهِ ، فَلَا يَلْزَمُ ذَلِكَ عِنْدِي وَلَا عِنْدَ أَحَدٍ ، وَلَكِنْ يَحْلِفُ أَوْ يَشْهَدُ كَمَا وَصَفْنَا وَيَعْتَقِدُ مَا قَالَ اللَّهُ تَعَالَى ، فَهَذَا الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ يَكُونُ فِي اعْتِقَادِهِ لَا فِي لَفْظِهِ فِي شَهَادَةٍ أَوْ يَمِينٍ .

الْمَسْأَلَةُ الْمُوفِيَةُ ثَلَاثِينَ : قَوْله تَعَالَى : { فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إثْمًا } يُرِيدُ ظَهَرَ ، وَأَظْهَرُ شَيْءٍ فِي الطَّرِيقِ مَا عُثِرَ عَلَيْهِ فِيهَا ، وَيُسْتَعْمَلُ فِيمَا كَانَ غَائِبًا عَنْك وَكُنْت جَاهِلًا بِهِ ، ثُمَّ حَضَرَ لَدَيْك وَاطَّلَعْت عَلَيْهِ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَكَذَلِكَ أَعَثَرْنَا عَلَيْهِمْ } لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَطْلُبُونَهُمْ ، وَقَدْ خَفِيَ عَلَيْهِمْ مَوْضِعُهُمْ .
التَّقْدِيرُ : إذَا نَفَذَ الْحُكْمُ عَلَيْهِمْ فِي الظَّاهِرِ بِالْيَمِينِ ، ثُمَّ ظَهَرَ وَتَبَيَّنَ بَعْدَ ذَلِكَ كَذِبُهُمْ .
الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { إنَّهُمَا } قِيلَ : هُمَا الشَّاهِدَانِ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
وَقِيلَ : هُمَا الْوَصِيَّانِ ؛ قَالَهُ ابْنُ جُبَيْرٍ .
وَهُوَ مَبْنِيٌّ عَلَى مَا تَقَدَّمَ ، وَيَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ ، وَيَخْتَلِفُ التَّقْدِيرُ بِحَسَبِ اخْتِلَافِهِ كَمَا تَقَدَّمَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { إثْمًا } يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ عُقُوبَةً ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ غُرْمًا ، وَظَاهِرُ الْإِثْمِ الْعُقُوبَةُ ، لَكِنْ صَرَفَ عَنْ هَذَا الظَّاهِرِ قَوْلُهُ : اسْتَحَقَّا ، وَالْعُقُوبَةُ لَا تُسْتَحَقُّ بِالْمَعَاصِي ، وَلَا يُسْتَحَقُّ عَلَى اللَّهِ شَيْءٌ حَسْبَمَا تَقَرَّرَ فِي الْأُصُولِ ، فَيَكُونُ مَعْنَاهُ اسْتَوْجَبَا غُرْمًا بِطَرِيقَةٍ .
وَيَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا الِاحْتِمَالِ قَوْله تَعَالَى : { مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ } فَإِنَّمَا يَسْتَحِقُّ عَلَى هَؤُلَاءِ مَا كَانَا اسْتَحَقَّاهُ ، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا أَنَّ الْقَوْمَ ادَّعَوْا أَنَّهُ كَانَ لِلْمَيِّتِ دَعْوَى مِنْ انْتِقَالِ مِلْكٍ عَنْهُ إلَيْهِمَا بِبَعْضِ مَا تَزُولُ بِهِ الْأَمْلَاكُ مِمَّا يَكُونُ فِيهِ الْيَمِينُ عَلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ دُونَ الْمُدَّعِي ، وَتَكُونُ الْبَيِّنَةُ فِيهِ عَلَى الْمُدَّعِي .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { فَآخَرَانِ } إنَّمَا هُوَ بِحَسَبِ الِاتِّفَاقِ أَنَّ الْوَارِثَيْنِ كَانَا اثْنَيْنِ ، وَلَوْ كَانَ وَاحِدًا لَأَجْزَأَهُ .
الْمَسْأَلَةُ

الرَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الْأَوْلَيَانِ } مَعْنَاهُ : مِمَّنْ كَانَ نَفَذَ عَلَيْهِمْ الْقَضَاءُ قَبْلَ ذَلِكَ بِوَصِيَّةٍ أَوْ دَيْنٍ أَوْ غَيْرِ ذَلِكَ مِمَّا كَانَ الْمَيِّتُ ذَكَرَهُ ، وَهُمْ الْوَرَثَةُ .
وَمَنْ يَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُ عُلَمَائِنَا : إنَّ فِي قَوْلِهِ { عَلَيْهِمْ } ثَلَاثَةَ أَقْوَالٍ ، لَا نُطَوِّلُ بِذِكْرِهَا ، وَلَا نَحْفِلُ بِهَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : { اسْتَحَقَّ } مَعَ قَوْلِهِ : " عَلَى " مُتَلَائِمٌ فَلَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { الْأَوْلَيَانِ } وَهَذَا فَصْلٌ مُشْكِلُ الْمَعْنَى مُشْكِلُ الْإِعْرَابِ ، كَثُرَ فِيهِ الِاخْتِلَاطُ : أَمَّا إعْرَابُهُ فَفِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ بَدَلٌ مِنْ الضَّمِيرِ فِي " يَقُومَانِ " وَيَكُونُ التَّقْدِيرُ : فَالْأَوْلَيَانِ يَقُومَانِ مَقَامَ الْأَوَّلَيْنِ .
وَهَذَا حَسَنٌ ؛ لَكِنَّهُ فِيهِ رَدُّ الْبَعِيدِ إلَى الْقَرِيبِ فِي الْبَدَلِيَّةِ بَعْدَمَا حَالَ بَيْنَهُمَا مِنْ طَوِيلِ الْكَلَامِ ، وَيَكُونُ فَاعِلُ " اُسْتُحِقَّ " بِضَمِّ التَّاءِ مُضْمَرًا تَقْدِيرُهُ الْحَقُّ أَوْ الْوَصِيَّةُ أَوْ الْإِيصَاءُ أَوْ الْمَالُ .
وَقِيلَ : فَاعِلُ اُسْتُحِقَّ عَائِدٌ عَلَى الْإِثْمِ الْمُتَقَدِّمِ ذِكْرُهُ ، وَهُوَ الْغُرْمُ لِلْمَالِ ، كَمَا قَدَّمْنَاهُ .
الثَّانِي : أَنَّ " الْأَوْلَيَانِ " فَاعِلٌ بِاسْتُحِقَّ ، يُرِيدُ الْأَوْلَيَانِ بِالْيَمِينِ بِأَنْ يُحَلِّفَا مَنْ يَشْهَدُ بَعْدَهُمَا ، فَإِنْ جَازَتْ شَهَادَةُ النَّصْرَانِيِّينَ كَانَ الْأَوْلَيَانِ النَّصْرَانِيِّينَ ، وَالْآخَرَانِ مِنْ غَيْرِ بَيْتِ أَهْلِ الْمَيِّتِ .
هَذَا قَوْلُ بَعْضِهِمْ .
وَلَا أَقُولُ بِهِ ؛ وَإِنَّمَا يَكُونُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ عَلَى هَذَا : مِنْ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمْ الْأَوَّلُ وَبِالْحَقِّ .
الثَّالِثُ : أَنْ يَكُونَ بَدَلًا مِنْ قَوْلِهِ : آخَرَانِ .
الرَّابِعُ : أَنْ يَكُونَ عَلَى الِابْتِدَاءِ ، وَالْخَبَرُ مُقَدَّمٌ ، تَقْدِيرُهُ فَالْأَوْلَيَانِ آخَرَانِ .
وَالصَّحِيحُ مِنْ هَذَا هُوَ الْأَوَّلُ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْمُلْجِئَةِ ، وَأَكْمَلْنَا تَقْدِيرَ الْآيَةِ فِيهِ .
وَأَمَّا مَنْ قَرَأَ الْأَوَّلَيْنِ وَهُوَ حَمْزَةُ ، وَأَبُو بَكْرٍ فَيُرْجَعُ إلَى الْأَوَّلَيْنِ ، وَهُوَ حَسَنٌ .
وَقَرَأَ حَفْصٌ اسْتَحَقَّ بِمَعْنَى حَقَّ عَلَيْهِمْ .
وَمِنْ الْغَرِيبِ أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِي قَوْلِهِ : { عَلَيْهِمْ } فَقِيلَ فِيهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ } أَيْ فِي مُلْكِ سُلَيْمَانَ .
وَهَذَا كَثِيرٌ .
وَقَالَ قَوْمٌ : مَعْنَاهُ مِنْهُمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { إذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ } .
وَهَذِهِ دَعَاوَى

وَضَرُورَاتٌ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهَا ، وَلَا يَصِحُّ مُرَادُهُمْ فِي بَعْضِ مَا اُسْتُشْهِدَ بِهِ مِنْهَا .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ وَالثَّلَاثُونَ : مَعْنَى الْأَوْلَيَانِ فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْأَوْلَى بِالشَّهَادَةِ .
الثَّانِي : قَالَ ابْنُ جُبَيْرٍ : الْأَوْلَى بِالْمَيِّتِ مِنْ الْوَرَثَةِ .
الثَّالِثُ : الْأَوْلَى بِتَحْلِيفِ غَيْرِهِ ؛ قَالَهُ ابْنُ فُورَكٍ ؛ وَهُوَ يَرْجِعُ إلَى الثَّانِي ، وَهُوَ أَصَحُّ مِنْ الْأَوَّلِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : قَوْله تَعَالَى : { لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا } الْمَعْنَى : لَقَوْلُنَا أَحَقُّ مِنْ قَوْلِهِمَا .
وَهَذَا الْقَوْلُ كَمَا قَدَّمْنَاهُ مَحْمُولٌ عَلَى الْمَعْنَى ، وَأَنَّ يَمِينَ الْحَالِفِ لَا تَكُونُ إلَّا بِلَفْظِ الدَّعْوَى .
وَالْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ أَنَّ الْيَمِينَ إذَا كَانَتْ بِإِنَّ قَوْلِي أَصْدَقُ مِنْ قَوْلِك رُبَّمَا وَرَدَ فِي يَمِينِهِ ، بِأَنْ يَكُونَ مُدَّعِيهِ قَدْ كَذَبَ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ ، وَكَذَبَ هُوَ مِنْ وَجْهٍ وَاحِدٍ ، فَيَلْزَمُ التَّصْرِيحُ حَتَّى يَتَحَقَّقَ الْكَذِبَ ، وَتَحْصُلُ الْمُجَاهَرَةُ إنْ خَالَفَ ، لِيَأْتِيَ بِالصِّدْقِ عَلَى وَجْهِهِ ؛ فَإِذَا صَحَّ بِالْقَوْلِ فِي الْيَمِينِ لَمْ يَنْفَعْهُ مَا نَوَى إذَا أَضْمَرَ مِنْ مَعْنَى الْيَمِينِ خِلَافَ الظَّاهِرِ مِنْهَا ؛ لِقَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { يَمِينُك عَلَى مَا يُصَدِّقُك عَلَيْهِ صَاحِبُك } .
وَهُوَ حَدِيثٌ صَحِيحٌ وَمَعْنًى قَوِيمٌ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ قَرَرْنَاهُ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ وَالثَّلَاثُونَ : فِي بَقَاءِ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ أَوْ ارْتِفَاعِهِ .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ حُكْمُهَا مَنْسُوخٌ .
وَقَالَ الْحَسَنُ : حُكْمُهَا ثَابِتٌ ، فَمَنْ قَالَ : إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ قَالَ : إنَّ الْيَمِينَ الْآنَ لَا تَجِبُ عَلَى الشَّاهِدِ ؛ لِأَنَّهُ إنْ اُرْتِيبَ بِهِ لَمْ تَجُزْ شَهَادَتُهُ ، وَإِنْ لَمْ تَكُنْ هُنَاكَ رِيبَةٌ وَلَا فِي حَالِهِ خُلَّةٌ لَمْ يُحْتَجْ إلَى الْيَمِينِ ، وَعَلَى هَذَا عَوَّلَ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ وَنُخْبَتُهُمْ .
وَقَدْ قَرَّرَ اللَّهُ تَعَالَى ذَلِكَ وَحَقَّقَهُ بِأَمْرِهِ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ } .
وَ { مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنْ الشُّهَدَاءِ } .
فَوَقَعَتْ الشَّهَادَةُ عَلَى الْعَدَالَةِ ، وَاقْتُضِيَتْ الْيَمِينُ مِنْهَا إنْ كَانَتْ فِيهَا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا ثَابِتَةٌ فَاخْتَلَفُوا فِيهِ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّ شَهَادَةَ أَهْلِ الذِّمَّةِ جَائِزَةٌ فِي السَّفَرِ ؛ مِنْهُمْ أَحْمَدُ كَمَا تَقَدَّمَ يُجَوِّزُهَا فِي السَّفَرِ عِنْدَ عَدَمِ الْمُسْلِمِينَ بِغَيْرِ يَمِينٍ ، وَصَارَ بَعْضُ أَشْيَاخِنَا إلَى أَنَّ ذَلِكَ بَاقٍ بِالْيَمِينِ ، وَهُوَ خَرْقٌ لِلْإِجْمَاعِ ، وَجَهْلٌ بِالتَّأْوِيلِ ، وَقُصُورٌ عَنْ النَّظَرِ ، وَإِذَا أَسْقَطَ أَحْمَدُ الْيَمِينَ فَلَا حُجَّةَ لَهُ فِي الْآيَةِ وَلَا فِي الْحَدِيثِ ؛ لِأَنَّ الْيَمِينَ تَثْبُتُ فِيهِمَا جَمِيعًا .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الشَّهَادَةَ الْيَمِينُ ، وَهِيَ هَاهُنَا يَمِينُ الْوَصِيَّيْنِ ، كَمَا سُمِّيَتْ الْيَمِينُ فِي اللِّعَانِ شَهَادَةً .
وَقَالَ الطَّبَرِيُّ : إنَّمَا حَكَمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِالْيَمِينِ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ مِنْ أَجْلِ دَعْوَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ عَلَى الْمُسْنَدِ إلَيْهِمَا الْوَصِيَّةُ بِالْخِيَانَةِ ، أَوْ غَيْرُ ذَلِكَ ، مَا لَا يَبْرَأُ فِيهِ الْمُدَّعِي ذَلِكَ قِبَلَهُ إلَّا بِيَمِينٍ ؛ فَإِنَّ نَقْلَ الْيَمِينِ إلَى وَرَثَةِ الْمَيِّتِ إنَّمَا أَوْجَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بَعْدَ أَنْ عَثَرَ عَلَى الشَّاهِدَيْنِ فِي أَيْمَانِهِمَا بِإِثْمٍ ، وَظَهَرَ عَلَى كَذِبِهِمَا فِي ذَلِكَ بِمَا ادَّعَوْا مِنْ مَالِ الْمَيِّتِ أَنَّهُ بَاعَهُ

مِنْهُمَا ، وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَنَّ الْخِيَانَةَ ظَهَرَتْ فِي أَدَاءِ الْمَالِ ، وَلِذَلِكَ حَلَفَا مَعَ الشَّهَادَةِ .
قَالَ الْقَاضِي ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَهَذَا يَصِحُّ عَلَى إحْدَى الرِّوَايَاتِ الَّتِي ذُكِرَ فِيهَا أَنَّهُمَا ادَّعَيَا بَيْعَ الْجَامِ مِنْهُمَا .
وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى فَلَا يَسْتَقِيمُ هَذَا التَّأْوِيلُ لِأَنَّ الشَّاهِدَيْنِ أَدَّيَا التَّرِكَةَ فِيمَا ذُكِرَ فِيهَا ، وَانْقَلَبَا عَلَى سَتْرٍ وَسَلَامَةٍ ، ثُمَّ بَعْدَ ذَلِكَ ظَهَرَتْ الْخِيَانَةُ فِي الْجَامِ ؛ إمَّا بِأَنَّهُ وُجِدَ يُبَاعُ ، وَإِمَّا بِتَحَرُّجِ تَمِيمٍ الدَّارِيِّ وَتَأَثُّمِهِ وَأَدَائِهِ مَا كَانَ أَخَذَهُ مِنْهُ .
وَتَحْقِيقُ الْكَلَامِ فِيهِ أَنَّ كُلَّ رِوَايَةٍ مِنْ تِلْكَ الرِّوَايَاتِ عَضَّدَتْهَا صِيغَةُ الْقِصَّةِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسَرَدُوهَا فَإِنَّهَا صَحِيحَةٌ ، وَكُلُّ مَا لَمْ يُعَضِّدْهُ مِنْهَا فَهُوَ مَرْدُودٌ .
أَمَّا إنَّهُ إذَا فَسَّرْت الْكَلَامَ فِي كِتَابِ اللَّهِ فَاحْتَجْت إلَى تَجْوِيزٍ أَوْ تَقْدِيمٍ أَوْ تَأْخِيرٍ فَكُلَّمَا كَانَ أَقَلَّ فِي ذَلِكَ مِنْ التَّأْوِيلَاتِ فَهُوَ أَرْجَحُ ، وَكُلَّمَا كَانَ مِنْ خِلَافِ الْأُصُولِ فِيهِ أَقَلَّ فَهُوَ أَرْجَحُ ، كَتَأْوِيلٍ فِيهِ إجَازَةُ شَهَادَةِ الْكَافِرِ وَإِحْلَافُ الشَّاهِدِ عَلَى شَهَادَتِهِ ؛ فَإِنَّ التَّأْوِيلَ الَّذِي يُخَرَّجُ عَنْهُ هَذَا هُوَ أَرْجَحُ ، وَلَا يَسْلَمُ تَأْوِيلٌ مِنْ اعْتِرَاضٍ ؛ فَإِنَّ الْبَيَانَ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى فِي هَذِهِ الْآيَةِ لِلْأَحْكَامِ جَاءَ عَلَى صِفَةٍ غَرِيبَةٍ وَهُوَ سِيَاقُهُ عَلَى الْإِشَارَةِ إلَى الْقِصَّةِ ؛ وَلِذَلِكَ جَاءَ بِانْتِقَالَاتٍ كَثِيرَةٍ ، مِنْهَا أَنَّهُ قَالَ : { فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا } .
وَرُبَّمَا كَانَ الْمُدَّعِي وَاحِدًا ، فَلَيْسَ قَوْله تَعَالَى : { فَآخَرَانِ } خَارِجًا مَخْرَجَ الشَّرْطِ ، وَإِنَّمَا هُوَ كِنَايَةٌ عَمَّا جَرَى مِنْ الْعَدَدِ فِي الْقِصَّةِ ، وَالْوَاحِدُ كَالِاثْنَيْنِ فِيهَا ؛ فَيَطْلُبُ النَّاظِرُ مَخْرَجًا أَوْ تَأْوِيلًا لِلَّفْظِ لَا يُحْتَاجُ إلَيْهِ ، فَيُدْخِلُ الْإِشْكَالَ عَلَى نَفْسِهِ مِنْ

حَيْثُ لَا يَشْعُرُ بِهِ ، فَلَا يُسَاحَلُ عَنْ هَذَا الْبَحْرِ أَبَدًا ؛ وَكَذَلِكَ مَا جَرَى مِنْ التَّعْدِيدِ لَا يُمْنَعُ مِنْ كَوْنِ الشَّهَادَةِ بِمَعْنَى الْيَمِينِ كَمَا فِي اللِّعَانِ .
وَإِنْ كَانَ لَمْ يَذْكَرْ فِي اللِّعَانِ عَدَدًا ، وَجَرَى ذِكْرُهُ هَاهُنَا لِاتِّفَاقِهِ فِي الْقِصَّةِ ؛ لَا لِأَنَّهُ شَرْطٌ فِي الْحُكْمِ .
وَكَذَلِكَ ذِكْرُ الْعَدَالَةِ تَنْبِيهًا عَلَى مَا يَجِبُ ؛ لِأَنَّهُ إنْ أَشْهَدَهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا لِتَحَمُّلِ الشَّهَادَةِ ، فَإِنْ ائْتَمَنَهُ وَجَبَ أَنْ يَكُونَ عَدْلًا لِأَدَاءِ الْأَمَانَةِ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ وَالثَّلَاثُونَ : فِي تَقْدِيرِ الْآيَةِ : وَهُوَ : " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ ، وَحَضَرَكُمْ الْمَرَضُ الَّذِي هُوَ سَبَبُ الْمَوْتِ ، وَأَرَدْتُمْ الْوَصِيَّةَ فَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ مِنْ قَرَابَتِكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ فَإِنْ خَافَا فَاحْبِسُوهُمَا عَلَى الْيَمِينِ إنْ عَدِمْتُمْ الْبَيِّنَةَ .
فَإِنْ تَبَيَّنَتْ بَعْدَ ذَلِكَ خِيَانَتُهُمْ حَلَفَ مِمَّنْ حَلَفُوا لَهُ وَهُوَ أَوْلَى بِاسْتِحْقَاقِ مَا يَجِبُ بِالْيَمِينِ " .
وَعَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ يَكُونُ تَقْدِيرُ الْآيَةِ : " فَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَأَشْهِدُوا الْكُفَّارَ " فَإِنْ أَدَّيَا مَا أُحْضِرَا لَهُ أَوْ ائْتُمِنَا عَلَيْهِ فَبِهَا وَنِعْمَتْ ، وَإِنْ أَدْرَكَتْهُمْ تُهْمَةٌ أَوْ تَبَيَّنَتْ عَلَيْهِمْ خِيَانَةٌ ، حَلَفُوا .
وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ مَا يَدُلُّ عَلَى قَبُولِ شَهَادَتِهِمْ فِي الْوَصِيَّةِ عَلَى مَذْهَبِ أَحْمَدَ .
وَإِنَّمَا قَبِلْنَا نَحْنُ شَهَادَةَ الْعَدْلِ فِي الْوَصِيَّةِ بِدَلِيلٍ آخَرَ غَيْرِ هَذِهِ الْآيَةِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : إنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ قَبُولِ شَهَادَةِ الْكُفَّارِ إذَا عُدِمَ الْمُسْلِمُونَ وَلَيْسَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ إلَّا التَّسْوِيَةُ بَيْنَهُمَا ، فَكُلُّ شَيْءٍ يَعْتَرِضُكُمْ مِنْ الْإِشْكَالِ عَلَى دَلِيلِنَا وَتَقْدِيرِنَا الَّذِي قَدَّرْنَاهُ آنِفًا ، فَانْظُرُوهُ فِي مَوْضِعِهِ هَاهُنَا تَجِدُوهُ مُبَيَّنًا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

سُورَةُ الْأَنْعَامِ فِيهَا ثَمَانِ عَشْرَةَ آيَةً : الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { وَعِنْدَهُ } اعْلَمُوا أَنَّا قَدْ بَيَّنَّا هَذِهِ الْآيَةَ فِي مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ إلَى مَعْرِفَةِ غَوَامِضِ النَّحْوِيِّينَ " بِمَا الْمَقْصُودُ مِنْهُ هَاهُنَا أَنَّ " عِنْدَهُ " كَلِمَةً يُعَبَّرُ بِهَا عَمَّا قَرُبَ مِنْك وَتَحْقِيقُهُ أَنَّ دُنُوَّ الشَّيْءِ مِنْ الشَّيْءِ يُقَالُ فِيهِ قَرِيبٌ ، وَنَأْيُهُ عَنْهُ يُقَالُ فِيهِ بَعِيدٌ ، وَأَصْلُهُ : الْمَكَانُ فِي الْمِسَاحَةِ ، تَقُولُ : زَيْدٌ قَرِيبٌ مِنْك ، وَعَمْرٌو بَعِيدٌ عَنْك .
وَيُوضَعُ الْفِعْلُ مَوْضِعَ الِاسْمِ ؛ فَتَقُولُ : زَيْدٌ قُرْبُك ، ثُمَّ يُنْقَلُ إلَى الْمَكَانَةِ الْمَعْقُولَةِ غَيْرِ الْمَحْسُوسَةِ ، فَيُقَالُ : الْعِلْمُ مِنْك قَرِيبٌ ، وَعَلَيْهِ يُتَأَوَّلُ مَا يُخْبَرُ بِهِ عَنْ الْبَارِي سُبْحَانَهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَبِهِ يُفَسَّرُ قَوْلُهُ سُبْحَانَهُ : { وَإِذَا سَأَلَك عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ } بِعِشْرِينَ مَعْنًى جَائِزَةٍ عَلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ ، مِمَّا يَصِحُّ أَنْ يُوصَفَ بِهَا وَيُخْبَرُ عَنْهُ بِمَعْنَاهَا عَلَى مَا بَيَّنَّا فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ " .
وَتَقُولُ : زَيْدٌ قُدَّامُك ، وَعَمْرٌو وَرَاءَك .
فَإِذَا قُلْت زَيْدٌ قُدَّامُك احْتَمَلَ الْمَسَافَةَ مِنْ لَدُنْ جِسْمِهِ إلَى مَا لَا يَنْحَصِرُ مُنْتَهَاهُ قَدَمًا ، وَكَذَلِكَ وَرَاءَك ، فَصَغَّرُوهُ إذَا أَرَادُوا قُرْبَ الْمَسَافَةِ مِنْ الْمُخْبَرِ عَنْهُ ، فَقَالُوا : قُدَيْدِيمَةُ .
وَإِذَا أَرَادُوا تَخْلِيصَ الْقُرْبِ بِغَايَةِ الدُّنُوِّ قَالُوا : زَيْدٌ عِنْدَك ، عَبَّرُوا بِهِ عَنْ نِهَايَةِ الْقُرْبِ ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُصَغِّرُوهُ ، فَيَقُولُوا فِيهِ عُنَيْدَ .
وَقَدْ يُعَبَّرُ بِهَا أَيْضًا عَمَّا فِي مِلْكِ الْإِنْسَانِ ، فَيُقَالُ : عِنْدَهُ كَذَا وَكَذَا ؛ أَيْ فِي مِلْكِهِ

لِأَنَّ الْمِلْكَ يَخْتَصُّ بِالْمَرْءِ اخْتِصَاصَ الصِّفَةِ بِالْمَوْصُوفِ ؛ فَعَبَّرُوا بِأَقْرَبِ الْوُجُوهِ إلَيْهِ بِقَوْلِهِ : عِنْدَهُ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ : { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ بَيْعِ مَا لَيْسَ عِنْدَك } يَعْنِي فِي مِلْكِك .
إذَا ثَبَتَ هَذَا وَهِيَ :

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فَقَوْلُهُ تَعَالَى : { وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ } يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ قُرْبَهَا مِنْهُ قُرْبَ مَكَانَةٍ وَتَيْسِيرٍ ، لَا قُرْبَ مَكَان .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ أَنَّهَا فِي مِلْكِهِ يُظْهِرُ مِنْهَا مَا يَشَاءُ وَيُخْفِي مَا يَشَاءُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : هَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ عَقَائِدِ الْمُسْلِمِينَ ، وَرُكْنٌ مِنْ قَوَاعِدِ الدِّينِ ، مُعْظَمُهَا يَتَفَسَّرُ بِهَا ، وَفِيهَا مِنْ الْأَحْكَامِ نُكْتَةٌ وَاحِدَةٌ ؛ فَأَمَّا مَنْزَعُهَا فِي الْأُصُولِ فَقَدْ أَوْضَحْنَاهُ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ ؛ وَأَمَّا نُكْتَتُهَا الْأَحْكَامِيَّةُ فَنُشِيرُ إلَيْهَا فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ ؛ لِأَنَّهَا مِنْ جِنْسِ مَضْمُونِهِ ، وَمَعَ هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ الْإِشَارَةِ إلَى مَا تَضَمَّنَهُ كِتَابُ الْمُشْكِلَيْنِ لِيَنْفَتِحَ بِذَلِكَ غَلْقُ الْحُكْمِ الْمَطْلُوبِ فِي هَذَا الْمَجْمُوعِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مَفَاتِحُ الْغَيْبِ } وَاحِدُهَا مَفْتَحٌ وَمِفْتَاحٌ ، وَجَمْعُهُ مَفَاتِحُ وَمَفَاتِيحُ ، وَهُوَ فِي اللُّغَةِ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مَعْنَى يَحِلُّ غَلْقًا ، مَحْسُوسًا كَانَ كَالْقُفْلِ عَلَى الْبَيْتِ ، أَوْ مَعْقُولًا كَالنَّظَرِ ، وَالْخَبَرُ يَفْتَحُ قُفْلَ الْجَهْلِ عَنْ الْعِلْمِ وَالْغَيْبِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : عِبَارَةٌ عَنْ مُتَعَلِّقٍ لَا يُدْرَكُ حِسًّا أَوْ عَقْلًا ، وَكَمَا لَا يُدْرِكُ الْبَصَرُ مَا وَرَاءَ الْجِدَارِ أَوْ مَا فِي الْبَيْتِ الْمُقْفَلِ ، كَذَلِكَ لَا تُدْرِكُ الْبَصِيرَةُ مَا وَرَاءَ الْمَحْسُوسَاتِ الْخَمْسِ ، وَالْمَحْسُوسَاتُ مُنْحَصِرَةُ الطُّرُقِ بِانْحِصَارِ الْحَوَاسِّ وَالْمَعْقُولَاتُ لَا تَنْحَصِرُ طُرُقُهَا إلَّا مِنْ جِهَةِ قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا : مَا يُدْرَكُ بِبَدِيهَةِ النَّظَرِ .
الثَّانِي : مَا يَتَحَصَّلُ مِنْ سَبِيلِ النَّظَرِ .
أَمَّا إنَّهُ لَهُ أُمَّهَاتٌ خَمْسٌ وَقَعَتْ الْإِشَارَةُ إلَيْهَا وَجَاءَتْ الْعِبَارَةُ عَنْهَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى { إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي

نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ } .
فَالْأُمُّ الْكُبْرَى : السَّاعَةُ ؛ وَمَا تَضَمَّنَتْ مِنْ الْحَشْرِ وَالنَّشْرِ وَالْمَوْقِفِ ، وَمَا فِيهِ مِنْ الْأَهْوَالِ ، وَحَالُ الْخَلْقِ فِي الْحِسَابِ ، وَمِنْقَلُهُمْ بَعْدَ تَفْضِيلٍ وَحَطٍّ وَتَفْصِيلِ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ .
الْأُمُّ الثَّانِيَةُ : تَنْزِيلُ الْغَيْثِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْإِحْيَاءِ وَالْإِنْبَاتِ ، وَقَدْ جَاءَ فِي الْأَثَرِ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ وَضَعَ ذَلِكَ عَلَى يَدَيْ مِيكَائِيلَ وَتَحْتَ نَظَرِهِ مَلَائِكَةٌ لَا يُحْصِيهَا إلَّا اللَّهُ سُبْحَانَهُ تَصْدُرُ عَنْ أَمْرِهِ فِي تَنْفِيذِ الْمَقَادِيرِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِذَلِكَ مِنْ إنْشَاءِ الرِّيَاحِ ، وَتَأْلِيفِ السَّحَابِ ، وَإِلْقَاحِهَا بِالْمَاءِ ، وَفَتْقِهَا بِالْقَطْرِ ، وَعَلَى يَدَيْ كُلِّ مَلِكٍ قَطْرَةٌ يُنْزِلُهَا إلَى بُقْعَةٍ مَعْلُومَةٍ لِيُنَمِّيَ بِهَا شَجَرَةً مَخْصُوصَةً ؛ لِيَكُونَ رِزْقًا لِحَيَوَانٍ مُعَيَّنٍ حَتَّى يَنْتَهِيَ إلَيْهِ الْأُمُّ الثَّالِثَةُ : مَا تَحْوِيهِ الْأَرْحَامُ ، وَقَدْ وَكَّلَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ بِذَلِكَ فِي مَوْرِدِ الْأَمْرِ مَلَكًا يُقَالُ لَهُ إسْرَافِيلُ ، وَفِي زِمَامِهِ : مِنْ الْمَلَائِكَةِ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ تَعَالَى ، وَقَرَنَ بِكُلِّ رَحِمٍ مَلَكًا يَجْرِي عَلَى يَدَيْهِ تَدْبِيرُ النُّطْفَةِ فِي أَطْوَارِ الْخِلْقَةِ .
الْأُمُّ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا } .
وَهُوَ مَعْنًى خَبَّأَهُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ عَنْ الْخَلْقِ تَحْتَ أَسْتَارِ الْأَقْدَارِ ، بِحِكْمَتِهِ الْقَائِمَةِ ، وَحُجَّتِهِ الْبَالِغَةِ ، وَقُدْرَتِهِ الْقَاهِرَةِ ، وَمَشِيئَتِهِ النَّافِذَةِ ، فَكَائِنَاتُ غَدٍ تَحْتَ حِجَابِ اللَّهِ ، وَنَبَّهَ : بِالْكَسْبِ عَنْ تَعْمِيَتِهَا ؛ لِأَنَّهُ أَوْكَدُ مَا عِنْدَ الْمَرْءِ لِلْمَعْرِفَةِ ، وَأَوْلَاهُ لِلتَّحْصِيلِ ، وَعَلَيْهِ يَتَرَكَّبُ الْعُمْرُ وَالرِّزْقُ ، وَالْأَجَلُ ، وَالنَّجَاةُ ، وَالْهَلَكَةُ ، وَالسُّرُورُ ، وَالْغَمُّ ، وَالْغَرَائِزُ الْمُزْدَوِجَةُ فِي جِبِلَّةِ الْآدَمِيِّ مِنْ مَفْرُوحٍ بِهِ أَوْ مَكْرُوهٍ لَهُ .
الْأُمُّ الْخَامِسَةُ :

قَوْله تَعَالَى : { وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } .
نَبَّأَ بِهِ عَنْ الْعَاقِبَةِ الَّتِي انْفَرَدَ بِالِاطِّلَاعِ عَلَيْهَا رَبُّ الْعِزَّةِ .
وَقَدْ رَوَيْنَا عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي تَأْكِيدِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ؛ مِنْهُمْ أَبُو ذَرٍّ ، وَأَبُو هُرَيْرَةَ ؛ قَالَا : { كَانَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَجْلِسُ بَيْنَ ظَهْرَانِيْ أَصْحَابِهِ ، فَيَجِيءُ الْغَرِيبُ فَلَا يَدْرِي أَيُّهُمْ هُوَ حَتَّى يَسْأَلَ عَنْهُ ، فَطَلَبْنَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ نَجْعَلَ لَهُ مَجْلِسًا يَعْرِفُهُ الْغَرِيبُ إذَا أَتَاهُ ، فَبَنَيْنَا لَهُ دُكَّانًا مِنْ طِينٍ ، كَانَ يَجْلِسُ عَلَيْهِ ، وَكُنَّا نَجْلِسُ جَانِبَيْهِ ، فَإِنَّا لَجُلُوسٌ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مَجْلِسِهِ إذْ أَقْبَلَ رَجُلٌ مِنْ أَحْسَنِ النَّاسِ وَجْهًا ، وَأَطْيَبِ النَّاسِ رِيحًا ، وَأَنْقَى النَّاسِ ثَوْبًا ، كَأَنَّ ثِيَابَهُ لَمْ يَمَسَّهَا دَنَسٌ ، إذْ وَقَفَ فِي طَرَفِ السِّمَاطِ ، فَقَالَ : السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ .
فَرَدَّ عَلَيْهِ السَّلَامَ ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَدْنُو ؟ قَالَ : ادْنُهْ .
فَمَا زَالَ بِهِ يَقُولُ : أَدْنُو ؟ وَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَهُ : ادْنُهْ ، حَتَّى وَضَعَ يَدَيْهِ عَلَى رُكْبَتَيْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَخْبِرْنِي مَا الْإِسْلَامُ ؟ قَالَ : الْإِسْلَامُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ وَلَا تُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا ، وَتُقِيمَ الصَّلَاةَ ، وَتُؤْتِيَ الزَّكَاةَ ، وَتَحُجَّ الْبَيْتَ وَتَصُومَ رَمَضَانَ .
قَالَ : فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَقَدْ أَسْلَمْت ؟ قَالَ : نَعَمْ .
قَالَ : صَدَقْت .
قَالَ : فَلَمَّا أَنْ سَمِعْنَا قَوْلَهُ يَسْأَلُهُ وَيُصَدِّقُهُ أَنْكَرْنَا ذَلِكَ .
ثُمَّ قَالَ : يَا مُحَمَّدُ ، أَخْبِرْنِي مَا الْإِيمَانُ ؟ قَالَ : أَنْ تُؤْمِنَ بِاَللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ ، وَتُؤْمِنَ بِالْقَدَرِ كُلِّهِ .
قَالَ : فَإِذَا فَعَلْت ذَلِكَ فَقَدْ آمَنْت ؟ قَالَ : نَعَمْ

.
قَالَ : صَدَقْت .
قَالَ : فَمَا الْإِحْسَانُ ؟ قَالَ : الْإِحْسَانُ أَنْ تَعْبُدَ اللَّهَ كَأَنَّك تَرَاهُ ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ تَرَاهُ فَإِنَّهُ يَرَاك .
قَالَ : صَدَقْت .
قَالَ : فَمَتَى السَّاعَةُ ؟ قَالَ : فَنَكَّسَ فَلَمْ يُجِبْهُ ، ثُمَّ دَعَاهُ فَلَمْ يُجِبْهُ ، ثُمَّ رَفَعَ رَأْسَهُ ، فَحَلَفَ بِاَللَّهِ ، وَقَالَ : مَا الْمَسْئُولُ عَنْهَا بِأَعْلَمَ مِنْ السَّائِلِ ، وَلَكِنْ لَهَا عَلَامَاتٌ يَجِئْنَ ، إذَا رَأَيْت رِعَاءَ الْغَنَمِ يَتَطَاوَلُونَ فِي الْبُنْيَانِ ، وَرَأَيْت الْحُفَاةَ الْعُرَاةَ مُلُوكَ الْأَرْضِ ، وَرَأَيْت الْمَرْأَةَ تَلِدُ رَبَّهَا ، هُنَّ خَمْسٌ لَا يَعْلَمُهُنَّ إلَّا اللَّهُ : { إنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ وَيُنَزِّلُ الْغَيْثَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْأَرْحَامِ وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ مَاذَا تَكْسِبُ غَدًا وَمَا تَدْرِي نَفْسٌ بِأَيِّ أَرْضٍ تَمُوتُ } .
وَذَكَرَ كَلِمَةً مَعْنَاهَا ، ثُمَّ صَعِدَ إلَى السَّمَاءِ ، فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاَلَّذِي بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ مَا كُنْت بِأَعْلَمَ بِهِ مِنْ رَجُلٍ مِنْكُمْ ، وَإِنَّهُ لَجِبْرِيلُ نَزَلَ عَلَيْكُمْ فِي صُورَةِ دَحْيَةَ الْكَلْبِيِّ ، يُعَلِّمُكُمْ أَمْرَ دِينِكُمْ } .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَالَ السُّدِّيُّ : الْمُرَادُ بِهَذَا خَزَائِنُ الْغَيْبِ وَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : مَفَاتِيحُ الْغَيْبِ خَمْسٌ ، وَقَرَأَ الْآيَاتِ الْخَمْسَ الْمُتَقَدِّمَةَ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ : هُوَ مَا يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى عِلْمِ الْغَيْبِ مِنْ قَوْلِ النَّاسِ : افْتَحْ عَلَيَّ كَذَا أَيْ أَعْطِنِي ، أَوْ عَلِّمْنِي مَا أَتَوَصَّلُ [ بِهِ ] إلَيْهِ .
فَأَمَّا قَوْلُ السُّدِّيِّ : إنَّ الْمُرَادَ بِالْمَفَاتِحِ الْخَزَائِنُ فَمَجَازٌ بَعِيدٌ .
وَأَمَّا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ فَعِلْمٌ سَدِيدٌ مِنْ فَكٍّ شَدِيدٍ .
وَأَمَّا قَوْلُ الثَّالِثِ فَأَنْكَرَهُ شَيْخُنَا النَّحْوِيُّ نَزِيلُ مَكَّةَ ، وَقَالَ : أَجْمَعَتْ أَيْ الْفِرْقَةُ السَّالِفَةُ الصَّالِحَةُ مِنْ الْأُمَّةِ عَلَى غَيْرِهِ ؛ وَذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِمْ أَصَحُّ وَأَوْلَى .
وَأَظُنُّهُ لَمْ يَفْهَمْ الْمَقْصُودَ مِنْ هَذَا الْقَوْلِ ، وَلَا اغْتَزَى فِيهِ الْمَغْزَى ،

وَلَقَدْ أَلْحَمَ فِيهِ الصَّوَابَ وَسَدَى ، وَإِذَا مَنَحْته نَقْدًا لَمْ تَعْدَمْ فِيهِ هُدًى ؛ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى عِلْمُ الْغَيْبِ ، وَبِيَدِهِ الطُّرُقِ الْمُوصِلَةِ إلَيْهِ ، لَا يَمْلِكُهَا إلَّا هُوَ ؛ فَمَنْ شَاءَ إطْلَاعَهُ عَلَيْهَا أَطْلَعَهُ ، وَمَنْ شَاءَ حَجْبَهُ عَنْهَا حَجَبَهُ ، فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مِنْ إفَاضَتِهِ إلَّا عَلَى رُسُلِهِ ، بِدَلِيلِ قَوْلِهِ سُبْحَانَهُ : { وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُطْلِعَكُمْ عَلَى الْغَيْبِ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَجْتَبِي مِنْ رُسُلِهِ مَنْ يَشَاءُ } .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : مَقَامَاتُ الْغَيْبِ الْخَمْسَةُ الَّتِي لَا يَعْلَمُهَا إلَّا اللَّهُ لَا أَمَارَةَ عَلَيْهَا ، وَلَا عَلَامَةَ عَلَيْهَا ، إلَّا مَا أَخْبَرَ بِهِ الصَّادِقُ الْمُجْتَبَى لِاطِّلَاعِ الْغَيْبِ مِنْ أَمَارَاتِ السَّاعَةِ ، وَالْأَرْبَعَةُ سِوَاهَا لَا أَمَارَةَ عَلَيْهَا ؛ فَكُلُّ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَنْزِلُ الْغَيْثُ غَدًا فَهُوَ كَافِرٌ ، أَخْبَرَ عَنْهُ بِأَمَارَاتٍ ادَّعَاهَا ، أَوْ بِقَوْلٍ مُطْلَقٍ .
وَمَنْ قَالَ : إنَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي الرَّحِمِ فَهُوَ كَافِرٌ ؛ فَأَمَّا الْأَمَارَةُ عَلَى هَذَا فَتَخْتَلِفُ ؛ فَمِنْهَا كُفْرٌ ، وَمِنْهَا تَجْرِبَةٌ ، وَالتَّجْرِبَةُ مِنْهَا أَنْ يَقُولَ الطَّبِيبُ : إذَا كَانَ الثَّدْيُ الْأَيْمَنُ مُسْوَدَّ الْحَلَمَةِ فَهُوَ ذَكَرٌ ، وَإِنْ كَانَ ذَلِكَ فِي الثَّدْيِ الْأَيْسَرِ فَهُوَ أُنْثَى ؛ وَإِنْ كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَجِدُ الْجَنْبَ الْأَيْمَنَ أَثْقَلَ فَهُوَ ذَكَرٌ ، وَإِنْ وَجَدَتْ الْجَنْبَ الْأَشْأَمَ أَثْقَلَ فَالْوَلَدُ أُنْثَى ، وَادَّعَى ذَلِكَ عَادَةً لَا وَاجِبًا فِي الْخِلْقَةِ لَمْ نُكَفِّرْهُ ، وَلَمْ نُفَسِّقْهُ .
فَأَمَّا مَنْ ادَّعَى عِلْمَ الْكَسْبِ فِي مُسْتَقْبَلِ الْعُمْرِ فَهُوَ كَافِرٌ ، أَوْ أَخْبَرَ عَنْ الْكَوَائِنِ الْجُمَلِيَّةِ أَوْ الْمُفَصَّلَةِ فِيمَا يَكُونُ قَبْلَ أَنْ يَكُونَ ، فَلَا رِيبَةَ فِي كُفْرِهِ أَيْضًا .
فَأَمَّا مَنْ أَخْبَرَ عَنْ كُسُوفِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فَقَدْ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُؤَدَّبُ وَيُسْجَنُ وَلَا يُكَفَّرُ ، أَمَّا عَدَمُ تَكْفِيرِهِ فَلِأَنَّ جَمَاعَةً قَالُوا : إنَّهُ أَمْرٌ يُدْرَكُ بِالْحِسَابِ ، وَتَقْدِيرِ الْمَنَازِلِ ، حَسْبَمَا أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي قَوْلِهِ جَلَّ وَعَلَا : { وَالْقَمَرَ قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ } فَلِحِسَابِهِمْ لَهُ ، وَإِخْبَارِهِمْ عَنْهُ ، وَصِدْقِهِمْ فِيهِ ، تَوَقَّفَتْ عُلَمَاؤُنَا عَنْ الْحُكْمِ بِتَكْفِيرِهِمْ .
وَأَمَّا أَدَبُهُمْ فَلِأَنَّهُمْ يُدْخِلُونَ الشَّكَّ عَلَى الْعَامَّةِ فِي تَعْلِيقِ الْعِلْمِ بِالْغَيْبِ الْمُسْتَأْنَفِ وَلَا يَدْرُونَ قَدْرَ الْفَرْقِ بَيْنَ هَذَا وَغَيْرِهِ ، فَتُشَوَّشُ عَقَائِدُهُمْ فِي الدِّينِ ، وَتَتَزَلْزَلُ قَوَاعِدُهُمْ فِي الْيَقِينِ

، فَأُدِّبُوا حَتَّى يُسِرُّوا ذَلِكَ إذَا عَرَفُوهُ وَلَا يُعْلِنُوا بِهِ .

الْآيَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا رَأَيْت الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : أَمَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ نَبِيَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْإِعْرَاضِ عَنْ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ ، وَفِي ذَلِكَ نَزَلَتْ .
وَالْخَوْضُ هُوَ الْمَشْيُ فِيمَا لَا يَتَحَصَّلُ حَقِيقَةً ، مِنْ الْخَائِضِ فِي الْمَاءِ الَّذِي لَا يُدْرَى بَاطِنُهُ ، اُسْتُعِيرَ مِنْ الْمَحْسُوسِ لِلْمَعْقُولِ عَلَى مَا نَبَّهْنَا عَلَيْهِ فِي الْأُصُولِ ، وَحَرَّمَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ الْمُشَارَكَةَ لَهُمْ فِي ذَلِكَ عَلَى رَسُولِهِ بِالْمُجَالَسَةِ ، سَوَاءٌ تَكَلَّمَ مَعَهُمْ فِي ذَلِكَ أَوْ كَرِهَهُ .
وَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مُجَالَسَةَ أَهْلِ الْمُنْكَرِ لَا تَحِلُّ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } قَالَ قَوْمٌ : هَذَا خِطَابٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ لِنَبِيِّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ الْأُمَّةُ ، وَكَأَنَّ الْقَائِلِينَ بِذَلِكَ ذَهَبُوا إلَى تَنْزِيهِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ النِّسْيَانِ وَهُمْ كِبَارُ الرَّافِضَةِ ، قَبَّحَهُمْ اللَّهُ ، وَإِنْ عَذَرْنَا أَصْحَابَنَا فِي قَوْلِهِمْ : إنْ قَوْله تَعَالَى : { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُك } ، خِطَابٌ لِلْأُمَّةِ بِاسْمِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِاسْتِحَالَةِ الْإِشْرَاكِ عَلَيْهِ فَلَا عُذْرَ لَهُمْ فِي هَذَا لِجَوَازِ النِّسْيَانِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { سَنُقْرِئُك فَلَا تَنْسَى } .
وَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُخْبِرًا عَنْ نَفْسِهِ : { إنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ أَنْسَى كَمَا تَنْسَوْنَ } ، وَقَالَ وَقَدْ سَمِعَ قِرَاءَةَ رَجُلٍ يَقْرَأُ : { لَقَدْ أَذْكَرَنِي كَذَا وَكَذَا آيَةً كُنْت أُنْسِيتهَا } .
وَقَالَ فِي لَيْلَةِ الْقَدْرِ : { تَلَاحَى رَجُلَانِ فَنَسِيتهَا } .
وَقَالَ : { لَا يَقُولَنَّ أَحَدُكُمْ نَسِيت آيَةَ كَذَا ، بَلْ نُسِّيتهَا } ، كَرَاهِيَةَ إضَافَةِ اللَّفْظِ إلَى الْقُرْآنِ ؛ لِقَوْلِهِ تَعَالَى : { كَذَلِكَ أَتَتْك آيَاتُنَا فَنَسِيتهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى } .
وَفَائِدَتُهُ : أَنَّ لَفْظَ " نَسِيت " يَنْطَلِقُ عَلَى تَرَكْت انْطِلَاقًا طِبْقِيًّا ، ثُمَّ نَقُولُ فِي تَقْسِيمِ وَجْهَيْ مُتَعَلِّقِهِ سَهَوْت إذَا كَانَ تَرَكَهُ عَنْ غَيْرِ قَصْدٍ ، وَعَمَدْت إذَا كَانَ تَرَكَهُ عَنْ قَصْدٍ ؛ وَلِذَلِكَ قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّ قَوْلَهُ : { مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا } عَامٌّ فِي وَجْهَيْ النِّسْيَانِ الْعَمْدِ وَالسَّهْوِ .
وَقَوْلُهُ إذَا ذَكَرَهَا : يَعْنِي أَنَّ السَّاهِيَ يَطْرَأُ عَلَيْهِ الذِّكْرُ فَيَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ الْخِطَابُ ، وَأَنَّ الْعَامِدَ ذَاكِرٌ أَبَدًا فَلَا يَزَالُ الْخِطَابُ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ أَبَدًا

، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْآيَةُ الثَّالِثَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إنَّ رَبَّك حَكِيمٌ عَلِيمٌ } .
رَوَى ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ ، وَابْنُ عَبْدِ الْحَكَمِ ، وَالْوَلِيدُ بْنُ مُسْلِمٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ : { نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ } قَالَ : بِالْعِلْمِ .
قَالَ ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ وَإِنَّمَا هُوَ نُورٌ يَضَعُهُ اللَّهُ فِي قَلْبِ مَنْ يَشَاءُ .
وَقَالَ ابْنُ مَسْعُودٍ .
: لَيْسَ الْعِلْمُ بِكَثْرَةِ الرِّوَايَةِ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ خَشْيَةُ اللَّهِ تَعَالَى .
رَوَى الْمَنْصُورُ عَنْ أَبِيهِ عَنْ جَدِّهِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { هِمَّةُ السُّفَهَاءِ الرِّوَايَةُ ، وَهِمَّةُ الْعُلَمَاءِ الدِّرَايَةُ } .
وَقَالَ مَالِكٌ ، لِابْنَيْ أُخْتِهِ أَبِي بَكْرٍ وَإِسْمَاعِيلَ : إنْ أَحْبَبْتُمَا أَنْ يَنْفَعَكُمَا اللَّهُ بِهَذَا الشَّأْنِ فَأَقِلَّا مِنْهُ ، وَتَفَقَّهَا فِيهِ .
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ فِي الدُّنْيَا .
قَالَ الْقَاضِي : وَصَدَقَ ؛ عِلْمُ الدُّنْيَا عِنْوَانُ الْآخِرَةِ وَسَبِيلُهَا .
وَاَلَّذِي أُوتِيَهُ إبْرَاهِيمَ مِنْ الْعِلْمِ بِالْحُجَّةِ ، وَهِيَ الَّتِي تُذْكَرُ لِلْخَصْمِ عَلَى طَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ كَانَ فِي الدُّنْيَا بِظُهُورِ دَلَالَةِ التَّوْحِيدِ وَبَيَانِ عِصْمَةِ إبْرَاهِيمَ عَنْ الْجَهْلِ بِاَللَّهِ تَعَالَى ، وَالشَّكِّ فِيهِ ، وَالْإِخْبَارِ أَنَّ مَا جَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ قَوْمِهِ إنَّمَا كَانَ احْتِجَاجًا ، وَلَمْ يَكُنْ اعْتِقَادًا ، وَقَدْ مَهَّدْنَا ذَلِكَ فِي الْمُشْكِلَيْنِ

الْآيَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إنْ هُوَ إلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ } .
قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ بْنُ الْعَرَبِيِّ : هَذِهِ الْآيَةُ أُصُولِيَّةٌ فَإِنَّهَا تُفِيدُ مَسْأَلَةً مِنْ الْأُصُولِ ، وَهِيَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأُمَّتَهُ : هَلْ تَعَبَّدُوا بِشَرِيعَةِ مَنْ قَبْلَهُمْ أَمْ لَا ؟ وَقَدْ حَقَّقْنَاهَا فِي الْأُصُولِ ، فَلْتُنْظَرْ هُنَاكَ .
وَفِيهَا مِنْ الْأَحْكَامِ الْعَمَلُ بِمَا ظَهَرَ مِنْ أَفْعَالِهِمْ ، وَأَخْبَرَنَا عَنْهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ النَّبِيِّ ، وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ عَنْ الْعَوَّامِ قَالَ سَأَلْت مُجَاهِدًا عَنْ سَجْدَةِ " ص " فَقَالَ : سَأَلْت ابْنَ عَبَّاسٍ مِنْ أَيْنَ سَجَدْت ؟ فَقَالَ : أَوَمَا تَقْرَأُ : { وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُد وَسُلَيْمَانَ } " إلَى قَوْلِهِ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهِ } .
وَكَانَ دَاوُد عَلَيْهِ السَّلَامُ مِمَّنْ أُمِرَ نَبِيُّكُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَقْتَدِيَ بِهِ ، فَسَجَدَهَا دَاوُد ، فَسَجَدَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ وَسَتَرَاهَا مُسْتَوْفَاةً فِي سُورَةِ " ص " إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْآيَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { اُنْظُرُوا إلَى ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي تَفْسِيرِ الْيَنْعِ : فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الطِّيبُ وَالنُّضْجُ ؛ يُقَال : أَيْنَعَ الثَّمَرُ يَيْنَعُ وَيُونِعُ ، وَالثَّمَرُ يَانِعٌ وَمُونِعٌ ، إذَا أَدْرَكَ .
الثَّانِي : قَالَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ : الْيَنْعُ جَمْعُ يَانِعٍ ، وَهُوَ الْمُدْرِكُ الْبَالِغُ .
الثَّالِثُ : قَالَ الْفَرَّاءُ : " يَنَعَ " أَقَلُّ مِنْ " أَيْنَعَ " وَمَعْنَاهُ احْمَرَّ ، وَمِنْهُ مَا رُوِيَ فِي حَدِيثِ الْمُلَاعَنَةِ : { إنْ وَلَدَتْهُ أَحْمَرَ مِثْلَ الْيَنَعَةِ } ، وَهِيَ : خَرَزَةٌ حَمْرَاءُ ، يُقَالُ : إنَّهُ الْعَقِيقُ ، أَوْ نَوْعٌ مِنْهُ ؛ وَهُوَ الَّذِي عَلَيْهِ يَقِفُ جَوَازُ بَيْعِ الثَّمَرِ ، وَبِهِ يَطِيبُ أَكْلُهَا ، وَيَأْمَنُ الْعَاهَةَ ، وَذَلِكَ عِنْدَ طُلُوعِ الثُّرَيَّا مَعَ الْفَجْرِ ، بِمَا أَجْرَى اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي ذَلِكَ مِنْ الْعَادَةِ ، وَأَحْكَمَهُ مِنْ الْعِلْمِ وَالْقُدْرَةِ ، وَفَصَّلَهُ مِنْ الْحُكْمِ وَالشَّرِيعَةِ ؛ وَمِنْ أَلْفَاظِ الْحَدِيثِ : { نَهَى عَنْ بَيْعِ الثَّمَرِ قَبْلَ أَنْ يُشَقَّحَ } قَالَ الْأَصْمَعِيُّ : إذَا تَغَيَّرَ الْبُسْرُ إلَى الْحُمْرَةِ قِيلَ : هَذِهِ شُقْحَةٌ ، وَقَدْ أَشَقَحَتْ .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ قَالَ مَالِكٌ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : { إلَى ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ } الْإِينَاعُ : الطِّيبُ بِغَيْرِ فَسَادٍ وَلَا نَقْشٍ .
قَالَ مَالِكٌ : وَالنَّقْشُ أَنْ تَنْقُشَ أَسْفَلَ الْبُسْرَةِ حَتَّى تَرْطُبَ ، يُرِيدُ يَثْقُبُ فِيهَا ، بِحَيْثُ يُسْرِعُ دُخُولُ الْهَوَاءِ إلَيْهِ فَيَرْطُبُ مُعَجَّلًا ؛ فَلَيْسَ ذَلِكَ الْيَنْعُ الْمُرَادَ فِي الْقُرْآنِ ، وَلَا هُوَ الَّذِي رَبَطَ بِهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْبَيْعَ ؛ وَإِنَّمَا هُوَ مَا يَكُونُ مِنْ ذَاتِهِ بِغَيْرِ مُحَاوَلَةٍ ، وَفِي بَعْضِ بِلَادِ التِّينِ ، وَهِيَ الْبِلَادُ الْبَارِدَةُ ، لَا يَنْضَجُ حَتَّى يَدْخُلَ فِي فَمِهِ عَمُودٌ قَدْ دُهِنَ بِزَيْتٍ ، فَإِذَا طَابَ حَلَّ بَيْعُهُ ؛ لِأَنَّ ذَلِكَ ضَرُورَةُ الْهَوَاءِ وَعَادَةُ

الْبِلَادِ ، وَلَوْلَا ذَلِكَ مَا طَابَ فِي وَقْتِ الطِّيبِ .
وَقَالَ الزُّبَيْرُ بْنُ بَكَّارٍ : قُلْت لِعَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَلِكِ بْنِ الْمَاجِشُونِ وَقَدْ رَأَيْته يَأْكُلُ الرُّطَبَ يُقَصِّعُهُ ، كَيْفَ تَفْعَلُ هَذَا ، وَقَدْ { نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَقْصِيعِ الرُّطَبِ } ؟ فَقَالَ : إنَّمَا نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ تَقْصِيعِ الرُّطَبِ حَيْثُ كَانَ أَكْلُهُ : يَتَشَبَّعُ بِهِ ؛ وَقَدْ جَاءَ اللَّهُ بِالرَّخَاءِ وَالْخَيْرِ ، وَالْمُرَادُ هَاهُنَا بِالتَّقْصِيعِ أَكْلُ الرُّطَبَةِ فِي لُقْمَةٍ ، وَذَلِكَ يَكُونُ مَعَ الشِّبَعِ ؛ فَإِذَا لَمْ يَكُنْ غَيْرُهَا فَأَكْلُهَا فِي لُقَمٍ أَثْبَتُ لِلشِّبَعِ .

الْآيَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَسُبُّوا الَّذِينَ يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَيَسُبُّوا اللَّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إلَى رَبِّهِمْ مَرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُمْ بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اتَّفَقَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ : لَا تَسُبُّوا آلِهَةَ الْكُفَّارِ فَيَسُبُّوا إلَهَكُمْ وَكَذَلِكَ هُوَ ؛ فَإِنَّ السَّبَّ فِي غَيْرِ الْحُجَّةِ فِعْلُ الْأَدْنِيَاءِ .
وَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَعَنَ اللَّهُ الرَّجُلَ يَسُبُّ أَبَوَيْهِ .
قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ وَكَيْفَ يَسُبُّ أَبَوَيْهِ ؟ قَالَ : يَسُبُّ أَبَا الرَّجُلِ فَيَسُبُّ أَبَاهُ ، وَيَسُبُّ أُمَّهُ فَيَسُبُّ أُمَّهُ } ؛ فَمَنَعَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ أَحَدًا أَنْ يَفْعَلَ فِعْلًا جَائِزًا يُؤَدِّي إلَى مَحْظُورٍ ؛ وَلِأَجْلِ هَذَا تَعَلَّقَ عُلَمَاؤُنَا بِهَذِهِ الْآيَةِ فِي سَدِّ الذَّرَائِعِ ، وَهُوَ كُلُّ عَقْدٍ جَائِزٍ فِي الظَّاهِرِ يُؤَوَّلُ أَوْ يُمْكِنُ أَنْ يُتَوَصَّلَ بِهِ إلَى مَحْظُورٍ ؛ وَسَتَرَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةَ مُسْتَوْفَاةً فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ .
وَقَدْ قِيلَ : إنَّ الْمُشْرِكِينَ قَالُوا : لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُنَّ عَنْ سَبِّ آلِهَتِنَا لَنَسُبَّنَّ إلَهَكُمْ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ لِلْمُحِقِّ أَنْ يَكُفَّ عَنْ حَقٍّ [ يَكُونُ ] لَهُ إذَا أَدَّى ذَلِكَ إلَى ضَرَرٍ يَكُونُ فِي الدِّينِ ؟ وَهَذَا فِيهِ نَظَرٌ طَوِيلٌ ، اخْتِصَارُهُ : أَنَّ الْحَقَّ إنْ كَانَ وَاجِبًا فَيَأْخُذُهُ بِكُلِّ حَالٍ ، وَإِنْ كَانَ جَائِزًا فَفِيهِ يَكُونُ هَذَا الْقَوْلُ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْآيَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَأَقْسَمُوا بِاَللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءَتْهُمْ آيَةٌ لِيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إذَا جَاءَتْ لَا يُؤْمِنُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ { أَنَّ قُرَيْشًا كَلَّمَهُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا مُحَمَّدُ ، تُخْبِرُنَا أَنَّ مُوسَى كَانَ مَعَهُ عَصًا يَضْرِبُ بِهَا الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا ، وَتُخْبِرُنَا أَنَّ عِيسَى كَانَ يُحْيِي الْمَوْتَى ، وَتُخْبِرُنَا أَنَّ ثَمُودَ كَانَتْ لَهُمْ نَاقَةٌ ؛ فَأْتِنَا مِنْ الْآيَاتِ حَتَّى نُصَدِّقَك .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَيُّ شَيْءٍ تُحِبُّونَ أَنْ آتِيَكُمْ بِهِ ؟ قَالُوا : تَجْعَلُ لَنَا الصَّفَا ذَهَبًا .
قَالَ لَهُمْ : فَإِنْ فَعَلْت تُصَدِّقُونِي ؟ قَالُوا : نَعَمْ ؛ وَاَللَّهِ لَئِنْ فَعَلْت لَنَتَّبِعَنَّكَ أَجْمَعُونَ فَقَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَدْعُو ، فَجَاءَهُ جِبْرِيلُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا شِئْت ، إنْ شِئْت أَصْبَحَ ذَهَبًا ، وَلَئِنْ أَرْسَلَ اللَّهُ تَعَالَى آيَةً وَلَمْ يُصَدِّقُوا عِنْدَ ذَلِكَ لَيُعَذِّبَنَّهُمْ ، وَإِنْ شِئْت فَاتْرُكْهُمْ حَتَّى يَتُوبَ تَائِبُهُمْ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بَلْ يَتُوبُ تَائِبُهُمْ } ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى هَذِهِ الْآيَةَ إلَى قَوْلِهِ : { يَجْهَلُونَ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ } : يَعْنِي غَايَةَ أَيْمَانِهِمْ الَّتِي بَلَغَهَا عِلْمُهُمْ ، وَانْتَهَتْ إلَيْهِ قُدْرَتُهُمْ ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى هُوَ الْإِلَهُ الْأَعْظَمُ ، وَأَنَّ هَذِهِ الْآلِهَةَ إنَّمَا يَعْبُدُونَهَا ظَنًّا مِنْهُمْ أَنَّهَا تُقَرِّبُهُمْ إلَى اللَّهِ زُلْفَى .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { بِاَللَّهِ } وَإِنْ كَانَ غَايَةُ أَيْمَانِ الْكُفَّارِ عَلَى اعْتِقَادِهِمْ الَّذِي قَدَّمْنَا ، فَإِنَّهُ غَايَةُ أَيْمَانِ الْمُسْلِمِينَ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ كَانَ حَالِفًا فَلْيَحْلِفْ بِاَللَّهِ أَوْ لِيَصْمُتْ } .
وَهَذَا يُفِيدُ الْمَنْعَ مِنْ الْحَلِفِ بِغَيْرِ اللَّهِ .
وَالْحَلِفُ بِغَيْرِ اللَّهِ عَلَى وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : عَلَى وَجْهِ التَّحْرِيمِ ، بِأَنْ يَحْلِفَ بِغَيْرِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ تَعَالَى مُعَظِّمًا لَهُ مَعَ اللَّهِ ، أَوْ مُعَظِّمًا لَهُ مِنْ دُونِهِ ؛ فَهَذَا كُفْرٌ .
الثَّانِي : أَنْ يَكُونَ عَلَى وَجْهِ الْكَرَاهِيَةِ ، بِأَنْ يُلْزِمَ نَفْسَهُ مَعْنًى مِمَّا يَلْزَمُهُ جِنْسُهُ فِي الشَّرْعِ ابْتِدَاءً بِوَجْهِ مَا إذَا رَبَطَهُ بِفِعْلٍ أَوْ تَرْكٍ ، وَهُوَ مَعْنَى اتَّفَقَتْ عَلَيْهِ الْأُمَّةُ فِيمَا إذَا قَالَ : إنْ دَخَلْت الدَّارَ فَامْرَأَتِي طَالِقٌ ، أَوْ عَبْدِي حُرٌّ ، فَهَذِهِ يَمِينٌ مُنْعَقِدَةٌ ، وَهِيَ أَصْلٌ لِغَيْرِهَا مِنْ الْأَيْمَانِ ، وَقَدْ تَكَرَّرَتْ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَتَرَكَّبَ عَلَيْهَا مَسْأَلَةٌ رَابِعَةٌ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : وَهِيَ : مَا إذَا قَالَ : الْأَيْمَانُ تَلْزَمُهُ إنْ كَانَ كَذَا وَكَذَا .
وَقَدْ كَانَتْ هَذِهِ الْيَمِينُ فِي صَدْرِ الْإِسْلَامِ مَعْرُوفَةً بِغَيْرِ هَذِهِ الصُّورَةِ ؛ كَانُوا يَقُولُونَ : عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَهُ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ ، فَقَالَ مَالِكٌ : يُطَلِّقُ نِسَاءَهُ ، ثُمَّ تَكَاثَرَتْ الصُّوَرُ حَتَّى آلَتْ بَيْنَ النَّاسِ إلَى صُورَةٍ هَذِهِ أُمُّهَا .
وَقَدْ كَانَ شَيْخُنَا أَبُو بَكْرٍ الْفِهْرِيُّ يَقُولُ : يَلْزَمُهُ إطْعَامُ ثَلَاثِينَ مِسْكِينًا إذَا حَنِثَ فِيهَا ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ : " الْأَيْمَانُ " جَمْعُ يَمِينٍ ، وَهُوَ لَوْ قَالَ : عَلَيَّ يَمِينٌ ، وَحَنِثَ لَلَزِمَتْهُ كَفَّارَةٌ .
وَلَوْ قَالَ : عَلَيَّ يَمِينَانِ لَلَزِمَتْهُ كَفَّارَتَانِ إذَا حَنِثَ .
وَالْأَيْمَانُ جَمْعُ يَمِينٍ فَيَلْزَمُهُ فِيهَا ثَلَاثُ كَفَّارَاتٍ .
وَكَانَ أَهْلُ الْقَيْرَوَانِ قَدْ اخْتَلَفُوا فِيهَا اخْتِلَافًا كَثِيرًا مَرْجِعُهُ إلَى قَوْلَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ

الطَّلَاقَ فِيهَا ثَلَاثٌ .
وَالثَّانِي : أَنَّ الطَّلَاقَ فِيهَا وَاحِدَةٌ بَائِنَةٌ .
وَقَدْ جَمَعْت فِي الْمَسْأَلَةِ رِسَالَةً إبَّانَ كُنْت بِإِفْرِيقِيَّةَ ، وَقَدْ كَثُرَ السُّؤَالُ فِيهَا عَلَيَّ ، فَاسْتَخَرْت اللَّهَ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى عَلَى مُتَوَسِّطٍ مِنْ الْأَقْوَالِ لَمْ أَخْرُجْ فِيهِ عَنْ جَادَّةِ الْأَدِلَّةِ ، وَلَا عَنْ أَصْلِ إمَامِ الْأَئِمَّةِ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ .
أَمَّا أَصْلُ مَالِكٍ فَقَوْلُهُ فِيمَنْ قَالَ : عَلَيَّ أَشَدُّ مَا أَخَذَ أَحَدٌ عَلَى أَحَدٍ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : يُطَلِّقُ نِسَاءَهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا فِي زَمَانِهِ ، وَقَبْلَ ذَلِكَ ، يَحْلِفُونَ فِي الْبَيْعَةِ وَيَتَوَثَّقُونَ فِيمَا يَحْتَاجُونَ إلَيْهِ مِنْ الْعُهُودِ فِي الْمُحَالَفَةِ ، وَيُدْخِلُونَ فِي الْيَمِينِ بِاَللَّهِ الْيَمِينَ بِالْعِتْقِ وَالطَّلَاقِ وَالْحَجِّ وَغَيْرِهِ ؛ فَلَمَّا سُئِلَ مَالِكٌ عَنْ هَذِهِ النَّازِلَةِ وَأَصْحَابُهُ رَأَوْا أَنَّ الْحَرَجَ عَلَيْهِمْ فِي أَنْ يَتْرُكُوا مَعَهُ أَزْوَاجَهُ مُحْتَبَسِينَ فِي النِّكَاحِ ، وَمِمَّا يَأْخُذُهُ النَّاسُ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ الطَّلَاقُ فَتَحَرَّجُوا فِي ذَلِكَ ، وَقَالُوا : يُطَلِّقُ نِسَاءَهُ .
وَأَمَّا طَرِيقُ الْأَدِلَّةِ فَلِأَنَّ الْأَلِفَ وَاللَّامَ لَا يَخْلُو أَنْ يُرَادَ بِهَا هَاهُنَا الْجِنْسُ أَوْ الْعَهْدُ ، فَإِنْ دَخَلَتْ لِلْعَهْدِ فَالْمَعْهُودُ قَوْلُك بِاَللَّهِ ، فَيَكُونُ مَا قَالَهُ الْفِهْرِيُّ .
وَإِنْ دَخَلَتْ لِلْجِنْسِ فَالطَّلَاقُ جِنْسٌ ، فَيَدْخُلُ فِيهَا وَلَا يُسْتَوْفَى عَدَدُهُ ؛ فَإِنَّ الَّذِي يَكْفِي أَنْ يَدْخُلَ مِنْ كُلِّ جِنْسٍ مَعْنًى وَاحِدٌ ، فَإِنَّهُ لَوْ دَخَلَ فِي الْجِنْسِ الْمَعْنَى كُلُّهُ لَلَزِمَهُ أَنْ يَتَصَدَّقَ بِجَمِيعِ مَالِهِ ؛ إذْ قَدْ تَكُونُ الصَّدَقَةُ بِجَمِيعِ الْمَالِ يَمِينًا ، وَنَافِذَةً فِيمَا إذَا كَانَ الْمَالُ مُعَيَّنًا فِي دَارٍ أَوْ عَبْدٍ أَوْ دَابَّةٍ أَوْ كَبْشٍ وَتَصَدَّقَ بِذَلِكَ فَإِنَّهُ يَنْفُذُ إجْمَاعًا ؛ فَتَبَصَّرْنَا ذَلِكَ ، وَأَخَذْنَا بِالْوَسَطِ مِنْهُ ، وَقَدْ بَسَطْنَا ذَلِكَ فِي الرِّسَالَةِ الْحَاكِمَةِ عَلَى الْأَيْمَانِ اللَّازِمَةِ ، وَهُنَاكَ يَسْتَوْفِي النَّاظِرُ

غَرَضَهُ مِنْهَا ، وَاَللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ أَعْلَمُ ، وَبِهِ التَّوْفِيقُ .

الْآيَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } .
فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رَوَى التِّرْمِذِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { أَتَى أُنَاسٌ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَنَأْكُلُ مَا نَقْتُلُ ، وَلَا نَأْكُلُ مَا قَتَلَ اللَّهُ ؟ فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى : { فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ إنْ كُنْتُمْ } إلَى قَوْلِهِ : { لَمُشْرِكُونَ } } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } يَقْضِي بِدَلِيلِ الْخِطَابِ عَلَى رَأْيِ مَنْ قَرَأَ أَلَّا يُؤْكَلَ مَا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْحُكْمَ وَهُوَ جَوَازُ الْأَكْلِ عَلَى أَحَدِ وَصْفَيْ الشَّيْءِ ، وَهُوَ مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْآخَرَ بِخِلَافِهِ ، بَيْدَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى بَيَّنَ الْحُكْمَيْنِ بِنَصَّيْنِ ، وَتَكَلَّمَ فِيهِمَا بِكَلَامَيْنِ صَرِيحَيْنِ ، فَقَالَ فِي الْمُقَابِلِ الثَّانِي : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَمَا لَكُمْ أَلَّا تَأْكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَقَدْ فَصَّلَ لَكُمْ مَا حَرَّمَ عَلَيْكُمْ إلَّا مَا اُضْطُرِرْتُمْ إلَيْهِ } .
الْمَعْنَى : مَا الْمَانِعُ لَكُمْ مِنْ أَكْلِ مَا سَمَّيْتُمْ عَلَيْهِ رَبَّكُمْ ، وَإِنْ قَتَلْتُمُوهُ بِأَيْدِيكُمْ ؛ وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ لَكُمْ الْمُحَرَّمَ ، وَأَوْضَحَ لَكُمْ الْمُحَلَّلَ ، فَإِنَّ مَنْ حَرَّمَ عَلَيْك مَعْنًى خَاصِّيًّا أَبَاحَ مَا سِوَاهُ ، فَكَيْفَ وَقَدْ أَذِنَ لَهُ فِي الْقَتْلِ وَالتَّسْمِيَةِ عَلَيْهِ وَأَكْلِهِ ، فَكَيْفَ يُقَابَلُ ذَلِكَ مِنْ تَفْصِيلِ اللَّهِ وَحُكْمِهِ وَإِيضَاحِهِ وَشَرْحِهِ بِهَوًى بَاطِلٍ وَرَأْيٍ فَاسِدٍ ، صَدَرَا عَنْ غَيْرِ عِلْمٍ وَكَانَا بِاعْتِدَاءٍ وَإِثْمٍ ، وَرَبُّك أَعْلَمُ

بِالْمُعْتَدِينَ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَذَرُوا ظَاهِرَ الْإِثْمِ وَبَاطِنَهُ } .
الْمَعْنَى : قَدْ فَصَّلَ لَكُمْ الْمُحَرَّمَ فَذَرُوهُ وَهُوَ الْإِثْمُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا ، وَفِي ذَلِكَ لِلْعُلَمَاءِ سِتَّةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : ظَاهِرُهُ وَبَاطِنُهُ : سِرُّهُ وَعَلَانِيَتُهُ : قَالَهُ مُجَاهِدٌ ، وَقَتَادَةُ .
الثَّانِي : قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ : ظَاهِرُ الْإِثْمِ نِكَاحُ ذَوَاتِ الْمَحَارِمِ ، وَبَاطِنُهُ الزِّنَا .
الثَّالِثُ : ظَاهِرُ الْإِثْمِ أَصْحَابُ الرَّايَاتِ مِنْ الزَّوَانِي ، وَبَاطِنُهُ ذَوَاتِ الْأَخْدَانِ ؛ قَالَهُ السُّدِّيُّ وَغَيْرُهُ .
الرَّابِعُ : ظَاهِرُ الْإِثْمِ طَوَافُ الْعُرْبَانِ ، وَبَاطِنُهُ الزِّنَا ؛ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .
وَقَدْ قَالَتْ طَائِفَةٌ : إنَّ الْإِثْمَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ ؛ فَعَلَى هَذَا يَكُونُ مَعْنَى الْآيَةِ فِي الْقَوْلِ الْخَامِسِ ظَاهِرُ الْإِثْمِ الْخَمْرُ ، وَبَاطِنُهُ الْمُثَلَّثُ وَالْمُنَصَّفُ ، وَسَنُبَيِّنُ ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
وَيُحْتَمَلُ وَجْهًا سَادِسًا ، وَهُوَ أَنْ يَكُونَ ظَاهِرُ الْإِثْمِ وَاضِحَ الْمُحَرَّمَاتِ .
وَبَاطِنُهُ الشُّبُهَاتِ وَمِنْهَا الذَّرَائِعُ ، وَهِيَ الْمُبَاحَاتُ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى الْمُحَرَّمَاتِ ؛ وَسَيَأْتِي ذَلِكَ فِي مَوْضِعِهِ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } يَعْنِي : فَمُطْلَقُ سَبَبِ الْآيَةِ الْمَيْتَةُ ، وَهِيَ الَّتِي قَالُوا هُمْ فِيهَا : وَلَا نَأْكُلُ مِمَّا قَتَلَ اللَّهُ .
فَقَالَ اللَّهُ لَهُمْ : لَا تَأْكُلُوا مِنْهَا ؛ فَإِنَّكُمْ لَمْ تَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا .
فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : هَذَا هُوَ السَّبَبُ الَّذِي خَرَجَتْ عَلَيْهِ الْآيَةُ ، وَقَصْرُ اللَّفْظِ الْوَارِدِ عَلَى السَّبَبِ الْمَوْرُودِ عَلَيْهِ إذَا كَانَ اللَّفْظُ مُسْتَقِلًّا دُونَ عَطْفِهِ عَلَيْهِ لَا يَجُوزُ لُغَةً وَلَا حُكْمًا .
قُلْنَا : قَدْ آنَ أَنْ نَكْشِفَ لَكُمْ نُكْتَةً أُصُولِيَّةً وَقَعَتْ تَفَارِيقَ فِي أَقْوَالِ الْعُلَمَاءِ تَلَقَّفْتهَا جُمْلَةً مِنْ فَكٍّ شَدِيدٍ ؛ وَذَلِكَ أَنَّا نَقُولُ : مَهْمَا قُلْنَا : إنَّ اللَّفْظَ الْوَارِدَ عَلَى سَبَبٍ ، هَلْ يَقْصُرُ عَلَيْهِ أَمْ لَا ؟ فَإِنَّا لَا نُخْرِجُ السَّبَبَ عَنْهُ ، بَلْ نُقِرُّهُ فِيهِ ، وَنَعْطِفُ بِهِ عَلَيْهِ ، وَلَا نَمْتَنِعُ أَنْ يُضَافَ غَيْرُهُ إلَيْهِ إذَا احْتَمَلَهُ اللَّفْظُ ، أَوْ قَامَ عَلَيْهِ الدَّلِيلُ ؛ فَقَوْلُهُ : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } ظَاهِرٌ فِي تَنَاوُلِ الْمَيْتَةِ بِعُمُومِ لَفْظِهِ ، وَكَوْنِهَا سَبَبًا لِوُرُودِهِ ، وَيَدْخُلُ فِيهِ مَا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ اسْمَ غَيْرِ اللَّهِ مِنْ الْآلِهَةِ الْمُبْطَلَةِ وَهِيَ :

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : بِعُمُومِ أَنَّهُ لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ ، وَبِزِيَادَةِ ذِكْرِ غَيْرِ اللَّهِ عَلَيْهِ الَّذِي يَقْتَضِي تَحْرِيمُهُ هَذَا اللَّفْظَ عُمُومًا وَمَعْنَاهُ تَنْبِيهًا مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى ، وَيَقْتَضِي تَحْرِيمُهُ نَصًّا قَوْلُهُ : { وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ } ، فَقَدْ تَوَارَدَ عَلَى تَحْرِيمِ ذَلِكَ النَّصُّ وَالْعُمُومُ وَالتَّنْبِيهُ مِنْ طَرِيقِ الْأَوْلَى بِالتَّحْرِيمِ لِظَاهِرِ أَدِلَّةِ الشَّرْعِ عَلَيْهِ أَوَّلًا .
وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ الِاسْتِنْبَاطِ فِي مَوَارِدِ الْأَدِلَّةِ الْمُمَاثَلَةِ فِي اقْتِضَاءِ الْحُكْمِ الْوَاحِدِ عَلَيْهِ ، وَهَلْ يَدْخُلُ فِيهِ مَا تَرَكَ الْمُسْلِمُ التَّسْمِيَةَ عَلَيْهِ عَمْدًا مِنْ الذَّبَائِحِ أَمْ لَا ؟ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ جِدًّا قَدْ مَهَّدْنَا الْقَوْلَ فِيهَا فِي تَخْلِيصِ الطَّرِيقَتَيْنِ ، وَلَكِنَّنَا نُشِيرُ فِيهَا هَاهُنَا إلَى نُكْتَةٍ تَتَعَلَّقُ بِالْمَقْصُودِ ؛ فَنَقُولُ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي مَتْرُوكِ التَّسْمِيَةِ عَلَى سِتَّةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : إنْ تَرَكَهَا سَهْوًا أُكِلَتْ .
وَإِنْ تَرَكَهَا عَمْدًا لَمْ تُؤْكَلْ قَالَهُ فِي الْكِتَابِ مَالِكٌ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَبُو حَنِيفَةَ ، وَعِيسَى ، وَأَصْبَغُ .
الثَّانِي : إنْ تَرَكَهَا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا تُؤْكَلُ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ ، وَالشَّافِعِيُّ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ إنْ تَرَكَهَا عَامِدًا أَوْ نَاسِيًا حَرُمَ أَكْلُهَا ؛ قَالَهُ ابْنُ سِيرِينَ ، وَأَحْمَدُ .
الرَّابِعُ : إنْ تَرَكَهَا مُتَعَمِّدًا كُرِهَ أَكْلُهَا وَلَمْ تُحَرَّمْ ؛ قَالَهُ الْقَاضِي أَبُو الْحَسَنِ ، وَالشَّيْخُ أَبُو بَكْرٍ مِنْ أَصْحَابِنَا ، وَهُوَ ظَاهِرُ قَوْلِ الشَّافِعِيِّ .
الْخَامِسُ : قَالَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ : التَّسْمِيَةُ شَرْطٌ فِي إرْسَالِ الْكَلْبِ دُونَ السَّهْمِ فِي إحْدَى رِوَايَتَيْهِ .
السَّادِسُ : قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : يَجِبُ أَنْ تُعَلَّقَ هَذِهِ الْأَحْكَامُ بِالْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ وَالدَّلَائِلِ الْمَعْنَوِيَّةِ الَّتِي أَسَّسَتْهَا الشَّرِيعَةُ .
فَأَمَّا الْقُرْآنُ فَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { فَكُلُوا مِمَّا ذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } .
{

وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } فَبَيَّنَ الْحَالَيْنِ وَأَوْضَحَ الْحُكْمَيْنِ .
وَقَوْلُهُ : { وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرْ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ } نَهْيٌ مَحْمُولٌ عَلَى التَّحْرِيمِ ، وَلَا يَجُوزُ حَمْلُهُ عَلَى الْكَرَاهَةِ ؛ لِتَنَاوُلِهِ فِي بَعْضِ مُقْتَضَيَاتِهِ الْحَرَامَ الْمَحْضَ ، وَلَا يَجُوزُ أَنْ يَتَبَعَّضَ .
وَهَذَا مِنْ نَفِيسِ عِلْمِ الْأُصُولِ .
وَأَمَّا السُّنَّةُ فَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصِّحَاحِ : { مَا أَنْهَرَ الدَّمَ ، وَذُكِرَ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ } .
وَقَالَ أَيْضًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَرْسَلْت كَلْبَك الْمُعَلَّمَ ، وَذَكَرْت اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ فَكُلْ } .
وَقَالَ أَيْضًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { وَإِنْ وَجَدْت مَعَ كَلْبِك كَلْبًا آخَرَ فَلَا تَأْكُلْ ؛ فَإِنَّك إنَّمَا سَمَّيْت عَلَى كَلْبِك وَلَمْ تُسَمِّ عَلَى الْآخَرِ } .
وَهَذِهِ أَدِلَّةٌ ظَاهِرَةٌ غَالِبَةٌ عَالِيَةٌ ، وَذَلِكَ مِنْ أَظْهَرِ الْأَدِلَّةِ .
وَأَعْجَبُ لِرَأْسِ الْمُحَقِّقِينَ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ يَقُولُ فِي مُعَارَضَةِ هَذَا : [ وَذِكْرُ اللَّهِ ] إنَّمَا شُرِعَ فِي الْقُرَبِ ، وَالذَّبْحُ لَيْسَ بِقُرْبَةٍ .
قُلْنَا : هَذَا فَاسِدٌ مِنْ ثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ يُعَارِضُهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ ، كَمَا قُلْنَا .
الثَّانِي : أَنَّ ذِكْرَ اللَّهِ مَشْرُوعٌ فِي كُلِّ حَرَكَةٍ وَسَكْنَةٍ ، حَتَّى فِي خُطْبَةِ النِّكَاحِ ، وَإِنَّمَا تَخْتَلِفُ دَرَجَاتُهُ : بِالْوُجُوبِ وَالِاسْتِحْبَابِ .
الثَّالِثُ : أَنَّ الذَّبِيحَةَ قُرْبَةٌ بِدَلِيلِ افْتِقَارِهَا إلَى النِّيَّةِ عِنْدَنَا وَعِنْدَك ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ } .
فَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ بِالْقَلْبِ ؛ لِأَنَّ الذِّكْرَ يُضَادُّ النِّسْيَانَ ، وَمَحَلُّ النِّسْيَانِ الْقَلْبُ ، فَمَحَلُّ الذِّكْرِ الْقَلْبُ .
وَقَدْ رَوَى الْبَرَاءُ بْنُ عَازِبٍ وَغَيْرُهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { اسْمُ اللَّهِ عَلَى قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ

يُسَمِّي أَوْ لَمْ يُسَمِّ } ، وَلِهَذَا تُجْزِئُهُ الذَّبِيحَةُ إذَا نَسِيَ التَّسْمِيَةَ تَعْوِيلًا عَلَى مَا فِي قَلْبِهِ مِنْ اسْمِ اللَّهِ سُبْحَانَهُ .
قُلْنَا : الذِّكْرُ يَكُونُ بِاللِّسَانِ ، وَيَكُونُ بِالْقَلْبِ ، وَاَلَّذِي كَانَتْ الْعَرَبُ تَفْعَلُهُ تَسْمِيَةَ الْأَصْنَامِ وَالنُّصُبِ بِاللِّسَانِ ، فَنَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ بِذِكْرِ اللَّهِ فِي الْأَلْسِنَةِ ، وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ فِي الشَّرِيعَةِ ، حَتَّى قِيلَ لِمَالِكٍ : هَلْ يُسَمِّي اللَّهَ إذَا تَوَضَّأَ ؟ فَقَالَ : أَيُرِيدُ أَنْ يَذْبَحَ ؟ إشَارَةً إلَى أَنَّ مَوْضِعَ التَّسْمِيَةِ وَمَوْضُوعَهَا إنَّمَا هُوَ فِي الذَّبَائِحِ لَا فِي الطَّهَارَةِ .
وَأَمَّا الْحَدِيثُ الَّذِي تَعَلَّقُوا بِهِ فِي قَوْلِهِ : { اسْمُ اللَّهِ عَلَى قَلْبِ كُلِّ مُؤْمِنٍ } فَحَدِيثٌ ضَعِيفٌ لَا تَلْتَفِتُوا إلَيْهِ .
وَأَمَّا النَّاسِي لِلتَّسْمِيَةِ عَلَى الذَّبِيحَةِ فَإِنَّهَا لَمْ تُحَرَّمْ عَلَيْهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى قَالَ : { وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ } وَلَيْسَ النَّاسِي فَاسِقًا بِإِجْمَاعٍ ، فَلَا تُحَرَّمُ عَلَيْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : وَكَذَلِكَ الْمُتَعَمِّدُ لَيْسَ بِفَاسِقٍ إنْ أَكَلَهَا إجْمَاعًا ؛ لِأَنَّهَا مَسْأَلَةُ اجْتِهَادٍ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِيهَا .
قُلْنَا : قَدْ أَجَبْنَا عَنْ هَذِهِ النُّكْتَةِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ ، وَصَرَّحْنَا فِيهِ بِالْحَقِّ مِنْ وُجُوهٍ ؛ أَظْهَرُهَا أَنَّ تَارِكَ التَّسْمِيَةِ عَمْدًا لَا يَخْلُو مِنْ ثَلَاثَةِ أَحْوَالٍ : أَحَدُهَا : أَنْ يَتْرُكَ التَّسْمِيَةَ إذَا أَضْجَعَ الذَّبِيحَةَ ؛ لِأَنَّهُ يَقُولُ : قَلْبِي مَمْلُوءٌ مِنْ أَسْمَاءِ اللَّهِ وَتَوْحِيدِهِ ، فَلَا أَفْتَقِرُ إلَى ذِكْرِ ذَلِكَ بِلِسَانِي : فَذَلِكَ يُجْزِيهِ ؛ لِأَنَّهُ قَدْ ذَكَرَ اللَّهَ وَعَظَّمَهُ .
وَإِنْ قَالَ : لَيْسَ هَذَا مَوْضِعَ التَّسْمِيَةِ صَرِيحَةً ، فَإِنَّهَا لَيْسَتْ بِقُرْبَةٍ ، فَهَذَا يُجْزِيهِ لِكَوْنِهِ عَلَى مَذْهَبٍ يَصِحُّ اعْتِقَادُهُ اجْتِهَادًا لِلْمُجْتَهِدِ فِيهِ وَتَقْلِيدًا لِمَنْ قَلَّدَهُ .
وَإِنْ قَالَ : لَا أُسَمِّي ، وَأَيُّ قَدْرٍ لِلتَّسْمِيَةِ ؟ فَهَذَا مُتَهَاوِنٌ كَافِرٌ فَاسِقٌ لَا تُؤْكَلُ ذَبِيحَتُهُ ، فَإِنَّمَا يُتَصَوَّرُ الْخِلَافُ فِي

الْمَسْأَلَةِ عَلَى الصُّورَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ ، فَأَمَّا عَلَى الصُّورَةِ الثَّالِثَةِ فَلَا تَشْخِيصَ لَهَا .
وَاَلَّذِي نَعْتَمِدُ عَلَيْهِ فِي صُورَةِ النَّاسِي أَنَّ الْخِطَابَ لَا يَتَوَجَّهُ إلَيْهِ ، لِاسْتِحَالَةِ خِطَابِ النَّاسِي ؛ فَالشَّرْطُ لَيْسَ بِوَاجِبٍ عَلَيْهِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إلَى أَوْلِيَائِهِمْ } سَمَّى اللَّهُ تَعَالَى مَا يَقَعُ فِي الْقُلُوبِ مِنْ إلْهَامٍ وَحْيًا ، وَهَذَا مِمَّا يُطْلِقُهُ شُيُوخُ التَّصَوُّفِ ، وَيُنْكِرُهُ جُهَّالُ الْمُتَوَسِّمِينَ بِالْعِلْمِ ، وَلَمْ يَعْلَمُوا أَنَّ الْوَحْيَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ ، وَأَنَّ إطْلَاقَهُ فِي جَمِيعِهَا جَائِزٌ فِي دِينِ اللَّهِ ، أَوْ لَسْتُمْ تَرَوْنَ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ قَدْ سَمَّى إلْهَامَ الشَّيَاطِينِ وَحْيًا ؛ وَكُلُّ مَا يَقُومُ بِالْقَلْبِ مِنْ الْخَوَاطِرِ فَهُوَ خَلْقُ اللَّهِ ؛ فَكُلُّ مَا كَانَ مِنْ الشَّرِّ أَضَافَهُ اللَّهُ إلَى الشَّيْطَانِ ، وَمَا كَانَ مِنْ الْخَيْرِ أَضَافَهُ اللَّهُ إلَى الْمَلَكِ .
وَفِي الْحَدِيثِ : { إنَّ الْقَلْبَ بَيْنَ لَمَّتَيْنِ : لَمَّةٌ مِنْ الْمَلَكِ وَلَمَّةٌ مِنْ الشَّيْطَانِ ؛ فَلَمَّةُ الْمَلَكِ إيعَادٌ بِالْخَيْرِ وَتَصْدِيقٌ بِالْحَقِّ ، وَلَمَّةُ الشَّيْطَانِ إيعَادٌ بِالشَّرِّ وَتَكْذِيبٌ بِالْحَقِّ } .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لِيُجَادِلُوكُمْ } الْمُجَادَلَةُ دَفْعُ الْقَوْلِ عَلَى الْقَوْلِ عَلَى طَرِيقِ الْحُجَّةِ بِالْقُوَّةِ مَأْخُوذٌ مِنْ " الْأَجْدَلِ " : طَائِرٌ قَوِيٌّ ، أَوْ لِقَصْدِ الْمُغَالَبَةِ ؛ كَأَنْ يَطْرَحَهُ عَلَى الْجَدَالَةِ ، وَيَكُونُ حَقًّا فِي نُصْرَةِ الْحَقِّ وَبَاطِلًا فِي نُصْرَةِ الْبَاطِلِ قَالَ تَعَالَى : { وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ } .

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } إنَّمَا يَكُونُ الْمُؤْمِنُ بِطَاعَةِ الْمُشْرِكِ مُشْرِكًا إذَا أَطَاعَهُ فِي اعْتِقَادِهِ : الَّذِي هُوَ مَحَلُّ الْكُفْرِ وَالْإِيمَانِ ؛ فَإِذَا أَطَاعَهُ فِي الْفِعْلِ وَعَقْدُهُ سَلِيمٌ مُسْتَمِرٌّ عَلَى التَّوْحِيدِ وَالتَّصْدِيقِ فَهُوَ عَاصٍ .
فَافْهَمُوا ذَلِكَ فِي كُلِّ مَوْضِعٍ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْآيَةُ التَّاسِعَةُ : وَالْعَاشِرَةُ ، وَالْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ وَقَالُوا هَذِهِ أَنْعَامٌ وَحَرْثٌ حِجْرٌ لَا يَطْعَمُهَا إلَّا مَنْ نَشَاءُ بِزَعْمِهِمْ وَأَنْعَامٌ حُرِّمَتْ ظُهُورُهَا وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً عَلَيْهِ سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ وَقَالُوا مَا فِي بُطُونِ هَذِهِ الْأَنْعَامِ خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا وَإِنْ يَكُنْ مَيْتَةً فَهُمْ فِيهِ شُرَكَاءُ سَيَجْزِيهِمْ وَصْفَهُمْ إنَّهُ حَكِيمٌ عَلِيمٌ قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمْ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ قَالَ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَعْلَمَ جَهْلَ الْعَرَبِ فَلْيَقْرَأْ مَا فَوْقَ الثَّلَاثِينَ وَالْمِائَةِ مِنْ سُورَةِ الْأَنْعَامِ إلَى قَوْله تَعَالَى : { قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ } .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ كَلَامٌ صَحِيحٌ ، فَإِنَّهَا تَصَرَّفَتْ بِعُقُولِهَا الْقَاصِرَةِ فِي تَنْوِيعِ الْحَلَالِ وَالْحَرَامِ سَفَاهَةً بِغَيْرِ مَعْرِفَةٍ وَلَا عَدْلٍ ؛ وَاَلَّذِي تَصَرَّفَتْ بِالْجَهْلِ فِيهِ مِنْ اتِّخَاذِ آلِهَةٍ أَعْظَمَ جَهْلًا وَأَكْبَرَ جُرْمًا ؛ فَإِنَّ الِاعْتِدَاءَ عَلَى اللَّهِ أَعْظَمُ مِنْ الِاعْتِدَاءِ عَلَى الْمَخْلُوقِينَ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَاحِدٌ فِي ذَاتِهِ ، وَاحِدٌ فِي صِفَاتِهِ ، وَاحِدٌ فِي مَخْلُوقَاتِهِ أَبْيَنُ

وَأَوْضَحُ مِنْ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّ هَذَا حَلَالٌ ، وَهَذَا حَرَامٌ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ رَجُلًا قَالَ لِعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : إنَّكُمْ عَلَى كَمَالِ عُقُولِكُمْ وَوُفُورِ أَحْلَامِكُمْ كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ الْحَجَرَ .
فَقَالَ عَمْرٌو : تِلْكَ عُقُولٌ كَادَهَا بَارِيهَا الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذَا الَّذِي أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ مِنْ سَخَافَةِ الْعَرَبِ وَجَهْلِهَا أَمْرٌ أَذْهَبَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِالْإِسْلَامِ ، وَأَبْطَلَهُ بِبَعْثَةِ الرَّسُولِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَكَانَ مِنْ الظَّاهِرِ لَنَا أَنْ نُمِيتَهُ حَتَّى لَا يَظْهَرَ ، وَنَنْسَاهُ حَتَّى لَا يُذْكَرَ [ إلَّا ] أَنَّ رَبَّنَا تَبَارَكَ وَتَعَالَى ذَكَرَهُ بِنَصِّهِ ، وَأَوْرَدَهُ بِشَرْحِهِ ، كَمَا ذَكَرَ كُفْرَ الْكَافِرِينَ بِهِ .
وَكَانَتْ الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ أَنَّ قَضَاءَهُ قَدْ سَبَقَ ، وَحُكْمَهُ قَدْ نَفَذَ ، بِأَنَّ الْكُفْرَ وَالتَّخْلِيطَ لَا يَنْقَطِعَانِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَقَدْ قَضَى اللَّهُ أَلَّا يَصُدَّ كَافِرٌ عَنْ ذِكْرِ الْكُفْرِ ، وَلَا مُبْتَدِعٌ عَنْ تَغْيِيرِ الدِّينِ ، قَصَدَهُ بِبَيَانِ الْأَدِلَّةِ ، ثُمَّ وَفَّقَ مَنْ سَبَقَ لَهُ عِنْدَهُ الْخَيْرُ فَيَسَّرَ لَهُ مَعْرِفَتَهَا ، فَآمَنَ وَأَطَاعَ ، وَخَذَلَ مَنْ سَبَقَ لَهُ عِنْدَهُ الشَّرُّ فَصَدَفَهُ عَنْهَا ، فَكَفَرَ وَعَصَى { لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَا مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ } فَتَعَيَّنَ عَلَيْنَا أَنْ نُشِيرَ إلَى بَسْطِ مَا ذَكَرَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنْ الْحَرْثِ } أَيْ : أَظْهَرَ بِالْخَلْقِ وَالْإِيجَادِ مِنْ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا ، وَجَمِيعُهُ لَهُ لَا شَرِيكَ مَعَهُ فِي خَلْقِهِ ، فَكَيْفَ جَعَلُوا لَهُ شَرِيكًا فِي الْقُرْبَانِ بِهِ مِنْ الْأَوْثَانِ الَّتِي نَصَبُوهَا لِلْعِبَادَةِ مَعَهُ ، وَشَرُّ الْعَبِيدِ كَمَا يَأْتِي [ بَيَانُهُ ] فِي الْأَثَرِ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ سَيِّدُهُ بِنِعْمَةٍ فَجَعَلَ يَشْكُرُ غَيْرَهُ عَلَيْهَا ، وَكَانَ هَذَا النَّصِيبُ الَّذِي لِلْأَوْثَانِ جَعَلُوهُ لِلَّهِ مِنْ

الْحَرْثِ مَصْرُوفًا فِي النَّفَقَةِ عَلَيْهَا وَعَلَى خُدَّامِهَا ، وَكَذَلِكَ نَصِيبُ الْأَنْعَامِ أَنَّهُمْ كَانُوا يَجْعَلُونَهَا قُرْبَانًا لِلْآلِهَةِ .
وَقِيلَ : كَانَ لِلَّهِ الْبَحِيرَةُ وَالسَّائِبَةُ وَالْوَصِيلَةُ وَالْحَامُ ، وَكَانَ مَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ إذَا اخْتَلَطَ بِأَمْوَالِهِمْ لَمْ يَرُدُّوهُ ، وَإِذَا اخْتَلَطَ مَا لِلْأَوْثَانِ بِهَا رَدُّوهُ وَذَلِكَ قَوْلُهُ : { فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ } الْآيَةَ .
وَقِيلَ : كَانَ ذَلِكَ إذَا هَلَكَ مَا جَعَلُوهُ لِلَّهِ لَمْ يَغْرَمُوهُ ، وَإِذَا هَلَكَ مَا جُعِلَ لِلْأَوْثَانِ غَرِمُوهُ .
وَقِيلَ : كَانُوا يَذْكُرُونَ اسْمَ الْأَوْثَانِ عَلَى نَصِيبِ اللَّهِ ، وَلَا يَذْكُرُونَ اللَّهَ عَلَى نَصِيبِ الْأَوْثَانِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فَإِنَّ تَرْكَهُمْ لِذِكْرِ اسْمِ اللَّهِ مَذْمُومٌ مِنْهُمْ وَفِيهِمْ ؛ فَكَانَ ذَلِكَ أَصْلًا فِي تَرْكِ أَكْلِ مَا لَمْ يُسَمَّ اللَّهُ عَلَيْهِ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ : { وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ } يَعْنِي : فِي الْوَأْدِ لِلْبَنَاتِ مَخَافَةَ السِّبَاءِ وَعَدَمِ الْحَاجَةِ وَمَا حُرِمْنَ مِنْ النُّصْرَةِ ، كَمَا كَانَتْ الْجَاهِلِيَّةُ تَفْعَلُهُ .
وَقِيلَ : كَمَا فَعَلَ عَبْدُ الْمُطَّلِبِ حِينَ نَذَرَ ذَبْحَ وَلَدِهِ عَبْدَ اللَّهِ .
وَحَقِيقَةُ التَّزْيِينِ إظْهَارُ الْجَمِيلِ ، وَإِخْفَاءُ الْقَبِيحِ ، وَقَدْ يَتَغَلَّبُ بِخِذْلَانِ اللَّهِ لِلْعَبْدِ ، كَمَا يَتَحَقَّقُ بِتَوْفِيقِهِ لَهُ .
وَمِنْ الْبَاطِلِ الَّذِي ارْتَكَبُوهُ بِتَزْيِينِ الشَّيْطَانِ تَصْوِيرَهُ عِنْدَهُمْ جَوَازُ أَكْلِ الذُّكُورِ مِنْ الْقَرَابِينِ ، وَمَنْعُ الْإِنَاثِ مِنْ أَكْلِهَا ، كَالْأَوْلَادِ وَالْأَلْبَانِ ، وَكَانَ تَفْضِيلُهُمْ لِلذُّكُورِ لِأَحَدِ وَجْهَيْنِ ، أَوْ بِمَجْمُوعِهِمَا : إمَّا لِفَضْلِ الذَّكَرِ فِي نَفْسِهِ عَلَى الْأُنْثَى ، وَإِمَّا لِأَنَّ الذُّكُورَ كَانُوا سَدَنَةَ بُيُوتِ الْأَصْنَامِ ؛ فَكَانُوا يَأْكُلُونَ مِمَّا جُعِلَ لَهُمْ مِنْهَا ؛ وَذَلِكَ كُلُّهُ تَعَدٍّ فِي الْأَفْعَالِ ، وَابْتِدَاءٌ فِي الْأَقْوَالِ ، وَعَمَلٌ بِغَيْرِ دَلِيلٍ مِنْ الشَّرْعِ ؛ وَلِذَلِكَ أَنْكَرَ جُمْهُورٌ مِنْ النَّاسِ عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ الْقَوْلَ بِالِاسْتِحْسَانِ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فَقَالُوا : إنَّهُ يُحَرِّمُ وَيُحَلِّلُ بِالْهَوَى مِنْ غَيْرِ دَلِيلٍ ، وَمَا كَانَ لِيَفْعَلَ ذَلِكَ أَحَدٌ مِنْ أَتْبَاعِ الْمُسْلِمِينَ ، فَكَيْفَ أَبُو حَنِيفَةَ ، وَعُلَمَاؤُنَا مِنْ الْمَالِكِيَّةِ كَثِيرًا مَا يَقُولُونَ : الْقِيَامُ كَذَا فِي مَسْأَلَةٍ ، وَالِاسْتِحْسَانُ كَذَا ، وَالِاسْتِحْسَانُ عِنْدَنَا وَعِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ هُوَ الْعَمَلُ بِأَقْوَى الدَّلِيلَيْنِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
نُكْتَتُهُ الْمُجْزِئَةُ هَاهُنَا أَنَّ الْعُمُومَ إذَا اسْتَمَرَّ وَالْقِيَاسُ إذَا اطَّرَدَ فَإِنَّ مَالِكًا وَأَبَا حَنِيفَةَ يَرَيَانِ تَخْصِيصَ الْعُمُومِ بِأَيِّ دَلِيلٍ كَانَ مِنْ ظَاهِرٍ أَوْ مَعْنًى ، وَيَسْتَحْسِنُ مَالِكٌ أَنْ يَخُصَّ بِالْمَصْلَحَةِ ، وَيَسْتَحْسِنُ أَبُو حَنِيفَةَ أَنْ

يَخُصَّ بِقَوْلِ الْوَاحِدِ مِنْ الصَّحَابَةِ الْوَارِدِ بِخِلَافِ الْقِيَاسِ .
وَيَرَى مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ تَخْصِيصَ الْقِيَاسِ بِبَعْضِ الْعِلَّةِ ، وَلَا يَرَى الشَّافِعِيَّ الْعِلَّةَ الشَّرْعَ إذَا ثَبَتَ تَخْصِيصًا ، وَلَمْ يَفْهَمْ الشَّرِيعَةَ مَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِالْمَصْلَحَةِ وَلَا رَأَى تَخْصِيصَ الْعِلَّةِ ، وَقَدْ رَامَ الْجُوَيْنِيُّ رَدَّ ذَلِكَ فِي كُتُبِهِ الْمُتَأَخِّرَةِ الَّتِي هِيَ نُخْبَةُ عَقِيدَتِهِ وَنَخِيلَةُ فِكْرَتِهِ فَلَمْ يَسْتَطِعْهُ ، وَفَاوَضْت الطُّوسِيَّ الْأَكْبَرَ فِي ذَلِكَ وَرَاجَعْته حَتَّى وَقَفَ ، وَقَدْ بَيَّنْت ذَلِكَ فِي الْمَحْصُولِ وَالِاسْتِيفَاءُ بِمَا فِي تَحْصِيلِهِ شِفَاءٌ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
فَإِنْ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : فَقَدْ تَاخَمْتُمْ هَذِهِ الْمَهْوَاةَ ، وَأَشْرَفْتُمْ عَلَى التَّرَدِّي فِي الْمَغْوَاةِ ؛ فَإِنَّكُمْ زَعَمْتُمْ أَنَّ الْيَمِينَ يُحَرِّمُ الْحَلَالَ وَيَقْلِبَ الْأَوْصَافَ الشَّرْعِيَّةَ ، وَنَحْنُ بَرَاءٌ مِنْ ذَلِكَ ؟ قُلْنَا : هَيْهَاتَ ، مَا حَرَّمْنَا إلَّا مَا حَرَّمَ اللَّهُ ، وَلَا قُلْنَا إلَّا مَا قَالَ اللَّهُ ، أَلَمْ تَسْمَعُوا قَوْلَهُ : { يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَك } ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : وَسَنُبَيِّنُهَا فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ إنْ شَاءَ اللَّهُ .

الْآيَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } .
فِيهَا خَمْسَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { أَنْشَأَ } : أَيْ : ابْتَدَأَ الْفِعْلَ مِنْ غَيْرِ احْتِذَاءِ مِثَالٍ ؛ وَكَانَ ذَلِكَ فِي يَوْمِ الِاثْنَيْنِ عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْخَبَرِ الصَّحِيحِ ، وَأَوْضَحْنَاهُ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ ، وَقَدْ يُسْتَعْمَلُ أَنْشَأَ فِي كُلِّ فِعْلٍ كَانَ عَلَى مِثَالٍ أَوْ لَمْ يَكُنْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْجَنَّاتُ : هِيَ : الْبَسَاتِينُ الَّتِي يَجِنُّهَا الشَّجَرُ ، أَيْ : يَسْتُرُهَا ؛ وَمِنْهُ جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ ، وَمِنْهُ سُمِّيَ الْجِنُّ ، لِاجْتِنَانِهِمْ عَنْ الْأَبْصَارِ ، وَكَذَلِكَ الْجِنَّةُ فِي قَوْله تَعَالَى : { وَجَعَلُوا بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْجِنَّةِ نَسَبًا } ؛ سُمُّوا بِذَلِكَ لِاجْتِنَانِهِمْ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ } يَعْنِي : رُفِعَتْ عَلَى الْأَعْوَادِ ، وَصِينَتْ عَنْ تَدَلِّي الثَّمَرِ عَلَى الْأَرْضِ ، وَأُظْهِرَتْ لِلْإِدْرَاكِ ، وَسَهُلَ جَمْعُهَا دُونَ انْحِنَاءٍ .
وَالْعَرْشُ : كُلُّ مَا ارْتَفَعَ فَوْقَ غَيْرِهِ .
وَقِيلَ : تَعْرِيشُهَا حِيَاطَتُهَا بِالْجُدُرِ ، وَمَا قَامَ مَقَامَهَا ، حَتَّى لَا يَكُونَ فِيهَا مَدْخَلٌ لِأَحَدٍ ؛ وَالْأَوَّلُ أَقْوَى فِي الِاشْتِقَاقِ .
وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْلِهِ : { خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا } : يَعْنِي عَلَى أَعَالِيهَا ، وَلَعَلَّهُ عَلَى جُدْرَانِهَا ، وَأَشَارَ بِذَلِكَ إلَى حَدَائِقِ الْأَعْنَابِ الَّتِي هِيَ الْكُرُومُ فِي أَلْسِنَةِ الْعَرَبِ ، ثُمَّ قَالَ بَعْدَ ذَلِكَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : { وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ } وَفَرَّقَ بَيْنَهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا أَصْلَا الْمَعَاشِ ، وَعِمَادَا الْقُوتِ ، ثُمَّ فَرَّقَ بَيْنَ الزَّيْتُونِ وَالرُّمَّانِ فِي

وِزَانٍ آخَرَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : وَوَصْفُهَا بِأَنَّهَا مُتَشَابِهَةٌ وَغَيْرُ مُتَشَابِهَةٍ ؛ يَعْنِي : أَنَّ مِنْهَا مَا يَتَشَابَهُ فِي الظَّاهِرِ ، وَيُخَالِفُهُ فِي الْبَاطِنِ ؛ وَمِنْهَا مَا يَشْتَبِهُ فِي اللَّوْنِ ، وَيَخْتَلِفُ فِي الطَّعْمِ ؛ وَفِي ذَلِكَ دَلِيلَانِ عَظِيمَانِ : أَحَدُهُمَا : عَلَى الْمِنَّةِ مِنْهُ سُبْحَانَهُ عَلَيْنَا وَالنِّعْمَةِ الَّتِي هَيَّأَهَا لَنَا وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فَلَوْ شَاءَ رَبُّنَا إنْ خَلَقَنَا أَحْيَاءً أَلَّا يَخْلُقَ لَنَا غِذَاءً ، أَوْ إذَا خَلَقَهُ أَلَّا يَكُونَ جَمِيلَ الْمَنْظَرِ طَيِّبَ الطَّعْمِ ، أَوْ إذَا خَلَقَهُ كَذَلِكَ أَلَّا يَكُونَ سَهْلَ الْجَنْيِ ، فَلَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ ابْتِدَاءً لِأَنَّهُ لَا يَجِبُ عَلَيْهِ شَيْءٌ ، وَإِنْ فَعَلَهُ فَبِفَضْلِهِ ، كَابْتِدَاءِ خَلْقِهِ : فِي تَعْدِيدِ النِّعَمِ وَتَقْرِيرِ الْفَضْلِ وَالْكَرْمِ وَالشَّهَادَةِ عَلَى الِابْتِدَاءِ بِالثَّوَابِ قَبْلَ الْعِقَابِ ، وَبِالْعَطَاءِ قَبْلَ الْعَمَلِ .
الدَّلِيلُ الثَّانِي عَلَى الْقُدْرَةِ فِي أَنْ يَكُونَ الْمَاءُ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ الرُّسُوبُ يَصْعَدُ بِقُدْرَةِ الْوَاحِدِ الْقَادِرِ عَلَّامِ الْغُيُوبِ مِنْ أَسَافِلِ الشَّجَرِ إلَى أَعَالِيهَا ، وَيَتَرَقَّى مِنْ أُصُولِهَا إلَى فُرُوعِهَا ، حَتَّى إذَا انْتَهَى إلَى آخِرِهَا نَشَأَ فِيهَا أَوْرَاقٌ لَيْسَتْ مِنْ جِنْسِهَا ، وَثِمَارٌ خَارِجَةٌ عَنْ صِفَتِهَا ، فِيهَا الْجِرْمُ الْوَافِرُ ، وَاللَّوْنُ الزَّاهِرُ ، وَالْجَنْيُ الْجَدِيدُ ، وَالطَّعْمُ اللَّذِيذُ ؛ فَأَيْنَ الطَّبَائِعُ وَأَجْنَاسُهَا ؟ وَأَيْنَ الْفَلَاسِفَةُ وَأُنَاسُهَا ؟ هَلْ فِي قُدْرَةِ الطَّبِيعَةِ إذَا سَلَّمْنَا وَقُلْنَا لَهَا قُدْرَةٌ عَلَى طَرِيقِ الْجَدَلِ أَنْ تُتْقِنَ هَذَا الْإِتْقَانَ الْبَدِيعَ ، أَوْ تُرَتِّبَ هَذَا التَّرْتِيبَ الْعَجِيبَ ؟ كَلًّا ، لَا يَتِمُّ ذَلِكَ فِي الْمَعْقُولِ إلَّا لِحَيٍّ عَالِمٍ قَادِرٍ مُرِيدٍ ، فَقَدْ عَلِمَ الْأَلِبَّاءُ أَنَّ أُمِّيًّا لَا يَنْظِمُ سُطُورَ الْكِتَابَةِ ، وَأَنَّ سَوَادِيًّا لَا يَقْدِرُ عَلَى مَا فِي الدِّيبَاجِ مِنْ التَّزَيُّنِ وَالنِّسَاجَةِ ؛ فَسُبْحَانَ مَنْ لَهُ فِي

كُلِّ شَيْءٍ آيَةُ بِدَايَةٍ وَنِهَايَةٍ ، فَمِنْ اللَّهِ الِابْتِدَاءُ ، وَإِنَّ إلَى رَبِّك الْمُنْتَهَى ، تَقَدَّسَ وَتَعَالَى .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } فَهَذَانِ بِنَاءَانِ جَاءَا بِصِيغَةِ أَفْعَلَ ، وَأَحَدُهُمَا مُبَاحٌ لِقَوْلِهِ : { فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ } .
وَالثَّانِي : وَاجِبٌ عَلَى مَا يَأْتِي تَفْصِيلُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ ، وَلَيْسَ يَمْتَنِعُ فِي الشَّرِيعَةِ اقْتِرَانُ الْمُبَاحِ وَالْوَاجِبِ ؛ لِمَا يَأْتِي فِي ذَلِكَ مِنْ الْفَوَائِدِ ، وَيَتَرَكَّبُ عَلَيْهِ مِنْ الْأَحْكَامِ ، فَأَمَّا الْأَكْلُ فَلِقَضَاءِ اللَّذَّةِ ، وَأَمَّا إيتَاءُ الْحَقِّ فَلِقَضَاءِ حَقِّ النِّعْمَةِ ، فَلِلَّهِ تَعَالَى عَلَى الْعَبْدِ نِعْمَةٌ فِي الْبَدَنِ بِالصِّحَّةِ ، وَاسْتِقَامَةِ الْأَعْضَاءِ ، وَسَلَامَةِ الْحَوَاسِّ ، وَنِعْمَةٌ فِي الْمَالِ بِالتَّمْلِيكِ وَالِاسْتِغْنَاءِ ، وَقَضَاءِ اللَّذَّاتِ ، وَبُلُوغِ الْآمَالِ ؛ فَفَرْضُ الصَّلَاةِ كِفَاءُ نِعْمَةِ الْبَدَنِ ، وَفَرْضُ الزَّكَاةِ كِفَاءُ نِعْمَةِ الْمَالِ ، وَبَدَأَ بِذِكْرِ نِعْمَةِ الْأَكْلِ قَبْلَ الْأَمْرِ بِإِيتَاءِ الْحَقِّ ؛ لِيُبَيِّنَ أَنَّ الِابْتِدَاءَ بِالنِّعْمَةِ كَانَ مِنْ فَضْلِهِ قَبْلَ التَّكْلِيفِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَآتُوا حَقَّهُ } اُخْتُلِفَ فِي تَفْسِيرِ هَذَا الْحَقِّ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلِ : أَنَّهُ الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ ؛ قَالَ سَعِيدُ بْنُ الْمُسَيِّبِ وَغَيْرُهُ ، وَرَوَاهُ ابْنُ وَهْبٍ ، وَابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ .
الثَّانِي : أَنَّهَا الصَّدَقَةُ غَيْرُ الْمَفْرُوضَةِ تَكُونُ يَوْمَ الْحَصَادِ وَعِنْدَ الصِّرَامِ ؛ وَهِيَ إطْعَامُ مَنْ حَضَرَ وَالْإِيتَاءُ لِمَنْ غَبَرَ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
الثَّالِثِ : أَنَّ هَذَا مَنْسُوخٌ بِالزَّكَاةِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ .
وَقَدْ زَعَمَ قَوْمٌ أَنَّ هَذَا اللَّفْظَ مُجْمَلٌ وَلَمْ يَخْلُصُوا الْقَوْلَ فِيهِ ، وَحَقِيقَةُ الْكَلَامِ عَلَيْهِ أَنَّ قَوْلَهُ : { آتُوا } مُفَسَّرٌ ، وَقَوْلُهُ : { حَقَّهُ } مُفَسَّرٌ فِي الْمُؤْتَى ، مُجْمَلٌ فِي الْمِقْدَارِ ؛ إنَّمَا يَقَعُ النَّظَرُ فِي رَفْعِ الْإِشْكَالِ الَّذِي أَنْشَأَهُ احْتِمَالُ هَذِهِ الْأَقْوَالِ

: وَقَدْ بَيَّنَّا فِيمَا سَبَقَ وَجْهَ أَنَّهُ لَيْسَ فِي الْمَالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكَاةِ ، وَتَحْقِيقُهُ فِي الْقِسْمِ الثَّانِي مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ ، وَفِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ مِنْ هَذَا التَّأْلِيفِ ، وَثَبَتَ أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ هَاهُنَا الصَّدَقَةُ الْمَفْرُوضَةُ .
وَقَدْ أَفَادَتْ هَذِهِ الْآيَةُ وُجُوبَ الزَّكَاةِ فِيمَا سَمَّى اللَّهُ سُبْحَانَهُ ، وَأَفَادَتْ بَيَانَ مَا يَجِبُ فِيهِ مِنْ مُخْرَجَاتِ الْأَرْضِ الَّتِي أَجْمَلهَا فِي قَوْلِهِ : { وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُمْ مِنْ الْأَرْضِ } ، وَفَسَّرَهَا هَاهُنَا ؛ فَكَانَتْ آيَةُ الْبَقَرَةِ عَامَّةً فِي الْمُخْرَجِ كُلِّهِ مُجْمَلَةً فِي الْقَدْرِ ؛ وَهَذِهِ الْآيَةُ خَاصَّةٌ فِي مُخْرَجَاتِ الْأَرْضِ مُجْمَلَةٌ فِي الْقَدْرِ ، فَبَيَّنَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الَّذِي أُمِرَ بِأَنْ يُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إلَيْهِمْ ، فَقَالَ : { فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ ، وَمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ نِصْفُ الْعُشْرِ } ؛ فَكَانَ هَذَا بَيَانًا لِمِقْدَارِ الْحَقِّ الْمُجْمَلِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ .
وَقَالَ أَيْضًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ حَبٍّ أَوْ تَمْرٍ صَدَقَةٌ } .
خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ ، فَكَانَ هَذَا بَيَانًا لِلْمِقْدَارِ الَّذِي يُؤْخَذُ مِنْهُ الْحَقُّ ، وَاَلَّذِي يُسَمَّى فِي أَلْسِنَةِ الْعُلَمَاءِ نِصَابًا .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا قَدِيمًا وَحَدِيثًا ؛ فَرُوِيَ عَنْ مَالِكٍ وَأَصْحَابِهِ : أَنَّ الزَّكَاةَ فِي كُلِّ مُقْتَاتٍ لَا قَوْلَ لَهُ سِوَاهُ .
وَقَدْ أَوْرَدْنَاهُ فِي كُتُبِ الْفِقْهِ وَشَرَحْنَاهُ ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : تَجِبُ فِي كُلِّ مَا تُنْبِتُهُ الْأَرْضُ مِنْ الْمَأْكُولَاتِ مِنْ الْقُوتِ وَالْفَاكِهَةِ وَالْخُضَرِ ، وَبِهِ قَالَ عَبْدُ الْمَلِكِ بْنُ الْمَاجِشُونِ فِي أُصُولِ الثِّمَارِ دُونَ الْبُقُولِ .
وَقَالَ أَحْمَدُ أَقْوَالًا ؛ أَظْهَرُهَا أَنَّ الزَّكَاةَ تَجِبُ فِي كُلِّ مَا قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا كَانَ يُوسَقُ ، فَأَوْجَبَهَا فِي اللَّوْزِ ؛ لِأَنَّهُ مَكِيلٌ دُونَ الْجَوْزِ

لِأَنَّهُ مَعْدُودٌ ، مُعَوِّلًا عَلَى قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ تَمْرٍ أَوْ حَبٍّ صَدَقَةٌ } ؛ فَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ مَحَلَّ الْوَاجِبِ هُوَ الْمُوسَقُ ، وَبَيَّنَ الْقَدْرَ الَّذِي يَجِبُ إخْرَاجُ الْحَقِّ مِنْهُ .
وَتَعَلَّقَ الشَّافِعِيُّ بِالْقُوتِ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ التَّوْسِيقَ إنَّمَا يَكُونُ فِي الْمُقْتَاتِ غَالِبًا دَائِمًا .
وَأَمَّا الْخُضَرُ فَأَمْرُهَا نَادِرٌ .
وَأَمَّا الْمَالِكِيَّةُ { فَتَعَلَّقَتْ بِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَأْخُذْ مِنْ خُضَرِ الْمَدِينَةِ صَدَقَةً } .
وَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ فَجَعَلَ الْآيَةَ مِرْآتَهُ فَأَبْصَرَ الْحَقَّ ، وَقَالَ : إنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الْمَأْكُولِ قُوتًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ وَبَيَّنَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ذَلِكَ فِي عُمُومِ قَوْلِهِ : { فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ } : وَقَدْ أَشَرْنَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ إلَى مَسَالِكِ النَّظَرِ فِيهَا فِي كِتَابِ الْإِنْصَافِ وَالتَّخْلِيصِ .
وَقَدْ آنَ تَحْدِيدُ النَّظَرِ فِيهَا كَمَا يَلْزَمُ كُلَّ مُجْتَهِدٍ .
فَاَلَّذِي لَاحَ بَعْدَ التَّرَدُّدِ فِي مَسَالِكِهِ أَنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ لَمَّا ذَكَّرَ الْإِنْسَانَ بِنِعَمِهِ فِي الْمَأْكُولَاتِ الَّتِي هِيَ قِوَامُ الْأَبْدَانِ وَأَصْلُ اللَّذَّاتِ فِي الْإِنْسَانِ ، عَلَيْهَا تَنْبَنِي الْحَيَاةُ ، وَبِهَا يَتِمُّ طِيبُ الْمَعِيشَةِ عَدَّدَ أُصُولَهَا تَنْبِيهًا عَلَى تَوَابِعِهَا ، فَذَكَرَ مِنْهَا خَمْسَةً : الْكَرْمَ ، وَالنَّخْلَ ، وَالزَّرْعَ ، وَالزَّيْتُونَ ، وَالرُّمَّانَ .
فَالْكَرْمُ وَالنَّخْلُ : يُؤْكَلُ فِي حَالَيْنِ فَاكِهَةً وَقُوتًا .
وَالزَّرْعُ يُؤْكَلُ فِي نَوْعَيْنِ : فَاكِهَةً وَقُوتًا .
وَالزَّيْتُ : يُؤْكَلُ قُوتًا وَاسْتِصْبَاحًا .
وَالرُّمَّانُ : يُؤْكَلُ فَاكِهَةً مَحْضَةً .
وَمَا لَمْ يُذْكَرْ مِمَّا يُؤْكَلُ لَا يَخْرُجُ عَنْ هَذِهِ الْأَقْسَامِ الْخَمْسَةِ .
فَقَالَ تَعَالَى : هَذِهِ نِعْمَتِي فَكُلُوهَا طَيِّبَةً شَرْعًا بِالْحِلِّ طَيِّبَةً حِسًّا بِاللَّذَّةِ ، وَآتُوا الْحَقَّ مِنْهَا يَوْمَ

الْحَصَادِ ، وَكَانَ ذَلِكَ بَيَانًا لِوَقْتِ الْإِخْرَاجِ ، وَجَعَلَ كَمَا أَشَرْنَا إلَيْهِ الْحَقَّ الْوَاجِبَ مُخْتَلِفًا بِكَثْرَةِ الْمُؤْنَةِ وَقِلَّتِهَا ، فَمَا كَانَ خَفِيفَ الْمُؤْنَةِ قَدْ تَوَلَّى اللَّهُ سَقْيَهُ فَفِيهِ الْعُشْرُ ، وَمَا عَظُمَتْ مُؤْنَتُهُ بِالسَّقْيِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ الْإِتْيَانِ فَفِيهِ نِصْفُ الْعُشْرِ .
فَأَمَّا قَوْلُ أَحْمَدَ : إنَّهُ فِيمَا يُوسَقُ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ حَبٍّ أَوْ تَمْرٍ صَدَقَةٌ } ، فَضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ الَّذِي يَقْتَضِي ظَاهِرَ الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ النِّصَابُ مُعْتَبَرًا فِي التَّمْرِ وَالْحَبِّ .
فَأَمَّا سُقُوطُ الْحَقِّ عَمَّا عَدَاهَا فَلَيْسَ فِي قُوَّةِ الْكَلَامِ .
وَأَمَّا التَّعْلِيقُ بِالْقُوتِ فَدَعْوَى وَمَعْنَى لَيْسَ لَهُ أَصْلٌ يَرْجِعُ إلَيْهِ ؛ وَإِنَّمَا تَكُونُ الْمَعَانِي مُوجِبَةً لِأَحْكَامِهَا بِأُصُولِهَا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْقِيَاسِ .
وَكَيْفَ يَذْكُرُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ النِّعْمَةَ فِي الْقُوتِ وَالْفَاكِهَةِ ، وَأَوْجَبَ الْحَقَّ مِنْهَا كُلِّهَا فِيمَا تَنَوَّعَ حَالُهُ كَالْكَرْمِ وَالنَّخِيلِ ، وَفِيمَا تَنَوَّعَ جِنْسُهُ كَالزَّرْعِ ، وَفِيمَا يَنْضَافُ إلَى الْقُوتِ مِنْ الِاسْتِسْرَاجِ الَّذِي بِهِ تَمَامُ النِّعْمَةِ فِي الْمَتَاعِ بِلَذَّةِ الْبَصَرِ إلَى اسْتِيفَاءِ النِّعَمِ فِي الظُّلَمِ .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا تَجِبُ الزَّكَاةُ فِي الْمُقْتَاتِ الَّذِي يَدُومُ ، فَأَمَّا فِي الْخُضَرِ فَلَا بَقَاءَ لَهَا ؛ وَلِذَلِكَ لَمْ تُؤْخَذْ الزَّكَاةُ فِي الْأَقْوَاتِ مِنْ أَخْضَرِهَا ، وَإِنَّمَا أُخِذَتْ مِنْ يَابِسِهَا .
قُلْنَا : إنَّمَا تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْ كُلِّ نَوْعٍ عِنْدَ انْتِهَائِهِ ، بِالْيُبْسِ ، وَانْتِهَاءُ الْيَابِسِ وَالطَّيِّبِ انْتِهَاءُ الْأَخْضَرِ ؛ وَلِذَلِكَ إذَا كَانَ الرَّطْبُ لَا يُثْمِرُ ، وَالْعِنَبُ لَا يَتَزَبَّبُ تُؤْخَذُ الزَّكَاةُ مِنْهُمَا عَلَى حَالِهِمَا ، وَلَوْ لَمْ تَكُنْ الْفَاكِهَةُ الْخُضَرِيَّةُ أَصْلًا فِي اللَّذَّةِ وَرُكْنًا فِي النِّعْمَةِ مَا وَقَعَ الِامْتِنَانُ بِهَا فِي الْجَنَّةِ .
أَلَا تَرَاهُ وَصَفَ جَمَالَهَا وَلَذَّتَهَا ،

فَقَالَ : { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } فَذَكَرَ النَّخْلَ أَصْلًا فِي الْمُقْتَاتِ ، وَالرُّمَّانَ أَصْلًا فِي الْخَضْرَاوَاتِ .
أَوَلَا يَنْظُرُونَ إلَى وَجْهِ امْتِنَانِهِ عَلَى الْعُمُومِ لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ بِقَوْلِهِ : { أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا } .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ تَعَالَى : { وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } .
وَاَلَّذِي يُحْصَدُ الزَّرْعُ .
قُلْنَا : جَهِلْتُمْ ؛ بَلْ هُوَ عَامٌّ فِي كُلِّ نَبْتٍ فِي الْأَرْضِ .
وَأَصْلُ الْحَصَادِ إذْهَابُ الشَّيْءِ عَنْ مَوْضِعِهِ الَّذِي هُوَ فِيهِ ؛ قَالَ تَعَالَى : { مِنْهَا قَائِمٌ وَحَصِيدٌ } .
وَقَالَ : { حَتَّى جَعَلْنَاهُمْ حَصِيدًا خَامِدِينَ } .
وَقَالَ : { فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ } .
وَفِي الْحَدِيثِ : { وَهَلْ يُكِبُّ النَّاسَ فِي النَّارِ عَلَى مَنَاخِرِهِمْ إلَّا حَصَائِدُ أَلْسِنَتِهِمْ } .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا مَجَازٌ ؛ وَأَصْلُهُ فِي الزَّرْعِ .
قُلْنَا : هَذَا كُلُّهُ حَقِيقَةٌ ؟ وَأَصْلُهَا الذَّهَابُ .
فَإِنْ قِيلَ : أَلَيْسَ يُقَالُ جِدَادُ النَّخْلِ ، وَحَصَادُ الزَّرْعِ ، جُذَاذُ الْبَقْلِ ؟ قُلْنَا : الِاسْمُ الْعَامُّ الْحَصَادُ ؛ وَهَذِهِ خَوَاصُّ الْعَامِّ عَلَى بَعْضِ مُتَنَاوَلَاتِهِ .
وَقَدْ أَجَابَ عَنْهُ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ بِأَنَّهُ ذَكَرَ الْحَصَادَ فِيمَا يُحْصَدُ دَلِيلًا عَلَى الْجِدَادِ فِيمَا يُجَدُّ ؛ لِأَنَّ أَحَدَهُمَا يَكْفِي عَنْ الْآخَرِ ، وَلَكِنَّ النَّبَاتَ كَانَ أَصْلًا لِقَوْلِهِ : فَأَنْبَتْنَا بِهِ جَنَّاتٍ [ فَجَعَلَهَا قِسْمًا ] وَحَبَّ الْحَصِيدِ ، فَجَعَلَهُ قِسْمًا آخَرَ ؛ فَلَمَّا عَادَلَ الْجَمِيعَ اكْتَفَى بِذِكْرِهِ عَنْ ذِكْرِ غَيْرِهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَلَمْ يُنْقَلْ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ أَخَذَ الزَّكَاةَ مِنْ خُضَرِ الْمَدِينَةِ وَلَا خَيْبَرَ .
قُلْنَا : كَذَلِكَ عَوَّلَ عُلَمَاؤُنَا .
وَتَحْقِيقُهُ أَنَّهُ عَدَمُ دَلِيلٍ لَا وُجُودُ دَلِيلٍ .
فَإِنْ قِيلَ : لَوْ أَخَذَهَا لَنُقِلَ .
قُلْنَا : وَأَيُّ

حَاجَةٍ إلَى نَقْلِهِ ، وَالْقُرْآنُ يَكْفِي عَنْهُ .
فَإِنْ قِيلَ : الْآيَةُ مَنْسُوخَةٌ بِأَنَّهَا مَكِّيَّةٌ وَ [ آيَةُ ] الزَّكَاةِ مَدَنِيَّةٌ .
قُلْنَا : قَدْ قَالَ مَالِكٌ : إنَّ الْمُرَادَ بِهِ الزَّكَاةُ الْمَفْرُوضَةُ .
وَتَحْقِيقُهُ : فِي نُكْتَةٍ بَدِيعَةٍ ؛ وَهِيَ أَنَّ الْقَوْلَ فِي أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ أَوْ مَدَنِيَّةٌ يَطُولُ .
فَهَبْكُمْ أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ ؛ إنَّ اللَّهَ أَوْجَبَ الزَّكَاةَ بِهَا إيجَابًا مُجْمَلًا فَتَعَيَّنَ فَرْضُ اعْتِقَادِهَا ، وَوَقَفَ الْعَمَلُ بِهَا عَلَى بَيَانِ الْجِنْسِ وَالْقَدْرِ وَالْوَقْتِ ، فَلَمْ تَكُنْ بِمَكَّةَ حَتَّى تَمَهَّدَ الْإِسْلَامُ بِالْمَدِينَةِ ؛ فَوَقَعَ الْبَيَانُ ، فَتَعَيَّنَ الِامْتِثَالُ ، وَهَذَا لَا يَفْقُهُهُ إلَّا الْعُلَمَاءُ بِالْأُصُولِ .
فَإِنْ قِيلَ : قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { فِيمَا سَقَتْ السَّمَاءُ الْعُشْرُ وَفِيمَا سُقِيَ بِنَضْحٍ أَوْ دَالِيَةٍ نِصْفُ الْعُشْرِ } كَلَامٌ جَاءَ لِبَيَانِ تَفْصِيلِ قَدْرِ الْوَاجِبِ بِحَالِ الْمُوجِبِ فِيهِ ، وَلَيْسَ الْقَصْدُ مِنْهُ الْعُمُومَ حَتَّى يَقَعَ التَّعْوِيلُ عَلَيْهِ فِي اسْتِعْمَامِ مَا سَقَتْ السَّمَاءُ .
قُلْنَا : هَذَا هُوَ كَلَامُ إمَامِ الْحَرَمَيْنِ ، وَهُوَ مِنْ مُذْهَبَاتِهِ الَّتِي بَنَى عَلَيْهَا كِتَابَ الْبُرْهَانِ ، وَظَنَّ أَنَّهَا لَمْ تُدْرَكْ فِي غَابِرِ الْأَزْمَانِ ، وَلَيْسَ لَهَا فِي الدَّلَائِلِ مَكَانٌ .
نَحْنُ نَقُولُ : إنَّ الْحَدِيثَ جَاءَ لِلْعُمُومِ فِي كُلِّ مَسْقِيٍّ ، وَلِتَفْصِيلِ قَدْرِ الْوَاجِبِ بِاخْتِلَافِ حَالِ الْمُوجِبِ فِيهِ ، وَلَا يَتَعَارَضُ ذَلِكَ ؛ فَيَمْتَنِعُ اجْتِمَاعُهُ ، وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ خَصَّصْتُمْ الْحَدِيثَ فِي الْمَأْكُولَاتِ مِنْ الْمُقْتَاتِ ، فَنَحْنُ نَخُصُّهُ فِي الْمَأْكُولَاتِ أَيْضًا .
قُلْنَا : نَحْنُ خَصَّصْنَاهُ فِي الْمَأْكُولَاتِ مِنْ الْمُقْتَاتِ بِدَلِيلِ الْإِجْمَاعِ ، وَلَا دَلِيلَ لَكُمْ عَلَى تَخْصِيصِهِ فِي الْمُقْتَاتِ ؛ فَإِنْ أَعَادُوا لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ أَقْوَالِهِمْ أَعَدْنَا مَا سَبَقَ عَلَيْهَا مِنْ الْأَجْوِبَةِ .
الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا

زَكَاةَ فِي الزَّيْتُونِ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ ؛ قَالَ : لِأَنَّهُ يُؤْكَلُ إدَامًا ، وَأَيْضًا فَإِنَّ التِّينَ أَنْفَعُ مِنْهُ فِي الْقُوتِ وَلَا زَكَاةَ فِيهِ .
قُلْنَا لَهُ : الزَّكَاةُ تَجِبُ عِنْدَنَا فِي التِّينِ ، فَلَا قَوْلَ لَك فِي ذَلِكَ ، وَأَيُّ فَرْقٍ بَيْنَ التِّينِ وَالزَّبِيبِ ، وَالزَّيْتُونُ قُوتٌ يُدَّخَرُ ذَاتُهُ وَيُدَّخَرُ زَيْتُهُ ؛ فَلَا كَلَامَ عَلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَالَ مَالِكٌ فِي أَظْهَرِ قَوْلَيْهِ : إنَّمَا تَكُونُ الزَّكَاةُ فِيمَا يُقْتَاتُ فِي حَالِ الِاخْتِيَارِ دُونَ مَا يُقْتَاتُ بِهِ فِي حَالِ الضَّرُورَةِ ، فَلَا زَكَاةَ فِي الْقَطَّانِي ، وَبِهِ قَالَ الْحَسَنُ وَالشَّعْبِيُّ وَابْنُ سِيرِينَ وَابْنُ أَبِي لَيْلَى وَالْحَسَنُ بْنُ صَالِحٍ وَالثَّوْرِيُّ وَابْنُ الْمُبَارَكِ وَيَحْيَى بْنُ آدَمَ وَأَبُو عُبَيْدٍ ، وَلِذَلِكَ اخْتَلَفَ قَوْلُهُ فِي التِّينِ ، فَكَانَ لَا يُوجِبُ فِيهِ الزَّكَاةَ ، لِأَنَّهُ لَا يَدْرِيهِ ، فَإِذَا أُخْبِرَ عَنْهُ وَرَأَى مَوْقِعَهُ فِي بِلَادِهِ أَوْجَبَ فِيهِ الزَّكَاةَ ؛ وَهَذَا بِنَاءٌ عَلَى أَصْلٍ مِنْ أُصُولِ الْفِقْهِ ؛ وَهُوَ أَنَّ كَلَامَ اللَّهِ تَعَالَى إذَا وَرَدَ ، هَلْ يُحْمَلُ عَلَى الْعُمُومِ الْمُطْلَقِ أَوْ الْغَالِبِ مِنْ الْمُتَنَاوَلِ فِيهِ ؟ وَالصَّحِيحُ حَمْلُهُ : عَلَى الْعُمُومِ الْمُطْلَقِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي وَقْتِ وُجُوبِ الزَّكَاةِ فِي هَذِهِ الْأَمْوَالِ النَّبَاتِيَّةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلِ : أَنَّهَا تَجِبُ وَقْتَ الْجِدَادِ ؛ قَالَهُ مُحَمَّدُ بْنُ مَسْلَمَةَ ؛ بِقَوْلِهِ : { وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } .
الثَّانِي : أَنَّهَا تَجِبُ يَوْمَ الطِّيبِ لِأَنَّ مَا قَبْلَ الطِّيبِ يَكُونُ عَلَفًا لَا قُوتًا وَلَا طَعَامًا ؛ فَإِذَا طَابَتْ وَكَانَ الْأَكْلُ الَّذِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهِ وَجَبَ الْحَقُّ الَّذِي أَمَرَ اللَّهُ بِهِ ، إذْ بِتَمَامِ النِّعْمَةِ يَجِبُ شُكْرُ النِّعْمَةِ ، وَيَكُونُ الْإِيتَاءُ يَوْمَ الْحَصَادِ لِمَا قَدْ وَجَبَ يَوْمَ الطِّيبِ .
الثَّالِثِ : أَنَّهُ يَكُونُ بَعْدَ تَمَامِ الْخَرْصِ ؛ قَالَهُ الْمُغِيرَةُ ؛ لِأَنَّهُ حِينَئِذٍ يَتَحَقَّقُ الْوَاجِبُ فِيهِ مِنْ الزَّكَاةِ ، فَيَكُونُ شَرْطًا لِوُجُوبِهَا ، أَصْلُهُ مَجِيءُ السَّاعِي فِي الْغَنَمِ .
وَلِكُلِّ قَوْلٍ وَجْهٌ كَمَا تَرَوْنَ ؛ لَكِنَّ الصَّحِيحَ وُجُوبُ الزَّكَاةِ بِالطِّيبِ ، لِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ الدَّلِيلِ ؛ وَإِنَّمَا خَرَصَ عَلَيْهِمْ لِيَعْلَمَ قَدْرَ الْوَاجِبِ فِي ثِمَارِهِمْ .
وَالْأَصْلُ فِي الْخَرْصِ حَدِيثُ الْمُوَطَّإِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ عَبْدَ اللَّهِ بْنَ رَوَاحَةَ إلَى أَهْلِ خَيْبَرَ فَخَرَصَ عَلَيْهِمْ وَخَيَّرَهُمْ بَيْنَ أَنْ يَأْخُذُوا وَلَهُ مَا قَالَ ، أَوْ يَنْخُلُوا وَلَهُمْ مَا قَالَ : فَقَالُوا : بِهَذَا قَامَتْ السَّمَوَاتُ وَالْأَرْضُ } .
وَيَا وَيْحَ الْبُخَارِيَّ يَتَخَيَّرُ عَلَى مَالِكٍ ، وَلَا يُدْخِلُ هَذَا الْحَدِيثَ فِي بَابِ الْخَرْصِ ، وَيُدْخِلُ مِنْهُ حَدِيثَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّهُ مَرَّ فِي غَزْوَةِ تَبُوكَ بِحَدِيقَةٍ فَقَالَ : اُخْرُصُوا هَذِهِ فَخَرَصُوا ؛ فَلَمَّا رَجَعَ عَنْ الْغَزْوِ وَسَأَلَ الْمَرْأَةَ كَمْ جَاءَتْ حَدِيقَتُك ؟ فَأَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا جَاءَتْ كَمَا قَالَ ؟ } فَكَانَتْ إحْدَى مُعْجِزَاتِهِ فِي قَوْلٍ .
فَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ الطِّيبِ فَلَا شَيْءَ فِيهَا عَلَى الْمَالِكِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ

الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : إنَّ اللَّهَ ذَهَبَ بِمَالِهِ وَمَا عَلَيْهِ ، وَلَمْ يُلْزِمْهُ أَنْ يُخْرِجَهَا مِنْ غَيْرِهِ ، وَإِنْ تَلِفَتْ بَعْدَ الْخَرْصِ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : فَلَا بُدَّ لَهُ أَنْ يُقِيمَ الْبَيِّنَةَ عَلَى تَلَفِهَا .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : يَحْلِفُ لِأَنَّهَا أَمَانَةٌ عِنْدَهُ ، وَلَيْسَ كَذَلِكَ ؛ بَلْ هِيَ وَاجِبَةٌ عَلَيْهِ ، فَلَا يُبَرِّئُهُ مِنْهَا إلَّا إيجَادُ الْبَرَاءَةِ ؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ فِي الْأَمَانَاتِ الَّتِي تَكُونُ مُسْتَحْفَظَةً عِنْدَهُ مِنْ غَيْرِهِ ، وَفِي ذَلِكَ تَفْصِيلٌ ذَكَرَهُ : فِي الْفُرُوعِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : تَرَكَّبَتْ عَلَى هَذِهِ الْأُصُولِ مَسْأَلَةٌ ؛ وَهِيَ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَوْجَبَ الزَّكَاةَ فِي الْكَرْمِ وَالْفُرُوعِ وَالنَّخْلِ مُطْلَقًا ، ثُمَّ فَسَّرَ النِّصَابَ بِقَوْلِهِ : لَيْسَ فِيمَا دُونَ خَمْسَةِ أَوْسُقٍ مِنْ تَمْرٍ وَلَا حَبٍّ صَدَقَةٌ .
فَمَنْ حَصَلَ لَهُ مِنْ تَمْرٍ وَزَبِيبٍ مَعًا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ ، أَوْ مِنْ زَبِيبٍ خَمْسَةُ أَوْسُقٍ وَجَبَتْ عَلَيْهِ الزَّكَاةُ فِيهَا ، فَإِنْ حَصَلَ لَهُ مِنْ تَمْرٍ وَزَبِيبٍ مَعًا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ لَمْ تَلْزَمْهُ زَكَاتُهُ إجْمَاعًا فِي الْوَجْهَيْنِ ؛ لِأَنَّهُمَا صِنْفَانِ مُخْتَلِفَانِ .
فَإِنْ حَصَلَ لَهُ مِنْ طَعَامٍ بُرٍّ وَشَعِيرٍ مَعًا خَمْسَةُ أَوْسُقٍ زَكَّاهُمَا [ مَعًا ] عِنْدَ مَالِكٍ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : لَا يُجْمَعَانِ ، وَكَذَلِكَ غَيْرُهُمَا ، وَإِنَّمَا هِيَ أَنْوَاعٌ كُلُّهَا يُعْتَبَرُ النِّصَابُ فِي كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهَا عَلَى الِانْفِرَادِ ؛ لِأَنَّهُمَا يَخْتَلِفَانِ فِي الِاسْمِ الْخَاصِّ ؛ وَفِي حَالَةِ الطَّعْمِ .
وَالصَّحِيحُ ضَمُّهُمَا ؛ لِأَنَّهُمَا قُوَّتَانِ يَتَقَارَبَانِ ، فَلَا يَضُرُّ اخْتِلَافُ الِاسْمِ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْفُرُوعِ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تُسْرِفُوا إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } الْإِسْرَافُ : هُوَ الزِّيَادَةُ ، فَقِيلَ لَهُمْ : لَا تُسْرِفُوا فِي الْأَكْلِ بِزِيَادَةِ الْحَرَامِ عَلَى مَا أَحَلَّهُ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تُسْرِفُوا فِي أَخْذِ زِيَادَةٍ عَلَى حَقِّكُمْ ، وَهُوَ التِّسْعَةُ الْأَعْشَارُ ، حَاسِبُوا أَنْفُسَكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ ، وَأَدُّوا مَا يَتَعَيَّنُ عَلَيْكُمْ بِالْخَرْصِ أَوْ بِالْجِذَاذِ عَلَى مَا تَقَدَّمَ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنْ اُضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّك غَفُورٌ رَحِيمٌ } .
فِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا } قَدْ بَيَّنَّا فِي كُتُبِ الْحَدِيثِ أَنَّ الْوَحْيَ يَنْقَسِمُ عَلَى ثَمَانِيَةِ أَقْسَامٍ : مِنْهَا مَجِيءُ الْمَلَكِ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ اللَّهِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ وَالْخَبَرِ ؛ فَأَخْبَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّ الْمَلَكَ لَمْ يَأْتِ إلَيْهِ الْآنَ إلَّا بِهَذَا ؛ إذْ قَدْ جَاءَ إلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ بِالْمُحَرَّمَاتِ وَقَدْ ثَبَتَ ذَلِكَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذِهِ الْآيَةُ مَدَنِيَّةٌ مَكِّيَّةٌ فِي قَوْلِ الْأَكْثَرِ ، نَزَلَتْ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ نَزَلَ عَلَيْهِ قَوْلُهُ : { الْيَوْمَ أَكْمَلْت لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْت عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي } وَذَلِكَ يَوْمُ عَرَفَةَ ، وَلَمْ يَنْزِلْ بَعْدَهَا نَاسِخٌ ؛ فَهِيَ مُحْكَمَةٌ .
.

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { عَلَى طَاعِمٍ } الْمُحَرَّمَاتُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : مَطْعُومَاتٌ ، وَمَنْكُوحَاتٌ ، وَمَلْبُوسَاتٌ .
فَأَمَّا الْمَطْعُومَاتُ وَالْمَنْكُوحَاتُ فَقَدْ اسْتَوْفَى اللَّهُ بَيَانَهَا فِي الْقُرْآنِ كَثِيرًا ، وَمِنْهَا فِي السُّنَّةِ تَوَابِعُ .
وَأَمَّا الْمَلْبُوسَاتُ فَمِنْهَا فِي الْقُرْآنِ إشَارَاتٌ وَتَمَامُ ذَلِكَ فِي السُّنَّةِ ؛ وَقَالَ اللَّهُ : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ } الْآيَةَ .
فَأَمَّا الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَلَيْهِمَا فِي الْبَقَرَةِ وَالْمَائِدَةِ ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ : { وَلَحْمَ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ بِهِ لِغَيْرِ اللَّهِ } .
وَكَانَ وُرُودُ ذِكْرِ الدَّمِ مُطْلَقًا هُنَالِكَ وَوَرَدَ هَاهُنَا مُقَيَّدًا بِالسَّفْحِ .
وَاخْتَلَفَ النَّاسُ فِي حَمْلِ الْمُطْلَقِ هَاهُنَا عَلَى الْمُقَيَّدِ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّ كُلَّ دَمٍ مُحَرَّمٌ إلَّا الْكَبِدَ وَالطِّحَالَ ، بِاسْتِثْنَاءِ السُّنَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ .
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّ التَّحْرِيمَ يَخْتَصُّ بِالْمَسْفُوحِ ؛ قَالَتْهُ عَائِشَةُ ، وَعِكْرِمَةُ ، وَقَتَادَةُ .
وَرُوِيَ عَنْ عَائِشَةَ أَنَّهَا قَالَتْ : لَوْلَا أَنَّ اللَّهَ قَالَ : { أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا } لَتَتَبَّعَ النَّاسُ مَا فِي الْعُرُوقِ .
قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ : الصَّحِيحُ أَنَّ الدَّمَ إذَا كَانَ مُفْرَدًا حَرُمَ مِنْهُ كُلُّ شَيْءٍ ، وَإِنْ خَالَطَ اللَّحْمَ جَازَ ؛ لِأَنَّهُ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ ، وَإِنَّمَا حَرُمَ الدَّمُ بِالْقَصْدِ إلَيْهِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلِ : أَنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالسُّنَّةِ ، وَحَرَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لُحُومَ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ ، وَحَرَّمَ كُلَّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَذِي مِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ ؛ خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ كُلُّهُمْ .
الثَّانِي : أَنَّهَا مُحْكَمَةٌ لَا حَرَامَ فِيهَا إلَّا فِيمَا قَالَتْهُ عَائِشَةُ .
الثَّالِثِ : قَالَ الزُّهْرِيُّ وَمَالِكٌ فِي أَحَدِ قَوْلَيْهِ : هِيَ مُحْكَمَةٌ ، وَيَضُمُّ إلَيْهَا

بِالسُّنَّةِ مَا فِيهَا مِنْ مُحَرَّمٍ ، فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهَا مَنْسُوخَةٌ بِالسُّنَّةِ فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ كَمَا اخْتَلَفُوا فِي نَسْخِ السُّنَّةِ بِهَا .
وَالصَّحِيحُ جَوَازُ ذَلِكَ كُلِّهِ : كَمَا فِي تَفْصِيلِ الْأُصُولِ ، لَكِنْ لَوْ ثَبَتَ بِالسُّنَّةِ مُحَرَّمٌ غَيْرُ هَذِهِ لَمَا كَانَ ذَلِكَ نَسْخًا ؛ لِأَنَّ زِيَادَةَ مُحَرَّمٍ عَلَى الْمُحَرَّمَاتِ أَوْ فَرْضٍ عَلَى الْمَفْرُوضَاتِ لَا يَكُونُ نَسْخًا بِإِجْمَاعٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، لَا سِيَّمَا وَمَا وَرَدَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ مُخْتَلَفٌ فِي تَأْوِيلِهِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلِ : أَنَّهَا مُحَرَّمَةٌ كَمَا قَالُوا .
الثَّانِي : أَنَّهَا حُرِّمَتْ بِعِلَّةِ { أَنَّ جَائِيًا جَاءَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : فَنِيَتْ الْحُمُرُ .
فَنِيَتْ الْحُمُرُ .
فَقَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يُنَادَى بِتَحْرِيمِهَا } لِعِلَّةٍ مِنْ خَوْفِ الْفَنَاءِ عَلَيْهَا ؛ فَإِذَا كَثُرَتْ وَلَمْ يَضُرَّ فَقْدُهَا بِالْحُمُولَةِ جَازَ أَكْلُهَا ؛ فَإِنَّ الْحُكْمَ يَزُولُ بِزَوَالِ الْعِلَّةِ .
الثَّالِثِ : أَنَّهَا حُرِّمَتْ لِأَنَّهَا طُبِخَتْ قَبْلَ الْقِسْمَةِ .
الرَّابِعِ : أَنَّهَا حُرِّمَتْ لِأَنَّهَا كَانَتْ جَلَّالَةً خَرَّجَهُ أَبُو دَاوُد .
وَقَدْ { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ أَكْلِ جَلَّالَةِ الْبَقَرِ } .
وَهَذَا بَدِيعٌ فِي وَجْهِ الِاحْتِجَاجِ بِهَا ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَاهُ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ .
وَكَذَلِكَ مَا رُوِيَ عَنْهُ فِي كُلِّ ذِي نَابٍ مِنْ السِّبَاعِ وَمِخْلَبٍ مِنْ الطَّيْرِ إنَّمَا وَرَدَ فِي الْمُسْنَدِ الصَّحِيحِ بِقَوْلِهِ نَهَى ، وَيَحْتَمِلُ ذَلِكَ النَّهْيُ التَّحْرِيمَ ، وَيَحْتَمِلُ الْكَرَاهِيَةَ ، مَعَ اخْتِلَافِ أَحْوَالِ السِّبَاعِ فِي الِافْتِرَاسِ .
أَلَا تَرَى إلَى الْكَلْبِ وَالْهِرِّ وَالضَّبُعِ فَإِنَّهَا سِبَاعٌ ، وَقَدْ وَقَعَ الْأُنْسُ بِالْهِرِّ مُطْلَقًا وَبِبَعْضِ الْكِلَابِ ، وَجَاءَ الْحَدِيثُ عَنْ جَابِرٍ أَنَّ الضَّبُعَ صَيْدٌ ، وَفِيهَا كَبْشٌ .
وَلَسْنَا نَمْنَعُ أَنْ يُضَافَ

إلَيْهَا بِالسُّنَّةِ مَا صَحَّ سَنَدُهُ ، وَتَبَيَّنَ مَوْرِدُهُ ، وَجَاءَ فِي الْحَدِيثِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ : رَجُلٌ زَنَى بَعْدَ إحْصَانٍ ، أَوْ كَفَرَ بَعْدَ إيمَانٍ ، أَوْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ } .
وَهَذَا كُلُّهُ عَلَى أَنَّ مَوْرِدَ الْآيَةِ مَجْهُولٌ .
فَأَمَّا إذَا تَبَيَّنَّا أَنَّ مَوْرِدَهَا يَوْمُ عَرَفَةَ فَلَا يَحْرُمُ إلَّا مَا فِيهَا ، وَإِلَيْهِ أَمِيلُ ، وَبِهِ أَقُولُ .
قَالَ عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ : قُلْت لِجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ : إنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ لُحُومِ الْحُمُرِ الْأَهْلِيَّةِ } .
قَالَ : قَدْ كَانَ يَقُولُ ذَلِكَ الْحَكَمُ بْنُ عَمْرٍو الْغِفَارِيُّ ، وَلَكِنْ أَبَى ذَلِكَ الْحَبْرُ يَعْنِي ابْنَ عَبَّاسٍ ، وَقَرَأَ : { قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ } الْآيَةَ ، وَكَذَلِكَ يُرْوَى عَنْ عَائِشَةَ مِثْلُهُ .
وَقَرَأَتْ الْآيَةَ كَمَا قَرَأَهَا ابْنُ عَبَّاسٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : تَقْدِيرُ الْآيَةِ : قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ مُحَرَّمًا مِمَّا كُنْتُمْ تَسْتَخْبِثُونَهُ وَتَجْتَنِبُونَهُ إلَّا أَنْ يَكُونَ [ مَيْتَةً ] الْآيَةَ .
فَأَمَّا غَيْرُ ذَلِكَ مِنْ الْمُحَرَّمَاتِ فَلَا ؛ بِدَلِيلِ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ أَشْيَاءَ مِنْهَا الْمُنْخَنِقَةُ وَأَخَوَاتُهَا .
وَأَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ أَشْيَاءَ غَيْرِ ذَلِكَ ، مِنْهَا الْقَاذُورَاتُ ، وَمِنْهَا الْخَمْرُ وَالْآدَمِيُّ .
الْجَوَابُ عَنْهُ مِنْ سَبْعَةِ أَوْجُهٍ : الْجَوَابُ الْأَوَّلُ : أَنَّ ابْنَ عَبَّاسٍ قَدْ رَدَّ هَذَا وَأَوْضَحَ الْمُرَادَ مِنْهُ وَالْحَقَّ فِيهِ ، وَهُوَ الْحَبْرُ الْبَحْرُ التُّرْجُمَانُ .
الْجَوَابُ الثَّانِي : دَعْوَى وُرُودِ الْآيَةِ عَلَى سُؤَالٍ لَا يُقْبَلُ مِنْ غَيْرِ نَقْلٍ يُعَوَّلُ عَلَيْهِ .
الْجَوَابُ الثَّالِثُ : لَوْ صَحَّ السُّؤَالُ لَمَا آثَرَ خُصُوصَ السُّؤَالِ فِي عُمُومِ الْجَوَابِ الْوَارِدِ عَلَيْهِ .
وَقَدْ أَجْمَعْنَا عَلَيْهِ وَبَيَّنَّاهُ فِيمَا قَبْلُ .
الْجَوَابُ الرَّابِعُ : وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : إنَّ

اللَّهَ حَرَّمَ غَيْرَ ذَلِكَ كَالْمُنْخَنِقَةِ وَأَخَوَاتِهَا فَإِنَّ ذَلِكَ دَاخِلٌ فِي الْمَيْتَةِ إلَّا أَنَّهُ بَيَّنَ أَنْوَاعَ الْمَيْتَةِ وَشَرَحَ مَا يُسْتَدْرَكُ ذَكَاتُهُ مِمَّا تَفُوتُ ذَكَاتُهُ لِئَلَّا يَشْكُلَ أَمْرُهُ وَيُمْزَجَ الْحَلَالُ بِالْحَرَامِ فِي حُكْمِهَا .
الْجَوَابُ الْخَامِسُ : وَأَمَّا قَوْلُهُمْ : أَجْمَعَتْ الْأُمَّةُ عَلَى تَحْرِيمِ الْقَاذُورَاتِ فَلَا قَاذُورَ مُحَرَّمٌ عِنْدَنَا إلَّا أَنْ يَكُونَ رِجْسًا فَيَدْخُلَ فِي عِلَّةِ تَحْرِيمِ لَحْمِ الْخِنْزِيرِ ، وَكَذَلِكَ الْخَمْرُ ، وَهُوَ : الْجَوَابُ السَّادِسُ : دَخَلَتْ فِي تَعْلِيلِ الرِّجْسِيَّةِ .
وَأَمَّا الْجَوَابُ السَّابِعُ : عَنْ الْآدَمِيِّ فَهَيْهَاتَ أَيُّهَا الْمُتَكَلِّمُ ، لَقَدْ حَطَطْت مُسَمَّاك إذْ أَبْعَدْت مَرْمَاك ، مَنْ أَدْخَلَ الْآدَمِيَّ فِي هَذَا ؟ وَهُوَ الْمُحَلَّلُ لَهُ الْمُحَرَّمُ ، الْمُخَاطَبُ الْمُثَابُ الْمُعَاقَبُ ، الْمُمْتَثِلُ الْمُخَالِفُ ، فَبَيْنَمَا كَانَ مُتَصَرِّفًا جَعَلْته مُصَرِّفًا ، انْصَرِفْ عَنْ الْمَقَامِ فَلَسْت فِيهِ بِإِمَامٍ ، فَإِنَّ الْإِمَامَ هَاهُنَا وَرَاءٌ ، وَالْوَرَاءُ أَمَامٌ ، وَقَدْ انْدَرَجَتْ : الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي هَذَا الْكَلَامِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : رَوَى مُجَاهِدٌ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرِهَ مِنْ الشَّاءِ سَبْعًا : الدَّمَ ، وَالْمِرَارَ ، وَالْحَيَاءَ ، وَالْغُدَّةَ ، وَالذَّكَرَ ، وَالْأُنْثَيَيْنِ .
} وَهَذِهِ زِيَادَاتٌ عَلَى هَذِهِ الْمُحَرَّمَاتِ .
قُلْنَا : عَنْهُ جَوَابَانِ : الْأَوَّلُ : أَنَّ الْكَرَاهِيَةَ غَيْرُ التَّحْرِيمِ ، وَهُوَ بِالنِّسْبَةِ إلَيْهِ كَالنَّدْبِ بِالنِّسْبَةِ إلَى الْوُجُوبِ .
الثَّانِي : أَنَّ هَذِهِ الْكَرَاهِيَةَ إنَّمَا هِيَ عِيَافَةُ نَفْسٍ ، وَتَقَزُّزُ جِبِلَّةٍ ، وَتَقَذُّرُ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمُحَلَّلِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ الدَّمَ .
قُلْنَا : عَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذَا اسْتِدْلَالٌ بِالْقَرَائِنِ ، فَكَمْ مِنْ مَكْرُوهٍ قُرِنَ بِمُحَرَّمٍ ، كَقَوْلِهِ : { نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ كُلِّ مُسْكِرٍ وَمُفْتِرٍ } .
وَكَمْ مِنْ غَيْرِ وَاجِبٍ قُرِنَ

بِوَاجِبٍ ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى : { كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ } .
وَقَوْلُهُ : { وَأَتِمُّوا الْحَجَّ وَالْعُمْرَةَ لِلَّهِ } .
الثَّانِي : أَنَّهُ أَرَادَ الدَّمَ الْمُخَالِطَ لِلَّحْمِ الَّذِي عُفِيَ عَنْهُ لِلْخَلْقِ وَأَمَّا الْمِرَارُ الْمَذْكُورُ فِي الْحَدِيثِ فَهُوَ مِنْ قَوْلِ بَعْضِهِمْ الْأَمَرُّ ، وَهُوَ الْمَصَارِينُ ، وَلَا أُرَاهُ أَرَادَ إلَّا الْمِرَارَ بِعَيْنِهِ ، وَنَبَّهَ بِذِكْرِهِ عَلَى عِلَّةِ كَرَاهَةِ غَيْرِهِ بِأَنَّهُ مَحَلُّ الْمُسْتَخْبَثِ ؛ فَكُرِهَ لِأَجْلِهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنْ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوْ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا } فِيهَا أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : هَادُوا : تَابُوا .
هَادَ يَهُودُ : تَابَ .
الثَّانِي : هَادَ : إذَا سَكَنَ .
الثَّالِثُ : هَادَ : فَتَرَ .
الرَّابِعُ : هَادَ : دَخَلَ فِي الْيَهُودِيَّةِ .
وَقَدْ قِيلَ فِي قَوْله تَعَالَى : { كُونُوا هُودًا } أَيْ يَهُودًا .
ثُمَّ حَذَفَ الْيَاءَ .
فَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ التَّائِبُ يَشْهَدُ لَهُ قَوْلُهُ : { إنَّا هُدْنَا إلَيْك } أَيْ تُبْنَا ، وَكُلُّ تَائِبٍ إلَى رَبِّهِ : سَاكِنٌ إلَيْهِ فَاتِرٌ عَنْ مَعْصِيَتِهِ .
وَهَذَا مَعْنَى مُتَقَارِبٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى فِي قَوْلِهِ : { كُلَّ ذِي ظُفُرٍ } يَعْنِي مَا لَيْسَ بِمُنْفَرِجِ الْأَصَابِعِ ، كَالْإِبِلِ وَالنَّعَامِ وَالْإِوَزِّ وَالْبَطِّ ؛ قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ، وَسَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ ، وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ مَا يَصِيدُ بِظُفْرِهِ : مِنْ [ سِبَاعِ ] الطَّيْرِ وَالْكِلَابِ .
وَالْحَوَايَا : وَاحِدُهَا حَاوِيَاءُ أَوْ حَوِيَّةٌ ، وَهِيَ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلِ : الْمَبَاعِرُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا خَزَائِنُ اللَّبَنِ .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا الْأَمْعَاءُ الَّتِي عَلَيْهَا الشُّحُومُ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَخْبَرَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَى أَنَّهُ كَتَبَ عَلَيْهِمْ تَحْرِيمَ هَذَا فِي التَّوْرَاةِ ، وَقَدْ نَسَخَ اللَّهُ ذَلِكَ كُلَّهُ بِشَرِيعَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَبَاحَ لَهُمْ مَا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَيْهِمْ ؛ عُقُوبَةً لَهُمْ عَلَى طَرِيقِ التَّشْدِيدِ فِي التَّكْلِيفِ لِعَظِيمِ الْحُرْمِ ، وَزَوَالِ الْحَرَجِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ وَأُمَّتِهِ ] ، وَأَلْزَمَ جَمِيعَ الْخَلِيقَةِ دِينَ الْإِسْلَامِ بِحِلِّهِ وَحُرْمِهِ ، وَأَمْرِهِ وَنَهْيِهِ ؛ فَإِذَا ذَبَحُوا أَنْعَامَهُمْ فَأَكَلُوا مَا أَحَلَّ اللَّهُ فِي التَّوْرَاةِ ، وَتَرَكُوا مَا حَرَّمَ ، فَهَلْ يَحِلُّ لَنَا ؟ فَقَالَ مَالِكٌ فِي كِتَابِ مُحَمَّدٍ : هِيَ مُحَرَّمَةٌ [ عَلَيْهِمْ ] .
وَقَالَ فِي سَمَاعِ الْمَبْسُوطِ : هِيَ مُحَلَّلَةٌ ، وَبِهِ قَالَ ابْنُ نَافِعٍ .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : أَكْرَهُهُ .
وَالصَّحِيحُ أَكْلُهَا ؛ لِأَنَّ اللَّهَ رَفَعَ ذَلِكَ التَّحْرِيمَ بِالْإِسْلَامِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ بَقِيَ اعْتِقَادُهُمْ فِيهِ عِنْدَ الذَّكَاةِ .
قُلْنَا : هَذَا لَا يُؤَثِّرُ ؛ لِأَنَّهُ اعْتِقَادٌ فَاسِدٌ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فَلَوْ ذَبَحُوا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ ؛ فَقَالَ أَصْبَغُ : كُلُّ مَا كَانَ مُحَرَّمًا فِي كِتَابِ اللَّهِ مِنْ ذَبَائِحِهِمْ فَلَا يَحِلُّ أَكْلُهُ .
وَقَالَهُ أَشْهَبُ وَابْنُ الْقَاسِمِ وَأَجَازَهُ ابْنُ وَهْبٍ .
وَالصَّحِيحُ تَحْرِيمُهُ ؛ لِأَنَّ ذَبْحَهُ مِنْهُمْ لَيْسَ بِذَكَاةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ } دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ التَّحْرِيمَ إنَّمَا يَكُونُ عَنْ ذَنْبٍ ؛ لِأَنَّهُ ضَيِّقٌ فَلَا يُعْدَلُ عَنْ السِّعَةِ إلَيْهِ إلَّا عِنْدَ الْمَوْجِدَةِ .

الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمْ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِذَا شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاَلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ } .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : فِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الرَّجُلَ إذَا قَالَ : رَضِيت بِفُلَانٍ فَإِذَا شَهِدَ أَنْكَرَهُ ، وَقَالَ : ظَنَنْت أَنَّهُ يَقُولُ الْحَقَّ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُهُ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ فِيهِ الْفُقَهَاءُ ؛ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : يَلْزَمُهُ ذَلِكَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : لَا يَلْزَمُهُ مَا قَالَ .
وَلِلْمَالِكِيَّةِ الْقَوْلَانِ .
وَمَشْهُورٌ قَوْلُ ابْنِ الْقَاسِمِ أَنْ لَا يَلْزَمَهُ ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ الرِّضَا بِالشَّهَادَةِ ثُمَّ الْإِنْكَارُ ؛ إنَّمَا فِيهَا طَلَبُ الدَّلِيلِ وَاسْتِدْعَاءُ الْبُرْهَانِ عَلَى الدَّعْوَى ؛ فَإِنَّ الْعَرَبَ تَحَكَّمَتْ بِالتَّحْرِيمِ وَالتَّحْلِيلِ ، فَقَالَ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ : قُلْ لَهُمْ : هَاتُوا شُهَدَاءَكُمْ بِأَنَّ هَذَا مِنْ عِنْدِ اللَّهِ ، أَيْ حُجَّتَكُمْ حَتَّى نَسْمَعَهَا ، وَنَنْظُرَ فِيهَا .
فَإِنْ قِيلَ : فَمَا فَائِدَةُ قَوْلِهِ : { فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ } ؟ قُلْنَا : هَذَا تَحْذِيرٌ مِنْ اللَّهِ لِنَبِيِّهِ لِتَعْلَمَ أُمَّتُهُ الْمَعْنَى .
فَإِنْ قَالَ شُهَدَاؤُهُمْ مِثْلَ مَا يَقُولُونَ فَلَا تَقُلْهُ مَعَهُمْ ؛ فَهَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الشَّاهِدَ إذَا قَالَ مَا قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى بُطْلَانِهِ فَلَا تُقْبَلُ شَهَادَتُهُ .

الْآيَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إلَّا بِاَلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ تَقَدَّمَ حَالُ الْوَلِيِّ مَعَ الْيَتِيمِ فِي مَالِهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَآلِ عِمْرَانَ ، وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى جَوَازِ عَمَلِ الْوَصِيِّ فِي مَالٍ الْيَتِيمِ إذَا كَانَ حَسَنًا حَتَّى يَبْلُغَ الْغُلَامُ أَشُدَّهُ ، زَادَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَيُونُسَ رُشْدَهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْبُلُوغَ أَشُدٌّ ، وَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : الْأَشُدُّ خَمْسَةٌ وَعِشْرُونَ عَامًا ، وَعَجَبًا مِنْ أَبِي حَنِيفَةَ فَإِنَّهُ يَرَى أَنَّ الْمُقَدَّرَاتِ لَا تَثْبُتُ نَظَرًا وَلَا قِيَاسًا ، وَإِنَّمَا تَثْبُتُ نَقْلًا عَلَى مَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ ، وَهُوَ يُثْبِتُهَا بِالْأَحَادِيثِ الضَّعِيفَةِ ، وَلَكِنَّهُ سَكَنَ دَارَ الضَّرْبِ فَكَثُرَ عِنْدَهُ الْمُدَلِّسُ ، وَلَوْ سَكَنَ الْمَعْدِنُ كَمَا قَيَّضَ اللَّهُ لِمَالِكٍ لِمَا صَدَرَ عَنْهُ إلَّا إبْرِيزُ الدِّينِ وَإِكْسِيرُ الْمِلَّةِ كَمَا صَدَرَ عَنْ مَالِكٍ .

======ج10 ج10 ج10 ج10 =========

ج10.كتاب : أحكام القرآن
المؤلف:ابن العربي


الْآيَةُ السَّابِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { قُلْ إنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ لَا شَرِيكَ لَهُ وَبِذَلِكَ أُمِرْت وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { إنَّ صَلَاتِي } الْآيَةَ : مَقَامُ التَّسْلِيمِ لِلَّهِ وَدَرَجَةُ التَّفْوِيضِ إلَى اللَّهِ بِنَاءً عَنْ مُشَاهَدَةِ تَوْحِيدٍ وَمُعَايَنَةِ يَقِينٍ وَتَحْقِيقٍ ؛ فَإِنَّ الْكُلَّ مِنْ الْإِنْسَانِ لِلَّهِ أَصْلٌ وَوَصْفٌ ، وَظَاهِرٌ وَبَاطِنٌ ، وَاعْتِقَادٌ وَعَمَلٌ ، وَابْتِدَاءٌ وَانْتِهَاءٌ ، وَتَوَقُّفٌ وَتَصَرُّفٌ ، وَتَقَدُّمٌ وَتَخَلُّفٌ ، لَا شَرِيكَ لَهُ فِيهِ ، لَا مِنْهُ وَلَا مِنْ غَيْرِهِ يُضَاهِيهِ أَوْ يُدَانِيهِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَسْتَفْتِحُ بِهِ صَلَاتَهُ ، وَثَبَتَ أَنَّهُ كَانَ يَقُولُ فِي اسْتِفْتَاحِهَا أَيْضًا : سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك } .
وَاخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ بِذَلِكَ ؛ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : لَمْ يَرَ مَالِكٌ هَذَا الَّذِي يَقُولُ النَّاسُ قَبْلَ الْقِرَاءَةِ : سُبْحَانَك اللَّهُمَّ وَبِحَمْدِك .
وَفِي مُخْتَصَرِ مَا لَيْسَ فِي الْمُخْتَصَرِ أَنَّ مَالِكًا يَقُولُ : وَإِنَّمَا كَانَ يَقُولُ فِي خَاصَّتِهِ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ بِهِ ؛ وَكَانَ لَا يُرِيهِ لِلنَّاسِ مَخَافَةَ أَنْ يَعْتَقِدُوا وُجُوبَهُ .
وَرَآهُ الشَّافِعِيُّ مِنْ سُنَنِ الصَّلَوَاتِ ، وَهُوَ الصَّوَابُ ؛ لِصِحَّةِ الْحَدِيثِ ؛ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إذَا قُلْنَا إنَّهُ يَقُولُهَا فِي افْتِتَاحِ الصَّلَاةِ عَلَى الْوَجْهِ الْمُتَقَدِّمِ فَإِنَّهُ يَقُولُ فِي آخِرِهَا : وَأَنَا مِنْ الْمُسْلِمِينَ ، وَلَا يَقُولُ : وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْلِمِينَ ؛ إذْ لَيْسَ أَحَدٌ بِأَوَّلِهِمْ إلَّا مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَإِنْ قِيلَ : أَوَلَيْسَ إبْرَاهِيمُ قَبْلَهُ ؟ قُلْنَا : عَنْهُ أَجْوِبَةً ، أَظْهَرُهَا الْآنَ أَنَّ أَوَّلَ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ مِلَّتِهِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْآيَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِي رَبًّا وَهُوَ رَبُّ كُلِّ شَيْءٍ وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : اسْتَدَلَّ بَعْضُ عُلَمَائِنَا الْمُخَالِفِينَ عَلَى أَنَّ بَيْعَ الْفُضُولِيِّ لَا يَصِحُّ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إلَّا عَلَيْهَا } .
وَعَارَضَهُمْ عُلَمَاؤُنَا بِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْآيَةِ تَحَمُّلُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ دُونَ أَحْكَامِ الدُّنْيَا .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِذَلِكَ كَسْبَ الْإِلْزَامِ وَالِالْتِزَامِ ، لَا كَسْبَ الْمَعُونَةِ وَالِاسْتِخْدَامِ ؛ فَقَدْ يَتَعَاوَنُ الْمُسْلِمُونَ وَيَتَعَامَلُونَ بِحُكْمِ الْعَادَةِ وَالْمُرُوءَةِ وَالْمُشَارَكَةِ ؛ هَذَا رَسُولُ اللَّهِ قَدْ بَاعَ لَهُ وَاشْتَرَى عُرْوَةُ الْبَارِقِيُّ فِي دِينَارٍ وَتَصَرَّفَ بِغَيْرِ أَمْرِهِ ، فَأَجَازَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَمْضَاهُ ؛ نَصُّهُ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَفَعَ إلَى عُرْوَةَ الْبَارِقِيِّ دِينَارًا ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَشْتَرِيَ لَهُ شَاةً مِنْ الْجَلَبِ فَاشْتَرَى لَهُ بِهِ شَاتَيْنِ ، وَبَاعَ إحْدَاهُمَا بِدِينَارٍ ، وَجَاءَ بِالدِّينَارِ وَبِالشَّاةِ فَدَعَا لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالْبَرَكَةِ ؛ فَكَانَ لَا يَتَّجِرُ فِي سُوقٍ إلَّا رَبِحَ فِيهَا حَتَّى لَوْ اتَّجَرَ فِي التُّرَابِ لَرَبِحَ فِيهِ } .
قَالَ : وَلَقَدْ كُنْت أَخْرُجُ إلَى الْكُنَاسَةِ بِالْكُوفَةِ فَلَا أَرْجِعُ إلَّا وَقَدْ رَبِحْت رِبْحًا عَظِيمًا .
وَقَدْ مَهَّدْنَا الْكَلَامَ عَلَيْهِ فِي صَرِيحِ الْحَدِيثِ وَتَلْخِيصِ الطَّرِيقَتَيْنِ ، فَانْظُرُوهُ تَجِدُوهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } لِلْوِزْرِ مَعْنَيَانِ : أَحَدُهُمَا : الثِّقَلُ ؛ وَهُوَ الْمُرَادُ هَاهُنَا ، يُقَالُ وَزَرَهُ يَزِرُهُ إذَا حَمَلَ ثِقَلَهُ ، وَمِنْهُ قَوْله تَعَالَى : { وَوَضَعْنَا عَنْك

وِزْرَك } .
وَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا الذَّنْبُ ؛ قَالَ تَعَالَى : { وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ } يَعْنِي ذُنُوبَهُمْ { أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ } أَيْ : بِئْسَ الشَّيْءُ شَيْئًا يَحْمِلُونَ .
وَالْمَعْنَى لَا تَحْمِلُ نَفْسٌ مُذْنِبَةٌ عُقُوبَةَ الْأُخْرَى ؛ وَإِنَّمَا تُؤْخَذُ كُلُّ نَفْسٍ مِنْهُمْ بِجَرِيرَتِهَا الَّتِي اكْتَسَبَتْهَا ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ } .
وَقَدْ وَفَدَ أَبُو رِمْثَةَ رِفَاعَةُ بْنُ يَثْرِبِيٍّ التَّمِيمِيُّ مَعَ ابْنِهِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَقَالَ : أَمَا إنَّهُ لَا يَجْنِي عَلَيْك وَلَا تَجْنِي عَلَيْهِ .
وَهَذَا إنَّمَا بَيَّنَّهُ لَهُمْ رَدًّا عَلَى اعْتِقَادِهِمْ فِي الْجَاهِلِيَّةِ مِنْ مُؤَاخَذَةِ الرَّجُلِ بِابْنِهِ وَبِأَبِيهِ وَبِجَرِيرَةِ حَلِيفِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : وَهَذَا حُكْمٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى نَافِذٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ؛ وَهُوَ أَلَّا يُؤْخَذَ أَحَدٌ بِجُرْمِ أَحَدٍ ، بَيْدَ أَنَّهُ يَتَعَلَّقُ بِبَعْضِ النَّاسِ مِنْ بَعْضِ أَحْكَامٍ فِي مَصَالِحِ الْأَمْرِ بِالْمَعْرُوفِ وَالنَّهْيِ عَنْ الْمُنْكَرِ ، وَالتَّعَاوُنِ عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى ، وَحِمَايَةِ النَّفْسِ وَالْأَهْلِ عَنْ الْعَذَابِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { قُوا أَنْفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا } .
وَالْأَصْلُ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ أَنَّ الْمَرْءَ كَمَا يُفْتَرَضُ عَلَيْهِ أَنْ يُصْلِحَ نَفْسَهُ بِاكْتِسَابِ الْخَيْرِ فَوَاجِبٌ عَلَيْهِ أَنْ يُصْلِحَ غَيْرَهُ بِالْأَمْرِ بِهِ وَالدُّعَاءِ إلَيْهِ وَالْحَمْلِ عَلَيْهِ ، وَهَذِهِ فَائِدَةُ الصُّحْبَةِ ، وَثَمَرَةُ الْمُعَاشَرَةِ ، وَبَرَكَةُ الْمُخَالَطَةِ ، وَحُسْنُ الْمُجَاوَرَةِ ؛ فَإِنْ [ حَسُنَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَانَ مُعَافًى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، وَإِنْ ] قَصَّرَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ كَانَ مُعَاقَبًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ ، فَعَلَيْهِ أَوَّلًا إصْلَاحُ أَهْلِهِ وَوَلَدِهِ ، ثُمَّ إصْلَاحُ خَلِيطِهِ وَجَارِهِ ، ثُمَّ سَائِرُ النَّاسِ بَعْدَهُ ، بِمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَدُعَائِهِمْ وَحَمْلِهِمْ ؛ فَإِنْ فَعَلُوا ، وَإِلَّا اسْتَعَانَ

بِالْخَلِيفَةِ لِلَّهِ فِي الْأَرْضِ عَلَيْهِمْ ، فَهُوَ يَحْمِلُهُمْ عَلَى ذَلِكَ قَسْرًا ، وَمَتَى أَغْفَلَ الْخَلْقُ هَذَا فَسَدَتْ الْمَصَالِحُ ، وَتَشَتَّتَ الْأَمْرُ ، وَاتَّسَعَ الْخَرْقُ ، وَفَاتَ التَّرْقِيعُ ، وَانْتَشَرَ التَّدْمِيرُ ؛ وَلِذَلِكَ يَرْوُونَ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ كَفَّلَ الْمُتَّهَمِينَ عَشَائِرَهُمْ ، وَذَلِكَ بِالْتِزَامِهِمْ كَفَّهُمْ أَوْ رَفْعَهُمْ إلَيْهِ حَتَّى يَنْظُرَ فِيهِمْ ، وَاَللَّهُ يَتَوَلَّى التَّوْفِيقَ بِرَحْمَتِهِ .

سُورَةُ الْأَعْرَافِ فِيهَا سَبْعٌ وَعِشْرُونَ آيَةً : الْآيَةُ الْأُولَى قَوْله تَعَالَى : { كِتَابٌ أُنْزِلَ إلَيْك فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِك حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ بَعْضُهُمْ : قَوْلُهُ : { فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِك حَرَجٌ مِنْهُ } نَهْيٌ فِي الظَّاهِرِ ، وَلَكِنَّهُ لِنَفْيِ الْحَرَجِ .
وَعَجَبًا لَهُ مَعَ عَمَلٍ يَقَعُ فِي مِثْلِهِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الشَّيْءِ لَا يَقْتَضِي نَفْيَهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ سُبْحَانَهُ يَنْهَى عَنْ أَشْيَاءَ وَتُوجَدُ ، وَيَأْمُرُ بِأَشْيَاءَ فَلَا تُوجَدُ وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ نَهْيٌ عَنْ حَالِهِ ؛ قِيلَ لِمُحَمَّدٍ : { فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِك حَرَجٌ مِنْهُ } ، وَأُعِينَ عَلَى امْتِثَالِ النَّهْيِ بِخَلْقِ الْقُدْرَةِ لَهُ عَلَيْهِ ؛ كَمَا فَعَلَ بِهِ فِي سَائِرِ التَّكْلِيفَاتِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْحَرَجُ : هُوَ الضِّيقُ .
وَقِيلَ : هُوَ الشَّكُّ .
وَقِيلَ : هُوَ التَّبَرُّمُ ؛ وَإِلَى الْأَوَّلِ يَرْجِعُ ؛ فَإِنْ كَانَ هُوَ الشَّكُّ فَقَدْ أَنَارَ اللَّهُ فُؤَادَهُ بِالْيَقِينِ ، وَإِنْ كَانَ التَّبَرُّمُ فَقَدْ حَبَّبَ اللَّهُ إلَيْهِ الدِّينَ ، وَإِنْ كَانَ الضِّيقُ فَقَدْ وَسَّعَ اللَّهُ قَلْبَهُ بِالْعُلُومِ ، وَشَرَحَ صَدْرَهُ بِالْمَعَارِفِ ، وَذَلِكَ مِمَّا فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْهِ مِنْ عُلُومِ الْقُرْآنِ ، وَخَفَّفَ عَلَيْهِ ثِقَلَ الْعِبَادَةِ حَتَّى جُعِلَتْ قُرَّةَ عَيْنِهِ فِي الصَّلَاةِ فَكَانَ يَقُولُ : { أَرِحْنَا بِهَا يَا بِلَالٌ } .
وَمِنْ تَمَامِ النِّيَّةِ فِي الْعِبَادَةِ النَّشَاطُ إلَيْهَا وَالْخِفَّةُ إلَى فِعْلِهَا ، وَخُصُوصًا الصُّبْحَ وَالْعِشَاءَ ؛ فَهُمَا أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ حَسْبَمَا رَوَاهُ أَبُو دَاوُد وَغَيْرُهُ : { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : فَذَكَرَ مِنْ حَدِيثِ : أَنَّ هَاتَيْنِ الصَّلَاتَيْنِ أَثْقَلُ الصَّلَوَاتِ عَلَى الْمُنَافِقِينَ ، وَلَوْ يَعْلَمُونَ مَا فِيهِمَا لَأَتَوْهُمَا وَلَوْ حَبْوًا عَلَى الرُّكَبِ } .
وَلَيْسَ يَخْلُو أَحَدٌ عَنْ وُجُودِ الثِّقَلِ ؛ وَلِذَلِكَ كَانَ تَكْلِيفًا ، بَيْدَ أَنَّ الْمُؤْمِنَ يَحْتَمِلُهُ

وَيَخْرُجُ بِالْفِعْلِ عَنْهُ ، وَالْمُنَافِقُ يُسْقِطُهُ .
فَإِنْ قِيلَ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فَالْعَاصِي إذَا أَسْقَطَهُ أَمُنَافِقٌ هُوَ ؟ قُلْنَا : لَا ، وَلَكِنَّهُ فَاعِلٌ فِعْلَ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ ، وَإِلَى هَذَا الْمَعْنَى أَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَوْلِهِ : { مَنْ تَرَكَ الصَّلَاةَ فَقَدْ كَفَرَ } أَيْ فَعَلَ فِعْلَ الْكُفَّارِ فِي أَحَدِ الْأَقْوَالِ :

الْآيَةُ الثَّانِيَةُ قَوْله تَعَالَى : { اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : مَعْنَاهُ أَحِلُّوا حَلَالَهُ وَحَرِّمُوا حَرَامَهُ ، وَامْتَثِلُوا أَمْرَهُ ، وَاجْتَنِبُوا نَهْيَهُ ، وَاسْتَبِيحُوا مُبَاحَهُ ، وَارْجُوا وَعْدَهُ ، وَخَافُوا وَعِيدَهُ ، وَاقْتَضُوا حُكْمَهُ ، وَانْشُرُوا مِنْ عِلْمِهِ عِلْمَهُ ، وَاسْتَجْسُوا خَبَايَاهُ ، وَلِجُوا زَوَايَاهُ ، وَاسْتَثِيرُوا جَاثِمَهُ ؛ وَفُضُّوا خَاتَمَهُ ، وَأَلْحِقُوا بِهِ مُلَائِمَهُ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : بِاتِّبَاعِ مَا يُؤْثَرُ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَإِنْ عَارَضَهُ إذَا وَضَّحَ مَسْلَكَهُ ؛ فَتَارَةً يَكُونُ نَاسِخًا لَهُ ، وَأُخْرَى خَاصًّا وَمُتَمِّمًا فِي حُكْمٍ عَلَى طُرُقِ مَوَارِدِهِ الْمَعْلُومَةِ ، بِشُرُوطِهَا الْمَحْصُورَةِ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي أُصُولِ الْفِقْهِ .

الْآيَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ } .
فِيهَا إحْدَى عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى فِي نُزُولِهَا : قِيلَ : إنَّهَا نَزَلَتْ فِي الَّذِينَ كَانُوا يَطُوفُونَ بِالْبَيْتِ عُرَاةً ، أُمِرُوا بِاللِّبَاسِ وَسَتْرِ الْعَوْرَةِ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ وَجَمَاعَةٌ مَعَهُ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ وَالزَّجَّاجُ : نَزَلَتْ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ ، وَهَذَا لَيْسَ يُدَافِعُ الْأَوَّلَ ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ بِالْبَيْتِ صَلَاةٌ .
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : كَانَتْ الْمَرْأَةُ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانَةً فَتَقُولُ : مَنْ تُعِيرُنِي تِطْوَافًا ؟ فَتَجْعَلُهُ عَلَى فَرْجِهَا وَتَقُولُ : الْيَوْمَ يَبْدُو بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ جَهْمٌ مِنْ الْجَهْمِ عَظِيمٌ ظِلُّهُ كَمْ مِنْ لَبِيبٍ عَقْلُهُ يُضِلُّهُ وَنَاظِرٍ يَنْظُرُ مَا يَمَلُّهُ فَنَزَلَتْ : { خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } .
قَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَهَذِهِ الْمَرْأَةُ هِيَ ضُبَاعَةُ بِنْتُ عَامِرِ بْنُ قُرْطٍ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ الْعَرَبَ كَانَتْ تَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرَاةً ، إلَّا الْحُمْسَ : قُرَيْشٌ وَأَحْلَافُهُمْ ، فَمَنْ جَاءَ مِنْ غَيْرِهِمْ وَضَعَ ثِيَابَهُ وَطَافَ فِي ثَوْبٍ أَحْمَسِيٍّ ، فَيَحِلُّ أَنْ يَلْبَسَ ثِيَابَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَجِدْ مَنْ يُعِيرُهُ مَا يَلْبَسُ مِنْ الْحُمْسِ فَإِنَّهُ يُلْقِي ثَوْبَهُ وَيَطُوفُ عُرْيَانًا ، وَتَحْرُمُ عَلَيْهِ ثِيَابُهُ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَرْسَلَ أَلَّا يَحُجَّ بَعْدَ الْعَامِ مُشْرِكٌ وَلَا يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانٌ } .
فَنُودِيَ بِهَا فِي الْمَوْسِمِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي سَبَبِ فِعْلِ الْجَاهِلِيَّةِ لِذَلِكَ : إنَّ قُرَيْشًا كَانَتْ رَأَتْ رَأْيًا تَكِيدُ بِهِ الْعَرَبَ ، فَقَالُوا : يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ ؛ لَا تُعَظِّمُوا شَيْئًا مِنْ الْبُلْدَانِ كَتَعْظِيمِ حَرَمِكُمْ ، فَتَزْهَدَ الْعَرَبُ ؛ فِي حَرَمِكُمْ إذَا رَأَوْكُمْ قَدْ

عَظَّمْتُمْ مِنْ الْبُلْدَانِ غَيْرَهُ كَتَعْظِيمِهِ ، فَعَظِّمُوا أَمْرَكُمْ فِي الْعَرَبِ ؛ فَإِنَّكُمْ وُلَاةُ الْبَيْتِ وَأَهْلُهُ دُونَ النَّاسِ ؛ فَوَضَعُوا لِذَلِكَ الْأَمْرِ أَنْ قَالُوا : نَحْنُ أَهْلُ الْحَرَمِ ، فَلَا يَنْبَغِي لَنَا أَنْ نُعَظِّمَ غَيْرَهُ ، وَلَا نَخْرُجَ مِنْهُ ؛ فَكَانُوا يَقِفُونَ بِالْمُزْدَلِفَةِ دُونَ عَرَفَةَ ؛ لِأَنَّهَا خَارِجٌ مِنْ الْحَرَمِ ، وَكَانَتْ سُنَّةَ إبْرَاهِيمَ وَعَهْدًا مِنْ عَهْدِهِ ، ثُمَّ قَالُوا : لَا يَنْبَغِي لِأَحَدٍ مِنْ الْعَرَبِ أَنْ يَطُوفَ إلَّا فِي ثِيَابِنَا ، وَلَا يَأْكُلَ إذَا دَخَلَ أَرْضَنَا إلَّا مِنْ طَعَامِنَا ، وَلَا يَأْكُلَ الْأَقِطَ ، وَلَا يَسْتَظِلَّ بِالْأَدَمِ إلَّا الْحُمْسُ ، وَهُمْ قُرَيْشٌ ، وَمَا وَلَدَتْ مِنْ الْعَرَبِ وَمَنْ كَانَ يَلِيهَا مِنْ حُلَفَائِهَا مِنْ بَنِي كِنَانَةَ ؛ فَكَانَ الرَّجُلُ مِنْ الْعَرَبِ أَوْ الْمَرْأَةُ يَأْتِيَانِ حَاجَّيْنِ ، حَتَّى إذَا أَتَيَا الْحَرَمَ وَضَعَا ثِيَابَهُمَا وَزَادَهُمَا ، وَحَرُمَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَدْخُلَا مَكَّةَ بِشَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ : فَإِنْ كَانَ لِأَحَدٍ مِنْهُمْ صَدِيقٌ مِنْ الْحُمْسِ اسْتَعَارَ مِنْ ثِيَابِهِ وَطَافَ بِهَا ، وَمَنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَدِيقٌ مِنْهُمْ ، وَكَانَ لَهُ يَسَارٌ اسْتَأْجَرَ مِنْ رَجُلٍ مِنْ الْحُمْسِ ثِيَابَهُ ، فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ صَدِيقٌ وَلَا يَسَارٌ يَسْتَأْجِرُ بِهِ كَانَ بَيْنَ أَحَدِ أَمْرَيْنِ : إمَّا أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا ، وَإِمَّا أَنْ يَتَكَرَّمَ أَنْ يَطُوفَ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا فَيَطُوفَ فِي ثِيَابِهِ ؛ فَإِذَا فَرَغَ مِنْ طَوَافِهِ أَلْقَى ثَوْبَهُ عَنْهُ ، فَلَمْ يَمَسَّهُ ، وَلَمْ يَمَسَّهُ أَحَدٌ مِنْ النَّاسِ ؛ فَكَانَ ذَلِكَ الثَّوْبُ يُسَمَّى اللَّقَى قَالَ قَائِلٌ مِنْ الْعَرَبِ : كَفَى حَزَنًا كَرِّي عَلَيْهِ كَأَنَّهُ لَقًى بَيْنَ أَيْدِي الطَّائِفِينَ حَرِيمُ وَإِنْ كَانَتْ امْرَأَةٌ وَلَمْ تَجِدْ مَنْ يُعِيرُهَا وَلَا كَانَ لَهَا يَسَارٌ تَسْتَأْجِرُ بِهِ [ خَلَعَتْ ] ثِيَابَهَا كُلَّهَا إلَّا دِرْعًا مُفْرَدًا ، ثُمَّ طَافَتْ فِيهِ ؛ فَقَالَتْ امْرَأَةٌ مِنْ الْعَرَبِ كَانَتْ جَمِيلَةً تَامَّةً ذَاتَ هَيْئَةٍ وَهِيَ تَطُوفُ : الْيَوْمَ يَبْدُو

بَعْضُهُ أَوْ كُلُّهُ وَمَا بَدَا مِنْهُ فَلَا أُحِلُّهُ فَكَانُوا عَلَى ذَلِكَ مِنْ الْبِدْعَةِ وَالضَّلَالَةِ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ نَبِيَّهُ مُحَمَّدًا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْزَلَ فِيمَنْ كَانَ يَطُوفُ بِالْبَيْتِ عُرْيَانًا : { يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ } إلَى آخِرِ الْآيَةِ .
وَوَضَعَ اللَّهُ مَا كَانَتْ قُرَيْشٌ ابْتَدَعَتْ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ أَنْزَلَ اللَّهُ فِي تَرْكِهِمْ الْوُقُوفَ بِعَرَفَةَ : { ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ } يَعْنِي بِذَلِكَ قُرَيْشًا وَمَنْ كَانَ عَلَى دِينِهِمْ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سَتْرِ الْعَوْرَةِ ، هَلْ هِيَ فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ أَمْ مُسْتَحَبَّةٌ ؟ فَأَمَّا أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ وَأَحْمَدُ فَقَالُوا : إنَّهَا فَرْضٌ فِيهَا .
وَأَمَّا مَالِكٌ فَالْمَشْهُورُ مِنْ قَوْلِهِ أَنَّهَا فَرْضٌ إسْلَامِيٌّ لَا تَخْتَصُّ بِالصَّلَاةِ ؛ وَهُوَ أَشْهَرُ أَقْوَالِنَا .
وَالْقَوْلُ الْآخَرُ مِثْلَ قَوْلِ مَنْ تَقَدَّمَ ؛ وَهُوَ الصَّحِيحُ ؛ لِمَا ثَبَتَ مِنْ { أَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَتْرِ الْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ } ، وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ ، وَهُوَ وَإِنْ كَانَ فَرْضًا إسْلَامِيًّا فَإِنَّهُ يَتَأَكَّدُ فِي الصَّلَاةِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : الْعَوْرَةُ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : الْأَوَّلِ : جَمِيعُ الْبَدَنِ ؛ فَيَجِبُ سَتْرُهُ فِي الصَّلَاةِ ؛ قَالَهُ أَبُو الْفَرَجِ عَنْهُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا مِنْ السُّرَّةِ إلَى الرُّكْبَةِ وَلَا خِلَافَ فِيهِ ؛ إنَّمَا الْخِلَافُ وَهُوَ الْقِسْمُ الثَّالِثُ فِي أَنَّ مَا زَادَ عَلَى الْقُبُلِ وَالدُّبُرِ هَلْ هُوَ عَوْرَةٌ مُثَقَّلَةٌ أَوْ مُخَفَّفَةٌ ؟ فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا وَأَبُو حَنِيفَةَ : إنَّ الْقُبُلَ وَالدُّبُرَ عَوْرَةٌ مُثَقَّلَةٌ ، وَالْفَخِذَ عَوْرَةٌ مُخَفَّفَةٌ .
وَالصَّحِيحُ أَنَّ الْفَخِذَ لَيْسَ بِعَوْرَةٍ ؛ { لِأَنَّهَا ظَهَرَتْ مِنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ جَرَى فِي زُقَاقِ خَيْبَرَ ، وَلِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَصِلُهَا بِأَفْخَاذِ أَصْحَابِهِ ، وَلَوْ كَانَتْ عَوْرَةً مَا وَصَلَهَا بِهَا } .
قَالَ زَيْدٌ : { نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْوَحْيُ وَفَخِذُهُ عَلَى فَخِذِي حَتَّى كَادَتْ أَنْ تَرُضَّ فَخِذِي } ، أَمَّا إنَّهُ يُكْرَهُ كَشْفُهَا فَإِنَّ مَالِكًا وَغَيْرَهُ قَدْ رَوَى حَدِيثَ جَرْهَدٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لَهُ : { غَطِّ فَخِذَك ؛ فَإِنَّ الْفَخِذَ عَوْرَةٌ } ؛ وَهُوَ حَدِيثٌ مَشْهُورٌ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ " قَوْله تَعَالَى : { خُذُوا زِينَتَكُمْ } وَإِنْ كَانَ وَارِدًا عَلَى طَوَافِ الْعُرْيَانِ ، فَإِنَّهُ عِنْدَنَا عَامٌّ فِي كُلِّ مَسْجِدٍ لِلصَّلَاةِ ؛ وَمِنْ الْعُلَمَاءِ مَنْ أَنْكَرَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ بِهِ الطَّوَافَ ؛ لِأَنَّ الطَّوَافَ لَا يَكُونُ إلَّا فِي مَسْجِدٍ وَاحِدٍ .
وَاَلَّذِي يَعُمُّ كُلَّ مَسْجِدٍ هُوَ الصَّلَاةُ ، وَهَذَا قَوْلُ مَنْ خَفِيَ عَلَيْهِ مَقَاصِدُ اللُّغَةِ وَالشَّرِيعَةِ .
وَبَيَانُهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يَطُوفُونَ عُرَاةً فِي الْمَسْجِدِ فَنَزَلَتْ : { خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } ، لِيَكُونَ الْعُمُومُ شَامِلًا لِكُلِّ مَسْجِدٍ ، وَالسَّبَبُ الَّذِي أَثَارَ ذَلِكَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَهُ فِي أَفْضَلِ الْمَسَاجِدِ ، وَالصَّحَابَةُ الَّذِينَ هُمْ أَرْبَابُ اللُّغَةِ وَالشَّرِيعَةِ أَخْبَرُوا بِذَلِكَ ، وَلَمْ يَخْفَ عَلَيْهِمْ نِظَامُ الْكَلَامِ ، وَلَا كَيْفَ كَانَ وُرُودُهُ ، اجتزءوا بِوُرُودِ الْآيَةِ وَمَنْحَاهَا ، فَلَا مَطْمَعَ لِعَالِمٍ فِي أَنْ يَسْبِقَ شَأْوَهُمْ فِي تَفْسِيرٍ أَوْ تَقْدِيرٍ .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى : { عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } قَالَ بَعْضُهُمْ : ظَاهِرُ هَذَا الْكَلَامِ الْوُرُودُ بِأَخْذِ الزِّينَةِ لِلْفِعْلِ الْوَاقِعِ فِي الْمَسْجِدِ ، تَعْظِيمًا لِلْمَسْجِدِ ، وَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى وُجُوبِ السَّتْرِ خَارِجَ الْمَسْجِدِ ، فَزَادَ النَّاسُ ، فَقَالُوا : " هَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْفِعْلِ لِلْعَوْرَةِ فِي الصَّلَاةِ ؛ فَإِنَّهُ لَيْسَ الْأَمْرُ بِالسَّتْرِ فِي الْمَسْجِدِ لِبَيْنِ الْمَسْجِدِ ، وَإِنَّمَا هُوَ لِلْفِعْلِ الْوَاقِعِ فِي الْمَسْجِدِ .
وَالْفِعْلُ الْوَاقِعُ فِي الْمَسْجِدِ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْسَامٍ : طَوَافٍ ، وَلَا يَعُمُّ كُلَّ مَسْجِدٍ وَاعْتِكَافٍ ، وَلَمْ يَشْرُفْ لِأَجْلِهِ ؛ فَلَمْ يَبْقَ إلَّا الصَّلَاةُ ؛ وَقَدْ أُلْزِمَ السَّتْرَ لَهَا ، فَكَانَ ذَلِكَ شَرْطًا فِيهَا .
وَقَدْ قَامَ الدَّلِيلُ عَلَى سُقُوطِ مَا زَادَ عَلَى الْعَوْرَةِ ، وَبَقِيَ مَا قَابَلَ الْعَوْرَةَ عَلَى ظَاهِرِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فَسَادَ هَذَا مِنْ قَبْلُ ؛ فَإِنَّ الْأَمْرَ بِالزِّينَةِ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ يَحْتَمِلُ أَنْ

يَكُونَ لِأَجْلِ مَا فِيهِ مِنْ اجْتِمَاعِ النَّاسِ .
فَإِنْ قِيلَ : وَيَجْتَمِعُونَ فِي الْأَسْوَاقِ .
قُلْنَا : لَيْسَ ذَلِكَ اجْتِمَاعًا مَشْرُوعًا ؛ بَلْ يَجُوزُ تَفَرُّقُهُمْ .
وَهَا هُنَا إنْ تَفَرَّقُوا فِي الْمَسَاجِدِ كَانَ ذَلِكَ قَطْعًا لِلْجَمَاعَةِ ، وَخَرْقًا لِلصُّفُوفِ ؛ إذْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لَا يَنْظُرُ الرَّجُلُ إلَى عَوْرَةِ الرَّجُلِ ، وَلَا الْمَرْأَةُ إلَى عَوْرَةِ الْمَرْأَةِ } .
خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : إنَّ الطَّوَافَ لَا يَعُمُّ كُلَّ مَسْجِدٍ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْجَوَابُ عَنْهُ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إذَا قُلْنَا : إنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ فَرْضٌ فِي الصَّلَاةِ فَسَقَطَ ثَوْبُ إمَامٍ فَانْكَشَفَ دُبُرُهُ ، وَهُوَ رَاكِعٌ ، فَرَفَعَ رَأْسَهُ وَغَطَّاهُ أَجْزَأَهُ ؛ قَالَهُ ابْنُ الْقَاسِمِ .
وَقَالَ سَحْنُونٌ : وَكُلُّ مَنْ نَظَرَ إلَيْهِ مِنْ الْمَأْمُومِينَ أَعَادَ .
وَقَدْ رَوَى سَحْنُونٌ أَنَّهُ يُعِيدُ ، وَيُعِيدُونَ ؛ لِأَنَّ سَتْرَ الْعَوْرَةِ شَرْطٌ مِنْ شُرُوطِ الصَّلَاةِ ، فَإِذَا بَطَلَ بَطَلَتْ الصَّلَاةُ أَصْلُهُ الطَّهَارَةُ .
فَهَذَا طَرِيقٌ مِنْ طُرُقِ النَّظَرِ .
وَأَمَّا أَنْ يُقَالَ : إنَّ صَلَاتَهُمْ لَا تَبْطُلُ ، لِأَنَّهُمْ لَمْ يَفْقِدُوا شَرْطًا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنْ أَخَذَهُ مَكَانَهُ صَحَّتْ صَلَاتُهُ وَتَبْطُلُ صَلَاةُ مَنْ نَظَرَ إلَيْهِ ، فَصَحِيفَةٌ يَجِبُ مَحْوُهَا ، وَلَا يَجُوزُ الِاشْتِغَالُ بِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا صَلَّى فِي جَمَاعَةٍ أَوْ كَانَ إمَامًا فَلَا يُصَلِّي إلَّا بِرِدَائِهِ أَوْ شَيْءٍ يَجْعَلُهُ عَلَى مَنْكِبِهِ ، وَلَوْ طَرَفَ عِمَامَةٍ ؛ لِأَنَّهُ مِنْ الزِّينَةِ ، وَقَدْ أَمَرَ اللَّهُ بِهَا عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ ، وَكَذَلِكَ قَالَتْ طَائِفَةٌ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : إنَّهُ يُصَلِّي فِي نَعْلَيْهِ ؛ وَقَدْ رَوَى أَنَسٌ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي قَوْلِهِ : { خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ } قَالُوا : { صَلُّوا فِي النِّعَالِ } ، وَلَمْ يَصِحَّ ذَلِكَ .

الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : هَذَا خِطَابٌ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ ، إلَّا أَنَّهُمْ يَخْتَلِفُونَ فِي الْعَوْرَةِ ، فَعَوْرَةُ الرَّجُلِ قَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُهَا ، وَعَوْرَةُ الْمَرْأَةِ جَمِيعُ بَدَنِهَا إلَّا وَجْهَهَا وَكَفَّيْهَا ، وَفِي الْمُصَنِّفِينَ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَا تُقْبَلُ صَلَاةُ حَائِضٍ إلَّا بِخِمَارٍ } .
وَهَذَا فِي الْحُرَّةِ ؛ ثَبَتَ عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ { أَنَّهَا سَأَلَتْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَتُصَلِّي الْمَرْأَةُ فِي دِرْعٍ وَخِمَارٍ لَيْسَ عَلَيْهَا إزَارٌ ؟ قَالَ : إذَا كَانَ الدِّرْعُ سَابِغًا يُغَطِّي ظُهُورَ قَدَمَيْهَا } ، فَأَمَّا الْأَمَةُ فَإِنَّهَا تُصَلِّي كَمَا تَمْشِي حَاسِرَةَ الرَّأْسِ .
وَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : تَسْتُرُ فِي الصَّلَاةِ مَا يَسْتُرُ الرَّجُلُ ، حَتَّى لَوْ انْكَشَفَ بَطْنُهَا لَمْ يَضُرَّهَا .
وَقَالَ أَصْبَغُ : إنْ انْكَشَفَتْ فَخِذُهَا أَعَادَتْ فِي الْوَقْتِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْفِقْهِ .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْلُهُ : { وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا } الْإِسْرَافُ : تَعَدِّي الْحَدِّ ؛ فَنَهَاهُمْ عَنْ تَعَدِّي الْحَلَالِ إلَى الْحَرَامِ .
وَقِيلَ : أَلَّا يَزِيدُوا عَلَى قَدْرِ الْحَاجَةِ .
وَقَدْ اُخْتُلِفَ فِيهِ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَقِيلَ : هُوَ حَرَامٌ .
وَقِيلَ : هُوَ مَكْرُوهٌ ؛ وَهُوَ الْأَصَحُّ ؛ فَإِنَّ قَدْرَ الشِّبَعِ يَخْتَلِفُ بِاخْتِلَافِ الْبُلْدَانِ وَالْأَزْمَانِ وَالْأَسْنَانِ وَالطَّعْمَانِ .
وَقَدْ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ لِرَجُلٍ كَافِرٍ بِحِلَابِ سَبْعِ شِيَاهٍ ، فَشَرِبَهَا ثُمَّ آمَنَ ، فَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى أَكْثَرَ مِنْ حَلْبِ شَاةٍ .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْمُؤْمِنُ يَأْكُلُ فِي مِعًى وَاحِدٍ ، وَالْكَافِرُ يَأْكُلُ فِي سَبْعَةِ أَمْعَاءٍ } ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْقَلْبَ لَمَّا تَنَوَّرَ بِالتَّوْحِيدِ نَظَرَ إلَى الطَّعَامِ بِعَيْنِ التَّقْوَى عَلَى الطَّاعَةِ ، فَأَخَذَ مِنْهُ قَدْرَ الْحَاجَةِ ، وَحِينَ كَانَ مُظْلِمًا بِالْكُفْرِ كَانَ أَكْلُهُ كَالْبَهِيمَةِ تَرْتَعُ حَتَّى تَثْلِطَ .
وَقَدْ قَالَ بَعْضُ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ : إنَّ الْأَمْعَاءَ السَّبْعَةَ كِنَايَةٌ عَنْ أَسْبَابٍ سَبْعَةٍ يَأْكُلُ بِهَا النَّهِمُ : يَأْكُلُ لِلْحَاجَةِ ، وَالْخَبَرِ ، وَالنَّظَرِ ، وَالشَّمِّ ، وَاللَّمْسِ ، وَالذَّوْقِ ، وَيَزِيدُ اسْتِغْنَامًا .
وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي شَرْحِ الصَّحِيحِ .
وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْآيَةُ الرَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنْ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { زِينَةَ اللَّهِ } فِيهِ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلِ : سَتْرُ الْعَوْرَةِ ؛ إذْ كَانَتْ الْعَرَبُ تَطُوفُ عُرَاةً ؛ إذْ كَانَتْ لَا تَجِدُ مَنْ يُعِيرُهَا مِنْ الْحُمْسِ .
الثَّانِي : جَمَالُ الدُّنْيَا فِي ثِيَابِهَا وَحُسْنُ النَّظْرَةِ فِي مَلَابِسِهَا وَلَذَّاتِهَا .
الثَّالِثِ : جَمْعُ الثِّيَابِ عِنْدَ السِّعَةِ فِي الْحَالِ ، كَمَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ : إذَا وَسَّعَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَأَوْسِعُوا .
جَمَعَ رَجُلٌ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ ، وَصَلَّى رَجُلٌ فِي إزَارٍ أَوْ رِدَاءٍ ، فِي إزَارٍ وَقَمِيصٍ ، فِي إزَارٍ وَقَبَاءٍ ، فِي سَرَاوِيلَ وَرِدَاءٍ ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَمِيصٍ ، فِي سَرَاوِيلَ وَقَبَاءٍ ، فِي تُبَّانٍ وَقَبَاءٍ ، فِي تُبَّانٍ وَقَمِيصٍ .
وَأَحْسِبُهُ قَالَ فِي تُبَّانٍ وَرِدَاءٍ .
وَالتُّبَّانُ : ثَوْبٌ يُشْبِهُ السَّرَاوِيلَ فَسَّرَهُ أَبُو عَلِيٍّ الْقَالِي كَذَلِكَ ، وَعَلَيْهِ نُقِلَ الْحَدِيثُ ؛ فَلَعَلَّهُ أَخَذَهُ مِنْهُ ، فَكَثِيرًا مَا يُفَسِّرُ الْأَعْرَابِيُّونَ مِنْ لَحْنِ الْحَدِيثِ مَا لَمْ يَجِدُوهُ فِي الْعَرَبِيَّةِ ، وَهُوَ الَّذِي امْتَنَّ بِهِ فِي قَوْلِهِ : { يَا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا } وَهِيَ : الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَلَوْلَا وُجُوبُ سَتْرِهَا مَا وَقَعَ الِامْتِنَانُ بِاللِّبَاسِ الَّذِي يُوَارِيهَا .
فَإِنْ قِيلَ : إنَّمَا وَقَعَ الِامْتِنَانُ فِي سَتْرِهَا لِقُبْحِ ظُهُورِهَا .
قُلْنَا : مَاذَا يُرِيدُونَ بِهَذَا الْقُبْحِ ؟ أَيُرِيدُونَ بِهِ قُبْحًا عَقْلًا ، فَنَحْنُ لَا نُقَبِّحُ بِالْعَقْلِ ، وَلَا نُحَسِّنُ ؛ وَإِنَّمَا الْقَبِيحُ عِنْدَنَا مَا قَبَّحَهُ الشَّرْعُ ، وَالْحَسَنُ ، مَا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَالطَّيِّبَاتُ مِنْ الرِّزْقِ } قِيلَ : هِيَ الْحَلَالُ .
وَقِيلَ : هِيَ اللَّذَّاتُ ، وَكُلُّ لَذَّةٍ وَإِنْ لَمْ تَكُنْ مُحَرَّمَةً فَإِنْ اسْتِدَامَتَهَا وَالِاسْتِرْسَالَ عَلَيْهَا مَكْرُوهٌ ، وَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } : يَعْنِي بِحَقِّهَا مِنْ تَوْحِيدِ اللَّهِ وَالتَّصْدِيقِ لَهُ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ يُنْعِمُ وَيَرْزُقُ ؛ فَإِنْ وَحَّدَهُ الْمُنْعَمُ عَلَيْهِ وَصَدَّقَهُ فَقَدْ قَامَ بِحَقِّ النِّعْمَةِ ، وَإِنْ كَفَرَ فَقَدْ أَمْكَنَ الشَّيْطَانَ مِنْ نَفْسِهِ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لَا أَحَدَ أَصْبَرَ عَلَى أَذًى مِنْ اللَّهِ ، يُعَاقِبُهُمْ وَيَرْزُقُهُمْ وَهُمْ يَدَّعُونَ لَهُ الصَّاحِبَةَ وَالْوَلَدَ } .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى " { خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ } يَعْنِي : أَنَّ الْكُفَّارَ يَشْرَكُونَ الْمُؤْمِنِينَ فِي اسْتِعْمَالِ الطَّيِّبَاتِ فِي الدُّنْيَا .
فَإِذَا كَانَ فِي الْقِيَامَةِ خَلَصَتْ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي النَّعِيمِ ، وَكَانَ لِلْكُفَّارِ الْعَذَابُ الْأَلِيمُ .

الْآيَةُ السَّادِسَةُ : قَوْلُهُ : { قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاَللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ } فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ قَدَّمْنَا ذِكْرَ الْفَوَاحِشِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ ، وَأَمَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَهِيَ الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فَإِنَّ كُلَّ فَاحِشَةٍ ظَاهِرَةٍ لِلْأَعْيُنِ ، أَوْ ظَاهِرَةٍ بِالْأَدِلَّةِ ، كَمَا وَرَدَ النَّصُّ فِيهِ أَوْ وَقَعَ الْإِجْمَاعُ عَلَيْهِ ، أَوْ قَامَ الدَّلِيلُ الْجَلِيُّ بِهِ ، فَيَنْطَلِقُ عَلَيْهَا اسْمُ الظَّاهِرَةِ .
وَالْبَاطِنَةُ كُلُّ مَا خَفِيَ عَنْ الْأَعْيُنِ ، وَيُقْصَدُ بِهِ الِاسْتِتَارُ عَنْ الْخَلْقِ ؛ أَوْ خَفِيَ بِالدَّلِيلِ ؛ كَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الْمُتْعَةِ وَالنَّبِيذِ عَلَى أَحَدِ الْقَوْلَيْنِ وَنَحْوِ ذَلِكَ فِي الصِّنْفَيْنِ ؛ فَإِنَّ النَّبِيذَ وَإِنْ كَانَ مُخْتَلِفًا فِيهِ فَإِنَّ تَحْرِيمَهُ جَلِيٌّ فِي الدَّلِيلِ ، قَوِيٌّ فِي التَّأْوِيلِ .
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { لَا أَحَدَ أَغْيَرَ مِنْ اللَّهِ } .
وَلِذَلِكَ حَرَّمَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { الْإِثْمَ } : وَهُوَ عِبَارَةٌ عَنْ الذَّمِّ الْوَارِدِ فِي الْفِعْلِ ، أَوْ الْوَعِيدِ الْمُتَنَاوِلِ لَهُ ؛ فَكُلُّ مَذْمُومٍ شَرْعًا أَوْ فِعْلٍ وَارِدٍ عَلَى الْوَعِيدِ فِيهِ ، فَإِنَّهُ مُحَرَّمٌ وَهُوَ حَدُّ الْمُحَرَّمِ وَحَقِيقَتُهُ .
وَأَمَّا الْبَغْيُ ، وَهُوَ الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ الْبَغْيُ : فَهُوَ تَجَاوُزُ الْحَدِّ .
وَوَجْهُ ذِكْرِهِمَا بَعْدَ دُخُولِهِمَا فِي جُمْلَةِ الْفَوَاحِشِ لِلتَّأْكِيدِ لِأَمْرِهِمَا بِالِاسْمِ الْخَاصِّ بَعْدَ دُخُولِهِمَا فِي الِاسْمِ الْعَامِّ قَصْدَ الزَّجْرِ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { فِيهِمَا فَاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ } فَذَكَرَ النَّخْلَ وَالرُّمَّانَ بِالِاسْمِ الْخَاصِّ بَعْدَ دُخُولِهِمَا فِي الِاسْمِ الْعَامِّ عَلَى مَعْنَى الْحَثِّ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : لَمَّا قَالَ اللَّهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ } قَالَ قَوْمٌ : إنَّ الْإِثْمَ اسْمٌ مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ ، وَإِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ : { قُلْ إنَّمَا حَرَّمَ رَبِّي الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ } الْخَمْرَ ، حَتَّى قَالَ الشَّاعِرُ : شَرِبْت الْإِثْمَ حَتَّى زَالَ عَقْلِي كَذَاك الْإِثْمُ يَذْهَبُ بِالْعُقُولِ وَهَذَا لَا حُجَّةَ فِيهِ ؛ لِأَنَّهُ لَوْ قَالَ : شَرِبْت الذَّنْبَ ، أَوْ شَرِبْت الْوِزْرَ ، لَكَانَ كَذَلِكَ ، وَلَمْ يُوجِبْ قَوْلُهُ أَنْ يَكُونَ الْوِزْرُ وَالذَّنْبُ اسْمًا مِنْ أَسْمَاءِ الْخَمْرِ ، كَذَلِكَ هَذَا .
وَاَلَّذِي أَوْجَبَ التَّكَلُّمَ بِمِثْلِ هَذَا الْجَهْلِ بِاللُّغَةِ وَبِطَرِيقِ الْأَدِلَّةِ فِي الْمَعَانِي .
وَاَللَّهُ الْمُوَفِّقُ .

الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { اُدْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْأَصْلُ فِي الْأَعْمَالِ الْفَرْضِيَّةِ الْجَهْرُ ، وَالْأَصْلُ فِي الْأَعْمَالِ النَّفْلِيَّةِ السِّرُّ ؛ وَذَلِكَ لِمَا يَتَطَرَّقُ إلَى النَّفْلِ مِنْ الرِّيَاءِ وَالتَّظَاهُرِ بِهَا فِي الدُّنْيَا ، وَالتَّفَاخُرِ عَلَى الْأَصْحَابِ بِالْأَعْمَالِ ، وَجُبِلَتْ قُلُوبُ الْخَلْقِ بِالْمَيْلِ إلَى أَهْلِ الطَّاعَةِ ، وَقَدْ جَعَلَ الْبَارِي سُبْحَانَهُ فِي الْعِبَادَاتِ ذِكْرًا جَهْرًا وَذِكْرًا سِرًّا ، بِحِكْمَةٍ بَالِغَةٍ أَنْشَأَهَا بِهَا وَرَتَّبَهَا عَلَيْهَا ؛ وَذَلِكَ لِمَا عَلَيْهِ قُلُوبُ الْخَلْقِ مِنْ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْحَالَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَمَّا الذِّكْرُ بِالْقِرَاءَةِ فِي الصَّلَاةِ فَانْقَسَمَ حَالُهُ إلَى سِرٍّ وَجَهْرٍ ، وَأَمَّا الدُّعَاءُ فَلَمْ يُشْرَعْ مِنْهُ شَيْءٌ جَهْرًا ؛ لَا فِي حَالَةِ الْقِيَامِ وَلَا فِي حَالَةِ الرُّكُوعِ ، وَلَا فِي حَالَةِ السُّجُودِ ؛ لَكِنْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي قَوْلِ قَارِئِ الْفَاتِحَةِ : ( آمِينْ ) هَلْ يُسِرُّ بِهَا أَمْ يَجْهَرُ ؟ وَقَدْ قَدَّمْنَاهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ وَفِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .

الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَا قَوْمِ اُعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إلَهٍ غَيْرُهُ إنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : نُوحٌ أَوَّلُ رَسُولٍ بَعَثَهُ اللَّهُ إلَى أَهْلِ الْأَرْضِ بَعْدَ آدَمَ بِتَحْرِيمِ الْبَنَاتِ وَالْأَخَوَاتِ وَالْعَمَّاتِ وَالْخَالَاتِ وَسَائِرِ الْفَرَائِضِ ؛ كَذَلِكَ فِي صَحِيحِ الْأَثَرِ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَمَنْ قَالَ مِنْ الْمُؤَرِّخِينَ : إنَّ إدْرِيسَ كَانَ قَبْلَهُ فَقَدْ وَهِمَ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى صِحَّةِ وَهْمِهِ فِي اتِّبَاعِهِ صُحُفَ الْيَهُودِ ، وَكُتُبَ الإسرائليات الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ { فِي الْإِسْرَاءِ ، حِينَ لَقِيَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آدَمَ وَإِدْرِيسَ ، فَقَالَ لَهُ آدَم : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ ، وَالِابْنِ الصَّالِحِ .
وَقَالَ لَهُ إدْرِيسُ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ } .
وَلَوْ كَانَ إدْرِيسُ أَبًا لِنُوحٍ عَلَى صُلْبِ مُحَمَّدٍ لَقَالَ لَهُ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالِابْنِ الصَّالِحِ .
فَلَمَّا قَالَ لَهُ : مَرْحَبًا بِالنَّبِيِّ الصَّالِحِ وَالْأَخِ الصَّالِحِ دَلَّ عَلَى أَنَّهُ يَجْتَمِعُ مَعَهُ فِي أَبِيهِمْ نُوحٍ ، وَلَا كَلَامَ لِمُنْصِفٍ بَعْدَ هَذَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رُوِيَ أَنَّ نُوحًا سُمِّيَ بِهِ ؛ لِأَنَّهُ نَاحَ عَلَى قَوْمِهِ ، وَأَكْثَرُ ذَلِكَ مِنْ فِعْلِهِ مَعَهُمْ ، وَالنَّوْحُ هُوَ الْبُكَاءُ عَلَى الْمَيِّتِ ، وَكَانُوا مَوْتَى فِي أَدْيَانِهِمْ لِعَدَمِ إجَابَتِهِمْ دُعَاءَهُ لَهُمْ إلَى الْإِيمَانِ ، وَإِبَايَتِهِمْ عَنْ قَبُولِهِمْ لِلتَّوْحِيدِ ؛ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ الِاشْتِقَاقُ يُعَضِّدُهُ مِنْ وَجْهٍ فَإِنَّهُ يَرُدُّهُ أَنَّ مَا تَقَدَّمَ مِنْ الْأَسْمَاءِ قَبْلَ إسْمَاعِيلَ لَمْ تَكُنْ عَرَبِيَّةً .
أَمَّا إنَّ ذِكْرَ الْعُلَمَاءِ لِذَلِكَ يَدُلُّ عَلَى مَسْأَلَةٍ ؛ وَهِيَ جَوَازُ اشْتِقَاقِ الْأَسْمَاءِ لِلرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ مِنْ الْأَفْعَالِ الَّتِي يَتَكَسَّبُونَهَا ، إذَا لَمْ تَكُنْ عَلَى طَرِيقِ الذَّمِّ ، { وَهَذَا

رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَدْ كَنَّى الدَّوْسِيَّ مِنْ أَصْحَابِهِ بِهِرَّةٍ كَانَ يَكْتَسِبُ لُزُومَهَا مَعَهُ ، وَدَعَاهُ لِذَلِكَ بِأَبِي هُرَيْرَةَ } ، فِي أَمْثَالٍ لِهَذَا كَثِيرَةٍ مِنْ آثَارِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةِ وَالْعُلَمَاءِ نَبَّهْنَا عَلَيْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : وَأَيُّ مَدْحٍ فِي لُزُومِ الْهِرَّةِ ؟ قُلْنَا : لِأَنَّهَا مِنْ الطَّوَّافِينَ وَالطَّوَّافَاتِ يَصْغَى لَهَا الْإِنَاءُ ، وَلَا تُفْسِدُ الْمَاءَ إذَا وَلَغَتْ فِيهِ ، وَفِيهَا مَنْفَعَةٌ عَظِيمَةٌ تَكُفُّ إذَايَةَ الْفَأْرِ ، وَمَا يُؤْذِي الْإِنْسَانَ مِنْ الْحَشَرَاتِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : الطُّوفَانُ الْمَاءُ ، وَالْجَرَادُ كَانَ يَأْكُلُ الْمَسَامِيرَ ، وَإِنَّ سَفِينَةَ نُوحٍ أَتَتْ الْبَيْتَ فِي جَرَيَانِهَا فَطَافَتْ بِهِ سَبْعًا .
وَإِنَّمَا قَالَ مَالِكٌ هَذَا لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ جَمَاعَةً مِنْ الْمُفَسِّرِينَ رَوَتْ عَنْ عَائِشَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { أَنَّ الطُّوفَانَ هُوَ الْمَوْتُ } .
وَحَقِيقَةُ الطُّوفَانِ وَهُوَ الثَّانِي أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِنْ طَافَ ، أَوْ جَمْعٌ ، وَاحِدَتُهُ طُوفَانَةٌ ، فَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ : { فَطَافَ عَلَيْهَا } الْآيَةَ .
.

الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَلُوطًا إذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنْ الْعَالَمِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْفَاحِشَةُ : قَدْ تَقَدَّمَ بَيَانُهَا ؛ وَإِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ هَذِهِ الْمَعْصِيَةَ ، وَهِيَ إتْيَانُ الرِّجَالِ بِاسْمِ الْفَاحِشَةِ لِيُبَيِّنَ أَنَّهَا زِنًا ، كَمَا قَالَ : { وَلَا تَقْرَبُوا الزِّنَا إنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : أَخْبَرَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُمْ بِأَنَّهُمْ لَمَّا ارْتَكَبُوا هَذِهِ الْفَاحِشَةَ أَرْسَلَ عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِنْ سِجِّيلٍ جَزَاءً عَلَى فِعْلِهِمْ .
وَقَدْ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي ذَلِكَ عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ يُعَزَّرُ ؛ قَالَهُ أَبُو حَنِيفَةَ .
الثَّانِي : قَالَ الشَّافِعِيُّ وَجَمَاعَةٌ : يُحَدُّ حَدُّ الزَّانِي ، مُحْصَنًا بِجَزَائِهِ وَبِكْرًا بِجَزَائِهِ .
الثَّالِثُ : قَالَ مَالِكٌ : يُرْجَمُ أَحْصَنَ أَوْ لَمْ يُحْصَنْ ؛ وَقَالَهُ ابْنُ الْمُسَيِّبِ وَالنَّخَعِيُّ وَعَطَاءٌ وَجَمَاعَةٌ .
أَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ يُعَزَّرُ فَتَعَلَّقَ بِأَنَّ هَذَا لَمْ يَزْنِ ، وَعُقُوبَةُ الزَّانِي مَعْلُومَةٌ ؛ فَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ الْمَعْصِيَةُ غَيْرَهَا وَجَبَ أَلَّا يُشَارِكَهَا فِي حَدِّهَا .
وَأَمَّا مَنْ قَالَ : إنَّهُ زِنًا فَنَحْنُ الْآنَ نُثْبِتُهُ مَعَ الشَّافِعِيِّ رَدًّا عَلَى أَبِي حَنِيفَةَ الَّذِي يَجْعَلُهُ بِمَنْزِلَةِ الْوَطْءِ بَيْنَ الْفَخِذَيْنِ ، فَيَقُولُ : قَدْ بَيَّنَّا مُسَاوَاتَهُ لِلزِّنَا فِي الِاسْمِ ، وَهِيَ الْفَاحِشَةُ ، وَهِيَ مُشَارَكَةٌ لَهُ فِي الْمَعْنَى ؛ لِأَنَّهُ مَعْنًى مُحَرَّمٌ شَرْعًا ، مُشْتَهًى طَبْعًا ؛ فَجَازَ لَهُ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِهِ الْحَدُّ إذَا كَانَ مَعَهُ إيلَاجٌ وَهَذَا الْفِقْهُ صَحِيحٌ .
وَذَلِكَ أَنَّ الْحَدَّ لِلزَّجْرِ عَنْ الْمَوْضِعِ الْمُشْتَهَى ، وَقَدْ وُجِدَ ذَلِكَ الْمَعْنَى كَامِلًا ؛ بَلْ هَذَا أُحْرَمُ وَأَفْحَشُ ؛ فَكَانَ بِالْعُقُوبَةِ أَوْلَى وَأَحْرَى .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا وَطْءٌ فِي فَرْجٍ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ إحْلَالٌ وَلَا إحْصَانٌ ، وَلَا وُجُوبُ مَهْرٍ ، وَلَا ثُبُوتُ نَسَبٍ ؛ فَلَمْ

يَتَعَلَّقْ بِهِ حَدٌّ .
قُلْنَا : هَذَا بَيَانٌ لِمَذْهَبِ مَالِكٍ ؛ فَإِنَّ بَقَاءَ هَذِهِ الْمَعَانِي فِيهِ لَا يُلْحِقُهُ بِوَطْءِ الْبَهِيمَةِ ، إنَّمَا يُعَظِّمُ أَمْرَهُ عَلَى الْوَطْءِ فِي الْقُبُلِ تَعْظِيمًا يُوجِبُ عَلَيْهِ الْعُقُوبَةَ فِيهِ ، أَحْصَنَ أَوْ لَمْ يُحْصِنْ ؛ أَلَا تَرَى إلَى عُقُوبَةِ اللَّهِ عَلَيْهِ مَا أَعْظَمَهَا .
فَإِنْ قِيلَ : عُقُوبَةُ اللَّهِ لَا حُجَّةَ فِيهَا لِوَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ قَوْمَ لُوطٍ إنَّمَا عُوقِبُوا عَلَى الْكُفْرِ .
الثَّانِي : أَنَّ صَغِيرَهُمْ وَكَبِيرَهُمْ دَخَلَ فِيهَا .
فَدَلَّ عَلَى خُرُوجِهَا عَنْ بَابِ الْحُدُودِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّا نَقُولُ : أَمَّا قَوْلُهُمْ إنَّ اللَّهَ عَاقَبَهُمْ عَلَى الْكُفْرِ لِهَذَا غَلَطٌ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ أَخْبَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا عَلَى مَعَاصٍ فَأَخَذَهُمْ مِنْهَا بِهَذِهِ ، أَلَا تَسْمَعُهُ يَقُولُ : { أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنْ الْعَالَمِينَ وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ } .
قَالُوا لَهُ : لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لَنَفْعَلَنَّ بِك يَا لُوطُ ، فَفَعَلَ اللَّهُ بِهِمْ قَبْلَ ذَلِكَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ إنَّمَا أَخَذَ الصَّغِيرَ وَالْكَبِيرَ ؛ لِسُكُوتِ الْجُمْلَةِ عَلَيْهِ وَالْجَمَاهِيرِ ؛ فَكَانَ مِنْهُمْ فَاعِلٌ ، وَكَانَ مِنْهُمْ رَاضٍ ؛ فَعُوقِبَ الْجَمِيعُ ، وَبَقِيَ الْأَمْرُ فِي الْعُقُوبَةِ عَلَى الْفَاعِلِينَ مُسْتَمِرًّا .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَالنَّسَائِيُّ ، وَغَيْرُهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ وَجَدْتُمُوهُ يَعْمَلُ عَمَلَ قَوْمِ لُوطٍ فَاقْتُلُوا الْفَاعِلَ وَالْمَفْعُولَ بِهِ } .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى هَؤُلَاءِ الْأَئِمَّةُ وَغَيْرُهُمْ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ وَجَدْتُمُوهُ قَدْ أَتَى بَهِيمَةً فَاقْتُلُوهُ وَاقْتُلُوا الْبَهِيمَةَ } .
قُلْنَا : هَذَا الْحَدِيثُ مَتْرُوكٌ بِالْإِجْمَاعِ ، فَلَا يُلْتَفَتُ إلَيْهِ ، وَلَيْسَ يَلْزَمُ إذَا سَقَطَ حَدِيثٌ بِالْإِجْمَاعِ أَنْ يَسْقُطَ مَا لَمْ يُجْمَعْ عَلَيْهِ .

قَوْله تَعَالَى : { وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الْبَخْسُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ هُوَ النَّقْصُ بِالتَّعْيِيبِ وَالتَّزْهِيدِ ، أَوْ الْمُخَادَعَةِ عَنْ الْقِيمَةِ ، أَوْ الِاحْتِيَالِ فِي التَّزَيُّدِ فِي الْكَيْلِ أَوْ النُّقْصَانِ مِنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إنَّمَا أَذِنَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ فِي الْأَمْوَالِ بِالْأَكْلِ بِالْحَقِّ ، وَالتَّعَامُلِ بِالصِّدْقِ ، وَطَلَبِ التِّجَارَةِ بِذَلِكَ ، فَمَتَى خَرَجَ عَنْ يَدِ أَحَدٍ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ بِعِلْمِهِ لِأَخِيهِ فَقَدْ أَكَلَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَا يُرْضِي اللَّهَ وَيَرْتَضِيهِ ؛ وَإِنْ خَرَجَ شَيْءٌ مِنْ مَالِهِ عَنْ يَدِهِ بِغَيْرِ عِلْمِهِ فَلَا يَخْلُو أَنْ يَكُونَ مِمَّا يَتَغَابَنُ النَّاسُ بِمِثْلِهِ مِمَّا لَا غِنًى عَنْهُ فِي ارْتِفَاعِ الْأَسْوَاقِ وَانْخِفَاضِهَا عَنْهُ فَإِنَّهُ حَلَالٌ جَائِزٌ بِغَيْرِ خِلَافٍ ؛ إذْ لَا يُمْكِنُ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ .
وَإِنْ كَانَ بِأَكْثَرَ مِنْ ذَلِكَ فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهِ ؛ فَقَالَ عُلَمَاؤُنَا : إذَا جَرَى ذَلِكَ فِي بَيْعٍ كَانَ صَاحِبُهُ بِالْخِيَارِ إنْ شَاءَ أَمْضَاهُ بَعْدَ الْعِلْمِ بِهِ وَإِنْ شَاءَ رَدَّهُ .
وَقَالَ بَعْضُهُمْ وَآخَرُونَ غَيْرُهُمْ : إنَّهُ لَا رَدَّ فِيهِ .
وَالصَّحِيحُ هُوَ الْأَوَّلُ ؛ فَقَدْ ثَبَتَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ لِرَجُلٍ كَانَ يَخْدَعُ فِي الْبُيُوعِ : إذَا بَايَعْتَ فَقُلْ لَا خِلَابَةَ } .
وَفِي غَيْرِ الصَّحِيحِ : { وَاشْتَرِطْ الْخِيَارَ ثَلَاثًا } .
وَفِي رِوَايَةٍ : { وَلَك الْخِيَارُ ثَلَاثًا } .
فَإِنْ قِيلَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : كَانَ هَذَا الرَّجُلُ قَدْ أَصَابَتْهُ مَأْمُومَةٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ أَثَّرَتْ فِي عَقْلِهِ ، فَكَانَ يَخْدَعُ لِأَجْلِ ذَلِكَ فِي بَيْعِهِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا قَالَ لِمَا كَانَ عَلَيْهِ مِنْ الْحَالِ ، حَتَّى كَانَ يَقُولُ لِمَا أَصَابَهُ : { لَا خِلَابَةَ لَا خِلَابَةَ } .
فَالْجَوَابُ أَنَّ

النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَوْ كَانَ الَّذِي قَالَهُ لَهُ مِنْ حُكْمِهِ لِمَا أَصَابَهُ مِنْ عَقْلِهِ لَمَا جَوَّزَ بَيْعَهُ ؛ لِأَنَّ بَيْعَ الْمَعْتُوهِ لَا يَجُوزُ بِخِيَارٍ ، وَلَا بِغَيْرِ خِيَارٍ ، وَلَكِنَّهُ أَمَرَهُ بِأَنْ يُصَرِّحَ عَنْ قَوْلِهِ ، حَتَّى يَقَعَ الِاحْتِرَازُ مِنْهُ .

قَوْله تَعَالَى : { لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ } .
هَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ الصَّلْبَ وَقَطْعَ الْيَدِ وَالرِّجْلِ مِنْ خِلَافٍ كَانَتْ عُقُوبَةً مُتَأَصِّلَةً عِنْدَ الْخَلْقِ تَلَقَّفُوهَا مِنْ شَرْعٍ مُتَقَدِّمٍ فَحَرَّفُوهَا حَتَّى أَوْضَحَهَا اللَّهُ فِي مِلَّةِ الْإِسْلَامِ ، وَجَعَلَهَا أَعْظَمَ الْعُقُوبَاتِ لِأَعْظَمِ الْإِجْرَامِ ، حَسْبَمَا تَقَدَّمَ بَيَانُهُ .

الْآيَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : ثَبَتَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي مَعْرِضِ الذَّمِّ : { لَتَرْكَبُنَّ سَنَنَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ شِبْرًا بِشِبْرٍ ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ ، حَتَّى لَوْ دَخَلُوا جُحْرَ ضَبٍّ خَرِبٍ لَدَخَلْتُمُوهُ } .
وَثَبَتَ أَنَّهُ { قَالَ فِي بَعْضِ مَغَازِيهِ لِأَصْحَابِهِ ، وَقَدْ قَالُوا لَهُ : اجْعَلْ لَنَا ذَاتَ أَنْوَاطٍ كَمَا لَهُمْ ذَاتُ أَنْوَاطٍ يَعْنِي الْمُشْرِكِينَ .
فَقَالَ : هَذَا ، كَمَا قَالَ مَنْ قَبْلَكُمْ : { اجْعَلْ لَنَا إلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ } ؛ } فَحَذَّرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ اتِّبَاعَ الْبِدَعِ ، وَأَمَرَ بِإِحْيَاءِ السُّنَنِ ، وَحَثَّ عَلَى الِاقْتِدَاءِ ، وَعَنْ هَذَا قُلْنَا : إنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ زَادَا فِي صِيَامِهِمْ بِعِلَّةٍ رَأَوْهَا ، وَجَعَلُوهُ أَكْثَرَ مِنْ الْعَدَدِ الْمَعْرُوفِ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُثْمَانَ بَلَغَهُ أَنَّ رَجُلًا مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ رَجَعَ إلَى بَلَدِهِ بَعْدَ أَنْ حَضَرَ مَعَهُ الْمَوْسِمَ فَصَلَّى مَعَهُ الظُّهْرَ رَكْعَتَيْنِ ، فَقِيلَ لَهُ : مَا هَذَا ؟ فَقَالَ : رَأَيْت أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ عُثْمَانَ يَفْعَلُهُ ، فَكَانَ عُثْمَانُ يُتِمُّ فِي السَّفَرِ ؛ لِأَنَّهُ رَأَى ذَلِكَ مُفْسِدًا لِعَقَائِد الْعَامَّةِ ، فَرَأَى حِفْظَ ذَلِكَ بِتَرْكِ يَسِيرٍ مِنْ السُّنَّةِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَأَى قَوْمٌ مِنْ أَهْلِ الْجَفَاءِ أَنْ يَصُومُوا ثَانِيَ عِيدِ الْفِطْرِ سِتَّةَ أَيَّامٍ مُتَوَالِيَاتٍ إتْمَامًا لِرَمَضَانَ ، لِمَا رُوِيَ فِي الْحَدِيثِ : { مَنْ صَامَ رَمَضَانَ وَسِتًّا مِنْ شَوَّالٍ فَكَأَنَّمَا صَامَ الدَّهْرَ } خَرَّجَهُ مُسْلِمٌ .
وَهَذِهِ الْأَيَّامُ مَتَى صِيمَتْ مُتَّصِلَةً كَانَ احْتِذَاءً لِفِعْلِ النَّصَارَى ، وَالنَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يُرِدْ هَذَا ، إنَّمَا أَرَادَ أَنَّ مَنْ صَامَ رَمَضَانَ فَهُوَ بِعَشَرَةِ أَشْهُرٍ ، وَمَنْ صَامَ سِتَّةَ أَيَّامٍ فَهِيَ بِشَهْرَيْنِ " وَذَلِكَ الدَّهْرُ .
وَلَوْ كَانَتْ مِنْ غَيْرِ شَوَّالٍ لَكَانَ الْحُكْمُ فِيهَا كَذَلِكَ ، وَإِنَّمَا أَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِذِكْرِ شَوَّالٍ لَا عَلَى طَرِيقِ التَّعْيِينِ ؛ لِوُجُوبِ مُسَاوَاةِ غَيْرِهَا لَهَا فِي ذَلِكَ ؛ وَإِنَّمَا ذَكَرَ شَوَّالَ عَلَى مَعْنَى التَّمْثِيلِ ، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ النَّظَرِ فَاعْلَمُوهُ .

الْآيَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اُخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ } .
فِيهَا سِتُّ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : ضَرْبُ الْأَجَلِ لِلْمَوَاعِيدِ سُنَّةٌ مَاضِيَةٌ وَمَعْنًى قَدِيمٌ أَسَّسَهُ اللَّهُ فِي الْقَضَايَا وَحَكَمَ بِهِ لِلْأُمَمِ ، وَعَرَّفَهُمْ بِهِ مَقَادِيرَ التَّأَنِّي فِي الْأَعْمَالِ ، وَإِنَّ أَوَّلَ أَجَلٍ ضَرَبَهُ الْأَيَّامَ السِّتَّةَ الَّتِي مَدَّهَا لِجَمِيعِ الْخَلِيقَةِ فِيهَا ، وَقَدْ كَانَ قَادِرًا فِي أَنْ يَجْعَلَ ذَلِكَ لَهُمْ فِي لَحْظَةٍ وَاحِدَةٍ ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ لِشَيْءٍ إذَا أَرَادَهُ أَنْ يَقُولَ لَهُ : كُنْ فَيَكُونَ ؛ بَيْدَ أَنَّهُ أَرَادَ تَعْلِيمَ الْخَلْقِ التَّأَنِّي وَتَقْسِيمَ الْأَوْقَاتِ عَلَى أَعْيَانِ الْمَخْلُوقَاتِ ؛ لِيَكُونَ لِكُلِّ عَمَلٍ وَقْتٌ .
وَقَدْ أَشْبَعْنَا الْقَوْلَ فِيهِ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إذَا ضَرَبَ الْأَجَلَ لِمَعْنًى يُحَاوِلُ فِيهِ تَحْصِيلَ الْمُؤَجَّلِ لِأَجَلِهِ ، فَجَاءَ الْأَجَلُ ، وَلَمْ يَتَيَسَّرْ زِيدَ فِيهِ تَبْصِرَةً وَمَعْذِرَةً ؛ وَقَدْ بَيَّنَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي قِصَّةِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَضَرَبَ لَهُ أَجَلًا ثَلَاثِينَ لَيْلَةً ، فَخَرَجَ لِوَعْدِ رَبِّهِ ، فَزَادَ اللَّهُ عَشْرًا تَتِمَّةَ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ، وَأَبْطَأَ مُوسَى فِي هَذِهِ الْعَشْرِ عَلَى قَوْمِهِ ، فَمَا عَقَلُوا جَوَازَ التَّأَخُّرِ لِعُذْرٍ حَتَّى قَالُوا : إنَّ مُوسَى ضَلَّ أَوْ نَسِيَ ، وَنَكَثُوا عَهْدَهُ ، وَبَدَّلُوا بَعْدَهُ ، وَعَبَدُوا إلَهًا غَيْرَ اللَّهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الزِّيَادَةُ الَّتِي لَا تَكُونُ عَلَى الْأَجَلِ غَيْرُ مُقَدَّرَةٍ ، كَمَا أَنَّ الْأَجَلَ غَيْرُ مُقَدَّرٍ ، وَإِنَّمَا يَكُونُ ذَلِكَ بِاجْتِهَادِ الْحَاكِمِ بَعْدَ النَّظَرِ إلَى الْمَعَانِي الْمُتَعَلِّقَةِ بِالْأَمْرِ ؟ مِنْ وَقْتٍ وَحَالٍ وَعَمَلٍ ، فَيَكُونُ الْأَجَلُ بِحَسَبِ ذَلِكَ ؛ فَإِذَا قَدَّرَ الزِّيَادَةَ بِاجْتِهَادِهِ ،

فَيُسْتَحَبُّ لَهُ أَنْ تَكُونَ [ الزِّيَادَةُ ] مِثْلَ ثُلُثِ الْمُدَّةِ السَّالِفَةِ ، كَمَا أَجَّلَ اللَّهُ لِمُوسَى فِي الزِّيَادَةِ ثُلُثَ مَا ضَرَبَهُ لَهُ مِنْ الْمُدَّةِ .
وَإِنْ رَأَى الْحَاكِمُ أَنْ يَجْمَعَ لَهُ الْأَصْلَ فِي الْأَجَلِ وَالزِّيَادَةِ فِي مُدَّةٍ وَاحِدَةٍ جَازَ ، وَلَكِنْ لَا بُدَّ مِنْ التَّرَبُّصِ بَعْدَهَا لِمَا يَطْرَأُ مِنْ الْعُذْرِ عَلَى الْبَشَرِ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : التَّارِيخُ إنَّمَا يَكُونُ بِاللَّيَالِيِ دُونَ الْأَيَّامِ ؛ لِأَنَّ اللَّيَالِيَ أَوَائِلُ الشُّهُورِ ، وَبِهَا كَانَتْ الصَّحَابَةُ تُخْبِرُ عَنْ الْأَيَّامِ ، حَتَّى رُوِيَ عَنْهَا أَنَّهَا كَانَتْ تَقُولُ { : صُمْنَا خَمْسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ } .
وَالْعَجَمُ تُخَالِفُنَا ذَلِكَ فَتَحْسِبُ بِالْأَيَّامِ ؛ لِأَنَّ مُعَوَّلَهَا عَلَى الشَّمْسِ ، وَحِسَابُ الشَّمْسِ لِلْمَنَافِعِ ، وَحِسَابُ الْقَمَرِ لِلْمَنَاسِكِ ، وَلِهَذَا قَالَ تَعَالَى : { وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً } .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : اتَّفَقَ كَثِيرٌ مِنْ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى أَنَّ الْأَرْبَعِينَ لَيْلَةً هِيَ ذُو الْقَعْدَة وَعَشْرٌ مِنْ ذِي الْحِجَّةِ ، وَكَانَ كَلَامُ اللَّهِ لِمُوسَى غَدَاةَ يَوْمِ النَّحْرِ حِينَ فَدَى إسْمَاعِيلَ مِنْ الذَّبْحِ ، وَأَكْمَلَ لِمُحَمَّدٍ الْحَجَّ ، وَجَعَلَ يَوْمَ الْحَجِّ الْأَكْبَرِ .
وَهَذَا إنْ ثَبَتَ مِنْ طَرِيقِ الْخَبَرِ فَلَا بَأْسَ بِهِ ، وَإِنْ كَانَ غَيْرَ ثَابِتٍ فَالْأَيَّامُ الْعَشْرُ ذَاتُ فَضْلٍ يُبَيَّنُ فِي مَوْضِعِهِ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .
الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : الْوَقْتُ مَعْنًى غَيْرُ مُقَدَّرٍ ، وَالْمِيقَاتُ : هُوَ الْوَقْتُ الَّذِي يُقَدَّرُ بِعَمَلٍ .

الْآيَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ قَوْله تَعَالَى : { وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَك يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُورِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى " الْقَوْلُ فِي الْحَسَنِ وَالْأَحْسَنِ : قَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ الْحَسَنَ مَا وَافَقَ الشَّرْعَ ، وَالْقَبِيحَ مَا خَالَفَهُ ، وَفِي الشَّرْعِ حَسَنٌ وَأَحْسَنُ ، فَقِيلَ : كُلُّ مَا كَانَ أَرْفَقَ فَهُوَ أَحْسَنُ .
وَقِيلَ : كُلُّ مَا كَانَ أَحْوَطَ لِلْعِبَادَةِ فَهُوَ أَحْسَنُ .
وَالصَّحِيحُ عِنْدِي أَنَّ أَحْسَنَ مَا فِيهَا امْتِثَالُ الْأَوَامِرِ وَاجْتِنَابُ النَّوَاهِي .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ { قَوْلُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْأَعْرَابِيِّ حِينَ قَالَ لَهُ : وَاَللَّهِ لَا أَزِيدُ عَلَى هَذَا وَلَا أُنْقِصُ مِنْهُ فَقَالَ : أَفْلَحَ إنْ صَدَقَ ، دَخَلَ الْجَنَّةَ إنْ صَدَقَ } .
.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْمُبَاحُ مِنْ جُمْلَةِ الْحَسَنِ فِي الشَّرِيعَةِ بِلَا خِلَافٍ ، وَإِنْ اخْتَلَفُوا فِي كَوْنِهِ مِنْ الْمَأْمُورَاتِ ؛ لِأَنَّهُ مِمَّا حَسَّنَهُ الشَّرْعُ وَأَذِنَ فِيهِ .
وَأَمَّا الْمَكْرُوهُ فَلَا خِلَافَ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ الْحَسَنِ ؛ لِأَنَّ الْمُبَاحَ يُمْدَحُ فَاعِلُهُ بِالِاقْتِصَارِ عَلَيْهِ ، وَلَا يُمْدَحُ فَاعِلُ الْمَكْرُوهِ ؛ بَلْ هُوَ دَاخِلٌ فِي السَّرَفِ الْمَنْهِيِّ عَنْهُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : هَذِهِ الْمَسْأَلَةُ تَدْخُلُ فِي الْأَحْكَامِ إذَا قُلْنَا : إنَّ شَرْعَ مَنْ قَبْلَنَا شَرْعٌ لَنَا ، فَأَمَّا الشَّافِعِيَّةُ الَّتِي لَا تَرَى ذَلِكَ فَلَمْ تُدْخِلْهَا فِي أَحْكَامِهَا ، وَنَحْنُ نَتَكَلَّمُ عَلَيْهَا هُنَا مِنْ التَّبَسُّطِ الَّذِي لَا يَحْسُنُ .
وَاَلَّذِي يُحَقِّقُ ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ إنَّمَا ذَكَرَهَا فِي الْقُرْآنِ مِنْ حُسْنِ الِاقْتِدَاءِ وَمِنْ سَيِّئِ الِاجْتِنَابِ ، وَإِذَا مَدَحَ قَوْمًا عَلَى فِعْلٍ فَهُوَ حَثٌّ عَلَيْهِ ، أَوْ ذَمَّهُمْ عَلَى آخَرَ فَهُوَ زَجْرٌ عَنْهُ ، وَكُلُّهُ يَدْخُلُ لَنَا فِي الِاهْتِدَاءِ بِالِاقْتِدَاءِ .

الْآيَةُ الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِي الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : كَانَ مُوسَى مِنْ أَعْظَمِ النَّاسِ غَضَبًا ؛ لَكِنَّهُ كَانَ سَرِيعَ الْفَيْئَةِ ، فَتِلْكَ بِتِلْكَ .
قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سَمِعْت مَالِكًا يَقُولُ : كَانَ مُوسَى إذَا غَضِبَ طَلَعَ الدُّخَانُ مِنْ قَلَنْسُوَتِهِ ، وَرَفَعَ شَعْرُ بَدَنِهِ جُبَّتَهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَنَّ الْغَضَبَ جَمْرَةٌ تَتَوَقَّدُ فِي الْقَلْبِ ، وَلِأَجْلِهِ { أَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَنْ غَضِبَ أَنْ يَضْطَجِعَ ، فَإِنْ لَمْ يَذْهَبْ غَضَبُهُ فَلْيَغْتَسِلْ ؟ } فَيُخْمِدُهَا اضْطِجَاعُهُ ، وَيُطْفِئُهَا اغْتِسَالُهُ .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ ابْنِ طَاوُسٍ عَنْ أَبِيهِ وَغَيْرِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : { أُرْسِلَ مَلَكُ الْمَوْتِ إلَى مُوسَى ، فَلَمَّا جَاءَ صَكَّهُ صَكَّةً فَفَقَأَ فِيهَا عَيْنَهُ ، فَرَجَعَ إلَى رَبِّهِ ، فَقَالَ : أَرْسَلْتنِي إلَى عَبْدٍ لَا يُرِيدُ الْمَوْتَ .
فَقَالَ : ارْجِعْ إلَيْهِ ، فَقُلْ لَهُ يَضَعُ يَدَهُ عَلَى مَتْنِ ثَوْرٍ فَلَهُ بِكُلِّ شَعْرَةٍ سَنَةٌ .
قَالَ : أَيْ رَبِّ ، ثُمَّ مَاذَا ؟ قَالَ : الْمَوْتُ .
قَالَ : فَالْآنَ } الْحَدِيثَ .
وَهَذَا كُلُّهُ مِنْ غَضَبِ مُوسَى صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلِذَلِكَ أَلْقَى الْأَلْوَاحَ عِنْدَ رُؤْيَةِ عِبَادَةِ الْعِجْلِ ، وَمَا أَوْقَعَ الْغَضَبَ هَاهُنَا ، وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إلَيْهِ .
فَإِنْ قِيلَ : وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : مَا مَعْنَى أَخْذِهِ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ ؟ قُلْنَا فِي ذَلِكَ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : كَانَ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى ثُمَّ نُسِخَ .
الثَّانِي : أَنَّهُ ضَمَّ أَخَاهُ إلَيْهِ لِيَعْلَمَ مَا لَدَيْهِ ، فَبَيَّنَ لَهُ أَخُوهُ أَنَّهُمْ

اسْتَضْعَفُوهُ ، وَكَادُوا يَقْتُلُونَهُ ؛ وَفِي هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ لِمَنْ خَشِيَ الْقَتْلَ عِنْدَ تَغْيِيرِ الْمُنْكَرِ أَنْ يَسْكُتَ عَنْهُ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْغَضَبَ لَا يُغَيِّرُ الْأَحْكَامَ ، كَمَا زَعَمَهُ بَعْضُ النَّاسِ ؛ فَإِنَّ مُوسَى لَمْ يُغَيِّرْ غَضَبُهُ شَيْئًا مِنْ أَفْعَالِهِ ؛ بَلْ اطَّرَدَتْ عَلَى مَجْرَاهَا ، مِنْ إلْقَاءِ لَوْحٍ ، وَعِتَابِ أَخٍ ، وَصَكِّ مَلَكٍ ، وَقَدْ اسْتَوْفَيْنَا ذَلِكَ فِي شَرْحِ الْحَدِيثِ .

الْآيَةُ السَّادِسَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنْ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمْ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمْ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَاَلَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمْ الْمُفْلِحُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : قَالَ مَالِكٌ : بَلَغَنِي أَنَّ طَائِفَةً مِنْ الْيَهُودِ نَزَلُوا الْمَدِينَةَ ، طَائِفَةُ خَيْبَرَ ، وَطَائِفَةُ فَدَكَ لَمَّا كَانُوا يَسْمَعُونَ مِنْ صِفَةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَخُرُوجِهِ فِي أَرْضٍ بَيْنَ حَرَّتَيْنِ ، وَرَجَوْا أَنْ يَكُونَ مِنْهُمْ ، فَأَخْلَفَهُمْ اللَّهُ ذَلِكَ ، وَقَدْ كَانُوا يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ بِأَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ .
وَقَدْ رَوَى الْبُخَارِيُّ ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ يَسَارٍ أَنَّهُ قَالَ : { لَقِيت عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ ، فَسَأَلْته عَنْ صِفَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّوْرَاةِ قَالَ : أَجَلْ ؛ وَاَللَّهِ إنَّهُ لَمَوْصُوفٌ بِبَعْضِ صِفَتِهِ فِي الْقُرْآنِ يَا أَيُّهَا النَّبِيَّ إنَّا أَرْسَلْنَاك شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا ، وَحِرْزًا لِلْأُمِّيِّينَ ، أَنْتَ عَبْدِي وَرَسُولِي سَمَّيْتُك الْمُتَوَكِّلَ ، لَيْسَ بِفَظٍّ وَلَا غَلِيظٍ ، وَلَا صَخَّابٍ فِي الْأَسْوَاقِ ، وَلَا يَدْفَعُ بِالسَّيِّئَةِ السَّيِّئَةَ ، وَلَكِنْ يَعْفُو وَيَغْفِرُ ، وَلَنْ يَقْبِضَهُ اللَّهُ حَتَّى يُقِيمَ بِهِ الْمِلَّةَ الْعَوْجَاءَ ، حَتَّى يَقُولُوا لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ ؛ وَيَفْتَحَ بِهَا أَعْيُنًا عُمْيًا ، وَآذَانًا صُمًّا ، وَقُلُوبًا غُلْفًا } .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى الْبُخَارِيُّ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي إدْرِيسَ الْخَوْلَانِيِّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّهُ قَالَ : { كَانَتْ بَيْنَ أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ مُحَاوَرَةٌ ، فَأَغْضَبَ

أَبُو بَكْرٍ عُمَرَ ، فَانْصَرَفَ عَنْهُ عُمَرُ مُغْضَبًا ، فَاتَّبَعَهُ أَبُو بَكْرٍ لِيَسْأَلَهُ أَنْ يَسْتَغْفِرَ لَهُ ، فَلَمْ يَفْعَلْ حَتَّى أَغْلَقَ بَابَهُ فِي وَجْهِهِ ، فَأَقْبَلَ أَبُو بَكْرٍ إلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : وَنَحْنُ عِنْدَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَمَّا صَاحِبُكُمْ هَذَا فَقَدْ غَامَرَ .
قَالَ : وَنَدِمَ عُمَرُ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُ ، فَأَقْبَلَ حَتَّى سَلَّمَ وَجَلَسَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَصَّ عَلَيْهِ الْخَبَرَ .
قَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ : وَغَضِبَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَجَعَلَ أَبُو بَكْرٍ يَقُولُ : وَاَللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَأَنَا كُنْت أَظْلَمُ .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي صَاحِبِي ؟ إنِّي قُلْت : يَا أَيُّهَا النَّاسُ ، إنِّي رَسُولُ اللَّهِ إلَيْكُمْ جَمِيعًا ، فَقُلْتُمْ : كَذَبْت .
وَقَالَ أَبُو بَكْرٍ : صَدَقْت } .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَيَضَعُ عَنْهُمْ إصْرَهُمْ } الْإِصْرُ ؛ هُوَ الثِّقَلُ ، وَكَانَ فِيمَا سَبَقَ مِنْ الشَّرَائِعِ تَكَالِيفُ كَثِيرَةٌ فِيهَا مَشَاقُّ عَظِيمَةٌ ، فَخَفَّفَ تِلْكَ الْمَشَاقَّ لِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمِنْهَا مَشَقَّتَانِ عَظِيمَتَانِ : الْأُولَى فِي الْبَوْلِ .
كَانَ إذَا أَصَابَ ثَوْبَ أَحَدِهِمْ قَرَضَهُ ، فَخَفَّفَ اللَّهُ ذَلِكَ عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بِالْغُسْلِ بِالْمَاءِ .
وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ أَبِي وَائِلٍ قَالَ : كَانَ أَبُو مُوسَى يُشَدِّدُ فِي الْبَوْلِ ، وَيَبُولُ فِي قَارُورَةٍ ، وَيَقُولُ : إنَّ بَنِي إسْرَائِيلَ كَانَ إذَا أَصَابَ جِلْدَ أَحَدِهِمْ بَوْلٌ قَرَضَهُ بِالْمَقَارِيضِ { فَقَالَ حُذَيْفَةُ : لَوَدِدْت أَنَّ صَاحِبَكُمْ لَا يُشَدِّدُ هَذَا التَّشْدِيدَ ، لَقَدْ رَأَيْتنِي أَنَا وَرَسُولُ اللَّهِ نَتَمَاشَى ، فَأَتَى سُبَاطَةً خَلْفَ حَائِطٍ ، فَقَامَ كَمَا يَقُومُ أَحَدُكُمْ ؛ فَبَالَ ، فَانْتَبَذْت مِنْهُ ، فَأَشَارَ إلَيَّ فَجِئْت فَقُمْت عِنْدَ عَقِبِهِ حَتَّى فَرَغَ } .
وَمِنْ الْإِصْرِ الَّذِي وُضِعَ إحْلَالُ الْغَنَائِمِ ؛ وَكَانَتْ حَرَامًا عَلَى سَائِرِ الْأُمَمِ .
وَمِنْهَا أَلَّا تُجَالَسَ الْحَائِضُ وَلَا تُؤَاكَلَ ، فَخَفَّفَ اللَّهُ ذَلِكَ فِي دِينِهِ ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { لِتَشُدَّ عَلَيْهَا إزَارَهَا ، ثُمَّ شَأْنُهُ بِأَعْلَاهَا } فِي أَعْدَادٍ لِأَمْثَالِهَا .

الْآيَةُ السَّابِعَةُ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ حَاضِرَةَ الْبَحْرِ إذْ يَعْدُونَ فِي السَّبْتِ إذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لَا يَسْبِتُونَ لَا تَأْتِيهِمْ كَذَلِكَ نَبْلُوهُمْ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } .
هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ أُمَّهَاتِ الشَّرِيعَةِ ، وَفِيهَا مَسَائِلُ أُصُولُهَا تِسْعٌ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : إنَّ اللَّهَ أَمَرَ رَسُولَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يَسْأَلَ الْيَهُودَ إخْوَةَ الْقِرَدَةِ وَالْخَنَازِيرِ عَنْ الْقَرْيَةِ الْبَحْرِيَّةِ الَّتِي اعْتَدَوْا فِيهَا يَوْمَ السَّبْتِ ، فَمَسَخَهُمْ اللَّهُ بِاعْتِدَائِهِمْ قِرَدَةً وَخَنَازِيرَ ، لِيُعَرِّفَهُمْ مَا نَزَلَ بِهِمْ مِنْ الْعُقُوبَةِ بِتَغْيِيرِ فَرْعٍ مِنْ فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ ، فَكَيْفَ بِتَغْيِيرِ أَصْلِ الشَّرِيعَةِ ، الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَاسْأَلْهُمْ عَنْ الْقَرْيَةِ } يَعْنِي أَهْلَ الْقَرْيَةِ ؛ فَعَبَّرَ بِهَا عَنْهُمْ لَمَّا كَانَتْ مُسْتَقَرًّا لَهُمْ وَسَبَبَ اجْتِمَاعِهِمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَاسْأَلْ الْقَرْيَةَ الَّتِي كُنَّا فِيهَا } الْآيَةَ ، وَكَمَا قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { اهْتَزَّ الْعَرْشُ لِمَوْتِ سَعْدٍ } يَعْنِي أَهْلَ الْعَرْشِ مِنْ الْمَلَائِكَةِ يُرِيدُ اسْتِبْشَارَهُمْ بِهِ .
وَكَمَا قَالَ أَيْضًا فِي الْمَدِينَةِ : { هَذَا جَبَلٌ يُحِبُّنَا وَنُحِبُّهُ } .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قِيلَ : كَانَتْ هَذِهِ الْمَدِينَةُ أَيْلَةَ ، مِنْ أَعْمَالِ مِصْرَ .
وَقِيلَ : كَانَتْ طَبَرِيَّةَ مِنْ أَعْمَالِ الشَّامِ .
وَقِيلَ : مَدْيَنَ ؛ وَرَبُّك أَعْلَمُ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سَبَبِ مَسْخِهِمْ ، فَقِيلَ : إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ الصَّيْدَ يَوْمَ السَّبْتِ ، ثُمَّ ابْتَلَاهُمْ بِأَنْ تَكُونَ الْحِيتَانُ تَأْتِي يَوْمَ السَّبْتِ شُرَّعًا أَيْ : رَافِعَةً رُءُوسَهَا فِي الْمَاءِ يَنْظُرُونَ إلَيْهَا ، فَإِذَا كَانَ يَوْمُ الْأَحَدِ وَمَا بَعْدَهُ مِنْ الْأَيَّامِ طَلَبُوا مِنْهَا حُوتًا وَاحِدًا لِلصَّيْدِ فَلَمْ يَجِدُوهُ ؛ فَصَوَّرَ عِنْدَهُمْ إبْلِيسُ أَنْ يَسُدُّوا أَفْوَاهَ الْخُلْجَانِ يَوْمَ السَّبْتِ حَتَّى إذَا أَمْسَوْا ، وَأَرَادَتْ الْحِيتَانُ أَنْ تَرْجِعَ إلَى النَّهْرِ الْأَعْظَمِ وَإِلَى غَمْرَةِ الْبَحْرِ لَمْ تَجِدْ مَسْلَكًا ، فَيَأْخُذُونَهَا فِي سَائِرِ الْأَيَّامِ ؛ فَفَعَلُوا ذَلِكَ فَمُسِخُوا .
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ فِي الْقِصَّةِ عَنْ بَعْضِ أَشْيَاخِهِ ، قَالَ : كَانَتْ تَأْتِيهِمْ يَوْمَ السَّبْتِ ، فَإِذَا كَانَ الْمَسَاءُ ذَهَبَتْ فَلَا يُرَى مِنْهَا شَيْءٌ إلَى السَّبْتِ الْآخَرِ ، فَاِتَّخَذَ لِذَلِكَ رَجُلٌ مِنْهُمْ خَيْطًا وَوَتَدًا ، فَرَبَطُوا حُوتًا مِنْهَا فِي الْمَاءِ يَوْمَ السَّبْتِ ، حَتَّى إذَا أَمْسَوْا لَيْلَةَ الْأَحَدِ أَخَذَهُ فَاشْتَوَاهُ ، فَوَجَدَ النَّاسُ رِيحَهُ ، فَأَتَوْهُ فَسَأَلُوهُ عَنْ ذَلِكَ فَجَحَدَهُمْ ، فَلَمْ يَزَالُوا بِهِ حَتَّى قَالَ لَهُمْ : إنَّهُ جِلْدُ حُوتٍ وَجَدْنَاهُ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ السَّبْتِ الْآخَرِ فَعَلَ مِثْلَ ذَلِكَ ، وَلَا أَدْرِي لَعَلَّهُ قَالَ ثُمَّ رَبَطَ حُوتَيْنِ ، فَلَمَّا أَمْسَى مِنْ لَيْلَةِ الْأَحَدِ أَخَذَهُ وَاشْتَوَاهُ ، فَوَجَدُوا رِيحَهُ ، فَجَاءُوهُ ، فَقَالَ لَهُمْ : لَوْ شِئْتُمْ صَنَعْتُمْ كَمَا أَصْنَعُ .
قَالُوا : وَمَا صَنَعْت ؟ فَأَخْبَرَهُمْ ، فَفَعَلُوا مِثْلَ مَا فَعَلَ ، حَتَّى كَثُرَ ذَلِكَ ، وَكَانَتْ لَهُمْ مَدِينَةٌ لَهَا رَبَضٌ يُغْلِقُونَهَا عَلَيْهِمْ ، فَأَصَابَهُمْ مِنْ الْمَسْخِ مَا أَصَابَهُمْ ، فَغَدَا إلَيْهِمْ جِيرَانُهُمْ مِمَّنْ كَانَ حَوْلَهُمْ

يَطْلُبُونَ مِنْهُمْ مَا يَطْلُبُ النَّاسُ ، فَوَجَدُوا الْمَدِينَةَ مُغْلَقَةً عَلَيْهِمْ ، فَنَادَوْا فَلَمْ يُجِبْهُمْ أَحَدٌ ، فَتَسَوَّرُوا عَلَيْهِمْ الْمَدِينَةَ ، فَإِذَا هُمْ قِرَدَةً ، فَجَعَلَ الْقِرْدُ مِنْهُمْ يَدْنُو فَيَتَمَسَّحُ بِمَنْ كَانَ يَعْرِفُ قَبْلَ ذَلِكَ .
قَالَ الْحَسَنُ : فَأَكَلُوا وَاَللَّهِ أَوْخَمَ أَكْلَةٍ أَكَلَهَا قَوْمٌ ، وَعُوقِبُوا أَسْوَأَ عُقُوبَةٍ فِي الدُّنْيَا وَأَشَدَّهَا عَذَابًا فِي الْآخِرَةِ .
ثُمَّ قَالَ الْحَسَنُ : وَاَللَّهِ لَقَتْلُ الْمُؤْمِنِ أَعْظَمُ عِنْدَ اللَّهِ مِنْ أَكْلِ الْحِيتَانِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : لَمَّا فَعَلُوا هَذَا نَهَاهُمْ كُبَرَاؤُهُمْ ، وَوَعَظَهُمْ أَحْبَارُهُمْ فَلَمْ يَقْبَلُوا مِنْهُمْ ، فَاسْتَمَرُّوا عَلَى نَهْيِهِمْ لَهُمْ ، وَلَمْ يَمْنَعْ مِنْ التَّمَادِي عَلَى الْوَعْظِ وَالنَّهْيِ عَدَمُ قَبُولِهِمْ ؛ لِأَنَّهُ فَرْضٌ قُبِلَ أَوْ لَمْ يُقْبَلْ ، حَتَّى قَالَ لَهُمْ بَعْضُهُمْ : { لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ } ؟ يَعْنِي فِي الدُّنْيَا ، { أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا } فِي الْآخِرَةِ ؟ قَالَ لَهُمْ النَّاهُونَ : مَعْذِرَةً إلَى رَبِّكُمْ ، أَيْ نَقُومُ بِفَرْضِنَا ؛ لِيَثْبُتَ عُذْرُنَا عِنْدَ رَبِّنَا .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : قَوْله تَعَالَى { فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ } أَيْ : تَرَكُوهُ عَنْ قَصْدٍ .
وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ النِّسْيَانَ لَفْظٌ يَنْطَلِقُ عَلَى السَّاهِي وَالْعَامِدِ رَدًّا عَلَى أَهْلِ جَهَالَةٍ زَعَمُوا أَنَّ النَّاسِيَ وَالسَّاهِيَ لِمَعْنًى وَاحِدٍ .
وَهَؤُلَاءِ قَوْمٌ لَا مَعْرِفَةَ لَهُمْ بِاللُّغَةِ ، وَقَصْدُهُمْ هَدْمُ الشَّرِيعَةِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، وَحَقَّقْنَا مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ نَسِيَهَا فَلْيُصَلِّهَا إذَا ذَكَرَهَا } .
وَقُلْنَا : مَعْنَاهُ مَنْ نَامَ عَنْ صَلَاةٍ أَوْ تَرَكَهَا فَلْيُصَلِّهَا مَتَى ذَكَرَهَا .
فَالسَّاهِي لَهُ حَالَةُ ذِكْرٍ ، وَالْعَامِدُ هُوَ أَبَدًا ذَاكِرٌ ؛ وَكُلُّ وَاحِدِ مِنْهُمْ يَتَوَجَّهُ عَلَيْهِ فَرْضُ الْقَضَاءِ مَتَى حَضَرَهُ الذِّكْرُ دَائِمًا أَوْ فِي حَالٍ دُونَ حَالٍ ، وَبِهَذَا اسْتَقَامَ نِظَامُ الْكَلَامِ ، وَاسْتَقَرَّ حُكْمُ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ مِنْ أُصُولِ إثْبَاتِ الذَّرَائِعِ الَّتِي انْفَرَدَ بِهَا مَالِكٌ ، وَتَابَعَهُ عَلَيْهَا أَحْمَدُ فِي بَعْضِ رِوَايَاتِهِ ، وَخَفِيَتْ عَلَى الشَّافِعِيِّ وَأَبِي حَنِيفَةَ مَعَ تَبَحُّرِهِمَا فِي الشَّرِيعَةِ ، وَهُوَ كُلُّ عَمَلٍ ظَاهِرِ الْجَوَازِ يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَى مَحْظُورٍ ، كَمَا فَعَلَ الْيَهُودُ حِينَ حَرَّمَ عَلَيْهِمْ صَيْدَ السَّبْتِ ، فَسَكَرُوا الْأَنْهَارَ ، وَرَبَطُوا الْحِيتَانَ فِيهِ إلَى يَوْمِ الْأَحَدِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا أَدِلَّةَ الْمَسْأَلَةِ فِي كُتُبِ الْخِلَافِ ، وَبَسَطْنَاهَا قُرْآنًا وَسُنَّةً وَدَلَالَةً مِنْ الْأُصُولِ فِي الشَّرِيعَةِ .
فَإِنْ قِيلَ : هَذَا الَّذِي فَعَلَتْ الْيَهُودُ لَمْ يَكُنْ تَوَسُّلًا إلَى الصَّيْدِ ؛ بَلْ كَانَ نَفْسَ الصَّيْدِ .
قُلْنَا : إنَّمَا حَقِيقَةُ الصَّيْدِ إخْرَاجُ الْحُوتِ مِنْ الْمَاءِ وَتَحْصِيلُهُ عِنْدَ الصَّائِدِ ، فَأَمَّا التَّحَيُّلُ عَلَيْهِ إلَى حِينِ الصَّيْدِ فَهُوَ سَبَبُ الصَّيْدِ ، لَا نَفْسُ الصَّيْدِ ، وَسَبَبُ الشَّيْءِ غَيْرُ الشَّيْءِ ؛ إنَّمَا هُوَ الَّذِي يُتَوَصَّلُ بِهِ إلَيْهِ ، وَيُتَوَسَّلُ بِهِ فِي تَحْصِيلِهِ ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي فَعَلَهُ أَصْحَابُ السَّبْتِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : إنَّمَا هَلَكُوا بِاتِّبَاعِ الظَّاهِرَةِ ؛ لِأَنَّ الصَّيْدَ حُرِّمَ عَلَيْهِمْ ، فَقَالُوا : لَا نَصِيدُ ، بَلْ نَأْتِي بِسَبَبِ الصَّيْدِ ، وَلَيْسَ سَبَبُ الشَّيْءِ نَفْسَ الشَّيْءِ ، فَنَحْنُ لَا نَرْتَكِبُ عَيْنَ مَا نُهِينَا عَنْهُ ، فَنَعُوذُ بِاَللَّهِ مِنْ الْأَخْذِ بِالظَّاهِرِ الْمُطْلَقِ فِي الشَّرِيعَةِ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي الْمَمْسُوخِ ؛ هَلْ يَنْسِلُ أَمْ لَا ؟ فَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ : إنَّ الْمَمْسُوخَ لَا يَنْسِلُ ، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ يَنْسِلُ ، وَهُوَ الصَّحِيحُ عِنْدِي .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَمْرَانِ : أَحَدُهُمَا : حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ حِينَ { سُئِلَ عَنْ الضَّبِّ ، فَقَالَ إنَّ أُمَّةً مُسِخَتْ ، فَأَخْشَى أَنْ يَكُونَ الضَّبُّ مِنْهَا } .
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ الْفَأْرَ مُسِخَ ، أَلَا تَرَاهُ إذَا وُضِعَ لَهُ أَلْبَانُ الْإِبِلِ لَمْ يَشْرَبْهَا } .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عَمْرِو بْنِ مَيْمُونٍ أَنَّهُ قَالَ : رَأَيْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرَدَةً قَدْ رَجَمُوا قِرَدَةً .
وَنَصُّ الْحَدِيثِ : قَدْ رَأَيْت فِي الْجَاهِلِيَّةِ قِرَدَةً قَدْ اجْتَمَعَ عَلَيْهَا قِرَدَةٌ قَدْ زَنَتْ فَرَجَمُوهَا ، فَرَجَمْتهَا مَعَهُمْ .
ثَبَتَ فِي بَعْضِ نُسَخِ الْبُخَارِيِّ ، وَسَقَطَ فِي بَعْضِهَا .
وَثَبَتَ فِي بَعْضِ الْحَدِيثِ : قَدْ زَنَتْ .
وَسَقَطَ هَذَا اللَّفْظُ عِنْدَ بَعْضِهِمْ .
فَإِنْ قِيلَ : وَكَأَنَّ الْبَهَائِمَ بَقِيَتْ فِيهِمْ مَعَارِفُ الشَّرَائِعِ حَتَّى وَرِثُوهَا خَلَفًا عَنْ سَلَفٍ إلَى زَمَانِ عُمَرَ .
وَقُلْنَا : نَعَمْ ، كَذَلِكَ كَانَ ؛ لِأَنَّ الْيَهُودَ غَيَّرُوا الرَّجْمَ ، فَأَرَادَ اللَّهُ أَنْ يُقِيمَهُ فِي مُسُوخِهِمْ ، حَتَّى يَكُونَ إبْلَاغًا فِي الْحُجَّةِ عَلَى مَا أَنْكَرُوهُ مِنْ ذَلِكَ ، وَغَيَّرُوهُ ، حَتَّى تَشْهَدَ عَلَيْهِمْ كُتُبُهُمْ وَأَحْبَارُهُمْ وَمُسُوخُهُمْ ، حَتَّى يَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ ، وَيُحْصِي مَا يُبَدِّلُونَ وَمَا يُغَيِّرُونَ ، وَيُقِيمَ عَلَيْهِمْ الْحُجَّةَ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُونَ ، وَيَنْصُرَ نَبِيَّهُ وَهُمْ لَا يُنْصَرُونَ .

الْآيَةُ الثَّامِنَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْت بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رَوَى مَالِكٌ وَغَيْرُهُ أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ { سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ : { وَإِذْ أَخَذَ رَبُّك مِنْ بَنِي آدَمَ } فَقَالَ عُمَرُ : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سُئِلَ عَنْ هَذِهِ الْآيَةِ ، فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ خَلْق آدَمَ ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ بِيَمِينِهِ ، فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ ، فَقَالَ : خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ يَعْمَلُونَ .
ثُمَّ مَسَحَ ظَهْرَهُ فَاسْتَخْرَجَ مِنْهُ ذُرِّيَّتَهُ ، فَقَالَ : خَلَقْت هَؤُلَاءِ لِلنَّارِ ، وَبِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ يَعْمَلُونَ .
فَقَالَ رَجُلٌ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ فَفِيمَ الْعَمَلُ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّ اللَّهَ إذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلْجَنَّةِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ ، وَإِذَا خَلَقَ الْعَبْدَ لِلنَّارِ اسْتَعْمَلَهُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى يَمُوتَ عَلَى عَمَلٍ مِنْ أَعْمَالِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُ النَّارَ } وَقَدْ تُكُلِّمَ فِي سَنَدِ هَذَا الْحَدِيثِ بِكَلَامٍ [ قَدْ ] بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ .
وَقَدْ ثَبَتَ وَصَحَّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَالَ : إنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { لَمَّا خَلَقَ آدَم مَسَحَ ظَهْرَهُ فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَجَعَلَ بَيْنَ عَيْنَيْ كُلِّ رَجُلٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ ، فَقَالَ : يَا رَبِّ ، مَنْ هَؤُلَاءِ ؟ قَالَ : هَؤُلَاءِ ذُرِّيَّتُك .
فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ .
فَقَالَ : يَا رَبِّ ؛ مَنْ هَذَا ؟ قَالَ : رَجُلٌ

مِنْ آخِرِ الْأُمَمِ مِنْ ذُرِّيَّتِك يُقَالُ لَهُ دَاوُد .
فَقَالَ : رَبِّ كَمْ جَعَلْت عُمُرَهُ ؟ قَالَ : سِتِّينَ سَنَةً .
قَالَ : أَيْ رَبِّ ، زِدْهُ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعِينَ سَنَةً .
فَلَمَّا انْقَضَى عُمُرُ آدَمَ جَاءَهُ مَلَكُ الْمَوْتِ ، فَقَالَ : أَوَلَمْ يَبْقَ مِنْ عُمُرِي أَرْبَعُونَ سَنَةً ؟ قَالَ : أَوَلَمْ تُعْطِهَا ابْنَك دَاوُد ؟ قَالَ : فَجَحَدَ آدَم ، فَجَحَدَتْ ذُرِّيَّتُهُ ؛ وَنَسِيَ آدَم فَنَسِيَتْ ذُرِّيَّتُهُ ؛ وَخَطِئَ آدَم ، فَأَخْطَأَتْ ذُرِّيَّتُهُ } .
خَرَّجَهُ أَبُو عِيسَى وَصَحَّحَهُ ، وَمِنْ رِوَايَةِ غَيْرِهِ ، { فَمِنْ حِينَئِذٍ أُمِرَ بِالْكِتَابِ وَالشُّهُودِ } وَفِي رِوَايَةٍ : { أَنَّهُ رَأَى فِيهِمْ الضَّعِيفَ وَالْغَنِيَّ وَالْفَقِيرَ وَالْمُبْتَلَى وَالصَّحِيحَ فَقَالَ لَهُ آدَم : يَا رَبِّ ، مَا هَذَا ؟ أَلَا سَوَّيْت بَيْنَهُمْ ؟ قَالَ : أَرَدْت أَنْ أَشْكُرَ } .
وَفِي رِوَايَةٍ أُخْرَى : أَنَّهُ { أَخْرَجَهُمْ مِنْ صُلْبِ آدَمَ كَهَيْئَةِ الذَّرِّ ، ثُمَّ أَخَذَ عَلَيْهِمْ الْمِيثَاقَ ، ثُمَّ أُعِيدُوا فِي صُلْبِهِ } .
وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّ عُمَرَ خَطَبَ بِالْجَابِيَةِ ، فَقَالَ : مَنْ يَهْدِ اللَّهُ فَلَا مُضِلَّ لَهُ وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَا هَادِيَ لَهُ .
فَقَالَ الْجَاثَلِيقُ : تَرَكَّسْت تَرَكَّسْت .
فَقَالَ الرَّاوِي : يَقُولُ مَعَاذَ اللَّهِ ، لَا يُضِلُّ اللَّهُ أَحَدًا .
فَقَالَ عُمَرُ : بَلْ اللَّهُ خَلَقَك ثُمَّ أَضَلَّك ، ثُمَّ يُمِيتُك ، ثُمَّ يُدْخِلُك النَّارَ ؛ وَاَللَّهِ لَوْلَا وَلْثٌ مِنْ عَهْدِك لَضَرَبْت عُنُقَك .
فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ لَمَّا خَلَقَ نَثَرَ ذُرِّيَّةَ آدَمَ فِي كَفَّيْهِ ، فَقَالَ : هَؤُلَاءِ لِلْجَنَّةِ وَمَا هُمْ عَامِلُونَ ، وَهَؤُلَاءِ لِلنَّارِ وَمَا هُمْ عَامِلُونَ ، وَهَذِهِ لِهَذِهِ ، وَهَذِهِ لِهَذِهِ ؛ قَالَ : فَتَفَرَّقَ النَّاسُ .
وَمَا يَخْتَلِفُ اثْنَانِ فِي الْقَدَرِ .
وَفِي رِوَايَةٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : { خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ قَابِضٌ عَلَى شَيْئَيْنِ فِي يَدَيْهِ ، فَفَتَحَ الْيَمِينَ ، فَقَالَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، كِتَابٌ مِنْ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ، فِيهِ أَسْمَاءُ أَهْلِ الْجَنَّةِ بِأَعْدَادِهِمْ

وَأَعْمَالِهِمْ وَأَحْسَابِهِمْ ، فَجَمَعَ عَلَيْهِمْ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، لَا يُزَادُ فِيهِمْ أَحَدٌ وَلَا يُنْقَصُ مِنْهُمْ ، وَقَدْ يَسْلُكُ السُّعَدَاءُ طَرِيقَ أَهْلِ الشَّقَاءِ حَتَّى يُقَالَ : هُمْ مِنْهُمْ .
هُمْ مِنْهُمْ ، ثُمَّ تُدْرِكُ أَحَدَهُمْ سَعَادَتُهُ وَلَوْ قَبْلَ مَوْتِهِ بِفُوَاقِ نَاقَةٍ .
ثُمَّ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الْعَمَلُ بِخَوَاتِمِهِ ، الْعَمَلُ بِخَوَاتِمِهِ } وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { أَوَّلُ مَا خَلَقَ اللَّهُ الْقَلَمُ ، فَقَالَ لَهُ : اُكْتُبْ ، فَكَتَبَ مَقَادِيرَ الْخَلْقِ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ } وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ { قِيلَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ هَذَا الْأَمْرُ الَّذِي نَحْنُ فِيهِ أَمْرٌ مُسْتَأْنَفٌ أَمْ أَمْرٌ قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ؟ فَقَالَ : فَرَغَ رَبُّكُمْ .
قَالُوا : فَفِيمَ الْعَمَلُ ؟ قَالَ : اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ ؛ أَمَّا مَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ السَّعَادَةِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ السَّعَادَةِ .
وَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الشَّقَاءِ فَيُيَسَّرُ لِعَمَلِ أَهْلِ الشَّقَاءِ .
ثُمَّ قَرَأَ : { فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى } } وَثَبَتَ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ ، فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ فَيَدْخُلُهَا .
وَإِنَّ الْعَبْدَ لَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ الْجَنَّةِ حَتَّى مَا يَكُونُ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا إلَّا ذِرَاعٌ فَيَسْبِقُ عَلَيْهِ الْكِتَابُ فَيَعْمَلُ بِعَمَلِ أَهْلِ النَّارِ فَيَدْخُلُهَا } .
فَإِنْ قِيلَ : فَكَيْفَ يَجُوزُ أَنْ يُعَذَّبَ الْخَلْقُ وَهُمْ لَمْ يُذْنِبُوا ، أَوْ يُعَاقِبُهُمْ عَلَى مَا أَرَادَهُ مِنْهُمْ ، وَكَتَبَهُ عَلَيْهِمْ ، وَسَاقَهُمْ إلَيْهِ ؟ قُلْنَا : وَمِنْ أَيْنَ يَمْتَنِعُ ذَلِكَ ؟ أَعَقْلًا أَمْ شَرْعًا ؟ فَإِنْ قِيلَ : لِأَنَّ الرَّحِيمَ

الْحَكِيمَ مِنَّا لَا يَجُوزُ أَنْ يَفْعَلَ ذَلِكَ .
قُلْنَا : لِأَنَّ فَوْقَهُ آمِرًا يَأْمُرُهُ وَنَاهِيًا يَنْهَاهُ ، وَرَبُّنَا لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ .
وَلَا يَجُوزُ أَنْ يُقَاسَ الْخَالِقُ بِالْمَخْلُوقِ ، وَلَا تُحْمَلُ أَفْعَالُ الْإِلَهِ عَلَى أَفْعَالِ الْعِبَادِ .
وَبِالْحَقِيقَةِ الْأَفْعَالُ كُلُّهَا لِلَّهِ ، وَالْخَلْقُ بِأَجْمَعِهِمْ لَهُ صَرَفَهُمْ كَيْفَ شَاءَ ، وَحَكَمَ فِيهِمْ كَيْفَ أَرَادَ ؛ وَهَذَا الَّذِي يَجِدُهُ الْآدَمِيُّ إنَّمَا تَبْعَثُ عَلَيْهِ رِقَّةُ الْجِبِلَّةِ ، وَشَفَقَةُ الْجِنْسِيَّةِ ، وَحُبُّ الثَّنَاءِ وَالْمَدْحِ ، لِمَا يُتَوَقَّعُ فِي ذَلِكَ مِنْ الِانْتِفَاعِ ؟ وَالْبَارِي مُتَقَدِّسٌ عَنْ ذَلِكَ كُلِّهِ ؛ فَلَا يَجُوزُ أَنْ يُعْتَبَرَ بِهِ .
وَقَدْ مَهَّدْنَاهُ فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ وَفِي كُتُبِ الْأُصُولِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْكُفَّارِ الْمُتَأَوِّلِينَ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَمَذْهَبُ شَيْخِ السُّنَّةِ ، وَإِلَيْهِ صَغَى الْقَاضِي فِي أَشْهَرِ قَوْلَيْهِمَا أَنَّ الْكُفْرَ يَخْتَصُّ بِالْجَاحِدِ ، وَالْمُتَأَوِّلُ لَيْسَ بِكَافِرٍ .
وَاَلَّذِي نَخْتَارُهُ كُفْرُ مَنْ أَنْكَرَ أُصُولَ الْإِيمَانِ ، فَمِنْ أَعْظَمِهَا مَوْقِعًا وَأَبْيَنِهَا مَنْصِفًا ، وَأَوْقَعِهَا مَوْضِعًا الْقَوْلُ بِالْقَدَرِ ، فَمَنْ أَنْكَرَهُ فَقَدْ كَفَرَ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْمُقْسِطِ وَالْمُشْكِلَيْنِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : اخْتَلَفَ عُلَمَاءُ الْمَالِكِيَّةِ فِي تَكْفِيرِهِمْ عَلَى قَوْلَيْنِ : فَالصَّرِيحُ مِنْ أَقْوَالِ مَالِكٍ تَكْفِيرُهُمْ ، لَقَدْ سُئِلَ عَنْ نِكَاحِ الْقَدَرِيَّةِ ، فَقَالَ : قَدْ قَالَ اللَّهُ : { وَلَعَبْدٌ مُؤْمِنٌ خَيْرٌ مِنْ مُشْرِكٍ } .
وَمَنْ قَالَ مِنْ أَصْحَابِنَا : إنَّ ذَلِكَ أَدَبٌ لَهُمْ ، وَلَيْسُوا بِكُفَّارٍ ، أَوْ حَكَى فِي ذَلِكَ غَيْرَ مَا أَوْرَدْنَاهُ مِنْ الْأَقْوَالِ ؛ فَذَلِكَ لِضَعْفِ مَعْرِفَتِهِ بِالْأُصُولِ ، فَلَا يُنَاكَحُوا ، وَلَا يُصَلَّى عَلَيْهِمْ ، فَإِنْ خِيفَ عَلَيْهِمْ الضَّيْعَةُ دُفِنُوا كَمَا يُدْفَنُ الْكَلْبُ .
فَإِنْ قِيلَ : وَأَيْنَ يُدْفَنُونَ ؟ قُلْنَا : لَا يُؤْذَى بِجِوَارِهِمْ مُسْلِمٌ .
وَإِنْ قَدَرَ عَلَيْهِمْ الْإِمَامُ اسْتَتَابَهُمْ ، فَإِنْ تَابُوا وَإِلَّا قَتَلَهُمْ كُفْرًا .
.

الْآيَةُ التَّاسِعَةَ عَشْرَةَ : قَوْله تَعَالَى : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ } هَذِهِ آيَةٌ عَظِيمَةٌ مِنْ الْآيِ الَّتِي جَمَعَتْ الْعَقَائِدَ وَالْأَعْمَالَ ، وَقَدْ كُنَّا تَكَلَّمْنَا عَلَيْهَا فِي مَجَالِسِ أَنْوَارِ الْفَجْرِ أَزْمِنَةً كَثِيرَةً ، ثُمَّ أَنْعَمَ اللَّهُ بِأَنْ أَخْرَجْنَا نُكَتَهَا الْمَقْصُودَةَ مِنْ الْوَجْهَيْنِ جَمِيعًا فِي كِتَابِ الْأَمَدِ الْأَقْصَى " ، وَفِيهَا سَبْعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { الْأَسْمَاءُ } : حَقِيقَةُ الِاسْمِ كُلُّ لَفْظٍ جُعِلَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى الْمَعْنَى إنْ لَمْ يَكُنْ مُشْتَقًّا ، فَإِنْ كَانَ مُشْتَقًّا فَلَيْسَ بِاسْمٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ صِفَةٌ ، هَذَا قَوْلُ النُّحَاةِ .
أَخْبَرَنَا الْأُسْتَاذُ الرَّئِيسُ الْأَجَلُّ الْمُعَظَّمُ فَخْرُ الرُّؤَسَاءِ أَبُو الْمُظَفَّرِ مُحَمَّدُ بْنُ الْعَبَّاسِ لَفْظًا قَالَ : سَمِعْت الْأُسْتَاذَ الْمُعَظَّمَ عَبْدَ الْقَاهِرِ الْجُرْجَانِيَّ يَقُولُ : سَمِعْت أَبَا الْحَسَنِ ابْنَ أُخْتِ أَبِي عَلِيٍّ يَقُولُ : سَمِعْت خَالِي أَبَا عَلِيٍّ يَقُولُ : كُنْت بِمَجْلِسِ سَيْفِ الدَّوْلَةِ بِحَلَبٍ ، وَبِالْحَضْرَةِ جَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْمَعْرِفَةِ فِيهِمْ ابْنُ خَالَوَيْهِ إلَى أَنْ قَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ : أَحْفَظُ لِلسَّيْفِ خَمْسِينَ اسْمًا .
فَتَبَسَّمَ أَبُو عَلِيٍّ ، وَقَالَ : مَا أَحْفَظُ لَهُ إلَّا اسْمًا وَاحِدًا ، وَهُوَ السَّيْفُ .
فَقَالَ ابْنُ خَالَوَيْهِ : فَأَيْنَ الْمُهَنَّدُ ؟ وَأَيْنَ الصَّارِمُ ؟ وَأَيْنَ الرَّسُوبُ ؟ وَأَيْنَ الْمِخْذَمُ وَجَعَلَ يُعَدِّدُ .
فَقَالَ أَبُو عَلِيٍّ : هَذِهِ صِفَاتٌ .
وَكَأَنَّ الشَّيْخَ لَا يُفَرِّقُ بَيْنَ الِاسْمِ وَالصِّفَةِ .
وَهَذِهِ قَاعِدَةٌ أَسَّسَهَا سِيبَوَيْهِ لِيُرَتِّبَ عَلَيْهَا قَانُونًا مِنْ الصِّنَاعَةِ فِي التَّصْرِيفِ وَالْجَمْعِ وَالتَّصْغِيرِ ، وَالْحَذْفِ وَالزِّيَادَةِ وَالنِّسْبَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَبْوَابِ ؛ إذْ لَحَظَ ذَلِكَ فِي مَجَارِي الْعَرَبِيَّةِ ، وَهُوَ أَمْرٌ لَا تَحْتَاجُ إلَيْهِ الشَّرِيعَةُ بِعَضُدٍ ، وَلَا تَرُدُّهُ بِقَصْدٍ ؛

فَلَا مَعْنَى لِإِنْكَارِهَا لِلْقَوْمِ أَوْ إقْرَارِهَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ سَخِيفٌ مِنْ جُمْلَةِ الْمَغَارِبَةِ : عَدَدْت أَسْمَاءَ اللَّهِ فَوَجَدْتهَا ثَمَانِينَ ، وَجَعَلَ يُعَدِّدُ الصِّفَاتِ النَّحْوِيَّةَ ، وَيَا لَيْتَنِي أَدْرَكْته ؛ فَلَقَدْ كَانَتْ فِيهِ حُشَاشَةٌ لَوْ تَفَاوَضْت مَعَهُ فِي الْحَقَائِقِ لَمْ يَكُنْ بُدٌّ مِنْ قَبُولِهِ ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .
وَلَيْسَ الْعَجَبُ مِنْهُ ؛ إنَّمَا الْعَجَبُ مِنْ الطُّوسِيِّ أَنْ يَقُولَ : وَقَدْ عَدَّدَ بَعْضُ حُفَّاظِ الْمُغْرِبِ الْأَسْمَاءَ فَوَجَدَهَا ثَمَانِينَ حَسْبَمَا نَقَلَهُ إلَيْهِ طَرِيدٌ طَرِيفٌ ببورقة الْحُمَيْدِيِّ ، وَإِنَّمَا وَقَعَ فِي ذَلِكَ أَبُو حَامِدٍ بِجَهْلِهِ بِالصِّنَاعَةِ ، أَمَا إنَّهُ كَانَ فَصِيحًا ذَرِبَ الْقَوْلِ ، ذَرِبَ اللِّسَانِ فِي الِاسْتِرْسَالِ عَلَى الْكَلِمَاتِ الصَّائِبَةِ ، لَكِنَّ الْقَانُونَ كَانَ عَنْهُ نَائِيًا ، وَالْعَالَمُ عِنْدَنَا اسْمٌ ، كَزَيْدٍ اسْمٌ ، وَأَحَدُهُمَا يَدُلُّ عَلَى الْوُجُودِ ، وَالْآخَرُ يَدُلُّ عَلَى الْوُجُودِ وَمَعْنَى مَعَهُ زَائِدٌ عَلَيْهِ ، وَاَلَّذِي يُعَضِّدُ ذَلِكَ أَنَّ الصَّحَابَةَ وَعُلَمَاءَ الْإِسْلَامِ حِينَ عَدَّدُوا الْأَسْمَاءَ ذَكَرُوا الْمُشْتَقَّ وَالْمُضَافَ وَالْمُطْلَقَ فِي مَسَاقٍ وَاحِدٍ إجْرَاءً عَلَى الْأَصْلِ ، وَنَبْذًا لِلْقَاعِدَةِ النَّحْوِيَّةِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : " قَوْله تَعَالَى { الْحُسْنَى } وَفِي وَصْفِهَا بِذَلِكَ خَمْسَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَا فِيهَا مِنْ مَعْنَى التَّعْظِيمِ ؛ فَكُلُّ مَعْنًى مُعَظَّمٍ يُسَمَّى بِهِ سُبْحَانَهُ .
الثَّانِي : مَا وُعِدَ عَلَيْهَا مِنْ الثَّوَابِ بِدُخُولِ الْجَنَّةِ .
الثَّالِثُ : مَا مَالَتْ إلَيْهِ الْقُلُوبُ مِنْ الْكَرَمِ وَالرَّحْمَةِ .
الرَّابِعُ : أَنَّ حَسْبَهَا شَرَفُ الْعِلْمِ بِهَا ، فَإِنَّ شَرَفَ الْعِلْمِ بِشَرَفِ الْمَعْلُومِ ، وَالْبَارِي أَشْرَفُ الْمَعْلُومَاتِ ؛ فَالْعِلْمُ بِأَسْمَائِهِ أَشْرَفُ الْعُلُومِ .
الْخَامِسُ : أَنَّهُ مَعْرِفَةُ الْوَاجِبِ فِي وَصْفِهِ وَالْجَائِزِ وَالْمُسْتَحِيلِ عَلَيْهِ ؛ فَيَأْتِي بِكُلِّ ذَلِكَ عَلَى وَجْهِهِ وَيُقَرِّرُهُ فِي نِصَابِهِ ، وَقَدْ بَيَّنَّا فِي الْمُقْسِطِ حَقِيقَةَ الْحُسْنِ وَأَقْسَامَهُ ، وَمَنْ حَصَّلَ هَذِهِ الْمَعَانِيَ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ نَالَ الْحُسْنَ مِنْ كُلِّ طَرِيقٍ ، وَحَصَلَ لَهُ الْقَطْعُ بِالتَّوْفِيقِ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ سَمِعُوا الْمُسْلِمِينَ يَدْعُونَ " اللَّهَ " مَرَّةً ، وَ " الرَّحْمَنَ " أُخْرَى ، و " الْقَادِرَ " بَعْدَ ذَلِكَ ، فَقَالُوا : أَيَنْهَانَا مُحَمَّدٌ عَنْ الْأَصْنَامِ وَهُوَ يَدْعُوا آلِهَةً كَثِيرَةً ؟ فَنَزَلَتْ : { وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا } أَيْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ إلَهٌ وَاحِدٌ ، وَلَيْسَتْ بِآلِهَةٍ مُتَعَدِّدَةٍ .

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : مَا هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الَّتِي أَضَافَهَا اللَّهُ ؟ : وَفِي ذَلِكَ ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهَا أَسْمَاؤُهُ كُلُّهَا الَّتِي فِيهَا التَّعْظِيمُ وَالْإِكْبَارُ .
الثَّانِي : أَنَّهَا الْأَسْمَاءُ التِّسْعَةُ وَالتِّسْعُونَ الَّتِي وَرَدَ فِيهَا الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ : { إنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ } .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا الْأَسْمَاءُ الَّتِي دَلَّتْ عَلَيْهَا أَدِلَّةُ الْوَحْدَانِيَّةِ ، وَهِيَ سَبْعَةٌ تَتَرَتَّبُ عَلَى الْوُجُودِ : الْعِلْمُ ، وَالْقُدْرَةُ ، وَالْإِرَادَةُ ، وَالسَّمْعُ ، وَالْبَصَرُ ، وَالْكَلَامُ ، وَالْحَيَاةُ .
تَقُولُ : الْقَادِرُ الْعَالِمُ الْمُرِيدُ الْحَيُّ الْمُتَكَلِّمُ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ، وَفِي تَرْتِيبِهَا تَقْرِيبٌ بَيَّنَّاهُ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ ، وَكُلُّ اسْمٍ لِلَّهِ فَإِلَى هَذِهِ الْأُصُولِ يَرْجِعُ ، لَكِنَّ الصَّحِيحَ عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا التِّسْعَةُ وَالتِّسْعُونَ الَّتِي عَدَّدَهَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ .
فَإِنْ قِيلَ : وَهَلْ إلَى مَعْرِفَتِهَا سَبِيلٌ ؟ قُلْنَا : حَلَّقَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهَا ، وَسَارُوا إلَيْهَا فَمِنْ جَائِرٍ وَقَاصِدٍ ، وَالْقَاصِدُ فِي الْأَكْثَرِ وَاقِفٌ دُونَ الْمَرَامِ ، وَالْجَائِرُ لَيْسَ فِيهِ كَلَامٌ .
فَأَمَّا مَنْ وَقَفَ عَلَى الْأَمْرِ فَمَا عَرَفْته إلَّا الْإسْفَرايِينِيّ وَالطُّوسِيُّ .
إلَّا أَنَّ الطُّوسِيَّ تَقَلْقَلَ فِيهَا فَتَزَلْزَلَ عَنْهَا ، وَأَمَّا الْإسْفَرايِينِيّ فَأَسْنَدَ طَرِيقَهُ وَوَضَّحَ تَحْقِيقَهُ .
وَاَلَّذِي أَدُلُّكُمْ عَلَيْهِ أَنْ تَطْلُبُوهَا فِي الْقُرْآنِ وَالسُّنَّةِ ، فَإِنَّهَا مَخْبُوءَةٌ فِيهِمَا كَمَا خُبِئَتْ سَاعَةُ الْجُمُعَةِ فِي الْيَوْمِ ، وَلَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي الشَّهْرِ رَغْبَةً ، وَالْكَبَائِرُ فِي الذُّنُوبِ رَهْبَةً ؛ لِتَعُمَّ الْعِبَادَاتُ الْيَوْمَ بِجَمِيعِهِ وَالشَّهْرَ بِكُلِّيَّتِهِ ، وَلِيَقَعَ الِاجْتِنَابُ لِجَمِيعِ الذُّنُوبِ .
وَكَذَلِكَ أُخْفِيَتْ هَذِهِ الْأَسْمَاءُ الْمُتَعَدِّدَةُ فِي جُمْلَةِ الْأَسْمَاءِ الْكُلِّيَّةِ ، لِنَدْعُوَهُ بِجَمِيعِهَا ، فَنُصِيبُ الْعَدَدَ

الْمَوْعُودَ بِهِ فِيهَا ، فَأَمَّا تَعْدِيدُهَا بِالْقُرْآنِ فَقَدْ وَهَمَ فِيهِ إمَامَانِ : سُفْيَانُ ، وَابْنُ شَعْبَانَ ، وَقَدْ سُقْنَاهُ بِغَايَةِ الْبَيَانِ وَنَصُّهُ : سُورَةُ الْحَمْدِ فِيهَا خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ : اللَّهُ ، الرَّبُّ ، الرَّحْمَنُ ، الرَّحِيمُ ، مَالِكٌ .
سُورَةُ الْبَقَرَةِ فِيهَا ثَلَاثُونَ اسْمًا : مُحِيطٌ ، قَدِيرٌ ، عَلِيمٌ ، حَكِيمٌ ، ذُو الْفَضْلِ ، الْعَظِيمُ ، بَصِيرٌ ، وَاسِعٌ ، بَدِيعُ السَّمَوَاتِ ، سَمِيعٌ ، التَّوَّابُ ، الْعَزِيزُ ، رَءُوفٌ ، شَاكِرٌ ، إلَهٌ وَاحِدٌ ، غَفُورٌ ، شَدِيدُ الْعَذَابِ ، قَرِيبٌ ، شَدِيدُ الْعِقَابِ ، سَرِيعُ الْحِسَابِ ، حَلِيمٌ ، خَبِيرٌ ، حَيٌّ ، قَيُّومٌ ، عَلِيٌّ ، عَظِيمٌ ، وَلِيٌّ ، غَنِيٌّ ، حَمِيدٌ ، مَوْلَى .
سُورَةُ آلِ عِمْرَانَ فِيهَا عَشْرَةُ أَسْمَاءٍ : عَزِيزٌ ، ذُو انْتِقَامٍ ، وَهَّابٌ ، قَائِمٌ بِالْقِسْطِ ، جَامِعُ النَّاسِ ، مَالِكُ الْمُلْكِ ، خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ، شَهِيدٌ ، خَيْرُ النَّاصِرِينَ ، وَكِيلٌ .
سُورَةُ النِّسَاءِ فِيهَا سَبْعَةُ أَسْمَاءٍ : الرَّقِيبُ ، الْحَسِيبُ ، كَثِيرُ الْعَفْوِ ، النَّصِيرُ ، مُقِيتٌ ، جَامِعُ الْمُنَافِقِينَ وَالْكَافِرِينَ فِي جَهَنَّمَ جَمِيعًا .
سُورَةُ الْمَائِدَةِ فِيهَا اسْمَانِ : عَلَّامُ الْغُيُوبِ ، خَيْرُ الرَّازِقِينَ .
سُورَةُ الْأَنْعَامِ فِيهِ سَبْعَةَ عَشَرَ اسْمًا : فَاطِرٌ ، قَاهِرٌ ، شَهِيدٌ ، شَفِيعٌ ، خَيْرُ الْفَاصِلِينَ ، الْحَقُّ ، أَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ ، الْقَادِرُ ، فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى ، فَالِقُ الْإِصْبَاحِ ، جَاعِلُ اللَّيْلِ سَكَنًا ، مُخْرِجُ الْحَيِّ مِنْ الْمَيِّتِ ، وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنْ الْحَيِّ ، سَرِيعُ الْعِقَابِ ، خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ ، اللَّطِيفُ ، الْحَكِيمُ .
سُورَةُ الْأَعْرَافِ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَسْمَاءٍ : خَيْرُ الْحَاكِمِينَ ، خَيْرُ الْفَاتِحِينَ ، أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ ، خَيْرُ الْغَافِرِينَ .
سُورَةُ بَرَاءَةٌ فِيهَا اسْمٌ : مُخْزِي الْكَافِرِينَ .
سُورَةُ هُودٍ فِيهَا سَبْعَةُ أَسْمَاءٍ : أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ ، حَفِيظٌ ، مُجِيبٌ ، قَوِيٌّ ، مَجِيدٌ ، وَدُودٌ ، فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ .
سُورَةُ يُوسُفَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ : الْمُسْتَعَانُ ، الْقَاهِرُ ، الْحَافِظُ .

سُورَةُ الرَّعْدِ فِيهَا سِتَّةُ أَسْمَاءٍ : ذُو مَغْفِرَةٍ ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ ، الْكَبِيرُ ، الْمُتَعَالُ ، شَدِيدُ الْمِحَالِ ، الْقَائِمُ عَلَى كُلِّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبْتِ .
سُورَةُ الْحِجْرِ فِيهَا اسْمَانِ : الْوَارِثُ ، الْخَلَّاقُ .
سُورَةُ النَّحْلِ فِيهَا اسْمٌ وَاحِدٌ : كَفِيلٌ .
سُورَةُ الْكَهْفِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ : مُقْتَدِرٌ ، ذُو الرَّحْمَةِ ، الْمَوْئِلُ .
سُورَةُ مَرْيَمَ فِيهَا اسْمٌ وَاحِدٌ : وَهُوَ حَفِيٌّ .
سُورَةُ طَه فِيهَا اسْمَانِ : الْمَلِكُ ، خَيْرٌ وَأَبْقَى .
سُورَةُ اقْتَرَبَ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ : الْحَاسِبُ ، خَيْرُ الْوَارِثِينَ ، الْفَاعِلُ .
سُورَةُ الْحَجِّ فِيهَا اسْمٌ وَاحِدٌ : الْمُكْرِمُ .
سُورَةُ الْمُؤْمِنِينَ فِيهَا اسْمَانِ : أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ ، خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ .
سُورَةُ النُّورِ فِيهَا اسْمَانِ : نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، الْمُبِينُ .
سُورَةُ الْفُرْقَانِ فِيهَا اسْمٌ : الْهَادِي .
سُورَةُ النَّمْلِ : الْكَرِيمُ .
سُورَةُ الرُّومِ : مُحْيِي الْمَوْتَى .
سُورَةُ سَبَأٍ فِيهَا : الْفَتَّاحُ .
سُورَةُ فَاطِرٍ اسْمٌ وَاحِدٌ : شَكُورٌ .
سُورَةُ ص اسْمٌ وَاحِدٌ : الْغَفَّارُ .
سُورَةُ الزُّمَرِ فِيهَا اسْمَانِ : سَالِمٌ ، كَافٍ .
سُورَةُ الْمُؤْمِنِ فِيهَا خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ : غَافِرُ الذَّنْبِ ، وَقَابِلُ التَّوْبِ ، ذُو الطَّوْلِ ، رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ، ذُو الْعَرْشِ .
سُورَةُ فُصِّلَتْ : ذُو عِقَابٍ .
سُورَةُ الزُّخْرُفِ فِيهَا : الْمُبْرِمُ .
سُورَةُ الدُّخَان فِيهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ : الْمُنْذِرُ ، الْمُرْسِلُ ، الْمُنْتَقِمُ .
سُورَةُ قِ : أَقْرَبُ إلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ .
سُورَةُ وَالذَّارِيَاتِ فِيهَا خَمْسَةُ أَسْمَاءٍ : الْمُوسِعُ ، الْمَاهِدُ ، الرَّزَّاقُ ، ذُو الْقُوَّةِ ، الْمَتِينُ .
سُورَةُ وَالطُّورِ فِيهَا اسْمٌ وَاحِدٌ : الْبَرُّ .
سُورَةُ اقْتَرَبَ فِيهَا اسْمٌ وَاحِدٌ : الْمَلِيكُ الْمُقْتَدِرُ .
سُورَةُ الرَّحْمَنِ فِيهَا اسْمٌ وَاحِدٌ : ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ .
سُورَةُ الْوَاقِعَةِ فِيهَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ : الْخَالِقُ ، الزَّارِعُ ، الْمُنْشِئُ .
سُورَةُ الْحَدِيدِ فِيهَا أَرْبَعَةُ أَسْمَاءٍ : الْأَوَّلُ ، الْآخِرُ ، الظَّاهِرُ ،

الْبَاطِنُ .
سُورَةُ الْمُجَادَلَةِ فِيهَا اسْمَانِ : رَابِعُ ثَلَاثَةٍ ، سَادِسُ خَمْسَةٍ .
سُورَةُ الْحَشْرِ فِيهَا ثَمَانِيَةُ أَسْمَاءٍ : الْقُدُّوسُ ، السَّلَامُ ، الْمُؤْمِنُ ، الْمُهَيْمِنُ [ الْعَزِيزُ ] ، الْجَبَّارُ ، الْمُتَكَبِّرُ ، الْبَارِئُ ، الْمُصَوِّرُ .
سُورَةُ الْمَعَارِجِ فِيهَا : ذُو الْمَعَارِجِ .
سُورَةُ الْمُدَّثِّرِ فِيهَا اسْمٌ وَاحِدٌ : أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ .
سُورَةُ سَبِّحْ فِيهَا اسْمٌ وَاحِدٌ : الْأَعْلَى .
سُورَةُ الْقَلَمِ فِيهَا اسْمٌ وَاحِدٌ : الْأَكْرَمُ .
سُورَةُ التَّوْحِيدِ فِيهَا اسْمَانِ : أَحَدٌ ، صَمَدٌ .
وَقَدْ زَادَ بَعْضُ عُلَمَائِنَا فِيهَا : شَيْءٌ ، مَوْجُودٌ ، كَائِنٌ ، ثَابِتٌ ، نَفْسٌ ، عَيْنٌ ، ذَاتٌ ، دَاعٍ ، مُسْتَجِيبٌ ، مُمْلِي ، قَائِمٌ ، مُتَكَلِّمٌ ، مُبْقٍ ، مُغْنٍ ، غَيُورٌ ، قَاضٍ ، مُقَدِّرٌ ، فَرْدٌ ، مُبْلٍ ، جَاعِلٌ ، مُوجِدٌ ، مُبْدِعٌ ، دَارِئٌ .
قَالَ الْإِمَامُ الْحَافِظُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ : وَمِنْ هَذَا مَا جَاءَ عَلَى لَفْظِهِ فِي كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ ، وَمِنْهَا مَا أُخِذَ مِنْ فِعْلٍ ، وَمِنْهَا مَا جَاءَ مُضَافًا فَذَكَرَهُ مُجَرَّدًا عَنْ الْإِضَافَةِ ، وَكَذَلِكَ وَجَدْنَاهُ فِي سَائِرِ الْأَسْمَاءِ الْمُتَقَدِّمَةِ ؛ فَهَذِهِ هِيَ الْأَسْمَاءُ الْمَعْدُودَةُ بِصِفَاتِهَا قُرْآنًا وَسُنَّةً .
وَفِي الْحَدِيثِ الْمُطْلَقِ أَسْمَاءٌ غَيْرُ ذَلِكَ ، كَقَوْلِنَا : الطَّيِّبُ ، وَالسَّيِّدُ ، وَالطَّبِيبُ ؛ وَأَعْدَادٌ سِوَاهَا .
وَمَا مِنْهَا اسْمٌ إلَّا جَمِيعُهُ مُشْتَقٌّ ، حَتَّى إنَّ أَهْلَ اللُّغَةِ اتَّفَقُوا عَنْ بَكْرَةِ أَبِيهِمْ عَلَى أَنَّ اللَّهَ مُشْتَقٌّ .
وَقَدْ بَيَّنَّاهُ فِي الْأَمَدِ ، فَلَا وَجْهَ لِقَوْلِهِمْ الْفَاسِدِ الْمُتَقَدِّمِ ، وَقَدْ شَرَحْنَا مَعْنَى كُلِّ اسْمٍ فِي الْأَمَدِ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ ؛ وَعَدَّدْنَاهَا عَلَى مَا وَرَدَ فِي الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ ، وَذَكَرَهُ الْأَئِمَّةُ ؛ فَانْتَهَتْ إلَى سِتَّةٍ وَأَرْبَعِينَ وَمِائَةٍ .
الْأَوَّلُ : اللَّهُ ؛ وَهُوَ اسْمُهُ الْأَعْظَمُ الَّذِي يَرْجِعُ إلَيْهِ كُلُّ اسْمٍ ، وَيُضَافُ إلَى تَفْسِيرِهِ كُلُّ مَعْنًى ، وَحَقِيقَتُهُ الْمُنْفَرِدُ فِي

ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ عَنْ نَظِيرٍ ، فَهَذِهِ حَقِيقَةُ الْإِلَهِيَّةِ ، وَمَنْ كَانَ كَذَلِكَ فَهُوَ اللَّهُ .
الثَّانِي : الْوَاحِدُ ؛ وَهُوَ الَّذِي لَا نَظِيرَ لَهُ فِي صِفَاتٍ وَلَا ذَاتٍ وَلَا أَفْعَالٍ .
الثَّالِثُ : الْكَائِنُ ؛ وَهُوَ الْمَوْجُودُ قَبْلَ كُلِّ شَيْءٍ وَبَعْدَ كُلِّ شَيْءٍ .
الرَّابِعُ : الْقَائِمُ ، إذَا ذَكَرْته مُطْلَقًا فَهُوَ الَّذِي يَسْتَغْنِي عَنْ كُلِّ شَيْءٍ ، وَإِنْ ذَكَرْته مُضَافًا فَهُوَ قَائِمٌ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ بِالْوُجُودِ فَمَا وَرَاءَهُ .
الْخَامِسُ وَالسَّادِسُ وَالسَّابِعُ : الْقَيُّومُ ، وَالْقَيَّامُ ، وَالْقَيِّمُ ، وَهُوَ الدَّائِمُ الْقَائِمُ عَلَى شَيْءٍ .
الثَّامِنُ : الْكَافِي ؛ مَنْ كَفَى إذَا قَامَ بِالْأَمْرِ ، أَوْ دَفَعَ عَنْهُ مَا يَتَوَقَّعُ .
التَّاسِعُ : الْحَقُّ ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَتَغَيَّرُ .
الْعَاشِرُ وَالْحَادِيَ عَشَرَ وَالثَّانِيَ عَشَرَ : الْمَلِكُ ، الْمَالِكُ ، الْمَلِيكُ ، وَهُوَ الْحَاكِمُ لِكُلِّ شَيْءٍ مِنْ غَيْرِ حَاجَةٍ إلَيْهِ .
الثَّالِثَ عَشَرَ : الْقُدُّوسُ ، وَهُوَ الْمُطَهَّرُ عَنْ كُلِّ نُقْصَانٍ .
الرَّابِعَ عَشَرَ : السَّلَامُ ؛ الَّذِي لَا يَتَطَرَّقُ إلَيْهِ عَيْبٌ ، وَسَلِمَ الْخَلْقُ مِنْ ظُلْمِهِ وَغَبْنِهِ ، وَبِهِ زَادَ عَلَيْهِ .
الْخَامِسَ عَشَرَ : الْعَزِيزُ : الَّذِي لَا يُغَالَبُ ؛ وَلَا يَكُونُ مَعَهُ غَالِبٌ .
السَّادِسَ عَشَرَ : الْجَبَّارُ : الَّذِي يَسْتَغْنِي عَنْ الْأَتْبَاعِ ، وَلَا يَحْنُو عِنْدَ التَّعْذِيبِ ، وَلَا يَحْنَقُ عِنْدَ الْغَضَبِ .
السَّابِعَ عَشَرَ : الْمُتَكَبِّرُ ؛ وَهُوَ الَّذِي لَا مِقْدَارَ لِشَيْءٍ عِنْدَهُ .
الثَّامِنَ عَشَرَ : الْعَلِيُّ الَّذِي لَا مَكَانَ لَهُ .
التَّاسِعَ عَشَرَ : الْكَبِيرُ الَّذِي لَا يُتَصَوَّرُ عَلَيْهِ مِقْدَارٌ .
الْمُوفِي عِشْرِينَ : الْعَظِيمُ : الَّذِي يَسْتَحِيلُ عَلَيْهِ التَّحْدِيدُ .
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ : الْجَلِيلُ ؛ وَهُوَ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِهِ مَا يَدُلُّ عَلَى الْحُدُوثِ .
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ : الْمَجِيدُ ؛ هُوَ الَّذِي لَا يُسَاوَى فِيمَا لَهُ مِنْ صِفَاتِ الْمَدْحِ .
الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ : الْجَمِيلُ ؛ هُوَ الَّذِي لَا يُشْبِهُهُ شَيْءٌ .
الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ

: الْحَسِيبُ ؛ وَهُوَ الَّذِي يَسْتَحِقُّ الْحَمْدَ عَلَى الِانْفِرَادِ ، وَيُحْصِي كُلَّ شَيْءٍ وَيَقُومُ عَلَيْهِ .
الْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ : الصَّمَدُ ؛ الَّذِي لَا يَجْرِي فِي الْوَهْمِ ، وَلَا يُقْصَدُ فِي الْمَطَالِبِ غَيْرُهُ .
السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ : الْغَنِيُّ ؛ الَّذِي لَا يَحْتَاجُ إلَى شَيْءٍ .
السَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ : رَفِيعُ الدَّرَجَاتِ ؛ لَا يَلْحَقُ مَرْتَبَتَهُ أَحَدٌ بِحَالٍ .
الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ : ذُو الطَّوْلِ يُقَالُ فِيهِ الْقَادِرُ وَالْغَنِيُّ وَالْمُنْعِمُ .
التَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ : ذُو الْفَضْلِ ؛ وَهُوَ الْمُنْعِمُ يُؤْتِي مَنْ يَشَاءُ .
الْمُوفِي ثَلَاثِينَ : السَّيِّدُ : الْمُنْفَرِدُ بِالْكَمَالِ .
الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ : الْكَرِيمُ ؛ وَهُوَ الَّذِي تَعُمُّ إرَادَتُهُ .
الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ : الطَّيِّبُ : الْمُتَقَدِّسُ عَنْ الْآفَاتِ .
الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ : الْأَوَّلُ ؛ الَّذِي لَا ابْتِدَاءَ لَهُ .
الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ : الْآخِرُ ؛ الَّذِي لَا انْتِهَاءَ لَهُ .
الْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ : الْبَاقِي ؛ هُوَ الَّذِي لَا يَفْنَى .
وَهُوَ الْوَارِثُ ، وَهُوَ الدَّائِمُ ؛ وَهُمَا السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ وَالسَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ .
الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ : الظَّاهِرُ ؛ وَهُوَ الَّذِي يُدْرَكُ بِالدَّلِيلِ .
التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ : الْبَاطِنُ ؛ وَهُوَ الَّذِي لَا يُدْرَكُ بِالْحَوَاسِّ .
الْمُوفِي أَرْبَعِينَ : اللَّطِيفُ ، الْعَالِمُ بِالْخَبَايَا ، الْمُهْتَبِلُ بِالْعَطَايَا ، الْقَادِرُ ، وَالْمُقْتَدِرُ ، وَالْقَدِيرُ ، وَالْقَوِيُّ فَكَمُلَ بِهَا أَرْبَعَةٌ وَأَرْبَعُونَ .
الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ : الْمُقِيتُ ، وَهُوَ الْقَادِرُ الَّذِي لَا يُعْجِزُهُ شَيْءٌ ، الْمُؤْتِي لِكُلِّ شَيْءٍ قُوَّتَهُ .
السَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ : الْمَتِينُ ؛ وَهُوَ الَّذِي لَا يَلْحَقُهُ ضَعْفٌ .
الثَّامِنُ وَالْأَرْبَعُونَ : الْمُحِيطُ ، وَهُوَ الَّذِي لَا يَخْرُجُ شَيْءٌ عَنْ عِلْمِهِ وَقُدْرَتِهِ وَإِرَادَتِهِ .
التَّاسِعُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالْمُوفِي خَمْسِينَ : الْوَاسِعُ ، وَالْمُوسِعُ ، وَهُوَ الَّذِي عَمَّتْ قُدْرَتُهُ وَإِرَادَتُهُ وَعِلْمُهُ كُلَّ شَيْءٍ ، وَكَذَلِكَ بَصَرُهُ

وَسَمْعُهُ وَكَلَامُهُ .
الْعَلِيمُ ، وَالْعَالِمُ ، وَالْعَلَّامُ ؛ فَهَذِهِ ثَلَاثَةٌ وَخَمْسُونَ اسْمًا .
الرَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ ، وَالْخَامِسُ وَالْخَمْسُونَ : السَّمِيعُ ، وَهُوَ الَّذِي يَسْمَعُ كُلَّ مَوْجُودٍ .
وَالْبَصِيرُ ، وَهُوَ الَّذِي يَرَى كُلَّ مَوْجُودٍ ، وَيَعْلَمُ الْمَعْدُومَ وَالْمَوْجُودَ .
السَّادِسُ وَالْخَمْسُونَ : الشَّهِيدُ ؛ الْحَاضِرُ مَعَ كُلِّ مَوْجُودٍ بِالْقُدْرَةِ وَالْعِلْمِ وَالسَّمْعِ وَالْبَصَرِ .
السَّابِعُ وَالْخَمْسُونَ : الْخَبِيرُ : الْعَالِمُ بِالْخَبَايَا .
الثَّامِنُ وَالْخَمْسُونَ : الطَّبِيبُ ؛ وَهُوَ الْعَالِمُ بِالْمَنَافِعِ .
التَّاسِعُ وَالْخَمْسُونَ : الْمُحْصِي ، وَهُوَ الَّذِي ضَبَطَ عِلْمُهُ وَقُدْرَتُهُ وَإِرَادَتُهُ كُلَّ شَيْءٍ .
الْمُوفِي سِتِّينَ : الْمُقَدِّرُ ، وَهُوَ الَّذِي رَتَّبَ مَقَادِيرَ الْأَشْيَاءِ بِحِكْمَةٍ مُتَنَاسِبَةٍ .
الْحَادِي وَالسِّتُّونَ : الرَّقِيبُ : الَّذِي لَا يَشْغَلُهُ شَأْنٌ عَنْ شَأْنٍ .
الثَّانِي وَالسِّتُّونَ : الْقَرِيبُ بِالْعِلْمِ الَّذِي لَا يَخْتَصُّ بِمَكَانٍ .
الثَّالِثُ وَالسِّتُّونَ : الْحَيُّ .
الرَّابِعُ وَالسِّتُّونَ : الْمُرِيدُ .
الْخَامِسُ وَالسِّتُّونَ : الْحَكَمُ ، وَهُوَ يَتَصَرَّفُ فِي الدُّعَاءِ فِعْلًا ، تَقُولُ : يَا مَنْ يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ ، وَيَحْكُمُ مَا يُرِيدُ ، صَرِّفْنِي بِطَاعَتِك ، وَاحْكُمْ بَيْنِي وَبَيْنَ مَنْ يُخَاصِمُنِي فِيك .
السَّادِسُ وَالسِّتُّونَ وَالسَّابِعُ وَالسِّتُّونَ : الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ : الَّذِي يُرِيدُ الْخَيْرَ لِعِبَادِهِ عَلَى الْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ .
الثَّامِنُ وَالسِّتُّونَ : الْمُحِبُّ ، وَيَتَصَرَّفُ فِعْلًا قَالَ تَعَالَى : { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } .
وَكَذَلِكَ الْمُبْغِضُ ، فَاَلَّذِي يَرْجِعَانِ إلَيْهِ إرَادَةُ الثَّوَابِ وَالْعِقَابِ ، وَهُوَ التَّاسِعُ وَالسِّتُّونَ .
الْمُوفِي سَبْعِينَ : الرِّضَا ؛ يَتَصَرَّفُ فِعْلًا ، وَهُوَ إرَادَةُ مَا يَكُونُ فَوْقَ الِاسْتِحْقَاقِ .
الْحَادِي وَالسَّبْعُونَ : السَّخَطُ ، يَتَصَرَّفُ فِعْلًا .
وَهُوَ إرَادَةُ خِلَافِ الرِّضَا ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي الْكَرَاهِيَةِ فِي كُتُبِ الْأُصُولِ .
الثَّانِي وَالسَّبْعُونَ : الْوَدُودُ ، وَهُوَ الَّذِي يَفْعَلُ

الْخَيْرَ مَعَ مَنْ يَسْتَحِقُّهُ وَمَعَ مَنْ لَا يَسْتَحِقُّهُ .
الثَّالِثُ وَالسَّبْعُونَ : الْعَفُوُّ ؛ وَهُوَ الَّذِي يُرِيدُ تَسْهِيلَ الْأُمُورِ .
الرَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ : الرَّءُوفُ ؛ وَهُوَ الْكَثِيرُ الرَّحْمَةِ .
الْخَامِسُ وَالسَّبْعُونَ : عَدُوُّ الْكَافِرِينَ ، وَهُوَ الْبَعِيدُ بِالْعِقَابِ .
السَّادِسُ وَالسَّبْعُونَ : الْوَلِيُّ ، وَهُوَ الْقَرِيبُ بِالثَّوَابِ وَالنِّعَمِ .
السَّابِعُ وَالسَّبْعُونَ : الصَّبُورُ : الَّذِي يُرِيدُ تَأْخِيرَ الْعِقَابِ .
الثَّامِنُ وَالسَّبْعُونَ : الْحَلِيمُ ، الَّذِي يُرِيدُ إسْقَاطَ الْعِقَابِ .
التَّاسِعُ وَالسَّبْعُونَ : الْمُعِزُّ ، وَهُوَ الَّذِي يُعِزُّ أَوْلِيَاءَهُ .
الْمُوفِي ثَمَانِينَ : الْحَفِيُّ ، وَهُوَ غَايَةُ الْبِرِّ .
الْحَادِي وَالثَّمَانُونَ : الْوَلِيُّ ، وَهُوَ الْمُحِبُّ لِأَوْلِيَائِهِ .
الثَّانِي وَالثَّمَانُونَ : خَيْرُ الْفَاصِلِينَ : الَّذِينَ يُمَيِّزُ الْمُخْتَلِفَاتِ بِقَوْلِهِ .
الثَّالِثُ وَالثَّمَانُونَ : الْمُبِينُ ، وَهُوَ الَّذِي يَعْرِفُ عِبَادُهُ بِكَلَامِهِ مُرَادَهُ ؛ وَذَلِكَ لِأَهْلِ السُّنَّةِ خَاصَّةً .
الرَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ : الصَّادِقُ : مَنْ لَا يُوجَدُ خَبَرُهُ بِخِلَافِ مَخْبَرِهِ .
الْخَامِسُ وَالثَّمَانُونَ : الْهَادِي ؛ وَهُوَ الَّذِي يُعَرِّفُ الْمَرَاشِدَ ، وَيُوَفِّقُ لَهَا .
السَّادِسُ وَالثَّمَانُونَ : الرَّشِيدُ بِمَعْنَى الْمُرْشِدِ ، وَيَرْجِعُ إلَى الْهَادِي .
السَّابِعُ وَالثَّمَانُونَ : نُورُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، وَيَرْجِعُ إلَى الْهُدَى .
الثَّامِنُ وَالثَّمَانُونَ : الْمُؤْمِنُ ، يُصَدِّقُ نَفْسَهُ وَأَوْلِيَاءَهُ وَيُخَلِّصُهُمْ مِنْ الْعِقَابِ .
التَّاسِعُ وَالثَّمَانُونَ : الْمُهَيْمِنُ ، فِيهِ كَلَامٌ كَثِيرٌ يَرْجِعُ إلَى الرَّقِيبِ .
الْمُوفِي تِسْعِينَ : الْحَمِيدُ ، يُثْنِي عَلَى أَوْلِيَائِهِ ، وَيُثْنُونَ عَلَيْهِ .
الْحَادِي وَالتِّسْعُونَ : الشَّكُورُ ، وَهُوَ الَّذِي يُمْدَحُ عَلَى الْفِعْلِ خَاصَّةً .
الثَّالِثُ وَالتِّسْعُونَ : غَيُورٌ ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُحَرِّمُ سِوَاهُ .
الثَّالِثُ وَالتِّسْعُونَ : الْحَكِيمُ ، مُحْكِمُ الْأَشْيَاءِ بِخَلْقِهَا عَلَى نِظَامٍ وَتَدْبِيرٍ .
الرَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ : التَّوَّابُ ،

الَّذِي يَرْجِعُ بِالْعَبْدِ مِنْ حَالِ الْمَعْصِيَةِ إلَى حَالِ الطَّاعَةِ .
الْخَامِسُ وَالتِّسْعُونَ : الْفَتَّاحُ ، يَفْتَحُ غَلْقَ الْعُدْمِ بِالْوُجُودِ ، وَغَلْقَ الْجَهْلِ بِالْعِلْمِ ، وَغَلْقَ الرِّزْقِ بِالْعَطَاءِ ؛ وَذَلِكَ كَثِيرٌ .
وَمِثْلُهُ الْحَكَمُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : { أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا } وَهُوَ الْخَامِسُ وَالتِّسْعُونَ .
السَّادِسُ وَالتِّسْعُونَ : الْقَاضِي ؛ وَهُوَ الَّذِي لَا يُرَدُّ حُكْمُهُ .
السَّابِعُ وَالتِّسْعُونَ : الْكَفِيلُ ، الْمُلْتَزِمُ لِثَوَابِ عِبَادِهِ وَرِزْقِهِمْ .
الثَّامِنُ وَالتِّسْعُونَ : الْمُبْرِمُ ، هُوَ الَّذِي إذَا عَقَدَ لَمْ يَحِلَّ عَقْدَهُ .
التَّاسِعُ وَالتِّسْعُونَ : الْمُنْذِرُ ، هُوَ الَّذِي يَعْرِفُ بِكَلَامِهِ عِبَادُهُ وَعِيدَهُ .
الْمُوفِي مِائَةً : الْمُدَبِّرُ ، وَهُوَ الَّذِي يَعْلَمُ الِانْتِهَاءَ قَبْلَ الِابْتِدَاءِ ، فَيَرُدُّهُ عَلَيْهِ .
الْمُمْتَحِنُ ، الْبَالِي ، الْمُبْلِي ، الْمُبْتَلِي ، هُوَ الَّذِي يُكَلِّفُ عِبَادَهُ الْوَظَائِفَ ؛ لِيَعْلَمَ مِنْ حَالِهِمْ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ مُشَاهَدَةَ مَا عَلِمَ غَيْبًا ، وَبِهَا تَمَّتْ مِائَةٌ وَأَرْبَعَةٌ .
الْخَامِسُ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْفَاتِنُ ، وَهُوَ الْمُبْتَلِي ؛ لِأَنَّهُ يَرْجِعُ إلَى الِاخْتِبَارِ .
السَّادِسُ بَعْدَ الْمِائَةِ : الرَّبُّ ، وَهُوَ الَّذِي يَنْقُلُ الْأَشْيَاءَ مِنْ حَالٍ إلَى حَالٍ ، وَيُبَدِّلُهُمْ بِصِفَةٍ بَعْدَ صِفَةٍ فِي طَرِيقِ النُّمُوِّ وَالْإِنْشَاءِ .
السَّابِعُ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْعَدْلُ ، وَهُوَ الَّذِي تَأْتِي أَفْعَالُهُ عَلَى مُقْتَضَى إرَادَتِهِ .
الثَّامِنُ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْخَالِقُ ، وَهُوَ الَّذِي يُوجِدُ بَعْدَ الْعُدْمِ ، وَيُقَدِّرُ الْأَشْيَاءَ عَلَى الْأَحْوَالِ .
التَّاسِعُ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْبَارِئُ ؛ مُنْشِئُ الْبَرِيَّةِ مِنْ الْبَرَى ، وَهُوَ التُّرَابُ .
الْعَاشِرُ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْمُصَوِّرُ ، وَهُوَ الَّذِي يُرَتِّبُ الْمَوْجُودَاتِ عَلَى صِفَاتٍ مُخْتَلِفَاتٍ وَهَيْئَاتٍ مُتَغَايِرَاتٍ .
الْحَادِيَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْمُبْدِئُ : وَهُوَ الَّذِي يَأْتِي بِأَوَائِلِ الْأَشْيَاءِ مِنْ غَيْرِ شَيْءٍ .
الثَّانِي عَشَرَ بَعْدَ

الْمِائَةِ : الْمُعِيدُ ، وَهُوَ الَّذِي يَرُدُّهَا ، بَعْدَ الْفَنَاءِ ، كَمَا كَانَتْ وُجُودًا وَصِفَةً وَوَقْتًا .
الثَّالِثَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ : فَاطِرُ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ ، الَّذِي أَنْشَأَهَا مِنْ غَيْرِ مِثَالٍ وَقَبْلَ كُلِّ مُنْشِئٍ .
الرَّابِعَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْمُحْيِي ، وَيُقَابِلُهُ الْمُمِيتُ ، وَهُوَ الْخَامِسَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ ، يُحْيِي الْخَلْقَ بِالْوُجُودِ وَالْحَرَكَةِ وَالْعِلْمِ وَالْإِيمَانِ وَالْهُدَى ، وَيُمِيتُهُمْ بِذَلِكَ إلَى سَائِرِ مُتَعَلِّقَاتِ الْإِحْيَاءِ ، حَسْبَمَا رَتَّبْنَاهُ فِي كِتَابِ الْأَمَدِ الْأَقْصَى .
السَّادِسَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْجَامِعُ ، وَهُوَ تَأْلِيفُ الْمُفْتَرِقِ .
السَّابِعَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْمُعِزُّ ، وَفِي مُقَابَلَتِهِ الْمُذِلُّ ، وَهُوَ الَّذِي يَرْفَعُ مِقْدَارَ أَوْلِيَائِهِ ، وَيَحُطُّ مِقْدَارَ أَعْدَائِهِ .
الثَّامِنَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ : مُخْزِي الْكَافِرِينَ ؛ وَالْخِزْيُ هُوَ فِعْلُ مَا يُسْتَحْيَا مِنْهُ .
التَّاسِعَ عَشَرَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْعَفُوُّ ؛ وَهُوَ الَّذِي يُسْقِطُ حَقَّهُ بَعْدَ الْوُجُوبِ .
الْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْقَهَّارُ ؛ وَهُوَ الَّذِي يَغْلِبُ الْعِبَادَ .
الْحَادِي وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْوَهَّابُ ؛ وَهُوَ الَّذِي يُعْطِي مِنْ غَيْرِ تَوَقُّعِ عِوَضٍ .
الثَّانِي وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الرَّزَّاقُ ؛ وَهُوَ الَّذِي يَهَبُ الْغِذَاءَ وَالِاكْتِسَاءَ مِنْ رِيَاشٍ وَمَعَاشٍ .
الثَّالِثُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : جَوَّادٌ ، وَهُوَ الْكَثِيرُ الْعَطَاءِ .
الرَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ وَالْخَامِسُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْخَافِضُ ، الرَّافِعُ ؛ وَهُوَ الَّذِي يَحُطُّ دَرَجَةَ أَعْدَائِهِ ، وَيُعْلِي مَنَازِلَ أَوْلِيَائِهِ وَمَقَادِيرَهُمْ دُنْيَا وَآخِرَةً ؛ جَاهًا وَمَالًا ، عَمَلًا وَاعْتِقَادًا .
السَّادِسُ وَالْعِشْرُونَ وَالسَّابِعُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْقَابِضُ ، الْبَاسِطُ ؛ وَهُوَ الَّذِي لَا يَتَصَرَّفُ عَبْدُهُ وَلَا يَنْبَسِطُ إلَّا بِقُدْرَتِهِ ، وَفِي حَيِّزِ مَشِيئَتِهِ ؛ فَإِنْ خَلَقَ لَهُ الْقُدْرَةَ عَلَى الْعُمُومِ تَبَسَّطَتْ

عَلَى مَا خُلِقَتْ لَهُ ، وَإِنْ خَلَقَهَا عَلَى الْخُصُوصِ تَعَلَّقَتْ بِمَا خُلِقَتْ لَهُ وَقُدِّرَتْ بِهِ .
الثَّامِنُ وَالْعِشْرُونَ وَالتَّاسِعُ وَالْعِشْرُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْمُقَدِّمُ ، وَالْمُؤَخِّرُ ؛ وَذَلِكَ مَعْنًى يَرْجِعُ إلَى الْأَوْقَاتِ ، يَخْلُقُ شَيْئًا بَعْدَ شَيْءٍ ، بِحَسَبِ مَا عَلِمَهُ وَقَضَاهُ وَقَدَّرَهُ ؛ لَيْسَ لِأَحَدٍ ذَلِكَ إلَّا لَهُ .
الثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْمُقْسِطُ : وَهُوَ الَّذِي تَجْرِي أَحْكَامُهُ عَلَى مُقْتَضَى إرَادَتِهِ .
الْحَادِي وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : النَّصِيرُ ؛ وَهُوَ الَّذِي يُتَابِعُ آلَاءَهُ عَلَى أَوْلِيَائِهِ ، وَيَكُفُّ عَنْهُمْ عَادِيَةَ أَعْدَائِهِ .
الثَّانِي وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الشَّافِي ؛ وَهُوَ الَّذِي يَهَبُ الصِّحَّةَ بَعْدَ الْمَرَضِ .
الثَّالِثُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : مُقَلِّبُ الْقُلُوبِ ؛ وَهُوَ اسْمٌ عَظِيمٌ ، مَعْنَاهُ مُصَرِّفُهَا أَسْرَعَ مِنْ مَرِّ الرِّيحِ عَلَى اخْتِلَافٍ فِي الْقَبُولِ وَالرَّدِّ وَالْيَقِينِ وَالشَّكِّ ، وَالْإِرَادَةِ وَالْكَرَاهِيَةِ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ مِنْ الْأَوْصَافِ .
الرَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ وَالْخَامِسُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الضَّارُّ ، النَّافِعُ ؛ وَهُوَ خَالِقُ الْأَلَمِ الَّذِي يَقَعُ بِهِ مُوَازَنَةٌ .
وَالنَّفْعُ هُوَ كُلُّ مَا لَا أَلَمَ فِيهِ ؛ وَهُوَ نَعِيمُ الْجَنَّةِ ، فَأَمَّا الدُّنْيَا فَلَا تَخْلُو مِنْهُمَا عَنْ الِاشْتِرَاكِ .
السَّادِسُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : ذُو الْمَعَارِجِ يَعْنِي الَّذِي يُؤْتِي الْمَنَازِلَ ، وَيُصَرِّفُ الْأُمُورَ عَلَى الْمَرَاتِبِ ، وَيُنَزِّلُ الْمَأْمُورِينَ عَلَى الْمَقَادِيرِ .
السَّابِعُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : خَيْرُ الْمُنْزِلِينَ ؛ الْمَنَازِلُ لِلَّهِ يُؤْتِيهَا مَحْمُودَةً لِمَنْ يُحِبُّ ، وَمَذْمُومَةً لِمَنْ يُبْغِضُ .
الثَّامِنُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : خَيْرُ الْمَاكِرِينَ ، هُوَ الَّذِي يُظْهِرُ خِلَافَ مَا يُبْطِنُ .
التَّاسِعُ وَالثَّلَاثُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : مُتِمُّ نُورِهِ ؛ أَيْ يَدُومُ وَلَا يَنْقَطِعُ ، وَيَظْهَرُ وَلَا يَخْفَى ، فِي قُلُوبِ أَوْلِيَائِهِ بِالْإِيمَانِ ؛ وَبَيْنَ

أَيْدِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ بِالْجَوَازِ عَلَى الصِّرَاطِ ، وَفِي الْجَنَّةِ بِالنَّعِيمِ الدَّائِمِ .
الْمُوفِي أَرْبَعِينَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْوَكِيلُ ؛ وَهُوَ الَّذِي يُلْقِي إلَيْهِ الْخَلْقُ مَقَالِيدَهُمْ ، فَلَا يَقُومُ بِهَا أَحَدٌ غَيْرُهُ .
الْحَادِي وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْمُسْتَعَانُ ؛ وَهُوَ الَّذِي لَا يَطْلُبُ الْعَوْنَ وَهُوَ خَلْقُ الْقُدْرَةِ عَلَى الطَّاعَةِ إلَّا مِنْهُ .
الثَّانِي وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْمَعْبُودُ ، وَهُوَ الَّذِي لَا يُتَذَلَّلُ إلَّا لَهُ .
الثَّالِثُ وَالْأَرْبَعُونَ بَعْدَ الْمِائَةِ : الْمَذْكُورُ ؛ وَهُوَ الَّذِي لَا يَجْرِي لِسَانٌ إلَّا بِهِ ، وَلَا يَعْمُرُ خَاطِرٌ إلَّا بِذِكْرِهِ ، وَلَا يُرَى شَيْءٌ إلَّا وَهُوَ فِيهِ بِأَدِلَّتِهِ وَآثَارِ صَنْعَتِهِ .
الْخَامِسُ وَالْأَرْبَعُونَ وَالسَّادِسُ وَالْأَرْبَعُونَ وَمِائَةٌ : أَهْلُ التَّقْوَى ، وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ ؛ الَّذِي لَا يُتَّقَى سِوَاهُ ، وَلَا يَغْفِرُ الذُّنُوبَ غَيْرُهُ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : هَذَا مُنْتَهَى مَا حَضَرَ مِنْ ذِكْرِ الْأَسْمَاءِ لِلتَّضَرُّعِ وَالِابْتِهَالِ ؛ وَقَدْ بَقِيَ نَحْوٌ مِنْ ثَلَاثِينَ اسْمًا ضَمَّنَّاهَا كِتَابِ الْأَمَدِ " ، هَذِهِ أُصُولُهَا .
وَأَمَّا قَوْلُهُ : { فَادْعُوهُ بِهَا } فَهَذَا هُوَ قِسْمُ الْعَمَلِ .
وَالدُّعَاءُ فِي اللُّغَةِ وَالْحَقِيقَةِ هُوَ الطَّلَبُ ؛ أَيْ اُطْلُبُوا مِنْهُ بِأَسْمَائِهِ ، فَيُطْلَبُ بِكُلِّ اسْمٍ مَا يَلِيقُ بِهِ ، تَقُولُ : يَا رَحِيمُ ارْحَمْنِي ، يَا حَكِيمُ اُحْكُمْ لِي ، يَا رَزَّاقُ اُرْزُقْنِي ، يَا هَادِي اهْدِنِي .
وَإِنْ دَعَوْت بِاسْمٍ عَامٍّ قُلْت : يَا مَالِكُ ارْحَمْنِي ، يَا عَزِيزُ اُحْكُمْ لِي ، يَا لَطِيفُ اُرْزُقْنِي .
وَإِنْ دَعَوْت بِالِاسْمِ الْأَعْظَمِ قُلْت : يَا اللَّهُ ، فَهُوَ مُتَضَمِّنٌ لِكُلِّ اسْمٍ حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي كِتَابِ الْأَمَدِ ، وَلَا تَقُلْ يَا رَزَّاقُ اهْدِنِي إلَّا أَنْ تُرِيدَ يَا رَازِقُ اُرْزُقْنِي الْهُدَى ، وَهَكَذَا رَتِّبْ دُعَاءَك عَلَى اعْتِقَادِك تَكُنْ مِنْ الْمُحْسِنِينَ إنْ شَاءَ اللَّهُ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ } يُقَالُ : أَلْحَدَ وَلَحَدَ : إذَا مَالَ .
وَالْإِلْحَادُ يَكُونُ بِوَجْهَيْنِ : بِالزِّيَادَةِ فِيهَا ، وَالنُّقْصَانِ مِنْهَا ، كَمَا يَفْعَلهُ الْجُهَّالُ الَّذِينَ يَخْتَرِعُونَ أَدْعِيَةً يُسَمُّونَ فِيهَا الْبَارِي بِغَيْرِ أَسْمَائِهِ وَيَذْكُرُونَهُ بِمَا لَمْ يَذْكُرْهُ مِنْ أَفْعَالِهِ ، إلَى غَيْرِ ذَلِكَ ، مِمَّا لَا يَلِيقُ بِهِ ؛ فَحَذَارِ مِنْهَا ، وَلَا يَدْعُوَنَّ أَحَدٌ مِنْكُمْ إلَّا بِمَا فِي الْكُتُبِ الْخَمْسَةِ ؛ وَهِيَ كِتَابُ الْبُخَارِيِّ ، وَمُسْلِمٍ ، وَالتِّرْمِذِيُّ ، وَأَبِي دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ ؛ فَهَذِهِ الْكُتُبُ هِيَ بَدْءُ الْإِسْلَامِ ، وَقَدْ دَخَلَ فِيهَا مَا فِي الْمُوَطَّإِ الَّذِي هُوَ أَصْلُ التَّصَانِيفِ ؛ وَذَرُوا سِوَاهَا ، وَلَا يَقُولَنَّ أَحَدٌ : أَخْتَارُ دُعَاءَ كَذَا ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ اخْتَارَ لَهُ ، وَأَرْسَلَ بِذَلِكَ إلَى الْخَلْقِ رَسُولَهُ .
.

الْآيَةُ الْمُوفِيَةُ عِشْرِينَ : قَوْله تَعَالَى : { أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدْ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : أَمْرُ اللَّهِ تَعَالَى بِالنَّظَرِ فِي آيَاتِهِ ، وَالِاعْتِبَارِ بِمَخْلُوقَاتِهِ فِي أَعْدَادٍ كَثِيرَةٍ مِنْ آيِ الْقُرْآنِ ، أَرَادَ بِذَلِكَ زِيَادَةً فِي الْيَقِينِ ، وَقَوْلًا فِي الْإِيمَانِ ، وَتَثْبِيتًا لِلْقُلُوبِ عَلَى التَّوْحِيدِ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ ؛ قَالَ : قِيلَ لِأُمِّ الدَّرْدَاءِ : مَا كَانَ أَكْثَرُ شَأْنِ أَبِي الدَّرْدَاءِ ؟ قَالَتْ : كَانَ أَكْثَرُ شَأْنِهِ التَّفَكُّرَ .
قِيلَ لَهُ : أَفَتَرَى الْفِكْرَ عَمَلًا مِنْ الْأَعْمَالِ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
هُوَ الْيَقِينُ .
وَقِيلَ لِابْنِ الْمُسَيِّبِ فِي الصَّلَاةِ بَيْنَ الظُّهْرِ وَالْعَصْرِ .
فَقَالَ : لَيْسَتْ هَذِهِ عِبَادَةً ؛ إنَّمَا الْعِبَادَةُ الْوَرَعُ عَمَّا حَرَّمَ اللَّهُ وَالْفِكْرُ فِي أَمْرِ اللَّهِ .
وَقَالَ الْحَسَنُ : تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ قِيَامِ لَيْلَةٍ .
.

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : [ حَقِيقَةُ التَّفَكُّرِ ] : حَقِيقَةُ التَّفَكُّرِ هُنَا تَرْدِيدُ الْعِلْمِ فِي الْقَلْبِ بِالْخَبَرِ عَنْهُ .
وَالْكَلَامُ حَقِيقَةً هُوَ مَا يَجْرِي فِي النَّفْسِ ، وَالْحُرُوفُ وَالْأَصْوَاتُ عِبَارَةٌ عَنْهُ ، وَأَقَلُّ مَا يَحْضُرُ فِي الْقَلْبِ مِنْ الْعِلْمِ عِلْمَانِ اثْنَانِ : أَحَدُهُمَا نَسَقُ الْآخَرِ ، وَمِثَالُهُ أَنْ يَعْلَمَ أَنَّ الْجَنَّةَ مَطْلُوبَةٌ ، وَأَنَّ الْمُوَصِّلَ إلَيْهَا آكَدُ الْعَمَلِ الصَّالِحِ ، فَحِينَئِذٍ يَجْتَهِدُ فِي الْعَمَلِ ؛ وَآكَدُ مِنْ هَذَا أَنْ تَعْلَمَ الْإِيمَانَ بِاَللَّهِ بِمَعْرِفَتِهِ وَمَعْرِفَةِ صِفَاتِهِ وَأَفْعَالِهِ ، وَمَلَكُوتِهِ فِي أَرْضِهِ وَسَمَائِهِ ؛ وَلَا يَحْصُلُ ذَلِكَ إلَّا بِالنَّظَرِ فِي مَخْلُوقَاتِهِ ، وَهِيَ لَا تُحْصَى كَثْرَةً ؛ وَأُمَّهَاتُهَا السَّمَوَاتُ ، فَتَرَى كَيْفَ بُنِيَتْ وَزُيِّنَتْ مِنْ غَيْرِ فُطُورٍ وَرُفِعَتْ بِغَيْرِ عَمَدٍ ، وَخُولِفَ مِقْدَارُ كَوَاكِبِهَا ، وَنُصِبَتْ سَائِرَةً شَارِقَةً وَغَارِبَةً نَيِّرَةً ، وَمَمْحُوَّةً ؛ كُلُّ ذَلِكَ بِحِكْمَةٍ وَمَنْفَعَةٍ .
وَالْأَرْضَ فَانْظُرْ إلَيْهَا كَيْفَ وُضِعَتْ فِرَاشًا ، وَوُطِئَتْ مِهَادًا ، وَجُعِلَتْ كِفَاتًا ، وَأَنْبَتَتْ مَعَاشًا ، وَأُرْسِيَتْ بِالْجِبَالِ ، وَزُيِّنَتْ بِالنَّبَاتِ ، وَكُرِّمَتْ بِالْأَقْوَاتِ ، وَأُرْصِدَتْ لِتَصَرُّفِ الْحَيَوَانَاتِ وَمَعَاشِهَا ؛ وَكُلُّ جُزْءٍ مِنْ ذَلِكَ فِيهِ عِبْرَةٌ تَسْتَغْرِقُ الْفِكْرَةَ : وَالْحَيَوَانُ أَحَدُ قِسْمَيْ الْمَخْلُوقَاتِ ، وَالثَّانِي الْجَمَادَاتُ ؛ فَانْظُرْ فِي أَصْنَافِهَا ، وَاخْتِلَافِ أَنْوَاعِهَا وَأَجْنَاسِهَا ، وَانْقِيَادِهَا وَشَرَسِهَا ، وَتَسْخِيرِهَا فِي الِانْتِفَاعِ بِهَا ، زِينَةً وَقُوتًا ، وَتَقَلُّبًا فِي الْأَرْضِ .
وَالْبِحَارُ أَعْظَمُ الْمَخْلُوقَاتِ عِبْرَةً ، وَأَدَلُّهَا عَلَى سَعَةِ الْقُدْرَةِ فِي سَعَتِهَا ، وَاخْتِلَافِ خَلْقِهَا ، وَتَسْيِيرِ الْفُلْكِ فِيهَا ، وَخُرُوجِ الرِّزْقِ مِنْهَا ، وَالِانْتِفَاعِ فِي الِانْتِقَالِ إلَى الْبِلَادِ الْبَعِيدَةِ بِالْأَثْقَالِ الْوَئِيدَةِ بِهَا .
وَالْهَوَاءُ فَإِنَّهُ خَلْقٌ مَحْسُوسٌ بِهِ قِوَامُ الرُّوحِ فِي الْآدَمِيِّ وَحَيَوَانِ الْبَرِّ ،

كَمَا أَنَّ الْمَاءَ قِوَامٌ لِرُوحِ حَيَوَانِ الْبَحْرِ ، فَإِذَا فَارَقَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا قِوَامَهُ هَلَكَ ، وَانْظُرْ إلَى رُكُودِهِ ثُمَّ اضْطِرَابِهِ ، وَهُوَ بِالرِّيحِ .
وَالْإِنْسَانُ أَقْرَبُهَا إلَيْهَا نَظَرًا ، وَأَكْثَرُهَا إنْ بَحَثَ عِبْرًا ، فَلْيَنْظُرْ إلَى نَفْسِهِ مِنْ حِينِ كَوْنِهَا مَاءً دَافِقًا إلَى كَوْنِهِ خَلْقًا سَوِيًّا ، يُعَانُ بِالْأَغْذِيَةِ ، وَيُرَبَّى بِالرِّفْقِ ، وَيُحْفَظُ بِاللَّبَنِ حَتَّى يَكْتَسِبَ الْقُوَى ، وَيَبْلُغَ الْأَشُدَّ ؛ فَإِذَا بِهِ قَدْ قَالَ أَنَا وَأَنَا ، وَنَسِيَ حِينَ أَتَى عَلَيْهِ حِينٌ مِنْ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا ، وَسَيَعُودُ مَقْبُورًا .
وَهَذَا زَمَانٌ وَسَطٌ بَيْنَهُمَا ، فَيَا وَيْحَه إنْ كَانَ مَحْسُورًا فَيَنْظُرُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ عَبْدٌ مَرْبُوبٌ ، مُكَلَّفٌ مَخُوفٌ بِالْعَذَابِ إنْ قَصَّرَ ، مُرْجًى بِالثَّوَابِ إنْ ائْتَمَرَ ، فَيُقْبِلُ عَلَى عِبَادَةِ مَوْلَاهُ ، فَإِنَّهُ وَإِنْ كَانَ لَا يَرَاهُ يَرَاهُ ، وَلَا يَخْشَى النَّاسَ فَاَللَّهُ أَحَقُّ أَنْ يَخْشَاهُ ، وَلَا يَتَكَبَّرُ عَلَى أَحَدٍ مِنْ عِبَادِ اللَّهِ فَإِنَّهُ مُؤَلَّفٌ مِنْ أَقْذَارٍ ، مَشْحُونٌ مِنْ أَوْضَارٍ ، صَائِرٌ إلَى جَنَّةٍ إنْ أَطَاعَ ، أَوْ إلَى نَارٍ .
وَلِذَلِكَ كَانَ شُيُوخُنَا يَسْتَحِبُّونَ أَنْ يَنْظُرَ الْمَرْءُ فِي الْأَبْيَاتِ الْحِكَمِيَّةِ الَّتِي جَمَعَتْ هَذِهِ الْأَوْصَافَ الْعِلْمِيَّةَ : كَيْفَ يُزْهَى مَنْ رَجِيعُهُ أَبَدَ الدَّهْرِ ضَجِيعُهُ فَهُوَ مِنْهُ وَإِلَيْهِ وَأَخُوهُ وَرَضِيعُهُ وَهُوَ يَدْعُوهُ إلَى الْحَشِّ بِصُغْرٍ فَيُطِيعُهُ

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَيُّ الْعَمَلَيْنِ أَفْضَلُ : التَّفَكُّرُ أَمْ الصَّلَاةُ ؟ : اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ النَّاسُ ، فَصَغْوُ أَيْ مَيْلُ الصُّوفِيَّةِ إلَى أَنَّ الْفِكْرَةَ أَفْضَلُ ، فَإِنَّهَا تُثْمِرُ الْمَعْرِفَةَ ، وَهِيَ أَفْضَلُ الْمَقَامَاتِ الشَّرْعِيَّةِ .
وَصَغْوُ الْفُقَهَاءِ إلَى أَنَّ الصَّلَاةَ وَالذِّكْرَ أَفْضَلُ ؛ لِمَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ مِنْ الْحَثِّ وَالدُّعَاءِ إلَيْهَا ، وَالتَّرْغِيبِ فِيهَا ، وَالْإِيعَازِ بِمَنَازِلِهَا وَثَوَابِهَا .
وَاَلَّذِي عِنْدِي فِيهِ أَنَّ النَّاسَ مُخْتَلِفُونَ فَمَنْ كَانَ شَدِيدَ الْفِكْرِ ، قَوِيَّ النَّظَرِ ، مُسْتَمِرَّ الْمِرَرِ ، قَادِرًا عَلَى الْأَدِلَّةِ ، مُتَبَحِّرًا فِي الْمَعَارِفِ ، فَالْفِكْرُ لَهُ أَفْضَلُ ، وَمَنْ كَانَ دُونَ ذَلِكَ فَالْأَعْمَالُ أَقْوَى لِنَفْسِهِ ، وَأَثْبَتُ لِعُودِهِ .
ثَبَتَ عَنْ { ابْنِ عَبَّاسٍ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّهُ بَاتَ عِنْدَ زَوْجِهِ مَيْمُونَةَ ، وَبَاتَ ابْنُ عَبَّاسٍ مَعَهُ فِي لَيْلَةٍ لَمْ تَكُنْ مَيْمُونَةُ تُصَلِّي فِيهَا ، فَاضْطَجَعَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَزَوْجُهُ فِي طُولِ الْوِسَادَةِ ، وَاضْطَجَعَ ابْنُ عَبَّاسٍ فِي عَرْضِهَا ؛ فَلَمَّا انْتَصَفَ اللَّيْلُ أَوْ قَبْلَهُ بِقَلِيلٍ ، أَوْ بَعْدَهُ ، قَامَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَمَسَحَ النَّوْمَ عَنْ وَجْهِهِ ، ثُمَّ قَرَأَ الْعَشْرَ الْآيَاتِ الْخَوَاتِمَ مِنْ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ : { إنَّ فِي خَلْقِ السَّمَوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ } حَتَّى خَتَمَ السُّورَةَ ؛ ثُمَّ قَامَ إلَى شَنٍّ مُعَلَّقٍ فَتَوَضَّأَ مِنْهُ وُضُوءًا خَفِيفًا ، ثُمَّ صَلَّى خَمْسَ عَشْرَةَ رَكْعَةً .
} فَانْظُرُوا رَحِمَكُمْ اللَّهُ إلَى جَمْعِهِ بَيْنَ الْفِكْرَةِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ لِتَأْكِيدِ الْمَعْرِفَةِ وَتَحْدِيدِهَا حَتَّى تَجَدَّدَتْ لَهُ حَيَاةٌ بِالْهَبِّ مِنْ النَّوْمِ ، ثُمَّ إقْبَالِهِ عَلَى الصَّلَاةِ بَعْدَهَا ؛ فَهَذِهِ هِيَ السُّنَّةُ الَّتِي تَعْتَمِدُونَ عَلَيْهَا .
فَأَمَّا طَرِيقَةُ الصُّوفِيَّةِ فَأَنْ يَكُونَ الشَّيْخُ مِنْهُمْ يَبْقَى

يَوْمًا وَلَيْلَةً أَوْ شَهْرًا مُفَكِّرًا لَا يَفْتُرُ فَطَرِيقَةٌ بَعِيدَةٌ عَنْ الصَّوَابِ غَيْرُ لَائِقَةٍ بِالشَّرْعِ وَلَا مُسْتَمِرَّةٍ عَلَى السُّنَنِ .

الْآيَةُ الْحَادِيَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنْ الشَّاكِرِينَ فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي الْمَعْنِيِّ بِهَا : وَفِي ذَلِكَ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ الْمُرَادَ بِذَلِكَ { حَوَّاءُ الْأُمُّ الْأُولَى ، حَمَلَتْ بِوَلَدِهَا ، فَلَمْ تَجِدْ لَهُ ثِقَلًا ، وَلَا قَطَعَ بِهَا عَنْ عَمَلٍ ، فَكُلَّمَا اسْتَمَرَّ بِهَا ثَقُلَ عَلَيْهَا ، فَجَاءَهَا الشَّيْطَانُ وَقَالَ لَهَا : إنْ كُنْت تَعْلَمِينَ أَنَّ هَذَا الَّذِي يَضْطَرِبُ فِي بَطْنِك مِنْ أَيْنَ يَخْرُجُ مِنْ جِسْمِك ؛ إنَّهُ لَيَخْرُجُ مِنْ أَنْفِك ، أَوْ مِنْ عَيْنِك ، أَوْ مِنْ فَمِك ، وَرُبَّمَا كَانَ بَهِيمَةً ؛ فَإِنْ خَرَجَ سَلِيمًا يُشْبِهُك تُطِيعِينَنِي فِيهِ ؟ قَالَتْ لَهُ : نَعَمْ .
فَذَكَرَتْ ذَلِكَ لِآدَمَ ، فَقَالَ لَهَا : هُوَ صَاحِبُك الَّذِي أَخْرَجَك مِنْ الْجَنَّةِ .
فَلَمَّا وَلَدَتْ فِي حَدِيثٍ طَوِيلٍ سَمَّتْهُ عَبْدَ الْحَارِثِ بِإِشَارَةِ إبْلِيسَ بِذَلِكَ عَلَيْهَا ، وَكَانَ اسْمُهُ فِي الْمَلَائِكَةِ الْحَارِثَ ، فَذَلِكَ قَوْله تَعَالَى : { جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا } .
} وَذَلِكَ مَذْكُورٌ وَنَحْوُهُ فِي ضَعِيفِ الْحَدِيثِ فِي التِّرْمِذِيِّ وَغَيْرِهِ .
وَفِي الْإِسْرَائِيلِيَّاتِ كَثِيرٌ لَيْسَ لَهَا ثَبَاتٌ ، وَلَا يُعَوِّلُ عَلَيْهَا مَنْ لَهُ قَلْبٌ ؛ فَإِنَّ آدَمَ وَحَوَّاءَ وَإِنْ كَانَ غَرَّهُمَا بِاَللَّهِ الْغَرُورُ فَلَا يُلْدَغُ الْمُؤْمِنُ مِنْ جُحْرٍ مَرَّتَيْنِ ، وَمَا كَانَا بَعْدَ ذَلِكَ لِيَقْبَلَا لَهُ نُصْحًا وَلَا يَسْمَعَا مِنْهُ قَوْلًا .
الثَّانِي : أَنَّ الْمُرَادَ بِهَذَا جِنْسُ الْآدَمِيِّينَ ؛ فَإِنَّ حَالَهُمْ فِي الْحَمْلِ وَخِفَّتِهِ وَثِقَلِهِ إلَى صِفَةٍ وَاحِدَةٍ .
وَإِذَا خَفَّ عَلَيْهِمْ الْحَمْلُ اسْتَمَرُّوا بِهِ ؛ فَإِذَا ثَقُلَ عَلَيْهِمْ

نَذَرُوا كُلَّ نَذْرٍ فِيهِ ، فَإِذَا وُلِدَ لَهُمْ ذَلِكَ الْوَلَدُ جَعَلُوا فِيهِ لِغَيْرِ اللَّهِ شُرَكَاءَ فِي تَسْمِيَتِهِ وَعَمَلِهِ ، حَتَّى إنَّ مِنْهُمْ مَنْ يَنْسُبُهُ إلَى الْأَصْنَامِ ، وَيَجْعَلُهُ لِغَيْرِ اللَّهِ وَعَلَى غَيْرِ دِينِ الْإِسْلَامِ ، وَهَذَا الْقَوْلُ أَشْبَهُ بِالْحَقِّ ، وَأَقْرَبُ إلَى الصِّدْقِ ، وَهُوَ ظَاهِرُ الْآيَةِ وَعُمُومُهَا الَّذِي يَشْمَلُ جَمِيعَ مُتَنَاوَلَاتِهَا ، وَيَسْلَمُ فِيهَا الْأَنْبِيَاءُ عَنْ النَّقْصِ الَّذِي لَا يَلِيقُ بِجُهَّالِ الْبَشَرِ ، فَكَيْفَ بِسَادَتِهِمْ وَأَنْبِيَائِهِمْ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : أَوَّلُ الْحَمْلِ بِشْرٌ وَسُرُورٌ ، وَآخِرُهُ مَرَضٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ .
قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ : { حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا } .
وَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ : { فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ } .
وَهَذَا الَّذِي قَالَهُ مَالِكٌ إنَّهُ مَرَضٌ مِنْ الْأَمْرَاضِ يُعْطِيهِ ظَاهِرُ قَوْلِهِ : فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا وَلَا يَدْعُو الْمَرْءُ هَذَا الدُّعَاءَ إلَّا إذَا نَزَلَتْ بِهِ شِدَّةٌ .
وَهَذِهِ الْحَالُ مُشَاهَدَةٌ فِي الْحَوَامِلِ ، وَلِأَجْلِ عِظَمِ الْأَمْرِ وَشِدَّةِ الْخَطْبِ جُعِلَ مَوْتُهَا شَهَادَةً ، فَقَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { الشُّهَدَاءُ سَبْعَةٌ سَوَاءٌ : الْقَتْلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
وَذَكَرَ : الْمَرْأَةُ تَمُوتُ بِجَمْعٍ شَهِيدٌ .
}

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : إذَا ثَبَتَ هَذَا مِنْ ظَاهِرِ الْآيَةِ فَحَالُ الْحَامِلِ حَالُ الْمَرِيضِ فِي أَفْعَالِهَا ، وَلَا خِلَافَ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْأَمْصَارِ أَنَّ فِعْلَ الْمَرِيضِ فِيمَا يَهَبُ أَوْ يُحَابِي فِي ثُلُثِهِ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ وَالشَّافِعِيُّ : إنَّمَا ذَلِكَ فِيمَا يَكُونُ حَالُ الطَّلْقِ ، فَأَمَّا قَبْلَ ذَلِكَ فَلَا ؛ وَاحْتَجُّوا بِأَنَّ الْحَمْلَ عَادَةٌ وَأَنَّ الْغَالِبَ فِيهِ السَّلَامَةُ .
قُلْنَا : كَذَلِكَ أَكْثَرُ الْمَرَضِ الْغَالِبُ عَلَيْهِ السَّلَامَةُ ، وَقَدْ يَمُوتُ مَنْ لَمْ يَمْرَضْ ، وَلَكِنْ أَخْذًا بِظَاهِرِ الْحَالِ كَذَلِكَ فِي مَسْأَلَتِنَا .
وَبِالْجُمْلَةِ فَإِنَّ إنْكَارَ مَرَضِ الْحَامِلِ عِنَادٌ ظَاهِرٌ ، فَإِذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَدْ حَمَلَ الْعُلَمَاءُ عَلَيْهِ الْمَحْبُوسَ فِي قَوَدٍ أَوْ قِصَاصٍ ، وَحَاضِرَ الزَّحْفِ .
وَأَنْكَرَهُ الْإِمَامَانِ الْمَذْكُورَانِ وَغَيْرُهُمَا ، فَإِذَا اسْتَوْعَبْت النَّظَرَ لِمَ تَرَتَّبَ فِي أَنَّ الْمَحْبُوسَ عَلَى الْقَتْلِ أَشَدُّ حَالًا مِنْ الْمَرِيضِ ، وَإِنْكَارُ ذَلِكَ غَفْلَةٌ فِي النَّظَرِ ؛ فَإِنَّ سَبَبَ الْمَوْتِ مَوْجُودٌ عِنْدَهُمَا ، كَمَا أَنَّ الْمَرَضَ سَبَبُ الْمَوْتِ ، وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ : { وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ } وَهِيَ : الْآيَةُ الثَّانِيَةُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ غَيْرِ السُّورَةِ ، وَذُكِرَتْ هَاهُنَا لِاقْتِضَاءِ الْقَوْلِ إيَّاهَا ، وَإِنَّمَا رَأَوْا أَسْبَابَهُ ، وَكَذَلِكَ قَالَ رُوَيْشِدُ الطَّائِيُّ : يَا أَيُّهَا الرَّاكِبُ الْمُزْجِي مَطِيَّتَهُ سَائِلْ بَنِي أَسَدٍ مَا هَذِهِ الصَّوْتُ وَقُلْ لَهُمْ بَادِرُوا بِالْعُذْرِ وَالْتَمِسُوا قَوْلًا يُبَرِّئْكُمْ إنِّي أَنَا الْمَوْتُ وَقَالَ سُبْحَانَهُ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ ، وَهِيَ : الْآيَةُ الثَّالِثَةُ وَالْعِشْرُونَ فِي الْأَحْكَامِ مِنْ غَيْرِ السُّورَةِ اقْتَضَاهَا الْقَوْلُ هَاهُنَا : { إذْ جَاءُوكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَمِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتْ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ وَتَظُنُّونَ بِاَللَّهِ الظُّنُونَا هُنَالِكَ اُبْتُلِيَ

الْمُؤْمِنُونَ وَزُلْزِلُوا زِلْزَالًا شَدِيدًا } فَكَيْفَ يَقُولُ الشَّافِعِيُّ وَأَبُو حَنِيفَةَ : إنَّ الْحَالَةَ الشَّدِيدَةَ إنَّمَا هِيَ الْمُبَارَزَةُ ، وَقَدْ أَخْبَرَ اللَّهُ عَنْ مُنَازَلَةِ الْعَدُوِّ ، وَتَدَانِي الْفَرِيقَيْنِ بِهَذِهِ الْحَالَةِ الْعُظْمَى مِنْ بُلُوغِ الْقُلُوبِ الْحَنَاجِرَ ، وَمِنْ سُوءِ الظُّنُونِ بِاَللَّهِ ، وَمِنْ زَلْزَلَةِ الْقُلُوبِ وَاضْطِرَابِهَا ، هَلْ هَذِهِ الْحَالُ تُرَى عَلَى الْمَرِيضِ أَمْ لَا ؟ فَهَذَا كُلُّهُ لَا يَشُكُّ فِيهِ مُنْصِفٌ .
قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذَا لِمَنْ ثَبَتَ فِي اعْتِقَادِهِ ، وَجَاهَدَ فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ وَشَاهَدَ الرَّسُولَ وَآيَاتِهِ ، فَكَيْفَ بِنَا ؟ وَإِنَّمَا هُوَ عِنْدَنَا خَبَرٌ مِنْ الْأَخْبَارِ لَمْ يَعْرِفْهُ إلَّا الْأَحْبَارُ ، وَلَا قَدَّرَهُ حَقَّ قَدْرِهِ إلَّا الْأَخْيَارُ ، وَهَذَا كُلُّهُ يُعَرِّفُكُمْ قَدْرَ مَالِكٍ عَلَى سَائِرِ الْعُلَمَاءِ فِي النَّظَرِ ، وَيُبَصِّرُكُمْ اسْتِدَادَهُ عَلَى سَوَاءِ الْفِكَرِ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إذَا ثَبَتَ هَذَا فَقَدْ اخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا فِي رَاكِبِ الْبَحْرِ ؛ هَلْ حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّحِيحِ أَوْ الْحَامِلِ ؟ فَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : حُكْمُهُ حُكْمُ الصَّحِيحِ .
وَقَالَ أَشْهَبُ : حُكْمُهُ حُكْمُ الْحَامِلِ إذَا بَلَغَتْ سِتَّةَ أَشْهُرٍ .
وَابْنُ الْقَاسِمِ لَمْ يَرْكَبْ الْبَحْرَ ، وَلَا رَأَى أَنَّهُمْ دُودٌ عَلَى عُودٍ ، وَمَنْ أَرَادَ أَنْ يُوقِنَ بِأَنَّ اللَّهَ هُوَ الْفَاعِلُ وَحْدَهُ لَا فَاعِلَ مَعَهُ ، وَأَنَّ الْأَسْبَابَ ضَعِيفَةٌ لَا تَعَلُّقَ لِمُوقِنٍ بِهَا ، وَيَتَحَقَّقُ التَّوَكُّلُ وَالتَّفْوِيضُ فَلْيَرْكَبْ الْبَحْرَ ، وَلَوْ عَايَنَ ذَلِكَ سَبْعِينَ مِنْ الدَّهْرِ ، وَتَطْلُعُ لَهُ الشَّمْسُ فِي الْمَاءِ وَتَغْرُبُ فِيهِ ، وَيَتْبَعُهَا الْقَمَرُ كَذَلِكَ ، وَلَا يَسْمَعُ لِلْأَرْضِ خَبَرًا ، وَلَا تَصْفُو سَاعَةٌ مِنْ كَدَرٍ ، وَيَعْطَبُ فِي آخِرِ الْحَالِ ، كَانَ رَأْيُهُ كَرَأْيِ أَشْهَبَ ، وَاَللَّهُ يُوَفِّقُ الْمَقَالَ وَيُسَدِّدُ بِعِزَّتِهِ الْمَذْهَبَ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : إذَا ثَبَتَ أَنَّهَا مَرِيضَةٌ فَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي فِطْرِهَا وَفِدْيَتِهَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ ، فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .

: الْآيَةُ الرَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى { خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ } .
فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي الْعَفْوِ : قَدْ تَقَدَّمَ شَرْحُهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ عَلَى الِاسْتِيفَاءِ فِي الْإِطْلَاقِ وَالِاشْتِقَاقِ ، وَاخْتَلَفَ إيرَادُ الْمُفَسِّرِينَ فِي تَفْسِيرِ هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى أَرْبَعَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ الْفَضْلُ مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ ، نَسَخَتْهُ الزَّكَاةُ ؛ قَالَ ذَلِكَ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّهُ الزَّكَاةُ ؛ قَالَ مُجَاهِدٌ .
وَسَمَّاهَا عَفْوًا ؛ لِأَنَّهُ فَضْلُ الْمَالِ وَجُزْءٌ يَسِيرٌ مِنْهُ .
الثَّالِثُ : أَنَّهُ أَمْرٌ بِالِاحْتِمَالِ وَتَرْكِ الْغِلْظَةِ ، ثُمَّ نُسِخَ ذَلِكَ بِآيَةِ الْقِتَالِ .
الرَّابِعُ : خُذْ الْعَفْوَ مِنْ أَخْلَاقِ النَّاسِ ؛ قَالَهُ ابْنَا الزُّبَيْرِ مَعًا ، وَرُوِيَ ذَلِكَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُمَا .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ قَالَ : { إنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِهَذِهِ الْآيَةِ ، فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا هَذَا يَا جِبْرِيلُ ؟ قَالَ جِبْرِيلُ : لَا أَدْرِي حَتَّى أَسْأَلَ الْعَالِمَ ، فَذَهَبَ فَمَكَثَ سَاعَةً ثُمَّ رَجَعَ ، فَقَالَ : إنَّ اللَّهَ يَأْمُرُك أَنْ تَعْفُوَ عَمَّنْ ظَلَمَك ، وَتُعْطِيَ مَنْ حَرَمَك ، وَتَصِلَ مَنْ قَطَعَك } .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْلُهُ : { وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } : فِيهِ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الْعُرْفُ : الْمَعْرُوفُ ؛ قَالَهُ عُرْوَةُ .
الثَّانِي : قَوْلُ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .
الثَّالِثُ : مَا يُعْرَفُ أَنَّهُ مِنْ الدِّينِ .
الرَّابِعُ : مَا لَا يُنْكِرُهُ النَّاسُ مِنْ الْمَحَاسِنِ الَّتِي اتَّفَقَتْ عَلَيْهَا الشَّرَائِعُ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : { أَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ } فِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ مُحْكَمٌ ، أُمِرَ بِاللِّينِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِآيَةِ الْقِتَالِ قَالَهُ ابْنُ زَيْدٍ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : رَوَى { جَابِرُ بْنُ سُلَيْمٍ قَالَ : رَكِبْت قَعُودِي ثُمَّ أَتَيْت إلَى مَكَّةَ ، فَطَلَبْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَنَخْت قَعُودِي بِبَابِ الْمَسْجِدِ ، فَدَلُّونِي عَلَى رَسُولِ اللَّهِ ، فَإِذَا هُوَ جَالِسٌ عَلَيْهِ بُرْدٌ مِنْ صُوفٍ فِيهِ طَرَائِقُ حُمْرٌ ، فَقُلْت : السَّلَامُ عَلَيْك يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَقَالَ : وَعَلَيْك السَّلَامُ .
فَقُلْت : إنَّا مَعْشَرَ أَهْلِ الْبَادِيَةِ قَوْمٌ فِينَا الْجَفَاءُ فَعَلِّمْنِي كَلِمَاتٍ يَنْفَعُنِي اللَّهُ بِهَا .
قَالَ : اُدْنُ مِنَّا .
فَدَنَوْت ، فَقَالَ : أَعِدْ عَلَيَّ .
فَأَعَدْت .
فَقَالَ : اتَّقِ اللَّهَ ، وَلَا تَحْقِرَنَّ مِنْ الْمَعْرُوفِ شَيْئًا ، وَأَنْ تَلْقَى أَخَاك بِوَجْهٍ مُنْبَسِطٍ ، وَأَنْ تُفْرِغَ مِنْ دَلْوِك فِي إنَاءِ أَخِيك ، وَإِنْ أَحَدٌ سَبَّك بِمَا يَعْلَمُ مِنْك فَلَا تَسُبَّهُ بِمَا تَعْلَمُ فِيهِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ جَاعِلٌ لَك أَجْرًا وَعَلَيْهِ وِزْرًا ، وَلَا تَسُبَّنَّ شَيْئًا مِمَّا خَوَّلَك اللَّهُ .
فَوَاَلَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا سَبَبْت بَعْدَهُ لَا شَاةً وَلَا بَعِيرًا .
} الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : قَدِمَ عُيَيْنَةُ بْنُ حِصْنِ بْنِ حُذَيْفَةَ ، فَنَزَلَ عَلَى ابْنِ أَخِيهِ الْجَدِّ بْنِ قَيْسٍ ، وَكَانَ مِنْ النَّفَرِ الَّذِي يُدْنِيهِمْ عُمَرُ ، وَكَانَ الْقُرَّاءُ أَصْحَابَ مَجَالِسِ عُمَرَ وَمُشَاوَرَتِهِ كُهُولًا كَانُوا أَوْ شُبَّانًا ، فَقَالَ عُيَيْنَةُ لِابْنِ أَخِيهِ : يَا بْنَ أَخِي ؛ لَك وَجْهٌ عِنْدَ هَذَا الْأَمِيرِ ، فَاسْتَأْذِنْ لِي عَلَيْهِ قَالَ : سَأَسْتَأْذِنُ لَك .
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : فَاسْتَأْذَنَ الْجَدُّ لِعُيَيْنَةَ ، فَأَذِنَ عُمَرُ ، فَلَمَّا دَخَلَ قَالَ : هِيهِ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ ، فَوَاَللَّهِ مَا تُعْطِينَا الْجَزْلَ ، وَلَا تَحْكُمُ فِينَا بِالْعَدْلِ .
فَغَضِبَ عُمَرُ حَتَّى هَمَّ أَنْ يُوقِعَ بِهِ ، فَقَالَ لَهُ :

الْعَفْوَ يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، إنَّ اللَّهَ قَالَ لِنَبِيِّهِ : { خُذْ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ } وَإِنَّ هَذَا مِنْ الْجَاهِلِينَ ، وَاَللَّهِ مَا جَاوَزَهَا عُمَرُ حِينَ تَلَاهَا عَلَيْهِ ، وَكَانَ وَقَّافًا عِنْدَ كِتَابِ اللَّهِ .
الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : فِي تَنْقِيحِ الْأَقْوَالِ : أَمَّا الْعَفْوُ فَإِنَّهُ عَامٌّ فِي مُتَنَاوَلَاتِهِ ، وَيَصِحُّ أَنْ يُرَادَ بِهِ خُذْ مَا خَفَّ وَسَهُلَ مِمَّا تُعْطَى ، فَقَدْ { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقْبَلُ مِنْ الصَّدَقَةِ التَّمْرَةَ وَالْقَبْضَةَ وَالْحَبَّةَ وَالدِّرْهَمَ وَالسَّمَلَ ، وَلَا يَلْمِزُ شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ وَلَا يَعِيبُهُ } : وَلَقَدْ كَانَ يُسْقِطُ مِنْ الْحُقُوقِ مَا يَقْبَلُ الْإِسْقَاطَ حَتَّى قَالَتْ عَائِشَةُ فِي الصَّحِيحِ : { مَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ لِنَفْسِهِ قَطُّ } .
وَأَمَّا الِاحْتِمَالُ : فَقَدْ { كَانَ يَصْبِرُ عَلَى الْأَذَى ، وَيَحْتَمِلُ الْجَفَاءَ ، حَتَّى قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى ، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ } .
وَأَمَّا مُخَالَفَةُ النَّاسِ : فَهُوَ كَانَ أَقْدَرَ الْخَلْقِ عَلَيْهَا وَأَوْلَاهُمْ بِهَا ، فَإِنَّهُ كَانَ يَلْقَى كُلَّ أَحَدٍ بِمَا يَلِيقُ بِهِ مِنْ شَيْخٍ وَعَجُوزٍ ، وَصَغِيرٍ وَكَبِيرٍ ، وَبِدَوِيٍّ وَحَضَرِيٍّ ، وَعَالِمٍ وَجَاهِلٍ ، وَلَقَدْ { كَانَتْ الْمَرْأَةُ تُوقِفُهُ فِي السِّكَّةِ مِنْ سِكَكِ الْمَدِينَةِ ، وَلَقَدْ كَانَ يَقُولُ لِأَخٍ لِأَنَسٍ صَغِيرٍ : يَا أَبَا عُمَيْرٍ ، مَا فَعَلَ النُّغَيْرُ } .
وَلَقَدْ { كَانَ يُكَلِّمُ النَّاسَ بِلُغَاتِهِمْ ، فَيَقُولُ لِمَنْ سَأَلَهُ أَمِنَ امْبِرِّ امْصِيَامُ فِي امْسَفَرِ ؟ فَيَقُولُ لَهُ : لَيْسَ مِنْ امْبِرِّ امْصِيَامُ فِي امْسَفَرِ }

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : فِي تَنْقِيحِ الْأَقْوَالِ بِالْعُرْفِ : أَمَّا الْعُرْفُ : فَالْمُرَادُ بِهِ هَاهُنَا الْمَعْرُوفُ مِنْ الدِّينِ الْمَعْلُومُ مِنْ مَكَارِمِ الْأَخْلَاقِ ، وَمَحَاسِنِ الْأَعْمَالِ ، الْمُتَّفَقُ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَرِيعَةٍ الَّتِي أُمَّهَاتُهَا وَأُصُولُهَا الثَّلَاثُ الَّتِي يُقَالُ إنَّ جِبْرِيلَ نَزَلَ بِهَا : أَنْ تَصِلَ مَنْ قَطَعَك ، فَلَا شَيْءَ أَفْضَلَ مِنْ صِلَةِ الْقَاطِعِ فَإِنَّهُ يَدُلُّ عَلَى كَرَمِ النَّفْسِ ، وَشَرَفِ الْحِلْمِ ، وَخُلُقِ الصَّبْرِ الَّذِي هُوَ مِفْتَاحُ خَيْرَيْ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ .
وَفِي الْأَثَرِ : { لَيْسَ الْوَاصِلُ بِالْمُكَافِئِ ، وَلَكِنْ الْوَاصِلُ الَّذِي إذَا قُطِعَتْ رَحِمُهُ وَصَلَهَا } .
وَقَالَ : { أَفْضَلُ الصَّدَقَةِ الصَّدَقَةُ عَلَى ذِي الرَّحِمِ الْكَاشِحِ } .
وَاَلَّذِي يُبَيِّنُ ذَلِكَ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ الَّذِي خَرَّجَهُ الْأَئِمَّةُ وَاللَّفْظُ لِلْبُخَارِيِّ : قَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ : { بَعَثَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَرِيَّةً اسْتَعْمَلَ عَلَيْهَا رَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ ، وَأَمَرَهُمْ أَنْ يُطِيعُوهُ ، فَغَضِبَ ، فَقَالَ : أَلَيْسَ أَمَرَكُمْ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ تُطِيعُونِي ؟ قَالُوا : بَلَى .
قَالَ : فَاجْمَعُوا حَطَبًا .
فَجَمَعُوا .
فَقَالَ : أَوْقِدُوا لِي نَارًا .
فَأَوْقَدُوهَا .
فَقَالَ : اُدْخُلُوهَا .
فَهَمُّوا ، وَجَعَلَ بَعْضُهُمْ يُمْسِكُ بَعْضًا وَيَقُولُونَ : فَرَرْنَا إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ النَّارِ .
فَمَا زَالُوا حَتَّى خَمَدَتْ النَّارُ ، وَسَكَنَ غَضَبُهُ ، فَبَلَغَ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ : لَوْ دَخَلُوهَا مَا خَرَجُوا مِنْهَا ، إنَّمَا الطَّاعَةُ فِي الْمَعْرُوفِ } ، يُرِيدُ الَّذِي يَجُوزُ فِي الدِّينِ مَوْقِعُهُ وَيَثْبُتُ فِيهِ حُكْمُهُ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : الْإِعْرَاضُ عَنْ الْجَاهِلِينَ : وَأَمَّا الْإِعْرَاضُ عَنْ الْجَاهِلِينَ فَإِنَّهُ مَخْصُوصٌ فِي الْكُفَّارِ الَّذِينَ أُمِرَ بِقِتَالِهِمْ ، عَامٌّ فِي كُلِّ الَّذِي يَبْقَى بَعْدَهُمْ .
وَقَدْ قَالَ سُبْحَانَهُ : { لَا يَنْهَاكُمْ اللَّهُ عَنْ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إلَيْهِمْ } .
وَقَالَتْ { أَسْمَاءُ : إنَّ أُمِّي قَدِمَتْ عَلَيَّ رَاغِبَةً وَهِيَ مُشْرِكَةٌ أَفَأَصِلُهَا ؟ قَالَ : نَعَمْ ، صِلِي أُمَّك } .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ ثَلَاثِ كَلِمَاتٍ ، قَدْ تَضَمَّنَتْ قَوَاعِدَ الشَّرِيعَةِ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ ، حَتَّى لَمْ يَبْقَ فِيهِ حَسَنَةٌ إلَّا أَوْضَحَتْهَا ، وَلَا فَضِيلَةٌ إلَّا شَرَحَتْهَا ، وَلَا أُكْرُومَةٌ إلَّا افْتَتَحَتْهَا ، وَأَخَذَتْ الْكَلِمَاتُ الثَّلَاثُ أَقْسَامَ الْإِسْلَامِ الثَّلَاثَةَ .
فَقَوْلُهُ : { خُذْ الْعَفْوَ } تَوَلَّى بِالْبَيَانِ جَانِبَ اللِّينِ ، وَنَفْيَ الْحَرَجِ فِي الْأَخْذِ وَالْإِعْطَاءِ وَالتَّكْلِيفِ .
وَقَوْلُهُ : { وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ } تَنَاوَلَ جَمِيعَ الْمَأْمُورَاتِ وَالْمَنْهِيَّاتِ ؛ وَإِنَّهُمَا مَا عُرِفَ حُكْمُهُ ، وَاسْتَقَرَّ فِي الشَّرِيعَةِ مَوْضِعُهُ ، وَاتَّفَقَتْ الْقُلُوبُ عَلَى عِلْمِهِ .
وَقَوْلُهُ : { وَأَعْرِضْ عَنْ الْجَاهِلِينَ } تَنَاوَلَ جَانِبَ الصَّفْحِ بِالصَّبْرِ الَّذِي بِهِ يَتَأَتَّى لِلْعَبْدِ كُلُّ مُرَادٍ فِي نَفْسِهِ وَغَيْرِهِ ، وَلَوْ شَرَحْنَا ذَلِكَ عَلَى التَّفْصِيلِ لَكَانَ أَسْفَارًا .

الْآيَةُ الْخَامِسَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ ، فَقَرَأَ أُنَاسٌ مِنْ خَلْفِهِ ، فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ } ؛ فَسَكَتَ النَّاسُ خَلْفَهُ ، وَقَرَأَ رَسُولُ اللَّهِ .
} الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى الْأَئِمَّةُ : مَالِكٌ ، وَأَبُو دَاوُد ، وَالنَّسَائِيُّ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انْصَرَفَ مِنْ صَلَاةٍ جُهِرَ فِيهَا بِالْقِرَاءَةِ ، فَقَالَ : هَلْ قَرَأَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مَعِي آنِفًا ؟ فَقَالَ رَجُلٌ ، نَعَمْ ، يَا رَسُولَ اللَّهِ .
فَقَالَ : إنِّي أَقُولُ : مَا لِي أُنَازَعُ الْقُرْآنَ ؟ قَالَ : فَانْتَهَى النَّاسُ عَنْ الْقِرَاءَةِ مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا جَهَرَ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ مِنْ الصَّلَوَاتِ بِالْقِرَاءَةِ ، حِينَ سَمِعُوا ذَلِكَ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
} وَرَوَى مُسْلِمٌ عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ قَالَ : { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِنَا صَلَاةَ الظُّهْرِ أَوْ الْعَصْرِ ، فَقَالَ : وَأَيُّكُمْ قَرَأَ خَلْفِي بِسَبِّحِ اسْمَ رَبِّك الْأَعْلَى ؟ فَقَالَ رَجُلٌ : أَنَا .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : قَدْ عَلِمْت أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا } .
وَرَوَى التِّرْمِذِيُّ وَأَبُو دَاوُد عَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ قَالَ : { صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الصُّبْحَ ، فَثَقُلَتْ عَلَيْهِ الْقِرَاءَةُ ، فَلَمَّا انْصَرَفَ قَالَ : إنِّي لَا أَرَاكُمْ تَقْرَءُونَ وَرَاءَ إمَامِكُمْ .
قَالَ : قُلْنَا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إي وَاَللَّهِ .
قَالَ : فَلَا تَفْعَلُوا إلَّا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَإِنَّهُ لَا صَلَاةَ لِمَنْ لَمْ يَقْرَأْ بِهَا } .
وَقَدْ رَوَى النَّاسُ فِي قِرَاءَةِ الْمَأْمُومِ خَلْفَ الْإِمَامِ بِفَاتِحَةِ الْكِتَابِ أَحَادِيثَ كَثِيرَةً ، أَعْظَمُهُمْ فِي ذَلِكَ اهْتِبَالًا

الدَّارَقُطْنِيُّ .
وَقَدْ جَمَعَ الْبُخَارِيُّ فِي ذَلِكَ جُزْءًا ، وَكَانَ رَأْيُهُ قِرَاءَةَ الْفَاتِحَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ فِي الصَّلَاةِ الْجَهْرِيَّةِ ، وَهِيَ إحْدَى رِوَايَاتِ مَالِكٍ ، وَهُوَ اخْتِيَارُ الشَّافِعِيِّ .
وَقَدْ رَوَى مَالِكٌ وَغَيْرُهُ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَنْ صَلَّى صَلَاةً لَمْ يَقْرَأْ فِيهَا بِأُمِّ الْقُرْآنِ فَهِيَ خِدَاجٌ ، فَهِيَ خِدَاجٌ ، فَهِيَ خِدَاجٌ ، غَيْرُ تَمَامٍ .
فَقُلْت : يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؛ إنِّي أَحْيَانًا أَكُونُ وَرَاءَ الْإِمَامِ ، فَغَمَزَ ذِرَاعِي ، وَقَالَ : اقْرَأْ بِهَا يَا فَارِسِيُّ فِي نَفْسِك ، فَإِنِّي سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : قَالَ اللَّهُ : قَسَمْتُ الصَّلَاةَ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي نِصْفَيْنِ ، فَنِصْفُهَا لِي ، وَنِصْفُهَا لِعَبْدِي ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ .
قَالَ رَسُولُ اللَّهِ : اقْرَءُوا ، يَقُولُ الْعَبْدُ : الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ يَقُولُ اللَّهُ : حَمِدَنِي عَبْدِي .
يَقُولُ الْعَبْدُ : الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ .
يَقُولُ اللَّهُ : أَثْنَى عَلَيَّ عَبْدِي .
يَقُولُ الْعَبْدُ : مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ .
يَقُولُ اللَّهُ : مَجَّدَنِي عَبْدِي .
يَقُولُ الْعَبْدُ : إيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ ، فَهَذِهِ الْآيَةُ بَيْنِي وَبَيْنَ عَبْدِي ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ .
يَقُولُ الْعَبْدُ : اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنْعَمْت عَلَيْهِمْ غَيْرِ الْمَغْضُوبِ عَلَيْهِمْ وَلَا الضَّالِّينَ .
فَهَؤُلَاءِ لِعَبْدِي ، وَلِعَبْدِي مَا سَأَلَ } .
وَقَدْ اخْتَلَفَتْ فِي ذَلِكَ الْآثَارُ عَنْ الصَّحَابَةِ وَالتَّابِعِينَ اخْتِلَافًا مُتَبَايِنًا فَرُوِيَ عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابَهُ كَانُوا يَنْهَوْنَ عَنْ الْقِرَاءَةِ خَلْفَ الْإِمَامِ .
} وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ صَلَّى بِأَصْحَابِهِ فَقَرَأَ قَوْمٌ خَلْفَهُ ، فَقَالَ : مَا لَكُمْ لَا تَعْقِلُونَ ؟ { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } .
وَقَدْ قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ :

نَزَلَتْ الْآيَةُ فِي الصَّلَاةِ .
وَقِيلَ : كَانُوا يَتَكَلَّمُونَ فِي الصَّلَاةِ ، فَنَزَلَتْ الْآيَةُ فِي النَّهْيِ عَنْ ذَلِكَ .
وَرُوِيَ أَنَّ فَتًى كَانَ يَقْرَأُ خَلْفَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيمَا قَرَأَ فِيهِ النَّبِيُّ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ الْآيَةَ فِيهِ .
وَقَالَ مُجَاهِدٌ : نَزَلَتْ فِي خُطْبَةِ الْجُمُعَةِ ؛ وَهُوَ قَوْلٌ ضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ الْقُرْآنَ فِيهَا قَلِيلٌ ، وَالْإِنْصَاتُ وَاجِبٌ فِي جَمِيعِهَا .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ قَرَأَ بِهَا ، وَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : لَا صَلَاةَ إلَّا بِهَا .
وَأَصَحُّ مِنْهُ قَوْلُ جَابِرٍ : لَا يُقْرَأُ بِهَا خَلْفَ الْإِمَامِ خَرَّجَهُ مَالِكٌ فِي الْمُوَطَّإِ .
وَرَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { إنَّمَا جُعِلَ الْإِمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ ، فَإِذَا رَكَعَ فَارْكَعُوا ، وَإِذَا سَجَدَ فَاسْجُدُوا ، وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا } ؛ وَهَذَا نَصٌّ لَا مَطْعَنَ فِيهِ ، يُعَضِّدُهُ الْقُرْآنُ وَالسُّنَّةُ ، وَقَدْ غَمَزَهُ الدَّارَقُطْنِيُّ بِمَا لَا يَقْدَحُ فِيهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : الْأَحَادِيثُ فِي ذَلِكَ كَثِيرَةٌ قَدْ أَشَرْنَا إلَى بَعْضِهَا ، وَذَكَرْنَا نُبَذًا مِنْهَا ، وَالتَّرْجِيحُ أَوْلَى مَا اُتُّبِعَ فِيهَا .
وَاَلَّذِي نُرَجِّحُهُ وُجُوبَ الْقِرَاءَةِ فِي الْإِسْرَارِ لِعُمُومِ الْأَخْبَارِ .
وَأَمَّا الْجَهْرُ فَلَا سَبِيلَ إلَى الْقِرَاءَةِ فِيهِ لِثَلَاثَةِ أَوْجُهٍ : أَحَدُهَا : أَنَّهُ عَمَلُ أَهْلِ الْمَدِينَةِ .
الثَّانِي : أَنَّهُ حُكْمُ الْقُرْآنِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا } .
وَقَدْ عَضَّدَتْهُ السُّنَّةُ بِحَدِيثَيْنِ : أَحَدُهُمَا : حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ : { قَدْ عَلِمْت أَنَّ بَعْضَكُمْ خَالَجَنِيهَا } .
الثَّانِي : قَوْلُهُ : " وَإِذَا قَرَأَ فَأَنْصِتُوا " .
الْوَجْهُ الثَّالِثُ : فِي التَّرْجِيحِ : إنَّ الْقِرَاءَةَ مَعَ جَهْرِ الْإِمَامِ لَا سَبِيلَ إلَيْهَا فَمَتَى يَقْرَأُ ؟ فَإِنْ قِيلَ : يَقْرَأُ فِي سَكْتَةِ الْإِمَامِ .
قُلْنَا : السُّكُوتُ لَا يَلْزَمُ الْإِمَامَ فَكَيْفَ يُرَكَّبُ فَرْضٌ

عَلَى مَا لَيْسَ بِفَرْضٍ ، لَا سِيَّمَا وَقَدْ وَجَدْنَا وَجْهًا لِلْقِرَاءَةِ مَعَ الْجَهْرِ ، وَهِيَ قِرَاءَةُ الْقَلْبِ بِالتَّدَبُّرِ وَالتَّفَكُّرِ ، وَهَذَا نِظَامُ الْقُرْآنِ وَالْحَدِيثِ ، وَحِفْظُ الْعِبَادَةِ ، وَمُرَاعَاةُ السُّنَّةِ ، وَعَمَلٌ بِالتَّرْجِيحِ وَاَللَّهُ أَعْلَمُ ؛ وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى : { وَاذْكُرْ رَبَّك فِي نَفْسِك تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ } .
وَهِيَ : الْآيَةُ السَّادِسَةُ وَالْعِشْرُونَ فَقَوْلُهُ : { فِي نَفْسِك } يَعْنِي صَلَاةَ الْجَهْرِ .
وَقَوْلُهُ : { وَدُونَ الْجَهْرِ مِنْ الْقَوْلِ } يَعْنِي صَلَاةَ السِّرِّ فَإِنَّهُ يَسْمَعُ فِيهِ نَفْسَهُ وَمَنْ يَلِيه قَلِيلًا بِحَرَكَةِ اللِّسَانِ .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ قَالَ بَعْضُ الشَّافِعِيَّةِ : إنَّمَا خَرَجَتْ الْآيَةُ عَلَى سَبَبٍ ؛ وَهُوَ أَنَّ قَوْمًا كَانُوا يُكْثِرُونَ اللَّغَطَ فِي قِرَاءَةِ رَسُولِ اللَّهِ ، وَيَمْنَعُونَ مِنْ اسْتِمَاعِ الْأَحْدَاثِ لَهُمْ ، كَمَا قَالَ تَعَالَى : { وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ } ، فَأَمَرَ الْمُسْلِمِينَ بِالْإِنْصَاتِ حَالَةَ أَدَاءِ الْوَحْيِ ، لِيَكُونَ عَلَى خِلَافِ حَالِ الْكُفَّارِ .
قُلْنَا : عَنْهُ جَوَابَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّ هَذَا لَمْ يَصِحَّ سَنَدُهُ ؛ فَلَا يَنْفَعُ مُعْتَمَدُهُ .
الثَّانِي : أَنَّ سَبَبَ الْآيَةِ وَالْحَدِيثِ إذَا كَانَ خَاصًّا لَا يَمْنَعُ مِنْ التَّعَلُّقِ بِظَاهِرِهِ إذَا كَانَ عَامًّا مُسْتَقِلًّا بِنَفْسِهِ ، وَبِالْجُمْلَةِ فَلَيْسَ لِلْبُخَارِيِّ وَلَا لِلشَّافِعِيَّةِ كَلَامٌ يَنْفَعُ بَعْدَمَا رَجَّحْنَا بِهِ وَاحْتَجَجْنَا بِمَنْصُوصِهِ ، وَقَدْ مَهَّدْنَا الْقَوْلَ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ تَمْهِيدًا يُسَكِّنُ كُلَّ جَأْشٍ نَافِرٍ .

الْآيَةُ السَّابِعَةُ وَالْعِشْرُونَ : قَوْله تَعَالَى : { إنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّك لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ } .
فِيهَا أَرْبَعَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : هَذِهِ الْآيَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِمَا قَبْلَهَا وَمُنْتَظِمَةٌ مَعَ مَا سَبَقَهَا ؛ وَهِيَ إخْبَارٌ مِنْ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ الْمَلَائِكَةِ بِأَنَّهُمْ فِي عِبَادَتِهِمْ الَّتِي أُمِرُوا بِهَا دَائِمُونَ ، وَعَلَيْهَا قَائِمُونَ ، وَبِهَا عَامِلُونَ ؛ فَلَا تَكُنْ مِنْ الْغَافِلِينَ فِيمَا أُمِرْت بِهِ وَكُلِّفْته .
وَهَذَا خِطَابُهُ ، وَالْمُرَادُ بِذَلِكَ جَمِيعُ الْأُمَّةِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : هَذِهِ أَوَّلُ سُجُودِ الْقُرْآنِ ، وَفِيهِ خَمْسَ عَشْرَةَ سَجْدَةً : الْأُولَى : هَذِهِ ، خَاتِمَةُ الْأَعْرَافِ .
الثَّانِيَةُ : فِي الرَّعْدِ : { وَظِلَالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ } .
الثَّالِثَةُ : فِي النَّحْلِ : { وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ } .
الرَّابِعَةُ : فِي بَنِي إسْرَائِيلَ : { وَيَزِيدُهُمْ خُشُوعًا } .
الْخَامِسَةُ : فِي مَرْيَمَ : { خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا } .
السَّادِسَةُ : فِي أَوَّلِ الْحَجِّ : { يَفْعَلُ مَا يَشَاءُ } .
السَّابِعَةُ : فِي آخِرِ الْحَجِّ : { تُفْلِحُونَ } .
الثَّامِنَةُ : فِي الْفُرْقَانِ : { نُفُورًا } .
التَّاسِعَةُ : فِي النَّمْلِ : { رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ } .
الْعَاشِرَةُ : فِي تَنْزِيلُ : { وَهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ } .
الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : فِي ص : { وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ } .
الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : فِي حم : { إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ } .
الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : آخِرُ النَّجْمِ : { وَاعْبُدُوا } .
الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : فِي الِانْشِقَاقِ قَوْلُهُ : { لَا يَسْجُدُونَ } .
الْخَامِسَةَ عَشْرَةَ : خَاتِمَةُ الْقَلَمِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : رَوَى مُسْلِمٌ فِي صَحِيحِهِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا قَرَأَ ابْنُ آدَمَ السَّجْدَةَ وَسَجَدَ اعْتَزَلَ الشَّيْطَانُ يَبْكِي ، فَيَقُولُ : يَا وَيْلَهُ أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ ، وَأُمِرْت بِالسُّجُودِ فَأَبَيْت فَلِيَ

النَّارُ } .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ وَمُسْلِمٌ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ الْقُرْآنَ فَيَقْرَأُ سُورَةً فِيهَا سَجْدَةٌ ، فَيَسْجُدُ .
وَنَسْجُدُ مَعَهُ ، حَتَّى مَا يَجِدَ أَحَدُنَا مَكَانًا لِجَبْهَتِهِ لِيَسْجُدَ فِيهِ } .
وَرَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ ابْنِ عُمَرَ أَنَّ { رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ عَامَ الْحَجِّ سَجْدَةً ، فَسَجَدَ النَّاسُ كُلُّهُمْ ، مِنْهُمْ الرَّاكِبُ وَالسَّاجِدُ فِي الْأَرْضِ ، حَتَّى إنَّ الرَّاكِبَ يَسْجُدُ عَلَى ثَوْبِهِ } .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِي سُجُودِ التِّلَاوَةِ ؛ فَقَالَ مَالِكٌ وَالشَّافِعِيُّ : لَيْسَ بِوَاجِبٍ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : هُوَ وَاجِبٌ ، وَهِيَ مَسْأَلَةٌ مُشْكِلَةٌ عَوَّلَ فِيهَا أَبُو حَنِيفَةَ عَلَى أَنَّ مُطْلَقَ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ عَلَى الْوُجُوبِ .
وَلِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ } وَالْأَمْرُ عَلَى الْوُجُوبِ ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يُحَافِظُ عَلَيْهَا إذَا قَرَأَهَا .
وَعَوَّلَ عُلَمَاؤُنَا عَلَى حَدِيثِ عُمَرَ الثَّابِتِ أَنَّ عُمَرَ قَرَأَ سَجْدَةً وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ ، فَنَزَلَ فَسَجَدَ فَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ .
ثُمَّ قَرَأَ بِهَا فِي الْجُمُعَةِ الْأُخْرَى ، فَتَهَيَّأَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ ، فَقَالَ : عَلَى رِسْلِكُمْ ، إنَّ اللَّهَ لَمْ يَكْتُبْهَا عَلَيْنَا ، إلَّا أَنْ نَشَاءَ .
وَذَلِكَ بِحَضْرَةِ الصَّحَابَةِ أَجْمَعِينَ مِنْ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ ، فَلَمْ يُنْكِرْ ذَلِكَ عَلَيْهِ أَحَدٌ ، فَثَبَتَ الْإِجْمَاعُ بِهِ فِي ذَلِكَ ؛ وَلِهَذَا حَمَلْنَا جَمِيعَ قَوْلِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَفِعْلِهِ عَلَى النَّدْبِ وَالتَّرْغِيبِ .
وَقَوْلُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أُمِرَ ابْنُ آدَمَ بِالسُّجُودِ ، فَسَجَدَ فَلَهُ الْجَنَّةُ } .
إخْبَارٌ عَنْ السُّجُودِ الْوَاجِبِ ؛ وَمُوَاظَبَةُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَدُلُّ عَلَى الِاسْتِحْبَابِ .
وَقَدْ اسْتَوْعَبْنَا الْقَوْلَ فِيهَا فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : لَا بُدَّ فِيهَا مِنْ الطَّهَارَةِ ؛ لِأَنَّهَا صَلَاةٌ ، فَوَجَبَتْ فِيهَا الطَّهَارَةُ ، كَسُجُودِ الصَّلَاةِ .
وَكَذَلِكَ التَّكْبِيرُ مِثْلُهُ ؛ فَقَدْ رُوِيَ فِي الْأَثَرِ عَنْ ابْنِ عُمَرَ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ إذَا سَجَدَ كَبَّرَ ، وَكَذَلِكَ إذَا رَفَعَ كَبَّرَ } وَاخْتَلَفَ عُلَمَاؤُنَا هَلْ فِيهَا تَحْلِيلٌ بِالسَّلَامِ أَمْ لَا ؟ وَالصَّحِيحُ أَنَّ فِيهَا تَحْلِيلًا بِالسَّلَامِ ] لِأَنَّهُ عِبَادَةٌ لَهَا تَكْبِيرٌ ، فَكَانَ فِيهَا سَلَامٌ ، كَصَلَاةِ

الْجِنَازَةِ ، بَلْ أَوْلَى ؛ لِأَنَّ هَذَا فِعْلٌ وَصَلَاةُ الْجِنَازَةِ قَوْلٌ الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : اخْتَلَفَ قَوْلُ مَالِكٍ فِي صَلَاتِهَا فِي الْأَوْقَاتِ الْمَنْهِيِّ عَنْهَا ؛ فَإِحْدَى الرِّوَايَتَيْنِ أَنَّهَا تُصَلَّى فِيهَا ؛ وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ .
الثَّانِيَةُ : لَا تُصَلَّى ؛ وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ .
مُتَعَلَّقُ الْقَوْلِ الْأَوَّلِ عُمُومُ الْأَمْرِ بِالسُّجُودِ ، وَمُتَعَلَّقُ الْقَوْلِ الثَّانِي عُمُومُ النَّهْيِ عَنْ الصَّلَوَاتِ .
وَالْقَوْلُ الثَّانِي أَقْوَى ؛ لِأَنَّ الْأَمْرَ بِالسُّجُودِ عَامٌّ فِي الْأَوْقَاتِ ، وَالنَّهْيَ خَاصٌّ فِي الْأَوْقَاتِ ، وَالْخَاصُّ يَقْضِي عَلَى الْعَامِّ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ مَالِكٍ فِي الْمُدَوَّنَةِ أَنَّهُ يُصَلِّيهَا مَا لَمْ تَصْفَرَّ الشَّمْسُ ؛ وَهَذَا لَا وَجْهَ لَهُ عِنْدِي ، وَاَللَّهُ أَعْلَمُ .

الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : سَجْدَةُ الْحَجِّ الثَّانِيَةُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْهُ وَغَيْرُهُمَا : هِيَ عَزِيمَةٌ .
وَقَالَ فِي الْمُدَوَّنَةِ وَغَيْرِهَا : إنَّهَا لَيْسَتْ سُجُودَ عَزِيمَةٍ ؛ لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ رُكُوعِ الصَّلَاةِ وَسُجُودِهَا ؛ وَدَلِيلُنَا أَنَّ عُمَرَ سَجَدَ فِيهَا وَهُوَ يَفْهَمُ الْأَمْرَ أَقْعَدَ ، وَبَيْنَ قَوْمٍ كَانُوا أَفْهَمَ وَأَسَدَّ ؛ فَبِهِمْ فَاقْتَدِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : قَالَ الشَّافِعِيُّ : يُسْجَدُ فِي النَّمْلِ عِنْدَ قَوْلِهِ : { وَمَا يُعْلِنُونَ } عِنْدَ تَمَامِ الْآيَةِ الَّتِي فِيهَا الْأَمْرُ .
وَقَالَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ : يُسْجَدُ عِنْدَ قَوْلِهِ : { الْعَلِيمُ } .
الَّذِي فِيهِ تَمَامُ الْكَلَامِ ، وَهُوَ أَقْوَى .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : سَجْدَةُ " ص " : عِنْدَ الشَّافِعِيِّ سَجْدَةُ شُكْرٍ ، وَلَيْسَتْ بِعَزِيمَةٍ .
وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد وَالتِّرْمِذِيُّ وَخَرَّجَهُ الْبُخَارِيُّ عَنْ { ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : سَجْدَةُ ص لَيْسَتْ مِنْ عَزَائِمِ السُّجُودِ ، وَقَدْ رَأَيْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَهَا .
} وَقَالَ مَالِكٌ : هَذَا قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وَهِيَ عَزِيمَةٌ ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ اللَّهُ لَهُ : { أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمْ اقْتَدِهْ } ، وَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ : ص ، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ نَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدَ النَّاسُ مَعَهُ ، فَلَمَّا كَانَ يَوْمٌ آخَرُ قَرَأَهَا ، فَلَمَّا بَلَغَ السَّجْدَةَ تَشَزَّنَ النَّاسُ لِلسُّجُودِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّمَا هِيَ تَوْبَةُ نَبِيٍّ وَلَكِنِّي رَأَيْتُكُمْ تَشَزَّنْتُمْ لِلسُّجُودِ وَنَزَلَ فَسَجَدَ وَسَجَدُوا } الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : السُّجُودُ فِيهَا عِنْدَ تَمَامِ قَوْلِهِ : { وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ } لِأَنَّهُ تَمَامُ الْكَلَامِ ، وَمَوْضِعُ الْخُضُوعِ وَالْإِنَابَةِ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ عِنْدَ قَوْلِهِ : { وَحُسْنَ مَآبٍ } لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ التَّوْبَةِ وَحُسْنِ الْمَآبَةِ .
وَالْأَوَّلُ أَصْوَبُ ؛ رَجَاءَ الِاهْتِدَاءِ فِي الِاقْتِدَاءِ وَالْمَغْفِرَةِ عِنْدَ الِامْتِثَالِ ، كَمَا غُفِرَ لِمَنْ سَبَقَ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ .

الْمَسْأَلَةُ الْحَادِيَةَ عَشْرَةَ : السُّجُودُ فِي فُصِّلَتْ : عِنْدَ قَوْلِهِ : { إنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعْبُدُونَ } لِأَنَّهُ انْتِهَاءُ الْأَمْرِ .
وَعِنْدَ الشَّافِعِيِّ : { وَهُمْ لَا يَسْأَمُونَ } لِأَنَّهُ خَبَرٌ عَنْ امْتِثَالِ مَنْ أُمِرَ عِنْدَ ذِكْرِ مَنْ اسْتَكْبَرَ ، فَيَكُونُ هَذَا مِنْهُمْ .
وَالْأَوَّلُ الْأَوْلَى ؛ لِأَنَّهُ يَمْتَثِلُ الْأَمْرَ وَيَخْرُجُ عَمَّنْ اسْتَكْبَرَ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةَ عَشْرَةَ : أَمَّا سَجْدَةُ " النَّجْمِ " : فَقَدْ رَوَى التِّرْمِذِيُّ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ { قَرَأَ وَالنَّجْمِ فَلَمْ يَسْجُدْ فِيهَا } .
وَالصَّحِيحُ مَا رَوَى الْعُلَمَاءُ الْأَئِمَّةُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَرَأَ وَالنَّجْمِ ، فَسَجَدَ فِيهَا وَسَجَدَ مَنْ كَانَ مَعَهُ ، فَأَخَذَ رَجُلٌ مِنْ الْقَوْمِ كَفًّا مِنْ حَصًى أَوْ تُرَابٍ ، فَرَفَعَهُ إلَى وَجْهِهِ ، وَقَالَ : يَكْفِينِي هَذَا .
وَقَالَ عَبْدُ اللَّهِ : فَلَقَدْ رَأَيْته بَعْدُ قُتِلَ كَافِرًا } .
وَرَوَى ابْنُ عَبَّاسٍ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ بِالنَّجْمِ وَسَجَدَ مَعَهُ الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ ، وَالْجِنُّ وَالْإِنْسُ } ، فَكَيْفَ يَتَأَخَّرُ أَحَدٌ عَنْهَا .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةَ عَشْرَةَ : رَوَى الْأَئِمَّةُ عَنْ { أَبِي هُرَيْرَةَ أَنَّهُ قَرَأَ لَهُمْ : { إذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ } فَسَجَدَ فِيهَا ، فَلَمَّا انْصَرَفَ أَخْبَرَهُمْ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَجَدَ فِيهَا وَفِي : { اقْرَأْ بِاسْمِ رَبِّك } } .
فَإِنْ قِيلَ : فَقَدْ رَوَى أَبُو دَاوُد { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمْ يَسْجُدْ فِي شَيْءٍ مِنْ الْمُفَصَّلِ مُنْذُ تَحَوَّلَ إلَى الْمَدِينَةِ } .
قُلْنَا : هَذَا خَبَرٌ لَمْ يَصِحَّ إسْنَادُهُ ، وَلَوْ صَحَّ فَلَيْسَ فِيهِ أَنَّهُ قَرَأَهُ وَلَمْ يَسْجُدْ فِيهِ ، فَلَعَلَّهُ لَمْ يَقْرَأْ بِهِ فِي صَلَاةِ جَمَاعَةٍ .
الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةَ عَشْرَةَ : فِي الصَّحِيحِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ { أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ يَقْرَأُ يَوْمَ الْجُمُعَةِ فِي صَلَاةِ الْفَجْرِ : { الم تَنْزِيلُ } السَّجْدَةَ ، وَهَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنْ الدَّهْرِ } .

سُورَةُ الْأَنْفَالِ فِيهَا خَمْسٌ وَعِشْرُونَ آيَةً .
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْآيَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ } .
فِيهَا عَشْرُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي سَبَبِ نُزُولِهَا : رُوِيَ أَنَّ سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ قَالَ : نَزَلَتْ فِي ثَلَاثُ آيَاتٍ : النَّفَلُ ، وَبِرُّ الْوَالِدَيْنِ ، وَالثُّلُثُ .
وَرَوَى مُصْعَبُ بْنُ سَعْدٍ عَنْ أَبِيهِ قَالَ : { إذَا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ جِئْت بِسَيْفٍ ؛ فَقُلْت : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّ اللَّهَ قَدْ شَفَى صَدْرِي مِنْ الْمُشْرِكِينَ ، أَوْ نَحْوَ هَذَا ، هَبْ لِي هَذَا السَّيْفَ .
فَقَالَ : هَذَا لَيْسَ لَك وَلَا لِي فَقُلْت : عَسَى أَنْ يُعْطَى هَذَا مَنْ لَا يُبْلِي بَلَائِي ، فَجَاءَنِي الرَّسُولُ فَقَالَ : إنَّك سَأَلْتنِي وَلَيْسَ لِي ، وَلَقَدْ صَارَ لِي وَهُوَ لَك } فَنَزَلَتْ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ } قَالَ التِّرْمِذِيُّ : هُوَ صَحِيحٌ .
وَرَوَى سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ أَنَّ { سَعْدَ بْنَ أَبِي وَقَّاصٍ وَرَجُلًا مِنْ الْأَنْصَارِ خَرَجَا يَتَنَفَّلَانِ نَفْلًا ، فَوَجَدَا سَيْفًا مُلْقًى يُقَالُ كَانَ لِأَبِي سَعِيدِ بْنِ الْعَاصِ ، فَخَرَّا عَلَيْهِ جَمِيعًا ، فَقَالَ سَعْدٌ : هُوَ لِي .
وَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : هُوَ لِي ، فَتَنَازَعَا فِي ذَلِكَ ، فَقَالَ الْأَنْصَارِيُّ : يَكُونُ بَيْنِي وَبَيْنَك ، رَأَيْنَاهُ جَمِيعًا وَخَرَرْنَا عَلَيْهِ جَمِيعًا .
فَقَالَ : لَا أُسَلِّمُهُ إلَيْك حَتَّى نَأْتِيَ رَسُولَ اللَّهِ ، فَلَمَّا عَرَضَا عَلَيْهِ الْقِصَّةَ قَالَ : لَيْسَ لَك يَا سَعْدُ وَلَا لِلْأَنْصَارِيِّ ، وَلَكِنَّهُ لِي ، فَنَزَلَتْ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ } فَاتَّقِ اللَّهَ يَا سَعْدُ وَالْأَنْصَارِيُّ ، وَأَصْلِحَا ذَاتَ بَيْنِكُمَا ، وَأَطِيعَا اللَّهَ وَرَسُولَهُ } .
يَقُولُ أَسْلَمَ السَّيْفَ إلَيْهِ ، ثُمَّ نُسِخَتْ بِقَوْلِهِ : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ } .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : النَّفَلُ فِي اللُّغَةِ هُوَ الزِّيَادَةُ ، وَمِنْهَا نَفْلُ الصَّلَاةِ ، وَهُوَ الزِّيَادَةُ عَلَى فَرْضِهَا ، وَوَلَدُ الْوَلَدِ نَافِلَةٌ ؛ لِأَنَّهُ زِيَادَةٌ عَلَى الْوَلَدِ ، وَالْغَنِيمَةُ نَافِلَةٌ ؛ لِأَنَّهَا زِيَادَةٌ فِيمَا أُحِلَّ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ مِمَّا كَانَ مُحَرَّمًا عَلَى غَيْرِهَا ، ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : { أُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ } .
وَرَوَى أَبُو هُرَيْرَةَ [ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ] قَالَ : { فُضِّلْت عَلَى الْأَنْبِيَاءِ بِسِتٍّ : أُعْطِيت جَوَامِعَ الْكَلِمِ ، وَنُصِرْت بِالرُّعْبِ ، وَأُحِلَّتْ لِي الْغَنَائِمُ ، وَجُعِلَتْ لِي الْأَرْضُ مَسْجِدًا وَطَهُورًا ، وَأُرْسِلْت إلَى الْخَلْقِ كَافَّةً ، وَخُتِمَ بِي النَّبِيُّونَ } .
وَرَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { غَزَا نَبِيٌّ مِنْ الْأَنْبِيَاءِ ، فَقَالَ لِقَوْمِهِ : لَا يَتْبَعْنِي رَجُلٌ مَلَكَ بُضْعَ امْرَأَةٍ وَهُوَ يُرِيدُ أَنْ يَبْنِيَ بِهَا وَلَمَّا يَبْنِ بِهَا ، وَلَا أَحَدٌ بَنَى بُيُوتًا وَلَمْ يَرْفَعْ سُقُوفَهَا ، وَلَا أَحَدٌ اشْتَرَى غَنَمًا أَوْ خَلِفَاتٍ وَهُوَ يَنْتَظِرُ وِلَادَهَا ، فَغَزَا فَدَنَا مِنْ الْقَرْيَةِ أَوْ قَرِيبًا مِنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ لِلشَّمْسِ : إنَّك مَأْمُورَةٌ وَأَنَا مَأْمُورٌ ، اللَّهُمَّ احْبِسْهَا عَلَيْنَا ، فَحُبِسَتْ حَتَّى فَتَحَ اللَّهُ بِجَمْعِ الْغَنَائِمِ ، فَجَاءَتْ النَّارُ لِتَأْكُلَهَا ، فَلَمْ تَطْعَمْهَا .
فَقَالَ : إنْ فِيكُمْ غُلُولًا قَبَلِيًّا فَلْيُبَايِعْنِي مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلٍ بِيَدِهِ ، فَقَالَ : فِيكُمْ الْغُلُولُ فَلْتُبَايِعْنِي قَبِيلَتُك ، فَلَزِقَتْ يَدُ رَجُلَيْنِ أَوْ ثَلَاثَةٍ بِيَدِهِ ، فَقَالَ : فِيكُمْ الْغُلُولُ ، فَجَاءُوا بِرَأْسٍ مِثْلِ رَأْسِ بَقَرَةٍ مِنْ الذَّهَبِ ، فَوَضَعُوهَا فَجَاءَتْ النَّارُ فَأَكَلَتْهَا ، ثُمَّ أَحَلَّ اللَّهُ لَنَا الْغَنَائِمَ ، وَرَأَى ضَعْفَنَا وَعَجْزَنَا فَأَحَلَّهَا لَنَا }

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ : كَانَتْ بَدْرٌ فِي سَبْعَ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ شَهْرِ رَمَضَانَ .
وَرَوَى ابْنُ وَهْبٍ أَنَّهَا كَانَتْ بَعْدَ عَامٍ وَنِصْفٍ مِنْ الْهِجْرَةِ ، وَذَلِكَ بَعْدَ تَحْوِيلِ الْقِبْلَةِ بِشَهْرَيْنِ .
وَقَدْ سُئِلَ مَالِكٌ فِي رِوَايَةِ ابْنِ وَهْبٍ عَنْ عِدَّةِ الْمُسْلِمِينَ يَوْمَ بَدْرٍ ؛ فَقَالَ : كَانُوا ثَلَاثَمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ عَلَى عِدَّةِ أَصْحَابِ طَالُوتَ .
وَرَوَى أَيْضًا ابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : { سَأَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ عِدَّةِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ بَدْرٍ : كَمْ يَطْعَمُونَ كُلَّ يَوْمٍ ؟ فَقِيلَ لَهُ : يَوْمًا عَشْرًا وَيَوْمًا تِسْعَ جَزَائِرَ .
فَقَالَ : الْقَوْمُ مَا بَيْنَ الْأَلْفِ إلَى التِّسْعِمِائَةِ } وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ قَالَ : { لَمَّا كَانَ يَوْمُ بَدْرٍ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَشِيرُوا عَلَيَّ .
فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَتَكَلَّمَ ، ثُمَّ قَعَدَ .
ثُمَّ قَالَ : أَشِيرُوا عَلَيَّ فَقَامَ عُمَرُ فَتَكَلَّمَ ، ثُمَّ قَعَدَ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : أَشِيرُوا عَلَيَّ فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ فَقَالَ : كَأَنَّك إيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللَّهِ ، لَا نَقُولُ لَك كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ لِمُوسَى : اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّك فَقَاتِلَا إنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّك فَقَاتِلَا إنَّا مَعَكُمْ مُتَّبِعُونَ .
لَوْ أَتَيْت الْيَمَنَ لَسَلَلْنَا سُيُوفَنَا وَاتَّبَعْنَاك .
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خُذُوا مَصَافَّكُمْ } .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا رَحِمَهُمُ اللَّهُ ، هَاهُنَا ثَلَاثَةُ أَسْمَاءٍ : الْأَنْفَالُ ، الْغَنَائِمُ ، الْفَيْءُ .
فَالنَّفَلُ : الزِّيَادَةُ كَمَا بَيَّنَّا ، وَتَدْخُلُ فِيهِ الْغَنِيمَةُ فَإِنَّهَا زِيَادَةُ الْحَلَالِ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ .
وَالْغَنِيمَةُ : مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ بِقِتَالٍ .
وَالْفَيْءُ : مَا أُخِذَ بِغَيْرِ قِتَالٍ ؛ لِأَنَّهُ رَجَعَ إلَى مَوْضِعِهِ الَّذِي يَسْتَحِقُّهُ

، وَهُوَ انْتِفَاعُ الْمُؤْمِنِ بِهِ .

الْمَسْأَلَةُ السَّادِسَةُ : فِي مَحَلِّ الْأَنْفَالِ : اخْتَلَفَ النَّاسُ فِيهَا عَلَى ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : مَحَلُّهَا الْخُمُسُ .
الثَّانِي : مَحَلُّهَا مَا عَادَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ أَوْ أُخِذَ بِغَيْرِ حَرْبٍ .
الثَّالِثُ : رَأْسُ الْغَنِيمَةِ حَسْبَمَا يَرَاهُ الْإِمَامُ .
قَالَ الْقَاسِمُ بْنُ مُحَمَّدٍ : قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : كَانَ ابْنُ عُمَرَ إذَا سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ قَالَ : لَا آمُرُك وَلَا أَنْهَاك .
فَكَانَ ابْنُ عَبَّاسٍ يَقُولُ : وَاَللَّهِ مَا بَعَثَ اللَّهُ مُحَمَّدًا إلَّا مُحَلِّلًا وَمُحَرِّمًا .
قَالَ الْقَاسِمُ : فَسُلِّطَ عَلَى ابْنِ عَبَّاسٍ رَجُلٌ فَسَأَلَهُ عَنْ النَّفَلِ ؛ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : الْفَرَسُ مِنْ النَّفَلِ ، وَالسِّلَاحُ مِنْ النَّفَلِ .
وَأَعَادَ عَلَيْهِ الرَّجُلُ ، فَقَالَ لَهُ مِثْلَ ذَلِكَ حَتَّى أَغْضَبَهُ .
فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : أَتَدْرُونَ مَا مِثْلُ هَذَا ؟ مِثْلُ صَنِيعِ الَّذِي ضَرَبَهُ عُمَرُ بِالدِّرَّةِ حَتَّى سَالَتْ الدِّمَاءُ عَلَى عَقِبَيْهِ أَوْ عَلَى رِجْلَيْهِ ، س فَقَالَ الرَّجُلُ : أَمَّا أَنْتَ فَقَدْ انْتَقَمَ اللَّهُ مِنْك لِابْنِ عُمَرَ .
وَقَالَ السُّدِّيُّ وَعَطَاءٌ : هِيَ مَا شَذَّ مِنْ الْمُشْرِكِينَ .
وَعَنْ مُجَاهِدٍ : { سُئِلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْخُمُسِ بَعْدَ الْأَرْبَعَةِ الْأَخْمَاسِ ؛ فَقَالَ الْمُهَاجِرُونَ : لِمَنْ يُدْفَعُ هَذَا الْخُمُسُ ؟ لَمْ يَخْرُجْ مِنَّا .
فَنَزَلَتْ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ } وَالصَّحِيحُ أَنَّهُ مِنْ الْخُمُسِ ، } كَمَا رُوِيَ فِي صَحِيحِ مُسْلِمٍ أَنَّ الْإِمَامَ يُعْطِي مِنْهُ مَا شَاءَ مِنْ سَلَبٍ أَوْ غَيْرِهِ ؛ خِلَافًا لِلشَّافِعِيِّ ، وَمَنْ قَالَ بِقَوْلِهِ مِنْ فُقَهَاءِ الْأَمْصَارِ .
فَأَمَّا هَذَا السُّؤَالُ هَاهُنَا فَإِنَّمَا هُوَ عَنْ أَصْلِ الْغَنِيمَةِ الَّتِي نَفْلٌ عَلَى مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَنَا مِنْ الْحَلَالِ عَلَى الْأُمَمِ .
الْمَعْنَى : يَسْأَلُك أَصْحَابُك يَا مُحَمَّدٌ عَنْ هَذِهِ الْغَنِيمَةِ الَّتِي نَفَّلْتُكهَا .
قُلْ لَهُمْ : هِيَ لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ ، فَاتَّقُوا اللَّهَ وَلَا تَخْتَلِفُوا ، وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ ، لِئَلَّا يُرْفَعَ تَحْلِيلُهَا عَنْكُمْ

بِاخْتِلَافِكُمْ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ { ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يَوْمَ بَدْرٍ : مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ كَذَا وَكَذَا .
فَتَسَارَعَ إلَى ذَلِكَ الشُّبَّانُ ، وَثَبَتَ الشُّيُوخُ تَحْتَ الرَّايَاتِ ، فَلَمَّا فُتِحَ عَلَيْهِمْ جَاءُوا يَطْلُبُونَ شَرْطَهُمْ ، فَقَالَ الشُّيُوخُ : لَا تَسْتَأْثِرُوا بِهِ عَلَيْنَا ، كُنَّا رِدْءًا لَكُمْ ، لَوْ انْهَزَمْتُمْ لَانْحَزْتُمْ إلَيْنَا ، فَأَبَى الشُّبَّانُ وَقَالُوا : جَعَلَهُ رَسُولُ اللَّهِ لَنَا ، فَتَنَازَعُوا فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بَيْنِكُمْ } } .
وَرُوِيَ { أَنَّهُمْ اخْتَلَفُوا فِيهَا عَلَى ثَلَاثِ فِرَقٍ ؛ فَقَالَ قَوْمٌ : هُوَ لَنَا ، حَرَسْنَا رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
وَقَالَ آخَرُونَ : هُوَ لَنَا ، اتَّبَعْنَا أَعْدَاءَ رَسُولِ اللَّهِ .
وَقَالَتْ أُخْرَى : نَحْنُ أَوْلَى بِهَا ، أَخَذْنَاهَا ، فَنَزَلَتْ : { يَسْأَلُونَك عَنْ الْأَنْفَالِ } } وَرَوَى { أَبُو أُمَامَةَ الْبَاهِلِيُّ قَالَ : سَأَلْت عُبَادَةَ بْنَ الصَّامِتِ عَنْ الْأَنْفَالِ ، فَقَالَ : فِينَا أَصْحَابَ بَدْرٍ نَزَلَتْ ، حِينَ اخْتَلَفْنَا فِي النَّفَلِ ، وَسَاءَتْ فِيهِ أَخْلَاقُنَا ، فَنَزَعَهُ اللَّهُ مِنْ أَيْدِينَا ، فَجَعَلَهُ إلَى رَسُولِهِ ، فَقَسَمَهَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ عَلَى بَوَاءٍ ؛ أَيْ عَلَى السَّوَاءِ .
} الْمَسْأَلَةُ السَّابِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : { فَسَلَّمُوا لِرَسُولِ اللَّهِ الْأَمْرَ فِيهَا ؛ فَأَنْزَلَ اللَّهُ : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ } .
ثُمَّ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ } .
فَلَمْ يُمْكِنْ بَعْدَ هَذَا أَنْ يَكُونَ النَّفَلُ مِنْ حَقِّ أَحَدٍ ؛ وَإِنَّمَا يَكُونُ مِنْ حَقِّ رَسُولِ اللَّهِ .
وَهُوَ الْخُمُسُ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ الْحَدِيثُ الصَّحِيحُ عَنْ ابْنِ عُمَرَ : خَرَجْنَا فِي سَرِيَّةٍ قِبَلَ نَجْدٍ ، فَأَصَبْنَا إبِلًا ، فَقَسَّمْنَاهَا ،

فَبَلَغَتْ سُهْمَانُنَا أَحَدَ عَشَرَ بَعِيرًا ، وَنُفِّلْنَا بَعِيرًا بَعِيرًا .

فَأَمَّا : الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ : وَهِيَ سَلَبُ الْقَتِيلِ : فَإِنَّهُ مِنْ الْخُمُسِ عِنْدَنَا ، وَبِهِ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ إذَا رَأَى ذَلِكَ الْإِمَامُ لِغَنَاءٍ فِي الْمُعْطَى : أَوْ مَنْفَعَةٍ تُجْلَبُ ، أَوْ ائْتِلَافٍ يُرْغَبُ .
وَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هُوَ مِنْ رَأْسِ الْمَالِ ؛ وَظَاهِرُ الْقُرْآنِ يَمْنَعُ مِنْ ذَلِكَ ؛ لِأَنَّهُ حَقُّ الْمَالِكِينَ .
فَأَمَّا الْأَخْبَارُ فِي ذَلِكَ فَمُتَعَارِضَةٌ ، رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَضَى بِسَلَبِ أَبِي جَهْلٍ لِمُعَاذِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْجَمُوحِ } .
وَقَالَ يَوْمَ حُنَيْنٍ : { مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ ، فَأَعْطَى السَّلَبَ لِأَبِي قَتَادَةَ بِمَا أَقَامَ مِنْ الشَّهَادَةِ ، وَقَضَى بِالسَّلَبِ أَجْمَعَ لِسَلَمَةَ بْنِ الْأَكْوَعِ يَوْمَ ذِي قَرَدٍ } .
قُلْنَا : هَذِهِ الْأَخْبَارُ لَيْسَ فِيهَا أَكْثَرُ مِنْ إعْطَاءِ السَّلَبِ لِلْقَاتِلِ .
وَهَلْ إعْطَاءُ ذَلِكَ لَهُ مِنْ رَأْسِ مَالِ الْغَنِيمَةِ أَوْ مِنْ حَقِّ النَّبِيِّ وَهُوَ الْخُمُسُ ؟ ذَلِكَ إنَّمَا يُؤْخَذُ مِنْ دَلِيلٍ آخَرَ .
وَقَدْ قَسَّمَ اللَّهُ الْغَنِيمَةَ قِسْمَةَ حَقٍّ عَلَى الْأَخْمَاسِ ، فَجَعَلَ خُمُسَهَا لِرَسُولِهِ ، وَأَرْبَعَةَ أَخْمَاسِهَا لِسَائِرِ الْمُسْلِمِينَ ، وَهُمْ الَّذِينَ قَاتَلُوا وَقُتِلُوا ، فَهُمْ فِيهَا شَرْعٌ سَوَاءٌ ، لِاشْتِرَاكِهِمْ فِي السَّبَبِ الَّذِي اسْتَحَقُّوهَا بِهِ ؛ وَالِاشْتِرَاكُ فِي السَّبَبِ يُوجِبُ الِاشْتِرَاكَ فِي الْمُسَبَّبِ ، وَيَمْنَعُ مِنْ التَّفَاضُلِ فِي الْمُسَبِّبِ مَعَ الِاسْتِوَاءِ فِي السَّبَبِ ؛ هَذِهِ حِكْمَةُ الشَّرْعِ وَحُكْمُهُ ، وَقَضَاءُ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ ، وَعِلْمُهُ الَّذِي أَنْزَلَهُ عَلَيْهِمْ .
وَاَلَّذِي يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ مَا ذَهَبْنَا إلَيْهِ مَا رَوَى مُسْلِمٌ { أَنَّ عَوْفَ بْنَ مَالِكٍ قَالَ : قَتَلَ رَجُلٌ مِنْ حِمْيَرَ رَجُلًا مِنْ الْعَدُوِّ ، فَأَرَادَ سَلَبَهُ ، فَمَنَعَهُ خَالِدٌ ، وَكَانَ وَالِيًا عَلَيْهِمْ ؛ فَأَخْبَرَ عَوْفٌ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لِخَالِدٍ : مَا مَنَعَك أَنْ تُعْطِيَهُ سَلَبَهُ ؟ قَالَ : اسْتَكْثَرْته يَا

رَسُولَ اللَّهِ .
قَالَ : ادْفَعْهُ إلَيْهِ .
فَلَقِيَ عَوْفٌ خَالِدًا فَجَرَّهُ بِرِدَائِهِ ، وَقَالَ : هَلْ أَنْجَزْت مَا ذَكَرْت لَك عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ فَسَمِعَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَاسْتُغْضِبَ ، فَقَالَ : لَا تُعْطِهِ يَا خَالِدٌ .
هَلْ أَنْتُمْ تَارِكُو لِي إمْرَتِي } .
وَلَوْ كَانَ السَّلَبُ حَقًّا لَهُ مِنْ رَأْسِ الْغَنِيمَةِ لَمَا رَدَّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؛ لِأَنَّهَا عُقُوبَةٌ فِي الْأَمْوَالِ ، وَذَلِكَ أَمْرٌ لَا يَجُوزُ بِحَالٍ .
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ ابْنَ الْمُسَيِّبِ قَالَ : مَا كَانَ النَّاسُ يُنَفِّلُونِ إلَّا مِنْ الْخُمُسِ .
وَرُوِيَ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : لَا نَفَلَ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ .
وَلَمْ يَصِحَّ .

الْمَسْأَلَةُ التَّاسِعَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : النَّفَلُ عَلَى قِسْمَيْنِ : جَائِزٌ وَمَكْرُوهٌ ، فَالْجَائِزُ بَعْدَ الْقِتَالِ ، كَمَا قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ : { مَنْ قَتَلَ قَتِيلًا لَهُ عَلَيْهِ بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُهُ } .
وَالْمَكْرُوهُ أَنْ يُقَالَ قَبْلَ الْقَتْلِ : " مَنْ فَعَلَ كَذَا وَكَذَا فَلَهُ كَذَا " .
وَإِنَّمَا كُرِهَ هَذَا ؛ لِأَنَّهُ يَكُونُ الْقِتَالُ فِيهِ لِلْغَنِيمَةِ .
{ وَقَالَ رَجُلٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرَّجُلُ يُقَاتِلُ لِلْمَغْنَمِ ، وَيُقَاتِلُ لِيُرَى مَكَانُهُ ، مَنْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ؟ قَالَ : مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ } ، وَيَحِقُّ لِلرَّجُلِ أَنْ يُقَاتِلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَإِنْ نَوَى فِي ذَلِكَ الْغَنِيمَةَ ؛ وَإِنَّمَا الْمَكْرُوهُ فِي الْحَدِيثِ أَنْ يَكُونَ مَقْصِدُهُ الْمَغْنَمَ خَاصَّةً .
الْمَسْأَلَةُ الْعَاشِرَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : قَوْله تَعَالَى : { قُلْ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ } قَوْلُهُ : { لِلَّهِ } اسْتِفْتَاحُ كَلَامٍ ، وَابْتِدَاءٌ بِالْحَقِّ الَّذِي لَيْسَ وَرَاءَهُ مَرْمَى ، الْكُلُّ لِلَّهِ ، وَقَوْلُهُ بَعْدَ ذَلِكَ : ( وَالرَّسُولِ ) قِيلَ : أَرَادَ بِهِ مِلْكًا .
وَقِيلَ : أَرَادَ بِهِ وِلَايَةَ قَسَمٍ وَبَيَانَ حُكْمٍ .
وَالْأَوَّلُ أَصَحُّ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ } وَلَيْسَ يَسْتَحِيلُ أَنْ يُمَلِّكَهُ اللَّهُ لِنَبِيِّهِ تَشْرِيفًا وَتَقْدِيمًا بِالْحَقِيقَةِ ، وَيَرُدُّهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَفَضُّلًا عَلَى الْخَلِيقَةِ .

الْآيَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ وَيُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ } .
فِيهَا خَمْسُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : رَوَى { ابْنُ عَبَّاسٍ : لَمَّا أُخْبِرَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِأَبِي سُفْيَانَ أَنَّهُ مُقْبِلٌ مِنْ الشَّامِ نَدَبَ الْمُسْلِمِينَ إلَيْهِمْ ، وَقَالَ : هَذِهِ عِيرُ قُرَيْشٍ فِيهَا الْأَمْوَالُ ، فَاخْرُجُوا إلَيْهَا لَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُنَفِّلَكُمُوهَا فَانْتُدِبَ النَّاسُ ، فَخَفَّ بَعْضُهُمْ ، وَثَقُلَ بَعْضُهُمْ ؛ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَظُنُّوا أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ يَلْقَى حَرْبًا ، وَكَانَ أَبُو سُفْيَانَ حِينَ دَنَا مِنْ الْحِجَازِ يَتَجَسَّسُ الْأَخْبَارَ ، وَيَسْأَلُ مَنْ لَقِيَ مِنْ الرُّكْبَانِ ؛ تَخَوُّفًا عَلَى أَمْوَالِ النَّاسِ حَتَّى أَصَابَ خَبَرًا مِنْ بَعْضِ الرُّكْبَانِ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ اسْتَنْفَرَ لَك ، فَحَذِرَ عِنْدَ ذَلِكَ وَاسْتَأْجَرَ ضَمْضَمَ بْنَ عَمْرٍو الْغِفَارِيَّ ، وَبَعَثَهُ إلَى مَكَّةَ ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَأْتِيَ قُرَيْشًا يَسْتَنْفِرُهُمْ إلَى أَمْوَالِهِمْ ، وَيُخْبِرُهُمْ أَنَّ مُحَمَّدًا قَدْ عَرَضَ لَهَا فِي أَصْحَابِهِ .
فَمَضَى ضَمْضَمٌ ، وَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي أَصْحَابِهِ وَأَتَاهُ الْخَبَرُ عَنْ قُرَيْشٍ بِخُرُوجِهِمْ لِيَمْنَعُوا عِيرَهُمْ ، فَاسْتَشَارَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ النَّاسَ ، وَأَخْبَرَهُمْ عَنْ قُرَيْشٍ ، فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ فَأَحْسَنَ ، وَقَامَ عُمَرُ فَقَالَ فَأَحْسَنَ ، ثُمَّ قَامَ الْمِقْدَادُ بْنُ عَمْرٍو فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ امْضِ لِمَا أَمَرَك اللَّهُ فَنَحْنُ مَعَك ، وَاَللَّهِ لَا نَقُولُ كَمَا قَالَتْ بَنُو إسْرَائِيلَ : اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّك فَقَاتِلَا إنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ ، وَلَكِنْ اذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّك فَقَاتِلَا إنَّا مَعَكُمْ مُقَاتِلُونَ ، وَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَوْ سِرْت إلَى بِرْكِ الْغِمَادِ يَعْنِي مَدِينَةَ الْحَبَشَةِ لَجَالَدْنَا مَعَك مِنْ دُونِهِ .

ثُمَّ قَالَ الْأَنْصَارُ بَعْدُ : أَنْ امْضِ يَا رَسُولَ اللَّهِ لِمَا أُمِرْت ، فَوَاَلَّذِي بَعَثَك بِالْحَقِّ لَوْ اسْتَعْرَضْت بِنَا هَذَا الْبَحْرَ فَخُضْته لَخُضْنَاهُ مَعَك .
فَمَضَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَتَّى الْتَقَى بِالْمُشْرِكِينَ بِبَدْرٍ ، فَمَنَعُوا الْمَاءَ ، وَالْتَقَوْا ، وَنَصَرَ اللَّهُ النَّبِيَّ وَأَصْحَابَهُ ، فَقَتَلَ مِنْ الْمُشْرِكِينَ سَبْعِينَ وَأَسَرَ مِنْهُمْ سَبْعِينَ ، وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ مَا كَانَ مَعَهُمْ .
} الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : رَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ : { قَالُوا لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حِينَ فَرَغَ مِنْ بَدْرٍ : عَلَيْك بِالْعِيرِ لَيْسَ دُونَهَا شَيْءٌ .
فَنَادَاهُ الْعَبَّاسُ وَهُوَ فِي الْأَسْرَى : لَا يَصْلُحُ هَذَا .
فَقَالَ لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لِمَ ؟ قَالَ : لِأَنَّ اللَّهَ وَعَدَك إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ ، وَقَدْ أَعْطَاك مَا وَعَدَك .
قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صَدَقْت .
وَعَلِمَ ذَلِكَ الْعَبَّاسُ مِنْ تَحَدُّثِ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمَا كَانَ مِنْ شَأْنِ بَدْرٍ ، فَسَمِعَ ذَلِكَ فِي أَثْنَاءِ الْحَدِيثِ .
}

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : خُرُوجُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَتَلَقَّى الْعِيرَ بِالْأَمْوَالِ دَلِيلٌ عَلَى جَوَازِ النَّفْرِ لِلْغَنِيمَةِ ؛ لِأَنَّهُ كَسْبٌ حَلَالٌ ، وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ : { إنَّ مَنْ قَاتَلَ لِتَكُونَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا فَهُوَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ دُونَ مَنْ يُقَاتِلُ لِلْغَنِيمَةِ } يُرَادُ بِهِ إذَا كَانَ ذَلِكَ قَصْدَهُ وَحْدَهُ ، لَيْسَ لِلدِّينِ فِيهِ حَظٌّ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي قَوْلِ اللَّهِ تَعَالَى : { وَإِذْ يَعِدُكُمْ اللَّهُ إحْدَى الطَّائِفَتَيْنِ أَنَّهَا لَكُمْ وَتَوَدُّونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ } ، فَقَالَ مَالِكٌ : { قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَهْلِ قَلِيبِ بَدْرٍ مِنْ الْمُشْرِكِينَ : قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا ، فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا ؟ قَالُوا : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ إنَّهُمْ أَمْوَاتٌ ، أَفَيَسْمَعُونَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : إنَّهُمْ لَيَسْمَعُونَ مَا أَقُولُ قَالَ قَتَادَةُ : أَحْيَاهُمْ اللَّهُ لَهُ } .
وَهَذِهِ مَسْأَلَةٌ بَدِيعَةٌ بَيَّنَّاهَا فِي كِتَابِ الْمُشْكِلَيْنِ ، وَحَقَّقْنَا أَنَّ الْمَوْتَ لَيْسَ بِعَدَمٍ مَحْضٍ ، وَلَا فَنَاءَ صِرْفٍ ، وَإِنَّمَا هُوَ تَبَدُّلُ حَالٍ ، وَانْتِقَالٌ مِنْ دَارٍ إلَى دَارٍ ، وَالرُّوحُ إنْ كَانَ جِسْمًا فَيَنْفَصِلُ بِذَاتِهِ عَنْ الْجَسَدِ ، وَإِنْ كَانَ عَرَضًا فَلَا بُدَّ مِنْ جُزْءٍ مِنْ الْجَسَدِ يَقُومُ بِهِ يُفَارِقُ الْجَسَدَ مَعَهُ ، وَلَعَلَّهُ عَجْبُ الذَّنَبِ الَّذِي وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ : { إنَّ كُلَّ ابْنِ آدَمَ تَأْكُلُهُ الْأَرْضُ إلَّا عَجْبَ الذَّنَبِ ، مِنْهُ خُلِقَ ، وَفِيهِ يُرَكَّبُ } .
وَالرُّوحُ هِيَ السَّامِعَةُ الْوَاعِيَةُ الْعَالِمَةُ الْقَابِلَةُ ، إلَّا أَنَّ الْبَارِيَ لَا يَخْلُقُ الْإِدْرَاكَ إلَّا كَمَا يَشَاءُ ، فَلَا يَخْلُقُ إدْرَاكَ الْآخِرَةِ لِأَهْلِ الدُّنْيَا ، وَلَا يَخْلُقُ إدْرَاكَ الدُّنْيَا لِأَهْلِ الْآخِرَةِ ، فَإِذَا أَرَادَ سُبْحَانَهُ أَسْمَعَ أَهْلَ الْآخِرَةِ حَالَ أَهْلِ الدُّنْيَا .
وَقَدْ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ : { أَنَّ الْمَيِّتَ إذَا انْصَرَفَ عَنْهُ أَهْلُهُ ، وَإِنَّهُ لَيَسْمَعُ خَفْقَ نِعَالِهِمْ ، إذْ أَتَاهُ مَلَكَانِ } الْحَدِيثَ .
وَقَدْ ثَبَتَ أَنَّ { النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قِيلَ لَهُ فِي أَهْلِ بَدْرٍ : أَتُكَلِّمُ قَوْمًا قَدْ جَيَّفُوا ؟ فَقَالَ : مَا أَنْتُمْ بِأَسْمَعَ لِمَا أَقُولُ مِنْهُمْ ، غَيْرَ أَنَّهُ لَمْ يُؤْذَنْ لَهُمْ فِي الْجَوَابِ }

الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : قَالَ مَالِكٌ : بَلَغَنِي { أَنَّ جِبْرِيلَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَالَ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : كَيْفَ أَهْلُ بَدْرٍ فِيكُمْ ؟ قَالَ : خِيَارُنَا .
فَقَالَ جِبْرِيلُ : إنَّهُمْ كَذَلِكَ فِينَا } .
وَفِي هَذَا مِنْ الْفِقْهِ أَنَّ شَرَفَ الْمَخْلُوقَاتِ لَيْسَ بِالذَّوَاتِ ، وَإِنَّمَا هُوَ بِالْأَفْعَالِ ؛ وَلِلْمَلَائِكَةِ أَفْعَالُهَا الشَّرِيفَةُ مِنْ الْمُوَاظَبَةِ عَلَى التَّسْبِيحِ الدَّائِمِ ، وَلَنَا نَحْنُ أَفْعَالُنَا بِلَا إخْلَاصٍ فِي الطَّاعَةِ .
وَتَتَفَاضَلُ الطَّاعَاتُ بِتَفْضِيلِ الشَّرْعِ لَهَا ، وَأَفْضَلُهَا الْجِهَادُ ، وَأَفْضَلُهَا الْجِهَادُ يَوْمَ بَدْرٍ ؛ فَأَنْجَزَ اللَّهُ لِرَسُولِ وَعْدَهُ ، وَأَعَزَّ جُنْدَهُ ، وَهَزَمَ الْأَحْزَابَ وَحْدَهُ ، وَصَرَعَ صَنَادِيدَ الْمُشْرِكِينَ ، وَانْتَقَمَ مِنْهُمْ لِلْمُؤْمِنِينَ ، وَشَفَى صَدْرَ رَسُولِهِ وَصُدُورَهُمْ مِنْ غَيْظِهِمْ ، وَفِي ذَلِكَ يَقُولُ حَسَّانُ : عَرَفْت دِيَارَ زَيْنَبَ بِالْكَثِيبِ كَخَطِّ الْوَحْيِ فِي الْوَرَقِ الْقَشِيبِ تَدَاوَلَهَا الرِّيَاحُ وَكُلُّ جَوْنٍ مِنْ الْوَسْمِيِّ مُنْهَمِرٍ سَكُوبِ فَأَمْسَى رَبْعُهَا خَلِقًا وَأَمْسَتْ يَبَابًا بَعْدَ سَاكِنِهَا الْحَبِيبِ فَدَعْ عَنْك التَّذَكُّرَ كُلَّ يَوْمٍ وَرَوِّ حَرَارَةَ الصَّدْرِ الْكَئِيبِ وَخَبِّرْ بِاَلَّذِي لَا عَيْبَ فِيهِ بِصِدْقٍ غَيْرَ أَخْبَارِ الْكَذُوبِ بِمَا صَنَعَ الْمَلِيكُ غَدَاةَ بَدْرٍ لَنَا فِي الْمُشْرِكِينَ مِنْ النَّصِيبِ غَدَاةَ كَأَنَّ جَمْعَهُمْ حِرَاءٌ بَدَتْ أَرْكَانُهُ جُنْحَ الْغُرُوبِ فَلَاقَيْنَاهُمْ مِنَّا بِجَمْعٍ كَأُسْدِ الْغَابِ مُرْدَانٍ وَشِيبِ أَمَامَ مُحَمَّدٍ قَدْ وَازَرُوهُ عَلَى الْأَعْدَاءِ فِي لَفْحِ الْحُرُوبِ بِأَيْدِيهِمْ صَوَارِمُ مُرْهَفَاتٌ وَكُلُّ مُجَرَّبٍ خَاظِي الْكُعُوبِ بَنُو الْأَوْسِ الْغَطَارِفُ وَازَرَتْهَا بَنُو النَّجَّارِ فِي الدِّينِ الصَّلِيبِ فَغَادَرْنَا أَبَا جَهْلٍ صَرِيعًا وَعُتْبَةَ قَدْ تَرَكْنَا بِالْجَبُوبِ وَشَيْبَةَ قَدْ تَرَكْنَا فِي رِجَالٍ ذَوِي حَسَبٍ إذَا نُسِبُوا حَسِيبِ يُنَادِيهِمْ رَسُولُ اللَّهِ لَمَّا قَذَفْنَاهُمْ كَبَاكِبَ فِي الْقَلِيبِ أَلَمْ تَجِدُوا كَلَامِي كَانَ حَقًّا

وَأَمْرُ اللَّهِ يَأْخُذُ بِالْقُلُوبِ فَمَا نَطَقُوا ، وَلَوْ نَطَقُوا لَقَالُوا صَدَقْت ، وَكُنْت ذَا رَأْيٍ مُصِيبِ

الْآيَةُ الثَّالِثَةُ : قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا لَقِيتُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلَا تُوَلُّوهُمْ الْأَدْبَارَ وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنْ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { زَحْفًا } : يَعْنِي مُتَدَانِينَ ، وَالتَّزَاحُفُ هُوَ التَّدَانِي وَالتَّقَارُبُ ، يَقُول : إذَا تَدَانَيْتُمْ وَتَعَايَنْتُمْ فَلَا تَفِرُّوا عَنْهُمْ ، وَلَا تُعْطُوهُمْ أَدْبَارَكُمْ ، حَرَّمَ اللَّهُ ذَلِكَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ حِينَ فَرَضَ عَلَيْهِمْ الْجِهَادَ ، وَقَتْلَ الْكُفَّارِ ؛ لِعِنَادِهِمْ لِدِينِ اللَّهِ ، وَإِبَايَتِهِمْ عَنْ قَوْلِ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ .
فَأَمَّا الْمِقْدَارُ الَّذِي يَكُونُ هَذَا مَعَهُ فَسَيَأْتِي بَيَانُهُ إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : اخْتَلَفَ النَّاسُ : هَلْ الْفِرَارُ يَوْمَ الزَّحْفِ مَخْصُوصٌ بِيَوْمِ بَدْرٍ أَمْ عَامٌّ فِي الزُّحُوفِ كُلِّهَا إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ؟ فَرُوِيَ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ أَنَّ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ لَمْ يَكُنْ لَهُمْ فِئَةٌ إلَّا رَسُولُ اللَّهِ ؛ وَبِهِ قَالَ نَافِعٌ ، وَالْحَسَنُ ، وَقَتَادَةُ ، وَيَزِيدُ بْنُ أَبِي حَبِيبٍ ، وَالضَّحَّاكُ .
وَيُرْوَى عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ وَسَائِرِ الْعُلَمَاءِ أَنَّ الْآيَةَ بَاقِيَةٌ إلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ ، وَإِنَّمَا شَذَّ مَنْ شَذَّ بِخُصُوصِ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ بِقَوْلِهِ : { وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ } فَظَنَّ قَوْمٌ أَنَّ ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى يَوْمِ بَدْرٍ ، وَلَيْسَ بِهِ ؛ وَإِنَّمَا ذَلِكَ إشَارَةٌ إلَى يَوْمِ الزَّحْفِ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الْقِتَالِ وَانْقِضَاءِ الْحَرْبِ ، وَذَهَابِ الْيَوْمِ بِمَا فِيهِ ، وَقَدْ ثَبَتَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَسْبَمَا قَدَّمْنَاهُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ الْكَبَائِرَ كَذَا .
وَعِنْدَ الْفِرَارِ يَوْمَ الزَّحْفِ .
وَهَذَا نَصٌّ فِي الْمَسْأَلَةِ يَرْفَعُ الْخِلَافَ ، وَيُبَيِّنُ الْحُكْمَ ، وَقَدْ نَبَّهْنَا عَلَى النُّكْتَةِ الَّتِي وَقَعَ الْإِشْكَالُ فِيهَا لِمَنْ وَقَعَ بِاخْتِصَاصِهِ بِيَوْمِ بَدْرٍ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : أَمَّا يَوْمُ بَدْرٍ مَعَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَلَمْ يَجُزْ لَهُمْ أَنْ يَفِرُّوا عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَلَا يَرْغَبُوا بِأَنْفُسِهِمْ عَنْ نَفْسِهِ ، وَلَا يُسْلِمُوهُ لِأَعْدَائِهِ حَتَّى لَا يَبْقَى مِنْهُمْ عَلَى الْأَرْضِ عَيْنٌ تُطْرَفُ .
وَأَمَّا سَائِرُ الْجُيُوشِ وَأَيَّامُ الْقِتَالِ فَلَهَا أَحْكَامٌ تُسْتَقْصَى فِي مَوَاضِعِهَا إنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى .

الْآيَةُ الرَّابِعَةُ : قَوْله تَعَالَى : { فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْت إذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا إنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ } .
هِيَ مِنْ تَوَابِعِ مَا تَقَدَّمَ وَرَوَابِطِهِ ؛ فَإِنَّ السُّورَةَ هِيَ سُورَةُ بَدْرٍ كُلِّهَا ، وَكُلُّهَا مَدَنِيَّةٌ إلَّا سَبْعَ آيَاتٍ فَإِنَّهَا نَزَلَتْ بِمَكَّةَ ، وَهِيَ قَوْلُهُ : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِك الَّذِينَ كَفَرُوا } إلَى آخِرِ الْآيَاتِ السَّبْعِ .
وَقَدْ رَوَى ابْنُ وَهْبٍ قَالَ : أَخْبَرَنِي مَالِكٌ فِي قَوْلِهِ : { وَمَا رَمَيْت إذْ رَمَيْت وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى } ، هَذَا فِي حَصْبِ رَسُولِ اللَّهِ الْمُشْرِكِينَ يَوْمَ حُنَيْنٍ .
قَالَ مَالِكٌ ، وَلَمْ يَبْقَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ أَحَدٌ إلَّا وَقَدْ أَصَابَهُ ذَلِكَ ، وَذَكَرَ مَا قَالَتْ لَهُ أُمُّ سُلَيْمٍ .
وَكَذَلِكَ رَوَى عَنْهُ ابْنُ الْقَاسِمِ أَيْضًا ، وَقَدْ رَوَى عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ أَنَّهَا كَانَتْ فِي يَوْمِ بَدْرٍ لَمَّا اسْتَوَتْ الصُّفُوفُ وَنَزَلَ جِبْرِيلُ آخِذًا بِعِنَانِ فَرَسِهِ يَقُودُهُ ، عَلَى ثَنَايَاهُ النَّقْعُ .
{ فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حَثْيَةً مِنْ الْحَصْبَاءِ ، فَاسْتَقْبَلَ بِهَا قُرَيْشًا ، فَقَالَ : شَاهَتْ الْوُجُوهُ .
ثُمَّ نَفَخَهُمْ بِهَا وَأَمَرَ أَصْحَابَهُ فَقَالَ : شُدُّوا } فَكَانَتْ الْهَزِيمَةُ ، وَقَتَلَ اللَّهُ مَنْ قَتَلَ مِنْ صَنَادِيدِ قُرَيْشٍ ، وَأَسَرَ مَنْ أَسَرَ مِنْ أَشْرَافِهِمْ .
وَقَالَ ابْنُ الْمُسَيِّبِ : كَانَ هَذَا يَوْمَ أُحُدٍ حِينَ رَمَى أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ الْحَرْبَةَ ، فَكَسَرَ ضِلْعًا مِنْ أَضْلَاعِهِ ، فَرَجَعَ أُبَيّ بْنُ خَلَفٍ إلَى أَصْحَابِهِ ثَقِيلًا ، فَحَفَظُوهُ حِينَ وَلَّوْا قَافِلِينَ يَقُولُونَ : لَا بَأْسَ .
فَقَالَ : وَاَللَّهِ لَوْ كَانَتْ بِالنَّاسِ لَقَتَلَتْهُمْ ، أَلَمْ يُقَلْ أَنَا أَقْتُلُكَ .
وَقَوْلُ ابْنِ إِسْحَاقَ أَصَحُّ فِي ذَلِكَ ؛ لِأَنَّ السُّورَةَ بَدْرِيَّةٌ .

الْآيَةُ الْخَامِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ قَالُوا سَمِعْنَا وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ } .
هَذِهِ الْآيَةُ بَيَانٌ شَافٍ وَإِيضَاحٌ كَافٍ فِي أَنَّ الْقَوْلَ لَا يَكُونُ إلَّا بِالْعَمَلِ ، وَأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِقَوْلِ الْمُؤْمِنِ : سَمِعْت وَأَطَعْت ، مَا لَمْ يَظْهَرْ أَثَرُ قَوْلِهِ بِامْتِثَالِ فِعْلِهِ ؛ فَأَمَّا إذَا قَصَّرَ فِي الْأَوَامِرِ فَلَمْ يَأْتِهَا ، وَاعْتَمَدَ النَّوَاهِيَ بِاقْتِحَامِهَا فَأَيُّ سَمْعٍ عِنْدَهُ ؟ أَوْ أَيُّ طَاعَةٍ لَهُ ؟ وَإِنَّمَا يَكُونُ حِينَئِذٍ بِمَنْزِلَةِ الْمُنَافِقِ الَّذِي يُظْهِرُ الْإِيمَانَ ، وَيُسِرُّ الْكُفْرَ ، وَذَلِكَ هُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : { وَلَا تَكُونُوا كَاَلَّذِينَ } الْآيَةَ يَعْنِي بِذَلِكَ الْمُنَافِقِينَ ، فَالْخِبْرَةُ تَكْشِفُ التَّلْبِيسَ ، وَالْفِعْلُ يُظْهِرُ كَمَائِنَ النُّفُوسِ .

الْآيَةُ السَّادِسَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ وَأَنَّهُ إلَيْهِ تُحْشَرُونَ } .
فِيهَا ثَلَاثُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : الِاسْتِجَابَةُ : هِيَ الْإِجَابَةُ ، وَقَدْ يَكُونُ اسْتَفْعَلَ بِمَعْنَى أَفْعَلَ ، حَسْبَمَا بَيَّنَّاهُ فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ ، وَقَدْ قَالَ شَاعِرُ الْعَرَبِ : وَدَاعٍ دَعَا يَا مَنْ يُجِيبُ إلَى النَّدَى فَلَمْ يَسْتَجِبْهُ عِنْدَ ذَاكَ مُجِيبُ

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَوْله تَعَالَى : { لِمَا يُحْيِيكُمْ } لَيْسَ يُرِيدُ بِهِ حَيَاةَ الْمُشَاهَدَةِ وَالْأَجْسَامِ ، وَإِنَّمَا يُرِيدُ بِهِ حَيَاةَ الْمَعَانِي وَالْقُلُوبِ بِالْإِفْهَامِ بِدُعَائِهِ إيَّاهُمْ إلَى الْإِسْلَامِ وَالْقُرْآنِ ، وَالْحَقِّ وَالْجِهَادِ ، وَالطَّاعَةِ وَالْأُلْفَةِ .
وَقِيلَ : الْمُرَادُ بِهِ لِمَا يُحْيِيكُمْ فِي الْآخِرَةِ الْحَيَاةَ الدَّائِمَةَ فِي النَّعِيمِ الْمُقِيمِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : ثَبَتَ فِي صَحِيحِ الْحَدِيثِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَعَا أُبَيًّا وَهُوَ يُصَلِّي ، فَلَمْ يُجِبْهُ أُبَيٌّ فَخَفَّفَ الصَّلَاةَ ، ثُمَّ انْصَرَفَ إلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ لَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : مَا مَنَعَك إذْ دَعَوْتُك أَنْ تُجِيبَنِي ؟ قَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، كُنْت أُصَلِّي .
قَالَ لَهُ : أَفَلَمْ تَجِدْ فِيمَا أُوحِيَ إلَيَّ : { اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ } ؟ قَالَ : بَلَى يَا رَسُولَ اللَّهِ ، وَلَا أَعُودُ } .
فَقَالَ الشَّافِعِيُّ : هَذَا دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ لِلْفَرْضِ أَوْ الْقَوْلَ الْفَرْضَ إذَا أُتِيَ بِهِ فِي الصَّلَاةِ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ لِأَمْرِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأُبَيٍّ بِالْإِجَابَةِ ، وَإِنْ كَانَ فِي الصَّلَاةِ .
وَقَدْ بَيَّنَّا فِي غَيْرِ مَوْضِعٍ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ دَلِيلٌ عَلَى وُجُوبِ إجَابَةِ النَّبِيِّ وَتَقْدِيمِهَا عَلَى الصَّلَاةِ ، وَهَلْ تَبْقَى الصَّلَاةُ مَعَهَا أُمّ تَبْطُلُ ؟ مَسْأَلَةٌ أُخْرَى .
وَقَدْ قَرَّرْنَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فِي مَسَائِلِ الْخِلَافِ .

الْآيَةُ السَّابِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : فِي تَأْوِيلِ الْفِتْنَةِ : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : الْفِتْنَةُ : الْمَنَاكِيرُ ؛ نَهَى النَّاسَ أَنْ يُقِرُّوهَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ فَيَعُمَّهُمْ الْعَذَابُ ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
الثَّانِي : أَنَّهَا فِتْنَةُ الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ ، كَمَا قَالَ : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ } رَوَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ .
وَقَدْ رَوَى حُذَيْفَةُ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ حِينَ سَأَلَهُ عُمَرُ عَنْ الْفِتْنَةِ ، فَقَالَ لَهُ حُذَيْفَةُ : { فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي جَارِهِ وَمَالِهِ وَأَهْلِهِ يُكَفِّرُهَا الصَّلَاةُ وَالصَّدَقَةُ وَالْأَمْرُ بِالْمَعْرُوفِ ، وَالنَّهْيُ عَنْ الْمُنْكَرِ } .
الثَّالِثُ : أَنَّهَا الْبَلَاءُ الَّذِي يُبْتَلَى بِهِ الْمَرْءُ ؛ قَالَهُ الْحَسَنُ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : الْمُخْتَارُ عِنْدَنَا : أَنَّهَا فِتْنَةُ الْمَنَاكِيرِ بِالسُّكُوتِ عَلَيْهَا أَوْ التَّرَاضِي بِهَا ، وَكُلُّ ذَلِكَ مُهْلِكٌ ، وَهُوَ كَانَ دَاءَ الْأُمَمِ السَّالِفَةِ قَالَ اللَّهُ سُبْحَانَهُ : { كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكِرٍ فَعَلُوهُ } .
وَقَدْ قَدَّمْنَا مِنْ تَفْسِيرِ قَوْلِهِ : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لَا يَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذَا اهْتَدَيْتُمْ } .
أَنَّ النَّاسَ إذَا رَأَوْا الظَّالِمَ فَلَمْ يَأْخُذُوا عَلَى يَدَيْهِ أَوْشَكَ أَنْ يَعُمَّهُمْ اللَّهُ بِعَذَابٍ مِنْ عِنْدِهِ .
وَثَبَتَ أَنَّ أُمَّ سَلَمَةَ قَالَتْ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { أَنُهْلَكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، إذَا كَثُرَ الْخُبْثُ } .
وَقَالَ عُمَرُ : إنَّ اللَّهَ لَا يُعَذِّبُ الْعَامَّةَ بِذَنْبِ الْخَاصَّةِ ، وَلَكِنْ إذَا عَمِلَ الْمُنْكَرَ جِهَارًا اسْتَحَلُّوا الْعُقُوبَةَ كُلُّهُمْ .
وَتَحْقِيقُ الْقَوْلِ فِي ذَلِكَ أَنَّ اللَّهَ قَالَ : { لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا

اكْتَسَبَتْ } .
وَقَالَ : { وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى } فَقَدْ أَخْبَرَنَا رَبُّنَا أَنَّ كُلَّ نَفْسٍ بِمَا كَسَبْتِ رَهِينَةٌ ، وَأَنَّهُ لَا يُؤَاخِذُ أَحَدًا بِذَنْبِ أَحَدٍ ، وَإِنَّمَا تَتَعَلَّقُ كُلُّ عُقُوبَةٍ بِصَاحِبِ الذَّنْبِ ، بَيْدَ أَنَّ النَّاسَ إذَا تَظَاهَرُوا بِالْمُنْكَرِ فَمِنْ الْفَرْضِ عَلَى كُلِّ مَنْ رَآهُ أَنْ يُغَيِّرَهُ ، فَإِذَا سَكَتَ عَنْهُ فَكُلُّهُمْ عَاصٍ ، هَذَا بِفِعْلِهِ ، وَهَذَا بِرِضَاهُ بِهِ .
وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ فِي حُكْمِهِ وَحِكْمَتِهِ الرَّاضِيَ بِمَنْزِلَةِ الْعَامِلِ ؛ فَانْتَظَمَ الذَّنْبُ بِالْعُقُوبَةِ ، وَلَمْ يَتَعَدَّ مَوْضِعَهُ ، وَهَذَا نَفِيسٌ لِمَنْ تَأَمَّلَهُ .
فَإِنْ قِيلَ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فَمَا مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ ؟ قُلْنَا : هِيَ آيَةٌ بَدِيعَةٌ ، وَمَعْنَاهَا عَلَى النَّاسِ مُرْتَبِكٌ ، وَقَدْ بَيَّنَّاهَا فِي قَبَسِ الْمُوَطَّأِ ، وَفِي " مُلْجِئَةِ الْمُتَفَقِّهِينَ " .
لُبَابُهُ أَنَّ قَوْلَهُ : ( اتَّقُوا ) أَمْرٌ .
وَقَوْلُهُ : { لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا } نَهْيٌ ، وَلَا يَصْلُحُ أَنْ يَكُونَ النَّهْيُ جَوَابَ الْأَمْرِ ، فَيَبْقَى الْأَمْرُ بِغَيْرِ جَوَابٍ ، فَيُشْكِلُ الْخِطَابُ .
وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ قَوْلَهُ : { لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا } نَهْيٌ دُخُولُ النُّونِ الثَّقِيلَةِ فِيهِ ، وَهِيَ لَا تَدْخُلُ إلَّا عَلَى فِعْلِ النَّهْيِ ، أَوْ جَوَابِ الْقَسَمِ .
وَلَا تَظُنُّوا أَنَّ إشْكَالَ هَذِهِ الْآيَةِ حَدَثَ بَيْنَ الْمُتَأَخِّرِينَ ؛ بَلْ هُوَ أَمْرٌ سَالِفٌ عِنْدَ الْمُتَقَدِّمِينَ ، وَلِذَلِكَ قَرَأَهَا قَوْمٌ : وَاتَّقُوا فِتْنَةً أَنْ تُصِيبَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً .
وَقَرَأَهَا آخَرُونَ : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَتُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً .
وَهَكَذَا يُرْوَى فِيهَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ ، وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ ، وَكَانَ يَقُولُ ابْنُ مَسْعُودٍ إذَا قَرَأَهَا : مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إلَّا وَلَهُ فِتْنَةٌ فِي أَهْلِهِ وَمَالِهِ .
وَكَانَ الزُّبَيْرُ يَقُولُ : كُنَّا نَظُنُّهَا لِغَيْرِنَا فَإِذَا بِهَا قَدْ أَصَابَتْنَا .
وَكَذَلِكَ كَانَ يَرَى ابْنُ عَبَّاسٍ .
وَأَمَّا

فِتْنَةُ الرَّجُلِ فِي أَهْلِهِ فَلَا تَتَعَدَّاهُ ، وَلَا تَأْخُذُ بِالْعُقُوبَةِ سِوَاهُ ، وَإِنَّمَا الْمَعْنَى فِي الْآيَةِ مَا ذَكَرْنَاهُ .
فَأَمَّا اعْتِرَاضُهُمْ بِالْإِعْرَابِ وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : فَقَدْ أَوْضَحْنَاهَا فِي الرِّسَالَةِ الْمُلْجِئَةِ وَقُلْنَا : فِيهَا ثَلَاثَةُ أَقْوَالٍ : الْأَوَّلُ : أَنَّهُ أَمْرٌ ثُمَّ نَهْيٌ ، كُلُّ وَاحِدٍ مُسْتَقِلٌّ بِنَفْسِهِ ، كَمَا تَقُولُ : قُمْ غَدًا .
لَا تَتَكَلَّمْ الْيَوْمَ .
الثَّانِي : الْإِعْرَابُ اتَّقُوا فِتْنَةً إنْ لَمْ تَتَّقُوهَا أَصَابَتْكُمْ .
فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَضَعِيفٌ ؛ لِأَنَّ قَوْلَ : ( اتَّقُوا فِتْنَةً ) لَيْسَ بِكَلَامٍ مُسْتَقِلٍّ ، فَيَصِحُّ أَنْ يَتَرَكَّبَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ .
وَأَمَّا الثَّانِي ، وَهُوَ جَوَابُ الطَّبَرِيِّ ، فَلَا يُشْبِهُ مَنْزِلَتَهُ فِي الْعِلْمِ ؛ لِأَنَّ مَجَازَهُ : لَا تُصِيبُ الَّذِينَ ظَلَمُوا ، وَلَمْ يُرِدْ كَذَلِكَ .
الثَّالِثُ : قَالَ لَنَا شَيْخُنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ النَّحْوِيُّ : هَذَا نَهْيٌ فِيهِ مَعْنَى جَوَابِ الْأَمْرِ ، كَمَا يُقَالُ : لَا تَزُلْ مِنْ الدَّابَّةِ لَا تَطْرَحَنَّكَ ، وَقَدْ جَاءَ مِثْلُهُ فِي الْقُرْآنِ : { اُدْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ } .
وَهَذَا مُنْتَهَى الِاخْتِصَارِ وَقَدْ طَوَّلْنَاهُ فِي مَكَانِهِ .

الْآيَةُ الثَّامِنَةُ قَوْله تَعَالَى : { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاَللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْله تَعَالَى : { إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ } وَقَدْ تَقَدَّمَ الْقَوْلُ فِي التَّقْوَى وَحَقِيقَتِهَا وَأَنَّهَا فَعْلَى ، مِنْ وَقَى يَقِي وِقَايَةً وَوَاقِيَةً ، أُبْدِلَتْ الْوَاوُ تَاءً لُغَةً ؛ وَذَلِكَ بِأَنْ يَجْعَلَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ مُخَالَفَةِ اللَّهِ وَمَعْصِيَتِهِ وِقَايَةً وَحِجَابًا ، وَلَهَا فِيهِ مَحَالُّ : الْمَحَلُّ الْأَوَّلُ : الْعَيْنُ : فَإِنَّهَا رَائِدُ الْقَلْبِ وَرَبِيئَتُهُ ، فَمَا تَطَّلِعُ عَلَيْهِ أَرْسَلَتْهُ إلَيْهِ ، فَهُوَ يَفْصِلُ مِنْهُ الْجَائِزَ مِمَّا لَا يَجُوزُ ، وَإِذَا جَلَّلْتهَا بِحِجَابِ التَّقْوَى لَمْ تُرْسِلْ إلَى الْقَلْبِ إلَّا مَا يَجُوزُ ، فَيَسْتَرِيحُ مِنْ شَغَبِ ذَلِكَ الْإِلْقَاءِ ؛ وَرُبَّمَا أَصَابَتْ هَذَا الْمَعْنَى الشُّعَرَاءُ كَقَوْلِهِمْ : وَأَنْتَ إذَا أَرْسَلْتَ طَرَفَكَ رَائِدًا لِقَلْبِك يَوْمًا أَسْلَمَتْك الْمَنَاظِرُ رَأَيْت الَّذِي لَا كُلُّهُ أَنْتَ قَادِرٌ عَلَيْهِ وَلَا عَنْ بَعْضِهِ أَنْتَ صَابِرُ وَهَذَا وَإِنْ كَانَ أَخَذَ طَرَفًا مِنْ الْمَعْنَى ، فَإِنَّ شَيْخَنَا عَطَاءً الْمَقْدِسِيَّ شَيْخَ الْفُقَهَاءِ وَالصُّوفِيَّةِ بِبَيْتِ الْمَقْدِسِ اسْتَوْفَى الْمَعْنَى فِي بَيْتَيْنِ أَنْشَدَنَاهُمَا : إذَا لُمْت عَيْنَيَّ اللَّتَيْنِ أَضَرَّتَا بِجِسْمِي وَقَلْبِي قَالَتَا لُمْ الْقَلْبَا فَإِنْ لُمْت قَلْبِي قَالَ عَيْنَاك جَرَّتَا عَلَيَّ الرَّزَايَا ثُمَّ لِي تَجْعَلُ الذَّنْبَا وَقَدْ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّ اللَّهَ كَتَبَ عَلَى ابْنِ آدَمَ حَظَّهُ مِنْ الزِّنَا .
أَدْرَكَ ذَلِكَ لَا مَحَالَةَ ؛ فَالْعَيْنَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا النَّظَرُ ، وَالْيَدَانِ تَزْنِيَانِ وَزِنَاهُمَا الْبَطْشُ } .
الْمَحَلُّ الثَّانِي : الْأُذُنُ : وَهِيَ رَائِدٌ عَظِيمٌ فِي قَبِيلِ الْأَصْوَاتِ يُلْقِي إلَى الْقَلْبِ مِنْهَا مَا يُغَبِّيهِ ، وَقَدْ كَانَتْ الْبَوَاطِلُ فِيهِ أَكْثَرَ مِنْ الْحَقَائِقِ ،

فَعَلَى الْعَبْدِ أَنْ يَمْتَنِعَ مِنْ الْخَوْضِ فِي الْبَاطِلِ أَوَّلًا ، وَيُنَزِّهَ نَفْسَهُ عَنْ مُجَالَسَةِ أَهْلِهِ ؛ وَإِذَا سَمِعَ الْقَوْلَ اتَّبَعَ أَحْسَنَهُ ، وَوَعَى أَسْلَمَهُ ، وَصَانَ عَنْ غَيْرِهِ أُذُنَهُ ، أَوْ قَذَفَهُ عَنْ قَلْبِهِ إنْ وَصَلَ إلَيْهِ .
الْمَحَلُّ الثَّالِثُ : اللِّسَانُ : وَفِيهِ نَيِّفٌ عَلَى عِشْرِينَ آفَةً وَخُصْلَةٌ وَاحِدَةٌ ، وَهِيَ الصِّدْقُ ، وَبِهَا يَنْتَفِي عَنْهُ جَمِيعُ الْخِصَالِ الذَّمِيمَةِ ، وَعَنْ بَدَنِهِ جَمِيعُ الْأَفْعَالِ الْقَبِيحَةِ ، فَإِذَا حَجَبَهُ بِالصِّدْقِ فَقَدْ كَمُلَتْ لَهُ التَّقْوَى ، وَنَالَ الْمَرْتَبَةَ الْقُصْوَى .
الْمَحَلُّ الرَّابِعُ : الْيَدُ : وَهِيَ لِلْبَطْشِ وَالتَّنَاوُلِ ، وَفِيهَا مَعَاصٍ مِنْهَا : الْغَصْبُ ، وَالسَّرِقَةُ ، وَمُحَاوَلَةُ الزِّنَا ، وَالْإِذَايَةُ لِلْحَيَوَانِ وَالنَّاسِ ، وَحِجَابُهَا الْكَفُّ إلَّا عَمَّا أَرَادَ اللَّهُ .
الْمَحَلُّ الْخَامِسُ : الرِّجْلُ : وَهِيَ لِلْمَشْيِ إلَى مَا يَحِلُّ ، وَإِلَى مَا يَجِبُ ، وَحِجَابُهَا الْكَفُّ عَمَّا لَا يَجُوزُ .
الْمَحَلُّ السَّادِسُ : الْقَلْبُ : وَهُوَ الْبَحْرُ الْخِضَمُّ ، وَفِي الْقَلْبِ الْفَوَائِدُ الدِّينِيَّةُ ، وَالْآفَاتُ الْمُهْلِكَةُ ، وَالتَّقْوَى ، فِيهِ حِجَابٌ يَسْلُخُ الْآفَاتِ عَنْهُ ، وَشَحْنُهُ بِالنِّيَّةِ الْخَالِصَةِ ؛ وَشَرْحُهُ بِالتَّوْحِيدِ ، وَخَلْعِ الْكِبْرِ وَالْعَجَبِ بِمَعْرِفَتِهِ بِأَوَّلِهِ وَآخِرِهِ ، وَالتَّبَرِّي مِنْ الْحَسَدِ ، وَالتَّحَفُّظِ مِنْ شَوَائِبِ الشِّرْكِ الظَّاهِرِ وَالْخَفِيِّ ، بِمُرَاعَاةِ غَيْرِ اللَّهِ فِي الْأَعْمَالِ ، وَالرُّكُونِ إلَى الدُّنْيَا بِالْغَفْلَةِ عَنْ الْمَالِ .
فَإِذَا انْتَهَى الْعَبْدُ إلَى هَذَا الْمَقَامِ مَهَّدَ لَهُ قَبُولَهُ مَكَانًا ، وَرَزَقَهُ فِيمَا يُرِيدُهُ مِنْ الْخَيْرِ إمْكَانًا ، وَجَعَلَ لَهُ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ وَالطَّاعَةِ وَالْمَعْصِيَةِ فُرْقَانًا ، وَهِيَ :

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : فِي قِسْمِ الْعَمَلِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ ، وَالْإِشَارَةُ إلَيْهِ : أَنْ يَمْتَثِلَ مَا أُمِرَ ، وَيَجْتَنِبَ كَيْفَ اسْتَطَاعَ مَا عَنْهُ نُهِيَ ؛ لِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إذَا أَمَرْتُكُمْ بِأَمْرٍ فَأْتُوا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، وَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ } .
وَقَدْ قَالَ ابْنُ وَهْبٍ : سَأَلْت مَالِكًا عَنْ قَوْلِهِ : { يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا } قَالَ : مَخْرَجًا .
ثُمَّ قَرَأَ : { وَمَنْ يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَلْ لَهُ مَخْرَجًا } إلَى : { فَهُوَ حَسْبُهُ } .
وَقَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ : سَأَلْت مَالِكًا عَنْ قَوْلِهِ : { إنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا } قَالَ : يَعْنِي مَخْرَجًا .
وَقَالَ أَشْهَبُ : سَأَلْت مَالِكًا عَنْهَا فَذَكَرَ مَعْنَى مَا تَقَدَّمَ .
وَقَالَ ابْنُ إِسْحَاقَ : يَجْعَلْ لَكُمْ فَصْلًا بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ .
وَهَذِهِ كُلُّهَا أَبْوَابُ الْعَمَلِ فِي الْقُلُوبِ وَالْأَبَدَانِ .

الْآيَةُ التَّاسِعَةُ قَوْله تَعَالَى : { وَإِذْ يَمْكُرُ بِك الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوك أَوْ يَقْتُلُوك أَوْ يُخْرِجُوك وَيَمْكُرُونَ وَيَمْكُرُ اللَّهُ وَاَللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ } .
فِيهَا مَسْأَلَتَانِ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَدْ بَيَّنَّا أَنَّهَا مَكِّيَّةٌ .
وَسَبَبَ نُزُولِهَا ، وَالْمُرَادَ بِهَا مَا رُوِيَ أَنَّ قُرَيْشًا اجْتَمَعَتْ فِي دَارِ النَّدْوَةِ وَقَالَتْ : إنَّ أَمْرَ مُحَمَّدٍ قَدْ طَالَ عَلَيْنَا ، فَمَاذَا تَرَوْنَ ؟ فَأَخَذُوا فِي كُلِّ جَانِبٍ مِنْ الْقَوْلِ ، فَقَالَ قَائِلٌ : نَرَى أَنْ يُقَيَّدَ وَيُحْبَسَ .
وَقَالَ آخَرُ : نَرَى أَنْ يُنْفَى وَيُخْرَجَ .
وَقَالَ آخَرُ : نَرَى أَنْ يَأْخُذَ مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلٌ سَيْفًا فَيَضْرِبُونَهُ ضَرْبَةً وَاحِدَةً ، فَلَا يَقْدِرُ بَنُو هَاشِمٍ عَلَى مُطَالَبَةِ الْقَبَائِلِ .
وَكَانَ الْقَائِلُ هَذَا أَبَا جَهْلٍ .
فَاتَّفَقُوا عَلَيْهِ ، وَجَاءَ جِبْرِيلُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَعْلَمَهُ بِذَلِكَ ، وَأَذِنَ لَهُ فِي الْخُرُوجِ ، فَأَمَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ بِأَنْ يَضْطَجِعَ عَلَى فِرَاشِهِ ، وَيَتَسَجَّى بِبُرْدِهِ الْحَضْرَمِيِّ .
وَخَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ [ عَلَيْهِمْ ] حَتَّى وَضَعَ التُّرَابَ عَلَى رُءُوسِهِمْ ، وَلَمْ يَعْلَمُوا بِهِ ، وَأَخَذَ مَعَ أَبِي بَكْرٍ إلَى الْغَارِ ، فَلَمَّا أَصْبَحُوا نَظَرُوا إلَى عَلِيٍّ فِي مَوْضِعِهِ ، وَقَدْ فَاتَهُمْ ، وَوَجَدُوا التُّرَابَ عَلَى رُءُوسِهِمْ ، وَلَمْ يَعْلَمُوا ، تَحْتَ خِزْيٍ وَذِلَّةٍ ، فَامْتَنَّ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ بِذَلِكَ مِنْ نِعْمَتِهِ عَلَيْهِ وَسَلَامَتِهِ مِنْ مَكْرِهِمْ بِمَا أَظْهَرَ عَلَيْهِمْ مِنْ نَوْمِ عَلِيٍّ عَلَى السَّرِيرِ كَأَنَّهُ النَّبِيُّ ، وَمِنْ وَضْعِ التُّرَابِ عَلَى رُءُوسِهِمْ ، وَهَذَا كُلُّهُ مَكْرٌ مِنْ فِعْلِهِ جَزَاءً عَلَى مَكْرِهِمْ ، وَاَللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَامَ عَلِيٌّ عَلَى فِرَاشِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِدَاءً لَهُ ، وَخَرَجَ أَبُو بَكْرٍ مَعَ النَّبِيِّ مُؤْنِسًا لَهُ .
وَقَدْ رُوِيَ أَنَّ عَلِيًّا قَالَ

لَهُ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { إنَّهُ لَنْ يَخْلُصَ إلَيْكَ } .
وَهَذَا تَأْمِينُ يَقِينٍ ، وَيَجِبُ عَلَى الْخَلْقِ أَجْمَعِينَ أَنْ يَقُوا بِأَنْفُسِهِمْ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَنْ يَهْلِكُوا أَجْمَعِينَ فِي نَجَاتِهِ ، فَلَنْ يُؤْمِنَ أَحَدٌ حَتَّى يَكُونَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحَبَّ إلَيْهِ مِنْ نَفْسِهِ وَأَهْلِهِ وَالْخَلْقِ أَجْمَعِينَ .
وَمَنْ وَقَى مُسْلِمًا بِنَفْسِهِ فَلَيْسَ لَهُ جَزَاءٌ إلَّا الْجَنَّةُ .
وَذَلِكَ جَائِزٌ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ وُجُوبُ مُدَافَعَةِ الْمُطَالِبِ وَالصَّائِلِ عَلَى أَخِيك الْمُسْلِمِ .

الْآيَةُ الْعَاشِرَةُ قَوْله تَعَالَى : { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ وَإِنْ يَعُودُوا فَقَدْ مَضَتْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ } .
فِيهَا أَرْبَعُ مَسَائِلَ : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : ثَبَتَ عَنْ { ابْنِ شِمَاسَةَ الْمَهْرِيِّ قَالَ : حَضَرْنَا عَمْرَو بْنَ الْعَاصِ ، وَهُوَ فِي سِيَاقَةِ الْمَوْتِ ، فَبَكَى طَوِيلًا ، وَحَوَّلَ وَجْهَهُ إلَى الْجِدَارِ ، فَجَعَلَ ابْنُهُ يَقُولُ : مَا يَبْكِيك يَا أَبَتَاهُ ؟ أَمَا بَشَّرَك رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِكَذَا أَمَا بَشَّرَك رَسُولُ اللَّهِ بِكَذَا ؟ قَالَ : فَأَقْبَلَ بِوَجْهِهِ ، فَقَالَ : إنَّ أَفْضَلَ مَا بَعْدَ شَهَادَةِ أَنْ لَا إلَهَ إلَّا اللَّهُ وَأَنَّ مُحَمَّدًا رَسُولُ اللَّهِ أَنِّي كُنْت عَلَى أَطْبَاقٍ ثَلَاثٍ : لَقَدْ رَأَيْتُنِي وَمَا أَحَدٌ أَشَدُّ بُغْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ مِنِّي ، وَلَا أَحَبُّ إلَيَّ أَنْ يَكُونَ قَدْ اسْتَمْكَنْت مِنْهُ فَقَتَلْته ، فَلَوْ مِتُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالِ لَكُنْت مِنْ أَهْلِ النَّارِ .
فَلَمَّا جَعَلَ اللَّهُ الْإِسْلَامَ فِي قَلْبِي أَتَيْت النَّبِيَّ فَقُلْت : اُبْسُطْ يَمِينَك لِأُبَايِعَك ، فَبَسَطَ يَمِينَهُ .
قَالَ : فَقَبَضْت يَدِي .
قَالَ : مَا لَك يَا عَمْرُو ؟ قَالَ : قُلْت : أَرَدْت أَنْ أَشْتَرِطَ .
قَالَ : تَشْتَرِطُ مَاذَا ؟ قُلْت : أَنْ يُغْفَرَ لِي .
قَالَ : أَمَا عَلِمْت أَنَّ الْإِسْلَامَ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ ، وَأَنَّ الْهِجْرَةَ تَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهَا ، وَأَنَّ الْحَجَّ يَهْدِمُ مَا قَبْلَهُ وَمَا كَانَ أَحَدٌ أَحَبَّ إلَيَّ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ ، وَلَا أَجَلَّ فِي عَيْنَيَّ مِنْهُ ، وَمَا كُنْت أُطِيقُ أَنْ أَمْلَأَ عَيْنَيَّ مِنْهُ إجْلَالًا لَهُ ، وَلَوْ سُئِلْت أَنْ أَصِفَهُ مَا أَطَقْت ؛ لِأَنِّي لَمْ أَكُنْ أَمْلَأُ عَيْنَيَّ مِنْهُ ، وَلَوْ مِتُّ عَلَى ذَلِكَ الْحَالِ لَرَجَوْت أَنْ أَكُونَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ ، ثُمَّ وُلِّينَا أَشْيَاءَ مَا أَدْرِي مَا حَالِي فِيهَا ؛ فَإِذَا أَنَا مِتُّ فَلَا تَصْحَبْنِي نَائِحَةٌ ، وَلَا نَارٌ ؛ فَإِذَا دَفَنْتُمُونِي فَسُنُّوا التَّفِل عَلَيَّ التُّرَابَ سَنًّا ، ثُمَّ أُقِيمُوا حَوْلَ قَبْرِي قَدْرَ مَا تُنْحَرُ جَزُورٌ ،

وَيُقْسَمُ لَحْمُهَا حَتَّى أَسْتَأْنِسَ بِكُمْ ، وَأَنْظُرَ مَاذَا أُرَاجِعُ بِهِ رُسُلَ رَبِّي } .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : قَالَ عُلَمَاؤُنَا : هَذِهِ لَطِيفَةٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ مَنَّ بِهَا عَلَى الْخَلِيقَةِ ؛ وَذَلِكَ أَنَّ الْكُفَّارَ يَقْتَحِمُونَ الْكُفْرَ وَالْجَرَائِمَ ، وَيَرْتَكِبُونَ الْمَعَاصِيَ ، وَيَرْتَكِبُونَ الْمَآثِمَ ، فَلَوْ كَانَ ذَلِكَ يُوجِبُ مُؤَاخَذَتَهُمْ لَمَا اسْتَدْرَكُوا أَبَدًا تَوْبَةً ، وَلَا نَالَتْهُمْ مَغْفِرَةٌ ؛ فَيَسَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ قَبُولَ التَّوْبَةِ عِنْدَ الْإِنَابَةِ ، وَبَذَلَ الْمَغْفِرَةَ بِالْإِسْلَامِ ، وَهَدَمَ جَمِيعَ مَا تَقَدَّمَ ؛ لِيَكُونَ ذَلِكَ أَقْرَبَ إلَى دُخُولِهِمْ فِي الدِّينِ ، وَأَدْعَى إلَى قَبُولِهِمْ كَلِمَةَ الْإِسْلَامِ ، وَتَأْلِيفًا عَلَى الْمِلَّةِ ، وَتَرْغِيبًا فِي الشَّرِيعَةِ ؛ فَإِنَّهُمْ لَوْ عَلِمُوا أَنَّهُمْ يُؤَاخَذُونَ لَمَا أَنَابُوا وَلَا أَسْلَمُوا .
فَقَدْ رَوَى مُسْلِمٌ { أَنَّ رَجُلًا كَانَ فِيمَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ قَتَلَ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ نَفْسًا ، سَأَلَ : هَلْ لَهُ تَوْبَةٌ ؟ فَجَاءَ عَالِمًا فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : لَا تَوْبَةَ لَك ، فَقَتَلَهُ وَكَمَّلَ بِهِ مِائَةً .
ثُمَّ جَاءَ عَالِمًا آخَرَ فَسَأَلَهُ ، فَقَالَ : وَمَنْ يَسُدُّ عَلَيْك بَابَ التَّوْبَةِ ؟ ائْتِ الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ .
فَمَشَى إلَيْهَا ، فَحَضَرَهُ الْأَجَلُ فِي الطَّرِيقِ ، فَاخْتَصَمَتْ فِيهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ وَمَلَائِكَةُ الْعَذَابِ ؛ فَأَوْحَى اللَّهُ أَنْ قِيسُوا إلَى أَيِّ الْأَرْضَيْنِ هُوَ أَقْرَبُ ، أَرْضُهُ الَّتِي خَرَجَ مِنْهَا أَمْ الْأَرْضُ الْمُقَدَّسَةُ ؟ فَأَلْفَوْهُ أَقْرَبَ إلَى الْأَرْضِ الْمُقَدَّسَةِ بِشِبْرٍ ، فَقَبَضَتْهُ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ .
وَفِي رِوَايَةٍ : فَقَاسَمُوهُ فَوَجَدُوهُ قَدْ دَنَا بِصَدْرِهِ .
} .
فَانْظُرُوا إلَى قَوْلِ الْعَالِمِ لَهُ : لَا تَوْبَةَ لَهُ .
فَلَمَّا عَلِمَ أَنَّهُ قَدْ أَيْأَسَهُ قَتَلَهُ ؟ فِعْلُ الْيَائِسِ مِنْ الرَّحْمَةِ ؛ وَالتَّنْفِيرُ مَفْسَدَةٌ لِلْخَلِيقَةِ ، وَالتَّيْسِيرُ مَصْلَحَةٌ لَهُمْ .
وَقَدْ قَدَّمْنَا عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ إذَا جَاءَ إلَيْهِ رَجُلٌ لَمْ يَقْتُلْ فَسَأَلَهُ : هَلْ لِلْقَاتِلِ تَوْبَةٌ ؟ فَيَقُولُ لَهُ : لَا تَوْبَةَ لَهُ ؛ تَخْوِيفًا وَتَحْذِيرًا .
فَإِذَا

جَاءَهُ مَنْ قَتَلَ فَسَأَلَهُ : هَلْ لِقَاتِلٍ مِنْ تَوْبَةٍ ؟ قَالَ لَهُ : لَك تَوْبَةٌ ؛ تَيْسِيرًا وَتَأْلِيفًا .

الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبُ ، وَابْنُ وَهْبٍ عَنْ مَالِكٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ : مَنْ طَلَّقَ فِي الشِّرْكِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَلَا طَلَاقَ لَهُ ، وَكَذَلِكَ مَنْ حَلَفَ فَأَسْلَمَ فَلَا حِنْثَ عَلَيْهِ ، وَكَذَلِكَ مَنْ وَجَبَ عَلَيْهِ مِثْلُ هَذِهِ الْأَشْيَاءِ ثُمَّ أَسْلَمَ فَذَلِكَ مَغْفُورٌ لَهُ .
فَأَمَّا مَنْ افْتَرَى عَلَى مُسْلِمٍ ثُمَّ أَسْلَمَ ، أَوْ سَرَقَ ثُمَّ أَسْلَمَ ، أُقِيمَ عَلَيْهِ الْحَدُّ لِلْفِرْيَةِ وَالسَّرِقَةِ ، وَلَوْ زَنَى وَأَسْلَمَ أَوْ اغْتَصَبَ مُسْلِمَةً ثُمَّ أَسْلَمَ لَسَقَطَ عَنْهُ الْحَدُّ .
وَرَوَى أَشْهَبُ عَنْ مَالِكٍ : إنَّمَا يَعْنِي عَزَّ وَجَلَّ مَا قَدْ مَضَى قَبْلَ الْإِسْلَامِ مِنْ مَالٍ أَوْ دَمٍ أَوْ شَيْءٍ .
وَهَذَا هُوَ الصَّوَابُ ؛ لِمَا قَدَّمْنَا مِنْ عُمُومِ قَوْلِهِ : { إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } ، وَقَوْلِهِ : { الْإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ } .
وَمَا بَيَّنَّاهُ مِنْ الْمَعْنَى فِي التَّيْسِيرِ وَعَدَمِ التَّنْفِيرِ .

الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : إذَا أَسْلَمَ الْمُرْتَدُّ ، وَقَدْ فَاتَتْهُ صَلَوَاتٌ ، وَأَصَابَ جِنَايَاتٍ ، وَأَتْلَفَ أَمْوَالًا فَإِنَّ الشَّافِعِيَّ قَالَ : يَلْزَمُهُ كُلُّ حَقٍّ لِلَّهِ وَلِلْآدَمِيِّ .
وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : مَا كَانَ لِلَّهِ يَسْقُطُ ، وَمَا كَانَ لِلْآدَمِيِّ يَلْزَمُهُ ؛ وَقَالَ بِهِ عُلَمَاؤُنَا .
وَدَلِيلُهُمْ عُمُومُ قَوْلِهِ : { قُلْ لِلَّذِينَ كَفَرُوا إنْ يَنْتَهُوا يُغْفَرْ لَهُمْ مَا قَدْ سَلَفَ } .
وَقَوْلُ النَّبِيِّ : { الْإِسْلَامُ يَهْدِمُ مَا كَانَ قَبْلَهُ } .
وَهَذَا عَامٌّ فِي الْحُقُوقِ الَّتِي تَتَعَلَّقُ بِاَللَّهِ كُلِّهَا .
فَإِنْ قِيلَ : الْمُرَادُ بِذَلِكَ الْكُفْرُ الْأَصْلِيُّ ، بِدَلِيلِ أَنَّ حُقُوقَ الْآدَمِيِّينَ تَلْزَمُ الْمُرْتَدَّ ؛ فَوَجَبَ أَنْ تَلْزَمَهُ حُقُوقُ اللَّهِ .
فَالْجَوَابُ أَنَّهُ لَا يَجُوزُ اعْتِبَارُ حُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ بِحُقُوقِ اللَّهِ ، وَلَا حُقُوقِ اللَّهِ بِحُقُوقِ الْآدَمِيِّينَ فِي الْإِيجَابِ وَالْإِسْقَاطِ ؛ لِأَنَّ حَقَّ اللَّهِ يُسْتَغْنَى عَنْهُ ، وَحَقَّ الْآدَمِيِّ يُفْتَقَرُ إلَيْهِ ؛ أَلَا تَرَى أَنَّ حُقُوقَ اللَّهِ لَا تَجِبُ عَلَى الصَّبِيِّ ، وَتَلْزَمُهُ حُقُوقُ الْآدَمِيِّينَ ، وَفِي ذَلِكَ تَمْهِيدٌ طَوِيلٌ بَيَّنَّاهُ فِي تَخْلِيصِ التَّلْخِيصِ فَلْيُنْظَرْ هُنَالِكَ .

قَوْله تَعَالَى : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدَّيْنُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنْ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْلَمُونَ بَصِيرٌ وَإِنْ تَوَلَّوْا فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَوْلَاكُمْ نِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ } .
يَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ ، وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا يَكُونَ كُفْرٌ .
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ : وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا يُفْتَنَ أَحَدٌ عَنْ دِينِهِ .
وَكِلَاهُمَا يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُرَادًا ، وَهَذِهِ الْغَايَةُ لَا تَتَحَقَّقُ إلَّا بِنُزُولِ عِيسَى .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ وَمَسَائِلِ الْخِلَافِ .
وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ قَالَ : خَرَجَ عَلَيْنَا ابْنُ عُمَرَ فَرَجَوْنَا أَنْ يُحَدِّثَنَا حَدِيثًا حَسَنًا .
قَالَ : فَبَادَرَنَا إلَيْهِ رَجُلٌ ، فَقَالَ : يَا أَبَا عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، حَدِّثْنَا عَنْ الْقِتَالِ فِي الْفِتْنَةِ ، وَاَللَّهُ يَقُولُ : { وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ } .
فَقَالَ : هَلْ تَدْرِي مَا الْفِتْنَةُ ؟ ثَكِلَتْك أُمُّك ، إنَّمَا كَانَ مُحَمَّدٌ يُقَاتِلُ الْمُشْرِكِينَ ، وَكَانَ الدُّخُولُ فِي دِينِهِمْ فِتْنَةً ، وَلَيْسَ بِقِتَالِكُمْ عَلَى الْمُلْكِ .

قَوْله تَعَالَى : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاَللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاَللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ } .
فِيهَا ثَلَاثَ عَشْرَةَ مَسْأَلَةً : الْمَسْأَلَةُ الْأُولَى : قَوْلُهُ : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ } قَدْ بَيَّنَّا الْقَوْلَ فِي الْغَنِيمَةِ وَالْفَيْءِ .
فَأَمَّا الْأَحْكَامِيُّونَ ، فَقَالُوا : إنَّ الْغَنِيمَةَ مِنْ الْأَمْوَالِ الْمَنْقُولَةِ ، وَالْفَيْءُ : الْأَرْضُونَ ؛ قَالَهُ مُجَاهِدٌ .
وَقِيلَ : إنَّ الْغَنِيمَةَ مَا أُخِذَ عَنْوَةً .
وَالْفَيْءُ مَا أُخِذَ عَلَى صُلْحٍ ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ .
وَقِيلَ : إنَّ الْفَيْءَ وَالْغَنِيمَةَ بِمَعْنًى وَاحِدٍ .
وَأَمَّا قَوْلُ مُجَاهِدٍ فَصَارَ إلَيْهِ ؛ لِأَنَّ اللَّهَ ذَكَرَ الْفَيْءَ فِي الْقُرَى ، وَذَكَرَ الْغَنِيمَةَ مُطْلَقًا ، فَفَصَّلَ الْفَرْقَ هَكَذَا .
وَأَمَّا قَوْلُ الشَّافِعِيِّ فَبَنَاهُ عَلَى الْعُرْفِ ، وَأَنَّ الْغَنِيمَةَ تَنْطَلِقُ فِي الْعُرْفِ عَلَى الْأَمْوَالِ الْقَهْرِيَّةِ ، وَيَنْطَلِقُ الْفَيْءُ عُرْفًا عَلَى مَا أُخِذَ مِنْ غَيْرِ قَهْرٍ .
وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَذَلِكَ ، بَلْ الْفَيْءُ عِبَارَةٌ عَنْ كُلِّ مَا صَارَ لِلْمُسْلِمِينَ مِنْ الْأَمْوَالِ بِقَهْرٍ وَبِغَيْرِ قَهْرٍ .
وَحَقِيقَتُهُ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَ الْخَلْقَ لِيَعْبُدُوهُ ، وَجَعَلَ الْأَمْوَالَ لَهُمْ لِيَسْتَعِينُوا بِهَا عَلَى مَا يُرْضِيهِ ، وَرُبَّمَا صَارَتْ فِي أَيْدِي أَهْلِ الْبَاطِلِ ، فَإِذَا صَارَتْ فِي أَيْدِي أَهْلِ الْحَقِّ فَقَدْ صَرَفَهَا عَنْ طَرِيقِ الْإِرَادَةِ إلَى طَرِيقِ الْأَمْرِ وَالْعِبَادَةِ .

الْمَسْأَلَةُ الثَّانِيَةُ : إذَا عَرَفْتُمْ أَنَّ الْغَنِيمَةَ هِيَ مَا أُخِذَ مِنْ أَمْوَالِ الْكُفَّارِ ؛ فَإِنَّ اللَّهَ قَدْ حَكَمَ فِيهَا بِحُكْمِهِ ، وَأَنْفَذَ فِيهَا سَابِقَ عِلْمِهِ ، فَجَعَلَ خُمُسَهَا لِلْخَمْسَةِ الْأَسْمَاءِ ، وَأَبْقَى سَائِرَهَا لِمَنْ غَنِمَهَا ؛ وَنَحْنُ نُسَمِّيهَا ، ثُمَّ نَعْطِفُ عَلَى الْوَاجِبِ فِيهَا فَنَقُولُ : أَمَّا سَهْمُ اللَّهِ فَفِيهِ قَوْلَانِ : أَحَدُهُمَا : أَنَّهُ وَسَهْمَ الرَّسُولِ وَاحِدٌ ، وَقَوْلُهُ : { لِلَّهِ } اسْتِفْتَاحُ كَلَامٍ ، فَلِلَّهِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ وَالْخَلْقُ أَجْمَعُ .
الثَّانِي : رُوِيَ عَنْ أَبِي الْعَالِيَةِ الرِّيَاحِيِّ قَالَ : { كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُؤْتَى بِالْغَنِيمَةِ فَيَقْسِمُهَا عَلَى خَمْسَةٍ ، يَكُونُ أَرْبَعُ أَخْمَاسِهَا لِمَنْ شَهِدَهَا ، ثُمَّ يَأْخُذُ الْخُمُسَ فَيَضْرِبُ بِيَدِهِ فَيَأْخُذُ مِنْهُ الَّذِي قَبَضَ كَفَّهُ فَيَجْعَلُهُ لِلْكَعْبَةِ ، وَهُوَ سَهْمُ اللَّهِ ثُمَّ يُقَسِّمُ مَا بَقِيَ عَلَى خَمْسَةِ أَسْهُمٍ } .
وَأَمَّا سَهْمُ الرَّسُولِ فَقِيلَ : هُوَ اسْتِفْتَاحُ كَلَامٍ ، مِثْلُ قَوْلِهِ : لِلَّهِ ، لَيْسَ لِلَّهِ مِنْهُ شَيْءٌ وَلَا لِلرَّسُولِ ، وَيُقَسِّمُ الْخُمُسَ عَلَى أَرْبَعَةِ أَسْهُمٍ : سَهْمٌ لِبَنِي هَاشِمٍ ، وَلِبَنِي الْمُطَّلِبِ سَهْمٌ ، وَلِلْيَتَامَى سَهْمٌ ، وَالْمَسَاكِينِ سَهْمٌ [ وَلِابْنِ السَّبِيلِ سَهْمٌ ] ؛ قَالَهُ ابْنُ عَبَّاسٍ .
وَقِيلَ : هُوَ لِلرَّسُولِ ، فَفِي كَيْفِيَّةِ كَوْنِهِ لَهُ أَرْبَعَةُ أَقْوَالٍ : فَقِيلَ : لِقَرَابَتِهِ إرْثًا ، وَقِيلَ : لِلْخَلِيفَةِ بَعْدَهُ ، وَقِيلَ : هُوَ يَلْحَقُ بِالْأَسْهُمِ الْأَرْبَعِ ، وَقِيلَ : هُوَ مَصْرُوفٌ فِي الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ ، وَقِيلَ : إنَّهُ مَصْرُوفٌ فِي مَصَالِحِ الْمُسْلِمِينَ الْعَامَّةِ ؛ قَالَهُ الشَّافِعِيُّ .
وَأَمَّا سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى فَقِيلَ : هُمْ قُرَيْشٌ ، وَقِيلَ : بَنُو هَاشِمٍ [ وَقِيلَ بَنُو هَاشِمٍ ] وَبَنُو الْمُطَّلِبِ ؛ وَهُوَ قَوْلُ الشَّافِعِيِّ .
وَقِيلَ : ذَهَبَ ذَلِكَ بِمَوْتِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَيَكُونُ لِقَرَابَةِ الْإِمَامِ بَعْدَهُ .
وَقِيلَ : هُوَ لِلْإِمَامِ يَضَعُهُ

حَيْثُ يَشَاءُ .
وَأَمَّا سَهْمُ الْيَتَامَى فَإِنَّ الْيَتِيمَ مَنْ فِيهِ ثَلَاثَةٌ أَوْصَافٍ : مَوْتُ الْأَبِ ، وَعَدَمُ الْبُلُوغِ ، وَوُجُودُ الْإِسْلَامِ أَصْلًا فِيهِ أَوْ تَبَعًا لِأَحَدِ أَبَوَيْهِ ، وَحَاجَتُهُ إلَى الرَّفْدِ .
وَأَمَّا الْمِسْكِينُ فَهُوَ الْمُحْتَاجُ .
وَأَمَّا ابْنُ السَّبِيلِ فَهُوَ الَّذِي يَأْخُذُهُ الطَّرِيقُ مُحْتَاجًا ، وَإِنْ كَانَ غَنِيًّا فِي بَلَدِهِ .
الْمَسْأَلَةُ الثَّالِثَةُ : فِي التَّنْقِيحِ : أَمَّا قَوْلُ أَبِي الْعَالِيَةِ فَلَيْسَ مِنْ النَّظَرِ فِي الْمَرْتَبَةِ الْعَالِيَةِ ؛ فَإِنَّ الْأَرْضَ كُلَّهَا لِلَّهِ مِلْكًا وَخَلْقًا ، وَهِيَ لِعِبَادِهِ رِزْقًا وَقِسْمًا .
وَأَمَّا الرَّسُولُ فَهُوَ مِمَّنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِ وَمَلَّكَهُ .
وَلَكِنَّهُ ثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : { مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ } .
وَهَذَا يُعَضِّدُ قَوْلَ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَرْجِعُ فِي مَصَالِحِ الْعَامَّةِ .
وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ قَالَ : إنَّهُ يَرْجِعُ لِقَرَابَتِهِ إرْثًا فَإِنَّهُ بَاطِلٌ بِإِجْمَاعٍ مِنْ الصَّحَابَةِ ، فَإِنَّ فَاطِمَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا أَرْسَلَتْ تَطْلُبُ مِيرَاثَهَا مِنْ أَبِي بَكْرٍ ، فَقَالَ لَهَا : سَمِعْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : { نَحْنُ لَا نُورَثُ ، مَا تَرَكْنَاهُ صَدَقَةٌ } .
وَقَدْ بَيَّنَّا ذَلِكَ فِي مَسَائِلِ الْأُصُولِ ، وَسَائِرُ الْأَقْوَالِ دَعَاوَى لَا بُرْهَانَ عَلَيْهَا .
أَمَّا سَهْمُ ذَوِي الْقُرْبَى فَأَصَحُّهَا أَنَّهُمْ بَنُو هَاشِمٍ ، وَبَنُو الْمُطَّلِبِ ، وَسَائِرُ الْأَقْسَامِ صَحِيحَةٌ فِي الْأَقْوَالِ وَالتَّوْجِيهِ .
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ ابْنِ الْقَاسِمِ ، وَأَشْهَبَ ، وَعَبْدِ الْمَلِكِ عَنْ مَالِكٍ أَنَّ الْفَيْءَ وَالْخُمُسَ يُجْعَلَانِ فِي بَيْتِ الْمَالِ ، وَيُعْطِي الْإِمَامُ قَرَابَةَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْهُمَا .
وَرَوَى ابْنُ الْقَاسِمِ عَنْ مَالِكٍ : أَنَّ الْفَيْءَ وَالْخُمُسَ وَاحِدٌ .

وَرَوَى دَاوُد بْنُ سَعِيدٍ عَنْ مَالِكٍ عَنْ عَمِّهِ عَنْ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ أَنَّ الْقَرَابَةَ لَا لِلسَّلْمِ مِنْهُ إلَّا بِالْفَقْرِ ، وَهِيَ : الْمَسْأَلَةُ الرَّابِعَةُ : قَالَ مَالِكٌ : وَبِهِ أَقُولُ .
وَقَدْ قَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : لَا يُعْطِي الْقَرَابَةَ إلَّا أَنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ : فَزَادَ الْفَقْرَ عَلَى النَّصِّ ، وَالزِّيَادَةُ عِنْدَهُ عَلَى النَّصِّ نَسْخٌ ، وَلَا يَجُوزُ نَسْخُ الْقُرْآنِ إلَّا بِقُرْآنٍ مِثْلِهِ أَوْ بِخَبَرٍ مُتَوَاتِرٍ .
فَأَمَّا مَالِكٌ فَاحْتَجَّ بِأَنَّ ذَلِكَ جُعِلَ لَهُمْ عِوَضًا عَنْ الصَّدَقَةِ .
وَقَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ قَوْلُهُ : { فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ } يَعْنِي فِي سَبِيلِ اللَّهِ .
وَهَذَا هُوَ الصَّحِيحُ كُلُّهُ .
وَالدَّلِيلُ عَلَيْهِ مَا رُوِيَ فِي الصَّحِيحِ { أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعَثَ سَرِيَّةً قِبَلَ نَجْدٍ ، فَأَصَابُوا فِي سُهْمَانِهِمْ اثْنَيْ عَشَرَ بَعِيرًا ، وَنُفِّلُوا بَعِيرًا بَعِيرًا } .
وَثَبَتَ عَنْهُ عَلَيْهِ السَّلَامُ أَنَّهُ قَالَ فِي أُسَارَى بَدْرٍ : { لَوْ كَانَ الْمُطْعَمُ بْنُ عَدِيٍّ حَيًّا وَكَلَّمَنِي فِي هَؤُلَاءِ النَّتْنَى لَتَرَكْتُهُمْ لَهُ } .
وَثَبَتَ عَنْهُ أَنَّهُ رَدَّ سَبْيَ هَوَازِنَ وَفِيهِ الْخُمُسُ .
وَثَبَتَ فِي الصَّحِيحِ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ قَالَ : { آثَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَوْمَ حُنَيْنٍ أُنَاسًا فِي الْغَنِيمَةِ ، فَأَعْطَى الْأَقْرَعَ بْنَ حَابِسٍ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ ، وَأَعْطَى عُيَيْنَةَ مِائَةً مِنْ الْإِبِلِ ، وَأَعْطَى أُنَاسًا مِنْ أَشْرَافِ الْعَرَبِ وَآثَرَهُمْ يَوْمَئِذٍ فِي الْقِسْمَةِ ، فَقَالَ رَجُلٌ : وَاَللَّهِ إنَّ هَذِهِ الْقِسْمَةَ مَا عُدِلَ فِيهَا ، أَوْ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ .
فَقُلْت : وَاَللَّهِ لَأُخْبِرَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .
فَأَخْبَرْته ، فَقَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ أَخِي مُوسَى ، لَقَدْ أُوذِيَ بِأَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ } .
وَفِي الصَّحِيحِ : { إنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ ، بُعِثْت أَنْ أَقْسِمَ بَيْنَكُمْ فَاَللَّهُ حَاكِمٌ ، وَالنَّبِيُّ قَاسِمٌ ، وَالْحَقُّ لِلْخَلْقِ } .

وَصَحَّ عَنْ { عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ أَنَّهُ قَالَ : كَانَ لِي شَارِفٌ مِنْ نَصِيبِي يَوْمَ بَدْرٍ ، وَأَعْطَانِي رَسُولُ اللَّهِ شَارِفًا مِنْ الْخُمُسِ } .
وَرَوَى مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ ، عَنْ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ بْنِ رَبِيعَةَ قَالَ : { اجْتَمَعَ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ ، وَالْعَبَّاسُ بْنُ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ ، فَقَالَا : وَاَللَّهِ لَوْ بَعَثْنَا هَذَيْنِ فَقَالَا لِي ، وَلِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ : اذْهَبَا إلَى رَسُولِ اللَّهِ فَكَلِّمَاهُ يُؤَمِّنْكُمَا عَلَى هَذِهِ الصَّدَقَةِ ، فَأَدِّيَا مَا يُؤَدِّي النَّاسُ ، بِشِرَاءٍ مِمَّا يُصِيبُ النَّاسُ ، فَبَيْنَمَا هُمَا فِي ذَلِكَ إذْ دَخَلَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَالِبٍ ، فَوَقَفَ عَلَيْهِمَا ، فَذَكَرَا ذَلِكَ لَهُ ، فَقَالَ عَلِيٌّ : لَا تَفْعَلَا ، فَوَاَللَّهِ مَا هُوَ بِفَاعِلٍ .
فَابْتَدَأَهُ رَبِيعَةُ بْنُ الْحَارِثِ فَقَالَ : وَاَللَّهِ مَا هَذَا إلَّا نَفَاسَةٌ مِنْك عَلَيْنَا ، فَوَاَللَّهِ لَقَدْ نِلْت صِهْرَ رَسُولِ اللَّهِ فَمَا نَفِسْنَاهُ عَلَيْك .
فَقَالَ عَلِيٌّ : أَنَا أَبُو حَسَنِ الْقَوْمِ أَرْسِلُوهُمَا ، فَانْطَلَقَا ، وَاضْطَجَعَ عَلِيٌّ ، فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الظُّهْرَ سَبَقْنَاهُ إلَى الْحُجْرَةِ ، فَقُمْنَا عِنْدَهَا حَتَّى جَاءَ ، فَأَخَذَ بِآذَانِنَا ، ثُمَّ قَالَ : أَخْرِجَا مَا تُصَرِّرَانِ ثُمَّ دَخَلَ ، وَدَخَلْنَا عَلَيْهِ ، وَهُوَ يَوْمَئِذٍ عِنْدَ زَيْنَبَ بِنْتِ جَحْشٍ قَالَ : فَتَزَايَلْنَا الْكَلَامَ ، ثُمَّ تَكَلَّمَ أَحَدُنَا ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ؛ أَنْتَ أَبَرُّ النَّاسِ بِشِرَاءِ النَّاسِ ، وَقَدْ بَلَغْنَا النِّكَاحَ ، فَجِئْنَاك لِتُؤَمِّرَنَا عَلَى بَعْضِ هَذِهِ الصَّدَقَاتِ ، فَنُؤَدِّيَ إلَيْك مَا يُؤَدِّي النَّاسُ ، وَنُصِيبَ كَمَا يُصِيبُونَ .
قَالَ : فَسَكَتَ طَوِيلًا حَتَّى أَرَدْنَا أَنْ نُكَلِّمَهُ .
قَالَ : وَجَعَلَتْ زَيْنَبُ يُزَالُ إلَيْنَا مِنْ وَرَاءِ الْحِجَابِ أَلَّا تَكَلَّمَاهُ .
ثُمَّ قَالَ : إنَّ الصَّدَقَةَ لَا تَحِلُّ لِآلِ مُحَمَّدٍ ؛ إنَّمَا هِيَ أَوْسَاخُ النَّاسِ ، اُدْعُوَا لِي مَحْمِيَّةَ وَكَانَ عَلَى الْخُمُسِ ، وَنَوْفَلَ بْنَ الْحَارِثِ بْنِ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ .
قَالَ :

فَجَاءَاهُ .
فَقَالَ لِمَحْمِيَّةَ : أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ ابْنَتَك لِلْفَضْلِ بْنِ عَبَّاسٍ يَعْنِي لِي ، فَأَنْكَحَهُ .
وَقَالَ لِنَوْفَلِ بْنِ الْحَارِثِ : أَنْكِحْ هَذَا الْغُلَامَ بِنْتَك يَعْنِي لِي ، فَأَنْكَحَنِي .
وَقَالَ لِمَحْمِيَّةَ : أَصْدِقْ عَنْهُمَا مِنْ مَالِ الْخُمُسِ كَذَا وَكَذَا .
} وَفِي رِوَايَةٍ أَنَّهُ قَالَ لَهُمَا : { إنَّ الصَّدَقَةَ أَوْسَاخُ النَّاسِ ، وَلَكِنْ اُنْظُرُوا إذَا أَخَذْت بِحَلْقَةِ الْجَنَّةِ ، هَلْ أُوثِرُ عَلَيْكُمْ أَحَدًا ؟ } وَقَدْ قَالَ أَصْحَابُ الشَّافِعِيِّ : خُمُسُ الْخُمُسِ لِلرَّسُولِ ، وَالْأَرْبَعَةُ أَخْمَاسٍ مِنْ الْخُمُسِ لِلْأَرْبَعَةِ أَصْنَافٍ الْمُسَمَّيْنَ مَعَهُ ، وَلَهُ سَهْمٌ كَسَائِرِ سِهَامِ الْغَانِمِينَ إذَا حَضَرَ الْغَنِيمَةَ ، وَلَهُ سَهْمُ الصَّفِيِّ يَصْطَفِي سَيْفًا أَوْ خَادِمًا أَوْ دَابَّةً .
فَأَمَّا سَهْمُ الْقِتَالِ فَبِكَوْنِهِ أَشْرَفَ الْمُقَاتِلِينَ ، وَأَمَّا سَهْمُ الصَّفِيِّ فَمَنْصُوصٌ لَهُ فِي السِّيَرِ ، مِنْهُ ذُو الْفُقَّارِ ، وَصَفِيَّةُ ، وَغَيْرُ ذَلِكَ .
وَأَمَّا خُمُسُ الْخُمُسِ فَبِحَقِّ التَّقْسِيمِ فِي الْآيَةِ .
قَالَ الْإِمَامُ الْفَاضِلُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْعَرَبِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : قَدْ بَيَّنَّا الرَّدَّ عَلَيْهِ ، وَأَوْضَحْنَا أَنَّ اللَّهَ إنَّمَا ذَكَرَ نَفْسَهُ تَشْرِيفًا لِهَذَا الْمُكْتَسَبِ ، وَأَمَّا رَسُولُهُ فَقَدْ قَالَ : { إنَّمَا أَنَا قَاسِمٌ ، وَاَللَّهُ الْمُعْطِي } .
وَقَالَ : { مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ } وَقَدْ أَعْطَى جَمِيعَهُ وَبَعْضَهُ ، وَأَعْطَى مِنْهُ لِلْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ ، وَلَيْسُوا مِمَّنْ ذَكَرَ اللَّهُ فِي التَّقْسِيمِ ، وَرَدَّهُ عَلَى الْمُجَاهِدِينَ بِأَعْيَانِهِمْ تَارَةً أُخْرَى ؛ فَدَلَّ عَلَى أَنَّ ذِكْرَ هَذِهِ الْأَقْسَامِ بَيَانُ مَصْرِفٍ وَمَحَلٍّ ، لَا بَيَانُ اسْتِحْقَاقٍ وَمِلْكٍ ؛ وَهَذَا مَا لَا جَوَابَ عَنْهُ لِمُنْصِفٍ .
وَأَمَّا الصَّفِيُّ فَحَقٌّ فِي حَيَاتِهِ ، وَقَدْ انْقَطَعَ بَعْدَ مَوْتِهِ إلَّا عِنْدَ أَبِي ثَوْرٍ ، فَإِنَّهُ رَآهُ بَاقِيًا لِلْإِمَامِ ، فَجَعَلَهُ مَجْعَلَ سَهْمِ النَّبِيِّ ، وَهَذَا ضَعِيفٌ ؛

وَالْحِكْمَةُ فِيهِ أَنَّ الْجَاهِلِيَّةَ كَانُوا يَرَوْنَ لِلرَّئِيسِ فِي الْغَنِيمَةِ مَا قَالَ الشَّاعِرُ : لَك الْمِرْبَاعُ مِنْهَا وَالصَّفَايَا وَحُكْمُك وَالنَّشِيطَةُ وَالْفُضُولُ فَكَانَ يَأْخُذُ بِغَيْرِ شَرْعٍ وَلَا دِينٍ الرُّبُعَ مِنْ الْغَنِيمَةِ ؛ وَيَصْطَفِي مِنْهَا ، ثُمَّ يَتَحَكَّمُ بَعْدَ الصَّفِيِّ فِي أَيِّ شَيْءٍ أَرَادَ ، وَكَانَ مَا شَذَّ مِنْهَا لَهُ ، وَمَا فَضَلَ مِنْ خُرْثِيٍّ وَمَتَاعٍ ؛ فَأَحْكَمَ اللَّهُ الدَّيْنَ بِقَوْلِهِ : { وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ } وَأَبْقَى سَهْمَ الصَّفِيِّ لِرَسُولِهِ ، وَأَسْقَطَ حُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ ، وَمَنْ أَحْسَنُ مِنْ اللَّهِ حُكْمًا أَوْ أَوْسَعُ مِنْهُ عِلْمًا .
الْمَسْأَلَةُ الْخَامِسَةُ : ادَّعَى الْمُقَصِّرُونَ مِنْ أَصْحَابِ الشَّافِعِيِّ أَنَّ خُمُسَ الْخُمُسِ كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَصْرِفُهُ : فِي كِفَايَةِ أَوْلَادِهِ وَنِسَائِهِ ، وَيَدَّخِرُ مِنْ ذَلِكَ قُوتَ سَنَتِهِ ، وَيَصْرِفُ الْبَاقِيَ إلَى الْكُرَاعِ وَالسِّلَاحِ ؛ وَهَذَا فَاسِدٌ مِنْ وَجْهَيْنِ : أَحَدُهُمَا أَنَّ الدَّلِيلَ قَدْ تَقَدَّمَ عَلَى أَنَّ الْخُمُسَ كُلَّهُ لِرَسُولِهِ بِقَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : { مَا لِي مِمَّا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ إلَّا الْخُمُسُ ، وَالْخُمُسُ مَرْدُودٌ فِيكُمْ } .
الثَّانِي : مَا ثَبَتَ فِي الصَّحِيح عَنْ مَالِكِ بْنِ أَوْسِ بْنِ الْحَدَثَانِ قَالَ : قَالَ : بَيْنَا أَنَا جَالِسٌ عِنْدَ عُمَرَ أَتَاهُ حَاجِبُهُ يَرْفَأُ ، فَقَالَ : هَلْ لَكَ فِي عُثْمَانَ ، وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَالزُّبَيْرِ ، وَسَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ يَسْتَأْذِنُونَ ؟ قَالَ : نَعَمْ .
فَأَذِنَ لَهُمْ ، فَدَخَلُوا فَسَلَّمُوا وَجَلَسُوا ، ثُمَّ جَلَسَ يَرْفَأُ يَسِيرًا ، ثُمَّ قَالَ : هَلْ لَكَ فِي عَلِيٍّ وَعَبَّاسٍ ؟ قَالَ : نَعَمْ ، فَأَذِنَ لَهُمَا فَدَخَلَا فَسَلَّمَا وَجَلَسَا ، فَقَالَ الْعَبَّاسُ : يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ ، اقْضِ بَيْنِي وَبَيْنَ هَذَا ، وَهُمَا يَخْتَصِمَانِ فِيمَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ بَنِي النَّضِيرِ .
فَقَالَ الرَّهْطُ عُثْمَانُ وَأَصْحَابُهُ : يَا أَمِيرَ ////// جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

ج1.الي اخر/ح4.كتاب : حاشية ابن القيم على سنن أبي داود المؤلف : محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية

أقسام الكتاب/// 1 2 3 4 ////. | جميع الحقوق متاحة لجميع المسلمين     ج1.الي اخر / ح4.كتاب : حاشية ابن القيم على سنن أبي داود المؤلف : مح...